######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011495 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الطرق الحكمية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011495 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11495 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11495 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: بدون طبعة وبدون تاريخ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة دار البيان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ~~هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، ~~أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ~~فهدى بنوره من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا ~~عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. ### | [الحكم بالقرائن] # أما بعد: وسألت عن الحاكم، أو الوالي يحكم بالفراسة والقرائن التي يظهر ~~له فيها الحق، والاستدلال بالأمارات ولا يقف مع مجرد ظواهر البينات ~~والإقرار، حتى إنه ربما يتهدد أحد الخصمين، إذا ظهر منه أنه مبطل وربما ~~ضربه، وربما سأله عن أشياء تدله على صورة الحال. # فهل ذلك صواب أم خطأ؟ فهذه مسألة كبيرة عظيمة النفع، جليلة القدر، إن ~~أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقا كثيرا، وأقام باطلا كثيرا، وإن توسع فيها ~~وجعل معوله عليها، دون الأوضاع الشرعية، وقع في أنواع من الظلم والفساد وقد ~~سئل أبو الوفاء ابن عقيل عن هذه المسألة، فقال: ليس ذلك حكما بالفراسة، بل ~~هو حكم بالأمارات. وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوز التعويل على ذلك، وقد ~~ذهب مالك - رحمه الله - إلى التوصل بالإقرار بما يراه الحاكم وذلك مستند ~~إلى قوله تعالى: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} [يوسف: ~~26] ولذا حكمنا بعقد الأزج، وكثرة الخشب في # PageV01P003 # الحائط، ومعاقد القمط في الخص، وما يخص المرأة والرجل في الدعاوى. # وفي مسألة العطار والدباغ إذا اختصما في الجلد، والنجار والخياط إذا ~~تنازعا في المنشار والقدوم، والطباخ والخباز إذا تنازعا في القدر، ونحو ~~ذلك، فهل ذلك إلا الاعتماد على الأمارات؟ وكذلك الحكم بالقافة والنظر في ~~أمر الخنثى؛ والأمارات الدالة على أحد حاليه. والنظر في أمارات جهة القبلة، ~~واللوث في ms001 القسامة. انتهى. # فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة ~~شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام: ~~أضاع حقوقا كثيرة على أصحابها. وحكم بما يعلم الناس بطلانه لا يشكون فيه، ~~اعتمادا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله. فهاهنا نوعان ~~من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس ~~الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل. ثم ~~يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا ~~للواقع. ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح ~~العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل، الذي يسع الخلائق، وأنه لا ~~عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح: تبين له أن السياسة ~~العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها ~~وحسن فهمه فيها: لم يحتج معها إلى سياسة غيرها ألبتة. # فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق ~~من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. # ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ~~للمرأتين اللتين ادعتا الولد. فحكم به داود # PageV01P004 # - صلى الله عليه وسلم - للكبرى فقال سليمان " ائتوني بالسكين أشقه بينكما ~~" فسمحت الكبرى بذلك فقالت الصغرى: " لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها " فقضى ~~به للصغرى، فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة، فاستدل برضا ~~الكبرى بذلك، وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسي بمساواة الصغرى في فقد ~~ولدها، وبشفقة الصغرى عليه، وامتناعها من الرضا بذلك: على أنها هي أمه، وأن ~~الحامل لها على الامتناع هو ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها ~~الله تعالى في قلب الأم، وقويت هذه القرينة عنده، حتى قدمها على إقرارها، ~~فإنه حكم به لها مع قولها " هو ابنها ". # وهذا هو الحق، فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه ~~أبدا. # ولذلك ms002 ألغينا إقرار المريض مرض الموت بمال لوارثه لانعقاد سبب التهمة ~~واعتمادا على قرينة الحال في قصده تخصيصه. # ومن تراجم قضاة السنة والحديث على هذا الحديث ترجمة أبي عبد الرحمن ~~النسائي في سننه " قال: " التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله ~~أفعل كذا؛ ليستبين به الحق ". # ثم ترجم عليه ترجمة أخرى أحسن من هذه، فقال: " الحكم بخلاف ما يعترف به ~~المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به " فهكذا يكون الفهم ~~عن الله ورسوله. # ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: " نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله، ~~أو أجل منه " فهذه ثلاث قواعد ورابعة: وهي ما نحن فيه وهي الحكم بالقرائن ~~وشواهد الحال. # وخامسة: وهي أنه لم يجعل الولد لهما، كما يقوله أبو حنيفة، فهذه خمس سنن ~~في هذا الحديث. # ومن ذلك: قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته، ولم ينكر عليه، ولم يعبه بل ~~حكاها مقررا لها، فقال تعالى: {واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا ~~سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم} [يوسف: 25] {قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه ~~قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} [يوسف: 26] {وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 27] {فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من ~~كيدكن إن كيدكن عظيم} [يوسف: 28] # PageV01P005 # فتوصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب. # وهذا لوث في أحد المتنازعين، يبين به أولاهما بالحق. # وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل الذمة على ~~المسلمين في الوصية في السفر، وأمر بالحكم بموجبه. # «وحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بموجب اللوث في القسامة، وجوز ~~للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا، ويستحقون دم القتيل» ، فهذا لوث في الدماء، ~~والذي في سورة المائدة لوث في الأموال، والذي في سورة يوسف لوث في الدعوى ~~في العرض ونحوه. # وهذا حكم عمر بن الخطاب - رضي ms003 الله عنه - والصحابة معه - رضي الله عنهم - ~~برجم المرأة التي ظهر بها الحبل، ولا زوج لها ولا سيد. # وذهب إليه مالك وأحمد - في أصح روايتيه - اعتمادا على القرينة الظاهرة. # وحكم عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - ولا يعرف لهما مخالف - بوجوب ~~الحد برائحة الخمر من في الرجل، أو قيئه خمرا، اعتمادا على القرينة ~~الظاهرة. # ولم تزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، ~~وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق ~~والكذب، ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة، وهل يشك أحد رأى ~~قتيلا يتشحط في دمه، وآخر قائما على رأسه بالسكين: أنه قتله؟ ولا سيما إذا ~~عرف بعداوته، ولهذا جوز جمهور العلماء لولي القتيل أن يحلف خمسين يمينا أن ~~ذلك الرجل قتله، ثم قال مالك وأحمد: يقتل به. # وقال الشافعي: يقضى عليه بديته وكذلك إذا رأينا رجلا مكشوف الرأس - وليس ~~ذلك عادته - وآخر هاربا قدامه بيده # PageV01P006 # عمامة، وعلى رأسه عمامة: حكمنا له بالعمامة التي بيد الهارب قطعا، ولا ~~نحكم بها لصاحب اليد التي قد قطعنا وجزمنا بأنها يد ظالمة غاصبة بالقرينة ~~الظاهرة التي هي أقوى بكثير من البينة والاعتراف. # وهل القضاء بالنكول إلا رجوع إلى مجرد القرينة الظاهرة، التي علمنا بها ~~ظاهرا أنه لولا صدق المدعي لدفع المدعى عليه دعواه باليمين؟ فلما نكل عنها ~~كان نكوله قرينة ظاهرة، دالة على صدق المدعي، فقدمت على أصل براءة الذمة. # وكثير من القرائن والأمارات أقوى من النكول، والحس شاهد بذلك، فكيف يسوغ ~~تعطيل شهادتها؟ ومن ذلك: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الزبير أن ~~يقرر عم حيي بن أخطب بالعذاب على إخراج المال الذي غيبه، وادعى نفاده فقال ~~له: العهد قريب، والمال أكبر من ذلك» . # فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال، وقصر المدة التي ينفق كله ~~فيها. # وشرح ذلك: «أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أجلى يهود بني النضير من ~~المدينة، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، غير الحلقة والسلاح، ms004 وكان ~~لابن أبي الحقيق مال عظيم - بلغ مسك ثور من ذهب وحلي - فلما فتح رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - خيبر - وكان بعضها عنوة وبعضها صلحا - ففتح أحد ~~جانبيها صلحا. وتحصن أهل الجانب الآخر. فحصرهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعة عشر يوما، فسألوه الصلح، وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: أنزل فأكلمك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: نعم فنزل ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة. وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر ~~وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ما كان ~~لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة، إلا ثوبا على ظهر ~~إنسان. فقال رسول، الله - صلى الله عليه وسلم -: وبرئت منكم ذمة الله وذمة ~~رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك» . # قال حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على ~~الزرع والأرض والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ~~ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء، واشترط عليهم ألا ~~يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه ~~مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر، حين أجليت النضير، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعم حيي بن أخطب: ما فعل مسك حيي الذي ~~جاء به من النضير؟ قال: أذهبته النفقات والحروب، قال العهد قريب، والمال ~~أكثر # PageV01P007 # من ذلك فدفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الزبير، فمسه بعذاب، ~~وقد كان قبل ذلك دخل خربة، فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا. فذهبوا ~~فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة. فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ابني أبي الحقيق - وأحدهما زوج صفية - بالنكث الذي نكثوا» . # ففي هذه السنة الصحيحة ms005 الاعتماد على شواهد الحال والأمارات الظاهرة ~~وعقوبة أهل التهم، وجواز الصلح على الشرط، وانتقاض العهد إذا خالفوا ما شرط ~~عليهم وفيه من الحكم: إخزاء الله لأعدائه بأيديهم وسعيهم، وإلا فهو سبحانه ~~قادر على أن يطلع رسوله على الكنز فيأخذه عنوة. # ولكن كان في أخذه على هذه الحال من الحكم والفوائد، وإخزاء الكفرة أنفسهم ~~بأيديهم ما فيه، والله أعلم. # وفي بعض طرق هذه القصة «أن ابن عم كنانة اعترف بالمال حين دفعه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى الزبير فعذبه» . # وفي ذلك دليل على صحة إقرار المكره إذا ظهر معه المال، وأنه إذا عوقب على ~~أن يقر بالمال المسروق، فأقر به وظهر عنده: قطعت يده، وهذا هو الصواب بلا ~~ريب. # وليس هذا إقامة للحد بالإقرار الذي أكره عليه، ولكن بوجود المال المسروق ~~معه الذي توصل إليه بالإقرار. # PageV01P008 ### | [فصل في صور للحكم بالقرينة] ### | 1 - # (فصل) ومن ذلك: قول أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - للظعينة التي ~~حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة فأنكرته. فقال لها: " لتخرجن الكتاب أو ~~لأجردنك " فلما رأت الجد أخرجته من عقاصها. # وعلى هذا: إذا ادعى الخصم الفلس، وأنه لا شيء معه، فقال المدعي للحاكم: ~~المال معه وسأل تفتيشه وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك، ليصل صاحب الحق إلى ~~حقه. # «وقد كان الأسرى من قريظة يدعون عدم البلوغ فكان الصحابة يكشفون عن ~~مآزرهم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعلمون بذلك البالغ من ~~غيره» ، وأنت تعلم في مسألة الهارب - وفي يده عمامة وعلى رأسه أخرى، وآخر ~~حاسر الرأس خلفه - علما ضروريا أن العمامة له، وأنه لا نسبة لظهور صدق صاحب ~~اليد إلى هذا العلم بوجه من الوجوه. # فكيف تقدم اليد - التي غايتها أن تفيد ظنا ما، عند عدم العارض - على هذا ~~العلم الضروري اليقيني، وينسب ذلك إلى الشريعة. ### | 2 - # (فصل) ومن ذلك: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الملتقط أن يدفع ~~اللقطة إلى واصفها، وأمره أن يعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها كذلك» فجعل وصفه ~~لها قائما مقام ms006 البينة، بل ربما يكون وصفه لها أظهر # PageV01P009 # وأصدق من البينة. # وقد سئل الإمام أحمد عن المستأجر ومالك الدار إذا تنازعا دفينا في الدار، ~~فكل واحد منهما يدعي أنه له؟ فقال: من وصفه منهما فهو له. # وهذا من كمال فقهه وفهمه - رضي الله عنه - وسئل عن البلد يستولي عليه ~~الكفار، ثم يفتحه المسلمون، فتوجد فيه أبواب مكتوب عليها كتابة المسلمين ~~أنها وقف: أنه يحكم بذلك، لقوة هذه الأمارة وظهورها. ### | 3 - # (فصل) وكذلك: اللقيط إذا تداعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة خفية بجسده حكم ~~له به عند الجمهور. ### | 4 - # (فصل) ومن ذلك: «حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه من بعده - ~~رضي الله عنهم - بالقافة» ، وجعلها دليلا من أدلة ثبوت النسب، وليس هاهنا ~~إلا مجرد الأمارات والعلامات. # قال بعض الفقهاء: ومن العجب إنكار لحقوق النسب بالقافة التي اعتبرها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل بها الصحابة من بعده، وحكم به عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - وإلحاق النسب في مسألة من تزوج بأقصى المغرب امرأة ~~بأقصى المشرق، وبينهما مسافة سنين، ثم جاءت بعد العقد بأكثر من ستة أشهر ~~بولد، أو تزوجها، ثم قال عقيب العقد: هي طالق ثلاثا، ثم أتت بولد: أنه يكون ~~ابنه لأنها فراش. وأعجب من ذلك: أنها تصير فراشا بهذا العقد بمجرده ولو ~~كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا، فأتت بولد لم يلحقه نسبه. لأنها ليست ~~فراشا له، ولا يلحقه حتى يدعيه، فيلحقه بالدعوى لا بالفراش. # وقد تقدم استشهاد ابن عقيل باللوث في القسامة، وهو من أحسن الاستشهاد ~~فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات المغلبة على الظن صدق المدعي، فيجوز له أن ~~يحلف بناء على ذلك، ويجوز للحاكم - بل يجب عليه - أن يثبت له حق القصاص أو ~~الدية، مع علمه أنه لم ير ولم يشهد، فإذا كان هذا في الدماء المبني أمرها ~~على الحظر والاحتياط، فكيف بغيرها؟ . # ومن ذلك: فإنا نحكم بقتل المرأة، أو بحبسها إذا نكلت عن اللعان، والصحيح: ~~أنا نحدها. وهو مذهب الشافعي، وهو الذي دل عليه ms007 القرآن في قوله تعالى: ~~{ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] والعذاب هاهنا: هو العذاب المذكور في أول ~~السورة، في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] ~~فأضافه أولا، وعرفه باللام ثانيا، وهو عذاب واحد. # PageV01P010 # والمقصود أن نكول المرأة من أقوى الأمارات على صدق الزوج، فقام لعانه ~~ونكولها مقام الشهود. ### | 5 - # (فصل) ومن ذلك «أن ابني عفراء لما تداعيا قتل أبي جهل، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: هل مسحتما سيفيكما؟ . قالا: لا، قال فأرياني سيفيكما. فلما ~~نظر فيهما، قال لأحدهما: هذا قتله وقضى له بسلبه» . # وهذا من أحسن الأحكام، وأحقها بالاتباع، فالدم في النصل شاهد عجيب. ~~وبالجملة: فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين، أو ~~الأربعة، أو الشاهد لم يوف مسماها حقه. # ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان وإنما أتت مرادا بها ~~الحجة والدليل والبرهان، مفردة مجموعة وكذلك قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «البينة على المدعي» المراد به: أن عليه بيان ما يصحح دعواه ليحكم ~~له، والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى ~~منها، لدلالة الحال على صدق المدعي. # فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، والبينة والدلالة والحجة والبرهان ~~والآية والتبصرة والعلامة والأمارة: متقاربة في المعنى. # وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال: «أردت السفر إلى خيبر، ~~فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، ~~فقال: إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، # PageV01P011 # فإذا طلب منك آية، فضع يدك على ترقوته» فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب ~~على مجرد العلامة، وإقامة لها مقام الشاهد. # فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلالات الأحوال، بل من استقرأ الشرع ~~في مصادره وموارده وجده شاهدا لها بالاعتبار، مرتبا عليها الأحكام وقول أبي ~~الوفاء ابن عقيل: " ليس هذا فراسة "، فيقال: ولا محذور في تسميته فراسة، ~~فهي فراسة صادقة. # وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه، فقال تعالى: {إن ~~في ذلك لآيات للمتوسمين} ms008 [الحجر: 75] وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي ~~العلامة، يقال: تفرست فيك كيت وكيت وتوسمته. # وقال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} [محمد: 30] وقال ~~تعالى: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم} [البقرة: 273] وفي ~~" جامع الترمذي " مرفوعا: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم ~~قرأ {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75] » . ### | [فصل في العمل في السلطنة بالسياسة الشريعة] ### | 6 - # (فصل) وقال ابن عقيل في الفنون ": جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة ~~الشرعية: أنه هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام. # فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان ~~فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: " إلا ما وافق ~~الشرع " أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. # وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة فقد جرى ~~من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم ~~يكن إلا تحريق عثمان المصاحف. # PageV01P012 # فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق علي - رضي الله عنه - ~~الزنادقة في الأخاديد وقال: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # ونفي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لنصر بن حجاج. اه. وهذا موضع مزلة ~~أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا ~~الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة ~~قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا ~~صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا ~~أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع. # ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن ~~نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في ~~معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ~~ولاة ms009 الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه ~~هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياساتهم شرا طويلا، وفسادا عريضا ~~فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس ~~من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك. # وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ~~ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، ~~وأنزل به كتابه. # فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل ~~الذي قامت به الأرض والسموات. # فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، ~~والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ~~ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة. # فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه ~~بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، ~~فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له. # PageV01P013 # فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما ~~جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم، وإنما هي ~~عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات. # «فقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تهمة، وعاقب في تهمة، لما ~~ظهرت أمارات الريبة على المتهم» ، فمن أطلق كل متهم وحلفه وخلى سبيله - مع ~~علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي ~~عدل - فقوله مخالف للسياسة الشرعية. # «وقد منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الغال من الغنيمة سهمه، وحرق ~~متاعه هو وخلفاؤه من بعده» «ومنع القاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير ~~السرية» ، فعاقب المشفوع له عقوبة للشفيع. «وعزم على تحريق بيوت تاركي ~~الجمعة والجماعة» . «وأضعف الغرم على سارق ما لا قطع فيه، وشرع فيه جلدات، ~~نكالا وتأديبا» «وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها» . # PageV01P014 # وقال في ms010 تارك الزكاة: «إنا آخذوها منه وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا» . ~~«وأمر بكسر دنان الخمر» . «وأمر بكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام. ~~ثم نسخ عنهم الكسر، وأمرهم بالغسل» . # «وأمر عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين، فسجرهما في التنور» . ~~«وأمر المرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها» . «وأمر بقتل شارب الخمر ~~بعد الثالثة والرابعة» ، ولم ينسخ ذلك، ولم يجعله حدا لا بد منه بل # PageV01P015 # هو بحسب المصلحة إلى رأي الإمام، وكذلك زاد عمر - رضي الله عنه - عنه في ~~الحد عن الأربعين ونفى فيها. # «وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الذي كان يتهم بأم ولده، فلما ~~تبين أنه خصي تركه» «وأمر بإمساك اليهودي الذي أومأت الجارية برأسها أنه ~~رضخه بين حجرين فأخذ فأقر فرضخ رأسه» وهذا يدل على جواز أخذ المتهم إذا ~~قامت قرينة التهمة. # والظاهر: أنه لم تقم عليه بينة، ولا أقر اختيارا منه للقتل، وإنما هدد أو ~~ضرب فأقر، وكذلك العرنيون فعل بهم ما فعل بناء على شاهد الحال ولم يطلب ~~بينة بما فعلوا، ولا وقف الأمر على إقرارهم. ### | [فصل في صور للعمل بالسلطنة بالسياسة الشرعية] ### | 7 - # (فصل) وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده ما هو معروف لمن طلبه فمن ذلك: أن أبا ~~بكر - رضي الله عنه - حرق اللوطية، وأذاقهم حر النار في الدنيا قبل الآخرة. # وكذلك قال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي فله ذلك. فإن خالد بن ~~الوليد - رضي الله عنه - كتب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - " أنه ~~وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة " فاستشار الصديق أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~وكان أشدهم قولا، فقال: " إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة، ~~فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يحرقوا بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقوا بالنار. فكتب أبو بكر # PageV01P016 # إلى خالد " أن يحرقوا " فحرقهم. # ثم حرقهم عبد ms011 الله بن الزبير في خلافته. ثم حرقهم هشام بن عبد الملك. # وحرق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حانوت الخمار بما فيه. وحرق قرية ~~يباع فيها الخمر. وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب في قصره عن الرعية. ~~فذكر الإمام أحمد - رحمه الله - في مسائل ابنه صالح: أنه دعا محمد بن مسلمة ~~فقال: " اذهب إلى سعد بالكوفة، فحرق عليه قصره، ولا تحدثن حدثا حتى تأتيني ~~" فذهب محمد إلى الكوفة، فاشترى من نبطي حزمة حطب، وشرط عليه حملها إلى قصر ~~سعد. فلما وصل إليه ألقى الحزمة فيه، وأضرم فيها النار، فخرج سعد، فقال: " ~~ما هذا؟ " قال: " عزمة أمير المؤمنين فتركه حتى احترق. ثم انصرف إلى ~~المدينة، فعرض عليه سعد نفقة، فأبى أن يقبلها، فلما قدم على عمر قال له: " ~~هلا قبلت نفقته؟ " فقال: " إنك قلت: لا تحدثن حدثا حتى تأتيني ". # وحلق عمر رأس نصر بن حجاج، ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به وضرب صبيغ ~~بن عسيل التميمي على رأسه، لما سأل عما لا يعنيه. وصادر عماله، فأخذ شطر ~~أموالهم لما اكتسبوها بجاه العمل، واختلط ما يختصمون به بذلك. فجعل أموالهم ~~بينهم وبين المسلمين شطرين. # PageV01P017 # وألزم الصحابة أن يقلوا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~اشتغلوا به عن القرآن، سياسة منه، إلى غير ذلك من سياساته التي ساس بها ~~الأمة - رضي الله عنه - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ومن ذلك ~~إلزامه للمطلق ثلاثا بكلمة واحدة بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة. ولكن لما ~~أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم به. ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة. # وقد أشار هو إلى ذلك، فقال: " إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه ~~أناة، فلو أنا أمضيناه عليهن؟ " فأمضاه عليهم ليقلوا منه فإنهم إذا علموا ~~أن أحدهم إذا أوقع الثلاثة جملة واحدة وقعت، وأنه لا سبيل له إلى المرأة: ~~أمسك عن ذلك. # فكان الإلزام به عقوبة منه لمصلحة رآها، ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث ~~كانت في زمن النبي ms012 - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر تجعل واحدة، بل مضى على ~~ذلك صدر من خلافته، حتى أكثر الناس من ذلك، وهو اتخاذ لآيات الله هزوا. # كما في " المسند " و " سنن النسائي " وغيرهما من حديث محمود بن لبيد: «أن ~~رجلا طلق امرأته ثلاثا، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ~~فقال رجل: ألا أضرب عنقه يا رسول الله؟» فلما أكثر الناس من ذلك عاقبهم به. ~~ثم إنه ندم على ذلك قبل موته، كما ذكره الإسماعيلي في " مسند عمر ". # فقلت لشيخنا: فهلا تبعت عمر في إلزامهم به عقوبة. فإن جمع الثلاث محرم ~~عندك؟ فقال: أكثر الناس اليوم لا يعلمون أن ذلك محرم، ولا سيما الشافعي ~~يراه جائزا، فكيف يعاقب الجاهل بالتحريم؟ قال: وأيضا فإن عمر ألزمهم بذلك. # وسد عليهم باب التحليل، وأما هؤلاء: فيلزمونهم بالثلاث، وكثير منهم يفتح ~~لهم باب التحليل، فإنه لا بد للرجل من امرأته، فإذا علم أنها لا ترجع إليه ~~إلا بالتحليل سعى في ذلك. # والصحابة لم يكونوا يسوغون ذلك، فحصلت مصلحة الامتناع من الجمع من غير ~~وقوع مفسدة التحليل بينهم. # قال: ولو علم عمر أن الناس يتتابعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما ~~كان عليه الأمر في زمن رسول، الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وصدرا ~~من خلافته أولى، وبسط شيخنا الكلام في ذلك بسطا طويلا. # PageV01P018 # قال: ومن ذلك منعه بيع أمهات الأولاد، وإنما كان رأيا منه رآه للأمة، ~~وإلا فقد بعن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدة خلافة ~~الصديق، ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن، وقال: " إن عدم البيع كان ~~رأيا اتفق عليه هو وعمر "، فقال له قاضيه عبيدة السلماني: " يا أمير ~~المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك "، فقال: " ~~اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف " فلو كان عنده نص من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بتحريم بيعهن ms013 لم يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ولم يقل ~~" إني رأيت أن يبعن ". ### | [فصل في سياسة الصحابة في قيادة الأمة من بعده صلى الله عليه وسلم] ### | 8 - # (فصل) ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج، ليعتمروا في غير أشهر الحج. ~~فلا يزال البيت الحرام مقصودا، فظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة، وأنه أوجب ~~الإفراد. وتنازع في ذلك ابن عباس وابن الزبير، وأكثر الناس على ابن عباس في ~~ذلك، وهو يحتج عليهم بالأحاديث الصحيحة الصريحة. فلما أكثروا عليه في ذلك ~~قال: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول لكم: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ " وكذلك ابنه عبد الله كانوا ~~إذا احتجوا عليه بأبيه يقول: " إن عمر لم يرد ما تقولون " فإذا أكثروا عليه ~~قال: " أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبعوا، أم عمر؟ ". # والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف ~~الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة. # ولكل عذر وأجر ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر ~~والأجرين، وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي تأويل القرآن ~~والسنة. # ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من ~~السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانا ومكانا؟ ومن ذلك: جمع ~~عثمان - رضي الله عنه - الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القراءة بها، لما كان ذلك مصلحة. فلما ~~خاف الصحابة - رضي الله عنهم - على الأمة أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن ~~جمعهم على حرف واحد أسلم، وأبعد من وقوع الاختلاف: فعلوا ذلك، ومنعوا الناس ~~من القراءة بغيره. وهذا كما لو كان للناس عدة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم ~~في تلك الطرق يوقعهم في التفرق والتشتت، ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمام ~~جمعهم على طريق واحد، وترك بقية الطرق: جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون ~~تلك الطرق موصلة إلى المقصود، ms014 وإن كان فيه نهي عن سلوكها لمصلحة الأمة. # PageV01P019 # ومن ذلك تحريق علي - رضي الله عنه - الزنادقة الرافضة وهو يعلم سنة رسول ~~الله في قتل الكافر، ولكن لما رأى أمرا عظيما جعل عقوبته من أعظم العقوبات؛ ~~ليزجر الناس عن مثله. ولذلك قال: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # وقنبر غلامه. وهذا الذي ذكرناه؛ جميع الفقهاء يقولون به في الجملة، وإن ~~تنازعوا في كثير من موارده. # فكلهم يقول بجواز وطء الرجل المرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف، وإن لم ~~يشهد عنده عدلان من الرجال بأن هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها، وإن لم ~~يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادا على القرينة الظاهرة القوية فنزلوا ~~هذه القرينة القوية منزلة الشهادة. # ومن ذلك: أن الناس - قديما وحديثا - لم يزالوا يعتمدون على قول الصبيان ~~المرسل معهم الهدايا، وأنها مبعوثة إليهم، فيقبلون أقوالهم، ويأكلون الطعام ~~المرسل به، ويلبسون الثياب، ولو كانت أمة لم يمتنعوا من وطئها، ولم يسألوا ~~إقامة البينة على ذلك؛ اكتفاء بالقرائن الظاهرة. # ومن ذلك: أن الضيف يشرب من كوز صاحب البيت، ويتكئ على وساده، ويقضي حاجته ~~في مرحاضه من غير استئذان باللفظ له، ولا يعد بذلك متصرفا في ملكه بغير ~~إذنه. # ومن ذلك: أنه يطرق عليه بابه، ويضرب حلقته بغير استئذانه، اعتمادا على ~~القرينة العرفية ومن ذلك: أخذ ما يسقط من الإنسان مما لا تتبعه همته، ~~كالسوط والعصا والفلس والتمرة. # ومن ذلك: أخذ ما يبقى في القراح والحائط من الأمتعة والثمار بعد تخلية ~~أهله له وتسييبه ومن ذلك: أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد، ويسمى اللقاط، ~~ومن ذلك: أخذ ما ينبذه الناس رغبة عنه من الطعام والخرق والخزف ونحوه. # ومن ذلك: قول أهل المدينة - وهو الصواب - أنه لا يقبل قول المرأة: إن ~~زوجها لم يكن ينفق عليها ولا يكسوها فيما مضى من الزمان؛ لتكذيب القرائن ~~الظاهرة لها. # وقولها في ذلك هو الحق الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، والعلم الحاصل ~~بإنفاق الزوج وكسوته في الزمن الماضي اعتمادا ms015 على # PageV01P020 # الأمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل وبقاء ذلك في ذمته ~~بأضعاف مضاعفة. # فكيف يقدم هذا الظن الضعيف على ذلك العلم الذي يكاد يبلغ القطع؟ فإن هذه ~~الزوجة لم يكن ينزل عليها رزقها من السماء، كما كان ينزل على مريم بنت ~~عمران، ولم تكن تشاهد تخرج من منزلها تأتي بطعام وشراب، والزوج يشاهد في كل ~~وقت داخلا عليها بالطعام والشراب، فكيف يقال: " القول قولها " ويقدم ظن ~~الاستصحاب على هذا العلم اليقيني؟ والله أعلم. # ومن ذلك: أن صاحب المنزل إذا قدم الطعام إلى الضيف ووضعه بين يديه، جاز ~~له الإقدام على الأكل، وإن لم يأذن له لفظا، اعتبارا بدلالة الحال الجارية ~~مجرى القطع ومن ذلك: «إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للمار بثمر الغير. ~~أن يأكل من ثمره ولا يحمل» اكتفاء بشاهد الحال، حيث لم يجعل عليه حائطا ولا ~~ناطورا. # ومن ذلك: جواز قضاء الحاجة في الأقرحة والمزارع التي على الطرقات بحيث لا ~~ينقطع منها المارة. وكذلك الصلاة فيها، ولا يكون ذلك غصبا لها ولا تصرفا ~~ممنوعا. # ومن ذلك: الشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات، وإن لم يعلم الشارب إذن ~~أربابها في ذلك لفظا اعتمادا على دلالة الحال، ولكن لا يتوضأ منها، لأن ~~العرف لا يقتضيه، ودلالة الحال لا تدل عليه، إلا أن يكون هناك شاهد حال ~~يقتضي ذلك فلا بأس بالوضوء حينئذ. # ومن ذلك: القضاء بالأجرة للغسال والخباز والطباخ والدقاق وصاحب الحمام ~~والقيم، وإن لم يعقد معه عقدة إجارة، اكتفاء بشاهد الحال ودلالته. # ولو استوفى هذه المنافع ولم يعطهم الأجرة لعد ظالما غاصبا، مرتكبا لما هو ~~من القبائح المنكرة. # ومن ذلك: انعقاد التبايع في سائر الأعصار والأمصار بمجرد المعاطاة، من ~~غير لفظ، اكتفاء بالقرائن والأمارات الدالة على التراضي، الذي هو شرط في ~~صحة البيع. # ومن ذلك: جواز شهادة الشاهد على القتل الموجب للقصاص: أنه قتله عمدا ~~عدوانا محضا، وهو لم يقل: " قتلته عمدا " والعمدية صفة قائمة بالقلب، فجاز ~~للشاهد أن يشهد بها، ويراق دم القاتل بشهادته، اكتفاء بالقرينة ms016 الظاهرة، ~~فدلالة القرينة على التراضي بالبيع. # من غير لفظ أقوى. ومن ذلك: أنهم قالوا: يقبل قول الوصي فيما ينفقه على ~~اليتيم إذا ادعى ما يقتضيه العرف، فإذا # PageV01P021 # ادعى أكثر من ذلك لم يقبل قوله. # وهكذا سائر من قلنا " القول قوله " إنما يقبل قوله إذا لم يكذبه شاهد ~~الحال، فإن كذبه لم يقبل قوله، ولهذا يكذب المودع والمستأجر، إذا ادعيا أن ~~الوديعة أو العين المستأجرة هلكت في الحريق، أو تحت الهدم، أو في نهب ~~العيارين ونحوهم، لم يقبل قولهم إلا إذا تحققنا وجود هذه الأسباب، فأما إذا ~~علمنا انتفاءها فإنا نجزم بكذبهم، ولا يقبل قولهم. # وهذا من أقوى الأدلة على أن القول قول الزوج في النفقة والكسوة لما مضى ~~من الزمان، لعلمنا بكذب الزوجة في الإنكار، وكون الأصل معها مثل كون الأصل ~~قبول قول الأمناء، إلا حيث يكذبهم الظاهر. # ومن ذلك: أنهم قالوا في تداعي العيب: هل كان عند البائع أو حدث عند ~~المشتري؟ أن القول قول من يدل الحال على صدقه فإن احتملت الحال صدقهما ~~ففيها قولان، أظهرهما: أن القول قول البائع؛ لأن المشتري يدعي ما يسوغ فسخ ~~العقد بعد تمامه ولزومه، والبائع ينكره. # ومن ذلك: أن مالكا وأصحابه منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق، ولم ~~يحلفوا لها المدعى عليه، نظرا إلى الأمارات والقرائن الظاهرة. # ومن ذلك: أن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء، جوزوا للرجل أن يلاعن امرأته، ~~فيشهد عليها بالزنا مؤكدا لشهادته باليمين، إذا رأى رجلا يعرف بالفجور يدخل ~~إليها ويخرج من عندها، نظرا إلى الأمارات والقرائن الظاهرة. # ومن ذلك: أن جمهور الفقهاء يقولون في تداعي الزوجين، والصانعين لمتاع ~~البيت والدكان: أن القول قول من يدل الحال على صدقه، والصحيح في هذه ~~المسألة: أنه لا عبرة باليد الحسية، بل وجودها كعدمها. # ولو اعتبرناها لاعتبرنا يد الخاطف لعمامة غيره وعلى رأسه عمامة وآخر خلفه ~~حاسر الرأس ونحن نقطع بأن هذه يد ظالمة عادية، فلا اعتبار لها، ومن ذلك: أن ~~مالكا - رحمه الله - يجعل القول قول المرتهن في قدر الدين، ما ms017 لم يزد على ~~قيمة الرهن. # وقوله هو الراجح في الدليل؛ لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتاب ~~والشهود، فكأنه ناطق بقدر الحق، وإلا فلو كان القول قول الراهن لم يكن ~~الرهن وثيقة، ولا جعل بدلا من الكتاب والشاهد، فدلالة الحال تدل على أنه ~~إنما رهنه على قيمته أو ما يقاربها، وشاهد الحال يكذب الراهن إذا قال: رهنت ~~عنده هذه الدار على درهم ونحوه، فلا يسمع قوله. # ومن ذلك: أنهم قالوا في الركاز: إذا كانت عليه علامة المسلمين فهو لقطة ~~وإن كانت عليه علامة الكفار فهو ركاز. # ومن ذلك: أنه إذا استأجر دابة، جاز له ضربها إذا حرنت في السير، وإن لم ~~يستأذن مالكها. # PageV01P022 # ومن ذلك: أنه يجوز له إيداعها في الخان، إذا قدم بلدا، وأراد المضي في ~~حاجته، وإن لم يستأذن المؤجر في ذلك. # ومن ذلك: إذن المستأجر للدار لأصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت، وإن لم ~~يتضمنهم عقد الإجارة، ومن ذلك: غسل الثوب الذي استأجره مدة معينة إذا اتسخ، ~~وإن لم يستأذن المؤجر في ذلك. # ومن ذلك: لو وكله غائب في بيع سلعة ملك قبض ثمنها، وإن لم يأذن له في ذلك ~~لفظا، ومن ذلك - وإن نازع فيه من نازع -: لو رأى موتا بشاة غيره، أو حيوانه ~~المأكول، فبادر فذبحه ليحفظ عليه ماليته كان محسنا، ولا سبيل على محسن، وإن ~~ضمنه فقد سد باب الإحسان إلى الغير في حفظ ماله. # ومن ذلك: لو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة، فبادر وهدم الحائط ليخرج ~~السيل ولا يهدم الدار كلها كان محسنا، ولا يضمن الحائط. # ومن ذلك: لو وقع الحريق في الدار، فبادر وهدمها على النار، لئلا تسري لم ~~يضمن. # ومنها: لو رأى العدو يقصد مال غيره الغائب، فبادر وصالحه على بعضه كان ~~محسنا ولم يضمن. # ومن ذلك: لو وجد هديا مشعرا منحورا، وليس عنده أحد جاز له أن يأكل منها. # ومن ذلك: لو استأجر غلاما، فوقعت الأكلة في طرف من أطرافه، بحيث لو لم ~~يقطعه سرى إلى نفسه فقطعه، لم يضمنه ms018 لمالكه. # ومنها: لو اشترى صبرة طعام في دار رجل، أو خشبا: فله أن يدخل داره من ~~الدواب والرجال من يحول ذلك، وإن لم يأذن له المالك وأضعاف أضعاف هذه ~~المسائل، مما جرى العمل فيه على العرف والعادة، ونزل ذلك منزلة النطق ~~الصريح، اكتفاء بشاهد الحال عن صريح المقال. # والمقصود: أن الشريعة لا ترد حقا، ولا تكذب دليلا، ولا تبطل أمارة صحيحة. # وقد أمر الله سبحانه بالتثبت والتبين في خبر الفاسق، ولم يأمر برده جملة. # فإن الكافر الفاسق قد يقوم على خبره شواهد الصدق. # فيجب قبوله والعمل به. # وقد «استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر الهجرة دليلا مشركا على ~~دين قومه، فأمنه، ودفع إليه راحلته» . # فلا يجوز لحاكم ولا لوال رد الحق بعد ما تبين، وظهرت # PageV01P023 # أماراته لقول أحد من الناس. والمقصود أن " البينة " في الشرع: اسم لما ~~يبين الحق ويظهره، وهي تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة بالنص في بينة ~~المفلس. # وتارة شاهدين، وشاهدا واحدا، وامرأة واحدة، وتكون نكولا ويمينا، أو خمسين ~~يمينا، أو أربعة أيمان. # وتكون شاهد الحال في الصور التي ذكرناها وغيرها، فقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «البينة على المدعي» أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه، فإذا ظهر ~~صدقه بطريق من الطرق حكم له. ### | [فصل في الحكم بالفراسة] ### | 9 - # (فصل) ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، ~~فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارا. # وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم: كيف ~~تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه أثم، وجار في ~~الحكم. وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان، ونظر في ~~الحال: هل يقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله كالأمين والمدعى ~~عليه. # وجب عليه أن يستكشف الحال، ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال. # وقل حاكم أو وال اعتنى بذلك، وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل، ~~وأوصل الحقوق إلى أهلها. # فهذا ms019 عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتته امرأة فشكرت عنده زوجها وقالت: ~~" هو من خير أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح، ويصوم النهار حتى يمسي، ثم ~~أدركها الحياء، فقال: " جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثناء ". فلما ولت قال ~~كعب بن سور: " يا أمير المؤمنين، لقد أبلغت في الشكوى إليك، فقال: وما ~~اشتكت؟ قال: زوجها. قال: علي بهما. فقال لكعب: اقض بينهما، قال: أقضي وأنت ~~شاهد؟ قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له، قال: إن الله تعالى يقول: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] صم ثلاثة ~~أيام، وأفطر عندها يوما. وقم ثلاث ليال، وبت عندها ليلة، فقال عمر: هذا ~~أعجب إلي من الأول " فبعثه قاضيا لأهل البصرة. فكان يقع له في الحكومة من ~~الفراسة أمور عجيبة. # وكذلك شريح في فراسته وفطنته. قال الشعبي: شهدت شريحا - وجاءته امرأة ~~تخاصم رجلا - فأرسلت عينيها وبكت. فقلت: يا أبا أمية، ما أظن هذه البائسة ~~إلا مظلومة؟ فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون. # PageV01P024 # وتقدم إلى إياس بن معاوية أربع نسوة، فقال إياس: أما إحداهن فحامل، ~~والأخرى مرضع، والأخرى ثيب، والأخرى بكر. فنظروا فوجدوا الأمر كما قال. ~~قالوا: وكيف عرفت؟ فقال: أما الحامل: فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها. ~~فعرفت أنها حامل، وأما المرضع: فكانت تضرب ثديها. فعرفت أنها مرضع، وأما ~~الثيب: فكانت تكلمني وعينها في عيني فعرفت أنها ثيب، وأما البكر: فكانت ~~تكلمني وعينها في الأرض، فعرفت أنها بكر. # وقال المدائني عن روح: استودع رجلا من أمناء الناس مالا. ثم رجع فطلبه ~~فجحده، فأتى إياسا فأخبره. فقال له إياس: انصرف واكتم أمرك، ولا تعلمه أنك ~~أتيتني. ثم عد إلي بعد يومين. فدعا إياس المودع، فقال: قد حضر مال كثير، ~~وأريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك؟ قال: نعم. قال: فأعد له موضعا وحمالين. ~~وعاد الرجل إلى إياس، فقال: انطلق إلى صاحبك فاطلب المال. فإن أعطاك فذاك، ~~وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي. فأتى الرجل صاحبه فقال: ms020 مالي، وإلا أتيت ~~القاضي، وشكوت إليه، وأخبرته بأمري، فدفع إليه ماله، فرجع الرجل إلى إياس، ~~فقال: قد أعطاني المال وجاء الأمين إلى إياس لموعده، فزجره وانتهره، وقال ~~لا تقربني يا خائن. # وقال يزيد بن هارون - رحمه الله - تقلد بواسط رجل ثقة، فأودع رجل بعض ~~شهوده كيسا مختوما، وذكر أن فيه ألف دينار. # فلما طالت غيبة الرجل فتق الشاهد الكيس من أسفله وأخذ الدنانير، وجعل ~~مكانها دراهم، وأعاد الخياطة كما كانت. # وجاء صاحبه، فطلب وديعته، فدفع إليه الكيس بختمه لم يتغير، فلما فتحه ~~وشاهد الحال رجع إليه، فقال: إني أودعتك دنانير، والذي دفعت إلي دراهم، ~~فقال: هو كيسك بخاتمك فاستعدى عليه القاضي، فأمر بإحضار المودع، فلما صارا ~~بين يديه قال له القاضي منذ كم أودعك هذا الكيس؟ فقال: منذ خمس عشرة سنة، ~~فأخذ القاضي تلك الدراهم وقرأ سكتها، فإذا فيها ما قد ضرب من سنتين أو ~~ثلاث، فأمره بدفع الدنانير إليه، وأسقطه ونادى عليه. # واستودع رجل لغيره مالا، فجحده، فرفعه إلى إياس، فسأله فأنكر؟ فقال ~~للمدعي: أين دفعت إليه؟ فقال: في مكان في البرية، فقال: وما كان هناك، قال: ~~شجرة، قال: اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت، فتذكر إذا رأيت ~~الشجرة؛ فمضى، وقال للخصم: اجلس حتى يرجع صاحبك، وإياس يقضي وينظر إليه ~~ساعة بعد ساعة. ثم قال له: يا هذا، أترى صاحبك قد بلغ مكان الشجرة؟ قال: ~~لا، قال: يا عدو الله، إنك خائن، قال: أقلني، قال: لا أقالك الله. وأمر أن ~~يحتفظ به حتى جاء الرجل، فقال له إياس: اذهب معه فخذ حقك. # وجرى نظير هذه القضية لغيره من القضاة: ادعى عنده رجل أنه سلم غريما له ~~مالا وديعة فأنكره، فقال له القاضي: أين سلمته إياه؟ قال: بمسجد ناء عن ~~البلد. # قال: اذهب فجئني منه بمصحف # PageV01P025 # أحلفه عليه، فمضى، واعتقل القاضي الغريم، ثم قال له: أتراه بلغ المسجد؟ ~~قال: لا فألزمه بالمال. # وكان القاضي أبو حازم له في ذلك العجب العجاب، وكانوا ينكرون عليه، ثم ~~يظهر الحق فيما يفعله. ms021 # قال مكرم بن أحمد: كنت في مجلس القاضي أبي حازم فتقدم رجل شيخ ومعه غلام ~~حدث، فادعى الشيخ عليه ألف دينار دينا، فقال: ما تقول؟ قال: نعم. فقال ~~القاضي للشيخ ما تريد؟ قال: حبسه؟ قال: لا، فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن ~~يحبسه فهو أرجى لحصول مالي. فتفرس أبو حازم فيهما ساعة. ثم قال: تلازما حتى ~~أنظر في أمركما في مجلس آخر، فقلت له: لم أخرت حبسه؟ فقال: ويحك، إني أعرف ~~في أكثر الأحوال في وجوه الخصوم وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك ~~دراية لا تكاد تخطئ، وقد وقع إلي أن سماحة هذا بالإقرار عين كذبه ولعله ~~ينكشف لي من أمرهما ما أكون معه على بصيرة، أما رأيت قلة تقصيهما في ~~الناكرة، وقلة اختلافهما، وسكون طباعهما مع عظم المال؟ وما جرت عادة ~~الأحداث بفرط التورع حتى يقر مثل هذا طوعا عجلا، منشرح. الصدر على هذا ~~المال، قال: فنحن كذلك نتحدث إذ أتى الآذن يستأذن على القاضي لبعض التجار، ~~فأذن له، فلما دخل قال: أصلح الله القاضي، إني بليت بولد لي حدث يتلف كل ~~مال يظفر به من مالي في القيان عند فلان فإذا منعته احتال بحيل تضطرني إلى ~~التزام الغرم عنه. وقد نصب اليوم صاحب القيان يطالب بألف دينار حالا، ~~وبلغني أنه تقدم إلى القاضي ليقر له فيحبسه. وأقع مع أمه فيما ينكد عيشنا ~~إلى أن أقضي عنه. فلما سمعت بذلك بادرت إلى القاضي لأشرح له أمره، فتبسم ~~القاضي، وقال لي: كيف رأيت؟ فقلت: هذا من فضل الله على القاضي، فقال: علي ~~بالغلام والشيخ. فأرهب أبو حازم الشيخ، ووعظ الغلام. فأقرا، فأخذ الرجل ~~ابنه وانصرفا. # وقال أبو السائب: كان ببلدنا رجل مستور الحال، فأحب القاضي قبول قوله، ~~فسأل عنه فزكي عنده سرا وجهرا، فراسله في حضور مجلسه لإقامة شهادة وجلس ~~القاضي وحضر الرجل، فلما أراد إقامة الشهادة لم يقبله القاضي فسئل عن ~~السبب؟ فقال: انكشف لي أنه مراء، فلم يسعني قبول قوله، فقيل له: ومن أين ~~علمت ذلك؟ ms022 قال: كان يدخل إلي في كل يوم فأعد خطاه من حيث تقع عيني عليه من ~~الباب إلى مجلسي، فلما دعوته اليوم جاء، فعددت خطاه من ذلك المكان فإذا هي ~~قد زادت ثلاثا أو نحوها، فعلمت أنه متصنع فلم أقبله. # وقال ابن قتيبة: شهد الفرزدق عند بعض القضاة، فقال: قد أجزنا شهادة أبي ~~فراس وزيدونا، فقيل له حين انصرف: إنه والله ما أجاز شهادتك. # PageV01P026 # ولله فراسة من هو إمام المتفرسين، وشيخ المتوسمين: عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - الذي لم تكن تخطئ له فراسة، وكان يحكم بين الأمة بالفراسة ~~المؤيدة بالوحي. # قال الليث بن سعد: أتي عمر بن الخطاب يوما بفتى أمرد، وقد وجد قتيلا ملقى ~~على وجه الطريق، فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر، فشق ذلك ~~عليه؛ فقال: اللهم أظفرني بقاتله، حتى إذا كان على رأس الحول وجد صبي مولود ~~ملقى بموضع القتيل، فأتي به عمر؛ فقال: ظفرت بدم القتيل إن شاء الله تعالى؛ ~~فدفع الصبي إلى امرأة، وقال لها: قومي بشأنه، وخذي منا نفقته، وانظري من ~~يأخذه منك؛ فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها. فلما ~~شب الصبي جاءت جارية، فقالت للمرأة: إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي بالصبي ~~لتراه وترده إليك، قالت: نعم، اذهبي به إليها، وأنا معك. فذهبت بالصبي ~~والمرأة معها، حتى دخلت على سيدتها، فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إليها؛ ~~فإذا هي ابنة شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأتت عمر فأخبرته، فاشتمل على سيفه، ثم أقبل إلى منزل المرأة. فوجد أباها ~~متكئا على باب داره، فقال له: يا فلان، ما فعلت ابنتك فلانة؟ . قال: جزاها ~~الله خيرا يا أمير المؤمنين، هي من أعرف الناس بحق الله وحق أبيها، مع حسن ~~صلاتها وصيامها، والقيام بدينها. فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها، ~~فأزيدها رغبة في الخير، وأحثها عليه؛ فدخل أبوها، ودخل عمر معه. فأمر عمر ~~من عندها فخرج، وبقي هو والمرأة في البيت، فكشف عمر عن ms023 السيف، وقال: ~~أصدقيني، وإلا ضربت عنقك، وكان لا يكذب. فقالت: على رسلك، فوالله لأصدقن: ~~إن عجوزا كانت تدخل علي فأتخذها أما، وكانت تقوم من أمري بما تقوم به ~~الوالدة. وكنت لها بمنزلة البنت، حتى مضى لذلك حين، ثم إنها قالت: يا بنية، ~~إنه قد عرض لي سفر، ولي ابنة في موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت ~~أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة ~~الجارية، وأتتني به، لا أشك أنه جارية؛ فكان يرى مني ما ترى الجارية من ~~الجارية، حتى اغتفلني يوما وأنا نائمة، فما شعرت حتى علاني وخالطني، فمددت ~~يدي إلى شفرة كانت إلى جانبي فقتلته. ثم أمرت به فألقي حيث رأيت، فاشتملت ~~منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه. فهذا والله خبرهما على ~~ما أعلمتك. فقال: صدقت، ثم أوصاها، ودعا لها وخرج. وقال لأبيها: نعمت ~~الابنة ابنتك؛ ثم انصرف. # وقال نافع عن ابن عمر: بينما عمر جالس إذا رأى رجلا، فقال: " لست ذا رأي ~~إن لم يكن هذا الرجل قد كان ينظر في الكهانة، ادعوه لي، فدعوه، فقال: هل ~~كنت تنظر، وتقول في الكهانة شيئا؟ قال: نعم ". # PageV01P027 # وقال مالك عن يحيى بن سعيد: إن عمر بن الخطاب قال لرجل: " ما اسمك؟ قال: ~~جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين ~~مسكنك؟ قال: بحرة النار. قال: أيها؟ قال: بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك ~~فقد احترقوا ". فكان كما قال. ومن فراسته التي تفرد بها عن الأمة أنه قال: ~~" يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] وقال: " يا رسول الله لو أمرت نساءك أن ~~يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب ". واجتمع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نساؤه في الغيرة، فقال لهن عمر: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن} [التحريم: 5] فنزلت كذلك. # PageV01P028 # وشاوره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسارى ms024 يوم بدر، فأشار ~~بقتلهم، ونزل القرآن بموافقته. # وقد أثنى الله سبحانه على فراسة المتوسمين، وأخبر أنهم هم المنتفعون ~~بالآيات. # قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: " أفرس الناس " ثلاثة: امرأة ~~فرعون في موسى، حيث قالت: {قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا} [القصص: 9] وصاحب يوسف، حيث قال لامرأته: {أكرمي مثواه عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا} [يوسف: 21] . وأبو بكر الصديق في عمر - رضي الله ~~عنهما -، حيث جعله الخليفة بعده ". # ودخل رجل على عثمان، - رضي الله عنه -؛ فقال له عثمان: " يدخل علي أحدكم ~~والزنا في عينيه، فقال: أوحي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: ~~لا؛ ولكن فراسة صادقة " ومن هذه الفراسة: أنه - رضي الله عنه - لما تفرس ~~أنه مقتول ولا بد أمسك عن القتال، والدفع عن نفسه، لئلا يجري بين المسلمين ~~قتال، وآخر الأمر يقتل هو، فأحب أن يقتل من غير قتال يقع بين المسلمين. # ومن ذلك: فراسة ابن عمر في الحسين لما ودعه، وقال: " أستودعك الله من ~~قتيل "، ومعه كتب أهل العراق، فكانت فراسة ابن عمر أصدق من كتبهم. # ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار وديعة، وقالا: لا ~~تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه. فلبثا حولا، فجاء أحدهما، فقال: إن صاحبي ~~قد مات فادفعي إلي الدنانير. فأبت، وقالت: إنكما قلتما لي لا تدفعيها إلى ~~واحد منا دون صاحبه، فلست بدافعتها إليك؛ فثقل عليها بأهلها وجيرانها حتى ~~دفعتها إليه، ثم لبثت حولا آخر؛ فجاء الآخر. فقال: ادفعي إلي الدنانير. ~~فقالت: إن صاحبك جاءني فزعم أنك قد مت، فدفعتها إليه. فاختصما إلى عمر - ~~رضي الله عنه - فأراد أن # PageV01P029 # يقضي عليها. فقالت: ادفعنا إلى علي بن أبي طالب، فعرف علي أنهما قد مكرا ~~بها؛ فقال: أليس قد قلتما: لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه؟ قالا: بلى؛ ~~قال: فإن مالك عندها، فاذهب فجئ بصاحبك حتى تدفعه إليكما. ### | [فصل في فراسة الحاكم] ### | 10 - # (فصل) ومن فراسة الحاكم: ما ذكره حماد بن ms025 سلمة عن حميد الطويل: أن إياس ~~بن معاوية اختصم إليه رجلان، استودع أحدهما صاحبه وديعة؛ فقال: صاحب ~~الوديعة: استحلفه بالله ما لي عنده وديعة فقال إياس: بل أستحلفه بالله مالك ~~عنده وديعة ولا غيرها. # وهذا من أحسن الفراسة؛ فإنه إذا قال: " ما له عندي وديعة " احتمل النفي؛ ~~واحتمل الإقرار فينصب " ماله " بفعل محذوف مقدر؛ أي دفع ماله إلي، أو ~~أعطاني ماله؛ أو يجعل " ما " موصولة والجار والمجرور صلتها ووديعة خبر عن " ~~ما " فإذا قال: " ولا غيرها " تعين النفي. # وقال حماد بن سلمة: شهدت إياس بن معاوية يقول في رجل ارتهن رهنا؛ فقال ~~المرتهن: رهنته بعشرة وقال الراهن: رهنته بخمسة؛ فقال: إن كان للراهن بينة ~~أنه دفع إليه الرهن فالقول، ما قال الراهن، وإن لم يكن له بينة بدفع الرهن ~~إليه؛ والرهن بيد المرتهن. فالقول ما قال المرتهن؛ لأنه لو شاء لجحده ~~الرهن. # قلت: وهذا قول ثالث في المسألة؛ وهو من أحسن الأقوال، فإن إقراره بالرهن ~~- وهو في يده ولا بينة للراهن - دليل على صدقه؛ وأنه محق، ولو كان مبطلا ~~لجحده الرهن رأسا. ومالك وشيخنا رحمهما الله، يجعلان القول قول المرتهن، ما ~~لم يزد على قيمة الرهن والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد - رحمهم الله -، يجعلون ~~القول قول الراهن مطلقا. # وقال إياس أيضا: من أقر بشيء، وليس عليه بينة، فالقول ما قال. # وهذا أيضا من أحسن القضاء، لأن إقراره علم على صدقه، فإذا ادعى عليه ~~ألفا، ولا بينة له، فقال: صدق، إلا أني قضيته إياها، فالقول له، وكذلك إذا ~~أقر بأنه قبض من مورثه وديعة، ولا بينة له، وادعى ردها إليه. # وقال إبراهيم بن مرزوق البصري: جاء رجلان إلى إياس بن معاوية؛ يختصمان في ~~قطيفتين: إحداهما حمراء؛ والأخرى خضراء؛ فقال أحدهما: دخلت الحوض لأغتسل، ~~ووضعت قطيفتي، ثم جاء هذا، فوضع قطيفته تحت قطيفتي، ثم دخل فاغتسل، فخرج ~~قبلي، وأخذ قطيفتي فمضى بها؛ ثم خرجت فتبعته، فزعم أنها قطيفته؛ فقال: ألك ~~بينة؟ قال: لا. قال: ائتوني بمشط؛ فأتي بمشط، فسرح رأس هذا، ورأس هذا. ms026 فخرج ~~من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس الآخر صوف # PageV01P030 # أخضر؛ فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه الصوف الأحمر، وبالخضراء للذي خرج ~~من رأسه الصوف الأخضر. # وقال معتمر بن سليمان، عن زيد أبي علاء: شهدت إياس بن معاوية اختصم إليه ~~رجلان، فقال أحدهما: إنه باعني جارية رعناء؛ فقال إياس: وما عسى أن تكون ~~هذه الرعونة؟ قال: شبه الجنون. فقال إياس: يا جارية، أتذكرين متى ولدت؟ ~~قالت: نعم، قال: فأي رجليك أطول؟ قالت: هذه؛ فقال إياس: ردها؛ فإنها ~~مجنونة. # وقال أبو الحسن المدائني، عن عبد الله بن مصعب: أن معاوية بن قرة شهد عند ~~ابنه إياس بن معاوية - مع رجال عدلهم - على رجل بأربعة آلاف درهم، فقال ~~المشهود عليه: يا أبا وائلة، تثبت في أمري، فوالله ما أشهدتهم إلا على ~~ألفين. فسأل إياس أباه والشهود: أكان في الصحيفة التي شهدوا عليها فضل؟ ~~قالوا: نعم، كان الكتاب في أولها والطية في وسطها، وباقي الصحيفة أبيض. ~~قال: أفكان المشهود له يلقاكم أحيانا، فيذكركم شهادتكم بأربعة آلاف درهم؟ ~~قالوا: نعم، كان لا يزال يلقانا، فيقول: اذكروا شهادتكم على فلان بأربعة ~~آلاف درهم، فصرفهم، ودعا المشهود له. فقال: يا عدو الله، تغفلت قوما صالحين ~~مغفلين، فأشهدتهم على صحيفة جعلت طيتها في وسطها، وتركت فيها بياضا في ~~أسفلها، فلما ختموا الطية قطعت الكتاب الذي فيه حقك ألفا درهم، وكتبت في ~~البياض أربعة آلاف فصارت الطية في آخر الكتاب، ثم كنت تلقاهم فتلقنهم، ~~وتذكرهم أنها أربعة آلاف، فأقر بذلك، وسأله الستر عليه، فحكم له بألفين ~~وستر عليه. # وقال نعيم بن حماد عن إبراهيم بن مرزوق البصري: كنا عند إياس بن معاوية، ~~قبل أن يستقضى، وكنا نكتب عنه الفراسة، كما نكتب عن المحدث الحديث، إذ جاء ~~رجل، فجلس على دكان مرتفع بالمربد. فجعل يترصد الطريق. فبينما هو كذلك إذ ~~نزل فاستقبل رجلا، فنظر في وجهه، ثم رجع إلى موضعه، فقال إياس: قولوا في ~~هذا الرجل، قالوا: ما نقول؟ رجل طالب حاجة. فقال: هو معلم صبيان، قد أبق له ms027 ~~غلام أعور، فقام إليه بعضنا فسأله عن حاجته؟ فقال: هو غلام لي آبق. قالوا: ~~وما صفته؟ قال: كذا وكذا، وإحدى عينيه ذاهبة، قلنا: وما صنعتك؟ قال: أعلم ~~الصبيان. قلنا لإياس: كيف علمت ذلك؟ قال: رأيته جاء، فجعل يطلب موضعا يجلس ~~فيه، فنظر إلى، أرفع شيء يقدر عليه فجلس عليه، فنظرت في قدره فإذا ليس قدره ~~قدر الملوك، فنظرت فيمن اعتاد في جلوسه جلوس الملوك، فلم أجدهم إلا ~~المعلمين، فعلمت أنه معلم صبيان، فقلنا: كيف علمت أنه أبق له غلام؟ قال: ~~إني رأيته يترصد الطريق، ينظر في وجوه الناس. قلنا: كيف علمت أنه أعور؟ # PageV01P031 # قال: بينما هو كذلك إذ نزل فاستقبل رجلا قد ذهبت إحدى عينيه، فعلمت أنه ~~اشتبه عليه بغلامه. # وقال الحارث بن مرة نظر إياس بن معاوية إلى رجل، فقال: هذا غريب، وهو من ~~أهل واسط. وهو معلم، وهو يطلب عبدا له أبق. فوجدوا الأمر كما قال. فسألوه؟ ~~فقال: رأيته يمشي ويلتفت، فعلمت أنه غريب، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط ~~فعلمت أنه من أهلها، ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال، ~~فعلمت أنه معلم. ورأيته إذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مر بذي أسمال ~~تأمله، فعلمت أنه يطلب آبقا. # وقال هلال بن العلاء الرقي عن القاسم بن منصور عن عمرو بن بكير: مر إياس ~~بن معاوية، فسمع قراءة من علية، فقال: هذه قراءة امرأة حامل بغلام، فسئل، ~~كيف عرفت ذلك؟ فقال سمعت بصوتها ونفسها مخالطة. فعلمت أنها حامل وسمعت ~~صحلا، فعلمت أن الحمل غلام، ومر بعد ذلك بكتاب فيه صبيان. فنظر إلى، صبي ~~منهم، فقال: هذا ابن تلك المرأة فكان كما قال. # وقال رجل لإياس بن معاوية: علمني القضاء فقال: إن القضاء لا يعلم، إنما ~~القضاء فهم، ولكن قل: علمني من العلم، وهذا هو سر المسألة، فإن الله سبحانه ~~وتعالى يقول: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78] {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما} [الأنبياء: 79] فخص ms028 سليمان بفهم القضية، وعمهما بالعلم. وكذلك كتب ~~عمر إلى قاضيه أبي موسى في كتابه المشهور: " والفهم الفهم فيما أدلي إليك. # PageV01P032 # والذي اختص به إياس وشريح مع مشاركتهما لأهل عصرهما في العلم هو: الفهم ~~في الواقع، والاستدلال بالأمارات وشواهد الحال. # وهذا الذي فات كثيرا من الحكام، فأضاعوا كثيرا من الحقوق ### | [فصل في بعض أنواع الفراسة] ### | 11 - # (فصل) ومن أنواع الفراسة: ما أرشدت إليه السنة النبوية من التخلص من ~~المكروه بأمر سهل جدا، من تعريض بقول أو فعل. # فمن ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده " عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~قال: «قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارا يؤذيني، قال: انطلق، فأخرج متاعك ~~إلى الطريق، فانطلق، فأخرج متاعه. فاجتمع الناس إليه. فقالوا: ما شأنك؟ ~~فقال: إن لي جارا يؤذيني. فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخرجه. فبلغه ~~ذلك، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبدا» فهذه وأمثالها هي ~~الحيل التي أباحتها الشريعة. # وهي تحيل الإنسان بفعل مباح على تخلصه من ظلم غيره وأذاه، لا الاحتيال ~~على إسقاط فرائض الله واستباحة محارمه. وفي " المسند " والسنن عن عائشة - ~~رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في ~~صلاته فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف» . وفي السنة ~~كثير من ذكر المعاريض التي لا تبطل حقا، ولا تحق باطلا كقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - للسائل «ممن # PageV01P033 # أنتم؟ قالوا: نحن من ماء» . # وقوله للذي ذهب بغريمه ليقتله «إن قتله فهو مثله» () ، وكان إذا أراد ~~غزوة ورى بغيرها وكان الصديق - رضي الله عنه - يقول في سفر الهجرة لمن ~~يسأله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من هذا بين يديك " فيقول: " هاد ~~يدلني على الطريق ". # وكذلك الصحابة من بعده. فروى زيد بن أسلم عن أبيه، قال: قدمت على عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - حلل من اليمن، فقسمها بين الناس، فرأى فيها حلة ~~رديئة، فقال: كيف أصنع بهذه؟ إن أعطيتها أحدا لم يقبلها، فطواها وجعلها تحت ~~مجلسه. ms029 وأخرج طرفها، ووضع الحلل بين يديه، فجعل يقسم بين الناس. فدخل # PageV01P034 # الزبير وهو على تلك الحال، فجعل ينظر إلى تلك الحلة، فقال: ما هذه الحلة؟ ~~فقال عمر: دعها عنك، قال: ما شأنها؟ قال: دعها. قال: فأعطنيها. قال: إنك لا ~~ترضاها، قال: بلى، قد رضيتها. فلما توثق منه، واشترط عليه ألا يردها، رمى ~~بها إليه، فلما نظر إليها إذ هي رديئة، قال: لا أريدها، قال عمر: هيهات، قد ~~فرغت منها. فأجازها عليه، ولم يقبلها. # وقال عبد الله بن سلمة: سمعت عليا يقول: " لا أغسل رأسي بغسل حتى آتي ~~البصرة فأحرقها، وأسوق الناس بعصاي إلى مصر " فأتيت أبا مسعود البدري، ~~فأخبرته فقال: " إن عليا يورد الأمور موارد لا تحسنون تصديرها، علي لا يغسل ~~رأسه بغسل، ولا يأتي البصرة، ولا يحرقها، ولا يسوق الناس عنها بعصاه، علي ~~رجل أصلع إنما على رأسه مثل الطست إنما حوله شعرات " ومن ذلك: تعريض عبد ~~الله بن رواحة لامرأته بإنشاد شعر يوهم أنه يقرأ، ليتخلص من أذاها له حين ~~واقع جاريته. # وتعريض محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف حين أمنه بقوله: " إن هذا الرجل قد ~~أخذنا بالصدقة وقد عنانا. # وتعريض الصحابة لأبي رافع اليهودي. # PageV01P035 ### | 12 - # (فصل) ومن ذلك: قول عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه - وقد أقيم على دكان ~~بعد صلاة الجمعة - فقام على الدكان، وقال: إن الأمير أمرني أن ألعن علي بن ~~أبي طالب، فالعنوه. لعنه الله. # ومن ذلك: تعريض الحجاج بن علاط، بل تصريحه لامرأته، بهزيمة الصحابة ~~وقتلهم، حتى أخذ ماله منها. ### | [فصل في الفراسة الصادقة] ### | 13 - # (فصل) ومن الفراسة الصادقة: فراسة خزيمة بن ثابت، حين قدم وشهد على عقد ~~التبايع بين الأعرابي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يكن حاضرا، ~~تصديقا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما يخبر به. # ومنها: فراسة حذيفة بن اليمان، وقد بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عينا إلى المشركين فجلس بينهم. فقال أبو سفيان: لينظر كل منكم جليسه، ~~فبادر حذيفة وقال لجليسه: من أنت؟ ms030 فقال: فلان بن فلان. # ومنها: فراسة المغيرة بن شعبة، وقد استعمله عمر على البحرين. فكرهه أهلها ~~فعزله عمر عنهم، فخافوا أن يرده عليهم. فقال دهقانهم: إن فعلتم ما آمركم به ~~لم يرده علينا. قالوا مرنا بأمرك. قال: تجمعون مائة ألف درهم، حتى أذهب بها ~~إلى عمر، وأقول: إن المغيرة اختان هذا ودفعه إلي، فجمعوا ذلك. فأتى عمر ~~فقال: يا أمير المؤمنين) إن المغيرة اختان هذا، فدفعه إلي. فدعا عمر ~~المغيرة، فقال: ما يقول هذا؟ قال: كذب، أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، ~~فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة. فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ ~~فقال: لا والله، لأصدقنك، والله ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا. ولكن كرهناه ~~وخشينا أن ترده علينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟ قال: إن الخبيث ~~كذب علي فأردت أن أخزيه. # PageV01P036 # وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة، وكان الفتى جميلا، فأرسلت ~~إليهما المرأة: لا بد أن أراكما، وأسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما، ~~فأجلستهما بحيث تراهما. فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فأقبل عليه، ~~فقال: لقد أوتيت حسنا وجمالا وبيانا. فهل عندك سوى ذلك؟ قال: نعم. فعدد ~~عليه محاسنه، ثم سكت. # فقال المغيرة: فكيف حسابك؟ فقال: لا يسقط علي منه شيء، وإني لأستدرك منه ~~أقل من الخردلة، فقال له المغيرة: لكني أضع البدرة في زاوية البيت، فينفقها ~~أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها، فقالت ~~المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إلي من الذي يحصي علي أدنى ~~من الخردلة. فتزوجت المغيرة. # ومنها: فراسة عمرو بن العاص لما حاصر غزة، فبعث إليه صاحبها: أن أرسل إلي ~~رجلا من أصحابك أكلمه. ففكر عمرو بن العاص، وقال: ما لهذا الرجل غيري فخرج ~~حتى دخل عليه، فكلمه كلاما لم يسمع مثله قط. فقال له: حدثني، هل أحد من ~~أصحابك مثلك؟ فقال: لا تسل، من هواني عندهم بعثوني إليك، وعرضوني لما ~~عرضوني. ولا يدرون ما يصنع بي. فأمر له بجارية وكسوة. وبعث ms031 إلى البواب: إذا ~~مر بك فاضرب عنقه، وخذ ما معه. فمر برجل من نصارى غسان فعرفه. فقال يا عمرو ~~قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج، فرجع، فقال له الملك: ما ردك إلينا؟ قال: ~~نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع من معي من بني عمي، فأردت الخروج، فآتيك ~~بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية فيكون معروفك عند عشرة رجال خيرا من أن يكون ~~عند واحد، قال: صدقت عجل بهم. وبعث إلى البواب: خل سبيله، فخرج عمرو وهو ~~يلتفت، حتى إذا أمن قال: لا عدت لمثلها. فلما كان بعد رآه الملك، فقال: أنت ~~هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك. # ومن ذلك: فراسة الحسن بن علي - رضي الله عنهما - لما جيء إليه بابن ملجم ~~قال له: أريد أسارك بكلمة فأبى الحسن، وقال: تريد أن تعض أذني، فقال ابن ~~ملجم: والله لو أمكنتني منها لأخذتها من صماخها. # قال أبو الوفاء ابن عقيل: فانظر إلى حسن رأي هذا السيد الذي قد نزل به من ~~المصيبة العاجلة ما يذهل الخلق، وفطنته إلى هذا الحد، وإلى ذلك اللعين كيف ~~لم يشغله حاله عن استزادة الجناية. # ومن ذلك: فراسة أخيه الحسين - رضي الله عنهما - أن رجلا ادعى عليه مالا. ~~فقال الحسين: ليحلف على ما ادعاه ويأخذه، فتهيأ الرجل لليمين، وقال: والله ~~الذي لا إله إلا هو. فقال الحسين: قل: والله، والله، والله ثلاثا إن هذا ~~الذي تدعيه عندي، وفي قبلي، ففعل الرجل ذلك. وقام فاختلفت رجلاه وسقط ميتا ~~فقيل للحسين: لم فعلت ذلك؟ أي عدلت عن قوله: والله الذي لا إله إلا هو إلى ~~قوله: " والله والله والله " فقال: كرهت أن يثني على الله، فيحلم عنه. # PageV01P037 # ومن ذلك: فراسة العباس - رضي الله عنه - ما ذكره مجاهد قال - «بينما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه إذ وجد ريحا. فقال: ليقم صاحب هذه ~~الريح فليتوضأ. فاستحيا الرجل، ثم قال: ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ. فإن ~~الله لا يستحيي من الحق. # فقال العباس: ألا نقوم كلنا نتوضأ؟» . هكذا ms032 رواه الفريابي عن الأوزاعي ~~مرسلا، ووصله عن محمد بن مصعب، فقال: عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - # وقد جرت مثل هذه القضية في مجلس عمر - رضي الله عنه - قال الشعبي: " كان ~~عمر في بيت، ومعه جرير بن عبد الله البجلي. فوجد عمر ريحا. فقال: عزمت على ~~صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ. فقال جرير: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ ~~القوم جميعا. فقال عمر: يرحمك الله. نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد ~~وأنت في الإسلام ". # ومن أحسن الفراسة: فراسة عبد الملك بن مروان لما بعث الشعبي إلى ملك ~~الروم فحسد المسلمين عليه فبعث معه ورقة لطيفة إلى عبد الملك. فلما قرأها ~~قال: أتدري ما فيها؟ قال: فيها " عجب، كيف ملكت العرب غير هذا؟ " أفتدري ما ~~أراد؟ قال: لا. قال: حسدني عليك. فأراد أني أقتلك، فقال الشعبي: لو رآك يا ~~أمير المؤمنين ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم، فقال: والله ما أخطأ ما ~~كان في نفسي. # ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته ~~على نصرة الخطإ. وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به، حيث لا يشعر به ~~غيره. ومن دقيق الفراسة: أن المنصور جاءه رجل، فأخبره أنه خرج في تجارة ~~فكسب مالا، فدفعه إلى امرأته، ثم طلبه منها. فذكرت أنه سرق من البيت ولم ير ~~نقبا ولا أمارة، فقال المنصور: منذ كم تزوجتها؟ قال: منذ سنة، قال: بكرا أو ~~ثيبا؟ قال: ثيبا، قال: فلها ولد من غيرك؟ قال: لا، قال: فدعا له المنصور ~~بقارورة طيب كان يتخذ له حاد الرائحة، غريب النوع، فدفعها إليه، وقال له: ~~تطيب من هذا الطيب، فإنه يذهب غمك. فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور ~~لأربعة من ثقاته: ليقعد على كل باب من أبواب المدينة واحد منكم فمن شم منكم ~~رائحة هذا الطيب من أحد فليأت به. وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته، ~~فلما شمته بعثت به إلى رجل كانت تحبه، وقد كانت دفعت إليه المال، فتطيب ms033 ~~منه، ومر مجتازا ببعض أبواب المدينة، فشم الموكل بالباب رائحته عليه؛ فأتى ~~به المنصور، فسأله: من أين لك هذا الطيب؟ فلجلج في كلامه. فدفعه إلى والي ~~الشرطة، # PageV01P038 # فقال إن أحضر لك كذا وكذا من المال فخل عنه، وإلا اضربه ألف سوط. فلما ~~جرد للضرب أحضر المال على هيئته فدعا المنصور صاحب المال، فقال: أرأيت إن ~~رددت عليك المال تحكمني في امرأتك؟ قال: نعم. قال: هذا مالك، وقد طلقت ~~المرأة منك. ### | 14 - # فصل ومنها أن شريكا دخل على المهدي، فقال للخادم: هات عودا للقاضي - يعني ~~البخور - فجاء الخادم بعود يضرب به، فوضعه في حجر شريك، فقال: ما هذا؟ ~~فبادر المهدي، وقال: هذا عود أخذه صاحب العسس البارحة، فأحببت أن يكون كسره ~~على يديك، فدعا له وكسره. ومن ذلك: ما يذكر عن المعتضد بالله، أنه كان ~~جالسا يشاهد الصناع، فرأى فيهم أسود منكر الخلقة، شديد المرح، يعمل ضعف ما ~~يعمل الصناع، ويصعد مرقاتين مرقاتين، فأنكر أمره، فأحضره وسأله عن أمره؟ ~~فلجلج، فقال لبعض جلسائه: أي شيء يقع لكم في أمره؟ قالوا: ومن هذا حتى تصرف ~~فكرك إليه؟ لعله لا عيال له، وهو خالي القلب، فقال: قد خمنت في أمره ~~تخمينا، ما أحسبه باطلا: إما أن يكون معه دنانير، قد ظفر بها دفعة، أو يكون ~~لصا يتستر بالعمل، فدعا به، واستدعى بالضراب فضربه، وحلف له إن لم يصدقه أن ~~يضرب عنقه، فقال: لي الأمان، قال: نعم، إلا فيما يجب عليك بالشرع. فظن أنه ~~قد أمنه، فقال: قد كنت أعمل في الآجر، فاجتاز رجل في وسطه هميان، فجاء إلى ~~مكان فجلس وهو لا يعلم مكاني، فحل الهميان وأخرج منه دنانير فتأملته، وإذا ~~كله دنانير فساورته وكتفته وشددت فاه، وأخذت الهميان، وحملته على كتفي ~~وطرحته في الأتون وطينته. فلما كان بعد ذلك أخرجت عظامه فطرحتها في دجلة. ~~فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير من منزله، وإذا على الهميان مكتوب: فلان ~~ابن فلان، فنادى في البلد باسمه، فجاءت امرأة فقالت: هذا زوجي. ولي منه هذا ~~الطفل، خرج ms034 وقت كذا وكذا ومعه ألف دينار: فغاب إلى الآن. فسلم الدنانير ~~إليها، وأمرها أن تعتد، وأمر بضرب عنق الأسود، وحمل جثته إلى ذلك الأتون. # وكان للمعتضد من ذلك عجائب، منها: أنه قام ليلة، فإذا غلام قد وثب على ~~ظهر غلام، فاندس بين الغلمان فلم يعرفه، فجاء فجعل يضع يده على فؤاد واحد ~~بعد واحد، فيجده ساكنا، حتى وضع يده على فؤاد ذلك الغلام، فإذا به يخفق ~~خفقا شديدا، فركضه برجله، واستقره، فأقر، فقتله. # ومنها: أنه رفع إليه أن صيادا ألقى شبكته في دجلة، فوقع فيها جراب فيه كف ~~مخضوبة بحناء، وأحضر بين يديه، فهاله ذلك. وأمر الصياد أن يعاود طرح الشبكة ~~هنالك ففعل، فأخرج جرابا آخر فيه رجل، فاغتم المعتضد وقال: معي في البلد من ~~يفعل هذا ولا أعرفه؟ ثم أحضر ثقة له وأعطاه # PageV01P039 # الجراب، وقال: طف به على كل من يعمل الجرب ببغداد. # فإن عرفه أحد منهم فاسأله عمن باعه منه، فإذا دلك عليه فاسأل المشتري عن ~~ذلك ونقر عن خبره. # فغاب الرجل ثلاثة أيام، ثم عاد، فقال: ما زلت أسأل عن خبره حتى انتهى إلى ~~فلان الهاشمي، اشتراه مع عشرة جرب، وشكا البائع شره وفساده، ومن جملة ما ~~قال: إنه كان يعشق فلانة المغنية وأنه غيبها، فلا يعرف لها خبر، وادعى أنها ~~هربت، والجيران يقولون: إنه قتلها. # فبعث المعتضد من كبس منزل الهاشمي وأحضره، وأحضر اليد والرجل، وأراه ~~إياهما، فلما رآهما امتقع لونه، وأيقن بالهلاك واعترف. # فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى مولاها، وحبس الهاشمي حتى مات في ~~الحبس. ### | [فصل في محاسن الفراسة] ### | 15 - # (فصل) # ومن محاسن الفراسة: أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره ~~الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم يقل ~~الخيزران لموافقة اسم أمه. # ونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده - وفي يده مسواك - ما جمع هذا؟ قال: ~~محاسنك يا أمير المؤمنين. وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ. # وهو باب عظيم، اعتنى به الأكابر والعلماء. وله شواهد كثيرة ms035 في السنة وهو ~~من خاصية العقل والفطنة. # فقد روينا عن عمر - رضي الله عنه -: أنه خرج يعس المدينة بالليل، فرأى ~~نارا موقدة في خباء، فوقف وقال: " يا أهل الضوء ". وكره أن يقول: يا أهل ~~النار. وسأل رجلا عن شيء: " هل كان؟ " قال: لا. أطال الله بقاءك، فقال: " ~~قد علمتم فلم تتعلموا، هلا قلت: لا، وأطال الله بقاءك؟ ". # وسئل العباس: أنت أكبر أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: هو ~~أكبر مني، وأنا ولدت قبله. وسئل عن ذلك قباث بن أشيم؟ فقال: رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أكبر مني، وأنا أسن منه. # وكان لبعض القضاة جليس أعمى، وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام، اذهب ~~مع أبي محمد، ولا يقول: خذ بيده، قال: والله ما أخل بها مرة. # ومن ألطف ما يحكى في ذلك: أن بعض الخلفاء سأل رجلا عن اسمه؟ فقال: سعد يا ~~أمير المؤمنين فقال: أي السعود أنت؟ قال: سعد السعود لك يا أمير المؤمنين، ~~وسعد الذابح لأعدائك، وسعد بلع على سماطك، وسعد الأخبية لسرك، فأعجبه ذلك. ~~ويشبه هذا: أن معن بن زائدة دخل على المنصور، فقارب في خطوه. فقال له ~~المنصور: كبرت # PageV01P040 # سنك يا معن، قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: إنك لجلد. قال: على ~~أعدائك، قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك. # وأصل هذا الباب: قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ~~ينزغ بينهم} [الإسراء: 53] فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضا بغير ~~التي هي أحسن، فرب حرب وقودها جثث وهام، أهاجها القبيح من الكلام. # وفي " الصحيحين " من حديث سهل بن حنيف، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي» وخبثت ~~ولقست وغثت متقاربة المعنى. # فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظ " الخبث " لبشاعته، وأرشدهم ~~إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه، وإن كان بمعناه تعليما للأدب في المنطق، ~~وإرشادا إلى استعمال الحسن، وهجر القبيح من الأقوال، كما أرشدهم إلى ms036 ذلك في ~~الأخلاق والأفعال. ### | [فصل في عجائب الفراسة] ### | 16 - # (فصل) # ومن عجيب الفراسة ما ذكر عن أحمد بن طولون: أنه بينما هو في مجلس له ~~يتنزه فيه، إذ رأى سائلا في ثوب خلق، فوضع دجاجة في رغيف وحلوى وأمر بعض ~~الغلمان بدفعه إليه، فلما وقع في يده لم يهش، ولم يعبأ به، فقال للغلام: ~~جئني به، فلما وقف قدامه استنطقه، فأحسن الجواب، ولم يضطرب من هيبته، فقال: ~~هات الكتب التي معك، واصدقني من بعثك، فقد صح عندي أنك صاحب خبر. وأحضر ~~السياط، فاعترف، فقال بعض جلسائه: هذا والله السحر، قال: ما هو بسحر، ولكن ~~فراسة صادقة، رأيت سوء حاله، فوجهت إليه بطعام يشره إلى أكله الشبعان، فما ~~هش له، ولا مد يده إليه، فأحضرته فتلقاني بقوة جأش، فلما رأيت رثاثة حاله، ~~وقوة جأشه، علمت أنه صاحب خبر، فكان كذلك. # ورأى يوما حمالا يحمل صنا وهو يضطرب تحته، فقال: لو كان هذا الاضطراب من ~~ثقل المحمول لغاصت عنق الحمال، وأنا أرى عنقه بارزة، وما أرى هذا الأمر إلا ~~من خوف، فأمر بحط الصن، فإذا فيه جارية قد قتلت وقطعت، فقال: اصدقني عن ~~حالها، فقال: أربعة نفر في الدار الفلانية أعطوني هذه الدنانير، وأمروني ~~بحمل هذه المقتولة. فضربه وقتل الأربعة. # PageV01P041 # وكان يتنكر ويطوف بالبلد يسمع قراءة الأئمة فدعا ثقته، وقال: خذ هذه ~~الدنانير، وأعطها إمام مسجد كذا، فإنه فقير مشغول القلب. # ففعل، وجلس معه وباسطه، فوجد زوجته قد ضربها الطلق، وليس معه ما يحتاج ~~إليه فقال: صدق، عرفت شغل قلبه في كثرة غلطه في القراءة ومن ذلك: أن اللصوص ~~أخذوا في زمن المكتفي مالا عظيما، فألزم المكتفي صاحب الشرطة بإخراج ~~اللصوص. # ، أو غرامة المال؛ فكان يركب وحده، ويطوف ليلا ونهارا، إلى أن اجتاز يوما ~~في زقاق خال في بعض أطراف البلد، فدخله فوجده منكرا، ووجده لا ينفذ، فرأى ~~على بعض أبوابه شوك سمك كثير، وعظام الصلب. # فقال لشخص: كم يكون تقدير ثمن هذا السمك الذي هذه عظامه؟ قال: دينار، ~~قال: أهل الزقاق ms037 لا تحتمل أحوالهم مشتري مثل هذا، لأنه زقاق بين الاختلال ~~إلى جانب الصحراء، لا ينزله من معه شيء يخاف عليه، أو له مال ينفق منه هذه ~~النفقة، وما هي إلا بلية، ينبغي أن يكشف عنها، فاستبعد الرجل هذا، وقال: ~~هذا فكر بعيد، فقال: اطلبوا لي امرأة من الدرب أكلمها. # فدق بابا غير الذي عليه الشوك واستسقى ماء، فخرجت عجوز ضعيفة. # فما زال يطلب شربة بعد شربة، وهي تسقيه، وهو في خلال ذلك يسأل عن الدرب ~~وأهله، وهي تخبره غير عارفة بعواقب ذلك، إلى أن قال لها: وهذه الدار من ~~يسكنها؟ - وأومأ إلى التي عليها عظام السمك - فقالت: فيها خمسة شباب أعفار، ~~كأنهم تجار، وقد نزلوا منذ شهر لا نراهم نهارا إلا في كل مدة طويلة، ونرى ~~الواحد منهم يخرج في الحاجة ويعود سريعا، وهم في طول النهار يجتمعون ~~فيأكلون ويشربون، ويلعبون بالشطرنج والنرد، ولهم صبي يخدمهم، فإذا كان ~~الليل انصرفوا إلى دار لهم بالكرخ، ويدعون الصبي في الدار يحفظها. # فإذا كان سحرا جاءوا ونحن نيام لا نشعر بهم فقالت للرجل: هذه صفة لصوص أم ~~لا؟ قال: بلى، فأنفذ في الحال، فاستدعى عشرة من الشرط، وأدخلهم إلى أسطحة ~~الجيران، ودق هو الباب، فجاء الصبي ففتح. # فدخل الشرط معه، فما فاته من القوم أحد فكانوا هم أصحاب الجناية بعينهم ~~ومن ذلك: أن بعض الولاة سمع في بعض ليالي الشتاء صوتا بدار يطلب ماء باردا، ~~فأمر بكبس الدار، فأخرجوا رجلا وامرأة، فقيل له: من أين علمت؟ قال: الماء ~~لا يبرد في الشتاء، إنما ذلك علامة بين هذين. # وأحضر بعض الولاة شخصين متهمين بسرقة، فأمر أن يؤتى بكوز من ماء، فأخذه ~~بيده ثم ألقاه عمدا فانكسر، فارتاع أحدهما، وثبت الآخر فلم يتغير، فقال ~~للذي انزعج: اذهب، وقال للآخر: أحضر العملة. # فقيل له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج، والبريء يرى ~~أنه لو تحركت في البيت فأرة لأزعجته، ومنعته من السرقة. ### | [فصل في صور للحكم بالفراسة] # (فصل) # PageV01P042 # ومن الحكم بالفراسة والأمارات: ms038 ما رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن ~~أبيه، قال: خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~فجحدته، فسأله البينة، فلم تكن عنده، وجاءت المرأة بنفر، فشهدوا أنها لم ~~تتزوج وأن الغلام كاذب عليها، وقد قذفها. فأمر عمر - رضي الله عنه - بضربه، ~~فلقيه علي - رضي الله عنه - فسأل عن أمرهم، فأخبر فدعاهم، ثم قعد في مسجد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأل المرأة فجحدت، فقال للغلام: اجحدها كما ~~جحدتك، فقال: يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنها أمي، قال: ~~اجحدها، وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك، قال: قد جحدتها، وأنكرتها. فقال ~~علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز؟ قالوا: نعم، وفينا أيضا، ~~فقال علي: أشهد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، ~~يا قنبر ائتني بطينة فيها درهم، فأتاه بها، فعد أربعمائة وثمانين درهما، ~~فدفعها مهرا لها. # وقال للغلام: خذ بيد امرأتك، ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس، فلما ولى، ~~قالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله هو النار، هو والله ابني. قال: وكيف ~~ذلك؟ قالت: إن أباه كان زنجيا، وإن إخوتي زوجوني منه، فحملت بهذا الغلام. ~~وخرج الرجل غازيا فقتل، وبعثت بهذا إلى حي بني فلان. فنشأ فيهم، وأنفت أن ~~يكون ابني، فقال علي: أنا أبو الحسن، وألحقه بها، وثبت نسبه. # ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب سأل رجلا: كيف أنت؟ فقال: ممن يحب الفتنة، ~~ويكره الحق، ويشهد على ما لم يره، فأمر به إلى السجن. فأمر علي برده، وقال: ~~صدق، قال: كيف صدقته؟ قال: يحب المال والولد. # وقد قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] ويكره الموت، ~~وهو حق، ويشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يره، فأمر ~~عمر - رضي الله عنه - بإطلاقه، قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: ~~124] . # وقال الأصبغ بن نباتة: جاء رجل إلى مجلس علي - والناس حوله - فجلس بين ~~يديه، ثم التفت إلى الناس، فقال: يا ms039 معشر الناس، إن للداخل حيرة، وللسائل ~~روعة، وهما دليل السهو والغفلة فاحتملوا زلتي إن كانت من سهو نزل بي، ولا ~~تحسبوني من شر الدواب عند الله الذين لا يعقلون. فتبسم علي - رضي الله عنه ~~- وأعجب به، فقال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت ألفا وخمسمائة درهم في خربة ~~بالسواد، فما علي؟ وما لي؟ فقال له علي: إن كنت أصبتها في خربة تؤدي خراجها ~~قرية أخرى عامرة بقربها فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في خربة ليست ~~تؤدي خراجها قرية أخرى # PageV01P043 # عامرة فلك فيها أربعة أخماس، ولنا خمس. قال الرجل: أصبتها في خربة ليس ~~حولها أنيس، ولا عندها عمران، فخذ الخمس، قال: قد جعلته لك. # وأتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجل أسود، ومعه امرأة سوداء، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إني أغرس غرسا أسود، وهذه سوداء على ما ترى، فقد أتتني ~~بولد أحمر، فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ما خنته، وإنه لولده. ~~فبقي عمر لا يدري ما يقول، فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~فقال للأسود: إن سألتك عن شيء أتصدقني؟ قال: أجل والله، قال: هل واقعت ~~امرأتك وهي حائض؟ قال: قد كان ذلك، قال علي: الله أكبر، إن النطفة إذا خلطت ~~بالدم فخلق الله عز وجل منها خلقا كان أحمر، فلا تنكر ولدك، فأنت جنيت على ~~نفسك. # وقال جعفر بن محمد: أتي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بامرأة قد تعلقت ~~بشاب من الأنصار، وكانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة ~~فألقت صفارها، وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة، ~~فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله. فسأل ~~عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني. فهم بعقوبة الشاب فجعل ~~يستغيث، ويقول: يا أمير المؤمنين، تثبت في أمري، فوالله ما أتيت فاحشة وما ~~هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في ~~أمرهما، فنظر علي إلى ms040 ما على الثوب. ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على ~~الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض وزجر المرأة، ~~فاعترفت. # قلت: ويشبه هذا ما ذكره الخرقي وغيره عن أحمد: أن المرأة إذا ادعت أن ~~زوجها عنين، وأنكر ذلك وهي ثيب، فإنه يخلى معها في بيت، ويقال له: أخرج ~~ماءك على شيء، فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار، فإن ذاب فهو مني، وبطل ~~قولها، وهذا مذهب عطاء بن أبي رباح. وهذا حكم بالأمارات الظاهرة، فإن المني ~~إذا جعل على النار ذاب واضمحل، وإن كان بياض بيض تجمع ويبس، فإن قال: أنا ~~أعجز عن إخراج مائي صح قولها. # ويشبه هذا: ما ذكره بعض القضاة: أن زوجين ترافعا إليه، وادعى كل منهما: ~~أن الآخر عذيوط يغوط عند الجماع، وتناكرا، فأمر أن يطعم أحدهما تينا، ~~والآخر قثاء، فعلم صاحب العيب بذلك. # PageV01P044 # وقال الأصبغ بن نباتة: إن شابا شكا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~نفرا، فقال: إن هؤلاء خرجوا مع أبي في سفر. فعادوا ولم يعد أبي، فسألتهم ~~عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله؟ فقالوا: ما ترك شيئا، وكان معه مال ~~كثير، وترافعنا إلى شريح، فاستحلفهم وخلى سبيلهم، فدعا علي بالشرط، فوكل ~~بكل رجل رجلين، وأوصاهم ألا يمكنوا بعضهم أن يدنو من بعض، ولا يدعوا أحدا ~~يكلمهم، ودعا كاتبه، ودعا أحدهم. # فقال: أخبرني عن أبي هذا الفتى: في أي يوم خرج معكم؟ وفي أي منزل نزلتم؟ ~~وكيف كان سيركم؟ وبأي علة مات؟ وكيف أصيب بماله؟ وسأله عمن غسله ودفنه؟ ومن ~~تولى الصلاة عليه؟ وأين دفن؟ ونحو ذلك، والكاتب يكتب، ثم كبر علي فكبر ~~الحاضرون، والمتهمون لا علم لهم إلا أنهم ظنوا أن صاحبهم قد أقر عليهم. ثم ~~دعا آخر بعد أن غيب الأول عن مجلسه، فسأله كما سأل صاحبه، ثم الآخر كذلك، ~~حتى عرف ما عند الجميع، فوجد كل واحد منهم يخبر بضد ما أخبر به صاحبه، ثم ~~أمر برد الأول، فقال: يا عدو الله، ms041 قد عرفت غدرك وكذبك بما سمعت من أصحابك، ~~وما ينجيك من العقوبة إلا الصدق، ثم أمر به إلى السجن، وكبر، وكبر معه ~~الحاضرون، فلما أبصر القوم الحال لم يشكوا أن صاحبهم أقر عليهم، فدعا آخر ~~منهم، فهدده، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لقد كنت كارها لما صنعوا، ثم ~~دعا الجميع فأقروا بالقصة، واستدعي الذي في السجن، وقيل له: قد أقر أصحابك ~~ولا ينجيك سوى الصدق، فأقر بمثل ما أقر به القوم، فأغرمهم المال، وأقاد ~~منهم بالقتيل. # ورفع إلى بعض القضاة رجل ضرب رجلا على هامته، فادعى المضروب: أنه أزال ~~بصره وشمه، فقال: يمتحن، بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس، فإن كان صحيحا لم ~~تثبت عيناه لها، وينحدر منهما الدمع. وتحرق خرقة وتقدم إلى أنفه. فإن كان ~~صحيح الشم: بلغت الرائحة خيشومه ودمعت عيناه. # ورأيت في " أقضية علي - رضي الله عنه - " نظير هذه القضية، وأن المضروب ~~ادعى أنه أخرس. وأمر أن يخرج لسانه وينخس بإبرة، فإن خرج الدم أحمر فهو ~~صحيح اللسان، وإن خرج أسود فهو أخرس. # وقال أصبغ بن نباتة: قيل لعلي - رضي الله عنه - في فداء أسرى المسلمين من ~~أيدي المشركين، فقال: نادوا منهم من كانت جراحاته بين يديه، دون من كانت من ~~ورائه. فإنه فار. # قال: وأوصى رجل إلى آخر: أن يتصدق عنه من هذه الألف دينار بما أحب، فتصدق ~~بعشرها، وأمسك الباقي؛ فخاصموه إلى علي. وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف. ~~فقال: أنصفوك؛ قال: إنه قال لي: أخرج بها ما أحببت؛ قال: فأخرج عن الرجل ~~تسعمائة، والباقي لك؛ قال: # PageV01P045 # وكيف ذاك؟ قال: لأن الرجل أمرك أن تخرج ما أحببت، وقد أحببت التسعمائة، ~~فأخرجها. # وقضى في رجلين حرين يبيع أحدهما صاحبه على أنه عبد؛ ثم يهربان من بلد إلى ~~بلد - بقطع أيديهما؛ لأنهما سارقان لأنفسهما، ولأموال الناس. # قلت: وهذا من أحسن القضاء، وهو الحق، وهما أولى بالقطع من السارق ~~المعروف؛ فإن السارق إذا قطع - دون المنتهب والمغتصب - لأنه لا يمكن التحرز ~~منه. # ولهذا قطع النباش، ولهذا جاءت السنة بقطع ms042 جاحد العارية. # وقضى علي أيضا في امرأة تزوجت، فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة ~~سرا، وجاء الزوج فدخل الحجلة، فوثب إليه الصديق فاقتتلا، فقتل الزوج ~~الصديق. فقامت إليه المرأة فقتلته، فقضى بدية الصديق على المرأة، ثم قتلها ~~بالزوج، وإنما قضى بدية الصديق عليها: لأنها هي التي عرضته لقتل الزوج له؛ ~~فكانت هي المتسببة في قتله، وكانت أولى بالضمان من الزوج المباشر؛ لأن ~~المباشر قتله قتلا مأذونا فيه، دفعا عن حرمته. فهذا من أحسن القضاء الذي لا ~~يهتدي إليه كثير من الفقهاء، وهو الصواب. # وقضى في رجل فر من رجل يريد قتله، فأمسكه له آخر، حتى أدركه فقتله؛ ~~وبقربه رجل ينظر إليهما، وهو يقدر على تخليصه، فوقف ينظر إليه حتى قتله. ~~فقضى أن يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت، وتفقأ عين الناظر الذي وقف ~~ينظر ولم ينكر. # فذهب الإمام أحمد وغيره من أهل العلم: إلى القول بذلك، إلا في فقء عين ~~الناظر، ولعل عليا رأى تعزيره بذلك، مصلحة للأمة، وله مساغ في الشرع في ~~مسألة فقء عين الناظر إلى بيت الرجل من خص أو طاقة، كما جاءت بذلك السنة ~~الصحيحة الصريحة، التي لا معارض لها ولا دافع، لكونه جنى على صاحب المنزل، ~~ونظر نظرا محرما، لا يحل له أن يقدم عليه. # فجوز له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخذفه فيفقأ عينه، وهذا مذهب ~~الشافعي، وأحمد. # PageV01P046 # وفي " الصحيح ": من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقئوا عينه، فلا دية له، ~~ولا قصاص» . # وفي " الصحيحين " من حديث الزهري، عن سهل: قال: «اطلع رجل في حجرة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه مدرى يحك بها رأسه، فقال: لو أعلم أنك ~~تنظرني لطعنت به في عينك، إنما جعل الإذن من أجل البصر» . # وفي " صحيح مسلم " عنه: «أن رجلا اطلع على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من ستر الحجرة، وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدرى، فقال: لو أعلم ms043 ~~أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينه، وهل جعل الإذن إلا من أجل ~~البصر؟» أي لو أعلم أنه يقف لي حتى آتيه. # وفي " الصحيحين " عن أنس - رضي الله عنه -: «أن رجلا اطلع في بعض حجر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشقص، ~~فذهب نحو الرجل، يختله ليطعنه به، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يختله ليطعنه به» . # وفي سنن البيهقي " وغيره، عن أنس بن مالك: «أن أعرابيا أتى باب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فألقم # PageV01P047 # عينه خصاص الباب، فبصر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ عودا محددا، ~~فوجأ عين الأعرابي فانقمع، فقال: لو ثبت لفقأت عينك» . # وفي " الصحيحين " من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت ~~عينه: ما كان عليك من جناح» . # وفي صحيح مسلم "، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقئوا عينه» . # وفي سنن البيهقي "، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لو أن رجلا اطلع في بيت رجل ففقئوا عينه ما كان عليه شيء» . # فالحق: هو الأخذ بموجب هذه السنن الصحيحة الصريحة، والناظر إلى القاتل ~~يقتل المسلم، وهو يستطيع أن يخلصه وينهاه: أعظم إثما عند الله تعالى، وأحق ~~بفقء العين، والله أعلم. # وقضى أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - في رجل قطع فرج امرأته: أن تؤخذ ~~منه دية الفرج، ويجبر على إمساكها، حتى تموت، وإن طلقها أنفق عليها. فلله ~~ما أحسن هذا القضاء، وأقربه من الصواب. فأما الفرج: ففيه الدية كاملة ~~اتفاقا، وأما إنفاقه عليها إن طلقها، فلأنه أفسدها على الأزواج الذين ~~يقومون بنفقتها ومصالحها فسادا لا يعود، وأما إجباره على إمساكها: فمعاقبة ~~له بنقيض قصده، فإنه قصد التخلص منها بأمر محرم، وقد كان يمكنه التخلص منها ~~بالطلاق، أو الخلع، فعدل عن ذلك ms044 إلى هذه المثلة القبيحة، فكان جزاؤه أن ~~يلزم بإمساكها إلى الموت. وقضى في مولود ولد له رأسان وصدران في حقو واحد، ~~فقالوا له: أيورث ميراث اثنين، أم ميراث واحد؟ فقال: يترك حتى ينام، ثم ~~يصاح به، فإن انتبها جميعا، كان له ميراث واحد، وإن انتبه واحد وبقي الآخر، ~~كان له ميراث اثنين. # فإن قيل: كيف يتزوج من ولد كذلك؟ قلت: هذه مسألة لم أر لها ذكرا في كتب ~~الفقهاء، وقد قال أبو جبلة: رأيت بفارس امرأة لها رأسان وصدران في حقو واحد ~~متزوجة، تغار هذه على هذه، وهذه على هذه. # PageV01P048 # والقياس: أنها تزوج، كما يتزوج النساء، ويتمتع الزوج بكل واحد من هذين ~~الفرجين والوجهين، فإن ذلك زيادة في خلق المرأة هذا إذا كان الرأسان على ~~حقو واحد ورجلين فإن كانا على حقوين، وأربعة أرجل. # فقد روى محمد بن سهل: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي، حدثني عمارة بن ~~زيد، حدثنا عبد الله بن العلاء، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ~~قال: " أتي عمر بن الخطاب، بإنسان له رأسان، وفمان، وأربع أعين، وأربع أيد، ~~وأربع أرجل، وإحليلان، ودبران. فقالوا: كيف يرث يا أمير المؤمنين؟ فدعا ~~بعلي، فقال: فيهما قضيتان، إحداهما: ينظر إذا نام، فإذا غط غطيط واحد، فنفس ~~واحدة، وإن غط كل منهما فنفسان، وأما القضية الأخرى، فيطعمان ويسقيان فإن ~~بال منهما جميعا، وتغوط منهما جميعا، فنفس واحدة، وإن بال من كل واحد منهما ~~على حدة، وتغوط من كل واحد على حدة فنفسان. فلما كان بعد ذلك طلبا النكاح. ~~فقال علي - رضي الله عنه -: لا يكون فرج في فرج وعين تنظر، ثم قال علي: أما ~~إذ حدثت فيهما الشهوة، فإنهما سيموتان جميعا سريعا، فما لبثا أن ماتا، ~~وبينهما ساعة أو نحوها. ### | 18 - # (فصل) # ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أتي بامرأة زنت، فسألها ~~فأقرت فأمر برجمها. فقال علي: لعل لها عذرا، ثم قال لها: ما حملك على ~~الزنا؟ قالت: كان لي خليط، وفي إبله ماء ولبن، ms045 ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن ~~فظمئت فاستسقيته، فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي. فأبيت عليه ثلاثا. فلما ~~ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد، فسقاني، فقال علي: الله أكبر ~~{فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173] ~~. # وفي سنن البيهقي "، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: أتي عمر بامرأة جهدها ~~العطش، فمرت على راع فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها. فشاور ~~الناس في رجمها. فقال علي: هذه مضطرة، أرى أن تخلي سبيلها، ففعل. # قلت: والعمل على هذا، لو اضطرت المرأة إلى طعام أو شراب عند رجل فمنعها ~~إلا بنفسها، وخافت الهلاك، فمكنته من نفسها فلا حد عليها. # فإن قيل: فهل يجوز لها في هذه الحال أن تمكن من نفسها، أم يجب عليها أن ~~تصبر ولو ماتت؟ قيل: هذه حكمها حكم المكرهة على الزنا، التي يقال لها: إن ~~مكنت من نفسك، وإلا قتلتك. والمكرهة لا حد عليها، ولها أن تفتدي من القتل ~~بذلك. # ولو صبرت لكان أفضل لها، ولا يجب عليها # PageV01P049 # أن تمكن من نفسها، كما لا يجب على المكره على الكفر أن يتلفظ به، وإن صبر ~~حتى قتل لم يكن آثما. فالمكرهة على الفاحشة أولى. # فإن قيل: لو وقع مثل ذلك لرجل، وقيل له: إن لم تمكن من نفسك، وإلا ~~قتلناك، أو منع الطعام والشراب، حتى يمكن من نفسه، وخاف الهلاك. فهل يجوز ~~له التمكين؟ قيل: لا يجوز له ذلك، ويصبر للموت. والفرق بينه وبين المرأة: ~~أن العار الذي يلحق المفعول به، لا يمكن تلافيه، وهو شر مما يحصل له ~~بالقتل، أو منع الطعام والشراب، حتى يموت؛ فإن هذا فساد في نفسه وعقله ~~وقلبه ودينه وعرضه، ونطفة اللوطي مسمومة، تسري في الروح والقلب، فتفسدها ~~فسادا عظيما، قل أن يرجى معه صلاح. # ففساد التفريق بين روحه وبدنه بالقتل، دون هذه المفسدة؛ ولهذا يجوز له أو ~~يجب عليه - أن يقتل من يراوده عن نفسه، إن أمكنه ذلك من غير خوف ms046 مفسدة. # ولو فعله السيد بعبده بيع عليه، ولم يمكن من استدامة ملكه عليه. وقال بعض ~~السلف: يعتق عليه. وهو قول قوي مبني على العتق بالمثلة، لا سيما إذا ~~استكرهه على ذلك، فإن هذا جار مجرى المثلة. # وقد سئل الإمام أحمد عن رجل يتهم بغلامه. فأراد بعض الناس أن يرفعه إلى ~~الإمام، فدبر غلامه فقال: يحال بينه وبينه، إذا كان فاجرا معلنا. فإن قيل: ~~فهل يباح للغلام أن يهرب؟ قيل: نعم يباح له ذلك. # قال أبو عمرو الطرسوسي - في كتاب تحريم اللواط: باب إباحة الهرب للمملوك ~~إذا أريد منه هذا البلاء - ثم ساق بإسناد صحيح إلى عبد الله بن المبارك عن ~~سفيان الثوري: " أن عبدا أتاه، فقال: إني مملوك لهؤلاء، يأمرونني بما لا ~~يصلح أو نحوه. قال: اذهب في الأرض ". # وذكر عن القاسم بن الريان، قال: سئل عبد الله بن المبارك عن الغلام إذا ~~أرادوا أن يفضحوه؟ قال يمنع، ويذب عن نفسه. قال: أرأيت إن علم أنه لا ينجيه ~~إلا القتل، أيقتل حتى ينجو؟ قال: نعم. انتهى. # قلت: ويكون مجاهدا إن قتل، وشهيدا إن قتل. فإن من قتل دون ماله فهو شهيد، ~~فكيف من قتل دون هذه الفاحشة؟ # (فصل) # PageV01P050 # ومن ذلك: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد زنت. ~~فسألها عن ذلك؟ فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، وأعادت ذلك وأيدته. فقال علي: ~~إنها لتستهل به استهلال من لا يعلم أنه حرام. فدرأ عنها الحد. وهذا من دقيق ~~الفراسة. ### | 20 - # (فصل) # ومن قضايا علي - رضي الله عنه -: أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين ~~متلطخة بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه. فسأله؟ فقال: أنا قتلته، قال: ~~اذهبوا به فاقتلوه. فلما ذهب به أقبل رجل مسرعا، فقال: يا قوم، لا تعجلوا. ~~ردوه إلى علي، فردوه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا ~~قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنا قاتله، ولم تقتله؟ قال: يا ~~أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف ms047 العسس على الرجل يتشحط في دمه، ~~وأنا واقف، وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة؟ فخفت ألا يقبل ~~مني، وأن يكون قسامة، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله. فقال ~~علي: بئسما صنعت. فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب، خرجت إلى حانوتي في ~~الغلس، فذبحت بقرة وسلختها. فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول. ~~فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا ~~بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، ~~فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما ~~له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه، فقال ~~علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال أغواني إبليس، فقتلت الرجل ~~طمعا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على ~~الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. ~~فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق. فقال للحسن: ما ~~الحكم في، هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا، ~~وقد قال الله تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [المائدة: 32] ، ~~فخلى علي عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال. # وهذا - إن وقع صلحا برضا الأولياء - فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم ~~فالمعروف من أقوال الفقهاء: أن القصاص لا يسقط بذلك. لأن الجاني قد اعترف ~~بما يوجبه، ولم يوجد ما يسقطه، فيتعين استيفاؤه. # PageV01P051 # وبعد: فلحكم أمير المؤمنين وجه قوي. # وقد وقع نظير هذه القصة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~أنها ليست في القتل. قال النسائي: حدثنا محمد بن يحيى بن كثير الحراني، ~~حدثنا عمر بن حماد بن طلحة، حدثنا أسباط ابن نصر عن سماك، عن علقمة بن ~~وائل، عن أبيه «أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح - وهي تعمد إلى ~~المسجد - بمكروه على نفسها، فاستغاثت ms048 برجل مر عليها، وفر صاحبها. ثم مر ~~عليها ذوو عدد. فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به، فأخذوه. ~~وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب ~~الآخر. فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته أنه وقع عليها. ~~وأخبر القوم: أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركني ~~هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب، هو الذي وقع علي، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: انطلقوا به فارجموه. فقام رجل، فقال: لا ترجموه، وارجموني ~~فأنا الذي فعلت بها الفعل، واعترف. فاجتمع ثلاثة عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة - فقال: أما أنت فقد ~~غفر لك. وقال للذي أغاثها قولا حسنا. فقال عمر - رضي الله عنه -: ارجم الذي ~~اعترف بالزنا. فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: لا إنه قد تاب» ~~. # ورواه الإمام أحمد في مسنده " عن محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا ~~إسرائيل عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه - فذكره. وفيه: «فقالوا يا رسول ~~الله، ارجمه فقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم» . # وقال أبو داود: ((باب في صاحب الحد يجيء فيقر " حدثنا محمد بن يحيى بن ~~فارس عن الفريابي عن إسرائيل عن سماك - فذكره بنحوه - وفيه: «ألا ترجمه؟ ~~قال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبلت منهم» . # وقال الترمذي: " باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا " حدثنا علي ~~بن حجر، أنبأنا معتمر بن سليمان الرقي عن الحجاج بن أرطاة عن عبد الجبار بن ~~وائل عن أبيه قال: «استكرهت امرأة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فدرأ عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحد، وأقامه على الذي أصابها» ~~. ولم يذكر أنه جعل لها مهرا. # قال الترمذي: هذا حديث غريب. ليس إسناده بمتصل. # وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. وسمعت محمدا يقول: عبد الجبار بن ~~وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه، ms049 يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر. ~~والعمل على هذا عند أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم: # PageV01P052 # أن ليس على المستكره حد. # ثم ساق حديث علقمة بن وائل عن أبيه من طريق محمد بن يحيى النيسابوري عن ~~الفريابي عن سماك عنه: ولفظه: «أن امرأة خرجت على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تريد الصلاة فتلقاها رجل فتجللها، فقضى حاجته منها. فصاحت، ~~فانطلق. ومر عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا. ومرت بعصابة ~~من المهاجرين، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل ~~الذي ظنت أنه وقع عليها. فأتوها به، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها، ~~فقال، يا رسول الله: أنا صاحبها. فقال لها: اذهبي فقد غفر الله لك. # وقال للرجل قولا حسنا: وقال للذي وقع عليها: ارجموه. وقال: لقد تاب توبة ~~لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم» . وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وفي ~~نسخة صحيح وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه. وهو أكبر من عبد الجبار بن ~~وائل. وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. # قلت: هذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب الذي وقع ~~في متنه. والحديث يدور على سماك. # وقد اختلفت الرواية في رجم المعترف، فقال أسباط بن نصر عن سماك: " فأبى ~~أن يرجمه " ورواية أحمد وأبي داود ظاهرة في ذلك. ورواية الترمذي عن محمد بن ~~يحيى صريحة في أنه رجمه. وهذا الاضطراب: إما من سماك - وهو الظاهر - وإما ~~ممن هو دونه. # والأشبه: أنه لم يرجمه، كما رواه أحمد والنسائي وأبو داود. ولم يذكروا ~~غير ذلك، ورواته حفظوا: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل رجمه ~~فأبى، وقال: لا " والذي قال: " إنه أمر برجمه " إما أن يكون جرى على ~~المعتاد، وإما أن يكون اشتبه عليه أمره برجم الذي جاءوا به أولا، فوهم، ~~وقال: إنه أمر برجم المعترف. وأيضا فالذين ms050 رجمهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في الزنا مضبوطون معدودون، وقصصهم محفوظة معروفة. وهم ستة نفر: ~~الغامدية، وماعز، وصاحبة العسيف، واليهوديان. # والظاهر: أن راوي الرجم في هذه القصة استبعد أن يكون قد اعترف بالزنا بين ~~يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرجمه وعلم أن من هديه: رجم ~~الزاني. فقال: " وأمر برجمه "، فإن قيل: فحديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه، ~~الظاهر أنه في هذه القصة، وقد ذكر " أنه أقام الحد على الذي أصابها ". # PageV01P053 # قيل: لا يدل لفظ الحديث على أن القصة واحدة، وإن دل، فقد قال البخاري: لم ~~يسمعه حجاج من عبد الجبار، ولا سمعه عبد الجبار من أبيه. حكاه البيهقي عنه، ~~على أن في قول البخاري: " إن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بأشهر " نظرا. ~~فإن مسلما روى في صحيحه " عن عبد الجبار قال: " كنت غلاما لا أعقل صلاة ~~أبي. .. " الحديث، وليس في ترك رجمه - مع الاعتراف - ما يخالف أصول الشرع، ~~فإنه قد تاب بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ومن تاب من حد قبل القدرة عليه سقط عنه في أصح القولين، وقد أجمع عليه ~~الناس في المحارب، وهو تنبيه على من دونه، وقد «قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - للصحابة لما فر ماعز من بين أيديهم: هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله ~~عليه؟» . # فإن قيل: فكيف تصنعون بأمره برجم المتهم الذي ظهرت براءته، ولم يقر، ولم ~~تقم عليه بينة، بل بمجرد إقرار المرأة عليه؟ # قيل: هذا - لعمر الله - هو الذي يحتاج إلى جواب شاف، فإن الرجل لم يقر، ~~بل قال: " أنا الذي أغثتها ". # فيقال - والله أعلم -: إن هذا مثل إقامة الحد باللوث الظاهر القوي، فإنه ~~أدرك وهو يشتد هاربا بين أيدي القوم؛ واعترف بأنه كان عند المرأة، وادعى ~~أنه كان مغيثا لها، وقالت المرأة: هو هذا، وهذا لوث ظاهر. # وقد أقام الصحابة حد الزنا والخمر باللوث الذي هو نظير هذا أو قريب منه؛ ~~وهو الحمل، والرائحة وجوز النبي - صلى الله عليه وسلم - لأولياء القتيل أن ~~يقسموا ms051 على عين القاتل - وإن لم يروه - للوث، ولم يدفعه إليهم. فلما انكشف ~~الأمر بخلاف ذلك تعين الرجوع إليه، كما لو شهد عليه أربعة: أنه زنى بامرأة، ~~فحكم برجمه، فإذا هي عذراء؛ أو ظهر كذبهم، فإن الحد يدرأ عنه، ولو حكم به، ~~فهذا ما ظهر في هذا الحديث الذي هو من مشكلات الأحاديث، والله أعلم. # وقرأت في كتاب أقضية علي " - رضي الله عنه - بغير إسناد - # " أن امرأة رفعت إلى علي، # PageV01P054 # وشهد عليها: أنها قد بغت، وكان من قصتها أنها كانت يتيمة عند رجل، وكان ~~للرجل امرأة؛ وكان كثير الغيبة عن أهله. فشبت اليتيمة، فخافت المرأة أن ~~يتزوجها زوجها؛ فدعت نسوة حتى أمسكنها. فأخذت عذرتها بأصبعها؛ فلما قدم ~~زوجها من غيبته رمتها المرأة بالفاحشة، وأقامت البينة من جاراتها اللواتي ~~ساعدنها على ذلك. فسأل المرأة: ألك شهود؟ قالت: نعم. هؤلاء جاراتي يشهدن ~~بما أقول. فأحضرهن علي، وأحضر السيف، وطرحه بين يديه، وفرق بينهن. فأدخل كل ~~امرأة بيتا؛ فدعا امرأة الرجل، فأدارها بكل وجه؛ فلم تزل عن قولها. فردها ~~إلى البيت الذي كانت فيه. ودعا بإحدى الشهود، وجثا على ركبتيه. # وقال: قد قالت المرأة ما قالت، ورجعت إلى الحق، وأعطيتها الأمان؛ وإن لم ~~تصدقيني لأفعلن، ولأفعلن. فقالت: لا والله، ما فعلت، إلا أنها رأت جمالا ~~وهيبة، فخافت فساد زوجها؛ فدعتنا وأمسكناها لها، حتى افتضتها بأصبعها؛ قال ~~علي: الله أكبر؛ أنا أول من فرق بين الشاهدين. فألزم المرأة حد القذف؛ ~~وألزم النسوة جميعا العقر، وأمر الرجل أن يطلق المرأة، وزوجه اليتيمة، وساق ~~إليها المهر من عنده. ثم حدثهم: أن دانيال كان يتيما، لا أب له ولا أم، وأن ~~عجوزا من بني إسرائيل ضمته وكفلته، وأن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان له ~~قاضيان. وكانت امرأة مهيبة جميلة، تأتي الملك فتناصحه وتقص عليه، وأن ~~القاضيين عشقاها. فراوداها عن نفسها فأبت، فشهدا عليها عند الملك أنها بغت. ~~فدخل الملك من ذلك أمر عظيم فاشتد غمه، وكان بها معجبا. فقال لهما: إن ~~قولكما مقبول، وأجلها ثلاثة أيام، ثم ms052 ترجمونها. ونادى في البلد: احضروا رجم ~~فلانة، فأكثر الناس في ذلك، وقال الملك لثقته: هل عندك من حيلة؟ فقال: ماذا ~~عسى عندي؟ - يعني وقد شهد عليها القاضيان - فخرج ذلك الرجل في اليوم ~~الثالث، فإذا هو بغلمان يلعبون، وفيهم دانيال، وهو لا يعرفه، فقال دانيال: ~~يا معشر الصبيان تعالوا حتى أكون أنا الملك، وأنت يا فلان المرأة العابدة، ~~وفلان وفلان القاضيين الشاهدين عليها. ثم جمع ترابا وجعل سيفا من قصب، وقال ~~للصبيان: خذوا بيد هذا القاضي إلى مكان كذا وكذا ففعلوا، ثم دعا الآخر، ~~فقال له: قل الحق، فإن لم تفعل قتلتك، بأي شيء تشهد؟ - والوزير واقف ينظر ~~ويسمع - فقال أشهد أنها بغت، قال: متى؟ قال: في يوم كذا وكذا. قال: مع من؟ ~~قال: مع فلان بن فلان. قال: في أي مكان؟ قال في مكان كذا وكذا، فقال: ردوه ~~إلى مكانه، وهاتوا الآخر. فردوه إلى مكانه، وجاءوا بالآخر، فقال: بأي شيء ~~تشهد؟ قال: بغت. قال: متى؟ قال: يوم كذا وكذا، قال: مع من؟ قال: مع فلان بن ~~فلان، قال: # PageV01P055 # وأين؟ قال: في موضع كذا وكذا، فخالف صاحبه، فقال دانيال: الله أكبر، شهدا ~~عليها والله بالزور، فاحضروا قتلهما. فذهب الثقة إلى الملك مبادرا، فأخبره ~~الخبر، فبعث إلى القاضيين، ففرق بينهما. وفعل بهما ما فعل دانيال. فاختلفا ~~كما اختلف الغلامان. فنادى الملك في الناس: أن احضروا قتل القاضيين، ~~فقتلهما. ### | [فصل في الحبس في الدين] ### | 21 - # (فصل) # وكان علي - رضي الله عنه - لا يحبس في الدين، ويقول: " إنه ظلم ". # قال أبو داود في غير كتاب السنن: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا مروان يعني ~~ابن معاوية - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن علي، قال: قال علي: " حبس الرجل ~~في السجن بعد معرفة ما عليه من الحق ظلم ". # وقال ابن أبي شيبة، حدثنا ابن فضيل، عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر، عن ~~علي قال: " حبس الرجل في السجن بعد أن يعلم ما عليه ظلم ". # وقال أبو حاتم الرازي: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن إسحاق، ms053 عن أبي جعفر، أن ~~عليا كان يقول: " حبس الرجل في السجن بعد أن يعلم ما عليه من الحق ظلم ". # وقال أبو نعيم: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: سمعت عبد الملك بن عمير ~~يقول: " إن عليا كان إذا جاءه الرجل بغريمه، قال: لي عليه كذا. يقول: اقضه ~~فيقول: ما عندي ما أقضيه، فيقول: غريمه: إنه كاذب، وإنه غيب ماله. فيقول: ~~هلم بينة على ماله يقضى لك عليه. فيقول: إنه غيبه. فيقول: استحلفه بالله ما ~~غيب منه شيئا. قال: لا أرضى بيمينه. فيقول: فما تريد؟ قال: أريد أن تحبسه ~~لي، فيقول: لا أعينك على ظلمه، ولا أحبسه، قال: إذن ألزمه، فيقول: إن لزمته ~~كنت ظالما له، وأنا حائل بينك وبينه ". # قلت: هذا الحكم عليه جمهور الأئمة فيما إذا كان عليه دين عن غير عوض ~~مالي، كالإتلاف والضمان والمهر ونحوه فإن القول قوله مع يمينه ولا يحل حبسه ~~بمجرد قول الغريم: إنه مليء، وإنه غيب ماله. # قالوا: وكيف يقبل قول غريمه عليه، ولا أصل هناك يستصحبه ولا عوض هذا الذي ~~ذكره أصحاب الشافعي ومالك وأحمد. # وأما أصحاب أبي حنيفة: فإنهم قسموا الدين إلى ثلاثة أقسام: قسم عن عوض ~~مالي، كالقرض، وثمن المبيع ونحوهما. # وقسم لزمه بالتزامه، كالكفالة والمهر وعوض الخلع ونحوه، وقسم لزمه بغير # PageV01P056 # التزامه، وليس في مقابلة عوض، كبدل المتلف وأرش الجناية، ونفقة الأقارب ~~والزوجات، وإعتاق العبد المشترك ونحوه. # ففي القسمين الأولين: يسأل المدعي عن إعسار غريمه، فإن أقر بإعساره لم ~~يحبس له، وإن أنكر إعساره، وسأل حبسه: حبس، لأن الأصل بقاء عوض الدين عنده، ~~والتزامه للقسم الآخر باختياره: يدل على قدرته على الوفاء وهل تسمع بينة ~~بالإعسار قبل الحبس أو بعده؟ على قولين عندهم. # وإذا قيل: لا تسمع إلا بعد الحبس، فقال بعضهم: تكون مدة الحبس شهرا، ~~وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: ستة، والصحيح: أنه لا حد له، ~~وأنه مفوض إلى رأي الحاكم. # والذي يدل عليه الكتاب والسنة، وقواعد الشرع: أنه لا يحبس في شيء من ذلك، ~~إلا أن ms054 يظهر بقرينة أنه قادر مماطل، سواء كان دينه عن عوض أو عن غير عوض، ~~وسواء لزمه باختياره أو بغير اختياره. # فإن الحبس عقوبة، والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها، وهي من جنس الحدود، ~~فلا يجوز إيقاعها بالشبهة، بل يتثبت الحاكم، ويتأمل حال الخصم، ويسأل عنه، ~~فإن تبين له مطله وظلمه ضربه إلى أن يوفي أو يحبسه، وإن تبين له بالقرائن ~~والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه ولو أنكر غريمه إعساره، فإن عقوبة ~~المعذور شرعا ظلم. # وإن لم يتبين له من حاله شيء أخره حتى يتبين له حاله. وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لغرماء المفلس الذي لم يكن له ما يوفي دينه: «خذوا ما ~~وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» وهذا صريح في أنه ليس لهم إذا أخذوا ما وجدوه إلا ~~ذلك، وليس لهم حبسه ولا ملازمته ولا ريب أن الحبس من جنس الضرب، بل قد يكون ~~أشد منه، ولو قال الغريم للحاكم: اضربه إلى أن يحضر المال، لم يجبه إلى ذلك ~~فكيف يجيبه إلى الحبس الذي هو مثله أو أشد. # ولم يحبس الرسول - صلى الله عليه وسلم - طول مدته أحدا في دين قط، ولا ~~أبو بكر بعده ولا عمر ولا عثمان - رضي الله عنهم -؛ وقد ذكرنا قول علي - ~~رضي الله عنه -. # PageV01P057 # قال شيخنا - رحمه الله -: وكذلك لم يحبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا أحد من الخلفاء الراشدين زوجا في صداق امرأته أصلا. # وفي رسالة الليث إلى مالك - التي رواها يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ في ~~تاريخه " عن أيوب عن يحيى بن عبيد الله بن أبي بكر المخزومي، قال: هذه ~~رسالة الليث بن سعد إلى مالك فذكرها إلى أن قال: " ومن ذلك: أن أهل المدينة ~~يقضون في صدقات النساء، أنها متى شاءت أن تكلم في مؤخر صداقها تكلمت، فيدفع ~~إليها. # وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك، وأهل الشام وأهل مصر ولم يقض ~~أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا من بعده لامرأة ms055 بصداقها ~~المؤخر، إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق، فتقوم على حقها. # قلت: مراده بالمؤخر: الذي أخر قبضه عن العقد، فترك مسمى، وليس المراد به: ~~المؤجل. فإن الأمة مجمعة على أن المرأة لا تطالب به قبل أجله، بل هو كسائر ~~الديون المؤجلة، وإنما المراد: ما يفعله الناس من تقديم بعض المهر إلى ~~المرأة، وإرجاء الباقي، كما يفعله الناس اليوم، وقد دخلت الزوجة والأولياء ~~على تأخيره إلى الفرقة، وعدم المطالبة به ما داما متفقين. # ولذلك لا تطالب به إلا عند الشر والخصومة، أو تزوجه بغيرها، والله يعلم - ~~والزوج والشهود والمرأة والأولياء - أن الزوج والزوجة لم يدخلا إلا على ذلك ~~وكثير من الناس يسمي صداقا تتجمل به المرأة وأهلها، ويعدونه - بل يحلفون له ~~- أنهم لا يطالبون به. # فهذا لا تسمع دعوى المرأة به قبل الطلاق، أو الموت، ولا يطالب به الزوج ~~ولا يحبس به أصلا، وقد نص أحمد على ذلك، وأنها إنما تطالب به عند الفرقة أو ~~الموت، وهذا هو الصواب الذي لا تقوم مصلحة الناس إلا به. # قال شيخنا: ومن حين سلط النساء على المطالبة بالصدقات المؤخرة، وحبس ~~الأزواج عليها، حدث من الشرور والفساد ما الله به عليم. # وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها في البيت، ومنعها من البروز، ~~والخروج من منزله والذهاب حيث شاءت: تدعي بصداقها، وتحبس الزوج عليه، ~~وتنطلق حيث شاءت، فيبيت الزوج ويظل يتلوى في الحبس، وتبيت المرأة فيما تبيت ~~فيه فإن قيل فالشرط إنما يكتبه حالا في ذمته تطالبه به متى شاءت. # قيل: لا عبرة بهذا بعد الاطلاع على حقيقة الحال، وأن الزوج لو عرف أن هذا ~~دين حال تطالبه به بعد يوم أو شهر، وتحبسه عليه: لم يقدم على ذلك أبدا، ~~وإنما دخلوا على أن ذلك مسمى، تتجمل به المرأة، والمهر هو ما ساق إليها، ~~فإن قدر بينهما طلاق أو موت، طالبته بذلك. # وهذا هو الذي في نظر الناس وعرفهم وعوائدهم، ولا تستقيم أمورهم إلا به، ~~والله المستعان. # PageV01P058 # والمقصود: أن الحبس في الدين من جنس ms056 الضرب بالسياط والعصي فيه، وذلك ~~عقوبة لا تسوغ إلا عند تحقق السبب الموجب ولا تسوغ بالشبهة، بل سقوطها ~~بالشبهة أقرب إلى قواعد الشريعة من ثبوتها بالشبهة، والله أعلم. # وقال الأصبغ بن نباتة: بينما علي - رضي الله عنه - جالس في مجلسه، إذ سمع ~~ضجة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجل سرق، ومعه من يشهد عليه، فأمر بإحضارهم، ~~فدخلوا، فشهد شاهدان عليه: أنه سرق درعا، فجعل الرجل يبكي، ويناشد عليا أن ~~يتثبت في أمره. فخرج علي إلى مجتمع الناس بالسوق، فدعا بالشاهدين فناشدهما ~~الله وخوفهما، فأقاما على شهادتهما. فلما رآهما لا يرجعان دعا بالسكين ~~وقال: ليمسك أحدكما يده ويقطع الآخر، فتقدما ليقطعاه، فهاج الناس، واختلط ~~بعضهم ببعض، وقام علي عن الموضع. فأرسل الشاهدان يد الرجل وهربا. فقال علي: ~~من يدلني على الشاهدين الكاذبين؟ فلم يوقف لهما على خبر، فخلى سبيل الرجل. # وهذا من أحسن الفراسة، وأصدقها، فإنه ولى الشاهدين من ذلك ما توليا، ~~وأمرهما أن يقطعا بأيديهما من قطعا يده بألسنتهما، ومن هاهنا قالوا: إنه ~~يبدأ الشهود بالرجم إذا شهدوا بالزنا. # وجاءت إلى علي - رضي الله عنه - امرأة، فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي ~~بغير أمري، فقال للرجل: ما تقول؟ قال: ما وقعت عليها إلا بأمرها، فقال: إن ~~كنت صادقة رجمته، وإن كنت كاذبة جلدتك الحد، وأقيمت الصلاة، وقام ليصلي، ~~ففكرت المرأة في نفسها، فلم تر لها فرجا في أن يرجم زوجها ولا في أن تجلد، ~~فولت ذاهبة، ولم يسأل عنها علي. ### | 22 - # (فصل) # ومن المنقول عن كعب بن سور، قاضي عمر بن الخطاب، أنه اختصم إليه امرأتان، ~~كان لكل واحدة منهما ولد، فانقلبت إحدى المرأتين على أحد الصبيين فقتلته، ~~فادعت كل واحدة منهما الباقي، فقال كعب: لست بسليمان بن داود، ثم دعا بتراب ~~ناعم ففرشه، ثم أمر المرأتين فوطئتا عليه. ثم مشى الصبي عليه. ثم دعا ~~القائف، فقال: انظر في هذه الأقدام، فألحقه بإحداهما. # قال عمر بن شبة: وأتى صاحب عين هجر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~فقال: يا أمير ms057 المؤمنين، إن لي عينا، فاجعل لي خراج ما تسقي، قال: هو لك، ~~فقال كعب: يا أمير المؤمنين، ليس له ذلك، قال: ولم؟ قال: لأنه يفيض ماؤه عن ~~أرضه، فيسيح في أراضي الناس، ولو حبس ماؤه في أرضه لغرقت، فلم ينتفع بأرضه ~~ولا بمائه، فمره فليحبس ماءه عن أراضي الناس إن كان صادقا، فقال له عمر - ~~رضي الله عنه -: أتستطيع أن تحبس ماءك؟ قال: لا. قال: فكانت هذه لكعب. ### | [فصل الحكم بشهادة الرجل الواحد] # (فصل) # PageV01P059 # ومن ذلك: أنه يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه، في ~~غير الحدود، ولم يوجب الله على الحكام ألا يحكموا إلا بشاهدين أصلا، وإنما ~~أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، وهذا لا يدل على أن ~~الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك، بل قد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالشاهد واليمين، وبالشاهد فقط. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بشاهد ويمين» رواه مسلم. # وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باليمين مع الشاهد الواحد» رواه ابن وهب عن سليمان بن هلال عن ربيعة عن ~~سهيل عنه. رواه أبو داود. # وقال جابر بن عبد الله: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين ~~مع الشاهد» رواه الشافعي عن الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عنه. # قال علي بن أبي طالب: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشهادة رجل ~~واحد مع يمين صاحب الحق» . رواه البيهقي من حديث شبابة. # حدثنا عبد العزيز الماجشون عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عنه، وقال: ~~«قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاهد ويمين» . رواه يعقوب بن سفيان ~~في مسنده ". # قال المنذري: وقد روي القضاء بالشاهد واليمين من رواية عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعد بن عبادة، والمغيرة ~~بن شعبة، وجماعة من الصحابة، وعمرو بن حزم، والزبيب بن ثعلبة، وقضى بذلك ms058 ~~عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -، والقاضي العدل شريح، ~~وعمر بن عبد العزيز. # قال الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد: أن ذلك عندنا هو السنة المعروفة. # قال أبو عبيد: وذلك من السنن الظاهرة التي هي أكثر من الرواية والحديث. # PageV01P060 # قال أبو عبيد: وهو الذي نختاره، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- واقتصاصا لأثره، وليس ذلك مخالفا لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم ~~الله وحكم رسوله اختلاف، إنما هو غلط في التأويل، حيث لم يجدوا ذكر اليمين ~~في الكتاب ظاهرا، فظنوه خلافا. # وإنما الخلاف: لو كان الله حظر اليمين في ذلك، ونهى عنها، والله تعالى لم ~~يمنع من اليمين، إنما أثبتها في الكتاب - إلى أن قال: {فرجل وامرأتان} ~~[البقرة: 282] وأمسك. # ثم فسرت السنة ما وراء ذلك. وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفسرة ~~للقرآن ومترجمة عنه، وعلى هذا أكثر الأحكام. كقوله: «لا وصية لوارث» و: ~~«الرجم على المحصن» . # و «النهي عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها» و «يحرم من الرضاع ما يحرم ~~من النسب» و «قطع الموارثة بين أهل الإسلام # PageV01P061 # وأهل الكفر» . # و «إيجابه على المطلقة ثلاثا: مسيس الزوج الآخر» في شرائع كثيرة، لا يوجد ~~لفظها في ظاهر الكتاب. ولكنها سنن شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فعلى الأمة اتباعها، كاتباع الكتاب. # وكذلك الشاهد واليمين لما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهما، ~~وإنما في الكتاب: {فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] علم أن ذلك إذا وجدتا، ~~فإذا عدمتا قامت اليمين مقامهما، كما علم حين مسح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على الخفين أن قوله تعالى: {وأرجلكم} [المائدة: 6] معناه: أن تكون ~~الأقدام بادية. وكذلك لما رجم المحصن في الزنا: علم أن قوله: {فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] للبكرين. # وكذلك كل ما ذكرنا من السنن على هذا فما بال الشاهد واليمين ترد من ~~بينها؟ وإنما هي ثلاث منازل في شهادات الأموال، اثنتان بظاهر الكتاب وواحدة ~~بتفسير السنة له. فالمنزلة الأولى: الرجلان. # والثانية: ms059 الرجل والمرأتان. # والثالثة: الرجل واليمين. # فمن أنكر هذه لزمه إنكار كل شيء ذكرناه، لا يجد من ذلك بدا حتى يخرج من ~~قول العلماء. # قال أبو عبيد: ويقال لمن أنكر الشاهد واليمين، وذكر أنه خلاف القرآن: ما ~~تقول في الخصم يشهد له الرجل والمرأتان، وهو واجد لرجلين يشهدان له؟ فإن ~~قالوا: الشهادة جائزة. # قيل: ليس هذا أولى بالخلاف، وقد اشترط القرآن فيه ألا يكون للمرأتين ~~شهادة إلا مع فقد أحد الرجلين، فإنه # PageV01P062 # سبحانه قال: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] ولم يقل: ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو رجلا وامرأتين. # فيكون فيه الخيار، كما جعله في الفدية كما قال تعالى: {ففدية من صيام أو ~~صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ومثل ما جعله في كفارة اليمين بإطعام عشرة ~~مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة فهذه أحكام الخيار، ولم يقل ذلك في آية ~~الدين. # ولكنه قال فيها كما قال في آية الفرائض: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} [النساء: 11] وكذلك الآية التي بعدها فقوله هاهنا: {إن لم ~~يكن} [النساء: 12] كقوله في آية الشهادة {فإن لم يكونا} [البقرة: 282] كذلك ~~قال في آية الطهور: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] وفي ~~آية الظهار {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] وكذلك في متعة ~~الحج وكفارة اليمين: أن الصوم لا يجزئ الواجد. # فأي الحكمين أولى بالخلاف: هذا أم الشاهد واليمين، الذي ليس فيه من الله ~~اشتراط منع، إنما سكت عنه، ثم فسرته السنة؟ قال أبو عبيد: وقد وجدنا في ~~حكمهم ما هو أعجب من هذا، وهو قولهم في رضاع اليتيم الذي لا مال له، وله ~~خال وابن عم موسران: إن الخال يجبر على رضاعه، لأنه محرم، وإنما اشترط ~~التنزيل غيره فقال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . # وقد أجمع المسلمون أن لا ميراث للخال مع ابن العم، ثم لم نجد هذا الحكم ~~في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من سلف العلماء، ~~وقد وجدنا الشاهد واليمين في آثار متواترة ms060 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعن غير واحد من الصحابة ومن التابعين. # وقال الربيع: قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولا أسرف ~~فيه على نفسه، قال: أرد حكم من حكم بها، لأنه خالف القرآن. # فقلت له: الله تعالى أمر بشاهدين أو شاهد وامرأتين؟ قال: نعم، فقلت: أحتم ~~من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلته؟ قلت: فقله. # قال: قد قلته. # قلت وتحدد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حدا؟ قال: نعم، حران مسلمان ~~بالغان عدلان. # قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله؟ قال: نعم. # قلت له: إن كان كما زعمت، خالفت حكم الله، قال: وأين؟ قلت: أجزت شهادة ~~أهل الذمة، وهم غير الذين شرط الله أن تجوز شهادتهم. # وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة، وهذان وجهان أعطيت بهما من جهة ~~الشهادة، ثم أعطيت بغير شهادة في القسامة وغيرها. # قلت: والقضاء باليمين مع الشاهد ليس يخالف حكم الله، بل هو موافق لحكم ~~الله، إذ فرض الله تعالى طاعة رسوله، فإن اتبعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فعن الله سبحانه قبلت، كما قبلت عن رسوله. # قال: أفيوجد لهذا نظير في القرآن؟ قلت: نعم. # أمر الله سبحانه في الوضوء بغسل القدمين، أو مسحهما فمسحنا على الخفين ~~بالسنة. # وقال تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: ~~145] # PageV01P063 # الآية، فحرمنا نحن وأنت كل ذي ناب من السباع بالسنة. # وقال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] . فحرمنا نحن وأنت الجمع بين ~~المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، وذكر الرجم ونصاب السرقة، قال: وكان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله معنى ما أراد خاصا وعاما. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين ~~في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر النوعين من البينات في الطرق ~~التي يحفظ بها الإنسان حقه. # فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب ms061 بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ~~وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] . # فأمرهم سبحانه بحفظ حقوقهم بالكتاب وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب، ~~فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على ~~حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان. ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن ~~التخلف عن إقامتها إذا طلبوا لذلك. ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة: ألا ~~يكتبوها ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع. ثم أمرهم إذا كانوا على سفر - ولم ~~يجدوا كاتبا - أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة. كل هذا نصيحة لهم، وتعليم ~~وإرشاد لما يحفظوا به حقوقهم، وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم ~~شيء. # فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين، فإن الحاكم يحكم بالنكول ~~واليمين المردودة، ولا ذكر لهما في القرآن، فإن كان الحكم بالشاهد الواحد ~~واليمين مخالفا لكتاب الله، فالحكم بالنكول والرد أشد مخالفة. # وأيضا، فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصريحة الصحيحة، ~~ويحكم بالقافة بالسنة الصريحة الصحيحة التي لا معارض لها، ويحكم بالقسامة ~~بالسنة الصحيحة الصريحة، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان ~~متاع البيت والدكان، ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجوه ~~الآجر في الحائط فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته. # وهذا كله ليس في القرآن ولا حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~أحد من أصحابه فكيف ساغ الحكم به، ولم يجعل مخالفا لكتاب الله؟ ورد ما حكم ~~به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة ~~ويجعل مخالفا لكتاب الله؟ بل القول ما قاله أئمة الحديث: إن الحكم بالشاهد ~~واليمين: حكم بكتاب الله، فإنه حق، والله سبحانه أمر بالحكم بالحق، فهاتان ~~قضيتان ms062 ثابتتان بالنص. # PageV01P064 # أما الأولى: فلأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه من بعده ~~حكموا به ولا يحكمون بباطل. # وأما الثانية: فلقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: ~~49] وقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ~~[النساء: 105] فالحكم بالشاهد واليمين مما أراه الله إياه قطعا. # وقال تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى: 15] وهذا مما حكم به. فهو ~~عدل مأمور به من الله ولا بد. ### | 24 - # (فصل) # والذين ردوا هذه المسألة لهم طرق: الطريق الأولى: أنها خلاف كتاب الله، ~~فلا تقبل وقد بين الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم - أن كتاب الله ~~لا يخالفها بوجه، وإنها لموافقة لكتاب الله. # وأنكر الإمام أحمد والشافعي على من رد أحاديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لزعمه أنها تخالف ظاهر القرآن، وللإمام أحمد في ذلك كتاب مفرد سماه ~~كتاب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ". # والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله على ~~ثلاث منازل. # المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل. # المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه. # المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ ولا ~~يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة وليس للسنة مع كتاب الله منزلة ~~رابعة. # وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: " السنة تقضي على الكتاب " فقال: بل ~~السنة تفسر الكتاب وتبينه، والذي يشهد الله ورسوله به: أنه لم تأت سنة ~~صحيحة واحدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تناقض كتاب الله وتخالفه ~~ألبتة، كيف ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المبين لكتاب الله، وعليه ~~أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده، ~~ولو ساغ رد سنن رسول الله - صلى ms063 الله عليه وسلم - لما فهمه الرجل من ظاهر ~~الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية. # فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة # PageV01P065 # تخالف مذاهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول: ~~هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل. # حتى أن الرافضة - قبحهم الله - سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن ~~الثابتة المتواترة، فردوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نورث ما تركنا ~~صدقة» . # وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث ~~الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] . # وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة وخروج أهل ~~الكبائر من الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن. # وردت الجهمية أحاديث الرؤية - مع كثرتها وصحتها - بما فهموه من ظاهر ~~القرآن في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] وردت القدرية ~~أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن. # وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن فإما أن يطرد ~~الباب في رد هذه السنن كلها، وإما أن يطرد الباب في قبولها ولا يرد شيء ~~منها لما يفهم من ظاهر القرآن. # أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها - ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة ~~المردود - فتناقض ظاهر، وما من أحد رد سنة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد ~~قبل أضعافها مع كونها كذلك. # وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما على من رد أحاديث تحريم كل ذي ناب ~~من السباع # PageV01P066 # بظاهر قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] ~~الآية. # وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على من رد سنته التي لم تذكر في ~~القرآن، ولم يدع معارضة القرآن لها فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنته ~~تخالف القرآن وتعارضه؟ ### | 25 - # (فصل) # الطريق الثاني: أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في ~~جانب المدعي، قالوا: ويدل ms064 على ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم - «البينة ~~على من ادعى، واليمين على من أنكر» فجعل اليمين من جانب المنكر، وهذه ~~الطريقة ضعيفة جدا من وجوه. أحدها: أن أحاديث القضاء بالشاهدين واليمين أصح ~~وأصرح وأشهر. # وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة. # الثاني: أنه لو قاومها في الصحة والشهرة لوجب تقديمها عليه لخصوصها ~~وعمومه. # الثالث: أن اليمين إنما كانت في جانب المدعى عليه، حيث لم يترجح جانب ~~المدعي بشيء غير الدعوى، فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين، لقوته بأصل ~~براءة الذمة، فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل، فكانت اليمين من جهته. # فإذا ترجح المدعي بلوث، أو نكول، أو شاهد كان أولى باليمين، لقوة جانبه ~~بذلك، فاليمين - مشروعة في جانب أقوى المتداعيين، فأيهما قوي جانبه شرعت ~~اليمين في حقه بقوته وتأكيده. # ولهذا لما قوي جانب المدعين باللوث شرعت الأيمان في جانبهم، ولما قوي ~~جانب المدعي بنكول المدعى عليه ردت اليمين عليه، كما حكم به الصحابة، وصوبه ~~الإمام أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويأخذ. # ولما قوي جانب المدعى عليه بالبراءة الأصلية: كانت اليمين في حقه وكذلك ~~الأمناء، كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي: القول قولهم، ويحلفون، لقوة ~~جانبهم بالأيمان. # فهذه قاعدة الشريعة المستمرة، فإذا أقام المدعي شاهدا واحدا قوي جانبه، ~~فترجح على جانب المدعى عليه، الذي ليس معه إلا مجرد استصحاب الأصل، وهو ~~دليل ضعيف يدفع بكل دليل يخالفه، # PageV01P067 # ولهذا يدفع بالنكول واليمين المردودة واللوث والقرائن الظاهرة، فدفع بقول ~~الشاهد الواحد، وقويت شهادته بيمين المدعي. فأي قياس أحسن من هذا وأوضح؟ مع ~~موافقته للنصوص والآثار التي لا تدفع. ### | 26 - # (فصل) # وقد ذهب طائفة من قضاة السلف العادلين إلى الحكم بشهادة الشاهد الواحد، ~~إذا علم صدقه من غير يمين. # قال أبو عبيد: روينا عن عظيمين من قضاة أهل العراق: شريح، وزرارة بن أبي ~~أوفى رحمهما الله، أنهما قضيا بشهادة شاهد واحد. ولا ذكر لليمين في ~~حديثهما. # حدثنا الهيثم بن جميل عن شريك عن أبي إسحاق قال: أجاز شريح شهادتي وحدي. ~~حدثنا القاسم ms065 بن حميد عن حماد بن سلمة عن عمران بن حدير، قال: شهد أبو مجلز ~~عند زرارة بن أبي أوفى، قال أبو مجلز: فأجاز شهادتي وحدي. ولم يصب. # قلت: لم يصب عندي أبو مجلز، وإلا فإذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد جاز ~~له الحكم بشهادته، وإن رأى تقويته باليمين فعل. وإلا فليس ذلك بشرط. والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لما حكم بالشاهد واليمين لم يشترط اليمين، بل قوى ~~شهادة الشاهد. # وقد قال أبو داود في " السنن ": باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد ~~يجوز له أن يحكم به ثم ساق حديث خزيمة بن ثابت: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ابتاع فرسا من أعرابي، فأسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - المشي، ~~وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حين سمع نداء الأعرابي، فقال: أوليس قد ابتعته منك؟ قال ~~الأعرابي: لا والله، ما بعتك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بلى، قد ~~ابتعته منك. فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد ~~أنك قد بايعته. فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة، فقال: بم ~~تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة ~~خزيمة بشهادة رجلين» . ورواه النسائي. وفي هذا الحديث عدة فوائد: منها: ~~جواز شراء الإمام الشيء من رجل من رعيته. ومنها: مباشرته الشراء بنفسه. # ومنها: جواز الشراء ممن يجهل، ولا يسأل من أين لك هذا؟ ومنها: أن الإشهاد ~~على البيع ليس بلازم. # PageV01P068 # ومنها: أن الإمام إذا تيقن من غريمه اليمين الكاذبة لم يكن له تعزيره، إذ ~~هو غريمه، ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحد إذا علم صدقه، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما قال لخزيمة: أحتاج معك إلى شاهد آخر، وجعل شهادته ~~بشهادتين. لأنها تضمنت شهادته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ms066 - بالصدق ~~العام فيما يخبر به عن الله، والمؤمنون مثله في هذه الشهادة. # وانفرد خزيمة بشهادته له بعقد التبايع مع الأعرابي، دون الحاضرين، لدخول ~~هذا الخبر في جملة الأخبار التي يجب على كل مسلم تصديقه فيها، وتصديقه فيها ~~من لوازم الإيمان، وهي الشهادة التي تختص بهذه الدعوى، وقد قبلها منه وحده. ~~والحديث صريح فيما ترجم عليه أبو داود - رحمه الله -. # وليس هذا الحكم بالشاهد الواحد مخصوصا بخزيمة، دون من هو خير منه أو مثله ~~من الصحابة، فلو شهد أبو بكر وحده، أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي بن كعب ~~لكان أولى بالحكم بشهادته وحده. والأمر الذي لأجله جعل شهادته بشاهدين ~~موجود في غيره، ولكنه أقام الشهادة وأمسك عنها غيره، وبادر هو إلى وجوب ~~الأداء، إذ ذلك من موجبات تصديقه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال ~~رمضان. وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبارا، لا شهادة: أمر لفظي لا يقدح في ~~الاستدلال. ولفظ الحديث يرد قوله. # وأجاز شهادة الشاهد الواحد في قضية السلب، ولم يطالب القائل بشاهد آخر، ~~ولا استحلفه، وهذه القصة صريحة في ذلك. ففي " الصحيحين " عن أبي قتادة قال: ~~«خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عام حنين، فلما # PageV01P069 # التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من ~~المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، فضربته بالسيف على حبل عاتقه، ~~فأقبل علي، فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني. فلحقت ~~عمر بن الخطاب، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، ~~وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من قتل قتيلا له عليه بينة ~~فله سلبه قال: فقمت، ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله، ~~فقمت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت ~~عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ms067 ذلك القتيل عندي ~~فأرضه عني، فقال أبو بكر الصديق: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد ~~الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: صدق. فأعطه إياه. # قال أبو قتادة: فأعطانيه. فبعت الدرع، فابتعت به مخرفا في بني سلمة، فإنه ~~لأول مال تأثلته في الإسلام» . # وهذا يدل على أن البينة تطلق على الشاهد الواحد، ولم يستحلفه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهذا أحد الوجوه في هذه المسألة، وهو الصواب: أنه يقضي له ~~بالسلب بشهادة واحد، ولا معارض لهذه السنة، ولا مسوغ لتركها، والله أعلم. # وقد قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، ~~وقد شهدت على فعل نفسها، ففي " الصحيحين «عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم ~~يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له قال: فكيف؟ ~~وقد زعمت أن قد أرضعتكما» . # وقد نص أحمد على ذلك في رواية بكر بن محمد عن أبيه، قال في المرأة تشهد ~~على ما لا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبي، وفي الحمام يدخله النساء، ~~فتكون بينهن جراحات. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في شهادة الاستهلال: تجوز شهادة امرأة ~~واحدة في الحيض والعذرة والسقط والحمام؟ وكل ما لا يطلع عليه إلا النساء؟ ~~فقال: تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة. ### | [فصل في القضاء بشهادة النساء متفردات] ### | 27 - # (فصل) # ويجوز القضاء بشهادة النساء متفردات في غير الحدود والقصاص عند جماعة من ~~الخلف والسلف. # PageV01P070 # قال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن جرير بن حازم عن الزبير بن حريث عن أبي لبيد ~~" أن سكرانا طلق امرأته ثلاثا، فرفع ذلك إلى عمر، وشهد عليه أربع نسوة، ~~ففرق بينهما عمر ". # حدثنا ابن أبي زائدة عن يزيد عن حجاج عن عطاء أنه أجاز شهادة النساء في ~~النكاح. # حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون عن الشعبي عن شريح: أنه أجاز شهادة ~~النساء في الطلاق. ms068 وإنما رواه أبو لبيد. ولم يدرك عمر. # وقد قال بعض الناس: تجوز شهادة النساء في الحدود. فالأقوال ثلاثة، ~~أرجحها: أنه تجوز شهادة النساء متفرقات فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا. # قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: شهادة المرأة الواحدة في الرضاع تجوز؟ ~~قال: نعم. # وقال علي: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن شهادة المرأة الواحدة في الرضاع ~~تجوز؟ قال: نعم. # وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب، ومحمد بن الحسن وأبي طالب، وابن ~~منصور، ومهنا، وحرب. # واحتج بحديث عقبة بن الحارث هذا. وقال هو حجة في شهادة العبد لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادتها وهي أمة. # وقال أبو الحارث: سألت أحمد عن شهادة القابلة؟ فقال: هو موضع لا يحضره ~~الرجال، ولكن إن كن اثنتين أو ثلاثا فهو أجود. # وقال في رواية إبراهيم بن هاشم - وقد سئل عن قول القابلة: أيقبل؟ - قال: ~~كلما كثر كان أعجب إلينا: ثلاث، أو أربع. # وقال سندي: سألت أحمد عن شهادة امرأتين في الاستهلال؟ فقال: يجوز، إن هذا ~~شيء لا ينظر إليه الرجال. # وقال مهنا: سألت أحمد عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي؟ فقال: لا ~~تجوز شهادتها وحدها. # وقال لي أحمد بن حنبل، قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها. # وإن كانت يهودية أو نصرانية. # فسألت أحمد فقلت: هو كما قال أبو حنيفة؟ فقال: أنا لا أقول تجوز شهادة ~~واحدة مسلمة، فكيف أقول يهودية؟ واختلفت الرواية عنه في الاستهلال: هل ~~يكتفى فيه بواحدة أم لا بد من اثنتين؟ وكذلك الولادة. # وقال أحمد بن القاسم: سئل أحمد عن - شهادة المرأة في الولادة والاستهلال، ~~هل تجوز امرأة أو امرأتان؟ قال: امرأتان أو أكثر، وليست الواحدة مثل ~~الاثنتين. # وقد قال عطاء: أربع، ولكن امرأتان تقبل في مثل هذا، إذا كان في أمر ~~النساء فيما لا يجوز أن يراه الرجال. # PageV01P071 # وقال أحمد بن أبي عبيدة: إن أبا عبد الله قيل له: فالشهادة على ~~الاستهلال؟ قال: أحب إلي أن يكون امرأتين. # وقال حرب: سئل أحمد، قيل له: فالشهادة ms069 على الاستهلال؟ قال: لا إلا أن ~~تكون امرأتين. وكذلك كل شيء لا يطلع عليه الرجال لا تعجبه شهادة امرأة ~~واحدة، حتى تكون امرأتين. # وقال أبو طالب: قلت لأحمد: ما تقول في شهادة القابلة تشهد بالاستهلال؟ ~~فقال: تقبل شهادتها. وهذه ضرورة، قال: ويقبل قول المرأة الواحدة. # وقال هارون الحمال: سمعت أبا عبد الله يذهب إلى أنه تجوز شهادة القابلة ~~وحدها، فقيل له: إذا كانت مرضية؟ فقال: لا يكون إلا هكذا. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: هل تجوز شهادة المرأة؟ قال: شهادة ~~المرأة في الرضاع والولادة فيما لا يطلع عليه الرجال، قال: وأجوز شهادة ~~امرأة واحدة إذا كانت ثقة، فإن كان أكثر فهو أحب إلي. # وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد: هل تقبل شهادة الذمية على الاستهلال؟ ~~قال: لا، وتقبل شهادة المرأة الواحدة إذا كانت مسلمة عدلة. 28 - (فصل) # وفي هذا الباب حديثان وأثر وقياس فأحد الحديثين: متفق على صحته. وهو حديث ~~عقبة بن الحارث. وقد تقدم. # والحديث الثاني: رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من حديث أبي عبد الرحمن ~~المدائني - وهو مجهول - عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة» . # وأما الأثر: فقال مهنا: سألت أحمد عن حديث علي - رضي الله عنه -: " أنه ~~أجاز شهادة القابلة " عمن هو؟ فقال: هو عن شعبة عن جابر الجعفي عن عبد الله ~~بن يحيى عن علي. قلت: ورواه الثوري عن جابر. # وقال الشافعي: لو ثبت عن علي صرنا إليه، ولكنه لا يثبت عنه. # وتناظر الشافعي ومحمد بن الحسن في هذه المسألة بحضرة الرشيد فقال له ~~الشافعي: بأي شيء قضيت بشهادة القابلة وحدها، حتى ورثت من خليفة ملك الدنيا ~~مالا عظيما؟ قال: بعلي بن أبي طالب # PageV01P072 # قال الشافعي: فقلت. فعلي إنما روى عنه رجل مجهول، يقال له: عبد الله بن ~~يحيى. وروى عن عبد الله: جابر الجعفي، وكان يؤمن بالرجعة. # قال البيهقي: وقد روى سويد بن عبد العزيز، عن غيلان بن جامع، عن عطاء بن ~~أبي مروان، عن أبيه، ms070 عن علي - وسويد هذا: ضعيف - قال إسحاق بن إبراهيم ~~الحنظلي: لو صحت شهادة القابلة عن علي لقلنا به. ولكن في إسناده خلل. # قلت: وقد رواه أبو عبيد، حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى ~~الثعلبي، عن محمد بن الحنفية، عن علي، ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي ~~وحماد بن أبي سليمان، والحارث العكلي والضحاك. # وقد روي عن علي ما يدل على أنه لا يكتفي بشهادة المرأة الواحدة. # قال أبو عبيد: يروى عن علي بن أبي طالب: " أن رجلا أتاه، فأخبره أن امرأة ~~أتته، فذكرت أنها أرضعته وامرأته، فقال: ما كنت لأفرق بينك وبينها، وأن ~~تنزه خير لك، قال: ثم أتى ابن عباس فسأله؟ فقال له مثل ذلك. # قال: تحدثون عن ذلك بهذا عن حكام بن صالح عن قائد بن بكر عن علي وابن ~~عباس. # حدثني علي بن معبد عن عبد الله بن عمرو، عن الحارث الغنوي " أن رجلا من ~~بني عامر تزوج امرأة من قومه، فدخلت عليهما امرأة، فقالت: الحمد لله، والله ~~لقد أرضعتكما، وإنكما لابناي. فانقبض كل واحد منهما عن صاحبه، فخرج الرجل ~~حتى أتى المغيرة بن شعبة، فأخبره بقول المرأة. فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر: ~~أن ادع الرجل والمرأة، فإن كان لها بينة على ما ذكرت ففرق بينهما، وإن لم ~~يكن لها بينة فخل بين الرجل وبين امرأته، إلا أن يتنزها؛ ولو فتحنا هذا ~~الباب للناس لم تشأ امرأة أن تفرق بين اثنين إلا فعلت ". # حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، قال: سمعت زيد بن أسلم يحدث: " أن عمر بن ~~الخطاب لم يجز شهادة امرأة في الرضاع ". # حدثنا هاشم، أخبرنا ابن أبي ليلى وحجاج عن عكرمة بن خالد: " أن عمر بن ~~الخطاب أتي في امرأة شهدت على رجل وامرأته أنها قد أرضعتهما، فقال: لا، قد ~~يشهد رجلان، أو رجل وامرأتان ". # قال أبو عبيد: وهذا قول أهل العراق، وكان الأوزاعي يأخذ بقول الأول. # وأما مالك: فإنه كان يقبل فيه شهادة امرأتين. # PageV01P073 # قال أبو عبيد: أبو حنيفة وأصحابه يقبلون ms071 شهادة النساء منفردات فيما لا ~~يطلع عليه الرجال، كالولادة والبكارة وعيوب النساء، ويقبلون فيه شهادة ~~امرأة واحدة. قالوا: لأنه لا بد من ثبوت هذه الأحكام، ولا يمكن للرجال ~~الاطلاع عليها، وإنما يطلع عليها النساء على الانفراد. فوجب قبول شهادتهن ~~على الانفراد. # قالوا: وتقبل فيه شهادة الواحدة، لأن ما قبل فيه قول النساء على الانفراد ~~لم يشترط فيه العدد، كالرواية. # قالوا: وأما استهلال الصبي، فتقبل شهادة المرأة فيه بالنسبة إلى الصلاة ~~على الطفل، ولا تقبل بالنسبة إلى الميراث. # وثبوت النسب عند أبي حنيفة وعند صاحبيه يقبل أيضا، لأن الاستهلال صوت ~~يكون عقيب الولادة، وتلك حالة لا يحضرها الرجال، فدعت الضرورة إلى قبول ~~شهادتهن. # وأبو حنيفة يقضي بأحكام الشهادة، وأثبت الصلاة عليه بشهادة المرأة ~~احتياطا، ولم يثبت الميراث والنسب بشهادتها احتياطا، قالوا: وأما الرضاع: ~~فلا تقبل فيه شهادة النساء منفردات، لأن الحرمة متى ثبتت ترتب عليها زوال ~~ملك النكاح، وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة الرجال. قالوا: ولأنه مما ~~يمكن اطلاع الرجال عليه. # قال الشافعي: لا يقبل في ذلك كله أقل من أربع نسوة، أو رجل وامرأتين. # قال أبو عبيد: فأما الذين قالوا تقبل شهادة الواحدة في الرضاعة، فإنهم ~~أحلوا الرضاع محل سائر أمور النساء التي لا يطلع عليها الرجال، كالولادة ~~والاستهلال ونحوهما. # وأما الذين أخذوا بشهادة الرجلين، أو الرجل والمرأتين فإنهم رأوا أن ~~الرضاعة ليست كالفروج التي لا حظ للرجال في مشاهدتها، وجعلوها من ظواهر ~~أمور النساء، كالشهادة على الوجوه. # والذين أجازوها بالمرأتين: ذهبوا إلى أن الرضاعة - وإن لم يكن النظر في ~~التحريم كالعورات - فإنها لا تكون إلا بظهور الثدي والنحور. وهذه من محاسن ~~النساء التي قد جعل الله فرضها الستر على الرجال الأجانب، فجعلوا المرأتين ~~في ذلك كالرجلين في سائر الشهادات. # قال أبو عبيد: والذي عندنا في هذا: اتباع السنة فيما يجب على الزوج عند ~~ورود ذلك، فإذا شهدت عنده المرأة الواحدة بأنها قد أرضعته وزوجته فقد لزمته ~~الحجة من الله في اجتنابها، وتجب عليه مفارقتها، لقول رسول الله - صلى ms072 الله ~~عليه وسلم - للمستفتي في ذلك: «دعها عنك» . # وليس لأحد أن يفتي بغيره، # PageV01P074 # إلا أنه لم يبلغنا أنه - صلى الله عليه وسلم - حكم بينهما بالتفريق حكما، ~~مثل ما سن في المتلاعنين، ولا أمر فيه بالقتل، كالذي تزوج امرأة أبيه، ~~ولكنه غلظ عليه في الفتيا. # فنحن ننتهي إلى ما انتهى إليه، فإذا شهدت معها امرأة أخرى فكانتا اثنتين، ~~فهناك يجب التفريق بينهما في الحكم، وهو عندنا معنى قول عمر: " إنه لم يجز ~~شهادة المرأة الواحدة في الرضاع " وإن كان مرسلا عنه. # فإنه أحب إلينا من الذي فيه ذكر الرجلين، أو الرجل والمرأتين، لما حظر ~~على الرجال من النظر إلى محاسن النساء. # وعلى هذا يوجه حديث علي بن أبي طالب وابن عباس - رضي الله عنهما - في ~~المرأة الواحدة، إذ لم يوقتا فوق ذلك وقتا بأدنى ما يكون بعد الواحدة إلا ~~اثنتان من النساء، والله أعلم. # قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن موسى ~~بن عقبة، أخبره عن القعقاع بن حكيم، عن ابن عمر قال: " لا تجوز شهادة ~~النساء وحدهن، إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما أشبه ~~ذلك من حملهن وحيضهن ". ### | [فصل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة] ### | 29 - # (فصل) # وقد صرح الأصحاب: أنه تقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة. ~~وهو الذي نقله الخرقي في مختصره "، فقال: وتقبل شهادة الطبيب العدل في ~~الموضحة، إذا لم يقدر على طبيبين، وكذلك البيطار في داء الدابة. # قال الشيخ في " المغني ": إذا اختلفا في الجرح: هل هو موضحة، أم لا؟ أو ~~في قدره، كالهاشمة والمنقلة والمأمومة والسمحاق أو غيرها، أو اختلفا في داء ~~يختص بمعرفته الأطباء، أو داء الدابة. # فظاهر كلام الخرقي: أنه إذا قدر على طبيبين أو بيطارين لا يجتزأ بواحد ~~منهما، لأنه مما يطلع عليه الرجال، # PageV01P075 # فلم تقبل فيه شهادة رجل واحد كسائر الحقوق، وإن لم يقدر على اثنين أجزأ ~~واحد، لأنها حالة ضرورة، فإنه لا ms073 يمكن كل أحد أن يشهد به، لأنه مما يختص به ~~أهل الخبرة من أهل الصنعة، فيجعل بمنزلة العيوب تحت الثياب، تقبل فيه ~~المرأة الواحدة، فقبول قول الرجل في هذا أولى. # قال صاحب " المحرر ": ويقبل في معرفة الموضحة وداء الدابة ونحوها طبيب ~~واحد وبيطار واحد، إذا لم يوجد غيره نص عليه. ### | [فصل في القضاء بالنكول ورد اليمين] ### | 30 - # (فصل) # في القضاء بالنكول ورد اليمين وقد اختلفت الآثار في ذلك. # فروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله: " أن عبد الله بن عمر ~~باع غلاما له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله ~~بن عمر: بالغلام داء لم تسمه؟ فقال عبد الله بن عمر: إني بعته بالبراءة، ~~فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى على عبد الله بن عمر باليمين، أن يحلف له: ~~لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف له، وارتجع ~~العبد، فباعه عبد الله بن عمر بألف وخمسمائة درهم ". # قال أبو عبيد: وحكم عثمان على ابن عمر في العبد الذي كان باعه بالبراءة. ~~فرده عليه عثمان حين نكل عن اليمين، ثم لم ينكر ذلك ابن عمر من حكمه ورآه ~~لازما. # فهل يوجد إمامان أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمعنى ~~حديثه منهما؟ فذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأحمد في المشهور من مذهبه. # وأما رد اليمين: فقال أبو عبيد: حدثونا عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي ~~هند عن الشعبي: " أن المقداد استسلف من عثمان سبعة آلاف درهم. فلما قضاها ~~أتاه بأربعة آلاف، فقال عثمان: إنها سبعة، فقال المقداد: ما كانت إلا ~~أربعة، فما زالا حتى ارتفعا إلى عمر، فقال المقداد: يا أمير المؤمنين، ~~ليحلف أنها كما يقول، وليأخذها. فقال عمر: أنصفك، احلف أنها كما تقول، ~~وخذها ". # قال أبو عبيد: فهذا عمر قد حكم برد اليمين، ورأى ذلك المقداد، ولم ينكره ~~عثمان، فهؤلاء ثلاثة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عملوا برد ~~اليمين. # وحدثنا يزيد عن هشام، ms074 عن ابن سيرين، عن شريح: أنه كان إذا قضى على رجل ~~باليمين، فردها على الطالب، فلم يحلف: لم يعطه شيئا، ولم يستحلف الآخر. # وحدثنا عباد بن العوام، عن الأشعث، عن الحكم بن عتيبة، عن عون بن عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود: أن أباه كان إذا قضى على رجل باليمين، فردها على ~~الذي يدعي، فأبى أن يحلف: لم يجعل له شيئا، وقال: لا أعطيك ما لا تحلف ~~عليه. # قال أبو عبيد: على أن رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة. فالذي في ~~الكتاب: قول الله تعالى: # PageV01P076 # {اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] . # ثم قال: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين ~~استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ~~إنا إذا لمن الظالمين} [المائدة: 107] {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على ~~وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة: 108] . # وأما السنة: فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القسامة بالأيمان ~~على المدعين، فقال: «تستحقون دم صاحبكم بأن يقسم خمسون: أن يهودا قتلته. ~~فقالوا: كيف نقسم على شيء لم نحضره؟ قال: فيحلف لكم خمسون من يهود ما ~~قتلوه» . # قال: فردها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الآخرين، بعد أن حكم ~~بها للأولين. فهذا هو الأصل في رد اليمين. قلت: وهذا مذهب الشافعي ومالك. # وصوبه الإمام أحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ورضي عنه: ~~وليس المنقول عن الصحابة - رضي الله عنهم - في النكول ورد اليمين بمختلف، ~~بل هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به فرد ~~المدعى عليه اليمين، فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول ~~المدعى عليه. وهذا كحكومة عثمان والمقداد، فإن المقداد قال لعثمان: " احلف ~~أن الذي دفعته إلي كان سبعة آلاف وخذها " فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك ~~والعلم به، كيف وقد ادعى به؟ فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار. # وأما إذا ms075 كان المدعي لا يعلم ذلك، والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه ~~إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول، ولم ترد على المدعي، كحكومة عبد الله ~~بن عمر وغريمه في الغلام. فإن عثمان قضى عليه " أن يحلف أنه باع الغلام وما ~~به داء يعلمه " وهذا يمكن أن يعلمه البائع، فإنه إنما استحلفه على نفي ~~العلم: أنه لا يعلم به داء، فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله. # وعلى هذا: إذا وجد بخط أبيه في دفتره: أن له على فلان كذا وكذا، فادعى به ~~عليه، فنكل. وسأله إحلاف المدعي: أن أباه أعطاني هذا، أو أقرضني إياه، لم ~~ترد عليه اليمين، فإن حلف المدعى عليه، وإلا قضي عليه بالنكول، لأن المدعى ~~عليه يعلم ذلك. # وكذلك لو ادعى عليه: أن فلانا أحالني # PageV01P077 # عليك بمائة، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين، وقال للمدعي: أنا لا أعلم ~~أن فلانا أحالك "، ولكن احلف وخذ، فهاهنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول ~~المدعى عليه. وهذا الذي اختاره شيخنا - رحمه الله - هو فصل النزاع في ~~النكول ورد اليمين، وبالله التوفيق. ### | [فصل في مذاهب أهل المدينة في الدعاوى] ### | 31 - # (فصل) # في مذاهب أهل المدينة في الدعاوى وهو من أسد المذاهب وأصحها، وهي عندهم ~~ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة، أي تشبه أن ~~تكون حقا. # المرتبة الثانية: ما يشهد العرف بأنها غير مشبهة، إلا أنه لم يقض بكذبها. # المرتبة الثالثة: دعوى يقضي العرف بكذبها. # فأما المرتبة الأولى: فمثل أن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو يدعي غريب ~~وديعة عند غيره، أو يدعي مسافر: أنه أودع أحد رفقته، وكالمدعي على صانع ~~منتصب للعمل: أنه دفع إليه متاعا يصنعه، والمدعي على بعض أهل الأسواق ~~المنتصبين للبيع والشراء: أنه باع منه أو اشترى، وكالرجل يذكر في مرض موته: ~~أن له دينا قبل رجل، ويوصي أن يتقاضى منه فينكره وما أشبه هذه المسائل. ~~فهذه الدعوى تسمع من مدعيها، وله أن يقيم البينة على مطابقتها، أو يستحلف ~~المدعى عليه، ولا ms076 يحتاج في استحلافه إلى إثبات خلطة. # وأما المرتبة الثانية: فمثل أن يدعي على رجل دينا في ذمته، ليس داخلا في ~~الصور المتقدمة، أو يدعي على رجل معروف بكثرة المال: أنه اقترض منه مالا ~~ينفقه على عياله، أو يدعي على رجل، لا معرفة بينه وبينه ألبتة: أنه أقرضه ~~أو باعه شيئا بثمن في ذمته إلى أجل ونحو ذلك. فهذه الدعوى تسمع، ولمدعيها ~~أن يقيم البينة على مطابقتها. # قالوا: ولا يملك استحلال المدعى عليه على نفيها إلا بإثبات خلطة بينه ~~وبينه قال ابن القاسم: والخلطة أن يسالفه، أو يبايعه أو يشتري منه مرارا. # وقال سحنون: لا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بين المتداعيين. قالوا: ~~ينظر إلى دعوى المدعي. # فإن كانت تشبه أن يدعى بمثلها على المدعى عليه: أحلف له، وإن كانت مما لا ~~تشبه، وينفيها العرف: لم يحلف إلا أن يبين المدعى عليه خلطة. # قالوا: فإن لم تكن خلطة، وكان المدعى عليه متهما، فقال سحنون: يستحلف ~~المتهم، وإن لم تكن خلطة، وقال غيره: لا يستحلف. # PageV01P078 # وتثبت الخلطة عندهم بإقرار المدعى عليه بها وبالشاهدين، والشاهد واليمين، ~~والرجل الواحد، والمرأة الواحدة. # قالوا: وأما المرتبة الثالثة فمثالها: أن يكون رجل حائزا لدار، متصرفا ~~فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، ~~ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو ~~مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أنه له فيها حقا، ولا مانع يمنعه من ~~مطالبته كخوف من سلطان، أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة ~~بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث، أو ما ~~شبه ذلك مما تتسامح فيه القرابات والصهر بينهم، بل كان عريا من جميع ذلك. ~~ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بذلك ~~بينة. # فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينته وتبقى الدار بيد حائزها، لأن كل ~~دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. # قال الله تعالى: {وأمر بالعرف} ms077 [الأعراف: 199] ، وقد أوجبت الشريعة ~~الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى، كالنقد والحمولة والسير، وفي الأبنية ~~ومعاقد القمط، ووضع الجذوع على الحائط وغير ذلك. # قالوا: ومثل ذلك: أن تأتي المرأة بعد سنين متطاولة تدعي على الزوج أنه لم ~~يكسها في شتاء ولا صيف، ولا أنفق عليها شيئا. # فهذه الدعوى لا تسمع لتكذيب العرف والعادة لها، ولا سيما إذا كانت فقيرة ~~والزوج موسر. # ومن ذلك: قول القاضي عبد الوهاب في رده على المزني: مذهب مالك: أن المدعى ~~عليه لا يحلف للمدعي بمجرد دعواه، دون أن ينضم إليها علم بمخالطة بينهما أو ~~معاملة. # قال شيخنا أبو بكر: أو تكون الدعوى تليق بالمدعى عليه، لا يتناكرها ~~الناس، ولا ينفيها عرف. قال: وهذا مروي عن علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد ~~العزيز، وعن فقهاء المدينة السبعة. قال: والدليل على صحته: أنه قد ثبت ~~وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب، ويثقل على كثير من الناس، سيما على أهل ~~الدين وذوي المروءات والأقدار، وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر الأعصار، ~~لا يمكن جحده. # وكذلك روي عن جماعة من الصحابة: أنهم افتدوا أيمانهم، منهم: عثمان، وابن ~~مسعود وغيرهما، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم، ولئلا تسبق الظلمة إليهم إذا ~~حلفوا، فمن يعادي الحالف، ويحب الطعن # PageV01P079 # عليه، يجد طريقا إلى ذلك، لعظم شأن اليمين وعظم خطرها، ولهذا جعلت ~~بالمدينة عند المنبر، وأن يكون ما يحلف عليه عنده مما له حرمة، كربع دينار ~~فصاعدا، فلو مكن كل مدع أن يحلف المدعى عليه بمجرد دعواه لكان ذلك ذريعة ~~إلى امتهان أهل المروءات وذوي الأقدار والأخطار والديانات لمن يريد التشفي ~~منهم، لأنه لا يجد أقرب ولا أخف كلفة من أن يقدم الواحد منهم من يعاديه من ~~أهل الدين والفضل إلى مجلس الحاكم ليدعي عليه ما يعلم أنه لا ينهض به، أو ~~لا يعترف، ليتشفى منه بتبذله وإحلافه، وأن يراه الناس بصورة من أقدم على ~~اليمين عند الحاكم، ومن يريد أن يأخذ من أحد من هؤلاء شيئا على طريق الظلم ~~والعدوان وجد إليه ms078 سبيلا، لعله يفتدي يمينه منه، لئلا ينقص قدره في أعين ~~الناس، وكلا الأمرين موجود في الناس اليوم. # قال: وقد شاهدنا من ذلك كثيرا، وحضرناه، وأصابنا بعضه، فكان ما ذهب إليه ~~مالك ومن تقدمه من الصحابة والتابعين: حراسة لمروآت الناس، وحفظا لها من ~~الضرر اللاحق بهم، والأذى المتطرق إليهم. # فإذا قويت دعوى المدعي بمخالطة أو معاملة ضعفت التهمة، وقوي في النفس أن ~~مقصوده غير ذلك، فأحلف له، ولهذا لم يعتبر ذلك الغريب، لأن الغربة لا تكاد ~~تلحق المروءة فيها ما يلحقها في الوطن. # فإن قيل: فيجب ألا يحضره مجلس الحاكم أيضا، لأن في ذلك امتهانا له ~~وابتذالا. قيل له: حضوره مجلس الحاكم، لا عار فيه، ولا نقص يلحق من حضوره، ~~لأن الناس يحضرونه ابتداء في حوائج لهم ومهمات، وإنما العار الإقدام على ~~اليمين، لما ذكرناه. # وأيضا، فإنه يمكن المدعي من إحضاره، لعله يقيم عليه البينة، ولا يقطعه عن ~~حقه. # فإن قيل: فاليمين الصادقة لا عار فيها، وقد حلف عمر بن الخطاب وغيره من ~~السلف. # وقال لعثمان بن عفان، لما بلغه أنه افتدى يمينه " ما منعك أن تحلف إذا ~~كنت صادقا؟ ". # قيل: مكابرة العادات لا معنى لها، وأقرب ما يبطل به قولهم: ما ذكرناه من ~~افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم، وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم، ~~وألا تتطرق إليهم تهمة، وما روي عن عمر: إنما هو لتقوية نفس عثمان، وأنه ~~إذا حلف صادقا فهو مصيب في الشرع، ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات، ويطمع ~~في أموال الناس بادعاء المحال، ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم. # PageV01P080 # وأيضا: فإن أرادوا أن اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى: فصحيح، ~~ولكن ليس كل ما لم يكن عارا عند الله لم يكن عارا في العادة، ونحن نعلم أن ~~المباح لا عار فيه عند الله، هذا إذا علم كون اليمين صادقا، وكلامنا في ~~يمين مطلقة لا يعلم باطنها. # قال: ودليل آخر، وهو أن الأخذ بالعرف واجب، لقوله تعالى: {وأمر بالعرف} ~~[الأعراف: 199] . # ومعلوم أن من كانت دعواه ينفيها ms079 العرف، فإن الظن قد سبق إليه في دعواه ~~بالبطلان، كبقال يدعي على خليفة أو أمير ما لا يليق بمثله شراؤه، أو تطرق ~~تلك الدعوى عليه. # قلت: ومما يشهد لذلك ويقويه: قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام ~~أحمد وغيره - وهو ثابت عنه -: " إن الله نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب ~~العباد بعده، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته، فما رآه ~~المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح ~~". # ولا ريب أن المؤمنين - بل وغيرهم - يرون من القبيح: أن تسمع دعوى البقال ~~على الخليفة أو الأمير: أنه باعه بمائة دينار ولم يوفه إياها، أو أنه اقترض ~~منه ألف دينار أو نحوها، أو أنه تزوج ابنته الشوهاء، ودخل بها، ولم يعطها ~~مهرها. # أو تدعي امرأة مكثت مع الزوج ستين سنة أو نحوها: أنه لم ينفق عليها يوما ~~واحدا، ولا كساها خيطا، وهو يشاهد داخلا وخارجا إليها بأنواع الطعام ~~والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها، ويحبس على ذلك كله. # أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة، وعلى رأسه عمامة، ~~وخلفه عالم مكشوف الرأس، فيدعي الذاعر أن العمامة له، فتسمع دعواه، ويحكم ~~له بها بحكم اليد. # أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح: ~~أنه نقب بيته وسرق متاعه، فتسمع دعواه ويستحلف له، فإن نكل قضي عليه. # أو يدعي رجل معروف بالشحاذة وسؤال الناس: أنه أقرض تاجرا من أكبر التجار ~~مائة ألف دينار، أو أنه غصبها منه، أو أن ثياب التاجر التي هي عليه ملك ~~الشحاذ شلحه إياها، أو غصبها منه، ونحو ذلك من الدعاوى التي شهد الناس ~~بفطرهم وعقولهم: أنها من أعظم الباطل، فهذه لا تسمع، ولا يحلف فيها المدعى ~~عليه، ويعزر المدعي تعزير أمثاله. # وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل، كما قال تعالى: ~~{وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل ms080 لكلماته} [الأنعام: 115] فالشريعة ~~المنزلة من عند الله لا تصدق كاذبا، ولا تنصر ظالما. ### | [فصل هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع] ### | 32 - # (فصل) # PageV01P081 # ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ورضي الله عنه في ذلك جوابا ~~وسؤالا: هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع أم ~~لا؟ وإذا كانت من الشرع فمن يستحق ذلك، ومن لا يستحقه؟ وما قدر الضرب ومدة ~~الحبس؟ # فأجاب: الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور - سواء سموا قضاة، أو ولاة، ~~أو ولاة الأحداث، أو ولاة المظالم، أو غير ذلك من الأسماء العرفية ~~الاصطلاحية، فإن حكم الله تبارك وتعالى شامل لجميع الخلائق، وعلى كل من ولي ~~أمرا من أمور الناس، أو حكم بين اثنين: أن يحكم بالعدل: فيحكم بكتاب الله ~~وسنة رسوله وهذا هو الشرع المنزل من عند الله قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] . # وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} ~~[النساء: 58] . # وقال تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ~~الحق} [المائدة: 48] . # فالدعاوى قسمان: دعوى تهمة، ودعوى غير تهمة. فدعوى التهمة: أن يدعي فعل ~~محرم على المطلوب، يوجب عقوبته، مثل قتل، أو قطع طريق، أو سرقة، أو غير ذلك ~~من العدوان الذي يتعذر إقامة البينة عليه في غالب الأحوال. # وغير التهمة: أن يدعي عقدا: من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان، أو غير ذلك. ~~وكل من القسمين قد يكون حدا محضا، كالشرب والزنا، وقد يكون حقا محضا لآدمي، ~~كالأموال، وقد يكون متضمنا للأمرين: كالسرقة وقطع الطريق. # فهذا القسم: إن أقام المدعى - عليه - حجة شرعية، وإلا فالقول قول المدعى ~~عليه مع يمينه. # لما روى مسلم في صحيحه " عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن ms081 اليمين ~~على المدعى عليه» ، وفي رواية في الصحيحين " عنه: «قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - باليمين على المدعى عليه» . # فهذا الحديث نص في أن أحدا: لا يعطى بمجرد دعواه. ونص في أن الدعوى ~~المتضمنة للإعطاء: فيها اليمين ابتداء على المدعى عليه. # بل قد ثبت عنه في الصحيحين " في قصة القسامة: أنه قال لمدعي الدم: ~~«تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم، فقالوا: كيف نحلف، ولم نشهد، ولم ~~نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا» . # PageV01P082 # وثبت في " صحيح مسلم " عن ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى بيمين وشاهد» . وابن عباس هو الذي روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أنه قضى باليمين على المدعى عليه» وهو الذي: روى: " أنه «قضى باليمين ~~والشاهد» ولا تعارض بين الحديثين، بل هذا في دعوى، وهذا في دعوى. # وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء: «البينة على من ادعى واليمين على ~~من أنكر» فهذا قد روي، ولكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره. ولا ~~رواه عامة أصحاب السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الأمة، إلا ~~طائفة من فقهاء الكوفة، مثل أبي حنيفة وغيره، فإنهم يرون اليمين دائما في ~~جانب المنكر، حتى في القسامة، يحلفون المدعى عليه، ولا يقضون بالشاهد ~~واليمين، ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول، واستدلوا بعموم هذا ~~الحديث. # وأما سائر علماء الأمة - من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث ~~وغيرهم، مثل ابن جريج ومالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق -: فتارة يحلفون ~~المدعى عليه، كما جاءت بذلك السنة، والأصل عندهم: أن اليمين مشروعة في أقوى ~~الجانبين، وأجابوا عن ذلك الحديث: تارة بالتضعيف، وتارة بأنه عام، ~~وأحاديثهم خاصة، وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر، فالعمل بها عند التعارض ~~أولى. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه طلب البينة من المدعي، ~~واليمين من المنكر» في حكومات معينة، ليست من جنس دعاوى التهم، مثل ما خرجا ~~في " الصحيحين " عن الأشعث بن قيس أنه قال: «كان بيني وبين رجل حكومة في ~~بئر، فاختصمنا إلى ms082 النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: شاهداك أو يمينه، ~~فقلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ ~~مسلم - هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» وفي رواية فقال: «بينتك إنها ~~بئرك، وإلا فيمينه» . # وعن وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال الذي من حضرموت: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض ~~كانت لأبي، فقال الكندي؛ هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، فقال: يا ~~رسول الله الرجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: ليس ~~لك منه إلا ذلك، فلما أدبر الرجل ليحلف، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أما لئن حلف على ماله ليأكله # PageV01P083 # ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض» ، رواه مسلم. # ففي هذا الحديث: أنه لم يوجب على المطلوب إلا اليمين، مع ذكر المدعي ~~لفجوره، وقال: «ليس لك منه إلا ذلك» ، وكذلك في الحديث الأول، وكان خصم ~~الأشعث بن قيس يهوديا، هكذا جاء في " الصحيحين "، ومع هذا لم يوجب عليه إلا ~~اليمين. # وفي حديث القسامة " أن الأنصار: قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ ". # وهذا القسم لا أعلم فيه نزاعا: أن القول فيه قول المدعى عليه مع يمينه، ~~إذ لم يأت المدعي بحجة شرعية، وهي البينة، لكن البينة التي هي الحجة ~~الشرعية: تارة تكون شاهدين عدلين ذكرين، وتارة تكون رجلا وامرأتين وتارة ~~أربعة رجال، وتارة ثلاثة عند طائفة من العلماء، وذلك في دعوى إفلاس من علم ~~له مال متقدم، كما ثبت في " صحيح مسلم " من حديث قبيصة بن مخارق قال: «لا ~~تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ~~ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما ~~من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من ms083 قومه يقولون: ~~لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواهن ~~يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا» . # فهذا الحديث صريح في أنه لا يقبل في بينة الإعسار أقل من ثلاثة، وهو ~~الصواب الذي يتعين القول به: وهو اختيار بعض أصحابنا، وبعض الشافعية. # قالوا: ولأن الإعسار من الأمور الخفية التي تقوى فيها التهمة بإخفاء ~~المال، فروعي فيها الزيادة في البينة، وجعلت بين مرتبة أعلى البينات ومرتبة ~~أدنى البينات. # وتارة تكون الحجة شاهدا ويمين الطالب، وتارة تكون امرأة واحدة عند أبي ~~حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وامرأتين عند مالك وأحمد في رواية، وأربع نسوة ~~عند الشافعي، وتارة تكون رجلا واحدا # PageV01P084 # في داء الدابة، وشهادة الطبيب، إذا لم يوجد اثنان، كما نص عليه أحمد. # وتارة تكون لوثا ولطخا مع أيمان المدعين، كما في القسامة، وامتازت بكون ~~الأيمان فيها خمسين: تغليظا لشأن الدم، كما امتاز اللعان بكون الأيمان فيه ~~أربعا. # والقسامة يجب فيها القود عند مالك وأحمد وأبي حنيفة، وتوجب الدية فقط عند ~~الشافعي، وأما أهل الرأي: فيحلفون فيها المدعى عليه خاصة، ويوجبون عليه ~~الدية مع تحليفه. # قلت: وتارة تكون الحجة نكولا فقط من غير رد اليمين، وتارة تكون يمينا ~~مردودة، مع نكول المدعى عليه، كما قضى الصحابة بهذا وهذا، وتارة تكون ~~علامات يصفها المدعي، يعلم بها صدقه، كالعلامات التي يصفها من سقطت منه ~~لقطة لواجدها، فيجب حينئذ الدفع إليه بالصفة عند الإمام أحمد وغيره، ويجوز ~~عند الشافعي، ولا يجب، وتارة تكون شبها بينا يدل على ثبوت النسب، فيجب ~~إلحاق النسب به عند جمهور من السلف والخلف، كما في القافة التي اعتبرها ~~رسول الله، وحكم بها الصحابة من بعده، وتارة تكون علامات يختص بها أحد ~~المتداعيين، فيقدم بها، كما نص عليه الإمام أحمد في المكري والمكتري ~~يتداعيان دفينا في الدار، فيصفه أحدهما، فيكون له مع يمينه، وتارة تكون ~~علامات في بدن اللقيط يصفه به أحد المتداعيين، فيقدم بها، كما نص عليه ~~أحمد. # وتارة تكون قرائن ظاهرة يحكم بها للمدعي ms084 مع يمينه، كما إذا تنازع الخياط ~~والنجار في آلات صناعتهما، حكم بكل آلة لمن تصلح له عند الجمهور، وكذلك إذا ~~تنازع الزوجان في متاع البيت، حكم للرجل بما يصلح له، وللمرأة بما يصلح ~~لها، ولم ينازع في ذلك إلا الشافعي، فإنه قسم عمامة الرجل وثيابه بينه وبين ~~المرأة، وكذلك قسم خف المرأة وحلقها ومغزلها بينها وبين الرجل. # وأما الجمهور - كمالك وأحمد وأبي حنيفة فإنهم نظروا إلى القرائن الظاهرة ~~والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منهما بما يصلح له، ورأوا ~~أن الدعوى تترجح بما هو دون ذلك بكثير، كاليد والبراءة والنكول، واليمين ~~المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، فيثير ذلك ظنا تترجح به ~~الدعوى، ومعلوم أن الظن الحاصل هاهنا أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل ~~بتلك الأشياء، وهذا مما لا يمكن جحده ودفعه. # وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع، علامات وأمارات تدل عليه ~~وتبينه، قال تعالى: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم ~~تهتدون} [النحل: 15] {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] ونصب على ~~القبلة علامات وأدلة، ونصب على الإيمان والنفاق # PageV01P085 # علامات وأدلة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المسجد فاشهدوا له بالإيمان» فجعل اعتياد شهود المسجد من علامات الإيمان ~~وجوز لنا أن نشهد بإيمان صاحبها، مستندين إلى تلك العلامة، والشهادة إنما ~~تكون على القطع، فدل على أن الأمارة تفيد القطع وتسوغ الشهادة. # وقال: «آية المنافق ثلاث» . وفي لفظ: «علامة المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، ~~وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . # وفي السنن: «ثلاث من علامات الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ~~والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور ~~جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار» . # وقد نصب الله تعالى الآيات دالة عليه وعلى وحدانيته وأسمائه وصفاته، ~~فكذلك هي دالة على عدله وأحكامه، والآية مستلزمة لمدلولها لا ينفك عنها، ~~فحيث وجد الملزوم وجد لازمه، فإذا وجدت آية الحق ثبت الحق، ولم يتخلف ثبوته ~~عن آيته ms085 وأمارته، فالحكم بغيره حينئذ يكون حكما بالباطل. # وقد اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من بعده العلامات في ~~الأحكام، وجعلوها مبينة لها، كما اعتبر العلامات في اللقطة، وجعل صفة ~~الواصف لها آية وعلامة على صدقه، وأنها له. # وقال لجابر: «خذ من وكيلي وسقا، فإن التمس منك آية، فضع يدك على ترقوته» ~~فنزل هذه العلامة منزلة البينة التي تشهد أنه أذن له أن يدفع إليك ذلك، كما ~~نزل الصفة للقطة منزلة البينة، بل هذا نفسه بينة، إذ البينة ما تبين الحق ~~من قول وفعل ووصف. # PageV01P086 # وجعل الصحابة - رضي الله عنهم - الحبل علامة وآية على الزنا فحدوا به ~~المرأة وإن لم تقر، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، ~~وجعلوا رائحة الخمر وقيئه لها: آية وعلامة على شربها، بمنزلة الإقرار ~~والشاهدين. # وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر كفار قريش يوم بدر عشر جزائر أو ~~تسعا: آية وعلامة على كونهم ما بين الألف والتسعمائة، فأخبر عنهم بهذا ~~القدر بعد ذكر هذه العلامة. # وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كثرة المال وقصر مدة إنفاقه: آية ~~وعلامة على كذب المدعي لذهابه في النفقة والنوائب في قصة حيي بن أخطب، وقد ~~تقدمت وأجاز العقوبة بناء على هذه العلامة، واعتبر العلامة في السيف وظهور ~~أثر الدم به في الحكم بالسلب لأحد المتداعيين، ونزل الأثر منزلة بينة. # واعتبر العلامة في ولد الملاعنة، وقال: «أنظروها، فإن جاءت به على نعت ~~كذا وكذا فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت ~~به» فأخبر أنه للذي رميت به لهذه العلامات والصفات، ولم يحكم به له، لأنه ~~لم يدعه، ولم يقر به، ولا كانت الملاعنة فراشا له. # واعتبر نبات الشعر حول القبل في البلوغ، وجعله آية وعلامة له، فكان يقتل ~~من الأسرى يوم قريظة من وجده في تلك العلامة، ويستبقي من لم تكن فيه، ولهذا ~~جعله طائفة من الفقهاء - كالشافعي - علامة في حق الكفار خاصة. # وجعل الحيض علامة على براءة الرحم ms086 من الحمل، فجوز وطء الأمة المسبية إذا ~~حاضت حيضة، لوجود علامة خلوها من الحبل، فلما منع من وطء الأمة الحامل، ~~وجوز وطأها إذا حاضت، كان ذلك اعتبارا لهذه العلامة والأمارة. # واعتبر العلامة في الدم الذي تراه المرأة ويشتبه عليها، هل هو حيض، أو ~~استحاضة؟ واعتبر العلامة فيه بوقته ولونه، وحكم بكونه حيضا بناء على ذلك. ~~وهذا في الشريعة أكثر من أن يحصر وتستوفى شواهده. # فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية فقد عطل كثيرا من الأحكام، ~~وضيع كثيرا من الحقوق، والناس في هذا الباب طرفان ووسط. # قال شيخنا - رحمه الله -: وقد وقع فيه من التفريط من بعض ولاة الأمور ~~والعدوان من بعضهم: ما أوجب الجهل بالحق، والظلم للخلق، وصار لفظ " الشرع " ~~غير مطابق لمعناه الأصلي، بل لفظ " الشرع " في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام: # PageV01P087 # الشرع المنزل، وهو الكتاب والسنة، واتباع هذا الشرع واجب، ومن خرج عنه ~~وجب قتاله، وتدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء وولاة المال، وحكم ~~الحاكم، ومشيخة الشيوخ، وولاة الحسبة وغير ذلك، فكل هؤلاء عليهم أن يحكموا ~~بالشرع المنزل، ولا يخرجوا عنه. # الثاني: الشرع المتأول، وهو مورد النزاع والاجتهاد بين الأئمة، فمن أخذ ~~بما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه، ولم يجب على جميع الناس موافقته إلا بحجة ~~لا مرد لها من كتاب الله وسنة رسوله. # والثالث: الشرع المبدل، مثل ما يثبت بشهادات الزور، ويحكم فيه بالجهل ~~والظلم، أو يؤمر فيه بإقرار باطل لإضاعة حق، مثل تعليم المريض أن يقر لوارث ~~بما ليس له، ليبطل به حق بقية الورثة، والأمر بذلك حرام، والشهادة عليه ~~محرمة، والحاكم إذا عرف باطن الأمر، وأنه غير مطابق للحق فحكم به كان جائرا ~~آثما، وإن لم يعرف باطن الأمر لم يأثم، فقد قال سيد الحكام - صلوات الله ~~وسلامه عليه - في الحديث المتفق عليه «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا ~~يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» . ### | [فصل ms087 في دعاوى التهم] ### | 33 - # (فصل) # في التهم القسم الثاني من الدعاوى، دعاوى التهم: وهي دعوى الجناية ~~والأفعال المحرمة كدعوى القتل، وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان. # فهذا ينقسم المدعى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام، فإن المتهم إما أن يكون ~~بريئا ليس من أهل تلك التهمة، أو فاجرا من أهلها، أو مجهول الحال لا يعرف ~~الوالي والحاكم. # فإن كان بريئا لم تجز عقوبته اتفاقا، واختلفوا في عقوبة المتهم له على ~~قولين أصحهما: أنه يعاقب صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء. # قال مالك وأشهب رحمهما الله: لا أدب على المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى ~~عليه وعيبه وشتمه، فيؤدب. # وقال أصبغ: يؤدب، قصد أذيته أو لم يقصد، وهل يحلف في هذه الصورة؟ فإن كان # PageV01P088 # المدعى حدا لله لم يحلف عليه، وإن كان حقا لآدمي ففيه قولان، مبنيان على ~~سماع الدعوى، فإن سمع الدعوى حلف له، وإلا لم يحلف. # والصحيح: أنه لا تسمع الدعوى في هذه الصورة، ولا يحلف المتهم لئلا يتطرق ~~الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأولي الفضل والأخطار، كما تقدم من أن ~~المسلمين يرون ذلك قبيحا. ### | 34 - # (فصل) # القسم الثاني: أن يكون المتهم مجهول الحال، لا يعرف ببر ولا فجور، فهذا ~~يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام، والمنصوص عليه عند أكثر ~~الأئمة: أنه يحبسه القاضي والوالي، هكذا نص عليه مالك وأصحابه، وهو منصوص ~~الإمام أحمد ومحققي أصحابه، وذكره أصحاب أبي حنيفة. # وقال الإمام أحمد: قد حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في تهمة، قال ~~أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره، وقد روى أبو داود في سننه " وأحمد ~~وغيرهما من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حبس في تهمة» # وفي " جامع الخلال " عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حبس في تهمة يوما وليلة» . # والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي ~~إذا طلب المدعى عليه، الذي يسوغ إحضاره: وجب على الحاكم إحضاره ms088 إلى مجلس ~~الحكم، حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوى - التي هي عند بعضهم بريد ~~- وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في يومه، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي ~~وأحمد، وهو رواية عن أحمد، وعن بعضهم يحضره من مسافة القصر، وهي مسيرة ~~يومين، كما هي الرواية الأخرى عن أحمد. # ثم إن الحاكم قد يكون مشغولا عن تعجيل الفصل، وقد تكون عنده حكومات ~~سابقة، فيكون المطلوب محبوسا معوقا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين ~~خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففي التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو ~~السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان ~~في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ~~ولهذا سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - " أسيرا " كما روى أبو داود وابن ~~ماجه، عن الهرماس بن حبيب عن أبيه # PageV01P089 # عن جده، قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بغريم لي، فقال: الزمه، ~~ثم قال لي: يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك؟» # وفي رواية ابن ماجه «ثم مر بي آخر النهار، فقال: ما فعل أسيرك يا أخا بني ~~تميم؟» وكان هذا هو الحبس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم ولكن لما انتشرت ~~الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها، ولهذا ~~تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الإمام حبسا؟ على قولين: فمن ~~قال: لا يتخذ حبسا، قال: لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~لخليفته بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ - وهو ~~الذي يسمى الترسيم أو يأمر غريمه بملازمته كما فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ومن قال: له أن يتخذ حبسا، قال: قد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أمية ~~دارا بأربعة آلاف، وجعلها حبسا. # ولما كان حضور مجلس الحاكم من ms089 جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم ~~المطلوب بمجرد الدعوى أو لا يحضر حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلا، على ~~قولين، هما روايتان عن أحمد، والأول: قول أبي حنيفة والشافعي، والثاني: قول ~~مالك. ### | 35 - # (فصل) # ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي الحرب، دون القاضي، وقد ذكر ~~هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد الله الزبيري، والماوردي وغيرهما ~~وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في أدب القضاة وغيرهم، واختلفوا في مقدار ~~الحبس في التهمة، هل هو مقدر؟ أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم - على ~~قولين: ذكرهما الماوردي وأبو يعلى وغيرهما - فقال الزبيري: هو مقدر بشهر، ~~وقال الماوردي: غير مقدر. ### | 36 - # (فصل) # القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفا بالفجور، كالسرقة وقطع الطريق ~~والقتل ونحو ذلك، فإذا # PageV01P090 # جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى. # قال شيخنا ابن تيمية - رحمه الله -: وما علمت أحدا من أئمة المسلمين ~~يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف، ويرسل بلا حبس ولا غيره ~~فليس هذا - على إطلاقه - مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من ~~الأئمة، ومن زعم أن هذا - على إطلاقه وعمومه - هو الشرع: فقد غلط غلطا ~~فاحشا مخالفا لنصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجماع الأمة. # وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع ~~لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل ~~الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة، جعلها ~~هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا ~~يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، ~~وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة. # والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في ~~معرفة الشرع الذي أنزل الله على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه، ~~فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال ~~أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في ms090 خبر الفاسق، ولم يأمر برده ~~مطلقا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، ~~والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير ~~من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكاما، وقصر كثير من ~~أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام. ### | 37 - # (فصل) # ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق. # قال شيخنا: واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما أو ~~لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي. وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد ~~وغيرهم، منهم أشهب بن عبد العزيز قاضي مصر، فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ~~ويضرب بالسوط مجردا. # والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ~~وأحمد، حكاه القاضيان. # PageV01P091 # ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات، وذلك إنما يكون ~~بعد ثبوت أسبابها وتحققها. # والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب، وهذا قول أصبغ وكثير من الطوائف ~~الثلاثة، بل قول أكثرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول. # ثم قالت طائفة، منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف، وابن الماجشون: إنه يحبس ~~حتى يموت. # ونص عليه الإمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته عن بدعته: أنه يحبس حتى ~~يموت، وقال مالك: لا يحبس إلى الموت. ### | 38 - # (فصل) # والذين جعلوا عقوبته للوالي، دون القاضي، قالوا: ولاية أمير الحرب ~~معتمدها المنع من الفساد في الأرض، وقمع أهل الشر والعدوان. # وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام، بخلاف ولاية ~~الحكم، فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها وإثباتها. # قال شيخنا: وهذا القول هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ~~ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أن والي الصدقات يملك من أمر القبض والصرف ~~ما لا يملكه والي الخراج وعكسه، كذلك ms091 والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ~~ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدل والتقيد بالشريعة. ### | 39 - # (فصل) # وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده، وقد جحده، فمتفق عليها بين العلماء، لا ~~نزاع بينهم أن من وجب عليه حق من عين أو دين - وهو قادر على أدائه - وامتنع ~~منه، أنه يعاقب حتى يؤديه، ونصوا على عقوبته بالضرب، ذكر ذلك الفقهاء من ~~الطوائف الأربعة. # وقال أصحاب أحمد: إذا أسلم وتحته أختان، أو أكثر من أربع، أمر أن يختار ~~إحدى الأختين، أو أربعا، فإن أبى؛ حبس، وضرب حتى يختار، قالوا: وهكذا كل من ~~وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه؛ فإنه يضرب حتى يؤديه. # وفي " السنن " عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مطل الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته» ، والعقوبة لا # PageV01P092 # تختص بالحبس، بل هي في الضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «مطل الغني ظلم» والظالم يستحق العقوبة شرعا. ### | [فصل في التعزير] ### | 40 - # (فصل) # التعزير واتفق العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية، ليس فيها حد ~~وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم، فمن ترك الواجبات مع القدرة عليها، ~~كقضاء الديون، وأداء الأمانات: من الوكالات، والودائع، وأموال اليتامى، ~~والوقوف، والأموال السلطانية، ورد الغصوب، والمظالم؛ فإنه يعاقب حتى ~~يؤديها، وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق وجب عليها؛ مثل: أن يقطع ~~الطريق، ويلتجئ إلى من يمنعه ويذب عنه؛ فهذا يعاقب حتى يحضره. # وقد روى مسلم في صحيحه " عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من خاصم في باطل - وهو يعلم - لم يزل في سخط الله حتى ~~ينزع ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن قال ~~في مسلم ما ليس فيه؛ حبس في ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال» . # فما وجب إحضاره من النفوس والأموال؛ استحق الممتنع من إحضاره العقوبة، ~~وأما إذا كان الإحضار إلى من يظلمه، أو إحضار المال إلى ms092 من يأخذه بغير حق، ~~فهذا لا يجب ولا يجوز، فإن الإعانة على الظلم ظلم. ### | [فصل والمعاصي ثلاثة أنواع] ### | 41 - # (فصل) # PageV01P093 # والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه حد ولا كفارة فيه، كالزنا والسرقة، وشرب ~~الخمر، والقذف. فهذا يكفيه الحد عن الحبس والتعزير. ونوع فيه كفارة، ولا حد ~~فيه، كالجماع في الإحرام ونهار رمضان، ووطء المظاهر منها قبل التكفير، فهذا ~~تغني فيه الكفارة عن الحد. # وهل تكفي عن التعزير؟ فيه قولان للفقهاء، وهما لأصحاب أحمد وغيرهم. ونوع ~~لا كفارة فيه ولا حد، كسرقة ما لا قطع فيه، واليمين الغموس عند أحمد وأبي ~~حنيفة، والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك، فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبا عند ~~الأكثرين، وجوازا عند الشافعي. # ثم إن كان الضرب على ترك واجب، مثل أن يضربه ليؤدب به. فهذا لا يتقدر بل ~~يضرب يوما، فإن فعل الواجب وإلا ضرب يوما آخر بحسب ما يحتمله، ولا يزيد في ~~كل مرة على مقدار أعلى التعزير. # وقد اختلف الفقهاء في مقدار التعزير على أقوال: أحدها: أنه بحسب المصلحة، ~~وعلى قدر الجريمة، فيجتهد فيه ولي الأمر. # الثاني: وهو أحسنها - أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها، فلا ~~يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنا، ولا على السرقة من غير حرز حد ~~القطع، ولا على الشتم بدون القذف حد القذف. وهذا قول طائفة من أصحاب ~~الشافعي وأحمد. # والقول الثالث: أنه يبلغ بالتعزير أدنى الحدود: إما أربعين، وإما ثمانين ~~وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة. # والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال ~~في مذهب أحمد وغيره. # وعلى القول الأول: هل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل؟ فيه قولان: أحدهما: " ~~يجوز، كقتل الجاسوس المسلم، إذا اقتضت المصلحة قتله "، وهذا قول مالك وبعض ~~أصحاب أحمد، واختاره ابن عقيل. # وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة، ~~كالتجهم والرفض، وإنكار القدر. وقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري، ~~لأنه كان داعية إلى بدعته. # وهذا ms093 مذهب مالك - رحمه الله - وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل. ~~وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل # PageV01P094 # اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيرا وكذلك قالوا: إذا قتل بالمثقل فللإمام أن ~~يقتله تعزيرا، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا، ولا القصاص في هذا، ~~وصاحباه يخالفانه في المسألتين، وهما مع جمهور الأمة. # والمنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه - رضي الله عنهم - ~~يوافق القول الأول فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بجلد الذي وطئ ~~جارية امرأته - وقد أحلتها له - مائة» . # وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -: " أمرا بجلد من وجد مع امرأة أجنبية ~~في فراش مائة جلدة ". # وعلى هذا: يحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من شرب الخمر ~~فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الثالثة - أو في الرابعة - فاقتلوه» ~~فأمر بقتله إذا أكثر منه، ولو كان ذلك حدا لأمر به في المرة الأولى. وأما ~~ضرب المتهم إذا عرف أن المال عنده - وقد كتمه وأنكره - فيضرب ليقر به. فهذا ~~لا ريب فيه. # فإنه ضرب ليؤدي الواجب الذي يقدر على وفائه كما في حديث ابن عمر: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء، سأل ~~زيد بن سعيد عم حيي بن أخطب - فقال: أين كنز حيي؟ فقال: يا محمد أذهبته ~~النفقات، فقال للزبير: دونك هذا، فمسه الزبير بشيء من العذاب، فدلهم عليه ~~في خربة، وكان حليا في مسك ثور» فهذا أصل في ضرب المتهم. ### | [فصل في الطرق التي يحكم بها الحاكم] ### | [الطريق الأول اليد المجردة التي لا تفتقر إلى يمين] ### | 42 - # (فصل) # في الطرق التي يحكم بها الحاكم الحكم قسمان: إثبات، وإلزام. فالإثبات: ~~يعتمد الصدق، والإلزام: يعتمد العدل {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: ~~115] وكل من القسمين له طرق متعددة: # PageV01P095 # أحدها: اليد المجردة التي لا تفتقر إلى يمين: وذلك في صور. # منها: إذا كان وصيا على طفل أو مجنون، وفي يده شيء انتقل إليه عن أبيه، ~~كان مجرد اليد كافيا ms094 في الحكم به له من غير يمين، لا على الطفل ولا على ~~الوصي. # أما الطفل فلعدم صحة اليمين منه، وأما الوصي فلأنه ليس المدعى عليه في ~~الحقيقة، ولا يتوجه عليه اليمين. # ومنها: أن يدعي كفنا على ميت أنه له، ولا بينة، فيقضى بالكفن لمن هو عليه ~~من غير يمين. # ومنها: أن يدعي على صاحب اليد دعوى يكذبه فيها الحس فلا يحلف له صاحب ~~اليد، بل لا تسمع دعواه، كما إذا ادعى على من في يده عبد أنه ابنه، وهو ~~أكبر من المدعي. وهذا لأن اليمين إنما تشرع في جانب من ترجح جانبه، مع ~~احتمال كونه مبطلا، فإذا لم يحتمل ذلك لم تكن في اليد فائدة. ### | [فصل الطريق الثاني في الإنكار المجرد وله صور] ### | 43 - # (فصل) # الطريق الثاني الإنكار المجرد، وله صور: إحداها: إذا ادعى رجل دينا على ~~ميت، أو أنه أوصى له بشيء، وللميت وصي بقضاء دينه، وتنفيذ وصاياه، فأنكر. ~~فإن كان للمدعي بينة حكم بها.، وإن لم تكن له بينة، وأراد تحليف الوصي على ~~نفي العلم لم يكن له ذلك. لأن مقصود التحليف: أن يقضى عليه بالنكول إذا ~~امتنع من اليمين. # والوصي لا يقبل إقراره بالدين والوصية، ولو نكل لم يقض عليه، فلا فائدة ~~من تحليفه، ولو كان وارثا استحلف، وقضي بنكوله. # ومنها: أن يدعي على القاضي أنه ظلمه في الحكم، أو على الشاهد أنه تعمد ~~الكذب أو الغلط، أو ادعى عليه ما يسقط شهادته لم يحلفا، لارتفاع منصبهما عن ~~التحليف. # ومنها: دعوى الرجل على المرأة النكاح، ودعواها عليه الطلاق، ودعوى كل ~~منهما الرجعة، ودعوى الأمة أن سيدها أولدها، ودعوى المرأة أن زوجها آلى ~~منها، ودعوى الرق والولاء والقود وحد القذف. # وعن أحمد: أنه يستحلف في الطلاق والإيلاء والقود والقذف. وعنه: أنه ~~يستحلف إلا فيما لا يقضى فيه بالنكول. # وقال في رواية ابن القاسم: لا أرى اليمين في النكاح، ولا في الطلاق، ولا ~~في الحدود؛ لأنه إن نكل لم أقتله ولم أحده، ولم أدفع المرأة إليه. # PageV01P096 # وظاهر ما نقله ms095 الخرقي، أنه يستحلف فيما عدا القود والنكاح، وعنه ما يدل ~~على أنه يستحلف في الكل. وإذا امتنع عن اليمين - حيث قلنا يستحلف - قضينا ~~بالنكول في الجميع، إلا في القود في النفس خاصة. وعنه لا يقضى بالنكول إلا ~~في الأموال خاصة. # وكل ناكل لا يقضى عليه فهل يخلى أو يحبس حتى يقر، أو يحلف؟ على وجهين: ~~ولا يستحلف في العبادات ولا في الحدود. # فإذا قلنا: استحلف في هذه الأشياء لم يقض فيها بالنكول على ظاهر كلام ~~أحمد وتعليله، وإذا استحلفناه، فإن قضينا عليه بالنكول في كل موضع، لتكون ~~لليمين فائدة، حتى في قود الأطراف. ولا يقضى بقود النفس، وإن استحلفناه، ~~لأن النكول وإن جرى مجرى الإقرار فليس بإقرار صحيح صريح فلا يراق به الدم ~~بمجرده، ولا مع يمين المدعي إلا في القسامة للوث. # وإذا قلنا: يستحلف ولا يقضى بالنكول في غير الأموال: كان فائدة الاستحلاف ~~حبسه إذا أبى الحلف في أحد الوجهين. # وفي الآخر: يخلى سبيله، لأنه لا يقضى عليه بالنكول، ولم يثبت عليه ما ~~يعاقب عليه بالضرب والحبس حتى يفعله. فإنه يحتمل أن يكون المدعي محقا، وأن ~~يكون مبطلا. # فكيف يعاقب المدعى عليه بمجرد دعواه وطلب يمينه؟ وتكون فائدة اليمين على ~~هذا: انقطاع الخصومة والمطالبة. ### | [فصل استثني من عدم التحليف في الحدود صورتان] ### | 44 - # (فصل) # وقد استثني من عدم التحليف في الحدود صورتان: إحداهما: إذا قذفه فطلب حد ~~القذف، فقال القاذف: حلفوه أنه لم يزن. # فذكر أصحاب الشافعي فيه وجهين، قال في " الروضة ": والأصح أنه يحلف. # والصورة الثانية: أن يكون المقذوف ميتا، وأراد القاذف تحليف الوارث: أنه ~~لا يعلم زنا مورثه، فله ذلك. # وحكى عن نص الشافعي - رحمه الله -. والصحيح قول الجمهور: أنه لا يحلف، بل ~~القول بتحليفه في غاية السقوط، فإن الحد يجب بقذف المستور الذي لم يظهر ~~زناه، وليس من شرطه ألا يكون قد زنى في نفس الأمر، ولهذا لا يسأله الحاكم ~~عن ذلك: ولا يجوز له سؤاله، ولا يجب عليه الجواب. وفي تحليفه تعريضه للكذب ~~واليمين الغموس ms096 إن كان قد ارتكب ذلك، أو تعرضه لفضيحة نفسه وإقراره بما ~~يوجب عليه الجلد، أو فضيحته بالنكول الجاري مجرى الإقرار، وانتهاك عرضه ~~للقاذفين الممزقين لأعراض المسلمين. # والشريعة لا تأتي # PageV01P097 # بشيء من ذلك، ولذلك لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة ~~بتحليف المقذوف أنه لم يزن، ولم يجعلوا ذلك شرطا في إقامة الحد. # فالقول بالتحليف في غاية البطلان، وهو مستلزم لما ذكرنا من المحاذير، ولا ~~سيما إن كان قد فعل شيئا من ذلك ثم تاب منه، ففي إلزامه بالحلف تعريضه ~~لهتيكة نفسه، وإهدار عرضه. # ولهذا كان الصواب قول أبي حنيفة: إن البكر إذا زالت بكارتها بالزنا ~~فإذنها الصمات، لأنا لو اشترطنا نطقها لكنا قد ألزمناها بفضيحة نفسها وهتك ~~عرضها، بل إذا اكتفى من البكر بالصمات لحيائها فلأن يكتفى من هذه بالصمات ~~بطريق الأولى، لأن حياءها من الاطلاع على زناها أعظم بكثير من حيائها من ~~كلمة " نعم " التي لا تذم بها ولا تعاب، ولا سيما إذا كانت قد أكرهت على ~~الزنا، بل الاكتفاء من هذه بالصمات أولى من الاكتفاء به من البكر؛ فهذا من ~~محاسن الشريعة وكمالها. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذن البكر الصمات، وإذن الثيب ~~الكلام» المراد به: الثيب التي قد علم أهلها والناس أنها ثيب، فلا تستحيي ~~من ذلك. # ولهذا لو زالت بكارتها بإصبع أو وثبة: لم تدخل في لفظ الحديث، ولم تتغير ~~بذلك صفة إذنها، مع كونها ثيبا، فالذي أخرج هذه الصورة من العموم أولى أن ~~يخرج الأخرى، والله أعلم. ### | [فصل فيما لا يحلف فيه] ### | 45 - # (فصل) # ومما لا يحلف فيه إذا ادعى البلوغ بالاحتلام في وقت الإمكان، صدق بلا ~~يمين، وكذلك لو ادعي عليه البلوغ، فقال: أنا صبي بعد، وهو محتمل: لم يحلف. # ولو ادعى عامل الزكاة على رجل أنه له نصابا، وطلب زكاته، لم يحلف على نفي ~~ذلك، ولو أقر، فادعى العامل: أنه لم يخرج زكاته، لم يحلف على نفي ذلك. # قال الإمام أحمد: لا يستحلف الناس على صدقاتهم. ### | [فصل فوائد اليمين] ### | 46 ms097 - # (فصل) # ولليمين فوائد: # PageV01P098 # منها تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الإقرار ~~بالحق. ومنها: القضاء عليه بنكوله عنها، على ما تقدم. ومنها: انقطاع ~~الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها ~~لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة، باطنا ولا ظاهرا. فلو أقام المدعي بينة بعد ~~حلف المدعى عليه: سمعت وقضي بها. # وكذا لو ردت اليمين على المدعي، فنكل، ثم أقام المدعي بينة، سمعت وحكم ~~به. ومنها: إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدا واحدا. # ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس ~~تدع الديار بلاقع، فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه، والله ~~أعلم. ### | 47 - # (فصل) # ومنها: أن تشهد قرائن الحال بكذب المدعي، فمذهب مالك: أنه لا يلتفت إلى ~~دعواه، ولا يحلف له، وهذا اختيار الإصطخري من الشافعية، ويخرج على المذهب ~~مثله، وذلك مثل: أن يدعي الدنيء استئجار الأمير، أو ذي الهيئة والقدر لعلف ~~دوابه، وكنس بابه، ونحو ذلك. # وسمعت شيخنا العلامة - ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كنا عند نائب ~~السلطنة، وأنا إلى جانبه، فادعى بعض الحاضرين: أن له قبلي وديعة، وسأل ~~إجلاسي معه وإحلافي، فقلت لقاضي المالكية وكان حاضرا أتسوغ هذه الدعوى ~~وتسمع؟ فقال: لا، فقلت: فما مذهبك في مثل ذلك؟ قال: تعزير المدعي، فقلت: ~~فاحكم بمذهبك فأقيم المدعي، وأخرج. ### | [فصل الطريق الثالث في الحكم باليد مع يمين صاحبها] ### | 48 - # (فصل) # الطريق الثالث أن يحكم باليد مع يمين صاحبها، كما إذا ادعى عليه عينا في ~~يده، فأنكر، فسأل إحلافه، فإنه يحلف، وتترك في يده لترجح جانب صاحب اليد. # ولهذا شرعت اليمين في جهته، فإن اليمين تشرع في جنبة أقوى المتداعيين، ~~هذا إذا لم تكذب اليد القرائن الظاهرة، فإن كذبتها لم يلتفت إليها، وعلم ~~أنها يد مبطلة. وذلك: كما لو رأى إنسانا يعدو وبيده عمامة، وعلى رأسه ~~عمامة، وآخر خلفه حاسر الرأس، ممن ليس شأنه أن يمشي حاسر الرأس، فإنا نقطع ~~أن العمامة التي ms098 بيده للآخر، ولا يلتفت إلى تلك اليد. # ويجب العمل قطعا بهذه القرائن، فإن العلم المستفاد منها أقوى بكثير من ~~الظن المستفاد من مجرد اليد، بل اليد هنا لا تفيد ظنا ألبتة، فكيف تقدم على ~~ما هو مقطوع به، أو كالمقطوع به؟ # وكذلك إذا رأينا رجلا يقود فرسا مسرجة ولجامه وآلة ركوبه، وليست من ~~مراكبه في العادة، # PageV01P099 # ووراءه أمير ماش، أو من ليس من عادته المشي، فإنا نقطع بأن يده مبطلة. # وكذلك المتهم بالسرقة إذا شوهدت العملة معه، وليس من أهلها كما إذا رئي ~~معه القماش والجواهر ونحوها، مما ليس من شأنه، فادعى أنه ملكه وفي يده: لم ~~يلتفت إلى تلك اليد. # وكذلك كل يد تدل القرائن الظاهرة التي توجب القطع، أو تكاد أنها يد ~~مبطلة، لا حكم لها، ولا يقضى بها. فإذا قضينا باليد، فإنما نقضي بها إذا لم ~~يعارضها ما هو أقوى منها. # وإذا كانت اليد ترفع بالنكول، وبالشاهد الواحد مع اليمين، وباليمين ~~المردودة، فلأن ترفع بما هو أقوى من ذلك بكثير بطريق الأولى. فهذا مما لا ~~يرتاب فيه: أنه من أحكام العدل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ~~ووضعه بين عباده. فالأيدي ثلاث: # الأولى: يد يعلم أنها مبطلة ظالمة، فلا يلتفت إليها. # الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة، فلا تسمع الدعوى عليها، كمن تشاهد في ~~يده دار يتصرف فيها بأنواع التصرف من عمارة وخراب وإجارة وإعارة مدة طويلة ~~من غير منازع ولا مطالب، مع عدم سطوته وشوكته، فجاء من ادعى أنه غصبها منه، ~~واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب ~~خلاصها منه، ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعى ~~عليه محقة. هذا مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه، وهو الصواب. # قالوا: إذا رأينا رجلا حائزا لدار متصرفا فيها مدة سنين طويلة بالهدم ~~والبناء، والإجارة والعمارة، وهو ينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، ~~وإنسان حاضر يراه، ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه ~~فيها، ms099 ولا يذكر أن له فيها حقا، ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، ~~أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، وليس بينه وبين المتصرف في ~~الدار قرابة، ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك، مما تتسامح به القرابات ~~والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك ~~أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك، ~~فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن يمينه. # وتبقى الدار في يد حائزها لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها ~~مرفوضة غير مسموعة. # PageV01P100 # قال تعالى {وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] وأوجبت ~~الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره. # وكذلك يؤخذ بهذا في هذا الموضع، وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا ~~يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر. # قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة فقد حددها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد ~~الحكم وأصبغ بعشر سنين. # وربما احتج لهم بحديث يذكر عن سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: أن رسول ~~الله قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» وهذا لا يثبت. وأما مالك - رحمه ~~الله -: فلم يوقت في ذلك حدا، ورأى ذلك على قدر ما يرى ويجتهد فيه الإمام. # الثالثة: يد يحتمل أن تكون محقة، وأن تكون مبطلة، فهذه هي التي تسمع ~~الدعوى عليها، ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها. فالشارع لا يغير يدا شهد ~~العرف والحس بكونها مبطلة، ولا يهدر يدا شهد العرف بكونها محقة، واليد ~~المحتملة: يحكم فيها بأقرب الأشياء إلى الصواب، وهو الأقوى فالأقوى، والله ~~أعلم. # فالشارع لا يعين مبطلا، ولا يعين على محق، ويحكم في المتشابهات بأقرب ~~الطرق إلى الصواب وأقواها. ### | [فصل الطريق الرابع والخامس في الحكم بالنكول وحده أو به مع رد اليمين] ### | 49 - # (فصل) # الطريق الرابع والخامس الحكم بالنكول وحده، أو به مع رد اليمين: قال ~~الإمام أحمد - رحمه الله - " قدم عبد الله بن عمر إلى عثمان ms100 بن عفان - رضي ~~الله عنه - في عبد له فقال له عثمان احلف أنك ما بعت العبد وبه عيب علمته. ~~فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد ". # فيقول له الحاكم: إن لم تحلف وإلا قضيت عليك - ثلاثا - فإن لم يحلف قضى ~~عليه. وهذا اختيار أصحاب أحمد. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. # وقال الأوزاعي وشريح وابن سيرين والنخعي إذا نكل ردت اليمين على المدعي ~~فإن حلف قضي له. وهذا مذهب الشافعي ومالك وقد صوبه الإمام أحمد. واختاره ~~أبو الخطاب وشيخنا في صورة الحكم بمجرد النكول في صورة، كما سنذكره. # وهذا: قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وقد روى الدارقطني من حديث ~~نافع عن ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب # PageV01P101 # الحق» ، واحتج لهذا القول بأن الشارع شرع اليمين مع الشاهد الواحد كما ~~سيأتي. فلم يكتف في جانب المدعي بالشاهد وحده، حتى يأتي باليمين، تقوية ~~لشاهده. قالوا: ونكول المدعى عليه أضعف من شاهد المدعي، فهو أولى أن يقوى ~~بيمين الطالب. فإن النكول ليس بينة من المدعى عليه، ولا إقرارا، وهو حجة ~~ضعيفة، فلم يقو على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معها المدعي قوي جانبه، ~~فاجتمع النكول من المدعى عليه واليمين من المدعي، فقاما مقام الشاهدين أو ~~الشاهد واليمين. قالوا: ولهذا لم يحكم على المرأة في اللعان بمجرد نكولها ~~دون يمين الزوج، فإذا حلف الزوج، ونكلت عن اليمين، حكم عليها: إما بالحبس ~~حتى تقر أو تلاعن كما يقول أحمد وأبو حنيفة، وإما بالحد كما يقول الشافعي ~~ومالك، وهو الراجح؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما درأ عنها العذاب بشهادتها ~~أربع شهادات: والعذاب المدروء عنها بالتعانها هو العذاب المذكور في قوله ~~تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] وهو عذاب الحد. ~~ولهذا ذكره معرفا فاللام العهد، فعلم أن العذاب هو العذاب المعهود ذكره ~~أولا. ولهذا بدئ أولا بأيمان الزوج لقوة جانبه، ومكنت المرأة من أن تعارض ~~إيمانه بأيمانها، فإذا نكلت لم يكن لأيمانه ما يعارضها، فعملت عملها، ~~وقواها ms101 نكول المرأة، فحكم عليها بأيمانه ونكولها. فإن قيل: فكان من الممكن ~~أن يبدأ بأيمانها، فإن نكلت حلف الزوج وحدت، كما إذا ادعى عليه حقا، فنكل ~~عن اليمين، فإنها ترد على المدعي، ويقضي له، فهلا شرع اللعان كذلك والمرأة ~~هي المدعى عليها؟ بل شرعت اليمين في جانب المدعي أولا، وهذا لا نظير له في ~~الدعاوى. # قيل: لما كان الزوج قاذفا لها كان موجب قذفه أن يحد لها، فمكن أن يدفع ~~الحد عن نفسه بالتعانه، ثم طولبت هي بعد ذلك بأن تقر أو تلاعن. فإن أقرت ~~حدت، وإن أنكرت والتعنت درأت عنها الحد بلعانها، كما له أن يدرأ الحد عن ~~نفسه بلعانه. وكانت البداءة به أولى لأنه مدع، وأيمانه قائمة مقام البينة. # ولكن لما كانت دون الشهود الأربعة في القوة مكنت المرأة من دفعها ~~بأيمانها. فإذا أبت أن تدفعها ترجح جانبه، فوجب عليها الحد، فلم تحد بمجرد ~~التعانه، ولا بمجرد نكولها، بل بمجموع # PageV01P102 # الأمرين. وأكدت الأيمان بكونها أربعا، كما أكدت أيمان المدعين في القسامة ~~بكونها خمسين، ولتقوم الأيمان مقام الشهود. وفي المسألة قول ثالث، وهو: أنه ~~لا يقضى بالنكول، ولا بالرد، ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب بإقرار أو ~~إنكار يحلف معه. وهذا قول في مذهب أحمد. وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي. ~~وهذا قول ابن أبي ليلى، فإنه قال: لا أدعه حتى يقر أو يحلف. # واحتج لهذا القول بأن المدعى عليه قد وجب عليه أحد الأمرين: إما الإقرار، ~~وإما الإنكار: فإذا امتنع من أداء الواجب عليه عوقب بالحبس ونحوه حتى ~~يؤديه. قالوا: وكل من عليه حق، فامتنع من أدائه، فهذا سبيله. والآخرون ~~فرقوا بين الموضعين، وقالوا: لو ترك ونكوله لأفضى إلى ضياع حقوق الناس ~~بالصبر على الحبس. فإذا نكل عن اليمين ضعف جانب البراءة الأصلية فيه، وقوي ~~جانب المدعي فقوي عن اليمين. وهذا كما أنه لما قوي جانب المدعين للدم ~~باللوث بدئ بأيمانهم، وأكدت بالعدد. والمقصود: أن الناس اختلفوا في الحكم ~~بالنكول على أقوال. أحدها: أنه من طرق الحكم. وهذا هو قول ms102 عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه - وقضى به شريح. # قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سالم ~~بن عبد الله " أن أباه - عبد الله بن عمر - باع عبدا له بثمانمائة درهم ~~بالبراءة، ثم إن صاحب العبد خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان بن عفان، فقال ~~عثمان لابن عمر: أحلف بالله لقد بعته وما به من داء علمته، فأبى ابن عمر أن ~~يحلف، فرد عليه العبد ". # وقال ابن أبي شيبة، عن شريك، عن مغيرة، عن الحارث، قال: " نكل رجل عند ~~شريح عن اليمين، فقضى عليه، فقال: أنا أحلف، فقال شريح: قد قضي قضاؤك ". ~~وهذا قول الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وقول أبي حنيفة. # والقول الثاني: أنه لا يقضى بالنكول، بل ترد اليمين عن المدعي. فإن حلف ~~قضى له، وإلا صرفها. وهذا مروي عن ابن عمر وعلي، والمقداد بن الأسود وأبي ~~بن كعب، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -. # فروى البيهقي وغيره من حديث مسلمة بن علقمة، عن داود، عن الشعبي " أن ~~المقداد استقرض من عثمان سبعة آلاف درهم، فلما تقاضاه، قال: إنما هي أربعة ~~آلاف درهم، فخاصمه إلى عمر. فقال المقداد: أحلف أنها سبعة آلاف، فقال عمر - ~~رضي الله عنه -: أنصفك. فأبى أن يحلف، فقال # PageV01P103 # عمر: خذ ما أعطاك " ورواه أبو عبيد عن عفان بن مسلم عن سلمة. # ورواه البيهقي من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن ~~علي، قال: " اليمين مع الشاهد، فإن لم تكن له بينة فاليمين على المدعى ~~عليه، إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدعي ". # وذكر البيهقي أيضا من حديث سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن مسروق، ~~عن إسحاق بن الفرات، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: رد اليمين على طالب الحق» # رواه الحاكم في " المستدرك " قلت: ومحمد بن مسروق - هذا - ينظر من هو؟ # وقال عبد الملك بن حبيب: حدثنا أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، عن ms103 حيوة بن ~~شريح أن سالم بن غيلان التجيبي أخبره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من كانت له طلبة عند أحد: فعليه البينة، والمطلوب أولى باليمين. فإن ~~نكل حلف الطالب وأخذ» وهذا مرسل. # واحتج لرد اليمين بحديث القسامة وفي الاستدلال به ما فيه، فإنه عرض ~~اليمين على المدعين أولا، واليمين المردودة: هي التي تطلب من المدعي، بعد ~~نكول المدعى عليه عنها. لكن يقال: وجه الاستدلال: أنها جعلت من جانب المدعي ~~لقوة جانبه باللوث، فإذا تقوى جانبه بالنكول شرعت في حقه. # والقول الثالث: أنه يجبر على اليمين - شاء أم أبى - بالضرب والحبس، ولا ~~يقضى عليه بنكول ولا برد يمين. قال أصحاب هذا القول: ولا ترد اليمين إلا في ~~ثلاثة مواضع لا رابع لها: أحدها: القسامة. # والثاني: الوصية في السفر إذا لم يشهد عليها إلا الكفار. والثالث: إذا ~~أقام شاهدا واحدا حلف معه. وهذا قول ابن حزم ومن وافقه من أهل الظاهر. ~~قالوا: لم يأت قرآن ولا سنة ولا إجماع على القضاء بالنكول ولا باليمين ~~المردودة. وجاء نص القرآن برد اليمين في مسألة الوصية. # ونص السنة بردها في مسألة القسامة، والشاهد واليمين. فاقتصرنا على ما جاء ~~به كتاب الله. وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم نعد ذلك إلى غيره، ~~وليس قول أحد حجة سوى قول المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وكل من سواه: ~~مأخوذ من قوله ومتروك. # PageV01P104 # وأما قول مالك في " الموطإ " - في باب اليمين مع الشاهد في كتاب الأقضية: ~~أرأيت رجلا ادعى على رجل مالا، أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه، فإن ~~حلف بطل ذلك عنه، وإن أبى أن يحلف، ونكل عن اليمين، حلف طالب الحق: إن حقه ~~لحق، وثبت حقه على صاحبه؟ فهذا ما لا خلاف فيه عند أحد من الناس، ولا في ~~بلد من البلدان. فبأي شيء أخذ هذا؟ أم في أي كتاب وجده؟ فإذا أقر بهذا ~~فليقر باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن ذلك في كتاب الله تعالى هذا لفظه. # قال أبو محمد بن ms104 حزم: إن كان خفي عليه قضاء أهل العراق بالنكول، فإنه ~~لعجيب. ثم قوله: " أذا أقر برد اليمين وإن لم يكن في كتاب الله: فليقر ~~باليمين مع الشاهد، وإن لم يكن في كتاب الله " فعجب آخر؛ لأن اليمين مع ~~الشاهد ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو في كتاب الله. # قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: ~~7] . قلت: ليس في واحد من الأمرين من عجب. # أما حكايته الإجماع فإنه لم يقل: لا خلاف أنه لا يحكم بالنكول بل إذا ~~نكل، ورد اليمين، حكم له بالاتفاق، فإن فقهاء الأمصار على قولين: منهم من ~~يقول: يقضي بالنكول. ومنهم من يقول: إذا نكل ردت اليمين على المدعي فإن حلف ~~حكم له. فهذا الذي أراد مالك - رحمه الله -: أنه إذا رد اليمين مع نكول ~~المدعى عليه لم يبق فيه اختلاف في بلد من البلدان، وإن كان فيه اختلاف شاذ. # وأما تعجبه من قوله " إن الشاهد واليمين ليس في كتاب الله " فتعجبه هو ~~المتعجب منه، فإن المانعين من الحكم بالشاهد واليمين يقولون: ليس هو في ~~كتاب الله تعالى، بل في كتاب الله خلافه، وهو اعتبار الشاهدين. # فقال مالك - رحمه الله تعالى -: إذا كنتم تقضون بالنكول، ويقضي الناس ~~كلهم بالرد مع النكول، وليس في كتاب الله، فهكذا الشاهد مع اليمين يجب أن ~~يقضي به وإن لم يكن في كتاب الله تعالى، كما دلت عليه السنة؟ فهذا إلزام لا ~~محيد عنه، والله أعلم. # قال ابن حزم: وأما رد اليمين على الطالب، إذا نكل المطلوب فما كان من ~~كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فبين الأمرين ~~فرق كما بين السماء والأرض. فيقال: بل أرشد إليه كتاب الله وسنة رسوله. أما ~~الكتاب: فإنه سبحانه شرع الأيمان في جانب المدعي إذا احتاج إلى ذلك، وتعذرت ~~عليه إقامة البينة، وشهدت القرائن بصدقه، كما في اللعان، وشرع عذاب المرأة ~~بالحد بنكولها، مع يمينه فإذا كان هذا شرعه في الحدود التي تدرأ ms105 بالشبهات، ~~وقد أمرنا بدرئها ما استطعنا فلأن يشرع الحكم # PageV01P105 # بها بيمين المدعي مع نكول المدعى عليه في درهم وثوب ونحو ذلك أولى وأحرى. ~~ولكن أبو محمد وأصحابه سدوا على نفوسهم باب اعتبار المعاني والحكم التي علق ~~بها الشارع الحكم، ففاتهم بذلك حظ عظيم من العلم، كما أن الذين فتحوا على ~~نفوسهم باب الأقيسة والعلل - التي لم يشهد لها الشارع بالقبول - دخلوا في ~~باطل كثير، وفاتهم حق كثير. فالطائفتان في جانب إفراط وتفريط. # وأما إرشاد السنة إلى ذلك: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل اليمين في ~~جانب المدعي إذا أقام شاهدا واحدا، لقوة جانبه بالشاهد، ومكنه من اليمين ~~بغير بذل خصمه ورضاه، وحكم له بها مع شاهده، فلأن يحكم به باليمين التي ~~يبذلها خصمه مع قوة جانبه بنكول خصمه أولى وأحرى. وهذا مما لا يشك فيه من ~~له حوض في حكم الشريعة وعللها ومقاصدها. ولهذا شرعت الأيمان في القسامة في ~~جانب المدعي، لقوة جانبه باللوث. وهذه هي المواضع الثلاثة التي استثناها ~~منكرو القياس. ولما كانت أفهام الصحابة - رضي الله عنهم - فوق أفهام جميع ~~الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقواعد دينه وشرعه، أتم ~~من علم كل من جاء بعدهم: عدلوا عن ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة: وحكموا ~~بالرد مع النكول في موضع، وبالنكول وحده في موضع. وهذا من كمال، فهمهم ~~وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات، ولم يرتضوا لأنفسهم عبارات ~~المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علما، وأقلهم ~~تكلفا. والمتأخرون عكسهم في الأمرين. # فعثمان بن عفان قال لابن عمر: " أحلف بالله لقد بعت العبد وما به داء ~~علمته "، فأبى. فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على ~~المدعي، ويقول له: احلف أنت أنه كان عالما بالعيب، لأن هذا مما لا يمكن أن ~~يعلمه المدعي، ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف ~~المدعي اليمين. فإن ابن عمر كان قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنما يبرأ ~~إذا لم يعلم بالعيب، فقال له: " احلف ms106 أنك بعته وما به عيب تعلمه ". وهذا ~~مما يمكن أن يحلف عليه دون المدعي، فإنه قد تعذر عليه اليمين: أنه كان ~~عالما بالعيب، وأنه كتمه مع علمه به. # وأما أثر عمر بن الخطاب - وقول المقداد: " احلف أنها سبعة آلاف "، فأبى ~~أن يحلف، فلم يحكم له بنكول عثمان - فوجهه: أن المقرض إن كان عالما بصدق ~~نفسه وصحة دعواه، حلف وأخذه، وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا يعلم ~~صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه. إذ خصمه قد لا يكون ~~عالما بصحة دعواه، فإذا قال للمدعي: إن كنت عالما بصحة دعواك فاحلف وخذ، ~~فقد أنصفه جد الإنصاف. # PageV01P106 # فلا أحسن مما قضى به الصحابة - رضي الله عنهم -، وهذا التفصيل في المسألة ~~هو الحق، وهو اختيار شيخنا قدس الله روحه قال أبو محمد بن حزم، محتجا ~~لمذهبه: ونحن نقول: إن نكول الناكل عن اليمين في كل موضع عليه، يوجب أيضا ~~عليه حكما، وهو الأدب الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل ~~من أتى منكرا يوجب تغييره باليد. فيقال له: قد يكون معذورا في نكوله، غير ~~آثم به، بأن يدعي أنه أقرضه ويكون قد وفاه، ولا يرضى منه إلا بالجواب على ~~وفق الدعوى. وقد يتحرج من الحلف، مخافة موافقة قضاء وقدر، كما روي عن جماعة ~~من السلف. # فلا يجوز أن يحبس حتى يحلف. وقولهم: " إن هذا منكر يجب تغييره باليد " ~~كلام باطل، فإن تورعه عن اليمين ليس بمنكر، بل قد يكون واجبا أو مستحبا أو ~~جائزا، وقد يكون معصية. # وقولهم: " إن الحلف حق قد وجب عليه، فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه " ~~فيقال: إن في اليمين حقا له وحقا عليه. فإن الشارع مكنه من التخلص من ~~الدعوى باليمين، وهي واجبة عليه للمدعي، فإذا امتنع من اليمين فقد امتنع من ~~الحق الذي وجب عليه لغيره، وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين. فقيل: ~~يحبس أو يضرب، حتى يقر أو يحلف، وقيل: يقضى ms107 عليه بنكوله، ويصير كأنه مقر ~~بالمدعى. وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد. # وقول رابع بالتفصيل كما تقدم، وهو اختيار شيخنا. وفي المسألة قول خامس: ~~وهو أنه إذا كان المدعي متهما: ردت عليه، وإن لم يكن متهما قضي عليه بنكول ~~خصمه. وهذا القول: يحكى عن ابن أبي ليلى، وله حظ في الفقه، فإنه إذا لم يكن ~~متهما غلب على الظن صدقه، فإذا نكل خصمه قوي ظن صدقه، فلم يحتج إلى اليمين. ~~وأما إذا كان متهما لم يبق معنا إلا مجرد النكول، فقويناه برد اليمين عليه، ~~وهذا نوع من الاستحسان. ### | [فصل يمين المدعي هل هي كالبينة أم كإقرار المدعى عليه] ### | 50 - # (فصل) # إذا ردت اليمين على المدعي، فهل تكون يمينه كالبينة، أم كإقرار المدعى ~~عليه؟ فيه قولان للشافعي. أظهرهما عند أصحابه: أنها كالإقرار. فعلى هذا: لو ~~أقام المدعى عليه بينة بالأداء والإبراء بعد ما حلف المدعي، فإن قيل: يمينه ~~كالبينة سمعت للمدعى عليه. وإن قيل: هي كالإقرار لم تسمع، لكونها مكذبة ~~للبينة بالإقرار. # PageV01P107 # وإذا قضي بالنكول فهل يكون كالإقرار أو كالبذل؟ فيه وجهان، ينبني عليهما ~~ما إذا ادعى نكاح امرأة واستحلفناها فنكلت، فهل يقضى عليها بالنكول وتجعل ~~زوجته؟ فإن قلنا: النكول إقرار حكم له بكونها زوجته وإن قلنا: بذل، لم نحكم ~~بذلك، لأن الزوجية لا تستباح بالبذل. وكذلك لو ادعى رق مجهول النسب، وقلنا: ~~يستحلف، فنكل عن اليمين. وكذلك لو ادعى قذفه واستحلفناه فنكل، فهل يحد ~~للقذف؟ ينبني على ذلك. وكذلك الخلاف في مذهب أبي حنيفة، فالنكول بذل عنده ~~وإقرار عند صاحبيه. # قال صاحباه: فلا يستحلف في النكاح والرجعة والإيلاء والرق والاستيلاد ~~والنسب والولاء والحدود، لأن النكول عند أبي حنيفة بذل وهو لا يجري في هذه ~~الأشياء، وعندهما يستحلف، لأنه يجري مجرى الإقرار، وهو مقبول بها. # واحتج من جعله كالإقرار بأن الناكل كالممتنع من اليمين الكاذبة ظاهرا، ~~فيصير معترفا بالمدعى، لأنه لما نكل مع إمكان تخلصه باليمين، دل ذلك على ~~أنه لو حلف لكان كاذبا، وذلك دليل على ms108 اعترافه، إلا أنه لما كان دون ~~الإقرار الصريح لم يعمل عمله في الحدود والقيود. واحتج من جعله كالبذل، ~~بأنا لو اعتبرناه إقرارا منه يكون كاذبا في إنكاره، والكذب حرام، فيفسق ~~بالنكول بعد الإنكار، وهذا باطل، فجعلناه بذلا وإباحة صيانة له عما يقدح في ~~عدالته، ويجعله كاذبا. # والصحيح: أن النكول يقوم مقام الشاهد والبينة، لا مقام الإقرار ولا ~~البذل. لأن الناكل قد صرح بالإنكار، وأنه لا يستحق المدعي به. وهو مصر على ~~ذلك، متورع عن اليمين. فكيف يقال: إنه مقر، مع إصراره على الإنكار، ويجعل ~~مكذبا لنفسه؟ وأيضا، لو كان مقرا لم تسمع منه بينة نكوله بالإبراء والأداء، ~~فإنه يكون مكذبا لنفسه. وأيضا، فإن الإقرار إخبار وشهادة المرء على نفسه. ~~فكيف يجعل مقرا شاهدا على نفسه بنكوله، والبذل إباحة وتبرع، وهو لم يقصد ~~ذلك، ولم يخطر على قلبه. وقد يكون المدعى عليه مريضا مرض الموت، فلو كان ~~النكول بذلا وإباحة اعتبر خروج المدعى من الثلث. فتبين أن لا إقرار ولا ~~إباحة. وإنما هو جار مجرى الشاهد والبينة، فإن " البينة " اسم لما تبين ~~الحق، ونكوله - مع تمكنه من اليمين الصادقة التي يبرأ بها من المدعى عليه ~~ويتخلص بها من خصمه - دليل ظاهر على صحة دعوى خصمه وبيان أنها حق، فقام ~~مقام شاهد القرائن. # فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أجرى السكوت مجرى الإقرار والبذل ~~في حق البكر إذا استؤذنت؟ # PageV01P108 # قيل: ليس ذلك نكولا، وإنما هو دليل على الرضا بما استؤذنت فيه، لأنها ~~تستحي من الكلام ويلحقها العار لكلامها الدال على طلبها، فنزل سكوتها منزلة ~~رضاها للضرورة. وهاهنا المدعى عليه لا يستحي من الكلام ولا عار عليه فيه ~~فلا يشبه البكر، والله أعلم. ### | [فصل في رد اليمن] ### | 51 - # (فصل) # إذا قلنا برد اليمين، فهل ترد بمجرد نكول المدعى عليه أم لا ترد حتى يأذن ~~في ذلك؟ ظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يشترط إذن الناكل، لأنه لما رغب عن ~~اليمين انتقلت إلى المدعي، لأنها برغبته ونكوله عنها - مع تمكنه من الحلف - ~~صار ms109 راضيا بيمين المدعي فجرى ذلك مجرى إذنه، كما أنه بنكوله نزل منزلة ~~الباذل أو المقر. # وقال أبو الخطاب: لا ترد اليمين إلا إذا أذن فيها الناكل، لأنها من جهته ~~وهو أحق بها من المدعي، ولا تنتقل عنه إلى المدعى عليه إلا بإذنه. ### | [فصل الطريق السادس في الحكم بالشاهد الواحد بلا يمين وذلك في صور] ### | 52 - # (فصل) # الطريق السادس الحكم بالشاهد الواحد بلا يمين وذلك في صور: # منها: إذا شهد برؤية هلال رمضان شاهد واحد في ظاهر مذهب أحمد، «لحديث ابن ~~عمر: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني ~~رأيته فصام، وأمر الناس بالصيام» رواه أبو داود. فعلى هذا: هل يكتفى بشهادة ~~المرأة الواحدة في ذلك؟ فيه وجهان: مبنيان على أن ثبوته بقول الواحد: هل هو ~~من باب الإخبار، أو من باب الشهادات؟ وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس. # قال «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت ~~الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا ~~رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدا» . وعنه ~~رواية أخرى: لا يجب إلا بشهادة اثنين. # وحجة هذا القول: ما رواه النسائي وأحمد وغيرهما عن عبد الرحمن بن زيد بن ~~الخطاب، عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صوموا ~~لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وأمسكوا، فإن غم عليكم # PageV01P109 # فأتموا ثلاثين يوما، فإن شهد شاهدان، ذوا عدل فصوموا وأفطروا» . # وهذا لا حجة فيه من طريق المنطوق، ومن طريق المفهوم فيه تفصيل: وهو أنه ~~إن كان المشهود به هلال شوال، فيشترط شاهدان بهذا النص. وإن كان هلال ~~رمضان: كفى واحد بالنصين الآخرين، ولا يقوى ما يتوهم من عموم المفهوم على ~~معارضة هذين الخبرين. وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد، فإن ذلك خبر ~~عن دخول وقت العبادة. فاكتفى فيه بالشاهد الواحد، كالإخبار عن دخول وقت ~~الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما. # وقال أبو بكر عبد العزيز: إن كان الرائي في ms110 جماعة لم تقبل إلا شهادة ~~اثنين لأنه يبعد انفراد الواحد من بين الناس بالرؤية، فإذا شهد معه آخر: ~~غلب على الظن صدقهما وإن كان في سفر فقدم، قبل قوله وحده، لظاهر الحديث، ~~ولأنه قد يكون في السفر وحده، أو يتشاغل رفقته عن رؤيته، فيراه هو. # وقال أبو حنيفة: إن كان في السماء علة أو غيم أو غبار أو نحو ذلك، مما ~~يمنع الرؤية قبلت شهادة الواحد العدل، والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك ~~سواء. وتقبل فيه شهادة المحدود في القذف إذا تاب، ولا يشترط لفظ الشهادة. ~~قال: وإن لم تكن في السماء علة لم تقبل إلا شهادة جمع يقع العلم بخبرهم، ~~وهو مفوض إلى رأي الإمام من غير تقدير، لأن المطالع متحدة، والموانع ~~مرتفعة، والأبصار صحيحة، والدواعي على طلب الرؤية متوفرة، فلا يجوز أن يختص ~~بالرؤية النفر القليل. # وعن أبي حنيفة رواية أخرى: أنه تكفي شهادة الاثنين. قالوا: ولو جاء رجل ~~من خارج المصر، وشهد به قبل، وكذا إذا كان على مرتفع في البلد كالمنارة ~~ونحوها، إذ الرؤية تختلف باختلاف صفاء الجو وكدره، وباختلاف ارتفاع المكان ~~وهبوطه. والصحيح: قبول شهادة الواحد مطلقا، كما دل عليه حديثا ابن عمر وابن ~~عباس. ولا ريب أن الرؤية كما تختلف بأسباب خارجة عن الرائي، فإنها تختلف ~~بأسباب من الرائين، كحدة البصر وكلاله. وقد شاهد الناس الجمع العظيم ~~يتراءون الهلال، فيراه الآحاد منهم، وأكثرهم لا يرونه، ولا يعد انفراد ~~الواحد بالرؤية من بين الناس كاذبا. # وقد كان الصحابة في طريق الحج، فتراءوا هلال ذي الحجة، فرآه ابن عباس ولم ~~يره عمر، فجعل يقول " ألا تراه يا أمير المؤمنين، فقال: سأراه وأنا مستلق ~~على فراشي ". ### | 53 - # (فصل) # PageV01P110 # ومنها: ما يختص بمعرفة أهل الخبرة والطب، كالموضحة وشبهها، وداء الحيوان ~~الذي لا يعرفه إلا البيطار. فتقبل في ذلك شهادة طبيب واحد وبيطار واحد إذا ~~لم يوجد غيره. نص عليه أحمد. وإن أمكن شهادة اثنين، فقال أصحابنا: لا يكتفى ~~بدونهما، أخذا من مفهوم كلامه. ويتخرج قبول قول الواحد، كما ms111 يقبل قول ~~القاسم والقائف وحده. ### | 54 - # (فصل) # ومنها: ما لا يطلع عليه الرجال غالبا، من الولادة والرضاع والعيوب تحت ~~الثياب، والحيض والعدة، فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة مع العدالة. والأصل ~~فيه: حديث عقبة بن الحارث قال: «تزوجت امرأة، فجاءت أمة سوداء، فقال: فقد ~~أرضعتكما، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك؟ فقال: دعها عنك» . ~~وفي هذا الحديث من الأحكام: قبول شهادة العبد، وقبول شهادة المرأة وحدها، ~~وقبول شهادة الرجل على فعل نفسه، كالقاسم والخارص، والحاكم على حكمه بعد ~~عزله. وعن أحمد: رواية أخرى: لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين؛ لأن الله ~~سبحانه أقامهما في الشهادة مقام شاهد واحد، وهو أقل نصابا في الشهادة. # وقال الشافعي ومالك: لا يقبل أقل من أربع نسوة، لأنهن كرجلين. والله ~~تعالى أمر باستشهاد رجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فعلم أن ~~المرأتين مقام الشاهد الواحد. # وقد احتج الإمام أحمد: أن عليا - رضي الله عنه - أجاز شهادة القابلة في ~~الاستهلال. قال الشافعي: لو ثبت عن علي لصرنا إليه. # وقال إسحاق بن راهويه: لو صحت شهادتها لقلنا به. ولا نعرف اشتراط الأربعة ~~عن أحد قبل عطاء؛ فإن ابن جريج روي عنه: " لا يجوز في الاستهلال إلا أربع ~~نسوة " ذكره البيهقي. # وقد روي مرفوعا من حديث حذيفة، رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الملك ~~الواسطي عن الأعمشي، عن أبي وائل، عن حذيفة: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أجاز شهادة القابلة» . # وقال الدارقطني: محمد بن عبد الملك الواسطي: لم يسمعه من الأعمش، بينهما ~~رجل مجهول. هو أبو عبد الرحمن المدائني # PageV01P111 # قال ابن الجوزي: وقد روى أصحابنا من حديث ابن عمر: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «يجزئ في الرضاع شهادة امرأة» . قلت: وهذا لا يعرف ~~إسناده، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بن ثابت وحده، ~~وجعلها بشهادتين، وقد احتج به أبو داود على قبول شهادة الرجل وحده، إذا علم ~~الحاكم صدقه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال البخاري في ms112 صحيحه ": حدثنا ~~إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني عبد ~~الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: «أن بني صهيب مولى ابن جدعان - ادعوا ~~بيتين وحجرة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى ذلك صهيبا، فقال ~~مروان: من يشهد لكما على ذلك؟ قالوا: ابن عمر، فدعاه، فشهد لأعطى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - صهيبا بيتين وحجرة، فقضى مروان بشهادته» . وهذا غير ~~مختص به، والذي يشهد به خزيمة يشهد به كل مؤمن بأنه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وإنما بينه خزيمة دون الصحابة لدخول هذا الفرد من أخباره - صلى ~~الله عليه وسلم - في جملة أخباره، وأنه يجب تصديقه فيه، والشهادة بأنه كما ~~أخبر به، كما يجب تصديقه في سائر أخباره. # وقد أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة الشاهد الواحد من غير ~~يمين كما جاء في الصحيحين " من حديث أبي قتادة، قال: «قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم حنين: من قتل قتيلا، له عليه بينة: فله سلبه، فقمت، ~~فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست ثم قلت: من يشهد لي؟ فقال: ما لك يا أبا قتادة؟ ~~فذكرت أمر القتيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل من جلسائه: ~~صدق يا رسول الله، سلبه عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: لاها الله إذا لا ~~نعطيه أضييع قريش، وندع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: صدق، أعطه إياه. فأداه إلي» . # وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال في المذاهب: أحدها: أنه لا بد من شاهدين. # والثاني: يكفي شاهد ويمين. # والثالث: يكفي شاهد واحد، وهو الأصح في الدليل، لهذا الحديث الصحيح الذي ~~لا معارض ولا وجه للعدول عنه. # وقال أبو داود في سننه ": " باب إذا علم الحاكم بصدق الشاهد الواحد يجوز ~~له أن يحكم به " # PageV01P112 # ثم ذكر حديث خزيمة بن ثابت. # قال الشافعي: وذكر عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: " قضى زرارة بن أوفى ms113 - ~~رحمه الله - بشهادتي وحدي ". # وقال شعبة عن أبي قيس وعن أبي إسحاق: " أن شريحا أجاز شهادة كل واحد ~~منهما وحده ". # وقال الأعمش عن أبي إسحاق: " أجاز شريح شهادتي وحدي ". # وقال أبو قيس: " شهدت عند شريح على مصحف، فأجاز شهادتي وحدي. ### | 55 - # (فصل) # ومنها: قبول شهادة الشاهد الواحد، بغير يمين في الترجمة، والتعريف ~~والرسالة، والجرح والتعديل. نص عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه. وترجم ~~عليه البخاري في صحيحه "، فقال: " باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد؟ ~~" قال خارجة بن زيد عن «زيد بن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره ~~أن يتعلم كتابة اليهود، حتى كتبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه ~~وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه» وقال عمر - وعنده علي وعثمان وعبد الرحمن بن ~~عوف - " ماذا تقول هذه؟ فقال عبد الرحمن بن حاطب: تخبرك بصاحبها الذي صنع ~~بها ". # وقال أبو جمرة: " كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ". فقال بعض الناس: ~~لا بد للحاكم من مترجمين ". قلت: هذا قول مالك والشافعي، واختيار الخرقي، ~~والاكتفاء بواحد قول أبي حنيفة، وهو الصحيح، لما تقدم. وهو اختيار أبي بكر. ### | [فصل الطريق السابع في الحكم بالشاهد واليمين] ### | 56 - # (فصل) # الطريق السابع الحكم بالشاهد واليمين. # وهو مذهب فقهاء الحديث كلهم، ومذهب فقهاء الأمصار، ما خلا أبا حنيفة ~~وأصحابه. # وقد روى مسلم في صحيحه " من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين» قال عمرو: في الأموال. # وقال الشافعي: حديث ابن عباس ثابت ومعه ما يشده. قال ابن عبد الحكم: سمعت ~~الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: لو علمت أن سيف بن سليمان يروي حديث ~~اليمين مع الشاهد لأفسدته، فقلت: يا أبا عبد الله، وإذا أفسدته فسد؟ قال ~~علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن سليمان؟ فقال: هو عندنا ممن ~~يصدق ويحفظ، كان ثبتا. # PageV01P113 # قلت: هو رواه عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار. # وقد رواه أبو داود من حديث عبد ms114 الرزاق أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو. # وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان، عن معاذ بن ~~عبد الرحمن، عن ابن عباس، وآخر له صحبة: «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى باليمين مع الشاهد» . # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى باليمين مع الشاهد» . رواه الترمذي، وابن ماجه، وأبو داود، والشافعي. # وقال الترمذي: حسن غريب. # وقد روي القضاء بالشاهد مع اليمين من رواية عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي ~~طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن ~~شعبة، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثعلبة، وجماعة من الصحابة. قال أبو بكر ~~الخطيب في مصنف أفرده لهذه المسألة: روى «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه قضى بشاهد ويمين» ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعمارة بن حزم، وسعد بن ~~عبادة، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وسرق، وزيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، ~~وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن ~~ثعلبة، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد الساعدي، وعمرو بن حزم، والمغيرة بن ~~شعبة، وبلال بن الحارث، وتميم الداري، ومسلم بن قيس، وأنس بن مالك؛ ثم ذكر ~~أحاديثهم بإسناده. وفي مراسيل مالك: عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر: «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد الواحد» . # وقضى به علي - رضي الله عنه - بالعراق. وقال الشافعي لبعض مناظريه: روى ~~عبد الوهاب الثقفي، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد الواحد» . وكذلك رواه ابن المديني، ~~وإسحاق وغيرهما، عن الثقفي، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. ورواه القاضي ~~إسماعيل: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن ~~محمد، عن أبيه، عن جده: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين ~~مع الشاهد» . # وتابعه ms115 عبد العزيز بن مسلمة، عن جعفر به، إسنادا ومتنا. # وقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد بن ربيعة، عن سعيد بن عمرو بن ~~شرحبيل، عن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده، قال: وجدنا في كتاب ~~سعد: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد» . # وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، ونافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية، عن ~~سعيد بن عمرو بن شرحبيل # PageV01P114 # أنه وجد في كتاب آبائه: " هذا ما ذكر عمرو بن حزم، والمغيرة بن شعبة ~~قالا: «بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل رجلان يختصمان، ~~مع أحدهما شاهد له على حقه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمين ~~صاحب الحق مع شاهده، فاقتطع بذلك حقه» # وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن ابن ~~المسيب: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد» . ~~قال: وأخبرنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، ~~عن جده: أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الشهادة: فإن جاء بشاهد ~~حلف مع شاهده» . ورواه مطرف بن مازن - ضعيف - حدثنا ابن جريج عن عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين ~~في الحقوق» . # وقال ابن وهب: حدثنا: عثمان بن الحكم، حدثني زهير بن محمد، عن سهيل بن ~~أبي صالح، عن أبيه عن زيد بن ثابت: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى ~~بشاهد ويمين» . # وروى جويرية بن أسماء، عن عبد الله بن زيد مولى المنبعث - عن رجل، عن سرق ~~قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيمين وشاهد» . رواه البيهقي. # وروى البيهقي أيضا من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعثمان، كانوا يقضون بشهادة الشاهد ~~الواحد، ويمين المدعي» . # قال جعفر: والقضاة يقضون بذلك عندنا اليوم. وذكر أبو الزناد، عن عبد ms116 الله ~~بن عامر، فقال: " حضرت أبا بكر، وعمر وعثمان يقضون بشهادة الشاهد واليمين ~~". # وقال الزنجي: حدثنا «جعفر بن محمد، قال: سمعت الحكم بن عيينة يسأل أبي - ~~وقد وضع يده على جدار القبر ليقوم - أقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باليمين مع الشاهد؟ قال: نعم، وقضى به علي بين أظهركم» . وكتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى عامله بالكوفة: " اقض بالشاهد مع اليمين فإنها السنة " رواه ~~الشافعي. # قال الشافعي: واليمين مع الشاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئا لأنا نحكم ~~بشاهدين، وشاهد # PageV01P115 # وامرأتين، فإذا كان شاهد واحد: حكمنا بشاهد ويمين، وليس ذا يخالف القرآن؛ ~~لأنه لم يحرم أن يكون أقل مما نص عليه في كتابه. ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أعلم بما أراد الله، وقد أمرنا الله أن نأخذ ما آتانا. قلت: ~~وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يحكم إلا بشاهدين، أو شاهد وامرأتين؛ فإن ~~الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق: أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب، ~~ولم يأمر بذلك الحكام: أن يحكموا به، فضلا عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا ~~إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، ~~والنساء المنفردات لا رجل معهن، وبمعاقد القمط، ووجوه الآجر، وغير ذلك من ~~طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن. فإن كان الحكم بالشاهد واليمين مخالفا ~~لكتاب الله، فهذه أشد مخالفة لكتاب الله منه، وإن لم تكن هذه الأشياء ~~مخالفة للقرآن، فالحكم بالشاهد واليمين أولى ألا يكون مخالفا للقرآن. فطرق ~~الحكم شيء، وطرق حفظ الحقوق شيء آخر، وليس بينهما تلازم، فتحفظ الحقوق بما ~~لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه، ويحكم الحاكم بما ~~لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله: من نكول، ورد يمين وغير ذلك، ~~والقضاء واليمن، مما أراه الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه ~~سبحانه قال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ~~[النساء: 105] ، وقد حكم بالشاهد واليمين وهو مما أراه الله ms117 إياه قطعا. # ومن العجائب: رد الشاهد واليمين، والحكم بمجرد النكول الذي هو سكوت، ولا ~~ينسب إلى ساكت قول، والحكم لمدعي الحائط إذا كانت إليه الدواخل والخوارج ~~وهو الصحاح من الآجر، أو إليه معاقد القمط في الخص، كما يقول أبو يوسف: ~~فأين هذا من الشاهد العدل المبرز في العدالة، الذي يكاد يحصل العلم ~~بشهادته، إذا انضاف إليها يمين المدعي؟ وأين الحكم بلحوق النسب بمجرد ~~العقد، وإن علمنا قطعا أن الرجل لم يصل إلى المرأة، من الحكم بالشاهد ~~واليمين؟ وأين الحكم بشهادة مجهولين، لا يعرف حالهما، من الحكم بشهادة ~~العدل المبرز الثقة، مع يمين الطالب؟ وأين الحكم لمدعي الحائط بينه وبين ~~جاره، تكون ثلاثة جذوع فصاعدا عليه له من الحكم بالشاهد واليمين؟ ومعلوم: ~~أن الشاهد واليمين أقوى في الدلالة والبينة من ثلاثة جذوع على الحائط الذي ~~ادعاه، فإذا أقام جاره شاهدا، وحلف معه: كان ذلك أقوى من شهادة الجذوع؟ ~~وهذا شأن كل من خالف سنة صحيحة لا معارض لها، لا بد أن يقول قولا يعلم أن ~~القول بتلك السنة أقوى منه بكثير. # وقد نسب إلى البخاري إنكار الحكم بشاهد ويمين، فإنه قال: في " باب يمين ~~المدعى عليه " من كتاب الشهادات: قال قتيبة: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن ~~شبرمة، قال: كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال ~~الله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ~~ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ~~. # PageV01P116 # قلت: إذا كان يكتفى بشهادة شاهد ويمين، يحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى، ما ~~كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ فترجمة الباب بأن اليمين من جهة المدعى عليه، ~~وذكر هذه المناظرة، وعدم رواية حديث أو أثر في الشاهد واليمين، ظاهر في أنه ~~لا يذهب إليه، وهذا ليس بصريح أنه مذهبه، ولو صرح به فالحجة فيما يرويه لا ~~فيما يراه. # قال الإسماعيلي، عند ذكره هذه الحكاية: ليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى. ~~فإن الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إنما هو فيما إذا ms118 شهدتا، فإن لم تشهدا ~~قامت مقامهما يمين الطالب ببيان السنة الثابتة. واليمين ممن هي عليه - لو ~~انفردت - لحلت محل البينة في الأداء والإبراء. فكذلك حلت اليمين هاهنا محل ~~الشاهد ومحل المرأتين في الاستحقاق، بانضمامهما إلى الشاهد الواحد، ولو وجب ~~إسقاط السنة الثابتة، في الشاهد واليمين - كما ذكر ابن شبرمة - لسقط الشاهد ~~والمرأتان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «شاهداك أو يمينه» فنقله عن ~~الشاهدين إلى يمين خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين. # قلت: مراده: أن قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]- ~~الآية لو كان مانعا من الحكم بالشاهد واليمين، ومعارضا له، لكان قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «شاهداك أو يمينه» مانعا من الحكم بالشاهد والمرأتين، ~~ومعارضا له، وليس الأمر كذلك، فلا تعارض بين كتاب الله وسنة رسوله، ولا ~~اختلاف ولا تناقض بوجه من الوجوه، بل الكل من عند الله {ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] . فإن قيل: أصح حديث في ~~الباب: حديث ابن عباس. # وقد قال عباس الدوري قال يحيى: حديث ابن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بشاهد ويمين» ليس محفوظا. قيل: هذا ليس بشيء. # قال أبو عبد الله الحاكم: شيخنا أبو زكريا لم يطلق هذا القول على حديث ~~سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، أو الحديث الذي ~~تفرد به إبراهيم بن محمد عن ابن أبي ذئب. وأما حديث سيف بن سليمان فليس في ~~إسناده من جرح، ولا نعلم له علة يعلل بها، وأبو زكريا أعلم بهذا الشأن من ~~أن يظن به تهوين حديث يرويه الثقات الأثبات. # قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن سيف بن سليمان، فقال: ~~كان عندنا # PageV01P117 # أثبت ممن يحفظ عنه ويصدق. # وقال أبو بكر في " الشافي ": " باب قضاء القاضي بالشاهد واليمين ": حدثنا ~~عبد الله بن سليمان، حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا شبابة، حدثنا عبد العزيز ~~بن أبي سلمة الماجشون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي - رضي ms119 الله عنه -: ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشهادة رجل واحد مع يمين صاحب ~~الحق» . وقضى به علي بالعراق. ثم ذكر من رواية حنبل: سمعت أبا عبد الله ~~يقول، في الشاهد واليمين: جائز الحكم به. فقيل لأبي عبد الله: أيش معنى ~~اليمين؟ قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاهد ويمين» ، قال ~~أبو عبد الله: وهم لعلهم يقضون في مواضع بغير شهادة شاهد، في مثل رجل اكترى ~~من رجل دارا، فوجد صاحب الدار في الدار شيئا، فقال: هذا لي، وقال الساكن: ~~هو لي. ومثل رجل اكترى من رجل دارا فوجد فيها دفونا، فقال الساكن: هي لي، ~~وقال صاحب الدار: هي لي. فقيل: لمن تكون؟ فقال هذا كله لصاحب الدار. # وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله عن شهادة الرجل ويمين صاحب الحق، فقال: ~~هم يقولون: لا تجوز شهادة رجل واحد ويمين، وهم يجوزون شهادة المرأة ~~الواحدة، ويجيزون الحكم بغير شهادة. قلت: مثل أيش؟ قال: مثل الخص إذا ادعاه ~~رجلان يعطونه للذي القمط مما يليه. فمن قضى بهذا؟ وفي الحائط إذا ادعاه ~~رجلان نظروا إلى اللبنة لمن هي؟ فقضوا به لأحدهما بلا بينة. والزبل إذا كان ~~في الدار، وقال صاحب الدار: أكريتك الدار، وليس فيها زبل. # وقال الساكن: كان فيها، لزمه أخذها بلا بينة. والقابلة تقبل شهادتها في ~~استهلال الصبي. فهذا يدخل عليهم. ### | [فصل في هل الحكم بالشاهد واليمين تقوية وتوكيد] ### | 57 - # (فصل) # وإذا قضى بالشاهد واليمين، فالحكم بالشاهد وحده، واليمين تقوية وتوكيد. ~~هذا منصوص أحمد، فلو رجع الشاهد، كان الضمان كله عليه. قال الخلال في " ~~الجامع ": باب إذا قضى باليمين مع الشاهد، فرجع الشاهد - ثم ذكر من رواية ~~ابن مشيش - سئل أحمد عن الشاهد واليمين: تقول به؟ قال. أي لعمري. قيل له: ~~فإن رجع الشاهد؟ قال: تكون المتالف على الشاهد وحده. قيل: كيف لا تكون على ~~الطالب، لأنه قد استحق بيمينه، ويكون بمنزلة الشاهدين؟ قال: لا، إنما هو ~~السنة - يعني اليمين. # PageV01P118 # وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ms120 سئل عن رجل قضي عليه بشهادة شاهدين، فرجع ~~أحد الشاهدين؟ قال: يلزمه، ويرد الحكم. قيل له: فإن قضى بالشاهد ويمين ~~المدعي، ثم رجع الشاهد؟ قال: إن أتلف الشيء كان على الشاهد؛ لأنه إنما ثبت ~~هاهنا بشهادته، ليست اليمين من الشهادة في شيء. # وقال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن رجع الشاهد عن شهادته بعد؟ قال: يضمن ~~المال كله، به كان الحكم. # وقال ابن مشيش: سألت أبا عبد الله، فقلت: إذا استحق الرجل المال بشهادة ~~شاهد مع يمينه، ثم رجع الشاهد؟ فقال: إذا كانا شاهدين، ثم رجع شاهد: غرم ~~نصف المال. فإن كانت شهادة شاهد مع يمين الطالب، ثم رجع الشاهد: غرم المال ~~كله. قلت: المال كله؟ قال: نعم. # وقال يعقوب بن بختان: سألت أحمد عن الرجل إذا استحق المال بشهادة شاهد مع ~~يمينه، ثم رجع الشاهد؟ فقال: يرد المال. قلت. أيش معنى اليمين؟ فقال: قضاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: فإن رجع الشاهد عن الشهادة كم ~~يغرم؟ قال: المال كله؛ لأنه شاهد واحد قضي بشهادته، ثم قال: كيف قول مالك ~~فيها؟ قلت: لا أحفظه. قلت له - بعد هذا المجلس - إن مالكا يقول: إن رجع ~~الشاهد فعليه نصف الحق، لأني إنما حكمت بمقتضى شهادته، ويمين الطالب، فلم ~~أره رجع عن قوله. # وقال الشافعي - كقول مالك -: بناء على أن اليمين قامت مقام الشاهد، فوقع ~~الحكم بهما. وأحمد أنكر ذلك، ويؤيده من وجوه: منها: أن الشاهد حجة الدعوى، ~~فكان منفردا بالضمان. ومنها: أن اليمين قول الخصم، وقوله ليس بحجة على ~~خصمه، وإنما هو شرط للحكم، فجرى مجرى مطالبة الحكم به. ومنها: أنا لو ~~جعلناها حجة لكنا إنما جعلناها حجة بشهادة الشاهد. ومنها: أنها لو كانت ~~كالشاهد لجاز تقديمها على شهادة الشاهد الآخر، مع أن في ذلك وجهين لنا ~~وللشافعية. # قال القاضي في " التعليق ": واحتج - يعني: المنازع في القضاء بالشاهد ~~واليمين - بأنه لو كانت يمين المدعي كشاهد آخر لجاز له أن يقدمها على ~~الشاهد الذي عنده، كما ms121 لو كان عنده شاهدان جاز أن يقدم أيهما شاء. # PageV01P119 # قال: والجواب أنا لا نقول: إنهما بمنزلة شاهد آخر، ولهذا يتعلق الضمان ~~بالشاهد وإنما اعتبرناها احتياطا. قال: فإن قيل: ما ذهبتم إليه يؤدي إلى أن ~~يثبت الحق بشاهد واحد. قيل: هذا غير ممتنع، كما قاله المخالف في الهلال في ~~الغيم، وفي القابلة، وهو ضرورة أيضا؛ لأن المعاملات تكثر وتتكرر، فلا يتفق ~~كل وقت شاهدان، وقياسها على احتياط الحنفية بالحبس مع الشاهد للإعسار ويمين ~~المدعي على الغائب مع البينة. # قال: وأما جواز تقديم اليمين على الشاهد، فقال: لا نعرف الرواية بمنع ~~الجواز. قال: ويحتمل أن نقول بجواز الحلف أولا، ثم تسمع الشهادة، وهو قول ~~أبي هريرة، ويحتمل أنه لا يجوز تقدمة اليمين على الشاهد، وهو ظاهر كلام ~~أحمد في رواية أبي الحارث، قال: إذا ثبت له شاهد واحد حلف وأعطي، فأثبت ~~اليمين بعد ثبوت الشاهد، لأن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين، وإنما ~~تقوى حينئذ بالشاهد، ولأن اليمين يجوز أن ترتب على ما لا ترتب عليه ~~الشهادة، فيكون من شرط اليمين: تقدم شهادة الشاهد، ولا يعتبر هذا المعنى في ~~الشاهدين. ### | [فصل والمواضع التي يحكم فيها بالشاهدين واليمين] ### | 58 - # (فصل) # والمواضع التي يحكم فيها بالشاهدين واليمين: المال، وما يقصده به كالبيع ~~والشراء، وتوابعهما: من اشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، ~~والإجارة، والجعالة، والمساقاة، والمزارعة، والمضاربة، والشركة، والهبة. # قال في " المحرر ": والوصية لمعين، أو الوقف عليه. وهذا يدل على أن ~~الوصية والوقف إذا كانتا لجهة عامة، كالفقراء والمساكين لا يكتفى فيهما ~~بشاهد ويمين، لإمكان اليمين من المدعى عليه إذا كان. وأما الجهة المطلقة: ~~فلا يمكن اليمين فيها، وإن حلف واحد منهم لم يسر حكمه ويمينه إلى غيره، ~~وكذلك لو ادعى جماعة: أنهم ورثوا دينا على رجل، وشهد بذلك شاهد واحد لم ~~يستحقوا ذلك، حتى يحلفوا جميعهم، وإن حلف بعضهم استحق حقه، ولا يشاركه فيه ~~غيره من الورثة، ومن لم يحلف لم يستحق شيئا، فلو أمكن حلف الجميع في الوصية ~~والوقف - بأن ms122 يوصي أو يقف على فقراء محلة معينة يمكن حصرهم - ثبت الوقف ~~والوصية بشاهد وأيمانهم، ولو انتقل الوقف من بعدهم: لم يمنع ذلك ثبوته ~~بشهادة المعينين أولا، كما لو وقف على زيد وحده ثم على الفقراء والمساكين ~~بعده: ثبت الوقف بشهادته، ثم انتقل إلى من بعده بحكم الثبوت الأول ضمنا ~~وتبعا، وقد ثبت في الأحكام # PageV01P120 # التبعية، ويغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصل المقصود، وشواهده معروفة. ~~ومما يثبت بالشاهد واليمين: الغصوب، والعواري، الوديعة، والصلح والإقرار ~~بالمال، أو ما يوجب المال، والحوالة، والإبراء، والمطالبة بالشفعة، ~~وإسقاطها، والقرض، والصداق، وعوض الخلع، ودعوى رق مجهول النسب، وتسمية ~~المهر. ### | 59 - # (فصل) # وفي الجنايات الموجبة للمال كالخطأ، وما لا قصاص فيه من جنايات العمد ~~كالهاشمة، والمأمومة، والجائفة، وقتل المسلم الكافر، والحر العبد والصبي، ~~والمجنون، والعتق، والوكالة في المال، والإيصاء إليه، ودعوى قتل الكافر ~~لاستحقاق سلبه، ودعوى الأسير إسلاما سابقا يمنع رقه، روايتان: إحداهما: أنه ~~يثبت بشاهد ويمين، ورجل وامرأتين. # والثانية: لا يثبت إلا برجلين. ولا يشترط كون الحالف مسلما، بل تقبل ~~يمينه مع كفره، كما لو كان المدعى عليه. # قال أبو الحارث: سئل أحمد عن الفاسق، أو العبد إذا أقام شاهدا واحدا؟ ~~قال: أحلفه وأعطيه دعواه، قلت: فإن كان الشاهد عدلا والمدعى عليه غير عدل؟ ~~قال: وإن كان المدعي غير عدل، أو كانت امرأة، أو يهوديا، أو نصرانيا أو ~~مجوسيا، إذا ثبت له شاهد واحد: حلف، وأعطي ما ادعى. وهل يشترط أن يحلف ~~المدعي على صدق شاهده، فيقول مع يمينه: وإن شاهدي صادق؟ الصحيح المشهور: ~~أنه لا يشترط، لعدم الدليل الموجب لاشتراطه، ولأن يمينه على الاستحقاق ~~كافية عن يمينه على صدق شاهده، وشرطه بعض أصحاب أحمد والشافعي: لأن البينة ~~بينة ضعيفة، ولهذا قويت بيمين المدعي، فيجب أن تقوى بحلفه على صدق الشاهد، ~~وهذا القول يقوى في موضع ويضعف في موضع، فيقوى إذا ارتاب الحاكم، أو لم يكن ~~الشاهد مبرزا، ويضعف: إذا لم يكن الأمر كذلك. ### | 60 - # (فصل) # وقد حكى أبو محمد ابن حزم القول بتحليف الشهود ms123 عن ابن وضاح، وقاضي ~~الجماعة # PageV01P121 # بقرطبة - وهو محمد بن بشر - أنه حلف شهودا في تركة بالله أن ما شهدوا به ~~لحق. # قال: وروي عن ابن وضاح أنه قال: أرى لفساد الناس أن يحلف الحاكم الشهود. ~~وهذا ليس ببعيد، وقد شرع الله سبحانه وتعالى تحليف الشاهدين إذا كانا من ~~غير أهل الملة على الوصية في السفر، وكذلك قال ابن عباس بتحليف المرأة إذا ~~شهدت في الرضاع، وهو أحد الروايتين عن أحمد. # قال القاضي: لا يحلف الشاهد على أصلنا إلا في موضعين، وذكر هذين ~~الموضعين. # قال شيخنا قدس الله روحه: هذان الموضعان قبل فيهما الكافر والمرأة وحدها ~~للضرورة، فقياسه: أن كل من قبلت شهادته للضرورة استحلف. قلت: وإذا كان ~~للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب فيهم، فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم. ### | [فصل والتحليف ثلاثة أقسام] ### | [فصل تحليف المدعي] ### | 61 - # (فصل) # والتحليف ثلاثة أقسام تحليف المدعي، وتحليف المدعى عليه، وتحليف الشاهد. ~~فأما تحليف المدعي: ففي صور: أحدها: القسامة، وهي نوعان: قسامة في الدماء، ~~وقد دلت عليها السنة الصحيحة الصريحة، وأنه يبدأ فيها بأيمان المدعين، ~~ويحكم فيها بالقصاص، كمذهب مالك، وأحمد في إحدى الروايتين، والنزاع فيها ~~مشهور قديما وحديثا. # والثانية: القسامة مع اللوث في الأموال، وقد دل عليها القرآن، كما سنذكره ~~إن شاء الله تعالى. # وقد قال أصحاب مالك: إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه، والناس ~~ينظرون إليهم، ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا، ولكنهم علموا أنهم أغاروا ~~وانتهبوا. فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه؛ لأن ~~مالكا قال في منتهب الصرة يختلفان في عددها: القول قول المنتهب مع يمينه. # وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنتهب منه مع يمينه فيما ~~يشتبه ويحتمل على الظالم. # قال مطرف: ومن أخذ من المغيرين ضمن ما أخذه رفاقه؛ لأن بعضهم عون لبعض - ~~كالسراق والمحاربين، ولو أخذوا جميعا وهم أملياء، فيضمن كل واحد ما ينو به، ~~وقاله ابن الماجشون وأصبغ في الضمان. قالوا: والمغيرون كالمحاربين إذا ~~شهروا السلاح على ms124 وجه المكابرة: كان ذلك على تأمرة بينهم، # PageV01P122 # أو على وجه الفساد، وكذلك والي البلد يغير على بعض أهل ولايته وينتهب ~~ظلما مثل ذلك في المغيرين. # وقال ابن القاسم: ولو ثبت أن رجلين غصبا عبدا فمات، لزم أخذ قيمته من ~~المليء، ويتبع المليء ذمة رفيقه المعدم بما ينوبه. وأما دلالة القرآن على ~~ذلك: فقال شيخنا قدس الله روحه: لما ادعى ورثة السهمي الجام المفضض المخوص، ~~وأنكر الوصيان الشاهدان أنه كان هناك جام، وظهر الجام المدعى، وذكر مشتريه ~~أنه اشتراه من الوصيين: صار هذا لوثا يقوي دعوى المدعيين، فإذا حلف ~~الأوليان بأن الجام كان لصاحبهم: صدقا في ذلك. وهذا لوث في الأموال، نظير ~~اللوث في الدماء، لكن هناك ردت اليمين على المدعي، بعد أن حلف المدعى عليه، ~~فصارت يمين المطلوب وجودها كعدمها، كما أنه في الدم لا يستحلف ابتداء، وفي ~~كلا الموضعين يعطى المدعي بدعواه مع يمينه، وإن كان المطلوب حالفا، أو ~~باذلا للحلف. # وفي استحلاف الله للأوليين دليل على مثل ذلك في الدم، حتى تصير يمين ~~الأوليين مقابلة ليمين المطلوبين، وفي حديث ابن عباس: «حلفا أن الجام ~~لصاحبهم» . # وفي حديث عكرمة: «ادعيا أنهما اشترياه منه، فحلف الأوليان؛ أنهما ما كتما ~~وغيبا» ، فكان في هذه الرواية أنه لما ظهر كذبهما بأنه لم يكن له جام ردت ~~الأيمان على المدعيين في جميع ما ادعوا. فجنس هذا الباب: أن المطلوب إذا ~~حلف، ثم ظهر كذبه: هل يقضى للمدعي بيمينه فيما يدعيه؛ لأن اليمين المشروعة ~~في جانب الأقوى، فإذا ظهر صدق المدعي في البعض وكذب المطلوب: قوي جانب ~~المدعي، فحلف كما يحلف مع الشاهد الواحد، وكما يحلف صاحب اليد العرفية ~~مقدما على اليد الحسية، انتهى. # والحكم باللوث في الأموال أقوى منه في الدماء، فإن طرق ثبوتها أوسع من ~~طرق ثبوت الدماء، لأنها تثبت بالشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، والنكول ~~مع الرد، وبدونه، وغير ذلك من الطرق، وإذا حكمنا بالعمامة لمن هو مكشوف ~~الرأس وأمامه رجل عليه عمامة وبيده أخرى وهو هارب: فإنما ذلك باللوث الظاهر ~~القائم ms125 مقام الشاهدين، وأقوى منهما بكثير. واللوث علامة ظاهر لصدق المدعي، ~~وقد اعتبرها الشارع في اللقطة، وفي النسب، وفي استحقاق السلب إذا ادعى ~~اثنان قتل الكافر، وكان أثر الدم في سيف أحدهما أدل منه في سيف الآخر، كما ~~تقدم. وعلى هذا: فإذا ادعى عليه سرقة ماله، فأنكر وحلف له، ثم ظهر معه ~~المسروق: حلف المدعي، وكانت يمينه أولى من يمين المدعى عليه، وكان حكمه حكم ~~استحقاق الدم في القسامة. # وعلى هذا، فلو طلب من الوالي أن يضربه ليحضر باقي المسروق فله ذلك. # PageV01P123 # كما عاقب النبي - صلى الله عليه وسلم - عم حيي بن أخطب، حتى أحضر كنز ابن ~~أبي الحقيق كما تقدم. # والثانية: إذا ردت اليمين إليه. # والثالثة: إذا شهد له شاهد واحد حلف معه واستحق، كما تقدم. # والرابعة: في مسألة تداعي الزوجين والصانعين، فيحكم لكل واحد منهما بما ~~يصلح له مع يمينه. # والخامسة: تحليفه مع شاهديه. وقد اختلف السلف في ذلك، فقال شريح بن يونس ~~في " كتاب القضاء " له: حدثنا هشيم، عن الشيباني، عن الشعبي. # قال: كان شريح يستحلف الرجل مع بينته. حدثنا هشيم، عن أشعث، عن عون بن ~~عبد الله: أنه استحلف رجلا مع بينته، فكأنه أبى أن يحلف، فقال: ما كنت ~~لأقضي لك بما لا تحلف عليه، وحكاه ابن المنذر عن عبيد الله بن عتبة ~~والشعبي. # قال أبو عبيد: إنما ترى شريحا أوجب اليمين على الطالب مع بينته، حين رأى ~~الناس مدخولين في معاملتهم، واحتاط لذلك، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان، عن ~~ابن هاشم، عن أبي البختري قال: قيل لشريح: ما هذا الذي أحدثت في القضاء؟ ~~قال: رأيت الناس أحدثوا فأحدثت. # قال الأوزاعي والحسن بن حيي: يستحلف الرجل مع بينته. # وقال الطحاوي: وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن حبيش " أن عليا استحلف عبد ~~الله بن الحسن مع بينته " وأنه استحلف رجلا مع بينته، فأبى أن يحلف، فقال: ~~" لا أقضي لك بما لا تحلف عليه ". # وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع، ولا سيما مع احتمال التهمة. ويخرج ~~في ms126 مذهب أحمد وجهان: فإن أحمد سئل عنه فقال: قد فعله علي والصحابة - رضي ~~الله عنهم أجمعين -، وفيما إذا سئل عن مسألة فقال: قال فيها بعض الصحابة ~~كذا: وجهان ذكرهما ابن حامد. قال الخلال في " الجامع ": حدثنا محمد بن علي، ~~حدثنا مهنا، قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يقيم الشهود، أيستقيم للحاكم ~~أن يقول لصاحب الشهود: احلف؟ فقال: قد فعل ذلك علي، قلت: من ذكره؟ قال: ~~حدثنا حفص بن غياث، حدثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن حبيش. # قال: استحلف علي عبد الله بن الحسن مع الشهود، فقلت: يستقيم هذا؟ قال: قد ~~فعله علي - رضي الله عنه -. وهذا القول يقوى مع وجود التهمة، وأما بدون ~~التهمة فلا وجه له، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدعي: «شاهداك ~~أو يمينه، فقال: يا رسول الله، إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه، فقال: ليس ~~لك إلا ذلك» . ### | [فصل في تحليف المدعى عليه] ### | 62 - # (فصل) # PageV01P124 # وأما تحليف المدعى عليه: فقد تقدم، وقد قال أبو حنيفة: إن اليمين لا تكون ~~إلا من جانبه، وبنوا على ذلك إنكار الحكم بالشاهد واليمين، وإنكار القول ~~برد اليمين، وأنه يبدأ في القسامة بأيمان المدعى عليه. ### | [فصل في تحليف الشاهد] ### | 63 - # (فصل) # وأما تحليف الشاهد: فقد تقدم. ومما يلتحق به: أنه لو ادعى عليه شهادة ~~فأنكرها، فهل يحلف، وتصح الدعوى بذلك؟ فقال شيخنا: لو قيل إنه تصح الدعوى ~~بالشهادة لتوجه، لأن الشهادة سبب موجب للحق، فإذا ادعى على رجل أنه شاهد له ~~بحقه، وسأل يمينه: كان له ذلك، فإذا نكل عن اليمين لزمه ما ادعى بشهادته، ~~فإن قيل: إن كتمان الشهادة موجب للضمان لما تلف، وما هو ببعيد، كما قلنا: ~~يجب الضمان على من ترك الطعام الواجب إذا كان موجبا للتلف، أوجب الضمان ~~كفعل المحرم، إلا أنه يعارض هذا: أن هذا تهمة للشاهد، وهو يقدح في عدالته ~~فلا يحصل المقصود، فكأنه يقول: لي شاهد فاسق بكتمانه إلا أن هذا لا ينفي ~~الضمان في نفس الأمر. # وقد ذكر القاضي ms127 أبو يعلى في ضمن مسألة الشهادة على الشهادة في الحدود ~~التي لله وللآدمي: أن الشهادة ليست حقا على الشاهد، بدلالة أن رجلا لو قال ~~لي على فلان شهادة فجحدها فلان، أن الحاكم لا يعدى عليه ولا يحضره، ولو ~~كانت حقا عليه لأحضره، كما يحضره في سائر الحقوق، وسلم القاضي ذلك، وقال: ~~ليس إذا لم يجز الاستقراء والإعداء، أو لم تسمع الدعوى لم تسمع الشهادة به، ~~وكذلك أعاد ذكرها في مسألة شاهد الفرع على شاهد الأصل، وأن الشهادة ليست ~~حقا على أحد، بدليل عدم الإعداء، والإحضار إذا ادعى أن له قبل فلان شهادة. ~~وهذا الكلام ليس على إطلاقه، فإن الشهادة المتعينة حق على الشاهد، يجب عليه ~~القيام به، ويأثم بتركه، قال الله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] . # وقال تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] وهل المراد به: ~~إذا ما دعوا للتحمل، أو للأداء؟ على قولين للسلف، وهما روايتان عن أحمد، ~~والصحيح: أن الآية تعمهما، فهي حق له، يأثم بتركه ويتعرض للفسق والوعيد، ~~ولكن ليست حقا تصح الدعوى به، والتحليف عليه، لأن ذلك يعود على مقصودها ~~بالإبطال، فإنه مستلزم لاتهامه والقدح فيه بالكتمان. وقياس المذهب: أن ~~الشاهد إذا كتم شهادته بالحق ضمنه، لأنه أمكنه تخليص حق صاحبه فلم # PageV01P125 # يفعل، فلزمه الضمان، كما لو أمكنه تخليصه من هلكة فلم يفعل. وطرد هذا أن ~~الحاكم إذا تبين له الحق فلم يحكم لصاحبه به، فإنه يضمنه لأنه أتلفه عليه ~~بترك الحكم الواجب عليه. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمن رأى متاع غيره يحترق ~~أو يغرق أو يسرق ويمكنه دفع أسباب تلفه، أو رأى شاته تموت ويمكنه ذبحها، ~~فإنه لا يضمن في ذلك كله. # قيل: المنصوص عن عمر - رضي الله عنه - وعن غيره: إنما هو فيمن استسقى ~~قوما فلم يسقوه حتى مات، فألزمهم ديته، وقاس عليه أصحابنا كل من أمكنه ~~إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل. وأما هذه الصورة التي نقضتم بها: فلا ترد. ~~والفرق بينها وبين الشاهد والحاكم: ms128 أنهما متسببين للإتلاف بترك ما وجب ~~عليهما من الشهادة والحكم، ومن تسبب إلى إتلاف مال غيره وجب عليه ضمانه، ~~وفي هذه الصورة لم يكن من الممسك عن التخليص سبب يقتضي الإتلاف، والله ~~أعلم. ### | [فصل الطريق الثامن في الحكم بالرجل الواحد والمرأتين] ### | 64 - # (فصل) # الطريق الثامن ومن طرق الحكم؛ الحكم بالرجل الواحد والمرأتين: قال الله ~~تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ~~ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] . # فإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، ~~وأنه لا يقضى بهما إلا عند عدم الشاهدين. قيل: القرآن لا يدل على ذلك، فإن ~~هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى ~~الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها، فإن شهادة الرجل ~~الواحد أقوى من شهادة المرأتين، لأن النساء يتعذر غالبا حضورهن مجالس ~~الحكام وحفظهن وضبطهن دون حفظ الرجال وضبطهم، ولم يقل سبحانه: احكموا ~~بشهادة رجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وقد جعل سبحانه المرأة ~~على النصف من الرجل في عدة أحكام: # أحدها: هذا. # والثاني: في الميراث. # والثالث: في الدية. # والرابع: في العقيقة. # والخامس: في العتق، كما في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من أعتق امرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار وومن أعتق # PageV01P126 # امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو منهما عضوا من النار» . # وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] ، فيه ~~دليل على أن الشاهد إذا نسي شهادته فذكره بها غيره لم يرجع إلى قوله حتى ~~يذكرها وليس له أن يقلده، فإنه سبحانه قال: {فتذكر إحداهما الأخرى} ~~[البقرة: 282] ولم يقل: فتخبرها، وفيها قراءتان: التثقيل والتخفيف، ~~والصحيح: أنهما بمعنى واحد من " الذكر " وأبعد ممن قال: فيجعلها ذكرا، لفظا ~~ومعنى، فإنه سبحانه جعل ذلك علة للضلال الذي هو ضد الذكر، فإذا ضلت أو نسيت ~~ذكرتها الأخرى فذكرت، وقوله: {أن تضل} [البقرة: 282] تقديره عند الكوفيين: ~~لئلا ms129 تضل إحداهما، ويطردون ذلك في كل ما جاء من هذا، كقوله: {يبين الله لكم ~~أن تضلوا} [النساء: 176] ونحوه. ويرد عليهم نصب قوله: {فتذكر إحداهما ~~الأخرى} [البقرة: 282] إذ يكون تقديره: لئلا تضل، ولئلا تذكر. وقدره ~~البصريون بمصدر محذوف، وهو الإرادة والكراهة والحذر ونحوها، فقالوا: يبين ~~الله لكم أن تضلوا، أي حذر أن تضلوا، وكراهة أن تضلوا ونحوه. ويشكل عليهم ~~هذا التقدير في قوله: {أن تضل إحداهما} [البقرة: 282] فإنهم إن قدروه كراهة ~~أن تضل إحداهما: كان حكم المعطوف عليه - وهو فتذكر - حكمه، فيكون مكروها، ~~وإن قدروها، إرادة أن تضل إحداهما كان الضلال مرادا. والجواب عن هذا: أنه ~~كلام محمول على معناه، والتقدير: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وهذا مراد ~~قطعا، والله أعلم. ### | 65 - # (فصل) # قال شيخنا ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: قوله تعالى: {فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى} [البقرة: 282] ، فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو ~~لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في ~~العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حيث قال: " وأما نقصان # PageV01P127 # عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل "، فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف ~~العقل لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما ~~عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن ~~فيه على نصف رجل، وما تقبل فيها شهادتهن منفردات، إنما هي أشياء تراها ~~بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل، كالولادة ~~والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى ~~في العادة ولا تحتاج معرفته إلى إعمال العقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها ~~من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة. ### | 66 - # (فصل) إذا تقرر هذا، فإنه تقبل شهادة الرجل والمرأتين في كل موضع تقبل ~~فيه شهادة الرجل ويمين ms130 الطالب. # وقال عطاء وحماد بن أبي سليمان: تقبل شهادة رجل وامرأتين في الحدود ~~والقصاص، ويقضى بها عندنا في النكاح والعتاق، على إحدى الروايتين # وروي ذلك عن جابر بن زيد، وإياس بن معاوية، والشعبي والثوري، وأصحاب ~~الرأي، وكذلك في الجنايات الموجبة للمال على إحدى الروايتين. # قال في " المحرر ": من أتى برجل وامرأتين، أو بشاهد ويمين فيما يوجب ~~القود: لم يثبت به قود ولا مال، وعنه يثبت المال إذا كان المجني عليه عبدا، ~~نقلها ابن منصور، ومن أتى بذلك في سرقة ثبت له المال دون القطع. اه. # وقال أبو بكر: لا يثبت مطلقا. ويقضى بالشاهد والمرأتين في الخلع إذا ~~ادعاه الرجل، فإن ادعته المرأة لم يقبل فيه إلا رجلان، والفرق بينهما: أنه ~~إذا كان المدعي هو الزوج فهو مدع للمال، وهو يثبت بشاهد وامرأتين، وإذا ~~كانت هي المدعية، فهي مدعية لفسخ النكاح وتحريمها عليه، ولا يثبت إلا ~~بشاهدين، ونص أحمد في رواية الجماعة على أنه لا تجوز شهادة النساء في ~~النكاح والطلاق، وقال في الوكالة: إن كانت مطالبة. ### | [فصل في شهادة النساء] ### | 67 - # (فصل) # PageV01P128 # وشهادة النساء نوعان: نوع تقبل فيه النساء منفردات، ونوع لا يقبلن فيه ~~إلا مع الرجال، وقد اختلف السلف في ذلك في مواضع: فروى ابن أبي شيبة عن ~~مكحول: لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين، وروى أيضا عن الشعبي، قال: من ~~الشهادات ما لا تجوز فيه إلا شهادة النساء، وعن الزهري قال: مضت السنة أن ~~تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن. # وقال ابن عمر: لا تجوز شهادة النساء وحدهن، إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن، ~~من عورات النساء وحملهن وحيضهن. # وقال علي بن أبي طالب: " لا تجوز شهادة النساء بحتا، حتى يكون معهن رجل " ~~رواه إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي ضمرة، عن أبيه، عن جده، عن علي، وصح ذلك ~~عن عطاء، وعمر بن عبد العزيز. # وقال سعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة: لا تقبل شهادة النساء إلا فيما ~~لا يطلع عليه غيرهن. # وقال عمر ms131 وعلي - رضي الله عنهما -: " لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ولا ~~النكاح ولا الدماء ولا الحدود ". # وقال الزهري: " مضت السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والخليفتين بعده: ألا تجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق ". وصح ~~عن شريح أنه أجاز في عتاقة: شهادة رجل وامرأتين. وصح عن الشعبي قبول شهادة ~~رجل وامرأتين في الطلاق وجراح الخطأ. # وصح عن جابر بن زيد: قبول الرجل والمرأتين في الطلاق والنكاح. وصح عن ~~إياس بن معاوية قبول امرأتين في الطلاق. وصح عن شريح: أنه أجاز شهادة أربع ~~نسوة على رجل في صداق امرأة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام بن حجير ~~عمن يرضى كتابه - يريد طاوسا - قال: # PageV01P129 # تجوز شهادة النساء في كل شيء مع الرجال، إلا الزنا، من أجل أنه لا ينبغي ~~أن ينظرن إلى ذلك. # وقال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون، عن جرير بن أبي حازم، عن الزبير بن ~~الحارث، عن أبي لبيد: أن سكرانا طلق امرأته ثلاثا، فشهد عليه أربع نسوة ~~فرفع إلى عمر بن الخطاب، فأجاز شهادة النسوة، وفرق بينهما. # وقال عبد الرحمن بن مهدي: حدثنا خراش بن مالك: حدثنا يحيى بن عبيد، عن ~~أبيه: أن رجلا من عمان ثمل من الشراب، فطلق امرأته ثلاثا، فشهد عليه نسوة، ~~فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأجاز شهادة النسوة، وأثبت عليه الطلاق. # وذكر سفيان بن عيينة: أن امرأة وطئت صبيا، فشهد عليها أربع نسوة. فأجاز ~~علي بن أبي طالب شهادتهن. # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن أبي طلق، عن أخته هند ~~بنت طلق، قالت: " كنت في نسوة وصبي مسجى بثوب، فقامت امرأة فمرت، فوطئت ~~الصبي برجلها، فوقعت على الصبي فقتلته والله، فشهد عند علي - رضي الله عنه ~~- عشر نسوة - أنا عاشرتهن - فقضى عليها بالدية، وأعانها بألفين ". # وقال محمد بن المثنى: حدثنا أبو معاوية الضرير، عن أبيه، عن عطاء بن أبي ~~رباح، قال: لو شهد عندي ثمان نسوة على امرأة بالزنا لرجمتها. # وقال ms132 عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: تجوز شهادة ~~النساء مع الرجال في كل شيء، ويجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل ابن علية، عن عبيد الله بن عون، ~~عن محمد بن سيرين أن رجلا ادعى متاع البيت، فجاء أربع نسوة فشهدن، فقلن: ~~دفعت إليه الصداق، فجهزها به، فقضى شريح عليه بالمتاع "، وهذا في غاية ~~الصحة. # وقال سفيان الثوري: تقبل المرأتان مع الرجل في القصاص، وفي الطلاق، ~~والنكاح، وفي كل شيء، حاشا الحدود، ويقبلن منفردات فيما لا يطلع عليه إلا ~~النساء. # وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة رجل وامرأتين في جميع الأحكام إلا القصاص ~~والحدود، ويقبلن في الطلاق والنكاح والرجعة مع الرجل، ولا يقبلن منفردات، ~~لا في الرضاع ولا في انقضاء العدة # PageV01P130 # بالولادة، ولا في الاستهلال، لكن مع رجل، ويقبلن في الولادة المطلقة ~~وغيوب النساء منفردات. # وقال أبو يوسف ومحمد: يقبلن منفردات في انقضاء العدة بالولادة وفي ~~الاستهلال. # وقال مالك: لا يقبل النساء مع رجل ولا بدونه في قصاص، ولا حد، ولا نكاح، ~~ولا طلاق، ولا رجعة، ولا عتق، ولا نسب، ولا ولاء، ولا إحصان، وتجوز شهادتهن ~~مع رجل في الديون والأموال، والوكالة، والوصية التي لا عتق فيها، ويقبلن ~~منفردات في عيوب النساء، والولادة والرضاع، والاستهلال، وحيث يقبل شاهد ~~ويمين الطالب، فإنه يقضى فيه بشهادة امرأتين مع رجل في الأموال كلها، وفي ~~العتق، لأنه مال، وفي قتل الخطأ، وفي الوصية لإنسان بمال، ولا يقبلن في أصل ~~الوصية، لا مع رجل ولا بدونه. ### | [فصل في النصاب التي تقبل به شهادة النساء] ### | 68 - # (فصل) # وحيث قبلت شهادة النساء منفردات، فقد اختلف في نصاب هذه البينة، فقال ~~الشعبي والنخعي - في رواية عنهما - وقتادة وابن شبرمة والشافعي وداود: لا ~~يقبل أقل من أربع نسوة، واستثنى داود الرضاع، فأجاز فيه شهادة امرأة واحدة. # وقال عثمان البتي: لا يقبل فيما يقبل فيه النساء منفردات إلا ثلاث نسوة، ~~لا أقل من ذلك. # وقالت طائفة: تقبل امرأتان في ms133 كل ما يقبل فيه النساء منفردات، وهو قول ~~الزهري، إلا في الاستهلال خاصة، فإنه تقبل فيه القابلة وحدها. # وقال الحكم بن عيينة: لا يقبل في ذلك كله إلا امرأتان، وهو قول ابن أبي ~~ليلى، ومالك، وأبي عبيد، وأجاز علي بن أبي طالب شهادة القابلة وحدها كما ~~تقدم. # قال ابن حزم: وروينا ذلك عن أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - في ~~الاستهلال، وورث عمر به، وهو قول الزهري، والنخعي، والشعبي - في أحد ~~قوليهما - وهو قول الحسن البصري، وشريح، وأبي الزناد، ويحيى الأنصاري، ~~وربيعة، وحماد بن أبي سليمان، قال: وإن كانت يهودية، كل ذلك في الاستهلال. # وقال الشعبي وحماد: ذلك في كل ما لا يطلع عليه إلا النساء، وهو قول الليث ~~بن سعد. # وقال الثوري: يقبل في عيوب النساء وما لا يطلع عليه إلا النساء: امرأة ~~واحدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وصح عن ابن عباس. # وروي عن عثمان، وعلي وابن عمر، والحسن البصري، والزهري. # وروي عن ربيعة، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد والنخعي، وشريح، وطاوس، ~~والشعبي الحكم في الرضاع بشهادة امرأة واحدة، وأن عثمان - رضي الله عنه - ~~فرق بشهادتهما بين الرجال ونسائهم، # PageV01P131 # وذكر الزهري أن الناس على ذلك، وذكر الشعبي ذلك عن القضاة جملة. # وروي عن ابن عباس: أنها تستحلف مع ذلك. وصح عن معاوية: أنه قضى في دار ~~بشهادة أم سلمة أم المؤمنين، ولم يشهد بذلك غيرها. # قال أبو محمد بن حزم: وروينا عن عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس: ~~أنهم لم يفرقوا بشهادة امرأة واحدة في الرضاع، وهو قول أبي عبيد، قال: لا ~~أقضي في ذلك بالفرقة، ولا أقضي بها. وروينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~قال: " لو فتحنا هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين رجل وامرأته إلا فعلت ~~". # وقال الأوزاعي: أقضي بشهادة امرأة واحدة قبل النكاح، وأمنع من النكاح ولا ~~أفرق بشهادتها بعد النكاح. # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، قال: قال ابن شهاب: جاءت امرأة سوداء ~~إلى أهل ثلاثة أبيات تناكحوا، فقالت هم ms134 بني وبناتي، ففرق عثمان - رضي الله ~~عنه - بينهم. # قال: وروينا عن الزهري أنه قال: فالناس يأخذون اليوم بذلك من قول عثمان ~~في المرضعات إذا لم يتهمن. # وقال ابن حزم: ولا يجوز أن يقبل في الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين، ~~أو مكان كل واحد امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين، ~~أو رجلين وأربع نسوة، أو رجلا واحدا وست نسوة، أو ثماني نسوة فقط، ولا يقبل ~~في سائر الحقوق كلها من الحدود والزنا، وما فيه القصاص، والنكاح والطلاق ~~والأموال إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجل وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة ~~كذلك، ويقبل في كل ذلك - حاشا الحدود - رجل واحد عدل، أو امرأتان كذلك مع ~~يمين الطالب، ويقبل في الرضاع وحده امرأة واحدة عدلة، أو رجل واحد عدل. ### | [فصل الطريق التاسع في الحكم بالنكول مع الشاهد الواحد] ### | 69 - # (فصل) # الطريق التاسع الحكم بالنكول مع الشاهد الواحد، لا بالنكول المجرد: ذكر ~~ابن وضاح عن أبي مريم، عن عمرو بن سلمة، عن زهير بن محمد، عن ابن جريج عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه [عن جده] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل استحلف زوجها، فإن ~~حلف بطلت عنه شهادة الشاهد، وإن نكل # PageV01P132 # فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه» . فتضمن هذا الحكم ثلاثة أمور: ~~أحدها: أنه لا يكتفى بشهادة الواحد في الطلاق، ولا مع يمين المرأة. # قال الإمام أحمد: الشاهد واليمين إنما يكون في الأموال خاصة، لا يقع في ~~حد، ولا في طلاق، ولا نكاح، ولا عتاقة، ولا سرقة، ولا قتل. # وقد نص في رواية أخرى على أن العبد إذا ادعى أن سيده أعتقه وأتى بشاهد: ~~حلف مع شاهده، وصار حرا، واختاره الخرقي، ونص في شريكين في عبد ادعى كل ~~واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه، وكانا معسرين عدلين: فللعبد أن يحلف مع ~~كل واحد منهما، ويصير حرا، ويحلف مع أحدهما، ويصير نصفه حرا. ولكن لا يعرف ~~عنه أن ms135 الطلاق يثبت بشاهد ويمين. وقد دل حديث عمرو بن شعيب هذا على أنه ~~يثبت بشاهد ونكول الزوج. # وعمرو بن شعيب قد احتج به الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الحديث كالبخاري ~~وحكاه عن علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والحميدي، وقال: فمن الناس بعدهم؟ ~~وزهير بن محمد الراوي عن ابن جريج ثقة محتج به في " الصحيحين "، وعمرو بن ~~أبي سلمة من رجال " الصحيحين " أيضا، فمن احتج بحديث عمرو بن شعيب فهذا من ~~أصح حديثه. # الثاني: أن الزوج يستحلف في دعوى الطلاق إذا لم تقم المرأة بينة، لكن ~~إنما استحلفه لأن شهادة الشاهد الواحد أورثت ظنا ما بصدق المرأة، فعورض هذا ~~باستحلافه، وكان جانب الزوج أقوى بوجود النكاح الثابت، فشرعت اليمين في ~~جانبه، لأنه مدعى عليه، والمرأة مدعية. فإن قيل: فهلا حلفت مع شاهدها وفرق ~~بينهما؟ فالجواب: أن اليمين مع الشاهد لا تقوم مقام شاهد آخر، لما تقدم من ~~الأدلة على ذلك، واليمين مجرد قول المرأة، ولا يقبل في الطلاق أقل من ~~شاهدين، كما أن ثبوت النكاح لا يكتفى فيه إلا بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين ~~على رواية، فكان رفعه كإثباته، فإن الرفع أقوى من الإثبات، ولهذا لا يرفع ~~بشهادة فاسقين، ولا مستوري الحال، ولا رجل وامرأتين. # الثالث: أنه يحكم في الطلاق بشاهد ونكول المدعى عليه، وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه يحكم # PageV01P133 # بوقوعه بمجرد النكول من غير شاهد، فإذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق، ~~وأحلفناه لها - على إحدى الروايتين - فنكل: قضى عليه فإذا أقامت شاهدا ~~واحدا، ولم يحلف الزوج على عدم دعواها: فالمقضي عليه بالنكول في هذه الصورة ~~أولى. وظاهر الحديث: أنه لا يحكم على الزوج بالنكول إلا إذا أقامت المرأة ~~شاهدا، كما هو إحدى الروايتين عن مالك، وأنه لا يحكم عليه بمجرد دعواها مع ~~النكول، لكن من يقضي عليه به يقول: النكول إما إقرار وإما بينة، وكلاهما ~~يحكم به، ولكن ينتقض هذا عليه بالنكول في دعوى القصاص. وقد يجاب عنه بأن ~~النكول بذل استغنى به فيما يباح بالبذل، وهو الأموال وحقوقها، بخلاف ms136 النكاح ~~وتوابعه. # الرابع: أن النكول بمنزلة البينة، فلما أقامت شاهدا واحدا - وهو شطر ~~البينة - كان النكول قائما مقام تمامها. ونحن نذكر مذاهب الناس في القول ~~بهذا الحديث. # فقال ابن الجلاب في تفريعه: إذا ادعت المرأة الطلاق على زوجها لم تحلف ~~بدعواها، فإذا أقامت على ذلك شاهدا واحدا لم تحلف مع شاهدها، ولم يثبت ~~الطلاق على زوجها. وهذا الذي قاله لا يعلم فيه نزاع بين الأئمة الأربعة، ~~قال: ولكن يحلف لها زوجها، فإن حلف: برئ من دعواها. # قلت: هذا فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد، إحداهما: أنه يحلف ~~لدعواها، وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة. # والثانية: لا يحلف. فإن قلنا: لا يحلف فلا إشكال، وإن قلنا: يحلف فنكل عن ~~اليمين: فهل يقضي عليه بطلاق زوجته بالنكول؟ فيه روايتان عن مالك. إحداهما: ~~أنه يطلق عليه بالشاهد والنكول، عملا بهذا الحديث، وهذا اختيار أشهب، وهذا ~~في غاية القوة، لأن الشاهد والنكول سببان من جهتين مختلفتين، يقوى جانب ~~المدعى بهما، فحكم له، فهذا مقتضى الأثر والقياس. # والرواية الثانية عنه: أن الزوج إذا نكل عن اليمين حبس، فإن طال حبسه ~~ترك. واختلفت الرواية عن الإمام أحمد: هل يقضي بالنكول في دعوى المرأة ~~الطلاق؟ على روايتين، ولا أثر عنده لإقامة الشاهد الواحد. # واختلف عن مالك في مدة حبسه، فقال مرة: يحبس حتى يطول أمره، وحد ذلك ~~بسنة، ثم يطلق، ومرة قال: يسجن أبدا حتى يحلف. ### | [فصل الطريق العاشر في الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال] ### | 70 - # (فصل) # PageV01P134 # الطريق العاشر الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وحقوقها: ~~وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، حكاه شيخنا واختاره، ~~وظاهر القرآن والسنة يدل على صحة هذا القول، فإن الله سبحانه أقام المرأتين ~~مقام الرجل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الحديث الصحيح: «أليس ~~شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى» (146) ، فهذا يدل بمنطوقه على ~~أن شهادتها وحدها على النصف، وبمفهومه على أن شهادتها مع مثلها كشهادة ~~الرجل، وليس في القرآن ولا في ms137 السنة، ولا في الإجماع ما يمنع من ذلك بل ~~القياس الصحيح يقتضيه، فإن المرأتين إذا قامتا مقام الرجل - إذا كانتا معه ~~- قامتا مقامه وإن لم تكونا معه، فإن قبول شهادتهما لم يكن لمعنى الرجل، بل ~~لمعنى فيهما، وهو العدالة وهذا موجود فيما إذا انفردتا، وإنما يخشى من سوء ~~ضبط المرأة وحدها وحفظها، فقويت بامرأة أخرى. # فإن قيل: البينة على المال إذا خلت من رجل لم تقبل، كما لو شهد أربع ~~نسوة، وما ذكرتموه ينتقض بهذه الصورة، فإن المرأتين لو أقيمتا مقام الرجل ~~من كل وجه لكفى أربع نسوة مقام رجلين، وتقبل في غير الأموال شهادة رجل ~~وامرأتين. # وأيضا، فشهادة المرأتين ضعيفة، فقويت بالرجل، واليمين ضعيفة، فينضم ضعيف ~~إلى ضعيف فلا يقبل. # وأيضا، فإن الله سبحانه قال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] ، فلو حكم بامرأتين ويمين لكان هذا ~~قسما ثالثا؟ والجواب: أما قولكم: " أن البينة إذا خلت عن الرجل لم تقبل "، ~~فهذا هو المدعي، وهو محل النزاع، فكيف يحتج به؟ وقولكم: " كما لو شهد أربع ~~نسوة "، فهذا فيه نزاع، وإن ظنه طائفة إجماعا كالقاضي وغيره. # قال الإمام أحمد في الرجل يوصي ولا يحضره إلا النساء قال: أجيز شهادة ~~النساء فظاهر هذا أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الانفراد، إذا لم ~~يحضره الرجال. # وذكر الخلال عن أحمد: أنه سئل عن الرجل يوصي بأشياء لأقاربه ويعتق، ولا ~~يحضره إلا النساء: هل تجوز شهادتهن؟ قال: نعم، تجوز شهادتهن في الحقوق. وقد ~~تقدم ذكر المواضع التي قبلت فيها البينات من النساء، وأن " البينة " اسم ~~لما يبين الحق، وهو أعم من أن يكون برجال، أو نساء، أو نكول، أو يمين، أو ~~أمارات ظاهرة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قبل شهادة المرأة في ~~الرضاع، وقبلها الصحابة في مواضع قد ذكرناها، وقبلها التابعون. # PageV01P135 # وقولكم: " وتقبل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين ". # قلنا: نعم، وذلك موجود في عدة مواضع، كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والنسب، ~~والولاء، والإيصاء، والوكالة في النكاح وغيره على إحدى الروايتين. ms138 وقولكم: ~~" شهادة المرأتين ضعيفة، فقويت بالرجل، واليمين ضعيفة، فينضم. # ضعيف إلى ضعيف، فلا يقبل ". # جوابه: أنا لا نسلم ضعف شهادة المرأتين إذا اجتمعتا، ولهذا يحكم ~~بشهادتهما إذا اجتمعتا مع الرجل، وإن أمكن أن يؤتى برجلين، فالرجل ~~والمرأتان أصل لا بدل، والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة، ~~إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى ~~من الرجل الواحد أو مثله، ولا ريب أن الظن المستفاد من شهادة مثل أم ~~الدرداء وأم عطية، أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد دونهما ودون ~~أمثالهما. # وأما قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} [البقرة: 282] ولم يذكر المرأتين واليمين. # فيقال: ولم يذكر الشاهد واليمين، ولا النكول، ولا الرد، ولا شهادة المرأة ~~الواحدة، ولا المرأتين، ولا الأربع نسوة، وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به ~~الحاكم، وإنما أرشد إلى ما يحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التي ~~تحفظ بها الحقوق. ### | [فصل الطريق الحادي عشر في الحكم بشهادة امرأتين فقط من غير يمين] ### | 71 - # (فصل) # الطريق الحادي عشر الحكم بشهادة امرأتين فقط من غير يمين: وذلك - على ~~إحدى الروايتين عن أحمد - في كل ما لا يطلع عليه الرجال، كعيوب النساء تحت ~~الثياب، والبكارة، والثيوبة، والولادة، والحيض، والرضاع ونحوه، فإنه تقبل ~~فيه امرأتان، نص عليه أحمد في إحدى الروايتين. # والثانية - وهي أشهر - أنه يثبت بشهادة امرأة واحدة، والرجل فيه كالمرأة ~~ولم يذكر هاهنا يمينا. # وظاهر نص أحمد: أنه لا يفتقر إلى اليمين، وإنما ذكروا الروايتين في ~~الرضاع إذا قبلنا فيه شهادة المرأة الواحدة. # والفرق بين هذا الباب وباب الشاهد واليمين - حيث اعتبرت اليمين هناك - أن ~~المغلب في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يطلع عليها ~~الرجال، فاكتفى بشهادة النساء، وفي باب الشاهد واليمين: الشهادة على أمور ~~ظاهرة، يطلع عليها الرجال في الغالب، فإذا انفرد بها الشاهد الواحد # PageV01P136 # احتيج إلى تقويته باليمين. ### | [فصل الطريق الثاني عشر في الحكم بثلاثة رجال] ### | 72 - # (فصل) # الطريق ms139 الثاني عشر الحكم بثلاثة رجال: وذلك فيما إذا ادعى الفقر من عرف ~~غناه، فإنه لا يقبل منه إلا ثلاثة شهود، وهذا منصوص الإمام أحمد. # وقال بعض أصحابنا: يكفي فيه شاهدان. # واحتج الإمام أحمد بحديث «قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أسأله، فقال: يا قبيصة أقم عندنا حتى تأتينا ~~الصدقة، فنأمر لك بها ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: ~~رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة ~~اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش ~~- ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت ~~فلانا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من ~~عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا» رواه مسلم ~~(114) . # واختلف أصحابنا في نص أحمد: هل هو عام أو خاص؟ فقال القاضي: إنما هذا في ~~حل المسألة، كما دل عليه الحديث، وأما الإعسار، فيكفي فيه شاهدان. # وقال الشيخ أبو محمد: وقد نقل عن أحمد في الإعسار ما يدل على أنه لا يثبت ~~إلا بثلاثة. # قلت: إذا كان في باب أخذ الزكاة وحل المسألة يعتبر العدد المذكور، ففي ~~باب دعوى الإعسار المسقط لأداء الديون، ونفقة الأقارب والزوجات: أولى وأحرى ~~لتعلق حق العبد بماله، وفي باب المسألة وأخذ الصدقة: المقصود ألا يأخذ ما ~~لا يحل له، فهناك اعتبرت البينة لئلا يمتنع من أداء الواجب، وهنا لئلا يأخذ ~~المحرم. ### | [فصل الطريق الثالث عشر في الحكم بأربعة رجال أحرار] ### | 73 - # (فصل) # الطريق الثالث عشر الحكم بأربعة رجال أحرار: # وذلك في حد الزنا واللواط، أما الزنا: فبالنص والإجماع، وأما اللواط: ~~فقالت طائفة: هو مقيس عليه في نصاب الشهادة، كما هو مقيس عليه في الحد. # وقالت طائفة: بل هو داخل في مسمى الزنا، لأنه وطء في فرج محرم، وهذا لا ~~تعرفه العرب، فقال هؤلاء: هو داخل في مسمى ms140 الزنا شرعا. # PageV01P137 # قالوا: والأسماء الشرعية قد تكون أعم من اللغوية وقد تكون أخص وقالت ~~طائفة: بل هو أولى بالحد من الزنا، فإنه وطء في فرج لا يستباح بحال، ~~والداعي إليه قوي، فهو أولى بوجوب الحد، فيكون نصابه نصاب حد الزنا. # وقياس قول من لا يرى فيه الحد - بل التعزير - أن يكتفى فيه بشاهدين، ~~كسائر المعاصي التي لا حد فيها، وصرحت به الحنفية وهو مذهب أبي محمد بن ~~حزم. # وقياس قول من جعل حده القتل بكل حال - محصنا كان أو بكرا - أن يكتفى فيه ~~بشاهدين، كالردة والمحاربة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي ~~الشافعي، ومذهب مالك، لكن صرحوا بأن حد اللواط لا يقبل فيه أقل من أربعة. # ووجه ذلك: أن عقوبته عقوبة الزاني المحصن، وهو الرجم بكل حال. # وقد يحتج على اشتراط نصاب الزنا في حد اللواط بقوله تعالى لقوم لوط: ~~{أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون} [النمل: 54] وقال في الزنا: {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] . # وبالجملة: لا خلاف بين من أوجب عليه حد الزنا أو الرجم بكل حال أنه لا بد ~~فيه من أربعة شهود أو إقرار. # وأما أبو حنيفة وابن حزم: فاكتفيا فيه بشاهدين، بناء على أصلهما. وأما ~~الحكم بالإقرار بها، فهل يكتفى فيه بشاهدين أو لا بد من أربعة: فيه قولان ~~في مذهب مالك والشافعي، وروايتان عن أحمد، فمن لم يشترط الأربعة قال: إقامة ~~الحد إنما هي مستندة إلى الإقرار. فالشهادة عليه والإقرار يثبت بشاهدين، ~~ومن اشترط الأربعة قال: الإقرار كالفعل، فكما أننا لا نكتفي في الشهادة على ~~الفعل إلا بأربعة، فكذلك الشهادة على القول. # يوضحه: أن كل واحد من الفعل والقول موجب للحد، فإذا كان الفعل الموجب لا ~~يثبت إلا بأربعة، فالقول الموجب كذلك. # قال أصحاب القول الأخير: الفعل موجب بنفسه، والقول دال على الفعل الموجب، ~~فبينهما مرتبة. # قال أصحاب القول الآخر: لا تأثير لذلك، وإذا كنا لا نحده إلا بإقرار أربع ~~مرات، فلا نحده إلا بشهادة أربعة على الإقرار. ### | [فصل في إتيان ms141 البهيمة وما يجب فيه أربعة شهود] ### | 74 - # (فصل) # PageV01P138 # وأما إتيان البهيمة، فإن قلنا يوجب الحد، لم يثبت إلا بأربعة، وإن قلنا: ~~يوجب التعزير - كقول أبي حنيفة والشافعي ومالك - ففيه وجهان: أحدهما: لا ~~يقبل فيه إلا أربعة، لأنه فاحشة، وإيلاج فرج في فرج محرم، فأشبه الزنا، ~~وهذا اختيار القاضي. # والثاني: يقبل فيه شاهدان، لأنه لا يوجب الحد، فيثبت بشاهدين كسائر ~~الحقوق. # قال الشيخ في " المغني ": وعلى قياس هذا: فكل زنا لا يوجب الحد، كوطء ~~الأمة المشتركة وأمته المزوجة، وأشباه هذا، اه. # وأما الوطء المحرم لعارض - كوطء امرأته في الصيام، والإحرام والحيض - ~~فإنه لا يوجب الحد، ويكفي فيه شاهدان، وكذلك وطؤها في دبرها. ### | 75 - # (فصل) # وألحق الحسن البصري بالزنا - في اعتبار أربعة شهود كل ما يوجب القتل، ~~وحكى ذلك رواية عن أحمد، وهذا إن كان في القتل حدا - فله وجه على ضعفه، وإن ~~كان في القتل حد أو قصاص، فهو فاسد، وقياسه على الزنا ممتنع، لأن الله ~~سبحانه وتعالى غلظ أمر البينة والإقرار في باب الفاحشة، سترا لعباده، وشرع ~~فيها عقوبة من قذف غيره بها دون سائر ما يوجب الحد وشرع فيها القتل على ~~أغلظ الوجوه وأكرهها للنفوس، فلا يصح إلحاق غيرها بها، والله أعلم. ### | [فصل الطريق الرابع عشر في الحكم بشهادة العبد والأمة] ### | 76 - # (فصل) # الطريق الرابع عشر الحكم بشهادة العبد والأمة. # في كل ما تقبل فيه شهادة الحر والحرة. هذا الصحيح من مذهب أحمد، وعنه ~~تقبل في كل شيء، إلا في الحدود والقصاص، لاختلاف العلماء في قبول شهادته، ~~فلا ينتهض سببا لإقامة الحدود التي مبناها على الاحتياط، والصحيح: الأول. # وقد حكي إجماع قديم، حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ~~أنه قال: " ما علمت أحدا رد شهادة العبد " وهذا يدل على أن ردها إنما حدث ~~بعد عصر الصحابة، واشتهر هذا القول لما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة، ~~وصار لهم أتباع يفتون ويقضون بأقوالهم، فصار هذا القول عند الناس هو ~~المعروف، ولما كان مشهورا بالمدينة في زمن ms142 مالك، قال: " ما علمت أحدا قبل ~~شهادة العبد " وأنس بن مالك يقول ضد ذلك. # PageV01P139 # وقبول شهادة العبد، وهو موجب الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وصريح ~~القياس، وأصول الشرع، وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. # قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] والوسط: العدل الخيار، ولا ريب في دخول ~~العبد في هذا الخطاب، فهو عدل بنص القرآن، فدخل تحت قوله: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] . # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} ~~[النساء: 135] ، وهو من الذين آمنوا قطعا، فيكون من الشهداء كذلك. # وقال تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ، ولا ريب أن ~~العبد من رجالنا. # وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} ~~[البينة: 7] . فالعبد المؤمن الصالح من خير البرية، فكيف ترد شهادته؟ وقد ~~عدله الله ورسوله، كما في الحديث المعروف المرفوع: «يحمل هذا العلم من كل ~~خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ، ~~والعبد يكون من حملة العلم، فهو عدل بنص الكتاب والسنة، # PageV01P140 # وأجمع الناس على أنه مقبول الشهادة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا روي عنه الحديث، فكيف تقبل شهادته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا تقبل شهادته على واحد من الناس؟ # ولا يقال: باب الرواية أوسع من باب الشهادة، فيحتاط لها، ما لا يحتاط ~~للرواية، فهذا كلام جرى على ألسن كثير من الناس، وهو عار عن التحقيق ~~والصواب، فإن أولى ما ضبط واحتيط له: الشهادة على الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - والرواية عنه، فإن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره. # وإنما ردت الشهادة بالعداوة والقرابة والأنوثة دون الرواية، لتطرق التهمة ~~إلى شهادة العدو وشهادة الولد، وخشية عدم ضبط المرأة وحفظها، وأما العبد: ~~فما يتطرق إليه من ذلك يتطرق إلى الحر سواء، ولا فرق بينه وبينه في ذلك ~~ألبتة، فالمعنى الذي قبلت به روايته هو المعنى الذي تقبل به شهادته، وأما ~~المعنى الذي ms143 ردت به شهادة العدو والقرابة والمرأة فليس موجودا في العبد. # وأيضا، فإن المقتضى لقبول شهادة المسلم عدالته، وغلبة الظن بصدقه، وعدم ~~تطرق التهمة إليه، وهذا بعينه موجود في العبد، فالمقتضى موجود والمانع ~~مفقود، فإن الرق لا يصلح أن يكون مانعا، فإنه لا يزيل مقتضى العدالة، ولا ~~تطرق تهمة، كيف والعبد الذي يؤدي حق الله وحق سيده له أجران حيث يكون للحر ~~أجر واحد، وهو أحد الثلاثة الذين هم أول من يدخل الجنة، ولهذا قبل # PageV01P141 # شهادته أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم القدوة. # قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الشعبي. # قال: قال شريح " لا نجيز شهادة العبد "، فقال علي بن أبي طالب: " لكنا ~~نجيزها " فكان شريح بعد ذلك يجيزها إلا لسيده: " وبه، عن المختار بن فلفل، ~~قال: سألت أنس بن مالك عن شهادة العبد؟ فقال: جائزة ". # وقال الثوري عن عمار الدهني، قال: " شهدت شريحا شهد عنده عبد على دار، ~~فأجاز شهادته، فقيل: إنه عبد، فقال شريح: كلنا عبيد وإماء ". # وروى أحمد عن ابن سيرين: أنه كان لا يرى بشهادة العبد بأسا إذا كان عدلا. # وقال عطاء: شهادة العبد والمرأة جائزة في النكاح والطلاق. # وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة. # قال: سئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد؟ فقال: أنا أرد شهادة عبد العزيز ~~بن صهيب؟ يعني إنكارا لردها. # وذكر الإمام أحمد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: " ما علمت ~~أحدا رد شهادة العبد ". # وقد اختلف الناس في ذلك، فردتها طائفة مطلقا، وهذا قول مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة، وقبلتها طائفة مطلقا حتى لسيده وقبلتها طائفة مطلقا إلا لسيده. # قال سفيان الثوري: عن إبراهيم النخعي، عن الشعبي في العبد قال: " لا تجوز ~~شهادته لسيده، وتجوز لغيره " وهذا مذهب الإمام أحمد. # وأجازتها طائفة في الشيء اليسير دون الكثير، وهذا قول إبراهيم النخعي، ~~وإحدى الروايتين عن شريح والشعبي. # والذين ردوها بكل حال منهم من قاس العبد على الكافر، لأنه منقوص ms144 بالرق، ~~وذلك بالكفر، وهذا من أفسد القياس في العالم، وفساده معلوم بالضرورة من ~~الدين، ومنهم من احتج بقوله تعالى {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء} [النحل: 75] والشهادة شيء، فهو غير قادر عليها. # قال أبو محمد بن حزم في جواب ذلك: تحريف كلام الله عن مواضعه يهلك في ~~الدنيا والآخرة، # ولم يقل الله تعالى: إن كل عبد لا يقدر على شيء، إنما ضرب الله تعالى ~~المثل بعبد من عبيده هذه صفته، وقد توجد هذه الصفة في كثير من الأحرار، ~~وبالمشاهدة نعرف كثيرا من العبيد أقدر على الأشياء من كثير من الأحرار. # ونقول لهم: هل يلزم العبيد الصلاة والصيام والطهارة، ويحرم عليهم من ~~المآكل والمشارب والفروج # PageV01P142 # ما يحرم على الأحرار، أم لا يلزمهم ذلك؟ لكونهم لا يقدرون عندكم على شيء ~~ألبتة، قال: ومن نسب هذا إلى الله فقد كذب عليه جهارا. # واحتج بعضهم بقوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] ~~فنهى الشهداء عن التخلف والإباء، ومنافع العبد لسيده، فله أن يتخلف ويأبى ~~إلا خدمته، وهذا لا يدل إلا على عدم قبولها، إلا إذا أذن له سيده في تحملها ~~وأدائها إذا لم يكن في ذلك تعطيل لخدمة السيد. # فأبعد النجعة من فهم رد شهادة العبيد العدول بذلك، فإن كان هذا مقتضى ~~الآية كان مقتضى ذلك أيضا رد روايتهم واحتج بعضهم بقوله تعالى: {والذين هم ~~بشهاداتهم قائمون} [المعارج: 33] . # والعبد ليس من أهل القيام على غيره، وهذا من جنس احتجاج بعضهم أن الشهادة ~~ولاية، والعبد ليس من أهل الولاية على غيره، وهذا في غاية الضعف. # فإنه يقال لهم: ما تعنون بالولاية؟ أتريدون بها الشهادة، وكونه مقبول ~~القول على المشهود عليه، أم كونه حاكما عليه منفذا فيه الحكم؟ فإن أردتم ~~الأول كان التقدير: إن الشهادة شهادة والعبد ليس من أهل الشهادة، وهذا حاصل ~~دليلكم، وإن أردتم الثاني فمعلوم البطلان قطعا، والشهادة لا تستلزمه. # واحتج بعضهم بأن الرق أثر من آثار الكفر، فمنع قبول الشهادة كالفسق، وهذا ~~في غاية البطلان، فإن هذا ms145 لو صح لمنع قبول روايته، وفتواه، والصلاة خلفه ~~وحصول الأجرين له. # واحتج بأنه يستغرق الزمان بخدمة سيده، فليس له وقت يملك فيه أداء ~~الشهادة، ولا يملك عليه. # وهذا أضعف مما قبله، لأنه ينتقض بقبول روايته وفتواه، وينتقض بالحرة ~~المزوجة، وينتقض بما لو أذن له سيده، وينتقض بالأجير الذي استغرقت ساعات ~~يومه وليلته بعقد الإجارة، ويبطل بأن أداء الشهادة لا يبطل حق السيد من ~~خدمته. # واحتج بأن العبد سلعة من السلع، فكيف تشهد السلع؟ وهذا في غاية الغثاثة ~~والسماجة، فإنه تقبل شهادة هذه السلعة، كما تقبل روايتها وفتواها، وتصح ~~إمامتها، وتلزمها الصلاة والصوم والطهارة. # واحتج بأنه دنيء، والشهادة منصب علي، فليس هو من أهلها. # وهذا من ذلك الطراز، فإنه إن أريد بدناءته ما يقدح في دينه وعدالته، فليس ~~كلامنا فيمن هو كذلك، ونافع وعكرمة أجل وأشرف من أكثر الأحرار عند الله ~~وعند الناس، وإن أريد بدناءته أنه # PageV01P143 # مبتلى برق الغير فهذه البلوى لا تمنع قبول الشهادة، بل هي مما يرفع الله ~~بها درجة العبد، ويضاعف له بها الأجر. # فهذه الحجج كما تراها من الضعف والوهن، وإذا قابلت بينها وبين حجج ~~القائلين بشهادته لم يخف عليك الصواب، والله أعلم. ### | [فصل الطريق الخامس عشر في الحكم بشهادة الصبيان المميزين] ### | 77 - # (فصل) # الطريق الخامس عشر الحكم بشهادة الصبيان المميزين: # وهذا موضع اختلف فيه الناس، فردتها طائفة مطلقا، وهذا قول الشافعي وأبي ~~حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وعنه رواية ثانية: أن شهادة الصبي ~~المميز مقبولة إذا وجدت فيه بقية الشروط، وعنه رواية ثالثة: أنها تقبل في ~~جراح بعضهم بعضا، إذا أدوها قبل تفرقهم، وهذا قول مالك. # قال ابن حزم: صح عن ابن الزبير، أنه قال: " إذا جيء بهم عند المصيبة جازت ~~شهادتهم " قال ابن أبي مليكة: فأخذ القضاة بقول ابن الزبير. # وقال قتادة عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: شهادة ~~الصبي على الصبي جائزة، وشهادة العبد على العبد جائزة ". # وقال معاوية: " شهادة الصبيان على الصبيان جائزة، ما لم يدخلوا ms146 البيوت ~~فيعلموا " وعن علي مثله أيضا. # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن ~~الشعبي، عن مسروق: " أن ستة غلمان ذهبوا يسبحون، فغرق أحدهم، فشهد ثلاثة ~~على اثنين: أنهما أغرقاه، وشهد اثنان على ثلاثة: أنهم أغرقوه، فقضى علي بن ~~أبي طالب على الثلاثة بخمسي الدية، وعلى الاثنين بثلاثة أخماسها ". # وقال الثوري: عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق: " أن ثلاثة غلمان شهدوا على ~~أربعة، وشهد الأربعة على الثلاثة، فجعل مسروق على الأربعة ثلاثة أسباع ~~الدية، وعلى الثلاثة أربعة أسباع الدية ". # قال أبو الزناد: " السنة أن يؤخذ في شهادة الصبيان بقولهم في الجراح مع ~~أيمان المدعين ". # وأجاز عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - شهادة الصبيان بعضهم على بعض ~~في الجراح المتقاربة، فإذا بلغت النفوس قضى بشهادتهم مع أيمان الطالبين. # وقال ربيعة: تقبل شهادة بعضهم على بعض، ما لم يتفرقوا. # PageV01P144 # وقال شريح: تقبل شهادتهم إذا اتفقوا، ولا تقبل إذا اختلفوا، وكذلك قال ~~أبو بكر بن حزم، وسعيد بن المسيب، والزهري. # وقال وكيع عن ابن جريج، عن أبي مليكة: سألت ابن عباس وابن الزبير عن ~~شهادة الصبيان، فقال ابن عباس: إنما قال الله: {ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] وليسوا ممن نرضى. # وقال ابن الزبير: " هم أحرى إذا سئلوا عما رأوا أن يشهدوا ". # قال ابن أبي مليكة: ما رأيت القضاة أخذوا إلا بقول ابن الزبير. # قالت المالكية: قد ندب الشرع إلى تعليم الصبيان الرمي والثقاف والصراع ~~وسائر ما يدربهم على حمل السلاح والضرب، والكر والفر، وتصليب أعضائهم ~~وتقوية أقدامهم، وتعليمهم البطش، والحمية والأنفة من العار والفرار، ومعلوم ~~أنهم في غالب أحوالهم يخلون وأنفسهم في ذلك، وقد يجني بعضهم على بعض، فلو ~~لم نقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم. # وقد احتاط الشارع بحق الدماء، حتى قبل فيها اللوث واليمين، وإن كان لم ~~يقبل ذلك في درهم واحد، وعلى قبول شهادتهم تواطأت مذاهب السلف الصالح، فقال ~~به علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن ms147 الزبير، ومن ~~التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، ~~والنخعي، وشريح، وابن أبي ليلى، وابن شهاب، وابن أبي مليكة - رضي الله عنهم ~~- قال: ما أدركت القضاة إلا وهم يحكمون بقول ابن الزبير وأبي الزناد وقال: ~~هي السنة. # قالوا: وشرط قبول شهادتهم في ذلك: كونهم يعقلون الشهادة، وأن يكونوا ~~ذكورا أحرارا، محكوما لهم بحكم الإسلام، اثنين فصاعدا، متفقين غير مختلفين، ~~ويكون ذلك قبل تفرقهم وتخبيرهم، ويكون ذلك لبعضهم على بعض، ويكون في القتل ~~والجراح خاصة، ولا تقبل شهادتهم على كبير أنه قتل صغيرا، ولا على صغير أنه ~~قتل كبيرا. # قالوا: ولو شهدوا، ثم رجعوا عن شهادتهم أخذ بالشهادة الأولى، ولم يلتفت ~~إلى ما رجعوا إليه، قالوا: ولا خلاف عندنا أنه لا يعتبر فيهم تعديل ولا ~~تجريح. # قالوا: واختلف أصحابنا في العداوة والقرابة: هل تقدح في شهادتهم؟ على ~~قولين، واختلفوا في جريان هذا الحكم في إناثهم، أم هو مختص بالذكور فلا ~~تقبل فيه شهادة الإناث على قولين. ### | [فصل الطريق السادس عشر في الحكم بشهادة الفساق وذلك في صور] ### | 78 - # (فصل) # الطريق السادس عشر الحكم بشهادة الفساق - وذلك في صور: # إحداها: الفاسق باعتقاده، إذا كان متحفظا في دينه، فإن شهادته مقبولة وإن ~~حكمنا بفسقه، # PageV01P145 # كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم، كالرافضة والخوارج والمعتزلة، ~~ونحوهم، هذا منصوص الأئمة. # قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء بعضهم على بعض، إلا الخطابية فإنهم ~~يتدينون بالشهادة لموافقيهم على مخالفيهم. # ولا ريب أن شهادة من يكفر بالذنب ويعد الكذب ذنبا أولى بالقبول ممن ليس ~~كذلك، ولم يزل السلف والخلف على قبول شهادة هؤلاء وروايتهم. # وإنما منع الأئمة - كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله - قبول رواية الداعي ~~المعلن ببدعته وشهادته، والصلاة خلفه: هجرا له، وزجرا لينكف ضرر بدعته عن ~~المسلمين، ففي قبول شهادته وروايته، والصلاة خلفه، واستقضائه وتنفيذ ~~أحكامه: رضى ببدعته، وإقرار له عليها، وتعريض لقبولها منه. # قال حرب: قال أحمد: لا تجوز شهادة القدرية والرافضة وكل من دعا إلى بدعة ~~ويخاصم عليها. # قال الميموني: قال ms148 أبو عبد الله في الرافضة - لعنهم الله -: لا تقبل ~~شهادتهم ولا كرامة لهم. # وقال إسحاق بن منصور، قلت لأحمد: كان ابن أبي ليلى يجيز شهادة كل صاحب ~~بدعة إذا كان فيهم عدلا، لا يستحل شهادة الزور. # قال أحمد: ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية والمعلنة. # وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله يقول: من أخاف عليه الكفر - مثل ~~الروافض والجهمية - لا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم. # وقال في رواية يعقوب بن بختان: إذا كان القاضي جهميا لا نشهد عنده. # وقال أحمد بن الحسن الترمذي: قدمت على أبي عبد الله، فقال: ما حال ~~قاضيكم؟ لقد مد له في عمره، فقلت له: إن للناس عندي شهادات، فإذا صرت إلى ~~البلاد لا آمن إذ أشهد عنده أن يفضحني، قال: لا تشهد عنده، قلت: يسألني من ~~له عندي شهادة، قال: لك ألا تشهد عنده. قلت: من كفر بمذهبه - كمن ينكر حدوث ~~العالم، وحشر الأجساد، وعلم الرب تعالى بجميع الكائنات، وأنه فاعل بمشيئته ~~وإرادته - فلا تقبل شهادته، لأنه على غير الإسلام، فأما أهل البدع ~~الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية ~~والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم. # فهؤلاء أقسام: # أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد ~~شهادته، إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا. # PageV01P146 # القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق، ولكن يترك ~~ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق ~~للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم ~~أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه ~~من السنة والهدى: ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى: قبلت ~~شهادته. # القسم الثالث: أن يسأل ويطلب، ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدا وتعصبا، أو ~~بغضا أو معاداة ms149 لأصحابه، فهذا أقل درجاته: أن يكون فاسقا، وتكفيره محل ~~اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنا داعية: ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع ~~القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة، ولا فتوى ولا حكم، إلا عند الضرورة، ~~كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد ~~شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة. # وقد نص مالك - رحمه الله - على أن شهادة أهل البدع - كالقدرية والرافضة ~~ونحوهم - لا تقبل، وإن صلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا. # قال اللخمي: وذلك لفسقهم، قال: ولو كان ذلك عن تأويل غلطوا فيه. فإذا كان ~~هذا ردهم لشهادة القدرية - وغلطهم إنما هو من تأويل القرآن كالخوارج - فما ~~الظن بالجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الثنتين والسبعين فرقة؟ وعلى ~~هذا، فإذا كان الناس فساقا كلهم إلا القليل النادر: قبلت شهادة بعضهم على ~~بعض، ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق فالأمثل، هذا هو الصواب الذي عليه ~~العمل، وإن أنكره كثير من الفقهاء بألسنتهم، كما أن العمل على صحة ولاية ~~الفاسق، ونفوذ أحكامه، وإن أنكروه بألسنتهم، وكذلك العمل على صحة كون ~~الفاسق وليا في النكاح ووصيا في المال. # والعجب ممن يسلبه ذلك ويرد الولاية إلى فاسق مثله، أو أفسق منه. # فإن العدل الذي تنتقل إليه الولاية قد تعذر وجوده، وامتاز الفاسق القريب ~~بشفقة القرابة، والوصي باختيار الموصى له وإيثاره على غيره، ففاسق عينه ~~الموصي، أو امتاز بالقرابة: أولى من فاسق ليس كذلك، على أنه إذا غلب على ~~الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها، والله سبحانه لم يأمر برد خبر ~~الفاسق، فلا يجوز رده مطلقا، بل يتثبت فيه حتى يتبين، هل هو صادق أو كاذب؟ ~~فإن كان صادقا قبل قوله وعمل به، وفسقه عليه، وإن كان كاذبا رد خبره ولم ~~يلتفت إليه. # ولرد خبر الفاسق وشهادته مأخذان: # PageV01P147 # أحدهما: عدم الوثوق به، إذ تحمله قلة مبالاته بدينه، ونقصان وقار الله في ~~قلبه - على تعمد الكذب. # الثاني: هجره على إعلانه بفسقه ومجاهرته به فقبول - شهادته إبطال لهذا ~~الغرض المطلوب شرعا. ms150 فإذا علم صدق لهجة الفاسق، وأنه من أصدق الناس - وإن ~~كان فسقه بغير الكذب - فلا وجه لرد شهادته، وقد استأجر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - هاديا يدله على طريق المدينة، وهو مشرك على دين قومه، ولكن لما ~~وثق بقوله أمنه، ودفع إليه راحلته، وقبل دلالته (47) . # وقد قال أصبغ بن الفرج: إذا شهد الفاسق عند الحاكم وجب عليه التوقف في ~~القضية، وقد يحتج له بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: ~~6] وحرف المسألة: أن مدار قبول الشهادة، وردها، على غلبة ظن الصدق وعدمه. ~~والصواب المقطوع به أن العدالة تتبعض، فيكون الرجل عدلا في شيء، فاسقا في ~~شيء، فإذا تبين للحاكم أنه عدل فيما شهد به: قبل شهادته ولم يضره فسقه في ~~غيره. ومن عرف شروط العدالة، وعرف ما عليه الناس تبين له الصواب في هذه ~~المسألة، والله أعلم. ### | [فصل الطريق السابع عشر في الحكم بشهادة الكافر] ### | 79 - # (فصل) # الطريق السابع عشر الحكم بشهادة الكافر: هذه المسألة لها صورتان: ~~إحداهما: شهادة الكفار بعضهم على بعض. # والثانية: شهادتهم على المسلمين. # فأما المسألة الأولى، فقد اختلف فيها الناس قديما وحديثا، فقال حنبل: ~~حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبي، قال: " تجوز شهادة ~~اليهودي على النصراني ". # قال حنبل: وسمعت أبا عبد الله قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض، فأما على ~~المسلمين فلا تجوز، وتجوز شهادة المسلم عليهم. # وقال في رواية أبي داود والمروذي وحرب والميموني وأبي الحارث وجعفر بن ~~محمد ويعقوب بن بختان وأبي طالب - واحتج في روايته بقوله تعالى: {فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 14]- وصالح ابنه، وأبي حامد الخفاف، ~~وإسماعيل بن سعيد الشالنجي، وإسحاق بن منصور، ومهنا بن يحيى، فقال له مهنا: ~~أرأيت إن عدلوا؟ قال: فمن يعدلهم؟ العلج منهم؟ وأفضلهم # PageV01P148 # يشرب الخمر ويأكل الخنزير، فكيف يعدل؟ # فنص في رواية هؤلاء: أنه لا تجوز شهادة بعضهم على بعض، ولا على غيرهم ~~ألبتة، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ~~وليسوا ممن نرضاه. # قال الخلال: فقد روى هؤلاء النفر ms151 - وهم قريب من عشرين نفسا - كلهم عن أبي ~~عبد الله، خلاف ما قال حنبل. # قال: نظرت في أصل حنبل: أخبرني عبد الله، عن أبيه بمثل ما أخبرني عصمة عن ~~حنبل، ولا شك أن حنبلا توهم ذلك، لعله أراد: أن أبا عبد الله قال: لا تجوز، ~~فغلط فقال: تجوز، وقد أخبرنا عبد الله عن أبيه بهذا الحديث. # وقال عبد الله: قال أبي: لا تجوز، وقال أبي: حدثنا وكيع عن سفيان، عن ~~حصين، عن الشعبي قال: تجوز شهادة بعضهم على بعض. # قال عبد الله: قال أبي: لا تجوز؛ لأن الله تعالى قال: {ممن ترضون من ~~الشهداء} [البقرة: 282] وليسوا هم ممن نرضى، فصح الخطأ هاهنا من حنبل. # وقد اختلفوا على الشعبي أيضا، وعلى سفيان، وعلى وكيع، في رواية هذا ~~الحديث، وما قال أبو عبد الله، فما اختلف عنه ألبتة إلا ما غلط حنبل بلا ~~شك، لأن أبا عبد الله مذهبه في شهادة أهل الكتاب لا يجيزها ألبتة، ويحتج ~~بقوله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ، وأنهم ليسوا بعدول. # وقد قال الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، واحتج بأنه ~~تكون بينهم أحكام وأموال، فكيف يحكم بشهادة غير عدل؟ واحتج بقوله تعالى: ~~{وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 64] . # وبالغ الخلال في إنكار رواية حنبل، ولم يثبتها رواية، وأثبتها غيره من ~~أصحابنا، وجعلوا المسألة على روايتين. # قالوا: وعلى رواية الجواز، فهل يعتبر اتحاد المسألة؟ فيه وجهان، ونصروا ~~كلهم عدم الجواز إلا شيخنا فإنه اختار الجواز. # قال ابن حزم: وصح عن عمر بن عبد العزيز: أنه أجاز شهادة نصراني على ~~مجوسي، أو مجوسي على نصراني. # وصح عن حماد بن أبي سليمان أنه قال: تجوز شهادة النصراني على اليهودي، ~~وعلى النصراني، كلهم أهل شرك. # PageV01P149 # وصح هذا أيضا عن الشعبي وشريح وإبراهيم النخعي. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ~~من طريق إبراهيم الصائغ، قال: سألت نافعا مولى ابن عمر - عن شهادة أهل ~~الكتاب بعضهم على بعض، فقال: تجوز. # وقال عبد الرزاق عن معمر: سألت الزهري عن شهادة أهل الكتاب ms152 بعضهم على ~~بعض، فقال: تجوز، وهو قول سفيان الثوري، ووكيع، وأبي حنيفة وأصحابه. # وذكر أبو عبيد عن قتادة، عن علي بن أبي طالب قال: " تجوز شهادة النصراني ~~على النصراني ". # وذكر أيضا عن الزهري: تجوز شهادة النصراني على النصراني، واليهودي على ~~اليهودي، ولا تجوز شهادة أحدهما على الآخر. # وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن يونس، عن الحسن قال: إذا اختلفت ~~الملل لم تجز شهادة بعضهم على بعض. # وكذلك قال عطاء: لا تجوز شهادة ملة على غير ملتها إلا المسلمين. وهذا أحد ~~الروايات عن الشعبي. # والثاني: الجواز. # والثالث: المنع. # كذلك قال النخعي: لا تجوز شهادة ملة إلا على ملتها: اليهودي على اليهودي، ~~والنصراني على النصراني. # وقال مالك: تجوز شهادة الطبيب الكافر حتى على المسلم للحاجة. # قال القائلون بشهادتهم: قال الله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] ، فأخبر أن منهم الأمين على مثل هذا ~~القدر من المال، ولا ريب أن يكون مثل هذا أمينا على قرابته ذوي مذهبه أولى. # قالوا: وقال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] فأثبت ~~لهم الولاية على بعضهم بعضا، وهي أعلى رتبة من الشهادة، وغاية الشهادة: أن ~~تشبه بها، وإذا كان له أن يزوج ابنته وأخته، ويلي مال ولده، فقبول شهادته ~~عليه أولى وأحرى. # قالوا: وقد حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشهادتهم في الحدود. # قال أبو خيثمة: حدثنا حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر ~~بن عبد الله - رضي الله عنهما -: «أن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ائتوني بأربعة منكم يشهدون، قالوا: وكيف؟» الحديث. # والذي في " الصحيح ": «مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيهودي ~~قد حمم، فقال: ما شأن هذا؟ # PageV01P150 # فقالوا: زنى، فقال: ما تجدون في كتابكم؟» وذكر الحديث، فأقام الحد ~~بقولهم، ولم يسأل اليهودي واليهودية، ولا طلب اعترافهما وإقرارهما، وذلك ~~ظاهر في سياق القصة بجميع ms153 طرقها، ليس في شيء منها ألبتة أنه رجمهما ~~بإقرارهما، ولما أقر ماعز بن مالك والغامدية: اتفقت جميع طرق الحديثين على ~~ذلك الإقرار. # قالوا: وروى نافع عن ابن عمر في هذه القصة «أنه مر على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بيهودي محمم؛ فقال: ما باله؟ قالوا زنى، قال: ائتوني بأربعة ~~منكم يشهدون عليه» . # قالوا: وقد أجاز الله سبحانه شهادة الكافر على المسلمين في السفر في ~~الوصية للحاجة؛ ومعلوم أن حاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم بكثير ~~من حاجة المسلمين إلى قبول شهادتهم عليهم؛ فإن الكفار يتعاملون فيما بينهم ~~بأنواع المعاملات؛ من المداينات، وعقود المعاوضات وغيرها؛ وتقع بينهم ~~الجنايات؛ وعدوان بعضهم على بعض؛ ولا يحضرهم في الغالب مسلم، ويتحاكمون ~~إلينا، فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى ذلك إلى تظالمهم؛ وضياع ~~حقوقهم، وفي ذلك فساد كبير؛ فإن الحاجة إلى قبول شهادتهم على المسلمين في ~~السفر من الحاجة إلى قبول شهادة بعضهم على بعض في السفر والحضر. # قالوا: والكافر قد يكون عدلا في دينه بين قومه، صادق اللهجة عندهم، فلا ~~يمنعه كفره من قبول شهادته عليهم إذا ارتضوه، وقد رأينا كثيرا من الكفار ~~يصدق في حديثه، ويؤدي أمانته، بحيث يشار إليه في ذلك ويشتهر به بين قومه، ~~وبين المسلمين، بحيث يسكن القلب إلى صدقه، وقبول خبره وشهادته ما لا يسكن ~~إلى كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وقد أباح الله سبحانه معاملتهم، وأكل ~~طعامهم؛ وحل نسائهم، وذلك يستلزم الرجوع إلى أخبارهم قطعا، فإذا جاز لنا ~~الاعتماد على خبرهم، # PageV01P151 # فيما يتعلق بنا من الأعيان التي تحل وتحرم، فلأن نرجع إلى أخبارهم ~~بالنسبة لما يتعلق بهم من ذلك أولى وأحرى، فإن قلتم: هذا للحاجة، قيل: وذلك ~~أشد حاجة. # قالوا: وقد أمر الله سبحانه بالحكم بينهم إما إيجابا وإما تخييرا، والحكم ~~إما بالإقرار وإما بالبينة، ومعلوم أنهم مع الإقرار لا يرفعون إلينا، ولا ~~يحتاجون إلى الحكم غالبا، وإنما يحتاجون إلى الحكم عند التجاحد وإقامة ~~البينة، وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين، ومعلوم ms154 أن الحكم ~~بينهم مقصوده العدل، وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه، فإذا غلب على الظن صدق ~~مدعيهم بمن يحضره من الشهود الذي يرتضونهم فيما بينهم، ولا سيما إذا كثروا، ~~فالحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول ناكلهم أو يمينه، وهذا ظاهر جدا. # قالوا: وأما قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وقوله: {ممن ~~ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ~~[البقرة: 282] : فهذا إنما هو في الحكم بين المسلمين، فإن السياق كله في ~~ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قال: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] وقال: {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء} [الطلاق: 1]- إلى قوله تعالى - {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ~~وكذلك قال في آية المداينة: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} ~~[البقرة: 282]- إلى قوله - {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] فلا ~~تعرض في شيء من ذلك لحكم أهل الكتاب ألبتة. وأما قوله تعالى: {وألقينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 64] فهذا إما أن يراد ~~به: العداوة التي بين اليهود والنصارى، أو يراد به العداوة التي بين فرقهم، ~~وإن كانوا ملة واحدة، وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض، فإنها عداوة ~~دينية، فهي كالعداوة التي بين فرق هذه الأمة، وإلباسهم شيعا، وإذاقة بعضهم ~~بأس بعض. # واحتج الشافعي بأن من كذب على الله فهو إلى أن يكذب على مثله أقرب، ~~فيقال: وجميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله، والخوارج من أصدق الناس ~~لهجة، وقد كذبوا على الله ورسوله، وكذلك القدرية والمعتزلة، وهم يظنون أنهم ~~صادقون غير كاذبين، فهم متدينون بهذا الكذب، ويظنونه من أصدق الصدق. # واحتج المانعون أيضا بأن في قبول شهادتهم إكراما لهم، ورفعا لمنزلتهم ~~وقدرهم، ورذيلة الكفر تنفي ذلك. # PageV01P152 # قال الآخرون: رذيلة الكفر لم تمنع قبول قولهم على المسلمين للحاجة، بنص ~~القرآن، ولم تمنع ولاية بعضهم على بعض، وعرافة بعضهم على بعض وكون بعضهم ~~حاكما وقاضيا عليهم، فلا نمنع أن يكون بعضهم شاهدا على بعض، وليس في هذا ~~تكريم لهم، ms155 ولا رفع لأقدارهم، وإنما هو دفع لشرهم بعضهم عن بعض، وإيصال أهل ~~الحقوق منهم إلى حقوقهم بقول من يرضونه، وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى ~~لهم عنها. ومما يوضح ذلك، أنهم إذا رضوا بأن نحكم بينهم، ورضوا بقبول قول ~~بعضهم على بعض، فألزمناهم بما رضوا به لم يكن ذلك مخالفا لحكم الله ورسوله، ~~فإنه لا بد أن يكون الشاهد بينهم ممن يثقون به، فلو كان معروفا بالكذب ~~وشهادة الزور لم نقبله، ولم نلزمهم بشهادته. ### | [فصل في شهادة الكفار على المسلين في السفر] ### | 80 - # (فصل) # فهذا حكم المسألة الأولى. # وأما المسألة الثانية - هي قبول شهادتهم على المسلمين في السفر - فقد دل ~~عليها صريح القرآن، وعمل بها الصحابة، وذهب إليها فقهاء الحديث. # قال صالح بن أحمد: قال أبي: لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في موضع في ~~السفر، الذي قال الله تعالى فيه: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض} [المائدة: 106] فأجازها أبو موسى الأشعري. # وقد روي عن ابن عباس " أو آخران من غيركم من أهل الكتاب " وهذا موضع ~~ضرورة، لأنه في سفر، ولا نجد من يشهد من المسلمين، وإنما جاءت في هذا ~~المعنى اه. # وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد - فذكر هذا المعنى - قلت: فإن ~~كان ذلك على وصية المسلمين هل تجوز شهادتهم؟ قال: نعم، إذا كان على ~~الضرورة، قلت: أليس يقال: هذه الآية منسوخة؟ قال: من يقول؟ وأنكر ذلك، ~~وقال: وهل يقول ذلك إلا إبراهيم؟ وقال في رواية ابنيه عبد الله وحنبل: تجوز ~~شهادة النصراني، واليهودي في الميراث، على ما أجاز أبو موسى في السفر، ~~وأحلفه. # وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني في شيء إلا ~~في الوصية في السفر، إذا لم يكن يوجد غيرهم، قال الله تعالى: {أو آخران من ~~غيركم} [المائدة: 106] ، فلا تجوز شهادتهم إلا في هذا الموضع، وهذا مذهب ~~قاضي العلم والعدل: شريح، وقول سعيد بن المسيب، وحكاه أحمد عن ابن عباس، ~~وأبي موسى الأشعري. # قال المروذي: حدثنا ابن نمير، ms156 قال: حدثني يعلى بن الحارث عن أبيه عن ~~غيلان بن جامع، عن إسماعيل بن خالد، عن عامر. # قال: " شهد رجلان من أهل دقوقاء على وصية مسلم، فاستحلفهما # PageV01P153 # أبو موسى بعد العصر: ما اشترينا به ثمنا قليلا، ولا كتمنا شهادة إنا إذا ~~لمن الآثمين، ثم قال: إن هذه القضية ما قضي فيها مذ مات رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى اليوم. وذكر محمد بن إسحاق عن أبي النضر عن باذان ~~مولى أم هانئ - عن ابن عباس، عن تميم الداري في قوله عز وجل: {يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] الآية قال: " ~~برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام ~~[قبل الإسلام]- فأتيا الشام [لتجارتهما] ، وقدم بزيل بن أبي مريم مولى بني ~~سهم - ومعه جام من فضة [يريد به الملك] ، هو أعظم تجارته، فمرض، فأوصى ~~إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. # قال تميم: فلما مات أخذنا الجام، فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي ~~بن بداء، فلما قدمنا دفعنا ماله إلى أهله، فسألوا عن الجام؟ فقلنا: ما دفع ~~إلينا غير هذا، فلما أسلمت تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، ~~وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فسألهم البينة فلم يجيبوا، فأحلفهم بما يعظم به على ~~أهل دينهم فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: ~~106] الآية. # فحلف عمرو بن العاص وأخو سهم، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء ". # وروى يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن ~~جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان ~~إلى مكة بالتجارة، فخرج معهم رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم ~~فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب، ~~فتفقده أولياؤه، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحلفهما: ما ~~كتمنا، ولا أضعنا، ms157 ثم عرف الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، فقام ~~رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: إن هذا لجام السهمي، ولشهادتنا أحق ~~من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين، فأخذ الجام، وفيهما نزلت ~~هذه الآية. # PageV01P154 # والقول بهذه الآية هو قول جمهور السلف، قالت عائشة - رضي الله عنها -: " ~~سورة المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها حلالا فحللوه، وما وجدتم فيها ~~حراما فحرموه ". # وصح عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: " هذا لمن مات وعنده المسلمون، ~~فأمر الله أن يشهد في وصيته عدلين من المسلمين، ثم قال تعالى: {أو آخران من ~~غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة: 106] فهذا لمن مات وليس عنده أحد ~~من المسلمين فأمر الله عز وجل أن يشهد رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب ~~بشهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: لا نشتري بشهادتنا ثمنا " وقد تقدم أن ~~أبا موسى حكم بذلك. # وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن شرحبيل، قال: " لم ~~ينسخ من سورة المائدة شيء ". # وقال وكيع: عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب " أو آخران من غيركم " ~~قال: " من أهل الكتاب " وفي رواية صحيحة عنه " من غير أهل ملتكم ". # وصح عن شريح قال: " لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في الوصية، ~~ولا تجوز في الوصية إلا أن يكون مسافرا ". # وصح عن إبراهيم النخعي " من غيركم ". " من أهل ملتكم " وصح عن سعيد بن ~~جبير " أو آخران من غيركم " قال: " إذا كان في أرض الشرك، فأوصى إلى رجلين ~~من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان # PageV01P155 # بعد العصر، فإن اطلع بعد حلفهما على أنهما خانا، حلف أولياء الميت، أنه ~~كذا وكذا، واستحقوا ". وصح عن الشعبي {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ~~قال: " من اليهود والنصارى ". وصح ذلك عن مجاهد قال: " من غير أهل الملة " ~~وصح عن يحيى مثله وصح عن ابن سيرين ذلك. فهؤلاء أئمة المؤمنين: أبو موسى ~~الأشعري، وابن عباس. # وروي نحو ذلك عن علي - رضي الله عنه - ذكر ذلك أبو محمد بن حزم، ms158 وذكره ~~أبو يعلى عن ابن مسعود، ولا مخالف لهم من الصحابة. ومن التابعين: عمرو بن ~~شرحبيل، وشريح، وعبيدة، والنخعي، والشعبي، والسعيدان، وأبو مجلز، وابن ~~سيرين، ويحيى بن يعمر، ومن تابعي التابعين: كسفيان الثوري، ويحيى بن حمزة، ~~والأوزاعي. # وبعد هؤلاء: كأبي عبيد، وأحمد بن حنبل، وجمهور فقهاء أهل الحديث، وهو قول ~~جميع أهل الظاهر. وخالفهم آخرون. ثم اختلفوا في تخريج الآية على ثلاث طرق: # أحدها: أن المراد بقوله {من غيركم} [المائدة: 106] أي من غير قبيلتكم، ~~وروي ذلك عن الحسن، وروي عن الزهري أيضا. # والثاني: أن الآية منسوخة، وهذا مروي عن زيد بن أسلم وغيره. # والثالث: أن المراد بالشهادة فيها: أيمان الوصي بالله تعالى للورثة، لا ~~الشهادة المعروفة. # قال القائلون بها: أما دعوى النسخ فباطلة، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا ~~يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض ~~لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها ~~لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلا صح النسخ، وإلا فما معه ~~إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا ~~منسوخ في المائدة، وقاله غيرها أيضا من السلف، وعمل بها أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعده، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من ~~احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ، وكأن القائل لذلك لم يعلم أن معنى كون النص ~~منسوخا: أن الله سبحانه حرم العمل به، وأبطل كونه من الدين والشرع، ودون ~~هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق. قالوا: وأما قول من قال: المراد بقوله {من ~~غيركم} [المائدة: 106] أي من غير قبيلتكم: فلا يخفى بطلانه وفساده، فإنه ~~ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين ~~فلا # PageV01P156 # يكون غير المؤمنين إلا من الكفار، هذا مما لا شك فيه، والذي قال من غير ~~قبيلتكم: زلة عالم، غفل عن تدبر الآية. # وأما قول من قال: " إن ms159 المراد بالشهادة: أيمان الأوصياء للورثة " فباطل ~~من وجوه: # أحدها أنه سبحانه قال: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] ولم يقل: أيمان ~~بينكم. # الثاني: أنه قال: {اثنان} [المائدة: 106] واليمين لا تختص بالاثنين. # الثالث أنه قال: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] واليمين لا يشترط فيها ~~ذلك. # الرابع: أنه قال: {أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] واليمين لا يشترط ~~فيها شيء من ذلك. # الخامس: أنه قيد ذلك بالضرب في الأرض، وليس ذلك شرطا في اليمين. # السادس: أنه قال: {ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} [المائدة: ~~106] وهذا لا يقال في اليمين في هذه الأفعال، بل هو نظير قوله: {ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] . # السابع: أنه قال: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} [المائدة: 108] ~~ولم يقل بالأيمان. # الثامن: أنه قال: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} [المائدة: 108] ~~فجعل الأيمان قسيما للشهادة، وهذا صريح في أنها غيرها. # التاسع: أنه قال: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} [المائدة: ~~107] فذكر اليمين والشهادة، ولو كانت اليمين على المدعى عليه لما احتاجا ~~إلى ذلك، ولكفاهما القسم: أنهما ما خانا. # العاشر: أن الشاهدين يحلفان بالله {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] ~~ولو كان المراد بها اليمين، لكان المعنى: يحلفان بالله لا نكتم اليمين، ~~وهذا لا معنى له ألبتة، فإن قيل اليمين لا تكتم، فكيف يقال: احلف أنك لا ~~تكتم حلفك؟ # الحادي عشر: أن المتعارف من " الشهادة " في القرآن والسنة: إنما هو ~~الشهادة المعروفة، كقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] وقوله: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] ونظائره. فإن قيل: فقد سمى الله أيمان اللعان شهادة في قوله: ~~{فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] وقال: {ويدرأ عنها العذاب أن ~~تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] ؟ . # PageV01P157 # قيل إنما سمي أيمان الزوج شهادة لأنها قائمة مقام البينة، ولذلك ترجم ~~المرأة إذا نكلت، وسمي أيمانها شهادة، لأنها في مقابلة شهادة الزوج. # وأيضا، فإن هذه اليمين خصت من بين الأيمان بلفظ " الشهادة. بالله " ~~تأكيدا لشأنها، وتعظيما لحظرها. # الثاني عشر: أنه ms160 قال: {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106] ~~ومن المعلوم: أنه لا يصح أن يكون: أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت، فإن ~~الموصي إنما يحتاج للشاهدين، لا إلى اليمين. # الثالث عشر: أن حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي حكم به - وحكم ~~به الصحابة بعده - هو تفسير الآية قطعا، وما عداه باطل، فيجب أن يرغب عنه. ~~أما ما ذكره بعض الناس: أن ذلك مخالف للأصول والقياس من وجوه: أحدها: أن ~~ذلك يتضمن شهادة الكافر، ولا شهادة له. # الثاني: أنه يتضمن حبس الشاهدين، والشاهد لا يحبس. # الثالث: أنه يتضمن تحليفهما، والشاهد لا يحلف. # الرابع: أنه يتضمن تحليف إحدى البينتين: أن شهادتهما أحق من شهادة البينة ~~الأخرى. # الخامس: أنه يتضمن شهادة المدعين لأنفسهم واستحقاقهم بمجرد أيمانهم. # السادس: أن أيمان هؤلاء المستحقين التي قدمت على شهادة الشاهدين لما ظهرت ~~خيانتهما: إن كانت شهادة، فكيف يشهدان لأنفسهما؟ وإن كانت أيمانا، فكيف ~~يقضى بيمين المدعي بلا شاهد لا رد؟ . # السابع: أن هذا يتضمن القسامة في الأموال، والحكم بأيمان المدعين، ولا ~~يعرف بهذا القائل فهذا - وأمثاله - من الاعتراضات التي نعوذ بالله منها، ~~ونسأله العافية، فإنها اعتراضات على حكم الله وشرعه وكتابه. # فالجواب عنها: بيان أنها مخالفة لنص الآية، معارضة لها، فهي من الرأي ~~الباطل، الذي حذر منه سلف الأمة، وقالوا: إنه يتضمن تحليل ما حرم الله، ~~وتحريم ما أحل الله، وإسقاط ما فرض الله، ولهذا اتفقت أقوال السلف على ذم ~~هذا النوع من الرأي، وأنه لا يحل الأخذ به في دين الله، ولا يلزم الجواب عن ~~هذه الاعتراضات وأمثالها، ولكن نذكر الجواب بيانا للحكمة، وأن الذي تضمنته ~~الآية هو المصلحة، وهو أعدل ما يحكم به، وخير من كل حكم سواه {ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50] . # PageV01P158 # وهذا المسلك الباطل يسلكه من يخالف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أيضا، فإذا جاءهم حديث خلاف قولهم، قالوا: هذا حديث يخالف الأصول فلا ~~يقبل. # والمحكمون لكتاب الله وسنة رسوله يرون هذه الآراء وأمثالها من أبطل ms161 ~~الباطل؛ لمخالفتها للأصول التي هي كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فهذه الآراء هي المخالفة للأصول حتما، فهي باطلة قطعا، على أن هذا ~~الحكم أصل بنفسه، مستغن عن نظير يلحق به. # ونحن نجيبكم عن هذه الوجوه أجوبة مفصلة، فنقول: أما قولكم: إنها تتضمن ~~شهادة الكافر، ولا شهادة له. قلنا: كيف يقول هذا أصحاب أبي حنيفة، وهم ~~يجيزون شهادة الكافر في كل شيء بعضهم على بعض؟ . أم كيف يقوله أصحاب مالك ~~وهم يجيزون شهادة طبيبين كافرين حيث لا يوجد طبيب مسلم، وليس ذلك في ~~القرآن، فهلا أجازوا شهادة كافرين في الوصية في السفر، حيث لا يوجد مسلم، ~~وهو في القرآن، وقد حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من ~~بعده؟ . أم كيف يقوله أصحاب الشافعي، وهم يرون نص الشافعي صريحا: " إذا صح ~~الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذوا به، ودعوا قولي " وفي ~~لفظ له " فأنا أذهب إليه " وفي لفظ " فاضربوا بقولي عرض الحائط ". # وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء به نص كتاب ~~الله، وعمل به الصحابة. وقولكم: الشاهدان لا يحبسان، ليس المراد هنا: السجن ~~الذي يعاقب به أهل الجرائم، وإنما المراد به: إمساكهما لليمين بعد الصلاة، ~~كما يقال: فلان يصبر لليمين، أي يمسك لها، وفي الحديث «ولا تصبر يمينه حيث ~~تصبر الأيمان» . # وقولكم: يتضمن تحليف الشاهدين: والشاهد لا يحلف، فمن أين لكم أن مثل هذا ~~الشاهد الذي شهادته بدل عن شهادة المسلم للضرورة - لا يحلف؟ فأي كتاب، أم ~~أية سنة جاءت بذلك؟ وقد حلف ابن عباس المرأة التي شهدت بالرضاع، وذهب إليه ~~الإمام أحمد، في إحدى الروايتين عنه، وقد تقدم الكلام في تحليف الشهود ~~المسلمين إذا ارتاب فيهم الحاكم، ومن ذهب إليه من السلف وقضاة العدل. # وقولكم: فيه شهادة المدعين لأنفسهم، والحكم لهم بمجرد دعواهم، ليس بصحيح، ~~فإن الله سبحانه جعل الأيمان لهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين، فشرع لهما ~~أن يحلفا ويستحقا، كما شرع لمدعي الدم في ms162 القسامة أن يحلفوا ويستحقوا دم ~~وليهم، لظهور اللوث، فكانت اليمين لقوتها بظهور # PageV01P159 # اللوث في الموضعين، وليس هذا من باب شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم ~~له بيمينه القائمة مقام الشهادة، لقوة جانبه، كما حكم - صلى الله عليه وسلم ~~- للمدعي بيمينه، لما قوي جانبه بالشاهد الواحد، فقوة جانب هؤلاء بظهور ~~خيانة الوصيين كقوة جانب المدعي بالشاهد، وقوة جانبه بنكول خصمه، وقوة ~~جانبه باللوث، وقوة جانبه بشهادة العرف في تداعي الزوجين المتاع، وغير ذلك. ~~فهذا محض العدل، ومقتضى أصول الشرع، وموجب القياس الصحيح. # وقولكم: إن هذا يتضمن القسامة في الأموال. قلنا: نعم لعمر الله، وهي أولى ~~بالقبول من القسامة في الدماء، ولا سيما مع ظهور اللوث، وأي فرق بين ظهور ~~اللوث في صحة الدعوى بالدم، وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ وهل في القياس ~~أصح من هذا؟ وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال، وذلك فيما إذا أغار ~~قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه، والناس ينظرون إليهم، ولم يشهدوا على ~~معاينة ما أخذوه، ولكن علم أنهم أغاروا وانتهبوا، فقال ابن القاسم وابن ~~الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه. # وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما ~~يشبه، وقد تقدم ذلك، وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام، وحكينا كلامه - رحمه ~~الله -. # ولا يستريب عالم أن اعتبار اللوث في الأموال التي تباح بالبدل أولى منه ~~في الدماء التي لا تباح به. فإن قيل: فالدماء يحتاط لها؟ . # قيل: نعم، وهذا الاحتياط لم يمنع القول بالقسامة فيها، وإن استحق بها دم ~~المقسم عليه. # ثم إن الموجبين للدية في القسامة، حقيقة قولهم: إن القسامة على المال ~~والقتل طريق لوجوبه، فهكذا القسامة هاهنا على مال، كالدية سواء، فهذا من ~~أصح القياس في الدماء وأبينه. فظهر أن القول بموجب هذه الآية هو الحق الذي ~~لا معدل عنه نصا وقياسا ومصلحة، وبالله التوفيق. ### | 81 - # (فصل) # قال شيخنا - رحمه الله -: وقول الإمام أحمد في قبول شهادتهم في هذا ~~الموضع: " هو ضرورة " يقتضي هذا التعليل قبولها في ms163 كل ضرورة حضرا وسفرا. ~~على هذا لو قيل: يحلفون في شهادة بعضهم على بعض، كما يحلفون على شهاداتهم ~~على المسلمين في وصية السفر، لكان متوجها، ولو قيل: تقبل شهادتهم مع ~~أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون، لكان له وجه، ويكون بدلا مطلقا. # PageV01P160 # قال الشيخ: ويؤيد هذا ما ذكره القاضي وغيره - محتجا به - وهو في الناسخ ~~والمنسوخ لأبي عبيد - أن رجلا من المسلمين خرج، فمر بقرية فمرض، ومعه رجلان ~~من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا لي من أشهده على ما قبضتماه، ~~فلم يجدا أحدا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا أناسا من اليهود والنصارى، ~~فأشهدهم على ما دفع إليهما - وذكر القصة - فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأمر ~~اليهودي والنصراني أن يحلفا بالله: لقد ترك من المال كذا وكذا ولشهادتنا ~~أحق من شهادة هذين المسلمين، ثم أمر أهل المتوفى أن يحلفوا أن شهادة اليهود ~~والنصارى حق، فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهد به ~~اليهودي والنصراني، وذلك في خلافة عثمان - رضي الله عنه -. # فهذه شهادة للميت على وصيته، وقد قضى بها ابن مسعود، مع يمين الورثة، ~~لأنهم المدعون، والشهادة على الميت لا تفتقر إلى يمين الورثة. # ولعل ابن مسعود أخذ هذا من جهة أن الورثة يستحقون بأيمانهم على الشاهدين ~~إذا استحقا إثما، فكذلك يستحقون على الوصية مع شهادة الذميين بطريق الأولى. # وقد ذكر القاضي هذا في مسألة دعوى الأسير إسلاما، فقال: وقد قال الإمام ~~أحمد في السبي إذا ادعوا نسبا، وأقاموا بينة من الكفار: قبلت شهادتهم، نص ~~عليه في رواية حنبل، وصالح، وإسحاق بن إبراهيم، لأنه قد تتعذر البينة ~~العادلة، ولم يجز ذلك في رواية عبد الله وأبي طالب. # قال شيخنا - رحمه الله تعالى -: فعلى هذا كل موضع ضرورة غير المنصوص فيه: ~~فيه روايتان، لكن التحليف هاهنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال: لأنه إنما ~~يحلف حيث تكون شهادتهم بدلا، كما في مسألة الوصية، بخلاف ما إذا كانوا ~~أصولا، والله أعلم. ### | [فصل وهل تعتبر عدالة الكافرين في ms164 الشهادة بالوصية في دينهم] ### | 82 - # (فصل) # قال شيخنا - رحمه الله -: وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية ~~في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تعتبر، وإن كنا إذا قبلنا ~~شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم. # وصرح القاضي: بأن العدالة غير معتبرة في هذه الحال، والقرآن يدل عليه. ~~وصرح القاضي: أنه لا تقبل شهادة فساق المسلمين في هذا الحال، وجعله محل ~~وفاق، واعتذر عنه. وفي اشتراط كونهم من أهل الكتاب روايتان، وظاهر القرآن: ~~أنه لا يشترط، وهو الصحيح، لأنه سبحانه قال للمؤمنين: {أو آخران من غيركم} ~~[المائدة: 106] وغير المؤمنين: هم الكفار كلهم، ولأنه # PageV01P161 # موضع ضرورة، وقد لا يحضر الموصي إلا كفارا من غير أهل الكتاب، وإن تقييده ~~بأهل الكتاب لا دليل عليه، ولأن ذلك يستلزم تضييق محل الرخصة، مع قيام ~~المقتضي لعمومه. # فإن قيل: فهل يجوز في هذه الصورة أن يحكم بشهادة كافر وكافرتين؟ قيل: لا ~~نعرف عن أحد في هذا شيئا، ويحتمل أن يقال بجواز ذلك، وهو القياس، فإن ~~الأموال يقبل فيها رجل وامرأتان، وهذا قول أبي محمد بن حزم وهو يحتج بعموم ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أليست شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» ~~(146) وهذا العموم جوز الحكم أيضا في هذه الصورة بأربع نسوة كوافر وليس ~~ببعيد عند الضرورة، إذا لم يحضره إلا النساء بل هو محض الفقه. فإن قيل: فهل ~~ينقض حكم من حكم بغير حكم هذه الآية؟ . قيل: أصول المذهب تقتضي نقض حكمه، ~~لمخالفته نص الكتاب. # قال شيخنا - رضي الله عنه - في تعليقه على " المحرر ": ويتوجه أن ينقض ~~حكم الحاكم إذا حكم بخلاف هذه الآية، فإنه خالف نص الكتاب العزيز بدلالات ~~ضعيفة. ### | [فصل الطريق الثامن عشر في الحكم بالإقرار] ### | 83 - # (فصل) # الطريق الثامن عشر الحكم بالإقرار. # قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} ~~[المائدة: 8] ، وفي الآية الأخرى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم} [النساء: 135] ولا خلاف أنه لا يعتبر في صحة الإقرار أن يكون بمجلس ~~الحاكم، إلا ms165 شيئا حكاه محمد بن الحسن الجوزي في كتاب النوادر " له فقال: ~~قال ابن أبي ليلى: لا أجيز إقرارا في حق أنكره الخصم عندي إلا إقرارا ~~بحضرتي، - ولعله ذهب في ذلك إلى أن الإقرار لما كان شهادة المرء على نفسه ~~اعتبر له مجلس الحكم، كالحكم بالبينة، والفرق ظاهر لا خفاء به. ### | 84 - # (فصل) # ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف، فإن لم ~~يسمعه معه غيره، فنص أحمد على أنه يحكم به، وإن لم نقل يحكم بعلمه، فإن ~~مجلس الحاكم مجلس فصل الخصومات، وقد جلس لذلك، وقد أقر الخصم في مجلسه، ~~فوجب عليه الحكم به، كما لو قامت بذلك البينة عنده، وليس عنده أحد غيره ~~يسمع معه شهادتهما، فإن هذا محل وفاق. # وقال القاضي: لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان؛ دفعا ~~للتهمة عنه، إلا أن # PageV01P162 # يقول، يقضي بعلمه، فإنه يجوز له الحكم حينئذ. والتحقيق أن هذا يشبه مسألة ~~الحكم بعلمه من وجه، ويفارقها من وجه. فشبه ذلك بمسألة حكمه بعلمه؛ أنه ليس ~~هناك بينة، وهو في موضع تهمة. ووجه الفرق بينهما؛ أن الإقرار بينة قامت في ~~مجلسه؛ فإن البينة: اسم لما يبين به الحق، فعلم الحق في مجلس القضاء الذي ~~انتصب فيه للحكم به، وليس من شرط صحة الحكم أن يكون بمحضر الشاهدين، فكذلك ~~لا يعتبر في طريقه أن يكون بمحضر شاهدين، وليس هذا بمنزلة ما رآه أو سمعه ~~في غير مجلسه. ### | [فصل الطريق التاسع عشر في حكم الحاكم بعلمه] ### | 85 - # (فصل) # الطريق التاسع عشر الحكم بعلمه: # وقد اختلف في ذلك قديما وحديثا، وفي مذهب الإمام أحمد ثلاث روايات ~~إحداها: - وهي الرواية المشهورة عنه، المنصورة عند أصحابه - أنه لا يحكم ~~بعلمه لأجل التهمة. # والثانية: يجوز له ذلك مطلقا في الحدود وغيرها. # والثالثة: يجوز إلا في الحدود. # ولا خلاف عنه أنه يبني على علمه، في عدالة الشهود وجرحهم، ولا يجب عليه ~~أن يسأل غيره عما علمه من ذلك. ولأصحاب الشافعي طريقان: أحدهما: يقضي بعلمه ~~قطعا. # والثاني: ms166 أن المسألة على قولين أظهرهما عند أكثر الصحابة يقضي به. # قالوا: لأنه يقضي بشاهدين، وذلك يفيد ظنا، فالعلم أولى بالجواز. وأجابوا ~~عما احتج به المانعون من ذلك من التهمة؛ أن القاضي لو قال ثبت عندي وصح كذا ~~وكذا ألزم قبوله بلا خلاف. ولم يبحث عما ثبت به وصح والتهمة قائمة. ووجه ~~هذا أنه لما ملك الإنشاء، ملك الإخبار. ثم بنوا على القولين ما علمه في زمن ~~ولايته ومكانها، وما علمه في غيرها. # قالوا: فإن قلنا: لا يقضي بعلمه فذلك إذا كان مستنده مجرد العلم، أما إذا ~~شهد رجلان يعرف عدالتهما، فله أن يقضي، ويغنيه علمه بهما عن تزكيتهما. وفيه ~~وجه ضعيف: لا يغنيه ذلك عن # PageV01P163 # تزكيتهما للتهمة. قالوا: ولو أقر بالمدعى به في مجلس قضائه قضى، وذلك ~~قضاء بالإقرار لا بعلمه، وإن أقر عنده سرا فعلى القولين، وقيل: يقضي قطعا. # ولو شهد عنده واحد، فهل يغنيه علمه عن الشاهد الآخر؟ على قول المنع فيه ~~وجهان، وهذا تحصيل مذهب الشافعي وأصحابه. # وأما مذهب مالك: فإنه لا يقضي بعلمه في المدعى به بحال، سواء علمه قبل ~~التولية أو بعدها، في مجلس قضائه أو غيره، قبل الشروع في المحاكمة أو بعد ~~الشروع، فهو أشد المذاهب في ذلك. # وقال عبد الملك وسحنون: يحكم بعلمه فيما علمه بعد الشروع في المحاكمة. ~~قالوا: فإن حكم بعلمه - حيث قلنا لا يحكم - فقال أبو الحسن اللخمي: لا ينقض ~~عند بعض أصحابنا، وعندي أنه ينقض. قالوا: ولا خلاف في أن ما رآه القاضي، أو ~~سمعه في غير مجلس قضائه أنه لا يحكم به، وأنه ينقض إن حكم به، وينقضه هو ~~وغيره، وإنما الخلاف فيما يتقارر به الخصمان في مجلسه، فإن حكم به نقضه هو، ~~ولا ينقضه غيره. # قال اللخمي: وقد اختلف إذا أقر بعد أن جلسا للخصومة، ثم أنكرا فقال مالك ~~وابن القاسم: لا يحكم بعلمه. # وقال عبد الملك وسحنون: يحكم، لأن الخصمين إذا جلسا للمحاكمة فقد رضيا أن ~~يحكم بينهما بما يقولانه، ولذلك قصداه - هذا تحصيل مذهب مالك. ms167 # وأما مذهب أبي حنيفة، فقالوا: إذا علم الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ~~ولايته ومحلها، جاز له أن يقضي به، لأن علمه كشهادة الشاهدين، بل أولى، لأن ~~اليقين حاصل بما علمه بالمعاينة أو السماع، والحاصل بالشهادة غلبة الظن، ~~وأما ما علمه قبل ولايته، أو في غير محل ولايته فلا يقضي به عند أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي به، كما في حال ولايته ومحلها. # قال المنتصرون لقول أبي حنيفة: هو في غير مصره وغير ولايته، شاهد لا ~~حاكم، وشهادة الفرد لا تقبل، وصار كما إذا علم بالبينة العادلة، ثم ولي ~~القضاء، فإنه لا يعمل بها. قالوا: وأما الحدود، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنه ~~خصم فيها؛ ولأنه حق الله تعالى، وهو نائبه إلا في حد القذف، فإنه يعمل ~~بعلمه، لما فيه من حق العبد، وإلا في المسكر، إذا وجد سكرانا، أو من به ~~أمارات السكر، فإنه يعذر. هذا تحصيل مذهب أبي حنيفة. # أما أهل الظاهر، فقال أبو محمد بن حزم: وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في ~~الدماء، والأموال، # PageV01P164 # والقصاص، والفروج والحدود، سواء أعلم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، قال: ~~وأقوى ما حكم بعلمه، ثم بالإقرار ثم بالبينة. ### | 86 - # (فصل) # وأما الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم -، فصح عن أبي بكر الصديق أنه ~~قال: " لو رأيت رجلا على حد من حدود الله تعالى لم آخذه حتى يكون معي شاهد ~~غيري ". # وعن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: " أرأيت لو رأيت رجلا ~~قتل، أو شرب، أو زنى؟ قال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين، فقال له عمر: ~~صدقت ". # وروي نحو هذا عن معاوية، وابن عباس. # ومن طريق الضحاك: أن عمر اختصم إليه في شيء يعرفه، فقال للطالب: " إن شئت ~~شهدت ولم أقض، وإن شئت قضيت ولم أشهد ". # وأما الآثار عن التابعين، فصح عن شريح أنه اختصم عنده اثنان، فأتاه ~~أحدهما بشاهد. # وقال لشريح: وأنت شاهدي أيضا، فقضى له شريح مع شاهده بيمينه، وهذا محتمل. ~~وصح عن الشعبي ms168 أنه قال: لا أكون شاهدا وقاضيا. واحتج من قال: " يحكم بعلمه ~~" بما في " الصحيحين " من قصة هند بنت عتبة لما اشتكت أبا سفيان إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فحكم لها عليه بأن تأخذ كفايتها وكفاية بنيها، ~~ولم يسألها البينة، ولا أحضر الزوج. # وهذا الاستدلال ضعيف جدا، فإن هذا إنما هو فتيا من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لا حكم، ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائبا عن البلد، والحكم ~~على الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد، غير ممتنع، وهو يقدر على الحضور ~~ولم يوكل وكيلا لا يجوز اتفاقا. # PageV01P165 # وأيضا فإنها لم تسأله الحكم، وإنما سألته: " هل يجوز لها أن تأخذ ما ~~يكفيها ويكفي بنيها؟ " وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به على الحكم سهو. # واحتج بما رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث حماد بن سلمة، حدثني عبد الملك ~~أبو جعفر، عن أبي نضرة، «عن سعيد بن الأطول أن أخاه مات وترك ثلاثمائة ~~درهم، وترك عيالا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال لي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن أخاك محبوس بدينه، فاقض عنه، قلت: يا رسول الله قد ~~قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بينة قال: أعطها، فإنها ~~محقة وفي لفظ فإنها صادقة» وهذا أصرح في الدلالة مما قبله. # وقال حماد عن الجريري عن أبي نضرة عن رجل من الصحابة بمثله، ولكن لم يسم: ~~كم ترك؟ . # وبعد، فهذا لا يدل أيضا، فإن المنع من حكم الحاكم بعلمه إنما هو لأجل ~~التهمة هي معلومة الانتفاء من سيد الحكام - صلى الله عليه وسلم -. واحتج ~~بما في " الصحيحين " من حديث عقيل عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة: أن ~~فاطمة - رضي الله عنها - أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله، ~~فقال أبو بكر إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نورث، ما ~~تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال» ، وإني والله لا أغير شيئا ~~من صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms169 - ولأعملن فيها بما عمل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا. - وذكر ~~الحديث. # والاستدلال به سهو أيضا؛ فإن أبا بكر - رضي الله عنه - علم من دين الرسول ~~أن هذه الدعوى باطلة لا يسوغ الحكم بموجبها، بل دعواها بمنزلة دعوى استحقاق ~~ما علم وتحقق دفعه بالضرورة، بل بمنزلة ما يعلم بطلانه قطعا من الدعاوى، ~~وسيدة نساء العالمين - رضي الله عنها - خفي عليها حكم هذه الدعوى، وعلمه ~~الخلفاء الراشدون ومن معهم من الصحابة، فالصديق معه الحجة من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلم يسمع هذه الدعوى، ولم يحكم بموجبها، للحجة ~~الظاهرة التي علمها معه عمر بن الخطاب # PageV01P166 # والصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين، فأين هذا من حكم الحاكم بعلمه الذي ~~لم يقم به حجة على الخصم؟ . # واحتج أبو محمد بن حزم لهذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«بينتك أو يمينه» قال: ومن البينة التي لا بينة أبين منها: علم الحاكم ~~بالمحق من المبطل، وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم؛ ~~فإنه قال: " بينتك " " والبينة " اسم لما يبين الحق، بحيث يظهر المحق من ~~المبطل، ويبين ذلك للناس، وعلم الحاكم ليس ببينة. # واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} ~~[النساء: 135] وليس من القسط: أن يعلم الحاكم أن أحد الخصمين مظلوم والآخر ~~ظالم، ويترك كلا منهما على حاله. # قال الآخرون: ليس في هذا محذور، حيث لم يأت المظلوم بحجة يحكم له بها، ~~فالحاكم معذور، إذ لا حجة معه يوصل بها صاحب الحق إلى حقه، وقد قال سيد ~~الحكام - صلوات الله وسلامه عليه -: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ~~ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ~~فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» (119) . واحتجوا بقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ~~فإن لم يستطع فبقلبه» وإذا رأى الحاكم ms170 وحده عدوان رجل على رجل وغصبه ماله، ~~أو سمع طلاقه لامرأته، وعتقه لعبده، ثم رأى الرجل مستمرا في إمساك الزوجة، ~~أو بيع من صرح بعتقه، فقد أقر على المنكر الذي أمر بتغييره. # قال الآخرون: هو مأمور بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر، بحيث لا تتطرق ~~إليه تهمة في تغييره، وأما إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته ولم يشهد أحد ~~أنه طلقها ولا أعتقها ألبتة، ولا سمع بذلك أحد قط، ففرق بينهما، وزعم أنه ~~طلق وأعتق: فإنه ينسب ظاهرا إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرق الناس إلى ~~اتهامه والوقوع في عرضه، وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجل مستور بين الناس، ~~غير مشهور بفاحشة، وليس عليه شاهد واحد بها، فيرجمه، ويقول: رأيته يزني؟ أو ~~يقتله ويقول: سمعته يسب؟ أو يفرق بين الزوجين، ويقول: سمعته يطلق؟ وهل هذا ~~إلا محض التهمة؟ . # PageV01P167 # ولو فتح هذا الباب - ولا سيما لقضاة الزمان - لوجد كل قاض له عدو السبيل ~~إلى قتل عدوه، ورجمه وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا ~~كانت العداوة خفية، لا يمكن لعدوه إثباتها، وحتى لو كان الحق هو حكم الحاكم ~~بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك، وهذا إذا قيل في شريح وكعب بن سوار، ~~وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وعمران الطلحي، وحفص بن غياث وأضرابهم. ~~كان فيه ما فيه. # وقد ثبت عن أبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، ومعاوية - رضي ~~الله عنهم - المنع من ذلك، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف. # فذكر البيهقي وغيره عن أبي بكر الصديق أنه قال: " لو وجدت رجلا على حد من ~~حدود الله لم أحده حتى يكون معي غيري ". # وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أرأيت لو رأيت رجلا يقتل أو يسرق أو ~~يزني؟ قال: أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: أصبت، وعن علي نحوه. # وهذا من كمال فقه الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنهم أفقه الأمة وأعلمهم ~~بمقاصد الشرع وحكمه، فإن التهمة مؤثرة في باب الشهادات والأقضية، وطلاق ~~المريض ms171 وغير ذلك، فلا تقبل شهادة السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا شهادة ~~الوالد لولده، وبالعكس ولا شهادة العدو على عدوه، ولا يقبل حكم الحاكم ~~لنفسه، ولا ينفذ حكمه على عدوه، ولا يصح إقرار المريض مرض الموت لوارثه ولا ~~لأجنبي، عند مالك، إذا قامت شواهد التهمة، ولا تمنع المرأة الميراث بطلاقه ~~لها لأجل التهمة، ولا يقبل قول المرأة على ضرتها أنها أرضعتها - أضعاف ذلك ~~مما يرد ولا يقبل للتهمة. # ولذلك منعنا في مسألة الظفر أن يأخذ المظلوم من مال ظالمه نظير ما خانه ~~فيه لأجل التهمة، وإن كان إنما يستوفي حقه. # ولقد كان سيد الحكام - صلوات الله وسلامه عليه - يعلم من المنافقين ما ~~يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند ~~الله وملائكته وعباده المؤمنين من كل تهمة، لئلا يقول الناس: إن محمدا يقتل ~~أصحابه، ولما «رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي قال: رويدكما، إنها ~~صفية بنت حيي» لئلا تقع في نفوسهما تهمة له. # PageV01P168 # ومن تدبر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسد الذرائع تبين له الصواب ~~في هذه المسألة، وبالله التوفيق. ### | [فصل الطريق العشرون في الحكم بالتواتر] ### | 87 - # (فصل) # الطريق العشرون الحكم بالتواتر، وإن لم يكن المخبرون عدولا ولا مسلمين. ~~وهذا من أظهر البينات، فإذا تواتر الشيء عنده، وتضافرت به الأخبار، بحيث ~~اشترك في العلم به هو وغيره، حكم بموجب ما تواتر عنده، كما إذا تواتر عنده ~~فسق رجل، أو صلاحه ودينه، أو عداوته لغيره، أو فقر رجل وحاجته أو موته أو ~~سفره، ونحو ذلك حكم بموجبه، ولم يحتج إلى شاهدين عدلين، بل بينة التواتر ~~أقوى من الشاهدين بكثير، فإنه يفيد العلم، والشاهدان غايتهما أن يفيدا ظنا ~~غالبا. # وقد ذكر أصحابنا - كالقاضي، وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم - ما يدل على ~~ذلك، فإنهم قالوا في الرد على من زعم أن التواتر يحصل بأربعة، لو حصل العلم ~~بخبر أربعة نفر لما احتاج القاضي - إذا شهد عنده أربعة بالزنا - أن يسأل عن ~~عدالتهم وتزكيتهم. # قال شيخنا: وهذا ms172 يقتضي أن القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج ~~إلى تزكية. والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان. # وإذا كان يقضي بشهادة واحد مع اليمين، وبدونها بالنكول، وبشهادة المرأة ~~الواحدة - حيث يحكم بذلك - فالقضاء بالتواتر أولى وأحرى، وبيان الحق به ~~أعظم من بيانه بنصاب الشهادة. فإن قيل: فلو تواتر عنده زنا رجل، أو امرأة، ~~فهل له أن يحدهما بذلك؟ . # قيل: لا بد في إقامة الحد بالزنا من معاينة ومشاهدة له، ولا تكفي فيه ~~القرائن واستفاضته في الناس ولا يمكن في العادة التواتر بمعاينة ذلك ~~ومشاهدته، للاختفاء به وستره عن العيون، فيستحيل في العادة أن يتوافر الخبر ~~عن معاينته. # PageV01P169 # نعم، لو قدر ذلك - بأن أتى ذلك بين الناس أعيانا، وشهد عدد كثير يقع ~~العلم الضروري بخبرهم - حد بذلك قطعا، ولا يليق بالشريعة غير ذلك، ولا ~~يحتمل غيره. ### | [فصل الطريق الحادي والعشرون في الحكم بالاستفاضة] ### | 88 - # (فصل) # الطريق الحادي والعشرون الحكم بالاستفاضة: # هي درجة بين التواتر والآحاد، فالاستفاضة: هي الاشتهار الذي يتحدث به ~~الناس، وفاض بينهم. وقد قسم الحنفية الأخبار إلى ثلاثة أقسام. آحاد وتواتر، ~~واستفاضة، وجعلوا المستفيض مرتبة بين المرتبتين، وخصوا به عموم القرآن، ~~وقالوا: هو بمنزلة التواتر، ومنهم من جعله قسما من أقسام التواتر. وهذا ~~النوع من الأخبار يجوز استناد الشهادة إليه، ويجوز أن يعتمد الزوج عليه في ~~قذف امرأته ولعانها، إذا استفاض في الناس زناها، ويجوز اعتماد الحاكم عليه. # قال شيخنا في الذمي: إذا زنى بالمسلمة قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ~~ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضة ~~ذلك واشتهاره، هذا نص كلامه. # وهذا هو الصواب، لأن الاستفاضة من أظهر البينات، فلا يتطرق إلى الحاكم ~~تهمة إذا استند إليها؛ فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الذي يشاركه فيه ~~غيره، ولذلك كان له أن يقبل شهادة الشاهد إذا استفاض في الناس صدقه ~~وعدالته، من غير اعتبار لفظ شهادة على العدالة، ويرد شهادته ويحكم بفسقه ~~باستفاضة فجوره وكذبه، وهذا مما لا يعلم ms173 فيه بين العلماء نزاع، وكذلك ~~الجارح والمعدل، يجرح الشاهد بالاستفاضة، صرح بذلك أصحاب الشافعي وأحمد ~~ويعدله بالاستفاضة، ولا ريب أنا نشهد بعدالة عمر بن عبد العزيز - رضي الله ~~عنه - وفسق الحجاج. # والمقصود: أن الاستفاضة طريق من طرق العلم التي تنفي التهمة عن الشاهد ~~والحاكم، وهي أقوى من شهادة اثنين مقبولين. ### | [فصل الطريق الثاني والعشرون في أخبار الآحاد] ### | 89 - # (فصل) # الطريق الثاني والعشرون أخبار الآحاد: وهو أن يخبره عدل يثق بخبره ويسكن ~~إليه بأمر، فيغلب على ظنه صدقه فيه، أو يقطع به لقرينة به، فيحمل ذلك ~~مستندا لحكمه، وهذا يصلح للترجيح والاستظهار بلا ريب، ولكن هل يكفي وحده في ~~الحكم، هذا موضع تفصيل. # PageV01P170 # فيقال: إما أن يقترن بخبره ما يفيد معه اليقين أم لا، فإن اقترن بخبره ما ~~يفيد معه اليقين جاز أن يحكم به، وينزل منزلة الشهادة، بل هو شهادة محضة في ~~أصح الأقوال، وهو قول الجمهور، فإنه لا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظ " ~~أشهد " بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت، أو سمعت، أو نحو ذلك: كانت شهادة ~~منه، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موضع ~~واحد يدل على اشتراط لفظ " الشهادة "، ولا عن رجل واحد من الصحابة، ولا ~~قياس، ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة، وأقوال ~~الصحابة، ولغة العرب تنفي ذلك. # وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، وظاهر كلام أحمد، وحكي ذلك عنه نصا. # قال تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم} [الأنعام: 150] ومعلوم قطعا: أنه ليس المراد التلفظ بلفظة " ~~أشهد " في هذا، بل مجرد الإخبار بتحريمه. # وقال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك} [النساء: 166] ولا تتوقف صحة ~~الشهادة على أنه يقول سبحانه " أشهد بكذا ". # وقال تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق} ~~[الزخرف: 86] أي أخبر به، وتكلم به عن علم، والمراد به التوحيد. # ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل فيه: " أشهد ms174 أن لا إله إلا ~~الله " بل لو قال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " كان مسلما بالاتفاق. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» فإذا تكلموا بقول: " لا إله إلا الله " ~~حصلت لهم العصمة، وإن لم يأتوا بلفظ " أشهد " # وقال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] ~~{حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: 31] وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «عدلت # PageV01P171 # شهادة الزور الإشراك بالله» . # وقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم ~~الله، وقول الزور. وفي لفظ ألا، وشهادة الزور» . # فسمى قول الزور شهادة، وإن لم يكن معه لفظ " أشهد ". # وقال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - " أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن الصلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس، ~~وبعد الصبح حتى تطلع الشمس» ومعلوم أن عمر لم يقل لابن عباس " أشهد " عندك ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، ولكن أخبره فسماه ابن ~~عباس شهادة. # وقد تناظر الإمام أحمد وعلي بن المديني في العشرة - رضوان الله عليهم - ~~فقال علي: أقول " هم في الجنة، ولا أشهد بذلك " بناء على أن الخبر في ذلك ~~خبر آحاد، فلا يفيد العلم، والشهادة إنما تكون على العلم، فقال له الإمام ~~أحمد: " متى قلت: هم في الجنة، فقد شهدت " حكاه القاضي # PageV01P172 # أبو يعلى، وذكره شيخنا - رحمه الله -. # فكل من أخبر بشيء فقد شهد به، وإن لم يتلفظ بلفظ " أشهد ". ومن العجب: ~~أنهم احتجوا على قبول الإقرار بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] . # قالوا: هذا يدل على قبول إقرار المرء على نفسه، ولم يقل أحد، إنه لا يقبل ~~الإقرار حتى يقول المقر " أشهد على نفسي " وقد سماه الله شهادة. # قال شيخنا: فاشتراط لفظ " الشهادة " لا أصل له في كتاب الله، ولا سنة ~~رسوله، ولا قول ms175 أحد من الصحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ " الشهادة " لغة على ~~ذلك، وبالله التوفيق. # وعلى هذا: فليس الإخبار طريقا آخر غير طريق الشهادة. ### | [فصل الطريق الثالث والعشرون في الحكم بالخط المجرد وله صور] ### | 90 - # (فصل) # الطريق الثالث والعشرون الحكم بالخط المجرد - وله صور ثلاث: # الصورة الأولى: أن يرى القاضي حجة فيها حكمه لإنسان، فيطلب منه إمضاءه ~~والعمل به، فقد اختلف في ذلك، فعن أحمد ثلاث روايات، إحداهن: أنه إذا تيقن ~~أنه خطه نفذه، وإن لم يذكره. # والثانية: أنه لا ينفذه حتى يذكره والثالثة: أنه إذا كان في حرزه وحفظه ~~نفذه، وإلا فلا. # قال أبو البركات: وكذلك الروايات في شهادة الشاهد: بناء على خطه إذا لم ~~يذكره. # والمشهور من مذهب الشافعي: أنه لا يعتمد على الخط، لا في الحكم ولا في ~~الشهادة، وفي مذهبه وجه آخر: أنه يجوز الاعتماد عليه إذا كان محفوظا عنده، ~~كالرواية الثالثة عن أحمد. وأما مذهب أبي حنيفة، فقال: الخفاف. # قال أبو حنيفة: إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا لا يحفظه - كإقرار الرجل ~~بحق من الحقوق - وهو لا يذكر ذلك ولا يحفظه، فإنه لا يحكم بذلك، ولا ينفذه ~~حتى يذكره. # وقال أبو يوسف ومحمد: ما وجده القاضي في ديوانه - من شهادة شهود شهدوا ~~عنده لرجل على رجل بحق، أو إقرار رجل لرجل بحق، والقاضي لا يحفظ ذلك ولا ~~يذكره - فإنه ينفذ ذلك، ويقضي به، إذا كان تحت خاتمه محفوظا، ليس كل ما في ~~ديوان القاضي يحفظه. # وأما مذهب مالك: فقال في " الجواهر ": لا يعتمد على الخط إذا لم يذكر، ~~لإمكان التزوير عليه قال القاضي أبو محمد: إذا وجد في ديوانه حكما بخطه. ~~ولم يذكر أنه حكم به: لم يجز له أن يحكم به، إلا أن يشهد عنده شاهدان. # PageV01P173 # قال: وإذا نسي القاضي حكما حكم به، فشهد به عنده شاهدان أنه قضى به: نفذ ~~الحكم بشهادتهما، وإن لم يذكر. # وجمهور أهل العلم على خلافها، بل إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد ~~الراوي على الخط المحفوظ عنده، وجواز التحديث به، ms176 إلا خلافا شاذا لا يعتد ~~به، ولو لم يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم، وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فليس بأيدي الناس - بعد كتاب الله - إلا هذه النسخ الموجودة من ~~السنن، وكذلك كتب الفقه: الاعتماد فيها على النسخ، وقد كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم، وتقوم بها حجته، ولم يكن ~~يشافه رسولا بكتابه بمضمونه قط، ولا جرى هذا في مدة حياته - صلى الله عليه ~~وسلم - بل يدفع الكتاب مختوما، ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم ~~بالضرورة لأهل العلم بسيرته وأيامه. # وفي " الصحيح " عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما حق امرئ مسلم، ~~له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» . # ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصية فائدة. # قال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد: الرجل يموت، وتوجد له وصية تحت رأسه من ~~غير أن يكون أشهد عليها، أو أعلم بها أحدا، هل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن ~~كان قد عرف خطه، وكان مشهور الخط: فإنه ينفذ ما فيها. # وقد نص في الشهادة: أنه إذا لم يذكرها ورأى خطه: لا يشهد حتى يذكرها. ونص ~~فيمن كتب وصيته وقال: اشهدوا علي بما فيها: أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها ~~منه، أو تقرأ عليه فيقر بها. # فاختلف أصحابنا، فمنهم من خرج في كل مسألة حكم الأخرى، وجعل فيها وجهين ~~بالنقل والتخريج، ومنهم من امتنع من التخريج، وأقر النصين، وفرق بينهما. # واختار شيخنا التفريق، قال: والفرق: أنه إذا كتب وصيته، وقال: اشهدوا علي ~~بما فيها، فإنهم لا يشهدون، لجواز أن يزيد في الوصية وينقص ويغير، وأما إذا ~~كتب وصيته ثم مات، وعرف أنه خطه، فإنه يشهد به لزوال هذا المحذور. # PageV01P174 # والحديث المتقدم كالنص في جواز الاعتماد على خط الموصي، وكتبه - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى عماله وإلى الملوك وغيرهم تدل على ذلك، ولأن الكتابة تدل ~~على المقصود، فهي كاللفظ، ولهذا يقع بها الطلاق. # قال القاضي: وثبوت الخط في ms177 الوصية يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم ~~لفعل الكتابة، لأنها عمل، والشهادة على العمل طريقها الرؤية. # وقول الإمام أحمد: " إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط، ينفذ ما فيها " ~~يرد ما قاله القاضي، فإن أحمد علق الحكم بالمعرفة والشهرة، من غير اعتبار ~~لمعاينة الفعل، وهذا هو الصحيح، فإن القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى ~~كاتبه، فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه، فإن الخط دال على ~~اللفظ، واللفظ دال على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر: اشتباه الخطوط، وذلك ~~كما يعرض من اشتباه الصور والأصوات وقد جعل الله سبحانه لخط كل كاتب ما ~~يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته عن صورته وصوته، والناس يشهدون ~~شهادة - لا يستريبون فيها - أن هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا ~~بد من فرق، وهذا أمر يختص بالخط العربي، ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان ~~مانعا لمنع من الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه، لجواز المحاكاة # دلت الأدلة المتضافرة - التي تقرب من القطع - على قبول شهادة الأعمى فيما ~~طريقه السمع إذا عرف الصوت، مع أن تشابه الأصوات - إن لم يكن أعظم من تشابه ~~الخطوط - فليس دونه. # وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي بأن الوارث إذا وجد في دفتر مورثه، أن لي ~~عند فلان كذا، جاز له أن يحلف على استحقاقه، وأظنه منصوصا عليها، وكذلك لو ~~وجد في دفتره: أن أديت إلى فلان ماله علي جاز له أن يحلف على ذلك إذا وثق ~~بخط مورثه وأمانته. # ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم إلى ~~بعض، ولا يشهدون حاملها على ما فيها، ولا يقرءونها عليه، هذا عمل الناس من ~~زمن نبيهم إلى الآن. قال البخاري في صحيحه ": " باب الشهادة على الخط ~~[المختوم] ، وما يجوز من ذلك وما يضيق عليه، وكتاب الحاكم إلى عماله، ~~والقاضي إلى القاضي وقال بعض الناس: كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود، [ثم] ~~قال: وإن كان القتل خطأ، لأن هذا مال يزعمه، وإنما صار مالا بعد ms178 أن ثبت ~~القتل، فالخطأ والعمد واحد. # وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود، وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت. # وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم، وكان ~~الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي، ويروى عن ابن عمر نحوه. # وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي: شهدت عبد الملك بن يعلى - قاضي البصرة ~~- وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وبلال بن ~~أبي بردة، وعبد الله بن بريدة، وعامر بن عبيدة، وعباد بن منصور # PageV01P175 # يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود، فإن قال الذي جيء عليه بالكتاب: ~~إنه زور، قيل له: اذهب فالتمس المخرج من ذلك. # وأول من سأل على كتاب القاضي البينة: ابن أبي ليلى، وسوار بن عبيد الله، ~~وقال لنا أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محرز قال: جئت بكتاب من موسى بن أنس، ~~قاضي البصرة، وأقمت عنده البينة: أن لي عند فلان كذا وكذا - وهو بالكوفة - ~~فجئت به القاسم بن عبد الرحمن فأجازه. # وكره الحسن البصري وأبو قلابة: أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها، لأنه ~~لا يدري، لعل فيها جورا، وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل ~~خيبر «إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب» . اه كلامه. # وأجاز مالك الشهادة على الخطوط، فروى عنه ابن وهب - في الرجل يقوم بذكر ~~حق قد مات شهوده، ويأتي بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط - قال: تجوز ~~شهادتهما على كاتب الكتاب إذا كان عدلا، مع يمين الطالب، وهو قول ابن ~~القاسم. # وذكر ابن شعبان عن ابن وهب أنه قال: لا آخذ بقول مالك في الشهادة على ~~الخط، وقال الطحاوي: خالف مالك جميع الفقهاء في ذلك، وعدوا قوله شذوذا. # قال محمد بن الحارث: الشهادة على الخط خطأ، فقد قال مالك في رجل قال: ~~سمعت فلانا يقول: رأيت فلانا قتل فلانا، أو قال: سمعت فلانا طلق امرأته أو ~~قذفها: أنه لا يشهد على شهادته إلا أن يشهده، قال: ms179 والخط أبعد من هذا ~~وأضعف. # قال: ولقد قلت لبعض القضاة: أتجوز شهادة الموتى؟ فقال: ما هذا الذي تقول؟ ~~فقلت: إنكم تجيزون شهادة الرجل بعد موته إذا وجدتم خطه في وثيقة، فسكت. # وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على الخط، لأن الناس ~~قد أحدثوا ضروبا من الفجور، وقد قال مالك في الناس: تحدث لهم أقضية على نحو ~~ما أحدثوا من الفجور. # وقد روى لي عبد الله بن نافع عن مالك قال: كان من أمر الناس القديم: ~~إجازة الخواتيم، حتى إن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فما يزيد على ختمه، ~~فيعمل به، حتى اتهم الناس، فصار لا يقبل إلا بشاهدين. اه. # واختلف الفقهاء فيما إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه، ولم يقرأه عليهما ~~ولا عرفهما بما فيه. # فقال مالك: يجوز ذلك، ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله، ويقول الشاهدان ~~له: هذا كتابه دفعه إلينا مختوما، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. # PageV01P176 # وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي: لم يعمل ~~القاضي المكتوب إليه بما فيه، وهو إحدى الروايتين عن مالك. وحجتهم: أنه لا ~~يجوز أن يشهد الشاهد إلا بما يعلم. وأجاب الآخرون بأنهما لم يشهدا بما ~~تضمنه، وإنما شهدا بأنه كتاب القاضي وذلك معلوم لهما، والسنة الصريحة تدل ~~على صحة ذلك، وتغير أحوال الناس وفسادها يقتضي العمل بالقول الآخر، وقد ~~يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحسن أن يطلع عليه كل أحد، مثل ~~الوصايا التي يتخون الناس فيها، ولهذا يجوز عند مالك وأحمد - في إحدى ~~الروايتين - أن يشهدا على الوصية المختومة، ويجوز عند مالك. أن يشهدا على ~~الكتاب المدرج، ويقولا للحاكم: نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب، وإن لم ~~يعلما بما أقرا، والجمهور لا يجيزون الحكم بذلك. # قال المانعون من العمل بالخطوط: الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة، وهل ~~كانت قصة عثمان ومقتله إلا بسبب الخط؟ فإنهم صنعوا مثل خاتمه، وكتبوا مثل ~~كتابه، حتى جرى ما جرى، ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبدا إلا على ms180 شيء تذكره، ~~فإنه من شاء انتقش خاتما، ومن شاء كتب كتابا. قالوا: وأما ما ذكرتم من ~~الآثار: فنعم، هاهنا أمثالها، ولكن كان ذاك إذ الناس ناس، وأما الآن: فكلا ~~ولما، وإذا كان الأمر قد تغير في زمن مالك وابن أبي ليلى، حتى قال مالك: ~~كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم، حتى أن القاضي ليكتب للرجل الكتاب، ~~فما يزيد على ختمه، حتى اتهم الناس، فصار لا يقبل إلا شاهدان. # وقال محمد بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا هذا بالشهادة على الخط، لأن ~~الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور، وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة ~~على خاتم كتاب القاضي. # فإن قيل: فما تقولون في الدابة يوجد على فخذها " صدقة " أو " وقف " أو " ~~حبس " هل للحاكم أن يحكم بذلك؟ . # قيل: نعم، له أن يحكم به وصرح به أصحاب مالك، فإن هذه أمارة ظاهرة، ~~ولعلها أقوى من شهادة الشاهد، وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك ~~- رضي الله عنه - قال: «غدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعبد ~~الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة» ، وللإمام ~~أحمد عنه قال: «دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يسم غنما في ~~آذانها» . # PageV01P177 # وروى مالك في " الموطإ " عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه -: " إن في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر: ادفعها إلى أهل ~~البيت ينتفعون بها، قال: فقلت: هي عمياء، فقال عمر: يقطرونها بالإبل، قال: ~~فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ قال: فقال عمر: أمن نعم الجزية هي، أم من نعم ~~الصدقة؟ فقلت: من نعم الجزية، فقال عمر: أردتم والله أكلها؛ فقلت: إن عليها ~~وسم الجزية "، ولولا أن الوسم يميز الصدقة من غيرها، ويشهد لما هو وشم ~~عليه؛ لم تكن فيه فائدة بل لا فائدة للوسم إلا ذلك؛ ومن لم يعتبر الوسم فلا ~~فائدة فيه عنده. # فإن قيل: فما تقولون في الدار يوجد على بابها أو حائطها الحجر ms181 مكتوبا فيه ~~" إنها وقف " أو " مسجد " هل يحكم بذلك؟ . # قيل: نعم؛ يقضى به؛ ويصير وقفا؛ صرح به بعض أصحابنا؛ وممن ذكره الحارثي ~~في " شرحه " فإن قيل: أليس يجوز أن ينقل الحجر إلى ذلك الموضع؟ . # قيل: جواز ذلك كجواز كذب الشاهدين؛ بل هذا أقرب؛ لأن الحجر المشاهد جزء ~~من الحائط داخل فيه؛ ليس عليه شيء من أمارات النقل؛ بل يقطع غالبا بأنه بني ~~مع الدار؛ ولا سيما إذا كان حجرا عظيما وضع عليه الحائط؛ بحيث يتعذر وضعه ~~بعد البناء؛ فهذا أقوى من شهادة رجلين؛ أو رجل وامرأتين. # فإن قيل: فما تقولون في كتب العلم يوجد على ظهرها وهوامشها كتابة الوقف، ~~هل للحاكم أن يحكم بكونها وقفا بذلك؟ . # قيل: هذا يختلف باختلاف قرائن الأحوال، فإذا رأينا كتبا مودعة في خزانة، ~~وعليها كتابة " الوقف " وهي كذلك مدة متطاولة، وقد اشتهرت بذلك: لم نسترب ~~في كونها وقفا؛ وحكمها حكم المدرسة التي عهدت لذلك؛ وانقطعت كتب وقفها أو ~~فقدت، ولكن تعالم الناس على تطاول المدة كونها وقفا، فتكفي في ذلك ~~الاستفاضة، فإن الوقف يثبت بالاستفاضة، وكذلك مصرفه، وأما إذا رأينا كتابا ~~لا نعلم مقره ولا عرف من كتب عليه الوقف، فهذا يوجب التوقف في أمره، حتى ~~يتبين حاله. # والمعول في ذلك على القرائن، فإن قويت حكم بموجبها، وإن ضعفت لم يلتفت ~~إليها، وإن توسطت: طلب الاستظهار، وسلك طريق الاحتياط، وبالله التوفيق. # PageV01P178 # وقد قال أصحاب مالك - في الرجلين يتنازعان في حائط - فينظر إلى عقده، ومن ~~له عليه خشب أو سقف، وما أشبه ذلك مما يرى بالعين: يقضى به لصاحبه، ولا ~~يكلف الطالب البينة، وكذلك القنوات التي تشق الدور والبيوت إلى مستقرها إذا ~~سدها الذي شقت داره، وأنكر أن يكون عليها مجرى لأحد، فإذا نظروا إلى القناة ~~التي شقت داره، وشهدوا بذلك عند القاضي، ولم يكن عنده في شهادة الشهود ~~الذين وجههم لذلك مدفع: ألزموه مرور القناة على داره، ونهي عن سدها، ومنع ~~منه. قالوا: فإذا نظروا في القناة تشق داره إلى مستقرها - وهي قناة قديمة، ~~والبنيان ms182 فيها ظاهر، حتى تصب في مستقرها - فللحاكم أن يلزمه بمرور القناة ~~كما وجدت في داره. # وقال ابن القاسم - فيما رواه ابن عبد الحكم عنه: إذا اختلف الرجلان في ~~جدار بين داريهما - كل يدعيه - فإن كان عقد بنائه إليهما فهو بينهما، وإن ~~كان معقودا إلى أحدهما ومنقطعا عن الآخر، فهو إلى من إليه العقد، وإن كان ~~منقطعا بينهما جميعا فهو بينهما، وإن كان لأحدهما فيه كوى، ولا شيء للآخر ~~فيه؛ وليس بمنعقد إلى واحد منهما؛ فهو إلى من إليه مرافقه؛ وإن كانت فيه ~~كوى لكليهما فهو بينهما؛ وإن كانت لأحدهما عليه خشب؛ ولا عقد فيه لواحد ~~منهما؛ فهو لمن له عليه الحمل؛ فإن كان عليه حمل لهما جميعا فهو بينهما. # والمقصود: أن الكتابة على الحجارة والحيوان وكتب العلم أقوى من هذه ~~الأمارات بكثير؛ فهي أولى أن يثبت بها حكم تلك الكتابة؛ ولا سيما عند عدم ~~المعارض؛ وأما إذا عارض ذلك بينة لا تتهم، ولا تستند إلى مجرد التبديل بذكر ~~سبب الملك واستمراره، فإنها تقدم على هذه الأمارات. # وأما إن عارضها مجرد اليد: لم يلتفت إليها؛ فإن هذه الأمارات بمنزلة ~~البينة والشاهد، واليد ترفع بذلك. ### | [فصل شهادة الرهن بقدر الدين إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره] ### | 91 - # (فصل) # ومما يلحق بهذا الباب: شهادة الرهن بقدر الدين، إذا اختلف الراهن ~~والمرتهن في قدره: فالقول قول المرتهن مع يمينه، ما لم يدع أكثر من قيمة ~~الرهن، عند مالك وأهل المدينة، وخالفه الأكثرون. ومذهبه أرجح، واختاره ~~شيخنا - رحمه الله -. وحجته: أن الله سبحانه وتعالى جعل الرهن بدلا من ~~الكتاب والشهود يحفظ به الحق، فلو لم يقبل قول المرتهن، وكان القول قول ~~الراهن، لم تكن في الرهن فائدة، وكان وجوده كعدمه إلا في موضع واحد، وهو ~~تقديم المرتهن بدينه على الغرماء الذين ديونهم بغير رهن، ومعلوم أن الرهن ~~لم يشرع # PageV01P179 # لمجرد هذه الفائدة وإنما ذكره الله سبحانه في القرآن العظيم قائما مقام ~~الكتاب والشهود، فهو شاهد بقدر الحق، وليس في العرف أن يرهن الرجل ما يساوي ms183 ~~ألف دينار على درهم. # ومن يقول: " القول قول الراهن " يقبل قوله: إنه رهنه على ثمن درهم أو ~~أقل، وهذا مما يشهد العرف ببطلانه. والذين جعلوا القول قول الراهن: ألزموا ~~منازعيهم بأنهما لو اختلفا في أصل الرهن لكان القول قول المالك، فكذلك في ~~قدر الدين. # وفرق الآخرون بين المسألتين بأنه قد ثبت تعلق الحق به في مسألة النزاع، ~~والرهن شاهد المرتهن، فمعه ما يصدقه، بخلاف مسألة الإلزام. ### | [فصل الطريق الرابع والعشرون في الحكم بالعلامة الظاهرة] ### | 92 - # (فصل) # الطريق الرابع والعشرون العلامات الظاهرة وقد تقدمت في أول الكتاب، نزيد ~~هاهنا: أن أصحابنا وغيرهم فرقوا بين الركاز واللقطة بالعلامات. # فقالوا: الركاز ما دفنته الجاهلية، ويعتبر ذلك برؤية علاماتهم عليه، ~~كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم، فأما ما عليه علامات المسلمين - كأسمائهم أو ~~القرآن ونحوه - فهو لقطة، لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وكذلك إن كانت ~~على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفار، لأن الظاهر: أنه صار ~~لمسلم فدفنه، وما لا علامة عليه فهو لقطة، تغليبا لحكم الإسلام. ومنها: أن ~~اللقيط لو ادعاه اثنان، ووصف أحدهما علامة مستورة في جسده: قدم في ذلك، ~~وحكم له وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة. # وقال الشافعي: لا يحكم بذلك، كما لو ادعيا عينا سواه، ووصف أحدهما فيها ~~علامات خفية. # والمرجحون له بذلك فرقوا بينهما بأن ذلك نوع التقاط، فقدم بالصفة، كلقطة ~~المال، وقد دل عليها النص الصحيح الصريح، وقياس اللقيط على لقطة المال أولى ~~من قياسه على دعوى غيره من الأعيان، على أن في دعوى العين إذا وصفها أحدهما ~~بما يدل ظاهرا على صدقه نظرا. وقياس المذهب في مسألة تداعي الزوجين: ترجيح ~~الواصف إذا. # وقد جرى لنا نظير هذه المسألة سواء، وهو أن رجلين تداعيا صرة فيها دراهم، ~~فسأل ولي الأمر أحدهما عن صفتها؟ فوصفها بصفات خفية، فسأل الآخر؟ فوصفها ~~بصفات أخرى، فلما اعتبرت طابقت صفات الأول لها، وظهر كذب الآخر، فعلم ولي ~~الأمر والحاضرون صدقه في دعواه وكذب صاحبه، فدفعها إلى الصادق. # PageV01P180 # وهذا قد يقوى بحيث يفيد ms184 القطع، وقد يضعف، وقد يتوسط. ومنها: وجوب دفع ~~اللقطة إلى واصفها. # قال أحمد - في رواية حرب - إذا جاء صاحبها فعرف الوكاء والعفاص فإنها ترد ~~إليه، ولا نذهب إلى قول الشافعي: ولا ترد عليه إلا ببينة. # وقال ابن مشيش: إن جاء رجل فادعى اللقطة وأعطاه علامتها: تدفع إليه؟ قال: ~~نعم، وقال: وإذا جاء بعلامة عفاصها ووكائها وعددها فليس في قلبي منه شيء. # ونص أيضا على المتكاريين يختلفان في دفين في الدار، كل واحد منهما يدعيه ~~فمن أصاب الوصف كان له، وبذلك قال مالك وإسحاق وأبو عبيد. # وقال أبو حنيفة والشافعي: إن غلب على ظن الملتقط صدقه جاز الدفع، ولم ~~يجب، وإن لم يغلب لم يجز، لأنه مدع، وعليه البينة. # والصحيح: الأول، لما روى مسلم في صحيحه " من حديث أبي بن كعب - فذكر ~~الحديث - وفيه: «فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه» . # وفي حديث زيد بن خالد «فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها ~~إياه» (19) " والأمر للوجوب، والوصف بينة ظاهرة، فإنها من البيان، وهو ~~الكشف والإيضاح، والمراد بها: وضوح حجة الدعوى وانكشافها، وهو موجود في ~~الوصف. ### | [فصل الطريق الخامس والعشرون في الحكم بالقرعة] ### | 93 - # (فصل) # الطريق الخامس والعشرون الحكم بالقرعة: وقد تقدم الكلام عليها مستوفى، ~~والحجة في إثباتها، وأنها أقوى من كثير من الطرق التي يحكم بها من أبطلها، ~~كمعاقد القمط والخص، ووجوه الآجر ونحو ذلك، وأقوى من الحكم بكون الزوجة ~~فراشا بمجرد العقد، وإن علم قطعا عدم اجتماعهما، وأقوى من الحكم بالنكول ~~المجرد. ### | [فصل الطريق السادس والعشرون في الحكم بالقافة] ### | 94 - # (فصل) # الطريق السادس والعشرون الحكم بالقافة: # وقد دلت عليها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل خلفائه ~~الراشدين والصحابة من بعدهم، منهم عمر بن الخطاب # PageV01P181 # وعلي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وأنس بن مالك - رضي الله ~~عنهم -، ولا مخالف لهم في الصحابة، وقال بها من التابعين: سعيد بن المسيب، ~~وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وإياس بن معاوية، وقتادة، وكعب بن سوار، ومن ~~تابعي ms185 التابعين: الليث بن سعد، ومالك بن أنس، وأصحابه، وممن بعدهم: الشافعي ~~وأصحابه، وإسحاق، وأبو ثور، وأهل الظاهر كلهم. # وبالجملة: فهذا قول جمهور الأمة. # وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه، وقالوا: العمل بها تعويل على مجرد ~~الشبه، وقد يقع بين الأجانب، وينتفي بين الأقارب. وقد دلت على اعتبارها سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالت عائشة - رضي الله عنها -: «دخل علي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مسرور، تبرق أسارير وجهه، فقال: أي ~~عائشة، ألم تري أن مجززا المدلجي دخل، فرأى أسامة وزيدا، وعليهما قطيفة، قد ~~غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» وفي لفظ ~~«دخل قائف والنبي - صلى الله عليه وسلم - ساجد، وأسامة بن زيد وزيد بن ~~حارثة مضطجعان، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأخبر به عائشة» متفق عليهما، وذلك يدل على أن إلحاق ~~القافة يفيد النسب، لسرور النبي - صلى الله عليه وسلم - به، وهو لا يسر ~~بباطل. # فإن قيل: النسب كان ثابتا بالفراش، فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بموافقة قول القائف للفراش، لا أنه أثبت النسب بقوله. # قيل: نعم، النسب كان ثابتا بالفراش، وكان الناس يقدحون في نسبه، لكونه ~~أسود وأبوه أبيض، فلما شهد القائف بأن تلك الأقدام بعضها من بعض سر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بتلك الشهادة التي أزالت التهمة. حتى برقت أسارير ~~وجهه من السرور. # ومن لا يعتبر القافة يقول: هي من أحكام الجاهلية، ولم يكن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ليسر لها، بل كانت أكره شيء إليه، ولو كانت باطلة لم ~~يقل لعائشة: «ألم تري أن مجززا المدلجي قال كذا وكذا؟» فإن هذا إقرار منه، ~~ورضا بقوله، ولو كانت القافة باطلة: لم يقر عليها، ولم يرض بها، وقد ثبت # PageV01P182 # «في قصة العرنيين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في طلبهم قافة، ~~فأتى بهم» رواه أبو داود بإسناد صحيح، فدل على اعتبار القافة والاعتماد ~~عليها في الجملة. فاستدل ms186 بأثر الأقدام على المطلوبين. وذلك دليل حسي على ~~اتحاد الأصل والفرع، فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بكون الولد نسخة ~~أبيه. # وقد ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. # قال: أخبرني عروة: " أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دعا القافة في ~~رجلين اشتركا في الوقوع على امرأة في طهر واحد. وادعيا ولدها فألحقته ~~القافة بأحدهما ". # قال الزهري: أخذ عمر بن الخطاب ومن بعده بنظر القافة في مثل هذا. وإسناده ~~صحيح متصل فقد لقي عروة عمر. واعتمر معه. # وروى شعبة عن توبة العنبري عن الشعبي عن ابن عمر، قال: اشترك رجلان في ~~طهر امرأة. فولدت. فدعا عمر القافة. فقالوا: قد أخذ الشبه منهما جميعا. ~~فجعله عمر بينهما ". وهذا صحيح أيضا. # وروى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: " كنت جالسا عند عمر بن ~~الخطاب، فجاءه رجلان يختصمان في غلام، كلاهما يدعي أنه ابنه، فقال عمر: ~~ادعوا لي أخا بني المصطلق، فجاء، وأنا جالس، فقال: انظر: ابن أيهما تراه؟ ~~فقال: قد اشتركا فيه جميعا، فقال عمر: لقد ذهب بك بصرك المذاهب، وقام فضربه ~~بالدرة، ثم دعا أم الغلام - والرجلان جالسان، والمصطلقي جالس - فقال لها ~~عمر: ابن أيهما هو؟ قالت: كنت لهذا، فكان يطؤني، ثم يمسكني حتى يستمر بي ~~حملي، ثم يرسلني حتى ولدت منه أولادا، ثم أرسلني مرة، فأهرقت الدماء، حتى ~~ظننت أنه لم يبق شيء، ثم أصابني هذا، فاستمررت حاملا، قال: أفتدرين من ~~أيهما هو؟ قالت: ما أدري من أيهما هو؟ قال: فعجب عمر للمصطلقي قال للغلام: ~~خذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أحدهما واتبعه ". # وروى قتادة عن سعيد بن المسيب - في رجلين اشتركا في طهر امرأة، فحملت ~~غلاما يشبههما - فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب " فدعا القافة، فقال لهم: ~~انظروا فنظروا، فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه، ~~وجعله بينهما ". # قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: لمن عصبته؟ قال: للباقي منهما. # وروى قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي " أن رجلين وقعا على امرأة في ms187 ~~طهر واحد، فجاءت # PageV01P183 # بولد، فدعا له علي - رضي الله عنه - القافة، وجعله ابنهما جميعا يرثهما ~~ويرثانه ". وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: " اختصم ~~إلى أبي موسى الأشعري في ولد ادعاه دهقان ورجل من العرب، فدعا القافة، ~~فنظروا إليه، فقالوا للعربي: أنت أحب إلينا من هذا العلج، ولكن ليس ابنك، ~~فخل عنه، فإنه ابنه ". وروى زياد بن أبي زياد. # قال: " انتفى ابن عباس من ولد له، فدعا له ابن كلدة القائف، فقال: أما ~~أنه ولده، وادعاه ابن عباس ". وصح عن قتادة عن النضر بن أنس: " أن أنسا وطئ ~~جارية له، فولدت جارية، فلما حضر قال: ادعوا لها القافة، فإن كانت منكم ~~فألحقوها بكم ". # وصح عن حميد: " أن أنسا شك في ولد له، فدعا له القافة ". وهذه قضايا في ~~مظنة الشهرة، فيكون إجماعا. # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله قيل له: تحكم بالقافة؟ قال: نعم، لم يزل ~~الناس على ذلك. ### | [فصل القياس وأصول الشريعة تشهد للقافة] ### | 95 - # (فصل) # والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة: لأن القول بها حكم يستند إلى درك ~~أمور خفية وظاهرة، توجب للنفس سكونا، فوجب اعتباره كنقد الناقد، وتقويم ~~المقوم. # وقد حكى أبو محمد ابن قتيبة: أن قائفا كان يعرف أثر الأنثى من أثر الذكر. ~~وأما قولهم: " إنه يعتمد الشبه " فنعم، وهو حق، «قالت أم سلمة: يا رسول ~~الله: أو تحتلم المرأة؟ قال: تربت يداك، فبم يشبهها ولدها؟» متفق عليه. # ولمسلم من حديث أنس بن مالك عن أم سليم قالت: «وهل يكون هذا - يعني الماء ~~- # PageV01P184 # فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء ~~الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا - أو سبق - يكون ~~الشبه منه» . # وعن عائشة: «أن امرأة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل تغتسل ~~المرأة إذا هي احتلمت، وأبصرت الماء؟ فقال: نعم، فقالت لها عائشة: تربت ~~يداك وألت، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعيها، وهل يكون ~~الشبه إلا من ms188 قبل ذلك؟» رواه مسلم. # وله أيضا من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان، قال: «كنت قائما عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك ~~يا محمد - الحديث بطوله - إلى أن قال: جئت أسألك عن الولد؟ فقال: ماء الرجل ~~أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة: أذكرا ~~بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله» . وسمعت شيخنا - ~~رحمه الله - يقول: في صحة هذا اللفظ نظر. قلت: لأن المعروف المحفوظ في ذلك، ~~إنما هو تأثير سبق الماء في الشبه وهو الذي ذكره البخاري (182) من حديث ~~أنس: " أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة، فأتاه، فسأله عن أشياء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وأما ~~الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء ~~الرجل نزعت الولد» . # فهذا السؤال الذي سأل عنه عبد الله بن سلام، والجواب الذي أجابه به النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - هو نظير السؤال الذي سأل عنه الحبر، والجواب واحد، ~~ولا سيما إن كانت القصة واحدة، والحبر هو عبد الله بن سلام، فإنه سأله وهو ~~على دين اليهود، فأنسي اسمه، وثوبان قال: " جاء حبر من اليهود " وإن كانتا ~~قصتين والسؤال واحد فلا بد أن يكون الجواب كذلك ". # وهذا يدل على أنهم إنما سألوا عن الشبه، ولهذا وقع الجواب به وقامت به ~~الحجة، وزالت به الشبهة. وأما الإذكار والإيناث: فليس بسبب طبيعي، وإنما ~~سببه: الفاعل المختار الذي يأمر الملك به، # PageV01P185 # مع تقدير الشقاوة والسعادة، والرزق، والأجل، ولذلك جمع بين هذه الأربع في ~~الحديث «فيقول الملك: يا رب، ذكر؟ يا رب، أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب ~~الملك» . # وقد رد سبحانه ذلك إلى محض مشيئته في قوله تعالى: {يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من ~~يشاء عقيما} [الشورى: 50] . # والتعليق بالمشيئة - وإن كان لا ينافي ثبوت السبب بذلك - إذا ms189 علم كون ~~الشيء سببا، دل على سببيته بالعقل وبالنص، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث أم سليم: «ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما ~~علا - أو سبق - يكون الشبه» فجعل للشبه سببين: علو الماء، وسبقه. # وبالجملة: فعامة الأحاديث إنما هي تأثير سبق الماء وعلوه في الشبه، وإنما ~~جاء تأثير ذلك في الإذكار والإيناث في حديث ثوبان وحده، وهو فرد بإسناده، ~~فيحتمل أنه اشتبه على الراوي فيه الشبه بالإذكار والإيناث، وإن كان قد قاله ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فهو الحق الذي لا شك فيه، ولا ينافي ~~سائر الأحاديث، فإن الشبه من السبق. والإذكار والإيناث: من العلو، وبينهما ~~فرق، وتعليقه على المشيئة لا ينافي تعليقه على السبب، كما أن الشقاوة ~~والسعادة والرزق معلقات بالمشيئة، وحاصلة بالسبب، والله أعلم. # والمقصود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر الشبه في لحوق النسب ~~وهذا معتمد القائف، لا معتمد له سواه. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة المتلاعنين «إن جاءت به ~~أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك ابن سحماء فجاءت به ~~كذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان ~~لي ولها شأن» رواه البخاري فاعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه ~~وجعله لمشبهه. # PageV01P186 # فإن قيل: فهذا حجة عليكم، لأنه - مع صريح الشبه - لم يلحقه بمشبهه في ~~الحكم. # قيل: إنما منع إعمال الشبه لقيام مانع اللعان: ولهذا قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» فاللعان سبب أقوى من الشبه، قاطع ~~النسب، وحيث اعتبرنا الشبه في لحوق النسب فإنما ذاك إذا لم يقاومه سبب أقوى ~~منه، ولهذا لا يعتبر مع الفراش، بل يحكم بالولد للفراش، وإن كان الشبه لغير ~~صاحبه، كما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة عبد بن زمعة بالولد ~~المتنازع فيه لصاحب الفراش، ولم يعتبر الشبه المخالف له، فأعمل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الشبه في حجب سودة، حيث انتفى المانع من ms190 إعماله في هذا ~~الحكم بالشبه إليها، ولم يعمله في النسب لوجود الفراش. # وأصول الشرع وقواعده، والقياس الصحيح: تقتضي اعتبار الشبه في لحوق النسب، ~~والشارع متشوف إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها. # ولهذا اكتفى في ثبوتها بأدنى الأسباب: من شهادة المرأة الواحدة على ~~الولادة، والدعوى المجردة مع الإمكان، وظاهر الفراش، فلا يستبعد أن يكون ~~الخالي عن سبب مقاوم له كافيا في ثبوته، ولا نسبة بين قوة اللحاق بالشبه ~~وبين ضعف اللحاق لمجرد العقد، مع القطع بعدم الاجتماع، في مسألة المشرقية ~~والمغربي. # ومن طلق عقيب العقد من غير مهلة، ثم جاءت بولد. # فإن قيل: فقد ألغى النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه في لحوق النسب، ~~كما في " الصحيح ": «أن رجلا قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لك من إبل؟ قال: نعم. # قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، إن فيها ~~لورقا، قال: فأنى لها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن ~~يكون نزعه عرق» . # PageV01P187 # قيل: إنما لم يعتبر الشبه هاهنا لوجود الفراش الذي هو أقوى منه، كما في ~~حديث ابن أمة زمعة، ولا يدل على ذلك على أنه لا يعتبر مطلقا، بل في الحديث ~~ما يدل على اعتبار الشبه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أحال على نوع آخر من ~~الشبه، وهو نزع العرق، وهذا الشبه أولى لقوته بالفراش، والله أعلم. # قالت الحنفية: إذا لم ينازع مدعي الولد غيره فهو له، وإن نازعه غيره، فإن ~~كان أحدهما صاحب فراش: قدم على الآخر، فإن الولد للفراش، وإن استويا في عدم ~~الفراش، فإن ذكر أحدهما علامة بجسده ووصفه بصفة فهو له، وإن لم يصفه واحد ~~منهما، فإن كانا رجلين، أو رجلا وامرأة: ألحق بهما، وإن كانا امرأتين، فقال ~~أبو حنيفة: يلحق بهما حكما، مع العلم بأنه لم يخرج إلا من إحداهما، ولكن ~~ألحقه بهما في الحكم، كما لو كان المدعى به مالا، فأجري الإنسان مجرى ~~الأموال والحقوق. # وقال أبو ms191 يوسف ومحمد: لا يلحق بهما، كما قال الجمهور، للقطع بأنه يستحيل ~~أن يولد منهما، بخلاف الرجلين، فإنه يمكن تخليقه من مائهما، كما يخلق من ~~ماء الرجل والمرأة. # قالوا: وقد دل على اعتبار العلامات: قصة شاهد يوسف، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للملتقط: «اعرف عفاصها ووكاءها ووعاءها، فإن جاء صاحبها ~~فعرفها فأدها إليه» (19) . # قالوا: ولو أثرت القافة والشبه في نتاج الآدمي لأثر ذلك في نتاج الحيوان، ~~فكنا نحكم بالشبه في ذلك، كما نحكم به بين الآدميين، ولا نعلم بذلك قائلا. # قالوا: ولأن الشبه أمر مشهود مدرك بحاسة البصر، فإما أن يحصل لنا ذلك ~~بالمشاهدة أو لا يحصل، فإن حصل لم تكن في القائف فائدة، ولا حاجة إليه، وإن ~~لم يحصل لنا بالمشاهدة لم نصدق القائف، فإنه يدعي أمرا حسيا لا يدرك بالحس. # قالوا: وقد دل الحس على وقوع التشابه بين الأجانب الذين لا نسب بينهم، ~~ووقوع التخالف والتباين بين ذوي النسب الواحد، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة لا ~~يمكن جحده، فكيف يكون دليلا على النسب، ويثبت به التوارث والحرمة والمحرمية ~~وسائر أحكام النسب؟ . # قالوا: والاستلحاق موجب للحوق النسب، وقد وجد في المتداعيين وتساويا فيه، ~~فيجب أن يتساويا في حكمه، فإنه يمكن كونه منهما، وقد استلحقه كل واحد ~~منهما، والاستلحاق أقوى من الشبه، ولهذا: لو استلحقه مستلحق ووجدنا شبها ~~بينا بغيره: ألحقناه بمن استلحقه، ولم نلتفت إلى الشبه. # قالوا: ولأن القائف إما شاهد وإما حاكم، فإن كان شاهدا فمستند شهادته ~~الرؤية، وهو وغيره فيها سواء، فجرى تفرده في الشهادة مجرى شهادة واحد من ~~بين الجمع العظيم بأمر لو وقع لشاركوه في العلم به، ومثل هذا لا يقبل. # PageV01P188 # وإن كان حاكما: فالحاكم لا بد له من طريق يحكم بها، ولا طريق هاهنا إلا ~~الرؤية والشبه، وقد عرف أنه لا يصلح طريقا. # قالوا: ولو كانت القافة طريقا شرعيا لما عدل عنها داود وسليمان صلوات ~~الله وسلامه عليهما في قصة الولد الذي ادعته المرأتان، بل حكم به داود ~~للكبرى، وحكم به سليمان للصغرى بالقرينة التي ms192 استدل بها من شفقتها عليه ~~بإقرارها به للكبرى، ولم يعتبر قافة ولا شبها. قالوا: وقد روى زيد بن أرقم ~~قال: «أتي علي - رضي الله عنه - وهو باليمن - بثلاثة وقعوا على امرأة في ~~طهر واحد، فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعا، ~~فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه ~~القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فضحك، حتى بدت نواجذه» وفي لفظ «فمن قرع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا ~~الدية» . وفي لفظ «فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال، لا أعلم ~~إلا ما قال علي» أخرجه الإمام أحمد في " المسند " وأبو داود والنسائي وابن ~~ماجه والحاكم في صحيحه ". # قال أبو محمد بن حزم: هذا خبر مستقيم السند، نقلته كلهم ثقات. اه. وهذا ~~حديث مداره على الشعبي وقد رواه عنه جماعة واختلف عليه. فرواه يحيى بن سعيد ~~القطان، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الله بن نمير، ومالك بن إسماعيل ~~النهدي، وقيس بن الربيع، عن الأجلح يحيى بن عبد الله بن حجية الكندي - عن ~~الشعبي عن عبد الله بن الخليل الحضرمي الكوفي عن زيد بن أرقم، ومن هذا ~~الوجه: أورده الحاكم. وكذلك رواه سفيان بن عيينة، وعلي بن مسهر عن الأجلح، ~~وقالا: عبد الله بن أبي الخليل. ورواه شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن ~~أبي الخليل أو ابن أبي الخليل " أن ثلاثة نفر اشتركوا " ولم يذكر زيدا، ولم ~~يرفعه. ورواه عبد الرزاق عن الثوري عن صالح بن صالح الهمداني عن الشعبي عن ~~عبد خير الحضرمي. ورواه ابن عيينة وجرير بن عبد الحميد وعبد الرحيم بن ~~سليمان عن محمد بن سالم عن الشعبي عن علي بن ذريح - ويقال: ذري الحضرمي - ~~عن زيد، ورواه خالد بن عبد الله الواسطي عن أبي إسحاق الشيباني عن سليمان ~~بن فيروز - عن الشعبي عن رجل من حضرموت عن زيد. # PageV01P189 # وبالجملة فيكفي أن في هذا الحديث أمير المؤمنين، وفي الحديث شعبة، ms193 وإذا ~~كان شعبة في حديث لم يكن باطلا، وكان محفوظا # وقد عمل به أهل الظاهر، وهو وجه للشافعية عند تعارض البينة، وهو ظاهر - ~~بل صريح - في عدم اعتبار القافة، فإنها لو كانت معتبرة لم يعدل عنها إلى ~~القرعة. قالوا: وأصح ما معكم: حديث أسامة بن زيد، ولا حجة فيه، لأن النسب ~~هناك ثابت بالفراش، فوافقه قول القائف فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بموافقة قول القائف لشرعه الذي جاء به من أن الولد للفراش وهذا الإخفاء به، ~~فمن أين يصلح ذلك لإثبات كون القافة طريقا مستقلا بإثبات النسب؟ . # قال أصحاب الحديث: نحن إنما نحتاج إلى القافة عند التنازع في الولد، نفيا ~~وإثباتا، كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان، أو اعترف الرجلان بأنهما وطئا ~~المرأة بشبهة، وأن الولد من أحدهما، وكل منهما ينفيه عن نفسه، وحينئذ: فإما ~~أن نرجح أحدهما بلا مرجح، ولا سبيل إليه، وإما أن نلغي دعواهما فلا يلحق ~~بواحد منهما، وهو باطل أيضا، فإنهما معترفان بسبب اللحوق، وليس هنا سبب ~~غيرهما وإما أن يلحق بهما مع ظهور الشبه البين بأحدهما. # وهو أيضا باطل شرعا وعرفا وقياسا كما تقدم. وإما أن يقدم أحدهما بوصفه ~~لعلامات في الولد. كما يقدم واصف اللقطة. # وهذا - أيضا - لا اعتبار به هاهنا. بخلاف اللقطة. والفرق بينهما ظاهر. ~~فإن اطلاع غير الأب على بدن الطفل وعلاماته غير مستبعد بل هو واقع كثيرا، ~~فإن الطفل بارز ظاهر لوالديه وغيرهما، وأما اطلاع غير مالك اللقطة على ~~عددها وعفاصها ووعائها ووكائها: فأمر في غاية الندرة، فإن العادة جارية ~~بإخفائها وكتمانها، فإلحاق إحدى الصورتين بالأخرى ممتنع. وأما الإلحاق ~~بأمين فمقطوع ببطلانه واستحالته، عقلا وحسا، فهو كإلحاق ابن ستين سنة بابن ~~عشرين. وكيف ينكر القافة التي مدارها على الشبه الذي وضعه الله سبحانه بين ~~الوالدين والولد من يلحق الولد بأمين؟ فأين أحد هذين الحكمين من الآخر، في ~~العقل والشرع والعرف والقياس؟ . # وما أثبت الله ورسوله قط حكما من الأحكام يقطع ببطلان سببه حسا أو عقلا، ~~فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك، ms194 فإنه لا أحسن حكما منه سبحانه وتعالى ولا ~~أعدل، ولا يحكم حكما يقول العقل: ليته حكم بخلافه، بل أحكامه كلها مما يشهد ~~العقل والفطرة بحسنها، ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها، وأنه لا يصلح في ~~موضعها سواها. # وأنت إذا عرضت على العقول كون الولد من أمين لم تجد قبولها له كقبولها ~~لكون الولد لمن # PageV01P190 # أشبه الشبه البين، فإن هذا موافق لعادة الله وسنته في خلقه، وذلك مخالف ~~لعادته وسنته. # وقولهم: " إنهما استويا في سبب الإلحاق - وهو الدعوى - فيستويان في ~~الحكم، وهو لحوق النسب ". # فيقال: القاعدة أن صحة الدعوى يطلب بيانها من غير جهة المدعي مهما أمكن، ~~وقد أمكن هاهنا بيانها بالشبه البين يطلع عليه القائف، فكان اعتبار صحتها ~~بذلك أولى من اعتبار صحتها بمجرد الدعوى، فإذا انتفى السبب الذي يبين صحتها ~~من غير جهة المدعي - كالفراش والقافة - بغير إعمال الدعوى، فإذا استويا ~~فيها استويا في حكمها - فهذا محض الفقه ومقتضى قواعد الشرع. وأما أن تعمل ~~الدعوى المجردة مع ظهور ما يخالفها من الشبه البين الذي نصبه الله سبحانه ~~وتعالى علامة لثبوت النسب شرعا وقدرا: فهذا مخالف للقياس ولأصول الشرع. # وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على المدعي» (21) " ~~والبينة " اسم لما يبين صحة الدعوى والشبه: بين صحة الدعوى، فإذا كان من ~~جانب أحد المتلاعنين كان النسب له، وإن كان من جهتهما كان النسب لهما. # وقولهم: " لو أثر الشبه والقافة في نتاج الآدمي لأثر في نتاج الحيوان ". ~~جوابه من وجوه: أحدها: منع الملازمة، إذ لم يذكروا عليها دليلا سوى مجرد ~~الدعوى، فأين التلازم شرعا وعقلا بين الناس؟ # الثاني: أن الشارع يتشوف إلى ثبوت الأنساب مهما أمكن، ولا يحكم بانقطاع ~~النسب إلا حيث يتعذر إثباته، ولهذا ثبت بالفراش وبالدعوى وبالأسباب التي ~~بمثلها لا يثبت نتاج الحيوان. # الثالث: أن إثبات النسب فيه حق لله وحق للولد وحق للأب، ويترتب عليه من ~~أحكام الوصل. بين العباد ما به قوام مصالحهم ما يترتب، فأثبته الشرع بأنواع ~~الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان. # الرابع: ms195 أن سببه الوطء، وهو إنما يقع غالبا في غاية التستر، ويكتم عن ~~العيون وعن اطلاع القريب والبعيد عليه، فلو كلف البينة على سببه لضاعت ~~أنساب بني آدم، وفسدت أحكام الصلات التي بينهم، ولهذا ثبت بأيسر شيء من ~~فراش ودعوى وشبه، حتى أثبته أبو حنيفة بمجرد العقد، مع القطع بعدم وصول ~~أحدهما إلى الآخر، وأثبته لأمين مع القطع بعدم خروجه منهما احتياطا للنسب، ~~ومعلوم أن الشبه أولى وأقوى من ذلك بكثير. # PageV01P191 # الخامس: أن المقصود من نتاج الحيوان: إنما هو المال المجرد، فدعواه دعوى ~~مال محض، بخلاف دعوى النسب، فأين دعوى المال من دعوى النسب؟ وأين أسباب ~~ثبوت أحدهما من أسباب ثبوت الآخر؟ . # السادس: أن المال يباح بالبذل، ويعارض عليه، ويقبل النقل، وتجوز الرغبة ~~عنه، والنسب بخلاف ذلك. # السابع: أن الله سبحانه جعل بين أشخاص الآدميين من الفروق في صورهم ~~وأصواتهم وحلاهم ما يتميز به بعضهم من بعض، ولا يقع معه الاشتباه بينهم، ~~بحيث يتساوى الشخصان من كل وجه إلا في غاية الندرة، مع أنه لا بد من الفرق ~~وهذا القدر لا يوجد مثله بين أشخاص الحيوان، بل التشابه فيه أكبر والتماثل ~~أغلب، فلا يكاد الحس يميز بين نتاج الحيوان ونتاج غيره برد كل منهما إلى ~~أمه وأبيه، وإن كان قد يقع ذلك، لكن وقوعه قليل بالنسبة إلى أشخاص الآدمي، ~~فإلحاق أحدهما بالآخر ممتنع. # الثامن: قولهم: " إن الاعتماد في القافة على الشبه، وهو أمر مدرك بالحس ~~فإن حصل بالمشاهدة، فلا حاجة إلى القائف، وإن لم يحصل لم يقبل قول القائف ~~". # جوابه أن يقال: الأمور المدركة بالحس نوعان: نوع يشترك فيه الخاص والعام، ~~كالطول والقصر، والبياض والسواد ونحو ذلك، فهذا لا يقبل فيه تفرد المخبر ~~والشاهد بما لا يدركه الناس معه. # والثاني: ما لا يلزم فيه الاشتراك، كرؤية الهلال، ومعرفة الأوقات، وأخذ ~~كل من الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ونحو ذلك مما يختص بمعرفته أهل ~~الخبرة، من تعديل القسمة، وكبر الحيوان وصغره، والخرص ونحو ذلك، فهذا ~~وأمثاله مما مستنده الحس ولا يجب الاشتراك ms196 فيه، فيقبل فيه قول الواحد ~~والاثنين. ومن هذا: التشابه - بل والتماثل - بين الآدميين، فإن التشابه بين ~~الولد والوالد يظهر في صورة الطفل وشكله، وهيئة أعضائه، ظهورا خفيا، يختص ~~بمعرفته القائف دون غيره، ولهذا كانت العرب تعرف ذلك لبني مدلج، وتقر لهم ~~به، مع أنه لا يختص بهم، ولا يشترط كون القائف منهم. # قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن القائف: هل يقضى بقوله؟ قال: يقضى ~~بقوله إذا علم، وأهل الحجاز يعرفون ذلك وشرط بعض الشافعية كونه مدلجيا، ~~وهذا ضعيف جدا لا يلتفت إليه. # قال عبد الرحمن بن حاطب: " كنت جالسا عند عمر، فجاءه رجلان في غلام، ~~كلاهما يدعي أنه ابنه، فقال عمر - رضي الله عنه -: ادعوا لي أخا بني ~~المصطلق، فجاء فقال: انظر ابن أيهما تراه؟ فقال: قد اشتركا فيه " وذكر بقية ~~الخبر، وبنو المصطلق بطن من خزاعة لا نسب لهم في بني مدلج. # PageV01P192 # وكذلك إياس بن معاوية كان غاية في القيافة وهو من مزينة، وشريح بن الحارث ~~القاضي كان قائفا، وهو من كندة، وقد قال أحمد: أهل الحجاز يعرفون ذلك، ولم ~~يخصه ببني مدلج. # والمقصود: أن أهل القيافة كأهل الخبرة وأهل الخرص والقاسمين وغيرهم، ممن ~~اعتمادهم على الأمور المشاهدة المرئية لهم، ولهم فيها علامات يختصون ~~بمعرفتها: من التماثل والاختلاف والقدر والمساحة وأبلغ من ذلك: الناس ~~يجتمعون لرؤية الهلال، فيراه من بينهم الواحد والاثنان، فيحكم بقوله أو ~~قولهما دون بقية الجمع. # قولهم: " إنا ندرك التشابه بين الأجانب، والاختلاف بين المشتركين في ~~النسب ". قلنا: نعم، لكن الظاهر الأكثر خلاف ذلك، وهو الذي أجرى الله ~~سبحانه وتعالى به العادة، وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في ~~النادر: لا يخرجه عن أن يكون دليلا عند عدم معارضة ما يقاومه، ألا ترى أن ~~الفراش دليل على النسب والولادة، وأنه ابنه؟ ويجوز - بل يقع كثيرا - تخلف ~~دلالته، وتخليق الولد من غير ماء صاحب الفراش، ولا يبطل ذلك كون الفراش ~~دليلا، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها: قد تتخلف عنها أحكامها ~~ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، ms197 وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما، وكذلك ~~الأقراء والقرء الواحد في الدلالة على براءة الرحم، فإنها دليل ظاهر مع ~~جواز تخلف دلالته، ووقوع ذلك وأمثال ذلك كثير. # قولهم: " إن الاستلحاق موجب للحوق النسب، وقد اشتركا فيه، فيشتركان في ~~موجبه ". قلنا: هذا صحيح إذا لم يتميز أحدهما بأمر خارج عن الدعوى، فأما ~~إذا تميز بأمر آخر، كالفراش والشبه: كان اللحاق به، كما لو تميز بالبينة، ~~بل الشبه نفسه بينة من أقوى البينات، فإنها اسم لما يبين الحق ويظهره، ~~وظهور الحق هاهنا بالشبه: أقوى من ظهوره بشهادة من يجوز عليه الوهم والغلط ~~والكذب، وأقوى بكثير من الفراش يقطع بعدم اجتماع الزوجين فيه. قولهم: " ~~القائف إما شاهد وإما حاكم. .. إلخ ". # قلنا: هذا فيه قولان لمن يقول بالقافة، هما روايتان عن أحمد، ووجهان ~~لأصحاب الشافعي، مبنيان على أن القائف: هل هو حاكم أو شاهد؟ عند طائفة من ~~أصحابنا وعند آخرين: ليسا مبنيين على ذلك، بل الخلاف جار، سواء قلنا: ~~القائف حاكم أو شاهد، كما نعتبر حاكمين في جزاء الصيد. وكذلك إذا قبلنا ~~قوله وحده: جاز ذلك، وإن جعلناه شاهدا، كما نقبل قول القاسم والخارص ~~والمقوم والطبيب ونحوهم وحده. # ومنهم من يبني الخلاف على كونه شاهدا أو مخبرا، فإن جعلناه مخبرا اكتفي ~~بخبره وحده، كالخبر عن الأمور الدينية، وإن جعلناه شاهدا لم نكتف بشهادته ~~وحده، وهذا أيضا ضعيف، فإن الشاهد # PageV01P193 # مخبر، والمخبر شاهد وكل من شهد بشيء فقد أخبر به، والشريعة لم تفرق بين ~~ذلك أصلا، وإنما هذا على أصل من اشترط في قبول الشهادة لفظ " الشهادة " دون ~~مجرد الإخبار. # وقد تقدم بيان ضعف ذلك، وأنه لا دليل عليه، بل الأدلة كثيرة - من الكتاب ~~والسنة - تدل على خلافه. # والقضايا التي رويت في القافة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ~~بعده: ليس في قضية واحدة، منها أنهم قالوا: القائف تلفظ بلفظة " أشهد أنه ~~ابنه " ولا يتلفظ بذلك القائف أصلا، وإنما وقع الاعتماد على مجرد خبره، وهو ~~شهادة منه، وهذا بين لمن تأمله، ونصوص أحمد لا تشعر بهذا ms198 البناء الذي ذكره ~~بوجه، وإنما المتأخرون يتصرفون في نصوص الأئمة، ويبنونها على ما لم يخطر ~~لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويتناقله بعضهم عن بعض، ثم يلزمهم من ~~طرده لوازم لا يقول بها الأئمة، فمنهم من يطردها ويلتزم القول بها، ويضيف ~~ذلك إلى الأئمة، وهم لا يقولون به فيروج بين الناس بجاه الأئمة، ويفتي ~~ويحكم به والإمام لم يقله قط، بل يكون قد نص على خلافه. # ونحن نذكر نصوص الإمام أحمد في هذه المسألة: قال جعفر بن محمد النسائي: ~~سمعت أبا عبد الله يسأل عن الولد يدعيه الرجلان؟ قال: يدعي له رجلان من ~~القافة، فإن ألحقاه بأحدهما: فهو له. # وقال محمد بن داود المصيصي: سئل أبو عبد الله عن جارية بين رجلين وقعا ~~عليها؟ قال: إن ألحقوه بأحدهما فهو له، قيل له: إن قال أحد القافة: هو ~~لهذا، وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان، يكونان ~~كشاهدين. # وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن قال أحد القافة: هو لهذا. # وقال الآخر: هو لهذا؟ قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان، فيكونا ~~كشاهدين، وإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا: فهو له. # واحتج من رجح هذا القول بأنه حكم بالشبه، فيعتبر فيه العدد، كالحكم ~~بالمثل في جزاء الصيد. # قالوا: بل هو أولى لأن درك المثلية في الصيد أظهر بكثير من دركها هاهنا: ~~فإذا تابع القائف غيره سكنت النفس واطمأنت إلى قوله. # وقال أحمد - وفي رواية أبي طالب - في الولد يكون بين الرجلين: يدعي ~~القائف، فإذا قال هو منهما: فهو منهما، نظرا إلى ما يقول القائف، وإن جعله ~~لواحد: فهو لواحد. # وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: وسئل عن القائف: هل يقضى بقوله؟ فقال: ~~يقضى بذلك إذا علم. # ومن حجة هذا القول - وهو اختيار القاضي وصاحب " المستوعب "، والصحيح من ~~المذهب # PageV01P194 # الشافعي، وقول أهل الظاهر -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سر بقول ~~مجزز المدلجي وحده، وصح عن عمر أنه استقاف المصطلقي وحده، كما تقدم، ~~واستقاف ms199 ابن عباس ابن كلدة وحده، واستلحق بقوله. # وقد نص أحمد على أنه يكتفى بالطبيب والبيطار الواحد إذا لم يوجد سواه ~~والقائف مثله، فتخرج له رواية ثالثة كذلك، والله أعلم. # بل هذا أولى من الطبيب والبيطار، لأنهما أكثر وجودا منه، فإذا اكتفي ~~بالواحد منهما - مع عدم غيره - فالقائف أولى. # وأما قولكم: " إن داود وسليمان لم يحكما بالقافة في قصة الولد الذي ادعته ~~المرأتان ". # فيقال: قد اختلف القائلون بالقافة: هل يعتبر في تداعي المرأتين كما يعتبر ~~في تداعي الرجلين؟ وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي: # أحدهما: لا يعتبر هاهنا، وإن اعتبر في تداعي الرجلين. # قالوا: والفرق بينهما أنا يمكننا التوصل إلى معرفة الأم يقينا، بخلاف ~~الأب، فإنا لا سبيل لنا إلى ذلك، فاحتجنا إلى القافة، وعلى هذا: فلا إشكال. # والوجه الآخر - وهو الصحيح -: أن القافة تجري هاهنا كما تجري بين ~~الرجلين، قاله أحمد - في رواية ابن الحكم في يهودية ومسلمة ولدتا، فادعت ~~اليهودية ولد المسلمة - قيل له: يكون في هذا القافة؟ قال: ما أحسنه اه. # والأحاديث المتقدمة التي دلت على أن الولد يأخذ الشبه من الأم تارة، ومن ~~الأب تارة: تدل على صحة هذا القول. # فإن الحكم بالقافة إنما يتوهم بالشبه، وقد تقدم في ذلك حديث عائشة وأم ~~سلمة، وأنس بن مالك، وثوبان، وعبد الله بن سلام، وكون الأم تمكن معرفتها ~~يقينا - بخلاف الأب - لا يدل على أن القافة لا تعتبر في حق المرأتين، لأنا ~~إنما نستعملها عند عدم معرفة الأم، ولا يلزم من عدم استعمالها عند تيقن ~~معرفة الأم عدم استعمالها عند الجهل بها، كما أنا إنما نستعملها في حق ~~الرجلين عند عدم تيقن الفراش، لا عند تيقنه. # وأما كون داود وسليمان لم يعتبراها: فإما ألا يكون ذلك شريعة لهما، وهو ~~الظاهر، إذ لو كان ذلك شرعا لدعوا القافة للولد. # وإما أن تكون القافة مشروعة في تلك الشريعة، ولكن في حق الرجلين، كما هو ~~أحد القولين في شريعتنا، وحينئذ فلا كلام. وإما أن تكون مشروعة مطلقا، ولكن ~~أشكل على نبي الله أمر ms200 الشبه بحيث لم يظهر لهما، وأن # PageV01P195 # القائف لا يعلم الحال في كل صورة، بل قد يشتبه عليه كثيرا. وعلى كل ~~تقدير: فلا حجة في القصة على إبطال حكم القافة في شريعتنا، والله أعلم. # بل قصة داود وسليمان صريحة في إبطال الولد بأمين، فإنه لم يحكم به نبي من ~~النبيين الكريمين - صلوات الله عليهما وسلامه - بل اتفقا على إلغاء هذا ~~الحكم، فالذي دلت عليه القصة لا يقولون به، والذي يقولون به غير ما دلت ~~عليه القصة. ### | 96 - # (فصل) # وأما حديث زيد بن أرقم - في قصة علي في الولد الذي ادعاه الثلاثة ~~والإقراع بينهما: فهو حديث مضطرب جدا، كما تقدم ذكره. # وقد قال علي بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث ~~منكر، لا أدري ما هذا ولا أعرفه صحيحا. # وقال له إسحاق بن منصور: حديث زيد بن أرقم " أن ثلاثة وقعوا على امرأة في ~~طهر واحد؟ " قال: حديث عمر في القافة أعجب إلي. وذكر البخاري في تاريخه ": ~~أن عبد الله بن الخليل لا يتابع على هذا الحديث. وهذا يوافق قول أحمد: أنه ~~حديث منكر. # ويدل عليه أيضا: ما رواه قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي - رضي الله ~~عنه - " أن رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد، فجاءت بولد، فدعا له علي ~~القافة، وجعله ابنهما جميعا، يرثهما ويرثانه " وهذا يدل على أن مذهب علي - ~~رضي الله عنه -: الأخذ بالقافة دون القرعة. # وأيضا: فالمعهود من استعمال القرعة إنما هو إذا لم يكن هناك مرجح سواها. ~~ومعلوم أن القافة مرجحة: إما شهادة، وإما حكما، وإما فتيا؛ فلا يصار إلى ~~القرعة مع وجودها. وأيضا: فنفاة القافة لا يأخذون بحديث علي في القرعة، ولا ~~بحديثه وحديث عمر في القافة، فلا يقولون بهذا ولا بهذا. # فنقول: حديث علي: إما أن يكون ثابتا أو ليس بثابت، فإن لم يثبت فلا ~~إشكال، وإن كان ثابتا، فهو واقعة عين، تحتمل، وجوها: أحدها: أنه لا يكون قد ~~وجد في ذلك المكان وفي ذلك الوقت قائف، ms201 أو يكون قد أشكل على القائف ولم ~~يتبين له، أو يكون لعدم كون القيافة طريقا شرعيا، وإذا احتملت القصة هذا ~~وهذا وهذا: لم يجزم بوقوع أحد الاحتمالات إلا بدليل، وقد تضمنت القصة أمرين ~~مشكلين: # PageV01P196 # أحدهما: ثبوت النسب بالقرعة. # والثاني: إلزام من خرجت له القرعة بثلثي الدية للآخر. فمن صحح الحديث ~~ونفى الحكم والتعليل - كبعض أهل الظاهر - قال به ولم يلتفت إلى معنى ولا ~~علة ولا حكمة، وقال: ليس هنا إلا التسليم والانقياد. وأما من سلك طريق ~~التعليل والحكمة، فقد يقول: إنه إذا تعذرت القافة وأشكل الأمر عليها: كان ~~المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد، وتركه هملا لا نسب له، وهو ينظر ~~إلى ناكح أمه وواطئها، فالقرعة هاهنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب، فإنها ~~طريق شرعي، وقد سدت الطرق سواها، وإذا كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة، ~~وتعيين الرقيق من الحر، وتعيين الزوجة من الأجنبية، فكيف لا تصلح لتعيين ~~صاحب النسب من غيره؟ . # والمعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال، والشارع إلى ذلك ~~أعظم تشوفا، فالقرعة شرعت لإخراج المستحق تارة، ولتعيينه تارة، هاهنا أحد ~~المتداعيين هو أبوه حقيقة، فعملت القرعة في تعيينه، كما عملت في تعيين ~~الزوجة عند اشتباهها بالأجنبية، فالقرعة تخرج المستحق شرعا، كما تخرجه ~~قدرا. # وقد تقدم في تقرير صحتها واعتبارها ما فيه شفاء، فلا استبعاد في الإلحاق ~~بها عند تعينها طريقا، بل خلاف ذلك، هو المستبعد. # الأمر الثاني: إلزام من خرجت له القرعة بثلثي الدية لصاحبه، ولهذا أيضا ~~وجه، فإن وطئ كل واحد من الآخرين كان صالحا لحصول الولد له، ويحتمل أن يكون ~~الولد له في نفس الأمر، فلما خرجت القرعة لأحدهم: أبطلت ما كان من الواطئين ~~من حصول الولد له، فقد بذر كل منهم بذرا يرجو به أن يكون الزرع له، فقد ~~اشتركوا في البذر، فإذا فاز أحدهم بالزرع: كان من العدل أن يضمن لصاحبيه ~~ثلثي القيمة، والدية قيمة الولد شرعا، فلزمه ضمان ثلثيها لصاحبيه، إذ ~~الثلثان عوض ثلثي الولد الذي استبد به ms202 دونهما، مع اشتراكهما في سبب حصوله. ~~وهذا أصح من كثير من الأحكام التي يثبتونها بآرائهم وأقيستهم، والمعنى فيه ~~أظهر. # وقد اعتبر الصحابة - رضي الله عنهم - مثل ذلك في ولد المغرور، حيث حكموا ~~بحريته، وألزموا الواطئ فداءه بمثله لما فوت رقه على سيد الأمة، هذا مع أنه ~~لم يوجد من سيدها هنا كوطء يكون منه ولد، بل الزوج وحده هو الواطئ، ولكن ~~لما كان الولد تابعا لأمه في الرق: كان بصدد أن يكون رقيقا لسيدها، فلما ~~فاته ذلك - بانعقاد الولد حرا من أمته - ألزموا الواطئ بأن يغرم له نظيره، ~~ولم يلزموه بالدية، لأنه إنما فوت عليه رقيقا، ولم يفوت عليه حرا، وفي قصة ~~علي: كان # PageV01P197 # الذي فوته الواطئ القارع حرا، فلزمته حصة صاحبيه من الدية ولو كان واحدا ~~لزمه نصف الدية. # فهذا أحسن وجوه الحديث، فإن كان صحيحا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فالقول الصحيح هو القول بموجبه، ولا قول سواه، وبالله التوفيق. ### | [فصل الحكم بين الناس فيما لا يتوقف على الدعوى] ### | 97 - # (فصل) # هذا كله في الحكم بين الناس في الدعاوى. وأما الحكم بينهم فيما لا يتوقف ~~على الدعوى: فهو المسمى بالحسبة، والمتولي له: والي الحسبة. # وقد جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة، كما أفردت ولاية المظالم ~~بولاية خاصة، والمتولي لها يسمى والي المظالم، وولاية المال قبضا وصرفا ~~بولاية خاصة، والمتولي لذلك يسمى وزيرا، وناظر البلد، والمتولي لإحصاء ~~المال ووجوهه وضبطه، تسمى ولايته: ولاية استيفاء، والمتولي لاستخراجه ~~وتحصيله ممن هو عليه، تسمى ولايته ولاية السر، والمتولي لفصل الخصومات، ~~وإثبات الحقوق، والحكم في الفروج والأنكحة والطلاق والنفقات، وصحة العقود ~~وبطلانها: هو المخصوص باسم الحاكم والقاضي، وإن كان هذا الاسم يتناول كل ~~حاكم بين اثنين وقاض بينهما، فيدخل أصحاب هذه الولايات جميعهم تحت قوله ~~تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] وتحت قوله تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون ~~ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله ms203 فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] ، وقوله: {فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] ~~وقوله: {فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] وتحت قوله: {وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«القضاة ثلاثة» وقوله: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين» وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا ~~يديه يمين - الذين يعدلون في # PageV01P198 # حكمهم وأهليهم وما ولوا» . # والمقصود: أن الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى: هو ~~المعروف بولاية الحسبة. # وقاعدته وأصله: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بعث الله به ~~رسله، وأنزل به كتبه، ووصف به هذه الأمة، وفضلها لأجله على سائر الأمم التي ~~أخرجت للناس، وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية، ويصير فرض عين ~~على القادر الذي لم يقم به غيره من ذوي الولاية والسلطان، فعليهم من الوجوب ~~ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب: هو القدرة، فيجب على القادر ما لا يجب ~~على العاجز. # قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . # وجميع الولايات الإسلامية: مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ~~من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه: الصدق، مثل صاحب ~~الديوان الذي وظيفته: أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعريف الذي ~~وظيفته: إخبار ولي الأمر بالأحوال، ومنهم من يكون بمنزلة الآمر المطاع، ~~والمطلوب منه: العدل، مثل الأمير والحاكم والمحتسب. # ومدار الولايات كلها: على الصدق في الإخبار، والعدل في الإنشاء، وهما ~~قرينان في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ~~{وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} [الأنعام: 115] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الأمراء الظلمة: «من صدقهم ~~بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم ~~يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض» ~~وقال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ms204 - تنزل على كل أفاك أثيم} ~~[الشعراء: 221 - 222] # PageV01P199 # فالأفاك: الكاذب، والأثيم: الظالم الفاجر # وقال تعالى: {لنسفعا بالناصية} [العلق: 15] {ناصية كاذبة خاطئة} [العلق: ~~16] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى ~~البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، ~~وإن الفجور يهدي إلى النار» . # ولهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين في ولايته بأهل الصدق والعدل، ~~والأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وفجور، ف " إن الله يؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر " و " بأقوام لا خلاق لهم ". # قال عمر - رضي الله عنه -: " من قلد رجلا على عصابة، وهو يجد في تلك ~~العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين ". # والغالب: أنه لا يوجد الكامل في ذلك، فيجب تحري خير الخيرين، ودفع شر ~~الشرين، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يفرحون بانتصار الروم والنصارى ~~على المجوس عباد النار؛ لأن النصارى أقرب إليهم من أولئك، وكان يوسف الصديق ~~- عليه السلام - نائبا لفرعون مصر، وهو وقومه مشركون، وفعل من الخير والعدل ~~ما قدر عليه، ودعا إلى الإيمان بحسب الإمكان. ### | [فصل في عموم الولايات وخصوصها] ### | 98 - # (فصل) # PageV01P200 # عموم الولايات وخصوصها: إذا عرف هذا فعموم الولايات وخصوصها، وما يستفيده ~~المتولي بالولاية: يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في ~~الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء - في بعض الأزمنة والأمكنة - ما يدخل في ~~ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة، وولاية المال، ~~وجميع هذه الولايات في الأصل ولايات دينية، ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية ~~من هذه الولايات، وساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو ~~من الأبرار العادلين، ومن حكم فيها بجهل وظلم، فهو من الظالمين المعتدين، و ~~{إن الأبرار لفي نعيم} [الانفطار: 13] {وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار: ~~14] . # فولاية الحرب في هذه الأزمنة، في البلاد الشامية والمصرية وما جاورها: ~~تختص بإقامة الحدود: من القتل، والقطع، والجلد، ويدخل فيها الحكم في دعاوى ~~التهم التي ليس فيها شهود ولا إقرار، كما تختص ms205 ولاية القضاء بما فيه كتاب ~~وشهود وإقرار، من الدعاوى التي تتضمن إثبات الحقوق والحكم بإيصالها إلى ~~أربابها، والنظر في الأبضاع والأموال التي ليس لها ولي معين، والنظر في حال ~~نظار الوقوف، وأوصياء اليتامى، وغير ذلك. # وفي بلاد أخرى - كبلاد الغرب - ليس لوالي الحرب مع القاضي حكم في شيء، ~~إنما هو منفذ لما يأمر به متولي القضاء. # وأما ولاية الحسبة: فخاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من ~~خصائص الولاة والقضاة، وأهل الديوان ونحوهم، فعلى متولي الحسبة أن يأمر ~~العامة بالصلوات الخمس في مواقيتها، ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس، وأما ~~القتل: فإلى غيره، ويتعاهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم فيما يجب عليه ~~من حقوق الأمة وخرج عن المشروع ألزمه به، واستعان فيما يعجز عنه بوالي ~~الحرب والقاضي. # واعتناء ولاة الأمور بإلزام الرعية بإقامة الصلاة أهم من كل شيء، فإنها ~~عماد الدين، وأساسه وقاعدته، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يكتب إلى ~~عماله: " إن أهم أمركم عندي الصلاة، # PageV01P201 # فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة ". ~~ويأمر والي الحسبة بالجمعة والجماعة وأداء الأمانة والصدق، والنصح في ~~الأقوال والأعمال، وينهى عن الخيانة، وتطفيف المكيال والميزان، والغش في ~~الصناعات والبياعات، ويتفقد أحوال المكاييل والموازين، وأحوال الصناع الذين ~~يصنعون الأطعمة والملابس والآلات، فيمنعهم من صناعة المحرم على الإطلاق، ~~كآلات الملاهي، وثياب الحرير للرجال، ويمنع من اتخاذ أنواع المسكرات، ويمنع ~~صاحب كل صناعة من الغش في صناعته، ويمنع من إفساد نقد الناس وتغييرها، ~~ويمنع من جعل النقود متجرا، فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا ~~يعلمه إلا الله، بل الواجب: أن تكون النقود رءوس أموال، يتجر بها، ولا يتجر ~~فيها، وإذا حرم السلطان سكة أو نقدا منع من الاختلاط بما أذن في المعاملة ~~به. # ومعظم ولايته وقاعدتها: الإنكار على هؤلاء الزغلية، وأرباب الغش في ~~المطاعم والمشارب والملابس وغيرها، فإن هؤلاء يفسدون مصالح الأمة، والضرر ~~بهم عام لا يمكن الاحتراز منه، فعليه ألا يهمل أمرهم، وأن ينكل ms206 بهم ~~وأمثالهم، ولا يرفع عنهم عقوبته، فإن البلية بهم عظيمة، والمضرة بهم شاملة ~~ولا سيما هؤلاء الكيماويين الذين يغشون النقود والجواهر، والعطر والطيب ~~وغيرها، يضاهئون بزغلهم وغشهم خلق الله، والله تعالى لم يخلق شيئا فيقدر ~~العباد أن يخلقوا كخلقه، قال تعالى - فيما حكى عنه رسوله - صلوات الله ~~وسلامه عليه -: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا ~~شعيرة» . # ولهذا كانت المصنوعات - كالطبائخ والملابس والمساكن - غير مخلوقة إلا ~~بتوسط الناس، وقال تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} ~~[يس: 41] {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} [يس: 42] ، وقال تعالى: {أتعبدون ~~ما تنحتون} [الصافات: 95] {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] وكانت ~~المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدور لبني آدم أن # PageV01P202 # يصنعوها، لكن يشبهون بها على سبيل الغش، وهذا حقيقة الكيمياء، فإنها ذهب ~~مشبه. # ويدخل في المنكرات: ما نهى الله عنه ورسوله من العقود المحرمة، مثل عقود ~~الربا، صريحا واحتيالا، وعقود الميسر، كبيوع الغرر، وكحبل الحبلة. ~~والملامسة والمنابذة، والنجش. وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ~~وتصرية الدابة اللبون، وسائر أنواع التدليس، وكذلك سائر الحيل المحرمة على ~~أكل الربا، وهي ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون من واحد، كما إذا باعه سلعة ~~بنسيئة، ثم اشتراها منه بأقل من ثمنها نقدا. حيلة على الربا. # ومنها: ما تكون ثنائية. وهي أن تكون من اثنين: مثل أن يجمع إلى القرض: ~~بيعا أو إجارة أو مساقاة أو مزارعة ونحو ذلك، وقد ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم ~~يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» قال الترمذي: حديث صحيح، وفي سنن أبي داود عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من باع بيعتين في بيعة فله ~~أوكسهما، أو الربا» . # ومنها: ما تكون ثلاثية، وهي أن يدخلا بينهما محللا للربا، فيشتري السلعة ~~من آكل الربا، ثم يبيعها لمعطي الربا إلى أجل، ثم يعيدها إلى صاحبها بنقص ~~دراهم يستعيدها المحلل. وهذه ms207 المعاملات: منها ما هو حرام بالاتفاق، مثل ~~التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي، أو بغير الشرط الشرعي، أو يقلب ~~فيها الدين على المعسر، فإن المعسر يجب إنظاره، ولا تجوز الزيادة عليه ~~بمعاملة ولا غيرها، ومتى استحل المرابي قلب الدين، وقال للمدين: إما أن ~~تقضي، وإما أن تزيد في الدين والمدة: فهو كافر، يجب أن يستتاب، فإن تاب ~~وإلا قتل، وأخذ ماله فيئا لبيت المال. فعلى والي الحسبة إنكار ذلك جميعه، ~~والنهي عنه، وعقوبة فاعله، ولا يتوقف ذلك على دعوى ومدعى عليه، فإن ذلك من ~~المنكرات التي يجب على ولي الأمر إنكارها، والنهي عنها. ### | [فصل ومن المنكرات] ### | 99 - # (فصل) # PageV01P203 # ومن المنكرات: تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن ذلك، لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر، ~~فيشتري منه المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- الخيار إذا دخل إلى السوق، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن. # وأما ثبوته بلا غبن: ففيه عن أحمد روايتان: إحداهما: يثبت، وهو قول، ~~الشافعي، لظاهر الحديث. # والثانية: لا يثبت لعدم الغبن، ولذلك ثبت الخيار للمشتري المسترسل إذا ~~غبن، وفي الحديث «غبن المسترسل ربا» وفي تفسيره قولان، أحدهما: أنه الذي لا ~~يعرف قيمة السلعة. # والثاني - وهو المنصوص عن أحمد - أنه الذي لا يماكس، بل يسترسل إلى ~~البائع، ويقول: أعطني هذا. وليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر، ~~ويبيعوا المسترسل بغيره، وهذا مما يجب على والي الحسبة إنكاره، وهذا بمنزلة ~~تلقي السلع، فإن القادم جاهل بالسعر. # ومن هذا: تلقي سوقة الحجيج الجلب من الطريق، وسبقهم إلى المنازل يشترون ~~الطعام والعلف، ثم يبيعونه كما يريدون، فيمنعهم والي الحسبة من التقدم ~~لذلك، حتى يقدم الركب، # لما في ذلك من مصلحة الركب # ، ومصلحة الجالب، ومتى اشتروا شيئا من ذلك منعهم من بيعه بالغبن الفاحش. # PageV01P204 # ومن ذلك: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد، دعوا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . # قيل ms208 لابن عباس: ما معنى قوله: «لا يبع حاضر لباد» ؟ قال: " لا يكون له ~~سمسارا ". وهذا النهي لما فيه من ضرر المشتري، فإن المقيم إذا وكله القادم ~~في بيع سلعة يحتاج الناس إليها، والقادم لا يعرف السعر: أضر ذلك بالمشتري ~~كما أن النهي عن تلقي الجلب فيه من الإضرار بالبائعين. ومن ذلك: الاحتكار ~~لما يحتاج الناس إليه. # وقد روى مسلم في صحيحه " عن معمر بن عبد الله العدوي: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا يحتكر إلا خاطئ» ، فإن المحتكر الذي يعمد إلى ~~شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم ويريد إغلاءه عليهم: هو ~~ظالم لعموم الناس، ولهذا كان لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما ~~عندهم بقيمة المثل، عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه، ~~والناس في مخمصة، أو سلاح لا يحتاج إليه، والناس يحتاجون إليه للجهاد، أو ~~غير ذلك، فإن من اضطر إلى طعام غيره: أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل، ~~ولو امتنع من بيعه، إلا بأكثر من سعره، فأخذه منه بما طلب: لم تجب عليه إلا ~~قيمة مثله. # وكذلك من اضطر إلى الاستدانة من الغير، فأبى أن يعطيه إلا بربا، أو ~~معاملة ربوية، فأخذه منه بذلك: لم يستحق عليه إلا مقدار رأس ماله. وكذلك ~~إذا اضطر إلى منافع ماله، كالحيوان والقدر والفأس ونحوها: وجب عليه بذلها ~~له مجانا، في أحد الوجهين، وهو الأصح، وبأجرة المثل في الآخر. # PageV01P205 # ولو اضطر إلى طعامه وشرابه، فحبسه عنه حتى مات جوعا وعطشا: ضمنه بالدية ~~عند الإمام أحمد، واحتج بفعل عمر بن الخطاب، وقيل له: تذهب إليه؟ فقال: إي ~~والله. ### | [فصل في التسعير] ### | 100 - # (فصل) # وأما التسعير: فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز. فإذا تضمن ظلم ~~الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله ~~لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم ~~من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم ms209 عليهم من أخذ الزيادة على عوض ~~المثل، فهو جائز، بل واجب. # فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا؟ فقال: إن الله هو ~~القابض الرازق، الباسط المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد ~~بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال» رواه أبو داود والترمذي وصححه. # فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ~~ارتفع السعر - إما لقلة الشيء، وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله، فإلزام ~~الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها: إكراه بغير حق. # وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة الناس إليها ~~إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا ~~معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير هاهنا إلزام بالعدل الذي ~~ألزمهم الله به. ### | [فصل في أقبح الظلم] ### | 101 - # (فصل) # ومن أقبح الظلم: إيجار الحانوت على الطريق، أو في القرية، بأجرة معينة ~~على ألا يبيع أحد غيره، فهذا ظلم حرام على المؤجر والمستأجر، وهو نوع من ~~أخذ أموال الناس قهرا، وأكلها بالباطل، وفاعله قد تحجر واسعا، فيخاف عليه ~~أن يحجر الله عنه رحمته، كما حجر على الناس فضله ورزقه. ### | [فصل في حصر البيع على أناس معينين] ### | 102 - # (فصل) # PageV01P206 # ومن ذلك: أن يلزم الناس ألا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس ~~معروفون، فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، فلو باع ~~غيرهم ذلك منع وعوقب، فهذا من البغي في الأرض والفساد، والظلم الذي يحبس به ~~قطر السماء، وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل، ولا ~~يشتروا إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لأنه إذا منع ~~غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو ~~يشتروا بما شاءوا: كان ذلك ظلما للناس: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك ~~السلع، وظلما للمشترين منهم. ms210 # فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع، وحقيقته: إلزامهم بالعدل، ومنعهم من ~~الظلم، وهذا كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق، فيجوز أو يجب ~~الإكراه عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب، والنفقة الواجبة، ~~ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء في ملك الغير فإن ~~لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل، ومثل الأخذ بالشفعة، فإن للشفيع أن يتملك ~~الشقص بثمنه قهرا، وكذلك السراية في العتق، فإنها تخرج الشقص من ملك الشريك ~~قهرا، وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا، وكل من وجب عليه شيء من ~~الطعام واللباس والرقيق والمركوب - بحج أو كفارة أو نفقة - فمتى وجده بثمن ~~المثل وجب عليه شراؤه، وأجبر على ذلك، ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له ~~مجانا، أو بدون ثمن المثل. ### | [فصل في القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة] ### | 103 - # (فصل) # ومن هاهنا: منع غير واحد من العلماء - كأبي حنيفة وأصحابه - القسامين ~~الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة: أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا - ~~والناس يحتاجون إليهم - أغلوا عليهم الأجرة. # قلت: وكذلك ينبغي لوالي الحسبة: أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من ~~الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم؛ وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج ~~الناس إلى منافعهم؛ كالشهود والدلالين وغيرهم؛ على أن في شركة الشهود مبطلا ~~آخر؛ فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه؛ فإن ~~الكتابة متميزة؛ والتحمل متميز؛ والأداء متميز؛ لا يقع في ذلك اشتراك ولا ~~تعاون، فبأي وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر ~~الصنائع، فإنه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه، ولهذا إذا ~~اختلفت الصنائع: لم تصح الشركة على أحد الوجهين، لتعذر اشتراكهما في العمل، # PageV01P207 # ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من ~~الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة، فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل واحد منهما، ~~وإن لم يقع في عين العمل. # وأما شركة الدلالين: ففيها أمر ms211 آخر، وهو أن الدلال وكيل صاحب السلعة في ~~بيعها، فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه، فإن قلنا: ليس ~~للوكيل أن يوكل: لم تصح الشركة، وإن قلنا: له أن يوكل: صحت. فعلى والي ~~الحسبة: أن يعرف هذه الأمور، ويراعيها، ويراعي مصالح الناس، وهيهات هيهات، ~~ذهب ما هنالك. # والمقصود: أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة، لما فيها من التواطؤ ~~على إغلاء الأجرة، فمنع البائعين الذين تواطئوا على ألا يبيعوا إلا بثمن ~~مقدر أولى وأحرى. وكذلك يمنع والي الحسبة المشترين من الاشتراك في شيء لا ~~يشتريه غيرهم، لما في ذلك من ظلم البائع. وأيضا: فإذا كانت الطائفة التي ~~تشتري نوعا من السلع أو تبيعها: قد تواطئوا على أن يهضموا ما يشترونه، ~~فيشتروه بدون ثمن المثل، ويبيعوا ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسموا ~~ما يشتركون فيه من الزيادة: كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم ~~والعدوان، وقد قال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان} [المائدة: 2] . # ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، ~~ومن النجش. ### | [فصل في حاجة الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك] ### | 104 - # (فصل) # ومن ذلك: أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء ~~وغير ذلك - فلولي الأمر: أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم # مصلحة الناس # إلا بذلك؛ ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه ~~الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، ~~وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتولى أمر ما يليه بنفسه، ويولي فيما ~~بعد عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف: عثمان بن أبي العاص ~~الثقفي، وعلى قرى عرينة: خالد بن سعيد بن العاص، وبعث عليا ومعاذ بن جبل ~~وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة ~~على الأموال الزكوية، فيأخذونها ms212 ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها، ~~فيرجع الساعي إلى المدينة # PageV01P208 # وليس معه إلا سوطه، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعا يضعها ~~فيه. ### | 105 - # (فصل) # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستوفي الحساب على عماله، يحاسبهم على ~~المستخرج والمصروف، كما في " الصحيحين " عن أبي حميد الساعدي «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على ~~الصدقات فلما رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول: ~~هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فنظر: أيهدى إليه أم ~~لا؟ والذي نفسي بيده، لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه ~~شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، وإن ~~كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر، ثم رفع يديه إلى السماء، وقال: ~~اللهم هل بلغت؟ قالها مرتين، أو ثلاثا» ". # والمقصود: أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرض عين ~~عليه، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم، أو نساجتهم، أو بنائهم، صارت ~~هذه الأعمال مستحقة عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل، ولا يمكنهم ~~من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم، بأن يعطوهم ~~دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم وألزم من ~~صناعته الفلاحة أن يقوم بها: ألزم الجند بألا يظلموا الفلاح، كما يلزم ~~الفلاح بأن يفلح. # ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين: ما شرعه الله ورسوله، وجاءت به ~~السنة، وفعله الخلفاء الراشدون، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولفتح ~~الله عليهم بركات من السماء والأرض، وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما ~~يحصلونه بالظلم والعدوان، ولكن يأبى جهلهم وظلمهم إلا أن يرتكبوا الظلم ~~والإثم، فيمنعوا البركة وسعة الرزق، فيجتمع لهم عقوبة الآخرة، ونزع البركة ~~في الدنيا. # فإن قيل: وما الذي ms213 شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتى يفعله من وفقه ~~الله؟ # PageV01P209 # قيل: المزارعة العادلة، التي يكون المقطع والفلاح فيها على حد سواء من ~~العدل، لا يختص أحدهما عن الآخر بشيء من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها ~~من سلطان، وهي التي خربت البلاد وأفسدت العباد، ومنعت الغيث، وأزالت ~~البركات، وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام، وإذا نبت الجسد على ~~الحرام فالنار أولى به. # وهذه المزارعة العادلة: هي عمل المسلمين على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وعهد خلفائه الراشدين، وهي عمل آل أبي بكر وآل عمر، وآل عثمان، وآل ~~علي، وغيرهم من بيوت المهاجرين، وهي قول أكابر الصحابة، كابن مسعود، وأبي ~~بن كعب، وزيد بن ثابت وغيرهم، وهي مذهب فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل، ~~وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ومحمد بن إسحاق ~~بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي، وهي مذهب عامة أئمة ~~المسلمين، كالليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ~~وغيرهم. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها ~~من ثمر وزرع حتى مات، ولم تزل تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر، وكان ~~قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم، لا من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء: أن البذر يجوز أن يكون من العامل كما ~~مضت به السنة، بل قد قالت طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلا من العامل، ~~لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء. # والصحيح: أنه يجوز أن يكون من رب الأرض، وأن يكون من العامل، وأن يكون ~~منهما، وقد ذكر البخاري كما في صحيحه ": " أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر، وإن جاءوا ~~بالبذر: فلهم كذا ". # والذين منعوا المزارعة منهم من احتج ب «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~نهى عن المخابرة» ms214 ولكن الذي # PageV01P210 # نهى عنه: هو الظلم: فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها، ~~ويشترطون ما على الماذيانات وأقبال الجداول وشيئا من التبن يختص به صاحب ~~الأرض، ويقتسمان الباقي. # وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع، فإن المعاملة مبناها على العدل من ~~الجانبين، وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات، ~~والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع، فإذا جعل ~~لأحدهما شيء مقدر كان ظلما. # فهذا هو الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الليث بن ~~سعد: الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك: أمر إذا نظر ذو ~~البصيرة بالحلال والحرام فيه: علم أنه لا يجوز، وأما ما فعله هو وفعله ~~خلفاؤه الراشدون والصحابة: فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه. ### | 106 - # (فصل) # وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول، ~~فقالوا: القياس يقتضي تحريمها. # ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة، استحسانا للحاجة، ~~لأن الدراهم لا تؤجر، كما يقول أبو حنيفة. # ومنهم من أباح المساقاة: إما مطلقا، كقول مالك والشافعي في القديم، أو ~~على النخل والعنب خاصة، كالجديد له، لأن الشجر لا تمكن إجارته، بخلاف ~~الأرض، وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة. # ثم منهم من قدر ذلك بالثلث، كقول مالك. ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب، ~~كقول الشافعي. # وأما جمهور السلف والفقهاء، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء، بل ~~هو من باب المشاركات، التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة، ~~فإن هذا مقصوده العمل، وهذا مقصوده الأجرة؛ ولهذا كان الصحيح أن هذه ~~المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل، لا أجرة المثل، فيجب من الربح ~~والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها، لا أجرة مقدرة، فإن لم يكن ربح ~~ولا نماء: لم يجب شيء، فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ~~ممتنع، فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب ms215 في ~~الصحيح منها، كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل، وهو نظير ما يجب في ~~الصحيح، وفي البيع الفاسد إذا فات: ثمن المثل، وفي الإجارة الفاسدة أجرة ~~المثل، فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة: ربح المثل، وفي المساقاة والمزارعة ~~الفاسدة: # PageV01P211 # نصيب المثل، فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة فتجب في فاسدها أجرة ~~المثل، بل هو جزء شائع من الربح، فيجب في الفاسدة نظيره. # قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء: والمزارعة أحل من المؤاجرة، وأقرب إلى ~~العدل، فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم، بخلاف المؤاجرة، فإن صاحب الأرض ~~تسلم له الأجرة، والمستأجر قد يحصل له زرع، وقد لا يحصل. # والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا، والصحيح: جوازهما، سواء كانت الأرض ~~إقطاعا أم غيره. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدا من علماء الإسلام - الأئمة ~~الأربعة ولا غيرهم - قال: إجارة الإقطاع لا تجوز، وما زال المسلمون يؤجرون ~~إقطاعاتهم قرنا بعد قرن، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، حتى أحدث بعض أهل ~~زماننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع. # وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة، فيصير كالمستعير، لا يجوز أن يكري ~~الأرض المعارة، وهذا القياس خطأ من وجهين: أحدهما: أن المستعير لم تكن ~~المنفعة حقا له، وإنما تبرع المعير بها، وأما أراضي المسلمين: فمنفعتها حق ~~للمسلمين، وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم، ليس متبرعا لهم كالمعير. والمقطع ~~مستوف المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الوقف وأولى. # وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف - وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة ~~بموته على الصحيح - فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة ~~بموته أولى. # الثاني: أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن ~~للمقطع في الإجارة، فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة وإما ~~بالإجارة ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين ~~دينهم ودنياهم، وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين، وفي ذلك من ~~الفساد ما فيه. # وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت، لا ينتفع بها ms216 المقطع إلا ~~بالإجارة، فإذا لم تصح إجارة الإقطاع تعطلت منافع ذلك بالكلية، وكون ~~الإقطاع معرضا لرجوع الإمام فيه مثل كون الموهوب للولد معرضا لرجوع الوالد ~~فيه، وكون الصداق قبل الدخول معرضا لرجوع نصفه أو كله إلى الزوج، وذلك لا ~~يمنع صحة الإجارة بالاتفاق، فليس مع المبطل نص ولا قياس، ولا مصلحة ولا ~~نظير. # وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة لم يبق بيد الجند إلا أن يستأجروا من ~~أموالهم من يزرع الأرض ويقوم عليها، وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس، ~~لأنه قد يخسر ماله، ولا يحصل له شيء، بخلاف المشاركة، فإنهما يشتركان في ~~المغنم والمغرم، فهي أقرب إلى العدل. # PageV01P212 # وهذه المسألة ذكرت استطرادا، وإلا فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى ~~أرباب الصناعات كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل. وهذا من ~~التسعير الواجب، فهذا تسعير في الأعمال. # وأما التسعير في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات، فعلى ~~أربابه أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من ~~الثمن، والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال، فكيف لا يجب على أرباب ~~السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به ~~الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ~~ظاهر التناقض، وهذا أحد الروايتين عن الإمام أحمد، وهو الصواب. ### | 107 - # (فصل) # وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، ~~لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينا وخبزا، بل ~~كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم، وكان من قدم بالحب لا ~~يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجالبين؛ ولهذا جاء في الحديث: «الجالب ~~مرزوق، والمحتكر ملعون» . # وكذلك لم يكن في المدينة حائك، بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام ~~واليمن وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها. ### | [فصل في تنازع العلماء في التسعير] ### | 108 - # (فصل) # في التسعير وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين: إحداهما: إذا كان ~~للناس سعر غالب، فأراد بعضهم ms217 أن يبيع بأغلى من ذلك، فإنه يمنع من ذلك عند ~~مالك. وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم. واحتج مالك - رحمه الله - بما ~~رواه في موطئه " عن يونس بن يوسف عن سعيد بن المسيب: " أن عمر بن الخطاب مر ~~بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد ~~في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا ". # PageV01P213 # قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس: لرأيت أن يقال ~~له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت، وأما أن يقول للناس كلهم يعني - لا ~~تبيعوا إلا بسعر كذا - فليس ذلك بالصواب، وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في ~~أهل الأبلة، حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب " خل بينهم وبين ذلك فإنما ~~السعر بيد الله ". # قال ابن رشد في كتاب البيان ": أما الجلابون فلا خلاف في أنه لا يسعر ~~عليهم شيء مما جلبوه، وإنما يقال لمن شذ منهم، فباع بأغلى مما يبيع به ~~العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق، كما فعل ~~عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق ~~فقال له: " إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا "؛ لأنه كان يبيع ~~بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق. # وأما أهل الحوانيت والأسواق، الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ~~ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا، مثل اللحم والأدم، والفواكه، فقيل: إنهم ~~كالجلابين، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم، وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن ~~الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس، وإما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك ~~في هذه الرواية. # وممن روى عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن ~~عبد الله قيل: إنهم في هذا بخلاف الجالبين، لا يتركون على البيع باختيارهم ~~إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبه. # وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن ms218 يعرف ما يشترون به، فيجعل لهم من ~~الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من ~~الزيادة على الربح الذي جعل لهم، فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق. # وهذا قول مالك في رواية أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقال به ابن المسيب، ~~ويحيى بن سعيد، والليث، وربيعة. # ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ~~ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد ~~اشتروه: لا تبيعوه إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل. # وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون: لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، ~~وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم، فإنهم قد يتساهلون في ~~الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم. # وأما الشافعي: فإنه عارض في ذلك بما رواه عن الدراوردي عن داود بن صالح ~~التمار، عن القاسم بن محمد # PageV01P214 # عن عمر - رضي الله عنه -: " أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين ~~يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فقال له: مدين لكل درهم، فقال ~~له عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا، وهم يغترون بسعرك، فإما ~~أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر ~~حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره، فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا ~~قضاء، إنما هو الشيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع ~~". # قال الشافعي: وهذا الحديث مستقصى. # وليس بخلاف لما رواه مالك، ولكنه روي عن بعض الحديث، أو رواه عنه من ~~رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول، لأن الناس مسلطون على ~~أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع ~~التي تلزمهم، وهذا ليس منها. # وعلى قول مالك: فقال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر به من حط عنه أن ms219 يلحق ~~به: هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير ~~بحط السعر: أمروا باللحاق بسعر الناس، أو ترك البيع، فإن زاد في السعر ~~واحد، أو عدد يسير: لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره، لأن المراعى حال ~~الجمهور، وبه تقوم المبيعات. # وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم - كما يقام من نقص ~~منه؟ قال ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك: " ولكن من حط ~~سعرا "، فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم، والناس يبيعون ثمانية، ~~وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة، فيفسد على ~~أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغب والخصومة. # قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان؛ لأن من باع ثمانية - والناس يبيعون ~~خمسة - أفسد على أهل السوق بيعهم، وربما أدى إلى الشغب والخصومة، فمنع ~~الجميع مصلحة. # قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق. # وأما الجالب: ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع ~~الناس، وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر الناس وإلا رفعوا، وأما ~~جالب القمح والشعير: فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، ~~إن أرخص بعضهم تركوا، وإن أرخص أكثرهم، قيل لمن بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم، ~~وإما أن ترفعوا. # قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون، مأكولا كان أو غيره، دون ما لا ~~يكال ولا يوزن، لأنه لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه: # PageV01P215 # قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويا، فإذا اختلفا، لم ~~يؤمر صاحب الجيد أن يبيعه بسعر الدون. ### | 109 - # (فصل) # وأما المسألة الثانية - التي تنازعوا فيها من التسعير -: فهي أن يحد لأهل ~~السوق حدا لا يتجاوزونه، مع قيامهم بالواجب. فهذا منع منه الجمهور، حتى ~~مالك نفسه في المشهور عنه، ونقل المنع أيضا عن ابن عمر، وسالم، والقاسم بن ~~محمد، وروى أشهب عن مالك - في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن ~~بكذا، ولحم الإبل بكذا، وإلا أخرجوا من ms220 السوق - قال: إذا سعر عليهم قدر ما ~~يرى من شرائهم، فلا بأس به، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق. # واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر ~~عليهم، ولا يجبر الناس على البيع، وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي ~~يحده ولي الأمر، على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري. # وأما الجمهور: فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «جاء رجل إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: بل أدعو الله، ~~ثم جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني ~~لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة» قالوا: ولأن إجبار الناس على ~~ذلك ظلم لهم. ### | 110 - # (فصل) # وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل ~~سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم، استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ ~~وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به، ولا ~~يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضى. # قال أبو الوليد: ووجه هذا: أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين ~~والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف ~~بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا، بما لا ربح لهم فيه: أدى ذلك إلى فساد ~~الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس. # PageV01P216 # قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه، وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب ~~عليهم بيعه: فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه، وكذلك كل من وجب عليه ~~أن يبيع بثمن المثل فامتنع. # ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم ~~يطلبني بمظلمة في دم ولا مال» قيل له: هذه قضية معينة، وليست لفظا عاما، ~~وليس فيها أن ms221 أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه، ومعلوم أن الشيء ~~إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه - كما جرت به العادة، ~~ولكن الناس تزايدوا فيه - فهنا لا يسعر عليهم. # وقد ثبت كما في " الصحيحين ": " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من ~~الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال: «من أعتق شركا ~~له في عبد - وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد - قوم عليه قيمة عدل» ، لا ~~وكس ولا شطط، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد فلم يمكن المالك أن ~~يساوم المعتق بالذي يريد، فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه ~~الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد: قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة ~~عدل، ويعطيه قسطه من القيمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة ~~النصف عند الجمهور. وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه، فإنه ~~يباع ويقسم ثمنه، إذا طلب أحد الشركاء ذلك، ويجبر الممتنع على البيع، وحكى ~~بعض المالكية ذلك إجماعا. وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على ~~أن يعاوض بثمن المثل، ولا بما يريد من الثمن. # وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه، # للمصلحة # الراجحة، كما في الشفعة، وأصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. ~~والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل، ~~لمصلحة تكميل العتق، ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة، ~~فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك # PageV01P217 # أعظم، وهم إليها أضر؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره. # وهذا الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من تقويم الجميع قيمة ~~المثل: هو حقيقة التسعير، وكذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه ~~من يد المشتري بثمنه الذي ابتاعه به لا بزيادة عليه، لأجل مصلحة التكميل ~~لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذي ms222 وقع ~~عليه العقد، لا بما شاء المشتري من الثمن، لأجل هذه المصلحة الجزئية، فكيف ~~إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج ~~إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها، فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك ~~بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن، وحديث العتق أصل في ذلك كله. ### | [فصل في البذل والعطاء] ### | 111 - # (فصل) # فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان، ولا يجدون سواه، أو ~~النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو ~~لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك: وجب على صاحبه بذله بلا نزاع، لكن ~~هل له أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد. # ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل. # قال شيخنا: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب ~~والسنة، قال تعالى: {فويل للمصلين} [الماعون: 4] {الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون} [الماعون: 5] {الذين هم يراءون} [الماعون: 6] {ويمنعون الماعون} ~~[الماعون: 7] قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة: " هو إعارة ~~القدر والدلو والفأس ونحوهم ". # وفي " الصحيحين " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الخيل - قال: «هي ~~لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في ~~سبيل الله، وأما الذي هي له ستر: فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله ~~في رقابها، ولا في ظهورها» . # وفي " الصحيحين " عنه أيضا: «من حق الإبل: إعارة دلوها، وإطراق فحلها» . # PageV01P218 # وفي " الصحيحين " عنه: «أنه نهى عن عسب الفحل» أي عن أخذ الأجرة عليه، ~~والناس يحتاجون إليه، فأوجب بذله مجانا، ومنع من أخذ الأجرة عليه. # وفي " الصحيحين " عنه أنه قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في ~~جداره» . # ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب الأرض، فهل يجبر ~~على ذلك؟ روايتان عن أحمد، والإجبار: قول عمر بن الخطاب ms223 وغيره من الصحابة - ~~رضي الله عنهم -. # وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين: " إن زكاة الحلي عاريته، فإذا لم ~~يعره فلا بد من زكاته "، وهذا وجه في مذهب أحمد. قلت: وهو الراجح، وإنه لا ~~يخلو الحلي من زكاة أو عارية. والمنافع التي يجب بذلها نوعان، منها: ما هو ~~حق المال، كما ذكرنا في الخيل، والإبل، والحلي، ومنها: ما يجب لحاجة الناس. # وأيضا: فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة، كتعليم العلم، وإفتاء الناس، ~~والحكم بينهم، وأداء الشهادة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وغير ذلك من منافع الأبدان. وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه ~~أن يخلصه، فإن ترك ذلك - مع قدرته عليه - أثم وضمنه. # فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: {ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] # PageV01P219 # وقال: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] وللفقهاء في ~~أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، وهي أربعة أوجه في مذهب أحمد، أحدها: ~~أنه لا يجوز مطلقا # والثاني: أنه يجوز عند الحاجة. # والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يتعين عليه. # والرابع: أنه يجوز، فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء. # والمقصود: أن ما قدره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الثمن في سراية ~~العتق: هو لأجل تكميل الحرية، وهو حق الله، وما احتاج إليه الناس، حاجة ~~عامة، فالحق فيه لله، وذلك في الحقوق والحدود. فأما الحقوق: فمثل حقوق ~~المساجد ومال الفيء والوقف على أهل الحاجات وأموال الصدقات، والمنافع ~~العامة. # وأما الحدود: فمثل حد المحاربة، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر المسكر. # وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك: مصلحة عامة، ليس الحق فيها ~~لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من ~~تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ولو لم ~~يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر، فإنه يطلب ما شاء، وهنا عموم ~~الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم، فلو مكن من عنده سلع يحتاج ~~الناس إليها ms224 أن يبيع بما شاء: كان ضرر الناس أعظم؛ ولهذا قال الفقهاء: إذا ~~اضطر الإنسان إلى طعام الغير: وجب عليه بذله له بثمن المثل. # وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي: ومع هذا فإنه يوجب ~~على من اضطر الإنسان إلى طعامه: أن يبذله له بثمن المثل، وتنازع أصحابه في ~~جواز تسعير الطعام، إذا كان بالناس إليه حاجة، ولهم فيه وجهان. # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس، إلا إذا تعلق ~~به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضي: أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته ~~وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار، فإن أبى حبسه ~~وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له، ودفعا للضرر عن الناس. قالوا: فإن تعدى ~~أرباب الطعام، وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق ~~المسلمين إلا بالتسعير: سعره حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة. # وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر. ومن باع منهم ~~بما قدره الإمام: صح، لأنه غير مكره عليه. # قالوا: وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ على الخلاف ~~المعروف في بيع مال # PageV01P220 # الدين، وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر ~~العام، والسعر لما غلا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه ~~التسعير فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة ~~من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن «نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد» أي أن يكون له سمسار. # وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» فنهى الحاضر العالم بالسعر أن ~~يتوكل للبادي الجالب للسلعة، لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس - ~~أغلى الثمن على المشتري فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح، لما ~~في ذلك من زيادة السعر على الناس، ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط ~~السوق الخيار؛ ولهذا كان أكثر ms225 الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضر ~~البائع هنا، فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقي قبل إتيانه إلى ~~السوق اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لهذا البائع الخيار. ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم، إحداهما: أن ~~الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أم لم يغبن، وهو ظاهر مذهب الشافعي. # والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن، وهي ظاهر المذهب. # وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي، ~~فاشترى منه، ثم باعه وفي الجملة: فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~البيع والشراء الذي جنسه حلال، حتى يعلم البائع بالسعر، وهو ثمن المثل، ~~ويعلم المشتري بالسلعة. # وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء، وقد اشترى من ~~البائع، كما يقول: فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر، ولكن الشارع ~~راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل، ~~فيكون المشتري غارا له. وألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل، فإنه بمنزلة ~~الجالب الجاهل بالسعر. # فتبين أنه يجب على الإنسان: ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ~~ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه، لكن لكونهم جاهلين ~~بالقيمة، أو غير مماكسين، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن ~~لم يعلم أنه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضي، فلا بأس ~~بذلك. # PageV01P221 # وفي " السنن ": «أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض ~~يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره ~~أن يقبل بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض أن يقلعها، ~~وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار» . وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب ~~عليه أن يبيع شجرته، ولا يتبرع بها، ولا يجوز لصاحب الأرض أن يقلعها، لأنه ~~تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه، وصاحب الشرع أوجب ~~عليه ms226 إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض بخلاصه ~~من تأذيه بدخول صاحب الشجرة، ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه ~~في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم، فإن الشارع ~~الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما، فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة، وإن ~~أباه من أباه. # والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع عند حاجة المشتري، وأين هذا من ~~حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟ والحكم في المعاوضة على المنافع إذا ~~احتاج الناس إليها - كمنافع الدور، والطحن، والخبز، وغير ذلك - حكم ~~المعاوضة على الأعيان. وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا ~~بالتسعير. # سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم ~~بدونه: لم يفعل، وبالله التوفيق. ### | [فصل في حكم الولي بالأمارات والعلامات الظاهرة والقرائن البينة] ### | 112 - # (فصل) # والمقصود: أن هذه أحكام شرعية: لها طرق شرعية، لا تتم مصلحة الأمة إلا ~~بها، ولا تتوقف على مدع ومدعى عليه، بل لو توقفت على ذلك: فسدت مصالح ~~الأمة، واختل النظام، بل يحكم فيها متولي ذلك بالأمارات والعلامات الظاهرة ~~والقرائن البينة. # ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية ~~فإن " الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " فإقامة الحدود واجبة على ولاة ~~الأمور. والعقوبة تكون على فعل محرم، أو ترك واجب. # والعقوبات - كما تقدم - منها ما هو مقدر، ومنها ما هو غير مقدر، وتختلف ~~مقاديرها # PageV01P222 # وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم، وكبرها، وصغرها، وبحسب حال ~~المذنب في نفسه. والتعزير: منه ما يكون بالتوبيخ، وبالزجر وبالكلام، ومنه ~~ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي، ومنه ما يكون بالضرب. # وإذا كان على ترك واجب - كأداء الديون، والأمانات، والصلاة، والزكاة - ~~فإنه يضرب مرة بعد مرة، ويفرق الضرب عليه يوما بعد يوم، حتى يؤدي الواجب. # وإن كان ذلك على جرم ماض: فعل منه مقدار الحاجة. وليس لأقله حد، وقد تقدم ~~الخلاف في أكثره، وأنه يسوغ بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا ms227 به، مثل قتل ~~المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وفي " الصحيح " عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا بويع لخليفتين، ~~فاقتلوا الآخر منهما» . # وقال: «من جاءكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم، فاضربوا ~~عنقه بالسيف كائنا من كان» . «وأمر بقتل رجل تعمد عليه الكذب، وقال لقوم: ~~أرسلني إليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أحكم في نسائكم ~~وأموالكم» . وسأله " ابن الديلمي " عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال: «من لم ~~ينته عنها فاقتلوه» . «وأمر بقتل شاربها بعد الثالثة، أو الرابعة» (35) . # PageV01P223 # «وأمر بقتل الذي تزوج امرأة أبيه» . «وأمر بقتل الذي اتهم بجاريته حتى ~~تبين له أنه خصي» . # وأبعد الأئمة من التعزير بالقتل: أبو حنيفة، ومع ذلك فيجوز التعزير به # للمصلحة # ، كقتل المكثر من اللواط، وقتل القاتل بالمثقل. # ومالك: يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، ويرى ~~أيضا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي: قتل الداعية إلى البدعة. # وعزر أيضا بالهجرة، وعزر بالنفي، كما أمر بإخراج المخنثين من المدينة ~~ونفيهم، وكذلك الصحابة من بعده، كما فعل عمر - رضي الله عنه - بالأمر بهجر ~~صبيغ، ونفي نصر بن حجاج. ### | [فصل في التعزير بالعقوبات المالية] ### | 113 - # (فصل) # وأما التعزير بالعقوبات المالية، فمشروع أيضا في مواضع مخصوصة في مذهب ~~مالك وأحمد، وأحد قولي الشافعي، وقد جاءت السنة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وعن أصحابه بذلك في مواضع: # PageV01P224 # منها: إباحته - صلى الله عليه وسلم - سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن ~~وجده. ومثل: أمره - صلى الله عليه وسلم - بكسر دنان الخمر وشق ظروفها (31) ~~. ومثل: أمره لعبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين (33) . ومثل: ~~أمره - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر - بكسر القدور التي طبخ فيها لحم ~~الحمر الإنسية. ثم استأذنوه في غسلها، فأذن لهم. فدل على جواز الأمرين، لأن ~~العقوبة لم تكن واجبة بالكسر. # ومثل: هدمه مسجد الضرار. ومثل: تحريق متاع الغال (25) . # PageV01P225 # ومثل: حرمان السلب الذي أساء على نائبه. ومثل: إضعاف ms228 الغرم على سارق ما ~~لا قطع فيه من الثمر والكثر (28) . ومثل: إضعافه الغرم على كاتم الضالة ~~(29) . # ومثل: أخذه شطر مال مانع الزكاة، عزمة من عزمات الرب تبارك وتعالى (30) . ~~ومثل أمره لابس خاتم الذهب بطرحه، فطرحه، فلم يعرض له أحد. ومثل: تحريق ~~موسى - عليه السلام - العجل وإلقاء برادته في اليم. # ومثل: قطع نخيل اليهود، إغاظة لهم. # ومثل: تحريق عمر وعلي - رضي الله عنهما - المكان الذي يباع في الخمر. # ومثل: تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص، لما احتجب فيه عن الرعية وهذه ~~قضايا صحيحة معروفة، وليس يسهل دعوى نسخها. # ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب ~~الأئمة نقلا واستدلالا، فأكثر هذه المسائل: سائغ في مذهب أحمد وغيره، وكثير ~~منها سائغ عند مالك، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته - ~~صلى الله عليه وسلم - مبطل أيضا لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ~~ولا سنة، ولا إجماع يصحح دعواهم، إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم ~~جوازها، فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد، وإذا ارتفع عن هذه الطبقة، ~~ادعى أنها منسوخة بالإجماع، وهذا غلط أيضا. فإن الأمة لم تجمع على نسخها، ~~ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن # PageV01P226 # لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ. # قال ابن رشد في كتاب البيان " له: ولصاحب الحسبة الحكم على من غش في ~~أسواق المسلمين في خبز أو لبن أو عسل، أو غير ذلك من السلع، بما ذكره أهل ~~العلم في ذلك، فقد قال مالك في " المدونة ": " إن عمر بن الخطاب كان يطرح ~~اللبن المغشوش في الأرض "، أدبا لصاحبه، وكره ذلك في رواية ابن القاسم، ~~ورأى أن يتصدق به، ومنع من ذلك في رواية أشهب، وقال: لا يحل ذنب من الذنوب ~~مال إنسان، وإن قتل نفسا. # وذكر ابن الماجشون عن مالك - في الذي غش اللبن - مثل الذي تقدم في رواية ~~أشهب. # قال ابن حبيب: فقلت لمطرف وابن الماجشون: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش ~~أو نقص في الوزن؟ قالا: يعاقب ms229 بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما غش من ~~الخبز واللبن، أو غش في المسك والزعفران: فلا يهراق ولا ينهب. # قال ابن حبيب: ولا يرده الإمام عليه، وليأمر ثقته ببيعه عليه ممن يأمن ~~ألا يغش به، ويكسر الخبز إذا كسد، ثم يسلمه لصاحبه، ويباع عليه العسل ~~والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله، ويبين له غشه، وهكذا العمل في كل ما غش ~~من التجارات، وهو إيضاح ما استوضحته من أصحاب مالك وغيرهم. # وروي عن مالك: أن المستحسن عنده، أن يتصدق به، إذ في ذلك عقوبة الغاش ~~بإتلافه عليه، ونفع المساكين بإعطائهم إياه. ولا يهراق. وقيل لمالك: ~~فالزعفران والمسك، أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك، إذا كان هو الذي غشه، ~~فهو كاللبن. # قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف ثمنه، فأما إذا كثر ثمنه: فلا أرى ~~ذلك، وعلى صاحبه العقوبة، لأنه تذهب في ذلك أموال عظام، تزيد في الصدقة ~~بكثير. # قال ابن رشد: قال بعض الشيوخ: وسواء - على مذهب مالك - كان ذلك يسيرا أو ~~كثيرا، لأنه يسوي في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره. # وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا. ذلك: إذا ~~كان هو الذي غشه، فأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما ~~اشتراه، أو وهب له، أو ورثه: فلا خلاف أنه لا يتصدق بشيء من ذلك، والواجب: ~~أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا به، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من ~~المسك والزعفران: يباع على الذي غشه. # PageV01P227 # وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك إلا بالشيء اليسير: أحسن من قول ~~مالك، لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، وذلك أمر كان في أول ~~الإسلام. ومن ذلك: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مانع الزكاة: ~~«إنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا» (30) . # وروي عنه في حريسة النخل: «أن فيها غرامة مثلها وجلدات نكال» وما روي ~~عنه: «أن من وجد يصيد في ms230 حرم المدينة شيئا، فلمن وجده سلبه» . # ومثل هذا كثير: نسخ ذلك كله، والإجماع على أنه لا يجب، وعادت العقوبات في ~~الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا، والقياس: أنه لا ~~يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير، انتهى كلامه. وقد عرفت أنه ليس مع من ادعى ~~النسخ نص ولا إجماع. # والعجب: أنه قد ذكر نص مالك وفعل عمر، ثم جعل قول ابن القاسم أولى، ونسخ ~~النصوص بلا ناسخ، فقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد: أولى بالصواب بل هو ~~إجماع الصحابة، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدا ولم ينكره منهم ~~منكر، وعمر يفعله بحضرتهم، وهم يقرونه، ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، ~~والمتأخرون كلما استبعدوا شيئا، قالوا: منسوخ، ومتروك العمل به. # وقد أفتى ابن القطان في الملاحف الرديئة النسج بالإحراق بالنار، وأفتى ~~ابن عتاب فيها بتقطيعها خرقا، وإعطائها للمساكين، إذا تقدم لمستعملها فلم ~~ينته، ثم أنكر ابن القطان ذلك، وقال: لا يحل هذا في مال مسلم بغير إذنه، ~~يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق. # وأنكر ذلك القاضي أبو الأصبغ علي بن القطان، وقال: هذا اضطراب في جوابه، ~~وتناقض في قوله، لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار: أشد من إعطائها ~~للمساكين. # قال: وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله. # وفي تفسير ابن مزين " قال عيسى: قال مالك - في الرجل يجعل في مكياله زفتا ~~- إنه يقام من السوق، فإنه أشق عليه، يريد، من أدبه بالضرب والحبس. ### | [فصل في واجبات الشريعة التي هي حق الله تعالى ثلاثة أقسام] ### | 114 - # (فصل) # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: واجبات الشريعة - التي هي حق ~~الله تعالى - ثلاثة # PageV01P228 # أقسام: عبادات، كالصلاة، والزكاة، والصيام، وعقوبات: إما مقدورة، وإما ~~مفوضة، وكفارات. # وكل واحد من أقسام الواجبات: ينقسم إلى بدني، وإلى مالي، وإلى مركب ~~منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة، والمركبة: ~~كالحج. والكفارات المالية: كالإطعام، والبدنية: كالصيام، والمركبة: كالهدي ~~يذبح ويقسم. # والعقوبات البدنية: كالقتل والقطع، والمالية: كإتلاف أوعية الخمر، ~~والمركبة: كجلد السارق من غير حرز، وتضعيف ms231 الغرم عليه، وكقتل الكفار وأخذ ~~أموالهم. # والعقوبات البدنية: تارة تكون جزاء على ما مضى، كقطع السارق، وتارة تكون ~~دفعا عن الفساد المستقبل، وتارة تكون مركبة، كقتل القاتل. # وكذلك المالية، فإنها منها ما هو من باب إزالة المنكر، وهي تنقسم ~~كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير. فالأول: المنكرات من ~~الأعيان والصور، يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون ~~الله، لما كانت صورها منكرة: جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرا أو خشبا ~~ونحو ذلك: جاز تكسيرها وتحريقها، وكذلك آلات الملاهي - كالطنبور - يجوز ~~إتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد. # قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودا كان مع أمة لإنسان، ~~فهل يغرمه، أو يصلحه؟ قال: لا أرى عليه بأسا أن يكسره، ولا يغرمه ولا ~~يصلحه، قيل له: فطاعتها؟ قال: ليس لها طاعة في هذا. # وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج، فنهاهم فلم ~~ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، ~~قيل له: وكذلك إن كسر عودا أو طنبورا؟ قال: نعم. # وقال عبد الله: سمعت أبي - في رجل يرى مثل الطنبور أو العود، أو الطبل، ~~أو ما أشبه هذا - ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفا فاكسره. # وقال يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسن: إن أبا عبد الله سئل عن الرجل يرى ~~الطنبور والمنكر: أيكسره؟ قال: لا بأس. # وقال أبو الصقر: سألت أبا عبد الله عن رجل رأى عودا أو طنبورا فكسره، ما ~~عليه؟ قال: قد أحسن، وليس عليه في كسره شيء. # PageV01P229 # وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عمن كسر الطنبور والعود؟ فلم ير ~~عليه شيئا. # وقال إسحاق بن إبراهيم: سئل أحمد عن الرجل يرى الطنبور أو طبلا مغطى: ~~أيكسره؟ قال إذا تبين أنه طنبور أو طبل كسره. # وقال أيضا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكسر الطنبور، أو الطبل: عليه في ~~ذلك شيء؟ قال: يكسر هذا كله، ms232 وليس يلزمه شيء. # وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ ~~قال: يكسر أيضا، قلت: أمر في السوق، فأرى الطنبور يباع: أأكسره؟ قال: ما ~~أراك تقوى، إن قويت - أي فافعل - قلت: أدعى لغسل الميت، فأسمع صوت الطبل؟ ~~قال: إن قدرت على كسره، وإلا فاخرج. # وقال: في رواية إسحاق بن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل والقنينة - ~~قال: فإذا كان طنبور أو طبل، وفي القنينة مسكر: اكسره. # وفي " مسائل صالح " قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر، ويكسر الصليب. ~~وهذا قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر، وطائفة ~~من أهل الحديث، وجماعة من السلف، وهو قول قضاة العدل. # قال أبو حصين: كسر رجل طنبورا، فخاصمه إلى شريح، فلم يضمنه شيئا. # وقال أصحاب الشافعي: يضمن ما بينه وبين الحد المبطل للصورة، وما دون ذلك: ~~فغير مضمون، لأنه مستحق الإزالة، وما فوقه فقابل للتمول: لتأتي الانتفاع ~~به، والمنكر إنما هو الهيئة المخصوصة، فيزول بزوالها؛ ولهذا أوجبنا الضمان ~~في الصائل بما زاد عن قدر الحاجة في الدفع، وكذا الحكم في البغاة في اتباع ~~مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، والميتة: في حال المخمصة، لا يزاد على قدر ~~الحاجة في ذلك كله. # قال أصحاب القول الأول: قد أخبر الله سبحانه عن كليمه موسى - عليه السلام ~~-: أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله، ونسفه في اليم، وكان من ذهب وفضة، ~~وذلك محق له بالكلية، وقال عن خليله إبراهيم: {فجعلهم جذاذا} [الأنبياء: ~~58] وهو الفتات، وذلك نص في الاستئصال. # وروى الإمام أحمد في مسنده " والطبراني في " المعجم " من حديث الفرج بن ~~فضالة عن علي بن يزيد # PageV01P230 # عن القاسم عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن الله بعثني رحمة للعالمين، وهدى للعالمين، وأمرني ربي ~~بمحق المعازف والمزامير والأوثان، والصلب وأمر الجاهلية» لفظ الطبراني. ~~والفرج حمصي، قال أحمد في رواية: هو ثقة. # وقال يحيى: ليس به بأس، وتكلم فيه آخرون، وعلي بن يزيد: دمشقي ضعفه ms233 غير ~~واحد. # وقال أبو مسهر - وهو بلديه - لا أعلم به إلا خيرا، وهو أعرف به، " والمحق ~~" نهاية الإتلاف. وأيضا: فالقياس يقتضي ذلك، لأن محل الضمان: هو ما قبل ~~المعاوضة، وما نحن فيه لا يقبلها ألبتة، فلا يكون مضمونا، وإنما قلنا: لا ~~يقبل المعاوضة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله حرم بيع ~~الخمر والميتة والخنزير والأصنام» وهذا نص، وقال: «إن الله إذا حرم شيئا ~~حرم ثمنه» والملاهي محرمات بالنص، فحرم بيعها. # وأما قبول ما فوق الحد المبطل للصورة لجعله آنية: فلا يثبت به وجوب ~~الضمان، لسقوط حرمته، حيث صار جزء المحرم: أو ظرفا له، كما أمر به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من كسر دنان الخمر، وشق ظروفها، فلا ريب أن للمجاورة ~~تأثيرا في الامتهان والإكرام. # وقد قال تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} ~~[النساء: 140] . # و «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القوم: يكونون بين المشركين، ~~يؤاكلونهم ويشاربونهم؟ فقال: هم منهم» هذا لفظه أو معناه. # PageV01P231 # فإذا كان هذا في المجاورة المنفصلة فكيف بالمجاورة التي صارت جزءا من ~~أجزاء المحرم، أو لصيقة به؟ وتأثير الجوار ثابت عقلا وشرعا وعرفا. ~~والمقصود: أن إتلاف المال - على وجه التعزير والعقوبة - ليس بمنسوخ. # وقد قال أبو الهياج الأسدي: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما ~~بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ألا أدع تمثالا إلا طمسته، ~~ولا قبرا مشرفا إلا سويته» رواه مسلم، وهذا يدل على طمس الصور في أي شيء ~~كانت، وهدم القبور المشرفة، وإن كان من حجارة أو آجر أو لبن. # قال المروذي: قلت لأحمد: الرجل يكتري البيت، فيرى فيه تصاوير، ترى أن ~~يحكها؟ قال: نعم، وحجته: هذا الحديث الصحيح. وروى البخاري في صحيحه " عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى ~~الصور في البيت لم يدخل حتى أمر ms234 بها فمحيت» . وفي " الصحيحين ": أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» . وفي ~~" صحيح البخاري " عن عائشة: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان لا ~~يترك # PageV01P232 # في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي ~~بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل ~~الخنزير، ويضع الجزية» . # فهؤلاء رسل الله، صلوات الله وسلامه عليهم - إبراهيم وموسى وعيسى وخاتم ~~المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - كلهم على محق المحرم وإتلافه ~~بالكلية، وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا التفات إلى من خالف ذلك. # وقد قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: دفع إلي إبريق فضة لأبيعه، أترى أن ~~أكسره، أو أبيعه كما هو؟ قال: اكسره. # وقال: قيل لأبي عبد الله: إن رجلا دعا قوما، فجيء بطست فضة، وإبريق فضة، ~~فكسره، فأعجب أبا عبد الله كسره. وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجل بشيء، ~~فدخلت عليه، فأتي بمكحلة رأسها مفضض، فقطعتها، فأعجبه ذلك، وتبسم. ووجه ~~ذلك: أن الصياغة محرمة، فلا قيمة لها ولا حرمة. # وأيضا: فتعطيل هذه الهيئة مطلوب، فهو بذلك محسن، وما على المحسنين من ~~سبيل. ### | [فصل في تحريق الكتب المضلة وإتلافها] ### | 115 - # (فصل) # وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها. # قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو ~~أحرقه؟ قال: نعم. # وقد «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة، ~~وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعر وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ذهب به ~~عمر إلى التنور فألقاه فيه» . # PageV01P233 # فكيف لو رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صنف بعده من الكتب التي ~~يعارض بعضها ما في القرآن والسنة؟ والله المستعان. # وقد " أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كتب عنه شيئا غير القرآن أن ~~يمحوه " ثم " أذن في كتابة سنته " ولم يأذن في غير ذلك. ms235 # وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة: غير مأذون فيها، بل مأذون في ~~محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميع المصاحف ~~المخالفة لمصحف عثمان، لما خافوا على الأمة من الاختلاف، فكيف لو رأوا هذه ~~الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة: # وقال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون أن أبا الحارث حدثهم قال: قال أبو ~~عبد الله: أهلكهم وضع الكتب، تركوا آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأقبلوا على الكلام. # وقال: أخبرني محمد بن أحمد بن واصل المقري قال: سمعت أبا عبد الله - وسئل ~~عن الرأي؟ - فرفع صوته، قال: لا يثبت شيء من الرأي، عليكم بالقرآن والحديث ~~والآثار. # وقال في رواية ابن مشيش: إن أبا عبد الله سأله رجل، فقال: أكتب الرأي؟ ~~فقال: ما تصنع بالرأي؟ عليك بالسنن فتعلمها وعليك بالأحاديث المعروفة. # وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: هذه الكتب بدعة وضعها. # وقال إسحاق بن منصور: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يعجبني شيء من وضع ~~الكتب، من وضع شيئا من الكتب فهو مبتدع. # وقال المروذي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، قال: ~~قال لي ابن عون: يا حماد، هذه الكتب تضل. # وقال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله خطأ الناس في العلم، فقال: وأي الناس ~~لا يخطئ؟ ولا سيما من وضع الكتب، فهو أكثر خطأ. # وقال إسحاق: سمعت أبا عبد الله - وسأله قوم من أردبيل عن رجل يقال له: ~~عبد الرحيم، وضع كتابا - فقال أبو عبد الله: هل أحد من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فعل ذا؟ أو أحد من # PageV01P234 # التابعين؟ وأغلظ وشدد في أمره، وقال: انهوا الناس عنه، وعليكم بالحديث. ~~وقال في رواية أبي الحارث: ما كتبت من هذه الكتب الموضوعة شيئا قط. # وقال محمد بن زيد المستملي: سأل أحمد رجل، فقال: أكتب كتب الرأي؟ قال: لا ~~تفعل، عليك بالحديث والآثار، فقال له السائل: إن ابن المبارك قد كتبها، ~~فقال له أحمد: ابن المبارك لم ينزل من ms236 السماء، إنما أمرنا أن نأخذ العلم من ~~فوق. # وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي - وذكر وضع الكتب - فقال: أكرهها، هذا ~~أبو فلان وضع كتابا، فجاءه أبو فلان فوضع كتابا، وجاء فلان فوضع كتابا، ~~فهذا لا انقضاء له، كلما جاء رجل وضع كتابا، وهذه الكتب وضعها بدعة، كلما ~~جاء رجل وضع كتابا، وترك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ~~ليس إلا الاتباع والسنن، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ~~وعاب وضع الكتب وكرهه كراهة شديدة. # وقال المروذي في موضع آخر: قال أبو عبد الله: يضعون البدع في كتبهم، إنما ~~أحذر عنها أشد التحذير، قلت: إنهم يحتجون بمالك: أنه وضع كتابا؟ فقال أبو ~~عبد الله: هذا ابن عون والتيمي ويونس وأيوب: هل وضعوا كتابا؟ هل كان في ~~الدنيا مثل هؤلاء؟ وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث، فكيف الرأي؟ ~~وكلام أحمد في هذا كثير جدا، قد ذكره الخلال في كتاب العلم. # ومسألة وضع الكتب: فيها تفصيل، ليس هذا موضعه، وإنما كره أحمد ذلك، ومنع ~~منه: لما فيه من الاشتغال به، والإعراض عن القرآن والسنة، فإذا كانت الكتب ~~متضمنة لنصر القرآن والسنة والذب عنهما، وإبطال للآراء والمذاهب المخالفة ~~لهما فلا بأس بها، وقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة، بحسب اقتضاء الحال، ~~والله أعلم. # والمقصود: أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها ~~وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، ~~فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر ~~وشق زقاقها. # قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: لو رأيت مسكرا في قنينة أو قربة تكسر، ~~أو تصب؟ قال: تكسر. # وقال أبو طالب: قلت نمر على المسكر القليل أو الكثير: أكسره؟ قال: نعم ~~تكسره. # قال محمد بن حرب: قلت لأبي عبد الله: ألقى رجلا ومعه قربة مغطاة؟ قال: ~~بريبة؟ قلت: نعم، قال تكسرها. # PageV01P235 # وقال في رواية ابن منصور - في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى والقنينة - ~~إذا كان، يعني ms237 أنه يتبين أنه طنبور أو طبل، أو فيها مسكر: كسره. # وقد روى عبد الله بن أبي الهذيل، قال: «كان عبد الله بن مسعود يحلف بالله ~~أن التي أمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حرمت الخمر - أن ~~تكسر دنانها، وأن تكفأ: ثمر التمر والزبيب» رواه الدارقطني في " السنن " ~~بإسناد صحيح. # وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة «أنه قال: يا نبي الله، إني اشتريت خمرا ~~لأيتام في حجري، قال: أهرق الخمر، واكسر الدنان» رواه الترمذي من حديث ليث ~~بن أبي سليم عن يحيى بن عباد عنه. # وفي " مسند أحمد " من حديث أبي طعمة قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: ~~«لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمربد، فإذا بزقاق على المربد ~~فيها خمر، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدية - وما عرفت ~~المدية إلا يومئذ - فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: لعنت الخمر وشاربها، ~~وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها» الحديث. في " المسند " # أيضا عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن عمر: «أمرني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن آتيه بمدية، فأتيته بها، فأرسل بها فأرهفت، ثم ~~أعطانيها، وقال: اغد علي بها، ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، ~~وفيها زقاق خمر، قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني، فشق ما كان من تلك ~~الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي، وأن ~~يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها، فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ~~ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته» . # وفي " الصحيحين " عن أنس بن مالك قال: " كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، ~~وأبا طلحة # PageV01P236 # وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر، فأتاهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، ~~فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرة فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، ~~فضربتها بأسفله حتى تكسرت ". # وفي " سنن النسائي وأبي داود " عن أبي هريرة، قال: " علمت أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يصوم في بعض الأيام ms238 التي كان يصومها، فتحينت ~~فطره بنبيذ صنعته في دن، فلما كان المساء جئته أحملها إليه - فذكر الحديث - ~~ثم قال: فرفعتها إليه، فإذا هو ينش، فقال: خذ هذه فاضرب بها الحائط، فإن ~~هذا شراب من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر» . ### | [فصل في الفاسق يأوي إليه أهل الفسق والخمر] ### | 116 - # (فصل) # وقال ابن أبي عمر: قال ابن القاسم: سئل مالك - رحمه الله - عن فاسق يأوي ~~إليه أهل الفسق والخمر: ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله، ويكرى إليه الدار ~~والبيوت، قال: فقلت: ألا تباع؟ قال: لا، لعله يتوب، فيرجع إلى منزله. # قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة، أو مرتين أو ثلاثا، فإن لم ينته أخرج ~~وأكريت عليه. # قال ابن رشد: قد قال مالك في " الواضحة ": إنها تباع عليه، خلال قوله في ~~هذه الرواية، قال: وقوله فيها أصح؛ لما ذكره من أنه قد يتوب ويرجع إلى ~~منزله، ولو لم تكن الدار له، وكان فيها بكراء: أخرج منها، وأكريت عليه، ولم ~~يفسخ كراؤه فيها، قاله في كراء الدور من " المدونة ". # وقد روى يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، قال: وقد أخبرني ~~بعض أصحابنا أن مالكا كان يستحب أن يحرق بيت الخمار الذي يبيع الخمر، قيل ~~له: فالنصراني يبيع الخمر من المسلمين؟ قال: إذا تقدم إليه فلم ينته، فأرى ~~أن يحرق عليه بيته بالنار. # قال: وحدثني الليث أن عمر بن الخطاب: " حرق بيت رويشد الثقفي، لأنه كان ~~يبيع الخمر، وقال له: أنت فويسق، ولست برويشد ". ### | [فصل في اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال] ### | 117 - # (فصل) # ومن ذلك: أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في ~~الأسواق، والفرج، ومجامع الرجال. # PageV01P237 # قال مالك - رحمه الله - ورضي عنه: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصياغ في ~~قعود النساء إليهم، وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ فأما ~~المرأة المتجالة والخادم الدون، التي لا تتهم على القعود، ولا يتهم من تقعد ~~عنده: فإني لا أرى بذلك بأسا، انتهى. # فالإمام ms239 مسئول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» . # وفي حديث آخر «باعدوا بين الرجال والنساء» وفي حديث آخر: أنه قال للنساء: ~~«لكن حافات الطريق» . # ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي ~~يكن بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة والرقاق، ومنعهن من حديث الرجال، ~~في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك. وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة - ~~إذا تجملت وتزينت وخرجت - ثيابها بحبر ونحوه، فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء ~~وأصاب، وهذا من أدنى عقوبتهن المالية. # وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيما إذا خرجت ~~متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية، والله سائل ~~ولي الأمر عن ذلك. # وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النساء من المشي ~~في طريق الرجال، والاختلاط بهم في الطريق. فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ~~ذلك. # وقال الخلال في جامعه ": أخبرني محمد بن يحيى الكحال: أنه قال لأبي عبد ~~الله: أرى الرجل # PageV01P238 # السوء مع المرأة؟ قال: صح به، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية» . # و " يمنع المرأة إذا أصابت بخورا أن تشهد عشاء الآخرة في المسجد ". فقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان» . # ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو من ~~أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة ~~والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب ~~الموت العام، والطواعين المتصلة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى، وفشت فيهم ~~الفاحشة: أرسل الله إليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفا، والقصة ~~مشهورة في كتب التفاسير. # فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن ~~بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك ms240 من ~~فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعا لذلك. # قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: " إذا ظهر الزنا في قرية أذن ~~الله بهلاكها ". # وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن الأشعث حدثنا عبد الرحمن بن زيد ~~العمي عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما طفف قوم كيلا، ولا بخسوا ميزانا، إلا منعهم الله عز وجل ~~القطر، ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، ولا ظهر في قوم عمل قوم ~~لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ~~لم ترفع # PageV01P239 # أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم» . ### | [فصل في اللاعبين بالحمام على رءوس الناس] ### | 118 - # (فصل) # وعليه أن يمنع اللاعبين بالحمام على رءوس الناس، فإنهم يتوسلون بذلك إلى ~~الإشراف عليهم، والتطلع على عوراتهم. # وقد روى أبو داود في سننه " من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: أنه «رأى رجلا يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع ~~شيطانة» . # وقال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمائم الطيارة: لم يمت حتى يذوق ألم ~~الفقر. # وقال الحسن: " شهدت عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو يخطب، يأمر بذبح ~~الحمام، وقتل الكلاب " ذكره البخاري. # وقال خالد الحذاء عن بعض التابعين: قال: كان تلاعب آل فرعون بالحمام. ~~وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام. # وقال ابن المبارك عن سفيان: سمعنا أن اللعب بالجلاهق واللعب بالحمام من ~~عمل قوم لوط. # وذكر البيهقي عن أسامة بن زيد قال: " شهدت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- يأمر بالحمائم الطيارة فيذبحن، ويترك المقصصات ". ### | [فصل في اتخاذ الحمام في الأبرجة] ### | 119 - # (فصل) # واختلف الفقهاء: هل يمنع الرجل من اتخاذ الحمام في الأبرجة إذا أفسدت بذر ~~الناس وزرعهم؟ فقال أبو حبيب عن مطرف، في النحل يتخذها الرجل في القرية ~~ويتخذ الكوى للعصافير تأوي إليها، وكذلك الحمام في إيذائها وإفسادها الزرع: ~~يمنع من اتخاذ ما يضر الناس في زرعهم؛ ms241 لأن هذا طائر لا يمكن الاحتراز منه. # PageV01P240 # وقال ابن كنانة في " المجموعة ": لا يمنع أحد من اتخاذ برج الحمام، وإن ~~تأذى به جيرانه، وكذلك العصافير والدجاج، وعلى أهل الزرع والحوائط أن ~~يحرسوها بالنهار. قلت: قول مطرف أصح وأفقه؛ لأن حراسة الزرع والحوائط من ~~الطيور أمر متعسر جدا، بخلاف حراستها من البهائم، وقياس البهائم على الطير ~~لا يصح. # وقال أصبغ عن ابن القاسم: هي كالماشية، وإن أضرت. والقياس: أن صاحبها ~~يضمن ما أتلفت من الزرع مطلقا، لأنه باتخاذها صار متسببا في إتلاف زروع ~~الناس، بخلاف المواشي؛ فإنه يمكن صونها وضبطها، فإذا أتلفت بغير اختياره ~~وأفسدت، فلا ضمان عليه، لأن التقصير من أصحاب الحوائط، وأما الطيور: فلا ~~يمكن أصحاب الحوائط التحفظ منها. # فإن قيل: فما تقولون في السنور إذا أكلت الطيور، وأكفأت القدور؟ قيل: على ~~مقتنيها ضمان ما تتلفه من ذلك ليلا ونهارا، ذكره أصحاب أحمد، وهو أصح ~~الوجهين للشافعية؛ لأنها في معنى الكلب العقور، فوجب إلحاقها به؛ ولأن من ~~شأنها أن تضبط وتربط، فإرسالها تفريط، وإن لم يكن ذلك من عادتها بل فعلته ~~نادرا: فلا ضمان ذكره في " المغني " وهو أصح الوجهين للشافعية. # فإن قيل: فهل تسوغون قتلها لذلك؟ قلنا: نعم، إذا كان ذلك عادة لها. # وقال ابن عقيل، وبعض الشافعية: إنما تقتل حال مباشرتها للجناية، فأما في ~~حال سكونها وعدم صولها: فلا. # والصحيح: خلاف ذلك، وأنها تقتل، وإن كانت ساكنة، كما يقتل من طبعه الفساد ~~والأذى في حال سكونه، ولا تنتظر مباشرته. # وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «يقتل المحرم السبع العادي» # وقال الترمذي: هذا حديث حسن، والهرة سبع. # PageV01P241 # وفي " الصحيحين " عنه - صلى الله عليه وسلم -: «خمس فواسق يقتلن في الحل ~~والحرم: الحدأة، والفأرة، والحية، والغراب الأبقع، والكلب العقور» وفي لفظ ~~" العقرب " بدل " الحية " ولم يشترط في قتلهن أن يكون حال المباشرة. ### | [فصل في المرض المعدي كالجذام إذا استضر الناس بأهله] ### | 120 - # (فصل) # في المرض المعدي: كالجذام إذا ms242 استضر الناس بأهله: قال ابن وهب - في ~~المبتلى يكون له في منزله سهم، وله حظ في شرب فأراد من معه في المنزل ~~إخراجه منه، وزعموا أن استقاءه من مائهم الذي يشربونه مضر بهم، فطلبوا ~~إخراجه من المنزل. # قال ابن وهب: إذا كان له مال: أمر أن يشتري لنفسه من يقوم بأمره، ويخرج ~~في حوائجه، ويلزم هو بيته فلا يخرج، وإن لم يكن له مال: خرج من المنزل، إذا ~~لم يكن فيه شيء، وينفق عليه من بيت المال. # وقال عيسى - في قوم ابتلوا بالجذام وهم في قرية موردهم واحد، ومسجدهم ~~واحد، فيأتون المسجد فيصلون فيه، ويجلسون فيه معهم، ويردون الماء ويتوضئون، ~~فيتأذى بذلك أهل القرية، وأرادوا منعهم من ذلك كله - قال: أما المسجد فلا ~~يمنعون الصلاة فيه، ولا من الجلوس، ألا ترى إلى قول عمر بن الخطاب للمرأة ~~المبتلاة - لما رآها تطوف بالبيت مع الناس: " لو جلست في بيتك لكان خيرا ~~لك؟ " ولم يعزم عليها بالنهي عن الطواف، ودخول البيت، وأما استقاؤهم من ~~مائهم، وورودهم المورد للوضوء وغير ذلك: فيمنعون، ويجعلون لأنفسهم صحيحا ~~يستقي لهم الماء في آنية، ثم يفرغها في آنيتهم. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» وذلك ضرر ~~بالأصحاء فأرى أن يحال # PageV01P242 # بينهم وبين ذلك، ألا ترى أنه يفرق بينه وبين زوجته، ويحال بينه وبين وطء ~~جواريه للضرر؟ فهذا منه. # وقال ابن حبيب عن مطرف في الجذامى: وأما الواحد والنفر اليسير: فلا ~~يخرجون من الحاضرة، ولا من قرية، ولا من سوق، ولا من مسجد جامع، لأن عمر لم ~~يعزم على المرأة وهي تطوف بالبيت، وكذلك معيقيب الدوسي قد جعله عمر - رضي ~~الله عنه - على بيت المال، وكان عمر يجالسه ويؤاكله، ويقول له: " كل مما ~~يليك " فإذا كثروا: رأيت أن يتخذوا لأنفسهم موضعا، كما صنع بمرضى مكة، ولا ~~يمنعون من الأسواق لتجارتهم، وشراء حوائجهم، أو الطواف للسؤال، إذا لم يكن ~~إمام يرزقهم من الفيء، ولا يمنعون من الجمعة، ويمنعون من غير ذلك. # وروى سحنون: أنهم ms243 لا يجمعون مع الناس الجمعة. # وأما مرضى القرى: فلا يخرجون منها، وإن كثروا، ولكن يمنعون من أذى الناس ~~وقال أصبغ: ليس على مرضى الحواضر الخروج منها إلى ناحية أخرى، ولكن إن ~~كفاهم الإمام المؤنة منعوا من مخالطة الناس بلزوم بيوتهم والتنحي عنهم وقال ~~ابن حبيب: يحكم عليهم بتنحيهم ناحية إذا كثروا، وهو الذي عليه فقهاء ~~الأمصار. # قلت: يشهد لهذا: الحديث الصحيح الذي رواه البخاري من حديث سعيد بن ميناء ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عدوى؛ ولا ~~هامة، ولا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الأسد، أو قال: من الأسود» . # وروى مسلم في صحيحه " من حديث يعلى بن عطاء عن عمرو بن الشريد عن أبيه، ~~قال: # PageV01P243 # «كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~إنا بايعناك فارجع» . # وفي " مسند أبي داود الطيالسي ": حدثنا ابن أبي الزناد، عن محمد بن عبد ~~الله القرشي، عن أمه، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا تديموا النظر إليهم: يعني المجذومين» ومحمد هذا هو محمد بن عبد الله بن ~~عمرو بن عثمان. # ولا تعارض بين هذا وبين ما رواه مفضل بن فضالة عن حبيب بن الشهيد عن ابن ~~المنكدر عن جابر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد مجذوم، ~~فوضعها معه في قصعته، وقال: كل باسم الله، وتوكلا على الله» فإن هذا يدل ~~على جواز الأمرين، وهذا في حق طائفة، وهذا في حق طائفة، فمن قوي توكله ~~واعتماده ويقينه من الأمة: أخذ بهذا الحديث، ومن ضعف عن ذلك: أخذ بالحديث ~~الآخر، وهذه سنة، وهذه سنة والله أعلم. # فإذا أراد أهل الدار أن يؤاكلوا المجذومين ويشاربوهم ويضاجعوهم: فلهم ~~ذلك، وإن أرادوا مجانبتهم ومباعدتهم: فلهم ذلك. وفي قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا تديموا النظر إلى المجذومين» ، فائدة طبية عظيمة، وهي أن ~~الطبيعة نقالة، فإذا أدام النظر إلى المجذوم خيف عليه أن يصيبه ذلك بنقل ~~الطبيعة، وقد جرب الناس أن ms244 المجامع إذا نظر إلى شيء عند الجماع وأدام النظر ~~إليه، انتقل من صفته إلى الولد، وحكى بعض رؤساء الأطباء أنه أجلس ابن أخ له ~~للكحل فكان ينظر في أعين الرمد فيرمد، فقال له: اترك الكحل، فتركه فلم يعرض ~~له رمد، قال: لأن الطبيعة نقالة. # وذكر البيهقي وغيره: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة من ~~غفار، فدخل عليها، فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بياضا عند ثدييها، فانحاز ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفراش، فلما أصبح قال: الحقي بأهلك» # PageV01P244 # وحمل لها صداقها. ### | [فصل ومن طرق الحكم الحكم بالقرعة] ### | 121 - # (فصل) # ومن طرق الأحكام: الحكم بالقرعة، قال تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون} [آل عمران: 44] قال قتادة: " كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح ~~عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بسهامهم، أيهم يكفلها، فقرع زكريا، وكان ~~زوج أختها، فضمها إليه ". # وروي نحوه عن مجاهد وقال ابن عباس: " لما وضعت مريم في المسجد اقترع ~~عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها " وهذا ~~متفق عليه بين أهل التفسير. # وقال تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين} [الصافات: 139] {إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون} [الصافات: 140] {فساهم فكان من المدحضين} [الصافات: 141] يقول ~~تعالى: فقارع، فكان من المغلوبين. # فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من ~~قبلنا إن صح ذلك عنهم، وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناس ما في النداء ~~والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه» . # PageV01P245 # وفي " الصحيحين " أيضا عن عائشة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» . # وفي " صحيح مسلم " عن عمران بن حصين: «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند ~~موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع ms245 بينهم: فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا ~~شديدا» . # وفي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عرض على قوم اليمين، فسارعوا إليه، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين: أيهم ~~يحلف» . # وفي " سنن أبي داود " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أكره ~~اثنان على اليمين، أو استحباها، فليستهما عليها» # وفي رواية أحمد: «إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها» . وفيه أيضا ~~«أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس لواحد ~~منهما بينة، فقال: استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها» . # وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: ~~«أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم ~~تكن لهما بينة إلا دعواهما، فقال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له ~~من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار» . ورواه ~~أبو داود في " السنن " وفيه: «فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، ~~فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما إذا فعلتما ما فعلتما ~~فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا» . # فهذه السنة - كما ترى - قد جاءت بالقرعة، كما جاء بها الكتاب، وفعلها ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعده، قال البخاري في صحيحه ": " ~~ويذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع # PageV01P246 # بينهم سعد ". # وقد صنف أبو بكر الخلال مصنفا في القرعة، وهي في " جامعه "، فذكر مقاصده. # قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر بن محمد: القرعة جائزة. # وقال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة، ومن قال إنها قمار؟ ~~قال: إن كان ممن سمع الحديث: فهذا كلام رجل سوء يزعم أن حكم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قمار،،؟ # وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن ابن أكثم يقول: إن القرعة ms246 قمار، ~~قال: هذا قول رديء خبيث، ثم قال: كيف؟ وقد يحكمون هم بالقرعة في وقت إذا ~~قسمت الدار، ولم يرضوا، قالوا: يقرع بينهم، وهو يقول: لو أن رجلا له أربع ~~نسوة فطلق إحداهن، وتزوج خامسة، ولم يدر أيتهن التي طلق؟ قال: يورثهن ~~جميعا، ويأمرهن أن يعتددن جميعا، وقد ورث من لا ميراث لها، وقد أمر أن تعتد ~~من لا عدة عليها، والقرعة تصيب الحق، فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله، فقلت: إن بعض الناس ينكر ~~القرعة، ويقول: هي قمار اليوم، ويقول: هي منسوخة؟ فقال أبو عبد الله: من ~~ادعى أنها منسوخة، فقد كذب وقال الزور، القرعة سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أقرع في ثلاثة مواضع: أقرع بين الأعبد الستة، وأقرع بين نسائه ~~لما أراد السفر، وأقرع بين رجلين تدارآ في دابة، وهي في القرآن في موضعين. ~~قلت: يريد أنه أقرع بنفسه في ثلاثة مواضع، وإلا فأحاديث القرعة أكثر وقد ~~تقدم ذكرها. # قال: وهم يقولون إذا اقتسموا الدار والأرضين: أقرع بين القوم، فأيهم ~~أصابته القرعة: كان له ما أصاب من ذلك، يجبر عليه. # وقال الأثرم: إن أبا عبد الله ذكر القرعة واحتج بها، وبينها، وقال: إن ~~قوما يقولون: القرعة قمار، ثم قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم جهلوا، فيها عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس سنن. # قال الأثرم: وذكرت له أنا حديث الزبير في الكفن، فقال: حديث أبي الزناد؟ ~~فقلت: نعم. # قال أبو عبد الله. # قال أبو الزناد: يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله تعالى في موضعين من ~~كتابه. # وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في قوله تعالى: {فساهم فكان من ~~المدحضين} [الصافات: 141] # PageV01P247 # أي أقرع، فوقعت القرعة عليه. # قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: القرعة حكم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقضاؤه، فمن رد القرعة فقد رد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قضاءه وفعله، ثم قال: سبحان الله لمن قد علم بقضاء النبي - صلى الله ms247 عليه ~~وسلم - ويفتي بخلافه،، قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] ~~. # قال حنبل: وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: من قال بغير القرعة فقد خالف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنته التي قضى بها وقضى بها أصحابه ~~بعده. # وقال في رواية الميموني: في القرعة خمس سنن، حديث أم سلمة: «إن قوما أتوا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواريث وأشياء درست بينهم، فأقرع بينهم» ~~وحديث أبي هريرة - حين تداريا في دابة - فأقرع بينهما، وحديث الأعبد الستة، ~~وحديث أقرع بين نسائه، وحديث علي. # وقد ذكر أبو عبد الله من فعلها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ~~ابن الزبير، وابن المسيب، ثم تعجب من أصحاب الرأي وما يردون من ذلك. # قال الميموني: وقال لي أبو عبيد القاسم بن سلام - وذاكرني أمر القرعة ~~فقال: أرى أنها من أمر النبوة، وذكر قوله تعالى: {إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم} [آل عمران: 44] وقوله: {فساهم} [الصافات: 141] . # وقال أحمد، في رواية الفضل بن عبد الصمد: القرعة في كتاب الله، والذين ~~يقولون: القرعة قمار قوم جهال، ثم ذكر أنها في السنة، وكذلك قال في رواية ~~ابنه صالح: أقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - في خمسة مواضع، وهي في ~~القرآن في موضعين. # وقال أحمد في رواية المروذي: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد ~~الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عروة. # قال: أخبرني، أبي الزبير «أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى، حتى ~~كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تراهم، فقال: المرأة، المرأة. # قال الزبير: فتوهمت أنها أمي صفية، قال: فخرجت أسعى، فأدركتها قبل أن ~~تنتهي إلى القتلى قال: فلهزت في صدري - وكانت امرأة جلدة وقالت: إليك عني، ~~لا أم لك، قال فقلت: إن # PageV01P248 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم عليك، فرجعت وأخرجت ثوبين معها، ~~فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد ms248 بلغني مقتله، فكفنوه فيهما، ~~قال: فجئت بالثوبين ليكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل، ~~قد فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة: أن نكفن حمزة في ثوبين ~~والأنصاري لا كفن له، قلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان ~~أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفنا كل واحد في الثوب الذي طار له» ~~. # وقال في رواية صالح: وحديث الأجلح عن الشعبي عن أبي الخليل عن زيد بن ~~أرقم، وهو مختلف فيه. ### | [فصل في كيفية القرعة] ### | 122 - # (فصل) # في كيفية القرعة قال الخلال: حدثنا أبو النضر: أنه سمع أبا عبد الله يحب ~~من القرعة ما قيل عن سعيد بن المسيب " أن يأخذ خواتيمهم، فيضعها في كمه، ~~فمن خرج أولا: فهو القارع ". # وقال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: في القرعة يكتبون رقاعا؟ قال: إن ~~شاءوا رقاعا، وإن شاءوا خواتيمهم. # وقال ابن منصور: قلت لأحمد: كيف يقرع؟ قال: بالخاتم وبالشيء. # وقال إسحاق بن راهويه في القرعة: يؤخذ عود شبه القدح، فيكتب عليه " عبد " ~~وعلى الآخر " حر " وكذلك قال في رواية مهنا. # وقال بكر بن محمد عن أبيه: سألت أبا عبد الله كيف تكون القرعة؟ قال: يلقي ~~خاتما، يروى عن سعيد بن جبير، وإن جعل شيئا في طين أو يكون علامة قدر ما ~~يعرف صاحبه إذا كان له: فهو جائز. # وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كيف القرعة؟ فقال: سعيد بن جبير يقول ~~بالخواتيم، أقرع بين اثنين في ثوب، فأخرج خاتم هذا وخاتم هذا، قال ثم ~~يخرجون الخواتيم، ثم تدفع إلى رجل، فيخرج منها واحدا، قلت لأبي عبد الله: ~~فإن مالكا يقول: تكتب رقاع، وتجعل في طين؟ قال: وهذا أيضا، قيل لأبي عبد ~~الله: فإن الناس يقولون: القرعة هكذا وقال الرجل بأصابعه الثلاثة، فضمها ثم ~~فتحها فأنكر ذلك أبو عبد الله، وقال: ليس هو هكذا. # وقال مهنا: قلت لأبي عبد الله: كيف القرعة؟ أهو أن يخرج هذا - ويخرج هذا ~~وأشرت بيدي بأصابعي -؟ قال: نعم. ### | [فصل في مواضع القرعة] ### | 123 - # (فصل) ms249 # PageV01P249 # في مواضع القرعة # قال إسحاق: قلت لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمران بن حصين في الأعبد؟ ~~قال: نعم، قال: قيل في العتق في المرض وصية، فكأنه أوصى أن يعتق كل عبد على ~~انفراده، فإذا تعذر عتق جميعه عتق منه ما أمكن عتقه، كما لو كان ماله كله ~~عبدا واحدا، فأعتقه: عتق منه ما حمل الثلث قيل: هذا هو القياس الفاسد الذي ~~ردت به السنة الصحيحة الصريحة. # والفرق بين الموضعين: أن في مسألة العبد الواحد: لا يمكن غير جريان العتق ~~في بعضه، وأما في الأعبد: فتكميل الحرية في بعضهم بقدر الثلث ممكن، فكان ~~أولى من تنقيصها في كل واحد، فإن المريض قصد تكميل الحرية في الجميع، ولكن ~~منع لحق الورثة، فكان تكميلها في البعض موافقا لمقصود المعتق؛ ومقصود ~~الشارع، أما المعتق فإنه أراد تخليص جملة الرقبة، وأما الشارع فإنه متشوف ~~إلى تكميل الحرية دون تشقيصها، وتكميلها في الجميع: ضرر بالوارث، وتكميلها ~~في الثلث: مصلحة للمعتق والوارث والعبد، ولا يجوز العدول عنه. فالقياس ~~الصحيح، وأصول الشرع: مع الحديث الصحيح، وخلافه خلاف النص والقياس معا. # فإن قيل: فقد صار سدس كل عبد من الأعبد الستة مستحق الإعتاق، فإبطاله ~~إبطال لعتق مستحق؟ قيل: ليس كذلك، وإنما العتق المستحق عتق ثلث الأعبد، وهو ~~الذي ملكه إياه الشارع - صلى الله عليه وسلم - فصار كما لو أوصى بعتق ~~ثلثهم، فإنه هو الذي يملكه، وما لا يملكه: تصرفه فيه لغو وباطل، والوارث ~~إذا لم يجز إعتاق الجميع: كان تصرف المعتق فيما زاد على الثلث بمنزلة عدمه، ~~وإذا كان إنما أعتق الثلث حكما: أخرجنا الثلث بالقرعة، فأي قياس أصح من هذا ~~وأبين؟ . # فإن قيل: مدار الحديث على الحسن، وهو يرويه عن عمران بن حصين، وقد قال ~~أحمد في رواية الميموني: لا يثبت لقاء الحسن لعمران بن حصين. # وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث الحسن، قال: " حدثني عمران بن حصين " قال: ~~ليس بصحيح، بينهما هياج بن عمران بن الفضيل التميمي البرجمي عن عمران بن ~~حصين. # وقال عبد الله بن ms250 أحمد: وجدت في كتاب أبي - بخطه - حدثنا معاذ بن معاذ عن ~~شعيب عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران ~~بن حصين حديث القرعة. # وقال المروذي: ذكر أبو عبد الله حديث أبي المهلب، فقال: قد روى الحسن عن ~~عمران، ولم يسمعه، وقال يقولون: إنه أخذه من كتاب أبي المهلب. # PageV01P250 # قيل: هذا لا يضر الحديث شيئا، فإن أبا المهلب قد رواه عن عمران بن حصين ~~". وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حدثنا إسماعيل وهو ابن علية - ~~عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين " أن رجلا أعتق " ~~فذكره. # وقال مسلم: حدثنا محمد بن منهال الضرير وأحمد بن عبدة قالا: حدثنا يزيد ~~بن زريع حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين: بمثل حديث ~~ابن علية وحماد. فهؤلاء ثلاثة عن عمران بن حصين: محمد بن سيرين، وأبو ~~المهلب، والحسن البصري، وغاية الحسن: أن يكون سمعه من واحد منهما. # قال عبد الله بن أحمد قال أبي: حدثت أنه كان في كتاب همام عن قتادة عن ~~الحسن، قال: حدثنا عمرو بن معاوية أبو المهلب - حديث القرعة، وقال الخلال: ~~أخبرني العباس بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم، حدثنا جعفر الطيالسي، قال: ~~قال يحيى عن الحسن حدثنا عمران بن حصين، فإن لم يكن الحسن قد سمعه منه، كان ~~بمنزلة قوله: " حدث أهل بلدنا: " ولشهرة الحديث عندهم قال: " حدثنا ". # وقد وقع نظير هذا في حديث الدجال، وقول الذي يقتله: " أنت الدجال الذي ~~حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثه ". وقول أحمد عن حديث الحسن ~~عن عمران: " لا يصح " إنما أراد: قول الحسن " حدثني عمران " فإن مهنا بن ~~يحيى إنما سأله عن ذلك، فقال: سألت أحمد عن حديث الحسن. # قال: " حدثني عمران بن حصين " قال: ليس بصحيح، على أن الحديث قد صح من ~~غير طريق عمران. # قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروذي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد ms251 ~~الطحاوي، عن خالد يعني الحذاء - عن أبي قلابة عن أبي زيد: «أن رجلا من ~~الأنصار أعتق ستة مملوكين له، عند موته، وليس له مال غيرهم، فجزأهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» ~~. # قال المروذي قال أحمد: ما ظننا أن أحدا حدث بهذا إلا هشيم قال أبو عبد ~~الله أبو زيد - هذا - رجل من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وقال: كتبناه عن هشيم وقال: إليه أذهب. # قال أحمد: حدثنا شريح بن نعمان حدثنا هشيم قال: حدثنا خالد قال: حدثنا ~~أبو قلابة عن أبي زيد الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله. ### | [فصل فيمن طلق امرأة من نسائه لا يدري أيتهن هي أو أعتق عبدا من عبيده] ### | 124 - # (فصل) # PageV01P251 # ومن مواضع القرعة: إذا أعتق عبدا من عبيده، أو طلق امرأة من نسائه، لا ~~يدري أيتهن هي؟ فقال أحمد في رواية الميموني: إن مات قبل أن يقرع بينهن ~~يقوم وليه في هذا مقامه، يقرع بينهن، فأيتهن وقعت عليها القرعة لزمته. # وقال أبو بكر بن محمد عن أبيه: سألت أبا عبد الله: عن رجل أعتق أحد ~~غلاميه في صحته، ثم مات المولى، ولم يدر الورثة أيهما أعتق، قال: يقرع ~~بينهما. # وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله قال في القرعة: إذا قال: أحد غلامي حر، ثم ~~مات قبل أن يعلم: يقرع بينهما، فأيهما وقعت عليه القرعة عتق، كذا فعل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في الذي أعتق ستة أعبد له. # وقال مهنا: سألت أحمد عن رجل قال لامرأتين له: إحداكما طالق، أو لعبدين ~~له: أحدكما حر، قال: قد اختلفوا فيه، قلت: ترى أن يقرع بينهما؟ قال: نعم، ~~قلت: وتجيز القرعة في الطلاق؟ قال: نعم. # وقال في رواية الميموني - فيمن له أربع نسوة طلق واحدة منهن، ولم يدر: ~~يقرع بينهن، كذلك في الأعبد، فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة على واحدة، ثم ~~ذكر التي طلق: رجعت هذه، ويقع الطلاق على التي ذكر، فإن تزوجت فذاك شيء ms252 قد ~~مر، وإن كان الحاكم قد أقرع بينهن لم ترجع إليه. # وقال أبو الحارث عن أحمد - في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن، ولم تكن له ~~نية في واحدة بعينها - يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة، ~~وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ثم نسيها. # قال: والقرعة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد جاء بها القرآن. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقرع بينهن، ولكن إذا كان الطلاق لواحدة لا ~~بعينها ولا نواها، فإنه يختار صرف الطلاق إلى أيتهن شاء، وإن كان الطلاق ~~لواحدة بعينها ونسيها، فإنه يتوقف فيهما حتى يتذكر، ولا يقرع، ولا يختار ~~صرف الطلاق إلى واحدة منهما. # وقال مالك: يقع الطلاق على الجميع. والقول بالقرعة: مذهب علي بن أبي طالب ~~- رضي الله عنه - قال وكيع: سمعت عبد الله قال: سألت أبا جعفر عن رجل له ~~أربع نسوة، فطلق إحداهن، لا يدري أيتهن طلق، فقال: علي يقرع بينهن. # فالأقوال التي قيل بها في هذه المسألة لا تخرج عن أربعة: ثلاثة قيل بها، ~~وواحد لا يعلم به قائل. # أحدها: أنه يعين في المبهمة، ويقف في حق المنسية عن الجميع، فينفق عليهن ~~ويكسوهن، ويعتزلهن إلى أن يفرق بينهما الموت أو يتذكر، وهذا في غاية الحرج، ~~والإضرار به وبالزوجات، فينفيه. # PageV01P252 # قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» فأي حرج وضرر وإضرار أكثر من ذلك؟ # الثاني: أن يطلق عليه الجميع، مع الجزم بأنه إنما طلق واحدة، لا الجميع، ~~فإيقاع الطلاق بالجميع - مع القطع بأنه لم يطلق الجميع - ترده أصول الشرع ~~وأدلته. # الثالث: أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن؛ لأن النكاح ثابت بيقين، وكل ~~واحدة منهن مشكوك فيها: هل هي المطلقة أم لا؟ فلا تطلق بالشك، ولا يمكن ~~إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة، وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من ~~البعض، والقرعة قد تخرج غير المطلقة، فإنها كما يجوز أن تقع على المطلقة ~~يجوز أن تقع على غيرها، فإذا ms253 أخطأت المطلقة وأصابت غيرها أفضى ذلك إلى ~~تحريم من هي زوجة، وحل من هي أجنبية. # وإذا بطلت هذه الأقسام كلها تعين هذا التقرير، وهو بقاء النكاح في حق كل ~~واحدة منهن حتى يتبين أنها المطلقة، وإذا كان النكاح باقيا فيها، فأحكامه ~~مترتبة عليه، وأما بقاء النكاح وتحريم الوطء دائما: فلا وجه له. # فهذا القول: والقول بوقوع الطلاق على الجميع: متقابلان، وأدلتهما تكاد أن ~~تتكافأ، لا احتياط في إيقاع الطلاق بالجميع، فإنه يتضمن تحريم الفرج على ~~الزوج، وإباحته بالشك لغيره. # قال المقرعون: قد جعل الله سبحانه القرعة طريقا إلى الحكم الشرعي في ~~كتابه، وفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بها، وحكم بها علي بن ~~أبي طالب في المسألة بعينها، وكل قول غير القول بها: فإن أصول الشرع ~~وقواعده ترده. # أما وقوع الطلاق على الجميع - مع العلم بأنه إنما أوقعه على واحدة - ~~فتطليق لغير المطلقة، وهو نظير ما لو طلق طلقة واحدة أو ثلاثا، حيث يجوز أن ~~يجعل ثلاثا، فإنه يجوز أن يكون قد استوفى عدد الطلاق، وفي مسألتنا: هو جازم ~~بأنه لم يستوف عدد الطلقات، بل كل واحدة منهن قد شك: هل طلقها أم لا؟ ~~وغايته: أنه قد تيقن تحريما في واحدة لا بعينها، فكيف يحرم عليه غيرها؟ فإن ~~قيل: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة، فحرمتا معا، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، ~~وميتة بمذكاة. قيل: هاهنا معنا أصل يرجع إليه، وهو التحريم الأصلي، وقد وقع ~~الشك في سبب الحل، فلا يرفع التحريم الأصلي إلا بالنكاح، ثم وقع في عين غير ~~معينة، ومعنا أصل الحل المستصحب، فلا يمكن تعميم التحريم، ولا إلغاؤه ~~بالكلية، ولم يبق طريق إلى تعيين محله إلا بالقرعة، فتعينت طريقا. # قالوا: وأيضا فإن الطلاق قد وقع على واحدة منهن معينة؛ لامتناع وقوعه في ~~غير معين، فلم # PageV01P253 # يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء، لكن التعيين غير معلوم لنا، وهو معلوم ~~عند الله، وليس لنا طريق إلى معرفته، فتعينت القرعة. # يوضحه: أن التعيين من المطلق ليس إنشاء للطلاق في المعينة، ms254 فإنه لو كان ~~إنشاء لم يكن المتقدم طلاقا، ولكان الجميع حلالا له، ولما أمر بأن ينشئ ~~الطلاق، ولا افتقر إلى لفظ يقع به، وإذا لم يكن إنشاء فهو إخبار منه بأن ~~هذه المعينة هي التي أوقعت عليها الطلاق، وهذا خبر غير مطابق، بل هو خلاف ~~الواقع، وحاصله: أن التعيين إما أن يكون إنشاء للطلاق، أو إخبارا، ولا يصلح ~~لواحد منهما. # فإن قيل: بل هو إنشاء عندنا في المبهمة، وأما المنسية: فهو واقع من حين ~~طلق. قيل: لا يصح جعله إنشاء للطلاق، لأن الطلاق إما أن يكون قد وقع ~~بإحداهن أو لا، فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه، وإن كان قد وقع استحال ~~إنشاؤه أيضا، لأنه تحصيل للحاصل. # فإن قيل: فهذا يلزمكم أيضا، لأنكم تقولون: إن الطلاق يقع من حين الإقراع، ~~قيل: بل الطلاق عندنا في الموضعين واقع من حين الإيقاع. # قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب - في رجل له أربع نسوة، فطلق إحداهن ~~وتزوج أخرى، ومات، ولم يدر أي الأربع طلق - فلهذه الأخيرة: ربع الثمن، ثم ~~يقرع بين الأربع، فأيتهن قرعت أخرجت، وورث البواقي. # قال القاضي: فقد حكم بصحة نكاح الخامسة قبل تعيين المطلقة، قال: وهذا يدل ~~على، وقوع الطلاق من حين الإيقاع، ولو كان من حين التعيين لم يصح نكاح ~~الخامسة. # فإن قيل: هذا بعينه يرد عليكم في التعيين بالقرعة، والجواب حينئذ واحد. ~~قيل: الفرق بين التعيين ظاهر، فإن تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته، ~~وتعين القرعة إلى الله عز وجل، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له ~~القضاء والقدر، شاء أم أبى. وهذا هو سر المسألة وفقهها، فإن التعيين إذا لم ~~يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدر، وصار الحكم به شرعيا ~~قدريا: شرعيا في فعل القرعة، وقدريا: فيما تخرج به، وذلك إلى الله، لا إلى ~~المكلف. فلا أحسن من هذا ولا أبلغ في موافقته شرع الله وقدره. وأيضا: فإنه ~~لو طلق واحدة منهن، ثم أشكلت عليه، لم يكن له أن يعين المطلقة باختياره، ms255 ~~فهكذا إذا طلق واحدة لا بعينها. # فإن قيل: الفرق ظاهر، وهو أن الطلاق هاهنا قد وقع على واحدة بعينها، فإذا ~~أشكلت لم يجز # PageV01P254 # أن يعين من تلقاء نفسه، لأنه لا يأمن أن يعين غير التي وقع عليها الطلاق، ~~ويستديم نكاح التي طلقها، وليس كذلك في مسألتنا، فإن الطلاق وقع على إحداهن ~~غير معينة، فليس في تعيينه إيقاع للطلاق على من لم يقع بها، وصرفه عمن وقع ~~بها. # قيل: إحداهما محرمة عليه في المسيس، ولا يدري عينها، فإذا لم يملك ~~التعيين بلا سبب في إحدى الصورتين، لم يملكه في الأخرى، وهذا أيضا سر ~~المسألة وفقهها، فإن التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله ورسوله سببا ~~للتعيين عند عدم غيره، والتعيين بالاختيار تعيين بلا سبب، إذ هذا فرض ~~المسألة، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أن التعيين بالسبب ~~الذي نصبه الشرع له أولى من التعين الذي لا سبب له. # فإن قيل: المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر، وتعلم عينها بزوال، الاشتباه؛ ~~فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد، بخلاف المبهمة فإنه لا يرجى ~~ذلك فيها. # قيل: وكذلك المنسية والمشكلة إذا عدم أسباب العلم بتعيينها، فإنه يصير في ~~إبقائها إضرار به وبها، ووقف للأحكام، وجعل المرأة معلقة باقي عمرها، لا ~~ذات زوج ولا مطلقة وهذا لا عهد لنا به في الشريعة. ### | 125 - # (فصل) # ومما يدل على صحة تعيين المطلقة بالقرعة: حديث عمران بن حصين في عتق ~~الأعبد الستة، فإن تصرفه في الجميع لما كان باطلا، جعل كأنه أعتق ثلثا منهم ~~غير معين، فعينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقرعة، والطلاق كالعتاق في ~~هذا، لأن كل واحد منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية، فإذا اشتبه ~~المملوك في كل منهما بغيره: لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك. # فإن قيل: العتاق أصله الملك، فلما دخلت القرعة في أصله وهو الملك في حال ~~القسمة، وطرح القرعة على السهام، دخلت لتمييز الملك من الحرية، وليس كذلك ~~الطلاق، لأن أصله النكاح، والنكاح لا تدخله القرعة، فكذلك ms256 الطلاق. # قيل: ومن سلم لكم أن القرعة لا تدخل في النكاح، بل الصحيح من الروايتين. ~~دخولها فيه، فيما إذا زوجها الوليان، ولم يعلم السابق منهما، فإنا نقرع ~~بينهما، فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح، وأنه هو الأول، هذا منصوص ~~أحمد في رواية ابن منصور وحنبل. # ونقل أبو الحارث ومهنا: لا يقرع في ذلك. وعلى هذا: فلا يلزم إذا لم تدخل ~~القرعة في الحكم: ألا تدخل في رفعه، فإن حد الزنا لا يثبت # PageV01P255 # بشهادة النساء، ويسقط بشهادتين، وهو ما إذا شهد عليها بالزنا، فذكرت أنها ~~عذراء، وشهد بذلك النساء كذلك لو قال - وقد رأى طائرا - إن كان هذا غرابا ~~ففلانة طالق، وإن لم يكن غرابا ففلان حر، ولم يعلم ما هو؟ فإنه يقرع بين ~~المرأة والعبد عندكم أيضا، فيحكم بما خرجت به القرعة فإن قلتم هنا: لم تدخل ~~القرعة في الطلاق بانفراده، بل دخلت للتمييز بينه وبين العتق، والقرعة تدخل ~~في العتق، بدليل حديث الأعبد الستة. # قيل: إذا دخلت للتمييز بين الطلاق والعتاق دخلت للتمييز بين المطلقة ~~وغيرها، وكل ما قدر من المانع في أحد الموضعين، يجري في الآخر سواء بسواء. # وأيضا فإذا كانت القرعة تخرج المعتق من غيره، فإخراجه للمطلقة أولى ~~وأحرى، فإن إخراج منفعة البضع من ملكه، أسهل من إخراج عين الرقبة، وإبقاء ~~الرق في العين أبدا أسهل من إبقاء بعض المنافع، وهي منفعة البضع، فإذا صلحت ~~القرعة لذلك فهي لما دونه أقبل، وهذا في غاية الظهور. وأيضا: فاشتباه ~~المطلقة بغيرها لا يمنع استعمال القرعة. # ودليله: مسألة الطائر، وقوله: إن كان غرابا فنسائي طوالق، وإن لم يكن ~~فعبيدي أحرار. # فإن قلتم: قد يستعمل الشيء في حكم، ولا يستعمل في آخر، كالشاهد واليمين، ~~والرجل والمرأتين، يقبل في الأموال، دون الحدود والقصاص. يوضحه: أنه لو ~~ادعى سرقة، وأقام شاهدا وحلف معه: غرمناه المال، ولم نقطعه، فكذا هاهنا: ~~استعملنا القرعة في الرق والحرية، دون الطلاق للحاجة. # قيل: الحاجة في إخراج المطلقة من غيرها كالحاجة في إخراج المعتق من غيره ~~سواء، وإذا ms257 دخلت للتمييز بين الفرج المملوك بملك اليمين وغيره: صح دخولها ~~للتمييز بين الفرج المملوك بعقد النكاح وغيره، ولا فرق، ولا يشبه ذلك مسألة ~~القطع والغرم في أنه يثبت أحدهما بما لا يثبت به الآخر؛ لأنهما يختلفان في ~~الأحكام وفيما يثبت به كل واحد منهما، والعتق والطلاق يتفقان في الأحكام، ~~وهو أن كل واحد منهما مبني على التغليب والسراية، ويثبت بما يثبت به الآخر. # وأيضا: فإن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة: ~~صح استعمالها فيها، كما قلتم في الشريكين إذا كان بينهما مال، فأراد قسمته، ~~فإن الحاكم يجزئه ويقرع بينهما، وكذلك إذا أراد أن يسافر بإحدى نسائه، ~~وكذلك إذا أعتق عبيده الذين لا مال له سواه في مرضه، وكذلك إذا تساوى ~~المدعيان في الحضور عند الحاكم، وكذلك الأولياء في النكاح إذا تساووا في ~~الدرجة وتشاحوا في العقد: أقرع بينهم وكذلك إذا قتل جماعة في حالة واحدة، ~~وتشاح الأولياء في المقتص: أقرع بينهم، فمن قرع قتل له، وأخذت الدية ~~للباقين. # PageV01P256 # فإن قلتم: التراضي على القسمة من غير قرعة جائز، وكذلك بين النساء إذا ~~أراد السفر، ولا كذلك هاهنا، لأن التراضي على فسخ النكاح ونقله من محل إلى ~~محل لا يجوز. قلنا: ليست القرعة في الطلاق نقلا له عمن استحقه إلى غيره، بل ~~هي كاشفة عمن توجه الطلاق إليها ووقع عليها. ### | 126 - # (فصل) # قال المعينون بالاختيار: قد حصل التحريم في واحدة لا بعينها، فكان له ~~تعيينها باختياره، كما لو أسلم الحربي وتحته خمس نسوة، أو أختان: اختار. # قال أصحاب القرعة: هذا القياس مبطل، أولا بالمنسية، فإن المحرمة منهن بعد ~~النسيان غير معينة، وليس له تعيينها. وهذا الجواب غير قوي، فإن التحريم ~~هاهنا وقع في معينة، ثم أشكلت، بل الجواب الصحيح، أن يقال: لا تطلق عليه ~~الأخت والخامسة بمجرد الإسلام، بل إذا عين الممسكات أو المفارقات: حصلت ~~الفرقة من حين التعيين، ووجبت العدة من حينئذ. # وسر المسألة: أن الشارع خيره بين من يمسك ومن يفارق؛ نظرا له، وتوسعة ~~عليه، ms258 ولو أمره بالقرعة هاهنا فربما أخرجت القرعة عن نكاحه من يحبها، وأبقت ~~عليه من يبغضها، ودخوله في الإسلام يقتضي ترغيبه فيه، وتحبيبه إليه، فكان ~~من محاسن الإسلام: رد ذلك إلى اختياره وشهوته، بخلاف ما إذا طلق هو من ~~تلقاء نفسه واحدة منهن. إلا أن القياس الذي احتجوا به فاسد أيضا، فإنه ~~ينكسر بما إذا اختلطت زوجته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، فإنه ليس له تعيين ~~المحرمة. # فإن قيل: ولا إخراجها بالقرعة. قلنا: نحن لم نستدل بدليل يرد علينا فيه ~~هذا، بخلاف من استدل بمن ينكسر عليه بذلك. # فإن قيل: والتحريم هاهنا كان في معين ثم اشتبه. قيل: لما اشتبه وزال دليل ~~تعيينه: صار كالمبهم، وهذا حجة مالك عليكم، حيث حرم الجميع، لإبهام المحرمة ~~منهن. # قال أصحاب التعيين: التحريم هاهنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة فكان ~~المرجع في تعيينه إلى المكلف، كما لو باع قفيزا من صبرة. # PageV01P257 # وقال أصحاب القرعة: الإبهام إنما يصح في البيع، حيث تتساوى الأجزاء، ~~ويقوم كل جزء منها مقام الآخر في التعيين. فلا تفيد القرعة هاهنا قدرا ~~زائدا على التعيين، وليس كذلك الطلاق، فإن محله لا تتساوى أفراده، ولا ~~الغرض منه، فهو بمسألة المسافر بإحدى الزوجات أشبه منه بمسألة القفيز من ~~الصبرة، ألا ترى أن التهمة تلحق في التعيين هاهنا، وفي مسألة القسمة، وفي ~~مسألة الطلاق، ولا تلحق في التعيين في مسألة القفيز من الصبرة المتساوية؟ ~~وهذا فقه المسألة: أن الموضع الذي تلحق فيه التهمة شرعت فيه القرعة نفيا ~~لها وما لا تلحق فيه لا فائدة فيها. على أن هذا القياس منتقض بما إذا أعتق ~~عبدا مبهما من عبيده، أو أراد السفر بإحدى نسائه. # قال أصحاب التعيين: لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء، كان له ~~تعيينها في ثاني الحال باختياره. # قال أصحاب القرعة: هذا قياس فاسد، فإنه في الابتداء لم يتعلق بالتعيين حق ~~لغير المطلقة، وبعد الإيقاع قد تعلق به حقهن، فإن كل واحدة منهن قد تدعي أن ~~الطلاق واقع عليها، لتملك به بضعها، أو ms259 واقع على غيرها لتستبقي به نفقتها ~~وكسوتها، فلم يملك هو تعيينه للتهمة، بخلاف الابتداء. # قال المبطلون للقرعة: القرعة قمار وميسر، وقد حرمه الله في سورة المائدة، ~~وهي من آخر القرآن نزولا، وإنما كانت مشروعة قبل ذلك. # وقال أصحاب القرعة: قد شرع الله ورسوله القرعة، وأخبر بها عن أنبيائه ~~ورسله، مقررا لحكمها، غير ذام لها، وفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأصحابه من بعده، وقد صانهم الله سبحانه عن القمار بكل طريق، فلم يشرع ~~لعباده القمار قط، ولا جاء به نبي أصلا، فالقرعة شرعه ودينه، وسنة أنبيائه ~~ورسله. # وقال المانعون من القرعة: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة على وجه لا تبيحه ~~الضرورة، فلم يمكن له إخراجها بالقرعة، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ~~ميتة بمذكاة. # وقال أصحاب القرعة: الفرق أننا هاهنا نستصحب أصل التحريم، ولا نزيله ~~بالشك، بخلاف مسألتنا، فإن التحريم الأصلي قد زال بالنكاح، وشككنا في وقوع ~~التحريم الطارئ بأي واحدة منهن وقع، فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى. # قال المانعون: قد تخرج القرعة غير المطلقة، فإنها ليس لها من العلم ~~والتمييز ما تخرج به المطلقة بعينها. # وقال المقرعون: هذا - أولا - اعتراض على السنة، فهو مردود. وأيضا: فإن ~~التعيين بها أولى من التعيين بالاعتراض والتشهي، أو جعل المرأة معلقة إلى ~~الموت، أو إيقاع الطلاق بأربع لأجل إيقاعه بواحدة منهن. # PageV01P258 # وأيضا: فإن القرعة مزيلة للتهمة. وأيضا: فإنها تفويض إلى الله ليعين ~~بقضائه وقدره ما ليس لنا سبيل إلى تعيينه، والله أعلم. # فإن قيل: فما تقولون فيما نقله أبو طالب عن أحمد في رجل زوج ابنته رجلا، ~~وله بنات، فمات، ولم يدر أيتهن هي؟ فقال: يقرع بينهن، وهذا يدل على أنه ~~يقرع عند اختلاط أخته بأجنبية. # قيل: قد جعل القاضي أبو يعلى ذلك رواية عن الإمام أحمد، وقال: وظاهر هذا: ~~أن الزوجة إذا اختلطت بأجانب أقرع بينهن، لأنه أجاز القرعة بينها وبين ~~أخواتها إذا اختلطت بهن. قلت: هذا وهم من القاضي، فإن أحمد لم يقرع للحل، ~~وإنما أقرع للميراث والعدة، ونحن نذكر ms260 نصوصه بألفاظها. # قال الخلال في " الجامع ": باب الرجل يكون له أربع بنات، فزوج إحداهن، ~~فمات الأب ومات الزوج، ولا يدري أيتهن هي الزوجة؟ أنبأنا أبو النضر أن أبا ~~عبد الله قال: قال سعيد بن المسيب - في رجل له أربع بنات، فزوج إحداهن، لا ~~يدري أيتهن هي - إنه يقرع بينهن، أخبرني زهير بن صالح حدثنا أبي، حدثنا ~~يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن قتادة: أن رجلا زوج ابنته من رجل، ~~فمات الأب والزوج، ولا يدري الشهود أي بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب، ~~فقال: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة ورثت واعتدت. # وقال حماد: سألت حماد بن أبي سليمان؟ فقال: يرثن جميعا ويعتددن جميعا. # وقال صالح قال أبي: قد ورث من ليس لها ميراث، وأوجب العدة على من ليس ~~عليها عدة، والذي يقرع: في حال يكون قد أصاب، وفي حال يكون قد أخطأ، وذاك ~~لا شك أنه قد ورث من ليس لها ميراث. # قال الخلال: أنبأنا يحيى بن جعفر، قال: قال عبد الوهاب: سألت سعيدا عن ~~رجل زوج إحدى بناته - وسماها - ومات الأب والزوج، ولا يدري أيتهن هي؟ ~~فحدثنا عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب، أنهما قالا: يقرع بينهن، فأيتهن ~~أصابتها القرعة فلها الصداق، ولها الميراث، وعليها العدة، أخبرني محمد بن ~~علي، حدثنا الأثرم، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن ~~المسيب أنه قال - في رجل زوج إحدى بناته رجلا، فمات، ومات الزوج، ولم تدر ~~البينة أيتهن هي -؟ قال: يقرع بينهن، فإذا قرعت واحدة: ورثت، واعتدت. # وحدثنا أبو بكر حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب ~~والحسن قالا: يقرع بينهن. # قال حنبل: وحدثني أبو عبد الله، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن ~~سلمة، عن قتادة، # PageV01P259 # أن رجلا زوج ابنته من رجل، فمات الزوج، ومات الأب، ولم يدر الشهود: أي ~~بناته هي؟ فسألت سعيد بن المسيب - رحمه الله -؟ قال: يقرع بينهن، وأيتهن ~~أصابت القرعة ورثت واعتدت. # قال حماد بن سلمة: فسألت ms261 حماد بن أبي سليمان عن ذلك؟ فقال: يرثن ويعتددن ~~جميعا. # قال حنبل: فسألت أبا عبد الله عن ذلك؟ فقال: يقرع بينهن على قول سعيد بن ~~المسيب. # وقال حنبل: قال عفان: حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن رجل خطب إلى رجل ~~ابنة له، وله بنات فأنكحه، ومات الخاطب، ولم يدر الأب أيتهن خطب؟ فقال ~~سعيد: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة. فلها الصداق والميراث، وعليها ~~العدة. # قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى هذا، وكذلك رواية أبي طالب ~~التي ذكرها القابسي. قال الخلال أخبرني أحمد بن محمد بن مطر أن أبا طالب ~~حدثه: أنه سأل أبا عبد الله عن رجل زوج ابنته رجلا، وله بنات فماتا، ولم ~~تدر البينة أيتهن هي، قال: يقرع بينهن، فإذا قرعت واحدة ورثت، قلت حماد ~~يقول: يرثن جميعا، قال: يقرع بينهم، وقال: القرعة أبين، إذا أقرع فأعطى ~~واحدة لعلها أن تكون صاحبته ولا يدري، هو في شك، فإذا أعطاهن فقد علم أنه ~~أعطى من ليس له حق. فنصوص أحمد وما نقله عن سعيد والحسن: إنما فيه القرعة ~~بينهن في الميراث، وهي قرعة على مال، وليس فيه القرعة عند اختلاط الزوجة ~~بغيرها. لكن في رواية حنبل: ما يدل على جريان القرعة في الحياة وبعد الموت، ~~فإنه قال: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته، وإن مات الزوج ~~فهي التي ترثه أيضا، فهذه أصرح من رواية أبي طالب. # ولكن أكثر الروايات عن أحمد، إنما هي في القرعة عن الميراث، كما ذكر من ~~ألفاظه، على أنه لا يمتنع أن يقال بالقرعة في هذه المسألة على ظاهر رواية ~~حنبل، فإن أكثر ما فيه: تعيين الزوجة بالقرعة، والتمييز بينها وبين من ليست ~~بزوجة، وهذا حقيقة الإقراع في مسألة المطلقة، فإن القرعة تميز الزوجة من ~~غيرها، وكذلك لو زوجها الوليان من رجلين، وجهل السابق منهما: فإنه يقرع، ~~على أصح الروايتين، وذلك لتمييز الزوج من غيره، فما الفرق بين تمييز الزوج ~~بالقرعة وتمييز الزوجة بها؟ فالإقراع هاهنا ليس بعيدا من الأصول. ويدل ms262 ~~عليه: أنا نوجب عليها العدة بهذه القرعة، والعدة من أحكام النكاح، ولا سيما ~~فالعدة # PageV01P260 # الواجبة هاهنا عدة من غير مدخول بها، فهي من نكاح محض، وكذلك الميراث، ~~فإنه لولا ثبوت النكاح لما ورثت. # وقول أحمد في رواية حنبل: " يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي امرأته ~~"، صريح في ثبوت الزوجية بالقرعة، ثم قال: " وإن مات الزوج فهي التي ترثه " ~~وهذا صريح في أنه يقرع بينهن في حال حياة الزوج والزوجة، وإن مات بعد ~~القرعة ورثته بحكم النكاح، ولا إشكال في ذلك بحمد الله، فإذا أقرع بينهن ~~فأصابت القرعة إحداهن: كان رضا الزوج بها ورضا وليها ورضاها تصحيحا للنكاح. ~~ولا يقال: يجوز أن تكون القرعة أصابت غيرها، فيكون جامعا بين الأختين، لأن ~~المجهول كالمعدوم، ولأنا نأمره أن يطلق غير التي أصابتها القرعة، فيقول: ~~ومن عدا هؤلاء فهي طالق احتياطا، فهذا خير من توريث الجميع وحرمان الجميع؛ ~~وأن يوقف الأمر فيهن أبدا حتى يتبين الحال وينكشف، وقد لا يتبين إلى اليوم. # وبالجملة: فالقرعة طريق شرعي، شرعه الله ورسوله للتمييز عند الاشتباه، ~~فسلوكه أولى من غيره من الطرق. وقد قال أبو حنيفة: إذا طلق امرأة من نسائه ~~لا بعينها، فإنه لا يحال بينه وبينهن، وله أن يطأ أيتهن شاء، فإذا وطئ ~~انصرف الطلاق إلى الأخرى، واختاره ابن أبي هريرة من الشافعية، فجعلوا الوطء ~~تعيينا. ومعلوم أن التعيين بالقرعة أولى من التعيين بالوطء، فإن القرعة ~~تخرج من قدر الله إخراجه بها، ولا يتهم بها، والوطء تابع لإرادته وشهوته، ~~ويجوز أن يشتهي غير من كان في نفسه إرادة طلاقها، فهو متهم، فالتعيين ~~بالطريق الشرعي أولى من التعيين بالتشهي والإرادة. # ومما يوضحه: أن أبا حنيفة قد قال - فيما إذا أعتق إحدى أمتيه، ثم وطئ ~~إحداهما - أن الوطء لا يعين المعتقة من غيرها. # وقال أصحابه: الفرق بينهما أن الطلاق يوجب التحريم، وذلك ينفي النكاح، ~~فلما وطئ إحداهما دل على أنه مختار أن تكون زوجته، فإنه لا يطأ من ليست ~~زوجته، وأما العتق: فإنه - وإن أوجب تحريم الوطء - فلا ms263 ينافي ملك اليمين، ~~كأخته من الرضاع. # فقال المنازعون لهم: الطلاق لا يوجب التحريم عندكم، فإن الرجعة مباحة، ~~وإنما الموجب للتحريم: انقضاء العدة واستيفاء العدد. # وقد صرح أصحابكم بذلك، على أن النكاح - وإن نافاه التحريم - فالملك ~~ينافيه التحريم، فهما متساويان في أن الوطء لا يجوز إلا في ملك، وهو متحقق ~~لملك الموطوءة. ### | [فصل فيمن طلق إحدى نسائه ومات قبل البيان] ### | 127 - # (فصل) # PageV01P261 # ومن مواضع القرعة ما إذا طلق إحدى نسائه، ومات قبل البيان، فإن الورثة ~~يقرعون بينهن، فمن وقعت عليها القرعة لم ترث، نص عليه في رواية حنبل وأبي ~~طالب، وابن منصور ومهنا. # وقال أبو حنيفة: يقسم الميراث بين الجميع، وقال الشافعي: يوقف ميراث ~~الزوجات حتى يصطلحن عليه. # ولوازم القولين تدل على صحة القول بالقرعة، فإن لازم القول الأول: توريث ~~من يعلم أنها أجنبية، فإنها مطلقة في حال الصحة ثلاثا، فكيف ترث؟ ولازم ~~القول الثاني: وقف المال، وتعريضه للفساد والهلاك، وعدم الانتفاع به، وإن ~~كان حيوانا فربما كانت مئونته تزيد على أضعاف قيمته، وهذا لا مصلحة فيه ~~ألبتة. وأيضا فإنهن إذا علمن أن المال يهلك إن لم يصطلحن عليه: كان ذلك ~~إلجاء لهن إلى إعطاء غير المستحقة، فالقرعة تخلص من ذلك كله، ومن المعلوم: ~~أن المستحقة للميراث إحداهما دون الأخرى، فوجب أن يقرع بينهما كما يقرع بين ~~العبيد إذا أعتقهم في المرض، وبين الزوجات إذا أراد السفر بإحداهن، والحاكم ~~إنما نصب لفصل الأحكام، لا لوقفها وجعلها معلقة، فتوريث الجميع - على ما ~~فيه - أقرب للمصلحة من حبس المال وتعريضه للتلف، مع حاجة مستحقيه إليه. # وأيضا: فإنا عهدنا من الشارع أنه لم يوقف حكومة قط على اصطلاح ~~المتخاصمين، بل يشير عليهما بالصلح، فإن لم يصطلحا فصل الخصومة، وبهذا تقوم ~~مصلحة الناس. # قال المورثون للجميع: قد تساويا في سبب الاستحقاق، لأن حجة كل واحدة ~~منهما كحجة الأخرى، فوجب أن يتساويا في الإرث، كما لو أقامت كل واحدة منهما ~~البينة بالزوجية. # وقال المقرعون: المستحقة منهما هي الزوجة، والمطلقة غير مستحقة، فكيف ~~يقال: إنهما استويتا في ms264 سبب الاستحقاق؟ على أنهما إذا أقامتا بينتين ~~تعارضتا وسقطتا، وصارتا كمن لا بينة لواحدة منهما. # وقال المورثون: قد استحق من ماله ميراث زوجته، وليست إحداهما بأن تكون هي ~~المستحقة أولى من الأخرى، فيقسم الإرث بينهما، كرجلين ادعيا دابة في يد ~~غيرهما وأقاما بينتين: فإنها تقسم بينهما. # وقال المقرعون: هذه هي الشبهة التي تقدمت، والجواب واحد. # وقال المورثون لأصحاب القرعة: قد تناقضتم، فإنكم تقرعون بإخراج المطلقة ~~فإذا أخرجتموها بالقرعة أوجبتم عليها عدة الوفاة، إذا كانت أطول من عدة ~~الطلاق، فإن كانت مطلقة فكيف تعتد # PageV01P262 # عدة الوفاة؟ وإذا اعتدت عدة الوفاة فكيف لا ترث؟ . # قال أصحاب القرعة: يجب على المطلقة منهما عدة الطلاق، وعلى الزوجة عدة ~~الوفاة، ولكن لما أشكلت المطلقة من الزوجة أوجبنا على كل واحدة منهما أن ~~تعتد بأقصى الأجلين، ويدخل فيه الأدنى، احتياطا للعدة. ### | [فصل طلق إحداهما لا بعينها ثم ماتت إحداهما] ### | 128 - # (فصل) # ولو طلق إحداهما لا بعينها، ثم ماتت إحداهما: لم يتعين الطلاق في الباقية ~~وأقرع بين الميتة والحية. # قال أبو حنيفة: يتعين الطلاق في الباقية. # وقال الشافعي: لا يتعين فيها: وله تعيينه في الميتة. # وقال الحنفية: هو مخير في التعيين، ولم يبق من يصح إيقاع الطلاق عليها ~~إلا الحية، ومن خير بين أمرين ففاته أحدهما: تعين الآخر. # وقال المقرعون: قد أقمنا الدليل على أنه لا يملك التعيين باختياره. وإنما ~~نملك الإقراع. ولم يفت محله، فإنه يخرج المطلقة، فيتبين وقوع الطلاق من حين ~~التطليق، لا من حين الإقراع، كما تقدم تقريره. # وقالت الحنفية: لا يصح أن يبتدئ في الميتة الطلاق، فلا يصح أن يعينه فيها ~~بالقرعة، كالأجنبية. # وقال أصحاب القرعة: نحن لا نعين الطلاق فيها ابتداء، وإنما نبين بالقرعة ~~أنها كانت مطلقة في حال الحياة. # وقالت الحنفية: ماتت غير مطلقة، بدليل أنه يجوز أن تخرج القرعة عندكم على ~~الحية، فتكون هي المطلقة، دون الميتة، وإذا لم تكن مطلقة قبل الموت لم يثبت ~~حكم الطلاق فيها بعد الموت، كما لا يثبت الطلاق المبتدأ. # وقال المقرعون: إذا وقعت عليها ms265 القرعة تبينا أنها هي المطلقة في حال ~~الحياة. ### | [فصل فيما إذا خرجت القرعة على امرأة ثم ذكر بعد ذلك أن المطلقة غيرها] ### | 129 - # (فصل) # فإن قيل: فما تقولون فيما إذا خرجت القرعة على امرأة، ثم ذكر بعد ذلك أن ~~المطلقة غيرها. قيل: تعود إليه من حين وقعت عليها القرعة، ويقع الطلاق ~~بالمذكورة، فإن القرعة إنما كانت لأجل الاشتباه، وقد زال بالتذكر، إلا أن ~~تكون التي وقعت عليها القرعة قد تزوجت، أو كانت القرعة بحكم الحاكم، فإنها ~~لا تعود إليه، نص عليه الإمام أحمد. # قال الخلال: أخبرني الميموني: أنه ناظر أبا عبد الله في مسألة الذي له ~~أربع نسوة، فطلق واحدة منهن، ثم لم يدر، قال: يقرع بينهن، وكذلك في الأعبد، ~~قلت: فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة # PageV01P263 # على واحدة، ثم ذكر التي طلق؟ قال: ترجع إليه، والتي ذكر أنه طلق يقع ~~الطلاق عليها، قلت: فإن تزوجت؟ قال: هو إنما دخل في القرعة لأنه اشتبه ~~عليه، فإذا تزوجت فذا شيء قد مر، فقال له رجل: فإن كان الحاكم أقرع بينهن؟ ~~قال: لا أحب أن ترجع إليه، لأن الحاكم في ذا أخبر منه، فرأيته يغلظ أمر ~~الحاكم إذا دخل في الإقراع بينهن. # وقد توقف في الجواب في رواية أبي الحارث، فإنه قال: سألت أبا عبد الله، ~~قلت: فإن طلق واحدة من أربع وأقرع بينهن، فوقعت القرعة على واحدة، وفرق ~~بينه وبينها، ثم ذكر وتيقن - بعدما فرق الحاكم بينهما - أن التي طلق في ذلك ~~الوقت: هي غير التي وقعت عليها القرعة؟ قال: اعفني من هذه، قلت: فما ترى ~~العمل فيها؟ قال: دعها، ولم يجب فيها بشيء. # قلت: أما إذا تزوجت فلا يقبل قوله: إن المطلقة كانت غيرها، لما فيه من ~~إبطال حق الزوج. فإن قيل: فلو أقام بينة أن المطلقة غيرها. قيل: لا ترد ~~إليه أيضا، فإن القرعة تصيب طريقا إلى وقوع الطلاق فيمن أصابتها، ولو كانت ~~غير المطلقة في نفس الأمر، فالقرعة فرقت بينهما، وتأكدت الفرقة بتزويجها. # فإن قيل: فهذا ينتقض بما إذا ms266 ذكر قبل أن تنكح. قيل: أما إذا انقضت عدتها ~~وملكت نفسها، ففي قبول قوله عليها نظر، فإن صدقته أن المطلقة كانت غيرها، ~~فقد أقرت له بالزوجية، ولا منازع له وأما إذا ذكر، وهي في العدة، فإن كان ~~الطلاق رجعيا فلا إشكال، فإنه يملك رجعتها بغير رضاها، فيقبل قوله إن ~~المطلقة غيرها، وإن كان الطلاق بائنا، فله عليه حق حبس العدة، وهي محبوسة ~~لأجله، والفراش قائم، حتى ولو أتت بولد في مدة الإمكان لحقه، فإذا ذكر أن ~~المطلقة غيرها كان القول قوله، كما لو شهدت بينة بأنه طلقها، ثم رجع ~~الشهود؛ ولكن لما كانت البينة غير متهمة ردت إليه مطلقا، بخلاف قوله: إن ~~المطلقة غيرها، فإنه متهم فيه، وكذلك لا ترد إليه بعد نكاحها، ولا بعد حكم ~~الحاكم. # والقياس: أنها لا ترد إليه بعد انقضاء عدتها وملكها نفسها، إلا أن تصدقه، ~~ولهذا لو قال بعد انقضاء عدتها: كنت راجعتك قبل انقضاء العدة، لم تقبل منه ~~إلا ببينة أو تصديقها، ولو قال ذلك والعدة باقية، قبل منه لأنه يملك إنشاء ~~الرجعة. # وأما إذا كانت القرعة بحكم الحاكم: فإن حكمه يجري مجرى التفريق بينهما ~~فلا يقبل قوله: إن المطلقة غيرها. ### | [فصل الرجل له امرأتين مسلمة ونصرانية فقال في مرضه إحداكما طالق ثلاثا] ### | 130 - # (فصل) # PageV01P264 # فإن قيل: فما تقولون فيما رواه مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له ~~امرأتان مسلمة ونصرانية، فقال في مرضه: إحداكما طالق ثلاثا، ثم أسلمت ~~النصرانية، ثم مات في ذلك المرض قبل أن تنقضي عدة واحدة منهما، وقد كان دخل ~~بهما جميعا؟ فقال: أرى أن يقرع بينهما، قلت له يكون للنصرانية من الميراث ~~ما للمسلمة؟ قال: نعم، فقلت: إنهم يقولون: للنصرانية ربع الميراث، وللمسلمة ~~ثلاثة أرباعه؟ فقال: لم؟ فقلت: لأنها أسلمت رغبة في الميراث، قلت: ويكون ~~الميراث بينهما سواء؟ قال: نعم. فقد نص على القرعة بينهما ونص على قسمة ~~الميراث بينهما على السواء، فما فائدة القرعة؟ ولا يقال: القرعة لأجل ~~العدة، حيث تعتد المطلقة عدة الطلاق، فإنكم صرحتم ms267 بأن كل واحدة منهما تعتد ~~بأقصى الأجلين، ويدخل فيه أدناهما، كما صرح به القاضي، وعلى هذا: لا تبقى ~~للقرعة فائدة أصلا، فإنهما يشتركان في الميراث، ويتساويان في العدة. # قيل: الإقراع لم يكن لأجل الميراث، فإنه قد صرح بأنه بينهما، وهذا على ~~أصله، فإن المبتوتة ترث ما دامت في العدة، وغاية الأمر: أن يكون قد عين ~~النصرانية بالطلاق، ثم أسلمت في عدتها قبل الموت، فإنها ترث، ولو طلقهما ~~جميعا ثم أسلمت ورثتا جميعا، وأما القرعة: فلإخراج المطلقة؛ ليتبين أنه مات ~~وإحداهما زوجته، والأخرى غير زوجته، فإذا وقعت القرعة على إحداهما تبين ~~أنها أجنبية، وإنما ثبت لها الميراث لكون الطلاق في المرض، والعدة تابعة ~~للميراث وما عدا ذلك فهي فيه أجنبية، حتى لو لم ينفق عليها من حين الطلاق ~~إلى حين الموت، لم يرجع في تركته بالنفقة. # فإن قيل: فهو غير متهم في حرمان النصرانية لأنه يعلم أنها لا ترث. قيل: ~~التهمة قائمة، لأنها يجوز أن تسلم قبل موته. # وأما قول من قال: للنصرانية ربع الميراث، وللمسلمة ثلاث أرباعه: فلا يعرف ~~من القائل بهذا، ولا وجه لهذا القول، وتعليله بكونها أسلمت رغبة في ~~الميراث: أغرب منه والله أعلم. ### | [فصل في الرجل له ثلاثة نسوة فطلق واحدة منهن ولم يدري أيتهن ثم مات] ### | 131 - # (فصل) # فإن قيل: فما تقولون فيما رواه جابر بن زيد عن ابن عباس في رجل له ثلاث ~~نسوة، فطلق واحدة منهن، ولم يدر أيتهن، ثم مات، قال: " ينالهن من الطلاق ما ~~ينالهن من الميراث " وما معنى ذلك؟ # PageV01P265 # قيل: قد سئل عنه أبو عبد الله فقال: معناه يقع الطلاق عليهن، ويرثن ~~جميعا. # وقال إسحاق بن منصور، قلت لأحمد: حديث عمرو بن هرم " ينالهن من الطلاق ما ~~ينالهن من الميراث "؟ قال: أليس يرثن جميعا؟ قلت: بلى، قال: وكذلك يقع ~~عليهن الطلاق. # وهذا لا يدل على أن ذلك قول أحمد، ولا مذهبه، وإنما ذكره تفسيرا لا ~~مذهبا، وهذا قد يحتج به مالك ومن قال بقوله في وقوع الطلاق على الجميع. # قلت: ويحتمل ms268 كلامه معنى آخر، وهو أن يكون المراد وقوع الطلاق على واحدة ~~منهن تعين بالقرعة أو بغيرها، كما يحرم الميراث واحدة منهن، فيكون ما ~~ينالهن من حكم الطلاق مثل الذي ينالهن من حكم الميراث، وهذا - إن شاء الله ~~- أظهر: فإن لفظه لا يدل على أنهن يرثن جميعا، ولا يمكن أن يقال ذلك إلا ~~إذا كان الطلاق رجعيا، أو كان في المرض على أحد الأقوال، فكيف يطلق ابن ~~عباس الجميع بطلاق واحدة، ويورث مطلقة بائنة طلقت في الصحة مع زوجات، وإذا ~~فسر كلامه بما ذكرنا لم يكن فيه إشكال والله أعلم. ### | [فصل في الرجل له مماليك عدة فقال أحدهم حر ولم يبين] ### | 132 - # (فصل) # قال حرب: قلت لأحمد: رجل له مماليك عدة، فقال: أحدهم حر، ولم يبين؟ قال: ~~هذه مسألة مشتبهة. قلت: قد نص في رواية الجماعة على أنه يخرج بالقرعة، نص ~~على ذلك في رواية الميموني، وبكر بن محمد عن أبيه، وحنبل، والمروذي، وأبي ~~طالب، وإسحاق بن إبراهيم ومهنا. # وقوله في رواية حرب " هذه مسألة مشتبهة " توقف منه، فيحتمل أن يريد ~~بالاشتباه: أنها مشتبهة الحكم، هل تعين باختياره أو بالقرعة؟ ولكن مذهبه ~~المتواتر عنه: أنه يعين بالقرعة. # ويحتمل - وهو أظهر إن شاء الله - أن يريد الاشتباه: أنه يحتمل أن يكون ~~إخبارا عن كون أحدهم حرا، وأن يكون إنشاء للحرية في أحدهم، والحكم مختلف، ~~فإن قوله: " أحدهم حر " إن كان إنشاء فهو عتق لغير معين، وإن كان إخبارا ~~فهو خبر عن عتق واحد معين، فهذا وجه اشتباهها. # وبعد، فإن مات ولم يبين مراده: أخرج بالقرعة. ### | [فصل في الرجل يقول أول غلام لي يطلع فهو حر] ### | 133 - # (فصل) # قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: أول غلام لي يطلع فهو حر، فطلع ~~غلامان له: أو طلع عبيده كلهم؟ قال: قد اختلفوا في هذا، قلت: أخبرني ما ~~تقول أنت فيه؟ قال: يقرع بينهم، فأيهم خرجت قرعته أعتق. # PageV01P266 # قال: وسألت أبا عبد الله عن رجل قال - وله أربع نسوة - أول امرأة تطلع ~~فهي ms269 طالق، فطلعن كلهن؟ قال: قد اختلفوا في هذا أيضا، قلت: أخبرني فيه بشيء، ~~فقال: قال بعضهم: يقسم بينهن تطليقة، قلت: أخبرني فيه بقولك، فقال: يقرع ~~بينهن، فأيتهن خرجت عليها القرعة طلقت. قلت: لفظ " الأول " يراد به ما ~~يتقدم على غيره، ويراد به ما لا يتقدم عليه غيره، وعلى المعنى الأول: لا ~~يكون أولا إلا إذا تبعه غيره وتأخر عنه، وعلى المعنى الثاني: يكون أولا، ~~وإن لم يتأخر عنه غيره، فيصح على هذا أن يقول: من لم يتزوج إلا امرأة ~~واحدة، أو لم يولد له إلا ولد واحد، هذه أول امرأة تزوجتها، وهذا أول مولود ~~ولد لي. وعلى هذا إذا قال: أول مولود تلدينه فهو حر، فولدت ولدا، ثم لم تلد ~~بعده شيئا، عتق ذلك الولد، ولو قال: أول مملوك أشتريه فهو حر: عتق العبد ~~المشترى، وإن لم يشتر بعده غيره، وإذا قال: أول غلام يطلع لي فهو حر، أو ~~أول امرأة تطلع فهي طالق، فطلع منهم جماعة، فكل منهم صالح لأن يكون أول، ~~وليس اختصاص أحدهم بذلك أولى من الآخر، فيخرج أحدهم بالقرعة فإنه لو طلع ~~منهم واحد معين: لكان هو الحر والمطلقة، فإذا طلع جماعة، فالذي يستحق العتق ~~والطلاق منهم واحد وهو غير معين، فيخرج بالقرعة. # فإن قيل: إذا تساووا في الطلوع: لم يكن فيهم أول، ولهذا يقال: لم يجئ ~~أحدهم أول من الآخر، فلم يوجد الشرط فلا يقع المعلق به، وإن كان الجميع قد ~~اشتركوا في الأولية: وجب أن يشتركوا في وقوع العتق والطلاق. # قيل: إن نوى وقوع العتق والطلاق - إذا اشتركوا في ذلك - وقع بالجميع ~~وإنما كلامنا فيما إذا نوى وقوع العتق والطلاق في واحد موصوف بالأولية، ~~فإذا اشترك جماعة في الصفة: وجب إخراج أحدهم بالقرعة، فإن النية تخصص العام ~~وتقيد المطلق، فغاية الأمر: أن يقال: قد اشترك جماعة في الشرط، ولكنه خصص ~~بنيته واحدا. # فإن قيل: فما تقولون فيما لو طلق ولم تكن له نية؟ قيل: لو طلق، فإنما يقع ~~العتق والطلاق بواحد لا بالجميع، لأنه ms270 قال: أول غلام يطلع، وأول امرأة ~~تطلع، وهذا يقتضي أن يكون فردا من جملة، لا مجموع الجملة، فكأنه قال: غلام ~~من غلماني، وامرأة من نسائي، يكون أول مستحق العتق والطلاق، وكل واحد منهم ~~قد اتصف بهذه الصفة، وهو إنما أوقع ذلك في واحد: فيخرج بالقرعة. # ومن لا يقول بهذا، فإما أن يقول: يعين بتعيينه، وقد تقدم فساد ذلك، وأن ~~التعيين بما جعله # PageV01P267 # الشارع طريقا للتعيين أولى من التعيين بالتشهي والاختيار. وإما أن يقال: ~~يعتق الجميع ويطلق، وهذا أيضا لا يصح، فإنه إنما أوقع العتق والطلاق في ~~واحد لا في الجميع، وكلامه صريح في ذلك. وإما أن يقال: لا يعتق واحد ولا ~~تطلق امرأة، ولا يصح أيضا لوجود الوصف، فإنه لو انفرد بالطلوع، أو انفردت ~~به لوقع المعلق به، ومشاركة غيره لا تخرجه عن الاتصاف بالأولية، فقد اشترك ~~جماعة في الوصف، والمراد واحد منهم، فيخرج بالقرعة. # فإن قيل: فما تقولون فيما لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر، فولدت اثنين لا ~~يدري أيهما هو الأول. قيل: يقرع بينهما، فيما نص عليه في رواية ابن منصور، ~~قال: يقرع بينهما فمن أصابته القرعة عتق، وهذا نظير أن يطلع أحدهما قبل ~~الآخر، ثم يشكل في مسألة التعليق بالطلوع. # فإن قيل: فلو ولدتهما معا، بأن تضع مثل الكيس، وفيه ولدان أو أكثر؟ قيل ~~يخرج أحدهما بالقرعة، على قياس قوله في مسألة أول غلام يطلع لي فهو حر، ~~فطلعا معا. # قال في " المغني ": ويحتمل أن يعتقا جميعا، لأن الأولية وجدت فيهما جميعا ~~فثبتت الحرية فيهما، كما لو قال في المسابقة: من سبق فله عشرة، فسبق اثنان: ~~اشتركا في العشرة. # وقال إبراهيم النخعي: يعتق أيهما شاء. # وقال أبو حنيفة: لا يعتق واحد منهما، لأنه لا أول فيهما، لأن كل واحد ~~منهما مساو للآخر، ومن شرط الأولية: سبق الأول، قال: ولنا أن هذين لم ~~يسبقهما غيرهما، فكانا أولا كالواحد، وليس من شرط سبق الأول: أن يأتي بعده ~~ثان، بدليل ما لو ملك واحدا ولم يملك بعده شيئا، وإذا ms271 كانت الصفة موجودة ~~فيهما فإما أن يعتقا جميعا، أو يعتق أحدهما، وتعينه القرعة على ما ذكرنا من ~~قبل، قال: وكذلك الحكم فيما لو قال: أول ولد تلدينه فهو حر، فولدت اثنين ~~وخرجا معا، فالحكم فيهما كذلك. ### | 134 - # (فصل) # فإن ولدت الأول ميتا والثاني حيا، قال في " المغني ": ذكر الشريف: أنه ~~يعتق الحي منهما، وبه قال أبو حنيفة. # وقال أبو يوسف، ومحمد الشافعي: لا يعتق واحد منهما، قال: وهو الصحيح إن ~~شاء الله، لأن شرط العتق إنما وجد في الميت، وليس بمحل للعتق، فانحلت ~~اليمين به. # قال: وإنما قلنا: إن شرط العتق وجد فيه، لأنه أول ولد، بدليل أنه لو قال ~~لأمته: إذا ولدت فأنت حرة، فولدت ولدا ميتا عتقت. # PageV01P268 # ووجه الأول: أن العتق مستحيل في الميت، فتعلقت اليمين بالحي، كما لو قال: ~~إن ضربت فلانا فعبدي حر، فضربه حيا عتق، وإن ضربه ميتا، لم يعتق، ولأنه ~~معلوم من طريق العادة: أنه قصد عقد يمينه على ولد يصح العتق فيه، وهو أن ~~يكون حيا، فتصير الحياة مشروطة فيه، وكأنه قال: أول ولد تلدينه حيا فهو حر. # وقال صاحب " المحرر ": إذا قال: إذا ولدت ولدا، أو أول ولد تلدينه، فهو ~~حر، فولدت ميتا ثم حيا، أو قال: آخر ولد تلدينه حر، فولدت حيا ثم ميتا، ثم ~~لم تلد بعده شيئا، فهل يعتق الحي؟ . على روايتين، وإن قال: أول ما تلده ~~أمتي حر، فولدت ولدين، وأشكل السابق: عتق أحدهما بالقرعة، فإن بان للناس ~~الذي أعتقه أخطأته القرعة عتق، وهل يرق الآخر؟ على وجهين. قلت: مسألة الأول ~~والآخر: مبنية على أصلين: أحدهما: أنه هل يسقط حكم الميت، ويصير وجوده ~~كعدمه، لامتناع نفوذ العتق فيه، أو يعتبر حكمه كحكم الحي؟ # الثاني: هل من شرط الأول: أن يأتي بعده غيره، أو يكفي فيه كونه سابقا ~~مبتدأ به، وإن لم يلحقه غيره؟ وأما مسألة تعليق الحرية على مطلق الولادة، ~~ففيها إشكال ظاهر. # فإن صورتها أن يقول: إذا ولدت ولدا فهو حر. # فإذا ولدت ميتا ثم حيا، فإما ms272 أن نعتبر حكم الميت أو لا نعتبره، فإن لم ~~نعتبره عتق الحي؛ لأنه هو المولود، إن اعتبرناه وحكمنا بعتقه، فكذلك ينبغي ~~أن يحكم بعتق الحي؛ لوجود الصفة فيه. # فإن قيل: " إذا " لا تقتضي التكرار، وقد انحلت اليمين بوجود الأول، وقد ~~تعلق به الحكم، فلا يعتق الثاني. قيل: هذا مأخذ هذا القول: لكن قوله " إذا ~~ولدت ولدا " نكرة في سياق الشرط، فيعم كل ولد، وهو قد جعل سبب العتق ~~الولادة، فيعم الحكم من وجهين، أحدهما: عموم المعنى والسبب، والثاني: عموم ~~اللفظ بوقوع النكرة عامة. وهذا غير اقتضاء النكرة التكرار، بل العموم ~~المستفاد من وقوع النكرة في سياق الشرط بمنزلة العموم في " أي " و " من " ~~في قوله: أي ولد ولدته، أو من ولدته، فهو حر، فهذا لفظ عام، وهذا عام، فما ~~الفرق بين العمومين؟ # فإن قيل: العموم هاهنا في نفس أداة الشرط، والعموم في قوله " إذا ولدت ~~ولدا " في المفعول الذي هو متعلق فعل الشرط، لا في أداته. # PageV01P269 # قيل: أداة الشرط في " من " و " أي " هي نفس المفعول الذي هو متعلق الفعل؛ ~~ولهذا نحكم على محل " من " بالنصب على المفعولية، ويظهر في " أي " فالعموم ~~الذي في الأداة لنفس المفعول المولود، وهو بعينه في قوله: إذا ولدت ولدا، ~~اللهم إلا أن يريد التخصيص بواحد، ولا يريد العموم، فيبقى من باب تخصيص ~~العام بالنية. ### | 135 - # (فصل) # وقوله في مسألة ما إذا أشكل السابق " إنه بان أن الذي أعتقه: أخطأته ~~القرعة: عتق " أي حكم بعتقه من حين مباشرته لا أنه ينشئ فيه العتق من حين ~~الذكر، فإن عتقه مستند إلى سببه، وهو سابق على الذكر. وقوله: " هل يرق ~~الآخر؟ " على وجهين مأخذهما: أن القرعة كاشفة أو منشئة. # فإن قيل: إنها منشئة للعتق: لم يرتفع بعد إنشائه العتق عنه، وإن قيل: ~~إنها كاشفة رق الآخر، لأنا تبينا خطأها في الكشف، ولا يلزم من إعمالها عند ~~استبهام الأمر وخفائه إعمالها عند تبينه وظهوره، يوضحه: أن التبين والظهور ~~لو كان في أول الأمر اختص العتق بمن يؤثر به، ms273 فكذلك في أثناء الحال. # وسر المسألة: أن استمرار حكم القرعة مشروط باستمرار الإشكال، فإذا زال ~~الإشكال، زال شرط استمرارها، وهذا أقيس لكن يقال: قد حكم بعتقه بالطريق ~~التي نصبها الشارع طريقا إلى العتق، وإن جاز أن يخطئ في نفس الأمر، فقد عتق ~~بأمر حكم الشارع أن يعتق به، فكيف يرتفع عتقه؟ وعلى هذا: فلا يبعد أن يقال ~~باستمرار عتقه، وأن من أخطأته القرعة يبقى على رقه؛ لأن مباشرته بالعتق قد ~~زال حكمها بالنسيان والجهل، والقرعة نسخت حكم المباشرة وأبطلته، حتى كأنه ~~لم يكن، وانتقل الحكم إلى القرعة، فلا يجوز إبطاله، فهذا لا يبعد أن يقال، ~~والله أعلم. ### | [فصل في الرجل له امرأتان وهو يريد أن يخرج بإحداهما] ### | 136 - # (فصل) # قال الإمام أحمد، في رواية بكر بن محمد عن أبيه - في الرجل يكون له ~~امرأتان، وهو يريد أن يخرج بإحداهما - قال: يقرع بينهما. فتخرج إحداهما ~~بالقرعة، أو تخرج إحداهما برضا الأخرى، ولا يريد القرعة؟ قال: إذا خرج بها ~~فقد رضيت، وإلا أقرع بينهما. # وهذا يدل على أن الإقراع بينهما إنما هو عند التشاح، فأما إذا رضيت ~~إحداهما بخروج ضرتها، فله أن يخرج بها من غير قرعة، وإن كرهت وقالت: لا ~~أخرج إلا بقرعة، فليس لها ذلك، ويخرج بها بغير رضاها، فإنه يملك الخروج ~~بها، وإنما وقف الأمر على القرعة عند مشاحة الضرة لها. ### | [فصل في القرعة في الشراء والبيع] ### | 137 - # (فصل) # PageV01P270 # قال حرب: سألت أحمد عن القرعة في الشراء والبيع، قلت: القوم يشترون ~~الشيء، فيقترعون عليه؟ قال: لا بأس، وكذلك قال في رواية ابن بختان. # ومعنى هذا: أنهم يشترون الشيء، ثم يجزئونه أجزاء، ويقترعون على تلك ~~الأنصباء، فمن خرج له نصيب أخذه. ### | [فصل في الرجلين يتشاحا في الأذان] ### | 138 - # (فصل) # قال أبو داود: رأيت رجلين تشاحا في الأذان عند أحمد، فقال: يجتمع أهل ~~المسجد، فينظر من يختارون، فقال: لا، ولكن يقترعان، فمن أصابته القرعة أذن، ~~كذلك فعل سعد بن أبي وقاص. قلت: وهذا صريح في أن التقديم بالقرعة مقدم على ~~التقديم ms274 بتعيين الجيران. # فإن قيل: فهل تقولون في الإمامة مثل ذلك. قيل: لا، بل يقدم فيها من يختار ~~الجيران، فإن القرعة تصيب من يكرهونه، ويكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون. # قال أبو طالب: نازعني ابن عمي في الأذان فتحاكمنا إلى أبي عبد الله - ~~رحمه الله - فقال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشاحوا في ~~الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد - رضي الله عنه -، فأنا أذهب إلى ~~القرعة، أقرعا. قلت: وفي المسألة قول آخر، وهو أن تقسم نوب الأذان بينهم. # قال الخلال: أخبرنا الحسن بن عبد الوهاب، قال: وجدت في كتابي، عن طلق بن ~~عمار، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي عن ابن ~~عمر: " أن نفرا ثلاثة اختصموا إليه في الأذان، فقضى لأحدهم بالفجر، وقضى ~~للثاني بالظهر والعصر، وقضى للثالث بالمغرب والعشاء ". ### | [فصل في الرجل يتزوج امرأة على عبد من عبيده] ### | 139 - # (فصل) # قال مهنا: سألت أحمد عن رجل تزوج امرأة على عبد من عبيده، فقال: جائز، ~~فقلت: له عشرة أعبد؟ فقال: أعطيها من أحسنهم، فقال أبو عبد الله: ليس له ~~ذلك، ولكن يعطيها من أوسطهم، فقلت له: ترى أن يقرع بينهم؟ فقال: نعم؛ فقلت: ~~تستقيم القرعة في هذا؟ فقال: نعم يقرع بين العبيد. # PageV01P271 # قلت: هاهنا ثلاث مسائل، إحداها: أن يوصي له بعبد من عبيده. # الثانية: أن يعتق عبدا من عبيده. # الثالثة: أن يصدقها عبدا من عبيده. # ففي الوصية: يعطيه الورثة ما شاءوا؛ لأنه فوض الأمر إليهم، وجعل الاختيار ~~لهم في التعيين. وفي مسألة العتق: يخرج أحدهم بالقرعة. # وفي مسألة المهر: روايتان، إحداهما: يعطي الوسط. # والثانية: يعطي واحدا بالقرعة. وإن أوصى أن يعتق عنه عبد من عبيده، فقال ~~أحمد في رواية ابن منصور، في رجل أوصى، فقال: أعتقوا أحد عبدي هذين: يعتق ~~أحدهما، ولكن إن تشاحا في العتق، يقرع بينهما. ### | [فصل في عبد في يد رجل اختلف عليه غيره بالبيع والهبة وغير ذلك] ### | 140 - # (فصل) # قال أبو النضر: سألت أبا عبد الله عن ms275 عبد في يد رجل لا يدعيه، أقام رجل ~~البينة: أن فلانا باع هذا العبد مني بكذا وكذا، وهو يملكه، وأقام الآخر ~~البينة على أن فلانا تصدق بهذا العبد علي، وهو يملكه، وأقام الآخر البينة ~~على أن فلانا وهب هذا العبد لي، وهو يملكه، ولم يوقتوا وقتا، والبينة عدول ~~كلهم؟ قال: أرى البينة هاهنا تكاذبت. يكذب شهود رجل شهود الآخر، فاجعله في ~~أيديهم، ثم أقرع بينهم، فمن وقع له العبد أخذه وحلف، قلت: تحلفه بالله لقد ~~باعني هذا العبد وهو يملكه، أو أن هذا العبد لي؟ قال: هو واحد إن شاء الله، ~~قلت: إلى أي شيء ذهبت في هذا؟ قال: إلى حديث أبي هريرة، حدثنا عبد الرزاق، ~~حدثنا معمر، عن همام، حدثنا أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا أكره الرجلان على اليمين أو استحباها فليستهما ~~عليها» . قلت: هذه هي المسألة التي ذكرها الخرقي في مختصره "، قال: ولو ~~كانت الدابة في يد غيرهما، واعترف أنه لا يملكها، وأنها لأحدهما، لا يعرفه ~~عينا أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه. # قال في " المغني " إذا أنكرهما من الدابة في يده، فالقول قوله مع يمينه ~~بغير خلاف، وإن اعترف أنه لا يملكها، وقال: لا أعرف صاحبها عينا، أو قال: ~~هي لأحدكما لا أعرفه عينا أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه حلف أنها له، وسلمت ~~إليه، لما روى أبو هريرة «أن رجلين تداعيا عينا لم يكن لواحد منهما بينة، ~~فأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستهما على اليمين، أحبا أم كرها» ~~رواه أبو داود، ولأنهما تساويا في الدعوى لا بينة لواحد منهما، ولا يد، ~~والقرعة تمييز عند التساوي، كما لو أعتق عبيدا لا مال له غيرهم في مرض ~~موته. # وأما إن كانت لأحدهما بينة، فإنه يحكم له بغير خلاف، وإن كانت لكل واحد ~~منهما بينة: فعنه # PageV01P272 # روايتان، ذكرهما أبو الخطاب، إحداهما: تسقط البينتان، ويقرع بينهما، كما ~~لو لم تكن بينة. وهذا الذي ذكره القاضي، هو ظاهر كلام الخرقي، ms276 لأنه ذكر ~~القرعة، ولم يفرق بين أن يكون معهما بينة أو لم يكن. # وروي هذا عن ابن عمر، وابن الزبير - رضي الله عنهما -، وهو قول إسحاق، ~~وأبي عبيد، وهو رواية عن مالك، وقديم قولي الشافعي، وذلك لما روى ابن ~~المسيب: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر، ~~وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهما» رواه الشافعي في مسنده "، ولأن البينتين حجتان تعارضتا من ~~غير ترجيح لإحداهما على الأخرى، فسقطتا كالخبرين. # والرواية الثانية: تستعمل البينتان، وفي كيفية استعمالهما روايتان: ~~إحداهما: تقسيم العين بينهما، وهو قول الحارث العكلي، وقتادة، وابن شبرمة، ~~وحماد، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي لما روى أبو موسى «أن رجلين اختصما ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعير وأقام كل واحد منهما البينة ~~أنها له، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين» ولأنهما ~~تساويا في دعواهما، فتساويا في قسمته. # والرواية الثانية: تقدم إحداهما بالقرعة، وهو قول للشافعي. وله قول رابع، ~~يوقف الأمر حتى يتبين، وهو قول أبي ثور؛ لأنه اشتبه الأمر، فوجب التوقف، ~~كالحاكم إذا لم يتضح له الحكم في القضية. # ولنا: الخبران، وإن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين بل إذا تعذر ~~الترجيح أسقطناهما، ورجعنا إلى دليل غيرهما. # قلت: قال الشافعي في كتابه: هذه المسألة فيها قولان، أحدهما يقرع بينهما، ~~فأيهما خرج سهمه حلف لقد شهد شهوده بحق، ثم يقضى له، وكان ابن المسيب يرى ~~ذلك، ويرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والكوفيون يروونه عن علي - ~~رضي الله عنه - وحديث سعيد بن المسيب «اختصم رجلان إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في أمر، فجاء كل واحد منهما بشهداء عدول على عدة واحدة، ~~فأسهم بينهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم أنت تقضي ~~بينهما، فقضى للذي خرج له السهم» رواه أبو داود في " المراسيل "، ويقويه ما ~~رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة وسليمان بن ms277 يسار «أن رجلين اختصما ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى كل واحد منهما بشهود، وكانوا سواء، ~~فأسهم بينهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فهذا مرسل قد روي من وجهين ~~مختلفين، وهو من مراسيل ابن المسيب وتشهد له الأصول التي ذكرناها في ~~القرعة، والمصير إليه متعين. # PageV01P273 # وأما ما أشار إليه عن علي، فهو ما رواه أبو عوانة عن سماك عن حنش قال: " ~~أتي علي ببغل يباع في السوق، فقال رجل: هذا بغلي، لم أبع ولم أهب، ونزع على ~~ما قاله بخمسة يشهدون، وجاء آخر يدعيه، وزعم أنه بغله، وجاء بشاهدين، فقال ~~علي: إن فيه قضاء وصلحا، أما الصلح: فيباع البغل، فيقسم على سبعة أسهم، ~~لهذا خمسة، ولهذا اثنان، فإن أبيتم إلا القضاء بالحق، فإنه يحلف أحد ~~الخصمين أنه بغله، ما باعه ولا وهبه فإن تشاححتما. أيكما يحلف؛ أقرعت ~~بينكما على الحلف؛ فأيكما قرع حلف؛ فقضى بهذا وأتى بشاهد "، رواه البيهقي. # فرأى الصلح بينهم على قسمة الثمن على عدد الشهود للفصل بينهما بالقرعة. ~~ويشهد له ما رواه البيهقي من حديث أبان عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن ~~أبي هريرة قال: «إذا جاء هذا بشاهد؛ وهذا بشاهد، أقرع بينهم؛ عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -» . # ويشهد له أيضا: ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن أبي ~~عروبة عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة «عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في رجلين: اختصما إليه في متاع، ليس لواحد منهما بينة، فقال: ~~استهما على اليمين» . # قال الشافعي: والقول الآخر: أنه يقسم بينهما نصفين لتساوي حجتهما. قلت: ~~ويشهد لهذا ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث هدبة حدثنا همام ~~عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى «أن رجلين ادعيا بعيرا، ~~فبعث كل منهما شاهدين، فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما» ~~ولكن للحديث علل، منها: أن هماما قال عن قتادة «فبعث كل منهما شاهدين» . # وقال سعيد بن ms278 أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي ~~موسى «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعير، ليس ~~لواحد منهما بينة، فقضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين» ~~وهكذا رواه يزيد بن زريع ومحمد بن بكر، وعبد الرحيم بن سليمان عن سعيد، ~~وكذلك روي عن سعيد بن بشر عن قتادة. # وقد رواه أيضا همام عن قتادة كذلك، فهذان وجهان عن همام في إرساله ~~واتصاله، والمشهور عنه: اتصاله، وشذ عنه عبد الصمد فأرسله، فهذان أيضا ~~وجهان عن همام في إرساله واتصاله. # ورواه شعبة فأرسله، قال أحمد في مسنده ": حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا ~~شعبة، عن قتادة، # PageV01P274 # عن سعيد، عن أبيه «أن رجلين اختصما إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في دابة، ليس لواحد منهما بينة، فجعلها بينهما نصفين» وكأن رواية شعبة " ~~أنه ليس لواحد منهما " أولى بالصواب؛ لأن سعيد بن أبي عروبة قد تابعه عن ~~قتادة على هذا اللفظ، رواه عنه روح وسعيد بن عامر، ويزيد بن زريع وغيرهم، ~~وكذلك رواه سعيد بن بشر عن قتادة، فهؤلاء ثلاثة حفاظ، أحدهم أمير المؤمنين ~~في الحديث شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن بشر، اتفقوا عن قتادة في أنه ~~«ليس لواحد منهما بينة» . فقد اضطرب حديث أبي موسى كما ترى. # وأما حديث أبي هريرة فلم يختلف فيه، كما تقدم، والذي دلت عليه السنة أن ~~المدعيين إذا كانت أيديهما عليه سواء، أو تساوت بينتاهما قسم بينهما نصفين، ~~كما في # حديث سماك عن تميم بن طرفة «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في بعير، كل واحد منهما آخذ برأسه، فجاء كل واحد منهما ~~بشاهدين، فجعله بينهما نصفين» . # وقال أبو عوانة عن سماك عن عميم بن طرفة: أنبئت «أن رجلين اختصما إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعير، ونزع كل واحد منهما بشاهدين، فجعله ~~بينهما نصفين» وهذا هو بعينه حديث أبي بردة عن أبي موسى. # قال الترمذي في ms279 " كتاب العلل ": سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث ~~سعيد بن أبي بردة، عن أبيه في هذا الباب؟ فقال: مرجع هذا الحديث إلى سماك ~~بن حرب عن تميم. # قال البخاري: وروى حماد بن سلمة أن سماكا قال: أنا حدثت أبا بردة بهذا ~~الحديث. # قال البيهقي: وإرسال شعبة له عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه في ~~رواية غندر كالدلالة على ذلك قلت: لكن في حديث شعبة: «ليس لواحد منهما ~~بينة» # وفي حديث سماك «أن كل واحد منهما نزع بشاهدين» وفي لفظ: «فجاء كل واحد ~~منهما بشاهدين» . وقد بينا أن رواية شعبة كأنها أولى بالصواب؛ لما قدمنا من ~~الأدلة على ذلك. # قال البيهقي: ويبعد أن يكونا قضيتين، فلعله لما تعارضت البينتان وسقطتا ~~قيل: «ليس لواحد منهما بينة» وقسمت بينهما بحكم اليد. # وقال الشافعي: تميم مجهول، وسعيد بن المسيب يروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ما وصفنا، يعني أنه أقرع بينهما، كما تقدم حديثه. # قال: وسعيد قال، والحديثان إذا اختلفا فالحجة في أقوى الحديثين، وسعيد من ~~أصح الناس مرسلا، # والقرعة أشبه، هذا قوله في القديم. ثم قال في الجديد: هذا مما أستخير ~~الله فيه، وأنا فيه واقف، ثم قال: لا يعطى واحد منهما شيئا، ويوقف حتى ~~يصطلحا. # PageV01P275 # قلت: وقوله في القديم أصح وأولى؛ لما تقدم من قوة القرعة وأدلتها، وأن في ~~وقف المال حتى يصطلحا تأخير الخصومة، وتعطيل المال، وتعريضه للتلف ولكثرة ~~الورثة، فالقرعة أولى الطرق للسلوك، وأقربها إلى فصل النزاع، وما احتج به ~~الشافعي في القديم على صحتها من أصح الأدلة، ولهذا قال: هي أشبه. وبالجملة: ~~فمن تأمل ما ذكرنا في القرعة تبين له: أن القول بها أولى من وقف المال ~~أبدا، حتى يصطلح المدعون، وبالله التوفيق. والحمد لله رب العالمين، والصلاة ~~والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه ~~والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. PageV01P276 ms280