######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007572 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التبيان في أقسام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007572 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7572 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7572 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حامد الفقي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # التبيان في أقسام القرآن # ابن القيم الجوزية # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه ### | ### | فصل # في أقسام القرآن # وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته # المستلزمة لذاته وصفاته وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم ~~آياته فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى {فورب السماء ~~والأرض إنه لحق} وإما على جملة طلبية كقوله تعالى {فوربك لنسألنهم أجمعين ~~عما كانوا يعملون} # PageV01P001 # مع أن هذا قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر وقد يراد به ~~تحقيق القسم # والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ~~ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة ~~المشهورة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا ~~يقسم عليهاV # وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس # وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب ~~لو كثيرا كقوله تعالى {كلا لو تعلمون علم اليقين} وقوله {ولو أن قرآنا سيرت ~~به الجبال أو قطعت به الأرض} {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} {ولو ~~ترى إذا فزعوا فلا فوت} {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} ومثل هذا حذفه من أحسن ~~الكلام لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما فليس في ذكر الجواب ~~زيادة على ما دل عليه الشرط وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا ~~عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم لو رأيت ما جرى يوم ~~كذا # PageV01P002 # بموضع كذا ومنه قوله تعالى {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة ~~لله جميعا وأن الله شديد العذاب} فالمعنى في أظهر الوجهين لو يرى الذين ~~ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال {أن القوة ~~لله جميعا} كما قال تعالى {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} ms001 {ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة} أي لو ترى ذلك الوقت وما فيه # وأما القسم فإن الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم فلا يعيد المقسم ~~عليه لأنه قد عرف ما يحلف عليه فيقول والله إن لي عليه ألف درهم ثم يقول ~~ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده وحق القرآن العظيم ولا يعيد المقسم ~~عليه لأنه قد عرف المراد # والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ~~ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله كقوله ~~{وتالله لأكيدن أصنامكم} وقد نقل ترب الكعبة وأما الواو فكثيرة ### | ### | فصل # # إذا عرف هذا فهو سبحانه يقسم على أصول الإيمان التي يجب # PageV01P003 # على الخلق معرفها تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق ~~وتارة على أن الرسول حق وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال ~~الإنسان فالأول كقوله {والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن ~~إلهكم لواحد} والثاني كقوله {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم إنه لقرآن كريم} وقوله {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة} {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا} إذا جعل ذلك جواب ~~القسم كما هو الظاهر وإن قيل بل الجواب محذوف كان كقوله {ص والقرآن ذي ~~الذكر} فإنه هنا حذف الجواب ومن قال إن الجواب هو قوله {إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار} فقد أبعد النجعة # والقسم على الرسول كقوله {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط ~~مستقيم} إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنه {ن ~~والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا # PageV01P004 # غير ممنون} ومنه {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن ~~الهوى} إلى آخر القصة ومنه قوله {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه ~~لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} وقوله {فلا أقسم بالخنس ~~الجوار الكنس والليل إذا عسعس ms002 والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين} # وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله {والذاريات ذروا ~~فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين ~~لواقع} ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم وما ~~يوعدون ثم قال {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ومثل قوله ~~{والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ~~ذكرا عذرا أو نذرا إنما إنما توعدون لواقع} ومثل {والطور وكتاب مسطور في رق ~~منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما ~~له من دافع} # PageV01P005 # وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى {زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} وقال تعالى {وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} وقال تعالى {ويستنبئونك أحق ~~هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} وهذا لأن المعاد إنما يعلمه عامة ~~الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد يعلمه بالنظر وقد تنازع ~~النظار في ذلك فقالت طائفة أنه لا يمكن علمه إلا بالسمع وهو الخبر وهو قول ~~من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر ~~كما يقوله جهم بن صفوان ومن اتبعه والأشعري وأتباعه وكثير من أهل الكلام في ~~الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم بالصانع فإن الناس ~~متفقون على أنه لا يعلم إلا بالعقل وإن كان ذلك مما نبهت الرسل عليه وصفاته ~~قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضع آخر # وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ~~وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى} الآية ولفظ السعي هو العمل لكن يراد ~~به العمل الذي يهتم به # PageV01P006 # صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فإن كان يفتقر إلى عدو بدنه عدا وإن كان ~~يفتقر إلى جمع أعوانه جمع ms003 وإن كان يفتقر إلى تفرغ له وترك غيره فعل ذلك ~~فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الإعتبار ليس هو مرادفا للفظ العمل كما ظنه ~~طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم به صاحبه ويجتهد فيه ولهذا قال في الجمعة ~~{فاسعوا إلى ذكر الله} وهذه أحسن من قراءة من قرأ "فامضوا إلى ذكر الله" ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ~~وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" فلم ينه ~~عن السعي إلى الصلاة فإن الله أمر بالسعي إليها بل نهاهم أن يأتوا إليها ~~يسعون فنهاهم عن الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو ~~البدن وهو # منهي عنه وأما السعي المأمور به في الآية فهو الذهاب إليها على وجه ~~الإهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره والإقبال بالقلب ~~على السعي إليها وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى { هل لك إلى أن ~~تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر ~~فنادى} فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته فيهم وكذلك قوله # PageV01P007 # {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} هو عمل بهمة واجتهاد ومنه سمى ~~الساعى على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم ومنه قوله {إن سعيكم لشتى} ~~وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني به ليترتب عليه ثواب أو عقاب بخلاف ~~المباحات المعتادة فإنها لم تدخل في هذا السعي قال تعالى {فأما من أعطى ~~واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى} ومنه قوله تعالى {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن} وقوله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} ~~. ### | ### | فصل # # وأقسم على صفة الإنسان بقوله {والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات ~~صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسان لربه لكنود} وأقسم على عاقبته ~~وهو قسم على الجزاء في قوله {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ms004 وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وفي قوله {والتين والزيتون # PageV01P008 # وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه ~~أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} # وحذف جواب القسم لأنه قد علم بأنه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ~~ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول ~~الذي جاء به ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به ومتى ~~ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به # والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم به وأنه مما يحلف ~~به كقول النبي من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولكن هذا يذكر معه الفعل ~~دون مجرد حرف القسم كقولك فلان يحلف بالله وحده وأنا أحلف بالخالق لا ~~بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان أكذب ما يكون إذا ~~حلف بالله # وقد يكون هذا النوع بحرف القسم مجردا كما في الحديث كانت أكثر يمين رسول ~~الله:" لا ومقلب القلوب" # PageV01P009 # وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينه قال والله الذي لا إله إلا هو وتارة ~~يحذف الجواب وهو مراد إما لكونه قد ظهر وعرف إما بدلاله الحال كمن قيل له ~~كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا ~~إذا كان في نفس المقسم به ما يدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فإن ~~المقصود يحصل بذكر المقسم به فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن ~~يقسم على أن الرسول حق فقال والذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده ~~بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر ~~الجواب استغناء عنه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على ~~التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد ms005 أن يقسم على ~~علوه فوق عرشه فقال والذي استوى على عرشه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب ~~وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك وكذلك من حلف لشخص ~~أنه يحبه ويعظمه فقال والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومهابتك ونظائر ذلك ~~لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم به ما يدل على المقسم عليه فمن هذا ~~قوله تعالى {ص والقرآن ذي الذكر} فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه ~~بأنه ذي الذكر المتضمن # PageV01P010 # لتذكير العباد ما يحتاجون إليه وللشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه ~~وكونه حقا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من ~~المفسرين متقدميهم ومتأخريهم إن الجواب محذوف تقديره إن القرآن لحق وهذا ~~مطرد في كل ما شأنه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى {كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن} فاعترض بين القسم وجوابه بقوله {بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق} فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول والله كم أنفقت مالا ~~وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما ~~يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال الجواب في قوله ~~{إن كل إلا كذب الرسل} وأبعد منه قول من قال الجواب {إن هذا لرزقنا ما له ~~من نفاد} وأبعد منه قول من قال الجواب قوله {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ~~وأقرب ما قيل في الجواب لفظا وإن كان بعيدا معنى عن قتاده وغيره إنه في ~~قوله {بل الذين كفروا} كما قال {ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم} وشرح صاحب النظم هذا القول فقال معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار ~~كإن الشديدة في تثبيت ما بعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنه # PageV01P011 # يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنه عز ~~وجل قال {ص والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا في عزة وشقاق} ms006 كما تقول والله ~~إن زيدا لقائم قال واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية ~~فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عز وجل لما بينا من ~~احتمال أن تكون بل بمعنى أن اه # وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن ~~لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن ~~الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال أصل الكلام {بل الذين كفروا في عزة وشقاق} ~~{والقرآن ذي الذكر} فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش وهذا يقوله ~~الكوفيون وليس يجيد في العربية لو قلت والله قام وأنت تريد قام والله لم ~~يحسن وقال النحاس هذا خطأ على مذهب النحويين لأنه إذا ابتدأ بالقسم وكان ~~الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنه لا يجوز والله قام ~~عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الأخفش وجها ~~آخر في جواب القسم فقال يجوز ن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لا ندري نحن ~~ما هو كأنه يقول الحق والله # PageV01P012 # قال أبو الحسن الواحدي وهذا الذي قاله الأخفش صحيح المعنى على قول من ~~يقول ص الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ص جواب ~~القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله والقرآن وذكر ~~النحاس وغيره وجها آخر في الجواب وهو أنه محذوف تقديره والقرآن ذي الذكر ~~فالأمر كما يقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى {بل الذين ~~كفروا} وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قول قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل ~~رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر ما قبله وما بعده دليل على ما قبله ~~فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله {بل الذين كفروا في ~~عزة وشقاق} مخالفا لهذا المضمر فكأنه قيل والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا ~~يزعمون أنهم على الحق أو ms007 كل ما في هذا المعنى فهذه ستة أوجه سوى ما بدأنا ~~به في جواب القسم والله أعلم # ونظير هذا قوله تعالى {ق والقرآن المجيد بل عجبوا} قيل جواب القسم قد ~~علمنا وقال الفراء محذوف دل عليه قوله أإذا متنا أي لتبعثن وقيل قوله بل ~~عجبوا كما تقدم بيانه # PageV01P013 ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة} فقد تضمن ~~الأقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن ~~والمعاد وهو سبحانه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير ~~لحاجة النفوس إلى معرفتهما والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليها كما قال ~~تعالى {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} وقال تعالى {وقال الذين ~~كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} وقال تعالى {زعم الذين كفروا ~~أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} ~~فهذه ثلاثة مواضع لا رابع لها يأمر نبيه أن يقسم على ما أقسم عليه هو ~~سبحانه من النبوة والقرآن والمعاد # فأقسم سبحانه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهين القطعية ~~على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذيبا # واختلف في النفس المقسم بها ههنا هل هي خاصة أو عامة على # PageV01P014 # قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس كل نفس تلوم ~~نفسها يوم القيامة يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا ويلوم المسيء ~~نفسه أن لا يكون رجع عن إساءته واختاره الفراء قال ليس من نفس برة ولا ~~فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت خيرا وإن كانت ~~عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل # والقول الثاني أنها خاصة قال الحسن هي النفس المؤمنة وأن المؤمن والله لا ~~تراه إلا يلوم نفسه على كل حالة لأنه يستقصرها في كل ما تفعل فيندم ويلوم ~~نفسه وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه # والقول الثالث أنها النفس الكافرة وحدها قاله قتاده ومقاتل ms008 وهي النفس ~~الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله # قال شيخا والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقا فإن نفس كل إنسان لوامة ~~كما أقسم بجنس النفس في قوله {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} فإنه ~~لا بد لكل إنسان أن يلوم نفسه أو # PageV01P015 # غيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كما قال ~~تعالى {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين} وقال ~~تعالى { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فهذا اللوم غير محمود ~~وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى أتلومني على أمر قدره الله علي قبل ~~أن أخلق فحج آدم موسى فهو سبحانه # PageV01P016 # يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله {إن الإنسان لربه لكنود} وعلى جزائها ~~كقوله {فوربك لنسألنهم أجمعين} وعلى تباين عملها كقوله {إن سعيكم لشتى} وكل ~~نفس لوامة فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة ~~والنفس الشقية بالضد من ذلك وجمع سبحانه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم ~~القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانه بكونها لوامة على شدة ~~حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ورشدها ~~إليه ويلهمها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له ~~لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنها متلومة مترددة لا تثبت على حال ~~واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفها ما هو أنفع لها في معاشها ومعادها فتؤثرة ~~وتلوم نفسها عليه إذا # PageV01P017 # فاتها فتتوب منه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومها في ~~القيامة لنفسها عليه لوما بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه ففي ~~صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن وأنها لا غنى ~~لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونه البتة ولما كان يوم معادها هو محل ظهور ~~هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينهما في الذكر. ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والشمس وضحاها والقمر إذا ms009 تلاها والنهار إذا جلاها ~~والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها} قال الزجاج وغيره جواب القسم {قد أفلح من زكاها} ~~ولما طال الكلام حسن حذف اللام من الجواب # وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها ~~والأرض وطاحيها والنفس ومسويها # وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع ~~الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمه وقدرته وحكمته وتوحيده ولما كانت ~~حركة الشمس والقمر والليل # PageV01P018 # والنهار أمرا يشهد الناس حدوثه شيئا فشيئا ويعلمون أن الحادث لا بد له من ~~محدث كان العلم بذلك منزلا منزلة ذكر المحدث له لفظا فلم يذكر الفاعل في ~~الأقسام الأربعة # ولهذا سلك طائفة من النظار طريق الإستدلال بالزمان على الصانع وهو ~~استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع كقوله {إن في خلق السموات ~~والأرض لآيات لأولي الألباب} # ولما كانت السماء والأرض ثابتتين حتى ظن من ظن أنهما قديمتان ذكر مع ~~الأقسام بهما بانيهما ومبدعهما وكذلك النفس فإن حدوثها غير مشهود حتى ظن ~~بعضهم قدمها فذكر مع الأقسام بها مسويها وفاطرها مع ما في ذكر بناء السماء ~~وطحو الأرض وتسوية النفس من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق ~~فإن بناء السماء يدل على أنها كالقبة العالية على الأرض وجعلها سقفا لهذا ~~العالم والطحو هو مد الأرض وبسطها وتوسيعها ليستقر عليها الأنام والحيوان ~~ويمكن فيها البناء والغراس والزرع وهو متضمن لنضوب الماء عنها وهو مما حير ~~عقول الطبائعيين حيث كان مقتضى الطبيعة أن يغمرها كثرة الماء فيروز جانب ~~منها على الماء على خلاف مقتضى الطبيعة وكونه هذا الجانب المعين دون غيره ~~مع استواء الجوانب في الشكل الكري يقتضي تخصيصا فلم يجدوا بدا أن يقولوا ~~عناية الصانع اقتضت ذلك قلنا فنعم إذا ولكن عناية من لا مشيئة له ولا إرادة ~~ولا اختيار ولا علم بمعين أصلا كما تقولونه فيه # PageV01P019 # محال فعنايته تقتضي ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وأنه الفاعل يفعل ~~باختياره ما ms010 يريد. # وكذلك النفس أقسم بها وبمن سواها وألهمها فجورها وتقواها فإن من الناس من ~~يقول قديمة لا مبدع لها ومنهم من يقول بل هي التي تبدع فجورها وتقواها فذكر ~~سبحانه أنه هو الذي سواها وأبدعها وأنه هو الذي ألهمها الفجور والتقوى ~~فأعلمنا أنه خالق نفوسا وأعمالها وذكر لفظ التسوية كما ذكره في قوله {ما ~~غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك} وفي قوله {فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي} إيذانا بدخول البدن في لفظ النفس كقوله {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} ~~وقوله {فسلموا على أنفسكم} {ولا تقتلوا أنفسكم} {لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} ونظائره وباجتماع الروح مع البدن تصير ~~النفس فاجرة أو تقية وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها # وقوله {قد أفلح من زكاها} الضمير مرفوع في زكاها عائد على من وكذلك هو في ~~دساها المعنى قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها هذا القول هو الصحيح ~~وهو نظير قوله {قد أفلح من تزكى} وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علقه # PageV01P020 # بفعل المفلح كقوله {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} إلى آخر ~~الآيات وقوله {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} وقوله {إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم ~~المفلحون} ونظائره قال الحسن قد أفلح من زكى نفسه وحملها على طاعة الله وقد ~~خاب من أهلكها وحملها على معصية الله وقاله قتادة وقال ابن قتيبة يريد أفلح ~~من زكى نفسه أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد ~~خاب من دساها أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا ~~خفي المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس فكأن المتصف بارتكاب الفواحش ~~دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل ~~الربى ويفاع الأرض لتشهر أنفسها ms011 للمنتفعين وتوقد النيران في الليل # PageV01P021 # للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنها على ~~الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وأولئك أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد: # وبوأت بيتك في معلم ... رحيب المباحات والمسرح # كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح # وقال أبو العباس سألت ابن الأعرابي عن قوله {وقد خاب من دساها} فقال دسى ~~معناه دس نفسه مع الصالحين وليس منهم وعلى هذا فالمعنى أخفى نفسه في ~~الصالحين يرى الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وقال ~~طائفة أخرى الضمير يرجع إلى الله سبحانه قال ابن عباس في رواية عطاء قد ~~أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي وسعيد ابن ~~جبير ومقاتل قالوا سعدت نفس وأفلحت نفس أصلحها الله وطهرها ووفقها للطاعة ~~حتى عملت بها وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها وأبطلها وأهلكها # قال أرباب هذا القول قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على ~~وحدانيته وعلى فلاح من طهره وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي ~~يتولى تطهير نفسه وإهلاكها # PageV01P022 # بالمعصية من غير قدر سابق وقضاء متقدم قالوا وهذا أبلغ في التوحيد الذي ~~سيقت له هذه السورة قالوا ويدل عليه قوله {فألهمها فجورها وتقواها} قالوا ~~ويشهد له حديث نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت إنتبهت نفسي ليلة فوجدت رسول الله وهو يقول رب أعطي نفسي تقواها ~~وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها قالوا فهذا الدعاء هو تأويل ~~الآية بدليل الحديث الآخر أن النبي كان إذا قرأ {قد أفلح من زكاها} وقف ثم ~~قال اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وزكها أنت خير من زكاها قالوا ~~وفي هذا ما يبين أن الأمر كله له سبحانه فإنه هو خالق النفس وملهمها الفجور ~~والتقوى وهو مزكيها ومدسيها فليس للعبد في الأمر شيء ولا هو مالك من أمر ~~نفسه شيئا. # قال أرباب القول الأول هذا القول وإن كان جائزا في ms012 العربية حاملا للضمير ~~المنصوب على معنى من وإن كان لفظها مذكرا كما في قوله {ومنهم من يستمعون ~~إليك} جمع الضمير وإن # PageV01P023 # كان لفظ من مفردا حملا على نظمها فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر ~~الضمائر وههنا قد تقدم لفظ من والضمير المرفوع في زكاها يستحقه لفظا ومعنى ~~فهو أولى به ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظا ومعنى ~~فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه وأما عود الضمير الذي ~~يلي من على الموصول السابق وهو قوله {ونفس وما سواها} وإخلاء جاره الملاصق ~~له وهو من ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على من ولفظه مذكر دون النفس ~~المؤنثة فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه فأما إذا كان سياق ~~الكلام ونظمه يقتضي خلافه ولم تدع الضرورة إليه فالحمل عليه ممتنع # قالوا والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه # أحدها أن فيه إشارة إلى ما تقدم من تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره ~~كما هي طريقة القرآن الثاني أن فيه زيادة فائدة وهي إثبات فعل العبد وكسبه ~~وما يثاب وما يعاقب عليه وفي قوله {فألهمها فجورها وتقواها} إثبات القضاء ~~والقدر السابق فتضمنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين وهما كثيرا ما يقترنان ~~في القرآن كقوله {إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله} ~~وقوله {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ~~فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية # PageV01P024 # الثالث أن قولنا يستلزم قولكم دون العكس فان العبد إذا زكى نفسه ودساها ~~فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته وإنما يدسيها بعد تدسية ~~الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه بخلاف ما إذا كان المعنى على ~~القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر البتة ### | ### | فصل # # وذكر في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخنا هذا ~~والله أعلم من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنه لم ms013 يكن في الأمم ~~المكذبة أخف ذنبا وعذابا منهم إذ لم يذكر عنهم من الذنوب ما ذكر عن عاد ~~ومدين وقوم لوط وغيرهم ولهذا لما ذكرهم وعادا قال {فأما عاد فاستكبروا في ~~الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى} وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما ذكر عن أولئك من ~~التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان والفساد في ~~الأرض كما في سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان ~~الفاحشة التي لم # PageV01P025 # يسبقوا إليها وفي قوم عاد مع الشرك التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا ~~وشدة البطش وقولهم {من أشد منا قوة} وفي أصحاب مدين مع الشرك الظلم في ~~الأموال وفي قوم فرعون مع الشرك الفساد في الأرض والعلو وكان عذاب كل أمة ~~بحسب ذنوبهم وجرائمهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم ~~لها شيء وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم فجمع لهم بين ~~الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل ~~عاليها سافلها والخسف بهم إلى أسفل سافلين وعذب قوم شعيب بالنار التي ~~أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان وأما ثمود ~~فأهلكوا بالصيحة فماتوا في الحال فإذا كان عذاب هؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر ~~الناقة التي جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ~~ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا ومن اعتبر أحوال العالم ~~قديما وحديثا وما يعاقب به من سعي في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق ~~وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين ~~آمنوا وكانوا يتقون # قلت وقد يظهر في تخصيص ثمود ههنا بالذكر دون غيرهم معنى آخر وهو أنهم ~~ردوا الهدى بعد ما تيقنوه وكانوا مستبصرين به قد # PageV01P026 # ثلجت له صدورهم واستيقظت له أنفسهم فاختاروا عليه العمى ms014 والضلالة كما قال ~~تعالى في وصفهم {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} وقال { ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة} أي موجبة لهم التبصرة واليقين وإن كان جميع ~~الأمم المهلكة هذا شأنهم فان الله لم يهلك أمة إلا بعد قيام الحجة عليها ~~لكن خصت ثمود من ذلك الهدى والبصيرة بمزيد ولهذا لما قرنهم بقوم عاد قال ~~{فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة} ثم قال ~~{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} ولهذا أمكن عادا المكابرة ~~وأن يقولوا لنبيهم { ما جئتنا ببينة} ولم يمكن ذلك ثمود وقد رأوا البينة ~~عيانا وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر فردوا الهدى بعد تيقنه والبصيرة ~~التامة فكان في تخصيصهم بالذكر تحذير لكل من عرف الحق ولم يتبعه وهذا داء ~~أكثر الهالكين وهو أعم الأدواء وأغلبها على أهل الأرض والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل ~~في ذلك قسم لذي حجر} قيل جوابه # PageV01P027 # {إن ربك لبالمرصاد} وهذا ضعيف لوجهين أحدهما طول الكلام والفصل بين القسم ~~وجوابه بجمل كثيرة والثاني قوله {إن ربك لبالمرصاد} ذكر لتقرير عقوبة الله ~~الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا ومحذرا {إن ~~ربك لبالمرصاد} فلا ترى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال إن ~~الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة ~~وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك ~~عبودية محضة لله وذل وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف به عادا وثمود وفرعون من ~~العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا ~~وتكبروا عن أمر ربهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ~~قال ما من أيام للعمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قيل يا ~~رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل ms015 ~~خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل ~~أن يقسم الرب عز وجل به # {والفجر} إن أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمن وقت صلاة ~~الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم # PageV01P028 # بما يتضمن أول الصلوات وختمه بقوله {والليل إذا يسر} المتضمن لآخر ~~الصلوات وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة ~~عرفة فتلك الليلة من أفضل ليالي العام وما رؤى الشيطان في ليلة أدحر ولا ~~أحقر ولا أغيظ منه فيها وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند ~~الله كما ثبت عن النبي أنه قال أفضل الأيام عند الله يوم النحر رواه أبو ~~داود بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح ~~البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{أن الله بريء من المشركين ورسوله} وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف ~~بالبيت عريان ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا يوم عرفة وذلك ~~بأمر رسول الله امتثالا وتأويلا للقرآن # وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله ~~والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام {قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} وقيل لخاتم الرسل {فصل لربك وانحر} ~~بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لا يعبدون الله وحده بل يشركون به ~~ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون # PageV01P029 # وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام {والشفع والوتر} إذ هذه الشعائر المعظمة ~~منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة شفع ~~والبيت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما الأعمال فالطواف ~~وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ذلك سبع ~~سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر والوتر ~~يوتر الشفع ms016 فتكون كلها وترا كما قال النبي صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت ~~الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر ويوم ~~النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن إبن عباس الوتر آدم وشفع ~~بزوجته حواء وقال في رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر الله وحده وعنه ~~رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث وقال عمران ابن حصين ~~وقتادة الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا مرفوعا وقال عطية العوفي ~~الشفع الخلق قال الله تعالى {وخلقناكم أزواجا} والوتر هو الله وهذا قول ~~الحكم قال كل شيء شفع والله وتر وقال أبو صالح خلق الله من كل شيء زوجين ~~إثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق وقال الحسن الشفع والوتر العدد ~~كله # PageV01P030 # من شفع ووتر وقال ابن زيد الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل ~~الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة # وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين أحدهما أن الشفع ~~والوتر نوعان للمخلوقات والمأمورات والثاني أن الوتر الخالق والشفع المخلوق ~~وعلى هذا القول فيكون قد جمع في القسم بين الخالق والمخلوق فهو نظير ما ~~تقدم في قوله {والشمس وضحاها} ونظير ما ذكر في قوله # {وشاهد ومشهود} وما ذكر في قوله {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما ~~خلق الذكر والأنثى} وقال ههنا {والليل إذا يسر} وفي سورة المدثر أقسم ~~بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس وقد فسر بأقبل وفسر ~~بأدبر فإن كان المراد إقباله فقد أقسم بأحوال الليل الثلاثة وهي حالة ~~إقباله وحالة امتداده وسريانه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه ~~سبحانه # وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر الليالي العشر لأنها إنما تعرف ~~بالعلم وأيضا فإن التنكير تعظيم لها فإن التنكير يكون للتعظيم # PageV01P031 # وفي تعريف الفجر ما يدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا ~~يجهله. # فلما تضمن هذا القسم ما جاء ms017 به إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان ~~في ذلك ما دل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى {هل في ذلك ~~قسم لذي حجر} فإن عظمة هذا المقسم به يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى حجر بحجر ~~صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصاب ~~من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود # ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين ~~الطاغين ثم أخبر أنه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا ~~من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولا ثبات # ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم وأخبر أن توسعته على من ~~وسع عليه وإن كان إكراما له في الدنيا فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل ~~على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره على من قتر عليه لا يدل ~~على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء ~~وامتحانا فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانه هو يبتلى عبده # PageV01P032 # بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى ~~وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعمه ونقمه سبحانه. # وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله وهم هؤلاء الأمم ~~الثلاثة قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم ~~وبساتينهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والرياسة فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله ~~علينا وهذا شأنه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لا بد أن يفسده عليه ~~ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منه كاليتيم ~~والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض على طعام هذا ثم ذكر حرصه على جمع المال ~~وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين. # ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وما تؤول ~~إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من ~~شدة عذابه ms018 ووثاقه ### | ### | فصل # # وأما سورة {لا أقسم بهذا البلد} فذكر فيها جواب القسم وهو قوله {لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد} وفسر الكبد بالاستواء وانتصاب القامة قال ابن عباس ~~في رواية مقسم منتصبا على # PageV01P033 # قدميه وهذا قول أبي صالح والضحاك وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بن شداد قال ~~المنذر سمعت أبا طالب يقول الكبد الاستواء والاستقامة وفسر بالنصب هذا قول ~~مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ورواية عن علي وعن ابن عباس قال الحسن لم يخلق ~~الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وقال سعيد بن أبي الحسن يكابد مصائب ~~الدنيا وشدائد الآخرة وقال قتادة يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلقاه إلا ~~في مشقة وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال يعني حمله وولادته ورضاعه ~~وفصاله ونبت أسنانه وحياته ومعاشه ومماته كل ذلك شدة قال مجاهد حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها ومعيشته في شدة فهو يكابد ذلك وعلى هذا فالكبد من مكابدة ~~الأمر وهي معاناة شدته ومشقته والرجل يكابد الليل إذا قاسى هو له وصعوبته ~~والكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ومنه الكبد لأنها دم يغلظ ~~ويشتد وانتصاب القامة والاستواء من ذلك لأنه إنما يكون عن قوة وشدة فإن ~~الإنسان مخلوق في شدة بكونه في الرحم ثم في القماط والرباط ثم هو على خطر ~~عظيم عند بلوغه # PageV01P034 # حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنهي ثم مكابدة الموت وما بعده في ~~البرزخ وموقف القيامة ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة # وفسر الكبد بشدة الخلق وإحكامه وقوته ومنه قول لبيد: # يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد # أي في شدة وعناء وهذا يشبه قوله تعالى {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} قال ~~ابن عباس أي خلقهم وقال أبو عبيدة الأسر شدة الخلق يقال فرس شديد الأسر قال ~~وكل شيء شددته من قتب أو غير فهو مأسور وقال المبرد الأسر القوى كلها وقال ~~الليث:" الأسر قوة المفاصل والأوصال وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه ms019 وكل شيء ~~جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر" وقال الحسن شددنا أوصالهم بعضها إلى ~~بعض بالعروق والعصب وقال مجاهد هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج ~~الأذى تقبضا # والمقصود أنه سبحانه أقسم في سورة البلد على حال الإنسان وأقسم سبحانه ~~بالبلد الأمين وهو مكة أم القرى # ثم أقسم بالوالد وما ولد وهو آدم وذريته في قول جمهور المفسرين وعلى هذا ~~فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل # PageV01P035 # السكان فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم وقوله {وأنت حل بهذا ~~البلد} فيه قولان أحدهما أنه من الاحلال وهو ضد الإحرام والثاني أنه من ~~الحلول وهو ضد الظعن فإن أريد به المعنى الأول فهو حلال ساكن البلد بخلاف ~~المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع ولأن أمنه إنما تظهر به النعمة عند الحل من ~~الإحرام وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان والحرمة هناك للفعل لا للمكان ~~والمقصود هو ذكر حرمة المكان وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما ~~يقتضي أمنه ولكن على هذا ففيه تنبيه فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان ~~فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن وكذلك إذا أريد المعنى الثاني وهو ~~الحلول فهو متضمن لهذا التعظيم مع تضمنه أمرا آخر وهو الاقسام ببلده ~~المشتمل على رسوله وعبده فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد فجعل ~~بيته هدى للناس ونبيه إماما وهاديا لهم وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه ~~كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته فمن اعتبر حال بيته وحال ~~نبيه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية # وفي الآية قول ثالث وهو أن المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد ~~الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني وقد استحل قومك فيه حرمتك وهم ~~لا يعضدون به # PageV01P036 # شجرة ولا ينفرون به صيدا وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد وعلى كل حال فهي ~~جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه # فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله # ثم أنكر سبحانه ms020 على الإنسان ظنه وحسبانه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا ~~الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور فإن الذي خلقه كذلك أولى ~~بالقدرة منه وأحق فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادرا في نفسه فهذا برهان ~~مستقل بنفسه مع أنه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك ~~بقوله {أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} وبقوله {أيحسب أن لم يره أحد} فيحصى ~~عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه # ثم أنكر سبحانه على الإنسان قوله {يقول أهلكت مالا لبدا} وهو الكثير الذي ~~يلبد بعضه فوق بعض فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه إذ لو ~~أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكا له ~~بل تقربا به إلى الله وتوصلا به إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاك له فأنكر ~~سبحانه افتخاره وتبجحه بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقه فيها ~~إهلاك له. # PageV01P037 # ثم وبخه بقوله {أيحسب أن لم يره أحد} وأتى ههنا بلم الدالة على المضي في ~~مقابلة قوله {يقول أهلكت مالا لبدا} فإن ذلك في الماضي أفيحسب أن لم يره ~~أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه # ثم ذكر برهانا مقدرا أنه سبحانه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له ~~عينان يبصر بهما فكيف يعطيه البصر من لم يره وكيف يعطيه آلة البيان من ~~الشفتين واللسان فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينهى من لا يتكلم ولا يكلم ~~ولا يخاطب ولا يأمر ولا ينهى وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه ~~ومن جعل غيره عالما بنجدى الخير والشر وهما طريقاهما أليس هو أولى وأحق ~~بالعلم منه ومن هداه إلى هذين الطريقين كيف يليق به أن يتركه سدى لا يعرفه ~~ما يضره وما ينفعه في معاشه ومعاده وهل النبوة والرسالة إلا لتكميل هداية ~~النجدين فدل هذا كله على إثبات الخالق وصفات كماله وصدق رسله ووعده # وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم ms021 إلى آخرهم إذا ~~تأمل الإنسان حاله وخلقه وجده من أعظم الأدلة على صحتها وثبوتها فتكفي ~~الإنسان فكرته في نفسه وخلقه والرسل بعثوا مذكرين بما في الفطر والعقول ~~مكملين له لتقوم على العبد حجة الله بفطرته ورسالته ومع هذا فقامت عليه ~~حجته ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربه التي لا يصل إليها حتى يقتحمها ~~بالإحسان # PageV01P038 # إلى خلقه بفك رقبة وهو تخليصها من الرق ليخلصه الله من رق نفسه ورق عدوه ~~وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة وبالإخلاص له سبحانه بالإيمان الذي ~~هو خالص حقه عليه وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن ~~يوصيه بالبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها فيكون صابرا رحيما في نفسه ~~معينا لغيره على الصبر والرحمة فمن لم يقتحم هذه العقبة وهلك دونها هلك ~~منقطعا عن ربه غير واصل إليه بل محجوبا عنه # والناس قسمان ناج وهو من قطع العقبة وصار وراءها وهالك وهو من دون العقبة ~~وهم أكثر الخلق ولا يقتحم هذه العقبة إلا المضمرون فإنها عقبة كؤود شاقة لا ~~يقطعها إلا خفيف الظهر وهم أصحاب الميمنة والهالكون دون العقبة الذين لم ~~يصدقوا الخبر ولم يطيعوا الأمر فهم {أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة} # قد أطبقت عليهم فلا يستطيعون الخروج منها كما أطبقت عليهم أعمال الغى ~~والاعتقادات الباطلة المنافية لما أخبرت به رسله فلم تخرج قلوبهم منها كذلك ~~أطبقت عليهم هذه النار فلم تستطع أجسامهم الخروج منها # فتأمل هذه السورة على اختصارها وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان ~~وبالله التوفيق # وأيضا فإن طريقة القرآن بذكر العلم والقدرة تهديدا وتخويفا # PageV01P039 # لترتب الجزاء عليهما كما قال تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم} وقوله تعالى {أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان ~~على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى} وقوله ~~تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وقال {أم يحسبون أنا ~~لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} وهذا ms022 كثير جدا في القرآن ~~وليس المراد به مجرد الأخبار بالقدرة والعلم لكن الأخبار مع ذلك بما يترتب ~~عليهما من الجزاء وبالعدل فانه إذا كان قادرا أمكن مجازاته وإذا كان عالما ~~أمكن ذلك بالقسط والعدل ومن لم يكن قادرا لم يمكن مجازاته وإذا كان قادرا ~~لكنه غير عالم بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها لم يجاز بالعدل والرب تعالى ~~موصوف بكمال القدرة وكمال العلم فالجزاء منه موقوف على مجرد مشيئته وإرادته ~~فحينئذ يجب على العاقل أن يطلب النجاة منه بالإخلاص والاحسان فهو اقتحام ~~العقبة المتضمن للتوبة إلى الله تعالى والإحسان إلى خلقه # وقال {فلا اقتحم العقبة} وهو فعل ماض ولم يكرر معه لا إما استعمالا لأداة ~~لا كاستعمال ما وإما إجراء لهذا الفعل مجرى الدعاء نحو فلا سلم ولا عاش ~~ونحو ذلك وإما لأن # PageV01P040 # العقبة قد فسرت بمجموع أمور فاقتحامها فعل كل واحد منها فأغنى ذلك عن ~~تكريرها فكأنه قال فلا فك رقبة ولا أطعم ولا كان من الذين آمنوا # وقراءة من قرأ {فك رقبة} بالفعل كأنها أرجح من قراءة من قرأها بالمصدر ~~لأن قوله {وما أدراك ما العقبة} على حد قوله {وما أدراك ما الحاقة} {وما ~~أدراك ما يوم الدين} {وما أدراك ما هيه نار حامية} ونظائره تعظيما لشأن ~~العقبة وتفخيما لأمرها وهي جملة اعتراض بين المفسر والمفسر فإن قوله {فك ~~رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان ~~من الذين آمنوا} تفسير لاقتحام العقبة مكان شاق كؤود يقتحمه الناس حتى ~~يصلوا إلى الجنة واقتحامه بفعل هذه الأمور فمن فعلها فقد اقتحم العقبة ويدل ~~على ذلك قوله تعالى {ثم كان من الذين آمنوا} وهذا عطف على قوله {فك رقبة} ~~والأحسن تناسب هذه الجمل المعطوفة التي هي تفسير لما ذكر أولا # وأيضا فإن من قرأها بالمصدر المضاف فلا بد له من تقدير وهو ما أدراك ما ~~اقتحام العقبة واقتحامها فك رقبة وأيضا فمن قرأها بالفعل فقد طابق بين ~~المفسر وما فسره ومن قرأها بالمصدر فقد ms023 # PageV01P041 # طابق بين المفسر وبعض ما فسره فإن التفسير ان كان لقوله اقتحم طابقه ~~لقوله {ثم كان من الذين آمنوا} وما بعده دون {فك رقبة} وما يليه وإن كان ~~لقوله العقبة طابقة {فك رقبة أو إطعام} دون قوله {ثم كان من الذين آمنوا} ~~وما بعده وإن كانت المطابقة حاصلة معنى فحصولها لفظا ومعنى أتم وأحسن # واختلف في هذه العقبة هل هي في الدنيا أو في الآخرة فقالت طائفة العقبة ~~ههنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر وحكوا ذلك ~~عن الحسن ومقاتل قال الحسن عقبة والله شديدة مجاهدة الإنسان نفسه وهواه ~~وعدوه والشيطان وقال مقاتل هذا مثل ضربه الله يريد أن المعتق رقبة والمطعم ~~اليتيم والمسكين يقاحم نفسه وشيطانه مثل أن يتكلف صعود العقبة فشبه المعتق ~~رقبة في شدته عليه بالمكلف صعود العقبة وهذا قول أبي عبيدة وقالت طائفة بل ~~هي عقبة حقيقة يصعدها الناس قال عطاء هي عقبة جهنم وقال الكلبي هي عقبة بين ~~الجنة والنار وهذا قول مقاتل إنها عقبة جهنم وقال مجاهد والضحاك هي الصراط ~~يضرب على جهنم وهذا لعله قول الكلبي وقول هؤلاء أصح نظرا وأثرا ولغة قال ~~قتادة فإنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله وفي أثر معروف إن بين أيديكم ~~عقبة كؤودا لا يقتحمها إلا المخفون أو نحو هذا وأن الله سمى الإيمان به ~~وفعل ما أمر وترك ما نهى عقبة # PageV01P042 # فكثيرا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض ~~الصحابة وقد حضره الموت فجعل يبكي ويقول مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود ~~أهبط منها إما إلى جنة وإما إلى نار فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار ~~السلفية والمألوف من عادة القرآن في استعماله وما أدراك في الأمور الغائبة ~~العظيمة كما تقدم والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك أقسامه {والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين} فأقسم ~~سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب ~~الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين ~~المعروفتين ms024 ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتونا وتينا ~~وقد قال جماعة من المفسرين أنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان ~~العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له وهو على ~~مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل ~~الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال # PageV01P043 # ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر ~~الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل ~~رطبا ويابسا وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده ~~يخرج ثمرا يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء ~~وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه ~~لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مرادا فإن منبت هاتين ~~الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الأقسام قد ~~تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن ~~مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه ~~عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه # ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم ~~وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى ~~بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير ~~هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور ~~سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن ~~عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة ~~محمد وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء # PageV01P044 # الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد وعليهما ~~بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل ~~حكم الحس ذكر ذلك مطابقا للواقع ms025 ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم ~~العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الإنسان ونهايته فقال ~~{لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل ~~القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير ~~الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى ~~في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات ~~الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرا في ~~القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ ~~والمعاد # وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته ~~بخلقه بأن أرسل منها رسلا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه ~~عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه # ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ~~ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم # PageV01P045 # المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو ~~العالية قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه هي النار بعضها أسفل من بعض ~~وقالت طائفة منهم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر وهو ~~مروى عن ابن عباس والصواب القول الأول لوجوه أحدها أن أرذل العمر لا يسمى ~~أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان ~~الفجار كما أن عليين مكان الأبرار الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر ~~بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر ~~الثالث أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره ~~منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصا بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين ~~الرابع أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم ~~فقال {ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم ~~شيئا} فجعلهم قسمين قسما ms026 متوفى قبل الكبر وقسما مردودا إلى أرذل العمر ولم ~~يسمه أسفل سافلين الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء ~~المؤمنين وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء ~~الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرا غير ممنون السادس أن قول من فسره ~~بأرذل العمر # PageV01P046 # يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمر ~~محسوس فيكون قد ترك الأخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن امر يعرف بالحس ~~والمشاهدة وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها السابع ~~أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ~~ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن ~~وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب ~~المقصود إثباته والاستدلال عليه الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى ~~مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن ~~الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس وإن قالوا إن ~~من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم ~~من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل اعمالهم إذا ردوا إلى ~~أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن ~~كان حقا فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب ~~هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة ~~القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر وهذا ضعيف من ~~وجهين أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم وأنه لا دليل على # PageV01P047 # ما ادعوه وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم # التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه ~~النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ ~~من هذه الدار ms027 إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها ~~إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح ~~الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران ~~نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى {فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين ~~والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا ~~والله أعلم. # وقوله غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب ~~وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ~~ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام ~~النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعا أتى ~~أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من ~~أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منه # PageV01P048 # المخلوق على المخلوق وأما منه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ~~ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة قال تعالى {يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} ~~وقال تعالى {ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم} ~~فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى {ولقد مننا عليك ~~مرة أخرى} وقال أهل الجنة {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} وقال تعالى ~~{لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} الآية وقال {ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} الآية وفي الصحيح أن النبي قال ~~للأنصار ألم اجدكم ضلالا فهداكم الله بي ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي ~~فجعلوا يقولون له الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل ~~المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت ~~منه المخلوق ms028 لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما ~~منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا ~~والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن ~~يقال # PageV01P049 # إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا ~~إلا من أبطل الباطل # فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ~~ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم ~~فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا ~~وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا ~~أيضا هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه ~~وقد قال أعلم الخلق بالله لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا ~~رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل \ح\ فأخبر أن ~~دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنه ~~سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان ~~بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد عليه بحيث إذا ~~وفاه إياه لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منه في شيء # فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه ~~أن لا يعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقا عليه # PageV01P050 # نصر المؤمنين قيل لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه ~~حقا بحكم وعده لصادق أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام ~~منته فإنه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته ~~اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه: # ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ms029 ولا سعى لديه ضائع # إن عذبوا فبعد له أو نعموا ... فبفضله فهو الكريم الواسع # وقوله سبحانه {فما يكذبك بعد بالدين} أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي ~~فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول إنك لا تبعث ~~ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن ~~يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك ~~الأول وأيضا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مهين ~~كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ~~ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقا لك إليها فحكمة أحكم ~~الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد {فما يكذبك بعد ~~بالدين} عنى به محمدا فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان وقال قتادة ~~الضمير للنبي # PageV01P051 # صلى الله عليه وسلم، واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان # يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت ~~صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقا قال تعالى {فإن كذبوك فقد كذب ~~رسل من قبلك} وقال {فإنهم لا يكذبونك} فالأول بمعنى وإن ينسبوك إلى الكذب ~~والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته ~~جحودا وعنادا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره ~~بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالا ومنه قوله ~~{بل كذبوا بالحق لما جاءهم} وقوله {وكذبوا بآياتنا} # إذا عرف هذا فقوله {فما يكذبك بعد بالدين} اختلف في ماء هل هي بمعنى أي ~~شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أن ~~يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبا بالدين وقد ~~وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب ~~للنبي قال الفراء كأنه ms030 يقول من يقدر على تكذيبك بالثواب # PageV01P052 # والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة فمن يكذبك ~~أيها الرسول بعد هذا بالدين # وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين أحدهما إقامة ما مقام من وأمره ~~سهل والثاني أن الجار والمجرور يستدعى متعلقا وهو يكذبك أي فمن يكذبك ~~بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبا بالدين أو مكذبا به ~~ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته ~~مكذبا أو مكذبا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد ~~كاذبا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا ~~يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به # وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول ~~به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من ~~يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الأخبار به بل ~~الأشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي ~~فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذبا والمعروف كذبه إذا جعله ~~كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره # وجواب هذا الأشكال أن صدق وكذب بالتشديد # PageV01P053 # يراد به معنيان أحدهما النسبة وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني ~~الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ~~ما كذبك بكذا أي ما حملك على التصديق والتكذيب # قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك ~~وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق ~~للعربية وبالله التوفيق # ثم ختم السورة بقوله {أليس الله بأحكم الحاكمين} وهذا تقرير لمضمون ~~السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من ~~كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده في ms031 ~~الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين ~~لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن ~~تقويم ونقله في أطوار التخليق حالا بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف يليق ~~بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك إلا ~~قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم معناها ~~والله أعلم # PageV01P054 ### | ### | فصل # # ومن ذلك قسمه سبحانه وتعالى {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق ~~الذكر والأنثى} وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعى الإنسان في الدنيا وجزاؤه ~~في العقبى فهو سبحانه يقسم بالليل في جميع أحواله اذ هو من آياته الدالة ~~عليه فأقسم به وقت غشيانه وأتى بصيغة المضارع لأنه يغشى شيئا بعد شيء وأما ~~النهار فإنه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال في سورة الشمس ~~وضحاها {والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها} وأقسم به وقت سريانه كما ~~تقدم وأقسم به وقت إدباره وأقسم به إذا عسعس فقيل معناه أدبر فيكون مطابقا ~~لقوله {والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر} وقيل معناه أقبل فيكون كقوله ~~{والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنهار ~~وعلى الأول يكون القسم واقعا على انصرام الليل ومجيء النهار عقيبه وكلاهما ~~من آيات ربوبيته # ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الأقسام بالحيوان كله على اختلاف ~~أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنهار ~~وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج # PageV01P055 # الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية كإخراج الذكر والأنثى بواسطة ~~الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها ~~كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانه بزمان ~~السعي وهو الليل والنهار وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما ~~اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على ~~اختلاف جزائه وثوابه وأنه سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه ms032 في الجزاء كما ~~لم يسو بين الليل والنهار والذكر والأنثى # ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال {فأما من ~~أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى ~~فسنيسره للعسرى} فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر ~~في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ~~ربك أحدا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب أحدها إعطاء العبد وحذف مفعول ~~الفعل إرادة للإطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر به وسمحت به طبيعته وطاوعته ~~نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر ~~وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانه وبدنه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسا ~~مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة # PageV01P056 # المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها ~~لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منها وسقي دوابهم ~~وأنعامهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل ~~المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ~~ميسرة للعطاء # السبب الثاني التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه وهذا من أعظم أسباب ~~التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك ~~التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه ~~من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان ~~تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما ~~هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح ~~وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا ~~بالشهوات واللذات وقال تعالى {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} فأخبر ~~أنه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره وقال تعالى {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} وهذا أيضا ييسر عليه ms033 بتقواه وقال تعالى {ومن ~~يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه ~~وإعطائه ما يحبه ويرضاه وقال {يا أيها الذين آمنوا # PageV01P057 # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم} وهذا يتيسر ~~بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق بين الحق والباطل ~~وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير وقال تعالى {واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون} والفلاح غاية اليسر كما أن الشقاء غاية العسر وقال تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم} فضمن لهم سبحانه بالتقوى ثلاثة أمور أحدها أعطاهم ~~نصيبين من رحمته نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب ~~الآخرة فيصير نصيبين الثاني أعطاهم نورا يمشون به في الظلمات الثالث مغفرة ~~ذنوبهم وهذا غاية التيسير فقد جعل سبحانه التقوى سببا لكل يسر وترك التقوى ~~سببا لكل عسر # السبب الثالث التصديق بالحسنى وفسرت بلا إله إلا الله وفسرت بالجنة وفسرت ~~بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى ~~وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء ~~فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق ~~الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفروعها كلها وجميع أصول ~~الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقا بها حقيقة التصديق ~~حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنا بالله إله ~~العالمين حتى يؤمن # PageV01P058 # بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأن الله لا إله إلا هو حتى يسلب ~~خصائص الإلهية عن كل موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية ~~في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقا بها من نفي الصفات العليا ولا من نفي ~~كلامه وتكليمه ولا من نفى استوائه على عرشه وأنه يرفع إليه الكلم الطيب ~~والعمل الصالح وأنه رفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه وأنه يدبر الأمر من ~~السماء ms034 إلى الأرض ثم يعرج إليه إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا ~~يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدقا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء ~~وقدرته على كل شيء وعلمه بكل شيء وبعثة الأجساد من القبور ليوم النشور ولا ~~يكون مصدقا بها من زعم أنه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة ~~رسله وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام ~~التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك ~~كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها ~~وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في ~~الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها # PageV01P059 # ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ~~ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق ~~بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه والتحقيق أنها تتناول الأمرين # وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث وهي الإعطاء والتقوى والتصديق ~~بالحسنى من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث ~~قوى قوة البذل والإعطاء وقوة الكف والامتناع وقوة الإدراك والفهم ففيها قوة ~~العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البغض والنفرة فهذه القوى ~~الثلاث عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد ~~قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والإرادة يوجب ~~له ترك الإعطاء وفساد قوة البغض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوة ~~حبه وإرادته بإعطائه ما أمر به وقوة بغضه ونفرته باتقائه ما نهى عنه وقوة ~~علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها ~~لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى # ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل لمأمور وترك # PageV01P060 # لمحظور وتصديق الخبر وإن شئت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان طلب فعل ms035 ~~وطلب ترك فقد تضمنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فالاعطاء فعل ~~المأمور والتقوى ترك المحظور والتصديق بالحسنى تصديق الخبر فانتظم ذلك ~~الدين كله وأكمل الناس من كملت له هذه التقوى الثلاث ودخول النقص بحسب ~~نقصانها أو بعضها فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذله أتم من قوة انكفافه ~~وتركه فقوة الترك فيه أضعف من قوة الإعطاء ومن الناس من يكون قوة الترك ~~والانكفاف فيه أتم من قوة الاعطاء والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة ~~التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته العلمية والشعورية أتم من قوته ~~الإرادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته ~~من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منها ومن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى ~~قال ابن عباس {فسنيسره لليسرى} أي نهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير ~~وقال مقاتل والكلبي والفراء نيسره للعود إلى العمل الصالح # وحقيقة اليسرى أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد ~~العسرى وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ~~ولسانه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة له منقادة لا تستعصي ~~عليه ولا # PageV01P061 # تستصعب لأنه مهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللا وتقاد له علما وعملا ~~فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه: # مبارك الطلعة ميمونها ... يصلح للدنيا وللدين # {وأما من بخل واستغنى} فعطل قوة الإرادة والاعطاء عن فعل ما امر به ~~{استغنى} بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الإنكفاف والترك عن فعل ما نهى عنه ~~{وكذب بالحسنى} فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه ~~{فسنيسره للعسرى} قال عطاء سوف أحول بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي وقال ~~مقاتل يعسر عليه أن يعطى خيرا وقال عكرمة عن ابن عباس نيسره للشر قال ~~الواحدي وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة العسرى والخير ~~يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول سنهيؤه للشر بأن ~~يجريه على يديه قال الفراء العرب تقول قد يسرت ms036 غنم فلان إذا تهيأت للولادة ~~وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانها أي يسرت ذلك على أصحابها إنتهى # والتيسير للعسرى يكون بأمرين أحدهما أن يحول بينه وبين أسباب الخير فيجري ~~الشر على قلبه ونيته ولسانه وجوارحه والثاني أن يحول بينه وبين الجزاء ~~الأيسر كما حال بينه وبين أسبابه # PageV01P062 # فإن قيل كيف قابل اتقى باستغنى وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين # قيل هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته ~~إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نهاه عنه فإن من كان ~~شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الإتقاء ~~ويجانب ما يكرهه غاية المجانبة ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى ~~بالإستغناء تبشيعا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمه بأن فعل فعل المستغني ~~عن ربه لا فعل الفقير المضطر إليه الذي لا ملجأ له إلا إليه ولا غنى له عن ~~فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين ~~الآيتين للخيرات كلها وأسبابها والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى ~~خصائص عباده بكلامه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرا بعد عين ولا يستبدلون ~~الحق بالباطل والصدق بالمين # وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال ~~فيها وذلك بين بحمد الله لمن وفق لفهمه ولهذا أجاب بها النبي من أورد عليه ~~السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون به في القدر فأجاب بفصل الخطاب وأزال ~~الأشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي أنه ~~قال " ما منكم من أحد إلا وقد علم # PageV01P063 # مقعده من الجنة والنار" قيل يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على ~~الكتاب قال "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى فسنيسره لليسرى} فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية ~~وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانه الأشياء ~~قبل كونها ms037 وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون ~~خلق الفعل مطلقا ومن أقر منهم بخلق فعل الجزاء دون الإبتداء هدم أصله ونقض ~~قاعدته والنبي أخبر بمثل ما أخبر به الرب تعالى أن العبد ميسر لما خلق له ~~لا مجبور فالجبر لفظ بدعى والتيسير لفظ القرآن والسنة وفي الحديث دلالة على ~~أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين فإنهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله ~~على الإطلاق وكانوا إذا استشكلوا شيئا سألوه عنه وكان يجيبهم بما يزيل ~~الأشكال ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقا لا أهل البدع والأهواء ~~من المتكلمين ومن سلك سبيلهم # وفي الحديث استدلال النبي على مسائل أصول الدين بالقرآن وإرشاده الصحابة ~~لاستنباطها منه خلافا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من ~~أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه وعبر ~~عن ذلك بقوله الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين # PageV01P064 # وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنهم من خلق للشقاوة خلافا ~~لمن زعم أنهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه ~~إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل ~~على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم ~~"إعملوا فكل ميسر لما خلق له" ومطابقته لقوله تعالى {فأما من أعطى واتقى} ~~إلى آخر الآيتين كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب # وهذا الذي أرشد إليه النبي هو الذي فطر الله عليه عباده بل الحيوان ~~البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد إن قدر لي كذا وكذا ~~فلا بد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ولا أتحرك لعد من ~~السفهاء الجهال ولم يمكنه طرد ذلك أبدا وإن أتى به في أمر معين فهل يمكنه ~~أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وهروبه مما ~~يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة عن ms038 قول النبي إعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له فإذا كان هذا في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما ~~الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا ~~والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب وأمره ونهيه ويستعمل في إرادة ~~العبد وأغراضه # PageV01P065 # وشهواته وهل هذا إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه ~~جهول بربه فهذا الذي أرشد إليه النبي وتلا عنده هاتين الآيتين موافقا لما ~~جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل ~~به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه # ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم ~~وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقه ~~الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانهم المشركين الذين دفعوا أمر ~~الله ونهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانه ذلك عنهم في غير ~~موضع من كتابه كقوله تعالى {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل قل ~~فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} وقال تعالى {وقال الذين أشركوا ~~لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من ~~شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} وقال تعالى ~~{وقالوا لو شاء # PageV01P066 # الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} وقال تعالى ~~{وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين} # فإن قيل فالإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل ~~اليسرى من يسرها للعبد أولا وكذلك أضدادها # قيل الله سبحانه هو الذي يسر للعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين ~~أهل ms039 سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في ~~الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي ~~خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في ~~موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا ~~يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدا فهو ~~من أسفه السفهاء # فإن قيل فلم جعل هذا لا يليق به إلا الكرامة وهذا لا يليق به إلا الإهانة ~~قيل هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنه يقول لم خلق الله كذا وكذا # فإن قيل وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله قيل نعم شأن ~~الربوبية خلق الأشياء وأضدادها # PageV01P067 # وخلق الملزومات ولوازمها وذلك هو محض الكمال فالعلو لازم وملزوم للسفل ~~والليل لازم وملزوم للنهار وكمال هذا الوجود بالحر والبرد والصحو والغيم ~~ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض واختلاف الإرادات والمرادات ~~ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع ولولا خلق المتضادات لما عرف كمال القدرة ~~والمشيئة والحكمة ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات وظهور أحكامها وآثارها ~~لا بد منه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك التام وإذا أعطيت اسم الملك ~~حقه ولن تستطيع علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب والعطاء والحرمان أمر ~~لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ~~ممتنع فالملك الحق يقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونهيهم ~~وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة من يستحق الإهانة كما ~~تستلزم حياة الملك وعلمه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وكلامه ورحمته ورضاه ~~وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه الإشارة تكفي اللبيب في ~~مثل هذا الموضع ويطلع منها على أرض مونقة وكنوز من المعرفة وبالله التوفيق # PageV01P068 ### | ### | فصل # # ثم قال تعالى {إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى} قيل معناه إن ~~علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قال قتادة على الله البيان بيان ~~حلاله ms040 وحرامه وطاعته ومعصيته إختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا ~~المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر وقيل المعنى إن علينا للهدى والإضلال ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء يريد أرشد أوليائي إلى العمل ~~بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء فترك ذكر ~~الإضلال كما قال {سرابيل تقيكم الحر} أي والبرد وهذا أضعف من القول الأول ~~وإن كان معناه صحيحا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى من سلك الهدى فعلى ~~الله سبيله كقوله {وعلى الله قصد السبيل} وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال ~~في الآية قال الواحدي علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ~~ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع ههنا وفي النحل في قوله ~~{وعلى الله قصد السبيل} وفي الحجر في قوله {هذا صراط علي مستقيم} وهو معنى ~~شريف جليل يدل على أن سالك طريق # PageV01P069 # الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه ~~أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله ~~فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله ~~تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب ~~منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا ~~والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك ~~الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر ~~أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي ~~طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو ~~الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن ~~هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق # والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة ~~والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة ~~في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة ms041 في الطلب تنافي الصدق والعزيمة ~~والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني ~~يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله # PageV01P070 # فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية وتوحيد ~~الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة # ولما أقام سبحانه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر ~~عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من ~~الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف ~~هو الذي يجنب عذابه كما قال {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى} فهذا ~~المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانه # وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ~~ونعمهم وإن حمل منهم شيئا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق ~~عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على ~~نعمته # ونبه بقوله {تجزى} على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله على هذا الأتقى ~~لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنها لا يمكن ~~المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أول ~~وأولى من ذكر في هذه الآية وأنه أحق الأمة بها فإن عليا رضي الله عنه تربى ~~في بيت # PageV01P071 # النبي فلرسول الله عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى # ونبه سبحانه بقوله {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} على أن من ليس لمخلوق ~~عليه نعمة تجزى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى بخلاف من تطور ~~نعم المخلوقين ومننهم فإنه مضطر إلى أن يفعل لأجلهم ويترك لأجلهم ولهذا كان ~~من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبد عليه منة لأحد من الناس لتكون معاملته ~~كلها لله ابتغاء وجهه وطلب مرضاته فكما أن هذه الغاية أعلى الغايات وهذا ~~المطلوب أشرف المطالب ms042 فهذا الطريق أقصد الطرق إليه وأقربها وأقومها وبالله ~~التوفيق ### | ### | فصل # # ومن ذلك إقسامه سبحانه {والضحى والليل إذا سجى} على إنعامه على رسوله ~~وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته ~~وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من ~~آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنهار # فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم ~~عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه حتى قال أعداؤه ودع محمدا ~~ربه فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل # PageV01P072 # على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضا فإن فالق ظلمة ~~الليل عن ضوء النهاء هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة ~~فهذان للحس وهذان للعقل وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ~~ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء النهاء إلى مصالحهم ومعايشهم لا يليق به أن ~~يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم ~~وآخرتهم # فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي ~~على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها # ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما ~~تركه منذ اعتنى به وأكرمه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانه أن الآخرة خير ~~له من الأولى وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها كما أن ~~الدار الآخرة خير له مما قبلها ثم وعده بما تقر به عينه وتفرح به نفسه ~~وينشرح به صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى ~~والنصر وكثرة الاتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته وما يعطيه بعد مماته وما ~~يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر به الجهال من أنه ~~لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا ~~من غرور الشيطان لهم ولعبة ms043 بهم فإنه صلوات الله وسلامة عليه يرضى بما يرضى ~~به ربه تبارك وتعالى وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ~~ثم يحد لرسوله # PageV01P073 # حدا يشفع فيهم ورسوله أعرف به وبحقه من أن يقول لا أرضى أن يدخل أحدا من ~~أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء ~~الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه # ثم ذكر سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه ~~بعد الفقر فكان محتاجا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه ~~فأمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنهاه أن ~~يقهر اليتيم وأن ينهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانه ~~باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل لا تحقر اليتيم فقد كنت ~~يتيما وقال الفراء لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب ~~تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك ~~من لا ناصر له يغلظ في أمره وهو نهى لجميع المكلفين # {وأما السائل فلا تنهر} قال أكثر المفسرين هو سائل المعروف والصدقة لا ~~تنهره إذا سألك فقد كنت فقيرا فأما أن تطعمه وإما أن ترده ردا لينا قال ~~الحسن أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن ~~آدم قال إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره والتحقيق أن الآية تتناول النوعين # PageV01P074 # وقوله {وأما بنعمة ربك فحدث} قال مجاهد بالقرآن وقال الكلبي بمعنى أظهرها ~~والقرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرئه ويعلمه وروى أبو بشر عن ~~مجاهد حدث بالنبوة التي أعطاك الله وقال الزجاج بلغ ما أرسلت به وحدث ~~بالنبوة التي آتاك وهي أجل النعم وقال مقاتل أشكر هذه النعمة التي ذكرت في ~~هذه السورة والتحقيق أن النعم تعم هذا كله فأمر أن لا ينهر سائل المعروف ~~والعلم وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين ms044 والدنيا ### | ### | فصل # # ومن ذلك إقسامه سبحانه ب {والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا} ~~وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى ~~منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله ~~بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره ~~الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد ~~وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من # PageV01P075 # عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ~~ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول: # فكان لكم أجري جميعا وأضبحت ... بي البازل الوجناء في الآل تضبح # قالوا فهي تعدو ضبحا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض ~~فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعا وهي المزدلفة # قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون ~~والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحا مصدرا على الأول وحالا على الثاني ~~قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس ~~بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال ~~الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل ~~وهو قوله تعالى {فالموريات قدحا} والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما ~~الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى # قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه ~~لاخفاف الإبل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة ~~أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم ما ~~يثير الغبار عند الإغارة # PageV01P076 # إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما ~~حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس ms045 بالبين ولا يثور ~~هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين ~~نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه ~~من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا ~~أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه ~~التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل ~~المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات ~~من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز ~~والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها ~~الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك ~~الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى ~~وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به ~~على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل ~~التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص # PageV01P077 # بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ~~ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون ~~مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان ~~النبي إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار # ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على ~~وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة ~~وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما ~~الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين ~~يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى ~~{أفرأيتم النار التي تورون} وهذا إن أريد به التمثيل وأن الآية تدل عليه ~~فصحيح وإن أريد ms046 به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات ~~بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة ~~الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد ~~من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة تورى نار العداوة ~~بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال تورى نار ~~المكر والخديعة في الحرب # PageV01P078 # وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد ~~أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب # وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه ~~المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة ~~والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة ~~شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحا في نفسه وأن يكون في ~~اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت ~~هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا # وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحا يعني فالمنجحات أمرا يريد البالغين ~~بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات ~~والموريات لما فيه من معنى الفعل # وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا ~~إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الايراء والإغارة ~~والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات ~~حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن ~~الذي انتهين إليه والله أعلم. # PageV01P079 ### | ### | فصل # # فهذا شأن القسم وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان ~~كنودا بشهادته على نفسه أو شهادة ربه عليه وكونه بخيلا لحبه المال والكنود ~~للنعمة وفعله كند يكند كنودا مثل كفر يكفر كفورا والأرض الكنود التي لا ~~تنبت شيئا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل ms047 ~~كنود إذا كان مانعا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه رحمهم الله تعالى هو الكفور وقيل هو ~~البخيل الذي يمنع رفده وبجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن هو ~~اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم # وأما قوله {وإنه على ذلك لشهيد} فقال ابن عباس يريد أن ربه على ذلك لشهيد ~~وقيل إن الإنسان لشهيد على ذلك إن أنكر بلسانه أشهد ربه عليه حاله ويؤيد ~~هذا القول سياق الضمائر فإن قوله {وإنه لحب الخير لشديد} للإنسان فافتتح ~~الخبر عن الإنسان بكونه كنودا ثم ثناه بكونه شهيدا على ذلك ثم ختمه بكونه ~~بخيلا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه أتى بعلي ~~فقال # PageV01P080 # {وإنه على ذلك لشهيد} أي مطلع عالم به كقوله {ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون} ولو أريد شهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنه بذلك لشهيد كما قال ~~تعالى {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} ~~فلو أراد شهادة الإنسان لقال وإنه على نفسه لشهيد فإن كنوده المشهود به ~~ونفسه هي المشهود عليها # ثم قال تعالى {وإنه لحب الخير لشديد} والخير هنا المال باتفاق المفسرين ~~والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول ~~الأكثرين وقال ابن قتيبة بل المعنى إنه لشديد الحب للخير فتكون اللام في ~~قوله لحب الخير متعلقة بقوله لشديد على حد تعلق قولك إنه لزيد لضارب ومنعت ~~طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على ~~الجواز فإن قوله لربه معمول لكنود وقوله على ذلك معمول لشهيد ولا وجه ~~للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن ~~لزيد لضارب فوصف سبحانه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير ~~فلا هو شكور للنعم ولا محسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله وهذا ضد ~~المؤمن الكريم فإنه مخلص لربه ms048 محسن إلى # PageV01P081 # خلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله ~~سبحانه هذين الخلقين المهلكين في غير موضع من كتابه كقوله {فويل للمصلين ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} فالرياء ضد ~~الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى {إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله} فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله {الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} وقوله {واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا} الآية وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله {والذين ~~ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ونظيره ~~{وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله} ونظيره ~~ما تقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ~~ونظيره قوله {ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده} فإن الهمزة واللمزة ~~من الفخر والكبر وجمع المال وتعديده من البخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ~~ومقصودهما # PageV01P082 # ثم خوف سبحانه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر ما في القبور ويحصل ما في ~~الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانه بين القبور والصدور ~~كما جمع بينهما النبي في قوله ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا فإن الإنسان ~~يواري صدره ما فيه من الخير والشر ويواري قبره جسمه فيخرج الرب جسمه من ~~قبره وسره من صدره فيصير جسمه بارزا على الأرض وسره باديا على وجهه كما قال ~~تعالى {يعرف المجرمون بسيماهم} وقال {سنسمه على الخرطوم} . ### | ### | فصل # # ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانه كونه خبيرا بهم ~~ذلك اليوم وهو خبير بهم في كل وقت إيذانا بالجزاء وأنه يجازيهم في ذلك ~~اليوم بما يعلمه منهم فذكر العلم والمراد لازمه والله سبحانه وتعالى أعلم. # فصل # ومن ذلك اقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة # PageV01P083 # على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال ms049 الشافعي رحمه الله لو فكر الناس ~~كلهم فيها لكفتهم # والعصر المقسم به قيل هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النهار وقيل هو ~~آخر ساعة من ساعاته وقيل المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنه الدهر ~~وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال: # ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه ~~فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم ~~على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة ~~واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونه وانقسام ~~العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها آية من آيات ~~الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته # فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال ~~وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن ~~قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق ~~الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينهم ~~وأن لا يجازي المحسن # PageV01P084 # بإحسانه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الانسان ~~من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحمه الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح ~~في نفسه وأمر غيره به وهذا نظير رده الانسان إلى أسفل سافلين واستثناء ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين # وتأمل حكمة القرآن لما قال {إن الإنسان لفي خسر} فإنه ضيق الاستثناء ~~وخصصه فقال {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر} ولما قال {ثم رددناه أسفل سافلين} وسع الاستثناء وعممه فقال {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يقل وتواصوا فإن التواصي هو امر الغير ~~بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك فقد ~~خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين فإن الإنسان قد ~~يقوم بما ms050 يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الأعيان وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون ~~مستحبة # والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه ~~الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~حصل لهم من الربح ما خسره # PageV01P085 # أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به وإن كان ~~أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار ~~المطلق شيء وهو سبحانه إنما قال {إن الإنسان لفي خسر} ومن ربح في سلعة وخسر ~~في غيرها قد يطلق عليه أنه في خسر وأنه ذو خسر كما قال عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما لقد فرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تفريط وهو نوع خسر بالنسبة ~~إلى من حصل ربح ذلك # ولما قال في سورة والتين {ثم رددناه أسفل سافلين} قال {إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له ~~قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة ~~يأمر فيها غيره استثنى سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية ~~بالعمل الصالح وإنقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الانسان الذي هو ~~في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله ~~وتكميله موقوف على أمرين علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب ~~الكمال الانساني من العلم النافع والعمل الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك ~~وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك # PageV01P086 # وقوله تعالى {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} إرشاد إلى منصب الإمامة في ~~قوة الدين كقوله تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون} فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين # والصبر نوعان نوع على المقدور كالمصائب ونوع على المشروع وهذا النوع أيضا ~~نوعان صبر على الأوامر وصبر عن النواهي فذاك صبر على الإرادة والفعل وهذا ms051 ~~صبر عن الإرادة والفعل فأما النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق ابنته "مرها فلتصبر ولتحتسب" وقال ~~تعالى {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} وقال ~~تعالى {بلى إن تصبروا وتتقوا} وقال {وإن تصبروا وتتقوا} فالصبر بدون ~~الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى وعلى حسب ~~اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور وقال تعالى {فاصبر إن وعد الله حق ~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} فأمره أن يصبر # PageV01P087 # ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم ~~صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا ~~استخفوا فمن قل يقينه قل صبره ومن قل صبره خف واستخف فالموقن الصابر رزين ~~لأنه ذو لب وعقل ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء ~~والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان ### | ### | فصل # # ومن ذلك أقسامه سبحانه {والسماء ذات البروج} التي تنزلها الشمس والقمر ~~وفسرت بالنجوم أو نوع منها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته ~~وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكرى لا يتميز منه ~~جانب عن جانب بطول ولا قصر ولا وضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج ~~في هذه الكرى على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير ~~فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولا عالم ولا مريد ولا حي ولا حكيم ~~ولا مباين للمفعول وهذا ونحوه مما هدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة ~~الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنا قادرا فاعلا بالاختيار عالما بتفاصيله ~~حكيما مدبرا له # فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم # PageV01P088 # آياته سبحانه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم ~~القيامة وهو المقسم به وعليه كما أن القرآن يقسم به وعليه ودال على وقوع ms052 ~~اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي ~~تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل ~~بها سبحانه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه ~~من أنه لا يأتي به تارة فالأقسام به عند من آمن بالله كالأقسام بالسماء ~~وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان # ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنه ~~المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني به وما ~~عداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لا على وجه التخصيص # فإن قيل فما واجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها قيل هي ~~بحمد الله في غاية الارتباط والأقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا ~~والآخرة وكل منها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم ~~العلوي وهي السماء وما فيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم ~~أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه ~~وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدله ثم أقسم بما هو أعم # PageV01P089 # من ذلك كله وهو الشاهد والمشهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين ~~عذبوا أولياءه وهم شهود على ما يفعلون بهم والملائكة شهود عليهم بذلك ~~والأنبياء وجوارحهم تشهد به عليهم وأيضا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر ~~والمشهود وهو المطلع عليه المخبر به المشاهد # فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي ~~لنا وغير مرئي كما قال {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون} كما نوعها إلى ~~أرض وسماء وليل ونهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه ~~كذلك نوعها إلى شاهد ومشهود # وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ما هو مشهود عليه ولا يتم نظام العالم ~~إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولا يكون الخالق ~~تبارك وتعالى شاهدا على عباده مطلعا عليهم رقيبا # وأيضا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه ورسله فإنهم شاهدون ms053 على ~~العباد فيكون من باب اتحاد المقسم به والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود ~~وهو المقسم به وعليه وأيضا فيوم القيامة مشهود كما قال تعالى {ذلك يوم ~~مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} يشهده الله وملائكته والانس والجن # PageV01P090 # والوحش من آياته والمشهود من آياته # وأيضا فكلامه مشهود كما قال تعالى {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا} تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار فالمشهود من أعظم آياته وكذلك ~~الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه ~~لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل # وأيضا فكتاب الأبرار في عليين يشهده المقربون فالكتاب مشهود والمقربون ~~شاهدون # والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيا عن الجواب لأن القصة التنبيه على ~~المقسم به وأنه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب {قتل أصحاب ~~الأخدود} الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود ثم وصف حالهم ~~القبيحة بأنهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى ~~وأوليائه عيانا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا يعيبون عليهم دينا سوى ~~إيمانهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض وهذا الوصف يقتضي ~~إكرامهم وتعظيمهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا به وهذا شأن ~~أعداء الله دائما ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما ~~قال تعالى {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله # PageV01P091 # وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون} وكذلك اللوطية نقموا ~~من عباد الله تنزيههم عن مثل فعلهم فقالوا {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون} وكذلك أهل الأشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص ~~الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد ~~متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون من أهل الإثبات إثباتهم لله ~~صفات كماله ونعوت جلاله وكذلك الرافضة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة ~~جميعهم وترضيهم عنهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمه رسول الله منهم ~~وتنزيلهم منازلهم التي ms054 أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ~~ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ما خالفه وكل هؤلاء ~~لهم نصيب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينهم وبينهم نسب قريب أو بعيد # ثم أخبر سبحانه أنه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنهم ~~لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم وهذا ~~غاية الكرم والجود قال الحسن أنظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ~~ويفتنونهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة أنظروا إلى كرم الرب تعالى ~~يدعوهم إلى التوبة وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من # PageV01P092 # مغفرته وعفوه ولو كان منه ما كان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا اكفر ~~ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم ~~وألحقهم بأوليائه # ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء ~~فإنه هو المبدىء المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه وهو مع ذلك الغفور ~~الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ~~ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل ~~عليه وهو الودود أيضا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه الودود الحبيب ~~والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادا لأوليائه ومودودا لهم ~~فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه ~~وقال شعيب عليه السلام {إن ربي رحيم ودود} # وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرجل قد يغفر لمن أساء ~~إليه ولا يحبه وكذلك قد يرحم من لا يحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب ~~إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو ~~كان منه ما كان # ثم قال ذو العرش فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة ~~الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منه # PageV01P093 # سبحانه واختصاصه به بل يدل على غاية ms055 القرب والاختصاص كما يضيف إلى نفسه ~~بذو صفاته القائمة به كقوله ذو القوة ذو الجلال والإكرام ويقال ذو العزة ~~وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة ~~لكان لا فرق أن يقال ذو العرش وذو الأرض # ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء ~~الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه وأما من ليس له صفات كمال ولا ~~أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدا بأوصافه ~~وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال ~~تعالى الله عما يقول المعطلون علوا كبيرا بل هو المجيد الفعال لما يريد ~~والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم ~~المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام {رحمت الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن ~~نثني على الرب تعالى بأنه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن ~~نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله ~~الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم ~~الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام # PageV01P094 # ومن قرأ المجيد بالكسر فهو صفة لعرشه سبحانه وإذا كان عرشه مجيدا فهو ~~سبحانه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال لم يسمع في صفات ~~الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما على الجوار وإما أن يكون صفة لربك ~~وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانه وصف عرشه بالكرم وهو نظير ~~المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو ~~أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنه وبهاء منظره فإنه أوسع كل شيء في ~~المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة ~~والذات ولا يقدر قدر عظمته وحسنه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد ~~خالقه ومبدعه والسماوات السبع والأرضون السبع في ms056 الكرسي الذي بين يديه ~~كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس ~~السماوات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدا وهذا ~~شأنه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنه صفة ~~لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك # وقوله {فعال لما يريد} دليل على أمور # أحدها انه سبحانه يفعل بإرادته ومشيئته # الثاني انه لم يزل كذلك لأنه لم يزل # PageV01P095 # كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله ~~سبحانه فلا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال ~~تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} وما كان من أوصاف كماله ونعوت ~~جلاله لم يكن حادثا قعد أن لم يكن # الثالث أنه إذا أراد شيئا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن ~~يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك ~~لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه ويجعله فاعلا لم ~~يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة ~~التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها فإن ~~هنا إرادتين إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلا وليستا ~~متلازمتين وإن لزم من الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين ~~عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريه فعله ولا يريد من ~~نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل # فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي حاكيا عن ~~ربه قوله للعبد يوم القيامة قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك أن ~~لا تشرك بي شيئا ولم يقع هذا المراد لأنه لم يرد من نفسه إعانته عليه ~~وتوفيقه له # PageV01P096 # الرابع ms057 أن فعله سبحانه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله ~~فقد أراده بخلاف المخلوق فإنه يريد مالا يفعل وقد يفعل مالا يريد فما ثم ~~فعال لما يريد إلا الله وحده # الخامس إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا ~~هو المعقول في الفطر وهو الذي يعقله الناس من الإرادة فشأنه تعالى أنه يريد ~~على الدوام ويفعل ما يريد # السادس أن كل ما صلح أن تتعلق به إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه ~~لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد ~~سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على ~~إخبار الصادق به فإذا أخبر به وجب التصديق به وكان رده ردا لكماله الذي ~~اخبر به عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانه محو ما شاء ~~وإثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس # وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانه بالعزة ~~المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه ~~عن أضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السماوات والأرض المتضمن لكمال غناه ~~وسعة ملكه وشهادته على كل شيء المتضمن لعموم اطلاعه على ظواهر # PageV01P097 # الأمور وبواطنها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمه ~~بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة وتفرده ~~بالإبداء والإعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالإبداء ~~والإعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصى عليه منها شيء ووصفه بالمغفرة ~~المتضمن لكمال جوده وإحسانه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونه ~~حبيبا إلى عباده محبا لهم ووصفه بأنه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن ~~عرشه المختص به لا يليق بغيره أن يستوى عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة ~~العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم وكونه فعالا لما يريد ~~المتضمن لحياته وعلمه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك ms058 من أوصاف كماله # فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمها # فالحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده # ثم ختمها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك به وكذب رسله تحذيرا لعباده من سلوك ~~سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل به كما فعل بهم ثم اخبر عن أعدائه بأنهم ~~مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالا ممن ~~عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار # PageV01P098 # فقال {بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط} فهذا أعجب عجب ممن ~~كفر بمن هو محيط به وآخذ بناصيته قادر عليه ثم وصف كلامه بأنه مجيد وهو أحق ~~بالمجد من كل كلام كما ان المتكلم به له المجد كله فهو المجيد وكلامه مجيد ~~وعرشه مجيد قال ابن عباس رضي الله عنهما قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس ~~كما يقول الكافرون شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير ~~وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به # وقوله {في لوح محفوظ} اكثر القراء على الجر صفة للوح وفيه إشارة إلى أن ~~الشياطين لا يمكنهم التنزل به لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه ~~محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانه بأنه محفوظ ~~في قوله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ووصف محله بالحفظ في هذه ~~السورة فالله سبحانه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ ~~معانيه من التحريف كما حفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من ~~الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير # PageV01P099 ### | ### | فصل # # ومن ذلك أقسامه سبحانه ب {والسماء والطارق} وقد فسره بأنه {النجم الثاقب} ~~الذي يثقب ضوؤه والمراد به الجنس لا نجم معين ومن عينه بأنه الثريا أو زحل ~~فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه # والمقصود أنه سبحانه أقسم بالسماء ونجومها المضيئة وكل منها آية من ms059 آياته ~~الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقا لأنه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء ~~الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهله ليلا قال الفراء ما أتاك ليلا ~~فهو طارق وقال الزجاج والمبرد لا يكون الطارق نهارا ولهذا تستعمل العرب ~~الطروق في صفة الخيال كثيرا كما قال ذو الرمة: # ألا طرقت مي هيوما بذكرها ... وأيدي الثريا جنح بالمغارب # وقال جرير: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام # ولهذا قيل أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامه كالضيف ~~فالطيف والضيف كلاهما لا يرد وقال الآخر: # ألا طرقت من آخر الليل زينب ... عليك سلام هل لما فات مطلب # ... # PageV01P100 ### | ### | فصل # # والمقسم عليه ههنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة ~~عليها وأنها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها ~~فأقسم سبحانه أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ~~ويحصي ما تكتسب من خير أو شر # واختلف القراء في لما فشددها بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد ~~جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين أحدهما بعد إن المخففة مثل ~~هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله {وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم} ~~والثاني في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي من خفف ~~كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن ~~النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى ~~بالمثقلة # ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال ~~سيبويه عن الخليل في قولهم نشدتك بالله لما فعلت قال المعنى إلا فعلت # ثم نبه سبحانه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على ~~طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال {فلينظر الإنسان مم ~~خلق} أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة ~~قادر على إعادته # PageV01P101 # ثم أخبر سبحانه أنه خلقه من ms060 ماء دافق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء ~~فهو مدفوق ودافق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالمكسور والمضروب ~~والمتدفق المطلوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كما تقول كسرته فانكسر ~~والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل هو على ~~النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل وهو ~~الصواب إنه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن ~~اسم الفاعل هو من قام به الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال ماء جار ورجل ~~ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام به من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا ~~غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة ~~الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنها اللائقة بهم فشبه ذلك ~~برضاها بهم كما رضوا بها كأنها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونها ~~مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون الوقت الحاضر والساعة الراهنة وإن لم ~~يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء دافق وعيشة راضية # ونبه سبحانه بكونه دافقا على أنه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج ~~منه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس # PageV01P102 # صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من ~~المائين جميعا وقيل صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه ~~الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين ~~الفرث والدم # ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله {إنه على رجعه لقادر} أي على ~~رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه هذا هو الصحيح ~~في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في ~~الاحليل لقادر والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ~~ثالث قال مقاتل إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن ms061 الشباب إلى الصبا إلى ~~النطفة # والقول الصواب هو الأول لوجوه أحدهما أنه هو المعهود من طريقة القرآن من ~~الاستدلال بالمبدأ على المعاد الثاني أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على ~~رد الماء في الاحليل الثالث أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع ~~واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه الرابع أنه قيد الفعل ~~بالظرف وهو قوله {يوم تبلى السرائر} وهو يوم القيامة أي ان الله قادر على ~~رجعه إليه حيا في ذلك اليوم الخامس أن الضمير في رجعه هو الضمير في قوله ~~{فما له من قوة ولا ناصر} وهذا للانسان # PageV01P103 # قطعا لا للماء السادس أنه لا ذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو ~~قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ~~ولم يكن أولى منه السابع أن رد الماء إلى الاحليل أو الصلب بعد خروجه منه ~~غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن ~~هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ~~ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانه إنما ~~يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع # فإن قيل فقد قال تعالى {أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه} أي نجعله كخف البعير قيل هذه أيضا فيها قولان أحدهما هذا ~~والثاني وهو الأرجح أن تسوية بنانه إعادتها كما كانت بعد ما فرقها البلى في ~~التراب # الثامن أنه سبحانه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منه ليرده? عن تكذيبه ~~بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله? بعد مفارقته ~~له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء ~~التاسع أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الاحليل بعد ~~خروجه ولا تلازم بينهما ms062 حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف ~~الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة ~~الأولى والنشأة # PageV01P104 # الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ~~ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر # العاشر أنه سبحانه نبه بقوله {إن كل نفس لما عليها حافظ} على أنه قد وكل ~~عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منه شيء ثم نبه بقوله {إنه على ~~رجعه لقادر} على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ ~~عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله ~~{يوم تبلى السرائر} أي تختبر وقال مقاتل تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا ~~اختبرته ليظهر لك باطنه وما خفى منه والسرائر جمع سريرة وهي سرائر الله ~~التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله فالايمان من السرائر وشرائعه من ~~السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها وما ~~كان لله مما لم يكن له قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يبدي الله يوم ~~القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها والمعنى تختبر السرائر ~~بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم # وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر ~~الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا ~~وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته لا اعتبار ~~بصورته فتبدو سريرته على وجهه # PageV01P105 # سوادا وظلمة وشينا وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا ~~سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر: # فان لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر # ثم أخبر سبحانه عن حال الانسان في يوم القيامة أنه غير ممتنع من عذاب ~~الله لا بقوة منه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة ~~فإما أن يدفعها بقوته أو قوة ms063 من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله ~~سبحان {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون} # ثم أقسم سبحانه ب {والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع} فأقسم بالسماء ~~ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء تبدى بالمطر ثم ترجع به في ~~كل عام وقال أبو إسحاق الرجع المطر لأنه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما تبدى بالمطر ثم ترجع به في كل عام والتحقيق أن هذا على ~~وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال ~~على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل ~~السماء يجي لما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسر الرجع به وحسن ~~تفسيره به ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات، لأنه # PageV01P106 # يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات ~~وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته # وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال {إنه لقول فصل وما هو بالهزل} كما ~~أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي ~~يفصل بين الحق والباطل فيميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال أصاب الفصل ~~وأصاب المرء إذا أصاب بكلامه نفس المعنى المراد ومنه فصل الخطاب وأيضا ~~فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه المعاني ~~كلها ويتضمن كونه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل هو الذي ~~لا حقيقة له وهو الباطل واللعب قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ~~ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينه ~~ورسوله وعباده وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى ~~يأخذهم على غرة كما قال تعالى {وأملي لهم إن كيدي متين} فالانسان إذا أراد ~~أن يكيد غيره يظهر له إكرامه وإحسانه إليه حتى يطمئن ms064 إليه فيأخذه كما يفعل ~~الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد # PageV01P107 # الله لهم حسنا لا قبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة # ثم قال {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم ~~والرب تعالى هو الذي يمهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد ~~والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامهم يكون اسم فعل ~~فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمهله وارفق به الثاني أن يكون ~~مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث ~~أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك ساروا رويدا تقول العرب ضعه رويدا أي وضعا ~~رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي بالليل من عندها إلى البقيع فخرج رويدا ~~وأجاف الباب رويدا ويجوز في هذا الوجه وجهان أحدهما أن يكون حالا والثاني ~~أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن اظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني ورويدا في ~~هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك أقسامه ب: {الشفق والليل وما وسق # PageV01P108 # والقمر إذا اتسق} فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل أحدها الشفق وهو في ~~اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع ~~قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم الشفق الحمرة في السماء وأصل موضوع الحرف ~~لرقة الشيء ومنه شيء شفق لا تماسك له لرقته ومنه الشفقة وهو الرقة وأشفق ~~عليه إذا رق له وأهل اللغة يقولون الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها ولهذا كان ~~الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة فإن ~~الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدا لوقت المغرب فإذا ذهبت ~~الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء وأما البياض فإنه يمتد وقته ~~بطول لبثه ويكون حاصلا مع بعد الشمس عن الأفق ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أنه قال الشفق الحمرة والعرب تقول ثوب مصبوغ كأنه ms065 الشفق إذا كان أحمر ~~حكاه الفراء وكذلك قال الكلبي الشفق الحمرة التي تكون في المغرب وكذلك قال ~~مقاتل هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة وقال عكرمة هو بقية ~~النهار وهذا يحتمل أن يريد به أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية ~~النهار وقال مجاهد هو النهار كله وهذا ضعيف جدا وكأنه لما رآه قابله بالليل ~~وما وسق ظن أنه النهار وهذا ليس بلازم # الثاني قسمه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل # PageV01P109 # وما ضمه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار ~~النهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر ~~يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النهار آية وإقبال الليل آية وتعقب أحدهما ~~الآخر آية والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل آية وما حواه آية ~~والهلال آية وتزايده كل ليلة آية واتساقه وهو امتلاؤه نورا آية ثم أخذه في ~~النقص آية وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله ~~ولهذا شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب وفي ~~الحديث اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر ~~لي كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار ولهذا يقسم ~~سبحانه بهذين الوقتين كقوله {والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر} وهو يقابل ~~إقسامه بالشفق ونظيره إقسامه ب {والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس} # ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنهار ~~وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال ~~الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار # PageV01P110 # فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين ~~الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين ~~وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينهما من التضاد والاختلاف ~~وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى ms066 حكم وذلك مبدأ ومعاد ~~يومي مشهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان ~~العالم في مبدأ ومعاد {أو لم يروا كيف يبدأ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على ~~الله يسير} . ### | ### | فصل # # وقوله {لتركبن طبقا عن طبق} الظاهر أنه جواب القسم ويجوز أن يكون من ~~القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف # وقرئ ولتركبن بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي ~~لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي خاصة وقيل ليست التاء للخطاب ولكنها ~~للغيبة أي لتركبن السماء طبقا عن طبق ومن ضمها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن ~~جعل الكناية للسماء قال المعنى لتركبن السماء حالا بعد حال من حالاتها التي ~~وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونها كالمهل مرة وكالدهان ~~مرة ومورانها # PageV01P111 # وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسما على المعاد وتغيير ~~العالم # ومن قال الخطاب للنبي فله ثلاث معان لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى ~~حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا ~~والسماء طبق ولهذا يقال للسموات السبع الطباق والمعنى الثاني لتصعدن درجة ~~بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى ~~من الله والمعنى الثالث لتركبن حالا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل ~~الله فيها رسوله من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة ~~وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه. # ومن قال الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان ~~حالا بعد حال من حين كونه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين ~~من الأطباق والأحوال للإنسان. # وأقوال المفسرين كلها تدور على هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لتصيرن ~~الأمور حالا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من النطفة ms067 إلى ~~العلقة إلى المضغة إلى كونه # PageV01P112 # حيا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ~~ركوبه بعد ذلك طبقا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ~~ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه ~~الأحوال أطباقا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالا بعد حال إلى دار القرار فذلك ~~آخر أطباقه التي يعلمها العباد ثم يفعل الله سبحانه بعد ذلك ما يشاء # واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال المعنى بالناس أشبه منه بالنبي فإنه ~~ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها ~~قوله {فما لهم لا يؤمنون} فذكر كونهم طبقا بعد طبق قال الواحدي وهذا قول ~~أكثر المفسرين قالوا لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر ~~قال سعيد بن جبير وابن زيد لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد ~~الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة ~~من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل # وأنت إذا تأملت هذا المقسم به والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة ~~على الربوبية وتغيير الله سبحانه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من ~~حال إلى حال وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون # PageV01P113 # بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولا حي ولا مريد ~~ولا حكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء # فالمقسم به وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه ~~وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله {فما لهم لا يؤمنون} إنكارا على ~~من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر ~~عليهم عدم خصوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينها ~~وأجزلها وأوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة غاية الحق بغاية ~~البيان والفصاحة # {بل الذين كفروا يكذبون} ولا ms068 يصدقون بالحق جحودا وعنادا {والله أعلم بما ~~يوعون} بما يضمرون في صدورهم ويكتمونه وما يسرونه من أعمالهم وما يجمعونه ~~فيجازيهم عليه بعلمه وعدله {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون} . ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله سبحانه {فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس ~~والصبح إذا تنفس} أقسم # PageV01P114 # سبحانه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانها وغروبها هذا قول ~~علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب # والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنه سمي الشيطان خناسا ~~لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ومنه قول أبي هريرة فانخنست والكنس ~~جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في ~~هودجها ومنه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها # والجواري أي جمع جارية كغاشية وغواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم ~~قالوا الكواكب تخنس بالنهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس ~~على هذا القول تتأخر عن البصر وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها وفيه قول آخر ~~وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة ~~بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها # PageV01P115 # راجعة وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب وهي السيارة وهذا قول الفراء ~~وفيه قول ثالث وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها ~~التي تغيب فيها وهذا قول الزجاج # ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانه ~~بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء ~~بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا أنه قد خنس فذكر سبحانه جريانها ~~وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه ~~الطلوع فالطلوع أول جريانها # فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ~~ربوبيته # وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه أحدها أن هذه ~~الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة الثاني ms069 اشتراك أهل الأرض في ~~معرفته بالمشاهدة والعيان الثالث أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي ~~فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات الرابع إن الذين فسروا ~~الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف ~~وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء ~~والظبي أخنس ومنه سميت # PageV01P116 # الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا امر خفي يحتاج إلى تامل وأكثر الناس لا ~~يعرفونه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها ~~الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في ~~أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر الخامس أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول ~~الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوى فيه ولا اظهر منه حتى يتعين للقسم ~~السادس أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس بالتسكين لأنه جمع أخنس فهو كأحمر ~~وحمر ولو أريد به جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كحمراء وحمر فلما ~~جاء جمعه على فعل بالتشديد استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر ~~وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها ~~السابع أنه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف ~~القرآن ولا عادته وإنما يقسم سبحانه من كل جنس بأعلاه كما أنه لما أقسم ~~بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه ~~وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها ~~وقمرها ونجومها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه وهو الليالي العشر وإذا أراد ~~سبحانه أن يقسم بغير # PageV01P117 # ذلك أدرجه في العموم كقوله {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون} وقوله ~~{الذكر والأنثى} في قراءة رسول الله ونحو ذلك الثامن أن اقتران القسم ~~بالليل والصبح يدل على أنها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر ~~والغزلان والليل والصبح في قسم واحد وبهذا احتج أبو إسحاق على أنها النجوم ~~فقال هذا أليق بذكر النجوم منه ms070 بذكر الوحش التاسع أنه لو أراد ذلك سبحانه ~~لبينه وذكر ما يدل عليه كما أنه لما أراد بالجواري السفن قال {ومن آياته ~~الجوار في البحر كالأعلام} وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على ~~أنها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنها النجوم من الوجوه التي ذكرناها ~~وغيرها العاشر أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين ورجوم ~~للشياطين وبين المقسم عليه وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب ~~وداحض لشبهات الشيطان أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن ~~والله أعلم. ### | ### | فصل # # واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره فالأكثرون على أن عسعس ~~بمعنى ولى وذهب وأدبر هذا قول علي وابن عباس # PageV01P118 # وأصحابه قال الحسن أقبل بظلامه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد # فمن رجح الإقبال قال أقسم الله سبحانه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النهار ~~فقوله {والصبح إذا تنفس} مقابل لليل إذا عسعس قالوا ولهذا أقسم الله ب ~~{والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} وبالضحى قالوا فغشيان الليل نظير ~~عسعسته وتجلى النهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله # ومن رجح أنه إدباره احتج بقوله تعالى {كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح ~~إذا أسفر} فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس ~~الصبح قالوا والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النهار فإنه عقيبه ~~من غير فصل فهذا أعظم في الدلالة والعبرة بخلاف إقبال الليل وإقبال النهار ~~فإنه لم يعرف القسم في القرآن بهما ولأن بينهما زمنا طويلا فالآية في ~~انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ فذكر سبحانه حالة ضعف هذا ~~وإدباره وحالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة اليل بتنفسه فكلما تنفس ~~هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم # PageV01P119 ### | ### | فصل # # ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو ههنا ~~جبريل قطعا لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في ~~الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده ms071 أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال ~~{وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون} فأضافه ~~إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة وإضافته إلى كل واحد من الرسولين ~~إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل ~~على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من ~~أرسل جبريل ومحمدا وأن كلا منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغا وقول الله ~~الذي تكلم به حقا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلما بالقرآن وهو كلامه ~~حقا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ~~ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من ~~جبريل # ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع ~~في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن # PageV01P120 # تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين ~~فناهيك بهذا السند علوا وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته # الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريما ليس كما يقول أعداؤه ~~إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير ~~باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد ~~شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي ~~الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ~~ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري ~~والمعنوي # الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر {علمه شديد القوى} وفي ذلك ~~تنبيه على أمور # أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئا وأن ~~يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه # الثاني أنه موال لهذا ms072 الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما ~~قال تعالى {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ~~والملائكة بعد ذلك ظهير} # PageV01P121 # ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور ~~والله هاديه وناصره # الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا ~~القوة والشدة فهو عرضة للهلاك # الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما ~~أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور ~~لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على ~~فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويا أمينا معظما ذا ~~مكانة عنده مطاعا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل ~~على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم ~~القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ~~ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية # وقوله {ذي قوة عند ذي العرش مكين} أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب ~~الملائكة إليه وفي قوله {عند ذي العرش} إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان ~~قريبا من ذي العرش سبحانه # وفي قوله مطاع ثم إشارة إلى أن جنوده وأعوانه # PageV01P122 # يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد وفيه إشارة أيضا إلى أن هذا ~~الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء ~~وأن كلا من الرسولين مطاع في محله وقومه وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك ~~المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع # وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه # ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال {وما صاحبكم بمجنون} ~~وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم ~~كانوا ms073 كاذبين # ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ~~ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس ~~مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان ~~وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان ~~تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل ~~هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعا وأما رؤيته ~~لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح ~~جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد # PageV01P123 # الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى ~~تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه ~~فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة # ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم عما يضاد ~~مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي ~~يوجب التهمة فقال {وما هو على الغيب بضنين} فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا ~~بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان ~~والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن ~~الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل ~~بن معمر: # أجود بمضنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين # قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلا بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن ~~عليهم بما يعلم # وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال # PageV01P124 # الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا ~~معنى حسن جدا فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف ~~قدره ويذمه ويذم من هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي ~~هو أنفس شيء وأجله وقال ms074 أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر ~~به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا ~~وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ~~ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن ~~كذبهم أضعاف صدقهم وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ~~ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الأخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم ~~الغيب واثقا به مقيما عليه مبديا له في كل مجمع ومعيدا مناديا به على صدقه ~~مجلبا به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه # وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيدا بمعنى ~~اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ~~ومنه ما أنشده أبو عبيدة: # أما وكتاب الله لا عن شناءة ... هجرت ولكن المحب ظنين # والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد # PageV01P125 # فيه ولا ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف ~~الرسول الملكي بالأمانة ثم قال {وما صاحبكم بمجنون} ثم قال وما هو أي وما ~~صاحبكم بمتهم ولا بخيل # واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما ~~اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنه قال على الغيب ولو كان ~~المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا # قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة ~~كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما ~~جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذبا فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان ~~منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم ~~وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين ms075 وإن كان عن غير تعمد فهو ~~المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا ~~قال سبحانه {وما هو بقول شيطان رجيم} ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا ~~يحسن منه كما قال تعالى {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون} فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة ~~بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علما # PageV01P126 # لا يمارى فيه ولا يشك بل علما ضروريا كسائر الضروريات منافاة أحدهما ~~للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين ~~للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من ~~كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين ~~تذهبون قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم # قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول ~~خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى {فبأي حديث بعده يؤمنون} وقال {فبأي ~~حديث بعد الله وآياته يؤمنون} فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال ~~فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب # ونظير هذا قوله {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم} أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد ~~في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى {بل كذبوا بالحق ~~لما جاءهم فهم في أمر مريج} لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم ~~والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئا # PageV01P127 # إلا كان باطلا ولا يفعلون شيئا إلا كان ضائعا غير نافع لهم وهذا شأن كل ~~من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى {فإن لم يستجيبوا ~~لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز وجل ~~{فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} ### | ### | فصل # # ثم أخبر تعالى عن ms076 القرآن بأنه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين ~~وفي موضع آخر لرسوله ولقومه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي موضع آخر ذكر مبارك ~~وفي موضع آخر وصفه بأنه ذو الذكر # وبجمع هذه المواضع تبين المراد من كونه ذكرا عاما وخاصا وكونه ذا ذكر ~~فإنه يذكر العباد بمصالحهم في معاشهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ~~ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم ~~بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل ~~به ويذكرهم بعدوهم وما يريد منهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب ~~والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنهم مضطرون إليه لا ~~يستغنون عنه نفسا واحدا ويذكرهم # PageV01P128 # بنعمه عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منها ويذكرهم بأسه وشده بطشه ~~وانتقامه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه # ولهذا يأمر سبحانه عباده أن يذكروا ما في كتابه كما قال {وإذ أخذنا ~~ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم ~~تتقون} وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم ~~لقومه ثم لجميع العالمين وحيث خص به المتقين فلأنهم الذين انتفعوا بذكره # وأما وصفه بأنه ذو الذكر فلانه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنه ~~الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمه ~~وفيه الرحمة # وقوله سبحانه {لمن شاء منكم أن يستقيم} بدل من العالمين وهو بدل بعض من ~~كل وهذا من أحسن ما يستدل به على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن ~~جهة كونه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونه ذكرا لأهل الإستقامة فإنه ذكر ~~للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل ~~أخص من المبدل منه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منه ~~ولا بد من هذا فتأمله # وقوله {لمن شاء منكم} رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو ~~أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل ms077 لا ارتباط # PageV01P129 # بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه # وقوله {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} رد على القدرية القائلين بأن مشيئة ~~العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد ~~الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون ~~مشيئة الله # فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري هو سبحانه لم يقل إن ~~الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن ~~قائلون بذلك وقال القدري قوله {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} مختلفة فمشيئة ~~العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن ~~لا ننكر ذلك. # فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل ~~عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانه بكونه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير ~~لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية ~~عندك والاقتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة سوى الله ~~سبحانه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى ~~الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة ~~والاقتران العادي حاصل مع الجميع # وأما القدري فتحريفه أشد لأنه حمل المشيئة على الأمر وقال المعنى # PageV01P130 # وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم ~~تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله {ولو شاء ربك ما ~~فعلوه} وقوله {ولو شاء الله ما اقتتلوا} وقوله {ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها} وقوله {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} ~~ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة # والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة ~~العباد من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى فما ~~لم يشأ لم يكن البتة كما أن ما شاء ms078 كان ولا بد # ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانه تارة تتعلق ~~بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة ~~عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا ~~يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنه سبحانه ~~قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنه لم ~~يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له # وقد دل على هذا قوله تعالى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ~~وقوله {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} # PageV01P131 # وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل ~~العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منهما عبودية مختص بها فعبودية الآية ~~الأولى والاجتهاد واستفراغ الوسع والاختيار والسعي وعبودية الثانية ~~الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه واستنزال التوفيق والعون منه ~~والعلم بأن العبد لا يمكنه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك # وقوله رب العالمين ينتظم ذلك كله ويتضمنه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد ~~كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ~~فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا} فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة # فأقسم سبحانه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إذ ذلك من أعظم آياته وحذف ~~مفعول النزع والنشط لأنه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد به وأن القسم ~~على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول ~~كقوله: {فأما من أعطى واتقى} ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين ~~المنزوع # PageV01P132 # وأكثر المفسرين على أنها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامهم ~~وهم جماعة كقوله 6: 61 {توفته رسلنا} وقوله: {إن الذين توفاهم الملائكة} ~~وأما قوله: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} فأما أن يكون واحدا وله ~~أعوان وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله: {وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه} وقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} # والنزع هو اجتذاب ms079 الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ~~ومنه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال أغرق في النزع ~~ثم صار مثلا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره # والغرق اسم مصدر أقيم مقامه كالعطاء والكلام أقيم مقامه الاعطاء والتكلم # واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم فعلى القول الذي حكيناه يكون ~~متعديا وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس وقال ابن ~~مسعود هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس على # PageV01P133 # هذا فهو فعل لازم وغرقا على هذا معناه نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشده # وفي هذا القول ضعف من وجوه أحدها أن عطف ما بعده عليه يدل على أنها ~~الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات الثاني أن الأقسام بنفوس الكفار ~~خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه الثالث أن النزع مشترك بين نفوس ~~بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن النازعات هي النجوم تنزع من ~~المشرق إلى المغرب وغرقا هو غروبها قال تنزع من ههنا وتغرق ههنا واختاره ~~الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح ~~نزعا شديدا وقال عطاء وعكرمة هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب ~~أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع # قلت النازعات اسم فاعل من نزع ويقال نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنه ~~إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه إذا ذهب إليه وما إليه وهذا إنما ~~توصف به النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنه وأحق ما ~~صدق عليه هذا الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها ~~أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس ~~الإنسانية أيضا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع # PageV01P134 # أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أو نجم ~~والنفوس تنزع إلى أوطانها وإلى ms080 مألفها وعند الموت تنزع إلى ربها المنايا ~~تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما ~~وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها # فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى ~~فإنه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر ~~صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا ~~الوصف # فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم فهم النازعات التي تنزع الأرواح من ~~الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم نشط الدلو من ~~البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع والسابحات التي تسبح في ~~الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت به كما تسبح الطير في الهواء فالسابقات ~~التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت به لا تبطئ عنه ولا تتأخر فالمدبرات أمور ~~العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال # وقد روي عن ابن عباس أن النازعات الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف ~~والناشطات الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء ~~هذا القول فقال هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال # PageV01P135 # الواحدي إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين ~~فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين والناشطات هي النفوس التي تنشط ~~لما أمرت به والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به # وقيل السابحات هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى {كل في فلك يسبحون} ~~وقيل هي السفن تسبح في الماء وقيل هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة ~~صاعدة إلى ربها # قلت والصحيح أنها الملائكة والسياق يدل عليه وأما السفن والنجوم فإنما ~~تسمى جارية وجواري كما قال تعالى {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام} ~~وقال {حملناكم في الجارية} وقال {الجوار الكنس} ولم يسمها سابحات وإن أطلق ~~عليها فعل السباحة كقوله {كل في فلك يسبحو} ويدل عليه ذكره السابقات ms081 بعدها ~~والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن ~~المذكور قبله فإنها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت به فدبرته ولو كانت ~~السابحات هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق ~~والتدبير بالفاء فتأمله # قال مسروق ومقاتل والكلبي فالسابقات سبقا هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق ~~سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح # PageV01P136 # والإيمان والتصديق قال مقاتل تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة وقال الفراء ~~والزجاج هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين ~~تسترق السمع وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة ~~والشياطين في إلقائهم الوحي وأن الملائكة تسبقهم به إلى الأنبياء وهذا ليس ~~بصحيح فإن الوحي الذي تأتى به الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين ~~وهم معزولون عن سماعه وإن استرقوا بعض ما يسمعونه من ملائكة السماء الدنيا ~~من أمور الحوادث فالله سبحانه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين ~~شيئا منه وعزلهم عن سمعه ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة ~~التي تسبق الشياطين بالرجم بالشهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له ~~وجه فإن الشيطان يبدر مسرعا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله ~~بالشهب الثواقب فتهلكه وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشهب له # وفسرت السابقات سبقا بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته # وأما المدبرات أمرا فأجمعوا على أنها الملائكة قال مقاتل هم جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وملك الموت يدبرون أمر الله تعالى في الأرض وهم المقسمات ~~أمرا قال عبد الرحمن بن ساباط جبريل موكل بالرياح وبالجنود وميكائيل موكل ~~بالقطر والنبات وملك الموت موكل بقبض الأنفس وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم ~~وقال ابن عباس هم الملائكة وكلهم الله بأمور # PageV01P137 # عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم ~~وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب إنتهى # وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا وللرؤيا ملك موكل بها وللجنة ملائكة ~~موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشها ونمارقها وأرائكها ~~وللنار ملائكة موكلة بعمل ms082 ما فيها وإيقادها وغير ذلك # فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ قد وكل الله بذلك ~~كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد ~~أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به # وأما من قال أنها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله ~~النجوم تدبر شيئا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال الله تعالى {والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره} فالله سبحانه هو المدبر بملائكته لأمر العالم ~~العلوي والسفلي # قال الجرجاني وذكر السابقات والمدبرات بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما ~~قبلها أقسام مستأنفة وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنه قال فاللاتي ~~سبحن فسبقن كما تقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ولو ~~قلت قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب # واعترض عليه الواحدي فقال هذا غير مطرد في هذه الآية # PageV01P138 # لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في ~~قول المفسرين # قلت: الملائكة داخلون في السابقات قطعا وأما اختصاص السابقات بالملائكة ~~فهذا محتمل وأما قوله يبعد أن يكون السبق سببا للتدبير فليس كما زعم بل ~~السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر به الملك فهو سبب الفعل الذي أمر به وهو ~~التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ ~~بخلاف الأقسام الثلاثة والله أعلم # وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت ~~القرآن أو أنه من القسم الذي أريد به التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم ~~به دون أن يراد به مقسما عليه بعينه وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه ~~وإن لم يذكر لفظا ولعل هذا مراد من قال أنه محذوف للعلم به لكن هذا الوجه ~~ألطف مسلكا فإن المقسم به إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزما استغنى عن ~~ذكره بذكره وهذا غير كونه محذوفا لدلالة ما بعده عليه فتأمله ولعل هذا قول ~~من قال أنه إنما أقسم برب هذه الأشياء وحذف المضاف فإن ms083 معناه صحيح لكن على ~~غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامه سبحانه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ~~ربوبيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته فالاقسام بها في الحقيقة إقسام ~~بربوبيته وصفات كماله فتأمله # PageV01P139 # ثم قرر سبحانه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد ~~إذ من المحال أن يكون موسى نبيا ومحمد ليس نبيا مع أن ما يثبت نبوة موسى ~~فلمحمد نظيره أو أعظم منه وقرر سبحانه تكليمه لموسى بندائه له بنفسه فقال ~~{إذ ناداه ربه} فأثبت المستلزم للكلام والتكليم وفي موضع آخر أثبت النجاء ~~والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس # ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له {فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك ~~إلى ربك فتخشى} ففي هذا من لطف الخطاب ولينه وجوه # أحدهما إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرجه مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ~~ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين {ألا تأكلون} ولم يقل كلوا الثاني قوله ~~إلى أن تزكى والتزكي النماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرا ~~يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل الثالث قوله تزكى ولم يقل أزكيك ~~فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك الرابع قوله وأهديك أي أكون ~~دليلا لك وهاديا بين يديك فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب أي أكون ~~دليلا لك وهاديا فتزكى أنت كما تقول للرجل هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منه ~~ما شئت وهذا أحسن من قوله أعطيك الخامس قوله إلى ربك فإن في هذا ما يوجب ~~قبول ما دل عليه وهو أنه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره # PageV01P140 # وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه حنينا وصغيرا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع ~~من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده ألا تطيع سيدك ~~ومولاك ومالكك وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك السادس قوله فتخشى أي ~~إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه ~~فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون ms084 الخشية السابع أن في ~~قوله هل لك فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ومعلوم أن ~~كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى ~~حاجة الداعي فكأنه يقول الحاجة لك وأنت المتزكي وأنا الدليل لك والمرشد لك ~~إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناء وادعى أنه رب العالمين هذا ~~وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى ولا قدر فهدى فكذب الخبر وعصى الأمر ثم ~~أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنه ربهم ~~الأعلى واستخفهم فأطاعوه فبطش به جبار السماوات والأرض بطشة عزيز مقتدر ~~وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من ~~المؤمنين وحق القول على الكافرين # ثم أقام سبحانه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منهم وأكبر وأعظم وأعلى ~~وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها # PageV01P141 # وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد ~~منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض ~~لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق ~~والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقا جديدا # فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق ~~الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجا ~~إلى جواب والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا ~~فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع} فسرت ~~المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة ~~وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده ~~وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس # قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب ~~فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق # PageV01P142 # فيصيب بها من يشاء فإرساله واقع على ms085 ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ~~ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ~~ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان ~~على الكفار # فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال ~~رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين ~~وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء ~~مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في ~~القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضا فاقتران اللفظة بما بعدها ~~من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضا فإن الرسل مقسم عليهم في ~~القرآن لا مقسم بهم كقولهم {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} وقوله {وإنك ~~لمن المرسلين} وقوله {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين} وإن كان العرف ~~من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في ~~قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه ~~والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفا ~~عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها ~~الرياح # PageV01P143 # عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل ~~المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون ~~على أنها الرياح وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا ~~أباده وأهلكه قال الأعشى: # تعصف بالدراع والحاسر ... # حكاه أبو إسحاق وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل ~~على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما ~~يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره ~~الدالة على ثبوتهما # وأما الناشرات نشرا فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله ~~معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي ~~الرياح تأتي بالمطر ويدل على ms086 صحة قوله تعالى {وهو الذي يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته} يعني أنها تنشر السحاب نشرا وهو ضد الطي وقال مقاتل هي ~~الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس ~~وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل ~~تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان وقال ~~أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها # PageV01P144 # قلت ويجوز أن تكون الناشرات لازما لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن ~~كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس ~~التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي ~~حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب ~~لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمرا ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل ~~الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفا ~~على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنه قسم ~~مبتدأ فأتى فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن ~~الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد ~~اختلف في الفارقات والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ~~ذكرا عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق # وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين ~~الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارا وإنذارا # ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال هي تفرق السحاب ههنا ~~وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال الفارقات أي القرآن ~~يفرق بين الحق # PageV01P145 # والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل ~~إنها الرياح ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن ~~أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول # ويظهر والله أعلم بما أراد من كلامه أن القسم في هذه الآية وقع على ~~النوعين الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن ms087 حياة الأرض والنبات وأبدان ~~الحيوان بالرياح فإنها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة ~~القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا والله ~~أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء # وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية ~~وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله {ألم نخلقكم من ~~ماء مهين} فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الأقسام بما ~~يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في القسم بذلك ~~أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا كان المكذب ~~بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه ~~الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب # فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه # PageV01P146 # منه موقعا فإنه تكرر عشر مرات ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه ~~عقيب ما يوجب التصديق وما يوجب التصديق به فتأمله ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة} وقد ~~تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينهما في الذكر وكون الجواب غير ~~مذكور وأنه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم به ويجوز أن ~~يكون من القسم المقصود به التنبيه على دلالة المقسم به وكونه آية ولم يقصد ~~به مقسما عليه معينا فكأنه يقول اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسما بها ~~لكونها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا # ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانه وظنه أن الله لا يجمع عظامه ~~بعد ما فرقها البلى ثم أخبر سبحانه عن قدرته على جمع غيرها من عظامه وعلى ~~هذا فيكون سبحانه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن ~~فعله بأنه لا يلزمهم من القدرة وقوع المقدور والمعنى بل نجمعها قادرين على ~~تسوية بنانه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله بلى فإنها حرف إيجاب لما تقدم ms088 ~~من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على ~~الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين # PageV01P147 # وفي ذكر البنان لطيفة أخرى وهي أنها أطرافه وآخر ما يتم به خلقه فمن قدر ~~على جمع أطرافه وآخر ما يتم به خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على ما ~~دون ذلك أقدر فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والارمام قيل إنا ~~نجمع ونسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ~~ومفاصلها # وقالت طائفة المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها ~~مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينهما ولا يمكنه أن ~~يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون ~~الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس ~~وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل ~~عظام بنانه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها # فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانه على جمع ~~العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانه على جمع عظامه ~~بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنه ~~هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام واطراده ولأن ~~الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في # PageV01P148 # الدنيا وإنما سبق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني ~~ولعله قول جمهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره وأنه استدلال بآية ~~ظاهرة مشهورة وهي تفريق البنان مع انتظامها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض ~~فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ~~ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو ~~شاء سبحانه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح ~~التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانه على جمع عظامه ms089 ~~بعد الموت # ثم أخبر سبحانه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنه لا ~~يرعوي ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامه ويبعثه حيا بل هو مريد للفجور ما ~~عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله ~~والدار الآخرة فهذا لا يندم يندم على ما مضى منه ولا يقلع في الحال ولا ~~يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب ~~المنيب # ثم نبه سبحانه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا ~~استبعادا لزمنه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنه في موضع ~~آخر قوله {ذلك رجع بعيد} # PageV01P149 # أي بعيد وقوعه وليس المراد أنه واقع بعيد زمنه هذا قول جماعة من المفسرين ~~منهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس يقدم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة ~~وعكرمة قدما قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره # وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامه من ~~البعث ويوم القيامة وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وأبي إسحاق قال ~~هؤلاء ودليل ذلك قوله {يسأل أيان يوم القيامة} ويرجع هذا القول لفظه بل ~~فإنها تعطى أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو ~~مريد للتكذيب به ويرجحه أيضا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا ~~في ذم العاصي والفاجر وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد ~~فإنه قال {أيحسب الأنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه} ~~فأنكر سبحانه عليه حسبانه أن الله لا يجمع عظامه ثم قرر قدرته على ذلك ثم ~~أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منه أن لا يحييه بعد ~~موته والثاني تكذيب منه بيوم البعث وأنه يريد أن يكذب بما وضح وبان دليل ~~وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب به ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال {يسأل ~~أيان يوم القيامة} فالأول # PageV01P150 # إرادة التكذيب ms090 والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به وهذا قول قوي كما ترى لكن ~~ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى فإن لفظة يفجر إنما تدل على ~~عمل الفجور لا على التكذيب وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل ~~فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامه وهذا المعنى صحيح لكن ~~دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة # فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه ~~حكمه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر ~~المتكلم فعلا وما يضمنه معنى فعل آخر ويجري على المضمن أحكامه لفظا وأحكام ~~الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار ومن تدبر هذا ~~وجده كثيرا في كلام الله تعالى # فلفظ يفجر اقتضت أمامه بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته ~~لفظا واقتضى ما تضمنه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه ~~هذا القول لفظا ومعنى والله أعلم # ثم أخبر سبحانه عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذب به فقال ~~{فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين ~~المفر} فبرق بصره أي يشخص # PageV01P151 # يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوؤه وانمحى وجمع ~~الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعد ما ~~فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمه وأخره من خير ~~أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ويجمع المؤمنين في دار الكرامة ~~فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك ~~كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من منى يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء ~~بعد ما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك ~~الموت ويجمع بين الساق والساق إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنه من البشر ~~ومن يجهز روحه من الملائكة أو ms091 يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف أنكر ~~هذا الإنسان أن يجمع بينه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني جنسه ليوم ~~الجمع وأن يجمع عليه بين أمر الله ونهيه وعبوديته فلا يترك سدى مهملة معطلا ~~لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك # فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة ~~الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها ~~همومها وغمومها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة ~~الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة # PageV01P152 # وباسرة معذبة وتضمنت وصف الروح بأنها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع ~~من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون من راق أي من يرقى من هذه ~~العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب ~~وقيل من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب فعلى الأول تكون ~~من رقى يرقى كرمى يرمى وعلى الثاني من رقى يرقى كشقى يشقى ومصدره الرقاء ~~ومصدر الأول الرقية والقول الأول أظهر لوجوه أحدها أنه ليس كل ميت يقول ~~حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت ~~وأنهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنه قل ما ~~يخلو منه المحتضر الثاني أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها وحينئذ ~~يقال من يرقى بها وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب ~~من طلب علم من يرقى بها إلى الله الثالث أن فاعل الرقية يمكن العلم به ~~فيحسن السؤال عنه ويفيد السامع وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم ~~بتعيينه حتى يسأل عنه ومن إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل ~~إلى العلم بتعيينه الرابع أن مثل هذا السؤال إنما يراد به تحضيض وإثارة ~~اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} أو ~~يراد به إنكار فعل ما ms092 يذكر بعدها # PageV01P153 # كقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وفعل الراقي إلى الله لا يحسن ~~فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنه يحسن فيه الأول الخامس أن ~~هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال ~~فحكى الله سبحانه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول لأنه ليس الغرض ~~متعلقا بالقائل بل بالقول ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه ~~فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى إذ هو تذكير لهم بما ~~يشاهدونه ويسمعونه السادس أنه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال ~~من هو الراقي ومن الراقي ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل ~~منكما كذا وكذا وفي الحديث من القائل كلمة كذا السابع إن كلمة من إنما يسأل ~~بها عن التعيين كما يقول من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلا ~~وقائلا فعل وقال ولا # PageV01P154 # يعلم تعيينه فيسأل عن تعيينه بمن تارة وبأي تارة وهم لم يسألوا عن تعيين ~~الملك الراقي بالروح إلى الله # فإن قيل بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينه ~~فيسأل عن تعيين أحدهما قيل هم يعلمون أن تعيينه غير ممكن فكيف يسألون عن ~~تعيين مالا سبيل للسامع إلى تعيينه ولا إلى العلم به الثامن أن الآية إنما ~~سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنه قد حضر ~~ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منه بل هو قد ظن أنه مفارق لا محالة ~~فالحاضرون قد علموا أنه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه ~~فطلبوا أسبابا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا من راق أي ~~من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا ~~يجدي الدواء التاسع أن مثل هذا إنما يراد به النفي والاستبعاد وهو أحد ~~التقديرين في الآية أي لا أحد يرقى من هذه العلة بعد ms093 ما وصل صاحبها إلى هذه ~~الحال فهو استبعاد لنفي الرقية لا طلب لوجود الراقي كقوله {قال من يحيي ~~العظام وهي رميم} أي لا أحد يحييها وقد صارت إلى هذه الحال فإن أريد بها ~~هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضا أن ~~يكون منه وقد بينا أنها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار وحينئذ ~~فتقول في الوجه العاشر إنها إما أن يراد # PageV01P155 # بها الطلب أو الاستبعاد والطلب إما أن يراد به طلب الفعل أو طلب التعيين ~~ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن أسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر ~~والباطن فزين وجوههم بالنضرة وبواطنهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنهم ولا ~~أنعم ولا أحلى من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه ~~وتحسينه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر {ولقاهم نضرة وسرورا} ونظيره قوله ~~{يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا} فهذا جمال الظاهر ~~وزينته ثم قال {ولباس التقوى ذلك خير} فهذا جمال الباطن ونظيره قوله {إنا ~~زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} فهذا جمال ظاهرها ثم قال {وحفظا من كل ~~شيطان مارد} فهذا جمال باطنها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ~~ليوسف {اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا ~~بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه # PageV01P156 # فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين} فذكرها لهذا ~~هو من تمام وصفها لمحاسنه وأنه في غاية المحاسن ظاهرا وباطنا وينظر إلى هذا ~~المعنى ويناسبه قوله {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى} فقابل بين الجوع والعرى لأن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر وقابل ~~بين الظمأ وهو حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس وقريب من هذا ~~قوله {وتزودوا فإن ms094 خير الزاد التقوى} في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد ~~الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا وهذا زاد سفر الآخرة ويلم به قول هود ~~{ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم} فالأول القوة الظاهرة المن ### | ### | فصل # ة عنهم والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه قوله {فما له من قوة ~~ولا ناصر} فنفى عنهم الدافعين الدافع من أنفسهم والدافع من خارج وهو الناصر # فصل # ومن أسرارها أنها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنه لا يكون ولا ~~يفعله وهذا على أحد القولين في قوله {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} فأخبر ~~أنه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح # PageV01P157 # من هذا قوله تعالى {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا ~~على ذهاب به لقادرون} وهذا أيضا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض ~~فلا يقدر على الماء قال ابن عباس يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا ~~الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله ~~تعالى {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} ~~وقد ثبت عن النبي أنه قال عند نزول هذه الآية "أعوذ بوجهك" ولكن قد ثبت عنه ~~أنه صلى الله عليه وسلم # PageV01P158 # لا بد أن يقع في أمته خسف ولكن لا يكون عاما وهذا عذاب من تحت الأرجل ~~وروى أنه كان في الأمة قذف أيضا وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار ~~بقدرته على ما سيفعله وإن أريد به القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة ~~على ما لا يريده وقد صرح سبحانه بأنه لو شاء لفعل مالم يفعله في غير موضع ~~من كتابه كقوله {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} وقوله {ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها} ونظائره وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين ~~فساد قول من قال إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل ms095 لا قبله وأن الصواب ~~التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة ~~مطلقا خطأ والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع ~~شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من ~~آداب الرب التي أدب بها نبيه أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر ~~إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب ~~العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه # PageV01P159 # ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه # وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها ~~والثاني قوله {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه وقل رب زدني علما} والثالث قوله {سنقرئك فلا تنسى} فضمن لرسوله ~~أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها # وقد ذم الله سبحانه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا ~~لاستعجاله بالتمتع بما يغني وإيثاره ما يبقى ورتب كل ذم ووعيد في هذه ~~السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامه هو من ~~استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها ~~واستعجاله بنصيبه وتمتعه به قبل أوانه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال ~~لتمتع به في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من ~~استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده ~~بل أمهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر ~~على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمهله ويحدث له الذكر شيئا ~~بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب # PageV01P160 # له الأمثال وينبهه على مبدئه من كونه نطفة من منى يمني ثم علقة ثم خلقا ~~سويا فلم ms096 يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره ~~بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمهيل وتدريج وأنا ولهذا ذم الإنسان بالعجلة ~~بقوله {وكان الإنسان عجولا} وقال {خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا ~~تستعجلون} ### | ### | فصل # # ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين ~~لأصحابنا وغيرهم وهو الصواب فإن الله سبحانه أنكر على من حسب أنه يترك سدى ~~فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانه ذلك بطريق الخبر ~~المجرد بل نفاه نفي مالا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم به وظنه ثم ~~استدل سبحانه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله ~~فيها طورا بعد طور حتى بلغ نهايته يأبى أن يتركه سدى فإنه ينزه عن ذلك كما ~~ينزه عن العبث والعيب والنقص # وهذه طريقة القرآن في غير موضع كما قال تعالى {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم} فجعل كمال ملكه وكونه # PageV01P161 # سبحانه الحق وكونه لا إله إلا هو وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ~~ما دونه مبطلا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم ~~مثل إنكاره عليهم حسبانهم أنه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنه لا يراهم ~~ولا يقدر عليهم وحسبان أنه يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم ~~وغير ذلك مما هو منزه عنه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك ~~كنسبة ما يتعالى عنه مما لا يليق من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مما ~~ينكره سبحانه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته ~~إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس # ولو كان نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بعد ذلك {ألم يك ~~نطفة} إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ~~ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه ms097 وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم ~~إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء ~~بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك ~~كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك ~~الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامه ~~وعلوه على خلقه لم يؤمن به سبحانه فإنه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ~~ولا يصعد إليه قول ولا # PageV01P162 # عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولا نهي ولا ترفع إليه الأيدي ومعلوم ~~أن هذا الذي آمن به رب مقدر في ذهنه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين # وكذلك إذا اعتبرت اسمه الحي وجدته مقتضيا لصفات كماله من علمه وسمعه ~~وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمه القيوم مقتض لتدبير أمر ~~العالم العلوي والسفلي وقيامه بمصالحه وحفظه له فمن أنكر صفات كماله لم ~~يؤمن بأنه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم ~~يمكنه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها ~~لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} أقسم سبحانه ~~بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه ~~وبارئه وحكمته وعلمه وعنايته بخلقه ما هو معلوم بالمشاهدة # وهو سبحانه أقسم بالسماء وما فيها مما لا نراه من الملائكة وما فيها مما ~~نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات # PageV01P163 # الشمس والقمر من الليل والنهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ~~ربوبيته # ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما ~~وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع ~~في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ~~ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه ولا تدرك الشمس ~~القمر ولا يجيء الليل ms098 قبل انقضاء النهار بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا ~~يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل ~~من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته ~~العقول وأحاط علمه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمه الناس من الحكم التي في ~~خلقهما مالا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامهم فغايتنا ~~الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا ~~الألباب قبلنا {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب} ولو أن العبد وصف ~~له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ~~ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى ~~يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة # PageV01P164 # الأشهر والسنين وحساب آجال العالم من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت ~~أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلا بها فمصالح الدنيا ~~والدين متعلقة بالأهلة # وقد ذكر سبحانه ذلك في ثلاث آيات من كتابه أحدها قوله {يسألونك عن الأهلة ~~قل هي مواقيت للناس والحج} والثانية قوله {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق ~~يفصل الآيات لقوم يعلمون} والثالثة قوله {وجعلنا الليل والنهار آيتين ~~فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا} فلولا ما يحدثه الله سبحانه في ~~آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدة ومدة ~~الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات # فإن قيل كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها ~~كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامهم وأعيادهم بحساب الشمس قيل هذا وإن كان ~~ممكنا إلا أنه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن ~~معرفة أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس # PageV01P165 # وهو أسهل من ms099 معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابا واختلافا ولا يحتاج إلى ~~تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في ~~تقدير السنين والشهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافا من تقديرها ~~بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في ~~مصالح دينهم ودنياهم مع ما يتصل به من الاستدلال به على وحدانية الرب وكمال ~~حكمته وعلمه وتدبيره فشهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث ~~والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة ~~الفلاسفة والملاحدة القائلين بأنها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا ~~يمكن عدمها # فإذا تأمل البصير القمر مثلا وافتقاره إلى محل يقوم به وسيره دائبا لا ~~يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة ~~وذهاب نوره شيئا فشيئا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود ~~قطعة مظلمة بالكسوف علم قطعا أنه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر ~~له كما يشاء وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلا وأن هذه الحركة فيه لا ~~بد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لا بد أن ينتهي إلى ~~ضده وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل # PageV01P166 # وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث ~~شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه كما يرى عباد ~~الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد لأصنام ~~إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في ~~الدنيا حاله ومبارد وعباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في ~~اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ~~ومعاول الموحدين قد هشمت منها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك ~~الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة ~~الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنه يرى عابد غيره ms100 حال معبوده في ~~الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منه ~~ومعاداته له أحوج ما يكون إليه {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} # {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} . # تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل # وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل # ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في ~~الشمس ولو شاء لغيرهما معا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده ~~آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه # PageV01P167 # الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد {ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان ~~الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من ~~حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فامر ظاهر ### | ### | فصل # # وما أقسامه سبحانه ب: {والليل إذ أدبر} فلما في أدباره وإقبال النهار من ~~أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود ~~بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت ~~عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه ~~فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من ~~القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو ~~معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدىء ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى ~~الواحد القهار # PageV01P168 # فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش ~~الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك ~~نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما ~~وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيما ~~لسلطان الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس ~~يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانت تهنيهم ~~الحياة مع فقد ms101 لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد وكيف كانت ~~تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار ~~مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل ~~عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنا ~~ولباسا كما جعل النهار ضياء ومعاشا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات ~~والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان ~~فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجا يطلع على العالم في وقت حاجتهم ~~إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار ~~النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه ~~فلو جعل الله سبحانه النهار سرمدا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى # PageV01P169 # يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته ~~بضده # وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة ~~الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في ~~الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب ~~وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول ~~الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد ~~الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ~~ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة ~~الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ ~~والمعاد الغيبي # والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن ~~الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى ~~مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في ~~العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام ~~الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه ~~لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات ms102 فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله ~~سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها # PageV01P170 # البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه ~~من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة ~~وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ~~ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلا أو أكثر لاختل نظام ~~العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضا ~~وتعطلت المصالح ولو استويا دائما لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها ~~مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات ~~والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه ~~هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى {وآية لهم الليل نسلخ منه ~~النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} ~~وقال تعالى {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك # PageV01P171 # تقدير العزيز العليم} وقال تعالى {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن ~~تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنها كان من مقتضى ~~عزته وعلمه وأنه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة ~~الذين ينفون قدرته واختياره وعلمه بالمغيبات ### | ### | فصل # # وأقسم سبحانه بهذه الأشياء الثلاثة وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا ~~أسفر على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنه يتضمن ~~كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشهود في ~~إبداء ms103 النهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء ~~الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات ~~وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول ~~وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت به الرسل كلهم ~~عنه فصرف سبحانه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة ~~والسمع تارة والمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشهودة ~~بالعيان ومذكورة بالجنان فأبى الظالمون إلا كفورا {واتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم # PageV01P172 # يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا} # ولما أقام الحجة وبين الحجة إرتهن كل نفس بكسبها وآخذها بذنبها واستثنى ~~من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله ~~وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من ~~مطعمي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع ~~صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين الأولى ترك ~~الصلاة وهي عمود الإخلاص للمعبود الثانية ترك إطعام المسكين الذي هو من ~~مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخلق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى ~~{الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} وقال {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ~~ولا ينفقون إلا وهم كارهون} وهذا ضد ما وصف به أصحاب اليمين بقوله {الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} وقال {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ~~ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} وقرن سبحانه بين هذين الأصلين في غير ~~موضع في كتابه فأمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل ~~والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما # PageV01P173 # الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم ~~الإخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب اليمين ~~الإخلاص والإحسان والتصديق بالحق والتكلم به فاستقام إخلاصهم وإحسانهم ~~ويقينهم وكلامهم واستبدل أصحاب الشمال بالإخلاص شركا وبالإحسان اساءة ~~وباليقين شكا وتكذيبا وبالكلام النافع خوضا في ms104 الباطل فلذلك لم تنفعهم ~~شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع ~~وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسا وجفلوا عن سماعها كما تجفل ~~حمر الوحش من الأسد أو من الرماة # ثم ختم السورة بأنه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات ~~المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوبية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول ~~عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما ~~يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الإستعانة والتوكل ~~والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه ~~التكلان # PageV01P174 ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله {فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم} ~~إلى آخرها قال مقاتل بما تبصرون من الخلق ومالا تبصرون منه وقال قتادة أقسم ~~بالأشياء كلها بما يبصر منها ومالا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء ومالا ~~تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات ~~والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن ~~والأنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو ~~سبحانه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى ومالا ~~يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا ~~كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن # ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول ~~بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله ~~وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى ~~منها ومالا يرى حق كما قال تعالى {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون} أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون # PageV01P175 # فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة ms105 حق كما في الحديث إنه ~~لحق مثل ما أنك ههنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من ~~الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون ~~لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره ~~بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرا وباطنا ففي ذلك أبين ~~دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر ~~قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه # ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال {إنه لقول رسول كريم} وهذا رسوله البشري ~~محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن ~~يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه ~~إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في ~~سورة التكوير # ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم ~~يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال {إن هذا إلا قول البشر} ~~فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر # ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورا: # PageV01P176 # أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده والثاني أنه تكلم ~~به حقيقة لقوله {من رب العالمين} ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك ~~الغير ونظير هذا قوله {ولكن حق القول مني} ونظيره قوله {قل نزله روح القدس ~~من ربك بالحق} وقوله {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} وقوله {تنزيل من ~~حكيم حميد} وما كان من الله فليس بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر ~~وما في السماوات والأرض جميعا منه وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة ~~بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان فإضافتها إلى الله سبحانه وانها منه ~~إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه بخلاف كلامه فإنه لا ~~بد أن ms106 يقوم بمتكلمه إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير ~~مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر ~~وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد ~~زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به وهذا ~~هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم ~~والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى ~~خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة # PageV01P177 # والشرع ولغات الأمم وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلا وشرعا وفطرة ولغة # وتأمل كيف إضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ ~~الكلام في قوله {حتى يسمع كلام الله} فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر ~~بقوله فيقول قلت كذا وكذا وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح {ما ~~قلت لهم إلا ما أمرتني به} والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال ~~تعالى {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} {وقل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن} {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن ~~يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغا وهذا قوله مبلغا عن ~~مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا ~~وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية ~~هذا كلامك وكلام صاحبك فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله # PageV01P178 ### | ### | فصل # # الأمر الثالث ما تضمنه قوله {تنزيل من رب العالمين} إنه ربوبيته الكاملة ~~لخلقة تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ~~ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم ~~يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا مالا يليق به تعالى {فتعالى الله الملك ~~الحق لا إله إلا ms107 هو رب العرش الكريم} # ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما ~~قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته ~~وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من ~~كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق ~~فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك ~~بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك ~~دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا إن الله أمرني بذلك وأباحه ~~لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات ~~المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق # PageV01P179 # كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل ~~آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل ~~آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم ~~الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن ~~أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب ~~العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق ~~فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعا ولا عرف ~~الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل ~~وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله # وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة ~~النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح ~~التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال ~~كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم ~~يكن رسولا وإنما كان ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ms108 ثلاثا ~~وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ~~ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا # PageV01P180 # وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ~~ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ~~ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ~~ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله ~~يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ ~~شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى ~~عالما بذلك مطلعا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه ~~غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط ~~إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك ~~بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرا على أن يغير ذلك ويأخذ على ~~يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرا على ذلك نسبتموه إلى العجز ~~المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم ~~وإن قلتم بل كان قادرا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه ~~وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان ~~مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته # PageV01P181 # ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي ~~لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ~~ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو ~~وكثرة الأتباع أمرا خارجا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولا نبيا فقد ~~سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه # قلت ms109 له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتا ما ~~ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئا من ~~هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى ~~بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ~~ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ~~ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة ~~الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال ~~الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء ~~وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل ~~وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه # فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه ~~فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا # PageV01P182 # قلت له بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا ~~بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا ~~الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار ~~وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ~~ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيا وعاد ~~الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدا ~~مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر # وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال {ولو تقول ~~علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من ~~أحد عنه حاجزين} يقول سبحانه لو تقول علينا قولا واحدا من تلقاء نفسه لم ~~نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد ms110 القولين ~~قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين ~~مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة ~~الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين # قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس ~~من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما ~~يقوله السلطان # PageV01P183 # والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء ~~مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ~~ذهب الحسن # فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئا من الأقاويل لما أقره ولعاجله ~~بالعقوبة فإن كذبا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب ~~عليه فضلا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه # وبقوله {ثم لقطعنا منه الوتين} والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر ~~حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة ~~قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا ~~لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر ~~تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري # PageV01P184 # والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني ~~السم فكنت كمن انقطع أبهره # ثم قال تعالى {فما منكم من أحد عنه حاجزين} أي لا يحجزه مني أحد ولا ~~يمنعه مني # الموضع الثاني قوله تعالى {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله ~~يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور} ~~وفي معنى الآية للناس قولان أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على ~~قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك ~~القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه # أحدها أن هذا خرج جوابا لهم وتكذيبا ms111 لقولهم أن محمدا كذب على الله وافترى ~~عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء ~~فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير ~~القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو ~~افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب ~~مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا ~~والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة ~~والجلالة والأخبار بالغيوب # PageV01P185 # مالم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على ~~قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ~~ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم # الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق ~~والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر ~~على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر # الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في ~~عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال ~~الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله {ختم ~~الله على قلوبهم} وقوله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم ~~على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} ونظائره وأما ربطه على قلب العبد ~~بالصبر فكقوله {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات ~~والأرض} وقوله {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا ~~على قلبها} والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا ~~يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي # الرابع أنه سبحانه حيث يحكى أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم # PageV01P186 # عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو ms112 افتراه لم يملكوا له من الله شيئا بل ~~كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله {أم يقولون افتراه قل إن افتريته ~~فلا تملكون لي من الله شيئا} وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء ~~منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون ~~وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر # الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه ~~وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير # السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما لا بالمطابقة ولا ~~التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير ~~هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء ~~عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ~~ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى {قل لو ~~شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا ~~الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك ~~مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم ~~منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم ~~يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم به ألبتة # PageV01P187 # لا على لساني ولا على لسان غيري ولكنه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم ~~وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به فلو كان كذبا وافتراء كما تقولون ~~لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر ~~وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري # ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه ~~فقال {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ms113 ومدخلي ~~ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به ~~علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب ~~التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من ~~عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا ~~أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا ~~عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليا له ولا لبعضه فتأمل صحة ~~هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته # ومن هذا قوله سبحانه {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك ~~به علينا وكيلا} وهذا هو المناسب لقوله {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن ~~يشأ الله يختم على # PageV01P188 # قلبك} ولقوله {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين} وبرهان ~~مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم # الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله ~~تعالى {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وقوله {إن يشأ يذهبكم أيها ~~الناس ويأت بآخرين} وقوله {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} وقوله ~~{إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} ونظائره لم يأت إلا ~~فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيا # التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ~~ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب ~~فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم} ومعنى الربط في اللغة الشد ~~ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه ~~يقال هو رابط الجأش وقد طن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس ~~كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه ms114 فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ~~ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط # PageV01P189 # عليه كأنه أحاط عليه بالربط فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ~~ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم # العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم ~~والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل ~~الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل ~~الله على قلبه مانعا من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختما وقد كان ~~يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} وكان ~~وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في ~~الآية هو قول قتادة والله أعلم # ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكره للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه ~~فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ~~ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ~~ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم ~~المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة ~~تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين # PageV01P190 # ثم قال سبحانه {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} أي لا يخفون علينا فسنجازيهم ~~بتكذيبهم # ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما ~~أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل ~~من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان ~~تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت ~~حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة # ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة ~~الموصوف إلى صفته أي ms115 الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع ~~يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق # ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة حق اليقين وعلم اليقين ~~وعين اليقين كما قال تعالى {كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم ~~لترونها عين اليقين} فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام ~~به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا ~~وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل ~~أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر # PageV01P191 # المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى ~~{ثم لترونها عين اليقين} وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم ~~والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعا ~~ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه ~~كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه ~~وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين ~~الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك ~~من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد ~~علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع # المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا ~~أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي ~~الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها ~~وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس ~~الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال {وإنه لحق اليقين} فإن القلب يباشر ~~الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ # PageV01P192 # يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي ~~الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين # وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم ~~بصدقه عندي ms116 عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين ~~يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه ~~الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن ~~العلم والعين والحق أعم من كونها يقينا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض ~~المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ~~ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف ~~إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة ~~فالمضاف إليه قد يكون مغايرا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه ~~فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم # ثم ختم السورة بقولة {فسبح باسم ربك العظيم} وهي جديرة بهذه الخاتمة لما ~~تضمنته من الأخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه ~~بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله ~~وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من # PageV01P193 # عباده من أن يقر كذبا متقولا عليه مفترى عليه يبدل دينه وينسخ شرائعه ~~ويقتل عباده ويخبر عنه بما لا حقيقة له وهو سبحانه مع ذلك يؤيده وينصره ~~ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانه العظيم الذي ~~تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا ~~العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله عز وجل {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن ~~نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين} أقسم سبحانه برب المشارق والمغارب وهي ~~إما مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة ~~مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال {رب ~~المشرقين ورب المغربين} فقيل هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما ~~يناسبه فجاء في ms117 سورة الرحمن {رب المشرقين ورب المغربين} لأنها سورة ذكرت ~~فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر ~~والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن ~~والبحرين # PageV01P194 # والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونهما وأخبر أن في ~~كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين # وأما سورة {سأل سائل} فإنه أقسم سبحانه على عموم قدرته وكمالها وصحة ~~تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على ~~المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو ~~كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن ~~يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى ~~كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب بها في مغرب # وأما في سورة المزمل فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ~~ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك ~~يحب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه ~~فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله ~~{وما رب العالمين} فقال {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} ~~وفي ربوبيته سبحانه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته السماوات وما حوته ~~من الشمس # PageV01P195 # والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنهار وما ~~تضمناه ثم قال {إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين} أي ~~لقادرون على أن نذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منهم وخيرا منهم كما قال تعالى ~~{إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} وقوله ~~{وما نحن بمسبوقين} أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا ~~المعنى بقولة {وما نحن بمسبوقين} لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده ~~فيفوت عليه ولهذا عدى بعلى دون إلى كما في قوله {وما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم} ms118 فإنه لما ضمنه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلى بخلاف سبقه ~~إليه فإنه فرق بين سبقته إليه وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه ~~والثاني بمعنى وصلت إليه قبله ### | ### | فصل # # وقد وقع الأخبار عن قدرته عليه سبحانه على تبديلهم بخير منهم وفي بعضها ~~تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ~~ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منهم ~~فهو إخبار عن قدرته على أن # PageV01P196 # يذهب بهم ويأتي بأطوع واتقى له منهم في الدنيا وذلك قوله {وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} يعني بل يكونوا خيرا منكم قال ~~مجاهد يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد ~~الله فلم يستبدل بهم وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة ~~الإنسان فقال في الواقعة {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون} وقال في سورة الإنسان {نحن خلقناهم ~~وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} قال كثير من المفسرين المعنى ~~أنا إذا أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك وفي قوله ~~{وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم ~~فجعلناهم بدلا منهم قال المهدوي قوما موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في ~~العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه ~~الآيات نظير قوله تعالى {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} فيكون ~~استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانه بهم أنفسهم إذا ~~ماتوا # ثم استدل سبحانه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال {ولقد علمتم النشأة ~~الأولى فلولا تذكرون} فنبههم بما علموه وعاينوه على # PageV01P197 # صدق ما أخبرتهم به رسله من النشأة الثانية # والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد ~~بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها وقد وفق ~~الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال وبدلنا أمثالهم ms119 في شدة الأسر يعني ~~النشأة الأخرى ثم قال وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بأن لا بإذا ~~كقوله {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} قلت وإتيانه بإذا التي لا تكون إلا ~~للمحق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنه واقع لا محالة وذلك هو ~~النشأة الأخرى التي استدل على إمكانها بقوله {ولقد علمتم النشأة الأولى} ~~واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونهم أمثالهم ~~هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينه فهم هم بأعيانهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم ~~يعادون فإذا قلت المعاد هذا هو الأول بعينه صدقت وإن قلت هو مثله صدقت فهو ~~هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانه بقوله {بل هم في لبس من خلق ~~جديد} فهذا الخلق الجديد هو المتضمن لكونهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانه ~~وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه ~~خلقا جديدا وهو مثل الخلق الأول كما قال {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في ~~لبس من خلق جديد} وسماه أمثالا وهم # PageV01P198 # هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضا وبين بعضها بعضا ولهذا تزول ~~إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت به الرسل عن الله ولا يفهم من ~~هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنهم غيرهم من كل وجه فهذا خطأ قطعا معاذ ~~الله من اعتقاده بل هم أمثالهم وهم أعيانهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في ~~العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم # وتأمل قوله تعالى في الواقعة {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت} كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلا بها ~~على النشأة الثانية بقولة {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم ~~في ما لا تعلمون} فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها ~~مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم ~~أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ~~ومشيئته ms120 لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على ~~النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل ~~والفهم وأبعد من كل شبهة وشك وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر ~~بالله وما جاءت به الرسل والإيمان # وقال في سورة الإنسان {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} # PageV01P199 # فهذه النشأة الأولى ثم قال {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} فهذه النشأة ~~الأخرى ونظير هذا {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن ~~عليه النشأة الأخرى} وهذا في القرآن كثيرا جدا يقرن بين النشأتين مذكرا ~~للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق ### | ### | فصل # # فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون} وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت ~~عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم ~~بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي الذي ~~يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم النافع والثاني ضد العمل الصالح فلا ~~تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء به الرسول لا بد ~~له من هذين الأمرين # ثم ذكر سبحانه حالهم عند خروجهم من القبور فقال {يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب ~~فيؤمونها وهذا من ألطف التشبيه وأبينه وأحسنه فإن الناس يقومون من قبورهم # PageV01P200 # مهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنه يمنة ولا يسرة كما قال ~~{يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا ~~يعرجون عنه قال الفراء وهذا كما تقول دعوتك دعوة لا عوج لك عنها وقال ~~الزجاج المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده # فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له قيل قالت ~~طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه وقالت طائفة المعنى لا عوج ms121 لهم عن ~~دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوى تسمع الجميع ~~لا تعوج عنهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام ~~منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ~~ولا في إجابتهم له # ثم قال تعالى {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع ~~الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنه أبصارهم وقريب من هذا ~~قوله {ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة} ونظيره قوله {وترهقهم ذلة ~~ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} وضد هذا ~~قوله تعالى # PageV01P201 # {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} فنفى عنه الجوع الذي هو ذل الباطن والعري ~~الذي هو ذل الظاهر وضده أيضا قوله {ولقاهم نضرة وسرورا} فالنضرة عز الظاهر ~~وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله {عاليهم ثياب سندس خضر ~~وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهور} فجمع لهم بين زينة ~~الظاهر والباطن ومثله وقوله {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير} فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ~~ومثله قوله {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد} ~~فزين ظاهرها بالنجوم وباطنها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثل قوله أيضا ~~{وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات} وقريب منه قوله تعالى {فإن خير ~~الزاد التقوى} ومنه قوله {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون} فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ولأولئك بين تسويد ~~الظاهر والباطن ومنه قول امرأة العزيز {فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته ~~عن نفسه فاستعصم} فوصفت ظاهره بالجمال # PageV01P202 # وباطنه بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنها قالت هذا ظاهره وباطنه ~~أحسن من ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله ~~أعلم بالصواب ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى ms122 {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} ~~الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور ~~وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط ~~في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما به وإما مخبرا عنه ما خلا ~~سورتين سورة كهيعص ون كقوله {الم ذلك الكتاب} {الم الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم نزل عليك الكتاب} {المص كتاب أنزل إليك} {آلمر تلك آيات الكتاب ~~الحكيم} وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها ~~وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله ~~وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ~~ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم ~~بها بحيث # PageV01P203 # يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى ~~المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا ~~عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على ~~البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال ~~إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر ~~والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته ~~وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله # وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من ~~تمام نعمته وامتنانه كما قال {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} ~~فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع ~~الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت ~~مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من ~~الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من ~~نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة ms123 وهدى بها من ~~ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان ~~كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ~~ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج # PageV01P204 # من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه ~~وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع ~~له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف # فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ~~ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع ~~المعاني أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا ~~وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ~~ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في ~~هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه ~~وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا ~~شأن الحرف المخلوق # وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن ~~الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالأقسام لما فيها من آيات ~~الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال ~~حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت ~~بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد # PageV01P205 # والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما ~~أوحي إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها ~~على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق ### | ### | فصل # # ثم أقسم سبحانه ب {والقلم وما يسطرون} فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم ~~الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به ms124 الوحي ~~وقيد به الدين وأثبتت به الشريعة وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في ~~المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأمنت به السبل والمسالك وأقام في الناس ~~أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظا تشفى مواعظه القلوب من السقم ~~وطبيبا يبرئ بإذنه من أنواع الألم يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف ~~الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس ~~الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني ~~في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم ~~والأقلام نظام الأفهام وكما أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد # PageV01P206 # اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم ~~والقلم يريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت ### | ### | فصل # # والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرا قلم القدر السابق الذي ~~كتب الله به مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال ~~سمعت رسول الله يقول " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا رب ~~وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة " واختلف العلماء هل ~~القلم أو المخلوقات أو العرش على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني ~~أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر قال ~~قال رسول الله "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف عام عرشه على الماء" فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش ~~والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا # ولا يخلو قوله إن أول ما خلق الله القلم إلى آخره إما أن يكون جملة أو ~~جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان # PageV01P207 # معناه أنه عند أول خلقه قال له أكتب كما في لفظ أول ما خلق الله القلم ~~قال له أكتب بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم ~~فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث ms125 ~~عبد الله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق ~~القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب # فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير ~~أنه القلم الذي أقسم الله به ### | ### | فصل # # القلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله ~~وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد ~~والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه ~~صريف الأقلام فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من ~~الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي # فصل # والقلم الثالث قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا ~~القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم # PageV01P208 # في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي ~~حكم به بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم ~~لهذا القلم ### | ### | فصل # # القلم الرابع قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها ~~صحتها المفقودة وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم ~~أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة # فصل # القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه ~~أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامهم صلحت ~~المملكة وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم # فصل # القلم السادس قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ~~ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي ~~تضبط به المقادير وما بينها من # PageV01P209 # التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذ القلم وظلم فسد ~~أمر المملكة ### | ### | فصل # # القلم السابع قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا وتراق به ~~الدماء وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ~~ويثبت به الإنسان وتنقطع به ms126 الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله ~~عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم ~~بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه # فصل # القلم الثامن قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق وتصان به عن ~~الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشهد للمحق ~~بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب ~~والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر ~~العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان # فصل # القلم التاسع قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره # PageV01P210 # وتعبيره وما أريد منه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو ~~من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته ~~وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن ~~وحس مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف ~~الأقلام وأعمها جولانا وأوسعها تصرفا وأشدها تشبثا بسائر الموجودات علويها ~~وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ~~ولايته وكرسي مملكته وسلطانه ### | ### | فصل # # القلم العاشر قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث ~~وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في ~~الخيال وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده فهو قلم المعاد ~~الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه ~~بقلبك وتشاهده ببصيرتك # فصل # القلم الحادي عشر قلم اللغة وتفاصيلها من شرح معاني ألفاظها ونحوها ~~وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها # PageV01P211 # ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن ~~المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع ~~التصرف جدا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها ### | ### | فصل # # القلم الثاني عشر القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة ~~المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم ~~وتهافتهم وخروجهم ms127 عن الحق ودخولهم في الباطل وهذا القلم في الأقلام نظير ~~الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون ~~لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج ~~عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف ~~للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن فهذه الأقلام التي فيها ~~انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأن ~~الله سبحانه أقسم به في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل ~~إلينا ما بعث به نبينا بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه: # PageV01P212 # لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل # له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الغرب والشرق وابل # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل # له الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل # فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل # إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل # أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل # إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل # وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل # رايت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل ### | ### | فصل # # والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول ~~فيه أعداؤه وهو قوله تعالى {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} وأنت إذا طابقت بين ~~هذا القسم والمقسم به وجدته دالا عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر ~~الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من ~~مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب ~~الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر ~~الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتابا ولا يخط بيمينه مع # PageV01P213 # كونه في ms128 أعلى أنواع الفصاحة سليما من الاختلاف بريا من التناقض يستحيل من ~~العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل ~~واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من ~~الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك. # فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن ~~رجلا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق ~~بعضها بعضا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابا كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ~~ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها ~~والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء ~~كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق مالا تهتدي عقولهم إليه ~~بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء ~~به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى ~~عقولها أشد فقرا وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي ~~كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على ~~الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات ~~مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم ~~والعدل والقلوب # PageV01P214 # بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته ~~وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه ~~الجنون بنعمته عليه # وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في بنعمة ربك باء القسم فهو ~~قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب ~~وهذا التقدير ضعيف جدا لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في ~~جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ~~ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل ms129 في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى ~~أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن ~~الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق {بنعمة ربك ~~بمجنون} منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان ~~في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا ~~يعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال أي ما أنت ~~بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها ~~زائدة لتأكيد النفي # واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه ~~وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك: # PageV01P215 # ما زيد بذاهب مسرعا فإنه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ~~ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي ~~الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولا ~~لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزما # وهذا الإعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم ~~من صدق هذا الخبر نفيها قطعا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا ~~الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن ~~الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة ~~الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه في دنياه وأخراه فقال {وإن ~~لك لأجرا غير ممنون} أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم ~~كما قال {إن في ذلك لعبرة} و {إن في ذلك لآية} و {إن في ذلك لذكرى} و {إن ~~للمتقين مفازا} و {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} وهو كثير وإنما كان ~~التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله ~~التعبير ثم قال {وإنك لعلى خلق عظيم} وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن ms130 ~~منحه الله فهما ولقد سئلت أم المؤمنين عن # PageV01P216 # خلقه صلى الله عليه وسلم، فأجابت بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم ~~سائلها أن يقوم لا يسألها شيئا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على ~~دين عظيم وسمى الدين خلقا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات ~~زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة ~~للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها ~~أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله ~~المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلاله وتبيينا ~~وعلومه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه ~~وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته ~~لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته ~~فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول وحسن تعبيرها عن هذا ~~كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى به ~~واشتفى # فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما ~~يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة # PageV01P217 # إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه ~~وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال ~~والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا ~~إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم ~~المفتون هو أم هم وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في ~~البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في ~~العلم به # وقد اختلف في تقدير قوله {بأيكم المفتون} فقال أبو عثمان المازني هو كلام ~~مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين ~~إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعا فتعين حصوله للآخر والجمهور على خلاف ~~هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم ms131 فيه أربعة أوجه # أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في ~~قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد # الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء ~~على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش # الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون ~~المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضا # PageV01P218 # الرابع أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء ~~على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه وستبصر ~~مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول ستشعر بكذا وتعلم به قال تعالى ~~{ألم يعلم بأن الله يرى} وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب ~~من دعاك إليه من مكان بعيد ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ~~إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين} ~~ذكر سبحانه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر ~~الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من ~~الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في ~~القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت ~~القرآن وأنه تنزيله # وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل هي آيات القرآن ومواقعها ~~نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس رضي # PageV01P219 # الله عنهما في رواية عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة وقيل ~~النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره ~~وقيل مواقعها انتشارها وانكدارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ومن حجة هذا ~~القول أن لفظ مواقع تقتضيه فإنه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع ~~وجمعها مواقع ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم ~~بالنجوم وطلوعها وجريانها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية ms132 وعبرة ~~ودلالة كما تقدم في قوله تعالى {فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس} وقال ~~{والنجم إذا هوى} وقال {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} ويرجح هذا القول ~~أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى ~~{وإدبار النجوم} وقوله {والشمس والقمر والنجوم} # وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو ~~القرآن من وجوه أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ~~وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية ~~وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من ~~الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس # PageV01P220 # والجن والنجوم آياته المشهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ~~ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها ~~عند النزول # ومن قرأ بموقع النجوم على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجمع على ~~التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدا ~~أفردت قال تعالى (19:31 إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فجمع الأصوات لتعدد ~~النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد ~~المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع ### | ### | فصل # # والمقسم عليه ههنا قوله {إنه لقرآن كريم} ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه ~~بقوله {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في ~~جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى {لو تعلمون عظيم} فجاء هذا الاعتراض في ضمن ~~هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن ~~تأكيدا أو تنبيها أو احترازا كقوله تعالى {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} فاعترض بين المبتدأ ~~والخبر بقوله: # PageV01P221 # {لا نكلف نفسا إلا وسعها} لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم ~~أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله {لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها} وهذا أحسن من قول من قال أنه خبر عن ms133 الذين آمنوا ثم أخبر عنهم ~~بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين ~~آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن ~~الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منها وتعطيل هذه الفائدة الجليلة # ومن ألطف الاعتراض وأحسنه قوله تعالى {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون} فاعترض بقوله سبحانه بين الجعلين وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قصد ~~المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد وتعظيم المقسم به ~~والمخبر عنه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر وغير ذلك # فمن الاعتراض الذي يقصد به التقرير والتوكيد قول الشاعر: # لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا # ومما يقصد به الجواب عن سؤال مقدر قول الآخر: # فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه # فقوله وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني # PageV01P222 # عنك هجره؟ فقال وفي اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين إما يأس مريح أو ~~وصال صاف # ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي: # ألا زعمت بنو جعد بأني ... وقد كذبوا كبير السن فاني # ومنه قول نصيب: # فكدت ولم اخلق من الطير إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير # فقوله ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو ~~قال فكدت أطير فيقال له وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن ~~هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر انه ~~كاد يطير على أنه أبعد شيء من الطيران فإنه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران ~~من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه ~~إلى جهة محبوبة فتأمله # ومن مواقع الاعتراض الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر: # قد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب # إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولا ... تم فما لي في العيش من أرب # وقول الآخ # إن سليمى والله يكلؤها ... # ضنت ms134 بشيء ما كان يرزؤها # PageV01P223 # وقول الآخر: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # ومنه الاعتراض بالقسم كقوله: # ذاك الذي وأبيك يعرف مالكا ... والحق يدفع ترهات الباطل # ومن اعتراض الاستعطاف قوله: # فمن لي بعين التي كنت مرة ... إلي بها نفسي فداؤك تنظر # فاعترض بقوله نفسي فداؤك استعطافا # فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية ~~والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} فقوله والله أعلم بما ينزل ~~اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد امورا منها الجواب عن سؤال سائل ما حكمة هذا ~~التبديل وما فائدته ومنها أن الذي يدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل ~~الإخبار بقولهم ومنها أن مصدر الأمرين عن علمه تبارك وتعالى وأن كلا منهما ~~منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني # ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى {ووصينا الأنسان ~~بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك} ~~فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى به توكيدا لأمر الوصية ~~بالوالدة التي هذا شأنها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من حمله ووضعه # PageV01P224 # مما لم يتكلفه الأب ومنه قوله تعالى {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله ~~مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها} فاعترض بقوله {والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون} بين الجمل المعطوف بعضها على بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتدافعهم ~~في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانه فالله يظهره ولا بد ولا تستطل هذا ~~ال ### | ### | فصل # وأمثاله فإنه يعطيك ميزانا وينهج لك طريقا يعينك على فهم الكتاب ~~والله المستعان # فصل # ثم قال {إنه لقرآن كريم} فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه ~~وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء ~~أحسنه وأفضله والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه ووصف به عرشه ~~ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم ~~بالحسن قال الكلبي إنه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله ms135 وقال مقاتل كرمه ~~الله وأعزه لأنه كلامه وقال الأزهري الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم ~~جميل الفعال وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة ~~وبالجملة فالكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده ~~اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس ~~واللئيم # PageV01P225 ### | ### | فصل # # ثم قال تعالى {في كتاب مكنون} اختلف المفسرون في هذا فقيل هو اللوح ~~المحفوظ والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله {في ~~صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} ويدل على أنه الكتاب الذي ~~بأيدي الملائكة قوله {لا يمسه إلا المطهرون} فهذا يدل على أنه بأيديهم ~~يمسونه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال إن المراد به أن ~~المصحف لا يمسه إلا طاهر # والأول أرجح لوجوه # أحدها أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل به الشياطين وأن محله لا يصل ~~إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه ~~أو يمسوه كما قال تعالى {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما ~~يستطيعون} فنفي الفعل وتأتيه منهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ~~ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منه وقد يليق بمن # لا يقدر عليه فنفى عنهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس {في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن ~~الشيطان لا يمكنه أن يتنزل به وتقرير هذا المعنى # PageV01P226 # أهم وأجمل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر # الوجه الثاني أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول ~~الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة ~~السور المدنية # الثالث إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول ~~الله وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون اعتبار ما ~~يأتي ms136 فالظاهر أنه إخبار بالواقع حال الأخبار يوضحه # الوجه الرابع وهو قوله في كتاب مكنون والمكنون المصون المستور عن الأعين ~~الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى {كأنهن بيض مكنون} وهكذا قال السلف ~~قال الكلبي مكنون من الشياطين وقال مقاتل مستور وقال مجاهد لا يصيبه تراب ~~ولا غبار وقال أبو إسحاق مصون في السماء يوضحه # الوجه الخامس أن وصفه بكونه مكنونا نظير وصفه بكونه محفوظا فقوله {إنه ~~لقرآن كريم في كتاب مكنون} كقوله {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} يوضحه # الوجه السادس أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من ~~كون المصحف لا يمسه محدث # الوجه السابع قوله {لا يمسه إلا المطهرون} بالرفع فهذا خبر لفظا ومعنى ~~ولو كان نهيا لكان مفتوحا ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ~~ظاهره إلى معنى النهي والأصل في # PageV01P227 # الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن ~~الخبر إلى النهي # الوجه الثامن أنه قال إلا المطهرون ولم يقل إلا المتطهرون ولو أراد به ~~منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين} وفي الحديث اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ~~فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة ~~مطهرون # الوجه التاسع: أنه لو أريد به المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاخبار عن ~~كونه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته ~~فكيف يمدح القرآن بكونه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت ~~لبيان مدحه وتشريفه وما اختص به من الخصائص التي تدل على أنه منزل من عند ~~الله وأنه محفوظ مضمون لا يصل إليه شيطان # PageV01P228 # بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة # الوجه العاشر ما رواه سعيد بن منصور في سننه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم ~~الأحول عن أنس بن مالك في قوله {لا يمسه إلا المطهرون} قال ms137 المطهرون ~~الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في الحكم المرفوع وقال الحاكم تفسير ~~الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنه عنده أصح من ~~تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى ~~تفسيرهم وقال حرب في مسائله سمعت اسحق في قوله {لا يمسه إلا المطهرون} قال ~~النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة # وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث ~~بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء # لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن ~~يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله لا تمس القرآن إلا وأنت ~~طاهر رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه ~~عن جده أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في ~~السنن والفرائض والديات "أن لا يمس القرآن إلا طاهر" قال أحمد أرجو أن يكون ~~صحيحا وقال أيضا: # PageV01P229 # لا أشك أن رسول الله كتبه وقال أبو عمر بن عبد البر هو كتاب مشهور عند ~~اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه ~~التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال وهو كتاب معروف ~~عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ~~ومالك في موطئه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع ### | ### | فصل # # ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا ~~القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال ~~معانيه وأن يفهمه كما ينبغي قال البخاري في صحيحه في هذه الآية لا يجد طعمه ~~إلا من آمن به وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به ~~وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله ms138 تكلم بها حقا وأنزله على ~~رسوله وحيا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه ~~فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه منه حرج ومن لم يؤمن بأن الله ~~سبحانه تكلم به وحيا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه منه حرج ومن ~~قال إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا يخالف ما يفهم منه ففي قلبه منه ~~حرج ومن قال إن له تأويلا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ~~ففي قلبه منه حرج # PageV01P230 # ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات ~~المتصوفين ففي قلبه منه حرج ومن جعله تابعا لنحلته ومذهبه وقول من قلده ~~دينه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منه حرج ومن لم يحكمه ~~ظاهرا وباطنا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمه أين كان ففي قلبه ~~منه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم ~~أمره ونهيه وخبره ويرد له كل أمر ونهي وخبر خالفه ففي قلبه منه حرج وكل ~~هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من ~~لذة حلاوته وطعمه ما وجده الصحابة ومن تبعهم # وأنت إذا تأملت قوله {لا يمسه إلا المطهرون} وأعطيت الآية حقها من دلالة ~~اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله ~~وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن فهمت ~~هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق ### | ### | فصل # # ثم أكد ذلك وقرره وأطده بقوله {تنزيل من رب العالمين} وكما أنه لازم ~~لكونه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له # وأفاد كونه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل # PageV01P231 # مطالب الدين # أحدهما أنه المتكلم وأنه منه نزل ومنه بدأ وهو الذي تكلم به ومن هنا قال ~~السلف منه بدأ ونظيره {ولكن حق القول مني} وقوله {قل نزله روح القدس من ~~ربك} # والثاني علو ms139 الله سبحانه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول ~~وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده ~~بما تعرفه فطرهم وتشهد به عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين ~~المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمه عليهم وإحسانه وإنعامه عليهم وأن من ~~هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم ~~هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر ~~بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونه رب ~~العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به وهذا الإستدلال اقوى وأشرف ~~من الإستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم ~~الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء # وقد أشار سبحانه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله {سنريهم آياتنا ~~في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} فهذا استدلال بالآيات ~~المعاينة المخلوقة ثم قال {أولم # PageV01P232 # يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه ~~على صدق رسوله فيما جاء به وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم ~~واشمل وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} وأين ~~الإستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من ~~الإستدلال عليه ببعض مخلوقاته # وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة رضي الله عنها بصفات ~~الرب تعالى وصفات محمد واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنه رسول ~~الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنه يؤيده ويعليه ~~ويتم نعمته عليه # وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الإستدلال وجدت بينها وبين طريقة ~~المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات ~~إنتفع به في باب معرفة الحق والباطل من # PageV01P233 # الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد أعظم انتفاع وأتمه وقد بد بينا في ~~كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته ms140 ~~وأنه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء وبتوعد على فعله بأعظم أنواع ~~العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد ~~وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمه ~~وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر ~~في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنهي وهذا باب حرام ~~على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من ~~مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطي لما ~~منع وبه التوفيق ### | ### | فصل # # ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الادهان في غير موضعه وأنهم يداهنون بما حقه ~~أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه ~~القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنه لا يمنة ولا يسرة ولا ~~يكون للقلب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا به ولا ~~اهتداء # PageV01P234 # في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة ~~العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر ~~فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ولم ينزل للمداهنة وإنما أنزل بالحق وللحق ~~والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن ~~إقامته فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق ~~الذي قام به كل حق فكيف يدهن به # ثم قال سبحانه {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} لما كان قوام كل واحد من ~~البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام والشراب ورزق القلب الإيمان ~~والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والأنس بقربه والإبتهاج بذكره ~~وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام والشراب ~~أنعم سبحانه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانهم وقلوبهم ~~بهما ثم فاوت سبحانه بينهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمه ~~وحكمته فمنهم من وفر ms141 حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنهم من قتر عليه في ~~الرزقين ومنهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا ~~الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك ~~الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنه لا بد أن يزيد ~~الشكور من نعمه ولا بد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب ~~موضع # PageV01P235 # الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب ~~زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب ~~والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير ~~وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم ~~أنكم تكذبون فحذف مضافين معا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض ~~معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد ~~بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم ### | ### | فصل # # ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في ~~القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين ~~يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون ~~فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا ~~سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال {فلولا إذا بلغت الحلقوم} أي # PageV01P236 # وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت ~~والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب ~~تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الأنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا ~~تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم ~~غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب # فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما # قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون ~~مملوكون عبيد ms142 لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن ~~أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ~~ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ~~ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم ~~يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على ~~روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء ~~الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ~~ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان إنتفع به غاية النفع وانقاد لأجله ~~للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ~~ولله ما احسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب # PageV01P237 # البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان ~~واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث ~~وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما ~~أحسن إعادة لولا ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين ~~يقتضيانه اقتضاء واحدا وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط ~~بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل ~~والسمع لمعناه ولفظه # فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان من وجود ~~الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده ~~حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ~~ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة ~~وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية ~~الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين ~~منتظمة أحسن الإنتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقا بعضها ببعض وهذا كلام ~~لا يقدر # PageV01P238 # البشر على مثل نظمه ومعناه قال الفراء وأجيبت {فلولا إذا بلغت الحلقوم} و ~~{فلولا إن كنتم غير مدينين} بجواب واحد ms143 وهو {ترجعونها إن كنتم صادقين} قال ~~ومثله قوله تعالى {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله ~~فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها ~~إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان ~~الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك ~~فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة ~~بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم ~~وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن ~~كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم ~~{لو أطاعونا ما قتلوا} و {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} أي إن كنتم ~~تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن ~~أنفسكم الموت # PageV01P239 # قلت وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما ~~يكبر في صدوركم} أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا جديدا ~~فكونوا خلقا لا يفنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه ~~الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ومالكا ~~لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون ~~قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب ~~قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل الفناء ~~والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقا ~~يموت ويحيا أن يحييكم بعد ما أماتكم فهذا استدلال يعجزهم عن كونهم خلقا لا ~~يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح ms144 إلى مكانها إذا قاربت ~~الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد ### | ### | فصل # # فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على انهم مملوكون مربوبون ~~مجزيون محاسبون ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث ~~طبقات طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين ~~عند الوفاة الروح والريحان # PageV01P240 # والجنة وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونها بعد الموت نظير الثلاث التي ~~يعطونها يوم القيامة فالروح الفرح والسرور والإبتهاج ولذة الروح فهي كلمة ~~جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل ~~والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزخ وفي ~~المعاد الثاني # ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في ~~المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل ~~للمكذبين الضالين فقال {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب ~~اليمين} والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه أي يقال لك ~~السلامة كما يقال للقادم لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من ~~الألفاظ كما يقولون خير مقدم ونحو ذلك فهذه تحية عند اللقاء قال مقاتل يسلم ~~الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم وقال الكلبي يسلم عليه ~~أهل الجنة ويقولون السلامة لك وعلى هذا فقوله {من أصحاب اليمين} أي هذه ~~التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين فإنه إذا قدم عليهم حيوه بهذه ~~التحية وقالوا السلامة لك وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف فلا حاجة ~~إلى ذكرها # ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب # PageV01P241 # لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا ~~الجزاء بما جعله كأنه رأى العين لمن آمن بالله ورسوله فقال {إن هذا لهو حق ~~اليقين} فرفع شأنه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه # ثم أمره أن ينزه اسمه تبارك وتعالى عما لا يليق به وتنزيه الاسم متضمن ~~لتنزيه ms145 المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن ~~الهوى} أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه ~~أعداؤه من الضلال والغي # واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا ~~نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون ~~سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى ~~هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق ~~نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم ~~كذا وكذا # PageV01P242 # وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها ~~وآجالها فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه قول زهير ~~في دية جعلت نجوما على العاقل: # ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم # ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم # وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب ~~تهوي هويا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي ~~وفرق بين الهوى لقوله: # والدلو في اصعادها عجل الهوى ... # وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي ~~هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى # وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في ~~السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى" الهوى ~~فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما الهوى على ~~وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع ~~منه ms146 أي طرف وجانب وكان يقول "سبحان # PageV01P243 # ربي الأعلى" في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر ~~فقالت كان يقول "سبحان ربي الأعلى" الهوى من الليل # عدنا إلى قوله {والنجم إذا هوى} وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة ~~وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا ~~أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني ~~يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني ~~النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا ~~قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة ~~المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له ~~على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد ~~أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين ~~المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه # وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ~~ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم ~~بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم ~~القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا # PageV01P244 # لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما ~~لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم # وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب مالا يخفى فإن النجوم التي ترمى ~~الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ~~ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه ~~النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي ~~للرشاد ففي ضمن النفي الشهادة له بأنه على الهدى ms147 والرشاد فالهدى في علمه ~~والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه ~~وبهما وصف النبي خلفاءه فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ~~من بعدي فالراشد ضد الغاوي والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم ~~النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي ~~بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلبا وأبعدهم من حقيقة ~~الإنسانية ولله در القائل: # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # PageV01P245 # فالناس أربعة أقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم ~~مخالفوا الرسل # الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه ~~بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به # الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر # الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا ~~الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من ~~خلقه # وتأمل كيف قال سبحانه {ما ضل صاحبكم} ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا لإقامة ~~الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم ~~لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد نبه ~~على هذا المعنى بقوله {أم لم يعرفوا رسولهم} وبقوله {وما صاحبكم بمجنون} ### | ### | فصل # # ثم قال سبحانه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} # PageV01P246 # ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده وقال {وما ينطق ~~عن الهوى} ولم يقل وما ينطق بالهوى لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن ~~نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به فتضمن نفي الأمرين ~~نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد ~~لا الغي والضلال # ثم قال {إن هو إلا وحي يوحى} فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل ~~أي ما ms148 نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن ~~فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى وقد احتج الشافعي لذلك ~~فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} قال ~~ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه ~~على الغنم والخادم "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم ~~والخادم رد عليك الحديث" # PageV01P247 # وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر ليتني أرى رسول الله حين ~~ينزل عليه الوحي فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ترى في رجل أحرم ~~بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي ساعة ثم سكت فجاء الوحي ~~فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم ~~محرم يغط ثم سرى عنه فقال "أين السائل آنفا" فجيء به فقال "انزع عنك الجبة ~~واغسل أثر الطيب واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك" وقال الشافعي أخبرنا مسلم ~~عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابا نزل به الوحي وما فرض رسول ~~الله من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي وذكر الأوزاعي عن حسان # PageV01P248 # ابن عطية قال كان جبريل ينزل على رسول الله بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ~~يعلمه إياه وذكر الأوزاعي أيضا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن ~~مخيمرة حدثني ابن فضيلة قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم سعر لنا قال ~~"لا تسألني عن سنة أحدثها فيكم لم يمرني بها ولكن سلوا الله من فضله" وابن ~~فضيلة هذا يسمى طلحة وقد صح عنه أنه قال "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" ~~وهذا هو السنة بلا شك وقد قال تعالى {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} وهما ~~القرآن والسنة وبالله التوفيق ### | ### | فصل # # ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف ~~الشيطان معلم الضلال والغواية فقال {علمه شديد القوى} وهذا ms149 نظير قوله {ذي ~~قوة عند ذي العرش مكين} وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة # وقوله {ذو مرة} أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانا أقبح خلق ~~الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند ~~الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة ~~التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف # PageV01P249 # الرسول البشري والملكي فكان رسول الله أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم ~~والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى وأجهل الخلق ~~وأضعفهم همما ونفوسا # ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله ~~وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من ~~عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره ~~الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطا من السماء إلى ~~أن صار بالأفق الأعلى مستويا عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره ~~الله به قائلا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه ~~قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة ~~وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى {وأرسلناه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون} تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدا ونظيره ~~قوله {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} أي لا تنقص ~~قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها وهذا # PageV01P250 # المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن ~~قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله ~~انتهى ### | ### | فصل # # ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه وأن القلب صدق العين وليس ~~كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به فكذب فؤاده ms150 بصره بل ما رآه ببصره صدقه ~~الفؤاد وعلم أنه كذلك وفيها قراءتان إحداهما بتخفيف كذب والثانية بتشديدها ~~يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنه وحدسه قال الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا # أي أرتك مالا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه ~~وما إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى ما كذب فؤاده رؤيته وإما أن تكون ~~موصولة فيكون المعنى ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه وعلى التقديرين فهو ~~إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منهما لصاحبه ~~وهذا ظاهر جدا في قراءة التشديد وقد استشكلها طائفة منهم المبرد وقال في ~~هذه القراءة بعد قال لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضا بقلبه وإذا وقع ~~العلم فلا كذب معه فإنه إذا # PageV01P251 # كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب # قلت وجواب هذا من وجهين أحدهما أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو ~~فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه ~~فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه فنفى سبحانه ذلك عن رسوله وأخبر أن ~~ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو به فإنه يصح أن ~~يقال لم تكذبه عينه # الثاني أن يكون الضمير في رأى عائدة إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون ~~المعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما ~~كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين فالمعنى ما أوهمه الفؤاد ~~أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره # ثم أنكر سبحانه عليه مكابرتهم وجحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل ~~مكابرته للعالم ومماراته له على ما عمله وفيها قراءتان أفتمارونه وأفتمرونه ~~وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته كما ~~قال الشاعر: # لئن هجرت أخا صدق ومكرمة ... لقد مريت أخا ما كان يمريكا ms151 # ومنه المماراة وهي المجادلة والمكابرة ولهذا عدى هذا الفعل بعلى وهي على ~~بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة وهذا ~~في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة قراءة من قرأ {أفتمرونه} قال وذلك أن ~~المشركين إنما شأنهم # PageV01P252 # الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من المماراة منهم يعني أن ~~من قرأ {أفتمارونه} فمعناه أفتجادلونه ومن قرأ {أفتمرونه} معناه أفتجحدونه ~~وجحودهم لما جاء به كان هو شأنهم وكان أكثر من مجادلتهم له وخالفه أبو علي ~~وغيره واختاروا قراءة {أفتمارونه} قال أبو علي من قرأ أفتمارونه فمعناه ~~أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما علمه وشاهده ويقوي هذا الوجه قوله ~~تعالى {يجادلونك في الحق بعد ما تبين} ومن قرأ {أفتمرونه} كان المعنى ~~أفتجحدونه قال والمجادلة كأنها أشبه في هذا لأن الجحود كان منهم في هذا ~~وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء # قلت القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع ~~لا جدال استرشاد وتبين للحق وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى ~~يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله ~~التوفيق ### | ### | فصل # # ثم أخبر سبحانه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى فالمرة الأولى ~~كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى ~~وقد صح عنه صلى الله # PageV01P253 # عليه وسلم أنه جبريل عليه الصلاة والسلام رآه على صورته التي خلق عليها ~~مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنه سئل عن قوله تعالى {فكان قاب ~~قوسين أو أدنى} قال أخبرني ابن مسعود أن النبي رأى جبريل له ستمائة جناح ~~وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود {ما كذب الفؤاد ما رأى} قال رأى ~~جبريل في صورته له ستمائة جناح وقال البخاري عنه رأى رفرفا أخضر يسد الأفق ~~وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة {ولقد رآه نزلة أخرى} قال رأى جبريل عليه ~~السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة ms152 فقالت ثلاث من ~~تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما هن قالت من زعم أن محمدا ~~رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم ~~المؤمنين # PageV01P254 # أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل {ولقد رآه بالأفق المبين} {ولقد ~~رآه نزلة} أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله لى الله عليه ~~وسلم فقال "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين ~~المرتين رأيته متهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض فقالت ~~أولم تسمع أن الله عز وجل يقول {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير} أولم تسمع أن الله عز وجل يقول {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} ~~" قالت ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ~~والله عز وجل يقول {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته} قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله ~~الفرية والله عز وجل يقول {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله} ولو كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية {وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} وفي الصحيحين عن مسروق أيضا ~~قال سألت عائشة # PageV01P255 # رضي الله عنها هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد وقف شعري مما قلت ~~وفيهما أيضا قال قلت لعائشة فأين قوله عز وجل {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين ~~أو أدنى} قالت إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه ~~المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر ms153 سأله هل ~~رأيت ربك فقال نور أنى أراه وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري ~~قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال "إن الله لا ~~ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل ~~النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خلقه" وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم ~~وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم ~~القيامة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد ~~به الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله ~~عز وجل {لا تدركه الأبصار} قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم ~~له شيء وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله {لا تدركه الأبصار} على ~~عمومه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لا يرى بل يرى في ~~الآخرة بالأبصار من # PageV01P256 # غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لإدراك الشمس على ما هي عليه وإن ~~رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق ~~وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب ~~تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع ~~"جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما ~~وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا راد الكبرياء على ~~وجهه في جنة عدن" فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو ~~المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر ~~لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينهم ~~وبينه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة ~~للذات لا تفارق ذات الرب ms154 جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما ~~أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما ~~المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال # والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل # وأما قول ابن عباس رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه ~~الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها # PageV01P257 # على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي الإجماع على ما ~~قالته عائشة فقال في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة" فحكى ~~تأويل المريسي الباطل ثم قال ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت ~~إليه أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي ذر "إنه لم ير ~~ربه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن تروا ربكم حتى تموتوا" وقالت ~~عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ~~وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله {لا تدركه الأبصار} يعنون أبصار أهل ~~الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك ~~وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"صليت ما شاء الله ~~من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة" فهذا تأويل هذا الحديث عند ~~أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد هل رأى ~~رسول الله ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات # أحداها أنه رآه قال المروزي قلت لأبي عبد الله يقولون إن عائشة قالت من ~~زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة ~~فقال بقول النبي صلى الله # PageV01P258 # عليه وسلم "رأيت ربي" قول النبي أكبر من قولها قال وذكر المروزي في موضع ~~آخر أنه قال لأبي ms155 عبد الله ههنا رجل يقول إن الله يرى في الآخرة ولا أقول ~~إن محمدا رأى ربه في الدنيا فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء ~~قال فظاهر هذا أنه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله النبي ~~رأى ربه رؤيا حلم بقلبه قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد ~~سأله عن حديث عبد الرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه وسلم "رأيت ربي في ~~أحسن صورة" فقال معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبد الرحمن ~~بن عابس عن النبي ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن ~~عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج ~~عن عبد الرحمن ابن عابس عن رجل من أصحاب النبي ورواه يحيى بن أبي كثير فقال ~~عن ابن عابس عن معاذ عن النبي وأصل الحديث واحد قال الأثرم فقلت لأبي عبد ~~الله فإلى أي شيء تذهب فقال قال الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية ~~عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن ~~الحسين الأشيب أنه قال لم ير النبي صلى الله عليه # PageV01P259 # وسلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينه ولا ~~بقلبه كما جاء الحديث فاستحسن ذلك الأشيب فقال أبو عبد الله حسن قال وظاهر ~~هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينه أم بقلبه فهذه نصوص أحمد وقد ~~جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى ~~بحديث أم الطفيل وحديث عبد الرحمن بن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنها ~~رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج به وهو حديث لا يصح عن ~~أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا "لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة ~~فقال فيم يختصم الملأ الأعلى" وذكر الحديث وهذا غلط ms156 قطعا فإن القصة إنما ~~كانت بالمدينة كما قال معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال: "رأيت ~~ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يخصتم الملأ الأعلى" وذكر ~~الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه رآه بعينه يقظة وإنما حمل القاضي كلام ~~أحمد مالا يحتمله واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه ~~بعضا والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه وإنما قال رآه واتبع في # PageV01P260 # ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث رأيت ربي وهو مطلق وقد جاء ~~بيانه في الحديث الآخر # ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه وسلم إشعار ~~بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من ~~زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد ~~أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته # للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم ~~بقلبه وهذا تقييد منه للرؤية وأطلق أنه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية ~~واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه وهذه النصوص عنه متفقة لا ~~مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجىء ذلك في حديث قط فأحمد ~~إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره قول من قال لم يره أصلا لا يدل ~~على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم ### | ### | فصل # # وقوله تعالى {ما زاغ البصر وما طغى} قال ابن عباس ما زاغ البصر يمينا ولا ~~شمالا ولا جاوز ما أمر به وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي ~~الذي لا أدب له بين يدي الملوك ms157 والعظماء من التفاتة يمينا وشمالا ومجاوزة ~~بصره لما بين يديه # PageV01P261 # وأخبر عنه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ~~ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام ~~العبد الذي أوجب أدبه وإطراقه وإقباله على ما أرى دون التفاته إلى غيره ~~ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب ~~وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبا وطغيانه مده أمامه ~~إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمه عن الضلال وقصده وعمله عن الغي ~~ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون ~~المدح: # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ### | ### | فصل # # ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منها وذكر أن جنة المأوى ~~عندها وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب ~~لطيف جدا في القرآن وهو نوعان أحدهما أن يستطرد من الشيء إلا لازمه مثل هذا ~~ومثل قوله {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم} ثم استطرد من جوابهم إلى قوله {الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم ~~فيها سبلا # PageV01P262 # لعلكم تهتدون والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك ~~تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ~~لتستووا على ظهوره} وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم ~~ومثله قوله تعالى {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ~~ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى} فهذا جواب موسى ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله {الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى منها خلقناكم ~~وفيها ms158 نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه # والنوع الثاني أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله {ولقد خلقنا الأنسان ~~من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} إلى آخره فالأول آدم والثاني ~~بنوه ومثله قوله {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما # PageV01P263 # أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما ~~صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} إلى آخر الآيات ~~فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور ~~والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} تضمن هذا ~~القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ~~ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمه موسى بن عمران ~~عند جمهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه ههنا باللام وعرفه في موضع آخر ~~بالإضافة فقال {وطور سينين} وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل ~~الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد ~~لأبيه حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا أبو ~~عمران الجوني عن نوف البكالى قال أوحى الله عز وجل إلى الجبال إني نازل على ~~جبل منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع وقال أرضي بما ~~قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به وإنه لسيد ~~الجبال # PageV01P264 # الثاني الكتاب المسطور في الرق المنشور واختلف في هذا الكتاب فقيل هو ~~اللوح المحفوظ وهذا غلط فإنه ليس برق وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني ~~آدم وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور وهذا وإن كان ~~أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنهم من ms159 لم يزك غيره ~~فالظاهر أن المراد به الكتاب المنزل من عند الله وأقسم الله به لعظمته ~~وجلالته وما تضمنه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه # ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى وكأن صاحب هذا القول رأى ~~اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا ~~في رق إلا أن يقال هي في رق في السماء وأنزلت في ألواح وقيل هو القرآن ولعل ~~هذا أرجح الأقوال لأنه سبحانه وصف القرآن بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة ~~كرام بررة فالصحف هي الرق وكونه بأيدي سفرة هو كونه منشورا وعلى هذا فيكون ~~قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنا للنبوتين المعظمتين نبوة ~~موسى ونبوة محمد وكثيرا ما يقرن بينهما وبين محلهما كما في سورة التين ~~والزيتون # ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور وفي وصفه الكتاب # PageV01P265 # بأنه مسطور تحقيق لكونه مكتوبا مفروغا منه وفي وصفه بأنه منشور إيذان ~~بالإعتناء به وأنه بأيدي الملائكة منشور غير مهجور # وأما البيت المعمور فالمشهور أنه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي ~~ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم ~~وهو بحيال البيت المعمور في الأرض وقيل هو البيت الحرام ولا ريب أن كلا ~~منهما معمور فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور بالطائفين والقائمين ~~والركع والسجود وعلى كلا القولين فكل منهما سيد البيوت # ثم أقسم سبحانه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب ~~صنعته وهما السقف المرفوع وهو السماء فإنها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا ~~وسعة وسمكا ولونا وإشراقا وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامه ~~ومحل النيرين الذين بهما قوام الليل والنهار والسنين والشهور والأيام ~~والصيف والشتاء والربيع والخريف ومنها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح ~~وأعمالها وكلماتها الطيبة # والثاني البحر المسجور وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا ~~الله واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السماوات أو البحر الذي نشاهده ~~على قولين ms160 فقالت طائفة هو # PageV01P266 # البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام كما في ~~الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبد الله بن مخيمرة عن الأحنف ~~بن قيس قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت ~~بهم سحابة فنظر إليها فقال "ما تسمون هذه" قالوا السحاب قال "والمزن" قالوا ~~والمزن قال "والعنان" قالوا والعنان قال "هل تدرون ما بين السماء والأرض" ~~قالوا لا ندري قال "إن بعد ما بينهما إما واحدة أو إثنتان أو ثلاث وسبعون ~~سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السابعة بحرا بين أسفله ~~وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك" ثمانية أو عال بين أظلافهم ~~وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه ~~مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك وهذا لا يناقض ما في جامع ~~الترمذي إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام إذ المسافات تختلف مقاديرها ~~باختلاف المقدر به فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل والسبعون بسير البريد وهو ~~يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف وهذا القول في البحر الذي تحت العرش ~~محكي عن علي بن أبي طالب # والثاني أنه بحر الأرض واختلف في المسجور فقيل المملوء هذا قول جميع أهل ~~اللغة قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال سجرت الاناء إذا ~~ملأته قال لبيد: # PageV01P267 # فتوسطا عرض السرى وصدعا ... مسجورة متجاور أقلامها # وقال المبرد المسجور المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب: # إذا شاء طالع مسجورة ... # يريد عينا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس المسجورة الممتلئ وقال مجاهد ~~المسجور الموقد قال الليث السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم ~~الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما قال البحر يسجر فيزداد في جهنم وحكى ~~هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال مسجور قال الفراء وهذا يرجع ~~إلى القول الأول لأنك تقول سجرت التنور إذا ملأته ms161 حطبا وروى ذو الرمة ~~الشاعر عن ابن عباس أن المسجور اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب وليس لذي ~~الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف وهذا القول اختيار أبي العالية قال ~~أبو زيد المسجور المملوء والمسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد وقد ~~روى عن ابن عباس أن المسجور المحبوس ومنه ساجور الكلب وهو القلادة من عود ~~أو حديد تمسكه والمعنى على هذا أنه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض ~~فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرا للأرض فوقها كما أن ~~الهواء فوق الماء ولكن أمسكه الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا وفي هذا ~~حديث ذكره أحمد مرفوعا "ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم" # PageV01P268 # وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنه ليس في الطبيعة ما ~~يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض ~~بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي ~~تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن ~~العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلحة العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من ~~يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين ~~غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمه وحكمته ~~ورحمته وإحسانه إلى خلقه وقيام الأفعال به فإثبات العناية الألهية مع نفي ~~هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق # وأقوى الأقوال في المسجور أنه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من ~~المسجور ويدل عليه قوله تعالى {وإذا البحار سجرت} قال علي وابن عباس أوقدت ~~فصارت نارا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونها نارا موقدة وكذا من ~~قال ملئت فإنها تملأ نارا # وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله ~~فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء # PageV01P269 # ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارا فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه ~~المعاني والله ms162 أعلم ### | ### | فصل # # وأقسم سبحانه بهذه الأمور على المعاد والجزاء فقال {إن عذاب ربك لواقع ما ~~له من دافع} ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانه أنه لا دافع له ~~وهذا يتناول أمرين أحدهما أنه لا دافع لوقوعه والثاني أنه لا دافع له إذا ~~وقع # ثم ذكر سبحانه وقت وقوعه فقال {يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا} ~~والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنه ~~حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال ~~فقال {وتسير الجبال سيرا} وقال {وإذا الجبال سيرت} من مكان إلى مكان وأما ~~السماء فإنها تتكفأ وتموج وتذهب وتجيء قال الجوهري مار الشيء يمور مورا ~~ترهيأ أي تحرك وجاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنه قوله ~~{يوم تمور السماء مورا} قال الضحاك تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفش تكفأ ~~وأنشد للأعشى: # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مور السحابة لا ريث ولا عجل # PageV01P270 # ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومهم التي كانوا ~~عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ~~ولا عمل صالح بل علومهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم ~~والأ00عمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا ~~أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا ~~وقيل لهم {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} وتقولون لا حقيقة لها ولا من ~~أخبر بها صادق ثم يقال {أفسحر هذا} الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم ~~به الرسل أنه سحر وأنهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على ~~أبصاركم غشاوة فلا تبصرونها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق ~~أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ~~ثم سلب عنهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا داهمتهم الشدائد وأحاطت ~~بهم لجأوا إليه وتعللوا ms163 بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ ~~{فاصبروا أو لا تصبروا} كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع ~~فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الخزنة ولا ~~يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمهم بذلك وإنما هو نفس ~~أعمالهم صارت عذابا فلم يجدوا # PageV01P271 # من اقترانهم به بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم ~~الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم ~~تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في ~~الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالا كليا لم ~~يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قلوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم ~~يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والمادة الفاسدة إذا ~~زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنها وإن لم تزل تلك الإرادة ~~والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى ~~الأضعف وإن تساوى الأمران تدافعا وقاوم كل منهما الآخر وكان محل صاحبه جبال ~~الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونهيه وعقابه ~~ولا يظلم ربك أحدا ### | ### | فصل # # ثم ذكر سبحانه أرباب العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاعتقادات ~~الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو ~~النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونهم {فاكهين بما آتاهم ربهم} والفاكه ~~المعجب بالشيء المسرور # PageV01P272 # المغتبط به وفعله فكه بالكسر يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس ~~والفاكه البال ومنه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت ~~بالشيء إذا تمتعت به ومنه الفاكهة التي يتمتع بها ومنه قوله {فظلتم تفكهون} ~~قيل معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم ~~التفكه وإذا زال التفكه خلقه ضده يقال تحنث إذا زال الحنث عنه وتحرج وتحوب ~~وتأثم ومنه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء كتعلم وتحلم وللخارج ms164 منه ~~كتحرج وتأثم # والمقصود أنه سبحانه جمع لهم بين النعيمين نعيم القلب بالتفكه ونعيم ~~البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ~~ما يحبون جزاء وفاقا لأنهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب فكان جزاؤهم مطابقا ~~لأعمالهم # ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمه قوله هنيئا فإنهم لو علموا زواله ~~وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمهم ولم يكن هناء لهم # ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال {متكئين على سرر مصفوفة} وفي ذكر ~~اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم ~~بعضا كما قال تعالى {متكئين عليها متقابلين} فإن من تمام اللذة والنعيم أن ~~يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون ~~بعيدا منه قد # PageV01P273 # حيل بينه وبينه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه. # وذكر أزواجهم وأنهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين الصفتين ~~قال أبو عبيدة جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل جعلناهم اثنين اثنين ~~وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على هذا بأن العرب لا تقول ~~تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} ~~وفي الحديث زوجتكها بما معك من القرآن وقال غيره العرب تقول تزوجت بامرأة ~~وقال الأزهري العرب تقول زوجته امرأة وتزوجت امرأة وليس في كلامهم تزوجت ~~بامرأة ومنه قوله تعالى {وزوجناهم بحور عين} أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم ~~عند هؤلاء من الاقتران والشفع أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منهم ~~مجاهد زوجناهم بهن أي أنكحناهم إياهن # قلت وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء ~~المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم # وأما الحور العين فقال مجاهد التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من ~~وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء ~~اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل الحور البيض ~~الوجوه العين الحسان الأعين وعين حوراء شديدة ms165 السواد نقية البياض # PageV01P274 # طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع ~~حور عينها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال {فيهن ~~خيرات حسان} فالبياض في ألوانهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونهن وقد ~~وصف الله سبحانه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنه # فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنها وأخلاقها البياض ~~في أربعة أشياء اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد ~~العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان ~~والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض وفتحسنه وتزينه ومن التدوير أربعة ~~أشياء الوجه والرأس والكعب والمقعد ومن الطول أربعة القامة والعنق والشعر ~~والحاجب والسعة في أربعة الجبهة والعين والوجه والصدر ومن الصغر في أربعة ~~الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة الفم والأنف والفرق والفرج ~~ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى {عربا أترابا} إذ العرب ~~جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها قال ~~ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة # PageV01P275 # إليه وقال أبو عبيدة هي الحسنة التبعل قال المبرد هي العاشقة لزوجها وقال ~~البخاري في صحيحه هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن ~~وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ~~ولما وراءها والله المستعان ### | ### | فصل # # ثم أخبر سبحانه عن تكميل نعيمهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم ~~يعملوا أعمالهم لتقر أعينهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانه أنه لم ~~ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى ~~الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم # ثم أخبر سبحانه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل وأما أهل العدل فلا ~~يفعل بهم ذلك بل {كل امرئ بما كسب رهين} ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين ~~الفريقين بهذا الإلحاق كما في قوله {وما ألتناهم من عملهم ms166 من شيء} دفع ~~لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينهم وبين الأبناء ~~فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله {وما ألتناهم من عملهم من شيء} أي ~~ما نقصناهم ثم ذكر إمدادهم باللحم والفاكهة والشرب وأنهم # PageV01P276 # يتعاطون كؤوس الشراب بينهم يشرب أحدهم ويناول صاحبه ليتم بذلك فرحهم ~~وسرورهم # ثم نزه ذلك الشراب عن الآفات من اللغو من أهله عليه ولحوق الإثم لهم فقال ~~{لا لغو فيها ولا تأثيم} فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر والفحش في ~~المقال والعربدة ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت شارب الخمر ~~وقال سبحانه {ولا تأثيم} ولم يقل ولا إثم أي ليس فيها ما يحملهم على الإثم ~~ولا يؤثم بعضهم بعضا بشربها ولا يؤثمهم الله بذلك ولا الملائكة فلا يلغون ~~ولا يأثمون قال ابن قتيبة لا يذهب بعقولهم فيلغوا ولم يقع منهم ما يؤثمهم # ثم وصف خدمهم الطائفين عليهم بأنهم كاللؤلؤ في بياضهم والملكنون المصون ~~الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن وذلك اللون والصفاء ~~والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر {إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا} ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في حوائج ~~ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ينضم ~~بعضهم إلى بعض فيه لضيقه # ثم ذكر سبحانه ما يتحدثون به هناك وأنهم يقولون {إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين} أي كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل # PageV01P277 # والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا ~~فأمنا مما نخاف {ووقانا عذاب السموم} وهذا ضد حال الشقى الذي كان في أهله ~~مسرورا فهذا كان مسرورا مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم فبدل ~~الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله ~~سبحانه المستعان # ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته ~~وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه ~~هو البر الرحيم فهذا هو المقسم ms167 عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة ~~والله أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات ~~أمرا} أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا ~~تهشم كما قال تعالى {فأصبح هشيما تذروه الرياح} أي تفرقه وتنشره ثم بما ~~فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا أي ثقلا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها ~~الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن ~~أبي هريرة قال بينما نبي # PageV01P278 # الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~"هل تدرون ما هذا" قالوا الله ورسوله أعلم قال "هذا العنان هذه روايا الأرض ~~يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" # ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق ~~الغمام ويسرا أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن ~~تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ومنهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمه ~~الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي ~~فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر ~~الله الذي أمرت به بين خلقه والصحيح أن المقسمات أمرا لا تختص بأربعة وقيل ~~هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل ~~على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا ~~بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور ~~وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم # وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة ~~على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ~~ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها # PageV01P279 # وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر ~~سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه ~~وتفرقه وللنبات ريح ms168 وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من ~~أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ~~ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذابا تارة فتارة يحيي بها ~~الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها ~~وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيما وتارة لاقحة وتارة جنوبا ~~وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية ~~قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة ~~المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر ~~الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها ~~إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض ~~الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق ~~الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها ~~فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من ~~الجبال قال نعم # PageV01P280 # الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالوا ~~يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك ~~أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك أشد من الريح قال نعم ~~ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله" ورواه الإمام أحمد في مسنده ~~وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة ~~الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنها ~~عاتية قال البخاري في صحيحه عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها # والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته ### | ### | فصل # ms169 # ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل ~~الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونهما وتسير به حيث ~~أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه ~~حيث أمر به اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنه لو بقي لأضر النبات والحيوان ~~فأنشأه سبحانه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى ~~بلد شديد الحاجة إليه # فسل السحاب من أنشأه بعد عدمه وحمله الماء والثلج والبرد ومن حمله على ~~ظهور الرياح ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير # PageV01P281 # عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد ~~وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منه وأفناه بعد الاستغناء عنه ولو شاء ~~لأدامه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنهم فلا يجدون ~~إليه وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته ~~وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام ~~نعمته وسلطانا على من شاء بعقوبته ومن جعلها رخاء وذارية ولاقحة ومثيرة ~~ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومهلكة ~~وعاتية إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر ~~شهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # وسل الجاريات يسرا من السفن من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ومن ~~أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ومن ~~حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح فمن الذي جعل الريح ~~لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنه لعاقها ومن الذي أجرى لها ريحا ~~واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمها ويقاومها، فتتموج في # PageV01P282 # البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا ~~البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود ms170 إلى بلده ~~يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال {ومن آياته ~~الجوار في البحر كالأعلام البحر إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير} ومن الذي ~~حمل في هذا البيت نبيه وأولياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم # وسل الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها ~~ورفع مكانها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها ~~وحركاتها وأماكنها من السماء فمنها الكبير ومنها الصغير والمتوسط والأبيض ~~والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك والمتطرف في ~~جوانبها 2 وبين ذلك ومنها ما يقطع الفلك في شهر ومنها ما يقطعه في عام ~~ومنها ما يقطعه في ثلاثين عاما ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنها مالا ~~يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدي ومنها أبدى الخفاء ومنها ماله حالتان ~~ظهور واختفاء ومنها ماله حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ~~ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب # PageV01P283 # في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في ~~الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء ~~وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه ~~غيبته # وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على ~~المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم ~~دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله ~~النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه ~~وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا ~~تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من ~~دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا ### | ### | فصل # # وأما دلالة {المقسمات أمرا} وهم الملائكة فلأن ms171 ما يشاهد من تدبير العالم ~~العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر ~~بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر ~~والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات # PageV01P284 # طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم ~~طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل ~~شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما ~~فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره ~~والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم # ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب ~~فقال {إنما توعدون لصادق} أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق ~~كائن وهو وعد صدق لا كذب {وإن الدين لواقع} أي إن الجزاء لكائن لا محالة ~~ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن ~~وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق # ووصف الوعد بكونه صادقا أبلغ من وصفه بكونه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله ~~بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف ~~كلامه بأنه صادق وهذا مثل قولهم سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق ~~ومنه {عيشة راضية} وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب # PageV01P285 # وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالا ~~عليه مرشدا إليه # ثم أقسم سبحانه {والسماء ذات الحبك} أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال ~~حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل ~~أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت ~~مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام ~~طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل ~~إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا ms172 مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضا ~~واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما ~~أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن # وروى سعيد بن جبير عنه قال الحبك حسنها واستواؤها وقال قتادة ذات الخلق ~~الشديد وقال مجاهد متقن البنيان وقال أيضا ذات الطرائق ولكنها بعيدة من ~~العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر ~~وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل # قلت وفي الحديث في صفة الدجال ورأسه حبك أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في ~~تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير # PageV01P286 # الجامع من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~"هل تدرون ما فوقكم" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإنها الرقيع سقف محفوظ ~~وموج مكفوف" وذكر الحديث # PageV01P287 ### | ### | فصل # # ثم ذكر المقسم عليه فقال {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} فالقول ~~المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي وهو خرص كله فإنهم لما كذبوا بالحق ~~اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم ~~فمن خالفه اختلفت به الطرق والمذاهب كما قال تعالى {بل كذبوا بالحق لما ~~جاءهم فهم في أمر مريج} أي مختلط ملتبس وفي ضمن هذا الجواب أنكم في أقوال ~~باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا # ثم أخبر سبحانه بسبب تكذيبهم بالحق أنه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من # PageV01P288 # صرف فعن ههنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله {وما نحن بتاركي آلهتنا عن ~~قولك} # وقوله {من أفك} أي من سبق في علم الله أنه يضل ويؤفك كقوله {فإنكم وما ~~تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم} # وقالت طائفة الضمير يرجع إلى القرآن وقيل إلى الإيمان وقيل إلى الرسول ~~والمعنى يصرف عنه من صرف حتى يكذب به # ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال {قتل الخراصون} أي المكذبون ~~{الذين هم في غمرة ساهون} وجهالة قد عمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها كغمرة ~~الماء وغمرة الموت فالغمرات ms173 ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب ~~أو بغض أو خوف أو غم ونحو ذلك قال تعالى {بل قلوبهم في غمرة من هذا} أي ~~غفلة وقيل جهالة # ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه ~~والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا ~~يستلزم ذلك # ثم قال {يسألون أيان يوم الدين} استبعادا للوقوع وجحدا # PageV01P289 # فأخبر تعالى أن ذلك {يوم هم على النار يفتنون} والمشهور في تفسير هذا ~~الحرف أنه بمعنى يحرقون ولكن لفظة على تعطي معنى زائدا على ما ذكروه ولو ~~كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون ولهذا لما علم هؤلاء ذلك ~~قال كثير منهم على بمعنى في كما تكون في بمعنى على والظاهر أن فتنتهم على ~~النار قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة وعند دخولهم ~~والتعذيب بها فتنة أشد منها ومن جعل الفتنة ههنا من الحريق أخذه من قوله ~~تعالى {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا} واستشهد على ذلك ~~أيضا بهذه اللفظة التي في الذاريات وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب ~~وسببه ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب ~~العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة ولهذا قال {ذوقوا فتنتكم} وكان وقوفهم ~~على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم وآخر هذه الفتنة دخول النار ~~والتعذيب بها ففتنوا أولا بأسباب الدنيا وزينتها ثم فتنوا بإرسال الرسل ~~إليهم ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم ثم فتنوا بعذاب الدنيا ثم فتنوا بعذاب ~~الموت ثم يفتنون في موقف القيامة ثم إذا حشروا إلى النار وقفوا عليها ~~وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن ~~قبلها # PageV01P290 ### | ### | فصل # # ثم ذكر سبحانه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون ~~وأنهم {آخذين ما آتاهم ربهم} من الخير والكرامة # وفي ذلك دليل على أمور منها قبولهم له ومنها رضاهم به ومنها وصولهم إليه ms174 ~~بلا مانع ولا عائق ومنها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم به ~~في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء ~~كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانهم المتضمن لعبادته وحده ~~لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنهم قليل هجوعهم منه # وقد قيل إن ما نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف بالكثير وهذا ~~ضعيف لوجوه أحدها أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء ~~الثاني أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامه كله ~~الثالث أنه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا ~~رسول الله وما قام ليلة حتى الصباح الرابع أن الله سبحانه إنما أمر رسوله ~~أن يتهجد بالقرآن من الليل لا في الليل كله فقال {ومن الليل فتهجد به} ~~الخامس أنه سبحانه # PageV01P291 # لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان ~~منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامه كله ~~السادس أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنه لا ينام من ~~الليل بعث إليه فجاء فقال "يا عثمان أرغبت عن سنتي" قال لا والله يا رسول ~~ولكن سنتك أطلب قال "فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله ~~يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم ~~وأفطر وصل ونم" ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنها تصلي الليل كله حتى جعلت ~~حبلا بين ساريتين إذا فترت تعلقت به أنكر ذلك وأمر بحله السابع أن الله ~~أثنى عليهم بأنهم كانت {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وتقلق عنها حتى يقوموا ~~إلى الصلاة ولهذا جازاهم عن هذا التجافي الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى ~~يقوم إلى الصلاة بقرة الأعين الثامن أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل ~~في هذه الآية لم يفهموا منها ms175 عدم نومهم بالليل أصلا فروى بجير بن سعد عن ~~سعيد عن قتادة عن أنس في قوله {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال كانوا ~~يصلون ما بين المغرب والعشاء التاسع أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام # PageV01P292 # وتقديما لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو ~~منفي والبصريون لا يجيزون ذلك وإن أجازه الكوفيون و ### | ### | فصل # بعضهم فأجازه في الظرف ولم يجزه في غيره # فصل # وقيل ما زائدة وخبر كان {يهجعون} وقليلا منصوب إما على المصدرية أي هجوعا ~~قليلا وإما على الظرف أي زمنا قليلا # واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نوم سدسه أحب القيام إلى ~~الله فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل ~~خلافه # وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعا ~~فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين ~~العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن ~~الاستيقاظ # وقيل ما مصدرية وهي في موضع رفع بقليل أي كانوا قليلا هجوعهم وهو قول ~~الحسن وقيل إنها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي قليلا من الليل الوقت ~~الذي يهجعون وفيه تكلف وقيل ما يهجعون بدل اشتمال من اسم كان والتقدير كان ~~هجوعهم من الليل قليلا ويرد عليه أن من الليل متعلق بيهجعون ومعمول # PageV01P293 # المصدر لا يتقدم عليه وأجيب عنه أنه منصوب على التفسير ومعناه أن يقدر له ~~فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور وقليلا خبر كان وتم الكلام بذلك والمعنى ~~كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} وأصحاب ~~هذا القول يجعلون ما نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئا من الليل وقد ~~تقدم ما فيه # ثم أخبر عنهم بأنهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر ~~فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدا وقياما ثم تابوا إليه ~~واستغفروه عقيب ذلك وكان النبي إذا سلم ms176 من صلاته استغفر ثلاثا وأمره الله ~~سبحانه أن يختم عمره بالاستغفار وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات ~~بالاستغفار وشرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالتوبة فأحسن ما ختمت به الأعمال ~~التوبة والاستغفار ثم أخبر سبحانه عن إحسانهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم ~~فجمع لهم بين الإخلاص والإحسان ضد {الذين هم يراءون ويمنعون الماعون} وأكد ~~إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه ~~الجزاء منه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل # وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه حرمه بقضائه وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو ~~أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع # PageV01P294 # عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع شرع عطاءه بأمره وحرمه بقدره فلم يجمع ~~عليه حرمانين ### | ### | فصل # # ثم ذكرهم سبحانه بآياته الأفقية والنفسية فقال {وفي الأرض آيات للموقنين ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون} فآيات الأرض أنواع كثيرة منها خلقها وحدوثها بعد ~~عدمها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنها شواهد قائمة ~~بها ومنها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون ~~مغمورا به ومنها سعتها وكبر خلقها ومنها تسطيحها كما قال تعالى {وإلى الأرض ~~كيف سطحت} ولا ينافى ذلك كونها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه ~~الحيوان ومنها أنه جعلها فراشا لتكون مقر الحيوان ومساكنه وجعلها قرارا ~~وجعلها مهادا ذلولا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها ~~الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها وجعلها بساطا وجعلها ~~كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها وللأموات تضمهم في بطنها وطحاها فمدها ~~وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومرعاها ~~وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل # PageV01P295 # والفجاج ونبه بجعلها مهادا وفراشا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية ~~أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنها لما كانت على وجه ~~الماء كانت تكفأ فيه تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية ~~أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ~~ذلولا ms177 على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع ~~حفرها وشقها والبناء فيها والغرسى والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ~~ونبه بكونها قرارا على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة ~~والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة بل ~~جعلها بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة ~~والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد ~~والحيوان منها وتعطلت المنافع المقصودة منها وبهذا يعلم أن جواهر التراب ~~أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها ~~لقاتها وإلا فالتراب أنفع منها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فإن ~~الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في ~~غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها ~~صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من ~~احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف # PageV01P296 # فاقتضت حكمته سبحانه أن جعلها كثيفة غبراء ### | ### | فصل # حت أن تكون مستقرا للحيوان والأنام والنبات # ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي ~~أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشأ منها طعامه ~~وقوته وكذلك خلق منها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منها # فصل # ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع ~~متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت ~~وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها ~~رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها ~~حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة ~~مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا ~~تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار ~~فيمطر الله سبحانه ms178 الماء على الأرض البعيدة وهذه لا ينفعها المطر ويسوق ~~الماء إليها على وجه الأرض # فلو سألتها من نوعها هذه التنوع ومن فرق أجزاءها هذا # PageV01P297 # التفريق ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به ومن ألقى عليها رواسيها وفتح ~~فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى ومن أمسكها عن الزوال ومن بارك فيها ~~وقدر فيها أقواتها وأنشأ منها حيوانها ونباتها ومن وضع فيها معادنها ~~وجواهرها ومنافعها ومن هيأها مسكنا ومستقرا للأنام ومن يبدأ الخلق منها ثم ~~يعيده إليها ثم يخرجه منها ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ومن وطأ ~~مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ~~ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ومن بسطها وفرشها ومهدها ~~وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ومن الذي يمسكها أن تتحرك ~~فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ~~ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات ~~بل أنشأ منها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا وعليهم أجمعين وأنشأ ~~منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من ~~المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا ~~القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر ~~فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان # PageV01P298 # والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة كما نشاهده ~~في الصيف فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة ~~التي بها انتظام العالم ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ومن ~~الذي جعل باطنها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا للأحياء ومن الذي يحييها بعد ~~موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس ~~فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج # فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه ~~الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت ms179 نداوة الطين فيه ~~وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن ~~الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهو الشجرة ~~وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم ~~وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة ~~لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في ~~هذه الأم # فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات # PageV01P299 # كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا به عنه بإخراج من في القبور ~~ليوم البعث والنشور # فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى ~~بعض وانفصال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع ~~من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك ~~أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمها فقيرة إلى ~~موجد غني عنها مؤثر غير متأثر قديم غير حادث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته ~~وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشهد بعلمه وحكمته وتدعو ~~عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته ~~وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته # فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما ~~أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها ~~حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الإنبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منها حصل ~~بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت ~~قوته وصلابته فحرارة الربيع للإخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم ~~واحدة والأب واحد واللقاح واحد # PageV01P300 # والأولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى {وفي الأرض قطع متجاورات ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} # فهذا بعض آيات الأرض ومن ms180 الآيات التي فيها وقائعه سبحانه التي أوقعها ~~بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال ~~تعالى {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم} وقال في قوم لوط: {وإنكم ~~لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} وقال {فأخذتهم الصيحة مشرقين ~~فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم} أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله وقال {وإن كان ~~أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين} أي ديار هاتين ~~الأمتين لبطريق واضح يمر به السالكون وقال تعالى {وسكنتم في مساكن الذين ~~ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم} وقال عن قوم عاد {فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم} وقال {أولم يهد لهم كم أهلكنا # PageV01P301 # من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده ~~لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعوا الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان ~~به وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ~~ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين ~~كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وآخرين بالصيحة ~~وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن ~~معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا وقوة ومنعة وأموالا: # فيالك من آيات حق لو اهتدى ... بهن مريد الحق كن هواديا # ولكن على تلك القلوب أكنة ... فليست وإن أصغت تجيب المناديا # فهلا امتنعوا إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة بقوتهم ~~وعددهم من بأسه وسلطانه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منهم ~~من أتباع الرسل # ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق به رسله ~~فيما أخبرت به فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله ~~سبحانه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت ~~عصر الرسل # PageV01P302 # حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال {سنريهم ms181 ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} وهذه الإرادة لا تختص ~~بقرن دون قرن بل لا بد أن يري الله سبحانه أهل كل قرن من الآيات ما يبين ~~لهم أنه الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون وآيات الأرض أعظم مما ذكر ~~وأكثر فنبه باليسير منها على الكثير ### | ### | فصل # # ثم قال {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ~~دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه ~~فإذا تفكر الانسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين ~~واضمحلت عنه غمرات الشك والريب وانقشعت عنه ظلمات الجهل فإنه إذا نظر في ~~نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة ~~لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونا من قطره ماء لحوما منضدة ~~وعظاما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحبال العروق والأعصاب قد قمطت ~~وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلا ما بين كبير وصغير ~~وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم # PageV01P303 # ومنحن وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقا للاتصال والانفصال والقبض ~~والبسط والمد والضم والصنائع والكتابة # وجعل فيه تسعة أبواب فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان ~~للكلام والطعام والشراب والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها # وجعل داخل بابي السمع مرا قاتلا لئلا تلج فيها دابة تخلص إلى الدماغ ~~فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من ~~الشحم وجعل داخل باب الطعام والشراب حلوا ليسيغ به ما يأكله ويشربه فلا ~~يتنغص به لو كان مرا أو مالحا # وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منه وفي أشرف ~~عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدا يبصر به السماء ~~والأرض وما بينهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له ~~وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل ~~المصراعين أهدابا من ms182 الشعر وقاية للعين وزينة وجمالا وجعل فوق ذلك كله ~~حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنها ما ينصب من ~~هناك وجعل سبحانه لكل طبقة من طبقات العين شغلا مخصوصا ولكل واحد # PageV01P304 # من الرطوبات مقدارا مخصوصا لو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع ~~والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك ~~العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي ~~والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانه أن جعل فيها ~~بياضا وسوادا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرا لها ومسكنا ~~وزين كلا منهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم ~~والحواجب بالأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف ~~الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانه ~~لتحريك الحدقة وتقليبها اربعا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر ~~العين # ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية ~~الصقالة والصفاء جعل سبحانه هذه الأجفان متحركة جدا بالطبع إلى الانطباق من ~~غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق ~~لعين الذبابة أجفانا فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار ~~والكدورات ### | ### | فصل # # وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب ما يريانه فيوصلانه # PageV01P305 # إليه كما ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب ~~والبغض الخير والشر والبلادة والفطنة الزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين ~~على أحوال القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة وهي فراسة العين وفراسة ~~الأذن وفراسة القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنها من ~~ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرا بالحر والبرد على أن الأذن على صلابتها وغلظها ~~لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي ~~عليها من الأجفان فإنها لو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة ### | ### | فصل # # ومن ذلك الأذنان شقهما تبارك ms183 وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ~~ما يكون معينا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانه في هذه ~~الصدقة? انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد ~~انكسار حدته فلا يصدمها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضا لئلا يفجأها الداخل إليها ~~من الدبيب والحشرات بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الإنعطافات وقف هناك فسهل ~~إخراجه # وكانت العينان في وسط الوجه والأذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة ~~والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين # PageV01P306 # يدي الإنسان وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف ~~الإنسان وأمامه وعن يمينه وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة ~~واحدة وخلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو ~~كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء ~~والصوت عرض لا ثبات له فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ما ترا العين فإنه ~~أجسام وأعراض لا تزول فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانه الأذن ~~عضوا غضروفيا ليس بلحم مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل ~~بلينها وتحفظ بصلابتها ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد ~~والشمس والسموم تأثر اللحم إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من ~~الأصوات والأخبار ### | ### | فصل # # ومن ذلك الأنف نصبه سبحانه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه ~~للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ~~ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضا ~~فإنه يستنشق بالتخزين الهواء البارد الرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح به ~~فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن # PageV01P307 # ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك ~~التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده وحدته قبل أن يصل إلى ~~الدماغ فلولا ذلك لصدمه بحدته وقوته # والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل ms184 ~~إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه ~~جعل لاستنشاق الهواء فإنه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر منه في تلك القصبة ~~فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها ~~العيون وجعل فيها تجويفا فإنه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من ~~الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنه يعمل عمله كما اقتضت ~~الحكمة مثل ذلك في العينين # ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر ~~برده هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما ~~يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ ~~من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في ~~الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم ~~إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منهما ويعود عوضه هواء بارد نافع ~~والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال ~~وهو له في اليوم والليلة # PageV01P308 # أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منها فما ~~ظنك بما وراء التنفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها ### | ### | فصل # # وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام والشراب والنفس والكلام ومسكن اللسان ~~الناطق الذي هو آلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنه # ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا دخل الهواء ~~البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هنالك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب ~~إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببا لحدوث الصوت في الحنجرة ~~والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها ~~تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن ~~القلب ما يأمر به # فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانه ذلك النفس المستغنى عنه المحتاج ~~إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا ms185 استغنى عنه منفعة ومصلحة هي من أكمل ~~المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى ~~القلب فأما إخراج النفس فهو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانه ~~إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببا للأصوات والحروف والكلام # PageV01P309 # ثم أنه سبحانه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة ~~والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان ~~وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف الذي بين الصور والأصوات على كثرتها ~~وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين ~~وأحسن الخالقين فميز سبحانه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر ### | ### | فصل # # وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام وهي أعظمها ومنفعة الذوق والإدراك ~~وجعله دليلا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلا على استقامته ~~واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو البصر على اللسان من الخشونة والملاسة ~~والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على ~~أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في ~~القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة # PageV01P310 ### | ### | فصل # # وجعل سبحانه اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا ~~تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا ~~حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا ~~اللسان وأيضا فإنه من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول ~~الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في ~~أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك ولم يتهيأ منه ~~الكلام التام ولا الذوق التام فكونه الله كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي ~~والله أعلم # فصل # وجعل سبحانه على اللسان غلقين أحدهما الأسنان والثاني الفم وجعل حركته ~~اختياريه وجعل على العين ms186 غطاء واحدا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر ~~اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من ~~اللطائف فإن آفة الكلام اكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع ~~فجعل للأكثر آفات طبقين والمتوسط طبقا جعل الأقل آفة بلا طبق # PageV01P311 ### | ### | فصل # # وجعل سبحانه الفم اكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائما لا يفارقه ~~وجعله حلوا لا مالحا كماء العين ولا مرا كالذي في الأذن ولا عفنا كالذي في ~~الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام والشراب يخالطه ~~بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج به امتزاج العجين بالماء فلولا أنه حلو لما ~~التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا شراب ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ~~ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلا بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة ~~للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع وهي الثنايا وما يليها حادة ~~الرؤس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرؤس ~~عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمها احسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك وجعلها من ~~الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب الأيمن ~~والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل إلى ~~الآلة الأخرى وأيضا لو كان العمل على جانب واحد دائما أو شك أن يتعطل ويضعف # وتأمل كيف أنبتها سبحانه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت ~~الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانه لحما، # PageV01P312 # كسائر العظام سواها إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت ~~العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ويحفظها ويتلقى عنها الحرارة والبرد ويحفظ ~~عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام ~~الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه مستغنية عنه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنها ~~وجعلت هي المكتسبة العارية لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر ~~والطحن لم تنشأ مع الطفل من أول نشأته كسائر ms187 عظامه لعدم الحاجة إليها عطل ~~عنها وقت استغنائه عنها بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها وفيه حكمة أخرى ~~وهي أنه لو نشأت معه من حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن ~~عضها فكانت الأم تمتنع من إرضاعه # ومن عجيب أمرها الإتفاق والموالاة التي بينهما وبين المعدة فإنه يسلم ~~إليها إليها الشيء اليابس والصلب فتطحنه ثم تسلمه إلى اللسان فيعجبنه? ثم ~~اللسان يسلمه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منه ~~معلومها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنه عجزت المعدة عن إنضاجه ~~وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت # وهي تصحب الإنسان وتخدمه ما لم يرها فإذا وقعت عينه # PageV01P313 # عليها فارقته الأبد وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح ~~غير هذه ### | ### | فصل # # ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارا رطبا والحرارة ~~إذا عملت في الرطوبة فلا بد أن تثير بخارا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق ~~البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلا بد أن تحدث مساما ومنافذ في ~~ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ~~ولا تحدث شيئا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون ~~في نهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون ~~معتدلا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد ~~الجلد في الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا ~~رفع رأسه من الماء إنشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد الماء إلى اتصاله ~~الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلا إذا أغلي فخرج البخار من ~~موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منه ذلك البخار فسدته فإن ~~كان # PageV01P314 # الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت تلك ~~الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض ms188 فإن ~~الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنه ينفتح فيه المسام بسبب تلك الأبخرة ~~ولا يعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح وحينئذ ~~يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه أولا ~~فأولا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزا في الجلد منزلته ~~منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات وكذلك الشعر ~~فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة ~~لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكن فيها البخار ~~فتلبد هناك فصار شعرا بإذن الله تعالى # والغاية التي من أجلها وجد شيئان أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول ~~الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية # وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة ~~أقسام أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على ~~الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان النساء ففي هذه ~~الأقسام # PageV01P315 # يقل الشعر وأما الشباب فإن حرارة أبدانهم ويبسهم معتدل فيقوى تولد الشعر ~~فيهم # وفي شعر الرأس منافع ومصالح منها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنها ~~الزينة والحسن # والسبب الذي صار به شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنه أن ~~يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميا ~~على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ~~ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه ### | ### | فصل # # وأما شعر الحاجبين ففيه مع الحسن والزينة والجمال وقاية العين مما ينحدر ~~من الرأس وجعل على هذا المقدار لأنه لو نقص عنه لزالت منفعة الجمال ~~والوقاية ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها وحال بينها وبين ما تدركه وقد ~~ذكرنا منفعة شعر الهدب # ولما كان الأنفع والأصلح أن يكون شعر الهدب قاتما منتصبا وأن يكون باقيا ~~على حال واحد في ms189 مقدار واحد جعل منبت هذا الشعر في جرم صلب شبيه بالغضروف ~~يمتد في طول الجفن لئلا يطول وينمو وهذا كما نشاهد النبات الذي ينبت في ~~الأرض الرخوة اللينة فإنه يطول ويزداد والذي ينبت في الأرض # PageV01P316 # الصخرية الصلبة لا ينمو إلا نموا يسيرا فكذلك الشعر النابت في الأعضاء ~~اللينة الرطبة فإنه سريع النمو كشعر الرأس والعانة ### | ### | فصل # # وأما شعر اللحية ففيه منافع منها الزينة والوقار والهيبة ولهذا لا يرى ~~على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى ومنها التمييز ~~بين الرجال والنساء # فإن قيل لو كان شعر اللحية زينة لكان النساء أولى به من الرجال لحاجتهن ~~إلى الزينة وكان التمييز يحصل بخلو الرجال منه ولكان أهل الجنة أولى به وقد ~~ثبت أنهم جرد مرد # قيل الجواب أن النساء لما كن محل الاستمتاع والتقبيل كان الأحسن والأولى ~~خلوهن عن اللحى فإن محل الاستمتاع إذا خلا عن الشعر كان أتم ولهذا المعنى ~~والله أعلم كان أهل الجنة مردا ليكمل استمتاع نسائهم بهم كما يكمل ~~استمتاعهم بهن وأيضا فإنه أكشف لمحاسن الوجوه فإن الشعر يستر ما تحته من ~~البشرة أن يمس بشرة المرأة والله أعلم بحكمته في خلقه # فصل # وأما شعر العانة والأبط والأنف فمنفعته تنقية البدن من الفضلة ولهذا إذا ~~أزيل من هذا الموضع وجد البدن خفة ونشاطا وإذا # PageV01P317 # وفر وجد ثقلا وكسلا وغما ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان ~~حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط ~~أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة ~~بالأنفع في هذا وهذا ### | ### | فصل # # وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر ~~فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيها لأخل بذلك وخلقا ~~للقبض وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاف الشعر به وأيضا ~~فإنهما آلة الأخذ والعطاء والأكل ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة # وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما ms190 لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيرا ~~مما يعلق بشعره مما على الأرض ويتعلق شعره بما عليها أيضا هذا مع أن أكثر ~~الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها وأما الأخمصين فإن ~~الأبخرة تتصاعد إلى علو وكلما تصاعد كان الشعر أكثر وأيضا فإن كثرة وطء ~~الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئا كما أن الأرض التي ~~توطأ كثيرا لا تنبت شيئا # PageV01P318 # وأما الجبهة فلو بنت الشعر عليها لستر محاسنها وأظلم الوجه وتدلى على ~~العين وكان يحتاج إلى حلقه دائما ومنع العينين من كمال الإدراك والسبب ~~المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ وهو بارد رطب والبخار ~~لا يتحرك منحرفا إلى الجبهة بل صاعدا إلى فوق # فإن قيل لم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه من الصغر دون ~~سائر الشعور # قيل لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله سبحانه معه وهو جنين ~~في بطن أمه فإن شعر الرأس كالغطاء الواقي له من الآفات والأهداب والأجفان ~~وقاية للعين # فإن قيل فلم لم تنبت له اللحية إلا بعد بلوغه # قيل لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه وتكون أقوى ما هي ولهذا يعرض ~~له في مثل هذا الطور البثرات والدمامل وكثرة الإحتلام وإذا كثرت الحرارة ~~كثرة الأبخرة بسبب التحلل وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر الرأس ~~فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات اللحية والعانة وأيضا فإن بين أوعية المنى ~~وبين اللحية ارتباط إذ العروق والمجاري متصلة بينهما فإذا تعطلت أوعية ~~المنى ويبست تعطل شعر اللحية وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر اللحية ~~ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم لحى # PageV01P319 # فإن قيل فما العلة في الكوسج قيل برد مزاجه ونقصان حرارته # فإن قيل فما السبب في الصلع قيل عدم احتباس الأبخرة في موضع الصلع # فإن قيل فلم كان في مقدم الرأس دون جوانبه ومؤخره قيل لأن الجزء المقدم ~~من الرأس بسبب رطوبة الدماغ يكون أكثر لينا وتحللا فتتحلل الفضلات التي ~~يكون منها الشعر فلا ms191 يبقى للشعر مادة هناك # فإن قيل فلم لم يحدث في الأصداغ قيل إن الرطوبة في الأسافل اكثر منها في ~~الأعالي وشاهده الأرض العالية والمنخفضة # فإن قيل فلم لم تصلع المرأة إلا نادرا وكان الصلع في الرجال أكثر قيل لأن ~~الأصل أنه يحدث من يبس في الجلد بمنزلة احتراقه ذلك لقوة الحرارة وأما ~~النساء فالرطوبة والبرودة أغلب عليهن ولهذا فإن جلودهن أرطب من جلود الرجال ~~فلا تجف جلود رؤوسهن فلا يعرض لهن الصلح ولهذا لا يعرض للصبيان وإن عرض ~~للمرأة صلع فذلك في سن يبسها وبلوغها من الكبر عتيا # فإن قيل فما السبب في شدة سواد الشعر قيل شدة البخارات الخارجة من البدن ~~واعتدالها وصحة مادتها كخضرة الزرع # فإن قيل ما سبب الصهوبة قيل برد المزاج فتضعف الحرارة عن صبغ الشعر ~~وتسويده # PageV01P320 # فإن قيل فما سبب الشقرة والحمرة قيل زيادة الحرارة فتصبغ الشعر ولهذا تجد ~~الشقر أشد حرارة واكثر حركة وهمة # فإن قيل فما سبب البياض قيل البياض نوعان أحدهما طبيعي وهو الشيب والثاني ~~خارج عن الطبيعة وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات ~~كما يعرض للنبات عند الجفاف # فإن قيل فما سبب الطبيعي قيل اختلف في ذلك فقالت طائفة سببه الاستحالة ~~إلى لون البلغم بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ وقالت طائفة سببه أن ~~الغذاء الصائر إلى الشعر يصير باردا بسبب نقصان الحرارة ويكون بطيء الحركة ~~مدة نفوذه إلى المسام وجمعت طائفة بين القولين وقالوا العلة في الأمرين ~~واحدة وسببها نقصان الحرارة # فإن قيل فلم اختص الشيب بالإنسان من بين سائر الحيوان قيل لأن لحم ~~الإنسان وجلده رخوين وجلود الحيوانات ولحومها أقوى واصلب فلما غلظت مادة ~~الشعر فيها لم يعرض له ما يعرض لشعر الإنسان ولهذا يكون شعرها كلها معها من ~~حين ولادتها بخلاف الإنسان وأيضا فإن لإنسان? # المركبة المتنوعة وكذا المشارب ويتناول أكثر من حاجته فتجتمع فيه فضلات ~~كثيرة فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن فما دامت الحرارة قوية فإنه تقوى على ~~إحراق تلك الفضلات فيتولد من ms192 إحراقها # PageV01P321 # الشعر الأسود فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة وعجزت عن إحراق تلك الفضلات ~~فتعمل فيها عملا ضعيفا وأما سائر الحيوانات فلا تتناول الأغذية المركبة ~~وتتناول منها على قدر الحاجة فلا يشيب شعرها كما يشيب شعر الإنسان وأيضا ~~فإن في زمن الشيخوخة يكون أقل حرارة وأكثر رطوبة فيتولد البلغم وأما ~~الحيوانات فاليبس غالب عليها # فإن قيل فلم كان شيب الأصداغ في الأكثر مقدما على غيره قيل لقرب هذا ~~الموضع من مقدم الدماغ والرطوبة في مقدم الدماغ كثيرة لأن الموضع مفصل ~~والمفصل تجتمع فيه الفضلة الكثيرة فيكثر البرد هناك فيسرع الشيب # فإن قيل فلم أسرع الشيب في شعور في شعور الخصيان والنساء قيل أما النساء ~~فلبرد مزاجهن في الأصل ولاجتماع الفضلات الكثيرة فيهن وأما الخصيان فلتوافر ~~المنى على أبدانهم يصير دمهم غليظا بلغميا ولهذا لا يحدث الصلع # فإن قيل فلم كان شعر الإبط لا يبيض قيل لقوة حرارة هذا الموضع بسبب قربه ~~من القلب ومسامه كثيرة بلغمية لأنها تتحلل بالعرق الدائم # فإن قيل فلم أبطأ بياض شعر العانة قيل لأن حركة الجماع تحلل البلغم الذي ~~في مسامه # فإن قيل فلم كانت الحيوانات تتبدل شعورها كل سنة بخلاف # PageV01P322 # الإنسان قيل لضعف شعورها عن الدوام والبقاء بخلاف شعر الآدمي # فإن قيل فما سبب الجعودة والسبوطة قيل أما الجعودة فمن شدة الحرارة أو من ~~التواء المسام فالذي من شدة الحرارة فإنه تعرض منه الجعودة كما تعرض الشعر ~~عند عرضه على النار وأما الذي لالتواء المسام فلأن البخار لضعفه لا يقدر أن ~~ينفذ على الاستقامة فيلتوي في المنافذ فتحدث الجعودة # فإن قيل فما السبب في طول شعر الميت وأظفاره بعد موته إذا بقي مدة قيل ~~عنه جوابان أحدهما أنها لا تطول ولكن لما ينقص ما حولها يظن أنها زادت ~~الثاني وهو أصوب أن ذلك الطول من الفضلات البخارية التي تتحلل وهلة من ~~الميت فيمتد معها الشعر والظفر # فإن قيل فلم كان المريض وخاصة المحموم ينقص لحمه ويزيد شعره قيل إن في ~~المرض تكثر الفضلات فتطول الشعور ms193 والأظفار بها ويثقل الغذاء فيذوب اللجم ~~وأما في الصحة فتقل الفضلات فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهضمها له وإذا ~~قلت الفضلات نفدت مادة الشعر فيبطئ # فإن قيل فما العلة في انتصاب شعر الخائف والمقرور حتى يبقى كشعر القنفذ ~~قيل العلة فيه أن الجلد ينقبض وتجتمع المسام على الشعر وتتضايق عليه فينتصب # PageV01P323 # فإن قيل فلم انتصب شعر البدن واللحية واللحيين # فإن قيل فلم كانت كثرة الجماع تزيد في شعر اللحية والجسد وتنقص من شعر ~~الرأس والأجفان قيل لأن الشعر فيه ما يكون طبيعيا من أول الخلقة كاللحية ~~وسائر شعر البدن والأول يكون من قوة الحرارة الأصلية والثاني من قوة ~~الحرارة الخارجية فلا جرم نقصت بسببه الشعور الأصلية وتوفرت العرضية # فإن قيل فلم كان الشعر في الإنسان في الجزء المقدم أكثر منه في المؤخر ~~وباقي الحيوانات بالعكس قيل لأن الشعر إنما يكون حيث تكون الحرارة قوية ~~ويكون تحلل الجلد أكثر وهذا في الإنسان في ناحية الصدر والبطن وأما جلدة ~~الظهر فمتكاثفة وأما ذوات الأربع ففي الخلف شعورها أكثر لأن البخار فيها ~~يرقى إلى الخلف وان تلك المواضع هي التي تتلقى الحر والبرز فتحتاج إلى وقاء ~~أكثر # فإن قيل فلم كان الرأس بالشعر أحق الأعضاء ونباته أكثر قيل لأن البخار ~~يتصاعد ويطلب جهة الفوق وهو الرأس # ولا تستطل هذا الفصل فإن أمر الشعر من السمات والفضلات وهذا شأنه فما ~~الظن بغيره من الأجزاء الأصلية فإذا كانت هذه قليلة من كثير من حكمة الرب ~~تعالى في الشعور ومواضعها ومنافعها # PageV01P324 # فكيف بحكمته في الرأس والقلب والكبد والصدر وغيرها ولا تضجر من ذلك فإن ~~الخلق فيه من الفقه والحكم نظير ما في الأمر فالرب تعالى حكيم في خلقه ~~وأمره ويحب من يفقه عنه ذلك ويستدل على كمال حكمته وعلمه ولطفه وتدبيره ~~فإذا كان الله لم يضع هذه الفضلات في الإنسان سدى فما الظن بغيرها ### | ### | فصل # # ونحن نذكر فصلا مختصرا في حال الإنسان من مبدئه إلى نهايته لنجعله مرآة ~~له ينظر فيها قول خالقه وبارئه {وفي ms194 أنفسكم أفلا تبصرون} # لما اقتضى كمال الرب تعالى جل جلاله وقدرته التامة وعلمه المحيط ومشيئته ~~النافذة وحكمته البالغة تنويع خلقه من المواد المتباينة وأنشأهم من الصور ~~المختلفة والتباين العظيم بينهم في المواد والصور والصفات والهيئات ~~والأشكال والطبائع والقوى اقتضت حكمته أن اخذ من الأرض قبضة من التراب ثم ~~ألقى عليها الماء فصارت مثل الحمأ المسنون ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى ~~صارت صلصالا كالفخار ثم قدر لها الأعضاء والمنافذ والأوصال والرطوبات ~~وصورها فأبدع في تصويرها وأظهرها في أحسن الأشكال وفصلها أحسن تفصيل مع ~~اتصال # PageV01P325 # أجزائها وهيأ كل جزء منها لما يراد منه وقدره لما خلق له عن أبلغ الوجوه ~~ففصلها في توصيلها وأبدع في تصويرها وتشكيلها والملائكة تراها ولا تعرف ما ~~يراد منها وإبليس يطيف بها ويقول لأمر ما خلقت فلما تكامل تصويرها وتشكيلها ~~وتقدير أعضائها وأوصالها وصارت جسدا مصورا مشكلا كأنه ينطق إلا أنه لا روح ~~فيه ولا حياة أرسل إليه روحه فنفخ فيه نفخة وانقلب ذلك الطين لحما ودما ~~وعظاما وعروقا وسمعا وبصرا وشما ولمسا وحركة وكلاما فأولى شيء بدأ به أن ~~قال الحمد لله رب العالمين فقال له خالقه وبارئه ومصوره يرحمك الله يا آدم ~~فاستوى جالسا أجمل شيء وأحسنه منظرا وأتمه خلقا وأبدعه صورة فقال الرب ~~تعالى لجميع ملائكته {اسجدوا لآدم} فبادروا بالسجود تعظيما وطاعة لأمر ~~الواحد المعبود ثم قال لهم لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون ~~وجمال باطن أحسن مما تبصرون فلتزيين باطنه أحسنه من زينة ظاهره ولنجعلنه من ~~أعظم آياتنا نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة فكان التعليم زينة ~~الباطن وجماله وذلك التصوير زينة الظاهر في أكمل شيء وأجمله صورة ومعنى كل ~~ذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن ~~والجمال ليسكن إليها وتقر نفسه وليخرج من بينهما من لا يحصى عدده من الرجال ~~والنساء سواه # PageV01P326 ### | ### | فصل # # ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع ms195 فيهما حرارة ~~الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلا منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر ~~قد قدر فاسمع الآن عجائب ما هناك # لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط ~~عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من ~~جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الأذنين إلى قفا ~~الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المنى بعد أن طبختها نار ~~الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري ~~وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب ~~المستفرغة لها من خارج ومن داخل فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه ~~إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى ~~امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضى الله أمرا كان مفعولا وجعل هذا محل الحرث ~~وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر وقدر بينهما تلك الحركات ~~لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر ~~والظفر لتوافق نسخة الأصل ويكون # PageV01P327 # الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ولهذا لا تجد في منى ~~الاحتلام من القوة ما في منى الجماع وإنما هو من فضلة حرارة تذيب الرطوبة ~~فتنفذ فيها الطبيعة إلى خارج من نوع تصور خيال بواسطة الشيطان كما في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الرؤيا الصالحة من الله ~~والحلم من الشيطان" # فإن قيل فهذا اختيار منكم لقول من قال إن المنى يخرج من جميع أجزاء البدن ~~وهذا وإن كان قد قاله كثير من الناس فقد خالفهم آخرون وزعموا انه فضلة ~~تتولد من الطعام وهي من أعدل الفضلات ولهذا صلحت أن تكون مبدأ الإنسان وهو ~~جسم متشابه الأجزاء في نفسه قيل القول الأول هو الصواب ويدل عليه وجوه منها ~~عموم اللذة بجميع أجزاء البدن ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين ~~ومنها أن المشابهة الكلية تدل على ms196 أن البدن كله أرسل المنى ولولا ذلك لكانت ~~المشابهة بحسب محل واحد فدل على أن كل عضو أرسل قسطه ونصيبه فلما انعقد ~~وصلب ظهرت محاكاته ومشابهته له ومنها أن الأمر لو كان كما زعمه أصحاب ~~المقالة الثانية من أن المنى جسم واحد متشابه في نفسه لم تتولد منه الأعضاء ~~المختلفة المتشكلة بالأشكال المختلفة لأن القوة الواحدة لا تفعل في المادة ~~الواحدة إلا فعلا واحدا فدل على أن المادة في نفسها ليست متشابهة الأجزاء # ومنها أن المني فضلة الهضم الآخر وذلك إنما يكون عند نضج الدم في العروق # PageV01P328 # وكونه مستعدا استعدادا تاما لأن يصير من جوهر الأعضاء وكذلك عقيب ~~استفراغه من الضعف أكثر مما يحصل من استفراغ أمثاله من الدم ولذلك يورث ~~الضعف في جوهر الأعضاء الأصلية فدل على انه مركب من أجزاء كل منهما قريب ~~الاستعداد لأن يصير جزءا من عضو ولذلك سماه الله سلالة والسلالة فعالة من ~~السل وهو ما يسل من البدن كالبخار كما سمى اصله سلالة من الطين لأنه استلها ~~من جميع الأرض كما في جامع الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله ~~خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض" # قال أصحاب القول الآخر وهم جمهور الأطباء وغيرهم لو كان الأمر كما زعمتم ~~وأن المني يستل من جميع الأعضاء لكان إذا حصل مني الذكر ومني الأنثى في ~~الرحم تشكل المولود بشكلهما معا ولكان الرجل لا يلد إلا ذكرا دائما لأن ~~المني قد استل عندكم من جميع أجزائه فإذا انعقد وجب أن يكون مثله وأيضا فإن ~~المرأة تضع من وطء الرجل في البطن الواحد ذكرا وأنثى ولا يمكن أن يقال أن ~~ذلك بسبب اختلاف أجزاء المنى # قالوا ولا نسلم عموم اللذة لأنها إنما حصلت حال الإندفاق بسبب سيلان تلك ~~المادة الحارة جارية على تلك المجاري اللحمية التي لحمتها رخوة شبيهة ~~باللحم القريب العهد بالاندمال إذا سال عليه شيء وهو معتدل السخونة ولو ~~كانت اللذة إنما حصلت بسبب سيلان تلك # PageV01P329 # المادة لحصلت قبل الإندفاق قالوا وأما ms197 احتجاجكم بالتشابه المذكور بين ~~الوالد والمولود فالمشابهة قد تقع في الظفر والشعر وليس يخرج منهما شيء ~~وأيضا فالمولود قد يشبه جدا بعيدا من أجداده كما ثبت في الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال إن امرأتي ولدت غلاما أسود قال "هل ~~لك من إبل" قال نعم قال "فما ألوانها؟ " قال سود قال "هل فيها من أورق" قال ~~نعم قال "فأنى له ذلك" قال عسى أن يكون نزعه عرق قال "وهذا عسى أن يكون ~~نزعه عرق" # قالوا ولو كان في المنى من كل عضو أجزاء فلا تخلو تلك الأجزاء إما أن ~~تكون موضوعة في المنى وضعها الواجب أو لا تكون كذلك فإن كانت موضوعة وضعها ~~الواجب كان المنى حيوانا صغيرا وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة # قالوا وأيضا فإن المنى إما أن يكون مركبا على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها ~~أو لا يكون كذلك فالأول باطل قطعا لأن المني رطوبة سيالة فلا تحفظ الوضع ~~والترتيب وإن كانت ثقيلة فتعين الثاني ولا بد قطعا أن يحال ذلك الترتيب ~~والتصوير والتشكيل على سبب آخر سوى القوة التي في المادة فإنها قوة لا شعور ~~لها ولا إدراك ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية بل هذا ~~التصوير والتشكيل مستند إلى خالق عليم حكيم قد بهرت حكمته العقول ودلت آثار ~~صنعته على كمال أسمائه وصفاته # PageV01P330 # وتوحيده وقد اعترف بذلك فاضلا الأطباء وهما بقراط وأفلاطون وأقرا بأن ذلك ~~مستند إلى حكمة الصانع وعنايته وأنه لم يصدر إلا عن حكيم عليم قدير ذكره ~~جالينوس عنهما في كتاب رأي بقراط وأفلاطون فأبى جهلة الأطباء وزنادقة ~~المتفلسفة والطبائعيين إلا كفورا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث حذيفة بن أسيد "إن الله وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا ~~رب علقة يا رب مضغة فما الرزق فما الأجل فما العمل فيقضى الله ما يشاء ~~ويكتب الملك" وفي لفظ "يقول الملك الذي يخلقها" أي يصورها بإذن الله أي ~~يصور خلقه ms198 في الأرحام كيف شاء الله لا إله إلا هو العزيز الحكيم # فقال أصحاب القول الأول نحن أحق بالتنزيه والتوحيد ومعرفة حكمة الخالق ~~العليم وقدرته وعلمه وأسعد به منكم ومن أحال من سفهائنا وزنادقتنا هذا ~~التخليق على القوة المصورة والأسباب الطبيعية ولم يسندها إلى فاعل مختار ~~عالم بكل شيء قادر على كل شيء # PageV01P331 # لا يكون شيء إلا بإذنه ومشيئته والقوة والطبيعة خلق مسخر من خلقه وعبد من ~~جملة عبيده ليس لها تصرف ولا حركة ولا فعل إلا بإذن بارئها وخالقها فذلك ~~الذي جهل نفسه وربه وعادة الطبيعة والشريعة والرب تعالى يخلق ما يشاء ~~ويختار ويصور خلقه في الأرحام كيف يشاء بأسباب قدرها وحكم دبرها وإذا شاء ~~أن يسلب تلك الأسباب قواها سلبها وإذا شاء أن يقطع مسبباتها عنها قطعها ~~وإذا شاء أن يهيء لها أسبابا أخرى تقاومها وتعارضها فعل فإنه الفعال لما ~~يريد وليس في كون المنى مستلا من جميع أجزاء البدن ما يخرج الحوالة على ~~قدرته ومشيئته وحكمته بل ذلك أبلغ في الحكمة والقدرة # وأما قولكم لو كان المنى مستلا من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكل بشكلهما ~~معا فقد أجاب النبي عمن سأله عن ذلك بما شفى وكفى ففي صحيح البخاري من حديث ~~انس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله المدينة وهو في ~~أرضه يحترف فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط ~~الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن ~~أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخبرني بهن ~~آنفا جبريل" فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة "أما أشراط الساعة ~~فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما # PageV01P332 # أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن ~~الرجل إذا غشى المرآة فسبق ماؤه كان الشبه لها" فقال أشهد أنك رسول الله ~~فهذا جواب جبريل آمين رب العالمين لا جبريل الطبيب ms199 وفي صحيح مسلم من حديث ~~ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر ~~بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنث بإذن الله" وقد يتفق الماآن ~~في الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل وفرج ~~كفرج المرأة فإذا شاء الله أن يغلب سلالة ماء الرجل على ماء المرأة أو ~~سلالتها أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق ~~عادته ولو خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين # وأما منعكم عموم اللذة فشبيه بالمكابرة والمجامع يجد عند الإنزال شيئا قد ~~استل من جميع بدنه وسمعه وبصره وقواه في قالب الرحم فيحس كأنه خلع قميصا ~~كان مشتملا به ولهذا اقتضت حكمة الرب تعالى في شرعه وقدره أن أمره ~~بالاغتسال عقيب ذلك ليخلف عليه الماء ما تحلل من بدنه من ماء وإذا اغتسل ~~وجد نشاطا وقوة وكأنه لم ينقص منه شيء فإن رطوبة الماء تخلف على البدن ما ~~حللته تلك الحركة عن رطوباته وتعمل فيها الحرارة الأصلية عملها فتمد بها ~~القوى التي ضعفت بالإنزال # وأما التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل ~~بينهما شيء فما أبردها من شبهة فإن الظفر والشعر تابعان # PageV01P333 # للأعضاء والمزاج الذي وقع فيه التشابه فاستتبع تشابه الأصل تشابه التبيع # وأما شبه المولود بالجد البعيد من أجداده فهو من أقوى الأدلة لنا في ~~المسالة لأن ذلك الشبه البعيد لم يزل ينتقل في الأصلاب حتى استقر في صورة ~~الولد وبها حصل الشبه # وأما قولكم إن تلك الأجزاء لا تخلو إما أن تكون موضوعة في المنى وضعها ~~الواجب أولا إلى آخره فجوابكم إنكم إن عنيتم أنها موضوعة بالفعل فليس كذلك ~~وإن أردتم أنها موضوعة بالقوة فنعم وما المانع منه ويكون المنى حيوانا ~~صغيرا بل كبيرا بالقوة وبهذا ظهر الجواب عن قولكم إن المنى رطوبة سيالة لا ~~تحفظ الوضع والترتيب وغاية ما يقدر أن ذلك جزء من أجزاء السبب الذي يخلق ~~الله به الولد وجزء السبب ms200 لا يستقل بالحكم فالمستقل بالإيجاد مشيئة الله ~~وحده والأسباب محال الظهور ### | ### | فصل # # فإن قيل فهذا تصريح منكم بأن المرأة لها منى وأن منها أحد الجزئين اللذين ~~يخلق الله منهما الولد وقد ظن طائفة من الأطباء أن المرأة لا مني لها # قيل هذا هو السؤال الذي أوردته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأم سلمة ~~رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P334 # وأجابهما عنه بإثبات منى المرأة ففي الصحيح أن أم سليم رضي الله عنها ~~قالت يا رسول الله # إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال "نعم ~~إذا رأت الماء" فقالت أم سلمة أوتحتلم المرأة فقال "تربت يداك فبم يشبهها ~~ولدها" وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي ترى في منامها ما يرى الرجل هل ~~عليها من غسل قال "نعم إذا رأت الماء" قالت فقلت له أفترى المرأة ذلك فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهل يكون الشبه إلا من ذلك إذا علا ماؤها ~~ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه" هذا ~~لفظ مسلم وقد ذكر جالينوس التشنيع على ارسطاليس حيث قال إن المرأة لا منى ~~لها فلنحرر هذه المسألة طبعا كما حررت شرعا فنقول: # منى الذكر من جملة الرطوبات والفضلات التي في البدن وهذا أمر يشترك بين ~~الذكر والأنثى منه رأسا يتخلق الولد وبواسطته يكون الشبه ولو لم يكن للمرأة ~~منى لما أشبهها ولدها # ولا يقال إن الشبه سببه دم الطمث فإنه لا ينعقد مع منى الرجل ولا يتحد به ~~وقد أجرى الله العادة بأن التوالد لا يكون إلا بين أصلين يتولد من بينهما ~~ثالث ومني الرجل وحده لايتولد منه الولد مالم يمازجه # PageV01P335 # مادة أخرى من الأنثى وقد اعترف أرباب القول الآخر بذلك وقالوا لا بد من ~~وجود مادة بيضاء لزجة للمرأة تصير مادة لبدن الجنين ولكن نازعوا ms201 هل فيها ~~قوة عاقدة كما في منى الرجل أم لا وقد أدخل النبي في هذه المسألة في الحديث ~~الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ثوبان مولاه حيث سأله اليهود عن الولد ~~فقال "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى ~~المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة منى الرجل آنث بإذن الله" نعم ~~لمنى الرجل خاصة الغلظ والبياض والخروج بدفق ودفع فإن أراد من نفى منى ~~المرأة انتفاء ذلك عنها أصاب ومنى المرأة خاصته الرقة والصفرة والسيلان ~~بغير دفع فإن نفى ذلك عنها أخطأ وفي كل من الماءين قوة فإذا انضم أحدهما ~~إلى الآخر اكتسبا قوة ثالثة وهي من أسباب تكوين الجنين واقتضت حكمة الخلاق ~~العليم سبحانه أن جعل داخل الرحم خشنا كالسفنج وجعل فيه طلبا للمنى وقبولا ~~له كطلب الأرض الشديدة العطش للماء وقبولها له فجعله طالبا حافظا مشتاقا ~~إليه بالعطش فلذلك إذا ظفر به ضمه ولم يضيعه بل يشتمل عليه أتم الاشتمال ~~وينضم أعظم انضمام لئلا يفسده الهواء فيتولى القوة والحرارة التي هناك بإذن ~~الله ملك الرحم فإذا اشتمل علىالمني ولم يقذف به إلى خارج استدار على نفسه ~~وصار # PageV01P336 # كالكرة وأخذ في الشدة إلى تمام ستة أيام فإذا اشتد نقط فيه نقطة في الوسط ~~وهو موضع القلب ونقطة في أعلاه وهي نقطة الدماغ وفي اليمين وهي نقطة الكبد ~~ثم تتباعد تلك النقط ويظهر بينها خطوط حمر إلى تمام ثلاثة أيام أخر ثم تنفذ ~~الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر فيصير ذلك خمسة عشر يوما ويصير المجموع ~~سبعة وعشرين يوما ثم ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن عن ~~الجبين وذلك في تسعة أيام فتصير ستة وثلاثين يوما ثم يتم هذا التمييز بحيث ~~يظهر للحس ظهورا بينا في تمام أربعة أيام فيصير المجموع أربعين يوما تجمع ~~خلقة وهذا مطابق لقول النبي في الحديث المتفق على صحته "إن أحدكم يجمع خلقه ~~في بطن أمه أربعين يوما" واكتفى النبي بهذا الإجمال عن التفصيل ms202 وهذا يقتضي ~~أن الله قد جمع فيها خلقها جمعا خفيا وذلك الخلق في ظهور خفي على التدريج ~~ثم يكون مضغة أربعين يوما أخرى وذلك التخليق يتزايد شيئا فشيئا إلى أن يظهر ~~للحس ظهورا لإخفاء به كله والروح لم تتعلق به بعد فإنها إنما تتعلق به في ~~الأربعين الرابعة بعد مائة وعشرين يوما كما أخبر به الصادق وذلك مما لا ~~سبيل إلى معرفته إلا بالوحي إذا ليس في الطبيعة ما يقتضيه فلذلك حار فضلاء ~~الأطباء وأذكياء الفلاسفة في ذلك وقالوا إن هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا ~~بحسب الظن البعيد # PageV01P337 # قال من وقف على نهايات كلامهم في ذلك دأب فيه حتى كل وهو صاحب الطب ~~الكبير فذكر مناسبات خيالية ثم قال وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى لا ~~مطمع لأحد من الخلق في الوقوف عليه # قلت قد أوقفنا عليه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بما ثبت في ~~الصحيحين "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع يكتب ~~رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" ### | ### | فصل # # ورأيت لبعض الأطباء كلا ما ذكر فيه سبب تفاوت زمن الولادة فأذكره وأذكر ~~ما فيه # قال إذا تم خلق الجنين في مدة معينة فإنها إذا زاد عليها مثلها تحرك ~~الجنين فإذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين قال فإذا تم خلقه في ~~ثلاثين يوما فإذا صار له ستون يوما تحرك فإذا انضاف إلى الستين مثلاها صارت ~~مائة وثمانين يوما وهي ستة أشهر وهي مدة ينفصل لها الحمل وإذا تم خلقه في ~~خمسة وثلاثين يوما تحرك لسبعين وانفصل لسبعة أشهر وإذا تم خلقه لأربعين ~~تحرك لثمانين وانفصل لثمانية أشهر وإذا تم لخمسة وأربعين تحرك لتسعين ~~وانفصل لتسعة أشهر وعلى هذا الحساب أبدا # PageV01P338 # وهذا الذي ذكره هذا القائل يقتضي حركة الجنين قبل الأربعين وهذا خطأ قطعا ~~فإن الروح إنما تتعلق به بعد الأربعين الثالثة وحينئذ ms203 يتحرك فلا تثبت له ~~حركة قبل مائة وعشرين يوما وما يقدر من حركة قبل ذلك فليست حركة ذاتية ~~اختيارية بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات وما ذكره من الحساب ~~لا يقوم عليه دليل ولا تجربة مطردة فربما زاد على ذلك أو نقص منه ولكن الذي ~~نقطع به أن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة وما يقدر من حركة ~~قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح والله أعلم ### | ### | فصل # # وأما أقل مدة الحمل فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر قال ~~تعالى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} وقال جالينوس كنت شديد الفحص عن ~~مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة واحدة ولدت في مائة وأربع وثمانين ليلة ~~وزعم صاحب الشفاء أنه شاهد ذلك وأما أكثره فقال في الشفاء بلغني من حيث ~~وثقت أن امرأة وضعت بعد الرابع من رأس الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش. # PageV01P339 ### | ### | فصل # # فإن قيل فما سبب الإذكار والإيناث قيل الذي نختاره أن سببه مشيئة رب ~~الفاعل باختياره وليس بسبب طبيعي وكل ما ذكر أصحاب الطبائع من الأنجاب ~~فمنتقض مثل حرارة الرجل ورطوبته قالوا وفساد المزاج أيضا يوجب إيلاد الإناث ~~واستقامته توجب الإذكار وهذا تخليط وهذيان فليس للاذكار والإيناث إلا قول ~~الله لملك الأرحام وقد استأذن يا رب ذكر يا رب أنثى يا رب شقي ام سعيد فما ~~الرزق فما الأجل والأذكار والإيناث قرين السعادة والشقاوة والرزق والأجل # فإن قيل فتلك أيضا بأسباب قلنا نعم ولكن بأسباب بعد الولادة ولا سبب ~~للاذكار والايناث قبل الولادة # فإن قيل فما تصنعون بحديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه أن يهوديا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الولد فقال "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ~~فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة ~~منى الرجل آنث بإذن الله" فقال اليهودي صدقت وإنك لنبي قيل هذا الحديث تفرد ~~به ms204 مسلم في صحيحه وقد تكلم فيه بعضهم وقال الظاهر أن الحديث وهم فيه بعض ~~الرواة وإنما كان السؤال عن الشبه وهو الذي سأل عنه عبد الله بن سلام في ~~الحديث المتفق على صحته # PageV01P340 # فأجابه بسبق الماء فإن الشبه يكون للسابق فلعل بعض الرواة انقلب عليه شبه ~~الولد بالمرأة بكونه أنثى وشبه بالوالد بكونه ذكرا لا سيما والشبه التام ~~إنما هو بذلك # وقالت طائفة الحديث صحيح لا مطعن في سنده ولا منافاة بينه وبين حديث عبد ~~الله بن سلام وليست الواقعة واحدة بل هما قضيتان ورواية كل منهما غير رواية ~~الأخرى وفي حديث ثوبان قضية ضبطت وحفظت قال ثوبان كنت قائما عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد ~~فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لي لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله ~~فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن اسمي محمدا الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي جئت أسألك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أينفعك شيء إن حدثتك" قال أسمع بأذني ~~فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال اليهودي: أين يكون الناس ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ~~هم في الظلمة دون الجسر" قال فمن أول الناس إجازة قال "فقراء المهاجرين" ~~قال اليهودي فما تحفتهم حتى يدخلوا الجنة قال "زيادة كبد الحوت" قال فما ~~غذاءهم على أثرها قال "ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها" قال فما ~~شرابهم عليه قال "من عين فيها تسمى سلسبيلا" قال صدقت قال وجئت أسألك عن # PageV01P341 # شيء لا يعلمه أحد إلا نبي أو رجل أو رجلان قال "أينفعك إن حدثتك" قال ~~أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال:"ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ~~فإذا اجتمعا فعلى منى الرجل منى المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا منى المرأة ~~منى الرجل آنث بإذن ms205 الله" قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد سألني هذا الذي سألني عنه ومالي ~~علم به حتى أتاني به الله" وأما حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه ففي ~~صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا ~~نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع ~~الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "أخبرني آنفا جبريل" فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقال:" ~~أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام ~~يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى ~~المرآة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كالشبه لها" قال أشهد أنك رسول ~~الله وذكر الحديث # فتضمن الحديثان أمرين ترتب عليهما الأثران معا وأيهما # PageV01P342 # انفرد ترتب عليه أثره فإذا سبق ماء الرجل وعلا أذكر وكان الشبه له وإن ~~سبق ماء المرأة وعلا آنث وكان الشبه لها وإن سبق ماء المرأة وعلا ماء الرجل ~~أذكر وكان الشبه لها ومع هذا كله فهذا جزء سبب ليس بموجب والسبب الموجب ~~مشيئة الله فقد يسبب بضد السبب وقد يرتب عليه ضد مقتضاه ولا يكون في ذلك ~~مخالفة لحكمته كما لا يكون تعجيزا لقدرته وقد أشار في الحديث إلى هذا بقوله ~~"أذكر وآنث بإذن الله" وقد قال تعالى {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما ~~يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} فأخبر سبحانه أن ذلك عائد إلى مشيئته ~~وانه قد يهب الذكور فقط والإناث فقط وقد يجمع للوالدين بين النوعين معا وقد ~~يخليهما عنهما معا وأن ذلك كما هو راجع ms206 إلى مشيئته فهو متعلق بعلمه وقدرته ~~وقد وهب الله آدم الذكور والإناث وإسرائيل الذكور دون الإناث ومحمدا الإناث ~~دون الذكور سوى ولده إبراهيم وقال سليمان عليه السلام لأطوفن الليلة على ~~سبعين امرأة تأتي كل امرأة منهن بغلام يقاتل # PageV01P343 # في سبيل الله فطاف عليهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في ~~سبيل الله فرسانا أجمعون" فدل على أن مجرد الوطء ليس بسبب تام وإن كان له ~~مدخل في السببية وأن السبب التام مشيئة الله وحده فهو رب الأسباب المتصرف ~~فيها كيف شاء بإعطائها السببية إذا شاء ومنعها إياها إذا شاء وترتيب ضد ~~مقتضاها عليها إذا شاء والأسباب هي مجاري الشرع والقدر فعليها يجري أمر ~~الله الكوني والديني # فإن قيل فقد ظهر أن الولد مخلوق من الماءين جميعا فهل يخلق منهما على حد ~~سواء أم يكون الولد من ماء الأب وبعضه من ماء الأم قيل قد بين النبي هذه ~~المسألة بأوضح بيان فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا حسين بن الحسين حدثنا ~~أبو كريب عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله ~~بن مسعود قال مر يهودي برسول الله وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن ~~هذا يزعم انه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي فجاء حتى جلس ثم ~~قال يا محمد مم يخلق الإنسان فقال "من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة ~~المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة ~~فنطفة # PageV01P344 # رقيقة منها اللحم والدم" فقام اليهودي فقال هكذا يقول من قبلك ### | ### | فصل # # فإن قيل قد ذكرتم أن تعلق الروح بالجنين إنما يكون بعد الأربعين الثالثة ~~وإن خلق الجنين يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون ~~مضغة مثل ذلك وبينتم أن كلام الأطباء لا يناقض ما اخبر به الوحي من ذلك ms207 فما ~~تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي قال "يدخل ~~الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول ~~أي رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب ذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله ~~وأثره وأجله ورزقه ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص" قيل نتلقاه ~~بالقبول والتصديق وترك التحريف ولا ينافي ما ذكرناه إذ غاية ما فيه أن ~~التقدير وقع بعد الأربعين الأولى وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد ~~الأربعين الثالثة وكلاهما حق قاله الصادق وهذا تقدير بعد تقدير فالأول ~~تقدير عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق التي هي أول مراتب الإنسان ~~وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ ~~الروح فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره وهذا تقدير عقد تمام خلقه وتصويره ~~وهذا أحسن من # PageV01P345 # جواب من قال أن المراد بهذه الأربعين التي في حديث حذيفة الأربعين ~~الثالثة وهذا بعيد جدا من لفظ الحديث ولفظه يأباه كل الأباء فتأمله # فإن قيل فما تصنعون بحديثه الآخر الذي في صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أنه ~~سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد ~~من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب النبي يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري ~~فحدثه بذلك من قول ابن مسعود وقال له وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل ~~أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا مر بالنطفة ~~ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ~~ولحمها وعظامها ثم قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ~~بالصحيفة في يده فلا يزيد على أمره ولا ينقص" وفي لفظ آخر في الصحيح أيضا ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنى هاتين يقول "إن النطفة تقع في ~~الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك الذي يخلقها ms208 فيقول يا رب اذكر أم ~~أنثى أسوي أم غير سوي فيجعله الله سويا أو غير سوي ثم يقول يا رب ما رزقه ~~وما أجله وما خلقه ثم يجعله الله عز وجل شقيا أو سعيدا" وفي لفظ آخر في ~~الصحيح أيضا "أن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله ~~لبضع وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه # PageV01P346 # قيل نتلقاه أيضا بالتصديق والقبول وترك التحريف وهذا يوافق ما أجمع عليه ~~الأطباء أن مبدأ التخليق والتصوير بعد الأربعين # فإن قيل فكيف التوفيق بين هذا وبين حديث ابن مسعود وهو صريح في أن النطفة ~~أربعين يوما نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ومعلوم أن العلقة والمضغة ~~لا صورة فيهما ولا جلد ولا لحم ولا عظم وليس بنا حاجة إلى التوفيق بين ~~حديثه هذا وبين قول الأطباء فإن قول النبي معصوم وقولهم عرضة للخطأ ولكن ~~الحاجة إلى التوفيق بين حديثه وحديث حذيفة المتقدم قيل لا تنافى بين ~~الحديثين بحمد الله وكلاهما خارج من مشكاة صادقة معصومة وقد ظن طائفة أن ~~التصوير في حديث حذيفة إنما هو بعد الأربعين الثالثة قالوا وأكثر ما فيه ~~التعقيب بالفاء وتعقيب كل شيء بحسبه وقد قال تعالى {ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} بل قد قال تعالى {ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما} وهذا تعقيب ~~بحسب ما يصلح له المحل ولا يلزم أن يكون الثاني عقيب الأول تعقيب اتصال # وظنت طائفة أخرى أن التصوير والتخليق في حديث حذيفة في التقدير والعلم ~~والذي في حديث ابن مسعود في الوجود # PageV01P347 # الخارجي والصواب يدل على أن الحد ما دل عليه الحديث من أن ذلك في ~~الأربعين الثانية ولكن هنا تصويران أحدهما تصوير خفي لا يظهر وهو تصوير ~~تقديري كما تصور حين تفصل الثوب أو تنجر الباب مواضع القطع والتفصيل فيعلم ~~عليها ويضع مواضع الفصل والوصل وكذلك كل من يضع صورة في مادة لا سيما مثل ~~هذه الصورة ينشىء ms209 فيها التصوير والتخليق على التدريج شيئا بعد شيء لا وهلة ~~واحدة كما يشاهد بالعيان في التخليق الظاهر في البيضة # فههنا أربع مراتب أحدها تصوير وتخليق علمي لم يخرج إلى الخارج الثانية ~~مبدأ تصوير خفي يعجز الحس عن إدراكه الثالثة تصوير يناله الحس ولكنه لم يتم ~~بعد الرابعة تمام التصوير الذي ليس بعد إلا نفخ الروح # فالمرتبة الأولى علمية والثلاث الأخر خارجية عينية وهذا التصوير بعد ~~التصوير نظير التقدير بعد التقدير فالرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا ~~عاما قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وهنا كتب السعادة ~~والشقاوة والأعمال والأرزاق والآجال الثاني تقدير بعد هذا وهو أخص منه وهو ~~التقدير الواقع عند القبضتين حين قبض تبارك وتعالى أهل السعادة بيمينه وقال ~~هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال ~~هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون # PageV01P348 # الثالث تقدير بعد هذا وهو أخص منه عند ما يمنى به كما في حديث حذيفة بن ~~أسيد المذكور الرابع تقدير آخر بعد هذا وهو عند ما يتم خلقه وينفخ فيه ~~الروح كما صرح به الحديث الذي قبله وهذا يدل على سعة علم الرب تبارك وتعالى ~~وإحاطته بالكليات والجزئيات وكذلك التصوير الثاني مطابق للتصوير العلمي ~~والثالث مطابق للثاني والرابع مطابق للثالث وهذا مما يدل على كمال قدرة ~~الرب تعالى ومطابقة المقدور للمعلوم فتبارك الله رب العالمين وأحسن ~~الخالقين # ونظير هذا التقدير الكتابة العامة قبل المخلوقات ثم كتابة ما يكون من ~~العام إلى العام في ليلة القدر وكل مرتبة من هذه المراتب تفصيل لما قبلها ~~وتنوع وكلام رسول الله يصدق بعضه بعضا ويفسر بعضه بعضا ويطابق الواقع في ~~الوجود ولا يخالفه وإنما يخبر بما لا يستقل الحس والعقل بإدراكه لا بما ~~يخالف الحس والعقل وإنما يعرفه الناس ويستقلون بإدراكه على أمر عيني يتعلق ~~به الإيمان أو على حكم شرعي يتعلق به التكليف والله أعلم ### | ### | فصل # # فإن قيل أي عضو يتخلق أولا قبل سائر الأعضاء قيل اختلف في ذلك على أربعة ~~أقوال ms210 أحدها أنه القلب وهو قول الأكثرين والثاني أنه الدماغ والعينان وهو ~~قول بقراط # PageV01P349 # والثالث الكبد وهو قول محمد بن زكريا والرابع أنه السرة وهو قول جماعة من ~~الأطباء # قال أصحاب القلب لا شك أن في المنى قوة روحية بسبب تلك القوة سعد أن يكون ~~إنسانا وحاجته إلى الروح الذي هو مادة القوى أشد فلا بد أن يكون لذلك الروح ~~مجمع خاص منه تنبعث إلى سائر الأعضاء فالجوهر الروحي أول شيء ينبعث من ~~المنى ويجتمع في موضع واحد ويحيط به ما يتصل إليه ذلك الجوهر الروحي من ~~جميع الجوانب فيجب أن يكون مجمعها هو الوسط وسائر الأجزاء يحيط به وذلك ~~الوسط هو القلب # قالوا ولأن تمام البدن موقوف على الحرارة الغريزية التي بها البدن ولا بد ~~أن يتقدم على ذلك العضو الذي منه القوة الغريزية التي بها ينمو وهو القلب # قالوا ولأن أفعال القوى إنما تتم بالروح وهي لا بد لها من متعلق تتعلق به ~~ولا بد أن يتقدم متعلقها عليها وهو القلب # قالوا وهذا هو الأليق والأنسب بحكمة الرب تعالى فإن القلب ملك والأعضاء ~~جنود له وخدم فإذا صلح القلب صلحت جنوده وإذا فسد فسدت وقد أشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إلى ما يرشد إلى ذلك فقال "إن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي والقلب" ~~فما أولى هذه المضغة بأن تكون متقدمة في وجودها على سائر # PageV01P350 # تبع لها في الوجود كما هي تبع لها في الصلاح والفساد # قالوا وقد شاهد أصحاب التشريح في المنى عند انعقاده نطفة في وسطه # قال أصحاب الدماغ شاهدنا الفراخ في البيض أول ما يتكون منها رأسها وسنة ~~الله في بروز الجنين أول ما يبدو منه إلى الوجود رأسه # قال أصحاب الكبد لما كان المنى محتاجا إلى قوة مغذية تزيد في جوهره حتى ~~يصير بحيث يمكن أن تكون الأعضاء فيه كان أول الأعضاء وأسبقها إليه وهو محل ~~القوة المغذية وهو الكبد # قال ms211 أصحاب السرة حاجة الجنين إلى جذب الغذاء أشد من حاجته إلى الأقوات ~~وإدراكه ومن السرة يجذب الغذاء # وأولى هذه الأقوال القول الأول فإن القلب ومنزلته وشرفه ومحله الذي وضعه ~~الله به يقتضي أنه المبدوء به قبل سائر الأعضاء المتقدم عليها بالوجود ~~والله أعلم ### | ### | فصل # # فإن قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا قيل كان ~~فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات ولم تكن حركة نموه وإغتذائه بالإرادة ~~فلما نفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه # PageV01P351 # فإن قيل قد ثبت أن الولد يتخلق من ماء الأبوين فهل يتمازجان ويختلطان حتى ~~يصيرا ماء واحدا أو يكون أحدهما هو المادة والآخر بمنزلة الانفحة التي ~~تعقده قيل هو موضع اختلف فيه أرباب الطبيعة فقالت طائفة منهم منى الأب لا ~~يكون جزءا من الجنين وإنما هو مادة الروح الساري في الأعضاء وأجزاء البدن ~~كلها من منى الأم ومنهم من قال بل هو ينعقد من منى الأنثى ثم يتحلل ويفسد # قالوا ولهذا كان الولد جزءا من أمه ولهذا جاءت الشريعة بتبعيته لها في ~~الحرية والرق # قالوا ولهذا لو نرى فحل رجل على جارية آخر فأولدها فالولد لمالك الأم دون ~~مالك الفحل لأنه تكون من أجزائها وأحشائها ولحمها ودمها وماء الأب بمنزلة ~~الماء الذي يسقي الأرض # قالوا والحس يشهد أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء ~~التي فيه من أبيه فثبت أن تكوينه من منى الأم ودم الطمث ومنى الأب عاقد له ~~كالأنفحة # ونازعهم الجمهور وقالوا إنه يتكون من مني الرجل والأنثى ثم لهم قولان ~~أحدهما أن يكون من منى الذكر أعضاؤه وأجزاؤه ومن منى الأنثى صورته والثاني ~~أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين وأنهما امتزجا واختلطا ~~وصارا ماء واحدا وهذا هو الصواب لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب ~~وتارة إلى الأم والله أعلم # PageV01P352 # وقد دل على هذا قوله تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} ~~والأصل هو الذكر فمنه ms212 البدر ومنه السقي والأنثى وعاء ومستودع لولده تربيه ~~في بطنها كما تربيه في حجرها ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا وأما تبعيته ~~للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكون وصار ولدا في بطنها وغذته بلبائها مع ~~الجزء الذي فيه منها وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته ~~وكان أشرفهما دينا أولى به تغليبا لدين الله وشرعه # فإن قيل فهلا طردتم هذا وقلتم لو سقط بذر رجل في أرض آخر يكون الزرع ~~لصاحب الأرض دون مالك البذر # قيل الفرق بينهما أن البذر مال متقوم في أرض آخر فهو لمالكه وعليه أجرة ~~الأرض أو هو بينهما بخلاف المنى فإنه ليس بمال ولهذا نهى الشارع فيه عن ~~المعاوضة واتفق الفقهاء على أن الفحل لو نزا على رمكة كان الولد لصاحب ~~الرمكة ### | ### | فصل # # فإن قيل فهل يتكون الجنين من ماءين وواطئين قيل هذه مسألة شرعية كونية ~~والشرع فيها تابع للتكوين وقد اختلف فيها شرعا وقدرا فمنعت ذلك طائفة وأبته ~~كل الاباء وقالت الماء إذا استقر في الرحم اشتمل عليه وانضم غاية الانضمام ~~بحيث لا يبقى فيه مقدار رسم رأس إبراة إلا انسد فلا يمكن انفتاحه بعد ذلك ~~لماء ثان لا من الواطئ ولا من غيره # PageV01P353 # قالوا وبهذا أجرى الله العادة أن الولد لا يكون إلا لأب واحد كما لا تكون ~~الأم إلا واحدة وهذا هو مذهب الشافعي # وقالت طائفة بل يتخلق من ماءين فأكثر قالوا وانضمام الرحم واشتماله على ~~الماء لا يمنع قبوله الماء الثاني فإن الرحم أشوق شيء وأقبله للمنى # قالوا ومثال ذلك كمثال المعدة فإن الطعام إذا استقر فيها انضمت عليه غاية ~~الانضمام فإذا ورد عليها طعام فوقه انفتحت له لشوقها إليه # قالوا وقد شهد بهذا القائف بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في ولد ادعاه اثنان فنظر إليهما وإليه وقال ما أراهما إلا اشتركا فيه ~~فوافقه عمر وألحقه بهما فوافقه على ذلك الإمام أحمد ومالك رضي الله عنهما # قالوا والحس يشهد بذلك كما ترى ms213 في جراء الكلبة والسنور تأتي بها مختلفة ~~الألوان لتعدد آبائها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يسقى ماءه زرع غيره" يريد وطء الحامل من غير الواطئ قال ~~الإمام أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره هذا بعد انقعاده # وعلى هذا مسألة فقهية وهي لو أحبل جارية غيره بنكاح أو زنى # PageV01P354 # ثم ملكها هل تصير أم ولد فيها أربعة أقوال وهي روايات عن الإمام أحمد ~~أحدها لا تصير أم ولد لأنها لم تعلق بالولد في ملكه والثاني تصير أم ولد ~~لأنها وضعت في ملكه والثالث إن وضعت في ملكه صارت أم ولد وإن وضعت قبل أن ~~يملكها لم تصر لأن الوضع ولاحبال كان في غير ملكه والرابع إن وطئها بعد أن ~~ملكها صارت أم ولد وإلا فلا لأن الوطء يزيد في خلقه الولد كما قال الامام ~~أحمد الوطء يزيد في سمع الولد وبصره وهذا أرجح الأقوال وقد ثبت عن النبي ~~أنه مر على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعل سيدها يريد أن يلم بها لقد ~~هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له والمجح ~~الحامل المقرب وقوله كيف يورثه أي يجعله له تركة موروثة عنه كأنه عبده ولا ~~يحل له ذلك لأنه قد صار فيه جزء من أجزائه بوطئه وكيف يجعله عبده ولا يحل ~~له ذلك فهذا دليل على أن وطء الحامل إذا وطئت كثيرا جاء الولد عبلا ممتلئا ~~وإذا هجر وطؤها جاء الولد هزيلا ضعيفا فهذه أسرار شرعية موافقة للأسرار ~~الطبيعية مبنية عليها والله أعلم. # فإن قيل فهل يمكن أن يخلق من الماء والدان في بطن واحد؟ قيل: # PageV01P355 # هذه مسألة التوأم وهو ممكن بل وقع وله أسباب أحدها كثرة المنى فيفيض إلى ~~بطن الرحم دفعات والرحم يعرض له عند الحركة الجارية للمنى حركات اختلاجية ~~مختلفة فربما اتفق أن كان الجاذب للدفعة الأولى من المنى أحد جانبيه ~~وللثانية الجانب الآخر ومنها أن بيت الأولاد في الرحم ms214 فيه تجاويف فيكون ~~المنى كثيرا فيغفل أحدها عن فضلة يشتمل عليها التجويف الثاني وهكذا الثالث ~~قال أرسطو وقد يعيش للمرأة خمسة أولاد في بطن واحد وحكى عن امرأة أنها وضعت ~~في أربع بطون عشرين ولدا قال صاحب القانون سمعت بجرجان أن امرأة أسقطت كيسا ~~فيه سبعون صورة صغيرا جدا قال أرسطو وإذا توأمت بذكر وأنثى فقلما تسلم ~~الوالدة والمولود وإذا توأمت بذكرين أو انثيين فتسلم كثيرا قال والمرأة قد ~~تحبل على الحبل ولكن يهلك الأول في الأكثر فقد أسقطت امرأة واحدة اثنى عشر ~~جنينا حملا على حمل وأما إذا كان الحمل واحدا أو بعد وضع الأول فقد يعيشان ~~والله أعلم # فإن قيل فما السبب المانع للحامل من الحيض غالبا قال الإمام أحمد وأبو ~~حنيفة إن ما تراه من الدم يكون دم فساد لا حيض والشافعي وإن قال إنه دم حيض ~~وهو إحدى الروايتين عن عائشة فلا ريب أنه نادر بالإضافة إلى الأغلب قيل دم ~~الطمث ينقسم ثلاثة أقسام قسم ينصرف إلى غذاء الجنين وقسم يصعد إلى البدن ~~وقسم يحبس إلى وقت الوضع فيخرج مع الولد. وهو # PageV01P356 # دم النفاس وربما كانت مادة الدم قوية وهو كثير فيخرج بعضه لقوته وكثرته ~~والراجح من الدليل أنه حيض حكمه حكمه إذ ليس هناك دليل عقلي ولا شرعي يمنع ~~كونه حيضا واستيفاء الأدلة من الجانبين قد ذكرناه في مواضع آخر والله أعلم # فإن قيل فما السبب في أن النساء الحبالى يشتقن في الشهر الثاني والثالث ~~إلى تناول الأشياء الغريبة التي لا يعتد بها طبا قيل إن دم الطمث لما احتبس ~~فيهن بحكمة قدرها الله وهي أن صرفه غذاء للولد ومقدار ما يحتاج إليه يسير ~~فتدفعه الطبيعة الصحيحة إلى فم المعدة فيحدث لهن شهوة تلك الأشياء الغريبة # فإن قيل فكيف وضع الجنين في بطن أمه قائما أو قاعدا أو مضطجعا قيل هو ~~معتمد بوجهه على رجليه وبراحتيه على ركبتيه ورجلاه مضمومتان إلى قدميه ~~ووجهه إلى ظهر أمه وهذا من العناية الألهية أن أجلسه هذه الجلسة في ms215 المكان ~~الضيق في الرحم على هذا الشكل وأيضا فلو كان رأسه إلى أسفل لوقع ثقل ~~الأعضاء الخسيسة على الأعضاء الشريفة وأدى ذلك إلى تلفه ولأنه عند محاولة ~~الخروج إذا انقلب أعانته على الخروج فإنه إذا خرج أول ما يخرج منه رأسه لأن ~~الرأس إذا خرج أولا كان خروج سائر الأعضاء بعده سهلا ولو خرج على غير هذا ~~الوجه لكان فيه تعويق وعسر فإن الرجلين لو خرجتا أولا انعاق خروج الباقي ~~وإن خرجت الرجل الواحدة أولا انعاق عند الثانية وإن خرجتا معا انعاق عند # PageV01P357 # اليدين وإن خرجت الرجلان واليدان انعاق عند الرأس فكان يلتوي إلى خلف ~~وتلتوي السرة إلى العنق فيألم الرحم ويصعب الخروج ويؤدي إلى مرضه أو تلفه # فإن قيل فما سبب الاجهاض الذي يسمونه الطرح قبل كمال الولد # قيل الجنين في البطن بمنزلة الثمرة في الشجرة وكل منهما له اتصاله قوى ~~بالأم ولهذا يصعب قطع الثمرة قبل كمالها من الشجرة وتحتاج إلى قوة فإذا ~~بلغت الثمرة نهايتا سهل قطعها وربما سقطت بنفسها وذلك لأن تلك الرباطات ~~والعروق التي تمدها من الشجرة كانت في غاية القوة والغذاء فلما رجع ذلك ~~الغذاء إلى تلك الشجرة ضعفت تلك الرطوبات والمجاري وساعدها ثقل الثمرة فسهل ~~أخذها وكذلك الأمر في الجنين فإنه ما دام في البطن قبل كماله واستحكامه فإن ~~رطوباته وأغشيته تكون مانعة له من السقوط فإذا تم وكمل ضعفت تلك الرطوبات ~~وانتهكت الأغشية واجتمعت تلك الرطوبات المزلقة فسقط الجنين هذا هو الأمر ~~الطبيعي الجاري على استقامة الطبيعة وسلامتها وأما السقوط قبل ذلك فلفساد ~~في الجنين ولفساد في طبيعة الأم أو ضعفت الطبيعة كما تسقط الثمرة قبل ~~إدراكها لفساد يعرض أو لضعف الأصل أو لفساد يعرض من خارج فإسقاط الجنين ~~لسبب من هذه الأسباب الثلاثة فالآفات التي تصيب الأجنة بمنزلة الآفات التي ~~تصيب الثمار # PageV01P358 # فإن قيل فكيف يخرج من الرحم مع ضيقه ما هو أكبر منه بأضعاف مضاعفة # قيل هذا من أعظم الأدلة على عناية الرب تعالى وقدرته ومشيئته فإن الرحم ~~لا بد ms216 أن ينفتح الانفتاح العظيم جدا قال غير واحد من العقلاء ولا بد من ~~انفصال يعرض للمفاصل العظيمة ثم تلتئم بسرعة أسرع من لمح البصر وقد اعترف ~~فضلاء الأطباء وحذاقهم بذلك وقالوا لا يكون ذلك إلا بعناية إلهية وتدبير ~~تعجز العقول عن إدراكه وتقر للخلاق العظيم بكمال الربوبية والقدرة # فإن قيل فما السبب في بكاء الصبي حالة خروجه إلى هذه الدار # قيل ههنا سببان سبب باطن أخبر به الصادق المصدوق لا يعرفه الأطباء وسبب ~~ظاهر فأما السبب الباطن فإن الله سبحانه اقتضت حكمته أن وكل بكل واحد من ~~ولد آدم شيطانا فشيطان المولود قد خنس ينتظر خروجه ليقارنه ويتوكل به فإذا ~~انفصل استقبله الشيطان وطعنه في خاصرته تحرقا عليه وتغيظا واستقبالا له ~~بالعداوة التي كانت بين الأبوين قديما فيبكي المولود من تلك الطعنة ولو آمن ~~زنادقة الأطباء والطبائعيين بالله ورسوله لم يجدوا عندهم ما يبطل ذلك ولا ~~يرده وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان" وفي الصحيحين ~~من حديثه أيضا # PageV01P359 # رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مولود يولد ~~إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه إلا ابن مريم وأمه" وفي لفظ آخر ~~"يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه" وفي لفظ " آخر كل بني آدم ~~يمسه الشيطان يوم ولادته إلا مريم وابنها" وفي لفظ للبخاري "كل بني آدم ~~يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في ~~الحجاب" والسبب الظاهر الذي لا نخبر الرسل بأمثاله لرخصه عند الناس ~~ومعرفتهم له من غيرهم هو مفارقته المألوف والعادة التي كان فيها إلى أمر ~~غريب فإنه ينتقل من جسم حار إلى هواء بارد ومكان لم يألفه فيستوحش من ~~مفارقته وطنه ومألفه وعند أرباب الإشارات أن بكاءه إرهاص بين يدي ما يلاقيه ~~من الشدائد والآلام والمخاوف وأنشد في ذلك: # ويبكي بها ms217 المولود حتى كأنه ... بكل الذي يلقاه فيها يهدد # وإلا فما يبكيه فيها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد # ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كفه عند خروجه إلى الدنيا وفي فتحها عند ~~خروجه منها وهو الإشارة إلى أنه خرج إليها مركبا على الحرص والطمع وفارقها ~~صفر اليدين منها وأنشد في ذلك: # وفي قبض كف المرء عند ولادة ... دليل على الحرص الذي هو مالكه # وفي فتحها عند الممات إشارة ... إلى فرقة المال الذي هو تاركه # ولهم نظير هذه الإشارة في بكاء الطفل وضحك من حوله: أن # PageV01P360 # الأمر سيبدل ويصير إلى ما يبكي من حوله عند موته كما ضحكوا عند ولادته ~~وأنشد في ذلك: # ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... والناس حولك يضحكون سرورا # فاعمل لعلك أن تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا # ونظير هذه الإشارة أيضا قولهم إن المولود حين ينفصل يمد يده إلى فيه ~~إشارة إلى تعجيل نزوله عند القدوم عليه بأنه ضيف من تمام إكرامه وتعجيل ~~قراه فأشار بلسان الحال إلى ترك التأخير وربما مص أصبعه إشارة إلى نهاية ~~فقره وأنه بلغ منه إلى مص الأصابع ومنه قول الناس لمن بلغ به الفقر غايته ~~فهو يمص أصابعه وأنشد في ذلك: # ويهوى إلى فيه يمص بنانه ... يطالب بالتعجيل خوف التشاغل # ويعلمهم أني فقير وليس لي ... من القوت شيء غير مص الأنامل # ونظير هذه الإشارة أنه يحدث بالعجب ممن يظهر من الحدث: # ويحدث بين الحاضرين إشارة ... إلى أنه من حادث ليس يعصم # يقول وعندي بعدها أخواتها ... وما منكم إلا وذو العرش أرحم # ونظير هذه الإشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ~~ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي ~~يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج كمأتم يطلبها في أثرها: # ويضحك بعد الأربعين إشارة ... إلى فرج وافاه بعد الشدائد # PageV01P361 # يقول هي الدنيا فتبكيك مرة ... وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد # قالوا ويرى الأماني بعد ستين يوما من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة ~~الحافظة وكثرة الرطوبات ms218 وفي ذلك لطف به أيضا لضعف قلبه عن التفكر فيما ~~يراه: # ويرى بعين القلب إذ يأتي له ... ستون يوما رؤية الأحلام # لكنه ينساه بعد لضعفه ... عن ضبطه في يقظة ومنام ### | ### | فصل # # ولما تكامل للنطفة أربعون يوما فاستحكم نضجها وعقدتها حرارة الرحم استعدت ~~لحالة هي أكمل من الأولى وهي الدم الجامد الذي يشبه العلقة ويقبل الصورة ~~ويحفظها بانعقادها وتماسك أجزائها فإذا تم لها أربعون استعدت لحاقا هي أكمل ~~من الحالتين قبلها وهي صيرورتها لحما أصلب من العلقة وأقوى وأحفظ للمخ ~~المودع فيها واللحم هو كسوتها والرباطات تمسك أجزاءها وتشد بعضها بعضا ~~والكبد الذي يأخذ صفو الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء وإلى الشعر والظفر ~~والأمعاء التي هي مجاري وصول الطعام والشراب إلى المعدة والعروق التي هي ~~مجاري منفذه وإيصاله إلى سائر أجزاء البدن والمعدة التي هي خزانة الطعام ~~والشراب وحافظته لمستحقيه والقلب الذي هو منبع الحرارة ومعدن الحياة ~~والمستولي على مملكة البدن والرئة التي تروح عن البدن وتفيده # PageV01P362 # الهواء البارد الذي به حياته واللسان الذي هو بريد القلب وترجمانه ورسوله ~~والسمع الذي هو صاحب أخباره والبصر الذي هو طليعته ورائده والكاشف له عما ~~يريد كشفه والأعضاء التي هي خدمه وخوله والرجلان تسعى في مصالحه واليد تبطش ~~في حوائجه والأسنان ت ### | ### | فصل # قوته وتقطعه والعروق توصله إلى أربابه والذكر آلة نسله وأنثياه ~~خزانة مادة النسل والكبد للغذاء وقسمته وهي في الحيوان بمنزلة شرش الشجر ~~والنبات تجدب الغذاء وترسله إلى جميع الأجزاء وآلات الغذاء خدم له والقلب ~~للأرواح الذي به حياة الحيوان وآلات النفس خدم له والدماغ معدن الحس ~~والتصور والحواس خدم له والأنثيان معدن التناسل والذكر خدم لهما وهذه ~~الأعضاء هي رأس أعضاء البدن # فصل # وأما آلات الغذاء فثلاثة أقسام آلة تقبل الغذاء وتصلحه وتفرقه وترسله إلى ~~جميع البدن وآله تقبل فضلاته وآلة تعين في إخراج ثفله وما لا منفعة في ~~بقائه فالآلات القابلة هي الفم والمريء والبطن والكبد والعروق الموصلة إلى ~~الكبد والعروق الموصلة منها إلى البدن # PageV01P363 ### | ### | فصل # # وأما ms219 الآلات القابلة للفضلات فالمرارة تقبل ما لطف منها والطحال يقبل ~~كثيفها والكلى والمثانة يقبلان المتوسط والكبد موضوعة في الجانب الأيمن ~~وتأخذ يسيرا للجانب الأيسر وهذا لحكمة بديعة وهي أن القلب في الجانب الأيسر ~~أقرب وهو معدن الحار الغريزي فتجنب عند الكبد قليلا لئلا يتأذى بحرارتها ~~وجعل في أوعية الغذاء قوى خادمة له فالفم مع كونه يقطع الغذاء ويطحنه يحيله ~~ويغيره والمرىء مع كونه منفذا إلى المعدة يغيره تغييرا ثانيا والمعدة مع ~~كونها خزانة حافظة له تنضجه وتطبخه وتغيره تغييرا ثالثا وتهضمه وتنفي منه ~~مالا يصلح وتخرجه وتدفعه إلى مخرج الثفل فإن الطعام إذا استقر في المعدة ~~اشتملت عليه وانضمت غاية الانضمام ثم أنضجته بحرارتها ثم تتولاه الكبد ~~وتشتمل عليه وتقلبه دما خالصا ثم تقسمه على جميع الأعضاء قسمة عدل لا جور ~~فيها ولا حيف # ولما كانت المعدة حوض البدن الذي يرده أجزاء البدن من كل ناحية اقتضت ~~الحكمة الإلهية جعلها في وسطه وخالص الغذاء يتأدى إلى الكبد من شعب كثيرة ~~ويجتمع في موضع واحد واسع يسمى باب الكبد وجميع العروق التي تتصل بالمعدة ~~والأمعاء والطحال تجتمع وترتقي إلى باب الكبد والمعدة تجذب الموافق ويبقى # PageV01P364 # المخالف المنافي الذي عجزت قوتها عنه ثم إن الكبد تصفيه وتنقيه بعد ~~إجتذابه مرة أخرى وتنفى عنه غير الموافق # وقد أعد الصانع الحكيم سبحانه لتنقية الدم من الكبد ثلاثة خدام فارهين ~~قائمين بالمرصاد بلا كسل ولا فتور وقد وضع كلا منها في المكان اللائق به ~~ونصبه نصبة بها يكون أمكن من عمله ولما استقر الغذاء في المعدة وطبخته ~~وأنضجته صارت فضلاته ثلاثة فضلة كالدردى الراسب وفضلة كالرغوة والزبد ~~الطافي وفضلة مائية فجعل كل خادم من هذه الخدام الثلاثة على فضلة لا ~~يتعداها إلى الأخرى ليجذبها من مجرى خادم الفضلة الخفيفة الطافية وهي ~~للصفرة المرارة نصبها الرب تعالى فوق الكبد لأن المجتذب هو الفضلة الطافية ~~ومكانها فوق مكان الدردى الراسب وخادم الفضلة التي هي كالدردى الراسب ~~الطحال ونصبه الخلاق العظيم أسفل من باب الكبد حيث كان ما ms220 يجتذبه من أسفل ~~ولم يكن في الجانب الأيمن لأن المعدة قد شغلت ذلك الجانب وكان الجانب ~~الأيسر خاليا فلم تعده فإذا نقى الدم من هاتين الفضلتين خدمه الخادم الثالث ~~وهو الكبد وقد بقي أحمر نقي اللون مشرقا نورانيا ويصل إليها من عرق عظيم ~~يسمى الأجوف ثم يوزع من هناك على جهات البدن العليا والسفلى في رواضع كثيرة ~~العدد ما بين كبير وصغير ومتوسط كلها تتصل # PageV01P365 # بالعرق الأجوف وتمتاز منه وما دام الدم في هذا العرق ففيه مائية غير ~~محتاج إليها لأنها كانت بتركب الغذاء فلما وصل إلى مستقره استغنى عنها ~~فاحتاج ولا بد إلى إخراجها ودفعها ولو لم يبادر إلى ذلك أضرت به فخلق الله ~~سبحانه الكليتين يمتصان هذه الفضلة بعنقين طويلين كالأنبوبتين ويفرغانها في ~~المثانة بعرقين آخرين وضعهما سبحانه أسفل من الكبد قليلا حيث يكون أمكن ~~لتخليص المائية كما تروق العصارات وأما المرارة فوضعها الله سبحانه فوق ~~الكبد لأنها بمنزلة السفنجة أو القطنة التي يقطف بها الدهن عن وجه الرطوبات ~~وأما الطحال فوضعه أميل إلى أسفل لأنه بمنزلة ما يجتذب الأشياء المصونة إذا ~~رسبت ### | ### | فصل # # إذا تنقى الدم من هذه الفضلات كلها وعملت فيه هذه الخدم بقواها التي ~~أودعها الله فيها هذا العمل وأصلحته هذا الاصلاح عمل ملك الأعضاء والجوارح ~~وهو القلب فيه عملا آخر فقصده بحرارة أخرى وهي أقوى من حرارة الكبد # فصل # وجعل سبحانه في المعدة أربع قوى قوة جاذبة للملائم وقوة منضجة له وقوة ~~ممسكة له وقوة دافعة للفضلة المستغنى # PageV01P366 # عنها منه ورئيس هذه القوى هي القوة المنضجة وسائرها خدم لها وخصت المعدة ~~عن سائر الأعضاء بأن أودع فيها قوة تحس بالعوز والنقصان وخاصتها تنبيه ~~الحيوان لتناول الغذاء عند الحاجة وأما سائر الأعضاء فإنها تتغذى بالنبات ~~باجتذاب الملائم إليها ولما احتاجت المعدة إلى قوة وحس بالعوز ولم يكن ذلك ~~إلا من معدن الحواس وهو الدماغ أتاها روح لعصب عظيم فأنبت أكثرها في فمها ~~وما يليه وباقيه مستقيا حتى بلغ قعرها # فإن قيل فما الحكمة في ms221 أن باعد الله سبحانه بين المعدة والفم وجعل بينهما ~~مجرى طويلا وهو المرىء وهلا اتصلت المعدة بالفم واستغنت عن المرىء قيل هذا ~~من تمام حكمة الخالق وفيه منافع كثيرة منها أن يحصل للغذاء تغير ما في طريق ~~المجرى فيلطف قبل وصوله إليها ومنها بعده عن آلة التنفس لئلا تعوقه وتعوق ~~الصوت والكلام وأن لا تنقلب المعدة إلى خارج عند شدة الجوع كما يعرض ذلك ~~للحيوان الشره إذا كان قصير العنق # فإن قيل فلم كانت إلى الجانب الأيسر أميل منها إلى الجانب الأيمن قيل ~~ليتسع المكان على الكبد ولا ينحصر # فإن قيل فهلا كانت مستقيمة في وضعها بل مال أسفلها إلى الجانب الأيمن قيل ~~ليتسع المكان على الطحال حيث كان أخفض موضعا من الكبد # فإن قيل فلم جعلت مستطيلة مدورة وجعلت مما يلي الصلب # PageV01P367 # مسطحة قيل لما وضعها الله بين الكبد والطحال جعلها مستطيلة وكانت مستديرة ~~لتتسع للطعام والشراب وكان أسفلها أوسع من أعلاها لذلك وجعل لها مدخلا وهو ~~المريء ومخرجها يسمى البواب وجعل البواب أضيق من المرىء لأن ما تبتلعه يكون ~~أصلب وأخشن مما تخرجه فجعل مدخل الداخل أوسع من مخرج الخارج لإنضاجه في ~~المعدة ولينه ولحكم آخر منها أن لا ينزل منه الطعام والشراب قبل نضجه ~~ولتقوى المعدة على حبسه وليخرج أولا فأولا لا دفعة واحدة والمرىء يتسع ~~بالتدريج حتى يبلغ المعدة ولذلك يظن أنه جزء منها وأما البواب فإن الجزء ~~الضيق منه يتصل بأسفلها الذي هو أوسعها ثم يتسع على التدريج ليسهل خروج ~~الفضلة ### | ### | فصل # # والكبد منطبقة على المعدة محتوية عليها بزوائدها لتسخنها والطحال يسخنها ~~من الباب الأيسر والصلب يسخنها من خلف والترائب من قدامها والترائب مؤلفة ~~من طبقتين رقيقتين تنطبق إحداهما على الأخرى بشحم كثير وهو غشاء الأمعاء ~~كلها ولباسها ثم غشى البطن كله بغشاء واحد يقي الأحشاء ويمنع من انفتاح ~~المعدة والأمعاء بالرياح ويربط جملة آلات الغذاء ولم يجعل في الكبد تجويف ~~كتجويف القلب لتحتوي على الدم احتواء ممكنا # PageV01P368 # وتحيله حال بليغة وللكبد ثلاث شباك ms222 من العروق شبكة بينها وبين المعدة ~~والأمعاء وشبكة في مفرعها وشبكة في مجذبها فالشبكة الأولى تجذب الغذاء ~~وتحيله بعد أن أحاله وفي الشبكة الثانية يصير دما وفي الشبكة الثالثة يزداد ~~صفاء وترويقا وللكبد بالقلب والدماء اتصال بشظلة من العصب خفية كنسج ~~العنكبوت # ولما كانت النفس المعدية بمنزلة حيوان عاد وحشي وكل جسم يموت فلا بد أن ~~تتصل به هذه النفس وتغذوه بخلاف النفس المفكرة التي محلها الدماغ وبخلاف ~~النفس الغضبية التي محلها القلب فالنفس المفكرة تستعين بالنفس الغضبية على ~~تلك النفس الحيوانية العادية الوحشية فاقتضت حكمة الخالق سبحانه أن وصل بين ~~محل هذه الأنفس الثلاثة ليذعن بعضها لبعض # ولا تنكر تسمية هذه القوى نفوسا فليس الشأن في التسمية فأنت تجد فيك نفسا ~~حيوانية تطلب الطعام والشراب ونفسا مفكرة سلطانها على التصور والعلم ~~والشعور ونفسا غضبية سلطانها على الغضب والإرادة وتضرب كل واحدة منها فيما ~~جعلت إليه وبعضها عون لبعض فمحل النفس الحيوانية الكبد ومحل المفكرة الدماغ ~~ومحل الغضبية القلب ### | ### | فصل # # وتأمل الحكمة في أن جعلت صفاقات عروق الكبد أرق من # PageV01P369 # صفاقات سائر عروق البدن لينفذ إلى الكبد جوهر الدم بسرعة وهي مع ذلك غير ~~محتاجة إلى الوقاية لأن الكبد تحوزها بلحمها وإنما وضعت مجاري المرة ~~الصفراء بعد العروق التي تصعد الغذاء من المعدة وقبل العروق التي تأخذ الدم ~~منها لأن هذا الموضع هو بين موضع كمال الطبخ وبين موضع انتقاله إلى العرق ~~الأجوف وحينئذ يمكن انفصال المرة عن الدم وجمعت العروق كلها إلى عرق واحد ~~هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى عرق ~~واحد هو الباب ثم عادت فتقسمت في مقعر الكبد ثم عادت فجمعت في مجدها إلى ~~عرق واحد وهو الأجوف لتجيد بقسميها إنضاج ما تحتوي عليه ولئلا ينفذ بسرعة ~~وكذلك كل موضع احتيج فيه إلى طول مكث المادة هيء بقاؤها فيه بطول مسلكها ~~وكثرة تعاريجه كما فعل في مجاري المنى وشبكة الدماغ وهذا شأن العروق ~~الجواذب وأما العروق الضوارب فبالعكس ms223 من ذلك فإنها جمعت في مقعر الكبد دون ~~مجده بها لأنه موضع الدم وحاجته إلى التغذية بالحرارة ماسة قال جالينوس ولا ~~تقع العروق الضوارب في مجذب يعلم الخالق سبحانه أن جذبه الكبد لأنها تتحرك ~~دائما بمجاورة الحجاب فيقوم لها ذلك مقام حركة العروق الضوارب وجعلت هذه ~~العروق الضوارب رقاقا لأنها إنما وضعت لترويح الكبد لا لتغذيتها ولا لاتصال ~~روح إليها إذ ليس بالكبد حاجة إلى قبول روح حيواني كثير ولا يحتاج لحمها ~~إلا إلى غذاء لطيف بخاري # PageV01P370 ### | ### | فصل # # وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها ~~بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها ووصل بها رباطات من ~~جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب ~~صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى ~~صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك ~~أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة # وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشدة بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام ~~هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها {نحن خلقناهم وشددنا ~~أسرهم} شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولا ببعض ولما كان ~~الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما المعدة والكبد ~~بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله فبوعدت المعدة عنه بطول مجراها # فصل # وأما الطحال فبعضهم يقول إنه لا نفع فيه وإنما شغل المكان # PageV01P371 # به لئلا يبقى فارغا فيميل أحد شقي البدن بثقل الكبد فجعل موازنا للكبد # قلت وهذا غلط من وجه وصواب من وجه أما الصواب فمن الحكم العجيبة جعل ~~الطحال في الجانب الأيسر على موازنة الكبد لئلا يميل الشق الأيمن بها ولا ~~يمكن أن تقوم المعدة بموازنة الكبد لأنها دائما تمتلئ وتخلو فتارة تكون أخف ~~من الكبد وتارة أرجح منها فيصير البدن مترجحا أو يميل إلى شق الكبد وقتا ~~وإلى شق المعدة وقتا آخر فجعل الخالق سبحانه الطحال يوازن الكبد ms224 وجعل ~~المعدة بينهما في الوسط لئلا يثقل جانب ويخف جانب آخر عند امتلائها وخلوها ~~فلما جعلت وسطا لم يختلف وضع البدن باختلافها # وأما الغلط فقوله إنه لا منفعة فيه وإنما يشغل المكان لئلا يبقى فارغا ~~فإنه وإن لم يعلم فيه منفعة لم يكن له أن ينفيها فإن عدم العلم بالمنفعة لا ~~يكون علما بعدمها ولا شيء في البدن خال عن المنفعة البتة وفي الطحال من ~~المنافع أنه يجذب الفضلة الغليظة العكرة السوداء من الكبد نوعا من جنس ~~العروق كالعنق له فإذا حصلت تلك الفضلة عنده أنضجها وأحالها وهو ينضج غليظ ~~الدم وعكره كما ينضج قولون غليظ الغذاء ويابسه ويستعمل في فعله العروق ~~والضوارب الكثيرة المبثوثة فيه كلها فما نضج واستحال إلى طبيعته صار غذاء ~~له ومالم يمكن أن ينقلب إلى الدم الموافق له قذفه إلى # PageV01P372 # المعدة بعنق آخر من جنس العروق وإنما أمكنه جذب الفضل الأسود بقوة لحميته ~~لأنه رخو متحلحل خفيف كالاسفنج ولما اتصلت به العروق الضوارب الكثيرة ~~استغنى بها عن إنضاج الفضول السوداء ليبقى لحمه خفيفا متحلحلا لأن دم ~~الشرايين رقيق لطيف قريب طبيعته البخار فما اغتذى به كان نحيفا كالرئة ولكن ~~الرئة تغتذي بما صفا ورق وأشرق وكان أحمر ناريا وكذلك الرئة كانت أخف وزنا ~~منه وأسخف جرما ومائلة إلى البياض وأما الطحال فيغتذي بماء لطيف من الخلط ~~الأسود المنطبخ في الشرايين فيستريح منه البدن ويغتذي به الطحال فالطحال ~~يغتذي بغذاء لطيف من غذاء الكبد لأنه يرشح إليه من الشرايين التي صفا ~~فأيهما يحبه جدا ولأجل سواد تلك الفضلة وكونها عكرة في الأصل لم يكن لون ~~الطحال أحمر ولا مشرقا # فاما الكبد فتتغذى بدم غليظ فاضل يرشح إليها من العروق غير الضوارب ~~فلجودة غذائها كان لونها أحمر ولفضلته كانت كثيفة فالكبد تغتذي بدم أحمر ~~غليظ والطحال بدم أسود لطيف والرئة بدم صاف مشرق في غاية النضج قريب من ~~طبيعة الروح فجوهر كل عضو على ما هو عليه غذاؤه ملائما له فالغاذي شبيه ~~بالمغتذي في طبعه وفعله وهذا ms225 كما أن حكمة الله سبحانه في خلقه فيه جرت ~~حكمته في شرعه وأمره حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده لأنهم إذا # PageV01P373 # اغتذوا بها صارت جزءا منهم فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم إذ الغاذي شبيه ~~بالمغتذي بل يستحيل إلى جوهره فلهذا كان نوع الإنسان أعدل أنواع الحيوان ~~مزاجا لاعتدال غذائه وكان الإغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذي بها ~~قوة شيطانية سبعية عادية على الناس فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية ~~وأشباهها إلا إذا عارضها مصلحة أرجح منا كحال الضرورة ولهذا لما أكلت ~~النصارى لحوم الخنازير أورثها نوعا من الغلظة والقسوة وكذلك من أكل لحوم ~~السباع والكلاب صار فيه قوتها ولما كانت القوة الشيطانية عارضة ثابتة لازمة ~~لذوات الأنياب من السباع حرمها الشارع ولما كانت القوة الشيطانية عارضة في ~~الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها ولما كانت الطبيعة الحمارية لازمة ~~للحمار حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية ولما كان الدم مركب الشيطان ~~ومجراه حرمه الله تعالى تحريما لازما # فمن تأمل حكمة الله سبحانه في خلقه وأمره وطبق بين هذا وهذا فتحا له بابا ~~عظيما من معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وهذا هو الذي حركنا لبسط القول ~~في هذا المقام الذي لا يكاد يرى فيه إلا أحد الطريقين طريق طبيب معترض ~~للوحي مقلد لبقراط وطائفته قد عبرت عينه على الرسل وما جاءوا به وهو ممن ~~قال تعالى فيه {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون} وطريق من يجحد ذلك كله # PageV01P374 # ويكذب قائله ويظن منافاته للشريعة فيجحد حكمة الله تعالى في خلقه وإبداعه ~~في صنعه وكلا الطريقين مذموم وسالكه من الوصول إلى الغاية محروم فلا نكذب ~~بشرع الله ولا نجحد حكمة الله وأكثر ما أفسد الناس أنهم لم يروا إلا ~~طبائعيا زنديقا منحلا عن الشرائع أو متساهلا قادحا فيما جرت به حكمة الله ~~ومشيئته في خلقه منكرا للقوى والطبائع والأسباب والحكم والتعليل فإذا أراد ~~الأول أن يدخل في الإسلام صده جهل هؤلاء ومكابرتهم للقول والحس وإذا ms226 أراد ~~الآخر أن يدخل في معرفة الحكم والغايات وما أودع الله في مخلوقاته من ~~المنافع والقوى والأسباب صده زنادقة هؤلاء وكفرهم وإعراضهم عما جاءت به ~~الرسل وقدحهم فيما عندهم من العلم فيختار دينه على عقله ويختار ذلك عقله ~~وما استقر عنده مما لا يكابر فيه حسه ولا عقله على الدين وهذا قد بلى خلق ~~الأطباء والطبائعيين فهو عنده أحد أنواع أدلة التوحيد والمعاد وصفات الخالق ~~وما أخبرت به الرسل هو من أظهر أدلته ولا يزداد الباطن فيه إلا إيمانا وما ~~أخبرت به الرسل لا يناقض ما جرت به عادة الله وحكمته في خلقه من نصب ~~الأسباب وترتيب مسبباتها عليها بعلمه وحكمته فمصدر خلقه وأمره علمه تعالى ~~وحكمته وآلاء الرب تعالى لا تتعارض ولا تتناقض ولا يبطل بعضها بعضا والله ~~أعلم # PageV01P375 ### | ### | فصل # # والكبد والطحال متقابلان والمعدة بينهما والعروق الضوارب تتصل بها المعدة ~~والقلب بمنزلة التنور أو بمنزلة أتون الحمام يسخن ماءه وله إلى كل بيت منفذ ~~ينفذ منه وهج النار إليه وكذلك الحار الغريزي الذي منبعه من القلب ينفذ في ~~مسالك ومنافذ إلى جميع الأعضاء فيسخنها # فصل # وجعلت الأعضاء مسلكا مؤديا والمعدة هي الآلة لهضم الغذاء واستمرائه ~~والأمعاء تؤدي ذلك إلى الكبد ولما كانت الأمعاء آلة الأداء والإتصال كثرت ~~لفائفها وطولها وكانت العروق التي تأتيها من الكبد لا تحصى كثرة لينفذ فيها ~~الغذاء أولا فأولا وتفيضه يسيرا يسيرا فلولا تطويل لفائف الأمعاء لكان يخرج ~~قبل أخذ خاصيته وكان يعرض إليهم بشهوة الأكل دائما وكان الإنسان يعدم ~~التفرغ لمصالحة وسائر أعماله وكان دائما مكبا على الغذاء ولهذا صار الحيوان ~~الذي ليس لامعائه استدارات بل له معي واحد مستقيم مكبا على الغذاء دائما ~~عديم الصبر عنه كالفيل وأما مالأمعائه استدارات فإنه إذا فارقه الغذاء أو ~~بعضه في الإستدارة الأولى صادفه في الثانية فإن هو فاته في الثانية صادفه ~~في الثالثة والرابعة والخامسة كذلك فيمكن صبره على الغذاء حكمة بالغة # PageV01P376 # وما ينفذ إلى الأمعاء يبعث من العروق الضاربة ويأخذ من الغذاء جزءا يسيرا ms227 ~~لطيفا وأما العروق غير الضاربة فهي مجاري الغذاء بالحقيقة فأخذت أكثره وأما ~~العروق الضاربة فجعلت مسلكا للأرواح المنبعثة من القلب فاستغنت بقليل ~~الغذاء وجعل للقلب وصلة بالأمعاء ليحسنها أولا ويمدها بقوة الحار بإذن ~~خالقه ثم يأخذ منها الجزء الملائم من الغذاء المستغنى عن فعل الكبد للطاقة ~~جوهره فإن هذا الجزء لو حصل في الكبد لم يؤمن إحراقه وفساده فلا ينتفع به ~~القلب ثم يأخذ منها عند شدة الحاجة وصدق المجاعة فيتعجل ذلك من أدنى ~~المواضع ولذلك يشاهد من أكل مسنبة شديدة يحس بزيادة ونماء في كل أعضائه حتى ~~يمر الطعام بالمعدة قبل استقراره فيها فسبحان من أتقن ما صنع # ولما كانت المعدة آلة هضم الغذاء والأمعاء آلة دفعه جعل للأمعاء طبقتان ~~ليقوى دفعها بهما جميعا وليكون حرزا لها وحفظا ولذلك من تعرض له قرحة ~~الأمعاء بانجراد أحد الصفاقين يبقى الآخر سليما وجعلت الأمعاء الغلاظ لقذف ~~الثفل والرقاق لتأذية الغذاء والسبب في أن صار الإنسان لا يحتاج إلى تناول ~~الغذاء دائما كثرة لفائف أمعائه والسبب المانع من قذف الفضول دائما سعة ~~الأمعاء الغلاظ التي تقوم لها مقام وعاء آخر شبيه بالمعدة في السعة كما أن ~~المثانة وعاء للبول كذلك # PageV01P377 ### | ### | فصل # # ونحن نذكر فصلا مختصرا في هذا الباب يجمع شتات ذلك بإيضاح وإيجاز إن شاء ~~الله تعالى وبه الحول والقوة فنقول # المرىء موضوع خلف الحلقوم ومما يلي فقار الظهر وينتهي في ذهابه إلى ~~الحجاب وهو مشدود برباطات فإذا أبعد مال إلى الجانب الأيسر واتسع وذلك ~~المتسع هو المعدة وأسفلها يعود مائلا إلى اليمين والمعدة مقر طبخه وفمها هو ~~المسدف منها ويسمونه الفؤاد وهذا من غلطهم إلا أن يكون ذلك اصطلاحا خاصا ~~منهم والفؤاد عند أهل اللغة هو القلب قال الجوهري الفؤاد القلب وقال ~~الأصمعي وفي الجوف الفؤاد وهو القلب وقد فرق بعض أهل اللغة بين القلب ~~والفؤاد فقال الليث القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط وقالت طائفة مسدف ~~القلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم "جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا وألين ms228 ~~أفئدة" ففرق بينهما ووصف القلب بالرقة والأفئدة باللين وأما كون فم المعدة ~~هو الفؤاد فهذا لا نعلم أحدا من أهل اللغة قاله وتأمل وصف النبي # PageV01P378 # صلى الله عليه وسلم القلب بالرقة التي هي ضد القساوة والغلظة والفؤاد ~~باللين الذي هو ضد اليبس والقسوة فإذا اجتمع لين الفؤاد إلى رقة القلب حصل ~~من ذلك الرحمة والشفقة والإحسان ومعرفة الحق وقبوله فإن اللين موجب القبول ~~والفهم والرقة تقتضي الرحمة والشفقة وهذا هو العلم والرحمة وبهما كمال ~~الإنسان وربنا وسع كل شيء رحمة وعلما فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول # المعدة مع المرىء ذات طبقتين لطيفتين واللحم في الطبقة الداخلة أقل ولهذا ~~يغلب عليها البياض وهي عصبية حساسة وهي في الطبقة الخارجة أكثر ولهذا يغلب ~~عليها الحمرة وهي مربوطة مع الفقار برباطات وثيقة وتنتهي من جهة قعرها إلى ~~منفذ هو باب المعدة وبوابها يغلق عند اشتماله على الغذاء مدة هضمه ويقال ~~لباطن جرم المعدة خمل المعدة # والأمعاء المصارين وهو جمع مصران بضم الميم وهو جمع مصير وسمي مصيرا ~~لمصير الغذاء إليه والسفلى يقال لها الاقتاب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ~~"فتندلق أقتاب بطنه" والعليا # PageV01P379 # أرق من السفلى لما تقدم من الحكمة # فأعلى الرقاق يسمى الاثني عشر لأن مساحته اثنا عشر إصبعا ويليه المسمى ~~بالصائم لقلة لبث الغذاء فيه لا لأنه يوجد أبدا خاليا كما ظنه بعضهم فإن ~~هذا باطل حسا وشرعا كما سنذكره والثالث المسمى بالرقيق واللفائف وهو أطول ~~الأمعاء وأكثرها تلافيف ولبث الغذاء فيه أطول والعروق التي تأتيه من الكبد ~~أقل وأما اللذان قبله فمنتصبان في طول البدن قصيران ويقل لبث الغذاء فيهما ~~وهو في الصائم أقل لبثا وهذه الثلاثة تسمى الأمعاء العليا والأمعاء الرقاق ~~وهي كلها في سعة البواب # وأما الدامع وهو الأول من الثلاثة السفلى فيسمى الأعور لأنه لا منفذ له ~~بل هو كالكيس يخرج منه ما دخل من حيث دخل وحكمته سبحانه أنه يتم فيه ما ~~يعسر هضمه من الأشياء الصلبة كما يتم ذلك في قوانص الطيور ووضعه ms229 في الجانب ~~الأيمن # والخامس المسمى يقولون يبتدئ من الجانب الأيمن ويأخذ عرضا إلى الأيسر ~~ويحتبس فيه الثفل وربما يستقضي ما فيه # والسادس هو الآخر وهو المعي المستقيم لأنه مستقيم الوضع في طول البدن وهو ~~واسع جدا يجتمع فيه الثفل كما يجتمع البول في المثانة وعليه الفضلة المانعة ~~لخروج الثفل بدون الإرادة وقد صح عن # PageV01P380 # النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "المؤمن يأكل في معنى واحد والكافر ~~يأكل في سبعة أمعاء" فأطلق على المعدة اسم المعى تغليبا ولمشابهتها ~~بالأمعاء لكون كل واحد من الأمعاء والمعدة محلا للغذاء وهذا لغة العرب كما ~~يقولون القمران والعمران والركنان اليمانيان والشاميان والعراقيان ونظائر ~~ذلك ولا سيما فإن تركيب الأمعاء كتركيب المعدة إذ هي مركبة من طبقتين لحمية ~~خارجة وعصبية داخلة والطبقة الداخلة فيها لزوجات متصلة بها لتقيها من حر ~~ألم البراز ورداءته كثيفة فلا تمسكه ولا يتعلق بها شيء منه ولما كان الكافر ~~ليس في قلبه شيء من الإيمان والخير يغتذي به انصرفت قواه ونهمته كلها إلى ~~الغذاء الحيواني البهيمي لما فقد الغذاء الروحي القلبي فتوفرت أمعاؤه وقواه ~~على هذا الغذاء واستفرغت أمعاؤه هذا الغذاء وامتلأت به بحسب استعدادها ~~وقبولها كما امتلأت به العروق والمعدة وأما المؤمن فإنه إنما # PageV01P381 # يأكل العلفة ليتقوى بها على ما أمر به فهمته وقواه مصروفة إلى أمور وراء ~~الأكل فغذا أكل ما يغذيه ويقيم صلبه إستغنى قلبه ونفسه وروحه بالغذاء ~~الإيماني عن الإستكثار من الغذاء الحيواني فاشتغل معاه الواحد وهو قولان ~~بالغذاء فأمسكه حتى أخذت منه الأعضاء والقوى مقدار الحاجة فلم يحتج إلى أن ~~يملأ أمعاءه كلها من الطعام وهذا أمر معلوم بالتجربة وإذا قويت مواد ~~الإيمان ومعرفة الله وأسمائه وصفاته ومحبته والشوق إلى لقائه في القلب ~~استغنى بها العبد عن كثير من الغذاء ووجد لها قوة تزيد على قوة الغذاء ~~الحيواني فإن كثف طباعك عن هذا وكنت عنه بمعزل فتأمل حال الفرح والسرور ~~بتجدد نعمة عظيمة واستغناؤك مدة عن الطعام والشراب مع وفور قوتك وظهور ~~الدموية على بشرتك ms230 وتغذية بالسرور والفرح ولا نسبة لذلك إلى فرح القلب ~~ونعيمه وابتهاج الروح بقربه تعالى ومحبته ومعرفته كما قيل: # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته "إني أظل عند ربي ~~يطعمني ويسقيني" وصدق الصادق المصدوق # PageV01P382 # صلوات الله وسلامه عليه فإن المقصود من الطعام والشراب التغذية الممسكة ~~فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفهما وأنفعهما فكيف لا يغنيه عن الغذاء ~~المشترك وإذا كنا نشاهد أن الغذاء الحيواني يغلب على الغذاء القلبي الروحي ~~حتى يصير الحكم له ويضمحل هذا الغذاء بالكلية فكيف لا يضمحل غذاء البدن عند ~~استيلاء غذاء القلب والروح ويصير الحكم له وقد كان يمكث الأيام لا يطعم ~~شيئا وله قوة ثلاثين رجلا ويطوف مع ذلك على نسائه كلهن في ليلة واحدة وهن ~~تسع نسوة وهذا المسيح بن مريم حي لم يمت وغذاؤه من جنس غذاء الملائكة وأنت ~~تشاهد المريض يمكث الأيام العديدة لا يأكل ولا يشرب لاشتغال نفسه بمحاربة ~~المرض ومدافعته واكتفاء الطبيعة ببقية الغذاء الذي في الأمعاء والمعدة مدة ~~الحرب فإذا وضعت الحرب أوزارها رأيت شدة طلبه للغذاء فالخائف والمحب والفرح ~~والحزين والمستولي عليه الفكر لا تطالبه نفسه بشيء من الغذاء كالخالي من ~~ذلك ### | ### | فصل # # والكبد عضو لحمي تتخلله عروق رقاق وغلاظ وعلى الكبد غشاء عصبي حساس يحيط ~~بها وينثني إلى غلافه والكبد هي الأصل في الغذاء وآلات الغذاء خدم لها ~~معينات فإن الإنسان لما كان # PageV01P383 # كالشجرة المستقلة جعل له ما يقوم مقام النهر الجاري في أصول الشجرة ~~يسقيها وهو الأمعاء والمعدة بمنزلة العين وتجري منها العروق مجرى السواقي ~~وعروق الكبد المتصلة بالأمعاء بمنزلة عروق الشجرة المتصلة بأرض الساقية ~~تمتص الماء منها وتؤديه إلى الشجرة وأغصانها وورقها وثمارها وهذه العروق ~~تمص الماء من الطين والثرى وكذلك عروق الكبد تمتص صفو الماء وخالصه من ~~كلوليته وتحيله إلى طبيعة الأعضاء كما تفعل عروق الشجرة وشكل الكبد شكل ~~هلالي محدب من ظاهره مقعر من باطنه وهي تحت الأضلاع ms231 الخمس ولها خمس شعب ~~يقال لها الزوائد تحتوي على المعدة كما تحتوي الكف بأصابعها على الشيء ~~المقبوض ويقال للشعبة الصغيرة منها خاصة زائدة الكبد وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم "إن سبعين ألفا من أهل الجنة يأكلون من زيادة كبد الحوت ~~الذي هو طعامهم" وهذا يدل على عظم قدر هذه الزائدة فما الظن بالكبد التي هي ~~زائدته فكيف بالحوت الذي حواها # ومقعرها يسمى المورد لأنه يورد الغذاء من المعدة والأمعاء ويسمى باب ~~الكبد ثم تتشعب هذه العروق من جانبيه بشعب تتصل بالأمعاء وتسمى الجداول ~~لشبهها بالسواقي الصغار وتؤدي إلى نقرة عظيمة ولهذه الجداول أغشية من فوقها ~~ومن تحتها # PageV01P384 # فتستدير مع الأمعاء العروق المتصله بها وتسمى هذه الأغشية وما تحتويه ~~المرابط ### | ### | فصل # # والعرق الثاني ينقسم في مجذبها إلى عروق صغار وأصغر منها حتى تبلغ غاية ~~الرقة ثم تعود وتجتمع أول فأول على قياس ما تفرق وأخذ من كثرة إلى وحدة ومن ~~رقة إلى غلظ حتى يجتمع منها العرق الخارج من الكبد المسمى بالأجوف ومنها ~~يتأدى الدم إلى البدن كله وحين يخرج ينقسم إلى قسمين فيأخذ أحدهما نافذا في ~~الحجاب نحو القلب ويسمى الوتين قال أهل اللغة الوتين عرق يسقي القلب قال في ~~الصحاح الوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه وأصيب وتينه فهو موتون ~~وقال الواحدي الوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا ~~انقطع بطلت القوى ومات صاحبه وهذا قول جميع أهل اللغة وأنشدوا للشماخ: # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # وقال ابن عباس وجمهور المفسرين هو حبل القلب ونياطه وأما الأبهر الذي قال ~~فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أوان # PageV01P385 # انقطاع أبهري" فقال الجوهري الأبهر عرق إذا انقطع مات صاحبه وهما أبهران ~~يخرجان من القلب ثم تتشعب منهما سائر الشرايين وأنشدوا للأصمعي: # وللفؤاد وجيب عند أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر ### | ### | فصل # # والمرارة موضوعة على الكبد ولها مجريان أحدهما متصل بتقعير الكبد يجتذب ~~المرة الصفراء والآخر متصل ms232 بالأمعاء العليا يصب في المرة ليغسلها ويجليها ~~ويتصل منه السر بأسفل المعدة ليمتزج بالغذاء فيكون فيه معونة على هضمه # فصل # والقوة التي وكلها الله سبحانه وتعالى بتدبير البدن من أعظم آياته الدالة ~~عليه فإنها تفعل في الطعام والشراب الواردين عليه أفعالا متنوعة من تقطيع ~~وتفصيل وتمريخ وتحليل وتركب فمبدأ ذلك في الفم وهو تقطيعه بالأسنان ومضغه ~~واختلاطه بالرطوبات التي فيه وانهضامه فيه انهضاما تاما ثم بعد ذلك عند ~~وروده إلى # PageV01P386 # المعدة تهضمه هضما آخر ويسمى الهضم الأول ويعيبها على هضمه ما يجاورها من ~~الأعضاء فالكبد عن يمينها والطحال عن يسارها والقلب من فوقها والمرىء ~~أمامها والأمعاء السبل الموصلة إليها والعروق الطرق المؤدية منها والحرارة ~~النار الطابخة للطعام فيها والقوة الهاضمة والجاذبة والغاذية والدافعة خدم ~~لها فإذا انهضم الطعام فيها صار كيلوسا شبيها بماء الكشك الثخين ثم نهتز? ~~صوبه ولطيفه فتقذفه العروق الرقاق الشعرية التي هي برقة الشعر وينجذب إلى ~~الكبد فإذا ورد هذا اللطيف إلى الكبد اشتملت عليه بجملته فطبخته وهضمته ~~وأحالته إلى جوهرها وصيرته دما ويسمى هذا الهضم الثاني ولما كان هذا ~~الإنضاج والطبخ يشبه طبخ القدر علاه شيء كالرغوة والزبد وهو الصفراء ورسب ~~منه شيء مثل العكر وهو السوداء وتخلف عن تمام النضج شيء بقي على فجوجته وهو ~~البلغم والشيء الذي يصفى ويبقى من ذلك كله هو الدم فاندفع من الكبد في ~~العرق الأعظم المعروف بالأجوف بعد أن تصفت عنه المائية إلى آلة البول فيسلك ~~هذا الدم في الأوردة المتشعبة من الجوف ثم في جداول متثقبة من الأوردة ثم ~~في سواقي متثقبة من الجدوال ثم في رواضع مشتقة من السواقي ثم في عروق رقاق ~~شعرية ثم يرشح من أفواهها في الأعضاء لتغتذي به فتحله الأعضاء وتصيره ~~لجوهرها فيصير في اللحم لحما وفي العظم عظما وفي العصب عصبا وفي الظفر ظفرا ~~وفي الشعر شعرا، # PageV01P387 # وفي السمع والبصر وآلة الحس كذلك فتبارك من هذا صنعه في قطرة من ماء مهين ### | ### | فصل # # والدم هو الخليط الأصلي والغذاء الحقيقي للبدن والمخلف ms233 عليه بدل ما ينقص ~~ويتحلل منه والأخلاط الآخر كالأبازير والتوابل وهي صنفان صنف لطيف وهو دم ~~القلب وغليظ وهو دم الكبد ومثله مثل السلطان إذا كان وقورا حليما ساكنا ~~عاشت به رعيته وإذا غضب واحتد قتل # فصل # وأما البلغم فخليط فج مستعد لين يستكمل نضجه عند عوز الغذاء إذ تولته ~~الحرارة الغريزية فهضمته وصيرته دما فيكون في المعدة والأمعاء وفي الكبد ~~عند قصور الهضم وفيه من المنفعة أنه يرطب البدن ويبل المفاصل لسلس حركاتها ~~ويخالط الدم في تغذية الأعضاء البلغمية المزاج كالدماغ # ولما كانت الأعضاء محتاجة أن يكون قريبا منها لترطبها لم يجعل له عضو ~~يختص به لا سيما والأعضاء تغتذي به إذا أعوزها الغذاء # PageV01P388 ### | ### | فصل # # وأما الصفراء فخليط لطيف حار وحاجة البدن إليها في أن تخالط الدم وترقه ~~بلطفها وتنفذه في المسالك الضيقة ولتعينه في تغذية الأعضاء الحارة اليابسة ~~وما ينفصل عنها مما يستغني عنه يتصفى إلى المرارة لتأخذ نصيبها منه وما ~~تستغني عنه المرارة تصبه إلى الأمعاء ليغسلها عن لطخة الأثفال ولزوجتها ~~ولتدع عضل المقعدة فيحس بالحاجة إلى التبرز # فصل # وأما المرارة السوداء فخليط بارد يابس وفيه من المنافع أنه ينفذ مع الدم ~~في العروق ليشده ويقويه ويكفيه ويمسكه ويمنعه من سهولة الحرمة عند الحاجة ~~إلى ذلك ويعينه على تغذية الأعضاء المحتاجة أن يكون في غذائها شيء من ~~السوداء كالعظام وما اتصل منه وما استغنى عنه يصفى إلى الطحال فيصفيه ~~الطحال جدا ويتغذى به ثم يجلب ما يستغني عنه الطحال إلى فم المعدة فيدغدغه ~~بالحموضة التي فيه فتتحرك الشهوة ويحس بالجوع فتطلب الأعضاء القصوى معلومها ~~وراتبها من الأعضاء التي تليها وتطلبه الأعضاء التي تليها من التي تجاورها ~~وهكذا حتى ينتهي الطلب إلى المعدة فالجوع طلب الأعضاء القصوى معلومها ~~الأعضاء الدنيا # PageV01P389 ### | ### | فصل # # ولما اقتضت حكمة الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره حيث كان بدن ~~الإنسان مشبها في أحواله بالمدينة أن يوجد فيه أعضاء رئيسية تقوم بمصالحها ~~كما تقوم رؤساء المدينة بمصالحها وتكون لها بمنزلة الولاة ms234 والأمراء وأعضاء ~~تكون خادمة لهذه الأعضاء الرئيسية فإن الرئيس لا يكون رئيسا إلا بمرءوس وهي ~~بمنزلة الشرط والجلاوزة والنقباء وأن يوجد فيها أعضاء كالرعية وهي قسمان ~~ماله اتصال بالرؤساء وإن لم يكن له اتصال خدمة وما لا اتصال له بهم بل هو ~~مستقل بنفسه فالأعضاء إذا بهذا التقسيم أربعة أحدها الأعضاء الرئيسية ~~المخدومة الثاني الأعضاء المرءوسة الخادمة الثالث الأعضاء المرؤوسة بلا ~~خدمة الرابع الأعضاء التي ليست رئيسة ولا مرءوسة # فصل # والأعضاء الرئيسية إنما استحقت الرياسة لشرفها إذ كانت هي الأصول ~~والمعادن والمبادئ للقوى الأولية في البدن المضطر إليها في بقاء الشخص ~~والنوع وهي بحسب بقاء الشخص ثلاثة القلب والكبد والدماغ وبحسب بقاء النوع ~~أربعة الثلاثة المذكورة والأنثيان # PageV01P390 # وأما القلب فهو الذي جعله الخلاق العليم قائما بأمر البدن كقيام الملك ~~بالرعية وهو أول عضو يتحرك في البدن وآخر عضو يسكن منه وهو مبدأ جميع الخلق ~~وما يلحلقه من صلاح أو فساد يتأذى منه إلى غيره من الأعضاء # وأما الكبد فهي العضو التي تقوم لحفظ الحياة إذ كانت هي التي تملأ ~~الأعضاء بالغذاء ليبقى البدن محفوظا ما أمكن بقاؤه # وأما الدماغ فهو العضو القائم بأمر الحس والإدراك وتكميل الحياة إذ فيه ~~آلات الإحساس التي بها يعرف النافع من الضار الملائم من المنافر وبه صارت ~~الحياة نافعة صالحة متجاوزة لزينة حياة النبات # وأما الانثيان فهما اللذان يقومان لحفظ بقاء النوع ### | ### | فصل # # وأما الأعضاء الخادمة كالرئة والشرايين الحاملة المؤدية من القلب الحرارة ~~الغريزية والقوى والأرواح الحيوانية التي بها قوام البدن # فهذان خادما القلب والمعدة والأوردة خادمان للكبد والأوردة تنفذ الدم ~~الغاذي والقوى إلى جميع البدن والكبد خادمة الدماغ وكذلك الأعصاب التي بها ~~يحصل الحس والحركة # PageV01P391 # والانثيان يخدمهما الأعضاء المؤدية للمنى والمجاري المؤدية عنهما إلى ~~مواضع التوالد ### | ### | فصل # # وأما الأعضاء المرءوسة بلا خدمة فهي أعضاء مختصة بقوى لها طبيعة بها يتم ~~تدبيرها ويستقيم أمرها ولا يدفع ذلك أنه يقبض عليها من الأعضاء الرئيسية ~~قوى تمدها بإذن الله تعالى كالأذن والعين والأنف فإن كل ms235 واحد منها يقوم ~~بأمر نفسه بما فيه من القوة الطبيعية التي أعطاها إياها الخالق سبحانه ولا ~~يتم ذلك إلا بأن تأتيها قوة حساسة تنزل عليها من الدماغ بإذن الله تعالى # فصل # وأما الأعضاء التي ليست برئيسة ولا مرءوسة فهي التي اختصت بقوى غريزية ~~فيها من أصل الخلقة في أول التكوين ليتم بها قوام أمرها وتدبيرها في جلب ~~المنافع ودفع المضار كالعظام والغضاريف وسائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء ~~مثل الرباطات والأعصاب والأوتار والشرايين والأوردة والأغشية واللحم ~~والعظام كالأساس والأسطوانات لبناء هيكل البدن # فإن قيل هل في العظام قوة الإحساس وحياته أم لا قيل هذا موضع اختلف فيه ~~أرباب الشريعة فيما بينهم وأرباب الطبيعة # PageV01P392 # فيما بينهم فقالت طائفة لا حياة في العظام وإن كان فيها قوة النمو ~~والاغتذاء # قالوا إن الحياة إنما هي الروح الحيواني ولا حظ للعظام فيه # قالوا ولأن مركب الحياة إنما هو الدم المنبث في العروق والأعصاب واللحم ~~ولهذا لم يكن للشعر ولا للظفر نصيب من ذلك ولهذا لم يألم الإنسان يأخذه # قالوا فحياة العظام والشعر حياة نمو واغتذاء وحياة أعضاء البدن حياة نمو ~~وإحساس # قالوا ولهذا قلنا إن العظام لا تنجس بالموت لأنها لم يكن فيها حياة تزول ~~بالموت # قالوا وزوال النمو لا يوجب نجاسة ما فارقه بدليل يبس الزرع والشجر # قال آخرون الدليل على أن العظام تحلها الحياة قوله تعالى {من يحيي العظام ~~وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} والحس يدل على ذلك أيضا فإن العظم ~~يألم ويضرب ويسكن وذلك نفس إحساسه # قالوا ولا يمكن إنكار كون العظام فيها قوة حساسة تحس بالبارد والحار # قال الآخرون الإحساس والألم ليس للعظم في نفسه وإنما هو لما جاوره من ~~اللحم # PageV01P393 # قال المنازعون لهم هذا مكابرة ظاهرة فإن العظم نفسه يألم ولا سيما إذا ~~تصدع ثم إن الأسنان والأضراس تحس بالألم الحار والبارد بأنفسها لا بمجاورها ~~من اللحم ولهذا توسطت طائفة ثالثة وقالت عظام الأسنان خاصة لها الإحساس ~~بخلاف سائر العظام وهؤلاء قد سلموا المسألة من مكان قريب فإن ms236 الذي دل على ~~إحساس الأسنان وحياتها هو الدال على حياة سائر العظام والشبهة التي ذكروها ~~لو صحت لمنعت من إحساس الأسنان # وأما حديث الطهارة والنجاسة فذاك لأمر آخر وراء الحياة # من نجسها بالموت سوى بينها وبين اللحم ومن لم ينجسها وهو الراجح في ~~الدليل فذاك لعدم علة التنجيس فيها وإن الموت ليس بعلة النجاسة وإنما هو ~~دليل العلة وسببها والعلة هي احتقان الفضلات في اللحم والعظم بريء من ذلك ~~والدليل على هذا أن الشارع لم يحكم بنجاسة الحيوان النامي الذي لا نفس له ~~سائلة لعدم احتقان الفضلات فيه فلان لا يحكم بنجاسة العظم أولى وأحرى فإن ~~الرطوبات التي في الذباب والعقرب والخنفساء أكثر من الرطوبات التي في العظم ### | ### | فصل # # والذي أحصاه المشرحون من العظام في البدن مائتان وثمانية # PageV01P394 # وأربعون عظما سوى الصغار السمسميات التي أحكم بها مفاصل الأصابع والتي في ~~الحنجرة وقد أخبر النبي أن الإنسان خلق من ثلاثمائة وستين مفصلا فإن كانت ~~المفاصل هي العظام فقد اعترف جالينوس وغيره بأن في البدن عظاما صغارا لم ~~تدخل تحت ضبطهم وإحصائهم وإن كان المراد بالمفاصل المواضع التي تنفصل بها ~~الأعضاء بعضها عن بعض كما قال الجوهري وغيره المفصل واحد مفاصل الأعضاء ~~فتلك أعم من العظام فتأمله وإن السلاميات المذكورة في الحديث الذي رواه ~~مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقه فكل تسبيحة ~~صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة الحديث فالسلامي ~~العظم وجمعه سلاميات فهنا ثلاثة أمور أعضاء وعظام ومفاصل وجعل الله سبحانه ~~العظام أصلب شيء في البدن لتكون أسا وعمدة في البدن إذ كانت الأعضاء كلها ~~موضوعة على العظام حتى القلب كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهي حاملة ~~للأعضاء والحامل أقوى من المحمول. # PageV01P395 # ولتكون وقاية وجنة أيضا كالقحف فإنه وقاية الدماغ وعظام الصدر وقاية له ~~وجعلت العظام كثيرة الفوائد ومنافع عديدة منها الحركة فإن الإنسان قد يحتاج ~~إلى حركة بعض أجزائه دون بعض وقد يحتاج إلى حركة ms237 جزء من عضو # ومنها أنه لو كان على عظم واحد لكان إذا أراد أن يتحرك تحرك بجملته # ومنها أنه كان يتعذر عليه الصنائع والحل والربط # ومنها أنه إذا أصابه آفة عمت جميع البدن فجعلت العظام كثيرة ليكون متى ~~نال بعضها آفة لم تسر إلى غيره وقام غيره من العظام مقامه في تحصيل تلك ~~المنفعة # ومنها تعذر المنافع التي حصلت بسبب تعدد العظام ولولا كثرتها وتعددها ~~لفاتت تلك المنافع # ومنها أن من العظام مايحتاج البدن إلى كبيره ومنها ما يحتاج إلى صغيره ~~ومنها ما يحتاج إلى مستطيلة ومنها ما يحتاج إلى مجوفه ومنها ما يحتاج إلى ~~محنيه ومنها ما يحتاج إلى مستقيمه ولا يحصل ذلك إلا بتعدد العظام # ومنها بديع الصنع وحسن التأليف والتركيب وغير ذلك من الفوائد # ثم شد الخالق بعضها إلى بعض بالرباطات والأسر المحكم ثم كساها لحما حفظا ~~لها ووقاية ثم كسى اللحم جلدا صونا له # ولما كانت الفضلات تنقسم إلى لطيفة وغليظة جعل الله سبحانه # PageV01P396 # للغليظة منها مجارى تنجذب فيها إلى أسفل ويخرج منها خروجا ظاهرا للحس ~~واما اللطيفة فهي الفضلات البخارية ولما كان من شأنها أن تصعد إلى فوق ~~وتخرج عن البدن بالتحليل جعل في العظام العليا منها منافذ يتحلل منها ~~البخار المتصاعد فلم تكن تلك المنافذ محسوسة لئلا يضعف صوان الدماغ وهو ~~القحف بوصول الأجسام المؤذية إليه فجعل الدماغ مركبة من عظام كثيرة ووصل ~~بعضها ببعض بوصل يقال لها الشئون ومنه قولهم فلان لم تجمع شئون رأسه ويشتمل ~~الرأس بجملة أجزائه على تسعة وخمسين عظما وجعل القحف مستديرا تاما في مقدمه ~~ومؤخره وجانبيه بمنزلة غطاء القدر وعظامه ستة وهي عظم اليافوخ وعظم الجبهة ~~وعظم مؤخر الرأس والعظمان اللذان فيهما ثقبا السمع وفي كل واحد من الصدغين ~~عظمان مصمتان # وعظام اللحى الأعلى أربعة عشر عظما ستة منها في محاجز العينين وإثنان ~~للأنف وإثنان تحت الأنف وهما المثقوبان إلى الفم وإثنان في الوجنتين وإثنان ~~تحت الشفة العليا # وأما العظم الشبيه بالوتد فهو واحد وهو كالقاعدة للرأس # وعظام ms238 اللحى الأسفل إثنان وهما متصلان في وسط الذقن، # PageV01P397 # وبينهما بنيان ويتصلان من فوق باللحى الأعلى اتصالا م ### | ### | فصل # يا # والأسنان إثنان وثلاثون في كل لحى ستة عشر أربع ثنيات وتليها الرباعيات ~~وتليها النابان ويليهما الأضراس خمسة من هنا وخمسة من هنا والنواجذ أول ~~الأضراس وهما ناجذان في كل ناحية ناجذ وربما نقصت النواجذ في بعض الأفراد ~~وكان في كل جانب أربعة أضراس # وقد سلم الله غذاء الإنسان إلى يده فتأخذه فتسلمه إلى شفتيه فتسلمه ~~الشفتان إلى الأنياب والثنايا فتفصله ثم تسلمه إلى الأضراس فتسلمه وتطحنه ~~ثم تسلمه إلى اللسان والفم فيعجنه ثم يسلمه إلى الحلقوم والمريء فيسلمه ~~ويوصله إلى المعدة فتطبخه وتنضجه وتصلحه كما ينبغي ثم تسلمه إلى الكبد ~~فيتسه منها ثم يرسل منه إلى كل عضو راتبه ومعلومه ثم تصب قربة الصفراء في ~~المرارة السوداء في الطحال والثفل يخرجه عنها كما تقدم بيانه # فصل # والرأس يقال بالعموم على ما يقله العنق بجملته ويقال بالخصوص على الفروة ~~وهي جلدة الرأس حيث منبت الشعر والجمجمة العظم الذي يحوي الدماغ وهي مؤلفة ~~من سبع قطع متقابلة تسمى القبائل وتسمى مواضع التآليف شئونا ووسط الجمجمة # PageV01P398 # يسمى الهامة وحد الهامة من الجانبين قرن الرأس وحد الهامة من المقدم ~~اليافوخ ومن المؤخر القمحدوة وهي ما يصيب الأرض من رأس المستلقي على ظهره ~~ولها ثلاث حدود نقرة القفا والقذالان فنقرة القفا حدها من آخر الوسط ~~والقذالان جانبا النقرة وقد تقدم تفصيل القبائل السبع # وسنظهر الجمجمة عما يحيط بها السمحاق وسطها غشاوتان إحداهما تلي الجمجمة ~~وهو أثخنهما وأصلبهما والآخر يكتنف الدماغ ويحيط به ويخالطه ويقال لكل ~~منهما أم الدماغ ويسميان الأمان ومنة الآمة والمأمومة التي فيها ثلث الدية ~~وهي الجراحة التي تبلغ أم الدماغ ويقال لها تجويف الدماغ # وبطن وهي ثلاث بطون وبين بطني الدماغ اللذين في مؤخره ووسطه مجرى فيه ~~قطعة من الدماغ مستطيلة شبيهة بالدودة ينسد ذلك المجرى وينفتح بها وتحت ~~الدماغ سبلة مبسوطة مؤلفة من عروق ضوارب يتولد منها روح نفساني ينفذ إلى ~~البطنين ms239 اللذين في مقدم الدماغ # وفي الدماغ البركة والحوض والقمع والدودة والبطون والأغشية ومبادئ ~~الأعصاب ويحتوي الدماغ على ثلاث خزائن نافذ بعضها إلى بعض وتسمى بطونا ~~فالأولى في مقدمة تنقسم إلى قسمين والثانية في وسطه والثالثة في مؤخره ~~وجوهر # PageV01P399 # الدماغ مخي متزرد الشكل، كأنه زرد مجموع والروح النفساني مثبت في خلل ~~الزرد والدماغ مقسوم في طوله لنصفين متضامين والتنصيف في مقدم الدماغ أظهر ~~والغشاءان يدخلان في فصول الدماغ وتزريده والصلب منهما يدخل بطونا بين جزءي ~~البطن المقدم فيحجز بينهما وتحته مصفى كالبركة تسمى المعصرة تصب في العروق ~~الدم المنضج وتنبعث في جداول تسقي البطن المقدم وتجتمع إلى عرقين كبيرين ~~يحملان الدم إلى البطن الأوسط والمؤخر والبطن الأوسط كدهليز ومنفذ بين ~~المقدم والمؤخر وسقفه معقود كالأزج والدماغ موضوع طولا على زائدتين ~~متقاربتين فيتماسان ويتباعدان إلى الإنفراج فيفتح الدهليز ويتراءى البطنان ~~المقدم والمؤخر والجزء المؤخر أخفى تدويرا من المقدم وأصغر زردا وهو كرى ~~الإستطالة ويستدق على التدريج حتى يسيل منه النخاع كالجدول من العين # وفي الدماغ مجريان أحدهما في آخر المقدم والمؤخر في الأوسط لدفع فضوله ~~ويجتمعان عند منفذ واحد عميق أولهما في الغشاء الرقيق والآخر في الغشاء ~~الصلب يأخذ إلى ضيق كالقمع # ولما كان الدماغ مبدأ حركات البدن إلى إرادته ولم يكن به حاجة إلى الحركة ~~القوية فحوط عليه بسور من عظام بخلاف المعدة والكبد والرحم وسائر آلات ~~الغذاء فإنها لما احتاجت إلى أن تتسع وتمتلئ بالغذاء فتحمل مرة بعد أخرى ~~وأن تعصر الفضول فتخرجها، # PageV01P400 # والعظم يمنع من ذلك ويكتفي فيه ال ### | ### | فصل # وحده فأحيط عليه بسور من عظم # وأما الصدر فإنه لما احتاج إلى الوثاقة بالعظام وإلى الحركة بالفصل ألف ~~الصدر منهما وكان البطن أوسع من الصدر لما يحل بها من آلات الغذاء والتنفس ~~والطحال والمريء وغيرها # فصل # فاستقبل الآن النظر في نفسك وانظر إلى المبدأ الأول وهو النطفة التي هي ~~قطرة مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين ~~الصلب والترائب وكيف أوقع المحبة ms240 والألفة بين الذكور والإناث ثم قادهما ~~بسلسلة المحبة والشهوة إلى الإجتماع ثم استخرج النطفة من الذكر بحركة ~~الوقاع من أعماق العروق وجمعها في الرحم في قرارمكين لا تناله يد ولا تطلع ~~عليه شمس ولا يصيبه هواء ثم صرف تلك النطفة طورا بعد طور وطبقا بعد طبق ~~وغذاها بماء الحيض # وكيف جعل سبحانه النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم ~~أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم ~~في الظلمات الثلاث ولو كشف لك الغطاء لرأيت التخطيط والتصوير يظهر في تلك ~~النطفة # PageV01P401 # شيئا بعد شيء من غير أن ترى المصور ولا آلته ولا قلمه فهل رأيت مصورا لا ~~تحس آلته ولا تلاقيها # ثم تأمل هذه القبة العظيمة التي قد ركبت على المنكبين وما أودع فيها من ~~العجائب وما ركب فيها من الخزائن وما أودع في تلك الخزائن من المنافع وما ~~اشتملت علي هذه القبة من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع ومن ~~الرطوبات والأعصاب والطرق والمجاري والدماغ والمنافذ والقوى الباطنة من ~~الذكر والفكر والتخيل وقوة الحفظ ففيه القوة المفكرة والذاكرة والمخيلة ~~والحافظة وهذه القوى مودعة في خزانتها مسخرة لمصالحها يستعملها ويستخدمها ~~كيف أراد # فتأمل كيف دور سبحانه الرأس وشق سمعه وبصره وأنفه وفمه وكيف ركب كرته في ~~بطن الأم من ثلاثة وعشرين عظما وخلق تلك العظام على كيفيات مختلفة # وتأمل كيف انقلبت تلك النطفة اللينة الضعيفة إلى العظام الصلبة الشديدة # ثم تأمل كيف قدر سبحانه كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص بحيث حصل من ~~مجموعها ما لو كان على خلافه لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضها مع بعض ~~بحيث حصل من مجموعها كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة # ولما كان الرأس أشرف الأعضاء الإنسانية وأجمعها للقوى، # PageV01P402 # والمنافع والآلات والخزائن اقتضت العناية الإلهية بأن صين بأنواع من ~~الصيانات وذلك أن الدماغ يحيطه غشاء رقيق وفوق ذلك الغشاء غشاء آخر يقال له ~~السمحاق ثم فوق ذلك الغشاء طبقة لحمية وفوق تلك الطبقة اللحمية الجلد ثم ms241 ~~فوق الجلد الشعر فخلق سبحانه فوق دماغك سبع طبقات كما خلق فوق الأرض سبع ~~سموات طباقا والمقصود من تخليقها الإحتياط في صون الدماغ من الآفات والدماغ ~~من الرأس بمنزلة القلب من البدن # وهو سبحانه قسمه في طوله ثلاثة أقسام وجعل القسم المقدم محل الحفظ التخيل ~~والبطن الأوسط محل التأمل والتفكر والبطن الأخير محل التذكر الاسترجاع لما ~~كان قد نسيه ولكل واحدة من هذه الأمور الثلاثة أمر مهم للإنسان لا بد له ~~منه وأنه محتاج إلى التفهم والتفهيم ولو لم يكن حافظا لمعاني التصورات ~~وصورها بعد غيبتها لكان إذا سمع كلمة وفهمها شذت عنه عند مجيء الأخرى فلم ~~يحصل المقصود من الفهم والإفهام فجعل له ربه وفاطره خزانة تحفظ له صور ~~المعلومات حتى تجتمع له وتسمى القوة التي فيها القوة الحافظة ولا تتم مصلحة ~~الإنسان إلا بها فإنه إذا رأى شيئا ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا ~~الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك لأنه في المرة الأولى ثبتت صورته في ~~الحافظة ثم تتوارى عنه بالحجاب فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة ~~المحسوسة مطابقة للصورة المعنوية التي في الذهن فحصل الجزم # PageV01P403 # بأن هذا ذاك ولولا القوة الحافظة لما حصل ذلك ولما عرف أحدا أحدا بعد ~~غيبته عنه ولذلك إذا طالت الغيبة جدا وانمحت تلك الصورة الأولى من الذهن ~~بالكلية لم يحصل له العلم بأن هذا هو الذي رآه أولا إلا بعد تفكر وتأمل # وقد قال قوم إن محل هذه الصور النفس وقال قوم محلها القلب وقال قوم محلها ~~العقل ولكل فريق منهم حجج وأدلة وكل منهم أدرك شيئا وغاب عنه شيء إذ ~~الإدراك المذكور مفتقر إلى مجموع ذلك لا يتم إلا به # والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس وهي ~~المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين ~~حكيا روايتين عن الإمام أحمد والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى ~~الدماغ قال تعالى {أفلم ms242 يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها} فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال ~~تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} قال غير واحد من السلف لمن كان له ~~عقل # واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس ~~لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من ~~الأعضاء لعدم تعلقهما بهما # PageV01P404 # وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في ~~القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية ~~بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها ~~والله أعلم # وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم ~~صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في ~~هذا المحل الصغير والإنسان يحفظ كتبا كثيرة جدا وعلوما شتى متعددة وصنائع ~~مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ~~ببعض بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صورا ~~وأشكالا كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضا وهذا الجزء ~~الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة # ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس ~~فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص ~~فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف ~~أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته ~~عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه ~~وشراءه وأجمعوا على جواز وطئه امرأته، وهو # PageV01P405 # لم يرها قط اعتمادا منه على الصوت بل لو كانت خرساء أيضا وهو أطرش جاز له ~~الوطء # وقد جعل الله سبحانه ms243 بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطا ونفوذا ~~يقوم به بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيرا في كتابه كقوله {إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وقوله تعالى {وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة} وقوله {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~بها ولهم آذان لا يسمعون بها} وهذا من عناية الخالق سبحانه بكمال هذه ~~الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة الأخرى وتفيد فائدتها في ~~الجملة لا في كل شيء # ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في ~~الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة ~~الحافظة تركيبا خاصا فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن ~~للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن ~~ههنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وامور ~~الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته ~~إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان ~~فكان أمرا ذهنيا ثم صار وجوديا خارجيا ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى ~~تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك من # PageV01P406 # أعظم النعم وتمام العناية الإلهية ولهذا لما فقد البهائم والمجانين ~~ونحوهم هذه القوة لم يتمكنوا مما تمكن منه أرباب الفكر ولما كان استخراج ~~المطلوب بهذه الطريق يتضمن فكرا وتقديرا فيفكر في استخراج المادة أولا ثم ~~يقدرها وي ### | ### | فصل # ها ثانيا كما يصنع الخياط يحصل الثوب ثم يقدره ويفصله ثانيا قال ~~تعالى عن التوحيد {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ~~ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا ~~إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر} فكرر سبحانه التقدير دون التفكير وذمه عليه ~~دونه وهذا منزل على مقتضى حال سواء فانه بالفكر طالب لاستخراج المجهول وذلك ~~غير مذموم فلما استخراجه قدر له تقديرين تقديرا كليا وتقديرا جزئيا ~~فالتقدير الكلي أن الساحر هو الذي يفرق بين ms244 المرء وزوجه والتقدير الجزئي أن ~~الذي يفرق بين المرء وزوجه مذموم فههنا تقدير بعد تقدير فلهذا كرره سبحانه ~~وذمه عليه وأما التفكير فإن الفكر طالب لمعرفة الشيء فلا يذم بخلاف من قدر ~~بعد تفكيره ما يوصله إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق فتأمله # فصل # ثم انزل إلى العين وتأمل عجائبها وشكلها وخلقها وإيداع النور الباصر فيها ~~وتركيبها من عشر طبقات وثلاث رطوبات. ولكل واحد # PageV01P407 # من هذه الطبقات والرطوبات شكل مخصوص ومقدار مخصوص لو لم يكن عليه لاختلت ~~المصلحة المقصودة وجعل سبحانه موضع الأبصار في قدر العدسة ثم اظهر في تلك ~~العدسة قدر السماء والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر فانظر كيف اتسعت ~~تلك العدسة أن يرتسم فيها مالا نسبة لها إليه ألبتة وجعل تلك القوة الباصرة ~~في جزء أسود فتأمل كيف قام الباصر بهذا الجزء الأسود # وجعل سبحانه الحدقة مصونة بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع ~~الأقذاء عنها وجعل شعر الأجفان أسود ليكون سواده سببا لاجتماع النور الذي ~~به الأبصار ويكون مانعا من تفرقه ويكون أبلغ في الحسن والجمال # وخلق سبحانه لتحرك الحدقة أربعة وعشرين عضلة لو نقصت واحدة منهن لاختل ~~أمر العين # ولما كانت العين شبيهة بالمرآة التي إنما ينتفع بها إذا كانت في غاية ~~الصقالة والصفاء جعل سبحانه الأجفان متحركة إلى الانفتاح والأطباق أبدا ~~باختيار الانسان وغير اختياره لتبقى الحدقة نقية صافية عن جميع الكدورات ~~وجعل العينين بمنزلة المرآتين الصقيلتين اللتين تنطبع فيهما صور الأشياء ~~الخارجة فيتأثر القلب ثم يظهر ما فيه عليهما فيتأثران به فهما مرآة لما في ~~القلب يظهر فيهما ومرآة لما في الخارج تنطبع صورته فيهما فالعينان على ~~القلب كالزجاجتين الموضوعتين في المرآة ولذلك يستدل بأحوال العين على أحوال ~~القلب # PageV01P408 # من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف ~~أعضاء البدن وبغضه ونفرته ومن أعجب الأشياء أن العين من ألطف أعضاء البدن ~~وهي لا تتأثر بالحر والبرد تأثر غيرها من الأعضاء الكثيفة ولو كان الأمر ~~عائدا إلى مجرد الطبيعة لكان ينبغي أن يكون الأمر ms245 بالعكس لأن الألطف أسرع ~~تاثرا فعلم أن حصول هذه المصالح ليس هو بمجرد الطبع ### | ### | فصل # # ثم اعدل إلى الأذنين وتأمل شقهما وخلقهما وإيداع الرطوبة فيهما ليكونا ~~عونا على إدراك السمع وجعلهما مرة لتمتنع الهوام عن الدخول في الأذن ~~وحوطهما سبحانه بصدفتين يجمعان الصوت ويؤديانه إلى الصماخ وجعل في الصدفتين ~~تعريجات لتطول المسافة فتنكسر حدة الصوت ولا تلج الهوام دفعة بل تكثر ~~حركاتها فينتبه لها فيخرجها وجعل العينين مقدمتين والأذنين مؤخرتين لأن ~~العينين بمنزلة الطليعة والكاشف والرائد الذي يتقدم القوم ليكشف لهم ~~وبمنزلة السراج الذي يضيء للسالك ما أمامه وأما الأذنان فيدركان المعاني ~~الغائبة التي ترد على العبد من أمامه ومن خلقه وعن جانبيه فكان جعلهما في ~~الجانبين أعدل الأمور فسبحان من بهرت حكمته العقول # وجعل للعينين غطاء لأن مدرك الأذن الأصوات ولا بقاء لها فلو جعل عليهما ~~غطاء لزال الصوت قبل ارتفاع الغطاء فزالت المنفعة # PageV01P409 # المقصودة وأما مدرك العين فأمر ثابت والعين محتاجة إلى غطاء يقيها وحصول ~~الغطاء لا يؤثر في الإدراك وقال بعض أهل العلم عينا الانسان هاديان وأذناه ~~رسولان إلى قلبه ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريدان والقلب ملك فإذا ~~طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده ### | ### | فصل # # ثم انزل إلى الأنف وتأمل شكله وخلقته وكيف رفعه سبحانه في وسط الوجنة ~~بأحسن شكل وفتح فيه بابين وأودع فيهما حاسة الشم وجعله آلة لاستنشاق الهواء ~~وإدراك الروائح على اختلافها فيستنشق بهما الهواء البارد والطيب فيستغنى ~~بالمنخرين عن فتح الفم أبدا ولولاهما لاحتاج إلى فتح فيه دائما وجعل سبحانه ~~تجويفه واسعا لينحصر فيه الهواء وينكسر برده قبل الوصول إلى الدماغ فإن ~~الهواء المستنشق ينقسم قسمين شطرا منه وهو أكثره ينفذ إلى الرئة وشطرا ينفذ ~~إلى الدماغ ولذلك يضر المزكوم استنشاق الهواء البارد وجعل في الأنف أيضا ~~إعانة على تقطيع الحروف وجعل بين المنخرين حاجزا وذلك أبلغ في حصول المنفعة ~~المقصودة حتى كأنهما أنفان بمنزلة العينين والأذنين واليدين والرجلين وقد ~~يصيب أحد المنخرين آفة فيبقى الآخر سالما وجعل ms246 تجويفه نازلا إلى أسفل ليكون ~~مصبا للفضلات النازلة # PageV01P410 # من الدماغ وستره بساتر أبدي لئلا تبدو تلك الفضلات في عين الرائي # تأمل منفعة النفس الذي لو قطع عن الانسان لهلك وهو أربعة وعشرون ألف نفس ~~في اليوم والليلة قسط كل ساعة ألف نفس # وتأمل كيف يدخل الهواء في المنخرين فينكسر برده هناك ثم يصل إلى الحلقوم ~~فيعتدل مزاجه ثم يصل إلى الرئة فيصفي فيها من الغلظ والكدرة ثم يصل إلى ~~القلب أصفى ما كان وأعدله فيروح عنه ثم ينفذ منه إلى العروق المتحركة ~~ويتقدم إلى أقاصي أطراف البدن ثم إلى الرئة ثم إذا سخن جدا وخرج عن حد ~~الانتفاع به عاد عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم ~~إلى المنخرين ثم يخرج ويعود مثله وهكذا أبدا فمجموع ذلك هو النفس الواحد ~~وقد أحصى الرب عدد هذه الأنفس وجعل مقابل كل نفس منها ما شاء الله من ~~الأحقاب في الجحيم أو في النعيم فما أسفه من أضاع ما هذا قيمته في غير شيء ### | ### | فصل # # وهو سبحانه جعل القلب أمير البدن ومعدنا للحرارة الغريزية فإذا استنشق ~~الهواء البارد وصل إلى القلب واعتدلت حرارته فيبقى هناك مدة فلما سخن ~~واحتراق واحتاج إلى إخراجه ودفعه منه لم يضيع أحكم الحاكمين ذلك النفس ~~ويخرجه بغير فائدة بل جعل # PageV01P411 # إخراجه سببا لحدوث الصوت ثم جعل سبحانه في الحنجرة واللسان والحنك ~~باختلافهما الصوت فيحدث الحرف ثم ألهم الإنسان أن يركب ذلك الحرف إلى مثله ~~ونظيره فيحدث الكلمة ثم ألهمه تركيب تلك الكلمة إلى مثلها فيحدث الكلام # فتأمل هذه الحكمة الباهرة في إيصال النفس إلى القلب لحفظ حياته ثم عند ~~الحاجة إلى إخراجه والاستغناء عنه جعله سببا لهذه المنفعة العظيمة فتبارك ~~الله أحسن الخالقين # وخلق سبحانه هذه المقاطع والحناجر مختلفة الأشكال فكما أنه لا تتشابه ~~صورتان كذلك لا يتشابه صوتان من كل وجه بل كما يحصل الامتياز بين الأشخاص ~~بالقوة الباصرة فكذلك يحصل بالقوة السامعة فيحصل الامتياز للأعمى والبصير ### | ### | فصل # # ثم انزل ms247 إلى الصدر تر معدن العلم والحلم والوقار والسكينة والبر وأضدادها ~~فتجد صدور العلية تعلو بالبر والخير والعلم والاحسان وصدور السفلة تغلي ~~بالفجور والشرور والإساءة والحسد والمكر # ثم انفذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكا عظيما جالسا على سرير ~~مملكته يأمر وينهى ويولى ويعزل وقد حف به الأمراء والوزراء والجند كلهم في ~~خدمته إن استقام استقاموا # PageV01P412 # وإن زاغ زاغوا وإن صح صحوا وإن فسد فسدوا فعليه المعول وهو محل نظر الرب ~~تعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه والرضى به ~~وعنه والعبودية عليه أولا وعلى رعيته وجنده تبعا فأشرف ما في الإنسان قلبه ~~فهو العالم بالله الساعي إليه المحب له وهو محل الإيمان والعرفان وهو ~~المخاطب المبعوث إليه الرسل المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل وإنما ~~الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد والراعي للرعية والذي ~~يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره فإن أظلم أظلمت ~~الجوارح وإن استنار استنارت ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل # فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب الذي يحول بين المرء ~~وقلبه ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه مصرف القلوب كيف أراد وحيث اراد ~~أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين ~~وكره عز وجل انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين كانت اكثر يمين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ومقلب القلوب" وكان من دعائه "اللهم يا ~~مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" قال بعض السلف القلب أشد تقلبا من القدر ~~إذا استجمعت # PageV01P413 # غليانها وقال آخر القلب أشد تقلبا من الريشة بأرض فلاة في يوم ريح عاصف # ويطلق القلب على معنيين أحدهما أمر حسي وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل ~~المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف وفي التجويف دم أسود وهو ~~منبع الروح والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا ~~العضو تعلق واختصاص وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانية # وللقلب جندان ms248 جند يرى بالأبصار وجند يرى بالبصائر فأما جنده المشاهد ~~فالأعضاء الظاهرة والباطنة وقد خلقت خادمة له لا تستطيع له خلافا فإذا امر ~~العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر اللسان بالكلام تكلم وإذا امر اليد بالبطش ~~بطشت وإذا أمر الرجل بالسعي سعت وكذا جميع الأعضاء ذلك له تذليلا # ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود ~~منه افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله فأعين بالأعضاء والقوى ~~وسخرت له وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع ~~عنه ما يضره ويهلكه فافتقر إلى جندين باطن وهو الإرادة والشهوة والقوى ~~وظاهر وهو الأعضاء فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه وخلقت ~~له الأعضاء التي هي آلة الإرادة واحتاج في دفع المضار إلى جندين باطن وهو ~~الغضب الذي يدفع المهلكات، # PageV01P414 # وينتقم به من الأعداء وظاهر وهو الأعضاء التي ينفذ بها غضبه كالأسلحة ~~للقتال ولا يتم ذلك إلا بمعرفته ما يجلب وما يدفع فأعين الجند من العلم بما ~~يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضره # ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة وجعل له ~~محل من الحلال ينفذ فيه شهواته وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه فما ~~ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفا ومحلا ينفذها فيه فجعل لقوة الحسد ~~فيه مصرفا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه ولقوة ~~الكبر مصرفا وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب "إنها لمشية يبغضها الله ~~إلا في هذا الموطن" وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على اعدائه # وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم "احرص على ما ينفعك" ولقوة الشهوة مصرفا وهو التزوج بأربع ~~والتسري بما شاء ولقوة حب المال مصرفا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود ~~منه لمعاده فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم ms249 ولمحبة الجاه مصرفا وهو ~~استعماله في تنفيذ أوامره وإقامة دينه ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة ~~الضعيف وقمع أعداء الله فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة وجعل ~~لقوة اللعب واللهو مصرفا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه # PageV01P415 # وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق وجعل القوة التحيل والمكر فيه ~~مصرفا وهو التحيل على عدوه وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده ~~خاسئا ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه وهكذا جميع القوى ~~التي ركبت فيه جعل لها مصرفا وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته ولا ~~يطلب تعطيلها وإنما تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع ومن ~~تأمل هذا الموضع وتفقه فيه علم شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به ### | ### | فصل # # وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنوده أربعة فمن ضبطها ~~وعدلها وأصلح مجاربها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه ~~وجوارحه ولم يشمت به عدوه وهي الحرص والشهوة والغضب والحسد فهذه الأربعة هي ~~أصول مجامع طرق الشر والخير وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي فهي طرق إلى ~~النعيم الأبدي فآدم أبو البشر أخرج من الجنة بالحرص ثم أدخل إليها بالحرص ~~ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني وأبو الجن أخرج منها بالحسد ثم لو ~~يوفق لمنافسة وحسد يعيده إليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حسد # PageV01P416 # إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه ~~الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار" # وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه ~~الشيطان عند غضبه وشهوته وإذا كان حرصه إنما هو على ما ينفعه وحسده منافسة ~~في الخير وغضبه لله على أعدائه وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونا له على ~~ما أمر به لم تضره هذه الأربعة بل انتفع بها أعظم الانتفاع ### | ### | فصل # # وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب فهذا يلم به ms250 ~~مرة وهذا يلم به مرة فإذا ألم به الملك حدث من لمته الانفساح والانشراح ~~والنور والرحمة والاخلاص والانابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر ~~الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور فلو دامت له تلك الحالة ~~لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق ~~والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على ~~الدنيا # PageV01P417 # وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب # ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله فمنهم من تكون لمة ~~الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق ~~والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب فيبادر إلى طرد تلك الملة ~~ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها فهو دائما في حرب بين اللمتين يدال له مرة ~~ويدال عليه مرة أخرى والعاقبة للتقوى # ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى فلا تزال تغلب لمة الملك حتى ~~تستحكم ويصير الحكم لها فيموت القلب ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في ~~غاية العذاب والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك ~~الألم فإذا كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما ~~كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم ~~والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل فلما ~~زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه ### | ### | فصل # # والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه وهي نوعان صفات وإرادات ~~فإذا كانت الجواذب صفات قوى # PageV01P418 # سلطانه هناك واستفحل أمره ووجد موطئا ومقرا فتأتي الأذكار والدعوات ~~والتعوذات كحديث النفس لا تدفع سلطان الشيطان لأن مركبه صفة لازمة فإذا قلع ~~العبد تلك الصفات وعمل على التطهر منها والاغتسال بقي الشيطان بالقلب خطرات ~~ووساوس ولمات من غير استقرار وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك فتأتي الاذكار ~~والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء # وإذا أردت لذلك مثالا مطابقا ms251 فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع وبينك وبينه ~~لحم أو خبز وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك فأنت تزجره وتصيح عليه ~~وهو يأبى إلا التحوم عليك والغارة على ما بين يديك فالأذكار بمنزلة الصياح ~~عليه والزجر له ولكن معلومه ومراده عندك وقد قربته عليك فإذا لم يكن بين ~~يديك شيء يصلح له وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب ~~وكذلك القلب الخالي عن قوة الشيطان ينزجر بمجرد الذكر # وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه فيقع الذكر في ~~حواشيه وجوانبه ولا يقوى على إخراج العدو منه ومصداق ذلك تجده في الصلاة ~~فتأمل في الحال وانظر هل تخرج الصلاة بأذكارها وقراءتها الشيطان من قلبك ~~وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه بين يدي ربه مقبلا بكليته عليه يصلي ~~لله تعالى، كأنه # PageV01P419 # يراه قد اجتمع همه كله على الله وصار ذكره ومراقبته ومحبته والأنس به في ~~محل الخواطر والوساوس أم لا والله المستعان # وههنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة ~~فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط كما يثير الدواء أخلاط ~~البدن فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إثارته وإن أزال ~~منه شيئا ما فمدار الأمر على على شيئين الحمية واستعمال الأدوية ### | ### | فصل # # وأول ما يطرق القلب الخطرة فإن دفعها استراح مما بعدها وإن لم يدفعها ~~قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة ~~فإن عالجها وإلا صارت إرادة فإن عالجها وإلا صارت عزيمة ومتى وصلت إلى هذه ~~الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد وما يقدر عليه مرة بدون ~~مقدماته وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة ~~النصوح ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد ~~حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق وإن الدفع أولى به وإن تألمت النفس ~~بمفارقة المحبوب فليوازن بين فوات هذا المحبوب الأخس المنقطع النكد ms252 المشوب ~~بالآلام والهموم وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة # PageV01P420 # لهذا المحبوب إليه ألبتة لا في قدره ولا في بقائه وليوازن بين ألم فوته ~~وبين ألم فوت المحبوب الأخس وليوازن بين لذة الانابة والاقبال على الله ~~تعالى والتنعم بحبه وذكره وطاعته ولذة الاقبال على الرذائل والاتيان ~~بالقبائح وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو وبين لذة الذنب ~~ولذة العفة ولذة الذنب ولذة القوة وقهر العدو وبين لذة الذنب ولذة إرغام ~~عدوه ورده خاسئا ذليلا وبين لذة الذنب ولذة الطاعة التي تحول بينه وبين ~~مراده وبين فوت مراده وفوت ثناء الله تعالى وملائكته عليه وفوت حسن جزائه ~~وجزيل ثوابه وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله تعالى عاجلا وفرحة ما يثنيه ~~عليه في دنياه وآخرته والله المستعان # وهذا ### | ### | فصل # جره الكلام في قوله تعالى {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} أشرنا إليه ~~إشارة ولو استقصيناه لاستدعى عدة أسفار ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما ~~تركناه وبالله التوفيق # فصل # ولنرجع إلى المقصود ثم قال الله تعالى {وفي السماء رزقكم وما توعدون} أما ~~الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب أن المطر ~~من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي في العلو ~~وقوله تعالى: # PageV01P421 # {وما توعدون} قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب وقال الكلبي من ~~الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من أمر الساعة # قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما ~~يوعد به اهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب ~~دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله ~~بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف ~~الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من ~~قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو ~~الموعود بها فالجنة والنار الغاية ms253 التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال ~~السلف في ذلك والله أعلم ### | ### | فصل # # ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الأخبار ~~بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة ~~فقال {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء إنه لحق كما ان # PageV01P422 # الآدمي ناطق وقال الزجاج هذا كما تقول في الكلام إن هذا لحق كما انك ههنا # قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك ههنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به ~~بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه ~~إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه ~~من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه ~~بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل ~~الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله: # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو ~~أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا ~~يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينا ~~مشاهدا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه ~~لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم ~~إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم ~~إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم # PageV01P423 # في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين ~~يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني ~~التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ms254 ~~ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه ~~والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم ~~حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون ~~لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما ~~هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في ~~مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها {نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك ~~هم الفاسقون} والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه لحظاته وتحصى عليه ~~أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي ~~منزل ينقل: # وكيف تنام العين وهي قريرة ... ولم تدر في أي المحلين تنزل # وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ~~ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو ~~الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر ~~عقله وسار # PageV01P424 # بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل ~~إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن ~~يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون ~~الأمر فأضحت ربوع الايمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية قال ابن ~~وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله ~~كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهما غاب عنه ~~حينا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم ~~إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم ~~يأخذون في الفقه ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب} الصحيح أن ق ms255 ون وص بمنزلة حم وألم وطس تلك حروف ~~مفرد وهذه متعددة وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما فيها قبل # وههنا قد اتحد المقسم به والمقسم عليه وهو القرآن فأقسم بالقرآن على ~~ثبوته وصدقه وأنه حق من عنده ولذلك حذف الجواب ولم يصرح به لما في القسم من ~~الدلالة عليه أو لأن المقصود نفس المقسم به # PageV01P425 # كما تقدم بيانه ثم أخذ سبحانه في بيان عجب الكفار من غير عجيب بل بما لا ~~ينبغي أن يقع سواه كما قال سبحانه {الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم} فأي عجب من هذا حتى يقول الكافرون {إن هذا لسحر مبين} وكيف ~~يتعجب من رحمة الخالق عباده وهدايته وإنعامه عليهم بتعريفهم على لسان رسوله ~~بطريق الخير والشر وما هم صائرون إليه بعد الموت وأمرهم ونهيهم حتى يقابل ~~ذلك بالتعجب ونسبة ما جاء به إلى السحر لولا غاية الجهل والظلم وإن العجب ~~كل العجب قولهم وتكذيبهم كما قال تعالى {وإن تعجب فعجب قولهم} ### | ### | فصل # # ومن ذلك {حم والكتاب المبين} وقوله {ص والقرآن ذي الذكر} وقوله {يس ~~والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين} والصحيح أن يس بمنزلة حم والم ليست أسماء ~~من أسماء النبي # وأقسم سبحانه بكتابه على صدق رسوله وصحة نبوته ورسالته فتأمل قدر المقسم ~~به والمقسم عليه وقوله تعالى {على صراط مستقيم} # PageV01P426 # وجوز فيه ثلاثة أن يكون خبرا بعد خبر فأخبر عنه بأنه رسوله وأنه على صراط ~~مستقيم وأن يكون متعلقا بالخبر نفسه تعلق المعمول بعامله أي أرسلتك على ~~صراط وهذا يحتاج إلى بيان تقدير المجعولين على صراط مستقيم وكونه من ~~المرسلين مستلزم لذلك فاستغنى عن ذكره. ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله تعالى {والصافات صفا} أقسم سبحانه بملائكته الصافات ~~للعبودية بين يديه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه "ألا تصفون ~~كما تصف الملائكة عند ربها" تتمون الصفوف الأول وتراصون في الصف وكما قالوا ~~عن أنفسهم ms256 {وإنا لنحن الصافون} والملائكة الصافات أجنحتها في الهواء ~~والزاجرات الملائكة التي تزجر السحاب وغيره بأمر الله {فالتاليات} التي ~~تتلو لكلام الله وقيل الصافات الطير كما قال تعالى {أولم يروا إلى الطير ~~فوقهم صافات ويقبضن} وقال تعالى {والطير صافات} والزاجرات الآيات والكلمات ~~الزاجرات عن معاصي الله والتاليات الجامعات لكتاب الله تعالى وقيل الصافات ~~القتال في سبيله فالزاجرات الخيل للحمل على أعدائه فالتاليات الذاكرين له ~~عند ملاقاة عدوهم وقيل الجامعات الصافات أبدانها في الصلاة الزاجرات أنفسها ~~عن معاصي الله فالتاليات # PageV01P427 # آياته واللفظ يحتمل ذلك كله وإن كان أحق من دخل فيه وأولى الملائكة فإن ~~الأقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد وما ذكر من غير ~~الملائكة فهو من آثار الملائكة وبواسطتها كان # وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته وقرر توحيد ربوبيته فقال ~~{إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق} من أعظم ~~الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركا له في ~~ربوبيته كما شاركه في إلهيته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهذه قاعدة ~~القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية فيقرر كونه معبودا وحده بكونه ~~خالقا رازقا وحده وخص المشارق ههنا بالذكر إما لدلالتها على المغارب إذ ~~الأمر أن المتضايفان كل منهما يستلزم الآخر وإما لكون المشارق مطلع الكواكب ~~ومظاهر الأنوار وإما توطئة لما ذكر بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب ~~وجعلها حفظا من كل شيطان فذكر المشارق أنسب بهذا المعنى وأليق والله تعالى ~~أعلم ### | ### | فصل # # ومن ذلك قوله في قصة لوط عليه السلام ومراجعته قومه له {قالوا أولم ننهك ~~عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن # PageV01P428 # كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} أكثر المفسرين من السلف ~~والخلف بل لا يعرف عن السلف فيه إلا نزاعا أن هذا قسم من الله بحياة رسوله ~~وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته وهذه مزية لا تعرف لغيره ~~ولم يوافق الزمخشري على ذلك فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط ms257 وأنه من قول ~~الملائكة فقال هو على إرادة القول أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة ~~والسلام لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون وليس في اللفظ ما يدل على واحد من ~~الأمرين بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل ~~والاعتزال قال ابن عباس رضي الله عنهما لعمرك أي وحياتك قال وما أقسم الله ~~تعالى بحياة نبي غيره والعمر والعمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح ~~لإثبات الأخف لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة ~~فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم لمزيته على كل عمر من أعمار بني آدم ولا ريب ~~أن عمره وحياته من أعظم النعم والآيات فهو أهل أن يقسم به والقسم به أولى ~~من القسم بغيره من المخلوقات # PageV01P429 # وقوله تعالى {يعمهون} أي يتحيرون وإنما وصف الله سبحانه اللوطية بالسكرة ~~لأن سكرة العشق مثل سكرة الخمرة كما قال القائل: # سكران بكسر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقة من به سكران ### | فصل # ومن ذلك قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} أقسم سبحانه بنفسه المقدسة ~~قسما مؤكدا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر ~~بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ~~ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج وهو ضيق ~~الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل ~~القبول ولم يثبت لهم الإيمان # PageV01P430 # بذلك أيضا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمة بالرضى والتسليم وعدم المنازعة ~~وانتفاء المعارضة والاعتراض فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا ~~يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفى الحرج ~~عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من ~~انتفاء الحرج فالحرج مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله ~~بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي ms258 الحرج ويبقى القلب فارغا من ومن الرضى به ~~والتسليم له فتأمله # وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق ~~وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب اكثر من يدعى ~~الإسلام أم لا # والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ~~إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين PageV01P431 ms259