######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021713 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: زاد المعاد في هدي خير العباد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 5 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021713 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21713 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21713 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: السابعة والعشرون , 1415هـ /1994م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # حسبي الله ونعم الوكيل # مقدمة المؤلف # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ~~ولا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين ومالك يوم ~~الدين الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا ~~في الافتقار إلى رحمته، ولا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في ~~رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، ولا صلاح للقلب ولا فلاح إلا في الإخلاص له ~~وتوحيد حبه، الذي إذا أطيع شكر، وإذا عصي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب، وإذا ~~عومل أثاب. # والحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالإلهية ~~جميع مصنوعاته، وشهدت بأنه الله الذي لا إله إلا هو بما أودعها من عجائب ~~صنعته، وبدائع آياته، وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ~~ومداد كلماته. ولا إله إلا الله وحده، لا شريك له في إلهيته، كما لا شريك ~~له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته، والله ~~أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وسبحان من سبحت له ~~السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب والآكام والرمال، وكل رطب ويابس # PageV01P035 # ، وكل حي وميت {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 44] ~~[الإسراء: 44] . # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض ~~والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل ~~كتبه، وشرع شرائعه، ولأجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة ~~والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، فهي ~~منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها ~~وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت ~~القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على ~~جميع ms0001 العباد، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وعنها يسأل الأولون ~~والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا ~~كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ . # فجواب الأولى بتحقيق " لا إله إلا الله " معرفة وإقرارا وعملا. # وجواب الثانية بتحقيق " أن محمدا رسول الله " معرفة وإقرارا وانقيادا ~~وطاعة. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره ~~بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة ~~للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة من ~~الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته ~~وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلن # PageV01P036 # تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، ~~وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره. ففي " المسند " من حديث أبي منيب ~~الجرشي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، ~~وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه ~~بقوم فهو منهم» ) وكما أن الذلة مضروبة على من خالف أمره، فالعزة لأهل ~~طاعته ومتابعته، قال الله سبحانه: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن ~~كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] [آل عمران: 139] . وقال تعالى: {ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] [المنافقون: 8] . وقال تعالى: {فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد: 35] [محمد: 35] . ~~وقال تعالى: {ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] ~~[الأنفال: 64] . أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى ~~أحد. # وهنا تقديران، أحدهما: أن تكون الواو عاطفة ل" من " على الكاف المجرورة، ~~ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار، ~~وشواهده كثيرة وشبه المنع منه واهية. # والثاني: أن تكون الواو واو " مع " وتكون " من " في محل نصب عطفا على ~~الموضع، فإن " حسبك " في معنى " كافيك " أي ms0002 الله يكفيك ويكفي من اتبعك كما ~~تقول العرب: حسبك وزيدا درهم، قال الشاعر: # إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند # PageV01P037 # وهذا أصح التقديرين. # وفيها تقدير ثالث: أن تكون " من " في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك ~~من المؤمنين فحسبهم الله. # وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى: وهو أن تكون " من " في موضع ~~رفع عطفا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا وإن قاله ~~بعض الناس فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن " الحسب " و" الكفاية " ~~لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: {وإن يريدوا أن ~~يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 62] ~~[الأنفال: 62] . ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل ~~التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من ~~عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل ~~عمران: 173] [آل عمران: 173] . ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان ~~هذا قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك ~~حسبك، وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله ~~فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟! هذا من أمحل المحال وأبطل ~~الباطل، ونظير هذا قوله تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59] ~~[التوبة: 59] . فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله كما قال تعالى: {وما ~~آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] [الحشر: 7] . وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: ~~وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال تعالى: {إنا إلى ~~الله راغبون} [التوبة: 59] [التوبة: 59] . ولم يقل: وإلى رسوله، بل جعل ~~الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب} ~~[الشرح: 7 - 8] [الانشراح: 7 - 8] . فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله ~~وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون ms0003 إلا ~~لله سبحانه # PageV01P038 # وتعالى. ونظير هذا قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36] ~~[الزمر: 36] . فالحسب: هو الكافي، فأخبر سبحانه وتعالى أنه وحده كاف عبده، ~~فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟! والأدلة الدالة على بطلان هذا ~~التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر هاهنا. # والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن ~~بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سبحانه علق سعادة ~~الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن ~~والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا ~~والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في ~~الدنيا والآخرة. وقد أقسم صلى الله عليه وسلم بأن ( «لا يؤمن أحدكم حتى ~~يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» ) وأقسم الله سبحانه بأن ~~لا يؤمن من لا يحكمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد ~~في نفسه حرجا مما حكم به، ثم يسلم له تسليما وينقاد له انقيادا. وقال ~~تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] # PageV01P039 # ( [الأحزاب: 36] . فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس ~~لمؤمن أن يختار شيئا بعد أمره صلى الله عليه وسلم، بل إذا أمر فأمره حتم، ~~وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره وكان ذلك الغير من أهل العلم به ~~وبسنته، فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتباع، لا واجب الاتباع، فلا ~~يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك ~~الأخذ بقول غيره لم يكن عاصيا لله ورسوله. فأين هذا ممن يجب على جميع ~~المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله؟ فلا ~~حكم لأحد معه، ولا قول لأحد معه، كما لا تشريع لأحد معه، وكل من سواه، ~~فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان ~~مبلغا محضا ومخبرا لا منشئا ومؤسسا، فمن أنشأ ms0004 أقوالا وأسس قواعد بحسب فهمه ~~وتأويله لم يجب على الأمة اتباعها، ولا التحاكم إليها حتى تعرض على ما جاء ~~به الرسول، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة قبلت حينئذ، وإن خالفته وجب ~~ردها واطراحها، فإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جعلت موقوفة، وكان أحسن ~~أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه، وأما أنه يجب ويتعين فكلا ولما. # وبعد، فإن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات، ~~قال الله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68] [القصص: 68] . ~~وليس المراد هاهنا بالاختيار الإرادة التي يشير إليها المتكلمون بأنه ~~الفاعل المختار - وهو سبحانه - كذلك، ولكن ليس المراد بالاختيار هاهنا هذا ~~المعنى، وهذا الاختيار داخل في قوله: {يخلق ما يشاء} [القصص: 68] فإنه لا ~~يخلق إلا باختياره، وداخل في قوله تعالى: (ما يشاء) فإن المشيئة هي ~~الاختيار، وإنما المراد بالاختيار هاهنا: الاجتباء والاصطفاء، فهو اختيار ~~بعد الخلق، والاختيار العام اختيار قبل الخلق، فهو أعم وأسبق، وهذا أخص، ~~وهو متأخر، فهو اختيار من الخلق، والأول اختيار للخلق. وأصح القولين أن ~~الوقف التام على قوله: (ويختار) . # PageV01P040 # ويكون {ما كان لهم الخيرة} [القصص: 68] نفيا، أي: ليس هذا الاختيار ~~إليهم، بل هو إلى الخالق وحده، فكما أنه المنفرد بالخلق فهو المنفرد ~~بالاختيار منه، فليس لأحد أن يخلق ولا أن يختار سواه، فإنه سبحانه أعلم ~~بمواقع اختياره، ومحال رضاه، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح له، وغيره لا ~~يشاركه في ذلك بوجه. # وذهب بعض من لا تحقيق عنده ولا تحصيل إلى أن " ما " في قوله تعالى: {ما ~~كان لهم الخيرة} [القصص: 68] موصولة، وهي مفعول " ويختار " أي: ويختار الذي ~~لهم الخيرة، وهذا باطل من وجوه. # أحدها: أن الصلة حينئذ تخلو من العائد؛ لأن " الخيرة " مرفوع بأنه اسم " ~~كان " والخبر " لهم "، فيصير المعنى: ويختار الأمر الذي كان الخيرة لهم، ~~وهذا التركيب محال من القول. # فإن قيل: يمكن تصحيحه بأن يكون العائد محذوفا، ويكون التقدير: ويختار ~~الذي كان لهم الخيرة فيه، أي ويختار الأمر الذي كان لهم الخيرة في اختياره. # قيل: ms0005 هذا يفسد من وجه آخر، وهو أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيها حذف ~~العائد، فإنه إنما يحذف مجرورا إذا جر بحرف جر الموصول بمثله مع اتحاد ~~المعنى، نحو قوله تعالى: {يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} ~~[المؤمنون: 33] [المؤمنون: 33] ونظائره، ولا يجوز أن يقال: جاءني الذي ~~مررت، ورأيت الذي رغبت، ونحوه. # الثاني: أنه لو أريد هذا المعنى لنصب " الخيرة " وشغل فعل الصلة بضمير ~~يعود على الموصول، فكأنه يقول: ويختار ما كان لهم الخيرة، أي: الذي كان هو ~~عين الخيرة لهم، وهذا لم يقرأ به أحد البتة، مع أنه كان وجه الكلام على هذا ~~التقدير. # الثالث: أن الله سبحانه يحكي عن الكفار اقتراحهم في الاختيار، وإرادتهم # PageV01P041 # أن تكون الخيرة لهم، ثم ينفي هذا سبحانه عنهم، ويبين تفرده هو بالاختيار، ~~كما قال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - ~~أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} ~~[الزخرف: 31 - 32] [الزخرف: 31 - 32] ، فأنكر عليهم سبحانه تخيرهم عليه، ~~وأخبر أن ذلك ليس إليهم، بل إلى الذي قسم بينهم معايشهم المتضمنة لأرزاقهم ~~ومدد آجالهم، وكذلك هو الذي يقسم فضله بين أهل الفضل على حسب علمه بمواقع ~~الاختيار، ومن يصلح له ممن لا يصلح، وهو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات، ~~وقسم بينهم معايشهم ودرجات التفضيل، فهو القاسم ذلك وحده لا غيره، وهكذا ~~هذه الآية بين فيها انفراده بالخلق والاختيار، وأنه سبحانه أعلم بمواقع ~~اختياره، كما قال تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] [الأنعام: 124] ، ~~أي: الله أعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه وكرامته وتخصيصه بالرسالة والنبوة ~~دون غيره. # الرابع: أنه نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم ~~فقال: {ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} [القصص: 68] ~~[القصص: 68] ولم يكن شركهم مقتضيا لإثبات خالق سواه حتى نزه ms0006 نفسه عنه، ~~فتأمله فإنه في غاية اللطف. # الخامس: أن هذا نظير قوله تعالى في [الحج: 73 - 76] : {إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي ~~عزيز} [الحج: 73 - 74] ثم قال: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن ~~الله سميع بصير - يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور} ~~[الحج: 75 - 76] وهذا نظير قوله في [القصص: 69] {وربك يعلم ما تكن صدورهم ~~وما يعلنون} [القصص: 69] ونظير قوله في [الأنعام: 124] {الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته} [الأنعام: 124] فأخبر في ذلك كله عن علمه # PageV01P042 # المتضمن لتخصيصه محال اختياره بما خصصها به، لعلمه بأنها تصلح له دون ~~غيرها، فتدبر السياق في هذه الآيات تجده متضمنا لهذا المعنى، زائدا عليه، ~~والله أعلم. # السادس: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين - فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون - فأما من تاب وآمن ~~وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين - وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: ~~65 - 68] [القصص: 65 - 68] فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب وآمن ~~وعمل صالحا، فكانوا صفوته من عباده، وخيرته من خلقه، وكان هذا الاختيار ~~راجعا إلى حكمته وعلمه سبحانه لمن هو أهل له، لا إلى اختيار هؤلاء المشركين ~~واقتراحهم، فسبحان الله وتعالى عما يشركون. ### | [فصل في ذكر ما اختار الله من مخلوقاته] ### | [الاختيار دال على ربوبيته سبحانه] # فصل # وإذا تأملت أحوال هذا الخلق، رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالا على ~~ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، وأنه الله الذي لا إله ~~إلا هو فلا شريك له يخلق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبر كتدبيره، فهذا ~~الاختيار والتدبير والتخصيص المشهود أثره في هذا العالم من أعظم آيات ~~ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدق رسله، فنشير منه إلى ~~يسير يكون منبها على ما وراءه دالا على ما سواه. # فخلق الله السماوات سبعا فاختار العليا منها فجعلها ms0007 مستقر المقربين من ~~ملائكته، واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه، فلها ~~مزية وفضل على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى. # وهذا التفضيل والتخصيص مع تساوي مادة السماوات من أبين الأدلة على كمال ~~قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار. # PageV01P043 # ومن هذا تفضيله سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصها بأن جعل ~~عرشه سقفها، وفي بعض الآثار: " إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته ~~من خلقه ". # ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم على سائرهم، كجبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( «اللهم رب ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ) . # فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم، واصطفائهم، وقربهم من ~~الله، وكم من ملك غيرهم في السماوات، فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة. فجبريل: ~~صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل: صاحب القطر الذي به ~~حياة الأرض والحيوان والنبات، وإسرافيل: صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت ~~نفخته بإذن الله الأموات، وأخرجتهم من قبورهم. # ، وكذلك اختياره سبحانه للأنبياء من ولد آدم عليه وعليهم الصلاة # PageV01P044 # والسلام، وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، واختياره الرسل منهم، وهم ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر، على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد، وابن حبان في ~~" صحيحه "، واختياره أولي العزم منهم، وهم خمسة المذكورون في سورة ~~(الأحزاب) و (الشورى) في قوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7] [الأحزاب: 7] ، وقال ~~تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] ~~[الشورى: 13] ، واختار منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما ~~وآلهما وسلم. # ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني ~~كنانة من ms0008 خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ~~ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم. # PageV01P045 # وكذلك اختار أصحابه من جملة العالمين، واختار منهم السابقين الأولين، ~~واختار منهم أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، واختار لهم من الدين أكمله، ومن ~~الشرائع أفضلها، ومن الأخلاق أزكاها وأطيبها وأطهرها. # واختار أمته صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم، كما في " مسند الإمام ~~أحمد " وغيره من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «أنتم موفون سبعين أمة أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله» ) . قال علي بن المديني وأحمد: حديث بهز بن حكيم عن أبيه ~~عن جده صحيح. # وظهر أثر هذا الاختيار في أعمالهم، وأخلاقهم، وتوحيدهم، ومنازلهم في ~~الجنة، ومقاماتهم في الموقف، فإنهم أعلى من الناس على تل فوقهم يشرفون ~~عليهم، وفي الترمذي من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه ~~الأمة، وأربعون من سائر الأمم» ) قال الترمذي: هذا حديث حسن. والذي في " ~~الصحيح " من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بعث ~~النار « (والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل) # PageV01P046 # (الجنة) » ، ولم يزد على ذلك. فإما أن يقال: هذا أصح، وإما أن يقال: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم طمع أن تكون أمته شطر أهل الجنة، فأعلمه ربه ~~فقال: ( «إنهم ثمانون صفا من مائة وعشرين صفا» ) ، فلا تنافي بين الحديثين، ~~والله أعلم. # ومن تفضيل الله لأمته واختياره لها أنه وهبها من العلم والحلم ما لم يهبه ~~لأمة سواها، وفي " مسند البزار " وغيره من حديث أبي الدرداء قال: سمعت أبا ~~القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ( «إن الله تعالى قال لعيسى ابن مريم: إني ~~باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون ~~احتسبوا وصبروا، ولا ms0009 حلم ولا علم، قال: يا رب، كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ ~~قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» ) . ### | [اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها] # ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي ~~البلد الحرام، فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجعله ~~مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق، ~~فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رءوسهم متجردين عن لباس ~~أهل الدنيا، وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا تعضد به شجرة، # PageV01P047 # ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ~~ليس إلا، وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب، ماحيا للأوزار، حاطا للخطايا، ~~كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~( «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ) ، ولم يرض ~~لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي " السنن " من حديث عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «تابعوا بين الحج ~~والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب ~~والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة» ) . وفي " الصحيحين " عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «العمرة إلى العمرة كفارة ~~لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ) ، فلو لم يكن البلد ~~الأمين خير بلاده، وأحبها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك ~~لعباده فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه ~~العزيز في موضعين منه فقال تعالى: {وهذا البلد الأمين} [التين: 3] [التين: ~~3] ، وقال تعالى: (لا أقسم) # PageV01P048 # (بهذا البلد) [البلد: 1] ، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر ~~السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع ~~تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود، والركن ~~اليماني. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة ms0010 في المسجد الحرام ~~بمائة ألف صلاة، ففي " سنن النسائي " و" المسند " بإسناد صحيح عن عبد الله ~~بن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «صلاة في مسجدي هذا ~~أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام ~~أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة» ) ورواه ابن حبان في " صحيحه " وهذا ~~صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شد ~~الرحال إليه فرضا، ولغيره مما يستحب ولا يجب، وفي " المسند " والترمذي ~~والنسائي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: ( «والله إنك لخير أرض ~~الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» ) قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن صحيح. # PageV01P049 # بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة ~~غيرها. # ومن خواصها أيضا أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر ~~بقاع الأرض. # وأصح المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان ~~لبضعة عشر دليلا قد ذكرت في غير هذا الموضع، وليس مع المفرق ما يقاومها ~~البتة مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضع استيفاء الحجاج ~~من الطرفين. # ومن خواصها أيضا أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض، كما في " ~~الصحيحين " عن أبي ذر قال: ( «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول ~~مسجد وضع في الأرض؟ فقال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، ~~قلت: كم بينهما؟ قال أربعون عاما» ) وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف ~~المراد به فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه ~~وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا من جهل هذا القائل، فإن سليمان إنما ~~كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق ~~صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم ms0011 الكعبة بهذا المقدار. # PageV01P050 # ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى، فالقرى كلها تبع ~~لها وفرع عليها، وهي أصل القرى، فيجب ألا يكون لها في القرى عديل، فهي كما ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن (الفاتحة) أنها أم القرآن، ولهذا لم يكن ~~لها في الكتب الإلهية عديل. # ومن خصائصها أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا ~~بإحرام، وهذه خاصية لا يشاركها فيها شيء من البلاد، وهذه المسألة تلقاها ~~الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد روي عن ابن عباس بإسناد لا يحتج به ~~مرفوعا ( «لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام، من أهلها ومن غير أهلها» ) ذكره أبو ~~أحمد بن عدي، ولكن الحجاج بن أرطاة في الطريق، وآخر قبله من الضعفاء. # وللفقهاء في المسألة ثلاثة أقوال: النفي، والإثبات، والفرق بين من هو ~~داخل المواقيت ومن هو قبلها، فمن قبلها لا يجاوزها إلا بإحرام، ومن هو ~~داخلها فحكمه حكم أهل مكة، وهو قول أبي حنيفة، والقولان الأولان للشافعي ~~وأحمد. # ومن خواصه أنه يعاقب فيه على الهم بالسيئات وإن لم يفعلها، قال تعالى: ~~{ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25] فتأمل # PageV01P051 # كيف عدى فعل الإرادة هاهنا بالباء، ولا يقال: أردت بكذا إلا لما ضمن معنى ~~فعل " هم " فإنه يقال: هممت بكذا، فتوعد من هم بأن يظلم فيه بأن يذيقه ~~العذاب الأليم. # ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، ~~لكن سيئة كبيرة جزاؤها مثلها، وصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حرم الله ~~وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض، ولهذا ليس من عصى ~~الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه، فهذا فصل ~~النزاع في تضعيف السيئات، والله أعلم. # وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب ~~وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس ~~للحديد، فهو الأولى بقول القائل: # محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس ms0012 أفئدة الرجال # ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام ~~من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له ~~اشتياقا. # لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا # فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح، وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح، ~~ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد، والأهل والأحباب والأوطان، مقدما بين يديه ~~أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ~~ويراه -لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم. # وليس محبا من يعد شقاءه ... عذابا إذا ما كان يرضى حبيبه # وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: {وطهر بيتي} [الحج: 26] ~~[الحج: 26] فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما # PageV01P052 # اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك ~~إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكل ~~ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له ~~الاصطفاء والاجتباء، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلا آخر، وتخصيصا وجلالة ~~زائدا على ما كان له قبل الإضافة، ولم يوفق لفهم هذا المعنى من سوى بين ~~الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء، ~~وإنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح، وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجها قد ~~ذكرت في غير هذا الموضع، ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده، فإن ~~مذهبنا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل ~~بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها، وكذلك نفس ~~البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة، وإنما هو لما يقع فيها ~~من الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت، والمسجد الحرام، ومنى، وعرفة، ~~والمشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض، وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن ~~البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها، والله سبحانه وتعالى قد ms0013 رد هذا ~~القول الباطل بقوله تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] ، قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته} [الأنعام: 124] [الأنعام: 124] أي: ليس كل أحد أهلا ولا صالحا ~~لتحمل رسالته، بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها، ~~والله أعلم بهذه المحال منكم. ولو كانت الذوات متساوية كما قال هؤلاء لم ~~يكن في ذلك رد عليهم، وكذلك قوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] ~~[الأنعام: 53] أي: هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته، فيختصه بفضله ويمن ~~عليه ممن لا يشكره، فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص ~~بكرامته. # فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها # PageV01P053 # مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو ~~سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره ~~{وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68] [القصص: 67] ، وما أبين بطلان رأي ~~يقضي بأن مكان البيت الحرام مساو لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية ~~لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله صلى الله عليه وسلم مساوية لذات غيره، ~~وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه ~~الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة ونسبوها ~~إليها وهي بريئة منها، وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمر عام، وذلك ~~لا يوجب تساويها في الحقيقة؛ لأن المختلفات قد تشترك في أمر عام مع ~~اختلافها في صفاتها النفسية، وما سوى الله تعالى بين ذات المسك وذات البول ~~أبدا، ولا بين ذات الماء وذات النار أبدا، والتفاوت البين بين الأمكنة ~~الشريفة وأضدادها والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير، ~~فبين ذات موسى عليه السلام وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك ~~والرجيع، وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا ~~التفاوت أيضا بكثير، فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة والتفضيل ms0014 باعتبار ~~ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات؟! . # ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا ~~تصويره، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم ولا يعبأ الله وعباده بغيره ~~شيئا، والله سبحانه لا يخصص شيئا، ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه ~~وتفضيله، نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه، ثم اختاره بعد ~~خلقه، {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68] . ### | [تفضيل بعض الأيام والشهور على بعض] # ومن هذا تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض، فخير الأيام عند الله يوم ~~النحر، وهو يوم الحج الأكبر، كما في " السنن " عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ( «أفضل # PageV01P054 # الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر» ) . وقيل: يوم عرفة أفضل منه، ~~وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي، قالوا: لأنه يوم الحج الأكبر، وصيامه ~~يكفر سنتين، وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب أكثر منه في يوم عرفة؛ ولأنه ~~سبحانه وتعالى يدنو فيه من عباده، ثم يباهي ملائكته بأهل الموقف. والصواب ~~القول الأول؛ لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه، والصواب أن ~~يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ لقوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى ~~الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة: 3] [التوبة: 3] ، وثبت في " الصحيحين " أن ~~أبا بكر وعليا رضي الله عنهما أذنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة. وفي " سنن ~~أبي داود " بأصح إسناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «يوم # PageV01P055 # الحج الأكبر يوم النحر» ) ، وكذلك قال أبو هريرة، وجماعة من الصحابة، ~~ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع والتوبة ~~والابتهال والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة، ولهذا سمي ~~طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أذن لهم ربهم ~~يوم النحر في زيارته، والدخول عليه إلى بيته، ولهذا كان فيه ذبح القرابين، ~~وحلق الرءوس، ورمي الجمار، ومعظم أفعال الحج، وعمل يوم عرفة كالطهور ~~والاغتسال بين يدي هذا اليوم. وكذلك تفضيل عشر ذي الحجة على غيره من ~~الأيام، ms0015 فإن أيامه أفضل الأيام عند الله، وقد ثبت في " صحيح البخاري " عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «ما من ~~أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا ~~الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه ~~وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» ) ، وهي الأيام العشر التي أقسم الله بها في ~~كتابه بقوله: {والفجر - وليال عشر} [الفجر: 1 - 2] [الفجر: 1 - 2] ولهذا ~~يستحب فيها الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ( «فأكثروا فيهن من # PageV01P056 # التكبير والتهليل والتحميد» ) ، ونسبتها إلى الأيام كنسبة مواضع المناسك ~~في سائر البقاع. # ومن ذلك تفضيل شهر رمضان على سائر الشهور، وتفضيل عشره الأخير على سائر ~~الليالي، وتفضيل ليلة القدر على ألف شهر. # فإن قلت: أي العشرين أفضل؟ عشر ذي الحجة، أو العشر الأخير من رمضان؟ وأي ~~الليلتين أفضل؟ ليلة القدر، أو ليلة الإسراء؟ . # قلت: أما السؤال الأول فالصواب فيه أن يقال: ليالي العشر الأخير من رمضان ~~أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان، ~~وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت ~~باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة إنما فضل باعتبار ~~أيامه، إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية. # وأما السؤال الثاني، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل ~~قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل ~~فأيهما المصيب؟ . # فأجاب: الحمد لله، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، فإن ~~أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم ونظائرها ~~من كل عام أفضل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ليلة القدر بحيث يكون ~~قيامها والدعاء فيها أفضل # PageV01P057 # منه في ليلة القدر، فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد ~~بالاطراد ms0016 من دين الإسلام. هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها، فكيف ولم ~~يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها، بل النقول في ~~ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة ~~التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر، فإنه قد ثبت ~~في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «تحروا ليلة القدر ~~في العشر الأواخر من رمضان» ) وفي " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ( «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» ) ، ~~وقد أخبر سبحانه أنها خير من ألف شهر، وأنه أنزل فيها القرآن. # وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا ~~عبادة، فهذا صحيح، وليس إذا أعطى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فضيلة في ~~مكان أو زمان يجب أن يكون ذلك الزمان والمكان أفضل من جميع الأمكنة ~~والأزمنة. هذا إذا قدر أنه قام دليل على أن إنعام الله تعالى على نبيه ليلة ~~الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر وغير ذلك من ~~النعم التي أنعم عليه بها. # والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمور، ومقادير النعم التي لا ~~تعرف إلا بوحي، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم، ولا يعرف عن أحد من ~~المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها، لا سيما # PageV01P058 # على ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة ~~الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت، وإن كان ~~الإسراء من أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك ~~الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية، بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول ~~الوحي وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة ms0017 ~~مدة مقامه بمكة، ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها، ولا ~~خص المكان الذي ابتدئ فيه بالوحي ولا الزمان بشيء، ومن خص الأمكنة والأزمنة ~~من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان ~~أحوال المسيح مواسم وعبادات، كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من ~~أحواله. وقد ( «رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جماعة يتبادرون مكانا يصلون ~~فيه، فقال: ما هذا؟ ، قالوا: مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلك من كان قبلكم ~~بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل، وإلا فليمض» ) . # وقد قال بعض الناس: إن ليلة الإسراء في حق النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ~~من ليلة القدر، وليلة القدر بالنسبة إلى الأمة أفضل من ليلة الإسراء، فهذه ~~الليلة في حق الأمة أفضل لهم، وليلة الإسراء في حق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفضل له. # فإن قيل: فأيهما أفضل: يوم الجمعة، أو يوم عرفة؟ فقد روى ابن حبان في " ~~صحيحه " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لا ~~تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة» ) وفيه أيضا حديث أوس بن ~~أوس ( «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة» ) . # PageV01P059 ### | [مزية وقفة الجمعة يوم عرفة] # قيل: قد ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة محتجا بهذا ~~الحديث، وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة ~~القدر، والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر ~~أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة ~~يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة. # أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام. # الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر ~~ساعة بعد العصر، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع. # الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله صلى الله ms0018 عليه وسلم. # الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ~~ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة، فيحصل من اجتماع المسلمين في # PageV01P060 # مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه. # الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة؛ ولذلك كره ~~لمن بعرفة صومه، وفي النسائي عن أبي هريرة قال: ( «نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة» ) ، وفي إسناده نظر، فإن مهدي بن حرب ~~العبدي ليس بمعروف، ومداره عليه، ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل " ~~«أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو ~~واقف على بعيره بعرفة فشربه» . # وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة، فقالت طائفة: ليتقوى على ~~الدعاء، وهذا هو قول الخرقي وغيره، وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن ~~تيمية -: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل ~~عليه الحديث الذي في " السنن " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «يوم ~~عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام» ) . # PageV01P061 # قال شيخنا: وإنما يكون يوم عرفة عيدا في حق أهل عرفة لاجتماعهم فيه، ~~بخلاف أهل الأمصار فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم، ~~والمقصود أنه إذا اتفق يوم عرفة ويوم جمعة، فقد اتفق عيدان معا. # السادس: أنه موافق ليوم إكمال الله تعالى دينه لعباده المؤمنين، وإتمام ~~نعمته عليهم، كما ثبت في " صحيح البخاري " عن طارق بن شهاب قال: ( «جاء ~~يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين آية تقرءونها في كتابكم لو ~~علينا معشر اليهود نزلت ونعلم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدا، قال: ~~أي آية؟ قال: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} [المائدة: 3] [المائدة: 3] فقال عمر بن الخطاب: إني لأعلم اليوم الذي ~~نزلت فيه، والمكان الذي ms0019 نزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعرفة يوم جمعة، ونحن واقفون معه بعرفة» ) . # السابع: أنه موافق ليوم الجمع الأكبر، والموقف الأعظم يوم القيامة، فإن ~~القيامة تقوم يوم الجمعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «خير يوم ~~طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج ~~منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا ~~أعطاه إياه» ) ولهذا شرع الله # PageV01P062 # سبحانه وتعالى لعباده يوما يجتمعون فيه، فيذكرون المبدأ والمعاد، والجنة ~~والنار، وادخر الله تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة، إذ فيه كان المبدأ وفيه ~~المعاد، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره سورتي (السجدة) و ~~(هل أتى على الإنسان) لاشتمالهما على ما كان وما يكون في هذا اليوم، من خلق ~~آدم، وذكر المبدأ والمعاد، ودخول الجنة والنار، فكان يذكر الأمة في هذا ~~اليوم بما كان فيه وما يكون، فهكذا يتذكر الإنسان بأعظم مواقف الدنيا - وهو ~~يوم عرفة - الموقف الأعظم بين يدي الرب سبحانه في هذا اليوم بعينه، ولا ~~يتنصف حتى يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم. # الثامن: أن الطاعة الواقعة من المسلمين يوم الجمعة وليلة الجمعة، أكثر ~~منها في سائر الأيام حتى إن أكثر أهل الفجور يحترمون يوم الجمعة وليلته، ~~ويرون أن من تجرأ فيه على معاصي الله عز وجل عجل الله عقوبته ولم يمهله، ~~وهذا أمر قد استقر عندهم وعلموه بالتجارب، وذلك لعظم اليوم وشرفه عند الله، ~~واختيار الله سبحانه له من بين سائر الأيام، ولا ريب أن للوقفة فيه مزية ~~على غيره. # التاسع: أنه موافق ليوم المزيد في الجنة، وهو اليوم الذي يجمع فيه أهل ~~الجنة في واد أفيح، وينصب لهم منابر من لؤلؤ، ومنابر من ذهب، ومنابر من ~~زبرجد وياقوت على كثبان المسك، فينظرون إلى ربهم تبارك وتعالى، ويتجلى لهم ~~فيرونه عيانا، ويكون أسرعهم موافاة أعجلهم رواحا # PageV01P063 # إلى المسجد، وأقربهم منه أقربهم من الإمام، فأهل الجنة مشتاقون إلى يوم ms0020 ~~المزيد فيها لما ينالون فيه من الكرامة، وهو يوم جمعة، فإذا وافق يوم عرفة ~~كان له زيادة مزية واختصاص وفضل ليس لغيره. # العاشر: أنه يدنو الرب تبارك وتعالى عشية يوم عرفة من أهل الموقف، ثم ~~يباهي بهم الملائكة فيقول: ( «ما أراد هؤلاء، أشهدكم أني قد غفرت لهم» ) ~~وتحصل مع دنوه منهم تبارك وتعالى ساعة الإجابة التي لا يرد فيها سائلا يسأل ~~خيرا فيقربون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرب منهم تعالى ~~نوعين من القرب، أحدهما: قرب الإجابة المحققة في تلك الساعة، والثاني: قربه ~~الخاص من أهل عرفة، ومباهاته بهم ملائكته، فتستشعر قلوب أهل الإيمان هذه ~~الأمور فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحا وسرورا وابتهاجا، ورجاء لفضل ربها ~~وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فضلت وقفة يوم الجمعة على غيرها. # PageV01P064 # وأما ما استفاض على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسبعين حجة، فباطل لا ~~أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، ~~والله أعلم. ### | [فصل فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها] # فصل # والمقصود أن الله سبحانه وتعالى اختار من كل جنس من أجناس المخلوقات ~~أطيبه، واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنه تعالى طيب لا يحب إلا الطيب، ~~ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيب، فالطيب من كل شيء هو مختاره ~~تعالى. # وأما خلقه تعالى فعام للنوعين، وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته، ~~فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يرضى إلا به، ولا يسكن إلا إليه، ولا ~~يطمئن قلبه إلا به، فله من الكلام الكلم الطيب الذي لا يصعد إلى الله تعالى ~~إلا هو، وهو أشد شيء نفرة عن الفحش في المقال، والتفحش في اللسان والبذاء ~~والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وكل كلام خبيث. # وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها ~~الفطر السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها ~~الشرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ويؤثر ~~مرضاته على هواه، ms0021 ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويحسن إلى خلقه ما استطاع، ~~فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوا به، ويعاملوه به، ويدعهم مما يحب أن يدعوه منه، ~~وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحب أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ~~ولا يحملهم أذاه، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى ~~لهم حسنا أذاعه، وإذا رأى لهم سيئا كتمه، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا ~~يبطل شريعة، ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا. # PageV01P065 # وله أيضا من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة والرحمة ~~والصبر والوفاء، وسهولة الجانب ولين العريكة والصدق، وسلامة الصدر من الغل ~~والغش والحقد والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأهل الإيمان، والعزة والغلظة ~~على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله، والعفة والشجاعة ~~والسخاء والمروءة، وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول. # وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي ~~يغذي البدن والروح أحسن تغذية، مع سلامة العبد من تبعته. # وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها، ومن الرائحة إلا أطيبها ~~وأزكاها، ومن الأصحاب والعشراء إلا الطيبين منهم، فروحه طيب، وبدنه طيب، ~~وخلقه طيب وعمله طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ~~ومنكحه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب. فهذا ~~ممن قال الله تعالى فيه: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32] [النحل: 32] ومن الذين يقول لهم ~~خزنة الجنة: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] [الزمر: 72] ~~وهذه الفاء تقتضي السببية، أي: بسبب طيبكم ادخلوها. وقال تعالى: {الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: ~~26] [النور: 26] ، وقد فسرت الآية بأن الكلمات الخبيثات للخبيثين والكلمات ~~الطيبات للطيبين، وفسرت بأن النساء الطيبات للرجال الطيبين، والنساء ~~الخبيثات للرجال الخبيثين، وهي تعم ذلك وغيره، فالكلمات والأعمال والنساء ~~الطيبات لمناسبها من الطيبين، والكلمات والأعمال والنساء الخبيثة لمناسبها ~~من الخبيثين، فالله سبحانه وتعالى جعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل ~~الخبيث بحذافيره في النار، ms0022 فجعل الدور ثلاثة: دارا أخلصت للطيبين، وهي حرام ~~على غير الطيبين، وقد جمعت كل طيب وهي الجنة. ودارا أخلصت للخبيث والخبائث # PageV01P066 # ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار. ودارا امتزج فيها الطيب والخبيث وخلط ~~بينهما وهي هذه الدار؛ ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج ~~والاختلاط، وذلك بموجب الحكمة الإلهية، فإذا كان يوم معاد الخليقة ميز الله ~~الخبيث من الطيب، فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل ~~الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: ~~الجنة وهي دار الطيبين، والنار وهي دار الخبيثين، وأنشأ الله تعالى من ~~أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم، فجعل طيبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم ~~هي عين نعيمهم ولذاتهم، أنشأ لهم منها أكمل أسباب النعيم والسرور، وجعل ~~خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم، فأنشأ لهم ~~منها أعظم أسباب العقاب والآلام حكمة بالغة وعزة باهرة قاهرة ليري عباده ~~كمال ربوبيته وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليعلم أعداؤه أنهم كانوا هم ~~المفترين الكذابين لا رسله البررة الصادقون، قال الله تعالى: {وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون - ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين} [النحل: 38 - 39] [النحل: 38-39] . # والمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - جعل للسعادة والشقاوة عنوانا يعرفان ~~به، فالسعيد الطيب لا يليق به إلا طيب، ولا يأتي إلا طيبا، ولا يصدر منه ~~إلا طيب، ولا يلابس إلا طيبا، والشقي الخبيث لا يليق به إلا الخبيث، ولا ~~يأتي إلا خبيثا، ولا يصدر منه إلا الخبيث، فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على ~~لسانه وجوارحه، والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه. وقد يكون في ~~الشخص مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهلها، فإن أراد الله به خيرا طهره من ~~المادة الخبيثة قبل الموافاة، فيوافيه يوم القيامة مطهرا فلا يحتاج إلى ~~تطهيره بالنار فيطهره منها بما يوفقه له من التوبة النصوح، والحسنات ~~الماحية، والمصائب ms0023 المكفرة، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، ويمسك عن الآخر ~~مواد # PageV01P067 # التطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة، وحكمته تعالى تأبى ~~أن يجاوره أحد في داره بخبائثه فيدخله النار طهرة له وتصفية وسبكا، فإذا ~~خلصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذ لجواره ومساكنة الطيبين من عباده. ~~وإقامة هذا النوع من الناس في النار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم ~~وبطئها، فأسرعهم زوالا وتطهيرا أسرعهم خروجا، وأبطؤهم أبطؤهم خروجا، {جزاء ~~وفاقا} [النبأ: 26] {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] . # ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج ~~منها لعاد خبيثا كما كان، كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه، فلذلك حرم الله ~~تعالى على المشرك الجنة. # ولما كان المؤمن الطيب المطيب مبرءا من الخبائث كانت النار حراما عليه، ~~إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، ~~وشهدت فطر عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين ورب العالمين لا إله إلا هو. ### | [فصل اضطرار العباد إلى معرفة الرسول] # فصل # ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، ~~وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب ~~والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على ~~أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، ~~فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال ~~والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة ~~إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها، # PageV01P068 # فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ~~ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، وصار كالحوت إذا ~~فارق الماء ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل ~~كهذه الحال ms0024 بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي # و # ما لجرح بميت إيلام # وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته ~~وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، ~~والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم. # فصل # وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وسيرته وهديه، اقتضاها الخاطر المكدود على عجره وبجره، ~~مع البضاعة المزجاة التي لا تنفتح لها أبواب السدد، ولا يتنافس فيها ~~المتنافسون مع تعليقها في حال السفر لا الإقامة، والقلب بكل واد منه شعبة، ~~والهمة قد تفرقت # PageV01P069 # شذر مذر، والكتاب مفقود، ومن يفتح باب العلم لمذاكرته معدوم غير موجود، ~~فعود العلم النافع الكفيل بالسعادة قد أصبح ذاويا، وربعه قد أوحش من أهله ~~وعاد منهم خاليا، فلسان العالم قد ملئ بالغلول مضاربة لغلبة الجاهلين، ~~وعادت موارد شفائه وهي معاطبه لكثرة المنحرفين والمحرفين، فليس له معول إلا ~~على الصبر الجميل، وما له ناصر ولا معين إلا الله وحده وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. ### | [فصل في نسبه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في نسبه صلى الله عليه وسلم # وهو خير أهل الأرض نسبا على الإطلاق، فلنسبه من الشرف أعلى ذروة، وأعداؤه ~~كانوا يشهدون له بذلك، ولهذا شهد له به عدوه إذ ذاك أبو سفيان بين يدي ملك ~~الروم، فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته، وأشرف الأفخاذ فخذه. # فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ~~بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ~~بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. # إلى هاهنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين، ولا خلاف ms0025 فيه البتة، وما ~~فوق " عدنان " مختلف فيه. ولا خلاف بينهم أن " عدنان " من ولد إسماعيل # PageV01P070 # عليه السلام، وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم. # وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن ~~تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع ~~أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي ~~لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، ~~والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، ~~قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ~~ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف وأحبوا أن يكون لهم، وأن ~~يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله ~~لأهله. وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق ~~به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه ~~بالبشرى: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط - وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 70 - 71] [هود: 70 - 71] فمحال أن ~~يبشرها بأنه يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب رضي الله عنه ~~داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر ~~الكلام وسياقه. # فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان " يعقوب " مجرورا عطفا على # PageV01P071 # إسحاق، فكانت القراءة {ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] أي: ويعقوب من ~~وراء إسحاق. قيل لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به؛ لأن البشارة قول ~~مخصوص، وهي أول خبر سار صادق. وقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: ~~71] جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة ~~الخبرية. ولما كانت البشارة قولا كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية ~~بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: ~~بشرت فلانا بقدوم أخيه ms0026 وثقله في أثره لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين ~~جميعا. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة، ثم يضعف الجر أمر آخر وهو ضعف ~~قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل ~~بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجر والمجرور. ويدل عليه أيضا أن ~~الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) قال: ~~{فلما أسلما وتله للجبين - وناديناه أن ياإبراهيم - قد صدقت الرؤيا إنا ~~كذلك نجزي المحسنين - إن هذا لهو البلاء المبين - وفديناه بذبح عظيم - ~~وتركنا عليه في الآخرين - سلام على إبراهيم - كذلك نجزي المحسنين - إنه من ~~عبادنا المؤمنين} [الصافات: 103 - 111] [الصافات: 103 - 111] . ثم قال ~~تعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] [الصافات: 112] . ~~فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا ~~في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه. # فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي لما صبر الأب على ما أمر ~~به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة. # قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأن يكون نبيا، ولهذا ~~نصب " نبيا " على الحال المقدر، أي: مقدرا نبوته، فلا يمكن إخراج البشارة ~~أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة، هذا محال من ~~الكلام، بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها على وجوده أولى وأحرى. # PageV01P072 # وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، ~~كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، ~~وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق ~~وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه ~~إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد ~~إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل ~~الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام ms0027 لا بمكة. # وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه ~~للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليما، فقال تعالى: {هل أتاك حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين - إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون} ~~[الذاريات: 24 - 25] الذاريات: 24 - 25] إلى أن قال: {قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم} [الذاريات: 28] [الذاريات: 28] وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من ~~امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية، وأيضا فإنهما بشرا به ~~على الكبر واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل، فإنه ولد قبل ذلك. # وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى ~~الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت ~~شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد ~~المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة ~~من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، ~~فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة ~~حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي ~~في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق ~~الخليل الرؤيا، وحصل مراد الرب. # PageV01P073 # ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود، ولم يكن ليحصل ~~في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ~~ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور. # وأيضا فإن سارة امرأة الخليل صلى الله عليه وسلم غارت من هاجر وابنها أشد ~~الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة " سارة ~~" فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها " هاجر " وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد ~~عن " سارة " حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه ~~بعد هذا أن يذبح ابنها ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها ~~وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، ms0028 فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن ~~الجارية، بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية، فحينئذ يرق قلب ~~السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة هذه ~~الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليري عباده جبره ~~بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر " هاجر " وابنها على البعد ~~والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل ~~آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم ~~القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه ~~وذله وانكساره. قال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5] [القصص: 5] وذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. # ولنرجع إلى المقصود من سيرته صلى الله عليه وسلم وهديه وأخلاقه لا خلاف ~~أنه ولد صلى الله عليه وسلم بجوف مكة، وأن مولده كان عام الفيل، وكان أمر ~~الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل ~~كتاب، وكان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عباد أوثان ~~فنصرهم الله على # PageV01P074 # أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه، إرهاصا وتقدمة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي خرج من مكة، وتعظيما للبيت الحرام. # واختلف في وفاة أبيه عبد الله، هل توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حمل، أو توفي بعد ولادته؟ على قولين: أصحهما: أنه توفي ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حمل. # والثاني: أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر. ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة ~~والمدينة " بالأبواء " منصرفها من المدينة من زيارة أخواله، ولم يستكمل إذ ~~ذاك سبع سنين. # وكفله جده عبد المطلب، وتوفي ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمان ~~سنين، وقيل: ست، وقيل: عشر، ثم كفله عمه أبو طالب، واستمرت كفالته له، فلما ~~بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام، وقيل: كانت سنه تسع ms0029 سنين، وفي هذه ~~الخرجة رآه بحيرى الراهب وأمر عمه ألا يقدم به إلى الشام خوفا عليه من ~~اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة، ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه ~~بعث معه بلالا، وهو من الغلط الواضح، فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا، ~~وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر. وذكر البزار في " مسنده " هذا ~~الحديث ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالا، ولكن قال: رجلا. # فلما بلغ خمسا وعشرين سنة خرج إلى الشام في تجارة، فوصل إلى # PageV01P075 # " بصرى " ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد، وقيل تزوجها وله ~~ثلاثون سنة، وقيل إحدى وعشرون، وسنها أربعون، وهي أول امرأة تزوجها، وأول ~~امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها غيرها، وأمره جبريل أن يقرأ عليها ~~السلام من ربها. # ثم حبب الله إليه الخلوة والتعبد لربه، وكان يخلو ب " غار حراء " يتعبد ~~فيه الليالي ذوات العدد، وبغضت إليه الأوثان ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض ~~إليه من ذلك. # فلما كمل له أربعون، أشرق عليه نور النبوة وأكرمه الله تعالى برسالته، ~~وبعثه إلى خلقه واختصه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده. ولا خلاف أن ~~مبعثه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين، واختلف في شهر المبعث. فقيل: ~~لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول ~~الأكثرين، وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] [البقرة: 185] قالوا: أول ما أكرمه ~~الله # PageV01P076 # تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن، وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري ~~حيث يقول في نونيته: # وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان # والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان جملة واحدة في ليلة ~~القدر إلى بيت العزة، ثم أنزل منجما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. # وقالت طائفة: أنزل فيه القرآن، أي في شأنه وتعظيمه وفرض صومه. # وقيل: كان ابتداء المبعث في شهر رجب. # وكمل الله له من مراتب ms0030 الوحي مراتب عديدة: # إحداها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وسلم، وكان لا ~~يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. # الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس ~~حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء ~~الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته» ) . # PageV01P077 # الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه حتى ~~يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانا. # الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيتلبس به ~~الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته ~~لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها. ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ # PageV01P078 # زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها. # الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله ~~أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في [النجم: 7، 13] . # السادسة: ما أوحاه الله وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة ~~وغيرها. # السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن ~~عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعا بنص القرآن، وثبوتها لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم هو في حديث الإسراء. # وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي تكليم الله له كفاحا من غير حجاب، وهذا ~~على مذهب من يقول: إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى، وهي مسألة ~~خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة كما حكاه ~~عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة. # PageV01P079 ### | [فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في ختانه صلى الله عليه وسلم # وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ولد مختونا مسرورا، وروي في ذلك حديث ms0031 لا يصح، ذكره أبو الفرج ~~بن الجوزي في " الموضوعات " وليس فيه حديث ثابت، وليس هذا من خواصه، فإن ~~كثيرا من الناس يولد مختونا. # وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: مسألة سئلت عنها: ختان ختن صبيا فلم ~~يستقص؟ قال: إذا كان الختان جاوز نصف الحشفة إلى فوق، فلا يعيد؛ لأن الحشفة ~~تغلظ، وكلما غلظت ارتفع الختان. فأما إذا كان الختان دون النصف فكنت أرى أن ~~يعيد. قلت: فإن الإعادة شديدة جدا، وقد يخاف عليه من الإعادة؟ فقال: لا ~~أدري، ثم قال لي: فإن هاهنا رجلا ولد له ابن مختون، فاغتم لذلك غما شديدا، ~~فقلت له: إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا؟ انتهى. وحدثني صاحبنا ~~أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس أنه ولد كذلك، وأن ~~أهله لم يختنوه، والناس يقولون لمن ولد كذلك: ختنه القمر، وهذا من ~~خرافاتهم. # القول الثاني: أنه ختن صلى الله عليه وسلم يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره ~~حليمة. # القول الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه ~~محمدا. # قال أبو عمر بن عبد البر: وفي هذا الباب حديث مسند غريب، حدثناه أحمد بن ~~محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا محمد ~~بن أبي السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب، عن عطاء ~~الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد المطلب ختن # PageV01P080 # النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، قال يحيى بن أيوب: طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل ~~الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري، وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين ~~فاضلين صنف أحدهما مصنفا في أنه ولد مختونا، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا ~~خطام لها ولا زمام، وهو كمال الدين بن طلحة، فنقضه عليه كمال الدين بن ~~العديم، وبين فيه أنه صلى الله عليه وسلم ختن على عادة العرب، وكان عموم ~~هذه السنة ms0032 للعرب قاطبة مغنيا عن نقل معين فيها، والله أعلم. ### | [فصل في أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه] # فصل # في أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه # فمنهن ثويبة مولاة أبي لهب، أرضعته أياما وأرضعت معه أبا سلمة عبد الله ~~بن عبد الأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح، وأرضعت معهما عمه حمزة بن عبد ~~المطلب. واختلف في إسلامها، فالله أعلم. # ثم أرضعته حليمة السعدية بلبن ابنها عبد الله أخي أنيسة وجدامة وهي ~~الشيماء أولاد الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي، واختلف في إسلام أبويه ~~من الرضاعة، فالله أعلم، وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب، وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم عام ~~الفتح وحسن إسلامه، وكان عمه حمزة مسترضعا في بني سعد بن بكر # PageV01P081 # فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند أمه حليمة، فكان ~~حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين: من جهة ثويبة، ومن جهة ~~السعدية. ### | [فصل في حواضنه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في حواضنه صلى الله عليه وسلم # فمنهن أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. # ومنهن ثويبة وحليمة، والشيماء ابنتها وهي أخته من الرضاعة كانت تحضنه مع ~~أمها، وهي التي قدمت عليه في وفد هوازن، فبسط لها رداءه، وأجلسها عليه ~~رعاية لحقها. # ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن بركة الحبشية، وكان ورثها من أبيه، وكانت ~~دايته وزوجها من حبه زيد بن حارثة، فولدت له أسامة، وهي التي دخل عليها أبو ~~بكر وعمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقالا: يا أم أيمن ما ~~يبكيك فما عند الله خير لرسوله؟ قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير ~~لرسوله، وإنما أبكي لانقطاع خبر السماء، فهيجتهما على البكاء فبكيا. ### | [فصل في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه] # فصل # في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه # بعثه الله على رأس أربعين ms0033 وهي سن الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل، وأما ما ~~يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة فهذا لا يعرف له ~~أثر متصل يجب المصير إليه. # ( «وأول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر النبوة الرؤيا، ~~فكان لا يرى رؤيا إلا # PageV01P082 # جاءت مثل فلق الصبح» ) . قيل: وكان ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاث ~~وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، والله أعلم. # ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة، فجاءه الملك وهو بغار حراء، وكان يحب ~~الخلوة فيه، فأول ما أنزل عليه {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ~~[العلق: 1] هذا قول عائشة والجمهور. # وقال جابر: أول ما أنزل عليه {ياأيها المدثر} [المدثر: 1] . # والصحيح قول عائشة لوجوه: # أحدها: أن قوله: ما أنا بقارئ، صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئا. # الثاني: الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار، فإنه إذا قرأ في ~~نفسه أنذر بما قرأه، فأمره بالقراءة أولا، ثم بالإنذار بما قرأه ثانيا. # الثالث: أن حديث جابر، وقوله: أول ما أنزل من القرآن {ياأيها المدثر} ~~[المدثر: 1] قول جابر، وعائشة أخبرت عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه ~~بذلك. # PageV01P083 # الرابع: أن حديث جابر الذي احتج به صريح في أنه قد تقدم نزول الملك عليه ~~أولا قبل نزول {ياأيها المدثر} [المدثر: 1] فإنه قال: فرفعت رأسي فإذا ~~الملك الذي جاءني بحراء، فرجعت إلى أهلي فقلت: زملوني دثروني، فأنزل الله ~~{ياأيها المدثر} [المدثر: 1] وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه ~~{اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] فدل حديث جابر على تأخر نزول {ياأيها ~~المدثر} [المدثر: 1] والحجة في روايته لا في رأيه، والله أعلم. ### | [فصل في ترتيب الدعوة ولها مراتب] # فصل # في ترتيب الدعوة ولها مراتب # المرتبة الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار ~~قومه. الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة. # الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر. ### | [فصل الجهر ms0034 بالدعوة] # فصل # وأقام صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه ~~مستخفيا، ثم نزل عليه {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] ~~[الحجر: 94] . فأعلن صلى الله عليه وسلم بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة، ~~واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن الله لهم بالهجرتين. ### | [فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في أسمائه صلى الله عليه وسلم # وكلها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرد التعريف، بل أسماء مشتقة من # PageV01P084 # صفات قائمة به توجب له المدح والكمال. # فمنها محمد، وهو أشهرها، وبه سمي في التوراة صريحا كما بيناه بالبرهان ~~الواضح في كتاب " جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام " وهو ~~كتاب فرد في معناه لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بينا فيه ~~الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه، وصحيحها من حسنها ومعلولها، ~~وبينا ما في معلولها من العلل بيانا شافيا، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه وما ~~اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطن الصلاة عليها ومحالها، ثم الكلام ~~في مقدار الواجب منها، واختلاف أهل العلم فيه وترجيح الراجح وتزييف المزيف، ~~ومخبر الكتاب فوق وصفه. # والمقصود أن اسمه محمد في التوراة صريحا بما يوافق عليه كل عالم من مؤمني ~~أهل الكتاب. # ومنها أحمد، وهو الاسم الذي سماه به المسيح لسر ذكرناه في ذلك الكتاب. # ومنها: المتوكل، ومنها الماحي، والحاشر، والعاقب، والمقفي، ونبي التوبة، ~~ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، والفاتح، والأمين. # ويلحق بهذه الأسماء: الشاهد، والمبشر، والبشير، والنذير، والقاسم، ~~والضحوك، والقتال، وعبد الله، والسراج المنير، وسيد ولد آدم، وصاحب لواء ~~الحمد، وصاحب المقام المحمود، وغير ذلك من الأسماء؛ لأن أسماءه إذا كانت ~~أوصاف مدح فله من كل وصف اسم، لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو ~~الغالب عليه ويشتق له منه اسم، وبين الوصف المشترك فلا يكون له منه اسم ~~يخصه. # PageV01P085 # وقال جبير بن مطعم: سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء، ~~فقال: ( «: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ms0035 الكفر، ~~وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، والعاقب الذي ليس بعده نبي» ) . # وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان: # أحدهما: خاص لا يشاركه فيه غيره من الرسل، كمحمد، وأحمد، والعاقب، ~~والحاشر، والمقفي، ونبي الملحمة. # والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله، فهو مختص ~~بكماله دون أصله، كرسول الله، ونبيه، وعبده، والشاهد، والمبشر، والنذير، ~~ونبي الرحمة، ونبي التوبة. # وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين، ~~كالصادق، والمصدوق، والرءوف الرحيم، إلى أمثال ذلك. وفي هذا قال من قال من ~~الناس: إن لله ألف اسم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم، قاله أبو ~~الخطاب بن دحية، ومقصوده الأوصاف. # PageV01P086 ### | [فصل في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم # أما محمد، فهو اسم مفعول من حمد فهو محمد، إذا كان كثير الخصال التي يحمد ~~عليها، ولذلك كان أبلغ من محمود، فإن محمودا من الثلاثي المجرد، ومحمد من ~~المضاعف للمبالغة، فهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره من البشر، ولهذا - ~~والله أعلم - سمي به في التوراة لكثرة الخصال المحمودة التي وصف بها هو ~~ودينه وأمته في التوراة، حتى تمنى موسى عليه الصلاة والسلام أن يكون منهم، ~~وقد أتينا على هذا المعنى بشواهده هناك، وبينا غلط أبي القاسم السهيلي حيث ~~جعل الأمر بالعكس، وأن اسمه في التوراة أحمد. # وأما أحمد، فهو اسم على زنة أفعل التفضيل مشتق أيضا من الحمد. وقد اختلف ~~الناس فيه هل هو بمعنى فاعل أو مفعول؟ فقالت طائفة: هو بمعنى الفاعل، أي ~~حمده لله أكثر من حمد غيره له، فمعناه: أحمد الحامدين لربه، ورجحوا هذا ~~القول بأن قياس أفعل التفضيل أن يصاغ من فعل الفاعل لا من الفعل الواقع على ~~المفعول، قالوا: ولهذا لا يقال ما أضرب زيدا، ولا زيد أضرب من عمرو، ~~باعتبار الضرب الواقع عليه، ولا: ما أشربه للماء، وآكله # PageV01P087 # للخبز، ونحوه، قالوا: لأن أفعل التفضيل وفعل التعجب إنما يصاغان ms0036 من الفعل ~~اللازم، ولهذا يقدر نقله من " فعل " و" فعل " المفتوح العين ومكسورها، إلى ~~" فعل " المضموم العين، قالوا: ولهذا يعدى بالهمزة إلى المفعول، فهمزته ~~للتعدية، كقولك: ما أظرف زيدا، وأكرم عمرا، وأصلهما: من ظرف وكرم. قالوا: ~~لأن المتعجب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غير متعد، قالوا: وأما ~~نحو: ما أضرب زيدا لعمرو، فهو منقول من " فعل " المفتوح العين إلى " فعل " ~~المضموم العين، ثم عدي والحالة هذه بالهمزة، قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم ~~باللام، فيقولون: ما أضرب زيدا لعمرو، ولو كان باقيا على تعديه، لقيل: ما ~~أضرب زيدا عمرا؛ لأنه متعد إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية، فلما ~~أن عدوه إلى المفعول بهمزة التعدية عدوه إلى الآخر باللام، فهذا هو الذي ~~أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يصاغان إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع ~~على المفعول. # ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: يجوز صوغهما من فعل الفاعل، ومن الواقع ~~على المفعول، وكثرة السماع به من أبين الأدلة على جوازه، تقول العرب: ما ~~أشغله بالشيء، وهو من شغل فهو مشغول، وكذلك يقولون ما أولعه بكذا، وهو من ~~أولع بالشيء فهو مولع به، مبني للمفعول ليس إلا، وكذلك قولهم: ما أعجبه ~~بكذا، فهو من أعجب به، ويقولون ما أحبه إلي فهو تعجب من فعل المفعول، وكونه ~~محبوبا لك، وكذا: ما أبغضه إلي، وأمقته إلي. # وهاهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه، وهي أنك تقول: ما أبغضني له، وما ~~أحبني له، وما أمقتني له: إذا كنت أنت المبغض الكاره، والمحب الماقت، فتكون ~~متعجبا من فعل الفاعل، وتقول: ما أبغضني إليه، وما أمقتني إليه، وما أحبني ~~إليه: إذا كنت أنت البغيض الممقوت، أو المحبوب، فتكون متعجبا من الفعل ~~الواقع على المفعول، فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان ب " إلى " فهو ~~للمفعول. وأكثر النحاة لا يعللون بهذا، والذي يقال في علته والله أعلم: إن ~~اللام # PageV01P088 # تكون للفاعل في المعنى، نحو قولك: لمن هذا؟ فيقال: لزيد، فيؤتى باللام. ~~وأما " إلى " فتكون للمفعول في ms0037 المعنى، فتقول: إلى من يصل هذا الكتاب؟ ~~فتقول: إلى عبد الله، وسر ذلك أن اللام في الأصل للملك والاختصاص، ~~والاستحقاق إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحق، و" إلى " لانتهاء الغاية، ~~والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل فهي بالمفعول أليق؛ لأنها تمام مقتضى الفعل، ~~ومن التعجب من فعل المفعول قول كعب بن زهير في النبي صلى الله عليه وسلم: # فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك محبوس ومقتول # من خادر من ليوث الأسد مسكنه ... ببطن عثر غيل دونه غيل # فأخوف هاهنا، من خيف فهو مخوف لا من خاف، وكذلك قولهم: ما أجن زيدا، من ~~جن فهو مجنون، هذا مذهب الكوفيين ومن وافقهم. # قال البصريون: كل هذا شاذ لا يعول عليه، فلا نشوش به القواعد، ويجب ~~الاقتصار منه على المسموع، قال الكوفيون: كثرة هذا في كلامهم نثرا ونظما ~~يمنع حمله على الشذوذ؛ لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم، وهذا غير ~~مخالف لذلك، قالوا: وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى فعل فتحكم لا دليل ~~عليه، وما تمسكتم به من التعدية بالهمزة إلى آخره فليس الأمر فيها كما ~~ذهبتم إليه، والهمزة في هذا البناء ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على ~~معنى التعجب والتفضيل فقط، كألف " فاعل " وميم " مفعول " وواوه وتاء ~~الافتعال والمطاوعة ونحوها من الزوائد التي تلحق الفعل الثلاثي لبيان ما ~~لحقه من الزيادة على مجرده، فهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة لا تعدية ~~الفعل. # قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يعدى بالهمزة يجوز أن يعدى # PageV01P089 # بحرف الجر وبالتضعيف، نحو: جلست به وأجلسته وقمت به وأقمته، ونظائره، ~~وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها، فعلم أنها ليست للتعدية المجردة أيضا، ~~فإنها تجامع باء التعدية، نحو: أكرم به وأحسن به، ولا يجمع على الفعل بين ~~تعديتين. # وأيضا فإنهم يقولون: ما أعطاه للدراهم، وأكساه للثياب، وهذا من أعطى وكسا ~~المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى " عطو ": إذا تناول ثم أدخلت عليه همزة ~~التعدية لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه، لا من عطوه وهو ms0038 ~~تناوله، والهمزة التي فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله ~~فلا يصح أن يقال: هي للتعدية. # قالوا: وأما قولكم: إنه عدي باللام في نحو: ما أضربه لزيد. . . إلى آخره، ~~فالإتيان باللام هاهنا ليس لما ذكرتم من لزوم الفعل، وإنما أتي بها تقوية ~~له لما ضعف بمنعه من التصرف، وألزم طريقة واحدة خرج بها عن سنن الأفعال، ~~فضعف عن اقتضائه وعمله، فقوي باللام كما يقوى بها عند تقدم معموله عليه، ~~وعند فرعيته، وهذا المذهب هو الراجح كما تراه. # فلنرجع إلى المقصود فنقول: تقدير أحمد على قول الأولين: أحمد الناس لربه، ~~وعلى قول هؤلاء: أحق الناس وأولاهم بأن يحمد، فيكون كمحمد في المعنى، إلا ~~أن الفرق بينهما أن " محمدا " هو كثير الخصال التي يحمد عليها، و" أحمد " ~~هو الذي يحمد أفضل مما يحمد غيره، فمحمد في الكثرة والكمية، وأحمد في الصفة ~~والكيفية، فيستحق من الحمد أكثر مما يستحق غيره، وأفضل مما يستحق غيره، ~~فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر. فالاسمان واقعان على المفعول وهذا ~~أبلغ في مدحه وأكمل معنى. ولو أريد معنى الفاعل لسمي الحماد، أي كثير ~~الحمد، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الخلق حمدا لربه، فلو كان اسمه ~~أحمد باعتبار حمده لربه لكان الأولى به الحماد كما سميت بذلك أمته. # وأيضا: فإن هذين الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه وخصائصه # PageV01P090 # المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا صلى الله عليه وسلم، وأحمد وهو ~~الذي يحمده أهل السماء وأهل الأرض وأهل الدنيا وأهل الآخرة؛ لكثرة خصائله ~~المحمودة التي تفوق عد العادين وإحصاء المحصين، وقد أشبعنا هذا المعنى في ~~كتاب الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكرنا هاهنا كلمات ~~يسيرة اقتضتها حال المسافر وتشتت قلبه وتفرق همته، وبالله المستعان وعليه ~~التكلان. # وأما اسمه المتوكل، ففي صحيح البخاري عن (عبد الله بن عمرو قال: قرأت في ~~التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته ~~المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ms0039 ولا يجزي بالسيئة السيئة، ~~بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله ~~إلا الله) وهو صلى الله عليه وسلم أحق الناس بهذا الاسم؛ لأنه توكل على ~~الله في إقامة الدين توكلا لم يشركه فيه غيره. # وأما الماحي، والحاشر، والمقفي، والعاقب، فقد فسرت في حديث جبير بن مطعم، ~~فالماحي: هو الذي محا الله به الكفر، ولم يمح الكفر بأحد من الخلق ما محي ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه بعث وأهل الأرض كلهم كفار إلا بقايا من ~~أهل الكتاب، وهم ما بين عباد أوثان ويهود مغضوب عليهم ونصارى ضالين وصابئة ~~دهرية لا يعرفون ربا ولا معادا، وبين عباد الكواكب، وعباد النار، وفلاسفة ~~لا يعرفون شرائع الأنبياء، ولا يقرون بها، فمحا الله سبحانه # PageV01P091 # برسوله ذلك حتى ظهر دين الله على كل دين، وبلغ دينه ما بلغ الليل ~~والنهار، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار. # وأما الحاشر، فالحشر هو الضم والجمع، فهو الذي يحشر الناس على قدمه، ~~فكأنه بعث ليحشر الناس. # والعاقب: الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر، ~~فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سمي العاقب على الإطلاق، أي: عقب الأنبياء جاء ~~بعقبهم. # وأما المقفي فكذلك، وهو الذي قفى على آثار من تقدمه، فقفى الله به على ~~آثار من سبقه من الرسل، وهذه اللفظة مشتقة من القفو، يقال: قفاه يقفوه: إذا ~~تأخر عنه، ومنه: قافية الرأس، وقافية البيت، فالمقفي: الذي قفى من قبله من ~~الرسل فكان خاتمهم وآخرهم. # وأما نبي التوبة: فهو الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض فتاب ~~الله عليهم توبة لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله. وكان صلى الله عليه وسلم ~~أكثر الناس استغفارا وتوبة، حتى كانوا يعدون له في المجلس الواحد مائة مرة: ~~( «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور» ) . # وكان يقول: ( «يا أيها الناس توبوا إلى الله ربكم فإني أتوب إلى الله في ~~اليوم مائة مرة» ) ، وكذلك توبة أمته أكمل من توبة سائر الأمم وأسرع ms0040 # PageV01P092 # قبولا وأسهل تناولا، وكانت توبة من قبلهم من أصعب الأشياء، حتى كان من ~~توبة بني إسرائيل من عبادة العجل قتل أنفسهم، وأما هذه الأمة فلكرامتها على ~~الله تعالى جعل توبتها الندم والإقلاع. # وأما نبي الملحمة، فهو الذي بعث بجهاد أعداء الله، فلم يجاهد نبي وأمته ~~قط ما جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، والملاحم الكبار التي وقعت ~~وتقع بين أمته وبين الكفار لم يعهد مثلها قبله، فإن أمته يقتلون الكفار في ~~أقطار الأرض على تعاقب الأعصار، وقد أوقعوا بهم من الملاحم ما لم تفعله أمة ~~سواهم. # وأما نبي الرحمة، فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فرحم به أهل الأرض ~~كلهم مؤمنهم وكافرهم، أما المؤمنون فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة، وأما ~~الكفار فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظله وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم ~~هو وأمته فإنهم عجلوا به إلى النار وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا ~~يزداد بها إلا شدة العذاب في الآخرة. # وأما الفاتح، فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجا، وفتح به ~~الأعين العمي والآذان الصم والقلوب الغلف، وفتح الله به أمصار الكفار، وفتح ~~به أبواب الجنة، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح ففتح به الدنيا ~~والآخرة والقلوب والأسماع والأبصار والأمصار. # وأما الأمين، فهو أحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ~~ودينه، وهو أمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولهذا كانوا يسمونه قبل ~~النبوة الأمين. # وأما الضحوك القتال، فاسمان مزدوجان لا يفرد أحدهما عن الآخر، # PageV01P093 # فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس ولا مقطب ولا غضوب ولا فظ، قتال ~~لأعداء الله لا تأخذه فيهم لومة لائم. # وأما البشير، فهو المبشر لمن أطاعه بالثواب، والنذير المنذر لمن عصاه ~~بالعقاب، وقد سماه الله عبده في مواضع من كتابه منها، قوله: {وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه} [الجن: 19] [الجن: 20] وقوله: {تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده} [الفرقان: 1] [الفرقان: 1] وقوله: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: ~~10] [النجم: 10] وقوله: {وإن كنتم ms0041 في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: ~~23] [البقرة: 23] وثبت عنه في " الصحيح " أنه قال: ( «أنا سيد ولد آدم [يوم ~~القيامة] ولا فخر» ) وسماه الله سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا وهاجا. # والمنير: هو الذي ينير من غير إحراق، بخلاف الوهاج فإن فيه نوع إحراق ~~وتوهج. ### | [فصل في ذكرى الهجرتين الأولى والثانية] ### | 401 - 1 # PageV01P094 # فصل # في ذكرى الهجرتين الأولى والثانية # لما كثر المسلمون وخاف منهم الكفار اشتد أذاهم له صلى الله عليه وسلم ~~وفتنتهم إياهم فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة ~~وقال: ( «إن بها ملكا لا يظلم الناس عنده» ) فهاجر من المسلمين اثنا عشر ~~رجلا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، وهو أول من خرج ومعه زوجته رقية بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقاموا في الحبشة في أحسن جوار، فبلغهم أن ~~قريشا أسلمت، وكان هذا الخبر كذبا فرجعوا إلى مكة، فلما بلغهم أن الأمر أشد ~~مما كان رجع منهم من رجع ودخل جماعة، فلقوا من قريش أذى شديدا، وكان ممن ~~دخل عبد الله بن مسعود. # ثم أذن لهم في الهجرة ثانيا إلى الحبشة، فهاجر من الرجال ثلاثة وثمانون ~~رجلا، إن كان فيهم عمار، فإنه يشك فيه، ومن النساء ثمان عشرة امرأة، ~~فأقاموا عند النجاشي على أحسن حال، فبلغ ذلك قريشا، فأرسلوا عمرو بن العاص، ~~وعبد الله بن أبي ربيعة في جماعة، ليكيدوهم عند النجاشي، فرد الله كيدهم في ~~نحورهم، فاشتد أذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحصروه وأهل بيته في ~~الشعب شعب أبي طالب ثلاث سنين، وقيل سنتين، وخرج من الحصر وله تسع وأربعون ~~سنة، وقيل ثمان وأربعون سنة، وبعد ذلك بأشهر مات عمه أبو طالب وله سبع ~~وثمانون سنة، وفي الشعب ولد عبد الله بن عباس، فنال الكفار منه أذى شديدا، ~~ثم ماتت خديجة بعد ذلك بيسير، فاشتد أذى الكفار له، فخرج إلى الطائف هو ~~وزيد بن حارثة يدعو إلى الله تعالى، وأقام به أياما فلم يجيبوه، وآذوه ~~وأخرجوه، وقاموا له سماطين، ms0042 فرجموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه، فانصرف عنهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى مكة، وفي طريقه لقي عداسا ~~النصراني، فآمن به وصدقه، وفي طريقه أيضا بنخلة صرف إليه نفر من الجن سبعة ~~من أهل نصيبين، فاستمعوا القرآن وأسلموا، وفي طريقه تلك أرسل الله إليه ملك ~~الجبال يأمره # PageV01P095 # بطاعته وأن يطبق على قومه أخشبي مكة، وهما جبلاها إن أراد، فقال: ( «لا، ~~بل أستأني بهم، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا» ) . # وفي طريقه دعا بذلك الدعاء المشهور ( «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة ~~حيلتي. . .» ) الحديث، ثم دخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ثم أسري # PageV01P096 # بروحه وجسده إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى فوق السماوات بجسده وروحه ~~إلى الله عز وجل، فخاطبه وفرض عليه الصلوات، وكان ذلك مرة واحدة، هذا أصح ~~الأقوال. # وقيل: كان ذلك مناما، وقيل: بل يقال: أسري به، ولا يقال: يقظة ولا مناما. # وقيل: كان الإسراء إلى بيت المقدس يقظة، وإلى السماء مناما. وقيل: كان ~~الإسراء مرتين مرة يقظة ومرة مناما. # وقيل: بل أسري به ثلاث مرات، وكان ذلك بعد المبعث بالاتفاق. # وأما ما وقع في حديث شريك، أن ذلك كان قبل أن يوحى إليه فهذا مما عد من ~~أغلاط شريك الثمانية وسوء حفظه، لحديث الإسراء. وقيل: إن هذا كان إسراء ~~المنام قبل الوحي. وأما إسراء اليقظة فبعد النبوة، وقيل: بل الوحي هاهنا ~~مقيد وليس بالوحي المطلق الذي هو مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه ~~في شأن الإسرار، فأسري به فجأة من غير تقدم إعلام، والله أعلم. # فأقام صلى الله عليه وسلم بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله تعالى ~~ويعرض نفسه عليهم في كل موسم أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلم ~~تستجب له قبيلة، وادخر الله ذلك كرامة للأنصار، فلما أراد الله تعالى إظهار ~~دينه وإنجاز وعده ونصر نبيه وإعلاء كلمته والانتقام من أعدائه، ساقه إلى ~~الأنصار لما أراد بهم من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم ms0043 ستة، وقيل: ثمانية ~~وهم يحلقون رءوسهم عند عقبة منى في الموسم فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، ~~وقرأ عليهم القرآن # PageV01P097 # فاستجابوا لله ورسوله، ورجعوا إلى المدينة، فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى ~~فشا فيهم ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زريق، ثم قدم مكة في العام ~~القابل اثنا عشر رجلا من الأنصار، منهم خمسة من الستة الأولين، فبايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء عند العقبة، ثم انصرفوا إلى ~~المدينة، فقدم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وهم ~~أهل العقبة الأخيرة فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه ~~مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، فترحل هو وأصحابه إليهم، واختار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم اثني عشر نقيبا، وأذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالا متسللين، ~~أولهم فيما قيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل مصعب بن عمير، ~~فقدموا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وفشا الإسلام بالمدينة، ثم ~~أذن الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فخرج من مكة يوم ~~الاثنين في شهر ربيع الأول، وقيل في صفر، وله إذ ذاك ثلاث وخمسون سنة، ومعه ~~أبو بكر الصديق، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن الأريقط ~~الليثي، فدخل غار ثور هو وأبو بكر، فأقاما فيه ثلاثا، ثم أخذا على طريق ~~الساحل، فلما انتهوا إلى المدينة وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ~~شهر ربيع الأول، وقيل غير ذلك، نزل بقباء في أعلى المدينة على بني عمرو بن ~~عوف، وقيل: نزل على كلثوم بن الهدم. وقيل: على سعد بن خيثمة، والأول أشهر، ~~فأقام عندهم أربعة عشر يوما وأسس مسجد قباء، ثم خرج يوم الجمعة فأدركته ~~الجمعة في بني # PageV01P098 # سالم، فجمع بهم بمن كان معه من المسلمين وهم مائة، ثم ركب ms0044 ناقته وسار، ~~وجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم ويأخذون بخطام الناقة، فيقول: ( «خلوا ~~سبيلها فإنها مأمورة» ) فبركت عند مسجده اليوم، وكان مربدا لسهل وسهيل ~~غلامين من بني النجار، فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري، ثم بنى مسجده موضع ~~المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللبن، ثم بنى مسكنه ومساكن أزواجه إلى ~~جنبه وأقربها إليه مسكن عائشة، ثم تحول بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب ~~إليها، وبلغ أصحابه بالحبشة هجرته إلى المدينة فرجع منهم ثلاثة # PageV01P099 # وثلاثون رجلا فحبس منهم بمكة سبعة، وانتهى بقيتهم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة، ثم هاجر بقيتهم في السفينة عام خيبر سنة سبع. ### | [فصل في أولاده صلى الله عليه وسلم] # فصل # في أولاده صلى الله عليه وسلم # أولهم القاسم، وبه كان يكنى، مات طفلا، وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة وسار ~~على النجيبة. # ثم زينب، وقيل: هي أسن من القاسم، ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وقد قيل ~~في كل واحدة منهن: إنها أسن من أختيها، وقد ذكر عن ابن عباس أن رقية أسن ~~الثلاث، وأم كلثوم أصغرهن. # PageV01P100 # ثم ولد له عبد الله، وهل ولد بعد النبوة أو قبلها؟ فيه اختلاف، وصحح ~~بعضهم أنه ولد بعد النبوة، وهل هو الطيب والطاهر، أو هما غيره؟ على قولين. ~~والصحيح أنهما لقبان له، والله أعلم. وهؤلاء كلهم من خديجة، ولم يولد له من ~~زوجة غيرها. # ثم ولد له إبراهيم بالمدينة من سريته " مارية القبطية " سنة ثمان من ~~الهجرة، وبشره به أبو رافع مولاه، فوهب له عبدا، ومات طفلا قبل الفطام، ~~واختلف هل صلى عليه أم لا؟ على قولين. وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة، ~~فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما ~~فضلت به على نساء العالمين. # وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقيل: إنها أفضل نساء العالمين، وقيل: بل ~~أمها خديجة، وقيل بل عائشة، وقيل: بل بالوقف في ذلك. ### | [فصل في أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم] # فصل # في أعمامه وعماته صلى الله ms0045 عليه وسلم # فمنهم أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، والعباس، ~~وأبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والزبير، وعبد ~~الكعبة، والمقوم، وضرار، وقثم، والمغيرة ولقبه حجل، والغيداق واسمه # PageV01P101 # مصعب، وقيل: نوفل، وزاد بعضهم: العوام، ولم يسلم منهم إلا حمزة، والعباس. # وأما عماته، فصفية أم الزبير بن العوام، وعاتكة، وبرة، وأروى، وأميمة، ~~وأم حكيم البيضاء. أسلم منهن صفية، واختلف في إسلام عاتكة وأروى، وصحح ~~بعضهم إسلام أروى. # وأسن أعمامه الحارث، وأصغرهم سنا: العباس، وعقب منه حتى ملأ أولاده ~~الأرض. وقيل: أحصوا في زمن المأمون فبلغوا ستمائة ألف، وفي ذلك بعد لا ~~يخفى، وكذلك أعقب أبو طالب وأكثر، والحارث، وأبو لهب، وجعل بعضهم الحارث ~~والمقوم واحدا، وبعضهم الغيداق وحجلا واحدا. ### | [فصل في أزواجه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في أزواجه صلى الله عليه وسلم # أولاهن خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، تزوجها قبل النبوة، ولها أربعون ~~سنة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وأولاده كلهم منها إلا إبراهيم، وهي التي ~~آزرته على النبوة وجاهدت معه وواسته بنفسها ومالها، وأرسل الله إليها ~~السلام مع جبريل، وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها، وماتت قبل الهجرة بثلاث ~~سنين. # ثم تزوج بعد موتها بأيام سودة بنت زمعة القرشية وهي التي وهبت يومها ~~لعائشة. # ثم تزوج بعدها أم عبد الله عائشة الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع ~~سماوات، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عائشة بنت أبي بكر الصديق، ~~وعرضها عليه الملك قبل نكاحها في سرقة من حرير وقال: "هذه زوجتك"، تزوج بها ~~في # PageV01P102 # شوال وعمرها ست سنين، وبنى بها في شوال في السنة الأولى من الهجرة وعمرها ~~تسع سنين، ولم يتزوج بكرا غيرها، وما نزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ~~وكانت أحب الخلق إليه، ونزل عذرها من السماء، واتفقت الأمة على كفر قاذفها، ~~وهي أفقه نسائه وأعلمهن، بل أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق، وكان ~~الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرجعون إلى قولها ويستفتونها. ~~وقيل: ms0046 إنها أسقطت من النبي صلى الله عليه وسلم سقطا ولم يثبت. # ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر أبو داود أنه طلقها ~~ثم راجعها. # ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية من بني هلال بن عامر، وتوفيت ~~عنده بعد ضمه لها بشهرين. # ثم تزوج أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، واسم أبي أمية ~~حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه موتا. وقيل آخرهن موتا صفية. # واختلف فيمن ولي تزويجها منه؟ فقال ابن سعد في "الطبقات": ولي تزويجها ~~منه سلمة بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها، ولما زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم سلمة بن أبي سلمة أمامة بنت حمزة التي اختصم فيها علي، وجعفر، وزيد ~~قال: ( «هل جزيت سلمة» ) يقول # PageV01P103 # ذلك، لأن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها، ذكر هذا في ترجمة ~~سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة، عن الواقدي: حدثني مجمع بن يعقوب، عن أبي ~~بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة، فزوجها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يومئذ غلام صغير» . # وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن أبي سلمة، حدثنا ~~ثابت، قال حدثني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، «عن أم سلمة أنها لما انقضت ~~عدتها من أبي سلمة، بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحبا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، إني امرأة غيرى، وإني مصبية وليس أحد من ~~أوليائي حاضرا. . . الحديث، وفيه فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فزوجه» ، وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنه لما توفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، ذكره ابن سعد، وتزوجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين، ومثل ~~هذا لا ms0047 يزوج، قال ذلك ابن سعد وغيره، ولما قيل ذلك للإمام أحمد، قال: من ~~يقول إن عمر كان صغيرا؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن ~~يقف على مقدار سنه، وقد ذكر مقدار سنه جماعة من المؤرخين ابن سعد وغيره. # وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمها عمر بن ~~الخطاب، والحديث ( «قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) ونسب ~~عمر، ونسب أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد ~~العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وأم سلمة بنت أبي # PageV01P104 # أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، ~~فوافق اسم ابنها عمر اسمه، فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فظن بعض الرواة أنه ابنها فرواه بالمعنى، وقال: فقالت لابنها، وذهل ~~عن تعذر ذلك عليه لصغر سنه، ونظير هذا وهم بعض الفقهاء في هذا الحديث ~~وروايتهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «قم يا غلام فزوج أمك» ~~) قال أبو الفرج ابن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث، قال: وإن ثبت ~~فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير إذ كان له من العمر يومئذ ~~ثلاث سنين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في سنة أربع ومات ~~ولعمر تسع سنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر نكاحه إلى ولي. # وقال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشترط في ~~نكاحه الولي، وأن ذلك من خصائصه. # ثم تزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة، وفيها ~~نزل قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37] [الأحزاب ~~37] وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن ~~أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. # ومن خواصها ms0048 أن الله سبحانه وتعالى كان هو وليها الذي زوجها لرسوله من فوق ~~سماواته، وتوفيت في أول خلافة عمر بن الخطاب، وكانت أولا عند زيد بن حارثة، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه، فلما طلقها زيد زوجه الله تعالى ~~إياها لتتأسى به أمته في نكاح أزواج من تبنوه. # وتزوج صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، ~~وكانت من # PageV01P105 # سبايا بني المصطلق، فجاءته تستعين به على كتابتها، فأدى عنها كتابتها ~~وتزوجها. # ثم تزوج أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب القرشية الأموية. ~~وقيل: اسمها هند، تزوجها وهي ببلاد الحبشة مهاجرة وأصدقها عنه النجاشي ~~أربعمائة دينار، وسيقت إليه من هناك وماتت في أيام أخيها معاوية. # هذا هو المعروف المتواتر عند أهل السير والتواريخ، وهو عندهم بمنزلة ~~نكاحه لخديجة بمكة، ولحفصة بالمدينة ولصفية بعد خيبر. # وأما حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس «أن أبا سفيان قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: " أسألك ثلاثا، فأعطاه إياهن، منها: وعندي أجمل ~~العرب أم حبيبة أزوجك إياها» ". # فهذا الحديث غلط لا خفاء به، قال أبو محمد بن حزم: وهو موضوع بلا شك، ~~كذبه عكرمة بن عمار، وقال ابن الجوزي في هذا الحديث: هو وهم من بعض الرواة ~~لا شك فيه ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار؛ لأن أهل # PageV01P106 # التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبد الله بن جحش، وولدت له، ~~وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على إسلامها ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها ~~وأصدقها عنه صداقا، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن ~~الهدنة فدخل عليها، فثنت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس ~~عليه، ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان. # وأيضا ففي هذا الحديث أنه قال له: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت ms0049 ~~أقاتل المسلمين، قال: نعم. ولا يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا ~~سفيان البتة. # وقد أكثر الناس الكلام في هذا الحديث وتعددت طرقهم في وجهه، فمنهم من ~~قال: الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح لهذا الحديث، قال: ولا يرد هذا بنقل ~~المؤرخين، وهذه الطريقة باطلة عند من له أدنى علم بالسيرة وتواريخ ما قد ~~كان. # وقالت طائفة: بل سأله أن يجدد له العقد تطييبا لقلبه، فإنه كان قد تزوجها ~~بغير اختياره، وهذا باطل لا يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بعقل ~~أبي سفيان، ولم يكن من ذلك شيء. # وقالت طائفة منهم البيهقي والمنذري: يحتمل أن تكون هذه المسألة من أبي ~~سفيان وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة ~~بالحبشة، فلما ورد على هؤلاء ما لا حيلة لهم في دفعه من سؤاله أن يؤمره حتى ~~يقاتل الكفار، وأن يتخذ ابنه كاتبا، قالوا: لعل هاتين المسألتين وقعتا منه ~~بعد الفتح، فجمع الراوي ذلك كله في حديث واحد، والتعسف، والتكلف الشديد ~~الذي في هذا الكلام يغني عن رده. # وقالت طائفة: للحديث محمل آخر صحيح، وهو أن يكون المعنى: أرضى أن تكون ~~زوجتك الآن، فإني قبل لم أكن راضيا، والآن فإني قد رضيت، فأسألك # PageV01P107 # أن تكون زوجتك، وهذا وأمثاله لو لم يكن قد سودت به الأوراق، وصنفت فيه ~~الكتب وحمله الناس لكان الأولى بنا الرغبة عنه لضيق الزمان عن كتابته ~~وسماعه، والاشتغال به، فإنه من ربد الصدور لا من زبدها. # وقالت طائفة: لما سمع أبو سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق ~~نساءه لما آلى منهن، أقبل إلى المدينة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم ما ~~قال ظنا منه أنه قد طلقها فيمن طلق، وهذا من جنس ما قبله. # وقالت طائفة: بل الحديث صحيح، ولكن وقع الغلط والوهم من أحد الرواة في ~~تسمية أم حبيبة، وإنما سأل أن يزوجه أختها رملة، ولا يبعد خفاء التحريم ~~للجمع عليه، فقد خفي ذلك على ابنته ms0050 وهي أفقه منه وأعلم حين «قالت لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هل لك في أختي بنت أبي سفيان؟ فقال أفعل ماذا؟ ~~قالت: تنكحها. قال: أوتحبين ذلك؟ قالت لست لك بمخلية، وأحب من شركني في ~~الخير أختي، قال: فإنها لا تحل لي» . فهذه هي التي عرضها أبو سفيان على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فسماها الراوي من عنده أم حبيبة، وقيل: بل كانت ~~كنيتها أيضا أم حبيبة، وهذا الجواب حسن لولا قوله في الحديث: فأعطاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما سأل، فيقال حينئذ هذه اللفظة وهم من الراوي، ~~فإنه أعطاه بعض ما سأل، فقال الراوي: أعطاه ما سأل أو أطلقها اتكالا على ~~فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه مما سأل، والله أعلم. # PageV01P108 # وتزوج صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير من ولد ~~هارون بن عمران أخي موسى، فهي ابنة نبي، وزوجة نبي، وكانت من أجمل نساء ~~العالمين، وكانت قد صارت له من الصفي أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ~~ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها ~~فتصير زوجته بذلك، فإذا قال: أعتقت أمتي، وجعلت عتقها صداقها، أو قال: جعلت ~~عتق أمتي صداقها، صح العتق والنكاح، وصارت زوجته من غير احتياج إلى تجديد ~~عقد ولا ولي، وهو ظاهر مذهب أحمد، وكثير من أهل الحديث. # وقالت طائفة: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو مما خصه الله به في ~~النكاح دون الأمة، وهذا قول الأئمة الثلاثة ومن وافقهم، والصحيح القول ~~الأول؛ لأن الأصل عدم الاختصاص حتى يقوم عليه دليل، والله سبحانه لما خصه ~~بنكاح الموهوبة له قال فيها: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ~~[الأحزاب 50] ولم يقل هذا في المعتقة، ولا قاله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليقطع تأسي الأمة به في ذلك، فالله سبحانه أباح له نكاح امرأة من ~~تبناه لئلا يكون على الأمة حرج في نكاح أزواج من تبنوه، فدل على أنه إذا ~~نكح ms0051 نكاحا فلأمته التأسي به فيه ما لم يأت عن الله ورسوله نص بالاختصاص ~~وقطع التأسي، وهذا ظاهر. # ولتقرير هذه المسألة وبسط الحجاج فيها - وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى ~~الأصول والقياس - موضع آخر، وإنما نبهنا عليه تنبيها. # ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوج بها، تزوجها بمكة ~~في عمرة القضاء بعد أن حل منها على الصحيح. # وقيل: قبل إحلاله، هذا قول ابن عباس، ووهم رضي الله عنه، فإن السفير ~~بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها ~~حلالا وقال: كنت أنا السفير بينهما، وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو ~~فوقها، وكان غائبا عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت ~~القصة وهو أعلم بها، ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم، # PageV01P109 # وماتت في أيام معاوية، وقبرها ب " سرف ". # قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النضرية.، وقيل: القرظية، سبيت يوم بني ~~قريظة، فكانت صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقها وتزوجها، ثم طلقها ~~تطليقة، ثم راجعها. # وقالت طائفة: بل كانت أمته وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها، فهي ~~معدودة في السراري لا في الزوجات، والقول الأول اختيار الواقدي ووافقه عليه ~~شرف الدين الدمياطي. وقال: هو الأثبت عند أهل العلم. وفيما قاله نظر، فإن ~~المعروف أنها من سراريه، وإمائه، والله أعلم. # فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن، وأما من خطبها ولم يتزوجها ومن ~~وهبت نفسها له ولم يتزوجها فنحو أربع أو خمس، وقال بعضهم: هن ثلاثون امرأة، ~~وأهل العلم بسيرته وأحواله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون هذا، بل ينكرونه، ~~والمعروف عندهم أنه بعث إلى الجونية ليتزوجها فدخل عليها ليخطبها فاستعاذت ~~منه فأعاذها ولم يتزوجها، وكذلك الكلبية، وكذلك التي رأى بكشحها بياضا فلم ~~يدخل بها، والتي وهبت نفسها له فزوجها غيره على سور من القرآن، هذا هو ~~المحفوظ، والله أعلم. # ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع، وكان يقسم منهن لثمان: ~~عائشة، ms0052 وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، ~~وجويرية. # وأول نسائه لحوقا به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش سنة ~~عشرين، وآخرهن موتا أم سلمة سنة اثنتين وستين في خلافة يزيد والله أعلم. # PageV01P110 ### | [فصل في سراريه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في سراريه صلى الله عليه وسلم # قال أبو عبيدة: كان له أربع: مارية وهي أم ولده إبراهيم، وريحانة وجارية ~~أخرى جميلة أصابها في بعض السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. ### | [فصل في مواليه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في مواليه صلى الله عليه وسلم # فمنهم زيد بن حارثة بن شراحيل، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعتقه ~~وزوجه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة. # ومنهم أسلم، وأبو رافع، وثوبان، وأبو كبشة سليم، وشقران واسمه صالح، ~~ورباح نوبي، ويسار نوبي أيضا، وهو قتيل العرنيين، ومدعم، وكركرة، نوبي ~~أيضا، وكان على ثقله صلى الله عليه وسلم، وكان يمسك راحلته عند القتال يوم ~~خيبر. # وفي صحيح البخاري أنه الذي غل الشملة ذلك اليوم فقتل، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( «إنها لتلتهب عليه نارا» ) وفي "الموطأ" أن الذي غلها # PageV01P111 # مدعم، وكلاهما قتل بخيبر، والله أعلم. # ومنهم أنجشة الحادي، وسفينة بن فروخ واسمه مهران، وسماه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سفينة؛ لأنهم كانوا يحملونه في السفر متاعهم، فقال: (أنت ~~سفينة) . قال أبو حاتم: أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال غيره: ~~أعتقته أم سلمة. # PageV01P112 # ومنهم أنسة، ويكنى أبا مشرح، وأفلح، وعبيد، وطهمان وهو كيسان، وذكوان، ~~ومهران، ومروان، وقيل: هذا خلاف في اسم طهمان، والله أعلم. # ومنهم حنين، وسندر، وفضالة يماني، ومابور خصي، وواقد، وأبو واقد، وقسام، ~~وأبو عسيب، وأبو مويهبة. # ومن النساء: سلمى أم رافع، وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى، ورزينة، وأم ~~ضميرة، وميمونة بنت أبي عسيب، ومارية، وريحانة. ### | [فصل في خدامه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في خدامه صلى الله عليه وسلم # فمنهم أنس بن مالك، وكان على حوائجه، وعبد الله بن ms0053 مسعود صاحب نعله ~~وسواكه، وعقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقود به في الأسفار، وأسلع بن ~~شريك، وكان صاحب راحلته، وبلال بن رباح المؤذن، وسعد، موليا أبي بكر ~~الصديق، وأبو ذر الغفاري، وأيمن بن عبيد، وأمه أم أيمن موليا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وكان أيمن على مطهرته وحاجته. ### | [فصل في كتابه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في كتابه صلى الله عليه وسلم # أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، ~~وأبي بن كعب، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة بن الربيع ~~الأسيدي، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وخالد بن ~~سعيد بن العاص. وقيل: إنه أول من كتب له، ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ~~ثابت وكان ألزمهم لهذا الشأن وأخصهم به. # PageV01P113 ### | [فصل في كتبه صلى الله عليه وسلم التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع] # فصل # في كتبه صلى الله عليه وسلم التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع # فمنها كتابه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر، وكتبه أبو بكر لأنس بن ~~مالك لما وجهه إلى البحرين وعليه عمل الجمهور. # ومنها كتابه إلى أهل اليمن، وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن ~~حزم، عن أبيه، عن جده، وكذلك رواه الحاكم في مستدركه، والنسائي، وغيرهما # PageV01P114 # مسندا متصلا، ورواه أبو داود وغيره مرسلا، وهو كتاب عظيم، فيه أنواع ~~كثيرة من الفقه في الزكاة، والديات، والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، ~~والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه، ومس المصحف، وغير ~~ذلك. # قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه، واحتج ~~الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات. # PageV01P115 # ومنها كتابه إلى بني زهير. # ومنها كتابه الذي كان عند عمر بن الخطاب في نصب الزكاة وغيرها. ### | [فصل في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك] # فصل # في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك # لما رجع من الحديبية كتب إلى ملوك ms0054 الأرض وأرسل إليهم رسله، فكتب إلى ملك ~~الروم، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا إذا كان مختوما فاتخذ خاتما من ~~فضة ونقش عليه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، وختم به الكتب ~~إلى الملوك، وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع. # فأولهم عمرو بن أمية الضمري، بعثه إلى النجاشي، واسمه أصحمة بن أبجر، ~~وتفسير "أصحمة" بالعربية: عطية، فعظم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أسلم وشهد شهادة الحق، وكان من أعلم الناس بالإنجيل، وصلى عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة، هكذا قال جماعة، منهم ~~الواقدي وغيره، وليس كما قال هؤلاء، فإن أصحمة النجاشي الذي صلى عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الذي كتب إليه، هذا الثاني لا يعرف إسلامه ~~بخلاف الأول فإنه مات مسلما. # وقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث قتادة، عن أنس قال: «كتب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى # PageV01P116 # كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى» ، ~~وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو محمد ~~بن حزم: إن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو ~~بن أمية الضمري لم يسلم، والأول هو اختيار ابن سعد وغيره، والظاهر قول ابن ~~حزم. # وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل وهم بالإسلام ~~وكاد، ولم يفعل، وقيل: بل أسلم، وليس بشيء. # وقد روى أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( «: من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر وله الجنة؟ فقال ~~رجل من القوم: وإن لم يقبل؟ قال: " وإن لم يقبل " فوافق قيصر وهو يأتي بيت ~~المقدس قد جعل عليه بساط لا يمشي عليه غيره، فرمى بالكتاب على البساط ~~وتنحى، فلما انتهى قيصر إلى الكتاب أخذه، فنادى قيصر: من صاحب الكتاب؟ فهو ~~آمن. فجاء الرجل؛ فقال أنا. ms0055 قال فإذا قدمت فأتني، فلما قدم أتاه، فأمر قيصر ~~بأبواب قصره فغلقت، ثم أمر مناديا ينادي: ألا إن قيصر قد اتبع محمدا وترك ~~النصرانية، فأقبل جنده وقد تسلحوا حتى أطافوا به، فقال لرسول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قد ترى أني خائف على مملكتي، ثم أمر مناديه فنادى: ألا إن ~~قيصر قد رضي عنكم، وإنما اختبركم لينظر كيف صبركم على دينكم، فارجعوا ~~فانصرفوا، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مسلم وبعث إليه ~~بدنانير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذب عدو الله ليس بمسلم وهو ~~على النصرانية" وقسم الدنانير» ) . # «وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، واسمه أبرويز بن هرمز بن # PageV01P117 # أنوشروان، فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم (: اللهم مزق ملكه) » فمزق الله ملكه وملك قومه. # وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، واسمه جريج بن ميناء ملك الإسكندرية ~~عظيم القبط، فقال خيرا وقارب الأمر ولم يسلم، وأهدى للنبي صلى الله عليه ~~وسلم مارية وأختيها سيرين وقيسرى، فتسرى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت، ~~وأهدى له جارية أخرى، وألف مثقال ذهبا، وعشرين ثوبا من قباطي مصر، وبغلة ~~شهباء وهي دلدل، وحمارا أشهب، وهو عفير، وغلاما خصيا يقال له مابور. وقيل: ~~هو ابن عم مارية، وفرسا وهو اللزاز، وقدحا من زجاج وعسلا، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ( «ضن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه» ) # وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء، ~~قاله ابن إسحاق والواقدي. قيل: إنما توجه لجبلة بن الأيهم. وقيل: توجه لهما ~~معا. وقيل: توجه لهرقل مع دحية بن خليفة، والله أعلم. # PageV01P118 # وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة، فأكرمه. وقيل: بعثه ~~إلى هوذة، وإلى ثمامة بن أثال الحنفي، فلم يسلم هوذة، وأسلم ثمامة بعد ذلك، ~~فهؤلاء الستة قيل: هم الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم ~~واحد. # وبعث عمرو بن العاص في ذي ms0056 القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد الله ابني ~~الجلندى الأزديين بعمان، فأسلما، وصدقا، وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم ~~فيما بينهم، فلم يزل فيما بينهم حتى بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين قبل ~~منصرفه من " الجعرانة " وقيل: قبل الفتح فأسلم وصدق. # وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ~~باليمن، فقال: سأنظر في أمري. # وبعث أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك. # وقيل بل سنة عشر من ربيع الأول داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهلها ~~طوعا من غير قتال. # ثم بعث بعد ذلك علي بن أبي طالب إليهم ووافاه بمكة في حجة الوداع. # وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع الحميري، وذي عمرو، يدعوهما ~~إلى الإسلام فأسلما، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرير عندهم. # PageV01P119 # وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى مسيلمة الكذاب بكتاب، وكتب إليه بكتاب آخر ~~مع السائب بن العوام أخي الزبير فلم يسلم. # وبعث إلى فروة بن عمرو الجذامي يدعوه إلى الإسلام. وقيل: لم يبعث إليه، ~~وكان فروة عاملا لقيصر بمعان، فأسلم، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإسلامه، وبعث إليه هدية مع مسعود بن سعد، وهي بغلة شهباء، يقال لها: فضة، ~~وفرس يقال لها: الظرب، وحمار يقال له: يعفور، كذا قاله جماعة، والظاهر - ~~والله أعلم - أن عفيرا، ويعفور واحد، عفير تصغير يعفور تصغير الترخيم. # وبعث أثوابا وقباء من سندس مخوص بالذهب، فقبل هديته، ووهب لمسعود بن سعد ~~اثنتي عشرة أوقية ونشا. # وبعث عياش بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث ومسروح ونعيم بني عبد ~~كلال من حمير. ### | [فصل في مؤذنيه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في مؤذنيه صلى الله عليه وسلم # وكانوا أربعة: اثنان بالمدينة: بلال بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن أم مكتوم القرشي العامري الأعمى، وبقباء: سعد ~~القرظ مولى عمار ms0057 بن ياسر، وبمكة: أبو محذورة، واسمه أوس بن مغيرة الجمحي، ~~وكان أبو محذورة منهم يرجع الأذان، ويثني الإقامة، وبلال لا يرجع، ويفرد # PageV01P120 # الإقامة، فأخذ الشافعي رحمه الله وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة ~~بلال، وأخذ أبو حنيفة رحمه الله، وأهل العراق بأذان بلال، وإقامة أبي ~~محذورة، وأخذ الإمام أحمد رحمه الله، وأهل الحديث، وأهل المدينة بأذان بلال ~~وإقامته، وخالف مالك رحمه الله في الموضعين: إعادة التكبير: وتثنية لفظ ~~الإقامة، فإنه لا يكررها. ### | [فصل في أمرائه صلى الله عليه وسلم] # منهم باذان بن ساسان، من ولد بهرام جور، أمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أهل اليمن كلها بعد موت كسرى، فهو أول أمير في الإسلام على اليمن، ~~وأول من أسلم من ملوك العجم. # ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت باذان ابنه شهر بن باذان ~~على صنعاء وأعمالها. ثم قتل شهر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~صنعاء خالد بن سعيد بن العاص. # وولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجر بن أبي أمية المخزومي كندة ~~والصدف فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسر إليها، فبعثه أبو بكر ~~إلى قتال أناس من المرتدين. # PageV01P121 # وولى زياد بن أمية الأنصاري حضرموت. # وولى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن والساحل. # وولى معاذ بن جبل الجند. # وولى أبا سفيان صخر بن حرب نجران. # وولى ابنه يزيد تيماء. # وولى عتاب بن أسيد مكة، وإقامة الموسم بالحج بالمسلمين سنة ثمان وله دون ~~العشرين سنة. # وولى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن والقضاء بها. # وولى عمرو بن العاص عمان وأعمالها. # وولى الصدقات جماعة كثيرة، لأنه كان لكل قبيلة وال يقبض صدقاتها، فمن هنا ~~كثر عمال الصدقات. # وولى أبا بكر إقامة الحج سنة تسع، وبعث في إثره عليا يقرأ على الناس سورة ~~(براءة) فقيل: لأن أولها نزل بعد خروج أبي بكر إلى الحج. وقيل: بل لأن عادة ~~العرب كانت أنه لا يحل العقود ويعقدها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته. ms0058 ~~وقيل: أردفه به عونا له ومساعدا. ولهذا قال له الصديق: (أمير أو مأمور؟ ~~قال: بل مأمور) . # وأما أعداء الله الرافضة، فيقولون عزله بعلي، وليس هذا ببدع من بهتهم ~~وافترائهم. # PageV01P122 # واختلف الناس، هل كانت هذه الحجة قد وقعت في شهر ذي الحجة، أو كانت في ذي ~~القعدة من أجل النسيء؟ على قولين، والله أعلم. ### | [فصل في حرسه صلى الله عليه وسلم] # فمنهم سعد بن معاذ، حرسه يوم بدر حين نام في العريش، ومحمد بن مسلمة حرسه ~~يوم أحد، والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق. # ومنهم عباد بن بشر، وهو الذي كان على حرسه، وحرسه جماعة آخرون غير هؤلاء، ~~فلما نزل قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] [المائدة 67] ~~خرج على الناس فأخبرهم بها وصرف الحرس. ### | [فصل فيمن كان يضرب الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم] # علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة، ~~وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والضحاك بن سفيان الكلابي # وكان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري منه صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب ~~الشرطة من الأمير، ووقف المغيرة بن شعبة على رأسه بالسيف يوم الحديبية # PageV01P123 ### | [فصل فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه] # فصل # فيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه # كان بلال على نفقاته، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي على خاتمه، وابن مسعود ~~على سواكه ونعله، وأذن عليه رباح الأسود وأنسة مولياه، وأنس بن مالك، وأبو ~~موسى الأشعري. ### | [فصل في شعرائه وخطبائه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في شعرائه وخطبائه صلى الله عليه وسلم # كان من شعرائه الذين يذبون عن الإسلام: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، ~~وحسان بن ثابت، وكان أشدهم على الكفار حسان بن ثابت، وكعب بن مالك يعيرهم ~~بالكفر والشرك، وكان خطيبه ثابت بن قيس بن شماس. ### | [فصل في حداته الذين كانوا يحدون بين يديه صلى الله عليه وسلم في السفر] # فصل # في حداته الذين كانوا يحدون بين ms0059 يديه صلى الله عليه وسلم في السفر # منهم عبد الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع وعمه سلمة بن الأكوع. ~~وفي "صحيح مسلم ": «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد حسن الصوت، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رويدا يا أنجشة لا تكسر القوارير» ". ~~يعني ضعفة النساء. # PageV01P124 ### | [فصل في غزواته وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في غزواته وبعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم # غزواته كلها وبعوثه وسراياه كانت بعد الهجرة في مدة عشر سنين، فالغزوات ~~سبع وعشرون، وقيل: خمس وعشرون، وقيل: تسع وعشرون، وقيل غير ذلك، قاتل منها ~~في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، ~~والطائف. وقيل: قاتل في بني النضير، والغابة، ووادي القرى من أعمال خيبر. # وأما سراياه وبعوثه، فقريب من ستين، والغزوات الكبار الأمهات سبع: بدر، ~~وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل ~~القرآن، فسورة (الأنفال) سورة بدر، وفي أحد آخر سورة (آل عمران) من قوله ~~{وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} [آل عمران: 121] [آل عمران ~~121] إلى قبيل آخرها بيسير، وفي قصة الخندق، وقريظة، وخيبر صدر (سورة ~~الأحزاب) ، وسورة (الحشر) في بني النضير، وفي قصة الحديبية وخيبر سورة ~~(الفتح) وأشير فيها إلى الفتح، وذكر الفتح صريحا في سورة (النصر) . # وجرح منها صلى الله عليه وسلم في غزوة واحدة وهي أحد، وقاتلت معه ~~الملائكة منها في بدر وحنين، ونزلت الملائكة يوم الخندق، فزلزلت المشركين ~~وهزمتهم، ورمى فيها الحصباء في وجوه المشركين فهربوا، وكان الفتح في ~~غزوتين: بدر، وحنين. # وقاتل بالمنجنيق منها في غزوة واحدة، وهي الطائف، وتحصن في الخندق في ~~واحدة، وهي الأحزاب أشار به عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه. # PageV01P125 ### | [فصل في ذكر سلاحه وأثاثه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في ذكر سلاحه وأثاثه صلى الله عليه وسلم # كان له تسعة أسياف: # مأثور، وهو أول سيف ملكه، ورثه من أبيه. # والعضب، وذو الفقار بكسر الفاء، وبفتح الفاء، وكان لا يكاد يفارقه، وكانت ~~قائمته وقبيعته ms0060 وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة. والقلعي، والبتار، ~~والحتف والرسوب، والمخذم، والقضيب، وكان نعل سيفه فضة، وما بين ذلك حلق ~~فضة. # وكان سيفه ذو الفقار تنفله يوم بدر، وهو الذي أري فيها الرؤيا، ودخل يوم ~~الفتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة. # وكان له سبعة أدرع: ذات الفضول: وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي ~~على شعير لعياله، وكان ثلاثين صاعا، وكان الدين إلى سنة، وكانت الدرع من ~~حديد. # وذات الوشاح، وذات الحواشي، والسعدية وفضة، والبتراء والخرنق. # وكانت له ست قسي: الزوراء، والروحاء، والصفراء، والبيضاء، والكتوم، كسرت ~~يوم أحد فأخذها قتادة بن النعمان، والسداد. # وكانت له جعبة تدعى: الكافور، ومنطقة من أديم منشور فيها ثلاث حلق من ~~فضة، والإبزيم من فضة، والطرف من فضة، وكذا قال بعضهم، وقال شيخ الإسلام ~~ابن تيمية: لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شد على وسطه منطقة. # وكان له ترس يقال له: الزلوق، وترس يقال له: الفتق. قيل: وترس أهدي إليه، ~~فيه صورة تمثال فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال. # PageV01P126 # وكانت له خمسة أرماح، يقال لأحدهم: المثوي، والآخر: المثني، وحربة يقال ~~لها: النبعة، وأخرى كبيرة تدعى: البيضاء، وأخرى صغيرة شبه العكاز يقال لها: ~~العنزة يمشي بها بين يديه في الأعياد، تركز أمامه، فيتخذها سترة يصلي ~~إليها، وكان يمشي بها أحيانا. # وكان له مغفر من حديد يقال له: الموشح، وشح بشبه، ومغفر آخر يقال له: ~~السبوغ، أو ذو السبوغ. # وكان له ثلاث جباب يلبسها في الحرب. قيل فيها: جبة سندس أخضر، والمعروف ~~أن عروة بن الزبير كان له يلمق من ديباج بطانته سندس أخضر، يلبسه في الحرب، ~~والإمام أحمد في إحدى روايتيه يجوز لبس الحرير في الحرب. # وكانت له راية سوداء يقال لها: العقاب. وفي "سنن أبي داود " عن رجل من ~~الصحابة قال ( «رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء، وكانت له ~~ألوية بيضاء، وربما جعل فيها الأسود» ) . # وكان له فسطاط يسمى: الكن، ومحجن قدر ذراع أو أطول يمشي به ويركب به، ms0061 ~~ويعلقه بين يديه على بعيره، ومخصرة تسمى: العرجون، وقضيب من الشوحط يسمى: ~~الممشوق. قيل: وهو الذي كان يتداوله الخلفاء. # وكان له قدح يسمى: الريان، ويسمى مغنيا، وقدح آخر مضبب بسلسلة من فضة. # وكان له قدح من قوارير، وقدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه بالليل، ~~وركوة تسمى: الصادر، قيل: وتور من حجارة يتوضأ منه، ومخضب من شبه، وقعب ~~يسمى: السعة، ومغتسل من صفر، ومدهن، وربعة يجعل فيها # PageV01P127 # المرآة والمشط. قيل: وكان المشط من عاج، وهو الذبل، ومكحلة يكتحل منها ~~عند النوم ثلاثا في كل عين بالإثمد، وكان في الربعة المقراضان والسواك. # وكانت له قصعة تسمى: الغراء، لها أربع حلق يحملها أربعة رجال بينهم، وصاع ~~ومد وقطيفة، وسرير قوائمه من ساج أهداه له أسعد بن زرارة، وفراش من أدم ~~حشوه ليف. # وهذه الجملة قد رويت متفرقة في أحاديث. # وقد روى الطبراني في معجمه حديثا جامعا في الآنية من حديث ابن عباس، قال: ~~( «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته من فضة وقبيعته من فضة ~~وكان يسمى: ذا الفقار وكانت له قوس تسمى: السداد، وكانت له كنانة تسمى: ~~الجمع، وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى: ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى: ~~النبعاء، وكان له محجن يسمى: الدقن، وكان له ترس أبيض يسمى: الموجز، وكان ~~له فرس أدهم يسمى: السكب، وكان له سرج يسمى: الداج، وكانت له بغلة شهباء ~~تسمى: دلدل، وكانت له ناقة تسمى: القصواء، وكان له حمار يسمى: يعفور، وكان ~~له بساط يسمى: الكن، وكانت له عنزة تسمى: القمرة، وكانت له ركوة تسمى: ~~الصادرة، وكان له مقراض اسمه الجامع، ومرآة وقضيب شوحط يسمى: الموت» ) . ### | [فصل في دوابه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في دوابه صلى الله عليه وسلم # فمن الخيل: السكب. قيل: وهو أول فرس ملكه، وكان اسمه عند الأعرابي الذي ~~اشتراه منه بعشر أواق الضرس، وكان أغر محجلا طلق اليمين كميتا. وقيل كان ~~أدهم. # والمرتجز، وكان أشهب وهو الذي شهد فيه خزيمة بن ثابت. # واللحيف، واللزاز، والظرب، ms0062 وسبحة، والورد. فهذه سبعة متفق عليها، # PageV01P128 # جمعها الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن جماعة الشافعي في بيت فقال: # والخيل سكب لحيف سبحة ظرب ... لزاز مرتجز ورد لها اسرار # أخبرني بذلك عنه ولده الإمام عز الدين عبد العزيز أبو عمرو أعزه الله ~~بطاعته. # وقيل: كانت له أفراس أخر خمسة عشر، ولكن مختلف فيها، وكان دفتا سرجه من ~~ليف. # وكان له من البغال دلدل، وكانت شهباء أهداها له المقوقس. وبغلة أخرى. ~~يقال لها: "فضة". أهداها له فروة الجذامي، وبغلة شهباء أهداها له صاحب ~~أيلة، وأخرى أهداها له صاحب دومة الجندل، وقد قيل: إن النجاشي أهدى له بغلة ~~فكان يركبها. # ومن الحمير عفير وكان أشهب، أهداه له المقوقس ملك القبط، وحمار آخر أهداه ~~له فروة الجذامي. وذكر أن سعد بن عبادة أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ~~حمارا فركبه. # ومن الإبل القصواء، قيل: وهي التي هاجر عليها، والعضباء، والجدعاء، ولم ~~يكن بهما عضب ولا جدع، وإنما سميتا بذلك، وقيل: كان بأذنها عضب فسميت به، ~~وهل العضباء والجدعاء واحدة، أو اثنتان؟ فيه خلاف، والعضباء هي التي كانت ~~لا تسبق، ثم جاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( «إن حقا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئا إلا ~~وضعه» ) وغنم صلى الله عليه وسلم يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل في أنفه برة ~~من فضة، فأهداه يوم # PageV01P129 # الحديبية ليغيظ به المشركين. # وكانت له خمس وأربعون لقحة، وكانت له مهرية أرسل بها إليه سعد بن عبادة ~~من نعم بني عقيل. # وكانت له مائة شاة وكان لا يريد أن تزيد، كلما ولد له الراعي بهمة، ذبح ~~مكانها شاة، وكانت له سبع أعنز منائح ترعاهن أم أيمن. ### | [فصل في ملابسه صلى الله عليه وسلم] # فصل # في ملابسه صلى الله عليه وسلم # كانت له عمامة تسمى: السحاب كساها عليا، وكان يلبسها ويلبس تحتها ~~القلنسوة. وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة. # وكان إذا اعتم أرخى عمامته ms0063 بين كتفيه، كما رواه مسلم في "صحيحه" عن عمرو ~~بن حريث قال: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة ~~سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه» ) # وفي مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«دخل مكة وعليه عمامة سوداء» ) ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابة، فدل على أن ~~الذؤابة لم يكن # PageV01P130 # يرخيها دائما بين كتفيه. # وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبة القتال، والمغفر على رأسه، فلبس في كل ~~موطن ما يناسبه. # وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه في الجنة يذكر في سبب ~~الذؤابة شيئا بديعا، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة ~~المنام الذي رآه في المدينة «لما رأى رب العزة تبارك وتعالى، فقال: " يا ~~محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفي فعلمت ما ~~بين السماء والأرض» . . . " الحديث، وهو في الترمذي، وسئل عنه البخاري، ~~فقال # PageV01P131 # صحيح. قال: فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه، وهذا من العلم الذي ~~تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم، ولم أر هذه الفائدة في إثبات الذؤابة لغيره. # ولبس القميص وكان أحب الثياب إليه، وكان كمه إلى الرسغ، ولبس الجبة ~~والفروج وهو شبه القباء، والفرجية، ولبس القباء أيضا، ولبس في السفر جبة ~~ضيقة الكمين، ولبس الإزار والرداء. # قال الواقدي: كان رداؤه وبرده طول ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج ~~عمان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر. # ولبس حلة حمراء، والحلة إزار ورداء، ولا تكون الحلة إلا اسما للثوبين ~~معا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتا لا يخالطها غيره، وإنما الحلة ~~الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود ~~اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا ~~فالأحمر البحت منهي عنه أشد النهي ففي "صحيح البخاري " أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «نهى عن المياثر الحمر» ) وفي "سنن أبي داود " عن عبد الله بن ~~عمرو أن ms0064 النبي صلى الله عليه وسلم رأى # PageV01P132 # عليه ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ( «ما هذه الريطة التي عليك؟ فعرفت ما ~~كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد فقال: ~~" يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ " فأخبرته، فقال: هلا كسوتها بعض أهلك فإنه ~~لا بأس بها للنساء» ) # وفي "صحيح مسلم " عنه أيضا، قال «رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين ~~معصفرين. فقال: (إن هذه من لباس الكفار فلا تلبسها» ) وفي "صحيحه" أيضا عن ~~علي رضي الله عنه قال: ( «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لباس المعصفر» ) ~~. ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صبغا أحمر. # وفي بعض السنن «أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى على ~~رواحلهم أكسية فيها خطوط حمراء فقال: " ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم فقمنا ~~سراعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفر بعض إبلنا، فأخذنا ~~الأكسية فنزعناها عنها» . رواه أبو داود. # وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرها نظر. وأما كراهته، # PageV01P133 # فشديدة جدا، فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه لبس الأحمر القاني، ~~كلا لقد أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء، والله ~~أعلم. # ولبس الخميصة المعلمة والساذجة، ولبس ثوبا أسود، ولبس الفروة المكفوفة ~~بالسندس. # وروى الإمام أحمد، وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك «أن ملك الروم ~~أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مستقة من سندس، فلبسها، فكأني أنظر إلى يديه ~~تذبذبان» . قال الأصمعي: المساتق: فراء طوال الأكمام. قال الخطابي: يشبه أن ~~تكون هذه المستقة مكففة بالسندس، لأن نفس الفروة لا تكون سندسا. ### | [فصل في ذكر سراويله ونعله وخاتمه وغير ذلك] # فصل # واشترى سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها، وقد روي في غير حديث ~~أنه لبس السراويل وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. # ولبس الخفين ولبس النعل الذي يسمى التاسومة. # ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يسراه، وكلها صحيحة ~~السند. # ولبس البيضة التي تسمى: الخوذة، ولبس الدرع التي تسمى: الزردية، ms0065 وظاهر ~~يوم أحد بين الدرعين. # وفي "صحيح مسلم " عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ( «هذه جبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج. وفرجاها ~~مكفوفان # PageV01P134 # بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها» ) # وكان له بردان أخضران وكساء أسود وكساء أحمر ملبد وكساء من شعر. # وكان قميصه من قطن، وكان قصير الطول قصير الكمين، وأما هذه الأكمام ~~الواسعة الطوال التي هي كالأخراج، فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، ~~وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء. # وكان أحب الثياب إليه القميص والحبرة، وهي ضرب من البرود فيه حمرة. # وكان أحب الألوان إليه البياض، وقال ( «هي من خير ثيابكم فالبسوها وكفنوا ~~فيها موتاكم» ) وفي الصحيح «عن عائشة أنها أخرجت كساء ملبدا وإزارا غليظا ~~فقالت قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين» . # PageV01P135 # ولبس خاتما من ذهب، ثم رمى به، ونهى عن التختم بالذهب، ثم اتخذ خاتما من ~~فضة ولم ينه عنه. # وأما حديث أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء وذكر منها: ~~ونهى عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان، فلا أدري ما حال الحديث ولا وجهه والله ~~أعلم. # وكان يجعل فص خاتمه مما يلي باطن كفه. وذكر الترمذي «أنه كان إذا دخل ~~الخلاء نزع خاتمه» وصححه، وأنكره أبو داود. # وأما الطيلسان فلم ينقل عنه أنه لبسه ولا أحد من أصحابه، بل قد ثبت في ~~صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال ~~فقال ( «يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة» ) . ورأى أنس ~~جماعة # PageV01P136 # عليهم الطيالسة فقال ما أشبههم بيهود خيبر. ومن هاهنا كره لبسها جماعة من ~~السلف والخلف؛ لما روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من تشبه بقوم فهو ms0066 منهم» ) # وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: ( «ليس منا من تشبه بقوم غيرنا» ) ~~وأما ما جاء في حديث الهجرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر ~~متقنعا بالهاجرة» ، فإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تلك الساعة ليختفي ~~بذلك، ففعله للحاجة، ولم تكن عادته التقنع، وقد ذكر أنس عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يكثر القناع، وهذا إنما كان يفعله - والله أعلم - للحاجة من ~~الحر ونحوه، وأيضا ليس التقنع من التطيلس. ### | [فصل غالب لبسه صلى الله عليه وسلم وأصحابه القطن] # فصل # وكان غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربما لبسوا ما نسج من ~~الصوف والكتان، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح، عن جابر بن ~~أيوب، قال: «دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين، وعليه جبة صوف وإزار صوف ~~وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد، وقال أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون: قد ~~لبسه عيسى ابن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~لبس الكتان، والصوف، والقطن، وسنة نبينا أحق أن تتبع» . # ومقصود ابن سيرين بهذا؛ أن أقواما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره ~~فيتحرونه # PageV01P137 # ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرون زيا واحدا من الملابس، ويتحرون ~~رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها منكرا، وليس المنكر إلا التقيد بها ~~والمحافظة عليها وترك الخروج عنها. # والصواب: أن أفضل الطرق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها ~~وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها، وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من ~~اللباس من الصوف تارة والقطن تارة والكتان تارة. # ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقباء والقميص ~~والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة ~~وتركها تارة. # وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك. # وكان إذا استجد ثوبا سماه باسمه، وقال: ( «اللهم أنت كسوتني هذا القميص ~~أو الرداء أو العمامة، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما ms0067 ~~صنع له» ) . # وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامنه. ولبس الشعر الأسود، كما روى مسلم في ~~صحيحه عن عائشة قالت: ( «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه مرط مرحل ~~من شعر # PageV01P138 # أسود» ) # وفي الصحيحين عن قتادة: «قلنا لأنس: أي اللباس كان أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال " الحبرة» . والحبرة برد من برود اليمن. فإن غالب ~~لباسهم كان من نسج اليمن لأنها قريبة منهم، وربما لبسوا ما يجلب من الشام ~~ومصر كالقباطي المنسوجة من الكتان التي كانت تنسجها القبط. # وفي سنن النسائي عن عائشة أنها ( «جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم بردة من ~~صوف فلبسها، فلما عرق فوجد ريح الصوف طرحها» ) وكان يحب الريح الطيب. # وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عباس قال: ( «لقد رأيت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل» ) ، وفي سنن النسائي عن أبي ~~رمثة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وعليه بردان أخضران» . ~~والبرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خضر وهو # PageV01P139 # كالحلة الحمراء سواء، فمن فهم من الحلة الحمراء الأحمر البحت فينبغي أن ~~يقول: إن البرد الأخضر كان أخضر بحتا، وهذا لا يقوله أحد. # وكانت مخدته صلى الله عليه وسلم من أدم حشوها ليف، فالذين يمتنعون عما ~~أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة ~~قابلوهم، فلا يلبسون إلا أشرف الثياب، ولا يأكلون إلا ألين الطعام، فلا ~~يرون لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا، وكلا الطائفتين هديه مخالف لهدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من ~~الثياب العالي والمنخفض، وفي السنن عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ( «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة ثم تلهب ~~فيه النار» ) وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك ~~فأذله كما عاقب من أطال ثيابه خيلاء بأن خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى ~~يوم القيامة. # وفي الصحيحين عن ابن ms0068 عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من ~~جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» ) وفي # PageV01P140 # "السنن" عنه أيضا صلى الله عليه وسلم، قال: ( «الإسبال في الإزار والقميص ~~والعمامة من جر شيئا منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» ) وفي ~~السنن «عن ابن عمر أيضا قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الإزار فهو في القميص» ، وكذلك لبس الدنيء من الثياب يذم في موضع ويحمد في ~~موضع، فيذم إذا كان شهرة وخيلاء، ويمدح إذا كان تواضعا واستكانة، كما أن ~~لبس الرفيع من الثياب، يذم إذا كان تكبرا وفخرا وخيلاء، ويمدح إذا كان ~~تجملا وإظهارا لنعمة الله، ففي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من ~~كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فقال رجل: يا ~~رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنة أفمن الكبر ذاك؟ فقال: لا، ~~إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» ) . # PageV01P141 ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الطعام] # فصل # وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام لا يرد موجودا ولا ~~يتكلف مفقودا، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافه نفسه ~~فيتركه من غير تحريم ( «وما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه» ) كما ~~ترك أكل الضب لما لم يعتده، ولم يحرمه على الأمة، بل أكل على مائدته وهو ~~ينظر. # وأكل الحلوى، والعسل وكان يحبهما، وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج، ولحم ~~الحبارى، ولحم حمار الوحش والأرنب، وطعام البحر، وأكل الشواء، وأكل الرطب ~~والتمر، وشرب اللبن خالصا ومشوبا، والسويق، والعسل بالماء، وشرب نقيع ~~التمر، وأكل الخزيرة وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق، وأكل القثاء بالرطب ~~وأكل الأقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل الثريد وهو الخبز ~~باللحم، وأكل الخبز بالإهالة وهي الودك، وهو ms0069 الشحم المذاب، وأكل من الكبد ~~المشوية، وأكل القديد، وأكل الدباء المطبوخة وكان يحبها، وأكل المسلوقة ~~وأكل الثريد بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب، ~~وأكل التمر بالزبد وكان يحبه، ولم يكن يرد طيبا ولا يتكلفه، بل كان هديه ~~أكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر حتى إنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع، ويرى ~~الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار. # وكان معظم مطعمه يوضع على الأرض في السفرة وهي كانت مائدته، وكان يأكل ~~بأصابعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ، وهو أشرف ما يكون من الأكلة، فإن المتكبر ~~يأكل بأصبع واحدة، والجشع الحريص يأكل بالخمس ويدفع بالراحة. # PageV01P142 # وكان لا يأكل متكئا، والاتكاء على ثلاثة أنواع، أحدها: الاتكاء على ~~الجنب، والثاني: التربع، والثالث: الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، ~~والثلاث مذمومة. # وكان يسمي الله تعالى على أول طعامه، ويحمده في آخره فيقول عند انقضائه: ~~( «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ~~ربنا» ) . وربما قال: ( «الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، من علينا فهدانا ~~وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى ~~من الشراب، وكسا من العري، وهدى من الضلالة وبصر من العمى، وفضل على كثير ~~ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين» ) . # وربما قال: ( «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه» ) . # وكان إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه، ولم يكن لهم مناديل يمسحون بها ~~أيديهم، ولم يكن عادتهم غسل أيديهم كلما أكلوا. # وكان أكثر شربه قاعدا، بل زجر عن الشرب قائما وشرب مرة # PageV01P143 # قائما. فقيل: هذا نسخ لنهيه، وقيل: بل فعله لبيان جواز الأمرين، والذي ~~يظهر فيه - والله أعلم - أنها واقعة عين شرب فيها قائما لعذر، وسياق القصة ~~يدل عليه، فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها فأخذ الدلو وشرب قائما. # والصحيح في هذه المسألة النهي عن الشرب قائما وجوازه لعذر يمنع من ~~القعود، وبهذا تجمع أحاديث الباب والله أعلم. # وكان إذا شرب ناول من على يمينه وإن كان من ms0070 على يساره أكبر منه. # PageV01P144 ### | [فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله] # فصل # في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله # صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» ~~) هذا لفظ الحديث، ومن رواه ( «حبب إلي من دنياكم ثلاث» ) فقد وهم، ولم يقل ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها. ~~وكان النساء والطيب أحب شيء إليه، وكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ~~وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره، وأباح الله له من ذلك ما لم يبحه ~~لأحد من أمته. # وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة، وأما المحبة فكان يقول: ( ~~«اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» ) فقيل: هو الحب ~~والجماع، ولا تجب التسوية في ذلك؛ لأنه مما لا يملك. وهل كان القسم واجبا ~~عليه أو كان له معاشرتهن من غير قسم؟ على قولين للفقهاء. فهو أكثر الأمة ~~نساء، قال ابن عباس: ( «تزوجوا فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء» ) # PageV01P145 # وطلق صلى الله عليه وسلم وراجع، وآلى إيلاء مؤقتا بشهر، ولم يظاهر أبدا، ~~وأخطأ من قال إنه ظاهر خطأ عظيما، وإنما ذكرته هنا تنبيها على قبح خطئه ~~ونسبته إلى ما برأه الله منه. # وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق. # وكان يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هويت شيئا لا ~~محذور فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع ~~فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عرقا - وهو العظم الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه ~~موضع فمها، وكان يتكئ في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها وربما كانت ~~حائضا، وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان ~~من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكنها من اللعب ويريها الحبشة وهم يلعبون ~~في ms0071 مسجده وهي متكئة على منكبيه تنظر، وسابقها في السفر على الأقدام مرتين، ~~وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة. # ( «وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، ~~ولم يقض للبواقي شيئا» ) وإلى هذا ذهب الجمهور. # وكان يقول: ( «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» ) . # وربما مد يده إلى بعض نسائه في حضرة باقيهن. # PageV01P146 # وكان إذا صلى العصر دار على نسائه فدنا منهن واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء ~~الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة فخصها بالليل. وقالت عائشة ( «كان لا ~~يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندهن في القسم، وقل يوم إلا كان يطوف علينا ~~جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو في نوبتها فيبيت ~~عندها» ) # وكان يقسم لثمان منهن دون التاسعة، ووقع في صحيح مسلم من قول عطاء أن ~~التي لم يكن يقسم لها هي صفية بنت حيي، وهو غلط من عطاء رحمه الله، وإنما ~~هي سودة، فإنها لما كبرت وهبت نوبتها لعائشة. # وكان صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، وسبب هذا الوهم - ~~والله أعلم - «أنه كان قد وجد على صفية في شيء، فقالت لعائشة: هل لك أن ~~ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عني وأهب لك يومي؟ قالت: نعم، فقعدت ~~عائشة إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صفية، فقال: (إليك عني يا ~~عائشة فإنه ليس يومك، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأخبرته بالخبر ~~فرضي عنها» ) وإنما كانت وهبتها ذلك اليوم وتلك النوبة الخاصة، ويتعين ذلك ~~وإلا كان يكون # PageV01P147 # القسم لسبع منهن وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه أن القسم كان ~~لثمان، والله أعلم. # ولو اتفقت مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين فوهبت إحداهن يومها ~~للأخرى فهل للزوج أن يوالي بين ليلة الموهوبة وليلتها الأصلية وإن لم تكن ~~ليلة الواهبة تليها؟ أو يجب عليه أن يجعل ليلتها هي الليلة التي كانت ~~تستحقها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. ms0072 # وكان صلى الله عليه وسلم يأتي أهله آخر الليل وأوله، فكان إذا جامع أول ~~الليل ربما اغتسل ونام، وربما توضأ ونام. وذكر أبو إسحاق السبيعي عن ~~الأسود، عن عائشة «أنه كان ربما نام ولم يمس ماء» ، وهو غلط عند أئمة ~~الحديث، وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب " تهذيب سنن أبي داود " وإيضاح ~~علله ومشكلاته. # وكان يطوف على نسائه بغسل واحد، وربما اغتسل عند كل واحدة # PageV01P148 # فعل هذا وهذا. # وكان إذا سافر وقدم لم يطرق أهله ليلا، وكان ينهى عن ذلك. ### | [فصل في هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه] # فصل # في هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه # كان ينام على الفراش تارة، وعلى النطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى ~~الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله وتارة على كساء أسود. # قال عباد بن تميم، عن عمه «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في ~~المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى» . # وكان فراشه أدما حشوه ليف. وكان له مسح ينام عليه يثنى بثنيتين، وثني له ~~يوما أربع ثنيات فنهاهم عن ذلك وقال: ( «ردوه إلى حاله الأول فإنه منعني ~~صلاتي الليلة» ) # والمقصود أنه نام على الفراش وتغطى باللحاف وقال لنسائه: ( «ما أتاني ~~جبريل وأنا في لحاف امرأة منكن غير عائشة» ) . # وكانت وسادته أدما حشوها ليف. # PageV01P149 # «وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: (باسمك اللهم أحيا وأموت» ) # ( «وكان يجمع كفيه ثم ينفث فيهما) وكان يقرأ فيهما: {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص: 1] و {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1] و {قل أعوذ برب الناس} ~~[الناس: 1] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه، ووجهه، وما ~~أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات» . # «وكان ينام على شقه الأيمن ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم يقول: ~~(اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك) » . وكان يقول إذا أوى إلى فراشه: ( ~~«الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» ~~) ذكره مسلم. وذكر أيضا أنه ms0073 كان يقول إذا أوى إلى فراشه ( «اللهم رب # PageV01P150 # السماوات والأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ~~منزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، ~~أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر» ) # وكان إذا استيقظ من منامه في الليل قال: ( «لا إله إلا أنت سبحانك اللهم ~~إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ ~~هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» ) # وكان إذا انتبه من نومه قال: ( «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ~~وإليه النشور» ) . ثم يتسوك، وربما قرأ العشر الآيات من آخر (آل عمران) من ~~قوله {إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190] إلى آخرها [آل عمران: # PageV01P151 ### | 190 - 200 # ] . # وقال ( «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ~~قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، ~~والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، ~~وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما ~~قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلا أنت» ) # وكان ينام أول الليل، ويقوم آخره، وربما سهر أول الليل في مصالح ~~المسلمين، وكان تنام عيناه ولا ينام قلبه. وكان إذا نام لم يوقظوه حتى يكون ~~هو الذي يستيقظ. # «وكان إذا عرس بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ~~ووضع رأسه على كفه» ، هكذا قال الترمذي. وقال # PageV01P152 # أبو حاتم في صحيحه: «كان إذا عرس بالليل توسد يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح ~~نصب ساعده» ، وأظن هذا وهما والصواب حديث الترمذي. # وقال أبو حاتم: والتعريس إنما يكون قبيل الصبح. # وكان نومه أعدل النوم، وهو أنفع ما يكون من النوم، والأطباء يقولون: هو ~~ثلث الليل والنهار ثمان ساعات. ms0074 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب # ركب الخيل والإبل والبغال والحمير، وركب الفرس مسرجة تارة وعريا أخرى، ~~وكان يجريها في بعض الأحيان، وكان يركب وحده وهو الأكثر، وربما أردف خلفه ~~على البعير، وربما أردف خلفه وأركب أمامه وكانوا ثلاثة على بعير، وأردف ~~الرجال وأردف بعض نسائه، وكان أكثر مراكبه الخيل والإبل. # وأما البغال فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعض ~~الملوك، ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب، بل «لما أهديت له البغلة قيل: ~~ألا ننزي الخيل على الحمر؟ فقال: (إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون) » ### | [فصل في اتخاذ الغنم والرقيق] # فصل واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم. وكان له مائة شاة، وكان ~~لا يحب أن تزيد على مائة فإذا زادت بهمة ذبح مكانها أخرى # واتخذ الرقيق من الإماء والعبيد، وكان مواليه وعتقاؤه من العبيد أكثر من ~~الإماء # وقد روى الترمذي في "جامعه" # PageV01P153 # من حديث أبي أمامة وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «أيما ~~امرئ أعتق امرءا مسلما، كان فكاكه من النار يجزئ كل عضو منه عضوا منه، ~~وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضوين ~~منهما عضوا منه» ) وقال: هذا حديث صحيح. وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، ~~وأن عتق العبد يعدل عتق أمتين، فكان أكثر عتقائه صلى الله عليه وسلم من ~~العبيد، وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر # والثاني: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، ~~وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثالث: الشهادة فإن شهادة امرأتين بشهادة ~~رجل. والرابع: الميراث. والخامس: الدية. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في العقود] # فصل # وباع رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترى، وكان شراؤه بعد أن أكرمه الله ~~تعالى برسالته أكثر من بيعه، وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا ~~في قضايا يسيرة أكثرها لغيره، ms0075 كبيعه القدح والحلس فيمن يزيد، وبيعه يعقوب ~~المدبر غلام أبي مذكور، وبيعه عبدا أسود بعبدين. # وأما شراؤه فكثير، وآجر واستأجر، واستئجاره أكثر من إيجاره، وإنما يحفظ ~~عنه أنه أجر نفسه قبل النبوة في رعاية الغنم ( «وأجر نفسه من خديجة في سفره ~~بمالها إلى الشام» ) # وإن كان العقد مضاربة، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك، # PageV01P154 # فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرف فيه، وأجير فيما يباشره بنفسه من ~~العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح. # وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" من حديث الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، عن ~~جابر قال: ( «آجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من خديجة بنت خويلد ~~سفرتين إلى جرش كل سفرة بقلوص» ) وقال صحيح الإسناد. # قال في "النهاية": جرش بضم الجيم وفتح الراء من مخاليف اليمن، وهو ~~بفتحهما بلد بالشام. # قلت: إن صح الحديث، فإنما هو المفتوح الذي بالشام، ولا يصح، فإن الربيع ~~بن بدر هذا هو عليلة، ضعفه أئمة الحديث. قال النسائي، والدارقطني، والأزدي: ~~متروك، وكأن الحاكم ظنه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله. # وشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما قدم عليه شريكه، قال: أما ~~تعرفني؟ قال " «أما كنت شريكي؟ فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري» ". # وتدارئ بالهمزة من المدارأة، وهي مدافعة الحق، فإن ترك همزها، صارت من ~~المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن. # ووكل وتوكل، وكان توكيله أكثر من توكله. # وأهدى، وقبل الهدية، وأثاب عليها، ووهب واتهب، فقال لسلمة بن # PageV01P155 # الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية: "هبها لي" فوهبها له، ففادى بها من أهل ~~مكة أسارى من المسلمين. # واستدان برهن، وبغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحال والمؤجل. # وضمن ضمانا خاصا على ربه على أعمال من عملها كان مضمونا له بالجنة، ~~وضمانا عاما لديون من توفي من المسلمين ولم يدع وفاء أنها عليه وهو يوفيها، ~~وقد قيل: إن هذا الحكم عام للأئمة بعده، فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا ~~لم يخلفوا وفاء، فإنها عليه يوفيها من بيت المال، وقالوا: كما يرثه ms0076 إذا مات ~~ولم يدع وارثا فكذلك يقضي عنه دينه إذا مات ولم يدع وفاء، وكذلك ينفق عليه ~~في حياته إذا لم يكن له من ينفق عليه. # ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا كانت له جعلها صدقة في سبيل ~~الله، وتشفع وشفع إليه، وردت بريرة شفاعته في مراجعتها مغيثا، فلم يغضب ~~عليها، ولا عتب، وهو الأسوة والقدوة، وحلف في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره ~~الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال: # PageV01P156 # تعالى: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} [يونس: 53] [يونس: 53] ~~وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} ~~[سبأ: 3] [سبأ: 3] وقال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] [التغابن: 7] ~~وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري ولا ~~يسميه بالفقيه، فتحاكم إليه يوما هو وخصم له، فتوجهت اليمين على أبي بكر بن ~~داود فتهيأ للحلف، فقال له القاضي إسماعيل: أوتحلف! ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ ~~فقال: وما يمنعني من الحلف وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع ~~من كتابه، قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدا ودعاه ~~بالفقيه من ذلك اليوم. # وكان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة ويكفرها تارة ويمضي فيها ~~تارة، والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحلها بعد عقدها، ولهذا سماها ~~الله تحلة. # وكان يمازح ويقول في مزاحه الحق، ويوري ولا يقول في توريته إلا الحق، مثل ~~أن يريد جهة يقصدها فيسأل عن غيرها كيف طريقها؟ وكيف مياهها ومسلكها؟ أو ~~نحو ذلك. وكان يشير ويستشير. وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب ~~الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديح الشعر ~~وأثاب عليه، ولكن ما قيل فيه من المديح فهو جزء يسير جدا من محامده، وأثاب ~~على الحق. وأما مدح غيره من الناس فأكثر ما يكون بالكذب فلذلك أمر أن يحثى ~~في وجوه المداحين التراب ms0077 # PageV01P157 ### | [فصل في مسابقته عليه السلام ومصارعته] # فصل # وسابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه على الأقدام وصارع # وخصف نعله بيده ورقع ثوبه بيده، ورقع دلوه وحلب شاته وفلى ثوبه وخدم أهله ~~ونفسه، وحمل معهم اللبن في بناء المسجد، وربط على بطنه الحجر من الجوع تارة ~~وشبع تارة، وأضاف وأضيف، واحتجم في وسط رأسه وعلى ظهر قدمه، واحتجم في ~~الأخدعين والكاهل وهو ما بين الكتفين، وتداوى وكوى ولم يكتو، ورقى ولم ~~يسترق، وحمى المريض مما يؤذيه. # وأصول الطب ثلاثة: الحمية وحفظ الصحة واستفراغ المادة المضرة، وقد جمعها ~~الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع من كتابه، فحمى المريض من استعمال ~~الماء خشية من الضرر فقال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ~~[النساء: 43] [النساء: 43 والمائدة: 6] فأباح التيمم للمريض حمية له، كما ~~أباحه للعادم، وقال في حفظ الصحة {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر} [البقرة: 184] [البقرة: 184] فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظا ~~لصحته لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقة السفر فيضعف القوة والصحة. # وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] [البقرة: 196] فأباح ~~للمريض ومن به أذى من رأسه وهو محرم، أن يحلق رأسه ويستفرغ المواد الفاسدة ~~والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القمل، كما حصل لكعب بن عجرة أو تولد عليه ~~المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطب # PageV01P158 # وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئا وصورة تنبيها بها على نعمته على عباده ~~في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحتهم، واستفراغ مواد أذاهم رحمة لعباده، ولطفا ~~بهم ورأفة بهم. وهو الرءوف الرحيم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته] # كان أحسن الناس معاملة. وكان إذا استسلف سلفا قضى خيرا منه. ( «وكان إذا ~~استسلف من رجل سلفا قضاه إياه ودعا له فقال: بارك الله لك في ms0078 أهلك ومالك، ~~إنما جزاء السلف الحمد والأداء» ) # ( «واستسلف من رجل أربعين صاعا فاحتاج الأنصاري، فأتاه فقال صلى الله ~~عليه وسلم: ما جاءنا من شيء بعد، فقال الرجل، وأراد أن يتكلم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا تقل إلا خيرا فأنا خير من تسلف. فأعطاه أربعين ~~فضلا وأربعين سلفة فأعطاه ثمانين» ) ذكره البزار. # ( «واقترض بعيرا فجاء صاحبه يتقاضاه فأغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم فهم ~~به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا» ) # «واشترى مرة شيئا # PageV01P159 # وليس عنده ثمنه فأربح فيه فباعه وتصدق بالربح على أرامل بني عبد المطلب ~~وقال: لا أشتري بعد هذا شيئا إلا وعندي ثمنه» ) ذكره أبو داود، وهذا لا ~~يناقض الشراء في الذمة إلى أجل، فهذا شيء وهذا شيء. «وتقاضاه غريم له دينا ~~فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب فقال: مه يا عمر كنت أحوج إلى أن تأمرني ~~بالوفاء. وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر» ) ( «وباعه يهودي بيعا إلى أجل ~~فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنه فقال: لم يحل الأجل، فقال اليهودي: إنكم لمطل ~~يا بني عبد المطلب، فهم به أصحابه فنهاهم فلم يزده ذلك إلا حلما، فقال ~~اليهودي: كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة وبقيت واحدة وهي أنه لا ~~تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فأردت أن أعرفها فأسلم اليهودي» ) # PageV01P160 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه # كان إذا مشى تكفأ تكفؤا، وكان أسرع الناس مشية وأحسنها وأسكنها، قال أبو ~~هريرة: ( «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس ~~تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث» ) وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى ~~تكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب» ) وقال مرة ms0079 ( «إذا مشى تقلع» ) قلت: والتقلع ~~الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب، وهي مشية أولي العزم ~~والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأرواحها للأعضاء وأبعدها من مشية الهوج ~~والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة ~~كأنه خشبة محمولة، وهي مشية مذمومة قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب ~~مشي الجمل الأهوج، وهي مشية مذمومة أيضا، وهي دالة على خفة عقل صاحبها، ولا ~~سيما إن كان يكثر الالتفات حال مشيه يمينا وشمالا، وإما أن يمشي هونا، وهي ~~مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال {وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا} [الفرقان: 63] [الفرقان: 63] قال غير واحد من السلف: ~~بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، ~~حتى كان الماشي معه يجهد نفسه ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث، ~~وهذا يدل على أمرين: أن مشيته لم تكن مشية بتماوت ولا بمهانة، بل مشية أعدل ~~المشيات. # والمشيات عشرة أنواع: هذه الثلاثة منها، والرابع: السعي، والخامس: الرمل، ~~وهو أسرع المشي مع تقارب الخطى ويسمى: الخبب، وفي الصحيح من حديث ابن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «خب في طوافه ثلاثا ومشى # PageV01P161 # أربعا» ) . # السادس: النسلان، وهو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي ولا يكرثه. وفي ~~بعض المسانيد أن المشاة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشي في ~~حجة الوداع فقال: ( «استعينوا بالنسلان» ) . # والسابع: الخوزلى، وهي مشية التمايل، وهي مشية يقال: إن فيها تكسرا ~~وتخنثا. # والثامن: القهقرى، وهي المشية إلى وراء. # والتاسع: الجمزى، وهي مشية يثب فيها الماشي وثبا. # والعاشر: مشية التبختر، وهي مشية أولي العجب والتكبر، وهي التي خسف الله ~~سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه وأعجبته نفسه، فهو يتجلجل في الأرض إلى ~~يوم القيامة. # وأعدل هذه المشيات مشية الهون والتكفؤ. # وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم ويقول: (دعوا ms0080 ظهري ~~للملائكة) ولهذا جاء في الحديث: وكان يسوق أصحابه. وكان يمشي حافيا ~~ومنتعلا، وكان يماشي أصحابه فرادى وجماعة، «ومشى في بعض # PageV01P162 # غزواته مرة فدميت أصبعه وسال منها الدم فقال: # هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # » وكان في السفر ساقة أصحابه يزجي الضعيف ويردفه ويدعو لهم، ذكره أبو ~~داود. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه # كان يجلس على الأرض وعلى الحصير والبساط، وقالت قيلة بنت مخرمة: «أتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء، قالت: فلما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كالمتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق» . ولما قدم ~~عليه عدي بن حاتم دعاه إلى منزله، فألقت إليه الجارية وسادة يجلس عليها ~~فجعلها بينه وبين عدي وجلس على الأرض. قال عدي: (فعرفت أنه ليس بملك) وكان ~~يستلقي أحيانا، وربما وضع إحدى رجليه على الأخرى، وكان يتكئ على الوسادة، ~~وربما اتكأ على يساره، وربما اتكأ على يمينه. وكان إذا احتاج في خروجه ~~توكأ. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم عند قضاء الحاجة # ( «كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» ) # PageV01P163 # الرجس النجس الشيطان الرجيم. ( «وكان إذا خرج يقول: غفرانك» ) وكان ~~يستنجي بالماء تارة، ويستجمر بالأحجار تارة، ويجمع بينهما تارة. # وكان إذا ذهب في سفره للحاجة انطلق حتى يتوارى عن أصحابه، وربما كان يبعد ~~نحو الميلين. # وكان يستتر للحاجة بالهدف تارة، وبحائش النخل تارة، وبشجر الوادي تارة. # وكان إذا أراد أن يبول في عزاز من الأرض - وهو الموضع الصلب - أخذ عودا ~~من الأرض فنكت به حتى يثرى ثم يبول # وكان يرتاد لبوله الموضع الدمث - وهو اللين الرخو من الأرض - وأكثر ما ~~كان يبول وهو قاعد حتى قالت عائشة: ( «من حدثكم أنه كان يبول قائما فلا ~~تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا» ) ، وقد روى مسلم في صحيحه ms0081 من حديث # PageV01P164 # حذيفة ( «أنه بال قائما» ) فقيل: هذا بيان للجواز، وقيل: إنما فعله من ~~وجع كان بمأبضيه. وقيل فعله استشفاء. # قال الشافعي رحمه الله: والعرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائما. ~~والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزها وبعدا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا ~~لما أتى سباطة قوم - وهو ملقى الكناسة - وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة، ~~فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله، وهو صلى الله عليه وسلم استتر ~~بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائما والله أعلم. # وقد ذكر الترمذي عن (عمر بن الخطاب قال: «رآني النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنا أبول قائما فقال: يا عمر لا تبل قائما، قال: فما بلت قائما بعد» ) ، ~~قال الترمذي: وإنما رفعه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل ~~الحديث. # وفي مسند البزار وغيره من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ( «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائما، أو يمسح ~~جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده» ) ورواه الترمذي وقال: هو ~~غير # PageV01P165 # محفوظ، وقال البزار: لا نعلم من رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد بن ~~عبيد الله، ولم يجرحه بشيء. وقال ابن أبي حاتم: هو بصري ثقة مشهور. # وكان يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن، وكان يستنجي ويستجمر بشماله، ولم يكن ~~يصنع شيئا مما يصنعه المبتلون بالوسواس من نتر الذكر، والنحنحة، والقفز، ~~ومسك الحبل، وطلوع الدرج، وحشو القطن في الإحليل، وصب الماء فيه وتفقده ~~الفينة بعد الفينة، ونحو ذلك من بدع أهل الوسواس. # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا بال نتر ذكره ثلاثا» . وروي ~~أنه أمر به، ولكن لا يصح من فعله ولا أمره. قاله أبو جعفر العقيلي. # ( «وكان إذا سلم عليه أحد وهو يبول لم يرد عليه» ) ذكره مسلم في صحيحه عن ~~ابن عمر. وروى البزار في مسنده في هذه القصة أنه ( «رد عليه ثم قال: ms0082 إنما ~~رددت عليك خشية أن تقول سلمت عليه فلم يرد علي سلاما، فإذا رأيتني هكذا فلا ~~تسلم علي فإني لا أرد عليك السلام» ) # وقد قيل: لعل هذا كان مرتين، وقيل: حديث مسلم أصح؛ لأنه من حديث الضحاك ~~بن عثمان عن نافع عن ابن عمر، وحديث البزار من رواية أبي بكر - رجل من ~~أولاد عبد الله بن عمر - عن نافع عنه. قيل: وأبو بكر هذا: هو أبو بكر بن ~~عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر # PageV01P166 # روى عنه مالك وغيره، والضحاك أوثق منه. # وكان إذا استنجى بالماء ضرب يده بعد ذلك على الأرض، وكان إذا جلس لحاجته ~~لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها # قد سبق الخلاف؛ هل ولد صلى الله عليه وسلم مختونا، أو ختنته الملائكة يوم ~~شق صدره لأول مرة، أو ختنه جده عبد المطلب؟ # وكان يعجبه التيمن في تنعله وترجله، وطهوره، وأخذه، وعطائه، وكانت يمينه ~~لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه ونحوه من إزالة الأذى. # وكان هديه في حلق الرأس تركه كله أو أخذه كله، ولم يكن يحلق بعضه ويدع ~~بعضه، ولم يحفظ عنه حلقه إلا في نسك. # وكان يحب السواك، وكان يستاك مفطرا وصائما، ويستاك عند الانتباه من ~~النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل، وكان يستاك بعود ~~الأراك. # وكان يكثر التطيب ويحب الطيب، وذكر عنه أنه (كان يطلي بالنورة) # PageV01P167 # وكان أولا يسدل شعره ثم فرقه، والفرق: أن يجعل شعره فرقتين كل فرقة ~~ذؤابة، والسدل أن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. ولم يدخل حماما قط، ~~ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام حديث. # PageV01P168 # وكان له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثا عند النوم في كل عين. # واختلف الصحابة في خضابه فقال أنس: لم يخضب. وقال أبو هريرة: خضب. وقد ~~روى حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال: ( «رأيت شعر رسول الله صلى ms0083 الله عليه ~~وسلم مخضوبا» ) قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: ( «رأيت ~~شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك مخضوبا» ) ، وقالت ~~طائفة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر الطيب قد احمر شعره، ~~فكان يظن مخضوبا ولم يخضب. وقال أبو رمثة: ( «أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع ابن لي فقال: أهذا ابنك؟ قلت نعم أشهد به، فقال: لا تجني عليه ولا ~~يجني عليك» ) قال: ورأيت الشيب أحمر. # قال الترمذي: هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسره؛ لأن الروايات ~~الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الشيب. قال حماد بن سلمة، عن ~~سماك بن حرب: قيل لجابر بن سمرة: ( «أكان في رأس النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادهن، واراهن ~~الدهن» ) قال أنس: ( «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ~~ولحيته، ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب # PageV01P169 # زيات» ) وكان يحب الترجل، وكان يرجل نفسه تارة وترجله عائشة تارة، ( ~~«وكان شعره فوق الجمة ودون الوفرة» ) ، وكانت جمته تضرب شحمة أذنيه، وإذا ~~طال جعله غدائر أربعا، قالت أم هانئ: ( «قدم علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة قدمة وله أربع غدائر» ) ، والغدائر الضفائر، وهذا حديث صحيح. وكان ~~صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب، وثبت عنه في حديث صحيح مسلم أنه قال: ( ~~«من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه طيب الرائحة خفيف المحمل» ) هذا لفظ ~~الحديث، وبعضهم يرويه: ( «من عرض عليه طيب فلا يرده» ) وليس بمعناه، فإن ~~الريحان لا تكثر المنة بأخذه، وقد جرت العادة بالتسامح في بذله، بخلاف ~~المسك والعنبر والغالية ونحوها، ولكن الذي ثبت عنه من حديث عزرة بن ثابت، ~~عن ثمامة، قال أنس: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب» ) # PageV01P170 # وأما حديث ابن عمر يرفعه: ( «ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن» ) ~~فحديث معلول، رواه الترمذي وذكر علته، ولا ms0084 أحفظ الآن ما قيل فيه، إلا أنه ~~من رواية عبد الله بن مسلم بن جندب عن أبيه عن ابن عمر. # ومن مراسيل أبي عثمان النهدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده، فإنه خرج من الجنة» ) # وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكة يتطيب منها، وكان أحب الطيب إليه ~~المسك، وكان يعجبه الفاغية، قيل: وهي نور الحناء. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في قص الشارب # قال أبو عمر بن عبد البر: روى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما: ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقص شاربه» ) ~~، ويذكر (أن إبراهيم كان يقص شاربه) ، ووقفه طائفة على ابن عباس. وروى ~~الترمذي من # PageV01P171 # حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من لم يأخذ ~~من شاربه فليس منا» ) وقال: حديث صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «قصوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا ~~المجوس» ) . وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب» ) ، وفي صحيح مسلم عن أنس ~~قال: ( «وقت لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظفار ألا ~~نترك أكثر من أربعين يوما وليلة» ) # واختلف السلف في قص الشارب وحلقه أيهما أفضل؟ فقال مالك في موطئه: يؤخذ ~~من الشارب حتى تبدو أطراف الشفة، وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه. وذكر ~~ابن عبد الحكم عن مالك قال: يحفي الشارب ويعفي اللحى، وليس إحفاء الشارب ~~حلقه، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه، وقال ابن القاسم عنه: إحفاء الشارب وحلقه ~~عندي مثلة. قال مالك: وتفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء ~~الشارب إنما هو الإطار، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه. # PageV01P172 # وقال: أشهد في حلق الشارب أنه بدعة، وأرى أن يوجع ضربا ms0085 من فعله، قال ~~مالك: (وكان عمر بن الخطاب إذا كربه أمر نفخ فجعل رجله بردائه وهو يفتل ~~شاربه) # (وقال عمر بن عبد العزيز: السنة في الشارب الإطار) ، وقال الطحاوي: ولم ~~أجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا، وأصحابه الذين رأينا - المزني والربيع ~~- كانا يحفيان شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي رحمه الله، ~~قال: وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس ~~والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير. وذكر ابن خويز منداد المالكي عن ~~الشافعي، أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة، وهذا قول أبي عمر. # وأما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت الإمام أحمد بن حنبل يحفي شاربه ~~شديدا، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب؟ فقال: يحفي كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( «أحفوا الشوارب» ) ، وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ~~ترى الرجل يأخذ شاربه أو يحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن ~~أخذه قصا فلا بأس. # وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في المغني: وهو مخير بين أن يحفيه وبين ~~أن يقصه من غير إحفاء. قال الطحاوي: وروى المغيرة بن شعبة ( «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخذ من شاربه على سواك» ) وهذا لا يكون معه إحفاء. # واحتج من لم ير إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين: (عشر من ~~الفطرة) فذكر منها قص الشارب. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: (الفطرة # PageV01P173 # خمس. . .) وذكر منها قص الشارب. # واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس: ( «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجز شاربه» ) # قال الطحاوي: وهذا الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء ~~بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: ( «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى» ~~) ، قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضا، وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أسيد، ~~ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة، أنهم ~~كانوا يحفون شواربهم. # وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: (رأيت ابن ms0086 عمر يحفي شاربه كأنه ينتفه) ، ~~وقال بعضهم: حتى يرى بياض الجلد. قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونا عند ~~الجميع كان الحلق فيه أفضل قياسا على الرأس، وقد دعا النبي صلى الله عليه ~~وسلم للمحلقين # PageV01P174 # ثلاثا وللمقصرين واحدة، فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره، فكذلك الشارب. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه # كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، ~~وأحلاهم منطقا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح، ويشهد له ~~بذلك أعداؤه. وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد، ليس بهذ مسرع ~~لا يحفظ، ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام، بل هديه فيه أكمل ~~الهدي، قالت عائشة: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ~~ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه» . وكان كثيرا ما يعيد ~~الكلام ثلاثا ليعقل عنه، وكان إذا سلم سلم ثلاثا. وكان طويل السكوت لا ~~يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلام، ~~فصل لا فضول ولا تقصير، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما ~~يرجو ثوابه، وإذا كره الشيء عرف في وجهه، ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا ~~صخابا. وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو ~~نواجذه. # وكان يضحك مما يضحك منه، وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب وقوعه ويستندر. # وللضحك أسباب عديدة هذا أحدها. والثاني: ضحك الفرح، وهو أن # PageV01P175 # يرى ما يسره أو يباشره. والثالث: ضحك الغضب، وهو كثيرا ما يعتري الغضبان ~~إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه ~~بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب، ~~وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به. # وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت، ~~كما لم يكن ms0087 ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره ~~أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها، وتارة ~~من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحب ~~للخوف والخشية. ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال: ( ~~«تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم ~~لمحزونون» ) ، وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض، (وبكى لما قرأ عليه ~~ابن مسعود سورة النساء وانتهى فيها إلى قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] [النساء: 41] ، وبكى لما ~~مات عثمان بن مظعون، وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في ~~صلاته، وجعل ينفخ ويقول: ( «رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم # PageV01P176 # وهم يستغفرون ونحن نستغفرك» ) وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته، وكان ~~يبكي أحيانا في صلاة الليل. # والبكاء أنواع. # أحدها: بكاء الرحمة والرقة. # والثاني: بكاء الخوف والخشية. # والثالث: بكاء المحبة والشوق. # والرابع: بكاء الفرح والسرور. # والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله. # والسادس: بكاء الحزن. # والفرق بينه وبين بكاء الخوف، أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول ~~مكروه أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك، ~~والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن، أن دمعة السرور باردة والقلب ~~فرحان، ودمعة الحزن حارة والقلب حزين، ولهذا يقال لما يفرح به: هو قرة عين، ~~وأقر الله به عينه، ولما يحزن: هو سخينة العين، وأسخن الله عينه به. # والسابع: بكاء الخور والضعف. # PageV01P177 # والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين والقلب قاس، فيظهر صاحبه الخشوع ~~وهو من أقسى الناس قلبا. # والتاسع: البكاء المستعار والمستأجر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها ~~كما قال عمر بن الخطاب: (تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها) # والعاشر: بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم ~~فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون، ولكن يراهم يبكون فيبكي. # وما ms0088 كان من ذلك دمعا بلا صوت فهو بكى -مقصور - وما كان معه صوت فهو بكاء ~~- ممدود - على بناء الأصوات. # وقال الشاعر: # بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل # وما كان منه مستدعى متكلفا فهو التباكي، وهو نوعان: محمود ومذموم، ~~فالمحمود أن يستجلب لرقة القلب ولخشية الله لا للرياء والسمعة. والمذموم أن ~~يجتلب لأجل الخلق، وقد ( «قال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله؟ فإن ~~وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، ولم ينكر عليه صلى الله عليه ~~وسلم» ) وقد قال بعض السلف: ابكوا من خشية الله، فإن لم تبكوا فتباكوا. # PageV01P178 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبته] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبته خطب صلى الله عليه وسلم على الأرض، ~~وعلى المنبر، وعلى البعير، وعلى الناقة. «وكان إذا خطب احمرت عيناه وعلا ~~صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: (صبحكم ومساكم» ) ويقول: ( «بعثت ~~أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد فإن ~~خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور ~~محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ) # وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء: إنه ~~يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيه ~~سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم البتة، وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاح ~~جميع الخطب بالحمد لله، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار ~~شيخنا قدس الله سره. # وكان يخطب قائما، وفي مراسيل عطاء وغيره ( «أنه كان صلى الله عليه وسلم ~~إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس ثم قال: السلام عليكم» ) قال الشعبي: ~~وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. وكان يختم خطبته بالاستغفار، وكان كثيرا ~~يخطب # PageV01P179 # بالقرآن. وفي صحيح مسلم «عن (أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت {ق والقرآن ~~المجيد} [ق: 1] إلا عن ms0089 لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم ~~جمعة على المنبر إذا خطب الناس» ) ، وذكر أبو داود عن ابن مسعود ( «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي ~~له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ~~ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا ~~يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا» ) وقال أبو # PageV01P180 # داود «عن (يونس، أنه سأل ابن شهاب عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الجمعة فذكر نحو هذا، إلا أنه قال: ومن يعصهما فقد غوى» ) # قال ابن شهاب: (وبلغنا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ~~خطب: كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، ولا يعجل الله لعجلة أحد، ولا ~~يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله شيئا ويريد الناس ~~شيئا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما ~~بعد الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله» ) # وكان مدار خطبه على حمد الله والثناء عليه بآلائه وأوصاف كماله ومحامده، ~~وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، ~~وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه. # (وكان يقول في خطبه: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما ~~أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا» ) # وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم، ولم # PageV01P181 # يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر ~~فيها نفسه باسمه العلم. # وثبت عنه أنه قال: ( «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» ) # ولم يكن له شاويش يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته، ولم يكن يلبس لباس ~~الخطباء اليوم، لا طرحة ولا زيقا واسعا. # وكان منبره ms0090 ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس أخذ المؤذن في ~~الأذان فقط ولم يقل شيئا قبله ولا بعده، فإذا أخذ في الخطبة لم يرفع أحد ~~صوته بشيء البتة لا مؤذن ولا غيره. # «وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر» ، كذا ذكره عنه ~~أبو داود عن ابن شهاب. وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك، وكان أحيانا ~~يتوكأ على قوس، ولم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثير من الجهلة # PageV01P182 # يظن أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، ~~وهذا جهل قبيح من وجهين: # أحدهما: أن المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم توكأ على العصا وعلى القوس. # الثاني: أن الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ~~ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم ~~تفتح بالسيف. # وكان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته ( «وكان يخطب ~~فجاء الحسن والحسين يعثران في قميصين أحمرين، فقطع كلامه فنزل فحملهما ثم ~~عاد إلى منبره ثم قال: صدق الله العظيم {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} ~~[التغابن: 15] [الأنفال: 28] رأيت هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى ~~قطعت كلامي فحملتهما» ) # ( «وجاء سليك الغطفاني وهو يخطب فجلس فقال له: قم يا سليك فاركع ركعتين ~~وتجوز فيهما، ثم قال وهو على المنبر: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام ~~يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» ) # PageV01P183 # وكان يقصر خطبته أحيانا، ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس. وكانت خطبته ~~العارضة أطول من خطبته الراتبة. وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد، ~~ويحرضهن على الصدقة، والله أعلم. ### | [فصول في هديه صلى الله عليه وسلم في العبادات] ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء # كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى ~~الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه ~~تارة، وذلك نحو أربع أواق بالدمشقي ms0091 إلى أوقيتين وثلاث. وكان من أيسر الناس ~~صبا لماء الوضوء، وكان يحذر أمته من الإسراف فيه، وأخبر أنه يكون في أمته ~~من يعتدي في الطهور وقال: ( «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا ~~وسواس # PageV01P184 # الماء» ) . # «ومر على سعد وهو يتوضأ فقال له: (لا تسرف في الماء، فقال: وهل في الماء ~~من إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار» ) . # وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وفي بعض الأعضاء ~~مرتين وبعضها ثلاثا. # وكان يتمضمض ويستنشق، تارة بغرفة، وتارة بغرفتين، وتارة بثلاث. وكان يصل ~~بين المضمضة والاستنشاق، فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه، ولا يمكن في ~~الغرفة إلا هذا، وأما الغرفتان والثلاث فيمكن فيهما الفصل والوصل، إلا أن ~~هديه صلى الله عليه وسلم كان الوصل بينهما، كما في " الصحيحين " من حديث ~~عبد الله بن زيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (تمضمض واستنشق من كف ~~واحدة، فعل ذلك ثلاثا» ) وفي لفظ: ( «تمضمض واستنثر بثلاث غرفات» ) فهذا ~~أصح ما روي في المضمضة والاستنشاق، ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق ~~في حديث صحيح البتة، لكن في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده: ( «رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق» ) ولكن لا يروى إلا ~~عن طلحة عن أبيه عن جده ولا يعرف لجده صحبة. # PageV01P185 # وكان يستنشق بيده اليمنى ويستنثر باليسرى، وكان يمسح رأسه كله، وتارة ~~يقبل بيديه ويدبر، وعليه يحمل حديث من قال: مسح برأسه مرتين. # والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح ~~الرأس، هكذا جاء عنه صريحا، ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم خلافه البتة، ~~بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح كقول الصحابي: توضأ ثلاثا ثلاثا، وكقوله: ~~مسح برأسه مرتين، وإما صريح غير صحيح، كحديث ابن البيلماني عن أبيه عن عمر، ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فغسل كفيه ثلاثا) ثم قال: ~~(ومسح برأسه ثلاثا» ) وهذا لا يحتج به، وابن البيلماني ms0092 وأبوه مضعفان، وإن ~~كان الأب أحسن حالا، وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود، «أنه صلى الله عليه ~~وسلم (مسح رأسه ثلاثا» ) # وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، ولم ~~يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح ~~بناصيته كمل على العمامة. # فأما حديث أنس الذي رواه أبو داود: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ~~ينقض العمامة» ) فهذا مقصود أنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض # PageV01P186 # عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد ~~أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه. # ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخل ~~به مرة واحدة، وكذلك كان وضوءه مرتبا متواليا لم يخل به مرة واحدة البتة، ~~وكان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى الناصية والعمامة تارة. # وأما اقتصاره على الناصية مجردة فلم يحفظ عنه كما تقدم. وكان يغسل رجليه ~~إذا لم يكونا في خفين ولا جوربين، ويمسح عليهما إذا كانا في الخفين أو ~~الجوربين. وكان يمسح أذنيه مع رأسه، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما، ولم يثبت ~~عنه أنه أخذ لهما ماء جديدا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر. # ولم يصح عنه في مسح العنق حديث البتة، ولم يحفظ عنه أنه كان # PageV01P187 # يقول على وضوئه شيئا غير التسمية، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال ~~عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه، ولا علمه ~~لأمته، ولا ثبت عنه غير التسمية في أوله، وقوله: ( «أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من ~~التوابين، واجعلني من المتطهرين» ) في آخره. # وفي حديث آخر في " سنن النسائي " # PageV01P188 # مما يقال بعد الوضوء أيضا: ( «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ms0093 أن لا إله إلا ~~أنت، أستغفرك وأتوب إليك» ) # ولم يكن يقول في أوله: نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة، لا هو ولا أحد ~~من أصحابه البتة، ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، ~~ولم يتجاوز الثلاث قط، وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ~~ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك ويتأول حديث إطالة الغرة. وأما حديث أبي هريرة ~~في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين ~~ورجليه حتى أشرع في الساقين، فهو إنما يدل # PageV01P189 # على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة. # ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتاد تنشيف أعضائه بعد الوضوء، ~~ولا صح عنه في ذلك حديث البتة، بل الذي صح عنه خلافه، وأما حديث عائشة: ( ~~«كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها بعد الوضوء» ) وحديث معاذ بن ~~جبل: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ مسح على وجهه بطرف ~~ثوبه» ) فضعيفان لا يحتج بمثلهما، في الأول سليمان بن أرقم - متروك -، وفي ~~الثاني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - ضعيف - قال الترمذي: ولا يصح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء. # ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يصب عليه الماء كلما توضأ، ولكن ~~تارة يصب على نفسه، وربما عاونه من يصب عليه أحيانا لحاجة، كما في " ~~الصحيحين " «عن المغيرة بن شعبة، أنه (صب عليه في السفر لما توضأ» ) # ( «وكان يخلل لحيته» ) أحيانا، ولم يكن يواظب على ذلك. وقد اختلف # PageV01P190 # أئمة الحديث فيه، فصحح الترمذي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان يخلل ~~لحيته» ) وقال أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث. # وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه، وفي " السنن " عن المستورد بن ~~شداد: ( «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره» ~~) ، وهذا إن ثبت عنه فإنما كان يفعله أحيانا، ولهذا لم يروه ms0094 الذين اعتنوا ~~بضبط وضوئه كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والربيع وغيرهم، على أن في إسناده ~~عبد الله بن لهيعة. # وأما تحريك خاتمه، فقد روي فيه حديث ضعيف من رواية معمر بن محمد بن عبيد ~~الله بن أبي رافع، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان إذا ~~توضأ حرك # PageV01P191 # خاتمه» ) ، ومعمر وأبوه ضعيفان، ذكر ذلك الدارقطني. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين # صح عنه أنه مسح في الحضر والسفر، ولم ينسخ ذلك حتى توفي، ووقت للمقيم ~~يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح، وكان ~~يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع. والأحاديث ~~الصحيحة على خلافه، ومسح على الجوربين والنعلين، ومسح على العمامة مقتصرا ~~عليها ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلا وأمرا في عدة أحاديث، لكن في قضايا ~~أعيان يحتمل أن تكون خاصة بحال الحاجة والضرورة، ويحتمل العموم كالخفين وهو ~~أظهر والله أعلم. # ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ~~ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين ولم يلبس الخف ليمسح عليه، ~~وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله شيخنا، والله ~~أعلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في التيمم] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في التيمم # ( «كان صلى الله عليه وسلم يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين» ) ولم يصح ~~عنه أنه تيمم بضربتين ولا إلى المرفقين. # قال الإمام أحمد: من قال إن التيمم إلى # PageV01P192 # المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده. وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي ~~عليها ترابا كانت أو سبخة أو رملا. وصح عنه أنه قال: ( «حيثما أدركت رجلا ~~من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره» ) وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة ~~في الرمل فالرمل له طهور. ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا ms0095 تلك ~~الرمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ~~ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأن في المفاوز الرمال أكثر ~~من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم ~~بالرمل والله أعلم، وهذا قول الجمهور. # وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور ~~اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع وإقامة ~~إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى فيطبقها عليها، فهذا ~~مما يعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولا علمه أحدا من ~~أصحابه، ولا أمر به، ولا استحسنه، وهذا هديه، إليه التحاكم، وكذلك لم يصح ~~عنه التيمم لكل صلاة، ولا أمر به، بل أطلق التيمم وجعله قائما مقام الوضوء، ~~وهذا يقتضي أن يكون # PageV01P193 # حكمه حكمه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة # كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال " الله أكبر " ولم يقل ~~شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية البتة، ولا قال أصلي لله صلاة كذا مستقبل ~~القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا قال أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت، ~~وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا مسند ولا مرسل ~~لفظة واحدة منها البتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من ~~التابعين ولا الأئمة الأربعة، وإنما غر بعض المتأخرين قول الشافعي رضي الله ~~عنه في الصلاة: إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن ~~الذكر تلفظ المصلي بالنية، وإنما أراد الشافعي رحمه الله بالذكر تكبيرة ~~الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم في صلاة واحدة، ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وهذا هديهم وسيرتهم، فإن ~~أوجدنا أحد حرفا واحدا عنهم في ذلك ms0096 قبلناه وقابلناه بالتسليم والقبول، ولا ~~هدي أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه ~~وسلم. # وكان دأبه في إحرامه لفظة (الله أكبر) لا غيرها، ولم ينقل أحد عنه سواها. # ( «وكان يرفع يديه معها ممدودة الأصابع مستقبلا بها القبلة إلى فروع ~~أذنيه» ) وروي: إلى منكبيه فأبو حميد الساعدي ومن معه قالوا: حتى يحاذي ~~بهما المنكبين، وكذلك قال ابن عمر. وقال وائل بن حجر: إلى حيال أذنيه. وقال ~~البراء: قريبا من أذنيه. وقيل: هو من العمل المخير فيه، وقيل: كان أعلاها # PageV01P194 # إلى فروع أذنيه وكفاه إلى منكبيه، فلا يكون اختلافا، ولم يختلف عنه في ~~محل هذا الرفع. # ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى. # وكان يستفتح تارة ب ( «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق ~~والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من ~~الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» ) # وتارة يقول: ( «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا ~~من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي ~~وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها، إنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني ~~سيئ الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، ~~والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» ) # PageV01P195 # ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل. # وتارة يقول: ( «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات ~~والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ) . # وتارة يقول: ( «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن» . . ~~.) الحديث. وسيأتي في بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كبر ~~ثم ms0097 قال ذلك. # وتارة يقول: ( «الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله كثيرا، الحمد ~~لله # PageV01P196 # كثيرا، الحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، سبحان الله بكرة ~~وأصيلا، سبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من ~~همزه ونفخه ونفثه» .) . # وتارة يقول: ( «الله أكبر، عشر مرات، ثم يسبح عشر مرات، ثم يحمد عشرا، ثم ~~يهلل عشرا، ثم يستغفر عشرا، ثم يقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ~~عشرا ثم يقول: " اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة، عشرا» . # فكل هذه الأنواع صحت عنه صلى الله عليه وسلم) . # وروي عنه أنه ( «كان يستفتح بسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى ~~جدك، ولا إله غيرك» ) ذكر ذلك أهل السنن من حديث علي بن علي الرفاعي، عن ~~أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد على أنه ربما أرسل. # وقد روي # PageV01P197 # مثله من حديث عائشة رضي الله عنها، والأحاديث التي قبله أثبت منه، ولكن ~~صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستفتح به في مقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويجهر به ويعلمه الناس، وقال الإمام أحمد: أما أنا فأذهب ~~إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الاستفتاح كان حسنا. # وإنما اختار الإمام أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتها في مواضع أخرى. # منها: جهر عمر به يعلمه الصحابة. # ومنها: اشتماله على أفضل الكلام بعد القرآن، فإن أفضل الكلام بعد القرآن ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقد تضمنها هذا ~~الاستفتاح مع تكبيرة الإحرام. # ومنها: أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره متضمن للدعاء، والثناء ~~أفضل من الدعاء، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، # PageV01P198 # لأنها أخلصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى والثناء عليه، ولهذا كان " سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " أفضل الكلام بعد القرآن، ~~فيلزم أن ما تضمنها من الاستفتاحات أفضل من غيره من الاستفتاحات. # ومنها: أن غيره من ms0098 الاستفتاحات عامتها إنما هي في قيام الليل في النافلة، ~~وهذا كان عمر يفعله ويعلمه الناس في الفرض. # ومنها: أن هذا الاستفتاح إنشاء للثناء على الرب تعالى متضمن للإخبار عن ~~صفات كماله ونعوت جلاله، والاستفتاح ب " وجهت وجهي " إخبار عن عبودية ~~العبد، وبينهما من الفرق ما بينهما. # ومنها: أن من اختار الاستفتاح ب " وجهت وجهي " لا يكمله، وإنما يأخذ ~~بقطعة من الحديث ويذر باقيه، بخلاف الاستفتاح ب (سبحانك اللهم وبحمدك) فإن ~~من ذهب إليه يقوله كله إلى آخره. # (وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ الفاتحة، ~~وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها) # PageV01P199 # ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا حضرا ~~وسفرا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في ~~الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ ~~مجملة وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح، وهذا ~~موضع يستدعي مجلدا ضخما. # وكانت قراءته مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته. فإذا فرغ من قراءة ~~الفاتحة قال " آمين " فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته وقالها من خلفه # PageV01P200 # وكان له سكتتان؛ سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة، ~~واختلف في الثانية؛ فروي أنها بعد الفاتحة. وقيل إنها بعد القراءة وقبل ~~الركوع. وقيل: هي سكتتان غير الأولى فتكون ثلاثا، والظاهر إنما هي اثنتان ~~فقط، وأما الثالثة فلطيفة جدا لأجل تراد النفس، ولم يكن يصل القراءة ~~بالركوع بخلاف السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح، والثانية قد ~~قيل: إنها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا: ينبغي تطويلها بقدر قراءة ~~الفاتحة، وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط وهي سكتة لطيفة، فمن لم يذكرها ~~فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتة ثالثة، فلا اختلاف بين الروايتين، وهذا ~~أظهر ما يقال في هذا الحديث. # وقد صح حديث السكتتين من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين، ذكر ~~ذلك أبو حاتم في ms0099 " صحيحه "، وسمرة هو ابن جندب، وقد تبين بذلك أن أحد من ~~روى حديث السكتتين سمرة بن جندب، وقد قال: ( «حفظت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة {غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين} [الفاتحة: 7] » )) # وفي بعض طرق الحديث؛ فإذا فرغ من القراءة سكت، وهذا كالمجمل، واللفظ ~~الأول مفسر مبين، ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام # PageV01P201 # سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب؛ إذا افتتح الصلاة وإذا ~~قال: " ولا الضالين " على أن تعيين محل السكتتين إنما هو من تفسير قتادة، ~~فإنه روى الحديث عن الحسن «عن سمرة قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنكر ذلك عمران فقال: حفظناها سكتة، فكتبنا إلى أبي بن كعب ~~بالمدينة، فكتب أبي أن قد حفظ سمرة، قال سعيد: فقلنا لقتادة: ما هاتان ~~السكتتان؟ قال: إذا دخل في الصلاة، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: ~~وإذا قال {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] » ) . # قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه، ومن ~~يحتج بالحسن عن سمرة يحتج بهذا. # فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة ويخففها لعارض ~~من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبا. # وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية، وصلاها بسورة (ق) وصلاها ~~ب (الروم) وصلاها ب {إذا الشمس كورت} [التكوير: 1] وصلاها ب {إذا زلزلت} ~~[الزلزلة: 1] في الركعتين كليهما، وصلاها ب (المعوذتين) وكان في السفر، ~~وصلاها فافتتح ب (سورة المؤمنون) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة ~~الأولى أخذته سعلة فركع. # وكان يصليها يوم الجمعة ب (الم تنزيل السجدة) وسورة {هل أتى على الإنسان} ~~[الإنسان: 1] # PageV01P202 # كاملتين، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض ~~هذه في الركعتين، وقراءة السجدة وحدها في الركعتين وهو خلاف السنة. # وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فضل بسجدة فجهل عظيم، ~~ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة ms0100 السجدة لأجل هذا الظن، وإنما كان صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، ~~وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، وذلك مما كان ويكون في يوم الجمعة، فكان ~~يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم تذكيرا للأمة بحوادث هذا اليوم، ~~كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (ق) و (اقتربت) و ~~(سبح) و (الغاشية) . ### | [فصل في إطالة الركعة الأولى وقراءة السور وغير ذلك] # فصل # وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانا، حتى قال أبو سعيد: ( «كانت صلاة ~~الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها» ) رواه مسلم. # وكان يقرأ فيها تارة بقدر (الم تنزيل) وتارة ب {سبح اسم ربك الأعلى} ~~[الأعلى: 1] {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] وتارة ب {والسماء ذات البروج} ~~[البروج: 1] {والسماء والطارق} [الطارق: 1] # وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصرت. ~~وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم، فإنه صلاها مرة # PageV01P203 # ب (الأعراف) فرقها في الركعتين، ومرة ب (والطور) ومرة ب (والمرسلات) . ~~قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قرأ في ~~المغرب ب (المص) » ، وأنه قرأ فيها ب (الصافات) ، وأنه قرأ فيها ب (حم ~~الدخان) ، وأنه قرأ فيها ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، وأنه قرأ ~~فيها ب (والتين والزيتون) ، وأنه قرأ فيها ب (المعوذتين) ، وأنه قرأ فيها ب ~~(المرسلات) ، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل. قال: وهي كلها آثار صحاح ~~مشهورة. انتهى. # وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصل دائما فهو فعل مروان بن الحكم، ~~ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال: (ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل؟ ~~وقد «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين. ~~قال: قلت: وما طولى الطوليين؟ قال (الأعراف) » وهذا حديث صحيح رواه أهل ~~السنن. # وذكر النسائي عن عائشة رضي الله ms0101 عنها، «أن النبي قرأ في المغرب بسورة ~~(الأعراف) فرقها في الركعتين» # PageV01P204 # فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصل خلاف السنة، ~~وهو فعل مروان بن الحكم. وأما العشاء الآخرة فقرأ فيها صلى الله عليه وسلم ~~ب {والتين والزيتون} [التين: 1] ووقت لمعاذ فيها ب {والشمس وضحاها} [الشمس: ~~1] و {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] ~~ونحوها، وأنكر عليه قراءته فيها ب (البقرة) بعد ما صلى معه ثم ذهب إلى بني ~~عمرو بن عوف فأعادها لهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ بهم ب ~~(البقرة) ، ولهذا قال له: (أفتان أنت يا معاذ) فتعلق النقارون بهذه الكلمة ~~ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها. # وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و (المنافقين) كاملتين و ~~(سورة سبح) و (الغاشية) . # وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا. . .) ~~إلى آخرها فلم يفعله قط، وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه. # وأما قراءته في الأعياد؛ فتارة كان يقرأ سورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين، ~~وتارة سورتي (سبح) و (الغاشية) ، وهذا هو الهدي الذي استمر صلى الله عليه ~~وسلم عليه إلى أن لقي الله عز وجل لم ينسخه شيء. # ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده، فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في # PageV01P205 # الفجر بسورة (البقرة) حتى سلم منها قريبا من طلوع الشمس، فقالوا: يا ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم ~~تجدنا غافلين. # وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها ب (يوسف) و (النحل) وب (هود) و (بني ~~إسرائيل) ونحوها من السور، ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخا لم ~~يخف على خلفائه الراشدين ويطلع عليه النقارون. # وأما الحديث الذي رواه مسلم في " صحيحه " عن جابر بن سمرة ( «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر (ق والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد ~~تخفيفا» ) فالمراد بقوله " بعد " أي بعد الفجر، أي إنه كان يطيل قراءة ~~الفجر أكثر ms0102 من غيرها، وصلاته بعدها تخفيفا. ويدل على ذلك «قول أم الفضل وقد ~~سمعت ابن عباس يقرأ (والمرسلات عرفا) فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه ~~السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في ~~المغرب، فهذا في آخر الأمر» ) # وأيضا فإن قوله: وكانت صلاتها " بعد " غاية قد حذف ما هي مضافة إليه، فلا ~~يجوز إضمار ما لا يدل عليه السياق، وترك إضمار ما يقتضيه السياق، والسياق ~~إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت تخفيفا، ولا يقتضي أن صلاته كلها بعد ~~ذلك اليوم كانت تخفيفا، هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المراد لم ~~يخف على خلفائه الراشدين فيتمسكون بالمنسوخ ويدعون الناسخ. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم " «أيكم أم الناس فليخفف» " وقول أنس رضي ~~الله عنه # PageV01P206 # : ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام» ) ~~فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه، ~~لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه، وقد علم أن من ~~ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به، فإنه ~~كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى ~~أطول منها، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه ~~المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا ب ~~(الصافات) » ، فالقراءة ب (الصافات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله ~~أعلم. ### | [فصل في عدم تعيينه صلى الله عليه وسلم سورة بعينها إلا في الجمعة والعيدين] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم لا يعين سورة في الصلاة بعينها لا يقرأ إلا بها، ~~إلا في الجمعة والعيدين، وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود من حديث ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه (قال: «ما من المفصل سورة ms0103 صغيرة ولا ~~كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس بها في الصلاة ~~المكتوبة» ) # PageV01P207 # وكان من هديه قراءة السورة كاملة، وربما قرأها في الركعتين، وربما قرأ ~~أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه. وأما قراءة ~~السورتين في ركعة فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض فلم يحفظ عنه. وأما ~~حديث ابن مسعود رضي الله عنه: " «إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرن بينهن السورتين في الركعة (الرحمن) و (النجم) في ركعة، ~~و (اقتربت) و (الحاقة) في ركعة، و (الطور) و (الذاريات) في ركعة، و (إذا ~~وقعت) و (ن) في ركعة» " الحديث، فهذا حكاية فعل لم يعين محله هل كان في ~~الفرض أو في النفل؟ وهو محتمل. وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معا فقلما ~~كان يفعله. # وقد ذكر أبو داود عن رجل من جهينة، «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا» . ### | [فصل في إطالته صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح ~~ومن كل صلاة، وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم، وكان يطيل صلاة الصبح ~~أكثر من سائر الصلوات. # وهذا لأن قرآن الفجر مشهود يشهده الله تعالى وملائكته، وقيل: يشهده ~~ملائكة الليل والنهار، والقولان مبنيان على أن النزول الإلهي هل يدوم إلى ~~انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا. # PageV01P208 # وأيضا فإنها لما نقص عدد ركعاتها جعل تطويلها عوضا عما نقصته من العدد. # وأيضا فإنها تكون عقيب النوم والناس مستريحون. # وأيضا فإنهم لم يأخذوا بعد في استقبال المعاش وأسباب الدنيا. # وأيضا فإنها تكون في وقت تواطأ فيه السمع واللسان والقلب لفراغه وعدم ~~تمكن الاشتغال فيه، فيفهم القرآن ويتدبره. # وأيضا فإنها أساس العمل ms0104 وأوله، فأعطيت فضلا من الاهتمام بها وتطويلها، ~~وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها، ~~والله المستعان. ### | [فصل في كيفية ركوعه صلى الله عليه وسلم والرفع منه] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من القراءة سكت بقدر ما يتراد إليه نفسه ~~ثم رفع يديه كما تقدم، وكبر راكعا ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ~~ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، وبسط ظهره ومده واعتدل، ولم ينصب رأسه ولم ~~يخفضه، بل يجعله حيال ظهره معادلا له. # وكان يقول: (سبحان ربي العظيم) وتارة يقول مع ذلك أو مقتصرا # PageV01P209 # عليه (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) وكان ركوعه المعتاد ~~مقدار عشر تسبيحات وسجوده كذلك. وأما حديث البراء بن عازب رضي الله عنه ( ~~«رمقت الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان قيامه فركوعه فاعتداله ~~فسجدته فجلسته ما بين السجدتين قريبا من السواء» . فهذا قد فهم منه بعضهم ~~أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره ويعتدل كذلك) وفي هذا الفهم شيء، ~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالمائة آية أو نحوها، وقد تقدم ~~أنه قرأ في المغرب ب (الأعراف) (والطور) (والمرسلات) ومعلوم أن ركوعه ~~وسجوده لم يكن قدر هذه القراءة، ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل السنن ~~أنه قال: ( «ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الفتى، يعني: عمر بن عبد العزيز، ~~قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات» ) هذا مع قول ~~أنس أنه كان يؤمهم ب (الصافات) فمراد البراء - والله أعلم - أن صلاته صلى ~~الله عليه وسلم كانت معتدلة، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، ~~وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع # PageV01P210 # والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعل ذلك أحيانا في صلاة الليل وحدها، ~~وفعله أيضا قريبا من ذلك في صلاة الكسوف، وهديه الغالب صلى الله عليه وسلم ~~تعديل الصلاة وتناسبها. # وكان يقول ms0105 أيضا في ركوعه: ( «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» ) وتارة ~~يقول: ( «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي ~~وعظمي وعصبي) » وهذا إنما حفظ عنه في قيام الليل. # ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلا: (سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه) كما ~~تقدم، وروى رفع اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحو من ثلاثين نفسا، ~~واتفق على روايتها العشرة، ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه ~~دائما إلى أن فارق الدنيا، ولم يصح عنه حديث البراء: ثم لا يعود بل هي من # PageV01P211 # زيادة يزيد بن زياد. فليس ترك ابن مسعود الرفع مما يقدم على هديه ~~المعلوم، فقد ترك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء ليس معارضها مقاربا ولا ~~مدانيا للرفع، فقد ترك من فعله التطبيق والافتراش في السجود ووقوفه إماما ~~بين الاثنين في وسطهما دون التقدم عليهما، وصلاته الفرض في البيت بأصحابه ~~بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء، وأين الأحاديث في خلاف ذلك من ~~الأحاديث التي في الرفع كثرة وصحة وصراحة وعملا، وبالله التوفيق. # وكان دائما يقيم صلبه إذا رفع من الركوع وبين السجدتين ويقول: ( «لا تجزئ ~~صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود» ) ذكره ابن خزيمة في " ~~صحيحه ". # وكان إذا استوى قائما قال: (ربنا ولك الحمد) وربما قال: (ربنا لك الحمد) ~~وربما قال: (اللهم ربنا لك الحمد) صح ذلك عنه. وأما الجمع بين " اللهم " و ~~" الواو " فلم يصح. # وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع والسجود، فصح عنه أنه كان ~~يقول: ( «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء ~~الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، # PageV01P212 # وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد» ) # وصح عنه أنه كان يقول فيه: ( «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج ~~والبرد، ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد ~~بيني ms0106 وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» ) # وصح عنه أنه كرر فيه قوله: (لربي الحمد لربي الحمد، حتى كان بقدر الركوع) # وصح عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكث حتى يقول القائل: قد نسي، ~~من إطالته لهذا الركن. وذكر مسلم عن أنس رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا قال: (سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم # PageV01P213 # يسجد، ثم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم» ) # وصح عنه في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبا من ~~ركوعه، وكان ركوعه قريبا من قيامه. فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له ~~بوجه. # وأما حديث البراء بن عازب: ( «كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبا ~~من السواء» ) رواه البخاري، فقد تشبث به من ظن تقصير هذين الركنين ولا ~~متعلق له، فإن الحديث مصرح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر ~~الأركان، فلو كان القيام والقعود المستثنيين هو القيام بعد الركوع والقعود ~~بين السجدتين لناقض الحديث الواحد بعضه بعضا، فتعين قطعا أن يكون المراد ~~بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد، ولهذا كان هديه صلى الله عليه ~~وسلم فيهما إطالتهما على سائر الأركان كما تقدم بيانه، وهذا بحمد الله ~~واضح، وهو مما خفي من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على من ~~شاء الله أن يخفى عليه. # قال شيخنا: وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية في الصلاة ~~وأحدثوه فيها، كما أحدثوا فيها ترك إتمام التكبير، وكما أحدثوا التأخير # PageV01P214 # الشديد، وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه صلى الله عليه وسلم، وربي في ~~ذلك من ربي حتى ظن أنه من السنة. ### | [فصل في كيفية سجوده صلى الله عليه وسلم والقيام منه] # فصل # ثم كان يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه، وقد روي عنه أنه كان يرفعهما ~~أيضا، وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد ms0107 بن حزم رحمه الله وهو وهم، فلا يصح ذلك ~~عنه البتة، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: ( «كان يكبر في كل خفض ورفع، ~~إلى قوله: كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع» ) وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلط ~~الراوي ووهمه فصححه. والله أعلم. # (وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته ~~وأنفه) هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ~~بن حجر: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل ~~يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» ) # PageV01P215 # ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك. # وأما حديث أبي هريرة يرفعه ( «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ~~وليضع يديه قبل ركبتيه» ) فالحديث - والله أعلم - قد وقع فيه وهم من بعض # PageV01P216 # الرواة، فإن أوله يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما ~~يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولا، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك ~~قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولا، ~~فهذا هو المنهي عنه. وهو فاسد لوجوه. # أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولا وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا ~~نهض فإنه ينهض برجليه أولا وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه صلى ~~الله عليه وسلم وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها ~~فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى. # وكان يضع ركبتيه أولا ثم يديه ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولا ثم يديه ~~ثم ركبتيه، وهذا عكس فعل البعير، وهو صلى الله عليه وسلم نهى في الصلاة عن ~~التشبه بالحيوانات، فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، ~~وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع ~~الأيدي وقت # PageV01P217 # السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدي المصلي مخالف لهدي الحيوانات. # الثاني: أن قولهم: ركبتا البعير في يديه كلام لا يعقل ولا يعرفه ms0108 أهل ~~اللغة، وإنما الركبة في الرجلين، وإن أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة ~~فعلى سبيل التغليب. # الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرك كما يبرك البعير، وإن أول ما ~~يمس الأرض من البعير يداه. # وسر المسألة أن من تأمل بروك البعير وعلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بروك كبروك البعير» علم أن حديث وائل بن حجر هو الصواب، والله أعلم. # وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنه ~~وأصله، ولعله " وليضع ركبتيه قبل يديه "، كما انقلب على بعضهم حديث ابن عمر ~~( «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» ) فقال: ( ~~«ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن # PageV01P218 # بلال» ) . # وكما انقلب على بعضهم حديث: ( «لا يزال يلقى في النار فتقول: هل من مزيد، ~~إلى أن قال: وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها، فقال: وأما ~~النار فينشئ الله لها خلقا يسكنهم إياها» ، حتى رأيت أبا بكر بن أبي شيبة ~~قد رواه كذلك، فقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الله بن ~~سعيد، عن جده، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إذا سجد أحدكم ~~فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك كبروك الفحل» ) ورواه الأثرم في سننه ~~أيضا عن أبي بكر كذلك. # وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يصدق ذلك ويوافق ~~حديث وائل بن حجر. # قال ابن أبي داود: حدثنا يوسف بن عدي، حدثنا ابن فضيل هو محمد، عن عبد ~~الله بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان ~~إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه» ) # وقد روى ابن خزيمة في " صحيحه " من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه قال: ( ~~«كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين» ) وعلى # PageV01P219 # هذا، فإن كان حديث أبي هريرة محفوظا فإنه منسوخ، وهذه طريقة صاحب " ~~المغني " وغيره، ولكن للحديث علتان. # إحداهما: ms0109 أنه من رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، وليس ممن يحتج به، قال ~~النسائي: متروك. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا لا يحتج به، وقال ابن ~~معين: ليس بشيء. # الثانية: أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه هذا، إنما هو قصة ~~التطبيق، وقول سعد: كنا نصنع هذا فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب. # وأما قول صاحب " المغني " عن أبي سعيد قال: ( «كنا نضع اليدين قبل ~~الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين» ) فهذا - والله أعلم - وهم في ~~الاسم، وإنما هو عن سعد، وهو أيضا وهم في المتن كما تقدم، وإنما هو في قصة ~~التطبيق، والله أعلم. # وأما حديث أبي هريرة المتقدم، فقد علله البخاري والترمذي والدارقطني. # قال البخاري: محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه، وقال: لا أدري أسمع ~~من أبي الزناد أم لا. # وقال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وقال ~~الدارقطني: تفرد به عبد العزيز الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن ~~العلوي، عن أبي الزناد، وقد ذكر النسائي عن قتيبة، حدثنا عبد الله بن نافع، ~~عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد # PageV01P220 # عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( «يعمد أحدكم ~~في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل» ) ولم يزد. # قال أبو بكر بن أبي داود: وهذه سنة تفرد بها أهل المدينة ولهم فيها ~~إسنادان، هذا أحدهما، والآخر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قلت: أراد الحديث الذي رواه أصبغ بن الفرج عن الدراوردي عن عبيد الله عن ~~نافع عن ابن عمر أنه ( «كان يضع يديه قبل ركبتيه» ) ويقول: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يفعل ذلك. رواه الحاكم في " المستدرك " من طريق محرز بن ~~سلمة عن الدراوردي وقال: على شرط مسلم. # وقد رواه الحاكم من حديث حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: «رأيت ~~رسول الله صلى ms0110 الله عليه وسلم انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه» قال ~~الحاكم: على شرطهما ولا أعلم له علة. # قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا ~~الحديث منكر. انتهى. # وإنما أنكره - والله أعلم - لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطار عن ~~حفص بن غياث والعلاء هذا مجهول لا ذكر # PageV01P221 # له في الكتب الستة. فهذه الأحاديث المرفوعة من الجانبين كما ترى. # وأما الآثار المحفوظة عن الصحابة فالمحفوظ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه، ذكره عنه عبد الرزاق وابن المنذر، وغيرهما، ~~وهو المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه، ذكره الطحاوي عن فهد عن عمر بن حفص، ~~عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود قالا: ~~حفظنا عن عمر في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير، ووضع ~~ركبتيه قبل يديه، ثم ساق من طريق الحجاج بن أرطاة قال: قال إبراهيم النخعي: ~~حفظ عن عبد الله بن مسعود أن ركبتيه كانتا تقعان على الأرض قبل يديه، وذكر ~~عن أبي مرزوق، عن وهب، عن شعبة، عن مغيرة قال: سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ ~~بيديه قبل ركبتيه إذا سجد؟ قال أويصنع ذلك إلا أحمق أو مجنون! # قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضع ~~ركبتيه قبل يديه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال النخعي، ومسلم بن ~~يسار، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وأهل الكوفة. # وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك. وقال الأوزاعي: أدركنا ~~الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. قال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث. # قلت: وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ آخر ذكره البيهقي، وهو ( «إذا سجد ~~أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه على ركبتيه» ) قال # PageV01P222 # البيهقي: فإن كان محفوظا كان دليلا على أنه يضع يديه قبل ركبتيه عند ~~الإهواء إلى السجود. # وحديث وائل بن حجر أولى لوجوه: # أحدها: ms0111 أنه أثبت من حديث أبي هريرة، قاله الخطابي وغيره. # الثاني: أن حديث أبي هريرة مضطرب المتن كما تقدم، فمنهم من يقول فيه: ~~وليضع يديه قبل ركبتيه، ومنهم من يقول بالعكس، ومنهم من يقول: وليضع يديه ~~على ركبتيه، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسا. # الثالث: ما تقدم من تعليل البخاري والدارقطني وغيرهما. # الرابع: أنه على تقدير ثبوته قد ادعى فيه جماعة من أهل العلم النسخ، قال ~~ابن المنذر: وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقد ~~تقدم ذلك. # الخامس: أنه الموافق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بروك كبروك الجمل ~~في الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة. # السادس: أنه الموافق للمنقول عن الصحابة، كعمر بن الخطاب وابنه، وعبد ~~الله بن مسعود، ولم ينقل عن أحد منهم ما يوافق حديث أبي هريرة إلا عن عمر ~~رضي الله عنه على اختلاف عنه. # السابع: أن له شواهد من حديث ابن عمر وأنس كما تقدم، وليس لحديث أبي ~~هريرة شاهد، فلو تقاوما؛ لقدم حديث وائل بن حجر من أجل شواهده، فكيف وحديث ~~وائل أقوى كما تقدم. # PageV01P223 # الثامن: أن أكثر الناس عليه، والقول الآخر إنما يحفظ عن الأوزاعي ومالك، ~~وأما قول ابن أبي داود: إنه قول أهل الحديث، فإنما أراد به بعضهم، وإلا ~~فأحمد والشافعي وإسحاق على خلافه. # التاسع: أنه حديث فيه قصة محكية سيقت لحكاية فعله صلى الله عليه وسلم، ~~فهو أولى أن يكون محفوظا؛ لأن الحديث إذا كان فيه قصة محكية دل على أنه ~~حفظ. # العاشر: أن الأفعال المحكية فيه كلها ثابتة صحيحة من رواية غيره، فهي ~~أفعال معروفة صحيحة وهذا واحد منها فله حكمها، ومعارضه ليس مقاوما له، ~~فيتعين ترجيحه، والله أعلم. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة، ~~ولم يثبت عنه السجود على كور العمامة من حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد ~~الرزاق في " المصنف " من حديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يسجد على كور عمامته،» وهو ms0112 من رواية عبد الله بن محرر وهو متروك، ~~وذكره أبو أحمد الزبيري من حديث جابر ولكنه من رواية عمر بن شمر عن جابر ~~الجعفي، متروك عن متروك، وقد ذكر أبو داود في المراسيل «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي في المسجد فسجد بجبينه وقد اعتم على جبهته، ~~فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبهته» . # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض كثيرا، وعلى الماء ~~والطين، وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل، وعلى الحصير المتخذ منه، وعلى ~~الفروة المدبوغة. # وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، # PageV01P224 # وجافى بهما حتى يرى بياض إبطيه، ولو شاءت بهمة - وهي الشاة الصغيرة - أن ~~تمر تحتهما لمرت. # وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه، وفي " صحيح مسلم " عن البراء أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: ( «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك» ) . # وكان يعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. # وكان يبسط كفيه وأصابعه، ولا يفرج بينها ولا يقبضها، وفي " صحيح ابن حبان ~~( «كان إذا ركع فرج أصابعه فإذا سجد ضم أصابعه» ) . # وكان يقول: ( «سبحان ربي الأعلى» ) وأمر به. # وكان يقول: ( «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» ) . # PageV01P225 # وكان يقول: ( «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» ) . # وكان يقول: ( «سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت» ) . # وكان يقول: ( «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ ~~بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ) . # وكان يقول: ( «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه ~~وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» ) . # وكان يقول: ( «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته ~~وسره» ) . # وكان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم ~~به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر ~~لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، أنت # PageV01P226 # إلهي لا إله إلا أنت» ms0113 ) . # وكان يقول: ( «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، ~~وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي نورا، ~~وتحتي نورا، واجعل لي نورا» ) . # وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: ( «إنه قمن أن يستجاب لكم» ) . ~~وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود، أو أمر بأن الداعي إذا دعا في محل، ~~فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين، وأحسن ما يحمل عليه الحديث أن الدعاء ~~نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في ~~سجوده من النوعين، والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. # والاستجابة أيضا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة ~~دعاء المثني بالثواب، وبكل واحد من النوعين فسر قوله تعالى: {أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان} [البقرة: 186] [البقرة: 187] والصحيح أنه يعم النوعين. # PageV01P227 ### | [فصل في التفاضل بين طول القيام وإكثار السجود] # فصل # وقد اختلف الناس في القيام والسجود أيهما أفضل؟ فرجحت طائفة القيام ~~لوجوه. # أحدها: أن ذكره أفضل الأذكار، فكان ركنه أفضل الأركان. # والثاني: قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] [البقرة: 238] . # الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: ( «أفضل الصلاة طول القنوت» ) . # وقالت طائفة: السجود أفضل، واحتجت بقوله صلى الله عليه وسلم: ( «أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد» ) . وبحديث معدان بن أبي طلحة قال: «لقيت ~~ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: حدثني بحديث عسى الله أن ~~ينفعني به؟ فقال: " عليك بالسجود " فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها ~~خطيئة) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته، فقال لي مثل ذلك» . # PageV01P228 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لربيعة بن كعب الأسلمي وقد سأله ~~مرافقته في الجنة: ( «أعني على نفسك بكثرة السجود» ) . # وأول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (اقرأ) على ~~الأصح، وختمها بقوله: {واسجد واقترب} [العلق: 19] [العلق: 19] . # وبأن السجود لله يقع من المخلوقات ms0114 كلها علويها وسفليها، وبأن الساجد أذل ~~ما يكون لربه وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ~~ربه في هذه الحالة، وبأن السجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي الذل ~~والخضوع، يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد ~~وأخضع إذا كان ساجدا. # وقالت طائفة: طول القيام بالليل أفضل، وكثرة الركوع والسجود بالنهار ~~أفضل، واحتجت هذه الطائفة بأن صلاة الليل قد خصت باسم القيام لقوله تعالى: ~~{قم الليل} [المزمل: 2] [المزمل: 1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( «من قام ~~رمضان إيمانا واحتسابا» ) ، ولهذا يقال: قيام الليل، ولا يقال: قيام ~~النهار، قالوا: وهذا كان # PageV01P229 # هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ( «ما زاد في الليل على إحدى عشرة ~~ركعة أو ثلاث عشرة ركعة» ) . # ( «وكان يصلي الركعة في بعض الليالي بالبقرة وآل عمران والنساء» ) ، وأما ~~بالنهار فلم يحفظ عنه شيء من ذلك، بل كان يخفف السنن. # وقال شيخنا: الصواب أنهما سواء، والقيام أفضل بذكره وهو القراءة، والسجود ~~أفضل بهيئته، فهيئة السجود أفضل من هيئة القيام، وذكر القيام أفضل من ذكر ~~السجود، وهكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا أطال ~~القيام أطال الركوع والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل، وكان ~~إذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، وكذلك كان يفعل في الفرض، كما قاله ~~البراء بن عازب: ( «كان قيامه وركوعه وسجوده واعتداله قريبا من السواء» ) . ~~والله أعلم. ### | [فصل في الجلوس بين السجدتين] # فصل # ثم كان صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه، ويرفع من ~~السجود رأسه قبل يديه، ثم يجلس مفترشا يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب ~~اليمنى. # وذكر النسائي عن ابن عمر قال: «من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى، ~~واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى، ولم يحفظ عنه صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الموضع جلسة غير هذه» . # PageV01P230 # ( «وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل مرفقه على فخذه وطرف يده على ركبته، ~~ويقبض ثنتين من أصابعه ويحلق ms0115 حلقة، ثم يرفع أصبعه يدعو بها ويحركها» ) هكذا ~~قال وائل بن حجر عنه. # وأما حديث أبي داود عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~«كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها» ) فهذه الزيادة في صحتها نظر، وقد ~~ذكر مسلم الحديث بطوله في " صحيحه " عنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين ~~فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده ~~اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه» . # وأيضا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة. # وأيضا لو كان في الصلاة لكان نافيا، وحديث وائل بن حجر مثبتا وهو مقدم، ~~وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في " صحيحه ". # ثم كان يقول [بين السجدتين] : ( «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني ~~وارزقني» ) هكذا ذكره ابن عباس رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم، ~~وذكر # PageV01P231 # حذيفة أنه كان يقول ( «رب اغفر لي رب اغفر لي» ) . # وكان هديه صلى الله عليه وسلم إطالة هذا الركن بقدر السجود، وهكذا الثابت ~~عنه في جميع الأحاديث، وفي " الصحيح " عن أنس رضي الله عنه: ( «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم» ) وهذه ~~السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: وكان ~~أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد ~~أوهم. # وأما من حكم السنة ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا ~~الهدي. ### | [فصل في جلسة الاستراحة] # فصل # ثم كان صلى الله عليه وسلم ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدا على فخذيه ~~كما ذكر # PageV01P232 # عنه: وائل وأبو هريرة، ولا يعتمد على الأرض بيديه، وقد ذكر عنه مالك بن ~~الحويرث أنه ( «كان لا ينهض حتى يستوي جالسا» ) . وهذه هي التي تسمى جلسة ~~الاستراحة. # واختلف الفقهاء فيها: هل هي من سنن الصلاة فيستحب لكل ms0116 أحد أن يفعلها، أو ~~ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن ~~أحمد رحمه الله. # قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة وقال: ~~أخبرني يوسف بن موسى، أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين ~~على حديث رفاعة. # وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن ~~عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه ~~وسلم لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث. # ولو كان هديه صلى الله عليه وسلم فعلها دائما لذكرها كل من وصف صلاته صلى ~~الله عليه وسلم، ومجرد فعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على أنها من سنن ~~الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قدر ~~أنه # PageV01P233 # فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط ~~في هذه المسألة. # وكان إذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت، كما كان يسكت عند افتتاح الصلاة، ~~فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا؟ بعد اتفاقهم على أنه ليس موضع ~~استفتاح، وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على ~~أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة؟ فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كل ~~ركعة مستقلة برأسها. # ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة، والاكتفاء باستعاذة واحدة ~~أظهر للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان إذا ~~نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ب {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: ~~2] » ) ولم يسكت، وإنما يكفي استعاذة واحدة؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، ~~بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله أو تسبيح أو ~~تهليل أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك. # PageV01P234 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الثانية كالأولى سواء، إلا في أربعة ms0117 ~~أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها كالأولى، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم كان لا يستفتح، ولا يسكت، ولا يكبر للإحرام فيها، ويقصرها ~~عن الأولى، فتكون الأولى أطول منها في كل صلاة كما تقدم. # فإذا جلس للتشهد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده اليمنى على ~~فخذه اليمنى وأشار بأصبعه السبابة، وكان لا ينصبها نصبا، ولا ينيمها، بل ~~يحنيها شيئا، ويحركها شيئا، كما تقدم في حديث وائل بن حجر، وكان يقبض ~~أصبعين وهما الخنصر والبنصر، ويحلق حلقة وهي الوسطى مع الإبهام، ويرفع ~~السبابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسط الكف اليسرى على الفخذ اليسرى، ~~ويتحامل عليها. # وأما صفة جلوسه فكما تقدم بين السجدتين سواء، يجلس على رجله اليسرى وينصب ~~اليمنى. ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة. # وأما حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي رواه مسلم في " صحيحه " ~~( «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه ~~وساقه وفرش قدمه اليمنى» ) فهذا في التشهد الأخير كما يأتي وهو أحد الصفتين ~~اللتين رويتا عنه، ففي " الصحيحين " من حديث أبي حميد في صفة صلاته صلى ~~الله عليه وسلم ( «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى، ~~وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته» ~~) فذكر أبو # PageV01P235 # حميد أنه كان ينصب اليمنى. وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها، ولم يقل أحد ~~عنه صلى الله عليه وسلم: إن هذه صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحدا ~~قال به، بل من الناس من قال: يتورك في التشهدين، وهذا مذهب مالك رحمه الله. # ومنهم من قال: يفترش فيهما فينصب اليمنى، ويفترش اليسرى ويجلس عليها، وهو ~~قول أبي حنيفة رحمه الله، ومنهم من قال: يتورك في كل تشهد يليه السلام، ~~ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي رحمه الله: ومنهم من قال: يتورك في كل ~~صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما؛ فرقا بين الجلوسين، وهو قول الإمام أحمد ~~رحمه ms0118 الله. # ومعنى حديث ابن الزبير رضي الله عنه أنه فرش قدمه اليمنى: أنه كان يجلس ~~في هذا الجلوس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشة، وقدمه اليسرى بين ~~فخذه وساقه، ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا ~~الجلوس، هل كانت مفروشة أو منصوبة؟ وهذا - والله أعلم - ليس اختلافا في ~~الحقيقة، فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يخرجها عن يمينه فتكون بين ~~المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن، فهي مفروشة بمعنى أنه ~~ليس ناصبا لها جالسا على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسا على باطنها، ~~وظهرها إلى الأرض، فصح قول أبي حميد ومن معه، وقول عبد الله بن الزبير، أو ~~يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصب قدمه وربما ~~فرشها أحيانا، وهذا أروح لها. والله أعلم. # ثم كان صلى الله عليه وسلم يتشهد دائما في هذه الجلسة، ويعلم أصحابه أن ~~يقولوا: ( «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» ) . # PageV01P236 # وقد ذكر النسائي من حديث أبي الزبير عن جابر قال: ( «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، بسم الله ~~وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار» ) . # ولم تجئ التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث، وله علة غير عنعنة أبي ~~الزبير. # وكان صلى الله عليه وسلم يخفف هذا التشهد جدا حتى كأنه على الرضف - وهي ~~الحجارة المحماة - ولم ينقل عنه في حديث قط أنه صلى عليه وعلى آله في هذا ~~التشهد، ولا كان أيضا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا ~~والممات، وفتنة المسيح الدجال، ومن استحب ذلك فإنما فهمه من عمومات ~~وإطلاقات قد ms0119 صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير. # ثم كان ينهض مكبرا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدا على فخذه كما تقدم، ~~وقد ذكر مسلم في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمر رضي الله # PageV01P237 # عنهما أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري أيضا، ~~على أن هذه الزيادة ليست متفقا عليها في حديث عبد الله بن عمر، فأكثر رواته ~~لا يذكرونها، وقد جاء ذكرها مصرحا به في حديث أبي حميد الساعدي قال: ( «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى ~~يحاذي بهما منكبيه، ويقيم كل عضو في موضعه، ثم يقرأ، ثم يرفع يديه حتى ~~يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلا لا يصوب رأسه ~~ولا يقنع به، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما ~~منكبيه، حتى يقر كل عظم إلى موضعه، ثم يهوي إلى الأرض، ويجافي يديه عن ~~جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله فيقعد عليها، ويفتخ أصابع رجليه إذا سجد، ~~ثم يكبر ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يقوم فيصنع ~~في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ~~كما يصنع عند افتتاح الصلاة، ثم يصلي بقية صلاته هكذا، حتى إذا كانت السجدة ~~التي فيها التسليم، أخرج رجليه وجلس على شقه الأيسر متوركا» ) . # هذا سياق أبي # PageV01P238 # حاتم في " صحيحه " وهو في " صحيح مسلم " أيضا، وقد ذكره الترمذي مصححا له ~~من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يرفع يديه في هذه المواطن أيضا. # ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الأخريين ~~بعد الفاتحة شيئا، وقد ذهب الشافعي في أحد قوليه وغيره إلى استحباب القراءة ~~بما زاد على الفاتحة في الأخريين، واحتج لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في ~~" الصحيح ": ( «حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه ms0120 وسلم في الظهر في ~~الركعتين الأوليين قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الركعتين ~~الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر ~~على قدر قيامه في الركعتين الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على ~~النصف من ذلك» ) . # وحديث أبي قتادة المتفق عليه ظاهر في الاقتصار على فاتحة الكتاب في ~~الركعتين الأخريين. # قال أبو قتادة رضي الله عنه: ( «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ~~ويسمعنا الآية أحيانا» ) . # زاد مسلم: ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، والحديثان غير # PageV01P239 # صريحين في محل النزاع. # وأما حديث أبي سعيد، فإنما هو حزر منهم وتخمين، ليس إخبارا عن تفسير نفس ~~فعله صلى الله عليه وسلم. # وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان يقتصر على الفاتحة، وأن ~~يراد به أنه لم يكن يخل بها في الركعتين الأخريين، بل كان يقرؤها فيهما كما ~~كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كل ركعة، وإن كان حديث أبي ~~قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم، فإذا قال: كان يقرأ في ~~الأوليين بالفاتحة والسورة، وفي الأخريين بالفاتحة، كان كالتصريح في اختصاص ~~كل قسم بما ذكر فيه، وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا أكثر فعله، وربما قرأ ~~في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دل عليه حديث أبي سعيد، وهذا ~~كما أن هديه صلى الله عليه وسلم كان تطويل القراءة في الفجر، وكان يخففها ~~أحيانا، وتخفيف القراءة في المغرب، وكان يطيلها أحيانا، وترك القنوت في ~~الفجر، وكان يقنت فيها أحيانا، والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان ~~يسمع الصحابة الآية فيها أحيانا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها ~~أحيانا. # والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة شيئا أحيانا لعارض لم يكن من فعله ~~الراتب، ومن هذا لما بعث صلى الله عليه وسلم فارسا طليعة، ثم قام إلى ~~الصلاة وجعل # PageV01P240 # يلتفت في الصلاة إلى الشعب الذي يجيء منه الطليعة، ولم يكن ms0121 من هديه صلى ~~الله عليه وسلم الالتفات في الصلاة، وفي " صحيح البخاري " عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في ~~الصلاة؟ فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» ) . # وفي الترمذي من حديث سعيد بن المسيب «عن أنس رضي الله عنه قال: قال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني، إياك والالتفات في الصلاة، فإن ~~الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد ففي التطوع، لا في الفرض) » ولكن ~~للحديث علتان # إحداهما: إن رواية سعيد عن أنس لا تعرف. # الثانية: إن في طريقه علي بن زيد بن جدعان، وقد ذكر البزار في مسنده من ~~حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~( «لا صلاة للملتفت» ) . # فأما حديث ابن عباس: " «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلحظ # PageV01P241 # في الصلاة يمينا وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» " فهذا حديث لا يثبت. ~~قال الترمذي فيه: حديث غريب. ولم يزد. # وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ في الصلاة. فأنكر ذلك إنكارا شديدا ~~حتى تغير وجهه، وتغير لونه وتحرك بدنه، ورأيته في حال ما رأيته في حال قط ~~أسوأ منها، وقال: النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ في الصلاة؟ ! يعني ~~أنه أنكر ذلك، وأحسبه قال: ليس له إسناد، وقال: من روى هذا؟ إنما هذا من ~~سعيد بن المسيب، ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وهن حديث سعيد هذا ~~وضعف إسناده، وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد، وقال عبد الله بن أحمد: حدثت ~~أبي بحديث حسان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت ~~مكحولا يحدث عن أبي أمامة وواثلة: ( «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام ~~إلى الصلاة لم يلتفت يمينا ولا شمالا، ورمى ببصره في موضع سجوده» ) فأنكره ~~جدا ms0122 وقال: اضرب عليه. فأحمد رحمه الله أنكر هذا وهذا، وكان إنكاره للأول ~~أشد؛ لأنه باطل سندا ومتنا. # والثاني: إنما أنكر سنده، وإلا فمتنه غير منكر، والله أعلم. # ولو ثبت الأول لكان حكاية فعل فعله، لعله كان لمصلحة تتعلق # PageV01P242 # بالصلاة ككلامه عليه السلام هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين في الصلاة ~~لمصلحتها أو لمصلحة المسلمين، كالحديث الذي رواه أبو داود عن أبي كبشة ~~السلولي عن سهل بن الحنظلية قال: «ثوب بالصلاة يعني صلاة الصبح، فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب» . # قال أبو داود: يعني وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس، فهذا ~~الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات كصلاة ~~الخوف، وقريب منه قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. فهذا جمع بين ~~الجهاد والصلاة. ونظيره التفكر في معاني القرآن واستخراج كنوز العلم منه في ~~الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والعلم، فهذا لون، والتفات الغافلين اللاهين ~~وأفكارهم لون آخر، وبالله التوفيق. # فهديه الراتب صلى الله عليه وسلم إطالة الركعتين الأوليين من الرباعية ~~على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية، ولهذا قال سعد لعمر: ~~أما أنا فأطيل في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو أن أقتدي بصلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات ~~كما تقدم. # قالت عائشة رضي الله عنها: ( «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر إلا الفجر، فإنها أقرت على ~~حالها من أجل طول القراءة، والمغرب لأنها وتر النهار» ) رواه أبو حاتم بن ~~حبان في " صحيحه " # PageV01P243 # وأصله في " صحيح البخاري ". # وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم في سائر صلاته؛ إطالة أولها على آخرها ~~كما فعل في الكسوف، وفي قيام الليل لما صلى ركعتين طويلتين، ثم ركعتين وهما ~~دون اللتين قبلهما، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، حتى أتم صلاته. # ولا يناقض هذا افتتاحه ms0123 صلى الله عليه وسلم صلاة الليل بركعتين خفيفتين ~~وأمره بذلك، لأن هاتين الركعتين مفتاح قيام الليل، فهما بمنزلة سنة الفجر ~~وغيرها، وكذلك الركعتان اللتان كان يصليهما أحيانا بعد وتره تارة جالسا ~~وتارة قائما مع قوله: ( «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» ) فإن هاتين ~~الركعتين لا تنافيان هذا الأمر، كما أن المغرب وتر للنهار، وصلاة السنة ~~شفعا بعدها لا يخرجها عن كونها وترا للنهار، وكذلك الوتر لما كان عبادة ~~مستقلة وهو وتر الليل كانت الركعتان بعده جاريتين مجرى سنة المغرب من ~~المغرب، ولما كان المغرب فرضا كانت محافظته عليه السلام على سنتها أكثر من ~~محافظته على سنة الوتر، وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جدا، وسيأتي ~~مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله تعالى، وهي مسألة شريفة لعلك لا ~~تراها في مصنف وبالله التوفيق. # PageV01P244 # فصل في كيفية التورك في القعدة الأخيرة # فصل وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد الأخير جلس متوركا، وكان ~~يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدمه من ناحية واحدة. # فهذا أحد الوجوه الثلاثة التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم في التورك. ~~ذكره أبو داود في حديث أبي حميد الساعدي من طريق عبد الله بن لهيعة، وقد ~~ذكر أبو حاتم في " صحيحه " هذه الصفة من حديث أبي حميد الساعدي من غير طريق ~~ابن لهيعة، وقد تقدم حديثه. # الوجه الثاني: ذكره البخاري في " صحيحه " من حديث أبي حميد أيضا قال: ( ~~«وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته» ~~) فهذا هو الموافق الأول في الجلوس على الورك، وفيه زيادة وصف في هيئة ~~القدمين لم تتعرض الرواية الأولى لها. # الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في " صحيحه " من حديث عبد الله بن الزبير: ~~أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرش ~~قدمه اليمنى» ) وهذه # PageV01P245 # هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخرقي في " مختصره "، وهذا مخالف ~~للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه الأيمن، وفي نصب اليمنى، ولعله ~~كان ms0124 يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا أظهر. # ويحتمل أن يكون من اختلاف الرواة، ولم يذكر عنه عليه السلام هذا التورك ~~إلا في التشهد الذي يليه السلام. # قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهدان، وهذا ~~التورك فيها جعل فرقا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يسن تخفيفه، فيكون ~~الجالس فيه متهيئا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس ~~فيه مطمئنا. # وأيضا فتكون هيئة الجلوسين فارقة بين التشهدين مذكرة للمصلي حاله فيهما. ~~وأيضا فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه صلى الله عليه وسلم في الجلسة ~~التي في التشهد الثاني، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول، وأنه ( «كان ~~يجلس مفترشا ثم قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة» ) وفي لفظ ( «فإذا جلس في ~~الركعة الرابعة» ) . # وأما قوله في بعض ألفاظه: «حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليم أخرج ~~رجله اليسرى، وجلس على شقه متوركا» ، فهذا قد يحتج به من يرى التورك يشرع ~~في كل تشهد يليه السلام، فيتورك في الثانية، وهو قول الشافعي رحمه الله، ~~وليس بصريح في الدلالة، بل سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد ~~الذي # PageV01P246 # يليه السلام من الرباعية والثلاثية، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول ~~وقيامه منه ثم قال: ( «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم جلس متوركا» ~~) فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني. ### | [فصل في وضع اليد في التشهد] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه ~~اليمنى، وضم أصابعه الثلاث ونصب السبابة. وفي لفظ: وقبض أصابعه الثلاث، ~~ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى. ذكره مسلم عن ابن عمر. وقال وائل بن حجر: ~~( «جعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق ~~حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها» ) وهو في " السنن ". # وفي حديث ابن عمر في " صحيح مسلم " (عقد ثلاثة وخمسين) . # وهذه الروايات كلها واحدة، فإن من قال: قبض أصابعه ms0125 الثلاث أراد به أن ~~الوسطى كانت مضمومة لم تكن منشورة كالسبابة، ومن قال: قبض ثنتين من أصابعه ~~أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر، بل الخنصر والبنصر متساويتان في ~~القبض دون الوسطى، وقد صرح بذلك من قال: (وعقد ثلاثة # PageV01P247 # وخمسين) فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة، ولا تكون مقبوضة مع ~~البنصر. # وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقد ثلاث وخمسين لا يلائم واحدة من ~~الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بد أن تركب البنصر في هذا العقد. # وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء، بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: ~~قديمة، وهي التي ذكرت في حديث ابن عمر تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومة مع ~~تحليق الإبهام مع الوسطى، وحديثة، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب، ~~والله أعلم. # وكان يبسط ذراعه على فخذه ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، ~~وأما اليسرى فممدودة الأصابع على الفخذ اليسرى. # وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه، في ركوعه، وفي سجوده، وفي ~~تشهده، ويستقبل أيضا بأصابع رجليه القبلة في سجوده. وكان يقول في كل ~~ركعتين: التحيات. # وأما المواضع التي كان يدعو فيها في الصلاة فسبعة مواطن. # أحدها: بعد تكبيرة الإحرام في محل الاستفتاح. # الثاني: قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر والقنوت العارض في ~~الصبح قبل الركوع، إن صح ذلك فإن فيه نظرا. # الثالث: بعد الاعتدال من الركوع كما ثبت ذلك في " صحيح مسلم " من حديث ~~عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال ( «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء ~~الأرض، # PageV01P248 # وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم ~~طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ» ) . # الرابع في ركوعه كان يقول ( «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» ) ~~. # الخامس: في سجوده، وكان فيه غالب دعائه. # السادس: بين السجدتين. # السابع: بعد التشهد وقبل السلام، وبذلك أمر في حديث ms0126 أبي هريرة وحديث ~~فضالة بن عبيد، وأمر أيضا بالدعاء في السجود. # وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ~~ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن. # وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه، ~~ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما، ~~والله أعلم. # وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها # PageV01P249 # فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه، يناجيه ما دام في ~~الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه ~~والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه، ثم ~~يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن ~~هاهنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه ~~وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة ~~الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلى ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم استحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث ~~فضالة بن عبيد ( «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء» ) قال الترمذي: حديث صحيح. ### | [فصل في كيفية سلامه صلى الله عليه وسلم في الصلاة] # فصل # ثم كان صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، وعن ~~يساره كذلك. # هذا كان فعله الراتب رواه عنه خمسة عشر صحابيا، وهم عبد الله بن مسعود، ~~وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري، ~~وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، ~~والبراء بن عازب، وأبو مالك ms0127 الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رمثة، ~~وعدي بن عميرة، رضي الله عنهم. # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء ~~وجهه» ) ولكن لم يثبت # PageV01P250 # عنه ذلك من وجه صحيح، وأجود ما فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى ~~الله عليه وسلم ( «كان يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم يرفع بها صوته حتى ~~يوقظنا» ) وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل، والذين ~~رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل، على أن حديث عائشة ~~ليس صريحا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة ~~واحدة يوقظهم بها، ولم تنف الأخرى، بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدما ~~على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عددا، وأحاديثهم أصح، وكثير من ~~أحاديثهم صحيح، والباقي حسان. # قال أبو عمر بن عبد البر: روي «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم ~~تسليمة واحدة» من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس، إلا ~~أنها معلولة، ولا يصححها أهل العلم بالحديث، ثم ذكر علة حديث سعد: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة» . قال: وهذا ~~وهم وغلط، وإنما الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه ~~وعن يساره» ، ثم ساق الحديث من طريق ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن ~~إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ( «رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى كأني أنظر إلى صفحة خده» ~~) فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث # PageV01P251 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد سمعته؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: ~~فاجعل هذا من النصف الذي لم تسمع. قال: وأما حديث عائشة رضي الله عنها: عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ( «كان يسلم ms0128 تسليمة واحدة» ) فلم يرفعه أحد إلا ~~زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رواه عنه عمرو بن ~~أبي سلمة وغيره، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع، كثير الخطأ لا يحتج به، ~~وذكر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: حديث عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان ~~لا حجة فيهما قال: وأما # PageV01P252 # حديث أنس، فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس، ولم يسمع أيوب من ~~أنس عندهم شيئا، قال: وقد روي مرسلا «عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يسلمون تسليمة واحدة» ، وليس مع ~~القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة، قالوا: وهو عمل قد توارثوه كابرا ~~عن كابر، ومثله يصح الاحتجاج به، لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا، ~~وهذه طريقة قد خالفهم فيها سائر الفقهاء، والصواب معهم، والسنن الثابتة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدفع ولا ترد بعمل أهل بلد كائنا من كان، ~~وقد أحدث الأمراء بالمدينة وغيرها في الصلاة أمورا استمر عليها العمل، ولم ~~يلتفت إلى استمراره، وعمل أهل المدينة الذي يحتج به ما كان في زمن الخلفاء ~~الراشدين، وأما عملهم بعد موتهم وبعد انقراض عصر من كان بها في الصحابة، ~~فلا فرق بينهم وبين عمل غيرهم، والسنة تحكم بين الناس، لا عمل أحد بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وبالله التوفيق. ### | [فصل في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته فيقول: ( «اللهم إني أعوذ بك من ~~عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا ~~والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» ) . # PageV01P253 # وكان يقول في صلاته أيضا: ( «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك ~~لي فيما رزقتني» ) . # وكان يقول: ( «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ~~وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك ~~من خير ما ms0129 تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم» ) . # PageV01P254 # وكان يقول في سجوده: ( «رب أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت ~~وليها ومولاها» ) . وقد تقدم ذكر بعض ما كان يقول في ركوعه وسجوده وجلوسه ~~واعتداله في الركوع. ### | [فصل في المحفوظ في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة] # فصل # والمحفوظ في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة كلها بلفظ الإفراد ~~كقوله ( «رب اغفر لي وارحمني واهدني» ) ، وسائر الأدعية المحفوظة عنه، ~~ومنها قوله في دعاء الاستفتاح: ( «اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء ~~والبرد، اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» ) ... ~~الحديث. # وروى الإمام أحمد رحمه الله وأهل " السنن " من حديث ثوبان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ( «لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد ~~خانهم» ) . # PageV01P255 # قال ابن خزيمة في " صحيحه ": وقد ذكر حديث ( «اللهم باعد بيني وبين ~~خطاياي» ) الحديث، قال: في هذا دليل على رد الحديث الموضوع ( «لا يؤم عبد ~~قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» ) . وسمعت شيخ الإسلام ابن ~~تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه ~~وللمأمومين ويشتركون فيه، كدعاء القنوت ونحوه، والله أعلم. ### | [فصل في أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي حال المأمومين وغيرهم] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، ذكره الإمام أحمد ~~رحمه الله، وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته، وقد تقدم. وكان قد جعل ~~الله تعالى قرة عينه ونعيمه وسروره وروحه في الصلاة. وكان يقول: ( «يا بلال ~~أرحنا بالصلاة» ) . # وكان يقول: ( «وجعلت قرة عيني في الصلاة» ) . ومع هذا لم يكن يشغله ما هو ~~فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم مع كمال إقباله وقربه من الله ~~تعالى، وحضور قلبه بين يديه واجتماعه عليه. # «وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخففها # PageV01P256 # مخافة أن يشق على أمه» ، وأرسل مرة فارسا طليعة له، فقام يصلي وجعل يلتفت ~~إلى ms0130 الشعب الذي يجيء منه الفارس، ولم يشغله ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه. # وكذلك كان يصلي الفرض وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة بنته ~~زينب على عاتقه، إذا قام حملها، وإذا ركع وسجد وضعها. # وكان يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب ظهره فيطيل السجدة كراهية أن ~~يلقيه عن ظهره. # وكان يصلي فتجيء عائشة من حاجتها والباب مغلق، فيمشي فيفتح لها الباب، ثم ~~يرجع إلى الصلاة. # PageV01P257 # وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة. # وقال جابر: ( «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ثم أدركته وهو ~~يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي» ) . ذكره مسلم في " صحيحه ". # وقال أنس رضي الله عنه: ( «كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير في الصلاة» ~~) ، ذكره الإمام أحمد رحمه الله. # وقال صهيب: ( «مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت عليه ~~فرد إشارة» ) . قال الراوي: لا أعلمه قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في " ~~السنن " و " المسند ". # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( «خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو في الصلاة، ~~فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا ~~يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه ~~أسفل، وجعل ظهره إلى # PageV01P258 # فوق» ) ، وهو في " السنن " و " المسند " وصححه الترمذي، ولفظه: كان يشير ~~بيده. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( «لما قدمت من الحبشة أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت عليه فأومأ برأسه» ) ، ذكره البيهقي. # وأما حديث أبي غطفان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ( «من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد صلاته» ) فحديث ~~باطل، ذكره الدارقطني وقال: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل ~~مجهول، والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير في صلاته. ms0131 رواه ~~أنس وجابر وغيرهما. # وكان صلى الله عليه وسلم يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد ~~غمزها بيده فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما. # PageV01P259 # وكان صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه ~~فخنقه حتى سال لعابه على يده. # وكان يصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى، فسجد ~~على الأرض ثم صعد عليه. # وكان يصلي إلى جدار، فجاءت بهمة تمر من بين يديه، فما زال يدارئها حتى ~~لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه. # يدارئها: يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة. # PageV01P260 # ( «وكان يصلي، فجاءته جاريتان من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما ~~بيديه، فنزع إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة» ) . ولفظ أحمد فيه: ( ~~«فأخذتا بركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، فنزع بينهما، أو فرق بينهما ولم ~~ينصرف» ) . # «وكان يصلي فمر بين يديه غلام، فقال بيده هكذا فرجع، ومرت بين يديه ~~جارية، فقال بيده هكذا فمضت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~هن أغلب» ) ذكره الإمام أحمد، وهو في " السنن ". # ( «وكان ينفخ في صلاته» ) ، ذكره الإمام أحمد، وهو في " السنن ". # وأما حديث ( «النفخ في الصلاة كلام» ) فلا أصل له عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وإنما # PageV01P261 # رواه سعيد في " سننه " عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله إن صح. # وكان يبكي في صلاته وكان يتنحنح في صلاته. قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: ( «كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها، فإذا ~~أتيته استأذنت، فإن وجدته يصلي فتنحنح دخلت، وإن وجدته فارغا أذن لي» ) ، ~~ذكره النسائي وأحمد، ولفظ أحمد: ( «كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مدخلان بالليل والنهار، وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح» ) . رواه أحمد، ~~وعمل به فكان يتنحنح في صلاته، ولا يرى النحنحة مبطلة للصلاة. # ( «وكان يصلي حافيا تارة، ومنتعلا أخرى» ) ، كذلك قال عبد الله بن عمرو ~~عنه: وأمر بالصلاة بالنعل مخالفة لليهود) . # وكان يصلي في الثوب الواحد تارة، وفي ms0132 الثوبين تارة، وهو أكثر. # وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا، ثم ترك القنوت. ولم يكن من هديه القنوت ~~فيها دائما، ومن المحال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في كل غداة ~~بعد اعتداله من الركوع يقول: ( «اللهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت» ~~) إلخ. # ويرفع بذلك صوته ويؤمن عليه أصحابه دائما إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون # PageV01P262 # ذلك معلوما عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه بل كلهم، حتى ~~يقول من يقول منهم: إنه محدث، كما ( «قال سعد بن طارق الأشجعي: قلت لأبي: ~~يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهم هاهنا وبالكوفة منذ خمس سنين، فكانوا يقنتون في الفجر؟ ~~فقال أي بني محدث» ) . رواه أهل السنن وأحمد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ~~وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: ( «إن ~~القنوت في صلاة الفجر بدعة» ) ، وذكر البيهقي عن أبي مجلز قال: صليت مع ابن ~~عمر صلاة الصبح فلم يقنت، فقلت له: لا أراك تقنت، فقال: لا أحفظه عن أحد من ~~أصحابنا. # ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان يقنت كل ~~غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمن الصحابة لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم ~~لجهره بالقراءة فيها وعددها ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها ~~جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق، وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر ~~بالبسملة كل يوم وليلة خمس مرات دائما مستمرا ثم يضيع أكثر الأمة ذلك ويخفى ~~عليها، وهذا من أمحل المحال. # بل لو كان ذلك واقعا، لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر ~~والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها، والله الموفق. # PageV01P263 # والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف، أنه صلى الله عليه وسلم جهر وأسر، ~~وقنت وترك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه ~~إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ms0133 ثم تركه لما قدم من ~~دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاءوا تائبين، فكان قنوته ~~لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر، بل ( «كان يقنت في صلاة ~~الفجر والمغرب» ) ، ذكره البخاري في " صحيحه " عن أنس. وقد ذكره مسلم عن ~~البراء. # وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: ( «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا ~~قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على حي من بني سليم على ~~رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه» ) ، ورواه أبو داود. # وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ~~ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل، ~~ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السحر وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ~~ولأنها الصلاة # PageV01P264 # المشهودة التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار، كما روي ~~هذا وهذا في تفسير قوله تعالى: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] ~~[الإسراء: 78] . # وأما حديث ابن أبي فديك، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه ~~من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه فيها فيدعو بهذا ~~الدعاء: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، ~~وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل ~~من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» ) فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا أو ~~حسنا، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا، وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن ~~أحمد بن عبد الله المزني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ~~ابن أبي فديك. . فذكره. # نعم صح عن أبي هريرة أنه قال: «والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من ms0134 صلاة الصبح ~~بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار» ) . # ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم تركه، فأحب أبو ~~هريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعله، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقا عند ~~النوازل وغيرها، # PageV01P265 # ويقولون: هو منسوخ، وفعله بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من ~~استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون ~~حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في ~~فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة وتركه سنة، ومع هذا فلا ينكرون على من داوم ~~عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفا للسنة، كما لا ~~ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفا ~~للسنة، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، وركن الاعتدال محل الدعاء ~~والثناء، وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم فيه. # ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو أولى بهذا المحل، وإذا جهر به الإمام ~~أحيانا ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم ~~المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها ~~سنة، ومن هذا أيضا جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا ~~يعنف فيه من فعله ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف ~~في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد ~~والقران والتمتع، وليس مقصودنا إلا ذكر هديه صلى الله عليه وسلم الذي كان ~~يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار ~~التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء، فنحن لم ~~نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا ~~قلنا: لم يكن من هديه المداومة على ms0135 القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة، ~~لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه صلى الله عليه وسلم ~~أكمل الهدي وأفضله، والله المستعان. # وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أنس قال: ( «ما # PageV01P266 # زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» ) وهو ~~في " المسند " والترمذي وغيرهما، فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره. وقال ابن ~~المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة كان يهم كثيرا. وقال ابن حبان: كان ينفرد ~~بالمناكير عن المشاهير. # وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم} [الأعراف: 172] [الأعراف 172] . حديث ~~أبي بن كعب الطويل، وفيه: ( «وكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح ~~التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل تلك الروح إلى مريم عليها ~~السلام حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فأرسله الله في صورة بشر فتمثل ~~لها بشرا سويا، قال: فحملت الذي يخاطبها، فدخل من فيها» ) ، وهذا غلط محض، ~~فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ~~زكيا} [مريم: 19] [مريم: 19] ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم، ~~هذا محال. # والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يحتج بما تفرد به أحد من ~~أهل الحديث البتة، ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، ~~فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ~~ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى: {وله من في ~~السماوات والأرض كل له قانتون} [الروم: 26] [الروم: 26] ، وقال # PageV01P267 # تعالى: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ~~ربه} [الزمر: 9] [الزمر 9] ، وقال تعالى: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت ~~من القانتين} [التحريم: 12] [التحريم 21] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( ~~«أفضل الصلاة طول القنوت» ) . وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: ~~{وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] [البقرة 238] أمرنا بالسكوت، ms0136 ونهينا عن ~~الكلام. # وأنس رضي الله عنه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعا صوته ( «اللهم ~~اهدني فيمن هديت» ) ... إلى آخره ويؤمن من خلفه، ولا ريب أن قوله: ( «ربنا ~~ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء ~~والمجد، أحق ما قال العبد» ) # إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله -قنوت، وتطويل هذا الركن قنوت، ~~وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت، فمن أين لكم أن أنسا إنما ~~أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت؟ ولا يقال: تخصيصه القنوت ~~بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين، إذ سائر ما ~~ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وأنس خص الفجر دون سائر ~~الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار، ولا الدعاء ~~للسمتضعفين من المؤمنين، لأن أنسا قد أخبر أنه كان قنت شهرا ثم تركه، فتعين ~~أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف، وقد قنت أبو بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي، # PageV01P268 # والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، ~~وأنس بن مالك، وغيرهم. # والجواب من وجوه. # أحدها: أن أنسا قد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر ~~والمغرب كما ذكره البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن ~~عازب سواء، فما بال القنوت اختص بالفجر؟! # فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك ~~قنوت الفجر سواء، ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كانت دليلا على ~~نسخ قنوت الفجر سواء، ولا يمكنكم أبدا أن تقيموا دليلا على نسخ قنوت المغرب ~~وإحكام قنوت الفجر. # فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتا للنوازل، لا قنوتا راتبا، قال منازعوكم ~~من أهل الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوت الفجر سواء، وما الفرق؟ قالوا: ~~ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتا راتبا أن أنسا نفسه أخبر ~~بذلك، وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر ms0137 أنه كان قنوت نازلة ~~ثم تركه، ففي " الصحيحين " عن أنس قال: «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه» . # الثاني: أن شبابة روى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان قال: قلنا ~~لأنس بن مالك: «إن قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت ~~بالفجر، قال: كذبوا، وإنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا واحدا ~~يدعو على حي من أحياء العرب» . وقيس بن الربيع وإن كان يحيى بن معين ضعفه، ~~فقد وثقه غيره، وليس بدون أبي جعفر الرازي، فكيف يكون أبو جعفر حجة في ~~قوله: لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وقيس ليس بحجة في هذا الحديث، وهو أوثق ~~منه أو مثله، والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسا، فإنما يعرف # PageV01P269 # تضعيف قيس عن يحيى، وذكر سبب تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: ~~سألت يحيى عن قيس بن الربيع فقال: ضعيف لا يكتب حديثه، كان يحدث بالحديث عن ~~عبيدة، وهو عنده عن منصور، ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي، لأن غاية ذلك ~~أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور، ومن الذي يسلم من هذا من ~~المحدثين؟ # الثالث: أن أنسا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت هو قنوت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على رعل وذكوان، ففي " الصحيحين " من حديث ~~عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: ( «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان ~~عند بئر يقال له بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، وإنما نحن ~~مجتازون في حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم، فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة، فذلك بدء القنوت، وما كنا ~~نقنت» ) . # فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم القنوت دائما، وقول ~~أنس: فذلك ms0138 بدء القنوت، مع قوله: قنت شهرا ثم تركه، دليل على أنه أراد بما ~~أثبته من القنوت قنوت النوازل، وهو الذي وقته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة ~~العتمة شهرا، كما في " الصحيحين " عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة العتمة شهرا يقول ~~في قنوته: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج ~~عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك ~~على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) » . # قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له فقال: أوما ~~تراهم # PageV01P270 # قد قدموا، فقنوته في الفجر كان هكذا سواء لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك ~~وقته أنس بشهر. # وقد روي عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضا في الفجر شهرا، وكلاهما صحيح، وقد ~~تقدم ذكر حديث عكرمة عن ابن عباس: «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا ~~متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح» ، ورواه أبو داود وغيره، ~~وهو حديث صحيح. # وقد ذكر الطبراني في " معجمه " من حديث محمد بن أنس: حدثنا مطرف بن طريف، ~~عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان لا ~~يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها» ) . # قال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا محمد بن أنس. انتهى. # وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم به حجة، فالحديث صحيح من جهة # PageV01P271 # المعنى، لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها كما تقدم، وهذا هو الذي أراده أنس في حديث ~~أبي جعفر الرازي إن صح أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، ونحن لا نشك ولا ~~نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استمر في الفجر إلى أن فارق الدنيا. # الوجه الرابع: أن طرق أحاديث أنس تبين المراد، ويصدق بعضها بعضا، ولا ~~تتناقض. وفي " الصحيحين " من حديث عاصم الأحول ms0139 قال: «سألت أنس بن مالك عن ~~القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ ~~قال: قبله؟ قلت: وإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده. قال: كذب، إنما ~~قلت: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرا» . # وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول تفرد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس ~~خالفوه فقالوا: عاصم ثقة جدا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين، ~~والحافظ قد يهم، والجواد قد يعثر، وحكوا عن الإمام أحمد تعليله فقال ~~الأثرم: «قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: أيقول أحد في حديث أنس: ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما ~~علمت أحدا يقوله غيره» . # قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كلهم، هشام عن قتادة عن أنس، والتيمي، عن ~~أبي مجلز، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قنت بعد الركوع، وأيوب عن ~~محمد بن سيرين قال: سألت أنسا وحنظلة السدوسي عن أنس أربعة وجوه. # وأما عاصم فقال: قلت له، فقال: كذبوا، إنما قنت بعد الركوع شهرا. قيل له: ~~من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره، قيل لأبي عبد الله: وسائر ~~الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ فقال: بلى كلها عن خفاف بن إيماء بن ~~رحضة وأبي هريرة. # PageV01P272 # قلت لأبي عبد الله: فلم ترخص إذا في القنوت قبل الركوع، وإنما صح الحديث ~~بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يختار بعد ~~الركوع، ومن قنت قبل الركوع فلا بأس، لفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~واختلافهم، فأما في الفجر فبعد الركوع. # فيقال: من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، ورواه أئمة ~~ثقات أثبات حفاظ، والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي، وقيس بن الربيع، ~~وعمرو بن أيوب، وعمرو بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي، وقل من تحمل مذهبا، ~~وانتصر له في كل شيء إلا اضطر إلى هذا المسلك. # فنقول وبالله التوفيق: أحاديث أنس كلها ms0140 صحاح، يصدق بعضها بعضا، ولا ~~تتناقض، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده، والذي ~~وقته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، وهو ~~الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( «أفضل الصلاة طول القنوت» ) ~~والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرا يدعو على قوم ويدعو ~~لقوم، ثم استمر يطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما في ~~" الصحيحين " عن ثابت، عن أنس قال: ( «إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا» ) ، قال: وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم ~~تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي، ~~وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي. فهذا هو القنوت ~~الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا. # ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل، بل كان يثني # PageV01P273 # على ربه ويمجده ويدعوه، وهذا غير القنوت الموقت بشهر، فإن ذلك دعاء على ~~رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة. # وأما تخصيص هذا بالفجر فبحسب سؤال السائل، فإنما سأله عن قنوت الفجر ~~فأجابه عما سأله عنه. وأيضا فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، ~~ويقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان -كما قال البراء بن عازب - ركوعه ~~واعتداله وسجوده وقيامه متقاربا. وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة ~~الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك. # ومعلوم أنه كان يدعو ربه ويثني عليه ويمجده في هذا الاعتدال، كما تقدمت ~~الأحاديث بذلك، وهذا قنوت منه لا ريب، فنحن لا نشك ولا نرتاب أنه لم يزل ~~يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. # ولما صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف ( ~~«اللهم اهدني فيمن هديت» ) إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى ~~فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة حملوا القنوت في ~~لفظ الصحابة على القنوت ms0141 في اصطلاحهم، ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مداومين عليه كل غداة، وهذا هو ~~الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا ~~يثبت عنه أنه فعله. # وغاية ما روي عنه في هذا القنوت أنه علمه للحسن بن علي كما في " المسند " ~~و " السنن " الأربع عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات ~~أقولهن في قنوت الوتر: ( «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، ~~وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا ~~يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت» ) قال الترمذي: # PageV01P274 # حديث حسن، ولا نعرف في القنوت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من هذا، ~~وزاد البيهقي بعد ( «ولا يذل من واليت» ) ، ( «ولا يعز من عاديت» ) . # ومما يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء، ~~ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا أبو هلال، حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة، قلت: ~~هو السدوسي، قال: «اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: ~~قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركوع، فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك، ~~فقال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فكبر وركع، ورفع رأسه، ~~ثم سجد، ثم قام في الثانية، فكبر وركع، ثم رفع رأسه، فقام ساعة ثم وقع ~~ساجدا» . # وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء، وهو # PageV01P275 # يبين مراد أنس بالقنوت، فإنه ذكره دليلا لمن قال: إنه قنت بعد الركوع، ~~فهذا القيام والتطويل هو كان مراد أنس، فاتفقت أحاديثه كلها، وبالله ~~التوفيق. # وأما المروي عن الصحابة فنوعان: # أحدهما: قنوت عند النوازل، كقنوت الصديق رضي الله عنه في محاربة الصحابة ~~لمسيلمة، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوت عمر، وقنوت علي عند محاربته ~~لمعاوية وأهل الشام. # الثاني: مطلق، مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء، ~~والله أعلم. ### | [فصل في هديه صلى الله ms0142 عليه وسلم في سجود السهو] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما ~~تنسون، فإذا نسيت فذكروني» ) . # PageV01P276 # وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم، ليقتدوا ~~به فيما يشرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في " الموطأ ~~": ( «إنما أنسى أو أنسى لأسن» ) . # وكان صلى الله عليه وسلم ينسى، فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو ~~أمته إلى يوم القيامة، فقام صلى الله عليه وسلم من اثنتين في الرباعية، ولم ~~يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام ثم سلم، فأخذ من هذا ~~قاعدة: أن من ترك شيئا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سهوا، سجد له قبل ~~السلام، وأخذ من بعض طرقه: أنه إذا ترك ذلك وشرع في ركن، لم يرجع إلى ~~المتروك، لأنه لما قام سبحوا، فأشار إليهم: أن قوموا. # واختلف عنه في محل هذا السجود، ففي " الصحيحين " من حديث عبد الله ابن ~~بحينة، ( «أنه صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين من الظهر ولم يجلس بينهما، ~~فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك» ) . # وفي رواية متفق عليها: ( «يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم» ) . # PageV01P277 # وفي " المسند " من حديث يزيد بن هارون عن المسعودي، عن زياد بن علاقة ~~قال: ( «صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبح به ~~من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم، ثم سجد سجدتين ~~وسلم، ثم قال: هكذا صنع بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) وصححه ~~الترمذي. # وذكر البيهقي من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: ( «صلى بنا عقبة ~~بن عامر الجهني، فقام وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله سبحان الله، فلم ~~يجلس ومضى على قيامه، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتي السهو وهو جالس، ~~فلما سلم قال: إني سمعتكم آنفا تقولون: سبحان الله لكيما أجلس، ms0143 لكن السنة ~~الذي صنعت» ) . # وحديث عبد الله ابن بحينة أولى لثلاثة وجوه. # أحدها: أنه أصح من حديث المغيرة. # الثاني: أنه أصرح منه، فإن قول المغيرة: ( «وهكذا صنع بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» ) يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة، ويكون قد سجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا # PageV01P278 # السهو مرة قبل السلام، ومرة بعده، فحكى ابن بحينة ما شاهده، وحكى المغيرة ~~ما شاهده، فيكون كلا الأمرين جائزا، ويجوز أن يريد المغيرة أنه صلى الله ~~عليه وسلم قام ولم يرجع، ثم سجد للسهو. # الثالث: أن المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام وسجده بعده، وهذه صفة ~~السهو، وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام، والله أعلم. ### | [فصل في مجموع ما حفظ عنه من سهوه صلى الله عليه وسلم] # فصل # ( «وسلم صلى الله عليه وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي، إما الظهر ~~وإما العصر، ثم تكلم، ثم أتمها، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام والكلام، ~~يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع» ) . # وذكر أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «صلى بهم فسجد ~~سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» ) . وقال الترمذي: حسن غريب. # PageV01P279 # ( «وصلى يوما فسلم وانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه طلحة بن عبيد ~~الله، فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالا فأقام ~~الصلاة، فصلى للناس ركعة» ) ذكره الإمام أحمد رحمه الله. # ( «وصلى الظهر خمسا، فقيل له: زيد في الصلاة؟ قال وما ذاك؟ قالوا: صليت ~~خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم» ) متفق عليه. # ( «وصلى العصر ثلاثا، ثم دخل منزله فذكره الناس، فخرج فصلى بهم ركعة، ثم ~~سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» ) . # فهذا مجموع ما حفظ عنه صلى الله عليه وسلم من سهوه في الصلاة، وهو خمسة ~~مواضع، وقد تضمن سجوده في بعضه قبل السلام، وفي بعضه بعده. # فقال الشافعي رحمه الله: كله قبل السلام. # PageV01P280 # وقال أبو حنيفة رحمه الله: كله بعد السلام. # وقال مالك رحمه الله: كل سهو كان ms0144 نقصانا في الصلاة فإن سجوده قبل السلام، ~~وكل سهو كان زيادة في الصلاة فإن سجوده بعد السلام، وإذا اجتمع سهوان زيادة ~~ونقصان فالسجود لهما قبل السلام. # قال أبو عمر بن عبد البر: هذا مذهبه لا خلاف عنه فيه، ولو سجد أحد عنده ~~لسهوه بخلاف ذلك، فجعل السجود كله بعد السلام، أو كله قبل السلام، لم يكن ~~عليه شيء؛ لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده، لاختلاف الآثار المرفوعة ~~والسلف من هذه الأمة في ذلك. # وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن سجود ~~السهو قبل السلام أم بعده؟ فقال: في مواضع قبل السلام، وفي مواضع بعده، كما ~~صنع النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم من اثنتين، ثم سجد بعد السلام، على ~~حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. # ومن سلم من ثلاث سجد أيضا بعد السلام، على حديث عمران بن حصين. وفي ~~التحري يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود، وفي القيام من اثنتين يسجد قبل ~~السلام على حديث ابن بحينة، وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام، ~~على حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الرحمن بن عوف. # PageV01P281 # قال الأثرم: فقلت لأحمد بن حنبل: فما كان سوى هذه المواضع؟ قال يسجد فيها ~~كلها قبل السلام لأنه يتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لرأيت السجود كله قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيقضيه ~~قبل السلام ولكن أقول: كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه ~~بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام. # وقال داود بن علي: لا يسجد أحد للسهو إلا في الخمسة المواضع التي سجد ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. # وأما الشك فلم يعرض له صلى الله عليه وسلم بل أمر فيه بالبناء على ~~اليقين، وإسقاط الشك، والسجود قبل السلام. فقال الإمام أحمد: الشك على ~~وجهين: اليقين، والتحري فمن رجع إلى ms0145 اليقين ألغى الشك، وسجد سجدتي السهو ~~قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم، ~~سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى. # وأما حديث أبي سعيد، فهو ( «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا ~~أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» ) . # وأما حديث ابن مسعود فهو ( «إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، ثم ~~ليسجد سجدتين» ) متفق عليهما. وفي لفظ "الصحيحين": ( «تم يسلم ثم يسجد ~~سجدتين» ) وهذا هو الذي قال الإمام أحمد، وإذا رجع إلى التحري، سجد بعد ~~السلام. # والفرق عنده بين التحري واليقين، أن المصلي إذا كان إماما بنى على غالب ~~ظنه وأكثر وهمه، وهذا هو التحري، فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود، ~~وإن كان منفردا بنى على اليقين، وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد، وهذه ~~طريقة أكثر أصحابه في تحصيل ظاهر مذهبه. # وعنه روايتان # PageV01P282 # أخريان: إحداهما: أنه يبني على اليقين مطلقا، وهو مذهب الشافعي ومالك، ~~والأخرى: على غالب ظنه مطلقا، وظاهر نصوصه إنما يدل على الفرق بين الشك، ~~وبين الظن الغالب القوي، فمع الشك يبني على اليقين ومع أكثر الوهم أو الظن ~~الغالب يتحرى، وعلى هذا مدار أجوبته. وعلى الحالين حمل الحديثين، والله ~~أعلم. # وقال أبو حنيفة رحمه الله في الشك: إذا كان أول ما عرض له، استأنف الصلاة ~~فإن عرض له كثيرا، فإن كان له ظن غالب، بنى عليه وإن لم يكن له ظن، بنى على ~~اليقين. ### | فصل في كراهة تغميض العينين في الصلاة # فصل # ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة وقد تقدم أنه ~~كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء، ولا يجاوز بصره إشارته. # وذكر البخاري في "صحيحه" عن أنس رضي الله عنه قال: «كان قرام لعائشة، ~~سترت به جانب بيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أميطي عني قرامك هذا، ~~فإنه لا تزال ms0146 تصاويره تعرض لي في صلاتي» ) ولو كان يغمض عينيه في صلاته، ~~لما عرضت له في صلاته. # وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر، لأن الذي كان يعرض له في صلاته: هل تذكر ~~تلك التصاوير بعد رؤيتها، أو نفس رؤيتها؟ هذا محتمل، وهذا محتمل، وأبين ~~دلالة منه حديث عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ~~خميصة لها أعلام فنظر، إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا # PageV01P283 # (بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا ~~عن صلاتي» ) وفي الاستدلال بهذا أيضا ما فيه، إذ غايته أنه حانت منه ~~التفاتة إليها، فشغلته تلك الالتفاتة ولا يدل حديث التفاته إلى الشعب لما ~~أرسل إليه الفارس طليعة، لأن ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة، لاهتمامه ~~بأمور الجيش، وقد يدل على ذلك مد يده في صلاة الكسوف؛ ليتناول العنقود لما ~~رأى الجنة، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها، وصاحب المحجن، وكذلك حديث ~~مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه، ورده الغلام والجارية، وحجزه ~~بين الجاريتين، وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في ~~الصلاة، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه، وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه ~~فخنقه، وكان ذلك رؤية عين، فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم ~~بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة. # وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: هو # PageV01P284 # فعل اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل ~~الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها. # والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع، فهو أفضل، وإن كان ~~يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش ~~عليه قلبه، فهنالك لا يكره التغميض قطعا، والقول باستحبابه في هذا الحال ~~أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم. ### | [فصل فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة] # فصل # فيما كان رسول الله ms0147 صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة، ~~وجلوسه بعدها، وسرعة الانتقال منها، وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة ~~بعدها # كان إذا سلم استغفر ثلاثا، وقال: ( «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام» ) . # ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانتقال إلى ~~المأمومين. # وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره، وقال ابن مسعود: ( «رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كثيرا ينصرف عن يساره» ) . # وقال أنس: ( «أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه» ~~) والأول في # PageV01P285 # "الصحيحين". والثاني في " مسلم ". # وقال عبد الله بن عمرو: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن ~~يمينه وعن يساره في الصلاة» ) . # ثم ( «كان يقبل على المأمومين بوجهه، ولا يخص ناحية منهم دون ناحية» ) # ( «وكان إذا صلى الفجر، جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس» ) . # (وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: " «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا # PageV01P286 # معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ". # وكان يقول: " «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو ~~على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد ~~إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» ) # وذكر أبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة قال: (اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت ~~وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت ~~المؤخر، لا إله إلا أنت» ) # PageV01P287 # هذه قطعة من حديث علي الطويل الذي رواه مسلم في استفتاحه عليه الصلاة ~~والسلام، وما كان يقوله في ركوعه وسجوده. # ولمسلم فيه لفظان. # أحدهما: أن النبي صلى الله عليه ms0148 وسلم كان يقوله بين التشهد والتسليم، ~~وهذا هو الصواب. # والثاني: كان يقوله بعد السلام، ولعله كان يقوله في الموضعين والله أعلم. # وذكر الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول في دبر كل صلاة: ( «اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أنك الرب ~~وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، ~~اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل ~~شيء، اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة يا ذا الجلال ~~والإكرام، اسمع واستجب، الله أكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله ~~أكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر» ) رواه أبو داود. # وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة: ( «سبحان الله ثلاثا وثلاثين ~~والحمد لله كذلك، والله أكبر كذلك، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ) # وفي صفة أخرى: التكبير أربعا وثلاثين فتتم به المائة. # PageV01P288 # وفي صفة أخرى: ( «خمسا وعشرين تسبيحة، ومثلها تحميدة، ومثلها تكبيرة، ~~ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير» ) . # وفي صفة أخرى: ( «عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات» ) . # PageV01P289 # وفي صفة أخرى: "إحدى عشرة" كما في "صحيح مسلم " في بعض روايات حديث أبي ~~هريرة ( «ويسبحون ويحمدون ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، إحدى عشرة ~~وإحدى عشرة وإحدى عشرة، فذلك ثلاثة وثلاثون» ) والذي يظهر في هذه الصفة، ~~أنها من تصرف بعض الرواة وتفسيره، لأن لفظ الحديث: ( «يسبحون ويحمدون، ~~ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين» ) وإنما مراده بهذا أن يكون الثلاث ~~والثلاثون في كل واحدة من كلمات التسبيح والتحميد والتكبير، أي قولوا: ~~"سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثا وثلاثين" لأن راوي الحديث سمي ~~عن أبي صالح السمان، وبذلك فسره أبو صالح قال: " قولوا: ( «سبحان الله، ~~والحمد لله، والله ms0149 أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون» ) # وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار بخلاف المائة، فإن ~~لها نظائر، والعشر لها نظائر أيضا، كما في السنن من حديث أبي ذر، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه ~~قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ~~ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر ~~سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه، وحرس من ~~الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله» ) ، قال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح. # PageV01P290 # وفي "مسند الإمام أحمد " من حديث أم سلمة، أنه صلى الله عليه وسلم، ( ~~«علم ابنته فاطمة لما جاءت تسأله الخادم، فأمرها: أن تسبح الله عند النوم ~~ثلاثا وثلاثين، وتحمده ثلاثا وثلاثين، وتكبره ثلاثا وثلاثين، وإذا صلت ~~الصبح أن تقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير، عشر مرات، وبعد صلاة المغرب، عشر مرات» ) . # وفي "صحيح ابن حبان " عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: ( «من قال إذا # PageV01P291 # أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير عشر مرات، كتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له ~~بهن عشر درجات، وكن له عدل عتاقة أربع رقاب، وكن له حرسا من الشيطان حتى ~~يمسي، ومن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلاته فمثل ذلك حتى يصبح» ) # وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح ( «الله أكبر عشرا، ~~والحمد لله عشرا، وسبحان الله عشرا، ولا إله إلا الله عشرا، ويستغفر الله ~~عشرا، ويقول: اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني عشرا، ويتعوذ من ضيق المقام ~~يوم القيامة عشرا» ) فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرة. وأما الإحدى عشرة، ~~فلم يجئ ms0150 ذكرها في شيء من ذلك البتة إلا في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدم ~~والله أعلم. # وقد ذكر أبو حاتم في "صحيحه" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند ~~انصرافه من صلاته: ( «اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري، وأصلح لي ~~دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من ~~نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد» ) # PageV01P292 # وذكر الحاكم في "مستدركه" «عن أبي أيوب أنه قال: ما صليت وراء نبيكم صلى ~~الله عليه وسلم إلا سمعته حين ينصرف من صلاته يقول: (اللهم اغفر لي خطاياي ~~وذنوبي كلها، اللهم أنعمني وأحيني وارزقني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، ~~إنه لا يهدي لصالحها إلا أنت، ولا يصرف عن سيئها إلا أنت» ) # وذكر ابن حبان في "صحيحه" عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ( «إذا صليت الصبح، فقلت قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من ~~النار سبع مرات، فإنك إن مت من يومك، كتب الله لك جوارا من النار، وإذا ~~صليت المغرب، فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار سبع مرات؛ فإنك إن مت ~~من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار» ) . # وقد ذكر النسائي في "السنن الكبير" من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه ~~من دخول الجنة إلا أن يموت» ) وهذا الحديث تفرد به محمد بن حمير، عن محمد ~~بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، ورواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد ~~بن # PageV01P293 # حمير. وهذا الحديث من الناس من يصححه، ويقول: الحسين بن بشر قد قال فيه ~~النسائي: لا بأس به. وفي موضع آخر: ثقة. وأما المحمدان، فاحتج بهما البخاري ~~في "صحيحه" قالوا: فالحديث على رسمه، ومنهم من يقول: هو موضوع، وأدخله أبو ~~الفرج ابن الجوزي في كتابه في الموضوعات، وتعلق على ms0151 محمد بن حمير، وأن أبا ~~حاتم الرازي قال: لا يحتج به، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقوي، وأنكر ذلك ~~عليه بعض الحفاظ، ووثقوا محمدا، وقال: هو أجل من أن يكون له حديث موضوع، ~~وقد احتج به أجل من صنف في الحديث الصحيح، وهو البخاري، ووثقه أشد الناس ~~مقالة في الرجال يحيى بن معين، وقد رواه الطبراني في "معجمه" أيضا من حديث ~~عبد الله بن حسن عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة ~~الأخرى» ) . وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة، وعلي بن أبي طالب، وعبد ~~الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وفيها ~~كلها ضعف، ولكن إذا انضم بعضها إلى بعض مع تباين طرقها واختلاف مخارجها، ~~دلت على أن الحديث له أصل وليس بموضوع. # وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه أنه قال: ما تركتها ~~عقيب كل صلاة. وفي المسند والسنن عن عقبة بن عامر قال: «أمرني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة» . ورواه أبو حاتم ~~ابن حبان في # PageV01P294 # "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط مسلم. ولفظ الترمذي ~~"بالمعوذتين". # وفي "معجم الطبراني "، و "مسند أبي يعلى الموصلي " من حديث عمر بن نبهان، ~~وقد تكلم فيه عن جابر يرفعه: ( «ثلاث من جاء بهن مع الإيمان، دخل من أي ~~أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء، من عفا عن قاتله، وأدى دينا ~~خفيا، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات، قل هو الله أحد» ) . فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: "أو إحداهن يا رسول الله": قال: "أو إحداهن". # وأوصى معاذا أن يقول في دبر كل صلاة: ( «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن ~~عبادتك» ) . # ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل ~~السلام، فراجعته فيه، فقال: دبر كل ms0152 شيء منه، كدبر الحيوان. ### | [فصل في السترة في الصلاة] # فصل # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى الجدار، جعل بينه وبينه ~~قدر ممر الشاة، ولم يكن يتباعد منه، بل أمر بالقرب من السترة، وكان إذا صلى ~~إلى عود أو عمود أو شجرة، جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يصمد له ~~صمدا، وكان يركز الحربة في السفر والبرية، فيصلي إليها، فتكون سترته، وكان ~~يعرض راحلته، فيصلي إليها، وكان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته، ( ~~«وأمر المصلي أن # PageV01P295 # يستتر ولو بسهم أو عصا، فإن لم يجد فليخط خطا في الأرض» ) # قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الخط عرضا مثل الهلال. وقال عبد ~~الله: الخط بالطول، وأما العصا، فتنصب نصبا، فإن لم يكن سترة، فإنه صح عنه ~~أنه يقطع صلاته، "المرأة والحمار والكلب الأسود ". # وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن ~~مغفل. ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك ~~العمل بها لمعارض هذا شأنه. «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~وعائشة رضي الله عنها نائمة في # PageV01P296 # قبلته» . وكأن ذلك ليس كالمار، فإن الرجل محرم عليه المرور بين يدي ~~المصلي، ولا يكره له أن يكون لابثا بين يديه، وهكذا المرأة يقطع مرورها ~~الصلاة دون لبثها، والله أعلم. # PageV01P297 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب # كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر دائما، وهي التي ~~قال فيها ابن عمر: ( «حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين ~~قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء ~~في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح» ) . فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدا، ~~ولما فاتته الركعتان بعد الظهر، قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما، لأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته، وقضاء السنن الرواتب في ms0153 أوقات ~~النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي، فمختص ~~به كما سيأتي تقرير ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله تعالى. # وكان يصلي أحيانا قبل الظهر أربعا كما في "صحيح البخاري" عن عائشة رضي ~~الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم: ( «كان لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين ~~قبل الغداة» ) . # فإما أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في بيته صلى أربعا، ~~وإذا صلى في المسجد، صلى ركعتين، وهذا أظهر، وإما أن يقال: كان يفعل هذا، ~~ويفعل هذا، فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن ~~في واحد منهما. # وقد يقال: إن هذه الأربع لم تكن سنة الظهر، بل هي صلاة مستقلة كان # PageV01P298 # يصليها بعد الزوال، كما ذكره الإمام أحمد عن عبد الله بن السائب، «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس، وقال: ~~(إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح) » # وفي السنن أيضا عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( «كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها» ) # وقال ابن ماجه: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع ~~قبل الظهر، صلاها بعد الركعتين بعد الظهر» ) . وفي الترمذي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أربعا ~~قبل الظهر، وبعدها ركعتين» ) . # وذكر ابن ماجه أيضا عن عائشة: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~يصلي أربعا قبل الظهر، يطيل فيهن القيام، ويحسن فيهن الركوع والسجود» ) ~~فهذه - والله أعلم - هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. # وأما سنة الظهر، فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر، يوضح ذلك أن سائر ~~الصلوات سنتها ركعتان ركعتان، والفجر مع كونها ركعتين، والناس في وقتها ~~أفرغ ما يكونون، ومع هذا سنتها ركعتان، وعلى هذا، فتكون هذه الأربع التي ~~قبل الظهر وردا ms0154 مستقلا سببه انتصاف النهار وزوال الشمس. وكان عبد الله بن ~~مسعود يصلي بعد الزوال ثمان ركعات، ويقول: إنهن يعدلن بمثلهن من قيام ~~الليل. وسر هذا- # PageV01P299 # والله أعلم- أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب السماء تفتح ~~بعد زوال الشمس، ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل، فهما وقتا قرب ~~ورحمة، هذا تفتح فيه أبواب السماء، وهذا ينزل فيه الرب تبارك وتعالى إلى ~~سماء الدنيا. وقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بني ~~له بهن بيت في الجنة» ) . وزاد النسائي والترمذي فيه: ( «أربعا قبل الظهر، ~~وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة ~~الفجر» ) . قال النسائي: ( «وركعتين قبل العصر» ) بدل ( «وركعتين بعد ~~العشاء» ) وصححه الترمذي. # وذكر ابن ماجه عن عائشة ترفعه: ( «من ثابر على ثنتي عشرة ركعة من السنة، ~~بنى الله له بيتا في الجنة: أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد ~~المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» ) . وذكر أيضا عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال: ( «ركعتين قبل الفجر، ~~وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين أظنه قال: قبل العصر، وركعتين ~~بعد المغرب أظنه قال: وركعتين بعد العشاء الآخرة» ) # وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام # PageV01P300 # بعض الرواة مدرجا في الحديث، ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرفوعا، والله أعلم. # وأما الأربع قبل العصر، فلم يصح عنه عليه السلام في فعلها شيء إلا حديث ~~عاصم بن ضمرة عن علي. . . الحديث الطويل، أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان ~~يصلي في النهار ست عشرة ركعة، يصلي إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من ~~هاهنا لصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلي قبل الظهر أربع ركعات، وبعد الظهر ~~ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات» ) . وفي لفظ: ( «كان إذا زالت الشمس من ~~هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر، صلى ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا ~~كهيئتها من هاهنا عند ms0155 الظهر، صلى أربعا، ويصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ~~ركعتين، وقبل العصر أربعا، ويفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة ~~المقربين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين» ) # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جدا، ويقول: إنه ~~موضوع. ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره. وقد روى أحمد، وأبو داود، ~~والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «رحم ~~الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» ) . وقد اختلف في هذا الحديث، فصححه ابن ~~حبان، وعلله غيره، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد ~~الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى عن أبيه عن ابن عمر، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» ) . فقال: دع ذا. ~~فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن # PageV01P301 # عمر يقول: ( «حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات في اليوم ~~والليلة» ) . فلو كان هذا لعده. قال أبي: كان يقول: "حفظت ثنتي عشرة ركعة". ~~وهذا ليس بعلة أصلا، فإن ابن عمر إنما أخبر بما حفظه من فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لم يخبر عن غير ذلك، فلا تنافي بين الحديثين البتة. # وأما الركعتان قبل المغرب، فإنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يصليهما، وصح عنه أنه أقر أصحابه عليهما، وكان يراهم يصلونهما، فلم يأمرهم ~~ولم ينههم، وفي "الصحيحين" عن عبد الله المزني، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: ( «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب» ) . قال في الثالثة ( ~~«لمن شاء كراهة أن يتخذها الناس سنة» ) . # وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين، أنهما مستحبتان مندوب إليهما، وليستا ~~بسنة راتبة كسائر السنن الرواتب. # وكان يصلي عامة السنن، والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لا سيما سنة ~~المغرب، فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد البتة. # وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: السنة أن يصلي الرجل الركعتين بعد ~~المغرب في بيته، كذا روي عن ms0156 النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال السائب ~~بن يزيد: لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب، إذا انصرفوا من المغرب، ~~انصرفوا جميعا حتى لا يبقى في المسجد أحد، كأنهم لا يصلون بعد المغرب حتى ~~يصيروا إلى # PageV01P302 # أهليهم. انتهى كلامه. # فإن صلى الركعتين في المسجد، فهل يجزئ عنه، وتقع موقعها؟ اختلف قوله، ~~فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: بلغني عن رجل سماه أنه قال: لو أن رجلا ~~صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه. فقال: ما أحسن ما قال هذا ~~الرجل، وما أجود ما انتزع. قال أبو حفص: ووجهه أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بهذه الصلاة في البيوت. # وقال المروزي: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا، قال: ما ~~أعرف هذا، قلت له: يحكى عن أبي ثور أنه قال: هو عاص. قال: لعله ذهب إلى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ( «اجعلوها في بيوتكم» ) قال أبو حفص: ووجهه أنه ~~لو صلى الفرض في البيت، وترك المسجد أجزأه، فكذلك السنة. انتهى كلامه. وليس ~~هذا وجهه عند أحمد رحمه الله، وإنما وجهه أن السنن لا يشترط لها مكان معين، ~~ولا جماعة، فيجوز فعلها في البيت والمسجد، والله أعلم. # وفي سنة المغرب سنتان، إحداهما: أنه لا يفصل بينها وبين المغرب بكلام، ~~قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني والمروزي: يستحب ألا يكون قبل ~~الركعتين بعد المغرب إلى أن يصليهما كلام. # وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمد إذا سلم من صلاة المغرب، قام ولم يتكلم، ~~ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار، قال أبو حفص: ووجهه قول مكحول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم، ~~رفعت صلاته في عليين» ) # PageV01P303 # ولأنه يتصل النفل بالفرض، انتهى كلامه. # والسنة الثانية: أن تفعل في البيت، فقد روى النسائي، وأبو داود، والترمذي ~~من حديث كعب بن عجرة، «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني عبد ~~الأشهل، فصلى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم ms0157 رآهم يسبحون بعدها. فقال: (هذه ~~صلاة البيوت) » . ورواه ابن ماجه من حديث رافع بن خديج، وقال فيها: ( ~~«اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» ) # والمقصود، أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فعل عامة السنن والتطوع في ~~بيته. كما في الصحيح عن ابن عمر: ( «حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ~~ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، ~~وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح» ) # وفي "صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( «كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يصلي في بيتي أربعا قبل الظهر، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل ~~فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي ~~بالناس العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين» ) . وكذلك المحفوظ عنه في # PageV01P304 # سنة الفجر، إنما كان يصليها في بيته كما قالت حفصة. وفي " الصحيحين" عن ~~ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان يصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته» ) ~~. وسيأتي الكلام على ذكر سنة الجمعة بعدها والصلاة قبلها، عند ذكر هديه في ~~الجمعة إن شاء الله تعالى، وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: ( «أيها ~~الناس صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» ) . وكان ~~هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل السنن، والتطوع في البيت إلا لعارض، كما ~~أن هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر، أو مرض، أو غيره مما ~~يمنعه من المسجد، وكان تعاهده ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ~~ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سفرا وحضرا، وكان في السفر يواظب على سنة ~~الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن، ولم ينقل عنه في السفر ~~أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة راتبة غيرهما، ولذلك كان ابن عمر لا يزيد ~~على ركعتين ويقول: «سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ~~وعمر رضي الله عنهما، فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين» ، وهذا وإن ~~احتمل أنهم ms0158 لم يكونوا يربعون، إلا أنهم لم يصلوا السنة، لكن قد ثبت عن ابن ~~عمر أنه سئل عن سنة الظهر في السفر، فقال: (لو كنت مسبحا لأتممت) وهذا من ~~فقهه رضي الله عنه، فإن الله سبحانه وتعالى خفف عن المسافر في الرباعية ~~شطرها، # PageV01P305 # فلو شرع له الركعتان قبلها أو بعدها، لكان الإتمام أولى به. # وقد اختلف الفقهاء: أي الصلاتين آكد سنة الفجر أو الوتر؟ على قولين: ولا ~~يمكن الترجيح باختلاف الفقهاء في وجوب الوتر، فقد اختلفوا أيضا في وجوب سنة ~~الفجر، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنة الفجر تجري مجرى بداية ~~العمل، والوتر خاتمته. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الفجر ~~والوتر بسورتي الإخلاص وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة ~~والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، انتهى. # فسورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] : متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، ~~وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة بوجه من ~~الوجوه، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال التي لا يلحقها نقص بوجه من ~~الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم الصمدية، وغناه وأحديته، ونفي ~~الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير، فتضمنت هذه السورة إثبات كل ~~كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلق ~~الشريك عنه، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين ~~صاحبه جميع فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن ~~مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر، ونهي، وإباحة. # والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن ~~خلقه. فأخلصت سورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] الخبر عنه، وعن أسمائه، ~~وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي، كما ~~خلصت سورة {قل ياأيها الكافرون} [الكافرون: 1] من الشرك العملي الإرادي ~~القصدي. ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وقائده وسائقه، والحاكم عليه ~~ومنزله منازله، كانت سورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن. # والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر، ms0159 و {قل ياأيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن، والحديث بذلك في الترمذي من رواية ابن عباس ~~رضي الله # PageV01P306 # عنهما يرفعه « {إذا زلزلت} [الزلزلة: 1] تعدل نصف القرآن و {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] تعدل ثلث القرآن، و {قل ياأيها الكافرون} [الكافرون: 1] ~~، تعدل ربع القرآن» ". رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح الإسناد. # ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس لأجل متابعتها هواها، ~~وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض، ~~وإزالته وقلعه منها أصعب، وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته، لأن هذا يزول ~~بالعلم والحجة، ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه، بخلاف ~~شرك الإرادة والقصد، فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل ~~غلبة هواه، واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه، فجاء من التأكيد ~~والتكرار في سورة {قل ياأيها الكافرون} [الكافرون: 1] المتضمنة لإزالة ~~الشرك العملي، ما لم يجئ مثله في سورة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، ~~ولما كان القرآن شطرين: شطرا في الدنيا وأحكامها، ومتعلقاتها، والأمور ~~الواقعة فيها من أفعال المكلفين وغيرها، وشطرا في الآخرة وما يقع فيها، ~~وكانت سورة {إذا زلزلت} [الزلزلة: 1] قد أخلصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، ~~فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسكانها، كانت تعدل ~~نصف القرآن، فأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا - والله أعلم - ولهذا كان ~~يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف # PageV01P307 # ولأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد، كان يفتتح بهما عمل النهار، ويختمه ~~بهما، ويقرأ بهما في الحج الذي هو شعار التوحيد. ### | [فصل في اضطجاعه صلى الله عليه وسلم بعد سنة الفجر على شقه الأيمن] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن، هذا الذي ~~ثبت عنه في "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها. وذكر الترمذي من حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إذا صلى أحدكم ~~الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنبه الأيمن» ". قال الترمذي: حديث ms0160 ~~حسن صحيح غريب. # وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل، وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا ~~الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه، وأما ابن حزم ومن ~~تابعه، فإنهم يوجبون هذه الضجعة، ويبطل ابن حزم صلاة من لم يضطجعها # PageV01P308 # بهذا الحديث، وهذا مما تفرد به عن الأمة، ورأيت مجلدا لبعض أصحابه قد نصر ~~فيه هذا المذهب. # وقد ذكر عبد الرزاق في "المصنف" عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن أبا ~~موسى ورافع بن خديج، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، (كانوا يضطجعون بعد ركعتي ~~الفجر، ويأمرون بذلك) وذكر عن معمر، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان لا ~~يفعله، ويقول: كفانا بالتسليم. # وذكر عن ابن جريج: أخبرني من أصدق أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: " ~~«إن النبي صلى الله عليه وسلم (لم يكن يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليله ~~فيستريح) » قال: وكان ابن عمر يحصبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم. # وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصديق الناجي، أن ابن عمر رأى قوما اضطجعوا ~~بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا: نريد بذلك السنة، فقال ابن ~~عمر: ارجع إليهم وأخبرهم أنها بدعة. وقال أبو مجلز: سألت ابن عمر عنها ~~فقال: يلعب بكم الشيطان. قال ابن عمر رضي الله عنه: ما بال الرجل إذا صلى ~~الركعتين يفعل كما يفعل الحمار إذا تمعك. # وقد غلا في هذه الضجعة طائفتان، وتوسط فيها طائفة ثالثة، فأوجبها جماعة ~~من أهل الظاهر، وأبطلوا الصلاة بتركها كابن حزم ومن وافقه، وكرهها جماعة من ~~الفقهاء، وسموها بدعة، وتوسط فيها مالك وغيره فلم يروا بها بأسا لمن فعلها ~~راحة، وكرهوها لمن فعلها استنانا، واستحبها طائفة على الإطلاق، سواء استراح ~~بها أم لا، واحتجوا بحديث أبي هريرة. # والذين كرهوها، منهم من احتج بآثار الصحابة كابن عمر وغيره، حيث كان يحصب ~~من فعلها، ومنهم من أنكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، وقال: الصحيح ~~أن اضطجاعه كان بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر، كما ms0161 هو مصرح به في حديث ابن ~~عباس. # قال: وأما حديث # PageV01P309 # عائشة فاختلف على ابن شهاب فيه، فقال مالك عنه: فإذا فرغ يعني من قيام ~~الليل، اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين، وهذا ~~صريح أن الضجعة قبل سنة الفجر، وقال غيره عن ابن شهاب: فإذا سكت المؤذن من ~~أذان الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم ~~اضطجع على شقه الأيمن. # قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قاله مالك، لأنه أثبتهم فيه ~~وأحفظهم. وقال الآخرون: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكا، وقال أبو بكر ~~الخطيب: روى مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: ( «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها ~~اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين» ) # وخالف مالكا، عقيل، ويونس، وشعيب، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، وغيرهم، ~~فرووا عن الزهري، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يركع الركعتين للفجر، ~~ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيخرج معه» ) فذكر مالك أن ~~اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر. وفي حديث الجماعة، أنه اضطجع بعدهما، فحكم ~~العلماء أن مالكا أخطأ وأصاب غيره، انتهى كلامه. # وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثنا أبو الصلت، عن أبي كدينة، عن # PageV01P310 # سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر» ، قال: شعبة لا يرفعه. قلت: فإن لم يضطجع، عليه ~~شيء؟ قال: لا، عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المروزي أن ~~أبا عبد الله قال: حديث أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يحدث به عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يحدث به. وقال إبراهيم بن ~~الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعله، ~~وإن فعله رجل، فحسن. انتهى. # فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن ms0162 أبي صالح صحيحا عنده، ~~لكان أقل درجاته عنده الاستحباب، وقد يقال: إن عائشة رضي الله عنها روت ~~هذا، وروت هذا، فكان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، فليس في ذلك خلاف، فإنه من ~~المباح، والله أعلم. # وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سر، وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر، ~~فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر، استثقل نوما، لأنه يكون في دعة واستراحة، ~~فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق ~~القلب، وطلبه مستقره، وميله إليه، ولهذا استحب الأطباء النوم على الجانب ~~الأيسر لكمال الراحة وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب ~~الأيمن، لئلا يثقل نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن ~~أنفع للقلب، وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل # قد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضا عليه أم لا؟ والطائفتان ~~احتجوا بقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} [الإسراء: 79] ~~[الإسراء: 79] قالوا: فهذا صريح في عدم الوجوب، قال الآخرون: أمره بالتهجد ~~في هذه السورة، كما أمره في قوله تعالى: {ياأيها المزمل - قم الليل إلا ~~قليلا} [المزمل: 1 - 2] [المزمل: 1، 2] . ولم # PageV01P311 # يجئ ما ينسخه عنه، وأما قوله تعالى: {نافلة لك} [الإسراء: 79] . فلو كان ~~المراد به التطوع، لم يخصه بكونه نافلة له، وإنما المراد بالنافلة الزيادة، ~~ومطلق الزيادة لا يدل على التطوع، قال تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة} [الأنبياء: 72] [الأنبياء: 72] ، أي: زيادة على الولد، وكذلك ~~النافلة في تهجد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في درجاته، وفي أجره، ~~ولهذا خصه بها، فإن قيام الليل في حق غيره مباح، ومكفر للسيئات، وأما النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو يعمل ~~في زيادة الدرجات وعلو المراتب، وغيره يعمل في التكفير. # قال مجاهد: إنما كان نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما ms0163 ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، فكانت طاعته نافلة، أي: زيادة في الثواب، ولغيره ~~كفارة لذنوبه، قال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا يعلى بن أبي عبيد، حدثنا ~~الحجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: ما سوى المكتوبة، ~~فهو نافلة من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب، وليست للناس نوافل، إنما هي ~~للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، والناس جميعا يعملون ما سوى المكتوبة ~~لذنوبهم في كفارتها. # حدثنا محمد بن نصر، حدثنا عبد الله، حدثنا عمرو، عن سعيد وقبيصة، عن ~~سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك} [الإسراء: 79] . قال: (لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم) # وذكر عن الضحاك، قال: نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. # وذكر سليم بن حيان، حدثنا أبو غالب، حدثنا أبو أمامة، قال: إذا وضعت ~~الطهور مواضعه، قمت مغفورا لك، فإن قمت تصلي، كانت لك فضيلة وأجرا، فقال ~~رجل: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلي تكون له نافلة؟ قال: لا، إنما ~~النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون له نافلة، وهو يسعى في الذنوب ~~والخطايا؟! تكون له # PageV01P312 # فضيلة وأجرا) # قلت: والمقصود أن النافلة في الآية، لم يرد بها ما يجوز فعله وتركه، ~~كالمستحب، والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدر مشترك ~~بين الفرض والمستحب، فلا يكون قوله: (نافلة لك) نافيا لما دل عليه الأمر من ~~الوجوب، وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله تعالى، عند ذكر خصائص ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدع قيام الليل حضرا ولا سفرا، وكان إذا غلبه ~~نوم أو وجع، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ~~يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى لفوات محله، فهو كتحية المسجد، ~~وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل ~~وترا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار، فإذا ms0164 انقضى الليل وصليت الصبح، لم ~~يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه. # وقد روى أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ( «من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا أصبح أو ذكر» ) ~~ولكن لهذا الحديث عدة علل. # أحدها: أنه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. # PageV01P313 # الثاني: أن الصحيح فيه أنه مرسل له عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال الترمذي: هذا أصح، يعني المرسل. # الثالث: أن ابن ماجه حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد: ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «أوتروا قبل أن تصبحوا» ) . ~~قال: فهذا الحديث دليل على أن حديث عبد الرحمن واه. # وكان قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة، كما ~~قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا، ففي "الصحيحين" عنها: ( «ما ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ~~ركعة» ) . # وفي "الصحيحين" عنها أيضا، ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من ~~الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن» ) . # والصحيح عن عائشة الأول: والركعتان فوق الإحدى عشرة هما ركعتا الفجر جاء ~~ذلك مبينا عنها في هذا الحديث بعينه، ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي ثلاث # PageV01P314 # عشرة ركعة بركعتي الفجر» ) ذكره مسلم في "صحيحه". وقال البخاري في هذا ~~الحديث: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ~~ثم يصلي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين» ) . وفي "الصحيحين" عن ~~القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ( «كانت صلاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي ~~الفجر، وذلك ثلاث عشرة ركعة» ) فهذا مفسر مبين. # وأما ابن عباس، فقد اختلف عليه، ففي "الصحيحين" عن أبي جمرة عنه: ( «كانت ~~صلاة رسول الله ms0165 صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل» ) . لكن قد ~~جاء عنه هذا مفسرا أنها بركعتي الفجر. # قال الشعبي: سألت عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ~~«عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالا: (ثلاث عشرة ركعة، ~~منها ثمان، ويوتر بثلاث، وركعتين قبل صلاة الفجر) » . # وفي "الصحيحين" عن كريب عنه، في قصة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث، ~~أنه صلى الله عليه وسلم ( «صلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، فلما تبين ~~له الفجر، صلى ركعتين خفيفتين» ) . وفي لفظ: ( «فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ~~ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه ~~المؤذن. فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج يصلي الصبح» ) # PageV01P315 # فقد حصل الاتفاق على إحدى عشرة ركعة. # واختلف في الركعتين الأخيرتين: هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما؟ فإذا ~~انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها، جاء ~~مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة، كان يحافظ عليها دائما سبعة ~~عشر فرضا، وعشر ركعات، أو ثنتا عشرة سنة راتبة، وإحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ~~ركعة قيامه بالليل، والمجموع أربعون ركعة، وما زاد على ذلك فعارض غير راتب، ~~كصلاة الفتح ثمان ركعات، وصلاة الضحى إذا قدم من سفر، وصلاته عند من يزوره ~~وتحية المسجد ونحو ذلك، فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما إلى ~~الممات، فما أسرع # PageV01P316 # الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة. والله ~~المستعان. ### | [فصل في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل] # فصل # في سياق صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره وذكر صلاة أول الليل # قالت عائشة رضي الله عنها: ( «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~العشاء قط فدخل علي، إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات، ثم يأوي إلى فراشه» ~~) . # وقال ابن عباس لما بات عنده: ( «صلى العشاء، ثم جاء، ثم صلى، ثم نام» ) ~~ذكرهما ms0166 أبو داود. # وكان إذا استيقظ، بدأ بالسواك، ثم يذكر الله تعالى، وقد تقدم ذكر ما كان ~~يقوله عند استيقاظه، ثم يتطهر، ثم يصلي ركعتين خفيفتين، كما في "صحيح مسلم ~~"، عن عائشة قالت: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل، ~~افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» ) . # وأمر بذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( «إذا قام أحدكم من ~~الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» ) رواه مسلم. # وكان يقوم تارة إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، وربما ~~كان يقوم إذا سمع الصارخ وهو الديك وهو إنما يصيح في النصف الثاني، وكان ~~يقطع ورده تارة، ويصله تارة وهو الأكثر، ويقطعه كما قال ابن عباس في حديث ~~مبيته عنده، ( «أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ، فتسوك، وتوضأ، وهو يقول: ~~{إن في خلق السماوات} [آل عمران: 190] # PageV01P317 # {والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190] [آل ~~عمران: 190] . فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال ~~فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث ~~مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث، ~~فأذن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي ~~لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ~~ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا، اللهم أعطني نورا» ) ~~رواه مسلم. # ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة، فإما أنه ~~كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظ ابن ~~عباس، وهو الأظهر لملازمتها له، ولمراعاتها ذلك، ولكونها أعلم الخلق بقيامه ~~بالليل، وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته، وإذا اختلف ابن عباس ~~وعائشة في شيء من أمر قيامه بالليل، فالقول ما قالت عائشة. # وكان قيامه بالليل ووتره أنواعا، فمنها هذا الذي ذكره ابن عباس. # النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة، أنه ( «كان يفتتح صلاته بركعتين ms0167 ~~خفيفتين، ثم يتمم ورده إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة» ) # النوع الثالث ثلاث عشرة ركعة كذلك. # النوع الرابع: (يصلي ثمان ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردا ~~متوالية، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن) # النوع الخامس: تسع ركعات، يسرد منهن ثمانيا لا يجلس في شيء منهن إلا في ~~الثامنة، يجلس يذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم ثم # PageV01P318 # يصلي التاسعة، ثم يقعد، ويتشهد، ويسلم، ثم يصلي ركعتين جالسا بعدما يسلم. # النوع السادس: يصلي سبعا كالتسع المذكورة، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا. # النوع السابع أنه كان يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. # فهذا رواه الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة، أنه ( «كان يوتر بثلاث لا فصل ~~فيهن» ) # وروى النسائي عنها: ( «كان لا يسلم في ركعتي الوتر» ) . وهذه الصفة فيها ~~نظر، فقد روى أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة ~~المغرب» ) . قال الدارقطني: رواته كلهم ثقات، قال مهنا: سألت أبا عبد الله: ~~إلى أي شيء تذهب في الوتر، تسلم في الركعتين؟ قال: نعم. قلت: لأي شيء؟ قال: ~~لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين. ~~الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن # PageV01P319 # النبي صلى الله عليه وسلم، ( «سلم من الركعتين» ) # وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يسلم في الركعتين. وإن لم يسلم، رجوت ~~ألا يضره، إلا أن التسليم أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو ~~طالب: سألت أبا عبد الله: إلى أي حديث تذهب في الوتر؟ قال: أذهب إليها ~~كلها: من صلى خمسا لا يجلس إلا في آخرهن، ومن صلى سبعا لا يجلس إلا في ~~آخرهن، وقد روي في حديث زرارة عن عائشة: «يوتر بتسع يجلس في الثامنة» . # قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة، فأنا أذهب إليها. قلت: ابن مسعود ~~يقول: ثلاث، قال: نعم، قد عاب ms0168 على سعد ركعة، فقال له سعد أيضا شيئا؛ يرد ~~عليه. # النوع الثامن: ما رواه النسائي، «عن حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في رمضان، فركع، فقال في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) مثل ما كان ~~قائما، ثم جلس يقول: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) مثل ما كان قائما. ثم سجد، ~~فقال: (سبحان ربي الأعلى) مثل ما كان قائما، فما صلى إلا أربع ركعات حتى ~~جاء بلال يدعوه إلى الغداة، وأوتر أول الليل، ووسطه، وآخره. وقام ليلة تامة ~~بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح وهي: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} [المائدة: ~~118] » [المائدة 118] . # PageV01P320 # وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع. # أحدها - وهو أكثرها: صلاته قائما. # الثاني: أنه كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا. # الثالث: أنه كان يقرأ قاعدا، فإذا بقي يسير من قراءته، قام فركع قائما، ~~والأنواع الثلاثة صحت عنه. # وأما صفة جلوسه في محل القيام، ففي "سنن النسائي "، عن عبد الله بن شقيق، ~~عن عائشة قالت: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا» ) قال ~~النسائي: لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي داود، يعني الحفري، وأبو ~~داود ثقة، ولا أحسب إلا أن هذا الحديث خطأ، والله أعلم. ### | [فصل في الركعتان بعد الوتر] # فصل # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا ~~تارة، وتارة يقرأ فيهما جالسا، فإذا أراد أن يركع، قام فركع» ، وفي "صحيح ~~مسلم " عن أبي سلمة قال: « (سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان يصلي # PageV01P321 # ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ~~فإذا أراد أن يركع، قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة ~~الصبح) » وفي "المسند" عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم، ( «كان ~~يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس» ) # وقال الترمذي: روي نحو هذا عن عائشة، وأبي أمامة، وغير واحد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وفي "المسند" عن أبي أمامة، ms0169 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( «كان ~~يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما ب {إذا زلزلت} [الزلزلة: 1] و ~~{قل ياأيها الكافرون} [الكافرون: 1] » ) # وروى الدارقطني نحوه من حديث أنس رضي الله عنه. # وقد أشكل هذا على كثير من الناس، فظنوه معارضا، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» ) . وأنكر مالك رحمه الله هاتين ~~الركعتين، وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك وقالت ~~طائفة: إنما فعل هاتين الركعتين، ليبين جواز الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا ~~يقطع التنفل، وحملوا قوله: ( «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» ) على ~~الاستحباب، وصلاة الركعتين بعده على الجواز. # والصواب: أن يقال: إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة، وتكميل الوتر، ~~فإن الوتر عبادة مستقلة، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده # PageV01P322 # مجرى سنة المغرب من المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميل ~~لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل، والله أعلم. ### | [فصل في قنوت الوتر] # فصل # ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ~~ماجه، عن علي بن ميمون الرقي، حدثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زبيد ~~اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( «كان يوتر فيقنت قبل الركوع» ) # وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: أختار القنوت بعد الركوع، إن كل شيء ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، إنما هو في الفجر لما رفع رأسه ~~من الركوع، وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء. وقال الخلال: أخبرني محمد بن يحيى ~~الكحال، أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر. فقال: ليس يروى فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شيء، ولكن كان عمر يقنت من السنة إلى السنة. # وقد روى أحمد وأهل "السنن" من حديث الحسن بن علي ms0170 رضي الله عنهما قال: ( ~~«علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني ~~فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، ~~وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ~~ربنا وتعاليت» ) # PageV01P323 # زاد البيهقي والنسائي: «ولا يعز من عاديت» ". # وزاد النسائي في روايته " «وصلى الله على النبي» ". # وزاد الحاكم في "المستدرك" وقال: ( «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود» ) . ورواه ابن حبان في "صحيحه" ~~ولفظه: ( «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو» ) . # قال الترمذي: وفي الباب عن علي رضي الله عنه، وهذا حديث حسن لا نعرفه إلا ~~من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي، واسمه ربيعة بن شيبان، ولا نعرف ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا. انتهى. # والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر، وابن مسعود، والرواية عنهم أصح من القنوت ~~في الفجر، والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الفجر، أصح من ~~الرواية في قنوت الوتر. والله أعلم. # وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: ( «اللهم إني ~~أعوذ # PageV01P324 # برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك» ) . وهذا يحتمل، أنه قبل فراغه منه وبعده، وفي إحدى ~~الروايات عن النسائي: كان يقول إذا فرغ من صلاته، وتبوأ مضجعه، وفي هذه ~~الرواية: ( «لا أحصي ثناء عليك ولو حرصت» ) . # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك في السجود، فلعله قاله في ~~الصلاة وبعدها. # وذكر الحاكم في "المستدرك" من «حديث ابن عباس رضي الله عنهما، في صلاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ووتره: ثم أوتر، فلما قضى صلاته، سمعته يقول: ~~(اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، ms0171 وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، ~~وعن شمالي نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، واجعل ~~لي يوم لقائك نورا) » # قال كريب: وسبع في القنوت، فلقيت رجلا من ولد العباس، فحدثني بهن، فذكر ~~"لحمي ودمي، وعصبي وشعري وبشري"، وذكر خصلتين، وفي رواية النسائي في هذا ~~الحديث، وكان يقول في سجوده. # وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: فخرج إلى الصلاة يعني صلاة الصبح، وهو ~~يقول. . . فذكر هذا الدعاء، وفي رواية له أيضا: ( «وفي لساني نورا واجعل في ~~نفسي نورا، وأعظم لي نورا» ) ، وفي رواية له: ( «واجعلني نورا» ) # PageV01P325 # وذكر أبو داود، والنسائي من حديث أبي بن كعب، قال: ( «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في الوتر، ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] و {قل ~~ياأيها الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، فإذا ~~سلم قال: سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، يمد بها صوته في الثالثة ويرفع» ) ~~وهذا لفظ النسائي. زاد الدارقطني ( «رب الملائكة والروح» ) # وكان صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته، ويقف عند كل آية فيقول: ( «الحمد ~~لله رب العالمين، ويقف، الرحمن الرحيم، ويقف: مالك يوم الدين» ) # «وذكر الزهري أن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت آية آية» ، ~~وهذا هو الأفضل، الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها، وذهب بعض ~~القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد، والوقوف عند انتهائها، واتباع هدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسنته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في "شعب الإيمان" ~~وغيره، ورجح الوقوف على رءوس الآي وإن تعلقت بما بعدها. # وكان صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام ~~بآية يرددها حتى الصباح # PageV01P326 # وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة ~~القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين. # فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أن الترتيل والتدبر ~~مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراءة مع كثرتها. # واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة فهمه وتدبره، والفقه فيه ms0172 ~~والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: (نزل ~~القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا) ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون ~~به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. # وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه ~~إقامة السهم. # قالوا: ولأن الإيمان أفضل الأعمال، وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر ~~الإيمان، وأما مجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر، فيفعلها البر والفاجر، ~~والمؤمن والمنافق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «ومثل المنافق الذي ~~يقرأ القرآن، كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مر» ) # والناس في هذا أربع طبقات: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. ~~والثانية: من عدم القرآن والإيمان. الثالثة: من أوتي قرآنا، ولم يؤت ~~إيمانا، الرابعة: من أوتي إيمانا ولم يؤت قرآنا. # قالوا: فكما أن من أوتي إيمانا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنا بلا # PageV01P327 # إيمان، فكذلك من أوتي تدبرا، وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة ~~وسرعتها بلا تدبر. # قالوا: وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يرتل السورة حتى ~~تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح. # وقال أصحاب الشافعي رحمه الله: كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من قرأ حرفا ~~من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ~~ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» ) . رواه الترمذي وصححه. # قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأ القرآن في ركعة، وذكروا آثارا عن كثير من ~~السلف في كثرة القراءة. # والصواب في المسألة أن يقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع ~~قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا، فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو ~~أعتق عبدا قيمته نفيسة جدا، والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو ~~أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة. # وفي "صحيح البخاري " عن قتادة قال: «سألت أنسا عن قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ms0173 فقال: (كان يمد مدا) » # وقال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، ~~وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: (لأن أقرأ سورة ~~واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلا ولا بد، فاقرأ ~~قراءة تسمع أذنيك، ويعيها قلبك) # PageV01P328 # وقال إبراهيم: قرأ علقمة على ابن مسعود، وكان حسن الصوت، فقال: رتل فداك ~~أبي وأمي، فإنه زين القرآن. # وقال ابن مسعود: (لا تهذوا القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا ~~عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة) # وقال عبد الله أيضا: (إذا سمعت الله يقول: {ياأيها الذين آمنوا} [البقرة: ~~104] فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تصرف عنه) . # وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلت علي امرأة وأنا أقرأ (سورة هود) ~~فقالت: يا عبد الرحمن: هكذا تقرأ سورة هود؟! والله إني فيها منذ ستة أشهر ~~وما فرغت من قراءتها. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقراءة في صلاة الليل تارة، ~~ويجهر بها تارة، ويطيل القيام تارة، ويخففه تارة، ويوتر آخر الليل - وهو ~~الأكثر - وأوله تارة، وأوسطه تارة. # وكان يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قبل أي جهة توجهت ~~به، فيركع ويسجد عليها إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وقد روى أحمد ~~وأبو داود عن أنس بن مالك، قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد أن يصلي على راحلته تطوعا، استقبل القبلة، فكبر للصلاة، ثم خلى عن ~~راحلته، ثم صلى أينما توجهت به» ) . فاختلف الرواة عن أحمد: هل يلزمه أن ~~يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ على روايتين: فإن أمكنه الاستدارة إلى القبلة في ~~صلاته كلها مثل أن يكون في محمل أو عمارية ونحوها، فهل يلزمه، أو # PageV01P329 # يجوز له أن يصلي حيث توجهت به الراحلة؟ فروى محمد بن الحكم عن أحمد فيمن ~~صلى في محمل: أنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة، لأنه يمكنه أن يدور، ~~وصاحب ms0174 الراحلة والدابة لا يمكنه. وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارة في ~~المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه. # واختلفت الرواية عنه في السجود في المحمل فروى عنه ابنه عبد الله أنه ~~قال: وإن كان محملا فقدر أن يسجد في المحمل، فيسجد. # وروى عنه الميموني، إذا صلى في المحمل أحب إلي أن يسجد، لأنه يمكنه. وروى ~~عنه الفضل بن زياد: يسجد في المحمل إذا أمكنه. وروى عنه جعفر بن محمد: ~~السجود على المرفقة إذا كان في المحمل، وربما أسند على البعير، ولكن يومئ ~~ويجعل السجود أخفض من الروع، وكذا روى عنه أبو داود. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى # روى البخاري في "صحيحه" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ( «ما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى، وإني لأسبحها» ) وروى أيضا من ~~حديث # PageV01P330 # مورق العجلي: ( «قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: ~~لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. ~~إخاله» ) # وذكر عن ابن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~«دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلى ثمان ركعات، فلم أر صلاة قط أخف ~~منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» ) # وفي "صحيح مسلم "، عن عبد الله بن شقيق قال: ( «سألت عائشة هل كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه. # قلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السور؟ قالت: من ~~المفصل» ) # وفي "صحيح مسلم " عن عائشة، قالت: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله» ) وفي "الصحيحين" عن أم هانئ، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «صلى يوم الفتح ثمان ركعات وذلك ضحى» ) . # وقال الحاكم في ms0175 "المستدرك": حدثنا الأصم، حدثنا الصغاني، حدثنا ابن # PageV01P331 # أبي مريم، حدثنا بكر بن مضر، حدثنا عمرو بن الحارث، عن بكر بن الأشج، عن ~~الضحاك بن عبد الله، «عن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلى في سفر سبحة الضحى، صلى ثمان ركعات، فلما انصرف، قال: (إني ~~صليت صلاة رغبة ورهبة، فسألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، ~~سألته ألا يقتل أمتي بالسنين ففعل، وسألته ألا يظهر عليهم عدوا، ففعل، ~~وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي) » قال الحاكم: صحيح. قلت: الضحاك بن ~~عبد الله هذا ينظر من هو وما حاله؟ # وقال الحاكم في كتاب "فضل الضحى": حدثنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن ~~يحيى، حدثنا محمد بن صالح الدولابي، حدثنا خالد بن عبد الله بن الحصين، عن ~~هلال بن يساف، عن زاذان، «عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الضحى، ثم قال: (اللهم اغفر لي، وارحمني، وتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم الغفور) حتى قالها مائة مرة» # حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أسد بن عاصم، حدثنا الحصين بن حفص، عن ~~سفيان، عن عمر بن ذر، «عن مجاهد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (صلى ~~الضحى ركعتين، وأربعا، وستا وثمانيا) # » وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عثمان بن عبد ~~الملك العمري، حدثتنا عائشة بنت سعد، «عن أم ذرة، قالت: رأيت عائشة رضي ~~الله عنها تصلي الضحى وتقول: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~إلا أربع # PageV01P332 # ركعات» . # وقال الحاكم أيضا: أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد المروزي، حدثنا أبو ~~قلابة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو ~~بن مرة، عن عمارة بن عمير، «عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الضحى» . # قال الحاكم أيضا: حدثنا إسماعيل بن محمد، حدثنا محمد بن عدي بن كامل، ~~حدثنا وهب بن ms0176 بقية الواسطي، حدثنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن قيس، «عن ~~جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم (صلى الضحى ست ركعات) » . # ثم روى الحاكم عن إسحاق بن بشير المحاملي، حدثنا عيسى بن موسى، عن جابر ~~عن عمر بن صبح، عن مقاتل بن حيان، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، «عن عائشة ~~وأم سلمة رضي الله عنهما، قالتا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعة) » وذكر حديثا طويلا. # وقال الحاكم: أخبرنا أبو أحمد بن محمد الصيرفي، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، ~~حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، # PageV01P333 # «عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، (كان يصلي الضحى) » ~~. # وبه إلى أبي الوليد. حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ~~مرة، عن عمارة بن عمير العبدي، «عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه، أنه (رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى) » . # قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وأبي ذر الغفاري، وزيد بن ~~أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، ~~وعتبان بن مالك، وأنس بن مالك، وعتبة بن عبد الله السلمي، ونعيم بن همار ~~الغطفاني، وأبي أمامة الباهلي رضي الله عنهم، ومن النساء: عائشة بنت أبي ~~بكر، وأم هانئ، وأم سلمة رضي الله عنهن، كلهم شهدوا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يصليها. # وذكر الطبراني من حديث علي، وأنس، وعائشة، وجابر، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( «كان يصلي الضحى ست ركعات» ) # فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق، منهم من رجح رواية الفعل على ~~الترك بأنها مثبتة تتضمن زيادة علم خفيت على النافي. قالوا: وقد يجوز أن ~~يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس، ويوجد عند الأقل. قالوا: # PageV01P334 # وقد أخبرت عائشة، وأنس، وجابر، وأم هانئ، وعلي بن أبي طالب، أنه صلاها. ~~قالوا: ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمنة للوصية ms0177 بها، والمحافظة عليها، ~~ومدح فاعلها، والثناء عليه، ففي "الصحيحين" «عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: (أوصاني خليلي محمد صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ~~وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) » . # وفي "صحيح مسلم " نحوه عن أبي الدرداء. # وفي "صحيح مسلم " عن أبي ذر يرفعه، قال ( «يصبح على كل سلامى من أحدكم ~~صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة ~~صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان ~~يركعهما من الضحى» ) . # وفي "مسند الإمام أحمد "، عن معاذ بن أنس الجهني، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: ( «من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي ~~الضحى لا يقول إلا خيرا، غفر الله له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» ) # وفي الترمذي، و "سنن ابن ماجه " عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من حافظ على سبحة الضحى، غفر له ذنوبه ~~وإن كانت # PageV01P335 # مثل زبد البحر» ) # وفي "المسند" والسنن، عن نعيم بن همار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ( «قال الله عز وجل: يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول ~~النهار أكفك آخره» ) ورواه الترمذي من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر. # وفي "جامع الترمذي " و "سنن ابن ماجه "، عن أنس مرفوعا ( «من صلى الضحى ~~ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة» ) . # وفي "صحيح مسلم "، «عن زيد بن أرقم أنه رأى قوما يصلون من الضحى في مسجد ~~قباء، فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) » . # وقوله: ترمض الفصال أي: يشتد حر النهار، فتجد الفصال حرارة الرمضاء. وفي ~~"الصحيح" أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «صلى الضحى في بيت عتبان بن مالك # PageV01P336 # ركعتين» ) . # وفي "مستدرك" الحاكم من حديث خالد بن عبد ms0178 الله الواسطي، عن محمد بن عمرو، ~~عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا ~~يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب» ) وقال: "هذا إسناد قد احتج بمثله مسلم بن ~~الحجاج، وأنه حدث عن شيوخه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ( «ما أذن الله لشيء ما أذن ~~لنبي يتغنى بالقرآن» ) قال: ولعل قائلا يقول: قد أرسله حماد بن سلمة، وعبد ~~العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عمرو، فيقال له: خالد بن عبد الله ~~ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة. # ثم روى الحاكم: حدثنا عبدان بن يزيد، حدثنا محمد بن المغيرة السكري، ~~حدثنا القاسم بن الحكم العرني، حدثنا سليمان بن داود اليمامي، حدثنا يحيى ~~بن أبي كثير، عن أبي سلمة، «عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "إن للجنة بابا يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد: أين الذين كانوا يداومون على صلاة الضحى، هذا بابكم، فادخلوه برحمة ~~الله» . # PageV01P337 # وقال الترمذي في "الجامع": حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا يونس بن ~~بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني موسى بن فلان، عن عمه ثمامة بن أنس بن ~~مالك، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من صلى ~~الضحى ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له قصرا من ذهب في الجنة» ) # قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكان أحمد يرى أصح ~~شيء في هذا الباب حديث أم هانئ. قلت: وموسى ابن فلان هذا، هو موسى بن عبد ~~الله بن المثنى بن أنس بن مالك. # وفي "جامعه" أيضا من حديث عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: ( «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى ~~نقول: لا يصليها» ) قال: هذا حديث حسن غريب. # وقال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا أبو اليمان، حدثنا ms0179 إسماعيل بن عياش، ~~عن يحيى بن الحارث الذماري، عن القاسم، «عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: (من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر، كان له كأجر الحاج ~~المحرم، ومن مشى إلى سبحة الضحى كان له كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة ~~لا لغو بينهما كتاب في عليين) قال أبو أمامة: (الغدو والرواح إلى هذه ~~المساجد من الجهاد في سبيل الله عز وجل) » # PageV01P338 # وقال الحاكم: حدثنا أبو العباس، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو ~~المورع محاضر بن المورع، حدثنا الأحوص بن حكيم، حدثني عبد الله بن عامر ~~الألهاني، عن منيب بن عيينة بن عبد الله السلمي، عن أبي أمامة، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ( «من صلى الصبح في مسجد جماعة، ثم ~~ثبت فيه حتى الضحى، ثم يصلي سبحة الضحى، كان له كأجر حاج أو معتمر تام له ~~حجته وعمرته» ) . # وقال ابن أبي شيبة: حدثني حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن المقبري، ~~عن الأعرج، «عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~جيشا، فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرة. فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا ~~بعثا قط أسرع كرة ولا أعظم غنيمة من هذا البعث، فقال: (ألا أخبركم بأسرع ~~كرة، وأعظم غنيمة: رجل توضأ في بيته فأحسن وضوءه، ثم عمد إلى المسجد، فصلى ~~فيه صلاة الغداة، ثم أعقب بصلاة الضحى، فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة) » . # وفي الباب أحاديث سوى هذه، لكن هذه أمثلها. قال الحاكم: صحبت جماعة من ~~أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، فوجدتهم يختارون هذا العدد، يعني أربع ركعات، ~~ويصلون هذه الصلاة أربعا، لتواتر الأخبار الصحيحة فيه # PageV01P339 # وإليه أذهب، وإليه أدعو اتباعا للأخبار المأثورة، واقتداء بمشايخ الحديث ~~فيه. # قال ابن جرير الطبري - وقد ذكر الأخبار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف ~~عددها: وليس في هذه الأحاديث حديث يدفع صاحبه، وذلك أن من حكى أنه صلى ~~الضحى أربعا جائز أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيره ms0180 في حال أخرى صلى ~~ركعتين، ورآه آخر في حال أخرى صلاها ثمانيا، وسمعه آخر يحث على أن يصلي ~~ستا، وآخر يحث على أن يصلي ركعتين، وآخر على عشر، وآخر على ثنتي عشرة، ~~فأخبر كل واحد منهم عما رأى وسمع. # قال: والدليل على صحة قولنا، ما روي عن زيد بن أسلم قال: «سمعت عبد الله ~~بن عمر يقول لأبي ذر: أوصني يا عم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما سألتني، فقال: (من صلى الضحى ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ومن صلى ~~أربعا، كتب من العابدين، ومن صلى ستا، لم يلحقه ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ~~ثمانيا، كتب من القانتين، ومن صلى عشرا بنى الله له بيتا في الجنة) » # «وقال مجاهد: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الضحى ركعتين، ثم ~~يوما أربعا، ثم يوما ستا، ثم يوما ثمانيا ثم ترك) » فأبان هذا الخبر عن صحة ~~ما قلنا من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم أن يكون إخباره لما أخبر عنه في ~~صلاة الضحى على قدر ما شاهده وعاينه. # PageV01P340 # والصواب: إذا كان الأمر كذلك: أن يصليها من أراد على ما شاء من العدد. ~~وقد روي هذا عن قوم من السلف: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن إبراهيم، سأل ~~رجل الأسود، كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت. # وطائفة ثانية، ذهبت إلى أحاديث الترك، ورجحتها من جهة صحة إسنادها، وعمل ~~الصحابة بموجبها، فروى البخاري «عن ابن عمر، أنه لم يكن يصليها، ولا أبو ~~بكر، ولا عمر. قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: لا إخاله» . وقال ~~وكيع: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، «عن أبي هريرة، قال: ~~(ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الضحى إلا يوما واحدا) » . # وقال علي بن المديني: حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا شعبة، حدثنا فضيل بن ~~فضالة، «عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: رأى أبو بكرة ناسا يصلون الضحى، ~~قال: (إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله صلى ms0181 الله عليه وسلم ولا عامة ~~أصحابه) » # وفي "الموطأ": عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، «عن عائشة قالت: (ما سبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به ~~الناس، فيفرض عليهم) » . # وقال أبو الحسن علي بن بطال: فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة، ولم يروا ~~صلاة الضحى، وقال قوم: إنها بدعة، روى الشعبي، عن قيس بن عبيد، قال كنت ~~أختلف إلى ابن مسعود السنة كلها، فما رأيته مصليا # PageV01P341 # الضحى. وروى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن (عبد الرحمن بن عوف، ~~كان لا يصلي الضحى) وعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ~~ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يصلون صلاة الضحى، ~~فسألناه عن صلاتهم، فقال بدعة، وقال مرة: ونعمت البدعة. # وقال الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: (ما ابتدع المسلمون أفضل صلاة من ~~الضحى،) وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى، فقال: الصلوات خمس. # وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غبا، فتصلى في بعض الأيام دون بعض، ~~وهذا أحد الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن جماعة، قال: واحتجوا بما روى ~~الجريري، «عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: (أكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه) » . ثم ذكر حديث أبي ~~سعيد: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى، حتى نقول: لا ~~يدعها، ويدعها، حتى نقول: لا يصليها» ) وقد تقدم. ثم قال: كذا ذكر من كان ~~يفعل ذلك من السلف. # وروى شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن عكرمة، قال: (كان ابن عباس يصليها ~~يوما، ويدعها عشرة أيام يعني صلاة الضحى) وروى شعبة، عن عبد الله بن دينار، ~~عن ابن عمر، أنه كان لا يصلي الضحى، فإذا أتى مسجد قباء صلى، وكان يأتيه كل ~~سبت. # وروى سفيان، عن منصور، قال: كانوا يكرهون ms0182 أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ~~ويصلون ويدعون # PageV01P342 # يعني صلاة الضحى. وعن سعيد بن جبير: (إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها، ~~مخافة أن أراها حتما علي) # وقال مسروق: كنا نقرأ في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم، ~~فنصلي الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم ~~الله؟! إن كنتم لا بد فاعلين، ففي بيوتكم. وكان أبو مجلز يصلي الضحى في ~~منزله. # قال هؤلاء: وهذا أولى؛ لئلا يتوهم متوهم وجوبها بالمحافظة عليها، أو ~~كونها سنة راتبة، ولهذا قالت عائشة: (لو نشر لي أبواي ما تركتها) فإنها ~~كانت تصليها في البيت حيث لا يراها الناس. # وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تفعل بسبب من الأسباب، وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إنما فعلها بسبب، قالوا: وصلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ~~ثمان ركعات ضحى، إنما كانت من أجل الفتح، وأن سنة الفتح أن تصلى عنده ثمان ~~ركعات، وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح. # وذكر الطبري في "تاريخه" عن الشعبي قال: (لما فتح خالد بن الوليد الحيرة، ~~صلى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلم فيهن، ثم انصرف) قالوا: وقول أم هانئ ~~"وذلك ضحى". تريد أن فعله لهذه الصلاة كان ضحى، لا أن الضحى اسم لتلك ~~الصلاة. # قالوا: وأما صلاته في بيت عتبان بن مالك، فإنما كانت لسبب أيضا، «فإن ~~عتبان قال له: إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فوددت ~~أنك جئت، فصليت في بيتي مكانا أتخذه مسجدا، فقال: (أفعل إن شاء الله تعالى) ~~قال: فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه بعدما اشتد ~~النهار فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين ~~تحب أن أصلي من بيتك "؟ فأشرت إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام ~~وصففنا خلفه، وصلى، ثم # PageV01P343 # سلم، وسلمنا حين سلم) » متفق عليه. # فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها، ولفظ البخاري فيها، فاختصره بعض الرواة «عن ~~عتبان، فقال: (إن رسول الله صلى الله ms0183 عليه وسلم صلى في بيتي سبحة الضحى، ~~فقاموا وراءه فصلوا) » # وأما «قول عائشة: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى إلا أن ~~يقدم من مغيبه» ، فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب، فإنه ~~صلى الله عليه وسلم ( «كان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين» ~~) # فهذا كان هديه، وعائشة أخبرت بهذا وهذا، وهي القائلة: ( «ما صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة الضحى قط» ) # PageV01P344 # فالذي أثبتته فعلها بسبب، كقدومه من سفر، وفتحه، وزيارته لقوم ونحوه، ~~وكذلك إتيانه مسجد قباء للصلاة فيه، وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب، حدثنا ~~محمد بن أبي بكر، حدثنا سلمة بن رجاء، حدثتنا الشعثاء، قالت: رأيت ابن أبي ~~أوفى صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبي جهل. فهذا إن صح فهي صلاة شكر وقعت ~~وقت الضحى، كشكر الفتح. # والذي نفته، هو ما كان يفعله الناس، يصلونها لغير سبب، وهي لم تقل: إن ~~ذلك مكروه، ولا مخالف لسنته، ولكن لم يكن من هديه فعلها لغير سبب. # وقد أوصى بها وندب إليها، وحض عليها، وكان يستغني عنها بقيام الليل، فإن ~~فيه غنية عنها، وهي كالبدل منه، قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار ~~خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62] [الفرقان: 62] قال ابن ~~عباس، والحسن، وقتادة: (عوضا وخلفا يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمل ~~في أحدهما، قضاه في الآخر) # قال قتادة (فأدوا لله من أعمالكم خيرا في هذا الليل والنهار، فإنهما ~~مطيتان يقحمان الناس إلى آجالهم، ويقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ~~ويجيئان بكل موعود إلى يوم القيامة) . # وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاة ~~الليلة، فقال: (أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله عز وجل جعل الليل ~~والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) . # قالوا: وفعل الصحابة رضي الله عنهم يدل على هذا، فإن ابن عباس كان يصليها ~~يوما، ويدعها عشرة، وكان ابن عمر ms0184 لا يصليها، فإذا أتى مسجد قباء، صلاها، ~~وكان يأتيه كل سبت. # وقال سفيان، عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون ~~ويدعون، قالوا: ومن هذا الحديث الصحيح «عن أنس، أن رجلا من الأنصار كان ~~ضخما، فقال # PageV01P345 # للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أستطيع أن أصلي معك، فصنع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم طعاما، ودعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ~~ركعتين. قال أنس: (ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم) » رواه البخاري. # ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، وجدها لا تدل إلا على هذا ~~القول، وأما أحاديث الترغيب فيها، والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي ~~هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى أبا هريرة ~~بذلك، لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، ~~فأمره بالضحى بدلا من قيام الليل، ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر، ولم يأمر ~~بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة. # وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها منقطع، وبعضها موضوع لا يحل ~~الاحتجاج به، كحديث يروى عن أنس مرفوعا ( «من داوم على صلاة الضحى ولم ~~يقطعها إلا عن علة، كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور» ) وضعه ~~زكريا بن دويد الكندي، عن حميد. # وأما حديث يعلى بن أشدق، عن عبد الله بن جراد، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ( «من صلى منكم صلاة الضحى، فليصلها متعبدا، فإن الرجل ليصليها السنة ~~من الدهر ثم ينساها ويدعها، فتحن إليه كما تحن الناقة إلى ولدها إذا فقدته» ~~) . فيا عجبا للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله، فإنه يروي هذا الحديث في كتاب # PageV01P346 # أفرده للضحى، وهذه نسخة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني ~~نسخة يعلى بن الأشدق. # وقال ابن عدي: روى يعلى بن الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين، وبلغني عن ~~أبي مسهر، قال: قلت ليعلى ms0185 بن الأشدق: ما سمع عمك من حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقال: جامع سفيان، وموطأ مالك، وشيئا من الفوائد. # وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كبر، اجتمع عليه ~~من لا دين له، فوضعوا له شبها بمائتي حديث، فجعل يحدث بها وهو لا يدري، وهو ~~الذي قال له بعض مشايخ أصحابنا: أي شيء سمعته من عبد الله بن جراد؟ فقال: ~~هذه النسخة، وجامع سفيان - لا تحل الرواية عنه بحال. # وكذلك حديث عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان، حديث عائشة المتقدم: ( «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة» ) وهو حديث طويل ~~ذكره الحاكم في "صلاة الضحى" وهو حديث موضوع، المتهم به عمر بن صبح، قال ~~البخاري: حدثني يحيى، عن علي بن جرير، قال: سمعت عمر بن صبح يقول: أنا وضعت ~~خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عدي: منكر الحديث. # وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة ~~التعجب منه، وقال الدارقطني: متروك، وقال الأزدي: كذاب. # وكذلك حديث عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن فرافصة، عن مكحول، ~~عن أبي هريرة مرفوعا ( «من حافظ على سبحة الضحى، غفرت ذنوبه، وإن كانت بعدد ~~الجراد، وأكثر من زبد البحر» ) ذكره الحاكم أيضا. وعبد العزيز هذا، قال ابن ~~نمير: هو كذاب، وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب خبيث يضع الحديث، وقال البخاري، ~~والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. # PageV01P347 # وكذلك حديث النهاس بن قهم، عن شداد، عن أبي هريرة يرفعه ( «من حافظ على ~~شفعة الضحى، غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر» ) والنهاس، قال يحيى: ~~ليس بشيء ضعيف كان يروي عن عطاء، عن ابن عباس أشياء منكرة، وقال النسائي: ~~ضعيف، وقال ابن عدي: لا يساوي شيئا، وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن ~~المشاهير، ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، وقال الدارقطني: مضطرب ~~الحديث، تركه يحيى القطان. # وأما حديث حميد بن صخر، عن المقبري، عن ms0186 أبي هريرة: بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعثا الحديث، وقد تقدم. فحميد هذا ضعفه النسائي، ويحيى بن ~~معين، ووثقه آخرون، وأنكر عليه بعض حديثه، وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد. ~~والله أعلم. # وأما حديث محمد بن إسحاق، عن موسى، عن عبد الله بن المثنى، عن أنس، عن ~~عمه ثمامة، عن أنس يرفعه ( «من صلى الضحى، بنى الله له قصرا في الجنة من ~~ذهب» ) ، فمن الأحاديث الغرائب، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا ~~الوجه. # وأما حديث نعيم بن همار: ( «ابن آدم لا تعجز لي عن أربع ركعات في أول ~~النهار، أكفك آخره» ) ، وكذلك حديث أبي الدرداء، وأبي ذر، فسمعت شيخ ~~الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الأربع عندي هي الفجر وسنتها. ### | [فصل في سجود الشكر] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة ~~تسر، أو # PageV01P348 # اندفاع نقمة، كما في "المسند" عن أبي بكرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~( «كان إذا أتاه أمر يسره، خر لله ساجدا شكرا لله تعالى» ) . # وذكر ابن ماجه، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «بشر بحاجة، فخر ~~لله ساجدا» ) # وذكر البيهقي بإسناد على شرط البخاري، «أن عليا رضي الله عنه، لما كتب ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان، خر ساجدا ثم رفع رأسه، فقال: ~~(السلام على همدان، السلام على همدان) » وصدر الحديث في صحيح البخاري وهذا ~~تمامه بإسناده عند البيهقي. # وفي "المسند" من حديث عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ( «سجد شكرا لما جاءته البشرى من ربه، أنه من صلى عليك، صليت عليه، ~~ومن سلم # PageV01P349 # عليك سلمت عليه» ) # وفي سنن أبي داود من حديث سعد بن أبي وقاص، «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رفع يديه فسأل الله ساعة، ثم خر ساجدا ثلاث مرات، ثم قال: (إني سألت ~~ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي، ~~فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ms0187 الثلث الثاني، فخررت ساجدا شكرا لربي، ثم رفعت ~~رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربي) » # وسجد كعب بن مالك لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه، ذكره البخاري. # وذكر أحمد عن علي رضي الله عنه، أنه (سجد حين وجد ذا الثدية في قتلى # PageV01P350 # الخوارج) . # وذكر سعيد بن منصور (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سجد حين جاءه قتل ~~مسيلمة) . ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود القرآن] # كان صلى الله عليه وسلم، إذا مر بسجدة كبر وسجد، وربما قال في سجوده " ~~«سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته» ". # وربما قال: " «اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي ~~عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود» " ذكرهما أهل السنن. # ولم يذكر عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولذلك لم يذكره # PageV01P351 # الخرقي ومتقدمو الأصحاب، ولا نقل فيه عنه تشهد ولا سلام البتة. وأنكر ~~أحمد والشافعي السلام فيه، فالمنصوص عن الشافعي: إنه لا تشهد فيه ولا تسليم ~~, وقال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي ~~غيره. # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد في (الم تنزيل) ، وفي (ص) ، وفي ~~(النجم) وفي {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] ، وفي {اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق} [العلق: 1] . # وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«أقرأه خمس عشرة سجدة، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان» ) . # وأما حديث أبي الدرداء: «سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ~~سجدة، ليس فيها من المفصل شيء: (الأعراف) ، و (الرعد) ، و (النحل) ، و (بني ~~إسرائيل) ، و (مريم) ، و (الحج) ، و (سجدة الفرقان) ، و (النمل) ، و ~~(السجدة) ، و (ص) ، و (سجدة الحواميم) » ، فقال أبو داود: روى أبو الدرداء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة، وإسناده واه. # وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله ms0188 عليه وسلم «لم ~~يسجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة» . رواه أبو داود، فهو حديث ضعيف، في ~~إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، لا يحتج بحديثه. قال الإمام أحمد: أبو ~~قدامة مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال النسائي: صدوق عنده # PageV01P352 # مناكير، وقال أبو حاتم البستي: كان شيخا صالحا ممن كثر وهمه. وعلله ابن ~~القطان بمطر الوراق، وقال: كان يشبهه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى، وعيب على مسلم إخراج حديثه. انتهى كلامه. # ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما ~~يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا ~~المقام من استدرك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف جميع حديث سيئ ~~الحفظ، فالأولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة أبي محمد ابن حزم ~~وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن، والله المستعان. # وقد صح عن أبي هريرة أنه «سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في {اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق} [العلق: 1] ، وفي {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] » ، وهو ~~إنما أسلم بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بست سنين أو سبع، فلو ~~تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة، لتعين تقديم حديث أبي هريرة، ~~لأنه مثبت معه زيادة علم خفيت على ابن عباس، فكيف وحديث أبي هريرة في غاية ~~الصحة متفق على صحته، وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه. والله أعلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها # ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «نحن ~~الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم ~~هذا يومهم الذي # PageV01P353 # فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع، ~~اليهود غدا والنصارى بعد غد» ) . # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، وحذيفة ms0189 رضي الله عنهما قالا: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ( «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود ~~يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، ~~فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من ~~أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» ) . # وفي " المسند " والسنن من حديث أوس بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~( «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، ~~وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا: ~~يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (يعني: قد بليت) قال: " إن ~~الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» ) . ورواه الحاكم في " ~~المستدرك " وابن حبان في " صحيحه ". # PageV01P354 # وفي " جامع الترمذي " من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل ~~الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» ) . قال: حديث ~~حسن صحيح، وصححه الحاكم. # وفي " المستدرك " أيضا عن أبي هريرة مرفوعا ( «سيد الأيام يوم الجمعة، ~~فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم ~~الجمعة» ) . # وروى مالك في " الموطأ " عن أبي هريرة مرفوعا ( «خير يوم طلعت عليه الشمس ~~يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم ~~الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس ~~شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ~~يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في ~~كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ~~أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، قال: قد علمت ~~أية ساعة هي، قلت فأخبرني بها، ms0190 قال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت كيف ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي) ~~وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " من جلس مجلسا ينتظر الصلاة، فهو في # PageV01P355 # صلاة حتى يصلي "؟» . # وفي " صحيح ابن حبان " مرفوعا ( «لا تطلع الشمس على يوم خير من يوم ~~الجمعة» ) . # وفي " مسند الشافعي " من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ( «أتى ~~جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرآة بيضاء، فيها نكتة، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذه؟ فقال: " هذه يوم الجمعة، فضلت بها ~~أنت وأمتك، والناس لكم فيها تبع، اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ~~ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم ~~المزيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل! ما يوم المزيد؟ قال إن ~~ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل ~~الله سبحانه ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، ~~وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء ~~والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب "، فيقول الله عز وجل " أنا ~~ربكم قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول قد ~~رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه # PageV01P356 # ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربك تبارك وتعالى على العرش، ~~وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة» ) . # رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة، قال: حدثني أبو ~~الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد، عن عمير بن أنس. # ثم قال: وأخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس ~~شبيها به. # وكان الشافعي حسن الرأي في شيخه إبراهيم هذا، لكن قال فيه الإمام أحمد ~~رحمه الله: معتزلي جهمي قدري ms0191 كل بلاء فيه. # ورواه أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا صفوان: قال: قال أنس: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل فذكره " ورواه محمد بن شعيب، عن عمر ~~مولى غفرة، عن أنس. ورواه أبو ظبية، عن عثمان بن عمير، عن أنس. وجمع أبو ~~بكر بن أبي داود طرقه. # وفي " مسند أحمد " من حديث علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة قال: «قيل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: (لأن فيه طبعت ~~طينة أبيك آدم، وفيه الصعقة، والبعثة، وفيه البطشة، وفي آخره ثلاث ساعات ~~منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له) » . # PageV01P357 # وقال الحسن بن سفيان النسوي في " مسنده ": حدثنا أبو مروان هشام بن خالد ~~الأزرق: حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، ~~حدثني أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «أتاني ~~جبريل وفي يده كهيئة المرآة البيضاء، فيها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه يا ~~جبريل؟ فقال: هذه الجمعة بعثت بها إليك تكون عيدا لك ولأمتك من بعدك. فقلت: ~~وما لنا فيها يا جبريل؟ قال: لكم فيها خير كثير، أنتم الآخرون السابقون يوم ~~القيامة، وفيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه. ~~قلت فما هذه النكتة السوداء يا جبريل؟ قال: هذه الساعة تكون في يوم الجمعة ~~وهو سيد الأيام، ونحن نسميه عندنا يوم المزيد. قلت: وما يوم المزيد يا ~~جبريل؟ قال: ذلك بأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان ~~يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الرب عز وجل من عرشه إلى كرسيه، ويحف الكرسي ~~بمنابر من النور فيجلس عليها النبيون، وتحف المنابر بكراسي من ذهب، فيجلس ~~عليها الصديقون والشهداء، ويهبط أهل الغرف من غرفهم، فيجلسون على كثبان ~~المسك لا يرون لأهل المنابر والكراسي فضلا في المجلس، ثم يتبدى لهم ذو ~~الجلال والإكرام تبارك وتعالى، فيقول: سلوني، فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضى ~~يا رب، فيشهد لهم على الرضى، ms0192 ثم يقول: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي نهمة كل ~~عبد منهم، قال: ثم يسعى عليهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر، ثم يرتفع الجبار من كرسيه إلى عرشه، ويرتفع أهل الغرف إلى غرفهم، ~~وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زمردة خضراء، ليس فيها فصم ولا ~~وصم منورة، فيها أنهارها، أو قال مطردة متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها ~~وخدمها ومساكنها قال: فأهل الجنة # PageV01P358 # يتباشرون في الجنة بيوم الجمعة، كما يتباشر أهل الدنيا في الدنيا بالمطر» ~~) . # وقال ابن أبي الدنيا في كتاب " صفة الجنة ": حدثني أزهر بن مروان ~~الرقاشي، حدثني عبد الله بن عرادة الشيباني، حدثنا القاسم بن مطيب، عن ~~الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«أتاني جبريل وفي كفه مرآة كأحسن المرائي وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة ~~سوداء، فقلت: ما هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال هذه الجمعة، قلت: وما ~~الجمعة؟ قال يوم من أيام ربك عظيم، وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا، وما ~~يرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة، فأما شرفه وفضله في الدنيا، فإن ~~الله عز وجل جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يرجى فيه لأهله، فإن فيه ساعة لا ~~يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاهما ~~إياه، وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه، فإن الله تبارك وتعالى إذا صير أهل ~~الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جرت عليهم هذه الأيام وهذه الليالي، ~~ليس فيها ليل ولا نهار إلا قد علم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان ~~يوم الجمعة حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم، نادى أهل الجنة مناد، يا أهل ~~الجنة! اخرجوا إلى وادي المزيد، ووادي المزيد لا يعلم سعة طوله وعرضه إلا ~~الله، فيه كثبان المسك رؤوسها في السماء قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر ~~من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم، وأخذ القوم ~~مجالسهم، بعث الله عليهم ريحا ms0193 تدعى المثيرة، تثير ذلك المسك، وتدخله من تحت ~~ثيابهم، وتخرجه في وجوههم وأشعارهم، تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من ~~امرأة أحدكم، لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض. قال: ثم يوحي الله تبارك ~~وتعالى إلى حملة عرشه: ضعوه بين أظهرهم، فيكون أول ما يسمعونه منه: # PageV01P359 # إلي يا عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدقوا رسلي، واتبعوا ~~أمري، سلوني فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: رضينا عنك فارض ~~عنا، فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم داري ~~فسلوني فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: يا ربنا وجهك ننظر إليه، ~~فيكشف تلك الحجب، فيتجلى لهم عز وجل فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى ألا ~~يحترقوا لاحترقوا لما يغشاهم من نوره، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، ~~فيرجعون إلى منازلهم وقد أعطى كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، ~~فيرجعون إلى أزواجهم وقد خفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره، فإذا ~~رجعوا تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فتقول لهم ~~أزواجهم لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها فيقولون: ذلك لأن ~~الله عز وجل تجلى لنا فنظرنا منه , قال وإنه والله ما أحاط به خلق، ولكنه ~~قد أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم، قال: فذلك قولهم فنظرنا منه، ~~قال: فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا ~~فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] » ) [السجدة: ~~17] . # ورواه أبو نعيم في " صفة الجنة " من حديث عصمة بن محمد، حدثنا موسى بن ~~عقبة، عن أبي صالح عن أنس شبيها به. # PageV01P360 # وذكر أبو نعيم في " صفة الجنة " من حديث المسعودي عن المنهال، عن أبي ~~عبيدة، عن عبد الله قال: (سارعوا إلى الجمعة في الدنيا، فإن الله تبارك ~~وتعالى يبرز لأهل الجنة ms0194 في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض فيكونون منه ~~سبحانه بالقرب على قدر سرعتهم إلى الجمعة، ويحدث لهم من الكرامة شيئا لم ~~يكونوا رأوه قبل ذلك، فيرجعون إلى أهليهم وقد أحدث لهم) . ### | [فصل في مبدأ الجمعة] # فصل # في مبدأ الجمعة. # قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: ~~حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال كنت قائد أبي حين كف بصره، فإذا خرجت ~~به إلى الجمعة فسمع الأذان بها استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فمكث حينا ~~على ذلك فقلت: إن هذا لعجز ألا أسأله عن هذا، فخرجت به كما كنت أخرج، فلما ~~سمع الأذان للجمعة، استغفر له، فقلت: يا أبتاه! أرأيت استغفارك لأسعد بن ~~زرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة؟ قال: أي بني! كان أسعد أول من جمع بنا ~~بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزم النبيت من حرة بني ~~بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال أربعون ~~رجلا. # PageV01P361 # قال البيهقي: ومحمد بن إسحاق إذا ذكر سماعه من الراوي، وكان الراوي ثقة، ~~استقام الإسناد، وهذا حديث حسن صحيح الإسناد انتهى. # قلت: وهذا كان مبدأ الجمعة. ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة، فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف، كما قاله ابن إسحاق يوم الاثنين، ~~ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة ~~فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ~~وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده. # قال ابن إسحاق: كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~بلغني «عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما ~~هو أهله، ثم قال: (أما بعد أيها الناس، فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليصعقن ~~أحدكم ثم ms0195 ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا ~~حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا وأفضلت عليك، فما قدمت ~~لنفسك فلينظرن يمينا وشمالا، فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير ~~جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد ~~فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته) » . # PageV01P362 # قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال: ( ~~«إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ~~من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه ~~وأدخله في الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه ~~أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا ~~تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ~~ويصطفي، قد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد والصالح من ~~الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا، واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا ~~بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته» ) . # وقد تقدم طرف من خطبته عليه السلام عند ذكر هديه في الخطب. ### | [فصل في خواص يوم الجمعة وهي ثلاث وثلاثون] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه ~~بعبادات يختص بها عن غيره. وقد اختلف العلماء: هل هو أفضل، أم يوم عرفة؟ ~~على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي. # وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي (الم تنزيل) و (هل أتى على ~~الإنسان) . # PageV01P363 # ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص ms0196 هذه الصلاة بسجدة زائدة، ~~ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة ~~أخرى فيها سجدة، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة ~~في فجر الجمعة، دفعا لتوهم الجاهلين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ~~إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة؛ ~~لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ~~ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا ~~اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعا ليست مقصودة حتى ~~يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت. فهذه خاصة من خواص يوم الجمعة. # الخاصة الثانية استحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~وفي ليلته، لقوله صلى الله عليه وسلم ( «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة ~~وليلة الجمعة» ) . # ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، ~~فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي أن كل خير ~~نالته أمته في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته به ~~بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم، فإنما تحصل يوم الجمعة، ~~فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا ~~الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم ~~وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، ~~فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة ~~عليه في هذا اليوم وليلته. # الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام ومن أعظم # PageV01P364 # مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة، ~~ومن تركها تهاونا بها طبع الله على قلبه، وقرب أهل الجنة يوم القيامة ~~وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم. # الخاصة الرابعة الأمر بالاغتسال في يومها، ms0197 وهو أمر مؤكد جدا، ووجوبه أقوى ~~من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ~~ووجوب الوضوء من مس الذكر، ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوب ~~الوضوء من الرعاف، والحجامة والقيء، ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم. # وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي والإثبات والتفصيل بين من به رائحة ~~يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب ~~أحمد. # الخاصة الخامسة: التطيب فيه، وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام ~~الأسبوع. # الخاصة السادسة: السواك فيه، وله مزية على السواك في غيره. # الخاصة السابعة: التبكير للصلاة. # الخاصة الثامنة: أن يشتغل بالصلاة والذكر والقراءة حتى يخرج الإمام. # الخاصة التاسعة: الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين، فإن ~~تركه كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له، وفي " المسند " مرفوعا ( «والذي يقول ~~لصاحبه: أنصت، فلا جمعة له» ) # PageV01P365 # الخاصة العاشرة: قراءة سورة الكهف في يومها، فقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى ~~عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين» ) . # وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري وهو أشبه. # الحادية عشرة: إنه لا يكره فعل الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي رحمه ~~الله ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، ولم يكن اعتماده ~~على حديث ليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، «أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» . وقال: ( «إن جهنم تسجر ~~إلا يوم # PageV01P366 # الجمعة» ) - وإنما كان اعتماده على أن من جاء إلى الجمعة يستحب له أن ~~يصلي حتى يخرج الإمام، وفي الحديث الصحيح ( «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ~~ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا ~~يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت ms0198 إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما ~~بينه وبين الجمعة الأخرى» ) رواه البخاري، فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم ~~يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام، ولهذا قال غير واحد من السلف، منهم عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه، وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع ~~الصلاة وخطبته تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف ~~النهار. # وأيضا فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف، ولا يشعرون بوقت الزوال، ~~والرجل يكون متشاغلا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج، ~~ويتخطى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يشرع له ذلك. # وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود: هو مرسل لأن أبا الخليل لم يسمع من ~~أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان ~~مرسله معروفا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ~~ذلك مما يقتضي قوته عمل به. # وأيضا فقد عضده شواهد أخر منها ما ذكره الشافعي في كتابه فقال: روي عن ~~إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة» ) # PageV01P367 # هكذا رواه رحمه الله في كتاب " اختلاف الحديث " ورواه في " كتاب الجمعة ~~": حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق، ورواه أبو خالد الأحمر عن شيخ من أهل ~~المدينة يقال له: عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقد رواه البيهقي في " المعرفة " من حديث عطاء بن عجلان عن ~~أبي نضرة، عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: «كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» . ولكن إسناده فيه من لا يحتج ~~به، قاله البيهقي قال: ولكن إذا انضمت هذه الأحاديث إلى حديث أبي قتادة ~~أحدثت بعض القوة. # قال الشافعي: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام، ~~قال البيهقي: الذي أشار ms0199 إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رغب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج ~~الإمام من غير استثناء، وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاة ~~نصف النهار يوم الجمعة، وروينا الرخصة في ذلك عن عطاء وطاووس والحسن ~~ومكحول. # قلت: اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال أحدها: أنه ~~ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك. # الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة، ~~والمشهور من مذهب أحمد. # والثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة، فليس بوقت كراهة، وهذا مذهب ~~الشافعي. # الثانية عشرة: قراءة (سورة الجمعة) و (المنافقين) أو (سبح والغاشية) في ~~صلاة الجمعة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن في الجمعة، ~~ذكره مسلم في " صحيحه ". # PageV01P368 # وفيه أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيها ب (الجمعة) و {هل أتاك ~~حديث الغاشية} [الغاشية: 1] ثبت عنه ذلك كله. # ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنه ~~خلاف السنة، وجهال الأئمة يداومون على ذلك. # الثالثة عشرة: أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع، وقد روى أبو عبد الله بن ~~ماجه في " سننه " من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( «إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم ~~عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، ~~وأهبط فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله ~~العبد فيها شيئا إلا أعطاه، ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك ~~مقرب، ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم ~~الجمعة» ) . # الرابعة عشرة: أنه يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها، فقد ~~روى الإمام أحمد في " مسنده " من حديث أبي أيوب قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0200 يقول: ( «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس ~~من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم يركع إن بدا له، ~~ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينهما» ) . # PageV01P369 # وفي " سنن أبي داود " عن عبد الله بن سلام، «أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ~~ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) » . # وفي " سنن ابن ماجه " عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال: ( «ما على أحدكم ~~إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته» ) . # الخامسة عشرة: أنه يستحب فيه تجمير المسجد، فقد ذكر سعيد بن منصور، عن ~~نعيم بن عبد الله المجمر، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن يجمر مسجد ~~المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار. # قلت: ولذلك سمي نعيم المجمر. # السادسة عشرة: أنه لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها ~~بعد دخول وقتها، وأما قبله فللعلماء ثلاثة أقوال وهي روايات منصوصات عن ~~أحمد، أحدها: لا يجوز، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز للجهاد خاصة. # وأما مذهب الشافعي رحمه الله، فيحرم عنده إنشاء السفر يوم الجمعة بعد ~~الزوال، ولهم في سفر الطاعة وجهان: أحدهما: تحريمه، وهو اختيار النووي، ~~والثاني: جوازه وهو اختيار الرافعي. # PageV01P370 # وأما السفر قبل الزوال، فللشافعي فيه قولان: القديم: جوازه، والجديد أنه ~~كالسفر بعد زوال. # وأما مذهب مالك، فقال صاحب " التفريع ": ولا يسافر أحد يوم الجمعة بعد ~~الزوال حتى يصلي الجمعة، ولا بأس أن يسافر قبل الزوال، والاختيار: أن لا ~~يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى يصلي الجمعة. # وذهب أبو حنيفة إلى جواز السفر مطلقا، وقد روى الدارقطني في " الإفراد " ~~من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ~~«من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة ms0201 ألا يصحب في سفره» ) ~~. وهو من حديث ابن لهيعة. # وفي " مسند الإمام أحمد " من حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: ( «بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم ~~الجمعة، قال: فغدا أصحابه، وقال أتخلف وأصلي مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ألحقهم، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن ~~تغدو مع أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: " لو أنفقت ما في ~~الأرض ما أدركت فضل غدوتهم» ) . # وأعل هذا الحديث بأن الحكم لم يسمع من مقسم. # PageV01P371 # هذا إذا لم يخف المسافر فوت رفقته، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه بعدهم جاز ~~له السفر مطلقا، لأن هذا عذر يسقط الجمعة والجماعة. # ولعل ما روي عن الأوزاعي - أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج ~~دابته، فقال ليمض على سفره - محمول على هذا، وكذلك قول ابن عمر رضي الله ~~عنه: الجمعة لا تحبس عن السفر. # وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقا فهي مسألة نزاع. والدليل: هو الفاصل على ~~أن عبد الرزاق قد روى في " مصنفه " عن معمر عن خالد الحذاء عن ابن سيرين أو ~~غيره (أن عمر بن الخطاب رأى رجلا عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ~~ما شأنك؟ قال: أردت سفرا فكرهت أن أخرج حتى أصلي، فقال عمر: إن الجمعة لا ~~تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها) فهذا قول من يمنع السفر بعد الزوال ولا يمنع ~~منه قبله. # وذكره عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: (أبصر ~~عمر بن الخطاب رجلا عليه هيئة السفر، وقال الرجل: إن اليوم يوم جمعة ولولا ~~ذلك لخرجت، فقال عمر: إن الجمعة لا تحبس مسافرا فاخرج ما لم يحن الرواح) . # وذكر أيضا عن الثوري عن ابن أبي ذئب عن صالح بن كثير عن الزهري قال: ( ~~«خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافرا يوم الجمعة ضحى قبل الصلاة» ) . # وذكر عن ms0202 معمر قال: سألت يحيى بن أبي كثير: هل يخرج الرجل يوم الجمعة؟ ~~فكرهه، فجعلت أحدثه بالرخصة فيه، فقال لي: قلما يخرج رجل في # PageV01P372 # يوم الجمعة إلا رأى ما يكرهه، لو نظرت في ذلك وجدته كذلك. # وذكر ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن أبي عطية قال: إذا سافر الرجل ~~يوم الجمعة دعا عليه النهار أن لا يعان على حاجته، ولا يصاحب في سفره. # وذكر الأوزاعي عن ابن المسيب، أنه قال: السفر يوم الجمعة بعد الصلاة. قال ~~ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه كان يقال: إذا أمسى في قرية جامعة من ليلة ~~الجمعة، فلا يذهب حتى يجمع؟ قال إن ذلك ليكره. # قلت: فمن يوم الخميس؟ قال لا، ذلك النهار فلا يضره. # السابعة عشرة: أن للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها، ~~قال عبد الرزاق: عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث ~~الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من غسل ~~واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ودنا من الإمام فأنصت، كان له بكل خطوة ~~يخطوها صيام سنة وقيامها وذلك على الله يسير» ) . ورواه الإمام أحمد في " ~~مسنده ". # وقال الإمام أحمد: غسل، بالتشديد: جامع أهله، وكذلك فسره وكيع. # الثامنة عشرة: أنه يوم تكفير السيئات، فقد روى الإمام أحمد في # PageV01P373 # " مسنده " «عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدري ~~ما يوم الجمعة؟ " قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم قال: " ولكني ~~أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى ~~يقضي الإمام صلاته، إلا كانت كفارة لما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت ~~المقتلة» . # وفي " المسند " أيضا من حديث عطاء الخراساني، عن نبيشة الهذلي، أنه كان ~~يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ~~ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدا، فإن لم يجد الإمام خرج، صلى ما بدا له، ~~وإن وجد الإمام ms0203 قد خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه إن ~~لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها، أن تكون كفارة للجمعة التي تليها» . # وفي " صحيح البخاري " عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس ~~من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا ~~تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» ". # وفي " مسند أحمد " من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة ثم لبس ثيابه، ومس طيبا إن كان عنده، ثم ~~مشى # PageV01P374 # إلى الجمعة وعليه السكينة ولم يتخط أحدا ولم يؤذه وركع ما قضي له، ثم ~~انتظر حتى ينصرف الإمام غفر له ما بين الجمعتين» ". # التاسعة عشرة: أن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة. وقد تقدم حديث أبي ~~قتادة في ذلك، وسر ذلك - والله أعلم - أنه أفضل الأيام عند الله، ويقع فيه ~~من الطاعات والعبادات والدعوات والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى ما يمنع ~~من تسجير جهنم فيه. ولذلك تكون معاصي أهل الإيمان فيه أقل من معاصيهم في ~~غيره، حتى إن أهل الفجور ليمتنعون فيه مما لا يمتنعون منه في يوم السبت ~~وغيره. # وهذا الحديث الظاهر منه أن المراد سجر جهنم في الدنيا، وأنها توقد كل يوم ~~إلا يوم الجمعة، وأما يوم القيامة فإنه لا يفتر عذابها، ولا يخفف عن أهلها ~~الذين هم أهلها يوما من الأيام، ولذلك يدعون الخزنة أن يدعوا ربهم ليخفف ~~عنهم يوما من العذاب، فلا يجيبونهم إلى ذلك. # العشرون: أن فيه ساعة الإجابة، وهي الساعة التي لا يسأل الله عبد مسلم ~~فيها شيئا إلا أعطاه، ففي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها ~~عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، ms0204 وقال: بيده يقللها» ~~". # PageV01P375 # وفي المسند من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من ~~يوم الفطر، ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال، خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه ~~آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله عز وجل آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد ~~فيها شيئا إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ~~ملك مقرب ولا أرض ولا رياح ولا بحر ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم ~~الجمعة» . ### | [فصل في بيان اختلاف الناس في ساعة الإجابة] # فصل # وقد اختلف الناس في هذه الساعة: هل هي باقية أو قد رفعت؟ على قولين، ~~حكاهما ابن عبد البر وغيره، والذين قالوا: هي باقية ولم ترفع، اختلفوا هل ~~هي في وقت من اليوم بعينه أم هي غير معينة؟ على قولين. ثم اختلف من قال ~~بعدم تعيينها: هل هي تنتقل في ساعات اليوم، أو لا؟ على قولين أيضا، والذين ~~قالوا بتعيينها اختلفوا على أحد عشر قولا. # قال ابن المنذر: روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: هي من طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. # الثاني: أنها عند الزوال، ذكره ابن المنذر عن الحسن البصري وأبي العالية. # الثالث: أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة، قال ابن المنذر: روينا ذلك عن ~~عائشة رضي الله عنها. # الرابع: أنها إذا جلس الإمام على المنبر يخطب حتى يفرغ، قال ابن المنذر ~~رويناه عن الحسن البصري. # PageV01P376 # الخامس: قاله أبو بردة: هي الساعة التي اختار الله وقتها للصلاة. # السادس: قاله أبو السوار العدوي وقال: كانوا يرون أن الدعاء مستجاب ما ~~بين زوال الشمس إلى أن تدخل الصلاة. # السابع: قاله أبو ذر: إنها ما بين أن ترتفع الشمس شبرا إلى ذراع. # الثامن: أنها ما بين العصر إلى غروب الشمس، قاله أبو هريرة، وعطاء وعبد ~~الله بن سلام وطاوس، حكى ذلك كله ابن ms0205 المنذر. # التاسع: أنها آخر ساعة بعد العصر، وهو قول أحمد وجمهور الصحابة ~~والتابعين. # العاشر: أنها من حين خروج الإمام إلى فراغ الصلاة، حكاه النووي وغيره. # الحادي عشر: أنها الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب " المغني " فيه. ~~وقال كعب: لو قسم الإنسان جمعة في جمع، أتى على تلك الساعة. وقال عمر: إن ~~طلب حاجة في يوم ليسير. # وأرجح هذه الأقوال: قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من ~~الآخر. # الأول: أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول ما روى ~~مسلم في " صحيحه " من حديث أبي بردة بن أبي موسى، «أن عبد الله بن عمر قال ~~له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة ~~شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هي ~~ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» ". # PageV01P377 # وروى ابن ماجه والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه ~~الله إياه " قالوا: يا رسول الله! أية ساعة هي؟ قال: " حين تقام الصلاة إلى ~~الانصراف منها» ". # والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين وهو قول عبد الله بن ~~سلام، وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق. وحجة هذا القول ما رواه أحمد في " ~~مسنده " من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~«إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه ~~إياه وهي بعد # PageV01P378 # العصر» ". # وروى أبو داود والنسائي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يوم ~~الجمعة اثنا عشر ساعة، فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا ~~أعطاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» . # وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن ناسا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم ~~الجمعة، ms0206 فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. # وفي " سنن ابن ماجه ": «عن عبد الله بن سلام قال: قلت ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جالس: إنا لنجد في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ~~ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا قضى الله له ~~حاجته، قال عبد الله فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة. ~~قلت: صدقت يا رسول الله، أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال: " هي آخر ساعة ~~من ساعات النهار ". قلت: إنها ليست ساعة صلاة، قال: بلى إن العبد المؤمن ~~إذا صلى، ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة» . # PageV01P379 # وفي " مسند أحمد " من حديث أبي هريرة، قال: «قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها ~~الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله ~~فيها استجيب له» ". # وفي " سنن أبي داود " والترمذي والنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «خير يوم طلعت فيه ~~الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم ~~الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس ~~شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي ~~يسأل الله عز وجل حاجة إلا أعطاه إياها» " قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ ~~فقلت: بل في كل جمعة قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب ~~فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أية ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت أخبرني ~~بها، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ~~ساعة من ms0207 يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا يصادفها ~~عبد مسلم وهو يصلي» " وتلك الساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ~~ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم " «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في ~~صلاة حتى يصلي» "؟ قال: فقلت: بلى. فقال: هو ذاك. # قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي " الصحيحين " بعضه. # PageV01P380 # وأما من قال: إنها من حين يفتتح الإمام الخطبة إلى فراغه من الصلاة، ~~فاحتج بما رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: ~~قال عبد الله بن عمر: «أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة» . # وأما من قال: هي ساعة الصلاة، فاحتج بما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ~~عمرو بن عوف المزني، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إن ~~في الجمعة لساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه ". ~~قالوا: يا رسول الله! أية ساعة هي؟ قال: " حين تقام الصلاة إلى الانصراف ~~منها» ". ولكن هذا الحديث ضعيف، قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث لم يروه ~~فيما علمت إلا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، وليس هو ~~ممن يحتج بحديثه. # وقد روى روح بن عبادة عن عوف عن معاوية بن قرة عن أبي بردة عن أبي موسى ~~أنه قال لعبد الله بن عمر: هي الساعة التي يخرج فيها الإمام إلى أن تقضى ~~الصلاة. فقال ابن عمر: أصاب الله بك. # وروى عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبي ذر أن امرأته سألته عن الساعة التي ~~يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: هي مع رفع الشمس بيسير، ~~فإن سألتني بعدها فأنت طالق. # واحتج هؤلاء أيضا بقوله في حديث أبي هريرة " وهو قائم يصلي " وبعد ms0208 العصر ~~لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذ بظاهر الحديث أولى. قال أبو عمر: يحتج أيضا ~~من ذهب إلى هذا بحديث علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إذا ~~زالت الشمس وفاءت الأفياء وراحت الأرواح، فاطلبوا إلى الله حوائجكم فإنها # PageV01P381 # ساعة الأوابين، ثم تلا: {فإنه كان للأوابين غفورا} [الإسراء: 25] » ~~[الإسراء: 25] ". # وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: الساعة التي تذكر ~~يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جبير إذا صلى ~~العصر لم يكلم أحدا حتى تغرب الشمس، وهذا هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر ~~الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. # وعندي أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضا، فكلاهما ساعة إجابة، ~~وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر، فهي ساعة معينة من اليوم ~~لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة، تقدمت أو تأخرت؛ لأن ~~لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرا في ~~الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث ~~كلها، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى ~~الله تعالى في هاتين الساعتين. # ونظير هذا «قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن المسجد الذي أسس على ~~التقوى فقال: " هو مسجدكم هذا " وأشار إلى مسجد المدينة» . وهذا لا ينفي أن ~~يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسسا على التقوى، بل كل منهما مؤسس ~~على التقوى. # PageV01P382 # وكذلك قوله في ساعة الجمعة " «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي ~~الصلاة» " لا ينافي قوله في الحديث الآخر " «فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» ~~". # ويشبه هذا في الأسماء قوله صلى الله عليه وسلم: " «ما تعدون الرقوب فيكم؟ ~~قالوا: من لم يولد له قال " الرقوب من لم يقدم من ولده شيئا» ". # فأخبر أن هذا هو الرقوب إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدم ~~منهم فرطا، وهذا لا ms0209 ينافي أن يسمى من لم يولد له رقوبا. # ومثله قوله صلى الله عليه وسلم «ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من لا درهم ~~له ولا متاع. قال " المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي ~~وقد لطم هذا، وضرب هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته» " ~~الحديث. # ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: " «ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده ~~اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا ~~يتفطن له. فيتصدق عليه» ". # PageV01P383 # وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، يعظمها جميع أهل الملل. وعند أهل ~~الكتاب هي ساعة الإجابة وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف ~~به مؤمنهم. # وأما من قال بتنقلها، فرام الجمع بذلك بين الأحاديث كما قيل ذلك في ليلة ~~القدر، وهذا ليس بقوي، فإن ليلة القدر قد قال فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " «فالتمسوها في خامسة تبقى في سابعة تبقى في تاسعة تبقى» ". ولم يجئ ~~مثل ذلك في ساعة الجمعة. # وأيضا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا ~~وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة فظهر الفرق بينهما. # وأما قول من قال: إنها رفعت فهو نظير قول من قال: إن ليلة القدر رفعت، ~~وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فيقال له: لم ~~يرفع علمها عن كل الأمة وإن رفع عن بعضهم، وإن أراد أن حقيقتها وكونها ساعة ~~إجابة رفعت، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعول عليه، ~~والله أعلم. # الحادية والعشرون: أن فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات ~~المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع والعدد المخصوص واشتراط ~~الإقامة، والاستيطان، والجهر بالقراءة. وقد جاء من # PageV01P384 # التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر، ففي السنن الأربعة من ~~حديث أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه» ) قال ms0210 الترمذي: حديث ~~حسن، وسألت محمد بن إسماعيل عن اسم أبي الجعد الضمري فقال: لم يعرف اسمه، ~~وقال: لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث. # وقد جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم «الأمر لمن تركها أن يتصدق ~~بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار» . رواه أبو داود والنسائي من رواية قدامة ~~بن وبرة عن سمرة بن جندب. ولكن قال أحمد: قدامة بن وبرة لا يعرف. وقال يحيى ~~بن معين: ثقة، وحكي عن البخاري أنه لا يصح سماعه من سمرة. # وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولا يحكى عن الشافعي أنها فرض ~~كفاية، وهذا غلط عليه منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد فتجب على كل من تجب ~~عليه صلاة الجمعة، فظن هذا القائل أن العيد لما كانت فرض كفاية كانت الجمعة ~~كذلك. وهذا فاسد، بل هذا نص من الشافعي أن العيد واجب على الجميع، وهذا ~~يحتمل أمرين أحدهما: أن # PageV01P385 # يكون فرض عين كالجمعة، وأن يكون فرض كفاية، فإن فرض الكفاية يجب على ~~الجميع، كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفان بسقوطه عن البعض بعد وجوبه بفعل ~~الآخرين. # الثانية والعشرون: أن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده، ~~والشهادة له بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وتذكير ~~العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى ~~جنانه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع ~~لها. # الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة، وله على ~~سائر الأيام مزية بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل ~~كل ملة يوما يتفرغون فيه للعبادة ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة ~~يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة ~~القدر في رمضان. ولهذا من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته، ومن صح ~~له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له، صح له سائر ms0211 ~~عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر. ~~وبالله التوفيق. # الرابعة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد ~~مشتملا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله سبحانه ~~التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان، وقائما مقامه فيجتمع للرائح فيه ~~إلى المسجد الصلاة، والقربان كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ~~ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة ~~فكأنما قرب كبشا أقرن» ) . # PageV01P386 # وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعة على قولين: # أحدهما: أنها من أول النهار وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد ~~وغيرهما. # والثاني: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال، وهذا هو المعروف في ~~مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية واحتجوا عليه بحجتين. إحداهما: أن الرواح ~~لا يكون إلا بعد الزوال، وهو مقابل الغدو الذي لا يكون إلا قبل الزوال قال ~~تعالى: {ورواحها شهر} [سبأ: 12] [سبأ: 12] . قال الجوهري: ولا يكون إلا بعد ~~الزوال. # الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدون إلى ~~الجمعة من وقت طلوع الشمس، وأنكر مالك التبكير إليها في أول النهار، وقال ~~لم ندرك عليه أهل المدينة. # واحتج أصحاب القول الأول بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ( «يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة» ) ". قالوا: والساعات المعهودة هي ~~الساعات التي هي ثنتا عشرة ساعة، وهي نوعان: ساعات تعديلية وساعات زمانية، ~~قالوا: ويدل على هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بلغ # PageV01P387 # بالساعات إلى ست، ولم يزد عليها، ولو كانت الساعة أجزاء صغارا من الساعة ~~التي تفعل فيها الجمعة لم تنحصر في ستة أجزاء، بخلاف ما إذا كان المراد بها ~~الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت ودخلت السابعة خرج الإمام ~~وطويت الصحف ولم يكتب لأحد قربان بعد ذلك كما جاء مصرحا به في " سنن أبي ~~داود " من حديث ms0212 علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إذا كان ~~يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون الناس بالترابيث أو ~~الربائث، ويثبطونهم عن الجمعة، وتغدو الملائكة فتجلس على أبواب المساجد ~~فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام» ) . # قال أبو عمر بن عبد البر: اختلف أهل العلم في تلك الساعات، فقالت طائفة ~~منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، والأفضل عندهم التبكير في ذلك ~~الوقت إلى الجمعة، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي، وأكثر العلماء بل ~~كلهم يستحب البكور إليها. # قال الشافعي رحمه الله: ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان ~~حسنا. وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي ~~التهجير يوم الجمعة باكرا، فقال: هذا خلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقال: سبحان الله إلى أي شيء ذهب في هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~" كالمهدي جزورا ". قال: وأما مالك فذكر يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن ~~وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدو من أول ساعات النهار، أو إنما أراد ~~بهذا القول ساعات الرواح؟ فقال ابن وهب: سألت مالكا عن # PageV01P388 # هذا فقال: أما الذي يقع بقلبي فإنه إنما أراد ساعة واحدة تكون فيها هذه ~~الساعات، من راح من أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو ~~الخامسة أو السادسة. ولو لم يكن كذلك، ما صليت الجمعة حتى يكون النهار تسع ~~ساعات في وقت العصر أو قريبا من ذلك. # وكان ابن حبيب ينكر مالكا هذا ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا ~~تحريف في تأويل الحديث ومحال من وجوه. وقال: يدلك أنه لا يجوز ساعات في ~~ساعة واحدة: أن الشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت ~~الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة، فدل ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ~~ساعات النهار المعروفات، فبدأ بأول ساعات النهار فقال: ( «من راح في الساعة ~~الأولى فكأنما قرب بدنة» ms0213 ) ثم قال في الساعة الخامسة بيضة، ثم انقطع ~~التهجير وحان وقت الأذان، فشرح الحديث بين في لفظه ولكنه حرف عن موضعه وشرح ~~بالخلف من القول، وما لا يكون، وزهد شارحه الناس فيما رغبهم فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من التهجير من أول النهار، وزعم أن ذلك كله إنما يجتمع ~~في ساعة واحدة قرب زوال الشمس، قال وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في ~~أول النهار، وقد سقنا ذلك في موضعه من كتاب واضح السنن بما فيه بيان ~~وكفاية. # هذا كله قول عبد الملك بن حبيب، ثم رد عليه أبو عمر وقال: هذا تحامل منه ~~على مالك رحمه الله تعالى، فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خلفا ~~وتحريفا من التأويل، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصحاح من رواية ~~الأئمة، ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج ~~بالعمل؛ لأنه أمر يتردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء. # فمن الآثار التي يحتج بها مالك: ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «إذا كان يوم الجمعة قام على كل ~~باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة # PageV01P389 # كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشا، ~~حتى ذكر الدجاجة والبيضة، فإذا جلس الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة» ) ~~قال: ألا ترى إلى ما في هذا الحديث فإنه قال: «يكتبون الناس الأول فالأول، ~~فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي يليه» ، فجعل الأول مهجرا، وهذه ~~اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والتهجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة ~~وليس ذلك وقت طلوع الشمس، لأن ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا تهجير، وفي الحديث: ~~" «ثم الذي يليه ثم الذي يليه» ". ولم يذكر الساعة. قال والطرق بهذا اللفظ ~~كثيرة مذكورة في " التمهيد " وفي بعضها ( «المتعجل إلى الجمعة كالمهدي ~~بدنة» ) ". # وفي أكثرها " «المهجر كالمهدي جزورا» " الحديث. وفي بعضها ما يدل على أنه ~~جعل الرائح إلى ms0214 الجمعة في أول الساعة كالمهدي بدنة وفي آخرها كذلك، وفي أول ~~الساعة الثانية كالمهدي بقرة وفي آخرها كذلك. وقال بعض أصحاب الشافعي: لم ~~يرد صلى الله عليه وسلم بقوله: ( «المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة» ) ~~الناهض إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من ~~أغراض أهل الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمهدي بدنة، وذلك مأخوذ من الهجرة ~~وهو ترك الوطن، والنهوض إلى غيره ومنه سمي المهاجرون. # وقال الشافعي رحمه الله: أحب التبكير إلى الجمعة ولا تؤتى إلا مشيا. هذا ~~كله كلام أبي عمر. # قلت: ومدار إنكار التبكير أول النهار على ثلاثة أمور: أحدها: على لفظة ~~الرواح، وإنها لا تكون إلا بعد الزوال، والثاني: لفظة التهجير وهي إنما ~~تكون # PageV01P390 # بالهاجرة وقت شدة الحر، والثالث: عمل أهل المدينة فإنهم لم يكونوا يأتون ~~من أول النهار. # فأما لفظة الرواح فلا ريب أنها تطلق على المضي بعد الزوال، وهذا إنما ~~يكون في الأكثر إذا قرنت بالغدو كقوله تعالى: {غدوها شهر ورواحها شهر} ~~[سبأ: 12] [سبأ: 12] وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «من غدا إلى المسجد وراح، ~~أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح» ) . وقول الشاعر. # نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي. # وقد يطلق الرواح بمعنى الذهاب والمضي، وهذا إنما يجيء إذا كانت مجردة عن ~~الاقتران بالغدو. # وقال الأزهري في " التهذيب ": سمعت بعض العرب يستعمل الرواح في السير في ~~كل وقت، يقال: راح القوم إذا ساروا، وغدوا كذلك، ويقول أحدهم لصاحبه: تروح، ~~ويخاطب أصحابه فيقول: روحوا أي سيروا، ويقول الآخر: ألا تروحون؟ ومن ذلك ما ~~جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضي إلى الجمعة والخفة إليها ~~لا بمعنى الرواح بالعشي. # PageV01P391 # وأما لفظ التهجير والمهجر فمن الهجير والهاجرة، قال الجوهري: هي نصف ~~النهار عند اشتداد الحر، تقول منه: هجر النهار، قال امرؤ القيس: # فدعها وسل الهم عنها بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # ويقال: أتينا أهلنا مهجرين أي في وقت الهاجرة. والتهجير، والتهجر: السير ~~في الهاجرة، فهذا ما يقرر به قول أهل ms0215 المدينة. # قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرواح، فإنه يطلق ~~ويراد به التبكير. # قال الأزهري في " التهذيب ": روى مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لو يعلم الناس ما في التهجير ~~لاستبقوا إليه» ) . # وفي حديث آخر مرفوع ( «المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة» ) . قال: ويذهب ~~كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث تفعيل من الهاجرة وقت الزوال ~~وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر بن شميل أنه قال: ~~التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير والمبادرة إلى كل شيء. قال: سمعت ~~الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. # قال الأزهري: وهذا صحيح وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس، قال لبيد: # PageV01P392 # راح القطين بهجر بعد ما ابتكروا ... فما تواصله سلمى وما تذر. # فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم الذهاب والمضي، يقال: راح القوم إذا ~~خفوا ومروا أي وقت كان. # وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا ~~إليه» ) أراد به التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضي إليها في أول ~~أوقاتها، قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجر الرجل: إذا خرج وقت ~~الهاجرة، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجر الرجل إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي ~~نصف النهار. # ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في " ~~نوادره " قال: قال جعثنة بن جواس الربعي في ناقته: # هل تذكرين قسمي ونذري ... أزمان أنت بعروض الجفر. # إذ أنت مضرار جواد الحضر # علي إن لم تنهضي بوقري. # بأربعين قدرت بقدر ... بالخالدي لا بصاع حجر. # وتصحبي أيانقا في سفر # يهجرون بهجير الفجر ... ثمت تمشي ليلهم فتسري # يطوون أعراض الفجاج الغبر. # طي أخي التجر برود التجر. # قال الأزهري: يهجرون بهجير الفجر أي يبكرون بوقت السحر. # وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أول النهار فهذا غاية ~~عملهم في زمان مالك رحمه الله، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع # PageV01P393 # أهل ms0216 المدينة حجة، فإن هذا ليس فيه إلا ترك الرواح إلى الجمعة من أول ~~النهار، وهذا جائز بالضرورة. # وقد يكون اشتغال الرجل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ~~ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار، ولا ريب أن انتظار الصلاة ~~بعد الصلاة وجلوس الرجل في مصلاه حتى يصلي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه ~~وعوده في وقت آخر للثانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( «والذي ينتظر ~~الصلاة ثم يصليها مع الإمام أفضل من الذي يصلي ثم يروح إلى أهله» ) وأخبر " ~~أن «الملائكة لم تزل تصلي عليه ما دام في مصلاه» وأخبر " (أن انتظار الصلاة ~~بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرباط) " ~~وأخبر " أن الله يباهي ملائكته بمن قضى فريضة وجلس ينتظر أخرى " وهذا يدل ~~على أن من صلى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممن يذهب ثم يجيء في ~~وقتها، وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه، فهكذا ~~المجيء إليها والتبكير في أول النهار، والله أعلم. # الخامسة والعشرون: أن للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام، والصدقة فيه ~~بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر # PageV01P394 # الشهور. # وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما ~~وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا، وسمعته يقول: إذا كان ~~الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة. # وقال أحمد بن زهير بن حرب: حدثنا أبي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ~~ابن عباس قال: اجتمع أبو هريرة وكعب فقال أبو هريرة: إن في الجمعة لساعة لا ~~يوافقها رجل مسلم في صلاة يسأل الله عز وجل شيئا إلا آتاه إياه، فقال كعب: ~~أنا أحدثكم عن يوم الجمعة، إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له السماوات والأرض ~~والبر والبحر والجبال والشجر ms0217 والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين، وحفت ~~الملائكة بأبواب المسجد فيكتبون من جاء الأول فالأول حتى يخرج الإمام، فإذا ~~خرج الإمام طووا صحفهم فمن جاء بعد جاء لحق الله لما كتب عليه، وحق على كل ~~حالم أن يغتسل يومئذ كاغتساله من الجنابة، والصدقة فيه أعظم من الصدقة في ~~سائر الأيام، ولم تطلع الشمس ولم تغرب على مثل يوم الجمعة، فقال ابن عباس: ~~هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى إن كان لأهله طيب يمس منه. # السادسة والعشرون: أنه يوم يتجلى الله عز وجل فيه لأوليائه المؤمنين في ~~الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربهم منهم أقربهم من الإمام، وأسبقهم إلى ~~الزيارة أسبقهم إلى الجمعة. وروى يحيى بن يمان عن شريك عن أبي اليقظان، عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل {ولدينا مزيد} [ق: 35] [ق: 35] ~~قال: ( «يتجلى لهم في كل جمعة» ) . # وذكر الطبراني في " معجمه " من حديث أبي نعيم المسعودي عن المنهال بن ~~عمرو عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: (سارعوا إلى الجمعة فإن الله عز وجل ~~يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون منه في # PageV01P395 # القرب على قدر تسارعهم إلى الجمعة، فيحدث الله سبحانه لهم من الكرامة ~~شيئا لم يكونوا قد رأوه قبل ذلك، ثم يرجعون إلى أهليهم، فيحدثونهم بما أحدث ~~الله لهم. قال: ثم دخل عبد الله المسجد فإذا هو برجلين، فقال عبد الله: ~~رجلان وأنا الثالث، إن يشأ الله يبارك في الثالث) وذكر البيهقي في " الشعب ~~" عن علقمة بن قيس قال: رحت مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى جمعة ~~فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد. ثم قال: إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ( «إن الناس يجلسون يوم القيامة ~~من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة، الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع. ~~ثم قال وما أربع أربعة ببعيد» ) . # قال الدارقطني في كتاب " الرؤية ": حدثنا أحمد بن سلمان بن الحسن، حدثنا ms0218 ~~محمد بن عثمان بن محمد، حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بني ~~هاشم، حدثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ( «إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم ~~فأحدثهم عهدا بالنظر إليه من بكر في كل جمعة، وتراه المؤمنات يوم الفطر ~~ويوم النحر» ) . # حدثنا محمد بن نوح حدثنا محمد بن موسى بن سفيان السكري، حدثنا عبد الله ~~بن الجهم الرازي، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن أبي طيبة عن عاصم عن عثمان بن ~~عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء، ~~فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها الله عليك لتكون # PageV01P396 # لك عيدا ولقومك من بعدك، قلت وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير، أنت فيها ~~الأول، واليهود والنصارى من بعدك، ولك فيها ساعة لا يسأل الله عز وجل عبد ~~فيها شيئا هو له قسم إلا أعطاه، أو ليس له قسم إلا أعطاه أفضل منه، وأعاذه ~~الله من شر ما هو مكتوب عليه، وإلا دفع عنه ما هو أعظم من ذلك. قال: قلت: ~~وما هذه النكتة السوداء؟ قال: هي الساعة تقوم يوم الجمعة، وهو عندنا سيد ~~الأيام، ويدعوه أهل الآخرة يوم المزيد. قال: قلت يا جبريل! وما يوم المزيد؟ ~~قال: ذلك أن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان ~~يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور، فيجيء النبيون حتى ~~يجلسوا عليها، ثم حف المنابر بمنابر من ذهب، فيجيء الصديقون والشهداء حتى ~~يجلسوا عليها، ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكثب، قال ثم يتجلى لهم ~~ربهم عز وجل، قال فينظرون إليه فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم ~~نعمتي، وهذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى. قال: رضاي أنزلكم داري ~~وأنا لكم كرامتي، فسلوني فيسألونه الرضى. ms0219 قال: فيشهد لهم بالرضى، ثم ~~يسألونه حتى تنتهي رغبتهم، ثم يفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال: ثم يرتفع رب العزة ويرتفع معه النبيون ~~والشهداء، ويجيء أهل الغرف إلى غرفهم. قال: كل غرفة من لؤلؤة لا وصل فيها ~~ولا فصم، ياقوتة حمراء وغرفة من زبرجدة خضراء، أبوابها وعلاليها وسقائفها ~~وأغلاقها منها أنهارها مطردة متدلية فيها أثمارها فيها أزواجها وخدمها. ~~قال: فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامة الله عز ~~وجل والنظر إلى وجهه الكريم، فذلك يوم المزيد» ) . # ولهذا الحديث عدة طرق، ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب " الرؤية ". # PageV01P397 # السابعة والعشرون: أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم ~~الجمعة، قال حميد بن زنجويه: حدثنا عبد الله بن موسى أنبأنا موسى بن عبيدة ~~عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ( «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود هو يوم ~~عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت شمس ولا غربت على أفضل من يوم الجمعة، ~~فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلا استجاب له، أو ~~يستعيذه من شر إلا أعاذه منه» ) . # ورواه الحارث بن أبي أسامة في " مسنده " عن روح عن موسى بن عبيدة. # وفي " معجم الطبراني " من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي حدثني ~~ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ( «اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، ~~والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره الله لنا، وصلاة الوسطى صلاة العصر» ) ~~وقد روي من حديث جبير بن مطعم. # PageV01P398 # قلت: والظاهر - والله أعلم -: أنه من تفسير أبي هريرة، فقد قال الإمام ~~أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان ~~عن عمار مولى بني هاشم، عن أبي هريرة أما علي بن ms0220 زيد فرفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأما يونس فلم يعد أبا هريرة أنه (قال: في هذه الآية ~~{وشاهد ومشهود} [البروج: 3] قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ~~والموعود يوم القيامة) . # الثامنة والعشرون: أنه اليوم الذي تفزع منه السماوات والأرض، والجبال ~~والبحار، والخلائق كلها إلا الإنس والجن، فروى أبو الجواب عن عمار بن زريق ~~عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: اجتمع كعب وأبو هريرة فقال أبو هريرة: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد ~~مسلم يسأل الله فيها خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه» ) . # فقال كعب: ألا أحدثكم عن يوم الجمعة، إنه إذا كان يوم الجمعة فزعت له ~~السماوات والأرض، والجبال والبحار، والخلائق كلها إلا ابن آدم والشياطين، ~~وحفت الملائكة بأبواب المساجد، فيكتبون الأول فالأول حتى يخرج الإمام، فإذا ~~خرج الإمام طووا صحفهم، ومن جاء بعد جاء لحق الله، ولما كتب عليه، ويحق على ~~كل حالم أن يغتسل فيه، كاغتساله من الجنابة، والصدقة فيه أفضل من الصدقة في ~~سائر الأيام، ولم تطلع الشمس ولم تغرب على يوم كيوم الجمعة. # قال ابن عباس: هذا حديث كعب وأبي هريرة وأنا أرى من كان لأهله طيب أن يمس ~~منه يومئذ. # وفي حديث أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «لا تطلع الشمس ولا ~~تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزع ليوم الجمعة ~~إلا هذين الثقلين من الجن والإنس» ) وهذا حديث صحيح. # وذلك أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة، ويطوى العالم، وتخرب فيه الدنيا، ~~ويبعث فيه الناس إلى منازلهم من # PageV01P399 # الجنة والنار. # التاسعة والعشرون: أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل ~~الكتاب قبلهم، كما في " الصحيح " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، هدانا ~~الله له، وضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع، هو لنا، ولليهود يوم السبت ~~وللنصارى ms0221 يوم الأحد» ) . وفي حديث آخر " ذخره الله لنا ". # وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن ~~قيس، عن محمد بن الأشعث عن عائشة قالت: ( «بينا أنا عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن له فقال: السام عليك، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: وعليك. قالت: فهممت أن أتكلم، قالت ثم دخل الثانية، ~~فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك، قالت فهممت أن أتكلم، ~~ثم دخل الثالثة فقال: السام عليكم، قالت: فقلت: بل السام عليكم وغضب الله ~~إخوان القردة والخنازير، أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله عز وجل. ~~قالت فنظر إلي فقال: مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولا ~~فرددناه عليهم فلم يضرنا شيئا ولزمهم إلى يوم القيامة، إنهم لا يحسدوننا ~~على شيء كما يحسدوننا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى ~~القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين» ) . # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «نحن ~~الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من ~~بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، ~~فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» ) . # وفي " بيد " لغتان بالباء وهي المشهورة وميد بالميم حكاها أبو عبيد. # PageV01P400 # وفي هذه الكلمة قولان: أحدهما: أنها بمعنى " غير " وهو أشهر معنييها، ~~والثاني: بمعنى " على " وأنشد أبو عبيد شاهدا له: # عمدا فعلت ذاك بيد أني ... إخال لو هلكت لم ترني. # ترني: تفعلي من الرنين. # الثلاثون: أنه خيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من ~~شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم خيرته من خلقه. # قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النجود، عن ~~أبي صالح، عن كعب الأحبار. قال: (إن الله ms0222 عز وجل اختار الشهور، واختار شهر ~~رمضان، واختار الأيام، واختار يوم الجمعة، واختار الليالي، واختار ليلة ~~القدر، واختار الساعات، واختار ساعة الصلاة، والجمعة تكفر ما بينها وبين ~~الجمعة الأخرى، وتزيد ثلاثا، ورمضان يكفر ما بينه وبين رمضان، والحج يكفر ~~ما بينه وبين الحج، والعمرة تكفر ما بينها وبين العمرة، ويموت الرجل بين ~~حسنتين: حسنة قضاها، وحسنة ينتظرها يعني صلاتين، وتصفد الشياطين في رمضان، ~~وتغلق أبواب النار، وتفتح فيه أبواب الجنة، ويقال فيه: يا باغي الخير هلم. ~~رمضان أجمع، وما من ليال أحب إلى الله العمل فيهن من ليالي العشر) . # الحادية والثلاثون: إن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم ~~الجمعة، فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم، ويسلم عليهم، ويلقاهم في ذلك اليوم ~~أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام، فهو يوم تلتقي فيه الأحياء ~~والأموات، فإذا قامت فيه الساعة التقى الأولون والآخرون، وأهل الأرض وأهل ~~السماء، والرب والعبد، والعامل وعمله، والمظلوم وظالمه، والشمس والقمر، ولم ~~تلتقيا قبل ذلك قط، وهو يوم الجمع واللقاء، ولهذا # PageV01P401 # يلتقي الناس فيه في الدنيا أكثر من التقائهم في غيره، فهو يوم التلاق. ~~قال أبو التياح يزيد بن حميد: كان مطرف بن عبد الله يبادر فيدخل كل جمعة، ~~فأدلج حتى إذا كان عند المقابر يوم الجمعة، قال: فرأيت صاحب كل قبر جالسا ~~على قبره، فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة، قال: فقلت لهم، وتعلمون عندكم ~~الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما تقول فيه الطير، قلت: وما تقول فيه الطير؟ ~~قالوا: تقول رب سلم سلم يوم صالح. # وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب " المنامات " وغيره، عن بعض أهل عاصم ~~الجحدري، قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته لسنتين، فقلت: أليس قد ~~مت؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة، أنا ~~ونفر من أصحابي، نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني ~~فنتلقى أخباركم. قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام وإنما ~~تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون ms0223 بزيارتنا لكم؟ قال: نعلم بها عشية ~~الجمعة، ويوم الجمعة كله، وليلة السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فكيف ذلك ~~دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته. # وذكر ابن أبي الدنيا أيضا عن محمد بن واسع، أنه كان يذهب كل غداة سبت حتى ~~يأتي الجبانة، فيقف على القبور، فيسلم عليهم ويدعو لهم ثم ينصرف. فقيل له: ~~لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين. قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم ~~الجمعة، ويوما قبله ويوما بعده. # وذكر عن سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك، أنه قال: من زار قبرا يوم ~~السبت قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: لمكان ~~يوم الجمعة. # PageV01P402 # الثانية والثلاثون: أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، هذا منصوص أحمد، ~~قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: صيام يوم الجمعة؟ فذكر حديث النهي عن أن ~~يفرد، ثم قال: إلا أن يكون في صيام كان يصومه، وأما أن يفرد فلا. قلت: رجل ~~كان يصوم يوما، ويفطر يوما، فوقع فطره يوم الخميس، وصومه يوم الجمعة، وفطره ~~يوم السبت، فصار الجمعة مفردا؟ قال: هذا إلا أن يتعمد صومه خاصة، إنما كره ~~أن يتعمد الجمعة. # وأباح مالك، وأبو حنيفة صومه كسائر الأيام، قال مالك: لم أسمع أحدا من ~~أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد ~~رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. قال ابن عبد البر: اختلفت ~~الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الجمعة، فروى ابن مسعود ~~رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يصوم ثلاثة أيام من كل ~~شهر» ) وقال: قلما رأيته مفطرا يوم الجمعة، وهذا حديث صحيح. وقد روي عن ابن ~~عمر رضي الله عنهما، أنه قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر ~~يوم الجمعة قط» . ذكره ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، ~~عن عمير بن أبي عمير عن ابن عمر. # وروى ابن عباس أنه ms0224 كان يصومه ويواظب عليه. وأما الذي ذكره مالك، فيقولون: ~~إنه محمد بن المنكدر. وقيل: صفوان بن سليم. # وروى الدراوردي عن صفوان بن سليم، عن رجل من بني جشم أنه # PageV01P403 # سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من صام يوم ~~الجمعة كتب له عشرة أيام غرر زهر من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا» ) ~~. # والأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له. # قلت: قد صح المعارض صحة لا مطعن فيها البتة، ففي " الصحيحين " عن محمد بن ~~عباد، قال: سألت جابرا: «أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم ~~الجمعة؟ قال: نعم» . # وفي " صحيح مسلم " عن محمد بن عباد، قال: سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف ~~بالبيت: ( «أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال: ~~نعم ورب هذه البنية» ) . # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ( «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما ~~بعده» ) . واللفظ للبخاري. # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا ~~تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من ~~بين سائر الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» ) . # وفي " صحيح البخاري " «عن جويرية بنت الحارث " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: (أصمت أمس؟ قالت: لا. قال: ~~فتريدين # PageV01P404 # أن تصومي غدا؟ قالت: لا. قال: فأفطري) » . # وفي " مسند أحمد " عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا ~~تصوموا يوم الجمعة وحده» ) . # وفي " مسنده " أيضا عن جنادة الأزدي ( «قال: دخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم جمعة في سبعة من الأزد، أنا ثامنهم وهو يتغدى، فقال " هلموا ~~إلى الغداء " فقلنا: يا رسول الله! إنا صيام. فقال: أصمتم أمس؟ قلنا: لا. ~~قال: فتصومون غدا؟ قلنا: لا. قال ms0225 فأفطروا. قال: فأكلنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. قال: فلما خرج وجلس على المنبر، دعا بإناء ماء، فشرب وهو ~~على المنبر والناس ينظرون إليه، يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة» ) . # وفي " مسنده " أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~( «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا ~~قبله أو بعده» ) . # وذكر ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعد، ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( «من كان منكم متطوعا من الشهر ~~أياما، فليكن في صومه يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام ~~وشراب، وذكر، فيجمع الله له يومين صالحين: يوم # PageV01P405 # صيامه ويوم نسكه مع المسلمين» ) . # وذكر ابن جرير عن مغيرة، عن إبراهيم: أنهم كرهوا صوم الجمعة ليقووا على ~~الصلاة. # قلت: المأخذ في كراهته ثلاثة أمور، هذا أحدها، ولكن يشكل عليه زوال ~~الكراهية بضم يوم قبله، أو بعده إليه. # والثاني: أنه يوم عيد وهو الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم، وقد أورد ~~على هذا التعليل إشكالان. أحدهما: أن صومه ليس بحرام، وصوم يوم العيد حرام. ~~والثاني: أن الكراهة تزول بعدم إفراده، وأجيب عن الإشكالين بأنه ليس عيد ~~العام، بل عيد الأسبوع، والتحريم إنما هو لصوم عيد العام. # وأما إذا صام يوما قبله أو يوما بعده فلا يكون قد صامه لأجل كونه جمعة ~~وعيدا، فتزول المفسدة الناشئة من تخصيصه، بل يكون داخلا في صيامه تبعا، ~~وعلى هذا يحمل ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في " مسنده " والنسائي، ~~والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود إن صح قال: «قلما رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفطر يوم جمعة» ". فإن صح هذا تعين حمله على أنه كان يدخل ~~في صيامه تبعا، لا أنه كان يفرده لصحة النهي عنه. # وأين أحاديث النهي الثابتة في " الصحيحين " من حديث الجواز الذي لم يروه ~~أحد من أهل الصحيح، وقد حكم الترمذي بغرابته، ms0226 فكيف تعارض به الأحاديث ~~الصحيحة الصريحة ثم يقدم عليها؟! # والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يلحق بالدين ما ليس فيه، ويوجب التشبه ~~بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية، وينضم إلى ~~هذا المعنى: أن هذا اليوم لما كان ظاهر الفضل على الأيام، كان الداعي إلى ~~صومه قويا، فهو في مظنة تتابع الناس في صومه، واحتفالهم به ما لا يحتفلون ~~بصوم يوم غيره، وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه. ولهذا المعنى - والله ~~أعلم - نهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام من بين الليالي، # PageV01P406 # لأنها من أفضل الليالي، حتى فضلها بعضهم على ليلة القدر، وحكيت رواية عن ~~أحمد فهي في مظنة تخصيصها بالعبادة، فحسم الشارع الذريعة وسدها بالنهي عن ~~تخصيصها بالقيام. والله أعلم. # فإن قيل: ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام؟ قيل: أما تخصيص ما خصصه ~~الشارع، كيوم الاثنين ويوم عرفة ويوم عاشوراء فسنة، وأما تخصيص غيره كيوم ~~السبت والثلاثاء والأحد والأربعاء فمكروه. وما كان منها أقرب إلى التشبه ~~بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام فأشد كراهة وأقرب إلى ~~التحريم. # الثالثة والثلاثون: إنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد، وقد ~~شرع الله سبحانه وتعالى لكل أمة في الأسبوع يوما يتفرغون فيه للعبادة ~~ويجتمعون فيه لتذكر المبدأ والمعاد، والثواب والعقاب، ويتذكرون به اجتماعهم ~~يوم الجمع الأكبر قياما بين يدي رب العالمين، وكان أحق الأيام بهذا الغرض ~~المطلوب اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق، وذلك يوم الجمعة، فادخره الله ~~لهذه الأمة لفضلها وشرفها، فشرع اجتماعهم في هذا اليوم لطاعته، وقدر ~~اجتماعهم فيه مع الأمم لنيل كرامته، فهو يوم الاجتماع شرعا في الدنيا، ~~وقدرا في الآخرة، وفي مقدار انتصافه وقت الخطبة والصلاة يكون أهل الجنة في ~~منازلهم، وأهل النار في منازلهم، كما ثبت عن ابن مسعود من غير وجه أنه قال: ~~(لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في ~~منازلهم وقرأ: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} [الفرقان: 24] ) ~~[الفرقان: 24] وقرأ: (ثم إن مقيلهم لإلى ms0227 الجحيم) ، وكذلك هي في قراءته. # ولهذا كون الأيام سبعة إنما تعرفه الأمم التي لها كتاب، فأما أمة لا كتاب ~~لها، فلا تعرف ذلك إلا من تلقاه منهم عن أمم الأنبياء، فإنه ليس هنا علامة ~~حسية يعرف بها كون الأيام سبعة، بخلاف الشهر والسنة وفصولها، ولما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، # PageV01P407 # وتعرف بذلك إلى عباده على ألسنة رسله وأنبيائه، شرع لهم في الأسبوع يوما ~~يذكرهم فيه بذلك، وحكمة الخلق وما خلقوا له، وبأجل العالم وطي السموات ~~والأرض، وعود الأمر كما بدأه سبحانه وعدا عليه حقا، وقولا صدقا، ولهذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر يوم الجمعة سورتي (الم تنزيل) و {هل ~~أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ~~ويكون من المبدأ والمعاد، وحشر الخلائق وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار، ~~لا لأجل السجدة كما يظنه من نقص علمه ومعرفته، فيأتي بسجدة من سورة أخرى، ~~ويعتقد أن فجر يوم الجمعة فضل بسجدة، وينكر على من لم يفعلها. # وهكذا كانت قراءته صلى الله عليه وسلم في المجامع الكبار كالأعياد ونحوها ~~بالسورة المشتملة على التوحيد، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أممهم، ~~وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن منهم ~~وصدقهم من النجاة والعافية. # كما كان يقرأ في العيدين بسورتي {ق والقرآن المجيد} [ق: 1] و {اقتربت ~~الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] ، وتارة: ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: ~~1] و {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1] وتارة يقرأ في الجمعة بسورة ~~الجمعة لما تضمنت من # PageV01P408 # الأمر بهذه الصلاة، وإيجاب السعي إليها وترك العلم العائق عنها، والأمر ~~بإكثار ذكر الله ليحصل لهم الفلاح في الدارين، فإن في نسيان ذكره تعالى ~~العطب والهلاك في الدارين، ويقرأ في الثانية بسورة {إذا جاءك المنافقون} ~~[المنافقون: 1] تحذيرا للأمة من النفاق المردي، وتحذيرا لهم أن تشغلهم ~~أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذكر الله، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ~~ولا بد، وحضا لهم على الإنفاق الذي هو ms0228 من أكبر أسباب سعادتهم، وتحذيرا لهم ~~من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإقالة، ويتمنون الرجعة ولا يجابون ~~إليها، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل عند قدوم وفد يريد أن يسمعهم ~~القرآن. # وكان يطيل قراءة الصلاة الجهرية لذلك كما صلى المغرب ب (الأعراف) وب ~~(الطور) و (ق) . وكان يصلي الفجر بنحو مائة آية. # وكذلك كانت خطبته صلى الله عليه وسلم، إنما هي تقرير لأصول الإيمان من ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد ~~الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من ~~خطبته إيمانا وتوحيدا، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد ~~أمورا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا ~~أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله، ولا توحيدا له، ولا معرفة خاصة به، ولا ~~تذكيرا بأيامه، ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج ~~السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون، وتقسم أموالهم، ويبلي التراب ~~أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا؟ ! وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع ~~حصل به؟ . # ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان ~~الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة ~~إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من ~~بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته ~~وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذكره ما يحببهم إليه، ~~فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفي # PageV01P409 # نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ~~ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع ~~سننا لا ينبغي الإخلال بها وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، ~~فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها، ~~وفات المقصود بها. # فمما حفظ من خطبه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة ms0229 ~~(ق) . قالت أم هشام بنت الحارث بن النعمان: ( «ما حفظت (ق) إلا من في رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مما يخطب بها على المنبر» ) . # وحفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم من رواية علي بن زيد بن جدعان وفيها ~~ضعف " ( «يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل قبل أن تموتوا، وبادروا ~~بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم ~~له وكثرة الصدقة في السر والعلانية تؤجروا وتحمدوا وترزقوا. واعلموا أن ~~الله عز وجل قد فرض عليكم الجمعة فريضة مكتوبة في مقامي هذا، في شهري هذا ~~في عامي هذا إلى يوم القيامة، من وجد إليها سبيلا، فمن تركها في حياتي أو ~~بعد مماتي جحودا بها أو استخفافا بها وله إمام جائر أو عادل، فلا جمع الله ~~شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا صوم ~~له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فإن تاب ~~تاب الله عليه، ألا ولا تؤمن امرأة رجلا، ألا ولا يؤمن أعرابي مهاجرا، ألا ~~ولا يؤمن فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره سلطان فيخاف سيفه وسوطه» ) . # PageV01P410 # وحفظ من خطبته أيضا: ( «الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ~~ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا ~~يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا» ) رواه أبو داود وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى ذكر خطبه في الحج. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه # ( «كان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، ~~يقول: " صبحكم ومساكم» ) ويقول ( «بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين ~~أصبعيه السبابة والوسطى» ) . # ويقول ( «أما ms0230 بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر ~~الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ) . # ثم يقول: # PageV01P411 # ( «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ~~ضياعا فإلي وعلي» ) رواه مسلم. # وفي لفظ: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، يحمد الله ~~ويثني عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته فذكره. # وفي لفظ: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ( «من يهد الله فلا ~~مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» ) . # وفي لفظ للنسائي: ( «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ) . # وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: " أما بعد ". # وكان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، ويكثر الذكر ويقصد الكلمات الجوامع، وكان ~~يقول: ( «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه» ) . # وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في ~~خطبته إذا عرض له أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين. # PageV01P412 # ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك، وأمره بالجلوس. # وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد من أصحابه، فيجيبه، ثم ~~يعود إلى خطبته، فيتمها. # وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيتمها كما ( «نزل لأخذ الحسن ~~والحسين رضي الله عنهما، فأخذهما ثم رقي بهما المنبر، فأتم خطبته» ) . # وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يا فلان. # وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم ~~بالصدقة وحضهم عليها. # PageV01P413 # وكان يشير بأصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه. # ( «وكان يستسقي بهم إذا قحط المطر في خطبته» ) . # وكان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده من ~~غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد، فإذا دخل ~~المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم، ولم يدع ~~مستقبل القبلة، ثم يجلس ويأخذ بلال في الأذان، ms0231 فإذا فرغ منه قام النبي صلى ~~الله عليه وسلم فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا ~~غيره. # ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما ( «كان يعتمد على قوس أو عصا قبل ~~أن يتخذ المنبر،» ) وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على # PageV01P414 # عصا. ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد ~~على السيف دائما، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف، فمن فرط جهله، ~~فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، ~~ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفا البتة وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس. # وكان منبره ثلاث درجات، وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع يستند إليه، فلما ~~تحول إلى المنبر، حن الجذع حنينا سمعه أهل المسجد، فنزل إليه صلى الله عليه ~~وسلم وضمه، قال أنس: حن لما فقد ما كان يسمع من الوحي، وفقده التصاق النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وضع في جانبه الغربي قريبا من ~~الحائط، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة. # وكان إذا جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم في غير الجمعة، أو خطب قائما ~~في الجمعة، # PageV01P415 # استدار أصحابه إليه بوجوههم، وكان وجهه صلى الله عليه وسلم قبلهم في وقت ~~الخطبة. # وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب الثانية، فإذا فرغ ~~منها أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر الناس بالدنو منه، ويأمرهم بالإنصات ~~ويخبرهم ( «أن الرجل إذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغا» . ويقول: «من لغا فلا ~~جمعة له» ) . # وكان يقول: ( «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة» ) . رواه الإمام أحمد. # «وقال أبي بن كعب: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة (تبارك) ~~وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني، فقال: متى ~~أنزلت هذه السورة؟ فإني ms0232 لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما ~~انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال: إنه ليس لك من ~~صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك، وأخبره بالذي قال له أبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صدق ~~أبي» . ذكره ابن ماجه، وسعيد بن منصور، # PageV01P416 # وأصله في " مسند أحمد ". # وقال صلى الله عليه وسلم: ( «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو ~~حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله عز وجل إن شاء أعطاه، وإن شاء ~~منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة ~~له إلى يوم الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله عز وجل ~~يقول: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] » ) ذكره أحمد وأبو ~~داود. # وكان إذا فرغ بلال من الأذان، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ~~ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذان إلا واحدا، وهذا يدل على أن ~~الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها، وهذا أصح قولي العلماء، وعليه تدل السنة، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر أخذ بلال ~~في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير ~~فصل، وهذا كان رأي عين فمتى كانوا يصلون السنة؟! ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ ~~بلال رضي الله عنه من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس ~~بالسنة، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنة قبلها هو مذهب مالك وأحمد في ~~المشهور عنه، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. # والذين قالوا: إن لها سنة منهم من احتج أنها ظهر مقصورة، فيثبت لها أحكام ~~الظهر، وهذه حجة ضعيفة جدا، فإن الجمعة صلاة مستقلة بنفسها تخالف الظهر في ~~الجهر والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت، وليس ~~إلحاق مسألة النزاع بموارد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل ms0233 ~~إلحاقها بموارد الافتراق أولى؛ لأنها أكثر مما اتفقا فيه. # ومنهم من أثبت السنة لها هنا بالقياس على الظهر، وهو أيضا قياس فاسد، فإن ~~السنة ما كان ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، أو سنة ~~خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك، ولا يجوز إثبات السنن في مثل ~~هذا بالقياس؛ # PageV01P417 # لأن هذا مما انعقد سبب فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم ~~يفعله ولم يشرعه، كان تركه هو السنة، ونظير هذا أن يشرع لصلاة العيد سنة ~~قبلها أو بعدها بالقياس، فلذلك كان الصحيح أنه لا يسن الغسل للمبيت ~~بمزدلفة، ولا لرمي الجمار، ولا للطواف ولا للكسوف ولا للاستسقاء؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات. # ومنهم من احتج بما ذكره البخاري في " صحيحه " فقال: باب الصلاة قبل ~~الجمعة وبعدها: حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، ~~وبعد المغرب ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة ~~حتى ينصرف، فيصلي ركعتين» ) وهذا لا حجة فيه ولم يرد به البخاري إثبات ~~السنة قبل الجمعة، وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء؟ ~~ثم ذكر هذا الحديث، أي أنه لم يرو عنه فعل السنة إلا بعدها، ولم يرد قبلها ~~شيء. # وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين، فإنه قال: باب الصلاة قبل العيد ~~وبعدها، وقال أبو المعلى: سمعت سعيدا عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل ~~العيد. ثم ذكر حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~( «خرج يوم الفطر فصلى ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما ومعه بلال» ) ~~الحديث. # PageV01P418 # فترجم للعيد مثل ما ترجم للجمعة، وذكر للعيد حديثا دالا على أنه لا تشرع ~~الصلاة قبلها ولا بعدها فدل على أن مراده من الجمعة كذلك. # وقد ظن بعضهم أن ms0234 الجمعة لما كانت بدلا عن الظهر - وقد ذكر في الحديث ~~السنة قبل الظهر وبعدها - دل على أن الجمعة كذلك، وإنما قال ( «وكان لا ~~يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف» ) بيانا لموضع صلاة السنة بعد الجمعة، وأنه بعد ~~الانصراف، وهذا الظن غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوع بعد ~~المكتوبة حديث ابن عمر رضي الله عنه: ( «صليت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين ~~بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة» ) # فهذا صريح في أن الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلة بنفسها غير الظهر، وإلا ~~لم يحتج إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر، فلما لم يذكر لها سنة إلا بعدها ~~علم أنه لا سنة لها قبلها. # ومنهم من احتج بما رواه ابن ماجه في " سننه " عن أبي هريرة، وجابر، قال ~~جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: ( «أصليت ~~ركعتين قبل أن تجيء؟ " قال لا. قال: " فصل ركعتين وتجوز فيهما» ) وإسناده ~~ثقات. # قال أبو البركات ابن تيمية: وقوله: (قبل أن تجيء) يدل عن أن هاتين ~~الركعتين سنة الجمعة وليستا تحية المسجد. قال: شيخنا حفيده أبو العباس: ~~وهذا غلط، والحديث المعروف في " الصحيحين " عن جابر، قال: «دخل رجل يوم ~~الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: (أصليت قال: لا. قال: فصل # PageV01P419 # ركعتين) » . وقال ( «إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين ~~وليتجوز فيهما» ) . فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في ~~الغالب غير صحيحة، هذا معنى كلامه. # وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي: هذا تصحيف من الرواة إنما هو ( ~~«أصليت قبل أن تجلس» ) فغلط فيه الناسخ. # وقال: وكتاب ابن ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به بخلاف صحيحي ~~البخاري ومسلم، فإن الحفاظ تداولوهما، واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما، قال: ~~ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف. # قلت: ويدل على صحة هذا أن الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها، ~~وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها، لم يذكر واحد ms0235 منهم هذا الحديث ~~في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والإمام على ~~المنبر، واحتجوا به على من منع من فعلها في هذه الحال فلو كانت هي سنة ~~الجمعة لكان ذكرها هناك، والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية ~~المسجد. # ويدل عليه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهاتين الركعتين إلا ~~الداخل لأجل أنها تحية المسجد. # ولو كانت سنة الجمعة، لأمر بها القاعدين أيضا ولم يخص بها الداخل وحده. # ومنهم من احتج بما رواه أبو داود في " سننه " قال: حدثنا مسدد، قال حدثنا ~~إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: «كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ~~ويصلي بعدها ركعتين في بيته، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يفعل ذلك» . # وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنة قبلها وإنما أراد # PageV01P420 # بقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك: أنه كان يصلي ~~الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يصليهما في المسجد، وهذا هو الأفضل فيهما، ~~كما ثبت في " الصحيحين " عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته» ) # وفي " السنن " «عن ابن عمر أنه إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ~~ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته ~~فصلى ركعتين ولم يصل بالمسجد، فقيل له فقال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يفعل ذلك» . # وأما إطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة فإنه تطوع مطلق، وهذا هو الأولى ~~لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام كما تقدم من حديث أبي ~~هريرة، ونبيشة الهذلي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «من اغتسل يوم الجمعة ثم ~~أتى المسجد، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي ~~معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» ) # وفي ms0236 حديث نبيشة الهذلي: ( «إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى ~~المسجد لا يؤذي أحدا، فإن لم يجد الإمام خرج، صلى ما بدا له وإن وجد الإمام ~~خرج جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه، إن لم يغفر له في ~~جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون كفارة للجمعة التي تليها» ) هكذا كان هدي ~~الصحابة رضي الله عنهم. # قال ابن المنذر: روينا عن ابن عمر: أنه كان يصلي قبل الجمعة ثنتي عشرة ~~ركعة. # PageV01P421 # وعن ابن عباس، أنه كان يصلي ثمان ركعات. # وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق، ولذلك اختلف في ~~العدد المروي عنهم في ذلك، وقال الترمذي في " الجامع ": وروي عن ابن مسعود ~~أنه (كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا) . وإليه ذهب ابن المبارك ~~والثوري. # وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري: رأيت أبا عبد الله إذا كان ~~يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت أمسك ~~عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن، فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا، ~~يفصل بينهما بالسلام، فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد، ثم يخرج منه فيأتي ~~بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلي فيه ركعتين، ثم يجلس وربما صلى أربعا، ~~ثم يجلس ثم يقوم فيصلي ركعتين أخريين فتلك ست ركعات على حديث علي وربما صلى ~~بعد الست ستا أخر أو أقل أو أكثر. # وقد أخذ من هذا بعض أصحابه رواية: أن للجمعة قبلها سنة ركعتين أو أربعا ~~وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر، فإن أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي، ~~فإذا زال وقت النهي، قام فأتم تطوعه إلى خروج الإمام فربما أدرك أربعا، ~~وربما لم يدرك إلا ركعتين. # ومنهم من احتج على ثبوت السنة قبلها بما رواه ابن ماجه في " سننه " حدثنا ~~محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية عن مبشر بن عبيد، عن حجاج ~~بن أرطأة، عن عطية العوفي، عن ابن عباس، قال ( «كان ms0237 النبي صلى الله عليه ~~وسلم يركع قبل الجمعة أربعا، لا يفصل بينها في شيء منها» ) # قال ابن # PageV01P422 # ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة فذكره. # وهذا الحديث فيه عدة بلايا، إحداها: بقية بن الوليد: إمام المدلسين، وقد ~~عنعنه، ولم يصرح بالسماع. # الثانية: مبشر بن عبيد المنكر الحديث. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ~~يقول: شيخ كان يقال له: مبشر بن عبيد كان بحمص أظنه كوفيا، روى عنه بقية، ~~وأبو المغيرة، أحاديثه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني: مبشر بن عبيد ~~متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها. # الثالثة: الحجاج بن أرطأة الضعيف المدلس. # الرابعة: عطية العوفي، قال البخاري: كان هشيم يتكلم فيه، وضعفه أحمد ~~وغيره. # وقال البيهقي: عطية العوفي لا يحتج به، ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى ~~وضع الحديث، والحجاج بن أرطأة لا يحتج به. # قال بعضهم: ولعل الحديث انقلب على بعض هؤلاء الثلاثة الضعفاء لعدم ضبطهم ~~وإتقانهم، فقال: قبل الجمعة أربعا، وإنما هو بعد الجمعة فيكون موافقا لما ~~ثبت في " الصحيح " ونظير هذا: قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر ~~العمري: ( «للفارس سهمان، وللراجل سهم» ) قال الشافعي: كأنه سمع نافعا ~~يقول: للفرس سهمان، وللراجل سهم، فقال للفارس سهمان، وللراجل سهم. حتى يكون ~~موافقا لحديث أخيه عبيد الله، قال: وليس يشك أحد من أهل العلم في تقديم ~~عبيد الله بن عمر على أخيه عبد الله في الحفظ. # قلت: ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي هريرة ( «لا ~~تزال جهنم يلقى فيها، وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه ~~فيزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط. وأما الجنة: فينشئ # PageV01P423 # الله لها خلقا» ) فانقلب على بعض الرواة، فقال: أما النار فينشئ الله لها ~~خلقا. # قلت: ونظير هذا حديث عائشة ( «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ~~ابن أم مكتوم» ) وهو في " الصحيحين "، فانقلب على بعض الرواة، فقال ( «ابن ~~أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال» ) # ونظيره أيضا عندي حديث أبي هريرة ( «إذا ms0238 صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك ~~البعير وليضع يديه قبل ركبتيه» ) وأظنه وهم - والله أعلم - فيما قاله رسوله ~~الصادق المصدوق " وليضع ركبتيه قبل يديه ". كما قال وائل بن حجر: ( «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» ) # وقال الخطابي وغيره: وحديث وائل بن حجر، أصح من حديث أبي هريرة. وقد سبقت ~~المسألة مستوفاة في هذا الكتاب والحمد لله. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة دخل إلى منزله فصلى ركعتين ~~سنتها، # PageV01P424 # وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا. # قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعا، وإن صلى في ~~بيته صلى ركعتين. قلت وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود، عن ابن عمر ~~أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعا، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين. # وفي " الصحيحين ": عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يصلي ~~بعد الجمعة ركعتين في بيته» ) # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «إذا صلى ~~أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات» ) . والله أعلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين] # كان صلى الله عليه وسلم يصلي العيدين في المصلى، وهو المصلى الذي على باب ~~المدينة الشرقي، وهو المصلى الذي يوضع فيه محمل الحاج، ولم يصل العيد ~~بمسجده إلا مرة واحدة أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد إن ثبت الحديث، ~~وهو في سنن أبي داود، وابن ماجه، وهديه كان فعلهما في المصلى دائما. # وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه فكان له حلة يلبسها للعيدين # PageV01P425 # والجمعة، ومرة كان يلبس بردين أخضرين، ومرة بردا أحمر وليس هو أحمر مصمتا ~~كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردا، وإنما فيه خطوط حمر ~~كالبرود اليمنية فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. # وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من غير معارض النهي عن لبس المعصفر ~~والأحمر وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى ms0239 عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما، فلم ~~يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة ثم يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل ~~تحريم لباس الأحمر أو كراهيته كراهية شديدة. # وكان صلى الله عليه وسلم يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمرات، ويأكلهن ~~وترا، وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من ~~أضحيته. # وكان يغتسل للعيدين، صح الحديث فيه، وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس ~~من رواية جبارة بن مغلس، وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد ~~السمتي. # ولكن ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة، أنه (كان يغتسل يوم العيد قبل ~~خروجه) . # وكان صلى الله عليه وسلم يخرج ماشيا، والعنزة تحمل بين يديه، فإذا وصل ~~إلى المصلى نصبت بين يديه ليصلي إليها، فإن المصلى كان إذ ذاك فضاء لم يكن ~~فيه بناء ولا حائط، وكانت الحربة سترته. # PageV01P426 # وكان يؤخر صلاة عيد الفطر، ويعجل الأضحى، وكان ابن عمر مع شدة اتباعه ~~للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويكبر من بيته إلى المصلى. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ~~ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة: أنه لا يفعل شيء من ذلك. # ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئا قبل الصلاة ولا ~~بعدها. # وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبع تكبيرات ~~متوالية بتكبيرة الافتتاح، يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ~~ذكر معين بين التكبيرات، ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني ~~عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره الخلال. وكان ابن عمر مع ~~تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبير أخذ في القراءة، فقرأ فاتحة ~~الكتاب، ثم قرأ بعدها {ق والقرآن المجيد} [ق: 1] في إحدى الركعتين، وفي ~~الأخرى {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] . # PageV01P427 # وربما قرأ فيهما {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] و {هل أتاك حديث ms0240 ~~الغاشية} [الغاشية: 1] صح عنه هذا وهذا، ولم يصح عنه غير ذلك. # فإذا فرغ من القراءة كبر وركع، ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبر ~~خمسا متوالية، فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة، فيكون التكبير أول ما ~~يبدأ به في الركعتين، والقراءة يليها الركوع، وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه والى بين القراءتين، فكبر أولا، ثم قرأ وركع، فلما قام في ~~الثانية، قرأ وجعل التكبير بعد القراءة، ولكن لم يثبت هذا عنه فإنه من ~~رواية محمد بن معاوية النيسابوري. قال البيهقي: رماه غير واحد بالكذب. # وقد روى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن ~~جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل ~~القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة» ) قال الترمذي: سألت محمدا يعني ~~البخاري عن هذا الحديث، قال: ليس في الباب شيء أصح من هذا، وبه أقول، وقال: ~~وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في ~~هذا الباب هو صحيح أيضا. # PageV01P428 # قلت: يريد حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة ~~تكبيرة، سبعا في الأولى وخمسا في الآخرة، ولم يصل قبلها ولا بعدها. قال ~~أحمد: وأنا أذهب إلى هذا. قلت: وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضرب أحمد على ~~حديثه في " المسند " وقال: لا يساوي حديثه شيئا، والترمذي تارة يصحح حديثه، ~~وتارة يحسنه، وقد صرح البخاري بأنه أصح شيء في الباب مع حكمه بصحة حديث ~~عمرو بن شعيب، وأخبر أنه يذهب إليه. والله أعلم # وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكمل الصلاة انصرف فقام مقابل الناس، والناس ~~جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم، ويأمرهم وينهاهم، وإن كان يريد أن يقطع ~~بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به. ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه، ولم يكن ~~يخرج منبر المدينة، وإنما كان يخطبهم قائما على الأرض، قال جابر: ( «شهدت ~~مع رسول الله صلى الله ms0241 عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ~~بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على ~~طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن» ) متفق ~~عليه. # وقال أبو سعيد الخدري: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر ~~والأضحى إلى المصلى، فأول ما يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس ~~والناس جلوس على صفوفهم. . . الحديث. رواه مسلم. # وذكر أبو سعيد الخدري: أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد فيصلي ~~بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على راحلته مستقبل الناس وهم صفوف جلوس فيقول " ~~تصدقوا "، فأكثر من يتصدق النساء بالقرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجة ~~يريد أن يبعث بعثا يذكره لهم، وإلا انصرف. # وقد كان يقع لي أن هذا وهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يخرج ~~إلى العيد # PageV01P429 # ماشيا، والعنزة بين يديه، وإنما خطب على راحلته يوم النحر بمنى إلى أن ~~رأيت بقي بن مخلد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في " مسنده " عن أبي بكر بن أبي ~~شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا داود بن قيس، حدثنا عياض بن عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، قال: ( «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخرج يوم العيد من يوم الفطر فيصلي بالناس تينك الركعتين ثم ~~يسلم، فيستقبل الناس، فيقول: تصدقوا» ) . وكان أكثر من يتصدق النساء وذكر ~~الحديث. # ثم قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا أبو عامر، حدثنا داود، عن عياض، عن ~~أبي سعيد: ( «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في يوم الفطر فيصلي بالناس ~~فيبدأ بالركعتين، ثم يستقبلهم وهم جلوس، فيقول: تصدقوا» ) فذكر مثله وهذا ~~إسناد ابن ماجه إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود. ولعله: ~~ثم يقوم على رجليه، كما قال جابر: قام متوكئا على بلال فتصحف على الكاتب: ~~براحلته، والله أعلم. # فإن قيل: فقد أخرجا في " الصحيحين " عن ابن عباس، قال: ms0242 ( «شهدت صلاة ~~الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله ~~عنهم، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب، قال: فنزل نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء إلى ~~النساء ومعه بلال فقال: {ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا} [الممتحنة: 12] » ) [الممتحنة: 12] . فتلا الآية حتى فرغ ~~منها، الحديث. # PageV01P430 # وفي " الصحيحين " أيضا عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ ~~بالصلاة، ثم خطب الناس بعد، فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل فأتى ~~النساء فذكرهن» ، الحديث. وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر، أو على ~~راحلته، ولعله كان قد بني له منبر من لبن أو طين أو نحوه؟ قيل: لا ريب في ~~صحة هذين الحديثين، ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد، وأول من ~~أخرجه مروان بن الحكم، فأنكر عليه، وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه ~~كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، كما هو في " الصحيحين " فلعله ~~صلى الله عليه وسلم كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع أو دكان وهي التي ~~تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن فيخطبهن فيعظهن ويذكرهن. ~~والله أعلم. # وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان ~~يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في " سننه " عن سعد ~~القرظ مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر التكبير بين أضعاف ~~الخطبة، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين. وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها ~~به. # وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء، فقيل: يفتتحان ~~بالتكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يفتتحان بالحمد. ~~قال شيخ # PageV01P431 # الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «كل ~~أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم» ) # وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله. # ورخص صلى ms0243 الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة، وأن يذهب، ورخص ~~لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة. # وكان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق، ويرجع ~~في آخر، فقيل: ليسلم على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركته الفريقان، وقيل: # PageV01P432 # ليقضي حاجة من له حاجة منهما، وقيل: ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج ~~والطرق، وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله وقيام شعائره، ~~وقيل: لتكثر شهادة البقاع، فإن الذاهب إلى المسجد والمصلى إحدى خطوتيه ترفع ~~درجة، والأخرى تحط خطيئة حتى يرجع إلى منزله، وقيل: وهو الأصح: إنه لذلك ~~كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها. # وروي عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق ( «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ~~ولله الحمد» ) ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف] # لما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم إلى المسجد مسرعا فزعا يجر رداءه، ~~وكان كسوفها في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها فتقدم فصلى ~~ركعتين، قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة طويلة، جهر بالقراءة، ثم ركع، # PageV01P433 # فأطال الركوع، ثم رفع رأسه من الركوع، فأطال القيام وهو دون القيام ~~الأول، وقال لما رفع رأسه: ( «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد» ) ثم أخذ ~~في القراءة، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه من ~~الركوع ثم سجد سجدة طويلة فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما ~~فعل في الأولى فكان في كل ركعة ركوعان وسجودان فاستكمل في الركعتين أربع ~~ركعات وأربع سجدات، ورأى في صلاته تلك الجنة والنار وهم أن يأخذ عنقودا من ~~الجنة فيريهم إياه، ورأى أهل العذاب في النار فرأى امرأة تخدشها هرة ربطتها ~~حتى ماتت جوعا وعطشا، ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءه في النار، وكان أول من ~~غير دين إبراهيم، ورأى ms0244 فيها سارق الحاج يعذب ثم انصرف فخطب بهم خطبة بليغة، ~~حفظ منها قوله: ( «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ~~ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، يا أمة محمد ~~والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله ~~لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ) # وقال ( «لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني أريد أن ~~آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين ~~رأيتموني تأخرت» ) # وفي لفظ ( «ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع منها، ورأيت أكثر ~~أهل النار النساء. قالوا: وبم يا رسول الله؟ قال بكفرهن. قيل أيكفرن بالله؟ ~~قال يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت ~~منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قط» ) # ومنها: ( «ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل، أو قريبا من فتنة ~~الدجال، يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو قال ~~الموقن فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا، ~~فيقال له: نم صالحا فقد علمنا إن كنت لمؤمنا، وأما المنافق، أو قال: # PageV01P434 # المرتاب، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا، فقلته» ) . # وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل، رحمه الله، أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~سلم، حمد الله وأثنى عليه وشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم ~~قال: ( «أيها الناس، أنشدكم بالله هل تعلمون أني قصرت في شيء من تبليغ ~~رسالات ربي لما أخبرتموني بذلك؟ فقام رجل، فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ~~ربك، ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك. ثم قال: أما بعد فإن رجالا يزعمون أن ~~كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال ~~عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله تبارك ~~وتعالى يعتبر بها عباده فينظر من يحدث ms0245 منهم توبة، وايم الله لقد رأيت منذ ~~قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه - والله أعلم - لا ~~تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى ~~كأنها عين أبي يحيى لشيخ حينئذ من الأنصار، بينه وبين حجرة عائشة، وإنه متى ~~يخرج، فسوف يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه لم ينفعه صالح من عمله ~~سلف، ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله سلف، وإنه سيظهر على الأرض ~~كلها إلا الحرم، وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت # PageV01P435 # المقدس فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم يهلكه الله عز وجل وجنوده، حتى إن جذم ~~الحائط أو قال أصل الحائط، وأصل الشجرة لينادي: يا مسلم يا مؤمن هذا يهودي، ~~أو قال: هذا كافر فتعال فاقتله، قال: ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم ~~بينكم شأنها في أنفسكم وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا: ~~وحتى تزول جبال عن مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض» ) . # فهذا الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد ~~روي عنه أنه صلاها على صفات أخر. # منها: (كل ركعة بثلاث ركوعات) . # ومنها: (كل ركعة بأربع ركوعات) . # ومنها: إنها كإحدى صلاة صليت كل ركعة بركوع واحد، ولكن كبار الأئمة لا ~~يصححون ذلك، كالإمام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطا. # قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى بثلاث ركعات في كل ركعة، قال الشافعي: فقلت له أتقول به أنت؟ قال لا ~~ولكن لم لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم؟ يعني حديث الركوعين في ~~الركعة، فقلت: هو من وجه منقطع ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجه ~~نراه - والله أعلم - غلطا، قال البيهقي: أراد بالمنقطع قول عبيد بن عمير: ~~حدثني من أصدق، قال عطاء: حسبته يريد عائشة. . . الحديث، وفيه فركع في # PageV01P436 # كل ركعة ثلاث ركوعات وأربع سجدات. # وقال قتادة: عن عطاء، عن عبيد بن عمير عنها: ست ركعات في ms0246 أربع سجدات. ~~فعطاء إنما أسنده عن عائشة بالظن والحسبان لا باليقين، وكيف يكون ذلك ~~محفوظا عن عائشة وقد ثبت عن عروة، وعمرة، عن عائشة خلافه وعروة، وعمرة أخص ~~بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير وهما اثنان، فروايتهما أولى أن تكون هي ~~المحفوظة. # قال: وأما الذي يراه الشافعي غلطا فأحسبه حديث عطاء عن جابر: ( «انكسفت ~~الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم بن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال الناس إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ست ركعات في أربع سجدات» ) ، الحديث. # قال البيهقي: من نظر في قصة هذا الحديث وقصة حديث أبي الزبير علم أنهما ~~قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها مرة واحدة وذلك في يوم ~~توفي ابنه إبراهيم عليه السلام. # قال: ثم وقع الخلاف بين عبد الملك، يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء، عن ~~جابر، وبين هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر في عدد الركوع في كل ~~ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى، يعني أن في كل ركعة ركوعين فقط لكونه مع أبي ~~الزبير أحفظ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع رواية عمرة، ~~وعروة عن عائشة، ورواية كثير بن عباس، وعطاء بن يسار عن ابن عباس، ورواية ~~أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، ثم رواية يحيى بن سليم وغيره، وقد خولف عبد ~~الملك في روايته عن عطاء فرواه ابن جريج، وقتادة، عن عطاء، عن عبيد بن ~~عمير: ست ركعات في أربع سجدات، فرواية هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم ~~يقع فيها الخلاف ويوافقها عدد كثير أولى من روايتي عطاء اللتين إنما # PageV01P437 # إسناد أحدهما بالتوهم، والأخرى يتفرد بها عنه عبد الملك بن أبي سليمان ~~الذي قد أخذ عليه الغلط في غير حديث. # قال: وأما حديث حبيب بن أبي ثابت، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه: ( «صلى في كسوف، فقرأ، ثم ركع، ثم ms0247 قرأ، ثم ركع، ثم ~~قرأ، ثم ركع، ثم قرأ، ثم ركع، ثم سجد» ) قال: والأخرى مثلها، فرواه مسلم في ~~" صحيحه " وهو مما تفرد به حبيب بن أبي ثابت، وحبيب وإن كان ثقة، فكان يدلس ~~ولم يبين فيه سماعه من طاووس فيشبه أن يكون حمله عن غير موثوق به، وقد ~~خالفه في رفعه ومتنه سليمان المكي الأحول، فرواه عن طاووس، عن ابن عباس من ~~فعله ثلاث ركعات في ركعة. # وقد خولف سليمان أيضا في عدد الركوع فرواه جماعة عن ابن عباس من فعله، ~~كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني في كل ~~ركعة ركوعان. # قال: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث فلم يخرج ~~شيئا منها في " الصحيح " لمخالفتهن ما هو أصح إسنادا وأكثر عددا وأوثق ~~رجالا، وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه: أصح الروايات عندي في ~~صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات. # قال البيهقي: وروي عن حذيفة مرفوعا ( «أربع ركعات في كل ركعة» ) وإسناده ~~ضعيف. # وروي عن أبي بن كعب مرفوعا ( «خمس ركوعات في كل ركعة» ) . وصاحبا الصحيح ~~لم يحتجا بمثل إسناد حديثه. # قال: وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد # PageV01P438 # الركعات، وحملوها على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها مرارا، وأن ~~الجميع جائز، فممن ذهب إليه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ~~وأبو بكر بن إسحاق الضبعي، وأبو سليمان الخطابي، واستحسنه ابن المنذر. # والذي ذهب إليه البخاري، والشافعي من ترجيح الأخبار أولى لما ذكرنا من ~~رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته صلى الله عليه وسلم يوم توفي ابنه. # قلت: والمنصوص عن أحمد أيضا أخذه بحديث عائشة وحده في كل ركعة ركوعان ~~وسجودان. # قال في رواية المروزي: وأذهب إلى أن صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات ~~في كل ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة، أكثر الأحاديث على هذا. ~~وهذا اختيار أبي بكر، وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن ~~تيمية. ms0248 وكان يضعف كل ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم. والله أعلم. # وأمر صلى الله عليه وسلم في الكسوف بذكر الله، والصلاة، والدعاء، ~~والاستغفار، والصدقة، والعتاقة والله أعلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استسقى على وجوه. # أحدها: يوم الجمعة على المنبر في أثناء خطبته، وقال ( «اللهم أغثنا، ~~اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا» ) . # الوجه الثاني: ( «أنه صلى الله عليه وسلم وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى ~~المصلى، فخرج لما طلعت الشمس متواضعا، متبذلا، متخشعا، مترسلا، # PageV01P439 # متضرعا، فلما وافى المصلى صعد المنبر - إن صح، وإلا ففي القلب منه شيء - ~~فحمد الله وأثنى عليه وكبره، وكان مما حفظ من خطبته ودعائه: الحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، ~~اللهم أنت الله لا إله إلا أنت تفعل ما تريد، اللهم لا إله إلا أنت أنت ~~الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا وبلاغا ~~إلى حين» ) . ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء وبالغ في الرفع ~~حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة، وحول إذ ذاك ~~رداءه وهو مستقبل القبلة فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وظهر ~~الرداء لبطنه، وبطنه لظهره، وكان الرداء خميصة سوداء، وأخذ في الدعاء ~~مستقبل القبلة، والناس كذلك، ثم نزل فصلى بهم ركعتين كصلاة العيد من غير ~~أذان ولا إقامة ولا نداء البتة، جهر فيهما بالقراءة، وقرأ في الأولى بعد ~~فاتحة الكتاب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] وفي الثانية: {هل أتاك حديث ~~الغاشية} [الغاشية: 1] . # الوجه الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم ( «استسقى على منبر المدينة» ) ~~استسقاء مجردا في # PageV01P440 # غير يوم جمعة، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الاستسقاء صلاة. # الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى وهو ms0249 جالس في المسجد فرفع ~~يديه ودعا الله عز وجل فحفظ من دعائه حينئذ: ( «اللهم اسقنا غيثا مغيثا ~~مريعا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار» ) # الوجه الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم ( «استسقى عند أحجار الزيت قريبا ~~من الزوراء» ) وهي خارج باب المسجد الذي يدعى اليوم باب السلام نحو قذفة ~~حجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد. # الوجه السادس: أنه صلى الله عليه وسلم استسقى في بعض غزواته لما سبقه ~~المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى ~~لقومه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: ( «أوقد قالوها؟ عسى ربكم ~~أن يسقيكم ثم بسط يديه ودعا» ) فما رد يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب ~~وأمطروا، فأفعم السيل الوادي، فشرب الناس فارتووا. # وحفظ من دعائه في الاستسقاء: ( «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك ~~وأحي بلدك الميت» ) ( «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا # PageV01P441 # غير ضار، عاجلا غير آجل» ) . وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة استسقى ~~فيها. # واستسقى مرة، فقام إليه أبو لبابة، فقال: يا رسول الله إن التمر في ~~المرابد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو ~~لبابة عريانا، فيسد ثعلب مربده بإزاره فأمطرت فاجتمعوا إلى أبي لبابة، ~~فقالوا: إنها لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ففعل فاستهلت السماء» ) # ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء، فاستصحى لهم، وقال: ( «اللهم حوالينا ~~ولا علينا اللهم على الآكام، والجبال، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت ~~الشجر» ) # «وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى مطرا، قال: (اللهم صيبا نافعا» ) . # «وكان يحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال: (لأنه حديث عهد ~~بربه» ) # قال الشافعي رحمه الله: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن الهاد أن # PageV01P442 # النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل قال: ( «اخرجوا بنا إلى هذا ~~الذي ms0250 جعله الله طهورا فنتطهر منه ونحمد الله عليه» ) # وأخبرني من لا أتهم، عن إسحاق بن عبد الله أن عمر كان إذا سال السيل ذهب ~~بأصحابه إليه وقال: ما كان ليجيء من مجيئه أحد إلا تمسحنا به. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح، عرف ذلك في وجهه فأقبل ~~وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه وذهب عنه ذلك، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب. # قال الشافعي: وروي «عن سالم بن عبد الله، عن أبيه مرفوعا أنه كان إذا ~~استسقى قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا غدقا مجللا عاما طبقا سحا ~~دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد ~~والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، ~~اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا ~~من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ~~ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا ~~مدرارا» ) # قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يدعو الإمام بهذا، قال: وبلغني أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه وبلغنا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يتمطر # PageV01P443 # في أول مطرة حتى يصيب جسده. # قال: وبلغني أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصبح وقد مطر ~~الناس، قال: ( «مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها} [فاطر: 2] » ) [فاطر: 2] . # قال: وأخبرني من لا أتهم عن عبد العزيز بن عمر، عن مكحول، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: ( «اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، ~~وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» ) . # وقد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند: نزول الغيث وإقامة الصلاة. # قال البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «الدعاء لا يرد عند النداء، وعند البأس، وتحت المطر.» ) # وروينا عن أبي أمامة، عن النبي ms0251 صلى الله عليه وسلم قال: ( «تفتح أبواب ~~السماء، ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، وعند نزول ~~الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة» ) . ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه] # كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار: سفره لهجرته، ~~وسفره للجهاد وهو أكثرها، وسفره للعمرة، وسفره للحج. # PageV01P444 # ( «وكان إذا أراد سفرا، أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه» ) ~~ولما حج سافر بهن جميعا. # وكان إذا سافر خرج من أول النهار، وكان يستحب الخروج يوم الخميس ( «ودعا ~~الله تبارك وتعالى أن يبارك لأمته في بكورها» ) # وكان إذا بعث سرية أو جيشا، بعثهم من أول النهار ( «وأمر المسافرين إذا ~~كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم» ) . ( «ونهى أن يسافر الرجل وحده» ) ، وأخبر ~~أن ( «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» ) # وذكر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر ( «اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، ~~اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم به، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ~~ووجهني للخير أينما توجهت» ) # PageV01P445 # ( «وكان إذا قدمت إليه دابته ليركبها، يقول بسم الله حين يضع رجله في ~~الركاب، وإذا استوى على ظهرها، قال: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد ~~لله، ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم يقول: سبحانك إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» ) # وكان يقول: ( «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ~~ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في ~~السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة ~~المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون ~~تائبون عابدون لربنا حامدون» ) # وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا، كبروا، وإذا هبطوا الأودية، سبحوا. # وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: ( «اللهم رب السماوات السبع ~~وما أظللن، ورب ms0252 الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما # PageV01P446 # أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وأعوذ بك ~~من شرها، وشر أهلها وشر ما فيها» ) . # وذكر عنه أنه كان يقول: ( «اللهم إني أسألك من خير هذه القرية وخير ما ~~جمعت فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما جمعت فيها، اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا ~~من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا» ) # وكان يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى ~~المدينة، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يقصر في السفر، ويتم، ويفطر، ويصوم» ) ~~فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انتهى، وقد روي كان يقصر وتتم، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني ~~بالتاء المثناة من فوق، وكذلك يفطر وتصوم، أي: تأخذ هي بالعزيمة في ~~الموضعين، قال: شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين # PageV01P447 # لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه، فتصلي خلاف صلاتهم، ~~كيف والصحيح عنها أنها قالت: ( «إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما ~~هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، زيد في صلاة الحضر، وأقرت ~~صلاة السفر» ) فكيف يظن بها مع ذلك أن تصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين معه. # قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس ~~وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر ~~دائما، فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا، وقال: فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقصر وتتم هي، فغلط بعض الرواة، فقال: كان يقصر ويتم، أي هو. # والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه، فقيل ظنت أن القصر مشروط بالخوف في ~~السفر، فإذا زال الخوف زال سبب القصر، وهذا التأويل غير صحيح، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سافر آمنا وكان يقصر الصلاة، ms0253 والآية قد أشكلت على عمر ~~وعلى غيره، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء، وأن ~~هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، # PageV01P448 # وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص ~~للمفهوم أو رفع له، وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان ~~بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض ~~والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها ~~وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون ~~صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإذا وجد الخوف ~~والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في ~~الآية، فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، ~~وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار ~~نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر ~~الآية، والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين، والثاني يدل عليه كلام ~~الصحابة، كعائشة، وابن عباس وغيرهما، قالت عائشة: ( «فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، زيد في صلاة ~~الحضر، وأقرت صلاة السفر» ) فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة ~~من أربع، وإنما هي مفروضة كذلك، وأن فرض المسافر ركعتان. # وقال ابن عباس: ( «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي ~~السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» ) متفق على حديث عائشة، وانفرد مسلم بحديث ~~ابن عباس. # وقال عمر رضي الله عنه: ( «صلاة السفر ركعتان، والجمعة ركعتان، # PageV01P449 # والعيد ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب ~~من افترى» ) . وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه، وهو الذي ( «سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صدقة تصدق بها الله عليكم، فاقبلوا صدقته» ms0254 ) # ولا تناقض بين حديثيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجابه بأن هذه ~~صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر ~~العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر. ~~وعلى هذا، فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح منفي عنه الجناح، فإن ~~شاء المصلي، فعله، وإن شاء، أتم. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب في أسفاره على ركعتين ركعتين، ~~ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف، كما سنذكره هناك، ونبين ما ~~فيه إن شاء الله تعالى. # وقال أنس: ( «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، ~~فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة» ) متفق عليه. # ( «ولما بلغ عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات ~~قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ~~ركعتين، # PageV01P450 # وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت ~~حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان» ) متفق عليه. ولم يكن ابن مسعود ~~ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما، بل الأولى على قول، ~~وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه على ~~صلاة ركعتين في السفر. # وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: «صحبت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكان في السفر لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان» ~~. يعني في صدر خلافة عثمان، وإلا فعثمان قد أتم في آخر خلافته، وكان ذلك ~~أحد الأسباب التي أنكرت عليه. وقد خرج لفعله تأويلات # أحدها: أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة، فأراد أن يعلمهم أن فرض ~~الصلاة أربع، لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر، ورد هذا التأويل ~~بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا حديثي عهد ~~بالإسلام، والعهد بالصلاة قريب، ومع هذا ms0255 فلم يربع بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # التأويل الثاني: أنه كان إماما للناس، والإمام حيث نزل، فهو عمله ومحل ~~ولايته، فكأنه وطنه، ورد هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان هو أولى بذلك، وكان هو الإمام المطلق ولم ~~يربع. # التأويل الثالث: أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في ~~عهده، ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت فضاء، ~~ولهذا قيل # PageV01P451 # له: «يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر؟ فقال: (لا. منى ~~مناخ من سبق» ) . فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا ~~التأويل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا يقصر الصلاة. # التأويل الرابع: أنه أقام بها ثلاثا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~( «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا» ) فسماه مقيما، والمقيم غير مسافر ~~ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيدة في أثناء السفر ليست بالإقامة التي هي ~~قسيم السفر، وقد أقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشرا يقصر الصلاة، وأقام ~~بمنى بعد نسكه أيام الجمار الثلاث يقصر الصلاة. # التأويل الخامس: أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى، واتخاذها ~~دار الخلافة، فلهذا أتم، ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة، وهذا التأويل أيضا ~~مما لا يقوى، فإن عثمان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين، وقد منع صلى ~~الله عليه وسلم المهاجرين من الإقامة بمكة بعد نسكهم، ورخص لهم فيها ثلاثة ~~أيام فقط، فلم يكن عثمان ليقيم بها، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~ذلك، وإنما رخص فيها ثلاثا وذلك لأنهم تركوها لله وما ترك لله فإنه لا يعاد ~~فيه ولا يسترجع، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من شراء المتصدق ~~لصدقته، وقال لعمر: ( «لا # PageV01P452 # تشترها ولا تعد في صدقتك» ) . فجعله عائدا في صدقته مع أخذها بالثمن. # التأويل السادس: أنه كان قد تأهل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع، ms0256 وتزوج ~~فيه، أو كان له به زوجة، أتم، ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فروى عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن ابن أبي ذباب، عن أبيه، قال: ~~صلى عثمان بأهل منى أربعا، وقال يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها، وإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه ~~يصلي بها صلاة مقيم» ) . رواه الإمام أحمد رحمه الله في " مسنده "، وعبد ~~الله بن الزبير الحميدي في " مسنده " أيضا، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، ~~وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم. قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب ~~الضعف، فإن البخاري ذكره في " تاريخه " ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح ~~والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، ~~وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما، وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. # وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت كان وطنها وهو أيضا ~~اعتذار ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أيضا، وأمومة ~~أزواجه فرع عن أبوته ولم يكن يتم لهذا السبب. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه ~~أنها كانت تصلي في السفر أربعا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: (يا ابن ~~أختي إنه لا يشق علي) # PageV01P453 # قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرض المسافر ركعتين، لما أتمها عثمان، ولا ~~عائشة، ولا ابن مسعود، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم، وقد قالت عائشة: كل ~~ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم وقصر، ثم روى عن إبراهيم بن ~~محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: «كل ذلك فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قصر الصلاة في السفر وأتم» . # قال البيهقي: وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء، وأصح إسناد فيه ما ~~أخبرنا أبو بكر الحارثي، عن الدارقطني، عن المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ~~ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة ms0257 أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( «كان يقصر في الصلاة ويتم ويفطر ويصوم» ) # قال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح. ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوري، عن ~~عباس الدوري، أنبأنا أبو نعيم، حدثنا العلاء بن زهير، حدثني عبد الرحمن بن ~~الأسود عن (عائشة أنها اعتمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى ~~مكة، حتى إذا قدمت مكة، قالت: «يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت، ~~وصمت وأفطرت. قال أحسنت يا عائشة» ) # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن ~~عائشة لتصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة وهي ~~تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: # PageV01P454 # ( «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر» ) ~~فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله، وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. # قال الزهري لعروة لما حدثه عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ فقال: ~~تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها ~~وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل ~~على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يزيد في السفر على ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر» . أفيظن بعائشة أم ~~المؤمنين مخالفتهم، وهي تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم ~~فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلا، والحجة في روايتهم لا في ~~تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له، والله أعلم. # وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر إنا نجد صلاة الحضر، وصلاة الخوف ~~في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابن عمر: يا أخي إن الله ~~بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا، فإنما نفعل كما رأينا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم يفعل # وقد قال أنس: ( «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ms0258 وسلم إلى مكة فكان ~~يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة» ) # وقال ابن عمر: ( «صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يزيد في ~~السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم» ) وهذه كلها ~~أحاديث صحيحة. # PageV01P455 ### | [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ ~~عنه أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر، وسنة الفجر ~~فإنه لم يكن ليدعهما حضرا ولا سفرا. قال ابن عمر وقد سئل عن ذلك: فقال: ( ~~«صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أره يسبح في السفر، وقال الله عز وجل ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] » ) [الأحزاب: 21] ~~ومراده بالتسبيح: السنة الراتبة، وإلا فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه. # وفي " الصحيحين " عن ابن عمر، قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ~~ويوتر على راحلته» ) . # قال الشافعي رحمه الله: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنفل ~~ليلا وهو يقصر، وفي " الصحيحين ": عن عامر بن ربيعة، أنه ( «رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته» ) فهذا قيام ~~الليل. # وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن التطوع في السفر؟ فقال: أرجو أن لا يكون ~~بالتطوع في السفر بأس، وروي عن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي هذا عن # PageV01P456 # عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر. # وأما ابن عمر فكان لا يتطوع قبل الفريضة ولا بعدها إلا من جوف الليل مع ~~الوتر، وهذا هو الظاهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان لا يصلي ~~قبل الفريضة المقصورة ولا بعدها شيئا، ولكن لم يكن يمنع ms0259 من التطوع قبلها ~~ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة كسنة صلاة ~~الإقامة، ويؤيد هذا أن الرباعية قد خففت إلى ركعتين تخفيفا على المسافر ~~فكيف يجعل لها سنة راتبة يحافظ عليها وقد خفف الفرض إلى ركعتين، فلولا قصد ~~التخفيف على المسافر، وإلا كان الإتمام أولى به، ولهذا قال عبد الله بن ~~عمر: ( «لو كنت مسبحا لأتممت» ) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه «صلى ~~يوم الفتح ثمان ركعات ضحى وهو إذ ذاك مسافر» . # وأما ما رواه أبو داود، والترمذي في السنن من حديث الليث، عن صفوان بن ~~سليم، عن أبي بسرة الغفاري، عن البراء بن عازب، قال: ( «سافرت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا، فلم أره ترك ركعتين عند زيغ الشمس قبل ~~الظهر» ) قال الترمذي: هذا حديث غريب. قال: وسألت محمدا عنه، فلم يعرفه إلا ~~من حديث الليث بن سعد، ولم يعرف اسم أبي بسرة ورآه حسنا. وبسرة: بالباء ~~الموحدة المضمومة وسكون السين المهملة. # وأما حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان لا ~~يدع أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها» ) فرواه البخاري في " صحيحه " ولكنه ~~ليس بصريح في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة، ~~والرجال أعلم بسفره من النساء، وقد أخبر ابن عمر أنه لم يزد على ركعتين، # PageV01P457 # ولم يكن ابن عمر يصلي قبلها ولا بعدها شيئا. والله أعلم. ### | [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته حيث توجهت به، ~~وكان يومئ إيماء برأسه في ركوعه، وسجوده، وسجوده أخفض من ركوعه، وروى أحمد، ~~وأبو داود عنه، من حديث أنس، أنه كان يستقبل بناقته القبلة عند تكبيرة ~~الافتتاح، ثم يصلي سائر الصلاة حيث توجهت به. وفي هذا الحديث نظر، وسائر من ~~وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته، أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل ~~أي جهة توجهت به، ms0260 ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها، كعامر بن ~~ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس ~~هذا، والله أعلم. # ( «وصلى على الراحلة وعلى الحمار» ) إن صح عنه، وقد رواه مسلم في " صحيحه ~~" من حديث ابن عمر. # وصلى الفرض بهم على الرواحل لأجل المطر والطين، إن صح الخبر بذلك، وقد ~~رواه أحمد، والترمذي، والنسائي «أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى مضيق هو ~~وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل # PageV01P458 # منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء، فجعل السجود أخفض من الركوع» . # قال الترمذي: حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح، وثبت ذلك عن أنس من فعله ### | [فصل في الجمع بين الصلاتين] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر ~~الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زالت الشمس قبل أن يرتحل صلى ~~الظهر ثم ركب) . وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين ~~العشاء في وقت العشاء. # وقد روي عنه في غزوة تبوك أنه كان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين ~~الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر ~~فيصليهما جميعا، وكذلك في المغرب والعشاء، لكن اختلف في هذا الحديث، فمن ~~مصحح له، ومن محسن، ومن قادح فيه، وجعله موضوعا كالحاكم، وإسناده على شرط ~~الصحيح، لكن رمي بعلة عجيبة، قال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن ~~بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن ~~يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( «كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن # PageV01P459 # تزيغ الشمس، أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر ويصليهما جميعا، وإذا ارتحل ~~بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ms0261 ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب ~~أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها ~~مع المغرب» ) # قال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، ثم لا ~~نعرف له علة نعله بها. فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي ~~الطفيل، لعللنا به الحديث. ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، ~~لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولا، ثم نظرنا فلم ~~نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه ~~السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل ~~غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ. # وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على ~~هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر ~~بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا ~~الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم ~~يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع، ~~وقتيبة ثقة مأمون، ثم ذكر بإسناده إلى البخاري. قال: قلت لقتيبة بن سعيد: ~~مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: ~~كتبته مع خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني. قال البخاري: وكان خالد ~~المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ. # قلت: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم، فإن أبا داود رواه عن # PageV01P460 # يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي، حدثنا المفضل بن فضالة، عن ~~الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ ~~فذكره. . . " فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من المفضل ~~وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبة به، ثم إن قتيبة صرح بالسماع فقال: حدثنا ولم ~~يعنعن، ms0262 فكيف يقدح في سماعه، مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة، ~~والحفظ، والثقة، والعدالة. # وقد روى إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن ~~شهاب، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «كان إذا كان في سفر ~~فزالت الشمس صلى الظهر والعصر، ثم ارتحل» ) . وهذا إسناد كما ترى، وشبابة: ~~هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له مسلم في " ~~صحيحه " عن الليث بن سعد بهذا الإسناد على شرط الشيخين، وأقل درجاته أن ~~يكون مقويا لحديث معاذ وأصله في " الصحيحين " لكن ليس فيه جمع التقديم. # ثم قال أبو داود: وروى هشام، عن عروة، عن حسين بن عبد الله، عن كريب، عن ~~ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو حديث المفضل، يعني حديث معاذ ~~في الجمع والتقديم، ولفظه عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ~~كريب، عن ابن عباس، أنه قال: «ألا أخبركم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في السفر؟ كان إذا زالت الشمس وهو في منزله، جمع بين الظهر والعصر في ~~الزوال، وإذا سافر # PageV01P461 # قبل أن تزول الشمس، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر، ~~قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك» ، ورواه الشافعي من حديث ابن ~~أبي يحيى، عن حسين، ومن حديث ابن عجلان بلاغا عن حسين. # قال البيهقي: هكذا رواه الأكابر، هشام بن عروة وغيره، عن حسين بن عبد ~~الله. ورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن حسين، عن عكرمة، وعن كريب كلاهما، ~~عن ابن عباس، ورواه أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، قال: ولا أعلمه إلا ~~مرفوعا. # وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا إسماعيل بن أبي إدريس، قال: حدثني أخي، عن ~~سليمان بن مالك، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: ( «كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير فراح قبل أن تزيغ الشمس ركب فسار ~~ثم نزل، فجمع ms0263 بين الظهر والعصر، وإذا لم يرح حتى تزيغ الشمس جمع بين الظهر ~~والعصر، ثم ركب، وإذا أراد أن يركب ودخلت صلاة المغرب، جمع بين المغرب وبين ~~صلاة العشاء» ) # قال أبو العباس بن سريج: روى يحيى بن عبد الحميد، عن أبي خالد الأحمر، عن ~~الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ( «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا لم يرتحل حتى تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، فإذا لم ~~تزغ أخرها حتى يجمع بينهما في وقت العصر» ) # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويدل على جمع التقديم جمعه بعرفة بين الظهر ~~والعصر لمصلحة الوقوف، ليتصل وقت الدعاء، ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر مع ~~إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى. # قال الشافعي: وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر لأن يتصل له الدعاء، فلا ~~يقطعه بصلاة العصر، وأرفق بالمزدلفة أن يتصل له المسير، ولا يقطعه بالنزول # PageV01P462 # للمغرب؛ لما في ذلك من التضييق على الناس. والله أعلم. ### | [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم عدم الجمع راكبا في سفره] # فصل # ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير ~~من الناس، ولا الجمع حال نزوله أيضا، وإنما كان يجمع إذا جد به السير، وإذا ~~سار عقيب الصلاة كما ذكرنا في قصة تبوك، وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ~~ينقل ذلك عنه إلا بعرفة لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي رحمه الله ~~وشيخنا، ولهذا خصه أبو حنيفة بعرفة وجعله من تمام النسك ولا تأثير للسفر ~~عنده فيه. وأحمد، ومالك، والشافعي، جعلوا سببه السفر، ثم اختلفوا، فجعل ~~الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات عنه التأثير للسفر الطويل، ولم يجوزاه ~~لأهل مكة، وجوز مالك، وأحمد في الرواية الأخرى عنه لأهل مكة الجمع والقصر ~~بعرفة، واختارها شيخنا وأبو الخطاب في عباداته، ثم طرد شيخنا هذا وجعله ~~أصلا في جواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره، كما هو مذهب كثير من ~~السلف، وجعله مالك وأبو الخطاب ms0264 مخصوصا بأهل مكة. # ولم يحد صلى الله عليه وسلم لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق ~~لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، ~~وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه ~~منها شيء البتة، والله أعلم ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند ~~قراءته، واستماعه وتحسين صوته به وتوابع ذلك # كان له صلى الله عليه وسلم حزب يقرؤه، ولا يخل به، وكانت قراءته ترتيلا ~~لا هذا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا. وكان يقطع قراءته آية آية، ~~وكان يمد عند حروف المد، فيمد (الرحمن) ويمد (الرحيم) وكان يستعيذ بالله من ~~الشيطان # PageV01P463 # الرجيم في أول قراءته فيقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وربما كان ~~يقول: ( «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه» ) وكان ~~تعوذه قبل القراءة. # وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود، فقرأ عليه وهو ~~يسمع. وخشع صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه. # وكان يقرأ القرآن قائما، وقاعدا، ومضطجعا، ومتوضئا، ومحدثا، ولم يكن ~~يمنعه من قراءته إلا الجنابة. # وكان صلى الله عليه وسلم يتغنى به، ويرجع صوته به أحيانا كما رجع يوم ~~الفتح في قراءته {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: 1] . وحكى عبد الله بن ~~مغفل ترجيعه، آآ آثلاث مرات ذكره البخاري. # وإذا جمعت هذه الأحاديث إلى قوله: ( «زينوا القرآن بأصواتكم» ) . وقوله: # PageV01P464 # ( «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ) . وقوله ( «ما أذن الله لشيء كإذنه ~~لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن» ) . علمت أن هذا الترجيع منه صلى الله عليه ~~وسلم كان اختيارا لا اضطرارا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة ~~لما كان داخلا تحت الاختيار فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارا ~~ليؤتسى به وهو يرى ms0265 هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول كان يرجع في ~~قراءته فنسب الترجيع إلى فعله. ولو كان من هز الراحلة، لم يكن منه فعل يسمى ~~ترجيعا. # وقد استمع ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري فلما أخبره بذلك قال: (لو كنت ~~أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا) أي حسنته وزينته بصوتي تزيينا، # PageV01P465 # وروى أبو داود في " سننه " عن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي ~~مليكة يقول: قال عبد الله بن أبي يزيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل ~~بيته فإذا رجل رث الهيئة فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ( «ليس منا من لم يتغن بالقرآن. قال فقلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد ~~أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال يحسنه ما استطاع» ) # قلت: لا بد من كشف هذه المسألة وذكر اختلاف الناس فيها، واحتجاج كل فريق، ~~وما لهم وعليهم في احتجاجهم، وذكر الصواب في ذلك بحول الله تبارك وتعالى ~~ومعونته، فقالت طائفة: تكره قراءة الألحان، وممن نص على ذلك أحمد، ومالك ~~وغيرهما، فقال أحمد في رواية علي بن سعيد في قراءة الألحان: ما تعجبني وهو ~~محدث. وقال في رواية المروزي: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع، وقال في ~~رواية عبد الرحمن المتطبب: قراءة الألحان بدعة، وقال في رواية ابنه عبد ~~الله، ويوسف بن موسى، ويعقوب بن بختان، والأثرم، وإبراهيم بن الحارث: ~~القراءة بالألحان لا تعجبني إلا أن يكون ذلك حزنا فيقرأ بحزن مثل صوت أبي ~~موسى، وقال في رواية صالح ( «زينوا القرآن بأصواتكم» ) معناه أن يحسنه وقال ~~في رواية المروزي: ( «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى ~~بالقرآن» ) ، وفي رواية قوله: ( «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ) ، فقال كان ~~ابن عيينة يقول: يستغني به. وقال الشافعي: يرفع صوته، وذكر له حديث معاوية ~~بن قرة في قصة قراءة سورة # PageV01P466 # الفتح والترجيع فيها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان، ~~وأنكر الأحاديث التي يحتج بها في الرخصة في الألحان. # وروى ابن ms0266 القاسم، عن مالك أنه سئل عن الألحان في الصلاة فقال لا تعجبني، ~~وقال إنما هو غناء يتغنون به، ليأخذوا عليه الدراهم، وممن رويت عنه الكراهة ~~أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، ~~وابن سيرين، وإبراهيم النخعي. وقال عبد الله بن يزيد العكبري: سمعت رجلا ~~يسأل أحمد ما تقول في القراءة بالألحان؟ فقال ما اسمك؟ قال محمد قال أيسرك ~~أن يقال لك: يا موحمد ممدودا قال القاضي أبو يعلى: هذه مبالغة في الكراهة. ~~وقال الحسن بن عبد العزيز الجروي: أوصى إلي رجل بوصية وكان فيما خلف جارية ~~تقرأ بالألحان وكانت أكثر تركته أو عامتها، فسألت أحمد بن حنبل، والحارث بن ~~مسكين، وأبا عبيد كيف أبيعها؟ فقالوا: بعها ساذجة فأخبرتهم بما في بيعها من ~~النقصان، فقالوا: بعها ساذجة، قال القاضي: وإنما قالوا ذلك، لأن سماع ذلك ~~منها مكروه، فلا يجوز أن يعاوض عليه كالغناء. # قال ابن بطال: وقالت طائفة: التغني بالقرآن، هو تحسين الصوت به والترجيع ~~بقراءته، قال: والتغني بما شاء من الأصوات واللحون هو قول ابن المبارك، ~~والنضر بن شميل، قال: وممن أجاز الألحان في القرآن: ذكر الطبري، عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي موسى: (ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى ~~ويتلاحن وقال: من استطاع أن يتغنى بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل) وكان عقبة ~~بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن فقال له عمر: (اعرض علي سورة كذا، فعرض ~~عليه فبكى عمر، وقال ما كنت أظن أنها نزلت) قال: وأجازه ابن عباس، وابن ~~مسعود وروي، عن عطاء بن أبي رباح، قال: وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، # PageV01P467 # يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان. وذكر الطحاوي، عن أبي حنيفة ~~وأصحابه: أنهم كانوا يستمعون القرآن بالألحان. وقال محمد بن عبد الحكم: ~~رأيت أبي، والشافعي، ويوسف بن عمر يستمعون القرآن بالألحان وهذا اختيار ابن ~~جرير الطبري. # قال المجوزون - واللفظ لابن جرير -: الدليل: على أن معنى الحديث تحسين ~~الصوت، والغناء المعقول الذي ms0267 هو تحزين القارئ سامع قراءته، كما أن الغناء ~~بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه -: ما روى سفيان، عن الزهري، عن ~~أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( «ما أذن الله ~~لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن» ) ومعقول عند ذوي الحجا، أن الترنم ~~لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه المترنم وطرب به. وروي في هذا الحديث ( «ما ~~أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» ) قال الطبري: ~~وهذا الحديث من أبين البيان أن ذلك كما قلنا، قال ولو كان كما قال ابن ~~عيينة يعني: يستغني به عن غيره لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى، ~~والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت ~~بالترجيع، قال الشاعر # تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار # قال: وأما ادعاء الزاعم، أن تغنيت بمعنى استغنيت فاش في كلام العرب، فلم ~~نعلم أحدا قال به من أهل العلم بكلام العرب. # وأما احتجاجه لتصحيح قوله بقول الأعشى: # وكنت امرءا زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن # PageV01P468 # وزعم أنه أراد بقوله: طويل التغني: طويل الاستغناء فإنه غلط منه، وإنما ~~عنى الأعشى بالتغني في هذا الموضع: الإقامة من قول العرب: غنى فلان بمكان ~~كذا: إذا أقام به، ومنه قوله تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} [الأعراف: 92] ~~[الأعراف: 92] ، واستشهاده بقول الآخر: # كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا # فإنه إغفال منه، وذلك لأن التغاني تفاعل من تغنى: إذا استغنى كل واحد ~~منهما عن صاحبه، كما يقال تضارب الرجلان، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه، ~~وتشاتما، وتقاتلا. ومن قال: هذا في فعل اثنين، لم يجز أن يقول مثله في فعل ~~الواحد، فيقول: تغانى زيد، وتضارب عمرو، وذلك غير جائز أن يقول: تغنى زيد ~~بمعنى استغنى، إلا أن يريد به قائله أنه أظهر الاستغناء، وهو غير مستغن كما ~~يقال تجلد فلان إذا أظهر جلدا من نفسه، وهو غير جليد، وتشجع، وتكرم، ms0268 فإن ~~وجه موجه التغني بالقرآن إلى هذا المعنى على بعده من مفهوم كلام العرب، ~~كانت المصيبة في خطئه في ذلك أعظم لأنه يوجب على من تأوله أن يكون الله ~~تعالى ذكره لم يأذن لنبيه أن يستغني بالقرآن، وإنما أذن له أن يظهر من نفسه ~~لنفسه خلاف ما هو به من الحال، وهذا لا يخفى فساده. قال: ومما يبين فساد ~~تأويل ابن عيينة أيضا أن الاستغناء عن الناس بالقرآن من المحال # PageV01P469 # أن يوصف أحد به أنه يؤذن له فيه أو لا يؤذن، إلا أن يكون الأذن عند ابن ~~عيينة بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة، وإن كان كذلك، فهو غلط من وجهين، ~~أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه. أما اللغة، فإن الأذن ~~مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن له: إذا استمع له وأنصت، كما قال ~~تعالى: {وأذنت لربها وحقت} [الانشقاق: 2] [الانشقاق: 2] ، بمعنى سمعت لربها ~~وحق لها ذلك، كما قال عدي بن زيد: # إن همي في سماع وأذن # بمعنى، في سماع واستماع. فمعنى قوله: ما أذن الله لشيء، إنما هو: ما ~~استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن. وأما الإحالة ~~في المعنى، فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ~~ومأذون له، انتهى كلام الطبري # قال أبو الحسن بن بطال: وقد وقع الإشكال في هذه المسألة أيضا بما رواه ~~ابن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني موسى بن علي بن رباح، عن ~~أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «تعلموا ~~القرآن وتغنوا به واكتبوه، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من المخاض من ~~العقل» ) . قال: وذكر عمر بن شبة، قال: ذكر لأبي عاصم النبيل تأويل ابن ~~عيينة في قوله (يتغنى بالقرآن) يستغني به، فقال لم يصنع ابن عيينة شيئا، ~~حدثنا ابن جريج، عن # PageV01P470 # عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: كانت لداود نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~معزفة يتغنى عليها يبكي ويبكي. وقال ms0269 ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين ~~لحنا، تكون فيهن، ويقرأ قراءة يطرب منها الجموع. # وسئل الشافعي رحمه الله عن تأويل ابن عيينة فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد ~~به الاستغناء، لقال: " من لم يستغن بالقرآن "، ولكن لما قال: (يتغنى ~~بالقرآن) ، علمنا أنه أراد به التغني. # قالوا: ولأن تزيينه، وتحسين الصوت به والتطريب بقراءته أوقع في النفوس ~~وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه، ففيه تنفيذ للفظه إلى الأسماع، ومعانيه ~~إلى القلوب، وذلك عون على المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء ~~لتنفذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطيب الذي يجعل في الطعام، ~~لتكون الطبيعة أدعى له قبولا وبمنزلة الطيب والتحلي وتجمل المرأة لبعلها ~~ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح. قالوا: ولا بد للنفس من طرب واشتياق إلى ~~الغناء فعوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن كما عوضت عن كل محرم ومكروه بما هو ~~خير لها منه، وكما عوضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة التي هي محض ~~التوحيد والتوكل، وعن السفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة بالنصال، وسباق ~~الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني، ونظائره كثيرة جدا. # قالوا: والمحرم، لا بد أن يشتمل على مفسدة راجحة أو خالصة، وقراءة ~~التطريب والألحان لا تتضمن شيئا من ذلك فإنها لا تخرج الكلام عن وضعه ولا ~~تحول بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف كما ظن المانع ~~منها لأخرجت الكلمة عن موضعها وحالت بين السامع وبين فهمها ولم يدر ما ~~معناها، والواقع بخلاف ذلك. # قالوا: وهذا التطريب والتلحين أمر راجع إلى كيفية الأداء، وتارة يكون ~~سليقة وطبيعة، وتارة يكون تكلفا وتعملا، وكيفيات الأداء لا تخرج الكلام عن ~~وضع مفرداته، بل هي صفات لصوت المؤدي جارية مجرى ترقيقه وتفخيمه # PageV01P471 # وإمالته، وجارية مجرى مدود القراء الطويلة والمتوسطة، لكن تلك الكيفيات ~~متعلقة بالحروف، وكيفيات الألحان والتطريب متعلقة بالأصوات والآثار في هذه ~~الكيفيات لا يمكن نقلها بخلاف كيفيات أداء الحروف، فلهذا نقلت تلك بألفاظها ~~ولم يمكن نقل هذه بألفاظها بل نقل منها ما أمكن نقله كترجيع النبي صلى الله ms0270 ~~عليه وسلم في سورة الفتح بقوله " آآ آ ". قالوا: والتطريب والتلحين راجع ~~إلى أمرين: مد وترجيع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يمد ~~صوته بالقراءة يمد " الرحمن " ويمد " الرحيم " وثبت عنه الترجيع كما تقدم. # قال المانعون من ذلك: الحجة لنا من وجوه. أحدها: ما رواه حذيفة بن ~~اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «اقرءوا القرآن بلحون العرب ~~وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون ~~بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم، وقلوب ~~الذين يعجبهم شأنهم» ) رواه أبو الحسن رزين في " تجريد الصحاح " ورواه أبو ~~عبد الله الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول ". واحتج به القاضي أبو يعلى في ~~" الجامع " واحتج معه بحديث آخر، أنه صلى الله عليه وسلم ذكر شرائط الساعة، ~~وذكر أشياء، منها: ( «أن يتخذ القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا ~~أفضلهم ما يقدمونه إلا ليغنيهم غناء» ) # PageV01P472 # قالوا: وقد (جاء زياد النهدي إلى أنس رضي الله عنه مع القراء، فقيل له: ~~اقرأ، فرفع صوته وطرب، وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه ~~خرقة سوداء، وقال يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون، وكان إذا رأى شيئا ينكره ~~رفع الخرقة عن وجهه) # قالوا: وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن المطرب في أذانه من ~~التطريب كما روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( «إن الأذان سهل ~~سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن» ) رواه الدارقطني. # وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث قتادة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، ~~عن أبيه قال «كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم المد ليس فيها ~~ترجيع» . قالوا: والترجيع والتطريب يتضمن همز ما ليس بمهموز، ومد ما ليس ~~بممدود، وترجيع الألف الواحد ألفات، والواو واوات، والياء ياءات، فيؤدي ذلك ~~إلى زيادة في القرآن، وذلك غير جائز، قالوا: ولا ms0271 حد لما يجوز من ذلك وما لا ~~يجوز منه، فإن حد بحد معين كان تحكما في كتاب الله تعالى ودينه وإن لم يحد ~~بحد أفضى إلى أن يطلق لفاعله ترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، والتنويع في ~~أصناف الإيقاعات والألحان المشبهة للغناء، كما يفعل أهل الغناء بالأبيات، ~~وكما يفعله كثير من القراء أمام الجنائز، ويفعله كثير من قراء الأصوات مما ~~يتضمن تغيير كتاب الله والغناء به على نحو ألحان الشعر والغناء ويوقعون ~~الإيقاعات عليه مثل الغناء سواء، اجتراء على الله وكتابه وتلاعبا بالقرآن ~~وركونا إلى تزيين الشيطان، ولا يجيز ذلك أحد من علماء الإسلام، ومعلوم: أن ~~التطريب والتلحين ذريعة مفضية إلى هذا إفضاء قريبا فالمنع منه كالمنع من ~~الذرائع الموصلة إلى الحرام، فهذا # PageV01P473 # نهاية إقدام الفريقين، ومنتهى احتجاج الطائفتين. # وفصل النزاع، أن يقال: التطريب والتغني على وجهين، أحدهما: ما اقتضته ~~الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلي وطبعه، ~~واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته ~~بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم ( ~~«لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا» ) والحزين ومن هاجه الطرب والحب ~~والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس ~~تقبله وتستحليه لموافقته الطبع، وعدم التكلف والتصنع فيه فهو مطبوع لا ~~متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو ~~التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه ~~تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. # الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة ~~به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع ~~الألحان البسيطة، والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا ~~بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة ~~بها وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، ~~وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من ms0272 غيره، وكل من له علم بأحوال ~~السلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة، التي هي ~~إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ~~ويسوغوها ويعلم قطعا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب ويحسنون أصواتهم ~~بالقرآن، ويقرءونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في ~~الطباع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه ~~وندب إليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: ( «ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن» ) وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله، # PageV01P474 # والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليه وسلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى] # كان صلى الله عليه وسلم يعود من مرض من أصحابه، وعاد غلاما كان يخدمه من ~~أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك وعرض عليهما الإسلام فأسلم اليهودي ولم يسلم ~~عمه. # وكان يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله فيقول (كيف تجدك؟) # وذكر أنه كان يسأل المريض عما يشتهيه، فيقول: (هل تشتهي شيئا؟) فإن اشتهى ~~شيئا وعلم أنه لا يضره أمر له به. # PageV01P475 # وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ويقول ( «اللهم رب الناس أذهب البأس، ~~واشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» ) # وكان يقول: ( «امسح البأس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت» ) ~~. # وكان يدعو للمريض ثلاثا كما قاله لسعد: ( «اللهم اشف سعدا، اللهم اشف ~~سعدا، اللهم اشف سعدا» ) # وكان إذا دخل على المريض يقول له: ( «لا بأس طهور إن شاء الله» ) # وربما كان يقول: (كفارة وطهور) . وكان يرقي من به قرحة، أو جرح أو شكوى، ~~فيضع سبابته بالأرض، ثم يرفعها ويقول: ( «بسم الله، تربة أرضنا، بريقة ~~بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا» ) هذا في " الصحيحين "، وهو يبطل اللفظة التي ~~جاءت في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم لا يرقون ~~ولا يسترقون. فقوله في الحديث " لا يرقون ms0273 " غلط من الراوي، سمعت شيخ ~~الإسلام ابن تيمية يقول ذلك. قال: وإنما الحديث " «هم الذين لا يسترقون» ". ~~قلت: وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، # PageV01P476 # لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وهو سؤال الناس أن يرقوهم. ~~ولهذا قال ( «وعلى ربهم يتوكلون» ) ، فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه، ~~وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئا لا رقية ~~ولا غيرها، ولا يحصل لهم طيرة تصدهم عما يقصدونه، فإن الطيرة تنقص التوحيد ~~وتضعفه. # قال: والراقي متصدق محسن، والمسترقي سائل والنبي صلى الله عليه وسلم رقى، ~~ولم يسترق، وقال: ( «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» ) # فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ~~ثم نفث فيهما فقرأ {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] و {قل أعوذ برب الفلق} ~~[الفلق: 1] و {قل أعوذ برب الناس} [الناس: 1] ويمسح بهما ما استطاع من جسده ~~ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات قالت ~~عائشة: فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يأمرني أن أفعل ذلك ~~به» ) # فالجواب: أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ. أحدها: هذا. # والثاني: أنه كان ينفث على نفسه. # والثالث: قالت كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها، وفي لفظ رابع: ~~كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، وهذه الألفاظ يفسر بعضها ~~بعضا. وكان صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه، وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار ~~يده على جسده كله. فكان يأمر عائشة أن تمر يده على جسده بعد نفثه هو، وليس ~~ذلك من الاسترقاء في شيء # PageV01P477 # وهي لم تقل كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على ~~جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بيده كما كان ~~هو يفعل. # ولم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام أن يخص يوما من الأيام بعيادة ms0274 ~~المريض، ولا وقتا من الأوقات بل شرع لأمته عيادة المرضى ليلا ونهارا وفي ~~سائر الأوقات. وفي " المسند " عنه ( «إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في ~~خرفة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة، صلى عليه سبعون ~~ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» ) وفي لفظ ~~( «ما من مسلم يعود مسلما إلا بعث الله له سبعين ألف ملك يصلون عليه أي ~~ساعة من النهار كانت حتى يمسي، وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح» ) # وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحيانا يضع يده على جبهة المريض، ثم يمسح ~~صدره وبطنه ويقول (اللهم اشفه) وكان يمسح وجهه أيضا. # ( «وكان إذا يئس من المريض قال: إنا لله وإنا إليه راجعون» ) # PageV01P478 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز والصلاة عليها واتباعها ودفنها] # ، وما كان يدعو به للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك # كان هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكمل الهدي مخالفا لهدي سائر ~~الأمم، مشتملا على الإحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم ~~معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه وعلى إقامة عبودية الحي لله وحده ~~فيما يعامل به الميت. وكان من هديه في الجنائز إقامة العبودية للرب تبارك ~~وتعالى على أكمل الأحوال والإحسان إلى الميت، وتجهيزه إلى الله على أحسن ~~أحواله وأفضلها، ووقوفه ووقوف أصحابه صفوفا يحمدون الله ويستغفرون له، ~~ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه، ثم المشي بين يديه إلى أن يودعوه ~~حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه بين يديه على قبره سائلين له التثبيت أحوج ما ~~كان إليه، ثم يتعاهده بالزيارة له في قبره، والسلام عليه، والدعاء له كما ~~يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا. # فأول ذلك: تعاهده في مرضه، وتذكيره الآخرة وأمره بالوصية، والتوبة، وأمر ~~من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه، ثم النهي عن # PageV01P479 # عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشق الثياب، ~~وحلق الرءوس، ms0275 ورفع الصوت بالندب، والنياحة وتوابع ذلك. # وسن الخشوع للميت، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعل ذلك ~~ويقول: ( «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب» ) # وسن لأمته الحمد والاسترجاع، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيا لدمع ~~العين وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله في قضائه، وأعظمهم له ~~حمدا، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفة منه، ورحمة للولد، ورقة عليه، ~~والقلب ممتلئ بالرضى، عن الله عز وجل وشكره، واللسان مشتغل بذكره وحمده. # ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين على بعض العارفين يوم مات ولده، ~~جعل يضحك، فقيل له: أتضحك في هذه الحالة؟ قال: ( «إن الله تعالى قضى بقضاء، ~~فأحببت أن أرضى بقضائه» ) فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، فقالوا: كيف ~~يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم وهو أرضى الخلق عن ~~الله، ويبلغ الرضى بهذا العارف إلى أن يضحك، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ~~يقول: هدي نبينا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى ~~العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضى عن الله، ولرحمة الولد، والرقة عليه فحمد ~~الله، ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمة ورأفة، فحملته الرأفة على البكاء، ~~وعبوديته لله، ومحبته له على الرضى والحمد، وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع ~~الأمرين، ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضى عن ~~عبودية الرحمة والرأفة. # PageV01P480 ### | [فصل في الإسراع بتجهيز الميت] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - الإسراع بتجهيز الميت إلى الله، ~~وتطهيره وتنظيفه وتطييبه وتكفينه في الثياب البيض، ثم يؤتى به إليه فيصلي ~~عليه بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره، فيقيم عنده حتى يقضي ثم يحضر ~~تجهيزه، ثم يصلي عليه، ويشيعه إلى قبره، ثم رأى الصحابة أن ذلك يشق عليه، ~~فكانوا إذا قضى الميت دعوه فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه. ثم رأوا أن ذلك يشق ~~عليه فكانوا هم يجهزون ميتهم ويحملونه إليه - صلى الله عليه وسلم - على ms0276 ~~سريره فيصلي عليه خارج المسجد. # ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على ~~الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانا على الميت في المسجد كما ( ~~«صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد» ) . ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته، ~~وقد روى أبو داود في " سننه " من حديث صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من صلى على جنازة في المسجد فلا ~~شيء له» ) ، وقد اختلف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب السنن: ~~في الأصل " فلا شيء عليه "، وغيره يرويه (فلا شيء له) ، وقد رواه ابن ماجه ~~في " سننه " ولفظه: (فليس له شيء) ، ولكن قد ضعف الإمام أحمد وغيره هذا # PageV01P481 # الحديث، قال الإمام أحمد: هو مما تفرد به صالح مولى التوأمة، وقال ~~البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد صالح، وحديث عائشة أصح منه، وصالح مختلف في ~~عدالته، كان مالك يجرحه، ثم ذكر عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنه ~~صلي عليهما في المسجد. # قلت: وصالح ثقة في نفسه، كما قال عباس الدوري عن ابن معين: هو ثقة في ~~نفسه. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت له: إن مالكا تركه، فقال: إن ~~مالكا أدركه بعد أن خرف، والثوري إنما أدركه بعد أن خرف، فسمع منه، لكن ابن ~~أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه خرف ~~وكبر فسمع منه الثوري بعد الخرف، وسماع ابن أبي ذئب منه قبل ذلك. وقال ابن ~~حبان: تغير في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات عن ~~الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز، فاستحق الترك. انتهى ~~كلامه. # وهذا الحديث حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعه منه قديم قبل ~~اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجبا لرد ما حدث به قبل الاختلاط. وقد سلك ~~الطحاوي في حديث أبي هريرة هذا، وحديث عائشة مسلكا آخر، فقال: صلاة النبي - ~~صلى الله ms0277 عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وترك ذلك آخر ~~الفعلين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك ~~على عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما نقلت. ورد ذلك على ~~الطحاوي جماعة منهم البيهقي وغيره. قال البيهقي: ولو كان عند أبي هريرة نسخ ~~ما روته عائشة؛ لذكره يوم صلي على أبي بكر الصديق في المسجد، ويوم صلي على ~~عمر بن الخطاب في المسجد، ولذكره من أنكر على عائشة أمرها بإدخاله المسجد؛ ~~ولذكره أبو هريرة حين روت فيه الخبر، وإنما أنكره من لم يكن له معرفة ~~بالجواز. فلما روت فيه الخبر سكتوا ولم ينكروه ولا عارضوه بغيره. # قال الخطابي: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - صلي عليهما في # PageV01P482 # المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما. وفي ~~تركهم الإنكار الدليل على جوازه، قال: ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة ~~إن ثبت متأولا على نقصان الأجر، وذلك أن من صلى عليها في المسجد، فالغالب ~~أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجنازة فصلى عليها ~~بحضرة المقابر شهد دفنه، وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضا على كثرة ~~خطاه، وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي ~~عليه خارج المسجد. # وتأولت طائفة معنى قوله: (فلا شيء له) أي فلا شيء عليه؛ ليتحد معنى ~~اللفظين، ولا يتناقضان كما قال تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] ~~[الإسراء: 7] ، أي: فعليها، فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. # والصواب ما ذكرناه أولا، وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد ~~إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله ~~أعلم ### | [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم تسجية الميت] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - تسجية الميت إذا مات وتغميض عينيه، ~~وتغطية وجهه وبدنه. وكان ربما يقبل الميت كما ( «قبل عثمان بن مظعون وبكى» ~~) ، وكذلك ( «الصديق أكب عليه فقبله بعد موته صلى الله عليه ms0278 وسلم» ) . # وكان يأمر بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل # PageV01P483 # ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة وكان لا يغسل الشهداء قتلى المعركة، ~~وذكر الإمام أحمد أنه نهى عن تغسيلهم، وكان ينزع عنهم الجلود والحديد ~~ويدفنهم في ثيابهم، ولم يصل عليهم. # وكان إذا مات المحرم أمر أن يغسل بماء وسدر، ويكفن في ثوبيه، وهما ثوبا ~~حرامه: إزاره ورداؤه وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه، وكان يأمر من ولي # PageV01P484 # الميت أن يحسن كفنه، ويكفنه في البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن، وكان ~~إذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه وجعل على رجليه من العشب. ### | [فصل أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي على المدين] # فصل # وكان إذا قدم إليه ميت يصلي عليه، سأل: هل عليه دين أم لا؟ فإن لم يكن ~~عليه دين صلى عليه، وإن كان عليه دين لم يصل عليه، وأذن لأصحابه أن يصلوا ~~عليه فإن صلاته شفاعة، وشفاعته موجبة، والعبد مرتهن بدينه، ولا يدخل الجنة ~~حتى يقضى عنه، فلما فتح الله عليه كان يصلي على المدين ويتحمل دينه، ويدع ~~ماله لورثته. # فإذا أخذ في الصلاة عليه كبر وحمد الله وأثنى عليه. وصلى ابن عباس على ~~جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب جهرا، وقال: (لتعلموا أنها ~~سنة) ، وكذلك قال أبو أمامة بن سهل: (إن قراءة الفاتحة في الأولى سنة) . # PageV01P485 # ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أن يقرأ على الجنازة ~~بفاتحة الكتاب. ولا يصح إسناده. قال شيخنا: لا تجب قراءة الفاتحة في صلاة ~~الجنازة، بل هي سنة. وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة، الصلاة ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على الجنازة. # وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أنه سأل ~~عبادة بن الصامت عن الصلاة على الجنازة، فقال: (أنا والله أخبرك: تبدأ ~~فتكبر ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول اللهم إن عبدك فلانا ~~كان لا يشرك بك وأنت أعلم ms0279 به، إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا ~~فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) . ### | [فصل في الدعاء للميت في الصلاة عليه] # فصل # ومقصود الصلاة على الجنازة: هو الدعاء للميت، لذلك حفظ عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ونقل عنه ما لم ينقل من قراءة الفاتحة والصلاة عليه صلى ~~الله عليه وسلم. # فحفظ من دعائه ( «اللهم اغفر له وارحمه وعافه، واعف عنه وأكرم نزله، ووسع ~~مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا ~~خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب # PageV01P486 # النار» ) . # وحفظ من دعائه: ( «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا ~~وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن ~~توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» ) . # وحفظ من دعائه: ( «اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك، فقه من ~~فتنة القبر ومن عذاب النار، فأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه إنك ~~أنت الغفور الرحيم» ) . # وحفظ من دعائه أيضا: ( «اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت ~~هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وتعلم سرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر ~~لها» ) . # PageV01P487 # وكان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بإخلاص الدعاء للميت، وكان يكبر أربع ~~تكبيرات. وصح عنه أنه كبر خمسا، وكان الصحابة بعده يكبرون أربعا وخمسا ~~وستا، فكبر زيد بن أرقم خمسا، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبرها ~~ذكره مسلم. # (وكبر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على سهل بن حنيف ستا، وكان # PageV01P488 # يكبر على أهل بدر ستا، وعلى غيرهم من الصحابة خمسا، وعلى سائر الناس ~~أربعا) ذكره الدارقطني. # وذكر سعيد بن منصور، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل ~~بدر خمسا وستا وسبعا. وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله ms0280 هو وأصحابه من بعده. # والذين منعوا من الزيادة على الأربع، منهم من احتج بحديث ابن عباس، أن ~~آخر جنازة صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم كبر أربعا. قالوا: وهذا آخر ~~الأمرين، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من فعله - صلى الله عليه وسلم - هذا. ~~وهذا الحديث، قد قال الخلال في " العلل ": أخبرني حرب قال: سئل الإمام أحمد ~~عن حديث أبي المليح، عن ميمون، عن ابن عباس، فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا ~~كذب ليس له أصل، إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث. # واحتجوا بأن ميمون بن مهران روى عن ابن عباس: (أن الملائكة لما صلت على ~~آدم - عليه الصلاة والسلام - كبرت عليه أربعا، وقالوا: تلك سنتكم يا بني ~~آدم) . وهذا الحديث قد قال في الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري ~~الذي كان بمكة، فسمعت أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعة، فذكر منها عن ~~أبي المليح، عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: (أن الملائكة لما صلت على آدم ~~كبرت عليه أربعا) ، واستعظمه أبو عبد الله، وقال أبو المليح كان أصح حديثا ~~وأتقى لله من أن يروي مثل هذا. # PageV01P489 # واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى، عن أبي، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ( «أن الملائكة لما صلت على آدم، فكبرت عليه أربعا، وقالت هذه سنتكم ~~يا بني آدم» ) ، وهذا لا يصح. وقد روي مرفوعا وموقوفا. # وكان أصحاب معاذ يكبرون خمسا. قال علقمة: قلت لعبد الله: إن ناسا من ~~أصحاب معاذ قدموا من الشام، فكبروا على ميت لهم خمسا، فقال عبد الله: ليس ~~على الميت في التكبير وقت، كبر ما كبر الإمام، فإذا انصرف الإمام فانصرف. ### | [فصل في التسليم من صلاة الجنازة] # فصل # وأما هديه - صلى الله عليه وسلم - في التسليم من صلاة الجنازة، فروي عنه: ~~أنه كان يسلم واحدة. وروي عنه: أنه كان يسلم تسليمتين. # فروى البيهقي وغيره من حديث المقبري، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «صلى على جنازة فكبر أربعا وسلم تسليمة ms0281 واحدة» ) . لكن قال ~~الإمام أحمد في رواية الأثرم: هذا الحديث عندي موضوع، ذكره الخلال في " ~~العلل ". # PageV01P490 # «وقال إبراهيم الهجري: حدثنا عبد الله بن أبي أوفى: أنه صلى على جنازة ~~ابنته، فكبر أربعا، فمكث ساعة حتى ظننا أنه يكبر خمسا، ثم سلم عن يمينه وعن ~~شماله، فلما انصرف قلنا له ما هذا؟ فقال: (إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع، أو هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم) » . # قال ابن مسعود: ( «ثلاث خلال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يفعلهن تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة» ) ~~ذكرهما البيهقي. ولكن إبراهيم بن مسلم العبدي الهجري ضعفه يحيى بن معين، ~~والنسائي وأبو حاتم، وحديثه هذا قد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان ~~عنه، وقال: كبر عليها أربعا، ثم قام ساعة، فسبح به القوم فسلم، ثم قال: ~~كنتم ترون أن أزيد على أربع وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر ~~أربعا، ولم يقل: ثم سلم عن يمينه وشماله. ورواه ابن ماجه من حديث المحاربي ~~عنه كذلك، ولم يقل ثم سلم عن يمينه وشماله. # وذكر السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها شريك عنه. قال البيهقي: ثم ~~عزاه للنبي - صلى الله عليه وسلم - في التكبير فقط، أو في التكبير وغيره. # قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك، أنه كان يسلم واحدة، ذكره ~~الإمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم، قيل لأبي عبد الله أتعرف عن أحد # PageV01P491 # من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين؟ قال: لا ولكن عن ستة من ~~الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه، فذكر ابن عمر وابن ~~عباس وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد ~~البيهقي: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن ~~سهل بن حنيف، فهؤلاء عشرة من الصحابة. وأبو أمامة أدرك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وسماه باسم جده ms0282 لأمه أبي أمامة: أسعد بن زرارة، وهو معدود في ~~الصحابة، ومن كبار التابعين. # وأما رفع اليدين، فقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في ~~الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يرفع يديه في كل تكبيرة كبرها ~~في الصلاة وهو قائم» ) . # قلت: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر، وأنس بن مالك، أنهما كانا يرفعان ~~أيديهما كلما كبرا على الجنازة، ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «كان ~~يرفع يديه في أول التكبير ويضع اليمنى على اليسرى» ) ، ذكره البيهقي في ~~السنن. # وفي الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «وضع ~~يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة» ) ، وهو ضعيف بيزيد بن سنان ~~الرهاوي. # PageV01P492 ### | [فصل من من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاة على القبر] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ( «إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى ~~على القبر» ) ، فصلى مرة على قبر بعد ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ~~ولم يوقت في ذلك وقتا. # قال أحمد رحمه الله: من يشك في الصلاة على القبر؟ ! ويروى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا فاتته الجنازة صلى على القبر من ستة أوجه، كلها ~~حسان، فحد الإمام أحمد الصلاة على القبر بشهر، إذ هو أكثر ما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بعده، وحده الشافعي رحمه الله بما إذا لم ~~يبل الميت، ومنع منها مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلا للولي إذا كان ~~غائبا. # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقوم عند رأس الرجل ووسط ~~المرأة. ### | [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاة على الطفل] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على الطفل، فصح عنه أنه قال: ~~( «الطفل يصلى # PageV01P493 # عليه» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " مرفوعا: ( «صلوا على أطفالكم، فإنهم من أفراطكم» ) ~~. # قال أحمد بن أبي عبدة: سألت أحمد: متى يجب أن يصلى على السقط؟ قال إذا ~~أتى عليه أربعة أشهر، لأنه ينفخ فيه ms0283 الروح. # قلت: فحديث المغيرة بن شعبة: ( «الطفل يصلى عليه» ) ؟ قال: صحيح مرفوع، ~~قلت: ليس في هذا بيان الأربعة الأشهر ولا غيرها؟ قال: قد قاله سعيد بن ~~المسيب. # فإن قيل: فهل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم يوم ~~مات؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فروى أبو داود في " سننه " عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: ( «مات إبراهيم بن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمانية ~~عشر شهرا، فلم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) # قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي عن ابن إسحاق، ~~حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة. . . ~~فذكره. # PageV01P494 # وقال أحمد في رواية حنبل: هذا حديث منكر جدا، ووهى ابن إسحاق. # وقال الخلال: وقرئ على عبد الله: حدثني أبي، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا ~~إسرائيل، قال: حدثنا جابر الجعفي، عن عامر، عن البراء بن عازب، قال: ( «صلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابنه إبراهيم ومات وهو ابن ستة عشر ~~شهرا» ) . # وذكر أبو داود عن البهي، قال: ( «لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المقاعد» ) ~~. وهو مرسل، والبهي اسمه عبد الله بن يسار كوفي. # وذكر «عن عطاء بن أبي رباح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على ابنه ~~إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة» . وهذا مرسل وهم فيه عطاء، فإنه قد كان تجاوز ~~السنة. # فاختلف الناس في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه ومنع صحة حديث ~~عائشة، كما قال الإمام أحمد وغيره: قالوا: وهذه المراسيل، مع حديث البراء، ~~يشد بعضها بعضا، ومنهم من ضعف حديث البراء بجابر الجعفي، وضعف هذه ~~المراسيل، وقال: حديث ابن إسحاق أصح منها. # ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يصل عليه، فقالت طائفة: استغنى ~~ببنوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قربة الصلاة التي هي شفاعة له، ~~كما استغنى ms0284 الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه. # وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن ~~الصلاة عليه. # PageV01P495 # وقالت طائفة: لا تعارض بين هذه الآثار، فإنه أمر بالصلاة عليه، فقيل: صلي ~~عليه، ولم يباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، وقيل: لم يصل عليه. وقالت ~~فرقة: رواية المثبت أولى، لأن معه زيادة علم، وإذا تعارض النفي والإثبات ~~قدم الإثبات. ### | [فصل في الصلاة على المنتحر والغال والمقتول حدا] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يصلي على من قتل نفسه، ولا ~~على من غل من الغنيمة. # واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا، كالزاني المرجوم، فصح عنه ( «أنه ~~- صلى الله عليه وسلم - صلى على الجهنية التي رجمها، فقال عمر تصلي عليها ~~يا رسول الله وقد # PageV01P496 # زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل ~~وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى» ) ذكره مسلم. # وذكر البخاري في " صحيحه " قصة ماعز بن مالك، وقال: فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خيرا وصلى عليه، وقد اختلف على الزهري في ذكر الصلاة ~~عليه، فأثبتها محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب ~~عبد الرزاق، فلم يذكروها، وهم إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، ونوح ~~بن حبيب، والحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، وحميد بن زنجويه، وأحمد بن ~~منصور الرمادي. # قال البيهقي: وقول محمود بن غيلان: إنه صلى عليه، خطأ لإجماع أصحاب عبد ~~الرزاق على خلافه، ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه. # وقد اختلف في قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: ما استغفر له ولا ~~سبه، وقال بريدة بن الحصيب: إنه قال: ( «استغفروا لماعز بن مالك» ) ، ~~فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. ذكرهما مسلم. # وقال جابر: فصلى عليه، ذكره البخاري، وهو حديث عبد الرزاق المعلل، وقال ~~أبو برزة الأسلمي: لم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينه عن ~~الصلاة عليه، ذكره أبو داود. # PageV01P497 # قلت: حديث الغامدية لم يختلف ms0285 فيه أنه (صلى عليها) . وحديث ماعز إما أن ~~يقال لا تعارض بين ألفاظه، فإن الصلاة فيه هي دعاؤه له بأن يغفر الله له، ~~وترك الصلاة فيه هي تركه الصلاة على جنازته تأديبا وتحذيرا، وإما أن يقال ~~إذا تعارضت ألفاظه، عدل عنه إلى حديث الغامدية. ### | [فصل في أبحاث المشي أمام الجنازة والإسراع بها] # فصل # وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى على ميت تبعه إلى المقابر ماشيا ~~أمامه. # وهذه كانت سنة خلفائه الراشدين من بعده وسن لمن تبعها إن كان راكبا أن ~~يكون وراءها، وإن كان ماشيا أن يكون قريبا منها، إما خلفها أو أمامها، أو ~~عن يمينها أو عن شمالها. وكان يأمر بالإسراع بها، حتى إن كانوا ليرملون بها ~~رملا، وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة، فبدعة مكروهة مخالفة للسنة، ~~ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكرة يرفع السوط على من يفعل ~~ذلك ويقول: ( «لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا» ~~) . # «قال ابن مسعود - رضي الله عنه - سألنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المشي مع الجنازة، فقال: (ما دون الخبب) ، رواه أهل السنن وكان يمشي إذا ~~تبع الجنازة، ويقول: # PageV01P498 # (لم أكن لأركب والملائكة يمشون) . فإذا انصرف عنها فربما مشى، وربما ركب» ~~. # وكان إذا تبعها لم يجلس حتى توضع، وقال: ( «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا ~~حتى توضع» ) . # قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: والمراد وضعها بالأرض. قلت: قال ~~أبو داود: روى هذا الحديث الثوري، عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: ~~وفيه " حتى توضع بالأرض "، ورواه أبو معاوية، عن سهيل، وقال: " حتى توضع في ~~اللحد ". قال: وسفيان أحفظ من أبي معاوية، وقد روى أبو داود والترمذي، «عن ~~عبادة بن الصامت، قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم في ~~الجنازة حتى توضع في اللحد) » . لكن في إسناده بشر بن رافع، قال الترمذي: ~~ليس بالقوي في الحديث، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال أحمد: ضعيف، ~~وقال ابن معين: حدث بمناكير، وقال ms0286 النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: ~~يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمد لها. # PageV01P499 ### | [فصل في الصلاة على الغائب] # فصل # ولم يكن من هديه وسنته - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على كل ميت غائب. # فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب، فلم يصل عليهم، وصح عنه: ( «أنه ~~صلى على النجاشي صلاته على الميت» ) ، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق، ~~أحدها: أن هذا تشريع منه، وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة، ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك ~~لغيره، قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رفع له سريره، فصلى عليه وهو يرى ~~صلاته على الحاضر المشاهد، وإن كان على مسافة من البعد، والصحابة وإن لم ~~يروه، فهم تابعون للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة. قالوا: ويدل على ~~هذا، أنه لم ينقل عنه أنه كان يصلي على كل الغائبين غيره، وتركه سنة، كما ~~أن فعله سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة ~~البعيدة، ويرفع له حتى يصلي عليه، فعلم أن ذلك مخصوص به. وقد روي عنه أنه ~~صلى # PageV01P500 # على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب، ولكن لا يصح، فإن في إسناده ~~العلاء بن زيد، ويقال ابن زيدل، قال علي بن المديني: كان يضع الحديث، ورواه ~~محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس. قال البخاري: لا يتابع عليه. # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه ~~فيه، صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~النجاشي، لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلي عليه حيث مات، لم يصل ~~عليه صلاة الغائب؛ لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على الغائب، وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع، ~~وهذا له موضع، والله أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها: هذا ~~التفصيل، والمشهور عند أصحابه: الصلاة عليه مطلقا. ms0287 # PageV01P501 ### | [فصل في القيام للجنازة] # فصل # وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قام للجنازة لما مرت به، وأمر ~~بالقيام لها، وصح عنه أنه قعد، فاختلف في ذلك، فقيل: القيام منسوخ، والقعود ~~آخر الأمرين، وقيل: بل الأمران جائزان، وفعله بيان للاستحباب، وتركه بيان ~~للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ. ### | [فصل في حكم الدفن وسنية اللحد] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - ألا يدفن الميت عند طلوع الشمس، ولا ~~عند غروبها، ولا حين يقوم قائم الظهيرة. وكان من هديه اللحد وتعميق القبر ~~وتوسيعه من # PageV01P502 # عند رأس الميت ورجليه، ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: ( ~~«بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله» ) . وفي رواية: ( «بسم الله، وفي ~~سبيل الله، وعلى ملة رسول الله» ) . # ويذكر عنه أيضا أنه كان يحثو التراب على قبر الميت إذا دفن من قبل رأسه ~~ثلاثا. # وكان إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، ~~وأمرهم أن يسألوا له التثبيت. # ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم، ~~وأما الحديث الذي رواه الطبراني في " معجمه " من حديث أبي أمامة، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ( «إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، ~~فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: ~~يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه ~~يقول: أرشدنا يرحمك الله # PageV01P503 # ولكن لا تشعرون، ثم يقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد ~~صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما. ~~فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال: فينسبه إلى حواء: يا فلان ~~بن حواء» ) . فهذا حديث لا يصح رفعه، ولكن قال ms0288 الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ~~فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل، ويقول: يا فلان بن فلانة، اذكر ~~ما فارقت عليه الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال ما رأيت أحدا فعل ~~هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك، وكان أبو ~~المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، ~~وكان ابن عياش يروي فيه. # قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش، هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة. # وقد ذكر سعيد بن منصور في " سننه " عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحكيم ~~بن عمير، قالوا: إذا سوي على الميت قبره، وانصرف الناس عنه، فكانوا يستحبون ~~أن يقال للميت عند قبره: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا ~~الله ثلاث مرات، يا فلان! قل: ربي الله وديني الإسلام، نبيي محمد، ثم ~~ينصرف. ### | [فصل في تعلية القبور] # فصل # ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تعلية القبور ولا بناؤها بآجر، ~~ولا بحجر ولبن ولا # PageV01P504 # تشييدها، ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، فكل هذا بدعة مكروهة، ~~مخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم. وقد «بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- إلى اليمن، ألا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه» ، فسنته - ~~صلى الله عليه وسلم - تسوية هذه القبور المشرفة كلها، ( «ونهى أن يجصص ~~القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه» ) . # وكانت قبور أصحابه لا مشرفة، ولا لاطئة، وهكذا كان قبره الكريم، وقبر ~~صاحبيه، فقبره - صلى الله عليه وسلم - مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا ~~مبني ولا مطين، وهكذا كان قبر صاحبيه. # PageV01P505 # وكان يعلم قبر من يريد تعرف قبره بصخرة. ### | [فصل لا تتخذ القبور مساجد] # فصل # ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد ~~السرج عليها، واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله. ونهى عن الصلاة إلى القبور، ~~ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا، ولعن زورات القبور. # PageV01P506 # وكان ms0289 هديه أن لا تهان القبور وتوطأ، وألا يجلس عليها، ويتكأ عليها، ولا ~~تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها وإليها، وتتخذ أعيادا وأوثانا. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور # كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستغفار ~~لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته، وشرعها لهم، وأمرهم أن يقولوا إذا ~~زاروها: ( «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» ) . # وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على ~~الميت، من الدعاء والترحم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاء الميت ~~والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، ~~والتوجه إليه، بعكس هديه - صلى الله عليه وسلم - فإنه هدي توحيد وإحسان إلى ~~الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم، وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: ~~إما أن يدعوا الميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى ~~من الدعاء في المساجد، # PageV01P507 # ومن تأمل هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، تبين له الفرق ~~بين الأمرين، وبالله التوفيق. ### | [فصل في حكم التعزية وعدم الاجتماع لها] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه ~~أن يجتمع للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة ~~حادثة مكروهة. # وكان من هديه: السكون والرضى بقضاء الله، والحمد لله، والاسترجاع، ويبرأ ~~ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته بالندب والنياحة، أو حلق لها ~~شعره. # PageV01P508 # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام ~~للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاما يرسلونه إليهم، وهذا من أعظم مكارم ~~الأخلاق والشيم، والحمل عن أهل الميت، فإنهم في شغل بمصابهم عن إطعام ~~الناس. # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - ترك نعي الميت، بل «كان ينهى عنه ~~ويقول: (هو من عمل ms0290 الجاهلية) » ، وقد كره حذيفة أن يعلم به أهله الناس إذا ~~مات، وقال: (أخاف أن يكون من النعي) . # PageV01P509 ### | [فصل في صلاة الخوف] # فصل # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف أن أباح الله سبحانه ~~وتعالى قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصر العدد وحده ~~إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه، وهذا ~~كان من هديه صلى الله عليه وسلم، وبه تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية ~~بالضرب في الأرض والخوف. # وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف، إذا كان العدو بينه ~~وبين القبلة، أن يصف المسلمين كلهم خلفه، ويكبر ويكبرون جميعا، ثم يركع ~~فيركعون جميعا، ثم يرفع ويرفعون جميعا معه، ثم ينحدر بالسجود والصف الذي ~~يليه خاصة، ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو، فإذا فرغ من الركعة الأولى، ~~ونهض إلى الثانية، سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين، ثم قاموا، فتقدموا ~~إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم لتحصل فضيلة الصف الأول ~~للطائفتين، وليدرك الصف الثاني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - السجدتين ~~في الركعة الثانية، كما أدرك الأول معه السجدتين في الأولى، فتستوي ~~الطائفتان فيما أدركوا معه، وفيما قضوا لأنفسهم، وذلك غاية العدل، فإذا ركع ~~صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة، فإذا جلس للتشهد، سجد الصف المؤخر ~~سجدتين، ولحقوه في التشهد، فيسلم بهم جميعا. # PageV01P510 # وإن كان العدو في غير جهة القبلة، فإنه كان تارة يجعلهم فرقتين: فرقة ~~بإزاء العدو، وفرقة تصلي معه، فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعة، ثم تنصرف في ~~صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيء الأخرى إلى مكان هذه فتصلي معه ~~الركعة الثانية، ثم تسلم، وتقضي كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام. # وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ~~ركعة وهو واقف، وتسلم قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتصلي معه الركعة ~~الثانية، فإذا جلس في التشهد قامت فقضت ركعة وهو ينتظرها في التشهد، فإذا ~~تشهدت يسلم بهم. ms0291 # وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتسلم قبله، وتأتي الطائفة ~~الأخرى، فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين، ويسلم بهم، فتكون له أربعا، ولهم ~~ركعتين ركعتين. # PageV01P511 # وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم، وتأتي الأخرى، فيصلي ~~بهم ركعتين ويسلم، فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاة. # وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، فتذهب ولا تقضي شيئا، وتجيء الأخرى ~~فيصلي بهم ركعة، ولا تقضي شيئا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة، وهذه ~~الأوجه كلها تجوز الصلاة بها. # قال الإمام أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف، فالعمل به جائز. # وقال: ستة أوجه أو سبعة، تروى فيها، كلها جائزة، وقال الأثرم: قلت لأبي ~~عبد الله: تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه، أو تختار واحدا منها؟ ~~قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن. وظاهر هذا أنه جوز أن تصلي كل ~~طائفة معه ركعة ركعة، ولا تقضي شيئا، وهذا مذهب ابن عباس، # PageV01P512 # وجابر بن عبد الله، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والحكم، وإسحاق بن ~~راهويه. قال صاحب " المغني ": وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك، وأصحابنا ~~ينكرونه. # وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف صفات أخر ترجع كلها ~~إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، ~~وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفة، والصحيح: ما ذكرناه أولا، وهؤلاء ~~كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وإنما هو من اختلاف الرواة. والله أعلم. # PageV01P513 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الصدقة والزكاة هديه في الزكاة أكمل هدي، ~~في وقتها وقدرها ونصابها ومن تجب عليه ومصرفها. وقد راعى فيها مصلحة أرباب ~~الأموال ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه، ~~وقيد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمة بالمال على من أدى زكاته، ~~بل يحفظه عليه وينميه له، ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا ms0292 ~~له وحارسا له. # ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دورانا بين ~~الخلق، وحاجتهم إليها ضرورية. # أحدها: الزرع والثمار. # الثاني: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. # الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما الذهب والفضة. # الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها. # ثم إنه أوجبها مرة كل عام، وجعل حول الزروع والثمار عند كمالها ~~واستوائها، وهذا أعدل ما يكون، إذ وجوبها كل شهر أو كل جمعة يضر بأرباب ~~الأموال، ووجوبها في العمر مرة مما يضر بالمساكين، فلم يكن أعدل من وجوبها ~~كل عام مرة. # ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها، # PageV02P005 # وسهولة ذلك ومشقته، فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا من ~~الأموال وهو الركاز. ولم يعتبر له حولا، بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به. # وأوجب نصفه وهو العشر فيما كانت مشقة تحصيله وتعبه وكلفته فوق ذلك، وذلك ~~في الثمار والزروع التي يباشر حرث أرضها وسقيها وبذرها، ويتولى الله سقيها ~~من عنده بلا كلفة من العبد، ولا شراء ماء، ولا إثارة بئر ودولاب. # وأوجب نصف العشر فيما تولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح وغيرها. ~~وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من ~~رب المال بالضرب في الأرض تارة، وبالإدارة تارة، وبالتربص تارة، ولا ريب أن ~~كلفة هذا أعظم من كلفة الزرع والثمار، وأيضا فإن نمو الزرع والثمار أظهر ~~وأكثر من نمو التجارة، فكان واجبها أكثر من واجب التجارة، وظهور النمو فيما ~~يسقى بالسماء والأنهار أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح، وظهوره فيما وجد ~~محصلا مجموعا كالكنز، أكثر وأظهر من الجميع. # PageV02P006 # ثم إنه لما كان لا يحتمل المواساة كل مال وإن قل، جعل للمال الذي تحتمله ~~المواساة نصبا مقدرة المواساة فيها، لا تجحف بأرباب الأموال، وتقع موقعها ~~من المساكين، فجعل للورق مائتي درهم، وللذهب عشرين مثقالا، وللحبوب والثمار ~~خمسة أوسق، وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب، وللغنم أربعين شاة، وللبقر ~~ثلاثين بقرة، وللإبل خمسا؛ لكن لما ms0293 كان نصابها لا يحتمل المواساة من جنسها ~~أوجب فيها شاة. فإذا تكررت الخمس خمس مرات وصارت خمسا وعشرين احتمل نصابها ~~واحدا منها فكان هو الواجب. # ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب في الزيادة والنقصان، بحسب كثرة الإبل ~~وقلتها من ابن مخاض، وبنت مخاض، وفوقه ابن لبون، وبنت لبون، وفوقه الحق ~~والحقة، وفوقه الجذع والجذعة، وكلما كثرت الإبل زاد السن إلى أن # PageV02P007 # يصل السن إلى منتهاه، فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادة عدد ~~المال. # فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قدرا يحتمل المواساة، ولا يجحف بها، ~~ويكفي المساكين، ولا يحتاجون معه إلى شيء، ففرض في أموال الأغنياء ما يكفي ~~الفقراء، فوقع الظلم من الطائفتين، الغني يمنع ما وجب عليه، والآخذ يأخذ ما ~~لا يستحقه، فتولد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين، وفاقة شديدة ~~أوجبت لهم أنواع الحيل والإلحاف في المسألة، والرب سبحانه تولى قسم الصدقة ~~بنفسه وجزأها ثمانية أجزاء، يجمعها صنفان من الناس. # أحدهما: من يأخذ لحاجة فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها وكثرتها وقلتها، وهم ~~الفقراء والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل. # والثاني: من يأخذ لمنفعته وهم العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، ~~والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ ~~محتاجا، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة. ### | [فصل إعطاؤه من هو أهل للزكاة] # فصل. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا علم من الرجل أنه من أهل الزكاة ~~أعطاه، وإن سأله أحد من أهل الزكاة ولم يعرف حاله، أعطاه بعد أن يخبره أنه ~~لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. # PageV02P008 # وكان يأخذها من أهلها، ويضعها في حقها. # وكان من هديه تفريق الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال، وما فضل ~~عنهم منها حملت إليه ففرقها هو صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان يبعث سعاته ~~إلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إلى القرى، بل أمر معاذ بن جبل أن يأخذ الصدقة ~~من أغنياء أهل اليمن، ويعطيها فقراءهم، ولم يأمره بحملها إليه. # ولم يكن ms0294 من هديه أن يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي ~~والزروع والثمار، وكان يبعث الخارص فيخرص على أرباب النخيل تمر نخيلهم، ~~وينظر كم يجيء منه وسقا، فيحسب عليهم من الزكاة بقدره، وكان يأمر # PageV02P009 # الخارص أن يدع لهم الثلث أو الربع فلا يخرصه عليهم، لما يعرو النخيل من ~~النوائب، وكان هذا الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتصرم، ~~وليتصرف فيها أربابها بما شاءوا ويضمنوا قدر الزكاة، ولذلك كان يبعث الخارص ~~إلى من ساقاه من أهل خيبر وزارعه، فيخرص عليهم الثمار والزروع ويضمنهم ~~شطرها، وكان يبعث إليهم عبد الله بن رواحة، فأرادوا أن يرشوه فقال عبد ~~الله: ( «تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم # PageV02P010 # أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي لكم وحبي إياه ~~أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» ) . # ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل والرقيق، ولا البغال ولا الحمير، ~~ولا الخضراوات، ولا المباطخ والمقاثي والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلا ~~العنب والرطب، فإنه كان يأخذ الزكاة منه جملة ولم يفرق بين ما يبس منه وما ~~لم ييبس. ### | [فصل زكاة العسل] # فصل. # واختلف عنه صلى الله عليه وسلم في العسل، فروى أبو داود من حديث عمرو بن ~~شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ( «جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي واديا يقال له سلبة، فحمى ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إن أدى إليك ما ~~كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة، ~~وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء» ) . # وفي رواية في هذا الحديث ( «من كل عشر قرب قربة» ) . # وروى ابن ماجه في " سننه " من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ms0295 جده، أنه ( ~~«أخذ من العسل العشر» ) . # PageV02P011 # وفي " مسند الإمام أحمد " عن أبي سيارة المتعي ( «قال: قلت: يا رسول ~~الله، إن لي نحلا. قال: أد العشر " قلت: يا رسول الله احمها لي، فحماها لي» ~~) . # وروى عبد الرزاق، عن عبد الله بن محرر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي ~~هريرة، قال: ( «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، أن يؤخذ ~~من العسل العشر» ) . # قال الشافعي: أخبرنا أنس بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، ~~عن أبيه ( «عن سعد بن أبي ذباب قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأسلمت ثم قلت: يا رسول الله اجعل لقومي من أموالهم ما أسلموا عليه، ففعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعملني عليهم، ثم استعملني أبو بكر، ثم ~~عمر رضي الله عنهما، قال: وكان سعد من أهل السراة، قال: فكلمت قومي في ~~العسل، فقلت لهم: فيه زكاة، فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى. فقالوا: كم ترى؟ ~~قلت: العشر. فأخذت منهم العشر، فلقيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخبرته ~~بما كان. قال: فقبضه عمر، ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين» ) . ورواه الإمام ~~أحمد ولفظه للشافعي. # PageV02P012 # واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث وحكمها، فقال البخاري: ليس في زكاة ~~العسل شيء يصح، وقال الترمذي: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الباب كثير شيء. وقال ابن المنذر: ليس في وجوب صدقة العسل حديث يثبت عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وقال الشافعي: ~~الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، وفي أنه لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن ~~عمر بن عبد العزيز. # قال هؤلاء: وأحاديث الوجوب كلها معلولة، أما حديث ابن عمر فهو من رواية ~~صدقة بن عبد الله بن موسى بن يسار، عن نافع عنه، وصدقة ضعفه الإمام أحمد، ~~ويحيى بن معين، وغيرهما، وقال البخاري: هو عن نافع، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرسل، وقال النسائي: ms0296 صدقة ليس بشيء، وهذا حديث منكر. # وأما حديث أبي سيارة المتعي، فهو من رواية سليمان بن موسى عنه، قال ~~البخاري: سليمان بن موسى لم يدرك أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وأما حديث عمرو بن شعيب الآخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «أخذ من ~~العسل العشر» ) ففيه أسامة بن زيد بن أسلم يرويه عن عمرو، وهو ضعيف عندهم، ~~قال ابن معين: بنو زيد ثلاثتهم ليسوا بشيء، وقال الترمذي: ليس في ولد زيد ~~بن أسلم ثقة. # وأما حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: فما أظهر دلالته لو سلم من ~~عبد الله بن محرر راويه عن الزهري، قال البخاري في حديثه هذا: عبد الله بن ~~محرر متروك الحديث، وليس في زكاة العسل شيء يصح. # وأما حديث الشافعي رحمه الله فقال البيهقي: رواه الصلت بن محمد، عن أنس ~~بن عياض، عن الحارث بن عبد الرحمن (هو ابن أبي ذباب) عن منير بن عبد الله، ~~عن أبيه، عن سعد بن أبي ذباب، وكذلك رواه صفوان بن عيسى، عن الحارث بن أبي ~~ذباب. قال البخاري: عبد الله والد منير، عن # PageV02P013 # سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه، وقال علي بن المديني: منير هذا لا نعرفه ~~إلا في هذا الحديث، كذا قال لي. # قال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنما هو شيء رآه فتطوع له به ~~أهله. قال الشافعي: واختياري أن لا يؤخذ منه، لأن السنن والآثار ثابتة فيما ~~يؤخذ منه، وليست ثابتة فيه فكأنه عفو. # وقد روى يحيى بن آدم، حدثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ~~علي رضي الله عنه قال: ليس في العسل زكاة. # قال يحيى: وسئل حسن بن صالح عن العسل؟ فلم ير فيه شيئا. وذكر عن معاذ أنه ~~لم يأخذ من العسل شيئا. قال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا إبراهيم بن ميسرة، ~~عن طاووس، عن ms0297 معاذ بن جبل، أنه أتي بوقص البقر والعسل، فقال معاذ: كلاهما ~~لم يأمرني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء. # وقال الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: جاءنا كتاب من ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أبي وهو بمنى، أن لا يأخذ من الخيل ولا من ~~العسل صدقة. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي. # وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى أن في العسل زكاة، ورأوا أن هذه الآثار ~~يقوي بعضها بعضا، وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها، ومرسلها يعضد بمسندها. # وقد سئل أبو حاتم الرازي، عن عبد الله والد منير، عن سعد بن أبي ذباب: ~~يصح حديثه؟ قال: نعم. قال هؤلاء: ولأنه يتولد من نور # PageV02P014 # الشجر والزهر، ويكال ويدخر، فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار. # قالوا: والكلفة في أخذه دون الكلفة في الزرع والثمار، ثم قال أبو حنيفة: ~~إنما يجب فيه العشر إذا أخذ من أرض العشر، فإن أخذ من أرض الخراج لم يجب ~~فيه شيء عنده، لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراج لأجل ثمارها ~~وزرعها، فلم يجب فيها حق آخر لأجلها، وأرض العشر لم يجب في ذمته حق عنها، ~~فلذلك وجب الحق فيما يكون منها. # وسوى الإمام أحمد بين الأرضين في ذلك، وأوجبه فيما أخذ من ملكه أو موات، ~~عشرية كانت الأرض أو خراجية. # ثم اختلف الموجبون له هل له نصاب أم لا؟ على قولين. أحدهما: أنه يجب في ~~قليله وكثيره، وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، والثاني: أن له نصابا معينا، ~~ثم اختلف في قدره، فقال أبو يوسف: هو عشرة أرطال. # وقال محمد بن الحسن: هو خمسة أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلا بالعراقي. ~~وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، ثم اختلف أصحابه في الفرق على ثلاثة أقوال. ~~أحدها: إنه ستون رطلا. والثاني: إنه ستة وثلاثون رطلا. # والثالث: ستة عشر رطلا، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، والله أعلم. ### | [فصل دعاؤه صلى الله عليه وسلم لجابي الزكاة] # فصل. # «وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرجل ms0298 بالزكاة دعا له. فتارة يقول: ~~(اللهم بارك فيه وفي إبله) » . وتارة يقول: (اللهم صل عليه) . ولم يكن من ~~هديه أخذ كرائم # PageV02P015 # الأموال في الزكاة، بل وسط المال، ولهذا نهى معاذا عن ذلك. ### | [فصل في نهي المتصدق أن يشتري صدقته] # فصل. # وكان صلى الله عليه وسلم ينهى المتصدق أن يشتري صدقته، وكان يبيح للغني ~~أن يأكل من الصدقة إذا أهداها إليه الفقير، وأكل صلى الله عليه وسلم من لحم ~~تصدق به على بريرة وقال: ( «هو عليها صدقة ولنا منها هدية» ) . # وكان أحيانا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة، كما جهز جيشا فنفدت ~~الإبل، فأمر عبد الله بن عمرو أن يأخذ من قلائص الصدقة، ( «وكان يسم # PageV02P016 # إبل الصدقة بيده، وكان يسمها في آذانها» ) . # وكان إذا عراه أمر استسلف الصدقة من أربابها، كما استسلف من العباس رضي ~~الله عنه صدقة عامين. # PageV02P017 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر فرضها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على المسلم، وعلى من يمونه من صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد، صاعا ~~من تمر، أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب. # وروي عنه: أو صاعا من دقيق، وروي عنه: نصف صاع من بر. # والمعروف: أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه ~~الأشياء، ذكره أبو داود. # وفي "الصحيحين" أن معاوية هو الذي قوم ذلك، وفيه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم آثار مرسلة ومسندة، يقوي بعضها بعضا. # PageV02P018 # فمنها: حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عن ~~أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «صاع من بر أو قمح على كل ~~اثنين» ) رواه الإمام أحمد وأبو داود. # وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «بعث ~~مناديا في فجاج مكة، ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر ms0299 ~~أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه صاعا من طعام» ) . قال الترمذي: ~~حديث حسن غريب. # وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( «أمر عمرو بن حزم في زكاة الفطر بنصف صاع من حنطة» ) . # وفيه سليمان بن موسى، وثقه بعضهم، وتكلم فيه بعضهم. # قال الحسن البصري: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: ~~أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا. فقال: من هاهنا من أهل المدينة؟ ~~قوموا إلى إخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون، «فرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من قمح، على كل حر، أو ~~مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير» ، فلما قدم علي رضي الله عنه رأى رخص # PageV02P019 # السعر قال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعا من كل شيء. # رواه أبو داود وهذا لفظه، والنسائي وعنده: فقال علي: أما إذ أوسع الله ~~عليكم فأوسعوا، اجعلوها صاعا من بر وغيره. وكان شيخنا رحمه الله يقوي هذا ~~المذهب ويقول: هو قياس قول أحمد في الكفارات، أن الواجب فيها من البر نصف ~~الواجب من غيره. ### | [وقت إخراج صدقة الفطر] # فصل. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إخراج هذه الصدقة قبل صلاة العيد، وفي " ~~السنن " عنه: أنه قال: ( «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها ~~بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» ) . # وفي " الصحيحين " عن ابن عمر، قال: ( «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» ) . # PageV02P020 # ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنها تفوت ~~بالفراغ من الصلاة، وهذا هو الصواب، فإنه لا معارض لهذين الحديثين ولا ~~ناسخ، ولا إجماع يدفع القول بهما، وكان شيخنا يقوي ذلك وينصره، ونظيره ~~ترتيب الأضحية على صلاة الإمام، لا على وقتها، وأن من ذبح قبل صلاة الإمام ~~لم تكن ذبيحته أضحية بل شاة لحم. وهذا أيضا هو ms0300 الصواب في المسألة الأخرى، ~~وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضعين. ### | [هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص صدقة الفطر للمساكين] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن ~~يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من ~~أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: إنه لا يجوز إخراجها إلا على ~~المساكين خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف ~~الثمانية. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع # كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر ~~شيئا أعطاه لله تعالى، ولا يستقله، وكان لا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه، ~~قليلا كان أو كثيرا، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء ~~والصدقة أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما ~~يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة. # وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه. # وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته، فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة ~~بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا، كما فعل ~~ببعير # PageV02P021 # جابر. # وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي ~~أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطفا ~~وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه ~~وبحاله وبقوله، فيخرج ما عنده، ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، ويدعو إليها ~~بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان من ~~خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى. # وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك ~~كان صلى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا، وأطيبهم نفسا، وأنعمهم قلبا، فإن ~~للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر، وانضاف ذلك ms0301 إلى ما خصه ~~الله به من شرح صدره بالنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حسا ~~وإخراج حظ الشيطان منه. ### | [فصل في أسباب شرح الصدور وحصولها على الكمال له صلى الله عليه وسلم] # فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون ~~انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه} [الزمر: 22] [الزمر 22] . وقال تعالى # PageV02P022 # : {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [الأنعام: 125] [الأنعام 125] . # فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ~~ضيق الصدر وانحراجه، ومنها: النور الذي يقذفه الله في قلب العبد، وهو نور ~~الإيمان، فإنه يشرح الصدر ويوسعه ويفرح القلب. فإذا فقد هذا النور من قلب ~~العبد ضاق وحرج، وصار في أضيق سجن وأصعبه. # وقد روى الترمذي في " جامعه " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ~~«إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح. قالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ ~~قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل نزوله» ) . فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك ~~النور الحسي، والظلمة الحسية، هذه تشرح الصدر، وهذه تضيقه. # ومنها: العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل ~~يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس ~~هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو العلم ~~النافع، فأهله أشرح الناس صدرا، وأوسعهم قلوبا، وأحسنهم أخلاقا، وأطيبهم ~~عيشا. # ومنها: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب والإقبال عليه ~~والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرح لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقول أحيانا: ~~إن # PageV02P023 # كنت في الجنة في مثل هذه الحالة فإني إذا في عيش طيب. # وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر وطيب النفس ونعيم القلب، لا يعرفه ~~إلا من له حس به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشد كان الصدر ms0302 أفسح وأشرح، ولا ~~يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن، فرؤيتهم قذى عينه، ~~ومخالطتهم حمى روحه. # ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، ~~والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه، فإن من أحب شيئا غير الله عذب به، وسجن قلبه ~~في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالا، ولا أنكد عيشا، ~~ولا أتعب قلبا، فهما محبتان، محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذة القلب، ~~ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها، بل حياتها وقرة عينها، وهي محبة الله وحده ~~بكل القلب، وانجذاب قوى الميل والإرادة، والمحبة كلها إليه. # ومحبة هي عذاب الروح، وغم النفس، وسجن القلب، وضيق الصدر، وهي سبب الألم ~~والنكد والعناء، وهي محبة ما سواه سبحانه. # ومن أسباب شرح الصدر دوام ذكره على كل حال، وفي كل موطن، فللذكر تأثير ~~عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب، وللغفلة تأثير عجيب في ضيقه وحبسه ~~وعذابه. # ومنها: الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع ~~بالبدن وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا، وأطيبهم نفسا، ~~وأنعمهم قلبا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا، وأنكدهم عيشا، ~~وأعظمهم هما وغما. وقد ( «ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح مثلا ~~للبخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، كلما هم المتصدق بصدقة ~~اتسعت عليه وانبسطت حتى يجر ثيابه ويعفي أثره، وكلما هم البخيل # PageV02P024 # بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه» ) فهذا مثل انشراح صدر ~~المؤمن المتصدق، وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل، وانحصار قلبه. # ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، ~~والجبان أضيق الناس صدرا، وأحصرهم قلبا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له، ~~ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها ~~وابتهاجها فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى كل معرض عن ~~الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه، متعلق ~~القلب بغيره. ms0303 # وإن هذا النعيم والسرور يصير في القبر رياضا وجنة، وذلك الضيق والحصر ~~ينقلب في القبر عذابا وسجنا. # فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا، وسجنا وانطلاقا، ~~ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدر هذا لعارض، فإن العوارض تزول ~~بزوال أسبابها، وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه ~~وحبسه، فهي الميزان، والله المستعان. # ومنها بل من أعظمها: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي # PageV02P025 # توجب ضيقه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البرء، فإن الإنسان إذا أتى ~~الأسباب التي تشرح صدره، ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه، لم يحظ من ~~انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه، وهو للمادة ~~الغالبة عليه منهما. # ومنها: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم، فإن ~~هذه الفضول تستحيل آلاما وغموما وهموما في القلب، تحصره وتحبسه وتضيقه ~~ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا الله ما أضيق ~~صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم، وما أنكد عيشه، وما أسوأ حاله، ~~وما أشد حصر قلبه، ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك ~~الخصال المحمودة بسهم، وكانت همته دائرة عليها، حائمة حولها، فلهذا نصيب ~~وافر من قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} [الانفطار: 13] [الانفطار 13] ، ~~ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار: 14] ~~[الانفطار 14] ، وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى. # والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل ~~بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقرة العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق ~~في هذا الشرح والحياة وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي، وأكمل الخلق ~~متابعة له، أكملهم انشراحا ولذة وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من ~~انشراح صدره وقرة عينه ولذة روحه ما ينال، فهو صلى الله عليه وسلم في ذروة ~~الكمال من شرح الصدر ورفع الذكر ووضع ms0304 الوزر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم ~~من اتباعه، والله المستعان. # وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم، وعصمته إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه ~~لهم، ونصره لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقل ومستكثر. فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا # PageV02P026 # نفسه. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام] ### | [المقصود من الصيام وفوائده] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام لما كان المقصود من الصيام حبس ~~النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد ~~لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها ~~الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد ~~الجائعة من المساكين. # وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى ~~الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل ~~عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة ~~المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر ~~الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل ~~معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو ~~سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك ~~المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو ~~أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم. # PageV02P027 # وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحميتها عن ~~التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، ~~واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب ~~والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر ~~العون على التقوى، كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] [البقرة 183] . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( «الصوم جنة» ) . # وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام، وجعله وجاء ~~هذه الشهوة. ms0305 # والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر ~~المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمة بهم، وإحسانا إليهم وحمية لهم وجنة. # وكان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيل ~~للمقصود، وأسهله على النفوس. # PageV02P028 # ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر ~~فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، ~~وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج. ### | [متى فرض الصيام] # وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد صام تسع رمضانات، وفرض أولا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن ~~كل يوم مسكينا، ثم نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ ~~الكبير والمرأة إذا لم يطيقا الصيام، فإنهما يفطران ويطعمان عن كل يوم ~~مسكينا، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا، وللحامل والمرضع إذا خافتا ~~على أنفسهما كذلك، فإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل ~~يوم، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام # PageV02P029 # المسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام. # وكان للصوم رتب ثلاث، إحداها: إيجابه بوصف التخيير. # والثانية: تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام ~~والشراب إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة، وهي التي استقر ~~عليها الشرع إلى يوم القيامة. ### | [إكثار العبادات في رمضان] # فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع ~~العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود ~~بالخير من الريح المرسلة ( «وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في # PageV02P030 # رمضان» ) يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر ~~والاعتكاف. ### | النهي عن الوصال # وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور، حتى إنه كان ~~ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة، وكان ينهى أصحابه ~~عن الوصال، فيقولون له: إنك تواصل، فيقول: ( «لست كهيئتكم إني أبيت - وفي ~~رواية: ms0306 إني أظل - عند ربي يطعمني ويسقيني» ) . # وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين. # أحدهما: أنه طعام وشراب حسي للفم، قالوا: وهذه حقيقة اللفظ، ولا موجب ~~للعدول عنها. # الثاني: أن المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من ~~لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه، والشوق إليه، وتوابع ذلك من ~~الأحوال التي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرة العين، وبهجة النفوس ~~والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجوده وأنفعه، وقد يقوي هذا الغذاء حتى ~~يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قيل: # لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد # لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي # إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد # ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير ~~من الغذاء الحيواني، ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد # PageV02P031 # قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه، والرضى عنه، وألطاف محبوبه وهداياه، ~~وتحفه تصل إليه كل وقت، ومحبوبه حفي به، معتن بأمره، مكرم له غاية الإكرام ~~مع المحبة التامة له، أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب؟ فكيف بالحبيب ~~الذي لا شيء أجل منه، ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل، ولا أعظم إحسانا إذا ~~امتلأ قلب المحب بحبه، وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن حبه منه ~~أعظم تمكن، وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ~~ليلا ونهارا؟ ولهذا قال: ( «إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني» ) . # ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم لما كان صائما فضلا عن كونه مواصلا، وأيضا ~~فلو كان ذلك في الليل لم يكن مواصلا، ولقال لأصحابه - إذ قالوا له: إنك ~~تواصل -: " لست أواصل ". ولم يقل: " لست كهيئتكم "، بل أقرهم على نسبة ~~الوصال إليه، وقطع الإلحاق بينه وبينهم في ذلك بما بينه من الفارق، كما في ~~" صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمر ( «أن رسول الله صلى الله عليه ms0307 وسلم ~~واصل في رمضان فواصل الناس، فنهاهم فقيل له: أنت تواصل. فقال: إني لست ~~مثلكم، إني أطعم وأسقى» ) . # وسياق البخاري لهذا الحديث: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الوصال، فقالوا: إنك تواصل. قال: (إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى» ) . وفي ~~" الصحيحين " من حديث أبي هريرة، «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الوصال. فقال رجل من المسلمين: إنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» ) . # وأيضا: «فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الوصال فأبوا أن ~~ينتهوا واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر الهلال ~~لزدتكم. كالمنكل لهم # PageV02P032 # حين أبوا أن ينتهوا عن الوصال» . # وفي لفظ آخر: ( «لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، ~~إني لست مثلكم، أو قال: إنكم لستم مثلي، فإني أظل يطعمني ربي ويسقيني» ) ~~فأخبر أنه يطعم ويسقى مع كونه مواصلا، وقد فعل فعلهم منكلا بهم معجزا لهم، ~~فلو كان يأكل ويشرب لما كان ذلك تنكيلا ولا تعجيزا، بل ولا وصالا، وهذا ~~بحمد الله واضح. # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة للأمة، وأذن فيه ~~إلى السحر، وفي " صحيح البخاري " عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ( «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى ~~السحر» ) . # فإن قيل: فما حكم هذه المسألة، وهل الوصال جائز أو محرم أو مكروه؟ قيل: ~~اختلف الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه جائز إن قدر عليه، وهو مروي عن عبد الله بن الزبير وغيره من ~~السلف، وكان ابن الزبير يواصل الأيام، ومن حجة أرباب هذا القول، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم واصل بالصحابة مع نهيه لهم عن الوصال، كما في " ~~الصحيحين " من حديث أبي هريرة، أنه «نهى عن الوصال وقال: (إني لست كهيئتكم) ~~فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما» ، فهذا وصاله بهم بعد نهيه ms0308 عن ~~الوصال، ولو كان النهي للتحريم لما أبوا أن ينتهوا، ولما أقرهم عليه بعد ~~ذلك. # قالوا: فلما فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويقرهم، علم أنه أراد الرحمة بهم ~~والتخفيف عنهم، # PageV02P033 # وقد قالت عائشة: ( «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة ~~لهم» ) . متفق عليه. # وقالت طائفة أخرى: لا يجوز الوصال، منهم مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~والثوري رحمهم الله، قال ابن عبد البر، وقد حكاه عنهم: إنهم لم يجيزوه ~~لأحد، قلت: الشافعي رحمه الله نص على كراهته، واختلف أصحابه هل هي كراهة ~~تحريم أو تنزيه؟ على وجهين، واحتج المحرمون بنهي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قالوا: والنهي يقتضي التحريم. # قالوا: وقول عائشة: " رحمة لهم " لا يمنع أن يكون للتحريم، بل يؤكده، فإن ~~من رحمته بهم أن حرمه عليهم، بل سائر مناهيه للأمة رحمة وحمية وصيانة. # قالوا: وأما مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرا لهم، كيف وقد نهاهم، ~~ولكن تقريعا وتنكيلا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النهي في ~~تأكيد زجرهم، وبيان الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها، ~~فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم ~~وتركهم له، فإنهم إذا ظهر لهم ما في الوصال وأحسوا منه الملل في العبادة ~~والتقصير فيما هو أهم وأرجح من وظائف الدين من القوة في أمر الله، والخشوع ~~في فرائضه، والإتيان بحقوقها الظاهرة والباطنة - والجوع الشديد ينافي ذلك ~~ويحول بين العبد وبينه - تبين لهم حكمة النهي عن الوصال، والمفسدة التي فيه ~~لهم دونه. # قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الراجحة بأعظم من إقرار ~~الأعرابي على البول في المسجد لمصلحة التأليف، ولئلا ينفر عن الإسلام، ولا ~~بأعظم من إقراره # PageV02P034 # المسيء في صلاته على الصلاة التي أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنها ليست ~~بصلاة، وأن فاعلها غير مصل، بل هي صلاة باطلة في دينه، فأقره عليها لمصلحة ~~تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنه أبلغ في التعليم والتعلم. # قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم: ms0309 ( «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» ) . # قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدل على أن الوصال من خصائصه. فقال: ( «إني ~~لست كهيئتكم» ) ولو كان مباحا لهم لم يكن من خصائصه. # قالوا: وفي " الصحيحين " من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار ~~من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» ) . # وفي " الصحيحين " نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى. قالوا: فجعله مفطرا ~~حكما بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعا. # قالوا: وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( «لا تزال أمتي على الفطرة، أو لا ~~تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر» ) . # PageV02P035 # وفي " السنن " عن أبي هريرة عنه: ( «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس ~~الفطر، إن اليهود والنصارى يؤخرون» ) . # وفي " السنن " عنه قال: قال الله عز وجل: ( «أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا» ~~) . # وهذا يقتضي كراهة تأخير الفطر، فكيف تركه، وإذا كان مكروها لم يكن عبادة، ~~فإن أقل درجات العبادة أن تكون مستحبة. # والقول الثالث وهو أعدل الأقوال: أن الوصال يجوز من سحر إلى سحر، وهذا هو ~~المحفوظ عن أحمد وإسحاق، لحديث أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ( «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» ) . رواه ~~البخاري. # وهو أعدل الوصال وأسهله على الصائم، وهو في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه ~~تأخر، فالصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها ~~من أول الليل إلى آخره. والله أعلم. ### | [فصل في ثبوت رمضان] # فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية ~~محققة، أو بشهادة شاهد واحد، كما صام بشهادة ابن عمر، وصام مرة بشهادة # PageV02P036 # أعرابي، واعتمد على خبرهما، ولم يكلفهما لفظ الشهادة. # فإن كان ذلك إخبارا، فقد اكتفى في رمضان بخبر الواحد، وإن كان شهادة، فلم ~~يكلف الشاهد لفظ الشهادة. فإن لم تكن رؤية ms0310 ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين ~~يوما. ### | بحث في صوم يوم الشك # وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيم أو سحاب أكمل عدة شعبان ثلاثين ~~يوما ثم صامه. ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به، بل أمر بأن تكمل عدة ~~شعبان ثلاثين إذا غم، وكان يفعل كذلك، فهذا فعله وهذا أمره، ولا يناقض هذا ~~قوله: ( «فإن غم عليكم فاقدروا له» ) فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد ~~به الإكمال كما قال: ( «فأكملوا العدة» ) ، والمراد بالإكمال إكمال عدة ~~الشهر الذي غم، كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: ( «فأكملوا ~~عدة شعبان» ) . # وقال ( «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا ~~العدة» ) . والذي أمر بإكمال عدته هو الشهر الذي يغم، وهو # PageV02P037 # عند صيامه وعند الفطر منه، وأصرح من هذا قوله: ( «الشهر تسعة وعشرون، فلا ~~تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» ) . # وهذا راجع إلى أول الشهر بلفظه وإلى آخره بمعناه، فلا يجوز إلغاء ما دل ~~عليه لفظه، واعتبار ما دل عليه من جهة المعنى. وقال: ( «الشهر ثلاثون، ~~والشهر تسعة وعشرون، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» ) . # وقال: ( «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت ~~دونه غمامة فأكملوا ثلاثين» ) . # وقال: ( «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى ~~تروا الهلال أو تكملوا العدة» ) . # وقالت عائشة رضي الله عنها: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ ~~من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤيته، فإن غم عليه عد شعبان ~~ثلاثين يوما، ثم صام» ) . صححه الدارقطني وابن حبان. # PageV02P038 # وقال: ( «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين» ) . # وقال: ( «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمي عليكم ~~فاقدروا له» ) . # وقال: ( «لا تقدموا رمضان. وفي لفظ: لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو ~~يومين، إلا رجلا كان يصوم صياما فليصمه» ) . # والدليل على أن يوم الإغمام داخل في هذا النهي حديث ابن عباس يرفعه: ( ~~«لا تصوموا قبل ms0311 رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غمامة ~~فأكملوا ثلاثين» ) . ذكره ابن حبان في "صحيحه". # فهذا صريح في أن صوم يوم الإغمام من غير رؤية ولا إكمال ثلاثين صوم قبل ~~رمضان. # وقال: ( «لا تقدموا الشهر إلا أن تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا ~~تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» ) . # PageV02P039 # وقال: ( «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا ~~العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا» ) . قال الترمذي: حديث حسن ~~صحيح. # وفي النسائي: من حديث يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه: ( ~~«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا، ~~ولا تصوموا قبله يوما، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة عدة شعبان» ~~) . # وقال سماك: عن عكرمة: عن ابن عباس: ( «تمارى الناس في رؤية هلال رمضان ~~فقال بعضهم: اليوم. وقال بعضهم: غدا. فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذكر أنه رآه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا ~~فنادى في الناس: صوموا ". ثم قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم ~~عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا، ولا تصوموا قبله يوما» ) . # وكل هذه الأحاديث صحيحة، فبعضها في " الصحيحين "، وبعضها في " صحيح ابن ~~حبان " والحاكم وغيرهما، وإن كان قد أعل بعضها بما لا يقدح في صحة ~~الاستدلال بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، واعتبار بعضها ببعض، وكلها يصدق ~~بعضها بعضا، والمراد منها متفق عليه. # فإن قيل: فإذا كان هذا هديه صلى الله عليه وسلم فكيف خالفه عمر بن ~~الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ~~ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة وأسماء ابنتا أبي ~~بكر، # PageV02P040 # وخالفه سالم بن عبد الله، ومجاهد، وطاووس، وأبو عثمان النهدي، ومطرف بن ~~الشخير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزني، وكيف خالفه إمام أهل ~~الحديث والسنة أحمد بن حنبل، ونحن ms0312 نوجدكم أقوال هؤلاء مسندة؟ فأما عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان، عن أبيه، عن ~~مكحول، أن عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة، ~~ويقول: ليس هذا بالتقدم ولكنه التحري. # وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن ~~محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت ~~حسين، أن علي بن أبي طالب قال: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر ~~يوما من رمضان. # وأما الرواية عن ابن عمر ففي كتاب عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ~~ابن عمر قال: (كان إذا كان سحاب أصبح صائما، وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرا) ~~وفي " الصحيحين " عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «إذا رأيتموه ~~فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وإن غم عليكم فاقدروا له» ) . # زاد الإمام أحمد رحمه الله بإسناد صحيح عن نافع قال: كان عبد الله إذا ~~مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم ~~يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر ~~أصبح صائما. # PageV02P041 # وأما الرواية عن أنس رضي الله عنه فقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن ~~إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال: رأيت الهلال إما الظهر وإما قريبا ~~منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك فأخبرناه برؤية الهلال ~~وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يوما، وذلك لأن ~~الحكم بن أيوب أرسل إلي قبل صيام الناس إني صائم غدا، فكرهت الخلاف عليه ~~فصمت وأنا متم يومي هذا إلى الليل. # وأما الرواية عن معاوية فقال أحمد: حدثنا المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد ~~العزيز قال: حدثني مكحول، ويونس بن ميسرة بن حلبس، أن معاوية بن أبي سفيان ~~كان يقول: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. # وأما الرواية ms0313 عن عمرو بن العاص. فقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرنا ~~ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عمرو بن العاص، أنه كان يصوم اليوم ~~الذي يشك فيه من رمضان. # وأما الرواية عن أبي هريرة فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية ~~بن صالح، عن أبي مريم مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لأن أتعجل ~~في صوم رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا ~~تأخرت فاتني. # وأما الرواية عن عائشة رضي الله عنها، فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو ~~عوانة، عن يزيد بن خمير، عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يشك فيه ~~من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما ~~من رمضان. # PageV02P042 # وأما الرواية عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فقال سعيد أيضا: حدثنا ~~يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر قالت: ما غم ~~هلال رمضان إلا كانت أسماء متقدمة بيوم وتأمر بتقدمه. # وقال أحمد: حدثنا روح بن عباد، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن ~~فاطمة، عن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. # وكل ما ذكرناه عن أحمد، فمن مسائل الفضل بن زياد عنه. # وقال في رواية الأثرم: إذا كان في السماء سحابة أو علة أصبح صائما، وإن ~~لم يكن في السماء علة أصبح مفطرا، وكذلك نقل عنه ابناه صالح، وعبد الله، ~~والمروزي، والفضل بن زياد، وغيرهم. # فالجواب من وجوه # أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصحابة أثر صالح صريح في وجوب صومه ~~حتى يكون فعلهم مخالفا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما غاية ~~المنقول عنهم صومه احتياطا، وقد صرح أنس بأنه إنما صامه كراهة للخلاف على ~~الأمراء، ولهذا قال الإمام أحمد في رواية: الناس تبع للإمام في صومه ~~وإفطاره، والنصوص التي حكيناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله ~~وقوله ms0314 إنما تدل على أنه لا يجب صوم يوم الإغمام، ولا تدل على تحريمه، فمن ~~أفطره أخذ بالجواز، ومن صامه أخذ بالاحتياط. # الثاني: أن الصحابة كان بعضهم يصومه كما حكيتم، وكان بعضهم لا يصومه، ~~وأصح وأصرح من روي عنه صومه عبد الله بن عمر، قال ابن عبد البر: وإلى قوله ~~ذهب طاووس اليماني، وأحمد بن حنبل، وروي مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي ~~بكر، ولا أعلم أحدا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم. # قال: وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، ~~وابن # PageV02P043 # مسعود، وحذيفة، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم. # قلت: المنقول عن علي وعمر وعمار وحذيفة وابن مسعود المنع من صيام آخر يوم ~~من شعبان تطوعا، وهو الذي قال فيه عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى ~~أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. # فأما صوم يوم الغيم احتياطا على أنه إن كان من رمضان فهو فرضه وإلا فهو ~~تطوع. فالمنقول عن الصحابة يقتضي جوازه، وهو الذي كان يفعله ابن عمر ~~وعائشة. هذا مع رواية عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غم هلال ~~شعبان عد ثلاثين يوما ثم صام» . وقد رد حديثها هذا بأنه لو كان صحيحا لما ~~خالفته، وجعل صيامها علة في الحديث، وليس الأمر كذلك، فإنها لم توجب صيامه، ~~وإنما صامته احتياطا، وفهمت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن ~~الصيام لا يجب حتى تكمل العدة، ولم تفهم هي ولا ابن عمر أنه لا يجوز. # وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وبه تجتمع الأحاديث والآثار، ويدل عليه ما ~~رواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لهلال رمضان: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم ~~فاقدروا له ثلاثين يوما» ) . ورواه ابن أبي رواد عن نافع عنه: ( «فإن غم ~~عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» ) . # وقال مالك وعبيد الله عن نافع عنه: ( «فاقدروا له» ) فدل ms0315 على أن ابن عمر ~~لم يفهم من الحديث وجوب إكمال الثلاثين، بل جوازه، فإنه إذا صام يوم ~~الثلاثين فقد أخذ بأحد الجائزين احتياطا، ويدل على ذلك أنه رضي الله عنه لو ~~فهم من قوله صلى الله عليه وسلم: ( «اقدروا له تسعا وعشرين ثم صوموا» ) كما ~~يقوله الموجبون # PageV02P044 # لصومه، لكان يأمر بذلك أهله وغيرهم، ولم يكن يقتصر على صومه في خاصة نفسه ~~ولا يأمر به، ولبين أن ذلك هو الواجب على الناس. # وكان ابن عباس رضي الله عنه لا يصومه، ويحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا ~~العدة ثلاثين» ) . # وذكر مالك في " موطئه " هذا بعد أن ذكر حديث ابن عمر، كأنه جعله مفسرا ~~لحديث ابن عمر، وقوله: ( «فاقدروا له» ) . # «وكان ابن عباس يقول: عجبت ممن يتقدم الشهر بيوم أو يومين، وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين» ) كأنه ينكر على ~~ابن عمر. # وكذلك كان هذان الصاحبان الإمامان أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى ~~الترخيص، وذلك في غير مسألة. وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات ~~بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة، فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي ~~من ذلك، وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد، وكان يمنع من دخول ~~الحمام، وكان إذا دخله اغتسل منه، وابن عباس: كان يدخل الحمام، وكان ابن ~~عمر يتيمم بضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا يقتصر على ~~ضربة واحدة، ولا على الكفين، وكان ابن عباس يخالفه ويقول: التيمم ضربة ~~للوجه والكفين، وكان ابن عمر يتوضأ من قبلة امرأته ويفتي بذلك، وكان إذا ~~قبل أولاده تمضمض ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالي قبلتها أو شممت ~~ريحانا. # وكان يأمر من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى أن يتمها ثم يصلي الصلاة التي ~~ذكرها ثم يعيد الصلاة التي كان فيها، وروى أبو يعلى الموصلي في ذلك حديثا ~~مرفوعا في " مسنده "، والصواب ms0316 أنه موقوف على ابن عمر. قال البيهقي: وقد روي ~~عن ابن عمر مرفوعا ولا يصح، قال: وقد روي عن ابن عباس مرفوعا ولا يصح. ~~والمقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط. # PageV02P045 # وقد روى معمر، عن أيوب، عن نافع عنه، أنه كان إذا أدرك مع الإمام ركعة ~~أضاف إليها أخرى، فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو. قال الزهري: ولا أعلم ~~أحدا فعله غيره. # قلت: وكأن هذا السجود لما حصل له من الجلوس عقيب الركعة، وإنما محله عقيب ~~الشفع. # ويدل على أن الصحابة لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب أنهم قالوا: ~~لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان، ولو كان هذا ~~اليوم من رمضان حتما عندهم لقالوا: هذا اليوم من رمضان فلا يجوز لنا فطره. ~~والله أعلم. # ويدل على أنهم إنما صاموه استحبابا وتحريا ما روي عنهم من فطره بيانا ~~للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في " مسائله ": حدثنا أحمد بن حنبل، ~~حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي، قال: سمعت ابن عمر ~~يقول: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. # قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بن حميد قال: أخبرنا عبد ~~العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر. قالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا ~~منه شيء؟ فقال: أف أف، صوموا مع الجماعة، فقد صح عن ابن عمر أنه قال: لا ~~يتقدمن الشهر منكم أحد، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «صوموا ~~لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما» ) . # وكذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا رأيتم الهلال فصوموا ~~لرؤيته، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما. # PageV02P046 # فهذه الآثار إن قدر أنها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم ~~فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظا ومعنى، وإن قدر أنها ms0317 لا تعارض ~~بينها فهاهنا طريقتان من الجمع، إحداهما: حملها على غير صورة الإغمام أو ~~على الإغمام في آخر الشهر، كما فعله الموجبون للصوم. # والثانية: حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحبابا لا وجوبا، ~~وهذه الآثار صريحة في نفي الوجوب، وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص ~~وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك، فيجعل ~~أحدهما يوم شك، والثاني يوم يقين، مع حصول الشك فيه قطعا، وتكليف العبد ~~اعتقاد كونه من رمضان قطعا، مع شكه هل هو منه أم لا؟ تكليف بما لا يطاق، ~~وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم. ### | [فصل ثبوت شوال] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالصوم بشهادة الرجل الواحد ~~المسلم، وخروجهم منه بشهادة اثنين. # وكان من هديه إذا شهد الشاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد أن يفطر ~~ويأمرهم بالفطر، ويصلي العيد من الغد في وقتها. # PageV02P047 # وكان يعجل الفطر ويحض عليه، ويتسحر ويحث على السحور، ويؤخره ويرغب في ~~تأخيره. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الفطر] # وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته ~~على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى ~~قبوله وانتفاع القوى به، ولا سيما القوة الباصرة، فإنها تقوى به، وحلاوة ~~المدينة التمر، ومرباهم عليه، وهو عندهم قوت وأدم ورطبه فاكهة. # وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإذا رطبت بالماء كمل ~~انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل ~~بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية ~~التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. # وكان صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي، وكان فطره على رطبات إن ~~وجدها، فإن لم يجدها فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسوات من ماء. # PageV02P048 # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه «كان يقول عند فطره: (اللهم لك صمت، ~~وعلى ms0318 رزقك أفطرت، فتقبل منا، إنك أنت السميع العليم» ) . ولا يثبت. # وروي عنه أيضا أنه كان يقول: ( «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» ) . ذكره ~~أبو داود عن معاذ بن زهرة أنه بلغه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~ذلك. # وروي عنه أنه «كان يقول إذا أفطر: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر ~~إن شاء الله تعالى» ) . ذكره أبو داود من حديث الحسين بن واقد، عن مروان بن ~~سالم المقفع، عن ابن عمر. # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» ) . ~~رواه ابن ماجه. # PageV02P049 # وصح عنه أنه قال: ( «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، ~~فقد أفطر الصائم» ) . وفسر بأنه قد أفطر حكما، وإن لم ينوه، وبأنه قد دخل ~~وقت فطره كأصبح وأمسى، ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب وجواب السباب، ~~فأمره أن يقول لمن سابه: (إني صائم) فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهر، وقيل: ~~بقلبه تذكيرا لنفسه بالصوم، وقيل: يقوله في الفرض بلسانه، وفي التطوع في ~~نفسه، لأنه أبعد عن الرياء. ### | فصل في الصوم في السفر # فصل # وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فصام وأفطر، وخير الصحابة ~~بين الأمرين. # وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله. # فلو اتفق مثل هذا في الحضر وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم فهل لهم ~~الفطر؟ فيه قولان أصحهما دليلا: أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه ~~أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر # PageV02P050 # لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على ~~إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه، لأن القوة هناك تختص بالمسافر، ~~والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن ~~المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله ~~تعالى قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] [الأنفال 60] . ~~والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة. # والنبي صلى الله عليه وسلم قد ms0319 فسر القوة بالرمي. وهو لا يتم ولا يحصل به ~~مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: ( «إنكم قد دنوتم من عدوكم، ~~والفطر أقوى لكم» ) . وكانت رخصة ثم نزلوا منزلا آخر فقال: ( «إنكم مصبحو ~~عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» ) فكانت عزمة [فأفطرنا] ، فعلل بدنوهم من ~~عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، ~~والسفر مستقل بنفسه، ولم يذكر في تعليله ولا أشار إليه، فالتعليل به ~~اعتبارا لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء # PageV02P051 # وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره ~~الشارع وعلل به. # وبالجملة. فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه ~~لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة ونبه عليها وصرح بحكمها، وعزم عليهم ~~بأن يفطروا لأجلها. ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن ~~دينار، قال: «سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ~~يوم فتح مكة: (إنه يوم قتال فأفطروا» ) تابعه سعيد بن الربيع، عن شعبة. ~~فعلل بالقتال ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهم من هذا ~~اللفظ أن الفطر لأجل القتال. # وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~في الفطر: ( «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح ~~عليه» ) . # وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها في ~~غزاة بدر وفي غزاة الفتح. # قال ( «عمر بن الخطاب: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ~~غزوتين، يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما» ) . # وأما ما رواه الدارقطني وغيره عن ( «عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصمت، ~~وقصر وأتممت» ) فغلط إما عليها وهو الأظهر، أو منها وأصابها فيه ms0320 ما أصاب ~~ابن عمر في قوله: # PageV02P052 # ( «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب، فقالت: يرحم الله أبا عبد ~~الرحمن، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه، وما اعتمر في ~~رجب قط» ) . وكذلك أيضا عمره كلها في ذي القعدة، وما اعتمر في رمضان قط. ### | [ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد] # فصل # ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم ~~بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء. ( «وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ~~ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم» ) . # وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ~~ويخبرون أن ذلك سنته وهديه صلى الله عليه وسلم، كما قال ( «عبيد بن جبر: ~~ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من ~~الفسطاط في رمضان، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ~~ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» ) ؟ رواه أبو داود وأحمد. # ولفظ أحمد: ( «ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، ~~فلما دنونا من مرساها أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء وذلك في ~~رمضان. فقلت: يا أبا بصرة والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد؟ قال أترغب عن ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: لا. قال: فكل. قال: فلم نزل ~~مفطرين حتى بلغنا» ) . # «وقال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له ~~راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ # PageV02P053 # قال: سنة، ثم ركب» . قال الترمذي: حديث حسن، وقال الدارقطني فيه: فأكل ~~وقد تقارب غروب الشمس. # وهذه الآثار صريحة في أن من أنشأ السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر ~~فيه. ### | [لا حرج في اغتسال الجنب بعد ms0321 الفجر وفي تقبيل أزواجه وهو صائم] # فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ~~فيغتسل بعد الفجر ويصوم. # ( «وكان يقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان» ) # PageV02P054 # وشبه قبلة الصائم بالمضمضة بالماء. # وأما ما رواه أبو داود عن مصدع بن يحيى، عن عائشة، أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها» ) فهذا الحديث قد اختلف ~~فيه، فضعفه طائفة بمصدع هذا، وهو مختلف فيه، قال السعدي: زائغ جائر عن ~~الطريق، وحسنه طائفة وقالوا: هو ثقة صدوق، روى له مسلم في " صحيحه "، وفي ~~إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري، مختلف فيه أيضا، قال يحيى: ضعيف، وفي ~~رواية عنه: ليس به بأس، وقال غيره: صدوق، وقال ابن عدي: قوله: ويمص لسانها ~~لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه، وفي إسناده أيضا سعد بن أوس ~~مختلف فيه أيضا، قال يحيى: بصري ضعيف، وقال غيره: ثقة، وذكره ابن حبان في ~~الثقات. . . # وأما الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه عن ميمونة مولاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالت: " «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل قبل امرأته وهما ~~صائمان، فقال: قد أفطر» " فلا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه ~~أبو يزيد الضني، رواه عن ميمونة، وهي بنت سعد، قال الدارقطني: ليس بمعروف، ~~ولا يثبت هذا، وقال البخاري: هذا لا أحدث به، هذا حديث منكر، وأبو يزيد رجل ~~مجهول. # ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب والشيخ، ولم يجئ من ~~وجه يثبت، # PageV02P055 # وأجود ما فيه حديث أبي داود عن نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري: حدثنا ~~إسرائيل، عن أبي العنبس، عن الأغر، عن أبي هريرة، ( «أن رجلا سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم، فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا ~~الذي رخص له شيخ، وإذا الذي نهاه شاب» ) وإسرائيل وإن كان البخاري ومسلم قد ~~احتجا به وبقية الستة، فعلة هذا الحديث أن بينه وبين ms0322 الأغر فيه أبا العنبس ~~العدوي الكوفي، واسمه الحارث بن عبيد، سكتوا عنه. ### | [صحة صيام من أكل ناسيا] # فصل وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إسقاط القضاء عمن أكل وشرب ناسيا، ~~وأن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا الأكل والشرب يضاف إليه ~~فيفطر به، فإنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه، إذ لا ~~تكليف بفعل النائم، ولا بفعل الناسي. ### | [المفطرات] # فصل والذي صح عنه صلى الله عليه وسلم أن الذي يفطر به الصائم: الأكل ~~والشرب # PageV02P056 # والحجامة والقيء، والقرآن دال على أن الجماع مفطر كالأكل والشرب، لا # PageV02P057 # يعرف فيه خلاف، ولا يصح عنه في الكحل شيء. # وصح عنه أنه كان يستاك وهو صائم. # وذكر الإمام أحمد عنه، أنه ( «كان يصب الماء على رأسه وهو صائم» ) . # وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائم، ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق. ~~ولا يصح عنه أنه احتجم وهو صائم، قاله الإمام أحمد. وقد رواه البخاري في " ~~صحيحه " قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد قال: لم يسمع الحكم حديث مقسم في ~~الحجامة في الصيام، يعني حديث سعيد، عن الحكم، عن مقسم، «عن ابن عباس، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم» . # PageV02P058 # قال مهنا: وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، «عن ~~ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم» . فقال: ليس ~~بصحيح، قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري، إنما كانت أحاديث ميمون بن مهران ~~عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثا. # وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر هذا الحديث فضعفه، وقال مهنا: سألت ~~أحمد عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( ~~«احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما محرما» ) فقال: هو خطأ من قبل ~~قبيصة، وسألت يحيى عن قبيصة بن عقبة، فقال: رجل صدق، والحديث الذي يحدث به ~~عن سفيان، عن سعيد بن جبير خطأ من قبله. # قال أحمد في كتاب الأشجعي: عن ms0323 سعيد بن جبير مرسلا ( «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم احتجم وهو محرم» ) ، ولا يذكر فيه صائما. # قال مهنا: وسألت أحمد عن حديث ابن عباس: ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~احتجم وهو صائم محرم» ) ؟ فقال: ليس فيه " صائم "، إنما هو محرم، ذكره ~~سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، ( «احتجم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على رأسه وهو محرم» ) # ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ~~( «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم» ) . # وروح، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وطاووس، عن ابن ~~عباس، ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم» ) ، وهؤلاء أصحاب ~~ابن عباس لا يذكرون " صائما ". # وقال حنبل: حدثنا أبو عبد الله، حدثنا وكيع، عن ياسين الزيات، عن رجل، عن ~~أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «احتجم في رمضان بعد ما قال: " أفطر ~~الحاجم # PageV02P059 # والمحجوم» ) قال أبو عبد الله: الرجل أراه أبان بن أبي عياش، يعني: ولا ~~يحتج به. # وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: روى محمد بن معاوية النيسابوري، عن أبي ~~عوانة، عن السدي، عن أنس، ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم» ~~) فأنكر هذا، ثم قال: السدي عن أنس؟ قلت: نعم، فعجب من هذا. # قال أحمد: وفي قوله: ( «أفطر الحاجم والمحجوم» ) غير حديث ثابت. # وقال إسحاق: قد ثبت هذا من خمسة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم. # والمقصود أنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وهو صائم، ولا صح ~~عنه أنه نهى الصائم عن السواك أول النهار ولا آخره، بل قد روي عنه خلافه. ~~ويذكر عنه ( «من خير خصال الصائم السواك» ) ، رواه ابن ماجه من حديث مجالد ~~وفيه ضعف. ### | [الاكتحال للصائم] # فصل وروي عنه صلى الله عليه وسلم «أنه اكتحل وهو صائم» ، وروي عنه أنه ( ~~«خرج عليهم في رمضان وعيناه مملوءتان من الإثمد» ) ، ولا يصح، وروي عنه أنه ~~«قال ms0324 في الإثمد: (ليتقه الصائم) » ولا يصح. قال أبو داود: قال لي يحيى بن ~~معين: هو حديث منكر. # PageV02P060 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صيام التطوع] # ( «كان صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا ~~يصوم، وما استكمل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم ~~في شعبان» ) . # ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه. # ولم يصم الثلاثة الأشهر سردا كما يفعله بعض الناس، ولا صام رجبا قط، ولا ~~استحب صيامه، بل روي عنه النهي عن صيامه، ذكره ابن ماجه. # وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يفطر أيام البيض في سفر ولا حضر» ) ذكره النسائي. (وكان يحض على صيامها) . # وقال ابن مسعود # PageV02P061 # رضي الله عنه: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ~~ثلاثة أيام» ) ذكره أبو داود والنسائي. # وقالت عائشة: ( «لم يكن يبالي من أي الشهر صامها» ) ذكره مسلم، ولا تناقض ~~بين هذه الآثار. # وأما صيام عشر ذي الحجة فقد اختلف، فقالت عائشة: «ما رأيته صائما في ~~العشر قط» ، ذكره مسلم. # وقالت حفصة: ( «أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيام ~~يوم عاشوراء والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتا الفجر» ) . ذكره الإمام ~~أحمد رحمه الله. # PageV02P062 # وذكر الإمام أحمد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( «كان يصوم ~~تسع ذي الحجة، ويصوم عاشوراء، وثلاثة أيام من الشهر، أو الاثنين من الشهر ~~والخميس» ) وفي لفظ: الخميسين. والمثبت مقدم على النافي إن صح. # وأما صيام ستة أيام من شوال فصح عنه أنه قال: ( «صيامها مع رمضان يعدل ~~صيام الدهر» ) ". ### | [صيام عاشوراء] # وأما صيام يوم عاشوراء فإنه كان يتحرى صومه على سائر الأيام، ولما قدم ~~المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه فقال: ( «نحن أحق بموسى منكم ". فصامه ~~وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، فلما فرض رمضان قال: من شاء ms0325 صامه، ومن ~~شاء تركه» ) . # وقد استشكل بعض الناس هذا وقال: إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة في شهر ربيع الأول، فكيف يقول ابن عباس: إنه قدم المدينة فوجد ~~اليهود صياما يوم عاشوراء؟ # PageV02P063 # وفيه إشكال آخر، وهو أنه قد ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة أنها ~~قالت: ( «كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان يصومه، فلما هاجر ~~إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن ~~شاء تركه» ) . # وإشكال آخر، وهو ما ثبت في " الصحيحين " ( «أن الأشعث بن قيس دخل على عبد ~~الله بن مسعود وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس ~~اليوم يوم عاشوراء؟ فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما ~~هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما ~~نزل رمضان تركه» ) . # وقد روى مسلم في " صحيحه " عن ابن عباس، ( «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه ~~اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل ~~إن شاء الله صمنا اليوم التاسع» ) فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فهذا فيه أن صومه والأمر بصيامه قبل وفاته بعام وحديثه المتقدم فيه أن ~~ذلك كان عند مقدمه المدينة، ثم إن ابن مسعود أخبر أن يوم عاشوراء ترك ~~برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عباس المذكور، ولا يمكن أن يقال: ترك فرضه، ~~لأنه لم يفرض، لما ثبت في " الصحيحين " عن معاوية بن أبي سفيان ( «سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم ~~صيامه، # PageV02P064 # وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» ) . ومعاوية إنما سمع هذا بعد ~~الفتح قطعا. # وإشكال آخر، وهو أن مسلما روى في " صحيحه " عن عبد الله بن عباس أنه ( ~~«لما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0326 إن هذا اليوم تعظمه اليهود ~~والنصارى، قال: إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، فلم يأت العام القابل حتى ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) ، ثم روى مسلم في " صحيحه " عن الحكم ~~بن الأعرج قال: ( «انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: ~~أخبرني عن صوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع ~~صائما، قلت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم» ) . # وإشكال آخر، وهو أن صومه إن كان واجبا مفروضا في أول الإسلام فلم يأمرهم ~~بقضائه، وقد فات تبييت النية له من الليل، وإن لم يكن فرضا فكيف أمر بإتمام ~~الإمساك من كان أكل؟ كما في " المسند " والسنن من وجوه متعددة، أنه عليه # PageV02P065 # السلام ( «أمر من كان طعم فيه أن يصوم بقية يومه» ) وهذا إنما يكون في ~~الواجب، وكيف يصح قول ابن مسعود: فلما فرض رمضان ترك عاشوراء، واستحبابه لم ~~يترك؟ # وإشكال آخر، وهو أن ابن عباس جعل يوم عاشوراء يوم التاسع، وأخبر أن هكذا ~~كان يصومه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~( «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده» ) ~~ذكره أحمد. وهو الذي روى: ( «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم ~~عاشوراء يوم العاشر» ) . ذكره الترمذي. # فالجواب عن هذه الإشكالات بعون الله وتأييده وتوفيقه: # أما الإشكال الأول، وهو أنه لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوم عاشوراء، ~~فليس فيه أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الاثنين في ربيع ~~الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان ~~بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو بمكة هذا، إن كان حساب أهل الكتاب في صومه ~~بالأشهر الهلالية، وإن كان بالشمسية زال الإشكال بالكلية، ويكون اليوم الذي ~~نجى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء من أول المحرم، فضبطه أهل الكتاب بالشهور ~~الشمسية، فوافق ذلك مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ربيع ms0327 الأول، ~~وصوم أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصوم المسلمين إنما هو بالشهر ~~الهلالي، وكذلك # PageV02P066 # حجهم، وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب أو مستحب، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ( «نحن أحق بموسى منكم» ) . # فظهر حكم هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم وفي تعيينه، وهم أخطئوا تعيينه ~~لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في ~~فصل من السنة تختلف فيه الأشهر. # وأما الإشكال الثاني، وهو أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلا ريب أن قريشا كانت تعظم هذا ~~اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن إنما كانوا ~~يعدون بالأهلة، فكان عندهم عاشر المحرم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة وجدهم يعظمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه فقالوا: هو اليوم ~~الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون، فقال صلى الله عليه وسلم: ( «نحن ~~أحق منكم بموسى» ) فصامه وأمر بصيامه تقريرا لتعظيمه وتأكيدا، وأخبر صلى ~~الله عليه وسلم أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكرا لله ~~كنا أحق أن نقتدي به من اليهود، لا سيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما ~~لم يخالفه شرعنا. # فإن قيل: من أين لكم أن موسى صامه؟ قلنا: ثبت في " الصحيحين " «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما سألهم عنه فقالوا: يوم عظيم نجى الله فيه موسى ~~وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق وأولى بموسى منكم ". فصامه وأمر ~~بصيامه» ) فلما أقرهم على ذلك ولم يكذبهم علم أن موسى صامه شكرا لله، فانضم ~~هذا القدر إلى التعظيم الذي كان له قبل الهجرة، فازداد تأكيدا حتى بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في الأمصار بصومه وإمساك من كان أكل، ~~والظاهر أنه حتم ذلك عليهم وأوجبه كما سيأتي تقريره. # وأما الإشكال الثالث: وهو أن رسول ms0328 الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم ~~عاشوراء قبل # PageV02P067 # أن ينزل فرض رمضان، فلما نزل فرض رمضان تركه، فهذا لا يمكن التخلص منه ~~إلا بأن صيامه كان فرضا قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروك وجوب صومه لا ~~استحبابه، ويتعين هذا ولا بد، لأنه عليه السلام قال قبل وفاته بعام، وقد ~~قيل له: إن اليهود يصومونه: ( «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» ) أي معه، ~~وقال: ( «خالفوا اليهود وصوموا يوما قبله أو يوما بعده» ) ، أي: معه، ولا ~~ريب أن هذا كان في آخر الأمر، وأما في أول الأمر فكان يحب موافقة أهل ~~الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فعلم أن استحبابه لم يترك. # ويلزم من قال: إن صومه لم يكن واجبا، أحد الأمرين، إما أن يقول بترك ~~استحبابه، فلم يبق مستحبا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه برأيه وخفي عليه استحباب صومه، وهذا بعيد، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حثهم على صيامه، وأخبر أن صومه يكفر السنة الماضية، واستمر الصحابة ~~على صيامه إلى حين وفاته، ولم يرو عنه حرف واحد بالنهي عنه وكراهة صومه، ~~فعلم أن الذي ترك وجوبه لا استحبابه. # فإن قيل: حديث معاوية المتفق على صحته صريح في عدم فرضيته وإنه لم يفرض ~~قط. فالجواب: أن حديث معاوية صريح في نفي استمرار وجوبه، وأنه الآن غير ~~واجب، ولا ينفي وجوبا متقدما منسوخا، فإنه لا يمتنع أن يقال لما كان واجبا ~~ونسخ وجوبه: إن الله لم يكتبه علينا. # وجواب ثان: أن غايته أن يكون النفي عاما في الزمان الماضي والحاضر، فيخص ~~بأدلة الوجوب في الماضي وترك النفي في استمرار الوجوب. # وجواب ثالث: وهو أنه صلى الله عليه وسلم إنما نفى أن يكون فرضه ووجوبه ~~مستفادا من # PageV02P068 # جهة القرآن، ويدل على هذا قوله " إن الله لم يكتبه علينا " وهذا لا ينفي ~~الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده، هو ما أخبرهم بأنه ~~كتبه عليهم كقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] [البقرة: 183] ~~فأخبر صلى ms0329 الله عليه وسلم أن صوم يوم عاشوراء لم يكن داخلا في هذا المكتوب ~~الذي كتبه الله علينا دفعا لتوهم من يتوهم أنه داخل فيما كتبه الله علينا، ~~فلا تناقض بين هذا وبين الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا بهذا الصيام ~~المكتوب. يوضح هذا أن معاوية إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة، واستقرار فرض ~~رمضان، ونسخ وجوب عاشوراء به. والذين شهدوا أمره بصيامه والنداء بذلك، ~~وبالإمساك لمن أكل، شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدمه المدينة، وفرض رمضان ~~كان في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~صام تسع رمضانات، فمن شهد الأمر بصيامه شهده قبل نزول فرض رمضان، ومن شهد ~~الإخبار عن عدم فرضه شهده في آخر الأمر بعد فرض رمضان، وإن لم يسلك هذا ~~المسلك تناقضت أحاديث الباب واضطربت. # فإن قيل: فكيف يكون فرضا ولم يحصل تبييت النية من الليل وقد قال: ( «لا ~~صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» ) . # فالجواب أن هذا الحديث مختلف فيه: # PageV02P069 # هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قول حفصة وعائشة؟ فأما ~~حديث حفصة: فأوقفه عليها معمر، والزهري، وسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد ~~الأيلي، عن الزهري، ورفعه بعضهم، وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصح، ~~قال الترمذي: وقد رواه نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح. ومنهم من يصحح رفعه ~~لثقة رافعه وعدالته، وحديث عائشة أيضا: روي مرفوعا وموقوفا، واختلف في ~~تصحيح رفعه. فإن لم يثبت رفعه فلا كلام، وإن ثبت رفعه فمعلوم أن هذا إنما ~~قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد ~~حكم واجب وهو التبييت وليس نسخا لحكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء ~~بنية من النهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل، ثم نسخ وجوب ~~صومه برمضان وتجدد وجوب التبييت فهذه طريقة. # وطريقة ثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن ~~أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم وإجزاء صومه ms0330 بنية من النهار، ثم نسخ تعيين ~~الواجب بواجب آخر فبقي حكم الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ. # وطريقة ثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما علم من ~~النهار وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنا، فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب والعلم ~~به وإلا كان تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع. قالوا: وعلى هذا إذا قامت ~~البينة بالرؤية في أثناء النهار أجزأ صومه بنية مقارنة للعلم بالوجوب، ~~وأصله صوم يوم عاشوراء، وهذه طريقة شيخنا، وهي كما تراها أصح الطرق وأقربها ~~إلى موافقة أصول الشرع وقواعده، وعليها تدل # PageV02P070 # الأحاديث ويجتمع شملها الذي يظن تفرقه ويتخلص من دعوى النسخ بغير ضرورة. ~~وغير هذه الطريقة لا بد فيه من مخالفة قاعدة من قواعد الشرع أو مخالفة بعض ~~الآثار. # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أهل قباء بإعادة الصلاة التي ~~صلوا بعضها إلى القبلة المنسوخة إذ لم يبلغهم وجوب التحول، فكذلك من لم ~~يبلغه وجوب فرض الصوم أو لم يتمكن من العلم بسبب وجوبه، لم يؤمر بالقضاء، ~~ولا يقال: إنه ترك التبييت الواجب، إذ وجوب التبييت تابع للعلم بوجوب ~~المبيت، وهذا في غاية الظهور. # ولا ريب أن هذه الطريقة أصح من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضا، وكان ~~يجزئ صيامه بنية من النهار، ثم نسخ الحكم بوجوبه فنسخت متعلقاته، ومن ~~متعلقاته إجزاء صيامه بنية من النهار؛ لأن متعلقاته تابعة له، وإذا زال ~~المتبوع زالت توابعه وتعلقاته، فإن إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار لم ~~يكن من متعلقات خصوص هذا اليوم، بل من متعلقات الصوم الواجب، والصوم الواجب ~~لم يزل، وإنما زال تعيينه فنقل من محل إلى محل، والإجزاء بنية من النهار ~~وعدمه من توابع أصل الصوم لا تعيينه. # وأصح من طريقة من يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبا قط؛ لأنه قد ثبت ~~الأمر به، وتأكيد الأمر بالنداء العام، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل ~~بالإمساك، وكل هذا ظاهر، قوي في الوجوب، ويقول ابن مسعود: إنه ( «لما فرض ~~رمضان ترك عاشوراء» ms0331 ) . # ومعلوم أن استحبابه لم يترك بالأدلة التي تقدمت وغيرها فيتعين أن يكون ~~المتروك وجوبه، فهذه خمس طرق للناس في ذلك. والله أعلم. # وأما الإشكال الرابع: وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «لئن ~~بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ) ، وأنه توفي قبل العام المقبل. وقول ابن ~~عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع، فابن عباس روى هذا ~~وهذا، وصح عنه هذا وهذا، ولا تنافي بينهما إذ من الممكن أن يصوم التاسع ~~ويخبر أنه إن بقي إلى العام القابل صامه أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله ~~مستندا إلى ما عزم عليه، # PageV02P071 # ووعد به، ويصح الإخبار عن ذلك مقيدا أي: كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقا ~~إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين فلا تنافي بين الخبرين. # وأما الإشكال الخامس: فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية. # وأما الإشكال السادس: وهو قول ابن عباس: اعدد، وأصبح يوم التاسع صائما. ~~فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس، ~~فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، ~~واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم ~~يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يصومه كذلك. فإما أن يكون فعل ذلك هو الأولى، وإما أن ~~يكون حمل فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو ~~الذي روى: ( «صوموا يوما قبله ويوما بعده» ) ، وهو الذي روى: ( «أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر» ) . وكل هذه الآثار ~~عنه يصدق بعضها بعضا ويؤيد بعضها بعضا. # فمراتب صومه ثلاثة أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام ~~التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم. # وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو ~~بعيد من اللغة والشرع، والله ms0332 الموفق للصواب. # PageV02P072 # وقد سلك بعض أهل العلم مسلكا آخر فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل ~~الكتاب في هذه العبادة مع الإتيان بها، وذلك يحصل بأحد أمرين: إما بنقل ~~العاشر إلى التاسع، أو بصيامهما معا. وقوله: ( «إذا كان العام المقبل صمنا ~~التاسع» ) يحتمل الأمرين. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتبين ~~لنا مراده، فكان الاحتياط صيام اليومين معا، والطريقة التي ذكرناها أصوب إن ~~شاء الله، ومجموع أحاديث ابن عباس عليها تدل؛ لأن قوله في حديث أحمد: ( ~~«خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده» ) وقوله في حديث الترمذي: ( ~~«أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر» ) يبين صحة الطريقة التي سلكناها. والله ~~أعلم. ### | [فصل صوم يوم عرفة] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إفطار يوم عرفة بعرفة، ثبت عنه ذلك في " ~~الصحيحين ". # وروي عنه أنه ( «نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» ) ، رواه عنه أهل السنن. وصح ~~عنه أن ( «صيامه يكفر السنة الماضية والباقية» ) ، ذكره مسلم. # وقد ذكر لفطره بعرفة عدة حكم. # منها أنه أقوى على الدعاء. # PageV02P073 # ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم فكيف بنفله. # ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة وقد ( «نهى عن إفراده بالصوم» ) فأحب ~~أن يرى الناس فطره فيه تأكيدا لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان صومه لكونه ~~يوم عرفة لا يوم جمعة، وكان شيخنا رحمه الله يسلك مسلكا آخر وهو أنه يوم ~~عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه، كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختص ~~بمن بعرفة دون أهل الآفاق. قال: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا ~~في الحديث الذي رواه أهل السنن: ( «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا ~~أهل الإسلام» ) . ومعلوم أن كونه عيدا هو لأهل ذلك الجمع لاجتماعهم فيه. ~~والله أعلم. ### | [صوم يومي السبت والأحد] # فصل # وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم السبت والأحد كثيرا، يقصد بذلك ~~مخالفة اليهود والنصارى كما في " المسند " و" سنن النسائي " عن كريب مولى ~~ابن عباس قال: ( «أرسلني ms0333 ابن عباس رضي الله عنه وناس من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى أم سلمة أسألها؟ أي الأيام كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أكثرها صياما؟ قالت: يوم السبت والأحد ويقول: إنهما عيد للمشركين فأنا ~~أحب أن أخالفهم» ) . وفي صحة هذا # PageV02P074 # الحديث نظر، فإنه من رواية محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقد استنكر ~~بعض حديثه. وقد قال عبد الحق في " أحكامه " من حديث ابن جريج عن عباس بن ~~عبد الله بن عباس عن عمه الفضل، «زار النبي صلى الله عليه وسلم عباسا في ~~بادية لنا» . ثم قال: إسناده ضعيف. قال ابن القطان: هو كما ذكر ضعيف، ولا ~~يعرف حال محمد بن عمر. وذكر حديثه هذا عن أم سلمة في صيام يوم السبت ~~والأحد، وقال سكت عنه عبد الحق مصححا له، ومحمد بن عمر هذا لا يعرف حاله، ~~ويرويه عنه ابنه عبد الله بن محمد بن عمر ولا يعرف أيضا حاله، فالحديث أراه ~~حسنا. والله أعلم. # وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته ~~الصماء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما ~~افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه» ) . # فاختلف الناس في هذين الحديثين. فقال مالك رحمه الله: هذا كذب، يريد حديث ~~عبد الله بن بسر، ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو ~~داود: هذا الحديث منسوخ، وقال النسائي: هو حديث مضطرب، وقال جماعة من أهل ~~العلم: لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة، فإن النهي عن صومه إنما هو عن ~~إفراده، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال: باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم، ~~وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد. # قالوا: # PageV02P075 # ونظير هذا أنه ( «نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يصوم يوما قبله ~~أو يوما بعده» ) ، وبهذا يزول الإشكال الذي ظنه من قال: إن صومه نوع تعظيم ~~له، فهو موافقة لأهل ms0334 الكتاب في تعظيمه وإن تضمن مخالفتهم في صومه، فإن ~~التعظيم إنما يكون إذا أفرد بالصوم، ولا ريب أن الحديث لم يجئ بإفراده، ~~وأما إذا صامه مع غيره لم يكن فيه تعظيم. والله أعلم. ### | [فصل صيام الدهر] # فصل # ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم سرد الصوم وصيام الدهر، بل قد قال: ( ~~«من صام الدهر لا صام ولا أفطر» ) وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرمة ~~فإنه ذكر ذلك جوابا لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب من فعل ~~المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يؤذن بأنه سواء فطره وصومه لا يثاب عليه، ~~ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جوابا ~~مطابقا للسؤال عن المحرم من الصوم، وأيضا فإن هذا عند من استحب صوم الدهر ~~قد فعل مستحبا وحراما، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب وارتكب ~~محرما بالنسبة إلى أيام التحريم وفي كل منهما لا يقال: " لا صام ولا أفطر ~~". فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر. # وأيضا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعا فهي بمنزلة ~~الليل شرعا وبمنزلة أيام الحيض فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها، وقد ~~علموا عدم قبولها للصوم ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: (لا ~~صام ولا أفطر) فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم. # PageV02P076 # فهديه لا شك فيه أن صيام يوم وفطر يوم أفضل من صوم الدهر وأحب إلى الله. # وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروها لزم أحد ثلاثة أمور ~~ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه؛ لأنه زيادة ~~عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: ( «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود» ) ~~وإنه لا أفضل منه. وإما أن يكون مساويا في الفضل وهو ممتنع أيضا، وإما أن ~~يكون مباحا متساوي الطرفين لا استحباب فيه، ولا كراهة، وهذا ممتنع، إذ ليس ~~هذا شأن العبادات، بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة، والله ms0335 أعلم. # فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «من صام رمضان وأتبعه ستة ~~أيام من شوال فكأنما صام الدهر» ) . «وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: ~~(إن ذلك يعدل صوم الدهر) » ، وذلك يدل على أن صوم الدهر أفضل مما عدل به، ~~وأنه أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شبه به من صام هذا ~~الصيام. # قيل: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه، ~~وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبا، والدليل عليه من نفس ~~الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر، إذ الحسنة ~~بعشر أمثالها وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يوما، ~~ومعلوم أن هذا حرام قطعا، فعلم أن المراد به حصول هذا الثواب على # PageV02P077 # تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما. # وكذلك قوله في صيام ستة أيام من شوال، إنه يعدل مع صيام رمضان السنة، ثم ~~قرأ: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] [الأنعام: 160] ، ~~فهذا صيام ستة وثلاثين يوما تعدل صيام ثلاثمائة وستين يوما، وهو غير جائز ~~بالاتفاق، بل قد يجيء مثل هذا فيما يمتنع فعل المشبه به عادة، بل يستحيل، ~~وإنما شبه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله لمن سأله عن عمل يعدل ~~الجهاد: ( «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم ولا تفتر، وأن تصوم ولا ~~تفطر» ) ؟ ومعلوم أن هذا ممتنع عادة، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يوما ~~شرعا، وقد شبه العمل الفاضل بكل منهما يزيده وضوحا: أن أحب القيام إلى الله ~~قيام داود، وهو أفضل من قيام الليل كله بصريح السنة الصحيحة، وقد مثل ( «من ~~صلى العشاء الآخرة، والصبح في جماعة، بمن قام الليل كله» ) . # فإن قيل: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعري: ( «من صام الدهر ضيقت ~~عليه جهنم حتى تكون هكذا وقبض كفه» ) وهو في " مسند أحمد "؟ . # قيل قد اختلف في معنى هذا الحديث. فقيل: ضيقت عليه حصرا له فيها، لتشديده ~~على نفسه، وحمله ms0336 عليها، ورغبته عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~واعتقاده أن غيره أفضل منه. # وقال آخرون: بل ضيقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، # PageV02P078 # ورجحت هذه الطائفة هذا التأويل، بأن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك ~~الشهوات وطرقها بالصوم ضيق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان، لأنه ~~ضيق طرقها عنه، ورجحت الطائفة الأولى تأويلها بأن قالت: لو أراد هذا المعنى ~~لقال: ضيقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. # قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله بمنزلة من ~~لم يصم، والله أعلم. ### | فصل في حكم صوم المتطوع # فصل ( «وكان صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله فيقول: " هل عندكم شيء؟ " ~~فإن قالوا: لا. قال: " إني إذا صائم " فينشئ النية للتطوع من النهار» ) ~~وكان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر بعد، أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها ~~بهذا وهذا، فالأول في " صحيح مسلم "، والثاني: في " كتاب النسائي ". وأما ~~الحديث الذي في " السنن " عن عائشة: ( «كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا ~~طعام اشتهيناه، # PageV02P079 # فأكلنا منه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة، وكانت ~~ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله: إنا كنا صائمتين، فعرض لنا طعام ~~اشتهيناه، فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوما مكانه» ) فهو حديث معلول. # قال الترمذي: رواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبد الله بن عمر، وزياد بن سعد، ~~وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلا لم يذكروا فيه عن عروة، ~~وهذا أصح. # ورواه أبو داود، والنسائي، عن حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن زميل مولى ~~عروة، عن عروة، عن عائشة موصولا، قال النسائي: زميل ليس بالمشهور، وقال ~~البخاري: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد بن الهاد من زميل، ولا ~~تقوم به الحجة. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا كان صائما ونزل على قوم أتم صيامه ولم يفطر، ~~كما ( «دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه، ~~وتمركم في وعائه، فإني صائم» ms0337 ) . ولكن أم سليم كانت عنده بمنزلة أهل بيته، ~~وقد ثبت عنه في " الصحيح ": عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( «إذا دعي أحدكم ~~إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم» ) . # PageV02P080 # وأما الحديث الذي رواه ابن ماجه، والترمذي، والبيهقي، عن عائشة رضي الله ~~عنها ترفعه ( «من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم» ) ، فقال ~~الترمذي: هذا الحديث منكر لا نعرف أحدا من الثقات روى هذا الحديث عن هشام ~~بن عروة. ### | [كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم فعلا منه ~~وقولا. فصح النهي عن إفراده بالصوم، من حديث جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، ~~وجويرية بنت الحارث، وعبد الله بن عمرو، وجنادة الأزدي وغيرهم. وشرب يوم ~~الجمعة وهو على المنبر، يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة، ذكره الإمام أحمد، ~~وعلل المنع من صومه بأنه يوم عيد، فروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا ~~يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» ) . # فإن قيل: فيوم العيد لا يصام مع ما قبله ولا بعده. قيل: لما كان يوم ~~الجمعة مشبها بالعيد أخذ من شبهه النهي عن تحري صيامه، فإذا صام ما قبله أو # PageV02P081 # ما بعده لم يكن قد تحراه وكان حكمه حكم صوم الشهر أو العشر منه أو صوم ~~يوم وفطر يوم أو صوم يوم عرفة وعاشوراء إذا وافق يوم جمعة فإنه لا يكره ~~صومه في شيء من ذلك. # فإن قيل فما تصنعون بحديث عبد الله بن مسعود؟ قال: ( «ما رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يفطر في يوم الجمعة» ) ، رواه أهل السنن. # قيل: نقبله إن كان صحيحا، ويتعين حمله على صومه مع ما قبله أو بعده، ~~ونرده إن لم يصح، فإنه من الغرائب. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم ms0338 في الاعتكاف # لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفا على ~~جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب ~~لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول ~~مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثا، ويشتته في كل ~~واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة ~~العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ~~ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه ~~بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن ~~مصالحه العاجلة والآجلة. # وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته ~~عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه ~~بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال # PageV02P082 # عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، ~~والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه ~~بالله بدلا عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين ~~لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. # ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام ~~الصوم وهو العشر الأخير من رمضان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه اعتكف مفطرا قط، بل قد قالت عائشة: ( «لا اعتكاف إلا بصوم» ) . # ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا مع الصوم. # فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: أن الصوم شرط في ~~الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. # وأما الكلام، فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. # وأما فضول المنام، فإنه شرع لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر ~~وأحمده عاقبة، وهو ms0339 السهر المتوسط الذي ينفع القلب والبدن، ولا يعوق عن ~~مصلحة العبد، ومدار رياضة أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان # PageV02P083 # الأربعة، وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج النبوي المحمدي، ولم ينحرف ~~انحراف الغالين، ولا قصر تقصير المفرطين، وقد ذكرنا هديه صلى الله عليه ~~وسلم في صيامه وقيامه وكلامه، فلنذكر هديه في اعتكافه. # كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز ~~وجل، وتركه مرة، فقضاه في شوال. # واعتكف مرة في العشر الأول، ثم الأوسط، ثم العشر الأخير يلتمس ليلة ~~القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأخير، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه ~~عز وجل. # وكان يأمر بخباء فيضرب له في المسجد يخلو فيه بربه عز وجل. # وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله، فأمر به مرة، فضرب فأمر ~~أزواجه بأخبيتهن، فضربت، فلما صلى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه ~~فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال. # وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام، فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف ~~عشرين يوما، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنة مرة، فلما كان ذلك العام # PageV02P084 # عارضه به مرتين وكان يعرض عليه القرآن أيضا في كل سنة مرة فعرض عليه تلك ~~السنة مرتين. # وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا ~~لحاجة الإنسان، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجله، وتغسله ~~وهو في المسجد وهي حائض، وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف. فإذا قامت تذهب ~~قام معها يقلبها، وكان ذلك ليلا، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا ~~بقبلة ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له سريره في معتكفه، ~~وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه، فلا يعرج عليه ولا يسأل ~~عنه. واعتكف مرة في قبة تركية، وجعل على سدتها حصيرا، كل # PageV02P085 # هذا تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف ~~موضع عشرة ms0340 ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، ~~والاعتكاف النبوي لون. والله الموفق. ### | [في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره] ### | [العمرات التي اعتمرها صلى الله عليه وسلم وأنها كانت في ذي القعدة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره # اعتمر صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة. # الأولى: عمرة الحديبية، وهي أولاهن سنة ست، فصده المشركون عن البيت، فنحر ~~البدن حيث صد بالحديبية وحلق هو وأصحابه رءوسهم، وحلوا من إحرامهم، ورجع من ~~عامه إلى المدينة. # الثانية: عمرة القضية في العام المقبل، دخل مكة فأقام بها ثلاثا، ثم خرج ~~بعد إكمال عمرته، واختلف: هل كانت قضاء للعمرة التي صد عنها في العام ~~الماضي، أم عمرة مستأنفة؟ على قولين للعلماء: وهما روايتان عن الإمام أحمد، ~~إحداهما: أنها قضاء وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. والثانية: ليست بقضاء، ~~وهو قول مالك رحمه الله، والذين قالوا: كانت قضاء، احتجوا بأنها سميت عمرة ~~القضاء، وهذا الاسم تابع للحكم. وقال آخرون: القضاء هنا من المقاضاة، لأنه ~~قاضى أهل مكة عليها، لا أنه من قضى قضاء. قالوا: ولهذا سميت عمرة القضية. ~~قالوا: والذين صدوا عن البيت، كانوا ألفا وأربعمائة، وهؤلاء كلهم لم يكونوا ~~معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلف منهم أحد، وهذا القول أصح؛ لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر من كان معه بالقضاء. # PageV02P086 # الثالثة: عمرته التي قرنها مع حجته، فإنه كان قارنا لبضعة عشر دليلا، ~~سنذكرها عن قريب إن شاء الله. # الرابعة: عمرته من الجعرانة، لما خرج إلى حنين، ثم رجع إلى مكة، فاعتمر ~~من الجعرانة داخلا إليها. # ففي " الصحيحين ": عن أنس بن مالك قال: ( «اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من ~~الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي ~~القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة ms0341 مع ~~حجته» ) . # ولم يناقض هذا ما في " الصحيحين " عن البراء بن عازب قال: ( «اعتمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين» ) ، لأنه أراد ~~العمرة المفردة المستقلة ولا ريب أنهما اثنتان، فإن عمرة القران لم تكن ~~مستقلة وعمرة الحديبية صد عنها، وحيل بينه # PageV02P087 # وبين إتمامها، ولذلك قال ابن عباس: ( «اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربع عمر. عمرة الحديبية، وعمرة القضاء من قابل، والثالثة من ~~الجعرانة، والرابعة مع حجته» ) ذكره الإمام أحمد. # ولا تناقض بين حديث أنس: أنهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، وبين قول ~~عائشة، وابن عباس: «لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي ~~القعدة» ؛ لأن مبدأ عمرة القران كان في ذي القعدة، ونهايتها كان في ذي ~~الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن ~~انقضائها. # فأما قول عبد الله بن عمر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعا، ~~إحداهن في رجب» ، فوهم منه رضي الله عنه. «قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه: ~~يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة قط ~~إلا وهو شاهد، وما اعتمر في رجب قط» . # وأما ما رواه الدارقطني، ( «عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت بأبي وأمي، ~~أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة» ) فهذا الحديث غلط، # PageV02P088 # فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان قط، وعمره مضبوطة ~~العدد والزمان، ونحن نقول: يرحم الله أم المؤمنين، ما اعتمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في رمضان قط، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «لم يعتمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة» ، رواه ابن ماجه وغيره. # ولا خلاف أن عمره لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسا، ~~ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ms0342 ستا، إلا أن يقال: بعضهن في رجب، وبعضهن ~~في رمضان، وبعضهن في ذي القعدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع اعتماره في ذي ~~القعدة كما قال أنس رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه، وعائشة رضي الله ~~عنها. وقد روى أبو داود في " سننه " عن عائشة: ( «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم اعتمر في شوال» ) . وهذا إذا كان محفوظا فلعله في عمرة الجعرانة حين ~~خرج في شوال، ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة. # ولم يكن في عمره عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، ~~وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة ~~سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة في تلك المدة أصلا. # فالعمرة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعها، هي عمرة الداخل ~~إلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إلى الحل ليعتمر، ولم يفعل هذا على عهده ~~أحد قط إلا عائشة وحدها بين سائر من كان معه؛ لأنها كانت قد أهلت بالعمرة ~~فحاضت، # PageV02P089 # فأمرها، فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت ~~وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن يرجع ~~صواحباتها بحج وعمرة مستقلين فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن، وترجع هي ~~بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها، ولم ~~يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه، وسيأتي مزيد تقرير ~~لهذا وبسط له عن قريب إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في كون عمر الرسول صلى الله عليه وسلم كلها كانت في أشهر الحج] # فصل # دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد الهجرة خمس مرات سوى المرة ~~الأولى، فإنه وصل إلى الحديبية، وصد عن الدخول إليها، أحرم في أربع منهن من ~~الميقات لا قبله، فأحرم عام الحديبية من ذي الحليفة، ثم دخلها المرة ~~الثانية، فقضى عمرته وأقام بها ثلاثا، ثم خرج، ثم دخلها ms0343 في المرة الثالثة ~~عام الفتح في رمضان بغير إحرام، ثم خرج منها إلى حنين، ثم دخلها بعمرة من ~~الجعرانة ودخلها في هذه العمرة ليلا، وخرج ليلا، فلم يخرج من مكة إلى ~~الجعرانة ليعتمر كما يفعل أهل مكة اليوم وإنما أحرم منها في حال دخوله إلى ~~مكة، ولما قضى عمرته ليلا، رجع من فوره إلى الجعرانة، فبات بها، فلما أصبح ~~وزالت الشمس خرج من بطن سرف حتى جامع الطريق [طريق جمع ببطن سرف] ، ولهذا ~~خفيت هذه العمرة على كثير من الناس. # والمقصود أن عمره كلها كانت في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين، فإنهم ~~كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون: هي من أفجر الفجور، وهذا دليل ~~على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك. # وأما المفاضلة بينه وبين الاعتمار في رمضان، فموضع نظر، فقد صح عنه # PageV02P090 # أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان، وأخبرها أن عمرة ~~في رمضان تعدل حجة. # وأيضا: فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان، وأفضل البقاع، ولكن الله لم ~~يكن ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها، ~~فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها ~~الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة ~~بها أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه فمن كان عنده ~~فضل علم فليرشد إليه. # وقد يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من ~~العبادات بما هو أهم من العمرة، ولم يكن يمكنه الجمع بين تلك العبادات وبين ~~العمرة، فأخر # PageV02P091 # العمرة إلى أشهر الحج ووفر نفسه على تلك العبادات في رمضان مع ما في ترك ~~ذلك من الرحمة بأمته والرأفة بهم، فإنه لو اعتمر في رمضان لبادرت الأمة إلى ~~ذلك، وكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم وربما لا تسمح أكثر النفوس ~~بالفطر في هذه العبادة حرصا على تحصيل العمرة وصوم ms0344 رمضان، فتحصل المشقة، ~~فأخرها إلى أشهر الحج، وقد كان يترك كثيرا من العمل وهو يحب أن يعمله خشية ~~المشقة عليهم. # ولما دخل البيت خرج منه حزينا، فقالت له عائشة في ذلك؟ فقال: ( «إني أخاف ~~أن أكون قد شققت على أمتي» ) ، وهم أن ينزل يستسقي مع سقاة زمزم للحاج، ~~فخاف أن يغلب أهلها على سقايتهم بعده. والله أعلم. ### | [لم يعتمر صلى الله عليه وسلم في السنة إلا مرة واحدة] # فصل # ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في السنة إلا مرة واحدة، ولم ~~يعتمر في سنة مرتين، وقد ظن بعض الناس أنه اعتمر في سنة مرتين، واحتج بما ~~رواه أبو داود في " سننه " عن عائشة، ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~اعتمر عمرتين: عمرة في ذي القعدة، وعمرة في شوال» ) قالوا: وليس المراد بها ~~ذكر مجموع ما اعتمر، فإن أنسا، # PageV02P092 # وعائشة، وابن عباس، وغيرهم قد قالوا: إنه اعتمر أربع عمر، فعلم أن مرادها ~~به أنه اعتمر في سنة مرتين: مرة في ذي القعدة، ومرة في شوال، وهذا الحديث ~~وهم، وإن كان محفوظا عنها، فإن هذا لم يقع قط، فإنه اعتمر أربع عمر بلا ~~ريب: العمرة الأولى كانت في ذي القعدة عمرة الحديبية، ثم لم يعتمر إلى ~~العام القابل، فاعتمر عمرة القضية في ذي القعدة، ثم رجع إلى المدينة ولم ~~يخرج إلى مكة حتى فتحها سنة ثمان في رمضان، ولم يعتمر ذلك العام ثم خرج إلى ~~حنين في ست من شوال وهزم الله أعداءه، فرجع إلى مكة، وأحرم بعمرة، وكان ذلك ~~في ذي القعدة كما قال أنس، وابن عباس: فمتى اعتمر في شوال؟ ولكن لقي العدو ~~في شوال وخرج فيه من مكة، وقضى عمرته لما فرغ من أمر العدو في ذي القعدة ~~ليلا، ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين ولا قبله ولا بعده ومن له عناية ~~بأيامه صلى الله عليه وسلم وسيرته وأحواله لا يشك ولا يرتاب في ذلك. # فإن قيل فبأي شيء يستحبون العمرة في السنة مرارا إذا ms0345 لم يثبتوا ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ قيل: قد اختلف في هذه المسألة فقال مالك: أكره ~~أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة واحدة، وخالفه مطرف من أصحابه، وابن ~~المواز، قال مطرف: لا بأس بالعمرة في السنة مرارا، وقال ابن المواز: أرجو ~~أن لا يكون به بأس، وقد اعتمرت عائشة مرتين في شهر، ولا أرى أن يمنع أحد من ~~التقرب إلى الله بشيء من الطاعات، ولا من الازدياد من الخير في موضع، ولم ~~يأت بالمنع منه نص، وهذا قول الجمهور، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى، ~~استثنى خمسة أيام لا يعتمر فيها: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق. ~~واستثنى أبو يوسف رحمه الله تعالى: يوم النحر وأيام التشريق خاصة، واستثنت ~~الشافعية: البائت بمنى لرمي أيام التشريق. واعتمرت عائشة في سنة مرتين. ~~فقيل للقاسم: لم ينكر عليها أحد؟ فقال: أعلى أم المؤمنين؟ وكان أنس إذا حمم ~~رأسه # PageV02P093 # خرج فاعتمر. # ويذكر عن علي رضي الله عنه أنه كان يعتمر في السنة مرارا، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: ( «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» ) . ويكفي في هذا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم سوى عمرتها التي كانت ~~أهلت بها، وذلك في عام واحد، ولا يقال: عائشة كانت قد رفضت العمرة، فهذه ~~التي أهلت بها من التنعيم قضاء عنها ; لأن العمرة لا يصح رفضها. وقد قال ~~لها النبي صلى الله عليه وسلم ( «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» ) وفي لفظ ( ~~«حللت منهما جميعا» ) . # فإن قيل قد ثبت في " صحيح البخاري ": ( «أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: ~~ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي» ) ، وفي لفظ آخر ( «انقضي رأسك وامتشطي» ~~) وفي لفظ ( «أهلي بالحج، ودعي العمرة» ) ، فهذا صريح في رفضها من وجهين، ~~أحدهما: قوله ارفضيها ودعيها، والثاني: أمره لها بالامتشاط. # قيل معنى قوله ارفضيها: اتركي أفعالها والاقتصار عليها، وكوني في حجة ~~معها، ويتعين أن يكون هذا هو المراد بقوله: (حللت منهما جميعا) لما قضت ~~أعمال الحج. وقوله: ( «يسعك طوافك لحجك ms0346 وعمرتك» ) ، فهذا صريح في أن إحرام ~~العمرة لم يرفض، وإنما رفضت أعمالها والاقتصار عليها، وأنها بانقضاء # PageV02P094 # حجها انقضى حجها وعمرتها، ثم أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها، إذ تأتي ~~بعمرة مستقلة كصواحباتها، ويوضح ذلك إيضاحا بينا، ما روى مسلم في " صحيحه ~~"، من حديث الزهري، عن عروة، عنها ( «قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع، فحضت، فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة، ولم أهل ~~إلا بعمرة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي وأمتشط، وأهل ~~بالحج، وأترك العمرة، قالت: ففعلت ذلك حتى إذا قضيت حجي، بعث معي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن أعتمر من التنعيم ~~مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أهل منها» ) فهذا حديث في غاية الصحة ~~والصراحة أنها لم تكن أحلت من عمرتها، وأنها بقيت محرمة حتى أدخلت عليها ~~الحج، فهذا خبرها عن نفسها، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، كل ~~منهما يوافق الآخر وبالله التوفيق. # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، ~~والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ) دليل على التفريق بين الحج والعمرة ~~في التكرار، وتنبيه على ذلك، إذ لو كانت العمرة كالحج لا تفعل في السنة إلا ~~مرة لسوى بينهما ولم يفرق. # وروى الشافعي رحمه الله، (عن علي رضي الله عنه، أنه قال: اعتمر في كل شهر ~~مرة) وروى وكيع، عن إسرائيل عن سويد بن أبي ناجية، عن أبي جعفر قال، (قال ~~علي رضي الله عنه: اعتمر في الشهر إن أطقت مرارا) وذكر سعيد بن منصور، عن ~~سفيان بن أبي حسين، عن بعض ولد أنس، (أن أنسا كان إذا كان بمكة فحمم رأسه، ~~خرج إلى التنعيم فاعتمر) . # PageV02P095 ### | [فصل في سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجته] # فصل # في سياق هديه صلى الله عليه وسلم في حجته # لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة ms0347 الوداع، ~~ولا خلاف أنها كانت سنة عشر. # واختلف: هل حج قبل الهجرة؟ فروى الترمذي، عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنه قال: ( «حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، ~~وحجة بعدما هاجر معها عمرة» ) . قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان. ~~قال وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثوري، وفي ~~رواية لا يعد هذا الحديث محفوظا. # ولما نزل فرض الحج، بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج من غير ~~تأخير، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر وأما قوله تعالى: {وأتموا ~~الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] [البقرة: 196] ، فإنها وإن نزلت سنة ست ~~عام الحديبية، فليس فيها فرضية الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام ~~العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء فإن قيل: فمن أين ~~لكم تأخير نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران ~~نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع وفيها نزل ~~صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل ~~عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما ~~أنزل الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] [التوبة: 28] ، فأعاضهم الله تعالى من ~~ذلك بالجزية. ونزول هذه الآيات، والمناداة بها، إنما كان في سنة # PageV02P096 # تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله ~~عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف. والله أعلم. ### | فصل في وصف حجة النبي # فصل # ولما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج أعلم الناس أنه حاج، ~~فتجهزوا للخروج معه وسمع ذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ووافاه في الطريق خلائق لا ms0348 يحصون، فكانوا من بين ~~يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر، وخرج من المدينة نهارا بعد ~~الظهر لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا، وخطبهم قبل ذلك ~~خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه. # وقال ابن حزم: وكان خروجه يوم الخميس، قلت: والظاهر أن خروجه كان يوم ~~السبت، واحتج ابن حزم على قوله بثلاث مقدمات، إحداها: أن خروجه كان لست ~~بقين من ذي القعدة. # والثانية: أن استهلال ذي الحجة كان يوم الخميس. والثالثة: أن يوم عرفة ~~كان يوم الجمعة واحتج على أن خروجه كان لست بقين من ذي القعدة، بما روى ~~البخاري من حديث ابن عباس، انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~بعدما ترجل وادهن. . . فذكر الحديث. وقال: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة. # قال ابن حزم: وقد نص ابن عمر على أن يوم عرفة، كان يوم الجمعة، وهو ~~التاسع، واستهلال ذي الحجة بلا شك ليلة الخميس، فآخر ذي القعدة يوم # PageV02P097 # الأربعاء، فإذا كان خروجه لست بقين من ذي القعدة، كان يوم الخميس، إذ ~~الباقي بعده ست ليال سواه. # ووجه ما اخترناه أن الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين وهي يوم السبت، ~~والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فهذه خمس، وعلى قوله يكون خروجه ~~لسبع بقين. فإن لم يعد يوم الخروج كان لست وأيهما كان فهو خلاف الحديث. # وإن اعتبر الليالي، كان خروجه لست ليال بقين لا لخمس فلا يصح الجمع بين ~~خروجه يوم الخميس وبين بقاء خمس من الشهر البتة بخلاف ما إذا كان الخروج ~~يوم السبت، فإن الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدل عليه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكر لهم في خطبته على منبره شأن الإحرام، وما يلبس المحرم ~~بالمدينة، والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة لأنه لم ينقل أنه جمعهم ونادى ~~فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر رضي الله عنهما هذه الخطبة بالمدينة ~~على منبره. # وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم في كل وقت ms0349 ما يحتاجون إليه ~~إذا حضر فعله، فأولى الأوقات به الجمعة التي يليها خروجه، والظاهر أنه لم ~~يكن ليدع الجمعة وبينه وبينها بعض يوم من غير ضرورة، وقد اجتمع إليه الخلق ~~وهو أحرص الناس على تعليمهم الدين، وقد حضر ذلك الجمع العظيم، والجمع بينه ~~وبين الحج ممكن بلا تفويت. والله أعلم. # ولما علم أبو محمد ابن حزم، أن قول ابن عباس رضي الله عنه وعائشة رضي ~~الله عنها: خرج لخمس بقين من ذي القعدة، لا يلتئم مع قوله أوله: بأن قال: ~~معناه أن اندفاعه من ذي الحليفة كان لخمس، قال: وليس بين ذي الحليفة وبين ~~المدينة إلا أربعة أميال فقط، فلم تعد هذه المرحلة القريبة لقلتها، وبهذا ~~تأتلف جميع الأحاديث. # قال: ولو كان خروجه من المدينة لخمس بقين لذي القعدة، لكان خروجه بلا شك ~~يوم الجمعة، وهذا خطأ؛ لأن الجمعة لا تصلى أربعا، وقد ذكر أنس، أنهم ( ~~«صلوا الظهر معه بالمدينة أربعا» ) قال: ويزيده # PageV02P098 # وضوحا، ثم ساق من طريق البخاري، حديث كعب بن مالك: ( «قلما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يخرج في سفر إذا خرج إلا يوم الخميس» ) ، وفي لفظ آخر: ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «كان يحب أن يخرج يوم الخميس» ) ، فبطل ~~خروجه يوم الجمعة لما ذكرنا عن أنس، وبطل خروجه يوم السبت؛ لأنه حينئذ يكون ~~خارجا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وهذا ما لم يقله أحد. # قال: وأيضا قد صح مبيته بذي الحليفة الليلة المستقبلة من يوم خروجه من ~~المدينة، فكان يكون اندفاعه من ذي الحليفة يوم الأحد، يعني: لو كان خروجه ~~يوم السبت، وصح مبيته بذي طوى ليلة دخوله مكة، وصح عنه أنه دخلها صبح رابعة ~~من ذي الحجة، فعلى هذا تكون مدة سفره من المدينة إلى مكة سبعة أيام؛ لأنه ~~كان يكون خارجا من المدينة لو كان ذلك لأربع بقين لذي القعدة، واستوى على ~~مكة لثلاث خلون من ذي الحجة، وفي استقبال الليلة الرابعة، فتلك سبع ليال لا ~~مزيد وهذا خطأ ms0350 بإجماع وأمر لم يقله أحد، فصح أن خروجه كان لست بقين من ذي ~~القعدة وائتلفت الروايات كلها، وانتفى التعارض عنها بحمد الله انتهى. # قلت: هي متآلفة متوافقة، والتعارض منتف عنها مع خروجه يوم السبت، ويزول ~~عنها الاستكراه الذي أولها عليه كما ذكرناه. وأما قول أبي محمد ابن حزم: لو ~~كان خروجه من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة لكان خروجه يوم الجمعة إلى ~~آخره فغير لازم، بل يصح أن يخرج لخمس، ويكون خروجه يوم السبت، والذي غر أبا ~~محمد أنه رأى الراوي قد حذف التاء من العدد وهي إنما تحذف من المؤنث ففهم ~~لخمس ليال بقين، وهذا إنما يكون إذا كان الخروج يوم الجمعة. # فلو كان يوم السبت لكان لأربع ليال بقين، وهذا بعينه ينقلب عليه، فإنه لو ~~كان # PageV02P099 # خروجه يوم الخميس لم يكن لخمس ليال بقين، وإنما يكون لست ليال بقين، ~~ولهذا اضطر إلى أن يؤول الخروج المقيد بالتاريخ المذكور بخمس على الاندفاع ~~من ذي الحليفة، ولا ضرورة له إلى ذلك، إذ من الممكن أن يكون شهر ذي القعدة ~~كان ناقصا، فوقع الإخبار عن تاريخ الخروج بخمس بقين منه بناء على المعتاد ~~من الشهر، وهذه عادة العرب والناس في تواريخهم، أن يؤرخوا بما بقي من الشهر ~~بناء على كماله، ثم يقع الإخبار عنه بعد انقضائه وظهور نقصه كذلك لئلا ~~يختلف عليهم التاريخ فيصح أن يقول القائل: يوم الخامس والعشرين كتب لخمس ~~بقين، ويكون الشهر تسعا وعشرين، وأيضا فإن الباقي كان خمسة أيام بلا شك ~~بيوم الخروج، والعرب إذا اجتمعت الليالي والأيام في التاريخ غلبت لفظ ~~الليالي لأنها أول الشهر، وهي أسبق من اليوم، فتذكر الليالي ومرادها ~~الأيام، فيصح أن يقال: لخمس بقين باعتبار الأيام، ويذكر لفظ العدد باعتبار ~~الليالي، فصح حينئذ أن يكون خروجه لخمس بقين ولا يكون يوم الجمعة. # وأما حديث كعب فليس فيه أنه لم يكن يخرج قط إلا يوم الخميس، وإنما فيه أن ~~ذلك كان أكثر خروجه ولا ريب أنه لم يكن يتقيد في خروجه إلى ms0351 الغزوات بيوم ~~الخميس. # وأما قوله لو خرج يوم السبت، لكان خارجا لأربع، فقد تبين أنه لا يلزم لا ~~باعتبار الليالي، ولا باعتبار الأيام. # وأما قوله: إنه بات بذي الحليفة الليلة المستقبلة من يوم خروجه من ~~المدينة إلى آخره فإنه يلزم من خروجه يوم السبت أن تكون مدة سفره سبعة ~~أيام، فهذا عجيب منه، فإنه إذا خرج يوم السبت وقد بقي من الشهر خمسة أيام ~~ودخل مكة لأربع مضين من ذي الحجة فبين خروجه من المدينة ودخوله مكة تسعة ~~أيام، وهذا غير مشكل بوجه من الوجوه، فإن الطريق التي سلكها إلى مكة بين ~~المدينة وبينها هذا المقدار، وسير العرب أسرع من سير الحضر بكثير، ولا سيما ~~مع عدم المحامل والكجاوات والزوامل الثقال. والله أعلم. # PageV02P100 # عدنا إلى سياق حجه، فصلى الظهر بالمدينة بالمسجد أربعا، ثم ترجل وادهن، ~~ولبس إزاره ورداءه، وخرج بين الظهر والعصر، فنزل بذي الحليفة فصلى بها ~~العصر ركعتين ثم بات بها (وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر، فصلى بها ~~خمس صلوات، وكان نساؤه كلهن معه، وطاف عليهن تلك الليلة، فلما أراد الإحرام ~~اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه غير غسل الجماع الأول) ولم يذكر ابن حزم أنه ~~اغتسل غير الغسل الأول للجنابة، وقد ترك بعض الناس ذكره، فإما أن يكون تركه ~~عمدا؛ لأنه لم يثبت عنده، وإما أن يكون تركه سهوا منه، وقد قال زيد بن ~~ثابت: إنه رأى ( «النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل» ) ، قال ~~الترمذي: حديث حسن غريب. ### | [حج النبي صلى الله عليه وسلم قارنا والدليل على ذلك] # وذكر الدارقطني، عن عائشة قالت: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان. ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه ~~مسك في بدنه ورأسه، حتى كان وبيص المسك يرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ~~ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج ~~والعمرة في مصلاه» ) ، ولم ينقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. # PageV02P101 # ( «وقلد قبل ms0352 الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشق صفحة ~~سنامها، وسلت الدم عنها» ) . # وإنما قلنا: إنه أحرم قارنا لبضعة وعشرين حديثا صحيحة صريحة في ذلك. # أحدها: ما أخرجاه في " الصحيحين " عن ابن عمر، قال: ( «تمتع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي ~~من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل ~~بالحج» ) وذكر الحديث. # وثانيها: ما أخرجاه في " الصحيحين " أيضا، عن عروة، عن عائشة أخبرته عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن عمر سواء. # وثالثها: ما روى مسلم في " صحيحه "، من حديث قتيبة، عن الليث، عن نافع، ~~عن ( «ابن عمر، أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافا واحدا، ثم قال: ~~هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # ورابعها: ما روى أبو داود، عن النفيلي، حدثنا زهير هو ابن معاوية، حدثنا ~~إسحاق، عن مجاهد: «سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: مرتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرن بحجته» . # PageV02P102 # ولم يناقض هذا قول ابن عمر: ( «إنه صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج ~~والعمرة» ) ؛ لأنه أراد العمرة الكاملة المفردة ولا ريب أنهما عمرتان: عمرة ~~القضاء، وعمرة الجعرانة، وعائشة رضي الله عنها أرادت العمرتين المستقلتين، ~~وعمرة القران، والتي صد عنها، ولا ريب أنها أربع. # وخامسها: ما رواه سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن ~~عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن ~~يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة» ) . رواه الترمذي وغيره. # وسادسها: ما رواه أبو داود، عن النفيلي وقتيبة قالا: حدثنا داود بن عبد ~~الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ( «اعتمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين ~~تواطئوا على عمرة من قابل، والثالثة ms0353 من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع ~~حجته» ) . # وسابعها: ما رواه البخاري في " صحيحه " عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: ( «أتاني ~~الليلة آت من ربي عز وجل، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في ~~حجة» ) . # وثامنها: ما رواه أبو داود عن البراء بن عازب قال: ( «كنت مع علي رضي ~~الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، فأصبت معه ~~أواقي من ذهب، فلما قدم علي من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: وجدت فاطمة # PageV02P103 # رضي الله عنها قد لبست ثيابا صبيغات، وقد نضحت البيت بنضوح، فقالت: ما ~~لك؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: فقلت ~~لها: إني أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال لي: كيف صنعت؟ قال: قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: فإني قد سقت الهدي وقرنت» ) وذكر الحديث. # وتاسعها: ما رواه النسائي عن عمران بن يزيد الدمشقي، حدثنا عيسى بن يونس، ~~حدثنا الأعمش، عن مسلم البطين، عن علي بن الحسين، عن (مروان بن الحكم قال: ~~كنت جالسا عند عثمان، فسمع عليا رضي الله عنه يلبي بعمرة وحجة، فقال: ألم ~~تكن تنهى عن هذا؟ قال: بلى، لكني «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي ~~بهما جميعا» ، فلم أدع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك) . # وعاشرها: ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث شعبة، عن حميد بن هلال قال: ~~سمعت مطرفا قال: قال عمران بن حصين: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به: «إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ~~ولم ينزل قرآن يحرمه» ) . # وحادي عشرها: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، وسفيان بن عيينة، عن إسماعيل ~~بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: ms0354 ( «إنما جمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة، لأنه علم أنه لا يحج بعدها» ) ~~وله طرق صحيحة إليهما. # PageV02P104 # وثاني عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث سراقة بن مالك قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، ~~قال: وقرن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع» ) إسناده ثقات. # وثالث عشرها: ما رواه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث أبي طلحة الأنصاري ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (جمع بين الحج والعمرة» ) ورواه ~~الدارقطني، وفيه الحجاج بن أرطاة. # ورابع عشرها: ما رواه أحمد من حديث الهرماس بن زياد الباهلي «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (قرن في حجة الوداع بين الحج والعمرة» ) . # وخامس عشرها: ما رواه البزار بإسناد صحيح أن ابن أبي أوفى قال: ( «إنما ~~جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج ~~بعد عامه ذلك» ) ، وقد قيل: إن يزيد بن عطاء أخطأ في إسناده، وقال آخرون: ~~لا سبيل إلى تخطئته بغير دليل. # وسادس عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله، # PageV02P105 # «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا ~~واحدا» ) ، ورواه الترمذي، وفيه الحجاج بن أرطاة، وحديثه لا ينزل عن درجة ~~الحسن ما لم ينفرد بشيء أو يخالف الثقات. # وسابع عشرها: ما رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: «سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: (أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج» ) . # وثامن عشرها: ما أخرجاه في " الصحيحين " واللفظ لمسلم، «عن حفصة قالت: ~~قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ ~~قال: (إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج» ) ، وهذا يدل ~~على أنه كان في عمرة معها حج، فإنه لا يحل من العمرة حتى يحل من الحج، وهذا ~~على أصل مالك والشافعي ألزم؛ لأن المعتمر عمرة مفردة ms0355 لا يمنعه عندهما الهدي ~~من التحلل، وإنما يمنعه عمرة القران، فالحديث على أصلهما نص. # وتاسع عشرها: ما رواه النسائي، والترمذي، عن محمد بن عبد الله بن الحارث ~~بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أنه «سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن ~~قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، ~~فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، فقال سعد: بئس ما قلت يا ~~ابن أخي. قال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب نهى عن # PageV02P106 # ذلك، قال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه» ، ~~قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج: أحد نوعيه، وهو تمتع القران فإنه ~~لغة القرآن، والصحابة الذين شهدوا التنزيل والتأويل شهدوا بذلك، ولهذا قال ~~ابن عمر: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فبدأ فأهل ~~بالعمرة، ثم أهل بالحج» ، وكذلك قالت عائشة، وأيضا: فإن الذي صنعه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو متعة القران بلا شك، كما قطع به أحمد، ويدل على ~~ذلك أن عمران بن حصين قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا ~~معه» . متفق عليه. # وهو الذي قال لمطرف: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به، «إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (جمع بين حج وعمرة» ) ، ثم لم ينه عنه حتى مات. وهو في ~~" صحيح مسلم " فأخبر عن قرانه بقوله: تمتع، وبقوله: ( «جمع بين حج وعمرة» ) ~~. # ويدل عليه أيضا، ما ثبت في " الصحيحين " عن سعيد بن المسيب قال: «اجتمع ~~علي وعثمان بعسفان، فقال: كان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ~~ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟ قال عثمان: ~~دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك، أهل بهما ~~جميعا» . هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: اختلف ( «علي وعثمان بعسفان في ~~المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر ms0356 فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما رأى ذلك علي، أهل بهما جميعا» ) . # وأخرج البخاري وحده من «حديث مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان # PageV02P107 # وعليا، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي ذلك أهل ~~بهما: لبيك بعمرة وحجة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقول أحد» . # فهذا يبين أن من جمع بينهما، كان متمتعا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وافقه عثمان على أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعل ذلك، فإنه لما قال له: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تنهى عنه، لم يقل له: لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولولا أنه وافقه على ذلك لأنكره، ثم قصد علي إلى موافقة النبي صلى ~~الله عليه وسلم والاقتداء به في ذلك، وبيان أن فعله لم ينسخ، وأهل بهما ~~جميعا تقريرا للاقتداء به ومتابعته في القران، وإظهارا لسنة نهى عنها عثمان ~~متأولا، وحينئذ فهذا دليل مستقل تمام العشرين. # الحادي والعشرون ما رواه مالك في " الموطأ "، عن ابن شهاب، عن عروة، عن ~~عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، ~~فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من كان معه هدي ~~فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» ) . # ومعلوم أنه كان معه الهدي، فهو أولى من بادر إلى ما أمر به، وقد دل عليه ~~سائر الأحاديث التي ذكرناها ونذكرها. # وقد ذهب جماعة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي، ~~والتمتع بالعمرة المفردة على من لم يسق الهدي، منهم: عبد الله بن عباس ~~وجماعة، فعندهم لا يجوز العدول عما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~به أصحابه، فإنه قرن وساق الهدي وأمر كل من لا هدي معه بالفسخ إلى عمرة ~~مفردة، فالواجب أن نفعل كما فعل أو كما أمر، وهذا ms0357 القول أصح من قول # PageV02P108 # من حرم فسخ الحج إلى العمرة من وجوه كثيرة سنذكرها إن شاء الله تعالى. # الثاني والعشرون: ما أخرجاه في " الصحيحين "، عن أبي قلابة، عن ( «أنس بن ~~مالك قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر ~~أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به ~~راحلته على البيداء، حمد الله وسبح [وكبر] ثم أهل بحج وعمرة» ) ، وأهل ~~الناس بهما، فلما قدمنا، أمر الناس فحلوا، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا ~~بالحج. # وفي " الصحيحين " أيضا: عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس قال: «سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا، قال بكر: فحدثت ~~بذلك ابن عمر فقال: (لبى بالحج وحده) فلقيت أنسا، فحدثته بقول ابن عمر فقال ~~أنس: ما تعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~(لبيك عمرة وحجا» ) . وبين أنس وابن عمر في السن سنة أو سنة وشيء. # وفي " صحيح مسلم "، عن يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب، وحميد، ~~أنهم سمعوا أنسا قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (أهل بهما لبيك ~~عمرة وحجا» ) . # وروى أبو يوسف القاضي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس قال: «سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لبيك بحج وعمرة معا) » . # PageV02P109 # وروى النسائي من حديث أبي أسماء، عن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يلبي بهما. # وروي أيضا من حديث الحسن البصري عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(أهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر) » . # وروى البزار، من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب، عن أنس، «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم (أهل بحج وعمرة) » . # ومن حديث سليمان التيمي عن أنس كذلك، وعن أبي قدامة عن أنس مثله. وذكر ~~وكيع: حدثنا مصعب بن سليم قال: سمعت أنسا مثله، قال: وحدثنا ابن أبي ليلى، ~~عن ثابت البناني، عن أنس مثله، وذكر الخشني: حدثنا محمد بن ms0358 بشار، حدثنا ~~محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي قزعة، عن أنس مثله. # وفي " صحيح البخاري "، عن قتادة، عن أنس، «اعتمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربع عمر» ، فذكرها وقال: وعمرة مع حجته وقد تقدم. # وذكر عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة وحميد بن هلال، عن ~~أنس مثله، فهؤلاء ستة عشر نفسا من الثقات، كلهم متفقون عن أنس، أن لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إهلالا بحج وعمرة معا، وهم الحسن البصري، ~~وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن ~~سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن ~~صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، ~~وأبو أسماء، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة وهو سويد بن حجر الباهلي. # PageV02P110 # فهذه أخبار أنس عن لفظ إهلاله صلى الله عليه وسلم الذي سمعه منه، وهذا ~~علي والبراء يخبران عن إخباره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بالقران، وهذا ~~علي أيضا، يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله، وهذا عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ربه أمره بأن يفعله ~~وعلمه اللفظ الذي يقوله عند الإحرام، وهذا علي أيضا يخبر أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا، وهؤلاء بقية من ذكرنا يخبرون عنه بأنه ~~فعله، وهذا هو صلى الله عليه وسلم يأمر به آله، ويأمر به من ساق الهدي. # وهؤلاء الذين رووا القران بغاية البيان: عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن ~~عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي ~~طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعلي وتقرير علي له، وعمران بن الحصين، ~~والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة ~~والهرماس بن زياد وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، فهؤلاء هم ~~سبعة عشر صحابيا رضي ms0359 الله عنهم منهم من روى فعله ومنهم من روى لفظ إحرامه ~~ومنهم من روى خبره عن نفسه ومنهم من روى أمره به. # فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر وجابرا، وعائشة، وابن عباس؟ وهذه عائشة ~~تقول: «أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج» وفي لفظ: ( «أفرد الحج» ) ~~والأول في " الصحيحين "، والثاني في مسلم وله لفظان، هذا أحدهما والثاني: ( ~~«أهل بالحج مفردا» ) وهذا ابن عمر يقول: ( «لبى بالحج وحده» ) ذكره ~~البخاري، وهذا ابن عباس يقول: «وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج» ~~رواه مسلم # PageV02P111 # وهذا جابر يقول: ( «أفرد الحج» ) رواه ابن ماجه. # قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث الباقين لم ~~تتعارض، فهب أن أحاديث من ذكرتم لا حجة فيها على القران، ولا على الإفراد ~~لتعارضها، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها؟ فكيف ~~وأحاديثهم يصدق بعضها بعضا ولا تعارض بينها، وإنما ظن من ظن التعارض لعدم ~~إحاطته بمراد الصحابة من ألفاظهم، وحملها على الاصطلاح الحادث بعدهم. # ورأيت لشيخ الإسلام فصلا حسنا في اتفاق أحاديثهم نسوقه بلفظه، قال: ~~والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة ليست بمختلفة إلا اختلافا يسيرا ~~يقع مثله في غير ذلك، فإن الصحابة ثبت عنهم أنه تمتع، والتمتع عندهم يتناول ~~القران، والذين روي عنهم أنه أفرد روي عنهم أنه تمتع، أما الأول: ففي " ~~الصحيحين " عن سعيد بن المسيب قال: «اجتمع علي وعثمان بعسفان، وكان عثمان ~~ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي رضي الله عنه: ما تريد إلى أمر فعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه؟ فقال عثمان: (دعنا منك) فقال: إني ~~لا أستطيع أن أدعك. فلما رأى علي رضي الله عنه ذلك أهل بهما جميعا» . فهذا ~~يبين أن من جمع بينهما كان متمتعا عندهم وأن هذا هو الذي فعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم ووافقه عثمان على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لكن ~~كان النزاع بينهما، هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟ وهل ms0360 شرع فسخ الحج إلى ~~العمرة في حقنا كما تنازع فيه الفقهاء؟ فقد اتفق علي وعثمان على أنه تمتع ~~والمراد بالتمتع عندهم القران. # وفي " الصحيحين " عن مطرف قال: قال عمران بن حصين: «إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (جمع بين حج وعمرة، ثم إنه لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه ~~قرآن يحرمه» ) وفي رواية عنه ( «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV02P112 # وتمتعنا معه» ) . # فهذا عمران وهو من أجل السابقين الأولين أخبر أنه تمتع وأنه ( «جمع بين ~~الحج والعمرة» ) والقارن عند الصحابة متمتع، ولهذا أوجبوا عليه الهدي، ودخل ~~في قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: ~~196] [البقرة: 196] ، وذكر حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «أتاني ~~آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة» ) . # قال: فهؤلاء الخلفاء الراشدون، عمر، وعثمان، وعلي، وعمران بن حصين، روي ~~عنهم بأصح الأسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين العمرة والحج، ~~وكانوا يسمون ذلك تمتعا، وهذا أنس يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يلبي بالحج والعمرة جميعا. # وما ذكره بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر أنه ( «لبى بالحج وحده» ) ~~فجوابه: أن الثقات الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر مثل سالم ابنه، ونافع ~~رووا عنه أنه قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج» ، ~~وهؤلاء أثبت في ابن عمر من بكر. فتغليط بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم ~~ونافع عنه، وأولى من تغليطه هو على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن ابن ~~عمر قال له: ( «أفرد الحج» ) فظن أنه قال: لبى بالحج، فإن إفراد الحج كانوا ~~يطلقونه ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك رد منهم على من قال: إنه قرن ~~قرانا طاف فيه طوافين، وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنه حل من إحرامه، ~~فرواية من روى من الصحابة أنه ( «أفرد الحج» ) ترد على هؤلاء، يبين هذا ما ms0361 ~~رواه مسلم في " صحيحه " عن نافع، عن ابن عمر، قال: «أهللنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا» ، وفي رواية ( «أهل بالحج مفردا» ) . # فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج ~~مفردا، قيل فقد ثبت بإسناد أصح من ذلك، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم تمتع بالعمرة إلى # PageV02P113 # الحج، وأنه بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وهذا من رواية الزهري، عن ~~سالم عن ابن عمر. وما عارض هذا عن ابن عمر، إما أن يكون غلطا عليه، وإما أن ~~يكون مقصوده موافقا له، وإما أن يكون ابن عمر لما علم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يحل ظن أنه أفرد كما وهم في قوله: إنه اعتمر في رجب، وكان ذلك ~~نسيانا منه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما لم يحل من إحرامه، وكان هذا حال ~~المفرد ظن أنه أفرد، ثم ساق حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، تمتع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الحديث. # وقول الزهري: وحدثني عروة، عن عائشة بمثل حديث سالم عن أبيه قال: فهذا من ~~أصح حديث على وجه الأرض، وهو من حديث الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة، عن ~~سالم، عن أبيه، وهو من أصح حديث ابن عمر وعائشة. # وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها في " الصحيحين ": أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( «اعتمر أربع عمر، الرابعة مع حجته» ) ولم يعتمر بعد الحج باتفاق ~~العلماء، فيتعين أن يكون متمتعا تمتع قران أو التمتع الخاص. # وقد صح عن ( «ابن عمر أنه قرن بين الحج والعمرة وقال: هكذا فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» ) ، رواه البخاري في " الصحيح ". # قال: وأما الذين نقل عنهم إفراد الحج فهم ثلاثة: عائشة، وابن عمر، وجابر، ~~والثلاثة نقل عنهم التمتع، وحديث عائشة وابن عمر أنه تمتع بالعمرة إلى الحج ~~أصح من حديثهما، وما صح في ذلك عنهما، فمعناه إفراد أعمال الحج أو أن يكون ~~وقع منه غلط كنظائره، فإن أحاديث ms0362 التمتع متواترة رواها أكابر الصحابة كعمر، ~~وعثمان، وعلي، وعمران بن حصين ورواها أيضا: عائشة، وابن عمر، وجابر، بل ~~رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر من الصحابة. # PageV02P114 # قلت: وقد اتفق أنس، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس، على «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (اعتمر أربع عمر) » وإنما وهم ابن عمر في كون إحداهن في رجب، ~~وكلهم قالوا: وعمرة مع حجته، وهم سوى ابن عباس. قالوا: إنه (أفرد الحج) وهم ~~سوى أنس قالوا: تمتع. فقالوا هذا، وهذا، وهذا، ولا تناقض بين أقوالهم، فإنه ~~تمتع تمتع قران، وأفرد أعمال الحج، وقرن بين النسكين، وكان قارنا باعتبار ~~جمعه بين النسكين، ومفردا باعتبار اقتصاره على أحد الطوافين والسعيين، ~~ومتمتعا ترفهه بترك أحد السفرين. # ومن تأمل ألفاظ الصحابة، وجمع الأحاديث بعضها إلى بعض، واعتبر بعضها ~~ببعض، وفهم لغة الصحابة، أسفر له صبح الصواب، وانقشعت عنه ظلمة الاختلاف ~~والاضطراب، والله الهادي لسبيل الرشاد والموفق لطريق السداد. # فمن قال: إنه أفرد الحج وأراد به أنه أتى بالحج مفردا، ثم فرغ منه وأتى ~~بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثير من الناس فهذا غلط لم يقله ~~أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة ~~الحديث. وإن أراد به أنه حج حجا مفردا لم يعتمر معه كما قاله طائفة من ~~السلف والخلف، فوهم أيضا، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده كما تبين، وإن ~~أراد به أنه اقتصر على أعمال الحج وحده ولم يفرد للعمرة أعمالا فقد أصاب، ~~وعلى قوله تدل جميع الأحاديث. ومن قال: إنه قرن، فإن أراد به أنه طاف للحج ~~طوافا على حدة، وللعمرة طوافا على حدة، وسعى للحج سعيا، وللعمرة سعيا، ~~فالأحاديث الثابتة ترد قوله. وإن أراد أنه قرن بين النسكين وطاف لهما طوافا ~~واحدا، وسعى لهما سعيا واحدا، فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله، وقوله هو ~~الصواب. # ومن قال إنه تمتع، فإن أراد أنه تمتع تمتعا حل منه، ثم أحرم بالحج # PageV02P115 # إحراما مستأنفا، فالأحاديث ترد قوله وهو غلط، وإن أراد أنه ms0363 تمتع تمتعا لم ~~يحل منه، بل بقي على إحرامه لأجل سوق الهدي، فالأحاديث الكثيرة ترد قوله ~~أيضا، وهو أقل غلطا، وإن أراد تمتع القران فهو الصواب الذي تدل عليه جميع ~~الأحاديث الثابتة ويأتلف به شملها، ويزول عنها الإشكال والاختلاف. ### | [غلط الناس في عمره صلى الله عليه وسلم] # فصل # غلط في عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمس طوائف. # إحداها: من قال: إنه اعتمر في رجب، وهذا غلط، فإن عمره مضبوطة محفوظة، لم ~~يخرج في رجب إلى شيء منها البتة. # الثانية: من قال: إنه اعتمر في شوال وهذا أيضا وهم، والظاهر - والله أعلم ~~- أن بعض الرواة غلط في هذا، وأنه اعتكف في شوال فقال: اعتمر في شوال، لكن ~~سياق الحديث، وقوله: «اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر: عمرة ~~في شوال، وعمرتين في ذي القعدة» ، يدل على أن عائشة أو من دونها، إنما قصد ~~العمرة. # الثالثة: من قال: إنه اعتمر من التنعيم بعد حجه، وهذا لم يقله أحد من أهل ~~العلم، وإنما يظنه العوام، ومن لا خبرة له بالسنة. # الرابعة: من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا، والسنة الصحيحة المستفيضة ~~التي لا يمكن ردها تبطل هذا القول. # الخامسة: من قال: إنه اعتمر عمرة حل منها، ثم أحرم بعدها بالحج من مكة، ~~والأحاديث الصحيحة تبطل هذا القول وترده. # PageV02P116 ### | [غلط الناس في حجه صلى الله عليه وسلم] # فصل # ووهم في حجه خمس طوائف. # الطائفة الأولى: التي قالت: حج حجا مفردا لم يعتمر معه. # الثانية: من قال: حج متمتعا تمتعا حل منه، ثم أحرم بعده بالحج، كما قاله ~~القاضي أبو يعلى وغيره. # الثالثة: من قال: حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدي ولم يكن ~~قارنا، كما قاله أبو محمد بن قدامة صاحب " المغني " وغيره. # الرابعة: من قال: حج قارنا قرانا طاف له طوافين، وسعى له سعيين. # الخامسة: من قال: حج حجا مفردا، واعتمر بعده من التنعيم. ### | [غلط الناس في إحرامه صلى الله عليه وسلم] # فصل # وغلط في إحرامه خمس ms0364 طوائف. # إحداها: من قال: لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها. # الثانية: من قال: لبى بالحج وحده، واستمر عليه. # الثالثة من قال لبى بالحج مفردا، ثم أدخل عليه العمرة وزعم أن ذلك خاص ~~به. # الرابعة: من قال: لبى بالعمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحج في ثاني الحال. # الخامسة: من قال: أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا، ثم عينه بعد ~~إحرامه. # PageV02P117 # والصواب: أنه أحرم بالحج والعمرة معا من حين أنشأ الإحرام، ولم يحل حتى ~~حل منهما جميعا، فطاف لهما طوافا واحدا، وسعى لهما سعيا واحدا. وساق الهدي، ~~كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترا يعلمه أهل الحديث. والله ~~أعلم. ### | [فصل في أعذار القائلين بهذه الأقوال وبيان منشأ الوهم والغلط] # فصل # في أعذار القائلين بهذه الأقوال وبيان منشأ الوهم والغلط # أما عذر من قال: اعتمر في رجب، فحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب» متفق عليه. وقد غلطته عائشة ~~وغيرها، كما في " الصحيحين " «عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير ~~المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالسا إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في ~~المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم. فقال: بدعة. ثم قلنا له: كم ~~اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (أربعا. إحداهن في رجب، فكرهنا ~~أن نرد عليه) » # قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أمه، أو ~~يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: ~~يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (اعتمر أربع عمر، إحداهن في رجب. ~~قالت يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهد، وما اعتمر ~~في رجب قط» ) # وكذلك قال أنس، وابن عباس: إن عمره كلها كانت في ذي القعدة وهذا هو ~~الصواب. ### | [عذر من قال اعتمر صلى الله عليه وسلم في شوال] # فصل # وأما من قال: اعتمر في شوال، فعذره ما رواه مالك في " الموطأ "، عن ms0365 # PageV02P118 # هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «لم يعتمر إلا ~~ثلاثا، إحداهن في شوال واثنتين في ذي القعدة» ) . # ولكن هذا الحديث مرسل، وهو غلط أيضا، إما من هشام، وإما من عروة أصابه ~~فيه ما أصاب ابن عمر. وقد رواه أبو داود مرفوعا عن عائشة، وهو غلط أيضا لا ~~يصح رفعه. قال ابن عبد البر: وليس روايته مسندا مما يذكر عن مالك في صحة ~~النقل. قلت: ويدل على بطلانه عن عائشة أن عائشة وابن عباس، وأنس بن مالك ~~قالوا: (لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة) وهذا هو ~~الصواب، فإن عمرة الحديبية وعمرة القضية، كانتا في ذي القعدة، وعمرة القران ~~إنما كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة أيضا كانت في أول ذي القعدة، وإنما ~~وقع الاشتباه أنه خرج من مكة في شوال للقاء العدو، وفرغ من عدوه، وقسم ~~غنائمهم، ودخل مكة ليلا معتمرا من الجعرانة، وخرج منها ليلا، فخفيت عمرته ~~هذه على كثير من الناس، وكذلك قال محرش الكعبي. والله أعلم. ### | [عذر من قال اعتمر صلى الله عليه وسلم من التنعيم بعد الحج] # فصل # وأما من ظن أنه اعتمر من التنعيم بعد الحج، فلا أعلم له عذرا، فإن هذا ~~خلاف المعلوم المستفيض من حجته، ولم ينقله أحد قط، ولا قاله إمام، ولعل ظان ~~هذا سمع أنه أفرد الحج، ورأى أن كل من أفرد الحج من أهل الآفاق لا بد له أن ~~يخرج بعده إلى التنعيم، فنزل حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ~~وهذا عين الغلط. # PageV02P119 ### | [عذر من قال لم يعتمر صلى الله عليه وسلم في حجته أصلا] # فصل # وأما من قال: إنه لم يعتمر في حجته أصلا، فعذره أنه لما سمع أنه أفرد ~~الحج، وعلم يقينا أنه لم يعتمر بعد حجته قال: إنه لم يعتمر في تلك الحجة ~~اكتفاء منه بالعمرة المتقدمة، والأحاديث المستفيضة الصحيحة ترد قوله كما ~~تقدم من أكثر من عشرين وجها، وقد قال: ( «هذه عمرة ms0366 استمتعنا بها» ) وقالت ~~حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ وقال سراقة بن مالك: تمتع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، ~~وابن عباس وصرح أنس، وابن عباس وعائشة أنه اعتمر في حجته وهي إحدى عمره ~~الأربع. ### | [اعتمر صلى الله عليه وسلم عمرة حل منها] # فصل # وأما من قال: إنه اعتمر عمرة حل منها، كما قاله القاضي أبو يعلى ومن ~~وافقه، فعذرهم ما صح عن ابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين وغيرهم «أنه صلى ~~الله عليه وسلم تمتع» ، وهذا يحتمل أنه تمتع حل منه، ويحتمل أنه لم يحل، ~~فلما أخبر معاوية أنه قصر عن رأسه بمشقص على المروة، وحديثه في " الصحيحين ~~" دل على أنه حل من إحرامه، ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجة الوداع؛ لأن ~~معاوية إنما أسلم بعد الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن زمن الفتح ~~محرما، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين، أحدهما: أن في بعض ألفاظ ~~الحديث الصحيح " وذلك في حجته ". # والثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح (وذلك في أيام العشر) وهذا ~~إنما كان في حجته، وحمل هؤلاء رواية من روى أن المتعة كانت له خاصة # PageV02P120 # على أن طائفة منهم خصوا بالتحليل من الإحرام مع سوق الهدي دون من ساق ~~الهدي من الصحابة، وأنكر ذلك عليهم آخرون، منهم شيخنا أبو العباس. وقالوا: ~~من تأمل الأحاديث المستفيضة الصحيحة، تبين له أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يحل لا هو ولا أحد ممن ساق الهدي. ### | [فصل في أعذار الذين وهموا في صفة حجته] # فصل # في أعذار الذين وهموا في صفة حجته # أما من قال: إنه حج حجا مفردا، لم يعتمر فيه، فعذره ما في " الصحيحين " ~~عن عائشة، أنها قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة ~~الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج» ms0367 . وقالوا: هذا التقسيم والتنويع صريح ~~في إهلاله بالحج وحده. # ولمسلم عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «أهل بالحج مفردا» ) . # وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لبى ~~بالحج وحده» ) . # وفي " صحيح مسلم "، عن ابن عباس، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~بالحج» . # وفي " سنن ابن ماجه "، عن جابر، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفرد ~~الحج» ) . # وفي " صحيح مسلم " عنه: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي ~~إلا الحج لسنا نعرف العمرة» . # PageV02P121 # وفي " صحيح البخاري "، عن عروة بن الزبير قال: «حج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرتني عائشة (أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة، أنه توضأ، ثم ~~طاف بالبيت [ثم لم تكن عمرة] ، ثم حج أبو بكر رضي الله عنه، فكان أول شيء ~~بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم حج ~~عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية، ~~وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به ~~الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها ~~عمرة، وهذا ابن عمر عندهم، فلا يسألونه ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون ~~بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي ~~وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم إنهما لا ~~تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير، وفلان، وفلان، بعمرة ~~فلما مسحوا الركن حلوا» ) . # وفي" سنن أبي داود ": حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، ووهيب ~~بن خالد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موافين لهلال ذي الحجة، فلما كان بذي الحليفة قال: ~~(من شاء أن يهل بحج فليهل، ومن أراد ms0368 أن يهل بعمرة فليهل بعمرة» ) ثم انفرد ~~وهيب في حديثه بأن قال عنه صلى الله عليه وسلم: ( «فإني لولا أني أهديت ~~لأهللت بعمرة» ) . وقال الآخر: ( «وأما أنا فأهل بالحج» ) فصح بمجموع ~~الروايتين أنه (أهل بالحج مفردا) . # فأرباب هذا القول عذرهم ظاهر كما ترى، ولكن ما عذرهم في حكمه وخبره الذي ~~حكم به على نفسه، وأخبر عنها بقوله: سقت الهدي وقرنت، وخبر من هو تحت بطن ~~ناقته، وأقرب إليه حينئذ من غيره فهو من أصدق الناس يسمعه # PageV02P122 # يقول: ( «لبيك بحجة وعمرة» ) ، وخبر من هو من أعلم الناس عنه صلى الله ~~عليه وسلم، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين يخبر أنه أهل بهما جميعا، ~~ولبى بهما جميعا، وخبر زوجته حفصة في تقريره لها على أنه معتمر بعمرة لم ~~يحل منها، فلم ينكر ذلك عليها، بل صدقها، وأجابها بأنه مع ذلك حاج، وهو صلى ~~الله عليه وسلم لا يقر على باطل يسمعه أصلا، بل ينكره. # وما عذرهم عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه بالوحي الذي جاءه من ربه، ~~يأمره فيه أن يهل بحجة في عمرة، وما عذرهم عن خبر من أخبر عنه من أصحابه ~~أنه قرن؛ لأنه علم أنه لا يحج بعدها، وخبر من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه اعتمر مع حجته وليس مع من قال: إنه أفرد الحج شيء من ذلك البتة فلم يقل ~~أحد منهم عنه: إني أفردت، ولا أتاني آت من ربي يأمرني بالإفراد، ولا قال ~~أحد: ما بال الناس حلوا، ولم تحل من حجتك، كما حلوا هم بعمرة، ولا قال أحد: ~~سمعته يقول: لبيك بعمرة مفردة البتة، ولا بحج مفرد، ولا قال أحد: إنه اعتمر ~~أربع عمر الرابعة بعد حجته، وقد شهد عليه أربعة من الصحابة أنهم سمعوه يخبر ~~عن نفسه بأنه قارن، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بأن يقال: لم يسمعوه. # ومعلوم قطعا أن تطرق الوهم والغلط إلى من أخبر عما فهمه هو من فعله يظنه ~~كذلك أولى من تطرق التكذيب ms0369 إلى من قال: سمعته يقول: كذا وكذا وإنه لم يسمعه ~~فإن هذا لا يتطرق إليه إلا التكذيب، بخلاف خبر من أخبر عما ظنه من فعله ~~وكان واهما، فإنه لا ينسب إلى الكذب، ولقد نزه الله عليا، وأنسا، والبراء، ~~وحفصة عن أن يقولوا: سمعناه يقول: كذا ولم يسمعوه ونزهه ربه تبارك وتعالى، ~~أن يرسل إليه: أن افعل كذا وكذا ولم يفعله، هذا من أمحل المحال وأبطل ~~الباطل، فكيف والذين ذكروا الإفراد عنه لم يخالفوا هؤلاء في مقصودهم، ولا ~~ناقضوهم، وإنما أرادوا إفراد الأعمال، واقتصاره على عمل المفرد فإنه ليس في ~~عمله زيادة على عمل المفرد. # ومن روى عنهم ما يوهم خلاف هذا، فإنه عبر بحسب ما فهمه كما سمع بكر بن ~~عبد الله بن عمر يقول: أفرد الحج، فقال (لبى بالحج وحده) فحمله على المعنى. ~~وقال سالم ابنه عنه ونافع مولاه. إنه تمتع، فبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل # PageV02P123 # بالحج، فهذا سالم يخبر بخلاف ما أخبر به بكر، ولا يصح تأويل هذا عنه بأنه ~~أمر به، فإنه فسره بقوله: وبدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وكذا الذين رووا ~~الإفراد عن عائشة رضي الله عنها، فهما: عروة، والقاسم، وروى القران عنها ~~عروة، ومجاهد، وأبو الأسود يروي عن عروة الإفراد، والزهري يروي عنه القران. # فإن قدرنا تساقط الروايتين، سلمت رواية مجاهد، وإن حملت رواية الإفراد ~~على أنه أفرد أعمال الحج، تصادقت الروايات وصدق بعضها بعضا، ولا ريب أن قول ~~عائشة وابن عمر (أفرد الحج) ، محتمل لثلاثة معان: # أحدها: الإهلال به مفردا. # الثاني: إفراد أعماله. # الثالث أنه حج حجة واحدة لم يحج معها غيرها، بخلاف العمرة فإنها كانت ~~أربع مرات. # وأما قولهما: تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، ~~فحكيا فعله، فهذا صريح لا يحتمل غير معنى واحد، فلا يجوز رده بالمجمل، وليس ~~في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة أنه أهل بالحج ما يناقض رواية ~~مجاهد وعروة عنها أنه قرن، فإن القارن حاج مهل بالحج قطعا، وعمرته جزء من ~~حجته، ms0370 فمن أخبر عنها أنه أهل بالحج فهو غير صادق. # فإن ضمت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثم ضمتا إلى رواية عروة تبين ~~من مجموع الروايات أنه كان قارنا، وصدق بعضها بعضا، حتى لو لم يحتمل قول ~~عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفردا، لوجب قطعا أن يكون سبيله سبيل ~~قول ابن عمر: اعتمر في رجب، وقول عائشة أو عروة: إنه صلى الله عليه وسلم ~~(اعتمر في شوال) ، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلا إلى ~~تكذيب رواتها، ولا تأويلها وحملها على غير ما دلت عليه ولا سبيل إلى تقديم ~~هذه الرواية المجملة التي قد اضطربت على رواتها، واختلف عنهم فيها، وعارضهم ~~من هو أوثق منهم أو مثلهم عليها. # PageV02P124 # وأما قول جابر: إنه (أفرد الحج) ، فالصريح من حديثه ليس فيه شيء من هذا، ~~وإنما فيه إخباره عنهم أنفسهم أنهم لا ينوون إلا الحج فأين في هذا ما يدل ~~على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بالحج مفردا. # وأما حديثه الآخر الذي رواه ابن ماجه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(أفرد الحج) » ، فله ثلاث طرق: أجودها: طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه، وهذا يقينا مختصر من حديثه الطويل في حجة الوداع ومروي بالمعنى، ~~والناس خالفوا الدراوردي في ذلك. وقالوا: أهل بالحج، وأهل بالتوحيد. ~~والطريق الثاني: فيها مطرف بن مصعب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن جعفر ~~ومطرف قال ابن حزم: هو مجهول، قلت: ليس هو بمجهول، ولكنه ابن أخت مالك روى ~~عنه البخاري، وبشر بن موسى، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث، هو ~~أحب إلي من إسماعيل بن أبي أويس، وقال ابن عدي: يأتي بمناكير، وكأن أبا ~~محمد بن حزم رأى في النسخة مطرف بن مصعب فجهله، وإنما هو مطرف أبو مصعب، ~~وهو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار. # وممن غلط في هذا أيضا، محمد بن عثمان الذهبي في كتابه " الضعفاء " فقال: ~~مطرف بن مصعب المدني ms0371 عن ابن أبي ذئب منكر الحديث. # قلت: والراوي عن ابن أبي ذئب، والدراوردي، ومالك هو مطرف أبو مصعب ~~المدني، وليس بمنكر الحديث، وإنما غره قول ابن عدي يأتي بمناكير، ثم ساق له ~~منها ابن عدي جملة لكن هي من رواية أحمد بن داود بن صالح عنه، كذبه ~~الدارقطني، والبلاء فيها منه. # والطريق الثالث: لحديث جابر فيها محمد بن عبد الوهاب ينظر فيه من هو وما ~~حاله عن محمد بن مسلم، إن كان الطائفي فهو ثقة عند ابن معين، ضعيف عند ~~الإمام أحمد، وقال ابن حزم: ساقط البتة ولم أر هذه العبارة فيه لغيره، وقد ~~استشهد به مسلم، قال ابن حزم: وإن كان غيره فلا أدري من هو؟ قلت: ليس بغيره ~~بل هو الطائفي يقينا. وبكل حال فلو صح هذا عن جابر لكان حكمه حكم المروي عن ~~عائشة وابن عمر وسائر الرواة الثقات، إنما قالوا: (أهل # PageV02P125 # بالحج) فلعل هؤلاء حملوه على المعنى، وقالوا: (أفرد الحج) ومعلوم أن ~~العمرة إذا دخلت في الحج فمن قال: (أهل بالحج) ، لا يناقض من قال: أهل ~~بهما، بل هذا فصل وذاك أجمل. # ومن قال: (أفرد الحج) يحتمل ما ذكرنا من الوجوه الثلاثة، ولكن هل قال أحد ~~قط عنه: إنه سمعه يقول: " لبيك بحجة مفردة "، هذا ما لا سبيل إليه، حتى لو ~~وجد ذلك لم يقدم على تلك الأساطين التي ذكرناها والتي لا سبيل إلى دفعها ~~البتة، وكان تغليط هذا أو حمله على أول الإحرام وأنه صار قارنا في أثنائه ~~متعينا، فكيف ولم يثبت ذلك، وقد قدمنا عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، ~~عن أبيه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قرن في حجة ~~الوداع» . رواه زكريا الساجي، عن عبد الله بن أبي زياد القطواني، عن زيد بن ~~الحباب، عن سفيان. ولا تناقض بين هذا وبين قوله: أهل بالحج، وأفرد بالحج ~~ولبى بالحج كما تقدم. ### | [الترجيح لرواية من روى القران] # فصل # فحصل الترجيح لرواية من روى القران لوجوه عشرة. # أحدها: ms0372 أنهم أكثر كما تقدم. # الثاني: أن طرق الإخبار بذلك تنوعت كما بيناه. # الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحا، وفيهم من أخبر عن إخباره ~~عن نفسه بأنه فعل ذلك وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك ولم يجئ شيء من ذلك ~~في الإفراد. # الرابع: تصديق روايات من روى أنه اعتمر أربع عمر لها. # الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد. # السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها، والذاكر # PageV02P126 # الزائد مقدم على الساكت، والمثبت مقدم على النافي. # السابع: أن رواة الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، ~~والأربعة رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم، سلمت رواية من عداهم ~~للقران عن معارض، وإن صرنا إلى الترجيح، وجب الأخذ برواية من لم تضطرب ~~الرواية عنه، ولا اختلفت كالبراء، وأنس، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، ~~وحفصة، ومن معهم ممن تقدم. # الثامن: أنه النسك الذي أمر به من ربه، فلم يكن ليعدل عنه. # التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ~~ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. # العاشر: أنه النسك الذي أمر به آله وأهل بيته، واختاره لهم، ولم يكن ~~ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه. # وثمت ترجيح حادي عشر، وهو قوله: ( «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ~~) ، وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءا منه، أو كالجزء الداخل فيه، بحيث لا يفصل ~~بينها وبينه، وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه. # وترجيح ثاني عشر: وهو قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للصبي بن معبد ~~وقد أهل بحج وعمرة، فأنكر عليه زيد بن صوحان، أو سلمان بن ربيعة، فقال له ~~عمر: هديت لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم، وهذا يوافق رواية عمر عنه ~~- صلى الله عليه وسلم - أن الوحي جاءه من الله بالإهلال بهما جميعا، فدل ~~على أن القران سنته التي فعلها، وامتثل أمر الله له بها. # وترجيح ثالث عشر: أن ms0373 القارن تقع أعماله عن كل من النسكين، فيقع # PageV02P127 # إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معا، وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما، وعمل كل ~~فعل على حدة. # وترجيح رابع عشر: وهو أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من ~~نسك خلا عن الهدي. فإذا قرن، كان هديه عن كل واحد من النسكين، فلم يخل نسك ~~منهما عن هدي، ولهذا - والله أعلم - أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من ساق الهدي أن يهل بالحج والعمرة معا، وأشار إلى ذلك في المتفق عليه من ~~حديث البراء بقوله: " «إني سقت الهدي وقرنت» ". # وترجيح خامس عشر: وهو أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد لوجوه كثيرة، ~~منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بفسخ الحج إليه، ومحال أن ينقلهم ~~من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه، ومنها: أنه تأسف على كونه لم يفعله ~~بقوله: ( «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» ) . # ومنها: أنه أمر به كل من لم يسق الهدي. # ومنها: أن الحج الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي، ~~والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه، والمتمتع إذا ساق الهدي، ~~فهو أفضل من متمتع اشتراه من مكة، بل في أحد القولين: لا هدي إلا ما جمع ~~فيه بين الحل والحرم. فإذا ثبت هذا، فالقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق، ~~ومن متمتع ساق الهدي لأنه قد ساق من حين أحرم، والمتمتع إنما يسوق الهدي من ~~أدنى الحل، فكيف يجعل مفرد لم يسق هديا، أفضل من متمتع ساقه من أدنى الحل؟ ~~فكيف إذا جعل أفضل من قارن ساقه من الميقات، وهذا بحمد الله واضح. ### | [عذر من قال حج صلى الله عليه وسلم متمتعا تمتعا حل فيه من إحرامه] # فصل # وأما قول من قال: إنه حج متمتعا تمتعا حل فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم ~~التروية بالحج مع سوق الهدي. فعذره ما تقدم من حديث معاوية، أنه قصر عن # PageV02P128 # رسول الله - صلى الله عليه ms0374 وسلم - بمشقص في العشر، وفي لفظ: وذلك في ~~حجته. وهذا مما أنكره الناس على معاوية، وغلطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ~~ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة ~~من الوجوه المتعددة كلها تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحل من ~~إحرامه إلا يوم النحر، ولذلك أخبر عن نفسه بقوله: ( «لولا أن معي الهدي ~~لأحللت» ) ، وقوله: ( «إني سقت الهدي وقرنت فلا أحل حتى أنحر» ) . وهذا خبر ~~عن نفسه، فلا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه، لا سيما خبرا ~~يخالف ما أخبر به عن نفسه، وأخبر عنه به الجم الغفير، أنه لم يأخذ من شعره ~~شيئا، لا بتقصير ولا حلق، وأنه بقي على إحرامه حتى حلق يوم النحر، ولعل ~~معاوية قصر عن رأسه في عمرة الجعرانة، فإنه كان حينئذ قد أسلم، ثم نسي، فظن ~~أن ذلك كان في العشر، كما نسي ابن عمر أن عمره كانت كلها في ذي القعدة. ~~وقال: كانت [إحداهن] في رجب، وقد كان معه فيها، والوهم جائز على من سوى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. فإذا قام الدليل عليه، صار واجبا. # وقد قيل: إن معاوية لعله قصر عن رأسه بقية شعر لم يكن استوفاه الحلاق يوم ~~النحر، فأخذه معاوية على المروة، ذكره أبو محمد بن حزم، وهذا أيضا من وهمه، ~~فإن الحلاق لا يبقي غلطا شعرا يقصر منه، ثم يبقي منه بعد التقصير بقية يوم ~~النحر، وقد قسم شعر رأسه بين الصحابة، فأصاب أبا طلحة أحد الشقين، وبقية ~~الصحابة اقتسموا الشق الآخر، الشعرة والشعرتين والشعرات، وأيضا فإنه لم يسع ~~بين الصفا والمروة إلا سعيا واحدا وهو سعيه الأول، لم يسع عقب طواف ~~الإفاضة، ولا اعتمر بعد الحج قطعا، فهذا وهم محض. وقيل: هذا # PageV02P129 # الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط وخطأ، أخطأ فيه الحسن بن علي، فجعله عن ~~معمر، عن ابن طاووس، وإنما هو عن هشام بن حجير، عن ابن طاووس، وهشام ضعيف. # قلت: والحديث الذي في البخاري عن ms0375 معاوية، «قصرت عن رأس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بمشقص» ولم يزد على هذا، والذي عند مسلم: «قصرت عن رأس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص على المروة» . وليس في " الصحيحين ~~" غير ذلك. # وأما رواية من روى " في أيام العشر " فليست في الصحيح، وهي معلولة، أو ~~وهم من معاوية. قال قيس بن سعد: راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه، والناس ~~ينكرون هذا على معاوية. وصدق قيس، فنحن نحلف بالله: إن هذا ما كان في العشر ~~قط. # ويشبه هذا وهم معاوية في الحديث الذي رواه أبو داود، عن قتادة، عن أبي ~~شيخ الهنائي، أن معاوية قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تعلمون ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: ~~نعم. قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا. ~~فقال: أما إنها معها ولكنكم نسيتم» . ونحن نشهد بالله إن هذا وهم من ~~معاوية، أو كذب عليه، فلم ينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك قط، ~~وأبو شيخ شيخ لا يحتج به، فضلا عن أن يقدم على الثقات الحفاظ الأعلام، وإن ~~روى عنه قتادة ويحيى بن أبي كثير. واسمه خيوان بن خلدة بالخاء المعجمة، وهو ~~مجهول. # PageV02P130 ### | [الرد على من زعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم حج متمتعا] # فصل # وأما من قال: حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدي كما قاله صاحب " ~~المغني " وطائفة، فعذرهم قول عائشة وابن عمر: تمتع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك، وقول سعد في ~~المتعة: قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه، «وقول ~~ابن عمر لمن سأله عن متعة الحج: هي حلال، فقال له السائل: إن أباك قد نهى ~~عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أأمر أبي تتبع، أم أمر رسول الله صلى الله ms0376 عليه وآله وسلم؟ فقال ~~الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (لقد صنعها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم) » . # قال هؤلاء: ولولا الهدي لحل كما يحل المتمتع الذي لا هدي معه، ولهذا قال: ~~" «لولا أن معي الهدي لأحللت» "، فأخبر أن المانع له من الحل سوق الهدي، ~~والقارن إنما يمنعه من الحل القران لا الهدي. وأرباب هذا القول قد يسمون ~~هذا المتمتع قارنا، لكونه أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة ولكن القران ~~المعروف أن يحرم بهما جميعا، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل ~~الطواف. # والفرق بين القارن والمتمتع السائق من وجهين، أحدهما: من الإحرام، فإن ~~القارن هو الذي يحرم بالحج قبل الطواف، إما في ابتداء الإحرام، أو في ~~أثنائه. # والثاني: أن القارن ليس عليه إلا سعي واحد، فإن أتى به أولا، وإلا سعى ~~عقيب طواف الإفاضة، والمتمتع عليه سعي ثان عند الجمهور. وعن أحمد # PageV02P131 # رواية أخرى: أنه يكفيه سعي واحد كالقارن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يسع سعيا ثانيا عقيب طواف الإفاضة، فكيف يكون متمتعا على هذا القول. # فإن قيل: فعلى الرواية الأخرى، يكون متمتعا، ولا يتوجه الإلزام، ولها وجه ~~قوي من الحديث الصحيح، وهو ما رواه مسلم في " صحيحه "، عن جابر قال: «لم ~~يطف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا ~~واحدا» . طوافه الأول هذا، مع أن أكثرهم كانوا متمتعين. وقد روى سفيان ~~الثوري، عن سلمة بن كهيل قال: حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا. # قيل: الذين نظروا أنه كان متمتعا تمتعا خاصا، لا يقولون بهذا القول، بل ~~يوجبون عليه سعيين، والمعلوم من سنته - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه لم ~~يسع إلا سعيا واحدا، كما ثبت في الصحيح، عن ابن عمر، أنه قرن، وقدم مكة، ~~فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق ولا قصر، ولا حل ~~من شيء حرم منه، ms0377 حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق رأسه، ورأى أنه قد قضى طواف ~~الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وآله ~~وسلم. ومراده بطوافه الأول الذي قضى به حجه وعمرته: الطواف بين الصفا ~~والمروة بلا ريب. # وذكر الدارقطني، عن عطاء ونافع، عن ابن عمر، وجابر: «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، إنما طاف لحجه وعمرته طوافا واحدا، وسعى سعيا واحدا، ثم قدم ~~مكة، فلم يسع بينهما بعد الصدر» . فهذا يدل على أحد أمرين، ولا بد إما أن ~~يكون قارنا، # PageV02P132 # وهو الذي لا يمكن من أوجب على المتمتع سعيين أن يقول غيره، وإما أن ~~المتمتع يكفيه سعي واحد، ولكن الأحاديث التي تقدمت في بيان أنه كان قارنا ~~صريحة في ذلك، فلا يعدل عنها. . # فإن قيل: فقد روى شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران بن حصين، أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( «طاف طوافين، وسعى سعيين» ) . رواه ~~الدارقطني عن ابن صاعد: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا عبد الله بن ~~داود، عن شعبة. قيل: هذا خبر معلول وهو غلط. قال الدارقطني: يقال: إن محمد ~~بن يحيى حدث بهذا من حفظه، فوهم في متنه، والصواب بهذا الإسناد: «أن النبي ~~- صلى الله عليه وآله وسلم - قرن بين الحج والعمرة» ، والله أعلم. وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى ما يدل على أن هذا الحديث غلط. # وأظن أن الشيخ أبا محمد بن قدامة، إنما ذهب إلى أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - كان متمتعا، لأنه رأى الإمام أحمد قد نص على أن التمتع ~~أفضل من القران، ورأى أن الله سبحانه لم يكن ليختار لرسوله إلا الأفضل، ~~ورأى الأحاديث قد جاءت بأنه تمتع، ورأى أنها صريحة في أنه لم يحل، فأخذ من ~~هذه المقدمات الأربع أنه تمتع تمتعا خاصا لم يحل منه، ولكن أحمد لم يرجح ~~التمتع؛ لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - حج متمتعا، كيف وهو القائل: لا ~~أشك أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم ms0378 - كان قارنا، وإنما اختار ~~التمتع لكونه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي ~~أمر به الصحابة أن يفسخوا حجهم إليه وتأسف على فوته. # ولكن نقل عنه المروزي، أنه إذا ساق الهدي، فالقران أفضل، فمن أصحابه من ~~جعل هذا رواية ثانية، ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق ~~الهدي، فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا، وهي # PageV02P133 # التي تليق بأصول أحمد، والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يتمن أنه ~~كان جعلها عمرة مع سوقه الهدي، بل ود أنه كان جعلها عمرة ولم يسق الهدي. # بقي أن يقال: فأي الأمرين أفضل، أن يسوق ويقرن، أو يترك السوق ويتمتع كما ~~ود النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله. # قيل: قد تعارض في هذه المسألة أمران. # أحدهما: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرن وساق الهدي، ولم يكن الله سبحانه ~~ليختار له إلا أفضل الأمور، ولا سيما وقد جاءه الوحي به من ربه تعالى، وخير ~~الهدي هديه صلى الله عليه وسلم. # والثاني قوله: ( «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها ~~عمرة» ) . فهذا يقتضي أنه لو كان هذا الوقت الذي تكلم فيه هو وقت إحرامه، ~~لكان أحرم بعمرة ولم يسق الهدي، لأن الذي استدبره هو الذي فعله، ومضى فصار ~~خلفه، والذي استقبله هو الذي لم يفعله بعد، بل هو أمامه، فبين أنه لو كان ~~مستقبلا لما استدبره، وهو الإحرام بالعمرة دون هدي، ومعلوم أنه لا يختار أن ~~ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، بل إنما يختار الأفضل، وهذا يدل على أن آخر ~~الأمرين منه ترجيح التمتع. # ولمن رجح القران مع السوق أن يقول: هو - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ~~هذا؛ لأجل أن الذي فعله مفضول مرجوح، بل لأن الصحابة شق عليهم أن يحلوا من ~~إحرامهم مع بقائه هو محرما، وكان يختار موافقتهم ليفعلوا ما أمروا به مع ~~انشراح وقبول ومحبة، وقد ينتقل عن الأفضل إلى المفضول، لما فيه من الموافقة ~~وتأليف القلوب، ms0379 كما (قال لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت ~~الكعبة وجعلت لها بابين» ) ، فهذا ترك ما هو الأولى لأجل الموافقة ~~والتأليف، فصار هذا هو الأولى # PageV02P134 # في هذه الحال، فكذلك اختياره للمتعة بلا هدي. وفي هذا جمع بين ما فعله ~~وبين ما وده وتمناه، ويكون الله سبحانه قد جمع له بين الأمرين، أحدهما: ~~بفعله له، والثاني: بتمنيه ووده له، فأعطاه أجر ما فعله، وأجر ما نواه من ~~الموافقة وتمناه، وكيف يكون نسك يتخلله التحلل ولم يسق فيه الهدي أفضل من ~~نسك لم يتخلله تحلل، وقد ساق فيه مائة بدنة، وكيف يكون نسك أفضل في حقه من ~~نسك اختاره الله له، وأتاه به الوحي من ربه. # فإن قيل: التمتع وإن تخلله تحلل، لكن قد تكرر فيه الإحرام، وإنشاؤه عبادة ~~محبوبة للرب، والقران لا يتكرر فيه الإحرام؟ # قيل: في تعظيم شعائر الله بسوق الهدي، والتقرب إليه بذلك من الفضل ما ليس ~~في مجرد تكرر الإحرام، ثم إن استدامته قائمة مقام تكرره، وسوق الهدي لا ~~مقابل له يقوم مقامه. # فإن قيل: فأيما أفضل، إفراد يأتي عقيبه بالعمرة، أو تمتع يحل منه ثم يحرم ~~بالحج عقيبه؟ # قيل: معاذ الله أن نظن أن نسكا قط أفضل من النسك الذي اختاره الله لأفضل ~~الخلق، وسادات الأمة، وأن نقول في نسك لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا أحد من الصحابة الذين حجوا معه، بل ولا غيرهم من أصحابه: إنه ~~أفضل مما فعلوه بأمره، فكيف يكون حج على وجه الأرض أفضل من الحج الذي حجه ~~النبي صلوات الله عليه، وأمر به أفضل الخلق، واختاره لهم، وأمرهم بفسخ ما ~~عداه من الأنساك إليه، وود أنه كان فعله لا حج قط أكمل من هذا. وهذا وإن صح ~~عنه الأمر لمن ساق الهدي بالقران، ولمن لم يسق بالتمتع، ففي جواز خلافه ~~نظر، ولا يوحشك قلة القائلين بوجوب ذلك، فإن فيهم البحر الذي لا ينزف عبد ~~الله بن عباس، وجماعة من أهل الظاهر، والسنة هي الحكم بين الناس والله ms0380 ~~المستعان. # PageV02P135 ### | [عذر من قال حج صلى الله عليه وسلم قارنا طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين] # فصل # وأما من قال: إنه حج قارنا قرانا طاف له طوافين، وسعى له سعيين، كما قاله ~~كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدارقطني من حديث مجاهد، «عن ابن ~~عمر، أنه جمع بين حج وعمرة معا، وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما ~~طوافين، وسعى لهما سعيين. وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صنع كما صنعت» . # «وعن علي بن أبي طالب، أنه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما ~~سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت» . # وعن علي - رضي الله عنه - أيضا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~قارنا، فطاف طوافين، وسعى سعيين» . # وعن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: «طاف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأبو بكر، وعمر، وعلي، وابن ~~مسعود» . وعن عمران بن حصين «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف طوافين، ~~وسعى سعيين» . # وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف ~~واحد. # أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة، وقال الدارقطني: لم يروه عن الحكم ~~غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. # PageV02P136 # وأما حديث علي - رضي الله عنه - الأول، فيرويه حفص بن أبي داود. وقال ~~أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه ~~محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ضعيف. # وأما حديثه الثاني: فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي. ~~حدثني أبي عن أبيه عن جده قال الدارقطني: عيسى بن عبد الله يقال له مبارك، ~~وهو متروك الحديث. # وأما حديث علقمة عن عبد الله، فيرويه أبو بردة عمرو بن يزيد، عن حماد عن ~~إبراهيم، عن علقمة. قال الدارقطني: وأبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإسناد ~~ضعفاء انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان، قال يحيى: هو كذاب خبيث. وقال ms0381 ~~الرازي والنسائي: متروك الحديث. # وأما حديث عمران بن حصين، فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي، وحدث به ~~من حفظه، فوهم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارا، ويقال: إنه رجع عن ذكر ~~الطواف والسعي. # وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في " صحيحه " من حديث ~~الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «من قرن بين حجته وعمرته، أجزأه لهما طواف واحد» ) . ~~ولفظ الترمذي: ( «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف وسعي واحد عنهما، حتى ~~يحل منهما جميعا» ) . # وفي الصحيحين (عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «خرجنا مع # PageV02P137 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال: ~~" من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، ~~فطاف الذين أهلوا بالعمرة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من ~~منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا» ) . # وصح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: ( «إن طوافك بالبيت ~~وبالصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك» ) . # وروى عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «طاف طوافا واحدا لحجه وعمرته» . وعبد الملك: أحد الثقات ~~المشهورين، احتج به مسلم، وأصحاب السنن. وكان يقال له: الميزان، ولم يتكلم ~~فيه بضعف ولا جرح، وإنما أنكر عليه حديث الشفعة. # وتلك شكاة ظاهر عنه عارها # وقد روى الترمذي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافا واحدا» ، وهذا وإن كان فيه ~~الحجاج بن أرطاة، فقد روى عنه سفيان، وشعبة، وابن نمير، وعبد الرزاق، ~~والخلق عنه. قال الثوري: وما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وعيب عليه ~~التدليس، وقل من سلم منه. وقال أحمد: كان من الحفاظ، وقال ابن معين: ليس ~~بالقوي، وهو صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: إذا قال حدثنا، ms0382 فهو صادق لا نرتاب ~~في صدقه وحفظه. # وقد روى الدارقطني، من حديث ليث بن أبي سليم قال: حدثني عطاء، وطاووس، ~~ومجاهد، عن جابر، وعن ابن عمر، وعن ابن عباس، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم # PageV02P138 # يطف هو وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا لعمرتهم وحجهم» ، وليث ~~بن أبي سليم، احتج به أهل السنن الأربعة، واستشهد به مسلم، وقال ابن معين: ~~لا بأس به، وقال الدارقطني: كان صاحب سنة، وإنما أنكروا عليه الجمع بين ~~عطاء وطاووس ومجاهد حسب، وقال عبد الوارث: كان من أوعية العلم، وقال أحمد: ~~مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس، وضعفه النسائي، ويحيى في رواية عنه، ~~ومثل هذا حديثه حسن. وإن لم يبلغ رتبة الصحة. # وفي " الصحيحين " عن جابر قال: ( «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على عائشة، ثم وجدها تبكي فقال: " ما يبكيك؟ "، فقالت: قد حضت وقد حل ~~الناس، ولم أحل ولم أطف بالبيت، فقال: " اغتسلي ثم أهلي ففعلت، ثم وقفت ~~المواقف حتى إذا طهرت، طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: " قد حللت من ~~حجك وعمرتك جميعا» ) . # وهذا يدل على ثلاثة أمور، أحدها: أنها كانت قارنة، والثاني: أن القارن ~~يكفيه طواف واحد وسعي واحد. والثالث أنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة التي ~~حاضت فيها، ثم أدخلت عليها الحج، وأنها لم ترفض إحرام العمرة بحيضها، وإنما ~~رفضت أعمالها والاقتصار عليها، وعائشة لم تطف أولا طواف القدوم، بل لم تطف ~~إلا بعد التعريف وسعت مع ذلك، فإذا كان طواف الإفاضة والسعي بعد يكفي ~~القارن، فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة، والسعي بعد يكفي القارن، ~~فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة، وسعي واحد مع أحدهما بطريق ~~الأولى، لكن عائشة تعذر عليها الطواف الأول، فصارت قصتها حجة، فإن المرأة ~~التي يتعذر عليها الطواف الأول، تفعل كما فعلت عائشة، تدخل # PageV02P139 # الحج على العمرة، وتصير قارنة، ويكفيها لهما طواف الإفاضة والسعي عقيبه. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومما يبين أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يطف ~~طوافين، ms0383 ولا سعى سعيين. قول عائشة - رضي الله عنها: وأما الذين جمعوا الحج ~~والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا. متفق عليه. وقول جابر: «لم يطف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه ~~الأول» . رواه مسلم. وقوله لعائشة: ( «يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن ~~حجك وعمرتك» ) رواه مسلم. وقوله لها في رواية أبي داود: ( «طوافك بالبيت ~~وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك جميعا» ) . # وقوله لها في الحديث المتفق عليه لما طافت بالكعبة وبين الصفا والمروة: " ~~«قد حللت من حجك وعمرتك جميعا» "، قال: والصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كلهم نقلوا أنهم لما طافوا بالبيت وبين الصفا ~~والمروة، أمرهم بالتحليل إلا من ساق الهدي، فإنه لا يحل إلا يوم النحر، ولم ~~ينقل أحد منهم أن أحدا منهم طاف وسعى، ثم طاف وسعى. ومن المعلوم، أن مثل ~~هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله. فلما لم ينقله أحد من الصحابة، علم ~~أنه لم يكن. # وعمدة من قال بالطوافين والسعيين، أثر يرويه الكوفيون، عن علي وآخر عن ~~ابن مسعود رضي الله عنهما. # وقد روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - أن القارن يكفيه ~~طواف واحد، وسعي واحد، خلاف ما روى أهل الكوفة، وما رواه العراقيون، منه ما ~~هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون، ولهذا طعن علماء النقل في ذلك ~~حتى قال ابن حزم: كل ما روي في ذلك عن الصحابة، لا يصح منه ولا كلمة واحدة. ~~وقد نقل في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو موضوع بلا ريب. وقد ~~حلف طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول - صلى الله عليه وسلم - لحجته وعمرته ~~إلا طوافا واحدا، وقد ثبت مثل ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم ~~رضي الله عنهم، وهم أعلم الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يخالفوها، بل هذه الآثار صريحة في أنهم لم يطوفوا بالصفا والمروة إلا مرة ~~واحدة. # PageV02P140 # وقد تنازع ms0384 الناس في القارن والمتمتع، هل عليهما سعيان أو سعي واحد؟ على ~~ثلاثة أقوال: في مذهب أحمد وغيره. # أحدها: ليس على واحد منهما إلا سعي واحد، كما نص عليه أحمد في رواية ابنه ~~عبد الله. قال عبد الله: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ ~~قال: إن طاف طوافين، فهو أجود. وإن طاف طوافا واحدا، فلا بأس. قال شيخنا: ~~وهذا منقول عن غير واحد من السلف. # الثاني: المتمتع عليه سعيان، والقارن عليه سعي واحد، وهذا هو القول ~~الثاني في مذهبه، وقول من يقوله من أصحاب مالك والشافعي رحمهما الله. # والثالث: إن على كل واحد منهما سعيين، كمذهب أبي حنيفة رحمه الله، ويذكر ~~قولا في مذهب أحمد رحمه الله، والله أعلم. والذي تقدم، هو بسط قول شيخنا ~~وشرحه والله أعلم. ### | [عذر من قال حج صلى الله عليه وسلم مفردا اعتمر عقيبه من التنعيم] # فصل # وأما الذين قالوا: إنه حج حجا مفردا اعتمر عقيبه من التنعيم، فلا يعلم ~~لهم عذر البتة إلا ما تقدم من أنهم سمعوا أنه أفرد الحج، وأن عادة المفردين ~~أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل كذلك. ### | [فصل فيمن غلط في إهلاله صلى الله عليه وسلم] # فصل # وأما الذين غلطوا في إهلاله، فمن قال: إنه لبى بالعمرة وحدها واستمر ~~عليها، فعذره أنه سمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع، والمتمتع ~~عنده من أهل بعمرة # PageV02P141 # مفردة بشروطها. وقد قالت له حفصة - رضي الله عنها: ما شأن الناس حلوا ولم ~~تحل من عمرتك؟ وكل هذا لا يدل على أنه قال: لبيك بعمرة مفردة، ولم ينقل هذا ~~أحد عنه البتة، فهو وهم محض، والأحاديث الصحيحة المستفيضة في لفظه في ~~إهلاله تبطل هذا. ### | [عذر من قال لبى صلى الله عليه وسلم بالحج وحده واستمر عليه] # فصل # وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده واستمر عليه، فعذره ما ذكرنا عمن قال: ~~أفرد الحج ولبى بالحج، وقد تقدم الكلام على ذلك، وأنه لم يقل أحد قط: إنه ~~قال: لبيك بحجة مفردة، وإن ms0385 الذين نقلوا لفظه، صرحوا بخلاف ذلك. ### | [عذر من قال لبى صلى الله عليه وسلم بالحج وحده ثم أدخل عليه العمرة] # فصل # وأما من قال: إنه لبى بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، وظن أنه بذلك ~~تجتمع الأحاديث، فعذره أنه رأى أحاديث إفراده بالحج صحيحة، فحملها على ~~ابتداء إحرامه، ثم إنه أتاه آت من ربه تعالى فقال: قل: عمرة في حجة، فأدخل ~~العمرة حينئذ على الحج، فصار قارنا؛ ولهذا قال للبراء بن عازب: " «إني سقت ~~الهدي وقرنت» "، فكان مفردا في ابتداء إحرامه، قارنا في أثنائه، وأيضا فإن ~~أحدا لم يقل إنه أهل بالعمرة، ولا لبى بالعمرة، ولا أفرد العمرة، ولا قال: ~~خرجنا لا ننوي إلا العمرة، بل قالوا: أهل بالحج، ولبى بالحج، وأفرد الحج، ~~وخرجنا لا ننوي إلا الحج، وهذا يدل على أن الإحرام وقع أولا بالحج، ثم جاءه ~~الوحي من ربه تعالى بالقران، فلبى بهما فسمعه أنس يلبي بهما، وصدق وسمعته ~~عائشة، وابن عمر، وجابر يلبي بالحج وحده أولا وصدقوا. # قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويزول عنها الاضطراب. # وأرباب هذه المقالة لا يجيزون إدخال العمرة على الحج، ويرونه لغوا، # PageV02P142 # ويقولون: إن ذلك خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره. قالوا: ~~ومما يدل على ذلك: أن ابن عمر قال: لبى بالحج وحده، وأنس قال: أهل بهما ~~جميعا، وكلاهما صادق فلا يمكن أن يكون إهلاله بالقران سابقا على إهلاله ~~بالحج وحده؛ لأنه إذا أحرم قارنا، لم يمكن أن يحرم بعد ذلك بحج مفرد، وينقل ~~الإحرام إلى الإفراد، فتعين أنه أحرم بالحج مفردا، فسمعه ابن عمر، وعائشة، ~~وجابر، فنقلوا ما سمعوه، ثم أدخل عليه العمرة، فأهل بهما جميعا لما جاءه ~~الوحي من ربه، فسمعه أنس يهل بهما، فنقل ما سمعه، ثم أخبر عن نفسه بأنه ~~قرن، وأخبر عنه من تقدم ذكره من الصحابة بالقران، فاتفقت أحاديثهم، وزال ~~عنها الاضطراب والتناقض. # قالوا: ويدل عليه قول عائشة: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: (من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن ms0386 أراد أن يهل بحج فليهل، ~~ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل) . قالت عائشة: فأهل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بحج وأهل به ناس معه» . فهذا يدل على أنه كان مفردا في ابتداء ~~إحرامه، فعلم أن قرانه كان بعد ذلك. # ولا ريب أن في هذا القول من مخالفة الأحاديث المتقدمة، ودعوى التخصيص ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - بإحرام لا يصح في حق الأمة ما يرده ويبطله، ~~ومما يرده أن أنسا قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر ~~بالبيداء، ثم ركب، وصعد جبل البيداء، وأهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر» . # وفي حديث عمر، أن الذي جاءه من ربه قال له: " «صل في هذا الوادي المبارك، ~~وقل: عمرة في حجة» ". فكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي روى ~~عمر أنه أمر به، وروى أنس أنه فعله سواء، فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم قال: ~~" لبيك حجا وعمرة ". ### | [هل يجوز إدخال العمرة على الحج] # واختلف الناس في جواز إدخال العمرة على الحج على قولين، وهما # PageV02P143 # روايتان عن أحمد، أشهرهما: إنه لا يصح والذين قالوا بالصحة، كأبي حنيفة ~~وأصحابه رحمهم الله، بنوه على أصولهم، وأن القارن يطوف طوافين، ويسعى ~~سعيين، فإذا أدخل العمرة على الحج، فقد التزم زيادة عمل على الإحرام بالحج ~~وحده، ومن قال: يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، قال: لم يستفد بهذا الإدخال ~~إلا سقوط أحد السفرين، ولم يلتزم به زيادة عمل، بل نقصانه، فلا يجوز، وهذا ~~مذهب الجمهور. ### | [عذر من قال أحرم صلى الله عليه وسلم بعمرة ثم أدخل عليها الحج] # فصل # وأما القائلون: إنه أحرم بعمرة، ثم أدخل عليها الحج، فعذرهم قول ابن عمر: ~~«تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، ~~وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج» . متفق عليه. # وهذا ظاهر في أنه أحرم أولا بالعمرة، ثم أدخل عليها الحج، ويبين ذلك أيضا ~~أن ابن عمر لما حج ms0387 زمن ابن الزبير أهل بعمرة ثم قال: «أشهدكم أني قد أوجبت ~~حجا مع عمرتي، وأهدى هديا اشتراه بقديد، ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم ~~مكة، فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق ~~ولم يقصر، ولم يحل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن ~~ذلك قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال: هكذا فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» . # فعند هؤلاء، أنه كان متمتعا في ابتداء إحرامه، قارنا في أثنائه، وهؤلاء ~~أعذر من الذين قبلهم، وإدخال الحج على العمرة جائز بلا نزاع يعرف، وقد أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضي الله عنها - بإدخال الحج على ~~العمرة، فصارت قارنة، ولكن سياق الأحاديث الصحيحة، يرد على أرباب هذه ~~المقالة. # PageV02P144 # فإن أنسا أخبر أنه حين صلى الظهر أهل بهما جميعا، وفي " الصحيح " (عن ~~عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ~~موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " من أراد ~~منكم أن يهل بعمرة فليهل، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة "، قالت: وكان من ~~القوم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بالحج، فقالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة» ) ~~، وذكرت الحديث رواه مسلم. # فهذا صريح في أنه لم يهل إذ ذاك بعمرة، فإذا جمعت بين قول عائشة هذا، ~~وبين قولها في " الصحيح ": «تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع» ، وبين قولها وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، والكل ~~في " الصحيح "، علمت أنها إنما نفت عمرة مفردة، وأنها لم تنف عمرة القران، ~~وكانوا يسمونها تمتعا كما تقدم، وأن ذلك لا يناقض إهلاله بالحج، فإن عمرة ~~القران في ضمنه، وجزء منه، ولا ينافي قولها: أفرد الحج، فإن أعمال العمرة ~~لما دخلت في أعمال الحج، وأفردت أعماله، كان ذلك إفرادا بالفعل. # وأما التلبية بالحج مفردا، فهو إفراد بالقول، وقد قيل: إن حديث ابن عمر، ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه ms0388 وسلم - تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى ~~الحج، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج» ~~، مروي بالمعنى من حديثه الآخر، وأن ابن عمر هو الذي فعل ذلك عام حجه في ~~فتنة ابن الزبير، وأنه بدأ فأهل بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحد، ~~أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي، فأهل بهما جميعا، ثم قال في آخر الحديث: ~~هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أراد اقتصاره على طواف واحد، ~~وسعي واحد، فحمل على المعنى، وروي به: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ ~~فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وإنما الذي فعل ذلك ابن عمر، وهذا ليس ببعيد، ~~بل متعين، فإن عائشة قالت عنه: " «لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة» " وأنس ~~قال عنه: إنه حين صلى الظهر، أوجب حجا وعمرة؛ وعمر رضي الله عنه أخبر عنه ~~أن الوحي جاءه من ربه فأمره بذلك. # PageV02P145 # فإن قيل: فما تصنعون بقول الزهري: إن عروة أخبره عن عائشة بمثل حديث سالم ~~عن ابن عمر؟ # قيل: الذي أخبرت به عائشة من ذلك، هو أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف ~~طوافا واحدا عن حجه وعمرته، وهذا هو الموافق لرواية عروة عنها في " ~~الصحيحين "، «وطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم ~~حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا ~~الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا» ، فهذا مثل الذي رواه سالم عن أبيه ~~سواء. وكيف تقول عائشة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ فأهل ~~بالعمرة، ثم أهل بالحج، وقد قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " «لولا أن معي الهدي لأهللت بعمرة» "، وقالت: «وأهل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالحج» ؟ فعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يهل في ~~ابتداء إحرامه بعمرة مفردة والله أعلم. ### | [عذر من قال أحرم صلى الله عليه وسلم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم عينه بعد إحرامه] # فصل # وأما الذين قالوا: ms0389 إنه أحرم إحراما مطلقا، لم يعين فيه نسكا، ثم عينه بعد ~~ذلك لما جاءه القضاء وهو بين الصفا والمروة، وهو أحد أقوال الشافعي - رحمه ~~الله - نص عليه في كتاب " اختلاف الحديث ". قال: وثبت أنه خرج ينتظر ~~القضاء، فنزل عليه القضاء وهو ما بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه أن من كان ~~منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، ثم قال: ومن وصف انتظار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - القضاء، إذ لم يحج من المدينة بعد نزول الفرض طلبا ~~للاختيار فيما وسع الله من الحج والعمرة، فيشبه أن يكون أحفظ؛ لأنه قد أتي ~~بالمتلاعنين، فانتظر القضاء، كذلك حفظ عنه في الحج ينتظر القضاء. # وعذر أرباب هذا القول ما ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها، ~~قالت: ( «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نذكر حجا ولا عمرة ~~"، وفي لفظ: " يلبي لا يذكر حجا ولا عمرة» ) ، وفي رواية عنها: ( «خرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى إلا الحج حتى إذا دنونا من # PageV02P146 # مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف ~~بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل» ) ، وقال طاووس: «خرج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء، فنزل عليه ~~القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهل بالحج ولم يكن ~~معه هدي أن يجعلها عمرة» . .. الحديث. # وقال جابر في حديثه الطويل في سياق حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا ~~استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن ~~يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل ~~به من شيء عملنا به، فأهل بالتوحيد " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك ms0390 لك ~~لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وأهل الناس بهذا الذي يهلون ~~به ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته» ) ، فأخبر جابر أنه لم يزد ~~على هذه التلبية، ولم يذكر أنه أضاف إليها حجا ولا عمرة، ولا قرانا، وليس ~~في شيء من هذه الأعذار ما يناقض أحاديث تعيينه النسك الذي أحرم به في ~~الابتداء، وأنه القران. # فأما حديث طاووس، فهو مرسل لا يعارض به الأساطين المسندات، ولا يعرف ~~اتصاله بوجه صحيح ولا حسن. ولو صح، فانتظاره للقضاء كان فيما بينه وبين ~~الميقات، فجاءه القضاء وهو بذلك الوادي، ( «أتاه آت من ربه تعالى فقال: صل ~~في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» ) ، فهذا القضاء الذي انتظره، ~~جاءه قبل الإحرام، فعين له القران. وقول طاووس: نزل عليه القضاء وهو بين ~~الصفا والمروة، هو قضاء آخر غير القضاء الذي نزل عليه بإحرامه، فإن ذلك كان ~~بوادي العقيق، وأما القضاء الذي نزل عليه بين الصفا والمروة، فهو قضاء ~~الفسخ # PageV02P147 # الذي أمر به الصحابة إلى العمرة، فحينئذ أمر كل من لم يكن معه هدي منهم ~~أن يفسخ حجه إلى عمرة، وقال: ( «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي، ولجعلتها عمرة» ) ، وكان هذا أمر حتم بالوحي، فإنهم لما توقفوا فيه ~~قال: " «انظروا الذي آمركم به فافعلوه» ". # فأما قول عائشة: خرجنا لا نذكر حجا ولا عمرة، فهذا إن كان محفوظا عنها، ~~وجب حمله على ما قبل الإحرام، وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها، أن ~~منهم من أهل عند الميقات بحج، ومنهم من أهل بعمرة، وأنها ممن أهل بعمرة. ~~وأما قولها: نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة، فهذا في ابتداء الإحرام، ولم تقل: ~~إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعا فإن الذين سمعوا إحرام رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وما أهل به، شهدوا على ذلك، وأخبروا به، ولا ~~سبيل إلى رد رواياتهم. ولو صح عن عائشة ذلك، لكان غايته أنها لم تحفظ ~~إهلالهم عند الميقات، فنفته وحفظه غيرها ms0391 من الصحابة فأثبته، والرجال بذلك ~~أعلم من النساء. # وأما قول جابر رضي الله عنه: وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالتوحيد، فليس فيه إلا إخباره عن صفة تلبيته، وليس فيه نفي لتعيينه النسك ~~الذي أحرم به بوجه من الوجوه. وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في ~~نفي التعيين، لكانت أحاديث أهل الإثبات أولى بالأخذ منها؛ لكثرتها، وصحتها، ~~واتصالها، وأنها مثبتة مبينة متضمنة لزيادة خفيت على من نفى، وهذا بحمد ~~الله واضح؛ وبالله التوفيق. ### | [عود إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم] # فصل # ولنرجع إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم # ( «ولبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه بالغسل» ) ، وهو بالغين ~~المعجمة على وزن كفل # PageV02P148 # وهو ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه يلبد به الشعر حتى لا ينتشر، وأهل في ~~مصلاه، ثم ركب على ناقته، وأهل أيضا، ثم أهل لما استقلت به على البيداء. ~~قال ابن عباس: وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، ~~وأهل حين علا على شرف البيداء. # وكان يهل بالحج والعمرة تارة، وبالحج تارة؛ لأن العمرة جزء منه، فمن ثم ~~قيل: قرن، وقيل: تمتع، وقيل: أفرد. قال ابن حزم: كان ذلك قبل الظهر بيسير، ~~وهذا وهم منه، والمحفوظ أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر، ولم يقل أحد قط: إن ~~إحرامه كان قبل الظهر، ولا أدري من أين له هذا. وقد قال ابن عمر: ( «ما أهل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره» ) ، ~~وقد قال أنس: إنه صلى الظهر، ثم ركب) ، والحديثان في " الصحيح ". # فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبين أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر، ثم لبى ~~فقال: ( «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك ~~والملك، لا شريك لك» ) ، ورفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه، وأمرهم # PageV02P149 # بأمر الله له أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. # وكان حجه على رحل، لا في محمل، ولا هودج ولا عمارية، وزاملته تحته. وقد ms0392 ~~اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل، والهودج والعمارية ونحوها على قولين، ~~هما روايتان عن أحمد، أحدهما: الجواز وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. ~~والثاني: المنع وهو مذهب مالك. ### | [تخييره صلى الله عليه وسلم لأصحابه بين الأنساك الثلاثة] # فصل # ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة، ~~ثم ندبهم عند دنوهم من مكة إلى فسخ الحج والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه ~~هدي، ثم حتم ذلك عليهم عند المروة. # «وولدت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر - رضي الله عنهما - بذي الحليفة محمد ~~بن أبي بكر، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل، وتستثفر ~~بثوب وتحرم وتهل» . وكان في قصتها ثلاث سنن، إحداها: غسل المحرم، والثانية: ~~أن الحائض تغتسل لإحرامها، والثالثة: أن الإحرام يصح من الحائض. # PageV02P150 # ثم سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يلبي بتلبيته المذكورة، ~~والناس معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرهم ولا ينكر عليهم. # ولزم تلبيته، «فلما كانوا بالروحاء رأى حمار وحش عقيرا، فقال: (دعوه فإنه ~~يوشك أن يأتي صاحبه "، فجاء صاحبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~يا رسول الله! شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أبا بكر فقسمه بين الرفاق» ) . # وفي هذا دليل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله، وأما ~~كون صاحبه لم يحرم، فلعله لم يمر بذي الحليفة، فهو كأبي قتادة في قصته. ~~وتدل هذه القصة على أن الهبة لا تفتقر إلى لفظ: وهبت لك، بل تصح بما يدل ~~عليها، وتدل على قسمته اللحم مع عظامه بالتحري، وتدل على أن الصيد يملك ~~بالإثبات، وإزالة امتناعه، وأنه لمن أثبته لا لمن أخذه، وعلى حل أكل لحم ~~الحمار الوحشي، وعلى التوكيل في القسمة، وعلى كون القاسم واحدا. # فصل # ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل فيه ~~سهم، فأمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس، حتى يجاوزوا. # PageV02P151 # والفرق بين قصة ms0393 الظبي وقصة الحمار أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم ~~يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال وهم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، ~~ووكل من يقف عنده، لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه. # وفيه دليل على أن قتل المحرم للصيد يجعله بمنزلة الميتة في عدم الحل، إذ ~~لو كان حلالا لم تضع ماليته. # فصل # ثم ( «سار حتى إذا نزل بالعرج، وكانت زمالته وزمالة أبي بكر واحدة، وكانت ~~مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر إلى ~~جانبه، وعائشة إلى جانبه الآخر، وأسماء زوجته إلى جانبه، وأبو بكر ينتظر ~~الغلام والزمالة، إذ طلع الغلام ليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ فقال: ~~أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله. قال: فطفق يضربه ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يتبسم، ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع، وما ~~يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول ذلك ويتبسم» ) . ومن تراجم ~~أبي داود على هذه القصة، باب " المحرم يؤدب غلامه ". ### | بحث في لحم الصيد للمحرم # فصل # ثم «مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالأبواء، (أهدى ~~له الصعب بن جثامة عجز حمار وحشي، فرده عليه، فقال: إنا لم نرده عليك إلا ~~أنا حرم» ) . وفي " الصحيحين ": " أنه ( «أهدى له حمارا وحشيا» ) ، وفي لفظ ~~لمسلم (لحم حمار وحش) . # PageV02P152 # وقال الحميدي: كان سفيان يقول في الحديث: ( «أهدي لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لحم حمار وحش» ) ، وربما قال سفيان: يقطر دما، وربما لم يقل ~~ذلك، وكان سفيان فيما خلا ربما قال: حمار وحش، ثم صار إلى لحم حتى مات. وفي ~~رواية: شق حمار وحش، وفي رواية: رجل حمار وحش. # وروى يحيى بن سعيد، عن جعفر، عن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه، عن الصعب ~~( «أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - عجز حمار وحش وهو بالجحفة، فأكل منه ~~وأكل القوم» ) . قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح. فإن كان محفوظا، فكأنه رد ~~الحي وقبل اللحم. # وقال الشافعي رحمه ms0394 الله: فإن كان الصعب بن جثامة أهدى للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الحمار حيا، فليس للمحرم ذبح حمار وحش، وإن كان أهدى له لحم ~~الحمار، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له، فرده عليه، وإيضاحه في حديث ~~جابر. قال: وحديث مالك أنه أهدى له حمارا أثبت من حديث من حدث له من لحم ~~حمار. # قلت: أما حديث يحيى بن سعيد، عن جعفر، فغلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، ~~وقد اتفق الرواة أنه لم يأكل منه، إلا هذه الرواية الشاذة المنكرة. # PageV02P153 # وأما الاختلاف في كون الذي أهداه حيا، أو لحما، فرواية من روى لحما أولى ~~لثلاثة أوجه. # أحدها: أن راويها قد حفظها، وضبط الواقعة حتى ضبطها: أنه يقطر دما، وهذا ~~يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر لا يؤبه له. # الثاني: أن هذا صريح في كونه بعض الحمار، وأنه لحم منه، فلا يناقض قوله: ~~أهدى له حمارا، بل يمكن حمله على رواية من روى لحما، تسمية للحم باسم ~~الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة. # الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه، وإنما اختلفوا في ~~ذلك البعض، هل هو عجزه، أو شقه، أو رجله، أو لحم منه؟ ولا تناقض بين هذه ~~الروايات، إذ يمكن أن يكون الشق هو الذي فيه العجز، وفيه الرجل، فصح ~~التعبير عنه بهذا وهذا، وقد رجع ابن عيينة عن قوله: " حمارا "، وثبت على ~~قوله: " لحم حمار " حتى مات. # وهذا يدل على أنه تبين له أنه إنما أهدى له لحما لا حيوانا، ولا تعارض ~~بين هذا وبين أكله لما صاده أبو قتادة، فإن قصة أبي قتادة كانت عام ~~الحديبية سنة ست، وقصة الصعب قد ذكر غير واحد أنها كانت في حجة الوداع، ~~منهم: المحب الطبري في كتاب " حجة الوداع " له. أو في بعض عمره وهذا مما ~~ينظر فيه. # وفي قصة الظبي وحمار يزيد بن كعب السلمي البهزي، هل كانت في حجة الوداع، ~~أو في بعض عمره والله أعلم؟ فإن حمل حديث أبي قتادة على أنه ms0395 لم يصده لأجله، ~~وحديث الصعب على أنه صيد لأجله، زال الإشكال، وشهد لذلك حديث جابر المرفوع: ~~" «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» " # PageV02P154 # وإن كان الحديث قد أعل بأن المطلب بن حنطب راويه عن جابر لا يعرف له سماع ~~منه قاله النسائي. # قال الطبري في حجة الوداع له: فلما كان في بعض الطريق اصطاد أبو قتادة ~~حمارا وحشيا، ولم يكن محرما، فأحله النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ~~بعد أن سألهم: هل أمره أحد منكم بشيء أو أشار إليه؟ وهذا وهم منه رحمه ~~الله، فإن قصة أبي قتادة إنما كانت عام الحديبية، هكذا روي في " الصحيحين " ~~من حديث عبد الله ابنه عنه قال: ( «انطلقنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم» ) ، فذكر قصة الحمار الوحشي. # فصل # فلما مر بوادي عسفان، قال: ( «يا أبا بكر! أي واد هذا "؟ قال وادي عسفان. ~~قال لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطمهما الليف وأزرهم العباء، ~~وأرديتهم النمار، يلبون يحجون البيت العتيق» ) ذكره الإمام أحمد في " ~~المسند ". ### | [بحث في إحرام عائشة وهي حائض] # ( «فلما كان بسرف، حاضت عائشة رضي الله عنها، وقد كانت أهلت بعمرة # PageV02P155 # فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي، قال: ما يبكيك لعلك ~~نفست؟ قالت: نعم، قال: هذا شيء قد كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل ~~الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» ) . # وقد تنازع العلماء في قصة عائشة: هل كانت متمتعة أو مفردة؟ فإذا كانت ~~متمتعة، فهل رفضت عمرتها، أو انتقلت إلى الإفراد وأدخلت عليها الحج وصارت ~~قارنة، وهل العمرة التي أتت بها من التنعيم كانت واجبة أم لا؟ وإذا لم تكن ~~واجبة، فهل هي مجزئة عن عمرة الإسلام أم لا؟ واختلفوا أيضا في موضع حيضها، ~~وموضع طهرها، ونحن نذكر البيان الشافي في ذلك بحول الله وتوفيقه. # واختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهي أن المرأة إذا أحرمت ~~بالعمرة، فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف، فهل ms0396 ترفض الإحرام بالعمرة، ~~وتهل بالحج مفردا، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول ~~فقهاء الكوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: فقهاء الحجاز، منهم: ~~الشافعي ومالك، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه. # قال الكوفيون: ثبت في " الصحيحين "، عن عروة ( «عن عائشة أنها قالت: " ~~أهللت بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ~~فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم، فقال انقضي رأسك، ~~وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة. قالت: ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، ~~فاعتمرت منه. فقال: " هذه مكان عمرتك» ) . قالوا: فهذا يدل على أنها كانت ~~متمتعة، وعلى # PageV02P156 # أنها رفضت عمرتها وأحرمت بالحج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " دعي عمرتك ~~"، ولقوله: ( «انقضي رأسك وامتشطي» ) . ولو كانت باقية على إحرامها، لما ~~جاز لها أن تمتشط، ولأنه قال للعمرة التي أتت بها من التنعيم: " هذه مكان ~~عمرتك ". ولو كانت عمرتها الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، بل كانت عمرة ~~مستقلة. # قال الجمهور: لو تأملتم قصة عائشة حق التأمل، وجمعتم بين طرقها وأطرافها، ~~لتبين لكم أنها قرنت، ولم ترفض العمرة، ففي " صحيح مسلم ": عن جابر - رضي ~~الله عنه - قال: ( «أهلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت، ثم دخل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة فوجدها تبكي، فقال: " ما شأنك "؟ ~~قالت: شأني أني قد حضت وقد أحل الناس ولم أحل، ولم أطف بالبيت والناس ~~يذهبون إلى الحج الآن، قال: إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم، ~~فاغتسلي، ثم أهلي بالحج "، ففعلت ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت ~~بالكعبة وبالصفا والمروة. ثم قال: " قد حللت من حجك وعمرتك "، قالت: يا ~~رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت. قال: " فاذهب بها ~~يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم» ) . # وفي " صحيح مسلم ": من حديث طاووس عنها: ( «أهللت بعمرة، وقدمت ولم أطف ~~حتى حضت، فنسكت ms0397 المناسك كلها، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك» ) . # فهذه نصوص صريحة، أنها كانت في حج وعمرة لا في حج مفرد، وصريحة في أن ~~القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، وصريحة في أنها لم ترفض إحرام العمرة، ~~بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحل منه. وفي بعض ألفاظ # PageV02P157 # الحديث: ( «كوني في عمرتك، فعسى أن الله يرزقكيها» ) ، ولا يناقض هذا ~~قوله: " دعي عمرتك ". فلو كان المراد به رفضها وتركها، لما قال لها: ( ~~«يسعك طوافك لحجك وعمرتك» ) ، فعلم أن المراد دعي أعمالها ليس المراد به ~~رفض إحرامها. # وأما قوله: ( «انقضي رأسك وامتشطي» ) ، فهذا مما أعضل على الناس، ولهم ~~فيه أربعة مسالك. # أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية. # المسلك الثاني: إنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من ~~كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم ~~وغيره. # المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة، وردها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها ~~سائر الرواة، وقد روى حديثها طاووس والقاسم والأسود وغيرهم، فلم يذكر أحد ~~منهم هذه اللفظة. قالوا: وقد روى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن ~~عائشة حديث حيضها في الحج، فقال فيه: حدثني غير واحد أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لها: ( «دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي» ) ، وذكر ~~تمام الحديث. .. قالوا: فهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من ~~عائشة. # المسلك الرابع: أن قوله " دعي العمرة "، أي دعيها، بحالها لا تخرجي منها، ~~وليس المراد تركها، قالوا: ويدل عليه وجهان. # أحدهما: قوله: ( «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» ) . # الثاني: قوله: " كوني في عمرتك ". قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها ~~لسلامته من التناقض. قالوا: وأما قوله: " هذه مكان عمرتك فعائشة أحبت أن ~~تأتي بعمرة مفردة، فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن طوافها وقع عن ~~حجتها وعمرتها، وأن # PageV02P158 # عمرتها قد دخلت في حجها، فصارت قارنة، فأبت إلا عمرة مفردة ms0398 كما قصدت ~~أولا، فلما حصل لها ذلك، قال: " هذه مكان عمرتك ". # وفي " سنن الأثرم "، عن الأسود، قال: قلت لعائشة: اعتمرت بعد الحج؟ قالت: ~~والله ما كانت عمرة، ما كانت إلا زيارة زرت البيت. # قال الإمام أحمد: إنما أعمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة حين ألحت ~~عليه، فقالت: يرجع الناس بنسكين، وأرجع بنسك؟ فقال: " يا عبد الرحمن؛ ~~أعمرها "، فنظر إلى أدنى الحل، فأعمرها منه. ### | [ما أحرمت به عائشة أولا] # فصل # واختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولا على قولين. # أحدهما: أنه عمرة مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث. وفي " ~~الصحيح " عنها، ( «قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " من ~~أراد منكم أن يهل بعمرة، فليهل، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة ". قالت: ~~وكان من القوم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بالحج، قالت: فكنت أنا ممن أهل ~~بعمرة» ) ، وذكرت الحديث. .. " وقوله في الحديث: " دعي العمرة وأهلي بالحج ~~"، قاله لها بسرف قريبا من مكة، وهو صريح في أن إحرامها كان بعمرة. # القول الثاني: أنها أحرمت أولا بالحج وكانت مفردة، قال ابن عبد البر: روى ~~القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد، وعمرة كلهم عن عائشة، ما يدل على أنها ~~كانت محرمة بحج لا بعمرة، منها: حديث عمرة عنها: خرجنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لا نرى إلا أنه الحج، وحديث الأسود بن يزيد مثله، وحديث ~~القاسم: " «لبينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج» ". قال ~~وغلطوا عروة في قوله عنها: " كنت فيمن أهل بعمرة ". قال إسماعيل بن إسحاق: ~~قد اجتمع هؤلاء، يعني الأسود والقاسم وعمرة، على الروايات التي ذكرنا، ~~فعلمنا بذلك أن الروايات # PageV02P159 # التي رويت عن عروة غلط، قال: ويشبه أن يكون الغلط، إنما وقع فيه أن يكون ~~لم يمكنها الطواف بالبيت، وأن تحل بعمرة كما فعل من لم يسق الهدي، فأمرها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تترك الطواف، وتمضي على ms0399 الحج، فتوهموا ~~بهذا المعنى أنها كانت معتمرة، وأنها تركت عمرتها، وابتدأت بالحج. قال أبو ~~عمر: وقد روى جابر بن عبد الله، أنها كانت مهلة بعمرة، كما روى عنها عروة. ~~قالوا: والغلط الذي دخل على عروة، إنما كان في قوله: ( «انقضي رأسك، ~~وامتشطي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج» ) . # وروى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه حدثني غير واحد، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ( «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، ~~وافعلي ما يفعل الحاج» ) . فبين حماد أن عروة لم يسمع هذا الكلام من عائشة. # قلت: من العجب رد هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي لا مدفع لها، ولا مطعن ~~فيها، ولا تحتمل تأويلا البتة بلفظ مجمل ليس ظاهرا في أنها كانت مفردة، فإن ~~غاية ما احتج به من زعم أنها كانت مفردة، قولها: خرجنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لا نرى إلا أنه الحج. فيا لله العجب! أيظن بالمتمتع أنه ~~خرج لغير الحج، بل خرج للحج متمتعا، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ ~~لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة؟ وصدقت أم المؤمنين - رضي الله عنها - ~~إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة، بأمره صلى الله عليه وسلم، ~~وكلامها يصدق بعضه بعضا. # وأما قولها: لبينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، فقد قال ~~جابر عنها في " الصحيحين ": إنها أهلت بعمرة، وكذلك قال طاووس عنها في " ~~صحيح مسلم "، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الروايات عنها، فرواية ~~الصحابة عنها أولى أن يؤخذ بها من رواية التابعين، كيف ولا تعارض في ذلك ~~البتة، فإن القائل فعلنا كذا، يصدق ذلك منه بفعله، وبفعل أصحابه. # ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالعمرة # PageV02P160 # إلى الحج، معناه: تمتع أصحابه، فأضاف الفعل إليه لأمره به، فهلا قلتم في ~~قول عائشة: لبينا بالحج إن المراد به جنس الصحابة الذين لبوا بالحج. ~~وقولها: فعلنا، كما قالت: خرجنا مع رسول الله ms0400 - صلى الله عليه وسلم - ~~وسافرنا معه ونحوه. ويتعين قطعا - إن لم تكن هذه الرواية غلطا - أن تحمل ~~على ذلك للأحاديث الصحيحة الصريحة، أنها كانت أحرمت بعمرة وكيف ينسب عروة ~~في ذلك إلى الغلط، وهو أعلم الناس بحديثها وكان يسمع منها مشافهة بلا ~~واسطة. # وأما قوله في رواية حماد: حدثني غير واحد أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لها: " دعي عمرتك "، فهذا إنما يحتاج إلى تعليله، ورده إذا خالف ~~الروايات الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدقها، وشهد لها أنها أحرمت ~~بعمرة، فهذا يدل على أنه محفوظ، وأن الذي حدث به ضبطه وحفظه، هذا مع أن ~~حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة، وهي قوله: فحدثني غير واحد، ~~وخالفه جماعة، فرووه متصلا عن عروة عن عائشة. # فلو قدر التعارض، فالأكثرون أولى بالصواب، فيا لله العجب! كيف يكون تغليط ~~أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: " وكنت فيمن أهل بعمرة " سائغا ~~بلفظ مجمل محتمل، ويقضى به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة ~~من وجوه متعددة قد تقدم ذكر بعضها؟ فهؤلاء أربعة رووا عنها، أنها أهلت ~~بعمرة جابر، وعروة، وطاووس، ومجاهد، فلو كانت رواية القاسم وعمرة والأسود، ~~معارضة لرواية هؤلاء لكانت روايتهم أولى بالتقديم لكثرتهم، ولأن فيهم ~~جابرا، ولفضل عروة وعلمه بحديث خالته رضي الله عنها. # ومن العجب قوله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمرها أن تترك ~~الطواف، وتمضي على الحج، توهموا لهذا أنها كانت معتمرة، فالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما أمرها أن تدع العمرة وتنشئ إهلالا بالحج، فقال لها: " ~~وأهلي بالحج "، ولم يقل: " استمري عليه "، ولا امضي فيه، وكيف يغلط راوي ~~الأمر بالامتشاط بمجرد مخالفته لمذهب الراد؟ فأين في كتاب الله وسنة رسوله ~~وإجماع الأمة ما يحرم على المحرم تسريح # PageV02P161 # شعره ولا يسوغ تغليط الثقات لنصرة الآراء والتقليد. والمحرم وإن أمن من ~~تقطيع الشعر، لم يمنع من تسريح رأسه، وإن لم يأمن من سقوط شيء من الشعر ~~بالتسريح، فهذا المنع منه محل نزاع واجتهاد، ms0401 والدليل يفصل بين المتنازعين، ~~فإن لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه فهو جائز. ### | [ما المراد من عمرة التنعيم لعائشة] # فصل # وللناس في هذه العمرة التي أتت بها عائشة من التنعيم أربعة مسالك. أحدها: ~~أنها كانت زيادة تطييبا لقلبها وجبرا لها، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حجها ~~وعمرتها، وكانت متمتعة ثم أدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، وهذا أصح ~~الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره، وهذا مسلك الشافعي وأحمد وغيرهما. # المسلك الثاني: أنها لما حاضت أمرها أن ترفض عمرتها، وتنتقل عنها إلى حج ~~مفرد، فلما حلت من الحج أمرها أن تعتمر؛ قضاء لعمرتها التي أحرمت بها أولا، ~~وهذا مسلك أبي حنيفة ومن تبعه، وعلى هذا القول فهذه العمرة كانت في حقها ~~واجبة، ولا بد منها، وعلى القول الأول كانت جائزة، وكل متمتعة حاضت ولم ~~يمكنها الطواف قبل التعريف، فهي على هذين القولين، إما أن تدخل الحج على ~~العمرة، وتصير قارنة، وإما أن تنتقل عن العمرة إلى الحج، وتصير مفردة، ~~وتقضي العمرة. # المسلك الثالث: أنها لما قرنت، لم يكن بد من أن تأتي بعمرة مفردة، لأن ~~عمرة القارن لا تجزئ عن عمرة الإسلام، وهذا أحد الروايتين عن أحمد. # المسلك الرابع: أنها كانت مفردة، وإنما امتنعت من طواف القدوم لأجل ~~الحيض، واستمرت على الإفراد حتى طهرت، وقضت الحج، وهذه العمرة هي عمرة ~~الإسلام، وهذا مسلك القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره من المالكية، ولا # PageV02P162 # يخفى ما في هذا المسلك من الضعف، بل هو أضعف المسالك في الحديث. # وحديث عائشة هذا يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك. # أحدها: اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد. # الثاني: سقوط طواف القدوم عن الحائض، كما أن حديث صفية زوج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أصل في سقوط طواف الوداع عنها. # الثالث: أن إدخال الحج على العمرة للحائض جائز، كما يجوز للطاهر، وأولى؛ ~~لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك. # الرابع: أن الحائض تفعل أفعال الحج كلها، إلا أنها لا تطوف بالبيت. # الخامس: أن التنعيم من الحل. # السادس: ms0402 جواز عمرتين في سنة واحدة، بل في شهر واحد. # السابع: أن المشروع في حق المتمتع إذا لم يأمن الفوات أن يدخل الحج على ~~العمرة، وحديث عائشة أصل فيه. # الثامن: أنه أصل في العمرة المكية، وليس مع من يستحبها غيره، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر هو ولا أحد ممن حج معه من مكة خارجا منها ~~إلا عائشة وحدها، فجعل أصحاب العمرة المكية قصة عائشة أصلا لقولهم، ولا ~~دلالة لهم فيها، فإن عمرتها إما أن تكون قضاء للعمرة المرفوضة عند من يقول: ~~إنها رفضتها، فهي واجبة قضاء لها، أو تكون زيادة محضة، وتطييبا لقلبها عند ~~من يقول: إنها كانت قارنة، وإن طوافها وسعيها أجزأها عن حجها وعمرتها. ~~والله أعلم. ### | [هل كانت عمرة التنعيم مجزئة لعائشة عن عمرة الإسلام] # فصل # وأما كون عمرتها تلك مجزئة عن عمرة الإسلام، ففيه قولان للفقهاء وهما # PageV02P163 # روايتان عن أحمد، والذين قالوا: لا تجزئ، قالوا: العمرة المشروعة التي ~~شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعلها نوعان لا ثالث لهما: عمرة ~~التمتع، وهي التي أذن فيها عند الميقات، وندب إليها في أثناء الطريق ~~وأوجبها على من لم يسق الهدي عند الصفا والمروة. الثانية: العمرة المفردة ~~التي ينشأ لها سفر، كعمره المتقدمة، ولم يشرع عمرة مفردة غير هاتين، وفي ~~كلتيهما المعتمر داخل إلى مكة. # وأما عمرة الخارج إلى أدنى الحل فلم تشرع. وأما عمرة عائشة، فكانت زيارة ~~محضة، وإلا فعمرة قرانها قد أجزأت عنها بنص رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا دليل على أن عمرة القارن تجزئ عن عمرة الإسلام، وهذا هو الصواب ~~المقطوع به، فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: (يسعك طوافك ~~لحجك وعمرتك) » ، وفي لفظ: " يجزئك "، وفي لفظ: " يكفيك ". وقال: ( «دخلت ~~العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ) ، وأمر كل من ساق الهدي أن يقرن بين ~~الحج والعمرة، ولم يأمر أحدا ممن قرن معه وساق الهدي بعمرة أخرى غير عمرة ~~القران، فصح إجزاء عمرة القارن عن عمرة الإسلام قطعا وبالله التوفيق. ### | [موضع ms0403 حيضة عائشة وطهرها] # فصل # وأما موضع حيضها، فهو بسرف بلا ريب، وموضع طهرها قد اختلف فيه، فقيل: ~~بعرفة هكذا روى مجاهد عنها، وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض ~~ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنيين، فطهر ~~عرفة: هو الاغتسال للوقوف بها عنده، قال: لأنها قالت: تطهرت بعرفة، والتطهر ~~غير الطهر، قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها، أنه يوم النحر، وحديثه في " ~~صحيح مسلم ". قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت # PageV02P164 # يوم عرفة حائضا، وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن ~~إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: خرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين هلال ذي الحجة. .. فذكرت الحديث، ~~وفيه فلما كانت ليلة البطحاء، طهرت عائشة، وهذا إسناد صحيح لكن قال ابن ~~حزم: إنه حديث منكر، مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: إنها طهرت ~~ليلة البطحاء، وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا ~~أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة، فسقط التعلق بها، ~~لأنها ممن دون عائشة، وهي أعلم بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا ~~وهيب بن خالد، وحماد بن زيد، فلم يذكرا هذه اللفظة. # قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه. # أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة. # الثاني: أن حديثهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها. # الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث، وفيه: فلم أزل حائضا حتى كان ~~يوم عرفة، وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها، لكن قال مجاهد ~~عنها: فتطهرت بعرفة، والقاسم قال: يوم النحر. ### | [العودة إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم] # فصل # عدنا إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم، فلما كان بسرف، قال لأصحابه: ( ~~«من لم يكن معه هدي، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي ms0404 فلا» ) ، ~~وهذه # PageV02P165 # رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات. # فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن يجعلها عمرة ويحل من ~~إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ذلك شيء البتة، بل «سأله ~~سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها، هل هي لعامهم ذلك أم ~~للأبد، قال: (بل للأبد، وإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة) » . # وقد روى عنه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة ~~عشر من أصحابه، وأحاديثهم كلها صحاح، وهم عائشة وحفصة أما المؤمنين، وعلي ~~بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وأسماء بنت أبي ~~بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وعبد ~~الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وسبرة ~~بن معبد الجهني، وسراقة بن مالك المدلجي رضي الله عنهم، ونحن نشير إلى هذه ~~الأحاديث. # ففي " الصحيحين ": عن ابن عباس، ( «قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك ~~عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟ فقال " الحل كله» ) . # وفي لفظ لمسلم: ( «قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لأربع خلون ~~من العشر إلى مكة، وهم يلبون بالحج، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يجعلوها عمرة، وفي لفظ: وأمر أصحابه أن يجعلوا إحرامهم بعمرة إلا من ~~كان معه الهدي» ) . # PageV02P166 # وفي " الصحيحين " عن جابر بن عبد الله: ( «أهل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وطلحة، وقدم علي - رضي الله عنه - من اليمن ومعه هدي، فقال أهللت ~~بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ويقصروا، ويحلوا إلا من كان معه الهدي، قالوا: ~~ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ms0405 ~~" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت» ) ، ~~وفي لفظ: فقام فينا فقال: ( «لقد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم، وأبركم، ~~ولولا أن معي الهدي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم ~~أسق الهدي، فحلوا " فحللنا، وسمعنا وأطعنا» ) ، وفي لفظ: ( «أمرنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما أحللنا، أن نحرم إذا توجهنا إلى منى. قال: ~~فأهللنا من الأبطح، فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! لعامنا هذا ~~أم للأبد؟ قال للأبد» ) . # وهذه الألفاظ كلها في الصحيح، وهذا اللفظ الأخير صريح في إبطال قول من ~~قال: إن ذلك كان خاصا بهم، فإنه حينئذ يكون لعامهم ذلك وحده لا للأبد، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنه للأبد. # وفي " المسند ": عن ابن عمر ( «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ~~وأصحابه مهلين بالحج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من شاء أن ~~يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي ". قالوا: يا رسول الله! أيروح أحدنا إلى ~~منى وذكره يقطر منيا؟ قال: " نعم " وسطعت المجامر» ) . # PageV02P167 # وفي " السنن ": عن الربيع بن سبرة، عن أبيه: ( «خرجنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بعسفان، قال سراقة بن مالك المدلجي: يا رسول ~~الله! اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال: " إن الله عز وجل قد أدخل ~~عليكم في حجة عمرة، فإذا قدمتم، فمن تطوف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ~~فقد حل إلا من معه هدي» ) . # وفي " الصحيحين " عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا نذكر إلا الحج. .. فذكرت الحديث، وفيه: ( «فلما قدمنا مكة، قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأصحابه "اجعلوها عمرة "، فأحل الناس إلا من كان معه ~~الهدي. ..» ) ، وذكرت باقي الحديث. # وفي لفظ للبخاري: ( «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا نرى ~~إلا الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل ms0406 من لم يكن ساق الهدي ونساؤه لم يسقن، فأحللن» ~~) . # وفي لفظ لمسلم: ( «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان، ~~فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. قال: أوما شعرت أني أمرت ~~الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت. ما سقت الهدي ~~معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا» ) . وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن ~~عمرة، قالت: سمعت ( «عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لخمس ليال بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة، ~~أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت ~~وسعى بين الصفا والمروة أن يحل» ) ، قال يحيى بن # PageV02P168 # سعيد: فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد، فقال: أتتك والله بالحديث على ~~وجهه. # وفي " صحيح مسلم ": عن ابن عمر، قال: حدثتني حفصة ( «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، فقلت: ما منعك أن تحل؟ ~~فقال: " إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي» ) . # وفي " صحيح مسلم: ( «عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، خرجنا محرمين ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن ~~لم يكن معه هدي فليحلل» ) ، وذكرت الحديث. # وفي " صحيح مسلم " أيضا: ( «عن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها ~~عمرة إلا من ساق الهدي. فلما كان يوم التروية، ورحنا إلى منى، أهللنا ~~بالحج» ) . # وفي " صحيح البخاري ": عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( «أهل ~~المهاجرون والأنصار، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، ~~وأهللنا فلما قدمنا مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم ~~بالحج عمرة إلا من قلد الهدي. ..» ) ، وذكر الحديث. ### | [غضبه صلى الله عليه وسلم ممن لم يفسخ الحج إلى العمرة] # وفي " السنن " ( «عن البراء ms0407 بن عازب، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأصحابه فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: " اجعلوا حجكم عمرة ". فقال ~~الناس: يا # PageV02P169 # رسول الله! قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ فقال " انظروا ما آمركم ~~به فافعلوه "، فرددوا عليه القول، فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو ~~غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك، أغضبه الله، فقال: وما لي لا ~~أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتبع» ) . # ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة ~~تفاديا من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعا لأمره. فوالله ما نسخ ~~هذا في حياته ولا بعده، ولا صح حرف واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه دون من ~~بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ ~~فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما نقدم على هذه الأحاديث، وهذا ~~الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من خالفه. # ولله در الإمام أحمد - رحمه الله - إذ يقول لسلمة بن شبيب، وقد قال له: ~~يا أبا عبد الله كل أمرك عندي حسن إلا خلة واحدة، قال وما هي؟ قال: تقول ~~بفسخ الحج إلى العمرة. فقال: يا سلمة! كنت أرى لك عقلا، عندي في ذلك أحد ~~عشر حديثا صحاحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أأتركها لقولك؟ ! # وفي " السنن " عن البراء بن عازب، ( «أن عليا - رضي الله عنه - لما قدم ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليمن، أدرك فاطمة وقد لبست ثيابا ~~صبيغا، ونضحت البيت بنضوج، فقال: ما بالك؟ فقالت: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر أصحابه فحلوا» ) . # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن فضيل، عن يزيد عن مجاهد، قال: ( «قال # PageV02P170 # عبد الله بن الزبير: أفردوا الحج ودعوا قول أعماكم هذا. فقال عبد الله بن ~~عباس: إن الذي أعمى الله قلبه لأنت، ألا تسأل أمك عن هذا؟ فأرسل إليها، ~~فقالت: صدق ابن عباس، جئنا ms0408 مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~حجاجا، فجعلناها عمرة، فحللنا الإحلال كله حتى سطعت المجامر بين الرجال ~~والنساء» ) . # وفي " صحيح البخاري " عن ابن شهاب، قال: دخلت على عطاء أستفتيه، فقال: ~~حدثني ( «جابر بن عبد الله: أنه حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردا، فقال لهم: " أحلوا من إحرامكم بطواف ~~بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالا، حتى إذا كان يوم ~~التروية، فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة ". فقالوا: كيف نجعلها ~~متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: " افعلوا ما آمركم به، فلولا أني سقت الهدي ~~لفعلت مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله "، ~~ففعلوا» ) . # وفي " صحيحه " أيضا عنه: أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~بالحج. .. وذكر الحديث. وفيه: «فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ~~أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ثم يقصروا إلا من ساق الهدي، فقالوا: أننطلق إلى ~~منى وذكر أحدنا يقطر؟ فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت» ". # وفي " صحيح مسلم ": عنه في حجة الوداع: «حتى إذا قدمنا مكة، طفنا بالكعبة ~~وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحل منا من ~~لم يكن معه # PageV02P171 # هدي، قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: " الحل كله "، فواقعنا النساء، وتطيبنا ~~بالطيب ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم ~~التروية، وفي لفظ آخر لمسلم: " فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها ~~عمرة، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه ~~هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج» . # وفي " مسند البزار " بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه: ( «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة، طافوا ~~بالبيت والصفا والمروة، وأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن ~~يحلوا، فهابوا ذلك، فقال ms0409 رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: أحلوا فلولا ~~أن معي الهدي، لأحللت، فأحلوا حتى حلوا إلى النساء» ) . # وفي " صحيح البخاري " عن أنس قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى ~~أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء، حمد الله، وسبح ثم أهل بحج ~~وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا، حتى إذا كان يوم ~~التروية أهلوا بالحج» . ..) وذكر باقي الحديث. # وفي " صحيحه " أيضا: عن ( «أبي موسى الأشعري، قال: بعثني رسول الله - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - إلى قومي باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: " بم ~~أهللت "؟ فقلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: " هل معك من ~~هدي "؟ قلت: لا، فأمرني، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت» ) ~~. # وفي " صحيح مسلم ": «أن رجلا من بني الهجيم قال لابن عباس: ما هذه # PageV02P172 # الفتيا التي قد تشغبت بالناس، أن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم ~~- صلى الله عليه وآله وسلم - وإن رغمتم» . # وصدق ابن عباس، كل من طاف بالبيت ممن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو ~~متمتع، فقد حل إما وجوبا، وإما حكما، هذه هي السنة التي لا راد لها ولا ~~مدفع، وهذا كقوله - صلى الله عليه وآله وسلم: ( «إذا أدبر النهار من هاهنا، ~~وأقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» ) ، إما أن يكون المعنى: أفطر ~~حكما، أو دخل وقت إفطاره، وصار الوقت في حقه وقت إفطاره. فهكذا هذا الذي قد ~~طاف بالبيت، إما أن يكون قد حل حكما، وإما أن يكون ذلك الوقت في حقه ليس ~~وقت إحرام، بل هو وقت حل ليس إلا، ما لم يكن معه هدي، وهذا صريح السنة. # وفي " صحيح مسلم " أيضا عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: ( «لا يطوف ~~بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل» ) ، وكان يقول: هو بعد المعرف وقبله، وكان ~~يأخذ ذلك من أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم ms0410 - حين أمرهم أن يحلوا في ~~حجة الوداع. # وفي " صحيح مسلم ": عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ~~«هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه الهدي، فليحل الحل كله، فقد دخلت ~~العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ) . # وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أبي الشعثاء ( «عن ابن عباس: ~~قال من جاء مهلا بالحج، فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أو أبى. # PageV02P173 # قلت: إن الناس ينكرون ذلك عليك، قال: هي سنة نبيهم وإن رغموا» ، وقد روى ~~هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من سمينا وغيرهم؛ وروى ذلك عنهم طوائف ~~من كبار التابعين، حتى صار منقولا نقلا يرفع الشك، ويوجب اليقين، ولا يمكن ~~أحدا أن ينكره، أو يقول: لم يقع، وهو مذهب أهل بيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - ومذهب حبر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه، ومذهب أبي موسى ~~الأشعري، ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل وأتباعه، وأهل الحديث ~~معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظاهر. ### | [أعذار من لم يأخذ بفسخ الحج إلى العمرة] # والذين خالفوا هذه الأحاديث لهم أعذار. # العذر الأول: أنها منسوخة. # العذر الثاني: أنها مخصوصة بالصحابة، لا يجوز لغيرهم مشاركتهم في حكمها. # العذر الثالث: معارضتها بما يدل على خلاف حكمها، وهذا مجموع ما اعتذروا ~~به عنها. # ونحن نذكر هذه الأعذار عذرا عذرا، ونبين ما فيها بمعونة الله وتوفيقه. # أما العذر الأول، وهو النسخ، فيحتاج إلى أربعة أمور لم يأتوا منها بشيء ~~يحتاج إلى نصوص أخر، تكون تلك النصوص معارضة لهذه، ثم تكون مع هذه المعارضة ~~مقاومة لها، ثم يثبت تأخرها عنها. # قال المدعون للنسخ: قال عمر بن الخطاب السجستاني: حدثنا الفريابي، حدثنا ~~أبان بن أبي حازم، قال: حدثني أبو بكر بن حفص، عن ابن عمر، ( «عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قال لما ولي: " يا أيها الناس، إن رسول الله - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - أحل لنا # PageV02P174 # المتعة ثم حرمها علينا» ms0411 ) ، رواه البزار في " مسنده " عنه. # قال المبيحون للفسخ: عجبا لكم في مقاومة الجبال الرواسي التي لا تزعزعها ~~الرياح بكثيب مهيل تسفيه الرياح يمينا وشمالا، فهذا الحديث لا سند ولا متن، ~~أما سنده فإنه لا تقوم به حجة علينا عند أهل الحديث، وأما متنه فإن المراد ~~بالمتعة فيه متعة النساء التي أحلها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~ثم حرمها، لا يجوز فيها غير ذلك البتة لوجوه. # أحدها: إجماع الأمة على أن متعة الحج غير محرمة، بل إما واجبة، أو أفضل ~~الأنساك على الإطلاق، أو مستحبة أو جائزة، ولا نعلم للأمة قولا خامسا فيها ~~بالتحريم. # الثاني: ( «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صح عنه من غير وجه، أنه ~~قال: لو حججت لتمتعت، ثم لو حججت لتمتعت» ) ، ذكره الأثرم في " سننه " ~~وغيره. # وذكر عبد الرزاق في " مصنفه ": عن سالم بن عبد الله، أنه سئل أنهى عمر عن ~~متعة الحج؟ قال: لا، أبعد كتاب الله تعالى؟ وذكر عن نافع أن رجلا قال له: ~~أنهى عمر عن متعة الحج؟ قال لا. وذكر أيضا (عن ابن عباس، أنه قال: هذا الذي ~~يزعمون أنه نهى عن المتعة، - يعني عمر - سمعته يقول: لو اعتمرت، ثم حججت ~~لتمتعت) . # قال أبو محمد بن حزم: صح عن عمر الرجوع إلى القول بالتمتع بعد النهي عنه، ~~وهذا محال أن يرجع إلى القول بما صح عنده أنه منسوخ. # الثالث: أنه من المحال أن ينهى عنها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لمن ~~سأله: هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال: " بل للأبد "، وهذا قطع لتوهم ورود ~~النسخ عليها. # PageV02P175 # وهذا أحد الأحكام التي يستحيل ورود النسخ عليها، وهو الحكم الذي أخبر ~~الصادق المصدوق باستمراره ودوامه، فإنه لا خلف لخبره. ### | [عذر من ادعى اختصاص الصحابة بهذا الفسخ] # فصل # العذر الثاني: دعوى اختصاص ذلك بالصحابة، واحتجوا بوجوه. # أحدها: ما رواه عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان عن يحيى بن ~~سعيد، عن المرقع، «عن أبي ذر أنه قال: كان فسخ الحج من رسول ms0412 الله - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - لنا خاصة» . # وقال وكيع: حدثنا موسى بن عبيدة، حدثنا يعقوب بن زيد، ( «عن أبي ذر قال: ~~لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة، إنها كانت رخصة لنا أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم» ) . # وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثنا محمد بن ~~إسحاق، عن عبد الرحمن الأسدي، ( «عن يزيد بن شريك، قلنا لأبي ذر: كيف تمتع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتم معه؟ فقال: ما أنتم وذاك، إنما ذاك ~~شيء رخص لنا فيه، يعني المتعة» ) . # وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا ~~إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي بكر التيمي، عن أبيه والحارث بن ~~سويد قالا: ( «قال أبو ذر: في الحج والمتعة رخصة أعطاناها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» ) . # وقال أبو داود: حدثنا هناد بن السري، عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد بن ~~إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليمان، أو سليم بن الأسود «أن (أبا ذر # PageV02P176 # كان يقول فيمن حج ثم فسخها إلى عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # وفي " صحيح مسلم ": ( «عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - خاصة. وفي لفظ: " كانت لنا رخصة، يعني المتعة في ~~الحج) ، وفي لفظ آخر: " لا تصح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ~~ومتعة الحج "، وفي لفظ آخر: " إنما كانت لنا خاصة دونكم، يعني متعة الحج» ~~". # وفي " سنن النسائي " بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه ( «عن أبي ~~ذر في متعة الحج: ليست لكم، ولستم منها في شيء، إنما كانت رخصة لنا أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم» ) . # وفي " سنن أبي داود والنسائي "، من حديث ( «بلال بن الحارث قال: قلت: يا ~~رسول الله أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وآله وسلم: ms0413 " بل لنا خاصة» ) ، ورواه الإمام أحمد. # وفي " مسند أبي عوانة " بإسناد صحيح: عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: ~~سئل عثمان عن متعة الحج، فقال: كانت لنا، ليست لكم. # PageV02P177 # هذا مجموع ما استدلوا به على التخصيص بالصحابة. # قال المجوزون للفسخ والموجبون له: لا حجة لكم في شيء من ذلك، فإن هذه ~~الآثار بين باطل لا يصح عمن نسب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم ~~لا تعارض به نصوص المعصوم. # أما الأول: فإن المرقع ليس ممن تقوم بروايته حجة، فضلا عن أن يقدم على ~~النصوص الصحيحة غير المدفوعة. وقد قال أحمد بن حنبل: - وقد عورض بحديثه - ~~ومن المرقع الأسدي؟ وقد روى أبو ذر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~الأمر بفسخ الحج إلى العمرة. وغاية ما نقل عنه - إن صح - أن ذلك مختص ~~بالصحابة فهو رأيه. وقد قال ابن عباس، وأبو موسى الأشعري: إن ذلك عام ~~للأمة، فرأي أبي ذر معارض برأيهما. # وسلمت النصوص الصحيحة الصريحة، ثم من المعلوم أن دعوى الاختصاص باطلة بنص ~~النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن تلك العمرة التي وقع السؤال عنها ~~وكانت عمرة فسخ لأبد الأبد، لا تختص بقرن دون قرن وهذا أصح سندا من المروي ~~عن أبي ذر وأولى أن يؤخذ به منه لو صح عنه. ### | [الأصل في المسائل الإحكام حتى يثبت نسخها أو اختصاصها بأحد] # وأيضا، فإذا رأينا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قد ~~اختلفوا في أمر قد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه فعله ~~وأمر به، فقال بعضهم: إنه منسوخ أو خاص، وقال بعضهم هو باق إلى الأبد، فقول ~~من ادعى نسخه أو اختصاصه مخالف للأصل، فلا يقبل إلا ببرهان، وإن أقل ما في ~~الباب معارضته بقول من ادعى بقاءه وعمومه، والحجة تفصل بين المتنازعين، ~~والواجب الرد عند التنازع إلى الله ورسوله. فإذا قال أبو ذر وعثمان: إن ~~الفسخ منسوخ أو خاص، وقال أبو موسى وعبد الله بن عباس: إنه باق وحكمه عام، ms0414 ~~فعلى من ادعى النسخ والاختصاص الدليل. # PageV02P178 # وأما حديثه المرفوع - حديث بلال بن الحارث - فحديث لا يكتب، ولا يعارض ~~بمثله تلك الأساطين الثابتة. # قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يرى للمهل بالحج أن يفسخ حجه إن طاف ~~بالبيت وبين الصفا والمروة. وقال في المتعة: هي آخر الأمرين من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( «اجعلوا حجكم ~~عمرة» ) . قال عبد الله: فقلت لأبي: فحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج، ~~يعني قوله " لنا خاصة "؟ قال: لا أقول به، لا يعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس ~~إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال بن الحارث عندي يثبت. هذا لفظه. # قلت: ومما يدل على صحة قول الإمام أحمد، وأن هذا الحديث لا يصح أن النبي ~~- صلى الله عليه وآله وسلم - أخبر عن تلك المتعة التي أمرهم أن يفسخوا حجهم ~~إليها أنها لأبد الأبد، فكيف يثبت عنه بعد هذا أنها لهم خاصة؟ هذا من أمحل ~~المحال. وكيف يأمرهم بالفسخ ويقول: ( «دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة» ) ، ثم يثبت عنه أن ذلك مختص بالصحابة دون من بعدهم، فنحن نشهد ~~بالله أن حديث بلال بن الحارث هذا، لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو غلط عليه، وكيف تقدم رواية بلال بن الحارث على روايات الثقات ~~الأثبات حملة العلم الذين رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~خلاف روايته. # ثم كيف يكون هذا ثابتا عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وابن ~~عباس - رضي الله عنه - يفتي بخلافه. ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص ~~والعام، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - متوافرون، ولا يقول ~~له رجل واحد منهم: هذا كان مختصا بنا، ليس لغيرنا حتى يظهر بعد موت الصحابة ~~أن أبا ذر كان يرى اختصاص ذلك بهم؟ # وأما قول عثمان - رضي الله عنه - في متعة الحج: إنها كانت لهم ليست # PageV02P179 # لغيرهم فحكمه حكم قول أبي ذر سواء على أن المروي عن أبي ms0415 ذر وعثمان يحتمل ~~ثلاثة أمور. # أحدها: اختصاص جواز ذلك بالصحابة، وهو الذي فهمه من حرم الفسخ. # الثاني: اختصاص وجوبه بالصحابة، وهو الذي كان يراه شيخنا - قدس الله روحه ~~- يقول: إنهم كانوا قد فرض عليهم الفسخ لأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - لهم به وحتمه عليهم، وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى ~~امتثاله. وأما الجواز والاستحباب فللأمة إلى يوم القيامة، لكن أبى ذلك ~~البحر ابن عباس، وجعل الوجوب للأمة إلى يوم القيامة، وأن فرضا على كل مفرد ~~وقارن لم يسق الهدي، أن يحل ولا بد، بل قد حل وإن لم يشأ، وأنا إلى قوله ~~أميل مني إلى قول شيخنا. # الاحتمال الثالث: أنه ليس لأحد من بعد الصحابة أن يبتدئ حجا قارنا أو ~~مفردا بلا هدي، بل هذا يحتاج معه إلى الفسخ، لكن فرض عليه أن يفعل ما أمر ~~به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أصحابه في آخر الأمر من التمتع لمن ~~لم يسق الهدي، والقران لمن ساق، كما صح عنه ذلك. وإما أن يحرم بحج مفرد، ثم ~~يفسخه عند الطواف إلى عمرة مفردة، ويجعله متعة، فليس له ذلك، بل هذا إنما ~~كان للصحابة، فإنهم ابتدءوا الإحرام بالحج المفرد قبل أمر النبي - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - بالتمتع والفسخ إليه، فلما استقر أمره بالتمتع والفسخ ~~إليه، لم يكن لأحد أن يخالفه ويفرد، ثم يفسخه. # وإذا تأملت هذين الاحتمالين الأخيرين رأيتهما إما راجحين على الاحتمال ~~الأول، أو مساويين له، وتسقط معارضة الأحاديث الثابتة الصريحة به جملة، ~~وبالله التوفيق. # وأما ما رواه مسلم في " صحيحه ": عن أبي ذر، أن المتعة في الحج كانت لهم ~~خاصة. فهذا إن أريد به أصل المتعة، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين # PageV02P180 # بل المسلمون متفقون على جوازها إلى يوم القيامة. وإن أريد به متعة الفسخ، ~~احتمل الوجوه الثلاثة المتقدمة. وقال الأثرم في " سننه ": وذكر لنا أحمد بن ~~حنبل أن عبد الرحمن بن مهدي حدثه عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، ~~عن أبي ذر، في ms0416 متعة الحج كانت لنا خاصة. فقال أحمد بن حنبل: رحم الله أبا ~~ذر هي في كتاب الله عز وجل: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] ~~[البقرة 196] . # قال المانعون من الفسخ: قول أبي ذر وعثمان: إن ذلك منسوخ أو خاص ~~بالصحابة، لا يقال مثله بالرأي، فمع قائله زيادة علم خفيت على من ادعى ~~بقاءه وعمومه، فإنه مستصحب لحال النص بقاء وعموما، فهو بمنزلة صاحب اليد في ~~العين المدعاة، ومدعي فسخه واختصاصه بمنزلة صاحب البينة التي تقدم على صاحب ~~اليد. # قال المجوزون للفسخ: هذا قول فاسد لا شك فيه، بل هذا رأي لا شك فيه، وقد ~~صرح - بأنه رأي من هو أعظم من عثمان وأبي ذر - عمران بن حصين، ففي " ~~الصحيحين "، واللفظ للبخاري: تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - ونزل القرآن، فقال رجل برأيه ما شاء. ولفظ مسلم: ( «نزلت آية المتعة ~~في كتاب الله عز وجل - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - ثم لم تنزل آية تنسخ متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء» ) ، وفي لفظ: ~~يريد عمر. # وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها؛ وقال له إن أباك نهى عنها: أأمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أحق أن يتبع أو أمر أبي؟ ! # PageV02P181 # (وقال ابن عباس لمن كان يعارضه فيها بأبي بكر وعمر: يوشك أن تنزل عليكم ~~حجارة من السماء، أقول قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وتقولون ~~قال أبو بكر وعمر) . فهذا جواب العلماء لا جواب من يقول عثمان وأبو ذر أعلم ~~برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - منكم، فهلا قال ابن عباس، وعبد ~~الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~منا، ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع ~~نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أعلم ms0417 بالله ورسوله، وأتقى ~~له من أن يقدموا على قول المعصوم رأي غير المعصوم، ثم قد ثبت النص عن ~~المعصوم بأنها باقية إلى يوم القيامة، وقد قال ببقائها: علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى، وسعيد بن ~~المسيب، وجمهور التابعين # ويدل على أن ذلك رأي محض لا ينسب إلى أنه مرفوع إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما نهى عنها قال له أبو ~~موسى الأشعري: يا أمير المؤمنين! ما أحدثت في شأن النسك؟ فقال: إن نأخذ ~~بكتاب ربنا، فإن الله يقول: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] ~~[البقرة 196] ، وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن رسول ~~الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يحل حتى نحر، فهذا اتفاق من أبي موسى ~~وعمر على أن منع الفسخ إلى المتعة والإحرام بها ابتداء، إنما هو رأي منه ~~أحدثه في النسك ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن استدل له بما ~~استدل. # وأبو موسى كان يفتي الناس بالفسخ في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - ~~كلها، وصدرا من خلافة عمر حتى فاوض عمر - رضي الله عنه - في نهيه عن ذلك، ~~واتفقا على أنه رأي أحدثه عمر - رضي الله عنه - في النسك، ثم صح عنه الرجوع ~~عنه. # PageV02P182 ### | [عذر من ادعى معارضة أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها] # فصل # وأما العذر الثالث: وهو معارضة أحاديث الفسخ بما يدل على خلافها، فذكروا ~~منها ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث الزهري، عن عروة (عن عائشة رضي ~~الله عنها، قالت: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " من أحرم بعمرة ولم يهد، فليحلل، ومن أحرم بعمرة ~~وأهدى، فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه» ) ، وذكر باقي ~~الحديث. # ومنها: ما رواه ms0418 مسلم في " صحيحه " أيضا من حديث مالك عن أبي الأسود، عن ~~عروة عنها: ( «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عام حجة ~~الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، ~~وأهل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل، ~~وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر» ) . # ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر العبدي، عن محمد بن عمرو ~~بن علقمة، حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن (عائشة قالت: «خرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - للحج على ثلاثة أنواع: فمنا من أهل ~~بعمرة وحجة، ومنا من أهل بحج مفرد، ومنا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان أهل ~~بحج وعمرة معا، لم يحل من شيء مما حرم منه حتى قضى مناسك الحج، ومن أهل بحج ~~مفرد، لم يحل من شيء مما حرم منه حتى قضى مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة ~~فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، حل مما حرم منه حتى استقبل حجا» ) . # PageV02P183 # ومنها: ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، ~~عن محمد بن نوفل، «أن رجلا من أهل العراق، قال له: سل لي عروة بن الزبير، ~~عن رجل أهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فذكر الحديث، وفيه: قد حج ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به ~~حين قدم مكة، أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم حج أبو بكر، ثم كان أول شيء بدأ به ~~الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول ~~شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة. # ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول ~~شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة. ثم رأيت المهاجرين والأنصار، ~~يفعلون ذلك، ثم ms0419 لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها ~~بعمرة، فهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟ ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون ~~بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي ~~وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من الطواف بالبيت، تطوفان به ثم لا ~~تحلان» . # فهذا مجموع ما عارضوا به أحاديث الفسخ، ولا معارضة فيها بحمد الله ومنه. # أما الحديث الأول، وهو حديث الزهري عن عروة، عن عائشة فغلط فيه عبد الملك ~~بن شعيب، أو أبوه شعيب، أو جده الليث أو شيخه عقيل، فإن الحديث رواه مالك ~~ومعمر والناس، عن الزهري عن عروة عنها، وبينوا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى أن يحل. فقال مالك عن يحيى بن ~~سعيد عن عمرة عنها ( «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لخمس ~~ليال بقين لذي القعدة، ولا نرى إلا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ~~- صلى الله عليه وآله وسلم - من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وسعى # PageV02P184 # بين الصفا والمروة أن يحل» ) ، وذكر الحديث. قال يحيى: فذكرت هذا الحديث ~~للقاسم بن محمد، فقال أتتك والله بالحديث على وجهه. # وقال منصور: عن إبراهيم، عن الأسود، عنها: ( «خرجنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - ولا نرى إلا الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر ~~النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم ~~يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن» ) . # وقال مالك ومعمر كلاهما عن ابن شهاب عن عروة، عنها: ( «خرجنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وآله وسلم - عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: " من كان معه هدي فليهل بالحج مع ~~العمرة، ولا يحل حتى يحل منهما جميعا» ) . # وقال ابن شهاب: عن عروة عنها، بمثل الذي أخبر به سالم عن ms0420 أبيه، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم. ولفظه: ( «تمتع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وتمتع ~~الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالعمرة إلى الحج، فكان من ~~الناس من أهدى فساق معه الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء ~~حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة، ~~وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» ) ، وذكر باقي الحديث. # PageV02P185 # وقال عبد العزيز الماجشون: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة، ~~خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا نذكر إلا الحج. .. فذكر ~~الحديث. وفيه قالت: «فلما قدمت مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - لأصحابه: " اجعلوها عمرة، فأحل الناس إلا من كان معه الهدي» ". # وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن عائشة «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - لا نذكر إلا الحج، فلما قدمنا أمرنا أن نحل» ، وذكر الحديث. # وقال عبد الرحمن بن القاسم: عن أبيه ( «عن عائشة خرجنا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - ولا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت. قالت: ~~فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنا أبكي. فقال " ما ~~يبكيك "؟ قالت: فقلت والله لوددت أني لا أحج العام. ..» ) ، فذكر الحديث. ~~وفيه: «فلما قدمت مكة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " اجعلوها عمرة ~~"، قالت: فحل الناس إلا من كان معه الهدي» . # وكل هذه الألفاظ في " الصحيح "، وهذا موافق لما رواه جابر، وابن عمر، ~~وأنس، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو سعيد وأسماء، والبراء، وحفصة، وغيرهم من ~~أمره - صلى الله ms0421 عليه وآله وسلم - أصحابه كلهم بالإحلال إلا من ساق الهدي، ~~وأن يجعلوا حجهم عمرة. وفي اتفاق هؤلاء كلهم على أن النبي - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - أمر أصحابه كلهم أن يحلوا، وأن يجعلوا الذي قدموا به متعة، إلا ~~من ساق الهدي، دليل على غلط هذه الرواية ووهم وقع فيها، يبين ذلك أنها من ~~رواية الليث عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، والليث بعينه هو الذي روى عن ~~عقيل عن الزهري، عن عروة عنها مثل ما رواه عن الزهري # PageV02P186 # عن سالم، عن أبيه في تمتع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأمره لمن ~~لم يكن أهدى أن يحل. # ثم تأملنا فإذا أحاديث عائشة يصدق بعضها بعضا، وإنما بعض الرواة زاد على ~~بعض، وبعضهم اختصر الحديث، وبعضهم اقتصر على بعضه، وبعضهم رواه بالمعنى. ~~والحديث المذكور ليس فيه منع من أهل بالحج من الإحلال، وإنما فيه أمره أن ~~يتم الحج، فإن كان هذا محفوظا، فالمراد به بقاؤه على إحرامه، فيتعين أن ~~يكون هذا قبل الأمر بالإحلال، وجعله عمرة، ويكون هذا أمرا زائدا قد طرأ على ~~الأمر بالإتمام، كما طرأ على التخيير بين الإفراد والتمتع والقران، ويتعين ~~هذا ولا بد، وإلا كان هذا ناسخا للأمر بالفسخ، والأمر بالفسخ ناسخا للإذن ~~بالإفراد، وهذا محال قطعا، فإنه بعد أن أمرهم بالحل لم يأمرهم بنقضه، ~~والبقاء على الإحرام الأول، هذا باطل قطعا، فيتعين إن كان محفوظا أن يكون ~~قبل الأمر لهم بالفسخ، ولا يجوز غير هذا البتة، والله أعلم. # فصل # وأما حديث أبي الأسود، عن عروة عنها. وفيه: " «وأما من أهل بحج أو جمع ~~الحج والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر» ". وحديث يحيى بن عبد الرحمن ~~بن حاطب عنها: «فمن كان أهل بحج وعمرة معا، لم يحل من شيء مما حرم منه حتى ~~يقضي مناسك الحج، ومن أهل بحج مفرد كذلك» ". فحديثان قد أنكرهما الحفاظ، ~~وهما أهل أن ينكرا. # قال الأثرم: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن ~~أنس، عن أبي ms0422 الأسود، عن عروة، عن عائشة: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله وسلم - فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل ~~بالحج والعمرة، وأهل بالحج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأما من أهل ~~بالعمرة، فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج ~~والعمرة، فلم يحلوا إلى يوم النحر» ، فقال أحمد بن حنبل: أيش في هذا الحديث ~~من العجب، هذا خطأ، فقال # PageV02P187 # الأثرم: فقلت له: الزهري، عن عروة، عن عائشة بخلافه؟ فقال: نعم، وهشام بن ~~عروة. وقال الحافظ أبو محمد بن حزم: هذان حديثان منكران جدا، قال: ولأبي ~~الأسود في هذا النحو حديث لا خفاء بنكرته ووهنه وبطلانه. والعجب كيف جاز ~~على من رواه؟ ثم ساق من طريق البخاري عنه أن عبد الله مولى أسماء حدثه أنه ~~«كان يسمع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما تقول كلما مرت بالحجون: ~~صلى الله على رسوله لقد نزلنا معه هاهنا، ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا، ~~قليلة أزوادنا، فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا ~~البيت أحللنا، ثم أهللنا من العشي بالحج» . قال: وهذه وهلة لا خفاء بها على ~~أحد ممن له أقل علم بالحديث لوجهين باطلين فيه بلا شك. # أحدهما: قوله فاعتمرت أنا وأختي عائشة، ولا خلاف بين أحد من أهل النقل في ~~أن عائشة لم تعتمر في أول دخولها مكة، ولذلك أعمرها من التنعيم بعد تمام ~~الحج ليلة الحصبة، هكذا رواه جابر بن عبد الله، ورواه عن عائشة الأثبات، ~~كالأسود بن يزيد، وابن أبي مليكة، والقاسم بن محمد، وعروة، وطاووس ومجاهد. # الموضع الثاني: قوله فيه: فلما مسحنا البيت، أحللنا، ثم أهللنا من العشي ~~بالحج، وهذا باطل لا شك فيه؛ لأن جابرا، وأنس بن مالك، وعائشة، وابن عباس، ~~كلهم رووا أن الإحلال كان يوم دخولهم مكة، وأن إحلالهم بالحج كان يوم ~~التروية، وبين اليومين المذكورين ثلاثة أيام بلا شك. # قلت: الحديث ليس بمنكر ولا باطل، وهو صحيح، وإنما أتي أبو محمد فيه ms0423 من ~~فهمه، فإن أسماء أخبرت أنها اعتمرت هي وعائشة، وهكذا وقع بلا شك. وأما ~~قولها: فلما مسحنا البيت أحللنا، فإخبار منها عن نفسها، وعمن لم يصبه # PageV02P188 # عذر الحيض الذي أصاب عائشة، وهي لم تصرح بأن عائشة مسحت البيت يوم دخولهم ~~مكة، وأنها حلت ذلك اليوم، ولا ريب أن عائشة قدمت بعمرة، ولم تزل عليها حتى ~~حاضت بسرف، فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة. فإذا قيل: اعتمرت عائشة مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو قدمت بعمرة، لم يكن هذا كذبا. # وأما قولها: ثم أهللنا من العشي بالحج، فهي لم تقل: إنهم أهلوا من عشي ~~يوم القدوم، ليلزم ما قال أبو محمد، وإنما أرادت عشي يوم التروية. ومثل هذا ~~لا يحتاج في ظهوره وبيانه إلى أن يصرح فيه بعشي ذلك اليوم بعينه؛ لعلم ~~الخاص والعام به، وأنه مما لا تذهب الأوهام إلى غيره، فرد أحاديث الثقات ~~بمثل هذا الوهم مما لا سبيل إليه. # قال أبو محمد: وأسلم الوجوه للحديثين المذكورين عن عائشة، يعني اللذين ~~أنكرهما، أن تخرج روايتهما على أن المراد بقولها: إن الذين أهلوا بحج، أو ~~بحج وعمرة، لم يحلوا حتى كان يوم النحر حين قضوا مناسك الحج، إنما عنت بذلك ~~من كان معه الهدي، وبهذا تنتفي النكرة عن هذين الحديثين، وبهذا تأتلف ~~الأحاديث كلها؛ لأن الزهري عن عروة يذكر خلاف ما ذكره أبو الأسود عن عروة، ~~والزهري بلا شك أحفظ من أبي الأسود، وقد خالف يحيى بن عبد الرحمن عن عائشة ~~في هذا الباب من لا يقرن يحيى بن عبد الرحمن إليه، لا في حفظ ولا في ثقة، ~~ولا في جلالة، ولا في بطانة لعائشة، كالأسود بن يزيد، والقاسم بن محمد بن ~~أبي بكر، وأبي عمرو ذكوان مولى عائشة، وعمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر ~~عائشة، وهؤلاء هم أهل الخصوصية والبطانة بها، فكيف؟ ولو لم يكونوا كذلك، ~~لكانت روايتهم أو رواية واحد منهم لو انفرد هي الواجب أن يؤخذ بها؛ لأن ~~فيها زيادة على رواية أبي الأسود ويحيى، ms0424 وليس من جهل، أو غفل حجة على من ~~علم، وذكر وأخبر، فكيف وقد وافق هؤلاء الجلة عن عائشة، فسقط التعلق بحديث ~~أبي الأسود ويحيى اللذين ذكرنا. # PageV02P189 # قال: وأيضا، فإن حديثي أبي الأسود ويحيى موقوفان غير مسندين؛ لأنهما إنما ~~ذكرا عنها فعل من فعل ما ذكرت دون أن يذكرا أن النبي - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - أمرهم أن لا يحلوا، ولا حجة في أحد دون النبي - صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فلو صح ما ذكراه، وقد صح أمر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من ~~لا هدي معه بالفسخ، فتمادى المأمورون بذلك، ولم يحلوا لكانوا عصاة لله ~~تعالى، وقد أعاذهم الله من ذلك، وبرأهم منه، فثبت يقينا أن حديث أبي الأسود ~~ويحيى إنما عني فيهما: من كان معه هدي، وهكذا جاءت الأحاديث الصحاح التي ~~أوردناها بأنه - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر من معه الهدي بأن يجمع حجا ~~مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. # ثم ساق من طريق مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عنها ترفعه ( «من كان معه ~~هدي، فليهلل بالحج والعمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» ) ، قال: فهذا ~~الحديث كما ترى من طريق عروة عن عائشة يبين ما ذكرنا أنه المراد بلا شك في ~~حديث أبي الأسود عن عروة، وحديث يحيى عن عائشة، وارتفع الآن الإشكال جملة، ~~والحمد لله رب العالمين. # قال: ومما يبين أن في حديث أبي الأسود حذفا قوله فيه: عن عروة " أن أمه ~~وخالته والزبير، أقبلوا بعمرة فقط، فلما مسحوا الركن حلوا ". ولا خلاف بين ~~أحد أن من أقبل بعمرة لا يحل بمسح الركن، حتى يسعى بين الصفا والمروة بعد ~~مسح الركن، فصح أن في الحديث حذفا بينه سائر الأحاديث الصحاح التي ذكرنا، ~~وبطل التشغيب به جملة، وبالله التوفيق. # فصل # وأما ما في حديث أبي الأسود، عن عروة من فعل أبي بكر، وعمر، والمهاجرين، ~~والأنصار، وابن عمر، فقد أجابه ابن عباس، فأحسن جوابه # PageV02P190 # فيكتفى بجوابه. # فروى الأعمش، عن فضيل بن عمرو، ms0425 عن سعيد بن جبير، «عن ابن عباس، تمتع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ~~ابن عباس: أراكم ستهلكون أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتقول: قال أبو بكر وعمر» . # وقال عبد الرازق: حدثنا معمر، عن أيوب قال: «قال عروة لابن عباس: ألا ~~تتقي الله ترخص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية. فقال عروة: أما ~~أبو بكر وعمر، فلم يفعلا، فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم ~~الله أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحدثونا عن أبي بكر ~~وعمر؟ فقال عروة: لهما أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتبع ~~لها منك» . # وأخرج أبو مسلم الكجي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب ~~السختياني، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، ( «قال لرجل من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تأمر الناس بالعمرة في هؤلاء العشر وليس ~~فيها عمرة؟! قال: أولا تسأل أمك عن ذلك؟ قال عروة: فإن أبا بكر وعمر لم ~~يفعلا ذلك قال الرجل: من هاهنا هلكتم، ما أرى الله عز وجل إلا سيعذبكم إني ~~أحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتخبروني بأبي بكر وعمر. قال ~~عروة إنهما والله كانا أعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، ~~فسكت الرجل» ) . # PageV02P191 # ثم أجاب أبو محمد بن حزم عروة عن قوله هذا، بجواب نذكره، ونذكر جوابا ~~أحسن منه لشيخنا. # قال أبو محمد ونحن نقول لعروة: ابن عباس أعلم بسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وبأبي بكر وعمر منك، وخير منك، وأولى بهم ثلاثتهم منك، لا يشك ~~في ذلك مسلم. وعائشة أم المؤمنين، أعلم وأصدق منك. ثم ساق من طريق الثوري، ~~عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله قال: قالت عائشة: من استعمل على الموسم؟ ~~قالوا: ابن عباس قالت هو أعلم الناس بالحج. # قال أبو محمد مع أنه قد روي عنها خلاف ما قاله ms0426 عروة، ومن هو خير من عروة ~~وأفضل، وأعلم، وأصدق، وأوثق. ثم ساق من طريق البزار، عن الأشج، عن عبد الله ~~بن إدريس الأودي، عن ليث، عن عطاء، وطاووس، عن ابن عباس: «تمتع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر، وعمر وأول من نهى عنها معاوية» . # ومن طريق عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عباس: «تمتع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر. حتى مات، وعمر، وعثمان كذلك ~~وأول من نهى عنها، معاوية» . # قلت: حديث ابن عباس هذا، رواه الإمام أحمد في " المسند " والترمذي. وقال ~~حديث حسن. # وذكر عبد الرزاق، قال حدثنا معمر عن ابن طاووس، عن أبيه قال: قال أبي بن ~~كعب، وأبو موسى لعمر بن الخطاب: ألا تقوم فتبين للناس أمر هذه المتعة؟ فقال ~~عمر: وهل بقي أحد إلا وقد علمها، أما أنا فأفعلها. # PageV02P192 # وذكر علي بن عبد العزيز البغوي، حدثنا حجاج بن المنهال، قال حدثنا حماد ~~بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، أو حميد، عن الحسن «أن عمر أراد أن يأخذ ~~مال الكعبة، وقال: الكعبة غنية عن ذلك المال، وأراد أن ينهى أهل اليمن أن ~~يصبغوا بالبول وأراد أن ينهى عن متعة الحج فقال أبي بن كعب: قد رأى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هذا المال وبه وبأصحابه الحاجة إليه، ~~فلم يأخذه، وأنت فلا تأخذه، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه يلبسون الثياب اليمانية، فلم ينه عنها، وقد علم أنها تصبغ بالبول، ~~وقد تمتعنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينه عنها، ولم ينزل ~~الله تعالى فيها نهيا» . # وقد تقدم قول عمر: لو اعتمرت في وسط السنة، ثم حججت، لتمتعت، ولو حججت ~~خمسين حجة، لتمتعت. ورواه حماد بن سلمة، عن قيس، عن طاووس، عن ابن عباس، ~~عنه لو اعتمرت في سنة مرتين، ثم حججت، لجعلت مع حجتي عمرة. # والثوري، عن سلمة بن كهيل، عن طاووس، عن ابن عباس، عنه لو اعتمرت، ثم ~~اعتمرت، ms0427 ثم حججت، لتمتعت. وابن عيينة: عن هشام بن حجير، وليث، عن طاووس عن ~~ابن عباس، قال: هذا الذي يزعمون أنه نهى عن المتعة - يعني عمر - سمعته ~~يقول: لو اعتمرت، ثم حججت؛ لتمتعت. قال ابن عباس: كذا وكذا مرة ما تمت حجة ~~رجل قط إلا بمتعة. # وأما الجواب الذي ذكره شيخنا، فهو أن عمر - رضي الله عنه - لم ينه عن ~~المتعة البتة، وإنما قال: إن أتم لحجكم، وعمرتكم أن تفصلوا بينهما، فاختار ~~عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا ~~أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى، وقد نص على ذلك أحمد، وأبو # PageV02P193 # حنيفة، ومالك، والشافعي - رحمهم الله تعالى - وغيرهم. وهذا هو الإفراد ~~الذي فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي ~~- رضي الله عنهما -. # وقال عمر وعلي - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} [البقرة: 196] [البقرة 196] قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة ~~أهلك، وقد «قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في عمرتها: أجرك على قدر ~~نصبك» فإذا رجع الحاج إلى # PageV02P194 # دويرة أهله، فأنشأ العمرة منها، واعتمر قبل أشهر الحج، وأقام حتى يحج أو ~~اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حج فهاهنا قد أتى بكل واحد من النسكين ~~من دويرة أهله، وهذا إتيان بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره. # قلت: فهذا الذي اختاره عمر للناس، فظن من غلط منهم أنه نهى عن المتعة، ثم ~~منهم من حمل نهيه على متعة الفسخ، ومنهم من حمله على ترك الأولى ترجيحا ~~للإفراد عليه، ومنهم من عارض روايات النهي عنه بروايات الاستحباب وقد ~~ذكرناها، ومنهم من جعل في ذلك روايتين عن عمر، كما عنه روايتان في غيرهما ~~من المسائل، ومنهم من جعل النهي قولا قديما، ورجع عنه أخيرا، كما سلك أبو ~~محمد بن حزم، ومنهم من يعد النهي رأيا رآه من عنده لكراهته أن يظل الحاج ~~معرسين بنسائهم في ظل الأراك. # قال أبو حنيفة: عن حماد، ms0428 عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد قال: ~~بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة، فإذا هو برجل مرجل شعره ~~يفوح منه ريح الطيب، فقال له عمر: أمحرم أنت؟ قال نعم. فقال عمر: ما هيئتك ~~بهيئة محرم إنما المحرم الأشعث الأغبر الأدفر. قال إني قدمت متمتعا، وكان ~~معي أهلي، وإنما أحرمت اليوم. فقال عمر عند ذلك لا تتمتعوا في هذه الأيام ~~فإني لو رخصت في المتعة لهم، لعرسوا بهن في الأراك، ثم راحوا بهن حجاجا. ~~وهذا يبين، أن هذا من عمر رأي رآه. # قال ابن حزم: فكان ماذا؟ وحبذا ذلك؟ وقد طاف النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- على نسائه، ثم أصبح محرما، ولا خلاف أن الوطء مباح قبل الإحرام بطرفة عين ~~والله أعلم. ### | [بقية طرق المانعين من فسخ الحج إلى العمرة] # فصل # PageV02P195 # وقد سلك المانعون من الفسخ طريقتين أخريين، نذكرهما ونبين فسادهما. # الطريقة الأولى: قالوا: إذا اختلف الصحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ، ~~فالاحتياط يقتضي المنع منه صيانة للعبادة عما لا يجوز فيها عند كثير من أهل ~~العلم، بل أكثرهم. # والطريقة الثانية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالفسخ ليبين ~~لهم جواز العمرة في أشهر الحج؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يكرهون العمرة في ~~أشهر الحج وكانوا يقولون إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، فقد حلت ~~العمرة لمن اعتمر فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفسخ؛ ليبين لهم ~~جواز العمرة في أشهر الحج، وهاتان الطريقتان باطلتان. # أما الأولى: فلأن الاحتياط إنما يشرع، إذا لم تتبين السنة، فإذا تبينت ~~فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها; فإن كان تركها لأجل الاختلاف ~~احتياطا، فترك ما خالفها واتباعها، أحوط وأحوط، فالاحتياط نوعان: احتياط ~~للخروج من خلاف العلماء، واحتياط للخروج من خلاف السنة، ولا يخفى رجحان ~~أحدهما على الآخر. # وأيضا فإن الاحتياط ممتنع هنا، فإن للناس في الفسخ ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه محرم. # PageV02P196 # الثاني: أنه واجب، وهو قول جماعة من السلف والخلف. # الثالث: أنه مستحب، فليس الاحتياط بالخروج من خلاف من ms0429 حرمه أولى ~~بالاحتياط بالخروج من خلاف من أوجبه. وإذا تعذر الاحتياط بالخروج من ~~الخلاف، تعين الاحتياط بالخروج من خلاف السنة. ### | [بطلان قول من قال أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج] # فصل # وأما الطريقة الثانية فأظهر بطلانا من وجوه عديدة. # أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر قبل ذلك عمره الثلاث في ~~أشهر الحج في ذي القعدة، كما تقدم ذلك، وهو أوسط أشهر الحج. فكيف يظن أن ~~الصحابة لم يعلموا جواز الاعتمار في أشهر الحج إلا بعد أمرهم بفسخ الحج إلى ~~العمرة، وقد تقدم فعله لذلك ثلاث مرات؟ # الثاني: أنه قد ثبت في " الصحيحين "، أنه قال لهم عند الميقات: " «من شاء ~~أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحج ~~وعمرة فليفعل» "، فبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج عند الميقات، وعامة ~~المسلمين معه، فكيف لم يعلموا جوازها إلا بالفسخ؟ ولعمر الله إن لم يكونوا ~~يعلمون جوازها بذلك فهم أجدر أن لا يعلموا جوازها بالفسخ. # الثالث: أنه أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل، وأمر من ساق الهدي أن يبقى ~~على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، ففرق بين محرم ومحرم، وهذا يدل على أن سوق ~~الهدي هو المانع من التحلل، لا مجرد الإحرام الأول، والعلة التي ذكروها لا ~~تختص بمحرم دون محرم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التأثير في الحل ~~وعدمه للهدي وجودا وعدما لا لغيره. # PageV02P197 # الرابع: أن يقال: إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد مخالفة ~~المشركين، كان هذا دليلا على أن الفسخ أفضل لهذه العلة؛ لأنه إذا كان إنما ~~أمرهم بذلك لمخالفة المشركين، كان يكون دليلا على أن الفسخ يبقى مشروعا إلى ~~يوم القيامة، إما وجوبا وإما استحبابا، فإن ما فعله النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وشرعه لأمته في المناسك مخالفة لهدي المشركين، هو مشروع إلى يوم ~~القيامة، إما وجوبا أو استحبابا، فإن المشركين كانوا يفيضون من عرفة قبل ~~غروب الشمس، وكانوا لا ms0430 يفيضون من مزدلفة حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون ~~أشرق ثبير كيما نغير فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: " «خالف ~~هدينا هدي المشركين، فلم نفض من عرفة حتى غربت الشمس» ". # وهذه المخالفة إما ركن كقول مالك، وإما واجب يجبره دم، كقول أحمد، وأبي ~~حنيفة، والشافعي في أحد القولين، وإما سنة كالقول الآخر له. # والإفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة باتفاق المسلمين، وكذلك قريش كانت ~~لا تقف بعرفة، بل تفيض من جمع، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ووقف ~~بعرفات، وأفاض منها، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس} [البقرة: 199] [البقرة 199] وهذه المخالفة من أركان الحج باتفاق ~~المسلمين # PageV02P198 # فالأمور التي نخالف فيها المشركين هي الواجب أو المستحب، ليس فيها مكروه، ~~فكيف يكون فيها محرم، وكيف يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~أصحابه بنسك يخالف نسك المشركين، مع كون الذي نهاهم عنه أفضل من الذي أمرهم ~~به. أو يقال: من حج كما حج المشركون فلم يتمتع، فحجه أفضل من حج السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار، بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الخامس: أنه قد ثبت في " الصحيحين " عنه أنه قال: " «دخلت العمرة في الحج ~~إلى يوم القيامة» ". «وقيل له عمرتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ فقال: " ~~لا، بل لأبد الأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ". # وكان سؤالهم عن عمرة الفسخ كما جاء صريحا في حديث جابر الطويل. قال: «حتى ~~إذا كان آخر طوافه على المروة، قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم ~~أسق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة ~~"، فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فشبك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال " دخلت ~~العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد الأبد" وفي لفظ: قدم رسول الله صبح رابعة ~~مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا ~~خمس، ms0431 أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني» . . . ~~فذكر الحديث. وفيه: «فقال سراقة بن مالك: لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال " ~~لأبد» ". # وفي " صحيح البخاري " عنه: «أن سراقة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" ألكم خاصة هذه يا رسول الله؟ قال " بل للأبد» " فبين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن تلك العمرة التي فسخ من # PageV02P199 # فسخ منهم حجة إليها للأبد، وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. ~~وهذا يبين أن عمرة التمتع بعض الحج. # وقد اعترض بعض الناس على الاستدلال بقوله: " بل لأبد الأبد " باعتراضين، ~~أحدهما: أن المراد، أن سقوط الفرض بها لا يختص بذلك العام، بل يسقطه إلى ~~الأبد، وهذا الاعتراض باطل، فإنه لو أراد ذلك لم يقل: للأبد، فإن الأبد لا ~~يكون في حق طائفة معينة، بل إنما يكون لجميع المسلمين، ولأنه قال: "دخلت ~~العمرة في الحج إلى يوم القيامة "، ولأنهم لو أرادوا بذلك السؤال عن تكرار ~~الوجوب، لما اقتصروا على العمرة، بل كان السؤال عن الحج، ولأنهم قالوا له: ~~" «عمرتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد» ؟ " ولو أرادوا تكرار وجوبها كل عام ~~لقالوا له، كما قالوا له في الحج: أكل عام يا رسول الله؟ ولأجابهم بما ~~أجابهم به في الحج بقوله: " «ذروني ما تركتكم. لو قلت: نعم لوجبت» ". ~~ولأنهم قالوا له: هذه لكم خاصة، فقال: " بل لأبد الأبد ". فهذا السؤال ~~والجواب صريحان في عدم الاختصاص. # الثاني: قوله: إن ذلك إنما يريد به جواز الاعتمار في أشهر الحج، وهذا ~~الاعتراض أبطل من الذي قبله، فإن السائل إنما سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيه عن المتعة التي هي فسخ الحج، لا عن جواز العمرة في أشهر الحج؛ ~~لأنه إنما سأله عقب أمره من لا هدي معه بفسخ الحج، فقال له سراقة حينئذ: ~~هذا لعامنا، أم للأبد؟ فأجابه - صلى الله عليه وسلم - عن نفس ما سأله عنه، ~~لا عما لم يسأله عنه، وفي قوله: " «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» " ~~عقب أمره من لا هدي معه ms0432 بالإحلال، بيان جلي أن ذلك مستمر إلى يوم القيامة، ~~فبطل دعوى الخصوص، وبالله التوفيق. # السادس: أن هذه العلة التي ذكرتموها، ليست في الحديث، ولا فيه إشارة ~~إليها، فإن كانت باطلة بطل اعتراضكم بها، وإن كانت صحيحة، فإنها لا تلزم ~~الاختصاص بالصحابة بوجه، من الوجوه بل إن صحت اقتضت دوام معلولها ~~واستمراره، كما أن الرمل شرع ليري المشركين قوته وقوة أصحابه، واستمرت # PageV02P200 # مشروعيته إلى يوم القيامة، فبطل الاحتجاج بتلك العلة على الاختصاص بهم ~~على كل تقدير. # السابع أن الصحابة - رضي الله عنهم -، إذا لم يكتفوا بالعلم بجواز العمرة ~~في أشهر الحج على فعلهم لها معه ثلاثة أعوام، ولا بإذنه لهم فيها عند ~~الميقات حتى أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فمن بعدهم أحرى أن لا يكتفي بذلك ~~حتى يفسخ الحج إلى العمرة، اتباعا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~واقتداء بأصحابه، إلا أن يقول قائل: إنا نحن نكتفي من ذلك بدون ما اكتفى به ~~الصحابة، ولا نحتاج في الجواز إلى ما احتاجوا هم إليه، وهذا جهل نعوذ بالله ~~منه. # الثامن: أنه لا يظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر أصحابه ~~بالفسخ الذي هو حرام، ليعلمهم بذلك مباحا يمكن تعليمه بغير ارتكاب هذا ~~المحظور، وبأسهل منه بيانا، وأوضح دلالة، وأقل كلفة. # فإن قيل لم يكن الفسخ حين أمرهم به حراما. قيل: فهو إذا إما واجب أو ~~مستحب. # وقد قال بكل واحد منهما طائفة، فمن الذي حرمه بعد إيجابه أو استحبابه، ~~وأي نص أو إجماع رفع هذا الوجوب أو الاستحباب، فهذه مطالبة لا محيص عنها. # التاسع: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " «لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» " أفترى تجدد له - صلى الله عليه ~~وسلم - عند ذلك العلم بجواز العمرة في أشهر الحج، حتى تأسف على فواتها؟ هذا ~~من أعظم المحال. # العاشر: أنه أمر بالفسخ إلى العمرة، من كان أفرد، ومن قرن، ولم يسق ~~الهدي. # ومعلوم: أن القارن قد اعتمر في أشهر الحج مع حجته، فكيف يأمره ms0433 بفسخ قرانه ~~إلى عمرة ليبين له جواز العمرة في أشهر الحج، وقد أتى بها، وضم إليها الحج؟ ~~. ### | [بحث في موافقة فسخ الحج إلى العمرة لقياس الأصول] # الحادي عشر: أن فسخ الحج إلى العمرة، موافق لقياس الأصول، لا # PageV02P201 # مخالف له. ولو لم يرد به النص، لكان القياس يقتضي جوازه، فجاء النص به ~~على وفق القياس، قاله شيخ الإسلام، وقرره بأن المحرم إذا التزم أكثر مما ~~كان لزمه جاز باتفاق الأئمة. # فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج، جاز بلا نزاع، وإذا أحرم بالحج ثم ~~أدخل عليه العمرة لم يجز عند الجمهور، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي في ~~ظاهر مذهبه، وأبو حنيفة يجوز ذلك بناء على أصله في أن القارن يطوف طوافين، ~~ويسعى سعيين. قال وهذا قياس الرواية المحكية عن أحمد في القارن: أنه يطوف ~~طوافين ويسعى سعيين. وإذا كان كذلك فالمحرم بالحج لم يلتزم إلا الحج. # فإذا صار متمتعا، صار ملتزما لعمرة وحج، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما ~~كان عليه فجاز ذلك. # ولما كان أفضل، كان مستحبا، وإنما أشكل هذا على من ظن أنه فسخ حجا إلى ~~عمرة، وليس كذلك فإنه لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة لم يجز بلا ~~نزاع، وإنما الفسخ جائز لمن كان من نيته أن يحج بعد العمرة، والمتمتع من ~~حين يحرم بالعمرة فهو داخل في الحج، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» " ولهذا، يجوز له أن يصوم الأيام ~~الثلاثة من حين يحرم بالعمرة، فدل على أنه في تلك الحال في الحج. وأما ~~إحرامه بالحج بعد ذلك، فكما يبدأ الجنب بالوضوء، ثم يغتسل بعده. # وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل. إذا اغتسل من الجنابة. ~~وقال للنسوة في غسل ابنته: " «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» ". فغسل ~~مواضع الوضوء بعض الغسل. # فإن قيل هذا باطل لثلاثة أوجه. # أحدها: أنه إذا فسخ، استفاد بالفسخ حلا كان ممنوعا منه بإحرامه الأول فهو ~~دون ما التزمه. # PageV02P202 # الثاني: أن النسك ms0434 الذي كان قد التزمه أولا، أكمل من النسك الذي فسخ إليه، ~~ولهذا لا يحتاج الأول إلى جبران، والذي يفسخ إليه، يحتاج إلى هدي جبرانا ~~له، ونسك لا جبران فيه أفضل من نسك مجبور. # الثالث: أنه إذا لم يجز إدخال العمرة على الحج، فلأن لا يجوز إبدالها به ~~وفسخه إليها بطريق الأولى والأحرى. # فالجواب عن هذه الوجوه من طريقين، مجمل ومفصل. # أما المجمل: فهو أن هذه الوجوه اعتراضات على مجرد السنة، والجواب عنها ~~بالتزام تقديم الوحي على الآراء، وأن كل رأي يخالف السنة فهو باطل قطعا، ~~وبيان بطلانه لمخالفة السنة الصحيحة الصريحة له، والآراء تبع للسنة، وليست ~~السنة تبعا للآراء. # وأما المفصل: وهو الذي نحن بصدده فإنا التزمنا أن الفسخ على وفق القياس ~~فلا بد من الوفاء بهذا الالتزام، وعلى هذا فالوجه الأول جوابه: بأن التمتع ~~- وإن تخلله التحلل - فهو أفضل من الإفراد الذي لا حل فيه، لأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من لا هدي معه بالإحرام به، ولأمره أصحابه بفسخ الحج ~~إليه، ولتمنيه أنه كان أحرم به، ولأنه النسك المنصوص عليه في كتاب الله، ~~ولأن الأمة أجمعت على جوازه، بل على استحبابه، واختلفوا في غيره على قولين، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -، غضب حين أمرهم بالفسخ إليه بعد الإحرام ~~بالحج فتوقفوا، ولأنه من المحال قطعا أن تكون حجة قط أفضل من حجة خير ~~القرون وأفضل العالمين مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وقد أمرهم كلهم ~~بأن يجعلوها متعة إلا من ساق الهدي، فمن المحال أن يكون غير هذا الحج أفضل ~~منه، إلا حج من قرن وساق الهدي، كما اختاره الله سبحانه لنبيه، فهذا هو ~~الذي اختاره الله لنبيه واختار لأصحابه التمتع، فأي حج أفضل من هذين. ولأنه ~~من المحال أن ينقلهم من النسك الفاضل إلى المفضول المرجوح، ولوجوه أخر ~~كثيرة # PageV02P203 # ليس هذا موضعها، فرجحان هذا النسك أفضل من البقاء على الإحرام الذي يفوته ~~بالفسخ، وقد تبين بهذا بطلان الوجه الثاني. # وأما قولكم: إنه نسك مجبور بالهدي، فكلام باطل ms0435 من وجوه. # أحدها: أن الهدي في التمتع عبادة مقصودة، وهو من تمام النسك، وهو دم ~~شكران لا دم جبران، وهو بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا ~~اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، فإنه ما ~~تقرب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دم سائل. # وقد روى الترمذي وغيره من حديث أبي بكر الصديق، «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سئل: أي الحج أفضل؟ فقال: " العج والثج» . والعج: رفع الصوت ~~بالتلبية، والثج: إراقة دم الهدي. فإن قيل: يمكن المفرد أن يحصل هذه ~~الفضيلة. قيل: مشروعيتها إنما جاءت في حق القارن والمتمتع، وعلى تقدير ~~استحبابها في حقه، فأين ثوابها من ثواب هدي المتمتع والقارن؟ # الوجه الثاني: إنه لو كان دم جبران، لما جاز الأكل منه، وقد ثبت عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه أكل من هديه، فإنه أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت ~~في قدر، # PageV02P204 # فأكل من لحمها، وشرب من مرقها. وإن كان الواجب عليه سبع بدنة، فإنه أكل ~~من كل بدنة من المائة، والواجب فيها مشاع لم يتعين بقسمة. # وأيضا: فإنه قد ثبت في " الصحيحين ": «أنه أطعم نساءه من الهدي الذي ذبحه ~~عنهن وكن متمتعات» ، احتج به الإمام أحمد، فثبت في " الصحيحين " عن عائشة - ~~رضي الله عنها -، «أنه أهدى عن نسائه، ثم أرسل إليهن من الهدي الذي ذبحه ~~عنهن» . وأيضا: فإن الله سبحانه وتعالى قال فيما يذبح بمنى من الهدي: ~~{فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] [الحج: 28] وهذا يتناول هدي ~~التمتع والقران قطعا إن لم يختص به، فإن المشروع هناك ذبح هدي المتعة ~~والقران. # ومن هاهنا والله أعلم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، من كل بدنة ~~ببضعة، فجعلت في قدر امتثالا لأمر ربه بالأكل ليعم به جميع هديه. # الوجه الثالث: أن سبب الجبران محظور في الأصل، فلا يجوز الإقدام عليه إلا ~~لعذر، فإنه إما ترك واجب، أو فعل محظور، والتمتع مأمور به، إما أمر إيجاب ~~عند طائفة كابن عباس وغيره، أو أمر استحباب ms0436 عند الأكثرين، فلو كان دمه دم ~~جبران، لم يجز الإقدام على سببه بغير عذر، فبطل قولهم إنه دم جبران، وعلم ~~أنه دم نسك، وهذا وسع الله به على عباده، وأباح لهم بسببه التحلل في أثناء ~~الإحرام لما في استمرار الإحرام عليهم من المشقة، فهو بمنزلة القصر والفطر ~~في السفر، وبمنزلة المسح على الخفين، وكان من هدي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهدي أصحابه فعل هذا وهذا، " «والله تعالى يحب أن يؤخذ برخصه، كما ~~يكره أن تؤتى معصيته» ". فمحبته لأخذ العبد بما يسره عليه # PageV02P205 # وسهله له، مثل كراهته منه لارتكاب ما حرمه عليه ومنعه منه. والهدي وإن ~~كان بدلا عن ترفهه بسقوط أحد السفرين، فهو أفضل لمن قدم في أشهر الحج من أن ~~يأتي بحج مفرد ويعتمر عقيبه، والبدل قد يكون واجبا كالجمعة عند من جعلها ~~بدلا، وكالتيمم للعاجز عن استعمال الماء فإنه واجب عليه وهو بدل، فإذا كان ~~البدل قد يكون واجبا، فكونه مستحبا أولى بالجواز وتخلل التحلل لا يمنع أن ~~يكون الجميع عبادة واحدة كطواف الإفاضة، فإنه ركن بالاتفاق، ولا يفعل إلا ~~بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى، وهو يفعل بعد الحل التام، ~~وصوم رمضان يتخلله الفطر في لياليه، ولا يمنع ذلك أن يكون عبادة واحدة. # ولهذا قال مالك وغيره إنه يجزئ بنية واحدة للشهر كله لأنه عبادة واحدة. ~~والله أعلم. # فصل # وأما قولكم إذا لم يجز إدخال العمرة على الحج، فلأن لا يجوز فسخه إليها ~~أولى وأحرى، فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا. وما وجه التلازم بين الأمرين، وما ~~الدليل على هذه الدعوى التي ليس بأيديكم برهان عليها؟ ثم القائل بهذا إن ~~كان من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، فهو غير معترف بفساد هذا القياس. # وإن كان من غيرهم، طولب بصحة قياسه فلا يجد إليه سبيلا، ثم يقال: مدخل ~~العمرة قد نقص مما كان التزمه، فإنه كان يطوف طوافا للحج، ثم طوافا آخر ~~للعمرة. فإذا قرن كفاه طواف واحد وسعي واحد بالسنة الصحيحة وهو قول ~~الجمهور، وقد ms0437 نقص مما كان يلتزمه. # وأما الفاسخ، فإنه لم ينقض مما التزمه، بل نقل نسكه إلى ما هو أكمل منه، ~~وأفضل وأكثر واجبات، فبطل القياس على كل تقدير ولله الحمد. ### | [العودة إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم عند نزوله بذي طوى] # فصل # عدنا إلى سياق حجته - صلى الله عليه وسلم -. ثم نهض - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى أن نزل بذي طوى، وهي # PageV02P206 # المعروفة الآن بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي ~~الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ونهض إلى مكة، فدخلها نهارا من ~~أعلاها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون، وكان في العمرة يدخل من ~~أسفلها، وفي الحج دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد ~~وذلك ضحى. # وذكر الطبراني، أنه دخله من باب بني عبد مناف، الذي يسميه الناس اليوم ~~باب بني شيبة. # وذكر الإمام أحمد: أنه كان إذا دخل مكانا من دار يعلى، استقل البيت فدعا. # وذكر الطبراني: أنه «كان إذا نظر إلى البيت قال اللهم زد بيتك هذا ~~تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة» . وروي عنه، أنه كان عند رؤيته يرفع ~~يديه ويكبر ويقول: " «اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام، ~~اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من حجه، أو ~~اعتمره تكريما، وتشريفا، وتعظيما، وبرا» "، وهو مرسل ولكن سمع هذا سعيد بن ~~المسيب من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقوله. # PageV02P207 # فلما دخل المسجد عمد إلى البيت، ولم يركع تحية المسجد، فإن تحية المسجد ~~الحرام الطواف، فلما حاذى الحجر الأسود، استلمه ولم يزاحم عليه، ولم يتقدم ~~عنه إلى جهة الركن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل نويت بطوافي هذا ~~الأسبوع كذا وكذا، ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله من لا علم عنده، بل هو من ~~البدع المنكرات، ولا حاذى الحجر الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على ~~شقه بل استقبله، واستلمه، ثم أخذ عن يمينه وجعل البيت عن يساره، ولم يدع ~~عند الباب بدعاء ولا تحت ms0438 الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقت ~~للطواف ذكرا معينا، لا بفعله ولا بتعليمه بل حفظ عنه بين الركنين: {ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] ورمل ~~في طوافه هذا الثلاثة الأشواط الأول، وكان يسرع في مشيه، ويقارب بين خطاه، ~~واضطبع بردائه، فجعل طرفيه على أحد كتفيه، وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه، وكلما ~~حاذى الحجر الأسود، أشار إليه أو استلمه بمحجنه، وقبل المحجن، والمحجن: عصا ~~محنية الرأس وثبت عنه أنه استلم الركن اليماني. ولم يثبت عنه أنه قبله، ولا ~~قبل يده عند استلامه، وقد روى الدارقطني: عن ابن عباس، «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - (يقبل الركن اليماني، ويضع خده عليه» ) ، وفيه عبد ~~الله بن مسلم بن هرمز، قال الإمام أحمد: صالح الحديث وضعفه غيره. # ولكن المراد بالركن اليماني هاهنا، الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن ~~اليماني، ويقال له مع الركن الآخر اليمانيان، # PageV02P208 # ويقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيان؛ ويقال ~~للركنين اللذين يليان الحجر: الشاميان. ويقال للركن اليماني، والذي يلي ~~الحجر من ظهر الكعبة: الغربيان، ولكن ثبت عنه أنه قبل الحجر الأسود، وثبت ~~عنه أنه استلمه بيده فوضع يده عليه ثم قبلها، وثبت عنه أنه استلمه بمحجن، ~~فهذه ثلاث صفات، وروي عنه أيضا، أنه وضع شفتيه عليه طويلا يبكي. # وذكر الطبراني عنه بإسناد جيد: «أنه كان إذا استلم الركن اليماني، قال: " ~~بسم الله والله أكبر» . # «وكان كلما أتى على الحجر الأسود قال: " الله أكبر» . # وذكر أبو داود الطيالسي، وأبو عاصم النبيل، عن جعفر بن عبد الله بن ~~عثمان، «قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال رأيت ~~ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد ~~عليه، ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل هكذا ففعلت» . # وروى البيهقي عن ابن عباس: أنه قبل الركن اليماني، ثم سجد عليه ثم قبله، ~~ثم سجد عليه ثلاث مرات. # وذكر أيضا ms0439 عنه قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد على الحجر» . # PageV02P209 # ولم يستلم - صلى الله عليه وسلم - ولم يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط، ~~قال الشافعي - رحمه الله -: ولم يدع أحد استلامهما هجرة لبيت الله، ولكن ~~استلم ما استلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمسك عما أمسك عنه. ### | [فصل صلاته صلى الله عليه وسلم خلف المقام] # فصل # فلما فرغ من طوافه، جاء إلى خلف المقام فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} [البقرة: 125] [البقرة 125] ، فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ~~قرأ فيهما بعد الفاتحة بسورتي الإخلاص وقراءته الآية المذكورة بيان منه ~~لتفسير القرآن، ومراد الله منه بفعله - صلى الله عليه وسلم -، فلما فرغ من ~~صلاته أقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا من الباب الذي ~~يقابله، فلما قرب منه. قرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: ~~158] [البقرة 159] أبدأ بما بدأ الله به، وفي رواية النسائي: " ابدءوا " ~~بصيغة الأمر، «ثم رقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، ~~وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل ~~شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ~~". ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات. # وقام ابن مسعود على الصدع، وهو الشق الذي في الصفا، فقيل له: هاهنا يا ~~أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة ~~البقرة. ذكره البيهقي. # PageV02P210 # ثم نزل إلى المروة يمشي، فلما انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا ~~جاوز الوادي وأصعد، مشى، هذا الذي صح عنه، وذلك اليوم قبل الميلين الأخضرين ~~في أول المسعى وآخره. # والظاهر: أن الوادي لم يتغير عن وضعه هكذا قال جابر عنه في " صحيح مسلم ~~"، وظاهر هذا: أنه كان ماشيا، وقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي الزبير، ~~أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: «طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة ~~الوداع على راحلته بالبيت وبين ms0440 الصفا والمروة؛ ليراه الناس، وليشرف، ~~وليسألوه، فإن الناس قد غشوه» . # وروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر: «لم يطف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول» . # قال ابن حزم: لا تعارض بينهما ; لأن الراكب إذا انصب به بعيره، فقد انصب ~~كله، وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده. # وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسن من هذا، وهو أنه سعى ماشيا أولا، ثم ~~أتم سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرحا به، ففي " صحيح مسلم ": «عن أبي الطفيل، ~~قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ ~~فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قال: قلت: ما قولك: صدقوا ~~وكذبوا؟ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثر عليه الناس، يقولون ~~هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، قال: وكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يضرب الناس بين يديه. قال: فلما كثر عليه ركب، والمشي ~~والسعي أفضل» . # PageV02P211 ### | [فصل طواف القدوم] # فصل # وأما طوافه بالبيت عند قدومه، فاختلف فيه، هل كان على قدميه، أو كان ~~راكبا؟ . # ففي " صحيح مسلم ": عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: «طاف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره، يستلم الركن كراهية ~~أن يضرب عنه الناس» . # وفي " سنن أبي داود ": عن ابن عباس، قال: «قدم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلما أتى على الركن استلمه بمحجن، ~~فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين» ، قال أبو الطفيل: «رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يطوف حول البيت على بعيره يستلم الحجر بمحجنه، ثم يقبله» ~~، رواه مسلم دون ذكر البعير، وهو عند البيهقي، بإسناد مسلم بذكر البعير، ~~وهذا والله أعلم في طواف الإفاضة لا في طواف القدوم، فإن جابرا حكى عنه ~~الرمل في الثلاثة الأول وذلك لا يكون إلا مع المشي. # قال الشافعي - رحمه الله -: أما سبعه الذي طافه لمقدمه، فعلى قدميه؛ ms0441 لأن ~~جابرا حكى عنه فيه: أنه رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، فلا يجوز أن يكون جابر ~~يحكي عنه الطواف ماشيا وراكبا في سبع واحد، وقد حفظ أن سبعه الذي ركب فيه ~~في طوافه يوم النحر. # ثم ذكر الشافعي: عن ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه، «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يهجروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلا ~~على راحلته يستلم الركن بمحجنه، أحسبه قال: فيقبل طرف المحجن» . # PageV02P212 # قلت: هذا مع أنه مرسل، فهو خلاف ما رواه جابر عنه في " الصحيح " أنه طاف ~~طواف الإفاضة يوم النحر نهارا، وكذلك روت عائشة وابن عمر، كما سيأتي. # وقول ابن عباس: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة وهو يشتكي، ~~فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلمه» ، هذا إن كان محفوظا، فهو في إحدى ~~عمره، وإلا فقد صح عنه الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول ~~كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فإن من رمل على بعيره فقد ~~رمل، لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم. والله ~~أعلم. ### | [غلط ابن حزم وبيان أنه لم يحج] # فصل # وقال ابن حزم: وطاف - صلى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروة أيضا سبعا، ~~راكبا على بعيره يخب ثلاثا، ويمشي أربعا، وهذا من أوهامه وغلطه - رحمه الله ~~-، فإن أحدا لم يقل هذا قط غيره، ولا رواه أحد عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - البتة. وهذا إنما هو في الطواف بالبيت، فغلط أبو محمد ونقله إلى ~~الطواف بين الصفا والمروة. # وأعجب من ذلك استدلاله عليه بما رواه من طريق البخاري، عن ابن عمر، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم ~~خب ثلاثة أطواف، ومشى أربعا، فركع حين قضى طوافه بالبيت، وصلى عند المقام ~~ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط» . . ~~وذكر باقي الحديث. قال: ولم نجد عدد الرمل بين الصفا ms0442 والمروة منصوصا، ولكنه ~~متفق عليه. هذا لفظه. # قلت: المتفق عليه: السعي في بطن الوادي في الأشواط كلها. وأما الرمل في ~~الثلاثة الأول خاصة، فلم يقله، ولا نقله فيما نعلم غيره. وسألت شيخنا عنه، ~~فقال: هذا من أغلاطه، وهو لم يحج - رحمه الله - تعالى. # ويشبه هذا الغلط غلط من قال إنه سعى أربع عشرة مرة، وكان يحتسب # PageV02P213 # بذهابه ورجوعه مرة واحدة، وهذا غلط عليه - صلى الله عليه وسلم -، لم ~~ينقله عند أحد، ولا قاله أحد من الأئمة الذين اشتهرت أقوالهم، وإن ذهب إليه ~~بعض المتأخرين من المنتسبين إلى الأئمة، ومما يبين بطلان هذا القول، أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لا خلاف عنه أنه ختم سعيه بالمروة، ولو كان الذهاب ~~والرجوع مرة واحدة، لكان ختمه إنما يقع على الصفا. # وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا وصل إلى المروة، رقي عليها، واستقبل ~~البيت، وكبر الله، ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند ~~المروة، أمر كل من لا هدي معه أن يحل حتما، ولا بد قارنا كان أو مفردا، ~~وأمرهم أن يحلوا الحل كله من وطء النساء، والطيب، ولبس المخيط، وأن يبقوا ~~كذلك إلى يوم التروية، ولم يحل هو من أجل هديه، وهناك قال: " «لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» ". # وقد روي أنه أحل هو أيضا، وهو غلط قطعا، قد بيناه فيما تقدم. # وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة، وهناك سأله سراقة بن ~~مالك بن جعشم عقيب أمره لهم بالفسخ والإحلال: هل ذلك لعامهم خاصة، أم ~~للأبد؟ فقال: " بل للأبد ". ولم يحل أبو بكر، ولا عمر، ولا علي ولا طلحة، ~~ولا الزبير من أجل الهدي. # وأما نساؤه - صلى الله عليه وسلم - فأحللن، وكن قارنات، إلا عائشة فإنها ~~لم تحل من أجل تعذر الحل عليها لحيضها، وفاطمة حلت؛ لأنها لم يكن معها هدي، ~~وعلي - رضي الله عنه - لم يحل من أجل هديه، وأمر - صلى الله عليه وسلم - من ~~أهل بإهلال كإهلاله أن يقيم على إحرامه إن ms0443 كان معه هدي، وأن يحل إن لم يكن ~~معه هدي. # وكان يصلي مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه # PageV02P214 # بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد ~~والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فلما كان يوم الخميس ضحى، توجه بمن معه من ~~المسلمين إلى منى، فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم، ولم يدخلوا إلى ~~المسجد فأحرموا منه، بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم، فلما وصل إلى منى نزل بها، ~~وصلى بها الظهر والعصر وبات بها، وكان ليلة الجمعة فلما طلعت الشمس سار ~~منها إلى عرفة، وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم، وكان من ~~أصحابه الملبي، ومنهم المكبر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على ~~هؤلاء، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره، وهي قرية شرقي عرفات، وهي خراب ~~اليوم، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس، أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى ~~أتى بطن الوادي من أرض عرنة، فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة، قرر ~~فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها تحريم ~~المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء، والأموال، والأعراض، ~~ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله، وأبطله، ~~وأوصاهم بالنساء خيرا، وذكر الحق، الذي لهن، والذي عليهن، وأن الواجب لهن ~~الرزق، والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك بتقدير، وأباح للأزواج ضربهن إذا ~~أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن، وأوصى الأمة فيها بالاعتصام بكتاب ~~الله، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون ~~عنه، واستنطقهم: بماذا يقولون، وبماذا يشهدون، فقالوا: نشهد أنك قد بلغت، ~~وأديت، ونصحت فرفع أصبعه إلى السماء، واستشهد الله عليهم ثلاث مرات، وأمرهم ~~أن يبلغ شاهدهم غائبهم. # PageV02P215 # قال ابن حزم: وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله ~~بن عباس، بقدح لبن فشربه أمام الناس، وهو على بعيره، فلما أتم الخطبة أمر ~~بلالا فأقام الصلاة، وهذا من وهمه - رحمه الله ms0444 -، فإن قصة شربه اللبن إنما ~~كانت بعد هذا، حين سار إلى عرفة، ووقف بها هكذا جاء في " الصحيحين " مصرحا ~~به عن ميمونة: أن الناس شكوا في صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~عرفة، فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف، فشرب منه، والناس ينظرون. وفي ~~لفظ، وهو واقف بعرفة. # وموضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنه خطب بعرنة، وليست من الموقف، وهو - ~~صلى الله عليه وسلم -، نزل بنمرة، وخطب بعرنة، ووقف بعرفة، وخطب خطبة ~~واحدة، ولم تكن خطبتين، جلس بينهما، فلما أتمها أمر بلالا فأذن، ثم أقام ~~الصلاة، فصلى الظهر ركعتين، أسر فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة، فدل على ~~أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا، ومعه أهل مكة، ~~وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام، ولا بترك الجمع، ~~ومن قال: إنه قال لهم: " «أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر» " فقد غلط فيه غلطا ~~بينا، ووهم وهما قبيحا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة، حيث ~~كانوا في ديارهم مقيمين. # ولهذا كان أصح أقوال العلماء: إن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة، كما ~~فعلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا أوضح دليل على أن سفر # PageV02P216 # القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر ~~الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعله الله سببا وهو السفر، هذا مقتضى ~~السنة، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. # فلما فرغ من صلاته، ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات، ~~واستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره فأخذ في الدعاء، ~~والتضرع، والابتهال إلى غروب الشمس، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة، ~~وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك، بل قال: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ~~". # وأرسل إلى الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنها من إرث # PageV02P217 # أبيهم إبراهيم، وهنالك أقبل ناس من أهل نجد، فسألوه عن الحج، فقال: " ~~«الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح ms0445 من ليلة جمع، تم حجه، أيام منى ثلاثة، ~~فمن تعجل في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه» ". # وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره كاستطعام المسكين، وأخبرهم أن خير ~~الدعاء دعاء يوم عرفة. # وذكر من دعائه - صلى الله عليه وسلم - في الموقف: «اللهم لك الحمد كالذي ~~نقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، وإليك مآبي، ~~ولك ربي تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات ~~الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح» " ذكره الترمذي. # PageV02P218 # ومما ذكر من دعائه هناك: " «اللهم تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري ~~وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث، ~~المستجير، والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، ~~وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك ~~رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب ~~شقيا، وكن بي رءوفا رحيما، يا خير المسئولين، ويا خير المعطين» ". ذكره ~~الطبراني. # وذكر الإمام أحمد: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال كان أكثر ~~دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة: " «لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير» ". # وذكر البيهقي من حديث علي - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ( «أكثر دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير اللهم اجعل في قلبي ~~نورا، وفي صدري نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ~~ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم ~~إني أعوذ بك # PageV02P219 # من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح وشر ~~بوائق الدهر» ) . # وأسانيد هذه الأدعية فيها لين. # وهناك أنزلت عليه: {اليوم ms0446 أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} [المائدة: 3] [المائدة 3] . # وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته، وهو محرم، فمات، فأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء، ~~وسدر، ولا يغطى رأسه، ولا وجهه، وأخبر أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ~~يلبي. # وفي هذه القصة اثنا عشر حكما. # الأول: وجوب غسل الميت لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به. # الحكم الثاني: أنه لا ينجس بالموت؛ لأنه لو نجس بالموت لم يزده غسله إلا ~~نجاسة؛ لأن نجاسة الموت للحيوان عينية، فإن ساعد المنجسون على أنه يطهر ~~بالغسل، بطل أن يكون نجسا بالموت، وإن قالوا: لا يطهر، لم يزد الغسل أكفانه ~~وثيابه وغاسله إلا نجاسة. # PageV02P220 # الحكم الثالث: أن المشروع في حق الميت، أن يغسل بماء وسدر، لا يقتصر به ~~على الماء وحده، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسدر في ثلاثة ~~مواضع هذا أحدها، والثاني: في غسل ابنته بالماء والسدر، والثالث: في غسل ~~الحائض. # وفي وجوب السدر في حق الحائض قولان في مذهب أحمد. # الحكم الرابع: أن تغير الماء بالطاهرات لا يسلبه طهوريته، كما هو مذهب ~~الجمهور، وهو أنص الروايتين عن أحمد، وإن كان المتأخرون من أصحابه على ~~خلافها، ولم يأمر بغسله بعد ذلك بماء قراح، بل أمر في غسل ابنته أن يجعلن ~~في الغسلة الأخيرة شيئا من الكافور، ولو سلبه الطهورية، لنهى عنه، وليس ~~القصد مجرد اكتساب الماء من رائحته حتى يكون تغير مجاورة، بل هو تطييب ~~البدن، وتصليبه، وتقويته، وهذا إنما يحصل بكافور مخالط لا مجاور. # الحكم الخامس: إباحة الغسل للمحرم، وقد تناظر في هذا عبد الله بن عباس، ~~والمسور بن مخرمة، ففصل بينهما أبو أيوب الأنصاري، بأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - اغتسل وهو محرم، واتفقوا على أنه يغتسل من الجنابة ولكن # PageV02P221 # كره مالك - رحمه الله - أن يغيب رأسه في الماء؛ لأنه نوع ستر له، والصحيح ~~أنه لا بأس به فقد فعله عمر بن الخطاب ms0447 وابن عباس. # الحكم السادس: أن المحرم غير ممنوع من الماء والسدر، وقد اختلف في ذلك، ~~فأباحه الشافعي، وأحمد في أظهر الروايتين عنه ومنع منه مالك، وأبو حنيفة، ~~وأحمد في رواية ابنه صالح عنه. قال: فإن فعل أهدى، وقال صاحبا أبي حنيفة: ~~إن فعل فعليه صدقة. # وللمانعين ثلاث علل. # إحداها: أنه يقتل الهوام من رأسه، وهو ممنوع من التفلي. # الثانية: أنه ترفه، وإزالة شعث ينافي الإحرام. # الثالثة: أنه يستلذ رائحته، فأشبه الطيب ولا سيما الخطمي. والعلل الثلاث ~~واهية جدا، والصواب جوازه للنص، ولم يحرم الله ورسوله على المحرم إزالة ~~الشعث بالاغتسال، ولا قتل القمل، وليس السدر من الطيب في شيء. # الحكم السابع: أن الكفن مقدم على الميراث، وعلى الدين؛ لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أمر أن يكفن في ثوبيه، ولم يسأل عن وارثه، ولا عن دين ~~عليه. ولو اختلف الحال، لسأل. # وكما أن كسوته في الحياة مقدمة على قضاء دينه، فكذلك بعد الممات، هذا ~~كلام الجمهور، وفيه خلاف شاذ لا يعول عليه. # الحكم الثامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين، وهما إزار ورداء، وهذا ~~قول الجمهور. وقال القاضي أبو يعلى: لا يجوز أقل من ثلاثة أثواب عند ~~القدرة؛ لأنه لو جاز الاقتصار على ثوبين لم يجز التكفين بالثلاثة لمن له ~~أيتام والصحيح: خلاف قوله، وما ذكره ينقض بالخشن مع الرفيع. # الحكم التاسع: أن المحرم ممنوع من الطيب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى أن يمس # PageV02P222 # طيبا، مع شهادته له أنه يبعث ملبيا، وهذا هو الأصل في منع المحرم من ~~الطيب. # وفي " الصحيحين ": من حديث ابن عمر " «لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه ورس ~~أو زعفران» ". # وأمر الذي أحرم في جبة بعد ما تضمخ بالخلوق، أن تنزع عنه الجبة، ويغسل ~~عنه أثر الخلوق. فعلى هذه الأحاديث الثلاثة مدار منع المحرم من الطيب. ~~وأصرحها: هذه القصة، فإن النهي في الحديثين الأخيرين إنما هو عن نوع خاص من ~~الطيب لا سيما الخلوق، فإن النهي عنه عام في الإحرام وغيره. # وإذا كان ms0448 النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يقرب طيبا، أو يمس به ~~تناول ذلك الرأس والبدن والثياب وأما شمه من غير مس فإنما حرمه من حرمه ~~بالقياس، وإلا فلفظ النهي لا يتناوله بصريحه ولا إجماع معلوم فيه، يجب ~~المصير إليه، ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل، فإن شمه يدعو إلى ملامسته ~~في البدن والثياب، كما يحرم النظر إلى الأجنبية؛ لأنه وسيلة إلى غيره، وما ~~حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للحاجة، أو المصلحة الراجحة، كما يباح النظر ~~إلى الأمة المستامة، والمخطوبة، ومن شهد عليها، أو يعاملها، أو يطبها. # وعلى هذا، فإنما يمنع المحرم من قصد شم الطيب للترفه، واللذة، فأما إذا ~~وصلت الرائحة إلى أنفه من غير قصد منه، أو شمه قصدا لاستعلامه عند شرائه، ~~لم يمنع منه، ولم يجب عليه سد أنفه، فالأول بمنزلة نظر الفجأة، والثاني: ~~بمنزلة نظر المستام والخاطب، ومما يوضح هذا، أن الذين أباحوا للمحرم ~~استدامة الطيب قبل الإحرام منهم من صرح بإباحة تعمد شمه بعد الإحرام، صرح ~~بذلك أصحاب أبي حنيفة فقالوا: في"جوامع الفقه" لأبي يوسف: لا بأس بأن يشم ~~طيبا تطيب به قبل إحرامه، قال: # PageV02P223 # صاحب " المفيد ": إن الطيب يتصل به فيصير تبعا له؛ ليدفع به أذى التعب ~~بعد إحرامه، فيصير كالسحور في حق الصائم، يدفع به أذى الجوع والعطش في ~~الصوم، بخلاف الثوب فإنه بائن عنه. # وقد اختلف الفقهاء، هل هو ممنوع من استدامته كما هو ممنوع من ابتدائه أو ~~يجوز له استدامته؟ على قولين. # فمذهب الجمهور: جواز استدامته اتباعا لما ثبت بالسنة الصحيحة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتطيب قبل إحرامه، ثم يرى وبيص الطيب في ~~مفارقه بعد إحرامه، وفي لفظ "وهو يلبي" وفي لفظ " بعد ثلاث ". وكل هذا يدفع ~~التأويل الباطل الذي تأوله من قال: إن ذلك كان قبل الإحرام فلما اغتسل ذهب ~~أثره. وفي لفظ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يحرم ~~تطيب بأطيب ما يجد، ثم يرى، وبيص الطيب في رأسه، ولحيته ms0449 بعد ذلك» ، ولله ما ~~يصنع التقليد، ونصرة الآراء بأصحابه. # وقال آخرون منهم: إن ذلك كان مختصا به، ويرد هذا أمران، أحدهما: أن دعوى ~~الاختصاص لا تسمع إلا بدليل. # والثاني: ما رواه أبو داود، عن عائشة، ( «كنا نخرج مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام، فإذا ~~عرقت إحدانا، سال على وجهها، فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ~~ينهانا» ) . # PageV02P224 # الحكم العاشر: أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه، والمراتب فيه ثلاث: ممنوع ~~منه بالاتفاق، وجائز بالاتفاق، ومختلف فيه، فالأول: كل متصل ملامس يراد ~~لستر الرأس، كالعمامة، والقبعة، والطاقية، والخوذة وغيرها. # والثاني: كالخيمة، والبيت والشجرة، ونحوها، وقد صح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه ضربت له قبة بنمرة وهو محرم، إلا أن مالكا منع المحرم أن ~~يضع ثوبه على شجرة؛ ليستظل به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابه المحرم أن ~~يمشي في ظل المحمل. # والثالث: كالمحمل، والمحارة، والهودج، فيه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو قول ~~الشافعي، وأبي حنيفة - رحمهما الله -، والثاني: المنع. فإن فعل افتدى، وهو ~~مذهب مالك - رحمه الله -. والثالث: المنع فإن فعل فلا فدية عليه، والثلاثة ~~روايات عن أحمد - رحمه الله -. # الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه، وقد اختلف في هذه المسألة، ~~فمذهب الشافعي، وأحمد في رواية إباحته ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في ~~رواية المنع، منه وبإباحته قال ستة من الصحابة عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ~~وزيد بن ثابت، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر - رضي الله عنهم -. وفيه ~~قول ثالث شاذ: إن كان حيا، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتا، لم يجز تغطية ~~وجهه، قاله ابن حزم، وهو اللائق بظاهريته. # واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: " ~~«ولا تخمروا رأسه» " وأجابوا عن قوله: " «ولا تخمروا وجهه» " بأن هذه ~~اللفظة غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألته عنه بعد عشر ~~سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلا أنه قال: " «لا تخمروا رأسه، ولا وجهه» " ~~قالوا: # PageV02P225 # وهذا يدل على ms0450 ضعفها. قالوا: وقد روي في هذا الحديث " «خمروا وجهه، ولا ~~تخمروا رأسه» ". # الحكم الثاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت، وأنه لا ينقطع به، وهذا مذهب ~~عثمان، وعلي، وابن عباس، وغيرهم - رضي الله عنهم -، وبه قال أحمد، ~~والشافعي، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: ينقطع الإحرام ~~بالموت، ويصنع به كما يصنع بالحلال، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «إذا ~~مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث» ". # قالوا: ولا دليل في حديث الذي وقصته راحلته؛ لأنه خاص به، كما قالوا في ~~صلاته على النجاشي: إنها مختصة به. # PageV02P226 # قال الجمهور: دعوى التخصيص على خلاف الأصل، فلا تقبل، وقوله في الحديث: " ~~«فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» "، إشارة إلى العلة. فلو كان مختصا به لم ~~يشر إلى العلة، ولا سيما إن قيل: لا يصح التعليل بالعلة القاصرة. وقد قال ~~نظير هذا في شهداء أحد، فقال: " «زملوهم في ثيابهم، بكلومهم، فإنهم يبعثون ~~يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك» ". وهذا غير مختص بهم وهو ~~نظير قوله: " «كفنوه في ثوبيه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» " ولم تقولوا: ~~إن هذا خاص بشهداء أحد فقط، بل عديتم الحكم إلى سائر الشهداء مع إمكان ما ~~ذكرتم من التخصيص فيه. وما الفرق؟ وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الموضعين واحدة، وأيضا: فإن هذا الحديث موافق لأصول الشرع والحكمة التي رتب ~~عليها المعاد، فإن العبد يبعث على ما مات عليه، ومن مات على حالة بعث عليها ~~فلو لم يرد هذا الحديث، لكانت أصول الشرع شاهدة به. والله أعلم. ### | [متابعة سياق حجته صلى الله عليه وسلم] # فصل # عدنا إلى سياق حجته - صلى الله عليه وسلم -. # فلما غربت الشمس، واستحكم غروبها، بحيث ذهبت الصفرة، أفاض من عرفة، وأردف ~~أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة، وضم إليه زمام ناقته، حتى إن رأسها ~~ليصيب طرف رحله وهو يقول: " «أيها الناس عليكم السكينة، فإن البر ليس ~~بالإيضاع» " أي: ليس بالإسراع. # PageV02P227 # وأفاض من طريق المأزمين، ودخل عرفة من طريق ضب، وهكذا كانت عادته - صلوات ~~الله عليه وسلامه ms0451 -في الأعياد، أن يخالف الطريق، وقد تقدم حكمة ذلك عند ~~الكلام على هديه في العيد. # ثم جعل يسير العنق، وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء. فإذا وجد ~~فجوة وهو المتسع، نص سيره، أي: رفعه فوق ذلك، وكلما أتى ربوة من تلك الربى، ~~أرخى للناقة زمامها قليلا حتى تصعد. # وكان يلبي في مسيره ذلك، لم يقطع التلبية. فلما كان في أثناء الطريق نزل ~~- صلوات الله وسلامه عليه - فبال، وتوضأ، وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: ~~الصلاة يا رسول الله، فقال: " «الصلاة - أو المصلى - أمامك» ". # ثم سار حتى أتى المزدلفة، فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان، فأذن ~~المؤذن، ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا ~~رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى عشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل ~~بينهما شيئا، وقد روي: أنه صلاهما بأذانين وإقامتين، وروي بإقامتين بلا ~~أذان، والصحيح: أنه صلاهما بأذان وإقامتين، كما فعل بعرفة. # ثم نام حتى أصبح، ولم يحي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين ~~شيء. # PageV02P228 ### | [رمي الجمار قبل الفجر] # " «وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، ~~وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس» ~~"حديث صحيح صححه الترمذي وغيره. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها -: «أرسل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بأم سلمة ليلة # PageV02P229 # النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت» ، وكان ذلك اليوم الذي ~~يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعني عندها، رواه أبو داود، فحديث ~~منكر، أنكره الإمام أحمد وغيره. ومما يدل على إنكاره أن فيه أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وفي ~~رواية: " توافيه بمكة " وكان يومها، فأحب أن توافيه، وهذا من المحال قطعا. # قال الأثرم: قال لي أبو عبد الله: حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، ~~عن زينب بنت أم سلمة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافيه ms0452 يوم ~~النحر بمكة، لم يسنده غيره، وهو خطأ. # وقال وكيع: عن أبيه مرسلا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن ~~توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، أو نحو هذا، وهذا أعجب أيضا، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم النحر وقت الصبح ما يصنع بمكة؟ ينكر ذلك. قال: ~~فجئت إلى يحيى بن سعيد، فسألته، فقال: عن هشام عن أبيه: " أمرها أن توافي " ~~وليس " توافيه " قال: وبين ذين فرق. قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن عنه، ~~فسألته، فقال هكذا سفيان، عن هشام، عن أبيه. قال الخلال: سها الأثرم في ~~حكايته عن وكيع "توافيه"، وإنما قال وكيع: توافي منى. وأصاب في قوله: " ~~توافي " كما قال أصحابه، وأخطأ في قوله: " منى ". # قال الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هارون بن عمران، عن # PageV02P230 # سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، ~~قالت: «قدمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدم من أهله ليلة ~~المزدلفة. قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى ~~منى.» # قلت: سليمان بن أبي داود هذا: هو الدمشقي الخولاني، ويقال: ابن داود. قال ~~أبو زرعة، عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء. وقال عثمان بن سعيد: ~~ضعيف. # قلت: ومما يدل على بطلانه، ما ثبت في " الصحيحين "، عن القاسم بن محمد، ~~عن عائشة، قالت استأذنت سودة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~المزدلفة، أن تدفع قبله، وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة، قالت فأذن ~~لها، فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتى أصبحنا، فدفعنا بدفعه، ولأن أكون استأذنت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة أحب إلي من مفروح به، ~~فهذا الحديث الصحيح، يبين أن نساءه غير سودة، إنما دفعن معه. # فإن قيل: فما تصنعون بحديث عائشة الذي رواه الدارقطني وغيره عنها، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " «أمر نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع، ~~فيرمين الجمرة، ثم تصبح في منزلها، وكانت تصنع ذلك ms0453 حتى ماتت» ". # قيل: يرده محمد بن حميد أحد رواته، كذبه غير واحد. ويرده أيضا: # PageV02P231 # حديثها الذي في " الصحيحين " وقولها: وددت إني كنت استأذنت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، كما استأذنته سودة. # وإن قيل: فهب أنكم يمكنكم رد هذا الحديث، فما تصنعون بالحديث الذي رواه ~~مسلم في "صحيحه"، عن أم حبيبة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعث ~~بها من جمع بليل. قيل قد ثبت في " الصحيحين" «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قدم تلك الليلة ضعفة أهله» ، وكان ابن عباس فيمن قدم. وثبت أنه قدم ~~سودة، وثبت أنه حبس نساءه عنده حتى دفعن بدفعه. وحديث أم حبيبة، انفرد به ~~مسلم. فإن كان محفوظا، فهي إذا من الضعفة التي قدمها. # فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الإمام أحمد، عن ابن عباس، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث به مع أهله إلى منى يوم النحر، فرموا الجمرة مع ~~الفجر، قيل: نقدم عليه حديثه الآخر الذي رواه أيضا الإمام أحمد، والترمذي ~~وصححه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله، وقال: " «لا ترموا ~~الجمرة حتى تطلع الشمس» " ولفظ أحمد فيه: قدمنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطح أفخاذنا ~~ويقول: " «أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» " لأنه أصح منه، وفيه ~~نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس، وهو محفوظ ~~بذكر القصة فيه. # والحديث الآخر: إنما فيه: أنهم رموها مع الفجر، ثم تأملنا فإذا أنه لا ~~تعارض بين هذه الأحاديث، فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع ~~الشمس، فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل # PageV02P232 # طلوع الشمس للعذر، والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت ~~عليه السنة، جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض، أو كبر يشق عليه مزاحمة ~~الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك. # وفي المسألة ثلاثة ms0454 مذاهب، أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقا للقادر ~~والعاجز، كقول الشافعي وأحمد - رحمهما الله -. # والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر كقول أبي حنيفة - رحمه الله -. # والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، كقول جماعة من أهل ~~العلم. والذي دلت عليه السنة، إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف ~~الليل، وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم. ### | [ركنية الوقوف بمزدلفة والمبيت بها] # فصل # فلما طلع الفجر، صلاها في أول الوقت لا قبله قطعا بأذان وإقامة يوم ~~النحر، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ~~ورسوله، من كل مشرك. # ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء ~~والتضرع، والتكبير، والتهليل، والذكر حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس. # وهنالك سأله عروة بن مضرس الطائي، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -! إني جئت من جبلي طيئ، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من ~~جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو ~~نهارا، فقد أتم حجه، وقضى تفثه» " قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # PageV02P233 # وبهذا احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها، ركن كعرفة، وهو ~~مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير - رضي الله عنهما -، وإليه ~~ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، ~~وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلام، واختاره ~~المحمدان: ابن جرير، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية، ولهم ثلاث حجج. ~~هذه إحداها، والثانية: قوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ~~[البقرة: 198] [البقرة 198] . # والثالثة: فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي خرج مخرج البيان ~~لهذا الذكر المأمور به. # واحتج من لم يره ركنا، بأمرين: # أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع ~~الفجر، وهذا يقتضي أن من ms0455 وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان، صح حجه، ولو ~~كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يصح حجه. # الثاني: أنه لو كان ركنا، لاشترك فيه الرجال والنساء، فلما قدم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - النساء بالليل، علم أنه ليس بركن، وفي الدليلين ~~نظر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قدمهن بعد المبيت بمزدلفة، ~~وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة، والواجب هو ذلك. وأما توقيت الوقوف ~~بعرفة إلى الفجر، فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة ركنا، وتكون تلك الليلة ~~وقتا لهما كوقت المجموعتين من الصلوات، وتضييق الوقت لأحدهما لا يخرجه عن ~~أن يكون وقتا لهما حال القدرة. # PageV02P234 ### | [قصة الفضل مع الخثعمية] # فصل # وقف - صلى الله عليه وسلم - في موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف، ~~ثم سار من مزدلفة مردفا للفضل بن عباس وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة بن ~~زيد على رجليه في سباق قريش. # وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار، سبع حصيات، ولم ~~يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل، ~~فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: " «بأمثال ~~هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في ~~الدين» ". # وفي طريقه تلك، عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها، ~~وكان شيخا كبيرا، لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، وجعل الفضل ~~ينظر إليها وتنظر إليه فوضع يده على وجهه وصرفه إلى الشق الآخر، وكان الفضل ~~وسيما، فقيل: صرف وجهه عن نظرها إليه. وقيل: صرفه عن نظره إليها، والصواب: ~~إنه فعله للأمرين، فإنه في القصة جعل ينظر إليها وتنظر إليه. # PageV02P235 # وسأله آخر هنالك عن أمه، فقال إنها عجوز كبيرة، فإن حملتها لم تستمسك، ~~وإن ربطتها خشيت أن أقتلها، فقال: " «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ ~~قال: نعم. قال: فحج عن أمك» ". # فلما أتى بطن محسر، حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت ms0456 عادته في المواضع ~~التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله ~~علينا، ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر؛ لأن الفيل حسر فيه، أي أعيي وانقطع ~~عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود، فإنه تقنع بثوبه، ~~وأسرع السير. # ومحسر: برزخ بين منى وبين مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه. # وعرنة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما. # فمنى: من # PageV02P236 # الحرم، وهي مشعر، ومحسر: من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة: حرم ومشعر، ~~وعرنة ليست مشعرا، وهي من الحل. وعرفة: حل ومشعر. # وسلك - صلى الله عليه وسلم - الطريق الوسطى بين الطريقين، وهي التي تخرج ~~على الجمرة الكبرى، حتى أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، ~~وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وهو على راحلته ~~فرماها راكبا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذ ~~قطع التلبية. # وكان في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، ورمى بلال وأسامة معه أحدهما ~~آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوب من الحر. وفي هذا: دليل على جواز ~~استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة، ~~وإن كانت بعده في أيام منى فلا حجة فيها، وليس في الحديث بيان في أي زمن ~~كانت. والله أعلم. ### | [رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى منى وخطبته فيها] # فصل # ثم رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر، ~~وتحريمه، وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمرهم بالسمع، ~~والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: " «لعلي ~~لا أحج بعد عامي هذا» ". # PageV02P237 # وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس أن لا ~~يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه. وأخبر أنه رب ~~مبلغ أوعى من سامع. # وقال في خطبته: " «لا يجني جان إلا على نفسه» ". # وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصار عن يسارها، والناس حولهم، ms0457 وفتح ~~الله له أسماع الناس حتى سمعها أهل منى في منازلهم. # وقال في خطبته تلك: " «اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ~~ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» ". # وودع حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع. # وهناك سئل عمن حلق قبل أن يرمي وعمن ذبح قبل أن يرمي، فقال: " لا حرج " ~~قال عبد الله بن عمرو: «ما رأيته - صلى الله عليه وسلم - سئل يومئذ عن شيء ~~إلا قال: " افعلوا ولا حرج» ". # PageV02P238 # قال ابن عباس: إنه قيل له - صلى الله عليه وسلم - في الذبح، والحلق، ~~والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: " لا حرج ". # وقال أسامة بن شريك: «خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حاجا، وكان ~~الناس يأتونه فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا، أو ~~أخرت شيئا، فكان يقول: " لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ~~ظالم، فذلك الذي حرج وهلك» ". # وقوله: سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ. # والمحفوظ: تقديم الرمي، والنحر، والحلق بعضها على بعض. ### | [بحث في نحره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده] # ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وكان ينحرها ~~قائمة معقولة يدها اليسرى. وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره، ثم # PageV02P239 # أمسك وأمر عليا أن ينحر ما غبر من المائة، ثم أمر عليا - رضي الله عنه - ~~أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين، وأمره أن لا يعطي الجزار في ~~جزارتها شيئا منها، وقال نحن نعطيه من عندنا، وقال: " من شاء اقتطع". # فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " عن أنس - رضي الله ~~عنه - قال: " «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعا، ~~والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها، فلما أصبح، ركب راحلته، فجعل يهلل ~~ويسبح، فلما علا على البيداء، لبى بهما جميعا، فلما دخل مكة أمرهم أن ~~يحلوا، ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده سبع بدن قياما، وضحى ~~بالمدينة كبشين أملحين» ". # فالجواب: أنه لا تعارض بين ms0458 الحديثين. # قال أبو محمد ابن حزم: مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة. # أحدها: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن، كما ~~قال أنس، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك ~~المكان، وأمر عليا - رضي الله عنه - فنحر ما بقي. # الثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره - صلى الله عليه وسلم - سبعا فقط ~~بيده، وشاهد جابر تمام نحره - صلى الله عليه وسلم - للباقي، فأخبر كل منهما ~~بما رأى وشاهد. # الثالث: أنه - صلى الله عليه وسلم - نحر بيده منفردا سبع بدن كما قال ~~أنس، ثم أخذ هو وعلي الحربة معا، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قال غرفة ~~بن الحارث الكندي # PageV02P240 # أنه شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة، وأمر ~~عليا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة، ~~كما قال جابر. والله أعلم. # فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن علي ~~قال: «لما نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنه، فنحر ثلاثين بيده، ~~وأمرني فنحرت سائرها» . # قلنا: هذا غلط انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين: هو علي، فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - نحر سبعا بيده لم يشاهده علي، ولا جابر، ثم نحر ~~ثلاثا وستين أخرى، فبقي من المائة ثلاثون، فنحرها علي، فانقلب على الراوي ~~عدد ما نحره علي بما نحره النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر ". وهو ~~اليوم الثاني. قال: وقرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنات خمس ~~فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ؟ فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم بكلمة خفية لم ~~أفهمها، فقلت ما قال؟ قال: " من شاء اقتطع» ". # قيل نقبله ونصدقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه ~~أرسالا، فقرب ms0459 منهن إليه خمس بدنات رسلا، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن ~~إليه ليبدأ بكل واحدة منهن. # فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في " الصحيحين " من حديث أبي # PageV02P241 # بكرة في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بمنى، وقال في ~~آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها ~~بيننا، لفظه لمسلم. # ففي هذا أن ذبح الكبشين كان بمكة، وفي حديث أنس أنه كان بالمدينة. # قيل: في هذا طريقتان للناس. # إحداهما: أن القول: قول أنس، وأنه ضحى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين، ~~وأنه صلى العيد ثم انكفأ إلى كبشين، ففصل أنس، وميز بين نحره بمكة للبدن، ~~وبين نحره بالمدينة للكبشين، وبين إنهما قصتان، ويدل على هذا أن جميع من ~~ذكر نحر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى، إنما ذكروا أنه نحر الإبل، وهو ~~الهدي الذي ساقه، وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سوق، وجابر قد قال في صفة ~~حجة الوداع: إنه رجع من الرمي، فنحر البدن، وإنما اشتبه على بعض الرواة، أن ~~قصة الكبشين كانت يوم عيد، فظن أنه كان بمنى فوهم. # الطريقة الثانية: طريقة ابن حزم، ومن سلك مسلكه، إنهما عملان متغايران، ~~وحديثان صحيحان، فذكر أبو بكرة تضحيته بمكة، وأنس تضحيته بالمدينة. قال: ~~وذبح يوم النحر الغنم، ونحر البقر والإبل، كما قالت عائشة: «ضحى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يومئذ عن أزواجه بالبقر» ، وهو في " الصحيحين ". # وفي " صحيح مسلم ": «ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عائشة بقرة ~~يوم النحر» . # PageV02P242 # وفي " السنن ": «أنه نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة» . # ومذهبه: أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي، والصحيح إن شاء الله: الطريقة ~~الأولى، وهدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو ~~أضاحيهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها. # وأما قول عائشة: ضحى عن نسائه بالبقر، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، ~~وأنهن كن متمتعات، وعليهن الهدي، ms0460 فالبقر الذي نحره عنهن هو الهدي الذي ~~يلزمهن. # ولكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع إشكال: وهو إجزاء البقرة عن أكثر من ~~سبعة. # وأجاب أبو محمد ابن حزم عنه بجواب على أصله، وهو أن عائشة لم تكن معهن في ~~ذلك، فإنها كانت قارنة وهن متمتعات، وعنده لا هدي على القارن، وأيد قوله ~~بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: خرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موافين لهلال ذي الحجة، فكنت فيمن أهل ~~بعمرة، فخرجنا حتى قدمنا مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، ~~فشكوت ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " «دعي عمرتك وانقضي ~~رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج» ". قالت: ففعلت. فلما كانت ليلة الحصبة وقد ~~قضى الله حجنا، أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأردفني، وخرج إلى # PageV02P243 # التنعيم، فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي ولا ~~صدقة ولا صوم. # وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس. والذي عليه الصحابة والتابعون، ~~ومن بعدهم، أن القارن يلزمه الهدي، كما يلزم المتمتع، بل هو متمتع حقيقة في ~~لسان الصحابة، كما تقدم وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من ~~قول هشام بن عروة، جاء ذلك في " صحيح مسلم " مصرحا به، فقال حدثنا أبو ~~كريب، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها ~~-. . . فذكرت الحديث. وفي آخره: قال عروة في ذلك: إنه قضى الله حجها ~~وعمرتها. قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة. # قال أبو محمد: إن كان وكيع جعل هذا الكلام لهشام، فابن نمير، وعبدة ~~أدخلاه في كلام عائشة، وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام؛ لأنه سمع هشاما ~~يقوله، وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء ~~حديثا يسنده، ثم يفتي به دون أن يسنده، فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما ~~يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن ms0461 اتبع هواه، والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق ~~فيما نقل. فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة، صدقا لعدالتهما. وإذا ~~أضافه وكيع إلى هشام، صدق أيضا لعدالته، وكل صحيح، وتكون عائشة قالته وهشام ~~قاله. # قلت: هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته، وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في ~~علل الأحاديث، كفقه الأئمة النقاد أطباء علله، وأهل العناية بها، وهؤلاء لا # PageV02P244 # يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم، بل يقطعون بخطئه ~~بمنزلة الصيارف النقاد، الذين يميزون بين الجيد والرديء، ولا يلتفتون إلى ~~خطإ من لم يعرف ذلك. # ومن المعلوم، أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام: قالت عائشة، ~~وإنما أدرجاه في الحديث إدراجا، يحتمل أن يكون من كلامهما، أو من كلام ~~عروة، أو من هشام، فجاء وكيع، ففصل وميز، ومن فصل وميز فقد حفظ وأتقن ما ~~أطلقه غيره، نعم لو قال ابن نمير وعبدة: قالت عائشة، وقال وكيع: قال هشام، ~~لساغ ما قال أبو محمد وكان موضع نظر وترجيح. # وأما كونهن تسعا وهي بقرة واحدة، فهذا قد جاء بثلاثة ألفاظ، أحدها أنها ~~بقرة واحدة بينهن، والثاني: أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقرة، والثالث دخل علينا ~~يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن أزواجه. # وقد اختلف الناس في عدد من تجزئ عنهم البدنة والبقرة، فقيل: سبعة وهو قول ~~الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وقيل عشرة وهو قول إسحاق. # وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قسم بينهم المغانم فعدل ~~الجزور بعشر شياه» . # وثبت هذا الحديث، أنه - صلى الله عليه وسلم - «ضحى عن نسائه وهن تسع ~~ببقرة» . # وقد روى سفيان عن أبي الزبير، عن جابر، «أنهم نحروا البدنة في حجهم مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عشرة» وهو على شرط مسلم ولم يخرجه، ~~وإنما أخرج قوله: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج ~~معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة، طفنا بالبيت وبالصفا ms0462 والمروة، ~~وأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة ~~منا في بدنة» . # PageV02P245 # وفي " المسند ": من حديث ابن عباس: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة» . ورواه ~~النسائي، والترمذي، وقال: حسن غريب. # وفي " الصحيحين " عنه: «نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام ~~الحديبية، البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» . # وقال حذيفة: شرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته بين المسلمين ~~في البقرة عن سبعة ذكره الإمام أحمد - رحمه الله -. # وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثة: # إما أن يقال: أحاديث السبعة أكثر وأصح. # وإما أن يقال عدل البعير بعشرة من الغنم، تقويم في الغنائم لأجل تعديل ~~القسمة. وأما كونه عن سبعة في الهدايا، فهو تقدير شرعي. # وإما أن يقال إن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والإبل ففي بعضها ~~كان البعير يعدل عشر شياه، فجعله عن عشرة، وفي بعضها يعدل سبعة، فجعله عن ~~سبعة والله أعلم. # وقد قال أبو محمد: إنه ذبح عن نسائه بقرة للهدي وضحى عنهن ببقرة وضحى عن ~~نفسه بكبشين ونحر عن نفسه ثلاثا وستين هديا، وقد عرفت ما في ذلك من الوهم ~~ولم تكن بقرة الضحية غير بقرة الهدي، بل هي هي، وهدي الحاج بمنزلة ضحية ~~الآفاقي. # PageV02P246 ### | [مكة كلها منحر ومنى مناخ لمن سبق إليه] # فصل # ونحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنحره بمنى، وأعلمهم " أن منى ~~كلها منحر، وأن فجاج مكة طريق ومنحر "، وفي هذا دليل على أن النحر لا يختص ~~بمنى، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه، كما أنه لما وقف بعرفة، قال: " «وقفت ~~هاهنا وعرفة كلها موقف» " ووقف بمزدلفة، وقال: " «وقفت هاهنا، ومزدلفة كلها ~~موقف» «وسئل - صلى الله عليه وسلم - أن يبنى له بمنى بناء يظله من الحر ~~فقال: لا، منى مناخ لمن سبق إليه» " وفي هذا دليل على اشتراك المسلمين ~~فيها، وأن من سبق إلى مكان منها، فهو أحق به حتى ms0463 يرتحل عنه ولا يملكه بذلك. ### | [الحلق والتقصير] # فصل # فلما أكمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحره استدعى بالحلاق فحلق ~~رأسه، فقال للحلاق - وهو معمر بن عبد الله وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر ~~في وجهه - وقال: «يا معمر أمكنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شحمة ~~أذنه وفي يدك الموسى " فقال معمر: أما والله يا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنه. قال: " أجل إذا # PageV02P247 # أقر لك» " ذكر ذلك الإمام أحمد - رحمه الله -. # وقال البخاري في " صحيحه ": وزعموا أن الذي حلق للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف انتهى. # فقال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه، قسم شعره بين من ~~يليه، ثم أشار إلى الحلاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال هاهنا أبو طلحة؟ ~~فدفعه إليه هكذا وقع في " صحيح مسلم ". # وفي " صحيح البخاري ": عن ابن سيرين، عن أنس أن «رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره» ، وهذا لا ~~يناقض رواية مسلم، لجواز أن يصيب أبا طلحة من الشق الأيمن مثل ما أصاب ~~غيره، ويختص بالشق الأيسر، لكن قد روى مسلم في " صحيحه " أيضا من حديث أنس، ~~قال: «لما رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة ونحر نسكه وحلق ~~ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه ثم ~~ناوله الشق الأيسر فقال: احلق. فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال اقسمه بين ~~الناس» . ففي هذه الرواية كما ترى أن نصيب أبي طلحة كان الشق الأيمن، وفي ~~الأولى: أنه كان الأيسر. قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد ~~المقدسي، رواه مسلم من رواية حفص بن غياث، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن ~~هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«دفع إلى أبي طلحة شعر شقه الأيسر» ، # PageV02P248 # ورواه من رواية سفيان بن عيينة، ms0464 عن هشام بن حسان، «أنه دفع إلى أبي طلحة ~~شعر شقه الأيمن» . قال ورواية ابن عون، عن ابن سيرين أراها تقوي رواية ~~سفيان والله أعلم. # قلت: يريد برواية ابن عون، ما ذكرناه عن ابن سيرين، من طريق البخاري، ~~وجعل الذي سبق إليه أبو طلحة، هو الشق الذي اختص به. والله أعلم. # والذي يقوى أن نصيب أبي طلحة الذي اختص به كان الشق الأيسر وأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - عم، ثم خص، وهذه كانت سنته، في عطائه، وعلى هذا أكثر ~~الروايات، فإن في بعضها أنه، قال للحلاق: " «خذ " وأشار إلى جانبه الأيمن، ~~فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه، ~~فأعطاه أم سليم» ، ولا يعارض هذا دفعه إلى أبي طلحة، فإنها امرأته. # وفي لفظ آخر «فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم ~~قال: بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه» . # وفي لفظ ثالث: «دفع إلى أبي طلحة شعر شق رأسه الأيسر ثم قلم أظفاره ~~وقسمها بين الناس» . # وذكر الإمام أحمد - رحمه الله - من حديث محمد بن عبد الله بن زيد، أن ~~أباه حدثه أنه شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المنحر، ورجل من قريش، ~~وهو يقسم أضاحي فلم يصبه شيء، ولا صاحبه فحلق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رأسه في ثوبه، فأعطاه فقسم منه على رجال، وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه، ~~قال: فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم يعني شعره. # ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة، وحلق كثير من الصحابة، بل ~~أكثرهم وقصر بعضهم، وهذا مع قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] [الفتح 27] ومع قول عائشة - رضي ~~الله عنها -، «طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ~~ولإحلاله قبل # PageV02P249 # أن يحل» ، دليل على أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور. ### | [ترجيح المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم لم يطف غير طواف الإفاضة بعد إفاضته إلى مكة] # فصل # ثم أفاض ms0465 - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة قبل الظهر راكبا، فطاف طواف ~~الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو طواف الصدر، ولم يطف غيره، ولم يسع معه هذا ~~هو الصواب، وقد خالف في ذلك ثلاث طوائف: طائفة زعمت أنه طاف طوافين طوافا ~~للقدوم سوى طواف الإفاضة، ثم طاف للإفاضة، وطائفة زعمت أنه سعى مع هذا ~~الطواف لكونه كان قارنا، وطائفة زعمت أنه لم يطف في ذلك اليوم، وإنما أخر ~~طواف الزيارة إلى الليل، فنذكر الصواب في ذلك، ونبين منشأ الغلط وبالله ~~التوفيق. # قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع أعني المتمتع كم يطوف ويسعى؟ ~~قال يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة، عاودناه في هذا غير مرة فثبت ~~عليه. # قال الشيخ أبو محمد المقدسي في " المغني ": وكذلك الحكم في القارن ~~والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم، فإنهما ~~يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد - رحمه الله - واحتج بما ~~روت عائشة - رضي الله عنها -، قالت: " فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، ~~وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى؛ ~~لحجهم "، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا واحدا، فحمل ~~أحمد - رحمه الله - قول عائشة، على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، قال: ~~ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطا له كتحية ~~المسجد عند دخوله قبل التلبس بالصلاة المفروضة. # وقال الخرقي في " مختصره ": وإن كان متمتعا، فيطوف بالبيت سبعا وبالصفا ~~والمروة سبعا كما فعل للعمرة، ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا ينوي به # PageV02P250 # الزيارة وهو قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] [الحج: 29] ~~فمن قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعا كالقاضي وأصحابه ~~عندهم هكذا فعل، والشيخ أبو محمد عنده أنه كان متمتعا التمتع الخاص، ولكن ~~لم يفعل هذا، قال: ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ~~ذكره الخرقي، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد، وقد أقيمت ~~الصلاة فإنه ms0466 يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع، ولا أمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - به أحدا، قال: وحديث عائشة دليل على هذا، فإنها قالت: ~~" طافوا طوافا واحدا بعد أن رجعوا من منى؛ لحجهم " وهذا هو طواف الزيارة ~~ولم تذكر طوافا آخر. ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم، لكانت قد أخلت ~~بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج الذي لا يتم إلا به، وذكرت ما يستغنى ~~عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافا واحدا، فمن أين يستدل به على طوافين؟ # وأيضا، فإنها لما حاضت فقرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولم تكن طافت للقدوم، لم تطف للقدوم، ولا أمرها به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق ~~المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة؛ لأنه أول قدومه إلى البيت، فهو به ~~أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به. انتهى كلامه. # قلت: لم يرفع كلام أبي محمد الإشكال وإن كان الذي أنكره هو الحق، كما ~~أنكره والصواب في إنكاره، فإن أحدا لم يقل: إن الصحابة لما رجعوا من عرفة، ~~طافوا للقدوم وسعوا، ثم طافوا للإفاضة بعده، ولا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - هذا لم يقع قطعا، ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين ~~المتمتع والقارن، فأخبرت أن القارنين طافوا بعد أن رجعوا من منى طوافا ~~واحدا، وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى؛ ~~لحجهم وهذا غير طواف الزيارة قطعا، فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق ~~بينهما فيه ولكن الشيخ أبا # PageV02P251 # محمد، لما رأى قولها في المتمتعين: إنهم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من ~~منى، قال: ليس في هذا ما يدل على أنهم طافوا طوافين والذي قاله حق، ولكن لم ~~يرفع الإشكال فقالت طائفة هذه الزيادة من كلام عروة، أو ابنه ms0467 هشام، أدرجت ~~في الحديث، وهذا لا يتبين، ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه ~~بالإرسال. # فالصواب: أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرقت به بين المتمتع والقارن ~~هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة، فأخبرت ~~عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم ~~النحر، وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافا آخر بعد ~~الرجوع من منى للحج، وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور، وتنزيل ~~الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" «يسعك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك» "، وكانت قارنة ~~يوافق قول الجمهور. # ولكن يشكل عليه حديث جابر الذي رواه مسلم في " صحيحه ": «لم يطف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، ~~طوافه الأول» . هذا يوافق قول من يقول يكفي المتمتع سعي واحد، كما هو إحدى ~~الروايتين عن أحمد - رحمه الله - نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره ~~وعلى هذا، فيقال عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبت مقدم على النافي. # أو يقال مراد جابر من قرن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وساق الهدي ~~كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي - رضي الله عنهم - وذوي اليسار فإنهم إنما سعوا ~~سعيا واحدا. # وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة، بأن تلك الزيادة فيه ~~مدرجة من قول هشام وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها والله أعلم. # PageV02P252 # وأما من قال: المتمتع يطوف ويسعى للقدوم بعد إحرامه بالحج قبل خروجه إلى ~~منى، وهو قول أصحاب الشافعي، ولا أدري أهو منصوص عنه أم لا؟ قال أبو محمد: ~~فهذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة ألبتة، ولا ~~أمرهم به ولا نقله أحد، قال ابن عباس: لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا، ولا أن ~~يسعوا بين الصفا والمروة بعد إحرامهم بالحج حتى يرجعوا من منى. وعلى قول ~~ابن عباس: قول الجمهور ومالك، وأحمد، ms0468 وأبي حنيفة وإسحاق وغيرهم. # والذين استحبوه قالوا: لما أحرم بالحج صار كالقادم فيطوف ويسعى للقدوم. ~~قالوا: ولأن الطواف الأول وقع عن العمرة، فيبقى طواف القدوم، ولم يأت به ~~فاستحب له فعله عقيب الإحرام بالحج، وهاتان الحجتان واهيتان، فإنه إنما كان ~~قارنا لما طاف للعمرة، فكان طوافه للعمرة مغنيا عن طواف القدوم، كمن دخل ~~المسجد، فرأى الصلاة قائمة، فدخل فيها، فقامت مقام تحية المسجد، وأغنته ~~عنها. # وأيضا فإن الصحابة لما أحرموا بالحج مع النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يطوفوا عقيبه، وكان أكثرهم متمتعا. وروى محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة أنه ~~إن أحرم يوم التروية قبل الزوال طاف وسعى للقدوم، وإن أحرم بعد الزوال لم ~~يطف وفرق بين الوقتين بأنه بعد الزوال يخرج من فوره إلى منى، فلا يشتغل عن ~~الخروج # PageV02P253 # بغيره، وقبل الزوال لا يخرج فيطوف. وقول ابن عباس والجمهور هو الصحيح ~~الموافق لعمل الصحابة، وبالله التوفيق. ### | [الرد على من قال إن القارن يحتاج إلى سعيين] # فصل # والطائفة الثانية قالت: إنه صلى الله عليه وسلم سعى مع هذا الطواف ~~وقالوا: هذا حجة في أن القارن يحتاج إلى سعيين كما يحتاج إلى طوافين، وهذا ~~غلط عليه كما تقدم، والصواب أنه لم يسع إلا سعيه الأول كما قالته عائشة، ~~وجابر، ولم يصح عنه في السعيين حرف واحد، بل كلها باطلة كما تقدم، فعليك ~~بمراجعته. # فصل # والطائفة الثالثة الذين قالوا: أخر طواف الزيارة إلى الليل، وهم طاووس، ~~ومجاهد، وعروة، ففي " سنن أبي داود "، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي ~~الزبير المكي، عن عائشة وابن عباس: ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر ~~طوافه يوم النحر إلى الليل» ) ، وفي لفظ " طواف الزيارة"، قال الترمذي: ~~حديث حسن. # وهذا الحديث غلط بين خلاف المعلوم من فعله صلى الله عليه وسلم الذي لا ~~يشك فيه أهل العلم بحجته صلى الله عليه وسلم، فنحن نذكر كلام الناس فيه، ~~قال الترمذي في كتاب " العلل " له: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا ~~الحديث وقلت له: أسمع أبو الزبير ms0469 من عائشة وابن عباس؟ قال: أما من ابن عباس ~~فنعم وفي سماعه من عائشة # PageV02P254 # نظر. # وقال أبو الحسن القطان: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا، وإنما اختلفوا: هل صلى الظهر بمكة أو رجع ~~إلى منى، فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فابن عمر يقول: إنه رجع إلى ~~منى، فصلى الظهر بها، وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة ~~من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها أنه أخر الطواف إلى الليل، وهذا شيء ~~لم يرو إلا من هذا الطريق وأبو الزبير مدلس لم يذكر هاهنا سماعا من عائشة، ~~وقد عهد أنه يروي عنها بواسطة، ولا عن ابن عباس أيضا، فقد عهد كذلك أنه ~~يروي عنه بواسطة، وإن كان قد سمع منه فيجب التوقف فيما يرويه أبو الزبير عن ~~عائشة وابن عباس مما لا يذكر فيه سماعه منهما، لما عرف به من التدليس لو ~~عرف سماعه منها لغير هذا، فأما ولم يصح لنا أنه سمع من عائشة، فالأمر بين ~~في وجوب التوقف فيه، وإنما يختلف العلماء في قبول حديث المدلس إذا كان عمن ~~قد علم لقاؤه له وسماعه منه هاهنا. # يقول قوم: يقبل، ويقول آخرون: يرد ما يعنعنه عنهم حتى يتبين الاتصال في ~~حديث حديث، وأما ما يعنعنه المدلس عمن لم يعلم لقاؤه له ولا سماعه منه فلا ~~أعلم الخلاف فيه بأنه لا يقبل. # ولو كنا نقول بقول مسلم بأن معنعن المتعاصرين محمول على الاتصال ولو لم ~~يعلم التقاؤهما، فإنما ذلك في غير المدلسين. # وأيضا فلما قدمناه من صحة طواف النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نهارا. ~~والخلاف في رد حديث المدلسين حتى يعلم اتصاله أو قبوله حتى يعلم انقطاعه، ~~إنما هو إذا لم يعارضه ما لا شك في صحته، وهذا قد عارضه ما لا شك في صحته. ~~انتهى كلامه. # ويدل على غلط أبي الزبير على عائشة أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى: (عن ~~عائشة أنها ms0470 قالت: «حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم ~~النحر» ) . # وروى محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عنها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، # PageV02P255 # ( «أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع نسائه ليلا» ) ، وهذا غلط أيضا. # قال البيهقي: وأصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر وحديث جابر وحديث ~~أبي سلمة عن عائشة يعني: أنه طاف نهارا. قلت: إنما نشأ الغلط من تسمية ~~الطواف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الوداع إلى الليل، كما ثبت ~~في " الصحيحين " من حديث عائشة. قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم. ~~. . فذكرت الحديث، إلى أن قالت: «فنزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن بن أبي ~~بكر، فقال: اخرج بأختك من الحرم، ثم افرغا من طوافكما، ثم ائتياني هاهنا ~~بالمحصب. قالت: فقضى الله العمرة، وفرغنا من طوافنا في جوف الليل، فأتيناه ~~بالمحصب، فقال: " فرغتما "؟ قلنا: نعم. فأذن في الناس بالرحيل، فمر بالبيت ~~فطاف به، ثم ارتحل متوجها إلى المدينة» . فهذا هو الطواف الذي أخره إلى ~~الليل بلا ريب، فغلط فيه أبو الزبير، أو من حدثه به، وقال: "طواف الزيارة ~~"، والله الموفق. # ولم يرمل صلى الله عليه وسلم في هذا الطواف ولا في طواف الوداع وإنما رمل ~~في طواف القدوم. # PageV02P256 ### | تعليل شربه قائما # فصل # ثم (أتى زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال: " «لولا أن يغلبكم الناس ~~لنزلت فسقيت معكم» "، ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم) فقيل: هذا نسخ لنهيه ~~عن الشرب قائما، وقيل: بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى، ~~وقيل: بل للحاجة، وهذا أظهر. ### | [طاف صلى الله عليه وسلم طواف الإفاضة على راحلته] # وهل كان في طوافه هذا راكبا أو ماشيا؟ فروى مسلم في " صحيحه "، عن جابر ~~قال: ( «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على ~~راحلته، يستلم الركن بمحجنه لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس ~~غشوه» ) . # وفي " الصحيحين "، عن ms0471 ابن عباس، قال: ( «طاف النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» ) وهذا الطواف ليس بطواف الوداع ~~فإنه كان ليلا، وليس بطواف القدوم لوجهين. # أحدهما: أنه قد صح عنه الرمل في طواف القدوم، ولم يقل أحد قط: رملت به ~~راحلته وإنما قالوا: رمل نفسه. # PageV02P257 # والثاني: (قول الشريد بن سويد: «أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا» ) وهذا ظاهره أنه من حين أفاض معه ما ~~مست قدماه الأرض إلى أن رجع، ولا ينتقض هذا بركعتي الطواف، فإن شأنهما ~~معلوم. قلت: والظاهر أن الشريد بن سويد، إنما أراد الإفاضة معه من عرفة، ~~ولهذا قال: حتى أتى جمعا وهي مزدلفة، ولم يرد الإفاضة إلى البيت يوم النحر، ~~ولا ينتقض هذا بنزوله عند الشعب حين بال، ثم ركب؛ لأنه ليس بنزول مستقر، ~~وإنما مست قدماه الأرض مسا عارضا. والله أعلم. ### | [فصل أين صلى صلى الله عليه وسلم الظهر حين رجوعه إلى منى] # فصل # ثم رجع إلى منى، واختلف أين صلى الظهر يومئذ ففي " الصحيحين ": عن ابن ~~عمر، أنه صلى الله عليه وسلم ( «أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى» ) ~~. # وفي " صحيح مسلم ": عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم ( «صلى الظهر بمكة» ) ~~وكذلك قالت عائشة. واختلف في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر فقال أبو ~~محمد بن # PageV02P258 # حزم: قول عائشة وجابر أولى، وتبعه على هذا جماعة، ورجحوا هذا القول ~~بوجوه. # أحدها: أنه رواية اثنين، وهما أولى من الواحد. # الثاني: أن عائشة أخص الناس به صلى الله عليه وسلم، ولها من القرب ~~والاختصاص به والمزية ما ليس لغيرها. # الثالث: أن سياق جابر لحجة النبي صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها ~~أتم سياق، وقد حفظ القصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها حتى ضبط منها أمرا لا ~~يتعلق بالمناسك، وهو نزول النبي صلى الله عليه وسلم ليلة جمع في الطريق، ~~فقضى حاجته عند الشعب، ثم توضأ وضوءا خفيفا، فمن ضبط هذا القدر ms0472 فهو بضبط ~~مكان صلاته يوم النحر أولى. # الرابع: أن حجة الوداع كانت في آذار، وهو تساوي الليل والنهار، وقد دفع ~~من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بدنا عظيمة ~~وقسمها، وطبخ له من لحمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه، وتطيب، ثم ~~أفاض، فطاف وشرب من ماء زمزم، ومن نبيذ السقاية، ووقف عليهم وهم يسقون، ~~وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى ~~منى، بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار. # الخامس: أن هذين الحديثين جاريان مجرى الناقل والمبقي، فقد كانت عادته ~~صلى الله عليه وسلم في حجته الصلاة في منزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين، ~~فجرى ابن عمر على العادة، وضبط جابر وعائشة رضي الله عنهما الأمر الذي هو ~~خارج عن عادته، فهو أولى بأن يكون هو المحفوظ. ورجحت طائفة أخرى قول ابن ~~عمر لوجوه. # أحدها: أنه لو صلى الظهر بمكة، لم تصل الصحابة بمنى وحدانا # PageV02P259 # وزرافات، بل لم يكن لهم بد من الصلاة خلف إمام يكون نائبا عنه، ولم ينقل ~~هذا أحد قط، ولا يقول أحد: إنه استناب من يصلي بهم، ولولا علمه أنه يرجع ~~إليهم فيصلي بهم. لقال: إن حضرت الصلاة ولست عندكم، فليصل بكم فلان، وحيث ~~لم يقع هذا ولا هذا، ولا صلى الصحابة هناك وحدانا قطعا، ولا كان من عادتهم ~~إذا اجتمعوا أن يصلوا عزين، علم أنهم صلوا معه على عادتهم. # الثاني: أنه لو صلى بمكة، لكان خلفه بعض أهل البلد وهم مقيمون، وكان ~~يأمرهم أن يتموا صلاتهم، ولم ينقل أنهم قاموا فأتموا بعد سلامه صلاتهم، ~~وحيث لم ينقل هذا ولا هذا، بل هو معلوم الانتفاء قطعا، علم أنه لم يصل ~~حينئذ بمكة. وما ينقله بعض من لا علم عنده أنه قال: ( «يا أهل مكة أتموا ~~صلاتكم فإنا قوم سفر» ) فإنما قاله عام الفتح، لا في حجته. # الثالث: أنه من المعلوم أنه لما طاف، ركع ركعتي الطواف، ومعلوم أن كثيرا ~~من المسلمين كانوا خلفه يقتدون ms0473 به في أفعاله ومناسكه، فلعله لما ركع ركعتي ~~الطواف، والناس خلفه يقتدون به، ظن الظان أنها صلاة الظهر، ولا سيما إذا ~~كان ذلك في وقت الظهر، وهذا الوهم لا يمكن رفع احتماله بخلاف صلاته بمنى، ~~فإنها لا تحتمل غير الفرض. # الرابع: أنه لا يحفظ عنه في حجه أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان ~~يصلي بمنزله بالأبطح بالمسلمين مدة مقامه كان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي ~~في مكان آخر غير المنزل العام. # الخامس: أن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم. فحديث ابن ~~عمر أصح منه، وكذلك هو في إسناده فإن رواته أحفظ وأشهر وأتقن، فأين يقع ~~حاتم بن إسماعيل من عبيد الله بن عمر العمري، وأين يقع حفظ جعفر من حفظ ~~نافع؟ # السادس: أن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها على # PageV02P260 # ثلاثة أوجه، أحدها: أنه طاف نهارا، الثاني: أنه أخر الطواف إلى الليل، ~~الثالث: أنه أفاض من آخر يومه فلم يضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة ~~بخلاف حديث ابن عمر. # السابع: أن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، فإن حديث عائشة من رواية محمد ~~بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عنها، وابن إسحاق مختلف في ~~الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع بل عنعنه، فكيف يقدم على قول عبيد الله: ~~حدثني نافع عن ابن عمر. # الثامن: أن حديث عائشة ليس بالبين أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ~~بمكة، فإن لفظه هكذا: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين ~~صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا ~~زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات. فأين دلالة هذا الحديث الصريحة على أنه صلى ~~الظهر يومئذ بمكة، وأين هذا في صريح الدلالة إلى قول ابن عمر: أفاض يوم ~~النحر ثم صلى الظهر بمنى، يعني راجعا، وأين حديث اتفق أصحاب الصحيح على ~~إخراجه إلى حديث اختلف في الاحتجاج به. والله أعلم. ### | ذكر ms0474 طواف أم سلمة # فصل قال ابن حزم: وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها من وراء الناس ~~وهي شاكية، استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم فأذن لها، واحتج ~~عليه بما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، ~~قالت: ( «شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء ~~الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي ~~إلى جنب البيت، وهو يقرأ: {والطور - وكتاب مسطور} [الطور: 1 - 2] » ) ولا ~~يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة؛ لأن # PageV02P261 # النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور ولا جهر ~~بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس وقد بين أبو محمد غلط ~~من قال إنه أخره إلى الليل فأصاب في ذلك. # وقد صح من حديث عائشة ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة ~~النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت» ) فكيف يلتئم هذا مع طوافها ~~يوم النحر وراء الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب البيت يصلي ~~ويقرأ في صلاته: {والطور - وكتاب مسطور} [الطور: 1 - 2] ؟ هذا من المحال؛ ~~فإن هذه الصلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر، أو المغرب، أو العشاء، وأما ~~أنها كانت يوم النحر، ولم يكن ذلك الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ~~قطعا، فهذا من وهمه رحمه الله. ### | [طواف عائشة] # فطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا، وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها ~~وعمرتها، وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ~~ولم تودع، فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل ~~الطواف - أو قبل الوقوف - أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد، وإن حاضت ~~بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع. # PageV02P262 ### | [فصل رمي الجمار] # فصل # ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى منى من يومه ذلك، فبات بها، فلما أصبح ~~انتظر ms0475 زوال الشمس، فلما زالت مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب، فبدأ ~~بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فرماها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، ~~يقول مع كل حصاة: " الله أكبر "، ثم تقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل، فقام ~~مستقبل القبلة، ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى ~~الجمرة الوسطى، فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف ~~مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول، ثم أتى الجمرة ~~الثالثة وهي جمرة العقبة، فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن ~~يساره، ومنى عن يمينه، فرماها بسبع حصيات كذلك. ### | [التعليل لترك الدعاء بعد العقبة] # ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلها عن يمينه، واستقبل البيت ~~وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء. فلما أكمل الرمي رجع من فوره، ولم ~~يقف عندها، فقيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل - وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس ~~العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة، فرغ الرمي، والدعاء في صلب ~~العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في ~~دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو في صلبها، فأما بعد الفراغ منها، فلم يثبت ~~عنه أنه كان يعتاد الدعاء، ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه، وإن روي في غير ~~الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام، وفي صحته نظر. # PageV02P263 # وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها، وعلمها الصديق إنما ~~هي في صلب الصلاة، وأما حديث معاذ بن جبل: ( «لا تنس أن تقول دبر كل صلاة: ~~اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك» ) فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل ~~السلام منها، كدبر الحيوان ويراد به ما بعد السلام كقوله: ( «تسبحون الله ~~وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة» ) الحديث. والله أعلم. ### | [فصل ميل المصنف بأنه صلى الله عليه وسلم رمى قبل الصلاة] # فصل ولم يزل في نفسي، هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها؟ والذي يغلب ~~على ms0476 الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة، ثم يرجع فيصلي؛ لأن جابرا وغيره قالوا: ~~كان يرمي إذا زالت الشمس، فعقبوا زوال الشمس برميه. وأيضا فإن وقت الزوال ~~للرمي أيام منى، كطلوع الشمس لرمي يوم النحر، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم النحر لما دخل وقت الرمي لم يقدم عليه شيئا من عبادات ذلك اليوم، وأيضا ~~فإن الترمذي وابن ماجه رويا في " سننهما " عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( ~~«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار إذا زالت الشمس» ) زاد ابن ~~ماجه: قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر. وقال الترمذي: حديث حسن، ولكن في ~~إسناد حديث الترمذي الحجاج بن أرطاة، وفي إسناد حديث ابن ماجه إبراهيم بن ~~عثمان أبو # PageV02P264 # شيبة ولا يحتج به، ولكن ليس في الباب غير هذا. # وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبا، وأيام منى ماشيا في ~~ذهابه ورجوعه. ### | [فصل وقفات الدعاء في الحج] # فصل # فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء. # الموقف الأول: على الصفا، والثاني: على المروة، والثالث بعرفة، والرابع ~~بمزدلفة، والخامس عند الجمرة الأولى، والسادس عند الجمرة الثانية. ### | [فصل خطبتا منى] # فصل # وخطب صلى الله عليه وسلم الناس بمنى خطبتين: خطبة يوم النحر وقد تقدمت، ~~والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق، فقيل: هو ثاني يوم النحر وهو ~~أوسطها، أي خيارها، واحتج من قال ذلك بحديث سراء بنت نبهان، قالت سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «أتدرون أي يوم هذا؟ قالت: وهو اليوم الذي ~~تدعون يوم الرءوس. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال هذا أوسط أيام التشريق. هل ~~تدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا المشعر الحرام. ثم ~~قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ألا وإن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، حتى ~~تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت، فلما ~~قدمنا المدينة، لم يلبث إلا قليلا ms0477 حتى مات صلى الله عليه وسلم» ) رواه أبو ~~داود # PageV02P265 # ويوم الرءوس هو ثاني يوم النحر بالاتفاق. # وذكر البيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن صدقة بن يسار عن ابن عمر، ~~قال أنزلت هذه السورة {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته ~~القصواء فرحلت، واجتمع الناس فقال: " يا أيها الناس "، ثم ذكر الحديث في ~~خطبته. ### | [ترخيصه صلى الله عليه وسلم لمن له عذر بالمبيت خارج منى] # فصل واستأذنه العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ~~فأذن له. واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل، فأرخص لهم ~~أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما. # PageV02P266 # قال مالك: ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر. # وقال ابن عيينة في هذا الحديث: رخص للرعاء أن يرموا يوما، ويدعوا يوما ~~فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى، وأما الرمي فإنهم لا يتركونه بل ~~لهم أن يؤخروه إلى الليل، فيرمون فيه، ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم، ~~وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في ~~البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضا ~~لا تمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، والله أعلم. ### | [فصل أين لقي صلى الله عليه وسلم عائشة بعد رجوعها من عمرة التنعيم] # فصل # ولم يتعجل صلى الله عليه وسلم في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام ~~التشريق الثلاثة، وأفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب، وهو الأبطح، ~~وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب له فيه قبة هناك، وكان على ثقله ~~توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدة، ثم نهض إلى مكة، فطاف للوداع ~~ليلا سحرا، ولم يرمل ms0478 في هذا الطواف، ( «وأخبرته صفية أنها حائض فقال: " ~~أحابستنا هي؟ " فقالوا له إنها قد أفاضت قال: " فلتنفر إذا» ) ورغبت إليه ~~عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة، فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا ~~والمروة، قد أجزأ عن حجها وعمرتها، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة، فأمر ~~أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم، ففرغت من عمرتها ليلا، ثم وافت ~~المحصب مع أخيها، فأتيا في جوف الليل فقال # PageV02P267 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «فرغتما "؟ قالت: نعم، فنادى بالرحيل في ~~أصحابه، فارتحل الناس، ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح» . هذا لفظ البخاري. # فإن قيل: كيف تجمعون بين هذا، وبين حديث الأسود عنها الذي في " الصحيح " ~~أيضا؟ قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم نر إلا الحج ... ~~فذكرت الحديث وفيه ( «فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس ~~بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة؟ قال: أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟ قالت: قلت: ~~لا. قال: " فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا ~~وكذا "، قالت عائشة: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة، ~~وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها» ) . # ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، ~~فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه. ثم فيه إشكال آخر، وهو قولها: لقيني وهو ~~مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها، أو بالعكس، فإن كان الأول، فيكون قد لقيها ~~مصعدا منها راجعا إلى المدينة، وهي منهبطة عليها للعمرة، وهذا ينافي ~~انتظاره لها بالمحصب. # قال أبو محمد بن حزم: الصواب الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة، وهو ~~منهبط؛ لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~جاءت، ثم نهض إلى طواف الوداع، فلقيها منصرفة إلى المحصب عن مكة، وهذا لا ~~يصح، فإنها قالت: وهو منهبط منها، وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصب، والخروج ~~من مكة، فكيف يقول أبو محمد: إنه نهض إلى ms0479 طواف # PageV02P268 # الوداع وهو منهبط من مكة؟ هذا محال. # وأبو محمد لم يحج. وحديث القاسم عنها صريح كما تقدم في أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم انتظرها في منزله بعد النفر حتى جاءت فارتحل وأذن في الناس ~~بالرحيل فإن كان حديث الأسود هذا محفوظا، فصوابه لقيني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا مصعدة من مكة، وهو منهبط إليها، فإنها طافت وقضت عمرتها، ثم ~~أصعدت لميعاده، فوافته قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، فارتحل وأذن في ~~الناس بالرحيل، ولا وجه لحديث الأسود غير هذا، وقد جمع بينهما بجمعين ~~آخرين، وهما وهم. # أحدهما: أنه طاف للوداع مرتين مرة بعد أن بعثها، وقبل فراغها، ومرة بعد ~~فراغها للوداع، وهذا مع أنه وهم بين، فإنه لا يرفع الإشكال بل يزيده ~~فتأمله. # الثاني: أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة خوف المشقة على المسلمين في ~~التحصيب، فلقيته وهي منهبطة إلى مكة، وهو مصعد إلى العقبة، وهذا أقبح من ~~الأول؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من العقبة أصلا، وإنما خرج من أسفل ~~مكة من الثنية السفلى بالاتفاق. وأيضا: فعلى تقدير ذلك لا يحصل الجمع بين ~~الحديثين. # وذكر أبو محمد بن حزم أنه رجع بعد خروجه من أسفل مكة إلى المحصب، وأمر ~~بالرحيل، وهذا وهم أيضا، لم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وداعه ~~إلى المحصب، وإنما مر من فوره إلى المدينة. # وذكر في بعض تآليفه أنه فعل ذلك ليكون كالمحلق على مكة بدائرة في دخوله ~~وخروجه، فإنه بات بذي طوى، ثم دخل من أعلى مكة، ثم خرج من أسفلها، ثم رجع ~~إلى المحصب، ويكون هذا الرجوع من يماني مكة حتى تحصل الدائرة، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم لما جاء نزل بذي طوى، ثم أتى مكة من كداء، ثم نزل به لما ~~فرغ من الطواف، ثم لما فرغ من جميع النسك نزل به، ثم خرج من أسفل مكة # PageV02P269 # وأخذ من يمينها حتى أتى المحصب، ويحمل أمره بالرحيل ثانيا على أنه لقي ms0480 في ~~رجوعه ذلك إلى المحصب قوما لم يرحلوا، فأمرهم بالرحيل، وتوجه من فوره ذلك ~~إلى المدينة. # ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يضحك منه، ~~ولولا التنبيه على أغلاط من غلط عليه صلى الله عليه وسلم لرغبنا عن ذكر مثل ~~هذا الكلام. والذي كأنك تراه من فعله أنه نزل بالمحصب وصلى به الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء، ورقد رقدة، ثم نهض إلى مكة، وطاف بها طواف الوداع ليلا، ~~ثم خرج من أسفلها إلى المدينة، ولم يرجع إلى المحصب، ولا دار دائرة ففي " ~~صحيح البخاري ": عن أنس، ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ~~والعصر والمغرب، والعشاء، ورقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت وطاف به» ) ~~. # وفي " الصحيحين ": عن عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت ~~الحديث، ثم (قالت: «حين قضى الله الحج ونفرنا من منى، فنزلنا بالمحصب، فدعا ~~عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له: " اخرج بأختك من الحرم، ثم افرغا من ~~طوافكما، ثم ائتياني هاهنا بالمحصب ". قالت: فقضى الله العمرة وفرغنا من ~~طوافنا في جوف الليل، فأتيناه بالمحصب. فقال: فرغتما؟ قلنا: نعم. فأذن في ~~الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به، ثم ارتحل متوجها إلى المدينة» ) . # فهذا من أصح حديث على وجه الأرض، وأدله على فساد ما ذكره ابن حزم وغيره ~~من تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها، ودليل على أن حديث الأسود غير ~~محفوظ، وإن كان محفوظا، فلا وجه له غير ما ذكرنا، وبالله التوفيق. ### | [هل التحصيب سنة] # وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنة، أو منزل اتفاق؟ على قولين. فقالت ~~طائفة: هو من سنن الحج، فإن في " الصحيحين " عن أبي هريرة، # PageV02P270 # ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى: نحن ~~نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» ) . يعني ~~بذلك المحصب؛ وذلك أن قريشا وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب ~~ألا يناكحوهم، ولا يكون بينهم وبينهم ms0481 شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقصد النبي صلى الله عليه وسلم إظهار شعائر الإسلام في ~~المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته ~~صلوات الله وسلامه عليه أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، ~~كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى. # قالوا: وفي " صحيح مسلم ": عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا ~~بكر، وعمر كانوا ينزلونه. وفي رواية لمسلم عنه أنه كان يرى التحصيب سنة. # وقال البخاري ( «عن ابن عمر: كان يصلي به الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ~~ويهجع، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك» ) . # وذهب آخرون منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة، وإنما هو منزل اتفاق ~~ففي " الصحيحين ": عن ابن عباس: ( «ليس المحصب بشيء، وإنما هو منزل نزله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه» ) . # وفي " صحيح مسلم ": ( «عن أبي رافع لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن أنزل بمن معي بالأبطح، ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل. فأنزل ~~الله فيه بتوفيقه تصديقا لقول رسوله: " نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة "، ~~وتنفيذا لما عزم عليه، # PageV02P271 # وموافقة منه لرسوله صلوات الله وسلامه عليه» ) . ### | [فصل هل دخل صلى الله عليه وسلم البيت] # فصل # هاهنا ثلاث مسائل: هل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت في حجته أم ~~لا؟ وهل وقف في الملتزم بعد الوداع، أم لا؟ وهل صلى الصبح ليلة الوداع ~~بمكة، أو خارجا منها؟ # فأما المسألة الأولى، فزعم كثير من الفقهاء وغيرهم أنه دخل البيت في ~~حجته، ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج اقتداء بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. والذي تدل عليه سنته أنه لم يدخل البيت في حجته ولا في ~~عمرته، وإنما دخله عام الفتح ففي " الصحيحين ( «عن ابن عمر، قال: دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقة ms0482 لأسامة، حتى أناخ بفناء ~~الكعبة، فدعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فجاءه به، ففتح فدخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأجافوا عليهم الباب مليا، ثم ~~فتحوه. قال عبد الله: فبادرت الناس، فوجدت بلالا على الباب. فقلت: أين صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بين العمودين المقدمين. قال: ونسيت أن ~~أسأله كم صلى» ) . # وفي " صحيح البخاري " عن (ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة قال: فأمر بها فأخرجت، فأخرجوا ~~صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط ". قال: ~~فدخل البيت فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه» ) . # PageV02P272 # فقيل: كان ذلك دخولين صلى في أحدهما، ولم يصل في الآخر. # وهذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى، كما جعلوا ~~الإسراء مرارا لاختلاف ألفاظه، وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مرارا؛ ~~لاختلاف ألفاظه، وجعلوا طواف الوداع مرتين؛ لاختلاف سياقه، ونظائر ذلك. # وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة، ولا يجبنون عن تغليط من ~~ليس معصوما من الغلط، ونسبته إلى الوهم، قال البخاري وغيره من الأئمة: ~~والقول قول بلال؛ لأنه مثبت شاهد صلاته، بخلاف ابن عباس. والمقصود أن دخوله ~~البيت إنما كان في غزوة الفتح، لا في حجه ولا عمره، وفي " صحيح البخاري "، ~~عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في عمرته البيت؟ قال: لا. # ( «وقالت عائشة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندي وهو قرير ~~العين طيب النفس، ثم رجع إلي وهو حزين القلب، فقلت: يا رسول الله، خرجت من ~~عندي وأنت كذا وكذا. فقال: إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني ~~أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي» ) فهذا ليس فيه أنه كان فيه حجته بل # PageV02P273 # إذا تأملته حق التأمل أطلعك التأمل ms0483 على أنه كان في غزاة الفتح، والله ~~أعلم، وسألته عائشة أن تدخل البيت، فأمرها أن تصلي في الحجر ركعتين. ### | [فصل هل وقف صلى الله عليه وسلم في الملتزم بعد الوداع] # فصل # وأما المسألة الثانية: وهي وقوفه في الملتزم، فالذي روي عنه أنه فعله يوم ~~الفتح، ففي " سنن أبي داود "، عن عبد الرحمن بن أبي صفوان، قال: لما فتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم، ~~ووضعوا خدودهم على البيت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم. # وروى أبو داود أيضا: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: ( «طفت ~~مع عبد الله، فلما حاذى دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من ~~النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه ~~وذراعيه هكذا، وبسطهما بسطا، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعله» ) . # فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد ~~والشافعي بعده وغيرهما: إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ~~ويدعو، ( «وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلتزم ما بين الركن والباب وكان ~~يقول: لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه» ) ، ~~والله أعلم. ### | [أين صلى صلى الله عليه وسلم الصبح ليلة الوداع] # فصل # وأما المسألة الثالثة: وهي موضع صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ~~صبيحة ليلة # PageV02P274 # الوداع ففي " الصحيحين ": عن أم سلمة، قالت: ( «شكوت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة. قالت: ~~فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت، وهو يقرأ ب ~~{والطور - وكتاب مسطور} [الطور: 1 - 2] » ) فهذا يحتمل أن يكون في الفجر ~~وفي غيرها، وأن يكون في طواف الوداع وغيره، فنظرنا في ذلك، فإذا البخاري قد ~~روى في " صحيحه " في ms0484 هذه القصة «أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج، ~~ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت، وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ~~ذلك، فلم تصل حتى خرجت» ) . وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر فهو طواف ~~الوداع بلا ريب، فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت، وسمعته أم سلمة يقرأ ~~فيها بالطور. ### | [ارتحاله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة] # فصل # ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة، «فلما كان بالروحاء، لقي ~~ركبا، فسلم عليهم وقال: (من القوم؟ فقالوا: المسلمون، قالوا: فمن القوم؟ ~~فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت امرأة صبيا لها من محفتها، ~~فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر» ) . # فلما أتى ذا الحليفة، بات بها، «فلما رأى المدينة، كبر ثلاث مرات وقال: ~~(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر # PageV02P275 # عبده وهزم الأحزاب وحده» ) . # ثم دخلها نهارا من طريق المعرس، وخرج من طريق الشجرة، والله أعلم. ### | [فصل في الأوهام] ### | [وهم ابن حزم في قوله إنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه أن عمرة في رمضان تعدل حجة] # فصل في الأوهام # فمنها: وهم لأبي محمد بن حزم في حجة الوداع حيث قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعلم الناس وقت خروجه ( «أن عمرة في رمضان تعدل حجة» ) وهذا وهم ~~ظاهر؛ فإنه إنما قال ذلك بعد رجوعه إلى المدينة من حجته، إذ قال لأم سنان ~~الأنصارية: ( «ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان ~~فحج أبو ولدي وابني على ناضح، وترك لنا ناضحا ننضح عليه. قال: فإذا جاء ~~رمضان فاعتمري، فإن عمرة في رمضان تقضي حجة» ) هكذا رواه مسلم في " صحيحه ~~". # وكذلك أيضا، قال هذا لأم معقل بعد رجوعه إلى المدينة، كما رواه أبو ms0485 داود، ~~من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام، «عن جدته أم معقل، قالت: لما حج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل ~~الله، فأصابنا مرض، فهلك أبو معقل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما فرغ من حجه جئته، فقال: (ما منعك أن تخرجي معنا؟ فقالت: لقد تهيأنا، ~~فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل وهو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل ~~الله. قال: # PageV02P276 # فهلا خرجت عليه؟ فإن الحج في سبيل الله، فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا ~~فاعتمري في رمضان؛ فإنها كحجة) » . # فصل # ومنها وهم آخر له، وهو أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، ~~وقد تقدم أنه خرج لخمس، وأن خروجه كان يوم السبت. ### | [وهم محب الدين الطبري بقوله خرج صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة] # فصل # ومنها وهم آخر لبعضهم، ذكر الطبري في " حجة الوداع " أنه خرج يوم الجمعة ~~بعد الصلاة. والذي حمله على هذا الوهم القبيح قوله في الحديث: خرج لست ~~بقين، فظن أن هذا لا يمكن إلا أن يكون الخروج يوم الجمعة؛ إذ تمام الست يوم ~~الأربعاء، وأول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا ريب، وهذا خطأ فاحش؛ فإنه من ~~المعلوم الذي لا ريب فيه أنه صلى الظهر يوم خروجه بالمدينة أربعا، والعصر ~~بذي الحليفة ركعتين ثبت ذلك في " الصحيحين ". # وحكى الطبري في حجته قولا ثالثا: أن خروجه كان يوم السبت وهو اختيار ~~الواقدي، وهو القول الذي رجحناه أولا، لكن الواقدي وهم في ذلك ثلاثة أوهام، ~~أحدها: أنه زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم خروجه الظهر بذي ~~الحليفة ركعتين، الوهم الثاني: أنه أحرم ذلك اليوم عقيب صلاة الظهر، وإنما ~~أحرم من الغد بعد أن بات بذي الحليفة، الوهم الثالث: أن الوقفة كانت يوم ~~السبت، وهذا لم يقله غيره، وهو وهم بين. ### | [فصل وهم القاضي عياض أنه صلى الله عليه وسلم تطيب قبل غسله ثم ms0486 غسل الطيب عنه لما اغتسل] # فصل # ومنها وهم للقاضي عياض رحمه الله وغيره أنه صلى الله عليه وسلم تطيب هناك ~~قبل # PageV02P277 # غسله، ثم غسل الطيب عنه لما اغتسل. # ومنشأ هذا الوهم من سياق ما وقع في " صحيح مسلم " في حديث عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: ( «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طاف على نسائه ~~بعد ذلك، ثم أصبح محرما» ) . # والذي يرد هذا الوهم قولها: ( «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لإحرامه» ) وقولها: كأني أنظر إلى وبيص الطيب أي: بريقه في مفارق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو محرم، وفي لفظ: وهو يلبي بعد ثلاث من إحرامه، وفي ~~لفظ: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما ~~يجد، ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك» ) ، وكل هذه الألفاظ ألفاظ ~~الصحيح. # وأما الحديث الذي احتج به فإنه حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه ~~عنها: ( «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يطوف على نسائه، ثم ~~يصبح محرما» ) ، وهذا ليس فيه ما يمنع الطيب الثاني عند إحرامه. ### | [وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر] # فصل # ومنها: وهم آخر لأبي محمد بن حزم أنه صلى الله عليه وسلم أحرم قبل الظهر، ~~وهو وهم ظاهر لم ينقل في شيء من الأحاديث، وإنما أهل عقيب صلاة الظهر في ~~موضع مصلاه، ثم ركب ناقته، واستوت به على البيداء، وهو يهل، وهذا يقينا كان ~~بعد صلاة الظهر، والله أعلم. ### | [فصل وهم ابن حزم أنه صلى الله عليه وسلم ساق الهدي مع نفسه وكان هدي تطوع] # فصل # ومنها وهم آخر له، وهو قوله: وساق الهدي مع نفسه، وكان هدي تطوع، وهذا ~~بناء منه على أصله الذي انفرد به عن الأئمة أن القارن لا يلزمه هدي وإنما # PageV02P278 # يلزم المتمتع، وقد تقدم بطلان هذا القول. ### | [وهم آخر لمن قال إنه لم يعين في إحرامه نسكا] # فصل # ومنها: وهم آخر لمن ms0487 قال: إنه لم يعين في إحرامه نسكا، بل أطلقه، ووهم من ~~قال: إنه عين عمرة مفردة كان متمتعا بها، كما قاله القاضي أبو يعلى، وصاحب ~~" المغني " وغيرهما، ووهم من قال: إنه عين حجا مفردا مجردا لم يعتمر معه، ~~ووهم من قال: إنه عين عمرة، ثم أدخل عليها الحج، ووهم من قال: إنه عين حجا ~~مفردا، ثم أدخل عليه العمرة بعد ذلك، وكان من خصائصه، وقد تقدم بيان مستند ~~ذلك، ووجه الصواب فيه. والله أعلم. # فصل # ومنها: وهم لأحمد بن عبد الله الطبري في " حجة الوداع " له أنهم لما ~~كانوا ببعض الطريق صاد أبو قتادة حمارا وحشيا ولم يكن محرما، فأكل منه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إنما كان في عمرة الحديبية، كما رواه ~~البخاري. # فصل # ومنها: وهم آخر لبعضهم، حكاه الطبري عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة ~~يوم الثلاثاء، وهو غلط فإنما دخلها يوم الأحد صبح رابعة من ذي الحجة. # فصل # ومنها: وهم من قال: إنه صلى الله عليه وسلم حل بعد طوافه وسعيه، كما قاله ~~القاضي أبو يعلى وأصحابه، وقد بينا أن مستند هذا الوهم وهم معاوية، أو من ~~روى عنه أنه قصر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة في ~~حجته. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الركن اليماني في ~~طوافه وإنما # PageV02P279 # ذلك الحجر الأسود، وسماه اليماني؛ لأنه يطلق عليه وعلى الآخر اليمانيين. ~~فعبر بعض الرواة عنه باليماني منفردا. # فصل # ومنها: وهم فاحش لأبي محمد بن حزم أنه رمل في السعي ثلاثة أشواط، ومشى ~~أربعة، وأعجب من هذا الوهم وهمه في حكاية الاتفاق على هذا القول الذي لم ~~يقله أحد سواه. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه طاف بين الصفا والمروة أربعة عشر شوطا، وكان ذهابه ~~وإيابه مرة واحدة، وقد تقدم بيان بطلانه. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر قبل ~~الوقت، ومستند هذا الوهم حديث ابن مسعود، أن ms0488 النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~«صلى الفجر يوم النحر قبل ميقاتها» ) ، وهذا إنما أراد به قبل ميقاتها الذي ~~كانت عادته أن يصليها فيه، فعجلها عليه يومئذ، ولا بد من هذا التأويل، ~~وحديث ابن مسعود إنما يدل على هذا، فإنه في " صحيح البخاري " عنه أنه قال: ~~( «هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، ~~والفجر حين يبزغ الفجر» ) ، وقال في حديث جابر في حجة الوداع: ( «فصلى ~~الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة» ) . # PageV02P280 # فصل: ومنها وهم من وهم في أنه صلى الظهر والعصر يوم عرفة، والمغرب ~~والعشاء تلك الليلة بأذانين وإقامتين، ووهم من قال: صلاهما بإقامتين بلا ~~أذان أصلا، ووهم من قال: جمع بينهما بإقامة واحدة، والصحيح أنه صلاهما ~~بأذان واحد وإقامة لكل صلاة. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه خطب بعرفة خطبتين جلس بينهما، ثم أذن المؤذن، فلما ~~فرغ أخذ في الخطبة الثانية، فلما فرغ منها أقام الصلاة، وهذا لم يجئ في شيء ~~من الأحاديث ألبتة، وحديث جابر صريح في أنه لما أكمل خطبته أذن بلال، وأقام ~~الصلاة فصلى الظهر بعد الخطبة. # فصل # ومنها: وهم لأبي ثور أنه لما صعد أذن المؤذن، فلما فرغ قام فخطب، وهذا ~~وهم ظاهر؛ فإن الأذان إنما كان بعد الخطبة. # فصل # ومنها: وهم من روى أنه قدم أم سلمة ليلة النحر، وأمرها أن توافيه صلاة ~~الصبح بمكة، وقد تقدم بيانه. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل وقد تقدم ~~بيان ذلك، وأن الذي أخره إلى الليل إنما هو طواف الوداع ومستند هذا # PageV02P281 # الوهم - والله أعلم - أن عائشة قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من آخر يومه، كذلك قال عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عنها، فحمل عنها على ~~المعنى، وقيل: أخر طواف الزيارة إلى الليل. # فصل # ومنها: وهم من وهم وقال: أنه أفاض مرتين: مرة بالنهار، ومرة مع نسائه ~~بالليل، ومستند هذا الوهم ما رواه عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن ms0489 ~~أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «أذن لأصحابه فزاروا البيت ~~يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا» ) وهذا ~~غلط، والصحيح عن عائشة خلاف هذا أنه أفاض نهارا إفاضة واحدة، وهذه طريقة ~~وخيمة جدا، سلكها ضعاف أهل العلم المتمسكون بأذيال التقليد، والله أعلم. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه طاف للقدوم يوم النحر، ثم طاف بعده للزيارة، وقد ~~تقدم مستند ذلك وبطلانه. # فصل # ومنها وهم من زعم أنه يومئذ سعى مع هذا الطواف، واحتج بذلك على أن القارن ~~يحتاج إلى سعيين، وقد تقدم بطلان ذلك عنه، وأنه لم يسع إلا سعيا واحدا، كما ~~قالت عائشة وجابر رضي الله عنهما. # PageV02P282 # فصل # ومنها: على القول الراجح وهم من قال أنه صلى الظهر يوم النحر بمكة، ~~والصحيح أنه صلاها بمنى كما تقدم. # فصل # ومنها: وهم من زعم أنه لم يسرع في وادي محسر حين أفاض من جمع إلى منى، ~~وأن ذلك إنما هو فعل الأعراب، ومستند هذا الوهم قول ابن عباس: إنما كان بدء ~~الإيضاع من قبل أهل البادية كانوا يقفون حافتي الناس حتى قد علقوا القعاب ~~والعصي والجعاب، فإذا أفاضوا تقعقعت تلك، فنفروا بالناس، ولقد رئي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإن ذفري ناقته ليمس حاركها، وهو يقول: ( «يأيها ~~الناس عليكم السكينة» ) ، وفي رواية: ( «إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، ~~فعليكم بالسكينة، فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى» ) رواه أبو داود ". ~~ولذلك أنكره طاووس والشعبي، قال الشعبي: «حدثني أسامة بن زيد أنه أفاض مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى ~~بلغ جمعا» . قال: «وحدثني الفضل بن عباس أنه كان رديف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في جمع، فلم ترفع راحلته رجلها عادية حتى رمى الجمرة» . وقال ~~عطاء: إنما أحدث هؤلاء الإسراع، # PageV02P283 # يريدون أن يفوتوا الغبار. # ومنشأ هذا الوهم اشتباه الإيضاع وقت الدفع من عرفة الذي يفعله الأعراب، ~~وجفاة الناس بالإيضاع في وادي محسر، ms0490 فإن الإيضاع هناك بدعة لم يفعله رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بل نهى عنه، والإيضاع في وادي محسر سنة نقلها عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنهم، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان ابن الزبير ~~يوضع أشد الإيضاع، وفعلته عائشة وغيرهم من الصحابة، والقول في هذا قول من ~~أثبت لا قول من نفى. والله أعلم. # فصل # ومنها وهم طاووس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة من ~~ليالي منى إلى البيت، وقال البخاري في " صحيحه " ويذكر عن أبي حسان عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يزور البيت أيام منى» ) ، ورواه ~~ابن عرعرة، قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابا، قال: سمعته من أبي، ولم ~~يقرأه، قال: وكان فيه عن أبي حسان، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( «كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى» ) ، قال: وما رأيت أحدا واطأه ~~عليه. انتهى. ورواه الثوري في " جامعه " عن ابن طاووس عن أبيه # PageV02P284 # مرسلا، وهو وهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف ~~للإفاضة وبقي في منى إلى حين الوداع والله أعلم. # فصل # ومنها وهم من قال: إنه ودع مرتين، ووهم من قال: إنه جعل مكة دائرة في ~~دخوله وخروجه، فبات بذي طوى، ثم دخل من أعلاها، ثم خرج من أسفلها، ثم رجع ~~إلى المحصب عن يمين مكة، فكملت الدائرة. # فصل # ومنها وهم من زعم أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة، فهذه كلها من ~~الأوهام نبهنا عليها مفصلا ومجملا، وبالله التوفيق. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة] # ، وهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام) ، ولم يعرف ~~عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة هدي، ولا أضحية، ولا عقيقة من ~~غيرها، وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع أربع آيات. # إحداها: قوله تعالى: ms0491 {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] [المائدة: 1] ~~. # والثانية: قوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] [الحج: 28] . # والثالثة: قوله تعالى: # PageV02P285 # {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين - ثمانية أزواج} [الأنعام: 142 - 143] [الأنعام 142، 143] ~~ثم ذكرها. # الرابعة: قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] [المائدة 95] . # فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية، وهذا ~~استنباط علي بن أبي طالب رضي الله عنه. # والذبائح التي هي قربة إلى الله وعبادة هي ثلاثة: الهدي، والأضحية، ~~والعقيقة. # فأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم، وأهدى الإبل، وأهدى عن نسائه ~~البقر، وأهدى في مقامه، وفي عمرته، وفي حجته، وكانت سنته تقليد الغنم دون ~~إشعارها. # وكان إذا بعث بهديه وهو مقيم لم يحرم عليه شيء كان منه حلالا. # وكان إذا أهدى الإبل قلدها وأشعرها، فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى ~~يسيل الدم. قال الشافعي: والإشعار في الصفحة اليمنى، كذلك أشعر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وكان إذا بعث بهديه ( «أمر رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحره، ثم ~~يصبغ نعله في دمه، ثم يجعله على صفحته، ولا يأكل منه هو، ولا أحد من أهل ~~رفقته، ثم يقسم لحمه» ) ، ومنعه من هذا الأكل سدا للذريعة؛ فإنه لعله ربما # PageV02P286 # قصر في حفظه ليشارف العطب، فينحره ويأكل منه، فإذا علم أنه لا يأكل منه ~~شيئا، اجتهد في حفظه. # وشرك بين أصحابه في الهدي كما تقدم: البدنة عن سبعة، والبقرة كذلك. # ( «وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج إليه حتى يجد ظهرا غيره» ~~) ، وقال علي رضي الله عنه: (يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها) . # وكان هديه صلى الله عليه وسلم نحر الإبل قياما، مقيدة معقولة اليسرى، على ~~ثلاث وكان يسمي الله عند نحره، ويكبر، وكان يذبح نسكه بيده، وربما وكل في ~~بعضه كما أمر عليا رضي الله عنه أن يذبح ما بقي من المائة. # ( «وكان إذا ذبح الغنم وضع ms0492 قدمه على صفاحها ثم سمى، وكبر وذبح» ) ، وقد ~~تقدم أنه نحر بمنى، وقال: ( «إن فجاج مكة كلها منحر» ) ، وقال ابن عباس: ~~مناحر البدن بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومنى من مكة، وكان ابن عباس ينحر ~~بمكة. # وأباح صلى الله عليه وسلم لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزودوا ~~منها ونهاهم # PageV02P287 # مرة أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام من الناس، فأحب ~~أن يوسعوا عليهم، وذكر أبو داود من حديث جبير بن نفير عن ثوبان قال: «ضحى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (يا ثوبان أصلح لنا لحم هذه الشاة» ~~) قال: فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة. # وروى مسلم هذه القصة، ولفظه فيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~له في حجة الوداع: ( «أصلح هذا اللحم، قال: فأصلحته، فلم يزل يأكل منه حتى ~~بلغ المدينة» ) . # وكان ربما قسم لحوم الهدي، وربما قال: ( «من شاء اقتطع» ) فعل هذا، # PageV02P288 # وفعل هذا، واستدل بهذا على جواز النهبة في النثار في العرس ونحوه، وفرق ~~بينهما بما لا يتبين. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في ذبح هدي العمرة والقران] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران ~~بمنى، وكذلك كان ابن عمر يفعل، ولم ينحر هديه صلى الله عليه وسلم قط إلا ~~بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر، ولا أحد من الصحابة ألبتة، ولم ينحره ~~أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي، فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر، ~~أولها: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، وهكذا رتبها صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس ألبتة، ولا ريب أن ذلك مخالف ~~لهديه، فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس. ### | [فصل هديه في الأضاحي] # فصل وأما هديه في الأضاحي فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع الأضحية، ~~وكان يضحي بكبشين، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد، وأخبر أن ( «من ذبح قبل ~~الصلاة فليس من ms0493 النسك في شيء، وإنما هو لحم قدمه لأهله» ) هذا الذي دلت ~~عليه سنته وهديه لا الاعتبار بوقت الصلاة والخطبة، بل بنفس فعلها، وهذا هو ~~الذي ندين الله به ( «وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه» ) ~~وهي المسنة. # PageV02P289 # وروي عنه أنه قال: ( «كل أيام التشريق ذبح» ) لكن الحديث منقطع لا يثبت ~~وصله. # وأما نهيه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على أن أيام الذبح ~~ثلاثة فقط؛ لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئا فوق ثلاثة أيام من ~~يوم ذبحه، فلو أخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار وقت النهي ما ~~بينه وبين ثلاثة أيام، والذين حددوه بالثلاث # PageV02P290 # فهموا من نهيه عن الادخار فوق ثلاث أن أولها من يوم النحر، قالوا: وغير ~~جائز أن يكون الذبح مشروعا في وقت يحرم فيه الأكل، قالوا: ثم نسخ تحريم ~~الأكل فبقي وقت الذبح بحاله. # فيقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه إلا عن الادخار فوق ثلاث ~~لم ينه عن التضحية بعد ثلاث، فأين أحدهما من الآخر؟ ولا تلازم بين ما نهى ~~عنه، وبين اختصاص الذبح بثلاث لوجهين. # أحدهما: أنه يسوغ الذبح في اليوم الثاني والثالث، فيجوز له الادخار إلى ~~تمام الثلاث من يوم الذبح، ولا يتم لكم الاستدلال حتى يثبت النهي عن الذبح ~~بعد يوم النحر، ولا سبيل لكم إلى هذا. # الثاني: أنه لو ذبح في آخر جزء من يوم النحر لساغ له حينئذ الادخار ثلاثة ~~أيام بعده بمقتضى الحديث، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أيام ~~النحر يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن، وإمام ~~أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل ~~الحديث الشافعي رحمه الله واختاره ابن المنذر؛ ولأن الثلاثة تختص بكونها ~~أيام منى، وأيام الرمي وأيام التشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوة في هذه ~~الأحكام فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع. وروي من وجهين ~~مختلفين يشد أحدهما ms0494 الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «كل منى ~~منحر، وكل أيام التشريق ذبح» ) روي من حديث جبير بن مطعم، وفيه انقطاع، ومن ~~حديث أسامة بن زيد، عن عطاء عن جابر. # PageV02P291 # قال يعقوب بن سفيان: أسامة بن زيد عند أهل المدينة ثقة مأمون. # وفي هذه المسألة أربعة أقوال هذا أحدها. # والثاني: أن وقت الذبح يوم النحر ويومان بعده، وهذا مذهب أحمد ومالك، ~~وأبي حنيفة رحمهم الله، قال أحمد: هو قول غير واحد من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وذكره الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم. # الثالث: أن وقت النحر يوم واحد، وهو قول ابن سيرين، لأنه اختص بهذه ~~التسمية فدل على اختصاص حكمها به، ولو جاز في الثلاثة لقيل لها: أيام النحر ~~كما قيل لها: أيام الرمي وأيام منى، وأيام التشريق، ولأن العيد يضاف إلى ~~النحر، وهو يوم واحد كما يقال عيد الفطر. # الرابع: قول سعيد بن جبير، وجابر بن زيد: إنه يوم واحد في الأمصار وثلاثة ~~أيام في منى؛ لأنها هناك أيام أعمال المناسك من الرمي والطواف والحلق فكانت ~~أياما للذبح بخلاف أهل الأمصار. ### | [فصل مسائل تتعلق بالأضحية] # فصل # ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن ( «من أراد التضحية ودخل يوم العشر، فلا ~~يأخذ من شعره وبشره شيئا» ) ثبت النهي عن ذلك في " صحيح مسلم ". وأما ~~الدارقطني # PageV02P292 # فقال: الصحيح عندي أنه موقوف على أم سلمة. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم اختيار الأضحية واستحسانها، وسلامتها من ~~العيوب، ( «ونهى أن يضحى بعضباء الأذن والقرن» ) أي مقطوعة الأذن ومكسورة ~~القرن، النصف فما زاد، ذكره أبو داود، ( «وأمر أن تستشرف العين والأذن» ) ~~أي: ينظر إلى سلامتها، وأن لا يضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا ~~شرقاء، ولا خرقاء. والمقابلة هي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة التي قطع ~~مؤخر أذنها، والشرقاء التي شقت أذنها، والخرقاء التي خرقت أذنها. ذكره أبو ~~داود. # وذكر عنه أيضا ( «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، ~~والمريضة البين مرضها، والعرجاء ms0495 البين عرجها، والكسيرة التي لا تنقي، ~~والعجفاء التي لا تنقي» ) أي من هزالها لا مخ فيها. وذكر أيضا أن # PageV02P293 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «نهى عن المصفرة والمستأصلة، والبخقاء، ~~والمشيعة، والكسراء» ) فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، ~~والمستأصلة التي استوصل قرنها من أصله، والبخقاء التي بخقت عينها، والمشيعة ~~التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا، والكسراء الكسيرة، والله أعلم. ### | [كان صلى الله عليه وسلم يضحي بالمصلى] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يضحي بالمصلى، ذكره أبو داود «عن ~~جابر أنه شهد معه الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره، وأتي بكبش ~~فذبحه بيده، وقال: (بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» ) ~~. وفي " الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يذبح وينحر ~~بالمصلى» ) . # PageV02P294 ### | [دعاؤه صلى الله عليه وسلم قبل الذبح] # وذكر أبو داود عنه «أنه ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما ~~وجههما قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من ~~المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، ~~وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته، بسم الله، ~~والله أكبر» ) ، ثم ذبح. # وأمر الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا، وإذا قتلوا أن يحسنوا القتلة وقال: ( ~~«إن الله كتب الإحسان على كل شيء» ) ### | [تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته] # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته، ~~ولو كثر عددهم، كما قال عطاء بن يسار: «سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت ~~الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (إن كان الرجل يضحي ~~بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون» ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # PageV02P295 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة] # في " الموطأ " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة فقال: ~~(لا أحب العقوق» ) كأنه كره الاسم ذكره عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ms0496 ~~ضمرة، عن أبيه. قال ابن عبد البر: وأحسن أسانيده ما ذكره عبد الرزاق: أنبأ ~~داود بن قيس، قال: # PageV02P296 # سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه، عن جده، قال: «سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن العقيقة فقال: (لا أحب العقوق» ) ، وكأنه كره الاسم ( «قالوا: ~~يا رسول الله ينسك أحدنا عن ولده؟ فقال من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل ~~عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» ) . # وصح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها ( «عن الغلام شاتان، وعن الجارية ~~شاة» ) . ### | [معنى كل غلام رهينة بعقيقته] # وقال: ( «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى» ) # قال الإمام أحمد: معناه أنه محبوس عن الشفاعة في أبويه، والرهن في اللغة ~~الحبس قال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] [المدثر 38] ، ~~وظاهر الحديث أنه رهينة في نفسه ممنوع محبوس عن خير يراد به، ولا يلزم من ~~ذلك أن يعاقب على ذلك في الآخرة، وإن حبس بترك أبويه العقيقة عما يناله من ~~عق عنه أبواه، وقد يفوت الولد خير بسبب تفريط الأبوين، وإن لم يكن من كسبه ~~كما أنه عند الجماع إذا سمى أبوه لم يضر الشيطان ولده، وإذا ترك التسمية لم ~~يحصل للولد هذا الحفظ. # وأيضا، فإن هذا إنما يدل على أنها لازمة لا بد منها، فشبه لزومها وعدم # PageV02P297 # انفكاك المولود عنها بالرهن. وقد يستدل بهذا من يرى وجوبها كالليث بن ~~سعد، والحسن البصري، وأهل الظاهر. والله أعلم. ### | [هل التدمية من العقيقة صحيحة أو غلط] # فإن قيل: فكيف تصنعون في رواية همام عن قتادة في هذا الحديث ": ويدمى " ~~قال همام: سئل قتادة عن قوله: و " يدمى " كيف يصنع بالدم؟ فقال: إذا ذبحت ~~العقيقة أخذت منها صوفة، واستقبلت بها أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي ~~حتى تسيل على رأسه مثل الخيط ثم يغسل رأسه بعد ويحلق. # قيل: اختلف الناس في ذلك فمن قائل: هذا من رواية الحسن عن سمرة، ولا يصح ~~سماعه عنه، ومن قائل: سماع الحسن عن سمرة حديث العقيقة ms0497 هذا صحيح، صححه ~~الترمذي وغيره، وقد ذكره البخاري في " صحيحه " عن حبيب بن الشهيد، قال: قال ~~لي محمد بن سيرين: اذهب فسل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسأله، فقال: ~~سمعته من سمرة. # ثم اختلف في التدمية بعد، هل هي صحيحة أو غلط؟ على قولين. فقال أبو داود ~~في " سننه ": هي وهم من همام بن يحيى. وقوله ويدمى، إنما هو " ويسمى " وقال ~~غيره: كان في لسان همام لثغة فقال: " ويدمى " وإنما أراد أن يسمى، وهذا لا ~~يصح، فإن هماما وإن كان وهم في اللفظ ولم يقمه لسانه، فقد حكى عن قتادة صفة ~~التدمية وأنه سئل عنها، فأجاب بذلك، وهذا لا تحتمله اللثغة بوجه. فإن كان ~~لفظ التدمية هنا وهما، فهو من قتادة، أو من الحسن، والذين أثبتوا لفظ ~~التدمية قالوا: إنه من سنة العقيقة، وهذا مروي عن الحسن وقتادة، والذين ~~منعوا التدمية كمالك، والشافعي، وأحمد وإسحاق، قالوا: " ويدمى " غلط، وإنما ~~هو " ويسمى " قالوا: وهذا كان من عمل أهل الجاهلية، فأبطله الإسلام بدليل ~~ما رواه أبو داود، عن بريدة بن الحصيب قال: ( «كنا في الجاهلية إذا ولد ~~لأحدنا غلام ذبح شاة، ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح # PageV02P298 # شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران» ) . # قالوا: وهذا وإن كان في إسناده الحسين بن واقد، ولا يحتج به، فإذا انضاف ~~إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( «أميطوا عنه الأذى» ) ، والدم أذى، ~~فكيف يأمرهم أن يلطخوه بالأذى؟ # قالوا: ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبش ~~كبش، ولم يدمهما، ولا كان ذلك من هديه وهدي أصحابه قالوا: وكيف يكون من ~~سنته تنجيس رأس المولود، وأين لهذا شاهد، ونظير في سنته، وإنما يليق هذا ~~بأهل الجاهلية. ### | [هل عقيقة الغلام شاتان] # فصل # فإن قيل: عقه عن الحسن والحسين بكبش كبش يدل على أن هديه أن على الرأس ~~رأسا، وقد صحح عبد الحق الإشبيلي من حديث ابن عباس وأنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( «عق عن الحسن بكبش، وعن الحسين بكبش» ms0498 ) وكان مولد الحسن عام ~~أحد، والحسين في العام القابل منه. # PageV02P299 # وروى الترمذي من حديث علي رضي الله عنه قال: «عق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الحسن شاة، وقال: (يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة، ~~فوزناه فكان وزنه درهما، أو بعض درهم» ) وهذا وإن لم يكن إسناده متصلا ~~فحديث أنس وابن عباس يكفيان. # قالوا: لأنه نسك فكان على الرأس مثله كالأضحية ودم التمتع. فالجواب أن ~~أحاديث الشاتين عن الذكر، والشاة عن الأنثى أولى أن يؤخذ بها لوجوه. # أحدها: كثرتها، فإن رواتها: عائشة وعبد الله بن عمرو، وأم كرز الكعبية، ~~وأسماء. # فروى أبو داود عن أم كرز قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~( «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» ) . # قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: مكافئتان مستويتان أو مقاربتان، قلت: هو ~~مكافأتان بفتح الفاء ومكافئتان بكسرها، والمحدثون يختارون الفتح، قال ~~الزمخشري: لا فرق بين الروايتين لأن كل من كافأته، فقد كافأك. وروي أيضا ~~عنها ترفعه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «أقروا الطير على ~~مكناتها» ) . # PageV02P300 # وسمعته يقول: ( «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة، لا يضركم ~~أذكرانا كن أم إناثا» ) وعنها أيضا ترفعه ( «عن الغلام شاتان مثلان، وعن ~~الجارية شاة» ) ، وقال الترمذي حديث صحيح. # وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده في ذلك، وعن عائشة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمرهم ( «عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة» ) ~~. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وروى إسماعيل بن عياش عن ثابت بن عجلان، عن مجاهد عن أسماء عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: ( «يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» ) ~~. قال مهنا: قلت لأحمد: من أسماء؟ فقال: ينبغي أن تكون أسماء بنت أبي بكر. # وفي كتاب الخلال قال مهنا: قلت لأحمد: حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا ~~عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث أن أيوب بن موسى حدثه أن يزيد ~~بن عبد المزني حدثه عن ms0499 أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «يعق عن ~~الغلام ولا يمس رأسه بدم» ) ، وقال: ( «في الإبل الفرع، وفي الغنم الفرع» ) ~~، فقال # PageV02P301 # أحمد: ما أعرفه، ولا أعرف عبد بن يزيد المزني، ولا هذا الحديث. فقلت له: ~~أتنكره؟ فقال: لا أعرفه، وقصة الحسن والحسين رضي الله عنهما حديث واحد. # الثاني: أنها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث الشاتين من قوله، ~~وقوله عام، وفعله يحتمل الاختصاص. # الثالث: أنها متضمنة لزيادة، فكان الأخذ بها أولى. # الرابع: أن الفعل يدل على الجواز، والقول على الاستحباب، والأخذ بهما ~~ممكن، فلا وجه لتعطيل أحدهما. # الخامس: أن قصة الذبح عن الحسن والحسين كانت عام أحد والعام الذي بعده، ~~وأم كرز سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ما روته عام الحديبية سنة ست بعد ~~الذبح عن الحسن والحسين، قاله النسائي في كتابه الكبير. # السادس: أن قصة الحسن والحسين يحتمل أن يراد بها بيان جنس المذبوح، وأنه ~~من الكباش لا تخصيصه بالواحد كما قالت عائشة: «ضحى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن نسائه بقرة، وكن تسعا» ، ومرادها: الجنس لا التخصيص بالواحدة. # السابع: أن الله سبحانه فضل الذكر على الأنثى، كما قال: {وليس الذكر ~~كالأنثى} [آل عمران: 36] [آل عمران 37] ، ومقتضى هذا التفاضل ترجيحه عليها ~~في الأحكام، وقد جاءت الشريعة بهذا التفضيل في جعل الذكر كالأنثيين في ~~الشهادة والميراث والدية، فكذلك ألحقت العقيقة بهذه الأحكام. # الثامن: أن العقيقة تشبه العتق عن المولود، فإنه رهين بعقيقته، فالعقيقة ~~تفكه وتعتقه، وكان الأولى أن يعق عن الذكر بشاتين، وعن الأنثى بشاة، كما أن ~~عتق الأنثيين يقوم مقام عتق الذكر. كما في " جامع الترمذي " وغيره عن أبي ~~أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «أيما امرئ مسلم أعتق ~~امرأ مسلما، كان فكاكه من # PageV02P302 # النار يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين ~~كانتا فكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة ~~أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزي كل ms0500 عضو منها عضوا منها» ) ، ~~وهذا حديث صحيح. # فصل # ذكر أبو داود في " المراسيل " عن جعفر بن محمد، عن أبيه «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين رضي الله ~~عنهما، (أن ابعثوا إلى بيت القابلة برجل، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها ~~عظما» ) . ### | [هل عق صلى الله عليه وسلم عن نفسه] # فصل # وذكر ابن أيمن من حديث أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(عق عن نفسه بعد أن جاءته النبوة» ) ، وهذا الحديث قال أبو داود في " ~~مسائله ": سمعت أحمد حدثهم بحديث الهيثم بن جميل، عن عبد الله بن المثنى، ~~عن ثمامة، عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن نفسه» ) ، فقال أحمد ~~عبد الله بن محرر، عن قتادة، عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم (عق عن ~~نفسه» ) ، قال مهنا: قال أحمد: هذا منكر، وضعف عبد الله بن المحرر. ### | [الأذان في أذن المولود] # فصل # ذكر أبو داود «عن أبي رافع قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ~~أذن الحسن بن علي # PageV02P303 # حين ولدته أمه فاطمة رضي الله عنها بالصلاة) » . ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تسمية المولود وختانه] # قد تقدم قوله في حديث قتادة عن الحسن عن سمرة في العقيقة ( «تذبح يوم ~~سابعه ويسمى» ) ، قال الميموني: تذاكرنا لكم يسمى الصبي؟ قال لنا أبو عبد ~~الله: يروى عن أنس أنه يسمى لثلاثة، وأما سمرة فقال: يسمى في اليوم السابع. # فأما الختان فقال ابن عباس: كانوا لا يختنون الغلام حتى يدرك. قال ~~الميموني: سمعت أحمد يقول: كان الحسن يكره أن يختن الصبي يوم سابعه، وقال ~~حنبل: إن أبا عبد الله قال: وإن ختن يوم السابع فلا بأس، وإنما كره الحسن ~~ذلك لئلا يتشبه باليهود، وليس في هذا شيء. # قال مكحول: ختن إبراهيم ابنه إسحاق لسبعة أيام، وختن إسماعيل لثلاث عشرة ~~سنة، ذكره الخلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فصار ختان إسحاق سنة في ~~ولده، وختان ms0501 إسماعيل سنة في ولده، وقد تقدم الخلاف في ختان النبي صلى الله ~~عليه وسلم متى كان ذلك. # PageV02P304 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ~~ملك الأملاك، لا ملك إلا الله» ) . # وثبت عنه أنه قال: ( «أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، ~~وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة» ) # وثبت عنه أنه قال: ( «لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا ~~أفلح؛ فإنك تقول: أثمت هو؟ فلا يكون، فيقال: لا» ) . # PageV02P305 # وثبت عنه أنه ( «غير اسم عاصية، وقال: أنت جميلة» ) وكان اسم جويرية برة، ~~فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم جويرية. وقالت زينب بنت أم سلمة: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمى بهذا الاسم، فقال: ( «لا تزكوا ~~أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم» ) . # ( «وغير اسم أصرم بزرعة» ) ، ( «وغير اسم أبي الحكم بأبي شريح» ) ، ( ~~«وغير اسم حزن جد سعيد بن المسيب، وجعله سهلا، فأبى وقال: " السهل يوطأ ~~ويمتهن» ) . # قال أبو داود: ( «وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة ~~وشيطان والحكم وغراب وحباب وشهاب، فسماه هشاما، وسمى حربا سلما، وسمى ~~المضطجع المنبعث وأرضا تسمى عفرة سماها خضرة، وشعب الضلالة سماه شعب الهدى، ~~وبنو الزنية سماهم بني الرشدة، وسمى بني مغوية بني رشدة» ) . # PageV02P306 ### | [اختيار الأسماء الحسنة لأن الأسماء قوالب للمعاني] # فصل في فقه هذا الباب # لما كانت الأسماء قوالب للمعاني، ودالة عليها، اقتضت الحكمة أن يكون ~~بينها وبينها ارتباط وتناسب، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحض ~~الذي لا تعلق له بها، فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك، والواقع يشهد بخلافه، بل ~~للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح، ~~والخفة والثقل، واللطافة والكثافة كما قيل: # وقلما أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه # ( «وكان صلى الله عليه وسلم يستحب الاسم الحسن، وأمر إذا أبردوا إليه ~~بريدا أن يكون حسن الاسم حسن ms0502 الوجه» ) # وكان يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة كما ( «رأى أنه وأصحابه ~~في دار عقبة بن رافع، فأتوا برطب من رطب ابن طاب، فأوله بأن لهم الرفعة في ~~الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن الدين الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب ~~وطاب، وتأول سهولة أمرهم يوم الحديبية من مجيء سهيل بن عمرو إليه» ) . # PageV02P307 # ( «وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجل يحلبها، فقال: " ما اسمك؟ " قال: " ~~مرة فقال: اجلس، فقام آخر، فقال: " ما اسمك؟ " قال: أظنه حرب، فقال: اجلس، ~~فقام آخر، فقال: " ما اسمك؟ " فقال: يعيش، فقال: " احلبها» ) . # وكان يكره الأمكنة المنكرة الأسماء ويكره العبور فيها، كما مر في بعض ~~غزواته بين جبلين، فسأل عن اسميهما، فقالوا: فاضح ومخز، فعدل عنهما، ولم ~~يجز بينهما. # ولما كان بين الأسماء والمسميات من الارتباط والتناسب والقرابة ما بين ~~قوالب الأشياء وحقائقها، وما بين الأرواح والأجسام عبر العقل من كل منهما ~~إلى الآخر كما كان إياس بن معاوية وغيره يرى الشخص، فيقول: ينبغي أن يكون ~~اسمه كيت وكيت، فلا يكاد يخطئ، وضد هذا العبور من الاسم إلى مسماه كما سأل ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا عن اسمه، فقال: جمرة، فقال: واسم أبيك؟ ~~قال: شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: فمنزلك؟ قال: بحرة النار، قال: ~~فأين مسكنك؟ قال: بذات لظى، قال: اذهب فقد احترق مسكنك، فذهب فوجد الأمر ~~كذلك، فعبر عمر من الألفاظ إلى أرواحها ومعانيها، كما عبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اسم سهيل إلى سهولة أمرهم يوم الحديبية، فكان الأمر كذلك، وقد ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتحسين أسمائهم، وأخبر أنهم يدعون يوم # PageV02P308 # القيامة بها، وفي هذا - والله أعلم - تنبيه على تحسين الأفعال المناسبة ~~لتحسين الأسماء؛ لتكون الدعوة على رءوس الأشهاد بالاسم الحسن، والوصف ~~المناسب له. # وتأمل كيف اشتق للنبي صلى الله عليه وسلم من وصفه اسمان مطابقان لمعناه، ~~وهما أحمد ومحمد، فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة محمد، ولشرفها ~~وفضلها على صفات غيره أحمد، فارتبط ms0503 الاسم بالمسمى ارتباط الروح بالجسد، ~~وكذلك تكنيته صلى الله عليه وسلم لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل، كنية مطابقة ~~لوصفه ومعناه، وهو أحق الخلق بهذه الكنية، وكذلك تكنية الله عز وجل لعبد ~~العزى بأبي لهب؛ لما كان مصيره إلى نار ذات لهب كانت هذه الكنية أليق به ~~وأوفق، وهو بها أحق وأخلق. # ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، واسمها يثرب لا تعرف بغير ~~هذا الاسم غيره بطيبة؛ لما زال عنها ما في لفظ يثرب من التثريب بما في معنى ~~طيبة من الطيب، استحقت هذا الاسم، وازدادت به طيبا آخر، فأثر طيبها في ~~استحقاق الاسم، وزادها طيبا إلى طيبها. # ولما كان الاسم الحسن يقتضي مسماه ويستدعيه من قرب، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده: ( «يا بني عبد ~~الله إن الله قد حسن اسمكم واسم أبيكم» ) ، فانظر كيف دعاهم إلى عبودية ~~الله بحسن اسم أبيهم # PageV02P309 # وبما فيه من المعنى المقتضي للدعوة، وتأمل أسماء الستة المتبارزين يوم ~~بدر كيف اقتضى القدر مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذ، فكان الكفار شيبة ~~وعتبة والوليد، ثلاثة أسماء من الضعف، فالوليد له بداية الضعف، وشيبة له ~~نهاية الضعف، كما قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54] [الروم: 54] ، وعتبة من ~~العتب، فدلت أسماؤهم على عتب يحل بهم، وضعف ينالهم، وكان أقرانهم من ~~المسلمين علي، وعبيدة، والحارث رضي الله عنهم، ثلاثة أسماء تناسب أوصافهم ~~وهي العلو، والعبودية، والسعي الذي هو الحرث، فعلوا عليهم بعبوديتهم وسعيهم ~~في حرث الآخرة. # ولما كان الاسم مقتضيا لمسماه ومؤثرا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما ~~اقتضى أحب الأوصاف إليه كعبد الله، وعبد الرحمن، وكان إضافة العبودية إلى ~~اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما، كالقاهر والقادر، ~~فعبد الرحمن أحب إليه من عبد القادر، وعبد الله أحب إليه من عبد ربه؛ وهذا ~~لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله ms0504 إنما هو العبودية المحضة، والتعلق ~~الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده، ~~والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفا، ورجاء وإجلالا ~~وتعظيما، فيكون عبدا لله، وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي ~~يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمته غضبه وكانت الرحمة أحب إليه من ~~الغضب، كان عبد الرحمن أحب إليه من عبد القاهر. # فصل # ولما كان كل عبد متحركا بالإرادة، والهم مبدأ الإرادة، ويترتب على إرادته ~~حركته، وكسبه، كان أصدق الأسماء اسم همام واسم حارث؛ إذ لا ينفك مسماهما # PageV02P310 # عن حقيقة معناهما، ولما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة ~~سواه كان أخنع اسم، وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم " شاهان شاه " أي: ملك ~~الملوك وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسمية غيره بهذا من ~~أبطل الباطل، والله لا يحب الباطل. # وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا " قاضي القضاة "، وقال: ليس قاضي القضاة إلا ~~من يقضي الحق، وهو خير الفاصلين الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن ~~فيكون. ويلي هذا الاسم في الكراهة والقبح والكذب سيد الناس، وسيد الكل، ~~وليس ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة كما قال: ( «أنا سيد ولد ~~آدم يوم القيامة ولا فخر» ) فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: إنه سيد ~~الناس، وسيد الكل، كما لا يجوز أن يقول: إنه سيد ولد آدم. # فصل # ولما كان مسمى الحرب والمرة أكره شيء للنفوس، وأقبحها عندها، كان أقبح ~~الأسماء حربا، ومرة، وعلى قياس هذا حنظلة وحزن، وما أشبههما، وما أجدر هذه ~~الأسماء بتأثيرها في مسمياتها، كما أثر اسم " حزن " الحزونة في سعيد بن ~~المسيب وأهل بيته. # PageV02P311 # فصل # ولما كان الأنبياء سادات بني آدم، وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أصح ~~الأعمال، كانت أسماؤهم أشرف الأسماء، فندب النبي صلى الله عليه وسلم أمته ~~إلى التسمي بأسمائهم، كما في " سنن أبي داود "، والنسائي عنه ( «تسموا ~~بأسماء الأنبياء» ) ، ولو لم يكن في ms0505 ذلك من المصالح إلا أن الاسم يذكر ~~بمسماه ويقتضي التعلق بمعناه لكفى به مصلحة مع ما في ذلك من حفظ أسماء ~~الأنبياء وذكرها، وأن لا تنسى، وأن تذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم. ### | [فصل علة النهي عن التسمية بيسار وأفلح ونجيح ورباح] # فصل # وأما النهي عن تسمية الغلام ب: يسار وأفلح ونجيح ورباح، فهذا لمعنى آخر ~~قد أشار إليه في الحديث، وهو قوله: ( «فإنك تقول: أثمت هو؟ فيقال: لا» ) - ~~والله أعلم - هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع أو مدرجة من قول ~~الصحابي؟ وبكل حال فإن هذه الأسماء لما كانت قد توجب تطيرا تكرهه النفوس، ~~ويصدها عما هي بصدده كما إذا قلت لرجل: أعندك يسار أو رباح أو أفلح؟ قال: ~~لا، تطيرت أنت وهو من ذلك، وقد تقع الطيرة لا سيما على المتطيرين، فقل من ~~تطير إلا ووقعت به طيرته، وأصابه طائره كما قيل: # تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير فهو الثبور # PageV02P312 # اقتضت حكمة الشارع الرءوف بأمته الرحيم بهم أن يمنعهم من أسباب توجب لهم ~~سماع المكروه أو وقوعه، وأن يعدل عنها إلى أسماء تحصل المقصود من غير ~~مفسدة، هذا أولى، مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه بأن يسمى ~~يسارا من هو من أعسر الناس، ونجيحا من لا نجاح عنده، ورباحا من هو من ~~الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله. وأمر آخر أيضا، وهو أن ~~يطالب المسمى بمقتضى اسمه فلا يوجد عنده فيجعل ذلك سببا لذمه وسبه كما قيل: # سموك من جهلهم سديدا ... والله ما فيك من سداد # أنت الذي كونه فسادا ... في عالم الكون والفساد # فتوصل الشاعر بهذا الاسم إلى ذم المسمى به. ولي من أبيات: # وسميته صالحا فاغتدى ... بضد اسمه في الورى سائرا # وظن بأن اسمه ساتر ... لأوصافه فغدا شاهرا # وهذا كما أن من المدح ما يكون ذما وموجبا لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس ~~فإنه يمدح بما ليس فيه فتطالبه النفوس بما مدح به وتظنه عنده فلا تجده كذلك ~~فتنقلب ذما، ولو ms0506 ترك بغير مدح لم تحصل له هذه المفسدة ويشبه حاله حال من ~~ولي ولاية سيئة، ثم عزل عنها، فإنه تنقص مرتبته عما كان عليه قبل الولاية، ~~وينقص في نفوس الناس عما كان عليه قبلها، وفي هذا قال القائل: # إذا ما وصفت امرأ لامرئ ... فلا تغل في وصفه واقصد # فإنك إن تغل تغل الظنون ... فيه إلى الأمد الأبعد # فينقص من حيث عظمته ... لفضل المغيب عن المشهد # وأمر آخر: وهو ظن المسمى واعتقاده في نفسه أنه كذلك فيقع في تزكية # PageV02P313 # نفسه وتعظيمها، وترفعها على غيره، وهذا هو المعنى الذي نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأجله أن تسمى " برة "، وقال: ( «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم ~~بأهل البر منكم» ) ، وعلى هذا فتكره التسمية ب: التقي والمتقي، والمطيع ~~والطائع والراضي، والمحسن والمخلص والمنيب والرشيد والسديد. وأما تسمية ~~الكفار بذلك فلا يجوز التمكين منه ولا دعاؤهم بشيء من هذه الأسماء، ولا ~~الإخبار عنهم بها، والله عز وجل يغضب من تسميتهم بذلك. ### | [الكنية] # فصل # وأما الكنية فهي نوع تكريم للمكني، وتنويه به كما قال الشاعر: # أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقب # ( «وكنى النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا بأبي يحيى، وكنى عليا رضي الله ~~عنه بأبي تراب إلى كنيته بأبي الحسن، وكانت أحب كنيته إليه، وكنى أخا أنس ~~بن مالك وكان صغيرا دون البلوغ بأبي عمير» ) . # وكان هديه صلى الله عليه وسلم تكنية من له ولد، ومن لا ولد له، ولم يثبت ~~عنه أنه نهى عن كنية إلا الكنية بأبي القاسم، فصح عنه أنه قال: ( «تسموا ~~باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» ) فاختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال. # PageV02P314 # أحدها: أنه لا يجوز التكني بكنيته مطلقا، سواء أفردها عن اسمه أو قرنها ~~به، وسواء محياه وبعد مماته، وعمدتهم عموم هذا الحديث الصحيح وإطلاقه، وحكى ~~البيهقي ذلك عن الشافعي، قالوا: لأن النهي إنما كان لأن معنى هذه الكنية ~~والتسمية مختصة به صلى الله عليه وسلم، وقد أشار إلى ذلك بقوله ( «والله لا ~~أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا، ms0507 وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» ) قالوا: ومعلوم ~~أن هذه الصفة ليست على الكمال لغيره. واختلف هؤلاء في جواز تسمية المولود ~~بقاسم، فأجازه طائفة ومنعه آخرون، والمجيزون نظروا إلى أن العلة عدم مشاركة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختص به من الكنية، وهذا غير موجود في ~~الاسم، والمانعون نظروا إلى أن المعنى الذي نهى عنه في الكنية موجود مثله ~~هنا في الاسم سواء، أو هو أولى بالمنع، قالوا: وفي قوله ( «إنما أنا قاسم» ~~) إشعار بهذا الاختصاص. # القول الثاني: أن النهي إنما هو عن الجمع بين اسمه وكنيته، فإذا أفرد ~~أحدهما عن الآخر، فلا بأس. قال أبو داود: باب: من رأى أن لا يجمع بينهما، ~~ثم ذكر حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «من ~~تسمى باسمي فلا يتكن بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي» ) ورواه ~~الترمذي وقال حديث # PageV02P315 # حسن غريب، وقد رواه الترمذي أيضا من حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي ~~هريرة، وقال حسن صحيح، ولفظه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع ~~أحد بين اسمه وكنيته» ، ويسمي محمدا أبا القاسم، قال أصحاب هذا القول: فهذا ~~مقيد مفسر لما في " الصحيحين " من نهيه عن التكني بكنيته قالوا: ولأن في ~~الجمع بينهما مشاركة في الاختصاص بالاسم والكنية، فإذا أفرد أحدهما عن ~~الآخر زال الاختصاص. # القول الثالث، جواز الجمع بينهما، وهو المنقول عن مالك، واحتج أصحاب هذا ~~القول بما رواه أبو داود والترمذي من حديث محمد ابن الحنفية، «عن علي رضي ~~الله عنه قال قلت: يا رسول الله إن ولد لي ولد من بعدك أسميه باسمك وأكنيه ~~بكنيتك؟ قال " نعم» قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وفي " سنن أبي داود " «عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني ولدت غلاما فسميته ~~محمدا وكنيته أبا القاسم فذكر لي أنك تكره ذلك؟ فقال: (ما الذي أحل اسمي ~~وحرم كنيتي) » أو " ما الذي ms0508 حرم كنيتي وأحل اسمي " قال هؤلاء: وأحاديث ~~المنع منسوخة بهذين الحديثين. # القول الرابع: إن التكني بأبي القاسم كان ممنوعا منه في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو جائز بعد وفاته، قالوا: وسبب النهي إنما كان مختصا ~~بحياته، فإنه قد ثبت في " الصحيح " من حديث أنس قال: «نادى رجل بالبقيع: يا ~~أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، ~~إني لم أعنك إنما دعوت فلانا، فقال # PageV02P316 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» ) قالوا: ~~وحديث علي فيه إشارة إلى ذلك بقوله إن ولد لي من بعدك ولد، ولم يسأله عمن ~~يولد له في حياته، ولكن قال علي رضي الله عنه في هذا الحديث: " وكانت رخصة ~~لي " وقد شذ من لا يؤبه لقوله، فمنع التسمية باسمه صلى الله عليه وسلم ~~قياسا على النهي عن التكني بكنيته، والصواب أن التسمي باسمه جائز، والتكني ~~بكنيته ممنوع منه، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما ممنوع منه، وحديث ~~عائشة غريب لا يعارض بمثله الحديث الصحيح، وحديث علي رضي الله عنه في صحته ~~نظر، والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح، وقد قال علي: إنها رخصة له، وهذا ~~يدل على بقاء المنع لمن سواه، والله أعلم. ### | [التكني بأبي عيسى] # فصل # وقد كره قوم من السلف والخلف الكنية بأبي عيسى، وأجازها آخرون، فروى أبو ~~داود عن زيد بن أسلم «أن عمر بن الخطاب ضرب ابنا له يكنى أبا عيسى، وأن ~~المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى، فقال له عمر: (أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد ~~الله؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني، فقال: إن رسول الله قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنا لفي جلجتنا، فلم يزل يكنى بأبي عبد ~~الله حتى هلك» ) # PageV02P317 # وقد ( «كنى عائشة بأم عبد الله» ) وكان لنسائه أيضا كنى كأم حبيبة وأم ~~سلمة. ### | [النهي عن تسمية العنب كرما] # فصل # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تسمية ms0509 العنب كرما وقال: ( «الكرم ~~قلب المؤمن» ) وهذا؛ لأن هذه اللفظة تدل على كثرة الخير والمنافع في المسمى ~~بها، وقلب المؤمن هو المستحق لذلك دون شجرة العنب، ولكن: هل المراد النهي ~~عن تخصيص شجرة العنب بهذا الاسم، وأن قلب المؤمن أولى به منه، فلا يمنع من ~~تسميته بالكرم، كما قال في " المسكين " و " الرقوب " و " المفلس " أو ~~المراد أن # PageV02P318 # تسميته بهذا مع اتخاذ الخمر المحرم منه وصف بالكرم والخير والمنافع لأصل ~~هذا الشراب الخبيث المحرم، وذلك ذريعة إلى مدح ما حرم الله وتهييج النفوس ~~إليه؟ هذا محتمل، والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم، والأولى أن ~~لا يسمى شجر العنب كرما. ### | [هل تجوز تسمية صلاة العشاء بصلاة العتمة] # فصل # قال صلى الله عليه وسلم: ( «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا ~~وإنها العشاء وإنهم يسمونها العتمة» ) وصح عنه أنه قال ( «لو يعلمون ما في ~~العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا» ) فقيل هذا ناسخ للمنع، وقيل بالعكس، ~~والصواب خلاف # PageV02P319 # القولين، فإن العلم بالتاريخ متعذر، ولا تعارض بين الحديثين، فإنه لم ينه ~~عن إطلاق اسم العتمة بالكلية، وإنما نهى عن أن يهجر اسم العشاء، وهو الاسم ~~الذي سماها الله به في كتابه، ويغلب عليها اسم العتمة، فإذا سميت العشاء، ~~وأطلق عليها أحيانا العتمة، فلا بأس، والله أعلم # وهذا محافظة منه صلى الله عليه وسلم على الأسماء التي سمى الله بها ~~العبادات، فلا تهجر ويؤثر عليها غيرها، كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ ~~النصوص، وإيثار المصطلحات الحادثة عليها، ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ~~ما الله به عليم، وهذا كما كان يحافظ على تقديم ما قدمه الله، وتأخير ما ~~أخره، كما بدأ بالصفا، وقال ( «أبدأ بما بدأ الله به» ) وبدأ في العيد ~~بالصلاة ثم جعل النحر بعدها، وأخبر أن ( «من ذبح قبلها، فلا نسك له» ) ~~تقديما لما بدأ الله به في قوله {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] وبدأ في ~~أعضاء الوضوء بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين تقديما لما قدمه ~~الله، وتأخيرا لما أخره، ms0510 وتوسيطا لما وسطه، وقدم زكاة الفطر على صلاة العيد ~~تقديما لما قدمه في قوله {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14] ~~[الأعلى: 13] ونظائره كثيرة. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ # كان يتخير في خطابه ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأجملها، وألطفها، وأبعدها ~~من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش، فلم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا # PageV02P320 # صخابا ولا فظا. # وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك، وأن يستعمل ~~اللفظ المهين المكروه في حق من ليس من أهله. ### | [كراهة استعمال اللفظ الشريف في حق من ليس كذلك] # فمن الأول منعه أن يقال للمنافق " يا سيدنا " وقال ( «فإنه إن يك سيدا ~~فقد أسخطتم ربكم عز وجل» ) ومنعه أن تسمى شجرة العنب كرما، ومنعه تسمية أبي ~~جهل بأبي الحكم، وكذلك تغييره لاسم أبي الحكم من الصحابة بأبي شريح، وقال: ~~( «إن الله هو الحكم وإليه الحكم» ) # ومن ذلك نهيه للمملوك أن يقول لسيده أو لسيدته: ربي وربتي، وللسيد أن ~~يقول لمملوكه: عبدي، ولكن يقول المالك فتاي وفتاتي، ويقول المملوك سيدي ~~وسيدتي، وقال لمن ادعى أنه طبيب: ( «أنت رجل رفيق، وطبيبها الذي خلقها» ) ~~والجاهلون يسمون الكافر الذي له علم بشيء من الطبيعة حكيما، وهو من أسفه ~~الخلق. # PageV02P321 # ومن هذا «قوله للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما ~~فقد غوى (بئس الخطيب أنت» ) # ومن ذلك قوله: ( «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء ~~الله ثم ما شاء فلان» ) وقال له رجل ( «ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني ~~لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده» ) # وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: أنا بالله وبك، ~~وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ~~وهذا من الله ومنك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ووالله ms0511 وحياتك، ~~وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق ندا للخالق، وهي أشد ~~منعا وقبحا من قوله ما شاء الله وشئت. # فأما إذا قال أنا بالله ثم بك، وما شاء الله ثم شئت، فلا بأس بذلك كما في ~~حديث الثلاثة ( «لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» ) وكما في الحديث ~~المتقدم الإذن أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان. # PageV02P322 ### | [كراهة إطلاق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها] # فصل # وأما القسم الثاني وهو أن تطلق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها، فمثل ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر وقال: ( «إن الله هو الدهر» ) وفي ~~حديث آخر ( «يقول الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم فيسب الدهر وأنا الدهر بيدي ~~الأمر أقلب الليل والنهار» ) وفي حديث آخر ( «لا يقولن أحدكم: يا خيبة ~~الدهر» ) # في هذا ثلاث مفاسد عظيمة. # إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد ~~لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. # الثانية أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ~~ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا ~~يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، ~~وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه ~~وتقبيحه. # PageV02P323 # الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع ~~الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر ~~وأثنوا عليه. وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض ~~الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله ~~عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، كما في " الصحيحين " من حديث أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم ~~يسب الدهر وأنا الدهر» ) فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد ms0512 له من أحدهما. ~~إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، ~~وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله. # ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ( «لا يقولن أحدكم: تعس الشيطان فإنه ~~يتعاظم حتى يكون مثل البيت، فيقول: بقوتي صرعته، ولكن ليقل: بسم الله، فإنه ~~يتصاغر حتى يكون مثل الذباب» ) # وفي حديث آخر ( «إن العبد إذا لعن الشيطان يقول: إنك لتلعن ملعنا» ) # ومثل هذا قول القائل: أخزى الله الشيطان، وقبح الله الشيطان، فإن ذلك كله ~~يفرحه، ويقول علم ابن آدم أني قد نلته بقوتي، وذلك مما يعينه على إغوائه، ~~ولا يفيده شيئا، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم من مسه شيء من الشيطان، أن ~~يذكر الله تعالى، ويذكر اسمه ويستعيذ بالله منه، فإن ذلك أنفع له وأغيظ ~~للشيطان. # PageV02P324 ### | [النهي عن قول القائل بعد فوات الأوان لو أني فعلت كذا] # فصل # من ذلك " نهيه صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن ليقل: ~~لقست نفسي " ومعناهما واحد؛ أي: غثت نفسي، وساء خلقها، فكره لهم لفظ الخبث؛ ~~لما فيه من القبح والشناعة، وأرشدهم إلى استعمال الحسن، وهجران القبيح، ~~وإبدال اللفظ المكروه بأحسن منه. # ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن قول القائل بعد فوات الأمر: (لو أني ~~فعلت كذا وكذا، وقال: «إن لو تفتح عمل الشيطان» ) وأرشده إلى ما هو أنفع له ~~من هذه الكلمة، وهو أن يقول: ( «قدر الله وما شاء فعل» ) وذلك لأن قوله لو ~~كنت فعلت كذا وكذا، لم يفتني ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعت فيه، كلام لا ~~يجدي عليه فائدة البتة، فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره، وغير مستقيل ~~عثرته ب " لو " وفي ضمن " لو " ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه ~~لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه، فإن ما وقع مما يتمنى خلافه، إنما وقع ~~بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو ms0513 أني فعلت كذا، لكان خلاف ما وقع ~~فهو محال، إذ خلاف المقدر المقضي محال، فقد تضمن كلامه كذبا وجهلا ومحالا، ~~وإن سلم من التكذيب بالقدر، لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا، ~~لدفعت ما قدر الله علي. # PageV02P325 # فإن قيل: ليس في هذا رد للقدر ولا جحد له، إذ تلك الأسباب التي تمناها ~~أيضا من القدر، فهو يقول: لو وقفت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر، فإن ~~القدر يدفع بعضه ببعض، كما يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الذنوب بالتوبة، ~~وقدر العدو بالجهاد، فكلاهما من القدر. # قيل: هذا حق، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه، وأما إذا وقع فلا ~~سبيل إلى دفعه، وإن كان له سبيل إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر، فهو أولى به ~~من قوله: لو كنت فعلته، بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع ~~به، أو يخفف أثر ما وقع، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض، ~~والله يلوم على العجز، ويحب الكيس ويأمر به # والكيس: هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في ~~معاشه ومعاده، فهذه تفتح عمل الخير، وأما العجز، فإنه يفتح عمل الشيطان، ~~فإنه إذا عجز عما ينفعه، وصار إلى الأماني الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا، ~~ولو فعلت كذا، يفتح عليه عمل الشيطان، فإن بابه العجز والكسل، ولهذا استعاذ ~~النبي صلى الله عليه وسلم منهما، وهما مفتاح كل شر، ويصدر عنهما الهم، ~~والحزن والجبن، والبخل وضلع الدين، وغلبة الرجال، فمصدرها كلها عن العجز ~~والكسل، وعنوانها " لو " فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «فإن " لو ~~" تفتح عمل الشيطان» ) فالمتمني من أعجز الناس وأفلسهم، فإن التمني رأس ~~أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر. # وأصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن ~~الأسباب التي تبعده عن المعاصي، وتحول بينه وبينها، فيقع في المعاصي، فجمع ~~هذا الحديث الشريف في استعاذته صلى الله عليه وسلم أصول الشر وفروعه، ~~ومباديه وغاياته، وموارده ومصادره، ms0514 وهو مشتمل على ثماني خصال، كل خصلتين ~~منها قرينتان، فقال: ( «أعوذ بك من الهم والحزن» ) وهما قرينان فإن المكروه ~~الوارد # PageV02P326 # على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى قسمين، فإنه إما أن يكون سببه أمرا ~~ماضيا، فهو يحدث الحزن، وإما أن يكون توقع أمر مستقبل، فهو يحدث الهم، ~~وكلاهما من العجز، فإن ما مضى لا يدفع بالحزن؛ بل بالرضى، والحمد والصبر ~~والإيمان بالقدر، وقول العبد قدر الله وما شاء فعل. # وما يستقبل لا يدفع أيضا بالهم، بل إما أن يكون له حيلة في دفعه، فلا ~~يعجز عنه، وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع منه، ويلبس له لباسه، ~~ويأخذ له عدته، ويتأهب له أهبته اللائقة به، ويستجن بجنة حصينة من التوحيد ~~والتوكل، والانطراح بين يدي الرب تعالى، والاستسلام له والرضى به ربا في كل ~~شيء، ولا يرضى به ربا فيما يحب دون ما يكره، فإذا كان هكذا، لم يرض به ربا ~~على الإطلاق، فلا يرضاه الرب له عبدا على الإطلاق، فالهم والحزن لا ينفعان ~~العبد البتة، بل مضرتهما أكثر من منفعتهما، فإنهما يضعفان العزم، ويوهنان ~~القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد، فيما ينفعه ويقطعان عليه طريق ~~السير، أو ينكسانه إلى وراء، أو يعوقانه ويقفانه، أو يحجبانه عن العلم الذي ~~كلما رآه شمر إليه، وجد في سيره، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر، بل إن عاقه ~~الهم والحزن عن شهواته وإراداته التي تضره في معاشه ومعاده انتفع به من هذا ~~الوجه # وهذا من حكمة العزيز الحكيم، أن سلط هذين الجندين على القلوب المعرضة ~~عنه، الفارغة من محبته، # PageV02P327 # وخوفه ورجائه، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفرار إليه، ~~والانقطاع إليه؛ ليردها بما يبتليها به من الهموم والغموم، والأحزان ~~والآلام القلبية، عن كثير من معاصيها وشهواتها المردية، وهذه القلوب في سجن ~~من الجحيم في هذه الدار، وإن أريد بها الخير، كان حظها من سجن الجحيم في ~~معادها، ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلص إلى فضاء التوحيد، والإقبال على ~~الله، والأنس به ms0515 # وجعل محبته في محل دبيب خواطر القلب ووساوسه، بحيث يكون ذكره تعالى وحبه، ~~وخوفه ورجاؤه، والفرح به والابتهاج بذكره، هو المستولي على القلب، الغالب ~~عليه، الذي متى فقده فقد قوته، الذي لا قوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه، ~~ولا سبيل إلى خلاص القلب من هذه الآلام، التي هي أعظم أمراضه، وأفسدها له، ~~إلا بذلك، ولا بلاغ إلا بالله وحده، فإنه لا يوصل إليه إلا هو، ولا يأتي ~~بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، ولا يدل عليه إلا هو، وإذا أراد ~~عبده لأمر، هيأه له، فمنه الإيجاد، ومنه الإعدام، ومنه الإمداد، وإذا أقامه ~~في مقام، أي مقام كان، فبحمده أقامه فيه، وبحكمته أقامه فيه، ولا يليق به ~~غيره، ولا يصلح له سواه، ولا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا ~~يمنع عبده حقا هو للعبد، فيكون بمنعه ظالما له؛ بل إنما منعه ليتوسل إليه ~~بمحابه ليعبده، وليتضرع إليه، ويتذلل بين يديه، ويتملقه، ويعطي فقره إليه ~~حقه، بحيث يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة، فاقة تامة إليه، على ~~تعاقب الأنفاس، وهذا هو الواقع في نفس الأمر، وإن لم يشهده العبد، فلم يمنع ~~الرب عبده ما العبد محتاج إليه، بخلا منه، ولا نقصا من خزائنه، ولا ~~استئثارا عليه بما هو حق للعبد؛ بل منعه ليرده إليه، وليعزه بالتذلل له، ~~وليغنيه بالافتقار إليه، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليذيقه بمرارة المنع ~~حلاوة الخضوع له، ولذة الفقر إليه، وليلبسه خلعة العبودية، ويوليه بعزله ~~أشرف الولايات، وليشهده حكمته في قدرته ورحمته في عزته، وبره ولطفه في ~~قهره. # وأن منعه عطاء، وعزله تولية، وعقوبته تأديب، وامتحانه محبة وعطية، وتسليط ~~أعدائه عليه سائق يسوقه به إليه. # PageV02P328 # وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه، وحكمته وحمده أقاماه في مقامه ~~الذي لا يليق به سواه، ولا يحسن أن يتخطاه، والله أعلم حيث يجعل مواقع ~~عطائه وفضله، و {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] {وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم ms0516 من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} [الأنعام: 53] [الأنعام: 53] فهو سبحانه أعلم بمواقع الفضل، ~~ومحال التخصيص، ومحال الحرمان، فبحمده وحكمته أعطى، وبحمده وحكمته حرم، فمن ~~رده المنع إلى الافتقار إليه، والتذلل له، وتملقه، انقلب المنع في حقه ~~عطاء، ومن شغله عطاؤه، وقطعه عنه انقلب العطاء في حقه منعا، فكل ما شغل ~~العبد عن الله فهو مشئوم عليه # وكل ما رده إليه فهو رحمة به، والرب تعالى يريد من عبده أن يفعل، ولا يقع ~~الفعل حتى يريد سبحانه من نفسه أن يعينه، فهو سبحانه أراد منا الاستقامة ~~دائما، واتخاذ السبيل إليه، وأخبرنا أن هذا المراد لا يقع حتى يريد من نفسه ~~إعانتنا عليها، ومشيئته لنا، فهما إرادتان: إرادة من عبده أن يفعل وإرادة ~~من نفسه أن يعينه، ولا سبيل له إلى الفعل إلا بهذه الإرادة، ولا يملك منها ~~شيئا، كما قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: ~~29] [التكوير: 29] فإن كان مع العبد روح أخرى، نسبتها إلى روحه، كنسبة روحه ~~إلى بدنه، يستدعي بها إرادة الله من نفسه، أن يفعل به ما يكون به العبد ~~فاعلا، وإلا فمحله غير قابل للعطاء، وليس معه إناء يوضع فيه العطاء، فمن ~~جاء بغير إناء رجع بالحرمان، ولا يلومن إلا نفسه. # والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من الهم والحزن، وهما ~~قرينان، ومن العجز والكسل، وهما قرينان، فإن تخلف كمال العبد وصلاحه عنه، ~~إما أن يكون لعدم قدرته عليه، فهو عجز، أو يكون قادرا عليه، لكن لا يريد، ~~فهو كسل، وينشأ عن هاتين الصفتين فوات كل خير، وحصول كل شر، ومن ذلك الشر ~~تعطيله عن النفع ببدنه، وهو الجبن، وعن النفع بماله وهو البخل، ثم ينشأ له ~~بذلك غلبتان. غلبة بحق، وهي غلبة الدين، وغلبة بباطل، وهي غلبة الرجال، وكل ~~هذه المفاسد ثمرة العجز والكسل # ومن هذا قوله في الحديث الصحيح للرجل الذي # PageV02P329 # قضى عليه، فقال ( «حسبي الله ونعم الوكيل» ) فقال: ( «إن الله يلوم على ~~العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك ms0517 أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل» ) ~~فهذا قال ( «حسبي الله ونعم الوكيل» ) بعد عجزه عن الكيس، الذي لو قام به، ~~لقضي له على خصمه، فلو فعل الأسباب التي يكون بها كيسا، ثم غلب فقال: ( ~~«حسبي الله ونعم الوكيل» ) لكانت الكلمة قد وقعت موقعها، كما أن إبراهيم ~~الخليل، لما فعل الأسباب المأمور بها، ولم يعجز بتركها، ولا بترك شيء منها، ~~ثم غلبه عدوه، وألقوه في النار، قال في تلك الحال: ( «حسبي الله ونعم ~~الوكيل» ) فوقعت الكلمة موقعها، واستقرت في مظانها، فأثرت أثرها، وترتب ~~عليها مقتضاها. ### | [التوكل] # وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، يوم أحد، لما قيل لهم بعد ~~انصرافهم من أحد: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] فتجهزوا ~~وخرجوا للقاء عدوهم، وأعطوهم الكيس من نفوسهم، ثم قالوا: {حسبنا الله ونعم ~~الوكيل} [آل عمران: 173] فأثرت الكلمة أثرها، واقتضت موجبها، ولهذا قال ~~تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه} [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] فجعل التوكل بعد التقوى الذي هو ~~قيام الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكل على الله، فهو حسبه، وكما قال في ~~موضع آخر: {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [المائدة: 11] ~~[المائدة: 11] فالتوكل والحسب بدون قيام # PageV02P330 # الأسباب المأمور بها عجز محض، فإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فهو توكل ~~عجز، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا، ولا يجعل عجزه توكلا، بل يجعل ~~توكله من جملة الأسباب المأمور بها التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. # ومن هاهنا غلط طائفتان من الناس: إحداهما: زعمت أن التوكل وحده سبب مستقل ~~كاف في حصول المراد، فعطلت له الأسباب التي اقتضتها حكمة الله الموصلة إلى ~~مسبباتها، فوقعوا في نوع تفريط وعجز، بحسب ما عطلوا من الأسباب، وضعف ~~توكلهم من حيث ظنوا قوته بانفراده عن الأسباب، فجمعوا الهم كله، وصيروه هما ~~واحدا، وهذا وإن كان فيه قوة من هذا الوجه، ففيه ضعف من جهة أخرى، فكلما ~~قوي جانب التوكل بإفراده أضعفه التفريط في ms0518 السبب الذي هو محل التوكل، فإن ~~التوكل محله الأسباب، وكماله بالتوكل على الله فيها، وهذا كتوكل الحراث ~~الذي شق الأرض، وألقى فيها البذر، فتوكل على الله في زرعه وإنباته، فهذا قد ~~أعطى التوكل حقه، ولم يضعف توكله بتعطيل الأرض، وتخليتها بورا، وكذلك توكل ~~المسافر في قطع المسافة مع جده في السير، وتوكل الأكياس من النجاة من عذاب ~~الله، والفوز بثوابه، مع اجتهادهم في طاعته، فهذا هو التوكل الذي يترتب ~~عليه أثره، ويكون الله حسب من قام به. # وأما توكل العجز والتفريط، فلا يترتب عليه أثره، وليس الله حسب صاحبه، ~~فإن الله إنما يكون حسب المتوكل عليه إذا اتقاه، وتقواه فعل الأسباب ~~المأمور بها، لا إضاعتها. # والطائفة الثانية: التي قامت بالأسباب، ورأت ارتباط المسببات بها شرعا ~~وقدرا، وأعرضت عن جانب التوكل، وهذه الطائفة وإن نالت بما فعلته من الأسباب ~~ما نالته، فليس لها قوة أصحاب التوكل، ولا عون الله لهم وكفايته إياهم ~~ودفاعه عنهم، بل هي مخذولة عاجزة، بحسب ما فاتها من التوكل. # فالقوة كل القوة في التوكل على الله، كما قال بعض السلف: من سره أن يكون ~~أقوى الناس، فليتوكل على الله، فالقوة مضمونة للمتوكل، والكفاية والحسب ~~والدفع عنه، وإنما ينقص عليه من ذلك بقدر ما ينقص من التقوى والتوكل، وإلا # PageV02P331 # فمع تحققه بهما، لا بد أن يجعل الله له مخرجا من كل ما ضاق على الناس، ~~ويكون الله حسبه وكافيه. # والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد العبد إلى ما فيه غاية كماله، ~~ونيل مطلوبه، أن يحرص على ما ينفعه، ويبذل فيه جهده، وحينئذ ينفعه التحسب، ~~وقول ( «حسبي الله ونعم الوكيل» ) بخلاف من عجز وفرط، حتى فاتته مصلحته، ثم ~~قال ( «حسبي الله ونعم الوكيل» ) فإن الله يلومه، ولا يكون في هذا الحال ~~حسبه، فإنما هو حسب من اتقاه وتوكل عليه. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأذكار والأدعية] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر # كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكرا ms0519 لله عز وجل، بل كان كلامه ~~كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله، ~~وإخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه وأفعاله، ووعده ووعيده، ذكرا منه ~~له، وثناؤه عليه بآلائه، وتمجيده وحمده، وتسبيحه ذكرا منه له، وسؤاله ~~ودعاؤه إياه، ورغبته ورهبته ذكرا منه له، وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه، ~~فكان ذاكرا لله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره لله يجري مع ~~أنفاسه، قائما وقاعدا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه، ومسيره ونزوله، وظعنه ~~وإقامته. # «وكان إذا استيقظ قال (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه ~~النشور» ) # PageV02P332 ### | [الذكر عند الاستيقاظ من الليل] # وقالت عائشة: ( «كان إذا هب من الليل، كبر الله عشرا، وحمد الله عشرا، ~~وقال سبحان الله وبحمده عشرا، سبحان الملك القدوس عشرا، واستغفر الله عشرا، ~~وهلل عشرا، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، وضيق يوم القيامة) ~~عشرا، ثم يستفتح الصلاة» . # وقالت أيضا: «كان إذا استيقظ من الليل قال: (لا إله إلا أنت سبحانك، ~~اللهم أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ ~~هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» ) ذكرهما أبو داود. # وأخبر أن «من استيقظ من الليل فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]_ ثم ~~قال: " اللهم اغفر لي _ أو دعا بدعاء آخر، استجيب له، فإن توضأ وصلى، قبلت ~~صلاته» ) ذكره البخاري. # PageV02P333 # وقال ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم ليلة مبيته عنده: إنه ( «لما ~~استيقظ رفع رأسه إلى السماء وقرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة (آل عمران) ~~{إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190] . .. إلى آخرها. # ثم قال اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ~~قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك ms0520 الحق، وقولك ~~الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة ~~حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك ~~حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله ~~إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ) # وقد قالت عائشة - رضي الله عنها - «كان إذا قام من الليل قال: (اللهم رب ~~جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، # PageV02P334 # أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق ~~بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ) وربما قالت: ( «كان يفتتح ~~صلاته بذلك. وكان إذا أوتر ختم وتره بعد فراغه بقوله: سبحان الملك القدوس) ~~ثلاثا، ويمد بالثالثة صوته» . ### | [الذكر عند الخروج من البيت] # «وكان إذا خرج من بيته يقول: بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك ~~أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» ) ~~حديث صحيح. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على ~~الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه ~~الشيطان» ) # PageV02P335 # حديث حسن. # وقال ابن عباس عنه ليلة مبيته عنده: «إنه خرج إلى صلاة الفجر، وهو يقول: ~~اللهم اجعل في قلبي نورا، واجعل في لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل ~~في بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ~~واجعل من تحتي نورا، اللهم أعظم لي نورا» ) # وقال فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني ~~أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج بطرا ولا ~~أشرا، ولا رياء ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن ~~تنقذني من النار، وأن تغفر لي ms0521 ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، إلا وكل ~~الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته» ~~) ### | [دعاء دخول المسجد] # وذكر أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا دخل المسجد قال: ~~(أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، ~~فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم» ) # وقال صلى الله عليه وسلم: ( «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وليقل: اللهم # PageV02P336 # افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» ) وذكر ~~عنه «أنه كان إذا دخل المسجد صلى على محمد وآله وسلم ثم يقول: (اللهم اغفر ~~لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج صلى على محمد وآله وسلم، ثم ~~يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» ) # وكان إذا صلى الصبح، جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس يذكر الله عز وجل. ### | [أدعية الصباح والمساء] # «وكان يقول إذا أصبح: (اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت ~~وإليك النشور» ) حديث صحيح. # وكان يقول ( «أصبحنا وأصبح الملك لله. والحمد لله ولا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في ~~هذا اليوم، وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم، وشر ما بعده، رب أعوذ ~~بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر، ~~وإذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله. ..» ) إلى آخره. # PageV02P337 # ذكره مسلم. # «وقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت ~~وإذا أمسيت، قال: (قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة رب ~~كل شيء ومليكه ومالكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر ~~الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم، قال قلها إذا ~~أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك» ) حديث صحيح. # وقال صلى ms0522 الله عليه وسلم: ( «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ~~ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع ~~العليم، ثلاث مرات، إلا لم يضره شيء» ) حديث صحيح. # وقال: ( «من قال حين يصبح وحين يمسي: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد نبيا، كان حقا على الله أن يرضيه» ) صححه الترمذي والحاكم. # PageV02P338 # وقال ( «من قال حين يصبح وحين يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك، وأشهد حملة ~~عرشك وملائكتك، وجميع خلقك، أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وأن محمدا ~~عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النار، وإن قالها مرتين أعتق الله نصفه من ~~النار، وإن قالها ثلاثا، أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، وإن قالها ~~أربعا، أعتقه الله من النار» ) حديث حسن. # وقال ( «من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك ~~وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك ~~حين يمسي، فقد أدى شكر ليلته» ) حديث حسن. # PageV02P339 # «وكان يدعو حين يصبح وحين يمسي بهذه الدعوات (اللهم إني أسألك العافية في ~~الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ~~ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، ~~وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» ) صححه ~~الحاكم. # وقال: ( «إذا أصبح أحدكم، فليقل: أصبحنا وأصبح الملك لله رب العالمين، ~~اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهدايته، وأعوذ بك ~~من شر ما فيه وشر ما بعده، ثم إذا أمسى، فليقل مثل ذلك» ) حديث حسن. # وذكر أبو داود عنه أنه قال لبعض بناته ( «قولي حين تصبحين: سبحان الله ~~وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان، وما لم ~~يشأ لم يكن، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، ~~فإنه من قالهن حين ms0523 يصبح، حفظ حتى يمسي، ومن قالهن حين يمسي، حفظ حتى يصبح» ~~) # «وقال لرجل من الأنصار: (ألا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك، وقضى ~~عنك دينك؟ قلت بلى يا رسول الله، قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني ~~أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن ~~والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال # PageV02P340 # فقلتهن، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني» ) «وكان إذا أصبح قال: (أصبحنا ~~على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» ) ### | [الرسول مرسل إلى نفسه وأمته] # هكذا في الحديث ( «ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم» ) وقد استشكله ~~بعضهم، وله حكم نظائره، كقوله في الخطب والتشهد في الصلاة ( «أشهد أن محمدا ~~رسول الله» ) فإنه صلى الله عليه وسلم مكلف بالإيمان بأنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى خلقه، ووجوب ذلك عليه أعظم من وجوبه على المرسل إليهم، ~~فهو نبي إلى نفسه، وإلى الأمة التي هو منهم، وهو رسول الله إلى نفسه وإلى ~~أمته. # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم «أنه قال لفاطمة ابنته: (ما يمنعك أن تسمعي ~~ما أوصيك به: أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي، يا قيوم، بك أستغيث ~~فأصلح لي شأني، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» ) # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم «أنه قال لرجل شكا إليه إصابة الآفات: (قل ~~إذا أصبحت: بسم الله على نفسي، وأهلي ومالي، فإنه لا يذهب عليك شيء» ) # PageV02P341 # ويذكر عنه أنه ( «كان إذا أصبح قال: اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا ~~طيبا، وعملا متقبلا» ) # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إن العبد إذا قال حين يصبح ثلاث مرات: ~~اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتمم علي نعمتك وعافيتك وسترك ~~في الدنيا والآخرة، وإذا أمسى قال ذلك، كان حقا على الله أن يتم عليه» ) # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من قال ms0524 في كل يوم حين يصبح ~~وحين يمسي: حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع ~~مرات، كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة» ) # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «من قال هذه الكلمات في أول نهاره، ~~لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى يصبح: " ~~اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء ~~الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم ~~أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم إني أعوذ ~~بك من شر نفسي، وشر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم» ) ~~وقد قيل لأبي # PageV02P342 # الدرداء: قد احترق بيتك، فقال: ما احترق، ولم يكن الله عز وجل ليفعل، ~~لكلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرها. # وقال: ( «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، ~~خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، ~~أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من ~~قالها حين يصبح موقنا بها، فمات من يومه، دخل الجنة، ومن قالها حين يمسي ~~موقنا بها، فمات من ليلته دخل الجنة» ) # « (ومن قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد ~~يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه» . ~~وقال «من قال حين يصبح عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله بها عشر حسنات، # PageV02P343 # ومحا عنه بها عشر سيئات، وكانت كعدل عشر رقاب، وأجاره الله يومه من ~~الشيطان الرجيم، وإذا أمسى فمثل ذلك حتى يصبح) » وقال: ( «من قال حين يصبح ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك ms0525 له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء ~~قدير، في اليوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت ~~عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحد ~~بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه» ) # وفي " المسند " وغيره «أنه صلى الله عليه وسلم علم زيد بن ثابت، وأمره أن ~~يتعاهد به أهله في كل صباح (لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، ~~ومنك وبك وإليك، اللهم ما قلت من قول، أو حلفت من حلف، أو نذرت من نذر، ~~فمشيئتك بين يدي ذلك كله، ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة ~~إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة، فعلى من صليت، وما ~~لعنت من لعنة فعلى من لعنت، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلما، ~~وألحقني بالصالحين، اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا ~~الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك - وكفى بك ~~شهيدا - بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد، ~~وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك، وأشهد أن # PageV02P344 # وعدك حق، ولقاءك حق، والساعة حق آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في ~~القبور، وأشهد أنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة، وذنب وخطيئة، ~~وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنوبي كلها، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ~~وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» ) ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند لبس الثوب ونحوه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند لبس الثوب ونحوه # «كان صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه، عمامة، أو قميصا، أو ~~رداء، ثم يقول: (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع له، ~~وأعوذ بك من شره، وشر ما صنع له» ) حديث صحيح. ms0526 # PageV02P345 # ويذكر عنه أنه قال: ( «من لبس ثوبا فقال: " الحمد لله الذي كساني هذا ~~ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه» ) # وفي " جامع الترمذي " عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ( «من لبس ثوبا جديدا فقال " الحمد لله الذي ~~كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق ~~فتصدق به، كان في حفظ الله، وفي كنف الله، وفي سبيل الله حيا وميتا» ) # وصح عنه «أنه قال لأم خالد لما ألبسها الثوب الجديد: (أبلي وأخلقي، ثم ~~أبلي وأخلقي مرتين» ) # وفي " سنن ابن ماجه " «أنه صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبا فقال: ~~(أجديد هذا، # PageV02P346 # أم غسيل؟ فقال: بل غسيل، فقال: " البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا) » ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله إلى منزله] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله إلى منزله # لم يكن صلى الله عليه وسلم ليفجأ أهله بغتة يتخونهم، ولكن كان يدخل على ~~أهله على علم منهم بدخوله، وكان يسلم عليهم، وكان إذا دخل بدأ بالسؤال أو ~~سأل عنهم، وربما قال: (هل عندكم من غداء) ؟ وربما سكت حتى يحضر بين يديه ما ~~تيسر. # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقول: إذا انقلب إلى بيته (الحمد ~~لله الذي كفاني، وآواني، والحمد لله الذي أطعمني وسقاني، والحمد لله الذي ~~من علي فأفضل، أسألك أن تجيرني من النار) » # PageV02P347 # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم «أنه قال لأنس: (إذا دخلت على أهلك فسلم يكن ~~بركة عليك وعلى أهلك» ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وفي " السنن " عنه صلى الله عليه وسلم ( «إذا ولج الرجل بيته فليقل: ~~اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وعلى الله ربنا ~~توكلنا، ثم ليسلم على أهله» ) # وفيها عنه صلى الله عليه وسلم: ( «ثلاثة كلهم ضامن على الله: رجل خرج ~~غازيا في سبيل الله، فهو ضامن ms0527 على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده ~~بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه ~~فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن ~~على الله» ) حديث صحيح. # وصح عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله ~~وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند ~~دخوله؛ قال # PageV02P348 # الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم ~~المبيت والعشاء» ) ذكره مسلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند دخوله الخلاء] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند دخوله الخلاء # ثبت عنه في " الصحيحين " «أنه كان يقول عند دخوله الخلاء: (اللهم إني ~~أعوذ بك من الخبث والخبائث» ) . # وذكر أحمد عنه أنه أمر من دخل الخلاء أن يقول ذلك. # ويذكر عنه ( «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من ~~الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم» ) . # PageV02P349 # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم ~~إذا دخل أحدكم الكنيف أن يقول بسم الله» ) . # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: ( «أن رجلا سلم عليه وهو يبول فلم يرد ~~عليه» ) . # وأخبر أن الله سبحانه يمقت الحديث على الغائط فقال: ( «لا يخرج الرجلان ~~يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدثان فإن الله عز وجل يمقت على ذلك» ) ~~. ### | [النهي عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط] # وقد تقدم أنه كان لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا بغائط، وأنه ~~نهى عن ذلك في حديث أبي أيوب وسلمان الفارسي، وأبي هريرة، ومعقل بن أبي ~~معقل، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله ~~بن # PageV02P350 # عمر رضي الله عنهم، وعامة هذه الأحاديث صحيحة، وسائرها حسن والمعارض لها ~~إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة فلا يرد صريح نهيه المستفيض عنه بذلك ~~كحديث عراك ms0528 عن عائشة، «ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناسا يكرهون ~~أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال (أوقد فعلوها حولوا مقعدتي قبل القبلة) » ~~رواه الإمام أحمد. # وقال هو أحسن ما روي في الرخصة، وإن كان مرسلا، ولكن هذا الحديث قد طعن ~~فيه البخاري وغيره من أئمة الحديث، ولم يثبتوه، ولا يقتضي كلام الإمام أحمد ~~تثبيته ولا تحسينه، قال الترمذي في كتاب " العلل الكبير " له: سألت أبا عبد ~~الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث فيه اضطراب، ~~والصحيح عندي عن عائشة من قولها انتهى. # قلت: وله علة أخرى، وهي انقطاعه بين عراك وعائشة، فإنه لم يسمع منها، وقد ~~رواه عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن رجل عن عائشة، وله علة أخرى، وهي ~~ضعف خالد بن أبي الصلت. # ومن ذلك حديث جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستقبل القبلة ~~ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» ، وهذا الحديث استغربه الترمذي ~~بعد تحسينه، وقال الترمذي في كتاب " العلل ": سألت محمدا يعني البخاري عن ~~هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح، رواه غير واحد عن ابن إسحاق، فإن كان مراد ~~البخاري صحته عن ابن إسحاق، لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته ~~في نفسه، فهي واقعة عين، حكمها حكم حديث ابن عمر لما رأى " «رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر الكعبة» "، وهذا يحتمل وجوها ستة: نسخ # PageV02P351 # لمكان أو غيره، وأن يكون بيانا، لأن النهي ليس على التحريم ولا سبيل إلى ~~الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين، وإن كان حديث جابر لا يحتمل الوجه ~~الثاني منها، فلا سبيل إلى ترك أحاديث النهي الصحيحة الصريحة المستفيضة ~~بهذا المحتمل. # وقول ابن عمر: إنما نهي عن ذلك في الصحراء، فهم منه لاختصاص النهي بها، ~~وليس بحكاية لفظ النهي، وهو معارض بفهم أبي أيوب للعموم، مع سلامة قول ~~أصحاب العموم من التناقض الذي يلزم المفرقين بين الفضاء والبنيان، فإنه ~~يقال لهم ما حد الحاجز الذي ms0529 يجوز ذلك معه في البنيان؟ ولا سبيل إلى ذكر حد ~~فاصل، وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزا لذلك، لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول ~~بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد، كنظيره في البنيان، وأيضا فإن النهي ~~تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان، وليس مختصا بنفس البيت، ~~فكم من جبل وأكمة حائل بين البائل وبين البيت، بمثل ما تحول جدران البنيان ~~وأعظم، وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها، وعلى الجهة وقع النهي ~~لا على البيت نفسه فتأمله. ### | [دعاء الخروج من الخلاء] # فصل # ( «وكان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك» ) ويذكر عنه أنه كان يقول: ( ~~«الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني» ) ذكره ابن ماجه. # PageV02P352 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «وضع يديه في الإناء الذي فيه الماء ثم ~~قال للصحابة: توضئوا بسم الله» ) # وثبت عنه أنه قال لجابر رضي الله عنه ( «ناد بوضوء " فجيء بالماء فقال " ~~خذ يا جابر فصب علي وقل بسم الله " قال: فصببت عليه وقلت بسم الله، قال: ~~فرأيت الماء يفور من بين أصابعه» ) # وذكر أحمد عنه من حديث أبي هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنهم: ( «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» ) وفي أسانيدها لين. # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من أسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب ~~الجنة # PageV02P353 # الثمانية يدخل من أيها شاء» ) ذكره مسلم. # وزاد الترمذي بعد التشهد ( «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من ~~المتطهرين» ) وزاد الإمام أحمد: ثم رفع نظره إلى السماء، وزاد ابن ماجه مع ~~أحمد قول ذلك ثلاث مرات. # وذكر بقي بن مخلد في " مسنده " من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ( «من ~~توضأ ففرغ من وضوئه، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن ms0530 لا إله إلا أنت، ~~أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق، وطبع عليها بطابع، ثم رفعت تحت العرش، فلم ~~يكسر إلى يوم القيامة» ) ورواه النسائي في " كتابه الكبير " من كلام أبي ~~سعيد الخدري، وقال النسائي: باب: ما يقول بعد فراغه من وضوئه فذكر بعض ما ~~تقدم. # ثم ذكر بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري قال: «أتيت # PageV02P354 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ، فسمعته يقول ويدعو: (اللهم ~~اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي فقلت يا نبي الله سمعتك ~~تدعو بكذا وكذا، قال: " وهل تركت من شيء) » ؟ وقال ابن السني: باب ما يقول ~~بين ظهراني وضوئه. .. فذكره. ### | [هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان وأذكاره] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان وأذكاره # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سن التأذين بترجيع وبغير ترجيع، وشرع ~~الإقامة مثنى وفرادى، ولكن الذي صح عنه تثنية كلمة الإقامة " قد قامت ~~الصلاة " ولم يصح عنه إفرادها البتة، وكذلك صح عنه تكرار لفظ التكبير في ~~أول الأذان أربعا، ولم يصح عنه الاقتصار على مرتين، وأما حديث ( «أمر بلال ~~أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة» ) فلا ينافي الشفع بأربع، وقد صح التربيع ~~صريحا في حديث عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وأبي محذورة، رضي الله ~~عنهم. # وأما إفراد الإقامة فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما استثناء كلمة ~~الإقامة، فقال ( «إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: " قد قامت الصلاة قد قامت ~~الصلاة» ) وفي " صحيح البخاري " عن أنس: ( «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر ~~الإقامة إلا الإقامة» ) وصح # PageV02P355 # من حديث عبد الله بن زيد وعمر في الإقامة ( «قد قامت الصلاة قد قامت ~~الصلاة» ) # وصح من حديث أبي محذورة تثنية كلمة الإقامة مع سائر كلمات الأذان. وكل ~~هذه الوجوه جائزة مجزئة لا كراهة في شيء منها، وإن كان بعضها أفضل من بعض ~~فالإمام أحمد أخذ بأذان ms0531 بلال وإقامته، والشافعي أخذ بأذان أبي محذورة ~~وإقامة بلال، وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، ومالك أخذ بما ~~رأى عليه عمل أهل المدينة من الاقتصار على التكبير في الأذان مرتين، وعلى ~~كلمة الإقامة مرة واحدة، رحمهم الله كلهم، فإنهم اجتهدوا في متابعة السنة. ### | [الذكر عند الأذان وبعده] # فصل # وأما هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند الأذان وبعده فشرع لأمته منه ~~خمسة أنواع. # أحدها: أن يقول السامع، كما يقول المؤذن، إلا في لفظ " حي على الصلاة " " ~~حي على الفلاح " فإنه صح عنه إبدالهما ب " لا حول ولا قوة إلا بالله " ولم ~~يجئ عنه الجمع بينها وبين " حي على الصلاة " " حي على الفلاح " ولا ~~الاقتصار على الحيعلة، وهديه صلى الله عليه وسلم الذي صح عنه إبدالهما ~~بالحوقلة وهذا مقتضى الحكمة المطابقة لحال المؤذن والسامع، فإن كلمات ~~الأذان ذكر، فسن للسامع أن يقولها، وكلمة الحيعلة دعاء إلى الصلاة لمن سمعه ~~فسن للسامع أن # PageV02P356 # يستعين على هذه الدعوة بكلمة الإعانة وهي " لا حول ولا قوة إلا بالله " ~~العلي العظيم. # الثاني: أن يقول ( «وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا» ) وأخبر أن من قال ذلك غفر ~~له ذنبه. # الثالث: أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من إجابة ~~المؤذن، وأكمل ما يصلى عليه به ويصل إليه هي الصلاة الإبراهيمية، كما علمه ~~أمته أن يصلوا عليه، فلا صلاة عليه أكمل منها، وإن تحذلق المتحذلقون. # الرابع: أن يقول بعد صلاته عليه: ( «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة ~~القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنك ~~لا تخلف الميعاد» ) هكذا جاء بهذا اللفظ " مقاما محمودا " بلا ألف ولا لام، ~~وهكذا صح عنه صلى الله عليه وسلم. # PageV02P357 # الخامس: أن يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله، فإنه يستجاب له كما ~~في " السنن " عنه صلى الله عليه وسلم ( «قل كما يقولون يعني المؤذنين فإذا ~~انتهيت فسل تعطه» ) # وذكر الإمام ms0532 أحمد عنه صلى الله عليه وسلم: ( «من قال حين ينادي المنادي: ~~اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة النافعة، صل على محمد وارض عنه رضى لا ~~سخط بعده، استجاب الله له دعوته» ) # وقالت أم سلمة رضي الله عنها: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أقول عند أذان المغرب: (اللهم إن هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات ~~دعاتك فاغفر لي» ) ذكره الترمذي. # وذكر الحاكم في " المستدرك " من حديث أبي أمامة يرفعه «أنه كان إذا سمع ~~الأذان قال: (اللهم رب هذه الدعوة التامة المستجابة، والمستجاب لها، دعوة ~~الحق وكلمة التقوى، توفني عليها وأحيني عليها، واجعلني من صالحي أهلها عملا ~~يوم القيامة» ) وذكره البيهقي من حديث ابن عمر موقوفا عليه. # PageV02P358 # وذكر عنه صلى الله عليه وسلم «أنه كان يقول عند كلمة الإقامة: (أقامها ~~الله وأدامها» ) # وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم: ( «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ~~" قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: " سلوا الله العافية في الدنيا ~~والآخرة» ) حديث صحيح. # وفيها عنه ( «ساعتان يفتح الله فيهما أبواب السماء، وقلما ترد على داع ~~دعوته: عند حضور النداء، والصف في سبيل الله» ) # PageV02P359 # وقد تقدم هديه في أذكار الصلاة مفصلا والأذكار بعد انقضائها، والأذكار في ~~العيدين والجنائز والكسوف، وأنه أمر في الكسوف بالفزع إلى ذكر الله تعالى، ~~وأنه كان يسبح في صلاتها قائما رافعا يديه يهلل ويكبر ويحمد ويدعو حتى حسر ~~عن الشمس، والله أعلم. ### | [الدعاء في العشر] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء في عشر ذي الحجة، ويأمر فيه ~~بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد. # ويذكر عنه «أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق فيقول: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله ~~الحمد» ) وهذا وإن كان لا يصح إسناده فالعمل عليه، ولفظه هكذا يشفع ~~التكبير، وأما كونه ثلاثا، فإنما روي عن جابر وابن عباس من فعلهما ثلاثا ~~فقط، وكلاهما # PageV02P360 # حسن. قال الشافعي: إن زاد فقال الله أكبر كبيرا، والحمد ms0533 لله كثيرا، ~~وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر، كان حسنا. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند رؤية الهلال] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر عند رؤية الهلال # يذكر عنه أنه كان يقول ( «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة ~~والإسلام، ربي وربك الله» ) قال الترمذي: حديث حسن. # ويذكر عنه أنه كان يقول عند رؤيته: ( «الله أكبر، اللهم أهله علينا ~~بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى، ربنا ~~وربك الله» ) ذكره الدارمي. # وذكر أبو داود عن قتادة أنه بلغه «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا رأى الهلال قال: (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك ثلاث ~~مرات، ثم يقول الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا» ) وفي أسانيدها ~~لين. # PageV02P361 # ويذكر عن أبي داود وهو في بعض نسخ سننه أنه قال ليس في هذا الباب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حديث مسند صحيح. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الطعام قبله وبعده] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الطعام قبله وبعده # «كان إذا وضع يده في الطعام قال " بسم الله " ويأمر الآكل بالتسمية ~~ويقول: (إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله في ~~أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره» ) حديث صحيح. # والصحيح وجوب التسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث ~~الأمر بها صحيحة صريحة، ولا معارض لها، ولا إجماع يسوغ مخالفتها ويخرجها عن ~~ظاهرها، وتاركها شريكه الشيطان في طعامه وشرابه. ### | [هل تزول مشاركة الشيطان للآكلين بتسمية أحدهم] # فصل # وهاهنا مسألة تدعو الحاجة إليها، وهي أن الآكلين إذا كانوا جماعة، # PageV02P362 # فسمى أحدهم، هل تزول مشاركة الشيطان لهم في طعامهم بتسميته وحده، أم لا ms0534 ~~تزول إلا بتسمية الجميع؟ فنص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد عن الباقين، ~~وجعله أصحابه كرد السلام، وتشميت العاطس، وقد يقال لا ترفع مشاركة الشيطان ~~للآكل إلا بتسميته هو، ولا يكفيه تسمية غيره، ولهذا جاء في حديث حذيفة ( ~~«إنا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما، فجاءت جارية كأنما ~~تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع فأخذ بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه ~~الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به فأخذت ~~بيده، والذي نفسي بيده، إن يده لفي يدي مع يديهما) ثم ذكر اسم الله وأكل» ، ~~ولو كانت تسمية الواحد تكفي، لما وضع الشيطان يده في ذلك الطعام. # ولكن قد يجاب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد وضع يده، وسمى بعد ~~ولكن الجارية ابتدأت بالوضع بغير تسمية وكذلك الأعرابي، فشاركهما الشيطان، ~~فمن أين لكم أن الشيطان شارك من لم يسم بعد تسمية غيره؟ فهذا مما يمكن أن ~~يقال، لكن قد روى الترمذي وصححه من حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأكل طعاما في ستة من أصحابه فجاء أعرابي، فأكله بلقمتين ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنه لو سمى لكفاكم» ) ومن المعلوم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك الستة سموا، # PageV02P363 # فلما جاء هذا الأعرابي فأكل ولم يسم، شاركه الشيطان في أكله، فأكل الطعام ~~بلقمتين، ولو سمى لكفى الجميع. # وأما مسألة رد السلام وتشميت العاطس، ففيها نظر، وقد صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: ( «إذا عطس أحدكم، فحمد الله، فحق على كل من سمعه ~~أن يشمته» ) وإن سلم الحكم فيهما، فالفرق بينهما وبين مسألة الأكل ظاهر، ~~فإن الشيطان إنما يتوصل إلى مشاركة الآكل في أكله إذا لم يسم، فإذا سمى ~~غيره لم تجز تسمية من سمى ms0535 عمن لم يسم من مقارنة الشيطان له فيأكل معه، بل ~~تقل مشاركة الشيطان بتسمية بعضهم وتبقى الشركة بين من لم يسم وبينه، والله ~~أعلم. # ويذكر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «من نسي أن يسمي على ~~طعامه، فليقرأ {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] إذا فرغ» ) وفي ثبوت هذا ~~الحديث نظر. # وكان إذا رفع الطعام من بين يديه يقول ( «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه، ربنا عز وجل» ) ذكره ~~البخاري. # PageV02P364 # وربما كان يقول ( «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» ) # وكان يقول ( «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا» ) # وذكر البخاري عنه أنه كان يقول: ( «الحمد لله الذي كفانا وآوانا» ) وذكر ~~الترمذي عنه أنه قال ( «من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا من ~~غير حول مني ولا قوة غفر الله له ما تقدم من ذنبه» ) حديث حسن. # ويذكر عنه «أنه كان إذا قرب إليه الطعام قال (بسم الله) فإذا فرغ من ~~طعامه قال " اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحييت فلك الحمد على ~~ما أعطيت» " وإسناده صحيح. وفي " السنن " عنه «أنه كان يقول إذا فرغ " ~~الحمد لله الذي من علينا وهدانا، والذي أشبعنا وأروانا، ومن كل الإحسان ~~آتانا» " حديث حسن. # PageV02P365 # وفي " السنن " عنه أيضا: ( «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا ~~فيه وأطعمنا خيرا منه. ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه ~~وزدنا منه، فإنه ليس شيء ويجزئ عن الطعام والشراب غير اللبن» ) حديث حسن. # ويذكر عنه أنه: ( «كان إذا شرب في الإناء تنفس ثلاثة أنفاس، ويحمد الله ~~في كل نفس، ويشكره في آخرهن» ) ### | [فصل في أحكام الطعام] # فصل ( «وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل على أهله ربما يسألهم هل عندكم ~~طعام؟ وما عاب طعاما قط، بل كان إذا اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه وسكت» ) ~~وربما قال: ( «أجدني أعافه، إني لا أشتهيه» ) # PageV02P366 # وكان يمدح الطعام أحيانا، كقوله لما سأل أهله الإدام فقالوا: ما ms0536 عندنا ~~إلا خل، فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: ( «نعم الأدم الخل» ) وليس في هذا ~~تفضيل له على اللبن واللحم والعسل والمرق، وإنما هو مدح له في تلك الحال ~~التي حضر فيها، ولو حضر لحم أو لبن كان أولى بالمدح منه، وقال هذا جبرا ~~وتطييبا لقلب من قدمه، لا تفضيلا له على سائر أنواع الإدام. # «وكان إذا قرب إليه طعام وهو صائم قال: (إني صائم» ) وأمر من قرب إليه ~~الطعام وهو صائم أن يصلي أي يدعو لمن قدمه، وإن كان مفطرا أن يأكل منه. # وكان إذا دعي لطعام وتبعه أحد، أعلم به رب المنزل وقال: ( «إن هذا تبعنا، ~~فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع» ) وكان يتحدث على طعامه كما تقدم في حديث ~~الخل، وكما قال لربيبه عمر بن أبي سلمة وهو يؤاكله: ( «سم الله وكل مما ~~يليك» ) . # PageV02P367 # وربما كان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مرارا، كما يفعله أهل الكرم ~~كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة شرب اللبن وقوله له مرارا: اشرب ~~"، فما زال يقول اشرب حتى قال: ( «والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا» ) # وكان إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم فدعا في منزل عبد الله بن ~~بسر، فقال: ( «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم» ) ذكره ~~مسلم. ودعا في منزل سعد بن عبادة فقال: ( «أفطر عندكم الصائمون، وأكل ~~طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» ) وذكر أبو داود عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه «لما دعاه أبو الهيثم بن التيهان هو وأصحابه فأكلوا، فلما فرغوا ~~قال: (أثيبوا أخاكم " قالوا: يا رسول الله وما إثابته؟ قال: " إن الرجل إذا ~~دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك إثابته» ) . وصح عنه صلى ~~الله عليه وسلم «أنه دخل منزله ليلة فالتمس طعاما فلم يجده فقال: (اللهم ~~أطعم من أطعمني، واسق من سقاني) » . # PageV02P368 # وذكر عنه «أن عمرو بن الحمق سقاه لبنا فقال: (اللهم أمتعه بشبابه) فمرت ~~عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء» . # وكان ms0537 يدعو لمن يضيف المساكين، ويثني عليهم، فقال مرة: ألا رجل يضيف هذا ~~رحمه الله، وقال للأنصاري وامرأته اللذين آثرا بقوتهما وقوت صبيانهما ~~ضيفهما: ( «لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة» ) # وكان لا يأنف من مؤاكلة أحد صغيرا كان أو كبيرا، حرا أو عبدا، أعرابيا أو ~~مهاجرا، حتى لقد روى أصحاب السنن عنه «أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في ~~القصعة فقال (كل بسم الله ثقة بالله، وتوكلا عليه» ) # وكان يأمر بالأكل باليمين وينهى عن «الأكل بالشمال» ويقول ( «إن الشيطان ~~يأكل بشماله، ويشرب بشماله» ) ومقتضى هذا تحريم الأكل بها، وهو الصحيح فإن ~~الآكل بها، إما شيطان وإما مشبه به. وصح عنه أنه «قال لرجل أكل # PageV02P369 # عنده فأكل بشماله ("كل بيمينك"، فقال لا أستطيع فقال " لا استطعت ") فما ~~رفع يده إلى فيه بعدها» فلو كان ذلك جائزا، لما دعا عليه بفعله وإن كان ~~كبره حمله على ترك امتثال الأمر فذلك أبلغ في العصيان واستحقاق الدعاء ~~عليه. # ( «وأمر من شكوا إليه أنهم لا يشبعون أن يجتمعوا على طعامهم ولا يتفرقوا، ~~وأن يذكروا اسم الله عليه يبارك لهم فيه» ) وصح عنه أنه قال: ( «إن الله ~~ليرضى عن العبد يأكل الأكلة يحمده عليها، ويشرب الشربة يحمده عليها» ) وروي ~~عنه أنه قال: ( «أذيبوا طعامكم بذكر الله عز وجل والصلاة، ولا تناموا عليه ~~فتقسو قلوبكم» ) وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا والواقع في التجربة يشهد ~~به. # PageV02P370 # [فصل في ### | هديه صلى الله عليه وسلم في السلام # والاستئذان وتشميت العاطس] [هديه صلى الله عليه وسلم في السلام] ### | فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان وتشميت العاطس # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في " الصحيحين " عن أبي هريرة «أن أفضل ~~الإسلام وخيره إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف» ~~. وفيهما «أن آدم عليه الصلاة والسلام لما خلقه الله قال له: اذهب إلى ~~أولئك النفر من الملائكة، فسلم عليهم، واستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك ~~وتحية ذريتك، فقال السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ms0538 ورحمة الله، فزادوه " ~~ورحمة الله".» # وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإفشاء السلام، وأخبرهم أنهم إذا ~~أفشوا السلام بينهم تحابوا، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا، ولا يؤمنون ~~حتى يتحابوا. وقال البخاري في " صحيحه " قال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع ~~الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من # PageV02P371 # الإقتار. # وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه، فإن الإنصاف يوجب عليه أداء ~~حقوق الله كاملة موفرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وأن لا يطالبهم بما ليس له، ~~ولا يحملهم فوق وسعهم، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، ويعفيهم مما يحب أن ~~يعفوه منه، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا ~~إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ولا يخبثها بتدنيسه لها، ~~وتصغيره إياها، وتحقيرها بمعاصي الله وينميها ويكبرها ويرفعها بطاعة الله ~~وتوحيده وحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه وإيثار مرضاته ~~ومحابه على مراضي الخلق ومحابهم، ولا يكون بها مع الخلق ولا مع الله بل ~~يعزلها من البين كما عزلها الله، ويكون بالله لا بنفسه في حبه وبغضه وعطائه ~~ومنعه وكلامه وسكوته ومدخله ومخرجه، فينجي نفسه من البين، ولا يرى لها ~~مكانة يعمل عليها، فيكون ممن ذمهم الله بقوله {اعملوا على مكانتكم} ~~[الأنعام: 135] [الأنعام: 135] # فالعبد المحض ليس له مكانة يعمل عليها، فإنه مستحق المنافع والأعمال ~~لسيده، ونفسه ملك لسيده فهو عامل على أن يؤدي إلى سيده # PageV02P372 # ما هو مستحق له عليه، ليس له مكانة أصلا، بل قد كوتب على حقوق منجمة، ~~كلما أدى نجما حل عليه نجم آخر، ولا يزال المكاتب عبدا، ما بقي عليه شيء من ~~نجوم الكتابة. # والمقصود أن إنصافه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، وحقه عليه، ومعرفة ~~نفسه، وما خلقت له، وأن لا يزاحم بها مالكها، وفاطرها ويدعي لها الملكة ~~والاستحقاق، ويزاحم مراد سيده، ويدفعه بمراده هو، أو يقدمه ويؤثره عليه، أو ~~يقسم إرادته بين مراد سيده ومراده، وهي قسمة ضيزى، مثل قسمة الذين قالوا: ~~{هذا لله بزعمهم ms0539 وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان ~~لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] [الأنعام: 136] . # PageV02P373 # فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه وبين الله ~~لجهله وظلمه وإلا لبس عليه، وهو لا يشعر، فإن الإنسان خلق ظلوما جهولا، ~~فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل؟ وكيف ينصف الخلق من لم ينصف ~~الخالق؟ كما في أثر إلهي «يقول الله عز وجل: ابن آدم ما أنصفتني، خيري إليك ~~نازل وشرك إلي صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي ~~بالمعاصي وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح» . # وفي أثر آخر: " «ابن آدم ما أنصفتني، خلقتك وتعبد غيري، وأرزقك وتشكر ~~سواي» ". # ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه وظلمها أقبح الظلم وسعى في ضررها أعظم ~~السعي، ومنعها أعظم لذاتها من حيث ظن أنه يعطيها إياها، فأتعبها كل التعب ~~وأشقاها كل الشقاء من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها، وجد كل الجد في حرمانها ~~حظها من الله، وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، ودساها كل التدسية، وهو يظن أنه ~~يكبرها وينميها، وحقرها كل التحقير وهو يظن أنه يعظمها، فكيف يرجى الإنصاف ~~ممن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه فماذا تراه بالأجانب ~~يفعل. # والمقصود أن قول عمار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: ~~الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار، كلام جامع ~~لأصول الخير وفروعه. # وبذل السلام للعالم يتضمن تواضعه، وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام ~~للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه، والمتكبر # PageV02P374 # ضد هذا، فإنه لا يرد السلام على كل من سلم عليه كبرا منه وتيها، فكيف ~~يبذل السلام لكل أحد. # وأما الإنفاق من الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يخلفه ~~ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، وسخاء نفس بها، ~~ووثوق بوعد من وعده مغفرة منه وفضلا، ms0540 وتكذيبا بوعد من يعده الفقر، ويأمر ~~بالفحشاء. والله المستعان. ### | [السلام على الصبيان والنسوان] # فصل # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «مر بصبيان فسلم عليهم» ) ذكره مسلم. # وذكر الترمذي في " جامعه " عنه صلى الله عليه وسلم ( «مر يوما بجماعة ~~نسوة فألوى بيده بالتسليم» ) . # وقال أبو داود: عن أسماء بنت يزيد ( «مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم ~~في نسوة فسلم علينا» ) وهي رواية حديث الترمذي، والظاهر أن القصة واحدة ~~وأنه سلم عليهن بيده. # PageV02P375 # وفي " صحيح البخاري ": ( «أن الصحابة كانوا ينصرفون من الجمعة فيمرون على ~~عجوز في طريقهم فيسلمون عليها، فتقدم لهم طعاما من أصول السلق والشعير» ) ~~وهذا هو الصواب في مسألة السلام على النساء يسلم على العجوز وذوات المحارم ~~دون غيرهن. ### | آداب السلام # فصل # وثبت عنه في " صحيح البخاري " وغيره ( «تسليم الصغير على الكبير، والمار ~~على القاعد، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير» ) # وفي " جامع الترمذي " عنه: ( «يسلم الماشي على القائم» ) . # وفي " مسند البزار " عنه ( «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد ~~والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل» ) # وفي " سنن أبي داود " عنه: ( «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» ) # PageV02P376 # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم السلام عند المجيء إلى القوم، والسلام ~~عند الانصراف عنهم، وثبت عنه أنه قال: ( «إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام ~~فليسلم وليست الأولى أحق من الآخرة» ) # وذكر أبو داود عنه ( «إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه، فإن حال بينهما ~~شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه أيضا» ) . # وقال أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون، فإذا ~~استقبلتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يمينا وشمالا، وإذا التقوا من ورائها، سلم ~~بعضهم على بعض. # ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية ~~المسجد، ثم يجيء فيسلم على القوم فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك ~~حق الله تعالى، والسلام على الخلق هو حق لهم وحق الله في مثل هذا أحق ~~بالتقديم بخلاف الحقوق المالية، فإن فيها نزاعا معروفا، والفرق ms0541 بينهما حاجة ~~الآدمي # PageV02P377 # وعدم اتساع الحق المالي لأداء الحقين، بخلاف السلام. # وكانت عادة القوم معه هكذا، يدخل أحدهم المسجد فيصلي ركعتين، ثم يجيء ~~فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاء في حديث رفاعة بن رافع «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد يوما، قال رفاعة: ونحن ~~معه إذ جاء رجل كالبدوي، فصلى، فأخف صلاته ثم انصرف فسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وعليك فارجع فصل فإنك لم ~~تصل» ) . . . وذكر الحديث فأنكر عليه صلاته، ولم ينكر عليه تأخير السلام ~~عليه صلى الله عليه وسلم إلى ما بعد الصلاة. # وعلى هذا: فيسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مترتبة: أن ~~يقول عند دخوله: بسم الله والصلاة على رسول الله. ثم يصلي ركعتين تحية ~~المسجد. ثم يسلم على القوم. ### | [السلام قبل السؤال] # فصل # ( «وكان إذا دخل على أهله بالليل، يسلم تسليما لا يوقظ النائم. ويسمع ~~اليقظان» ) ، ذكره مسلم. # فصل # وذكر الترمذي عنه عليه السلام ( «السلام قبل الكلام» ) . # PageV02P378 # وفي لفظ آخر: ( «لا تدعوا أحدا إلى الطعام حتى يسلم» ) . # وهذا وإن كان إسناده وما قبله ضعيفا، فالعمل عليه. # وقد روى أبو أحمد بإسناد أحسن منه حديث عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، ~~عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «السلام قبل السؤال، ~~فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه» ) # ويذكر عنه أنه كان لا يأذن لمن لم يبدأ بالسلام. ويذكر عنه: ( «لا تأذنوا ~~لمن لم يبدأ بالسلام» ) . # وأجود منها ما رواه الترمذي، عن كلدة بن حنبل: ( «أن صفوان بن أمية بعثه ~~بلبن ولبأ وجداية وضغابيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه، ولم أسلم، ولم أستأذن، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع، فقل: السلام عليكم، أأدخل؟» ) قال: هذا ~~حديث حسن غريب. # PageV02P379 # ( «وكان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه ms0542 ~~الأيمن أو الأيسر، فيقول: السلام عليكم، السلام عليكم» ) ### | [فصل تحميل السلام للغائبين] # فصل # ( «وكان يسلم بنفسه على من يواجهه، ويحمل السلام لمن يريد السلام عليه من ~~الغائبين عنه، ويتحمل السلام لمن يبلغه إليه» ) كما تحمل السلام من الله عز ~~وجل على صديقة النساء خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لما قال له جبريل: ( ~~«هذه خديجة قد أتتك بطعام، فاقرأ [عليها] السلام من ربها، [ومني] وبشرها ~~ببيت في الجنة» ) # وقال للصديقة الثانية بنت الصديق عائشة رضي الله عنها: ( «هذا جبريل يقرأ ~~عليك السلام "، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، يرى ما لا أرى» ) # PageV02P380 ### | [فصل صيغة السلام] # فصل # وكان هديه انتهاء السلام إلى " وبركاته " فذكر النسائي عنه ( «أن رجلا ~~جاء فقال: السلام عليكم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: " عشرة ~~"، ثم جلس ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقال: " عشرون "، ثم جلس وجاء آخر، فقال: السلام عليكم ~~ورحمة الله وبركاته، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " ~~ثلاثون» ) رواه النسائي، والترمذي من حديث عمران بن حصين وحسنه. # وذكره أبو داود من حديث معاذ بن أنس، وزاد فيه ( «ثم أتى آخر فقال: ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: " أربعون "، فقال: هكذا ~~تكون الفضائل» ) . ولا يثبت هذا الحديث. فإن له ثلاث علل إحداها: أنه من ~~رواية أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يحتج به. # الثانية: إن فيه أيضا سهل بن معاذ وهو أيضا كذلك. # الثالثة: أن سعيد بن أبي مريم أحد رواته لم يجزم بالرواية، بل قال: أظن ~~أني سمعت نافع بن يزيد. # PageV02P381 # وأضعف من هذا الحديث الآخر عن أنس: «كان رجل يمر بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (السلام عليك يا رسول الله، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه "، فقيل له: يا رسول ~~الله تسلم على هذا سلاما ما تسلمه على أحد من أصحابك؟ فقال: " وما يمنعني ~~من ذلك وهو ms0543 ينصرف بأجر بضعة عشر رجلا، وكان يرعى على أصحابه» ) ### | [فصل السلام ثلاثا] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسلم ثلاثا كما في " صحيح البخاري " ~~عن أنس رضي الله عنه قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم ~~بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثا» ~~) ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام ~~واحد، أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث، إن ظن أن الأول لم يحصل به ~~الإسماع كما سلم لما «انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثا، فلما لم يجبه أحد ~~رجع» وإلا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثا لكان أصحابه يسلمون عليه ~~كذلك، وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثا، وإذا دخل بيته ثلاثا، ومن تأمل هديه ~~علم أن الأمر ليس كذلك، وأن تكرار السلام كان منه أمرا عارضا في بعض ~~الأحيان والله أعلم. # PageV02P382 ### | [فصل رد السلام] # فصل # وكان يبدأ من لقيه بالسلام، وإذا سلم عليه أحد، رد عليه مثل تحيته أو ~~أفضل منها على الفور من غير تأخير، إلا لعذر مثل حالة الصلاة، وحالة قضاء ~~الحاجة. # وكان يسمع المسلم رده عليه، ولم يكن يرد بيده ولا رأسه ولا أصبعه إلا في ~~الصلاة، فإنه كان يرد على من سلم عليه إشارة، ثبت ذلك عنه في عدة أحاديث، ~~ولم يجئ عنه ما يعارضها إلا بشيء باطل لا يصح عنه، كحديث يرويه أبو غطفان ~~رجل مجهول، عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ( «من أشار في صلاته إشارة ~~تفهم عنه فليعد صلاته» ) قال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان ~~هذا رجل مجهول. # والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( «كان يشير في الصلاة» ) رواه ~~أنس، وجابر، وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم. ### | [فصل كراهية قول المبتدئ عليك السلام] # فصل # وكان هديه في ابتداء السلام أن يقول: " السلام عليكم ورحمة الله، " وكان ~~يكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام. # ( «قال ms0544 أبو جري الهجيمي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك ~~السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية ~~الموتى» ) حديث # PageV02P383 # صحيح. # وقد أشكل هذا الحديث على طائفة، وظنوه معارضا لما ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم في السلام على الأموات بلفظ (السلام عليكم) بتقديم السلام، فظنوا أن ~~قوله ( «فإن عليك السلام تحية الموتى» ) إخبار عن المشروع، وغلطوا في ذلك ~~غلطا أوجب لهم ظن التعارض، وإنما معنى قوله: ( «فإن عليك السلام تحية ~~الموتى» ) إخبار عن الواقع، لا المشروع، أي: إن الشعراء وغيرهم يحيون ~~الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم # عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيى بتحية الأموات، ومن كراهته لذلك ~~لم يرد على المسلم بها. # PageV02P384 ### | [بحث في الرد على المسلم ب وعليك السلام والفرق بينهما وبين الرد على أهل الكتاب] # وكان يرد على المسلم " وعليك السلام " بالواو، وبتقديم " عليك " على لفظ ~~السلام. # وتكلم الناس هاهنا في مسألة، وهي لو حذف الراد " الواو " فقال: " عليك ~~السلام "، هل يكون صحيحا؟ فقالت طائفة منهم المتولي وغيره: لا يكون جوابا، ~~ولا يسقط به فرض الرد، لأنه مخالف لسنة الرد، ولأنه لا يعلم هل هو رد، أو ~~ابتداء تحية؟ فإن صورته صالحة لهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ~~«إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: " وعليكم» ) فهذا تنبيه منه على وجوب ~~الواو في الرد على أهل # PageV02P385 # الإسلام، فإن " الواو " في مثل هذا الكلام تقتضي تقرير الأول وإثبات ~~الثاني، فإذا أمر بالواو في الرد على أهل الكتاب الذين يقولون: السام ~~عليكم، فقال ( «إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: " وعليكم» ) فذكرها في ~~الرد على المسلمين أولى وأحرى. # وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك رد صحيح، كما لو كان بالواو، ونص عليه ~~الشافعي رحمه الله في كتابه الكبير، واحتج لهذا القول بقوله تعالى: {هل ~~أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ ms0545 دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام} ~~[الذاريات: 24] (الذاريات: 24) ، أي: سلام عليكم، لا بد من هذا، ولكن حسن ~~الحذف في الرد، لأجل الحذف في الابتداء، واحتجوا بما في " الصحيحين " عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «خلق الله آدم طوله ستون ~~ذراعا، فلما خلقه، قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ~~ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام ~~عليك ورحمة الله فزادوه: " ورحمة الله» ) فقد أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن هذه تحيته وتحية ذريته، قالوا: ولأن المسلم عليه مأمور أن يحيي ~~المسلم بمثل تحيته عدلا، وبأحسن منها فضلا، فإذا رد عليه بمثل سلامه، كان ~~قد أتى بالعدل. # وأما قوله ( «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» ) فهذا الحديث قد ~~اختلف في لفظة " الواو " فيه، فروي على ثلاثة أوجه، أحدها: بالواو قال أبو ~~داود: # PageV02P386 # كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن ~~دينار، فقال فيه: (فعليكم) وحديث سفيان في " الصحيحين " ورواه النسائي من ~~حديث ابن عيينة عن عبد الله بن دينار بإسقاط " الواو "، وفي لفظ لمسلم ~~والنسائي: فقل (عليك) بغير واو. # وقال الخطابي: عامة المحدثين يروونه (وعليكم) بالواو وكان سفيان بن عيينة ~~يرويه (عليكم) بحذف الواو، وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم ~~الذي قالوه بعينه مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول ~~فيما قالوا، لأن الواو حرف للعطف والاجتماع بين الشيئين. انتهى كلامه. # وما ذكره من أمر الواو ليس بمشكل، فإن " السام " الأكثرون على أنه الموت، ~~والمسلم والمسلم عليه مشتركون فيه فيكون في الإتيان بالواو بيان لعدم ~~الاختصاص، وإثبات المشاركة، وفي حذفها إشعار بأن المسلم أحق به وأولى من ~~المسلم عليه، وعلى هذا فيكون الإتيان بالواو هو الصواب وهو أحسن من حذفها، ~~كما رواه مالك وغيره، ولكن قد فسر السام بالسآمة، وهي الملالة وسآمة الدين، ~~قالوا: وعلى هذا فالوجه حذف الواو ولا بد، ولكن هذا خلاف المعروف من هذه ~~اللفظة ms0546 في اللغة؛ ولهذا جاء في الحديث ( «إن الحبة السوداء شفاء من كل داء ~~إلا السام» ) ولا يختلفون أنه الموت. وقد ذهب بعض المتحذلقين # PageV02P387 # إلى أنه يرد عليهم السلام بكسر السين، وهي الحجارة، جمع سلمة، ورد هذا ~~الرد متعين. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب] # صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا تبدءوهم بالسلام، وإذا ~~لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق» ) لكن قد قيل: إن هذا كان في ~~قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: ( «لا تبدءوهم بالسلام» ) فهل هذا ~~حكم عام لأهل الذمة مطلقا، أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ هذا موضع ~~نظر، ولكن قد روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ( «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم ~~في الطريق فاضطروه إلى أضيقه» ) والظاهر أن هذا حكم عام. # وقد اختلف السلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يبدءون بالسلام، وذهب ~~آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي أمامة، ~~وابن محيريز، وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله لكن صاحب هذا الوجه قال: ~~يقال له: السلام عليك فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد، وقالت طائفة: ~~يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجة تكون له إليه، أو خوف من أذاه، أو ~~لقرابة بينهما، أو لسبب يقتضي ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وعلقمة. # وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. # PageV02P388 # واختلفوا في وجوب الرد عليهم، فالجمهور على وجوبه، وهو الصواب، وقالت ~~طائفة: لا يجب الرد عليهم، كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول، ~~والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرا لهم وتحذيرا منهم، بخلاف أهل ~~الذمة. # فصل # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين، ~~والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فسلم عليهم» ) . # وصح عنه «أنه كتب إلى هرقل وغيره (السلام على من ms0547 اتبع الهدى» ) ### | [هل رد السلام فرض كفاية] # فصل # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( «يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن ~~يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم» ) فذهب إلى هذا الحديث من قال: ~~إن # PageV02P389 # الرد فرض كفاية يقوم فيه الواحد مقام الجميع، لكن ما أحسنه لو كان ثابتا، ~~فإن هذا الحديث رواه أبو داود من رواية سعيد بن خالد الخزاعي المدني. # قال أبو زرعة الرازي: مدني ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، ~~وقال البخاري: فيه نظر. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. ### | [رد السلام على المرسل والمبلغ] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا بلغه أحد السلام عن غيره أن يرد ~~عليه وعلى المبلغ، كما في " السنن " ( «أن رجلا قال له: إن أبي يقرئك ~~السلام، فقال له: عليك وعلى أبيك السلام» ) # وكان من هديه ترك السلام ابتداء وردا على من أحدث حدثا حتى يتوب منه، كما ~~( «هجر كعب بن مالك وصاحبيه، وكان كعب يسلم عليه ولا يدري هل حرك شفتيه برد ~~السلام عليه أم لا؟» ) . # PageV02P390 # ( «وسلم عليه عمار بن ياسر، وقد خلقه أهله بزعفران، فلم يرد عليه، فقال: ~~اذهب فاغسل هذا عنك» ) . ( «وهجر زينب بنت جحش شهرين وبعض الثالث لما قال ~~لها: أعطي صفية ظهرا لما اعتل بعيرها فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟» ) ~~ذكرهما أبو داود. ### | [هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا ~~فارجع» ) . # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «إنما جعل الاستئذان من أجل ~~البصر» ) # وصح عنه صلى الله عليه وسلم، «أنه أراد أن يفقأ عين الذي نظر إليه من جحر ~~في حجرته، # PageV02P391 # وقال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» ) . # وصح عنه أنه قال: ( «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة ففقأت ~~عينه لم يكن عليك جناح» ) # وصح عنه أنه قال: ( «من اطلع على قوم في بيتهم بغير ms0548 إذنهم، فقد حل لهم أن ~~يفقئوا عينه» ) . # وصح عنه أنه قال: ( «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقئوا عينه فلا دية ~~له ولا قصاص» ) # وصح عنه: التسليم قبل الاستئذان فعلا وتعليما، ( «واستأذن عليه رجل فقال ~~أألج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: اخرج إلى هذا، فعلمه ~~الاستئذان ". فقال له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام ~~عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل» ) . # ( «ولما استأذن عليه عمر رضي الله عنه وهو في مشربته مؤليا من نسائه، ~~قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟» ) . # PageV02P392 # وقد تقدم «قوله صلى الله عليه وسلم لكلدة بن حنبل لما دخل عليه ولم يسلم ~~(ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟» ) # وفي هذه السنن رد على من قال: ويقدم الاستئذان على السلام، ورد على من ~~قال: إن وقعت عينه على صاحب المنزل قبل دخوله بدأ بالسلام، وإن لم تقع عينه ~~عليه، بدأ بالاستئذان، والقولان مخالفان للسنة. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا استأذن ثلاثا ولم يؤذن له، انصرف، ~~وهو رد على من يقول: إن ظن أنهم لم يسمعوا، زاد على الثلاث، ورد على من ~~قال: يعيده بلفظ آخر، والقولان مخالفان للسنة. ### | [ذكر المستأذن ما يدل عليه] # فصل # وكان من هديه أن المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلان، أو ~~يذكر كنيته أو لقبه، ولا يقول: أنا، كما قال جبريل للملائكة في ليلة ~~المعراج لما استفتح باب السماء فسألوه: من؟ فقال جبريل. واستمر ذلك في كل ~~سماء سماء. # وكذلك في " الصحيحين " ( «لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم في البستان، ~~وجاء أبو بكر رضي الله عنه، فاستأذن فقال: من؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر، ~~فاستأذن فقال من؟ قال: عمر، ثم عثمان كذلك» ) # PageV02P393 # وفي " الصحيحين "، ( «عن جابر، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت ~~الباب، فقال " من ذا؟ " فقلت: أنا، فقال " أنا أنا "، كأنه كرهها» ) . # ( «ولما استأذنت أم هانئ، قال لها: " من هذه؟ " قالت: ms0549 أم هانئ، فلم يكره ~~ذكرها الكنية» ) # وكذلك ( «لما قال لأبي ذر: " من هذا؟ " قال: أبو ذر» ) . وكذلك ( «لما ~~قال لأبي قتادة: " من هذا؟ " قال: أبو قتادة» ) ### | [رسول الرجل إلى الرجل إذنه] # فصل # وقد روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم من حديث قتادة، عن أبي رافع، عن ~~أبي هريرة: ( «رسول الرجل إلى الرجل إذنه» ) ، وفي لفظ ( «إذا دعي أحدكم ~~إلى طعام، ثم جاء مع الرسول، فإن ذلك إذن له» ) # وهذا الحديث فيه مقال، قال أبو علي اللؤلئي: # PageV02P394 # سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع. وقال البخاري في " صحيحه ~~": وقال سعيد: عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم " هو إذنه "، فذكره تعليقا لأجل الانقطاع في إسناده. # وذكر البخاري في هذا الباب حديثا يدل على أن اعتبار الاستئذان بعد الدعوة ~~وهو حديث مجاهد، عن أبي هريرة ( «دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت ~~لبنا في قدح، فقال اذهب إلى أهل الصفة فادعهم إلي " قال فأتيتهم، فدعوتهم، ~~فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا» ) وقد قالت طائفة: بأن الحديثين على ~~حالين، فإن جاء الداعي على الفور من غير تراخ لم يحتج إلى استئذان، وإن ~~تراخى مجيئه عن الدعوة وطال الوقت، احتاج إلى استئذان. # وقال آخرون: إن كان عند الداعي من قد أذن له قبل مجيء المدعو، لم يحتج ~~إلى استئذان آخر، وإن لم يكن عنده من قد أذن له، لم يدخل حتى يستأذن. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل إلى مكان يحب الانفراد فيه، ~~أمر من يمسك الباب، فلم يدخل عليه أحد إلا بإذن. ### | [استئذان المماليك ومن لم يبلغ الحلم في العورات الثلاث] # فصل # وأما الاستئذان الذي أمر الله به المماليك، ومن لم يبلغ الحلم في العورات ~~الثلاث: قبل الفجر، ووقت الظهيرة، وعند النوم، فكان ابن عباس يأمر به، ~~ويقول: ترك الناس العمل بها، فقالت طائفة: الآية منسوخة ولم تأت بحجة. # PageV02P395 # وقالت طائفة: أمر ندب وإرشاد، لا حتم وإيجاب، وليس ms0550 معها ما يدل على صرف ~~الأمر عن ظاهره، وقالت طائفة: المأمور بذلك النساء خاصة، وأما الرجال، ~~فيستأذنون في جميع الأوقات، وهذا ظاهر البطلان، فإن جمع " الذين " لا يختص ~~به المؤنث، وإن جاز إطلاقه عليهن مع الذكور تغليبا. # وقالت طائفة عكس هذا: إن المأمور بذلك الرجال دون النساء، نظرا إلى لفظ " ~~الذين " في الموضعين، ولكن سياق الآية يأباه فتأمله. # وقالت طائفة: كان الأمر بالاستئذان في ذلك الوقت للحاجة، ثم زالت، والحكم ~~إذا ثبت بعلة زال بزوالها، فروى أبو داود في " سننه " ( «أن نفرا من أهل ~~العراق قالوا لابن عباس: يا ابن عباس! كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها ~~بما أمرنا، ولا يعمل بها أحد {ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم} [النور: 58] الآية [النور: 58] . فقال ابن عباس: إن الله حكيم ~~رحيم بالمؤمنين، يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما ~~دخل الخادم، أو الولد أو يتيمة الرجل، والرجل على أهله، فأمرهم الله ~~بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل ~~بذلك بعد» ) # وقد أنكر بعضهم ثبوت هذا عن ابن عباس، وطعن في عكرمة، ولم يصنع شيئا، ~~وطعن في عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وقد احتج به صاحبا الصحيح، فإنكار ~~هذا تعنت واستبعاد لا وجه له. # وقالت طائفة: الآية محكمة عامة لا معارض لها ولا دافع، والعمل بها واجب، ~~وإن تركه أكثر الناس. # PageV02P396 # والصحيح: أنه إن كان هناك ما يقوم مقام الاستئذان من فتح باب فتحه دليل ~~على الدخول، أو رفع ستر، أو تردد الداخل والخارج ونحوه، أغنى ذلك عن ~~الاستئذان، وإن لم يكن ما يقوم مقامه، فلا بد منه، والحكم معلل بعلة قد ~~أشارت إليها الآية، فإذا وجدت، وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى، والله أعلم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار العطاس] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ( «إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا ~~عطس أحدكم وحمد الله، كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، ms0551 ~~وأما التثاؤب، فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم، فليرده ما استطاع، ~~فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان» ) ذكره البخاري. # وثبت عنه في " صحيحه ": ( «إذا عطس أحدكم: فليقل الحمد لله، وليقل له ~~أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل يهديكم الله ~~ويصلح بالكم» ) # وفي " الصحيحين " عن أنس: «أنه عطس عنده رجلان، فشمت أحدهما، ولم يشمت ~~الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني، فقال (هذا ~~حمد الله، وأنت لم تحمد الله) # PageV02P397 # وثبت عنه في " صحيح مسلم ": ( «إذا عطس أحدكم، فحمد الله فشمتوه، فإن لم ~~يحمد الله، فلا تشمتوه» ) # وثبت عنه في " صحيحه ": من حديث أبي هريرة ( «حق المسلم على المسلم ست: ~~إذا لقيته، فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس ~~وحمد الله، فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» ) # وروى أبو داود عنه بإسناد صحيح: ( «إذا عطس أحدكم، فليقل الحمد لله على ~~كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح ~~بالكم» ) # وروى الترمذي، «أن رجلا عطس عند ابن عمر، فقال الحمد لله والسلام على ~~رسول الله. فقال ابن عمر: (وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن علمنا ~~أن نقول الحمد لله على كل حال» ) # PageV02P398 # وذكر مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ( «كان إذا عطس فقيل له: يرحمك الله، ~~قال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم» ) # فظاهر الحديث المبدوء به: أن التشميت فرض عين على كل من سمع العاطس يحمد ~~الله، ولا يجزئ تشميت الواحد عنهم، وهذا أحد قولي العلماء، واختاره ابن أبي ~~زيد، وأبو بكر بن العربي المالكيان، ولا دافع له. # وقد روى أبو داود: ( «أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~السلام عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وعليك السلام وعلى أمك ~~" ثم قال: " إذا عطس أحدكم فليحمد الله " قال: فذكر بعض ms0552 المحامد، وليقل له ~~من عنده: يرحمك الله، وليرد - يعني عليهم - يغفر الله لنا ولكم» ) # وفي السلام على أم هذا المسلم نكتة لطيفة، وهي إشعاره بأن سلامه قد وقع ~~في غير موقعه اللائق به، كما وقع هذا السلام على أمه، فكما أن سلامه هذا في ~~غير موضعه كذلك سلامه هو. # ونكتة أخرى ألطف منها، وهي تذكيره بأمه ونسبه إليها، فكأنه أمي محض # PageV02P399 # منسوب إلى الأم، باق على تربيتها لم تربه الرجال، وهذا أحد الأقوال في ~~الأمي، أنه الباقي على نسبته إلى الأم. # وأما النبي الأمي: فهو الذي لا يحسن الكتابة ولا يقرأ الكتاب. # وأما الأمي الذي لا تصح الصلاة خلفه، فهو الذي لا يصحح الفاتحة، ولو كان ~~عالما بعلوم كثيرة. # ونظير ذكر الأم هاهنا ذكر هن الأب لمن تعزى بعزاء الجاهلية فيقال له: ~~اعضض هن أبيك، وكان ذكر هن الأب هاهنا أحسن تذكيرا لهذا المتكبر بدعوى ~~الجاهلية بالعضو الذي خرج منه، وهو هن أبيه، فلا ينبغي له أن يتعدى طوره، ~~كما أن ذكر الأم هاهنا أحسن تذكيرا له بأنه باق على أميته. والله أعلم ~~بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم. # ولما كان العاطس قد حصلت له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة ~~في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت له أدواء عسرة، شرع له حمد الله على هذه ~~النعمة مع بقاء أعضائه على التئامها وهيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن ~~كزلزلة الأرض لها، ولهذا يقال: سمته وشمته بالسين والشين فقيل: هما بمعنى ~~واحد، قاله أبو عبيدة وغيره. # قال: وكل داع بخير، فهو مشمت ومسمت. وقيل: بالمهملة دعاء له بحسن السمت، ~~وبعوده إلى حالته من السكون والدعة، فإن العطاس يحدث في الأعضاء حركة ~~وانزعاجا. وبالمعجمة: دعاء له بأن يصرف الله عنه ما يشمت به أعداءه، فشمته: ~~إذا أزال عنه الشماتة، كقرد البعير: إذا أزال # PageV02P400 # قراده عنه. وقيل: هو دعاء له بثباته على قوائمه في طاعة الله، مأخوذ من ~~الشوامت وهي القوائم. # وقيل: هو تشميت له بالشيطان، لإغاظته بحمد الله على نعمة ms0553 العطاس، وما حصل ~~له به من محاب الله، فإن الله يحبه، فإذا ذكر العبد الله وحمده، ساء ذلك ~~الشيطان من وجوه: # منها: نفس العطاس الذي يحبه الله، وحمد الله عليه، ودعاء المسلمين له ~~بالرحمة، ودعاؤه لهم بالهداية، وإصلاح البال، وذلك كله غائظ للشيطان، محزن ~~له، فتشميت المؤمن بغيظ عدوه وحزنه وكآبته، فسمي الدعاء له بالرحمة تشميتا ~~له، لما في ضمنه من شماتته بعدوه، وهذا معنى لطيف إذا تنبه له العاطس ~~والمشمت انتفعا به وعظمت عندهما منفعة نعمة العطاس في البدن والقلب، وتبين ~~السر في محبة الله له، فلله الحمد الذي هو أهله كما ينبغي لكريم وجهه وعز ~~جلاله. ### | [فصل آداب العطاس] # فصل # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في العطاس ما ذكره أبو داود، والترمذي، ~~عن أبي هريرة: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ~~ثوبه على فيه، وخفض أو غض به صوته» ) قال الترمذي: حديث صحيح. # ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إن التثاؤب الشديد، والعطسة الشديدة من ~~الشيطان» ) # ويذكر عنه ( «إن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس» ) . # PageV02P401 # وصح عنه: ( «إنه عطس عنده رجل فقال له: " يرحمك الله ". ثم عطس أخرى، ~~فقال: الرجل مزكوم» ) . هذا لفظ مسلم أنه قال في المرة الثانية، وأما ~~الترمذي: فقال فيه عن سلمة بن الأكوع: ( «عطس رجل عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا شاهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحمك الله "، ثم ~~عطس الثانية والثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا رجل مزكوم» ~~) . # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وقد روى أبو داود عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة موقوفا عليه (شمت ~~أخاك ثلاثا، فما زاد، فهو زكام) # وفي رواية عن سعيد، قال: لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمعناه. قال أبو داود: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد ~~بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه ms0554 وسلم انتهى. ~~وموسى بن قيس هذا الذي رفعه هو الحضرمي الكوفي يعرف بعصفور الجنة. قال يحيى ~~بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به. # وذكر أبو داود، عن عبيد بن رفاعة الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «تشمت العاطس ثلاثا، فإن شئت فشمته، وإن شئت فكف» ) ، ولكن له ~~علتان: # إحداهما: إرساله فإن عبيدا هذا ليست له صحبة # والثانية: أن فيه أبا خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني، وقد تكلم فيه. # PageV02P402 # وفي الباب حديث آخر عن أبي هريرة يرفعه ( «إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه ~~فإن زاد على الثلاثة فهو مزكوم، ولا تشمته بعد الثلاث» ) وهذا الحديث هو ~~حديث أبي داود الذي قال فيه: رواه أبو نعيم، عن موسى بن قيس، عن محمد بن ~~عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وهو حديث حسن. # فإن قيل: إذا كان به زكام، فهو أولى أن يدعى له ممن لا علة به؟ قيل: يدعى ~~له كما يدعى للمريض، ومن به داء ووجع. # وأما سنة العطاس الذي يحبه الله، وهو نعمة، ويدل على خفة البدن، وخروج ~~الأبخرة المحتقنة، فإنما يكون إلى تمام الثلاث وما زاد عليها يدعى لصاحبه ~~بالعافية. # وقوله في هذا الحديث: (الرجل مزكوم) تنبيه على الدعاء له بالعافية؛ لأن ~~الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك تشميته بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه ~~العلة ليتداركها ولا يهملها، فيصعب أمرها، فكلامه صلى الله عليه وسلم كله ~~حكمة ورحمة، وعلم وهدى. # وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: أن العاطس إذا حمد الله فسمعه بعض ~~الحاضرين دون بعض، هل يسن لمن لم يسمعه تشميته؟ فيه قولان، والأظهر: أنه ~~يشمته إذا تحقق أنه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمت للحمد، وإنما ~~المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمت أخرس ~~ورأى حركة شفتيه بالحمد. ( «والنبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن حمد الله ~~فشمتوه» ) هذا هو الصواب. # الثانية: إذا ترك الحمد فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن ~~العربي: ms0555 لا يذكره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم # PageV02P403 # ذلك، بل يذكره، وهو مروي عن إبراهيم النخعي. قال: وهو من باب النصيحة، ~~والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى، وظاهر السنة يقوي قول ابن ~~العربي لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشمت الذي عطس، ولم يحمد الله، ولم ~~يذكره وهذا تعزير له وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسي ~~الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره ~~سنة، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها. # فصل # وصح عنه صلى الله عليه وسلم ( «أن اليهود كانوا يتعاطسون عنده، يرجون أن ~~يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم» ) ### | أنواع أخرى من الأذكار ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار السفر وآدابه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار السفر وآدابه # صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ~~ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك ~~بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت ~~علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي، وعاجل ~~أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلمه شرا لي في ~~ديني ومعاشي، وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير ~~حيث كان، # PageV02P404 # ثم رضني به " قال: ويسمي حاجته» ) ، قال: رواه البخاري. # فعوض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الدعاء، عما كان عليه أهل ~~الجاهلية من زجر الطير والاستقسام بالأزلام الذي نظيره هذه القرعة التي كان ~~يفعلها إخوان المشركين، يطلبون بها علم ما قسم لهم في الغيب، ولهذا سمي ذلك ~~استقساما، وهو استفعال من القسم، والسين فيه للطلب وعوضهم بهذا الدعاء الذي ~~هو توحيد وافتقار، وعبودية، وتوكل، وسؤال لمن بيده الخير كله الذي لا يأتي ~~بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا ms0556 هو الذي إذا فتح لعبده رحمة لم ~~يستطع أحد حبسها عنه، وإذا أمسكها لم يستطع أحد إرسالها إليه من التطير ~~والتنجيم واختيار الطالع ونحوه. فهذا الدعاء، هو الطالع الميمون السعيد، ~~طالع أهل السعادة والتوفيق، الذين سبقت لهم من الله الحسنى، لا طالع أهل ~~الشرك والشقاء والخذلان، الذين يجعلون مع الله إلها آخر، فسوف يعلمون. # فتضمن هذا الدعاء الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرار بصفات كماله من كمال ~~العلم والقدرة والإرادة، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة ~~به، والتوكل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتبري من الحول والقوة إلا به، ~~واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه وقدرته عليها، وإرادته لها، وأن ~~ذلك كله بيد وليه وفاطره وإلهه الحق. # وفي " مسند الإمام أحمد " من حديث سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: ( «من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه بما قضى الله، ~~ومن شقاوة ابن آدم # PageV02P405 # ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله» ) . # فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفا بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة ~~قبله، والرضى بما يقضي الله له بعده، وهما عنوان السعادة. وعنوان الشقاء أن ~~يكتنفه ترك التوكل والاستخارة قبله، والسخط بعده، والتوكل قبل القضاء. فإذا ~~أبرم القضاء وتم، انتقلت العبودية إلى الرضى بعده، كما في " المسند "، وزاد ~~النسائي في الدعاء المشهور: ( «وأسألك الرضى بعد القضاء» ) . وهذا أبلغ من ~~الرضى بالقضاء، فإنه قد يكون عزما فإذا وقع القضاء، تنحل العزيمة، فإذا حصل ~~الرضى بعد القضاء، كان حالا أو مقاما. # والمقصود أن الاستخارة توكل على الله وتفويض إليه واستقسام بقدرته وعلمه، ~~وحسن اختياره لعبده، وهي من لوازم الرضى به ربا، الذي لا يذوق طعم الإيمان ~~من لم يكن كذلك، وإن رضي بالمقدور بعدها، فذلك علامة سعادته. # وذكر البيهقي وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: «لم يرد النبي صلى الله ~~عليه وسلم سفرا قط إلا قال حين ينهض من جلوسه: (اللهم بك انتشرت، وإليك ~~توجهت، وبك اعتصمت، وعليك توكلت، اللهم أنت ثقتي، وأنت رجائي، اللهم اكفني ~~ما ms0557 أهمني وما لا أهتم له، وما أنت أعلم به مني، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا ~~إله غيرك، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت) ، ~~ثم يخرج» . # PageV02P406 ### | [فصل الذكر عند ركوب الراحلة] # فصل # ( «وكان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا، ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا، وما ~~كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفرنا ~~هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا ~~بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في ~~سفرنا، واخلفنا في أهلنا. وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون، تائبون، عابدون ~~لربنا حامدون» ) . # وذكر أحمد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ( «أنت الصاحب في السفر، ~~والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من الضبنة في السفر، والكآبة في ~~المنقلب، اللهم اقبض لنا الأرض، وهون علينا السفر. وإذا أراد الرجوع قال: ~~آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. وإذا دخل أهله قال: توبا توبا، لربنا ~~أوبا، لا يغادر علينا حوبا» ) . # وفي " صحيح مسلم ": «أنه كان إذا سافر يقول: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء ~~السفر، وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن دعوة المظلوم، ومن سوء ~~المنظر في الأهل والمال» ) . # PageV02P407 ### | توديع المسافر # فصل # «وكان إذا وضع رجله في الركاب لركوب دابته، قال: " بسم الله " فإذا استوى ~~على ظهرها، قال: " الحمد لله " ثلاثا " الله أكبر " ثلاثا، ثم يقول: " ~~سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون " ثم ~~يقول: " الحمد لله " ثلاثا، " الله أكبر " ثلاثا، ثم يقول: " سبحان الله " ~~ثلاثا، ثم يقول: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، سبحانك إني ~~ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» ". # «وكان إذا ودع أصحابه في السفر يقول لأحدهم: (أستودع الله دينك وأمانتك، ~~وخواتيم عملك» ) . # «وجاء إليه رجل وقال: يا رسول الله: إني أريد سفرا، فزودني. فقال: # PageV02P408 # (زودك الله التقوى. قال: زدني. قال: وغفر لك ذنبك. ms0558 قال: زدني. قال: ويسر ~~لك الخير حيثما كنت» ) . # «وقال له رجل: إني أريد سفرا، فقال (أوصيك بتقوى الله، والتكبير على كل ~~شرف " فلما ولى، قال " اللهم ازو له الأرض، وهون عليه السفر) .» # وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا علوا الثنايا، كبروا، وإذا ~~هبطوا سبحوا، فوضعت الصلاة على ذلك. # وقال أنس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا علا شرفا من الأرض أو نشزا، ~~قال (اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حمد» ) # وكان سيره في حجه العنق، فإذا وجد فجوة رفع السير فوق ذلك، وكان # PageV02P409 # يقول: ( «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» ) . # وكان يكره للمسافر وحده أن يسير بالليل فقال: ( «لو يعلم الناس ما في ~~الوحدة ما سار أحد وحده بليل» ) . # بل كان يكره السفر للواحد بلا رفقة، وأخبر: ( «أن الواحد شيطان، والاثنان ~~شيطانان، والثلاثة ركب» ) # وكان يقول: ( «إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من ~~شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه» ) . # ولفظ مسلم: ( «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ~~خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ) . # وذكر أحمد عنه أنه كان إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: ( «يا أرض ربي ~~وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك، وشر ما خلق فيك، وشر ما دب # PageV02P410 # عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ~~ومن شر والد وما ولد» ) . # وكان يقول: ( «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا ~~سافرتم في السنة، فبادروا نقيها» ) . # وفي لفظ: ( «فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم، فاجتنبوا الطريق، فإنها ~~طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل» ) . # «وكان إذا رأى قرية يريد دخولها قال حين يراها: (اللهم رب السماوات السبع ~~وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب ~~الريح وما ذرين، إنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها، ~~وشر ms0559 ما فيها» ) . # «وكان إذا بدا له الفجر في السفر قال: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه ~~علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار» ) # PageV02P411 # ( «وكان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» ) . # وكان ينهى المرأة أن تسافر بغير محرم، ولو مسافة بريد. # ( «وكان يأمر المسافر إذا قضى نهمته من سفره، أن يعجل الأوبة إلى # PageV02P412 # أهله» ) . # «وكان إذا قفل من سفره، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: ~~(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء ~~قدير، آيبون تائبون، عابدون، لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده» ) . # ( «وكان ينهى أن يطرق الرجل أهله ليلا إذا طالت غيبته عنهم» . # PageV02P413 # وفي " الصحيحين ": ( «كان لا يطرق أهله ليلا يدخل عليهن غدوة أو عشية» ) ~~. # ( «وكان إذا قدم من سفره يلقى بالولدان من أهل بيته. قال عبد الله بن ~~جعفر: وإنه قدم مرة من سفر، فسبق بي إليه، فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ~~ابني فاطمة، إما حسن وإما حسين، فأردفه خلفه. قال: فدخلنا المدينة ثلاثة ~~على دابة» ) . # وكان يعتنق القادم من سفره، ويقبله إذا كان من أهله. قال الزهري: عن ~~عروة، عن عائشة: ( «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله» ) . # PageV02P414 # قالت عائشة: «لما قدم جعفر وأصحابه، تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم فقبل ~~ما بين عينيه واعتنقه» . # قال الشعبي: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدموا من سفر ~~تعانقوا. # ( «وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين» ) ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار النكاح] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه علمهم خطبة الحاجة: ( «الحمد لله نحمده ~~ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد ~~الله ms0560 فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا # PageV02P415 # عبده ورسوله ثم يقرأ الآيات الثلاث: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] [آل عمران: 102] ، ~~{ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا} [النساء: 1] [النساء: 1] {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا - يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ~~ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70 - 71] ) [الأحزاب: 70 - 71] . # قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح، أو في غيرها؟ قال: في كل ~~حاجة» . # وقال: ( «إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادما، أو دابة فليأخذ بناصيتها، وليدع ~~الله بالبركة ويسمي الله عز وجل وليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت ~~عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه» ) # «وكان يقول للمتزوج: (بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير» ) . # PageV02P416 # وقال ( «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: بسم الله اللهم جنبنا ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره ~~شيطان أبدا» ) ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم فيما يقول من رأى ما يعجبه من أهله وماله] # يذكر عن أنس عنه أنه قال: ( «ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل، ولا مال، ~~أو ولد، فيقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت، ~~وقد قال تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} ~~[الكهف: 39] » )) [الكهف 39] . ### | [فصل فيما يقول من رأى مبتلى] # صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «ما من رجل رأى مبتلى فقال: الحمد ~~لله الذي # PageV02P417 # عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا إلا لم يصبه ذلك ~~البلاء كائنا ما كان» ) . ### | [فصل فيما يقوله من لحقته الطيرة] # ذكر ms0561 عنه صلى الله عليه وسلم «أنه ذكرت الطيرة عنده، فقال: (أحسنها الفأل ~~ولا ترد مسلما، فإذا رأيت من الطيرة ما تكره فقل: اللهم لا يأتي بالحسنات ~~إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» ) . # وكان كعب يقول: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، ~~ولا حول ولا قوة إلا بك، والذي نفسي بيده إنها لرأس التوكل، وكنز العبد في ~~الجنة، ولا يقولهن عبد عند ذلك، ثم يمضي إلا لم يضره شيء) . # PageV02P418 ### | [فصل فيما يقوله من رأى في منامه ما يكرهه] # صح عنه صلى الله عليه وسلم: ( «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من ~~الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئا، فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوذ ~~بالله من الشيطان فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحدا. وإن رأى رؤيا حسنة، ~~فليستبشر، ولا يخبر بها إلا من يحب» ) . # ( «وأمر من رأى ما يكرهه أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه، وأمره أن يصلي» ~~) # فأمره بخمسة أشياء: أن ينفث عن يساره، وأن يستعيذ بالله من الشيطان، وأن ~~لا يخبر بها أحدا، وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه، وأن يقوم يصلي، ومتى ~~فعل ذلك لم تضره الرؤيا المكروهة، بل هذا يدفع شرها. # وقال: ( «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت ولا يقصها إلا ~~على واد أو ذي رأي» ) . # PageV02P419 # (وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذا قصت عليه الرؤيا، قال: اللهم إن ~~كان خيرا فلنا، وإن كان شرا، فلعدونا) # ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «من عرضت عليه رؤيا، فليقل لمن عرض ~~عليه خيرا» ) # ويذكر عنه أنه ( «كان يقول للرائي قبل أن يعبرها له: خيرا رأيت، ثم ~~يعبرها» ) . # وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: (كان أبو بكر ~~الصديق إذا أراد أن يعبر رؤيا، قال: إن صدقت رؤياك، يكون كذا وكذا) ### | [فصل فيما يقوله ويفعله من ابتلي بالوسواس] # ، وما يستعين به على الوسوسة # روى صالح بن ms0562 كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن # PageV02P420 # ابن مسعود يرفعه: ( «إن للملك الموكل بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، ~~فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ورجاء صالح ثوابه، ولمة الشيطان ~~إيعاد بالشر وتكذيب بالحق وقنوط من الخير، فإذا وجدتم لمة الملك، فاحمدوا ~~الله وسلوه من فضله، وإذا وجدتم لمة الشيطان فاستعيذوا بالله فاستغفروه» ) # «وقال له عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين ~~صلاتي وقراءتي، قال: (ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله ~~منه، واتفل عن يسارك ثلاثا» ) # «وشكا إليه الصحابة أن أحدهم يجد في نفسه - يعرض بالشيء - لأن يكون حممة ~~أحب إليه من أن يتكلم به فقال: (الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد ~~كيده إلى الوسوسة» ) . # PageV02P421 # ( «وأرشد من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين، إذا قيل له: هذا ~~الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ أن يقرأ: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] » )) [الحديد: 3] . # كذلك ( «قال ابن عباس لأبي زميل سماك بن الوليد الحنفي، وقد سأله: ما شيء ~~أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به. قال فقال لي: أشيء ~~من شك؟ قلت: بلى، فقال لي: ما نجا من ذلك أحد، حتى أنزل الله عز وجل: {فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} [يونس: 94] ~~[يونس: 94] قال: فقال لي: فإذا وجدت في نفسك شيئا، فقل: {هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] » ) # فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة ~~المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى ~~آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو ~~الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء، ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه لكان ~~ذلك هو الرب الخلاق، ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير ms0563 مخلوق وغني عن ~~غيره، وكل شيء فقير إليه قائم بنفسه، وكل شيء قائم به موجود بذاته، وكل شيء ~~موجود به. قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه باق بذاته، وبقاء ~~كل شيء به فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر ~~الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء. # وقال صلى الله عليه وسلم: ( «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقول قائلهم: ~~هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا، فليستعذ بالله # PageV02P422 # ولينته) ، وقد قال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه ~~هو السميع العليم} [فصلت: 36] » [فصلت 36] . # ولما كان الشيطان على نوعين: نوع يرى عيانا، وهو شيطان الإنس، ونوع لا ~~يرى، وهو شيطان الجن، أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكتفي ~~من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، ومن شيطان ~~الجن بالاستعاذة بالله منه، والعفو، وجمع بين النوعين في سورة الأعراف، ~~وسورة المؤمنين، وسورة فصلت، والاستعاذة في القراءة والذكر أبلغ في دفع شر ~~شياطين الجن، والعفو والإعراض والدفع بالإحسان أبلغ في دفع شر شياطين ~~الإنس. قال: # فما هو إلا الاستعاذة ضارعا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب # فهذا دواء الداء من شر ما يرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب ### | [فصل فيما يقوله ويفعله من اشتد غضبه] # أمره صلى الله عليه وسلم أن يطفئ عنه جمرة الغضب بالوضوء، والقعود إن كان ~~قائما، والاضطجاع إن كان قاعدا، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. # ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم، أمر أن يطفئهما ~~بالوضوء والصلاة، والاستعاذة من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: # PageV02P423 # {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] الآية [البقرة: 44] . # وهذا إنما يحمل عليه شدة الشهوة فأمرهم بما يطفئون بها جمرتها، وهو ~~الاستعانة بالصبر والصلاة، وأمر تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند نزغاته. ~~ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة، وكان نهاية قوة الغضب ~~القتل، ونهاية قوة الشهوة ms0564 الزنا، جمع الله تعالى بين القتل والزنا، وجعلهما ~~قرينين في سورة الأنعام، وسورة الإسراء، وسورة الفرقان، وسورة الممتحنة. # والمقصود: أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة ~~من الصلاة والاستعاذة. ### | [الدعاء لرؤية ما يحب وما يكره] # فصل # ( «وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب، قال " الحمد لله الذي بنعمته ~~تتم الصالحات. وإذا رأى ما يكره قال " الحمد لله على كل حال» ) . ### | [ما يفعل مع من صنع إليه معروفا] # فصل # وكان صلى الله عليه وسلم يدعو لمن تقرب إليه بما يحب وبما يناسب ( «فلما ~~وضع له ابن عباس وضوءه قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ) # PageV02P424 # ولما ( «دعمه أبو قتادة في مسيره بالليل لما مال عن راحلته، قال: حفظك ~~الله بما حفظت به نبيه» ) # وقال ( «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في ~~الثناء» ) # ( «واستقرض من عبد الله بن أبي ربيعة مالا، ثم وفاه إياه، وقال: " بارك ~~الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء» ) # ( «ولما أراحه جرير بن عبد الله البجلي من ذي الخلصة: صنم دوس، برك على ~~خيل قبيلته أحمس ورجالها خمس مرات» ) ### | [الإثابة على الهدية] # وكان صلى الله عليه وسلم إذا أهديت إليه هدية فقبلها، كافأ عليها بأكثر # PageV02P425 # منها، وإن ردها اعتذر إلى مهديها، ( «كقوله صلى الله عليه وسلم للصعب بن ~~جثامة لما أهدى إليه لحم الصيد: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» ) والله ~~أعلم. ### | [الذكر عند نهيق الحمار والذكر في المجلس] # فصل # وأمر صلى الله عليه وسلم أمته إذا سمعوا نهيق الحمار أن يتعوذوا بالله من ~~الشيطان الرجيم، وإذا سمعوا صياح الديكة أن يسألوا الله من فضله. # ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «أمرهم بالتكبير عند رؤية الحريق» ) ~~فإن التكبير يطفئه. # وكره صلى الله عليه وسلم لأهل المجلس أن يخلوا مجلسهم من ذكر الله عز ~~وجل، وقال ( «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن ~~مثل جيفة الحمار» ms0565 ) # PageV02P426 # وقال: ( «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن ~~اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة» ) ، والترة الحسرة. # وفي لفظ: ( «وما سلك أحد طريقا لم يذكر الله فيه، إلا كانت عليه ترة» ) . # وقال صلى الله عليه وسلم ( «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن ~~يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك ~~وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» ) # وفي " سنن أبي داود " و " مستدرك الحاكم " «أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول ذلك إذا أراد أن يقوم من المجلس، فقال له رجل: يا رسول الله، إنك ~~لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى. قال (ذلك كفارة لما يكون في المجلس» ) ### | [فصل الدعاء عند الأرق والفزع] # ( «وشكا إليه خالد بن الوليد الأرق بالليل فقال له: " إذا أويت إلى فراشك ~~فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت، ورب ~~الشياطين وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا من أن يفرط # PageV02P427 # أحد منهم علي، أو أن يطغى علي، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت» ) . # «وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه من الفزع: (أعوذ بكلمات الله ~~التامة من غضبه ومن شر عباده، ومن شر همزات الشياطين، وأن يحضرون) » # ويذكر (أن رجلا شكا إليه صلى الله عليه وسلم أنه يفزع في منامه فقال: " ~~إذا أويت إلى فراشك فقل. .. " ثم ذكرها، فقالها فذهب عنه) ### | [فصل في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال] # فمنها: أن يقول خبثت نفسي، أو جاشت نفسي، وليقل: لقست. # ومنها: أن يسمي شجر العنب كرما، نهى عن ذلك، وقال ( «لا تقولوا: الكرم ~~ولكن قولوا: العنب والحبلة» ) . # وكره أن يقول الرجل: هلك الناس. وقال: " «إذا قال ذلك فهو # PageV02P428 # أهلكهم» . وفي معنى هذا: فسد الناس، وفسد الزمان ونحوه. # ونهى أن يقال: ما شاء الله، وشاء فلان بل يقال ما شاء الله، ms0566 ثم شاء فلان. ~~( «فقال له رجل ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله ~~وحده» ) . # وفي معنى هذا: لولا الله وفلان، لما كان كذا، بل وهو أقبح وأنكر، وكذلك: ~~أنا بالله وبفلان، وأعوذ بالله وبفلان، وأنا في حسب الله وحسب فلان، وأنا ~~متكل على الله وعلى فلان، فقائل هذا، قد جعل فلانا ندا لله عز وجل. # ومنها: أن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، بل يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته. # ومنها: أن يحلف بغير الله. صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من حلف ~~بغير الله فقد أشرك» ) . # PageV02P429 # ومنها: أن يقول في حلفه: هو يهودي، أو نصراني، أو كافر إن فعل كذا. # ومنها: أن يقول لمسلم: يا كافر. # ومنها: أن يقول للسلطان: ملك الملوك. وعلى قياسه قاضي القضاة. # ومنها: أن يقول: السيد لغلامه وجاريته: عبدي، وأمتي، ويقول: الغلام ~~لسيده: ربي، وليقل السيد: فتاي وفتاتي، وليقل الغلام: سيدي وسيدتي. # ومنها: سب الريح إذا هبت، بل يسأل الله خيرها، وخير ما أرسلت به، ويعوذ ~~بالله من شرها وشر ما أرسلت به. # ومنها: سب الحمى، نهى عنه، وقال ( «إنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب ~~الكير خبث الحديد» ) . # PageV02P430 # ومنها: النهي عن سب الديك، صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا ~~تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» ) . # ومنها: الدعاء بدعوى الجاهلية، والتعزي بعزائهم، كالدعاء إلى القبائل ~~والعصبية لها وللأنساب، ومثله التعصب للمذاهب، والطرائق، والمشايخ، وتفضيل ~~بعضها على بعض بالهوى والعصبية، وكونه منتسبا إليه، فيدعو إلى ذلك ويوالي ~~عليه، ويعادي عليه، ويزن الناس به، كل هذا من دعوى الجاهلية. # ومنها: تسمية العشاء بالعتمة تسمية غالبة يهجر فيها لفظ العشاء. # ومنها: النهي عن سباب المسلم، وأن يتناجى اثنان دون الثالث. وأن تخبر ~~المرأة زوجها بمحاسن امرأة أخرى. # ومنها: أن يقول في دعائه: " اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت ". # PageV02P431 # ومنها: الإكثار من الحلف. # ومنها: كراهة أن يقول: قوس قزح لهذا الذي يرى في السماء. # ومنها: أن يسأل أحدا بوجه الله. ms0567 # ومنها: أن يسمي المدينة بيثرب. # ومنها: أن يسأل الرجل فيم ضرب امرأته إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. # ومنها أن يقول: صمت رمضان كله أو قمت الليل كله. # PageV02P432 # فصل # ومن الألفاظ المكروهة الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية عنها ~~بأسمائها الصريحة. # ومنها: أن يقول أطال الله بقاءك، وأدام أيامك، وعشت ألف سنة ونحو ذلك. # ومنها: أن يقول الصائم: وحق الذي خاتمه على فم الكافر. # ومنها: أن يقول للمكوس: حقوقا. وأن يقول لما ينفقه في طاعة الله: غرمت أو ~~خسرت كذا وكذا: وأن يقول أنفقت في هذه الدنيا مالا كثيرا. # ومنها: أن يقول المفتي: أحل الله كذا، وحرم الله كذا في المسائل ~~الاجتهادية، وإنما يقوله فيما ورد النص بتحريمه. # ومنها: أن يسمي أدلة القرآن والسنة ظواهر لفظية ومجازات، فإن هذه التسمية ~~تسقط حرمتها من القلوب، ولا سيما إذا أضاف إلى ذلك تسمية شبه المتكلمين ~~والفلاسفة قواطع عقلية، فلا إله إلا الله، كم حصل بهاتين التسميتين من فساد ~~في العقول والأديان، والدنيا والدين. # فصل # ومنها: أن يحدث الرجل بجماع أهله، وما يكون بينه وبينها، # PageV02P433 # كما يفعله السفلة. # ومما يكره من الألفاظ: زعموا وذكروا، وقالوا، ونحوه. # ومما يكره منها أن يقول للسلطان: خليفة الله أو نائب الله في أرضه، فإن ~~الخليفة والنائب إنما يكون عن غائب، والله سبحانه وتعالى خليفة الغائب في ~~أهله، ووكيل عبده المؤمن. # فصل # وليحذر كل الحذر من طغيان " أنا "، " ولي "، " وعندي "، فإن هذه الألفاظ ~~الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون، وقارون، (فأنا خير منه) لإبليس، و {لي ملك ~~مصر} [الزخرف: 51] لفرعون، و {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] ~~لقارون. وأحسن ما وضعت " أنا " في قول العبد: أنا العبد المذنب، المخطئ، ~~المستغفر، المعترف ونحوه. " ولي "، في قوله: لي الذنب، ولي الجرم، ولي ~~المسكنة، ولي الفقر # PageV02P434 # والذل: " وعندي " في قوله: " اغفر لي جدي، وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك ~~عندي ". # PageV02P435 # [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث] ### | [الجهاد في أول الإسلام] ### | فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم ms0568 في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث # لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في ~~الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه، واستولى على أنواعه كلها ~~فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، ~~وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده. ولهذا كان أرفع ~~العالمين ذكرا، وأعظمهم عند الله قدرا. # وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، وقال: {ولو شئنا لبعثنا في كل ~~قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} [الفرقان: 51] ~~[الفرقان: 52] ، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان ~~وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت ~~قهر أهل الإسلام، قال تعالى: {ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 73] [التوبة: 73] فجهاد ~~المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، ~~والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا ~~هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا. # ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض، مثل أن تتكلم به عند ~~من تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - من ذلك الحظ ~~الأوفر، وكان لنبينا - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك أكمل الجهاد وأتمه. # ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات # PageV03P005 # الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «المجاهد من جاهد نفسه في ~~طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ) كان جهاد النفس مقدما على ~~جهاد العدو في الخارج، وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت ~~به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف ~~يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم ~~يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى ms0569 عدوه حتى يجاهد نفسه ~~على الخروج. # فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما ~~إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويخذله ويرجف به، ولا ~~يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات، ~~ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل ~~لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} ~~[فاطر: 6] [فاطر: 6] ، والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع في ~~محاربته، ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد ~~الأنفاس. # فهذه ثلاثة أعداء، أمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بلي بمحاربتها في ~~هذه الدار، وسلطت عليه امتحانا من الله له وابتلاء، فأعطى الله العبد مددا ~~وعدة وأعوانا وسلاحا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مددا وعدة وأعوانا وسلاحا، ~~وبلا أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن من ~~يتولاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، كما قال تعالى: {وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا} [الفرقان: 20] [الفرقان: 20] . # PageV03P006 # وقال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} ~~[محمد: 4] [محمد: 4] وقال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] [محمد: 31] فأعطى عباده الأسماع ~~والأبصار والعقول والقوى، وأنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم رسله، وأمدهم ~~بملائكته وقال لهم: {أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] [الأنفال: ~~12] ، وأمرهم من أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم ~~أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم، وأنه إن ~~سلطه عليهم فلتركهم بعض ما أمروا به ولمعصيتهم له، ثم لم يؤيسهم ولم ~~يقنطهم، بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم، ويداووا جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة ~~عدوهم، فينصرهم عليه، ويظفرهم بهم، فأخبرهم أنه مع المتقين منهم، ومع ~~المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا ~~يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعه عنهم ~~لتخطفهم عدوهم واجتاحهم. # وهذه المدافعة عنهم بحسب ms0570 إيمانهم وعلى قدره، فإن قوي الإيمان قويت ~~المدافعة، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. # وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن ~~حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فحق جهاده أن ~~يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله، فيكون كله لله وبالله لا ~~لنفسه ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه، ~~فإنه يعد الأماني ويمني الغرور، ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء، # PageV03P007 # وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر، وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده ~~بتكذيب وعده، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان، وعدة ~~يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله ~~هي العليا. # واختلفت عبارات السلف في حق الجهاد: # فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وألا يخاف في الله لومة لائم. ~~وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله، واعبدوه حق عبادته. وقال عبد الله بن ~~المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى. ولم يصب من قال: إن الآيتين منسوختان، ~~لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده: هو ما يطيقه كل ~~عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم ~~والجهل. فحق التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، ~~وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: ~~{هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] [الحج: 78] والحرج: ~~الضيق، بل جعله واسعا يسع كل أحد، كما جعل رزقه يسع كل حي، وكلف العبد بما ~~يسعه العبد، ورزق العبد ما يسع العبد، فهو يسع تكليفه ويسعه رزقه، وما جعل ~~على عبده في الدين من حرج بوجه ما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «بعثت ~~بالحنيفية السمحة» ) أي: بالملة، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل. # وقد وسع الله سبحانه وتعالى على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ~~ومغفرته، وبسط عليهم التوبة ما ms0571 دامت الروح في الجسد، وفتح لهم بابا لها لا ~~يغلقه عنهم إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وجعل لكل سيئة كفارة تكفرها من ~~توبة أو صدقة أو حسنة ماحية أو مصيبة مكفرة، وجعل بكل ما حرم عليهم عوضا من ~~الحلال أنفع لهم منه وأطيب وألذ، فيقوم مقامه ليستغني العبد # PageV03P008 # عن الحرام، ويسعه الحلال فلا يضيق عنه، وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسرا ~~قبله ويسرا بعده، " فلن يغلب عسر يسرين "، فإذا كان هذا شأنه سبحانه مع ~~عباده فكيف يكلفهم ما لا يسعهم، فضلا عما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه. ### | [فصل في مراتب الجهاد] ### | [فصل في مراتب جهاد النفس] # فصل مراتب جهاد النفس # إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد ~~الكفار، وجهاد المنافقين. # فجهاد النفس أربع مراتب أيضا: # إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة ~~في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين. # الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن ~~لم يضرها لم ينفعها. # الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه ~~من عذاب الله. # الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ~~ويتحمل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن ~~السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل ~~به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات. # PageV03P009 ### | [فصل في مراتب جهاد الشيطان] # فصل # وأما جهاد الشيطان فمرتبتان، إحداهما: جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد ~~من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان. # الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، ~~فالجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني: يكون بعده الصبر. قال تعالى: ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: ms0572 ~~24] [السجدة: 24] فأخبر أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين، فالصبر ~~يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات. ### | [فصل في مراتب جهاد الكفار والمنافقين] # فصل # وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، ~~والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان. ### | [فصل في جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات] # فصل # وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب، الأولى: باليد إذا ~~قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه، فهذه ثلاثة عشر مرتبة ~~من الجهاد، و ( «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من ~~النفاق» ) . ### | [فصل في شرط الجهاد] # فصل # ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون ~~رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة. قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين ~~هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} ~~[البقرة: 218] [البقرة: 218] . # PageV03P010 # وكما أن الإيمان فرض على كل أحد ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى ~~الله عز وجل بالتوحيد والإخلاص والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة ~~والتوبة، وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره، والتصديق بخبره، ~~وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره: ( «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه» ) . وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله، وجهاد ~~شيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد. # وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم ~~مقصود الجهاد. ### | [فصل أكمل الخلق من كمل مراتب الجهاد] # فصل # وأكمل الخلق عند الله من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في ~~منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم ~~على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حق ~~جهاده، وشرع في الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله عز وجل، فإنه لما نزل ~~عليه: {ياأيها المدثر قم فأنذر وربك ms0573 فكبر وثيابك فطهر} [المدثر: 1] ~~[المدثر: 1 - 4] شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى ~~الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، ولما نزل عليه: {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: ~~94] [الحجر: 94] فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله ~~الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى والأحمر والأسود والجن والإنس. # ولما صدع بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة، وناداهم بسب آلهتهم، # PageV03P011 # وعيب دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم ~~بأنواع الأذى، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه كما قال تعالى: {ما يقال لك ~~إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} [فصلت: 43] [فصلت: 43] وقال: {وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112] [الأنعام: 112] وقال: ~~{كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون - أتواصوا به ~~بل هم قوم طاغون} [الذاريات: 52 - 53] [الذاريات: 52- 53] . # فعزى سبحانه نبيه بذلك، وأن له أسوة بمن تقدمه من المرسلين، وعزى أتباعه ~~بقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] [البقرة: 214] . # وقوله: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ~~[العنكبوت: 1 - 3] أم {حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ~~- من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم - ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين - والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون - ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون - والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم ~~في الصالحين - ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس ms0574 الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين} [العنكبوت: 4 - 10] [العنكبوت: 1 - 11] . # PageV03P012 # فليتأمل العبد سياق هذه الآيات، وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم، فإن ~~الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين، إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما ألا ~~يقول ذلك، بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه ~~وفتنه، والفتنة الابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل ~~آمنا فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه، فإنه إنما يطوي المراحل في ~~يديه. # وكيف يفر المرء عنه بذنبه ... إذا كان تطوى في يديه المراحل # فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه فابتلي بما يؤلمه، وإن لم ~~يؤمن بهم ولم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة، فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا ~~المؤلم له أعظم ألما وأدوم من ألم اتباعهم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس ~~آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم ~~تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ~~ابتداء، ثم يصير إلى الألم الدائم. وسئل الشافعي رحمه الله أيما أفضل ~~للرجل، أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى، والله تعالى ابتلى أولي ~~العزم من الرسل، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة، ~~وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألما مستمرا عظيما بألم ~~منقطع يسير، وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر. # فإن قيل: كيف يختار العاقل هذا؟ قيل: الحامل له على هذا النقد والنسيئة. # والنفس موكلة بحب العاجل # {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} [القيامة: 20] [القيامة: 20] {إن ~~هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا} [الإنسان: 27] [الدهر: 27] ~~، وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان مدني بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس، ~~والناس لهم إرادات وتصورات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم ~~آذوه وعذبوه، وإن # PageV03P013 # وافقهم، حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم وتارة من غيرهم، كمن عنده دين ~~وتقى حل بين قوم فجار ظلمة ms0575 ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم، ~~أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء، ثم ~~يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم ~~وخالفهم، وإن سلم منهم فلا بد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم، فالحزم كل ~~الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية: (من أرضى الله بسخط ~~الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من ~~الله شيئا) . # ومن تأمل أحوال العالم رأى هذا كثيرا، فيمن يعين الرؤساء على أغراضهم ~~الفاسدة، وفيمن يعين أهل البدع على بدعهم هربا من عقوبتهم، فمن هداه الله ~~وألهمه رشده ووقاه شر نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرم، وصبر على ~~عدوانهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم ~~كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء والعباد وصالحي الولاة والتجار، ~~وغيرهم. # ولما كان الألم لا محيص منه البتة، عزى الله - سبحانه - من اختار الألم ~~اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر، بقوله: {من كان يرجو لقاء الله ~~فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم} [العنكبوت: 5] [العنكبوت: 5] فضرب ~~لمدة هذا الألم أجلا، لا بد أن يأتي، وهو يوم لقائه، فيلتذ العبد أعظم ~~اللذة # PageV03P014 # بما تحمل من الألم من أجله وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ~~ما تحمل من الألم في الله ولله، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه ~~ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل، بل ~~ربما غيبه الشوق إلى لقائه عن شهود الألم والإحساس به، ولهذا سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ربه الشوق إلى لقائه، فقال في الدعاء الذي رواه أحمد وابن ~~حبان: ( «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت ~~الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب ~~والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر ~~والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا ms0576 تنقطع، وأسألك الرضى بعد ~~القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك ~~الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة ~~الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين» ) . # فالشوق يحمل المشتاق على الجد في السير إلى محبوبه، ويقرب عليه الطريق، ~~ويطوي له البعيد، ويهون عليه الآلام والمشاق، وهو من أعظم نعمة أنعم الله ~~بها على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال هما السبب الذي تنال به، ~~والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم بمن يصلح ~~لهذه النعمة ويشكرها ويعرف قدرها ويحب المنعم عليه، # PageV03P015 # فتصلح عنده هذه النعمة، ويصلح بها كما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~[الأنعام: 53] [الأنعام: 53] ، فإذا فاتت العبد نعمة من نعم ربه فليقرأ على ~~نفسه: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] . # ثم عزاهم تعالى بعزاء آخر، وهو أن جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وثمرته ~~عائدة عليهم، وأنه غني عن العالمين، ومصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا إليه ~~سبحانه، ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين. # ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس له كعذاب الله، وهي أذاهم له، ونيلهم إياه بالمكروه والألم الذي ~~لا بد أن يناله الرسل وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في فراره منهم وتركه ~~السبب الذي ناله كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان، فالمؤمنون ~~لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم ~~الزائل المفارق عن قريب، وهذا لضعف بصيرته فر من ألم عذاب أعداء الرسل إلى ~~موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة ~~الناس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله، وغبن كل الغبن إذ استجار من ~~الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده ~~وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله عليم بما انطوى عليه صدره ms0577 من النفاق. # والمقصود: أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ~~ويبتليها، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها، ومن يصلح لموالاته وكراماته ~~ومن لا يصلح، وليمحص النفوس التي تصلح له، ويخلصها بكير الامتحان، كالذهب ~~الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان، إذ النفس في الأصل جاهلة ~~ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج # PageV03P016 # خروجه إلى السبك والتصفية، فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم، فإذا ~~هذب العبد ونقي أذن له في دخول الجنة. ### | [فصل في ذكر السابقين إلى الإسلام] # فصل # ولما دعا صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل استجاب له عباد الله من كل ~~قبيلة، فكان حائز قصب سبقهم صديق الأمة وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر رضي ~~الله عنه، فآزره في دين الله، ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي ~~بكر: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص. # وبادر إلى الاستجابة له صلى الله عليه وسلم صديقة النساء: خديجة بنت ~~خويلد، وقامت بأعباء الصديقية وقال لها: ( «لقد خشيت على نفسي، فقالت له: ~~أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا» ) ثم استدلت بما فيه من الصفات الفاضلة ~~والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا، فعلمت بكمال عقلها ~~وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والشيم الشريفة تناسب أشكالها ~~من كرامة الله وتأييده وإحسانه، ولا تناسب الخزي والخذلان، وإنما يناسبه ~~أضدادها، فمن ركبه الله على أحسن الصفات، وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق ~~به كرامته وإتمام نعمته عليه، ومن ركبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق ~~والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقت أن يرسل ~~إليها ربها بالسلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم. # PageV03P017 ### | [فصل من السابقين إلى الإسلام علي وزيد] # فصل # وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان ابن ثمان سنين، ~~وقيل: أكثر من ذلك، وكان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذه من ms0578 ~~عمه أبي طالب إعانة له في سنة محل. # «وبادر زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان غلاما لخديجة، ~~فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها، وقدم أبوه وعمه في ~~فدائه، فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا ~~عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل ~~حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، ~~فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، قال: ومن هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك، قالوا: ما هو؟ قال: أدعوه ~~فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على ~~من اختارني أحدا، قالا: قد رددتنا على النصف، وأحسنت، فدعاه فقال: هل تعرف ~~هؤلاء؟ قال: نعم، قال: من هذا؟ ، قال: هذا أبي، وهذا عمي، قال: فأنا من قد ~~علمت ورأيت، وعرفت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، قال: ما أنا بالذي أختار ~~عليك أحدا أبدا، أنت مني مكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار ~~العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وعلى أهل بيتك؟ ، قال: نعم، قد رأيت من ~~هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا، فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: أشهدكم أن زيدا ابني يرثني ~~وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا، ودعي زيد بن محمد حتى ~~جاء الله بالإسلام فنزلت {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] # PageV03P018 # فدعي من يومئذ: زيد بن حارثة» . قال معمر في " جامعه " عن الزهري: ما ~~علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة، وهو الذي أخبر الله عنه في كتابه أنه ~~أنعم عليه، وأنعم عليه رسوله، وسماه باسمه. # وأسلم القس ورقة بن نوفل، وتمنى أن يكون جذعا إذ يخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قومه، وفي " جامع الترمذي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«رآه في المنام في ms0579 هيئة حسنة» ) ، وفي حديث آخر: أنه رآه في ثياب بياض. # ودخل الناس في الدين واحدا بعد واحد، وقريش لا تنكر ذلك، حتى بادأهم بعيب ~~دينهم وسب آلهتهم، وأنها لا تضر ولا تنفع، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق ~~العداوة، فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب؛ لأنه كان شريفا معظما في قريش ~~مطاعا في أهله، وأهل مكة لا يتجاسرون على مكاشفته بشيء من الأذى. # PageV03P019 # وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه؛ لما في ذلك من المصالح ~~التي تبدو لمن تأملها. # وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرهم تصدوا له ~~بالأذى والعذاب، منهم: عمار بن ياسر، وأمه سمية، وأهل بيته عذبوا في الله، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول: ( «صبرا يا ~~آل ياسر فإن موعدكم الجنة» ) . # ومنهم: بلال بن رباح، فإنه عذب في الله أشد العذاب، فهان على قومه، وهانت ~~عليه نفسه في الله، وكان كلما اشتد عليه العذاب يقول: أحد أحد، فيمر به ~~ورقة بن نوفل فيقول: إي والله يا بلال، أحد أحد، أما والله لئن قتلتموه ~~لأتخذنه حنانا. ### | اشتداد أذى المشركين على من أسلم # فصل # ولما اشتد أذى المشركين على من أسلم وفتن منهم من فتن حتى يقولوا لأحدهم: ~~اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم ~~فيقولون: وهذا إلهك من دون الله، فيقول: نعم، ومر عدو الله أبو جهل # PageV03P020 # بسمية أم عمار بن ياسر وهي تعذب وزوجها وابنها، فطعنها بحربة في فرجها ~~حتى قتلها. # كان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم: بلال، ~~وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية لبني عدي كان ~~عمر يعذبها على الإسلام قبل إسلامه، وقال له أبوه: يا بني أراك تعتق رقابا ~~ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت قوما جلدا يمنعونك، فقال له أبو بكر: ~~(إني أريد ما أريد) . # فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى ms0580 أرض الحبشة، ~~وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلا وأربع نسوة: ~~عثمان وامرأته، وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيل، وأبو سلمة وامرأته أم ~~سلمة هند بنت أبي أمية، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو ~~سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود. # وخرجوا متسللين سرا فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين ~~للتجار، فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب في السنة ~~الخامسة من المبعث، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم ~~أحدا، ثم بلغهم أن قريشا قد كفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا، فلما ~~كانوا دون مكة بساعة من نهار بلغهم أن قريشا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فدخل من دخل بجوار، وفي تلك المرة دخل ابن مسعود فسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فلم يرد عليه، فتعاظم ذلك على ~~ابن مسعود حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله قد أحدث من ~~أمره أن لا تكلموا في الصلاة» ) هذا هو الصواب، وزعم ابن # PageV03P021 # سعد وجماعة أن ابن مسعود لم يدخل وأنه رجع إلى الحبشة حتى قدم في المرة ~~الثانية إلى المدينة مع من قدم، ورد هذا بأن ابن مسعود شهد بدرا، وأجهز على ~~أبي جهل، وأصحاب هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه بعد بدر بأربع سنين أو خمس. # قالوا: فإن قيل: بل هذا الذي ذكره ابن سعد يوافق قول زيد بن أرقم: ( «كنا ~~نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ~~{وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت، ونهينا ~~عن الكلام» ) ، وزيد بن أرقم من الأنصار والسورة مدنية، ms0581 وحينئذ فابن مسعود ~~سلم عليه لما قدم وهو في الصلاة فلم يرد عليه حتى سلم، وأعلمه بتحريم ~~الكلام، فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم. # قيل: يبطل هذا شهود ابن مسعود بدرا، وأهل الهجرة الثانية إنما قدموا عام ~~خيبر مع جعفر وأصحابه، ولو كان ابن مسعود ممن قدم قبل بدر لكان لقدومه ذكر، ~~ولم يذكر أحد قدوم مهاجري الحبشة إلا في القدمة الأولى بمكة، والثانية عام ~~خيبر مع جعفر، فمتى قدم ابن مسعود في غير هاتين المرتين ومع من؟ وبنحو # PageV03P022 # الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق، قال: وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ~~ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن إسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم ~~أحد إلا بجوار أو مستخفيا. فكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى ~~المدينة فشهد بدرا وأحدا، فذكر منهم عبد الله بن مسعود. # فإن قيل: فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم؟ قيل: قد أجيب عنه بجوابين، ~~أحدهما: أن يكون النهي عنه قد ثبت بمكة ثم أذن فيه بالمدينة ثم نهي عنه. ~~والثاني: أن زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة، وكان هو وجماعة يتكلمون في ~~الصلاة على عادتهم ولم يبلغهم النهي، فلما بلغهم انتهوا، وزيد لم يخبر عن ~~جماعة المسلمين كلهم بأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه ~~الآية، ولو قدر أنه أخبر بذلك لكان وهما منه. # ثم اشتد البلاء من قريش على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم، وسطت بهم ~~عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، وكان خروجهم الثاني أشق عليهم وأصعب، ~~ولقوا من قريش تعنيفا شديدا ونالوهم بالأذى، وصعب عليهم ما بلغهم عن ~~النجاشي من حسن جواره لهم، وكان عدة من خرج في هذه المرة ثلاثة وثمانين ~~رجلا، إن كان فيهم عمار بن ياسر فإنه يشك فيه، قاله ابن إسحاق، ms0582 ومن النساء ~~تسع عشرة امرأة. # قلت: قد ذكر في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان، وجماعة ممن شهد بدرا، ~~فإما أن يكون هذا وهما، وإما أن يكون لهم قدمة أخرى قبل بدر فيكون لهم ثلاث ~~قدمات: قدمة قبل الهجرة، وقدمة قبل بدر، وقدمة عام خيبر، ولذلك قال ابن سعد ~~وغيره: إنهم لما سمعوا مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع ~~منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، ومن النساء ثمان نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، ~~وحبس بمكة سبعة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. # PageV03P023 # فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة، «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى النجاشي يدعوه ~~إلى الإسلام، وبعث به مع عمرو بن أمية الضمري، فلما قرئ عليه الكتاب أسلم، ~~وقال لئن قدرت أن آتيه لآتينه» . # وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت فيمن هاجر إلى أرض ~~الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، فتنصر هناك ومات، فزوجه النجاشي إياها ~~وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن العاص. # وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده من ~~أصحابه ويحملهم، ففعل وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدموا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فوجدوه قد فتحها، فكلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يدخلوهم في سهامهم ففعلوا. # PageV03P024 # وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، ويكون ابن ~~مسعود قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدر إلى المدينة، وسلم عليه ~~حينئذ فلم يرد عليه، وكان العهد حديثا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم، ~~ويكون تحريم الكلام بالمدينة لا بمكة، وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في ~~الصلاة، والتغيير بعد الهجرة، كجعلها أربعا بعد أن كانت ركعتين، ووجوب ~~الاجتماع لها. # فإن قيل: ما أحسنه من جمع وأثبته لولا أن محمد بن ms0583 إسحاق قد قال: ما حكيتم ~~عنه أن ابن مسعود أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد ~~بدرا، وهذا يدفع ما ذكر. # قيل: إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا فقد قال محمد بن سعد في " طبقاته ~~": إن ابن مسعود مكث يسيرا بعد مقدمه ثم رجع إلى أرض الحبشة، وهذا هو ~~الأظهر؛ لأن ابن مسعود لم يكن له بمكة من يحميه، وما حكاه ابن سعد قد تضمن ~~زيادة أمر خفي على ابن إسحاق، وابن إسحاق لم يذكر من حدثه، ومحمد بن سعد ~~أسند ما حكاه إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب، فاتفقت الأحاديث، وصدق بعضها ~~بعضا، وزال عنها الإشكال، ولله الحمد والمنة. # وقد ذكر ابن إسحاق في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري عبد الله ~~بن قيس، وقد أنكر عليه ذلك أهل السير، منهم: محمد بن عمر الواقدي، وغيره، ~~وقالوا: كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على من دونه؟ . # قلت: وليس ذلك مما يخفى على من دون محمد بن إسحاق فضلا عنه، وإنما نشأ ~~الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفر وأصحابه لما ~~سمع بهم، ثم قدم معهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، كما جاء ~~مصرحا به في " الصحيح " فعد ذلك ابن إسحاق لأبي موسى هجرة، ولم يقل: إنه ~~هاجر من مكة إلى أرض الحبشة لينكر عليه. # PageV03P025 ### | [فصل محاولة المشركين رد النجاشي المهاجرين] # فصل # فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك ~~بعثت في أثرهم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا وتحف من بلدهم ~~إلى النجاشي ليردهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وشفعوا إليه بعظماء بطارقته فلم ~~يجبهم إلى ما طلبوا، فوشوا إليه: إن هؤلاء يقولون في عيسى قولا عظيما، ~~يقولون: إنه عبد الله، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه، ومقدمهم جعفر بن أبي ~~طالب، فلما أرادوا الدخول عليه قال جعفر: يستأذن عليك حزب الله، فقال ~~للآذن: ( «قل له يعيد استئذانه، ms0584 فأعاده عليه، فلما دخلوا عليه قال: ما ~~تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدرا من سورة " كهيعص " فأخذ النجاشي عودا ~~من الأرض، فقال: ما زاد عيسى على هذا ولا هذا العود، فتناخرت بطارقته عنده، ~~فقال: وإن نخرتم، قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي، من سبكم غرم» ) والسيوم: ~~الآمنون في لسانهم، ثم قال للرسولين: لو أعطيتموني دبرا من ذهب، يقول: جبلا ~~من ذهب، ما أسلمتهم إليكما، ثم أمر فردت عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحين. ### | [فصل مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب] # فصل # ثم أسلم حمزة عمه وجماعة كثيرون، وفشا الإسلام فلما رأت قريش أمر # PageV03P026 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو والأمور تتزايد، أجمعوا على أن ~~يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب وبني عبد مناف، أن لا يبايعوهم، ولا ~~يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة يقال: كتبها: منصور بن ~~عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال: النضر بن الحارث، والصحيح: أنه بغيض بن عامر ~~بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده، فانحاز بنو ~~هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب، وحبس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومن معه في الشعب شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من ~~البعثة، وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، وبقوا محبوسين ومحصورين مضيقا عليهم ~~جدا مقطوعا عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين، حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات ~~صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب، وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية ~~المشهورة، أولها: # جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل # وكانت قريش في ذلك بين راض وكاره، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارها لها، ~~وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك، مشى في ~~ذلك إلى المطعم بن عدي وجماعة من قريش فأجابوه إلى ms0585 ذلك، ثم أطلع الله رسوله ~~على أمر صحيفتهم، وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة ~~وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن ~~أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقا ~~رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا: قد أنصفت، فأنزلوا الصحيفة، فلما رأوا ~~الأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا كفرا إلى # PageV03P027 # كفرهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب. قال ابن عبد ~~البر: بعد عشرة أعوام من المبعث، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت ~~خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل: غير ذلك. ### | [فصل في موت أبي طالب وموت خديجة والخروج إلى الطائف] # فصل # فلما نقضت الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة، وبينهما يسير، فاشتد ~~البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، وتجرءوا عليه ~~فكاشفوه بالأذى، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف رجاء أن ~~يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم، ودعاهم إلى الله عز وجل فلم ير من ~~يؤوي، ولم ير ناصرا، وآذوه مع ذلك أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه، ~~وكان معه زيد بن حارثة مولاه، فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدا من ~~أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فوقفوا ~~له سماطين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه وزيد بن حارثة يقيه ~~بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا، وفي ~~مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف: ( «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، ~~وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ~~ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك ~~غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت ~~له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ms0586 أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي ~~سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. # PageV03P028 # فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبين على ~~أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما، فقال: لا، بل أستأني بهم لعل الله ~~يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا» ) . # فلما نزل بنخلة مرجعه، قام يصلي من الليل، فصرف إليه نفر من الجن ~~فاستمعوا قراءته، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه: ~~{وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما ~~قضي ولوا إلى قومهم منذرين - قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم - ياقومنا أجيبوا ~~داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم - ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين} ~~[الأحقاف: 29 - 32] [الأحقاف: 29 - 32] . # PageV03P029 # ( «وأقام بنخلة أياما، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ ~~يعني قريشا، فقال يا زيد: إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر ~~دينه ومظهر نبيه» ) . # ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي: أدخل في جوارك؟ ~~فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت ~~فإني قد أجرت محمدا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة ~~حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا ~~معشر قريش إني قد أجرت محمدا، فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم ~~بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته. ### | [فصل في الإسراء والمعراج] # فصل # ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد ~~الحرام إلى بيت المقدس، راكبا على البراق، ms0587 صحبة جبريل عليهما الصلاة ~~والسلام، فنزل # PageV03P030 # هناك، وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب المسجد. # وقد قيل: إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه، ولم يصح ذلك عنه البتة. # «ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستفتح له ~~جبريل ففتح له، فرأى هنالك آدم أبا البشر فسلم عليه، فرد عليه السلام، ورحب ~~به، وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح السعداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن ~~يساره، ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا ~~وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه ورحبا به، وأقرا بنبوته، ~~ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف فسلم عليه، فرد عليه ورحب ~~به، وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس فسلم ~~عليه، ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون ~~بن عمران، فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء السادسة، ~~فلقي فيها موسى بن عمران، فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى ~~موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من ~~أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها ~~إبراهيم فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع ~~له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله، فدنا منه حتى كان # PageV03P031 # {قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 9] ، وفرض عليه ~~خمسين صلاة. فرجع حتى مر على موسى فقال له: بم أمرت؟ قال: بخمسين صلاة، ~~قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى ~~جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به ~~الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه. هذا لفظ البخاري في بعض الطرق، فوضع ~~عنه عشرا، ثم أنزل حتى مر بموسى فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك ms0588 فاسأله ~~التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل حتى جعلها خمسا، فأمره ~~موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكن أرضى وأسلم، ~~فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي» . # PageV03P032 # واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ~~ربه، وصح عنه أنه قال: (رآه بفؤاده) . # وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: {ولقد رآه نزلة أخرى ~~عند سدرة المنتهى} [النجم: 13] [النجم: 13] إنما هو جبريل. # وصح عن ( «أبي ذر أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه» ) ، أي: ~~حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: (رأيت نورا) . # وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس: " إنه رآه ~~" مناقضا لهذا، ولا قوله: (رآه بفؤاده) ، وقد صح عنه أنه قال: " «رأيت ربي ~~تبارك وتعالى» " ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة # PageV03P033 # لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك ~~الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال: نعم رآه ~~حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد، ولكن لم يقل أحمد رحمه الله تعالى: إنه ~~رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال مرة: رآه، ~~ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض ~~أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة، ليس فيها ذلك. # وأما قول ابن عباس: أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله ~~تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم: 11] [النجم: 11] ثم قال: {ولقد رآه ~~نزلة أخرى} [النجم: 13] [النجم: 13] والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه صلى ~~الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل، رآه مرتين في صورته التي خلق عليها، ~~وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في ms0589 قوله: (رآه بفؤاده) ، والله ~~أعلم. # وأما قوله تعالى في سورة النجم: {ثم دنا فتدلى} [النجم: 8] [النجم: 8] ~~فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء، فإن الذي في (سورة النجم) هو دنو ~~جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه فإنه قال: ~~{علمه شديد القوى} [النجم: 5] [النجم: 5] وهو جبريل: {ذو مرة فاستوى - وهو ~~بالأفق الأعلى - ثم دنا فتدلى} [النجم: 6 - 8] [النجم: 6 - 8] فالضمائر ~~كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وهو ذو المرة، أي: القوة، وهو ~~الذي استوى بالأفق الأعلى، وهو الذي دنا فتدلى، فكان من محمد صلى الله عليه ~~وسلم قدر قوسين أو أدنى، فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك ~~صريح في أنه دنو الرب تبارك وتدليه، ولا تعرض في (سورة النجم) لذلك، بل ~~فيها أنه رآه نزلة # PageV03P034 # أخرى عند سدرة المنتهى، وهذا هو جبريل، رآه محمد صلى الله عليه وسلم على ~~صورته مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم. ### | [فصل في إخباره صلى الله عليه وسلم لقريش بالإسراء] # فصل # فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم بما أراه الله عز ~~وجل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له، وأذاهم وضراوتهم عليه، وسألوه أن ~~يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، ولا ~~يستطيعون أن يردوا عليه شيئا. # وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن ~~البعير الذي يقدمها، وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك # PageV03P035 # إلا نفورا، وأبى الظالمون إلا كفورا. ### | [فصل في الفرق بين من قال كان الإسراء بالروح وبين أن يقال كان الإسراء مناما] # فصل # وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه، ~~ولم يفقد جسده، ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق ~~بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال كان بروحه دون جسده، وبينهما ~~فرق عظيم، وعائشة ومعاوية لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: أسري بروحه، ~~ولم ms0590 يفقد جسده، وفرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا ~~مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء، أو ذهب ~~به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له ~~المثال، والذين قالوا: عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان: طائفة ~~قالت: عرج بروحه وبدنه، وطائفة قالت: عرج بروحه ولم يفقد بدنه، وهؤلاء لم ~~يريدوا أن المعراج كان مناما، وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري بها وعرج ~~بها حقيقة، وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها ~~بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماء سماء حتى ينتهى بها إلى السماء ~~السابعة، فتقف بين يدي الله عز وجل، فيأمر فيها بما يشاء، ثم تنزل إلى ~~الأرض، والذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أكمل مما ~~يحصل للروح عند المفارقة. # ومعلوم أن هذا أمر فوق ما يراه النائم، لكن لما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى شق بطنه وهو حي لا يتألم بذلك عرج بذات ~~روحه المقدسة حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى ~~السماء إلا بعد الموت والمفارقة، فالأنبياء إنما استقرت أرواحهم هناك بعد ~~مفارقة # PageV03P036 # الأبدان، وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم صعدت إلى هناك في حال الحياة ~~ثم عادت، وبعد وفاته استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - ومع هذا فلها إشراف على البدن وإشراق وتعلق به، بحيث يرد ~~السلام على من سلم عليه، وبهذا التعلق رأى موسى قائما يصلي في قبره، ورآه ~~في السماء السادسة. ومعلوم أنه لم يعرج بموسى من قبره، ثم رد إليه، وإنما ~~ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح ~~إلى أجسادها، فرآه يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، كما أنه صلى الله ~~عليه وسلم في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقرا هناك، وبدنه في ضريحه ms0591 غير ~~مفقود، وإذا سلم عليه المسلم رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، ولم ~~يفارق الملأ الأعلى، ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن إدراك هذا فلينظر إلى ~~الشمس في علو محلها، وتعلقها وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان ~~بها، هذا وشأن الروح فوق هذا فلها شأن، وللأبدان شأن، وهذه النار تكون في ~~محلها وحرارتها تؤثر في الجسم البعيد عنها، مع أن الارتباط والتعلق الذي ~~بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتم، فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف. # فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا # فصل # قال موسى بن عقبة عن الزهري: «عرج بروح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~بيت المقدس وإلى السماء قبل خروجه إلى المدينة بسنة» . وقال ابن عبد البر ~~وغيره: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهى. # وكان الإسراء مرة واحدة. وقيل: مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما، وأرباب # PageV03P037 # هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك، وقوله: ثم استيقظت، ~~وبين سائر الروايات، ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي؛ لقوله ~~في حديث شريك: " وذلك قبل أن يوحى إليه "، ومرة بعد الوحي، كما دلت عليه ~~سائر الأحاديث. منهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، ~~وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا في ~~القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم ~~الروايات عددوا الوقائع، والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة ~~واحدة بمكة بعد البعثة. # ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا، كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل ~~مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ثم ~~يقول: " «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي» "، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى ~~خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا، وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث ~~الإسراء، ومسلم أورد المسند منه ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، ولم ms0592 يسرد ~~الحديث، فأجاد رحمه الله. ### | [فصل في دعوته صلى الله عليه وسلم القبائل] # فصل # في مبدأ الهجرة التي فرق الله فيها بين أوليائه وأعدائه، وجعلها مبدأ ~~لإعزاز دينه، ونصر عبده ورسوله: # PageV03P038 # قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان ~~وغيرهما قالوا: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول ~~نبوته مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، ~~يوافي الموسم كل عام، يتبع الحاج في منازلهم، وفي المواسم بعكاظ، ومجنة، ~~وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد ~~أحدا ينصره ولا يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة، ~~ويقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، ~~وتذل لكم بها العجم، فإذا آمنتم، كنتم ملوكا في الجنة " وأبو لهب وراءه ~~يقول: لا تطيعوه، فإنه صابئ كذاب، فيردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، وهو ~~يدعوهم إلى الله، ويقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا، قال: وكان ممن يسمى ~~لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم وعرض نفسه ~~عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن حصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، ~~وسليم، وعبس، وبنو النضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، ~~وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد» ) . ### | [فصل في لقياه صلى الله عليه وسلم لمن قدم من الأوس والخزرج] # فصل # ( «وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم # PageV03P039 # من يهود المدينة أن نبيا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتبعه ~~ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، وكانت الأنصار يحجون البيت كما كانت العرب تحجه ~~دون اليهود، فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى ~~الله عز وجل، وتأملوا أحواله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم أن هذا ~~الذي توعدكم ms0593 به يهود، فلا يسبقنكم إليه. وكان سويد بن الصامت من الأوس قد ~~قدم مكة، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبعد ولم يجب حتى قدم أنس ~~بن رافع أبو الحيسر في فتية من قومه من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف، ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ وكان ~~شابا حدثا: يا قوم، هذا والله خير مما جئنا له، فضربه أبو الحيسر وانتهره، ~~فسكت ثم لم يتم لهم الحلف، فانصرفوا إلى المدينة» ) . ### | [فصل في لقي النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر من الخزرج] # فصل # ( «ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر ~~من الأنصار كلهم من الخزرج، وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ~~ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رئاب، ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلموا» ) . # ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوهم إلى الإسلام، ففشا الإسلام فيها حتى لم يبق ~~دار إلا وقد دخلها الإسلام، فلما كان العام المقبل، جاء منهم اثنا عشر ~~رجلا، الستة الأول خلا جابر بن عبد الله، ومعهم معاذ بن الحارث بن رفاعة ~~أخو عوف المتقدم، وذكوان بن عبد القيس، وقد أقام ذكوان بمكة حتى هاجر إلى ~~المدينة، فيقال: إنه مهاجري أنصاري، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، ~~وأبو # PageV03P040 # الهيثم بن التيهان، وعويمر بن مالك هم اثنا عشر. # وقال أبو الزبير: عن جابر ( «إن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر ~~سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم، ومجنة، وعكاظ، يقول: من يؤويني؟ من ~~ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يؤويه، حتى ~~إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه فيقولون له: احذر ~~غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله عز وجل، وهم يشيرون ~~إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل ms0594 منا فيؤمن به ويقرئه ~~القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار ~~إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، وبعثنا الله إليه، فائتمرنا ~~واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ~~ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا بيعة العقبة، فقال له عمه ~~العباس: يا ابن أخي ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل ~~يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء ~~قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: " ~~تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر ~~واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا ~~تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، وتمنعوني مما تمنعون ~~منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة، فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد ~~بن زرارة، وهو أصغر السبعين فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه ~~أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب ~~كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، ~~وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند ~~الله، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا ~~نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا، # PageV03P041 # فأخذ علينا وشرط، يعطينا بذلك الجنة» ) . # ثم انصرفوا إلى المدينة، وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن ~~أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمان من أسلم منهم القرآن، ويدعوان إلى الله عز ~~وجل، فنزلا على أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان مصعب بن عمير يؤمهم، (وجمع ~~بهم لما بلغوا أربعين) ، فأسلم على يديهما بشر كثير، منهم: أسيد بن الحضير، ~~وسعد بن معاذ، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء، ~~إلا أصيرم عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد، وأسلم ms0595 حينئذ ~~وقاتل فقتل قبل أن يسجد لله سجدة، فأخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ( «عمل قليلا وأجر كثيرا» ) . # PageV03P042 # وكثر الإسلام بالمدينة وظهر، ثم رجع مصعب إلى مكة، ووافى الموسم ذلك ~~العام خلق كثير من الأنصار من المسلمين والمشركين، وزعيم القوم البراء بن ~~معرور، فلما كانت ليلة العقبة الثلث الأول من الليل تسلل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، فبايعوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خفية من قومهم ومن كفار مكة، على أن يمنعوه مما يمنعون منه ~~نساءهم وأبناءهم وأزرهم، فكان أول من بايعه ليلتئذ البراء بن معرور، وكانت ~~له اليد البيضاء، إذ أكد العقد وبادر إليه، وحضر العباس عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤكدا لبيعته كما تقدم، وكان إذ ذاك على دين قومه، واختار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبا، وهم: أسعد ~~بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن ~~معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، وكان إسلامه تلك الليلة، وسعد ~~بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء تسعة من الخزرج، ~~وثلاثة من الأوس: أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ~~وقيل: بل أبو الهيثم بن التيهان مكانه. # وأما المرأتان: فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو، وهي التي قتل مسيلمة ~~ابنها حبيب بن زيد، وأسماء بنت عمرو بن عدي. # فلما تمت هذه البيعة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يميلوا ~~على أهل العقبة بأسيافهم، فلم يأذن لهم في ذلك، وصرخ الشيطان على العقبة ~~بأنفذ صوت سمع: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على # PageV03P043 # حربكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «هذا أزب العقبة، هذا ابن ~~أزيب، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك» ) . # ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش ~~وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار، ms0596 فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم ~~لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايم الله، ما حي من ~~العرب أبغض إلينا من أن ينشب بيننا وبينه الحرب منكم، فانبعث من كان هناك ~~من الخزرج من المشركين، يحلفون لهم بالله: ما كان هذا وما علمنا، وجعل عبد ~~الله بن أبي بن سلول يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا ~~علي مثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني، فرجعت قريش من ~~عندهم، ورحل البراء بن معرور، فتقدم إلى بطن يأجج، وتلاحق أصحابه من ~~المسلمين، وتطلبتهم قريش، فأدركوا سعد بن عبادة، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع ~~رحله، وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجذبونه بجمته حتى أدخلوه مكة، فجاء مطعم بن ~~عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه ~~أن يكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعا إلى المدينة. # فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، فبادر ~~الناس إلى ذلك، فكان أول من خرج إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، ~~وامرأته أم # PageV03P044 # سلمة، ولكنها احتبست دونه ومنعت من اللحاق به سنة، وحيل بينها وبين ولدها ~~سلمة، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة، وشيعها عثمان بن أبي طلحة. # ثم خرج الناس أرسالا يتبع بعضهم بعضا، ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي، أقاما بأمره لهما، وإلا من احتبسه ~~المشركون كرها، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر ~~بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه. ### | [فصل في ائتمار قريش به صلى الله عليه وسلم لقتله] # فصل # فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا ~~وحملوا، وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، وعرفوا أن ~~الدار دار منعة، وأن القوم أهل حلقة وشوكة وبأس، فخافوا خروج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليهم ولحوقه بهم، فيشتد عليهم أمره، فاجتمعوا في ms0597 دار ~~الندوة، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم ~~وليهم وشيخهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصماء في كسائه، ~~فتذاكروا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار كل أحد منهم برأي، ~~والشيخ يرده ولا يرضاه، إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه رأي ما أراكم قد ~~وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما ~~نهدا جلدا، ثم نعطيه سيفا صارما، فيضربونه # PageV03P045 # ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ~~كيف تصنع، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق إليهم ديته، فقال الشيخ: ~~لله در الفتى، هذا والله الرأي، قال: فتفرقوا على ذلك، واجتمعوا عليه، ~~فجاءه جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ~~ينام في مضجعه تلك الليلة. # ( «وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم ~~يكن يأتيه فيها متقنعا، فقال له: " أخرج من عندك " فقال: إنما هم أهلك يا ~~رسول الله، فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة يا ~~رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال أبو بكر: فخذ ~~بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن» ~~) . # وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش ~~يتطلعون من صير الباب ويرصدونه، ويريدون بياته، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذره ~~على رءوسهم، وهم لا يرونه، وهو يتلو: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 9] [يس: 9] ومضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا، وجاء رجل ~~ورأى القوم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال: خبتم وخسرتم، قد ~~والله ms0598 مر بكم وذر على رءوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ~~ينفضون التراب عن رءوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم بن العاص، وعقبة بن أبي ~~معيط، # PageV03P046 # والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو ~~لهب، وأبي بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فلما أصبحوا قام علي عن الفراش ~~فسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا علم لي به. # ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور، فدخلاه، وضرب ~~العنكبوت على بابه. # وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي، وكان هاديا ماهرا بالطريق، ~~وكان على دين قومه من قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه ~~غار ثور بعد ثلاث، وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة، حتى انتهوا ~~إلى باب الغار، فوقفوا عليه. # ففي " الصحيحين " ( «أن أبا بكر قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى # PageV03P047 # ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا ~~تحزن فإن الله معنا» ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يسمعان ~~كلامهم فوق رءوسهما، ولكن الله سبحانه عمى عليهم أمرهما، وكان عامر بن ~~فهيرة يرعى عليهما غنما لأبي بكر، ويتسمع ما يقال بمكة، ثم يأتيهما بالخبر، ~~فإذا كان السحر سرح مع الناس. # قالت عائشة: وجهزناهما أحسن الجهاز، ووضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت ~~أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، وقطعت الأخرى فصيرتها ~~عصاما لفم القربة، فلذلك لقبت، ذات النطاقين. # وذكر الحاكم في " مستدركه " عن عمر قال: ( «خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى ~~فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال له: يا رسول الله أذكر ~~الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد، فأمشي بين يديك، فقال: يا أبا بكر لو كان ~~شيء أحببت أن يكون بك # PageV03P048 # دوني؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق، فلما انتهى إلى ms0599 الغار، قال أبو بكر: ~~مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان في ~~أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ ~~الجحرة، ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل» ) ، فمكثا في الغار ثلاث ليال حتى ~~خمدت عنهما نار الطلب، فجاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين فارتحلا وأردف ~~أبو بكر عامر بن فهيرة وسار الدليل أمامهما، وعين الله تكلؤهما، وتأييده ~~يصحبهما، وإسعاده يرحلهما وينزلهما. # ولما يئس المشركون من الظفر بهما جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما، ~~فجد الناس في الطلب، والله غالب على أمره، فلما مروا بحي بني مدلج مصعدين ~~من قديد، بصر بهم رجل من الحي، فوقف على الحي فقال: لقد رأيت آنفا بالساحل ~~أسودة ما أراها إلا محمدا وأصحابه، ففطن بالأمر سراقة بن مالك، فأراد أن ~~يكون الظفر له خاصة وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه فقال: بل هم ~~فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلا ثم قام فدخل خباءه وقال ~~لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة، ثم أخذ رمحه وخفض ~~عاليه يخط به الأرض، حتى ركب فرسه، فلما قرب منهم وسمع قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو بكر يكثر الالتفات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا سراقة بن مالك قد رهقنا، فدعا عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض، فقال: قد علمت أن ~~الذي أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلق، وسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكتب له كتابا، فكتب له أبو # PageV03P049 # بكر بأمره في أديم، وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة، فجاءه بالكتاب ~~فوفاه له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يوم وفاء وبر، وعرض عليهما ~~الزاد والحملان، فقالا: لا حاجة ms0600 لنا به ولكن عم عنا الطلب، فقال: قد كفيتم، ~~ورجع فوجد الناس في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، وقد كفيتم ما ~~هاهنا، وكان أول النهار جاهدا عليهما، وآخره حارسا لهما. ### | [فصل في مروره صلى الله عليه وسلم بخيمتي أم معبد الخزاعية] # فصل # ثم «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك، حتى مر بخيمتي أم ~~معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقي ~~من مر بها، فسألاها: هل عندها شيء؟ فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما ~~أعوزكم القرى، والشاء عازب، وكانت سنة شهباء، فنظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة ~~خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، فقال: ~~أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، ~~فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجت ~~عليه ودرت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها ~~فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب وحلب فيه ثانيا حتى ملأ ~~الإناء ثم غادره عندها، فارتحلوا فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق ~~أعنزا عجافا يتساوكن هزالا لا نقي بهن، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك ~~هذا والشاة عازب؟ ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل ~~مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا) قال: والله إني لأراه ~~صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد، قالت: ظاهر الوضاءة، أبلج ~~الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به # PageV03P050 # صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه ~~سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن ~~تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو ms0601 ~~المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة، لا تقحمه ~~عين من قصر، ولا تشنؤه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، ~~وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا ~~إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند، فقال أبو معبد: والله هذا صاحب ~~قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ~~ذلك سبيلا، وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعونه ولا يرون القائل: # جزى الله رب العرش خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد # هما نزلا بالبر وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمد # فيا لقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسودد # ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد # سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاء تشهد # PageV03P051 # قالت أسماء بنت أبي بكر: ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه ~~ويسمعون صوته، ولا يرونه حتى خرج من أعلاها، قالت: فلما سمعنا قوله، عرفنا ~~حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة» . ### | [فصل في وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة] # فصل # وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وقصده المدينة، ~~وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حر الشمس ~~رجعوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول ~~على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة خرجوا على عادتهم، فلما حمي حر الشمس ~~رجعوا، وصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فصرخ بأعلى صوته: ~~يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدكم الذي تنتظرونه، فبادر الأنصار ~~إلى السلاح ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت الرجة والتكبير في ms0602 ~~بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه ~~بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه: ~~{فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} ~~[التحريم: 4] [التحريم: 4] ، فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فنزل ~~على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة، والأول أثبت، فأقام في بني ~~عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، وأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة. # PageV03P052 # فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله له، فأدركته الجمعة في بني سالم بن ~~عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. # ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، ~~فقال: ( «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» ) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمر بدار ~~من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم، ويقول: ( «دعوها فإنها ~~مأمورة» ) فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم وبركت، ولم ينزل عنها حتى ~~نهضت وسارت قليلا، ثم التفتت فرجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها وذلك ~~في بني النجار أخواله صلى الله عليه وسلم. # وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك، فجعل ~~الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو ~~أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: ( «المرء مع رحله» ) ، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته، وكانت ~~عنده وأصبح كما قال أبو قيس صرمة الأنصاري، وكان ابن عباس يختلف إليه يتحفظ ~~منه هذه الأبيات: # ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا # ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا # فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا # وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد ولا يخشى من الناس باغيا # PageV03P053 # بذلنا له الأموال من حل مالنا # وأنفسنا عند الوغى والتآسيا ... نعادي الذي عادى من الناس كلهم # جميعا وإن كان ms0603 الحبيب المصافيا ... ونعلم أن الله لا رب غيره # وأن كتاب الله أصبح هاديا # قال ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأمر بالهجرة ~~وأنزل عليه: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] » ) [الإسراء: 80] . # قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق، ونبي الله يعلم أنه ~~لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانا نصيرا، وأراه الله عز ~~وجل دار الهجرة وهو بمكة، فقال: ( «أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين ~~لابتين» ) . # وذكر الحاكم في " مستدركه " عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لجبريل: ( «من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق» ) . # قال البراء: ( «أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار ~~وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عشرين راكبا، ثم جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فما # PageV03P054 # رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء ~~يقولون: هذا رسول الله قد جاء» ) . # وقال أنس: ( «شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ ~~من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا ~~أظلم من يوم مات» ) . # فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده، وبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين ~~وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة ~~زوجته، وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن، وأما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج، وخرج عبد الله بن ~~أبي بكر معهم بعيال أبي بكر ومنهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان. ### | [فصل في بناء المسجد] # فصل # في بناء ms0604 المسجد # قال الزهري: «بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم موضع مسجده، وهو يومئذ ~~يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من ~~الأنصار كانا في حجر أسعد بن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جدارا ليس له ~~سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه شجرة غرقد وخرب ونخل وقبور ~~للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، وبالخرب # PageV03P055 # فسويت وبالنخل والشجر فقطعت وصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي ~~القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا ~~من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني ~~معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول: # اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره # وكان يقول: # هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر # وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن، ويقول بعضهم في رجزه: # لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل # وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، بابا في مؤخره، وبابا ~~يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد، وقيل له: ألا تسقفه فقال: ( «لا عريش ~~كعريش موسى» ) وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن، وسقفها بالجريد والجذوع، ~~فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد قبليه، ~~وهو مكان حجرته اليوم، وجعل لسودة بنت زمعة بيتا آخر. ### | [فصل في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار] # فصل # ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس ~~بن مالك، وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى ~~بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ms0605 ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، ~~فلما # PageV03P056 # أنزل الله عز وجل: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} ~~[الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6] رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة. # وقد قيل: إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها ~~عليا أخا لنفسه والثبت الأول، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام، # PageV03P057 # وأخوة الدار، وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار، ~~ولو آخى بين المهاجرين كان أحق الناس بأخوته أحب الخلق إليه، ورفيقه في ~~الهجرة، وأنيسه في الغار، وأفضل الصحابة وأكرمهم عليه أبو بكر الصديق، وقد ~~قال: ( «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة ~~الإسلام أفضل» ) ، وفي لفظ: (ولكن أخي وصاحبي) وهذه الأخوة في الإسلام وإن ~~كانت عامة كما قال: ( «وددت أن قد رأينا إخواننا، قالوا: ألسنا إخوانك؟ ~~قال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني» ) ~~فللصديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصحبة أعلى مراتبها، ~~فالصحابة لهم الأخوة ومزية الصحبة، ولأتباعه بعدهم الأخوة دون الصحبة. ### | [فصل في معاهدته صلى الله عليه وسلم مع يهود] # فصل # ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بالمدينة من اليهود، وكتب بينه ~~وبينهم كتابا، وبادر حبرهم وعالمهم عبد الله بن سلام فدخل في الإسلام، # PageV03P058 # وأبى عامتهم إلا الكفر. # وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وحاربه ~~الثلاثة، فمن على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة، وسبى ~~ذريتهم، ونزلت (سورة الحشر) في بني النضير، و (سورة الأحزاب) في بني قريظة. ### | [فصل في تحويل القبلة] # فصل # وكان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، ويحب أن يصرف إلى الكعبة، وقال لجبريل: ( ~~«وددت أن يصرف الله وجهي عن قبلة اليهود، فقال: إنما أنا عبد، فادع ربك ~~واسأله، فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك، حتى أنزل الله عليه: {قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} ~~[البقرة: 144] [البقرة: 144] » ) وذلك بعد ستة عشر شهرا من مقدمه ms0606 المدينة ~~قبل وقعة بدر بشهرين. # قال محمد بن سعد: أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: أنبأنا أبو معشر، عن محمد ~~بن كعب القرظي، قال: ( «ما خالف نبي نبيا قط في قبلة ولا في سنة، إلا أن # PageV03P059 # رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر ~~شهرا، ثم قرأ: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} ~~[الشورى: 13] » ) [الشورى: 13] . # وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلها إلى الكعبة حكم عظيمة، ~~ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين. # فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا وقالوا: {آمنا به كل من عند ربنا} ~~[آل عمران: 7] [آل عمران: 7] وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم. # وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا، يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما ~~رجع إليها إلا أنه الحق. # وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيا لكان يصلي ~~إلى قبلة الأنبياء. # وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه، إن كانت الأولى حقا فقد ~~تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل، وكثرت أقاويل السفهاء ~~من الناس، وكانت كما قال الله تعالى: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله} [البقرة: 143] [البقرة: 143] وكانت محنة من الله امتحن بها عباده ~~ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه. # ولما كان أمر القبلة وشأنها عظيما، وطأ - سبحانه - قبلها أمر النسخ ~~وقدرته عليه، وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ثم عقب ذلك بالتوبيخ لمن ~~تعنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له، ثم ذكر بعده اختلاف اليهود ~~والنصارى، وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء، وحذر عباده المؤمنين ~~من موافقتهم واتباع أهوائهم، ثم ذكر كفرهم وشركهم به، وقولهم: إن له ولدا، ~~سبحانه وتعالى عما يقولون علوا، ثم أخبر أن له المشرق والمغرب، وأينما يولي # PageV03P060 # عباده وجوههم فثم وجهه، وهو الواسع العليم، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما ~~يوجه العبد، فثم وجه الله. # ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله ms0607 عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا ~~يصدقونه، ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ~~ملتهم، وأنه إن فعل وقد أعاذه الله من ذلك فما له من الله من ولي ولا نصير، ~~ثم ذكر أهل الكتاب بنعمته عليهم، وخوفهم من بأسه يوم القيامة، ثم ذكر خليله ~~باني بيته الحرام، وأثنى عليه ومدحه، وأخبر أنه جعله إماما للناس يأتم به ~~أهل الأرض، ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له، وفي ضمن هذا أن باني البيت ~~كما هو إمام للناس فكذلك البيت الذي بناه إمام لهم، ثم أخبر أنه لا يرغب عن ~~ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس، ثم أمر عباده أن يأتموا برسوله الخاتم، ~~ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين، ثم رد على من قال: ~~إن إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى، وجعل هذا كله توطئة ومقدمة بين ~~يدي تحويل القبلة، ومع هذا كله فقد كبر ذلك على الناس إلا من هدى الله ~~منهم، وأكد سبحانه هذا الأمر مرة بعد مرة بعد ثالثة، وأمر به رسوله حيثما ~~كان ومن حيث خرج، وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي ~~هداهم إلى هذه القبلة، وأنها هي القبلة التي تليق بهم، وهم أهلها لأنها ~~أوسط القبل وأفضلها، وهم أوسط الأمم وخيارهم، فاختار أفضل القبل لأفضل ~~الأمم، كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب، وأخرجهم في خير القرون، ~~وخصهم بأفضل الشرائع، ومنحهم خير الأخلاق، وأسكنهم خير الأرض، وجعل منازلهم ~~في الجنة خير المنازل، وموقفهم في القيامة خير المواقف، فهم على تل عال ~~والناس تحتهم، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء، والله ذو الفضل العظيم. # وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة، ولكن الظالمون ~~الباغون يحتجون عليهم بتلك الحجج التي ذكرت، ولا يعارض الملحدون الرسل # PageV03P061 # إلا بها وبأمثالها من الحجج الداحضة، وكل من قدم على أقوال الرسول سواها ~~فحجته من جنس حجج هؤلاء. ms0608 # وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم وليهديهم، ثم ذكرهم نعمه ~~عليهم بإرسال رسوله إليهم، وإنزال كتابه عليهم؛ ليزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ثم أمرهم بذكره وبشكره، إذ بهذين ~~الأمرين يستوجبون إتمام نعمه والمزيد من كرامته، ويستجلبون ذكره لهم ومحبته ~~لهم، ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به، وهو الصبر والصلاة، ~~وأخبرهم أنه مع الصابرين. ### | [فصل في الأذان وزيادة الصلاة إلى رباعية] # فصل # وأتم نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس ~~مرات، وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أخريين بعد أن كانت ثنائية، ~~فكل هذا كان بعد مقدمه المدينة. ### | [فصل في الإذن بالقتال] # فصل # فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيده الله بنصره ~~بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت ~~بينهم، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم ~~دونه، وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من ~~أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة ~~والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو ~~والصفح حتى قويت الشوكة، # PageV03P062 # واشتد الجناح، فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: ~~{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] ~~[الحج: 39] . # وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكة، والسورة مكية، وهذا غلط لوجوه: # أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكنون ~~بها من القتال بمكة. # الثاني: أن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة وإخراجهم من ديارهم ~~فإنه قال: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} ~~[الحج: 40] [الحج: 40] وهؤلاء هم المهاجرون. # الثالث: قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] [الحج: 19] ~~نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر من الفريقين. # الرابع: أنه قد خاطبهم في آخرها بقوله: {ياأيها الذين آمنوا} [الحج: 77] ~~والخطاب بذلك كله مدني، فأما ms0609 الخطاب {ياأيها الناس} [البقرة: 21] فمشترك. # الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد وغيره، ولا ريب أن ~~الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة ~~بقوله: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به} [الفرقان: 52] أي: بالقرآن {جهادا ~~كبيرا} [الفرقان: 52] [الفرقان: 52] فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو ~~التبليغ، وجهاد الحجة، وأما الجهاد المأمور به في (سورة الحج فيدخل فيه ~~الجهاد بالسيف. # السادس: أن الحاكم روى في " مستدركه " من حديث الأعمش عن مسلم البطين، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مكة # PageV03P063 # قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن فأنزل الله ~~عز وجل: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] [الحج: 39] وهي أول ~~آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط " الصحيحين " وسياق السورة يدل على أن ~~فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في أمنية الرسول مكية، والله ~~أعلم. ### | [فصل في فرض القتال] # فصل # ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: ~~{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] [البقرة: 190] . # ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرما، ثم مأذونا به، ثم مأمورا ~~به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، إما فرض عين على أحد ~~القولين، أو فرض كفاية على المشهور. # والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، ~~وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع. # أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان: ~~والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال ~~تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41] [التوبة: 41] وعلق النجاة من النار ~~به ومغفرة الذنب ودخول الجنة فقال: {ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير ms0610 لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: 10 - ~~12] [الصف: 10] وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح ~~القريب، فقال: # PageV03P064 # {وأخرى تحبونها} [الصف: 13] [الصف: 13] أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في ~~الجهاد، وهي: {نصر من الله وفتح قريب} [الصف: 13] وأخبر سبحانه أنه: {اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] [التوبة: 111] ~~وأعاضهم عليها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه المنزلة من ~~السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكد ذلك بإعلامهم أنه لا أحد ~~أوفى بعهده منه تبارك وتعالى، ثم أكد ذلك بأن أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم ~~الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز العظيم. # فليتأمل العاقد مع ربه عقد هذا التبايع، ما أعظم خطره وأجله، فإن الله عز ~~وجل هو المشتري، والثمن جنات النعيم والفوز برضاه، والتمتع برؤيته هناك. ~~والذي جرى على يده هذا العقد أشرف رسله وأكرمهم عليه من الملائكة والبشر، ~~وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر عظيم وخطب جسيم: # قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل # مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، ~~فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما هزلت فيستامها ~~المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من ~~يريد، فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ~~ينتظرون أيهم يصلح أن يكون نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد ~~{أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] [المائدة: 54] . # لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى ~~الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا ~~تثبت هذه الدعوى إلا ببينة {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ~~[آل عمران: 31] [آل عمران: 31] فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول في ~~أفعاله وأقواله # PageV03P065 # وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة، وقيل: ms0611 لا تقبل العدالة إلا بتزكية ~~{يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [المائدة: 54] [المائدة: 54] ~~فتأخر أكثر المدعين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين ~~وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد فإن {الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] وعقد التبايع يوجب التسليم ~~من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى ~~عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد عرفوا أن ~~للسلعة قدرا وشأنا ليس لغيرها من السلع، فرأوا من الخسران البين والغبن ~~الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها ~~وحسرتها، فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعة ~~الرضوان رضى واختيارا من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا ~~نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت أنفسكم وأموالكم ~~لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها {ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: ~~169] [آل عمران: 169] لم نبتع منكم نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ~~ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان، ثم ~~جمعنا لكم بين الثمن والمثمن. # تأمل قصة جابر بن عبد الله " وقد اشترى منه صلى الله عليه وسلم بعيره، ثم ~~وفاه الثمن وزاده، ورد عليه البعير، وكان أبوه قد قتل مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في وقعة أحد، فذكره بهذا الفعل حال أبيه مع الله، وأخبره ( «أن ~~الله أحياه، وكلمه كفاحا، وقال: يا عبدي تمن علي» ) " فسبحان من # PageV03P066 # عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، فقد أعطى السلعة، وأعطى الثمن، ~~ووفق لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعاض عليه أجل الأثمان، واشترى ~~عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا ~~العقد، وهو سبحانه الذي وفقه له وشاءه منه. # فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطو ms0612 المراحلا # وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا # ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ... نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا # ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا # وخذ منهم زادا إليهم وسر على ... طريق الهدى والحب تصبح واصلا # وأحي بذكراهم شراك إذا دنت ... ركابك فالذكرى تعيدك عاملا # وإما تخافن الكلال فقل لها ... أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا # وخذ قبسا من نورهم ثم سر به ... فنورهم يهديك ليس المشاعلا # وحي على وادي الأراك فقل به ... عساك تراهم ثم إن كنت قائلا # وإلا ففي نعمان عندي معرف ال ... أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا # وإلا ففي جمع بليلته فإن ... تفت فمنى يا ويح من كان غافلا # وحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى بها كنت نازلا # ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا # وحي على يوم المزيد بجنة ال ... خلود فجد بالنفس إن كنت باذلا # فدعها رسوما دارسات فما بها ... مقيل وجاوزها فليست منازلا # رسوما عفت ينتابها الخلق كم بها ... قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا # وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... عليه سرى وفد الأحبة آهلا # وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا # فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا # لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية # PageV03P067 # وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، وأسمع الله من كان حيا، فهزه ~~السماع إلى منازل الأبرار، وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا ~~بدار القرار، فقال: ( «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي ~~وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن ~~أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم ~~أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» ) . # وقال: ( «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله ~~لا يفتر من ms0613 صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله، وتوكل الله ~~للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالما مع أجر أو ~~غنيمة» ) . # وقال: ( «غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» ) . # PageV03P068 # وقال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ( «أيما عبد من عبادي خرج مجاهدا في ~~سبيلي ابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو ~~غنيمة، وإن قبضته أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة» ) # وقال: «جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ~~ينجي الله به من الهم والغم» ) . # وقال: «أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بي، وأسلم وهاجر ببيت في ربض ~~الجنة، وببيت في وسط الجنة، وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم، وجاهد في سبيل ~~الله ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى غرف الجنة، من ~~فعل ذلك، لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا يموت حيث شاء أن يموت» ) . # وقال: «من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة، وجبت له الجنة» ) . # PageV03P069 # وقال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين ~~كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه ~~أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» ) . # «وقال لأبي سعيد: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وجبت ~~له الجنة " فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في ~~الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال: وما هي يا رسول الله؟ ~~قال: " الجهاد في سبيل الله» ) . # وقال: ( «من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب، أي ~~فل هلم، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، ~~دعي من باب الجهاد، ومن كان ms0614 من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من ~~أهل الصيام، دعي من باب الريان فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ~~ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ ~~قال: نعم وأرجو أن تكون منهم» ) . # PageV03P070 # وقال: ( «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله، فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه ~~وأهله، وعاد مريضا أو أماط الأذى عن طريق، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم ~~جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حطة» ) . # وذكر ابن ماجه عنه: ( «من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته فله ~~بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، وأنفق في وجهه ذلك، ~~فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم " ثم تلا هذه الآية: {والله يضاعف لمن يشاء} ~~[البقرة: 261] » ) [البقرة 261] . # وقال: ( «من أعان مجاهدا في سبيل الله أو غارما في غرمه أو مكاتبا في ~~رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» ) . # وقال: ( «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» ) . # PageV03P071 # وقال: ( «لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل واحد، ولا يجتمع غبار في سبيل ~~الله ودخان جهنم في وجه عبد» ) وفي لفظ " في قلب عبد " وفي لفظ " في جوف ~~امرئ " وفي لفظ " في منخري مسلم ". # وذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ( «من اغبرت قدماه في سبيل الله ساعة ~~من نهار، فهما حرام على النار» ) . # وذكر عنه أيضا أنه قال: ( «لا يجمع الله في جوف رجل غبارا في سبيل الله ~~ودخان جهنم، ومن اغبرت قدماه في سبيل الله، حرم الله سائر جسده على النار، ~~ومن صام يوما في سبيل الله، باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب ~~المستعجل، ومن جرح جراحة في سبيل الله، ختم له بخاتم الشهداء، له نور يوم ~~القيامة لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك يعرفه بها الأولون والآخرون، ~~ويقولون: فلان عليه طابع الشهداء، ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة، وجبت ~~له الجنة» ms0615 ) . # PageV03P072 # وذكر ابن ماجه عنه: ( «من راح روحة في سبيل الله، كان له بمثل ما أصابه ~~من الغبار مسكا يوم القيامة» ) . # وذكر أحمد - رحمه الله - عنه: ( «ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا ~~حرم الله عليه النار» ) . # وقال: ( «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» ) . # وقال: ( «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات، جرى عليه عمله ~~الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» ) . # وقال: ( «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ~~ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر» ) . # PageV03P073 # وقال: ( «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» ) ~~. # وذكر ابن ماجه عنه: ( «من رابط ليلة في سبيل الله، كانت له كألف ليلة ~~صيامها وقيامها» ) . # وقال: ( «مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في أهله ستين سنة، ~~أما تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة؟ جاهدوا في سبيل الله، من قاتل ~~في سبيل الله فواق ناقة، وجبت له الجنة» ) . # وذكر أحمد عنه: ( «من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام، أجزأت ~~عنه رباط سنة» ) . # PageV03P074 # وذكر عنه أيضا: ( «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها، ~~ويصام نهارها» ) . # وقال: ( «حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله، وحرمت النار على ~~عين سهرت في سبيل الله» ) . # وذكر أحمد عنه: ( «من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا يأخذه ~~سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: {وإن منكم إلا ~~واردها} [مريم: 71] » ) . # وقال لرجل حرس المسلمين ليلة في سفرهم من أولها إلى الصباح على ظهر فرسه ~~لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة: ( «قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها» ) . # وقال: ( «من بلغ بسهم في سبيل الله، فله درجة في الجنة» ) . # وقال: ( «من رمى بسهم في سبيل الله، فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في # PageV03P075 # سبيل الله، كانت له نورا ms0616 يوم القيامة» ) وعند النسائي تفسير الدرجة بمائة ~~عام. # وقال: ( «إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، ~~والممد به، والرامي به، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ~~وكل شيء يلهو به الرجل فباطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، وملاعبته ~~امرأته، ومن علمه الله الرمي فتركه رغبة عنه، فنعمة كفرها» ) رواه أحمد ~~وأهل السنن وعند ابن ماجه ( «من تعلم الرمي ثم تركه، فقد # PageV03P076 # عصاني» ) . # وذكر أحمد عنه أن رجلا قال له: أوصني فقال: ( «أوصيك بتقوى الله، فإنه ~~رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة ~~القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكر لك في الأرض» ) . # وقال: ( «ذروة سنام الإسلام الجهاد» ) . # وقال: ( «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي ~~يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» ) . # PageV03P077 # وقال: ( «من مات، ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق» ) . # وذكر أبو داود عنه: ( «من لم يغز، أو يجهز غازيا، أو يخلف غازيا في أهله ~~بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة» ) . # وقال: ( «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا ~~أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلم يرفعه ~~عنهم حتى يراجعوا دينهم» ) # PageV03P078 # وذكر ابن ماجه عنه: ( «من لقي الله عز وجل، وليس له أثر في سبيل الله، ~~لقي الله وفيه ثلمة» ) . # وقال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] [البقرة: ~~195] ، وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد، وصح ~~عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» ) . # PageV03P079 # وصح عنه: ( «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله» ) . # وصح عنه: ( «إن النار أول ما تسعر بالعالم والمنفق والمقتول في الجهاد ~~إذا فعلوا ذلك ليقال» ) . # وصح عنه: ( «أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا، فلا أجر له» ) . # وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: ( «إن قاتلت صابرا محتسبا، بعثك الله ~~صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا، بعثك ms0617 الله مرائيا مكاثرا، يا عبد ~~الله بن عمرو على أي وجه قاتلت أو قتلت، بعثك الله على تلك الحال» ) . # PageV03P080 ### | [فصل في استحباب القتال أول النهار] # فصل # ( «وكان يستحب القتال أول النهار» ) كما يستحب الخروج للسفر أوله، فإن لم ~~يقاتل أول النهار، أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح وينزل النصر. ### | فصل في فضل الشهيد # فصل # قال: ( «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم ~~في سبيله - إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك» ) . # وفي الترمذي عنه ( «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين أو أثرين، قطرة دمعة ~~من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران، فأثر في سبيل ~~الله، وأثر في فريضة من فرائض الله» ) . # وصح عنه أنه قال: ( «ما من عبد يموت، له عند الله خير لا يسره أن يرجع ~~إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، ~~فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى» ) وفي لفظ: ( «فيقتل عشر ~~مرات لما # PageV03P081 # يرى من الكرامة» ) . # ( «وقال لأم حارثة بنت النعمان، وقد قتل ابنها معه يوم بدر، فسألته أين ~~هو؟ قال: إنه في الفردوس الأعلى» ) . # وقال: ( «إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، ~~تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم ~~اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة ~~حيث شئنا؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، ~~قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، ~~فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» ) . # وقال: ( «إن للشهيد عند الله خصالا أن يغفر له من أول دفعة من دمه، ويرى ~~مقعده من الجنة، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب ~~القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه ~~خير من ms0618 الدنيا وما فيها. ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في ~~سبعين إنسانا من أقاربه» ) ذكره أحمد وصححه الترمذي. # وقال لجابر: ( «ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: ما كلم الله ~~أحدا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، فقال: يا عبدي تمن علي أعطك، # PageV03P082 # قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني (أنهم إليها لا ~~يرجعون) قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل ~~عمران: 169] » ) [آل عمران: 169] . # وقال: ( «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد ~~أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما ~~وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما ~~صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا ~~أبلغهم عنكم، فأنزل الله على رسوله هذه الآيات: {ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا} [آل عمران: 169] » ) . # وفي " المسند " مرفوعا: ( «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة ~~خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية» ) . # وقال: ( «لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى يبتدره زوجتاه، كأنهما طيران ~~أضلتا فصيليهما ببراح من الأرض بيد كل واحدة منهما حلة خير من الدنيا وما ~~فيها» ) . # وفي " المستدرك " والنسائي مرفوعا: ( «لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من ~~أن يكون لي أهل المدر والوبر» ) . # PageV03P083 # وفيهما: ( «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة» ) . # وفي " السنن ": ( «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» ) . # وفي " المسند ": ( «أفضل الشهداء الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون ~~وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ~~ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا، فلا حساب عليه» ) . # وفيه: ( «الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو، فصدق الله حتى ~~قتل، فذلك الذي يرفع إليه الناس أعناقهم، ms0619 ورفع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأسه حتى وقعت قلنسوته، ورجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فكأنما يضرب ~~جلده بشوك الطلح أتاه سهم غرب فقتله، هو في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن جيد ~~الإيمان، خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في ~~الدرجة الثالثة، ورجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافا كثيرا لقي العدو فصدق الله ~~حتى قتل، فذلك في الدرجة الرابعة» ) . # PageV03P084 # وفي " المسند " و " صحيح ابن حبان ": ( «القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد ~~بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك الشهيد ~~الممتحن في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة، ورجل ~~مؤمن فرق على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى ~~إذا لقي العدو، قاتل حتى يقتل، فتلك ممصمصة محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف ~~محاء الخطايا، وأدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم ~~سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض، ورجل منافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي ~~العدو، قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فإن ذلك في النار، إن السيف لا يمحو ~~النفاق» ) . # وصح عنه: ( «أنه لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا» ) . # وسئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: ( «من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل: فأي ~~القتل أفضل؟ قال: من أهريق دمه، وعقر جواده في سبيل الله» ) . # PageV03P085 # وفي " سنن ابن ماجه ": ( «إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» ) ~~وهو لأحمد والنسائي مرسلا. # وصح عنه: ( «أنه لا تزال طائفة من أمته يقاتلون على الحق لا يضرهم من ~~خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» ) وفي لفظ: ( «حتى يقاتل آخرهم ~~المسيح الدجال» ) . ### | [فصل في مبايعته صلى الله عليه وسلم أصحابه] # فصل # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه في الحرب على ألا يفروا، ~~وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد كما بايعهم على الإسلام، ~~وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على التوحيد، والتزام طاعة الله ~~ورسوله، وبايع نفرا من ms0620 أصحابه ألا يسألوا الناس شيئا. # PageV03P086 # (وكان السوط يسقط من يد أحدهم، فينزل عن دابته، فيأخذه، ولا يقول لأحد: ~~ناولني إياه) . # وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد، وأمر العدو، وتخير المنازل، وفي " ~~المستدرك " عن أبي هريرة: ( «ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -» ) . # ( «وكان يتخلف في ساقتهم في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف المنقطع، وكان ~~أرفق الناس بهم في المسير» ) . # ( «وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها» ) ، فيقول مثلا إذا أراد غزوة حنين: ~~كيف طريق نجد ومياهها ومن بها من العدو ونحو ذلك. # وكان يقول: ( «الحرب خدعة» ) . # ( «وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوه، ويطلع الطلائع، ويبيت # PageV03P087 # الحرس» ) . # ( «وكان إذا لقي عدوه، وقف ودعا، واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر ~~الله، وخفضوا أصواتهم» ) . # وكان يرتب الجيش والمقاتلة، ويجعل في كل جنبة كفئا لها، وكان يبارز بين ~~يديه بأمره، وكان يلبس للحرب عدته، ( «وربما ظاهر بين درعين، وكان له ~~الألوية والرايات» ) . # ( «وكان إذا ظهر على قوم، أقام بعرصتهم ثلاثا، ثم قفل» ) . # ( «وكان إذا أراد أن يغير، انتظر، فإن سمع في الحي مؤذنا، لم يغر وإلا ~~أغار» ) . ( «وكان ربما بيت عدوه، وربما فاجأهم نهارا» ) . # ( «وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار» ) وكان العسكر إذا نزل # PageV03P088 # انضم بعضه إلى بعض حتى لو بسط عليهم كساء لعمهم. # ( «وكان يرتب الصفوف ويعبئهم عند القتال بيده، ويقول: تقدم يا فلان، تأخر ~~يا فلان» ) . # وكان يستحب للرجل منهم أن يقاتل تحت راية قومه. # وكان إذا لقي العدو، قال: ( «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم ~~الأحزاب، اهزمهم، وانصرنا عليهم» ) وربما قال: {سيهزم الجمع ويولون الدبر - ~~بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 45 - 46] . # وكان يقول: ( «اللهم أنزل نصرك» ) وكان يقول: ( «اللهم أنت عضدي وأنت ~~نصيري، وبك أقاتل» ) . # وكان إذا اشتد له بأس، وحمي الحرب، وقصده العدو، يعلم بنفسه ويقول: # أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # وكان الناس إذا اشتد الحرب اتقوا به صلى الله عليه وسلم وكان أقربهم إلى ~~العدو. # PageV03P089 # وكان يجعل لأصحابه ms0621 شعارا في الحرب يعرفون به إذا تكلموا، وكان شعارهم ~~مرة: ( «أمت أمت» ) ومرة: ( «يا منصور» ) ومرة: ( «حم لا ينصرون» ) . # وكان يلبس الدرع والخوذة، ويتقلد السيف، ويحمل الرمح والقوس العربية، ~~وكان يتترس بالترس، وكان يحب الخيلاء في الحرب وقال: ( «إن منها ما يحبه ~~الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله، فاختيال الرجل ~~بنفسه عند اللقاء، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله عز وجل، ~~فاختياله في البغي والفخر» ) . # وقاتل مرة بالمنجنيق نصبه على أهل الطائف. # وكان ينهى عن قتل النساء والولدان وكان ينظر في المقاتلة، فمن رآه أنبت ~~قتله، ومن لم ينبت استحياه. # PageV03P090 # ( «وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله، ويقول: سيروا بسم الله، وفي ~~سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا ~~وليدا» ) . # وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو. # وكان يأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إما إلى الإسلام والهجرة، ~~أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين، ليس لهم في الفيء ~~نصيب، أو بذل الجزية، فإن هم أجابوا إليه، قبل منهم، وإلا استعان بالله ~~وقاتلهم. # وكان إذا ظفر بعدوه، أمر مناديا، فجمع الغنائم كلها، فبدأ بالأسلاب ~~فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خمس الباقي، فوضعه حيث أراه الله، وأمره به من ~~مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان ~~والعبيد، ثم قسم الباقي بالسوية بين الجيش، للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، ~~وسهمان لفرسه، وللراجل سهم، هذا هو الصحيح الثابت عنه. # وكان ينفل من صلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة، وقيل: بل كان النفل ~~من الخمس، وقيل وهو أضعف الأقوال، بل كان من خمس الخمس. وجمع لسلمة بن ~~الأكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس فأعطاه # PageV03P091 # أربعة أسهم لعظم غنائه في تلك الغزوة. # وكان يسوي الضعيف والقوي في القسمة ما عدا النفل. # وكان إذا أغار في أرض العدو بعث سرية بين يديه، فما غنمت أخرج خمسه، ~~ونفلها ربع الباقي، وقسم الباقي بينها وبين سائر ms0622 الجيش، وإذا رجع فعل ذلك، ~~ونفلها الثلث ومع ذلك، فكان يكره النفل ويقول: ( «ليرد قوي المؤمنين على ~~ضعيفهم» ) . # «وكان له صلى الله عليه وسلم سهم من الغنيمة يدعى الصفي، إن شاء عبدا، ~~وإن شاء أمة وإن شاء فرسا يختاره قبل الخمس» . # PageV03P092 # قالت: عائشة: ( «وكانت صفية من الصفي» ) رواه أبو داود. ولهذا جاء في ~~كتابه إلى بني زهير بن أقيش ( «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم ~~وسهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله ورسوله» ~~) . # وكان سيفه ذو الفقار من الصفي. # وكان يسهم لمن غاب عن الوقعة لمصلحة المسلمين، كما ( «أسهم لعثمان سهمه ~~من بدر، ولم يحضرها لمكان تمريضه لامرأته رقية ابنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله» ) فضرب له ~~سهمه وأجره. # وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون، وهو يراهم ولا ينهاهم، ( «وأخبره ~~رجل أنه ربح ربحا لم يربح أحد مثله، فقال: " ما هو "؟ قال: ما زلت أبيع ~~وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية، فقال: أنا أنبئك بخير رجل ربح قال: ما هو ~~يا رسول الله؟ قال: ركعتين بعد الصلاة» ) . # وكانوا يستأجرون الأجراء للغزو على نوعين # أحدهما: أن يخرج الرجل ويستأجر من يخدمه في سفره. # والثاني: أن يستأجر من ماله من يخرج في # PageV03P093 # الجهاد، ويسمون ذلك الجعائل، وفيها قال: النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي» ) . # وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضا. # أحدهما: شركة الأبدان. # والثاني: أن يدفع الرجل بعيره إلى الرجل أو فرسه يغزو عليه على النصف مما ~~يغنم حتى ربما اقتسما السهم، فأصاب أحدهما قدحه، والآخر نصله وريشه. # وقال: ابن مسعود: (اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، فجاء سعد ~~بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء) . # وكان يبعث بالسرية فرسانا تارة، ورجالا أخرى، وكان لا يسهم لمن قدم من ~~المدد بعد الفتح. ### | [فصل في سهم ذي القربى] ms0623 # فصل # وكان يعطي سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم من بني عبد ~~شمس وبني نوفل، وقال: ( «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد وشبك بين ~~أصابعه، وقال: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» ) . # PageV03P094 ### | [فصل في أنه صلى الله عليه وسلم لا يخمس الطعام] # فصل # وكان المسلمون يصيبون معه في مغازيهم العسل والعنب والطعام فيأكلونه، ولا ~~يرفعونه في المغانم، قال ابن عمر: ( «إن جيشا غنموا في زمان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - طعاما وعسلا، ولم يؤخذ منهم الخمس» ) ذكره أبو داود. # ( «وانفرد عبد الله بن المغفل يوم خيبر بجراب شحم، وقال: لا أعطي اليوم ~~أحدا من هذا شيئا، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم ولم يقل له ~~شيئا» ) . # ( «وقيل لابن أبي أوفى: كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر، وكان الرجل يجيء، فيأخذ منه ~~مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف» ) . # ( «وقال: بعض الصحابة " كنا نأكل الجوز في الغزو، ولا نقسمه حتى إن كنا ~~لنرجع إلى رحالنا وأجربتنا منه مملوءة» ) . ### | [فصل في حكم النهبة والمثلة] # فصل # وكان ينهى في مغازيه عن النهبة والمثلة وقال: ( «من انتهب نهبة فليس منا» ~~) # PageV03P095 # ( «وأمر بالقدور التي طبخت من النهبى فأكفئت» ) . # وذكر أبو داود ( «عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنما، فانتهبوها ~~وإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي على قوسه، ~~فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: " إن النهبة ليست ~~بأحل من الميتة، أو إن الميتة ليست بأحل من النهبة» ) . ### | [فصل في النهي عن استعمال الفيء في غير حال الحرب] # فصل # وكان ينهى أن يركب الرجل دابة من الفيء حتى إذا أعجفها ردها فيه، وأن ~~يلبس الرجل ثوبا من الفيء حتى إذا أخلقه رده فيه ولم يمنع من الانتفاع به ~~حال الحرب. ### | [فصل في الغلول] # فصل # وكان ms0624 يشدد في الغلول جدا، ويقول: ( «هو عار ونار وشنار على أهله يوم ~~القيامة» ) . # PageV03P096 # ولما ( «أصيب غلامه مدعم قالوا: هنيئا له الجنة قال: كلا والذي نفسي بيده ~~إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ~~نارا " فجاء رجل بشراك أو شراكين لما سمع ذلك، فقال: " شراك أو شراكان من ~~نار» ) . # وقال أبو هريرة: ( «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول ~~وعظمه، وعظم أمره، فقال: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ~~ثغاء، على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك ~~شيئا قد أبلغتك، على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا ~~أملك لك من الله شيئا، قد أبلغتك، على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله ~~أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك» ) . # ( «وقال لمن كان على ثقله وقد مات " هو في النار " فذهبوا ينظرون فوجدوا ~~عباءة قد غلها» ) . # ( «وقالوا في بعض غزواتهم: " فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل، ~~فقالوا: وفلان شهيد، فقال: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو # PageV03P097 # عباءة " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب يا ابن الخطاب، ~~اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» ) . # ( «وتوفي رجل يوم خيبر، فذكروا ذلك ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: " صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في ~~سبيل الله شيئا " ففتشوا متاعه، فوجدوا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين» ~~) . # ( «وكان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا، فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، ~~فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " سمعت بلالا نادى ثلاثا؟ " قال: نعم، قال: "فما منعك أن تجيء ~~به؟ " فاعتذر، فقال: " كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك» ) . ### | [فصل في تحريق متاع الغال وضربه] # فصل # وأمر بتحريق متاع الغال وضربه، وحرقه الخليفتان الراشدان بعده ms0625 # PageV03P098 # فقيل: هذا منسوخ بسائر الأحاديث التي ذكرت، فإنه لم يجئ التحريق في شيء ~~منها، وقيل -وهو الصواب - إن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة ~~إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة، فإنه حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده، ~~ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة فليس بحد ولا منسوخ، وإنما ~~هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى] ### | أسارى بدر # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى # كان يمن على بعضهم، ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسرى ~~المسلمين، وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة، ففادى أسارى بدر بمال، وقال: ( ~~«لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم # PageV03P099 # له» ) # وهبط عليه في صلح الحديبية ثمانون متسلحون يريدون غرته، فأسرهم ثم من ~~عليهم. # وأسر ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، فربطه بسارية المسجد، ثم أطلقه فأسلم. # ( «واستشار الصحابة في أسارى بدر، فأشار عليه الصديق أن يأخذ منهم فدية ~~تكون لهم قوة على عدوهم ويطلقهم، لعل الله أن يهديهم إلى الإسلام، وقال ~~عمر: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب ~~أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر، فلما كان من الغد أقبل عمر، فإذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي هو وأبو بكر، فقال: يا رسول الله! من أي ~~شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت ~~لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي للذي عرض علي أصحابك من ~~أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأنزل الله: {ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] » ) [الأنفال: 67] ~~. # PageV03P100 # وقد تكلم الناس، في أي الرأيين كان أصوب، فرجحت طائفة قول عمر لهذا ~~الحديث، ورجحت طائفة قول أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب ~~الذي سبق ms0626 من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ~~ولتشبيه النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر ~~بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ~~ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين ~~بالفداء، ولموافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر أولا، ~~ولموافقة الله له آخرا حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق، فإنه ~~رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرا، وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة. # قالوا: وأما بكاء النبي صلى الله عليه وسلم، فإنما كان رحمة لنزول العذاب ~~لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يرد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم ولا تصيب من أراد ذلك ~~خاصة، كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: (لن نغلب اليوم من قلة) وبإعجاب ~~كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة، ثم استقر الأمر على ~~النصر والظفر والله أعلم. # ( «واستأذنه الأنصار أن يتركوا للعباس عمه فداءه، فقال: لا تدعوا منه ~~درهما» ) . # PageV03P101 # واستوهب من سلمة بن الأكوع جارية نفله إياها أبو بكر في بعض مغازيه ~~فوهبها له، فبعث بها إلى مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين، وفدى رجلين من ~~المسلمين برجل من عقيل، ورد سبي هوازن عليهم بعد القسمة، واستطاب قلوب ~~الغانمين، فطيبوا له، وعوض من لم يطيب من ذلك بكل إنسان ست فرائض، وقتل ~~عقبة بن أبي معيط من الأسرى، وقتل النضر بن الحارث لشدة عداوتهما لله ~~ورسوله. # وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس قال: ( «كان ناس من الأسرى لم يكن لهم مال، ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار ~~الكتابة» ) وهذا يدل على جواز الفداء بالعمل، كما يجوز بالمال. # وكان هديه أن من أسلم قبل الأسر، لم يسترق، وكان يسترق سبي العرب، كما ~~يسترق غيرهم من أهل الكتاب، ( «وكان عند عائشة سبية منهم فقال: أعتقيها ~~فإنها من ms0627 ولد إسماعيل» ) . # PageV03P102 # وفي الطبراني مرفوعا: ( «من كان عليه رقبة من ولد إسماعيل، فليعتق من ~~بلعنبر» ) . # ولما قسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن ~~قيس بن شماس، فكاتبته على نفسها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتابتها وتزوجها، فأعتق بتزوجه إياها مئة من أهل بيت بني المصطلق إكراما ~~لصهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي من صريح العرب، ولم يكونوا ~~يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام، بل كانوا يطئونهن بعد الاستبراء، ~~وأباح الله لهم ذلك، ولم يشترط الإسلام، بل قال تعالى: {والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] [النساء: 24] ، فأباح وطء ملك ~~اليمين، وإن كانت محصنة إذا انقضت عدتها بالاستبراء، (وقال له سلمة بن ~~الأكوع، لما استوهبه الجارية الفزارية من السبي: والله يا رسول الله! لقد ~~أعجبتني، وما كشفت لها ثوبا) ، ولو كان وطؤها حراما قبل الإسلام عندهم، لم ~~يكن لهذا القول معنى، ولم تكن قد أسلمت، لأنه قد فدى بها ناسا من المسلمين ~~بمكة، والمسلم لا يفادى به، وبالجملة فلا نعرف في أثر واحد قط اشتراط ~~الإسلام منهم قولا أو فعلا في وطء المسبية، فالصواب الذي كان عليه هديه ~~وهدي أصحابه استرقاق العرب، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير ~~اشتراط الإسلام. ### | [فصل أنه لا يفرق في السبي بين الوالدة وولدها] # فصل # ( «وكان صلى الله عليه وسلم يمنع التفريق في السبي بين الوالدة وولدها، ~~ويقول: من فرق # PageV03P103 # بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ) وكان يؤتى ~~بالسبي، فيعطي أهل البيت جميعا كراهية أن يفرق بينهم. ### | [فصل في هديه فيمن جس عليه] # فصل # في هديه فيمن جس عليه # ثبت عنه أنه قتل جاسوسا من المشركين. وثبت عنه ( «أنه لم يقتل حاطبا، وقد ~~جس عليه، واستأذنه عمر في قتله فقال: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ~~فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ) فاستدل به من لا يرى قتل المسلم ~~الجاسوس، كالشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله، واستدل ms0628 به من يرى قتله، ~~كمالك، وابن عقيل من أصحاب أحمد -رحمه الله- وغيرهما قالوا: لأنه علل بعلة ~~مانعة من القتل منتفية في غيره، ولو كان الإسلام مانعا من قتله، لم يعلل ~~بأخص منه، لأن الحكم إذا علل بالأعم، كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى. ~~والله أعلم. ### | [فصل من هديه صلى الله عليه وسلم عتق عبيد المشركين] # فصل. # PageV03P104 # وكان هديه صلى الله عليه وسلم عتق عبيد المشركين إذا خرجوا إلى المسلمين ~~وأسلموا، ويقول: ( «هم عتقاء الله عز وجل» ) . # وكان هديه أن من أسلم على شيء في يده، فهو له، ولم ينظر إلى سببه قبل ~~الإسلام، بل يقره في يده كما كان قبل الإسلام، ولم يكن يضمن المشركين إذا ~~أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفس، أو مال حال الحرب ولا قبله، ( «وعزم ~~الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردة ديات المسلمين وأموالهم، فقال ~~عمر: تلك دماء أصيبت في سبيل الله، وأجورهم على الله، ولا دية لشهيد» ) ~~فاتفق الصحابة على ما قال عمر، ولم يكن أيضا يرد على المسلمين أعيان ~~أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرا بعد إسلامهم، بل كانوا يرونها ~~بأيديهم، ولا يتعرضون لها سواء في ذلك العقار والمنقول، هذا هديه الذي لا ~~شك فيه. # ولما فتح مكة، قام إليه رجال من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دورهم ~~التي استولى عليها المشركون، فلم يرد على واحد منهم داره، وذلك لأنهم ~~تركوها لله، وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته، فأعاضهم عنها دورا خيرا منها في ~~الجنة، فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله، بل أبلغ من ذلك أنه لم يرخص ~~للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاث، لأنه قد ترك بلده لله، وهاجر ~~منه، فليس له أن # PageV03P105 # يعود يستوطنه، ولهذا رثى لسعد بن خولة، وسماه بائسا أن مات بمكة، ودفن ~~بها بعد هجرته منها. ### | [فصل في هديه في الأرض المغنومة] # فصل # في هديه في الأرض المغنومة # ثبت عنه أنه قسم أرض بني قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين، وأما ~~المدينة، ففتحت بالقرآن، وأسلم ms0629 عليها أهلها، فأقرت بحالها. وأما مكة، ~~ففتحها عنوة، ولم يقسمها، فأشكل على كل طائفة من العلماء الجمع بين فتحها ~~عنوة، وترك قسمتها، فقالت طائفة: لأنها دار المناسك، وهي وقف على المسلمين ~~كلهم، وهم فيها سواء، فلا يمكن قسمتها، ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها، ~~ومنهم من جوز بيع رباعها، ومنع إجارتها، والشافعي لما لم يجمع بين العنوة، ~~وبين عدم القسمة، قال: إنها فتحت صلحا، فلذلك لم تقسم. قال: ولو فتحت عنوة، ~~لكانت غنيمة، فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول، ولم ير بأسا من ~~بيع رباع مكة، وإجارتها، واحتج بأنها ملك لأربابها تورث عنهم وتوهب، وقد ~~أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه، واشترى عمر بن الخطاب ~~دارا من صفوان بن أمية، ( «وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين تنزل غدا في ~~دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور» ) وكان عقيل ورث أبا ~~طالب، فلما كان أصل الشافعي أن الأرض من الغنائم، وأن الغنائم تجب # PageV03P106 # قسمتها، وأن مكة تملك وتباع، ورباعها ودورها لم تقسم لم يجد بدا من القول ~~بأنها فتحت صلحا. # لكن من تأمل الأحاديث الصحيحة، وجدها كلها دالة على قول الجمهور، أنها ~~فتحت عنوة. ثم اختلفوا لأي شيء لم يقسمها؟ فقالت طائفة: لأنها دار النسك ~~ومحل العبادة، فهي وقف من الله على عباده المسلمين. وقالت طائفة: الإمام ~~مخير في الأرض بين قسمتها وبين وقفها، والنبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر، ~~ولم يقسم مكة، فدل على جواز الأمرين. قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم ~~المأمور بقسمتها، بل الغنائم هي الحيوان والمنقول، لأن الله تعالى لم يحل ~~الغنائم لأمة غير هذه الأمة، وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم كما قال تعالى: ~~{وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 20] إلى ~~قوله: {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] ~~[المائدة: 20، 21] ، وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم: {كذلك وأورثناها بني ~~إسرائيل} [الشعراء: 59] [الشعراء: 59] ، فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، ~~والإمام مخير ms0630 فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وترك، وعمر لم يقسم، بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجا مستمرا في رقبتها ~~يكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك ~~في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها ~~تورث، والوقف لا يورث، وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أنها ~~يجوز أن تجعل صداقا، والوقف لا يجوز أن يكون مهرا في النكاح، ولأن الوقف ~~إنما امتنع بيعه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون ~~الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فمن اشتراها صارت ~~عنده خراجية، كما كانت عند البائع سواء، فلا يبطل حق أحد من المسلمين بهذا ~~البيع، كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق، ونظير هذا بيع رقبة المكاتب، ~~وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبا كما كان ~~عند البائع، ولا يبطل ما انعقد في حقه من سبب العتق ببيعه، والله أعلم. # PageV03P107 # ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم نصف أرض خيبر خاصة، ~~ولو كان حكمها حكم الغنيمة، لقسمها كلها بعد الخمس، ففي " السنن " و " ~~المستدرك ": ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر قسمها ~~على ستة وثلاثين سهما، جمع كل سهم مائة سهم، فكان ل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن نزل به من ~~الوفود والأمور ونوائب الناس» ) هذا لفظ أبي داود، وفي لفظ: «عزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهما، وهو الشطر لنوائبه، وما ينزل به من ~~أمر المسلمين، وكان ذلك الوطيح والكتيبة، والسلالم وتوابعها» . وفي لفظ له ~~أيضا: ( «عزل نصفها لنوائبه وما نزل به: الوطيحة والكتيبة، وما أحيز معهما، ~~وعزل النصف الآخر، فقسمه بين المسلمين: الشق والنطاة، وما أحيز معهما، وكان ~~سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أحيز معهما» ) . ### | [فصل ms0631 في الأدلة على أن مكة فتحت عنوة] # فصل # والذي يدل على أن مكة فتحت عنوة وجوه: أحدها: أنه لم ينقل أحد قط أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح، ولا جاءه أحد منهم صالحه ~~على البلد، وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره، أو أغلق ~~بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه. # ولو كانت قد فتحت # PageV03P108 # صلحا، لم يقل: من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن، فإن ~~الصلح يقتضي الأمان العام. # الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «إن الله حبس عن مكة الفيل، ~~وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار» ) وفي لفظ: ( ~~«إنها لا تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» ) ~~وفي لفظ: ( «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا: ~~إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت ~~حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» ) . وهذا صريح في أنها فتحت عنوة. # وأيضا، فإنه ثبت في " الصحيح ": ( «أنه جعل يوم الفتح خالد بن الوليد على ~~المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر ~~وبطن الوادي، فقال: يا أبا هريرة ادع لي الأنصار فجاءوا يهرولون، فقال: يا ~~معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم ~~غدا أن تحصدوهم حصدا، وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم ~~الصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا ~~رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فقال # PageV03P109 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى ~~السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» . # وأيضا، «فإن أم هانئ أجارت رجلا، فأراد علي بن أبي طالب قتله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ms0632 قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» ) وفي لفظ عنها: ~~«لما كان يوم فتح مكة، أجرت رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتا، وأغلقت ~~عليهما بابا، فجاء ابن أمي علي فتفلت عليهما بالسيف، فذكرت حديث الأمان، ~~وقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» ) وذلك ضحى ~~بجوف مكة بعد الفتح. فإجارتها له، وإرادة علي رضي الله عنه قتله، وإمضاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم إجارتها صريح في أنها فتحت عنوة. # وأيضا فإنه أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خطل، وجاريتين، ولو كانت فتحت ~~صلحا، لم يأمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح، ~~وأيضا ففي " السنن " بإسناد صحيح: " «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ~~يوم فتح مكة، قال: أمنوا الناس إلا امرأتين، وأربعة نفر. اقتلوهم وإن ~~وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» ) والله أعلم. # PageV03P110 ### | [فصل في الإقامة بين المشركين] # فصل # ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر ~~على الهجرة من بينهم، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. ~~قيل: يا رسول الله! ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما» . # وقال: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله» . وقال: «لا تنقطع الهجرة حتى ~~تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» ، وقال: «ستكون ~~هجرة بعد هجرة، فخيار أهل # PageV03P111 # الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، ~~تقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير» . ### | [فصل في هديه في الأمان والصلح ومعاملة رسل الكفار وأخذ الجزية] # فصل # في هديه في الأمان، والصلح، ومعاملة رسل الكفار، وأخذ الجزية، ومعاملة ~~أهل الكتاب، والمنافقين، وإجارة من جاءه من الكفار حتى يسمع كلام الله، ~~ورده إلى مأمنه، ووفائه بالعهد، وبراءته من الغدر # ثبت عنه أنه قال: ( «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر ~~مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم ~~القيامة صرفا ولا عدلا» ) . # وقال: ( «المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد ms0633 على من سواهم، ويسعى بذمتهم ~~أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا # PageV03P112 # فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين» ) . # وثبت عنه أنه قال: ( «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها ~~حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء» ) . # وقال: ( «من أمن رجلا على نفسه فقتله، فأنا بريء من القاتل» ) . وفي لفظ: ~~« (أعطي لواء غدرة» ) وقال: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يعرف به ~~يقال: هذه غدرة فلان بن فلان» ) . # PageV03P113 # ويذكر عنه أنه قال: ( «ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو» ) . ### | [فصل في تقرير مصير الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم] # فصل # ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، صار الكفار معه ثلاثة أقسام: ~~قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه ~~عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم. # وقسم: حاربوه ونصبوا له العداوة. # وقسم: تاركوه، فلم يصالحوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يئول إليه أمره، ~~وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره، وانتصاره في الباطن، ومنهم: من ~~كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم: من دخل معه في الظاهر، وهو مع ~~عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون، فعامل كل طائفة من ~~هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى. # فصالح يهود المدينة، وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول ~~المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فحاربته بنو قينقاع بعد # PageV03P114 # ذلك بعد بدر، وشرقوا بوقعة بدر، وأظهروا البغي والحسد فسارت إليهم جنود ~~الله، يقدمهم عبد الله ورسوله يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا ~~من مهاجره، وكان حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين، وكانوا ~~أشجع يهود المدينة، وحامل لواء المسلمين يومئذ حمزة بن عبد المطلب، واستخلف ~~على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وحاصرهم خمسة عشر ليلة إلى هلال ذي ~~القعدة، وهم أول ms0634 من حارب من اليهود، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد ~~الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب الذي إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله ~~عليهم، وقذفه في قلوبهم، فنزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في رقابهم وأموالهم، ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن ~~أبي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألح عليه، فوهبهم له، وأمرهم أن ~~يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، فقل ~~أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم، وكانوا صاغة وتجارا، وكانوا نحو الستمائة ~~مقاتل، وكانت دارهم في طرف المدينة، وقبض منهم أموالهم، فأخذ منها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث قسي ودرعين، وثلاثة أسياف، وثلاثة رماح، وخمس ~~غنائمهم، وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة. ### | [فصل في نقض بني النضير العهد] # فصل # ثم نقض العهد بنو النضير، قال البخاري: وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر، قاله ~~عروة وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه، وكلمهم ~~أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: ~~نفعل يا أبا # PageV03P115 # القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، وخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان ~~الشقاء الذي كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم ~~يأخذ هذه الرحا ويصعد، فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال: أشقاهم عمرو بن ~~جحاش: أنا، فقال: لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم به، ~~وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك ~~وتعالى بما هموا به، فنهض مسرعا، وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فقالوا: ~~نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود به، وبعث إليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن اخرجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن ~~وجدت بعد ذلك بها، ضربت عنقه، فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم المنافق ~~عبد الله بن أبي: أن لا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين ms0635 يدخلون معكم ~~حصنكم، فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وطمع رئيسهم حيي ~~بن أخطب فيما قال له، وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنا ~~لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، ونهضوا إليه، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهى إليهم، ~~قاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبي ~~وحلفاؤهم من غطفان، ولهذا شبه سبحانه وتعالى قصتهم، وجعل مثلهم {كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك} [الحشر: 16] ~~[الحشر: 16] ، فإن سورة الحشر هي سورة بني النضير، وفيها مبدأ قصتهم ~~ونهايتها، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم وحرق، فأرسلوا ~~إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، ~~وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم الأموال # PageV03P116 # والحلقة، وهي السلاح، وكانت بنو النضير خالصة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يخمسها لأن الله أفاءها عليه، ولم ~~يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب. وخمس قريظة. # قال مالك: خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة، ولم يخمس بني النضير، ~~لأن المسلمين لم يوجفوا بخيلهم ولا ركابهم على بني النضير، كما أوجفوا على ~~قريظة وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم، وقبض السلاح، واستولى ~~على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعا، وخمسين بيضة، ~~وثلاثمائة وأربعين سيفا، وقال: ( «هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في ~~قريش» ) وكانت قصتهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة. ### | [فصل في نقض قريظة العهد] # فصل # وأما قريظة، فكانت أشد اليهود عداوة ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأغلظهم كفرا، ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم. # وكان سبب غزوهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة الخندق ~~والقوم معه صلح، جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم، فقال: قد جئتكم ~~بعز ms0636 الدهر، جئتكم بقريش على سادتها، وغطفان على قادتها، وأنتم أهل الشوكة ~~والسلاح، فهلم حتى نناجز محمدا ونفرغ منه، فقال له رئيسهم: بل جئتني والله ~~بذل الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه، فهو يرعد ويبرق، فلم يزل حيي # PageV03P117 # يخادعه ويعده ويمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه، يصيبه ما ~~أصابهم، ففعل ونقضوا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأظهروا سبه ~~فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد ~~نقضوا العهد، فكبر وقال: ( «أبشروا يا معشر المسلمين» ) . # «فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يكن إلا أن ~~وضع سلاحه، فجاءه جبريل، فقال: (أوضعت السلاح، والله إن الملائكة لم تضع ~~أسلحتها؟! فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، ~~وأقذف في قلوبهم الرعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار،) وقال لأصحابه ~~يومئذ: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» ) ، فبادروا إلى امتثال ~~أمره، ونهضوا من فورهم، فأدركتهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصليها ~~إلا في بني قريظة كما أمرنا، فصلوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضهم: لم يرد ~~منا ذلك، وإنما أراد سرعة الخروج، فصلوها في الطريق، فلم يعنف واحدة من ~~الطائفتين. # واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب؟ فقالت طائفة: الذين أخروها هم المصيبون، ~~ولو كنا معهم لأخرناها كما أخروها، ولما صليناها إلا في بني قريظة # PageV03P118 # امتثالا لأمره، وتركا للتأويل المخالف للظاهر. # وقالت طائفة أخرى: بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قصب السبق، ~~وكانوا أسعد بالفضيلتين، فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج، وبادروا ~~إلى مرضاته في الصلاة في وقتها، ثم بادروا إلى اللحاق بالقوم، فحازوا فضيلة ~~الجهاد، وفضيلة الصلاة في وقتها، وفهموا ما يراد منهم، وكانوا أفقه من ~~الآخرين، ولا سيما تلك الصلاة، فإنها كانت صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى ~~بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيح الصريح الذي لا ms0637 مدفع له ولا ~~مطعن فيه، ومجيء السنة بالمحافظة عليها، والمبادرة إليها، والتبكير بها، ~~وأن من فاتته فقد وتر أهله وماله، أو قد حبط عمله، فالذي جاء فيها أمر لم ~~يجئ مثله في غيرها، وأما المؤخرون لها، فغايتهم أنهم معذورون، بل مأجورون ~~أجرا واحدا لتمسكهم بظاهر النص، وقصدهم امتثال الأمر، وأما أن يكونوا هم ~~المصيبين في نفس الأمر، ومن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئا، فحاشا ~~وكلا، والذين صلوا في الطريق، جمعوا بين الأدلة، وحصلوا الفضيلتين، فلهم ~~أجران، والآخرون مأجورون أيضا رضي الله عنهم. # فإن قيل: كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزا مشروعا، ولهذا كان عقب ~~تأخير النبي صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلى الليل، فتأخيرهم صلاة ~~العصر إلى الليل، كتأخيره صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق إلى الليل ~~سواء، ولا سيما أن ذلك كان قبل شروع صلاة الخوف. # قيل: هذا سؤال قوي، وجوابه من وجهين. # أحدهما: أن يقال: لم يثبت أن تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزا بعد بيان ~~المواقيت، ولا دليل على ذلك إلا قصة الخندق، فإنها هي التي استدل بها من ~~قال # PageV03P119 # ذلك، ولا حجة فيها لأنه ليس فيها بيان أن التأخير من النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان عن عمد، بل لعله كان نسيانا، وفي القصة ما يشعر بذلك، فإن عمر لما ~~قال له: ( «يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " والله ما صليتها) ثم قام فصلاها» . # وهذا مشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان ناسيا بما هو فيه من الشغل، ~~والاهتمام بأمر العدو المحيط به، وعلى هذا يكون قد أخرها بعذر النسيان، كما ~~أخرها بعذر النوم في سفره، وصلاها بعد استيقاظه، وبعد ذكره لتتأسى أمته به. # والجواب الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته إنما هو في حال الخوف والمسايفة ~~عند الدهش عن تعقل أفعال الصلاة، والإتيان بها، والصحابة في مسيرهم إلى بني ~~قريظة، لم يكونوا كذلك، بل كان حكمهم حكم أسفارهم إلى ms0638 العدو قبل ذلك وبعده، ~~ومعلوم أنهم لم يكونوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولم تكن قريظة ممن يخاف ~~فوتهم، فإنهم كانوا مقيمين بدارهم، فهذا منتهى أقدام الفريقين في هذا ~~الموضع. ### | فصل في حصار بني قريظة وتخييرهم بين ثلاث خصال # فصل. # وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي طالب، ( «واستخلف ~~على المدينة ابن أم مكتوم» ) ونازل حصون بني قريظة، وحصرهم خمسا وعشرين ~~ليلة، ولما اشتد عليهم الحصار، عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما ~~أن يسلموا ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريهم، ويخرجوا إليه ~~بالسيوف مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به، أو يقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا # PageV03P120 # على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويكبسوهم يوم السبت، لأنهم ~~قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن، فبعثوا ~~إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره، فلما رأوه، قاموا في ~~وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة! كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد؟ ~~فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه يقول: إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه قد ~~خان الله ورسوله، فمضى على وجهه، ولم يرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى أتى المسجد مسجد المدينة، فربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألا ~~يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة ~~أبدا. # فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: ( «دعوه حتى يتوب الله ~~عليه» ) ثم تاب الله عليه، وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، ثم ~~إنهم نزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقامت إليه الأوس، ~~فقالوا: ( «يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء ~~إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم ~~رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. قالوا: قد رضينا، فأرسل ~~إلى سعد بن معاذ، وكان ms0639 في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأركب حمارا ~~وجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعلوا يقولون له وهم كنفتاه: ~~يا سعد أجمل إلى مواليك، فأحسن فيهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~حكمك فيهم لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا، فلما أكثروا عليه، ~~قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فلما سمعوا ذلك منه، رجع ~~بعضهم إلى المدينة، فنعى إليهم القوم، فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال للصحابة: قوموا إلى سيدكم فلما أنزلوه قالوا: يا سعد! إن ~~هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك، قال: وحكمي نافذ عليهم؟ . قالوا: نعم. قال: ~~وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: على من هاهنا وأعرض بوجهه، وأشار إلى ~~ناحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجلالا له وتعظيما؟ قال: نعم، ~~وعلي. قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من # PageV03P121 # فوق سبع سماوات» ) . وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، وهرب عمرو بن ~~سعد، فانطلق فلم يعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد، فلما ~~حكم فيهم بذلك، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من جرت عليه ~~الموسى منهم، ومن لم ينبت، ألحق بالذرية، فحفر لهم خنادق في سوق المدينة، ~~وضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يقتل من النساء ~~أحد سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سويد بن الصامت رحى، فقتلته، وجعل ~~يذهب بهم إلى الخنادق أرسالا أرسالا، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعب! ~~ما تراه يصنع بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ أما ترون الداعي لا ينزع، ~~والذاهب منكم لا يرجع، هو والله القتل. # قال مالك في رواية ابن القاسم: قال عبد الله بن أبي لسعد بن معاذ في ~~أمرهم: إنهم أحد جناحي، وهم ثلاثمائة دارع، وستمائة حاسر، فقال: قد آن لسعد ~~ألا ms0640 تأخذه في الله لومة لائم، ولما جيء بحيي بن أخطب إلى بين يديه، ووقع ~~بصره عليه، قال: أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله ~~يغلب ثم قال: يا أيها الناس، لا بأس قدر الله وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ~~ثم حبس، فضربت عنقه. واستوهب ثابت بن قيس الزبير بن باطا وأهله وماله من ~~رسول الله، فوهبهم له، فقال له ثابت بن قيس: قد وهبك لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ووهب لي مالك وأهلك، فهم لك. فقال: سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ~~ألحقتني بالأحبة، فضرب عنقه، وألحقه # PageV03P122 # بالأحبة من اليهود، فهذا كله في يهود المدينة، وكانت غزوة كل طائفة منهم ~~عقب كل غزوة من الغزوات الكبار. # فغزوة بني قينقاع عقب بدر، وغزوة بني النضير عقب غزوة أحد، وغزوة بني ~~قريظة عقب الخندق. # وأما يهود خيبر، فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في حكم من نقض العهد وأقر به الباقون] # فصل # وكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا صالح قوما فنقض بعضهم عهده، وصلحه، ~~وأقرهم الباقون، ورضوا به، غزا الجميع، وجعلهم كلهم ناقضين، كما فعل ~~بقريظة، والنضير، وبني قينقاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سنته في أهل ~~العهد، وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به الفقهاء من ~~أصحاب أحمد وغيرهم، وخالفهم أصحاب الشافعي، فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصة ~~دون من رضي به وأقر عليه، وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد، ولهذا ~~كان موضوعا على التأبيد، بخلاف عقد الهدنة والصلح. # والأولون يقولون: لا فرق بينهما، وعقد الذمة لم يوضع للتأبيد، بل بشرط ~~استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه، فهو كعقد الصلح الذي وضع للهدنة بشرط ~~التزامهم أحكام ما وقع عليه العقد، قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يوقت عقد الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة، بل أطلقه ما ~~داموا كافين عنه، غير محاربين له، فكانت تلك ذمتهم، غير أن الجزية لم يكن ms0641 ~~نزل فرضها بعد، فلما نزل فرضها، ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد، ~~ولم يغير حكمه وصار # PageV03P123 # مقتضاها التأبيد، فإذا نقض بعضهم العهد، وأقرهم الباقون، ورضوا بذلك، ولم ~~يعلموا به المسلمين، صاروا في ذلك كنقض أهل الصلح، وأهل العهد والصلح سواء ~~في هذا المعنى، ولا فرق بينهما فيه، وإن افترقا من وجه آخر يوضح هذا أن ~~المقر الراضي الساكت إن كان باقيا على عهده وصلحه، لم يجز قتاله ولا قتله ~~في الموضعين، وإن كان بذلك خارجا عن عهده وصلحه راجعا إلى حاله الأولى قبل ~~العهد والصلح، لم يفترق الحال بين عقد الهدنة وعقد الذمة في ذلك، فكيف يكون ~~عائدا إلى حاله في موضع دون موضع، هذا أمر غير معقول. توضيحه: أن تجدد أخذ ~~الجزية منه، لا يوجب له أن يكون موفيا بعهده مع رضاه، وممالأته ومواطأته ~~لمن نقض، وعدم الجزية يوجب له أن يكون ناقضا غادرا غير موف بعهده، هذا بين ~~الامتناع. # فالأقوال ثلاثة: النقض في الصورتين، وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الكفار، وعدم النقض في الصورتين، وهو أبعد الأقوال ~~عن السنة، والتفريق بين الصورتين، والأولى أصوبها، وبالله التوفيق. # وبهذا القول أفتينا ولي الأمر لما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ~~ودورهم، وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكاد - لولا دفع ~~الله - أن يحترق كله، وعلم بذلك من علم من النصارى، وواطئوا عليه وأقروه ~~ورضوا به، ولم يعلموا ولي الأمر، فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من ~~الفقهاء، فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك، وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو ~~رضي به، وأقر عليه، وأن حده القتل حتما، لا تخيير للإمام فيه كالأسير بل ~~صار القتل له حدا، والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة، ~~ملتزما لأحكام الله بخلاف الحربي إذا أسلم، فإن الإسلام يعصم دمه وماله، ~~ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم ~~له حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي ms0642 تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونص ~~عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وأفتى به في غير موضع. # PageV03P124 ### | [فصل من دخل في عقد المصالحين ثم حارب المسلمين فقد نقض العهد] # فصل # وكان هديه وسنته إذا صالح قوما وعاهدهم، فانضاف إليهم عدو له سواهم، ~~فدخلوا معهم في عقدهم، وانضاف إليه قوم آخرون، فدخلوا معه في عقده، صار حكم ~~من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من حاربه، وبهذا السبب غزا أهل ~~مكة، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، تواثبت بنو بكر ~~بن وائل، فدخلت في عهد قريش وعقدها، وتواثبت خزاعة فدخلت في عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وعقده، ثم عدت بنو بكر على خزاعة فبيتتهم، وقتلت ~~منهم، وأعانتهم قريش في الباطن بالسلاح، فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريشا ناقضين للعهد بذلك، واستجاز غزو بني بكر بن وائل لتعديهم على حلفائه، ~~وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى. # وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو ~~المسلمين على قتالهم، فأمدوهم بالمال والسلاح، وإن كانوا لم يغزونا ولم ~~يحاربونا، ورآهم بذلك ناقضين للعهد، كما نقضت قريش عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإعانتهم بني بكر بن وائل على حرب حلفائه، فكيف إذا أعان أهل الذمة ~~المشركين على حرب المسلمين. والله أعلم. ### | [فصل في أن رسل الأعداء لا يتعرض لها] # فصل # وكانت تقدم عليه رسل أعدائه، وهم على عداوته، فلا يهيجهم، ولا يقتلهم، ~~ولما قدم عليه رسولا مسيلمة الكذاب: وهما عبد الله بن النواحة وابن أثال، ~~قال لهما: ( «فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ) فجرت سنته ألا ~~يقتل رسول. # PageV03P125 # وكان هديه أيضا ألا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه فلا يمنعه من اللحاق ~~بقومه بل يرده إليهم كما قال: أبو رافع بعثتني قريش إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلما أتيته، وقع في ms0643 قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله! لا أرجع ~~إليهم. فقال: ( «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان ~~في قلبك الذي فيه الآن، فارجع» ) . # قال أبو داود: وكان هذا في المدة التي شرط لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يرد إليهم من جاء منهم، وإن كان مسلما، وأما اليوم، فلا يصلح هذا. ~~انتهى. # وفي قوله: ( «لا أحبس البرد» ) إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسل مطلقا، ~~وأما رده لمن جاء إليه منهم وإن كان مسلما، فهذا إنما يكون مع الشرط، كما ~~قال أبو داود، وأما الرسل، فلهم حكم آخر، ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة ~~وقد قالا له في وجهه: نشهد أن مسيلمة رسول الله. # وكان من هديه، أن أعداءه إذا عاهدوا واحدا من أصحابه على عهد لا يضر ~~بالمسلمين من غير رضاه، أمضاه لهم، كما عاهدوا حذيفة وأباه الحسيل أن لا ~~يقاتلاهم معه صلى الله عليه وسلم، فأمضى لهم ذلك وقال لهما: ( «انصرفا نفي ~~لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» ) . ### | [فصل في صلحه صلى الله عليه وسلم مع قريش] # فصل # وصالح قريشا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، على أن من جاءه # PageV03P126 # منهم مسلما رده إليهم، ومن جاءهم من عنده لا يردونه إليه، وكان اللفظ ~~عاما في الرجال والنساء، فنسخ الله ذلك في حق النساء، وأبقاه في حق الرجال، ~~وأمر الله نبيه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء، فإن علموها مؤمنة ~~لم يردوها إلى الكفار، وأمرهم برد مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة ~~بضعها، وأمر المسلمين أن يردوا على من ارتدت امرأته إليهم مهرها إذا ~~عاقبوا، بأن يجب عليهم رد مهر المهاجرة، فيردونه إلى من ارتدت امرأته، ولا ~~يردونها إلى زوجها المشرك، فهذا هو العقاب، وليس من العذاب في شيء، وكان في ~~هذا دليل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، وأنه متقوم بالمسمى الذي ~~هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل، وأن أنكحة الكفار لها حكم الصحة، لا يحكم ~~عليها ms0644 بالبطلان، وأنه لا يجوز رد المسلمة المهاجرة إلى الكفار ولو شرط ذلك، ~~وأن المسلمة لا يحل لها نكاح الكافر، وأن المسلم له أن يتزوج المرأة ~~المهاجرة إذا انقضت عدتها، وآتاها مهرها، وفي هذا أبين دلالة على خروج ~~بضعها من ملك الزوج، وانفساخ نكاحها منه بالهجرة والإسلام. # وفيه دليل على تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حرم نكاح المسلمة على ~~الكافر. # وهذه أحكام استفيدت من هاتين الآيتين، وبعضها مجمع عليه، وبعضها مختلف ~~فيه، وليس مع من ادعى نسخها حجة البتة فإن الشرط الذي وقع بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبين الكفار في رد من جاءه مسلما إليهم، إن كان مختصا ~~بالرجال، لم تدخل النساء فيه، وإن كان عاما للرجال والنساء، فالله سبحانه ~~وتعالى خصص منه # PageV03P127 # رد النساء ونهاهم عن ردهن، وأمرهم برد مهورهن، وأن يردوا منها على من ~~ارتدت امرأته إليهم من المسلمين المهر الذي أعطاها، ثم أخبر أن ذلك حكمه ~~الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته، ولم يأت عنه ما ينافي ~~هذا الحكم، ويكون بعده حتى يكون ناسخا. # ولما صالحهم على رد الرجال، كان يمكنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم، ولا ~~يكرهه على العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالا، وقد فصل ~~عن يده، ولما يلحق بهم، لم ينكر عليه ذلك، ولم يضمنه لهم، لأنه ليس تحت ~~قهره، ولا في قبضته، ولا أمره بذلك، ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس ~~والأموال إلا عمن هو تحت قهره، وفي قبضته، كما ( «ضمن لبني جذيمة ما أتلفه ~~عليهم خالد من نفوسهم وأموالهم» ) وأنكره، وتبرأ منه. # ولما كان إصابته لهم عن نوع شبهة، إذ لم يقولوا: أسلمنا، وإنما قالوا: ~~صبأنا، فلم يكن إسلاما صريحا، ضمنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة، ~~وأجراهم في ذلك مجرى # PageV03P128 # أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في ~~الإسلام، ولم يقتض عهد الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة ~~النبي صلى الله ms0645 عليه وسلم وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين ~~إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده، وإن كانوا من المسلمين أنه لا ~~يجب على الإمام ردهم عنهم، ولا منعهم من ذلك، ولا ضمان ما أتلفوه عليهم. # وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب، ومصالح الإسلام وأهله وأمره وأمور ~~السياسات الشرعية من سيره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال، فهذا لون، ~~وتلك لون، وبالله التوفيق. ### | [فصل في الصلح مع أهل خيبر] # فصل # وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن يجليهم منها، ولهم ما حملت ~~ركابهم، ول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء، والحلقة، ~~وهي السلاح. # واشترط في عقد الصلح ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا، فلا ذمة ~~لهم، ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى ~~خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن ~~أخطب، واسمه سعية: ( «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ فقال: أذهبته ~~النفقات والحروب، فقال: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» ) وقد كان حيي قتل ~~مع بني قريظة لما دخل معهم، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى ~~الزبير ليستقره، فمسه بعذاب، فقال: قد # PageV03P129 # رأيت حييا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة، ~~فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بنت ~~حيي بن أخطب، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد ~~أن يجليهم من خيبر، فقالوا: دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ~~فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن ل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~لأصحابه غلمان يكفونهم مؤنتها، فدفعها إليهم على أن ل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الشطر من كل شيء يخرج منها من ثمر أو زرع، ولهم الشطر، وعلى أن ~~يقرهم فيها ما شاء. # ولم يعمهم بالقتل كما عم قريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد، وأما ms0646 هؤلاء ~~فالذين علموا بالمسك وغيبوه وشرطوا له إن ظهر، فلا ذمة لهم ولا عهد، فإنه ~~قتلهم بشرطهم على أنفسهم، ولم يتعد ذلك إلى سائر أهل خيبر، فإنه معلوم قطعا ~~أن جميعهم لم يعلموا بمسك حيي، وأنه مدفون في خربة، فهذا نظير الذمي ~~والمعاهد إذا نقض العهد، ولم يمالئه عليه غيره، فإن حكم النقض مختص به. # ثم في دفعه إليهم الأرض على النصف دليل ظاهر على جواز المساقاة ~~والمزارعة، وكون الشجر نخلا لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكم نظيره، فبلد ~~شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار، في الحاجة إلى ذلك، حكمه حكم بلد ~~شجرهم النخل سواء ولا فرق. # PageV03P130 # شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك، حكمه حكم بلد ~~شجرهم النخل سواء ولا فرق. وفي ذلك دليل على أنه لا يشترط كون البذر من رب ~~الأرض، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحهم عن الشطر، ولم يعطهم بذرا ~~البتة، ولا كان يرسل إليهم ببذر، وهذا مقطوع به من سيرته؛ حتى قال بعض أهل ~~العلم إنه لو قيل باشتراط كونه من العامل لكان أقوى من القول باشتراط كونه ~~من رب الأرض لموافقته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل خيبر. # والصحيح: أنه يجوز أن يكون من العامل، وأن يكون من رب الأرض، ولا يشترط ~~أن يختص به أحدهما، والذين شرطوه من رب الأرض ليس معهم حجة أصلا أكثر من ~~قياسهم المزارعة على المضاربة، قالوا: كما يشترط في المضاربة أن يكون رأس ~~المال من المالك، والعمل من المضارب، فهكذا في المزارعة، وكذلك في المساقاة ~~يكون الشجر من أحدهما، والعمل عليها من الآخر، وهذا القياس إلى أن يكون حجة ~~عليهم أقرب من أن يكون حجة لهم، فإن في المضاربة يعود رأس المال إلى ~~المالك، ويقتسمان الباقي، ولو شرط ذلك في المزارعة فسدت عندهم فلم يجروا ~~البذر مجرى رأس المال بل أجروه مجرى سائر البقل فبطل إلحاق المزارعة ~~بالمضاربة على أصلهم. # وأيضا فإن البذر جار مجرى الماء ومجرى المنافع، ms0647 فإن الزرع لا يتكون وينمو ~~به وحده بل لا بد من السقي والعمل، والبذر يموت في الأرض، وينشئ الله الزرع ~~من أجزاء أخر تكون معه من الماء والريح والشمس والتراب والعمل، فحكم البذر ~~حكم هذه الأجزاء. # وأيضا فإن الأرض نظير رأس المال في القراض، وقد دفعها مالكها إلى ~~المزارع، وبذرها وحرثها وسقيها نظير عمل المضارب، وهذا يقتضي أن يكون ~~المزارع أولى بالبذر من رب الأرض تشبيها له بالمضارب، فالذي جاءت به السنة ~~هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصوله. # PageV03P131 # وفي القصة دليل على جواز عقد الهدنة مطلقا من غير توقيت، بل ما شاء ~~الإمام، ولم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم البتة، فالصواب جوازه وصحته، ~~وقد نص عليه الشافعي في رواية المزني، ونص عليه غيره من الأئمة ولكن لا ~~ينهض إليهم ويحاربهم حتى يعلمهم على سواء ليستووا هم وهو في العلم بنقض ~~العهد. # وفيها دليل على جواز تعزير المتهم بالعقوبة، وأن ذلك من السياسات ~~الشرعية، فإن الله سبحانه كان قادرا على أن يدل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على موضع الكنز بطريق الوحي، ولكن أراد أن يسن للأمة عقوبة المتهمين، ~~ويوسع لهم طرق الأحكام رحمة بهم، وتيسيرا لهم. # وفيها دليل على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صحة الدعوى وفسادها، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم لسعية لما ادعى نفاد المال: ( «العهد قريب، ~~والمال أكثر من ذلك» ) . # وكذلك فعل نبي الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أم ~~الطفل الذي ذهب به الذئب، وادعت كل واحدة من المرأتين أنه ابنها، واختصمتا ~~في الآخر، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا إلى سليمان، فقال: (بم قضى بينكما ~~نبي الله، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا ~~تفعل رحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى) . فاستدل بقرينة الرحمة والرأفة ~~التي في قلبها، وعدم سماحتها بقتله، وسماحة الأخرى بذلك لتصير أسوتها في ~~فقد الولد على أنه ابن الصغرى. # فلو اتفقت مثل هذه القضية في شريعتنا، لقال أصحاب أحمد والشافعي # PageV03P132 # ومالك رحمهم الله: ms0648 عمل فيها بالقافة، وجعلوا القافة سببا لترجيح المدعي ~~للنسب رجلا كان أو امرأة. # قال أصحابنا: وكذلك لو ولدت مسلمة وكافرة ولدين، وادعت الكافرة ولد ~~المسلمة، وقد سئل عنها أحمد، فتوقف فيها. فقيل له: ترى القافة؟ فقال: ما ~~أحسنها، فإن لم توجد قافة، وحكم بينهما حاكم بمثل حكم سليمان، لكان صوابا، ~~وكان أولى من القرعة، فإن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوى المدعيان من كل ~~وجه ولم يترجح أحدهما على الآخر، فلو ترجح بيد أو شاهد واحد أو قرينة ظاهرة ~~من لوث أو نكول خصمه عن اليمين، أو موافقة شاهد الحال لصدقه، كدعوى كل واحد ~~من الزوجين ما يصلح له من قماش البيت والآنية، ودعوى كل واحد من الصانعين ~~آلات صنعته، ودعوى حاسر الرأس عن العمامة عمامة من بيده عمامة، وهو يشتد ~~عدوا، وعلى رأسه أخرى، ونظائر ذلك، قدم ذلك كله على القرعة. # ومن تراجم أبي عبد الرحمن النسائي على قصة سليمان (هذا باب: الحكم يوهم ~~خلاف الحق، ليستعلم به الحق) ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقص علينا هذه ~~القصة لنتخذها سمرا، بل لنعتبر بها في الأحكام، بل الحكم بالقسامة وتقديم ~~أيمان مدعي القتل هو من هذا استنادا إلى القرائن الظاهرة، بل ومن هذا رجم ~~الملاعنة إذا التعن الزوج، ونكلت عن الالتعان. فالشافعي ومالك رحمهما الله، ~~يقتلانها بمجرد التعان الزوج ونكولها استنادا إلى اللوث الظاهر الذي حصل ~~بالتعانه ونكولها. # ومن هذا ما شرعه الله سبحانه وتعالى لنا من قبول شهادة أهل الكتاب على ~~المسلمين في الوصية في السفر، وأن وليي الميت إذا اطلعا على خيانة # PageV03P133 # من الوصيين جاز لهما أن يحلفا ويستحقا ما حلفا عليه، وهذا لوث في # PageV03P134 # الأموال، وهذا نظير اللوث في الدماء، وأولى بالجواز منه، وعلى هذا إذا ~~اطلع الرجل المسروق ماله على بعضه في يد خائن معروف بذلك، ولم يتبين أنه ~~اشتراه من غيره، جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده، وأنه صاحب السرقة ~~استنادا إلى اللوث الظاهر، والقرائن التي تكشف الأمر وتوضحه، وهو نظير حلف ms0649 ~~أولياء المقتول في القسامة أن فلانا قتله: سواء، بل أمر الأموال أسهل وأخف، ~~ولذلك ثبت بشاهد ويمين، وشاهد وامرأتين، ودعوى ونكول، بخلاف الدماء. فإذا ~~جاز إثباتها باللوث، فإثبات الأموال به بالطريق الأولى والأحرى. # والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا، وليس مع من ادعى نسخ ما دل عليه ~~القرآن من ذلك حجة أصلا، فإن هذا الحكم في (سورة المائدة) ، وهي من آخر ما ~~نزل من القرآن، وقد حكم بموجبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ~~كأبي موسى الأشعري وأقره الصحابة. # ومن هذا أيضا ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينة ~~قد القميص من دبر على صدقه، وكذب المرأة، وأنه كان هاربا موليا، فأدركته ~~المرأة من ورائه فجبذته فقدت قميصه من دبر، فعلم بعلها والحاضرون صدقه ~~وقبلوا هذا الحكم وجعلوا الذنب ذنبها، وأمروها بالتوبة وحكاه الله - سبحانه ~~وتعالى - حكاية مقرر له غير منكر، والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له، ~~وعدم إنكاره، لا في مجرد حكايته فإنه إذا أخبر به مقرا عليه، ومثنيا على ~~فاعله ومادحا له، دل على رضاه به وأنه # PageV03P135 # موافق لحكمه ومرضاته، فليتدبر هذا الموضع، فإنه نافع جدا، ولو تتبعنا ما ~~في القرآن والسنة، وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ذلك لطال، ~~وعسى أن نفرد فيه مصنفا شافيا إن شاء الله تعالى. والمقصود: التنبيه على ~~هديه واقتباس الأحكام من سيرته، ومغازيه، ووقائعه صلوات الله عليه وسلامه. # ولما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في الأرض ( «كان يبعث كل ~~عام من يخرص عليهم الثمار، فينظر: كم يجنى منها، فيضمنهم نصيب المسلمين ~~ويتصرفون فيها» ) . # PageV03P136 # وكان يكتفي بخارص واحد. ففي هذا دليل على جواز خرص الثمار البادي صلاحها ~~كثمر النخل، وعلى جواز قسمة الثمار خرصا على رءوس النخل، ويصير نصيب أحد ~~الشريكين معلوما وإن لم يتميز بعد لمصلحة النماء، وعلى أن القسمة إفراز لا ~~بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد، وعلى أن لمن الثمار في يده ~~أن يتصرف ms0650 فيها بعد الخرص، ويضمن نصيب شريكه الذي خرص عليه. # فلما كان في زمن عمر، ذهب عبد الله ابنه إلى ماله بخيبر، فعدوا عليه، ~~فألقوه من فوق بيت، ففكوا يده فأجلاهم عمر منها إلى الشام، وقسمها بين من ~~كان شهد خيبر من أهل الحديبية. ### | [فصل في عقد الذمة وأخذ الجزية] # فصل # وأما هديه في عقد الذمة وأخذ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزية ~~إلا بعد نزول (سورة براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية ~~الجزية، أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، وأخذها من النصارى، وبعث ~~معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، فعقد لمن لم يسلم من يهودها الذمة، وضرب ~~عليهم الجزية ولم يأخذها من يهود خيبر، فظن بعض الغالطين المخطئين أن هذا ~~حكم مختص بأهل خيبر، وأنه لا يؤخذ منهم جزية وإن أخذت من سائر أهل الكتاب، ~~وهذا من عدم فقهه في السير والمغازي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قاتلهم وصالحهم على أن يقرهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعد، ~~فسبق عقد صلحهم وإقرارهم في أرض خيبر نزول الجزية، ثم أمره الله سبحانه ~~وتعالى أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فلم يدخل في # PageV03P137 # هذا يهود خيبر إذ ذاك، لأن العقد كان قديما بينه وبينهم على إقرارهم، وأن ~~يكونوا عمالا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بشيء غير ذلك وطالب سواهم من ~~أهل الكتاب ممن لم يكن بينه وبينهم عقد كعقدهم بالجزية، كنصارى نجران، ~~ويهود اليمن، وغيرهم. فلما أجلاهم عمر إلى الشام، تغير ذلك العقد الذي تضمن ~~إقرارهم في أرض خيبر، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب. # ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها، أظهر طائفة منهم ~~كتابا قد عتقوه وزوروه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عن يهود ~~خيبر الجزية، وفيه شهادة علي بن أبي طالب، وسعد بن معاذ، وجماعة من الصحابة ~~رضي الله عنهم، فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله صلى ms0651 الله عليه وسلم ~~ومغازيه وسيره، وتوهموا، بل ظنوا صحته، فجروا على حكم هذا الكتاب المزور ~~حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وطلب منه أن يعين ~~على تنفيذه، والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه: # منها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل خيبر قطعا. # ومنها: أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية والجزية لم تكن نزلت بعد، ولا ~~يعرفها الصحابة حينئذ، فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوام. # ومنها: أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، وهذا محال، فلم يكن في زمانه كلف ولا ~~سخر تؤخذ منهم ولا من غيرهم، وقد أعاذه الله، وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف ~~والسخر، وإنما هي من وضع الملوك الظلمة واستمر الأمر عليها. # ومنها: أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم على اختلاف أصنافهم، فلم ~~يذكره أحد من أهل المغازي والسير، ولا أحد من أهل الحديث والسنة، ولا أحد ~~من أهل الفقه والإفتاء، ولا أحد من أهل التفسير ولا أظهروه في زمان السلف، ~~لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك، عرفوا كذبه وبطلانه، فلما استخفوا بعض الدول ~~في وقت فتنة وخفاء بعض السنة، زوروا ذلك، وعتقوه وأظهروه وساعدهم على ذلك ~~طمع بعض الخائنين لله ولرسوله ولم يستمر لهم ذلك حتى # PageV03P138 # كشف الله أمره وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه. ### | [فصل في أخذ الجزية من غير المجوس واليهود والنصارى] # فصل # فلما نزلت آية الجزية، أخذها صلى الله عليه وسلم من ثلاث طوائف: من ~~المجوس، واليهود، والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام. فقيل: لا يجوز ~~أخذها من كافر غير هؤلاء، ومن دان بدينهم، اقتداء بأخذه وتركه. وقيل بل ~~تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار كعبدة الأصنام من العجم دون العرب، ~~والأول: قول الشافعي رحمه الله وأحمد في إحدى روايتيه. والثاني: قول أبي ~~حنيفة، وأحمد رحمهما الله في الرواية الأخرى. # وأصحاب القول الثاني: يقولون إنما لم يأخذها من مشركي العرب؛ لأنها إنما ~~نزل فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب، ms0652 ولم يبق فيها مشرك، فإنها نزلت بعد فتح ~~مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجا، فلم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا ~~بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون، لكانوا يلونه، ~~وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين. # ومن تأمل السير، وأيام الإسلام، علم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية ~~لعدم من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها، قالوا: وقد أخذها من المجوس، ~~وليسوا بأهل كتاب ولا يصح أنه (كان لهم كتاب ورفع) وهو حديث لا يثبت مثله، ~~ولا يصح سنده. # ولا فرق بين عباد النار، وعباد الأصنام بل أهل الأوثان أقرب حالا من عباد ~~النار، وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار، بل عباد ~~النار أعداء إبراهيم الخليل، فإذا أخذت منهم الجزية فأخذها من عباد الأصنام ~~أولى، وعلى ذلك تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في " ~~صحيح مسلم " أنه # PageV03P139 # قال: ( «إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى خلال ثلاث، فأيتهن ~~أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكف عنهم ". ثم أمره أن يدعوهم إلى الإسلام، أو ~~الجزية أو يقاتلهم» ) . # وقال المغيرة لعامل كسرى: ( «أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله، أو ~~تؤدوا الجزية» ) . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: ( «هل لكم في كلمة تدين لكم ~~بها العرب، وتؤدي العجم إليكم بها الجزية. قالوا: ما هي؟ قال " لا إله إلا ~~الله» ) . ### | [فصل في صلحه صلى الله عليه وسلم مع أهل نجران] # فصل # ولما كان في مرجعه من تبوك، أخذت خيله أكيدر دومة، فصالحه # PageV03P140 # على الجزية وحقن له دمه ". # ( «وصالح أهل نجران من النصارى على ألفي حلة. النصف في صفر، والبقية في ~~رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين ~~بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، يغزون بها، والمسلمون ضامنون ~~لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة، على ألا تهدم لهم بيعة، ~~ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم ما ms0653 لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا» ~~) . # وفي هذا دليل على انتقاض عهد الذمة بإحداث الحدث، وأكل الربا إذا كان ~~مشروطا عليهم. # «ولما وجه معاذا إلى اليمن، (أمره أن يأخذ من كل محتلم دينارا أو قيمته ~~من المعافري، وهي ثياب تكون باليمن» ) . # وفي هذا دليل على أن الجزية غير مقدرة الجنس، ولا القدر، بل يجوز أن تكون ~~ثيابا وذهبا وحللا،، وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين، واحتمال من تؤخذ منه، ~~وحاله في الميسرة، وما عنده من المال. # PageV03P141 # ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب ~~والعجم، بل أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى العرب، وأخذها من ~~مجوس هجر، وكانوا عربا، فإن العرب أمة ليس لها في الأصل كتاب، وكانت كل ~~طائفة منهم تدين بدين من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسا ~~لمجاورتها فارس، وتنوخ، وبهرة، وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم للروم، وكانت ~~قبائل من اليمن يهود لمجاورتهم ليهود اليمن، فأجرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحكام الجزية، ولم يعتبر آباءهم، ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب: هل ~~كان دخولهم قبل النسخ والتبديل، أو بعده، ومن أين يعرفون ذلك وكيف ينضبط ~~وما الذي دل عليه؟ وقد ثبت في السير والمغازي، أن من الأنصار من تهود ~~أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل ~~الله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] [البقرة: 256] وفي قوله ~~لمعاذ: ( «خذ من كل حالم دينارا» ) دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا ~~امرأة. # فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه عبد الرزاق في " مصنفه " وأبو ~~عبيد في " الأموال " أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «أمر معاذ بن جبل: أن ~~يأخذ من اليمن الجزية من كل حالم أو حالمة» ) زاد أبو عبيد: عبدا أو أمة، ~~دينارا أو قيمته من المعافري " فهذا فيه أخذها من الرجل والمرأة، والحر ~~والرقيق؟ قيل: # PageV03P142 # هذا لا يصح وصله، وهو منقطع، وهذه الزيادة مختلف فيها، لم يذكرها سائر ~~الرواة، ولعلها من ms0654 تفسير بعض الرواة. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود ~~والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم هذا الحديث، فاقتصروا على قوله أمره ~~" أن يأخذ من حالم دينارا "، ولم يذكروا هذه الزيادة وأكثر من أخذ منهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الجزية العرب من النصارى، واليهود، والمجوس، ولم ~~يكشف عن أحد منهم متى دخل في دينه، وكان يعتبرهم بأديانهم لا بآبائهم. ### | [فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل] ### | [أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق] # فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي ~~الله عز وجل # أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول ~~نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: ~~{ياأيها المدثر - قم فأنذر} [المدثر: 1 - 2] [المدثر: 1، 2] فنبأه بقوله ~~(اقرأ) وأرسله ب: {ياأيها المدثر} [المدثر: 1] ثم أمره أن ينذر عشيرته ~~الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ~~ثم أنذر العالمين فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا ~~جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح. ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ~~ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال ~~المشركين حتى يكون الدين كله لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ~~ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد ~~والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة ~~نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض ~~عهده. ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها ~~أن " يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، ~~وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين # PageV03P143 # والغلظة عليهم فجاهد الكفار ms0655 بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. # وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد ~~في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا ~~له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، ~~فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو ~~كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم وهي ~~الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: ~~2] [التوبة: 2] وهي الحرم المذكورة في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] [التوبة: 5] فالحرم هاهنا: هي أشهر التسيير، ~~أولها يوم الأذان، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي ~~وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة ~~المذكورة في قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم ~~خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36] [التوبة: 36] فإن تلك ~~واحد فرد، وثلاثة سرد: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ولم يسير ~~المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية، وهو إنما ~~أجلهم أربعة أشهر ثم # PageV03P144 # أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له، أو ~~له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم ~~هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية. # فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له، ~~وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه ~~قسمين: محاربين، وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ~~ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب. # وأما سيرته في المنافقين، فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم ~~إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمره أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، ~~وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ms0656 ونهاه أن يصلي عليهم، وأن يقوم على ~~قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم، فهذه سيرته في أعدائه ~~من الكفار والمنافقين. ### | [فصل في سيرته صلى الله عليه وسلم في أوليائه وحزبه] # فصل # وأما سيرته في أوليائه وحزبه، فأمره أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه، وألا تعدو عيناه عنهم، وأمره أن يعفو عنهم، ~~ويستغفر لهم، ويشاورهم في الأمر، وأن يصلي عليهم. # وأمره بهجر من عصاه وتخلف عنه حتى يتوب، ويراجع طاعته، كما هجر الثلاثة ~~الذين خلفوا. # وأمره أن يقيم الحدود على من أتى موجباتها منهم، وأن يكونوا عنده في ذلك ~~سواء شريفهم ودنيئهم. # وأمره في دفع عدوه من شياطين الإنس، بأن يدفع بالتي هي أحسن، فيقابل ~~إساءة من أساء إليه بالإحسان، وجهله بالحلم، وظلمه بالعفو، وقطيعته بالصلة، ~~وأخبره أنه إن فعل ذلك عاد عدوه كأنه ولي حميم. # وأمره في دفعه عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة بالله منهم، وجمع له هذين ~~الأمرين في ثلاثة مواضع من القرآن: في (سورة الأعراف) و (المؤمنون) # PageV03P145 # و (سورة حم فصلت) فقال في سورة الأعراف {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} ~~[الأعراف: 199 - 200] [الأعراف: 199 - 200] فأمره باتقاء شر الجاهلين ~~بالإعراض عنهم، وباتقاء شر الشيطان بالاستعاذة منه، وجمع له في هذه الآية ~~مكارم الأخلاق والشيم كلها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه ~~لا بد له من حق عليهم يلزمهم القيام به، وأمر يأمرهم به، ولا بد من تفريط ~~وعدوان يقع منهم في حقه، فأمر بأن يأخذ من الحق الذي عليهم ما طوعت به ~~أنفسهم، وسمحت به، وسهل عليهم، ولم يشق، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ~~ضرر ولا مشقة، وأمر أن يأمرهم بالعرف، وهو المعروف الذي تعرفه العقول ~~السليمة، والفطر المستقيمة، وتقر بحسنه ونفعه، وإذا أمر به يأمر بالمعروف ~~أيضا لا بالعنف والغلظة. وأمره أن يقابل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه ~~دون أن يقابله بمثله، فبذلك ms0657 يكتفي شرهم. # وقال تعالى في سورة المؤمنون: {قل رب إما تريني ما يوعدون - رب فلا ~~تجعلني في القوم الظالمين - وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون - ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون - وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين - وأعوذ بك رب أن يحضرون} [المؤمنون: 93 - 98] [المؤمنون: 93 - ~~98] . # وقال تعالى في سورة حم فصلت: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم - وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 34 - 36] [فصلت: 34 - 36] فهذه سيرته ~~مع أهل الأرض إنسهم، وجنهم، مؤمنهم، وكافرهم. ### | [فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار] ### | [سرية حمزة إلى سيف البحر] # فصل في سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار # وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب في ~~شهر رمضان، على رأس سبعة أشهر من مهاجره، وكان لواء أبيض، وكان حامله أبو # PageV03P146 # مرثد كناز بن الحصين الغنوي حليف حمزة، وبعثه في ثلاثين رجلا من ~~المهاجرين خاصة، يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ~~ثلاثمائة رجل. فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال، ~~فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفا للفريقين جميعا، بين هؤلاء وهؤلاء، ~~حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا. ### | [فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب] # فصل # ثم بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في سرية إلى بطن رابغ في شوال على رأس ~~ثمانية أشهر من الهجرة، وعقد له لواء أبيض، وحمله مسطح بن أثاثة بن عبد ~~المطلب بن عبد مناف، وكانوا في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، فلقي ~~أبا سفيان بن حرب، وهو في مائتين على بطن رابغ، على عشرة أميال من الجحفة، ~~وكان بينهم الرمي، ولم يسلوا السيوف، ولم يصطفوا للقتال، وإنما كانت ~~مناوشة: (وكان سعد بن أبي وقاص فيهم، وهو أول ms0658 من رمى بسهم في سبيل الله) ثم ~~انصرف الفريقان على حاميتهم. # قال ابن إسحاق: وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل، وقدم سرية عبيدة على ~~سرية حمزة. ### | [فصل في سرية سعد إلى بطن رابغ] # فصل # ثم بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر، وعقد ~~له لواء أبيض، وحمله المقداد بن عمرو، وكانوا عشرين راكبا يعترضون عيرا ~~لقريش، وعهد أن لا يجاوز الخرار، فخرجوا على أقدامهم، فكانوا يكمنون ~~بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى صبحوا المكان صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت ~~بالأمس. # PageV03P147 ### | [فصل في غزوة الأبواء] # فصل # ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء، ويقال لها: ودان، وهي أول غزوة غزاها بنفسه، ~~وكانت في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد ~~المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ~~خاصة يعترض عيرا لقريش، فلم يلق كيدا، وفي هذه الغزوة وادع مخشي بن عمرو ~~الضمري وكان سيد بني ضمرة في زمانه على ألا يغزو بني ضمرة، ولا يغزوه، ولا ~~أن يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عليه عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا، وكانت ~~غيبته خمس عشرة ليلة. ### | [فصل في غزوة بواط] # فصل # ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بواط في شهر ربيع الأول، على رأس ~~ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، وكان أبيض، واستخلف ~~على المدينة سعد بن معاذ، وخرج في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش، فيها ~~أمية بن خلف الجمحي، ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواطا، ~~وهما جبلان فرعان، أصلهما واحد من جبال جهينة، مما يلي طريق # PageV03P148 # الشام، وبين بواط والمدينة نحو أربعة برد، فلم يلق كيدا فرجع. ### | [فصل في خروجه صلى الله عليه وسلم في طلب كرز الفهري] # فصل # ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره يطلب كرز بن جابر الفهري، وحمل ~~لواءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان أبيض، واستخلف على ms0659 المدينة زيد بن ~~حارثة، وكان كرز قد أغار على سرح المدينة، فاستاقه وكان يرعى بالحمى، فطلبه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، ~~وفاته كرز ولم يلحقه، فرجع إلى المدينة. ### | [فصل في غزوة العشيرة] # فصل # ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر ~~شهرا، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا ~~سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين من ~~المهاجرين، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها ~~يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد كان جاءه الخبر بفصولها من مكة ~~فيها أموال لقريش، فبلغ ذا العشيرة، وقيل: العشيراء بالمد. وقيل: العسيرة ~~بالمهملة، وهي بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة برد، فوجد العير قد ~~فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، وهي التي ~~وعده الله إياها، أو المقاتلة، وذات الشوكة، ووفى له بوعده. # وفي هذه الغزوة، وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة. # قال عبد المؤمن بن خلف الحافظ: وفي هذه الغزوة كنى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليا أبا # PageV03P149 # تراب، وليس كما قال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنما كناه أبا تراب ~~بعد نكاحه فاطمة، وكان نكاحها بعد بدر، فإنه ( «لما دخل عليها وقال " أين ~~ابن عمك؟ " قالت خرج مغاضبا، فجاء إلى المسجد فوجده مضطجعا فيه، وقد لصق به ~~التراب، فجعل ينفضه عنه ويقول: " اجلس أبا تراب اجلس أبا تراب» ) وهو أول ~~يوم كني فيه أبا تراب. ### | [فصل في سرية نخلة] # فصل # ثم بعث عبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة في رجب، على رأس سبعة عشر شهرا ~~من الهجرة، في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، ~~فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش، وفي هذه السرية سمى عبد الله بن ~~جحش أمير المؤمنين ( «وكان رسول الله صلى الله عليه ms0660 وسلم كتب له كتابا، ~~وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ولما فتح الكتاب وجد ~~فيه " إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد ~~بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم» ) . فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه ~~بذلك، وبأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة، فلينهض، ومن كره الموت، فليرجع، ~~وأما أنا فناهض، فمضوا كلهم، فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي ~~وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه، وبعد عبد ~~الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة ~~فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل: ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن ~~كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب ~~الشهر الحرام، فإن قاتلناهم، انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة ~~دخلوا الحرم، ثم أجمعوا على ملاقاتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، # PageV03P150 # وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقد عزلوا ~~من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول ~~أسيرين في الإسلام، وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ما فعلوه، ~~واشتد تعنت قريش وإنكارهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا، فقالوا: قد أحل ~~محمد الشهر الحرام، واشتد على المسلمين ذلك، حتى أنزل الله تعالى: {يسألونك ~~عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به ~~والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} ~~[البقرة: 217] [البقرة: 217] . يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم، وإن ~~كان كبيرا، فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله والصد عن سبيله، وعن بيته ~~وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي ~~حصلت منكم به أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام، وأكثر السلف فسروا ~~الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: ~~193] [البقرة: 193] . ويدل عليه قوله: {ثم لم ms0661 تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] [الأنعام: 23] أي: لم يكن مآل ~~شركهم وعاقبته، وآخر أمرهم، إلا أن تبرءوا منه وأنكروه. # وحقيقتها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه، ويعاقب من لم ~~يفتتن به، ولهذا يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: {ذوقوا فتنتكم} ~~[الذاريات: 14] قال ابن عباس: تكذيبكم. # وحقيقته ذوقوا نهاية فتنتكم، وغايتها، ومصير أمرها، كقوله: {ذوقوا ما ~~كنتم تكسبون} [الزمر: 24] [الزمر: 24] ، وكما فتنوا عباده على الشرك، فتنوا ~~على النار، وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم، ومنه قوله تعالى: {إن الذين فتنوا ~~المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا} [البروج: 10] [البروج: 10] ، فسرت الفتنة ~~هاهنا بتعذيبهم المؤمنين، وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظ أعم من ذلك، ~~وحقيقته: # PageV03P151 # عذبوا المؤمنين ليفتتنوا عن دينهم، فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. # وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه، أو يضيفها رسوله إليه ~~كقوله: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} [الأنعام: 53] ، وقول موسى: {إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} [الأعراف: 155] [الأعراف: 155] فتلك ~~بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان، والاختبار، والابتلاء من الله لعباده ~~بالخير والشر، بالنعم والمصائب، فهذه لون، وفتنة المشركين لون، وفتنة ~~المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام ~~كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفين، وبين ~~المسلمين حتى يتقاتلوا، ويتهاجروا لون آخر، وهي الفتنة التي قال فيها النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ( «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم ~~فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» ) . وأحاديث الفتنة التي ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها باعتزال الطائفتين، هي هذه الفتنة. # وقد تأتي الفتنة مرادا بها المعصية كقوله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ~~ولا تفتني} [التوبة: 49] [التوبة: 49] ، يقوله الجد بن قيس، لما ندبه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني ~~بتعرضي لبنات بني الأصفر، فإني لا أصبر عنهن، قال تعالى: {ألا في الفتنة ~~سقطوا} [التوبة: 49] [التوبة: 49] أي: وقعوا ms0662 في فتنة النفاق، وفروا إليها ~~من فتنة بنات الأصفر. # والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم ~~يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير # PageV03P152 # وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، ~~فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ~~ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد ~~والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل: # وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع # فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن. ### | [فصل في تحويل القبلة] # فصل # ولما كان في شعبان من هذه السنة، حولت القبلة، وقد تقدم ذكر ذلك. ### | [فصل في غزوة بدر الكبرى] ### | [خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان] # فصل في غزوة بدر الكبرى # فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ~~العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في ~~طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلا، وفيها أموال عظيمة لقريش، ~~فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره ~~حاضرا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالا بليغا؛ لأنه خرج مسرعا في ثلاثمائة ~~وبضعة عشر رجلا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرس للزبير بن العوام، ~~وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان ~~والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي، ~~ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا، # PageV03P153 # وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا، واستخلف على المدينة ~~وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر، ~~واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب ms0663 بن عمير، والراية الواحدة إلى ~~علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة ~~قيس بن أبي صعصعة، وسار فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني، وعدي ~~بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير. # وأما أبو سفيان، فإنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياه ~~فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخا لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ~~ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في ~~الخروج، فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلا كان له ~~عليه دين، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون ~~قريش إلا بني عدي، فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال ~~تعالى: {بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله} [الأنفال: 47] [الأنفال: ~~47] وأقبلوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «بحدهم وحديدهم، ~~تحاده وتحاد رسوله» ) ، وجاءوا على حرد قادرين، وعلى حمية، وغضب، وحنق على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما يريدون من أخذ عيرهم، وقتل من ~~فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي، والعير التي كانت معه، فجمعهم ~~الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ~~ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا} [الأنفال: 42] [الأنفال: 42] . # ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم ~~المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم ~~استشارهم ثالثا، # PageV03P154 # ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله! كأنك ~~تعرض بنا؟ وكان إنما يعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود ~~في ديارهم، فلما عزم على الخروج، استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: ~~لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني ~~أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من ~~شئت، وخذ من أموالنا ms0664 ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا ~~مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ ~~البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك. # «وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ~~ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسر بما سمع من أصحابه، ~~وقال: (سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت ~~مصارع القوم» ) . # PageV03P155 # فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل ~~البحر، ولما رأى أنه قد نجا، وأحرز العير كتب إلى قريش: أن ارجعوا، فإنكم ~~إنما خرجتم لتحرزوا عيركم، فأتاهم الخبر، وهم بالجحفة، فهموا بالرجوع، فقال ~~أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا، فنقيم بها، ونطعم من حضرنا من ~~العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع، فعصوه، ~~فرجع هو وبنو زهرة، فلم يشهد بدرا زهري، فاغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، ~~فلم يزل فيهم مطاعا معظما، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، ~~وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع فساروا، وسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى نزل عشيا أدنى ماء من مياه بدر، فقال: ( «أشيروا علي في ~~المنزل» ) . فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله! أنا عالم بها وبقلبها، ~~إن رأيت أن نسير إلى قلب قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ~~ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها من المياه. # وسار المشركون سراعا يريدون الماء وبعث عليا وسعدا والزبير إلى بدر ~~يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم ~~يصلي، فسألهما أصحابه من أنتما؟ قالا: نحن سقاة لقريش، فكره ذلك أصحابه، ~~وودوا لو كانا لعير أبي سفيان، ( «فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لهما: أخبراني ms0665 أين قريش؟ قالا: # PageV03P156 # وراء هذا الكثيب. فقال: كم القوم؟ فقالا: لا علم لنا، فقال كم ينحرون كل ~~يوم؟ فقالا: يوما عشرا، ويوما تسعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~القوم ما بين تسعمائة إلى الألف» ) ، فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا ~~واحدا، فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين ~~طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت ~~الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطر الليل، وصنعوا الحياض، ثم ~~غوروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ~~الحياض. وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تل يشرف ~~على المعركة، ومشى في موضع المعركة ( «وجعل يشير بيده: هذا مصرع فلان، وهذا ~~مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله، فما تعدى أحد منهم موضع إشارته» ) ~~. # فلما طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، جاءت تحادك، وتكذب رسولك، وقام، ~~ورفع يديه، واستنصر ربه، وقال: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك ~~عهدك ووعدك " فالتزمه الصديق من ورائه، وقال: يا رسول الله! أبشر فوالذي ~~نفسي بيده، لينجزن الله لك ما وعدك» ) . # PageV03P157 # واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله ~~إلى ملائكته: {أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب} [الأنفال: 12] [الأنفال: 12] ، وأوحى الله إلى رسوله: {أني ممدكم ~~بألف من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] [الأنفال: 9] ، قرئ بكسر الدال ~~وفتحها، فقيل: المعنى إنهم ردف لكم. وقيل: يردف بعضهم بعضا أرسالا لم يأتوا ~~دفعة واحدة. # فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي (سورة آل عمران) قال: {إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين - بلى ~~إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين} ms0666 [آل عمران: 124 - 125] [آل عمران: 124- 125] فكيف الجمع بينهما؟ # قيل: قد اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على ~~قولين: # أحدهما: أنه كان يوم أحد، وكان إمدادا معلقا على شرط، فلما فات شرطه، فات ~~الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. # والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # PageV03P158 # والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن ~~السياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه قال: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ~~فاتقوا الله لعلكم تشكرون - إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين - بلى إن تصبروا وتتقوا} [آل عمران: 123 - ~~125] [آل عمران: 123 - 125] إلى أن قال: {وما جعله الله} [آل عمران: 126] ~~أي: هذا الإمداد {إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به} [آل عمران: 126] قال ~~هؤلاء: فلما استغاثوا، أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف ~~لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعا، وأقوى ~~لنفوسهم، وأسر لها من أن يأتي به مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ~~ونزوله مرة بعد مرة. # وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في ~~أثنائها، فإنه سبحانه قال: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ~~والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 121] [آل عمران: 121] ، ثم قال: {ولقد نصركم ~~الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] [آل ~~عمران: 123] ، فذكرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة ~~أحد، وأخبر عن قول رسوله لهم: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين} [آل عمران: 124] ، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا، أمدهم ~~بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا ~~بخمسة آلاف، وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط، وذلك مطلق، والقصة في ~~(سورة آل عمران) هي قصة أحد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها ms0667 اعتراضا، والقصة ~~في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في (آل عمران) غير السياق ~~في الأنفال. # يوضح هذا أن قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} [آل عمران: 125] [آل عمران: ~~125] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، # PageV03P159 # فلا يصح قوله: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا ~~يوم أحد. والله أعلم. ### | فصل في بدء القتال يوم بدر بالمبارزة # فصل # وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هناك، وكانت ليلة ~~الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا، أقبلت قريش في ~~كتائبها، واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حزام، وعتبة بن ربيعة في قريش، أن ~~يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل، وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظه، ~~وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو، فكشف عن استه، ~~وصرخ: واعمراه، فحمي القوم، ونشبت الحرب، وعدل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم ~~من الأنصار على باب العريش، يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، يطلبون المبارزة، فخرج ~~إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة، وعوف ومعوذ ابنا عفراء، فقالوا ~~لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني ~~عمنا، فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قرنه الوليد، وقتل ~~حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختلف عبيدة وقرنه ضربتين، فكر علي وحمزة على ~~قرن عبيدة، فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله فلم يزل ضمنا حتى مات ~~بالصفراء. # PageV03P160 # وكان علي يقسم بالله: لنزلت هذه الآية فيهم: {هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم} [الحج: 19] الآية [الحج: 19] . # ثم حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، «وأخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الدعاء والابتهال، ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن ~~منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: (بعض ms0668 مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعدك» ~~) . # فأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، وأخذ القوم النعاس في ~~حال الحرب، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: ( «أبشر يا أبا ~~بكر! هذا جبريل على ثناياه النقع» ) . # وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف # PageV03P161 # المشركين أسرا وقتلا، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين. ### | [ظهور إبليس في صورة سراقة الكناني ووسوسته لقريش] # فصل # ولما عزموا على الخروج، ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى ~~لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال ~~لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء ~~تكرهونه، فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم، فلما تعبئوا للقتال، ورأى ~~عدو الله جند الله قد نزلت من السماء، فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين ~~يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، ~~إني أخاف الله، والله شديد العقاب، وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب ~~في قوله: إني أخاف الله، وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم، وهذا أظهر. # ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن ~~الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] [الأنفال: ~~49] ، فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة، ولا بالعدد، والله ~~عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته ~~أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. # ولما دنا العدو وتواجه القوم، «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الناس، فوعظهم، وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، ~~وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، ~~فقام عمير بن الحمام، فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: ~~(" نعم ". قال: بخ بخ يا رسول الله، قال: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ ms0669 قال: لا ~~والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: " فإنك من أهلها " ~~قال: فأخرج # PageV03P162 # تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه، ~~إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل. فكان أول ~~قتيل» ) . # وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه ~~العدو، فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه، وشغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل ~~المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] [الأنفال: 17] . # وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد، وإثباته لله، وأنه هو ~~الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ~~ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال ~~الذي لم يحصل برميته فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ~~ونفى عنه الإيصال. # PageV03P163 # وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: ( ~~«بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ~~ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك ~~أمامه مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط، ~~فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» ) . # وقال أبو داود المازني: ( «إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه، إذ وقع ~~رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري» ) . # ( «وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: إن ~~هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجها، على فرس أبلق ~~ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: " اسكت ~~فقد أيدك الله بملك كريم» ) . وأسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، ~~وعقيل، ونوفل بن الحارث. # وذكر ms0670 الطبراني في " معجمه الكبير " عن رفاعة بن رافع، قال: (لما رأى ~~إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر، أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث ~~به الحارث بن هشام، وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم ~~خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر، ورفع يديه، وقال: اللهم إني أسألك نظرتك ~~إياي، وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام، فقال: يا # PageV03P164 # معشر الناس! لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على ميعاد من محمد، ~~ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى، لا ~~نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا ألفين رجلا منكم قتل رجلا منهم، ولكن خذوهم ~~أخذا حتى نعرفهم سوء صنيعهم) . # واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم، فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا ~~نعرفه فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم، ~~فأنزل الله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم ~~وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} ~~[الأنفال: 19] [الأنفال: 19] . # ولما وضع المسلمون أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف ~~على باب الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي العريش متوشحا ~~بالسيف في ناس من الأنصار، «رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد ~~بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (" ~~كأنك تكره ما يصنع الناس؟ " قال: أجل، والله كانت أول وقعة أوقعها الله ~~بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال» ) . # ولما بردت الحرب وولى القوم منهزمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~( «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ " فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا ~~عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ ~~فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله ~~قومه؟ فقتله عبد الله، ثم ms0671 أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته: فقال: ~~" الله الذي لا إله إلا هو " فرددها # PageV03P165 # ثلاثا، ثم قال: الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم ~~الأحزاب وحده، انطلق أرنيه. فانطلقنا فأريته إياه فقال: " هذا فرعون هذه ~~الأمة» ) . # (وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف، وابنه عليا، فأبصره بلال، وكان ~~أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ثم استوخى ~~جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم ~~عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك ~~فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل ~~عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلم في صدره بريشة ~~نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب. فقال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، ~~وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من ~~هذه الأدراع، فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار، كان يقول: يرحم الله ~~بلالا، فجعني بأدراعي وبأسيري) . # وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذلا ~~من حطب فقال: (دونك هذا) ، فلما أخذه عكاشة وهزه، عاد في يده سيفا طويلا ~~شديدا # PageV03P166 # أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. # ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا ~~الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على ~~الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها، قال عروة: فسأله ~~إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها، فلما قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر، ~~سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه ~~إياها، فلما قبض عثمان، وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، ms0672 وكانت ~~عنده حتى قتل. # «وقال رفاعة بن رافع: (رميت بسهم يوم بدر ففقئت عيني، فبصق فيها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي، فما آذاني منها شيء» ) . # ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى، ~~فقال: ( «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ~~ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس. # PageV03P167 # ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم، فقال: ~~" يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان هل وجدتم ما ~~وعدكم ربكم حقا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا "، فقال عمر بن الخطاب: يا ~~رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم ~~بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب ". ثم أقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالعرصة ثلاثا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثا» ) ~~. # ثم ارتحل مؤيدا منصورا، قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، ~~فلما كان بالصفراء، قسم الغنائم وضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما ~~نزل بعرق الظبية، ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. # ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيدا مظفرا منصورا قد خافه كل ~~عدو له المدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد ~~الله بن أبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرا. # وجملة من حضر بدرا من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، من المهاجرين ~~ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون، وإنما قل عدد ~~الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم، وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء، لأن ~~منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير # PageV03P168 # بغتة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «لا يتبعنا إلا من كان ظهره ~~حاضرا» ) ، فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا ~~إلى ظهورهم، فأبى ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا ~~له أهبته، ولكن جمع الله بينهم ms0673 وبين عدوهم على غير ميعاد. # واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وستة من ~~الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن بدر ~~والأسارى في شوال. ### | [فصل في غزوة بني سليم] # فصل # ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني ~~سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء ~~يقال له: الكدر، فأقام عليه ثلاثا، ثم انصرف، ولم يلق كيدا. ### | [فصل في غزوة السويق] # فصل # ولما رجع فل المشركين إلى مكة موتورين، محزونين، نذر أبو سفيان أن لا يمس ~~رأسه ماء حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج في مائتي راكب، حتى ~~أتى العريض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي، ~~فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح، قطع أصوارا من النخل، # PageV03P169 # وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له، ثم كر راجعا، ونذر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فخرج في طلبه، فبلغ قرقرة الكدر، وفاته أبو سفيان، وطرح ~~الكفار سويقا كثيرا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة ~~السويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين. # فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدا ~~يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك ~~صفرا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف، ولم يلق حربا. ### | [فصل في غزوة الفرع] # فصل # فأقام بالمدينة ربيعا الأول، ثم خرج يريد قريشا، واستخلف على المدينة ابن ~~أم مكتوم، فبلغ بحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع، ولم يلق حربا، فأقام ~~هنالك ربيعا الآخر، وجمادى الأولى، ثم انصرف إلى المدينة. ### | [فصل في غزوة بني قينقاع] # فصل # ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة ~~عشر ليلة حتى نزلوا على حكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أبي، وألح عليه ~~فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبعمائة ms0674 مقاتل، وكانوا صاغة ~~وتجارا. # PageV03P170 ### | [فصل في قتل كعب بن الأشرف] # وكان رجلا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة ~~بدر ذهب إلى مكة، وجعل يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله ". فانتدب له محمد بن ~~مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة واسمه سلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من ~~الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، وأذن لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة ~~مقمرة، وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، فلما انتهوا ~~إليه، قدموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه ~~طعاما، ويرهنونه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. # ورجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا، ~~فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولا كان معه في # PageV03P171 # ثنته، فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله. وأوقدوا النيران، ~~وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل، وهو ~~قائم يصلي، وجرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبرئ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل من وجد من ~~اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم الله ورسوله» ) . ### | [فصل في غزوة أحد] ### | أحداث غزوة أحد # فصل في غزوة أحد # ولما قتل الله أشراف قريش ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس ~~فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في ~~غزوة السويق، ولم ينل ما في نفسه، أخذ يؤلب على رسول الله ms0675 صلى الله عليه ~~وسلم وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش، ~~والحلفاء، والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا، وليحاموا عنهن، ثم أقبل ~~بهم نحو المدينة. فنزل قريبا من جبل أحد بمكان يقال له: عينين، وذلك في # PageV03P172 # شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة، وأن ~~يتحصنوا بها، فإن دخلوها، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من ~~فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي، فبادر ~~جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، ~~وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ~~ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهض ودخل ~~بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن ~~تمكث في المدينة فافعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «ما ينبغي ~~لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» ) . # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم ~~مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله رأى رؤيا وهو ~~بالمدينة، رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى أن بقرا تذبح، وأنه أدخل يده في درع ~~حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقر بنفر من ~~أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة. # فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عبد الله بن ~~أبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري، فتبعهم عبد الله بن ~~عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول: ~~تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم # PageV03P173 # تقاتلون، لم نرجع، فرجع عنهم، وسبهم، وسأله قوم من ms0676 الأنصار أن يستعينوا ~~بحلفائهم من يهود، فأبى، وسلك حرة بني حارثة، وقال: ( «من رجل يخرج بنا على ~~القوم من كثب» ) ؟ ، فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، ~~وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: لا أحل لك أن تدخل ~~في حائطي إن كنت رسول الله، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: ( «لا تقتلوه ~~فهذا أعمى القلب أعمى البصر» ) . # ونفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي، ~~وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت، ~~تعبى للقتال، وهو في سبعمائة، فيهم خمسون فارسا، واستعمل على الرماة - ~~وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا ~~يفارقوه، ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا ~~المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. # فظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يومئذ، وأعطى اللواء مصعب ~~بن عمير، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن ~~عمرو، واستعرض الشباب يومئذ فرد من استصغره عن القتال، وكان منهم عبد الله ~~بن عمر، وأسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، # PageV03P174 # وزيد بن ثابت، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأجاز من رآه مطيقا، وكان ~~منهم سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة. فقيل: أجاز من أجاز ~~لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، ورد من رد لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: ~~إنما أجاز من أجاز لإطاقته، ورد من رد لعدم إطاقته، ولا تأثير للبلوغ وعدمه ~~في ذلك قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: ( «فلما رآني مطيقا أجازني» ) . # وتعبت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ~~ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة، وكان شجاعا بطلا ~~يختال عند الحرب. # وكان أول من ms0677 بدر من المشركين أبو عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، ~~وكان يسمى: الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان رأس ~~الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه، ~~ومالوا معه، فكان أول من لقي المسلمين، فنادى قومه، وتعرف إليهم، فقالوا ~~له: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتل ~~المسلمين قتالا شديدا، وكان شعار المسلمين يومئذ أمت. # PageV03P175 # وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله وأسد ~~رسوله حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن النضر، وسعد بن ~~الربيع. # وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزم عدو الله، وولوا ~~مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي ~~أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وقالوا: يا قوم الغنيمة. فذكرهم ~~أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس ~~للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلو الثغر، وكر فرسان المشركين، ~~فوجدوا الثغر خاليا، قد خلا من الرماة، فجازوا منه، وتمكنوا حتى أقبل ~~آخرهم، فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، ~~وتولى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرحوا ~~وجهه، وكسروا رباعيته اليمنى، وكادت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه ورموه ~~بالحجارة حتى وقع لشقه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق ~~يكيد بها المسلمين، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله، وكان الذي ~~تولى أذاه صلى الله عليه وسلم عمرو بن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص، وقيل: إن ~~عبد الله بن شهاب الزهري، عم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، هو الذي شجه. # وقتل مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء إلى علي بن ms0678 أبي طالب، ونشبت ~~حلقتان من حلق المغفر في وجهه، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح # PageV03P176 # وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان ~~والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وأدركه المشركون يريدون ما الله حائل ~~بينهم وبينه، فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم ~~طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس أبو دجانة عليه بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا ~~يتحرك، ( «وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، فأتى بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فردها عليه بيده، وكانت أصح عينيه وأحسنهما» ) ، وصرخ الشيطان ~~بأعلى صوته: إن محمدا قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وفر ~~أكثرهم وكان أمر الله قدرا مقدورا. # ( «ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال ما ~~تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعون في ~~الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس، ولقي سعد بن ~~معاذ # PageV03P177 # فقال: يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، فقاتل حتى قتل، ووجد به ~~سبعون ضربة، وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوا من عشرين جراحة» ) . # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين وكان أول من عرفه تحت ~~المغفر كعب بن مالك، فصاح بأعلى صوته يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون ونهضوا ~~معه إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصمة ~~الأنصاري، وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل، أدرك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أبي بن خلف على جواد له يقال له: العوذ، زعم عدو الله أنه يقتل عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اقترب منه، تناول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، فطعنه بها، فجاءت في ترقوته، فكر عدو ~~الله منهزما، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس، فقال: ms0679 والله لو كان ما ~~بي بأهل ذي المجاز، لماتوا أجمعون، وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه ~~محمدا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( «بل أنا أقتله إن ~~شاء الله تعالى» ) ، فلما طعنه تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله، فأيقن بأنه ~~مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسرف مرجعه إلى مكة. # PageV03P178 # وجاء علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء ليشرب منه، فوجده آجنا، ~~فرده وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يعلو صخرة هنالك، فلم يستطع لما به، فجلس طلحة تحته حتى صعدها، وحانت ~~الصلاة، فصلى بهم جالسا، وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم ~~تحت لواء الأنصار. # وشد حنظلة الغسيل، وهو حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان، فلما تمكن منه ~~حمل على حنظلة شداد بن الأسود فقتله، ( «وكان جنبا فإنه سمع الصيحة وهو على ~~امرأته، فقام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه " أن الملائكة تغسله " ثم قال: " سلوا أهله؟ ما شأنه؟ " فسألوا ~~امرأته، فأخبرتهم الخبر» ) . وجعل الفقهاء هذا حجة، أن الشهيد إذا قتل ~~جنبا، يغسل اقتداء بالملائكة. # وقتل المسلمون حامل لواء المشركين، فرفعته لهم عمرة بنت علقمة الحارثية ~~حتى اجتمعوا إليه، وقاتلت أم عمارة، وهي نسيبة بنت كعب المازنية قتالا ~~شديدا، وضربت عمرو بن قمئة بالسيف ضربات فوقته درعان كانتا عليه، وضربها ~~عمرو بالسيف فجرحها جرحا شديدا على عاتقها. # «وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم من بني عبد الأشهل يأبى الإسلام، ~~فلما كان يوم أحد، قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت # PageV03P179 # له منه، فأسلم وأخذ سيفه، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقاتل فأثبت ~~بالجراح، ولم يعلم أحد بأمره، فلما انجلت الحرب، طاف بنو عبد الأشهل في ~~القتلى، يلتمسون قتلاهم، فوجدوا الأصيرم وبه رمق يسير، فقالوا: والله إن ~~هذا الأصيرم، ما جاء به، لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر، ثم سألوه ما ms0680 ~~الذي جاء بك؟ أحدب على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في ~~الإسلام، آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أصابني ما ترون، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: (هو من أهل الجنة» ) . قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاة قط. # ولما انقضت الحرب «أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى: أفيكم محمد؟ فلم ~~يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن ~~الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن ~~قوام الإسلام بهم، فقال: أما هؤلاء، فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن ~~قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوءك، فقال: ~~قد كان في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني، ثم قال: اعل هبل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (" ألا تجيبونه "؟ فقالوا: ما نقول؟ قال " قولوا: الله ~~أعلى وأجل " ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال: " ألا تجيبونه؟ قالوا: ما ~~نقول؟ قال: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» ") . # PageV03P180 # فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته، وبشركه تعظيما للتوحيد، وإعلاما بعزة ~~من عبده المسلمون، وقوة جانبه، وأنه لا يغلب، ونحن حزبه وجنده، ولم يأمرهم ~~بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل قد روي ~~أنه نهاهم عن إجابته، وقال: لا تجيبوه، لأن كلمهم لم يكن برد بعد في طلب ~~القوم، ونار غيظهم بعد متوقدة، فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، ~~حمي عمر بن الخطاب، واشتد غضبه، وقال: كذبت يا عدو الله، فكان في هذا ~~الإعلام من الإذلال، والشجاعة، وعدم الجبن والتعرف إلى العدو في تلك الحال ~~ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم، وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، وأنه وقومه ~~جديرون بعدم الخوف منهم، وقد أبقى الله لهم ما يسوءهم منهم، وكان في ~~الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنه وظن قومه أنهم قد أصيبوا، من ~~المصلحة، وغيظ العدو ms0681 وحزبه، والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم ~~واحدا واحدا، فكان سؤاله عنهم، ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده، فصبر له ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوفى كيده، ثم انتدب له عمر، فرد سهام كيده ~~عليه، وكان ترك الجواب أولا عليه أحسن، وذكره ثانيا أحسن، وأيضا فإن في ترك ~~إجابته حين سأل عنهم إهانة له، وتصغيرا لشأنه، فلما منته نفسه موتهم، وظن ~~أنهم قد قتلوا، وحصل له بذلك من الكبر والأشر ما حصل، كان في جوابه إهانة ~~له، وتحقير، وإذلال، ولم يكن هذا مخالفا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(لا تجيبوه) فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمد؟ أفيكم فلان؟ ~~أفيكم فلان؟ ولم ينه عن إجابته حين قال: أما هؤلاء، فقد قتلوا. وبكل حال، ~~فلا أحسن من ترك إجابته أولا، ولا أحسن من إجابته ثانيا. # ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فأجابه عمر، فقال: (لا ~~سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار) . # PageV03P181 # وقال ابن عباس: ( «ما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن نصره يوم ~~أحد، فأنكر ذلك عليه، فقال بيني وبين من ينكر كتاب الله، إن الله يقول: ~~{ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران: 152] [آل عمران: 152] ~~، قال ابن عباس: والحس: القتل، ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب المشركين سبعة أو تسعة» ) . وذكر ~~الحديث. # وأنزل الله عليهم النعاس أمنة منه في غزاة بدر وأحد، والنعاس في الحرب ~~وعند الخوف دليل على الأمن، وهو من الله، وفي الصلاة ومجالس الذكر والعلم ~~من الشيطان. # وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي " ~~الصحيحين ": عن سعد بن أبي وقاص، قال: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما ~~رأيتهما قبل ولا بعد» ) . # وفي " صحيح مسلم ": ( «أنه صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في ms0682 سبعة من ~~الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: " من يردهم عنا وله الجنة، أو ~~هو رفيقي في الجنة " فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: ~~من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة " فتقدم رجل من الأنصار، ~~فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ما أنصفنا أصحابنا» ) وهذا يروى على وجهين: بسكون # PageV03P182 # الفاء ونصب " أصحابنا " على المفعولية، وفتح الفاء ورفع " أصحابنا " على ~~الفاعلية. # ووجه النصب: أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحدا بعد واحد حتى قتلوا، ولم ~~يخرج القرشيان، قال ذلك، أي: ما أنصفت قريش الأنصار. # ووجه الرفع: أن يكون المراد بالأصحاب الذين فروا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أفرد في النفر القليل، فقتلوا واحدا بعد واحد، فلم ينصفوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثبت معه. # وفي " صحيح ابن حبان " عن عائشة، قالت: قال أبو بكر الصديق: ( «لما كان ~~يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أول من فاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه ويحميه، قلت: ~~كن طلحة فداك أبي وأمي، كن طلحة فداك أبي وأمي. فلم أنشب، أن أدركني أبو ~~عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإذا طلحة بين يديه صريعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" دونكم أخاكم فقد أوجب "، وقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه، ~~وروي في وجنته، حتى غابت حلقة من حلق المغفر في وجنته، فذهبت لأنزعها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا ~~تركتني؟ قال: فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه، فجعل ينضنضه كراهة أن يؤذي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم استل السهم بفيه، فندرت ثنية أبي عبيدة، قال ~~أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا ms0683 أبا بكر إلا ~~تركتني؟ قال فأخذه، فجعل ينضنضه حتى استله، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دونكم أخاكم فقد أوجب "، قال: ~~فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضعة عشر ضربة» ) . # PageV03P183 # وفي " مغازي الأموي ": أن المشركين صعدوا على الجبل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لسعد " اجنبهم " يقول: ارددهم. فقال: كيف أجنبهم وحدي؟ ~~فقال: ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم ~~أخذت سهمي أعرفه، فرميت به آخر فقتلته، ثم أخذته أعرفه، فرميت به آخر ~~فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي، فكان ~~عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه. # وفي " الصحيحين " عن أبي حازم، أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: ( «والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي، كانت فاطمة ابنته تغسله، وعلي بن أبي ~~طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، ~~أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها، فألصقتها فاستمسك الدم» ) . # وفي " الصحيح ": ( «أنه كسرت رباعيته، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ~~ويقول: " كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم "، ~~فأنزل الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون} [آل عمران: 128] » ) [آل عمران: 128] . # ولما انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر، وقال: (اللهم إني أعتذر إليك ~~مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين ~~- ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: # PageV03P184 # واها لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، ثم مضى، فقاتل القوم حتى قتل، ~~فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح، وضربة ~~بسيف، ورمية بسهم) . # وانهزم المشركون أول النهار كما تقدم، فصرخ فيهم إبليس! أي عباد الله، ~~أخزاكم الله، فارجعوا من ms0684 الهزيمة، فاجتلدوا. # ( «ونظر حذيفة إلى أبيه، والمسلمون يريدون قتله، وهم يظنونه من المشركين، ~~فقال: أي عباد الله! أبي، فلم يفهموا قوله حتى قتلوه، فقال: يغفر الله لكم، ~~فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فقال قد تصدقت بديته على ~~المسلمين، فزاد ذلك حذيفة خيرا عند النبي صلى الله عليه وسلم» ) . # ( «وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أطلب ~~سعد بن الربيع، فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف تجدك؟ قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته، وهو ~~بآخر رمق، وفيه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، ~~فقلت: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام، ويقول ~~لك: أخبرني كيف تجدك؟ فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، قل ~~له: يا رسول الله، أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله ~~إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من ~~وقته» ) . # PageV03P185 # ( «ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال: يا ~~فلان أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلغ، ~~فقاتلوا عن دينكم، فنزل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} [آل ~~عمران: 144] » ) الآية [آل عمران: 142] . # وقال ( «عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل أحد، مبشر بن عبد ~~المنذر، يقول لي: أنت قادم علينا في أيام، فقلت: وأين أنت؟ فقال: في الجنة ~~نسرح فيها كيف نشاء. قلت له: ألم تقتل يوم بدر؟ قال: بلى ثم أحييت، فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه الشهادة يا أبا جابر» ) . # «وقال خيثمة أبو سعد، وكان ابنه استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في يوم بدر: (لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت والله عليها حريصا، حتى ساهمت ~~ابني في الخروج، ms0685 فخرج سهمه، فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم ~~في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، ويقول: الحق بنا ترافقنا في ~~الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقا، وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقا ~~إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله ~~يا رسول الله أن يرزقني الشهادة، ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بذلك، فقتل بأحد شهيدا» ) . # وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: (اللهم إني أقسم عليك أن ألقى # PageV03P186 # العدو غدا فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي، وأذني، ثم تسألني: ~~فيم ذلك فأقول فيك) . # «وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا، فلما توجه إلى أحد، أراد أن ~~يتوجه معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، ~~وقد وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال يا رسول الله: إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، ووالله إني ~~لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد وقال لبنيه: " وما عليكم أن ~~تدعوه، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة) ، فخرج مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقتل يوم أحد شهيدا» . # (وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من ~~المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ ، فقالوا: قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا ~~فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، ~~فقاتل حتى # PageV03P187 # قتل) . # «وأقبل أبي بن خلف عدو الله، وهو مقنع في الحديد، يقول: لا نجوت إن نجا ~~محمد، وكان حلف بمكة أن يقتل رسول الله صلى الله ms0686 عليه وسلم، فاستقبله مصعب ~~بن عمير، فقتل مصعب، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف ~~من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فوقع عن فرسه، فاحتمله ~~أصحابه، وهو يخور خوار الثور، فقالوا: ما أجزعك؟ إنما هو خدش، فذكر لهم قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أنا أقتله إن شاء الله تعالى) ، فمات برابغ» ~~. # قال ابن عمر: (إني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، إذا نار تأجج لي ~~فيممتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول: ~~لا تسقه هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبي بن خلف) . # وقال نافع بن جبير: سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا، فنظرت إلى ~~النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها، كل ذلك يصرف ~~عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري، يقول يومئذ: دلوني على محمد، لا ~~نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، ثم ~~جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله، إنه منا ~~ممنوع، فخرجنا أربعة، فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك. # ( «ولما مص مالك أبو أبي سعيد الخدري جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى أنقاه قال له: " مجه "، قال: والله لا أمجه أبدا ثم أدبر. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى ~~هذا» ) . # PageV03P188 # قال الزهري، وعاصم بن عمر، ومحمد بن يحيى بن حبان وغيرهم: كان يوم أحد ~~يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله عز وجل به المؤمنين، وأظهر به المنافقين ممن ~~كان يظهر الإسلام بلسانه، وهو مستخف بالكفر، فأكرم الله فيه من أراد كرامته ~~بالشهادة من أهل ولايته، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل ~~عمران، أولها: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} [آل عمران: ~~121] [آل عمران: 121] إلى آخر القصة. ### | [فصل ms0687 فيما اشتملت عليه هذه الغزاة من الأحكام والفقه] # منها: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه، حتى إن من لبس لأمته وشرع في أسبابه، ~~وتأهب للخروج، ليس له أن يرجع عن الخروج حتى يقاتل عدوه. # ومنها: أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه، ~~بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم، ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على ~~عدوهم، كما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم يوم أحد. # ومنها: جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه، ~~وإن لم يرض المالك. # ومنها: أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين، بل ~~يردهم إذا خرجوا، كما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر ومن معه. # ومنها: جواز الغزو بالنساء، والاستعانة بهن في الجهاد. # ومنها: جواز الانغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره. # ومنها: أن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعدا، وصلوا وراءه قعودا، # PageV03P189 # كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، واستمرت على ذلك ~~سنته إلى حين وفاته # ومنها: جواز دعاء الرجل أن يقتل في سبيل الله، وتمنيه ذلك، وليس هذا من ~~تمني الموت المنهي عنه، كما قال عبد الله بن جحش: ( «اللهم لقني من ~~المشركين رجلا عظيما كفره، شديدا حرده، فأقاتله، فيقتلني فيك، ويسلبني، ثم ~~يجدع أنفي، وأذني، فإذا لقيتك، فقلت: يا عبد الله بن جحش، فيم جدعت؟ قلت: ~~فيك يا رب» ) . # ومنها: أن المسلم إذا قتل نفسه فهو من أهل النار لقوله صلى الله عليه ~~وسلم في قزمان الذي أبلى يوم أحد بلاء شديدا، فلما اشتدت به الجراح نحر ~~نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم: ( «هو من أهل النار» ) . # PageV03P190 # ومنها: أن السنة في الشهيد أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه ولا يكفن في # PageV03P191 # غير ثيابه بل يدفن فيها بدمه وكلومه، إلا أن يسلبها، فيكفن في غيرها. # ومنها: أنه إذا كان جنبا غسل كما غسلت الملائكة حنظلة بن أبي عامر. ms0688 # ومنها: أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم، ولا ينقلوا إلى مكان ~~آخر، فإن قوما من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة، فنادى منادي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم، قال جابر: ( «بينا أنا ~~في النظارة إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة ~~لندفنهما في مقابرنا، # PageV03P192 # وجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا ~~بالقتلى، فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت. قال: فرجعنا بهما، فدفناهما في ~~القتلى حيث قتلا، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل، ~~فقال: يا جابر، والله لقد أثار أباك عمال معاوية، فبدا، فخرج طائفة منه، ~~قال: فأتيته، فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء. قال: فواريته، ~~فصارت سنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم» ) . # ومنها: جواز دفن الرجلين أو الثلاثة في القبر الواحد، فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( «كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر، ويقول: أيهم أكثر ~~أخذا للقرآن، فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد» ) . # ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان ~~بينهما من المحبة فقال: ( «ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد» ) ~~، # PageV03P193 # ثم حفر عنهما بعد زمن طويل، ويد عبد الله بن عمرو بن حرام على جرحه كما ~~وضعها حين جرح، فأميطت يده عن جرحه، فانبعث الدم فردت إلى مكانها، فسكن ~~الدم. # وقال جابر: (رأيت أبي في حفرته حين حفر عليه كأنه نائم، وما تغير من حاله ~~قليل ولا كثير. وقيل له: أفرأيت أكفانه؟ فقال: إنما دفن في نمرة، خمر وجهه، ~~وعلى رجليه الحرمل، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه على هيئته، ~~وبين ذلك ست وأربعون سنة) . # وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفن شهداء أحد في ~~ثيابهم، هل هو على وجه الاستحباب والأولوية، أو على وجه الوجوب؟ على قولين: ~~الثاني: أظهرهما وهو المعروف عن أبي حنيفة، ms0689 والأول هو المعروف عن أصحاب ~~الشافعي وأحمد، فإن قيل: فقد روى يعقوب بن شيبة وغيره بإسناد جيد، «أن # PageV03P194 # صفيه أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه ~~في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا آخر» . # قيل: حمزة كان الكفار قد سلبوه، ومثلوا به، وبقروا عن بطنه، واستخرجوا ~~كبده؛ فلذلك كفن في كفن آخر. وهذا القول في الضعف نظير قول من قال: يغسل ~~الشهيد، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع. # ومنها: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يصل على شهداء أحد، ولم يعرف عنه أنه صلى على أحد ممن استشهد معه في ~~مغازيه، وكذلك خلفاؤه الراشدون، ونوابهم من بعدهم. # فإن قيل: فقد ثبت في " الصحيحين " من حديث عقبة بن عامر «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (خرج يوما، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى ~~المنبر» ) . # وقال ابن عباس: ( «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد» ) . # قيل: أما صلاته عليهم، فكانت بعد ثماني سنين من قتلهم قرب موته، كالمودع ~~لهم، ويشبه هذا خروجه إلى البقيع قبل موته يستغفر لهم، كالمودع للأحياء ~~والأموات، فهذه كانت توديعا منه لهم، لا أنها سنة الصلاة على الميت، ولو ~~كان ذلك كذلك لم يؤخرها ثماني سنين، لا سيما عند من # PageV03P195 # يقول لا يصلى على القبر أو يصلى عليه إلى شهر. # ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرض أو عرج يجوز له الخروج ~~إليه، وإن لم يجب عليه كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج. # ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدا منهم في الجهاد يظنونه كافرا، فعلى ~~الإمام ديته من بيت المال؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدي ~~اليمان أبا حذيفة، فامتنع حذيفة من أخذ الدية، وتصدق بها على المسلمين. ### | [فصل في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد] # وقد أشار الله - سبحانه وتعالى - إلى أمهاتها، وأصولها ms0690 في سورة (آل ~~عمران) حيث افتتح القصة بقوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد ~~للقتال} [آل عمران: 121] [آل عمران: 121] ، إلى تمام ستين آية. # فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما ~~هو بشؤم ذلك، كما قال تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى ~~إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم} [آل ~~عمران: 152] ، [آل عمران: 152] . # فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد ~~حذرا ويقظة، وتحرزا من أسباب الخذلان. # ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال ~~عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم ~~المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتصر عليهم دائما لم # PageV03P196 # يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين ~~الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق، وما جاءوا به ممن يتبعهم على ~~الظهور والغلبة خاصة. # ومنها: أن هذا من أعلام الرسل كما قال هرقل لأبي سفيان: (هل قاتلتموه؟ ~~قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال يدال علينا المرة، وندال ~~عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة) # ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما ~~أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ~~ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ~~ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رءوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا ~~بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبآتهم، وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس إلى ~~كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم، ~~وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم. قال الله تعالى: {ما ~~كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ~~الله ليطلعكم ms0691 على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران: 179] ~~[آل عمران: 179] . # أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين ~~حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد {وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب} [آل عمران: 179] الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء، ~~فإنهم متميزون في غيبه وعلمه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا فيقع ~~معلومه الذي هو غيب شهادة. وقوله: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل ~~عمران: 179] استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب سوى الرسل، فإنه ~~يطلعهم على ما يشاء من غيبه كما قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26] [الجن: 27] فحظكم أنتم وسعادتكم في ~~الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه # PageV03P197 # رسله فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة. # ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون وما ~~يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية ~~فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد ~~من السراء والنعمة والعافية. # ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائما، وأظفرهم بعدوهم في كل موطن، وجعل لهم ~~التمكين والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم، وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم ~~النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح ~~عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر ~~عباده كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير. # ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا، ~~فاستوجبوا منه العز والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل ~~والانكسار، قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} [آل عمران: 123] ~~[آل عمران: 123] . وقال: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} ~~[التوبة: 25] [التوبة: 25] فهو - سبحانه - إذا أراد أن يعز عبده ويجبره ~~وينصره كسره أولا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره. # ومنها: أنه سبحانه هيأ لعباده ms0692 المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها ~~أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي ~~توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من ~~جملة أسباب وصولهم إليها. # ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا ~~إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، ~~فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ~~ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء ~~والمحنة # PageV03P198 # بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه، ويقطع منه العروق المؤلمة ~~لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه. # ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه ~~والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب ~~أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومحابه ~~على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها ~~من تسليط العدو. # ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب ~~التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم، ~~ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك ~~أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، ~~وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ~~إن كنتم مؤمنين - إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~- وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 139 - 141] [آل ~~عمران: 139، 140] ، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم ~~وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت ~~إدالة الكفار عليهم فقال: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} [آل ~~عمران: 140] [آل عمران: 140] ، فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في ~~الرجاء والثواب، كما قال: ms0693 {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون} [النساء: 104] [النساء: 104] ، فما بالكم ~~تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم ~~أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي. # ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرض حاضر، # PageV03P199 # يقسمها دولا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة، فإن عزها ونصرها ورجاءها ~~خالص للذين آمنوا. # ثم ذكر حكمة أخرى، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ~~ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ~~ثواب ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدا ~~واقعا في الحس. # ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب الشهداء من ~~عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ~~ينيلهم درجة الشهادة. # وقوله: {والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 140] [آل عمران: 140] ، تنبيه ~~لطيف الموقع جدا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد ~~فلم يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لم يحبهم فأركسهم وردهم ليحرمهم ما ~~خص به المؤمنين في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء ~~الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه. # ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو ~~تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس، وأيضا فإنه خلصهم، ومحصهم من ~~المنافقين، فتميزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن ~~كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم. # ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر ~~عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى ~~أعدائه، وإن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه. # فقال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين} [آل عمران: 142] [آل عمران: 142] ، أي ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، ~~فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع ms0694 المعلوم، ~~لا على مجرد العلم، فإن الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع ~~معلومه، ثم وبخهم على # PageV03P200 # هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه. # فقال: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} ~~[آل عمران: 143] [آل عمران: 143] . # قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر ~~من الكرامة رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالا يستشهدون فيه، فيلحقون إخوانهم، ~~فأراهم الله ذلك يوم أحد وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله ~~منهم، فأنزل الله تعالى: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون} [آل عمران: 143] . # ومنها: أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو قتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ~~ويموتوا عليه أو يقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد، وهو حي لا يموت، فلو ~~مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه، وما جاء به، فكل نفس ~~ذائقة الموت، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليخلد لا هو ولا هم، بل ~~ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه سواء مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو بقي، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه، لما صرخ ~~الشيطان إن محمدا قد قتل، فقال: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] [آل عمران: 144] ، والشاكرون ~~هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثر هذا ~~العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد من ~~ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم ~~بأعدائهم، وجعل العاقبة ms0695 لهم. # ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلا لا بد أن تستوفيه، ثم تلحق به، فيرد ~~الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا، وإن تنوعت أسبابه ويصدرون عن موقف ~~القيامة مصادر شتى، فريق في الجنة، وفريق في السعير. # ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم # PageV03P201 # كثيرون فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله وما ضعفوا وما استكانوا ~~وما وهنوا عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة ~~والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزة ~~كراما مقبلين غير مدبرين، والصحيح أن الآية تتناول الفريقين كليهما. # ثم أخبر سبحانه عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم ~~وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على أعدائهم، ~~فقال: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ~~وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين - فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 147 - 148] [آل عمران: 147] . # لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما ~~يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصرة ~~منوطة بالطاعة، قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ثم علموا ~~أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت ~~أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه ~~إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا، فوفوا المقامين حقهما: ~~مقام المقتضي، وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من ~~النصرة، وهو الذنوب والإسراف، ثم حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم، وأخبر أنهم ~~إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا ~~المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد. # ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين فمن والاه فهو ~~المنصور. # ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم ~~والإقدام على حربهم، وأنه ms0696 يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على # PageV03P202 # أعدائهم، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك ~~يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفا ورعبا والذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال ~~والشقاء. # ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم، وهو الصادق الوعد، وأنهم ~~لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن ~~الطاعة، وفارقوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة، ففارقتهم النصرة، فصرفهم ~~عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عاقبة ~~الطاعة. # ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله، وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين. قيل ~~للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم من قتلوا، ~~ومثلوا بهم ونالوا منهم ما نالوه؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم، ولكن ~~بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم. # ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين أي جادين في الهرب والذهاب في الأرض، ~~أو صاعدين في الجبل لا يلوون على أحد من نبيهم ولا أصحابهم، والرسول يدعوهم ~~في أخراهم إلى عباد الله أنا رسول الله. # فأثابهم بهذا الهرب والفرار غما بعد غم: غم الهزيمة والكسرة، وغم صرخة ~~الشيطان فيهم بأن محمدا قد قتل. # وقيل: جازاكم غما بما غممتم رسوله بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوه، فالغم ~~الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه، والقول الأول أظهر لوجوه: # أحدها: أن قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} [آل عمران: ~~153] تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم ~~من # PageV03P203 # الظفر وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السبب، وهذا إنما ~~يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر. # الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة، ثم أعقبه غم ~~الهزيمة، ثم غم الجراح التي أصابتهم، ثم غم القتل، ثم غم سماعهم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ms0697 ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم، وليس ~~المراد غمين اثنين خاصة، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان. # الثالث: أن قوله: " بغم " من تمام الثواب، لا أنه سبب جزاء الثواب، ~~والمعنى: أثابكم غما متصلا بغم جزاء على ما وقع منهم من الهروب، وإسلامهم ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وترك استجابتهم له، وهو يدعوهم، ~~ومخالفتهم له في لزوم مركزهم، وتنازعهم في الأمر وفشلهم، وكل واحد من هذه ~~الأمور يوجب غما يخصه، فترادفت عليهم الغموم، كما ترادفت منهم أسبابها ~~وموجباتها، ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر. # ومن لطفه بهم ورأفته ورحمته أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من موجبات ~~الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيض لهم بلطفه ~~أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل، فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا ~~حينئذ أن التوبة منها، والاحتراز من أمثالها، ودفعها بأضدادها أمر متعين لا ~~يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرا بعدها ~~ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. # وربما صحت الأجسام بالعلل # ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته، وخفف عنهم ذلك الغم، وغيبه عنهم بالنعاس ~~الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة، والنعاس في الحرب علامة النصرة # PageV03P204 # والأمن، كما أنزله عليهم يوم بدر، وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ~~ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وأنهم يظنون بالله غير الحق ~~ظن الجاهلية. # وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن ~~أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه ~~وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم ~~أمر رسوله، ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون ~~والمشركون به سبحانه وتعالى في (سورة الفتح) حيث يقول: {ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} [الفتح: 6] [الفتح: 6] ~~، وإنما كان هذا ms0698 ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير ~~الحق لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من ~~كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهيه، وما ~~يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا ~~يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم ~~أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه ~~لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة ~~مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا، فقد ظن بالله ~~ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده ~~وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة ~~المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك ~~فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك ~~بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن ~~يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة # PageV03P205 # بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة ~~عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة ~~المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت ~~مكروهة له فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا، {ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] [ص: 27] وأكثر الناس يظنون بالله ~~غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا ~~من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته ~~وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء. # ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين ~~أعدائه، فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين ms0699 عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم ~~رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن ~~فيها بإحسانه والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر ~~للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن ~~السوء. # ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على ~~امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه ~~ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه ~~به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي ~~يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم يضلون بها عباده، وأنه يحسن ~~منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في # PageV03P206 # الجحيم أسفل السافلين، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ~~ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء، ولا يعرف ~~امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما ~~وحسن الآخر، فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل ~~وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ~~ملغزة لم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن ~~يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير ~~تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي ~~بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه ~~وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه ~~على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ~~ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم ~~يفعل بل سلك بهم ms0700 خلاف طريق الهدى والبيان، فقد ظن به ظن السوء، فإنه إن ~~قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو ~~وسلفه، فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان ~~وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد، ~~فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء، وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون ~~الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم. # وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر ~~كلام المتهوكين # PageV03P207 # الحيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله، فكل هؤلاء من الظانين ~~بالله ظن السوء، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية. # ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ~~ظن به ظن السوء. # ومن ظن به أنه كان معطلا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ ~~بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا، فقد ظن به ظن ~~السوء. # ومن ظن به أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات، ولا عدد السماوات ~~والأرض ولا النجوم ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئا من ~~الموجودات في الأعيان، فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم له ولا إرادة ولا كلام يقول به، ~~وأنه لم يكلم أحدا من الخلق ولا يتكلم أبدا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ~~ولا نهي يقوم به، فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى ~~إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، ~~وأنه أسفل كما أنه أعلى فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. # ومن ظن به أنه ليس يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب ~~الإيمان والبر والطاعة والإصلاح فقد ظن به ظن السوء. ms0701 # ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي # PageV03P208 # ولا يعادي، ولا يقرب من أحد من خلقه ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين ~~في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه المفلحين فقد ظن به ظن ~~السوء. # ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه أو ~~يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلد ~~فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة، ويحبط بها جميع ~~طاعاته، ويخلده في العذاب كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين، وقد استنفد ~~ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه فقد ظن به ظن السوء. # وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما ~~وصف به نفسه، ووصفته به رسله فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن أن له ولدا أو شريكا، أو أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه ~~وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه ~~يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ~~ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. # ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب ~~إليه، فقد ظن به خلاف حكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته، وهو من ظن السوء. # ومن ظن به أنه إذا ترك لأجله شيئا لم يعوضه خيرا منه أو من فعل لأجله ~~شيئا لم يعطه أفضل منه، فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جرم ولا # PageV03P209 # سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة فقد ظن به ظن السوء. # ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة، وتضرع إليه وسأله، واستعان به ~~وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله، فقد ظن به ظن السوء، وظن به خلاف ~~ما هو أهله. # ومن ظن به أنه يثيبه ms0702 إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه، وسأله ذلك في ~~دعائه فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده وخلاف ما هو أهله وما لا ~~يفعله. # ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه، وأوضع في معاصيه ثم اتخذ من دونه وليا، ~~ودعا من دونه ملكا أو بشرا حيا أو ميتا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلصه ~~من عذابه فقد ظن به ظن السوء، وذلك زيادة في بعده من الله وفي عذابه. # ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا ~~مستقرا دائما في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات ~~استبدوا بالأمر دون وصية وظلموا أهل بيته، وسلبوهم حقهم وأذلوهم، وكانت ~~العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه ~~وأهل الحق، وهو يرى قهرهم لهم وغصبهم إياهم حقهم وتبديلهم دين نبيهم وهو ~~يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم، بل يديل ~~أعداءهم عليهم أبدا، أو أنه لا يقدر على ذلك بل حصل هذا بغير قدرته ولا ~~مشيئته، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم كل ~~وقت كما تظنه الرافضة، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا: إنه قادر ~~على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك فهم ~~قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك من ظن السوء به، ولا ريب أن الرب ~~الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به # PageV03P210 # ذلك غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك لكن رفوا هذا الظن ~~الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار، فقالوا: لم يكن هذا ~~بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال ~~عباده، ولا هي داخلة تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية ~~بربهم، وكل مبطل وكافر ومبتدع مقهور مستذل، فهو يظن بربه هذا الظن وأنه ~~أولى بالنصر والظفر والعلو من خصومه، فأكثر الخلق بل ms0703 كلهم إلا من شاء الله ~~يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ~~ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ~~ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على ~~التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها ~~كامنا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ~~ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تعتبا على القدر وملامة له واقتراحا عليه ~~خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش ~~نفسك هل أنت سالم من ذلك. # فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا # فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى، ~~وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل ~~سوء، ومنبع كل شر المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم ~~الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام ~~والحمد التام والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله ~~وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، ~~كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى. # فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل # PageV03P211 # ولا تظنن بنفسك قط خيرا # وكيف بظالم جان جهول ... وقل يا نفس مأوى كل سوء # أيرجى الخير من ميت بخيل ... وظن بنفسك السوأى تجدها # كذاك وخيرها كالمستحيل ... وما بك من تقى فيها وخير # فتلك مواهب الرب الجليل ... وليس بها ولا منها ولكن # من الرحمن فاشكر للدليل # والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ~~يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] [آل عمران: 154] ، ثم ~~أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: {هل لنا من الأمر من ~~شيء} [آل عمران: 154] [آل عمران: 154] ، وقولهم: {لو كان ms0704 لنا من الأمر شيء ~~ما قتلنا هاهنا} [آل عمران: 154] [آل عمران: 154] ، فليس مقصودهم بالكلمة ~~الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم ~~بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: {قل إن الأمر كله ~~لله} [آل عمران: 154] . [سورة آل عمران] ، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن ~~الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو ~~التكذيب بالقدر وظنهم أن الأمر لو كان إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون منهم لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر ~~لهم فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن ~~المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد ~~من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ ~~القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154] ، فلا ~~يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله ~~كان، ولا بد، شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس أم لم ~~يشاءوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى ~~دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم ~~وقد كتب القتل على بعضكم لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ~~ولا بد، سواء كان لهم من الأمر # PageV03P212 # شيء أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة الذين ~~يجوزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع. ### | من حكم غزوة أحد # فصل ثم أخبر سبحانه عن حكمة أخرى في هذا التقدير هي ابتلاء ما في صدورهم، ~~وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا ~~وتسليما، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ~~ولسانه. ms0705 # ثم ذكر حكمة أخرى: وهو تمحيص ما في قلوب المؤمنين وهو تخليصه وتنقيته ~~وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، ~~وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام ~~والبر والتقوى، فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة ~~ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون ~~كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من ~~جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه ~~الكسرة والهزيمة وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم ~~وظفرهم بعدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا. # ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك ~~اليوم وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم، فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا، ~~فكانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجند ~~عليه ولا بد، فللعبد كل وقت سرية من نفسه تهزمه أو تنصره، فهو يمد عدوه ~~بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث ~~يظن أنه يغزو عدوه، فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاها من الخير والشر، ~~والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو ~~بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به # PageV03P213 # ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم، لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، ~~وإنما كان عارضا عفا الله عنه فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ~~ونصابها. # ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا الذي أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم، ~~وبسبب أعمالهم، فقال: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ~~قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165] [آل عمران: ~~165] ، وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية، فقال: {وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ms0706 [الشورى: 30] [الشورى: ~~30] ، وقال: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] [النساء: 79] ، فالحسنة والسيئة هاهنا: النعمة والمصيبة، ~~فالنعمة من الله من بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، ~~فالأول فضله، والثاني عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله ~~ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه. # وختم الآية الأولى بقوله: {إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165] بعد ~~قوله: {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] إعلاما لهم بعموم قدرته مع ~~عدله، وأنه عادل قادر، وفي ذلك إثبات القدر والسبب، فذكر السبب وأضافه إلى ~~نفوسهم، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ~~ينفي القول بإبطال القدر، فهو يشاكل قوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 28] [التكوير: 30] . # وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه ~~هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على ~~سواه، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: {وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166] ، وهو الإذن الكوني القدري، لا الشرعي ~~الديني، كقوله في السحر: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة: ~~102] [البقرة: 102] . # ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم ~~عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزا ظاهرا، وكان من حكمة ~~هذا التقدير # PageV03P214 # تكلم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم ~~وجوابه لهم، وعرفوا مؤدى النفاق وما يئول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة ~~الدنيا والآخرة، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة، فلله كم من حكمة في ضمن ~~هذه القصة بالغة ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف ~~وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر، وما لهما وعاقبتهما! # ثم عزى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها، وأدعاها ~~إلى الرضى بما قضاه لها، فقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا ms0707 في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين ~~لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [آل عمران: 169 - ~~170] [آل عمران: 169 - 170] ، فجمع لهم إلى الحياة الدائمة منزلة القرب منه ~~وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو ~~فوق الرضى بل هو كمال الرضى، واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم ~~سرورهم ونعيمهم واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته. # وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو من أعظم مننه ونعمه عليهم التي ~~إن قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم ~~يبق لها أثر البتة. # وهي منته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم إليهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة، وينقذهم من الضلال الذي كانوا فيه قبل إرساله إلى ~~الهدى، ومن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ~~فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخير العظيم له أمر يسير جدا في ~~جنب الخير الكثير كما ينال الناس بأذى المطر في جنب ما يحصل لهم به من ~~الخير، فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره، ~~ليوحدوا ويتكلوا، ولا يخافوا غيره، وأخبرهم بما لهم فيها من الحكم لئلا ~~يتهموه في قضائه وقدره، وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلاهم بما ~~أعطاهم مما هو أجل قدرا وأعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزاهم # PageV03P215 # عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته، لينافسوهم فيه، ولا يحزنوا عليهم، ~~فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. ### | [خروج علي في آثار المشركين] # فصل ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة ~~لإحراز الذراري والأموال، فشق ذلك عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( «اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ ~~وماذا يريدون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، ms0708 وإن ~~ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده، لئن ~~أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم فيها» ) . # قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ~~ووجهوا إلى مكة، ولما عزموا على الرجوع إلى مكة «أشرف على المسلمين أبو ~~سفيان، ثم ناداهم موعدكم الموسم ببدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~قولوا: نعم قد فعلنا " قال أبو سفيان: " فذلكم الموعد» "، ثم انصرف هو ~~وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم ~~تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رءوس يجمعون ~~لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فنادى في الناس، وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: " «لا يخرج معنا ~~إلا من شهد القتال» " فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك؟ قال: " لا، ~~فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعا ~~وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال: يا رسول الله إني أحب ألا تشهد ~~مشهدا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته. فأذن لي أسير معك. فأذن له ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، " ~~وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم، ~~فأمره أن يلحق بأبي سفيان، فيخذله، # PageV03P216 # فلحقه بالروحاء، ولم يعلم بإسلامه، فقال ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد ~~وأصحابه قد تحرقوا عليكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان ~~تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ فقال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول ~~الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم ~~لنستأصلهم. قال: فلا تفعل فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة، ولقي ~~أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة، فقال: هل لك أن تبلغ محمدا رسالة ~~وأوقر لك راحلتك زبيبا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم. قال: أبلغ محمدا ms0709 أنا قد ~~أجمعنا الكرة لنستأصله، ونستأصل أصحابه، فلما بلغهم قوله، قالوا: {حسبنا ~~الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان ~~الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 173] [آل عمران: 174] # PageV03P217 ### | [فصل في سرية أبي سلمة إلى بني أسد] # فصل # وكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع شوال سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا ~~الحجة والمحرم، فلما استهل هلال المحرم بلغه أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد ~~سارا في قومهما ومن أطاعهما، يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فبعث أبا سلمة وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين ~~رجلا من الأنصار والمهاجرين، فأصابوا إبلا وشاء، ولم يلقوا كيدا، فانحدر ~~أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة. ### | [فصل بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس لقتل ابن نبيح الهذلي] # فصل # فلما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي قد جمع له ~~الجموع، فبعث إليه عبد الله بن أنيس، فقتله، قال عبد المؤمن بن خلف: وجاءه ~~برأسه فوضعه بين يديه، فأعطاه عصا فقال: ( «هذه آية بيني وبينك يوم ~~القيامة» ) ، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه، وكانت غيبته ~~ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم # PageV03P218 # فلما كان صفر قدم عليه قوم من عضل والقارة، وذكروا أن فيهم إسلاما، ~~وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر في ~~قول ابن إسحاق، وقال البخاري: كانوا عشرة وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي، وفيهم خبيب بن عدي، فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع، وهو ماء ~~لهذيل بناحية الحجاز غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا، فجاءوا حتى أحاطوا ~~بهم، فقتلوا عامتهم واستأسروا خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، فذهبوا بهما ~~وباعوهما بمكة، وكانا قتلا من رءوسهم يوم بدر، فأما خبيب فمكث عندهم ~~مسجونا، ثم أجمعوا قتله، فخرجوا به ms0710 من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على ~~صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه، فصلاهما، فلما سلم قال: والله ~~لولا أن تقولوا إن ما بي جزع لزدت ثم قال: " اللهم أحصهم عددا واقتلهم ~~بددا، ولا تبق منهم أحدا، ثم قال: # لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع # وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق بمضيع # وقد قربوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع # PageV03P219 # إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي # وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي ... فذا العرش صبرني على ما يراد بي # فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي ... وقد خيروني الكفر، والموت دونه # فقد ذرفت عيناي من غير مجزع ... وما بي حذار الموت إني لميت # وإن إلى ربي إيابي ومرجعي ... ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي شق كان في الله مضجعي ... وذلك في ذات الإله وإن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزع ... فلست بمبد للعدو تخشعا # ولا جزعا إني إلى الله مرجعي # فقال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدا عندنا تضرب عنقه، وإنك في أهلك، فقال: ~~لا والله، ما يسرني أني في أهلي، وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه ~~شوكة تؤذيه. # وفي " الصحيح ": أن خبيبا أول من سن الركعتين عند القتل. وقد نقل أبو عمر ~~بن عبد البر عن الليث بن سعد أنه بلغه عن زيد بن حارثة أنه صلاهما في قصة ~~ذكرها، وكذلك صلاهما حجر بن عدي حين أمر معاوية بقتله بأرض عذراء من أعمال ~~دمشق. # ثم صلبوا خبيبا ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، ~~فاحتمله بجذعه ليلا، فذهب به، فدفنه. # ورئي خبيب وهو أسير يأكل قطفا من العنب، وما بمكة ثمرة، وأما زيد بن # PageV03P220 # الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه. # وأما موسى بن عقبة، فذكر سبب هذه الوقعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعث هؤلاء الرهط يتحسسون له أخبار قريش، فاعترضهم بنو لحيان. ### | [فصل في بئر معونة] # فصل وفي هذا الشهر بعينه وهو صفر ms0711 من السنة الرابعة كانت وقعة بئر معونة، ~~وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك المدعو ملاعب الأسنة قدم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة، فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد، فقال: ~~يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن ~~يجيبوهم. فقال: ( «إني أخاف عليهم أهل نجد» ) فقال أبو براء: أنا جار لهم، ~~فبعث معه أربعين رجلا في قول ابن إسحاق. وفي الصحيح " أنهم كانوا سبعين " ~~والذي في الصحيح هو الصحيح. وأمر عليهم المنذر بن عمرو - أحد بني ساعدة ~~الملقب بالمعنق ليموت - وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم ~~وقرائهم، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، ~~فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلا فطعنه ~~بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال: (فزت ورب الكعبة) ، ثم ~~استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار ~~أبي براء # PageV03P221 # فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد ~~بن النجار، فإنه ارتث بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق، وكان عمرو بن ~~أمية الضمري، والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين، فرأيا الطير تحوم ~~على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه، ~~وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته وأعتقه عن ~~رقبة كانت على أمه، ورجع عمرو بن أمية، فلما كان بالقرقرة من صدر قناة نزل ~~في ظل شجرة، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما، فتك بهما عمرو ~~وهو يرى أنه قد أصاب ثأرا من أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يشعر به، فلما ms0712 قدم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل ~~فقال: ( «لقد قتلت قتيلين لأدينهما» ) # فكان هذا سبب غزوة بني النضير، فإنه خرج إليهم ليعينوه في ديتهما لما ~~بينه وبينهم من الحلف، فقالوا: نعم، وجلس هو وأبو بكر وعمر وعلي، وطائفة من ~~أصحابه، فاجتمع اليهود وتشاوروا وقالوا: من رجل يلقي على محمد هذه الرحى ~~فيقتله؟ فانبعث أشقاها عمرو بن جحاش، لعنه الله، ونزل جبريل من عند رب ~~العالمين على رسوله يعلمه بما هموا به، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من وقته راجعا إلى المدينة، ثم تجهز وخرج بنفسه لحربهم، فحاصرهم ست ليال، ~~واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وذلك في ربيع الأولى. # قال ابن حزم: وحينئذ حرمت الخمر، ونزلوا على أن لهم ما حملت إبلهم # PageV03P222 # غير السلاح، ويرحلون من ديارهم، فترحل أكابرهم كحيي بن أخطب، وسلام بن ~~أبي الحقيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط ~~يامين بن عمرو، وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما وقسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين خاصة؛ لأنها كانت مما لم ~~يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، إلا أنه أعطى أبا دجانة، وسهل بن حنيف ~~الأنصاريين لفقرهما. # وفي هذه الغزوة نزلت سورة الحشر، هذا الذي ذكرناه هو الصحيح عند أهل ~~المغازي والسير. # وزعم محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، ~~وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد، والتي ~~كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع، وقريظة بعد الخندق، وخيبر بعد ~~الحديبية، وكان له مع اليهود أربع غزوات، أولها: غزوة بني قينقاع بعد بدر، ~~والثانية: بني النضير بعد أحد، والثالثة: قريظة بعد الخندق، والرابعة: خيبر ~~بعد الحديبية. ### | [قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على الذين قتلوا القراء] # فصل # وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على الذين قتلوا القراء ~~أصحاب بئر معونة ms0713 بعد الركوع، ثم تركه لما جاءوا تائبين مسلمين. # PageV03P223 ### | [فصل في غزوة ذات الرقاع] # فصل ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوة ذات الرقاع، وهي ~~غزوة نجد، فخرج في جمادى الأولى من السنة الرابعة، وقيل: في المحرم يريد ~~محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، ~~وقيل: عثمان بن عفان، وخرج في أربعمائة من أصحابه. وقيل سبعمائة، فلقي جمعا ~~من غطفان، فتواقفوا، ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف، ~~هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزاة، ~~وصلاة الخوف بها، وتلقاه الناس عنهم وهو مشكل جدا، فإنه قد صح ( «أن ~~المشركين حبسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى ~~غابت الشمس» ) . # وفي " السنن " و " مسند أحمد "، والشافعي رحمهما الله ( «أنهم حبسوه عن # PageV03P224 # صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا» ) . # وذلك قبل نزول صلاة الخوف، والخندق بعد ذات الرقاع سنة خمس. # والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة صلاها للخوف بعسفان كما ~~قال أبو عياش الزرقي: ( «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان، فصلى بنا ~~الظهر، وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة، ~~ثم قالوا: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت ~~صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر، ففرقنا فرقتين» ) ، وذكر ~~الحديث، رواه أحمد وأهل السنن. # وقال أبو هريرة: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بين ضجنان ~~وعسفان محاصرا للمشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من ~~أبنائهم وأموالهم، أجمعوا أمركم، ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة، فجاء جبريل، ~~فأمره أن يقسم أصحابه نصفين» ) وذكر الحديث، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلى صلاة ~~الخوف بذات الرقاع، فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان، ويؤيد هذا أن أبا ~~هريرة وأبا موسى الأشعري ms0714 شهدا ذات الرقاع كما في " الصحيحين " عن # PageV03P225 # أبي موسى أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنهم كانوا يلفون على أرجلهم الخرق ~~لما نقبت. # وأما أبو هريرة ففي " المسند " و " السنن " أن مروان بن الحكم سأله: هل ~~صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قال: نعم، قال: متى؟ ~~قال: عام غزوة نجد. # وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن من جعلها قبل الخندق فقد ~~وهم وهما ظاهرا، ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادعى أن غزوة ذات الرقاع كانت ~~مرتين، فمرة قبل الخندق، ومرة بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا ~~اختلفت ألفاظها أو تاريخها، ولو صح لهذا القائل ما ذكره، ولا يصح لم يمكن ~~أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى لما تقدم من قصة عسفان، ~~وكونها بعد الخندق، ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير ~~منسوخ، وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها، وهذا ~~أحد القولين في مذهب أحمد - رحمه الله - وغيره، لكن لا حيلة لهم في قصة ~~عسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق. فالصواب تحويل غزوة ~~ذات الرقاع من هذا الموضع إلى ما بعد الخندق بل بعد خيبر، وإنما ذكرناها ~~هاهنا تقليدا لأهل المغازي والسير، ثم تبين لنا وهمهم، وبالله التوفيق. # ومما يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق ما رواه مسلم في " صحيحه " ~~عن جابر قال: ( «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بذات ~~الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فجاء رجل من # PageV03P226 # المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة، فأخذ السيف، ~~فاخترطه، فذكر القصة، وقال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، ~~وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ~~ركعات، وللقوم ركعتان» ) . # وصلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق بل هذا يدل على أنها بعد ms0715 عسفان، والله ~~أعلم. # وقد ذكروا أن قصة بيع جابر جمله من النبي صلى الله عليه وسلم كانت في ~~غزوة ذات الرقاع. وقيل: في مرجعه من تبوك، ولكن في إخباره للنبي صلى الله ~~عليه وسلم في تلك القضية أنه تزوج امرأة ثيبا تقوم على أخواته، وتكفلهن ~~إشعار بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه، ولم يؤخر إلى عام تبوك، والله ~~أعلم. # وفي مرجعهم من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين، فنذر زوجها ألا ~~يرجع حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فجاء ليلا، وقد أرصد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئة للمسلمين من العدو، وهما عباد بن ~~بشر، وعمار بن ياسر، فضرب عبادا وهو قائم يصلي بسهم، فنزعه ولم يبطل صلاته ~~حتى رشقه بثلاثة أسهم، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان # PageV03P227 # الله، هلا أنبهتني؟ فقال إني كنت في سورة، فكرهت أن أقطعها. # وقال موسى بن عقبة في " مغازيه ": ولا يدرى متى كانت هذه الغزوة قبل بدر ~~أو بعدها، أو فيما بين بدر وأحد أو بعد أحد. # ولقد أبعد جدا إذ جوز أن تكون قبل بدر، وهذا ظاهر الإحالة، ولا قبل أحد، ~~ولا قبل الخندق كما تقدم بيانه. ### | [فصل في غزوة بدر الآخرة] # فصل وقد تقدم أن أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد: موعدكم وإيانا العام ~~القابل ببدر، فلما كان شعبان، وقيل: ذو القعدة من العام القابل خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، ~~وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، ~~فانتهى إلى بدر، فأقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان ~~بالمشركين من مكة، وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا، فلما انتهوا إلى مر الظهران ~~- على مرحلة من مكة - قال لهم أبو سفيان: إن العام عام جدب، وقد رأيت أني ~~أرجع بكم، فانصرفوا راجعين، وأخلفوا الموعد، فسميت هذه بدر الموعد، وتسمى ~~بدر الثانية. ### | [فصل في غزوة دومة ms0716 الجندل] # وهي بضم الدال، وأما دومة بالفتح فمكان آخر. خرج إليها # PageV03P228 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة خمس، وذلك أنه بلغه أن ~~بها جمعا كثيرا يريدون أن يدنوا من المدينة، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ~~ليلة، وهي من دمشق على خمس ليال، فاستعمل على المدينة سباع بن عرفطة ~~الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين، ومعه دليل من بني عذرة يقال له مذكور، ~~فلما دنا منهم إذا هم مغربون، وإذا آثار النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ~~ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرقوا ~~ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها ~~أياما وبث السرايا، وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحدا، فرجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن. ### | [فصل في غزوة المريسيع] ### | [غزوة المريسيع] # فصل في غزوة المريسيع # وكانت في شعبان سنة خمس، وسببها: أنه لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن ~~الحارث بن # PageV03P229 # أبي ضرار سيد بني المصطلق سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم له ذلك، ~~فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار، وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبره خبرهم، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فأسرعوا في ~~الخروج، وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل ~~على المدينة زيد بن حارثة، وقيل: أبا ذر، وقيل: نميلة بن عبد الله الليثي، ~~وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وبلغ الحارث بن أبي ضرار، ومن معه ~~مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتله عينه الذي كان وجهه ليأتيه بخبره، ~~وخبر المسلمين، فخافوا خوفا شديدا، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، ~~وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع، وهو مكان الماء، فضرب ~~عليه قبته، ومعه عائشة وأم سلمة، فتهيئوا للقتال، ms0717 وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق، وراية الأنصار مع ~~سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه، فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة، وانهزم المشركون، وقتل من قتل ~~منهم، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعم والشاء، ~~ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، هكذا قال عبد المؤمن بن خلف في " سيرته ~~" وغيره، وهو وهم، فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء، ~~فسبى ذراريهم وأموالهم كما في # PageV03P230 # " الصحيح: ( «أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم ~~غارون» ) ، وذكر الحديث. . . ". # وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن ~~قيس، فكاتبها، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فأعتق ~~المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: ~~أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت ~~آية التيمم. # وذكر الطبراني في " معجمه " من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن ~~عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: ( «ولما كان من أمر عقدي ما ~~كان، قال أهل الإفك ما قالوا، فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ~~أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس، ولقيت من أبي بكر ما شاء ~~الله، وقال لي: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء، وليس مع الناس ماء، ~~فأنزل الله الرخصة في التيمم» ) ، وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل ~~التيمم لأجلها بعد # PageV03P231 # هذه الغزوة، وهو الظاهر، ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد ~~والتماسه، فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى، ونحن نشير إلى قصة ~~الإفك. # وذلك أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرج بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها، وكانت ms0718 تلك عادته مع نسائه، فلما ~~رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل فخرجت عائشة لحاجتها، ثم رجعت، ففقدت ~~عقدا لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه، ~~فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، فظنوها فيه، فحملوا الهودج ولا ~~ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان ~~يثقلها، وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو ~~كان الذي حمله واحد أو اثنان لم يخف عليهما الحال، فرجعت عائشة إلى ~~منازلهم، وقد أصابت العقد، فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، ~~وظنت أنهم سيفقدونها، فيرجعون في طلبها، والله غالب على أمره يدبر الأمر ~~فوق عرشه كما يشاء، فغلبتها عيناها، فنامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن ~~المعطل: ( «إنا لله وإنا إليه راجعون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) ~~، وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في " ~~صحيح أبي حاتم ". وفي " السنن ": # PageV03P232 # فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل نزول الحجاب، فاسترجع، وأناخ راحلته، ~~فقربها إليها، فركبتها وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ~~ثم سار بها يقودها حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ~~ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن ~~أبي متنفسا، فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفك ~~ويستوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه. ~~فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله ~~عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، وأشار عليه أسامة وغيره ~~بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء، فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه ~~أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الهم والغم الذي لحقه من كلام ms0719 الناس، فأشار بحسم الداء، وأسامة لما علم حب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها ~~وديانتها ما هي فوق ذلك وأعظم منه، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ربه، ومنزلته عنده، ودفاعه عنه أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من ~~النساء، وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك، وأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا، ~~وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها من أن ~~يبتليها بالفاحشة، وهي تحت رسوله، ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسوله، ~~وقدره عند الله في قلبه قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما ~~سمعوا ذلك: {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] [النور: 16] . # PageV03P233 # وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به، ~~وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة ~~خبيثة بغيا، فمن ظن به سبحانه هذا الظن فقد ظن به ظن السوء، وعرف أهل ~~المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى: ~~{الخبيثات للخبيثين} [النور: 26] [النور: 26] ، فقطعوا قطعا لا يشكون فيه ~~أن هذا بهتان عظيم، وفرية ظاهرة. # فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها، وسأل عنها ~~وبحث واستشار، وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده وبما يليق به، وهلا قال: ~~{سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] كما قاله فضلاء الصحابة؟ # فالجواب: أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا ~~لها، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم ~~القيامة ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا ~~هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، واقتضى تمام الامتحان والابتلاء ~~أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها لا يوحى إليه ~~في ذلك شيء لتتم حكمته ms0720 التي قدرها وقضاها، وتظهر على أكمل الوجوه، ويزداد ~~المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله ~~وأهل بيته والصديقين من عباده، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، ويظهر لرسوله ~~وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة ~~الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها، والافتقار إلى الله ~~والذل له وحسن الظن به والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من ~~حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفت هذا المقام حقه لما ~~«قال لها أبواها: قومي إليه، وقد أنزل الله عليه براءتها، فقالت: (والله لا ~~أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي» ) . # وأيضا فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية محصت # PageV03P234 # وتمحضت، واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف إلى ما يوحيه الله إلى ~~رسوله فيها، وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع، فوافى الوحي أحوج ما كان إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصديق وأهله وأصحابه والمؤمنون، ~~فورد عليهم ورود الغيث على الأرض أحوج ما كانت إليه، فوقع منهم أعظم موقع ~~وألطفه، وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، فلو أطلع الله ~~رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة وأنزل الوحي على الفور بذلك لفاتت هذه ~~الحكم، وأضعافها بل أضعاف أضعافها. # إظهار الله منزلته صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عنده، وأيضا فإن الله ~~سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامتهم عليه، وأن يخرج ~~رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه والرد على ~~أعدائه وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه بل يكون هو ~~وحده المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته. # وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى، والتي ~~رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب ~~للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط وحاشاه وحاشاها، ولذلك لما استعذر من ~~أهل الإفك قال: ( «من يعذرني في ms0721 رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على ~~أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على ~~أهلي إلا معي» ) ، فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما ~~عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه وثقته به، وفى ~~مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه حتى جاءه الوحي بما أقر عينه، وسر ~~قلبه وعظم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه. # ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح ~~بالإفك، فحدوا ثمانين ثمانين، ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي مع أنه رأس ~~أهل الإفك، فقيل # PageV03P235 # لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلا لذلك، وقد وعده الله ~~بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوشي الحديث ~~ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه، وقيل: الحد لا يثبت إلا ~~بالإقرار أو ببينة، وهو لم يقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان ~~يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين. # وقيل: حد القذف حق الآدمي لا يستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حق لله ~~فلا بد من مطالبة المقذوف، وعائشة لم تطالب به ابن أبي. # وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه ~~وتكلمه بما يوجب قتله مرارا، وهي تأليف قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، ~~فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم، فلم تؤمن إثارة الفتنة في حده، ولعله ترك ~~لهذه الوجوه كلها. # فجلد مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وهؤلاء من المؤمنين ~~الصادقين تطهيرا لهم وتكفيرا، وترك عبد الله بن أبي، إذا فليس هو من أهل ~~ذاك. ### | [فصل في قوة إيمان عائشة] # فصل # ومن تأمل قول الصديقة، وقد نزلت براءتها، «فقال لها أبواها: قومي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا ~~الله» ms0722 ) ، علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها وإفراده بالحمد ~~في ذلك المقام، وتجريدها التوحيد، وقوة جأشها وإدلالها ببراءة ساحتها، ~~وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له، وثقتها ~~بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قالت ما قالت، إدلالا للحبيب على ~~حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال، فوضعته ~~موضعه، ولله ما كان أحبها إليه حين قالت: لا أحمد إلا الله، فإنه هو الذي ~~أنزل براءتي، ولله ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب شيء إليها، ولا صبر ~~لها عنه، وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا، ثم صادفت الرضى # PageV03P236 # منه، والإقبال فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه مع شدة ~~محبتها له، وهذا غاية الثبات والقوة. ### | [طلبه صلى الله عليه وسلم فيمن يعذره فيمن تولى الإفك] # فصل # الاختلاف فيمن أجاب طلبه صلى الله عليه وسلم بعذره في رجل بلغه أذاه في ~~أهل بيته، وكذا في متى كانت غزوة بني المصطلق # وفي هذه القضية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ( «من يعذرني في ~~رجل بلغني أذاه في أهلي؟ " قام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا ~~أعذرك منه يا رسول الله» ) ، وقد أشكل هذا على كثير من أهل العلم، فإن سعد ~~بن معاذ لا يختلف أحد من أهل العلم أنه توفي عقيب حكمه في بني قريظة عقيب ~~الخندق، وذلك سنة خمس على الصحيح، وحديث الإفك لا شك أنه في غزوة بني ~~المصطلق هذه، وهي غزوة المريسيع، والجمهور عندهم أنها كانت بعد الخندق سنة ~~ست، فاختلفت طرق الناس في الجواب عن هذا الإشكال، فقال موسى بن عقبة: غزوة ~~المريسيع كانت سنة أربع قبل الخندق حكاه عنه البخاري. # وقال الواقدي: كانت سنة خمس. قال: وكانت قريظة والخندق بعدها. وقال ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبل ~~الخندق، وعلى هذا فلا إشكال، ولكن الناس على خلافه. وفي حديث الإفك ما يدل ~~على خلاف ذلك ms0723 أيضا؛ لأن عائشة قالت: إن القضية كانت بعدما أنزل الحجاب، ~~وآية الحجاب نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزينب إذ ذاك كانت تحته، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم سألها عن عائشة، فقالت: " أحمي سمعي وبصري "، قالت عائشة: ~~وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. # وقد ذكر أرباب التواريخ أن تزويجه بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس، وعلى ~~هذا فلا يصح قول موسى بن عقبة. وقال محمد بن إسحاق: إن غزوة بني المصطلق ~~كانت في سنة ست بعد الخندق، وذكر فيها حديث الإفك، إلا أنه قال # PageV03P237 # عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة، فذكر الحديث. # فقال: فقام أسيد بن الحضير، فقال: أنا أعذرك منه، فرد عليه سعد بن عبادة، ~~ولم يذكر سعد بن معاذ. قال أبو محمد بن حزم: وهذا هو الصحيح الذي لا شك ~~فيه، وذكر سعد بن معاذ وهم؛ لأن سعد بن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، ~~وكانت في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من ~~السنة السادسة بعد سنة وثمانية أشهر من موت سعد، وكانت المقاولة بين ~~الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة. # قلت: الصحيح أن الخندق كان في سنة خمس كما سيأتي. ### | ما وقع في حديث الإفك من الوهم # فصل # ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرق البخاري عن أبي وائل عن مسروق، ~~قال: سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني. قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر، ~~فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قبرها، وقال: ( «من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور ~~العين فلينظر إلى هذه» ) ، قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها، ~~وسألها للقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، ومسروق إنما قدم ~~المدينة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ms0724 قالوا: وقد روى مسروق عن أم ~~رومان حديثا غير هذا فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها، ~~فحمل هذا الحديث على السماع، قالوا: ولعل مسروقا قال: سئلت أم رومان، ~~فتصحفت على بعضهم: سألت، لأن من الناس من # PageV03P238 # يكتب الهمزة بالألف على كل حال. وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية ~~الصحيحة التي أدخلها البخاري في " صحيحه " وقد قال إبراهيم الحربي وغيره: ~~إن مسروقا سألها وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة، وأم رومان ~~أقدم من حدث عنه، قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ونزوله في قبرها، فحديث لا يصح، وفيه علتان تمنعان صحته، إحداهما: ~~رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه، والثانية: ~~أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والقاسم لم يدرك ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس ~~يرويه البخاري في " صحيحه "، ويقول فيه مسروق: سألت أم رومان فحدثتني، وهذا ~~يرد أن يكون اللفظ: سئلت. وقد قال أبو نعيم في كتاب " معرفة الصحابة ": قد ~~قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وهم. ### | [فصل هل الجارية الشاهدة على عائشة هي بريرة] # فصل # ومما وقع في حديث الإفك أن في بعض طرقه أن عليا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لما استشاره سل الجارية تصدقك، فدعا بريرة، فسألها، فقالت: ما علمت ~~عليها إلا ما يعلم الصائغ على التبر، أو كما قالت، وقد استشكل هذا، فإن ~~بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة، وكان العباس عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ ذاك في المدينة، والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، ~~ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها ~~فأبت أن تراجعه: ( «يا عباس " ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها!» ) . # ففي قصة الإفك لم تكن بريرة ms0725 عند عائشة، وهذا الذي ذكروه إن كان لازما، ~~فيكون الوهم من تسميته الجارية بريرة، ولم يقل له علي سل بريرة، وإنما # PageV03P239 # قال فسل الجارية تصدقك، فظن بعض الرواة أنها بريرة، فسماها بذلك، وإن لم ~~يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى بعد الفتح، ولم ييأس منها زال ~~الإشكال، والله أعلم. ### | [مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة المريسيع] # فصل # وفي مرجعهم من هذه الغزوة ( «قال رأس المنافقين ابن أبي: لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغها زيد بن أرقم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وجاء ابن أبي يعتذر، ويحلف ما قال، فسكت عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله تصديق زيد في سورة المنافقين، فأخذ النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأذنه، فقال: أبشر فقد صدقك الله، ثم قال: هذا الذي وفى لله ~~بأذنه، فقال له عمر: يا رسول الله مر عباد بن بشر، فليضرب عنقه، فقال: " ~~فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ) . ### | [فصل في غزوة الخندق] ### | [عام غزوة الخندق] # فصل في غزوة الخندق # وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين إذ لا خلاف أن أحدا ~~كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~العام المقبل، وهو سنة أربع، ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما ~~كانت سنة خمس جاءوا لحربه هذا قول أهل السير والمغازي. # PageV03P240 # وخالفهم موسى بن عقبة، وقال بل كانت سنة أربع. قال أبو محمد بن حزم: وهذا ~~هو الصحيح الذي لا شك فيه، واحتج عليه بحديث ابن عمر في " الصحيحين " أنه ~~عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم ~~يجزه، ثم عرض عليه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه. # قال: فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة. # وأجيب عن هذا بجوابين، أحدهما: أن ابن عمر أخبر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رده لما استصغره عن القتال، وأجازه ms0726 لما وصل إلى السن التي رآه فيها ~~مطيقا، وليس في هذا ما ينفي تجاوزها بسنة أو نحوها. # الثاني: أنه لعله كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الخندق في آخر ~~الخامسة عشرة. ### | [سبب غزوة الخندق] # فصل # وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين ~~يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين، فخرج لذلك، ثم رجع للعام ~~المقبل خرج أشرافهم كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، ~~وغيرهم إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P241 # ويؤلبونهم عليه، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، ثم خرجوا ~~إلى غطفان، فدعوهم، فاستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ~~ذلك، فاستجاب لهم من استجاب، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ~~ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة، وجاءت ~~غطفان وقائدهم عيينة بن حصن. وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف. # فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم إليه استشار الصحابة، ~~فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه، ~~وبادروا هجوم الكفار عليهم، وكان في حفره من آيات نبوته، وأعلام رسالته ما ~~قد تواتر الخبر به، وكان حفر الخندق أمام سلع، وسلع: جبل خلف ظهور ~~المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين، فتحصن ~~بالجبل من خلفه، وبالخندق أمامهم. # وقال ابن إسحاق: خرج في سبعمائة، وهذا غلط من خروجه يوم أحد. # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء والذراري، فجعلوا في آطام ~~المدينة، واستخلف عليها ابن أم مكتوم. # وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة فدنا من حصنهم، فأبى كعب بن أسد أن ~~يفتح له، فلم يزل يكلمه حتى فتح له، فلما دخل عليه قال: لقد جئتك بعز الدهر ~~جئتك بقريش وغطفان وأسد ms0727 على قادتها لحرب محمد، قال كعب: جئتني والله بذل ~~الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. فلم يزل به حتى ~~نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مع # PageV03P242 # المشركين في محاربته، فسر بذلك المشركون، وشرط كعب على حيي أنه إن لم ~~يظفروا بمحمد أن يجيء حتى يدخل معه في حصنه، فيصيبه ما أصابه، فأجابه إلى ~~ذلك، ووفى له به. # وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بني قريظة ونقضهم للعهد، فبعث ~~إليهم السعدين، وخوات بن جبير، وعبد الله بن رواحة ليعرفوا: هل هم على ~~عهدهم أو قد نقضوه؟ فلما دنوا منهم، فوجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم ~~بالسب والعداوة، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفوا عنهم، ~~ولحنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنا يخبرونه أنهم قد نقضوا العهد ~~وغدروا، فعظم ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~ذلك: ( «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» ) واشتد البلاء، ونجم النفاق، ~~واستأذن بعض بني حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى ~~المدينة، وقالوا: {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} ~~[الأحزاب: 13] [الأحزاب: 13] ، وهم بنو سلمة بالفشل، ثم ثبت الله ~~الطائفتين. # وأقام المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا، ولم يكن ~~بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن ~~فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود، وجماعة معه أقبلوا نحو الخندق، فلما ~~وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمموا مكانا ~~ضيقا من الخندق، فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ~~ودعوا إلى البراز، فانتدب لعمرو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فبارزه، ~~فقتله الله على يديه، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم، وانهزم الباقون إلى ~~أصحابهم (وكان شعار المسلمين يومئذ " حم لا ينصرون) . # PageV03P243 # ولما طالت هذه الحال على المسلمين أراد رسول الله صلى ms0728 الله عليه وسلم أن ~~يصالح عيينة بن حصن والحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، ~~وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك، فقالا: ~~يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعا وطاعة، وإن كان شيئا تصنعه لنا ~~فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة ~~الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا ~~الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا ~~السيف، فصوب رأيهما، وقال: ( «إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد ~~رمتكم عن قوس واحدة» ) . # ثم إن الله عز وجل - وله الحمد - صنع أمرا من عنده خذل به العدو، وهزم ~~جموعهم، وفل حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلا من غطفان يقال له نعيم بن ~~مسعود بن عامر رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا رسول الله إني قد أسلمت، فمرني بما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة» ) ، فذهب ~~من فوره ذلك إلى بني قريظة، وكان عشيرا لهم في الجاهلية، فدخل عليهم وهم لا ~~يعلمون بإسلامه، فقال: يا بني قريظة إنكم قد حاربتم محمدا، وإن قريشا إن ~~أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين وتركوكم ومحمدا، ~~فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم ~~رهائن قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم مضى على وجهه إلى قريش، فقال لهم: تعلمون ~~ودي لكم ونصحي لكم، قالوا: نعم. قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من ~~نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها ~~إليه، ثم يمالئونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، ~~فقال لهم مثل ذلك، فلما كان ليلة السبت من شوال بعثوا إلى اليهود: إنا لسنا ~~بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف، ms0729 فانهضوا بنا حتى نناجز # PageV03P244 # محمدا، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من ~~قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، ~~فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش: صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود، إنا ~~والله لا نرسل إليكم أحدا، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمدا، فقالت قريظة: ~~صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان، وأرسل الله على المشركين جندا من ~~الريح، فجعلت تقوض خيامهم، ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها، ولا طنبا إلا ~~قلعته، ولا يقر لهم قرار، وجند الله من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في ~~قلوبهم الرعب والخوف، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ~~يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال، وقد تهيئوا للرحيل، فرجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقد رد الله عدوه بغيظه لم ينالوا خيرا، وكفاه الله قتالهم، ~~فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة، ووضع ~~السلاح، فجاءه جبريل عليه السلام وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال: أوضعتم ~~السلاح! إن الملائكة لم تضع بعد أسلحتها انهض إلى غزوة هؤلاء يعني بني ~~قريظة، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من كان سامعا مطيعا، فلا ~~يصلين العصر إلا في بني قريظة» ) ، فخرج المسلمون سراعا، وكان # PageV03P245 # من أمره وأمر بني قريظة ما قدمناه، واستشهد يوم الخندق، ويوم قريظة نحو ~~عشرة من المسلمين. ### | [فصل اغتيال عبد الله بن أنيس أبا رافع] # فصل # وقد قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب ورغبت الخزرج في ~~قتله مساواة للأوس في قتل كعب بن الأشرف، وكان الله - سبحانه وتعالى - قد ~~جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الخيرات، فاستأذنوه في قتله، فأذن لهم، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة، ~~وهم عبد ms0730 الله بن عتيك، وهو أمير القوم، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة ~~الحارث بن ربعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر ~~في دار له، فنزلوا عليه ليلا، فقتلوه ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكلهم ادعى قتله، فقال: ( «أروني أسيافكم "، فلما أروه إياها قال ~~لسيف عبد الله بن أنيس: هذا الذي قتله، أرى فيه أثر الطعام» ) . ### | [فصل غزوة بني لحيان] # فصل # ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني لحيان بعد قريظة بستة أشهر ~~ليغزوهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل، وأظهر أنه يريد ~~الشام، واستخلف على # PageV03P246 # المدينة ابن أم مكتوم، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران واد من ~~أودية بلادهم، وهو بين أمج وعسفان حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم، ودعا ~~لهم، وسمعت بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، ~~فأقام يومين بأرضهم، وبعث السرايا، فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان، فبعث ~~عشرة فوارس إلى كراع الغميم لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة، وكانت ~~غيبته عنها أربع عشرة ليلة. ### | [فصل في سرية نجد] # ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت بثمامة بن أثال ~~الحنيفي سيد بني حنيفة، فربطه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سارية من ~~سواري المسجد، ومر به فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: يا محمد إن تقتل تقتل ~~ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، ~~فتركه، ثم مر به مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، فرد عليه كما رد عليه أولا، ثم ~~مر مرة ثالثة، فقال: أطلقوا ثمامة، فأطلقوه، فذهب إلى نخل قريب من المسجد، ~~فاغتسل، ثم جاءه، فأسلم، وقال: والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من ~~وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض ~~علي من دينك، فقد أصبح دينك ms0731 أحب الأديان إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد ~~العمرة، فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم على ~~قريش قالوا: صبوت يا ثمامة؟ قال: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ولا والله لا # PageV03P247 # يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكانت اليمامة ريف مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت ~~قريش، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب ~~إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | [فصل في غزوة الغابة] ### | [إغارة عيينة بن حصن الفزاري على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم التي بالغابة] # فصل # في غزوة الغابة # ثم أغار عيينة بن حصن الفزاري في بني عبد الله بن غطفان على لقاح النبي ~~صلى الله عليه وسلم التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعيها وهو رجل من عسفان، ~~واحتملوا امرأته، قال عبد المؤمن بن خلف وهو ابن أبي ذر وهو غريب جدا: فجاء ~~الصريخ، ونودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مقنعا في الحديد، فكان أول من قدم إليه المقداد بن عمرو ~~في الدرع والمغفر، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء في رمحه، ~~وقال: امض حتى تلحقك الخيول، إنا على أثرك، واستخلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ابن أم مكتوم، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل ~~يرميهم بالنبل ويقول: # خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع # حتى انتهى إلى ذي قرد، وقد استنقذ منهم جميع اللقاح وثلاثين بردة، قال ~~سلمة: فلحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والخيل عشاء، فقلت: يا رسول ~~الله إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح ~~وأخذت # PageV03P248 # بأعناق القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملكت فأسجح» "، ثم ~~قال: «إنهم الآن ليقرون في غطفان» ". # وذهب ms0732 الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد ولم تزل الخيل ~~تأتي، والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذي قرد. # قال عبد المؤمن بن خلف، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهو ~~عشر. قلت: وهذا غلط بين، والذي في " الصحيحين ": أنهم استنقذوا اللقاح ~~كلها، ولفظ مسلم في " صحيحه " عن سلمة: ( «حتى ما خلق الله من شيء من لقاح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، واستلبت منهم ثلاثين ~~بردة» ) . ### | [كانت غزوة الغابة بعد الحديبية وتوهيم من قال بخلاف ذلك] # فصل # وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية، وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي ~~والسير، فذكروا أنها كانت قبل الحديبية، والدليل على صحة ما قلناه ما رواه ~~الإمام أحمد والحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا هاشم بن ~~القاسم، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة عن أبيه، قال: ~~قدمت المدينة زمن الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «خرجت ~~أنا ورباح بفرس لطلحة أنديه مع الإبل، فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن ~~عيينة # PageV03P249 # على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل راعيها» ) ، وساق القصة رواها ~~مسلم في " صحيحه " بطولها. ووهم عبد المؤمن بن خلف في " سيرته " في ذلك ~~وهما بينا، فذكر غزاة بني لحيان بعد قريظة بستة أشهر، ثم قال: لما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة لم يمكث إلا ليالي حتى أغار عبد الرحمن بن ~~عيينة، وذكر القصة. # والذي أغار عبد الرحمن، وقيل: أبوه عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأين ~~هذا من قول سلمة قدمت المدينة زمن الحديبية؟ # وقد ذكر الواقدي عدة سرايا في سنة ست من الهجرة قبل الحديبية، فقال: بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول - أو قال الآخر - سنة ست من ~~قدومه المدينة عكاشة بن محصن الأسدي في أربعين رجلا إلى الغمر، وفيهم ثابت ~~بن أقرم، ms0733 وسباع بن وهب، فأجد السير، ونذر القوم بهم، فهربوا، فنزل على ~~مياههم، وبعث الطلائع، فأصابوا من دلهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي ~~بعير، فساقوها إلى المدينة. # وبعث سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة، فساروا ليلتهم مشاة، ~~ووافوها مع الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصابوا رجلا ~~واحدا، فأسلم. # PageV03P250 # وبعث محمد بن مسلمة في ربيع الأول في عشرة نفر سرية، فكمن القوم لهم حتى ~~ناموا، فما شعروا إلا بالقوم، فقتل أصحاب محمد بن مسلمة، وأفلت محمد جريحا. # وفي هذه السنة - وهي سنة ست - كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم، فأصاب ~~امرأة من مزينة يقال لها: حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم، ~~فأصابوا نعما وشاء وأسرى، وكان في الأسرى زوج حليمة، فلما قفل زيد بن حارثة ~~بما أصاب، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها. # وفيها - يعني: سنة ست - كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى ~~الأولى إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فهربت الأعراب، وخافوا أن يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا، وغاب ~~أربع ليال. # وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص في جمادى الأولى، وفيها: أخذت ~~الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع زوج زينب مرجعه من الشام، وكانت ~~أموال قريش، قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن محمد بن حزم قال: خرج أبو ~~العاص بن الربيع تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا، وكانت معه بضائع لقريش، ~~فأقبل قافلا، فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقوا عيره ~~وأفلت، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أصابوا، فقسمه بينهم، ~~وأتى أبو العاص المدينة، فدخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فاستجار بها، وسألها أن تطلب له من # PageV03P251 # رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ماله عليه، وما كان معه من أموال الناس، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم السرية، فقال: ( «إن هذا ms0734 الرجل منا حيث ~~قد علمتم، وقد أصبتم له مالا ولغيره، وهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فإن ~~رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا، وإن كرهتم فأنتم وحقكم» ) ، فقالوا: بل نرده ~~عليه يا رسول الله، فردوا عليه ما أصابوا حتى إن الرجل ليأتي بالشن، والرجل ~~بالإداوة، والرجل بالحبل، فما تركوا قليلا أصابوه ولا كثيرا إلا ردوه عليه، ~~ثم خرج حتى قدم مكة، فأدى إلى الناس بضائعهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش ~~هل بقي لأحد منكم معي مال لم أرده عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، قد ~~وجدناك وفيا كريما، فقال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم ~~إلا تخوفا أن تظنوا أني إنما أسلمت لأذهب بأموالكم، فإني أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. # وهذا القول من الواقدي وابن إسحاق يدل على أن قصة أبي العاص كانت قبل ~~الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرض سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة أن قصة أبي العاص كانت بعد الهدنة وأن الذي ~~أخذ الأموال أبو بصير وأصحابه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لأنهم كانوا منحازين بسيف البحر، وكانت لا تمر بهم عير لقريش إلا ~~أخذوها، هذا قول الزهري. # قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير: ولم يزل أبو جندل، وأبو ~~بصير، وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مر بهم أبو العاص بن ~~الربيع، وكانت تحته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش، ~~فأخذوهم، وما معهم، وأسروهم، ولم يقتلوا منهم أحدا لصهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أبي العاص، وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت ~~خويلد لأبيها وأمها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته زينب، ~~فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير، وما أخذوا ~~لهم، فكلمت زينب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فزعموا ms0735 أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قام، فخطب الناس، فقال # PageV03P252 # ( «إنا صاهرنا أناسا وصاهرنا أبا العاص فنعم الصهر وجدناه» ) وإنه أقبل ~~من الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان ~~معهم، ولم يقتلوا منهم أحدا، وإن زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم، فهل ~~أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟ "، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل ~~وأصحابه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي العاص وأصحابه الذين ~~كانوا عنده من الأسرى، رد إليهم كل شيء أخذ منهم، حتى العقال، وكتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ~~ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، وألا يتعرضوا ~~لأحد من قريش وعيرها، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بصير ~~وهو في الموت، فمات وهو على صدره، ودفنه أبو جندل مكانه، وأقبل أبو جندل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمنت عير قريش. وذكر باقي الحديث. # وقول موسى بن عقبة أصوب، وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش إنما ~~انبسطت عيرها إلى الشام زمن الهدنة، وسياق الزهري للقصة بين ظاهر أنها كانت ~~في زمن الهدنة. # قال الواقدي: وفيها أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجازه ~~بمال وكسوة، فلما كان بحسمى لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق، فلم ~~يتركوا معه شيئا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل بيته ~~فأخبره، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى حسمى. قلت: ~~وهذا بعد الحديبية بلا شك. # قال الواقدي: وخرج علي في مائة رجل إلى فدك إلى حي من بني سعد بن بكر، ~~وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بها جمعا يريدون أن يمدوا ~~يهود خيبر، فسار إليهم، يسير الليل ويكمن النهار، فأصاب عينا لهم، فأقر له ~~أنهم بعثوه إلى خيبر، فعرضوا عليهم نصرتهم على أن يجعلوا ms0736 لهم ثمر خيبر. # PageV03P253 # قال: وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم» ) . فأسلم ~~القوم، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وهي أم أبي سلمة، وكان أبوها ~~رأسهم وملكهم. # قال: وكانت سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل في شوال سنة ست، وكانت السرية ~~عشرين فارسا. # قلت: وهذا يدل على أنها كانت قبل الحديبية، كانت في ذي القعدة كما سيأتي، ~~وقصة العرنيين في " الصحيحين " من حديث أنس ( «أن رهطا من عكل وعرينة أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا رسول الله، إنا أهل ضرع، ولم نكن ~~أهل ريف، فاستوخمنا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود، ~~وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم» . # وفي لفظ لمسلم: «سملوا عين الراعي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~طلبهم، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا» ) # PageV03P254 # وفي حديث أبي الزبير عن جابر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«اللهم عم عليهم الطريق، واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل» ) . فعمى الله ~~عليهم السبيل فأدركوا. وذكر القصة. # وفيها من الفقه جواز شرب أبوال الإبل، وطهارة بول مأكول اللحم، والجمع ~~للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قطع يده ورجله وقتله، وأنه يفعل بالجاني ~~كما فعل، فإنهم لما سملوا عين الراعي سمل أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القصة ~~محكمة، ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، والحدود نزلت بتقريرها ~~لا بإبطالها. والله أعلم. ### | [فصل في قصة الحديبية] ### | [عام الحديبية] # فصل في قصة الحديبية # قال نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهري ~~وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم. # وقال هشام بن عروة عن أبيه: خرج ms0737 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الحديبية في رمضان، وكانت في شوال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في ~~رمضان، وقد قال أبو الأسود عن عروة: إنها كانت في ذي القعدة، على الصواب. # PageV03P255 # وفي " الصحيحين " عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «اعتمر أربع عمر ~~كلهن في ذي القعدة» ) . فذكر منها عمرة الحديبية. # وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في " الصحيحين " عن جابر وعنه فيهما: (كانوا ~~ألفا وأربعمائة) ، وفيهما: عن عبد الله بن أبي أوفى: " كنا ألفا وثلاثمائة ~~". قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: ~~خمس عشرة مائة. قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة. ~~قال: يرحمه الله، أوهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. قلت: وقد صح عن ~~جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن ~~سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفا وأربعمائة بخيلنا ورجلنا. يعني فارسهم ~~وراجلهم، والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة ~~بن الأكوع في أصح # PageV03P256 # الروايتين، وقول المسيب بن حزن: قال شعبة: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، ~~عن أبيه: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفا وأربعمائة» ~~. # وغلط غلطا بينا من قال: كانوا سبعمائة، وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعين ~~بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله ~~هذا القائل؛ فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت ~~السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلا، وقد قال في تمام الحديث ~~بعينه: إنهم (كانوا ألفا وأربعمائة) ### | [فصل في تقليده صلى الله عليه وسلم الهدي بذي الحليفة وبعثه عينا له ابن خزاعة إلى قريش] # فصل # «فلما كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره، ~~وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان ~~قريبا من عسفان أتاه ms0738 عينه فقال: إني تركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش، ~~وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، واستشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه وقال: أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم ~~فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها ~~الله، أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر: الله ~~ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا ~~وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فروحوا إذا) فراحوا ~~حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن خالد بن ~~الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة # PageV03P257 # فخذوا ذات اليمين "، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش ~~فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ~~بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل. فألحت، ~~فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ~~خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) . ثم قال (والذي ~~نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) ، ثم ~~زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما ~~يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: ~~فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. # وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث ~~إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول ~~الله، ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان ~~فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، ms0739 وإنما جئنا ~~عمارا، وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ~~فيدخل عليهم، ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى ~~لا يستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح فقالوا: أين ~~تريد؟ فقال: # PageV03P258 # بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ~~وأخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا. فقالوا: قد سمعنا ما تقول، ~~فانفذ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل ~~عثمان على الفرس، وأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن ~~يرجع عثمان: خلص عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: (ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون ". فقالوا: وما يمنعه يا رسول ~~الله وقد خلص؟ قال " ذاك ظني به ألا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه) » # «واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا ~~من الفريق الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان ~~كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا، فأخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال: (هذه عن عثمان) # ولما تمت البيعة رجع عثمان فقال له المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من ~~الطواف بالبيت؟ فقال: (بئس ما ظننتم بي، والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت) . ~~فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلمنا بالله وأحسننا ~~ظنا، (وكان عمر آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة تحت الشجرة، ~~فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد بن قيس) . # (وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها ms0740 يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان # PageV03P259 # أول من بايعه أبو سنان الأسدي) # وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. # فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا ~~عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب ~~بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل:، وهم ~~مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نجئ ~~لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن ~~شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه ~~الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده ~~لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره) # قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إني قد جئتكم من ~~عند هذا الرجل، وقد سمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم. فقال سفهاؤهم: ~~لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: ~~سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عروة ~~بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. ~~فقالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من ~~قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل ~~سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها ~~وأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر ~~اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي ~~نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. وجعل يكلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكلما # PageV03P260 # كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى ms0741 الله عليه وسلم ~~ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه ~~وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ~~أولست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ ~~أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما الإسلام فأقبل، ~~وأما المال فلست منه في شيء) # ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه، فوالله ~~ما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها ~~جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، ~~وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة ~~إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك على كسرى وقيصر ~~والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، ~~والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا ~~أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا ~~أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد ~~فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا ~~فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثوها له، واستقبله القوم ~~يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت) ~~فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت وما أرى أن يصدوا عن ~~البيت. فقام مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر) . فجعل ~~يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يكلمه ms0742 إذ جاء سهيل بن عمرو، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد سهل لكم من أمركم) فقال: هات اكتب ~~بيننا وبينكم كتابا. فدعا الكاتب فقال: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ". ~~فقال # PageV03P261 # سهيل: أما الرحمن فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت ~~تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتب: باسمك اللهم ". ثم قال: اكتب: هذا ما ~~قاضى عليه محمد رسول الله) . فقال سهيل: فوالله لو كنا نعلم أنك رسول الله ~~ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (إني رسول الله، وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد ~~الله) . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت ~~فنطوف به. فقال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من ~~العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك ~~إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء ~~مسلما؟! بينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، قد ~~خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد ~~أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم ~~نقض الكتاب بعد. فقال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما ~~أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد ~~إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عذب في الله عذابا ~~شديدا. # قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ~~ألسنا ms0743 على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. فقلت: علام نعطي الدنية في ~~ديننا إذا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال: (إني رسول الله ~~وهو ناصري ولست أعصيه) . قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ ~~قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. ~~قال فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد علي ~~أبو بكر كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، وزاد: فاستمسك ~~بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى # PageV03P262 # الحق. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. # فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قوموا ~~فانحروا ثم احلقوا) . فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات، ~~فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، ~~فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة ~~حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ~~ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل ~~بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل ~~الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} ~~[الممتحنة: 10] ، حتى بلغ {بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] [الممتحنة 10] ، ~~فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية والأخرى ~~صفوان بن أمية، ثم رجع إلى المدينة، وفي مرجعه أنزل الله عليه: {إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا - ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراطا مستقيما - وينصرك الله نصرا عزيزا} [الفتح: 1 - 3] [الفتح 1 - ~~3] فقال عمر: أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال الصحابة: هنيئا لك يا ~~رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين} [الفتح: 4] » ) [الفتح: 4] # «ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير ms0744 - رجل من قريش - مسلما، فأرسلوا في ~~طلبه رجلين، وقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى ~~بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: ~~والله إني لأرى سيفك هذا جيدا. فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، ~~لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه به ~~حتى # PageV03P263 # برد، وفر الآخر يعدو حتى بلغ المدينة، فدخل المسجد، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين رآه: " لقد رأى هذا ذعرا ". فلما انتهى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا ~~نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ويل أمه مسعر حرب، لو كان له أحد ". فلما ~~سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وينفلت منهم أبو ~~جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي ~~بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام ~~إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، ~~فأنزل الله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ~~أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24] ، حتى بلغ {حمية الجاهلية} [الفتح: 26] ~~[الفتح: 24] ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم ~~الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت» . # قلت: في " الصحيح ": أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «توضأ ومج في بئر ~~الحديبية من فمه، فجاشت بالماء» ) ، كذلك قال البراء بن عازب وسلمة بن ~~الأكوع في " الصحيحين ". # PageV03P264 # وقال عروة: عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، أنه ( «غرز فيها سهما من ~~كنانته» ) ، وهو في " الصحيحين " أيضا. # وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: توضأ في الدلو، ومضمض فاه، ثم ms0745 مج فيه، ~~وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته وألقاه في البئر، ودعا الله ~~تعالى ففارت بالماء، حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شقها، ~~فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه. والله أعلم. # وفي " صحيح البخاري ": عن جابر قال: «عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها، إذ جهش الناس نحوه، فقال: ما ~~لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ما عندنا ماء نشرب، ولا ما نتوضأ إلا ما بين ~~يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون، ~~فشربوا وتوضئوا، وكانوا خمس عشرة مائة» ، وهذه غير قصة البئر. # وفي هذه الغزوة أصابهم ليلة مطر، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~الصبح قال: ( «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. ~~قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، ~~فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر ~~بي مؤمن بالكوكب» ) . ### | فصل في ما جرى عليه صلح الحديبية # فصل # PageV03P265 # وجرى الصلح بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين، وأن يأمن ~~الناس بعضهم من بعض، وأن يرجع عنهم عامه ذلك، حتى إذا كان العام المقبل ~~قدمها وخلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح ~~الراكب والسيوف في القرب، وأن من أتانا من أصحابك لم نرده عليك، ومن أتاك ~~من أصحابنا رددته علينا، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا ~~إغلال، فقالوا: يا رسول الله، نعطيهم هذا؟ فقال: ( «من أتاهم منا فأبعده ~~الله، ومن أتانا منهم فرددناه إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا» ) . # وفي قصة الحديبية أنزل الله - عز وجل - فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام ~~أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة. # وفيها دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، ~~وللمقصرين مرة. # وفيها نحروا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. # وفيها أهدى رسول الله ms0746 صلى الله عليه وسلم في جملة هديه جملا كان لأبي جهل ~~كان في أنفه برة من فضة؛ ليغيظ به المشركين. # وفيها أنزلت سورة الفتح، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن من شاء أن ~~يدخل # PageV03P266 # في عقده صلى الله عليه وسلم دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش دخل. # ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي ~~معيط، فجاء أهلها يسألونها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرط الذي كان ~~بينهم، فلم يرجعها إليهم، ونهاه الله عز وجل عن ذلك، فقيل: هذا نسخ للشرط ~~في النساء. وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن، وهو عزيز جدا. وقيل: لم يقع الشرط ~~إلا على الرجال خاصة، وأراد المشركون أن يعمموه في الصنفين فأبى الله ذلك. ### | [فصل في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية] # فصل # في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية # فمنها: اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج، فإنه خرج إليها في ~~ذي القعدة. # ومنها: أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك، ~~فإنه أحرم بهما من ذي الحليفة، وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه، وأما حديث ~~( «من أحرم بعمرة من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ) وفي ~~لفظ: ( «كانت كفارة لما قبلها من الذنوب» ) فحديث لا يثبت، وقد اضطرب فيه ~~إسنادا ومتنا اضطرابا شديدا. # ومنها: أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة كما هو مسنون في القران. # ومنها: أن إشعار الهدي سنة لا مثلة منهي عنها. # PageV03P267 # ومنها: استحباب مغايظة أعداء الله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في ~~جملة هديه جملا لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ به المشركين، وقد قال ~~تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {ومثلهم في الإنجيل كزرع ~~أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم ms0747 الكفار} ~~[الفتح: 29] [الفتح: 29] ، وقال عز وجل {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ~~ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120] ~~[التوبة: 120] . # ومنها: أن أمير الجيش ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو. # ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن ~~عينه الخزاعي كان كافرا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه ~~بالعدو وأخذه أخبارهم. # ومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأي واستطابة ~~لنفوسهم، وأمنا لعتبهم وتعرفا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، وامتثالا ~~لأمر الرب في قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] [آل عمران: ~~159] وقد مدح سبحانه وتعالى عباده بقوله: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] ~~[الشورى: 38] . # ومنها: جواز سبي ذراري المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة ~~الرجال. # ومنها: رد الكلام الباطل، ولو نسب إلى غير مكلف، فإنهم لما قالوا: خلأت ~~القصواء. يعني حرنت وألحت فلم تسر، والخلاء في الإبل بكسر الخاء والمد، ~~نظير الحران في الخيل، فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خلقها وطبعها رده ~~عليهم، وقال: ( «ما خلأت وما ذاك لها بخلق» ) ثم أخبر صلى الله عليه وسلم ~~عن سبب بروكها، وأن الذي حبس الفيل عن مكة حبسها للحكمة العظيمة التي ظهرت ~~بسبب حبسها وما جرى بعده. # PageV03P268 # ومنها: أن تسمية ما يلابسه الرجل من مراكبه ونحوها سنة. # ومنها: جواز الحلف، بل استحبابه على الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد ~~حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره ~~الله تعالى بالحلف على تصديق ما أخبر به في ثلاثة مواضع: في (سورة يونس) و ~~(سبأ) و (التغابن) . # ومنها: أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرا ~~يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه، ~~وإن منعوا غيره فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم ms0748 ~~وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى ~~مرض له، أجيب إلى ذلك كائنا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك ~~المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على ~~النفوس، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق، وقال عمر ما قال، حتى عمل له ~~أعمالا بعده، والصديق تلقاه بالرضى والتسليم، حتى كان قلبه فيه على قلب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاب عمر عما سأل عنه من ذلك بعين جواب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يدل على أن الصديق رضي الله عنه أفضل ~~الصحابة وأكملهم وأعرفهم بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم ~~بدينه وأقومهم بمحابه وأشدهم موافقة له، ولذلك لم يسأل عمر عما عرض له إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه خاصة دون سائر أصحابه. # PageV03P269 # ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل ذات اليمين إلى الحديبية. قال ~~الشافعي: بعضها من الحل وبعضها من الحرم. # وروى الإمام أحمد في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كان يصلي ~~في الحرم، وهو مضطرب في الحل» ) ، وفي هذا كالدلالة على أن مضاعفة الصلاة ~~بمكة تتعلق بجميع الحرم، لا يخص بها المسجد الذي هو مكان الطواف، وأن قوله: ~~( «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي» ) ، كقوله تعالى: ~~{فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] [التوبة: 28] وقوله تعالى: {سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} [الإسراء: 1] [الإسراء: 1] وكان ~~الإسراء من بيت أم هانئ. # ومنها: أن من نزل قريبا من مكة فإنه ينبغي له أن ينزل في الحل، ويصلي في ~~الحرم، وكذلك كان ابن عمر يصنع. # ومنها: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو، إذا رأى المصلحة للمسلمين ~~فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم. # وفي قيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف - ~~ولم يكن عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد - سنة يقتدى بها عند ms0749 قدوم رسل ~~العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي ~~العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين ~~على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: ( «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار» ) كما ~~أن الفخر والخيلاء في الحرب # PageV03P270 # ليسا من هذا النوع المذموم في غيره، وفي بعث البدن في وجه الرسول الآخر ~~دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار. # وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة: ( «أما الإسلام فأقبل، وأما ~~المال فلست منه في شيء» ) دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم، وأنه لا ~~يملك بل يرد عليه؛ فإن المغيرة كان قد صحبهم على الأمان ثم غدر بهم وأخذ ~~أموالهم، فلم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم لأموالهم ولا ذب عنها، ولا ~~ضمنها لهم؛ لأن ذلك كان قبل إسلام المغيرة. # وفي قول الصديق لعروة: امصص بظر اللات. دليل على جواز التصريح باسم ~~العورة إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يصرح لمن ادعى دعوى الجاهلية بهن أبيه، ويقال له: اعضض أير أبيك، ~~ولا يكنى له، فلكل مقام مقال. # ومنها: احتمال قلة أدب رسول الكفار وجهله وجفوته، ولا يقابل على ذلك؛ لما ~~فيه من المصلحة العامة، ولم يقابل النبي صلى الله عليه وسلم عروة على أخذه ~~بلحيته وقت خطابه، وإن كانت تلك عادة العرب، لكن الوقار والتعظيم خلاف ذلك. # وكذلك لم يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولي مسيلمة حين قالا: ~~نشهد أنه رسول الله وقال: ( «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» ) # ومنها: طهارة النخامة سواء كانت من رأس أو صدر. # ومنها: طهارة الماء المستعمل. # ومنها: استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطيرة المكروهة؛ لقوله لما جاء ~~سهيل " «سهل أمركم» ". # PageV03P271 # ومنها: أن المشهود عليه إذا عرف باسمه واسم أبيه أغنى ذلك عن ذكر الجد؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد ms0750 على محمد بن عبد الله، وقنع من سهيل ~~بذكر اسمه واسم أبيه خاصة، واشتراط ذكر الجد لا أصل له، ولما اشترى العداء ~~بن خالد منه صلى الله عليه وسلم الغلام، فكتب له: ( «هذا ما اشترى العداء ~~بن خالد بن هوذة» ) ، فذكر جده، فهو زيادة بيان تدل على أنه جائز لا بأس ~~به، ولا تدل على اشتراطه، ولما لم يكن في الشهرة بحيث يكتفى باسمه واسم ~~أبيه ذكر جده، فيشترط ذكر الجد عند الاشتراك في الاسم واسم الأب، وعند عدم ~~الاشتراك اكتفي بذكر الاسم واسم الأب. والله أعلم. # ومنها: أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة ~~الراجحة، ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. # ومنها: أن من حلف على فعل شيء أو نذره أو وعد غيره به، ولم يعين وقتا، لا ~~بلفظه ولا بنيته، لم يكن على الفور، بل على التراخي. # ومنها: أن الحلاق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه نسك في العمرة كما هو ~~نسك في الحج، وأنه نسك في عمرة المحصور كما هو نسك في عمرة غيره. # ومنها: أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم، وأنه لا يجب عليه ~~أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه لا يتحلل حتى # PageV03P272 # يصل إلى محله، بدليل قوله تعالى: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: ~~25] [الفتح: 25] . # ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحل، لا من الحرم؛ لأن ~~الحرم كله محل الهدي. # ومنها: أن المحصر لا يجب عليه القضاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم ~~بالحلق والنحر، ولم يأمر أحدا منهم بالقضاء، والعمرة من العام القابل لم ~~تكن واجبة، ولا قضاء عن عمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرة الإحصار ألفا ~~وأربعمائة، وكانوا في عمرة القضية دون ذلك، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء ~~لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأضيفت العمرة إلى مصدر فعله. # ومنها: أن الأمر المطلق على الفور وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت ~~الأمر، ms0751 وقد اعتذر عن تأخيرهم الامتثال بأنهم كانوا يرجون النسخ، فأخروا ~~متأولين لذلك، وهذا الاعتذار أولى أن يعتذر عنه، وهو باطل؛ فإنه صلى الله ~~عليه وسلم لو فهم منهم ذلك لم يشتد غضبه لتأخير أمره، ويقول: ( «ما لي لا ~~أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع» ) وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور لا ~~المشكور، وقد رضي الله عنهم وغفر لهم وأوجب لهم الجنة. # ومنها: أن الأصل مشاركة أمته له في الأحكام، إلا ما خصه الدليل، ولذلك ~~قالت أم سلمة: ( «اخرج ولا تكلم أحدا حتى تحلق رأسك وتنحر هديك» ) ، وعلمت ~~أن الناس سيتابعونه. # فإن قيل: فكيف فعلوا ذلك اقتداء بفعله ولم يمتثلوه حين أمرهم به؟ قيل: ~~هذا هو السبب الذي لأجله ظن من ظن أنهم أخروا الامتثال طمعا في النسخ، فلما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علموا حينئذ أنه حكم مستقر غير منسوخ، ~~وقد تقدم فساد هذا الظن، ولكن لما تغيظ عليهم وخرج ولم يكلمهم وأراهم أنه ~~بادر إلى امتثال ما أمر به، وأنه لم يؤخر كتأخيرهم، وأن اتباعهم له وطاعتهم ~~توجب اقتداءهم به، بادروا حينئذ إلى الاقتداء به وامتثال أمره. # PageV03P273 # ومنها: جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم إلى المسلمين، وألا يرد من ~~ذهب من المسلمين إليهم، هذا في غير النساء، وأما النساء فلا يجوز اشتراط ~~ردهن إلى الكفار، وهذا موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا سبيل ~~إلى دعوى النسخ في غيره بغير موجب. # ومنها: أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، ولذلك أوجب الله سبحانه رد ~~المهر على من هاجرت امرأته وحيل بينه وبينها، وعلى من ارتدت امرأته من ~~المسلمين إذا استحق الكفار عليهم رد مهور من هاجر إليهم من أزواجهم، وأخبر ~~أن ذلك حكمه الذي حكم به بينهم ثم لم ينسخه شيء، وفي إيجابه رد ما أعطى ~~الأزواج من ذلك دليل على تقومه بالمسمى، لا بمهر المثل. # ومنها: أن رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم مسلما ~~إلى غير ms0752 بلد الإمام، وأنه إذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب عليه رده بدون ~~الطلب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أبا بصير حين جاءه، ولا أكرهه ~~على الرجوع، ولكن لما جاءوا في طلبه مكنهم من أخذه ولم يكرهه على الرجوع. # ومنها أن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه فقتل أحدا منهم لم يضمنه بدية ~~ولا قود، ولم يضمنه الإمام، بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم، ~~حيث لا حكم للإمام عليهم؛ فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي ~~الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه. # ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم وغنمت ~~أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم ~~منهم، وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي ~~كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدا # PageV03P274 # بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين ~~وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن ~~يغزوهم ويغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام ~~في نصارى ملطية وسبيهم، مستدلا بقصة أبي بصير مع المشركين. ### | [فصل في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة] # فصل # في الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة # وهي أكبر وأجل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية ~~على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده. # فمنها: أنها كانت مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله ~~وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجا، فكانت هذه الهدنة بابا له ~~ومفتاحا ومؤذنا بين يديه، وهذه عادة الله سبحانه في الأمور العظام التي ~~يقضيها قدرا وشرعا أن يوطئ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل ~~عليها. # ومنها: أن هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح؛ فإن الناس أمن بعضهم ms0753 بعضا، ~~واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على ~~الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة ~~من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحا مبينا. قال ابن قتيبة: قضينا لك ~~قضاء عظيما. وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحديبية. # وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع ~~المشركين بالحديبية كان مسدودا مغلقا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ~~ضيما وهضما للمسلمين، وفي الباطن عزا وفتحا ونصرا، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر ~~رقيق، وكان يعطي المشركين كل # PageV03P275 # ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءوسهم، وهو صلى الله ~~عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم} [البقرة: 216] [البقرة 216] . # وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب # فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقبة ~~له، وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصرة، وهو من أكبر الجند الذي أقامه ~~المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز، وقهروا ~~من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعساكر الإسلام من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدور ~~وانعكس الأمر وانقلب العز بالباطل ذلا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزا بالله، ~~وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها ~~التي لا اقتراح للعقول وراءها. # ومنها: ما سببه سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ~~ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده، ~~وانتظار ما وعدوا به، وشهود منة الله ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في ~~قلوبهم أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي ms0754 تزعزع لها الجبال، فأنزل ~~الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم وقويت به نفوسهم وازدادوا به ~~إيمانا. # ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببا لما ~~ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ~~ولهدايته الصراط المستقيم، ونصره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، ~~وانشراح صدره به، مع ما فيه من الضيم وإعطاء ما سألوه، كان من الأسباب التي ~~نال بها الرسول وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جزاء وغاية، وإنما ~~يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه تعالى وفتحه. # وتأمل كيف وصف - سبحانه - النصر بأنه عزيز في هذا الموطن ثم ذكر # PageV03P276 # إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب ~~وقلقت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانا إلى ~~إيمانهم، ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكدها بكونها بيعة له سبحانه، وأن ~~يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، ~~وهو رسوله ونبيه، فالعقد معه عقد مع مرسله، وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما ~~بايع الله، ويد الله فوق يده، وإذا كان ( «الحجر الأسود يمين الله في ~~الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه» ) فيد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أولى بهذا من الحجر الأسود. ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة ~~إنما يعود نكثه على نفسه، وأن للموفي بها أجرا عظيما، فكل مؤمن قد بايع ~~الله على لسان رسوله بيعة على الإسلام وحقوقه، فناكث وموف. # ثم ذكر حال من تخلف عنه من الأعراب، وظنهم أسوأ الظن بالله أنه يخذل ~~رسوله وأولياءه وجنده ويظفر بهم عدوهم فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك من ~~جهلهم بالله وأسمائه وصفاته وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هو أهل أن ~~يعامله به ربه ومولاه. # ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة لرسوله وأنه # PageV03P277 # سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذ من الصدق والوفاء وكمال الانقياد والطاعة، ms0755 ~~وإيثار الله ورسوله على ما سواه، فأنزل الله السكينة والطمأنينة والرضى في ~~قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه والصبر لأمره فتحا قريبا ومغانم كثيرة ~~يأخذونها، وكان أول الفتح والمغانم فتح خيبر ومغانمها، ثم استمرت الفتوح ~~والمغانم إلى انقضاء الدهر. # ووعدهم سبحانه مغانم كثيرة يأخذونها، وأخبرهم أنه عجل لهم هذه الغنيمة، ~~وفيها قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بينهم وبين عدوهم، والثاني: أنها ~~فتح خيبر وغنائمها. ثم قال {وكف أيدي الناس عنكم} [الفتح: 20] [الفتح: 20] ~~فقيل: أيدي أهل مكة أن يقاتلوهم، وقيل: أيدي اليهود حين هموا بأن يغتالوا ~~من بالمدينة بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من الصحابة ~~منها. وقيل: هم أهل خيبر وحلفاؤهم الذين أرادوا نصرهم من أسد وغطفان. ~~والصحيح تناول الآية للجميع. # وقوله: {ولتكون آية للمؤمنين} [الفتح: 20] قيل: هذه الفعلة التي فعلها ~~بكم وهي كف أيدي أعدائكم عنكم مع كثرتهم، فإنهم حينئذ كان أهل مكة ومن ~~حولها وأهل خيبر ومن حولها وأسد وغطفان، وجمهور قبائل العرب أعداء لهم، وهم ~~بينهم كالشامة، فلم يصلوا إليهم بسوء، فمن آيات الله سبحانه كف أيدي ~~أعدائهم عنهم، فلم يصلوا إليهم بسوء مع كثرتهم وشدة عداوتهم، وتولي حراستهم ~~وحفظهم في مشهدهم ومغيبهم، وقيل: هي فتح خيبر، جعلها آية لعباده المؤمنين ~~وعلامة على ما بعدها من الفتوح، فإن الله سبحانه وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا ~~عظيمة، فعجل لهم فتح خيبر وجعلها آية لما بعدها وجزاء لصبرهم ورضاهم يوم ~~الحديبية وشكرانا، ولهذا خص بها وبغنائمها من شهد الحديبية. ثم قال: ~~{ويهديكم صراطا مستقيما} [الفتح: 20] ، فجمع لهم إلى النصر والظفر والغنائم ~~الهداية، فجعلهم مهديين منصورين غانمين، ثم وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا أخرى ~~لم يكونوا ذلك الوقت قادرين عليها، فقيل: هي مكة، وقيل: هي فارس والروم، # PageV03P278 # وقيل: الفتوح التي بعد خيبر من مشارق الأرض ومغاربها. # ثم أخبر سبحانه أن الكفار لو قاتلوا أولياءه، لولى الكفار الأدبار غير ~~منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلهم، ولا تبديل لسنته. # فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أحد وانتصروا عليهم ولم يولوا ms0756 الأدبار؟ قيل: ~~هذا وعد معلق بشرط مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى، وفات هذا ~~الشرط يوم أحد بفشلهم المنافي للصبر، وتنازعهم وعصيانهم المنافي للتقوى، ~~فصرفهم عن عدوهم، ولم يحصل الوعد لانتفاء شرطه. # ثم ذكر - سبحانه - أنه هو الذي كف أيدي بعضهم عن بعض من بعد أن أظفر ~~المؤمنين بهم؛ لما له في ذلك من الحكم البالغة التي منها: أنه كان فيهم ~~رجال ونساء قد آمنوا وهم يكتمون إيمانهم، لم يعلم بهم المسلمون، فلو سلطكم ~~عليهم لأصبتم أولئك بمعرة الجيش، وكان يصيبكم منهم معرة العدوان والإيقاع ~~بمن لا يستحق الإيقاع به. وذكر سبحانه حصول المعرة بهم من هؤلاء المستضعفين ~~المستخفين بهم؛ لأنها موجب المعرة الواقعة منهم بهم، وأخبر سبحانه أنهم لو ~~زايلوهم وتميزوا منهم لعذب أعداءه عذابا أليما في الدنيا؛ إما بالقتل ~~والأسر وإما بغيره، ولكن دفع عنهم هذا العذاب لوجود هؤلاء المؤمنين بين ~~أظهرهم كما كان يدفع عنهم عذاب الاستئصال ورسوله بين أظهرهم. # ثم أخبر سبحانه عما جعله الكفار في قلوبهم من حمية الجاهلية التي مصدرها ~~الجهل والظلم التي لأجلها صدوا رسوله وعباده عن بيته، ولم يقروا ببسم الله ~~الرحمن الرحيم، ولم يقروا لمحمد بأنه رسول الله مع تحققهم صدقه وتيقنهم صحة ~~رسالته بالبراهين التي شاهدوها وسمعوا بها في مدة عشرين سنة، وأضاف هذا ~~الجعل إليهم وإن كان بقضائه وقدره كما يضاف إليهم سائر أفعالهم التي هي ~~بقدرتهم وإرادتهم. # ثم أخبر - سبحانه - أنه أنزل في قلب رسوله وأوليائه من السكينة ما هو # PageV03P279 # مقابل لما في قلوب أعدائه من حمية الجاهلية، فكانت السكينة حظ رسوله ~~وحزبه، وحمية الجاهلية حظ المشركين وجندهم، ثم ألزم عباده المؤمنين كلمة ~~التقوى، وهي جنس يعم كل كلمة يتقى الله بها، وأعلى نوعها كلمة الإخلاص، وقد ~~فسرت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الكلمة التي أبت قريش أن تلتزمها، ~~فألزمها الله أولياءه وحزبه، وإنما حرمها أعداءه صيانة لها عن غير كفئها، ~~وألزمها من هو أحق بها وأهلها، فوضعها في موضعها ولم يضيعها بوضعها في غير ~~أهلها، ms0757 وهو العليم بمحال تخصيصه ومواضعه. # ثم أخبر سبحانه أنه صدق رسوله رؤياه في دخولهم المسجد آمنين، وأنه سيكون ~~ولا بد، ولكن لم يكن قد آن وقت ذلك في هذا العام، والله سبحانه علم من ~~مصلحة تأخيره إلى وقته ما لم تعلموا أنتم، فأنتم أحببتم استعجال ذلك، والرب ~~تعالى يعلم من مصلحة التأخير وحكمته ما لم تعلموه، فقدم بين يدي ذلك فتحا ~~قريبا توطئة له وتمهيدا. # ثم أخبرهم بأنه هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله، فقد تكفل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ~~ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد ~~الذي لا بد أن ينجزه، فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية ~~نصرة لعدوه، ولا تخليا عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعده أن ~~يظهره على كل دين سواه. # ثم ذكر - سبحانه - رسوله وحزبه الذين اختارهم له، ومدحهم بأحسن المدح، ~~وذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل، فكان في هذا أعظم البراهين على صدق من ~~جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة ~~بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم: إنهم متغلبون طالبو ~~ملك ودنيا، ولهذا لما رآهم نصارى الشام وشاهدوا هديهم وسيرتهم وعدلهم ~~وعلمهم ورحمتهم وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة، قالوا: ما # PageV03P280 # الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء. وكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة ~~وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضة تصفهم بضد ما وصفهم الله به في هذه ~~الآية وغيرها، و: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا} [الكهف: 17] [الكهف: 17] . ### | [فصل في غزوة خيبر] ### | عام غزوة خيبر # فصل # في غزوة خيبر # قال موسى بن عقبة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من ~~الحديبية مكث بها عشرين ليلة أو قريبا منها، ثم خرج غازيا إلى خيبر، وكان ~~الله عز وجل وعده إياها وهو بالحديبية. # وقال مالك: كان فتح خيبر في ms0758 السنة السادسة، والجمهور على أنها في ~~السابعة. وقطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك، ولعل الخلاف ~~مبني على أول التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة أو من ~~المحرم في أول السنة؟ وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع ~~من المحرم، وأبو محمد بن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قدم، (وكان أول ~~من أرخ بالهجرة يعلى بن أمية باليمن) كما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، ~~وقيل: عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ست عشرة من الهجرة. # وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور بن ~~مخرمة، أنهما حدثاه جميعا، قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله عز ~~وجل فيها خيبر {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} [الفتح: 20] ~~[الفتح: 20] خيبر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة، ~~فأقام بها # PageV03P281 # حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع ~~- واد بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا ~~إليهم. انتهى # واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقدم أبو هريرة حينئذ المدينة فوافى ~~سباع بن عرفطة في صلاة الصبح، فسمعه يقرأ في الركعة الأولى: كهيعص، وفي ~~الثانية: ويل للمطففين. فقال في نفسه: ويل لأبي فلان، له مكيالان، إذا ~~اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص. فلما فرغ من صلاته أتى سباعا ~~فزوده حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلم المسلمين، فأشركوه ~~وأصحابه في سهمانهم. # وقال سلمة بن الأكوع: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ~~فسرنا ليلا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ ~~وكان عامر رجلا شاعرا، فنزل يحدو بالقوم يقول: # اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فاغفر فداء لك ما اقتفينا ... وثبت الأقدام إن ms0759 لاقينا # وأنزلن سكينة علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا # وبالصياح عولوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من هذا السائق؟ قالوا: عامر. ~~فقال: رحمه الله» ) فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا ~~به؟ قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى ~~فتح عليهم، فلما أمسوا أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قال: على أي ~~لحم؟ قالوا: على لحم حمر إنسية. # PageV03P282 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا ~~رسول الله، أونهريقها ونغسلها؟ فقال: أو ذاك؟» ) فلما تصاف القوم، خرج مرحب ~~يخطر بسيفه وهو يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # فنزل إليه عامر وهو يقول: # قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر # فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فذهب عامر يسفل له، وكان سيف ~~عامر فيه قصر، فرجع عليه ذباب سيفه فأصاب عين ركبته، فمات منه، فقال سلمة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: زعموا أن عامرا حبط عمله. فقال: ( «كذب من قاله، ~~إن له أجرين - وجمع بين أصبعيه - إنه لجاهد مجاهد، قل عربي مشى بها مثله» ) ~~. ### | [فصل في القدوم إلى خيبر] # فصل # ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر صلى بها الصبح، وركب ~~المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون، بل خرجوا لأرضهم، ~~فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله، محمد والخميس، ثم رجعوا هاربين إلى ~~حصونهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر ~~خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ) # PageV03P283 # ولما دنا النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف عليها قال: " قفوا " فوقف ~~الجيش، فقال: ( «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما ~~أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ~~وخير ms0760 ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا ~~بسم الله» ) # ولما كانت ليلة الدخول قال: ( «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يحب الله ~~ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه. فبات الناس يدوكون أيهم ~~يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو ~~أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله، هو يشتكي ~~عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: يا رسول ~~الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ~~ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما # PageV03P284 # يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن ~~يكون لك حمر النعم» ) . # فخرج مرحب وهو يقول: # أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب # إذا الحروب أقبلت تلهب # فبرز إليه علي وهو يقول: # أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره # أوفيهم بالصاع كيل السندره # فضرب مرحبا ففلق هامته، وكان الفتح. # ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن فقال: من ~~أنت؟ فقال أنا علي بن أبي طالب. فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى. # هكذا في " صحيح مسلم " أن ( «علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قتل ~~مرحبا» ) # PageV03P285 # وقال موسى بن عقبة: عن الزهري وأبي الأسود عن عروة. ويونس بن بكير عن ابن ~~إسحاق: حدثني عبد الله بن سهل أحد بني حارثة عن جابر بن عبد الله، أن محمد ~~بن مسلمة هو الذي قتله، قال جابر في حديثه: ( «خرج مرحب اليهودي من حصن ~~خيبر قد جمع سلاحه وهو يرتجز ويقول: من يبارز؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله ~~الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس. ms0761 يعني محمود بن مسلمة، وكان قتل بخيبر، ~~فقال: قم إليه، اللهم أعنه عليه. فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما ~~شجرة، فجعل كل واحد منهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه ~~بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل ~~القائم ما فيها فنن، ثم حمل على محمد فضربه، فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه ~~فيها فعضت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة فقتله» ) . وكذلك قال سلمة بن ~~سلامة ومجمع بن حارثة: إن محمد بن مسلمة قتل مرحبا. # قال الواقدي: وقيل: «إن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، فقال مرحب: ~~أجهز علي يا محمد. فقال محمد: ذق الموت كما ذاقه أخي محمود. وجاوزه، ومر به ~~علي رضي الله عنه فضرب عنقه وأخذ سلبه، فاختصما إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سلبه، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، ما قطعت رجليه ثم ~~تركته إلا ليذوق الموت، وكنت قادرا أن أجهز عليه. فقال علي رضي الله عنه: ~~صدق، ضربت عنقه بعد أن قطع رجليه. فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد ~~بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته» . وكان عند آل محمد بن مسلمة سيفه فيه ~~كتاب لا يدرى ما فيه حتى قرأه يهودي فإذا فيه: # هذا سيف مرحب ... من يذقه يعطب # PageV03P286 # ثم خرج [بعد مرحب أخوه] ياسر فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول ~~الله، يقتل ابني؟ قال: " بل ابنك يقتله إن شاء الله ". فقتله الزبير. # قال موسى بن عقبة: ثم دخل اليهود حصنا لهم منيعا يقال له: القموص، ~~فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من عشرين ليلة، وكانت أرضا ~~وخمة شديدة الحر، فجهد المسلمون جهدا شديدا، فذبحوا الحمر، فنهاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها، وجاء عبد أسود حبشي من أهل خيبر كان في ~~غنم لسيده، فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: ما تريدون؟ قالوا: ~~نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في ms0762 نفسه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ( ~~«فأقبل بغنمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا تقول وما تدعو ~~إليه؟ قال: أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ~~وأن لا تعبد إلا الله. قال العبد: فما لي إن شهدت وآمنت بالله عز وجل؟ قال: ~~لك الجنة إن مت على ذلك. فأسلم، ثم قال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي ~~أمانة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجها من عندك وارمها ~~بالحصباء؛ فإن الله سيؤدي عنك أمانتك. ففعل، فرجعت الغنم إلى سيدها، فعلم ~~اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ~~فوعظهم وحضهم على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قتل فيمن قتل العبد ~~الأسود، فاحتمله المسلمون إلى معسكرهم، فأدخل في الفسطاط، فزعموا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط ثم أقبل على أصحابه وقال: لقد ~~أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، ولقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور ~~العين، ولم يصل لله سجدة قط» ) . # قال حماد بن سلمة: عن ثابت، عن أنس: ( «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، منتن الريح، لا ~~مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أأدخل الجنة؟ قال: نعم. فتقدم فقاتل حتى ~~قتل، فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال: لقد أحسن الله ~~وجهك، وطيب ريحك، وكثر مالك. ثم قال: لقد رأيت زوجتيه من الحور العين ~~ينزعان جبته عنه يدخلان فيما بين جلده وجبته» ) . # PageV03P287 # وقال شداد بن الهاد: ( «جاء رجل من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فآمن به واتبعه، فقال: أهاجر معك. فأوصى به بعض أصحابه، فلما كانت غزوة ~~خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقسمه، وقسم للأعرابي، فأعطى ~~أصحابه ما قسمه له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ ~~قالوا: قسم قسمه لك ms0763 رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذه فجاء به إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسم قسمته لك. قال: ما ~~على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، ~~فأموت فأدخل الجنة. فقال: إن تصدق الله يصدقك. ثم نهض إلى قتال العدو، فأتي ~~به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول، فقال: أهو هو؟ قالوا: نعم. ~~قال: صدق الله فصدقه. فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته ثم قدمه فصلى ~~عليه، وكان من دعائه له: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا ~~وأنا عليه شهيد» ) . # قال الواقدي ( «وتحولت اليهود إلى قلعة الزبير - حصن منيع في رأس قلة - ~~فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود يقال ~~له: عزال فقال: يا أبا القاسم، إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، إن لهم شرابا ~~وعيونا تحت الأرض يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم ~~فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك. فسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى مائهم فقطعه عليهم، فلما قطع عليهم خرجوا فقاتلوا أشد ~~القتال، وقتل من المسلمين نفر، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل ~~الكتيبة والوطيح والسلالم حصن ابن أبي الحقيق، فتحصن أهله أشد التحصن، ~~وجاءهم كل فل كان انهزم من النطاة والشق، فإن خيبر كانت جانبين الأول: الشق ~~والنطاة، وهو الذي افتتحه أولا، والجانب الثاني: الكتيبة والوطيح والسلالم، ~~فجعلوا لا يخرجون من حصونهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب # PageV03P288 # عليهم المنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أربعة عشر يوما، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح، وأرسل ابن ~~أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " نعم "، فنزل ms0764 ابن أبي الحقيق فصالح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم، ~~ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء والكراع والحلقة، إلا ~~ثوبا على ظهر إنسان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وبرئت منكم ذمة ~~الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا ". فصالحوه على ذلك» ) . # قال حماد بن سلمة: أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغلب على ~~الزرع والنخل والأرض، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، ~~ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء، واشترط عليهم أن لا ~~يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه ~~مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب: ما فعل مسك حيي الذي جاء به ~~من النضير؟ . قال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر ~~من ذلك. فدفعه رسول الله إلى الزبير فمسه بعذاب، وقد كان قبل ذلك دخل خربة ~~فقال: قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا. فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في ~~الخربة، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج ~~صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم ~~وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها فقالوا: يا محمد، ~~دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم. ولم يكن ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا ~~يفرغون يقومون عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم # PageV03P289 # الشطر من كل زرع وكل ثمر ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم. ~~وكان ms0765 عبد الله بن رواحة يخرصه عليهم كما تقدم. ولم يقتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد الصلح إلا ابني أبي الحقيق للنكث الذي نكثوا؛ فإنهم شرطوا إن ~~غيبوا أو كتموا فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله، فغيبوا، فقال لهم: أين ~~المال الذي خرجتم به من المدينة حين أجليناكم؟ قالوا: ذهب. فحلفوا على ذلك، ~~فاعترف ابن عم كنانة عليهما بالمال حين دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الزبير يعذبه. فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانة إلى محمد بن ~~مسلمة فقتله» ، ويقال: إن كنانة هو كان قتل أخاه محمود بن مسلمة. # ( «وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب وابنة عمتها، ~~وكانت صفية تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسا حديثة عهد بالدخول، فأمر ~~بلالا أن يذهب بها إلى رحله، فمر بها بلال وسط القتلى، فكره ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: أذهبت الرحمة منك يا بلال؟!) # وعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فاصطفاها ~~لنفسه، وأعتقها وجعل عتقها صداقها، وبنى بها في الطريق، وأولم عليها، ورأى ~~بوجهها خضرة فقال: ما هذا؟ قالت: يا رسول الله، أريت قبل قدومك علينا كأن ~~القمر زال من مكانه فسقط في حجري، ولا والله ما أذكر من شأنك شيئا، فقصصتها ~~على زوجي فلطم وجهي وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة) # PageV03P290 # وشك الصحابة هل اتخذها سرية أو زوجة؟ فقالوا: انظروا إن حجبها فهي إحدى ~~نسائه، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فلما ركب (جعل ثوبه الذي ارتدى به على ~~ظهرها ووجهها، ثم شد طرفه تحته، فتأخروا عنه في المسير، وعلموا أنها إحدى ~~نسائه، ولما قدم ليحملها على الرحل أجلته أن تضع قدمها على فخذه فوضعت ~~ركبتها على فخذه ثم ركبت. # ولما بنى بها بات أبو أيوب ليلته قائما قريبا من قبته، آخذا بقائم السيف ~~حتى أصبح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو أيوب حين رآه قد ~~خرج، فسأله رسول ms0766 الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا أيوب؟ فقال له: ~~أرقت ليلتي هذه يا رسول الله لما دخلت بهذه المرأة، ذكرت أنك قتلت أباها ~~وأخاها وزوجها وعامة عشيرتها، فخفت أن تغتالك. فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال له معروفا» ) . ### | [فصل في قسم خيبر على المسلمين] # فصل # وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ستة وثلاثين سهما، جمع كل ~~سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك، وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة ~~سهم لنوائبه وما ينزل به من أمور المسلمين. # قال البيهقي: وهذا لأن خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحا، فقسم ما فتح ~~عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحا لنوائبه وما يحتاج إليه من ~~أمور المسلمين. # PageV03P291 # قلت: وهذا بناء منه على أصل الشافعي رحمه الله، أنه يجب قسم الأرض ~~المفتتحة عنوة كما تقسم سائر المغانم، فلما لم يجده قسم النصف من خيبر، ~~قال: إنه فتح صلحا. ومن تأمل السير والمغازي حق التأمل تبين له أن خيبر ~~إنما فتحت عنوة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استولى على أرضها كلها ~~بالسيف عنوة، ولو فتح شيء منها صلحا لم يجلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منها؛ فإنه لما عزم على إخراجهم منها قالوا: نحن أعلم بالأرض منكم، دعونا ~~نكون فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها. وهذا صريح جدا في أنها إنما فتحت ~~عنوة، وقد حصل بين اليهود والمسلمين بها من الحراب والمبارزة والقتل من ~~الفريقين ما هو معلوم، ولكن لما ألجئوا إلى حصنهم نزلوا على الصلح الذي ~~بذلوه، أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء، والحلقة ~~والسلاح، ولهم رقابهم وذريتهم، ويجلوا من الأرض، فهذا كان الصلح، ولم يقع ~~بينهم صلح أن شيئا من أرض خيبر لليهود، ولا جرى ذلك البتة، ولو كان كذلك ms0767 لم ~~يقل: نقركم ما شئنا، فكيف يقرهم في أرضهم ما شاء؟ ولما كان عمر أجلاهم كلهم ~~من الأرض، ولم يصالحهم أيضا على أن الأرض للمسلمين، وعليها خراج يؤخذ منهم، ~~هذا لم يقع، فإنه لم يضرب على خيبر خراجا البتة. # فالصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عنوة، والإمام مخير في أرض العنوة بين ~~قسمها ووقفها، أو قسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر ~~وترك شطرها، وقد تقدم تقرير كون مكة فتحت عنوة بما لا مدفع له. # وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم؛ لأنها كانت طعمة من الله لأهل ~~الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا ~~فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، ولم يغب عن خيبر من أهل ~~الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم ~~من حضرها. # PageV03P292 # وقسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، وكانوا ألفا وأربعمائة، وفيهم ~~مائتا فارس، هذا هو الصحيح الذي لا ريب فيه. # وروى عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر أنه ( «أعطى الفارس سهمين ~~والراجل سهما» ) # قال الشافعي رحمه الله: كأنه سمع نافعا يقول: للفرس سهمين، وللراجل سهما، ~~فقال: للفارس، وليس يشك أحد من أهل العلم في تقدم عبيد الله بن عمر على ~~أخيه في الحفظ، وقد أنبأنا الثقة من أصحابنا عن إسحاق الأزرق الواسطي، عن ~~عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«ضرب للفرس بسهمين وللفارس بسهم» ) . # ثم روى من حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ( ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان ~~لفرسه» ) ، وهو في " الصحيحين "، وكذلك رواه الثوري وأبو أسامة عن عبيد ~~الله. # قال الشافعي رحمه الله: وروى مجمع بن جارية أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~( «قسم ms0768 سهام خيبر على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة، منهم ~~ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما» ) # PageV03P293 # قال الشافعي رحمه الله: ومجمع بن يعقوب - يعني راوي هذا الحديث عن أبيه ~~عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية - شيخ لا يعرف، فأخذنا في ~~ذلك بحديث عبيد الله، ولم نر له مثله خبرا يعارضه، ولا يجوز رد خبر إلا ~~بخبر مثله. # قال البيهقي: والذي رواه مجمع بن يعقوب بإسناده في عدد الجيش وعدد ~~الفرسان قد خولف فيه؛ ففي رواية جابر وأهل المغازي: أنهم كانوا ألفا ~~وأربعمائة، وهم أهل الحديبية، وفي رواية ابن عباس وصالح بن كيسان وبشير بن ~~يسار وأهل المغازي: أن الخيل كانت مائتي فرس، وكان للفرس سهمان، ولصاحبه ~~سهم، ولكل راجل سهم. # وقال أبو داود: حديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث ~~مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس. # وقد روى أبو داود أيضا من حديث أبي عمرة، عن أبيه قال: ( «أتينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل إنسان منا سهما، ~~وأعطى الفرس سهمين» ) ، وهذا الحديث في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~عتبة بن عبد الله بن مسعود، وهو المسعودي، وفيه ضعف. وقد روي الحديث عنه ~~على وجه آخر، فقال: ( «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر معنا ~~فرس، فكان للفارس ثلاثة أسهم» ) . ذكره أبو داود أيضا. ### | [قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين] # فصل # وفي هذه الغزوة قدم عليه صلى الله عليه وسلم ابن عمه جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه # PageV03P294 # ومعهم الأشعريون عبد الله بن قيس أبو موسى وأصحابه، وكان فيمن قدم معهم ~~أسماء بنت عميس. قال أبو موسى: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن ~~باليمن، فخرجنا مهاجرين أنا وأخوان لي أنا أصغرهما، أحدهما أبو رهم والآخر ~~أبو بردة في بضع وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى ~~النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه ms0769 عنده، فقال جعفر: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا ~~معه حتي قدمنا جميعا، فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح ~~خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهد معه إلا ~~لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم، وكان ناس يقولون لنا: ~~سبقناكم بالهجرة. # قال: ( «ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة فدخل عليها عمر فقال: من هذه؟ ~~قالت أسماء. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحق برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منكم. فغضبت وقالت: يا عمر، كلا والله، لقد كنتم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء، ~~وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ~~ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. ~~فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إن عمر قال كذا ~~وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قلت له؟ قالت: قلت له كذا ~~وكذا. فقال: ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل ~~السفينة هجرتان» ) . وكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتون أسماء أرسالا ~~يسألونها عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ~~مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # PageV03P295 # ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقبل جبهته وقال: ( ~~«والله ما أدري بأيهما أفرح؛ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» ) ؟ . # وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرا لما نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~حجل، يعني: مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله ~~أشباه الدباب الرقاصون أصلا لهم في الرقص، فقال البيهقي، وقد رواه من طريق ~~الثوري عن ms0770 أبي الزبير عن جابر: وفي إسناده إلى الثوري من لا يعرف. # قلت: ولو صح لم يكن في هذا حجة على جواز التشبه بالدباب والتكسر والتخنث ~~في المشي المنافي لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا لعله كان من ~~عادة الحبشة تعظيما لكبرائها كضرب الجوك عند الترك ونحو ذلك، فجرى جعفر على ~~تلك العادة وفعلها مرة ثم تركها لسنة الإسلام، فأين هذا من القفز والتكسر ~~والتثني والتخنث؟! وبالله التوفيق. # قال موسى بن عقبة: ( «كانت بنو فزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، ~~فراسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يعينوهم، وأن يخرجوا عنهم ولكم ~~من خيبر كذا وكذا، فأبوا عليه، فلما فتح الله عليه خيبر أتاه من كان ثم من ~~بني فزارة فقالوا: وعدك الذي وعدتنا. فقال: لكم ذو الرقيبة. جبل من جبال ~~خيبر، فقالوا: إذا نقاتلك. فقال: موعدكم كذا. فلما سمعوا ذلك من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خرجوا هاربين» ) # وقال الواقدي: قال أبو شييم المزني - وكان قد أسلم فحسن إسلامه -: ( «لما ~~نفرنا إلى أهلنا مع عيينة بن حصن رجع بنا عيينة، فلما كان دون خيبر عرسنا ~~من الليل، ففزعنا، فقال عيينة: أبشروا، إني أرى الليلة في النوم أنني أعطيت ~~ذا الرقيبة - جبلا بخيبر - قد والله أخذت برقبة محمد. فلما قدمنا خيبر قدم ~~عيينة، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر. فقال: يا محمد، ~~أعطني ما غنمت من # PageV03P296 # حلفائي؛ فإني انصرفت عنك وقد فرغنا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كذبت ولكن الصياح الذي سمعت نفرك إلى أهلك. قال: أجزني يا محمد؟ قال: ~~لك ذو الرقيبة. قال: وما ذو الرقيبة؟ قال: الجبل الذي رأيت في النوم أنك ~~أخذته» ) فانصرف عيينة، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف فقال: ألم ~~أقل لك: إنك توضع في غير شيء، والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق ~~والمغرب، يهود كانوا يخبروننا بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي ~~الحقيق يقول: إنا نحسد محمدا ms0771 على النبوة حيث خرجت من بني هارون، وهو نبي ~~مرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا، ولنا منه ذبحان: واحد بيثرب وآخر بخيبر. ~~قال الحارث: قلت لسلام: يملك الأرض جميعا؟ قال: نعم والتوراة التي أنزلت ~~على موسى، وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه. ### | [قصة سم يهودية النبي صلى الله عليه وسلم] # فصل # وفي هذه الغزاة ( «سم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهدت له زينب بنت ~~الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية قد سمتها، وسألت: أي اللحم ~~أحب إليه؟ فقالوا: الذراع. فأكثرت من السم في الذراع، فلما انتهش من ذراعها ~~أخبره الذراع بأنه مسموم، فلفظ الأكلة ثم قال: " اجمعوا لي من ها هنا من ~~اليهود. فجمعوا له، فقال لهم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي فيه؟ ~~قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان. قال: كذبتم، أبوكم فلان. قالوا: صدقت وبررت. ~~قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن ~~كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفوننا فيها. فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: اخسئوا فيها، فوالله لا نخلفكم فيها أبدا. ثم ~~قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم. قال: أجعلتم في هذه ~~الشاة سما؟ قالوا: نعم. قال: فما حملكم على ذلك؟ قالوا: # PageV03P297 # أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك» ) . # ( «وجيء بالمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أردت قتلك. ~~فقال: ما كان الله ليسلطك علي. قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا. ولم يتعرض لها ~~ولم يعاقبها» ) ، واحتجم على الكاهل، وأمر من أكل منها فاحتجم، فمات بعضهم، ~~واختلف في قتل المرأة، فقال الزهري: أسلمت فتركها، ذكره عبد الرزاق عن معمر ~~عنه، ثم قال معمر: والناس تقول: قتلها النبي صلى الله عليه وسلم. # قال أبو ms0772 داود: حدثنا وهب بن بقية، قال: حدثنا خالد، عن محمد بن عمرو، عن ~~أبي سلمة، ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة ~~مصلية. وذكر القصة وقال: فمات بشر بن البراء بن معرور فأرسل إلى اليهودية: ~~ما حملك على الذي صنعت؟ قال جابر: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقتلت» ) # قلت: كلاهما مرسل، ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة متصلا، أنه قتلها لما مات بشر بن البراء. # وقد وفق بين الروايتين بأنه لم يقتلها أولا، فلما مات بشر قتلها. # وقد اختلف: هل أكل النبي صلى الله عليه وسلم منها أو لم يأكل؟ وأكثر ~~الروايات أنه أكل منها وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى قال في وجعه الذي مات ~~فيه: ( «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، فهذا أوان ~~انقطاع الأبهر مني» ) . # PageV03P298 # قال الزهري: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا. # قال موسى بن عقبة وغيره: وكان بين قريش حين سمعوا بخروج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى خيبر تراهن عظيم، وتبايع، فمنهم من يقول: يظهر محمد ~~وأصحابه، ومنهم يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجاج بن علاط ~~السلمي قد أسلم وشهد فتح خيبر، وكانت تحته أم شيبة أخت بني عبد الدار بن ~~قصي، وكان الحجاج مكثرا من المال، كانت له معادن بأرض بني سليم، فلما ظهر ~~النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر قال الحجاج بن علاط: إن لي ذهبا عند ~~امرأتي، وإن تعلم هي وأهلها بإسلامي فلا مال لي، فأذن لي فلأسرع السير ~~وأسبق الخبر، ولأخبرن أخبارا إذا قدمت أدرأ بها عن مالي ونفسي. فأذن له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم مكة قال لامرأته: أخفي علي واجمعي ~~ما كان لي عندك من مال؛ فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه؛ فإنهم ~~قد استبيحوا وأصيبت أموالهم، وإن محمدا قد أسر وتفرق عنه أصحابه، وإن ~~اليهود قد ms0773 أقسموا لتبعثن به إلى مكة ثم لتقتلنه بقتلاهم بالمدينة، وفشا ذلك ~~بمكة، واشتد على المسلمين وبلغ منهم، وأظهر المشركون الفرح والسرور، فبلغ ~~العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم زجلة الناس، وجلبتهم، وإظهارهم ~~السرور، فأراد أن يقوم ويخرج فانخزل ظهره، فلم يقدر على القيام، فدعا ابنا ~~له يقال له: قثم، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل العباس ~~يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به أعداء الله: # حبي قثم حبي قثم ... شبيه ذي الأنف الأشم # نبي ربي ذي النعم ... برغم أنف من رغم # PageV03P299 # وحشر إلى باب داره رجال كثيرون من المسلمين والمشركين، منهم المظهر للفرح ~~والسرور، ومنهم الشامت المغري، ومنهم من به مثل الموت من الحزن والبلاء، ~~فلما سمع المسلمون رجز العباس وتجلده، طابت نفوسهم، وظن المشركون أنه قد ~~أتاه ما لم يأتهم، ثم أرسل العباس غلاما له إلى الحجاج وقال له: اخل به وقل ~~له: ويلك ما جئت به وما تقول؟ فالذي وعد الله خير مما جئت به. فلما كلمه ~~الغلام قال له: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فليخل بي في بعض بيوته ~~حتى آتيه؛ فإن الخبر على ما يسره. فلما بلغ العبد باب الدار قال: أبشر يا ~~أبا الفضل. فوثب العباس فرحا كأنه لم يصبه بلاء قط حتى جاءه وقبل ما بين ~~عينيه، فأخبره بقول الحجاج فأعتقه، ثم قال: أخبرني. قال: يقول لك الحجاج: ~~اخل به في بعض بيوتك حتى يأتيك ظهرا. فلما جاءه الحجاج وخلا به أخذ عليه ~~لتكتمن خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئت وقد افتتح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغنم أموالهم، وجرت فيها سهام الله، وإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى صفية بنت حيي لنفسه وأعرس بها، ولكن جئت ~~لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن أقول، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف علي ثلاثا ثم اذكر ما شئت. # قال: فجمعت له امرأته ms0774 متاعه، ثم انشمر راجعا، فلما كان بعد ثلاث أتى ~~العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يحزنك الله ~~يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك. فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن ~~بحمد الله إلا ما أحب، فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله، ~~واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، فإن كان لك في زوجك حاجة ~~فالحقي به. قالت: أظنك والله صادقا. قال: فإني والله صادق والأمر على ما ~~أقول لك. قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبرك بما أخبرك. ثم ذهب حتى أتى ~~مجالس قريش، فلما رأوه قالوا: هذا والله التجلد يا أبا الفضل، ولا يصيبك ~~إلا خير. قال: أجل، لم يصبني إلا خير، والحمد لله أخبرني الحجاج بكذا وكذا، ~~وقد سألني أن أكتم # PageV03P300 # عليه ثلاثا لحاجة، فرد الله ما كان للمسلمين من كآبة وجزع على المشركين، ~~وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس، فأخبرهم الخبر، فأشرقت ~~وجوه المسلمين. ### | [فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية] ### | [جواز القتال في الأشهر الحرم] # فصل فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية فمنها محاربة الكفار ~~ومقاتلتهم في الأشهر الحرم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من ~~الحديبية في ذي الحجة، فمكث بها أياما، ثم سار إلى خيبر في المحرم، كذلك ~~قال الزهري عن عروة، عن مروان والمسور بن مخرمة، وكذلك قال الواقدي: خرج في ~~أول سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر؛ فإن خروجه كان في ~~أواخر المحرم، لا في أوله، وفتحها إنما كان في صفر. # وأقوى من هذا الاستدلال بيعة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عند الشجرة ~~بيعة الرضوان على القتال، وألا يفروا، وكانت في ذي القعدة، ولكن لا دليل في ~~ذلك؛ لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون ~~قتاله، فحينئذ بايع الصحابة، ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام إذا ~~بدأ العدو، إنما الخلاف ms0775 أن يقاتل فيه ابتداء، فالجمهور جوزوه وقالوا: تحريم ~~القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله. # وذهب عطاء وغيره إلى أنه ثابت غير منسوخ، وكان عطاء يحلف بالله ما يحل ~~القتال في الشهر الحرام، ولا نسخ تحريمه شيء. # وأقوى من هذين الاستدلالين الاستدلال بحصار النبي صلى الله عليه وسلم ~~للطائف؛ فإنه خرج إليها في أواخر شوال، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، فبعضها ~~كان في ذي # PageV03P301 # القعدة، فإنه ( «فتح مكة لعشر بقين من رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع ~~عشرة يقصر الصلاة» ) ، فخرج إلى هوازن، وقد بقي من شوال عشرون يوما، ففتح ~~الله عليه هوازن، وقسم غنائمها، ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصرها بضعا ~~وعشرين ليلة، وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك. # وقد قيل: إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة. قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك، ~~وهذا عجيب منه، فمن أين له هذا التصحيح والجزم به؟ وفي " الصحيحين " عن أنس ~~بن مالك في قصة الطائف قال: ( «فحاصرناهم أربعين يوما فاستعصوا وتمنعوا» ) ~~وذكر الحديث، فهذا الحصار وقع في ذي القعدة بلا ريب، ومع هذا فلا دليل في ~~القصة؛ لأن غزو الطائف كان من تمام غزوة هوازن، وهم بدءوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالقتال، ولما انهزموا دخل ملكهم وهو مالك بن عوف النضري مع ~~ثقيف في حصن الطائف محاربين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان غزوهم من ~~تمام الغزوة التي شرع فيها، والله أعلم. # وقال الله تعالى في سورة المائدة، وهي من آخر القرآن نزولا، وليس فيها ~~منسوخ: {ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد} [المائدة: 2] [المائدة: 2] . # وقال في سورة البقرة: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه ~~كبير وصد عن سبيل الله} [البقرة: 217] [البقرة: 217] # فهاتان آيتان مدنيتان بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام، وليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله ناسخ لحكمهما، ولا أجمعت الأمة على نسخه، ومن استدل على ~~نسخه بقوله تعالى: # PageV03P302 # {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: ms0776 36] [التوبة: 36] ونحوها من العمومات، ~~فقد استدل على النسخ بما لا يدل عليه، ومن استدل عليه بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة، فقد استدل بغير ~~دليل؛ لأن ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال، ولم يكن ~~ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام. ### | [فصل في قسمة الغنائم] # فصل # ومنها: قسمة الغنائم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، وقد تقدم تقريره. # ومنها: أنه يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعاما أن يأكله ولا يخمسه، كما أخذ ~~عبد الله بن المغفل جراب الشحم الذي دلي يوم خيبر، واختص به بمحضر النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # ومنها: أنه إذا لحق مدد بالجيش بعد تقضي الحرب، فلا سهم له إلا بإذن ~~الجيش ورضاهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أصحابه في أهل السفينة حين ~~قدموا عليه بخيبر - جعفر وأصحابه - أن يسهم لهم فأسهم لهم. # [فصل في تحريم لحوم الحمر الإنسية فصل ومنها تحريم لحوم الحمر الإنسية، ~~صح عنه تحريمها يوم خيبر، وصح عنه تعليل التحريم بأنها رجس، وهذا مقدم على ~~قول من قال من الصحابة: إنما حرمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم، فلما ~~قيل له: فني الظهر وأكلت الحمر، حرمها، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها ~~لم تخمس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية، وكانت تأكل ~~العذرة، وكل هذا في " الصحيح "، لكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~(إنها رجس) مقدم على هذا كله؛ لأنه من ظن الراوي وقوله بخلاف التعليل ~~بكونها رجسا. # PageV03P303 # ولا تعارض بين هذا التحريم وبين قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه ~~رجس أو فسقا أهل لغير الله} [الأنعام: 145] [الأنعام: 145] ، فإنه لم يكن ~~قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة، والتحريم كان يتجدد ~~شيئا فشيئا، فتحريم الحمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت ms0777 عنه النص، لا أنه ~~رافع لما أباحه القرآن، ولا مخصص لعمومه، فضلا عن أن يكون ناسخا. والله ~~أعلم.] ### | [فصل في تحريم المتعة عام الفتح] # فصل # ولم تحرم المتعة يوم خيبر، وإنما كان تحريمها عام الفتح، هذا هو الصواب، ~~وقد ظن طائفة من أهل العلم أنه حرمها يوم خيبر، واحتجوا بما في " الصحيحين ~~" من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~( «نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية» ) . # وفي " الصحيحين " أيضا: ( «أن عليا رضي الله عنه سمع ابن عباس يلين في ~~متعة النساء، فقال: مهلا يا ابن عباس؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية» ) . وفي لفظ للبخاري عنه، ( ~~«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل ~~لحوم الحمر الإنسية» ) . # PageV03P304 # ولما رأى هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباحها عام الفتح ثم ~~حرمها قالوا: حرمت ثم أبيحت ثم حرمت. # قال الشافعي: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، قالوا: نسخت ~~مرتين. وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لم تحرم إلا عام الفتح، وقبل ذلك ~~كانت مباحة. قالوا: وإنما جمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بين الإخبار ~~بتحريمها وتحريم الحمر الأهلية؛ لأن ابن عباس كان يبيحهما، فروى له علي ~~تحريمهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ردا عليه، وكان تحريم الحمر يوم خيبر ~~بلا شك، وقد ذكر يوم خيبر ظرفا لتحريم الحمر، وأطلق تحريم المتعة ولم يقيده ~~بزمن، كما جاء ذلك في " مسند الإمام أحمد " بإسناد صحيح، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( «حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر وحرم متعة النساء» ) ، ~~وفي لفظ: ( «حرم متعة النساء وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ) ، هكذا ~~رواه سفيان بن عيينة مفصلا مميزا، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن ~~للتحريمين فقيدهما به، ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المحرمين وهو ms0778 تحريم ~~الحمر، وقيده بالظرف، فمن ها هنا نشأ الوهم. # وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نقله أحد قط في هذه الغزوة، ولا كان ~~للمتعة فيها ذكر البتة، لا فعلا ولا تحريما، بخلاف غزاة الفتح؛ فإن قصة ~~المتعة كانت فيها فعلا وتحريما مشهورة، وهذه الطريقة أصح الطريقتين. # وفيها طريقة ثالثة، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرمها ~~تحريما عاما البتة، بل حرمها عند الاستغناء عنها، وأباحها عند الحاجة ~~إليها، وهذه كانت طريقة ابن عباس حتى كان يفتي بها ويقول: (هي كالميتة ~~والدم ولحم الخنزير، تباح عند الضرورة وخشية العنت) ، فلم يفهم عنه أكثر ~~الناس ذلك وظنوا أنه أباحها إباحة مطلقة، وشببوا في ذلك بالأشعار، فلما رأى ~~ابن عباس ذلك رجع إلى القول بالتحريم. # PageV03P305 ### | [فصل في جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض] # فصل # ومنها: جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، ~~كما عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى ~~حين وفاته، لم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من ~~باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن ~~أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين. ### | [فصل في عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض] # فصل # ومنها أنه دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم ~~البذر، ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا، فدل على أن هديه عدم ~~اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هدي ~~خلفائه الراشدين من بعده، وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس؛ فإن ~~الأرض بمنزلة رأس المال في القراض، والبذر يجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت ~~في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس مال المضاربة لاشترط عوده ~~إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أن القياس ms0779 الصحيح هو الموافق لهدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين في ذلك. والله أعلم. ### | [فصل في خرص الثمار على رءوس النخل] # فصل # ومنها: خرص الثمار على رءوس النخل وقسمتها كذلك، وأن القسمة ليست بيعا. # ومنها: الاكتفاء بخارص واحد وقاسم واحد. # ومنها: جواز عقد المهادنة عقدا جائزا، للإمام فسخه متى شاء. # ومنها: جواز تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، كما عقد لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشرط أن لا يغيبوا ولا يكتموا. # PageV03P306 # ومنها: جواز تقرير أرباب التهم بالعقوبة، وأن ذلك من الشريعة العادلة لا ~~من السياسة الظالمة. # ومنها: الأخذ في الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكنانة: ( «المال كثير والعهد قريب» ) ، فاستدل بهذا على كذبه في ~~قوله: أذهبته الحروب والنفقة. # ومنها: أن من كان القول قوله إذا قامت قرينة على كذبه، لم يلتفت إلى ~~قوله، ونزل منزلة الخائن. # ومنها: أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم، لم يبق لهم ذمة، ~~وحلت دماؤهم وأموالهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهؤلاء ~~الهدنة، وشرط عليهم أن لا يغيبوا ولا يكتموا، فإن فعلوا حلت دماؤهم ~~وأموالهم، فلما لم يفوا بالشرط استباح دماءهم وأموالهم، وبهذا اقتدى أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب في الشروط التي اشترطها على أهل الذمة، فشرط عليهم ~~أنهم متى خالفوا شيئا منها فقد حل له منهم ما يحل من أهل الشقاق والعداوة. # ومنها: جواز نسخ الأمر قبل فعله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم ~~بكسر القدور، ثم نسخه عنهم بالأمر بغسلها. # ومنها: أن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة، لا جلده ولا لحمه، وأن ~~ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم. # ومنها: أن من أخذ من الغنيمة شيئا قبل قسمتها لم يملكه، وإن كان دون حقه، ~~وأنه إنما يملكه بالقسمة، ولهذا «قال في صاحب الشملة التي غلها: (إنها ~~تشتعل عليه نارا) » . «وقال لصاحب الشراك الذي غله: (شراك من نار) » . # PageV03P307 # ومنها: أن الإمام مخير في أرض العنوة ms0780 بين قسمتها وتركها وقسم بعضها وترك ~~بعضها. # ومنها: جواز التفاؤل، بل استحبابه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ~~ظهور الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم برؤية المساحي ~~والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر، فإن ذلك فأل في خرابها. # ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استغني عنهم، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ( «نقركم ما أقركم الله» ) ، وقال لكبيرهم: ( ~~«كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما» ) ، وأجلاهم عمر بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب محمد بن جرير الطبري، وهو قول قوي يسوغ ~~العمل به إذا رأى الإمام فيه المصلحة. # ولا يقال: أهل خيبر لم تكن لهم ذمة، بل كانوا أهل هدنة، فهذا كلام لا ~~حاصل تحته؛ فإنهم كانوا أهل ذمة قد أمنوا بها على دمائهم وأموالهم أمانا ~~مستمرا، نعم لم تكن الجزية قد شرعت ونزل فرضها، وكانوا أهل ذمة بغير جزية، ~~فلما نزل فرض الجزية استؤنف ضربها على من يعقد له الذمة من أهل الكتاب ~~والمجوس، فلم يكن عدم أخذ الجزية منهم لكونهم ليسوا أهل ذمة، بل لأنها لم ~~تكن نزل فرضها بعد. # وأما كون العقد غير مؤبد فذاك لمدة إقرارهم في أرض خيبر، لا لمدة حقن ~~دمائهم، ثم يستبيحها الإمام متى شاء، فلهذا قال: ( «نقركم ما أقركم الله، ~~أو ما شئنا» ) ، ولم يقل: نحقن دماءكم ما شئنا. وهكذا كان عقد الذمة لقريظة ~~والنضير عقدا مشروطا بأن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ومتى فعلوا فلا ذمة ~~لهم، وكانوا أهل ذمة بلا جزية، إذ لم يكن نزل فرضها إذ ذاك، واستباح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سبي نسائهم وذراريهم، وجعل نقض العهد ساريا في حق ~~النساء والذرية، وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب، وهذا موجب ~~هديه صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة بعد الجزية أيضا أن يسري نقض العهد ~~في # PageV03P308 # ذريتهم ونسائهم، ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة ومنعة، أما ~~إذا كان الناقض ms0781 واحدا من طائفة لم يوافقه بقيتهم فهذا لا يسري النقض إلى ~~زوجته وأولاده، كما أن من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم ممن كان ~~يسبه لم يسب نساءهم وذريتهم، فهذا هديه في هذا، وهو الذي لا محيد عنه، ~~وبالله التوفيق. # ومنها: جواز عتق الرجل أمته وجعل عتقها صداقا لها، ويجعلها زوجته بغير ~~إذنها ولا شهود ولا ولي غيره، ولا لفظ إنكاح ولا تزويج، كما فعل صلى الله ~~عليه وسلم بصفية، ولم يقل قط: هذا خاص بي، ولا أشار إلى ذلك، مع علمه ~~باقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة: إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا ~~القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الاقتداء به في ذلك، والله سبحانه لما خصه في النكاح بالموهوبة قال: {خالصة ~~لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] ، فلو كانت هذه خالصة له ~~من دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، ~~بخلاف المرأة التي تهب نفسها للرجل لندرته وقلته أو مثله في الحاجة إلى ~~البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له واقتداؤها به، فكيف يسكت عن منع ~~الاقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز، هذا شبه ~~المحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك، فيجب المصير إلى ~~إجماعهم، وبالله التوفيق. # والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك؛ فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها، ~~فله أن يسقط حقه من ملك الرقبة ويستبقي ملك المنفعة أو نوعا منها، كما لو ~~أعتق عبده وشرط عليه أن يخدمه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبة ملكه واستثنى ~~نوعا من منفعته، لم يمنع من ذلك في عقد البيع، فكيف يمنع منه في عقد ~~النكاح، ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وكان ~~إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها، كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة جعلها ~~زوجة وسيدها كان يلي # PageV03P309 # نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما ms0782 كان يملكه منها، ~~ولما كان من ضرورته عقد النكاح ملكه؛ لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا ~~به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة، والله أعلم. # ومنها: جواز كذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر ذلك الغير ~~إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقه، كما كذب الحجاج بن علاط على المسلمين حتى ~~أخذ ماله من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين من ذلك الكذب، وأما ما نال من ~~بمكة من المسلمين من الأذى والحزن فمفسدة يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت ~~بالكذب، ولا سيما تكميل الفرح والسرور وزيادة الإيمان الذي حصل بالخبر ~~الصادق بعد هذا الكذب، فكان الكذب سببا في حصول هذه المصلحة الراجحة، ونظير ~~هذا الإمام والحاكم يوهم الخصم خلاف الحق؛ ليتوصل بذلك إلى استعلام الحق، ~~كما ( «أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشق الولد نصفين حتى توصل بذلك ~~إلى معرفة عين الأم» ) # ومنها: جواز بناء الرجل بامرأته في السفر وركوبها معه على دابة بين ~~الجيش. # ومنها: أن من قتل غيره بسم يقتل مثله قتل به قصاصا، كما قتلت اليهودية ~~ببشر بن البراء. # ومنها: جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب وحل طعامهم. # ومنها: قبول هدية الكافر، فإن قيل: فلعل المرأة قتلت لنقض العهد لحرابها ~~بالسم لا قصاصا، قيل: لو كان قتلها لنقض العهد لقتلت من حين أقرت أنها سمت ~~الشاة، ولم يتوقف قتلها على موت الآكل منها. # PageV03P310 # فإن قيل: فهلا قتلت بنقض العهد؟ قيل: هذا حجة من قال: إن الإمام مخير في ~~ناقض العهد كالأسير. # فإن قيل: فأنتم توجبون قتله حتما كما هو منصوص أحمد، وإنما القاضي أبو ~~يعلى ومن تبعه قالوا: يخير الإمام فيه، قيل: إن كانت قصة الشاة قبل الصلح، ~~فلا حجة فيها، وإن كانت بعد الصلح فقد اختلف في نقض العهد بقتل المسلم على ~~قولين، فمن لم ير النقض به فظاهر، ومن رأى النقض به فهل يتحتم قتله أو يخير ~~فيه، أو يفصل بين بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتم قتله بسبب السبب، ~~ويخير ms0783 فيه إذا نقضه بحرابه ولحوقه بدار الحرب، وإن نقضه بسواهما كالقتل ~~والزنى بالمسلمة والتجسس على المسلمين وإطلاع العدو على عوراتهم؟ فالمنصوص ~~تعين القتل، وعلى هذا فهذه المرأة لما سمت الشاة صارت بذلك محاربة، وكان ~~قتلها مخيرا فيه، فلما مات بعض المسلمين من السم قتلت حتما؛ إما قصاصا وإما ~~لنقض العهد بقتلها المسلم، فهذا محتمل. والله أعلم. # واختلف في فتح خيبر: هل كان عنوة أو كان بعضها صلحا وبعضها عنوة؟ # فروى أبو داود من حديث أنس ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر ~~فأصبناها عنوة، فجمع السبي» ) # وقال ابن إسحاق: سألت ابن شهاب فأخبرني ( «أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال» ) # وذكر أبو داود عن ابن شهاب: ( «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~افتتح خيبر # PageV03P311 # عنوة بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال» ) # قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح في أرض خيبر، أنها كانت عنوة كلها ~~مغلوبا عليها، بخلاف فدك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم جميع أرضها ~~على الغانمين لها الموجفين عليها بالخيل والركاب، وهم أهل الحديبية، ولم ~~يختلف العلماء أن أرض خيبر مقسومة، وإنما اختلفوا: هل تقسم الأرض إذا غنمت ~~البلاد أو توقف؟ # فقال الكوفيون: الإمام مخير بين قسمتها كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأرض خيبر، وبين إيقافها كما فعل عمر بسواد العراق. # وقال الشافعي: تقسم الأرض كلها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خيبر؛ لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار. # وذهب مالك إلى إيقافها اتباعا لعمر؛ لأن الأرض مخصوصة من سائر الغنيمة ~~بما فعل عمر في جماعة من الصحابة من إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين، ~~وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول: ( «لولا أن يترك آخر ~~الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خيبر سهمانا» ) # وهذا يدل على أن ms0784 أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قال ابن إسحاق. # وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحا وبعضها عنوة، فقد وهم وغلط، وإنما ~~دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم ~~يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية # PageV03P312 # مغنومين، ظن أن ذلك لصلح، ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية كضرب ~~من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضهما ~~حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها. # وربما شبه على من قال: إن نصف خيبر صلح، ونصفها عنوة، بحديث يحيى بن سعيد ~~عن بشير بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «قسم خيبر نصفين: نصفا ~~له ونصفا للمسلمين» ) # قال أبو عمر: ولو صح هذا لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك ~~النصف معه؛ لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهما، فوقع السهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وطائفة معه في ثمانية عشر سهما، ووقع سائر الناس في باقيها، ~~وكلهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر، وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد ~~الحصار والقتال صلحا، ولو كانت صلحا لملكها أهلها كما يملك أهل الصلح أرضهم ~~وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة ~~وغيره عن ابن شهاب. هذا آخر كلام أبي عمر. # قلت: ذكر مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحا، والكتيبة ~~أكثرها عنوة، وفيها صلح. قال مالك: والكتيبة أرض خيبر وهو أربعون ألف عذق. # وقال مالك عن الزهري، عن ابن المسيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~«افتتح بعض خيبر عنوة» ) ### | [فصل في انصرافه صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى] # فصل # ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى، وكان بها ~~جماعة من # PageV03P313 # اليهود، وقد انضاف إليهم جماعة من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهود ~~بالرمي وهم على غير تعبئة، «فقتل مدعم عبد رسول الله صلى ms0785 الله عليه وسلم، ~~فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلا والذي ~~نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم ~~لتشتعل عليه نارا) ، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشراك أو شراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (شراك من نار أو ~~شراكان من نار) » . # فعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه إلى ~~سعد بن عبادة وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية ~~إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا ~~أموالهم وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله، فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير ~~بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا من ~~بقي إلى الإسلام، وكانت الصلاة تحضر ذلك اليوم، فيصلي بأصحابه ثم يعود ~~فيدعوهم إلى الإسلام، وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا عليهم فلم ~~ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم وفتحها عنوة وغنمه الله أموالهم، ~~وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ~~القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل ~~بأيدي اليهود، وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما واطأ عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أهل خيبر وفدك ووادي القرى، صالحوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأقاموا بأموالهم، فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخرج ~~يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء. # PageV03P314 # ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام ويرى أن ما دون وادي القرى إلى ~~المدينة حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام، وانصرف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - راجعا إلى المدينة. # «فلما كان ببعض الطريق سار ليله حتى إذا كان ببعض الطريق أدركهم الكرى، ~~عرس، ms0786 وقال لبلال: "اكلأ لنا الليل " [فصلى بلال ما قدر له ونام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته ~~مواجه الفجر] ، فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، ~~فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولهم استيقاظا ففزع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: " أي بلال "؟ فقال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فاقتادوا رواحلهم شيئا حتى خرجوا من ذلك ~~الوادي، ثم قال: " هذا واد به شيطان "، فلما جاوزه أمرهم أن ينزلوا، وأن ~~يتوضئوا، ثم صلى سنة الفجر، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة، وصلى بالناس، ثم ~~انصرف إليهم، وقد رأى من فزعهم، وقال: " يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ~~ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ~~ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها " ثم التفت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى أبي بكر فقال: " إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي ~~فأضجعه فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام "، ثم دعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بلالا فأخبره بمثل ما أخبر به أبا بكر» . # وقد روي أن هذه القصة كانت في مرجعهم من الحديبية، وروي أنها كانت # PageV03P315 # في مرجعهم من غزوة تبوك، وقد روى قصة النوم عن صلاة الصبح عمران بن حصين، ~~ولم يوقت مدتها، ولا ذكر في أي غزوة كانت، وكذلك رواها أبو قتادة، كلاهما ~~في قصة طويلة محفوظة. # وروى مالك، عن زيد بن أسلم، أن ذلك كان بطريق مكة، وهذا مرسل. # وقد روى شعبة، عن جامع بن شداد قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: ~~سمعت عبد الله بن مسعود، قال: «أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~زمن الحديبية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من يكلؤنا؟ " فقال ~~بلال: أنا» ، فذكر القصة. # لكن ms0787 قد اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، ~~عن جامع: إن الحارس فيها كان ابن مسعود، وقال غندر عنه: إن الحارس كان ~~بلالا، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سليمان عن شعبة عنه: ~~إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحديبية، ~~فدل على وهم وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة من ذلك، وبالله ~~التوفيق. ### | [فصل في فقه هذه القصة] # فصل # في فقه هذه القصة # فيها: أن من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها. # PageV03P316 # وفيها: أن السنن الرواتب تقضى كما تقضى الفرائض، وقد قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سنة الفجر معها، وقضى سنة الظهر وحدها، وكان هديه - صلى ~~الله عليه وسلم - قضاء السنن الرواتب مع الفرائض. # وفيها: أن الفائتة يؤذن لها ويقام، فإن في بعض طرق هذه القصة، أنه أمر ~~بلالا فنادى بالصلاة، وفي بعضها فأمر بلالا فأذن وأقام، ذكره أبو داود. # وفيها: قضاء الفائتة جماعة. # وفيها: قضاؤها على الفور لقوله: "فليصلها إذا ذكرها "، وإنما أخرها عن ~~مكان معرسهم قليلا، لكونه مكانا فيه شيطان فارتحل منه إلى مكان خير منه، ~~وذلك لا يفوت المبادرة إلى القضاء، فإنهم في شغل الصلاة وشأنها. # وفيها: تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان، كالحمام والحش بطريق ~~الأولى، فإن هذه منازله التي يأوي إليها ويسكنها، فإذا كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ترك المبادرة إلى الصلاة في ذلك الوادي، وقال: إن به ~~شيطانا، فما الظن بمأوى الشيطان وبيته. ### | [فصل في رد المهاجرين منائح الأنصار] # فصل # ولما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة رد المهاجرون إلى ~~الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل، حين صار لهم بخيبر مال ~~ونخيل، فكانت أم سليم - وهي أم أنس بن مالك - أعطت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عذاقا، فأعطاهن أم أيمن مولاته، وهي أم أسامة بن زيد، فرد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سليم ms0788 عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من ~~حائطه مكان كل عذق عشرة ". ### | [فصل في السرايا بين مقدمه من خيبر إلى شوال] # فصل # وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد مقدمه من خيبر ~~إلى شوال، وبعث في # PageV03P317 # خلال ذلك السرايا. # فمنها: " سرية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى نجد قبل بني فزارة، ~~ومعه سلمة بن الأكوع، فوقع في سهمه جارية حسناء، فاستوهبها منه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وفادى بها أسرى من المسلمين كانوا بمكة ". # ومنها: سرية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ثلاثين راكبا نحو هوازن، ~~فجاءهم الخبر، فهربوا وجاءوا محالهم، فلم يلق منهم أحدا، فانصرف راجعا إلى ~~المدينة، فقال له الدليل: هل لك في جمع من خثعم جاءوا سائرين، وقد أجدبت ~~بلادهم؟ فقال عمر: لم يأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم. ولم ~~يعرض لهم. # ومنها: سرية عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا، فيهم عبد الله بن أنيس، ~~إلى يسير بن رزام اليهودي، فإنه بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه بخيبر فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا حتى تبعهم في ثلاثين رجلا ~~مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة نيار - وهي من خيبر على ~~ستة أميال - ندم يسير، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس، ففطن له عبد ~~الله بن أنيس، فزجر بعيره، ثم اقتحم عن البعير يسوق القوم، حتى إذا استمكن ~~من يسير، ضرب رجله فقطعها، واقتحم يسير وفي يده مخرش من شوحط، فضرب به وجه ~~عبد الله فشجه مأمومة، فانكفأ كل رجل من المسلمين، على رديفه فقتله، غير ~~رجل من اليهود، أعجزهم شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، وقدموا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فبصق في شجة # PageV03P318 # عبد الله بن أنيس، فلم تقح، ولم تؤذه حتى مات. # ومنها: سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك في ثلاثين ms0789 رجلا، فخرج ~~إليهم، فلقي رعاء الشاء، فاستاق الشاء والنعم، ورجع إلى المدينة، فأدركه ~~الطلب عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فولى ~~منهم من ولى، وأصيب منهم من أصيب، وقاتل بشير قتالا شديدا، ورجع القوم ~~بنعمهم وشائهم، وتحامل بشير حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برئت ~~جراحه، فرجع إلى المدينة. # «ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية إلى الحرقة، من جهينة ~~وفيهم أسامة بن زيد، فلما دنا منهم بعث الأمير الطلائع، فلما رجعوا بخبرهم، ~~أقبل حتى إذا دنا منهم ليلا، وقد احتلبوا وهدءوا، قام فحمد الله، وأثنى ~~عليه بما هو أهله، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن ~~تطيعوني، ولا تعصوني، ولا تخالفوا أمري، فإنه لا رأي لمن لا يطاع، ثم ~~رتبهم، وقال: يا فلان أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يفارق كل منكما ~~صاحبه وزميله، وإياكم أن يرجع أحد منكم فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، ~~فإذا كبرت فكبروا وجردوا السيوف، ثم كبروا وحملوا حملة واحدة، وأحاطوا ~~بالقوم، وأخذتهم سيوف الله فهم يضعونها منهم حيث شاءوا وشعارهم "أمت أمت» . # «وخرج أسامة في أثر رجل منهم يقال له مرداس بن نهيك، فلما دنا منه ولحمه ~~بالسيف، قال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم استاقوا الشاء والنعم والذرية، ~~وكانت سهمانهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من النعم، فلما قدموا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر بما صنع أسامة، فكبر ذلك عليه، وقال: " ~~أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ فقال: إنما قالها متعوذا، قال: فهلا ~~شققت عن قلبه "، ثم قال: "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة " فما زال ~~يكرر ذلك عليه حتى تمنى أن يكون أسلم # PageV03P319 # يومئذ، وقال: يا رسول الله أعطي الله عهدا ألا أقتل رجلا يقول: لا إله ~~إلا الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بعدي" فقال: أسامة ~~بعدك» . ### | [فصل في سرية غالب الكلبي إلى بني الملوح] # فصل # وبعث رسول ms0790 الله - صلى الله عليه وسلم - غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني ~~الملوح بالكديد، وأمره أن يغير عليهم. # قال ابن إسحاق: فحدثني يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله الجهني، عن ~~جندب بن مكيث الجهني، قال: كنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بقديد لقينا ~~به الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إنما جئت لأسلم، فقال ~~له غالب بن عبد الله: إن كنت إنما جئت لتسلم، فلا يضرك رباط يوم وليلة، وإن ~~كنت على غير ذلك استوثقنا منك، فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود، وقال ~~له: امكث معه حتى نمر عليك، فإذا عازك، فاحتز رأسه، فمضينا حتى أتينا بطن ~~الكديد، فنزلناه عشية بعد العصر، فبعثني أصحابي إليه، فعمدت إلى تل يطلعني ~~على الحاضر، فانبطحت عليه وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني ~~منبطحا على التل، فقال لامرأته: إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في ~~أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك، فنظرت فقالت: لا ~~والله لا أفقد شيئا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، # PageV03P320 # فناولته، فرماني بسهم فوضعه في جنبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني ~~بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته، ولم أتحرك، فقال لامرأته: أما ~~والله، لقد خالطه سهامي، ولو كان ربيئة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي، ~~فخذيهما لا تمضغهما الكلاب علي، قال: فأمهلناهم حتى إذا راحت روائحهم، ~~واحتلبوا وسكنوا، وذهبت عتمة الليل، شننا عليهم الغارة، فقتلنا من قتلنا، ~~واستقنا النعم، فوجهنا قافلين به، وخرج صريخهم إلى قومهم، وخرجنا سراعا حتى ~~نمر بالحارث بن مالك وصاحبه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريخ الناس، فجاءنا ~~ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد، ~~أرسل الله عز وجل من حيث شاء سيلا، لا والله ما رأينا قبل ذلك مطرا، فجاء ~~بما لا يقدر أحد يقدم علي، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا ما يقدر أحد ~~منهم أن يقدم عليه، ونحن نحدوها، فذهبنا سراعا حتى ms0791 أسندناها في المشلل، ثم ~~حدرناها عنه، فأعجزنا القوم بما في أيدينا. # وقد قيل: إن هذه السرية هي السرية التي قبلها. والله أعلم. ### | [فصل في سرية بشير بن سعد إلى جمع يمن وغطفان وحيان] # فصل # ثم قدم حسيل بن نويرة، وكان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر، ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما وراءك؟ "، قال: تركت جمعا من ~~يمن وغطفان وحيان، وقد بعث إليهم عيينة، إما أن تسيروا إلينا، وإما أن نسير ~~إليكم، فأرسلوا إليه أن سر إلينا، وهم يريدونك، أو بعض أطرافك، فدعا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعمر، فذكر لهما ذلك، فقالا جميعا: ~~ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة # PageV03P321 # رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنوا النهار، وخرج معهم حسيل دليلا، ~~فساروا الليل وكمنوا النهار، حتى أتوا أسفل خيبر، حتى دنوا من القوم ~~فأغاروا على سرحهم، وبلغ الخبر جمعهم، فتفرقوا، فخرج بشير في أصحابه حتى ~~أتى محالهم، فيجدها ليس بها أحد، فرجع بالنعم، فلما كانوا بسلاح، لقوا عينا ~~لعيينة، فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة وعيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثم انكشف ~~جمع عيينة، وتبعهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصابوا منهم ~~رجلين، فقدموا بهما على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلما فأرسلهما. # وقال الحارث بن عوف لعيينة وقد لقيه منهزما تعدو به فرسه: قف. قال: لا ~~أقدر خلفي الطلب. فقال له الحارث: أما آن لك أن تبصر بعض ما أنت عليه، وأن ~~محمدا قد وطئ البلاد، وأنت توضع في غير شيء؟ قال الحارث: فأقمت من حين زالت ~~الشمس إلى الليل وما أرى أحدا، ولا طلبوه، إلا الرعب الذي دخله. ### | [فصل في سرية ابن أبي حدرد] # فصل # وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أبي حدرد الأسلمي في سرية ~~وكان من قصته ما ذكر ابن إسحاق: أن رجلا من جشم بن معاوية يقال له: قيس بن ~~رفاعة، أو رفاعة بن قيس، أقبل في عدد كثير حتى نزلوا ms0792 بالغابة، يريد أن يجمع ~~قيسا على محاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ذا اسم وشرف في ~~جشم، قال: فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلين من المسلمين، ~~فقال: "اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم " فقدم إلينا شارفا ~~عجفاء، فحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها ~~بأيديهم حتى استقلت وما كادت، وقال: "تبلغوا على هذه " فخرجنا ومعنا سلاحنا ~~من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس، فكمنت في ~~ناحية، وأمرت صاحبي، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، قلت لهما: إذا ~~سمعتماني قد كبرت وشددت في # PageV03P322 # ناحية العسكر، فكبرا وشدا معي، فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى ~~شيئا، وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ~~ذلك البلد، فأبطأ عليهم، حتى تخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس، فأخذ ~~سيفه فجعله في عنقه، وقال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا، والله لقد أصابه ~~شر، فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب نحن نكفيك، فقال: والله لا يذهب إلا ~~أنا. # قالوا: فنحن معك، وقال: والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى يمر بي، فلما ~~أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، فوثبت إليه فاحتززت ~~رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر، وكبرت، وشد صاحباي فكبرا، فوالله ما كان ~~إلا النجاء ممن كان فيه: عندك عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم، ~~وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة، فجئنا بها إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك ~~الإبل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي، فجمعت إلي أهلي، وكنت قد تزوجت امرأة من ~~قومي، فأصدقتها مائتي درهم، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أستعينه ~~على نكاحي، فقال: والله ما عندي ما أعينك، فلبثت أياما ثم ذكر هذه السرية. ### | [فصل في بعثه سرية إلى إضم] # فصل # وبعث سرية ms0793 إلى إضم، وكان فيهم أبو قتادة، ومحلم بن جثامة، في نفر من ~~المسلمين، فمر بهم عامر بن الأضبط الأشجعي، على قعود له معه متيع له، ووطب ~~من لبن، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فأمسكوا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة ~~فقتله؛ لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدموا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أخبروه الخبر، فنزل فيهم القرآن: {ياأيها الذين ~~آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ~~لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من ~~قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 94] # PageV03P323 # [النساء: 94] ، فلما قدموا، أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أقتلته بعدما قال: آمنت بالله"؟ # ولما كان عام خيبر، جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي ~~وهو سيد قيس، وكان الأقرع بن حابس يرد عن محلم، وهو سيد خندف، «فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لقوم عامر: "هل لكم أن تأخذوا الآن منا خمسين ~~بعيرا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ " فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه ~~حتى أذيق نساءه من الحرقة مثل ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتى رضوا بالدية، ~~فجاءوا بمحلم حتى يستغفر له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قام بين ~~يديه، قال: اللهم لا تغفر لمحلم، وقالها ثلاثا، فقام وإنه ليتلقى دموعه ~~بطرف ثوبه» . # قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وحدثني ~~سالم أبو النضر، قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس، فخلا بهم، ~~فقال: يا معشر قيس سألكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتيلا تتركونه ~~ليصلح به بين الناس، فمنعتموه إياه. أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيغضب الله عليكم لغضبه، أو يلعنكم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيلعنكم الله بلعنته، والله لتسلمنه إلى رسول الله ms0794 - صلى الله ~~عليه وسلم - أو لآتين بخمسين من بني تميم، كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى ~~قط، فلأطلن دمه، فلما قال ذلك أخذوا الدية. # PageV03P324 ### | [فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهمي] # فصل # في سرية عبد الله بن حذافة السهمي # ثبت في " الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزل قوله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~[النساء: 59] [النساء: 59] ، في عبد الله بن حذافة السهمي، بعثه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في سرية. # وثبت في " الصحيحين " أيضا من حديث الأعمش، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد ~~الرحمن السلمي، عن علي - رضي الله عنه - قال: «استعمل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رجلا من الأنصار على سرية، بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، ~~قال: فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، ~~فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسمعوا ~~لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: ~~إنما فررنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار، فسكن غضبه ~~وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك ~~له، فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» " وهذا هو ~~عبد الله بن حذافة السهمي. # PageV03P325 # فإن قيل: فلو دخلوها دخلوها طاعة لله ورسوله في ظنهم، فكانوا متأولين ~~مخطئين، فكيف يخلدون فيها؟ قيل: لما كان إلقاء نفوسهم في النار معصية ~~يكونون بها قاتلي أنفسهم، فهموا بالمبادرة إليها من غير اجتهاد منهم: هل هو ~~طاعة وقربة أو معصية؟ كانوا مقدمين على ما هو محرم عليهم، ولا تسوغ طاعة ~~ولي الأمر فيه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكانت طاعة من أمرهم ~~بدخول النار معصية لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سبب العقوبة؛ لأنها نفس ~~المعصية، فلو دخلوها لكانوا عصاة لله ورسوله، وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، ~~فلم تدفع طاعتهم لولي الأمر معصيتهم لله ms0795 ورسوله؛ لأنهم قد علموا أن من قتل ~~نفسه فهو مستحق للوعيد، والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يقدموا ~~على هذا النهي طاعة لمن لا تجب طاعته إلا في المعروف. # فإذا كان هذا حكم من عذب نفسه طاعة لولي الأمر، فكيف من عذب مسلما لا ~~يجوز تعذيبه طاعة لولي الأمر. # وأيضا فإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها لما خرجوا منها مع قصدهم ~~طاعة الله ورسوله بذلك الدخول، فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعة ~~الرغبة والرهبة الدنيوية. # وإذا كان هؤلاء لو دخلوها لما خرجوا منها، مع كونهم قصدوا طاعة الأمير، ~~وظنوا أن ذلك طاعة لله ورسوله، فكيف بمن دخلها من هؤلاء الملبسين # PageV03P326 # إخوان الشياطين، وأوهموا الجهال أن ذلك ميراث من إبراهيم الخليل، وأن ~~النار قد تصير عليهم بردا وسلاما، كما صارت على إبراهيم، وخيار هؤلاء ملبوس ~~عليه يظن أنه دخلها بحال رحماني، وإنما دخلها بحال شيطاني، فإذا كان لا ~~يعلم بذلك، فهو ملبوس عليه، وإن كان يعلم به، فهو ملبس على الناس يوهمهم ~~أنه من أولياء الرحمن، وهو من أولياء الشيطان، وأكثرهم يدخلها بحال بهتاني ~~وتحيل إنساني، فهم في دخولها في الدنيا ثلاثة أصناف: ملبوس عليه، وملبس، ~~ومتحيل، ونار الآخرة أشد عذابا وأبقى. ### | [فصل في عمرة القضية] ### | عام عمرة القضية # فصل # في عمرة القضية # قال نافع: كانت في ذي القعدة سنة سبع، وقال سليمان التيمي: لما رجع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر، بعث السرايا، وأقام بالمدينة حتى ~~استهل ذو القعدة، ثم نادى في الناس بالخروج. # قال موسى بن عقبة: ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العام ~~المقبل من عام الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده ~~فيه المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ يأجج، وضع الأداة كلها الحجف ~~والمجان، والنبل، والرماح، ودخلوا بسلاح الراكب السيوف، وبعث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن ~~حزن العامرية، ms0796 فخطبها إليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت ~~أختها أم الفضل تحته، فزوجها العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه، فقال: "اكشفوا عن ~~المناكب، واسعوا في الطواف "؛ ليرى المشركون جلدهم وقوتهم. # وكان يكايدهم بكل ما استطاع، فوقف أهل مكة: الرجال والنساء # PageV03P327 # والصبيان ينظرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهم ~~يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يرتجز متوشحا بالسيف يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله # في صحف تتلى على رسوله ... يا رب إني مؤمن بقيله # إني رأيت الحق في قبوله ... اليوم نضربكم على تأويله # ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # وتغيب رجال من المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حنقا وغيظا، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاثا، ~~فلما أصبح من اليوم الرابع، أتاه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح ~~حويطب: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن ~~عبادة: كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا نخرج، ثم نادى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حويطبا أو سهيلا، فقال: "إني قد نكحت ~~منكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونضع الطعام فنأكل وتأكلون ~~معنا " فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا، فأمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أبا رافع، فأذن بالرحيل، وركب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى نزل بطن سرف، فأقام بها، وخلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين ~~يمسي، فأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها، وقد لقوا أذى وعناء من سفهاء ~~المشركين وصبيانهم، # PageV03P328 # فبنى بها بسرف ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة، وقدر الله أن يكون قبر ~~ميمونة بسرف حيث بنى ms0797 بها. ### | فصل في زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم # فصل # وأما قول ابن عباس: " «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "تزوج ~~ميمونة، وهو محرم، وبنى بها وهو حلال» " فمما استدرك عليه، وعد من وهمه، ~~قال سعيد بن المسيب: ووهم ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا بعد ما حل. ذكره البخاري. # وقال يزيد بن الأصم عن ميمونة: " «تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ونحن حلالان بسرف» " رواه مسلم. # وقال أبو رافع: " «تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو ~~حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما» " صح ذلك عنه. # وقال سعيد بن المسيب: هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نكح # PageV03P329 # ميمونة، وهو محرم، وإنما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، وكان ~~الحل والنكاح جميعا، فشبه ذلك على الناس. # وقد قيل: إنه تزوجها قبل أن يحرم، وفي هذا نظر إلا أن يكون وكل في العقد ~~عليها قبل إحرامه، وأظن الشافعي ذكر ذلك قولا، فالأقوال ثلاثة. # أحدها: أنه تزوجها بعد حله من العمرة، وهو قول ميمونة نفسها، وقول السفير ~~بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أبو رافع، وقول سعيد بن ~~المسيب، وجمهور أهل النقل. # والثاني: أنه تزوجها وهو محرم، وهو قول ابن عباس وأهل الكوفة وجماعة. # والثالث: أنه تزوجها قبل أن يحرم. # وقد حمل قول ابن عباس أنه "تزوجها وهو محرم " على أنه تزوجها في الشهر ~~الحرام، لا في حال الإحرام، قالوا: ويقال: أحرم الرجل: إذا عقد الإحرام، ~~وأحرم: إذا دخل في الشهر الحرام، وإن كان حلالا بدليل قول الشاعر: # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ورعا فلم أر مثله مقتولا # وإنما قتلوه في المدينة حلالا في الشهر الحرام. # وقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «لا ينكح المحرم ولا ينكح ~~ولا يخطب» ms0798 ". # ولو قدر تعارض القول والفعل هاهنا، لوجب تقديم القول؛ لأن الفعل موافق # PageV03P330 # للبراءة الأصلية، والقول ناقل عنها، فيكون رافعا لحكم البراءة الأصلية، ~~وهذا موافق لقاعدة الأحكام، ولو قدم الفعل، لكان رافعا لموجب القول، والقول ~~رافع لموجب البراءة الأصلية، فيلزم تغيير الحكم مرتين، وهو خلاف قاعدة ~~الأحكام، والله أعلم. ### | [فصل في اختلاف علي وزيد وجعفر في حضانة بنت حمزة] # فصل # «ولما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - الخروج من مكة، تبعتهم ابنة ~~حمزة تنادي: يا عم، يا عم، فتناولها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فأخذ ~~بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، ~~فقال علي: أنا أخذتها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، ~~وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخالتها: ~~وقال: "الخالة بمنزلة الأم "، وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك "، وقال لجعفر: ~~"أشبهت خلقي وخلقي "، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا» ، متفق على صحته. # وفي هذه القصة من الفقه: أن الخالة مقدمة في الحضانة على سائر الأقارب ~~بعد الأبوين. # وأن تزوج الحاضنة بقريب من الطفل لا يسقط حضانتها. نص أحمد - رحمه الله ~~تعالى - في رواية عنه على أن تزويجها لا يسقط حضانتها في الجارية خاصة، ~~واحتج بقصة بنت حمزة هذه، ولما كان ابن العم ليس محرما لم يفرق بينه وبين ~~الأجنبي في ذلك، وقال: تزوج الحاضنة لا يسقط حضانتها للجارية، وقال الحسن ~~البصري: لا يكون تزوجها مسقطا لحضانتها بحال ذكرا كان الولد أو أنثى. # وقد اختلف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال: # PageV03P331 # أحدها: تسقط به ذكرا كان أو أنثى، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ~~وأحمد في إحدى الروايات عنه. # والثاني: لا تسقط بحال، وهو قول الحسن وابن حزم. # والثالث: إن كان الطفل بنتا، لم تسقط الحضانة، وإن كان ذكرا سقطت، وهذه ~~رواية عن أحمد - رحمه الله تعالى - وقال في رواية مهنا: إذا تزوجت الأم ~~وابنها صغير، أخذ منها، قيل له: والجارية مثل الصبي؟ قال: لا، ms0799 الجارية تكون ~~معها إلى سبع سنين، وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى عنه: أنها أحق بالبنت وإن ~~تزوجت إلى أن تبلغ. # والرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل، لم تسقط حضانتها، وإن تزوجت ~~بأجنبي سقطت، ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه يكفي كونه نسيبا فقط، محرما كان أو غير محرم، وهذا ظاهر كلام ~~أصحاب أحمد وإطلاقهم. # الثاني: أنه يشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قول الحنفية. # الثالث: أنه يشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة، بأن يكون جدا ~~للطفل، وهذا قول بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعي. # وفي القصة حجة لمن قدم الخالة على العمة، وقرابة الأم على قرابة الأب، ~~فإنه قضى بها لخالتها، وقد كانت صفية عمتها موجودة إذ ذاك، وهذا قول ~~الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. # وعنه رواية ثانية: أن العمة مقدمة على الخالة - وهي اختيار شيخنا - وكذلك ~~نساء الأب يقدمن على نساء الأم؛ لأن الولاية على الطفل في الأصل للأب، ~~وإنما قدمت عليه الأم لمصلحة الطفل، وكمال تربيته وشفقتها وحنوها، والإناث ~~أقوم بذلك من الرجال، فإذا صار الأمر إلى النساء فقط أو الرجال فقط، كانت ~~قرابة الأب أولى من قرابة الأم، كما يكون الأب أولى من كل ذكر سواه، وهذا ~~قوي جدا. # PageV03P332 # ويجاب عن تقديم خالة ابنة حمزة على عمتها بأن العمة لم تطلب الحضانة، ~~والحضانة حق لها يقضى لها به بطلبه، بخلاف الخالة، فإن جعفرا كان نائبا ~~عنها في طلب الحضانة، ولهذا قضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في ~~غيبتها. # وأيضا فكما أن لقرابة الطفل أن يمنع الحاضنة من حضانة الطفل إذا تزوجت، ~~فللزوج أن يمنعها من أخذه وتفرغها له، فإذا رضي الزوج بأخذه حيث لا تسقط ~~حضانتها لقرابته، أو لكون الطفل أنثى على رواية، مكنت من أخذه، وإن لم يرض ~~فالحق له والزوج هاهنا قد رضي وخاصم في القصة، وصفية لم يكن منها طلب. # وأيضا فابن العم له حضانة الجارية التي لا ms0800 تشتهى في أحد الوجهين، بل وإن ~~كانت تشتهى، فله حضانتها أيضا، وتسلم إلى امرأة ثقة يختارها هو، أو إلى ~~محرمه وهذا هو المختار؛ لأنه قريب من عصباتها، وهو أولى من الأجانب ~~والحاكم، وهذه إن كانت طفلة فلا إشكال، وإن كانت ممن يشتهى، فقد سلمت إلى ~~خالتها، فهي وزوجها من أهل الحضانة، والله أعلم. # وقول زيد: ابنة أخي، يريد الإخاء الذي عقده رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينه وبين حمزة لما واخى بين المهاجرين، فإنه واخى بين أصحابه ~~مرتين، فواخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض قبل الهجرة على الحق، والمواساة، ~~وآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان وعبد الرحمن ~~بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن ~~عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن ~~زيد وطلحة بن عبيد الله. # والمرة الثانية: آخى بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك بعد ~~مقدمه المدينة. ### | [فصل في الاختلاف في تسميتها بعمرة القضاء] # فصل # واختلف في تسمية هذه العمرة بعمرة القضاء، هل هو لكونها قضاء للعمرة التي ~~صدوا عنها أو من المقاضاة؟ على قولين تقدما، قال الواقدي: حدثني # PageV03P333 # عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكن هذه العمرة قضاء، ~~ولكن كان شرطا على المسلمين أن يعتمروا في الشهر الذي حاصرهم فيه المشركون. # واختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: # أحدها: أن من أحصر عن العمرة يلزمه الهدي والقضاء، وهذا إحدى الروايات عن ~~أحمد، بل أشهرها عنه. # والثاني: لا قضاء عليه، وعليه الهدي، وهو قول الشافعي، ومالك في ظاهر ~~مذهبه، ورواية أبي طالب عن أحمد. # والثالث: يلزمه القضاء، ولا هدي عليه، وهو قول أبي حنيفة. # والرابع: لا قضاء عليه، ولا هدي، وهو إحدى الروايات عن أحمد. # فمن أوجب عليه القضاء والهدي، احتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه نحروا الهدي حين صدوا عن البيت، ثم قضوا من قابل، قالوا: والعمرة ms0801 ~~تلزم بالشروع فيها، ولا يسقط الوجوب إلا بفعلها ونحر الهدي لأجل التحلل قبل ~~تمامها، وقالوا: وظاهر الآية يوجب الهدي، لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي} [البقرة: 196] [البقرة: 196] . # ومن لم يوجبهما قالوا: لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين ~~أحصروا معه بالقضاء، ولا أحدا منهم، ولا وقف الحل على نحرهم الهدي بل أمرهم ~~أن يحلقوا رءوسهم وأمر من كان معه هدي أن ينحر هديه. # ومن أوجب الهدي دون القضاء احتج بقوله: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] . # ومن أوجب القضاء دون الهدي، احتج بأن العمرة تلزم بالشروع، فإذا أحصر جاز ~~له تأخيرها لعذر الإحصار، فإذا زال الحصر، أتى بها بالوجوب السابق، ولا ~~يوجب تخلل التحلل بين الإحرام بها أولا وبين فعلها في وقت الإمكان، شيئا، ~~وظاهر القرآن يرد هذا القول، ويوجب الهدي دون القضاء؛ لأنه جعل الهدي هو ~~جميع ما على المحصر، فدل على أنه يكتفى به منه. والله أعلم. # PageV03P334 ### | [فصل في وقت النحر للمحصر] # فصل # وفي نحره - صلى الله عليه وسلم - لما أحصر بالحديبية، دليل على أن المحصر ~~ينحر هديه وقت حصره، وهذا لا خلاف فيه إذا كان محرما بعمرة، وإن كان مفردا ~~أو قارنا ففيه قولان: # أحدهما: أن الأمر كذلك، وهو الصحيح؛ لأنه أحد النسكين، فجاز الحل منه، ~~ونحر هديه وقت حصره كالعمرة؛ لأن العمرة لا تفوت، وجميع الزمان وقت لها، ~~فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها، فالحج الذي يخشى فواته ~~أولى، وقد قال أحمد في رواية حنبل: إنه لا يحل ولا ينحر الهدي إلى يوم ~~النحر، ووجه هذا، أن للهدي محل زمان ومحل مكان، فإذا عجز عن محل المكان لم ~~يسقط عنه محل الزمان؛ لتمكنه من الإتيان بالواجب في محله الزماني، وعلى هذا ~~القول لا يجوز له التحلل قبل يوم النحر لقوله: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} [البقرة: 196] [البقرة: 196] . ### | [المحصر بالعمرة يتحلل] # فصل # وفي نحره - صلى الله عليه وسلم - وحله، دليل على أن المحصر بالعمرة ~~يتحلل، وهذا قول ms0802 الجمهور. وقد روي عن مالك - رحمه الله - أن المعتمر لا ~~يتحلل؛ لأنه لا يخاف الفوت وهذا تبعد صحته عن مالك - رحمه الله - لأن الآية ~~إنما نزلت في الحديبية، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كلهم ~~محرمين بعمرة، وحلوا كلهم وهذا مما لا يشك فيه أحد من أهل العلم. ### | [المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم] # فصل # وفي ذبحه - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية، وهي من الحل بالاتفاق، دليل ~~على أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من حل أو حرم، وهذا قول الجمهور، وأحمد، ~~ومالك، والشافعي. # وعن أحمد - رحمه الله - رواية أخرى، أنه ليس له نحر هديه، إلا في الحرم، ~~فيبعثه إلى الحرم ويواطئ رجلا على أن ينحره في وقت يتحلل فيه، # PageV03P335 # وهذا يروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وجماعة من التابعين، وهو قول ~~أبي حنيفة. # وهذا إن صح عنهم فينبغي حمله على الحصر الخاص: وهو أن يتعرض ظالم لجماعة ~~أو لواحد، وأما الحصر العام: فالسنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تدل على خلافه، والحديبية من الحل باتفاق الناس، وقد قال الشافعي: ~~بعضها من الحل، وبعضها من الحرم، قلت: ومراده أن أطرافها من الحرم وإلا فهي ~~من الحل باتفاقهم. # وقد اختلف أصحاب أحمد - رحمه الله - في المحصر إذا قدر على أطراف الحرم، ~~هل يلزمه أن ينحر فيه؟ فيه وجهان لهم. # والصحيح أنه لا يلزمه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه في ~~موضعه، مع قدرته على أطراف الحرم، وقد أخبر الله سبحانه أن الهدي كان ~~محبوسا عن بلوغ محله، ونصب (الهدي) بوقوع فعل الصد عليه؛ أي صدوكم عن ~~المسجد الحرام، وصدوا الهدي عن بلوغ محله، ومعلوم أن صدهم وصد الهدي استمر ~~ذلك العام ولم يزل، فلم يصلوا فيه إلى محل إحرامهم، ولم يصل الهدي إلى محل ~~نحره والله أعلم. ### | [فصل في غزوة مؤتة] ### | أحداث غزوة مؤتة # فصل # في غزوة مؤتة # وهي بأدنى البلقاء من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وكان ms0803 ~~سببها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير الأزدي - ~~أحد بني لهب - بكتابه إلى الشام، إلى ملك الروم أو بصرى، فعرض له شرحبيل بن ~~عمرو الغساني، فأوثقه رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يقتل لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رسول غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوث، ~~واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: " «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على ~~الناس، فإن أصيب جعفر، # PageV03P336 # فعبد الله بن رواحة» ". # فتجهز الناس وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم، ودع الناس أمراء رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وسلموا عليهم، فبكى عبد الله بن رواحة، فقالوا: ما ~~يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وإن ~~منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} [مريم: 71] [مريم: 71] ، فلست ~~أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفع ~~عنكم وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة: # لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا # أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا # حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا # ثم مضوا حتى نزلوا معان، فبلغ الناس أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من ~~الروم، وانضم إليهم من لخم، وجذام، وبلقين، وبهراء، وبلي، مائة ألف، فلما ~~بلغ ذلك المسلمين، أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا ~~بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة ~~فقال: يا قوم: والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل ~~الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به ~~الله، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظفر وإما شهادة. # فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، ms0804 لقيتهم الجموع بقرية يقال لها: # PageV03P337 # مشارف، فدنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبى ~~المسلمون، ثم اقتتلوا والراية في يد زيد بن حارثة، فلم يزل يقاتل بها حتى ~~شاط في رماح القوم، وخر صريعا، وأخذها جعفر، فقاتل بها حتى إذا أرهقه ~~القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل حتى قتل، فكان جعفر أول من عقر فرسه ~~في الإسلام عند القتال، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره، ~~فاحتضن الراية، حتى قتل وله ثلاث وثلاثون سنة، ثم أخذها عبد الله بن رواحة ~~وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم نزل فأتاه ~~ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما ~~لقيت، فأخذها من يده، فانتهس منها نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، ~~فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، وتقدم فقاتل حتى قتل، ~~ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني عجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا ~~على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن ~~الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاش بهم، ثم انحاز بالمسلمين وانصرف ~~بالناس. # وقد ذكر ابن سعد أن الهزيمة كانت على المسلمين، والذي في " صحيح البخاري ~~"، أن الهزيمة كانت على الروم. # والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أن كل فئة انحازت عن الأخرى. # وأطلع الله سبحانه على ذلك رسوله من يومهم ذلك، فأخبر به أصحابه وقال: " ~~«لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في # PageV03P338 # سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه» "، فقلت: " عم هذا؟ " ~~فقيل لي: مضيا، وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى. # وذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن المسيب، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «مثل لي جعفر، وزيد، وابن رواحة، في خيمة ~~من در، كل واحد منهم على سرير، فرأيت زيدا وابن رواحة في ms0805 أعناقهما صدود، ~~ورأيت جعفرا مستقيما، ليس فيه صدود، قال: فسألت أو قيل لي: إنهما حين ~~غشيهما الموت أعرضا، أو كأنهما صدا بوجوههما، وأما جعفر فإنه لم يفعل» ". # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جعفر: " «إن الله أبدله بيديه ~~جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء» ". # قال أبو عمر: وروينا عن ابن عمر، أنه قال: "وجدنا ما بين صدر جعفر ~~ومنكبيه وما أقبل منه، تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح ". # وقال موسى بن عقبة: «قدم يعلى بن منية على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئت ~~فأخبرني وإن شئت أخبرتك" قال: أخبرني يا رسول الله، فأخبره - صلى الله عليه ~~وسلم - خبرهم كله، ووصفهم له، فقال: والذي بعثك بالحق، ما تركت من حديثهم ~~حرفا واحدا لم تذكره، وإن أمرهم لكما ذكرت، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم» # واستشهد يومئذ: جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، # PageV03P339 # ومسعود بن الأوس، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعباد بن قيس، وحارثة بن ~~النعمان، وسراقة بن عمرو بن عطية، وأبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد، وعامر ~~وعمرو ابنا سعيد بن الحارث، وغيرهم. # قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث عن زيد بن أرقم، ~~قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره، ذلك مردفي على ~~حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد: # إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء # فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي # وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مستنهى الثواء ### | [فصل وهم في الترمذي بإنشاد ابن رواحة يوم الفتح] # فصل # وقد وقع في الترمذي وغيره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ~~يوم الفتح، وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد: # خلوا بني الكفار عن سبيله # الأبيات. # وهذا وهم ms0806 فإن ابن رواحة قتل في هذه الغزوة، وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، ~~وإنما كان ينشد بين يديه شعر ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل ~~النقل. ### | [فصل في غزوة ذات السلاسل] ### | أحداث غزوة ذات السلاسل # فصل # في غزوة ذات السلاسل # وهي وراء وادي القرى، بضم السين الأولى وفتحها، لغتان، وبينها وبين # PageV03P340 # المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان. # قال ابن سعد: بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جمعا من قضاعة قد ~~تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف المدينة، فدعا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عمرو بن العاص، فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ~~ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسا، وأمره أن يستعين ~~بمن مر به من بلي، وعذرة، وبلقين، فسار الليل، وكمن النهار، فلما قرب من ~~القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين، ~~وعقد له لواء، وبعث له سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره ~~أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن ~~يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قدمت علي مددا وأنا الأمير، فأطاعه أبو عبيدة ~~فكان عمرو يصلي بالناس، وسار حتى وطئ بلاد قضاعة، فدوخها حتى أتى إلى أقصى ~~بلادهم. ولقي في آخر ذلك جمعا، فحمل عليهم المسلمون، فهربوا في البلاد، ~~وتفرقوا، وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخبره بقفولهم وسلامتهم، وما كان في غزاتهم. # وذكر ابن إسحاق نزولهم على ماء لجذام، يقال له: السلسل، قال: وبذلك سميت ~~ذات السلاسل. # قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود عن عامر، قال: بعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - جيش ذات السلاسل، فاستعمل أبا عبيدة على ~~المهاجرين، واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب، وقال لهما: " تطاوعا "، ~~قال: وكانوا أمروا أن ms0807 يغيروا على بكر، فانطلق عمرو وأغار على قضاعة؛ لأن ~~بكرا أخواله، قال: فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة، فقال: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - استعملك علينا، وإن ابن فلان قد اتبع أمر ~~القوم فليس لك # PageV03P341 # معه أمر، فقال أبو عبيدة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن ~~نتطاوع، فأنا أطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن عصاه عمرو. ### | [فصل في قصة تيمم ابن العاص من الجنابة] # فصل # وفي هذه الغزوة «احتلم أمير الجيش عمرو بن العاص، وكانت ليلة باردة، فخاف ~~على نفسه من الماء، فتيمم وصلى بأصحابه الصبح، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ ". فأخبره بالذي منعه ~~من الاغتسال، وقال إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما} [النساء: 29] [النساء: 29] . فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يقل شيئا» ، وقد احتج بهذه القصة من قال: إن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه جنبا بعد تيممه، وأجاب من نازعهم في ذلك ~~بثلاثة أجوبة: # أحدها: أن الصحابة لما شكوه قالوا: صلى بنا الصبح وهو جنب، فسأله النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وقال: "صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " استفهاما ~~واستعلاما، فلما أخبره بعذره وأنه تيمم للحاجة أقره على ذلك. # الثاني: أن الرواية اختلفت عنه، فروي عنه فيها أنه غسل مغابنه، وتوضأ ~~وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم، ولم يذكر التيمم، وكأن هذه الرواية أقوى من ~~رواية التيمم، قال عبد الحق وقد ذكرها وذكر رواية التيمم قبلها، ثم قال: ~~وهذا أوصل من الأول؛ لأنه عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي القيس مولى # PageV03P342 # عمرو عن عمرو. والأولى التي فيها التيمم، من رواية عبد الرحمن بن جبير، ~~عن عمرو بن العاص، لم يذكر بينهما أبا قيس. # الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يستعلم فقه عمرو في ~~تركه الاغتسال، فقال له: "صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فلما أخبره أنه ms0808 تيمم ~~للحاجة علم فقهه، فلم ينكر عليه، ويدل عليه أن ما فعله عمرو من التيمم - ~~والله أعلم - خشية الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمم في هذه ~~الحال جائزة غير منكر على فاعلها، فعلم أنه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله ~~أعلم. ### | [فصل في سرية الخبط] ### | عام سرية الخبط # فصل # في سرية الخبط # وكان أميرها أبا عبيدة بن الجراح، وكانت في رجب سنة ثمان فيما أنبأنا به ~~الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس في كتاب " عيون الأثر " له، وهو عندي ~~وهم كما سنذكره إن شاء الله تعالى. # قالوا: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة بن الجراح في ~~ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب إلى حي من جهينة ~~بالقبلية، مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في ~~الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط وألقى إليهم البحر حوتا عظيما، فأكلوا منه ~~ثم انصرفوا ولم يلقوا كيدا، وفي هذا نظر فإن في " الصحيحين " من حديث جابر ~~قال: " بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثمائة راكب، أميرنا ~~أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط، ~~فسمي جيش الخبط، فنحر رجل ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث ~~جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إلينا البحر دابة يقال لها: العنبر، ~~فأكلنا منها نصف شهر، وادهنا من ودكها حتى # PageV03P343 # ثابت إلينا أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنظر إلى ~~أطول رجل في الجيش، وأطول جمل فحمل عليه، ومر تحته وتزودنا من لحمه وشائق، ~~فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا له ذلك ~~فقال: " «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا؟ فأرسلنا ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فأكل» ". # قلت: وهذا السياق يدل على أن هذه الغزوة كانت قبل الهدنة، وقبل عمرة ~~الحديبية، فإنه من حين صالح أهل مكة بالحديبية لم يكن يرصد لهم عيرا، بل ~~كان ms0809 زمن أمن وهدنة إلى حين الفتح، ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه ~~مرتين مرة قبل الصلح ومرة بعده، والله أعلم. ### | [فصل في فقه هذه القصة] # فصل # في فقه هذه القصة # لم يحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار ~~فيه ولا بعث فيه سرية # ففيها جواز القتال في الشهر الحرام، إن كان ذكر التاريخ فيها برجب ~~محفوظا، والظاهر - والله أعلم - أنه وهم غير محفوظ، إذ لم يحفظ عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار فيه، ولا بعث فيه ~~سرية، وقد عير المشركون المسلمين بقتالهم في أول رجب في قصة العلاء بن ~~الحضرمي، فقالوا: استحل محمد الشهر الحرام. وأنزل الله في ذلك: {يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] الآية [البقرة: ~~217] ، ولم يثبت نسخ هذا بنص # PageV03P344 # يجب المصير إليه، ولا أجمعت الأمة على نسخه، وقد استدل على تحريم القتال ~~في الأشهر الحرم بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] [التوبة: 5] ، ولا حجة في هذا؛ لأن الأشهر الحرم ~~هاهنا هي أشهر التسيير الأربعة التي سير الله فيها المشركين في الأرض ~~يأمنون فيها، وكان أولها يوم الحج الأكبر عاشر ذي الحجة، وآخرها عاشر ربيع ~~الآخر، هذا هو الصحيح في الآية لوجوه عديدة ليس هذا موضعها. # وفيها: جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة وكذلك عشب الأرض. # وفيها: جواز نهي الإمام وأمير الجيش للغزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجوا ~~إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهرهم عند لقاء عدوهم، ويجب عليهم الطاعة إذا ~~نهاهم. # وفيها: جواز أكل ميتة البحر وأنها لم تدخل في قوله عز وجل: {حرمت عليكم ~~الميتة والدم} [المائدة: 3] [المائدة: 3] ، وقد قال تعالى: {أحل لكم صيد ~~البحر وطعامه متاعا لكم} [المائدة: 96] [المائدة: 5] ، وقد صح عن أبي بكر ~~الصديق، وعبد الله بن عباس، وجماعة من الصحابة، أن صيد البحر ما صيد منه ~~وطعامه ما مات فيه، وفي السنن عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا: " «أحلت ms0810 لنا ~~ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» ~~"، حديث حسن. وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا، ~~وحرم # PageV03P345 # علينا، ينصرف إلى إحلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحريمه. # فإن قيل فالصحابة في هذه الواقعة كانوا مضطرين، ولهذا لما هموا بأكلها ~~قالوا: إنها ميتة، وقالوا: نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن ~~مضطرون، فأكلوا، وهذا دليل على أنهم لو كانوا مستغنين عنها لما أكلوا منها. # قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين ولكن هيأ الله لهم من الرزق أطيبه وأحله، ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بعد أن قدموا: " «هل بقي معكم من ~~لحمه شيء؟ " قالوا: نعم، فأكل منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: " ~~إنما هو رزق ساقه الله لكم» " ولو كان هذا رزق مضطر لم يأكل منه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في حال الاختيار، ثم لو كان أكلهم منها للضرورة، ~~فكيف ساغ لهم أن يدهنوا من ودكها، وينجسوا به ثيابهم وأبدانهم، وأيضا فكثير ~~من الفقهاء لا يجوز الشبع من الميتة، إنما يجوزون منها سد الرمق، والسرية ~~أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم، وسمنوا، وتزودوا منها. # فإن قيل: إنما يتم لكم الاستدلال بهذه القصة إذا كانت تلك الدابة قد ماتت ~~في البحر، ثم ألقاها ميتة، ومن المعلوم أنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون ~~البحر قد جزر عنها وهي حية فماتت بمفارقة الماء، وذلك ذكاتها وذكاة حيوان ~~البحر، ولا سبيل إلى دفع هذا الاحتمال، كيف وفي بعض طرق الحديث: "فجزر ~~البحر عن حوت كالظرب " قيل: هذا الاحتمال مع بعده جدا فإنه يكاد يكون خرقا ~~للعادة، فإن مثل هذه الدابة إذا كانت حية إنما تكون في لجة البحر وثبجه دون ~~ساحله وما رق منه ودنا من البر، وأيضا فإنه لا يكفي ذلك في الحل؛ لأنه إذا ~~شك في السبب الذي مات به الحيوان، هل هو سبب مبيح له أو غير مبيح؟ لم يحل ~~الحيوان، كما قال النبي - صلى الله ms0811 عليه وسلم - في الصيد يرمى بالسهم، ثم ~~يوجد في الماء: وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء ~~قتله أو سهمك " فلو كان الحيوان البحري حراما إذا مات في البحر لم يبح. ~~وهذا مما لا يعلم فيه خلاف بين الأئمة. # وأيضا فلو لم تكن هذه النصوص مع المبيحين، لكان القياس الصحيح # PageV03P346 # معهم، فإن الميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث ~~فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات، كانت سبب الحل، وإلا ~~فالموت لا يقتضي التحريم، فإنه حاصل بالذكاة كما يحصل بغيرها، وإذا لم يكن ~~في الحيوان دم وفضلات تزيلها الذكاة لم يحرم بالموت ولم يشترط لحله ذكاة ~~كالجراد، ولهذا لا ينجس بالموت ما لا نفس له سائلة كالذباب، والنحلة، ~~ونحوهما، والسمك، من هذا الضرب، فإنه لو كان له دم وفضلات تحتقن بموته لم ~~يحل لموته بغير ذكاة، ولم يكن فرق بين موته في الماء، وموته خارجه، إذ من ~~المعلوم أن موته في البر لا يذهب تلك الفضلات التي تحرمه عند المحرمين إذا ~~مات في البحر، ولو لم يكن في المسألة نصوص لكان هذا القياس كافيا، والله ~~أعلم. ### | [فصل في جواز الاجتهاد في الوقائع في حياته صلى الله عليه وسلم] # فصل # وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الاجتهاد، وعدم ~~تمكنهم من مراجعة النص وقد اجتهد أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بين يدي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عدة من الوقائع، وأقرهما على ذلك، لكن ~~في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية، فإن هذا لم يقع من أحد ~~من الصحابة في حضوره - صلى الله عليه وسلم - البتة. ### | [فصل في الفتح الأعظم] ### | أسباب الفتح الأعظم # فصل # في الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله، وجنده وحزبه الأمين، ~~واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين، ~~وهو الفتح الذي استبشر ms0812 به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ~~ودخل الناس به في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا، خرج ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتائب الإسلام، وجنود الرحمن سنة ~~ثمان لعشر مضين من رمضان، واستعمل على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين ~~الغفاري. وقال ابن سعد: بل استعمل عبد الله بن أم مكتوم. # PageV03P347 # وكان السبب الذي جر إليه وحدا إليه فيما ذكر إمام أهل السير والمغازي ~~والأخبار محمد بن إسحاق بن يسار، أن بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة عدت على ~~خزاعة، وهم على ماء يقال له: الوتير، فبيتوهم وقتلوا منهم، وكان الذي هاج ~~ذلك أن رجلا من بني الحضرمي يقال له مالك بن عباد، خرج تاجرا، فلما توسط ~~أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من بني ~~خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة على بني الأسود وهم: سلمى، وكلثوم، وذؤيب، ~~فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم، هذا كله قبل المبعث، فلما بعث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وجاء الإسلام حجز بينهم، وتشاغل الناس بشأنه، فلما ~~كان صلح الحديبية بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، وقع ~~الشرط أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده ~~فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ~~وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده، فلما ~~استمرت الهدنة اغتنمها بنو بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم الثأر ~~القديم. # فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر فبيت خزاعة وهم على ~~الوتير، فأصابوا منهم رجالا، وتناوشوا، واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر ~~بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيا ليلا، ذكر ابن سعد منهم: ~~صفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص، حتى حازوا خزاعة إلى ~~الحرم فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم ms0813 إلهك ~~إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري ~~إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه؟! فلما دخلت خزاعة مكة، لجأوا ~~إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولى لهم يقال له: رافع، ويخرج عمرو ~~بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ~~فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه فقال: # يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا # PageV03P348 # قد كنتم ولدا وكنا والدا # ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا ... فانصر هداك الله نصرا أبدا # وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا # أبيض مثل البدر يسمو صعدا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا # في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا # وزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا # هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا # يقول: قتلنا وقد أسلمنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «نصرت ~~يا عمرو بن سالم» "، ثم عرضت سحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: " «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» "، ثم خرج بديل بن ورقاء في ~~نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما ~~أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - للناس: " «كأنكم بأبي سفيان وقد جاء ليشد العقد ويزيد ~~في المدة» ". # ومضى بديل بن ورقاء في أصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، وقد ~~بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشد العقد ويزيد في ~~المدة وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال: من أين ~~أقبلت يا بديل؟ فظن أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: سرت في ~~خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: أوما جئت محمدا؟ قال: لا، ~~فلما راح بديل إلى مكة قال ms0814 أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة، لقد علف بها ~~النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته فرأى فيها النوى، فقال: أحلف ~~بالله لقد جاء بديل محمدا. # PageV03P349 # ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ~~ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه، فقال: يا بنية ~~ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مشرك نجس، فقال: والله لقد أصابك بعدي ~~شر. # ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فلم يرد عليه ~~شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أنا أشفع ~~لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر ~~لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة وحسن غلام يدب ~~بين يديهما فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا ~~أرجعن كما جئت خائبا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله ~~لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، ~~فالتفت إلى فاطمة فقال: " هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس فيكون ~~سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، ~~وما يجير أحد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبا الحسن إني ~~أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئا يغني عنك، ~~ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أوترى ذلك ~~مغنيا عني شيئا، قال: لا والله ما أظنه، ولكني ما أجد لك غير ذلك، فقام أبو ~~سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين ms0815 الناس، ثم ركب بعيره ~~فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ~~ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت عمر بن ~~الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم قد أشار علي بشيء ~~صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: ~~أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، فقالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. ~~قالوا: ويلك # PageV03P350 # والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. # وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بالجهاز، وأمر أهله أن ~~يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تحرك بعض جهاز ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي بنية أمركن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بتجهيزه؟ قالت: نعم فتجهز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: ~~لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنه ~~سائر إلى مكة، فأمرهم بالجد والتجهيز، وقال: " «اللهم خذ العيون والأخبار ~~عن قريش حتى نبغتها في بلادها» " فتجهز الناس. # فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم بمسير رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تبلغه ~~قريشا، فجعلته في قرون في رأسها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والزبير - وغير ابن ~~إسحاق يقول: «بعث عليا والمقداد والزبير - فقال: انطلقا حتى تأتيا روضة ~~خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش، فانطلقا تعادى بهما خيلهما، حتى ~~وجدا المرأة بذلك المكان فاستنزلاها، وقالا: معك كتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، ~~ففتشا رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي -رضي الله عنه - أحلف بالله ما ~~كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب، أو ~~لنجردنك، فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، ms0816 فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت ~~الكتاب منها، فدفعته إليهما فأتيا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يخبرهم بمسير رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إليهم، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاطبا، ~~فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، والله إني لمؤمن ~~بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت ولكني كنت امرءا ملصقا # PageV03P351 # في قريش لست من أنفسهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد وليس لي فيهم قرابة ~~يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ ~~عندهم يدا يحمون بها قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب ~~عنقه فإنه قد خان الله ورسوله وقد نافق، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر ~~فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله ~~أعلم» . # ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم، والناس صيام حتى إذا ~~كانوا بالكديد - وهو الذي تسميه الناس اليوم قديدا - أفطر وأفطر الناس معه. # ثم مضى حتى نزل مر الظهران، وهو بطن مر، ومعه عشرة آلاف وعمى الله ~~الأخبار عن قريش فهم على وجل وارتقاب، وكان أبو سفيان يخرج يتحسس الأخبار، ~~فخرج هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار، وكان العباس قد ~~خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا، فلقي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالجحفة، وقيل فوق ذلك، وكان ممن لقيه في الطريق ابن عمه أبو سفيان ~~بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، لقياه بالأبواء، وهما ابن عمه وابن ~~عمته، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو، فقالت له أم ~~سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان فيما ~~حكاه أبو عمر: ائت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل ms0817 وجهه، فقل له ~~ما قال إخوة يوسف ليوسف: {تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين} ~~[يوسف: 91] # PageV03P352 # [يوسف: 91] . فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك أبو ~~سفيان، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {لا تثريب عليكم اليوم ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 92] [يوسف 92] ، فأنشده أبو سفيان ~~أبياتا، منها: # لعمرك إني حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد # لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى فأهتدي # هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد # فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: "أنت طردتني كل مطرد " ~~وحسن إسلامه بعد ذلك. # ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلم ~~حياء منه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحبه، وشهد له بالجنة ~~وقال: " «أرجو أن يكون خلفا من حمزة» "، ولما حضرته الوفاة، قال: "لا تبكوا ~~علي، فوالله ما نطقت بخطيئة منذ أسلمت " # فلما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر الظهران، نزله عشاء، فأمر ~~الجيش فأوقدوا النيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على الحرس عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. # وركب العباس بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيضاء وخرج يلتمس ~~لعله يجد بعض الحطابة، أو أحدا يخبر قريشا؛ ليخرجوا يستأمنون رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدخلها عنوة، قال: والله إني لأسير عليها إذ ~~سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما ~~رأيت كالليلة # PageV03P353 # نيرانا قط ولا عسكرا، قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، ~~فيقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: ~~فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم، قال: ~~ما لك فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي ms0818 وأمي؟ قلت: والله لئن ~~ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه، قال: فجئت به، ~~فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين قالوا: " من هذا؟ " فإذا رأوا ~~بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عليها، قالوا: عم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من ~~هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله؟ ~~الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وركضت البغلة فسبقت فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا ~~أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذت برأسه، ~~فقلت: والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلا ~~يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت مثل هذا، قال: مهلا ~~يا عباس، " فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي ~~إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من إسلام الخطاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «اذهب به يا ~~عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، فذهبت فلما أصبحت غدوت به إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ " قال: ~~بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله ~~غيره لقد أغنى شيئا بعد، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن ms0819 تعلم أني ~~رسول الله» ؟ " قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه # PageV03P354 # فإن في النفس حتى الآن منها شيئا، فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة ~~الحق " فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له ~~شيئا، قال: نعم " «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو ~~آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن» ". # وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل؛ حتى تمر به ~~جنود الله فيراها، ففعل فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: ~~يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم، قال: فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر به ~~القبيلة، فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ ، فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، ~~حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: ~~ما لي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتيبته ~~الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: ~~سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، ثم قال: ~~والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، قال: قلت: يا أبا ~~سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذا، قال: قلت: النجاء إلى قومك. # وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم ~~يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا. # فلما حاذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان قال: يا رسول الله ~~ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال؟ فقال: كذا وكذا، فقال عثمان وعبد ~~الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «بل اليوم ms0820 يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم ~~أعز الله فيه قريشا» ". ثم أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P355 # إلى سعد فنزع منه اللواء ودفعه إلى قيس ابنه، ورأى أن اللواء لم يخرج عن ~~سعد، إذ صار إلى ابنه، قال أبو عمر: وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما نزع منه الراية دفعها إلى الزبير. # ومضى أبو سفيان حتى إذا جاء قريشا، صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا ~~محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت ~~إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش ~~الساقين قبح من طليعة قوم، قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد ~~جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو ~~آمن، قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو ~~آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. # وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة من أعلاها وضربت له ~~هنالك قبة، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد أن ~~يدخلها من أسفلها، وكان على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة ~~وجهينة، وقبائل من قبائل العرب، وكان أبو عبيدة على الرجالة والحسر، وهم ~~الذين لا سلاح معهم، وقال لخالد ومن معه: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم ~~حصدا حتى توافوني على الصفا، فما عرض لهم أحد إلا أناموه. # وتجمع سفهاء قريش، وأخفاؤها مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل ~~بن عمرو بالخندمة؛ ليقاتلوا المسلمين، وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بني ~~بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له امرأته: ~~لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه ~~شيء، قال: إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال: # إن يقبلوا اليوم فما لي عله ... هذا سلاح ms0821 كامل وأله # PageV03P356 # وذو غرارين سريع السله # ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل بن عمرو، فلما لقيهم المسلمون ~~ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر الفهري، وخنيس بن خالد بن ربيعة من ~~المسلمين، وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذا عنه فسلكا طريقا غير طريقه ~~فقتلا جميعا، وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلا، ثم انهزموا وانهزم حماس ~~صاحب السلاح، حتى دخل بيته فقال لامرأته: أغلقي علي بابي، فقالت: وأين ما ~~كنت تقول؟ فقال: # إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه # واستقبلتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كل ساعد وجمجمه # ضربا فلا نسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت حولنا وهمهمه # لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه # وقال أبو هريرة: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة، فبعث ~~الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث ~~أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في كتيبته، قال: وقد وبشت قريش أوباشا لها، فقالوا: نقدم هؤلاء ~~فإن كان لقريش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: يا أبا هريرة؟ فقلت: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: ~~"اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري "، فهتف بهم فجاءوا، فأطافوا ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ~~" ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: " احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا " ~~فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم إلا شاء، وما أحد منهم وجه إلينا ~~شيئا ". # PageV03P357 # وركزت راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجون عند مسجد الفتح. # ثم نهض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرون والأنصار بين يديه ~~وخلفه وحوله حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه ثم طاف ~~بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ~~بالقوس ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81] ~~الإسراء: 81] ، {جاء الحق وما يبدئ الباطل ms0822 وما يعيد} [سبأ: 49] [سبأ:49] ، ~~والأصنام تتساقط على وجوهها. # وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرما يومئذ فاقتصر على الطواف فلما ~~أكمله، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها ~~فرأى فيها الصور ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فقال: ~~" «قاتلهم الله والله إن استقسما بها قط» ". # ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت. # ثم أغلق عليه الباب وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب، ~~حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع، وقف وصلى هناك، ثم دار في البيت، ~~وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ~~ينتظرون ماذا يصنع، فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال: " «لا إله إلا الله ~~وحده، لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم # PageV03P358 # الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة ~~البيت وسقاية الحاج، ألا وقتل الخطإ شبه العمد السوط والعصا، ففيه الدية ~~مغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله ~~قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب " ~~ثم تلا هذه الآية {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: ~~13] [الحجرات: 13] ، ثم قال: " يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ " ~~قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " فإني أقول لكم كما قال يوسف ~~لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء» ". # PageV03P359 # ثم جلس في المسجد، فقام إليه علي - رضي الله عنه - ومفتاح الكعبة في يده ~~فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «أين عثمان بن طلحة "؟ ، فدعي له فقال له: ~~" هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» ". # وذكر ابن سعد في "الطبقات"عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في ~~الجاهلية يوم ms0823 الاثنين والخميس، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه، فحلم عني، ثم قال: ~~" «يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت، فقلت: لقد هلكت ~~قريش يومئذ وذلت، فقال: بل عمرت وعزت يومئذ، ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني ~~موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال، فلما كان يوم الفتح قال: يا ~~عثمان ائتني بالمفتاح، فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إلي وقال: خذوها خالدة ~~تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا ~~مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» " قال: فلما وليت ناداني فرجعت إليه، ~~فقال: " ألم يكن الذي قلت لك؟ " قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك ~~سترى هذا المفتاح بيدي أضعه # PageV03P360 # حيث شئت، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله ". # وذكر سعيد بن المسيب: أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني ~~هاشم، فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة " # " وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يصعد فيؤذن على ~~الكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام، وأشراف قريش ~~جلوس بفناء الكعبة، فقال: عتاب لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا، ~~فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته، فقال ~~أبو سفيان: أما والله لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء، فخرج ~~عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: " قد علمت الذي قلتم " ثم ~~ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا ~~أحد كان معنا فنقول: أخبرك ". ### | [فصل في صلاة الفتح] # فصل # ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار أم هانئ بنت أبي طالب، ~~فاغتسل وصلى ثمان ركعات في بيتها، وكانت ضحى فظنها من ظنها صلاة الضحى، ~~وإنما هذه صلاة الفتح، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصنا ms0824 أو بلدا صلوا ~~عقيب الفتح، هذه الصلاة اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~القصة ما يدل على أنها بسبب الفتح شكرا لله عليه، فإنها قالت: ما رأيته ~~صلاها قبلها ولا بعدها. # «وأجارت أم هانئ حموين لها فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» . # PageV03P361 ### | [فصل من أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم] # فصل # ولما استقر الفتح أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس كلهم إلا ~~تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خطل، والحارث بن نفيل بن ~~وهب، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان لابن خطل، كانتا تغنيان ~~بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب. # فأما ابن أبي سرح فأسلم فجاء به عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقبل منه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض ~~الصحابة فيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر ثم ارتد ورجع إلى مكة. وأما ~~عكرمة بن أبي جهل، فاستأمنت له امرأته بعد أن فر، فأمنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقدم وأسلم وحسن إسلامه. # وأما ابن خطل، والحارث، ومقيس، وإحدى القينتين فقتلوا، وكان مقيس قد أسلم ~~ثم ارتد، وقتل ولحق بالمشركين، وأما هبار بن الأسود، فهو الذي عرض لزينب ~~بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على ~~صخرة وأسقطت جنينها، ففر ثم أسلم وحسن إسلامه، واستؤمن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لسارة ولإحدى القينتين فأمنهما فأسلمتا. # «فلما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الناس خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله، ثم قال: " يا أيها ~~الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى ~~يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن ms0825 بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، أو ~~يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما # PageV03P362 # حلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ ~~الشاهد الغائب ".» # ولما فتح الله مكة على رسوله، وهي بلده ووطنه، ومولده، قال الأنصار فيما ~~بينهم: أترون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ فتح الله عليه أرضه ~~وبلده أن يقيم بها؟ وهو يدعو على الصفا رافعا يديه، فلما فرغ من دعائه قال: ~~ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات ~~مماتكم» ". # " «وهم فضالة بن عمير بن الملوح أن يقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا ~~شيء، كنت أذكر الله، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " استغفر الله ~~"، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه، وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن ~~صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه» ، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت ~~بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة ~~يقول: # قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام # لو قد رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام # PageV03P363 # لرأيت دين الله أضحى بينا # والشرك يغشى وجهه الإظلام # وفر يومئذ صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، فأما صفوان فاستأمن له عمير ~~بن وهب الجمحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه وأعطاه عمامته التي ~~دخل بها مكة، فلحقه عمير وهو يريد أن يركب البحر فرده، فقال: اجعلني فيه ~~بالخيار شهرين، فقال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر. # وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت ms0826 واستأمنت ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه، فلحقت به باليمن فأمنته فردته، ~~وأقرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وصفوان على نكاحهما الأول. # ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تميم بن أسيد الخزاعي فجدد ~~أنصاب الحرم. # وبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سراياه إلى الأوثان التي كانت حول ~~الكعبة، فكسرت كلها، منها: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونادى ~~مناديه بمكة: " «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا ~~كسره» ". # فبعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان ليهدمها، ~~فخرج إليها في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها، ثم رجع إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: " «هل رأيت شيئا؟ " قال: ~~لا، قال: " فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد وهو متغيظ فجرد ~~سيفه فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح ~~بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين ورجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فأخبره فقال: " نعم، تلك العزى وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا» "، ~~وكانت بنخلة وكانت لقريش وجميع بني # PageV03P364 # كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بني شيبان. # ثم بعث عمرو بن العاص إلى سواع وهو صنم لهذيل؛ ليهدمه، قال عمرو: فانتهيت ~~إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أهدمه، فقال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع. قلت: حتى ~~الآن أنت على الباطل، ويحك فهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت ~~أصحابي فهدموا بيت خزانته، فلم نجد فيه شيئا ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: ~~أسلمت لله. # ثم بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة، وكانت بالمشلل عند قديد للأوس ~~والخزرج وغسان وغيرهم، فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعندها سادن، ~~فقال السادن: ما تريد؟ قلت: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها ~~وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو ms0827 بالويل وتضرب صدرها، فقال ~~لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم ومعه ~~أصحابه فهدمه وكسروه، ولم يجدوا في خزانته شيئا. ### | [ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة] # قال ابن سعد: ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مقيم بمكة، بعثه إلى بني جذيمة داعيا إلى الإسلام، ولم ~~يبعثه مقاتلا، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا، من المهاجرين، والأنصار، وبني ~~سليم، فانتهى إليهم، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد، ~~وبنينا المساجد في ساحتنا، وأذنا فيها، قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: ~~إن بيننا وبين قوم من # PageV03P365 # العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، وقد قيل: إنهم قالوا: صبأنا، ولم ~~يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، قال: فضعوا السلاح، فوضعوه، فقال لهم: استأسروا، ~~فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضا، وفرقهم في أصحابه، فلما كان في ~~السحر، نادى خالد بن الوليد: من كان معه أسير فليضرب عنقه، فأما بنو سليم، ~~فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم، فبلغ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صنع خالد فقال: " «اللهم إني أبرأ إليك ~~مما صنع خالد "، وبعث عليا يودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم» ". # وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: " «مهلا يا خالد دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك ~~أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته» ~~". ### | [فصل في إنشاد حسان في عمرة الحديبية] # فصل # وكان حسان بن ثابت - رضي الله عنه - قد قال في عمرة الحديبية: # عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء # PageV03P366 # ديار من بني الحسحاس قفر # تعفيها الروامس والسماء ... وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم وشاء ... فدع هذا ولكن من لطيف # يؤرقني إذا ذهب العشاء ... لشعثاء التي قد تيمته # فليس لقلبه منها شفاء ... كأن خبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء ... إذا ما ms0828 الأشربات ذكرن يوما # فهن لطيب الراح الفداء ... نوليها الملامة إن ألمنا # إذا ما كان مغث أو لحاء ... ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء ... عدمنا خيلنا إن لم تروها # تثير النقع موعدها كداء ... ينازعن الأعنة مصعدات # على أكتافها الأسل الظماء ... تظل جيادنا متمطرات # تلطمهن بالخمر النساء # PageV03P367 # فإما تعرضوا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء # وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء # وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء # وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق إن نفع البلاء # شهدت به فقوموا صدقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء # وقال الله قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء # لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء # فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء # ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء # بأن سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدار سادتها الإماء # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء # هجوت مباركا برا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء # PageV03P368 # أمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء ... فإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء ... لساني صارم لا عيب فيه # وبحري لا تكدره الدلاء ### | [فصل في الإشارة إلى ما في الغزوة من الفقه واللطائف] ### | مقدمة وتوطئة الفتح العظيم # فصل # في الإشارة إلى ما في الغزوة # من الفقه واللطائف # كانت صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به ~~وكلم بعضهم بعضا وناظره في الإسلام وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من ~~إظهار دينه، والدعوة إليه، والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في ~~الإسلام، ولهذا سماه الله فتحا في قوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} [الفتح: ~~1] [الفتح: 1] ، نزلت في شأن الحديبية، فقال عمر: يا رسول الله أوفتح هو؟ ~~قال: " نعم ". وأعاد سبحانه وتعالى ذكر كونه فتحا، فقال: {لقد صدق الله ~~رسوله الرؤيا بالحق} [الفتح: 27] إلى قوله: {فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ~~ذلك فتحا قريبا} [الفتح: ms0829 27] [الفتح: 27] وهذا شأنه - سبحانه - أن يقدم بين ~~يدي الأمور العظيمة مقدمات تكون كالمدخل إليها، المنبهة عليها، كما قدم بين ~~يدي قصة المسيح، وخلقه من غير أب، قصة زكريا وخلق الولد له مع كونه كبيرا ~~لا يولد لمثله، وكما قدم بين يدي نسخ القبلة قصة البيت وبنائه وتعظيمه، ~~والتنويه به وذكر بانيه وتعظيمه ومدحه، ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته ~~المقتضية له، وقدرته الشاملة له، وهكذا ما قدم بين يدي مبعث رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - من قصة الفيل، وبشارات الكهان به، وغير ذلك، وكذلك الرؤيا ~~الصالحة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت مقدمة بين يدي # PageV03P369 # الوحي في اليقظة، وكذلك الهجرة كانت مقدمة بين يدي الأمر بالجهاد، ومن ~~تأمل أسرار الشرع والقدر، رأى من ذلك ما تبهر حكمته الألباب. ### | [فصل أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حربا له بذلك] # فصل # وفيها: أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا ~~حربا له بذلك، ولم يبق بينهم وبينه عهد، فله أن يبيتهم في ديارهم، ولا ~~يحتاج أن يعلمهم على سواء، وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة، فإذا ~~تحققها صاروا نابذين لعهده. ### | [فصل في انتقاض عهد الردء والمباشرين إذا رضوا بذلك] # فصل # وفيها: انتقاض عهد جميعهم بذلك، ردئهم ومباشريهم، إذا رضوا بذلك، وأقروا ~~عليه ولم ينكروه فإن الذين أعانوا بني بكر من قريش بعضهم، لم يقاتلوا كلهم ~~معهم، ومع هذا فغزاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم، وهذا كما ~~أنهم دخلوا في عقد الصلح تبعا، ولم ينفرد كل واحد منهم بصلح، إذ قد رضوا به ~~وأقروا عليه، فكذلك حكم نقضهم للعهد، هذا هدي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الذي لا شك فيه كما ترى. # وطرد هذا جريان هذا الحكم على ناقضي العهد من أهل الذمة، إذا رضي جماعتهم ~~به، وإن لم يباشر كل واحد منهم ما ينقض عهده، كما أجلى عمر يهود خيبر لما ~~عدا بعضهم على ms0830 ابنه ورموه من ظهر دار ففدعوا يده، بل قد قتل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - جميع مقاتلة بني قريظة، ولم يسأل عن كل رجل منهم هل ~~نقض العهد أم لا؟ وكذلك أجلى بني النضير كلهم، وإنما كان الذي هم بالقتل ~~رجلان، وكذلك فعل ببني قينقاع حتى استوهبهم منه عبد الله بن أبي، فهذه ~~سيرته وهديه الذي لا شك فيه، وقد أجمع المسلمون على أن حكم الردء حكم ~~المباشر في الجهاد، ولا يشترط في قسمة الغنيمة ولا في الثواب مباشرة كل ~~واحد واحد القتال. # وهذا حكم قطاع الطريق، حكم ردئهم حكم مباشرهم؛ لأن المباشر إنما # PageV03P370 # باشر الإفساد بقوة الباقين، ولولاهم ما وصل إلى ما وصل إليه، وهذا هو ~~الصواب الذي لا شك فيه، وهو مذهب أحمد ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. ### | [فصل في صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين] # فصل # وفيها: جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟ ~~الصواب أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف ~~وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام. ### | [فصل في الإمام وغيره إذا سئل ما لا يجوز بذله] # فصل # وفيها: أن الإمام وغيره إذا سئل ما لا يجوز بذله، أو لا يجب، فسكت عن ~~بذله، لم يكن سكوته بذلا له، فإن أبا سفيان سأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تجديد العهد، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجبه بشيء، ~~ولم يكن بهذا السكوت معاهدا له. ### | [فصل في رسول الكفار لا يقتل] # فصل # وفيها: أن رسول الكفار لا يقتل، فإن أبا سفيان كان ممن جرى عليه حكم ~~انتقاض العهد، ولم يقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كان رسول ~~قومه إليه. ### | [فصل في تبييت الكفار ومغافضتهم في ديارهم] # فصل # وفيها: جواز تبييت الكفار، ومغافقتهم في ديارهم، إذا كانت قد بلغتهم ~~الدعوة، وقد كانت سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيتون الكفار ~~ويغيرون عليهم بإذنه بعد أن بلغتهم ms0831 دعوته. ### | [فصل في جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما] # فصل # وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلما؛ لأن عمر - رضي الله عنه - سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل ~~مكة بالخبر ولم يقل # PageV03P371 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال: " «وما ~~يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم» " فأجاب بأن ~~فيه مانعا من قتله وهو شهوده بدرا، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل ~~جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، ~~وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون ~~بقصة حاطب. والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة ~~للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه. والله أعلم. ### | [جواز تجريد المرأة للمصلحة العامة] # فصل # وفيها: جواز تجريد المرأة كلها وتكشيفها للحاجة والمصلحة العامة، فإن ~~عليا والمقداد قالا للظعينة: لتخرجن الكتاب أو لنكشفنك، وإذا جاز تجريدها ~~لحاجتها إلى ذلك حيث تدعو إليها، فتجريدها لمصلحة الإسلام والمسلمين أولى. ### | [فصل في الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولا وغضبا لله ورسوله] # فصل # وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولا وغضبا لله ~~ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب ~~على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفرون ويبدعون ~~لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه. ### | [فصل في أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية] # فصل # وفيها: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة ~~الماحية، كما وقع الجس من حاطب مكفرا بشهوده بدرا، فإن ما اشتملت عليه هذه ~~الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنته من محبة الله لها ورضاه بها وفرحه بها ~~ومباهاته للملائكة بفاعلها، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة ~~وتضمنته من بغض الله لها، ms0832 فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله # PageV03P372 # وأبطل مقتضاه، وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات ~~والسيئات، الموجبين لصحة القلب ومرضه، وهي نظير حكمته تعالى في الصحة ~~والمرض اللاحقين للبدن، فإن الأقوى منهما يقهر المغلوب ويصير الحكم له، حتى ~~يذهب أثر الأضعف، فهذه حكمته في خلقه وقضائه وتلك حكمته في شرعه وأمره. # وهذا كما أنه ثابت في محو السيئات بالحسنات لقوله تعالى: {إن الحسنات ~~يذهبن السيئات} [هود: 114] [هود: 14] ، وقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] [النساء: 31] ، وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» " فهو ثابت في عكسه، ~~لقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} ~~[البقرة: 264] [البقرة: 264] ، وقوله {ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] [الحجرات: 2] . وقول عائشة عن زيد ~~بن أرقم أنه لما باع بالعينة: "إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا أن يتوب "، وكقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي ~~رواه البخاري في " صحيحه ": " «من ترك صلاة العصر حبط # PageV03P373 # عمله» " إلى غير ذلك من النصوص والآثار الدالة على تدافع الحسنات ~~والسيئات وإبطال بعضها بعضا، وذهاب أثر القوي منها بما دونه، وعلى هذا مبنى ~~الموازنة والإحباط. # وبالجملة فقوة الإحسان ومرض العصيان متصاولان ومتحاربان، ولهذا المرض مع ~~هذه القوة حالة تزايد وترام إلى الهلاك، وحالة انحطاط وتناقص، وهي خير ~~حالات المريض، وحالة وقوف وتقابل إلى أن يقهر أحدهما الآخر، وإذا دخل وقت ~~البحران وهو ساعة المناجزة فحظ القلب أحد الخطتين، إما السلامة، وإما ~~العطب، وهذا البحران يكون وقت فعل الواجبات التي توجب رضى الرب تعالى ~~ومغفرته، أو توجب سخطه وعقوبته، وفي الدعاء النبوي: " «أسألك موجبات رحمتك» ~~" وقال عن طلحة يومئذ: " «أوجب طلحة» " «ورفع إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رجل وقالوا: يا رسول الله إنه قد أوجب فقال: "أعتقوا عنه» ". # وفي الحديث الصحيح " «أتدرون ما الموجبتان؟ " قالوا: الله ورسوله ms0833 أعلم. ~~قال: " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل ~~النار» "، # PageV03P374 # يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السم القاتل ~~قطعا، والترياق المنجي قطعا. # وكما أن البدن قد تعرض له أسباب رديئة لازمة توهن قوته وتضعفها، فلا ~~ينتفع معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تحيلها تلك المواد ~~الفاسدة إلى طبعها وقوتها، فلا يزداد بها إلا مرضا، وقد تقوم به مواد صالحة ~~وأسباب موافقة توجب قوته وتمكنه من الصحة وأسبابها، فلا تكاد تضره الأسباب ~~الفاسدة، بل تحيلها تلك المواد الفاضلة إلى طبعها، فهكذا مواد صحة القلب ~~وفساده. # فتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم ~~بين ظهراني العدو وفي بلدهم، ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فل من حد إيمانه ~~ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجس برزت ~~إليه هذه القوة، وكان البحران صالحا فاندفع المرض، وقام المريض كأن لم يكن ~~به قلبة، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقهرته، قال ~~لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد، «وما يدريك لعل الله اطلع ~~على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» " وعكس هذا ذو الخويصرة ~~التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة ~~إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: " «لئن أدركتهم لأقتلنهم ~~قتل عاد» " وقال: " «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم» ". ~~وقال: " «شر قتلى تحت أديم السماء» " فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع ~~تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدة. # PageV03P375 # وتأمل في حال إبليس لما كانت المادة المهلكة كامنة في نفسه، لم ينتفع ~~معها بما سلف من طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به، وكذلك الذي آتاه ~~الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وأضرابه وأشكاله، ~~فالمعول على السرائر، والمقاصد، والنيات، ms0834 والهمم، فهي الإكسير الذي يقلب ~~نحاس الأعمال ذهبا، أو يردها خبثا، وبالله التوفيق. # ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة وشدة حاجته إليها وانتفاعه بها، ~~ويطلع منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته في خلقه وأمره ~~وثوابه وعقابه وأحكام الموازنة، وإيصال اللذة والألم إلى الروح والبدن في ~~المعاش والمعاد، وتفاوت المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائم ~~على كل نفس بما كسبت. ### | [فصل في جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد] # فصل # وفي هذه القصة جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد، والإغارة عليهم، ~~وألا يعلمهم بمسيره إليهم، وأما ما داموا قائمين بالوفاء بالعهد، فلا يجوز ~~ذلك حتى ينبذ إليهم على سواء. ### | [فصل في استحباب كثرة المسلمين لرسل العدو إذا جاءوا إلى الإمام] # فصل # وفيها: جواز بل استحباب كثرة المسلمين وقوتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل ~~العدو، إذا جاءوا إلى الإمام، كما يفعل ملوك الإسلام، كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإيقاد النيران ليلة الدخول إلى مكة، وأمر العباس أن يحبس ~~أبا سفيان عند خطم الجبل، وهو ما تضايق منه، حتى عرضت عليه عساكر الإسلام ~~وعصابة التوحيد وجند الله، وعرضت عليه خاصكية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهم في السلاح منهم إلا الحدق، ثم أرسله فأخبر قريشا بما رأى. # PageV03P376 ### | [فصل في جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام] # فصل # وفيها: جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والمسلمون، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أنه لا يدخلها من ~~أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، واختلف فيما سوى ذلك إذا لم يكن الدخول ~~لحاجة متكررة، كالحشاش والحطاب على ثلاثة أقوال: # أحدها: لا يجوز دخولها إلا بإحرام، وهذا مذهب ابن عباس رضي الله عنه، ~~وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه. # والثاني: أنه كالحشاش والحطاب، فيدخلها بغير إحرام، وهذا القول الآخر ~~للشافعي، ورواية عن أحمد. # والثالث: أنه إن كان داخل المواقيت، جاز دخوله بغير إحرام، وإن كان خارج ~~المواقيت ms0835 لم يدخل إلا بإحرام، وهذا مذهب أبي حنيفة، وهدي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - معلوم في المجاهد، ومريد النسك، وأما من عداهما فلا واجب ~~إلا ما أوجبه الله ورسوله، أو أجمعت عليه الأمة. ### | فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة # فصل # وفيها البيان الصريح بأن مكة فتحت عنوة، كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ~~ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه، وسياق القصة أوضح ~~شاهد لمن تأمله لقول الجمهور، ولما استهجن أبو حامد الغزالي القول بأنها ~~فتحت صلحا، حكى قول الشافعي أنها فتحت عنوة في " وسيطه "، وقال: هذا مذهبه. # قال أصحاب الصلح: لو فتحت عنوة، لقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بين الغانمين كما قسم خيبر، وكما قسم سائر الغنائم من المنقولات، فكان ~~يخمسها ويقسمها، قالوا: ولما استأمن أبو سفيان لأهل مكة لما أسلم فأمنهم ~~كان هذا عقد صلح معهم، قالوا: ولو فتحت عنوة لملك الغانمون رباعها ودورها، ~~وكانوا أحق بها # PageV03P377 # من أهلها، وجاز إخراجهم منها، فحيث لم يحكم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيها بهذا الحكم بل لم يرد على المهاجرين دورهم التي أخرجوا منها، ~~وهي بأيدي الذين أخرجوهم وأقرهم على بيع الدور وشرائها وإجارتها وسكناها، ~~والانتفاع بها، وهذا مناف لأحكام فتوح العنوة، وقد صرح بإضافة الدور إلى ~~أهلها، فقال: ( «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن» ) . # قال أرباب العنوة: لو كان قد صالحهم لم يكن لأمانه المقيد بدخول كل واحد ~~داره وإغلاقه بابه وإلقائه سلاحه فائدة، ولم يقاتلهم خالد بن الوليد حتى ~~قتل منهم جماعة، ولم ينكر عليه، ولما قتل مقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل ~~ومن ذكر معهما، فإن عقد الصلح لو كان قد وقع لاستثني فيه هؤلاء قطعا، ولنقل ~~هذا وهذا، ولو فتحت صلحا، لم يقاتلهم، وقد قال: ( «فإن أحد ترخص بقتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» ) ، ~~ومعلوم أن هذا الإذن المختص برسول ms0836 الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو ~~الإذن في القتال، لا في الصلح، فإن الإذن في الصلح عام. # وأيضا فلو كان فتحها صلحا، لم يقل: إن الله قد أحلها له ساعة من نهار، ~~فإنها إذا فتحت صلحا، كانت باقية على حرمتها، ولم تخرج بالصلح عن الحرمة، ~~وقد أخبر بأنها في تلك الساعة لم تكن حراما، وأنها بعد انقضاء ساعة الحرب ~~عادت إلى حرمتها الأولى. # وأيضا فإنها لو فتحت صلحا لم يعبئ جيشه: خيالتهم ورجالتهم ميمنة وميسرة، ~~ومعهم السلاح، وقال لأبي هريرة: ( «اهتف لي بالأنصار "، فهتف بهم فجاءوا، ~~فأطافوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال " أترون إلى أوباش قريش ~~وأتباعهم "، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: " احصدوهم حصدا حتى توافوني ~~على الصفا "، حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش ~~بعد اليوم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أغلق بابه فهو ~~آمن» ) وهذا محال أن يكون مع الصلح، فإن كان قد تقدم صلح - وكلا - فإنه ~~ينتقض بدون هذا. # PageV03P378 # وأيضا فكيف يكون صلحا، وإنما فتحت بإيجاف الخيل والركاب، ولم يحبس الله ~~خيل رسوله وركابه عنها، كما حبسها يوم صلح الحديبية، فإن ذلك اليوم كان يوم ~~الصلح حقا، فإن القصواء لما بركت به قالوا: خلأت القصواء قال: ( «ما خلأت، ~~وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» ) ثم قال: ( «والله لا يسألوني ~~خطة يعظمون فيها حرمة من حرمات الله إلا أعطيتهموها» ) . # وكذلك جرى عقد الصلح بالكتاب والشهود، ومحضر ملإ من المسلمين والمشركين، ~~والمسلمون يومئذ ألف وأربعمائة، فجرى مثل هذا الصلح في يوم الفتح ولا يكتب ~~ولا يشهد عليه، ولا يحضره أحد، ولا ينقل كيفيته والشروط فيه، هذا من ~~الممتنع البين امتناعه، وتأمل قوله ( «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط ~~عليها رسوله والمؤمنين» ) كيف يفهم منه أن قهر رسوله وجنده الغالبين لأهلها ~~أعظم من قهر الفيل الذي كان يدخلها عليهم عنوة، فحبسه عنهم، وسلط رسوله ~~والمؤمنين عليهم، حتى فتحوها عنوة بعد القهر وسلطان العنوة، وإذلال الكفر ms0837 ~~وأهله، وكان ذلك أجل قدرا، وأعظم خطرا، وأظهر آية وأتم نصرة، وأعلى كلمة من ~~أن يدخلهم تحت رق الصلح، واقتراح العدو وشروطهم، ويمنعهم سلطان العنوة ~~وعزها وظفرها في أعظم فتح فتحه على رسوله، وأعز به دينه، وجعله آية ~~للعالمين. # قالوا: وأما قولكم: إنها لو فتحت عنوة لقسمت بين الغانمين، فهذا مبني على ~~أن الأرض داخلة في الغنائم التي قسمها الله سبحانه بين الغانمين بعد ~~تخميسها، وجمهور الصحابة والأئمة بعدهم على خلاف ذلك، وأن الأرض ليست داخلة ~~في الغنائم التي تجب قسمتها، وهذه كانت سيرة الخلفاء الراشدين، فإن بلالا ~~وأصحابه لما طلبوا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسم بينهم الأرض التي ~~افتتحوها عنوة، وهي الشام وما حولها، وقالوا له خذ خمسها واقسمها، فقال ~~عمر: هذا غير المال، ولكن أحبسه فيئا يجري عليكم وعلى المسلمين، فقال بلال ~~وأصحابه رضي الله عنهم: اقسمها بيننا، فقال عمر: # PageV03P379 # (اللهم اكفني بلالا وذويه) فما حال الحول ومنهم عين تطرف، ثم وافق سائر ~~الصحابة - رضي الله عنهم - عمر - رضي الله عنه - على ذلك، وكذلك جرى في ~~فتوح مصر والعراق، وأرض فارس، وسائر البلاد التي فتحت عنوة لم يقسم منها ~~الخلفاء الراشدون قرية واحدة. # ولا يصح أن يقال: إنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعوه في ~~ذلك، وهو يأبى عليهم، ودعا على بلال وأصحابه - رضي الله عنهم - وكان الذي ~~رآه وفعله عين الصواب ومحض التوفيق، إذ لو قسمت لتوارثها ورثة أولئك ~~وأقاربهم، فكانت القرية والبلد تصير إلى امرأة واحدة، أو صبي صغير، ~~والمقاتلة لا شيء بأيديهم، فكان في ذلك أعظم الفساد وأكبره، وهذا هو الذي ~~خاف عمر رضي الله عنه منه، فوفقه الله سبحانه لترك قسمة الأرض، وجعلها وقفا ~~على المقاتلة، تجري عليهم فيئا حتى يغزو منها آخر المسلمين، وظهرت بركة ~~رأيه ويمنه على الإسلام وأهله، ووافقه جمهور الأئمة. واختلفوا في كيفية ~~إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير ~~فيها تخيير مصلحة، لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح ms0838 للمسلمين قسمتها قسمها، ~~وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ~~ووقف البعض فعله، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل الأقسام ~~الثلاثة، فإنه قسم أرض قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر، وترك ~~بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. # وعن أحمد رواية ثانية، أنها تصير وقفا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من ~~غير أن ينشئ الإمام وقفها، وهي مذهب مالك. # وعنه رواية ثالثة: أنه يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول، إلا ~~أن يتركوا حقوقهم منها، وهي مذهب الشافعي. # وقال أبو حنيفة: الإمام مخير بين القسمة وبين أن يقر أربابها فيها ~~بالخراج، وبين أن يجليهم عنها وينفذ إليها قوما آخرين يضرب عليهم الخراج. # PageV03P380 # وليس هذا الذي فعل عمر - رضي الله عنه - بمخالف للقرآن، فإن الأرض ليست ~~داخلة في الغنائم التي أمر الله بتخميسها وقسمتها، ولهذا قال عمر: إنها غير ~~المال، ويدل عليه أن إباحة الغنائم لم تكن لغير هذه الأمة، بل هو من ~~خصائصها، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: ( ~~«وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» ) وقد أحل الله سبحانه الأرض التي ~~كانت بأيدي الكفار لمن قبلنا من أتباع الرسل، إذا استولوا عليها عنوة، كما ~~أحلها لقوم موسى، فلهذا قال موسى لقومه {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي ~~كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} [المائدة: 21] ~~[المائدة: 21] فموسى وقومه قاتلوا الكفار، واستولوا على ديارهم وأموالهم، ~~فجمعوا الغنائم، ثم نزلت النار من السماء فأكلتها، وسكنوا الأرض والديار ~~ولم تحرم عليهم، فعلم أنها ليست من الغنائم، وأنها لله يورثها من يشاء. ### | [فصل يمنع قسمة مكة لأنها دار نسك] # فصل # وأما مكة، فإن فيها شيئا آخر يمنع من قسمتها، ولو وجبت قسمة ما عداها من ~~القرى، وهي أنها لا تملك، فإنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب تعالى، ~~الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين، ~~وهم فيها سواء ( «ومنى مناخ من سبق» ) قال ms0839 تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون ~~عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ~~ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] [الحج: 25] ، ~~والمسجد الحرام هنا، المراد به الحرم كله كقوله تعالى: {إنما المشركون نجس ~~فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] [التوبة: 28] ، فهذا ~~المراد به الحرم كله، وقوله سبحانه: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] [الإسراء: 1] ، وفي الصحيح: إنه ( ~~«أسري به من بيت أم هانئ» ) وقال # PageV03P381 # تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] ~~[البقرة: 196] ، وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقا، وإنما هو ~~حضور الحرم والقرب منه، وسياق آية الحج تدل على ذلك فإنه قال: {ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] وهذا لا يختص بمقام الصلاة ~~قطعا، بل المراد به الحرم كله، فالذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد هو ~~الذي توعد من صد عنه، ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه، فالحرم ومشاعره كالصفا ~~والمروة، والمسعى ومنى، وعرفة، ومزدلفة، لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي ~~مشتركة بين الناس، إذ هي محل نسكهم ومتعبدهم فهي مسجد من الله، وقفه ووضعه ~~لخلقه، ولهذا امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبنى له بيت بمنى، ~~يظله من الحر، وقال: ( «منى مناخ من سبق» ) . # ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة، ~~ولا إجارة بيوتها، هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، ~~وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن ~~راهويه. # وروى الإمام أحمد رحمه الله، عن علقمة بن نضلة، قال: ( «كانت رباع مكة ~~تدعى السوائب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، من ~~احتاج سكن، ومن استغنى أسكن» ) . # وروي أيضا عن عبد الله بن عمر: ( «من أكل أجور بيوت مكة، فإنما يأكل في ~~بطنه نار جهنم» ، رواه الدارقطني مرفوعا إلى النبي - صلى ms0840 الله عليه وسلم - ~~وفيه ( «إن الله حرم مكة، فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها» . # PageV03P382 # وقال الإمام أحمد: حدثنا معمر، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد، أنهم ~~قالوا: يكره أن تباع رباع مكة أو تكرى بيوتها. # وذكر الإمام أحمد عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: (من أكل من كراء بيوت ~~مكة، فإنما يأكل في بطنه نارا) . # وقال أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج عن مجاهد، «عن عبد الله بن عمر، قال ~~نهي عن إجارة بيوت مكة وعن بيع رباعها» . # وذكر عن عطاء، قال: نهي عن إجارة بيوت مكة. # وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، قال: حدثنا عبد الملك قال: كتب عمر بن ~~عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة، وقال إنه حرام. # وحكى أحمد عن عمر أنه نهى أن يتخذ أهل مكة للدور أبوابا، لينزل البادي ~~حيث شاء، وحكى عن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه نهى أن تغلق أبواب دور مكة، ~~فنهى من لا باب لداره أن يتخذ لها بابا، ومن لداره باب أن يغلقه، وهذا في ~~أيام الموسم. # قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك كتاب الله وسنة رسوله، ~~وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين. قال الله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] [الحشر: 8] ، وقال {فالذين هاجروا ~~وأخرجوا من ديارهم} [آل عمران: 195] [آل عمران: 195] ، وقال {إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم} [الممتحنة: 9] ~~[الممتحنة: 9] فأضاف الدور إليهم وهذه إضافة تمليك، «وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد قيل له: أين تنزل غدا بدارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل ~~من رباع) » ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة وأخبر أن عقيلا ~~استولى عليها، ولم ينزعها من يده، وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من ~~أن تذكر كدار أم هانئ، ودار خديجة، ودار أبي أحمد بن جحش # PageV03P383 # وغيرها، وكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول؛ ولهذا قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ( «وهل ترك لنا عقيل من منزل» ) وكان عقيل ms0841 هو ورث دور ~~أبي طالب، فإنه كان كافرا، ولم يرثه علي رضي الله عنه لاختلاف الدين ~~بينهما، فاستولى عقيل على الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل ~~المبعث وبعده، من مات ورثته داره إلى الآن، وقد باع صفوان بن أمية دارا ~~لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأربعة آلاف درهم فاتخذها سجنا، وإذا جاز ~~البيع والميراث فالإجارة أجوز وأجوز، فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، ~~وحججهم في القوة والظهور لا تدفع، وحجج الله وبيناته لا يبطل بعضها بعضا؛ ~~بل يصدق بعضها بعضا، ويجب العمل بموجبها كلها، والواجب اتباع الحق أين كان. # فالصواب القول بموجب الأدلة من الجانبين، وأن الدور تملك، وتوهب، وتورث ~~وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه لم ~~يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها ~~يسكنها، ويسكن فيها من شاء، وليس له أن يعاوض على منفعة السكنى بعقد ~~الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما يستحق أن يقدم فيها على غيره ويختص بها ~~لسبقه وحاجته، فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في ~~الرحاب والطرق الواسعة، والإقامة على المعادن وغيرها من المنافع والأعيان ~~المشتركة التي من سبق إليها فهو أحق بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى لم يكن ~~له أن يعاوض، وقد صرح أرباب هذا القول بأن البيع ونقل الملك في رباعها إنما ~~يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة. # فإن قيل: فقد منعتم الإجارة، وجوزتم البيع، فهل لهذا نظير في الشريعة، ~~والمعهود في الشريعة أن الإجارة أوسع من البيع، فقد يمتنع البيع، وتجوز ~~الإجارة، كالوقف والحر، فأما العكس فلا عهد لنا به؟ قيل: كل واحد من البيع ~~والإجارة عقد مستقل غير مستلزم للآخر في جوازه وامتناعه، وموردهما مختلف، ~~وأحكامهما مختلفة، وإنما جاز البيع؛ لأنه وارد على المحل الذي كان البائع # PageV03P384 # أخص به من غيره، وهو البناء، وأما الإجارة فإنما ترد على المنفعة، وهي ~~مشتركة، وللسابق إليها حق التقدم دون ms0842 المعاوضة، فلهذا أجزنا البيع دون ~~الإجارة، فإن أبيتم إلا النظير، قيل هذا المكاتب يجوز لسيده بيعه، ويصير ~~مكاتبا عند مشتريه، ولا يجوز له إجارته إذ فيها إبطال منافعه وأكسابه التي ~~ملكها بعقد الكتابة، والله أعلم. # على أنه لا يمنع البيع، وإن كانت منافع أرضها ورباعها مشتركة بين ~~المسلمين، فإنها تكون عند المشتري كذلك مشتركة المنفعة إن احتاج سكن وإن ~~استغنى أسكن، كما كانت عند البائع، فليس في بيعها إبطال اشتراك المسلمين في ~~هذه المنفعة، كما أنه ليس في بيع المكاتب إبطال ملكه لمنافعه التي ملكها ~~بعقد المكاتبة، ونظير هذا جواز بيع أرض الخراج التي وقفها عمر رضي الله عنه ~~على الصحيح الذي استقر الحال عليه من عمل الأمة قديما وحديثا، فإنها تنتقل ~~إلى المشتري خراجية كما كانت عند البائع، وحق المقاتلة إنما هو في خراجها، ~~وهو لا يبطل بالبيع، وقد اتفقت الأمة على أنها تورث، فإن كان بطلان بيعها ~~لكونها وقفا، فكذلك ينبغي أن تكون وقفيتها مبطلة لميراثها، وقد نص أحمد على ~~جواز جعلها صداقا في النكاح، فإذا جاز نقل الملك فيها بالصداق والميراث ~~والهبة جاز البيع فيها قياسا وعملا وفقها. والله أعلم. ### | [فصل هل يضرب الخراج على مزارع مكة كسائر أرض العنوة] # فصل # فإذا كانت مكة قد فتحت عنوة، فهل يضرب الخراج على مزارعها كسائر أرض ~~العنوة، وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟ قيل في هذه المسألة قولان ~~لأصحاب العنوة: # أحدهما: المنصوص المنصور الذي لا يجوز القول بغيره، أنه لا خراج على ~~مزارعها وإن فتحت عنوة، فإنها أجل وأعظم من أن يضرب عليها الخراج، لا سيما ~~والخراج هو جزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرءوس، وحرم الرب أجل ~~قدرا وأكبر من أن تضرب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما # PageV03P385 # وضعها الله عليه من كونها حرما آمنا يشترك فيه أهل الإسلام، إذ هو موضع ~~مناسكهم ومتعبدهم وقبلة أهل الأرض. # والثاني - وهو قول بعض أصحاب أحمد - أن على مزارعها الخراج، كما هو على ~~مزارع غيرها من أرض ms0843 العنوة، وهذا فاسد مخالف لنص أحمد رحمه الله ومذهبه، ~~ولفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين من بعده رضي الله ~~عنهم، فلا التفات إليه، والله أعلم. # وقد بنى بعض الأصحاب تحريم بيع رباع مكة على كونها فتحت عنوة، وهذا بناء ~~غير صحيح، فإن مساكن أرض العنوة تباع قولا واحدا، فظهر بطلان هذا البناء ~~والله أعلم. # وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن قتله حد ~~لا بد من استيفائه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمن مقيس بن ~~صبابة، وابن خطل، والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل ~~الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية، وقد أمر بقتل هاتين الجاريتين ( «وأهدر ~~دم أم ولد الأعمى لما قتلها سيدها لأجل سبها النبي - صلى الله عليه وسلم -» ~~) وقتل كعب بن الأشرف اليهودي، وقال: ( «من لكعب فإنه قد آذى الله ورسوله» ~~) وكان يسبه، وهذا إجماع من الخلفاء الراشدين، ولا يعلم لهم في الصحابة ~~مخالف، فإن الصديق - رضي الله عنه - قال لأبي برزة الأسلمي وقد هم بقتل من ~~سبه: (لم يكن هذا لأحد غير رسول الله) - صلى الله عليه وسلم -، ومر عمر - ~~رضي الله عنه - براهب فقيل له: هذا يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فقال: (لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم -) . # PageV03P386 # ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذية ونكاية لنا من المحاربة باليد، ~~ومنع دينار جزية في السنة، فكيف ينقض عهده ويقتل بذلك دون السب، وأي نسبة ~~لمفسدة منعه دينارا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على ~~رءوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، ~~فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ~~ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه، فهذا محض القياس، ومقتضى ~~النصوص، وإجماع الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - وعلى هذه المسألة أكثر ~~من أربعين دليلا. ms0844 # فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل عبد الله بن أبي، وقد ~~قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتل ذا الخويصرة ~~التميمي، وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل، ولم يقتل من قال له: يقولون إنك ~~تنهى عن الغي، وتستخلي به، ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها ~~وجه الله، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: أن كان ابن ~~عمتك، وغير هؤلاء ممن كان يبلغه عنهم أذى له وتنقص. # قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه، وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يسقط ~~حقه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه، وله أن يسقط، وليس لأحد أن يسقط ~~حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة ~~في حياته، زالت بعد موته، من تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم ~~أنه يقتل أصحابه لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه ~~بقتل عبد الله بن أبي: ( «لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ) . # PageV03P387 # ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه، كانت أعظم عنده وأحب ~~إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، ~~وترجحت جدا قتل الساب كما فعل بكعب بن الأشرف، فإنه جاهر بالعداوة والسب، ~~فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قتل ابن خطل، ومقيس والجاريتين وأم ولد ~~الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى ~~نوابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقه. ### | [فصل فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم] ### | [تحريم الله لمكة] # فصل # فيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم # فمنها قوله ( «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس» ) فهذا تحريم شرعي ~~قدري سبق به قدره يوم خلق هذا العالم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم ~~ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، كما في " الصحيح ms0845 " عنه، أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ( «اللهم إن إبراهيم خليلك حرم مكة، وإني أحرم المدينة» ) ~~فهذا إخبار عن ظهور التحريم السابق يوم خلق السماوات والأرض على لسان ~~إبراهيم، ولهذا لم ينازع أحد من أهل الإسلام في تحريمها، وإن تنازعوا في ~~تحريم المدينة، والصواب المقطوع به تحريمها، إذ قد صح فيه بضعة وعشرون ~~حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا مطعن فيها بوجه. # PageV03P388 # ومنها: قوله ( «فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما» ) هذا التحريم لسفك الدم ~~المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونها حرما، كما أن تحريم ~~عضد الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح ~~في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، ~~وهذا أنواع: # أحدها_ وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله -: أن الطائفة الممتنعة بها ~~من مبايعة الإمام لا تقاتل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة ~~من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهما، ~~وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد ~~الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه وهواه، ~~فقال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله ~~ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما ~~بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم ~~صلوات الله عليه وسلامه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعذ مقيس بن ~~صبابة، وابن خطل، ومن سمي معهما، لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما، بل حلا، ~~فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرض. ~~وكانت العرب في # PageV03P389 # جاهليتها يرى الرجل قاتل أبيه، أو ابنه في الحرم، فلا يهيجه، وكان ذلك ~~بينهم خاصية الحرم التي صار بها حرما، ثم جاء الإسلام، فأكد ذلك وقواه، ~~وعلم النبي - صلى ms0846 الله عليه وسلم - أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله ~~بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق، وقال لأصحابه: ( «فإن أحد ترخص لقتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: " إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك» ) ~~وعلى هذا فمن أتى حدا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز ~~إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ~~(لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه) . # وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: (لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته) وعن ~~ابن عباس، أنه قال: (لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه) وهذا ~~قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل ~~الحديث. # وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم، كما يستوفى منه في ~~الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على ~~استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، ( «وبأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة» ) . # وبما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «إن الحرم لا يعيذ ~~عاصيا ولا فارا بدم ولا بخربة» ) وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون ~~النفس، لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما ~~يوجب حدا أو قصاصا، لم يعذه الحرم، ولم يمنع من إقامته عليه، فكذلك إذا ~~أتاه خارجه، ثم لجأ إليه، إذ كونه حرما بالنسبة إلى عصمته، لا يختلف بين ~~الأمرين # PageV03P390 # وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق الحال بين قتله لاجئا إلى ~~الحرم، وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه كالحية والحدأة والكلب العقور، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «خمس فواسق يقتلن في الحل ~~والحرم» ) فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة وهي فسقهن، ولم ms0847 يجعل ~~التجاءهن إلى الحرم مانعا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب ~~القتل. # قال الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة، ولا سيما قوله ~~تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] [آل عمران: 97] ، وهذا إما خبر ~~بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، وإما خبر عن شرعه ودينه الذي ~~شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية ~~والإسلام، كما قال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم} [العنكبوت: 67] [العنكبوت: 67] ، وقوله تعالى: {وقالوا إن نتبع ~~الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء} ~~[القصص: 57] [القصص: 57] وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه ~~كقول بعضهم: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] من النار، وقول بعضهم: كان ~~آمنا من الموت على غير الإسلام ونحو ذلك، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم. ~~وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان فيقال ~~أولا: لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء ولا مكانه، كما لا تعرض ~~فيها لشروطه وعدم موانعه، فإن اللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمنه، فهو ~~مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع، لم يقل: إن توقف ~~الحكم عليه تخصيص لذلك العام فلا يقول محصل: إن قوله تعالى: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} [النساء: 24] [النساء: 24] مخصوص بالمنكوحة في عدتها، أو بغير ~~إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص، ~~لا تعرض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ # PageV03P391 # لذلك، لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل ~~اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل ~~والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه والحال المحرمة للاستيفاء كشدة المرض أو ~~البرد أو الحر فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قلتم ليس ذلك ~~تخصيصا، بل تقييدا لمطلقها، كلنا لكم بهذا الصاع ms0848 سواء بسواء. # وأما قتل ابن خطل، فقد تقدم أنه كان في وقت الحل، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قطع الإلحاق، ونص على أن ذلك من خصائصه، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ( «وإنما أحلت لي ساعة من نهار» ) صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال ~~في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالا في كل وقت لم يختص بتلك ~~الساعة، وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك ~~الساعة، وأما قوله ( «الحرم لا يعيذ عاصيا» ) فهو من كلام الفاسق عمرو بن ~~سعيد الأشدق، يرد به حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين روى له أبو ~~شريح الكعبي هذا الحديث كما جاء مبينا في " الصحيح "، فكيف يقدم على قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأما قولكم: لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس، لم يعذه الحرم منه، ~~فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد، ~~فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما ~~دونها، ومن فرق قال: سفك الدم إنما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في ~~الحرم تحريم ما دونه؛ لأن حرمة النفس أعظم والانتهاك بالقتل أشد، قالوا: ~~ولأن الحد بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب، فلم يمنع منه، كتأديب السيد ~~عبده، وظاهر هذا المذهب أنه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك، قال أبو ~~بكر: هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه، أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا ~~القتل، قال: والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج ~~منه، قالوا: وحينئذ فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنه إن كان بين النفس وما ~~دونها في ذلك فرق مؤثر بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر، سوينا # PageV03P392 # بينهما في الحكم، وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانه على التقديرين. # قالوا: وأما قولكم: إن الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة، إذ أتى فيه ما ~~يوجب الحد، فكذلك اللاجئ إليه، ms0849 فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة ~~بينهما، فروى الإمام أحمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن ~~أبيه، عن ابن عباس قال: (من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم، فإنه لا ~~يجالس ولا يكلم ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه الحد، وإن ~~سرق أو قتل في الحرم، أقيم عليه في الحرم) وذكر الأثرم، عن ابن عباس أيضا: ~~(من أحدث حدثا في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء) . # وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم، فقال: {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] ~~[البقرة: 191] . # والفرق بين اللاجئ والمنتهك فيه من وجوه: # أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى ~~خارجه ثم لجأ إليه، فإنه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس ~~أحدهما على الآخر باطل. # الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره ~~وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان ~~وحرمه، ثم دخل إلى حرمه مستجيرا. # الثالث: أن الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه وحرمة بيته وحرمه، ~~فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره. # الرابع: أنه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم لعم الفساد، وعظم الشر ~~في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم ~~وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم، لتعطلت حدود ~~الله وعم الضرر للحرم وأهله. # PageV03P393 # والخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل، اللاجئ إلى بيت ~~الرب تعالى، المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، ~~بخلاف المقدم على انتهاك حرمته، فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس ~~هو محض الفقه. # وأما قولكم: إنه حيوان مفسد، فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، ~~فلا يصح القياس، فإن الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه ~~عن ms0850 أهله، وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنما أبيح لعارض، ~~فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها. # وأيضا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحدأة كحاجة أهل ~~الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها. ### | [فصل في قلع شجر مكة] # فصل # ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «ولا يعضد بها شجر» ) ، وفي اللفظ ~~الآخر: ( «ولا يعضد شوكها» ) ، وفي لفظ في " صحيح مسلم ": ( «ولا يخبط ~~شوكها» ) لا خلاف بينهم أن الشجر البري الذي لم ينبته الآدمي على اختلاف ~~أنواعه مراد من هذا اللفظ، واختلفوا فيما أنبته الآدمي من الشجر في الحرم ~~على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد: # أحدها: أن له قلعه، ولا ضمان عليه، وهذا اختيار ابن عقيل، وأبي الخطاب، ~~وغيرهما. # والثاني: أنه ليس له قلعه، وإن فعل ففيه الجزاء بكل حال، وهو قول # PageV03P394 # الشافعي، وهو الذي ذكره ابن البناء في " خصاله ". # الثالث: الفرق بين ما أنبته في الحل ثم غرسه في الحرم، وبين ما أنبته في ~~الحرم أولا، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يقلع وفيه الجزاء بكل حال، ~~وهذا قول القاضي. # وفيه قول رابع: وهو الفرق بين ما ينبت الآدمي جنسه كاللوز والجوز والنخل ~~ونحوه، وما لا ينبت الآدمي جنسه كالدوح والسلم ونحوه، فالأول يجوز قلعه، ~~ولا جزاء فيه، والثاني: لا يجوز، وفيه الجزاء. # قال صاحب " المغني ": والأولى الأخذ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله، ~~إلا ما أنبت الآدمي من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والأهلي ~~من الحيوان، فإننا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيا دون ما تأنس من ~~الوحشي، كذا هاهنا، وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في مذهب ~~أحمد أربعة أقوال. # والحديث ظاهر جدا في تحريم قطع الشوك والعوسج، وقال الشافعي: لا يحرم ~~قطعه؛ لأنه يؤذي الناس بطبعه، فأشبه السباع، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن ~~عقيل، وهو مروي عن عطاء ومجاهد وغيرهما. وقوله - صلى الله عليه وسلم - ( ~~«لا يعضد شوكها» ) وفي ms0851 اللفظ الآخر: ( «لا يختلى شوكها» ) صريح في المنع، ~~ولا يصح قياسه على السباع العادية، فإن تلك تقصد بطبعها الأذى، وهذا لا ~~يؤذي من لم يدن منه. # والحديث لم يفرق بين الأخضر واليابس، ولكن قد جوزوا قطع اليابس، قالوا: ~~لأنه بمنزلة الميت، ولا يعرف فيه خلاف، وعلى هذا فسياق الحديث يدل على أنه ~~إنما أراد الأخضر، فإنه جعله بمنزلة تنفير الصيد، وليس في أخذ اليابس ~~انتهاك حرمة الشجرة الخضراء التي تسبح بحمد ربها، ولهذا غرس النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على # PageV03P395 # القبرين غصنين أخضرين، وقال: ( «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» ) . # وفي الحديث دليل على أنه إذا انقلعت الشجرة بنفسها، أو انكسر الغصن جاز ~~الانتفاع به؛ لأنه لم يعضده هو، وهذا لا نزاع فيه. # فإن قيل: فما تقولون فيما إذا قلعها قالع ثم تركها، فهل يجوز له أو لغيره ~~أن ينتفع بها؟ قيل: قد سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال: من شبهه ~~بالصيد لم ينتفع بحطبها، وقال لم أسمع إذا قطعه ينتفع به. # وفيه وجه آخر، أنه يجوز لغير القاطع الانتفاع به؛ لأنه قطع بغير فعله ~~فأبيح له الانتفاع به، كما لو قلعته الريح، وهذا بخلاف الصيد إذا قتله ~~محرم، حيث يحرم على غيره، فإن قتل المحرم له جعله ميتة. # وقوله في اللفظ الآخر: ( «ولا يخبط شوكها» ) صريح أو كالصريح في تحريم ~~قطع الورق، وهذا مذهب أحمد - رحمه الله - وقال الشافعي: له أخذه، ويروى عن ~~عطاء، والأول أصح لظاهر النص والقياس، فإن منزلته من الشجرة منزلة ريش ~~الطائر منه، وأيضا فإن أخذ الورق ذريعة إلى يبس الأغصان، فإنه لباسها ~~ووقايتها. ### | [فصل لا يقلع حشيش مكة ما دام رطبا] # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «ولا يختلى خلاها» ) لا خلاف أن المراد ~~من ذلك ما ينبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابس في الحديث، ~~بل هو للرطب خاصة، فإن الخلا بالقصر الحشيش الرطب ما دام رطبا، فإذا يبس ~~فهو حشيش، وأخلت الأرض كثر خلاها، واختلاء الخلى: قطعه، ومنه الحديث ms0852 (كان ~~ابن عمر يختلي لفرسه) أي يقطع لها الخلى، ومنه سميت المخلاة، وهي وعاء ~~الخلى، والإذخر مستثنى بالنص، وفي تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة # PageV03P396 # العموم فيما سواه. # فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا؟ قيل: هذا فيه قولان. # أحدهما: لا يتناوله فيجوز الرعي، وهذا قول الشافعي. # والثاني: يتناوله بمعناه وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب ~~أبي حنيفة، والقولان لأصحاب أحمد. # قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة وبين إرسال الدابة ~~عليه ترعاه؟ # قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم، وتكثر فيه، ولم ينقل ~~قط أنها كانت تسد أفواهها، دل على جواز الرعي. # قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى ويسلطها على ذلك، وبين أن ترعى ~~بطبعها من غير أن يسلطها صاحبها، وهو لا يجب عليه أن يسد أفواهها، كما لا ~~يجب عليه أن يسد أنفه في الإحرام عن شم الطيب، وإن لم يجز له أن يتعمد شمه، ~~وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السير؛ خشية أن يوطئ صيدا في طريقه، وإن لم ~~يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائره. # فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفقع، وما كان مغيبا في الأرض؟ ~~قيل: لا يدخل فيه لأنه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد: يؤكل من شجر الحرم ~~الضغابيس والعشرق. ### | فصل في النهي عن تفير صيد مكة # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «ولا ينفر صيدها» ) صريح في تحريم ~~التسبب إلى قتل الصيد واصطياده بكل سبب، حتى إنه لا ينفره عن مكانه، لأنه ~~حيوان محترم في هذا # PageV03P397 # المكان، قد سبق إلى مكان، فهو أحق به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا ~~سبق إلى مكان، لم يزعج عنه. ### | [فصل لا تملك لقطة الحرم] # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «ولا يلتقط ساقطتها إلا من عرفها» ) . ~~وفي لفظ: ( «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد» ) ، فيه دليل على أن لقطة الحرم لا ~~تملك بحال، وأنها لا تلتقط إلا للتعريف لا للتمليك، وإلا لم يكن لتخصيص مكة ~~بذلك ms0853 فائدة أصلا، وقد اختلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحل ~~والحرم سواء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، ويروى عن ~~ابن عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، وقال أحمد في الرواية الأخرى، ~~والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها ~~لصاحبها، فإن التقطها عرفها أبدا حتى يأتي صاحبها، وهذا قول عبد الرحمن بن ~~مهدي، وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح، والحديث صريح فيه، والمنشد المعرف ~~والناشد الطالب، ومنه قوله: # إصاخة الناشد للمنشد # وقد روى أبو داود في " سننه ": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «نهى ~~عن لقطة الحاج» ) وقال ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها. # قال شيخنا: وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك: أن ~~الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة، فلا يتمكن صاحب الضالة من طلبها ~~والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد. # PageV03P398 ### | [فصل لا يتعين في قتل العمد القصاص] # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة: ( «ومن قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين، إما أن يقتل وإما أن يأخذ الدية» ) فيه دليل على أن الواجب بقتل ~~العمد لا يتعين في القصاص، بل هو أحد شيئين، إما القصاص وإما الدية. # وفي ذلك ثلاثة أقوال: وهي روايات عن الإمام أحمد. # أحدها: أن الواجب أحد شيئين، إما القصاص، وإما الدية، والخيرة في ذلك إلى ~~الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانا، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف ~~في تخييره بين هذه الثلاثة. والرابع: المصالحة على أكثر من الدية فيه ~~وجهان: أشهرهما مذهبا: جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو ~~دونها، وهذا أرجح دليلا، فإن اختار الدية سقط القود ولم يملك طلبه بعد، ~~وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك. # والقول الثاني: أن موجبه القود عينا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا ~~برضى الجاني، فإن عدل إلى الدية ولم يرض الجاني فقوده بحاله، وهذا مذهب ~~مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة. # والقول الثالث: أن موجبه القود ms0854 عينا مع التخيير بينه وبين الدية وإن لم ~~يرض الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم ~~يرض فله العود إلى القصاص عينا، فإن عفا عن القود مطلقا، فإن قلنا: الواجب ~~أحد الشيئين فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عينا، سقط حقه منها. # فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟ قلنا: في ذلك قولان. أحدهما: ~~تسقط الدية، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الواجب عندهم القصاص عينا، وقد زال ~~محل استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإن أرش ~~الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيد، وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن حيث # PageV03P399 # لا يسقط الحق لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة. # وقال الشافعي وأحمد: تتعين الدية في تركته، لأنه تعذر استيفاء القصاص من ~~غير إسقاط، فوجب الدية لئلا يذهب الورثة من الدم والدية مجانا. فإن قيل: ~~فما تقولون لو اختار القصاص، ثم اختار بعده العفو إلى الدية هل له ذلك؟ ~~قلنا: هذا فيه وجهان أحدهما: أن له ذلك؛ لأن القصاص أعلى، فكان له الانتقال ~~إلى الأدنى. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لما اختار القصاص فقد أسقط الدية ~~باختياره له، فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها. # فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~( «من قتل عمدا، فهو قود» ) . # قيل: لا تعارض بينهما بوجه، فإن هذا يدل على وجوب القود بقتل العمد، ~~وقوله: " فهو بخير النظرين "، يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له، ~~وبين أخذ بدله وهو الدية، فأي تعارض؟ وهذا الحديث نظير قوله تعالى: {كتب ~~عليكم القصاص} [البقرة: 178] [البقرة: 178] ، وهذا لا ينفي تخيير المستحق ~~له بين ما كتب له، وبين بدله. والله أعلم. ### | [فصل في إباحة قطع الإذخر] # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة " إلا الإذخر "، بعد قول العباس ~~له: إلا الإذخر. يدل على مسألتين: # إحداهما: إباحة قطع الإذخر. # PageV03P400 # والثانية: أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول ms0855 الكلام، ولا قبل ~~فراغه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان ناويا لاستثناء الإذخر من ~~أول كلامه، أو قبل تمامه، لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك، ~~وإعلامه أنهم لا بد لهم منه لقينهم وبيوتهم، ونظير هذا استثناؤه - صلى الله ~~عليه وسلم - لسهيل بن بيضاء من أسارى بدر، بعد أن ذكره به ابن مسعود، فقال: ~~( «لا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق» ) فقال ابن مسعود: إلا سهيل ~~بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فقال: " إلا سهيل بن بيضاء " ومن ~~المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه. # ونظيره أيضا قول الملك لسليمان لما قال: ( «لأطوفن الليلة على مائة ~~امرأة، تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء ~~الله تعالى، فلم يقل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو قال إن شاء ~~الله تعالى، لقاتلوا في سبيل الله أجمعون، وفي لفظ لكان دركا لحاجته» ) ~~فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحالة لنفعه، ومن يشترط النية ~~يقول لا ينفعه. # ونظير هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «والله لأغزون قريشا، والله ~~لأغزون قريشا، ثلاثا، ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله» ) فهذا استثناء بعد ~~سكوت، وهو يتضمن إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه، وقد ~~نص أحمد على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصير إلى موجب هذه الأحاديث ~~الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق. # PageV03P401 ### | [فصل في الدليل على كتابة العلم] # فصل # وفي القصة: «أن رجلا من الصحابة يقال له أبو شاه، قام فقال: اكتبوا لي، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اكتبوا لأبي شاه» ) يريد خطبته، ففيه ~~دليل على كتابة العلم ونسخ النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ( «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» ) وهذا كان في أول ~~الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في ~~الكتابة لحديثه. # وصح عن عبد الله بن ms0856 عمرو أنه كان يكتب حديثه، وكان مما كتبه صحيفة تسمى ~~الصادقة، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه، وهي من أصح ~~الأحاديث، وكان بعض أئمة أهل الحديث يجعلها في درجة أيوب عن نافع عن ابن ~~عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا بها. ### | [فصل في الصلاة في المكان المصور] # فصل # وفي القصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت وصلى فيه، ولم ~~يدخله حتى محيت الصور منه. ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصور، ~~وهذا أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام؛ لأن كراهة الصلاة في الحمام، إما ~~لكونه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيت الشيطان، وهو الصحيح، وأما محل الصور ~~فمظنة الشرك غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور. ### | [فصل في جواز لبس السواد] # فصل # وفي القصة: أنه دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، ففيه دليل على جواز لبس # PageV03P402 # السواد أحيانا، ومن ثم جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعارا لهم، ~~ولولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه ~~لباسا راتبا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، ~~وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن ~~سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض. ### | [فصل متى حرمت متعة النساء] # فصل # ومما وقع في هذه الغزوة، إباحة متعة النساء، ثم حرمها قبل خروجه من مكة، ~~واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة، على أربعة أقوال: # أحدها: أنه يوم خيبر، وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعي وغيره. # والثاني: أنه عام فتح مكة، وهذا قول ابن عيينة وطائفة. # والثالث: أنه عام حنين، وهذا في الحقيقة هو القول الثاني، لاتصال غزاة ~~حنين بالفتح. # والرابع: أنه عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة، سافر فيه وهمه من ~~فتح مكة إلى حجة الوداع، كما سافر وهم معاوية من عمرة الجعرانة إلى حجة ~~الوداع، حيث قال: قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص على ~~المروة في حجته، وقد تقدم في الحج، وسفر ms0857 الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان ~~إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم. # والصحيح: أن المتعة إنما حرمت عام الفتح؛ لأنه قد ثبت في " صحيح مسلم " ~~أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بإذنه، ولو كان ~~التحريم زمن خيبر، لزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ~~ولا يقع مثله فيها، وأيضا: فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كن يهوديات، ~~وإباحة نساء أهل # PageV03P403 # الكتاب لم تكن ثبتت بعد، إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: ~~{اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] [المائدة: 5] ، وهذا متصل بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} ~~[المائدة: 3] [المائدة: 3] ، وبقوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} ~~[المائدة: 3] [المائدة: 3] ، وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع أو ~~فيها، فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة زمن خيبر، ولا كان للمسلمين ~~رغبة في الاستمتاع بنساء عدوهم قبل الفتح، وبعد الفتح استرق من استرق منهن ~~وصرن إماء للمسلمين. # فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في " الصحيحين " من حديث علي بن أبي طالب: " ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن ~~أكل لحوم الحمر الإنسية» ) ، وهذا صحيح صريح؟ . # قيل: هذا الحديث قد صحت روايته بلفظين هذا أحدهما. والثاني: الاقتصار على ~~نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية ~~يوم خيبر، هذه رواية ابن عيينة عن الزهري. قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن ~~عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، لا عن نكاح المتعة، ~~ذكره أبو عمر، وفي " التمهيد ": ثم قال على هذا أكثر الناس، انتهى، فتوهم ~~بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه: «حرم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية» ، واقتصر بعضهم على رواية بعض ~~الحديث فقال: حرم رسول ms0858 الله - صلى الله عليه وسلم - المتعة زمن خيبر، فجاء ~~بالغلط البين. # فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت ~~واحد، وأين المتعة من تحريم الحمر؟ قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - محتجا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في # PageV03P404 # المسألتين، فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر، فناظره علي بن أبي طالب في ~~المسألتين، وروى له التحريمين، وقيد تحريم الحمر بزمن خيبر، وأطلق تحريم ~~المتعة، وقال: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم ~~المتعة، وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، كما قاله سفيان بن عيينة، وعليه ~~أكثر الناس، فروى الأمرين محتجا عليه بهما، لا مقيدا لهما بيوم خيبر، والله ~~الموفق. # ولكن هاهنا نظر آخر، وهو أنه هل حرمها تحريم الفواحش التي لا تباح بحال، ~~أو حرمها عند الاستغناء عنها، وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن ~~عباس، وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسع فيها من توسع، ولم ~~يقف عند الضرورة، أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلها، ورجع عنه. وقد كان ابن ~~مسعود يرى إباحتها، ويقرأ {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم} [المائدة: 87] [المائدة: 78] ، ففي " الصحيحين " عنه قال: ( «كنا نغزو ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ ~~فنهانا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] » ) [المائدة: 78] . # وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: الرد ~~على من يحرمها، وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والثاني: أن يكون أراد آخر هذه الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقا، ~~وأنه معتد، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رخص فيها للضرورة، ~~وعند الحاجة في الغزو، وعند عدم ms0859 النساء، وشدة الحاجة إلى المرأة. فمن رخص ~~فيها في الحضر مع كثرة النساء، وإمكان النكاح المعتاد، فقد اعتدى، والله لا ~~يحب المعتدين. # فإن قيل: فكيف تصنعون بما روى مسلم في " صحيحه " من حديث جابر، # PageV03P405 # وسلمة بن الأكوع، قالا: «خرج علينا منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قد أذن لكم أن تستمتعوا) ~~يعني: متعة النساء» ، قيل: هذا كان زمن الفتح قبل التحريم، ثم حرمها بعد ~~ذلك، بدليل ما رواه مسلم في " صحيحه "، عن سلمة بن الأكوع قال: «رخص لنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها» ~~. وعام أوطاس: هو عام الفتح؛ لأن غزاة أوطاس متصلة بفتح مكة. # فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في " صحيحه "، عن جابر بن عبد الله، ~~قال: ( «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث» ) ~~وفيما ثبت عن عمر أنه قال: ( «متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنا أنهى عنهما: متعة النساء، ومتعة الحج» ) # قيل: الناس في هذا طائفتان، طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها، ~~وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون، ~~ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح، ~~فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، وقد تكلم فيه ~~ابن معين، ولم ير البخاري إخراج حديث في " صحيحه " مع شدة الحاجة إليه، ~~وكونه أصلا من أصول الإسلام، ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به ~~قالوا: ولو # PageV03P406 # صح حديث سبرة، لم يخف على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها،، ويحتج ~~بالآية، وأيضا ولو صح لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأنا أنهى عنها، وأعاقب عليها، بل كان يقول: ms0860 إنه - صلى الله ~~عليه وسلم - حرمها ونهى عنها. قالوا: ولو صح لم تفعل على عهد الصديق، وهو ~~عهد خلافة النبوة حقا. والطائفة الثانية: رأت صحة حديث سبرة، ولو لم يصح ~~فقد صح حديث علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ~~«حرم متعة النساء» ) فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنها بفعلها لم ~~يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر رضي الله عنه، فلما وقع ~~فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر، وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل في إجارة المرأة وأمانها للرجلين] # فصل # وفي قصة الفتح من الفقه جواز إجارة المرأة وأمانها للرجل والرجلين، كما ~~«أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أمان أم هانئ لحمويها» . # وفيها من الفقه جواز قتل المرتد الذي تغلظت ردته من غير استتابة، «فإن ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد ولحق بمكة، فلما كان يوم الفتح أتى به ~~عثمان بن عفان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليبايعه فأمسك عنه طويلا، ~~ثم بايعه وقال: (إنما أمسكت عنه ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال له رجل: ~~هلا أومأت إلي يا رسول الله؟ فقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» ~~) فهذا كان قد تغلظ كفره بردته بعد إيمانه وهجرته وكتابة الوحي ثم ارتد ~~ولحق بالمشركين يطعن على الإسلام ويعيبه، وكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يريد قتله، فلما جاء به عثمان بن عفان # PageV03P407 # وكان أخاه من الرضاعة لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله حياء ~~من عثمان، ولم يبايعه ليقوم إليه بعض أصحابه فيقتله، فهابوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا على قتله بغير إذنه، واستحيى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من عثمان، وساعد القدر السابق لما يريد الله سبحانه ~~بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح، فبايعه وكان ممن استثنى الله ~~بقوله: {كيف ms0861 يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين - أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين - خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ~~- إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 86 - ~~89] [آل عمران: 86 - 89] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ( «ما ينبغي لنبي ~~أن تكون له خائنة الأعين» ) ، أي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يخالف ظاهره باطنه، ولا سره علانيته، وإذا نفذ حكم الله وأمره لم يوم به، ~~بل صرح به، وأعلنه، وأظهره. ### | [فصل في غزوة حنين وتسمى غزوة أوطاس] ### | تسميتها بأوطاس وهوازن # فصل # في غزوة حنين وتسمى غزوة أوطاس # وهما موضعان بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى غزوة ~~هوازن، لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما ~~فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النصري، واجتمع إليه مع هوازن ~~ثقيف كلها، واجتمعت إليه مضر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، ~~وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب، ~~ولا # PageV03P408 # كلاب، وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، ~~وكان شجاعا مجربا، وفي ثقيف سيدان لهم، وفي الأحلاف قارب بن الأسود، وفي ~~بني مالك سبيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك ~~بن عوف النصري، فلما أجمع السير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساق ~~مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، ~~وفيهم دريد بن الصمة، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم ~~مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ~~وبكاء الصبي، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم ~~وأموالهم وأبناءهم. قال: أين مالك؟ قيل ms0862 هذا مالك، ودعي له. قال يا مالك إنك ~~قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع ~~رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ ، قال: سقت مع ~~الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل ~~أهله وماله ليقاتل عنهم. فقال: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء، إنها ~~إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ~~ومالك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها أحد منهم. # قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب، ~~ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن ~~عامر، وعوف بن عامر؟ قال: ذانك الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران. يا ~~مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن # PageV03P409 # إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم، وعليا قومهم، ثم الق ~~الصباة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، إن كانت عليك ألفاك ~~ذلك، وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت، وكبر عقلك، ~~والله لتطيعنني يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، ~~وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم ~~أشهده ولم يفتني. # يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع # أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع # ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل ~~واحد، وبعث عيونا من رجاله فأتوه، وقد تفرقت أوصالهم، قال: ويلكم ما شأنكم؟ ~~قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، ~~فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. # ولما سمع بهم نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليهم عبد الله بن أبي ~~حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم ms0863 علمهم، ثم ~~يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له ~~من حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم ~~عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر. # فلما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السير إلى هوازن، «ذكر له أن ~~عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك، فقال: (يا ~~أبا أمية أعرنا سلاحك # PageV03P410 # هذا نلقى فيه عدونا غدا، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: " بل عارية ~~مضمونة حتى نؤديها إليك "، فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها ~~من السلاح، فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله أن يكفيهم ~~حملها، ففعل» ) . # ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه ألفان من أهل مكة، مع عشرة ~~آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، وكانوا اثني عشر ألفا، ~~واستعمل عتاب بن أسيد على مكة أميرا، ثم مضى يريد لقاء هوازن. # قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن ~~أبيه جابر بن عبد الله، قال: لما استقبلنا وادي حنين، انحدرنا في واد من ~~أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارا. قال: وفي عماية الصبح، ~~وكان القوم سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه قد ~~أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا - ونحن منحطون - إلا الكتائب، قد ~~شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد منهم على أحد، ~~وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين، ثم قال: ( «إلى أين ~~أيها الناس؟ هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» ) وبقي مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ~~ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس، وأبو سفيان ~~بن الحارث وابنه، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة ms0864 بن زيد، ~~وأيمن ابن أم أيمن، وقتل يومئذ. # قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل ~~أمام هوازن، وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن ~~وراءه فاتبعوه، فبينا هو كذلك # PageV03P411 # إذ أهوى عليه علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فأتى علي من ~~خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ~~ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، قال: فاجتلد الناس. قال: فوالله ~~ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قال ابن إسحاق: ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من ~~الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام ~~لمعه في كنانته، وصرخ جبلة بن الحنبل - وقال ابن هشام: صوابه كلدة - ألا ~~بطل السحر اليوم، فقال له صفوان أخوه لأمه وكان بعد مشركا: اسكت فض الله ~~فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش، أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. # وذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي، قال: لما كان عام الفتح، دخل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، ~~فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر ~~قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا، ما تبعته ~~أبدا، وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط ~~الناس اقتحم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بغلته فأصلت السيف، فدنوت ~~أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه، فرفع لي شواظ من نار ~~كالبرق كاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، فالتفت إلي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم ms0865 -، فناداني: ( «يا شيب ادن مني " فدنوت منه فمسح صدري، ~~ثم قال: " اللهم أعذه من الشيطان " قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من # PageV03P412 # سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال " ادن فقاتل» ) ~~فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، الله يعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء، ولو ~~لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا، لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه، ~~حتى تراجع المسلمون، فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فاستوى عليها، وخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، ورجع إلى ~~معسكره فدخل خباءه، فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه، ~~وسرورا به، فقال: ( «يا شيب الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك "، ثم ~~حدثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قط، قال فقلت: فإني أشهد ~~أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قلت: ~~استغفر لي. فقال " غفر الله لك» ) . # وقال ابن إسحاق: وحدثني الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس بن ~~عبد المطلب، قال: إني لمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذ بحكمة ~~بغلته البيضاء قد شجرتها بها، وكنت امرءا جسيما، شديد الصوت، قال: رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين رأى ما رأى من الناس: ( «إلى أين ~~أيها الناس؟ " قال: فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: " يا عباس اصرخ يا ~~معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة "، فأجابوا: لبيك لبيك» ) قال: فيذهب ~~الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ ~~سيفه وقوسه وترسه، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله ويؤم الصوت، حتى ينتهي إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلوا ~~الناس، فاقتتلوا، فكانت الدعوة أول ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت آخرا: يا ~~للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~ركائبه، فنظر إلى مجتلد ms0866 القوم، وهم يجتلدون فقال: ( «الآن حمي الوطيس» ) ~~وزاد غيره. # PageV03P413 # أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # وفي " صحيح مسلم ": «ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى ~~بها في وجوه الكفار، ثم قال: (انهزموا ورب محمد) فما هو إلا أن رماهم، فما ~~زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا» . # وفي لفظ له: «إنه نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل ~~بها وجوههم، وقال: (شاهت الوجوه) ، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ~~ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين» . # وذكر ابن إسحاق عن جبير بن مطعم، قال: لقد رأيت - قبل هزيمة القوم والناس ~~يقتتلون يوم حنين - مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين ~~القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، ~~فلم أشك أنها الملائكة. # قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، ~~وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، وبعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من ~~انهزم فناوشوه القتال، فرمي بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ~~ابن أخيه، فقاتلهم ففتح الله عليه فهزمهم الله، وقتل قاتل أبي عامر، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر وأهله، ~~واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» ) ، واستغفر لأبي موسى. # PageV03P414 # ومضى مالك بن عوف حتى تحصن بحصن ثقيف، وأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالسبي والغنائم أن تجمع، فجمع ذلك كله، ووجهوه إلى الجعرانة، وكان ~~السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف ~~شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يقدموا عليه مسلمين بضع عشرة ليلة. # أول الناس منهم أبو سفيان وحكيم بن حزام] # ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، فأعطى أبا ~~سفيان بن حرب أربعين أوقية، ومائة ms0867 من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فقال: " ~~أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل "، فقال: ابني معاوية؟ قال " أعطوه ~~أربعين أوقية، ومائة من الإبل "، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم ~~سأله مائة أخرى فأعطاه، وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل، ~~وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي خمسين، وذكر أصحاب المائة - وأصحاب الخمسين - ~~وأعطى العباس بن مرداس أربعين، فقال في ذلك شعرا، فكمل له المائة. ثم أمر ~~زيد بن ثابت بإحصاء الغنائم والناس، ثم فضها على الناس، فكانت سهامهم لكل ~~رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة. فإن كان فارسا أخذ اثني عشر بعيرا، وعشرين ~~ومائة شاة. # قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي ~~سعيد الخدري، قال: «لما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من ~~تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد ~~هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي ~~والله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، ~~فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما ~~صنعت في هذا الفيء الذي # PageV03P415 # أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يكن في هذا ~~الحي من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد " قال: يا رسول ~~الله ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة؟ قال فجاء ~~رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتى سعد، ~~فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " يا معشر الأنصار، ما ~~قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ~~بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا: الله ~~ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ms0868 " ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا ~~نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل. قال: " أما والله لو شئتم ~~لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا ~~فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم علي يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة ~~من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا ~~معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى ~~رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا ~~الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وواديا، وسلكت الأنصار ~~شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم ~~ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار " قال: فبكى القوم حتى ~~أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسما وحظا، ~~ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرقوا» ) . # «وقدمت الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من # PageV03P416 # الرضاعة، فقالت: يا رسول الله! إني أختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ ~~قالت: عضة عضضتنيها في ظهري، وأنا متوركتك. قال: فعرف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - العلامة فبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، وخيرها، فقال: (إن ~~أحببت الإقامة فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك فترجعي إلى قومك "؟ ~~قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، ففعل» ) ، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها ~~غلاما يقال له مكحول وجارية، فزوجت إحداهما من الآخر، فلم يزل فيهم من ~~نسلهما بقية. وقال أبو عمر: فأسلمت فأعطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثلاثة أعبد، وجارية، ونعما، وشاء، وسماها حذافة. وقال: والشيماء لقب. ### | [فصل في قدوم وفد هوازن] # فصل # وقدم وفد هوازن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم أربعة عشر ~~رجلا، ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسبي والأموال، فقال: ( «إن معي ~~من ترون، وإن أحب الحديث إلي أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم، ms0869 أم ~~أموالكم؟ " قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقال: إذا صليت الغداة ~~فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المؤمنين ~~ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يردوا علينا ~~سبينا "، فلما صلى الغداة قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس، ~~فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما ~~أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت ~~بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال العباس ~~بن مرداس: وهنتموني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن هؤلاء ~~القوم قد جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سبيهم، وقد خيرتهم فلم يعدلوا ~~بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ~~ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما ~~يفيء الله علينا، فقال الناس: قد طيبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم ~~أمركم فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم» ) . # PageV03P417 # ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في ~~يديه، ثم ردها بعد ذلك، وكسا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السبي قبطية ~~قبطية. ### | [فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت الحكمية] ### | [تسببت حرب هوازن له صلى الله عليه وسلم في إظهار أمر الله] # فصل # في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهية والنكت ~~الحكمية # كان الله عز وجل قد وعد رسوله وهو صادق الوعد، أنه إذا فتح مكة دخل الناس ~~في دينه أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح ms0870 المبين اقتضت ~~حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألبوا ~~لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين؛ ليظهر أمر الله وتمام ~~إعزازه لرسوله ونصره لدينه، ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح، وليظهر الله ~~- سبحانه - رسوله وعباده، وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون ~~مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي ~~تلوح للمتأملين، وتبدو للمتوسمين. # واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع ~~كثرة عددهم وعددهم، وقوة شوكتهم ليطامن رءوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل # PageV03P418 # بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه منحنيا ~~على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته، واستكانة ~~لعزته، أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، وليبين ~~سبحانه لمن قال: (لن نغلب اليوم عن قلة) أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ~~ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى ~~نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا، فوليتم ~~مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر مع بريد النصر {ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] ~~وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار، {ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 5] ~~[القصص: 6] . # ومنها: أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائم مكة، فلم يغنموا منها ذهبا، ~~ولا فضة ولا متاعا، ولا سبيا، ولا أرضا، كما روى أبو داود، عن وهب بن منبه ~~قال: سألت جابرا: (هل غنموا يوم الفتح شيئا؟ قال لا) وكانوا قد فتحوها ~~بإيجاف الخيل والركاب، وهم عشرة آلاف، وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش ~~من أسباب القوة، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبهم ms0871 إخراج ~~أموالهم ونعمهم وشائهم وسبيهم معهم نزلا، وضيافة وكرامة لحزبه وجنده، وتمم ~~تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر، وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا، فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبردت الغنائم ~~لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم، ولا في ~~نسائكم وذراريكم، فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة، فجاءوا ~~مسلمين. فقيل: إن من شكر إسلامكم وإتيانكم أن نرد عليكم # PageV03P419 # نساءكم وأبناءكم وسبيكم و {إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما ~~أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: 70] [الأنفال: 70] . # ومنها: أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة ~~حنين، ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر، فيقال: بدر وحنين، وإن كان ~~بينهما سبع سنين، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما، ~~وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمسلمين، فالأولى: خوفتهم وكسرت من حدهم، والثانية استفرغت قواهم، ~~واستنفدت سهامهم، وأذلت جمعهم، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله. # ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة، وفرحهم بما نالوه من النصر ~~والمغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عين جبرهم وعرفهم تمام ~~نعمته عليهم بما صرف عنهم من شر هوازن، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما ~~نصروا عليهم بالمسلمين، ولو أفردوا عنهم لأكلهم عدوهم، إلى غير ذلك من ~~الحكم التي لا يحيط بها إلا الله تعالى. ### | [فصل في إيجاب بعث العيون والسير إلى العدو إذا سمع بقصده له] # فصل # وفيها: من الفقه أن الإمام ينبغي له أن يبعث العيون، ومن يدخل بين عدوه ~~ليأتيه بخبرهم، وأن الإمام إذا سمع بقصد عدوه له وفي جيشه قوة ومنعة، لا ~~يقعد ينتظرهم، بل يسير إليهم، كما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى هوازن، حتى لقيهم بحنين. # ومنها: أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين ms0872 وعدتهم، لقتال عدوه، كما ~~استعار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدراع صفوان، وهو يومئذ مشرك. # ومنها: أن من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله لمسبباتها ~~قدرا وشرعا، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أكمل الخلق ~~توكلا، وإنما كانوا يلقون عدوهم وهم متحصنون بأنواع السلاح، ودخل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مكة، والبيضة # PageV03P420 # على رأسه، وقد أنزل الله عليه {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] ~~[المائدة: 67] . # وكثير ممن لا تحقيق عنده، ولا رسوخ في العلم يستشكل هذا، ويتكايس في ~~الجواب تارة بأن هذا فعله تعليما للأمة، وتارة بأن هذا كان قبل نزول الآية. ~~ووقعت في مصر مسألة سأل عنها بعض الأمراء، وقد ذكر له حديث ذكره أبو القاسم ~~بن عساكر، في " تاريخه الكبير " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~بعد أن أهدت له اليهودية الشاة المسمومة لا يأكل طعاما قدم له حتى يأكل منه ~~من قدمه. # قالوا: وفي هذا أسوة للملوك في ذلك. فقال قائل: كيف يجمع بين هذا، وبين ~~قوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] فإذا كان الله سبحانه قد ~~ضمن له العصمة فهو يعلم أنه لا سبيل لبشر إليه. # وأجاب بعضهم بأن هذا يدل على ضعف الحديث، وبعضهم بأن هذا كان قبل نزول ~~الآية، فلما نزلت لم يكن ليفعل ذلك بعدها. ولو تأمل هؤلاء أن ضمان الله له ~~العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها، لأغناهم عن هذا التكلف، فإن هذا الضمان ~~له من ربه تبارك وتعالى لا يناقض احتراسه من الناس، ولا ينافيه، كما أن ~~إخبار الله سبحانه له بأنه يظهر دينه على الدين كله ويعليه لا يناقض أمره ~~بالقتال وإعداد العدة والقوة ورباط الخيل، والأخذ بالجد والحذر والاحتراس ~~من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب والتورية، فكان إذا أراد الغزوة ورى ~~بغيرها، وذلك لأن هذا إخبار من الله سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما ~~يتعاطاه من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى ذلك مقتضية له، وهو - صلى ~~الله عليه وسلم - أعلم بربه، وأتبع لأمره ms0873 من أن يعطل الأسباب التي جعلها ~~الله له بحكمته موجبة لما وعده به من النصر والظفر إظهار دينه وغلبته ~~لعدوه، وهذا كما أنه سبحانه ضمن له حياته حتى يبلغ رسالاته، ويظهر دينه، ~~وهو يتعاطى أسباب الحياة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وهذا موضع ~~يغلط فيه كثير من الناس، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن ترك الدعاء، وزعم أنه لا ~~فائدة فيه؛ لأن المسئول إن كان قد قدر ناله، ولا بد وإن لم يقدر لم ينله، ~~فأي فائدة في الاشتغال بالدعاء؟ # PageV03P421 # ثم تكايس في الجواب، بأن قال: الدعاء عبادة، فيقال لهذا الغالط: بقي عليك ~~قسم آخر - وهو الحق - أنه قد قدر له مطلوبه بسبب إن تعاطاه حصل له المطلوب، ~~وإن عطل السبب فاته المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب، وما ~~مثل هذا الغالط إلا مثل من يقول: وإن كان الله قد قدر لي الشبع فأنا أشبع ~~أكلت أو لم آكل، إن لم يقدر لي الشبع لم أشبع أكلت أو لم آكل فما فائدة ~~الأكل؟ وأمثال هذه الترهات الباطلة المنافية لحكمة الله تعالى وشرعه وبالله ~~التوفيق. ### | [فصل هل العارية مضمونة] # فصل # وفيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط لصفوان في العارية الضمان، ~~فقال: ( «بل عارية مضمونة» ) ، فهل هذا إخبار عن شرعه في العارية، ووصف لها ~~بوصف شرعه الله فيها، وأن حكمها الضمان، كما يضمن المغصوب، أو إخبار عن ~~ضمانها بالأداء بعينها، ومعناه أني ضامن لك تأديتها، وأنها لا تذهب، بل ~~أردها إليك بعينها؟ هذا مما اختلف فيه الفقهاء. # فقال الشافعي وأحمد بالأول، وأنها مضمونة بالتلف. وقال أبو حنيفة ومالك ~~بالثاني، وأنها مضمونة بالرد على تفصيل في مذهب مالك، وهو أن العين إن كانت ~~مما لا يغاب عليه كالحيوان والعقار، لم تضمن بالتلف إلا أن يظهر كذبه، وإن ~~كانت مما يغاب عليه كالحلي ونحوه ضمنت بالتلف، إلا أن يأتي ببينة تشهد على ~~التلف، وسر مذهبه أن العارية أمانة غير مضمونة، كما قال أبو حنيفة: إلا أنه ~~لا يقبل قوله فيما ms0874 يخالف الظاهر، فلذلك فرق بين ما يغاب عليه، وما لا يغاب ~~عليه. # ومأخذ المسألة أن ( «قوله - صلى الله عليه وسلم - لصفوان: " بل عارية ~~مضمونة» ) هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف؟ أي أضمنها إن تلفت أو ~~أضمن لك ردها، وهو يحتمل الأمرين، وهو في ضمان الرد أظهر لثلاثة أوجه: # أحدها: أن في اللفظ الآخر: " «بل عارية مؤداة» "، فهذا يبين أن قوله: # PageV03P422 # " مضمونة "، المراد به: المضمونة بالأداء. # الثاني: أنه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله هل تأخذها مني أخذ غصب تحول ~~بيني وبينها؟ فقال: " «لا بل أخذ عارية أؤديها إليك» ". ولو كان سأله عن ~~تلفها، وقال: أخاف أن تذهب لناسب أن يقول: أنا ضامن لها إن تلفت. # الثالث: أنه جعل الضمان صفة لها نفسها، ولو كان ضمان تلف لكان الضمان ~~لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها، دل على أنه ضمان أداء. # فإن قيل: ففي القصة أن بعض الدروع ضاع، فعرض عليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يضمنها، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب، قيل: هل عرض عليه أمرا ~~واجبا، أو أمرا جائزا مستحبا الأولى فعله، وهو من مكارم الأخلاق والشيم، ~~ومن محاسن الشريعة؟ وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان ~~واجبا، لم يعرضه عليه؛ بل كان يفي له به، ويقول: هذا حقك، كما لو كان ~~الذاهب بعينه موجودا، فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله. ### | [فصل في جواز عقر مركوب العدو إذا كان عونا على قتله] # فصل # وفيها: جواز عقر فرس العدو ومركوبه إذا كان ذلك عونا على قتله، كما عقر ~~علي - رضي الله عنه - جمل حامل راية الكفار، وليس هذا من تعذيب الحيوان ~~المنهي عنه. # وفيها: عفو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن هم بقتله، ولم يعاجله، ~~بل دعا له، ومسح صدره حتى عاد كأنه ولي حميم. # ومنها: ما ظهر في هذه الغزاة من معجزات النبوة وآيات الرسالة، من إخباره ~~لشيبة بما أضمر في نفسه ومن ثباته، وقد تولى عنه الناس وهو يقول # أنا ms0875 النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # وقد استقبلته كتائب المشركين. # ومنها: إيصال الله قبضته التي رمى بها إلى عيون أعدائه على البعد منه، # PageV03P423 # وبركته في تلك القبضة حتى ملأت أعين القوم إلى غير ذلك من معجزاته فيها، ~~كنزول الملائكة للقتال معه حتى رآهم العدو جهرة ورآهم بعض المسلمين. # ومنها: جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار ودخولهم في الطاعة، ~~فيرد عليهم غنائمهم وسبيهم، وفي هذا دليل لمن يقول: إن الغنيمة إنما تملك ~~بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء عليها، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء ~~لم يستأن بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليردها عليهم، وعلى هذا فلو مات ~~أحد من الغانمين قبل القسمة، أو إحرازها بدار الإسلام، رد نصيبه على بقية ~~الغانمين دون ورثته، وهذا مذهب أبي حنيفة، لو مات قبل الاستيلاء لم يكن ~~لورثته شيء، ولو مات بعد القسمة فسهمه لورثته. ### | [فصل في العطاء الذي أعطاه صلى الله عليه وسلم لقريش والمؤلفة قلوبهم] # فصل # وهذا العطاء الذي أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لقريش والمؤلفة ~~قلوبهم، هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟ فقال الشافعي ~~ومالك: هو من خمس الخمس، وهو سهمه - صلى الله عليه وسلم - الذي جعله الله ~~له من الخمس، وهو غير الصفي، وغير ما يصيبه من المغنم؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يستأذن الغانمين في تلك العطية. ولو كان العطاء من أصل ~~الغنيمة لاستأذنهم؛ لأنهم ملكوها بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل ~~الخمس؛ لأنه مقسوم على خمسة، فهو إذا من خمس الخمس. وقد نص الإمام أحمد على ~~أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - به رءوس القبائل والعشائر، ليتألفهم به وقومهم على ~~الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعده لما فيه ~~من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه، هكذا وقع، سواء كما ~~قال بعض هؤلاء الذي نفلهم: لقد أعطاني رسول الله - صلى الله ms0876 عليه وسلم -، ~~وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي، فما ظنك ~~بعطاء قوى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رءوس القبائل ~~والعشائر، الذين إذا غضبوا، غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا # PageV03P424 # رضوا رضوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحد من قومهم، فلله ما ~~أعظم موقع هذا العطاء، وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله. # ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله يقسمها رسوله حيث أمره، لا يتعدى الأمر، ~~فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة، لما خرج عن الحكمة ~~والمصلحة والعدل، ولما عميت أبصار ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه ~~المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعدل فإنك لم تعدل. وقال مشبهه: إن هذه ~~لقسمة ما أريد بها وجه الله، ولعمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله، ~~ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله - ~~سبحانه - أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة، كما منعهم ~~غنائم مكة، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلط عليها نارا من ~~السماء تأكلها، وهو في ذلك كله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وما فعل ما ~~فعله من ذلك عبثا، ولا قدره سدى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل ~~والرحمة، مصدره كمال علمه وعزته وحكمته ورحمته، ولقد أتم نعمته على قوم ~~ردهم إلى منازلهم برسوله - صلى الله عليه وسلم -، يقودونه إلى ديارهم، ~~وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير، كما يعطى الصغير ما يناسب ~~عقله ومعرفته، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه ~~تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون عليه بعقولهم ويحرمون، ورسوله منفذ لأمره. # فإن قيل فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل ~~يسوغ له ذلك؟ # قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم، وقيام الدين. فإن تعين ذلك ~~للدفع عن الإسلام، والذب عن حوزته، واستجلاب رءوس أعدائه إليه، ليأمن ~~المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تجوز الشريعة غير ms0877 هذا، فإنه ~~وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو ~~أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، # PageV03P425 # وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على ~~هذين الأصلين. وبالله التوفيق. ### | [فصل في بيع الرقيق والحيوان بعضه ببعض نسيئة ومتفاضلا] # فصل # وفيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ( «من لم يطيب نفسه، فله ~~بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا» ) . # ففي هذا دليل على جواز بيع الرقيق بل الحيوان بعضه ببعض نسيئة ومتفاضلا. # وفي " السنن " من حديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص ~~الصدقة، وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة» ) . # وفي " السنن " عن ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ( «نهى عن بيع ~~الحيوان بالحيوان نسيئة» ) ورواه الترمذي من حديث الحسن عن سمرة، وصححه. # وفي الترمذي من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئا، ~~ولا بأس به يدا بيد» ) قال الترمذي: حديث حسن. # PageV03P426 # فاختلف الناس في هذه الأحاديث على أربعة أقوال وهي روايات عن أحمد. # أحدها: جواز ذلك متفاضلا، ومتساويا نسيئة ويدا بيد وهو مذهب أبي حنيفة ~~والشافعي. # والثاني: لا يجوز ذلك نسيئة ولا متفاضلا. # والثالث: يحرم الجمع بين النساء والتفاضل ويجوز البيع مع أحدهما، وهو قول ~~مالك - رحمه الله - # والرابع: إن اتحد الجنس جاز التفاضل وحرم النساء، وإن اختلف الجنس جاز ~~التفاضل والنساء. # وللناس في هذه الأحاديث والتأليف بينها ثلاثة مسالك: # أحدها: تضعيف حديث الحسن عن سمرة، لأنه لم يسمع منه سوى حديثين، ليس هذا ~~منهما، وتضعيف حديث الحجاج بن أرطاة. # والمسلك الثاني: دعوى النسخ وإن لم يتبين المتأخر منها من المتقدم، ولذلك ~~وقع الاختلاف. # والمسلك الثالث: حملها على أحوال مختلفة، وهو أن النهي عن بيع الحيوان ~~بالحيوان نسيئة، إنما كان لأنه ذريعة إلى ms0878 النسيئة في الربويات، فإن البائع ~~إذا رأى ما في هذا البيع من الربح لم تقتصر نفسه عليه، بل تجره إلى بيع ~~الربوي كذلك، فسد عليهم الذريعة وأباحه يدا بيد، ومنع من النساء فيه، وما ~~حرم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة، كما أباح من المزابنة العرايا للمصلحة ~~الراجحة، وأباح ما تدعو إليه الحاجة منها، وكذلك بيع الحيوان بالحيوان ~~نسيئة متفاضلا في هذه القصة، وفي حديث ابن عمر إنما وقع في الجهاد، وحاجة # PageV03P427 # المسلمين إلى تجهيز الجيش، ومعلوم أن مصلحة تجهيزه أرجح من المفسدة في ~~بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل ~~المرجوحة، ونظير هذا جواز لبس الحرير في الحرب، وجواز الخيلاء فيها، إذ ~~مصلحة ذلك أرجح من مفسدة لبسه، ونظير ذلك لباسه القباء الحرير الذي أهداه ~~له ملك أيلة ساعة ثم نزعه للمصلحة الراجحة في تأليفه وجبره، وكان هذا بعد ~~النهي عن لباس الحرير كما بيناه مستوفى في كتاب " التخيير فيما يحل ويحرم ~~من لباس الحرير "، وبينا أن هذا كان عام الوفود سنة تسع، وأن النهي عن لباس ~~الحرير كان قبل ذلك، بدليل أنه نهى عمر عن لبس الحلة الحرير التي أعطاه ~~إياها، فكساها عمر أخا له مشركا بمكة، وهذا كان قبل الفتح، ولباسه - صلى ~~الله عليه وسلم - هدية ملك أيلة، كان بعد ذلك، ونظير هذا نهيه - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الصلاة قبل طلوع الشمس، وبعد العصر، سدا لذريعة التشبه ~~بالكفار، وأباح ما فيه مصلحة راجحة من قضاء الفوائت، وقضاء السنن، وصلاة ~~الجنازة، وتحية المسجد؛ لأن مصلحة فعلها أرجح من مفسدة النهي. والله أعلم. # وفي القصة دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود، جاز ~~إذا اتفقا عليه، ورضيا به، وقد نص أحمد على جوازه في رواية عنه في الخيار ~~مدة غير محدودة، أنه يكون جائزا حتى يقطعاه، وهذا هو الراجح، إذ لا محذور ~~في ذلك ولا عذر، وكل منهما قد دخل على بصيرة، ورضى بموجب العقد، فكلاهما في ~~العلم به سواء، فليس لأحدهما مزية على ms0879 الآخر، فلا يكون ذلك ظلما. ### | فصل في أن من قتل قتيلا فله سلبه # فصل # وفي هذه الغزوة أنه قال: ( «من قتل قتيلا، له عليه بينة فله سلبه» ) ~~وقاله في غزوة أخرى قبلها، فاختلف الفقهاء، هل هذا السلب مستحق بالشرع أو ~~بالشرط؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. # PageV03P428 # أحدهما: أنه له بالشرع شرطه الإمام أو لم يشرطه، وهو قول الشافعي. # والثاني: أنه لا يستحق إلا بشرط الإمام، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك ~~رحمه الله: لا يستحق إلا بشرط الإمام بعد القتال. فلو نص قبله لم يجز. قال ~~مالك: ولم يبلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك إلا يوم حنين، ~~وإنما نفل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن برد القتال. # ومأخذ النزاع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإمام والحاكم ~~والمفتي وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما إلى يوم ~~القيامة كقوله: ( «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ) . # وقوله: ( «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وله ~~نفقته» ، وكحكمه بالشاهد واليمين وبالشفعة فيما لم يقسم) . # وقد يقول بمنصب الفتوى، كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد شكت ~~إليه شح زوجها، وأنه لا يعطيها ما يكفيها: ( «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ~~) فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدع بأبي سفيان ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولا ~~سألها البينة. # وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت وذلك المكان، ~~وعلى تلك الحال فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي ~~راعاها النبي - صلى الله عليه وسلم - زمانا ومكانا وحالا، ومن هاهنا تختلف ~~الأئمة في # PageV03P429 # كثير من المواضع التي فيها أثر عنه - صلى الله عليه وسلم -، كقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ( «من قتل قتيلا فله سلبه» ) هل قاله بمنصب الإمامة، ~~فيكون حكمه متعلقا بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعا عاما؟ # وكذلك قوله: ( «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ) هل هو ms0880 شرع عام لكل أحد، أذن ~~فيه الإمام أو لم يأذن، أو هو راجع إلى الأئمة، فلا يملك بالإحياء إلا بإذن ~~الإمام؟ على القولين، فالأول للشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهما. # والثاني: لأبي حنيفة، وفرق مالك بين الفلوات الواسعة، وما لا يتشاح فيه ~~الناس، وبين ما يقع فيه التشاح، فاعتبر إذن الإمام في الثاني دون الأول. ### | [فصل في الاكتفاء في الأسلاب بشاهد واحد من غير يمين] # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم - " له عليه بينة " دليل على مسألتين: # إحداهما: أن دعوى القاتل أنه قتل هذا الكافر، لا تقبل في استحقاق سلبه. # الثانية: الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد واحد من غير يمين، لما ثبت ~~في الصحيح عن أبي قتادة: ( «قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا ~~رجلا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه، ~~وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت ~~عمر بن الخطاب، فقال ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله ~~سلبه "، قال فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال: فقمت ~~فقلت: من يشهد لي؟ ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " ما لك يا أبا قتادة؟ " فقصصت عليه " القصة، فقال رجل من ~~القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه من حقه، فقال أبو بكر ~~الصديق: لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من # PageV03P430 # أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " صدق فأعطه إياه "، فأعطاني، فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في ~~بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام» ) . # وفي المسألة ثلاثة أقوال: هذا أحدها، وهو وجه في مذهب أحمد. # والثاني: أنه لا بد من شاهد ويمين، ms0881 كإحدى الروايتين عن أحمد. # والثالث - وهو منصوص الإمام أحمد - أنه لا بد من شاهدين؛ لأنها دعوى قتل ~~فلا تقبل إلا بشاهدين. # وفي القصة دليل على مسألة أخرى، وهي أنه لا يشترط في الشهادة التلفظ بلفظ ~~" أشهد " وهذا أصح الروايات عن أحمد في الدليل، وإن كان الأشهر عند أصحابه ~~الاشتراط، وهي مذهب مالك. قال شيخنا: ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين ~~اشتراط لفظ الشهادة، وقد قال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي ~~عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد ~~الصبح» . # ومعلوم أنهم لم يتلفظوا له بلفظ أشهد، إنما كان مجرد إخبار. # وفي حديث ماعز، فلما شهد على نفسه أربع شهادات رجمه، وإنما كان منه مجرد ~~إخبار عن نفسه، وهو إقرار، وكذلك قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل ~~الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد} [الأنعام: 19] [الأنعام: 19] ، ~~وقوله {قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130] [الأنعام: 130] . # وقوله {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى ~~بالله شهيدا} [النساء: 166] [النساء: 166] . # وقوله {أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم ~~من الشاهدين} [آل عمران: 81] [آل عمران: 81] ، وقوله {شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط} [آل عمران: 18] [آل عمران: 18] ~~، إلى # PageV03P431 # أضعاف ذلك مما ورد في القرآن والسنة، من إطلاق لفظ الشهادة على الخبر ~~المجرد عن لفظ أشهد. # وقد تنازع الإمام أحمد، وعلي بن المديني في الشهادة للعشرة بالجنة، فقال ~~علي: (أقول هم في الجنة، ولا أقول أشهد أنهم في الجنة. فقال الإمام أحمد: ~~متى قلت هم في الجنة فقد شهدت) وهذا تصريح منه بأنه لا يشترط في الشهادة ~~لفظ أشهد. وحديث أبي قتادة من أبين الحجج في ذلك. # فإن قيل: إخبار من كان عنده السلب إنما كان إقرارا بقوله هو ms0882 عندي، وليس ~~ذلك من الشهادة في شيء. # قيل: تضمن كلامه شهادة وإقرارا بقوله " صدق "، شهادة له بأنه قتله، ~~وقوله: هو " عندي " إقرار منه بأنه عنده، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما قضى بالسلب بعد البينة، وكان تصديق هذا هو البينة. ### | فصل في أن السلب جميعه للقاتل # فصل # وقوله - صلى الله عليه وسلم - " فله سلبه " دليل على أن له سلبه كله غير ~~مخمس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلا: ( «له سلبه ~~أجمع» ) . # وفي المسألة ثلاثة مذاهب هذا أحدها. # والثاني: أنه يخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن ~~عباس لدخوله في آية الغنيمة. # والثالث: أن الإمام إن استكثره خمسه، وإن استقله لم يخمسه، وهو قول ~~إسحاق، وفعله عمر بن الخطاب، فروى سعيد في " سننه " عن ابن سيرين، أن ~~البراء بن مالك بارز مرزبان المرازبة بالبحرين فطعنه، فدق صلبه، وأخذ ~~سواريه وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى البراء في داره، فقال: ( «إنا كنا لا ~~نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا، وأنا خامسه» ) ، فكان أول سلب خمس ~~في الإسلام سلب البراء وبلغ ثلاثين ألفا. # والأول أصح، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P432 # ( «لم يخمس السلب» ) ، وقال: هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق ~~بعده، وما رآه عمر اجتهاد منه أداه إليه رأيه. # والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى به للقاتل، ولم ينظر في قيمته وقدره واعتبار خروجه من خمس الخمس، وقال ~~مالك: هو من خمس الخمس، ويدل على أنه يستحقه من يسهم له، ومن لا يسهم له، ~~من صبي وامرأة وعبد ومشرك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يستحق السلب إلا ~~من يستحق السهم؛ لأن السهم المجمع عليه إذا لم يستحقه العبد والصبي والمرأة ~~والمشرك، فالسلب أولى، والأول أصح للعموم، ولأنه جار مجرى قول الإمام: من ~~فعل كذا وكذا، أو دل على حصن، أو جاء برأس فله كذا مما فيه تحريض على ~~الجهاد، ms0883 والسهم مستحق بالحضور، وإن لم يكن منه فعل، والسلب مستحق بالفعل، ~~فجرى مجرى الجعالة. ### | [فصل يستحق القاتل سلب جميع من قتله وإن كثروا] # فصل # وفيه دلالة على أنه يستحق سلب جميع من قتله وإن كثروا. وقد ذكر أبو داود ~~أن أبا طلحة قتل يوم حنين عشرين رجلا، فأخذ أسلابهم. ### | [فصل في غزوة الطائف] ### | عام غزوة الطائف # فصل # في غزوة الطائف # في شوال سنة ثمان، قال ابن سعد: قالوا: ولما أراد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المسير إلى الطائف، بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين صنم عمرو ~~بن حممة الدوسي يهدمه، وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا ~~إلى قومه، فهدم ذا الكفين، وجعل يحش النار في وجهه ويحرقه ويقول: # PageV03P433 # يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا # إني حششت النار في فؤادكا # وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق. # قال ابن سعد: ولما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حنين يريد ~~الطائف، قدم خالد بن الوليد على مقدمته، وكانت ثقيف قد رموا حصنهم، وأدخلوا ~~فيه ما يصلح لهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس، دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم ~~وتهيئوا للقتال # وسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل قريبا من حصن الطائف، وعسكر ~~هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من ~~المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فارتفع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، ~~فضرب لهما قبتين، وكان يصلي بين القبتين مدة حصار الطائف، فحاصرهم ثمانية ~~عشر يوما، وقال ابن إسحاق: بضعا وعشرين ليلة. # ونصب عليهم المنجنيق، وهو أول ما رمي به في الإسلام. # وقال ابن سعد: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما» ~~) # PageV03P434 # قال ابن إسحاق: ms0884 حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت دبابة، ثم دخلوا بها إلى جدار ~~الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من ~~تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون. # قال ابن سعد: فسألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «فإني أدعها لله وللرحم» " فنادى منادي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج منهم ~~بضعة عشر رجلا، منهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة ~~شديدة. # ولم يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فتح الطائف، واستشار رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نوفل بن معاوية الديلي، فقال: ما ترى؟ فقال ~~ثعلب: في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك. # فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب، فأذن في الناس ~~بالرحيل، فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ( «فاغدوا على القتال» ) ، فغدوا، فأصابت ~~المسلمين جراحات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «إنا قافلون ~~غدا إن شاء الله» ) فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يضحك، فلما ارتحلوا واستقلوا، قال قولوا: ( «آيبون تائبون ~~عابدون لربنا حامدون» ) ، وقيل يا رسول الله ادع الله على ثقيف. فقال: ( ~~«اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» ) # PageV03P435 # واستشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطائف جماعة، ثم خرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من الطائف إلى الجعرانة، ثم دخل منها محرما ~~بعمرة فقضى عمرته، ثم رجع إلى المدينة. ### | [فصل في قدوم وفد ثقيف] # فصل # قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة من تبوك ms0885 ~~في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وكان من حديثهم أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه ~~قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كما يتحدث قومك أنهم قاتلوك، وعرف رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا ~~رسول الله؟ أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج ~~يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على ~~علية له وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه، ~~فأصابه سهم فقتله، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، ~~وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوه معهم، ~~فزعموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: ( «إن مثله في قومه ~~كمثل صاحب يس في قومه» ) . # ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا ~~طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فأجمعوا أن يرسلوا ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا، كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ~~ياليل بن عمرو بن عمير، وكان في سن عروة بن مسعود، وعرضوا عليه ذلك، فأبى ~~أن يفعل، وخشي # PageV03P436 # أن يصنع به كما صنع بعروة، فقال: لست بفاعل حتى ترسلوا معي رجالا، ~~فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك فيكونون ستة، ~~فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب، وشرحبيل بن غيلان، ومن بني مالك عثمان بن ~~أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة فخرج بهم، فلما دنوا من المدينة ~~ونزلو قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتد ليبشر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقدومهم عليه ms0886 فلقيه أبو بكر، فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أكون أنا أحدثه ففعل، فدخل أبو ~~بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج ~~المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم، وأعلمهم كيف يحيون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، فلما قدموا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون. # وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكانوا لا ~~يأكلون طعاما يأتيهم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يأكل منه ~~خالد حتى أسلموا. # وقد كان فيما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدع لهم ~~الطاغية، وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا ~~واحدا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما ~~يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا ~~قومهم بهدمها، حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها، وقد كانوا ~~يسألونه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم ~~بأيديهم. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «أما كسر أوثانكم بأيديكم ~~فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» ) . # فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا، أمر عليهم ~~عثمان بن أبي العاص، # PageV03P437 # وكان من أحدثهم سنا، وذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم ~~القرآن. # فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، ~~فخرجا مع القوم ms0887 حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا ~~سفيان، فأبى ذلك عليه أبو سفيان، فقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان ~~بماله بذي الهدم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام ~~دونه بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا ~~يبكين عليها، ويقول أبو سفيان - والمغيرة يضربها بالفأس - " واها لك واها ~~لك " فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها، أرسل إلى أبي سفيان مجموع ~~مالها من الذهب والفضة والجزع. # وقد كان أبو مليح بن عروة، وقارب بن الأسود، قدما على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل وفد ثقيف حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف، وأن لا ~~يجامعاهم على شيء أبدا فأسلما، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ( «توليا من شئتما " قالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " وخالكما أبا سفيان بن حرب " فقالا: وخالنا أبا سفيان» ~~) . # فلما أسلم أهل الطائف، «سأل أبو مليح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: نعم، فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول ~~الله فاقضه - وعروة والأسود أخوان لأب وأم - فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: (إن الأسود مات مشركا) فقال قارب بن الأسود: يا رسول الله لكن ~~تصل مسلما ذا قرابة - يعني نفسه - وإنما الدين # PageV03P438 # علي، وأنا الذي أطلب به، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان أن ~~يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية، ففعل» . # وكان كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كتب لهم: ( «بسم الله ~~الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين، إن عضاه وج وصيده ~~حرام، لا يعضد، من وجد يصنع شيئا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدى ~~ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي محمد، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله ~~- صلى الله ms0888 عليه وسلم -» ) . # فكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد فيظلم ~~نفسه فيما أمر به محمد رسول الله. فهذه قصة ثقيف من أولها إلى آخرها، ~~سقناها كما هي، وإن تخلل بين غزوها وإسلامها غزاة تبوك وغيرها، لكن آثرنا ~~أن لا نقطع قصتهم، وأن ينتظم أولها بآخرها ليقع الكلام على فقه هذه القصة ~~وأحكامها في موضع واحد. # فنقول: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم، ونسخ تحريم ذلك، فإن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة إلى مكة في أواخر شهر ~~رمضان، بعد مضي ثمان عشرة ليلة منه، والدليل عليه ما رواه أحمد في " مسنده ~~": حدثنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد ~~بن أوس أنه «مر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الفتح على رجل ~~يحتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وهو آخذ بيدي، فقال: (أفطر ~~الحاجم والمحجوم) » وهذا أصح من قول من قال: إنه خرج لعشر خلون من # PageV03P439 # رمضان، وهذا الإسناد على شرط مسلم، فقد روى به بعينه ( «إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء» ) . # وأقام بمكة تسع عشرة ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج إلى هوازن فقاتلهم، وفرغ ~~منهم، ثم قصد الطائف، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة في قول ابن إسحاق، وثمان ~~عشرة ليلة في قول ابن سعد، وأربعين ليلة في قول مكحول. # فإذا تأملت ذلك، علمت أن بعض مدة الحصار في ذي القعدة ولا بد، ولكن قد ~~يقال: لم يبتدئ القتال إلا في شوال، فلما شرع فيه لم يقطعه للشهر الحرام، ~~ولكن من أين لكم أنه - صلى الله عليه وسلم - ابتدأ قتالا في شهر حرام وفرق ~~بين الابتداء والاستدامة. ### | [فصل في غزو الرجل وأهله معه] # فصل # ومنها: جواز غزو الرجل وأهله معه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~معه في هذه الغزوة أم سلمة وزينب. # ومنها: جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به، وإن أفضى إلى قتل من لم ~~يقاتل من ms0889 النساء والذرية. ومنها: جواز قطع شجر الكفار، إذا كان ذلك يضعفهم ~~ويغيظهم وهو أنكى فيهم. # ومنها: أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين صار حرا. قال سعيد ~~بن منصور: حدثنا يزيد بن هارون، عن الحجاج، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ( ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتق العبيد إذا جاءوا قبل مواليهم» ~~) . # وروى سعيد بن منصور أيضا، قال قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~العبد وسيده # PageV03P440 # قضيتين: قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده، أنه حر، فإن خرج ~~سيده بعده لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد رد ~~على سيده. وعن الشعبي، عن رجل من ثقيف، قال: «سألنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يرد علينا أبا بكرة وكان عبدا لنا، أتى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو محاصر ثقيفا فأسلم، فأبى أن يرده علينا، فقال: (هو ~~طليق الله، ثم طليق رسوله) فلم يرده علينا» . # قال ابن المنذر: وهذا قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم. ### | [فصل في الإمام إذا حاصر حصنا] # فصل # ومنها: أن الإمام إذا حاصر حصنا، ولم يفتح عليه ورأى مصلحة المسلمين في ~~الرحيل عنه لم يلزمه مصابرته، وجاز له ترك مصابرته، وإنما تلزم المصابرة ~~إذا كان فيها مصلحة راجحة على مفسدتها. ### | [فصل في أنه أحرم من الجعرانة بعمرة] # فصل # ومنها: أنه أحرم من الجعرانة بعمرة، وكان داخلا إلى مكة، وهذه هي السنة ~~لمن دخلها من طريق الطائف وما يليه، وأما ما يفعله كثير ممن لا علم عندهم ~~من الخروج من مكة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرة، ثم يرجع إليها، فهذا لم ~~يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحد من أصحابه البتة، ولا ~~استحبه أحد من أهل العلم، وإنما يفعله عوام الناس، زعموا أنه اقتداء بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وغلطوا، فإنه إنما أحرم منها داخلا إلى مكة، ولم ~~يخرج منها إلى الجعرانة ليحرم منها، فهذا لون، وسنته ms0890 لون، وبالله التوفيق. ### | [فصل في استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيف] # فصل # ومنها: استجابة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - دعاءه لثقيف أن ~~يهديهم ويأتي بهم وقد # PageV03P441 # حاربوه وقاتلوه، وقتلوا جماعة من أصحابه، وقتلوا رسول رسوله الذي أرسله ~~إليهم يدعوهم إلى الله، ومع هذا كله فدعا لهم ولم يدع عليهم، وهذا من كمال ~~رأفته ورحمته ونصيحته صلوات الله وسلامه عليه. ### | [فصل في كمال محبة الصديق له صلى الله عليه وسلم] # فصل # ومنها: كمال محبة الصديق له، وقصده التقرب إليه والتحبب بكل ما يمكنه، ~~ولهذا ناشد المغيرة أن يدعه هو يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدوم ~~وفد الطائف، ليكون هو الذي بشره وفرحه بذلك، وهذا يدل على أنه يجوز للرجل ~~أن يسأل أخاه أن يؤثره بقربة من القرب، وأنه يجوز للرجل أن يؤثر بها أخاه، ~~وقول من قال من الفقهاء: لا يجوز الإيثار بالقرب لا يصح. # وقد آثرت عائشة عمر بن الخطاب بدفنه في بيتها جوار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وسألها عمر ذلك فلم تكره له السؤال، ولا لها البذل، وعلى هذا فإذا ~~سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول، لم يكره له السؤال، ولا ~~لذلك البذل ونظائره. # ومن تأمل سيرة الصحابة، وجدهم غير كارهين لذلك، ولا ممتنعين منه، وهل هذا ~~إلا كرم وسخاء، وإيثار على النفس، بما هو أعظم محبوباتها، تفريحا لأخيه ~~المسلم، وتعظيما لقدره، وإجابة له إلى ما سأله، وترغيبا له في الخير، وقد ~~يكون ثواب كل واحد من هذه الخصال راجحا على ثواب تلك القربة، فيكون المؤثر ~~بها ممن تاجر فبذل قربة وأخذ أضعافها، وعلى هذا فلا يمتنع أن يؤثر صاحب ~~الماء بمائه أن يتوضأ به ويتيمم هو إذا كان لا بد من تيمم أحدهما، فآثر ~~أخاه وحاز فضيلة الإيثار وفضيلة الطهر بالتراب، ولا يمنع هذا كتاب ولا سنة، ~~ولا مكارم أخلاق، وعلى هذا، فإذا اشتد العطش بجماعة وعاينوا التلف، ومع ~~بعضهم ماء، فآثر على نفسه واستسلم للموت كان ذلك جائزا، ولم ms0891 يقل إنه قاتل ~~لنفسه، ولا أنه فعل محرما، بل هذا غاية الجود والسخاء، كما قال تعالى: ~~{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] [الحشر: 9] ، وقد جرى ~~هذا بعينه لجماعة من الصحابة في فتوح الشام، وعد ذلك من مناقبهم وفضائلهم، ~~وهل إهداء القرب المجمع عليها # PageV03P442 # والمتنازع فيها إلى الميت إلا إيثار بثوابها، وهو عين الإيثار بالقرب، ~~فأي فرق بين أن يؤثره بفعلها ليحرز ثوابها، وبين أن يعمل ثم يؤثره بثوابها، ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل في أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على هدمها] # فصل # ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها ~~وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا ~~يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على ~~القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد ~~للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع ~~القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ~~أو أعظم شركا عندها، وبها، والله المستعان. # ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، ~~وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند ~~طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، ~~وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور ~~الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة ~~والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت ~~غربة الإسلام، وقل العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة ~~المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله ~~سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. ### | [فصل في جواز صرف الأموال التي في مواضع الشرك في مصالح المسلمين] # فصل # ومنها: جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد ms0892 والطواغيت في ~~الجهاد ومصالح المسلمين، فيجوز للإمام بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه # PageV03P443 # الطواغيت التي تساق إليها كلها، ويصرفها على الجند والمقاتلة، ومصالح ~~الإسلام، كما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أموال اللات، وأعطاها لأبي ~~سفيان يتألفه بها، وقضى منها دين عروة والأسود، وكذلك يجب عليه أن يهدم هذه ~~المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا، وله أن يقطعها للمقاتلة، ~~أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذلك الحكم في أوقافها، ~~فإن وقفها فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين، فإن ~~الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد ولا ~~قبر يسرج عليه، ويعظم وينذر له، ويحج إليه، ويعبد من دون الله، ويتخذ وثنا ~~من دونه، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم. ### | [فصل في أن وادي وج حرم] # فصل # ومنها: أن وادي وج - وهو واد بالطائف - حرم يحرم صيده وقطع شجره، وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك، والجمهور قالوا: ليس في البقاع حرم إلا مكة ~~والمدينة، وأبو حنيفة خالفهم في حرم المدينة، وقال الشافعي - رحمه الله - ~~في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ~~هذا الذي تقدم، والثاني: حديث عروة بن الزبير، عن أبيه الزبير، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، قال: ( «إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله» ) ، رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود. # وهذا الحديث يعرف بمحمد بن عبد الله بن إنسان، عن أبيه، عن عروة. قال ~~البخاري في " تاريخه ": لا يتابع عليه. # قلت: وفي سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه، والله أعلم. # PageV03P444 ### | [فصل في بعث المصدقين لجلب الصدقات] # فصل # ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ودخلت سنة تسع بعث ~~المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب. قال ابن سعد: ثم بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المصدقين قالوا: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال ~~المحرم سنة تسع بعث المصدقين ms0893 يصدقون العرب، فبعث عيينة بن حصن إلى بني ~~تميم، وبعث يزيد بن الحصين إلى أسلم وغفار، وبعث عباد بن بشر الأشهلي إلى ~~سليم ومزينة، وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة، وبعث عمرو بن العاص إلى بني ~~فزارة، وبعث الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب، وبعث بشر بن سفيان إلى بني كعب، ~~وبعث ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المصدقين أن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم. قيل (ولما قدم ابن ~~اللتبية حاسبه) وكان في هذا حجة على محاسبة العمال والأمناء، فإن ظهرت ~~خيانتهم عزلهم وولى أمينا. # قال ابن إسحاق: وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء فخرج عليه العنسي وهو ~~بها، وبعث زياد بن لبيد إلى حضرموت، وبعث عدي بن حاتم إلى طيئ وبني أسد، ~~وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات بني سعد على رجلين، ~~فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية، وقيس بن عاصم على ناحية، وبعث العلاء بن ~~الحضرمي على البحرين، وبعث عليا - رضوان الله # PageV03P445 # عليه - إلى نجران ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه بجزيتهم. ### | [فصل في السرايا والبعوث في سنة تسع] ### | [سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم] # فصل # في السرايا والبعوث في سنة تسع # ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم، وذلك في المحرم من هذه ~~السنة، بعثه إليهم في سرية ليغزوهم في خمسين فارسا ليس فيهم مهاجري ولا ~~أنصاري، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء، وقد سرحوا ~~مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولوا، فأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة ~~وثلاثين صبيا فساقهم إلى المدينة فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث فقدم فيهم ~~عدة من رؤسائهم ; عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع ~~بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث، ~~فلما رأوا نساءهم وذراريهم بكوا إليهم فعجلوا، فجاءوا إلى باب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج ms0894 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه، ~~فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد فقدموا عطارد بن حاجب ~~فتكلم وخطب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس ~~فأجابهم وأنزل الله فيهم {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون - ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} ~~[الحجرات: 4 - 5] [الحجرات: 45] فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأسرى والسبي فقام الزبرقان شاعر بني تميم فأنشد مفاخرا: # نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع # وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع # ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع # PageV03P446 # بما ترى الناس تأتينا سراتهم # من كل أرض هويا ثم نصطنع ... فننحر الكوم عبطا في أرومتنا # للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا ... فلا ترانا إلى حي نفاخرهم # إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع ... فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه # فيرجع القوم والأخبار تستمع ... إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد # إنا كذلك عند الفخر نرتفع # فقام شاعر الإسلام حسان بن ثابت فأجابه على البديهة # إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع # يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير مصطنع # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك فيهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع # إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا # إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا # أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم الطمع # لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع # إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع # نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا ms0895 # PageV03P447 # لا يفخرون إذا نالوا عدوهم # وإن أصيبوا فلا جور ولا هلع ... كأنهم في الوغى والموت مكتنع # أسد بحلية في أرساغها فدع ... خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا # ولا يكن همك الأمر الذي منعوا ... فإن في حربهم فاترك عداوتهم # شرا يخاض عليه السم والسلع ... أكرم بقوم رسول الله شيعتهم # إذا تفاوتت الأهواء والشيع ... أهدى لهم مدحتي قلب يوازره # فيما أحب لسان حائك صنع ... فإنهم أفضل الأحياء كلهم # إن جد بالناس جد القول أو شمعوا # فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب ~~من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم أسلموا ~~فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم ### | قدوم وفد بني تميم # فصل # قال ابن إسحاق: ( «فلما قدم وفد بني تميم دخلوا المسجد ونادوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم فقالوا: جئنا لنفاخرك، فأذن لشاعرنا ~~وخطيبنا، قال: نعم، قد أذنت لخطيبكم فليقم، فقام عطارد بن حاجب فقال: # الحمد لله الذي جعلنا ملوكا، الذي له الفضل علينا، والذي وهب لنا أموالا ~~عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدة، ~~فمن مثلنا في الناس؟! ألسنا رءوس الناس وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعد مثل ~~ما عددنا، فلو شئنا لأكثرنا من # PageV03P448 # الكلام، ولكن نستحيي من الإكثار لما أعطانا، أقول هذا لأن تأتوا بمثل ~~قولنا أو أمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لثابت بن قيس بن شماس: " قم فأجبه " فقام فقال: الحمد لله الذي السماوات ~~والأرض خلقه، قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله، ~~ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبا ~~وأصدقه حديثا وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابا، وائتمنه على خلقه، وكان خيرة ~~الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله، فآمن ms0896 به المهاجرون من ~~قومه ذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها، وخير الناس فعلا، ثم كان ~~أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، ~~فنحن أنصار الله ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقاتل الناس حتى ~~يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن نكث جاهدناه في الله ~~أبدا، وكان قتله علينا يسيرا، أقول هذا وأستغفر الله العظيم للمؤمنين ~~والمؤمنات، والسلام عليكم» ) . # ثم ذكر قيام الزبرقان وإنشاده، وجواب حسان له بالأبيات المتقدمة، فلما ~~فرغ حسان من قوله قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل خطيبه أخطب من خطيبنا، ~~وشاعره أشعر من شاعرنا، وأقوالهم أعلى من أقوالنا، ثم أجازهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم ### | [فصل في ذكر سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم] # فصل # في ذكر سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم # وكانت في صفر سنة تسع، قال ابن سعد: قالوا: بعث رسول الله قطبة بن عامر ~~في عشرين رجلا إلى حي من خثعم بناحية تبالة، وأمره أن يشن الغارة، فخرجوا ~~على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم، فجعل يصيح ~~بالحاضرة ويحذرهم فضربوا عنقه، ثم أقاموا حتى نام الحاضرة # PageV03P449 # فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجرحى في الفريقين ~~جميعا، وقتل قطبة بن عامر من قتل، وساقوا النعم والنساء والشاء إلى ~~المدينة، وفي القصة أنه اجتمع القوم وركبوا في آثارهم، فأرسل الله سبحانه ~~عليهم سيلا عظيما حال بينهم وبين المسلمين، فساقوا النعم والشاء والسبي وهم ~~ينظرون لا يستطيعون أن يعبروا إليهم حتى غابوا عنهم ### | [فصل ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع] # فصل # ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب # في ربيع الأول سنة تسع # قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى بني كلاب، وعليهم ~~الضحاك بن سفيان بن عوف الطائي، ومعه الأصيد بن سلمة، فلقوهم بالزج زج ~~لاوة، فدعوهم إلى ms0897 الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق الأصيد أباه سلمة، ~~وسلمة على فرس له في غدير بالزج، فدعاه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه ~~وسب دينه، فضرب الأصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز ~~سلمة على الرمح في الماء، ثم استمسك حتى جاء أحدهم فقتله ولم يقتله ابنه ### | [فصل ذكر سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة سنة تسع في شهر ربيع الآخر] # فصل # ذكر سرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة # سنة تسع في شهر ربيع الآخر # قالوا: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من الحبشة تراياهم ~~أهل جدة، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر ~~وقد خاض إليهم البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم فأذن ~~لهم فتعجل # PageV03P450 # عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ~~ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في ~~هذه النار، فقام بعض القوم فتجهزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا ~~إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( «من ~~أمركم بمعصية فلا تطيعوه» ) # قلت: في " الصحيحين " عن علي بن أبي طالب قال: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ~~ويطيعوا، فأغضبوه فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، ثم ~~قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي؟ قالوا: بلى، ~~قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه وطفئت النار، فلما ~~رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( «لو دخلوها ما ~~خرجوا منها أبدا» ) وقال: ( «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في ~~المعروف» ) فهذا فيه أن الأمير كان من الأنصار، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي أمره، وأن الغضب ms0898 حمله على ذلك. وقد روى الإمام أحمد في " ~~مسنده " عن ابن عباس في قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} [النساء: 59] [النساء: 99] قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن ~~قيس بن عدي، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فإما أن # PageV03P451 # يكونا واقعتين، أو يكون حديث علي هو المحفوظ، والله أعلم ### | [فصل في ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صنم طيئ ليهدمه في هذه السنة] # فصل # في ذكر سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه # إلى صنم طيئ ليهدمه في هذه السنة # قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في مائة ~~وخمسين رجلا من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء، لواء ~~أبيض إلى الفلس، وهو صنم طيئ ليهدمه، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع ~~الفجر فهدموه، وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاء، وفي السبي أخت عدي بن ~~حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف وثلاثة أدراع، ~~فاستعمل على السبي أبا قتادة، وعلى الماشية والرثة عبد الله بن عتيك، وقسم ~~الغنائم في الطريق، وعزل الصفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقسم ~~على آل حاتم حتى قدم بهم المدينة. # قال ابن إسحاق: (قال عدي بن حاتم: ما كان رجل من العرب أشد كراهية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مني حين سمعت به صلى الله عليه وسلم، وكنت امرءا ~~شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، وكنت في نفسي على دين، ~~وكنت ملكا في قومي، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت ~~لغلام عربي كان لي وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعدد لي من إبلي أجمالا ~~ذللا سمانا فاحبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد ~~فآذني، ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك ~~خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت ms0899 عنها فقالوا: هذه جيوش ~~محمد، قال فقلت: فقرب إلي أجمالي، فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت: ~~ألحق بأهل ديني من النصارى # PageV03P452 # بالشام، وخلفت بنتا لحاتم في الحاضرة، فلما قدمت الشام أقمت بها، ~~وتحالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، ~~فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ، وقد بلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام، فمر بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: يا رسول الله غاب الوافد وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي ~~من خدمة، فمن علي من الله عليك، قال: " من وافدك؟ " قالت: عدي بن حاتم، ~~قال: " الذي فر من الله ورسوله؟ " قالت: فمن علي، قال: فلما رجع ورجل إلى ~~جنبه يرى أنه علي قال: سليه الحملان، قالت: فسألته فأمر لها به # قال عدي: فأتتني أختي فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته ~~راغبا أو راهبا فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، قال عدي: ~~فأتيته وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ~~ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قبل ذلك قال: ( «إني أرجو أن ~~يجعل الله يده في يدي» ) قال: فقام لي فلقيته امرأة ومعها صبي فقالا: إن ~~لنا إليك حاجة، فقام معهما حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى داره ~~فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال: (ما يفرك؟ أيفرك أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى ~~الله؟ " قال قلت: لا، قال: ثم تكلم ساعة ثم قال: " إنما تفر أن يقال: الله ~~أكبر، وهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ " قال: قلت: لا، قال: " فإن اليهود ~~مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون " قال: فقلت: إني حنيف مسلم، قال: فرأيت ~~وجهه ينبسط فرحا، قال: ثم أمرني فأنزلت عند رجل من الأنصار وجعلت أغشاه، ~~آتيه طرفي النهار، قال: ms0900 فبينا أنا عنده إذ جاء قوم في ثياب من الصوف من هذه ~~النمار، قال: فصلى وقام فحث عليهم ثم قال: " يا أيها الناس ارضخوا من الفضل ~~ولو بصاع، ولو بنصف صاع، ولو بقبضة، ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم وجهه حر جهنم ~~أو النار ولو بتمرة، ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة، فإن أحدكم ~~لاقي الله وقائل له ما أقول لكم: ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول: بلى # PageV03P453 # فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فينظر قدامه وبعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا ~~يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم، ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة، فإن لم ~~يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى ~~تسير الظعينة ما بين يثرب والحيرة وأكثر ما يخاف على مطيتها السرق، قال # PageV03P454 # فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طيئ) ### | [فصل ذكر قصة كعب بن زهير مع النبي صلى الله عليه وسلم] # فصل # ذكر قصة كعب بن زهير مع النبي صلى الله عليه وسلم # وكانت فيما بين رجوعه من الطائف وغزوة تبوك # قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف كتب ~~بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ~~رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى ~~وهبيرة بن أبي وهب، قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا مسلما، وإن أنت ~~لم تفعل فانج إلى نجائك وكان كعب قد قال # ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا # فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا # PageV03P455 # على خلق لم تلف أما ولا أبا # عليه ولم تدرك عليه أخا لكا ... فإن أنت لم تفعل فلست بآسف # ولا قائل إما عثرت لعا لكا ... سقاك بها المأمون ms0901 كأسا روية # فأنهلك المأمون منها وعلكا # قال: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سقاك ~~المأمون، صدق وإنه لكذوب، أنا المأمون، ولما سمع "على خلق لم تلف أما ولا ~~أبا عليه " فقال: أجل. قال: لم يلف عليه أباه ولا أمه، ثم قال بجير لكعب # من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم # إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم # لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم # فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم # فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في ~~حاضره من عدوه فقال: هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي ~~يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من ~~عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من ~~جهينة، كما ذكر لي، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى ~~الصبح، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشار إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه، فذكر لي أنه قام ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير ~~قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير # PageV03P456 # قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار ~~فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله ms0902 ~~عليه وسلم: دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه قال: فغضب كعب على ~~هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من ~~المهاجرين إلا بخير، فقال قصيدته اللامية التي يصف فيها محبوبته وناقته، ~~التي أولها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول # يسعى الغواة جنابيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول # وقال كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول # فقلت خلوا طريقي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول # كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول # نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل # لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل # لظل ترعد من خوف بوادره ... إن لم يكن من رسول الله تنويل # PageV03P457 # حتى وضعت يميني ما أنازعها # في كف ذي نقمات قوله القيل ... فلهو أخوف عندي إذ أكلمه # وقيل إنك منسوب ومسئول ... من ضيغم بضراء الأرض مخدره # في بطن عثر غيل دونه غيل ... يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما # لحم من الناس معفور خراديل ... إذا يساور قرنا لا يحل له # أن يترك القرن إلا وهو مفلول ... منه تظل سباع الجو نافرة # ولا تمشى بواديه الأراجيل ... ولا يزال بواديه أخو ثقة # مضرج البز والدرسان مأكول ... إن الرسول لنور يستضاء به # مهند من سيوف الله مسلول ... في عصبة من قريش قال قائلهم # ببطن مكة لما أسلموا زولوا ... زالوا فما زال أنكاس ولا كشف # عند اللقاء ولا ميل معازيل # PageV03P458 # يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل. # شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل # بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن ms0903 حياض الموت تهليل # قال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: " إذا عرد السود ~~التنابيل " وإنما عنى معشر الأنصار لما كان صاحبنا صنع به ما صنع، وخص ~~المهاجرين بمدحته، غضبت عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار في ~~قصيدته التي يقول فيها: # من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار # ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار # PageV03P459 # الباذلين نفوسهم لنبيهم # يوم الهياج وسطوة الجبار ... والذائدين الناس عن أديانهم # بالمشرفي وبالقنا الخطار ... والبائعين نفوسهم لنبيهم # للموت يوم تعانق وكرار ... يتطهرون يرونه نسكا لهم # بدماء من علقوا من الكفار ... وإذا حللت ليمنعوك إليهم # أصبحت عند معاقل الأعفار ... قوم إذا خوت النجوم فإنهم # للطارقين النازلين مقاري # وكعب بن زهير من فحول الشعراء هو وأبوه وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن ~~عقبة، ومما يستحسن لكعب قوله # لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر # يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر # والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر # ومما يستحسن له أيضا قوله في النبي صلى الله عليه وسلم: # تحدى به الناقة الأدماء معتجرا ... للبرد كالبدر جلي ليلة الظلم # ففي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم ### | [فصل في غزوة تبوك] ### | عام غزوة تبوك # فصل # في غزوة تبوك # وكانت في شهر رجب سنة تسع، قال ابن إسحاق: وكانت في زمن عسرة # PageV03P460 # من الناس وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ~~ثمارهم وظلالهم، ويكرهون شخوصهم على تلك الحال، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورى بغيرها، إلا ما كان من غزوة ~~تبوك لبعد الشقة وشدة الزمان # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه للجد بن قيس - ~~أحد بني سلمة -: ( «يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول ~~الله أوتأذن ms0904 لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا ~~بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك، ففيه نزلت الآية {ومنهم من ~~يقول ائذن لي ولا تفتني} [التوبة: 49] » [التوبة: 49] # وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله فيهم: ~~{وقالوا لا تنفروا في الحر} [التوبة: 81] الآية [التوبة: 81] # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض ~~أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى ~~واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. # قلت: كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها، وألف دينار عينا. # PageV03P461 # وذكر ابن سعد قال: (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت ~~جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم، وجذام، ~~وعاملة، وغسان، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، وجاء البكاءون وهم سبعة ~~يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه، ~~فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون» ، وهم سالم بن ~~عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن عنمة، وسلمة بن صخر، ~~والعرباض بن سارية، وفي بعض الروايات: وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، ~~وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة) # وابن إسحاق: يعد فيهم عمرو بن الحمام بن الجموح # ( «وأرسل أبا موسى أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم، ~~فوافاه غضبان فقال: والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه، ثم أتاه إبل ~~فأرسل إليهم ثم قال: ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله لا أحلف ~~على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير» ) ### | [فصل قصة علبة بن زيد] # فصل # ( «وقام علبة بن زيد فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم ms0905 إنك قد أمرت # PageV03P462 # بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في ~~يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من ~~مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين ~~المتصدق هذه الليلة؟ فلم يقم إليه أحد، ثم قال: أين المتصدق فليقم؟ فقام ~~إليه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبشر، فوالذي نفس محمد بيده ~~لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» ) # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم، قال ابن سعد: وهم اثنان ~~وثمانون رجلا، وكان عبد الله بن أبي ابن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في ~~حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقل العسكرين، واستخلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقال ~~ابن هشام: سباع بن عرفظة، والأول أثبت # فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبد الله بن أبي ومن كان ~~معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك، وهلال ~~بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر، ثم لحقه أبو ~~خيثمة وأبو ذر. # وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس، والخيل ~~عشرة آلاف فرس، وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وهرقل يومئذ بحمص # قال ابن إسحاق: ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج خلف علي ~~بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا ~~وتخففا منه، فأخذ علي رضي الله عنه سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما ~~خلفتني لأنك استثقلتني # PageV03P463 # وتخففت مني، فقال: كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في ~~أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي، فرجع علي إلى ms0906 المدينة # (ثم «إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ~~إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل ~~واحدة منهما عريشها، وبردت له ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على ~~باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ~~في ماله مقيم، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ~~ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه ~~فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل ~~تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن ~~وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك ~~قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كن أبا خيثمة، قالوا: يا رسول الله هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل ~~فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير» ) # PageV03P464 # (وقد «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر بديار ثمود قال: ~~لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه ~~فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له، ~~ففعل الناس إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما ms0907 لحاجته، وخرج الآخر في ~~طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي خرج في طلب ~~بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيئ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن لا يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه؟ ثم دعا ~~للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيئ لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين قدم المدينة» ) # قلت: والذي في " صحيح مسلم " من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا ~~يقم منكم أحد، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل ~~فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ» ) # قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: ( «لا تدخلوا بيوت ~~الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» ) # قلت: في " الصحيحين " من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم ~~تكونوا # PageV03P465 # باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثل ما أصابهم» ) . # وفي " صحيح البخاري ": أنه ( «أمرهم بإلقاء العجين وطرحه» ) . # وفي " صحيح مسلم ": ( «أنه أمرهم أن يعلفوا الإبل العجين وأن يهريقوا ~~الماء، ويستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة» ) . # وقد رواه البخاري أيضا، وقد حفظ راويه ما لم يحفظه من روى الطرح # وذكر البيهقي أنه نادى فيهم: ( «الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا قال: علام ~~تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟ " فناداه رجل فقال: نعجب منهم يا رسول ~~الله، فقال: ألا أنبئكم بما هو أعجب من ذلك؟! رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان ~~قبلكم وما هو كائن بعدكم، استقيموا وسددوا، فإن الله عز وجل لا يعبأ ~~بعذابكم شيئا، وسيأتي الله بقوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا» ) ### | [فصل في استسقاؤه صلى الله عليه وسلم] # فصل # قال ابن إسحاق: ms0908 وأصبح الناس ولا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله سبحانه ~~سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء # PageV03P466 # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ~~ناقته، فقال زيد بن اللصيت - وكان منافقا -: أليس يزعم أنه نبي ويخبركم عن ~~خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«إن رجلا يقول -وذكر مقالته - وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد ~~دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، ~~فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فأتوه بها» ) # وفي طريقه تلك (خرص حديقة المرأة بعشرة أوسق) # ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: ~~تخلف فلان، فيقول: ( «دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ~~ذلك فقد أراحكم الله منه» ) # وتلوم على أبي ذر بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع ~~أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا ~~الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «كن أبا ~~ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله والله هو أبو ذر، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده» ) # قال ابن إسحاق: فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي، عن محمد بن كعب # PageV03P467 # القرظي، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة ~~وأصابه بها قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما: أن غسلاني ~~وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعينونا على دفنه، فلما ms0909 مات فعلا ذلك ~~به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط معه من أهل ~~العراق عمارا، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطؤها، ~~وقام إليهم الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأعينونا على دفنه، قال: فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( «تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه ~~فواروه» ) ، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك # قلت: وفي هذه القصة نظر، فقد ذكر أبو حاتم بن حبان في " صحيحه " وغيره في ~~قصة وفاته، عن مجاهد، عن إبراهيم بن الأشتر، عن أبيه (عن أم ذر قالت: لما ~~حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ما لي لا أبكي وأنت تموت ~~بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفنا، ولا يدان لي في تغييبك، قال: ~~أبشري ولا تبكي، فإني «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا ~~فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المسلمين» ، وليس ~~أحد من أولئك النفر إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا ذلك الرجل، فوالله ما ~~كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق، فقلت: أنى وقد ذهب الحاج وتقطعت الطرق، فقال ~~اذهبي فتبصري، قالت: فكنت أسند إلى الكثيب أتبصر ثم أرجع فأمرضه، فبينا أنا ~~وهو كذلك إذ أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم، قالت: ~~فأشرت إليهم فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا: يا أمة الله ما لك؟ قلت: ~~امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه، قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم # PageV03P468 # وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا، فإني «سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ~~يشهده عصابة من المؤمنين» ms0910 ، وليس من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في جماعة، ~~والله ما كذبت ولا كذبت، إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم ~~أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، فإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان ~~أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف ~~بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار قال: أنا يا عم أكفنك في ردائي هذا، وفي ~~ثوبين من عيبتي من غزل أمي، قال: أنت فكفني، فكفنه الأنصاري، وقاموا عليه ~~ودفنوه في نفر كلهم يمان) # رجعنا إلى قصة تبوك، وقد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو ~~بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير، ~~قال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض؟! والله ~~لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال - إرجافا وترهيبا للمؤمنين - فقال مخشي بن ~~حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وإنا ننفلت أن ~~ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: ( «أدرك القوم فإنهم ~~قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم كذا وكذا، فانطلق ~~إليهم عمار فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون ~~إليه، فقال وديعة بن ثابت: كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم {ولئن سألتهم ~~ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] [التوبة: 65] فقال مخشي بن حمير: ~~يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عفي عنه في هذه الآية، ~~وتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم ~~اليمامة فلم يوجد له أثر» ) . # PageV03P469 # وذكر ابن عائذ في " مغازيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل تبوك ~~في زمان قل ماؤها فيه، فاغترف رسول الله صلى الله عليه وسلم غرفة بيده من ~~ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها، ففارت عينها ms0911 حتى امتلأت، فهي كذلك حتى ~~الساعة # قلت: في " صحيح مسلم " أنه قال قبل وصوله إليها: ( «إنكم ستأتون غدا إن ~~شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا ~~يمسن من مائها شيئا حتى آتي، قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل ~~الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مسستما ~~من مائها شيئا؟ قالا: نعم، فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ما ~~شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، وغسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها، فجرت العين ~~بماء منهمر حتى استقى الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك يا ~~معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا» ) ### | [فصل في الصلح مع صاحب أيلة] # فصل # ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة، ~~فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جربا وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم، وكتب لصاحب أيلة: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل ~~أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي، ومن كان ~~معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ~~ماله دون نفسه، وإنه لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ~~ولا طريقا يردونه من بحر أو بر» # PageV03P470 ### | [فصل في بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة] # فصل # في بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة # قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد ~~إلى أكيدر دومة، وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، وكان نصرانيا، وكان ~~ملكا ms0912 عليها، «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: (إنك ستجده يصيد ~~البقر، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صافية ~~وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له ~~امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا ~~أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال ~~له حسان، فركب وخرجوا معه بمطاردهم، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص ~~بالذهب، فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه ~~عليه، ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن له ~~دمه وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته» ) # وقال ابن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا في أربعمائة ~~وعشرين فارسا، فذكر نحو ما تقدم، قال: وأجار خالد أكيدرا من القتل حتى يأتي ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل ففعل، وصالحه ~~على ألفي بعير وثمانمائة رأس، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، فعزل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم صفيه خالصا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس فكان للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قسم ما بقي في أصحابه، فصار لكل واحد منهم خمس فرائض # وذكر ابن عائذ في هذا الخبر، أن أكيدرا قال عن البقر: والله ما رأيتها قط # PageV03P471 # أتتنا إلا البارحة، ولقد كنت أضمر لها اليومين والثلاثة ولكن قدر الله # قال موسى بن عقبة: واجتمع أكيدر ويحنة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فدعاهما إلى الإسلام فأبيا وأقرا بالجزية، فقاضاهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على قضية دومة، وعلى تبوك، وعلى أيلة، وعلى تيماء، وكتب لهما ~~كتابا # رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتبوك بضع ms0913 عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، وكان في ~~الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له: ~~وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من سبقنا إلى ذلك ~~الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه، قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين ~~فاستقوا، فلم ير فيه شيئا، فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول ~~الله فلان وفلان، فقال: أولم أنههم أن يستقوا منه شيئا حتى آتيه؟! ثم لعنهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل ~~يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو به فانخرق من الماء - كما يقول من ~~سمعه - ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا ~~الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه» ) # قلت: ثبت في " صحيح مسلم " ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ~~إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، ~~فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا» ) ، الحديث، وقد تقدم # فإن كانت القصة واحدة فالمحفوظ حديث مسلم، وإن كانت قصتين فهو ممكن # قال: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، ( «أن عبد الله بن مسعود ~~كان يحدث قال: قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV03P472 # وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد ~~حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه ~~إليه وهو يقول: أدنيا إلي أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم ~~إني ms0914 قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه، قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني ~~كنت صاحب الحفرة» ) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من غزوة تبوك: ( «إن بالمدينة ~~لأقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول ~~الله وهم بالمدينة؟ قال: " نعم، حبسهم العذر» ) ### | [فصل في خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته] # فصل # في خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته # ذكر البيهقي في " الدلائل "، والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال: ( «خرجنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فاسترقد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة لما كان منها على ليلة، فلم يستيقظ فيها حتى كانت الشمس قيد ~~رمح قال: ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر، فقال: يا رسول الله ذهب بي من ~~النوم الذي ذهب بك، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير ~~بعيد ثم صلى، ثم ذهب بقية يومه وليلته # PageV03P473 # فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فإن ~~أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، ~~وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير ~~الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف ~~الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، ~~وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد ~~السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر ~~الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا، ومنهم من لا ~~يذكر الله إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذاب، وخير الغنى غنى ~~النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكم مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في ~~القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من ~~جثا جهنم، والسكر كي من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع ms0915 الإثم، وشر ~~المأكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما ~~يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، ~~وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق وقتاله ~~كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل على الله ~~يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره ~~الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن ~~يتصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، ثم استغفر ثلاثا» ) # PageV03P474 # وذكر أبو داود في " سننه " من حديث ابن وهب: أخبرني معاوية، عن سعيد بن ~~غزوان، عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره، ~~قال: سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي ( «إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال: هذه قبلتنا، ثم صلى إليها، قال: فأقبلت ~~وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: قطع صلاتنا قطع الله أثره، ~~قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا» ) # ثم ساقه أبو داود من طريق وكيع، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن ~~نمران، (عن يزيد بن نمران قال: «رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال: مررت بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار وهو يصلي فقال: اللهم اقطع أثره، ~~فما مشيت عليهما بعد» ، وفي هذا الإسناد والذي قبله ضعف) ### | [فصل في جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في غزوة تبوك] # فصل # في جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك # قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، ~~عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل، «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم (كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها ~~إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب ms0916 حتى يصليها مع ~~العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب) » # وقال الترمذي: (إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر ~~والعصر جميعا) ; وقال: حديث حسن غريب. وقال أبو داود: هذا # PageV03P475 # حديث منكر، وليس في تقديم الوقت حديث قائم # وقال أبو محمد بن حزم: لا يعلم أحد من أصحاب الحديث ليزيد بن أبي حبيب ~~سماعا من أبي الطفيل # وقال الحاكم في حديث أبي الطفيل هذا: هو حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ ~~الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها، فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وذكر ~~عن البخاري: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي ~~حبيب عن أبي الطفيل؟ قال: كتبته مع خالد المدائني، وكان خالد المدائني يدخل ~~الأحاديث على الشيوخ، ورواه أبو داود أيضا: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن ~~عبد الله بن موهب الرملي، حدثنا مفضل بن فضالة والليث بن سعد، عن هشام بن ~~سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين ~~الظهر والعصر، وفي المغرب مثل ذلك ; إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين ~~المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ~~ثم يجمع بينهما» # وهشام بن سعد: ضعيف عندهم، ضعفه الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو ~~زرعة، ويحيى بن سعيد، وكان لا يحدث عنه، وضعفه النسائي أيضا، وقال أبو بكر ~~البزار: لم أر أحدا توقف عن حديث هشام بن سعد، ولا اعتل عليه بعلة توجب ~~التوقف عنه، وقال أبو داود: حديث المفضل والليث حديث منكر # PageV03P476 # [فصل في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك] ### | [ما هم المنافقون به من الكيد وعصمة الله للرسوله] ### | فصل # في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك # وما هم المنافقون به من الكيد به، وعصمة الله إياه # ذكر أبو ms0917 الأسود في " مغازيه " عن عروة قال: «ورجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ناس من المنافقين، فتآمروا أن يطرحوه من رأس عقبة ~~في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال: (من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي ~~فإنه أوسع لكم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة وأخذ الناس ببطن ~~الوادي إلا النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، لما ~~سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارا أن يأخذ ~~بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسوقها، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم ~~من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن ~~يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن، ~~واستقبل وجوه رواحلهم، فضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون ولا ~~يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله سبحانه حين أبصروا حذيفة، وظنوا ~~أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة، ~~وامش أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة ينتظرون ~~الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت من هؤلاء الرهط أو ~~الركب أحدا؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل، ~~وغشيتهم، وهم متلثمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان ~~شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله، قال: فإنهم مكروا ~~ليسيروا معي حتى إذا اطلعت في العقبة طرحوني منها، قالوا: أولا تأمر بهم يا ~~رسول الله إذا فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن # PageV03P477 # يتحدث الناس ويقولوا: ms0918 إن محمدا قد وضع يده في أصحابه، فسماهم لهما وقال ~~اكتماهم) » . # وقال ابن إسحاق في هذه القصة: « (إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء ~~آبائهم، وسأخبرك بهم إن شاء الله غدا عند وجه الصبح، فانطلق حتى إذا أصبحت ~~فاجمعهم، فلما أصبح قال: ادع عبد الله بن أبي، وسعد بن أبي سرح، وأبا خاطر ~~الأعرابي، وعامرا، وأبا عامر، والجلاس بن سويد بن الصامت، وهو الذي قال: لا ~~ننتهي حتى نرمي محمدا من العقبة الليلة، وإن كان محمد وأصحابه خيرا منا إنا ~~إذا لغنم وهو الراعي، ولا عقل لنا وهو العاقل، وأمره أن يدعو مجمع بن ~~حارثة، ومليحا التيمي، وهو الذي سرق طيب الكعبة وارتد عن الإسلام وانطلق ~~هاربا في الأرض، فلا يدرى أين ذهب، وأمره أن يدعو حصن بن نمير الذي أغار ~~على تمر الصدقة فسرقه، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويحك ما ~~حملك على هذا؟ فقال: حملني عليه أني ظننت أن الله لا يطلعك عليه، فأما إذا ~~أطلعك الله عليه وعلمته فأنا أشهد اليوم أنك رسول الله، وإني لم أومن بك قط ~~قبل هذه الساعة، فأقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عثرته وعفا عنه، وأمره ~~أن يدعو طعيمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، وهو الذي قال لأصحابه: اسهروا ~~هذه الليلة تسلموا الدهر كله، فوالله ما لكم أمر دون أن تقتلوا هذا الرجل، ~~فدعاه # PageV03P478 # فقال: ويحك ما كان ينفعك من قتلي لو أني قتلت؟ فقال عبد الله: فوالله يا ~~رسول الله لا نزال بخير ما أعطاك الله النصر على عدوك، إنما نحن بالله وبك، ~~فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ادع مرة بن الربيع، وهو الذي ~~قال: نقتل الواحد الفرد فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين، فدعاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ويحك ما حملك على أن تقول الذي قلت؟ فقال: يا ~~رسول الله إن كنت قلت شيئا من ذلك إنك لعالم به، وما قلت شيئا من ذلك، ~~فجمعهم رسول الله صلى الله عليه ms0919 وسلم، وهم اثنا عشر رجلا، الذين حاربوا ~~الله ورسوله وأرادوا قتله، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم ~~ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم) » ، وأطلع الله سبحانه نبيه على ذلك بعلمه، ومات ~~الاثنا عشر منافقين محاربين لله ولرسوله، وذلك قوله عز وجل: {وهموا بما لم ~~ينالوا} [التوبة: 74] [التوبة: 74] # وكان أبو عامر رأسهم، وله بنوا مسجد الضرار، وهو الذي كان يقال له ~~الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وهو أبو حنظلة غسيل ~~الملائكة، فأرسلوا إليه، فقدم عليهم، فلما قدم عليهم أخزاه الله وإياهم، ~~فانهارت تلك البقعة في نار جهنم ### | [بيان وهم ابن إسحاق في روايته هذه] # فصل # قلت: وفي سياق ما ذكره ابن إسحاق وهم من وجوه: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة أسماء أولئك ~~المنافقين، ولم يطلع عليهم أحدا غيره، وبذلك كان يقال لحذيفة: إنه صاحب ~~السر الذي لا يعلمه غيره، ولم يكن عمر ولا غيره يعلم أسماءهم، وكان إذا مات ~~الرجل وشكوا فيه (يقول عمر: انظروا، فإن صلى عليه حذيفة، وإلا فهو منافق ~~منهم) # الثاني: ما ذكرناه من قوله: فيهم عبد الله بن أبي، وهو وهم ظاهر، وقد ذكر ~~ابن إسحاق نفسه أن عبد الله بن أبي تخلف في غزوة تبوك # PageV03P479 # الثالث: أن قوله: وسعد بن أبي سرح وهم أيضا، وخطأ ظاهر، فإن سعد بن أبي ~~سرح لم يعرف له إسلام البتة، وإنما ابنه عبد الله كان قد أسلم وهاجر، ثم ~~ارتد ولحق بمكة، حتى استأمن له عثمان النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح ~~فأمنه، وأسلم فحسن إسلامه، ولم يظهر منه بعد ذلك شيء ينكر عليه، ولم يكن مع ~~هؤلاء الاثني عشر البتة، فما أدري ما هذا الخطأ الفاحش # الرابع: قوله: وكان أبو عامر رأسهم، وهذا وهم ظاهر لا يخفى على من دون ~~ابن إسحاق، بل هو نفسه قد ذكر قصة أبي عامر هذا في قصة الهجرة، عن عاصم بن ~~عمر بن قتادة، أن أبا عامر لما هاجر رسول الله صلى الله عليه ms0920 وسلم إلى ~~المدينة خرج إلى مكة ببضعة عشر رجلا، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف خرج إلى الشام، فمات بها ~~طريدا وحيدا غريبا، فأين كان الفاسق وغزوة تبوك ذهابا وإيابا ### | [فصل في أمر مسجد الضرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه] # فصل # في أمر مسجد الضرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه # فهدمه صلى الله عليه وسلم # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، حتى نزل بذي أوان، وبينها ~~وبين المدينة ساعة، وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، ~~فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة ~~المطيرة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: ( «إني على جناح ~~سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما نزل ~~بذي أوان جاءه خبر المسجد من السماء، فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سلمة بن ~~عوف، ومعن بن عدي العجلاني، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ~~فاهدماه وحرقاه، فخرجا مسرعين، حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن ~~الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، ودخل إلى أهله ~~فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه # PageV03P480 # أهله فحرقاه وهدماه، فتفرقوا عنه، فأنزل الله فيه: {والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين} [التوبة: 107] » ) [التوبة: 107] إلى ~~آخر القصة # وذكر ابن إسحاق الذين بنوه: وهم اثنا عشر رجلا، منهم ثعلبة بن حاطب # وذكر عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن ~~صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا} [التوبة: 107] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو ~~عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى ~~قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا ms0921 من ~~مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا ~~فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله عز وجل: {لا تقم فيه أبدا ~~لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} [التوبة: 108] يعني مسجد قباء {أحق أن ~~تقوم فيه} [التوبة: 108] [التوبة: 108] إلى قوله {فانهار به في نار جهنم} ~~[التوبة: 109] [التوبة: 109] يعني قواعده، {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ~~في قلوبهم} [التوبة: 110] يعني: الشك {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] ~~يعني بالموت ### | خروج الناس لتلقيه صلى الله عليه وسلم عند مقدمه إلى المدينة # فصل # فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة خرج الناس لتلقيه، ~~وخرج النساء # PageV03P481 # والصبيان والولائد يقلن # طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعي # وبعض الرواة يهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من ~~مكة، وهو وهم ظاهر ; لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها ~~القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، فلما أشرف ~~على المدينة قال: ( «هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه» ) # فلما دخل «قال العباس: يا رسول الله ائذن لي أمتدحك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (قل لا يفضض الله فاك) » فقال: # من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق # تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق # حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف عليا تحتها النطق # PageV03P482 # وأنت لما ولدت أشرقت ال # أرض وضاءت بنورك الأفق ... فنحن في ذلك الضياء وفي الن # نور وسبل الرشاد نخترق ### | [فصل في اعتذار المخلفين] # فصل # «ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد، فصلى فيه ~~ركعتين، ثم جلس للناس، فجاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، ~~وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله ms0922 عليه وسلم ~~علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله وجاءه كعب بن مالك، ~~فلما سلم عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال له: تعال، قال: فجئت أمشي حتى جلست ~~بين يديه، فقال لي: ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى، إني ~~والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، ولقد ~~أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي ~~ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه ~~عفو الله عني، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني ~~حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم ~~حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبوني، فقالوا ~~لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت # PageV03P483 # إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان ~~كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله ما زالوا ~~يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ ~~قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من ~~هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي ~~رجلين صالحين شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من ~~بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض، فما هي ~~بالتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في ~~بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة ~~مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في ms0923 نفسي: هل حرك شفتيه ~~برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على ~~صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة ~~المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس ~~إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك ~~بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسكت، فعدت فناشدته ~~فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى ~~تسورت الجدار # فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام # PageV03P484 # يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى ~~إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه # أما بعد: فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا ~~مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها ~~التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ~~تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها، ~~وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي ~~الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله إن هلال ~~بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك، ~~قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما ~~كان إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: ~~والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ms0924 استأذنته فيها وأنا رجل شاب، ولبثت بعد ~~ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من ~~بيوتنا، بينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت علي نفسي ~~وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا ~~كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدا، فعرفت أن قد جاء فرج من الله، وآذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس ~~يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم ~~فأوفى على ذروة الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته ~~يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ~~ثوبين فلبستهما، فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس ~~فوجا # PageV03P485 # فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت ~~المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس، ~~فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي ~~رجل من المهاجرين غيره، ولست أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ~~ولدتك أمك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: " لا، بل ~~من عند الله) ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى ~~كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله ~~إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: أمسك عليك ~~بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله ~~إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا ms0925 صدقا ما بقيت، ~~فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا ما أبلاني، والله ما تعمدت بعد ~~ذلك إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت # فأنزل الله تعالى على رسوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار} [التوبة: 117] [التوبة: 117] إلى قوله {ياأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] [التوبة: 119] ، فوالله ما أنعم ~~الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال ~~للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال: {سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم} [التوبة: 95] [التوبة: 95] إلى قوله: {فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين} [التوبة: 96] [التوبة: 96] # قال كعب: وكان تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ أمرنا حتى ~~قضى الله فيه، فبذلك قال الله: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] ~~[التوبة: 118] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه ~~إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن # PageV03P486 # حلف له واعتذر إليه فقبل منه» # وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن ~~صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: 102] [التوبة: 102] قال: كانوا عشرة ~~رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان يمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من ~~هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا ~~عنك يا رسول الله، أوثقوا أنفسهم حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويعذرهم، قال: وأنا أقسم ms0926 بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي ~~يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ~~ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله عز وجل ~~{وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم} [التوبة: 102] وعسى من الله واجب {إنه هو التواب الرحيم} [البقرة: ~~37] فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا ~~بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا، ~~قال: ما أمرت أن آخذ أموالكم، فأنزل الله {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم} [التوبة: 103] [التوبة: # PageV03P487 ### | 103 - # ] يقول: استغفر لهم {إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] فأخذ منهم الصدقة ~~واستغفر لهم، وكان ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجئوا لا يدرون ~~أيعذبون أم يتاب عليهم، فأنزل الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار} [التوبة: 117] إلى قوله: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ~~[التوبة: 118] إلى قوله: {إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] تابعه ~~عطية بن سعد ### | [فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد] ### | [جواز القتال في الأشهر الحرم] # فصل # في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد # فمنها: جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظا على ما ~~قاله ابن إسحاق، ولكن هاهنا أمر آخر، وهو أن أهل الكتاب لم يكونوا يحرمون ~~الشهر الحرام، بخلاف العرب، فإنها كانت تحرمه، وقد تقدم أن في نسخ تحريم ~~القتال فيه قولين وذكرنا حجج الفريقين. # ومنها: تصريح الإمام للرعية وإعلامهم بالأمر الذي يضرهم ستره وإخفاؤه ; ~~ليتأهبوا له ويعدوا له عدته، وجواز ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة # ومنها: أن الإمام إذا استنفر الجيش لزمهم النفير، ولم يجز لأحد التخلف ~~إلا بإذنه، ولا يشترط في وجوب النفير تعيين كل واحد منهم بعينه، بل متى ~~استنفر الجيش لزم كل واحد منهم الخروج معه، وهذا أحد المواضع الثلاثة التي ~~يصير فيها الجهاد ms0927 فرض عين. # والثاني: إذا حضر العدو البلد. # والثالث: إذا حضر بين الصفين. # ومنها: وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، ~~وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر # PageV03P488 # بالجهاد بالنفس في القرآن، وقرينه بل جاء مقدما على الجهاد بالنفس في كل ~~موضع إلا موضعا واحدا، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد ~~بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«من جهز غازيا فقد غزا» ) فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ~~ولا يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعدد والعدد، فإن لم ~~يقدر أن يكثر العدد وجب عليه أن يمد بالمال والعدة، وإذا وجب الحج بالمال ~~على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى # ومنها: ما برز به عثمان بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة، وسبق ~~به الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «غفر الله لك يا عثمان ما ~~أسررت وما أعلنت، وما أخفيت وما أبديت، ثم قال: ما ضر عثمان ما فعل بعد ~~اليوم» ) وكان قد أنفق ألف دينار وثلاثمائة بعير بعدتها وأحلاسها وأقتابها # ومنها: أن العاجز بماله لا يعذر حتى يبذل جهده ويتحقق عجزه، فإن الله ~~سبحانه إنما نفى الحرج عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليحملهم فقال: {لا أجد ما أحملكم عليه} [التوبة: 92] فرجعوا ~~يبكون لما فاتهم من الجهاد، فهذا العاجز الذي لا حرج عليه # ومنها: استخلاف الإمام إذا سافر رجلا من الرعية على الضعفاء والمعذورين ~~والنساء والذرية، ويكون نائبه من المجاهدين ; لأنه من أكبر العون لهم، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف ابن أم مكتوم فاستخلفه بضع عشرة مرة # وأما في غزوة تبوك فالمعروف عند أهل الأثر أنه استخلف علي بن أبي طالب ~~كما في " الصحيحين " عن سعد بن أبي وقاص قال: ( «خلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليا رضي الله عنه في ms0928 غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني مع ~~النساء # PageV03P489 # والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا ~~نبي بعدي» ) ولكن هذه كانت خلافة خاصة على أهله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأما الاستخلاف العام فكان لمحمد بن مسلمة الأنصاري، ويدل على هذا أن ~~المنافقين لما أرجفوا به وقالوا: خلفه استثقالا أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: ( «كذبوا، ولكن خلفتك لما تركت ورائي، ~~فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك» ) # ومنها: جواز الخرص للرطب على رءوس النخل، وأنه من الشرع، والعمل بقول ~~الخارص، وقد تقدم في غزاة خيبر، وأن الإمام يجوز أن يخرص بنفسه كما خرص ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديقة المرأة # ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شربه، ولا الطبخ منه، ولا ~~العجين به، ولا الطهارة به، ويجوز أن يسقى البهائم إلا ما كان من بئر ~~الناقة، وكانت معلومة باقية إلى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا يرد الركوب بئرا ~~غيرها، وهي مطوية محكمة البناء واسعة الأرجاء، آثار العتق عليها بادية، لا ~~تشتبه بغيرها # ومنها: أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا ~~يقيم بها، بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا ~~باكيا معتبرا # ومن هذا إسراع النبي - صلى الله عليه وسلم - السير في وادي محسر بين منى ~~وعرفة، فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه # ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ~~وقد جاء جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ كما تقدم، وذكرنا علة ~~الحديث ومن أنكره، ولم يجئ جمع التقديم عنه في سفر إلا هذا، وصح عنه جمع # PageV03P490 # التقديم بعرفة قبل دخوله إلى عرفة، فإنه جمع بين الظهر والعصر في وقت ~~الظهر، فقيل: ذلك لأجل النسك كما قال أبو حنيفة، وقيل: لأجل السفر الطويل، ~~كما ms0929 قاله الشافعي وأحمد، وقيل: لأجل الشغل وهو اشتغاله بالوقوف واتصاله إلى ~~غروب الشمس، قال أحمد: يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السلف والخلف، وقد ~~تقدم # ومنها: جواز التيمم بالرمل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابا بلا شك، وتلك ~~مفاوز معطشة شكوا فيها العطش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقطعا ~~كانوا يتيممون بالأرض التي هم فيها نازلون، هذا كله مما لا شك فيه، مع قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ( «فحيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده ~~وطهوره» ) # ومنها: ( «أنه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يوما يقصر ~~الصلاة» ) ولم يقل للأمة: لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن ~~اتفقت إقامته هذه المدة وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، ~~سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع # وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا كثيرا، ففي " صحيح البخاري " عن ~~ابن عباس قال: ( «أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره تسع ~~عشرة يصلي ركعتين» ) ، فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ~~ذلك أتممنا، وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح، ~~فإنه قال: ( «أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثمان عشرة زمن ~~الفتح» ) ; لأنه أراد حنينا ولم يكن ثم أجمع المقام، وهذه إقامته التي ~~رواها ابن عباس، وقال غيره: بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك، كما قال جابر بن ~~عبد الله: ( «أقام # PageV03P491 # النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» ) رواه ~~الإمام أحمد في " مسنده " # (وقال عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام ~~أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها) # وقال نافع: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج ~~بينه وبين الدخول) # وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي ms0930 صلاة المسافر # PageV03P492 # وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برامهرمز سبعة ~~أشهر يقصرون الصلاة # وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا ~~يجمع # وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وسجستان السنتين # فهذا هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كما ترى، هو الصواب # وأما مذاهب الناس: # فقال الإمام أحمد: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها قصر، ~~وحمل هذه الآثار على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم ~~يجمعوا الإقامة البتة، بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدا نخرج # وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة وهي ~~ما هي وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها ~~من العرب، ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد ~~ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك، فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعا ~~أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج قطعها إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا ~~يوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة ~~من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام ~~بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة ~~برامهرمز سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يعلم ~~أنه لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد # PageV03P493 # عدو أو حبس سلطان أو مرض قصر، سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة ~~يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه من كتاب ~~ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة # فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر، ~~وهي ما دون الأربعة الأيام، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي لما أقام ~~زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة ms0931 وتبوك، لم يقل لهم شيئا، ولم يبين ~~لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وهو يعلم أنهم يقتدون به في ~~صلاته، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفا واحدا: لا ~~تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتداء ~~الصحابة به بعده، ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك # وقال مالك والشافعي: إن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم، وإن نوى دونها ~~قصر # وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم، وإن نوى دونها قصر، وهو ~~مذهب الليث بن سعد، وروي عن ثلاثة من الصحابة ; عمر وابنه وابن عباس، قال ~~سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وعنه كقول أبي حنيفة # وقال علي بن أبي طالب: إن أقام عشرا أتم، وهو رواية عن ابن عباس # وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مصرا # وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد # والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول: اليوم ~~أخرج، غدا أخرج، فإنه يقصر أبدا، إلا الشافعي في أحد قوليه، فإنه يقصر عنده ~~إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوما ولا يقصر بعدها، وقد قال # PageV03P494 # ابن المنذر في " إشرافه ": أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع ~~إقامة وإن أتى عليه سنون ### | [فصل في استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها] # فصل # ومنها: جواز بل استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها، ~~فيكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، وإن شاء قدم الكفارة على الحنث، وإن شاء ~~أخرها. وقد روي حديث أبي موسى هذا: ( «إلا أتيت الذي هو أخير وتحللتها» ) . ~~وفي لفظ: ( «إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو أخير» ) ، وفي لفظ: ( «إلا ~~أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» ) ، وكل هذه الألفاظ في " الصحيحين "، ~~وهي تقتضي عدم الترتيب # وفي السنن من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~( «إذا ms0932 حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو ~~خير» ) ، وأصله في " الصحيحين "، فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى جواز تقديم ~~الكفارة على الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز التقديم، ~~ومنع أبو حنيفة تقديم الكفارة مطلقا ### | [فصل في انعقاد اليمين في حال الغضب إلا حين الإغلاق] # فصل # ومنها: انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يخرج بصاحبه إلى حد لا يعلم ~~معه ما يقول، وكذلك ينفذ حكمه، وتصح عقوده، فلو بلغ به الغضب إلى حد ~~الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقه، قال أحمد في رواية حنبل في حديث عائشة: # PageV03P495 # سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «لا طلاق ولا عتاق في ~~إغلاق» ) يريد الغضب ### | [فصل لا متعلق للجبرية بقوله صلى الله عليه وسلم ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم] # فصل # ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» ~~) قد يتعلق به الجبري، ولا متعلق له به، وإنما هذا مثل قوله: ( «والله لا ~~أعطي أحدا شيئا ولا أمنع، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» ) فإنه عبد الله ~~ورسوله، إنما يتصرف بالأمر، فإذا أمره ربه بشيء نفذه، فالله هو المعطي ~~والمانع والحامل، والرسول منفذ لما أمر به، وأما قوله تعالى: {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] [الأنفال: 17] فالمراد به القبضة من ~~الحصباء التي رمى بها وجوه المشركين فوصلت إلى عيون جميعهم، فأثبت الله ~~سبحانه له الرمي باعتبار النبذ والإلقاء، فإنه فعله، ونفاه عنه باعتبار ~~الإيصال إلى جميع المشركين، وهذا فعل الرب تعالى لا تصل إليه قدرة العبد، ~~والرمي يطلق على الخذف، وهو مبدؤه، وعلى الإيصال، وهو نهايته ### | [فصل تركه صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين] # فصل # ومنها: تركه قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفر الصريح، فاحتج به من ~~قال: لا يقتل الزنديق إذا أظهر التوبة ; لأنهم حلفوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنهم ما قالوا، وهذا إذا لم يكن إنكارا فهو توبة وإقلاع، وقد قال ~~أصحابنا وغيرهم: ومن ms0933 شهد # PageV03P496 # عليه بالردة فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لم يكشف عن شيء ~~عنه بعد، وقال بعض الفقهاء: إذا جحد الردة كفاه جحدها، ومن لم يقبل توبة ~~الزنديق قال: هؤلاء لم تقم عليهم بينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يحكم عليهم بعلمه، والذي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قولهم لم ~~يبلغهم إياه نصاب البينة، بل شهد به عليهم واحد فقط، كما شهد زيد بن أرقم ~~وحده على عبد الله بن أبي، وكذلك غيره أيضا إنما شهد عليه واحد # وفي هذا الجواب نظر، فإن نفاق عبد الله بن أبي وأقواله في النفاق كانت ~~كثيرة جدا كالمتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبعضهم أقر ~~بلسانه وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، وقد واجهه بعض الخوارج في وجهه بقوله: ~~إنك لم تعدل، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ألا تقتلهم؟ لم يقل: ~~ما قامت عليهم بينة، بل قال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه # فالجواب الصحيح إذن، أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم مصلحة تتضمن تأليف القلوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع ~~كلمة الناس عليه، وكان في قتلهم تنفير، والإسلام بعد في غربة، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحرص شيء على تأليف الناس، وأترك شيء لما ينفرهم عن ~~الدخول في طاعته، وهذا أمر كان يختص بحال حياته صلى الله عليه وسلم، وكذلك ~~ترك قتل من طعن عليه في حكمه بقوله في قصة الزبير وخصمه: أن كان ابن عمتك # وفي قسمه بقوله: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وقول الآخر له: # PageV03P497 # إنك لم تعدل، فإن هذا محض حقه، له أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس للأمة ~~بعده ترك استيفاء حقه، بل يتعين عليهم استيفاؤه، ولا بد ولتقرير هذه ~~المسائل موضع آخر، والغرض التنبيه والإشارة ### | [فصل في إذا أحدث أحد من أهل الذمة حدثا فيه ضرر على المسلمين انتقض عهده] ms0934 # فصل # ومنها: أن أهل العهد والذمة إذا أحدث أحد منهم حدثا فيه ضرر على الإسلام ~~انتقض عهده في ماله ونفسه، وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله هدر، ~~وهو لمن أخذه، كما قال في صلح أهل أيلة: فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ~~ماله دون نفسه، وهو لمن أخذه من الناس، وهذا لأنه بالأحداث صار محاربا حكمه ~~حكم أهل الحرب ### | [فصل في جواز الدفن ليلا] # فصل # ومنها: جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا ~~البجادين ليلا. # وقد سئل أحمد عنه فقال: وما بأس بذلك، وقال: أبو بكر دفن ليلا، وعلي دفن ~~فاطمة ليلا، وقالت عائشة: (سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي ~~صلى الله عليه وسلم) . انتهى. ودفن عثمان وعائشة وابن مسعود ليلا # وفي الترمذي عن ابن عباس ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرا ليلا ~~فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة، وقال: رحمك الله، إن كنت لأواها تلاء ~~للقرآن» ) قال الترمذي: حديث حسن # وفي البخاري: ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن رجل، فقال: من ~~هذا؟ قالوا: # PageV03P498 # فلان دفن البارحة، فصلى عليه» ) # فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في " صحيحه " ( «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خطب يوما، فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ~~ليلا، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، ~~إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك» ) قال الإمام أحمد: إليه أذهب # قيل: نقول بالحديثين بحمد الله، ولا نرد أحدهما بالآخر، فنكره الدفن ~~بالليل، بل نزجر عنه، إلا لضرورة أو مصلحة راجحة، كميت مات مع المسافرين ~~بالليل ويتضررون بالإقامة به إلى النهار، وكما إذا خيف على الميت الانفجار ~~ونحو ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلا. وبالله التوفيق ### | [فصل إذا بعث الإمام سرية فغنمت كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه] # فصل # ومنها: أن الإمام إذا بعث سرية فغنمت غنيمة، أو أسرت أسيرا، ms0935 أو فتحت ~~حصنا، كان ما حصل من ذلك لها بعد تخميسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم ~~ما صالح عليه أكيدرا من فتح دومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد، ~~وكانوا أربعمائة وعشرين فارسا، وكانت غنائمهم ألفي بعير وثمانمائة رأس، ~~فأصاب كل رجل منهم خمس فرائض، وهذا بخلاف ما إذا أخرجت السرية من الجيش في ~~حال الغزو فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوا يكون غنيمة للجميع بعد ~~الخمس والنفل، وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم ### | [فصل في ثواب من حبسه العذر] # فصل # ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ( «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ~~ولا قطعتم واديا إلا # PageV03P499 # كانوا معكم» ) ، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من ~~الجهال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال ; لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة؟ ~~قال: (وهم بالمدينة حبسهم العذر) وكانوا معه بأرواحهم وبدار الهجرة ~~بأشباحهم، وهذا من الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع، وهي: القلب ~~واللسان والمال والبدن، وفي الحديث: ( «جاهدوا المشركين بألسنتكم وقلوبكم ~~وأموالكم» ) ### | [فصل في تحريق أمكنة المعصية وهدمها] # فصل # ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ~~ويذكر اسم الله فيه ; لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين ومأوى ~~للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، ~~وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار ~~فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق ~~بالهدم وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب ~~المنكرات # وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكمالها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد ~~الثقفي وسماه فويسقا، وحرق قصر سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية. وهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة، # PageV03P500 # وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم ms0936 كما أخبر هو عن ~~ذلك # ومنها: أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة، كما لم يصح وقف هذا المسجد، ~~وعلى هذا: فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في ~~المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد ~~وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معا لم ~~يجز، ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد ; لنهي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدا أو أوقد ~~عليه سراجا، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه، وغربته بين ~~الناس كما ترى ### | [فصل في جواز إنشاد الشعر للقادم فرحا به] # فصل # ومنها: جواز إنشاد الشعر للقادم فرحا وسرورا به، ما لم يكن معه محرم من ~~لهو كمزمار وشبابة وعود، ولم يكن غناء يتضمن رقية الفواحش وما حرم الله، ~~فهذا لا يحرمه أحد، وتعلق أرباب السماع الفسقي به، كتعلق من يستحل شرب ~~الخمر المسكر قياسا على أكل العنب وشرب العصير الذي لا يسكر، ونحو هذا من ~~القياسات التي تشبه قياس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} [البقرة: ~~275] # ومنها: استماع النبي صلى الله عليه وسلم مدح المادحين له وترك الإنكار ~~عليهم، ولا يصح قياس غيره عليه في هذا ; لما بين المادحين والممدوحين من ~~الفروق، وقد قال: ( «احثوا في وجوه المداحين التراب» ) # PageV03P501 # ومنها: ما اشتملت عليه قصة الثلاثة الذين خلفوا من الحكم والفوائد الجمة، ~~فنشير إلى بعضها: # فمنها: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وعن سبب ~~ذلك، وما آل إليه أمره، وفي ذلك من التحذير والنصيحة وبيان طرق الخير والشر ~~وما يترتب عليها، ما هو من أهم الأمور # ومنها: جواز مدح الإنسان نفسه بما فيه من الخير إذا لم يكن على سبيل ~~الفخر والترفع. # ومنها: تسلية الإنسان نفسه عما لم يقدر له من الخير بما قدر له من نظيره ~~أو خير منه # ومنها: ms0937 أن بيعة العقبة كانت من أفضل مشاهد الصحابة، حتى إن كعبا كان لا ~~يراها دون مشهد بدر # ومنها: أن الإمام إذا رأى المصلحة في أن يستر عن رعيته بعض ما يهم به ~~ويقصده من العدو ويوري به عنه استحب له ذلك أو يتعين بحسب المصلحة # ومنها: أن الستر والكتمان إذا تضمن مفسدة لم يجز # ومنها: أن الجيش في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم ديوان وأول ~~من دون الديوان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا من سنته التي أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم باتباعها، وظهرت مصلحتها وحاجة المسلمين إليها # ومنها: أن الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كل الحزم في ~~انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا ~~لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض ~~قلما ثبتت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا من الخير فلم ينتهزه، بأن ~~يحول # PageV03P502 # بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له، فمن لم يستجب لله ~~ورسوله إذا دعاه حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك، ~~قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] [الأنفال: 24] وقد ~~صرح الله سبحانه بهذا في قوله: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة} [الأنعام: 110] [الأنعام: 110] وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} [الصف: 5] [الصف: 5] ، وقال: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم} [التوبة: 115] [التوبة: 115] ~~وهو كثير في القرآن # ومنها: أنه لم يكن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحد رجال ~~ثلاثة ; إما مغموص عليه في النفاق أو رجل من أهل الأعذار، أو من خلفه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واستعمله على المدينة، أو خلفه لمصلحة # ومنها: أن الإمام والمطاع لا ينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في بعض ms0938 ~~الأمور، بل يذكره ليراجع الطاعة ويتوب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~بتبوك: ما فعل كعب؟ ولم يذكر سواه من المخلفين استصلاحا له ومراعاة، ~~وإهمالا للقوم المنافقين # ومنها: جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية أو ذبا عن ~~الله ورسوله، ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة، ومن هذا ~~طعن ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع لله لا لحظوظهم ~~وأغراضهم # ومنها: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط، كما قال ~~معاذ للذي طعن في كعب: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا ~~خيرا، ولم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على واحد منهما # ومنها: أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ # PageV03P503 # ببيت الله قبل بيته، فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمسلمين عليه ثم ينصرف ~~إلى أهله # ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل علانية من أظهر الإسلام ~~من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه ~~بما لم يعلم من سره # ومنها: ترك الإمام والحاكم رد السلام على من أحدث حدثا ; تأديبا له وزجرا ~~لغيره، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه رد على كعب، بل قابل سلامه ~~بتبسم المغضب # ومنها: أن التبسم قد يكون عن الغضب كما يكون عن التعجب والسرور، فإن كلا ~~منهما يوجب انبساط دم القلب وثورانه، ولهذا تظهر حمرة الوجه لسرعة ثوران ~~الدم فيه، فينشأ عن ذلك السرور، والغضب تعجب يتبعه ضحك وتبسم، فلا يغتر ~~المغتر بضحك القادر عليه في وجهه، ولا سيما عند المعتبة كما قيل # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم # ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابه ومن يعز عليه ويكرم عليه، فإنه عاتب ~~الثلاثة دون سائر من تخلف عنه، وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة ~~واستلذاذه والسرور به، فكيف بعتاب أحب الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه، ~~ولله ms0939 ما كان أحلى ذلك العتاب وما أعظم ثمرته وأجل فائدته، ولله ما نال به ~~الثلاثة من أنواع المسرات وحلاوة الرضا وخلع القبول # ومنها: توفيق الله لكعب وصاحبيه فيما جاءوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى ~~كذبوا واعتذروا بغير الحق، فصلحت عاجلتهم وفسدت عاقبتهم كل الفساد، ~~والصادقون تعبوا في العاجلة بعض التعب فأعقبهم صلاح العاقبة والفلاح كل ~~الفلاح، وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادي حلاوات # PageV03P504 # في العواقب، وحلاوات المبادي مرارات في العواقب. «وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لكعب: (أما هذا فقد صدق) » ، دليل ظاهر في التمسك بمفهوم اللقب ~~عند قيام قرينة تقتضي تخصيص المذكور بالحكم، كقوله تعالى: {وداود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين - ففهمناها ~~سليمان} [الأنبياء: 78 - 79] [الأنبياء: 78 و 79] ، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» ) ، وقوله في هذا الحديث: ~~(أما هذا فقد صدق) ، وهذا مما لا يشك السامع أن المتكلم قصد تخصيصه بالحكم. # وقول كعب: هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، مرارة بن الربيع، وهلال بن ~~أمية، فيه أن الرجل ينبغي له أن يرد حر المصيبة بروح التأسي بمن لقي مثل ما ~~لقي، وقد أرشد سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} ~~[النساء: 104] [النساء: 104] ، وهذا هو الروح الذي منعه الله سبحانه أهل ~~النار فيها بقوله: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} ~~[الزخرف: 39] [الزخرف: 39] . وقوله: " فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ~~لي فيهما أسوة ". هذا الموضع مما عد من أوهام الزهري، فإنه لا يحفظ عن أحد ~~من أهل المغازي والسير البتة ذكر هذين الرجلين في أهل بدر، لا ابن إسحاق، ~~ولا موسى بن عقبة ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عد أهل بدر، وكذلك ~~ينبغي ألا يكونا من أهل بدر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يهجر ~~حاطبا، ولا عاقبه وقد جس عليه، ms0940 وقال لعمر لما هم بقتله: ( «وما يدريك أن ~~الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ) ، وأين ذنب ~~التخلف من ذنب الجس. # قال أبو الفرج بن الجوزي: ولم أزل حريصا على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت ~~أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري، وذكر فضله وحفظه وإتقانه، وأنه لا يكاد يحفظ ~~عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن # PageV03P505 # أمية شهدا بدرا، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان. ### | [فصل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن كلام هؤلاء الثلاثة لتأديبهم دليل على صدقهم] # فصل # وفي نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر ~~من تخلف عنه دليل على صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على ~~هذا الذنب، وأما المنافقون فجرمهم أعظم من أن يقابل بالهجر، فدواء هذا ~~المرض لا يعمل في مرض النفاق، ولا فائدة فيه، وهكذا يفعل الرب سبحانه ~~بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده ~~بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا، وأما من سقط من عينه وهان عليه، ~~فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة، والمغرور يظن ~~أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب ~~الشديد والعقوبة التي لا عاقبة معها، كما في الحديث المشهور: ( «إذا أراد ~~الله بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبد شرا أمسك عنه ~~عقوبته في الدنيا، فيرد يوم القيامة بذنوبه» ) . # وفيه دليل أيضا على هجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب ~~العتب، ويكون هجرانه دواء له بحيث لا يضعف عن حصول الشفاء به، ولا يزيد في ~~الكمية والكيفية عليه فيهلكه، إذ المراد تأديبه لا إتلافه. # وقوله: ( «حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرف» ) ، هذا التنكر يجده ~~الخائف والحزين والمهموم في الأرض، وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا ~~يعلم حاله من الناس، ms0941 ويجده أيضا المذنب العاصي بحسب جرمه حتى في خلق زوجته ~~وولده، وخادمه ودابته، ويجده في نفسه أيضا، فتتنكر له نفسه حتى ما # PageV03P506 # كأنه هو، ولا كأن أهله وأصحابه، ومن يشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سر من ~~الله لا يخفى إلا على من هو ميت القلب، وعلى حسب حياة القلب، يكون إدراك ~~هذا التنكر والوحشة. # وما لجرح بميت إيلام # ومن المعلوم أن هذا التنكر والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم، ولكن لموت ~~قلوبهم لم يكونوا يشعرون به، وهكذا القلب إذا استحكم مرضه، واشتد ألمه ~~بالذنوب والإجرام، لم يجد هذه الوحشة والتنكر، ولم يحس بها، وهذه علامة ~~الشقاوة، وأنه قد أيس من عافية هذا المرض، وأعيا الأطباء شفاؤه، والخوف ~~والهم مع الريبة، والأمن والسرور مع البراءة من الذنب. # فما في الأرض أشجع من بريء ... ولا في الأرض أخوف من مريب # وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتلي به ثم راجع، فإنه ينتفع ~~به نفعا عظيما من وجوه عديدة تفوت الحصر، ولو لم يكن منها إلا استثماره من ~~ذلك أعلام النبوة، وذوقه نفس ما أخبر به الرسول فيصير تصديقه ضروريا عنده، ~~ويصير ما ناله من الشر بمعاصيه، ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة ~~الذوقية التي لا تتطرق إليها الاحتمالات، وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق ~~من المعاطب والمخاوف كيت وكيت على التفصيل، فخالفته وسلكتها، فرأيت عين ما ~~أخبرك به، فإنك تشهد صدقه في نفس خلافك له، وأما إذا سلكت طريق الأمن ~~وحدها، ولم تجد من تلك المخاوف شيئا، فإنه وإن شهد صدق المخبر بما ناله من ~~الخير والظفر مفصلا، فإن علمه بتلك يكون مجملا. ### | تخلف أصحاب كعب عن صلاة الجماعة # فصل # ومنها: أن هلال بن أمية، ومرارة قعدا في بيوتهما، وكانا يصليان في ~~بيوتهما، ولا يحضران الجماعة، وهذا يدل على أن هجران المسلمين للرجل عذر ~~يبيح له التخلف عن الجماعة، أو يقال: من تمام هجرانه أن لا يحضر جماعة ~~المسلمين، لكن يقال: فكعب كان يحضر الجماعة ولم يمنعه النبي صلى ms0942 الله عليه ~~وسلم، ولا عتب عليهما على التخلف، وعلى هذا فيقال: لما أمر المسلمون بهجرهم ~~تركوا: # PageV03P507 # لم يؤمروا ولم ينهوا ولم يكلموا، فكان من حضر منهم الجماعة لم يمنع، ومن ~~تركها لم يكلم، أو يقال: لعلهما ضعفا وعجزا عن الخروج، ولهذا قال كعب: وكنت ~~أنا أجلد القوم وأشبهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين. # وقوله: وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه وهو في مجلسه ~~بعد الصلاة، فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ فيه دليل على أن ~~الرد على من يستحق الهجر غير واجب، إذ لو وجب الرد لم يكن بد من إسماعه. # وقوله: حتى إذا طال ذلك علي، تسورت جدار حائط أبي قتادة، فيه دليل على ~~دخول الإنسان دار صاحبه وجاره إذا علم رضاه بذلك وإن لم يستأذنه. # وفي قول أبي قتادة له: الله ورسوله أعلم، دليل على أن هذا ليس بخطاب ولا ~~كلام له، فلو حلف لا يكلمه، فقال مثل هذا الكلام جوابا له لم يحنث، ولا ~~سيما إذا لم ينو به مكالمته، وهو الظاهر من حال أبي قتادة. # وفي إشارة الناس إلى النبطي - الذي كان يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ - ~~دون نطقهم له تحقيق لمقصود الهجر، وإلا فلو قالوا له صريحا: ذاك كعب بن ~~مالك، لم يكن ذلك كلاما له، فلا يكونون به مخالفين للنهي، ولكن لفرط تحريهم ~~وتمسكهم بالأمر لم يذكروه له بصريح اسمه. وقد يقال: إن في الحديث عنه ~~بحضرته وهو يسمع نوع مكالمة له، ولا سيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود ~~بكلامه، وهي ذريعة قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع، ~~وهذا أفقه وأحسن. # وفي مكاتبة ملك غسان له بالمصير إليه ابتلاء من الله تعالى، وامتحان ~~لإيمانه ومحبته لله ورسوله، وإظهار للصحابة أنه ليس ممن ضعف إيمانه بهجر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين له، ولا هو ممن تحمله الرغبة في ~~الجاه والملك مع هجران الرسول والمؤمنين له على مفارقة دينه، فهذا فيه ms0943 من ~~تبرئة الله له من النفاق وإظهار قوة إيمانه، وصدقه لرسوله وللمسلمين ما هو ~~من تمام نعمة الله عليه، ولطفه به وجبره لكسره، وهذا البلاء يظهر لب الرجل ~~وسره # PageV03P508 # وما ينطوي عليه، فهو كالكير الذي يخرج الخبيث من الطيب. # وقوله: فتيممت بالصحيفة التنور، فيه المبادرة إلى إتلاف ما يخشى منه ~~الفساد والمضرة في الدين، وأن الحازم لا ينتظر به ولا يؤخره، وهذا كالعصير ~~إذا تخمر، وكالكتاب الذي يخشى منه الضرر والشر، فالحزم المبادرة إلى إتلافه ~~وإعدامه. # وكانت غسان إذ ذاك - وهم ملوك عرب الشام - حربا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم، وكانوا ينعلون خيولهم لمحاربته، وكان هذا (لما بعث شجاع بن وهب ~~الأسدي إلى ملكهم الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه ~~إليه، قال شجاع: فانتهيت إليه وهو في غوطة دمشق، وهو مشغول بتهيئة الأنزال ~~والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ~~ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، ~~فقال: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه - وكان روميا اسمه ~~مري - يسألني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وكنت أحدثه عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم، وما يدعو إليه، فيرق حتى يغلب عليه البكاء، ويقول: ~~إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، فأنا أؤمن به وأصدقه فأخاف من ~~الحارث أن يقتلني، وكان يكرمني ويحسن ضيافتي. # وخرج الحارث يوما فجلس فوضع التاج على رأسه فأذن لي عليه، فدفعت إليه ~~كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقرأه ثم رمى به، قال: من ينتزع ~~مني ملكي، وقال: أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته، علي بالناس، فلم تزل ~~تعرض حتى قام، وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى ~~قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر: أن لا تسر، ولا تعبر إليه ~~واله عنه، ووافني بإيلياء، فلما جاءه جواب كتابه، دعاني فقال: متى تريد أن ~~تخرج إلى ms0944 صاحبك؟ فقلت: غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصلني حاجبه بنفقة ~~وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني السلام، فقدمت # PageV03P509 # على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته، فقال: " باد ملكه "، ~~وأقرأته من حاجبه السلام، وأخبرته بما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " صدق ") : ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح، ففي هذه المدة أرسل ~~ملك غسان يدعو كعبا إلى اللحاق به، فأبت له سابقة الحسنى أن يرغب عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه. ### | [فصل في أمره صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الثلاثة باعتزال نسائهم] # فصل # في أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء الثلاثة أن يعتزلوا ~~نساءهم لما مضى لهم أربعون ليلة كالبشارة بمقدمات الفرج والفتح من وجهين: # أحدهما: كلامه لهم، وإرساله إليهم بعد أن كان لا يكلمهم بنفسه ولا ~~برسوله. # الثاني: من خصوصية أمرهم باعتزال النساء، وفيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد ~~والاجتهاد في العبادة، وشد المئزر، واعتزال محل اللهو واللذة والتعوض عنه ~~بالإقبال على العبادة، وفي هذا إيذان بقرب الفرج، وأنه قد بقي من العتب أمر ~~يسير. # وفقه هذه القصة، أن زمن العبادات ينبغي فيه تجنب النساء، كزمن الإحرام، ~~وزمن الاعتكاف، وزمن الصيام، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ~~آخر هذه المدة في حق هؤلاء بمنزلة أيام الإحرام والصيام في توفرها على ~~العبادة، ولم يأمرهم بذلك من أول المدة رحمة بهم وشفقة عليهم، إذ لعلهم ~~يضعف صبرهم عن نسائهم في جميعها، فكان من اللطف بهم والرحمة أن أمروا بذلك ~~في آخر المدة، كما يؤمر به الحاج من حين يحرم، لا من حين يعزم على الحج. # وقول كعب لامرأته: الحقي بأهلك، دليل على أنه لم يقع بهذه اللفظة ~~وأمثالها طلاق ما لم ينوه. والصحيح أن لفظ الطلاق والعتاق والحرية كذلك إذا ~~أراد به غير تسييب الزوجة، وإخراج الرقيق عن ملكه، لا يقع به طلاق ولا ~~عتاق، هذا هو الصواب الذي ندين الله به، ولا نرتاب فيه البتة. ms0945 فإذا قيل له: ~~إن غلامك # PageV03P510 # فاجر أو جاريتك تزني، فقال: ليس كذلك، بل هو غلام عفيف حر، وجارية عفيفة ~~حرة، ولم يرد بذلك حرية العتق، وإنما أراد حرية العفة، فإن جاريته وعبده لا ~~يعتقان بهذا أبدا، وكذا إذا قيل له: كم لغلامك عندك سنة؟ فقال هو عتيق ~~عندي، وأراد قدم ملكه له، لم يعتق بذلك، وكذلك إذا ضرب امرأته الطلق، فسئل ~~عنها، فقال: هي طالق، ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق، وإنما أراد أنها في طلق ~~الولادة لم تطلق بهذا، وليست هذه الألفاظ مع هذه القرائن صريحة إلا فيما ~~أريد بها ودل السياق عليها، فدعوى أنها صريحة في العتاق والطلاق مع هذه ~~القرائن مكابرة، ودعوى باطلة قطعا. ### | [فصل في سجود الشكر من عادة الصحابة] # فصل # وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة، ~~وهي سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر ~~الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب، وسجد علي بن أبي طالب لما وجد ذا ~~الثدية مقتولا في الخوارج، وسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بشره ~~جبريل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وسجد حين شفع لأمته ~~فشفعه الله فيهم ثلاث مرات، وأتاه بشير فبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه ~~في حجر عائشة، فقام فخر ساجدا، وقال أبو بكرة: «كان رسول الله إذا أتاه أمر ~~يسره خر لله ساجدا» ، وهي آثار صحيحة لا مطعن فيها. # وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سلع ليبشرا كعبا دليل على حرص القوم ~~على الخير، واستباقهم إليه، وتنافسهم في مسرة بعضهم بعضا. # وفي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما للبشير، دليل على أن إعطاء المبشرين من # PageV03P511 # مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف، وقد أعتق العباس غلامه لما بشره أن ~~عند الحجاج بن علاط من الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يسره. # وفيه دليل على جواز إعطاء البشير جميع ثيابه. # وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، ms0946 والقيام إليه إذا ~~أقبل، ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية، وأن ~~الأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما من الله به عليك، ونحو هذا ~~الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها. # وفيه دليل على أن خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها يوم توبته إلى ~~الله، وقبول الله توبته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أبشر بخير يوم مر ~~عليك منذ ولدتك أمك» . فإن قيل: فكيف يكون هذا اليوم خيرا من يوم إسلامه؟ # قيل: هو مكمل ليوم إسلامه، ومن تمامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم ~~توبته كمالها وتمامها، والله المستعان. # وفي سرور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وفرحه به واستنارة وجهه ~~دليل على ما جعل الله فيه من كمال الشفقة على الأمة والرحمة بهم والرأفة، ~~حتى لعل فرحه كان أعظم من فرح كعب وصاحبيه. # وقول كعب: «يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي» . دليل على ~~استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال. # وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير ~~لك» ) ، دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله، لم يلزمه إخراج جميعه، بل ~~يجوز له أن يبقي له منه بقية، وقد اختلفت الرواية في ذلك، ففي " الصحيحين " ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " «أمسك عليك بعض مالك» "، ولم ~~يعين له قدرا، بل أطلق، ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، وهذا هو الصحيح، ~~فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون ~~طاعة، فلا يجب الوفاء به، وما زاد على قدر كفايته وحاجته، فإخراجه والصدقة ~~به أفضل، فيجب إخراجه إذا نذره، هذا قياس # PageV03P512 # المذهب، ومقتضى قواعد الشريعة، ولهذا تقدم كفاية الرجل، وكفاية أهله على ~~أداء الواجبات المالية، سواء كانت حقا لله كالكفارات والحج، أو حقا ~~للآدميين كأداء الديون، فإنا نترك للمفلس ما لا بد منه من مسكن وخادم وكسوة ~~وآلة ms0947 حرفة، أو ما يتجر به لمؤنته إن فقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما ~~بقي. # وقد نص الإمام أحمد على أن من نذر الصدقة بماله كله أجزاه ثلثه، واحتج له ~~أصحابه بما روي «في قصة كعب هذه، أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي إلى ~~الله ورسوله أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة، قال: " لا "، قلت: ~~فنصفه؟ قال: " لا "، قلت: فثلثه، قال: " نعم "، قلت: فإني أمسك سهمي الذي ~~بخيبر» ، رواه أبو داود. وفي ثبوت هذا ما فيه، فإن الصحيح في قصة كعب هذه ~~ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك عنه، أنه قال: " ~~«أمسك عليك بعض مالك» " من غير تعيين لقدره، وهم أعلم بالقصة من غيرهم، ~~فإنهم ولده، وعنه نقلوها. # فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في " مسنده " «أن أبا لبابة ~~بن عبد المنذر لما تاب الله عليه، قال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أهجر ~~دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يجزئ عنك الثلث» ) . قيل: هذا هو الذي احتج به ~~أحمد، لا بحديث كعب، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله: إذا نذر أن يتصدق ~~بماله كله أو ببعضه، وعليه دين أكثر مما يملكه، فالذي أذهب إليه أنه يجزئه ~~من ذلك الثلث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا لبابة بالثلث، ~~وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب # PageV03P513 # هذا الذي فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث " «أمسك عليك بعض ~~مالك» "، وكأن أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة. # وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: إنه ~~يجزئه من ذلك الثلث، دليل على انعقاد نذره، وعليه دين يستغرق ماله، ثم إذا ~~قضى الدين أخرج مقدار ثلث ماله يوم النذر، وهكذا قال في رواية ابنه عبد ~~الله: إذا وهب ماله، وقضى دينه، واستفاد غيره، فإنما يجب ms0948 عليه إخراج ثلث ~~ماله يوم حنثه، يريد بيوم حنثه يوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك اليوم، ~~فيخرجه بعد قضاء دينه. # وقوله: أو ببعضه. يريد أنه إذا نذر الصدقة بمعين من ماله، أو بمقدار كألف ~~ونحوها، فيجزئه ثلثه كنذر الصدقة بجميع ماله، والصحيح من مذهبه لزوم الصدقة ~~بجميع المعين. وفيه رواية أخرى: أن المعين إن كان ثلث ماله فما دونه، لزمه ~~الصدقة بجميعه، وإن زاد على الثلث لزمه منه بقدر الثلث، وهي أصح عند أبي ~~البركات. # وبعد: فإن الحديث ليس فيه دليل على أن كعبا وأبا لبابة نذرا نذرا منجزا، ~~وإنما قالا: إن من توبتنا أن ننخلع من أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، ~~وإنما فيه العزم على الصدقة بأموالهما شكرا لله على قبول توبتهما، فأخبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعض المال يجزئ من ذلك، ولا يحتاجان إلى ~~إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يوصي بماله كله، فأذن له في ~~قدر الثلث. # PageV03P514 # فإن قيل: هذا يدفعه أمران. أحدهما: قوله: " يجزئك "، والإجزاء إنما ~~يستعمل في الواجب، والثاني: أن منعه من الصدقة بما زاد على الثلث دليل على ~~أنه ليس بقربة، إذ الشارع لا يمنع من القرب، ونذر ما ليس بقربة لا يلزم ~~الوفاء به. # قيل: أما قوله: " يجزئك "، فهو بمعنى يكفيك، فهو من الرباعي، وليس من " ~~جزى عنه " إذا قضى عنه، يقال: أجزأني: إذا كفاني، وجزى عني: إذا قضى عني، ~~وهذا هو الذي يستعمل في الواجب، ومنه «قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~بردة في الأضحية: " تجزي عنك ولن تجزي عن أحد بعدك» ، والكفاية تستعمل في ~~الواجب والمستحب. # وأما منعه من الصدقة بما زاد على الثلث، فهو إشارة منه عليه بالأرفق به، ~~وما يحصل له به منفعة دينه ودنياه، فإنه لو مكنه من إخراج ماله كله لم يصبر ~~على الفقر والعدم، كما فعل بالذي جاءه بالصرة ليتصدق بها، فضربه بها ولم ~~يقبلها منه خوفا عليه من الفقر وعدم الصبر. وقد يقال - وهو أرجح إن شاء ~~الله تعالى ms0949 - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل كل واحد ممن أراد ~~الصدقة بماله بما يعلم من حاله، فمكن أبا بكر الصديق من إخراج ماله كله، ~~وقال: ( «ما أبقيت لأهلك؟ " # PageV03P515 # فقال: أبقيت لهم الله ورسوله» ) ، فلم ينكر عليه، ( «وأقر عمر على الصدقة ~~بشطر ماله» ) ، ومنع صاحب الصرة من التصدق بها، وقال لكعب: ( «أمسك عليك ~~بعض مالك» ) ، وهذا ليس فيه تعيين المخرج بأنه الثلث، ويبعد جدا بأن يكون ~~الممسك ضعفي المخرج في هذا اللفظ، «وقال لأبي لبابة: (يجزئك الثلث) » ، ولا ~~تناقض بين هذه الأخبار، وعلى هذا فمن نذر الصدقة بماله كله أمسك منه ما ~~يحتاج إليه هو وأهله، ولا يحتاجون معه إلى سؤال الناس مدة حياتهم من رأس ~~مال أو عقار، أو أرض يقوم مغلها بكفايتهم، وتصدق بالباقي. والله أعلم. # وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: يتصدق منه بقدر الزكاة، ويمسك الباقي. ~~وقال جابر بن زيد: إن كان ألفين فأكثر أخرج عشره وإن كان ألفا، فما دون ~~فسبعه وإن كان خمسمائة فما دون فخمسه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يتصدق بكل ~~ماله الذي تجب فيه الزكاة، وما لا تجب فيه الزكاة، ففيه روايتان: أحدهما: ~~يخرجه، والثانية: لا يلزمه منه شيء. # وقال الشافعي: تلزمه الصدقة بماله كله، وقال مالك والزهري وأحمد: يتصدق ~~بثلثه، وقالت طائفة: يلزمه كفارة يمين فقط. ### | [فصل في عظمة الصدق] # فصل # ومنها: عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من شرهما ~~به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا # PageV03P516 # بالكذب، وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، ~~فقال: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] ~~[التوبة: 119] . # وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء، وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل ~~الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصر مطرد ~~منعكس. فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب ~~والتكذيب. # وأخبر سبحانه وتعالى: أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقهم؛ وجعل ~~علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب ms0950 في أقوالهم وأفعالهم، فجميع ما نعاه ~~عليهم أصله الكذب في القول والفعل، فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه ~~وسائقه وقائده وحليته ولباسه، بل هو لبه وروحه. والكذب: بريد الكفر والنفاق ~~ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه، فمضادة الكذب للإيمان ~~كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه، ~~ويستقر موضعه، والله سبحانه أنجى الثلاثة بصدقهم، وأهلك غيرهم من المخلفين ~~بكذبهم، فما أنعم الله على عبد بعد الإسلام بنعمة أفضل من الصدق الذي هو ~~غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام ~~وفساده، والله المستعان. # وقوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رءوف رحيم} [التوبة: 117] [التوبة: 117] ، هذا من أعظم ما يعرف العبد قدر ~~التوبة وفضلها عند الله، وأنها غاية كمال المؤمن، فإنه سبحانه أعطاهم هذا ~~الكمال بعد آخر الغزوات بعد أن قضوا نحبهم، وبذلوا نفوسهم وأموالهم وديارهم ~~لله، وكان غاية أمرهم أن تاب عليهم، ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم توبة كعب خير يوم مر عليه منذ ولدته أمه إلى ذلك اليوم، ولا يعرف هذا ~~حق معرفته إلا من عرف الله، وعرف حقوقه عليه، وعرف ما ينبغي له من # PageV03P517 # عبوديته، وعرف نفسه وصفاتها وأفعالها، وأن الذي قام به من العبودية ~~بالنسبة إلى حق ربه عليه كقطرة في بحر، هذا إذا سلم من الآفات الظاهرة ~~والباطنة، فسبحان من لا يسع عباده غير عفوه ومغفرته وتغمده لهم بمغفرته ~~ورحمته، وليس إلا ذلك أو الهلاك، فإن وضع عليهم عدله فعذب أهل سماواته ~~وأرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، وإن رحمهم فرحمته خير لهم من أعمالهم، ولا ~~ينجي أحدا منهم عمله. ### | [فصل في معنى تكرير الله للفظ التوبة في الآية] # فصل # وتأمل تكريره سبحانه توبته عليهم مرتين في أول الآية وآخرها، فإنه تاب ~~عليهم أولا بتوفيقهم للتوبة، فلما تابوا تاب عليهم ثانيا بقبولها منهم، وهو ~~الذي ms0951 وفقهم لفعلها، وتفضل عليهم بقبولها، فالخير كله منه وبه وله وفي يديه، ~~يعطيه من يشاء إحسانا وفضلا، ويحرمه من يشاء حكمة وعدلا. ### | [فصل معنى كلمة خلفوا في الآية] # فصل # وقوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] [التوبة: 118] ، ~~قد فسرها كعب بالصواب، وهو أنهم خلفوا من بين من حلف لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، واعتذر من المتخلفين، فخلف هؤلاء الثلاثة عنهم، وأرجأ أمرهم ~~دونهم، وليس ذلك تخلفهم عن الغزو؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: تخلفوا، كما قال ~~تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله} [التوبة: 120] [التوبة: 120] ، وذلك لأنهم تخلفوا بأنفسهم، بخلاف ~~تخليفهم عن أمر المتخلفين سواهم، فإن الله سبحانه هو الذي خلفهم عنهم، ولم ~~يتخلفوا عنه بأنفسهم. والله أعلم. ### | [فصل في حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة تسع بعد مقدمه من تبوك] # فصل # في حجة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - سنة تسع بعد مقدمه من تبوك # PageV03P518 # قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منصرفه من تبوك ~~بقية رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع ~~ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو ~~بكر والمؤمنون. # قال ابن سعد: فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، وبعث معه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده، عليها ناجية بن جندب ~~الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات. # قال ابن إسحاق: فنزلت براءة في نقض ما بين رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء. # قال ابن سعد: فلما كان بالعرج - وابن عائذ يقول: بضجنان - لحقه علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - على العضباء، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو ~~مأمور؟ قال: لا بل مأمور، ثم مضيا. # وقال ابن سعد: فقال له أبو ms0952 بكر: «أستعملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس، وأنبذ إلى كل ذي ~~عهد عهده، فأقام أبو بكر للناس حجهم حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي ~~طالب فأذن في الناس عند الجمرة بالذي أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وقال: أيها الناس! لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج ~~بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فهو إلى مدته. # » وقال الحميدي: حدثنا سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق الهمداني، عن زيد بن ~~يثيع، قال: «سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: (بعثت بأربع: لا يدخل ~~الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم وكافر في ~~المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عهد فعهده إلى # PageV03P519 # مدته، ومن لم يكن له عهد، فأجله إلى أربع أشهر) » . # وفي " الصحيحين ": عن أبي هريرة قال: ( «بعثني أبو بكر في تلك الحجة في ~~مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان، ثم أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهما، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال: فأذن معنا علي في أهل منى ~~يوم النحر ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» ) . # وفي هذه القصة دليل على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر، واختلف في حجة ~~الصديق هذه، هل هي التي أسقطت الفرض، أو المسقطة هي حجة الوداع مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ على قولين: أصحهما: الثاني، والقولان مبنيان على ~~أصلين، أحدهما: هل كان الحج فرض قبل عام حجة الوداع أو لا؟ والثاني: هل ~~كانت حجة الصديق - رضي الله عنه - في ذي الحجة، أو وقعت في ذي القعدة من ~~أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على ms0953 قولين، ~~والثاني: قول مجاهد وغيره. # وعلى هذا فلم يؤخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج بعد فرضه عاما ~~واحدا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه، وهذا هو اللائق بهديه ~~وحاله صلى الله عليه وسلم، وليس بيد من ادعى تقدم فرض الحج سنة ست أو سبع ~~أو ثمان أو تسع دليل واحد. وغاية ما احتج به من قال: فرض سنة ست، قوله ~~تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] [البقرة: 196] ، وهي قد ~~نزلت بالحديبية سنة ست، وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنما فيه الأمر ~~بإتمامه إذا شرع فيه، فأين هذا من وجوب ابتدائه، وآية فرض الحج، وهي قوله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من} [آل عمران: 97] # PageV03P520 # {استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] [آل عمران: 97] نزلت عام الوفود ~~أواخر سنة تسع. ### | [فصل في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي صلى الله عليه وسلم] # [وفد ثقيف] # [قدوم ### | وفد ثقيف # فصل # في قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي صلى الله عليه وسلم # فقدم عليه وفد ثقيف، وقد تقدم مع سياق غزوة الطائف. قال موسى بن عقبة: ( ~~«وأقام أبو بكر للناس حجهم، وقدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرجع إلى ~~قومه، فذكر نحو ما تقدم، وقال: فقدم وفدهم وفيهم كنانة بن عبد ياليل، وهو ~~رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد، فقال المغيرة بن ~~شعبة: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنزل قومي علي فأكرمهم، فإني ~~حديث الجرح فيهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أمنعك أن تكرم ~~قومك، ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن "، وكان من جرح المغيرة في قومه أنه ~~كان أجيرا لثقيف، وأنهم أقبلوا من مضر حتى إذا كانوا ببعض الطريق عدا عليهم ~~وهم نيام فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " أما الإسلام فنقبل، وأما ~~المال فلا، فإنا ms0954 لا نغدر "، وأبى أن يخمس ما معه، وأنزل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن، ~~ويروا الناس إذا صلوا. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب لا يذكر نفسه، فلما سمعه ~~وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته، فلما ~~بلغه قولهم قال: فإني أول من شهد أني رسول الله. # وكانوا يغدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل يوم، ويخلفون ~~عثمان بن أبي العاص على رحالهم لأنه أصغرهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد ~~إليه وقالوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فسأله عن ~~الدين واستقرأه القرآن، فاختلف إليه عثمان مرارا حتى فقه في الدين وعلم، ~~وكان إذا وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما عمد إلى أبي بكر، ~~وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأحبه، فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا، فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى ~~نرجع إلى قومنا؟ قال: # PageV03P521 # " نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني ~~وبينكم ". قال أفرأيت الزنى، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ قال: " هو ~~عليكم حرام، فإن الله عز وجل يقول: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا} [الإسراء: 32] [الإسراء: 32] ، قالوا: أفرأيت الربا فإنه أموالنا ~~كلها؟ قال: " لكم رءوس أموالكم إن الله تعالى يقول: {ياأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] [البقرة: ~~278] . قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منها؟ قال: " إن ~~الله قد حرمها، وقرأ: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] ~~[المائدة: 90] ، فارتفع القوم فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ويحكم إنا نخاف إن ~~خالفناه يوما كيوم مكة، انطلقوا نكاتبه على ما سألناه، فأتوا رسول الله - ~~صلى ms0955 الله عليه وسلم - فقالوا: نعم، لك ما سألت، أرأيت الربة ماذا نصنع ~~فيها؟ قال " اهدموها ". قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها، لقتلت ~~أهلها، فقال عمر بن الخطاب: ويحك يا ابن عبد ياليل، ما أجهلك، إنما الربة ~~حجر. فقالوا: إنا لم نأتك يا ابن الخطاب، وقالوا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - تول أنت هدمها، فأما نحن، فإنا لا نهدمها أبدا. # قال " فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها "، فكاتبوه، فقال كنانة بن عبد ~~ياليل: ائذن لنا قبل رسولك، ثم ابعث في آثارنا، فإنا أعلم بقومنا، فأذن لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكرمهم وحباهم، وقالوا: يا رسول الله! ~~أمر علينا رجلا يؤمنا من قومنا، فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من ~~حرصه على الإسلام، وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج، فقال كنانة بن ~~عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف، فاكتموهم القضية، وخوفوهم بالحرب ~~والقتال، وأخبروهم أن محمدا سألنا أمورا أبيناها عليه، سألنا أن نهدم اللات ~~والعزى، وأن نحرم الخمر والزنى، وأن نبطل أموالنا في الربا. # فخرجت ثقيف حين دنا منهم الوفد يتلقونهم، فلما رأوهم قد ساروا العنق، ~~وقطروا الإبل، وتغشوا ثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا، ولم يرجعوا ~~بخير، فقال بعضهم لبعض: ما جاء وفدكم بخير، ولا رجعوا به، وترجل # PageV03P522 # الوفد وقصدوا اللات، ونزلوا عندها - واللات وثن كان بين ظهراني الطائف، ~~يستر ويهدى له الهدي كما يهدى لبيت الله الحرام - فقال ناس من ثقيف حين نزل ~~الوفد إليها: إنهم لا عهد لهم برؤيتها، ثم رجع كل رجل منهم إلى أهله، وجاء ~~كلا منهم خاصته من ثقيف فسألوهم ماذا جئتم به وماذا رجعتم به؟ قالوا: أتينا ~~رجلا فظا غليظا يأخذ من أمره ما يشاء قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب، ودان ~~له الناس، فعرض علينا أمورا شدادا: هدم اللات والعزى، وترك الأموال في ~~الربا إلا رءوس أموالكم، وحرم الخمر والزنى، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا ~~أبدا. # فقال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيئوا للقتال، وتعبئوا له ms0956 ورموا حصنكم. ~~فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله عز وجل في ~~قلوبهم الرعب، وقالوا: والله ما لنا به طاقة، وقد داخ له العرب كلها، ~~فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه عليه. # فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الأمان على الخوف والحرب، قال ~~الوفد: فإنا قد قاضيناه وأعطيناه ما أحببنا، وشرطنا ما أردنا، ووجدناه أتقى ~~الناس وأوفاهم، وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، وفيما ~~قاضيناه عليه، فاقبلوا عافية الله، فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث، ~~وغممتمونا أشد الغم؟ قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان، ~~فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما. # ثم قدم عليهم رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر عليهم خالد بن ~~الوليد، وفيهم المغيرة بن شعبة، فلما قدموا عمدوا إلى اللات ليهدموها، ~~واستكفت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال لا ~~ترى عامة ثقيف أنها مهدومة يظنون أنها ممتنعة، فقام المغيرة بن شعبة فأخذ ~~الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين ثم سقط يركض، ~~فارتج أهل الطائف بضجة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة، ~~وفرحوا حين رأوه ساقطا، وقالوا: من شاء منكم فليقرب وليجتهد على هدمها، ~~فوالله لا تستطاع، # PageV03P523 # فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف، إنما هي لكاع حجارة ~~ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها وعلا ~~الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، وجعل صاحب ~~المفتاح يقول: ليغضبن الأساس فليخسفن بهم، فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: ~~دعني أحفر أساسها، فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليها ولباسها، فبهتت ~~ثقيف، فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع، وتركوا المصاع. # وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحليها ~~وكسوتها، فقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه، وحمد الله على ~~نصرة نبيه وإعزاز دينه» ) ، وقد تقدم أنه أعطاه لأبي سفيان بن حرب، هذا لفظ ~~موسى بن عقبة. ms0957 # وزعم ابن إسحاق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم من تبوك في رمضان، ~~وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. # وروينا في " سنن أبي داود " عن جابر قال: «اشترطت ثقيف على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ألا صدقة عليها ولا جهاد، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد ذلك: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا» ) . # وروينا في " سنن أبي داود الطيالسي "، «عن عثمان بن أبي العاص (أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم» .) # وفي " المغازي " لمعتمر بن سليمان قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن ~~الطائفي يحدث، عن عثمان بن عبد الله، عن عمه عمرو بن أوس، «عن (عثمان بن ~~أبي العاص قال: استعملني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصغر الستة ~~الذين وفدوا عليه من # PageV03P524 # ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله! إن القرآن ~~يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: " يا شيطان اخرج من صدر عثمان " فما ~~نسيت شيئا بعده أريد حفظه) » . # وفي " صحيح مسلم " « (عن عثمان بن أبي العاص، قلت: يا رسول الله! إن ~~الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: " ذاك شيطان يقال له: خنزب، ~~فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثا) ، ففعلت، فأذهبه الله ~~عني» . ### | فصل ما في قصة قدوم وفد ثقيف من الأحكام # فصل # وفي قصة هذا الوفد من الفقه، أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ ~~أموالهم، ثم قدم مسلما لم يتعرض له الإمام، ولا لما أخذه من المال، ولا ~~يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرض النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما أخذه المغيرة من أموال الثقفيين، ولا ضمن ما أتلفه عليهم، ~~وقال: ( «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» ) . # ومنها: جواز إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه، ~~وتمكينه من سماع القرآن، ومشاهدة أهل الإسلام وعبادتهم. # ومنها: حسن سياسة الوفد، وتلطفهم حتى تمكنوا من إبلاغ ms0958 ثقيف ما قدموا به ~~فتصوروا لهم بصورة المنكر لما يكرهونه، الموافق لهم فيما يهوونه، حتى ركنوا ~~إليهم واطمأنوا، فلما علموا أنه ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام ~~أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاءوهم، ولو فاجئوهم به من أول وهلة ~~لما أقروا به، ولا أذعنوا، وهذا من أحسن # PageV03P525 # الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتى مع ألباء الناس وعقلاتهم. # ومنها: أن المستحق لإمرة القوم وإمامتهم أفضلهم وأعلمهم بكتاب الله، ~~وأفقههم في دينه. # ومنها: هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ~~ورسوله، وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير، وهذا حال ~~المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله، ويشرك بأربابها مع ~~الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام، ويجب هدمها، ولا يصح وقفها ولا الوقف ~~عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام، ويستعين بها على مصالح ~~المسلمين، وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تساق إليها، يضاهى ~~بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام، للإمام أخذها كلها، وصرفها في ~~مصالح المسلمين، كما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أموال بيوت هذه ~~الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه ~~المشاهد، سواء من النذور لها والتبرك بها والتمسح بها، وتقبيلها واستلامها، ~~هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض، بل ~~كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه. # ومنها: استحباب اتخاذ المساجد مكان بيوت الطواغيت، فيعبد الله وحده لا ~~يشرك به شيئا في الأمكنة التي كان يشرك به فيها، وهكذا الواجب في مثل هذه ~~المشاهد أن تهدم، وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون، وإلا أقطعها الإمام ~~هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم. # ومنها: أن العبد إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتفل عن يساره، لم ~~يضره ذلك، ولا يقطع صلاته، بل هذا من تمامها وكمالها، والله أعلم. # PageV03P526 ### | [فصل في الوفود] # فصل # قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وفرغ من ~~تبوك، وأسلمت ثقيف ms0959 وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، فدخلوا في دين ~~الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه. ### | [قدوم وفد بني عامر] # فصل # وقد تقدم ذكر وفد بني تميم ووفد طيئ. # ذكر وفد بني عامر، ودعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على عامر بن ~~الطفيل، وكفاية الله شره وشر أربد بن قيس بعد أن عصم منهما نبيه. # روينا في كتاب " الدلائل " للبيهقي، عن يزيد بن عبد الله أبي العلاء قال: ~~«وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أنت ~~سيدنا، وذو الطول علينا، فقال: (مه مه، قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم ~~الشيطان، السيد الله) » # PageV03P527 # روينا عن ابن إسحاق، قال لما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر، ~~وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء النفر رؤساء القوم وشياطينهم: ( ~~«فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~يريد الغدر به، فقال له قومه: يا عامر! إن الناس قد أسلموا، فقال: والله ~~لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من ~~قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل، فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ~~ذلك، فاعله بالسيف. # فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عامر: يا محمد! ~~خالني. قال: " لا والله حتى تؤمن بالله وحده ". قال: يا محمد! خالني. قال: ~~" حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له "، فلما أبى عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال له: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفني عامر بن الطفيل "، فلما خرجوا ~~من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عامر لأربد: ويحك يا أربد، ~~أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على وجه الأرض أخوف عندي على نفسي منك، ~~وايم الله لا ms0960 أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبا لك، لا تعجل علي، فوالله ~~ما هممت بالذي أمرتني به، إلا دخلت بيني وبين الرجل، أفأضربك بالسيف؟» ) . # ثم خرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على ~~عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، ثم # PageV03P528 # خرج أصحابه حين رأوه حتى قدموا أرض بني عامر، أتاهم قومهم فقالوا: ما ~~وراءك يا أربد؟ فقال: لقد دعاني إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي فأرميه بنبلي ~~هذه حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو بيومين معه جمل يتبعه، فأرسل الله ~~عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، وكان أربد أخا لبيد بن ربيعة لأمه، فبكى ~~ورثاه. # وفي " صحيح البخاري " أن ( «عامر بن الطفيل أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: أخيرك بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو ~~أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، فطعن في بيت ~~امرأة، فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان ائتوني بفرسي، فركب ~~فمات على ظهر فرسه» ) ### | [فصل في قدوم وفد عبد القيس] ### | [قدوم وفد عبد القيس] # فصل # في قدوم وفد عبد القيس # في " الصحيحين " من حديث ابن عباس: ( «أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: " ممن القوم؟ "، فقالوا: من ربيعة. فقال: " ~~مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى ". فقالوا: يا رسول الله! إن بيننا وبينك ~~هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل ~~نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة، فقال: " آمركم بأربع، وأنهاكم ~~عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم ~~رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم. وأنهاكم عن أربع: عن الدباء، والحنتم، ~~والنقير، والمزفت، فاحفظوهن وادعوا # PageV03P529 # إليهن من وراءكم» ) . زاد مسلم: ( «قالوا: يا رسول الله، ما علمك ~~بالنقير؟ ms0961 قال: بلى جذع تنقرونه، ثم تلقون فيه من التمر، ثم تصبون عليه ~~الماء حتى يغلي، فإذا سكن شربتموه، فعسى أحدكم أن يضرب ابن عمه بالسيف، وفي ~~القوم رجل به ضربة كذلك. قال: وكنت أخبؤها حياء من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: " اشربوا في أسقية الأدم ~~التي يلاث على أفواهها ". قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا كثيرة الجرذان لا ~~تبقى فيها أسقية الأدم، قال: " وإن أكلها الجرذان " مرتين أو ثلاثا، ثم قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: " إن فيك خصلتين يحبهما ~~الله: الحلم والأناة» ) . # قال ابن إسحاق: ( «قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجارود بن ~~بشر بن المعلى وكان نصرانيا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وفد ~~عبد القيس، فقال: يا رسول الله، إني على دين، وإني تارك ديني لدينك، فتضمن ~~لي بما فيه؟ قال: " نعم أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت ~~عليه "، فأسلم وأسلم أصحابه، ثم قال: يا رسول الله! احملنا. فقال: " والله ~~ما عندي ما أحملكم عليه "، فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين بلادنا ضوال ~~من ضوال الناس، أفنتبلغ عليها؟ قال: " لا، تلك حرق النار» ) . # PageV03P530 ### | [فصل الإيمان بالله يتضمن خصالا أخرى من قول وفعل] # فصل # ففي هذه القصة: أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل، ~~كما على ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون، وتابعوهم ~~كلهم، ذكره الشافعي في " المبسوط "، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب ~~والسنة. # وفيها: أنه لم يعد الحج في هذه الخصال، وكان قدومهم في سنة تسع، وهذا أحد ~~ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان ~~فرض لعده من الإيمان، كما عد الصوم والصلاة والزكاة. # وفيها: أنه لا يكره أن يقال: رمضان للشهر خلافا لمن كره ذلك، وقال: لا ~~يقال: إلا شهر رمضان. # وفي " الصحيحين ": ( «من صام ms0962 رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ~~ذنبه» ) . # وفيها: وجوب أداء الخمس من الغنيمة، وأنه من الإيمان. # وفيها: النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية، وهل تحريمه باق أو منسوخ؟ على ~~قولين، وهما روايتان عن أحمد. والأكثرون على نسخه بحديث بريدة الذي رواه ~~مسلم وقال فيه: ( «وكنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيما بدا لكم، ولا ~~تشربوا مسكرا» ) . ومن قال: بإحكام أحاديث النهي، وأنها غير منسوخة، قال: ~~هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعددها وكثرة طرقها، وحديث الإباحة فرد، ~~فلا يبلغ مقاومتها، وسر المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سد ~~الذرائع، # PageV03P531 # إذ الشراب يسرع إليه الإسكار فيها. # وقيل: بل النهي عنها لصلابتها، وأن الشراب يسكر فيها، ولا يعلم به بخلاف ~~الظروف غير المزفتة، فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت، فيعلم بأنه ~~مسكر، فعلى هذه العلة يكون الانتباذ في الحجارة والصفر أولى بالتحريم، وعلى ~~الأول لا يحرم، إذ لا يسرع الإسكار إليه فيها كإسراعه في الأربعة المذكورة، ~~وعلى كلا العلتين، فهو من باب سد الذريعة، كالنهي أولا عن زيارة القبور سدا ~~لذريعة الشرك، فلما استقر التوحيد في نفوسهم، وقوي عندهم أذن في زيارتها، ~~غير أن لا يقولوا هجرا. # وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته، ~~وسد الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهد بشربه، فلما استقر تحريمه عندهم، ~~واطمأنت إليه نفوسهم، أباح لهم الأوعية كلها غير أن لا يشربوا مسكرا، فهذا ~~فقه المسألة وسرها. # وفيها: مدح صفتي الحلم والأناة، وأن الله يحبهما، وضدهما الطيش والعجلة، ~~وهما خلقان مذمومان مفسدان للأخلاق والأعمال. # وفيه دليل على أن الله يحب من عبده ما جبله عليه من خصال الخير، كالذكاء ~~والشجاعة والحلم. # وفيه دليل على أن الخلق قد يحصل بالتخلق والتكلف؛ لقوله في هذا الحديث: ( ~~«خلقين تخلقت بهما، أو جبلني الله عليهما؟ "، فقال: " بل جبلت عليهما» ) . # وفيه دليل على أنه سبحانه خالق أفعال العباد وأخلاقهم، كما هو خالق ~~ذواتهم وصفاتهم، فالعبد كله مخلوق ذاته وصفاته وأفعاله، ومن أخرج ms0963 أفعاله عن ~~خلق الله، فقد جعل فيه خالقا مع الله، ولهذا شبه السلف القدرية النفاة ~~بالمجوس، وقالوا: هم مجوس هذه الأمة، صح ذلك عن ابن عباس. # PageV03P532 # وفيه إثبات الجبل لا الجبر لله تعالى، وأنه يجبل عبده على ما يريد، كما ~~جبل الأشج على الحلم والأناة، وهما فعلان ناشئان عن خلقين في النفس، فهو ~~سبحانه الذي جبل العبد على أخلاقه وأفعاله، ولهذا قال الأوزاعي وغيره من ~~أئمة السلف: نقول ( «إن الله جبل العباد على أعمالهم، ولا نقول جبرهم ~~عليها» ) # وهذا من كمال علم الأئمة، ودقيق نظرهم، فإن الجبر أن يحمل العبد على خلاف ~~مراده، كجبر البكر الصغيرة على النكاح، وجبر الحاكم من عليه الحق على ~~أدائه، والله سبحانه أقدر من أن يجبر عبده بهذا المعنى، ولكنه يجبله على أن ~~يفعل ما يشاء الرب بإرادة عبده واختياره ومشيئته، فهذا لون، والجبر لون. # وفيها: أن الرجل لا يجوز له أن ينتفع بالضالة التي لا يجوز التقاطها ~~كالإبل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجوز للجارود ركوب الإبل ~~الضالة، وقال: ( «ضالة المسلم حرق النار» ) ، وذلك لأنه إنما أمر بتركها، ~~وأن لا يلتقطها حفظا على ربها حتى يجدها إذا طلبها، فلو جوز له ركوبها ~~والانتفاع بها، لأفضى إلى أن لا يقدر عليها ربها، وأيضا تطمع فيها النفوس ~~وتتملكها، فمنع الشارع من ذلك. ### | [فصل في قدوم وفد بني حنيفة] ### | [قدوم وفد بني حنيفة] # فصل في قدوم وفد بني حنيفة # قال ابن إسحاق: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد بني حنيفة ~~فيهم مسيلمة الكذاب، وكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، ~~فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستر بالثياب، ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - جالس مع أصحابه في يده عسيب من سعف النخل، ~~فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يسترونه بالثياب كلمه ~~وسأله، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «لو سألتني هذا العسيب ~~الذي في يدي ما أعطيتك» ) . # قال ابن ms0964 إسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: إن حديثه كان ~~على غير هذا، زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ~~وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول ~~الله! إنا قد خلفنا صاحبا # PageV03P533 # لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بما أمر به للقوم، وقال: ( «أما إنه ليس بشركم مكانا» ) ، يعني حفظه ~~ضيعة أصحابه، وذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ثم انصرفوا وجاءوه بالذي أعطاه، فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ، ~~وقال: إني أشركت في الأمر معه، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: أما إنه ليس ~~بشركم مكانا، وما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه، ثم جعل ~~يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على ~~الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، ومن بين صفاق وحشا. ووضع عنهم الصلاة، وأحل ~~لهم الخمر والزنى، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~نبي، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك. # قال ابن إسحاق: وقد كان كتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من ~~مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني أشركت في الأمر معك، ~~وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر، وليس قريش قوما يعدلون فقدم عليه ~~رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ( «بسم الله ~~الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع ~~الهدى. أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» ~~) ، وكان ذلك في آخر سنة عشر. # قال ابن إسحاق: فحدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود، عن أبيه ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب ~~بكتابه يقول لهما: ( «وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟ " قالا: نعم. فقال: " ~~أما والله لولا أن الرسل ms0965 لا تقتل لضربت أعناقكما» ) . # PageV03P534 # وروينا في " مسند أبي داود الطيالسي " عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: ~~جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «تشهدان أني رسول ~~الله؟ " فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: " آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما» ) ، قال عبد ~~الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل. # وفي " صحيح البخاري " عن أبي رجاء العطاردي، قال: «لما بعث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، وكنا ~~نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه، ألقينا ذلك وأخذناه، ~~فإذا لم نجد حجرا، جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناها عليه، ثم ~~طفنا به، وكنا إذا دخل رجب، قلنا: جاء منصل الأسنة، فلا ندع رمحا فيه ~~حديدة، ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناها وألقيناها» . # قلت: وفي " الصحيحين " من حديث نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم ~~مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فجعل ~~يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، ~~فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، ~~فقال: ( «إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن ~~أدبرت ليعقرنك الله، وإني أراك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت بن قيس ~~يجيبك عني» ) ، ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم: ( «إنك الذي أريت فيه ما أريت» ) ، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: ( «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، ~~فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما # PageV03P535 # كذابين يخرجان من بعدي، فهذان هما، أحدهما العنسي صاحب ms0966 صنعاء، والآخر ~~مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة» ) . وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم. # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: ( «بينا أنا نائم إذا أتيت بخزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب ~~فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما ~~الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة» ) . ### | [فصل في فقه هذه القصة] # فيها: جواز مكاتبة الإمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة، ويكتب لهم ~~ولإخوانهم من الكفار: سلام على من اتبع الهدى. # ومنها: أن الرسول لا يقتل ولو كان مرتدا، هذه السنة. # ومنها: أن للإمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار. # ومنها: أن الإمام ينبغي له أن يستعين برجل من أهل العلم يجيب عنه أهل ~~الاعتراض والعناد. # ومنها: توكيل العالم لبعض أصحابه أن يتكلم عنه ويجيب عنه. # تأويل رؤيا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الصديق يحبط أمر مسيلمة # ومنها: أن هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نفخ السوارين بروحه فطارا، وكان الصديق هو ذلك الروح الذي نفخ ~~مسيلمة وأطاره. # قال الشاعر: # فقلت له ارفعها إليك فأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا # PageV03P536 # ومن هاهنا دل لباس الحلي للرجل على نكد يلحقه وهم يناله، وأنبأني أبو ~~العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سرور المقدسي المعروف ~~بالشهاب العابر. قال: قال لي رجل: رأيت في رجلي خلخالا، فقلت له: تتخلخل ~~رجلك بألم، وكان كذلك. # وقال لي آخر: رأيت كأن في أنفي حلقة ذهب، وفيها حب مليح أحمر، فقلت له: ~~يقع بك رعاف شديد، فجرى كذلك. # وقال آخر: رأيت كلابا معلقا في شفتي، قلت: يقع بك ألم يحتاج إلى الفصد في ~~شفتك، فجرى كذلك. # وقال لي آخر: رأيت في يدي سوارا والناس يبصرونه، فقلت له: سوء يبصره ~~الناس في يدك، فعن قليل طلع في يده طلوع. ورأى ذلك آخر لم يكن يبصره الناس، ~~فقلت له: تتزوج امرأة حسنة، ms0967 وتكون رقيقة. قلت: عبر له السوار بالمرأة لما ~~أخفاه، وستره عن الناس، ووصفها بالحسن لحسن منظر الذهب وبهجته، وبالرقة ~~لشكل السوار. # والحلية للرجل تنصرف على وجوه. فربما دلت على تزويج العزاب لكونها من ~~آلات التزويج، وربما دلت على الإماء والسراري، وعلى الغناء، وعلى البنات، ~~وعلى الخدم، وعلى الجهاز، وذلك بحسب حال الرائي وما يليق به. # قال أبو العباس العابر: وقال لي رجل: رأيت كأن في يدي سوارا منفوخا لا ~~يراه الناس، فقلت له: عندك امرأة بها مرض الاستسقاء، فتأمل كيف عبر له # PageV03P537 # السوار بالمرأة ثم حكم عليها بالمرض لصفرة السوار، وأنه مرض الاستسقاء ~~الذي ينتفخ معه البطن. # قال: وقال لي آخر: رأيت في يدي خلخالا وقد أمسكه آخر، وأنا ممسك له، ~~وأصيح عليه وأقول: اترك خلخالي، فتركه، فقلت له: فكان الخلخال في يدك أملس؟ ~~فقال: بل كان خشنا تألمت منه مرة بعد مرة، وفيه شراريف، فقلته له: أمك ~~وخالك شريفان، ولست بشريف، واسمك عبد القاهر، وخالك لسانه نجس رديء يتكلم ~~في عرضك، ويأخذ مما في يدك، قال: نعم، قلت: ثم إنه يقع في يد ظالم متعد، ~~ويحتمي بك، فتشد منه، وتقول خل خالي، فجرى ذلك عن قليل. # قلت: تأمل أخذه الخال من لفظ " الخلخال "، ثم عاد إلى اللفظ بتمامه حتى ~~أخذ منه، خل خالي، وأخذ شرفه من شراريف الخلخال، ودل على شرف أمه، إذ هي ~~شقيقة خاله، وحكم عليه بأنه ليس بشريف، إذ شرفات الخال الدالة على الشرف ~~اشتقاقا هي في أمر خارج عن ذاته. واستدل على أن لسان خاله لسان رديء يتكلم ~~في عرضه بالألم الذي حصل له بخشونة الخلخال مرة بعد مرة، فهي خشونة لسان ~~خاله في حقه. # واستدل على أخذ خاله ما في يديه بتأذيه به، وبأخذه من يديه في النوم ~~بخشونته. واستدل بإمساك الأجنبي للخلخال، ومجاذبة الرائي على وقوع الخال في ~~يد ظالم متعد يطلب منه ما ليس له. واستدل بصياحه على المجاذب له، وقوله: خل ~~خالي على أنه يعين خاله على ظالمه وبشد منه. # واستدل ms0968 على قهره لذلك المجاذب له، وأنه القاهر يده عليه على أنه اسمه عبد ~~القاهر، وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة ~~أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر السن واخترام المنية له رحمه ~~الله تعالى. ### | [فصل في قدوم وفد طيئ على النبي صلى الله عليه وسلم] # قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد طيئ، ~~وفيهم زيد الخيل، # PageV03P538 # وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه، كلمهم وعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وحسن ~~إسلامهم، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «ما ذكر لي رجل من العرب ~~بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل: فإنه لم يبلغ كل ~~ما فيه» ) ، ثم سماه: زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه، وكتب له بذلك، ~~فخرج من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا إلى قومه، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: ( «إن ينج زيد من حمى المدينة» ) ، فإنه قال: ~~وقد سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باسم غير الحمى وغير أم ملدم، ~~فلم يثبته. فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له فردة، أصابته الحمى بها ~~فمات، فلما أحس بالموت أنشد: # أمرتحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيت بفردة منجد # ألا رب يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهد # قال ابن عبد البر: وقيل: مات في آخر خلافة عمر - رضي الله عنه - وله ~~ابنان: مكنف، وحريث، أسلما، وصحبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدا ~~قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد. ### | [فصل في قدوم وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، قال: «قدم الأشعث بن قيس على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في ثمانين أو ستين راكبا من كندة، فدخلوا عليه - صلى ~~الله عليه وسلم - مسجده قد # PageV03P539 # رجلوا جممهم وتسلحوا، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ms0969 (أولم تسلموا؟ " قالوا: بلى. قال: " فما ~~بال هذا الحرير في أعناقكم؟) ، فشقوه ونزعوه وألقوه، ثم قال الأشعث: يا ~~رسول الله! نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، فضحك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم قال: (ناسبوا بهذا النسب ربيعة بن الحارث: والعباس بن ~~عبد المطلب» ) . # قال الزهري وابن إسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض العرب، فسئلا ~~من أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعززون بذلك في العرب، ويدفعون به عن ~~أنفسهم؛ لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكا. قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: ( «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا» ) ~~. # وفي " المسند " من حديث حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة، عن مسلم بن هيضم، ~~عن الأشعث بن قيس قال: «قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد ~~كندة، ولا يرون إلا أني أفضلهم، قلت: يا رسول الله! ألستم منا؟ قال: (لا، ~~نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا» ) ، وكان الأشعث ~~يقول: (لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد) . # وفي هذا من الفقه أن من كان من ولد النضر بن كنانة، فهو من قريش. # وفيه: جواز إتلاف المال المحرم استعماله، كثياب الحرير على الرجال، وأن ~~ذلك ليس بإضاعة. # والمرار: هو شجر من شجر البوادي، وآكل المرار: هو الحارث بن عمرو بن حجر ~~بن عمرو بن معاوية بن كندة، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - جدة من كندة ~~مذكورة، وهي أم كلاب بن مرة، وإياها أراد الأشعث. # PageV03P540 # وفيه: أن من انتسب إلى غير أبيه، فقد انتفى من أبيه، وقفى أمه، أي: رماها ~~بالفجور. # وفيها: أن كندة ليسوا من ولد النضر بن كنانة. # وفيه: أن من أخرج رجلا عن نسبه المعروف، جلد حد القذف. ### | [فصل في قدوم وفد الأشعريين وأهل اليمن] # روى يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ( «يقدم قوم ms0970 هم أرق منكم قلوبا» ) ، فقدم الأشعريون، فجعلوا يرتجزون # غدا نلقى الأحبة ... محمدا وحزبه # وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: ( «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، والإيمان يمان، ~~والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين من ~~أهل الوبر قبل مطلع الشمس» ) . # وروينا عن يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، ~~عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفر، فقال: ( «أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خيار من في الأرض ~~"، فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله، فسكت ثم قال: إلا نحن يا ~~رسول الله، فسكت ثم قال: " إلا أنتم» ) كلمة ضعيفة. # PageV03P541 # وفي " صحيح البخاري ": «أن نفرا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: (أبشروا يا بني تميم "، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، ~~فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: " ~~اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم "، قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا ~~رسول الله، جئنا لنتفقه في الدين، ونسألك عن أول هذا الأمر، فقال: " كان ~~الله، ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء» ) . ### | [فصل في قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # قال ابن إسحاق: «وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرد بن عبد ~~الله الأزدي، فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد، فأمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان ~~يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج صرد يسير بأمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى نزل بجرش، وهي يومئذ مدينة مغلقة، وبها قبائل من ~~قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين ~~إليهم، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا ms0971 فيها، فرجع # PageV03P542 # عنهم قافلا، حتى إذا كان في جبل لهم يقال له: شكر، ظن أهل جرش أنه إنما ~~ولى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه، عطف عليهم فقاتلهم، ~~فقتلهم قتلا شديدا، وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رجلين منهم يرتادان وينظران، فبينا هما عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عشية بعد العصر، إذ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بأي ~~بلاد الله شكر؟ "، فقام الجرشيان، فقالا: يا رسول الله! ببلادنا جبل يقال ~~له. كشر، وكذلك تسميه أهل جرش، فقال: " إنه ليس " بكشر، ولكنه شكر "، قالا: ~~فما شأنه يا رسول الله؟ قال: فقال: " إن بدن الله لتنحر عنده الآن "، قال: ~~فجلس الرجلان إلى أبي بكر، وإلى عثمان، فقالا لهما: ويحكما، إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لينعى لكما قومكما، فقوما إليه، فاسألاه أن يدعو الله ~~أن يرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: " اللهم ارفع عنهم "، ~~فخرجا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعين إلى قومهما، فوجدا ~~قومهما أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ~~قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر، فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلموا، وحمى لهم حمى حول قريتهم» . ### | [فصل في قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد ~~في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، ~~وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل ~~منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان ~~يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا ~~لتسلموا، فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم ~~الإسلام، وكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ms0972 فكتب له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل ويقبل معه وفدهم، فأقبل # PageV03P543 # وأقبل معه وفدهم، فيهم: قيس بن الحصين ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ~~ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد، وشداد بن عبد الله، وقال لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: ( «بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية "؟ ~~قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: " بلى ". قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا ~~نبدأ أحدا بظلم. قال " صدقتم» ) ، وأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى ~~قومهم في بقية من شوال، أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | [فصل في قدوم وفد همدان عليه صلى الله عليه وسلم] # وقدم عليه وفد همدان، منهم: مالك بن النمط، ومالك بن أيفع؛ وضمام بن ~~مالك، وعمرو بن مالك، فلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرجعه من ~~تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية على الرواحل المهرية ~~والأرحبية، ومالك بن النمط يرتجز بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ويقول: # إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف # مخطمات بحبال الليف # وذكروا له كلاما حسنا فصيحا، فكتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من ~~أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف، وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغاروا عليه. # وقد روى البيهقي بإسناد صحيح من حديث أبي إسحاق، عن البراء، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى ~~الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ~~يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا ممن كان ~~مع خالد أحب أن يعقب مع علي رضي الله عنه، فليعقب معه، قال البراء: فكنت ~~فيمن عقب مع علي، فلما دنونا من القوم ms0973 خرجوا إلينا، فصلى بنا علي رضي الله ~~عنه، ثم صفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ # PageV03P544 # عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعا، فكتب ~~علي - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامهم، فلما ~~قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه، فقال: ~~(السلام على همدان، السلام على همدان) » . وأصل الحديث في " صحيح البخاري ~~". # وهذا أصح مما تقدم، ولم تكن همدان أن تقاتل ثقيفا، ولا تغير على سرحهم، ~~فإن همدان باليمن، وثقيفا بالطائف. ### | [فصل في قدوم وفد مزينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # روينا من طريق البيهقي، عن النعمان بن مقرن، قال: ( «قدمنا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف، قال: ~~" يا عمر! زود القوم "، فقال: ما عندي إلا شيء من تمر، ما أظنه يقع من ~~القوم موقعا، قال: " انطلق فزودهم "، قال: فانطلق بهم عمر، فأدخلهم منزله ~~ثم أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا، إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ ~~القوم منه حاجتهم، قال النعمان: فكنت في آخر من خرج، فنظرت فما أفقد موضع ~~تمرة من مكانها» ) . # PageV03P545 ### | [فصل في ### | قدوم وفد دوس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بخيبر] # [قدوم وفد دوس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بخيبر] # قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة، ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا ~~شريفا شاعرا لبيبا، قالوا له: إنك قدمت بلادنا، وإن هذا الرجل - وهو الذي ~~بين أظهرنا - فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء ~~وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما ~~قد حل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه، قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ~~أن لا أسمع منه شيئا، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني ms0974 حين غدوت إلى المسجد ~~كرسفا، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله. # قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي ~~عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت ~~كلاما حسنا فقلت في نفسي: واثكل أمياه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى ~~علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان ما ~~يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت. # قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته، فتبعته ~~حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد! إن قومك قد قالوا لي: كذا ~~وكذا، فوالله ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ~~ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا، فاعرض علي أمرك، فعرض علي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام، وتلا علي القرآن، فلا والله ما ~~سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: ~~يا نبي الله؛ إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم، فداعيهم إلى ~~الإسلام، فادع الله لي أن يجعل لي آية تكون عونا لي عليهم، فيما أدعوهم ~~إليه، فقال: (اللهم اجعل له آية) ، قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا # PageV03P546 # كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، قلت: اللهم ~~في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: ~~فتحول فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أنهبط إليهم من الثنية حتى ~~جئتهم، وأصبحت فيهم، فلما نزلت، أتاني أبي، وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك ~~عني يا أبت، فلست مني، ولست منك، قال: لم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين ~~محمد. قال: يا بني فديني دينك. قال فقلت: اذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال ~~حتى أعلمك ما علمت. # قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام، فأسلم ثم أتتني ~~صاحبتي، فقلت لها: إليك ms0975 عني فلست منك ولست مني. قالت: لم بأبي أنت وأمي؟ ~~قلت فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد. قالت: فديني دينك. ~~قال: قلت: فاذهبي فاغتسلي، ففعلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم ~~دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبطئوا علي، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقلت: ( «يا رسول الله! إنه قد غلبني على دوس الزنى، فادع الله عليهم، ~~فقال: " اللهم اهد دوسا "، ثم قال: " ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله، وارفق ~~بهم» "، فرجعت إليهم، فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، ~~فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين) . # قال ابن إسحاق: فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب، ~~خرج الطفيل مع المسلمين حتى فرغوا من طليحة، ثم سار مع المسلمين إلى ~~اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا، ~~فاعبروها لي: رأيت أن رأسي قد حلق، وأنه قد خرج من فمي طائر، وأن امرأة ~~لقيتني، فأدخلتني في فرجها، ورأيت أن ابني يطلبني طلبا حثيثا، ثم رأيته حبس ~~عني. قالوا: خيرا رأيت. # قال: أما والله إني قد أولتها. قالوا: وما أولتها؟ قال: أما حلق رأسي، ~~فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في # PageV03P547 # فرجها، فالأرض تحفر، فأغيب فيها، وأما طلب ابني إياي وحبسه عني، فإني ~~أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني، فقتل الطفيل شهيدا باليمامة، ~~وجرح ابنه عمرو جرحا شديدا، ثم قتل عام اليرموك شهيدا في زمن عمر رضي الله ~~عنه. ### | [فصل في فقه هذه القصة] # فصل # في فقه هذه القصة # فيها: أن عادة المسلمين كانت غسل الإسلام قبل دخولهم فيه، وقد صح أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - به. وأصح الأقوال: وجوبه على من أجنب في حال ~~كفره ومن لم يجنب. # وفيها: أنه لا ms0976 ينبغي للعاقل أن يقلد الناس في المدح والذم، ولا سيما ~~تقليد من يمدح بهوى ويذم بهوى، فكم حال هذا التقليد بين القلوب وبين الهدى، ~~ولم ينج منه إلا من سبقت له من الله الحسنى. # ومنها: أن المدد إذا لحق بالجيش قبل انقضاء الحرب، أسهم لهم. # ومنها: وقوع كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين، أو لمنفعة ~~للإسلام والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية، سببها متابعة الرسول، ~~ونتيجتها إظهار الحق وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدها سببا ونتيجة. # ومنها: التأني والصبر في الدعوة إلى الله، وأن لا يعجل بالعقوبة والدعاء ~~على العصاة، وأما تعبيره حلق رأسه بوضعه، فهذا لأن حلق الرأس وضع شعره على ~~الأرض، وهو لا يدل بمجرده على وضع رأسه، فإنه دال على خلاص من هم أو مرض، ~~أو شدة لمن يليق به ذلك، وعلى فقر ونكد، وزوال رياسة وجاه لمن لا يليق به ~~ذلك، ولكن في منام الطفيل قرائن اقتضت أنه وضع رأسه، منها أنه # PageV03P548 # كان في الجهاد، ومقاتلة العدو ذي الشوكة والبأس. # ومنها: أنه دخل في بطن المرأة التي رآها، وهي الأرض التي هي بمنزلة أمه، ~~ورأى أنه قد دخل في الموضع الذي خرج منه، وهذا هو إعادته إلى الأرض، كما ~~قال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم} [طه: 55] [طه: 155] ، ~~فأول المرأة بالأرض إذ كلاهما محل الوطء، وأول دخوله في فرجها بعوده إليها ~~كما خلق منها، وأول الطائر الذي خرج من فيه بروحه، فإنها كالطائر المحبوس ~~في البدن، فإذا خرجت منه كانت كالطائر الذي فارق حبسه، فذهب حيث شاء، ولهذا ~~أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم ( «أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر ~~الجنة» ) ، وهذا هو الطائر الذي رئي داخلا في قبر ابن عباس لما دفن، وسمع ~~قارئ يقرأ: {ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: ~~27] [الفجر: 27] . وعلى حسب بياض هذا الطائر وسواده وحسنه وقبحه تكون ~~الروح، ولهذا كانت أرواح آل فرعون في صورة طيور سود ترد النار بكرة وعشية، ~~وأول طلب ابنه له باجتهاده ms0977 في أن يلحق به في الشهادة وحبسه عنه هو مدة ~~حياته بين وقعة اليمامة واليرموك. والله أعلم. ### | [فصل في قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم] ### | [قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم] # فصل في قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم # قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى ~~نجران بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: ( «لما قدم وفد نجران ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، ~~فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في # PageV03P549 # مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " دعوهم ~~" فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم» ) . # قال: وحدثني يزيد بن سفيان، عن ابن البيلماني، عن كرز بن علقمة، قال: قدم ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد نصارى نجران ستون راكبا، منهم: ~~أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، والأربعة والعشرون، منهم ثلاثة نفر إليهم ~~يئول أمرهم، العاقب أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون ~~إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح، والسيد: ثمالهم، وصاحب رحلهم ~~ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل أسقفهم ~~وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم. # وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل ~~النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه ~~الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. # فلما وجهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نجران، جلس أبو ~~حارثة على بغلة له موجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى جنبه ~~أخ له يقال له: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: ~~تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: بل أنت ~~تعست. فقال: ولم يا أخي؟ فقال: والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره. ~~فقال له كرز: فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنع بنا ms0978 هؤلاء ~~القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا ~~كل ما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. # قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني ~~سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس، قال: «اجتمعت نصارى # PageV03P550 # نجران، وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، ~~فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا ~~نصرانيا، فأنزل الله عز وجل فيهم: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - ها أنتم هؤلاء حاججتم ~~فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون - ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان ~~من المشركين - إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 64 - 68] [آل عمران: 65 - 86] (فقال ~~رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن ~~مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: أوذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة ~~غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} [آل عمران: 79 - 80] ) [آل عمران: 79] ، ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى ~~آبائهم من الميثاق بتصديقه، وإقرارهم به على أنفسهم، فقال: {وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين} [آل عمران: 81] إلى قوله: {من الشاهدين} [آل عمران: 81] » ~~[آل عمران: 81] . # وحدثني محمد بن سهل بن أبي أمامة، قال: «لما قدم وفد نجران على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم ms0979 - يسألونه عن عيسى ابن مريم، نزل فيهم فاتحة آل عمران ~~إلى رأس الثمانين منها.» # وروينا عن أبي عبد الله الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن ~~يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده - قال يونس - وكان ~~نصرانيا فأسلم -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل نجران: ~~( «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله ~~من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم ~~فالجزية، فإن # PageV03P551 # أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام» ) ! فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه، فظع ~~به وذعر به ذعرا شديدا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن ~~وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزل معضلة قبله، لا الأيهم ولا ~~السيد ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه ~~فقرأه، فقال الأسقف يا أبا مريم! ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد ~~الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذلك ~~الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان من أهل نجران يقال له: عبد الله بن ~~شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فاجلس فتنحى شرحبيل، فجلس ناحية، فبعث ~~الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح ~~من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل. # فقال له الأسقف: تنح فاجلس، فتنحى، فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من ~~أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتاب وسأله ~~عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى. فلما ~~اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ~~ورفعت المسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان ~~فزعهم بالليل ضرب الناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع - حين ضرب ~~بالناقوس ms0980 ورفعت المسوح - أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم ~~للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم ~~كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل ~~الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل، ~~وجبار بن فيض الحارثي، فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم # فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة، وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا ~~حللا لهم يجرونها من الحبرة، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا # PageV03P552 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه، فلم يرد عليهم السلام، ~~وتصدوا لكلامه نهارا طويلا، فلم يكلمهم، وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، ~~فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفة لهم، كانا ~~يخرجان العير في الجاهلية إلى نجران، فيشترى لهما من برها وثمرها وذرتها، ~~فوجدوهما في ناس من الأنصار والمهاجرين في مجلس، فقالوا: يا عثمان، ويا عبد ~~الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب، فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا ~~عليه، فلم يرد علينا سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا، فأعيانا أن ~~يكلمنا، فما الرأي منكما، أنعود؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ~~ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن رضي الله ~~عنهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يأتوا ~~إليه، ففعل الوفد ذلك، فوضعوا حللهم وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فسلموا عليه، فرد سلامهم، ثم سألهم وسألوه، فلم تزل ~~به وبهم المسألة حتى قالوا له: «ما تقول في عيسى عليه السلام؟ فإنا نرجع ~~إلى قومنا ونحن نصارى، فيسرنا إن كنت نبيا أن نعلم ما تقول فيه؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا ~~حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى - عليه السلام - فأصبح الغد، وقد أنزل الله ~~عز وجل: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال ms0981 له كن فيكون - ~~الحق من ربك فلا تكن من الممترين - فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 59 - 61] ) [آل عمران: 59 - 61] ~~، فأبوا أن يقروا بذلك» ، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد ~~بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين - رضي الله عنهما - في ~~خميل له، وفاطمة - رضي الله عنها - تمشي عند ظهره للمباهلة، وله يومئذ عدة ~~نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل، ويا جبار بن فيض، قد ~~علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله # PageV03P553 # لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرا مقبلا، وأرى والله ~~إن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا، فكنا أول العرب طعن في عينه، ورد عليه أمره ~~لا يذهب لنا من صدره، ولا من صدور قومه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا أدنى ~~العرب منهم جوارا، وإن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه، فلا يبقى على وجه ~~الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي فقد وضعتك ~~الأمور على ذراع، فهات رأيك؟ فقال: رأيي أن أحكمه، فإني أرى رجلا لا يحكم ~~شططا أبدا. فقالا له: أنت وذاك. # فلقي شرحبيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني قد رأيت خيرا من ~~ملاعنتك، فقال: وما هو؟ قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى ~~الصباح، فمهما حكمت فينا، فهو جائز. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لعل وراءك أحدا يثرب عليك، فقال ~~له شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي ~~شرحبيل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: " كافر "، أو قال " جاحد ~~موفق) . # فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد ~~أتوه، فكتب لهم في الكتاب: ( «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد ~~النبي رسول الله لنجران إذ كان عليهم حكمه في كل ms0982 ثمرة، وفي كل صفراء وبيضاء ~~وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، ~~وفي كل صفر ألف حلة، وكل حلة أوقية، ما زادت على الخراج أو نقصت على ~~الأواقي فبحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بحساب، ~~وعلى نجران مثواة رسلي، ومتعتهم بها عشرين فدونه، ولا يحبس رسول فوق شهر، ~~وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، إذا كان كيد ~~باليمن ومغدرة، وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع، أو خيل، أو ركاب، فهو ~~ضمان على رسولي حتى # PageV03P554 # يؤديه إليهم، ولنجران وحسبها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم ~~وملتهم وأرضهم وأموالهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وتبعهم، وأن لا يغيروا ~~مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من ~~أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا وافه عن وفهيته، وكل ما تحت أيديهم من ~~قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا ~~يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن ~~أكل ربا من ذي قبل، فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما ~~في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ~~ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم» ) # شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس ~~الحنظلي، والمغيرة بن شعبة، وكتب: حتى إذا قبضوا كتابهم، انصرفوا إلى ~~نجران، فتلقاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلة، ومع الأسقف أخ له من ~~أمه، وهو ابن عمه من النسب، يقال له: بشر بن معاوية، وكنيته أبو علقمة، ~~فدفع الوفد كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الأسقف، فبينا هو ~~يقرؤه، وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته، فتعس بشر، غير أنه ~~لا يكني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال له الأسقف عند ذلك: ms0983 قد ~~تعست والله نبيا مرسلا، فقال بشر: لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتيه، ~~فضرب وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقف ناقته عليه، فقال له: افهم عني ~~إنما قلت هذا لتبلغ عني العرب مخافة أن يقولوا: إنا أخذنا حمقة، أو نخعنا ~~لهذا الرجل بما لم تنخع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا، فقال له بشر: ~~لا والله لا أقيلك ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته، وهو مول ظهره ~~للأسقف وهو يقول: # PageV03P555 # إليك تعدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها # مخالفا دين النصارى دينها # حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يزل مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى استشهد أبو علقمة بعد ذلك. # ودخل الوفد نجران، فأتى الراهب ابن أبي شمر الزبيدي، وهو في رأس صومعة ~~له، فقال له: إن نبيا قد بعث بتهامة، وإنه كتب إلى الأسقف، فأجمع أهل ~~الوادي أن يسيروا إليه شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن ~~فيض، فيأتونهم بخبره، فساروا حتى أتوه، فدعاهم إلى المباهلة، فكرهوا ~~ملاعنته، وحكمه شرحبيل فحكم عليهم حكما، وكتب لهم كتابا، ثم أقبل الوفد ~~بالكتاب حتى دفعوه إلى الأسقف، فبينا الأسقف يقرؤه وبشر معه حتى كبت ببشر ~~ناقته فتعسه، فشهد الأسقف أنه نبي مرسل، فانصرف أبو علقمة نحوه يريد ~~الإسلام، فقال الراهب: أنزلوني وإلا رميت بنفسي من هذه الصومعة، فأنزلوه، ~~فانطلق الراهب بهدية إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم، منها هذا البرد ~~الذي يلبسه الخلفاء والقعب والعصا، وأقام الراهب بعد ذلك يسمع كيف ينزل ~~الوحي والسنن والفرائض والحدود، وأبى الله للراهب الإسلام فلم يسلم، ~~واستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرجعة إلى قومه، وقال: إن لي ~~حاجة ومعادا إن شاء الله تعالى، فرجع إلى قومه، فلم يعد حتى قبض رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم. # وإن الأسقف أبا الحارث أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيد ~~والعاقب ووجوه قومه، وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله عليه، فكتب للأسقف ~~هذا ms0984 الكتاب، وللأساقفة بنجران بعده: ( «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ~~النبي إلى الأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم، وأهل بيعهم ~~ورقيقهم وملتهم وسوقتهم، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، جوار الله ~~ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ~~ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا مما كانوا عليه على ذلك جوار الله ~~ورسوله أبدا ما نصحوا وأصلحوا عليهم، غير منقلبين بظالم، ولا ظالمين» ) . # وكتب المغيرة بن شعبة، فلما قبض الأسقف الكتاب، استأذن في الانصراف إلى # PageV03P556 # قومه ومن معه، فأذن لهم فانصرفوا. # وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن مسعود، «أن السيد والعاقب أتيا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا ~~تلاعنه، فوالله إن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن، ولا عقبنا من بعدنا، ~~قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (" لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ~~"، فاستشرف لها أصحابه، فقال: " قم يا أبا عبيدة بن الجراح "، فلما قام، ~~قال: " هذا أمين هذه الأمة» ) . # ورواه البخاري في " صحيحه " من حديث حذيفة بنحوه. # وفي " صحيح مسلم " من حديث المغيرة بن شعبة قال: «بعثني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرءون (يا أخت ~~هارون) ، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم، فأخبرته، قال: (أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون - بأسماء ~~أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم» ) . # وروينا عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: «وبعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه ~~بجزيتهم.» ### | [فصل في فقه هذه القصة] # ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين. # PageV03P557 # وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا ~~كان ذلك عارضا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك. # وفيها: أن إقرار الكاهن ms0985 الكتابي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه ~~نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد ~~هذا الإقرار لا يكون ردة منه، ونظير هذا قول الحبرين له، وقد سألاه عن ثلاث ~~مسائل، فلما أجابهما «، قالا: نشهد أنك نبي قال: (فما يمنعكما من اتباعي؟) ~~، قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود،» ولم يلزمهما بذلك الإسلام. ونظير ذلك ~~شهادة عمه أبي طالب له بأنه صادق، وأن دينه من خير أديان البرية دينا، ولم ~~تدخله هذه الشهادة في الإسلام. # ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب ~~والمشركين له - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة، وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه ~~الشهادة في الإسلام، علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة ~~فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام ~~طاعته ودينه ظاهرا وباطنا. # وقد اختلف أئمة الإسلام في الكافر إذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله ولم ~~يزد، هل يحكم بإسلامه بذلك؟ على ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن الإمام ~~أحمد، إحداها: يحكم بإسلامه بذلك. والثانية: لا يحكم بإسلامه حتى يأتي ~~بشهادة أن لا إله إلا الله. والثالثة: أنه إذا كان مقرا بالتوحيد حكم ~~بإسلامه، وإن لم يكن مقرا لم يحكم بإسلامه حتى يأتي به، وليس هذا موضع ~~استيفاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليه إشارة، وأهل الكتابين مجمعون على أن ~~نبيا يخرج في آخر الزمان، وهم ينتظرونه، ولا يشك علماؤهم في أنه محمد بن ~~عبد الله بن عبد المطلب، وإنما يمنعهم من الدخول في الإسلام رئاستهم على ~~قومهم وخضوعهم لهم، وما ينالونه منهم من المال والجاه. # ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ~~ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة # PageV03P558 # عليهم ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليول ذلك إلى ~~أهله، وليخل بين المطي وحاديها، والقوس وباريها، ولولا خشية الإطالة لذكرنا ~~من الحجج التي تلزم أهل الكتابين الإقرار بأنه رسول ms0986 الله بما في كتبهم، ~~وبما يعتقدونه بما لا يمكنهم دفعه ما يزيد على مائة طريق، ونرجو من الله ~~سبحانه إفرادها بمصنف مستقل. # ودار بيني وبين بعض علمائهم مناظرة في ذلك، فقلت له في أثناء الكلام: ولا ~~يتم لكم القدح في نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا بالطعن في الرب ~~تعالى والقدح فيه، ونسبته إلى أعظم الظلم والسفه والفساد، تعالى الله عن ~~ذلك، فقال كيف يلزمنا ذلك؟ # قلت: بل أبلغ من ذلك، لا يتم لكم ذلك إلا بجحوده وإنكار وجوده تعالى، ~~وبيان ذلك أنه إذا كان محمد عندكم ليس بنبي صادق، وهو بزعمكم ملك ظالم، فقد ~~تهيأ له أن يفتري على الله، ويتقول عليه ما لم يقله، ثم يتم له ذلك، ويستمر ~~حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ~~ويقتل أتباع الرسل، وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم وأولادهم، ويغنم أموالهم ~~وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله تعالى له ~~به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده، وما يفعل بأهل الحق وأتباع الرسل، وهو ~~مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره، ~~ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأعجب من ذلك ~~أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه من غير فعل منه نفسه ولا سبب، بل تارة ~~بدعائه، وتارة يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه - صلى الله عليه وسلم. # ومع ذلك يقضي له كل حاجة سأله إياها، ويعده كل وعد جميل، ثم ينجز له وعده ~~على أتم الوجوه وأهنئها وأكملها، هذا وهو عندكم في غاية الكذب والافتراء ~~والظلم، فإنه لا أكذب ممن كذب على الله، واستمر على ذلك، ولا أظلم ممن أبطل ~~شرائع أنبيائه ورسله، وسعى في رفعها من الأرض، وتبديلها بما يريد هو، وقتل ~~أولياءه وحزبه وأتباع رسله، واستمرت نصرته عليهم دائما، والله تعالى في ذلك ~~كله # PageV03P559 # يقره، ولا يأخذ منه باليمين، ولا يقطع منه الوتين، وهو يخبر عن ربه أنه ~~أوحى إليه ms0987 أنه لا {أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] [الأنعام: 93] ، ~~فيلزمكم معاشر من كذبه أحد أمرين لا بد لكم منهما: # إما أن تقولوا: لا صانع للعالم، ولا مدبر، ولو كان للعالم صانع مدبر قدير ~~حكيم، لأخذ على يديه، ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالا للظالمين، إذ لا ~~يليق بالملوك غير هذا، فكيف بملك السماوات والأرض، وأحكم الحاكمين؟ . # الثاني: نسبة الرب إلى ما لا يليق به من الجور والسفه والظلم وإضلال ~~الخلق دائما أبد الآباد، لا، بل نصرة الكاذب والتمكين له من الأرض، وإجابة ~~دعواته، وقيام أمره من بعده، وإعلاء كلماته دائما، وإظهار دعوته، والشهادة ~~له بالنبوة قرنا بعد قرن على رءوس الأشهاد في كل مجمع وناد، فأين هذا من ~~فعل أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فلقد قدحتم في رب العالمين أعظم قدح، ~~وطعنتم فيه أشد طعن، وأنكرتموه بالكلية، ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين ~~قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم له أمره، ولم تطل مدته، بل سلط ~~عليه رسله وأتباعهم فمحقوا أثره، وقطعوا دابره، واستأصلوا شأفته. هذه سنته ~~في عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها. # فلما سمع مني هذا الكلام، قال: معاذ الله أن نقول إنه ظالم أو كاذب، بل ~~كل منصف من أهل الكتاب يقر بأن من سلك طريقه، واقتفى أثره، فهو من أهل ~~النجاة والسعادة في الأخرى. قلت له: فكيف يكون سالك طريق الكذاب، ومقتفي ~~أثره بزعمكم من أهل النجاة والسعادة؟ فلم يجد بدا من الاعتراف برسالته، ~~ولكن لم يرسل إليهم. # قلت: فقد لزمك تصديقه، ولا بد وهو قد تواترت عنه الأخبار بأنه رسول رب ~~العالمين إلى الناس أجمعين، كتابيهم وأميهم، ودعا أهل الكتاب إلى دينه # PageV03P560 # وقاتل من لم يدخل في دينه منهم حتى أقروا بالصغار والجزية، فبهت الكافر، ~~ونهض من فوره. # والمقصود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل في جدال الكفار ~~على اختلاف ms0988 مللهم ونحلهم إلى أن توفي، وكذلك أصحابه من بعده، وقد أمره الله ~~سبحانه بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية، وأمره أن يدعوهم ~~بعد ظهور الحجة إلى المباهلة، وبهذا قام الدين، وإنما جعل السيف ناصرا ~~للحجة، وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأمته. ### | [فصل من عظم مخلوقا بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة فقد أشرك] # فصل # ومنها: أن من عظم مخلوقا فوق منزلته التي يستحقها، بحيث أخرجه عن منزلة ~~العبودية المحضة، فقد أشرك بالله، وعبد مع الله غيره، وذلك مخالف لجميع ~~دعوة الرسل. وأما قوله: «إنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى نجران: (باسم ~~إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب» ) ، فلا أظن ذلك محفوظا، وقد «كتب إلى هرقل: ~~(بسم الله الرحمن الرحيم» ) ، وهذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك، كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى، وقد وقع في هذه الرواية هذا، وقال ذلك قبل أن ~~ينزل عليه: {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين} [النمل: 1] [النمل: 1] ، وذلك ~~غلط على غلط، فإن هذه السورة مكية باتفاق، وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من ~~تبوك. # وفيها: جواز إهانة رسل الكفار، وترك كلامهم إذا ظهر منهم التعاظم ~~والتكبر، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكلم الرسل، ولم يرد ~~السلام عليهم حتى لبسوا ثياب سفرهم، وألقوا حللهم وحلاهم. # ومنها: أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله، ولم ~~يرجعوا، بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة، وقد أمر الله سبحانه ~~بذلك رسوله، ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك، ودعا إليه ابن عمه عبد ~~الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع، ولم ينكر عليه الصحابة # PageV03P561 # ودعا إليه الأوزاعي سفيان الثوري في مسألة رفع اليدين، ولم ينكر عليه ~~ذلك، وهذا من تمام الحجة. # ومنها: جواز صلح أهل الكتاب على ما يريد الإمام من الأموال ومن الثياب ~~وغيرها، ويجرى ذلك مجرى ضرب الجزية عليهم، فلا يحتاج إلى أن يفرد كل واحد ~~منهم بجزية، بل يكون ذلك ms0989 المال جزية عليهم يقتسمونها كما أحبوا، ولما بعث ~~معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافريا. والفرق ~~بين الموضعين أن أهل نجران لم يكن فيهم مسلم، وكانوا أهل صلح، وأما اليمن ~~فكانت دار الإسلام، وكان فيهم يهود، فأمره أن يضرب الجزية على كل واحد ~~منهم، والفقهاء يخصون الجزية بهذا القسم دون الأول، وكلاهما جزية، فإنه مال ~~مأخوذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام. # منها: جواز ثبوت الحلل في الذمة، كما تثبت في الدية أيضا، وعلى هذا يجوز ~~ثبوتها في الذمة بعقد السلم وبالضمان وبالتلف، كما تثبت فيها بعقد الصداق ~~والخلع. # ومنها: أنه يجوز معاوضتهم على ما صالحوا عليه من المال بغيره من أموالهم ~~بحسابه. # ومنها: اشتراط الإمام على الكفار أن يؤووا رسله ويكرموهم، ويضيفوهم أياما ~~معدودة. # ومنها: جواز اشتراطه عليهم عارية ما يحتاج المسلمون إليه من سلاح، أو ~~متاع، أو حيوان، وأن تلك العارية مضمونة، لكن هل هي مضمونة بالشرط أو ~~بالشرع؟ هذا محتمل، وقد تقدم الكلام عليه في غزوة حنين، وقد صرح هاهنا ~~بأنها مضمونة بالرد، ولم يتعرض لضمان التلف. # ومنها: أن الإمام لا يقر أهل الكتاب على المعاملات الربوية؛ لأنها حرام ~~في دينهم، وهذا كما لا يقرهم على السكر، ولا على اللواط والزنى، بل يحدهم ~~على ذلك. # PageV03P562 # ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ رجل من الكفار بظلم آخر، كما لا يجوز ذلك في ~~حق المسلمين، وكلاهما ظلم. # ومنها: أن عقد العهد والذمة مشروط بنصح أهل العهد والذمة وإصلاحهم، فإذا ~~غشوا المسلمين وأفسدوا في دينهم فلا عهد لهم ولا ذمة، وبهذا أفتينا نحن ~~وغيرنا في انتقاض عهدهم لما حرقوا الحريق العظيم في دمشق حتى سرى إلى ~~الجامع، وبانتقاض عهد من واطأهم وأعانهم بوجه ما، بل ومن علم ذلك ولم ~~يرفعوا إلى ولي الأمر، فإن هذا من أعظم الغش والضرر بالإسلام والمسلمين. . # ومنها: بعث الإمام الرجل إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، وأنه ينبغي أن ~~يكون أمينا، وهو الذي لا غرض له ولا ms0990 هوى، وإنما مراده مجرد مرضاة الله ~~ورسوله، لا يشوبها بغيرها، فهذا هو الأمين حق الأمين، كحال أبي عبيدة بن ~~الجراح. # ومنها: مناظرة أهل الكتاب وجوابهم عما سألوه عنه، فإن أشكل على المسئول ~~سأل أهل العلم. # ومنها: أن الكلام عند الإطلاق يحمل على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه، ~~وإلا لم يشكل على المغيرة قوله تعالى: {ياأخت هارون} [مريم: 28] هذا وليس ~~في الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يلزم الإشكال، بل المورد ضم ~~إلى هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه أخو موسى بن ~~عمران، ومعلوم أنه لا يدل اللفظ على شيء من ذلك، فإيراده إيراد فاسد وهو ~~إما من سوء الفهم أو فساد القصد. # وأما قول ابن إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم، فقد يظن ~~أنه كلام متناقض؛ لأن الصدقة والجزية لا تجتمعان، وأشكل منه ما يذكره هو ~~وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر ~~أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم ~~إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم # PageV03P563 # ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى ~~قدم عليهم فبعث الركاب يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، فأسلم الناس ~~ودخلوا فيما دعوا إليه؛ فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتب بذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل، ~~ويقبل إليه بوفدهم، وقد تقدم أنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصالحهم على ألفي حلة، وكتب لهم كتاب أمن وأن لا يغيروا عن دينهم ولا ~~يحشروا ولا يعشروا. # وجواب هذا: أن أهل نجران كانوا صنفين: نصارى، وأميين، فصالح النصارى على ~~ما تقدم، وأما الأميون منهم فبعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وقدم وفدهم ~~على النبي صلى الله ms0991 عليه وسلم وهم الذين قال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ " قالوا: كنا نجتمع ولا ~~نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: " صدقتم» ) وأمر عليهم قيس بن الحصين، ~~وهؤلاء هم بنو الحارث بن كعب. فقوله: بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه ~~بصدقاتهم أو جزيتهم أراد به الطائفتين من أهل نجران، صدقات من أسلم منهم ~~وجزية النصارى. ### | [فصل في قدوم رسول فروة بن عمرو الجذامي ملك عرب الروم] # قال ابن إسحاق: وبعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رسولا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا للروم على من ~~يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حوله من أرض الشام، فلما بلغ الروم ~~ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فلما اجتمعت الروم لصلبه ~~على ماء لهم يقال له: عفراء بفلسطين، قال # ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل # PageV03P564 # على ناقة لم يضرب الفحل أمها # مشذبة أطرافها بالمناجل # قال ابن إسحاق: وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: # بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي # ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء يرحمه الله تعالى. ### | [فصل في قدوم وفد بني سعد بن بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولى ابن عباس، ~~عن ابن عباس، قال: بعثت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد جالس في أصحابه، فقال: ~~أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «أنا ابن عبد ~~المطلب " فقال: محمد؟ فقال: " نعم " فقال: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ~~ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك. فقال: " لا أجد في نفسي، فسل عما ~~بدا لك ms0992 " فقال: أنشدك الله إلهك وإله أهلك، وإله من كان قبلك، وإله من هو ~~كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: " اللهم نعم "، قال: فأنشدك الله ~~إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نعبده لا نشرك ~~به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم نعم "، ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة: ~~الصلاة والزكاة والصيام والحج، وفرائض الإسلام كلها ينشده عند كل فريضة كما ~~نشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ~~ولا أنقص، ثم انصرف راجعا إلى بعيره، فقال # PageV03P565 # رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى: " إن يصدق ذو العقيصتين يدخل ~~الجنة» ) . # وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، ثم أتى بعيره، فأطلق عقاله، ثم خرج ~~حتى قدم على قومه فاجتمعوا عليه، وكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات ~~والعزى، فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجنون والجذام. قال: ويلكم إنهما ~~ما يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به ~~مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإني ~~قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في ~~حاضرته رجل ولا امرأة إلا مسلما. # قال ابن إسحاق: فما سمعنا بوافد قوم أفضل من ضمام بن ثعلبة والقصة في " ~~الصحيحين " من حديث أنس بنحو هذه. # وذكر الحج في هذه القصة يدل على أن قدوم ضمام كان بعد فرض الحج وهذا ~~بعيد، فالظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة، والله أعلم. ### | [فصل في قدوم طارق بن عبد الله وقومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # روينا في ذلك لأبي بكر البيهقي، عن جامع بن شداد، قال: حدثني رجل يقال ~~له: طارق ms0993 بن عبد الله. قال: إني لقائم بسوق المجاز إذ أقبل رجل عليه # PageV03P566 # جبة له، وهو يقول: ( «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» ) ~~ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس! لا تصدقوه فإنه كذاب، ~~فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بني هاشم الذي يزعم أنه رسول الله، قال: ~~قلت: من هذا الذي يفعل به هذا؟ قالوا: هذا عمه عبد العزى، قال: فلما أسلم ~~الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا ~~من حيطانها ونخلها، قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه فإذا رجل في طمرين ~~له، فسلم وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة. قال: وأين تريدون؟ ~~قلنا: نريد هذه المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها. قال: ~~ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: ~~نعم بكذا وكذا صاعا من تمر، قال: فما استوضعنا مما قلنا شيئا، فأخذ بخطام ~~الجمل فانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها، قلنا: ما صنعنا، ~~والله ما بعنا جملنا ممن نعرف، ولا أخذنا له ثمنا، قال: تقول المرأة التي ~~معنا: والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن ~~جملكم. # وفي رواية ابن إسحاق: قالت الظعينة: فلا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا ~~يغدر بكم، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فبينما هم كذلك إذ ~~أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، هذا تمركم ~~فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا واستوفينا، ثم ~~دخلنا المدينة فدخلنا المسجد، فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس، فأدركنا ~~من خطبته وهو يقول: ( «تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد ~~السفلى، أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك أدناك " إذ أقبل رجل من بني يربوع، ~~أو قال: من الأنصار فقال: يا رسول الله، لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية. ~~فقال " إن أما لا تجني على ولد " ثلاث مرات» ) . # PageV03P567 ### | [فصل ms0994 في قدوم وفد تجيب] # وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد تجيب وهم من السكون ثلاثة عشر رجلا قد ~~ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: «يا رسول الله: سقنا إليك حق الله في ~~أموالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ردوها فاقسموها على فقرائكم ~~" قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله ما وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الهدى بيد الله عز وجل، فمن أراد به ~~خيرا شرح صدره للإيمان " وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء، فكتب ~~لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بهم رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، فأقاموا أياما ولم يطيلوا ~~اللبث، فقيل لهم: ما يعجبكم؟ فقالوا: نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامنا إياه، وما رد علينا، ثم جاءوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه، فأرسل إليهم بلالا فأجازهم بأرفع ما ~~كان يجيز به الوفود. قال: " هل بقي منكم أحد؟ " قالوا: نعم. غلام خلفناه ~~على رحالنا هو أحدثنا سنا، قال: " أرسلوه إلينا "، فلما رجعوا إلى رحالهم، ~~قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقض حاجتك منه، ~~فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذى، يقول: من الرهط ~~الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتي يا رسول الله. قال: " وما ~~حاجتك؟ "، قال إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قدموا راغبين في ~~الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإني والله ما أعملني من بلادي إلا ~~أن تسأل الله عز وجل أن يغفر # PageV03P568 # لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي. فقال رسول ms0995 الله صلى الله عليه وسلم - ~~وأقبل إلى الغلام -: اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه " ثم أمر له ~~بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟ قالوا: ~~يا رسول الله، ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن ~~الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها، ولا التفت إليها، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا، فقال رجل منهم: أوليس ~~يموت الرجل جميعا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشعب ~~أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية، ~~فلا يبالي الله عز وجل في أيها هلك» " قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على ~~أفضل حال وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق، فلما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكرهم الله ~~والإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يذكره، ويسأل عنه حتى ~~بلغه حاله، وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا) . ### | [فصل في قدوم وفد بني سعد هذيم من قضاعة] # قال الواقدي: عن أبي النعمان عن أبيه من بني سعد هذيم: قدمت على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وافدا في نفر من قومي، وقد أوطأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم البلاد غلبة، وأداخ العرب، والناس صنفان: إما داخل في ~~الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا ~~نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~على جنازة في المسجد، فقمنا ناحية، ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبايعه، ثم انصرف ms0996 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # PageV03P569 # فنظر إلينا فدعا بنا، «فقال " من أنتم؟ " فقلنا: من بني سعد هذيم فقال: ~~(أمسلمون أنتم؟ " قلنا: نعم. قال: فهلا صليتم على أخيكم؟ قلنا: يا رسول ~~الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " أينما أسلمتم فأنتم مسلمون "، قالوا: فأسلمنا وبايعنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ثم انصرفنا إلى رحالنا قد خلفنا عليها ~~أصغرنا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبنا، فأتي بنا إليه، فتقدم ~~صاحبنا إليه فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله إنه أصغرنا، وإنه ~~خادمنا، فقال: " أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه "، قال: فكان والله ~~خيرنا، وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ثم أمره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فكان يؤمنا، ولما أردنا الانصراف أمر ~~بلالا فأجازنا بأواق من فضة لكل رجل منا، فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله ~~الإسلام» ) ### | [فصل في قدوم وفد بني فزارة] # قال أبو الربيع بن سالم في كتاب " الاكتفاء ": ولما رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من تبوك، قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة ~~بن حصن، والحر بن قيس ابن أخي عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، فنزلوا في دار ~~رملة بنت الحارث، وجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام، وهم ~~مسنتون على ركاب عجاف، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم، ~~فقال أحدهم: يا رسول الله # PageV03P570 # أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك ~~يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «سبحان الله! ويلك، هذا إنما شفعت إلى ربي عز وجل، فمن الذي ~~يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئط ~~من عظمته وجلاله، كما يئط الرحل الجديد " وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله عز وجل ليضحك من شغفكم ms0997 وأزلكم وقرب غياثكم " فقال الأعرابي: ~~يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل؟ قال: " نعم " فقال الأعرابي: لن نعدم من ~~رب يضحك خيرا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، وصعد المنبر فتكلم ~~بكلمات، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا رفع الاستسقاء، فرفع يديه ~~حتى رئي بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: " اللهم اسق بلادك وبهائمك، ~~وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا ~~واسعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا ~~هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» ) . # PageV03P571 ### | [فصل في قدوم وفد بني أسد] # وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد بني أسد عشرة رهط، فيهم وابصة بن معبد، ~~وطلحة بن خويلد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه في المسجد، ~~فتكلموا فقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، ~~وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثا، ونحن لمن ~~وراءنا. قال محمد بن كعب القرظي: فأنزل الله على رسوله {يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين} [الحجرات: 17] [الحجرات: 17] وكان مما سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنه يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله فقالوا: «يا رسول الله إن هذه أمور كنا ~~نفعلها في الجاهلية أرأيت خصلة بقيت؟ قال: " وما هي؟ " قالوا: الخط. قال: " ~~علمه نبي من الأنبياء فمن صادف مثل علمه علم» ". # PageV03P572 ### | [فصل في قدوم وفد بهراء] # ذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن ~~عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء من اليمن على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب ~~المقداد، ونحن في منازلنا ببني حديلة، فخرج إليهم المقداد، فرحب بهم ~~فأنزلهم ms0998 وجاءهم بجفنة من حيس، قد كنا هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها، ~~فحملها المقداد، وكان كريما على الطعام، فأكلوا منها حتى نهلوا، وردت إلينا ~~القصعة وفيها أكل، فجمعنا تلك الأكل في قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع سدرة مولاتي، فوجدته في بيت أم سلمة، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ( «ضباعة أرسلت بهذا؟ قالت سدرة: نعم يا رسول ~~الله، قال: ضعي، ثم قال: " ما فعل ضيف أبي معبد؟ قلت: عندنا، قالت: فأصاب ~~منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلا هو ومن معه في البيت حتى نهلوا، ~~وأكلت معهم سدرة، ثم قال: اذهبي بما بقي إلى ضيفكم "، قالت سدرة: فرجعت بما ~~بقي في القصعة إلى مولاتي، قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا، نرددها عليهم، ~~وما تغيض حتى جعل القوم يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام ~~إلينا ما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين، وقد ذكر لنا أن الطعام ~~ببلادكم إنما هو العلقة أو نحوه، ونحن عندك في الشبع. فأخبرهم أبو معبد ~~بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل منها أكلا وردها، فهذه بركة ~~أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول ~~الله، وازدادوا يقينا. وذلك الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فتعلموا الفرائض وأقاموا أياما، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يودعونه، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهليهم» ) # PageV03P573 ### | [فصل في قدوم وفد عذرة] # وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عذرة في صفر سنة تسع اثنا عشر ~~رجلا، فيهم جمرة بن النعمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «من ~~القوم "؟ فقال متكلمهم: من لا تنكره، نحن بنو عذرة، إخوة قصي لأمه، نحن ~~الذين عضدوا قصيا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، ولنا قرابات وأرحام. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفني بكم» ، ~~فأسلموا وبشرهم رسول الله صلى ms0999 الله عليه وسلم بفتح الشام، وهرب هرقل إلى ~~ممتنع من بلاده، ونهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال الكاهنة، وعن ~~الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأضحية، فأقاموا ~~أياما بدار رملة، ثم انصرفوا وقد أجيزوا) ### | [فصل في قدوم وفد بلي] ### | [قدوم وفد بلي] # فصل في قدوم وفد بلي # وقدم عليه وفد بلي في ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت ~~البلوي عنده، وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هؤلاء قومي. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مرحبا بك وبقومك "، فأسلموا، وقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من ~~مات على غير الإسلام فهو في النار "، فقال له أبو الضبيب شيخ الوفد: يا ~~رسول الله، إن لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال: " نعم، وكل ~~معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة ". قال يا رسول الله: ما وقت ~~الضيافة؟ قال: " ثلاثة أيام فما كان بعد # PageV03P574 # ذلك فهو صدقة، ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك " قال يا رسول الله: ~~أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال: هي لك أو لأخيك أو ~~للذئب " قال: فالبعير؟ قال: " ما لك وله؟ دعه حتى يجده صاحبه "، قال رويفع: ~~ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي منزلي ~~يحمل تمرا فقال: " استعن بهذا التمر "، وكانوا يأكلون منه ومن غيره، ~~فأقاموا ثلاثا، ثم ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجازهم ورجعوا إلى ~~بلادهم» ) . ### | ما يتعلق بقصة وفد بلي من فوائد # فصل # في هذه القصة من الفقه: إن للضيف حقا على من نزل به، وهو ثلاث مراتب: حق ~~واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات. # فالحق الواجب يوم وليلة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المراتب ~~الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: ms1000 ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه ~~جائزته "، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ~~ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى ~~يحرجه» ) # وفيه جواز التقاط الغنم، وأن الشاة إذا لم يأت صاحبها فهي ملك الملتقط، ~~واستدل بهذا بعض أصحابنا على أن الشاة ونحوها مما يجوز التقاطه يخير ~~الملتقط بين أكله في الحال، وعليه قيمته، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين تركه ~~والإنفاق عليه من ماله، وهل يرجع به؟ على وجهين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ~~جعلها له، إلا أن يظهر صاحبها، وإذا كانت له، خير بين هذه الثلاثة، فإذا ~~ظهر صاحبها دفعها إليه أو قيمتها، وأما متقدمو أصحاب أحمد فعلى خلاف هذا. ~~قال أبو الحسين: لا يتصرف فيها قبل الحول، رواية واحدة، قال: وإن قلنا: ~~يأخذ ما لا يستقل بنفسه # PageV03P575 # كالغنم، فإنه لا يتصرف بأكل ولا غيره رواية واحدة، وكذلك قال ابن عقيل. ~~ونص أحمد في رواية أبي طالب في الشاة: يعرفها سنة فإن جاء صاحبها ردها ~~إليه، وكذلك قال الشريفان: لا يملك الشاة قبل الحول، رواية واحدة. وقال أبو ~~بكر: وضالة الغنم إذا أخذها يعرفها سنة، وهو الواجب، فإذا مضت السنة ولم ~~يعرف صاحبها كانت له، والأول أفقه وأقرب إلى مصلحة الملتقط والمالك؛ إذ قد ~~يكون تعريفها سنة مستلزما لتغريم مالكها أضعاف قيمتها إن قلنا: يرجع عليه ~~بنفقتها، وإن قلنا: لا يرجع استلزم تغريم الملتقط ذلك، وإن قيل يدعها ولا ~~يلتقطها كانت للذئب وتلفت، والشارع لا يأمر بضياع المال. # فإن قيل: فهذا الذي رجحتموه مخالف لنصوص أحمد وأقوال أصحابه وللدليل ~~أيضا. # أما مخالفة نصوص أحمد فمما تقدم حكايته في رواية أبي طالب، ونص أيضا في ~~روايته في مضطر وجد شاة مذبوحة وشاة ميتة، قال: يأكل من الميتة ولا يأكل من ~~المذبوحة، الميتة أحلت والمذبوحة لها صاحب قد ذبحها. يريد أن يعرفها ويطلب ~~صاحبها، فإذا أوجب إبقاء المذبوحة على حالها، فإبقاء الشاة الحية بطريق ~~الأولى، وأما مخالفة كلام ms1001 الأصحاب فقد تقدم، وأما مخالفة الدليل، ففي حديث ~~عبد الله بن عمرو: «يا رسول الله كيف ترى في ضالة الغنم؟ فقال: (هي لك أو ~~لأخيك أو للذئب، احبس على أخيك ضالته " وفي لفظ: " رد على أخيك ضالته» ") ~~وهذا يمنع البيع والذبح. # قيل: ليس في نص أحمد أكثر من التعريف، ومن يقول: إنه مخير بين أكلها ~~وبيعها وحفظها، لا يقول بسقوط التعريف بل يعرفها مع ذلك، وقد عرف شيتها ~~وعلامتها، فإن ظهر صاحبها أعطاه القيمة. فقول أحمد: يعرفها أعم من تعريفها # PageV03P576 # وهي باقية، أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا ~~سيما إذا التقطها في السفر، فإن في إيجاب تعريفها سنة من الحرج والمشقة ما ~~لا يرضى به الشارع، وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمره ~~بأخذها، وإخباره أنه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعين ولا بد: إما بيعها ~~وحفظ ثمنها، وإما أكلها وضمان قيمتها أو مثلها. # وأما مخالفة الأصحاب، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب، ومن ~~يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو أبو محمد المقدسي قدس الله روحه، ~~ولقد أحسن في اختياره التخيير كل الإحسان. # وأما مخالفة الدليل فأين في الدليل الشرعي المنع من التصرف في الشاة ~~الملتقطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل، وإيجاب تعريفها والإنفاق ~~عليها سنة مع الرجوع بالإنفاق أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتي به شريعة فضلا أن ~~يقوم عليه دليل وقوله صلى الله عليه وسلم: " «احبس على أخيك ضالته» " صريح ~~في أن المراد به أن لا يستأثر بها دونه ويزيل حقه، فإذا كان بيعها وحفظ ~~ثمنها خيرا له من تعريفها سنة، والإنفاق عليها وتغريم صاحبها أضعاف قيمتها، ~~كان حبسها وردها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ، والحديث يقتضيه ~~بفحواه وقوته، وهذا ظاهر وبالله التوفيق. # ومنها: أن البعير لا يجوز التقاطه اللهم إلا أن يكون فلوا صغيرا لا يمتنع ~~من الذئب ونحوه، فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته. ### | [فصل في قدوم وفد ذي مرة] # وقدم على رسول الله ms1002 صلى الله عليه وسلم وفد ذي مرة ثلاثة عشر رجلا، رأسهم ~~الحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، إنا قومك وعشيرتك، نحن قوم من بني ~~لؤي بن # PageV03P577 # غالب. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للحارث: ( «أين تركت ~~أهلك؟ قال بسلاح وما والاها. قال وكيف البلاد؟ قال: والله إنا لمسنتون ما ~~في المال مخ فادع الله لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم ~~اسقهم الغيث» " فأقاموا أياما ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم، فجاءوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مودعين له، فأمر بلالا أن يجيزهم، فأجازهم بعشر ~~أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية ورجعوا إلى بلادهم ~~فوجدوا البلاد مطيرة، فسألوا: متى مطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأخصبت بعد ذلك بلادهم) . ### | [فصل في قدوم وفد خولان] # (وقدم عليه صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان سنة عشر وفد خولان، وهم عشرة ~~فقالوا: «يا رسول الله، نحن على من وراءنا من قومنا، ونحن مؤمنون بالله عز ~~وجل، ومصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض ~~وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أما ما ذكرتم من مسيركم إلي فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير ~~أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري ~~يوم القيامة " قالوا: يا رسول الله، هذا السفر الذي لا توى عليه، ثم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فعل عم أنس ". - وهو صنم خولان الذي ~~كانوا يعبدونه - قالوا: أبشر، بدلنا الله به ما جئت به، وقد بقيت منا بقايا ~~- من شيخ كبير وعجوز كبيرة - متمسكون به، ولو قدمنا عليه لهدمناه إن شاء ~~الله، فقد كنا منه في غرور وفتنة. # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما أعظم ما رأيتم من فتنته؟ " ~~قالوا: لقد رأيتنا أسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه، وابتعنا ~~به ms1003 مائة ثور ونحرناها " لعم أنس " قربانا في غداة واحدة، وتركناها تردها ~~السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث # PageV03P578 # من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يواري الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا " ~~عم أنس "، وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقسمون لصنمهم ~~هذا من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له وجزءا لله ~~بزعمهم، قالوا: كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه، فنسميه له، ونسمي زرعا آخر ~~حجرة لله، فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت ~~الريح فالذي جعلناه لعم أنس، لم نجعله لله، فذكر لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الله أنزل علي في ذلك {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا} [الأنعام: 136] [الأنعام 136] قالوا: وكنا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " تلك الشياطين تكلمكم " وسألوه عن فرائض ~~الدين، فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن ~~جاوروا، وأن لا يظلموا أحدا. قال: " فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " ثم ~~ودعوه بعد أيام وأجازهم فرجعوا إلى قومهم، فلم يحلوا عقدة حتى هدموا " عم ~~أنس» ) . ### | [فصل في قدوم وفد محارب] # ( «وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد محارب عام حجة الوداع، وهم ~~كانوا أغلظ العرب وأفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المواسم ~~أيام عرضه نفسه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منهم عشرة نائبين عمن وراءهم من قومهم فأسلموا، وكان بلال يأتيهم ~~بغداء وعشاء إلى أن جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الظهر ~~إلى العصر، فعرف رجلا منهم، فأمده النظر، فلما رآه المحاربي يديم النظر ~~إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني؟ قال: " لقد رأيتك "، قال المحاربي: أي ~~والله، لقد رأيتني وكلمتني، وكلمتك بأقبح الكلام، ورددتك بأقبح الرد بعكاظ، ~~وأنت تطوف على الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم "، ثم قال # PageV03P579 # المحاربي: يا رسول الله، ما كان في أصحابي ms1004 أشد عليك يومئذ ولا أبعد عن ~~الإسلام مني، فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر ~~الذين كانوا معي على دينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذه ~~القلوب بيد الله عز وجل "، فقال المحاربي: يا رسول الله استغفر لي من ~~مراجعتي إياك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الإسلام يجب ما كان ~~قبله من الكفر " ثم انصرفوا إلى أهليهم» ) ### | [فصل في قدوم وفد صداء في سنة ثمان] ### | [قدوم وفد صداء] # فصل في قدوم وفد صداء في سنة ثمان # وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد صداء وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة ~~بعث بعوثا وهيأ بعثا استعمل عليه قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواء أبيض، ~~ودفع إليه راية سوداء، وعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين، وأمره ~~أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل منهم، وعلم بالجيش، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله: جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فرد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد من صدر قناة، وخرج الصدائي إلى قومه، ~~فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم، فقال سعد بن ~~عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلوا علي، فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم، وكساهم ~~ثم راح بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فقالوا: ~~نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم، ففشا فيهم الإسلام، فوافى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل في حجة الوداع، ذكر هذا ~~الواقدي عن بعض بني المصطلق، وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه الذي ~~قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «اردد الجيش وأنا لك بقومي ~~فردهم. قال: وقدم وفد قومي عليه فقال لي: (يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك؟ ~~" قال: قلت: ms1005 بل يا # PageV03P580 # رسول الله من الله عز وجل ومن رسوله) . # وكان زياد هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، قال: ~~فاعتشى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: سار ليلا، واعتشينا معه، وكنت ~~رجلا قويا قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه، ولزمت غرزه، فلما كان في السحر ~~قال: " أذن يا أخا صداء " فأذنت على راحلتي، ثم سرنا حتى ذهبنا، فنزل ~~لحاجته ثم رجع، فقال: يا أخا صداء، هل معك ماء؟ قلت: معي شيء في إداوتي، ~~فقال " هاته " فجئت به، فقال " صب " فصببت ما في الإداوة في القعب، فجعل ~~أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفه على الإناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه ~~عينا تفور، ثم قال: " يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي عز وجل لسقينا ~~واستقينا " ثم توضأ وقال: " أذن في أصحابي من كانت له حاجة بالوضوء فليرد ~~"، قال: فوردوا من آخرهم ثم جاء بلال يقيم، فقال (إن أخا صداء أذن، ومن أذن ~~فهو يقيم) فأقمت، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، وكنت ~~سألته قبل أن يؤمرني على قومي، ويكتب لي بذلك كتابا، ففعل. فلما فرغ من ~~صلاته، قام رجل يتشكى من عامله، فقال: يا رسول الله: إنه أخذنا بذحول كانت ~~بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا خير في ~~الإمارة لرجل مسلم) ثم قام آخر فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لم يكل قسمتها إلى ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل، حتى جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزءا منها أعطيتك، وإن كنت غنيا ~~عنها، فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن " فقلت في نفسي: هاتان خصلتان ~~حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم، وسألته من الصدقة وأنا غني عنها، فقلت: يا ~~رسول الله، هذان كتاباك فاقبلهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~ولم؟ " فقلت: إني سمعتك تقول: (لا خير في الإمارة لرجل مسلم) وأنا مسلم، ~~وسمعتك ms1006 تقول: (من سأل من الصدقة وهو غني عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء ~~في البطن) وأنا غني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إن الذي قلت ~~كما قلت " فقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي: " دلني على ~~رجل من قومك أستعمله " فدللته على # PageV03P581 # رجل منهم فاستعمله، قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ~~ماؤها، وإذا كان الصيف قل علينا، فتفرقنا على المياه، والإسلام اليوم فينا ~~قليل، ونحن نخاف فادع الله عز وجل لنا في بئرنا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ناولني سبع حصيات "، فناولته فعركهن بيده، ثم دفعهن إلي وقال: ~~" إذا انتهيت، إليها فألق فيها حصاة حصاة، وسم الله " قال: ففعلت فما ~~أدركنا لها قعرا حتى الساعة» . ### | [فصل في فقه هذه القصة] # ففيها: استحباب عقد الألوية والرايات للجيش، واستحباب كون اللواء أبيض، ~~وجواز كون الراية سوداء من غير كراهة. # وفيها: قبول خبر الواحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رد الجيش من أجل ~~خبر الصدائي وحده. # وفيها: جواز سير الليل كله في السفر إلى الأذان، فإن قوله " اعتشى " أي: ~~سار عشية، ولا يقال لما بعد نصف الليل. # وفيها: جواز الأذان على الراحلة. # وفيها: طلب الإمام الماء من أحد رعيته للوضوء، وليس ذلك من السؤال. # وفيها: أنه لا يتيمم حتى يطلب الماء فيعوزه. # وفيها: المعجزة الظاهرة بفوران الماء من بين أصابعه لما وضعها فيه أمده ~~الله به وكثره حتى جعل يفور من خلال الأصابع الكريمة والجهال تظن أنه # PageV03P582 # كان يشق الأصابع ويخرج من خلال اللحم والدم، وليس كذلك وإنما بوضعه ~~أصابعه فيه حلت فيه البركة من الله والمدد، فجعل يفور حتى خرج من بين ~~الأصابع، وقد جرى له هذا مرارا عديدة بمشهد أصحابه. # وفيها: أن السنة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، ويجوز أن يؤذن واحد، ~~ويقيم آخر كما ثبتت في قصة عبد الله بن زيد أنه لما رأى الأذان وأخبر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( «ألقه ms1007 على بلال " فألقاه عليه، ثم أراد ~~بلال أن يقيم، فقال عبد الله بن زيد: يا رسول الله، أنا رأيت، أريد أن ~~أقيم، قال: " فأقم " فأقام هو وأذن بلال» ) ذكره الإمام أحمد رحمه الله. # وفيها: جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئا، ولا يكون ~~سؤاله مانعا من توليته، ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: ( «إنا لن ~~نولي على عملنا من أراده» ) فإن الصدائي إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، ~~وكان مطاعا فيهم محببا إليهم، وكان مقصوده إصلاحهم ودعاءهم إلى الإسلام، ~~فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن مصلحة قومه في توليته فأجابه إليها ورأى ~~أن ذلك السائل # PageV03P583 # إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو فمنعه منها، فولى للمصلحة ومنع ~~للمصلحة فكانت توليته لله ومنعه لله. # وفيها: جواز شكاية العمال الظلمة ورفعهم إلى الإمام، والقدح فيهم بظلمهم، ~~وأن ترك الولاية خير للمسلم من الدخول فيها، وأن الرجل إذا ذكر أنه من أهل ~~الصدقة أعطي منها بقوله ما لم يظهر منه خلافه. # ومنها: أن الشخص الواحد يجوز أن يكون وحده صنفا من الأصناف لقوله ( «إن ~~الله جزأها ثمانية أجزاء فإن كنت جزءا منها أعطيتك» ) # ومنها: جواز إقالة الإمام لولاية من ولاه إذا سأله ذلك. # ومنها: استشارة الإمام لذي الرأي من أصحابه فيمن يوليه. # ومنها: جواز الوضوء بالماء المبارك، وأن بركته لا توجب كراهة الوضوء منه، ~~وعلى هذا فلا يكره الوضوء من ماء زمزم، ولا من الماء الذي يجري على ظهر ~~الكعبة. والله أعلم. ### | [فصل في قدوم وفد غسان] # وقدموا في شهر رمضان سنة عشر وهم ثلاثة نفر فأسلموا وقالوا: لا ندري ~~أيتبعنا قومنا أم لا؟ وهم يحبون بقاء ملكهم، وقرب قيصر، فأجازهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا ~~لهم وكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث منهم عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة فأخبره بإسلامه فكان ~~يكرمه. # PageV03P584 ### | [فصل في قدوم وفد سلامان] ms1008 # وقدم عليه صلى الله عليه وسلم وفد سلامان سبعة نفر، فيهم حبيب بن عمرو ~~فأسلموا. قال حبيب: فقلت: ( «أي رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال: الصلاة ~~في وقتها» ) ثم ذكر حديثا طويلا، وصلوا معه يومئذ الظهر والعصر، قال: فكانت ~~صلاة العصر أخف من القيام في الظهر، ثم شكوا إليه جدب بلادهم، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بيده: " «اللهم اسقهم الغيث في دارهم "، فقلت: يا ~~رسول الله، ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام وقمنا عنه، فأقمنا ثلاثا، وضيافته ~~تجري علينا، ثم ودعناه، وأمر لنا بجوائز، فأعطينا خمس أواق لكل رجل منا، ~~واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه، ~~ثم رحلنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في تلك الساعة» . قال الواقدي: وكان مقدمهم في شوال سنة عشر ~~صلى الله عليه وسلم. ### | [فصل في قدوم وفد بني عبس] # وقدم عليه وفد بني عبس فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا فأخبرونا ~~أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش وهي معايشنا، فإن كان لا ~~إسلام لمن لا هجرة له، فلا خير في أموالنا، بعناها وهاجرنا من آخرنا. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم الله من ~~أعمالكم شيئا» ) وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان: هل ~~له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له # PageV03P585 # كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه ~~عن خالد بن سنان فقال: ( «نبي ضيعه قومه» ) ### | [فصل في قدوم وفد غامد] # قال الواقدي: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غامد سنة عشر ~~وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا عند رحلهم أحدثهم سنا، فنام عنه ms1009 وأتى سارق، ~~فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له، وانتهى القوم إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام، وكتب لهم كتابا فيه شرائع من شرائع ~~الإسلام، وقال لهم: ( «من خلفتم في رحالكم؟ " فقالوا: أحدثنا يا رسول الله، ~~قال: فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ عيبة أحدكم " فقال أحد القوم: ~~يا رسول الله، ما لأحد من القوم عيبة غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فقد أخذت وردت إلى موضعها " فخرج القوم سراعا، حتى أتوا رحلهم، ~~فوجدوا صاحبهم، فسألوه عما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فزعت ~~من نومي، ففقدت العيبة، فقمت في طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآني، ~~فثار يعدو مني فانتهيت إلى حيث انتهى فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، ~~فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها، وأنها قد ~~ردت. فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وجاء الغلام الذي خلفوه ~~فأسلم» ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب فعلمهم قرآنا، وأجازهم ~~كما كان يجيز الوفود وانصرفوا. # PageV03P586 ### | [فصل في قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # ذكر أبو نعيم في كتاب " معرفة الصحابة " والحافظ أبو موسى المديني، من ~~حديث أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة ~~بن يزيد بن سويد الأزدي، قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: «وفدت ~~سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخلنا عليه ~~وكلمناه، أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا، فقال " ما أنتم؟ " قلنا: مؤمنون. ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة ~~قولكم وإيمانكم؟ " قلنا: خمس عشرة خصلة؛ خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن ~~بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها ~~الآن، إلا أن تكره منها شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ms1010 ~~الخمس التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها "؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله، ~~وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: " وما الخمس التي أمرتكم أن ~~تعملوا بها "؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي ~~الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، فقال: " وما ~~الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ " قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند ~~البلاء، والرضى بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة ~~بالأعداء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حكماء علماء كادوا من ~~فقههم أن يكونوا أنبياء "، ثم قال: وأنا أزيدكم خمسا، فتتم لكم عشرون خصلة ~~إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا ~~تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه ~~تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون» ) فانصرف القوم من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها. # PageV03P587 ### | [فصل في قدوم وفد بني المنتفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # روينا عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه، قال: كتب إلي ~~إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك ~~بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك، فحدث بذلك عني، قال: ~~حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عياش ~~السمعي الأنصاري، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن ~~المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر، قال دلهم: وحدثنيه أيضا ~~أبي الأسود بن عبد الله، عن عاصم بن لقيط: أن لقيط بن عامر خرج وافدا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك ~~بن المنتفق. # قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا فقال: ms1011 ( «أيها ~~الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام، ألا لتسمعوا اليوم، ألا ~~فهل من امرئ بعثه قومه "؟ فقالوا له: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " ألا ثم رجل لعله يلهيه حديث نفسه، أو حديث صاحبه، أو يلهيه ~~ضال، ألا إني مسئول، هل بلغت، ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا " فجلس الناس، ~~وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده ونظره، قلت: يا رسول الله، ما عندك ~~من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله. علم أني أبتغي السقطة، فقال: " ضن ربك ~~بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا # PageV03P588 # الله " وأشار بيده فقلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: " علم المنية، قد علم ~~متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه وما ~~تعلمونه، وعلم ما في غد قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف ~~عليكم أزلين مشفقين، فيظل يضحك قد علم أن غوثكم إلى قريب " قال لقيط: فقلت: ~~لن نعدم من رب يضحك خيرا يا رسول الله. # قال: " وعلم يوم الساعة " قلنا: يا رسول الله، علمنا مما تعلم الناس ~~وتعلم، فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا من مذحج التي تربو علينا، ~~وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها، قال: " تلبثون ما لبثتم، ثم ~~يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصائحة، فلعمر إلهك ما تدع على ~~ظهرها شيئا إلا مات، والملائكة الذين مع ربك، فأصبح ربك عز وجل يطوف في ~~الأرض وخلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ~~ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل، ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه، حتى تخلفه ~~من عند رأسه فيستوي جالسا، فيقول ربك: مهيم، لما كان فيه يقول: يا رب أمس، ~~اليوم، لعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله " فقلت: يا رسول الله فكيف يجمعنا ~~بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، ~~الأرض أشرفت عليها وهي في مدرة بالية ms1012 " فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل الله ~~عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة، ~~ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض ~~فتخرجون من الأصواء، ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم " # قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملء الأرض، وهو شخص واحد ينظر إلينا ~~وننظر إليه؟ قال: " أنبئك بمثل هذا في آلاء الله، الشمس والقمر آية منه ~~صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، ولا تضارون في رؤيتهما " ولعمر إلهك ~~لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن تروا نورهما ويريانكم، لا تضارون في ~~رؤيتهما، قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: " تعرضون ~~عليه بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية، # PageV03P589 # فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من ماء، فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما يخطئ ~~وجه أحد منكم منها قطرة. # فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتنضحه، أو قال: ~~فتخطمه بمثل الحمم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيكم ويفترق على أثره الصالحون ~~فيسلكون جسرا من النار، يطأ أحدكم الجمرة، يقول: حس، يقول ربك عز وجل، أو ~~أنه؛ ألا فتطلعون على حوض نبيكم على أظمأ - والله - ناهلة عليها قط رأيتها، ~~فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول ~~والأذى، وتخنس الشمس والقمر، فلا ترون منهما واحدا ". قال: قلت يا رسول ~~الله فبم نبصر؟ قال: " بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك قبل طلوع الشمس في يوم ~~أشرقت الأرض وواجهت به الجبال " قال: قلت يا رسول الله فبم نجزى من سيئاتنا ~~وحسناتنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها ~~إلا أن يعفو " قال: قلت يا رسول الله ما الجنة وما النار؟ قال: " لعمر إلهك ~~إن النار لها سبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، ~~وإن الجنة لها ثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين ~~عاما ". # قلت: يا رسول ms1013 الله فعلام نطلع من الجنة؟ قال: " على أنهار من عسل مصفى، ~~وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن ما يتغير طعمه، وماء ~~غير آسن، وفاكهة، ولعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة. ~~قلت: يا رسول الله أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال المصلحات للصالحين ~~". # وفي لفظ الصالحات للصالحين تلذونهن ويلذونكم مثل لذاتكم في الدنيا غير أن ~~لا توالد " قال لقيط فقلت: يا رسول الله أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ ~~فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله علام أبايعك؟ ~~فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده وقال: " على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره " قال قلت: يا رسول الله وإن ~~لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وظن أني ~~مشترط ما لا يعطينيه، قال: قلت نحل منها حيث شئنا ولا يجني امرؤ إلا على ~~نفسه فبسط يده. # PageV03P590 # وقال: " لك ذلك تحل حيث شئت ولا يجني عليك إلا نفسك " قال: فانصرفنا عنه ~~ثم قال: " ها إن ذين ها إن ذين - مرتين - لعمر إلهك من أتقى الناس في ~~الأولى والآخرة " فقال له كعب بن الخدرية - أحد بني بكر بن كلاب -: من هم ~~يا رسول الله؟ قال: " بنو المنتفق بنو المنتفق بنو المنتفق، أهل ذلك منهم ~~"، قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت: يا رسول الله هل لأحد ممن مضى من خير ~~في جاهليتهم؟ فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتفق لفي النار، قال: ~~فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رءوس الناس فهممت أن ~~أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله وأهلك؟ ~~قال: " وأهلي لعمر الله حيث ما أتيت على قبر عامري، أو قرشي من مشرك قل: ~~أرسلني إليك محمد، فأبشرك بما يسوءك، تجر على وجهك وبطنك في النار ". # قال: قلت يا رسول الله وما فعل بهم ms1014 ذلك، وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا ~~إياه، وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال صلى الله عليه وسلم: " ذلك بأن الله ~~بعث في آخر كل سبع أمم نبيا فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه ~~كان من المهتدين» ) . # هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة ~~النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، ~~رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج ~~بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه ~~أئمة أهل السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد ولم ~~يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته. # PageV03P591 # فممن رواه الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في ~~مسند أبيه وفي كتاب " السنة "، وقال: كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن ~~حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته ~~على ما كتبت به إليك، فحدث به عني. # ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب " ~~السنة " له. # ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب ~~" المعرفة ". # ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ~~الطبراني في كثير من كتبه. # ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في ~~كتاب " السنة ". # ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن ~~منده، حافظ أصبهان. # ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه. # ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني، وجماعة ~~من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم. # وقال ابن منده روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني، وعبد الله بن أحمد ~~بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من ~~الأئمة ms1015 منهم أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ~~ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ~~ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة هذا كلام أبي عبد ~~الله بن منده. # PageV03P592 # وقوله: تهضب أي تمطر. والأصواء: القبور. والشربة - بفتح الراء -: الحوض ~~الذي يجتمع فيه الماء وبالسكون والياء الحنظلة يريد أن الماء قد كثر فمن ~~حيث شئت تشرب. وعلى رواية السكون والياء يكون قد شبه الأرض بخضرتها بالنبات ~~بخضرة الحنظلة واستوائها. # وقوله: حس، كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه على غفلة ما يحرقه أو يؤلمه، ~~قال الأصمعي: وهي مثل أوه. وقوله يقول ربك عز وجل " أو أنه ". قال ابن ~~قتيبة فيه قولان: أحدهما: أن يكون " أنه " بمعنى " نعم ". والآخر أن يكون ~~الخبر محذوفا كأنه قال أنتم كذلك أو أنه على ما يقول. والطوف الغائط. # وفي الحديث ( «لا يصل أحدكم وهو يدافع الطوف والبول» ) والجسر الصراط. ~~وقوله " فيقول ربك. مهيم ": أي ( «ما شأنك وما أمرك وفيم كنت» ) . وقوله " ~~يشرف عليكم أزلين ": الأزل - بسكون الزاي - الشدة والأزل على وزن كتف هو ~~الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط. # وقوله " فيظل يضحك " هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها ~~شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل ~~إلى ردها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها وكذلك " فأصبح ربك يطوف في ~~الأرض " هو من صفات فعله كقوله {وجاء ربك والملك} [الفجر: 22] {هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} [الأنعام: 158] ( «وينزل ربنا كل ليلة ~~إلى السماء الدنيا» ) ، ( «ويدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة» ) ~~، والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ~~ولا تعطيل. # وقوله " والملائكة الذين عند ربك ": لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث ~~صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور # PageV03P593 # وقد يستدل عليه بقوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من ms1016 في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله} [الزمر: 68] [الزمر 68] . # وقوله ( «فلعمر إلهك» ) هو قسم بحياة الرب جل جلاله وفيه دليل على جواز ~~الإقسام بصفاته وانعقاد اليمين بها، وأنها قديمة وأنه يطلق عليه منها أسماء ~~المصادر، ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى ~~مشتقة من هذه المصادر دالة عليها. # وقوله ( «ثم تجيء الصائحة» ) هي صيحة البعث ونفخته. # وقوله ( «حتى يخلفه من عند رأسه» ) هو من أخلف الزرع إذا نبت بعد حصاده ~~شبه النشأة الآخرة بعد الموت بإخلاف الزرع بعد ما حصد، وتلك الخلفة من عند ~~رأسه كما ينبت الزرع. # وقوله (فيستوي جالسا) هذا عند تمام خلقته وكمال حياته، ثم يقوم بعد جلوسه ~~قائما، ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبا وإما ماشيا. # وقوله ( «يقول: يا رب أمس، اليوم» ) استقلال لمدة لبثه في الأرض، كأنه ~~لبث فيها يوما، فقال: أمس أو بعض يوم، فقال: اليوم يحسب أنه حديث عهد بأهله ~~وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم. # وقوله ( «كيف يجمعنا بعد ما تمرقنا الرياح والبلى والسباع» ) وإقرار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم له على هذا السؤال رد على من زعم أن القوم لم ~~يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان، بل كانوا ~~مشغولين بالعمليات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة ~~والقدرية أعرف منهم بالعلميات. # وفيه دليل على أنه كانوا يوردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد ~~عليه صلى الله عليه وسلم الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، ~~وأصحابه: للفهم والبيان وزيادة الإيمان، وهو يجيب كلا عن سؤاله إلا ما لا ~~جواب عنه كسؤاله عن وقت # PageV03P594 # الساعة، وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما ~~فرقها وينشئها نشأة أخرى، ويخلقه خلقا جديدا كما سماه في كتابه، كذلك في ~~موضعين منه. وقوله: " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله " آلاؤه: نعمه وآياته ~~التي تعرف بها إلى عباده. # وفيه ms1017 إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، والقرآن مملوء منه. # وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرا على شيء فكيف ~~تعجز قدرته عن نظيره ومثله؟ فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن ~~تقرير، وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفطر، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا ~~تكذيبا له وتعجيزا له، وطعنا في حكمته، تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # وقوله في الأرض ( «أشرفت عليها وهي مدرة بالية» ) هو كقوله تعالى: {ويحيي ~~الأرض بعد موتها} [الروم: 19] [الروم: 19] . وقوله {ومن آياته أنك ترى ~~الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [فصلت: 39] [فصلت 39] ~~ونظائره في القرآن كثيرة. # وقوله ( «فتنظرون إليه وينظر إليكم» ) فيه إثبات صفة النظر لله عز وجل، ~~وإثبات رؤيته في الآخرة. وقوله " كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد " قد جاء ~~هذا في هذا الحديث. # وفي قوله في حديث آخر ( «لا شخص أغير من الله» ) والمخاطبون بهذا قوم عرب ~~يعلمون المراد منه ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص، بل هم أشرف ~~عقولا وأصح أذهانا، وأسلم قلوبا من ذلك، وحقق صلى الله عليه وسلم وقوع ~~الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها، ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه ~~المعطلون. # وقوله ( «فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم» ) فيه إثبات صفة # PageV03P595 # اليد له سبحانه بقوله وإثبات الفعل الذي هو النضح. والريطة: الملاءة. ~~والحمم: جمع حممة وهي الفحمة. # وقوله ( «ثم ينصرف نبيكم» ) هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة. # وقوله ( «ويفرق على أثره الصالحون» ) أي يفزعون ويمضون على أثره. # وقوله ( «فتطلعون على حوض نبيكم» ) ظاهر هذا أن الحوض من وراء الجسر ~~فكأنهم لا يصلون إليه حتى يقطعوا الجسر، وللسلف في ذلك قولان حكاهما ~~القرطبي في " تذكرته " والغزالي وغلطا من قال: إنه بعد الجسر، وقد روى ~~البخاري: عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «بينا أنا ~~قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: ~~هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى ms1018 النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ~~ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» ) . # قال: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل ~~الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم، فمن جازه سلم من النار. # قلت: وليس بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعارض ولا تناقض ولا ~~اختلاف وحديثه كله يصدق بعضه بعضا، وأصحاب هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا ~~يرى ولا يوصل إليه إلا بعد قطع الصراط، فحديث أبي هريرة هذا وغيره يرد ~~قولهم، وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جازوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوض ~~فشربوا منه، فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا، وهو لا يناقض كونه قبل الصراط، ~~فإن قوله طوله شهر، وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يحيل ~~امتداده إلى وراء الجسر، فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعده، فهذا في حيز ~~الإمكان، ووقوعه موقوف على خبر الصادق والله أعلم. # وقوله ( «- والله على أظمأ - ناهلة قط» ) الناهلة العطاش الواردون # PageV03P596 # الماء أي يردونه أظمأ ما هم إليه، وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط، فإنه ~~جسر النار وقد وردوها كلهم، فلما قطعوه اشتد ظمؤهم إلى الماء فوردوا حوضه ~~صلى الله عليه وسلم كما وردوه في موقف القيامة. # وقوله ( «تخنس الشمس والقمر» ) أي تختفيان فتحتبسان ولا يريان. والاختناس ~~التواري والاختفاء. ومنه قول أبي هريرة فانخنست منه. # وقوله ( «ما بين البابين مسيرة سبعين عاما» ) يحتمل أن يريد به أن ما بين ~~الباب والباب هذا المقدار، ويحتمل أن يريد بالبابين المصراعين، ولا يناقض ~~هذا ما جاء من تقديره بأربعين عاما لوجهين: # أحدهما: إنه لم يصرح فيه راويه بالرفع بل قال: ولقد ذكر لنا أن ما بين ~~المصراعين مسيرة أربعين عاما. والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة ~~السير فيها وبطئه والله أعلم. # وقوله ( «في خمر الجنة أنه ما بها صداع ولا ندامة» ) تعريض بخمر الدنيا ~~وما يلحقها من صداع الرأس، والندامة على ذهاب العقل والمال، وحصول الشر ~~الذي ms1019 يوجبه زوال العقل. والماء غير الآسن هو الذي لم يتغير بطول مكثه. # وقوله في نساء أهل الجنة (غير أن لا توالد) قد اختلف الناس، هل تلد نساء ~~أهل الجنة؟ على قولين: # فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا ~~الحديث وبحديث آخر أظنه في " المسند " وفيه: ( «غير أن لا مني ولا منية» ) ~~وأثبتت طائفة من السلف الولادة في # PageV03P597 # الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في " جامعه " من حديث أبي الصديق الناجي ~~عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «المؤمن إذا اشتهى ~~الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي» ) قال الترمذي حسن ~~غريب، ورواه ابن ماجه. # قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة فإنه علقه ~~بالشرط، فقال: إذا اشتهى ولكنه لا يشتهي، وهذا تأويل إسحاق بن راهويه حكاه ~~البخاري عنه. قالوا: والجنة دار جزاء على الأعمال، وهؤلاء ليسوا من أهل ~~الجزاء، قالوا: والجنة دار خلود لا موت فيها، فلو توالد فيها أهلها على ~~الدوام والأبد لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت. # وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله وقالت " إذا " إنما تكون لمحقق الوقوع ~~لا المشكوك فيه، وقد صح أنه سبحانه ينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بلا عمل ~~منهم، قالوا: وأطفال المسلمين أيضا فيها بغير عمل. # وأما حديث سعتها: فلو رزق كل واحد منهم عشرة آلاف من الولد وسعتهم، فإن ~~أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام. # وقوله ( «يا رسول الله أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه» ) لا جواب لهذه ~~المسألة؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله، وإن ~~أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار، فلا تعلم نفس أقصى ما ~~ينتهي إليه من ذلك، وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم ولهذا لم يجبه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقوله في عقد البيعة ( «وزيال المشرك» ) أي مفارقته ومعاداته فلا # PageV03P598 # يجاوره ولا يواليه كما جاء في الحديث الذي في السنن ms1020 ( «لا تراءى ناراهما» ~~) يعني المسلمين والمشركين. # وقوله ( «حيثما مررت بقبر كافر فقل أرسلني إليك محمد» ) هذا إرسال تقريع ~~وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي، وفيه دليل على سماع أصحاب أهل القبور كلام ~~الأحياء وخطابهم لهم، ودليل على أن من مات مشركا فهو في النار، وإن مات قبل ~~البعثة؛ لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها ~~الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم ~~يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله ~~لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين في ~~كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم ~~لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان ~~سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد ~~في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله ~~أعلم. ### | [فصل في قدوم وفد النخع على رسول الله صلى الله عليه وسلم] # «وقدم عليه وفد النخع وهم آخر الوفود قدوما عليه في نصف المحرم سنة إحدى ~~عشرة في مائتي رجل فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل، فقال رجل منهم، يقال ~~له زرارة بن عمرو: يا رسول الله إني رأيت في سفري هذا عجبا قال: " وما # PageV03P599 # رأيت "؟ قال رأيت أتانا تركتها في الحي كأنها ولدت جديا أسفع أحوى، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تركت أمة لك مصرة على حمل "؟ # قال نعم قال: " فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك "، قال: يا رسول الله فما ~~باله أسفع أحوى؟ فقال: " ادن مني " فدنا منه # فقال: " هل بك من برص تكتمه؟ "، قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد، ~~ولا اطلع عليه غيرك، قال: " فهو ذلك " قال: يا رسول الله ورأيت النعمان بن ~~المنذر عليه قرطان مدملجان ومسكتان، ms1021 قال: " ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه ~~وبهجته، " قال: يا رسول الله ورأيت عجوزا شمطاء قد خرجت من الأرض. # قال: " تلك بقية الدنيا "، قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني ~~وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول: لظى لظى بصير وأعمى أطعموني آكلكم ~~أهلكم ومالكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك فتنة تكون في آخر ~~الزمان ". # قال يا رسول الله وما الفتنة؟ قال: " يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجار ~~أطباق الرأس ". # وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه - يحسب المسيء فيها أنه ~~محسن - " ويكون دم المؤمن عند المؤمن فيها أحلى من شرب الماء إن مات ابنك ~~أدركت الفتنة وإن مت أنت أدركها ابنك " فقال: يا رسول الله ادع الله أن لا ~~أدركها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم لا يدركها " فمات ~~وبقي ابنه وكان ممن خلع عثمان» . ### | [ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم] ### | [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وكسرى والنجاشي] # فصل # ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم ثبت في " ~~الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه كتب ( «إلى هرقل: بسم الله الرحمن # PageV03P600 # الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، ~~أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن ~~توليت فإن عليك إثم الأريسيين و {ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] » ) # وكتب ( «إلى كسرى: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى ~~عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله؛ أدعوك بدعاية الله فإني أنا ~~رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا ms1022 ويحق القول على الكافرين، أسلم ~~تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس " فلما قرئ عليه الكتاب مزقه فبلغ ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " مزق الله ملكه» ) # ( «وكتب إلى النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى ~~النجاشي ملك الحبشة أسلم أنت فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو # PageV03P601 # الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من ~~روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، ~~والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله وإني ~~أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على ~~من اتبع الهدى» ) # وبعث بالكتاب مع عمرو بن أمية الضمري فقال ابن إسحاق: إن عمرا قال له يا ~~أصحمة إن علي القول وعليك الاستماع، إنك كأنك في الرقة علينا وكأنا في ~~الثقة بك منك؛ لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء قط إلا ~~أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، ~~وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الحز وإصابة المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي ~~الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله ~~إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمنك على ما خافهم عليه بخير سالف وأجر ~~ينتظر. # فقال النجاشي: أشهد بالله أنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن ~~بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من ~~الخبر، ثم كتب النجاشي جواب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم " بسم الله ~~الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله ~~من الله ورحمة الله وبركاته، الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بلغني ~~كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء ms1023 والأرض إن عيسى لا ~~يزيد على ما ذكرت ثفروقا إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد ~~قربنا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ~~ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين ". والثفروق علاقة ما بين النواة ~~والقشر. # PageV03P602 # وتوفي النجاشي سنة تسع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته ذلك ~~اليوم فخرج بالناس إلى المصلى فصلى عليه وكبر أربعا. # قلت: وهذا وهم - والله أعلم - وقد خلط راويه ولم يميز بين النجاشي الذي ~~صلى عليه وهو الذي آمن به وأكرم أصحابه وبين النجاشي الذي كتب إليه يدعوه، ~~فهما اثنان وقد جاء ذلك مبينا في " صحيح مسلم " إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كتب إلى النجاشي وليس بالذي صلى عليه. ### | [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس] # فصل # وكتب إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية: ( «بسم الله الرحمن الرحيم من ~~محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما ~~بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، ~~فإن توليت فإن عليك إثم القبط {ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] » ) [آل ~~عمران 64] . # وبعث به مع حاطب بن أبي بلتعة فلما دخل عليه قال له: إنه كان قبلك رجل ~~يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم ~~منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك. فقال: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما ~~هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله، وهو الإسلام الكافي به الله ~~فقد ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له ~~اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى ~~بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ms1024 وكل ~~نبي أدرك قوما فهم من # PageV03P603 # أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن ~~دين المسيح، ولكنا نأمرك به. فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي ~~فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر ~~الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء، والإخبار ~~بالنجوى، وسأنظر. وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج ~~وختم عليه ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية فكتب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله ~~من المقوقس عظيم القبط سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت ~~فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد ~~أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت ~~إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك. ولم يزد على هذا، ولم يسلم، والجاريتان ~~مارية وسيرين والبغلة دلدل بقيت إلى زمن معاوية. ### | [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين] # فصل # وكتب إلى المنذر بن ساوى فذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا ~~الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته، فإذا فيه بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى، وكتب إليه كتابا يدعوه ~~فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد: ~~يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام ~~وأعجبه، ودخل فيه ومنهم من كرهه وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك، ~~فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «بسم الله الرحمن الرحيم من ~~محمد رسول الله إلى # PageV03P604 # المنذر بن ساوى، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: فإني أذكرك ms1025 الله ~~عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد ~~أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد ~~شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل ~~منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية ~~فعليه الجزية» ) . ### | [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى ملك عمان] # فصل # وكتب إلى ملك عمان كتابا وبعثه مع عمرو بن العاص: ( «بسم الله الرحمن ~~الرحيم من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندى، سلام على من اتبع ~~الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله ~~إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن ~~أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام، فإن ملككما زائل ~~عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما» ) . # وكتب أبي بن كعب وختم الكتاب. # قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان فلما قدمتها، عمدت إلى عبد، وكان ~~أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى ~~يقرأ كتابك، ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، ~~وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. # قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك، فإن لنا فيه قدوة؟ قلت مات ~~ولم يؤمن # PageV03P605 # بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على ~~مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا فسألني أين ~~كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع ~~قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: ~~نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب، ~~قلته: ما ms1026 كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام ~~النجاشي، قلت: بلى. # قال: بأي شيء علمت ذلك؟ # قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~قال: لا والله، لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له: ~~يناق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين دينا محدثا؟ # قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به والله لولا الضن ~~بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو، قلت: والله صدقتك. قال ~~عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل ~~وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان وعن ~~الزنى وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. # قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه لو كان أخي يتابعني عليه لركبنا حتى ~~نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا، قلت: إنه ~~إن أسلم، ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من ~~غنيهم، فردها على فقيرهم. قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبرته بما ~~فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى ~~الإبل. # قال يا عمرو: وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ فقلت: ~~نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا، قال: ~~فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه، فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوما، ~~فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي، فقال: دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس فأبوا أن ~~يدعوني أجلس فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض # PageV03P606 # خاتمه وقرأ حتى انتهى إلى آخره ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا ~~أني رأيت أخاه أرق منه، قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه إما ~~راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. # قال ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في ms1027 الإسلام، واختاروه على غيره وعرفوا ~~بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في ~~هذه الحرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، ويبيد خضراءك، ~~فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال. # قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدا فرجعت إلى أخيه، فقال: يا عمرو إني ~~لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه، حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن ~~لي فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه فقال: إني ~~فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا ~~تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. # قلت: وأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي، خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما ~~قد ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى ~~الإسلام هو وأخوه جميعا وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم وخليا بيني وبين ~~الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونا على من خالفني. ### | [فصل كتابه صلى الله عليه وسلم إلى صاحب اليمامة] # فصل # وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي، وأرسل به ~~مع سليط بن عمرو العامري: ( «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى ~~هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف ~~والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك» ) فلما قدم عليه سليط بكتاب # PageV03P607 # رسول الله صلى الله عليه وسلم مختوما أنزله وحياه واقترأ عليه الكتاب، ~~فرد ردا دون رد، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه ~~وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل إلي بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليطا ~~بجائزة، وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبره وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه فقال: ( «لو سألني سيابة ~~من الأرض ما ms1028 فعلت باد وباد ما في يديه» ) . # فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتح، جاءه جبريل عليه ~~السلام: بأن هوذة قد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «أما إن ~~اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي " فقال قائل: يا رسول الله من ~~يقتله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت وأصحابك» ) فكان كذلك. # وذكر الواقدي أن أركون دمشق عظيم من عظماء النصارى كان عند هوذة فسأله عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام، فلم ~~أجبه، قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بديني وأنا ملك قومي، وإن تبعته ~~لم أملك، قال: بلى والله لئن تبعته ليملكنك، فإن الخيرة لك في اتباعه وإنه ~~للنبي العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم، وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل ~~محمد رسول الله. ### | [فصل في كتابه صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر الغساني] # فصل في كتابه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني # وكان بدمشق بغوطتها، فكتب إليه كتابا مع شجاع بن وهب مرجعه من الحديبية: ~~( «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي # PageV03P608 # شمر سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن ~~بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك» ) ، وقد تقدم ذلك. # بعونه تعالى تم طبع الجزء الثالث من زاد المعاد في هدي خير العباد ويليه ~~الجزء الرابع وأوله فصل في الطب النبوي # PageV03P609 ### | فصل الطب النبوي ### | [فصل مرض القلوب] # وقد أتينا على جمل من هديه صلى الله عليه وسلم في المغازي، والسير، ~~والبعوث، والسرايا، والرسائل، والكتب التي كتب بها إلى الملوك ونوابهم. # ونحن نتبع ذلك بذكر فصول نافعة في هديه في الطب الذي تطبب به، ووصفه ~~لغيره، ونبين ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكثر الأطباء عن الوصول ~~إليها، وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم، فنقول وبالله ~~المستعان ومنه نستمد الحول والقوة. # المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان، ms1029 وهما مذكوران في القرآن. # ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن. قال ~~تعالى في مرض الشبهة: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] ~~[البقرة: 10] وقال تعالى: {وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا} [المدثر: 31] [المدثر: 31] وقال تعالى في حق من دعي إلى ~~تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~إذا فريق منهم معرضون - وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين - أفي قلوبهم ~~مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون} ~~[النور: 48 - 50] [النور: 48 و 49] فهذا مرض الشبهات والشكوك. # وأما مرض الشهوات، فقال تعالى: {يانساء النبي لستن كأحد من النساء} ~~[الأحزاب: 32] # PageV04P005 # {إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] ~~[الأحزاب: 32] . فهذا مرض شهوة الزنى، والله أعلم. ### | [فصل مرض الأبدان] # فصل # وأما مرض الأبدان، فقال تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج} [النور: 61] [النور: 61] ، وذكر مرض البدن في الحج ~~والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمة القرآن، والاستغناء به لمن فهمه ~~وعقله عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن ~~المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة، فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه ~~المواضع الثلاثة. # فقال في آية الصوم: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] [البقرة: 184] فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلبا ~~لحفظ صحته وقوته؛ لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة، وما ~~يوجبه من التحليل، وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة، وتضعف، ~~فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها. # وقال في آية الحج: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] [البقرة: 196] ، فأباح للمريض، ومن به أذى ~~من رأسه من قمل أو حكة أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغا لمادة ~~الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في ms1030 رأسه باحتقانها تحت الشعر، فإذا ~~حلق رأسه، تفتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة منها، فهذا الاستفراغ يقاس عليه ~~كل استفراغ يؤذي انحباسه. # والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، والمني إذا ~~تبيغ، والبول، والغائط، والريح، والقيء، والعطاس، والنوم، والجوع، # PageV04P006 # والعطش. وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحسبه. # وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها، وهو البخار المحتقن في الرأس على ~~استفراغ ما هو أصعب منه، كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى. # وأما الحمية: فقال تعالى في آية الوضوء: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا} [النساء: 43] [النساء: 43] ، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى ~~التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له ~~من داخل أو خارج، فقد أرشد - سبحانه - عباده إلى أصول الطب ومجامع قواعده، ~~ونحن نذكر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ونبين أن هديه فيه ~~أكمل هدي. # فأما طب القلوب، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى ~~حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها، ~~وفاطرها، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ~~ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا ~~سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل، وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم، ~~فغلط ممن يظن ذلك، وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية، وصحتها وقوتها، ~~وحياة قلبه وصحته، وقوته عن ذلك بمعزل، ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على ~~حياة قلبه، فإنه من الأموات، وعلى نوره، فإنه منغمس في بحار الظلمات. ### | [فصل طب الأبدان] # فصل # وأما طب الأبدان: فإنه نوعان: # نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه، فهذا لا يحتاج فيه إلى ~~معالجة طبيب، كطب الجوع، والعطش، والبرد، والتعب، بأضدادها وما يزيلها. # PageV04P007 # والثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل كدفع الأمراض ms1031 المتشابهة الحادثة في ~~المزاج بحيث يخرج بها عن الاعتدال، إما إلى حرارة، أو برودة، أو يبوسة، أو ~~رطوبة، أو ما يتركب من اثنين منها، وهي نوعان: إما مادية، وإما كيفية، ~~أعني: إما أن يكون بانصباب مادة، أو بحدوث كيفية، والفرق بينهما أن أمراض ~~الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها، فتزول موادها، ويبقى أثرها ~~كيفية في المزاج. # وأمراض المادة أسبابها معها تمدها، وإذا كان سبب المرض معه، فالنظر في ~~السبب ينبغي أن يقع أولا، ثم في المرض ثانيا، ثم في الدواء ثالثا. أو ~~الأمراض الآلية وهي التي تخرج العضو عن هيئته، إما في شكل، أو تجويف، أو ~~مجرى، أو خشونة، أو ملاسة، أو عدد، أو عظم، أو وضع، فإن هذه الأعضاء إذا ~~تألفت وكان منها البدن سمي تألفها اتصالا، والخروج عن الاعتدال فيه يسمى ~~تفرق الاتصال، أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة والآلية. # والأمراض المتشابهة: هي التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال، وهذا الخروج ~~يسمى مرضا بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا. # وهي على ثمانية أضرب: أربعة بسيطة، وأربعة مركبة، فالبسيطة: البارد، ~~والحار، والرطب، واليابس. والمركبة: الحار الرطب، والحار اليابس، والبارد ~~الرطب، والبارد اليابس. وهي إما أن تكون بانصباب مادة، أو بغير انصباب ~~مادة، وإن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجا عن الاعتدال صحة. # وللبدن ثلاثة أحوال حال طبيعية وحال خارجة عن الطبيعية وحال متوسطة بين ~~الأمرين. فالأولى: بها يكون البدن صحيحا، والثانية بها يكون مريضا. والحال ~~الثالثة هي متوسطة بين الحالتين، فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط ~~وسبب خروج البدن عن طبيعته إما من داخله؛ لأنه مركب من الحار والبارد ~~والرطب واليابس، وإما من خارج فلأن ما يلقاه قد يكون موافقا، # PageV04P008 # وقد يكون غير موافق، والضرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج ~~بخروجه عن الاعتدال، وقد يكون من فساد في العضو، وقد يكون من ضعف في القوى، ~~أو الأرواح الحاملة لها، ويرجع ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته، ~~أو نقصان ما الاعتدال في ms1032 عدم نقصانه، أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله، أو ~~اتصال ما الاعتدال في تفرقه، أو امتداد ما الاعتدال في انقباضه، أو خروج ذي ~~وضع وشكل عن وضعه وشكله بحيث يخرجه عن اعتداله. # فالطبيب: هو الذي يفرق ما يضر بالإنسان جمعه، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه، ~~أو ينقص منه ما يضره زيادته، أو يزيد فيه ما يضره نقصه، فيجلب الصحة ~~المفقودة، أو يحفظها بالشكل والشبه، ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ~~ويخرجها، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية، وسترى هذا كله في هدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شافيا كافيا بحول الله وقوته، وفضله ومعونته. ### | [فصل التداوي] # فصل # فكان من هديه صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه، والأمر به لمن ~~أصابه مرض من أهله وأصحابه، ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال ~~هذه الأدوية المركبة التي تسمى أقرباذين، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، ~~وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سورته، وهذا غالب طب الأمم على ~~اختلاف أجناسها من العرب، والترك، وأهل البوادي قاطبة، وإنما عني بالمركبات ~~الروم واليونانيون، وأكثر طب الهند بالمفردات. # وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى ~~الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب. # قالوا: وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية لم يحاول دفعه بالأدوية. # قالوا: ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي الأدوية، فإن الدواء إذا لم يجد في # PageV04P009 # البدن داء يحلله، أو وجد داء لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته ~~عليه، أو كيفيته تشبث بالصحة وعبث بها. وأرباب التجارب من الأطباء طبهم ~~بالمفردات غالبا، وهم أحد فرق الطب الثلاث. # والتحقيق في ذلك أن الأدوية من جنس الأغذية، فالأمة والطائفة التي غالب ~~أغذيتها المفردات أمراضها قليلة جدا، وطبها بالمفردات وأهل المدن الذين ~~غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون إلى الأدوية المركبة، وسبب ذلك أن ~~أمراضهم في الغالب مركبة، فالأدوية المركبة أنفع لها، وأمراض أهل البوادي ~~والصحاري مفردة، فيكفي في مداواتها الأدوية ms1033 المفردة، فهذا برهان بحسب ~~الصناعة الطبية. # ونحن نقول: إن هاهنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية ~~والعجائز إلى طبهم، وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم، فإن ما عندهم من العلم ~~بالطب منهم من يقول هو قياس. ومنهم من يقول: هو تجربة. ومنهم من يقول: هو ~~إلهامات، ومنامات، وحدس صائب. ومنهم من يقول: أخذ كثير منه من الحيوانات ~~البهيمية كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج فتلغ في ~~الزيت تتداوى به، وكما رئيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض وقد عشيت ~~أبصارها تأتي إلى ورق الرازيانج فتمر عيونها عليها. وكما عهد من الطير الذي ~~يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه، وأمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب. # وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ~~ويضره فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ~~ما جاءت به الأنبياء بل هاهنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم يهتد ~~إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم من ~~الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب واعتماده على الله، والتوكل عليه، ~~والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، ~~والدعاء، # PageV04P010 # والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن ~~المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، ~~فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا ~~تجربته، ولا قياسه. # وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل ~~الأدوية الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة أدوية الطرقية، عند ~~الأطباء، وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجا عنها، ولكن الأسباب ~~متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين، وخالق الداء والدواء، ومدبر ~~الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها ~~القلب البعيد منه المعرض عنه، وقد علم أن الأرواح متى قويت، وقويت النفس ~~والطبيعة تعاونا على دفع الداء ms1034 وقهره، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه، ~~وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به، وحبها له، وتنعمها بذكره، وانصراف ~~قواها كلها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكلها عليه، أن يكون ذلك ~~لها من أكبر الأدوية، وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية، ولا ينكر ~~هذا إلا أجهل الناس، وأغلظهم حجابا، وأكثفهم نفسا، وأبعدهم عن الله وعن ~~حقيقة الإنسانية، وسنذكر إن شاء الله السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة ~~داء اللدغة عن اللديغ التي رقي بها، فقام حتى كأن ما به قلبة. # فهذان نوعان من الطب النبوي، نحن بحول الله نتكلم عليهما بحسب الجهد ~~والطاقة، ومبلغ علومنا القاصرة، ومعارفنا المتلاشية جدا، وبضاعتنا المزجاة، ~~ولكنا نستوهب من بيده الخير كله، ونستمد من فضله، فإنه العزيز الوهاب. # PageV04P011 ### | [فصل الحث على التداوي وربط الأسباب بالمسببات] # فصل # روى مسلم في " صحيحه ": من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء ~~الداء، برأ بإذن الله عز وجل» ) . # وفي " الصحيحين ": عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء» ) . # وفي " مسند الإمام أحمد ": من حديث زياد بن علاقة، ( «عن أسامة بن شريك، ~~قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول ~~الله أنتداوى؟ فقال " نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء ~~إلا وضع له شفاء غير داء واحد "، قالوا: ما هو؟ قال " الهرم» ) . # وفي لفظ: ( «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله ~~من جهله» ) . # وفي " المسند ": من حديث ابن مسعود يرفعه: ( «إن الله عز وجل لم ينزل داء ~~إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله» ) . # PageV04P012 # وفي " المسند " و " السنن": ( «عن أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول الله ~~أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله ~~شيئا؟ فقال: ms1035 " هي من قدر الله» ) . # فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ~~ويجوز أن يكون قوله: ( «لكل داء دواء» ) ، على عمومه حتى يتناول الأدواء ~~القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل ~~لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ لأنه ~~لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي صلى الله عليه وسلم ~~الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل ~~داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم البرء ~~بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز ~~درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي نقله إلى داء آخر، ~~ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصرا، ومتى لم يقع المداوي على ~~الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان ~~صالحا لذلك الدواء لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له أو القوة عاجزة عن ~~حمله، أو ثم مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت ~~المصادفة حصل البرء بإذن الله ولا بد، وهذا أحسن المحملين في الحديث. # والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص، لا سيما والداخل في اللفظ ~~أضعاف أضعاف الخارج منه، وهذا يستعمل في كل لسان ويكون # PageV04P013 # المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء، فلا يدخل في هذا ~~الأدواء التي لا تقبل الدواء، وهذا كقوله تعالى في الريح التي سلطها على ~~قوم عاد: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] [الأحقاف: 25] أي: كل شيء ~~يقبل التدمير، ومن شأن الريح أن تدمره، ونظائره كثيرة. # ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ~~ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، ~~وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ms1036 ما سواه ~~فله ما يضاده ويمانعه كما أنه الغني بذاته وكل ما سواه محتاج بذاته. # وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ~~ينافيه دفع داء الجوع والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة ~~التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا ~~وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه ~~من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزا ينافي التوكل ~~الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ~~ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ~~وإلا كان معطلا للحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا. # وفيها رد على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا ~~يفيد، وإن لم يكن قد قدر فكذلك. وأيضا فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله ~~لا يدفع ولا يرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأما أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن ~~يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى، فقال: ~~هذه الأدوية والرقى والتقى (هي من قدر الله فما خرج شيء عن قدره، بل يرد # PageV04P014 # قدره بقدره وهذا الرد من قدره) ، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، ~~وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد ~~وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع. # ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سببا من الأسباب التي ~~تجلب بها منفعة أو تدفع بها مضرة؛ لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد ~~من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين ~~والدنيا وفساد العالم وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له، فيذكر القدر ~~ليدفع حجة المحق عليه كالمشركين الذين قالوا: {لو شاء الله ما ms1037 أشركنا ولا ~~آباؤنا} [الأنعام: 148] [الأنعام 148] و {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباؤنا} [النحل: 35] [النحل: 35] فهذا قالوه دفعا لحجة الله ~~عليهم بالرسل. # وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدر كذا ~~وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبب وإلا فلا، فإن قال: إن كان ~~قدر لي السبب، فعلته، وإن لم يقدره لي لم أتمكن من فعله. # قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك إذا احتج به عليك ~~فيما أمرته به، ونهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته، فلا تلم من عصاك، وأخذ مالك، ~~وقذف عرضك، وضيع حقوقك، وإن لم تقبله، فكيف يكون مقبولا منك في دفع حقوق ~~الله عليك؟ . وقد روي في أثر إسرائيلي أن إبراهيم الخليل قال: يا رب ممن ~~الداء؟ قال: " مني ". قال: فممن الدواء "؟ قال " مني ". قال فما بال ~~الطبيب؟ . قال " رجل أرسل الدواء على يديه ". # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( «لكل داء دواء» ) تقوية لنفس المريض ~~والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت ~~نفسه أن لدائه دواء يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، ~~وانفتح # PageV04P015 # له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببا ~~لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت ~~القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته. # وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. ~~وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له ~~شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله وصادف داء قلبه أبرأه بإذن الله ~~تعالى. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الاحتماء من التخم والزيادة في الأكل على قدر الحاجة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الاحتماء من التخم، والزيادة في الأكل على ~~قدر الحاجة، والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشرب # في " المسند " وغيره: عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «ما ms1038 ملأ آدمي ~~وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا، ~~فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» ) . # الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت ~~بأفعاله الطبيعية، وهي الأمراض الأكثرية وسببها إدخال الطعام على البدن قبل ~~هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية ~~القليلة النفع البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب ~~المتنوعة، فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية، واعتاد ذلك أورثته أمراضا ~~متنوعة، منها بطيء الزوال وسريعه، فإذا توسط في الغذاء وتناول منه قدر ~~الحاجة، وكان معتدلا في كميته وكيفيته، كان انتفاع البدن به أكثر من ~~انتفاعه بالغذاء الكثير. # PageV04P016 # ومراتب الغذاء ثلاثة: # أحدها: مرتبة الحاجة. # والثانية: مرتبة الكفاية. # والثالثة: مرتبة الفضلة. # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه، فلا تسقط ~~قوته، ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر ~~للماء، والثالث للنفس، وهذا من أنفع ما للبدن والقلب، فإن البطن إذا امتلأ ~~من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له ~~الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل، هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد ~~القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع. ~~فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن. # هذا إذا كان دائما أو أكثريا. وأما إذا كان في الأحيان فلا بأس به، فقد ~~«شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن حتى قال: (والذي ~~بعثك بالحق لا أجد له مسلكا» ) ، وأكل الصحابة بحضرته مرارا حتى شبعوا. # والشبع المفرط يضعف القوى والبدن، وإن أخصبه، وإنما يقوى البدن بحسب ما ~~يقبل من الغذاء، لا بحسب كثرته. # ولما كان في الإنسان جزء أرضي، وجزء هوائي، وجزء مائي، قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم طعامه وشرابه ونفسه على الأجزاء الثلاثة. # فإن قيل: فأين حظ الجزء الناري؟ قيل هذه مسألة تكلم فيها الأطباء وقالوا: ~~إن في البدن ms1039 جزءا ناريا بالفعل، وهو أحد أركانه واسطقساته. # PageV04P017 # ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء وغيرهم وقالوا: ليس في البدن ~~جزء ناري بالفعل، واستدلوا بوجوه: # أحدها: أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى أنه نزل عن الأثير واختلط بهذه ~~الأجزاء المائية والأرضية، أو يقال: إنه تولد فيها وتكون، والأول مستبعد ~~لوجهين، أحدهما: أن النار بالطبع صاعدة، فلو نزلت لكانت بقاسر من مركزها ~~إلى هذا العالم. الثاني: أن تلك الأجزاء النارية لا بد في نزولها أن تعبر ~~على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد، ونحن نشاهد في هذا العالم أن ~~النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل، فتلك الأجزاء الصغيرة عند مرورها بكرة ~~الزمهرير التي هي في غاية البرد ونهاية العظم أولى بالانطفاء. # وأما الثاني: - وهو أن يقال إنها تكونت هاهنا - فهو أبعد وأبعد؛ لأن ~~الجسم الذي صار نارا بعد أن لم يكن كذلك، قد كان قبل صيرورته إما أرضا، ~~وإما ماء، وإما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة، وهذا الذي قد صار ~~نارا أولا، كان مختلطا بأحد هذه الأجسام، ومتصلا بها، والجسم الذي لا يكون ~~نارا إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها لا يكون مستعدا لأن ~~ينقلب نارا؛ لأنه في نفسه ليس بنار، والأجسام المختلطة باردة، فكيف يكون ~~مستعدا لانقلابه نارا؟ # فإن قلتم لم لا تكون هناك أجزاء نارية تقلب هذه الأجسام وتجعلها نارا ~~بسبب مخالطتها إياها؟ # قلنا: الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية كالكلام في الأول، فإن قلتم: ~~إنا نرى من رش الماء على النورة المطفأة تنفصل منها نار، وإذا وقع شعاع ~~الشمس على البلورة ظهرت النار منها، وإذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت # PageV04P018 # النار، وكل هذه النارية حدثت عند الاختلاط، وذلك يبطل ما قررتموه في ~~القسم الأول أيضا. # قال المنكرون: نحن لا ننكر أن تكون المصاكة الشديدة محدثة للنار كما في ~~ضرب الحجارة على الحديد، أو تكون قوة تسخين الشمس محدثة للنار كما في ~~البلورة، لكنا نستبعد ذلك جدا في أجرام النبات والحيوان، إذ ليس في ms1040 أجرامها ~~من الاصطكاك ما يوجب حدوث النار، ولا فيها من الصفاء والصقال ما يبلغ إلى ~~حد البلورة، كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها فلا تتولد النار البتة فالشعاع ~~الذي يصل إلى باطنها كيف يولد النار؟ # الوجه الثاني: في أصل المسألة: أن الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق ~~في غاية السخونة بالطبع فلو كانت تلك السخونة بسبب الأجزاء النارية لكانت ~~محالا إذ تلك الأجزاء النارية مع حقارتها كيف يعقل بقاؤها في الأجزاء ~~المائية الغالبة دهرا طويلا، بحيث لا تنطفئ مع أنا نرى النار العظيمة تطفأ ~~بالماء القليل. # الوجه الثالث: أنه لو كان في الحيوان والنبات جزء ناري بالفعل لكان ~~مغلوبا بالجزء المائي الذي فيه، وكان الجزء الناري مقهورا به وغلبة بعض ~~الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب، ~~فكان يلزم بالضرورة انقلاب تلك الأجزاء النارية القليلة جدا إلى طبيعة ~~الماء الذي هو ضد النار # الوجه الرابع: أن الله سبحانه وتعالى ذكر خلق الإنسان في كتابه في مواضع ~~متعددة يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء، وفي بعضها أنه خلقه من تراب، وفي ~~بعضها أنه خلقه من المركب منهما وهو الطين، وفي بعضها أنه خلقه من صلصال ~~كالفخار، وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى صار صلصالا كالفخار، ولم ~~يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار بل جعل ذلك خاصية إبليس. وثبت # PageV04P019 # في " صحيح مسلم ": عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «خلقت الملائكة من ~~نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» ) ، وهذا صريح في ~~أنه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط، ولم يصف لنا سبحانه أنه خلقه من نار، ~~ولا أن في مادته شيئا من النار. # الوجه الخامس: أن غاية ما يستدلون به ما يشاهدون من الحرارة في أبدان ~~الحيوان، وهي دليل على الأجزاء النارية، وهذا لا يدل فإن أسباب الحرارة أعم ~~من النار، فإنها تكون عن النار تارة، وعن الحركة أخرى، وعن انعكاس الأشعة، ~~وعن سخونة الهواء، وعن مجاورة ms1041 النار، وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضا، وتكون ~~عن أسباب أخر، فلا يلزم من الحرارة النار. # قال أصحاب النار: من المعلوم أن التراب والماء إذا اختلطا فلا بد لهما من ~~حرارة تقتضي طبخهما وامتزاجهما، وإلا كان كل منهما غير ممازج للآخر، ولا ~~متحدا به، وكذلك إذا ألقينا البذر في الطين بحيث لا يصل إليه الهواء ولا ~~الشمس فسد فلا يخلو إما أن يحصل في المركب جسم منضج طابخ بالطبع أو لا، فإن ~~حصل فهو الجزء الناري، وإن لم يحصل لم يكن المركب مسخنا بطبعه بل إن سخن ~~كان التسخين عرضيا، فإذا زال التسخين العرضي لم يكن الشيء حارا في طبعه ولا ~~في كيفيته وكان باردا مطلقا، لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حارا بالطبع ~~فعلمنا أن حرارتها إنما كانت؛ لأن فيها جوهرا ناريا. # وأيضا فلو لم يكن في البدن جزء مسخن لوجب أن يكون في نهاية البرد؛ لأن ~~الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد، وكانت خالية عن المعاون والمعارض وجب ~~انتهاء البرد إلى أقصى الغاية، ولو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد؛ ~~لأن البرد الواصل إليه إذا كان في الغاية كان مثله، والشيء لا ينفعل عن ~~مثله، وإذا لم ينفعل عنه لم يحس به، وإذا لم يحس به لم يتألم عنه، وإن كان # PageV04P020 # دونه فعدم الانفعال يكون أولى، فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع لما ~~انفعل عن البرد ولا تألم به. قالوا: وأدلتكم إنما تبطل قول من يقول: ~~الأجزاء النارية باقية في هذه المركبات على حالها، وطبيعتها النارية، ونحن ~~لا نقول بذلك، بل نقول: إن صورتها النوعية تفسد عند الامتزاج. # قال الآخرون: لم لا يجوز أن يقال: إن الأرض والماء والهواء إذا اختلطت ~~فالحرارة المنضجة الطابخة لها هي حرارة الشمس وسائر الكواكب، ثم ذلك المركب ~~عند كمال نضجه مستعد لقبول الهيئة التركيبية بواسطة السخونة نباتا كان أو ~~حيوانا أو معدنا، وما المانع أن تلك السخونة والحرارة التي في المركبات هي ~~بسبب خواص وقوى يحدثها الله تعالى عند ذلك الامتزاج ms1042 لا من أجزاء نارية ~~بالفعل؟ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتة، وقد اعترف جماعة من ~~فضلاء الأطباء بذلك. # وأما حديث إحساس البدن بالبرد، فنقول: هذا يدل على أن في البدن حرارة ~~وتسخينا ومن ينكر ذلك؟ لكن ما الدليل على انحصار المسخن في النار، فإنه وإن ~~كان كل نار مسخنا فإن هذه القضية لا تنعكس كلية بل عكسها الصادق بعض المسخن ~~نار. # وأما قولكم بفساد صورة النار النوعية، فأكثر الأطباء على بقاء صورتها ~~النوعية، والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف بفساده أفضل متأخريكم في كتابه ~~المسمى بالشفا، وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركبات. ~~وبالله التوفيق. # PageV04P021 ### | [فصل أنواع علاجه صلى الله عليه وسلم] ### | [القسم الأول العلاج بالأدوية الطبيعية] ### | [فصل في هديه في علاج الحمى] # فصل # وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواع. . . # أحدها: بالأدوية الطبيعية. # والثاني: بالأدوية الإلهية. # والثالث بالمركب من الأمرين. # ونحن نذكر الأنواع الثلاثة من هديه صلى الله عليه وسلم، فنبدأ بذكر ~~الأدوية الطبيعية التي وصفها واستعملها، ثم نذكر الأدوية الإلهية ثم ~~المركبة. # وهذا إنما نشير إليه إشارة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث ~~هاديا، وداعيا إلى الله، وإلى جنته، ومعرفا بالله، ومبينا للأمة مواقع رضاه ~~وآمرا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء ~~والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، ~~وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. # وأما طب الأبدان: فجاء من تكميل شريعته ومقصودا لغيره بحيث إنما يستعمل ~~عند الحاجة إليه فإذا قدر على الاستغناء عنه، كان صرف الهمم والقوى إلى ~~علاج القلوب والأرواح، وحفظ صحتها، ودفع أسقامها، وحميتها مما يفسدها هو ~~المقصود بالقصد الأول، وإصلاح البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفساد البدن ~~مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدا، وهي مضرة زائلة تعقبها المنفعة الدائمة ~~التامة، وبالله التوفيق. # PageV04P022 # ذكر القسم الأول: وهو العلاج بالأدوية الطبيعية # فصل # في هديه في علاج الحمى # ثبت في " الصحيحين ": عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى ms1043 الله عليه وسلم ~~قال: ( «إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء» ) . # وقد أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة الأطباء، ورأوه منافيا لدواء الحمى ~~وعلاجها، ونحن نبين بحول الله وقوته وجهه وفقهه فنقول: خطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم نوعان: عام لأهل الأرض، وخاص ببعضهم، فالأول: كعامة خطابه، ~~والثاني: كقوله: ( «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن ~~شرقوا أو غربوا» ) فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق # PageV04P023 # ولكن لأهل المدينة وما على سمتها كالشام وغيرها. وكذلك قوله ( «ما بين ~~المشرق والمغرب قبلة» ) . # وإذا عرف هذا فخطابه في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز، ما والاهم إذ كان ~~أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة عن شدة ~~حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا، فإن الحمى حرارة ~~غريبة تشتعل في القلب، وتنبث منه بتوسط الروح والدم في الشرايين والعروق ~~إلى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية. # وهي تنقسم إلى قسمين: عرضية: وهي الحادثة إما عن الورم، أو الحركة، أو ~~إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك. # ومرضية: وهي ثلاثة أنواع، وهي لا تكون إلا في مادة أولى، ثم منها يسخن ~~جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلقها بالروح سميت حمى يوم؛ لأنها في الغالب ~~تزول في يوم، ونهايتها ثلاثة أيام، وإن كان مبدأ تعلقها بالأخلاط سميت ~~عفنية، وهي أربعة أصناف: صفراوية وسوداوية، وبلغمية، ودموية. وإن كان مبدأ ~~تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية، سميت حمى دق، وتحت هذه الأنواع أصناف ~~كثيرة. # وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء، وكثيرا ما يكون ~~حمى يوم، وحمى العفن سببا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها، وسببا ~~لتفتح سدد لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة. # وأما الرمد الحديث والمتقادم فإنها تبرئ أكثر أنواعه برءا عجيبا سريعا # PageV04P024 # وتنفع من الفالج، واللقوة، والتشنج الامتلائي، وكثير من الأمراض الحادثة ~~عن الفضول الغليظة. # وقال لي بعض فضلاء الأطباء: إن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى، كما ms1044 ~~يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء بكثير، فإنها ~~تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها ~~الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببا للشفاء. # وإذا عرف هذا فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية، فإنها ~~تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج، ولا ~~يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر، فإنها مجرد كيفية حارة متعلقة بالروح، ~~فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها، وتخمد لهبها من غير حاجة ~~إلى استفراغ مادة أو انتظار نضج. # ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحميات، وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس: ~~بأن الماء البارد ينفع فيها، قال في المقالة العاشرة من كتاب " حيلة البرء ~~": ولو أن رجلا شابا حسن اللحم، خصب البدن في وقت القيظ، وفي وقت منتهى ~~الحمى، وليس في أحشائه ورم، استحم بماء بارد أو سبح فيه لانتفع بذلك. قال: ~~ونحن نأمر بذلك لا توقف. # PageV04P025 # وقال الرازي في كتابه الكبير: إذا كانت القوة قوية والحمى حادة جدا ~~والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شربا، وإن كان ~~العليل خصب البدن والزمان حار، وكان معتادا لاستعمال الماء البارد من خارج، ~~فليؤذن فيه. # وقوله: ( «الحمى من فيح جهنم» ) هو شدة لهبها، وانتشارها ونظيره قوله: ( ~~«شدة الحر من فيح جهنم» ) ، وفيه وجهان: # أحدهما: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها، ~~ويعتبروا بها، ثم إن الله سبحانه قدر ظهورها بأسباب تقتضيها، كما أن الروح ~~والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ~~ودلالة، وقدر ظهورها بأسباب توجبها. # والثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبه شدة الحمى ولهبها بفيح جهنم، وشبه ~~شدة الحر به أيضا تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه الحرارة ~~العظيمة مشبهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. # وقوله: " فأبردوها "، روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعي: من أبرد ~~الشيء إذا صيره باردا مثل: أسخنه إذا صيره ms1045 سخنا. # والثاني: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشيء يبرده، وهو أفصح لغة ~~واستعمالا، والرباعي لغة رديئة عندهم، قال: # إذا وجدت لهيب الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد # PageV04P026 # هبني بردت ببرد الماء ظاهره # فمن لنار على الأحشاء تتقد # وقوله " بالماء " فيه قولان. أحدهما: أنه كل ماء وهو الصحيح. # والثاني: أنه ماء زمزم، واحتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري في " ~~صحيحه " عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة ~~فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم» ) ~~. وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرا لأهل مكة بماء زمزم، إذ هو ~~متيسر عندهم ولغيرهم بما عندهم من الماء. # ثم اختلف من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو ~~استعماله؟ على قولين. والصحيح أنه استعمال، وأظن أن الذي حمل من قال: ~~المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، ولم يفهم ~~وجهه مع أن لقوله وجها حسنا وهو أن الجزاء من جنس العمل فكما أخمد لهيب ~~العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقا، ولكن ~~هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به فاستعماله. # وقد ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه: ( «إذا حم أحدكم، فليرش عليه ~~الماء البارد ثلاث ليال من السحر» ) . # PageV04P027 # وفي " سنن ابن ماجه " عن أبي هريرة يرفعه: ( «الحمى كير من كير جهنم، ~~فنحوها عنكم بالماء البارد» ) . # وفي " المسند " وغيره من حديث الحسن، عن سمرة يرفعه: ( «الحمى قطعة من ~~النار، فأبردوها عنكم بالماء البارد» ) . ( «وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل» ) . # وفي " السنن ": من حديث أبي هريرة قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسبها رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لا تسبها ~~فإنها تنفي ms1046 الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد» ) . # لما كانت الحمى يتبعها حمية عن الأغذية الرديئة، وتناول الأغذية والأدوية ~~النافعة، وفي ذلك إعانة على تنقية البدن ونفي أخباثه وفضوله وتصفيته من ~~مواده الرديئة، وتفعل فيه كما تفعل النار في الحديد في نفي خبثه وتصفية ~~جوهره كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي تصفي جوهر الحديد، وهذا القدر هو ~~المعلوم عند أطباء الأبدان. # وأما تصفيتها القلب من وسخه ودرنه وإخراجها خبائثه، فأمر يعلمه أطباء ~~القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ~~مرض القلب إذا # PageV04P028 # صار مأيوسا من برئه لم ينفع فيه هذا العلاج. # فالحمى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان، وذكرت ~~مرة وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبها: # زارت مكفرة الذنوب وودعت ... تبا لها من زائر ومودع # قالت وقد عزمت على ترحالها ... ماذا تريد فقلت أن لا ترجعي # فقلت: تبا له إذ سب ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبه، ولو ~~قال: # زارت مكفرة الذنوب لصبها ... أهلا بها من زائر ومودع # قالت وقد عزمت على ترحالها ... ماذا تريد فقلت: أن لا تقلعي # لكان أولى به، ولأقلعت عنه، فأقلعت عني سريعا. وقد روي في أثر لا أعرف ~~حاله ( «حمى يوم كفارة سنة» ) ، وفيه قولان أحدهما: أن الحمى تدخل في كل ~~الأعضاء والمفاصل، وعدتها ثلاثمائة وستون مفصلا فتكفر عنه - بعدد كل مفصل - ~~ذنوب يوم. # والثاني: أنها تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلى سنة، كما قيل في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: ( «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما» ) ~~: إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد وعروقه وأعضائه أربعين يوما، والله أعلم. # قال أبو هريرة: ( «ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى؛ لأنها تدخل في # PageV04P029 # كل عضو مني، وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من الأجر» ) . # وقد روى الترمذي في " جامعه " من حديث رافع بن خديج يرفعه: ( «إذا أصابت ~~أحدكم الحمى - وإن الحمى قطعة من النار - فليطفئها بالماء ms1047 البارد ويستقبل ~~نهرا جاريا، فليستقبل جرية الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، وليقل: بسم ~~الله اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن ~~برئ، وإلا ففي خمس، فإن لم يبرأ في خمس، فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، ~~فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله» ) . # قلت: وهو ينفع فعله في فصل الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي ~~تقدمت، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور ~~القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم، والسكون، وبرد الهواء، فتجتمع فيه ~~قوة القوى، وقوة الدواء، وهو الماء البارد على حرارة الحمى العرضية، أو ~~الغب الخالصة، أعني التي لا ورم معها، ولا شيء من الأعراض الرديئة والمواد ~~الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، لا سيما في أحد الأيام المذكورة في الحديث، ~~وهي الأيام التي يقع فيها بحران الأمراض الحادة كثيرا، سيما في البلاد ~~المذكورة لرقة أخلاط سكانها، وسرعة انفعالهم عن الدواء النافع. ### | [فصل هديه في علاج استطلاق البطن] # فصل في هديه في علاج استطلاق البطن # في " الصحيحين ": من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري، «أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه، وفي رواية: استطلق ~~بطنه، فقال: ("اسقه عسلا "، فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته، فلم يغن عنه ~~شيئا، وفي # PageV04P030 # لفظ: فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول له: "اسقه عسلا ~~"، فقال له في الثالثة أو الرابعة: صدق الله، وكذب بطن أخيك» ) . # وفي " صحيح مسلم " في لفظ له: " «إن أخي عرب بطنه» "، أي: فسد هضمه، ~~واعتلت معدته، والاسم: العرب بفتح الراء، والذرب أيضا. # والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء ~~وغيرها، محلل للرطوبات أكلا وطلاء، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم، ومن كان ~~مزاجه باردا رطبا، وهو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع ~~فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد والصدر، مدر للبول، موافق ~~للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حارا بدهن ms1048 الورد، نفع من نهش الهوام ~~وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجا بماء نفع من عضة الكلب الكلب، وأكل ~~الفطر القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري، حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن ~~جعل فيه القثاء، والخيار، والقرع، والباذنجان، ويحفظ كثيرا من الفاكهة ستة ~~أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين. وإذا لطخ به البدن المقمل ~~والشعر، قتل قمله وصئبانه، وطول الشعر، وحسنه، ونعمه، وإن اكتحل به جلا ~~ظلمة البصر وإن استن به بيض الأسنان وصقلها، وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ويفتح ~~أفواه العروق، ويدر الطمث، ولعقه على الريق يذهب البلغم، ويغسل خمل المعدة، ~~ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخينا معتدلا، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد ~~والكلى والمثانة، وهو أقل ضررا لسدد الكبد والطحال من كل حلو. # وهو مع هذا كله مأمون الغائلة، قليل المضار، مضر بالعرض للصفراويين # PageV04P031 # ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذ نافعا له جدا. # وهو غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع ~~الحلوى، وطلاء مع الأطلية، ومفرح مع المفرحات، فما خلق لنا شيء في معناه ~~أفضل منه، ولا مثله ولا قريب منه، ولم يكن معول القدماء إلا عليه، وأكثر ~~كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة، ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث ~~قريبا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق، وفي ذلك سر ~~بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ~~ذكر هديه في حفظ الصحة. # وفي " سنن ابن ماجه " مرفوعا من حديث أبي هريرة ( «من لعق العسل ثلاث ~~غدوات كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء» ) ، وفي أثر آخر: ( «عليكم ~~بالشفاءين: العسل والقرآن» ) فجمع بين الطب البشري والإلهي، وبين طب ~~الأبدان وطب الأرواح، وبين الدواء الأرضي والدواء السمائي. # إذا عرف هذا، فهذا الذي وصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل، كان ~~استطلاق بطنه عن تخمة أصابته عن امتلاء، فأمره بشرب العسل لدفع الفضول ~~المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، وكان ~~قد ms1049 أصاب المعدة أخلاط لزجة، تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها فإن المعدة ~~لها خمل كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها # PageV04P032 # وأفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاء والعسل ~~من أحسن ما عولج به هذا الداء لا سيما إن مزج بالماء الحار. # وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار ~~وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه لم يزله بالكلية وإن جاوزه أوهى القوى، ~~فأحدث ضررا آخر، فلما أمره أن يسقيه العسل سقاه مقدارا لا يفي بمقاومة ~~الداء ولا يبلغ الغرض فلما أخبره علم أن الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة ~~فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكد عليه المعاودة ليصل إلى ~~المقدار المقاوم للداء فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء، برأ بإذن الله، ~~واعتبار مقادير الأدوية وكيفياتها ومقدار قوة المرض مرض من أكبر قواعد ~~الطب. # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( «صدق الله وكذب بطن أخيك» ) إشارة إلى ~~تحقيق نفع هذا الدواء، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه، ولكن لكذب ~~البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة. # وليس طبه صلى الله عليه وسلم كطب الأطباء، فإن طب النبي صلى الله عليه ~~وسلم متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل. وطب غيره ~~أكثره حدس وظنون وتجارب، ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة ~~فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقي له ~~بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور - إن لم يتلق ~~هذا التلقي - لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا ~~رجسا إلى رجسهم ومرضا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه فطب النبوة لا ~~يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة ~~والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن ~~الذي هو الشفاء النافع، وليس ذلك ms1050 لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، ~~وفساد المحل وعدم قبوله، والله الموفق. # PageV04P033 ### | [فصل بيان أن العسل فيه شفاء للناس] # فصل # وقد اختلف الناس في قوله تعالى: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه ~~شفاء للناس} [النحل: 69] [النحل: 69] ، هل الضمير في " فيه " راجع إلى ~~الشراب، أو راجع إلى القرآن؟ على قولين: الصحيح رجوعه إلى الشراب وهو قول ~~ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأكثرين فإنه هو المذكور والكلام ~~سيق لأجله، ولا ذكر للقرآن في الآية، وهذا الحديث الصحيح وهو قوله: " صدق ~~الله " كالصريح فيه، والله تعالى أعلم. ### | [فصل هديه في الطاعون وعلاجه والاحتراز منه] # فصل في هديه في الطاعون، وعلاجه، والاحتراز منه # في " الصحيحين " عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه سمعه يسأل ~~أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال ~~أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «الطاعون رجز أرسل على طائفة ~~من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه، ~~وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه» ) . # وفي " الصحيحين " أيضا: عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال أنس بن مالك: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «الطاعون شهادة لكل مسلم» ) . # PageV04P034 # الطاعون - من حيث اللغة - نوع من الوباء، قاله صاحب " الصحاح " وهو عند ~~أهل الطب: ورم رديء قتال يخرج معه تلهب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ~~ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر، أو أكمد ويئول أمره إلى التقرح ~~سريعا. وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع في الإبط وخلف الأذن والأرنبة وفي ~~اللحوم الرخوة. # وفي أثر عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «الطعن قد عرفناه، ~~فما الطاعون؟ قال: (غدة كغدة البعير يخرج في المراق والإبط» ) . # قال الأطباء: إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة، والمغابن، وخلف الأذن ~~والأرنبة، وكان من جنس فاسد سمي طاعونا، وسببه دم رديء مائل إلى العفونة ~~والفساد، مستحيل إلى جوهر سمي، يفسد ms1051 العضو ويغير ما يليه، وربما رشح دما ~~وصديدا ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والخفقان والغشي، وهذا ~~الاسم وإن كان يعم كل ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصير لذلك قتالا، ~~فإنه يختص به الحادث في اللحم الغددي؛ لأنه لرداءته لا يقبله من الأعضاء ~~إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما حدث في الإبط وخلف الأذن لقربهما من ~~الأعضاء التي هي أرأس، وأسلمه الأحمر، ثم الأصفر. والذي إلى السواد فلا ~~يفلت منه أحد. # ولما كان الطاعون يكثر في الوباء، وفي البلاد الوبيئة، عبر عنه بالوباء، ~~كما قال الخليل: الوباء الطاعون. وقيل: هو كل مرض يعم، والتحقيق أن بين ~~الوباء # PageV04P035 # والطاعون عموما وخصوصا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونا، وكذلك ~~الأمراض العامة أعم من الطاعون فإنه واحد منها، والطواعين خراجات وقروح ~~وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها. # قلت: هذه القروح والأورام والجراحات هي آثار الطاعون وليست نفسه، ولكن ~~الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون. والطاعون ~~يعبر به عن ثلاثة أمور: # أحدها: هذا الأثر الظاهر، وهو الذي ذكره الأطباء. # والثاني: الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله: ( ~~«الطاعون شهادة لكل مسلم» ) . # والثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، وقد ورد في الحديث الصحيح: ( «أنه ~~بقية رجز أرسل على بني إسرائيل» ) ، وورد فيه " أنه وخز الجن " وجاء أنه ~~دعوة نبي. # وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، كما ليس عندهم ما يدل ~~عليها، والرسل تخبر بالأمور الغائبة، وهذه الآثار التي أدركوها من أمر ~~الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثير الأرواح في ~~الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح ~~وتأثيراتها، وانفعال الأجسام وطبائعها عنها، والله سبحانه قد يجعل لهذه ~~الأرواح تصرفا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء، كما يجعل ~~لها تصرفا عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئة رديئة، ولا سيما ~~عند هيجان الدم، والمرة السوداء، وعند هيجان المني، فإن ms1052 الأرواح الشيطانية ~~تتمكن من فعلها بصاحب # PageV04P036 # هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب ~~من الذكر، والدعاء، والابتهال والتضرع، والصدقة، وقراءة القرآن، فإنه ~~يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة، ويبطل شرها ~~ويدفع تأثيرها، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا الله، ورأينا ~~لاستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية ~~الطبيعة، ودفع المواد الرديئة، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها، ولا يكاد ~~ينخرم، فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي ~~تدفعها عنه، وهي له من أنفع الدواء، وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه ~~وقدره، أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا ~~يريدها ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا. # وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على ~~التداوي بالرقى، والعوذ النبوية، والأذكار، والدعوات، وفعل الخيرات، ونبين ~~أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي، كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى ~~طبهم، كما اعترف به حذاقهم وأئمتهم ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء ~~انفعالا عن الأرواح وأن قوى العوذ، والرقى، والدعوات، فوق قوى الأدوية، حتى ~~إنها تبطل قوى السموم القاتلة. # والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام، والعلة الفاعلة ~~للطاعون، فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة ~~جوهره إلى الرداءة؛ لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة، والنتن ~~والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف، ~~وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل ~~الصيف، وعدم تحللها في آخره وفي الخريف لبرد الجو وردغة الأبخرة والفضلات ~~التي كانت تتحلل في زمن الصيف، فتنحصر، فتسخن، وتعفن فتحدث الأمراض العفنة ~~ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا قابلا رهلا، قليل # PageV04P037 # الحركة كثير المواد فهذا لا يكاد يفلت من العطب. # وأصح الفصول فيه فصل الربيع. قال أبقراط: إن في الخريف أشد ما تكون من ~~الأمراض، ms1053 وأقتل، وأما الربيع فأصح الأوقات كلها وأقلها موتا، وقد جرت عادة ~~الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل ~~الخريف، فهو ربيعهم، وهم أشوق شيء إليه، وأفرح بقدومه، وقد روي في حديث: ( ~~«إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد» ) . وفسر بطلوع الثريا، وفسر ~~بطلوع النبات زمن الربيع ومنه: {والنجم والشجر يسجدان} [الرحمن: 6] ~~[الرحمن: 7] ، فإن كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الربيع، وهو الفصل الذي ~~ترتفع فيه الآفات. # وأما الثريا، فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها. # قال التميمي في كتاب " مادة البقاء ": أشد أوقات السنة فسادا، وأعظمها ~~بلية على الأجساد وقتان: أحدهما: وقت سقوط الثريا للمغيب عند طلوع الفجر. # PageV04P038 # والثاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشمس على العالم، بمنزلة من ~~منازل القمر، وهو وقت تصرم فصل الربيع وانقضائه، غير أن الفساد الكائن عند ~~طلوعها أقل ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها. # وقال أبو محمد بن قتيبة: يقال: ما طلعت الثريا، ولا نأت إلا بعاهة في ~~الناس والإبل، وغروبها أعوه من طلوعها. # وفي الحديث قول ثالث - ولعله أولى الأقوال به - أن المراد بالنجم: ~~الثريا، وبالعاهة: الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل ~~الربيع، فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور، ولذلك نهى صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها. والمقصود: ~~الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم عند وقوع الطاعون. ### | [فصل النهي عن الدخول إلى أرض الطاعون والخروج منها] # فصل # وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض ~~التي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه، فإن في ~~الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء، وموافاة له في محل سلطانه، ~~وإعانة للإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى ~~أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها، وهي حمية عن الأمكنة، ~~والأهوية المؤذية. # وأما نهيه عن الخروج من بلده، ففيه معنيان: ms1054 # أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله، والتوكل عليه والصبر على أقضيته ~~والرضا بها. # والثاني: ما قاله أئمة الطب: أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج # PageV04P039 # عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلل الغذاء ويميل إلى التدبير المجفف من كل ~~وجه إلا الرياضة والحمام، فإنهما مما يجب أن يحذرا؛ لأن البدن لا يخلو ~~غالبا من فضل رديء كامن فيه، فتثيره الرياضة والحمام، ويخلطانه بالكيموس ~~الجيد، وذلك يجلب علة عظيمة بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدعة، وتسكين ~~هيجان الأخلاط، ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة ~~شديدة، وهي مضرة جدا. هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين، فظهر المعنى الطبي ~~من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما. # فإن قيل: ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( «لا تخرجوا فرارا منه» ) ، ~~ما يبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه، وأنه لا يمنع الخروج لعارض ~~ولا يحبس مسافرا عن سفره؟ قيل: لم يقل أحد طبيب ولا غيره: إن الناس يتركون ~~حركاتهم عند الطواعين ويصيرون بمنزلة الجمادات، وإنما ينبغي فيه التقلل من ~~الحركة بحسب الإمكان، والفار منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفرار منه، ~~ودعته وسكونه أنفع لقلبه وبدنه وأقرب إلى توكله على الله تعالى واستسلامه ~~لقضائه. وأما من لا يستغني عن الحركة كالصناع والأجراء والمسافرين والبرد ~~وغيرهم فلا يقال لهم: اتركوا حركاتكم جملة، وإن أمروا أن يتركوا منها ما لا ~~حاجة لهم إليه كحركة المسافر فارا منه، والله تعالى أعلم. # وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم: # أحدها: تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها. # الثاني: الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد. # الثالث: أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيمرضون. # PageV04P040 # الرابع: أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم ~~من جنس أمراضهم. # وفي " سنن أبي داود " مرفوعا: ( «إن من القرف التلف» ) . # قال ابن قتيبة: القرف مداناة الوباء، ومداناة المرضى. # الخامس: حمية النفوس عن الطيرة والعدوى فإنها تتأثر بهما، فإن ms1055 الطيرة على ~~من تطير بها، وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر والحمية ~~والنهي عن التعرض لأسباب التلف. وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل، ~~والتسليم، والتفويض، فالأول: تأديب وتعليم، والثاني: تفويض وتسليم. # وفي الصحيح: ( «أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه ~~أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا ~~فقال لابن عباس: ادع لي المهاجرين الأولين، قال: فدعوتهم فاستشارهم، ~~وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا، فقال له بعضهم: خرجت لأمر فلا ~~نرى أن ترجع عنه. وقال آخرون معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال عمر: ارتفعوا عني، ثم ~~قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا ~~كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من هاهنا من مشيخة قريش من ~~مهاجرة الفتح فدعوتهم له فلم يختلف عليه منهم رجلان، قالوا: نرى أن ترجع ~~بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فأذن عمر في الناس إني مصبح على ظهر ~~فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين أفرارا من قدر ~~الله تعالى؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله تعالى ~~إلى قدر الله # PageV04P041 # تعالى أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما - خصبة، ~~والأخرى جدبة، ألست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله تعالى، وإن رعيتها ~~الجدبة رعيتها بقدر الله تعالى؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا ~~في بعض حاجاته، فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم ~~به بأرض فلا تقدموا عليه» ) . ### | [فصل هديه في داء الاستسقاء وعلاجه] # فصل في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه # في " الصحيحين ": من حديث أنس بن مالك قال: " «قدم رهط من عرينة وعكل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة، ms1056 فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: (لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ~~ففعلوا فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وحاربوا الله ~~ورسوله فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم ~~وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا» ) . # PageV04P042 # والدليل على أن هذا المرض كان الاستسقاء، ما رواه مسلم في " صحيحه " في ~~هذا الحديث أنهم قالوا: «إنا اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشت ~~أعضاؤنا» وذكر تمام الحديث. . . # والجوى: داء من أدواء الجوف - والاستسقاء: مرض مادي سببه مادة غريبة ~~باردة تتخلل الأعضاء فتربو لها إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع ~~الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحمي ~~وهو أصعبها. وزقي وطبلي. # ولما كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالبة التي فيها ~~إطلاق معتدل وإدرار بحسب الحاجة وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل ~~وألبانها، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها؛ فإن في لبن اللقاح جلاء ~~وتليينا، وإدرارا وتلطيفا، وتفتيحا للسدد، إذ كان أكثر رعيها الشيح، ~~والقيصوم، والبابونج، والأقحوان، والإذخر، وغير ذلك من الأدوية النافعة ~~للاستسقاء. # وهذا المرض لا يكون إلا مع آفة في الكبد خاصة أو مع مشاركة وأكثرها عن ~~السدد فيها ولبن اللقاح العربية نافع من السدد لما فيه من التفتيح والمنافع ~~المذكورة. # قال الرازي: لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد، وفساد المزاج، وقال ~~الإسرائيلي: لبن اللقاح أرق الألبان وأكثرها مائية وحدة وأقلها غذاء، فلذلك ~~صار أقواها على تلطيف الفضول وإطلاق البطن وتفتيح السدد ويدل على ذلك ~~ملوحته اليسيرة التي فيه لإفراط حرارة حيوانية بالطبع؛ ولذلك صار أخص ~~الألبان بتطرية الكبد وتفتيح سددها وتحليل صلابة الطحال إذا كان حديثا، # PageV04P043 # والنفع من الاستسقاء خاصة إذا استعمل لحرارته التي يخرج بها من الضرع مع ~~بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحته ~~وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن فإن تعذر انحداره وإطلاقه البطن وجب أن يطلق ~~بدواء مسهل. # قال صاحب " القانون ": ولا يلتفت ms1057 إلى ما يقال: من أن طبيعة اللبن مضادة ~~لعلاج الاستسقاء. قال: واعلم أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء ~~برفق، وما فيه من خاصية وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانا أقام ~~عليه بدل الماء والطعام شفي به، وقد جرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب ~~فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا. وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي، وهو ~~النجيب، انتهى. # وفي القصة دليل على التداوي والتطبب وعلى طهارة بول مأكول اللحم فإن ~~التداوي بالمحرمات غير جائز ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم ~~وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصلاة، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت ~~الحاجة. # وعلى مقاتلة الجاني بمثل ما فعل، فإن هؤلاء قتلوا الراعي، وسملوا عينيه، ~~ثبت ذلك في " صحيح مسلم ". # وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد. # وعلى أنه إذا اجتمع في حق الجاني حد وقصاص استوفيا معا فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قطع أيديهم وأرجلهم حدا لله على حرابهم وقتلهم لقتلهم ~~الراعي. # PageV04P044 # وعلى أن المحارب إذا أخذ المال، وقتل قطعت يده ورجله في مقام واحد وقتل. # وعلى أن الجنايات إذا تعددت تغلظت عقوباتها، فإن هؤلاء ارتدوا بعد ~~إسلامهم، وقتلوا النفس، ومثلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا بالمحاربة. # وعلى أن حكم ردء المحاربين حكم مباشرهم فإنه من المعلوم أن كل واحد منهم ~~لم يباشر القتل بنفسه، ولا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # وعلى أن قتل الغيلة يوجب قتل القاتل حدا، فلا يسقطه العفو، ولا تعتبر فيه ~~المكافأة، وهذا مذهب أهل المدينة وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا ~~وأفتى به. ### | [فصل هديه في علاج الجرح] # فصل في هديه في علاج الجرح # في " الصحيحين ": عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد يسأل عما دووي به جرح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: ( «جرح وجهه، وكسرت رباعيته، ~~وهشمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل ~~الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها ms1058 بالمجن، فلما رأت فاطمة الدم لا ~~يزيد إلا كثرة، أخذت قطعة حصير، فأحرقتها حتى إذا صارت رمادا ألصقته بالجرح ~~فاستمسك الدم» ) ، برماد الحصير المعمول من البردي وله فعل قوي في حبس ~~الدم؛ لأن فيه تجفيفا قويا وقلة لذع، فإن الأدوية القوية التجفيف إذا كان ~~فيها لذع # PageV04P045 # هيجت الدم وجلبته وهذا الرماد إذا نفخ وحده أو مع الخل في أنف الراعف قطع ~~رعافه. # وقال صاحب " القانون ": البردي ينفع من النزف، ويمنعه، ويذر على الجراحات ~~الطرية فيدملها، والقرطاس المصري كان قديما يعمل منه، ومزاجه بارد يابس، ~~ورماده نافع من أكلة الفم، ويحبس نفث الدم ويمنع القروح الخبيثة أن تسعى. ### | [فصل هديه في العلاج بشرب العسل والحجامة والكي] # فصل في هديه في العلاج بشرب العسل، والحجامة، والكي # في " صحيح البخاري ": عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ( «الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا ~~أنهى أمتي عن الكي» ) . # قال أبو عبد الله المازري: الأمراض الامتلائية: إما أن تكون دموية أو ~~صفراوية أو بلغمية أو سوداوية. فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم، وإن ~~كانت من الأقسام الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها، ~~وكأنه صلى الله عليه وسلم نبه بالعسل على المسهلات، وبالحجامة على الفصد، ~~وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله: ( «شرطة محجم» ) . فإذا أعيا ~~الدواء فآخر الطب الكي، فذكره صلى الله عليه وسلم في الأدوية؛ لأنه يستعمل ~~عند غلبة الطباع لقوى الأدوية وحيث لا ينفع الدواء المشروب. وقوله: ( «وأنا ~~أنهى أمتي عن الكي» ) وفي الحديث الآخر: ( «وما أحب أن أكتوي» ) إشارة إلى ~~أن يؤخر العلاج به حتى # PageV04P046 # تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الألم الشديد ~~في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي، انتهى كلامه. # وقال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية إما أن تكون بمادة أو بغير مادة، ~~والمادية منها: إما حارة، أو باردة، أو رطبة، أو يابسة، أو ما تركب منها، ~~وهذه ms1059 الكيفيات الأربع منها كيفيتان فاعلتان: وهما الحرارة والبرودة ~~وكيفيتان منفعلتان؛ وهما الرطوبة واليبوسة، ويلزم من غلبة إحدى الكيفيتين ~~الفاعلتين استصحاب كيفية منفعلة معها، وكذلك كان لكل واحد من الأخلاط ~~الموجودة في البدن وسائر المركبات كيفيتان: فاعلة ومنفعلة. # فحصل من ذلك أن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط ~~التي هي الحرارة والبرودة، فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض التي هي ~~الحارة والباردة على طريق التمثيل، فإن كان المرض حارا عالجناه بإخراج الدم ~~بالفصد كان أو بالحجامة؛ لأن في ذلك استفراغا للمادة وتبريدا للمزاج. وإن ~~كان باردا عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل فإن كان يحتاج مع ذلك إلى ~~استفراغ المادة الباردة فالعسل أيضا يفعل في ذلك لما فيه من الإنضاج، ~~والتقطيع، والتلطيف، والجلاء، والتليين، فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة ~~برفق وأمن من نكاية المسهلات القوية. # وأما الكي: فلأن كل واحد من الأمراض المادية، إما أن يكون حادا فيكون ~~سريع الإفضاء لأحد الطرفين فلا يحتاج إليه فيه، وإما أن يكون مزمنا وأفضل ~~علاجه بعد الاستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي؛ لأنه لا يكون ~~مزمنا إلا عن مادة باردة غليظة قد رسخت في العضو وأفسدت مزاجه وأحالت جميع ~~ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها فيشتعل في ذلك العضو فيستخرج بالكي تلك ~~المادة من ذلك المكان الذي هو فيه بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك ~~المادة. # PageV04P047 # فتعلمنا بهذا الحديث الشريف أخذ معالجة الأمراض المادية جميعها كما ~~استنبطنا معالجة الأمراض الساذجة من قوله صلى الله عليه وسلم: ( «إن شدة ~~الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء» ) . ### | [فصل العلاج بالحجامة] # فصل # وأما الحجامة، ففي " سنن ابن ماجه " من حديث جبارة بن المغلس - وهو ضعيف ~~- عن كثير بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «ما مررت ليلة أسري بي بملإ إلا قالوا: يا محمد مر أمتك ~~بالحجامة» ) . # وروى الترمذي في " جامعه " من حديث ابن عباس هذا الحديث، وقال فيه: ( ~~«عليك بالحجامة يا محمد» ) . # وفي " الصحيحين ms1060 ": من حديث طاوس، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ( «احتجم وأعطى الحجام أجره» ) . # وفي " الصحيحين " أيضا عن حميد الطويل عن أنس «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له بصاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه من ~~ضريبته، وقال: (خير ما تداويتم به الحجامة» ) . # PageV04P048 # وفي " جامع الترمذي " عن عباد بن منصور قال: سمعت عكرمة يقول: كان لابن ~~عباس غلمة ثلاثة حجامون، فكان اثنان يغلان عليه وعلى أهله وواحد لحجمه وحجم ~~أهله. قال: وقال ابن عباس: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ( «نعم العبد ~~الحجام يذهب بالدم، ويخف الصلب، ويجلو البصر» ) وقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيث عرج به ( «ما مر على ملإ من الملائكة إلا قالوا: عليك ~~بالحجامة، وقال: إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم ~~إحدى وعشرين» ) وقال: ( «إن خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة ~~والمشي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لد فقال: من لدني؟ فكلهم أمسكوا، ~~فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد إلا العباس» ) قال: هذا حديث غريب، ~~ورواه ابن ماجه. ### | [فصل منافع الحجامة] # فصل # وأما منافع الحجامة فإنها تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق ~~البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد. # قلت: والتحقيق في أمرها وأمر الفصد أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان ~~والأسنان والأمزجة فالبلاد الحارة والأزمنة الحارة والأمزجة الحارة التي دم ~~أصحابها في غاية النضج الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير، فإن الدم ينضج ~~ويرق ويخرج إلى سطح الجسد الداخل، فتخرج الحجامة ما لا يخرجه الفصد؛ ولذلك ~~كانت أنفع للصبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد وقد نص الأطباء على أن ~~البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد وتستحب في وسط الشهر وبعد ~~وسطه. وبالجملة في الربع الثالث من أرباع الشهر؛ لأن الدم في أول الشهر لم ~~يكن بعد قد هاج وتبيغ، وفي آخره يكون # PageV04P049 # قد سكن. وأما في وسطه ms1061 وبعيده فيكون في نهاية التزيد. # قال صاحب " القانون ": ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر؛ لأن ~~الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت، ولا في آخره؛ لأنها تكون قد نقصت بل في ~~وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم ~~القمر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «خير ما تداويتم به ~~الحجامة والفصد» ) . وفي حديث: ( «خير الدواء الحجامة والفصد» ) . انتهى. # وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «خير ما تداويتم به الحجامة» ) إشارة إلى ~~أهل الحجاز، والبلاد الحارة؛ لأن دماءهم رقيقة وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم ~~لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد، واجتماعها في نواحي الجلد؛ ولأن ~~مسام أبدانهم واسعة، وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة تفرق ~~اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق، وخاصة العروق التي لا تفصد ~~كثيرا، ولفصد كل واحد منها نفع خاص، ففصد الباسليق: ينفع من # PageV04P050 # حرارة الكبد والطحال والأورام الكائنة فيهما من الدم، وينفع من أورام ~~الرئة، وينفع من الشوصة وذات الجنب وجميع الأمراض الدموية العارضة من أسفل ~~الركبة إلى الورك. # وفصد الأكحل: ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا وكذلك ~~إذا كان الدم قد فسد في جميع البدن. # وفصد القيفال: ينفع من العلل العارضة في الرأس والرقبة من كثرة الدم أو ~~فساده. # وفصد الودجين: ينفع من وجع الطحال والربو والبهر ووجع الجبين. # والحجامة على الكاهل: تنفع من وجع المنكب والحلق. # والحجامة على الأخدعين: تنفع من أمراض الرأس وأجزائه: كالوجه والأسنان ~~والأذنين والعينين والأنف والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده ~~أو عنهما جميعا. قال أنس رضي الله تعالى عنه: ( «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحتجم في الأخدعين والكاهل» ) . # وفي " الصحيحين " عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثا: ~~واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين» . # PageV04P051 # وفي الصحيح عنه أنه ( «احتجم وهو محرم في رأسه لصداع كان به» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " عن علي ( «نزل جبريل على النبي ms1062 صلى الله عليه وسلم ~~بحجامة الأخدعين والكاهل» ) . # وفي " سنن أبي داود " من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«احتجم في وركه من وثء كان به» ) ### | [فصل اختلاف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا] # فصل # واختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا وهي القمحدوة. # وذكر أبو نعيم في كتاب الطب النبوي حديثا مرفوعا: ( «عليكم بالحجامة في ~~جوزة القمحدوة فإنها تشفي من خمسة أدواء ذكر منها الجذام» ) . # وفي حديث آخر: ( «عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنها شفاء من اثنين ~~وسبعين داء» ) . # فطائفة منهم استحسنته وقالت: إنها تنفع من جحظ العين، والنتوء العارض # PageV04P052 # فيها وكثير من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين والجفن، وتنفع من جربه. وروي أن ~~أحمد بن حنبل احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه ولم يحتجم في النقرة، وممن ~~كرهها صاحب " القانون " وقال: إنها تورث النسيان حقا، كما قال سيدنا ~~ومولانا وصاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم فإن مؤخر الدماغ موضع ~~الحفظ، والحجامة تذهبه، انتهى كلامه. # ورد عليه آخرون وقالوا: الحديث لا يثبت وإن ثبت فالحجامة إنما تضعف مؤخر ~~الدماغ إذا استعملت لغير ضرورة، فأما إذا استعملت لغلبة الدم عليه فإنها ~~نافعة له طبا وشرعا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم في عدة ~~أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا بحسب ما ~~دعت إليه حاجته. ### | [فصل تتمة الكلام على مواضع الحجامة ونفعها] # فصل # والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استعملت في ~~وقتها، وتنقي الرأس والفكين، والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن ~~وهو عرق عظيم عند الكعب، وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث ~~والحكة العارضة في الأنثيين، والحجامة في أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ ~~وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير والفيل وحكة الظهر. ### | [فصل هديه في أوقات الحجامة] # فصل في هديه في أوقات الحجامة # روى الترمذي في " جامعه ": من حديث ابن عباس يرفعه: ( «إن خير ما تحتجمون ~~في يوم سابع عشرة، أو تاسع ms1063 عشرة، ويوم إحدى وعشرين» ) . # PageV04P053 # وفيه عن أنس ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين ~~والكاهل، وكان يحتجم لسبعة عشر، وتسعة عشر، وفي إحدى وعشرين» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " عن أنس مرفوعا: ( «من أراد الحجامة فليتحر سبعة عشر ~~أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين، لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله» ) . # وفي " سنن أبي داود " من حديث أبي هريرة مرفوعا: ( «من احتجم لسبع عشرة ~~أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين، كانت شفاء من كل داء» ) وهذا معناه من كل داء ~~سببه غلبة الدم. # وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني ~~وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أنفع من أوله وآخره، وإذا استعملت عند ~~الحاجة إليها نفعت أي وقت كان من أول الشهر وآخره. # قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله ~~أحمد بن حنبل يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت. # وقال صاحب " القانون ": أوقاتها في النهار الساعة الثانية أو الثالثة ~~ويجب توقيها بعد الحمام إلا فيمن دمه غليظ، فيجب أن يستحم ثم يستجم ساعة ثم ~~يحتجم انتهى. # وتكره عندهم الحجامة على الشبع، فإنها ربما أورثت سددا وأمراضا رديئة، لا ~~سيما إذا كان الغذاء رديئا غليظا. وفي أثر: ( «الحجامة على الريق دواء، # PageV04P054 # وعلى الشبع داء، وفي سبعة عشر من الشهر شفاء» ) . # واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتحرز من ~~الأذى، وحفظا للصحة. وأما في مداواة الأمراض فحيثما وجد الاحتياج إليها وجب ~~استعمالها. وفي قوله: " «لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله» " دلالة على ذلك ~~يعني: لئلا يتبيغ فحذف حرف الجر مع (أن) ثم حذفت (أن) . والتبيغ: الهيج، ~~وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه فإنه بغي الدم وهيجانه. وقد تقدم أن الإمام ~~أحمد كان يحتجم أي وقت احتاج من الشهر. ### | [فصل اختيار أيام الأسبوع للحجامة] # فصل # وأما اختيار أيام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في " جامعه ": أخبرنا حرب ~~بن إسماعيل، قال: قلت لأحمد: تكره الحجامة في شيء ms1064 من الأيام؟ قال: قد جاء ~~في الأربعاء والسبت. # وفيه عن الحسين بن حسان أنه سأل أبا عبد الله عن الحجامة: أي يوم تكره؟ ~~فقال: في يوم السبت ويوم الأربعاء ويقولون: يوم الجمعة. # وروى الخلال عن أبي سلمة، وأبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا: ( «من ~~احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت، فأصابه بياض أو برص فلا يلومن إلا نفسه» ~~) . # وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن جعفر أن يعقوب بن بختان حدثهم، قال: ~~سئل أحمد عن النورة والحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء؟ فكرهها. وقال: بلغني ~~عن رجل أنه تنور، واحتجم يعني يوم الأربعاء فأصابه # PageV04P055 # البرص. قلت له: كأنه تهاون بالحديث؟ قال: نعم. # وفي كتاب " الأفراد " للدارقطني من حديث نافع، قال: قال لي عبد الله بن ~~عمر: تبيغ بي الدم فابغ لي حجاما ولا يكن صبيا ولا شيخا كبيرا، فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «الحجامة تزيد الحافظ حفظا، والعاقل ~~عقلا، فاحتجموا على اسم الله تعالى، ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسبت ~~والأحد، واحتجموا الاثنين، وما كان من جذام ولا برص إلا نزل يوم الأربعاء» ~~) . قال الدارقطني: تفرد به زياد بن يحيى، وقد رواه أيوب عن نافع، وقال ~~فيه: ( «واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء ولا تحتجموا يوم الأربعاء» ) . # وقد روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي بكرة، أنه كان يكره الحجامة ~~يوم الثلاثاء، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «يوم الثلاثاء ~~يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم» ) . ### | [فصل جواز احتجام الصائم والخلاف في فطره] # فصل # وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي، واستحباب الحجامة، وأنها ~~تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال، وجواز احتجام المحرم، وإن آل إلى قطع ~~شيء من الشعر، فإن ذلك جائز. # وفي وجوب الفدية عليه نظر، ولا يقوى الوجوب، وجواز احتجام الصائم، فإن في ~~" صحيح البخاري " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجم وهو صائم» ) . ~~ولكن هل يفطر بذلك أم لا؟ مسألة أخرى، الصواب: الفطر بالحجامة، لصحته عن ~~رسول الله ms1065 صلى الله عليه وسلم من غير معارض، # PageV04P056 # وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم؛ ولكن لا يدل على عدم الفطر إلا ~~بعد أربعة أمور. أحدها: أن الصوم كان فرضا. الثاني: أنه كان مقيما. الثالث: ~~أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة. الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن ~~قوله: ( «أفطر الحاجم والمحجوم» ) . # فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع، أمكن الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم ~~على بقاء الصوم مع الحجامة، وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلا يجوز ~~الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان لكنه في السفر، أو من رمضان في ~~الحضر، لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون ~~فرضا من رمضان في الحضر من غير حاجة إليها، لكنه مبقى على الأصل. وقوله: ( ~~«أفطر الحاجم والمحجوم» ) ناقل ومتأخر، فيتعين المصير إليه، ولا سبيل إلى ~~إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها. # وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجارة، بل يعطيه أجرة ~~المثل أو ما يرضيه. # وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، وإن كان لا يطيب للحر # PageV04P057 # أكل أجرته من غير تحريم عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أجره ~~ولم يمنعه من أكله وتسميته إياه خبيثا كتسميته للثوم والبصل خبيثين، ولم ~~يلزم من ذلك تحريمهما. # وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كل يوم شيئا معلوما بقدر ~~طاقته، وأن للعبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه، ولو منع من التصرف لكان ~~كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد على خراجه فهو تمليك من ~~سيده له يتصرف فيه كما أراد، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي # ثبت في " الصحيح " من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~( «بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه» ) . # ( «ولما ms1066 رمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~ورمت، فحسمه الثانية» ) . والحسم هو الكي. # وفي طريق آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كوى سعد بن معاذ في أكحله ~~بمشقص، ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه» ) . # وفي لفظ آخر: ( «أن رجلا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم به فكوي» ) . # وقال أبو عبيد: وقد «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل نعت له الكي ~~فقال: (اكووه وارضفوه) » ، قال أبو عبيد: الرضف: الحجارة تسخن ثم يكمد بها. # PageV04P058 # وقال الفضل بن دكين: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر ( «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كواه في أكحله» ) . # وفي " صحيح البخاري " من حديث (أنس «أنه كوي من ذات الجنب والنبي صلى ~~الله عليه وسلم حي» ) . # وفي الترمذي، عن أنس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم (كوى أسعد بن زرارة ~~من الشوكة» ) ، وقد تقدم الحديث المتفق عليه وفيه ( «وما أحب أن أكتوي» ) ~~وفي لفظ آخر: ( «وأنا أنهى أمتي عن الكي» ) . # وفي " جامع الترمذي " وغيره عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( «نهى عن الكي قال: فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا، ولا أنجحنا» ) . ~~وفي لفظ: ( «نهينا عن الكي وقال: فما أفلحن ولا أنجحن» ) . # قال الخطابي: إنما كوى سعدا ليرقأ الدم من جرحه، وخاف عليه أن ينزف ~~فيهلك. والكي مستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله. # وأما النهي عن الكي، فهو أن يكتوي طلبا للشفاء، وكانوا يعتقدون أنه # PageV04P059 # متى لم يكتو هلك فنهاهم عنه لأجل هذه النية. # وقيل: إنما نهى عنه عمران بن حصين خاصة؛ لأنه كان به ناصور، وكان موضعه ~~خطرا فنهاه عن كيه فيشبه أن يكون النهي منصرفا إلى الموضع المخوف منه، ~~والله أعلم. # وقال ابن قتيبة: الكي جنسان: # كي الصحيح؛ لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد ~~أن يدفع القدر عن نفسه. # والثاني: كي الجرح إذا نغل، والعضو ms1067 إذا قطع، ففي هذا الشفاء. # وأما إذا كان الكي للتداوي الذي يجوز أن ينجع، ويجوز أن لا ينجع، فإنه ~~إلى الكراهة أقرب. انتهى. # وثبت في " الصحيح " في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ~~أنهم ( «الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» ) . # فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. ~~والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد ~~الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. ~~وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل. وأما النهي عنه فعلى ~~سبيل الاختيار والكراهة أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفا من ~~حدوث الداء، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع # أخرجا في " الصحيحين " من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال ابن # PageV04P060 # عباس: ( «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة ~~السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع ~~الله لي، فقال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك " ~~فقالت: أصبر. قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها» ) . # قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط ~~الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. # وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن ~~علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة ~~الخبيثة فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك أبقراط في ~~بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه ~~الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع فيه هذا ~~العلاج. # وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ~~ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، ms1068 وليس معهم إلا ~~الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به، ~~وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. # وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع: المرض الإلهي، وقالوا: إنه من ~~الأرواح، وأما جالينوس وغيره، فتأولوا عليهم هذه التسمية، وقالوا: إنما ~~سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس، فتضر بالجزء الإلهي ~~الطاهر الذي مسكنه الدماغ. # PageV04P061 # وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت ~~زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. # ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف ~~عقولهم. # وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، ~~فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح ~~وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع ~~محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون ~~السلاح صحيحا في نفسه جيدا، وأن يكون الساعد قويا، فمتى تخلف أحدهما لم يغن ~~السلاح كثير طائل، فكيف إذا عدم الأمران جميعا: يكون القلب خرابا من ~~التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له. # والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا حتى إن من ~~المعالجين من يكتفي بقوله: " اخرج منه ". أو بقول: " بسم الله "، أو بقول: ~~" لا حول ولا قوة إلا بالله ". والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( ~~«اخرج عدو الله أنا رسول الله» ) . # وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول: قال لك ~~الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحل لك، فيفيق المصروع، وربما خاطبها بنفسه، ~~وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس # PageV04P062 # بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. # وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] [المؤمنون: 115] . # وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومد بها صوته. ms1069 ~~قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب، ولم يشك ~~الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه، فقلت لها: ~~هو لا يحبك، قالت: أنا أريد أن أحج به فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك، ~~فقالت: أنا أدعه كرامة لك، قال: قلت: لا ولكن طاعة لله ولرسوله، قالت: فأنا ~~أخرج منه، قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا، وقال: ما جاء بي إلى حضرة ~~الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله؟ فقال وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ~~ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة. # وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها ~~وبقراءة المعوذتين. # وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم ~~والعقل والمعرفة، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة ~~دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصنات ~~النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه، وربما ~~كان عريانا فيؤثر فيه هذا. # ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي ~~في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها، ~~وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة، فهناك ~~يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة، وبالله المستعان. # PageV04P063 # وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل، ~~وأن تكون الجنة والنار نصب عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا وحلول ~~المثلات والآفات بهم، ووقوعها خلال ديارهم كمواقع القطر، وهم صرعى لا ~~يفيقون، وما أشد داء هذا الصرع ولكن لما عمت البلية به بحيث لا يرى إلا ~~مصروعا، لم يصر مستغربا ولا مستنكرا بل صار لكثرة المصروعين عين المستنكر ~~المستغرب خلافه. # فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا ~~مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم فمنهم من أطبق به الجنون، ~~ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه، ms1070 ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى ~~فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يعاوده الصرع فيقع في التخبط. ### | [فصل صرع الأخلاط] # فصل # وأما صرع الأخلاط: فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة ~~والانتصاب منعا غير تام، وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير ~~تامة فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا تاما من غير انقطاع ~~بالكلية، وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح، أو بخار ~~رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي ~~فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا بل يسقط ~~ويظهر في فيه الزبد غالبا. # وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة، ~~وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما أن ~~تجاوز في السن خمسا وعشرين سنة، وهذه العلة في دماغه وخاصة في # PageV04P064 # جوهره، فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال أبقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء ~~حتى يموتوا. # إذا عرف هذا فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتتكشف يجوز أن ~~يكون صرعها من هذا النوع فوعدها النبي صلى الله عليه وسلم الجنة بصبرها على ~~هذا المرض، ودعا لها أن لا تتكشف وخيرها بين الصبر والجنة، وبين الدعاء لها ~~بالشفاء من غير ضمان فاختارت الصبر والجنة. # وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي وأن علاج الأرواح بالدعوات ~~والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء، وأن تأثيره وفعله وتأثر ~~الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية، وانفعال الطبيعة ~~عنها، وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا، وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل ~~القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب، وما على الصناعة الطبية ~~أضر من زنادقة القوم وسفلتهم، وجهالهم. والظاهر: أن صرع هذه المرأة كان من ~~هذا النوع ويجوز أن يكون من جهة الأرواح، ويكون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد خيرها بين الصبر على ذلك ms1071 مع الجنة وبين الدعاء لها بالشفاء، ~~فاختارت الصبر والستر، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا # روى ابن ماجه في " سننه " من حديث محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «دواء عرق النسا ألية شاة ~~أعرابية، تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء» ) . # PageV04P065 # عرق النساء: وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف على الفخذ، وربما على ~~الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله وتهزل معه الرجل والفخذ، وهذا الحديث فيه ~~معنى لغوي، ومعنى طبي. فأما المعنى اللغوي: فدليل على جواز تسمية هذا المرض ~~بعرق النسا خلافا لمن منع هذه التسمية، وقال: النسا هو العرق نفسه فيكون من ~~باب إضافة الشيء إلى نفسه وهو ممتنع، وجواب هذا القائل من وجهين: # أحدهما: أن العرق أعم من النسا فهو من باب إضافة العام إلى الخاص، نحو: ~~كل الدراهم أو بعضها. # الثاني: أن النسا: هو المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة ~~الشيء إلى محله وموضعه. قيل: وسمي بذلك؛ لأن ألمه ينسي ما سواه وهذا العرق ~~ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما ~~بين عظم الساق والوتر. # وأما المعنى الطبي: فقد تقدم أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نوعان: # أحدهما: عام: بحسب الأزمان، والأماكن، والأشخاص، والأحوال. # والثاني: خاص: بحسب هذه الأمور أو بعضها، وهذا من هذا القسم فإن هذا خطاب ~~للعرب، وأهل الحجاز ومن جاورهم ولا سيما أعراب البوادي فإن هذا العلاج من ~~أنفع العلاج لهم، فإن هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، ~~فعلاجها بالإسهال والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج، والتليين ففيها الإنضاج ~~والإخراج. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين، وفي تعيين الشاة ~~الأعرابية لقلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها؛ لأنها ~~ترعى أعشاب البر الحارة كالشيح، ms1072 والقيصوم، ونحوهما، وهذه النباتات إذا تغذى ~~بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذيه بها، ويكسبها مزاجا ~~ألطف منها، ولا سيما الألية، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في ~~اللحم، ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج # PageV04P066 # والتليين لا توجد في اللبن، وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي ~~هي الأدوية المفردة، وعليه أطباء الهند. # وأما الروم واليونان فيعتنون بالمركبة، وهم متفقون كلهم على أن من مهارة ~~الطبيب أن يداوي بالغذاء، فإن عجز فبالمفرد، فإن عجز فبما كان أقل تركيبا. # وقد تقدم أن غالب عادات العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة، فالأدوية ~~البسيطة تناسبها، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب. وأما الأمراض المركبة ~~فغالبا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، فاختيرت لها الأدوية ~~المركبة، والله تعالى أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع، واحتياجه إلى ما ~~يمشيه ويلينه # روى الترمذي في " جامعه " وابن ماجه في " سننه " من حديث أسماء بنت عميس ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «بماذا كنت تستمشين؟ قالت ~~بالشبرم، قال " حار جار " قالت: ثم استمشيت بالسنا فقال " لو كان شيء يشفي ~~من الموت لكان السنا» ) . # PageV04P067 # وفي " سنن ابن ماجه " عن إبراهيم بن أبي عبلة، قال: سمعت عبد الله بن أم ~~حرام، وكان قد صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين يقول: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( «عليكم بالسنا والسنوت، فإن فيهما ~~شفاء من كل داء إلا السام " قيل يا رسول الله! وما السام؟ قال: الموت» ) . # قوله ( «بماذا كنت تستمشين» ) ؟ أي تلينين الطبع حتى يمشي ولا يصير ~~بمنزلة الواقف، فيؤذي باحتباس النجو، ولهذا سمي الدواء المسهل مشيا على وزن ~~فعيل. وقيل: لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة، وقد روي: ( «بماذا ~~تستشفين؟ فقالت بالشبرم» ) وهو من جملة الأدوية اليتوعية، وهو قشر عرق ~~شجرة، وهو حار يابس في ms1073 الدرجة الرابعة، وأجوده المائل إلى الحمرة، الخفيف ~~الرقيق الذي يشبه الجلد الملفوف، وبالجملة فهو من الأدوية التي أوصى ~~الأطباء بترك استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " حار جار " ويروى: (حار يار) ، قال أبو عبيد: ~~وأكثر كلامهم بالياء. قلت: وفيه قولان أحدهما: أن الحار الجار بالجيم: ~~الشديد الإسهال، فوصفه بالحرارة وشدة الإسهال وكذلك هو، قاله أبو حنيفة ~~الدينوري. # والثاني - وهو الصواب - أن هذا من الإتباع الذي يقصد به تأكيد الأول، ~~ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه، ~~كقولهم: حسن بسن، أي كامل الحسن، وقولهم حسن قسن بالقاف، ومنه شيطان ليطان، ~~وحار جار مع أن في الجار معنى آخر، وهو # PageV04P068 # الذي يجر الشيء الذي يصيبه من شدة حرارته وجذبه له، كأنه ينزعه ويسلخه. ~~ويار إما لغة في جار، كقولهم صهري وصهريج، والصهاري والصهاريج، وإما إتباع ~~مستقل. # وأما السنا ففيه لغتان: المد والقصر، وهو نبت حجازي أفضله المكي، وهو ~~دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، ~~يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة فيه، وخاصيته ~~النفع من الوسواس السوداوي، ومن الشقاق العارض في البدن، ويفتح العضل وينفع ~~من انتشار الشعر، ومن القمل والصداع العتيق، والجرب والبثور، والحكة ~~والصرع، وشرب مائه مطبوخا أصلح من شربه مدقوقا، ومقدار الشربة منه ثلاثة ~~دراهم، ومن مائه خمسة دراهم، وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب ~~الأحمر المنزوع العجم، كان أصلح. # قال الرازي: السناء والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب ~~والحكة، والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. # وأما السنوت ففيه ثمانية أقوال: أحدها: أنه العسل. والثاني: أنه رب عكة ~~السمن يخرج خططا سوداء على السمن، حكاهما عمرو بن بكر السكسكي. الثالث: أنه ~~حب يشبه الكمون وليس به، قاله ابن الأعرابي. الرابع: أنه الكمون الكرماني. ~~الخامس: أنه الرازيانج. حكاهما أبو حنيفة الدينوري عن بعض الأعراب. السادس: ~~أنه الشبت. السابع: أنه التمر حكاهما أبو بكر بن السني الحافظ. ms1074 الثامن: أنه ~~العسل الذي يكون في زقاق السمن، حكاه عبد اللطيف البغدادي. قال بعض ~~الأطباء: وهذا أجدر # PageV04P069 # بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أي يخلط السناء مدقوقا بالعسل المخالط للسمن، ~~ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردا لما في العسل والسمن من إصلاح السنا، ~~وإعانته له على الإسهال. والله أعلم. # وقد روى الترمذي وغيره من حديث ابن عباس يرفعه: ( «إن خير ما تداويتم به ~~السعوط واللدود والحجامة والمشي» ) والمشي هو الذي يمشي الطبع ويلينه ويسهل ~~خروج الخارج. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حكة الجسم وما يولد القمل] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حكة الجسم وما يولد القمل # في " الصحيحين " من حديث قتادة عن أنس بن مالك قال: ( «رخص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما ~~في لبس الحرير لحكة كانت بهما» ) # وفي رواية ( «أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى ~~عنهما، شكوا القمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة لهما، فرخص لهما ~~في قمص الحرير، ورأيته عليهما» ) . # هذا الحديث يتعلق به أمران: أحدهما: فقهي، والآخر طبي. # فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سنته صلى الله عليه وسلم إباحة الحرير ~~للنساء مطلقا، وتحريمه على الرجال إلا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إما من ~~شدة البرد ولا يجد غيره، أو لا يجد سترة سواه. ومنها: لباسه للجرب، والمرض ~~والحكة وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس هذا الصحيح. # PageV04P070 # والجواز: أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وأصح قولي الشافعي، إذ الأصل عدم ~~التخصيص، والرخصة إذا ثبتت في حق بعض الأمة لمعنى تعدت إلى كل من وجد فيه ~~ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه. # ومن منع منه قال أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة يحتمل اختصاصها ~~بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران ~~كان الأخذ بالعموم أولى؛ ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدري ~~أبلغت الرخصة من بعدهما أم ms1075 لا؟ # والصحيح عموم الرخصة، فإنه عرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يصرح بالتخصيص، ~~وعدم إلحاق غير من رخص له أولا به، كقوله لأبي بردة في تضحيته بالجذعة من ~~المعز: ( «تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك» ) وكقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم في نكاح من وهبت نفسها له: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ~~[الأحزاب: 50] . # وتحريم الحرير إنما كان سدا للذريعة، ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة ~~الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع، فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة ~~الراجحة كما حرم النظر سدا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة ~~والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدا لذريعة ~~المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حرم ربا الفضل ~~سدا لذريعة ربا النسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، # PageV04P071 # وقد أشبعنا الكلام فيما يحل ويحرم من لباس الحرير في كتاب " التحبير لما ~~يحل ويحرم من لباس الحرير " ### | [فصل فوائد الحرير] # فصل وأما الأمر الطبي: فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ~~ولذلك يعد في الأدوية الحيوانية، لأن مخرجه من الحيوان وهو كثير المنافع ~~جليل الموقع، ومن خاصيته تقوية القلب وتفريحه والنفع من كثير من أمراضه، ~~ومن غلبة المرة السوداء والأدواء الحادثة عنها ; وهو مقو للبصر إذا اكتحل ~~به والخام منه - وهو المستعمل في صناعة الطب - حار يابس في الدرجة الأولى. ~~وقيل حار رطب فيها: وقيل معتدل. وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في ~~مزاجه، مسخنا للبدن، وربما برد البدن بتسمينه إياه. # قال الرازي: الإبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، يربي اللحم، وكل ~~لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة وبالعكس. # قلت: والملابس ثلاثة أقسام: قسم يسخن البدن ويدفئه، وقسم يدفئه ولا ~~يسخنه، وقسم لا يسخنه ولا يدفئه، وليس هناك ما يسخنه ولا يدفئه، إذ ما ~~يسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ، وملابس ~~الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتان باردة يابسة، وثياب ~~الصوف حارة يابسة، وثياب القطن ms1076 معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن ~~وأقل حرارة منه. # قال صاحب " المنهاج ": ولبسه لا يسخن كالقطن بل هو معتدل، وكل لباس أملس ~~صقيل فإنه أقل إسخانا للبدن، وأقل عونا في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن ~~يلبس في الصيف وفي البلاد الحارة. # ولما كانت ثياب الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليبس والخشونة # PageV04P072 # الكائنين في غيرها صارت نافعة من الحكة، إذ الحكة لا تكون إلا عن حرارة ~~ويبس وخشونة، فلذلك رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن ~~في لباس الحرير لمداواة الحكة، وثياب الحرير أبعد عن تولد القمل فيها، إذ ~~كان مزاجها مخالفا لمزاج ما يتولد منه القمل. # وأما القسم الذي لا يدفئ ولا يسخن فالمتخذ من الحديد والرصاص والخشب ~~والتراب ونحوها، فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللباس وأوفقه للبدن، ~~فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات وحرمت الخبائث؟ # قيل: هذا السؤال يجيب عنه كل طائفة من طوائف المسلمين بجواب، فمنكرو ~~الحكم والتعليل لما رفعت قاعدة التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن ~~هذا السؤال. # ومثبتو التعليل والحكم - وهم الأكثرون - منهم من يجيب عن هذا بأن الشريعة ~~حرمته لتصبر النفوس عنه، وتتركه لله فتثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه ~~بغيره. # ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء كالحلية بالذهب، فحرم على ~~الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء، ومنهم من قال: حرم لما يورثه ~~من الفخر والخيلاء والعجب. ومنهم من قال حرم لما يورثه بملامسته للبدن من ~~الأنوثة والتخنث وضد الشهامة والرجولة، فإن لبسه يكسب القلب صفة من صفات ~~الإناث؛ ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث ~~والتأنث والرخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان من أشهم الناس وأكثرهم فحولية ~~ورجولية، فلا بد أن ينقصه لبس الحرير منها، وإن لم يذهبها، ومن غلظت طباعه ~~وكثفت عن فهم هذا فليسلم للشارع الحكيم؛ ولهذا كان # PageV04P073 # أصح القولين: أنه يحرم على الولي أن يلبسه ms1077 الصبي لما ينشأ عليه من صفات ~~أهل التأنيث. # وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ( «إن الله أحل لإناث أمتي الحرير والذهب: وحرمه على ذكورها» ) وفي ~~لفظ ( «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم» ) # وفي " صحيح البخاري " عن حذيفة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه، وقال: (هو لهم في الدنيا ولكم في ~~الآخرة) » . ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب # روى الترمذي في " جامعه " من حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت» ) # وذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغير حقيقي. فالحقيقي ورم حار يعرض ~~في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع. وغير الحقيقي: ألم يشبهه يعرض ~~في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقن بين الصفاقات، # PageV04P074 # فتحدث وجعا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجع في هذا القسم ~~ممدود، وفي الحقيقي ناخس. # قال صاحب " القانون ": قد يعرض في الجنب والصفاقات، والعضل التي في الصدر ~~والأضلاع ونواحيها أورام مؤذية جدا موجعة تسمى شوصة وبرساما وذات الجنب. ~~وقد تكون أيضا أوجاعا في هذه الأعضاء ليست من ورم، ولكن من رياح غليظة، ~~فيظن أنها من هذه العلة ولا تكون منها. # قال: واعلم أن كل وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقا من مكان الألم؛ ~~لأن معنى ذات الجنب صاحبة الجنب، والغرض به هاهنا وجع الجنب فإذا عرض في ~~الجنب ألم عن أي سبب كان نسب إليه، وعليه حمل كلام بقراط في قوله: إن أصحاب ~~ذات الجنب ينتفعون بالحمام. قيل: المراد به كل من به وجع جنب، أو وجع رئة ~~من سوء مزاج، أو من أخلاط غليظة، أو لذاعة من غير ورم ولا حمى. # قال بعض الأطباء: وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان: فهو ورم ms1078 الجنب ~~الحار، وكذلك ورم كل واحد من الأعضاء الباطنة، وإنما سمي ذات الجنب ورم ذلك ~~العضو إذا كان ورما حارا فقط. # ويلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض: وهي الحمى والسعال والوجع الناخس ~~وضيق النفس والنبض المنشاري. # والعلاج الموجود في الحديث، ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن ~~عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري - وهو العود الهندي على ما جاء مفسرا ~~في أحاديث أخر - صنف من القسط إذا دق دقا ناعما، وخلط بالزيت المسخن، ودلك ~~به مكان الريح المذكور، أو لعق كان دواء موافقا لذلك نافعا # PageV04P075 # له محللا لمادته مذهبا لها مقويا للأعضاء الباطنة، مفتحا للسدد، والعود ~~المذكور في منافعه كذلك. # قال المسبحي: العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الأعضاء الباطنة، ~~ويطرد الريح ويفتح السدد، نافع من ذات الجنب، ويذهب فضل الرطوبة، والعود ~~المذكور جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضا ~~إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة، والله أعلم. # وذات الجنب من الأمراض الخطرة، وفي الحديث الصحيح عن أم سلمة أنها قالت: ~~بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه في بيت ميمونة، وكان كلما خف عليه، ~~خرج وصلى بالناس، وكان كلما وجد ثقلا قال: ( «مروا أبا بكر فليصل بالناس " ~~واشتد شكواه حتى غمر عليه من شدة الوجع، فاجتمع عنده نساؤه وعمه العباس وأم ~~الفضل بنت الحارث وأسماء بنت عميس، فتشاوروا في لده، فلدوه وهو مغمور، فلما ~~أفاق قال " من فعل بي هذا؟ هذا من عمل نساء جئن من هاهنا وأشار بيده إلى ~~أرض الحبشة، وكانت أم سلمة وأسماء لدتاه، فقالوا: يا رسول الله! خشينا أن ~~يكون بك ذات الجنب. قال: " فبم لددتموني "؟ قالوا: بالعود الهندي وشيء من ~~ورس وقطرات من زيت. فقال " ما كان الله ليقذفني بذلك الداء " ثم قال: " ~~عزمت عليكم أن لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس» ) . # PageV04P076 # وفي " الصحيحين " عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لددنا رسول الله ~~صلى الله ms1079 عليه وسلم، فأشار أن لا تلدوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، ~~فلما أفاق قال: ( «ألم أنهكم أن تلدوني لا يبقى منكم أحد إلا لد غير عمي ~~العباس، فإنه لم يشهدكم» ") # قال أبو عبيد عن الأصمعي: اللدود: ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم، أخذ ~~من لديدي الوادي، وهما جانباه. وأما الوجور فهو في وسط الفم. # قلت: واللدود - بالفتح - هو الدواء الذي يلد به. والسعوط ما أدخل من ~~أنفه. # وفي هذا الحديث من الفقه معاقبة الجاني بمثل ما فعل سواء إذا لم يكن فعله ~~محرما لحق الله، وهذا هو الصواب المقطوع به لبضعة عشر دليلا قد ذكرناها في ~~موضع آخر، وهو منصوص أحمد، وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين، وترجمة المسألة ~~بالقصاص في اللطمة والضربة، وفيها عدة أحاديث لا معارض لها البتة، فيتعين ~~القول بها. # PageV04P077 ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصداع والشقيقة] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصداع والشقيقة # روى ابن ماجه في " سننه " حديثا في صحته نظر: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء، ويقول: (إنه نافع بإذن الله من الصداع) ~~» # والصداع: ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه في أحد شقي الرأس ~~لازما يسمى شقيقة، وإن كان شاملا لجميعه لازما، يسمى بيضة وخودة تشبيها ~~ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله، وربما كان في مؤخر الرأس أو في ~~مقدمه. # وأنواعه كثيرة وأسبابه مختلفة. وحقيقة الصداع سخونة الرأس، واحتماؤه لما ~~دار فيه من البخار يطلب النفوذ من الرأس، فلا يجد منفذا فيصدعه كما يصدع ~~الوعي إذا حمي ما فيه وطلب النفوذ، فكل شيء رطب إذا حمي طلب مكانا أوسع من ~~مكانه الذي كان فيه، فإذا عرض هذا البخار في الرأس كله بحيث لا يمكنه ~~التفشي والتحلل، وجال في الرأس، سمي السدر. # PageV04P078 # والصداع يكون عن أسباب عديدة: # أحدها: من غلبة واحد من الطبائع الأربعة. # والخامس: يكون من قروح تكون في المعدة، فيألم الرأس لذلك الورم لاتصال ~~العصب المنحدر ms1080 من الرأس بالمعدة. # والسادس: من ريح غليظة تكون في المعدة فتصعد إلى الرأس فتصدعه. # والسابع: يكون من ورم في عروق المعدة، فيألم الرأس بألم المعدة للاتصال ~~الذي بينهما. # والثامن: صداع يحصل عن امتلاء المعدة من الطعام، ثم ينحدر ويبقى بعضه ~~نيئا، فيصدع الرأس ويثقله. # والتاسع: يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم، فيصل إليه من حر الهواء أكثر من ~~قدره. # والعاشر: صداع يحصل بعد القيء والاستفراغ، إما لغلبة اليبس، وإما لتصاعد ~~الأبخرة من المعدة إليه. # والحادي عشر: صداع يعرض عن شدة الحر وسخونة الهواء. # والثاني عشر: ما يعرض عن شدة البرد، وتكاثف الأبخرة في الرأس وعدم ~~تحللها. # والثالث عشر: ما يحدث من السهر وعدم النوم. # والرابع عشر: ما يحدث من ضغط الرأس وحمل الشيء الثقيل عليه. # والخامس عشر: ما يحدث من كثرة الكلام، فتضعف قوة الدماغ لأجله. # والسادس عشر: ما يحدث من كثرة الحركة والرياضة المفرطة. # والسابع عشر: ما يحدث من الأعراض النفسانية، كالهموم والغموم، والأحزان ~~والوساوس، والأفكار الرديئة. # PageV04P079 # والثامن عشر: ما يحدث من شدة الجوع، فإن الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه، ~~فتكثر وتتصاعد إلى الدماغ فتؤلمه. # والتاسع عشر: ما يحدث عن ورم في صفاق الدماغ، ويجد صاحبه كأنه يضرب ~~بالمطارق على رأسه. # والعشرون: ما يحدث بسبب الحمى لاشتعال حرارتها فيه فيتألم، والله أعلم. ### | [فصل سبب صداع الشقيقة] # فصل وسبب صداع الشقيقة مادة في شرايين الرأس وحدها حاصلة فيها، أو مرتقية ~~إليها فيقبلها الجانب الأضعف من جانبيه، وتلك المادة إما بخارية، وإما ~~أخلاط حارة أو باردة، وعلامتها الخاصة بها ضربان الشرايين، وخاصة في ~~الدموي. وإذا ضبطت بالعصائب، ومنعت من الضربان، سكن الوجع. # وقد ذكر أبو نعيم في كتاب " الطب النبوي " له: أن هذا النوع كان يصيب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيمكث اليوم واليومين ولا يخرج. # وفيه عن ابن عباس قال: ( «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب ~~رأسه بعصابة» ) # وفي " الصحيح " أنه «قال في مرض موته: (وارأساه) وكان يعصب رأسه # PageV04P080 # في مرضه» ، وعصب الرأس ينفع في وجع الشقيقة ms1081 وغيرها من أوجاع الرأس. ### | [فصل علاج الصداع] # فصل وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه، فمنه ما علاجه بالاستفراغ، ~~ومنه ما علاجه بتناول الغذاء، ومنه ما علاجه بالسكون والدعة، ومنه ما علاجه ~~بالضمادات، ومنه ما علاجه بالتبريد، ومنه ما علاجه بالتسخين، ومنه ما علاجه ~~بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات. # إذا عرف هذا، فعلاج الصداع في هذا الحديث بالحناء، هو جزئي لا كلي، وهو ~~علاج نوع من أنواعه، فإن الصداع إذا كان من حرارة ملهبة، ولم يكن من مادة ~~يجب استفراغها، نفع فيه الحناء نفعا ظاهرا، وإذا دق وضمدت به الجبهة مع ~~الخل سكن الصداع، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به، سكنت أوجاعه، وهذا لا ~~يختص بوجع الرأس، بل يعم الأعضاء، وفيه قبض تشد به الأعضاء، وإذا ضمد به ~~موضع الورم الحار والملتهب سكنه. # وقد روى البخاري في " تاريخه " وأبو داود في " السنن " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «ما شكى إليه أحد وجعا في رأسه إلا قال له: " احتجم " ولا ~~شكى إليه وجعا في رجليه إلا قال له: " اختضب بالحناء» ". # وفي الترمذي عن سلمى أم رافع خادمة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان ~~لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء» . # PageV04P081 ### | [فصل منافع الحناء وخواصه] # فصل والحناء بارد في الأولى يابس في الثانية، وقوة شجر الحناء وأغصانها ~~مركبة من قوة محللة اكتسبتها من جوهر فيها مائي حار باعتدال، ومن قوة قابضة ~~اكتسبتها من جوهر فيها أرضي بارد. # ومن منافعه إنه محلل نافع من حرق النار، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد ~~به، وينفع إذا مضغ، من قروح الفم والسلاق العارض فيه، ويبرئ القلاع الحادث ~~في أفواه الصبيان، والضماد به ينفع من الأورام الحارة الملهبة ويفعل في ~~الجراحات فهل دم الأخوين. وإذا خلط نوره مع الشمع المصفى ودهن الورد، ينفع ~~من أوجاع الجنب. # ومن خواصه أنه إذا بدأ الجدري يخرج بصبي، فخضبت أسافل رجليه بحناء، فإنه ~~يؤمن على عينيه أن يخرج فيها شيء منه، ms1082 وهذا صحيح مجرب لا شك فيه. وإذا جعل ~~نوره بين طي ثياب الصوف طيبها، ومنع السوس عنها، وإذا نقع ورقه في ماء ~~يغمره ثم عصر وشرب من صفوه أربعين يوما كل يوم عشرون درهما مع عشرة دراهم ~~سكر، ويغذى عليه بلحم الضأن الصغير، فإنه ينفع من ابتداء الجذام بخاصية فيه ~~عجيبة. # وحكي أن رجلا تشققت أظافير أصابع يده، وأنه بذل لمن يبرئه مالا، فلم يجد، ~~فوصفت له امرأة، أن يشرب عشرة أيام حناء فلم يقدم عليه، ثم نقعه بماء وشربه ~~فبرأ ورجعت أظافيره إلى حسنها. # والحناء إذا ألزمت به الأظفار معجونا حسنها ونفعها، وإذا عجن بالسمن # PageV04P082 # وضمد به بقايا الأورام الحارة التي ترشح ماء أصفر، نفعها ونفع من الجرب ~~المتقرح المزمن منفعة بليغة، وهو ينبت الشعر ويقويه، ويحسنه ويقوي الرأس، ~~وينفع من النفاطات، والبثور العارضة في الساقين والرجلين وسائر البدن. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يكرهونه من الطعام والشراب] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما ~~يكرهونه من الطعام والشراب، وأنهم لا يكرهون على تناولهما # روى الترمذي في " جامعه "، وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، ~~فإن الله عز وجل يطعمهم ويسقيهم» ) . # قال بعض فضلاء الأطباء: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على ~~حكم إلهية، لا سيما للأطباء، ولمن يعالج المرضى، وذلك أن المريض إذا عاف ~~الطعام أو الشراب فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته أو ~~نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها، وكيفما كان فلا يجوز حينئذ إعطاء ~~الغذاء في هذه الحالة. # واعلم أن الجوع إنما هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ~~ما يتحلل منها، فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا حتى ينتهي # PageV04P083 # الجذب إلى المعدة، فيحس الإنسان بالجوع، فيطلب الغذاء، وإذا وجد المرض ~~اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء أو الشراب، فإذا ~~أكره المريض ms1083 على استعمال شيء من ذلك، تعطلت به الطبيعة عن فعلها، واشتغلت ~~بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه، فيكون ذلك سببا لضرر المريض، ولا ~~سيما في أوقات البحران، أو ضعف الحار الغريزي أو خموده، فيكون ذلك زيادة في ~~البلية، وتعجيل النازلة المتوقعة، ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال ~~إلا ما يحفظ عليه قوته ويقويها من غير استعمال مزعج للطبيعة البتة، وذلك ~~يكون بما لطف قوامه من الأشربة والأغذية، واعتدل مزاجه كشراب اللينوفر، ~~والتفاح والورد الطري، وما أشبه ذلك، ومن الأغذية مرق الفراريج المعتدلة ~~الطيبة فقط، وإنعاش قواه بالأراييح العطرة الموافقة، والأخبار السارة، فإن ~~الطبيب خادم الطبيعة ومعينها لا معيقها. # واعلم أن الدم الجيد هو المغذي للبدن، وأن البلغم دم فج قد نضج بعض ~~النضج، فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغم كثير، وعدم الغذاء، عطفت الطبيعة ~~عليه وطبخته وأنضجته وصيرته دما وغذت به الأعضاء، واكتفت به عما سواه، ~~والطبيعة هي القوة التي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحته ~~وحراسته مدة حياته. # واعلم أنه قد يحتاج في الندرة إلى إجبار المريض على الطعام والشراب، وذلك ~~في الأمراض التي يكون معها اختلاط العقل، وعلى هذا فيكون الحديث من العام ~~المخصوص أو من المطلق الذي قد دل على تقييده دليل، ومعنى الحديث أن المريض ~~قد يعيش بلا غذاء أياما لا يعيش الصحيح في مثلها. # PageV04P084 # " وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( «فإن الله يطعمهم ويسقيهم» ) معنى لطيف ~~زائد على ما ذكره الأطباء، لا يعرفه إلا من له عناية بأحكام القلوب ~~والأرواح، وتأثيرها في طبيعة البدن وانفعال الطبيعة عنها، كما تنفعل هي ~~كثيرا عن الطبيعة، ونحن نشير إليه إشارة فنقول: النفس إذا حصل لها ما ~~يشغلها من محبوب أو مكروه أو مخوف، اشتغلت به عن طلب الغذاء والشراب، فلا ~~تحس بجوع ولا عطش، بل ولا حر ولا برد، بل تشتغل به عن الإحساس المؤلم ~~الشديد الألم، فلا تحس به، وما من أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئا ~~منه، وإذا ms1084 اشتغلت النفس بما دهمها وورد عليها، لم تحس بألم الجوع، فإن كان ~~الوارد مفرحا قوي التفريح، قام لها مقام الغذاء فشبعت به وانتعشت قواها ~~وتضاعفت، وجرت الدموية في الجسد حتى تظهر في سطحه، فيشرق وجهه وتظهر ~~دمويته، فإن الفرح يوجب انبساط دم القلب فينبعث في العروق فتمتلئ به، فلا ~~تطلب الأعضاء حظها من الغذاء المعتاد؛ لاشتغالها بما هو أحب إليها وإلى ~~الطبيعة منه، والطبيعة إذا ظفرت بما تحب، آثرته على ما هو دونه. # وإن كان الوارد مؤلما أو محزنا أو مخوفا، اشتغلت بمحاربته ومقاومته ~~ومدافعته عن طلب الغذاء، فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام والشراب. ~~فإن ظفرت في هذا الحرب، انتعشت قواها وأخلفت عليها نظير ما فاتها من قوة ~~الطعام والشراب، وإن كانت مغلوبة مقهورة، انحطت قواها بحسب ما حصل لها من ~~ذلك، وإن كانت الحرب بينها وبين هذا العدو سجالا، فالقوة تظهر تارة وتختفي ~~أخرى، وبالجملة فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوين ~~المتقاتلين، والنصر للغالب، والمغلوب إما قتيل، وإما جريح، وإما أسير. # فالمريض له مدد من الله تعالى يغذيه به زائدا على ما ذكره الأطباء من ~~تغذيته بالدم، وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربه عز وجل، ~~فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربا من ربه، فإن العبد أقرب ما يكون # PageV04P085 # من ربه إذا انكسر قلبه، ورحمة ربه عندئذ قريبة منه، فإن كان وليا له حصل ~~له من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته، وتنتعش به قواه أعظم من ~~قوتها، وانتعاشها بالأغذية البدنية، وكلما قوي إيمانه وحبه لربه وأنسه به ~~وفرحه به وقوي يقينه بربه، واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه، وجد في نفسه من ~~هذه القوة ما لا يعبر عنه، ولا يدركه وصف طبيب، ولا يناله علمه. # ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به، فلينظر حال كثير من ~~عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من صورة، أو جاه أو مال ~~أو علم، وقد ms1085 شاهد الناس من هذا عجائب في أنفسهم وفي غيرهم. # وقد ثبت في " الصحيح ": «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يواصل في ~~الصيام الأيام ذوات العدد، وينهى أصحابه عن الوصال ويقول: (لست كهيئتكم إني ~~أظل يطعمني ربي ويسقيني» ) # ومعلوم أن هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي يأكله الإنسان بفمه، ~~وإلا لم يكن مواصلا ولم يتحقق الفرق، بل لم يكن صائما، فإنه قال: ( «أظل ~~يطعمني ربي ويسقيني» ) # وأيضا فإنه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنه يقدر منه على ما لا ~~يقدرون عليه، فلو كان يأكل ويشرب بفمه لم يقل لست كهيئتكم، وإنما فهم هذا ~~من الحديث من قل نصيبه من غذاء الأرواح والقلوب، وتأثيره في القوة ~~وإنعاشها، واغتذائها به فوق تأثير الغذاء الجسماني، والله الموفق. # PageV04P086 ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العذرة وفي العلاج بالسعوط] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العذرة، وفي العلاج بالسعوط # ثبت عنه في " الصحيحين " أنه قال ( «خير ما تداويتم به الحجامة والقسط ~~البحري، ولا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة» ) # وفي " السنن " و " المسند " عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: «دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه دما، فقال: (ما ~~هذا؟ ". فقالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه، فقال " ويلكن لا تقتلن ~~أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطا هنديا ~~فلتحكه بماء، ثم تسعطه إياه) فأمرت عائشة رضي الله عنها فصنع ذلك بالصبي ~~فبرأ» . # قال أبو عبيد عن أبي عبيدة: العذرة تهيج في الحلق من الدم، فإذا عولج ~~منه، قيل قد عذر به، فهو معذور انتهى. وقيل العذرة: قرحة تخرج فيما بين ~~الأذن والحلق، وتعرض للصبيان غالبا. # وأما نفع السعوط منها بالقسط المحكوك، فلأن العذرة مادتها دم يغلب عليه ~~البلغم، لكن تولده في أبدان الصبيان أكثر، وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ~~ويرفعها إلى مكانها، وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية، وقد ينفع في ~~الأدواء الحارة، ms1086 والأدوية الحارة بالذات تارة، وبالعرض أخرى. # وقد ذكر صاحب " القانون " في معالجة سقوط اللهاة: القسط مع الشب اليماني ~~وبزر المرو. # PageV04P087 # والقسط البحري المذكور في الحديث: هو العود الهندي، وهو الأبيض منه، وهو ~~حلو وفيه منافع عديدة، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق وهو ~~شيء يعلقونه على الصبيان، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأرشدهم ~~إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. # والسعوط ما يصب في الأنف، وقد يكون بأدوية مفردة ومركبة تدق وتنخل وتعجن ~~وتجفف، ثم تحل عند الحاجة، ويسعط بها في أنف الإنسان، وهو مستلق على ظهره، ~~وبين كتفيه ما يرفعهما لتنخفض رأسه، فيتمكن السعوط من الوصول إلى دماغه، ~~ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم ~~التداوي بالسعوط فيما يحتاج إليه فيه. # وذكر أبو داود في " سننه " «أن النبي صلى الله عليه وسلم استعط» . ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المفئود] ### | التمر خاصية عجيبة لهذا الداء # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المفئود # روى أبو داود في " سننه " من حديث مجاهد عن سعد، قال: ( «مرضت مرضا ~~فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت ~~بردها على فؤادي، وقال لي: " إنك رجل مفئود فأت الحارث بن كلدة من ثقيف، ~~فإنه رجل يتطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهن بنواهن، ثم ~~ليلدك بهن» ) # المفئود الذي أصيب فؤاده، فهو يشتكيه، كالمبطون الذي يشتكي بطنه. # PageV04P088 # واللدود: ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم. # وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، ولا سيما تمر المدينة، ولا سيما ~~العجوة منه. وفي كونها سبعا خاصية أخرى، تدرك بالوحي، وفي " الصحيحين ": من ~~حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «من تصبح بسبع تمرات من تمر العالية، لم يضره ذلك اليوم سم ولا ~~سحر» ) . # وفي لفظ: ( «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى ms1087 ~~يمسي» ) . # والتمر حار في الثانية، يابس في الأولى. وقيل: رطب فيها. وقيل: معتدل، ~~وهو غذاء فاضل حافظ للصحة لا سيما لمن اعتاد الغذاء به، كأهل المدينة ~~وغيرهم، وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارة التي حرارتها في ~~الدرجة الثانية، وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة؛ لبرودة بواطن ~~سكانها، وحرارة بواطن سكان البلاد الباردة؛ ولذلك يكثر أهل الحجاز واليمن ~~والطائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارة ما لا يتأتى ~~لغيرهم، كالتمر والعسل، وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفلفل والزنجبيل ~~فوق ما يضعه غيرهم نحو عشرة أضعاف أو أكثر، ويأكلون الزنجبيل كما يأكل ~~غيرهم الحلوى، ولقد شاهدت من يتنقل به منهم كما يتنقل بالنقل، ويوافقهم ذلك ~~ولا يضرهم لبرودة أجوافهم، وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد، كما تشاهد مياه ~~الآبار تبرد في الصيف، وتسخن في الشتاء، وكذلك تنضج المعدة من الأغذية ~~الغليظة في الشتاء ما لا تنضجه في الصيف. # PageV04P089 # وأما أهل المدينة فالتمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو ~~قوتهم ومادتهم، وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنه متين الجسم، لذيذ ~~الطعم صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة، وهو يوافق ~~أكثر الأبدان، مقو للحار الغريزي، ولا يتولد عنه من الفضلات الرديئة ما ~~يتولد عن غيره من الأغذية والفاكهة، بل يمنع لمن اعتاده من تعفن الأخلاط ~~وفسادها. # وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم، ولا ~~ريب أن للأمكنة اختصاصا بنفع كثير من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، ~~فيكون الدواء الذي قد ينبت في هذا المكان نافعا من الداء، ولا يوجد فيه ذلك ~~النفع إذا نبت في مكان غيره لتأثير نفس التربة أو الهواء، أو هما جميعا، ~~فإن للأرض خواصا وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان، وكثير من ~~النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولا، وفي بعضها سما قاتلا، ورب أدوية ~~لقوم أغذية لآخرين، وأدوية لقوم من أمراض هي أدوية لآخرين في أمراض سواها، ~~وأدوية لأهل بلد لا تناسب غيرهم، ms1088 ولا تنفعهم # وأما خاصية السبع فإنها قد وقعت قدرا وشرعا، فخلق الله عز وجل السماوات ~~سبعا، والأرضين سبعا، والأيام سبعا، والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوار، وشرع ~~الله سبحانه لعباده الطواف سبعا، والسعي بين الصفا والمروة سبعا، ورمي ~~الجمار سبعا سبعا، وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى. # وقال صلى الله عليه وسلم ( «مروهم بالصلاة لسبع» ) : ( «وإذا صار للغلام ~~سبع سنين خير بين أبويه» ) في # PageV04P090 # رواية. وفي رواية أخرى: " «أبوه أحق به من أمه» "، وفي ثالثة: ( «أمه أحق ~~به» ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب، وسخر ~~الله الريح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينه ~~الله على قومه بسبع كسبع يوسف، ومثل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق ~~بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والسنابل التي رآها صاحب يوسف ~~سبعا، والسنين التي زرعوها دأبا سبعا، وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى ~~أضعاف كثيرة، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا. # فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معاني العدد كله ~~وخواصه، فإن العدد شفع ووتر. والشفع أول وثان. والوتر كذلك، فهذه أربع ~~مراتب: شفع أول وثان. ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتب في أقل من ~~سبعة، وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة، أعني الشفع والوتر، # PageV04P091 # والأوائل والثواني، ونعني بالوتر الأول الثلاثة، وبالثاني الخمسة، ~~وبالشفع الأول الاثنين، وبالثاني الأربعة، وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة، ~~ولا سيما في البحارين. # وقد قال بقراط: كل شيء من هذا العالم فهو مقدر على سبعة أجزاء، والنجوم ~~سبعة، والأيام سبعة، وأسنان الناس سبعة، أولها طفل إلى سبع، ثم صبي إلى ~~أربع عشرة، ثم مراهق ثم شاب ثم كهل ثم شيخ ثم هرم إلى منتهى العمر، والله ~~تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد، هل هو لهذا المعنى أو ~~لغيره؟ # ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها ms1089 من السم ~~والسحر، بحيث تمنع إصابته من الخواص التي لو قالها بقراط وجالينوس وغيرهما ~~من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن ~~القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن، فمن كلامه كله يقين وقطع وبرهان، ~~ووحي أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم، وترك الاعتراض. # وأدوية السموم تارة تكون بالكيفية، وتارة تكون بالخاصية كخواص كثير من ~~الأحجار والجواهر واليواقيت، والله أعلم. ### | [من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاد النفع به] # فصل ويجوز نفع التمر المذكور في بعض السموم، فيكون الحديث من العام ~~المخصوص، ويجوز نفعه لخاصية تلك البلد، وتلك التربة الخاصة من كل سم، ولكن ~~هاهنا أمر لا بد من بيانه، وهو أن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله ~~واعتقاد النفع به، فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة، حتى إن كثيرا ~~من المعالجات ينفع بالاعتقاد، وحسن القبول وكمال التلقي، وقد شاهد الناس من ~~ذلك عجائب، وهذا لأن الطبيعة يشتد قبولها له، وتفرح النفس به، فتنتعش القوة ~~ويقوى سلطان الطبيعة، وينبعث الحار الغريزي، فيساعد على دفع المؤذي، ~~وبالعكس يكون كثير من الأدوية نافعا لتلك العلة، فيقطع عمله سوء اعتقاد ~~العليل فيه، وعدم أخذ الطبيعة له بالقبول، فلا يجدي عليها شيئا. # واعتبر هذا بأعظم # PageV04P092 # الأدوية والأشفية، وأنفعها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد والدنيا ~~والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا ~~تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضا إلى مرضها، وليس لشفاء ~~القلوب دواء قط أنفع من القرآن، فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر ~~فيها سقما إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحمية التامة من ~~كل مؤذ ومضر، ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي ~~لا ريب فيه أنه كذلك، وعدم استعماله والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها ~~بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به، وغلبت العوائد واشتد الإعراض وتمكنت ~~العلل والأدواء المزمنة من القلوب، وتربى المرضى والأطباء على علاج بني ~~جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم، ومن يعظمونه ms1090 ويحسنون به ظنونهم، فعظم المصاب، ~~واستحكم الداء، وتركبت أمراض وعلل أعيا عليهم علاجها، وكلما عالجوها بتلك ~~العلاجات الحادثة تفاقم أمرها، وقويت، ولسان الحال ينادي عليهم: # ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفاء وما إليه وصول # كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي نفعها] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها ~~بما يدفع ضررها، ويقوي نفعها # ثبت في " الصحيحين " من حديث عبد الله بن جعفر، قال: ( «رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالقثاء» ) . # والرطب: حار رطب في الثانية، يقوي المعدة الباردة، ويوافقها، ويزيد في # PageV04P093 # الباه، ولكنه سريع التعفن، معطش معكر للدم، مصدع مولد للسدد، ووجع ~~المثانة، ومضر بالأسنان، والقثاء بارد رطب في الثانية، مسكن للعطش، منعش ~~للقوى بشمه لما فيه من العطرية، مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة، وإذا جفف ~~بزره، ودق واستحلب بالماء، وشرب، سكن العطش وأدر البول ونفع من وجع ~~المثانة، وإذا دق ونخل ودلك به الأسنان، جلاها، وإذا دق ورقه وعمل منه ضماد ~~مع الميبختج، نفع من عضة الكلب الكلب. # وبالجملة فهذا حار وهذا بارد، وفي كل منهما صلاح الآخر، وإزالة لأكثر ~~ضرره، ومقاومة كل كيفية بضدها ودفع سورتها بالأخرى، وهذا أصل العلاج كله، ~~وهو أصل في حفظ الصحة، بل علم الطب كله يستفاد من هذا. # وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاح لها وتعديل، ودفع لما ~~فيها من الكيفيات المضرة لما يقابلها، وفي ذلك عون على صحة البدن، وقوته ~~وخصبه، قالت عائشة رضي الله عنها: سمنوني بكل شيء، فلم أسمن، فسمنوني ~~بالقثاء والرطب، فسمنت. # وبالجملة: فدفع ضرر البارد بالحار، والحار بالبارد والرطب باليابس، ~~واليابس بالرطب، وتعديل أحدهما بالآخر من أبلغ أنواع العلاجات، وحفظ الصحة، ~~ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسنوت، وهو العسل الذي فيه شيء من ~~السمن يصلح به السنا، ويعدله، فصلوات الله وسلامه على من بعث بعمارة القلوب ~~والأبدان، ms1091 وبمصالح الدنيا والآخرة. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية # الدواء كله شيئان: حمية وحفظ صحة. فإذا وقع التخليط احتيج إلى # PageV04P094 # الاستفراغ الموافق، وكذلك مدار الطب كله على هذه القواعد الثلاثة. ~~والحمية: حميتان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله، ~~فالأول: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى، وقف ~~مرضه عن التزايد، وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية قوله تعالى: {وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] [النساء: 43 المائدة 6] فحمى ~~المريض من استعمال الماء لأنه يضره. # وفي " سنن ابن ماجه " وغيره عن أم المنذر بنت قيس الأنصارية، قالت: ( ~~«دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي، وعلي ناقه من مرض، ولنا ~~دوالي معلقة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وقام علي يأكل ~~منها، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: " إنك ناقه " حتى كف. ~~قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: " ~~من هذا أصب، فإنه أنفع لك " وفي لفظ فقال: " من هذا فأصب، فإنه أوفق لك» ) ~~. # وفي " سنن ابن ماجه " أيضا عن صهيب قال: ( «قدمت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين يديه خبز وتمر، فقال: " ادن فكل "، فأخذت تمرا فأكلت، فقال: " ~~أتأكل تمرا وبك رمد "؟ فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # وفي حديث محفوظ عنه صلى الله عليه وسلم ( «إن الله إذا أحب عبدا حماه من ~~الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه عن الطعام والشراب» ) . وفي لفظ: ( «إن الله ~~يحمي عبده # PageV04P095 # المؤمن من الدنيا» ) . # وأما الحديث الدائر على ألسنة كثير من الناس: ( «الحمية رأس الدواء، ~~والمعدة بيت الداء، وعودوا كل جسم ما اعتاد» ) فهذا الحديث إنما هو من كلام ~~الحارث بن كلدة طبيب العرب، ولا يصح ms1092 رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قاله غير واحد من أئمة الحديث. # ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «أن المعدة حوض البدن، والعروق ~~إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا سقمت المعدة صدرت ~~العروق بالسقم» ) . # وقال الحارث: رأس الطب الحمية، والحمية عندهم للصحيح في المضرة بمنزلة ~~التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، فإن طبيعته ~~لم ترجع بعد إلى قوتها، والقوة الهاضمة ضعيفة، والطبيعة قابلة، والأعضاء ~~مستعدة، فتخليطه يوجب انتكاسها، وهو أصعب من ابتداء مرضه. # واعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي، وهو ~~ناقه أحسن التدبير، فإن الدوالي أقناء من الرطب تعلق في البيت للأكل بمنزلة ~~عناقيد العنب، والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها، وضعف ~~الطبيعة عن دفعها، فإنها لم تتمكن بعد من قوتها، وهي مشغولة بدفع آثار ~~العلة، وإزالتها من البدن. # وفي الرطب خاصة نوع ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي ~~بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره، فإما أن تقف تلك البقية، وإما # PageV04P096 # أن تتزايد، فلما وضع بين يديه السلق والشعير، أمره أن يصيب منه، فإنه من ~~أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف ~~والتليين وتقوية الطبيعة ما هو أصلح للناقه، ولا سيما إذا طبخ بأصول السلق، ~~فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف، ولا يتولد عنه من الأخلاط ما يخاف ~~منه. # وقال زيد بن أسلم: حمى عمر رضي الله عنه مريضا له، حتى إنه من شدة ما ~~حماه كان يمص النوى. # وبالجملة: فالحمية من أنفع الأدوية قبل الداء، فتمنع حصوله، وإذا حصل ~~فتمنع تزايده وانتشاره. ### | [فصل لا حرج في تناول الإنسان ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما] # فصل ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى عنه العليل والناقه والصحيح، ~~إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي ~~لا تعجز الطبيعة عن هضمه، لم يضره تناوله، بل ربما انتفع ms1093 به، فإن الطبيعة ~~والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع ~~من تناول ما تكرهه الطبيعة، وتدفعه من الدواء، ولهذا أقر النبي صلى الله ~~عليه وسلم صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة، وعلم أنها لا تضره، ~~ومن هذا ما يروى عن ( «علي أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~أرمد، وبين يدي النبي صلى الله عليه وسلم تمر يأكله، فقال: يا علي! تشتهيه؟ ~~ورمى إليه بتمرة، ثم بأخرى حتى رمى إليه سبعا، ثم قال: " حسبك يا علي» ) . # ومن هذا ما رواه ابن ماجه في " سننه " من حديث عكرمة، عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( «عاد رجلا، فقال له: " ما تشتهي؟ " فقال أشتهي ~~خبز بر. وفي لفظ أشتهي كعكا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان عنده ~~خبز بر فليبعث إلى أخيه " ثم قال: # PageV04P097 # إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه» ) . # ففي هذا الحديث سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق ~~طبيعي، وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه، وإن كان نافعا ~~في نفسه، فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة يدفع ضرره، وبغض الطبيعة وكراهتها ~~للنافع قد يجلب لها منه ضررا. # وبالجملة: فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية فتهضمه على أحمد ~~الوجوه، سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة، وصحة القوة، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون، والدعة وترك ~~الحركة، والحمية مما يهيج الرمد # وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم «حمى صهيبا من التمر، وأنكر عليه ~~أكله، وهو أرمد» ، «وحمى عليا من الرطب» لما أصابه الرمد. # وذكر أبو نعيم في كتاب " الطب النبوي ": أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان ~~إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها» ) . # الرمد ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو ms1094 بياضها الظاهر، ~~وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة، أو ريح حارة تكثر كميتها في الرأس ~~والبدن، فينبعث منها قسط إلى جوهر العين، أو ضربة تصيب العين فترسل الطبيعة ~~إليها من الدم والروح مقدارا كثيرا تروم بذلك شفاءها مما عرض لها، ولأجل ~~ذلك يرم العضو المضروب، والقياس يوجب ضده. # PageV04P098 # واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران، أحدهما: حار يابس، والآخر ~~حار رطب، فينعقدان سحابا متراكما، ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء، فكذلك ~~يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك، فيمنعان النظر، ويتولد عنهما علل ~~شتى، فإن قويت الطبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم، أحدث الزكام، وإن ~~دفعته إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخناق، وإن دفعته إلى الجنب، أحدث ~~الشوصة، وإن دفعته إلى الصدر أحدث النزلة، وإن انحدر إلى القلب أحدث ~~الخبطة، وإن دفعته إلى العين أحدث رمدا، وإن انحدر إلى الجوف أحدث السيلان، ~~وإن دفعته إلى منازل الدماغ أحدث النسيان، وإن ترطبت أوعية الدماغ منه ~~وامتلأت به عروقه أحدث النوم الشديد، ولذلك كان النوم رطبا، والسهر يابسا. ~~وإن طلب البخار النفوذ من الرأس، فلم يقدر عليه أعقبه الصداع والسهر، وإن ~~مال البخار إلى أحد شقي الرأس، أعقبه الشقيقة، وإن ملك قمة الرأس ووسط ~~الهامة، أعقبه داء البيضة، وإن برد منه حجاب الدماغ، أو سخن أو ترطب وهاجت ~~منه أرياح، أحدث العطاس، وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيه حتى غلب الحار ~~الغريزي، أحدث الإغماء والسكات، وإن أهاج المرة السوداء حتى أظلم هواء ~~الدماغ، أحدث الوسواس، وإن فاض ذلك إلى مجاري العصب أحدث الصرع الطبيعي، ~~وإن ترطبت مجامع عصب الرأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالج، وإن كان ~~البخار من مرة صفراء ملتهبة محمية للدماغ، أحدث البرسام، فإن شركه الصدر في ~~ذلك كان سرساما، فافهم هذا الفصل. # والمقصود أن أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة في حال الرمد، والجماع ~~مما يزيد حركتها وثورانها، فإنه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة. فأما ~~البدن فيسخن بالحركة لا محالة، والنفس تشتد حركتها طلبا للذة واستكمالها، # PageV04P099 # والروح تتحرك تبعا ms1095 لحركة النفس والبدن، فإن أول تعلق الروح من البدن ~~بالقلب، ومنه ينشأ الروح وتنبث في الأعضاء. وأما حركة الطبيعة، فلأجل أن ~~ترسل ما يجب إرساله من المني على المقدار الذي يجب إرساله. # وبالجملة: فالجماع حركة كلية عامة يتحرك فيها البدن وقواه وطبيعته ~~وأخلاطه والروح والنفس، فكل حركة فهي مثيرة للأخلاط مرققة لها توجب دفعها ~~وسيلانها إلى الأعضاء الضعيفة، والعين في حال رمدها أضعف ما تكون، فأضر ما ~~عليها حركة الجماع. # قال بقراط في كتاب " الفصول ": وقد يدل ركوب السفن أن الحركة تثور ~~الأبدان. هذا مع أن في الرمد منافع كثيرة، منها ما يستدعيه من الحمية ~~والاستفراغ، وتنقية الرأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما، والكف عما يؤذي ~~النفس والبدن من الغضب والهم والحزن، والحركات العنيفة والأعمال الشاقة. ~~وفي أثر سلفي: لا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عروق العمى. # علاجه # ومن أسباب علاجه ملازمة السكون والراحة، وترك مس العين والاشتغال بها، ~~فإن أضداد ذلك يوجب انصباب المواد إليها. # وقد قال بعض السلف: مثل أصحاب محمد مثل العين، ودواء العين ترك مسها. وقد ~~روي في حديث مرفوع الله أعلم به: ( «علاج الرمد تقطير الماء البارد في ~~العين» ) وهو من أنفع الأدوية للرمد الحار، فإن الماء دواء بارد يستعان به ~~على إطفاء حرارة الرمد إذا كان حارا، ولهذا «قال عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه لامرأته زينب وقد اشتكت عينها: لو فعلت كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان خيرا لك وأجدر أن تشفي، تنضحين في عينك الماء، ثم ~~تقولين: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء ~~لا يغادر سقما) » . # وهذا مما تقدم مرارا أنه خاص ببعض البلاد، وبعض أوجاع العين، فلا يجعل ~~كلام النبوة الجزئي الخاص كليا عاما، ولا الكلي العام # PageV04P100 # جزئيا خاصا، فيقع من الخطأ، وخلاف الصواب ما يقع، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الخدران الكلي الذي يجمد معه البدن] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الخدران الكلي ms1096 الذي يجمد معه ~~البدن # ذكر أبو عبيد في " غريب الحديث " من حديث أبي عثمان النهدي: «أن قوما ~~مروا بشجرة فأكلوا منها، فكأنما مرت بهم ريح، فأجمدتهم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (قرسوا الماء في الشنان، وصبوا عليهم فيما بين الأذانين) » ~~، ثم قال أبو عبيد: قرسوا: يعني بردوا. وقول الناس: قد قرس البرد، إنما هو ~~من هذا بالسين ليس بالصاد. والشنان: الأسقية والقرب الخلقان، يقال للسقاء: ~~شن وللقربة شنة. وإنما ذكر الشنان دون الجدد لأنها أشد تبريدا للماء. ~~وقوله: " بين الأذانين "، يعني أذان الفجر والإقامة، فسمى الإقامة أذانا، ~~انتهى كلامه. # قال بعض الأطباء: وهذا العلاج من النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل علاج ~~هذا الداء إذا كان وقوعه بالحجاز، وهي بلاد حارة يابسة، والحار الغريزي ~~ضعيف في بواطن سكانها، وصب الماء البارد عليهم في الوقت المذكور - وهو أبرد ~~أوقات اليوم - يوجب جمع الحار الغريزي المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، ~~فيقوي القوة الدافعة ويجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محل ذاك ~~الداء، ويستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فيدفعه بإذن الله عز ~~وجل، ولو أن بقراط أو جالينوس أو غيرهما وصف هذا الدواء لهذا الداء، لخضعت ~~له الأطباء، وعجبوا من كمال معرفته. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في إصلاح الطعام الذي يقع فيه الذباب، ~~وإرشاده إلى دفع مضرات السموم بأضدادها # في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي ~~الآخر # PageV04P101 # شفاء» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «أحد جناحي الذباب سم، والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام ~~فامقلوه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» ) . # هذا الحديث فيه أمران: أمر فقهي، وأمر طبي، فأما الفقهي فهو دليل ظاهر ~~الدلالة ms1097 جدا على أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع فإنه لا ينجسه، وهذا قول ~~جمهور العلماء، ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك. ووجه الاستدلال به أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمقله، وهو غمسه في الطعام، ومعلوم أنه يموت ~~من ذلك، ولا سيما إذا كان الطعام حارا. فلو كان ينجسه لكان أمرا بإفساد ~~الطعام، وهو صلى الله عليه وسلم إنما أمر بإصلاحه، ثم عدي هذا الحكم إلى كل ~~ما لا نفس له سائلة، كالنحلة والزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك، إذ الحكم يعم ~~بعموم علته، وينتفي لانتفاء سببه، فلما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في ~~الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودا فيما لا دم له سائل انتفى الحكم بالتنجيس ~~لانتفاء علته. # ثم قال من لم يحكم بنجاسة عظم الميتة: إذا كان هذا ثابتا في الحيوان ~~الكامل مع ما فيه من الرطوبات والفضلات، وعدم الصلابة، فثبوته في العظم ~~الذي هو أبعد عن الرطوبات والفضلات واحتقان الدم أولى، وهذا في غاية القوة، ~~فالمصير إليه أولى. # وأول من حفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة، فقال: ما لا نفس له # PageV04P102 # سائلة إبراهيم النخعي وعنه تلقاها الفقهاء - والنفس في اللغة: يعبر بها ~~عن الدم، ومنه نفست المرأة - بفتح النون - إذا حاضت ونفست - بضمها - إذا ~~ولدت. # وأما المعنى الطبي، فقال أبو عبيد: معنى امقلوه: اغمسوه ليخرج الشفاء ~~منه، كما خرج الداء، يقال للرجلين: هما يتماقلان، إذا تغاطا في الماء. # واعلم أن في الذباب عندهم قوة سمية يدل عليها الورم، والحكة العارضة عن ~~لسعه، وهي بمنزلة السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه، اتقاه بسلاحه، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه في جناحه ~~الآخر من الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السمية المادة ~~النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو ~~خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا ~~العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق ms1098 على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي ~~خارج عن القوى البشرية. # وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه ~~بالذباب نفع منه نفعا بينا، وسكنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء، ~~وإذا دلك به الورم الذي يخرج في شعر العين المسمى شعرة بعد قطع رءوس الذباب ~~أبرأه. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج البثرة] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج البثرة # ذكر ابن السني في كتابه ( «عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ~~دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في أصبعي بثرة، فقال: " عندك ~~ذريرة؟ قلت: نعم. قال " ضعيها عليها " وقولي: اللهم مصغر الكبير، ومكبر ~~الصغير صغر ما # PageV04P103 # بي» ) . # الذريرة: دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة، وهي حارة يابسة تنفع من أورام ~~المعدة والكبد والاستسقاء، وتقوي القلب لطيبها، وفي " الصحيحين " عن عائشة ~~أنها قالت: «طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع ~~للحل والإحرام» . # والبثرة: خراج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة، فتسترق مكانا من ~~الجسد تخرج منه، فهي محتاجة إلى ما ينضجها ويخرجها، والذريرة أحد ما يفعل ~~بها ذلك، فإن فيها إنضاجا وإخراجا مع طيب رائحتها، مع أن فيها تبريدا ~~للنارية التي في تلك المادة، وكذلك قال صاحب " القانون ": إنه لا أفضل لحرق ~~النار من الذريرة بدهن الورد والخل. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأورام والخرجات التي تبرأ بالبط والبزل] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأورام، والخرجات التي تبرأ ~~بالبط والبزل # يذكر عن (علي أنه قال «دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل ~~يعوده بظهره # PageV04P104 # ورم، فقالوا: يا رسول الله! بهذه مدة. قال: " بطوا عنه " قال علي: فما ~~برحت حتى بطت، والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد» ) . # ويذكر عن أبي هريرة، ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر طبيبا أن يبط ~~بطن رجل أجوى البطن، فقيل يا ms1099 رسول الله: هل ينفع الطب؟ قال: " الذي أنزل ~~الداء أنزل الشفاء فيما شاء» ) . # الورم: مادة في حجم العضو لفضل مادة غير طبيعية تنصب إليه، ويوجد في ~~أجناس الأمراض كلها، والمواد التي تكون عنها من الأخلاط الأربعة، والمائية ~~والريح، وإذا اجتمع الورم سمي خراجا، وكل ورم حار يؤول أمره إلى أحد ثلاثة ~~أشياء: إما تحلل، وإما جمع مدة، وإما استحالة إلى الصلابة. فإن كانت القوة ~~قوية استولت على مادة الورم وحللته، وهي أصلح الحالات التي يؤول حال الورم ~~إليها، وإن كانت دون ذلك أنضجت المادة وأحالتها مدة بيضاء، وفتحت لها مكانا ~~أسالتها منه. وإن نقصت عن ذلك أحالت المادة مدة غير مستحكمة النضج، وعجزت ~~عن فتح مكان في العضو تدفعها منه، فيخاف على العضو الفساد بطول لبثها فيه، ~~فيحتاج حينئذ إلى إعانة الطبيب بالبط أو غيره لإخراج تلك المادة الرديئة ~~المفسدة للعضو. # وفي البط فائدتان: # إحداهما: إخراج المادة الرديئة المفسدة. # والثانية: منع اجتماع مادة أخرى إليها تقويها. # وأما قوله في الحديث الثاني: ( «إنه أمر طبيبا أن يبط بطن رجل أجوى # PageV04P105 # البطن» ) فالجوى يقال على معان منها: الماء المنتن الذي يكون في البطن ~~يحدث عنه الاستسقاء. # وقد اختلف الأطباء في بزله لخروج هذه المادة، فمنعته طائفة منهم لخطره، ~~وبعد السلامة معه، وجوزته طائفة أخرى، وقالت: لا علاج له سواه، وهذا عندهم ~~إنما هو في الاستسقاء الزقي، فإنه كما تقدم ثلاثة أنواع: # طبلي، وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمع له صوت ~~كصوت الطبل. # ولحمي: وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو مع الدم في ~~الأعضاء، وهو أصعب من الأول. # وزقي، وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة رديئة يسمع لها عند ~~الحركة خضخضة كخضخضة الماء في الزق، وهو أردأ أنواعه عند الأكثرين من ~~الأطباء. وقالت طائفة: أردأ أنواعه اللحمي لعموم الآفة به. # ومن جملة علاج الزقي إخراج ذلك بالبزل، ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق ~~لإخراج الدم الفاسد، لكنه خطر كما تقدم، وإن ثبت هذا ms1100 الحديث، فهو دليل على ~~جواز بزله، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية ~~قلوبهم # روى ابن ماجه " في سننه " من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك ~~لا يرد شيئا، وهو يطيب نفس المريض» ) . # وفي هذا الحديث نوع شريف جدا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد # PageV04P106 # إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش به ~~القوة، وينبعث به الحار الغريزي، فيتساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو ~~غاية تأثير الطبيب. # وتفريح نفس المريض وتطييب قلبه وإدخال ما يسره عليه له تأثير عجيب في ~~شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع ~~المؤذي، وقد شاهد الناس كثيرا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه، ~~ويعظمونه، ورؤيتهم لهم ولطفهم بهم ومكالمتهم إياهم، وهذا أحد فوائد عيادة ~~المرضى التي تتعلق بهم، فإن فيها أربعة أنواع من الفوائد: نوع يرجع إلى ~~المريض، ونوع يعود على العائد، ونوع يعود على أهل المريض، ونوع يعود على ~~العامة. # وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل المريض عن شكواه، وكيف ~~يجده ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو ~~له ويصف له ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، وربما ~~كان يقول للمريض: ( «لا بأس طهور إن شاء الله» ) ، وهذا من كمال اللطف، ~~وحسن العلاج والتدبير. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية ~~والأغذية دون ما لم تعتده # هذا أصل عظيم من أصول العلاج، وأنفع شيء فيه، وإذا أخطأه الطبيب أضر ~~المريض من حيث يظن أنه ms1101 ينفعه، ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب ~~الطب إلا طبيب جاهل، فإن ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب # PageV04P107 # استعدادها وقبولها، وهؤلاء أهل البوادي والأكارون وغيرهم لا ينجع فيهم ~~شراب اللينوفر والورد الطري ولا المغلي، ولا يؤثر في طباعهم شيئا، بل عامة ~~أدوية أهل الحضر وأهل الرفاهية لا تجدي علهم، والتجربة شاهدة بذلك، ومن ~~تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوي رآه كله موافقا لعادة العليل وأرضه وما ~~نشأ عليه. # فهذا أصل عظيم من أصول العلاج يجب الاعتناء به، وقد صرح به أفاضل أهل ~~الطب حتى قال طبيب العرب بل أطبهم الحارث بن كلدة، وكان فيهم كأبقراط في ~~قومه: الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعودوا كل بدن ما اعتاد. وفي ~~لفظ عنه: الأزم دواء، والأزم: الإمساك عن الأكل يعني به الجوع، وهو من أكبر ~~الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلها، بحيث إنه أفضل في علاجها من ~~المستفرغات إذا لم يخف من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدتها أو غليانها. # وقوله المعدة بيت الداء. المعدة: عضو عصبي مجوف كالقرعة في شكلها، مركب ~~من ثلاث طبقات، مؤلفة من شظايا دقيقة عصبية تسمى الليف، ويحيط بها لحم، ~~وليف إحدى الطبقات بالطول، والأخرى بالعرض، والثالثة بالورب، وفم المعدة ~~أكثر عصبا، وقعرها أكثر لحما، وفي باطنها خمل، وهي محصورة في وسط البطن، ~~وأميل إلى الجانب الأيمن قليلا، خلقت على هذه الصفة لحكمة لطيفة من الخالق ~~الحكيم سبحانه، وهي بيت الداء، وكانت محلا للهضم الأول، وفيها ينضج الغذاء ~~وينحدر منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء، ويتخلف منه فيها فضلات قد عجزت ~~القوة الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرة الغذاء أو لرداءته أو لسوء ترتيب ~~في استعماله أو لمجموع ذلك، وهذه الأشياء بعضها مما لا يتخلص الإنسان منه ~~غالبا، فتكون المعدة بيت الداء لذلك، وكأنه يشير بذلك إلى الحث على تقليل ~~الغذاء، ومنع النفس من اتباع الشهوات، والتحرز عن الفضلات. # وأما العادة فلأنها كالطبيعة للإنسان، ولذلك يقال: العادة طبع ثان، وهي # PageV04P108 # قوة عظيمة في البدن، حتى ms1102 إن أمرا واحدا إذا قيس إلى أبدان مختلفة ~~العادات، كان مختلف النسبة إليها. # وإن كانت تلك الأبدان متفقة في الوجوه الأخرى، مثال ذلك أبدان ثلاثة حارة ~~المزاج في سن الشباب، أحدها: عود تناول الأشياء الحارة، والثاني: عود تناول ~~الأشياء الباردة، والثالث عود تناول الأشياء المتوسطة. # فإن الأول متى تناول عسلا لم يضر به، والثاني: متى تناوله أضر به، ~~والثالث: يضر به قليلا، فالعادة ركن عظيم في حفظ الصحة، ومعالجة الأمراض؛ ~~ولذلك جاء العلاج النبوي بإجراء كل بدن على عادته في استعمال الأغذية ~~والأدوية وغير ذلك. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من ~~الأغذية # في " الصحيحين " من حديث عروة «عن عائشة، أنها كانت إذا مات الميت من ~~أهلها، واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلى أهلهن، أمرت ببرمة من تلبينة ~~فطبخت، وصنعت ثريدا ثم صبت التلبينة عليه، ثم قالت: كلوا منها فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض ~~الحزن» ) # وفي " السنن " من حديث عائشة أيضا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «عليكم بالبغيض النافع التلبين» ) ، قالت: «وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار حتى ينتهي ~~أحد طرفيه» . يعني يبرأ أو يموت. # وعنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قيل له إن فلانا وجع لا ~~يطعم الطعام، قال: # PageV04P109 # (عليكم بالتلبينة فحسوه إياها " ويقول: "والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن ~~أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ» ) # التلبين: هو الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن، ومنه اشتق اسمه، قال ~~الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن لبياضها ورقتها، وهذا الغذاء هو النافع ~~للعليل، وهو الرقيق النضيح لا الغليظ النيء، وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة ~~فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنها حساء متخذ من دقيق ~~الشعير بنخالته، والفرق ms1103 بينها وبين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا، والتلبينة ~~تطبخ منه مطحونا، وهي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن، وقد تقدم أن ~~للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتخذوا ~~ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا، وهو أكثر تغذية وأقوى فعلا وأعظم جلاء، ~~وإنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق وألطف، فلا يثقل على طبيعة ~~المريض، وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشعير المطحون ~~عليها. والمقصود: أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا، ويجلو جلاء ظاهرا ~~ويغذي غذاء لطيفا. وإذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع وإنماؤه ~~للحرارة الغريزية أكثر وتلميسه لسطوح المعدة أوفق. # وقوله صلى الله عليه وسلم فيها: ( «مجمة لفؤاد المريض» ) يروى بوجهين. ~~بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم، والأول: أشهر ومعناه: أنها ~~مريحة له، أي تريحه وتسكنه من الإجمام، وهو الراحة. وقوله " تذهب ببعض ~~الحزن " هذا - والله أعلم - لأن الغم والحزن يبردان المزاج، ويضعفان ~~الحرارة الغريزية لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها، ~~وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض ~~له من الغم والحزن. # وقد يقال - وهو أقرب - إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من # PageV04P110 # جنس خواص الأغذية المفرحة فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية، والله أعلم. # وقد يقال: إن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه، وعلى معدته ~~خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطبها ويقويها ويغذيها، ويفعل مثل ذلك ~~بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري، أو بلغمي أو ~~صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويسروه ويحدره ويميعه ويعدل كيفيته ~~ويكسر سورته، فيريحها ولا سيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة ~~أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزة عندهم. والله ~~أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السم الذي أصابه بخيبر من اليهود # ذكر ms1104 عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: ( «أن ~~امرأة يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر، فقال: " ~~ما هذه "؟ قالت: هدية وحذرت أن تقول: من الصدقة، فلا يأكل منها، فأكل النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأكل الصحابة، ثم قال: " أمسكوا "، ثم قال للمرأة: " هل ~~سممت هذه الشاة "؟ قالت: من أخبرك بهذا؟ قال: " هذا العظم لساقها " وهو في ~~يده؟ قالت: نعم. قال: " لم "؟ قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح منك ~~الناس، وإن كنت نبيا، لم يضرك، قال فاحتجم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~على الكاهل، وأمر أصحابه أن يحتجموا، فاحتجموا، فمات بعضهم» ) . # PageV04P111 # وفي طريق أخرى: ( «واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل ~~الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من ~~الأنصار، وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه، فقال: "ما ~~زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر حتى كان هذا أوان انقطاع ~~الأبهر مني» فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا، قاله موسى بن عقبة. # معالجة السم تكون بالاستفراغات، وبالأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، ~~إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الاستفراغ الكلي ~~وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا، والزمان حارا، فإن القوة # PageV04P112 # السمية تسري إلى الدم، فتنبعث في العروق والمجاري حتى تصل إلى القلب، ~~فيكون الهلاك، فالدم هو المنفذ الموصل للسم إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر ~~المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان ~~استفراغا تاما لم يضره السم، بل إما أن يذهب وإما أن يضعف فتقوى عليه ~~الطبيعة، فتبطل فعله أو تضعفه. # ولما احتجم النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل، وهو أقرب المواضع ~~التي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم لا خروجا ~~كليا، بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل ms1105 مراتب الفضل ~~كلها له، فلما أراد الله إكرامه بالشهادة، ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من ~~السم ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وظهر سر قوله تعالى لأعدائه من اليهود: ~~{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا ~~تقتلون} [البقرة: 87] [البقرة: 87] فجاء بلفظ كذبتم بالماضي الذي قد وقع ~~منه وتحقق، وجاء بلفظ " تقتلون " بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه، والله ~~أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السحر الذي سحرته اليهود به # قد أنكر هذا طائفة من الناس وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنوه نقصا وعيبا، ~~وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من ~~الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق ~~بينهما، وقد ثبت في " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ( ~~«سحر # PageV04P113 # رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم ~~يأتهن» ) وذلك أشد ما يكون من السحر. # قال القاضي عياض: والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه صلى ~~الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في نبوته، وأما كونه ~~يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء ~~من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز ~~طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها ~~عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة ~~له، ثم ينجلي عنه كما كان. # والمقصود: ذكر هديه في علاج هذا المرض، وقد روي عنه فيه نوعان: # أحدهما - وهو أبلغهما - استخراجه وإبطاله، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه سأل ربه سبحانه في ذلك، فدل عليه فاستخرجه من بئر، فكان في مشط ومشاطة ~~وجف طلعة ذكر، فلما استخرجه ذهب ms1106 ما به حتى كأنما أنشط من عقال، فهذا من ~~أبلغ ما يعالج به المطبوب، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من ~~الجسد بالاستفراغ. # والنوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر ~~تأثيرا في الطبيعة، وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في # PageV04P114 # عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو، نفع جدا. # وقد ذكر أبو عبيد في كتاب " غريب الحديث " له بإسناده، عن عبد الرحمن بن ~~أبي ليلى، ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب» ) . ~~قال أبو عبيد: معنى طب: أي سحر. # وقد أشكل هذا على من قل علمه، وقال ما للحجامة والسحر، وما الرابطة بين ~~هذا الداء وهذا الدواء، ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما ~~قد نص على هذا العلاج، لتلقاه بالقبول والتسليم، وقال: قد نص عليه من لا ~~يشك في معرفته وفضله. # فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى ~~إحدى قواه التي فيه بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، وهذا ~~تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن ~~المقدم منه، فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية. # والسحر: هو مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية ~~عنها، وهو أشد ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر ~~إليه، واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع ~~المعالجة إذا استعملت على القانون الذي ينبغي. # قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي ~~هي إليها أميل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها. # وقالت طائفة من الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا ~~الداء، وكان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، ظن أن ذلك عن مادة دموية ~~أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ، وغلبت على البطن المقدم منه، فأزالت مزاجه ~~عن الحالة # PageV04P115 # الطبيعية له، وكان استعمال الحجامة إذ ذاك ms1107 من أبلغ الأدوية، وأنفع ~~المعالجة فاحتجم، وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه ~~الوحي من الله تعالى، وأخبره أنه قد سحر، عدل إلى العلاج الحقيقي وهو ~~استخراج السحر وإبطاله، فسأل الله سبحانه فدله على مكانه، فاستخرجه، فقام ~~كأنما أنشط من عقال، وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده، وظاهر ~~جوارحه لا على عقله وقلبه، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه من إتيان ~~النساء، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له، ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض، ~~والله أعلم. ### | [فصل علاج السحر بالأذكار والآيات] # فصل ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة ~~بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، ودفع تأثيرها يكون بما ~~يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، ~~وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل ~~واحد منهما عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، وكان الحكم له، فالقلب إذا ~~كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره، وله من التوجهات والدعوات والأذكار ~~والتعوذات ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب ~~التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه. # وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، ~~والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في ~~النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين # PageV04P116 # والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات ~~النبوية. # وبالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى ~~السفليات، قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقا ~~بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، ~~والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها ~~إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها ~~للعدة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة ms1108 معها، وفيها ميل إلى ما ~~يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستفراغ بالقيء # روى الترمذي في " جامعه " عن معدان بن أبي طلحة، «عن أبي الدرداء، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (قاء فتوضأ) فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ~~ذلك، فقال: (صدق: أنا صببت له وضوءه) » . قال الترمذي: وهذا أصح شيء في ~~الباب. # القيء: أحد الاستفراغات الخمسة التي هي أصول الاستفراغ، وهي الإسهال ~~والقيء وإخراج الدم وخروج الأبخرة والعرق، وقد جاءت بها السنة. # PageV04P117 # فأما الإسهال: فقد مر في حديث ( «خير ما تداويتم به المشي» ) وفي حديث " ~~السنا ". # وأما إخراج الدم، فقد تقدم في أحاديث الحجامة. # وأما استفراغ الأبخرة، فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء الله. # وأما الاستفراغ بالعرق، فلا يكون غالبا بالقصد، بل بدفع الطبيعة له إلى ~~ظاهر الجسد، فيصادف المسام مفتحة فيخرج منها. # والقيء استفراغ من أعلى المعدة, والحقنة من أسفلها، والدواء من أعلاها ~~وأسفلها، والقيء: نوعان: نوع بالغلبة والهيجان، ونوع بالاستدعاء والطلب. ~~فأما الأول: فلا يسوغ حبسه ودفعه إلا إذا أفرط وخيف منه التلف. فيقطع ~~بالأشياء التي تمسكه. وأما الثاني: فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه ~~وشروطه التي تذكر. # وأسباب القيء عشرة. # أحدها: غلبة المرة الصفراء، وطفوها على رأس المعدة، فتطلب الصعود. # الثاني: من غلبة بلغم لزج قد تحرك في المعدة، واحتاج إلى الخروج. # الثالث: أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها، فلا تهضم الطعام فتقذفه إلى جهة ~~فوق. # الرابع: أن يخالطها خلط رديء ينصب إليها، فيسيء هضمها ويضعف فعلها. # الخامس: أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله ~~المعدة، فتعجز عن إمساكه، فتطلب دفعه وقذفه. # السادس: أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها، وكراهتها له، فتطلب ~~دفعه وقذفه. # PageV04P118 # السابع: أن يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فتقذف به. # الثامن: القرف، وهو موجب غثيان النفس وتهوعها. # التاسع: من الأعراض النفسانية، كالهم ms1109 الشديد والغم والحزن وغلبة اشتغال ~~الطبيعة والقوى الطبيعية به، واهتمامها بوروده عن تدبير البدن، وإصلاح ~~الغذاء وإنضاجه وهضمه، فتقذفه المعدة، وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط ~~النفس، فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه، ويؤثر في كيفيته. # العاشر: نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ، فيغلبه هو القيء من غير استدعاء، ~~فإن الطبيعة نقالة. # وأخبرني بعض حذاق الأطباء، قال: كان لي ابن أخت حذق في الكحل، فجلس ~~كحالا، فكان إذا فتح عين الرجل، ورأى الرمد وكحله، رمد هو، وتكرر ذلك منه، ~~فترك الجلوس. قلت له: فما سبب ذلك؟ قال: نقل الطبيعة، فإنها نقالة، قال: ~~وأعرف آخر، كان رأى خراجا في موضع من جسم رجل يحكه، فحك هو ذلك الموضع، ~~فخرجت فيه خراجة. قلت: وكل هذا لا بد فيه من استعداد الطبيعة، وتكون المادة ~~ساكنة فيها غير متحركة، فتتحرك لسبب من هذه الأسباب، فهذه أسباب لتحرك ~~المادة لا أنها هي الموجبة لهذا العارض. ### | [فصل أنفع الأمكنة والأزمنة للقيء والإسهال] # فصل ولما كانت الأخلاط في البلاد الحارة، والأزمنة الحارة ترق وتنجذب إلى ~~فوق، كان القيء فيها أنفع. ولما كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة ~~تغلظ، ويصعب جذبها إلى فوق، كان استفراغها بالإسهال أنفع. # وإزالة الأخلاط ودفعها تكون بالجذب والاستفراغ، والجذب يكون من أبعد ~~الطرق، والاستفراغ من أقربها، والفرق بينهما أن المادة إذا كانت عاملة في # PageV04P119 # الانصباب أو الترقي لم تستقر بعد، فهي محتاجة إلى الجذب، فإن كانت ~~متصاعدة جذبت من أسفل، وإن كانت منصبة جذبت من فوق، وأما إذا استقرت في ~~موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها، فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا ~~اجتذبت من أسفل، ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق، ومتى استقرت ~~استفرغت من أقرب مكان إليها، ولهذا احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على ~~كاهله تارة، وفي رأسه أخرى، وعلى ظهر قدمه تارة، فكان يستفرغ مادة الدم ~~المؤذي من أقرب مكان إليه. والله أعلم. ### | [فصل فوائد القيء] # فصل والقيء ينقي المعدة ويقويها، ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس، ms1110 وينفع قروح ~~الكلى والمثانة، والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء، والفالج والرعشة ~~وينفع اليرقان. # وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور، ~~ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول، وينقي الفضلات التي انصبت بسببه، ~~والإكثار منه يضر المعدة ويجعلها قابلة للفضول، ويضر بالأسنان والبصر ~~والسمع، وربما صدع عرقا، ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في ~~الصدر أو دقيق الرقبة، أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة له. # وأما ما يفعله كثير ممن يسيء التدبير، وهو أن يمتلئ من الطعام ثم يقذفه، ~~ففيه آفات عديدة، منها: أنه يعجل الهرم، ويوقع في أمراض رديئة، ويجعل القيء ~~له عادة. والقيء مع اليبوسة، وضعف الأحشاء، وهزال المراق، أو ضعف المستقيء ~~خطر. . . # PageV04P120 # وأحمد أوقاته الصيف والربيع دون الشتاء والخريف، وينبغي عند القيء أن ~~يعصب العينين ويقمط البطن ويغسل الوجه بماء بارد عند الفراغ، وأن يشرب ~~عقيبه شراب التفاح مع يسير من مصطكى، وماء الورد ينفعه نفعا بينا. # والقيء يستفرغ من أعلى المعدة، ويجذب من أسفل، والإسهال بالعكس، قال ~~أبقراط: وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ ~~بالدواء، وفي الشتاء من أسفل. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطبيبين # ذكر مالك في " موطئه ": عن زيد بن أسلم، ( «أن رجلا في زمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح الدم، وأن الرجل دعا رجلين من ~~بني أنمار، فنظرا إليه، فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: " ~~أيكما أطب "؟ فقال: أو في الطب خير يا رسول الله؟ فقال: " أنزل الدواء الذي ~~أنزل الداء» ) # ففي هذا الحديث أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها ~~فالأحذق، فإنه إلى الإصابة أقرب. # وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما نزل به بالأعلم فالأعلم، لأنه ~~أقرب إصابة ممن هو دونه. # وكذلك من خفيت عليه القبلة، فإنه ms1111 يقلد أعلم من يجده، وعلى هذا فطر الله ~~عباده، كما أن المسافر في البر والبحر إنما سكون نفسه، وطمأنينته إلى # PageV04P121 # أحذق الدليلين وأخبرهما، وله يقصد وعليه يعتمد، فقد اتفقت على هذا ~~الشريعة والفطرة والعقل. # وقوله صلى الله عليه وسلم ( «أنزل الدواء الذي أنزل الداء» ) ، قد جاء ~~مثله عنه في أحاديث كثيرة، فمنها ما رواه عمرو بن دينار، عن هلال بن يساف، ~~قال: ( «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده، فقال: " أرسلوا ~~إلى طبيب " فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟ قال: " نعم، إن الله عز ~~وجل لم ينزل داء إلا أنزل له دواء» ) . # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة يرفعه: ( «ما أنزل الله من داء إلا ~~أنزل له شفاء» ) ، وقد تقدم هذا الحديث وغيره. # واختلف في معنى ( «أنزل الداء والدواء» ) ، فقالت طائفة: إنزاله إعلام ~~العباد به، وليس بشيء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعموم الإنزال ~~لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك ولهذا قال ( «علمه من علمه، ~~وجهله من جهله» ) . # وقالت طائفة: إنزالهما: خلقهما ووضعهما في الأرض، كما في الحديث الآخر: ( ~~«إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء» ) ، وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله، ~~فلفظة الإنزال أخص من لفظة الخلق والوضع، فلا ينبغي إسقاط خصوصية اللفظة ~~بلا موجب. # وقالت طائفة: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بمباشرة الخلق من داء ~~ودواء وغير ذلك، فإن الملائكة موكلة بأمر هذا العالم، وأمر النوع الإنساني ~~من حين سقوطه في رحم أمه إلى حين موته، فإنزال الداء والدواء مع الملائكة، ~~وهذا أقرب من الوجهين قبله. # وقالت طائفة: إن عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السماء ~~الذي تتولد به الأغذية، والأقوات والأدوية والأدواء وآلات ذلك كله، وأسبابه ~~ومكملاته، وما كان منها من المعادن العلوية، فهي تنزل من الجبال وما # PageV04P122 # كان منها من الأودية والأنهار والثمار، فداخل في اللفظ على طريق التغليب ~~والاكتفاء عن الفعلين بفعل واحد يتضمنهما، وهو معروف من لغة العرب، بل ~~وغيرها من ms1112 الأمم، كقول الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همالة عيناها # وقول الآخر: # ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدا سيفا ورمحا # وقول الآخر: # إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا # وهذا أحسن مما قبله من الوجوه، والله أعلم. # وهذا من تمام حكمة الرب عز وجل، وتمام ربوبيته، فإنه كما ابتلى عباده ~~بالأدواء، أعانهم عليها بما يسره لهم من الأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب ~~أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة، وكما ابتلاهم ~~بالأرواح الخبيثة من الشياطين، أعانهم عليها بجند من الأرواح الطيبة وهم ~~الملائكة. وكما ابتلاهم بالشهوات أعانهم على قضائها بما يسره لهم شرعا ~~وقدرا من المشتهيات اللذيذة النافعة، فما ابتلاهم سبحانه بشيء إلا أعطاهم ~~ما يستعينون به # PageV04P123 # على ذلك البلاء، ويدفعونه به، ويبقى التفاوت بينهم في العلم بذلك، والعلم ~~بطريق حصوله والتوصل إليه، وبالله المستعان. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب] # فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس، وهو جاهل بالطب # روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ~~ذلك فهو ضامن» ) . # هذا الحديث يتعلق به ثلاثة أمور: أمر لغوي، وأمر فقهي، وأمر طبي. # فأما اللغوي: فالطب بكسر الطاء في لغة العرب، يقال: على معان. منها ~~الإصلاح، يقال طببته: إذا أصلحته. ويقال: له طب بالأمور. أي: لطف وسياسة. ~~قال الشاعر: # وإذا تغير من تميم أمرها ... كنت الطبيب لها برأي ثاقب # ومنها: الحذق. قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب، قال أبو عبيد: أصل ~~الطب: الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل: طب وطبيب: إذا كان كذلك، ~~وإن كان في غير علاج المريض. وقال غيره: رجل طبيب أي حاذق، سمي طبيبا لحذقه ~~وفطنته. قال علقمة: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب # PageV04P124 # وقال عنترة: ms1113 # إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم # أي: إن ترخي عني قناعك، وتستري وجهك رغبة عني، فإني خبير حاذق بأخذ ~~الفارس الذي قد لبس لأمة حربه. # ومنها: العادة، يقال: ليس ذاك بطبي، أي عادتي، قال فروة بن مسيك: # PageV04P125 # فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا # وقال أحمد بن الحسين المتنبي: # وما التيه طبي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل # ومنها: السحر؛ يقال رجل مطبوب أي مسحور، وفي " الصحيح " في حديث عائشة ~~«لما سحرت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس الملكان عند رأسه وعند ~~رجليه، فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: ~~فلان اليهودي» . # قال أبو عبيد: إنما قالوا للمسحور: مطبوب، لأنهم كنوا بالطب عن السحر، ~~كما كنوا عن اللديغ، فقالوا: سليم تفاؤلا بالسلامة، وكما كنوا بالمفازة عن ~~الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك. ~~ويقال: الطب لنفس الداء. قال ابن أبي الأسلت: # ألا من مبلغ حسان عني ... أسحر كان طبك أم جنون # وأما قول الحماسي: # فإن كنت مطبوبا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورا فلا برئ السحر # PageV04P126 # فإنه أراد بالمطبوب الذي قد سحر، وأراد بالمسحور: العليل بالمرض. # قال الجوهري: ويقال للعليل مسحور. وأنشد البيت. ومعناه: إن كان هذا الذي ~~قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه، ولا أريد زواله، سواء كان سحرا أو ~~مرضا. # والطب: مثلث الطاء، فالمفتوح الطاء هو العالم بالأمور، وكذلك الطبيب يقال ~~له: طب أيضا. والطب: بكسر الطاء: فعل الطبيب، والطب بضم الطاء: اسم موضع، ~~قاله ابن السيد، وأنشد: # فقلت هل انهلتم بطب ركابكم ... بجائزة الماء التي طاب طينها # وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «من تطبب» ) ولم يقل: من طب؛ لأن لفظ التفعل ~~يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بعسر وكلفة، وأنه ليس من أهله، كتحلم وتشجع ~~وتصبر ونظائرها، وكذلك بنوا تكلف على هذا الوزن، قال الشاعر: # وقيس عيلان ومن تقيسا # وأما الأمر الشرعي، فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، ms1114 فإذا تعاطى علم ~~الطب وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم ~~بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، # PageV04P127 # وهذا إجماع من أهل العلم. # قال الخطابي: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ~~ضامنا، والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن ~~الدية، وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض، وجناية ~~المتطبب في قول عامة الفقهاء على عاقلته. ### | [أقسام الأطباء من جهة إتلاف الأعضاء] ### | [الأول طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده] # قلت: الأقسام خمسة: أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، ~~فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبه تلف العضو أو ~~النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقا، فإنها سراية مأذون فيه، ~~وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت، وسنه قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف ~~العضو أو الصبي، لم يضمن، وكذلك إذا بط من عاقل أو غيره ما ينبغي بطه في ~~وقته على الوجه الذي ينبغي فتلف به، لم يضمن، وهكذا سراية كل مأذون فيه لم ~~يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالاتفاق. # وسراية القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها، ~~وسراية التعزير، وضرب الرجل امرأته، والمعلم الصبي، والمستأجر الدابة، ~~خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك، واستثنى الشافعي ضرب ~~الدابة. # وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا: أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق، وسراية ~~الواجب مهدرة بالاتفاق، وما بينهما ففيه النزاع. # فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقا، وأحمد ومالك أهدرا ضمانه، وفرق الشافعي بين ~~المقدر، فأهدر ضمانه وبين غير المقدر فأوجب ضمانه. فأبو حنيفة نظر إلى أن ~~الإذن في الفعل إنما وقع مشروطا بالسلامة، وأحمد ومالك نظرا إلى أن الإذن ~~أسقط الضمان، والشافعي نظر إلى أن المقدر لا يمكن النقصان منه، فهو بمنزلة ~~النص، وأما غير المقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية، فإذا تلف بها، ~~ضمن، لأنه ms1115 في مظنة العدوان. # PageV04P128 ### | [الثاني مطبب جاهل باشرت يده من يطبه فتلف به] # فصل القسم الثاني: مطبب جاهل باشرت يده من يطبه، فتلف به، فهذا إن علم ~~المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه لم يضمن، ولا تخالف هذه ~~الصورة ظاهر الحديث، فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غر العليل، وأوهمه ~~أنه طبيب، وليس كذلك، وإن ظن المريض أنه طبيب، وأذن له في طبه لأجل معرفته، ~~ضمن الطبيب ما جنت يده، وكذلك إن وصف له دواء يستعمله، والعليل يظن أنه ~~وصفه لمعرفته وحذقه فتلف به، ضمنه، والحديث ظاهر فيه أو صريح. ### | [الثالث طبيب حاذق أذن له وأعطى الصنعة حقها] # فصل القسم الثالث: طبيب حاذق، أذن له وأعطى الصنعة حقها، لكنه أخطأت يده، ~~وتعدت إلى عضو صحيح فأتلفه، مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكمرة، فهذا يضمن ~~لأنها جناية خطأ، ثم إن كانت الثلث فما زاد، فهو على عاقلته، فإن لم تكن ~~عاقلة، فهل تكون الدية في ماله، أو في بيت المال؟ على قولين، هما روايتان ~~عن أحمد. وقيل: إن كان الطبيب ذميا، ففي ماله، وإن كان مسلما، ففيه ~~الروايتان، فإن لم يكن بيت مال، أو تعذر تحميله، فهل تسقط الدية، أو تجب في ~~مال الجاني؟ فيه وجهان أشهرهما: سقوطها. ### | [الرابع الطبيب الحاذق الماهر بصناعته اجتهد فوصف للمريض دواء فأخطأ] # فصل القسم الرابع: الطبيب الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد فوصف للمريض دواء ~~فأخطأ في اجتهاده، فقتله، فهذا يخرج على روايتين: إحداهما: أن دية المريض ~~في بيت المال. والثانية: أنها على عاقلة الطبيب، وقد نص عليهما الإمام أحمد ~~في خطأ الإمام والحاكم. # PageV04P129 ### | [الخامس طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها فقطع سلعة بغير إذن فأخطأ] # فصل القسم الخامس: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها، فقطع سلعة من رجل أو صبي ~~أو مجنون بغير إذنه، أو إذن وليه، أو ختن صبيا بغير إذن وليه فتلف، فقال ~~أصحابنا: يضمن، لأنه تولد من فعل غير مأذون فيه، وإن أذن له البالغ، أو ولي ~~الصبي والمجنون، ms1116 لم يضمن، ويحتمل أن لا يضمن مطلقا لأنه محسن، وما على ~~المحسنين من سبيل. وأيضا فإنه إن كان متعديا، فلا أثر لإذن الولي في إسقاط ~~الضمان، وإن لم يكن متعديا، فلا وجه لضمانه. فإن قلت: هو متعد عند عدم ~~الإذن، غير متعد عند الإذن، قلت: العدوان وعدمه إنما يرجع إلى فعله هو، فلا ~~أثر للإذن وعدمه فيه، وهذا موضع نظر. ### | [فصل الطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله] # فصل: أقسام الأطباء المذكورة سابقا تتناول الطب عملا أو قولا، إنسانا أو ~~حيوانا واسم كل منهم # والطبيب في هذا الحديث يتناول من يطب بوصفه وقوله، وهو الذي يخص باسم ~~الطبائعي، وبمروده، وهو الكحال، وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي، وبموساه وهو ~~الخاتن، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام، وبخلعه ووصله ~~ورباطه وهو المجبر، وبمكواته وناره وهو الكواء، وبقربته وهو الحاقن، وسواء ~~كان طبه لحيوان بهيم، أو إنسان، فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم، كما ~~تقدم، وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث، كتخصيص لفظ الدابة بما ~~يخصها به كل قوم. ### | [فصل ما يراعيه الطبيب الحاذق من الأمور] # فصل والطبيب الحاذق: هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرا: # أحدها: النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو؟ # PageV04P130 # الثاني: النظر في سببه من أي شيء حدث، والعلة الفاعلة التي كانت سبب ~~حدوثه ما هي؟ . # الثالث: قوة المريض، وهل هي مقاومة للمرض، أو أضعف منه؟ فإن كانت مقاومة ~~للمرض، مستظهرة عليه، تركها والمرض، ولم يحرك بالدواء ساكنا. # الرابع: مزاج البدن الطبيعي ما هو؟ # الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي. # السادس: سن المريض. # السابع: عادته. # الثامن: الوقت الحاضر من فصول السنة، وما يليق به. # التاسع: بلد المريض وتربته. # العاشر: حال الهواء في وقت المرض. # الحادي عشر: النظر في الدواء المضاد لتلك العلة. # الثاني عشر: النظر في قوة الدواء ودرجته، والموازنة بينها وبين قوة ~~المريض. # الثالث عشر: ألا يكون كل قصده إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتها على وجه ~~يأمن معه حدوث أصعب ms1117 منها، فمتى كان إزالتها لا يأمن معها حدوث علة أخرى ~~أصعب منها أبقاها على حالها، وتلطيفها هو الواجب، وهذا كمرض أفواه العروق، ~~فإنه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوث ما هو أصعب منه. # الرابع عشر: أن يعالج بالأسهل فالأسهل، فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى ~~الدواء إلا عند تعذره، ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء ~~البسيط، فمن حذق الطبيب علاجه بالأغذية بدل الأدوية، وبالأدوية البسيطة بدل ~~المركبة. # الخامس عشر: أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أو لا؟ فإن # PageV04P131 # لم يمكن علاجها، حفظ صناعته وحرمته، ولا يحمله الطمع على علاج لا يفيد ~~شيئا. وإن أمكن علاجها، نظر هل يمكن زوالها أم لا؟ فإن علم أنه لا يمكن ~~زوالها، نظر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا؟ فإن لم يكن تقليلها، ورأى أن ~~غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها، قصد بالعلاج ذلك، وأعان القوة، وأضعف ~~المادة. # السادس عشر: ألا يتعرض للخلط قبل نضجه باستفراغ، بل يقصد إنضاجه، فإذا تم ~~نضجه، بادر إلى استفراغه. # السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل ~~عظيم في علاج الأبدان، فإن انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر ~~مشهود، والطبيب إذا كان عارفا بأمراض القلب والروح وعلاجهما، كان هو الطبيب ~~الكامل، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن ~~نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل، بتفقد قلبه وصلاحه، وتقوية روحه وقواه ~~بالصدقة، وفعل الخير، والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس ~~بطبيب، بل متطبب قاصر. ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير، والإحسان، والذكر، ~~والدعاء، والتضرع، والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دفع ~~العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية، ولكن بحسب استعداد النفس، ~~وقبولها، وعقيدتها في ذلك ونفعه. # الثامن عشر: التلطف بالمريض، والرفق به، كالتلطف بالصبي. # التاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية، والعلاج ~~بالتخييل، فإن لحذاق الأطباء في التخييل أمورا عجيبة لا يصل إليها الدواء، ~~فالطبيب الحاذق يستعين على ms1118 المرض بكل معين. # العشرون: - وهو ملاك أمر الطبيب - أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على ستة ~~أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، # PageV04P132 # وإزالة العلة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة ~~أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة ~~مدار العلاج، وكل طبيب لا تكون هذه أخيته التي يرجع إليها، فليس بطبيب ~~والله أعلم. ### | [فصل مراعاة الطبيب لأحوال المرض] # فصل # ولما كان للمرض أربعة أحوال: ابتداء، وصعود، وانتهاء، وانحطاط، تعين على ~~الطبيب مراعاة كل حال من أحوال المرض، بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في ~~كل حال ما يجب استعماله فيها. فإذا رأى في ابتداء المرض أن الطبيعة محتاجة ~~إلى ما يحرك الفضلات ويستفرغها؛ لنضجها بادر إليه فإن فاته تحريك الطبيعة ~~في ابتداء المرض لعائق منع من ذلك، أو لضعف القوة، وعدم احتمالها ~~للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريط وقع، فينبغي أن يحذر كل الحذر أن ~~يفعل ذلك في صعود المرض؛ لأنه إن فعله، تحيرت الطبيعة لاشتغالها بالدواء، ~~وتخلت عن تدبير المرض، ومقاومته بالكلية، ومثاله: أن يجيء إلى فارس مشغول ~~بمواقعة عدوه، فيشغله عنه بأمر آخر، ولكن الواجب في هذه الحال أن يعين ~~الطبيعة على حفظ القوة ما أمكنه. # فإذا انتهى المرض ووقف وسكن، أخذ في استفراغه واستئصال أسبابه، فإذا أخذ ~~في الانحطاط، كان أولى بذلك. ومثال هذا مثال العدو إذا انتهت قوته، وفرغ ~~سلاحه، كان أخذه سهلا، فإذا ولى وأخذ في الهرب، كان أسهل أخذا، وحدته ~~وشوكته إنما هي في ابتدائه، وحال استفراغه، وسعة قوته فهكذا الداء، والدواء ~~سواء. ### | [فصل من حذق الطبيب التدبير بالأسهل] # فصل # ومن حذق الطبيب أنه حيث أمكن التدبير بالأسهل، فلا يعدل إلى # PageV04P133 # الأصعب ويتدرج من الأضعف إلى الأقوى، إلا أن يخاف فوت القوة حينئذ، فيجب ~~أن يبتدئ بالأقوى، ولا يقيم في المعالجة على حال واحدة، فتألفها الطبيعة ~~ويقل انفعالها عنه، ولا تجسر على الأدوية القوية في الفصول القوية، وقد ~~تقدم أنه إذا أمكنه العلاج بالغذاء، فلا يعالج بالدواء، وإذا أشكل ms1119 عليه ~~المرض أحار هو أم بارد؟ فلا يقدم حتى يتبين له، ولا يجربه بما يخاف عاقبته، ~~ولا بأس بتجربته بما لا يضر أثره. # وإذا اجتمعت أمراض، بدأ بما تخصه واحدة من ثلاث خصال: # إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفا على برئه كالورم والقرحة، فإنه يبدأ ~~بالورم. # الثانية: أن يكون أحدها سببا للآخر، كالسدة والحمى العفنة، فإنه يبدأ ~~بإزالة السبب. # الثالثة: أن يكون أحدهما أهم من الآخر كالحاد والمزمن، فيبدأ بالحاد، ومع ~~هذا فلا يغفل عن الآخر. وإذا اجتمع المرض والعرض بدأ بالمرض، إلا أن يكون ~~العرض أقوى كالقولنج، فيسكن الوجع أولا ثم يعالج السدة، وإذا أمكنه أن ~~يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصوم أو النوم لم يستفرغه، وكل ~~صحة أراد حفظها حفظها بالمثل أو الشبه، وإن أراد نقلها إلى ما هو أفضل منها ~~نقلها بالضد. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها] # فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها ~~وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها # ثبت في " صحيح مسلم " من حديث جابر بن عبد الله أنه ( «كان في وفد ثقيف # PageV04P134 # رجل مجذوم فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ارجع فقد بايعناك» ) ~~. # وروى البخاري في " صحيحه " تعليقا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: ( «فر من المجذوم كما تفر من الأسد» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ( «لا تديموا النظر إلى المجذومين» ) . # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «لا يوردن ممرض على مصح» ) . # ويذكر عنه - صلى الله عليه وسلم -: ( «كلم المجذوم، وبينك وبينه قيد رمح ~~أو رمحين» ) . # PageV04P135 # الجذام: علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فيفسد ~~مزاج الأعضاء وهيئتها وشكلها، وربما فسد في آخره اتصالها حتى تتأكل الأعضاء ~~وتسقط، ويسمى داء الأسد. # وفي هذه التسمية ثلاثة أقوال للأطباء: # أحدها: ms1120 أنها لكثرة ما تعتري الأسد. # والثاني: لأن هذه العلة تجهم وجه صاحبها وتجعله في سحنة الأسد. # والثالث: أنه يفترس من يقربه، أو يدنو منه بدائه افتراس الأسد. # وهذه العلة عند الأطباء من العلل المعدية المتوارثة، ومقارب المجذوم، ~~وصاحب السل يسقم برائحته، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لكمال شفقته على ~~الأمة، ونصحه لهم، نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول العيب والفساد إلى ~~أجسامهم وقلوبهم، ولا ريب أنه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد كامن لقبول ~~هذا الداء، وقد تكون الطبيعة سريعة الانفعال، قابلة للاكتساب من أبدان من ~~تجاوره وتخالطه، فإنها نقالة، وقد يكون خوفها من ذلك ووهمها من أكبر أسباب ~~إصابة تلك العلة لها، فإن الوهم فعال مستول على القوى والطبائع، وقد تصل ~~رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، والرائحة أحد ~~أسباب العدوى، ومع هذا كله فلا بد من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك ~~الداء، وقد # PageV04P136 # ( «تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة فلما أراد الدخول بها، وجد ~~بكشحها بياضا، فقال: "الحقي بأهلك» ) . # وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها ~~وتناقضها، فمنها: ما رواه الترمذي من حديث جابر ( «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أخذ بيد رجل مجذوم فأدخلها معه في القصعة، وقال: "كل بسم الله ~~ثقة بالله، وتوكلا عليه» ) ورواه ابن ماجه. # وبما ثبت في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: ( «لا عدوى ولا طيرة» ) . # ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة. فإذا وقع التعارض، ~~فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه - صلى الله عليه وسلم - وقد غلط ~~فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخا ~~للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ، أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس ~~كلامه - صلى الله عليه وسلم -، فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة. # وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه، ليس أحدهما ناسخا ms1121 للآخر، ~~فهذا لا يوجد أصلا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا ~~يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز ~~بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده - صلى الله عليه وسلم -، # PageV04P137 # وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معا، ومن هاهنا وقع من الاختلاف ~~والفساد ما وقع، وبالله التوفيق. # قال ابن قتيبة في كتاب " اختلاف الحديث " له حكاية عن أعداء الحديث، ~~وأهله قالوا: حديثان متناقضان رويتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: ( «لا عدوى ولا طيرة» ) وقيل له: ( «إن النقبة تقع بمشفر البعير، ~~فيجرب لذلك الإبل. قال: فما أعدى الأول» ) ثم رويتم ( «لا يورد ذو عاهة على ~~مصح، وفر من المجذوم فرارك من الأسد» ) ( «وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة ~~الإسلام، فأرسل إليه البيعة، وأمره بالانصراف، ولم يأذن له، وقال: "الشؤم ~~في المرأة والدار والدابة» ) . # قالوا: وهذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعضا. # قال أبو محمد: ونحن نقول: إنه ليس في هذا اختلاف، ولكل معنى منها # PageV04P138 # وقت وموضع، فإذا وضع موضعه زال الاختلاف. # والعدوى جنسان: # أحدهما: عدوى الجذام، فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ~~ومحادثته، وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم، فتضاجعه في شعار واحد، فيوصل ~~إليها الأذى، وربما جذمت، وكذلك ولده ينزعون في الكبر إليه، وكذلك من كان ~~به سل، ودق، ونقب،. والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول، ولا المجذوم، ولا ~~يريدون بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون به معنى تغير الرائحة، وأنها قد ~~تسقم من أطال اشتمامها، والأطباء أبعد الناس عن الإيمان بيمن وشؤم، وكذلك ~~النقبة تكون بالبعير - وهو جرب رطب - فإذا خالط الإبل، أو حاكها وأوى في ~~مباركها، وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وبالنطف نحو ما به، فهذا هو ~~المعنى الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «لا يورد ذو عاهة على ~~مصح» ) كره أن يخالط المعيوه الصحيح؛ لئلا يناله من نطفه وحكته نحو مما به. # قال: وأما الجنس الآخر من ms1122 العدوى، فهو الطاعون، ينزل ببلد، فيخرج منه خوف ~~العدوى، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ( «إذا وقع ببلد وأنتم به فلا ~~تخرجوا منه وإذا كان ببلد فلا تدخلوه» ) . يريد بقوله: لا تخرجوا من البلد ~~إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله ينجيكم من الله، ويريد إذا ~~كان ببلد فلا تدخلوه، أي مقامكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لقلوبكم، ~~وأطيب لعيشكم، ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم أو الدار، فينال الرجل مكروه، أو ~~جائحة فيقول: أعدتني بشؤمها، فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ( «لا عدوى» ) # وقالت فرقة أخرى: بل الأمر باجتناب المجذوم والفرار منه على الاستحباب، ~~والاختيار، والإرشاد، وأما الأكل معه، ففعله لبيان الجواز، وأن هذا ليس ~~بحرام. # وقالت فرقة أخرى: بل الخطاب بهذين الخطابين جزئي لا كلي، فكل # PageV04P139 # واحد خاطبه النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يليق بحاله، فبعض الناس ~~يكون قوي الإيمان، قوي التوكل، تدفع قوة توكله قوة العدوى، كما تدفع قوة ~~الطبيعة قوة العلة، فتبطلها، وبعض الناس لا يقوى على ذلك، فخاطبه بالاحتياط ~~والأخذ بالتحفظ، وكذلك هو - صلى الله عليه وسلم - فعل الحالتين معا؛ لتقتدي ~~به الأمة فيهما، فيأخذ من قوي من أمته بطريقة التوكل، والقوة، والثقة ~~بالله، ويأخذ من ضعف منهم بطريقة التحفظ، والاحتياط، وهما طريقان صحيحان. # أحدهما: للمؤمن القوي والآخر للمؤمن الضعيف، فتكون لكل واحد من الطائفتين ~~حجة، وقدوة بحسب حالهم، وما يناسبهم، وهذا كما أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كوى، وأثنى على تارك الكي، وقرن تركه بالتوكل، وترك الطيرة، ولهذا نظائر ~~كثيرة، وهذه طريقة لطيفة حسنة جدا، من أعطاها حقها، ورزق فقه نفسه فيها، ~~أزالت عنه تعارضا كثيرا، يظنه بالسنة الصحيحة. # وذهبت فرقة أخرى: إلى أن الأمر بالفرار منه ومجانبته لأمر طبيعي، وهو ~~انتقال الداء منه بواسطة الملامسة، والمخالطة، والرائحة إلى الصحيح، وهذا ~~يكون مع تكرير المخالطة، والملامسة له، وأما أكله معه مقدارا يسيرا من ~~الزمان لمصلحة راجحة فلا بأس به، ولا تحصل العدوى من ms1123 مرة واحدة، ولحظة ~~واحدة، فنهى سدا للذريعة، وحماية للصحة، وخالطه مخالطة ما للحاجة والمصلحة، ~~فلا تعارض بين الأمرين. # وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يكون هذا المجذوم الذي أكل معه به من الجذام ~~أمر يسير، لا يعدي مثله، وليس الجذمى كلهم سواء، ولا العدوى حاصلة من ~~جميعهم، بل منهم من لا تضر مخالطته، ولا تعدي، وهو من أصابه من ذلك شيء ~~يسير، ثم وقف واستمر على حاله، ولم يعد بقية جسمه، فهو أن لا يعدي غيره ~~أولى وأحرى. # وقالت فرقة أخرى: إن الجاهلية كانت تعتقد أن الأمراض المعدية تعدي بطبعها ~~من غير إضافة إلى الله سبحانه، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم؛ ليبين لهم أن الله سبحانه هو الذي يمرض ~~ويشفي ونهى عن القرب منه # PageV04P140 # ليتبين لهم أن هذا من الأسباب التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها، ففي ~~نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله بيان أنها لا تستقل بشيء، بل الرب سبحانه إن ~~شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئا، وإن شاء أبقى عليها قواها فأثرت. # وقالت فرقة أخرى: بل هذه الأحاديث فيها الناسخ والمنسوخ، فينظر في ~~تاريخها فإن علم المتأخر منها، حكم بأنه الناسخ وإلا توقفنا فيها. # وقالت فرقة أخرى: بل بعضها محفوظ، وبعضها غير محفوظ وتكلمت في حديث " «لا ~~عدوى» "، وقالت: قد كان أبو هريرة يرويه أولا، ثم شك فيه فتركه، وراجعوه ~~فيه، وقالوا: سمعناك تحدث به، فأبى أن يحدث به. # قال أبو سلمة: فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نسخ أحد الحديثين الآخر؟ # وأما حديث جابر: ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد مجذوم ~~فأدخلها معه في القصعة» ) فحديث لا يثبت ولا يصح، وغاية ما قال فيه ~~الترمذي: إنه غريب لم يصححه ولم يحسنه. وقد قال شعبة وغيره: اتقوا هذه ~~الغرائب. # قال الترمذي: ويروى هذا من فعل عمر، وهو أثبت، فهذا شأن هذين الحديثين ~~اللذين عورض بهما أحاديث النهي، أحدهما: رجع أبو هريرة عن التحديث به ~~وأنكره، والثاني: لا يصح عن رسول الله - صلى ms1124 الله عليه وسلم -، والله أعلم، ~~وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب " المفتاح " بأطول من هذا، ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرمات] # فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في المنع من التداوي بالمحرمات # روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل ~~لكل داء دواء، فتداووا، ولا # PageV04P141 # تداووا بالمحرم» ) . # وذكر البخاري في " صحيحه " عن ابن مسعود: ( «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما ~~حرم عليكم» ) . # وفي " السنن ": عن أبي هريرة، قال: ( «نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الدواء الخبيث» ) . # وفي " صحيح مسلم " عن طارق بن سويد الجعفي، أنه سأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء ~~فقال: ( «إنه ليس بدواء ولكنه داء» ) . # وفي " السنن " أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الخمر يجعل في الدواء ~~فقال " ( «إنها داء # PageV04P142 # وليست بالدواء» ) ، رواه أبو داود والترمذي. # وفي " صحيح مسلم " «عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت: (يا رسول الله: إن ~~بأرضنا أعنابا نعتصرها فنشرب منها قال: " لا " فراجعته قلت إنا نستشفي ~~للمريض قال: إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء) » . # وفي " سنن النسائي ": ( «أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فنهاه عن قتلها» ) . # ويذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «من تداوى بالخمر، فلا شفاه ~~الله» ) . # المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا، أما الشرع فما ذكرنا من هذه ~~الأحاديث وغيرها، وأما العقل، فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه، فإنه لم ~~يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها، كما حرمه على بني إسرائيل بقوله: ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] [النساء: ~~160] ; وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه له حمية لهم، وصيانة ~~عن تناوله، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه وإن ms1125 أثر ~~في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه، فيكون ~~المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب. # PageV04P143 # وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق، وفي اتخاذه دواء حض ~~على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضد مقصود الشارع، وأيضا فإنه داء كما نص ~~عليه صاحب الشريعة، فلا يجوز أن يتخذ دواء. # وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث؛ لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية ~~الدواء انفعالا بينا، فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت الطبيعة منه خبثا فكيف ~~إذا كان خبيثا في ذاته، ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة ~~والملابس الخبيثة، لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته. # وأيضا فإن في إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ~~ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها ~~مزيل لأسقامها جالب لشفائها، فهذا أحب شيء إليها والشارع سد الذريعة إلى ~~تناوله بكل ممكن، ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله وفتح الذريعة إلى ~~تناوله تناقضا وتعارضا. # وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من ~~الشفاء، ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط، ~~فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء، وكثير من ~~الفقهاء والمتكلمين. قال أبقراط في أثناء كلامه في الأمراض الحادة: ضرر ~~الخمرة بالرأس شديد؛ لأنه يسرع الارتفاع إليه. ويرتفع بارتفاعه الأخلاط ~~التي تعلو في البدن، وهو كذلك يضر بالذهن. # وقال صاحب " الكامل ": إن خاصية الشراب الإضرار بالدماغ والعصب. وأما ~~غيره من الأدوية المحرمة فنوعان: أحدهما: تعافه النفس ولا تنبعث لمساعدته ~~الطبيعة على دفع المرض به، كالسموم، ولحوم الأفاعي، وغيرها من المستقذرات، ~~فيبقى كلا على الطبيعة مثقلا لها، فيصير حينئذ داء لا دواء. # PageV04P144 # والثاني: ما لا تعافه النفس كالشراب الذي تستعمله الحوامل مثلا، فهذا ~~ضرره أكثر من نفعه، والعقل يقضي بتحريم ذلك، فالعقل والفطرة مطابق للشرع في ~~ذلك. # وهاهنا سر ms1126 لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها، فإن شرط الشفاء بالدواء ~~تلقيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء، فإن ~~النافع هو المبارك، وأنفع الأشياء أبركها، والمبارك من الناس أينما كان هو ~~الذي ينتفع به حيث حل، ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول ~~بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها، وبين حسن ظنه بها وتلقي طبعه لها ~~بالقبول، بل كلما كان العبد أعظم إيمانا، كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها، ~~وطبعه أكره شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال كانت داء له لا دواء إلا أن ~~يزول اعتقاد الخبث فيها، وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة، وهذا ينافي ~~الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج القمل الذي في الرأس وإزالته # في " الصحيحين " «عن كعب بن عجرة، قال: كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (ما كنت ~~أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى) » وفي رواية: ( «فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم ~~فرقا بين ستة أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام» ) . # PageV04P145 # القمل يتولد في الرأس والبدن من شيئين: خارج عن البدن وداخل فيه، فالخارج ~~الوسخ والدنس المتراكم في سطح الجسد، والثاني من خلط رديء عفن تدفعه ~~الطبيعة بين الجلد واللحم فيتعفن بالرطوبة الدموية في البشرة بعد خروجها من ~~المسام، فيكون منه القمل، وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل، والأسقام، وبسبب ~~الأوساخ، وإنما كان في رءوس الصبيان أكثر لكثرة رطوباتهم، وتعاطيهم الأسباب ~~التي تولد القمل، ولذلك حلق النبي - صلى الله عليه وسلم - رءوس بني جعفر. # ومن أكبر علاجه حلق الرأس لتنفتح مسام الأبخرة فتتصاعد الأبخرة الرديئة، ~~فتضعف مادة الخلط، وينبغي أن يطلى الرأس بعد ذلك بالأدوية التي تقتل القمل ~~وتمنع تولده. # وحلق الرأس ثلاثة أنواع: # أحدها: نسك وقربة. # والثاني: بدعة وشرك. ms1127 # والثالث: حاجة ودواء فالأول الحلق في أحد النسكين الحج أو العمرة. # والثاني: حلق الرأس لغير الله سبحانه كما يحلقها المريدون لشيوخهم فيقول ~~أحدهم: أنا حلقت رأسي لفلان وأنت حلقته لفلان، وهذا بمنزلة أن يقول: سجدت ~~لفلان، فإن حلق الرأس خضوع وعبودية وذل، ولهذا كان من تمام الحج، حتى إنه ~~عند الشافعي ركن من أركانه لا يتم إلا به، فإنه وضع النواصي بين يدي ربها ~~خضوعا لعظمته، وتذللا لعزته، وهو من أبلغ أنواع العبودية، ولهذا كانت العرب ~~إذا أرادت إذلال الأسير منهم وعتقه حلقوا رأسه، وأطلقوه، فجاء شيوخ الضلال، ~~والمزاحمون للربوبية الذين أساس مشيختهم على الشرك والبدعة، فأرادوا من ~~مريديهم أن يتعبدوا لهم، فزينوا لهم حلق رءوسهم لهم، كما زينوا لهم السجود ~~لهم، وسموه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرأس بين يدي الشيخ، ولعمر الله إن ~~السجود لله هو وضع الرأس بين يديه سبحانه، وزينوا لهم أن # PageV04P146 # ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذهم أربابا ~~وآلهة من دون الله، قال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 79 - 80] ~~[آل عمران 79 - 80] . # وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء ~~والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها وهو السجود، وأخذ المتشبهون ~~بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضا ركع له، كما يركع المصلي لربه ~~سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رءوسهم، عبودية ~~لهم وهم جلوس، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الأمور ~~الثلاثة، على التفصيل فتعاطيها مخالفة صريحة له فنهى عن السجود لغير الله ~~وقال: ( «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد» ) ( «وأنكر على معاذ لما سجد له وقال ~~" مه» ) . # PageV04P147 # وتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ~~ورسوله، وهو من ms1128 أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، ~~فقد جوز العبودية لغير الله، وقد صح أنه ( «قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني ~~له؟ قال: " لا ". قيل: أيلتزمه ويقبله قال: " لا ". قيل أيصافحه؟ قال " ~~نعم» ) . # وأيضا: فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى: {وادخلوا الباب ~~سجدا} [البقرة: 58] [البقرة: 58] أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على ~~الجباه، وصح عنه النهي عن القيام وهو جالس، كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا ~~حتى منع من ذلك في الصلاة، وأمرهم إذا صلى جالسا أن يصلوا جلوسا وهم أصحاء ~~لا عذر لهم، لئلا يقوموا على رأسه وهو جالس مع أن قيامهم لله، فكيف إذا كان ~~القيام تعظيما وعبودية لغيره سبحانه. # والمقصود: أن النفوس الجاهلة الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت ~~فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيام ~~الصلاة، وحلفت بغيره، ونذرت لغيره، وحلقت لغيره، وذبحت لغيره، وطافت لغير ~~بيته، وعظمته بالحب، والخوف، والرجاء، والطاعة، كما يعظم الخالق، بل أشد، ~~وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، ~~وهم الذين بربهم يعدلون، وهم الذين يقولون - وهم في النار مع آلهتهم ~~يختصمون - {تالله إن كنا لفي ضلال مبين - إذ نسويكم برب العالمين} ~~[الشعراء: 97 - 98] ) # PageV04P148 # [الشعراء 98] . # وهم الذين قال فيهم: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] [البقرة 165] ، وهذا كله من ~~الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به. فهذا فصل معترض في هديه في حلق الرأس، ~~ولعله أهم مما قصد الكلام فيه والله الموفق. ### | [القسم الثاني والثالث هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية] ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين] # فصل # فصول في هديه - صلى الله عليه وسلم - في العلاج بالأدوية الروحانية ~~الإلهية المفردة، والمركبة منها، ومن الأدوية الطبيعية # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج المصاب بالعين # روى مسلم في ms1129 " صحيحه " عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» ) . # وفي " صحيحه " أيضا عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «رخص في ~~الرقية من الحمة والعين والنملة» ) # وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «العين حق» ) . # وفي سنن أبي داود " عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( «كان يؤمر العائن ~~فيتوضأ، ثم يغتسل منه المعين» ) . # PageV04P149 # وفي " الصحيحين " عن عائشة قالت: ( «أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو أمر أن نسترقي من العين» ) . # وذكر الترمذي، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن ~~عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي ( «أن أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله ~~إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ فقال: " نعم فلو كان شيء يسبق ~~القضاء لسبقته العين» ) قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وروى مالك - رحمه الله - عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: ( ~~«رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد ~~مخبأة، قال: فلبط سهل، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامرا فتغيظ ~~عليه، وقال: " علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له "، فغسل له عامر: ~~وجهه ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ~~عليه، فراح مع الناس» ) . # وروى مالك - رحمه الله - أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه هذا ~~الحديث وقال فيه: " «إن العين حق توضأ له "فتوضأ له» . # وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه مرفوعا: ( «العين حق ~~ولو كان شيء سابق القدر، لسبقته العين، وإذا استغسل أحدكم # PageV04P150 # فليغتسل» ) ووصله صحيح. # قال الزهري: يؤمر الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض، ثم يمجه في ~~القدح، ويغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في ~~القدح، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل ms1130 داخلة إزاره، ~~ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه ~~صبة واحدة. # والعين عينان عين إنسية، وعين جنية، فقد صح عن أم سلمة، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: ( «استرقوا لها، ~~فإن بها النظرة» ) . # قال الحسين بن مسعود الفراء: وقوله " سفعة " أي نظرة يعني: من الجن، يقول ~~بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح. # ويذكر عن جابر يرفعه ( «إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر» ) . # PageV04P151 # وعن أبي سعيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «كان يتعوذ من الجان، ~~ومن عين الإنسان» ) . # فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك ~~أوهام لا حقيقة له، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابا، ~~وأكثفهم طباعا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس. وصفاتها وأفعالها ~~وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين، ولا ~~تنكره، وإن اختلفوا في سبب وجهة تأثير العين. # فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه ~~قوة سمية تتصل بالمعين، فيتضرر. قالوا: ولا يستنكر هذا، كما لا يستنكر ~~انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان، فيهلك، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع ~~من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن. # وقالت فرقة أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير ~~مرئية، فتتصل بالمعين، وتتخلل مسام جسمه، فيحصل له الضرر. # وقالت فرقة أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة ~~عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة، ولا سبب، ولا تأثير أصلا، ~~وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم، وهؤلاء قد سدوا على ~~أنفسهم باب العلل والتأثيرات، والأسباب وخالفوا العقلاء أجمعين. # ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، # PageV04P152 # وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير ~~الأرواح ms1131 في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس، وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة ~~شديدة، إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من ~~يخافه إليه، وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه، وهذا كله بواسطة ~~تأثير الأرواح، ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها، وليست هي الفاعلة، ~~وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها ~~وخواصها، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا. # ولهذا أمر الله - سبحانه - رسوله أن يستعيذ به من شره، وتأثير الحاسد في ~~أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل ~~الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل ~~المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإن السم كامن ~~فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية، وتكيفت بكيفية خبيثة ~~مؤذية. # فمنها: ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين. # ومنها: ما تؤثر في طمس البصر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأبتر وذي الطفيتين من الحيات: ( «إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل» ) ~~. # ومنها: ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة ~~خبث تلك النفس، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة، والتأثير غير موقوف على ~~الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل ~~التأثير يكون تارة بالاتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة بالرؤية، وتارة بتوجه ~~الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية، والرقى، والتعوذات، وتارة بالوهم ~~والتخيل، ونفس العائن لا يتوقف # PageV04P153 # تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه، ~~وإن لم يره، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، وقد قال ~~تعالى لنبيه {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} ~~[القلم: 51] [القلم:51] . وقال: {قل أعوذ برب الفلق - من شر ما خلق - ومن ~~شر غاسق إذا وقب - ومن شر النفاثات في العقد - ومن شر حاسد إذا حسد} ~~[الفلق: 1 - 5] ، فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنا، فلما كان الحاسد ms1132 أعم ~~من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس ~~الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته ~~مكشوفا لا وقاية عليه، أثرت فيه، ولا بد وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا ~~منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة ~~الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح. # وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين ~~على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين، وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير ~~إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني، وقد قال أصحابنا ~~وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه ~~إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعا. ### | [فصل علاج المعيون بالتعوذات والرقى] # فصل # والمقصود: العلاج النبوي لهذه العلة، وهو أنواع، وقد روى أبو داود في " ~~سننه " عن سهل بن حنيف قال: ( «مررنا بسيل، فدخلت، فاغتسلت فيه، فخرجت ~~محموما، فنمي ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " مروا أبا ~~ثابت يتعوذ " قال: فقلت: يا سيدي! والرقى صالحة؟ فقال: لا رقية إلا في نفس ~~أو حمة أو لدغة» ) . # PageV04P154 # والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس، أي: عين. # والنافس: العائن. واللدغة - بدال مهملة وغين معجمة - وهي ضربة العقرب ~~ونحوها. # فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية ~~الكرسي، ومنها التعوذات النبوية. # نحو: ( «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» ) . # ونحو: ( «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» ) ~~. # ونحو: ( «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ~~ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ~~ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر ~~طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» ) . # ومنها: ( «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، ومن ms1133 شر عباده، ومن ~~همزات الشياطين وأن يحضرون» ) . # ومنها: ( «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر ما أنت ~~آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا ~~يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك» ) . # ومنها: ( «أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التامات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وأسماء الله الحسنى ما علمت منها، وما لم ~~أعلم، من شر ما خلق، وذرأ، وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر كل ~~ذي شر أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم» ) . # ومنها: ( «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش ~~العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل ~~شيء # PageV04P155 # عددا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة ~~أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم» ) . # وإن شاء قال: ( «تحصنت بالله الذي لا إله إلا هو، إلهي وإله كل شيء، ~~واعتصمت بربي ورب كل شيء، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا ~~حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي ~~الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي ~~بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن ~~دعا، ليس وراء الله مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب ~~العرش العظيم» ) . # ومن جرب هذه الدعوات والعوذ؛ عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها وهي ~~تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه، ~~واستعداده، وقوة توكله، وثبات قلبه، فإنها سلاح والسلاح بضاربه. ### | [فصل ما يقوله العائن خشية من ضرر عينه] # فصل # وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين، فليدفع شرها بقوله ms1134 اللهم ~~بارك عليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعامر بن ربيعة، لما عان ~~سهل بن حنيف: " ألا بركت " أي: قلت اللهم بارك عليه. # ومما يدفع به إصابة العين قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، روى هشام ~~بن عروة، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه، أو دخل حائطا من حيطانه، ~~قال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. # ومنها: رقية جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - التي رواها ~~مسلم في # PageV04P156 # " صحيحه " ( «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين ~~حاسد، الله يشفيك باسم الله أرقيك» ) . # ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن، ثم يشربها. قال مجاهد: ~~لا بأس أن يكتب القرآن، ويغسله، ويسقيه المريض، ومثله عن أبي قلابة. ويذكر ~~عن ابن عباس: ( «أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها أثر من القرآن ~~ثم يغسل وتسقى» ) وقال أيوب: ( «رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن، ثم ~~غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع» ) . ### | [فصل استغسال العائن للمعين والرد على من أنكره من الأطباء] # فصل # ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخلة إزاره، وفيه قولان. # أحدهما: أنه فرجه. # والثاني: أنه طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن، ثم يصب ~~على رأس المعين من خلفه بغتة، وهذا مما لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع ~~به من أنكره، أو سخر منه، أو شك فيه، أو فعله مجربا لا يعتقد أن ذلك ينفعه. # وإذا كان في الطبيعة خواص لا تعرف الأطباء عللها البتة، بل هي عندهم ~~خارجة عن قياس الطبيعة تفعل بالخاصية، فما الذي ينكره زنادقتهم وجهلتهم من ~~الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول ~~الصحيحة، وتقر لمناسبته، فاعلم أن ترياق سم الحية في لحمها، وأن علاج تأثير ~~النفس الغضبية في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه، والمسح عليه، ~~وتسكين غضبه، وذلك بمنزلة رجل معه شعلة من نار، وقد ms1135 أراد أن يقذفك بها، ~~فصببت عليها الماء، وهي في يده حتى طفئت، ولذلك أمر العائن أن يقول: # PageV04P157 # ( «اللهم بارك عليه» ) ؛ ليدفع تلك الكيفية الخبيثة بالدعاء الذي هو ~~إحسان إلى المعين، فإن دواء الشيء بضده. ولما كانت هذه الكيفية الخبيثة ~~تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد؛ لأنها تطلب النفوذ، فلا تجد أرق من ~~المغابن وداخلة الإزار، ولا سيما إن كان كناية عن الفرج، فإذا غسلت بالماء، ~~بطل تأثيرها وعملها، وأيضا فهذه المواضع للأرواح الشيطانية بها اختصاص. # والمقصود: أن غسلها بالماء يطفئ تلك النارية، ويذهب بتلك السمية. # وفيه أمر آخر، وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها ~~تنفيذا، فيطفئ تلك النارية والسمية بالماء، فيشفى المعين، وهذا كما أن ذوات ~~السموم إذا قتلت بعد لسعها، خف أثر اللسعة عن الملسوع، ووجد راحة، فإن ~~أنفسها تمد أذاها بعد لسعها، وتوصله إلى الملسوع. فإذا قتلت خف الألم، وهذا ~~مشاهد. وإن كان من أسبابه فرح الملسوع، واشتفاء نفسه بقتل عدوه، فتقوى ~~الطبيعة على الألم فتدفعه. # وبالجملة غسل العائن يذهب تلك الكيفية التي ظهرت منه، وإنما ينفع غسله ~~عند تكيف نفسه بتلك الكيفية. # فإن قيل: فقد ظهرت مناسبة الغسل فما مناسبة صب ذلك الماء على المعين؟ قيل ~~هو في غاية المناسبة، فإن ذلك الماء ماء طفئ به تلك النارية، وأبطل تلك ~~الكيفية الرديئة من الفاعل، فكما طفئت به النارية القائمة بالفاعل طفئت به، ~~وأبطلت عن المحل المتأثر، بعد ملابسته للمؤثر العائن، والماء الذي يطفأ به ~~الحديد، يدخل في أدوية عدة طبيعية ذكرها الأطباء، فهذا الذي طفئ به نارية ~~العائن، لا يستنكر أن يدخل في دواء يناسب هذا الداء. وبالجملة: فطب ~~الطبائعية، وعلاجهم بالنسبة إلى العلاج النبوي، كطب الطرقية بالنسبة إلى ~~طبهم، بل أقل، فإن التفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم، وأعظم من ~~التفاوت الذي بينهم وبين الطرقية بما لا يدرك الإنسان مقداره، فقد ظهر لك ~~عقد الإخاء الذي # PageV04P158 # بين الحكمة والشرع، وعدم مناقضة أحدهما للآخر، والله يهدي من يشاء إلى ~~الصواب، ويفتح لمن أدام ms1136 قرع باب التوفيق منه كل باب، وله النعمة السابغة، ~~والحجة البالغة. ### | [فصل للاحتراز من الإصابة بالعين ستر محاسن من يخاف عليه العين] # فصل # ومن علاج ذلك أيضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها ~~عنه، كما ذكر البغوي في كتاب " شرح السنة ": أن عثمان رضي الله عنه رأى ~~صبيا مليحا فقال: ( «دسموا نونته؛ لئلا تصيبه العين» ) ثم قال في تفسيره ~~ومعنى: دسموا نونته أي: سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن ~~الصبي الصغير. # وقال الخطابي في " غريب الحديث " له عن عثمان: إنه رأى صبيا تأخذه العين ~~فقال: ( «دسموا نونته» ) فقال أبو عمرو: سألت أحمد بن يحيى عنه فقال: أراد ~~بالنونة النقرة التي في ذقنه. والتدسيم: التسويد. أراد: سودوا ذلك الموضع ~~من ذقنه ليرد العين. قال: ومن هذا حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء» ) أي: سوداء. أراد ~~الاستشهاد على اللفظة ومن هذا أخذ الشاعر قوله: # PageV04P159 # ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين ### | [فصل ذكر رقية ترد العين] # فصل # ومن الرقى التي ترد العين ما ذكر عن أبي عبد الله الساجي أنه كان في بعض ~~أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، وكان في الرفقة رجل عائن، قلما نظر ~~إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال: ليس ~~له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله؛ فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى ~~رحله، فنظر إلى الناقة فاضطربت، وسقطت؛ فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن ~~قد عانها وهي كما ترى، فقال: دلوني عليه فدل فوقف عليه وقال: بسم الله حبس ~~حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه: ~~{فارجع البصر هل ترى من فطور - ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا ~~وهو حسير} [الملك: 3 - 4] [الملك: 3، 4] فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة ~~لا بأس بها. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل ms1137 شكوى بالرقية الإلهية] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في العلاج العام لكل شكوى بالرقية ~~الإلهية # روى أبو داود في " سننه ": من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «من اشتكى منكم شيئا، أو اشتكاه أخ له، فليقل ~~ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في ~~السماء، فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين ~~أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله» ) . # PageV04P160 # وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخدري: أن جبريل - عليه السلام - أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: " نعم " فقال: ~~جبريل - عليه السلام -: ( «باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس ~~أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك» ) . # فإن قيل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود: ( «لا رقية إلا من ~~عين أو حمة» ) والحمة: ذوات السموم كلها. # فالجواب: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد به نفي جواز الرقية في ~~غيرها، بل المراد به لا رقية أولى وأنفع منها في العين، والحمة، ويدل عليه ~~سياق الحديث فإن سهل بن حنيف قال له لما أصابته العين: أوفي الرقى خير؟ ~~فقال: ( «لا رقية إلا في نفس أو حمة» ) ويدل عليه سائر أحاديث الرقى العامة ~~والخاصة، وقد روى أبو داود من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يرقأ» ) . # وفي " صحيح مسلم " عنه أيضا: ( «رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الرقية من العين والحمة والنملة» ) . # PageV04P161 ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ بالفاتحة] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية اللديغ بالفاتحة # أخرجا في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد الخدري، قال: ( «انطلق نفر من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من ~~أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا ms1138 أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل ~~شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن ~~يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له ~~بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني ~~لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا، ~~فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ: الحمد لله رب ~~العالمين، فكأنما أنشط من عقال، فانطلق يمشي، وما به قلبة قال: فأوفوهم ~~جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا فقال الذي رقى: لا تفعلوا ~~حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان، فننظر ما ~~يأمرنا، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له ذلك فقال: ~~" وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما» ~~) . # وقد روى ابن ماجه في " سننه " من حديث علي قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ( «خير الدواء القرآن» ) . # ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب ~~العالمين، الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء # PageV04P162 # التام، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة الذي لو أنزل على ~~جبل؛ لتصدع من عظمته وجلالته. قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82] [الإسراء: 82] ، و" من " هاهنا لبيان الجنس ~~لا للتبعيض، هذا أصح القولين كقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح: 29] [الفتح: 29] وكلهم من الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن، ~~ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها، المتضمنة لجميع ~~معاني كتب الله المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب - تعالى - ومجامعها، وهي ~~الله، والرب، والرحمن، وإثبات المعاد، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، ~~وتوحيد الإلهية، وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة، وطلب ~~الهداية، وتخصيصه سبحانه ms1139 بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق، وأنفعه ~~وأفرضه، وما العباد أحوج شيء إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم، ~~المتضمن كمال معرفته، وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ~~والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق، وانقسامهم إلى منعم ~~عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدوله عن الحق ~~بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له. # وهؤلاء أقسام الخليقة مع تضمنها لإثبات القدر، والشرع، والأسماء، ~~والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، وذكر عدل الله، ~~وإحسانه، والرد على جميع أهل البدع والباطل، كما ذكرنا ذلك في كتابنا ~~الكبير " مدارج السالكين " في شرحها. # وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من الأدواء، ويرقى بها اللديغ. # وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله، وتفويض ~~الأمر كله إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، ~~وهي الهداية التي تجلب النعم، وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية ~~الكافية. # PageV04P163 # وقد قيل: إن موضع الرقية منها: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ، ~~ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم ~~التفويض والتوكل، والالتجاء والاستعانة، والافتقار والطلب، والجمع بين أعلى ~~الغايات، وهي عبادة الرب وحده، وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته، ~~ما ليس في غيرها، ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، ~~فكنت أتعالج بها آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارا، ثم أشربه فوجدت ~~بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية ~~الانتفاع. ### | [فصل نفس الراقي تفعل في نفس المرقي فتدفع عنه المرض بإذن الله] # فصل # وفي تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السموم سر بديع، فإن ذوات ~~السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة، كما تقدم وسلاحها حماتها التي تلدغ ~~بها، وهي لا تلدغ حتى تغضب، فإذا غضبت ثار فيها السم، فتقذفه بآلتها، وقد ~~جعل الله سبحانه لكل داء دواء، ولكل شيء ضدا، ونفس الراقي تفعل في نفس ~~المرقي، فيقع ms1140 بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى ~~نفس الراقي وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله، ومدار تأثير ~~الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء ~~الطبيعيين، يقع بين الداء والدواء الروحانيين، والروحاني، والطبيعي، وفي ~~النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء، والنفس المباشر للرقية، ~~والذكر، والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من ~~أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس، كانت أتم تأثيرا، وأقوى فعلا ونفوذا، ~~ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب ~~الأدوية. # وبالجملة: فنفس الراقي تقابل تلك النفوس الخبيثة، وتزيد بكيفية نفسه، # PageV04P164 # وتستعين بالرقية وبالنفث على إزالة ذلك الأثر، وكلما كانت كيفية نفس ~~الراقي أقوى كانت الرقية أتم، واستعانته بنفثه كاستعانة تلك النفوس الرديئة ~~بلسعها. # وفي النفث سر آخر فإنه مما تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا ~~تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان. # قال تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} [الفلق: 4] وذلك؛ لأن النفس تتكيف ~~بكيفية الغضب والمحاربة، وترسل أنفاسها سهاما لها، وتمدها بالنفث والتفل ~~الذي معه شيء من الريق مصاحب لكيفية مؤثرة، والسواحر تستعين بالنفث استعانة ~~بينة، وإن لم تتصل بجسم المسحور، بل تنفث على العقدة وتعقدها، وتتكلم ~~بالسحر فيعمل ذلك في المسحور بتوسط الأرواح السفلية الخبيثة، فتقابلها ~~الروح الزكية الطيبة بكيفية الدفع، والتكلم بالرقية وتستعين بالنفث، فأيهما ~~قوي كان الحكم له، ومقابلة الأرواح بعضها لبعض، ومحاربتها وآلتها من جنس ~~مقابلة الأجسام، ومحاربتها وآلتها سواء، بل الأصل في المحاربة والتقابل ~~للأرواح والأجسام آلتها وجندها، ولكن من غلب عليه الحس لا يشعر بتأثيرات ~~الأرواح وأفعالها وانفعالاتها لاستيلاء سلطان الحس عليه، وبعده من عالم ~~الأرواح وأحكامها وأفعالها. # والمقصود: أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت ~~بالنفث والتفل، قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة فأزالته، والله ~~أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج لدغة العقرب بالرقية] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج لدغة العقرب بالرقية # روى ابن أبي ms1141 شيبة في " مسنده "، من حديث عبد الله بن مسعود قال: ( «بينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، إذ سجد فلدغته عقرب في أصبعه ~~فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " لعن الله العقرب ما تدع ~~نبيا ولا غيره "، قال: ثم دعا بإناء فيه ماء وملح # PageV04P165 # فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ: {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص: 1] والمعوذتين حتى سكنت» ) . # ففي هذا الحديث العلاج بالدواء المركب من الأمرين: الطبيعي والإلهي، فإن ~~في سورة الإخلاص من كمال التوحيد العلمي الاعتقادي، وإثبات الأحدية لله، ~~المستلزمة نفي كل شركة عنه، وإثبات الصمدية المستلزمة لإثبات كل كمال له مع ~~كون الخلائق تصمد إليه في حوائجها، أي: تقصده الخليقة وتتوجه إليه علويها ~~وسفليها، ونفي الوالد والولد، والكفء عنه المتضمن لنفي الأصل والفرع ~~والنظير والمماثل مما اختصت به وصارت تعدل ثلث القرآن، ففي اسمه الصمد ~~إثبات كل الكمال، وفي نفي الكفء التنزيه عن الشبيه والمثال. وفي الأحد نفي ~~كل شريك لذي الجلال، وهذه الأصول الثلاثة هي مجامع التوحيد. # وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا، فإن الاستعاذة من شر ~~ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه، سواء كان في الأجسام، أو الأرواح. # والاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل، وآيته وهو القمر إذا غاب، تتضمن ~~الاستعاذة من شر ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة، التي كان نور النهار ~~يحول بينها وبين الانتشار، فلما أظلم الليل عليها وغاب القمر انتشرت وعاثت. # والاستعاذة من شر النفاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر ~~وسحرهن. # والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية ~~بحسدها ونظرها. # والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن فقد # PageV04P166 # جمعت السورتان الاستعاذة من كل شر، ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن ~~من الشرور قبل وقوعها، ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبة بن ~~عامر بقراءتهما عقب كل صلاة، ذكره الترمذي في " جامعه " وفي هذا سر عظيم في ~~استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة. وقال: ما تعوذ المتعوذون ms1142 بمثلهما. ~~وقد ذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - سحر في إحدى عشرة عقدة، وأن جبريل نزل ~~عليه بهما، فجعل كلما قرأ آية منهما انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، ~~وكأنما أنشط من عقال. # وأما العلاج الطبيعي فيه، فإن في الملح نفعا لكثير من السموم، ولا سيما ~~لدغة العقرب، قال صاحب " القانون ": يضمد به مع بزر الكتان للسع العقرب، ~~وذكره غيره أيضا. وفي الملح من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ~~ويحللها، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب وإخراج، جمع ~~بين الماء المبرد لنار اللسعة، والملح الذي فيه جذب وإخراج، وهذا أتم ما ~~يكون من العلاج، وأيسره، وأسهله، وفيه تنبيه على أن علاج هذا الداء ~~بالتبريد والجذب والإخراج والله أعلم. # وقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة قال: ( «جاء رجل إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة ~~فقال: " أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم ~~تضرك» ) . # واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من ~~وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعا مضرا، وإن كان مؤذيا، والأدوية الطبيعية إنما ~~تنفع، بعد حصول الداء فالتعوذات والأذكار، إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، ~~وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه، ~~فالرقى # PageV04P167 # والعوذ تستعمل لحفظ الصحة، ولإزالة المرض، أما الأول فكما في " الصحيحين ~~" من حديث عائشة: ( «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى ~~فراشه نفث في كفيه {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] والمعوذتين. ثم يمسح بهما ~~وجهه، وما بلغت يده من جسده» ) . # وكما في حديث عوذة أبي الدرداء المرفوع: ( «اللهم أنت ربي لا إله إلا ~~أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم» ) ، وقد تقدم وفيه: من قالها أول ~~نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر نهاره لم تصبه مصيبة حتى ~~يصبح. وكما في " الصحيحين ": ( «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة ms1143 في ليلة ~~كفتاه» ) . # وكما في " صحيح مسلم " عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «من نزل منزلا ~~فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من ~~منزله ذلك» ) . # وكما في " سنن أبي داود ": ( «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~في السفر يقول بالليل: " يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما ~~فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ~~ساكن البلد ومن والد وما ولد» ) . # PageV04P168 # وأما الثاني: فكما تقدم من الرقية بالفاتحة، والرقية للعقرب وغيرها مما ~~يأتي. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية النملة] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية النملة # قد تقدم من حديث أنس الذي في " صحيح مسلم ": ( «أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة» ) . # وفي " سنن أبي داود " ( «عن الشفاء بنت عبد الله دخل علي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنا عند حفصة فقال: " ألا تعلمين هذه رقية النملة كما ~~علمتيها الكتابة» ) . # النملة: قروح تخرج في الجنبين وهو داء معروف وسمي نملة؛ لأن صاحبه يحس في ~~مكانه كأن نملة تدب عليه، وتعضه، وأصنافها ثلاثة، قال ابن قتيبة وغيره: كان ~~المجوس يزعمون أن ولد الرجل من أخته إذا خط على النملة شفى صاحبها ومنه قول ~~الشاعر: # ولا عيب فينا غير عرف لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل # وروى الخلال: أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، ~~فلما هاجرت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت قد بايعته بمكة، قالت: ~~يا رسول الله! إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، وإني أريد أن أعرضها ~~عليك فعرضت عليه، فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها، ولا تضر أحدا ~~اللهم اكشف البأس رب الناس، قال: ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانا ~~نظيفا، # PageV04P169 # وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق، وتطليه على النملة. وفي الحديث: دليل على ~~جواز ms1144 تعليم النساء الكتابة. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية الحية] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية الحية قد تقدم قوله: ( «لا رقية ~~إلا في عين أو حمة» ) ، الحمة: بضم الحاء وفتح الميم وتخفيفها. وفي " سنن ~~ابن ماجه " من حديث عائشة: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية ~~من الحية والعقرب. # ويذكر عن ابن شهاب الزهري قال: ( «لدغ بعض أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " هل من راق؟ " ~~فقالوا: يا رسول الله! إن آل حزم كانوا يرقون رقية الحية، فلما نهيت عن ~~الرقى تركوها فقال: " ادعوا عمارة بن حزم " فدعوه فعرض عليه رقاه فقال: " ~~لا بأس بها " فأذن له فيها فرقاه» ) . ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في رقية القرحة والجرح] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في رقية القرحة والجرح # أخرجا في " الصحيحين " عن عائشة قالت: ( «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا اشتكى # PageV04P170 # الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح، قال بأصبعه: هكذا ووضع سفيان سبابته ~~بالأرض، ثم رفعها، وقال: " بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا ~~بإذن ربنا» ) . # هذا من العلاج الميسر النافع المركب، وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح ~~والجراحات الطرية، لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية إذ كانت موجودة بكل ~~أرض، وقد علم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات القروح ~~والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها، وسرعة اندمالها، لا سيما في ~~البلاد الحارة، وأصحاب الأمزجة الحارة، فإن القروح والجراحات يتبعها في ~~أكثر الأمر سوء مزاج حار، فيجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح، وطبيعة ~~التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة، ~~فتقابل برودة التراب حرارة المرض، لا سيما إن كان التراب قد غسل وجفف، ~~ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الرديئة، والسيلان، والتراب مجفف لها، مزيل ~~لشدة يبسه، وتجفيفه للرطوبة الرديئة المانعة من برئها، ويحصل به - مع ذلك - ~~تعديل مزاج العضو العليل، ومتى اعتدل ms1145 مزاج العضو قويت قواه المدبرة، ودفعت ~~عنه الألم بإذن الله. # ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها على ~~التراب فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الجرح، ويقول هذا الكلام لما فيه ~~من بركة ذكر اسم الله، وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، فينضم أحد ~~العلاجين إلى الآخر، فيقوى التأثير. # وهل المراد بقوله: " تربة أرضنا " جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة؟ فيه ~~قولان، ولا ريب أن من التربة ما تكون فيه خاصية ينفع بخاصيته من أدواء ~~كثيرة، # PageV04P171 # ويشفي به أسقاما رديئة. # قال جالينوس: رأيت بالإسكندرية مطحولين، ومستسقين كثيرا، يستعملون طين ~~مصر، ويطلون به على سوقهم، وأفخاذهم وسواعدهم، وظهورهم، وأضلاعهم، فينتفعون ~~به منفعة بينة. # قال: وعلى هذا النحو فقد ينفع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهلة ~~الرخوة، قال: وإني لأعرف قوما ترهلت أبدانهم كلها من كثرة استفراغ الدم من ~~أسفل، انتفعوا بهذا الطين نفعا بينا، وقوما آخرين شفوا به أوجاعا مزمنة ~~كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكنا شديدا، فبرأت وذهبت أصلا. # وقال صاحب الكتاب المسيحي: قوة الطين المجلوب من كنوس - وهي جزيرة ~~المصطكى - قوة تجلو وتغسل، وتنبت اللحم في القروح، وتختم القروح. انتهى. # وإذا كان هذا في هذه التربات، فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض ~~وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقارنت رقيته ~~باسم ربه، وتفويض الأمر إليه، وقد تقدم أن قوى الرقية وتأثيرها بحسب ~~الراقي، وانفعال المرقي عن رقيته، وهذا أمر لا ينكره طبيب فاضل عاقل مسلم، ~~فإن انتفى أحد الأوصاف، فليقل ما شاء. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرقية] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الوجع بالرقية # روى مسلم في " صحيحه ": ( «عن عثمان بن أبي العاص، أنه شكى إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع ~~مرات: أعوذ بعزة الله ms1146 وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» ) ، ففي هذا العلاج من ~~ذكر الله، والتفويض إليه، والاستعاذة بعزته، وقدرته من شر الألم ما يذهب ~~به، وتكراره؛ ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء؛ لأخراج المادة، وفي السبع ~~خاصية لا توجد في غيرها، وفي # PageV04P172 # " الصحيحين ": ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعوذ بعض أهله، ~~يمسح بيده اليمنى، ويقول: " اللهم رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي لا ~~شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما» ) ، ففي هذه الرقية توسل إلى الله ~~بكمال ربوبيته، وكمال رحمته بالشفاء، وأنه وحده الشافي، وأنه لا شفاء إلا ~~شفاؤه، فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة وحزنها] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج حر المصيبة وحزنها # قال تعالى: {وبشر الصابرين - الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون - أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} ~~[البقرة: 155 - 157] [البقرة: 155] . وفي " المسند " عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: ( «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ~~اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أجاره الله في مصيبته، ~~وأخلف له خيرا منها» ) . # وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنها ~~تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته. # أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله عند العبد ~~عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير، وأيضا فإنه ~~محفوف بعدمين: عدم قبله وعدم بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير، ~~وأيضا فإنه ليس الذي أوجده عن عدمه، حتى يكون ملكه حقيقة، ولا هو # PageV04P173 # الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يبقي عليه وجوده، فليس له فيه ~~تأثير، ولا ملك حقيقي، وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور ~~المنهي لا تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر ~~مالكه الحقيقي. # والثاني: أن ms1147 مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف ~~الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة: بلا أهل، ولا مال، ولا ~~عشيرة، ولكن بالحسنات، والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوله ~~ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده من ~~أعظم علاج هذا الداء، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ~~ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير - لكي لا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} ~~[الحديد: 22 - 23] [الحديد: 22] . # ومن علاجه أن ينظر إلى ما أصيب به، فيجد ربه قد أبقى عليه مثله، أو أفضل ~~منه، وادخر له - إن صبر ورضي - ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف ~~مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي. # ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في ~~كل واد بنو سعد، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا ~~حسرة؟ وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول ~~مكروه، وأن شرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت ~~كثيرا، وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا، # PageV04P174 # منعت طويلا، وما ملأت دارا خيرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور إلا ~~خبأت له يوم شرور، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: " لكل فرحة ترحة، وما ~~ملئ بيت فرحا إلا ملئ ترحا " وقال ابن سيرين: " ما كان ضحك قط إلا كان من ~~بعده بكاء ". # وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا، ثم لم ~~تغب الشمس حتى رأيتنا، ونحن أقل الناس وأنه حق على الله ألا يملأ دارا خيرة ~~إلا ملأها عبرة. # وسألها رجل أن تحدثه عن ms1148 أمرها فقالت: " أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد ~~إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا ". # وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوما، وهي في عزها فقيل لها: ما يبكيك لعل ~~أحدا آذاك؟ قالت: لا ولكن رأيت غضارة في أهلي، وقلما امتلأت دار سرورا إلا ~~امتلأت حزنا. # قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوما فقلت لها: كيف رأيت عبرات الملوك؟ ~~فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه الأمس، إنا نجد في الكتب أنه ليس ~~من أهل بيت يعيشون في خيرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وأن الدهر لم يظهر لقوم ~~بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه ثم قالت: # فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف # فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف # PageV04P175 # ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها، بل يضاعفها، وهو في الحقيقة من ~~تزايد المرض. # ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاة والرحمة ~~والهداية التي ضمنها الله على الصبر، والاسترجاع أعظم من المصيبة في ~~الحقيقة. # ومن علاجها أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر ~~شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئا ~~وأرضى ربه وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه، وعزاهم هو قبل أن يعزوه، ~~فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء ~~بالويل، والثبور، والسخط على المقدور. # ومن علاجها: أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ~~ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، ويكفيه من ذلك بيت الحمد ~~الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه، واسترجاعه فلينظر: أي المصيبتين ~~أعظم؟ : مصيبة العاجلة، أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد. وفي الترمذي ~~مرفوعا: ( «يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا ~~لما يرون من ثواب أهل البلاء» ) . # وقال: بعض السلف لولا مصائب الدنيا لوردنا القيام مفاليس. # ومن علاجها: أن ms1149 يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله، فإنه من كل شيء عوض ~~إلا الله، فما منه عوض كما قيل: # PageV04P176 # من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض # ومن علاجها: أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه له، فمن رضي فله الرضى، ~~ومن سخط فله السخط، فحظك منها ما أحدثته لك فاختر خير الحظوظ، أو شرها، فإن ~~أحدثت له سخطا وكفرا؛ كتب في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له جزعا وتفريطا في ~~ترك واجب أو فعل محرم؛ كتب في ديوان المفرطين، وإن أحدثت له شكاية وعدم ~~صبر؛ كتب في ديوان المغبونين، وإن أحدثت له اعتراضا على الله وقدحا في ~~حكمته؛ فقد قرع باب الزندقة أو ولجه، وإن أحدثت له صبرا وثباتا لله؛ كتب في ~~ديوان الصابرين، وإن أحدثت له الرضى عن الله؛ كتب في ديوان الراضين، وإن ~~أحدثت له الحمد والشكر؛ كتب في ديوان الشاكرين، وكان تحت لواء الحمد مع ~~الحمادين، وإن أحدثت له محبة واشتياقا إلى لقاء ربه؛ كتب في ديوان المحبين ~~المخلصين. # وفي مسند " الإمام أحمد " والترمذي من حديث محمود بن لبيد يرفعه ( «إن ~~الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط» ) زاد ~~أحمد: ( «ومن جزع فله الجزع» ) . # ومن علاجها: أن يعلم أنه وإن بلغ في الجزع غايته، فآخر أمره إلى صبر ~~الاضطرار، وهو غير محمود ولا مثاب، قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول ~~يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو ~~البهائم. # وفي " الصحيح " مرفوعا: ( «الصبر عند الصدمة الأولى» ) وقال # PageV04P177 # الأشعث بن قيس: " إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا، وإلا سلوت سلو البهائم ". # ومن علاجها: أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ~~ورضيه له، وأن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب ثم ~~سخط ما يحبه وأحب ما يسخطه فقد شهد على نفسه بكذبه وتمقت إلى محبوبه. # وقال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء، أحب ms1150 أن يرضى به، وكان عمران بن ~~حصين يقول في علته: أحبه إلي أحبه إليه، وكذلك قال أبو العالية. # وهذا دواء وعلاج لا يعمل إلا مع المحبين، ولا يمكن كل أحد أن يتعالج به. # ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللذتين، والمتعتين وأدومهما: لذة تمتعه ~~بما أصيب به، ولذة تمتعه بثواب الله له، فإن ظهر له الرجحان فآثر الراجح، ~~فليحمد الله على توفيقه، وإن آثر المرجوح من كل وجه فليعلم أن مصيبته في ~~عقله، وقلبه، ودينه أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه. # ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، ~~وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه به، ولا ليجتاحه، ~~وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله، ~~وليراه طريحا ببابه لائذا بجنابه مكسور القلب بين يديه رافعا قصص الشكوى ~~إليه. # قال الشيخ عبد القادر: يا بني إن المصيبة ما جاءت لتهلكك، وإنما جاءت؛ ~~لتمتحن صبرك وإيمانك يا بني القدر سبع والسبع لا يأكل الميتة. # والمقصود: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به حاصله فإما أن يخرج # PageV04P178 # ذهبا أحمر، وإما أن يخرج خبثا كله كما قيل: # سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد # فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم ~~العبد أن إدخاله كير الدنيا، ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا ~~بد من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل. # ومن علاجها: أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد - من ~~أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا ~~فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، ~~تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظا لصحة عبوديته، واستفراغا للمواد ~~الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما ~~قيل: # قد ينعم بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # فلولا أنه - سبحانه - يداوي عباده بأدوية المحن، ms1151 والابتلاء لطغوا، وبغوا ~~وعتوا والله - سبحانه - إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء، ~~والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء، المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه ~~وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته ~~وقربه. # ومن علاجها: أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، يقلبها ~~الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة ~~منقطعة إلى حلاوة دائمة، خير له من عكس ذلك، فإن خفي عليك هذا فانظر إلى ~~قول الصادق المصدوق: ( «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» ) . # وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرجال فأكثرهم # PageV04P179 # آثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يحتمل مرارة ~~ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد، ولا محنة ساعة لعافية الأبد، ~~فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب، والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، ~~فتولد من ذلك إيثار العاجلة، ورفض الآخرة، وهذا حال النظر الواقع على ظواهر ~~الأمور، وأوائلها ومبادئها، وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة، ~~ويجاوزه إلى العواقب والغايات، فله شأن آخر. # فادع نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه، وأهل طاعته من النعيم المقيم، ~~والسعادة الأبدية، والفوز الأكبر، وما أعد لأهل البطالة، والإضاعة من الخزي ~~والعقاب والحسرات الدائمة، ثم اختر؛ أي القسمين أليق بك، وكل يعمل على ~~شاكلته، وكل أحد يصبو إلى ما يناسبه، وما هو الأولى به، ولا تستطل هذا ~~العلاج، فشدة الحاجة إليه من الطبيب والعليل دعت إلى بسطه، وبالله التوفيق. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والغم والحزن] # أخرجا في " الصحيحين " من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول عند الكرب: ( «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا ~~الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض رب ~~العرش الكريم» ) . # وفي " جامع الترمذي " عن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ~~«كان إذا حزبه أمر قال: " يا حي ms1152 يا قيوم برحمتك أستغيث» ) . # وفيه: عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أهمه ~~الأمر، رفع طرفه إلى # PageV04P180 # السماء فقال: (سبحان الله العظيم) وإذا اجتهد في الدعاء قال: (يا حي يا ~~قيوم) . # وفي " سنن أبي داود " عن أبي بكرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ( «دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ~~وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» ) . # وفيها أيضا عن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب، أو في الكرب الله ربي لا ~~أشرك به شيئا» ) وفي رواية أنها تقال سبع مرات. # PageV04P181 # وفي " مسند الإمام أحمد " عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ( «ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ~~ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، ~~أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب ~~عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي. ~~إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحا» ) . # وفي الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ( «دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له» ) . # وفي رواية: ( «إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة ~~أخي يونس» ) . # وفي " سنن أبي داود " عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة ~~فقال: ( «يا أبا أمامة مالي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة؟ " فقال: ~~هموم لزمتني وديون يا رسول الله فقال: " ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب ms1153 ~~الله عز وجل همك وقضى دينك؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله قال: " قل إذا ~~أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز ~~والكسل، وأعوذ بك من الجبن، والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين، # PageV04P182 # وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني» ) . # وفي " سنن أبي داود " عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ~~ورزقه من حيث لا يحتسب» ) . # وفي " المسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «كان إذا حزبه أمر فزع ~~إلى الصلاة» ) وقد قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] ~~[البقرة: 45] . # وفي " السنن: ( «عليكم بالجهاد، فإنه باب من أبواب الجنة، يدفع الله به ~~عن النفوس الهم والغم» ) . # ويذكر عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «من كثرت همومه ~~وغمومه، فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» ) . # وثبت في " الصحيحين ": أنها كنز من كنوز الجنة. # PageV04P183 # وفي الترمذي: " أنها باب من أبواب الجنة ". # هذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعا من الدواء، فإن لم تقو على إذهاب داء ~~الهم والغم والحزن، فهو داء قد استحكم وتمكنت أسبابه، ويحتاج إلى استفراغ ~~كلي. الأول: توحيد الربوبية. # الثاني: توحيد الإلهية. # الثالث: التوحيد العلمي الاعتقادي. # الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد ~~يوجب ذلك. # الخامس: اعتراف العبد بأنه هو الظالم. # السادس: التوسل إلى الرب تعالى بأحب الأشياء، وهو أسماؤه وصفاته، ومن ~~أجمعها لمعاني الأسماء والصفات الحي القيوم. # السابع: الاستعانة به وحده. # الثامن: إقرار العبد له بالرجاء. # التاسع: تحقيق التوكل عليه، والتفويض إليه والاعتراف له بأن ناصيته في ~~يده، يصرفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه. # العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن، ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان، وأن ~~يستضيء به في ظلمات الشبهات والشهوات، وأن يتسلى به عن كل فائت، ويتعزى به ~~عن كل مصيبة، ms1154 ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه. # الحادي عشر: الاستغفار. # PageV04P184 # الثاني عشر: التوبة. # الثالث عشر: الجهاد. # الرابع عشر: الصلاة. # الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضهما إلى من هما بيده. ### | [فصل بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض] # فصل في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض # خلق الله - سبحانه - ابن آدم وأعضاءه، وجعل لكل عضو منها كمالا، إذا فقده ~~أحس بالألم، وجعل لملكها وهو القلب كمالا، إذا فقده حضرته أسقامه وآلامه من ~~الهموم والغموم والأحزان. # فإذا فقدت العين ما خلقت له من قوة الإبصار، وفقدت الأذن ما خلقت له من ~~قوة السمع، واللسان ما خلق له من قوة الكلام، فقدت كمالها. # والقلب: خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده والسرور به، والابتهاج بحبه، ~~والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، ~~والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده ~~من كل ما سواه، وأجل في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة ~~بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء، والصحة، والحياة، فإذا فقد ~~غذاءه، وصحته، وحياته؛ فالهموم والغموم والأحزان مسارعة من كل صوب إليه، ~~ورهن مقيم عليه. # ومن أعظم أدوائه: الشرك والذنوب والغفلة والاستهانة بمحابه ومراضيه، وترك ~~التفويض إليه، وقلة الاعتماد عليه، والركون إلى ما سواه، والسخط بمقدوره، ~~والشك في وعده ووعيده. # وإذا تأملت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها لا # PageV04P185 # سبب لها سواها، فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمنته هذه العلاجات ~~النبوية من الأمور المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزال بالضد، والصحة ~~تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه الأمور النبوية، وأمراضه بأضدادها. # فالتوحيد: يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرح والابتهاج، ~~والتوبة استفراغ للأخلاط والمواد الفاسدة التي هي سبب أسقامه، وحمية له من ~~التخليط، فهي تغلق عنه باب الشرور، فيفتح له باب السعادة والخير بالتوحيد، ~~ويغلق باب الشرور بالتوبة والاستغفار. # قال بعض المتقدمين من أئمة الطب: ms1155 من أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام ~~والشراب ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام. # وقال ثابت بن قرة: راحة الجسم في قلة الطعام وراحة الروح في قلة الآثام، ~~وراحة اللسان في قلة الكلام. # والذنوب للقلب بمنزلة السموم، إن لم تهلكه أضعفته، ولا بد وإذا ضعفت ~~قوته، لم يقدر على مقاومة الأمراض، قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك: # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها # فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفته أعظم أدويتها، والنفس في الأصل خلقت جاهلة ~~ظالمة، فهي لجهلها تظن شفاءها في اتباع هواها، وإنما فيه تلفها وعطبها ~~ولظلمها لا تقبل من الطبيب الناصح، بل تضع الداء موضع الدواء، فتعتمده وتضع ~~الدواء موضع الداء، فتجتنبه فيتولد من بين إيثارها للداء، واجتنابها ~~للدواء، أنواع من الأسقام والعلل التي تعيي الأطباء ويتعذر معها الشفاء. # والمصيبة العظمى أنها تركب ذلك على القدر فتبرئ نفسها، وتلوم ربها بلسان ~~الحال دائما، ويقوى اللوم حتى يصرح به اللسان. # PageV04P186 # وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا يطمع في برئه إلا أن تتداركه رحمة من ~~ربه، فيحييه حياة جديدة، ويرزقه طريقة حميدة، فلهذا كان حديث ابن عباس في ~~دعاء الكرب مشتملا على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه بالعظمة ~~والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة، والرحمة، والإحسان، ~~والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي، والسفلي، والعرش الذي هو سقف ~~المخلوقات، وأعظمها والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي ~~العبادة، والحب، والخوف، والرجاء، والإجلال، والطاعة إلا له. # وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه. وحلمه ~~يستلزم كمال رحمته، وإحسانه إلى خلقه. # فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته، وإجلاله، وتوحيده فيحصل له من ~~الابتهاج واللذة والسرور، ما يدفع عنه ألم الكرب والهم، والغم، وأنت تجد ~~المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع ~~المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى. # ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي ms1156 تضمنها دعاء الكرب، ~~وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة ~~والسرور، وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه ~~حقائقها. # " وفي تأثير قوله: ( «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» ) في دفع هذا الداء ~~مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، مستلزمة لها، وصفة ~~القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا ~~دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد ~~جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم، ~~ولا حزن ولا شيء من الآفات. ونقصان الحياة تضر بالأفعال، وتنافي القيومية، # PageV04P187 # فكمال القيومية لكمال الحياة، فالحي المطلق التام الحياة لا تفوته صفة ~~الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسل بصفة الحياة ~~القيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة، ويضر بالأفعال. # ونظير هذا توسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه بربوبيته لجبريل، ~~وميكائيل، وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإن حياة القلب ~~بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثلاثة بالحياة. # فجبريل: موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب. # وميكائيل: بالقطر الذي هو حياة الأبدان والحيوان. # وإسرافيل: بالنفخ في الصور، الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى ~~أجسادها. # فالتوسل إليه سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له ~~تأثير في حصول المطلوب. # والمقصود أن لاسم الحي القيوم تأثيرا خاصا في إجابة الدعوات، وكشف ~~الكربات، وفي " السنن " و " صحيح أبي حاتم " مرفوعا: ( «اسم الله الأعظم في ~~هاتين الآيتين {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: ~~163] [البقرة: 163] ، وفاتحة آل عمران: {الم - الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} [آل عمران: 1 - 2] » ) قال الترمذي: حديث صحيح. # وفي "السنن" و"صحيح ابن حبان " أيضا: من حديث أنس «أن رجلا دعا، # PageV04P188 # فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع ~~السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا ms1157 حي يا قيوم، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: (لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا ~~سئل به أعطى» ) . # ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد في الدعاء قال: ( «يا ~~حي يا قيوم» ) . # " وفي قوله: ( «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي ~~شأني كله لا إله إلا أنت» ) من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيديه والاعتماد ~~عليه وحده وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه، أن يتولى إصلاح شأنه، ولا يكله ~~إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده مما له تأثير قوي في دفع هذا الداء، وكذلك ~~قوله: ( «الله ربي لا أشرك به شيئا» ) . # وأما حديث ابن مسعود: ( «اللهم إني عبدك ابن عبدك» ) ففيه من المعارف ~~الإلهية، وأسرار العبودية ما لا يتسع له كتاب فإنه يتضمن الاعتراف ~~بعبوديته، وعبودية آبائه، وأمهاته، وأن ناصيته بيده، يصرفها كيف يشاء، فلا ~~يملك العبد دونه لنفسه: نفعا، ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا؛ لأن ~~من ناصيته بيد غيره فليس إليه شيء من أمره، بل هو عان في قبضته ذليل تحت ~~سلطان قهره. # وقوله: ( «ماض في حكمك عدل في قضاؤك» ) متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار ~~التوحيد. # أحدهما: إثبات القدر وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده ماضية فيه، لا ~~انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها. # والثاني: أنه - سبحانه - عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده، بل لا # PageV04P189 # يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان فإن الظلم سببه حاجة الظالم، أو جهله، ~~أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، ومن هو غني عن كل شيء، وكل ~~شيء فقير إليه، ومن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته، ~~وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته ~~وقدرته، ولهذا قال نبي الله هود صلى الله على نبينا وعليه وسلم وقد خوفه ~~قومه بآلهتهم: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني - إني توكلت ms1158 على الله ربي وربكم ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 54 - 56] [هود: 54 - ~~57] أي: مع كونه سبحانه آخذا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراط ~~مستقيم لا يتصرف فيهم إلا بالعدل والحكمة والإحسان والرحمة. فقوله: ( «ماض ~~في حكمك» ) مطابق لقوله {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} [هود: 56] وقوله: ~~( «عدل في قضاؤك» ) مطابق لقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 56] ، ثم ~~توسل إلى ربه بأسمائه التي سمى بها نفسه ما علم العباد منها، وما لم ~~يعلموا. ومنها: ما استأثره في علم الغيب عنده فلم يطلع عليه ملكا مقربا، ~~ولا نبيا مرسلا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله وأقربها تحصيلا ~~للمطلوب. " # ثم سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك ~~القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله شفاء همه، وغمه فيكون له بمنزلة الدواء الذي ~~يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته، واعتداله وأن يجعله لحزنه كالجلاء ~~الذي يجلو الطبوع والأصدية، وغيرها، فأحرى بهذا العلاج إذا صدق العليل في ~~استعماله أن يزيل عنه داءه، ويعقبه شفاء تاما، وصحة، وعافية، والله الموفق. # وأما دعوة ذي النون: فإن فيها من كمال التوحيد والتنزيه للرب تعالى، ~~واعتراف العبد بظلمه وذنبه، ما هو من أبلغ أدوية الكرب، والهم، والغم، ~~وأبلغ الوسائل إلى الله - سبحانه - في قضاء الحوائج، فإن التوحيد والتنزيه ~~يتضمنان إثبات كل كمال الله، وسلب كل نقص وعيب وتمثيل عنه. والاعتراف ~~بالظلم # PageV04P190 # يتضمن إيمان العبد بالشرع والثواب والعقاب، ويوجب انكساره ورجوعه إلى ~~الله واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديته، وافتقاره إلى ربه، فهاهنا أربعة ~~أمور قد وقع التوسل بها: التوحيد، والتنزيه، والعبودية، والاعتراف. # وأما حديث أبي أمامة: ( «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن» ) فقد تضمن ~~الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهم والحزن ~~أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلع الدين وغلبة الرجال ~~أخوان، فإن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإما أن يكون سببه أمرا ~~ماضيا، فيوجب له الحزن، وإن كان ms1159 أمرا متوقعا في المستقبل أوجب الهم، وتخلف ~~العبد عن مصالحه وتفويتها عليه، إما أن يكون من عدم القدرة، وهو العجز، أو ~~من عدم الإرادة، وهو الكسل، وحبس خيره ونفعه عن نفسه، وعن بني جنسه، إما أن ~~يكون منع نفعه ببدنه فهو الجبن أو بماله، فهو البخل، وقهر الناس له، إما ~~بحق فهو ضلع الدين، أو بباطل فهو غلبة الرجال، فقد تضمن الحديث الاستعاذة ~~من كل شر، وأما تأثير الاستغفار في دفع الهم والغم والضيق فلما اشترك في ~~العلم به أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد توجب الهم، والغم، ~~والخوف، والحزن، وضيق الصدر، وأمراض القلب، حتى إن أهلها إذا قضوا منها ~~أوطارهم، وسئمتها نفوسهم ارتكبوها، دفعا لما يجدونه في صدورهم من الضيق ~~والهم والغم كما قال شيخ الفسوق: # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التوبة ~~والاستغفار. # PageV04P191 # وأما الصلاة، فشأنها في تفريح القلب وتقويته، وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر ~~شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله، وقربه والتنعم بذكره، والابتهاج ~~بمناجاته، والوقوف بين يديه، واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته، ~~وإعطاء كل عضو حظه منها، واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، ~~وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة ما ~~صارت به من أكبر الأدوية والمفرحات والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب ~~الصحيحة. وأما القلوب العليلة، فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية ~~الفاضلة. # فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد ~~الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء ~~عن الجسد، ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة ~~للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة ~~للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من ~~أوجاع البطن. # وقد روى ابن ماجه في " سننه " من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال: ( «رآني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا نائم أشكو من وجع ms1160 بطني فقال لي: " ~~يا أبا هريرة أشكمت درد؟ " قال: قلت: نعم يا رسول الله قال: " قم فصل فإن ~~في الصلاة شفاء» ) . # وقد روي هذا الحديث موقوفا على أبي هريرة، وأنه هو الذي قال ذلك لمجاهد، ~~وهو أشبه. ومعنى هذه اللفظة بالفارسي: أيوجعك بطنك؟ . # فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطباء بهذا العلاج، فيخاطب بصناعة الطب، ويقال ~~له الصلاة رياضة النفس والبدن جميعا، إذ كانت تشتمل على حركات وأوضاع ~~مختلفة: من الانتصاب، والركوع، والسجود، والتورك، والانتقالات، وغيرها، من ~~الأوضاع التي يتحرك معها أكثر المفاصل، وينغمز معها أكثر الأعضاء # PageV04P192 # الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء فما ينكر أن يكون في ~~هذه الحركات تقوية وتحليل للمواد ولا سيما بواسطة قوة النفس، وانشراحها في ~~الصلاة، فتقوى الطبيعة، فيندفع الألم، ولكن داء الزندقة والإعراض عما جاءت ~~به الرسل، والتعوض عنه بالإلحاد داء ليس له دواء، إلا نار تلظى لا يصلاها ~~إلا الأشقى الذي كذب وتولى. # وأما تأثير الجهاد في دفع الهم والغم فأمر معلوم بالوجدان، فإن النفس متى ~~تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتد همها، وغمها، وكربها، وخوفها، فإذا ~~جاهدته لله أبدل الله ذلك الهم والحزن فرحا ونشاطا وقوة كما قال تعالى: ~~{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ~~ويذهب غيظ قلوبهم} [التوبة: 14 - 15] [التوبة: 14، 15] فلا شيء أذهب لجوى ~~القلب وغمه وهمه وحزنه من الجهاد والله المستعان. # وأما تأثير " لا حول ولا قوة إلا بالله " في دفع هذا الداء فلما فيها من ~~كمال التفويض، والتبري من الحول والقوة، إلا به وتسليم الأمر كله له، وعدم ~~منازعته في شيء منه، وعموم ذلك لكل تحول من حال إلى حال في العالم العلوي، ~~والسفلي، والقوة على ذلك التحول، وأن ذلك كله بالله، وحده فلا يقوم لهذه ~~الكلمة شيء. وفي بعض الآثار إنه ما ينزل ملك من السماء، ولا يصعد إليها إلا ~~بلا حول ولا قوة إلا بالله، ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان والله ~~المستعان. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع ms1161 والأرق المانع من النوم] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الفزع والأرق المانع من النوم # روى الترمذي في " جامعه " عن بريدة قال: ( «شكى خالد إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ما أنام الليل من الأرق، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع ~~وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب # PageV04P193 # الشياطين وما أضلت كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد ~~منهم، أو يبغي علي عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك» ) . # وفيه أيضا: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يعلمهم من الفزع: ( «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، ~~وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون» ) قال: وكان عبد ~~الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه. ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ولا ~~يخفى مناسبة هذه العوذة لعلاج هذا الداء. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج داء الحريق وإطفائه] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج داء الحريق وإطفائه # يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه» ) لما كان الحريق ~~سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها، وكان فيه من الفساد العام، ما ~~يناسب الشيطان بمادته، وفعله كان للشيطان إعانة عليه، وتنفيذ له، وكانت ~~النار تطلب بطبعها العلو، والفساد، وهذان الأمران: وهما العلو في الأرض، ~~والفساد، هما هدي الشيطان وإليهما يدعو وبهما يهلك بني آدم، فالنار ~~والشيطان كل منهما يريد العلو في # PageV04P194 # الأرض والفساد، وكبرياء الرب - عز وجل - تقمع الشيطان وفعله. # ولهذا كان تكبير الله - عز وجل - له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياء ~~الله - عز وجل - لا يقوم لها شيء، فإذا كبر المسلم ربه، أثر تكبيره في خمود ~~النار وخمود الشيطان التي هي مادته، فيطفئ ms1162 الحريق، وقد جربنا نحن وغيرنا ~~هذا، فوجدناه كذلك، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ الصحة # لما كان اعتدال البدن وصحته وبقاؤه إنما هو بواسطة الرطوبة المقاومة ~~للحرارة، فالرطوبة مادته، والحرارة تنضجها وتدفع فضلاتها، وتصلحها وتلطفها، ~~وإلا أفسدت البدن ولم يمكن قيامه، وكذلك الرطوبة هي غذاء الحرارة، فلولا ~~الرطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته، فقوام كل واحدة منهما بصاحبتها، ~~وقوام البدن بهما جميعا، وكل منهما مادة للأخرى. # فالحرارة مادة للرطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة، والرطوبة ~~مادة للحرارة تغذوها وتحملها، ومتى مالت احداهما إلى الزيادة على الأخرى ~~حصل لمزاج البدن الانحراف بحسب ذلك، فالحرارة دائما تحلل الرطوبة، فيحتاج ~~البدن إلى ما به يخلف عليه ما حللته الحرارة - لضرورة بقائه - وهو الطعام ~~والشراب، ومتى زاد على مقدار التحلل، ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته، ~~فاستحالت مواد رديئة، فعاثت في البدن، وأفسدت، فحصلت الأمراض المتنوعة بحسب ~~تنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها، وهذا كله مستفاد من قوله تعالى: ~~{وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] [الأعراف: 31] ، فأرشد عباده إلى ~~إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه، وأن يكون بقدر ما ~~ينتفع به البدن في الكمية والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافا، وكلاهما ~~مانع من الصحة جالب للمرض، أعني عدم الأكل والشرب، أو الإسراف فيه. # PageV04P195 # فحفظ الصحة كله في هاتين الكلمتين الإلهيتين، ولا ريب أن البدن دائما في ~~التحلل والاستخلاف، وكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء مادتها، فإن كثرة ~~التحلل تفني الرطوبة، وهي مادة الحرارة، وإذا ضعفت الحرارة، ضعف الهضم، ولا ~~يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة، وتنطفئ الحرارة جملة، فيستكمل العبد الأجل ~~الذي كتب الله له أن يصل إليه. # فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة، ~~لا أنه يستلزم بقاء الحرارة والرطوبة اللتين بقاء الشباب والصحة والقوة ~~بهما، فإن هذا مما لم يحصل لبشر في هذه الدار، وإنما غاية الطبيب أن يحمي ~~الرطوبة عن مفسداتها ms1163 من العفونة وغيره، ويحمي الحرارة عن مضعفاتها، ويعدل ~~بينهما بالعدل في التدبير الذي به قام بدن الإنسان، كما أن به قامت ~~السماوات والأرض وسائر المخلوقات، إنما قوامها بالعدل، ومن تأمل هدي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به، فإن حفظها موقوف ~~على حسن تدبير المطعم والمشرب، والملبس والمسكن، والهواء والنوم، واليقظة ~~والحركة والسكون، والمنكح والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه ~~المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة، كان أقرب إلى دوام ~~الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل. # ولما كانت الصحة والعافية من أجل نعم الله على عبده، وأجزل عطاياه، وأوفر ~~منحه، بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق، فحقيق لمن رزق حظا من ~~التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها، وقد روى البخاري في " صحيحه ~~" من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «نعمتان ~~مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» ) . # وفي الترمذي وغيره من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري، قال: قال # PageV04P196 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «من أصبح معافى في جسده، آمنا في ~~سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» ) . # وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: ( «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم، أن يقال له: ألم ~~نصح لك جسمك، ونروك من الماء البارد» ) . # ومن هاهنا قال من قال من السلف في قوله تعالى: {ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم} [التكاثر: 8] [التكاثر: 8] ، قال: عن الصحة. # وفي " مسند الإمام أحمد " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس: ( ~~«يا عباس، يا عم رسول الله! سل الله العافية في الدنيا والآخرة» ) . # وفيه عن أبي بكر الصديق، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: ( «سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من ~~العافية» ) ، فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في ~~الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية ~~تدفع عنه ms1164 أمراض الدنيا في قلبه وبدنه. # وفي " سنن النسائي " من حديث أبي هريرة يرفعه: ( «سلوا الله العفو ~~والعافية # PageV04P197 # والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة» ) . وهذه الثلاثة ~~تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة ~~بالمعافاة، فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية. # وفي الترمذي مرفوعا: ( «ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية» ) . # وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن أبي الدرداء، قلت: يا رسول الله! لأن ~~أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: ( «ورسول الله يحب معك العافية» ) . # ويذكر عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له: ما أسأل الله بعد الصلوات الخمس؟ فقال: (" «سل الله العافية "، ~~فأعاد عليه، فقال له في الثالثة: سل الله العافية في الدنيا والآخرة» ) . # وإذا كان هذا شأن العافية والصحة، فنذكر من هديه - صلى الله عليه وسلم - ~~في مراعاة هذه الأمور ما يتبين لمن نظر فيه أنه أكمل هدي على الإطلاق ينال ~~به حفظ صحة البدن والقلب، وحياة الدنيا والآخرة، والله المستعان، وعليه ~~التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في المطعم والمشرب] # فصل # فأما المطعم والمشرب، فلم يكن من عادته - صلى الله عليه وسلم - حبس النفس ~~على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدا، ~~وقد يتعذر عليها أحيانا، فإن لم يتناول غيره، ضعف أو هلك، وإن تناول غيره، ~~لم تقبله الطبيعة، واستضر به، فقصرها على نوع واحد دائما - ولو أنه أفضل ~~الأغذية - خطر مضر. # PageV04P198 # بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز ~~والتمر، وغيره مما ذكرناه في هديه في المأكول، فعليك بمراجعته هناك. # وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل، كسرها وعدلها ~~بضدها إن أمكن، كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ، وإن لم يجد ذلك، تناوله على ~~حاجة وداعية من النفس من غير إسراف، فلا تتضرر به الطبيعة. ms1165 # وكان إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله، ولم يحملها إياه على كره، وهذا أصل ~~عظيم في حفظ الصحة، فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه، ولا يشتهيه، كان تضرره ~~به أكثر من انتفاعه. قال أبو هريرة: ( «ما عاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طعاما قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه ولم يأكل منه» ) ، ( «ولما قدم ~~إليه الضب المشوي لم يأكل منه، فقيل له: أهو حرام؟ قال: لا، ولكن لم يكن ~~بأرض قومي، فأجدني أعافه» ) ، فراعى عادته وشهوته، فلما لم يكن يعتاد أكله ~~بأرضه، وكانت نفسه لا تشتهيه، أمسك عنه، ولم يمنع من أكله من يشتهيه، ومن ~~عادته أكله. # وكان يحب اللحم، وأحبه إليه الذراع، ومقدم الشاة، ولذلك سم فيه، وفي " ~~الصحيحين ": ( «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلحم فرفع إليه ~~الذراع، وكانت تعجبه» ) . # وذكر أبو عبيدة وغيره عن ضباعة بنت الزبير، أنها ذبحت في بيتها شاة # PageV04P199 # فأرسل إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أطعمينا من شاتكم، ~~فقالت للرسول: ما بقي عندنا إلا الرقبة، وإني لأستحيي أن أرسل بها إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم، فرجع الرسول فأخبره، فقال: ( «ارجع إليها فقل ~~لها: أرسلي بها، فإنها هادية الشاة، وأقرب إلى الخير، وأبعدها من الأذى» ) ~~. # ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع، والعضد وهو أخف على ~~المعدة، وأسرع انهضاما، وفي هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاثة أوصاف. ~~أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثاني: خفتها على المعدة، وعدم ~~ثقلها عليها. الثالث: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتغذي ~~باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره. # وكان يحب الحلواء والعسل، وهذه الثلاثة - أعني: اللحم والعسل والحلواء - ~~من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن، والكبد والأعضاء، وللاغتذاء بها نفع عظيم ~~في حفظ الصحة والقوة، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة. # وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما، فتارة يأدمه باللحم ويقول: ( ~~«هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة» ) . رواه ابن ماجه وغيره. وتارة بالبطيخ، ms1166 ~~وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة شعير وقال: ( «هذا إدام هذه» ) ، وفي ~~هذا من تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب على أصح ~~القولين، فأدم # PageV04P200 # خبز الشعير به من أحسن التدبير، لا سيما لمن تلك عادتهم، كأهل المدينة، ~~وتارة بالخل، ويقول: ( «نعم الإدام الخل» ) ، وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى ~~الحال الحاضر، لا تفضيل له على غيره، كما يظن الجهال، وسبب الحديث أنه دخل ~~على أهله يوما، فقدموا له خبزا، فقال: (" «هل عندكم من إدام؟ " قالوا: ما ~~عندنا إلا خل، فقال: " نعم الإدام الخل» ") . # والمقصود: أن أكل الخبز مأدوما من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على ~~أحدهما وحده. وسمي الأدم أدما؛ لإصلاحه الخبز، وجعله ملائما لحفظ الصحة. ~~ومنه قوله في إباحته للخاطب النظر: ( «إنه أحرى أن يؤدم بينهما» ) ، أي ~~أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإن الزوج يدخل على بصيرة، فلا يندم. # وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها، وهذا أيضا من أكبر ~~أسباب حفظ الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلدة من الفاكهة ما ~~ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويغني عن ~~كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم ~~الناس جسما، وأبعدهم من الصحة والقوة. # وما في تلك الفاكهة من الرطوبات، فحرارة الفصل والأرض، وحرارة المعدة ~~تنضجها وتدفع شرها إذا لم يسرف في تناولها، ولم يحمل منها الطبيعة فوق ما ~~تحتمله، ولم يفسد بها الغذاء قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها، ~~وتناول الغذاء بعد التحلي منها، فإن القولنج كثيرا ما يحدث عند ذلك، فمن ~~أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، كانت له دواء ~~نافعا. # PageV04P201 ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في هيئة الجلوس للأكل] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في هيئة الجلوس للأكل # صح عنه أنه قال: (" «لا آكل متكئا "، وقال: " إنما أجلس كما يجلس العبد، ~~وآكل كما يأكل العبد» ") . # وروى ms1167 ابن ماجه في سننه " أنه ( «نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه» ) ~~. # وقد فسر الاتكاء بالتربع، وفسر بالاتكاء على الشيء، وهو الاعتماد عليه، ~~وفسر بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء، فنوع منها يضر ~~بالآكل، وهو الاتكاء على الجنب، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته، ~~ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة، ويضغط المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء، ~~وأيضا فإنها تميل ولا تبقى منتصبة، فلا يصل الغذاء إليها بسهولة. # PageV04P202 # وأما النوعان الآخران: فمن جلوس الجبابرة المنافي للعبودية، ولهذا قال: ( ~~«آكل كما يأكل العبد» ) ، ( «وكان يأكل وهو مقع» ) ، ويذكر عنه أنه كان ~~يجلس للأكل متوركا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى ~~تواضعا لربه عز وجل، وأدبا بين يديه، واحتراما للطعام وللمؤاكل، فهذه ~~الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها؛ لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي ~~الذي خلقها الله سبحانه عليه مع ما فيها من الهيئة الأدبية، وأجود ما اغتذى ~~الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطبيعي، ولا يكون كذلك إلا إذا كان ~~الإنسان منتصبا الانتصاب الطبيعي، وأردأ الجلسات للأكل الاتكاء على الجنب، ~~لما تقدم من أن المريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة، والمعدة لا ~~تبقى على وضعها الطبيعي، لأنها تنعصر مما يلي البطن بالأرض، ومما يلي الظهر ~~بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء، وآلات التنفس. # وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس، ~~فيكون المعنى أني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطية والوسائد، كفعل ~~الجبابرة، ومن يريد الإكثار من الطعام، لكني آكل بلغة كما يأكل العبد. ### | [فصل الأكل بالأصابع الثلاث] # فصل # وكان يأكل بأصابعه الثلاث، وهذا أنفع ما يكون من الأكلات، فإن الأكل ~~بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل، ولا يمريه، ولا يشبعه إلا بعد # PageV04P203 # طول، ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة، فتأخذها على ~~إغماض، كما يأخذ الرجل حقه حبة أو حبتين أو نحو ذلك، فلا يلتذ بأخذه، ولا ~~يسر به، والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على ms1168 آلاته، وعلى ~~المعدة، وربما انسدت الآلات فمات، وتغصب الآلات على دفعه، والمعدة على ~~احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله صلى الله عليه ~~وسلم، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث. ### | [فصل عدم الأكل أو الجمع بين بعض الأطعمة] # فصل # ومن تدبر أغذيته - صلى الله عليه وسلم، وما كان يأكله، وجده لم يجمع قط ~~بين لبن وسمك، ولا بين لبن وحامض، ولا بين غذاءين حارين، ولا باردين، ولا ~~لزجين، ولا قابضين، ولا مسهلين، ولا غليظين، ولا مرخيين، ولا مستحيلين إلى ~~خلط واحد، ولا بين مختلفين كقابض ومسهل، وسريع الهضم وبطيئه، ولا بين شوي ~~وطبيخ، ولا بين طري وقديد، ولا بين لبن وبيض، ولا بين لحم ولبن، ولم يكن ~~يأكل طعاما في وقت شدة حرارته، ولا طبيخا بائتا يسخن له بالغد، ولا شيئا من ~~الأطعمة العفنة والمالحة، كالكوامخ والمخللات، والملوحات، وكل هذه الأنواع ~~ضار مولد لأنواع من الخروج عن الصحة والاعتدال. # وكان يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض إذا وجد إليه سبيلا، فيكسر حرارة هذا ~~ببرودة هذا، ويبوسة هذا برطوبة هذا، كما فعل في القثاء والرطب، وكما كان ~~يأكل التمر بالسمن، وهو الحيس، ويشرب نقيع التمر يلطف به كيموسات الأغذية ~~الشديدة. # وكان يأمر بالعشاء، ولو بكف من تمر، ويقول: ( «ترك العشاء مهرمة» ) ذكره ~~الترمذي في " جامعه "، وابن ماجه في # PageV04P204 # " سننه ". # وذكر أبو نعيم عنه أنه ( «كان ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسي ~~القلب» ) ، ولهذا في وصايا الأطباء لمن أراد حفظ الصحة أن يمشي بعد العشاء ~~خطوات ولو مائة خطوة، ولا ينام عقبه، فإنه مضر جدا، وقال مسلموهم: أو يصلي ~~عقيبه ليستقر الغذاء بقعر المعدة، فيسهل هضمه، ويجود بذلك. # ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسده، ولا سيما إن كان الماء حارا ~~أو باردا، فإنه رديء جدا. قال الشاعر: # لا تكن عند أكل سخن وبرد ... ودخول الحمام تشرب ماء # فإذا ما اجتنبت ذلك حقا ... لم تخف ما حييت في الجوف داء # ويكره شرب الماء عقيب الرياضة، والتعب، ms1169 وعقيب الجماع، وعقيب الطعام ~~وقبله، وعقيب أكل الفاكهة، وإن كان الشرب عقيب بعضها أسهل من بعض، وعقب ~~الحمام، وعند الانتباه من النوم، فهذا كله مناف لحفظ الصحة، ولا اعتبار ~~بالعوائد، فإنها طبائع ثوان. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الشراب] # فصل # وأما هديه في الشراب، فمن أكمل هدي يحفظ به الصحة، فإنه كان يشرب العسل ~~الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا ~~أفاضل الأطباء، فإن شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ~~ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، # PageV04P205 # ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها، ويفعل مثل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، ~~وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها، وإنما يضر بالعرض لصاحب الصفراء لحدته ~~وحدة الصفراء، فربما هيجها، ودفع مضرته لهم بالخل، فيعود حينئذ لهم نافعا ~~جدا، وشربه أنفع من كثير من الأشربة المتخذة من السكر أو أكثرها، ولا سيما ~~لمن لم يعتد هذه الأشربة، ولا ألفها طبعه، فإنه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة ~~العسل، ولا قريبا منه، والمحكم في ذلك العادة، فإنها تهدم أصولا، وتبني ~~أصولا. # وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة، فمن أنفع شيء للبدن، ومن ~~أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له، ~~واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفان، حصلت به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى ~~الأعضاء، وإيصاله إليها أتم تنفيذ. # والماء البارد رطب يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته الأصلية، ويرد ~~عليه بدل ما تحلل منها، ويرقق الغذاء وينفذه في العروق. # واختلف الأطباء هل يغذي البدن؟ على قولين: فأثبتت طائفة التغذية به بناء ~~على ما يشاهدونه من النمو والزيادة والقوة في البدن به، ولا سيما عند شدة ~~الحاجة إليه. # قالوا: وبين الحيوان والنبات قدر مشترك من وجوه عديدة منها: النمو ~~والاغتذاء والاعتدال، وفي النبات قوة حس تناسبه، ولهذا كان غذاء النبات ~~بالماء، فما ينكر أن يكون للحيوان به نوع غذاء، وأن يكون جزءا من غذائه ~~التام. # قالوا: ونحن لا ننكر أن قوة الغذاء ومعظمه في الطعام، وإنما ms1170 أنكرنا أن لا ~~يكون للماء تغذية البتة. قالوا: وأيضا الطعام إنما يغذي بما فيه من ~~المائية، ولولاها لما حصلت به التغذية. # PageV04P206 # قالوا: ولأن الماء مادة حياة الحيوان والنبات، ولا ريب أن ما كان أقرب ~~إلى مادة الشيء، حصلت به التغذية، فكيف إذا كانت مادته الأصلية، قال الله ~~تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30] [الأنبياء: 30] ، فكيف ~~ننكر حصول التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق؟ . # قالوا: وقد رأينا العطشان إذا حصل له الري بالماء البارد، تراجعت إليه ~~قواه ونشاطه وحركته، وصبر عن الطعام، وانتفع بالقدر اليسير منه، ورأينا ~~العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير من الطعام، ولا يجد به القوة والاغتذاء، ~~ونحن لا ننكر أن الماء ينفذ الغذاء إلى أجزاء البدن، وإلى جميع الأعضاء، ~~وأنه لا يتم أمر الغذاء إلا به، وإنما ننكر على من سلب قوة التغذية عنه ~~البتة، ويكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانية. # وأنكرت طائفة أخرى حصول التغذية به، واحتجت بأمور يرجع حاصلها إلى عدم ~~الاكتفاء به، وأنه لا يقوم مقام الطعام، وأنه لا يزيد في نمو الأعضاء، ولا ~~يخلف عليها بدل ما حللته الحرارة، ونحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية، ~~فإنهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره، ولطافته ورقته، وتغذية كل شيء بحسبه، وقد ~~شوهد الهواء الرطب البارد اللين اللذيذ يغذي بحسبه، والرائحة الطيبة تغذي ~~نوعا من الغذاء، فتغدية الماء أظهر وأظهر. # والمقصود: أنه إذا كان باردا، وخالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب، أو ~~التمر أو السكر، كان من أنفع ما يدخل البدن، وحفظ عليه صحته، فلهذا كان أحب ~~الشراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارد الحلو. والماء الفاتر ~~ينفخ، ويفعل ضد هذه الأشياء. # ولما كان الماء البائت أنفع من الذي يشرب وقت استقائه، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم: وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التيهان: ( «هل من ماء بات ~~في # PageV04P207 # شنة؟ " فأتاه به فشرب منه» ) ، رواه البخاري، ولفظه: ( «إن كان عندك ماء ~~بات في شنة وإلا كرعنا» ) . # والماء البائت بمنزلة ms1171 العجين الخمير، والذي شرب لوقته بمنزلة الفطير، ~~وأيضا فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات، وقد ذكر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ( «كان يستعذب له الماء، ويختار البائت منه» ) . ~~وقالت عائشة: ( «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستقى له الماء ~~العذب من بئر السقيا» ) . # والماء الذي في القرب والشنان، ألذ من الذي يكون في آنية الفخار والأحجار ~~وغيرهما، ولا سيما أسقية الأدم، ولهذا التمس النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ماء بات في شنة دون غيرها من الأواني، وفي الماء إذا وضع في الشنان وقرب ~~الأدم خاصة لطيفة لما فيها من المسام المنفتحة التي يرشح منها الماء، ولهذا ~~كان الماء في الفخار الذي يرشح ألذ منه، وأبرد في الذي لا يرشح، فصلاة الله ~~وسلامه على أكمل الخلق، وأشرفهم نفسا، وأفضلهم هديا في كل شيء، لقد دل أمته ~~على أفضل الأمور وأنفعها لهم في القلوب والأبدان، والدنيا والآخرة. # قالت عائشة: «كان أحب الشراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~(الحلو البارد» ) . وهذا يحتمل أن يريد به الماء العذب، كمياه العيون ~~والآبار # PageV04P208 # الحلوة، فإنه كان يستعذب له الماء. ويحتمل أن يريد به الماء الممزوج ~~بالعسل، أو الذي نقع فيه التمر أو الزبيب. وقد يقال - وهو الأظهر -: يعمهما ~~جميعا. # وقوله في الحديث الصحيح: ( «إن كان عندك ماء بات في شن وإلا كرعنا» ) ، ~~فيه دليل على جواز الكرع، وهو الشرب بالفم من الحوض والمقراة ونحوها، وهذه ~~- والله أعلم - واقعة عين دعت الحاجة فيها إلى الكرع بالفم، أو قاله مبينا ~~لجوازه، فإن من الناس من يكرهه، والأطباء تكاد تحرمه، ويقولون: إنه يضر ~~بالمعدة، وقد روي في حديث لا أدري ما حاله عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهانا أن نشرب على بطوننا، وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد ~~الواحدة، وقال: ( «لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب، ولا يشرب بالليل من إناء ~~حتى يختبره إلا أن يكون مخمرا» ) . # وحديث البخاري أصح من هذا، وإن صح فلا تعارض بينهما، إذ لعل الشرب ms1172 باليد ~~لم يكن يمكن حينئذ، فقال: وإلا كرعنا، والشرب بالفم إنما يضر إذا انكب ~~الشارب على وجهه وبطنه، كالذي يشرب من النهر والغدير، فأما إذا شرب منتصبا ~~بفمه من حوض مرتفع ونحوه، فلا فرق بين أن يشرب بيده أو بفمه. ### | [فصل بيان الاختلاف في جواز الشرب قائما] # فصل # وكان من هديه الشرب قاعدا، هذا كان هديه المعتاد، وصح عنه أنه # PageV04P209 # نهى عن الشرب قائما، وصح عنه أنه أمر الذي شرب قائما أن يستقيء، وصح عنه ~~أنه شرب قائما. # قالت طائفة: هذا ناسخ للنهي، وقالت طائفة: بل مبين أن النهي ليس للتحريم، ~~بل للإرشاد وترك الأولى، وقالت طائفة: لا تعارض بينهما أصلا، فإنه إنما شرب ~~قائما للحاجة، فإنه جاء إلى زمزم، وهم يستقون منها، فاستقى فناولوه الدلو، ~~فشرب وهو قائم، وهذا كان موضع حاجة. # وللشرب قائما آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في ~~المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة وحدة إلى المعدة فيخشى منه ~~أن يبرد حرارتها، ويشوشها، ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكل ~~هذا يضر بالشارب، وأما إذا فعله نادرا أو لحاجة لم يضره، ولا يعترض ~~بالعوائد على هذا، فإن العوائد طبائع ثوان، ولها أحكام أخرى، وهي بمنزلة ~~الخارج عن القياس عند الفقهاء. ### | [فصل تنفسه صلى الله عليه وسلم في الشرب ثلاثا] # فصل # وفي " صحيح مسلم " من حديث أنس بن مالك، قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتنفس في الشراب ثلاثا، ويقول: (إنه أروى وأمرأ وأبرأ) » . # الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع: هو الماء، ومعنى تنفسه في الشراب: ~~إبانته القدح عن فيه، وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشراب، كما جاء مصرحا به ~~في الحديث الآخر: ( «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح، ولكن ليبن الإناء ~~عن فيه» ) . # PageV04P210 # وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على ~~مجامعها بقوله: ( «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» ) ، فأروى: أشد ريا وأبلغه ~~وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي ms1173 يبرئ من شدة العطش ودائه ~~لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن ~~تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة، ~~وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، ونهلة واحدة. # وأيضا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يقلع عنها، ولما تكسر ~~سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل ~~والتدريج. # وأيضا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة، ~~فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يضعفها ~~فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة، خصوصا في سكان ~~البلاد الحارة، كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، ~~فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن ~~أهلها، وفي تلك الأزمنة الحارة. # PageV04P211 # وقوله: " وأمرأ ": هو أفعل من مرئ الطعام والشراب في بدنه، إذا دخله، ~~وخالطه بسهولة ولذة ونفع. ومنه: {فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] [النساء: ~~4] هنيئا في عاقبته، مريئا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارا عن ~~المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهل على المريء ~~انحداره. # ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب ~~لكثرة الوارد عليه، فيغص به، فإذا تنفس رويدا ثم شرب أمن من ذلك. # ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي ~~كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا ~~شرب مرة واحدة اتفق نزول الماء البارد، وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ~~ومن ذلك يحدث الشرق والغصة، ولا يتهنأ الشارب بالماء، ولا يمرئه، ولا يتم ~~ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك، والبيهقي، وغيرهما عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم: ( «إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا، ولا يعب عبا، فإنه من ~~الكباد» ) . # والكباد - بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد، وقد علم بالتجربة أن ~~ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف ms1174 حرارتها، وسبب ذلك المضادة ~~التي بين حرارتها، وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته. ولو ورد ~~بالتدريج شيئا فشيئا، لم يضاد حرارتها، ولم يضعفها، وهذا مثاله صب الماء ~~البارد على القدر، وهي تفور لا يضرها صبه قليلا قليلا. وقد روى الترمذي في ~~" جامعه " عنه - صلى الله عليه وسلم: ( «لا تشربوا نفسا واحدا كشرب # PageV04P212 # البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم ~~فرغتم» ) . # وللتسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره تأثير عجيب في نفعه ~~واستمرائه، ودفع مضرته. # قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعا، فقد كمل إذا ذكر اسم الله في ~~أوله، وحمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حل. ### | [فصل تغطية الإناء وإيكاء السقاء] # فصل # وقد روى مسلم في " صحيحه ": من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في ~~السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه ~~وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء» ) . وهذا مما لا تناله علوم الأطباء ~~ومعارفهم، وقد عرفه من عرفه عقلاء الناس بالتجربة. قال الليث بن سعد أحد ~~رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في السنة في كانون الأول ~~منها. # وصح عنه أنه ( «أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا» ) . وفي عرض # PageV04P213 # العود عليه من الحكمة، أنه لا ينسى تخميره، بل يعتاده حتى بالعود، وفيه: ~~أنه ربما أراد الدبيب أن يسقط فيه فيمر على العود، فيكون العود جسرا له ~~يمنعه من السقوط فيه. # وصح عنه: أنه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم الله، فإن ذكر اسم الله عند ~~تخمير الإناء يطرد عنه الشيطان، وإيكاؤه يطرد عنه الهوام، ولذلك أمر بذكر ~~اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين. # وروى البخاري في " صحيحه " من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ( «نهى عن الشرب من في السقاء» ) . # وفي هذا آداب عديدة، منها: أن تردد ms1175 أنفاس الشارب فيه يكسبه زهومة ورائحة ~~كريهة يعاف لأجلها. # ومنها: أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء، فتضرر به. # ومنها: أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به، فيؤذيه. # ومنها: أن الماء ربما كان فيه قذاة أو غيرها لا يراها عند الشرب، فتلج ~~جوفه. # ومنها: أن الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء، فيضيق عن أخذ حظه من الماء، ~~أو يزاحمه، أو يؤذيه، ولغير ذلك من الحكم. # فإن قيل: فما تصنعون بما في " جامع الترمذي ": أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دعا بإداوة يوم أحد، فقال: ( «اخنث فم الإداوة» ) ، ثم شرب ~~منها من فيها؟ قلنا: # PageV04P214 # نكتفي فيه بقول الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بصحيح، وعبد الله بن عمر ~~العمري يضعف من قبل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى أو لا، انتهى. يريد عيسى بن ~~عبد الله الذي رواه عنه، عن رجل من الأنصار. ### | [فصل النهي عن الشرب من ثلمة القدح وبيان مفاسده] # فصل # وفي " سنن أبي داود " من حديث أبي سعيد الخدري، قال: ( «نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب» ) ، ~~وهذا من الآداب التي تتم بها مصلحة الشارب، فإن الشرب من ثلمة القدح فيه ~~عدة مفاسد: # أحدها: أن ما يكون على وجه الماء من قذى أو غيره يجتمع إلى الثلمة بخلاف ~~الجانب الصحيح. # الثاني: أنه ربما شوش على الشارب، ولم يتمكن من حسن الشرب من الثلمة. # الثالث: أن الوسخ والزهومة تجتمع في الثلمة، ولا يصل إليها الغسل، كما ~~يصل إلى الجانب الصحيح. # الرابع: أن الثلمة محل العيب في القدح، وهي أردأ مكان فيه، فينبغي تجنبه، ~~وقصد الجانب الصحيح، فإن الرديء من كل شيء لا خير فيه، ورأى بعض السلف رجلا ~~يشتري حاجة رديئة، فقال: لا تفعل أما علمت أن الله نزع البركة من كل رديء. # PageV04P215 # الخامس: أنه ربما كان في الثلمة شق أو تحديد يجرح فم الشارب، ولغير هذه ~~من المفاسد. # وأما النفخ في الشراب، فإنه يكسبه من فم النافخ ms1176 رائحة كريهة يعاف لأجلها، ~~ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تخالطه؛ ولهذا جمع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين النهي عن التنفس في الإناء والنفخ ~~فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ~~( «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه» ~~) . # فإن قيل: فما تصنعون بما في " الصحيحين " من حديث أنس، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ( «كان يتنفس في الإناء ثلاثا» ) ؟ قيل: نقابله ~~بالقبول والتسليم، ولا معارضة بينه وبين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في ~~شربه ثلاثا، وذكر الإناء لأنه آلة الشرب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: ( ~~«أن إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات في الثدي، أي في مدة ~~الرضاع» ) . ### | [فصل شرب اللبن خالصا ومشوبا بالماء ومنافعه] # فصل # وكان - صلى الله عليه وسلم - يشرب اللبن خالصا تارة، ومشوبا بالماء أخرى. ~~وفي شرب اللبن الحلو في تلك البلاد الحارة خالصا ومشوبا نفع عظيم في حفظ ~~الصحة، وترطيب البدن وري الكبد، ولا سيما اللبن الذي ترعى دوابه الشيح ~~والقيصوم والخزامى # PageV04P216 # وما أشبهها، فإن لبنها غذاء مع الأغذية، وشراب مع الأشربة، ودواء مع ~~الأدوية، وفي " جامع الترمذي " عنه - صلى الله عليه وسلم -: ( «إذا أكل ~~أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقي لبنا ~~فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب ~~إلا اللبن» ) . قال الترمذي هذا حديث حسن. ### | [فصل الانتباذ في الماء] # فصل # وثبت في " صحيح مسلم " أنه - صلى الله عليه وسلم - ( «كان ينبذ له أول ~~الليل، ويشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى، ~~والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم، أو أمر به فصب» ) . وهذا ~~النبيذ: هو ما يطرح فيه تمر يحليه، وهو يدخل في الغذاء والشراب، وله نفع ~~عظيم في زيادة القوة، وحفظ الصحة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفا من تغيره ms1177 ~~إلى الإسكار. ### | [فصل في تدبيره لأمر الملبس] # فصل # في تدبيره لأمر الملبس # وكان من أتم الهدي، وأنفعه للبدن، وأخفه عليه، وأيسره لبسا وخلعا، وكان ~~أكثر لبسه الأردية والأزر، وهي أخف على البدن من غيرها، وكان يلبس القميص، ~~بل كان أحب الثياب إليه. وكان هديه في لبسه لما يلبسه أنفع شيء للبدن، فإنه ~~لم يكن يطيل أكمامه ويوسعها، بل كانت كم قميصه إلى الرسغ لا # PageV04P217 # يجاوز اليد فتشق على لابسها، وتمنعه خفة الحركة والبطش، ولا تقصر عن هذه ~~فتبرز للحر والبرد، وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف الساقين لم يتجاوز ~~الكعبين، فيؤذي الماشي ويؤوده، ويجعله كالمقيد، ولم يقصر عن عضلة ساقيه، ~~فتنكشف ويتأذى بالحر والبرد، ولم تكن عمامته بالكبيرة التي تؤذي الرأس ~~حملها، ويضعفه ويجعله عرضة للضعف والآفات، كما يشاهد من حال أصحابها، ولا ~~بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطا بين ذلك، وكان ~~يدخلها تحت حنكه، وفي ذلك فوائد عديدة: فإنها تقي العنق الحر والبرد، وهو ~~أثبت لها، ولا سيما عند ركوب الخيل والإبل، والكر والفر، وكثير من الناس ~~اتخذ الكلاليب عوضا عن الحنك، ويا بعد ما بينهما في النفع والزينة، وأنت ~~إذا تأملت هذه اللبسة وجدتها من أنفع اللبسات وأبلغها في حفظ صحة البدن ~~وقوته، وأبعدها من التكلف والمشقة على البدن. # وكان يلبس الخفاف في السفر دائما، أو أغلب أحواله لحاجة الرجلين إلى ما ~~يقيهما من الحر والبرد، وفي الحضر أحيانا. # وكان أحب ألوان الثياب إليه البياض والحبرة، وهي البرود المحبرة، ولم يكن ~~من هديه لبس الأحمر، ولا الأسود، ولا المصبغ، ولا المصقول. وأما الحلة ~~الحمراء التي لبسها فهي الرداء اليماني الذي فيه سواد وحمرة وبياض، كالحلة ~~الخضراء، فقد لبس هذه وهذه، وقد تقدم تقرير ذلك، وتغليط من زعم أنه لبس ~~الأحمر القاني بما فيه كفاية. ### | [فصل في تدبيره لأمر المسكن] # فصل # في تدبيره لأمر المسكن # لما علم - صلى الله عليه وسلم - أنه على ظهر سير، وأن الدنيا مرحلة مسافر ~~ينزل فيها مدة عمره، ثم ms1178 ينتقل عنها إلى الآخرة، لم يكن من هديه وهدي ~~أصحابه، ومن تبعه # PageV04P218 # الاعتناء بالمساكن وتشييدها، وتعليتها وزخرفتها وتوسيعها، بل كانت من ~~أحسن منازل المسافر تقي الحر والبرد، وتستر عن العيون، وتمنع من ولوج ~~الدواب، ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها، ولا تعشش فيها الهوام لسعتها، ولا ~~تعتور عليها الأهوية والرياح المؤذية لارتفاعها، وليست تحت الأرض فتؤذي ~~ساكنها، ولا في غاية الارتفاع عليها، بل وسط، وتلك أعدل المساكن وأنفعها، ~~وأقلها حرا وبردا، ولا تضيق عن ساكنها فينحصر، ولا تفضل عنه بغير منفعة ولا ~~فائدة، فتأوي الهوام في خلوها، ولم يكن فيها كنف تؤذي ساكنها برائحتها، بل ~~رائحتها من أطيب الروائح؛ لأنه كان يحب الطيب، ولا يزال عنده، وريحه هو من ~~أطيب الرائحة، وعرقه من أطيب الطيب، ولم يكن في الدار كنيف تظهر رائحته، ~~ولا ريب أن هذه من أعدل المساكن وأنفعها وأوفقها للبدن، وحفظ صحته. ### | [فصل في تدبيره لأمر النوم واليقظة] # فصل # في تدبيره لأمر النوم واليقظة # من تدبر نومه ويقظته - صلى الله عليه وسلم - وجده أعدل نوم، وأنفعه للبدن ~~والأعضاء والقوى، فإنه كان ينام أول الليل، ويستيقظ في أول النصف الثاني، ~~فيقوم ويستاك، ويتوضأ ويصلي ما كتب الله له، فيأخذ البدن والأعضاء، والقوى ~~حظها من النوم والراحة، وحظها من الرياضة مع وفور الأجر، وهذا غاية صلاح ~~القلب والبدن، والدنيا والآخرة. # ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر ~~المحتاج إليه منه، وكان يفعله على أكمل الوجوه، فينام إذا دعته الحاجة إلى ~~النوم على شقه الأيمن، ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه، غير ممتلئ البدن من ~~الطعام والشراب، ولا مباشر بجنبه الأرض، ولا متخذ للفرش المرتفعة، بل له ~~ضجاع من أدم حشوه ليف، وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خده أحيانا. # PageV04P219 # ونحن نذكر فصلا في النوم والنافع منه والضار، فنقول: # النوم حالة للبدن يتبعها غور الحرارة الغريزية والقوى إلى باطن البدن ~~لطلب الراحة، وهو نوعان: طبيعي، وغير طبيعي. فالطبيعي إمساك القوى ~~النفسانية عن أفعالها، وهي قوى ms1179 الحس والحركة الإرادية، ومتى أمسكت هذه ~~القوى عن تحريك البدن استرخى، واجتمعت الرطوبات والأبخرة التي كانت تتحلل ~~وتتفرق بالحركات واليقظة في الدماغ الذي هو مبدأ هذه القوى فيتخدر ويسترخي، ~~وذلك النوم الطبيعي. # وأما النوم غير الطبيعي، فيكون لعرض أو مرض، وذلك بأن تستولي الرطوبات ~~على الدماغ استيلاء لا تقدر اليقظة على تفريقها، أو تصعد أبخرة رطبة كثيرة ~~كما يكون عقيب الامتلاء من الطعام والشراب، فتثقل الدماغ وترخيه، فيتخدر، ~~ويقع إمساك القوى النفسانية عن أفعالها، فيكون النوم. # وللنوم فائدتان جليلتان، إحداهما: سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من ~~التعب، فيريح الحواس من نصب اليقظة، ويزيل الإعياء والكلال. # والثانية: هضم الغذاء، ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم ~~تغور إلى باطن البدن، فتعين على ذلك، ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى ~~فضل دثار. # وأنفع النوم أن ينام على الشق الأيمن؛ ليستقر الطعام بهذه الهيئة في ~~المعدة استقرارا حسنا، فإن المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلا، ثم يتحول ~~إلى الشق الأيسر قليلا ليسرع الهضم بذلك لاستمالة المعدة على الكبد، ثم ~~يستقر نومه على الجانب الأيمن؛ ليكون الغذاء أسرع انحدارا عن المعدة، فيكون ~~النوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته، وكثرة النوم على الجانب ~~الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصب إليه المواد. # وأردأ النوم النوم على الظهر، ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير # PageV04P220 # نوم، وأردأ منه أن ينام منبطحا على وجهه، وفي " المسند "، و " سنن ابن ~~ماجه " عن أبي أمامة، قال: ( «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل ~~نائم في المسجد منبطح على وجهه، فضربه برجله، وقال: قم أو اقعد، فإنها نومة ~~جهنمية» ) # قال أبقراط في كتاب " التقدمة ": وأما نوم المريض على بطنه من غير أن ~~يكون عادته في صحته جرت بذلك، يدل على اختلاط عقل، وعلى ألم في نواحي ~~البطن، قال الشراح لكتابه: لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة رديئة من غير ~~سبب ظاهر ولا باطن. # والنوم المعتدل ممكن للقوى الطبيعية من أفعالها، مريح للقوة النفسانية، ~~مكثر من ms1180 جوهر حاملها، حتى إنه ربما عاد بإرخائه مانعا من تحلل الأرواح. # ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث ~~الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة، ~~وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر، ورأى عبد الله بن ~~عباس ابنا له نائما نومة الصبحة، فقال له: (قم، أتنام في الساعة التي تقسم ~~فيها الأرزاق) ؟ . # وقيل: نوم النهار ثلاثة: خلق، وحرق، وحمق. فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا ~~والآخرة. والحمق: نومة العصر. قال بعض السلف: من نام بعد # PageV04P221 # العصر فاختلس عقله، فلا يلومن إلا نفسه. وقال الشاعر: # ألا إن نومات الضحى تورث الفتى ... خبالا ونومات العصير جنون # ونوم الصبحة يمنع الرزق؛ لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت ~~قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدا بالبدن لإرخائه ~~البدن، وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسرا وعيا ~~وضعفا. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء فذلك الداء ~~العضال المولد لأنواع من الأدواء. # والنوم في الشمس يثير الداء الدفين، ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في ~~الظل رديء، وقد روى أبو داود في " سننه " من حديث أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: ( «إذا كان أحدكم في الشمس فقلص عنه الظل، فصار ~~بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " وغيره من حديث بريدة بن الحصيب، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ( «نهى أن يقعد الرجل بين الظل والشمس» ) ، وهذا تنبيه ~~على منع النوم بينهما. # وفي " الصحيحين " عن البراء بن عازب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: ( «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم ~~قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت # PageV04P222 # ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت ms1181 بكتابك ~~الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، واجعلهن آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت على ~~الفطرة» ) . # وفي " صحيح البخاري " عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( ~~«كان إذا صلى ركعتي الفجر - يعني سنتها - اضطجع على شقه الأيمن» ) . # وقد قيل: إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن، أن لا يستغرق النائم في ~~نومه، لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن، طلب ~~القلب مستقره من الجانب الأيسر، وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في ~~نومه، بخلاف قراره في النوم على اليسار، فإنه مستقره فيحصل بذلك الدعة ~~التامة، فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل، فيفوته مصالح دينه ودنياه. # ولما كان النائم بمنزلة الميت، والنوم أخو الموت - ولهذا يستحيل على الحي ~~الذي لا يموت، وأهل الجنة لا ينامون فيها - كان النائم محتاجا إلى من يحرس ~~نفسه، ويحفظها مما يعرض لها من الآفات، ويحرس بدنه أيضا من طوارق الآفات، ~~وكان ربه وفاطره تعالى هو المتولي لذلك وحده. # علم النبي - صلى الله عليه وسلم - النائم أن يقول كلمات التفويض ~~والالتجاء، والرغبة والرهبة، ليستدعي بها كمال حفظ الله له، وحراسته لنفسه ~~وبدنه، وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمان، وينام عليه، ويجعل التكلم به ~~آخر كلامه، فإنه ربما توفاه الله في منامه، فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل ~~الجنة، فتضمن هذا الهدي في المنام مصالح القلب والبدن والروح في النوم ~~واليقظة، والدنيا والآخرة، فصلوات الله وسلامه على من نالت به أمته كل خير. # PageV04P223 # وقوله: ( «أسلمت نفسي إليك» ) ، أي: جعلتها مسلمة لك تسليم العبد المملوك ~~نفسه إلى سيده ومالكه. وتوجيه وجهه إليه يتضمن إقباله بالكلية على ربه، ~~وإخلاص القصد والإرادة له، وإقراره بالخضوع والذل والانقياد، قال تعالى: ~~{فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} [آل عمران: 20] [سورة آل عمران ~~الآية: 20] . # وذكر الوجه إذ هو أشرف ما في الإنسان، ومجمع الحواس، وأيضا ففيه معنى ~~التوجه والقصد من قوله: # أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل # وتفويض الأمر إليه رده ms1182 إلى الله سبحانه، وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته، ~~والرضى بما يقضيه ويختاره له مما يحبه ويرضاه، والتفويض من أشرف مقامات ~~العبودية، ولا علة فيه، وهو من مقامات الخاصة خلافا لزاعمي خلاف ذلك. # وإلجاء الظهر إليه سبحانه يتضمن قوة الاعتماد عليه، والثقة به والسكون ~~إليه، والتوكل عليه، فإن من أسند ظهره إلى ركن وثيق لم يخف السقوط. # ولما كان للقلب قوتان: قوة الطلب، وهي الرغبة، وقوة الهرب، وهي الرهبة، ~~وكان العبد طالبا لمصالحه، هاربا من مضاره، جمع الأمرين في هذا التفويض ~~والتوجه، فقال: رغبة ورهبة إليك، ثم أثنى على ربه، بأنه لا ملجأ للعبد ~~سواه، ولا منجا له منه غيره، فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجيه من نفسه، كما ~~في الحديث الآخر: ( «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك ~~منك» ) ، فهو سبحانه الذي يعيذ عبده وينجيه من بأسه الذي هو بمشيئته ~~وقدرته، # PageV04P224 # فمنه البلاء ومنه الإعانة، ومنه ما يطلب النجاة منه، وإليه الالتجاء في ~~النجاة، فهو الذي يلجأ إليه في أن ينجي مما منه، ويستعاذ به مما منه، فهو ~~رب كل شيء، ولا يكون شيء إلا بمشيئته: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو} [الأنعام: 17] [سورة الأنعام الآية: 17] {قل من ذا الذي يعصمكم من الله ~~إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة} [الأحزاب: 17] [سورة الأحزاب، الآية: ~~17] ، ثم ختم الدعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله الذي هو ملاك النجاة، ~~والفوز في الدنيا والآخرة، فهذا هديه في نومه. # لو لم يقل إني رسول لكا ... ن شاهد في هديه ينطق ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في اليقظة] # فصل # وأما هديه في يقظته، فكان يستيقظ إذا صاح الصارخ وهو الديك، فيحمد الله ~~تعالى ويكبره ويهلله ويدعوه، ثم يستاك، ثم يقوم إلى وضوئه، ثم يقف للصلاة ~~بين يدي ربه، مناجيا له بكلامه، مثنيا عليه راجيا له راغبا راهبا، فأي حفظ ~~لصحة القلب والبدن والروح والقوى ولنعيم الدنيا والآخرة فوق هذا. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الرياضة] # فصل # وأما تدبير ms1183 الحركة والسكون، وهو الرياضة، فنذكر منها فصلا يعلم منه ~~مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها، فنقول: # من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشراب، ولا يصير الغذاء ~~بجملته جزءا من البدن، بل لا بد أن يبقى منه عند كل هضم بقية ما، إذا كثرت ~~على ممر الزمان اجتمع منها شيء له كمية وكيفية، فيضر بكميته بأن يسد ويثقل ~~البدن، ويوجب أمراض الاحتباس، وإن استفرغ تأذى البدن بالأدوية، لأن أكثرها ~~سمية، ولا تخلو من إخراج الصالح المنتفع به، ويضر بكيفيته بأن يسخن بنفسه، ~~أو بالعفن، أو يبرد بنفسه، أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه. # وسدد الفضلات لا محالة ضارة تركت، أو استفرغت، والحركة أقوى # PageV04P225 # الأسباب في منع تولدها، فإنها تسخن الأعضاء، وتسيل فضلاتها، فلا تجتمع ~~على طول الزمان، وتعود البدن الخفة والنشاط، وتجعله قابلا للغذاء، وتصلب ~~المفاصل، وتقوي الأوتار والرباطات، وتؤمن جميع الأمراض المادية وأكثر ~~الأمراض المزاجية إذا استعمل القدر المعتدل منها في وقته، وكان باقي ~~التدبير صوابا. # ووقت الرياضة بعد انحدار الغذاء، وكمال الهضم، والرياضة المعتدلة هي التي ~~تحمر فيها البشرة، وتربو ويتندى بها البدن، وأما التي يلزمها سيلان العرق ~~فمفرطة، وأي عضو كثرت رياضته قوي، وخصوصا على نوع تلك الرياضة، بل كل قوة ~~فهذا شأنها، فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت ~~قوته المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه، فللصدر القراءة، فليبتدئ فيها من ~~الخفية إلى الجهر بتدريج، ورياضة السمع بسمع الأصوات والكلام بالتدريج، ~~فينتقل من الأخف إلى الأثقل، وكذلك رياضة اللسان في الكلام، وكذلك رياضة ~~البصر، وكذلك رياضة المشي بالتدريج شيئا فشيئا. # وأما ركوب الخيل ورمي النشاب، والصراع، والمسابقة على الأقدام، فرياضة ~~للبدن كله، وهي قالعة لأمراض مزمنة، كالجذام والاستسقاء، والقولنج. # ورياضة النفوس بالتعلم والتأدب، والفرح والسرور، والصبر والثبات، ~~والإقدام والسماحة، وفعل الخير، ونحو ذلك مما ترتاض به النفوس، ومن أعظم ~~رياضتها: الصبر والحب، والشجاعة والإحسان، فلا تزال ترتاض بذلك شيئا فشيئا ~~حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة، وملكات ثابتة. ms1184 # وأنت إذا تأملت هديه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وجدته أكمل هدي حافظ ~~للصحة والقوى، ونافع في المعاش والمعاد. # ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن، وإذابة أخلاطه وفضلاته ~~ما هو من أنفع شيء له سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان، وسعادة # PageV04P226 # الدنيا والآخرة، وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع ~~الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، كما ~~في " الصحيحين " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «يعقد الشيطان ~~على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل، ~~فارقد، فإن هو استيقظ، فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة ثانية، ~~فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس ~~كسلان» ) . # وفي الصوم الشرعي من أسباب حفظ الصحة ورياضة البدن والنفس ما لا يدفعه ~~صحيح الفطرة. # وأما الجهاد وما فيه من الحركات الكلية التي هي من أعظم أسباب القوة، ~~وحفظ الصحة، وصلابة القلب والبدن، ودفع فضلاتهما، وزوال الهم والغم والحزن، ~~فأمر إنما يعرفه من له منه نصيب. # وكذلك الحج وفعل المناسك، وكذلك المسابقة على الخيل وبالنصال، والمشي في ~~الحوائج، وإلى الإخوان، وقضاء حقوقهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، ~~والمشي إلى المساجد للجمعات والجماعات، وحركة الوضوء، والاغتسال، وغير ذلك. # وهذا أقل ما فيه الرياضة المعينة على حفظ الصحة، ودفع الفضلات، وأما ما ~~شرع له من التوصل به إلى خيرات الدنيا والآخرة، ودفع شرورهما، فأمر وراء ~~ذلك. # فعلمت أن هديه فوق كل هدي في طب الأبدان والقلوب، وحفظ صحتها، ودفع ~~أسقامهما، ولا مزيد على ذلك لمن قد أحضر رشده، وبالله التوفيق. # PageV04P227 ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع] # فصل # وأما الجماع والباه، فكان هديه فيه أكمل هدي، يحفظ به الصحة، وتتم به ~~اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها، فإن الجماع وضع في ~~الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية: # أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى ms1185 أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها ~~إلى هذا العالم. # الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجملة البدن. # الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة، وهذه وحدها هي الفائدة ~~التي في الجنة، إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال. # وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة. قال جالينوس: ~~الغالب على جوهر المني النار والهواء، ومزاجه حار رطب؛ لأن كونه من الدم ~~الصافي الذي تغتذي به الأعضاء الأصلية، وإذا ثبت فضل المني، فاعلم أنه لا ~~ينبغي إخراجه إلا في طلب النسل، أو إخراج المحتقن منه، فإنه إذا دام ~~احتقانه أحدث أمراضا رديئة، منها: الوسواس، والجنون، والصرع، وغير ذلك، وقد ~~يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرا، فإنه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى ~~كيفية سمية توجب أمراضا رديئة كما ذكرنا، ولذلك تدفعه الطبيعة بالاحتلام ~~إذا كثر عندها من غير جماع. # وقال بعض السلف: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثا: أن لا يدع المشي، ~~فإن احتاج إليه يوما قدر عليه، وينبغي أن لا يدع الأكل، فإن أمعاءه تضيق، ~~وينبغي أن لا يدع الجماع، فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. وقال محمد بن ~~زكريا: من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه، وانسدت مجاريها، وتقلص ~~ذكره. قال: ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف، فبردت # PageV04P228 # أبدانهم، وعسرت حركاتهم، ووقعت عليهم كآبة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم، ~~انتهى. # ومن منافعه: غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ~~ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع المرأة، ولذلك كان - صلى ~~الله عليه وسلم - يتعاهده ويحبه، ويقول: ( «حبب إلي من دنياكم: النساء ~~والطيب» ) . # وفي كتاب " الزهد " للإمام أحمد في هذا الحديث زيادة لطيفة، وهي: ( «أصبر ~~عن الطعام والشراب، ولا أصبر عنهن» ) . # وحث على التزويج أمته، فقال: ( «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم» ) . # وقال ابن عباس: ( «خير هذه الأمة أكثرها نساء» ) . # وقال: ( «إني أتزوج النساء، وأنام وأقوم، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني» ) . # وقال: ( «يا معشر الشباب ms1186 من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض # PageV04P229 # للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» ) . # ولما تزوج جابر ثيبا قال له: ( «هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك» ) . # وروى ابن ماجه في " سننه ": من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم: ( «من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا، فليتزوج ~~الحرائر» ) . # وفي " سننه " أيضا من حديث ابن عباس يرفعه، قال: ( «لم نر للمتحابين مثل ~~النكاح» ) . # وفي " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم: ( «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» ) . # وكان - صلى الله عليه وسلم - يحرض أمته على نكاح الأبكار الحسان، وذوات ~~الدين، وفي " سنن النسائي " عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أي النساء خير؟ # PageV04P230 # قال: (التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها ~~وماله» ) . # وفي " الصحيحين " عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «تنكح ~~المرأة لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» ) ~~. # وكان يحث على نكاح الولود، ويكره المرأة التي لا تلد، كما في " سنن أبي ~~داود " عن معقل بن يسار، أن «رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: " لا ~~"، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: (تزوجوا الودود الولود، ~~فإني مكاثر بكم» ) . # وفي الترمذي عنه مرفوعا: ( «أربع من سنن المرسلين: النكاح، والسواك، ~~والتعطر، والحناء» ) ، روي في " الجامع " بالنون والياء، وسمعت أبا الحجاج ~~الحافظ يقول: الصواب أنه الختان، وسقطت النون من الحاشية، وكذلك رواه ~~المحاملي عن شيخ أبي عيسى الترمذي. # ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المرأة، وتقبيلها، ومص # PageV04P231 # لسانها، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلاعب أهله ويقبلها. # وروى أبو داود في " سننه " أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان يقبل عائشة، ~~ويمص لسانها» . # ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1187 - ~~عن المواقعة قبل الملاعبة» . # وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما جامع نساءه كلهن بغسل واحد، وربما ~~اغتسل عند كل واحدة منهن، فروى مسلم في " صحيحه " عن أنس، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ( «كان يطوف على نسائه بغسل واحد» ) . # وروى أبو داود في " سننه " عن أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «طاف على نسائه في ليلة، ~~فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا، فقلت: يا رسول الله! لو اغتسلت غسلا واحدا، ~~فقال: (هذا أزكى وأطهر وأطيب» ) . # وشرع للمجامع إذا أراد العود قبل الغسل الوضوء بين الجماعين، كما روى ~~مسلم في " صحيحه " من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم: ( «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ» ) . # وفي الغسل والوضوء بعد الوطء من النشاط، وطيب النفس، وإخلاف بعض ما تحلل ~~بالجماع، وكمال الطهر والنظافة، واجتماع الحار الغريزي إلى # PageV04P232 # داخل البدن بعد انتشاره بالجماع، وحصول النظافة التي يحبها الله، ويبغض ~~خلافها ما هو من أحسن التدبير في الجماع، وحفظ الصحة والقوى فيه. ### | [فصل وقت الجماع] # فصل # وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهضم، وعند اعتدال البدن في حره وبرده، ~~ويبوسته ورطوبته، وخلائه وامتلائه. وضرره عند امتلاء البدن أسهل وأقل من ~~ضرره عند خلوه، وكذلك ضرره عند كثرة الرطوبة أقل منه عند اليبوسة، وعند ~~حرارته أقل منه عند برودته، وإنما ينبغي أن يجامع إذا اشتدت الشهوة، وحصل ~~الانتشار التام الذي ليس عن تكلف ولا فكر في صورة، ولا نظر متتابع، ولا ~~ينبغي أن يستدعي شهوة الجماع ويتكلفها، ويحمل نفسه عليها، وليبادر إليه إذا ~~هاجت به كثرة المني، واشتد شبقه. # وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا يوطأ مثلها، والتي لا شهوة لها، ~~والمريضة، والقبيحة المنظر، والبغيضة، فوطء هؤلاء يوهن القوى، ويضعف الجماع ~~بالخاصية. # وغلط من قال من الأطباء: إن جماع الثيب أنفع من جماع البكر وأحفظ للصحة، ~~وهذا من القياس الفاسد، حتى ربما حذر منه بعضهم، وهو مخالف لما ms1188 عليه عقلاء ~~الناس، ولما اتفقت عليه الطبيعة والشريعة. # وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلق بينها وبين مجامعها، وامتلاء ~~قلبها من محبته، وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره، ما ليس للثيب. وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لجابر: ( «هلا تزوجت بكرا» ) ، وقد جعل الله ~~سبحانه من كمال نساء أهل الجنة من الحور العين، أنهن لم يطمثهن أحد قبل من ~~جعلن له من أهل الجنة. وقالت عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو ~~مررت بشجرة قد أرتع فيها، وشجرة لم يرتع فيها، ففي أيهما كنت ترتع بعيرك؟ ~~قال: (في التي لم يرتع فيها» ) . # PageV04P233 # تريد أنه لم يأخذ بكرا غيرها. # وجماع المرأة المحبوبة في النفس يقل إضعافه للبدن مع كثرة استفراغه ~~للمني، وجماع البغيضة يحل البدن، ويوهن القوى مع قلة استفراغه، وجماع ~~الحائض حرام طبعا وشرعا، فإنه مضر جدا، والأطباء قاطبة تحذر منه. ### | [أشكال الجماع] # وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرجل المرأة، مستفرشا لها بعد الملاعبة ~~والقبلة، وبهذا سميت المرأة فراشا، كما قال - صلى الله عليه وسلم: ( «الولد ~~للفراش» ) ، وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة، كما قال تعالى: {الرجال ~~قوامون على النساء} [النساء: 34] [النساء: 34] ، وكما قيل # إذا رمتها كانت فراشا يقلني ... وعند فراغي خادم يتملق # وقد قال تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187] [البقرة: ~~187] ، وأكمل اللباس وأسبغه على هذه الحال، فإن فراش الرجل لباس له، وكذلك ~~لحاف المرأة لباس لها، فهذا الشكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية، وبه يحسن ~~موقع استعارة اللباس من كل من الزوجين للآخر. وفيه وجه آخر، وهو أنها تنعطف ~~عليه أحيانا، فتكون عليه كاللباس، قال الشاعر: # إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنت فكانت عليه لباسا # وأردأ أشكاله أن تعلوه المرأة، ويجامعها على ظهره، وهو خلاف الشكل ~~الطبيعي الذي طبع الله عليه الرجل والمرأة، بل نوع الذكر والأنثى، وفيه من ~~المفاسد أن المني يتعسر خروجه كله، فربما بقي في العضو منه فيتعفن ويفسد، ~~فيضر، وأيضا: فربما سال إلى الذكر رطوبات من الفرج، وأيضا فإن ms1189 الرحم لا # PageV04P234 # يتمكن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه، وانضمامه عليه لتخليق الولد، ~~وأيضا: فإن المرأة مفعول بها طبعا وشرعا، وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى ~~الطبع والشرع. وكان أهل الكتاب إنما يأتون النساء على جنوبهن على حرف، ~~ويقولون: هو أيسر للمرأة. # وكانت قريش والأنصار تشرح النساء على أقفائهن، فعابت اليهود عليهم ذلك، ~~فأنزل الله عز وجل: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ~~[البقرة: 223] . # وفي " الصحيحين " عن جابر، قال: ( «كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل ~~امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول» ) ، فأنزل الله عز وجل: {نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ، وفي لفظ لمسلم: ( «إن شاء ~~مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد» ) . # والمجبية: المنكبة على وجهها، والصمام الواحد: الفرج، وهو موضع الحرث ~~والولد. ### | [تحريم الدبر] # وأما الدبر: فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف ~~إباحة وطء الزوجة في دبرها، فقد غلط عليه، وفي " سنن أبي داود " عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «ملعون من أتى المرأة في ~~دبرها» ) . # PageV04P235 # وفي لفظ لأحمد وابن ماجه: ( «لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها» ~~) . # وفي لفظ للترمذي وأحمد: ( «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا، ~~فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم» ) . # وفي لفظ للبيهقي: ( «من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر» ~~) . # وفي " مصنف وكيع ": حدثني زمعة بن صالح، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن عمرو ~~بن دينار، عن عبد الله بن يزيد، قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله لا يستحيي من الحق، ( «لا ~~تأتوا النساء في أعجازهن» ) ، وقال مرة: " «في أدبارهن» ". # وفي الترمذي: عن علي بن طلق، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( ~~«لا تأتوا النساء في أعجازهن، فإن الله لا يستحيي من الحق» ) . # وفي " الكامل " لابن عدي: ms1190 من حديثه عن المحاملي، عن سعيد بن يحيى # PageV04P236 # الأموي، قال: حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد ~~الله بن مسعود يرفعه: ( «لا تأتوا النساء في أعجازهن» ) . # وروينا في حديث الحسن بن علي الجوهري، عن أبي ذر مرفوعا: ( «من أتى ~~الرجال أو النساء في أدبارهن، فقد كفر» ) . # وروى إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ~~يرفعه: ( «استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء ~~في حشوشهن» ) . ورواه الدارقطني من هذه الطريق، ولفظه: ( «إن الله لا ~~يستحيي من الحق، لا يحل مأتاك النساء في حشوشهن» ) . # وقال البغوي: حدثنا هدبة، حدثنا همام، قال: سئل قتادة عن الذي يأتي ~~امرأته في دبرها؟ فقال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: ( «تلك اللوطية الصغرى» ) . # وقال أحمد في " مسنده ": حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا همام، أخبرنا عن ~~قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره. # PageV04P237 # وفي " المسند " أيضا: عن ابن عباس، أنزلت هذه الآية: {نساؤكم حرث لكم} ~~[البقرة: 223] في أناس من الأنصار، أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسألوه، فقال: ( «ائتها على كل حال إذا كان في الفرج» ) . # وفي " المسند " أيضا: عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هلكت، فقال: ( «وما الذي أهلكك؟ ~~"، قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يرد عليه شيئا، فأوحى الله إلى رسوله: ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] أقبل وأدبر، واتق ~~الحيضة والدبر» ) . # وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعا: ( «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو ~~امرأة في الدبر» ) . # وروينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دوما، عن البراء بن عازب ~~يرفعه: ( «كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة: القاتل، والساحر، والديوث، ~~وناكح المرأة في دبرها، ومانع الزكاة، ومن وجد سعة فمات ولم يحج، وشارب ~~الخمر، ms1191 والساعي في الفتن، وبائع السلاح من أهل الحرب، ومن نكح ذات محرم ~~منه» ) . # وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن ~~عقبة بن عامر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ملعون من يأتي ~~النساء في محاشهن» ) . # PageV04P238 # يعني: أدبارهن ". # وفي " مسند الحارث بن أبي أسامة " من حديث أبي هريرة وابن عباس، قالا: ~~خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفاته، وهي آخر خطبة خطبها ~~بالمدينة حتى لحق بالله عز وجل، وعظنا فيها وقال: " ( «من نكح امرأة في ~~دبرها أو رجلا أو صبيا، حشر يوم القيامة، وريحه أنتن من الجيفة يتأذى به ~~الناس حتى يدخل النار، وأحبط الله أجره، ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا، ويدخل ~~في تابوت من نار، ويشد عليه مسامير من نار» ) . قال أبو هريرة: هذا لمن لم ~~يتب. # وذكر أبو نعيم الأصبهاني، من حديث خزيمة بن ثابت يرفعه: ( «إن الله لا ~~يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن» ) . # وقال الشافعي: أخبرني عمي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله بن ~~علي بن السائب، عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح، عن خزيمة بن ثابت، أن رجلا سأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: ( «حلال "، ~~فلما ولى دعاه فقال: " كيف قلت في أي الخربتين، أو في أي الخرزتين، أو في ~~أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها؟ فنعم أم من دبرها في دبرها، فلا، إن الله ~~لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» ) . # قال الربيع: فقيل للشافعي: فما تقول؟ فقال: عمي ثقة، وعبد الله بن علي ~~ثقة، وقد أثنى على الأنصاري خيرا، يعني عمرو بن الجلاح، وخزيمة # PageV04P239 # ممن لا يشك في ثقته، فلست أرخص فيه، بل أنهى عنه. # قلت: ومن هاهنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، ~~فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في ~~الدبر، فاشتبه على السامع " من ms1192 " ب " في "، ولم يظن بينهما فرقا، فهذا الذي ~~أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه. # وقد قال تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] ، قال مجاهد: ~~سألت ابن عباس عن قوله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] ، ~~فقال: تأتيها من حيث أمرت أن تعتزلها يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة ~~عنه، يقول: في الفرج، ولا تعده إلى غيره. # وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه أباح ~~إتيانها في الحرث، وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى، وموضع ~~الحرث هو المراد من قوله: {من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] الآية، قال: ~~{فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ، وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد ~~من الآية أيضا، لأنه قال أنى شئتم، أي: من أين شئتم من أمام أو من خلف. قال ~~ابن عباس: {فأتوا حرثكم} [البقرة: 223] يعني: الفرج. # وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش ~~الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة ~~القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. # وأيضا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا ~~يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها. # وأيضا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم يخلق له، وإنما الذي هيئ له ~~الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا. # PageV04P240 # وأيضا: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة ~~وغيرهم؛ لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه، والوطء ~~في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته ~~للأمر الطبيعي. # وأيضا: يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته ~~للطبيعة. # وأيضا فإنه محل القذر والنجو، فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. # وأيضا: فإنه يضر بالمرأة جدا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع، منافر لها ~~غاية المنافرة. # وأيضا: فإنه يحدث الهم والغم، والنفرة عن الفاعل والمفعول. # وأيضا: فإنه ms1193 يسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة ~~تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة. # وأيضا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد، والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ~~ولا بد. # وأيضا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح، إلا ~~أن يشاء الله بالتوبة النصوح. # وأيضا: فإنه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدها، كما يذهب بالمودة ~~بينهما، ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. # وأيضا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم، وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة ~~والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه، فأي خير # PageV04P241 # يرجوه بعد هذا، وأي شر يأمنه، وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ~~ومقته، وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه. # وأيضا: فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها ~~القلب، استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. # وأيضا: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع ~~لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس ~~القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات، ويفسد ~~حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. # وأيضا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. # وأيضا: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. # وأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء، وازدراء الناس له، ~~واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس، فصلاة الله وسلامه على ~~من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة ~~في مخالفة هديه وما جاء به. ### | [فصل أنواع الجماع الضار] # فصل # والجماع الضار نوعان: ضار شرعا، وضار طبعا. فالضار شرعا: المحرم، وهو ~~مراتب بعضها أشد من بعض. والتحريم العارض منه أخف من اللازم، كتحريم ~~الإحرام، والصيام، والاعتكاف، وتحريم المظاهر منها قبل التكفير، وتحريم وطء ~~الحائض، ونحو ذلك، ولهذا لا حد في هذا الجماع. # PageV04P242 # وأما اللازم: فنوعان. نوع لا سبيل إلى حله البتة، كذوات المحارم، فهذا من ~~أضر الجماع، وهو يوجب القتل حدا عند ms1194 طائفة من العلماء، كأحمد بن حنبل رحمه ~~الله وغيره، وفيه حديث مرفوع ثابت. # والثاني: ما يمكن أن يكون حلالا، كالأجنبية، فإن كانت ذات زوج، ففي وطئها ~~حقان. حق لله، وحق للزوج. فإن كانت مكرهة، ففيه ثلاثة حقوق، وإن كان لها ~~أهل وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربعة حقوق، فإن كانت ذات محرم منه، ~~صار فيه خمسة حقوق. فمضرة هذا النوع بحسب درجاته في التحريم. # وأما الضار طبعا، فنوعان أيضا: نوع ضار بكيفيته كما تقدم، ونوع ضار ~~بكميته، كالإكثار منه، فإنه يسقط القوة، ويضر بالعصب، ويحدث الرعشة، ~~والفالج، والتشنج، ويضعف البصر وسائر القوى، ويطفئ الحرارة الغريزية # PageV04P243 # ويوسع المجاري ويجعلها مستعدة للفضلات المؤذية. # وأنفع أوقاته ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة، وفي زمان معتدل لا على ~~جوع، فإنه يضعف الحار الغريزي، ولا على شبع، فإنه يوجب أمراضا شديدة، ولا ~~على تعب، ولا إثر حمام، ولا استفراغ، ولا انفعال نفساني كالغم والهم والحزن ~~وشدة الفرح. # وأجود أوقاته بعد هزيع من الليل إذا صادف انهضام الطعام، ثم يغتسل أو ~~يتوضأ، وينام عليه، وينام عقبه، فتراجع إليه قواه، وليحذر الحركة والرياضة ~~عقبه، فإنها مضرة جدا. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج العشق # هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، ~~وإذا تمكن واستحكم، عز على الأطباء دواؤه، وأعيا العليل داؤه، وإنما حكاه ~~الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من الناس: من النساء، وعشاق الصبيان ~~المردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط، فقال تعالى ~~إخبارا عنهم لما جاءت الملائكة لوطا: {وجاء أهل المدينة يستبشرون - قال إن ~~هؤلاء ضيفي فلا تفضحون - واتقوا الله ولا تخزون - قالوا أولم ننهك عن ~~العالمين - قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين - لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون} [الحجر: 67 - 72] [الحجر: 68:73] . # وأما ما زعمه بعض من لم يقدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق قدره ~~أنه ابتلي به في ms1195 شأن زينب بنت جحش، وأنه رآها فقال: ( «سبحان مقلب القلوب» ~~) . وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: أمسكها حتى أنزل الله عليه: ~~{وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي ~~في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] # PageV04P244 # [الأحزاب: 37] ، فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق، وصنف بعضهم كتابا ~~في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة، وهذا من جهل هذا ~~القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى ما برأه الله منه، فإن زينب بنت جحش كانت تحت ~~زيد بن حارثة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تبناه، وكان يدعى ~~زيد بن محمد، وكانت زينب فيها شمم وترفع عليه، فشاور رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في طلاقها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {أمسك ~~عليك زوجك واتق الله} [الأحزاب: 37] ، وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها ~~زيد، وكان يخشى من قالة الناس أنه تزوج امرأة ابنه؛ لأن زيدا كان يدعى ~~ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له. # ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يعدد فيها نعمه عليه لا يعاتبه فيها، وأعلمه ~~أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له، وأن الله أحق أن يخشاه، ~~فلا يتحرج ما أحله له لأجل قول الناس، ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد ~~قضاء زيد وطره منها لتقتدي أمته به في ذلك، ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من ~~التبني، لا امرأة ابنه لصلبه، ولهذا قال في آية التحريم: {وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم} [النساء: 23] # PageV04P245 # [النساء: 23] . # وقال في هذه السورة: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] ~~[الأحزاب: 40] ، وقال في أولها: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم ~~بأفواهكم} [الأحزاب: 4] [الأحزاب: 4] ، فتأمل هذا الذب عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ودفع طعن الطاعنين عنه، وبالله التوفيق. # نعم كان ms1196 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب نساءه، وكان أحبهن إليه ~~عائشة - رضي الله عنها، ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية ~~الحب، بل صح أنه قال: ( «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا» ) وفي لفظ: ( «وإن صاحبكم خليل الرحمن» ) . ### | [فصل الإخلاص سبب لدفع العشق] # فصل # وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المعرضة ~~عنه المتعوضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، ~~دفع ذلك عنه مرض عشق الصور، ولهذا قال تعالى في حق يوسف {كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] [يوسف: 24] ، فدل على ~~أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ~~ونتيجته، فصرف المسبب صرف لسببه، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب ~~فارغ، يعني فارغا مما سوى معشوقه. # قال تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به} [القصص: 10] ~~[القصص: 11] أي فارغا من كل شيء إلا من موسى لفرط محبتها له، وتعلق قلبها ~~به. # PageV04P246 ### | [علة العشق] # والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه، فمتى انتفى ~~أحدهما انتفى العشق، وقد أعيت علة العشق على كثير من العقلاء، وتكلم فيها ~~بعضهم بكلام يرغب عن ذكره إلى الصواب. # فنقول: قد استقرت حكمة الله - عز وجل - في خلقه وأمره على وقوع التناسب ~~والتآلف بين الأشباه، وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه بالطبع، وهروبه من ~~مخالفه، ونفرته عنه بالطبع، فسر التمازج والاتصال في العالم العلوي ~~والسفلي، إنما هو التناسب والتشاكل، والتوافق، وسر التباين والانفصال إنما ~~هو بعدم التشاكل والتناسب، وعلى ذلك قام الخلق والأمر، فالمثل إلى مثله ~~مائل، وإليه صائر، والضد عن ضده هارب وعنه نافر، وقد قال تعالى: {هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] [الأعراف: ~~189] ، فجعل سبحانه علة سكون الرجل إلى امرأته كونها من جنسه وجوهره، فعلة ~~السكون المذكور - وهو الحب - كونها منه، فدل على أن العلة ليست ms1197 بحسن ~~الصورة، ولا الموافقة في القصد والإرادة، ولا في الخلق والهدي، وإن كانت ~~هذه أيضا من أسباب السكون والمحبة. # وقد ثبت في " الصحيح " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( ~~«الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» ) ، وفي ~~" مسند الإمام أحمد "، وغيره في سبب هذا الحديث: أن امرأة بمكة كانت تضحك ~~الناس، فجاءت إلى المدينة، فنزلت على امرأة تضحك الناس، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم: ( «الأرواح جنود مجندة» ) الحديث. # PageV04P247 # وقد استقرت شريعته سبحانه أن حكم الشيء حكم مثله، فلا تفرق شريعته بين ~~متماثلين أبدا، ولا تجمع بين متضادين، ومن ظن خلاف ذلك، فإما لقلة علمه ~~بالشريعة، وإما لتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف، وإما لنسبته إلى ~~شريعته ما لم ينزل به سلطانا، بل يكون من آراء الرجال، فبحكمته وعدله ظهر ~~خلقه وشرعه، وبالعدل والميزان قام الخلق والشرع، وهو التسوية بين ~~المتماثلين، والتفريق بين المختلفين. # وهذا كما أنه ثابت في الدنيا، فهو كذلك يوم القيامة. قال تعالى: {احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط ~~الجحيم} [الصافات: 22] [الصافات: 22] . # قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبعده الإمام أحمد رحمه الله: ( ~~«أزواجهم أشباههم ونظراؤهم» ) . # وقال تعالى: {وإذا النفوس زوجت} [التكوير: 7] [التكوير: 7] أي: قرن كل ~~صاحب عمل بشكله ونظيره، فقرن بين المتحابين في الله في الجنة، وقرن بين ~~المتحابين في طاعة الشيطان في الجحيم، فالمرء مع من أحب شاء أو أبى، وفي " ~~مستدرك الحاكم "، وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «لا يحب المرء ~~قوما إلا حشر معهم» ) . # PageV04P248 ### | [أنواع المحبة] # والمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله، وهي تستلزم ~~محبة ما أحب الله، وتستلزم محبة الله ورسوله. # ومنها محبة الاتفاق في طريقة، أو دين، أو مذهب، أو نحلة أو قرابة، أو ~~صناعة، أو مراد ما. # ومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب، إما من جاهه أو من ماله أو من تعليمه ~~وإرشاده، أو قضاء وطر منه، وهذه هي المحبة العرضية التي تزول ms1198 بزوال موجبها، ~~فإن من ودك لأمر، ولى عنك عند انقضائه. # وأما محبة المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب، فمحبة لازمة لا ~~تزول إلا لعارض يزيلها، ومحبة العشق من هذا النوع، فإنها استحسان روحاني، ~~وامتزاج نفساني، ولا يعرض في شيء من أنواع المحبة من الوسواس والنحول، وشغل ~~البال، والتلف ما يعرض من العشق. ### | [سبب كون العشق أحيانا من طرف واحد] # فإن قيل: فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتصال والتناسب الروحاني، فما ~~باله لا يكون دائما من الطرفين، بل تجده كثيرا من طرف العاشق وحده، فلو كان ~~سببه الاتصال النفسي والامتزاج الروحاني، لكانت المحبة مشتركة بينهما. # فالجواب: أن السبب قد يتخلف عنه مسببه لفوات شرط، أو لوجود مانع، وتخلف ~~المحبة من الجانب الآخر لا بد أن يكون لأحد ثلاثة أسباب: # الأول: علة في المحبة، وأنها محبة عرضية لا ذاتية، ولا يجب الاشتراك في ~~المحبة العرضية، بل قد يلزمها نفرة من المحبوب. # الثاني: مانع يقوم بالمحب يمنع محبة محبوبه له، إما في خلقه، أو في خلقه ~~أو هديه أو فعله، أو هيئته أو غير ذلك. # PageV04P249 # الثالث: مانع يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحب في محبته، ولولا ذلك ~~المانع، لقام به من المحبة لمحبه مثل ما قام بالآخر، فإذا انتفت هذه ~~الموانع، وكانت المحبة ذاتية، فلا يكون قط إلا من الجانبين، ولولا مانع ~~الكبر والحسد، والرياسة والمعاداة في الكفار، لكانت الرسل أحب إليهم من ~~أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ولما زال هذا المانع من قلوب أتباعهم، كانت ~~محبتهم لهم فوق محبة الأنفس والأهل والمال. ### | [فصل علاج العشق بالزواج بالمعشوق] # فصل # والمقصود: أن العشق لما كان مرضا من الأمراض، كان قابلا للعلاج، وله ~~أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعا وقدرا، فهو ~~علاجه، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «يا معشر الشباب من استطاع منكم ~~الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» ) . فدل المحب ~~على ms1199 علاجين: أصلي، وبدلي. وأمره بالأصلي، وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء، ~~فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلا. # وروى ابن ماجه في " سننه " عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: ( «لم نر للمتحابين مثل النكاح» ) ، وهذا هو ~~المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرهن وإمائهن عند ~~الحاجة بقوله: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] ~~[النساء: 28] . فذكر تخفيفه في هذا الموضع، وإخباره عن ضعف الإنسان يدل على ~~ضعفه عن احتمال هذه الشهوة، وأنه - سبحانه - خفف عنه أمرها بما أباحه له من ~~أطايب النساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء مما ملكت يمينه، ثم أباح ~~له أن يتزوج بالإماء إن احتاج # PageV04P250 # إلى ذلك علاجا لهذه الشهوة وتخفيفا عن هذا الخلق الضعيف ورحمة به. ### | [فصل من علاجه إشعار النفس اليأس منه إن كان الوصال متعذرا قدرا وشرعا] # فصل # وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدرا أو شرعا، أو هو ممتنع عليه ~~من الجهتين، وهو الداء العضال، فمن علاجه إشعار نفسه اليأس منه، فإن النفس ~~متى يئست من الشيء، استراحت منه، ولم تلتفت إليه، فإن لم يزل مرض العشق مع ~~اليأس، فقد انحرف الطبع انحرافا شديدا، فينتقل إلى علاج آخر، وهو علاج عقله ~~بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون، وصاحبه ~~بمنزلة من يعشق الشمس، وروحه متعلقة بالصعود إليها والدوران معها في فلكها، ~~وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة المجانين. ### | [إن كان الوصال متعذرا شرعا فعلاجه إنزاله منزلة المتعذر قدرا وذكر علاجات أخرى] # وإن كان الوصال متعذرا شرعا لا قدرا، فعلاجه بأن ينزله منزلة المتعذر ~~قدرا، إذ ما لم يأذن فيه الله، فعلاج العبد ونجاته موقوف على اجتنابه، ~~فليشعر نفسه أنه معدوم ممتنع لا سبيل له إليه، وأنه بمنزلة سائر المحالات، ~~فإن لم تجبه النفس الأمارة، فليتركه لأحد أمرين: إما خشية، وإما فوات محبوب ~~هو أحب إليه، وأنفع له، ms1200 وخير له منه، وأدوم لذة وسرورا، فإن العاقل متى ~~وازن بين نيل محبوب سريع الزوال بفوات محبوب أعظم منه، وأدوم، وأنفع وألذ، ~~أو بالعكس، ظهر له التفاوت، فلا تبع لذة الأبد التي لا خطر لها بلذة ساعة ~~تنقلب آلاما، وحقيقتها أنها أحلام نائم، أو خيال لا ثبات له، فتذهب اللذة، ~~وتبقى التبعة، وتزول الشهوة، وتبقى الشقوة. # الثاني: حصول مكروه أشق عليه من فوات هذا المحبوب، بل يجتمع له الأمران، ~~أعني: فوات ما هو أحب إليه من هذا المحبوب، وحصول ما هو أكره إليه من فوات ~~هذا المحبوب، فإذا تيقن أن في إعطاء النفس حظها من هذا المحبوب هذين ~~الأمرين، هان عليه تركه، ورأى أن صبره على فوته أسهل من صبره عليهما بكثير، ~~فعقله ودينه، ومروءته وإنسانيته، تأمره باحتمال الضرر # PageV04P251 # اليسير الذي ينقلب سريعا لذة وسرورا وفرحا لدفع هذين الضررين العظيمين. ~~وجهله وهواه، وظلمه وطيشه، وخفته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه ~~جالبا عليه ما جلب، والمعصوم من عصمه الله. # فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، ولم تطاوعه لهذه المعالجة، فلينظر ما تجلب ~~عليه هذه الشهوة من مفاسد عاجلته، وما تمنعه من مصالحها، فإنها أجلب شيء ~~لمفاسد الدنيا، وأعظم شيء تعطيلا لمصالحها، فإنها تحول بين العبد وبين رشده ~~الذي هو ملاك أمره، وقوام مصالحه. # فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، فليتذكر قبائح المحبوب، وما يدعوه إلى ~~النفرة عنه، فإنه إن طلبها وتأملها، وجدها أضعاف محاسنه التي تدعو إلى حبه، ~~وليسأل جيرانه عما خفي عليه منها، فإنها المحاسن، كما هي داعية الحب ~~والإرادة، فالمساوئ داعية البغض والنفرة، فليوازن بين الداعيين، وليحب ~~أسبقهما وأقربهما منها بابا، ولا يكن ممن غره لون جمال على جسم أبرص مجذوم، ~~وليجاوز بصره حسن الصورة إلى قبح الفعل، وليعبر من حسن المنظر والجسم إلى ~~قبح المخبر والقلب. # فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صدق اللجأ إلى من يجيب ~~المضطر إذا دعاه، وليطرح نفسه بين يديه على بابه مستغيثا به، متضرعا ~~متذللا، مستكينا، فمتى ms1201 وفق لذلك فقد قرع باب التوفيق، فليعف وليكتم، ولا ~~يشبب بذكر المحبوب، ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للأذى، فإنه يكون ظالما ~~معتديا. ### $ [بطلان حديث " من عشق فعف ... "] # ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه ~~سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم. ورواه عن أبي مسهر ~~أيضا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم، ~~ورواه الزبير بن بكار، عن عبد الملك بن عبد # PageV04P252 # العزيز بن الماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن ~~مجاهد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: ( «من عشق، فعف فمات، فهو شهيد» ) ، وفي رواية: ( «من عشق وكتم ~~وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة» ) . # فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن ~~يكون من كلامه، فإن الشهادة درجة عالية عند الله، مقرونة بدرجة الصديقية، ~~ولها أعمال وأحوال، هي شرط في حصولها، وهي نوعان: عامة وخاصة، فالخاصة: ~~الشهادة في سبيل الله. # والعامة خمس مذكورة في " الصحيح " ليس العشق واحدا منها. # PageV04P253 # وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبة، وفراغ القلب عن الله، وتمليك ~~القلب والروح، والحب لغيره تنال به درجة الشهادة، هذا من المحال، فإن إفساد ~~عشق الصور للقلب فوق كل إفساد، بل هو خمر الروح الذي يسكرها، ويصدها عن ذكر ~~الله وحبه، والتلذذ بمناجاته، والأنس به، ويوجب عبودية القلب لغيره، فإن ~~قلب العاشق متعبد لمعشوقه، بل العشق لب العبودية، فإنها كمال الذل والحب ~~والخضوع والتعظيم، فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل ~~الموحدين وساداتهم، وخواص الأولياء، فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس، كان ~~غلطا ووهما، ولا يحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظ العشق في ~~حديث صحيح البتة. # ثم إن العشق منه ms1202 حلال، ومنه حرام، فكيف يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه يحكم على كل عاشق يكتم ويعف بأنه شهيد، فترى من يعشق امرأة غيره، أو ~~يعشق المردان والبغايا، ينال بعشقه درجة الشهداء، وهل هذا إلا خلاف المعلوم ~~من دينه - صلى الله عليه وسلم - بالضرورة؟ كيف والعشق مرض من الأمراض التي ~~جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعا وقدرا، والتداوي منه إما واجب إن كان ~~عشقا حراما، وإما مستحب. # وأنت إذا تأملت الأمراض والآفات التي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لأصحابها بالشهادة، وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها، كالمطعون ~~والمبطون، والمجنوب والغريق، وموت المرأة يقتلها ولدها في بطنها، فإن هذه # PageV04P254 # بلايا من الله لا صنع للعبد فيها، ولا علاج لها، وليست أسبابها محرمة، ~~ولا يترتب عليها من فساد القلب وتعبده لغير الله ما يترتب على العشق، فإن ~~لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقلد أئمة الحديث العالمين به وبعلله، فإنه لا يحفظ عن إمام واحد منهم قط ~~أنه شهد له بصحة، بل ولا بحسن، كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث، ورموه ~~لأجله بالعظائم، واستحل بعضهم غزوه لأجله. # قال أبو أحمد بن عدي في " كامله ": هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد، ~~وكذلك قال البيهقي: إنه مما أنكر عليه وكذلك قال ابن طاهر في " الذخيرة " ~~وذكره الحاكم في " تاريخ نيسابور " وقال: أنا أتعجب من هذا الحديث، فإنه لم ~~يحدث به عن غير سويد، وهو ثقة، وذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتاب " ~~الموضوعات "، وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أولا عن سويد، فعوتب فيه، فأسقط ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يجاوز به ابن عباس رضي الله عنهما. # ومن المصائب التي لا تحتمل جعل هذا الحديث من حديث هشام بن عروة عن أبيه، ~~عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ومن له أدنى إلمام بالحديث وعلله، لا يحتمل هذا البتة، ولا يحتمل أن يكون ~~من حديث ms1203 الماجشون عن ابن أبي حازم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما مرفوعا، وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظر، وقد رمى الناس ~~سويد بن سعيد راوي هذا الحديث بالعظائم، وأنكره عليه يحيى بن معين وقال: هو ~~ساقط كذاب، لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه، وقال الإمام أحمد: متروك الحديث، ~~وقال النسائي: ليس بثقة وقال البخاري: كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه، ~~وقال ابن حبان: يأتي بالمعضلات عن الثقات يجب مجانبة ما روى. انتهى. # وأحسن ما قيل فيه قول أبي حاتم الرازي: إنه صدوق كثير التدليس، ثم قول ~~الدارقطني: هو ثقة غير أنه لما كبر كان ربما قرئ عليه حديث فيه بعض النكارة ~~فيجيزه انتهى. # وعيب على مسلم # PageV04P255 # إخراج حديثه، وهذه حاله، ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيره، ولم ~~ينفرد به، ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث، والله أعلم. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب # لما كانت الرائحة الطيبة غذاء الروح، والروح مطية القوى، والقوى تزداد ~~بالطيب، وهو ينفع الدماغ والقلب، وسائر الأعضاء الباطنية، ويفرح القلب، ~~ويسر النفس ويبسط الروح، وهو أصدق شيء للروح، وأشده ملاءمة لها، وبينه وبين ~~الروح الطيبة نسبة قريبة. # كان أحد المحبوبين من الدنيا إلى أطيب الطيبين صلوات الله عليه وسلامه. # وفي " صحيح البخاري " أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان لا يرد الطيب» ) # وفي " صحيح مسلم " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «من عرض عليه ريحان، فلا ~~يرده. فإنه طيب الريح، خفيف المحمل» ) . # وفي " سنن أبي داود " والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ( «من عرض عليه طيب، فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب ~~الرائحة» ) . # وفي " مسند البزار ": عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «إن الله ~~طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا ~~أفناءكم # PageV04P256 # وساحاتكم، ms1204 ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكب في دورهم» ) . الأكب: ~~الزبالة. # وذكر ابن أبي شيبة، أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان له سكة يتطيب منها» ) ~~. # وصح عنه أنه قال: ( «إن لله حقا على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، ~~وإن كان له طيب أن يمس منه» ) . # وفي الطيب من الخاصية، أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه، وأحب شيء ~~إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة، فالأرواح الطيبة تحب الرائحة ~~الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح تميل إلى ما ~~يناسبها، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، ~~والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناول الأعمال ~~والأقوال، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح، إما بعموم لفظه، أو بعموم ~~معناه. ### | [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحة العين] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ صحة العين # روى أبو داود في " سننه " عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة ~~الأنصاري، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر بالإثمد # PageV04P257 # المروح عند النوم وقال: (ليتقه الصائم) » قال أبو عبيد: المروح: المطيب ~~بالمسك. # وفي " سنن ابن ماجه " وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( «كانت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها ثلاثا في كل عين» ) . # وفي الترمذي: عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثا، يبتدئ بها، ويختم بها، وفي ~~اليسرى ثنتين» ) . # وقد روى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم: ( «من اكتحل فليوتر» ) . فهل ~~الوتر بالنسبة إلى العينين كلتيهما، فيكون في هذه ثلاث، وفي هذه ثنتان، ~~واليمنى أولى بالابتداء # PageV04P258 # والتفضيل، أو هو بالنسبة إلى كل عين، فيكون في هذه ثلاث، وفي هذه ثلاث، ~~وهما قولان في مذهب أحمد وغيره. # وفي الكحل حفظ لصحة العين، وتقوية للنور الباصر، وجلاء لها، وتلطيف ~~للمادة الرديئة، واستخراج لها مع الزينة في بعض أنواعه، وله عند النوم مزيد ~~فضل لاشتمالها على ms1205 الكحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها، وخدمة ~~الطبيعة لها، وللإثمد من ذلك خاصية. # وفي " سنن ابن ماجه " عن سالم عن أبيه يرفعه: ( «عليكم بالإثمد، فإنه ~~يجلو البصر، وينبت الشعر» ) . # وفي " كتاب أبي نعيم ": ( «فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة للبصر» ~~) . # وفي " سنن ابن ماجه " أيضا: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه: ( ~~«خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، وينبت الشعر» ) . # PageV04P259 ### | [فصل في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم] ### | [حرف الهمزة] # [إثمد] # فصل # في ذكر شيء من الأدوية والأغذية المفردة التي جاءت على لسانه صلى الله ~~عليه وسلم مرتبة على حروف المعجم حرف الهمزة ### | إثمد: # هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصبهان، وهو أفضله ويؤتى به من جهة ~~المغرب أيضا، وأجوده السريع التفتيت الذي لفتاته بصيص، وداخله أملس ليس فيه ~~شيء من الأوساخ. # ومزاجه بارد يابس ينفع العين ويقويها، ويشد أعصابها ويحفظ صحتها، ويذهب ~~اللحم الزائد في القروح ويدملها، وينقي أوساخها، ويجلوها، ويذهب الصداع إذا ~~اكتحل به مع العسل المائي الرقيق، وإذا دق وخلط ببعض الشحوم الطرية، ولطخ ~~على حرق النار، لم تعرض فيه خشكريشة، ونفع من التنفط الحادث بسببه، وهو ~~أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ، والذين قد ضعفت أبصارهم إذا جعل معه شيء ~~من المسك. ### | [أترج] # : ثبت في " الصحيح ": عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «مثل ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب» ) # في الأترج منافع كثيرة، وهو مركب من أربعة أشياء: قشر، ولحم، وحمض، وبزر، ~~ولكل واحد منها مزاج يخصه، فقشره حار يابس، ولحمه حار رطب، وحمضه بارد ~~يابس، وبزره حار يابس. # PageV04P260 # ومن منافع قشره: أنه إذا جعل في الثياب منع السوس، ورائحته تصلح فساد ~~الهواء والوباء، ويطيب النكهة إذا أمسكه في الفم، ويحلل الرياح، وإذا جعل ~~في الطعام كالأبازير، أعان على الهضم. # قال صاحب " القانون ": وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شربا، وقشره ~~ضمادا، وحراقة قشره طلاء جيد للبرص. ms1206 انتهى. # وأما لحمه: فملطف لحرارة المعدة، نافع لأصحاب المرة الصفراء، قامع ~~للبخارات الحارة. وقال الغافقي: أكل لحمه ينفع البواسير. انتهى. # وأما حمضه: فقابض كاسر للصفراء، ومسكن للخفقان الحار، نافع من اليرقان ~~شربا واكتحالا، قاطع للقيء الصفراوي، مشه للطعام، عاقل للطبيعة، نافع من ~~الإسهال الصفراوي، وعصارة حمضه يسكن غلمة النساء، وينفع طلاء من الكلف، ~~ويذهب بالقوباء، ويستدل على ذلك من فعله في الحبر إذا وقع في الثياب قلعه، ~~وله قوة تلطف، وتقطع، وتبرد، وتطفئ حرارة الكبد، وتقوي المعدة، وتمنع حدة ~~المرة الصفراء، وتزيل الغم العارض منها، وتسكن العطش. # وأما بزره: فله قوة محللة مجففة. وقال ابن ماسويه: خاصية حبه النفع من ~~السموم القاتلة إذا شرب منه وزن مثقال مقشرا بماء فاتر وطلاء مطبوخ. وإن دق ~~ووضع على موضع اللسعة، نفع، وهو ملين للطبيعة، مطيب للنكهة، وأكثر هذا ~~الفعل موجود في قشره، وقال غيره: خاصية حبه النفع من لسعات العقارب إذا شرب ~~منه وزن مثقالين مقشرا بماء فاتر، وكذلك إذا دق ووضع على موضع # PageV04P261 # اللدغة. وقال غيره: حبه يصلح للسموم كلها، وهو نافع من لدغ الهوام كلها. # وذكر أن بعض الأكاسرة غضب على قوم من الأطباء، فأمر بحبسهم، وخيرهم أدما ~~لا يزيد لهم عليه، فاختاروا الأترج، فقيل لهم: لم اخترتموه على غيره؟ ~~فقالوا: لأنه في العاجل ريحان، ومنظره مفرح، وقشره طيب الرائحة، ولحمه ~~فاكهة، وحمضه أدم، وحبه ترياق، وفيه دهن. # وحقيق بشيء هذه منافعه أن يشبه به خلاصة الوجود، وهو المؤمن الذي يقرأ ~~القرآن، وكان بعض السلف يحب النظر إليه لما في منظره من التفريح. ### | [أرز] # : فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحدهما: ~~أنه لو كان رجلا، لكان حليما) . # الثاني: «كل شيء أخرجته الأرض ففيه داء وشفاء إلا الأرز، فإنه شفاء لا ~~داء فيه» ) ذكرناهما تنبيها وتحذيرا من نسبتهما إليه صلى الله عليه وسلم. # وبعد فهو حار يابس، وهو أغذى الحبوب بعد الحنطة، وأحمدها خلطا، يشد البطن ~~شدا يسيرا، ويقوي المعدة، ويدبغها، ويمكث فيها. وأطباء الهند تزعم ms1207 أنه أحمد ~~الأغذية وأنفعها إذا طبخ بألبان البقر، وله تأثير في خصب البدن، وزيادة ~~المني، وكثرة التغذية، وتصفية اللون. ### | [أرز] # : بفتح الهمزة وسكون الراء: وهو الصنوبر، ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله: ( «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع، تفيئها الرياح، تقيمها مرة، ~~وتميلها أخرى، ومثل المنافق مثل الأرزة لا تزال قائمة على أصلها حتى يكون ~~انجعافها مرة واحدة» ) وحبه حار رطب، وفيه إنضاج وتليين، وتحليل ولذع يذهب ~~بنقعه في الماء، وهو عسر الهضم، وفيه تغذية كثيرة، وهو جيد للسعال، ولتنقية # PageV04P262 # رطوبات الرئة، ويزيد في المني، ويولد مغصا، وترياقه حب الرمان المز. ### | [إذخر] # : ثبت في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في مكة: ( «لا يختلى ~~خلاها، فقال له العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لقينهم ~~ولبيوتهم، فقال: " إلا الإذخر» ) . # والإذخر حار في الثانية، يابس في الأولى، لطيف مفتح للسدد وأفواه العروق، ~~يدر البول والطمث، ويفتت الحصى، ويحلل الأورام الصلبة في المعدة والكبد ~~والكليتين شربا وضمادا، وأصله يقوي عمود الأسنان والمعدة، ويسكن الغثيان، ~~ويعقل البطن. ### | [حرف الباء] ### | [بطيخ] # حرف الباء # بطيخ: روى أبو داود والترمذي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، «أنه كان ~~يأكل البطيخ بالرطب، يقول (نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا) » . # وفي البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا الحديث الواحد، والمراد ~~به الأخضر، وهو بارد رطب، وفيه جلاء، وهو أسرع انحدارا عن المعدة من القثاء ~~والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط كان صادفه في المعدة، وإذا كان ~~آكله محرورا انتفع به جدا، وإن كان مبرودا دفع ضرره بيسير من الزنجبيل ~~ونحوه، وينبغي أكله قبل الطعام، ويتبع به، وإلا غثى وقيأ، وقال بعض ~~الأطباء: # PageV04P263 # إنه قبل الطعام يغسل البطن غسلا، ويذهب بالداء أصلا. ### | [بلح] # : روى النسائي وابن ماجه في " سننهما ": من هشام بن عروة، عن أبيه، عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «كلوا ~~البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا نظر ms1208 إلى ابن آدم يأكل البلح بالتمر يقول: ~~بقي ابن آدم حتى أكل الحديث بالعتيق» ) . # وفي رواية: ( «كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان يحزن إذا رأى ابن آدم ~~يأكله يقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق» ) ، رواه البزار في " ~~مسنده " وهذا لفظه. # قلت: الباء في الحديث بمعنى: مع، أي: كلوا هذا مع هذا قال بعض أطباء ~~الإسلام: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكل البلح بالتمر، ولم يأمر ~~بأكل البسر مع التمر، لأن البلح بارد يابس، والتمر حار رطب، ففي كل منهما ~~إصلاح للآخر، وليس كذلك البسر مع التمر، فإن كل واحد منهما حار، وإن كانت ~~حرارة التمر أكثر، ولا ينبغي من جهة الطب الجمع بين حارين أو باردين، كما ~~تقدم. # وفي هذا الحديث: التنبيه على صحة أصل صناعة الطب ومراعاة التدبير الذي ~~يصلح في دفع كيفيات الأغذية والأدوية بعضها ببعض، ومراعاة القانون الطبي ~~الذي تحفظ به الصحة. # وفي البلح برودة ويبوسة، وهو ينفع الفم واللثة والمعدة، وهو رديء للصدر ~~والرئة بالخشونة التي فيه، بطيء في المعدة يسير التغذية، وهو للنخلة ~~كالحصرم لشجرة العنب، وهما جميعا يولدان رياحا، وقراقر، ونفخا، ولا سيما ~~إذا شرب عليهما الماء، ودفع مضرتهما بالتمر، أو بالعسل والزبد. ### | [بسر] # : ثبت في " الصحيح ": ( «أن أبا الهيثم بن التيهان، لما ضافه النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، جاءهم بعذق - وهو من النخلة ~~كالعنقود من # PageV04P264 # العنب - فقال له: " هلا انتقيت لنا من رطبه فقال: أحببت أن تنتقوا من ~~بسره ورطبه» ) . # البسر: حار يابس، ويبسه أكثر من حره، ينشف الرطوبة، ويدبغ المعدة، ويحبس ~~البطن، وينفع اللثة والفم، وأنفعه ما كان هشا وحلوا، وكثرة أكله وأكل البلح ~~يحدث السدد في الأحشاء. ### | [بيض] # : ذكر البيهقي في " شعب الإيمان " أثرا مرفوعا: ( «أن نبيا من الأنبياء ~~شكى إلى الله سبحانه الضعف، فأمره بأكل البيض» ) . # وفي ثبوته نظر، ويختار من البيض الحديث على العتيق، وبيض الدجاج على سائر ~~بيض الطير، وهو معتدل يميل إلى البرودة قليلا. # قال صاحب " القانون ": ومحه: ms1209 حار رطب، يولد دما صحيحا محمودا، ويغذي غذاء ~~يسيرا، ويسرع الانحدار من المعدة إذا كان رخوا. # وقال غيره: مح البيض: مسكن للألم، مملس للحلق وقصبة الرئة، نافع للحلق ~~والسعال وقروح الرئة والكلى والمثانة، مذهب للخشونة، لا سيما إذا أخذ بدهن ~~اللوز الحلو، ومنضج لما في الصدر، ملين له، مسهل لخشونة الحلق، وبياضه إذا ~~قطر في العين الوارمة ورما حارا، برده وسكن الوجع وإذا لطخ به حرق النار أو ~~ما يعرض له، لم يدعه يتنفط، وإذا لطخ به الوجع، منع الاحتراق العارض من ~~الشمس، إذا خلط بالكندر، ولطخ على الجبهة، نفع من النزلة. # وذكره صاحب " القانون " في الأدوية القلبية، ثم قال: وهو - وإن لم يكن من ~~الأدوية المطلقة - فإنه مما له مدخل في تقوية القلب جدا أعني الصفرة، وهي # PageV04P265 # تجمع ثلاثة معان: سرعة الاستحالة إلى الدم، وقلة الفضلة، وكون الدم ~~المتولد منه مجانسا للدم الذي يغذو القلب خفيفا مندفعا إليه بسرعة، ولذلك ~~هو أوفق ما يتلافى به عادية الأمراض المحللة لجوهر الروح. ### | [بصل] # : روى أبو داود في " سننه ": «عن عائشة رضي الله عنها، أنها سئلت عن ~~البصل، فقالت: (إن آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيه ~~بصل» ) . # وثبت عنه في " الصحيحين " أنه ( «منع آكله من دخول المسجد» ) . # والبصل: حار في الثالثة، وفيه رطوبة فضلية ينفع من تغير المياه، ويدفع ~~ريح السموم، ويفتق الشهوة، ويقوي المعدة، ويهيج الباه، ويزيد في المني، ~~ويحسن اللون، ويقطع البلغم، ويجلو المعدة، وبزره يذهب البهق، ويدلك به حول ~~داء الثعلب، فينفع جدا، وهو بالملح يقلع الثآليل، وإذا شمه من شرب دواء ~~مسهلا منعه من القيء والغثيان، وأذهب رائحة ذلك الدواء، وإذا استعط بمائه، ~~نقى الرأس، ويقطر في الأذن لثقل السمع والطنين والقيح، والماء الحادث في ~~الأذنين، وينفع من الماء النازل في العينين اكتحالا يكتحل ببزره مع العسل ~~لبياض العين، والمطبوخ منه كثير الغذاء ينفع من اليرقان والسعال، وخشونة ~~الصدر، ويدر البول، ويلين الطبع، وينفع من عضة الكلب غير الكلب إذا نطل ~~عليها ماؤه ms1210 بملح وسذاب، وإذا احتمل فتح أفواه البواسير. # وأما ضرره: فإنه يورث الشقيقة، ويصدع الرأس، ويولد أرياحا، ويظلم البصر، ~~وكثرة أكله تورث النسيان، ويفسد العقل، ويغير رائحة الفم والنكهة، # PageV04P266 # ويؤذي الجليس، والملائكة، وإماتته طبخا تذهب بهذه المضرات منه. # وفي السنن: أنه صلى الله عليه وسلم ( «أمر آكله وآكل الثوم أن يميتهما ~~طبخا» ) ويذهب رائحته مضغ ورق السذاب عليه. ### | [باذنجان] # : في الحديث الموضوع المختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ~~«الباذنجان لما أكل له» ) ، وهذا الكلام مما يستقبح نسبته إلى آحاد ~~العقلاء، فضلا عن الأنبياء، وبعد: فهو نوعان: أبيض وأسود، وفيه خلاف، هل هو ~~بارد أو حار؟. # والصحيح: أنه حار، وهو مولد للسوداء والبواسير، والسدد والسرطان والجذام، ~~ويفسد اللون ويسوده، ويضر بنتن الفم، والأبيض منه المستطيل عار من ذلك. ### | [حرف التاء] ### | [تمر] # حرف التاء # تمر: ثبت في " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «من تصبح بسبع تمرات ~~وفي لفظ: من تمر العالية لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر» ) وثبت عنه أنه ~~قال: ( «بيت لا تمر فيه جياع أهله» ) . وثبت عنه أكل التمر بالزبد، وأكل ~~التمر بالخبز، وأكله مفردا. # وهو حار في الثانية، وهل هو رطب في الأولى، أو يابس فيها؟. على # PageV04P267 # قولين. وهو مقو للكبد، ملين للطبع، يزيد في الباه، ولا سيما مع حب ~~الصنوبر، ويبرئ من خشونة الحلق، ومن لم يعتده كأهل البلاد الباردة فإنه ~~يورث لهم السدد، ويؤذي الأسنان، ويهيج الصداع، ودفع ضرره باللوز والخشخاش، ~~وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على ~~الريق يقتل الدود، فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية، فإذا أديم استعماله على ~~الريق، خفف مادة الدود، وأضعفه وقلله، أو قتله، وهو فاكهة وغذاء، ودواء ~~وشراب وحلوى. ### | [تين] # : لما لم يكن التين بأرض الحجاز والمدينة، لم يأت له ذكر في السنة، فإن ~~أرضه تنافي أرض النخل، ولكن قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه ~~وفوائده، والصحيح أن المقسم به: هو التين المعروف. # وهو حار، وفي رطوبته ويبوسته قولان، ms1211 وأجوده: الأبيض الناضج القشر، يجلو ~~رمل الكلى والمثانة، ويؤمن من السموم، وهو أغذى من جميع الفواكه وينفع ~~خشونة الحلق والصدر، وقصبة الرئة، ويغسل الكبد والطحال، وينقي الخلط ~~البلغمي من المعدة، ويغذو البدن غذاء جيدا، إلا أنه يولد القمل إذا أكثر ~~منه جدا. # ويابسه يغذو وينفع العصب، وهو مع الجوز واللوز محمود، قال: جالينوس: " ~~وإذا أكل مع الجوز والسذاب قبل أخذ السم القاتل، نفع وحفظ من الضرر. # ويذكر عن أبي الدرداء: ( «أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبق من تين، ~~فقال: " كلوا " وأكل منه، وقال: " لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة قلت: هذه ~~لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوا منها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من # PageV04P268 # النقرس» ) وفي ثبوت هذا نظر. # واللحم منه أجود، ويعطش المحرورين، ويسكن العطش الكائن عن البلغم المالح، ~~وينفع السعال المزمن، ويدر البول، ويفتح سدد الكبد والطحال، ويوافق الكلى ~~والمثانة، ولأكله على الريق منفعة عجيبة في تفتيح مجاري الغذاء وخصوصا ~~باللوز والجوز، وأكله مع الأغذية الغليظة رديء جدا، والتوت الأبيض قريب ~~منه، لكنه أقل تغذية وأضر بالمعدة. ### | [تلبينة] # : قد تقدم إنها ماء الشعير المطحون، وذكرنا منافعها، وأنها أنفع لأهل ~~الحجاز من ماء الشعير الصحيح. ### | [حرف الثاء] ### | [ثلج] # حرف الثاء # ثلج: ثبت في " الصحيح ": عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «اللهم ~~اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد» ) . # وفي هذا الحديث من الفقه: أن الداء يداوى بضده، فإن في الخطايا من ~~الحرارة والحريق ما يضاده الثلج والبرد، والماء البارد، ولا يقال: إن الماء ~~الحار أبلغ في إزالة الوسخ، لأن في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ~~ليس في الحار والخطايا توجب أثرين: التدنيس والإرخاء، فالمطلوب مداواتها ~~بما ينظف القلب ويصلبه، فذكر الماء البارد والثلج والبرد إشارة إلى هذين ~~الأمرين. # وبعد فالثلج بارد على الأصح، وغلط من قال: حار، وشبهته تولد الحيوان فيه، ~~وهذا لا يدل على حرارته فإنه يتولد في الفواكه الباردة، وفي الخل، وأما ~~تعطيشه، فلتهييجه الحرارة لا لحرارته في نفسه، ويضر المعدة والعصب، ms1212 وإذا # PageV04P269 # كان وجع الأسنان من حرارة مفرطة، سكنها. ### | [ثوم] # : هو قريب من البصل، وفي الحديث ( «من أكلهما فليمتهما طبخا» ) . «وأهدي ~~إليه طعام فيه ثوم، فأرسل به إلى أبي أيوب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، ~~تكرهه وترسل به إلي؟ فقال: (إني أناجي من لا تناجي) # » وبعد فهو حار يابس في الرابعة، يسخن تسخينا قويا، ويجفف تجفيفا بالغا، ~~نافع للمبرودين، ولمن مزاجه بلغمي، ولمن أشرف على الوقوع في الفالج، وهو ~~مجفف للمني، مفتح للسدد، محلل للرياح الغليظة، هاضم للطعام، قاطع للعطش، ~~مطلق للبطن، مدر للبول، يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام الباردة مقام ~~الترياق، وإذا دق وعمل منه ضماد على نهش الحيات، أو على لسع العقارب، نفعها ~~وجذب السموم منها، ويسخن البدن، ويزيد في حرارته، ويقطع البلغم، ويحلل ~~النفخ، ويصفي الحلق، ويحفظ صحة أكثر الأبدان، وينفع من تغير المياه، ~~والسعال المزمن، ويؤكل نيئا ومطبوخا ومشويا، # PageV04P270 # وينفع من وجع الصدر من البرد، ويخرج العلق من الحلق، وإذا دق مع الخل ~~والملح والعسل، ثم وضع على الضرس المتأكل، فتته وأسقطه، وعلى الضرس الوجع ~~سكن وجعه. # وإن دق منه مقدار درهمين، وأخذ مع ماء العسل، أخرج البلغم والدود، وإذا ~~طلي بالعسل على البهق، نفع. # ومن مضاره: أنه يصدع، ويضر الدماغ والعينين، ويضعف البصر والباه، ويعطش، ~~ويهيج الصفراء، ويجيف رائحة الفم، ويذهب رائحته أن يمضغ عليه ورق السذاب. ### | [ثريد] # : ثبت في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «فضل عائشة على ~~النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ) . # والثريد وإن كان مركبا، فإنه مركب من خبز ولحم، فالخبز أفضل الأقوات، ~~واللحم سيد الإدام، فإذا اجتمعا لم يكن بعدهما غاية. # وتنازع الناس أيهما أفضل؟ والصواب أن الحاجة إلى الخبز أكثر وأعم، واللحم ~~أجل وأفضل، وهو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه، وهو طعام أهل الجنة، وقد ~~قال تعالى لمن طلب البقل، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل: {أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61] [البقرة 62] ، وكثير من السلف على ~~أن الفوم الحنطة، وعلى هذا فالآية نص على ms1213 أن اللحم خير من الحنطة. ### | [حرف الجيم] ### | [جمار] # حرف الجيم # جمار: قلب النخل، ثبت في " الصحيحين ": عن عبد الله بن عمر قال: ( «بينا ~~نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس، إذ أتي بجمار نخلة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن من # PageV04P271 # الشجر شجرة مثل الرجل المسلم لا يسقط ورقها. . .» ) الحديث ". # والجمار: بارد يابس في الأولى، يختم القروح، وينفع من نفث الدم، واستطلاق ~~البطن، وغلبة المرة الصفراء، وثائرة الدم وليس برديء الكيموس، ويغذو غذاء ~~يسيرا، وهو بطيء الهضم، وشجرته كلها منافع، ولهذا مثلها النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالرجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه. ### | [جبن] # : في " السنن " عن عبد الله بن عمر قال: ( «أتي النبي صلى الله عليه وسلم ~~بجبنة في تبوك، فدعا بسكين، وسمى وقطع» ) رواه أبو داود، وأكله الصحابة رضي ~~الله عنهم بالشام، والعراق، والرطب منه غير المملوح جيد للمعدة، هين السلوك ~~في الأعضاء، يزيد في اللحم، ويلين البطن تليينا معتدلا، والمملوح أقل غذاء ~~من الرطب، وهو رديء للمعدة، مؤذ للأمعاء، والعتيق يعقل البطن، وكذا المشوي، ~~وينفع القروح، ويمنع الإسهال. # وهو بارد رطب، فإن استعمل مشويا، كان أصلح لمزاجه، فإن النار تصلحه ~~وتعدله، وتلطف جوهره، وتطيب طعمه ورائحته. والعتيق المالح، حار يابس، وشيه ~~يصلحه أيضا بتلطيف جوهره، وكسر حرافته لما تجذبه النار منه من الأجزاء ~~الحارة اليابسة المناسبة لها، والمملح منه يهزل، ويولد حصاة الكلى ~~والمثانة، وهو رديء للمعدة، وخلطه بالملطفات أردأ بسبب تنفيذها له إلى ~~المعدة. ### | [حرف الحاء] ### | [حناء] # حرف الحاء # حناء: قد تقدمت الأحاديث في فضله، وذكر منافعه، فأغنى عن إعادته. # PageV04P272 ### | [حبة السوداء] # : ثبت في " الصحيحين ": من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها ~~شفاء من كل داء إلا السام» ) . والسام: الموت. # الحبة السوداء: هي الشونيز في لغة الفرس، وهي الكمون الأسود، وتسمى ~~الكمون الهندي، قال الحربي، عن الحسن: إنها الخردل، وحكى الهروي: أنها ~~الحبة الخضراء ثمرة البطم، وكلاهما ms1214 وهم، والصواب: أنها الشونيز. # وهي كثيرة المنافع جدا، وقوله: " شفاء من كل داء " مثل قوله تعالى: {تدمر ~~كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] [الأحقاف: 25] أي: كل شيء يقبل التدمير ~~ونظائره، وهي نافعة من جميع الأمراض الباردة، وتدخل في الأمراض الحارة ~~اليابسة بالعرض، فتوصل قوى الأدوية الباردة الرطبة إليها بسرعة تنفيذها إذا ~~أخذ يسيرها. # وقد نص صاحب " القانون " وغيره، على الزعفران في قرص الكافور لسرعة ~~تنفيذه وإيصاله قوته، وله نظائر يعرفها حذاق الصناعة، ولا تستبعد منفعة ~~الحار في أمراض حارة بالخاصية، فإنك تجد ذلك في أدوية كثيرة، منها: ~~الأنزروت وما يركب معه من أدوية الرمد، كالسكر وغيره من المفردات الحارة، ~~والرمد ورم حار باتفاق الأطباء، وكذلك نفع الكبريت الحار جدا من الجرب. # والشونيز حار يابس في الثالثة، مذهب للنفخ، مخرج لحب القرع، نافع من ~~البرص وحمى الربع والبلغمية، مفتح للسدد، ومحلل للرياح، مجفف لبلة المعدة ~~ورطوبتها. # وإن دق وعجن بالعسل، وشرب بالماء الحار، أذاب الحصاة التي تكون في ~~الكليتين والمثانة، ويدر البول والحيض واللبن إذا أديم شربه أياما، # PageV04P273 # وإن سخن بالخل، وطلي على البطن، قتل حب القرع، فإن عجن بماء الحنظل ~~الرطب، أو المطبوخ، كان فعله في إخراج الدود أقوى، ويجلو ويقطع، ويحلل، ~~ويشفي من الزكام البارد إذا دق وصير في خرقة، واشتم دائما، أذهبه. # ودهنه نافع لداء الحية، ومن الثآليل والخيلان، وإذا شرب منه مثقال بماء، ~~نفع من البهر وضيق النفس، والضماد به ينفع من الصداع البارد، وإذا نقع منه ~~سبع حبات عددا في لبن امرأة، وسعط به صاحب اليرقان، نفعه نفعا بليغا. # وإذا طبخ بخل، وتمضمض به، نفع من وجع الأسنان عن برد، وإذا استعط به ~~مسحوقا، نفع من ابتداء الماء العارض في العين، وإن ضمد به مع الخل، قلع ~~البثور والجرب المتقرح، وحلل الأورام البلغمية المزمنة، والأورام الصلبة، ~~وينفع من اللقوة إذا تسعط بدهنه، وإذا شرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال، ~~نفع من لسع الرتيلاء، وإن سحق ناعما وخلط بدهن الحبة الخضراء، وقطر منه في ~~الأذن ثلاث قطرات، ms1215 نفع من البرد العارض فيها والريح والسدد. # وإن قلي، ثم دق ناعما، ثم نقع في زيت، وقطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع، ~~نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير. # وإذا أحرق وخلط بشمع مذاب بدهن السوسن، أو دهن الحناء، وطلي به القروح ~~الخارجة من الساقين بعد غسلها بالخل، نفعها وأزال القروح. # وإذا سحق بخل، وطلي به البرص والبهق الأسود، والحزاز الغليظ، نفعها ~~وأبرأها. # PageV04P274 # وإذا سحق ناعما، واستف منه كل يوم درهمين بماء بارد من عضه كلب كلب قبل ~~أن يفرغ من الماء، نفعه نفعا بليغا، وأمن على نفسه من الهلاك. وإذا استعط ~~بدهنه، نفع من الفالج والكزاز، وقطع موادهما، وإذا دخن به، طرد الهوام. # وإذا أذيب الأنزروت بماء، ولطخ على داخل الحلقة، ثم ذر عليها الشونيز، ~~كان من الذرورات الجيدة العجيبة النفع من البواسير، ومنافعه أضعاف ما ~~ذكرنا، والشربة منه درهمان، وزعم قوم أن الإكثار منه قاتل. ### | [حرير] # : قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه للزبير، ولعبد الرحمن بن ~~عوف من حكة كانت بهما، وتقدم منافعه ومزاجه، فلا حاجة إلى إعادته. ### | [حرف] # : قال أبو حنيفة الدينوري: هذا هو الحب الذي يتداوى به، وهو الثفاء الذي ~~جاء فيه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونباته يقال له: الحرف، وتسميه ~~العامة: الرشاد، وقال أبو عبيد: الثفاء: هو الحرف. # قلت: والحديث الذي أشار إليه، ما رواه أبو عبيد وغيره، من حديث ابن عباس ~~رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «ماذا في الأمرين ~~من الشفاء؟ الصبر والثفاء» ) رواه أبو داود في المراسيل. # وقوته في الحرارة واليبوسة في الدرجة الثالثة، وهو يسخن، ويلين البطن، ~~ويخرج الدود وحب القرع، ويحلل أورام الطحال، ويحرك شهوة الجماع، ويجلو ~~الجرب المتقرح والقوباء. # وإذا ضمد به مع العسل، حلل ورم الطحال، وإذا طبخ مع الحناء أخرج الفضول ~~التي في الصدر، وشربه ينفع من نهش الهوام ولسعها، وإذا دخن به في # PageV04P275 # موضع، طرد الهوام عنه، ويمسك الشعر المتساقط، وإذا خلط بسويق الشعير ms1216 ~~والخل، وتضمد به، نفع من عرق النسا، وحلل الأورام الحارة في آخرها. # وإذا تضمد به مع الماء والملح أنضج الدماميل، وينفع من الاسترخاء في جميع ~~الأعضاء، ويزيد في الباه، ويشهي الطعام، وينفع الربو، وعسر التنفس، وغلظ ~~الطحال، وينقي الرئة، ويدر الطمث، وينفع من عرق النسا، ووجع حق الورك مما ~~يخرج من الفضول، إذا شرب أو احتقن به، ويجلو ما في الصدر والرئة من البلغم ~~اللزج. # وإن شرب منه بعد سحقه وزن خمسة دراهم بالماء الحار، أسهل الطبيعة، وحلل ~~الرياح، ونفع من وجع القولنج البارد السبب، وإذا سحق وشرب، نفع من البرص. # وإن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض بالخل، نفع منهما، وينفع من الصداع ~~الحادث من البرد والبلغم، وإن قلي، وشرب، عقل الطبع لا سيما إذا لم يسحق ~~لتحلل لزوجته بالقلي، وإذا غسل بمائه الرأس، نقاه من الأوساخ والرطوبات ~~اللزجة. # قال جالينوس: قوته مثل قوة بزر الخردل، ولذلك قد يسخن به أوجاع الورك ~~المعروفة بالنسا، وأوجاع الرأس، وكل واحد من العلل التي تحتاج إلى التسخين، ~~كما يسخن بزر الخردل، وقد يخلط أيضا في أدوية يسقاها أصحاب الربو من طريق ~~أن الأمر فيه معلوم أنه يقطع الأخلاط الغليظة تقطيعا قويا، كما يقطعها بزر ~~الخردل، لأنه شبيه به في كل شيء. ### | [حلبة] # : يذكر «عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه بمكة، فقال: (ادعوا له طبيبا، فدعي الحارث بن كلدة، فنظر إليه، فقال: # PageV04P276 # ليس عليه بأس، فاتخذوا له فريقة، وهي الحلبة مع تمر عجوة رطب يطبخان، ~~فيحساهما، ففعل ذلك، فبرئ» ) . # وقوة الحلبة من الحرارة في الدرجة الثانية، ومن اليبوسة في الأولى، وإذا ~~طبخت بالماء، لينت الحلق والصدر والبطن، وتسكن السعال والخشونة والربو، ~~وعسر النفس، وتزيد في الباه، وهي جيدة للريح والبلغم والبواسير، محدرة ~~الكيموسات المرتبكة في الأمعاء، وتحلل البلغم اللزج من الصدر، وتنفع من ~~الدبيلات وأمراض الرئة، وتستعمل لهذه الأدواء في الأحشاء مع السمن ~~والفانيذ. # وإذا شربت مع وزن خمسة دراهم فوة، أدرت الحيض، وإذا طبخت، ms1217 وغسل بها الشعر ~~جعدته، وأذهبت الحزاز. # ودقيقها إذا خلط بالنطرون والخل، وضمد به، حلل ورم الطحال، وقد تجلس ~~المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحلبة، فتنتفع به من وجع الرحم العارض من ~~ورم فيه. # وإذا ضمد به الأورام الصلبة القليلة الحرارة، نفعتها وحللتها، وإذا شرب ~~ماؤها، نفع من المغص العارض من الرياح، وأزلق الأمعاء. # وإذا أكلت مطبوخة بالتمر، أو العسل، أو التين على الريق، حللت البلغم ~~اللزج العارض في الصدر والمعدة، ونفعت من السعال المتطاول منه. # PageV04P277 # وهي نافعة من الحصر، مطلقة للبطن، وإذا وضعت على الظفر المتشنج أصلحته، ~~ودهنها ينفع إذا ### | خل # ط بالشمع من الشقاق العارض من البرد، ومنافعها أضعاف ما ذكرنا. # ويذكر عن القاسم بن عبد الرحمن، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «استشفوا بالحلبة» ) وقال بعض الأطباء: لو علم الناس منافعها ~~لاشتروها بوزنها ذهبا. ### | [حرف الخاء] ### | [خبز] # حرف الخاء # خبز: ثبت في " الصحيحين "، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «تكون ~~الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفؤ أحدكم خبزته في ~~السفر نزلا لأهل الجنة» ) # وروى أبو داود في " سننه ": من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( ~~«كان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثريد من الخبز، ~~والثريد من الحيس» ) # وروى أبو داود في " سننه " أيضا، من حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ~~ملبقة بسمن ولبن، فقام رجل من القوم فاتخذه، فجاء به، فقال: في أي شيء كان ~~هذا # PageV04P278 # السمن؟ فقال: في عكة ضب، فقال:: " ارفعه» ) . # وذكر البيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها ترفعه: ( «أكرموا الخبز، ومن ~~كرامته أن لا ينتظر به الإدام» ) والموقوف أشبه، فلا يثبت رفعه، ولا رفع ما ~~قبله. # وأما حديث النهي عن قطع الخبز بالسكين، فباطل لا أصل له عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وإنما المروي: النهي عن قطع اللحم بالسكين، ولا يصح ms1218 أيضا. # قال مهنا: سألت أحمد عن حديث أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ~~عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «لا تقطعوا اللحم ~~بالسكين، فإن ذلك من فعل الأعاجم» ) . فقال: ليس بصحيح، ولا يعرف هذا، ~~وحديث عمرو بن أمية خلاف هذا، وحديث المغيرة - يعني بحديث عمرو بن أمية -: ~~( «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتز من لحم الشاة» ) . وبحديث المغيرة ~~أنه ( «لما أضافه أمر بجنب فشوي، ثم أخذ الشفرة، فجعل يحز» ) # فصل # وأحمد أنواع الخبز أجودها اختمارا وعجنا، ثم خبز التنور أجود أصنافه، # PageV04P279 # وبعده خبز الفرن، ثم خبز الملة في المرتبة الثالثة، وأجوده ما اتخذ من ~~الحنطة الحديثة. # وأكثر أنواعه تغذية خبز السميذ، وهو أبطؤها هضما لقلة نخالته، ويتلوه خبز ~~الحوارى، ثم الخشكار. # وأحمد أوقات أكله في آخر اليوم الذي خبز فيه، واللين منه أكثر تليينا ~~وغذاء وترطيبا وأسرع انحدارا، واليابس بخلافه. # ومزاج الخبز من البر حار في وسط الدرجة الثانية، وقريب من الاعتدال في ~~الرطوبة واليبوسة، واليبس يغلب على ما جففته النار منه، والرطوبة على ضده. # وفي خبز الحنطة خاصية، وهو أنه يسمن سريعا، وخبز القطائف يولد خلطا ~~غليظا، والفتيت نفاخ بطيء الهضم، والمعمول باللبن مسدد كثير الغذاء، بطيء ~~الانحدار. # وخبز الشعير بارد يابس في الأولى، وهو أقل غذاء من خبز الحنطة. ### | [خل] # : روى مسلم في " صحيحه ": عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( «سأل أهله الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا خل، ~~فدعا به، وجعل يأكل ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " عن أم سعد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ( «نعم الإدام ال ### | خل، ال # لهم بارك في الخل، فإنه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يفتقر بيت فيه الخل» ~~) . # الخل: مركب من الحرارة، والبرودة أغلب عليه، وهو يابس في الثالثة، قوي ~~التجفيف، يمنع من انصباب المواد، ويلطف الطبيعة، وخل الخمر ينفع # PageV04P280 # المعدة الملتهبة، ويقمع الصفراء، ويدفع ms1219 ضرر الأدوية القتالة، ويحلل اللبن ~~والدم إذا جمدا في الجوف، وينفع الطحال، ويدبغ المعدة، ويعقل البطن، ويقطع ~~العطش، ويمنع الورم حيث يريد أن يحدث، ويعين على الهضم، ويضاد البلغم، ~~ويلطف الأغذية الغليظة، ويرق الدم. # وإذا شرب بالملح، نفع من أكل الفطر القتال، وإذا احتسي، قطع العلق ~~المتعلق بأصل الحنك، وإذا تمضمض به مسخنا، نفع من وجع الأسنان، وقوى اللثة. # وهو نافع للداحس، إذا طلي به، والنملة والأورام الحارة، وحرق النار، وهو ~~مشه للأكل، مطيب للمعدة، صالح للشباب، وفي الصيف لسكان البلاد الحارة. ### | [خلال] # : فيه حديثان لا يثبتان، أحدهما: يروى من حديث أبي أيوب الأنصاري يرفعه: ~~( «يا حبذا المتخللون من الطعام، إنه ليس شيء أشد على الملك من بقية تبقى ~~في الفم من الطعام» ) وفيه واصل بن السائب، قال: البخاري والرازي: منكر ~~الحديث، وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث. # الثاني: يروى من حديث ابن عباس، قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن شيخ ~~روى عنه صالح الوحاظي يقال له: محمد بن عبد الملك الأنصاري، حدثنا عطاء، عن ~~ابن عباس، قال: ( «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخلل بالليط ~~والآس، وقال: إنهما يسقيان عروق الجذام،» ) فقال أبي: رأيت محمد بن عبد ~~الملك -وكان أعمى- يضع الحديث ويكذب. # PageV04P281 # وبعد: فالخلال نافع للثة والأسنان، حافظ لصحتها، نافع من تغير النكهة، ~~وأجوده ما اتخذ من عيدان الأخلة، وخشب الزيتون والخلاف، والتخلل بالقصب ~~والآس والريحان، والباذروج مضر. ### | [حرف الدال] ### | [دهن] # حرف الدال # دهن: روى الترمذي في كتاب " الشمائل " من حديث أنس بن مالك رضي الله ~~عنهما، قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه، وتسريح ~~لحيته، ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات» ) . # الدهن يسد مسام البدن، ويمنع ما يتحلل منه، وإذا استعمل بعد الاغتسال ~~بالماء الحار، حسن البدن ورطبه، وإن دهن به الشعر حسنه وطوله، ونفع من ~~الحصبة، ودفع أكثر الآفات عنه. # وفي الترمذي: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ( «كلوا الزيت ~~وادهنوا به» ) . وسيأتي إن شاء الله تعالى. # والدهن ms1220 في البلاد الحارة، كالحجاز ونحوه من آكد أسباب حفظ الصحة وإصلاح ~~البدن، وهو كالضروري لهم، وأما البلاد الباردة، فلا يحتاج إليه أهلها، ~~والإلحاح به في الرأس فيه خطر بالبصر. # PageV04P282 # وأنفع الأدهان البسيطة: الزيت، ثم السمن، ثم الشيرج. # وأما المركبة: فمنها بارد رطب، كدهن البنفسج ينفع من الصداع الحار، وينوم ~~أصحاب السهر، ويرطب الدماغ، وينفع من الشقاق، وغلبة اليبس، والجفاف، ويطلى ~~به الجرب، والحكة اليابسة، فينفعها ويسهل حركة المفاصل، ويصلح لأصحاب ~~الأمزجة الحارة في زمن الصيف، وفيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أحدهما: ( «فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان، كفضلي ~~على سائر الناس» ) . # والثاني: ( «فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان، كفضل الإسلام على سائر ~~الأديان» ) . # ومنها: حار رطب، كدهن البان، وليس دهن زهره، بل دهن يستخرج من حب أبيض ~~أغبر نحو الفستق، كثير الدهنية والدسم، ينفع من صلابة العصب، ويلينه، وينفع ~~من البرش والنمش، والكلف والبهق، ويسهل بلغما غليظا، ويلين الأوتار ~~اليابسة، ويسخن العصب، وقد روي فيه حديث باطل مختلق لا أصل له: ( «ادهنوا ~~بالبان، فإنه أحظى لكم عند نسائكم» ) . # ومن منافعه أنه يجلو الأسنان، ويكسبها بهجة، وينقيها من الصدأ، ومن مسح ~~به وجهه وأطرافه لم يصبه حصى ولا شقاق، وإذا دهن به حقوه ومذاكيره وما ~~والاها، نفع من برد الكليتين، وتقطير البول. ### | [حرف الذال] ### | [ذريرة] # حرف الذال # ذريرة: ثبت في " الصحيحين ": عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( «طيبت رسول ~~الله كله بيدي، بذريرة في حجة الوداع لحله وإحرامه» .) تقدم الكلام في # PageV04P283 # الذريرة ومنافعها وماهيتها، فلا حاجة لإعادته. ### | [ذباب] # : تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه في أمره صلى الله عليه وسلم بغمس ~~الذباب في الطعام إذا سقط فيه لأجل الشفاء الذي في جناحه، وهو كالترياق ~~للسم الذي في الجناح الآخر، وذكرنا منافع الذباب هناك. ### | [ذهب] # : روى أبو داود، والترمذي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «رخص لعرفجة ~~بن أسعد لما قطع أنفه يوم الكلاب، واتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره ~~النبي صلى الله عليه ms1221 وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب» ) . وليس لعرفجة عندهم غير ~~هذا الحديث الواحد. # الذهب: زينة الدنيا، وطلسم الوجود، ومفرح النفوس، ومقوي الظهور، وسر الله ~~في أرضه، ومزاجه في سائر الكيفيات، وفيه حرارة لطيفة تدخل في سائر ~~المعجونات اللطيفة والمفرحات، وهو أعدل المعادن على الإطلاق وأشرفها. # ومن خواصه أنه إذا دفن في الأرض، لم يضره التراب، ولم ينقصه شيئا، ~~وبرادته إذا خلطت بالأدوية، نفعت من ضعف القلب، والرجفان العارض من ~~السوداء، وينفع من حديث النفس، والحزن، والغم، والفزع، والعشق، ويسمن ~~البدن، ويقويه، ويذهب الصفار، ويحسن اللون، وينفع من الجذام، وجميع الأوجاع ~~والأمراض السوداوية، ويدخل بخاصية في أدوية داء الثعلب، وداء الحية شربا ~~وطلاء، ويجلو العين ويقويها، وينفع من كثير من أمراضها، ويقوي جميع ~~الأعضاء. # PageV04P284 # وإمساكه في الفم يزيل البخر، ومن كان به مرض يحتاج إلى الكي، وكوي به، لم ~~يتنفط موضعه، ويبرأ سريعا، وإن اتخذ منه ميلا واكتحل به، قوى العين وجلاها، ~~وإذا اتخذ منه خاتم فصه منه وأحمي، وكوي به قوادم أجنحة الحمام، ألفت ~~أبراجها، ولم تنتقل عنها. # وله خاصية عجيبة في تقوية النفوس، لأجلها أبيح في الحرب والسلاح منه ما ~~أبيح، وقد روى الترمذي من حديث مزيدة العصري رضي الله عنه، قال: ( «دخل ~~رسول الله يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة» ) . # وهو معشوق النفوس التي متى ظفرت به، سلاها عن غيره من محبوبات الدنيا، ~~قال تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: 14] [آل عمران: ~~14] . # وفي " الصحيحين ": عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «لو كان لابن آدم واد ~~من ذهب لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له ثان، لابتغى إليه ثالثا، ولا يملأ ~~جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» ) . # هذا وإنه أعظم حائل بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها، وأعظم شيء ~~عصي الله به، وبه قطعت الأرحام، وأريقت الدماء، واستحلت المحارم، ومنعت ~~الحقوق، وتظالم العباد، وهو المرغب في الدنيا وعاجلها، والمزهد في # PageV04P285 # الآخرة وما ms1222 أعده الله لأوليائه فيها، فكم أميت به من حق، وأحيي به من ~~باطل، ونصر به ظالم، وقهر به مظلوم، وما أحسن ما قال فيه الحريري: # تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق # يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق # وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق # لولاه لم تقطع يمين السارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق # ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا اشتكى الممطول مطل العائق # ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق # أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق ### | [حرف الراء] ### | [رطب] # حرف الراء # رطب: قال الله تعالى لمريم: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ~~فكلي واشربي وقري عينا} [مريم: 25] [مريم: 25] . # وفي " الصحيحين " عن عبد الله بن جعفر، قال: ( «رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب» ) . # وفي " سنن أبي داود " عن أنس قال: ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات، ~~حسا حسوات من ماء» ) . # PageV04P286 # طبع الرطب طبع المياه حار رطب، يقوي المعدة الباردة ويوافقها، ويزيد في ~~الباه، ويخصب البدن، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ويغذو غذاء كثيرا. # وهو من أعظم الفاكهة موافقة لأهل المدينة وغيرها من البلاد التي هو ~~فاكهتهم فيها، وأنفعها للبدن، وإن كان من لم يعتده يسرع التعفن في جسده، ~~ويتولد عنه دم ليس بمحمود، ويحدث في إكثاره منه صداع وسوداء، ويؤذي أسنانه، ~~وإصلاحه بالسكنجبين ونحوه. # وفي فطر النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم عليه، أو على التمر، أو الماء ~~تدبير لطيف جدا، فإن الصوم يخلي المعدة من الغذاء، فلا تجد الكبد فيها ما ~~تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء، والحلو أسرع شيء وصولا إلى الكبد، وأحبه ~~إليها، ولا سيما إن كان رطبا، فيشتد قبولها له، فتنتفع به هي والقوى، فإن ~~لم يكن، فالتمر لحلاوته وتغذيته، فإن لم يكن، فحسوات الماء تطفئ لهيب ~~المعدة، وحرارة الصوم، ms1223 فتتنبه بعده للطعام، وتأخذه بشهوة. ### | [ريحان] # : قال تعالى: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة: ~~88] [الواقعة: 88] . وقال تعالى: {والحب ذو العصف والريحان} [الرحمن: 12] ~~[الرحمن: 12] . # وفي " صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «من عرض عليه ريحان، ~~فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الرائحة» ) # وفي " سنن ابن ماجه ": من حديث أسامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: ( «ألا مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب ~~الكعبة، نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، ~~وزوجة # PageV04P287 # حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبدا، في حبرة ونضرة، في دور عالية ~~سليمة بهية، قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها قال: قولوا: إن شاء ~~الله تعالى، فقال القوم: إن شاء الله» ) # الريحان كل نبت طيب الريح، فكل أهل بلد يخصونه بشيء من ذلك، فأهل الغرب ~~يخصونه بالآس، وهو الذي يعرفه العرب من الريحان، وأهل العراق والشام يخصونه ~~بالحبق. # فأما الآس، فمزاجه بارد في الأولى، يابس في الثانية، وهو مع ذلك مركب من ~~قوى متضادة، والأكثر فيه الجوهر الأرضي البارد، وفيه شيء حار لطيف، وهو ~~يجفف تجفيفا قويا، وأجزاؤه متقاربة القوة، وهي قوة قابضة حابسة من داخل ~~وخارج معا. # وهو قاطع للإسهال الصفراوي، دافع للبخار الحار الرطب إذا شم، مفرح للقلب ~~تفريحا شديدا، وشمه مانع للوباء، وكذلك افتراشه في البيت. # ويبرئ الأورام الحادثة في الحالبين إذا وضع عليها، وإذا دق ورقه وهو غض ~~وضرب بالخل، ووضع على الرأس، قطع الرعاف، وإذا سحق ورقه اليابس، وذر على ~~القروح ذوات الرطوبة نفعها، ويقوي الأعضاء الواهية إذا ضمد به، وينفع داء ~~الداحس، وإذا ذر على البثور والقروح التي في اليدين والرجلين، نفعها. # وإذا دلك به البدن قطع العرق، ونشف الرطوبات الفضلية، وأذهب نتن الإبط، ~~وإذا جلس في طبيخه، نفع من خراريج المقعدة والرحم، ومن استرخاء المفاصل، ~~وإذا صب على كسور العظام التي لم تلتحم، نفعها. # PageV04P288 # ويجلو قشور الرأس وقروحه الرطبة، وبثوره، ويمسك الشعر المتساقط ms1224 ويسوده، ~~وإذا دق ورقه وصب عليه ماء يسير، وخلط به شيء من زيت أو دهن الورد، وضمد به ~~وافق القروح الرطبة والنملة والحمرة، والأورام الحادة، والشرى والبواسير. # وحبه نافع من نفث الدم العارض في الصدر والرئة، دابغ للمعدة وليس بضار ~~للصدر ولا الرئة لجلاوته، وخاصيته النفع من استطلاق البطن مع السعال، وذلك ~~نادر في الأدوية، وهو مدر للبول، نافع من لذع المثانة وعض الرتيلاء، ولسع ~~العقارب، والتخلل بعرقه مضر، فليحذر. # وأما الريحان الفارسي الذي يسمى الحبق، فحار في أحد القولين، ينفع شمه من ~~الصداع الحار إذا رش عليه الماء، ويبرد، ويرطب بالعرض، وبارد في الآخر، وهل ~~هو رطب أو يابس؟ على قولين. # والصحيح: أن فيه من الطبائع الأربع، ويجلب النوم، وبزره حابس للإسهال ~~الصفراوي، ومسكن للمغص، مقو للقلب، نافع للأمراض السوداوية. ### | [رمان] # : قال تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] [الرحمن: 68] . ~~ويذكر عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا: ( «ما من رمان من رمانكم هذا إلا وهو ~~ملقح بحبة من رمان الجنة» والموقوف أشبه. وذكر حرب وغيره عن علي أنه قال: ~~(كلوا الرمان بشحمه، فإنه دباغ المعدة. # حلو الرمان حار رطب، جيد للمعدة، مقو لها بما فيه من قبض لطيف، نافع ~~للحلق والصدر والرئة، جيد للسعال، ماؤه ملين للبطن، يغذو البدن غذاء فاضلا ~~يسيرا، سريع التحلل لرقته ولطافته، ويولد حرارة يسيرة في المعدة وريحا، ~~ولذلك يعين على الباه، ولا يصلح للمحمومين، وله خاصية # PageV04P289 # عجيبة إذا أكل بالخبز يمنعه من الفساد في المعدة. # وحامضه بارد يابس، قابض لطيف، ينفع المعدة الملتهبة، ويدر البول أكثر من ~~غيره من الرمان، ويسكن الصفراء، ويقطع الإسهال، ويمنع القيء، ويلطف الفضول. # ويطفئ حرارة الكبد ويقوي الأعضاء، نافع من الخفقان الصفراوي، والآلام ~~العارضة للقلب، وفم المعدة، ويقوي المعدة، ويدفع الفضول عنها، ويطفئ المرة ~~الصفراء والدم. # وإذا استخرج ماؤه بشحمه، وطبخ بيسير من العسل حتى يصير كالمرهم واكتحل ~~به، قطع الصفرة من العين، ونقاها من الرطوبات الغليظة، وإذا لطخ على اللثة، ~~نفع من الأكلة العارضة لها، وإن استخرج ماؤهما بشحمهما، أطلق ms1225 البطن، وأحدر ~~الرطوبات العفنة المرية، ونفع من حميات الغب المتطاولة. # وأما الرمان المز، فمتوسط طبعا وفعلا بين النوعين، وهذا أميل إلى لطافة ~~الحامض قليلا، وحب الرمان مع العسل طلاء للداحس والقروح الخبيثة، وأقماعه ~~للجراحات، قالوا: ومن ابتلع ثلاثة من جنبذ الرمان في كل سنة، أمن من الرمد ~~سنته كلها. ### | [حرف الزاي] ### | [زيت] # حرف الزاي # زيت: قال تعالى: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد ~~زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] [النور: 35] . # وفي الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV04P290 # أنه قال: ( «كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» ) . # وللبيهقي وابن ماجه أيضا: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» ) ~~. # الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، ~~فالمعتصر من النضيج أعدله وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويبوسة، ومن الزيتون ~~الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال، وينفع من ~~السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخينا وتحليلا، وما ~~استخرج منه بالماء، فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه ~~ملينة للبشرة، وتبطئ الشيب. # وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار، ويشد اللثة، وورقه ينفع من ~~الحمرة، والنملة، والقروح الوسخة، والشرى، ويمنع العرق، ومنافعه أضعاف ما ~~ذكرنا. ### | [زبد] # : روى أبو داود في " سننه " عن ابني بسر السلميين رضي الله عنهما قالا: ( ~~«دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب ~~الزبد والتمر» ) . # الزبد حار رطب، فيه منافع كثيرة، منها الإنضاج والتحليل، ويبرئ الأورام ~~التي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين، وأورام الفم، وسائر الأورام التي ~~تعرض في أبدان النساء والصبيان إذا استعمل وحده، وإذا لعق منه، نفع في نفث # PageV04P291 # الدم الذي يكون من الرئة، وأنضج الأورام العارضة فيها. # وهو ملين للطبيعة والعصب والأورام الصلبة العارضة من المرة السوداء ~~والبلغم، ms1226 نافع من اليبس العارض في البدن، وإذا طلي به على منابت أسنان ~~الطفل، كان معينا على نباتها وطلوعها، وهو نافع من السعال العارض من البرد ~~واليبس، ويذهب القوباء والخشونة التي في البدن، ويلين الطبيعة، ولكنه يضعف ~~شهوة الطعام، ويذهب بوخامته الحلو، كالعسل والتمر، وفي جمعه صلى الله عليه ~~وسلم بين التمر وبينه من الحكمة إصلاح كل منهما بالآخر. ### | [زبيب] # : روي فيه حديثان لا يصحان. أحدهما: ( «نعم الطعام الزبيب يطيب النكهة، ~~ويذيب البلغم» ) . والثاني: ( «نعم الطعام الزبيب يذهب النصب، ويشد العصب، ~~ويطفئ الغضب، ويصفي اللون، ويطيب النكهة» ) وهذا أيضا لا يصح فيه شيء عن ~~رسول الله. # وبعد: فأجود الزبيب ما كبر جسمه، وسمن شحمه ولحمه، ورق قشره، ونزع عجمه، ~~وصغر حبه. # وجرم الزبيب حار رطب في الأولى، وحبه بارد يابس، وهو كالعنب المتخذ منه، ~~الحلو منه حار، والحامض قابض بارد، والأبيض أشد قبضا من غيره، وإذا أكل ~~لحمه، وافق قصبة الرئة، ونفع من السعال، ووجع الكلى، والمثانة، ويقوي ~~المعدة، ويلين البطن. # والحلو اللحم أكثر غذاء من العنب، وأقل غذاء من التين اليابس، وله قوة ~~منضجة هاضمة قابضة محللة باعتدال، وهو بالجملة يقوي المعدة والكبد والطحال، ~~نافع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة، وأعدله أن يؤكل بغير ~~عجمه. # وهو يغذي غذاء صالحا، ولا يسدد كما يفعل التمر، وإذا أكل منه بعجمه كان ~~أكثر نفعا للمعدة والكبد والطحال، وإذا لصق لحمه على الأظافير المتحركة # PageV04P292 # أسرع قلعها، والحلو منه وما لا عجم له نافع لأصحاب الرطوبات والبلغم، وهو ~~يخصب الكبد، وينفعها بخاصيته. # وفيه نفع للحفظ: قال الزهري: من أحب أن يحفظ الحديث، فليأكل الزبيب، وكان ~~المنصور يذكر عن جده عبد الله بن عباس: (عجمه داء، ولحمه دواء) . ### | [زنجبيل] # : قال تعالى: {ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا} [الإنسان: 17] ~~[الإنسان: 17] . وذكر أبو نعيم في كتاب " الطب النبوي " من حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال: ( «أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جرة زنجبيل، فأطعم كل إنسان قطعة، وأطعمني قطعة» ) . # الزنجبيل ms1227 حار في الثانية، رطب في الأولى، مسخن معين على هضم الطعام، ملين ~~للبطن تليينا معتدلا، نافع من سدد الكبد العارضة عن البرد والرطوبة، ومن ~~ظلمة البصر الحادثة عن الرطوبة أكلا واكتحالا، معين على الجماع، وهو محلل ~~للرياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة. # وبالجملة فهو صالح للكبد والمعدة الباردتي المزاج، وإذا أخذ منه مع السكر ~~وزن درهمين بالماء الحار، أسهل فضولا لزجة لعابية، ويقع في المعجونات التي ~~تحلل البلغم وتذيبه. # والمزي منه حار يابس يهيج الجماع، ويزيد في المني، ويسخن المعدة والكبد، ~~ويعين على الاستمراء، وينشف البلغم الغالب على البدن ويزيد في الحفظ، ~~ويوافق برد الكبد والمعدة، ويزيل بلتها الحادثة عن أكل الفاكهة، ويطيب ~~النكهة، ويدفع به ضرر الأطعمة الغليظة الباردة. ### | [حرف السين] ### | [سنا] # حرف السين # سنا: قد تقدم، وتقدم سنوت أيضا، وفيه سبعة أقوال: # أحدها: أنه العسل. # PageV04P293 # الثاني: أنه رب عكة السمن يخرج خططا سوداء على السمن. # الثالث: أنه حب يشبه الكمون وليس بكمون. # الرابع: الكمون الكرماني. # الخامس: أنه الشبت. # السادس: أنه التمر. # السابع: أنه الرازيانج. ### | [سفرجل] # : روى ابن ماجه في " سننه ": من حديث إسماعيل بن محمد الطلحي، عن نقيب بن ~~حاجب، عن أبي سعيد، عن عبد الملك الزبيري، «عن طلحة بن عبيد الله رضي الله ~~عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وبيده سفرجلة، فقال: (دونكها ~~يا طلحة، فإنها تجم الفؤاد» ) . # ورواه النسائي من طريق آخر، وقال: " «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~في جماعة من أصحابه، وبيده سفرجلة يقلبها، فلما جلست إليه، دحا بها إلي ثم ~~قال: (دونكها أبا ذر، فإنها تشد القلب، وتطيب النفس، وتذهب بطخاء الصدر» ) ~~. # وقد روي في السفرجل أحاديث أخر، هذا أمثلها، ولا تصح. # والسفرجل بارد يابس، ويختلف في ذلك باختلاف طعمه، وكله بارد قابض، جيد ~~للمعدة، والحلو منه أقل برودة ويبسا، وأميل إلى الاعتدال، والحامض أشد قبضا ~~ويبسا وبرودة، وكله يسكن العطش والقيء، ويدر البول، ويعقل الطبع، وينفع من ~~قرحة الأمعاء، ونفث الدم، والهيضة، وينفع من الغثيان، ويمنع من تصاعد ms1228 ~~الأبخرة إذا استعمل بعد الطعام، وحراقة أغصانه وورقه المغسولة كالتوتياء في ~~فعلها. # PageV04P294 # وهو قبل الطعام يقبض، وبعده يلين الطبع، ويسرع بانحدار الثفل، والإكثار ~~منه مضر بالعصب، مولد للقولنج، ويطفئ المرة الصفراء المتولدة في المعدة. # وإن شوي كان أقل لخشونته، وأخف، وإذا قور وسطه، ونزع حبه، وجعل فيه ~~العسل، وطين جرمه بالعجين، وأودع الرماد الحار، نفع نفعا حسنا. # وأجود ما أكل مشويا أو مطبوخا بالعسل، وحبه ينفع من خشونة الحلق، وقصبة ~~الرئة، وكثير من الأمراض، ودهنه يمنع العرق، ويقوي المعدة، والمربى منه ~~يقوي المعدة والكبد، ويشد القلب، ويطيب النفس. # ومعنى تجم الفؤاد: تريحه. وقيل: تفتحه وتوسعه، من جمام الماء، وهو اتساعه ~~وكثرته والطخاء للقلب مثل الغيم على السماء. قال أبو عبيد: الطخاء ثقل ~~وغشي، تقول: ما في السماء طخاء، أي: سحاب وظلمة. ### | [سواك] # : في " الصحيحين " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» ) . # وفيهما: أنه صلى الله عليه وسلم، ( «كان إذا قام من الليل يشوص فاه ~~بالسواك» ) . # وفي " صحيح البخاري " تعليقا عنه صلى الله عليه وسلم: ( «السواك مطهرة ~~للفم مرضاة للرب» ) . # PageV04P295 # وفي " صحيح مسلم ": أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان إذا دخل بيته، بدأ ~~بالسواك» ) . # والأحاديث فيه كثيرة، وصح عنه من حديث أنه ( «استاك عند موته بسواك عبد ~~الرحمن بن أبي بكر،» ) وصح عنه أنه قال: ( «أكثرت عليكم في السواك» ) . # وأصلح ما اتخذ السواك من خشب الأراك ونحوه، ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرة ~~مجهولة، فربما كانت سما، وينبغي القصد في استعماله، فإن بالغ فيه، فربما ~~أذهب طلاوة الأسنان وصقالتها، وهيأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة ~~والأوساخ، ومتى استعمل باعتدال، جلا الأسنان، وقوى العمود، وأطلق اللسان، ~~ومنع الحفر، وطيب النكهة، ونقى الدماغ وشهى الطعام. # وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد، ومن أنفعه أصول الجوز، قال صاحب " ~~التيسير ": زعموا أنه إذا استاك به المستاك كل خامس من الأيام، نقى الرأس، ~~وصفى الحواس، وأحد الذهن. # وفي السواك عدة منافع: يطيب الفم، ويشد اللثة، ويقطع البلغم، ويجلو ms1229 ~~البصر، ويذهب بالحفر، ويصح المعدة، ويصفي الصوت، ويعين على هضم الطعام، ~~ويسهل مجاري الكلام، وينشط للقراءة، والذكر والصلاة، ويطرد النوم، ويرضي ~~الرب، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات. # ويستحب كل وقت، ويتأكد عند الصلاة والوضوء، والانتباه من النوم، وتغيير ~~رائحة الفم، ويستحب للمفطر والصائم في كل وقت لعموم الأحاديث فيه، ولحاجة ~~الصائم إليه، ولأنه مرضاة للرب، ومرضاته مطلوبة في الصوم # PageV04P296 # أشد من طلبها في الفطر، ولأنه مطهرة للفم، والطهور للصائم من أفضل ~~أعماله. # وفي " السنن ": عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه، قال: ( «رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك، وهو صائم» ) وقال البخاري: قال ابن ~~عمر: ( «يستاك أول النهار وآخره» ) . # وأجمع الناس على أن الصائم يتمضمض وجوبا واستحبابا، والمضمضة أبلغ من ~~السواك، وليس لله غرض في التقرب إليه بالرائحة الكريهة، ولا هي من جنس ما ~~شرع التعبد به، وإنما ذكر طيب الخلوف عند الله يوم القيامة حثا منه على ~~الصوم، لا حثا على إبقاء الرائحة، بل الصائم أحوج إلى السواك من المفطر. # وأيضا فإن رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصائم. # وأيضا فإن محبته للسواك أعظم من محبته لبقاء خلوف فم الصائم. # وأيضا فإن السواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السواك عند الله يوم ~~القيامة، بل يأتي الصائم يوم القيامة وخلوف فمه أطيب من المسك علامة على ~~صيامه، ولو أزاله بالسواك، كما أن الجريح يأتي يوم القيامة، ولون دم جرحه ~~لون الدم، وريحه ريح المسك، وهو مأمور بإزالته في الدنيا. # وأيضا فإن الخلوف لا يزول بالسواك، فإن سببه قائم، وهو خلو المعدة عن ~~الطعام، وإنما يزول أثره، وهو المنعقد على الأسنان واللثة. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته ما يستحب لهم في الصيام، ~~وما يكره # PageV04P297 # لهم ولم يجعل السواك من القسم المكروه، وهو يعلم أنهم يفعلونه، وقد حضهم ~~عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشمول، وهم يشاهدونه يستاك وهو صائم مرارا كثيرة ~~تفوت الإحصاء، ويعلم أنهم يقتدون به، ولم يقل لهم يوما من الدهر: ms1230 لا ~~تستاكوا بعد الزوال، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، والله أعلم. ### | [سمن] # : روى محمد بن جرير الطبري بإسناده، من حديث صهيب يرفعه: ( «عليكم بألبان ~~البقر، فإنها شفاء، وسمنها دواء، ولحومها داء» ) رواه عن أحمد بن الحسن ~~الترمذي، حدثنا محمد بن موسى النسائي، حدثنا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد ~~الحميد بن صيفي بن صهيب، عن أبيه عن جده، ولا يثبت ما في هذا الإسناد. # والسمن حار رطب في الأولى، وفيه جلاء يسير، ولطافة وتفشية الأورام ~~الحادثة من الأبدان الناعمة، وهو أقوى من الزبد في الإنضاج والتليين، وذكر ~~جالينوس: أنه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن، وفي الأرنبة، وإذا دلك به ~~موضع الأسنان، نبتت سريعا، وإذا خلط مع عسل ولوز مر، جلا ما في الصدر ~~والرئة، والكيموسات الغليظة اللزجة، إلا أنه ضار بالمعدة، سيما إذا كان ~~مزاج صاحبها بلغميا. # وأما سمن البقر والمعز، فإنه إذا شرب مع العسل نفع من شرب السم القاتل ~~ومن لدغ الحيات والعقارب، وفي " كتاب ابن السني "، عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال: (لم يستشف الناس بشيء أفضل من السمن) . ### | [سمك] # : روى الإمام أحمد بن حنبل، وابن ماجه في " سننه " من # PageV04P298 # حديث عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «أحلت لنا ~~ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» ) . # أصناف السمك كثيرة، وأجوده ما لذ طعمه، وطاب ريحه، وتوسط مقداره، وكان ~~رقيق القشر، ولم يكن صلب اللحم ولا يابسه، وكان في ماء عذب جار على ~~الحصباء، ويغتذي بالنبات لا الأقذار، وأصلح أماكنه ما كان في نهر جيد ~~الماء، وكان يأوي إلى الأماكن الصخرية، ثم الرملية، والمياه الجارية العذبة ~~التي لا قذر فيها، ولا حمأة، الكثيرة الاضطراب والتموج، المكشوفة للشمس ~~والرياح. # والسمك البحري فاضل، محمود، لطيف، والطري منه بارد رطب، عسر الانهضام، ~~يولد بلغما كثيرا، إلا البحري وما جرى مجراه، فإنه يولد خلطا محمودا، وهو ~~يخصب البدن، ويزيد في المني، ويصلح الأمزجة الحارة. # وأما المالح، فأجوده ما كان قريب العهد بالتملح، ms1231 وهو حار يابس، وكلما ~~تقادم عهده ازداد حره ويبسه، والسلور منه كثير اللزوجة، ويسمى الجري، ~~واليهود لا تأكله، وإذا أكل طريا، كان ملينا للبطن، وإذا ملح وعتق وأكل، ~~صفى قصبة الرئة، وجود الصوت، وإذا دق ووضع من خارج، أخرج السلى والفضول من ~~عمق البدن من طريق أن له قوة جاذبة. # وماء ملح الجري المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في # PageV04P299 # ابتداء العلة، وافقه بجذبه المواد إلى ظاهر البدن، وإذا احتقن به، أبرأ ~~من عرق النسا. # وأجود ما في السمك ما قرب من مؤخرها، والطري السمين منه يخصب البدن لحمه ~~وودكه. وفي " الصحيحين ": من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ~~«بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب، وأميرنا أبو عبيدة بن ~~الجراح، فأتينا الساحل، فأصابنا جوع شديد، حتى أكلنا الخبط، فألقى لنا ~~البحر حوتا يقال لها: عنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وائتدمنا بودكه حتى ثابت ~~أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، وحمل رجلا على بعيره، ونصبه، فمر ~~تحته» . ### | [سلق] # : روى الترمذي وأبو داود، عن أم المنذر، قالت: ( «دخل علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه علي رضي الله عنه، ولنا دوال معلقة، قالت فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأكل وعلي معه يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " مه يا علي، فإنك ناقه "، قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: يا علي فأصب من هذا، فإنه أوفق لك» ) . قال الترمذي: ~~حديث حسن غريب. # السلق حار يابس في الأولى، وقيل رطب فيها، وقيل مركب منهما، وفيه برودة ~~ملطفة، وتحليل. وتفتيح، وفي الأسود منه قبض ونفع من داء الثعلب، والكلف، ~~والحزاز، والثآليل إذا طلي بمائه، ويقتل القمل، ويطلى به القوباء مع العسل، ~~ويفتح سدد الكبد والطحال، وأسوده يعقل البطن، ولا سيما مع العدس، وهما ~~رديئان. والأبيض: يلين مع العدس، ويحقن بمائه للإسهال، وينفع من القولنح مع ~~المري والتوابل، وهو قليل الغذاء، رديء # PageV04P300 # الكيموس، يحرق الدم، ويصلحه ms1232 الخل والخردل، والإكثار منه يولد القبض ~~والنفخ. ### | [حرف الشين] ### | [شونيز] # حرف الشين # شونيز: هو الحبة السوداء، وقد تقدم في حرف الحاء. ### | [شبرم] # : روى الترمذي، وابن ماجه في " سننهما ": من حديث أسماء بنت عميس، قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «بماذا كنت تستمشين؟ " قالت: بالشبرم. ~~قال: حار جار» ) . # الشبرم شجر صغير وكبير، كقامة الرجل وأرجح، له قضبان حمر ملمعة ببياض، ~~وفي رءوس قضبانه جمة من ورق، وله نور صغار أصفر إلى البياض، يسقط ويخلفه ~~مراود صغار فيها حب صغير مثل البطم، في قدره، أحمر اللون، ولها عروق عليها ~~قشور حمر، والمستعمل منه قشر عروقه، ولبن قضبانه. # وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، ويسهل السوداء، والكيموسات الغليظة، ~~والماء الأصفر، والبلغم، مكرب، مغث، والإكثار منه يقتل، وينبغي إذا استعمل ~~أن ينقع في اللبن الحليب يوما وليلة، ويغير عليها اللبن في اليوم مرتين أو ~~ثلاثا، ويخرج ويجفف في الظل، ويخلط معه الورود والكثيراء، ويشرب بماء ~~العسل، أو عصير العنب، والشربة منه ما بين أربع دوانق إلى دانقين على حسب ~~القوة، قال حنين: (أما لبن الشبرم، فلا خير فيه، ولا أرى شربه البتة، فقد ~~قتل به أطباء الطرقات كثيرا من الناس) . ### | [شعير] # : روى ابن ماجه: من حديث عائشة، قالت ( «كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا # PageV04P301 # أخذ أحدا من أهله الوعك، أمر بالحساء من الشعير، فصنع ثم أمرهم فحسوا ~~منه، ثم يقول: " إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن ~~الوسخ بالماء عن وجهها» ) . ومعنى يرتوه: يشده ويقويه. ويسرو، يكشف ويزيل. # وقد تقدم أن هذا هو ماء الشعير المغلي، وهو أكثر غذاء من سويقه، وهو نافع ~~للسعال، وخشونة الحلق، صالح لقمع حدة الفضول، مدر للبول، جلاء لما في ~~المعدة، قاطع للعطش، مطفئ للحرارة، وفيه قوة يجلو بها ويلطف ويحلل. # وصفته: أن يؤخذ من الشعير الجيد المرضوض مقدار، ومن الماء الصافي العذب ~~خمسة أمثاله، ويلقى في قدر نظيف، ويطبخ بنار معتدلة إلى أن يبقى منه خمساه، ~~ويصفى، ويستعمل منه مقدار الحاجة ms1233 محلا. ### | [شواء] # : قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم عليه السلام لأضيافه: {فما لبث ~~أن جاء بعجل حنيذ} [هود: 69] [هود: 69] والحنيذ: المشوي على الرضف، وهي ~~الحجارة المحماة. # وفي الترمذي: عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها ( «قربت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جنبا مشويا، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ» ) . قال ~~الترمذي: حديث صحيح. # وفيه أيضا: عن عبد الله بن الحارث قال: ( «أكلنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شواء في # PageV04P302 # المسجد» ) . وفيه أيضا: عن المغيرة بن شعبة قال: ( «ضفت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات ليلة، فأمر بجنب، فشوي، ثم أخذ الشفرة، فجعل يحز لي بها ~~منه، قال: فجاء بلال يؤذن للصلاة، فألقى الشفرة فقال: " ما له تربت يداه» ) ~~. # أنفع الشواء شواء الضأن الحولي، ثم العجل اللطيف السمين، وهو حار رطب إلى ~~اليبوسة، كثير التوليد للسوداء، وهو من أغذية الأقوياء والأصحاء ~~والمرتاضين، والمطبوخ أنفع وأخف على المعدة، وأرطب منه، ومن المطجن. # وأردؤه المشوي في الشمس، والمشوي على الجمر خير من المشوي باللهب، وهو ~~الحنيذ. ### | [شحم] # : ثبت في " المسند ": عن أنس، ( «أن يهوديا أضاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقدم له خبز شعير وإهالة سنخة» ، والإهالة: الشحم المذاب، والألية، ~~والسنخة: المتغيرة) . # وثبت في " الصحيح ": عن عبد الله بن مغفل، قال: ( «دلي جراب من شحم يوم ~~خيبر، فالتزمته وقلت: والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت، فإذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يضحك، ولم يقل شيئا» ) . # أجود الشحم ما كان من حيوان مكتمل، وهو حار رطب، وهو أقل رطوبة من السمن، ~~ولهذا لو أذيب الشحم والسمن كان الشحم أسرع جمودا، وهو ينفع # PageV04P303 # من خشونة الحلق، ويرخي ويعفن، ويدفع ضرره بالليمون المملوح، والزنجبيل، ~~وشحم المعز أقبض الشحوم، وشحم التيوس أشد تحليلا، وينفع من قروح الأمعاء ~~وشحم العنز أقوى في ذلك، ويحتقن به للسحج والزحير. ### | [حرف الصاد] ### | [صلاة] # حرف الصاد # صلاة: قال الله تعالى: {واستعينوا بال ### | صبر # والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} [البقرة: ms1234 45] [البقرة: 45] ، ~~وقال: {ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} ~~[البقرة: 153] [البقرة: 153] . وقال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} [طه: 132] [طه: 132] . # وفي " السنن ": ( «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حزبه أمر، فزع ~~إلى الصلاة» ) . # وقد تقدم ذكر الاستشفاء بالصلاة من عامة الأوجاع قبل استحكامها. # والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية ~~للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، ~~شارحة للصدر مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة ~~للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن. # وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب، وقواهما ودفع المواد ~~الرديئة عنهما، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ ~~المصلي منهما أقل، وعاقبته أسلم. # وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أعطيت حقها من # PageV04P304 # التكميل ظاهرا وباطنا، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت ~~مصالحهما بمثل الصلاة، وسر ذلك أن الصلاة صلة بالله عز وجل، وعلى قدر صلة ~~العبد بربه عز وجل تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور ~~أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه عز وجل، والعافية والصحة، ~~والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه، ~~ومسارعة إليه. ### | ### | [صبر] # # : (الصبر نصف الإيمان) ، فإنه ماهية مركبة من صبر وشكر، كما قال بعض ~~السلف: الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، قال تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور} [إبراهيم: 5] [إبراهيم: 5] والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من ~~الجسد، وهو ثلاثة أنواع: صبر على فرائض الله، فلا يضيعها، وصبر عن محارمه، ~~فلا يرتكبها، وصبر على أقضيته وأقداره، فلا يتسخطها، ومن استكمل هذه ~~المراتب الثلاث، استكمل الصبر، ولذة الدنيا والآخرة ونعيمها، والفوز والظفر ~~فيهما لا يصل إليه أحد إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا ~~على الصراط، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (خير عيش أدركناه بالصبر) . ~~وإذا ms1235 تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم، رأيتها كلها منوطة بالصبر، ~~وإذا تأملت النقصان الذي يذم صاحبه عليه، ويدخل تحت قدرته، رأيته كله من ~~عدم الصبر، فالشجاعة والعفة، والجود والإيثار كله صبر ساعة. # فالصبر طلسم على كنز العلى ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # وأكثر أسقام البدن والقلب، إنما تنشأ عن عدم الصبر، فما حفظت صحة # PageV04P305 # القلوب والأبدان والأرواح بمثل الصبر، فهو الفاروق الأكبر، والترياق ~~الأعظم، ولو لم يكن فيه إلا معية الله مع أهله، فإن الله مع الصابرين ~~ومحبته لهم، فإن الله يحب الصابرين، ونصره لأهله، فإن النصر مع الصبر، وإنه ~~خير لأهله، {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126] [النحل: 126] ، ~~وإنه سبب الفلاح: {ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] [آل عمران: 200] . ### | [صبر] # : روى أبو داود في كتاب (المراسيل) من حديث قيس بن رافع القيسي، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «ماذا في الأمرين من الشفاء؟ الصبر ~~والثفاء» ) . وفي " السنن " لأبي داود: من حديث أم سلمة، قالت: ( «دخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت علي صبرا، فقال: ~~ماذا يا أم سلمة؟ " فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: " ~~إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل» ) ونهى عنه بالنهار. # الصبر كثير المنافع، لا سيما الهندي منه، ينقي الفضول الصفراوية التي في ~~الدماغ وأعصاب البصر، وإذا طلي على الجبهة والصدغ بدهن الورد، نفع من ~~الصداع، وينفع من قروح الأنف والفم، ويسهل السوداء والماليخوليا. # والصبر الفارسي يذكي العقل، ويمد الفؤاد، وينقي الفضول الصفراوية ~~والبلغميه من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء، ويرد الشهوة الباطلة ~~والفاسدة، وإذا شرب في البرد، خيف أن يسهل دما. # PageV04P306 ### | [صوم] # : الصوم جنة من أدواء الروح والقلب والبدن، منافعه تفوت الإحصاء، وله ~~تأثير عجيب في حفظ الصحة، وإذابة الفضلات، وحبس النفس عن تناول مؤذياتها، ~~ولا سيما إذا كان باعتدال وقصد في أفضل أوقاته شرعا، وحاجة البدن إليه ~~طبعا. # ثم إن فيه من ms1236 إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها، وفيه خاصية ~~تقتضي إيثاره، وهي تفريحه للقلب عاجلا وآجلا، وهو أنفع شيء لأصحاب الأمزجة ~~الباردة والرطبة، وله تأثير عظيم في حفظ صحتهم. # وهو يدخل في الأدوية الروحانية والطبيعية، وإذا راعى الصائم فيه ما ينبغي ~~مراعاته طبعا وشرعا، عظم انتفاع قلبه وبدنه به، وحبس عنه المواد الغريبة ~~الفاسدة التي هو مستعد لها، وأزال المواد الرديئة الحاصلة بحسب كماله ~~ونقصانه، ويحفظ الصائم مما ينبغي أن يتحفظ منه، ويعينه على قيامه بمقصود ~~الصوم وسره وعلته الغائية، فإن القصد منه أمر آخر وراء ترك الطعام والشراب، ~~وباعتبار ذلك الأمر اختص من بين الأعمال بأنه لله سبحانه، ولما كان وقاية ~~وجنة بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلا وآجلا، قال الله تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون} [البقرة: 183] [البقرة: 183] ، فأحد مقصودي الصيام الجنة والوقاية، ~~وهي حمية عظيمة النفع، والمقصود الآخر: اجتماع القلب والهم على الله تعالى، ~~وتوفير قوى النفس على محابه وطاعته، وقد تقدم الكلام في بعض أسرار الصوم ~~عند ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فيه. ### | [حرف الضاد] ### | [ضب] # حرف الضاد # ضب: ثبت في " الصحيحين ": من حديث ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل عنه لما قدم إليه، وامتنع من أكله: أحرام هو؟ فقال: ( «لا، ولكن ~~لم يكن # PageV04P307 # بأرض قومي، فأجدني أعافه. وأكل بين يديه وعلى مائدته وهو ينظر» ) . # وفي " الصحيحين ": من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: ( «لا أحله ولا أحرمه» ) . # وهو حار يابس يقوي شهوة الجماع، وإذا دق، ووضع على موضع الشوكة اجتذبها. ### | [ضفدع] # : قال الإمام أحمد: الضفدع لا يحل في الدواء، نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قتلها، يريد الحديث الذي رواه في " مسنده " من حديث عثمان بن ~~عبد الرحمن رضي الله عنه، ( «أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فنهاه عن قتلها» ) . # قال صاحب القانون: ms1237 من أكل من دم الضفدع أو جرمه، ورم بدنه، وكمد لونه، ~~وقذف المني حتى يموت، ولذلك ترك الأطباء استعماله خوفا من ضرره، وهي نوعان: ~~مائية وترابية، والترابية يقتل أكلها. ### | [حرف الطاء] ### | [طيب] # حرف الطاء # طيب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «حبب إلي من ~~دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» ) . # ( «وكان صلى الله عليه وسلم يكثر التطيب، وتشتد عليه الرائحة الكريهة، ~~وتشق عليه،» ) والطيب غذاء الروح التي هي مطية القوى تتضاعف وتزيد بالطيب، ~~كما تزيد بالغذاء # PageV04P308 # والشراب، والدعة والسرور، ومعاشرة الأحبة، وحدوث الأمور المحبوبة، وغيبة ~~من تسر غيبته، ويثقل على الروح مشاهدته، كالثقلاء والبغضاء، فإن معاشرتهم ~~توهن القوى، وتجلب الهم والغم، وهي للروح بمنزلة الحمى للبدن، وبمنزلة ~~الرائحة الكريهة، ولهذا كان مما حبب الله سبحانه الصحابة بنهيهم عن التخلق ~~بهذا الخلق في معاشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأذيه بذلك، فقال: ~~{إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} [الأحزاب: 53] [الأحزاب: ~~53] . # والمقصود أن ( «الطيب كان من أحب الأشياء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» ) وله تأثير في حفظ الصحة، ودفع كثير من الآلام، وأسبابها بسبب قوة ~~الطبيعة به. ### | [طين] # : ورد في أحاديث موضوعة لا يصح منها شيء مثل حديث ( «من أكل الطين، فقد ~~أعان على قتل نفسه» ) ومثل حديث: ( «يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يعصم ~~البطن، ويصفر اللون، ويذهب بهاء الوجه» ) . # وكل حديث في الطين فإنه لا يصح، ولا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إلا أنه رديء مؤذ، يسد مجاري العروق، وهو بارد يابس، قوي التجفيف، ~~ويمنع استطلاق البطن، ويوجب نفث الدم وقروح الفم. ### | [طلح] # : قال تعالى: {وطلح منضود} [الواقعة: 29] [الواقعة: 29] ، قال أكثر ~~المفسرين، هو الموز. والمنضود: هو الذي قد نضد بعضه على بعض، كالمشط. # وقيل: الطلح: الشجر ذو الشوك، نضد مكان كل شوكة ثمرة، فثمره قد نضد بعضه ~~إلى بعض، فهو مثل الموز، ms1238 وهذا القول أصح، ويكون من ذكر الموز من السلف أراد ~~التمثيل لا التخصيص والله أعلم. # وهو حار رطب، أجوده النضيج الحلو، ينفع من خشونة الصدر والرئة # PageV04P309 # والسعال، وقروح الكليتين، والمثانة، ويدر البول، ويزيد في المني ويحرك ~~الشهوة للجماع، ويلين البطن، ويؤكل قبل الطعام، ويضر المعدة، ويزيد في ~~الصفراء والبلغم، ودفع ضرره بالسكر أو العسل. ### | [طلع] # : قال تعالى: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} [ق: 10] [ق: 10] وقال تعالى: ~~{ونخل طلعها هضيم} [الشعراء: 148] [الشعراء: 148] . # طلع النخل: ما يبدو من ثمرته في أول ظهوره، وقشره يسمى الكفرى، والنضيد: ~~المنضود الذي قد نضد بعضه على بعض، وإنما يقال له: نضيد ما دام في كفراه، ~~فإذا انفتح فليس بنضيد. # وأما الهضيم: فهو المنضم بعضه إلى بعض، فهو كالنضيد أيضا، وذلك يكون قبل ~~تشقق الكفرى عنه. # والطلع نوعان: ذكر وأنثى، والتلقيح هو أن يؤخذ من الذكر، وهو مثل دقيق ~~الحنطة، فيجعل في الأنثى، وهو التأبير، فيكون ذلك بمنزلة اللقاح بين الذكر ~~والأنثى، وقد روى مسلم في " صحيحه ": عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، ~~قال: «مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل، فرأى قوما يلقحون، ~~فقال: (ما يصنع هؤلاء؟ " قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى، قال: ~~" ما أظن ذلك يغني شيئا "، فبلغهم، فتركوه، فلم يصلح، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إنما هو ظن، فإن كان يغني شيئا، فاصنعوه، فإنما أنا بشر ~~مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل. فلن أكذب على ~~الله» ) انتهى. # PageV04P310 # طلع النخل ينفع من الباه، ويزيد في المباضعة، ودقيق طلعه إذا تحملت به ~~المرأة قبل الجماع أعان على الحبل إعانة بالغة، وهو في البرودة واليبوسة في ~~الدرجة الثانية، يقوي المعدة ويجففها، ويسكن ثائرة الدم مع غلظة وبطء هضم. # ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحارة، ومن أكثر منه فإنه ينبغي أن يأخذ ~~عليه شيئا من الجوارشات الحارة، وهو يعقل الطبع، ويقوي الأحشاء، والجمار ~~يجري مجراه، وكذلك البلح، والبسر، والإكثار منه يضر بالمعدة والصدر، ms1239 وربما ~~أورث القولنج، وإصلاحه بالسمن، أو بما تقدم ذكره. ### | [حرف العين] ### | [عنب] # حرف العين # عنب: في " الغيلانيات " من حديث حبيب بن يسار، عن ابن عباس رضي الله عنه ~~قال: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا.» ) قال أبو ~~جعفر العقيلي: لا أصل لهذا الحديث، قلت: وفيه داود بن عبد الجبار أبو سليم ~~الكوفي، قال يحيى بن معين: كان يكذب. # ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( «كان يحب العنب والبطيخ» ) ~~. # PageV04P311 # وقد ذكر الله سبحانه العنب في ستة مواضع من كتابه في جملة نعمه التي أنعم ~~بها على عباده في هذه الدار وفي الجنة، وهو من أفضل الفواكه وأكثرها منافع، ~~وهو يؤكل رطبا ويابسا، وأخضر ويانعا، وهو فاكهة مع الفواكه، وقوت مع ~~الأقوات، وأدم مع الإدام، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وطبعه طبع ~~الحبات: الحرارة والرطوبة، وجيده الكبار المائي، والأبيض أحمد من الأسود ~~إذا تساويا في الحلاوة، والمتروك بعد قطفه يومين أو ثلاثة أحمد من المقطوف ~~في يومه، فإنه منفخ مطلق للبطن، والمعلق حتى يضمر قشره جيد للغذاء، مقو ~~للبدن، وغذاؤه كغذاء التين والزبيب، وإذا ألقي عجم العنب كان أكثر تليينا ~~للطبيعة، والإكثار منه مصدع للرأس، ودفع مضرته بالرمان المز. # ومنفعة العنب يسهل الطبع، ويسمن، ويغذو جيده غذاء حسنا، وهو أحد الفواكه ~~الثلاث التي هي ملوك الفواكه، هو والرطب والتين. ### | [عسل] # : قد تقدم ذكر منافعه. قال ابن جريج: قال الزهري: عليك بالعسل، فإنه جيد ~~للحفظ، وأجوده أصفاه وأبيضه، وألينه حدة، وأصدقه حلاوة، وما يؤخذ من الجبال ~~والشجر له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله. ### | [عجوة] # : في " الصحيحين ": من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: ( «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ~~ولا سحر» ) # PageV04P312 # وفي " سنن النسائي " وابن ماجه: من حديث جابر، وأبي سعيد رضي الله عنهما، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «العجوة من الجنة، وهي شفاء من ms1240 السم، ~~والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين» ) . # وقد قيل: إن هذا في عجوة المدينة، وهي أحد أصناف التمر بها، ومن أنفع تمر ~~الحجاز على الإطلاق، وهو صنف كريم ملذذ، متين للجسم والقوة، من ألين التمر ~~وأطيبه وألذه، وقد تقدم ذكر التمر وطبعه ومنافعه في حرف التاء، والكلام على ~~دفع العجوة للسم والسحر، فلا حاجة لإعادته. ### | [عنبر] # : تقدم في " الصحيحين " من حديث جابر، في قصة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر ~~شهرا، وأنهم تزودوا من لحمه وشائق إلى المدينة، وأرسلوا منه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وهو أحد ما يدل على أن إباحة ما في البحر لا يختص بالسمك، ~~وعلى أن ميتته حلال، واعترض على ذلك بأن البحر ألقاه حيا، ثم جزر عنه ~~الماء، فمات، وهذا حلال، فإن موته بسبب مفارقته للماء، وهذا لا يصح، فإنهم ~~إنما وجدوه ميتا بالساحل ولم يشاهدوه قد خرج عنه حيا، ثم جزر عنه الماء. # وأيضا: فلو كان حيا لما ألقاه البحر إلى ساحله، فإنه من المعلوم أن البحر ~~إنما يقذف إلى ساحله الميت من حيواناته لا الحي منها. # وأيضا: فلو قدر احتمال ما ذكروه لم يجز أن يكون شرطا في الإباحة، فإنه لا ~~يباح الشيء مع الشك في سبب إباحته، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أكل الصيد إذا # PageV04P313 # وجده الصائد غريقا في الماء للشك في سبب موته، هل هو الآلة أم الماء؟. # وأما العنبر الذي هو أحد أنواع الطيب، فهو من أفخر أنواعه بعد المسك، ~~وأخطأ من قدمه على المسك، وجعله سيد أنواع الطيب، وقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال في المسك: ( «هو أطيب الطيب» ) ، وسيأتي إن شاء ~~الله تعالى ذكر الخصائص والمنافع التي خص بها المسك، حتى إنه طيب الجنة ~~والكثبان التي هي مقاعد الصديقين هناك من مسك لا من عنبر. # والذي غر هذا القائل أنه لا يدخله التغير على طول الزمان، فهو كالذهب، ~~وهذا يدل على أنه أفضل من المسك، فإنه بهذه الخاصية الواحدة لا يقاوم ms1241 ما في ~~المسك من الخواص. # وبعد فضروبه كثيرة، وألوانه مختلفة، فمنه الأبيض، والأشهب، والأحمر، ~~والأصفر، والأخضر، والأزرق، والأسود، وذو الألوان، وأجوده: الأشهب، ثم ~~الأزرق، ثم الأصفر، وأردؤه الأسود. وقد اختلف الناس في عنصره، فقالت طائفة: ~~هو نبات ينبت في قعر البحر، فيبتلعه بعض دوابه، فإذا ثملت منه قذفته رجيعا، ~~فيقذفه البحر إلى ساحله. وقيل: طل ينزل من السماء في جزائر البحر، فتلقيه ~~الأمواج إلى الساحل، وقيل: روث دابة بحرية تشبه البقرة. وقيل: بل هو جفاء ~~من جفاء البحر، أي زبد. # وقال صاحب " القانون ": هو فيما يظن ينبع من عين في البحر، والذي يقال: ~~إنه زبد البحر، أو روث دابة بعيد انتهى. # ومزاجه حار يابس، مقو للقلب، والدماغ، والحواس، وأعضاء البدن، نافع من ~~الفالج واللقوة، والأمراض البلغمية، وأوجاع المعدة الباردة، والرياح # PageV04P314 # الغليظة، ومن السدد إذا شرب، أو طلي به من خارج، وإذا تبخر به، نفع من ~~الزكام والصداع، والشقيقة الباردة. ### | [عود] # : العود الهندي نوعان، أحدهما: يستعمل في الأدوية وهو الكست، ويقال له: ~~القسط وسيأتي في حرف القاف. الثاني: يستعمل في الطيب، ويقال له: الألوة. ~~وقد روى مسلم في " صحيحه ": عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه ( «كان يستجمر ~~بالألوة غير مطراة، وبكافور يطرح معها، ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم،» ) وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنة ( «مجامرهم الألوة» ~~) والمجامر: جمع مجمر وهو ما يتجمر به من عود وغيره، وهو أنواع. أجودها: ~~الهندي، ثم الصيني، ثم القماري، ثم المندلي، وأجوده: الأسود والأزرق الصلب ~~الرزين الدسم، وأقله جودة ما خف وطفا على الماء، ويقال: إنه شجر يقطع ويدفن ~~في الأرض سنة، فتأكل الأرض منه ما لا ينفع، ويبقى عود الطيب، لا تعمل فيه ~~الأرض شيئا، يتعفن منه قشره وما لا طيب فيه. # وهو حار يابس في الثالثة، يفتح السدد، ويكسر الرياح، ويذهب بفضل الرطوبة، ~~ويقوي الأحشاء والقلب ويفرحه، وينفع الدماغ، ويقوي الحواس، ويحبس البطن، ~~وينفع من سلس البول الحادث عن برد المثانة. # قال ابن سمجون: العود ضروب كثيرة ms1242 يجمعها اسم الألوة، ويستعمل # PageV04P315 # من داخل وخارج، ويتجمر به مفردا ومع غيره، وفي الخلط للكافور به عند ~~التجمير معنى طبي، وهو إصلاح كل منهما بالآخر، وفي التجمر مراعاة جوهر ~~الهواء وإصلاحه، فإنه أحد الأشياء الستة الضرورية التي في صلاحها صلاح ~~الأبدان. ### | [عدس] # : قد ورد فيه أحاديث كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم ~~يقل شيئا منها، كحديث: ( «إنه قدس على لسان سبعين نبيا» ) وحديث: ( «إنه ~~يرق القلب، ويغزر الدمعة، وإنه مأكول الصالحين،» ) وأرفع شيء جاء فيه، ~~وأصحه أنه شهوة اليهود التي قدموها على المن والسلوى، وهو قرين الثوم ~~والبصل في الذكر. # وطبعه طبع المؤنث، بارد يابس، وفيه قوتان متضادتان. إحداهما: يعقل ~~الطبيعة. والأخرى: يطلقها، وقشره حار يابس في الثالثة، حريف مطلق للبطن، ~~وترياقه في قشره، ولهذا كان صحاحه أنفع من مطحونه، وأخف على المعدة، وأقل ~~ضررا، فإن لبه بطيء الهضم لبرودته ويبوسته، وهو مولد للسوداء، ويضر ~~بالماليخوليا ضررا بينا، ويضر بالأعصاب والبصر. # وهو غليظ الدم، وينبغي أن يتجنبه أصحاب السوداء، وإكثارهم منه يولد لهم ~~أدواء رديئة، كالوسواس والجذام، وحمى الربع، ويقلل ضرره السلق والإسفاناخ، ~~وإكثار الدهن. وأردأ ما أكل بالنمكسود وليتجنب خلط الحلاوة به، فإنه يورث ~~سددا كبدية، وإدمانه يظلم البصر لشدة تجفيفه، ويعسر البول، ويوجب الأورام ~~الباردة، والرياح الغليظة. وأجوده الأبيض السمين، السريع النضج. # وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه، # PageV04P316 # فكذب مفترى، وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشواء، وهو العجل الحنيذ. # وذكر البيهقي، عن إسحاق قال: سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في ~~العدس، ( «أنه قدس على لسان سبعين نبيا،» ) فقال: ولا على لسان نبي واحد، ~~وإنه لمؤذ منفخ، من حدثكم به؟ قالوا: سلم بن سالم، فقال: عمن؟ قالوا: عنك. ~~قال: وعني أيضا؟!!. ### | [حرف الغين] ### | [غيث] # حرف الغين # غيث: مذكور في القرآن في عدة مواضع، وهو لذيذ الاسم على السمع، والمسمى ~~على الروح والبدن، تبتهج الأسماع بذكره، والقلوب بوروده، وماؤه أفضل ~~المياه، وألطفها وأنفعها وأعظمها بركة، ولا سيما إذا كان ms1243 من سحاب راعد، ~~واجتمع في مستنقعات الجبال، وهو أرطب من سائر المياه، لأنه لم تطل مدته على ~~الأرض، فيكتسب من يبوستها، ولم يخالطه جوهر يابس، ولذلك يتغير ويتعفن سريعا ~~للطافته وسرعة انفعاله، وهل الغيث الربيعي ألطف من الشتوي أو بالعكس؟ فيه ~~قولان. # قال من رجح الغيث الشتوي: حرارة الشمس تكون حينئذ أقل فلا تجتذب من ماء ~~البحر إلا ألطفه، والجو صاف وهو خال من الأبخرة الدخانية، والغبار المخالط ~~للماء، وكل هذا يوجب لطفه وصفاءه، وخلوه من مخالط. # قال من رجح الربيعي: الحرارة توجب تحلل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقة ~~الهواء ولطافته، فيخف بذلك الماء، وتقل أجزاؤه الأرضية، وتصادف وقت حياة ~~النبات والأشجار وطيب الهواء. # PageV04P317 # وذكر الشافعي رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنهما، قال: ( «كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابنا مطر، فحسر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثوبه، وقال: إنه حديث عهد بربه،» ) وقد تقدم في هديه في الاستسقاء ذكر ~~استمطاره صلى الله عليه وسلم، وتبركه بماء الغيث عند أول مجيئه. ### | [حرف الفاء] ### | [فاتحة الكتاب] # حرف الفاء # فاتحة الكتاب: وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء ~~النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم ~~والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها، وأحسن تنزيلها على ~~دائه، وعرف وجه الاستشفاء والتداوي بها، والسر الذي لأجله كانت كذلك. # ولما وقع بعض الصحابة على ذلك، رقى بها اللديغ، فبرأ لوقته، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: ( «وما أدراك أنها رقية» ) . # ومن ساعده التوفيق، وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة، ~~وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، ~~وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال ~~التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، ~~وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة ~~الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة ~~المطلقة التامة، والنعمة الكاملة منوطة بها، موقوفة على ms1244 التحقق بها، أغنته ~~عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر ~~أسبابه. # PageV04P318 # وهذا أمر يحتاج استحداث فطرة أخرى، وعقل آخر، وإيمان آخر، وتالله لا تجد ~~مقالة فاسدة، ولا بدعة باطلة إلا وفاتحة الكتاب متضمنة لردها وإبطالها ~~بأقرب الطرق، وأصحها وأوضحها، ولا تجد بابا من أبواب المعارف الإلهية، ~~وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي فاتحة الكتاب مفتاحه، ~~وموضع الدلالة عليه، ولا منزلا من منازل السائرين إلى رب العالمين إلا ~~وبدايته ونهايته فيها. # ولعمر الله إن شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقق عبد بها، ~~واعتصم بها، وعقل عمن تكلم بها، وأنزلها شفاء تاما، وعصمة بالغة، ونورا ~~مبينا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي ووقع في بدعة ولا شرك، ولا أصابه مرض ~~من أمراض القلوب إلا لماما، غير مستقر. # هذا، وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاح لكنوز الجنة، ~~ولكن ليس كل واحد يحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أن طلاب الكنوز وقفوا على ~~سر هذه السورة، وتحققوا بمعانيها، وركبوا لهذا المفتاح أسنانا، وأحسنوا ~~الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكنوز من غير معاوق، ولا ممانع. # ولم نقل هذا مجازفة ولا استعارة، بل حقيقة، ولكن لله تعالى حكمة بالغة في ~~إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز ~~الأرض عنهم، والكنوز المحجوبة قد استخدم عليها أرواح خبيثة شيطانية تحول ~~بين الإنس وبينها، ولا تقهرها إلا أرواح علوية شريفة غالبة لها بحالها ~~الإيماني، معها منه أسلحة لا تقوم لها الشياطين، وأكثر نفوس الناس ليست ~~بهذه المثابة، فلا يقاوم تلك الأرواح ولا يقهرها، ولا ينال من سلبها شيئا، ~~فإن من قتل قتيلا فله سلبه. ### | [فاغية] # : هي نور الحناء، وهي من أطيب الرياحين، وقد روى البيهقي في كتابه " شعب ~~الإيمان " من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه يرفعه: # PageV04P319 # ( «سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية» ) . وروى فيه أيضا، عن أنس ~~بن مالك رضي الله عنه قال: ( «كان أحب ms1245 الرياحين إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الفاغية» ) . والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما لا نعلم صحته. # وهي معتدلة في الحر واليبس، فيها بعض القبض، وإذا وضعت بين طي ثياب الصوف ~~حفظتها من السوس، وتدخل في مراهم الفالج والتمدد، ودهنها يحلل الأعضاء، ~~ويلين العصب. ### | [فضة] # : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «كان خاتمه من فضة، وفصه منه، ~~وكانت قبيعة سيفه فضة» ) ، ولم يصح عنه في المنع من لباس الفضة والتحلي بها ~~شيء البتة، كما صح عنه المنع من الشرب في آنيتها، وباب الآنية أضيق من باب ~~اللباس والتحلي، ولهذا يباح للنساء لباسا، وحلية ما يحرم عليهن استعماله ~~آنية، فلا يلزم من تحريم الآنية تحريم اللباس والحلية. # وفي " السنن " عنه: ( «وأما الفضة فالعبوا بها لعبا» ) . فالمنع يحتاج ~~إلى دليل يبينه، إما نص أو إجماع، فإن ثبت أحدهما، وإلا ففي القلب من تحريم ~~ذلك على الرجال شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم أمسك بيده ذهبا، وبالأخرى ~~حريرا، وقال: ( «هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم» ) . # PageV04P320 # والفضة سر من أسرار الله في الأرض، وطلسم الحاجات، وإحسان أهل الدنيا ~~بينهم، وصاحبها مرموق بالعيون بينهم، معظم في النفوس، مصدر في المجالس، لا ~~تغلق دونه الأبواب، ولا تمل مجالسته، ولا معاشرته، ولا يستثقل مكانه، تشير ~~الأصابع إليه، وتعقد العيون نطاقها عليه، إن قال سمع قوله، وإن شفع قبلت ~~شفاعته، وإن شهد، زكيت شهادته، وإن خطب فكفء لا يعاب، وإن كان ذا شيبة ~~بيضاء، فهي أجمل عليه من حلية الشباب. # وهي من الأدوية المفرحة النافعة من الهم والغم والحزن، وضعف القلب ~~وخفقانه، وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصيتها ما يتولد في القلب من ~~الأخلاط الفاسدة، خصوصا إذا أضيفت إلى العسل المصفى، والزعفران. # ومزاجها إلى اليبوسة والبرودة، ويتولد عنها من الحرارة والرطوبة ما ~~يتولد، والجنان التي أعدها الله عز وجل لأوليائه يوم يلقونه أربع: جنتان من ~~ذهب، وجنتان من فضة، آنيتهما وحليتهما وما فيهما. وقد ثبت ms1246 عنه صلى الله ~~عليه وسلم في " الصحيح " من حديث أم سلمة أنه قال: ( «الذي يشرب في آنية ~~الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ) . # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ~~ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» ) . # فقيل: علة التحريم تضييق النقود، فإنها إذا اتخذت أواني فاتت الحكمة # PageV04P321 # التي وضعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم، وقيل: العلة الفخر والخيلاء. ~~وقيل: العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها. # وهذه العلل فيها ما فيها، فإن التعليل بتضييق النقود يمنع من التحلي بها ~~وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية ولا نقد، والفخر والخيلاء حرام بأي شيء ~~كان وكسر قلوب المساكين لا ضابط له، فإن قلوبهم تنكسر بالدور الواسعة ~~والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللذيذة، ~~وغير ذلك من المباحات، وكل هذه علل منتقضة، إذ توجد العلة، ويتخلف معلولها. # فالصواب أن العلة - والله أعلم - ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة، ~~والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأنها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها ~~في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما ~~يستعملها من خرج عن عبوديته، ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة. ### | [حرف القاف] ### | [قرآن] # حرف القاف # قرآن: قال الله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} ~~[الإسراء: 82] [الإسراء: 82] والصحيح: أن " من " هاهنا، لبيان الجنس لا ~~للتبعيض، وقال تعالى: {ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور} [يونس: 57] [يونس: 57] . # فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء ~~الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل ~~التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، ~~واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدا. # PageV04P322 # وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال ~~لصدعها، أو على الأرض لقطعها، فما من مرض ms1247 من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي ~~القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهما في ~~كتابه، وقد تقدم في أول الكلام على الطب بيان إرشاد القرآن العظيم إلى ~~أصوله ومجامعه التي هي حفظ الصحة والحمية، واستفراغ المؤذي، والاستدلال ~~بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع. # وأما الأدوية القلبية، فإنه يذكرها مفصلة، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. ~~قال: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [العنكبوت: 51] ~~[العنكبوت: 51] ، فمن لم يشفه القرآن، فلا شفاه الله، ومن لم يكفه فلا كفاه ~~الله. ### | [قثاء] # : في " السنن ": من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( «كان يأكل القثاء بالرطب» ) ، ورواه الترمذي وغيره. # القثاء بارد رطب في الدرجة الثانية، مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء ~~الفساد فيها، نافع من وجع المثانة، ورائحته تنفع من الغشي، وبزره يدر ~~البول، وورقه إذا اتخذ ضمادا نفع من عضة الكلب، وهو بطيء الانحدار عن ~~المعدة، وبرده مضر ببعضها، فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه ويكسر برودته ~~ورطوبته، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أكله بالرطب، فإذا أكل ~~بتمر أو زبيب أو عسل عدله. ### | [قسط وكست] # : بمعنى واحد. وفي " الصحيحين ": من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ( «خير ما تداويتم به الحجامة والقسط # PageV04P323 # البحري» ) . # وفي " المسند ": من حديث أم قيس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «عليكم ~~بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب» ) . # القسط: نوعان أحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحري. والآخر الهندي، وهو ~~أشدهما حرا، والأبيض ألينهما، ومنافعهما كثيرة جدا. # وهما حاران يابسان في الثالثة، ينشفان البلغم، قاطعان للزكام، وإذا شربا ~~نفعا من ضعف الكبد والمعدة ومن بردهما، ومن حمى الدور والربع، وقطعا وجع ~~الجنب، ونفعا من السموم، وإذا طلي به الوجه معجونا بالماء والعسل، قلع ~~الكلف، وقال جالينوس: ينفع من الكزاز، ووجع الجنبين، ويقتل حب القرع. # وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب، فأنكروه ms1248 ولو ظفر هذا ~~الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزوله منزلة النص، كيف وقد نص كثير من ~~الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب، ذكره ~~الخطابي عن محمد بن الجهم. # وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة طب الطرقية ~~والعجائز إلى طب الأطباء، وأن بين ما يلقى بالوحي، وبين ما يلقى بالتجربة ~~والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق. # ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين ~~من الأطباء، لتلقوه بالقبول والتسليم، ولم يتوقفوا على تجربته. # نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرا في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمن اعتاد # PageV04P324 # دواء وغذاء، كان أنفع له، وأوفق ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به من لم ~~يعتده. # وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة، والأماكن ~~والعوائد، وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في ~~كلام الصادق المصدوق، ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم، إلا من أيده ~~الله بروح الإيمان، ونور بصيرته بنور الهدى. ### | [قصب السكر] # : جاء في بعض ألفاظ السنة الصحيحة في الحوض ( «ماؤه أحلى من السكر» ) ولا ~~أعرف السكر في الحديث إلا في هذا الموضع. # والسكر حادث لم يتكلم فيه متقدمو الأطباء، ولا كانوا يعرفونه، ولا يصفونه ~~في الأشربة، وإنما يعرفون العسل، ويدخلونه في الأدوية، وقصب السكر حار رطب ~~ينفع من السعال، ويجلو الرطوبة والمثانة، وقصبة الرئة، وهو أشد تليينا من ~~السكر، وفيه معونة على القيء، ويدر البول ويزيد في # PageV04P325 # الباه. # قال عفان بن مسلم الصفار: من مص قصب السكر بعد طعامه، لم يزل يومه أجمع ~~في سرور، انتهى. # وهو ينفع من خشونة الصدر والحلق إذا شوي، ويولد رياحا دفعها بأن يقشر، ~~ويغسل بماء حار. # والسكر حار رطب على الأصح، وقيل: بارد، وأجوده: الأبيض الشفاف الطبرزد، ~~وعتيقه ألطف من جديده، وإذا طبخ ونزعت رغوته، سكن العطش والسعال، وهو يضر ~~المعدة التي تتولد فيها الصفراء لاستحالته إليها، ودفع ضرره بماء ms1249 الليمون ~~أو النارنج، أو الرمان اللفان. # وبعض الناس يفضله على العسل لقلة حرارته ولينه، وهذا تحامل منه على ~~العسل، فإن منافع العسل أضعاف منافع السكر، وقد جعله الله شفاء ودواء، ~~وإداما وحلاوة، وأين نفع السكر من منافع العسل: من تقوية المعدة، وتليين ~~الطبع، وإحداد البصر، وجلاء ظلمته، ودفع الخوانيق بالغرغرة به، وإبرائه من ~~الفالج واللقوة، ومن جميع العلل الباردة التي تحدث في جميع البدن من ~~الرطوبات، فيجذبها من قعر البدن ومن جميع البدن، وحفظ صحته، وتسمينه، ~~وتسخينه، والزيادة في الباه، والتحليل والجلاء، وفتح أفواه العروق، وتنقية ~~المعى، وإحدار الدود، ومنع التخم وغيره من العفن، والأدم النافع، وموافقة ~~من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة، وبالجملة: فلا شيء أنفع ~~منه للبدن، وفي العلاج وعجز الأدوية، وحفظ قواها، وتقوية المعدة إلى أضعاف ~~هذه المنافع، فأين للسكر مثل هذه المنافع والخصائص أو قريب منها. ### | [حرف الكاف] ### | [كتاب للحمى] # حرف الكاف # كتاب للحمى: قال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت، فكتب لي من # PageV04P326 # الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله، وبالله، محمد رسول ~~الله، {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} [الأنبياء: 69] ، ~~{وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء: 70] ، اللهم رب جبرائيل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك، إله الحق ~~آمين. # قال المروزي: وقرأ على أبي عبد الله - وأنا أسمع - أبو المنذر عمرو بن ~~مجمع، حدثنا يونس بن حبان، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلق ~~التعويذ، فقال: إن كان من كتاب الله أو كلام عن نبي الله فعلقه واستشف به ~~ما استطعت. قلت: أكتب هذه من حمى الربع: باسم الله، وبالله، ومحمد رسول ~~الله إلى آخره؟ قال: أي نعم. # وذكر أحمد عن عائشة رضي الله عنها، وغيرها أنهم سهلوا في ذلك. # قال حرب: ولم يشدد فيه أحمد بن حنبل، قال أحمد: وكان ابن مسعود يكرهه ~~كراهة شديدة جدا. وقال أحمد وقد سئل عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء؟ قال: ~~أرجو أن لا يكون به ms1250 بأس. # قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد، قال: رأيت أبي يكتب التعويذ للذي ~~يفزع، وللحمى بعد وقوع البلاء. ### | [كتاب لعسر الولادة] # : قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد: قال رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر ~~عليها ولادتها في جام أبيض، أو شيء نظيف، يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنه: ~~لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب ~~العالمين: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} ~~[الأحقاف: 35] [الأحقاف: 35] ، {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحاها} [النازعات: 46] [النازعات: 46] . # قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروزي، أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا ~~أبا عبد الله! تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين؟ فقال: قل له: ~~يجيء بجام # PageV04P327 # واسع، وزعفران، ورأيته يكتب لغير واحد، ويذكر عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ~~( «مر عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم على بقرة قد اعترض ولدها في ~~بطنها، فقالت: يا كلمة الله! ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه، فقال: يا ~~خالق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس، ~~خلصها. قال: فرمت بولدها، فإذا هي قائمة تشمه» ) . قال: فإذا عسر على ~~المرأة ولدها، فاكتبه لها. وكل ما تقدم من الرقى، فإن كتابته نافعة. # ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي ~~جعل الله فيه. # كتاب آخر لذلك: يكتب في إناء نظيف: {إذا السماء انشقت - وأذنت لربها وحقت ~~- وإذا الأرض مدت - وألقت ما فيها وتخلت} [الانشقاق: 1 - 4] [الانشقاق: ~~1-4] وتشرب منه الحامل، ويرش على بطنها. ### | [كتاب للرعاف] # : كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهته: {وقيل ياأرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر} [هود: 44] [هود: 44] . ~~وسمعته يقول: كتبتها لغير واحد فبرأ، فقال: ولا يجوز كتابتها بدم الراعف، ~~كما يفعله الجهال، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى. # كتاب ms1251 آخر له: خرج موسى عليه السلام برداء، فوجد شعيبا، فشده بردائه ~~{يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] [الرعد: 39] . # كتاب آخر للحزاز: يكتب عليه: {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} [البقرة: ~~266] [البقرة: 266] بحول الله وقوته. # كتاب آخر له: عند اصفرار الشمس يكتب عليه: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر ~~لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28] [الحديد: 28] . # PageV04P328 # كتاب آخر للحمى المثلثة: يكتب على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرت، بسم ~~الله مرت، بسم الله قلت، ويأخذ كل يوم ورقة، ويجعلها في فمه ويبتلعها بماء. # كتاب آخر لعرق النسا: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب كل شيء، ومليك كل ~~شيء، وخالق كل شيء أنت خلقتني، وأنت خلقت النسا فلا تسلطه علي بأذى، ولا ~~تسلطني عليه بقطع، واشفني شفاء لا يغادر سقما، لا شافي إلا أنت. ### | [كتاب للعرق الضارب] # : روى الترمذي في " جامعه ": من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الحمى، ومن الأوجاع كلها أن يقولوا: ~~( «بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار، ومن شر حر ~~النار» ) . ### | [كتاب لوجع الضرس] # : يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم {قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} [الملك: 23] ~~[النحل: 78] ، وإن شاء كتب {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع ~~العليم} [الأنعام: 13] [الأنعام: 13] . ### | [كتاب للخراج] # : يكتب عليه: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} [طه: 105] [طه: 105] . ### | [كمأة] # : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( «الكمأة من المن وماؤها ~~شفاء للعين» ) أخرجاه في " الصحيحين ". # PageV04P329 # قال ابن الأعرابي: الكمأة: جمع، واحده كمء وهذا خلاف قياس العربية، فإن ~~ما بينه وبين واحده التاء، فالواحد منه التاء، وإذا حذفت كان للجمع. وهل هو ~~جمع، أو اسم جمع؟ على قولين مشهورين: قالوا: ولم يخرج عن هذا إلا ms1252 حرفان: ~~كمأة وكمء، وجبأة وجبء، وقال غير ابن الأعرابي: بل هي على القياس: الكمأة ~~للواحد، والكمء للكثير، وقال غيرهما: الكمأة تكون واحدا وجمعا. # واحتج أصحاب القول الأول بأنهم قد جمعوا كمئا على أكمؤ، قال الشاعر: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر # وهذا يدل على أن " كمئا " مفرد " وكمأة " جمع. # والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع، وسميت كمأة لاستتارها، ومنه كمأ ~~الشهادة، إذا سترها وأخفاها، والكمأة مخفية تحت الأرض لا ورق لها ولا ساق، ~~ومادتها من جوهر أرضي بخاري محتقن في الأرض نحو سطحها يحتقن ببرد الشتاء، ~~وتنميه أمطار الربيع، فيتولد ويندفع نحو سطح الأرض متجسدا، ولذلك يقال لها: ~~جدري الأرض، تشبيها بالجدري في صورته ومادته، لأن مادته رطوبة دموية، ~~فتندفع عند سن الترعرع في الغالب، وفي ابتداء استيلاء الحرارة، ونماء ~~القوة. # وهي مما يوجد في الربيع، ويؤكل نيئا ومطبوخا، وتسميها العرب: نبات # PageV04P330 # الرعد لأنها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض، وهي من أطعمة أهل البوادي، ~~وتكثر بأرض العرب، وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء. # وهي أصناف: منها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة يحدث الاختناق. # وهي باردة رطبة في الدرجة الثالثة، رديئة للمعدة، بطيئة الهضم، وإذا ~~أدمنت أورثت القولنج والسكتة والفالج، ووجع المعدة، وعسر البول، والرطبة ~~أقل ضررا من اليابسة، ومن أكلها فليدفنها في الطين الرطب، ويسلقها بالماء ~~والملح والصعتر، ويأكلها بالزيت والتوابل الحارة، لأن جوهرها أرضي غليظ، ~~وغذاؤها رديء لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها، والاكتحال بها نافع ~~من ظلمة البصر والرمد الحار، وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو ~~العين، وممن ذكره المسيحي وصاحب القانون وغيرهما. # وقوله صلى الله عليه وسلم ( «الكمأة من المن» ) فيه قولان: # أحدهما: أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط، بل ~~أشياء كثيرة من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا من غير صنعة ولا ~~علاج ولا حرث، فإن المن مصدر بمعنى المفعول، أي " ممنون " به فكل ما رزقه ~~الله العبد ms1253 عفوا بغير كسب منه ولا علاج، فهو من محض، وإن كانت سائر نعمه ~~منا منه على عبده فخص منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم المن، فإنه من ~~بلا واسطة العبد، وجعل سبحانه قوتهم بالتيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، ~~وجعل أدمهم السلوى، وهو يقوم مقام اللحم، وجعل حلواهم الطل الذي ينزل على ~~الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى فكمل عيشهم. # وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ( «الكمأة من المن الذي أنزله الله على ~~بني إسرائيل» ) فجعلها من جملته وفردا من أفراده، والترنجبين الذي يسقط على ~~الأشجار نوع من # PageV04P331 # المن، ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا. # والقول الثاني: أنه شبه الكمأة بالمن المنزل من السماء، لأنه يجمع من غير ~~تعب ولا كلفة ولا زرع بزر ولا سقي. # فإن قلت: فإن كان هذا شأن الكمأة فما بال هذا الضرر فيها، ومن أين أتاها ~~ذلك؟ فاعلم أن الله سبحانه أتقن كل شيء صنعه، وأحسن كل شيء خلقه، فهو عند ~~مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل، تام المنفعة لما هيئ وخلق له، وإنما تعرض ~~له الآفات بعد ذلك بأمور أخر من مجاورة أو امتزاج واختلاط، أو أسباب أخر ~~تقتضي فساده، فلو ترك على خلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به لم ~~يفسد. # ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته ~~وحيوانه، وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه، ولم تزل أعمال بني ~~آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من ~~الآلام والأمراض، والأسقام، والطواعين، والقحوط والجدوب، وسلب بركات الأرض ~~وثمارها ونباتها وسلب منافعها أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا، ~~فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما ~~كسبت أيدي الناس} [الروم: 41] [الروم: 41] ونزل هذه الآية على أحوال العالم ~~وطابق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في ~~الثمار والزرع والحيوان، وكيف يحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة، ms1254 بعضها ~~آخذ برقاب بعض، وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا، أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى ~~من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وأهويتهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم، ~~وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ما هو موجب أعمالهم وظلمهم ~~وفجورهم. # PageV04P332 # ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم، كما كانت البركة ~~فيها أعظم. # وقد روى الإمام أحمد بإسناده: أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها ~~حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيام العدل. وهذه القصة، ~~ذكرها في " مسنده " على أثر حديث رواه. # وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة، ثم ~~بقيت منها بقية مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم، حكما قسطا، وقضاء ~~عدلا، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله في الطاعون: ( «إنه ~~بقية رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل» ) . # وكذلك سلط الله سبحانه وتعالى الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام، ثم ~~أبقى في العالم منها بقية في تلك الأيام، وفي نظيرها عظة وعبرة. # وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم ~~اقتضاء لا بد منه، فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سببا لمنع الغيث من ~~السماء، والقحط والجدب، وجعل ظلم المساكين، والبخس في المكاييل والموازين، ~~وتعدي القوي على الضعيف سببا لجور الملوك والولاة الذين لا # PageV04P333 # يرحمون إن استرحموا، ولا يعطفون إن استعطفوا، وهم في الحقيقة أعمال ~~الرعايا ظهرت في صور ولاتهم فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس ~~أعمالهم في قوالب وصور تناسبها، فتارة بقحط وجدب، وتارة بعدو، وتارة بولاة ~~جائرين، وتارة بأمراض عامة، وتارة بهموم وآلام وغموم تحضرها نفوسهم لا ~~ينفكون عنها، وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم، وتارة بتسليط الشياطين ~~عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزا لتحق عليهم الكلمة، وليصير كل منهم إلى ~~ما خلق له، والعاقل يسير بصيرته بين أقطار العالم فيشاهده، وينظر مواقع عدل ~~الله وحكمته، وحينئذ يتبين له أن الرسل وأتباعهم خاصة على سبيل النجاة، ~~وسائر الخلق على ms1255 سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون، والله بالغ ~~أمره، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره وبالله التوفيق. # وقوله صلى الله عليه وسلم في الكمأة: ( «وماؤها شفاء للعين» ) فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: أن ماءها يخلط في الأدوية التي يعالج بها العين، لا أنه يستعمل ~~وحده ذكره أبو عبيد. # الثاني: أنه يستعمل بحتا بعد شيها، واستقطار مائها، لأن النار تلطفه ~~وتنضجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية، وتبقي المنافع. # الثالث: أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به من المطر، وهو أول قطر ينزل ~~إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقتران لا إضافة جزء، ذكره ابن الجوزي، وهو ~~أبعد الوجوه وأضعفها. # وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجردا شفاء، وإن كان ~~لغير ذلك، فمركب مع غيره. # وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل ~~به، ويقوي أجفانها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة، ويدفع عنها نزول ~~النوازل. # PageV04P334 ### | [كباث] # : في " الصحيحين ": من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: ( «كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكباث، فقال: " عليكم بالأسود منه ~~فإنه أطيبه» ) . # الكباث، بفتح الكاف والباء الموحدة المخففة والثاء المثلثة - ثمر الأراك، ~~وهو بأرض الحجاز وطبعه حار يابس، ومنافعه كمنافع الأراك يقوي المعدة، ويجيد ~~الهضم، ويجلو البلغم، وينفع من أوجاع الظهر، وكثير من الأدواء. قال ابن ~~جلجل: إذا شرب طحينه أدر البول، ونقى المثانة، وقال ابن رضوان: يقوي ~~المعدة، ويمسك الطبيعة. ### | [كتم] # : روى البخاري في " صحيحه ": عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: «دخلنا ~~على أم سلمة رضي الله عنها، فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم» . # وفي " السنن الأربعة ": عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «إن أحسن ~~ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم» ) . # وفي " الصحيحين ": عن أنس رضي الله عنه، أن أبا بكر رضي الله عنه اختضب ~~بالحناء والكتم. # PageV04P335 # وفي " سنن أبي داود ": عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ( «مر على ms1256 النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل قد خضب بالحناء، فقال ما أحسن هذا؟ فمر آخر قد خضب ~~بالحناء والكتم، فقال: " هذا أحسن من هذا " فمر آخر قد خضب بالصفرة، فقال: ~~" هذا أحسن من هذا كله» ) . # قال الغافقي: الكتم نبت ينبت بالسهول، ورقه قريب من ورق الزيتون، يعلو ~~فوق القامة، وله ثمر قدر حب الفلفل، في داخله نوى، إذا رضخ اسود، وإذا ~~استخرجت عصارة ورقه، وشرب منها قدر أوقية، قيأ قيئا شديدا، وينفع عن عضة ~~الكلب، وأصله إذا طبخ بالماء كان منه مداد يكتب به. # وقال الكندي: بزر الكتم إذا اكتحل به، حلل الماء النازل في العين ~~وأبرأها. # وقد ظن بعض الناس أن الكتم هو الوسمة، وهي ورق النيل، وهذا وهم، فإن ~~الوسمة غير الكتم. قال صاحب " الصحاح ": الكتم بالتحريك: نبت يخلط بالوسمة ~~يختضب به، قيل: والوسمة نبات له ورق طويل يضرب لونه إلى الزرقة أكبر من ورق ~~الخلاف، يشبه ورق اللوبيا، وأكبر منه، يؤتى به من الحجاز واليمن. # فإن قيل: قد ثبت في " الصحيح " عن أنس رضي الله عنه، أنه قال: «لم يختضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم» . # قيل: قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا، وقال: قد شهد به غير أنس رضي الله عنه ~~على النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد، # PageV04P336 # فأحمد أثبت خضاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة من المحدثين، ~~ومالك أنكره. # فإن قيل: فقد ثبت في " صحيح مسلم " النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي ~~قحافة لما أتي به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال: ( «غيروا هذا الشيب ~~وجنبوه السواد» ) . # والكتم يسود الشعر. # فالجواب من وجهين، أحدهما: أن النهي عن التسويد البحت، فأما إذا أضيف إلى ~~الحناء شيء آخر، كالكتم ونحوه، فلا بأس به، فإن الكتم والحناء يجعل الشعر ~~بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة، فإنها تجعله أسود فاحما، وهذا أصح ~~الجوابين. # الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس، كخضاب شعر ~~الجارية، والمرأة الكبيرة تغر الزوج، والسيد ms1257 بذلك، وخضاب الشيخ يغر المرأة ~~بذلك، فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسا ولا خداعا، فقد صح ~~عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد، ذكر ذلك ابن ~~جرير عنهما في كتاب " تهذيب الآثار " وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن ~~جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد ~~الله، وعمرو بن العاص، وحكاه عن جماعة من التابعين: منهم عمرو بن عثمان، ~~وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن ~~الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب. # وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي ~~إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع # PageV04P337 # ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام. ### | [كرم] # : شجرة العنب، وهي الحبلة، ويكره تسميتها كرما، لما روى مسلم في " صحيحه ~~" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا يقولن أحدكم للعنب الكرم. ~~الكرم: الرجل المسلم» ) . وفي رواية: ( «إنما الكرم قلب المؤمن» ) وفي ~~أخرى: ( «لا تقولوا: الكرم وقولوا: العنب والحبلة» ) . # وفي هذا معنيان: # أحدهما: أن العرب كانت تسمي شجرة العنب الكرم لكثرة منافعها وخيرها، فكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها باسم يهيج النفوس على محبتها ومحبة ما ~~يتخذ منها من المسكر، وهو أم الخبائث، فكره أن يسمى أصله بأحسن الأسماء ~~وأجمعها للخير. # والثاني: أنه من باب قوله: ( «ليس الشديد بالصرعة» ) . ( «وليس المسكين ~~بالطواف» ) . أي: أنكم تسمون شجرة العنب كرما لكثرة منافعه، وقلب المؤمن أو ~~الرجل المسلم أولى بهذا الاسم منه، فإن المؤمن خير كله # PageV04P338 # ونفع، فهو من باب التنبيه والتعريف لما في قلب المؤمن من الخير، والجود، ~~والإيمان، والنور، والهدى، والتقوى، والصفات التي يستحق بها هذا الاسم أكثر ~~من استحقاق الحبلة له. # وبعد: فقوة الحبلة باردة يابسة، وورقها وعلائقها وعرموشها مبرد في آخر ~~الدرجة الأولى، وإذا دقت وضمد بها من الصداع سكنته، ومن الأورام الحارة ~~والتهاب ms1258 المعدة. وعصارة قضبانه إذا شربت سكنت القيء، وعقلت البطن، وكذلك ~~إذا مضغت قلوبها الرطبة. وعصارة ورقها تنفع من قروح الأمعاء، ونفث الدم ~~وقيئه، ووجع المعدة، ودمع شجره الذي يحمل على القضبان، كالصمغ إذا شرب أخرج ~~الحصاة، وإذا لطخ به أبرأ القوب والجرب المتقرح وغيره، وينبغي غسل العضو ~~قبل استعمالها بالماء والنطرون، وإذا تمسح بها مع الزيت حلق الشعر ورماد ~~قضبانه إذا تضمد به مع الخل ودهن الورد والسذاب، نفع من الورم العارض في ~~الطحال، وقوة دهن زهرة الكرم قابضة شبيهة بقوة دهن الورد، ومنافعها كثيرة ~~قريبة من منافع النخلة. ### | [كرفس] # : روي في حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من ~~أكله ثم نام عليه نام ونكهته طيبة وينام آمنا من وجع الأضراس والأسنان» ) ~~وهذا باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن البستاني منه يطيب ~~النكهة جدا، وإذا علق أصله في الرقبة نفع من وجع الأسنان. # وهو حار يابس، وقيل: رطب مفتح لسداد الكبد والطحال، وورقه رطبا ينفع ~~المعدة والكبد الباردة ويدر البول والطمث، ويفتت الحصاة وحبه أقوى في ذلك، ~~ويهيج الباه، وينفع من البخر. قال الرازي: وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من ~~لدغ العقارب. ### | [كراث] # : فيه حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو باطل موضوع # PageV04P339 # : ( «من أكل الكراث ثم نام عليه نام آمنا من ريح البواسير واعتزله الملك ~~لنتن نكهته حتى يصبح» ) . # وهو نوعان: نبطي وشامي، فالنبطي: البقل الذي يوضع على المائدة. والشامي: ~~الذي له رءوس، وهو حار يابس مصدع، وإذا طبخ وأكل، أو شرب ماؤه، نفع من ~~البواسير الباردة. وإن سحق بزره، وعجن بقطران، وبخرت به الأضراس التي فيها ~~الدود نثرها وأخرجها، ويسكن الوجع العارض فيها، وإذا دخنت المقعدة ببزره ~~خفت البواسير، هذا كله في الكراث النبطي. # وفيه مع ذلك فساد الأسنان واللثة، ويصدع، ويري أحلاما رديئة، ويظلم ~~البصر، وينتن النكهة، وفيه إدرار للبول والطمث، وتحريك للباه، وهو بطيء ~~الهضم. ### | [حرف اللام] ### | [لحم] # حرف اللام # لحم: ms1259 قال الله تعالى: {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون} [الطور: 22] ~~[الطور: 22] . وقال: {ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة: 21] [الواقعة: 21] . # وفي " سنن ابن ماجه " من حديث أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم» ) . ومن حديث بريدة يرفعه: ~~( «خير الإدام في الدنيا والآخرة اللحم» ) . # وفي " الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: ( «فضل عائشة على النساء كفضل ~~الثريد على سائر # PageV04P340 # الطعام» ) . والثريد الخبز واللحم، قال الشاعر: # إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد # وقال الزهري: أكل اللحم يزيد سبعين قوة. وقال محمد بن واسع: اللحم يزيد ~~في البصر، ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (" كلوا اللحم " فإنه ~~يصفي اللون، ويخمص البطن، ويحسن الخلق) ، وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان ~~رمضان لم يفته اللحم، وإذا سافر لم يفته اللحم، ويذكر عن علي: (من تركه ~~أربعين ليلة ساء خلقه) . # وأما حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه أبو داود مرفوعا: ( «لا تقطعوا ~~اللحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم، وانهسوه، فإنه أهنأ وأمرأ» ) . فرده ~~الإمام أحمد بما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قطعه بالسكين في حديثين، وقد ~~تقدما. # واللحم أجناس يختلف باختلاف أصوله وطبائعه، فنذكر حكم كل جنس وطبعه ~~ومنفعته ومضرته. # لحم الضأن: حار في الثانية، رطب في الأولى، جيده الحولي، يولد الدم ~~المحمود القوي لمن جاد هضمه، يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة، ولأهل ~~الرياضات التامة في المواضع والفصول الباردة، نافع لأصحاب المرة السوداء ~~يقوي الذهن والحفظ. ولحم الهرم والعجيف رديء، وكذلك لحم # PageV04P341 # النعاج، وأجوده: لحم الذكر الأسود منه فإنه أخف وألذ وأنفع، والخصي أنفع ~~وأجود، والأحمر من الحيوان السمين أخف وأجود غذاء، والجذع من المعز أقل ~~تغذية، ويطفو في المعدة. # وأفضل اللحم عائذه بالعظم، والأيمن أخف وأجود من الأيسر، والمقدم أفضل من ~~المؤخر، وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها، وكل ما ~~علا منه سوى الرأس كان أخف وأجود مما سفل، وأعطى الفرزدق رجلا يشتري له ms1260 ~~لحما، وقال له: خذ المقدم، وإياك والرأس والبطن، فإن الداء فيهما. ولحم ~~العنق جيد لذيذ سريع الهضم خفيف، ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وألطفه ~~وأبعده من الأذى، وأسرعه انهضاما. # وفي " الصحيحين ": ( «أنه كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) ، ~~ولحم الظهر كثير الغذاء، يولد دما محمودا. وفي " سنن ابن ماجه " مرفوعا: ( ~~«أطيب اللحم لحم الظهر» ) . ### | [لحم المعز] # قليل الحرارة يابس، وخلطه المتولد منه ليس بفاضل وليس بجيد الهضم، ولا ~~محمود الغذاء. ولحم التيس رديء مطلقا، شديد اليبس، عسر الانهضام، مولد ~~للخلط السوداوي. # قال الجاحظ: قال لي فاضل من الأطباء: يا أبا عثمان! إياك ولحم المعز، ~~فإنه يورث الغم، ويحرك السوداء، ويورث النسيان، ويفسد الدم وهو والله يخبل ~~الأولاد. # PageV04P342 # وقال بعض الأطباء: إنما المذموم منه المسن، ولا سيما للمسنين، ولا رداءة ~~فيه لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحولي منه من الأغذية المعتدلة المعدلة ~~للكيموس المحمود، وإناثه أنفع من ذكوره. # وقد روى النسائي في " سننه " عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «أحسنوا إلى ~~الماعز، وأميطوا عنها الأذى، فإنها من دواب الجنة» ) . وفي ثبوت هذا الحديث ~~نظر. وحكم الأطباء عليه بالمضرة حكم جزئي ليس بكلي عام، وهو بحسب المعدة ~~الضعيفة، والأمزجة الضعيفة التي لم تعتده واعتادت المأكولات اللطيفة، ~~وهؤلاء أهل الرفاهية من أهل المدن وهم القليلون من الناس. ### | [لحم الجدي ولحم البقر] # لحم الجدي: قريب إلى الاعتدال، خاصة ما دام رضيعا، ولم يكن قريب العهد ~~بالولادة، وهو أسرع هضما لما فيه من قوة اللبن، ملين للطبع، موافق لأكثر ~~الناس في أكثر الأحوال، وهو ألطف من ### | لحم الجمل، # والدم المتولد عنه معتدل. # لحم البقر: بارد يابس عسر الانهضام بطيء الانحدار، يولد دما سوداويا، لا ~~يصلح إلا لأهل الكد والتعب الشديد، ويورث إدمانه الأمراض السوداوية كالبهق ~~والجرب والقوباء والجذام، وداء الفيل والسرطان، والوسواس وحمى الربع، وكثير ~~من الأورام، وهذا لمن لم يعتده، أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثوم ~~والدارصيني، والزنجبيل ونحوه، وذكره أقل برودة، وأنثاه أقل يبسا. ولحم ~~العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية ms1261 وأطيبها وألذها وأحمدها، وهو حار ~~رطب، وإذا انهضم غذى غذاء قويا. ### | [لحم الفرس] # : ثبت في " الصحيح " عن أسماء رضي الله عنها قالت: ( «نحرنا فرسا فأكلناه ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ( «أذن في لحوم الخيل، # PageV04P343 # ونهى عن لحوم الحمر» ) أخرجاه في " الصحيحين ". # ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - أنه نهى عنه. ~~قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث. # واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدل على أن حكم لحمه حكم لحومها ~~بوجه من الوجوه، كما لا يدل على أن حكمها في السهم في الغنيمة حكم الفرس، ~~والله سبحانه يقرن في الذكر بين المتماثلات تارة، وبين المختلفات وبين ~~المتضادات، وليس في قوله: {لتركبوها} [النحل: 8] [النحل: 8] ما يمنع من ~~أكلها، كما ليس فيه ما يمنع من غير الركوب من وجوه الانتفاع، وإنما نص على ~~أجل منافعها، وهو الركوب، والحديثان في حلها صحيحان لا معارض لهما، وبعد: ~~فلحمها حار يابس، غليظ سوداوي مضر لا يصلح للأبدان اللطيفة. ### | [لحم الجمل] # : فرق ما بين الرافضة وأهل السنة، كما أنه أحد الفروق بين اليهود وأهل ~~الإسلام، فاليهود والرافضة تذمه ولا تأكله، وقد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام حله، وطالما أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضرا ~~وسفرا. # ولحم الفصيل منه من ألذ اللحوم وأطيبها وأقواها غذاء، وهو لمن اعتاده ~~بمنزلة لحم الضأن لا يضرهم البتة، ولا يولد لهم داء، وإنما ذمه بعض الأطباء ~~بالنسبة إلى أهل الرفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه، فإن فيه حرارة ~~ويبسا، وتوليدا للسوداء، وهو عسر الانهضام، وفيه قوة غير محمودة، لأجلها ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين لا معارض ~~لهما، ولا يصح تأويلهما بغسل اليد، لأنه خلاف المعهود من الوضوء في # PageV04P344 # كلامه، صلى الله عليه وسلم لتفريقه بينه وبين لحم الغنم، فخير بين الوضوء ~~وتركه منها، وحتم الوضوء من لحوم الإبل. ولو حمل الوضوء على غسل اليد فقط ms1262 ~~لحمل على ذلك في قوله: ( «من مس فرجه فليتوضأ» ) . # وأيضا: فإن آكلها قد لا يباشر أكلها بيده بأن يوضع في فمه، فإن كان وضوءه ~~غسل يده، فهو عبث، وحمل لكلام الشارع على غير معهوده وعرفه، ولا يصح ~~معارضته بحديث: ( «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ~~الوضوء مما مست النار» ) لعدة أوجه: # أحدها: أن هذا عام، والأمر بالوضوء منها خاص. # الثاني: أن الجهة مختلفة، فالأمر بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبل سواء ~~كان نيئا أو مطبوخا أو قديدا، ولا تأثير للنار في الوضوء، وأما ترك الوضوء ~~مما مست النار، ففيه بيان أن مس النار ليس بسبب للوضوء، فأين أحدهما من ~~الآخر؟ هذا فيه إثبات سبب الوضوء، وهو كونه لحم إبل وهذا فيه نفي لسبب ~~الوضوء، وهو كونه ممسوس النار، فلا تعارض بينهما بوجه. # الثالث: أن هذا ليس فيه حكاية لفظ عام عن صاحب الشرع، وإنما هو إخبار عن ~~واقعة فعل في أمرين، أحدهما متقدم على الآخر، كما جاء ذلك مبينا في نفس ~~الحديث، «أنهم قربوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لحما، فأكل، ثم حضرت # PageV04P345 # الصلاة، فتوضأ فصلى، ثم قربوا إليه فأكل ثم صلى، ولم يتوضأ، فكان آخر ~~الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار» ، هكذا جاء الحديث، فاختصره الراوي ~~لمكان الاستدلال، فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه، حتى لو كان ~~لفظا عاما متأخرا مقاوما، لم يصلح للنسخ، ووجب تقديم الخاص عليه، وهذا في ~~غاية الظهور. ### | [لحم الضب والغزال والظبي] # لحم الضب: تقدم الحديث في حله، ولحمه حار يابس، يقوي شهوة الجماع. # لحم الغزال: الغزال أصلح الصيد وأحمده لحما، وهو حار يابس، وقيل: معتدل ~~جدا، نافع للأبدان المعتدلة الصحيحة، وجيده الخشف. # لحم الظبي: حار يابس في الأولى، مجفف للبدن، صالح للأبدان الرطبة. قال ~~صاحب " القانون ": وأفضل لحوم الوحش لحم الظبي مع ميله إلى السوداوية. ### | [لحم الأرانب] # : ثبت في " الصحيحين ": عن أنس بن مالك ( «قال أنفجنا أرنبا فسعوا في ~~طلبها، فأخذوها، فبعث أبو طلحة ms1263 بوركها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقبله» ) . # لحم الأرنب: معتدل إلى الحرارة واليبوسة، وأطيبها وركها، وأحمده أكل ~~لحمها مشويا، وهو يعقل البطن، ويدر البول، ويفتت الحصى، وأكل رءوسها ينفع ~~من الرعشة. ### | [لحم حمار الوحش] # : ثبت في " الصحيحين ": من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، «أنهم كانوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض عمره، وأنه صاد حمار # PageV04P346 # وحش، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأكله وكانوا محرمين، ولم يكن أبو ~~قتادة محرما» . # وفي " سنن ابن ماجه ": عن جابر قال: ( «أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش» ~~) . ### | [لحم الوحوش] # لحمه حار يابس، كثير التغذية، مولد دما غليظا سوداويا، إلا أن شحمه نافع ~~مع دهن القسط لوجع الظهر والريح الغليظة المرخية للكلى، وشحمه جيد للكلف ~~طلاء، وبالجملة فلحوم الوحوش كلها تولد دما غليظا سوداويا، وأحمده الغزال ~~وبعده الأرنب. ### | [لحوم الأجنة وحكم أكلها] # لحوم الأجنة: غير محمودة لاحتقان الدم فيها، وليست بحرام لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «ذكاة الجنين ذكاة أمه» ) . # ومنع أهل العراق من أكله إلا أن يدركه حيا فيذكيه، وأولوا الحديث على أن ~~المراد به أن ذكاته كذكاة أمه. قالوا: فهو حجة على التحريم، وهذا فاسد فإن ~~أول الحديث أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ( «يا رسول ~~الله نذبح الشاة فنجد في بطنها جنينا أفنأكله؟ فقال: " كلوه إن شئتم فإن ~~ذكاته ذكاة أمه» ) . # وأيضا: فالقياس يقتضي حله فإنه ما دام حملا فهو جزء من أجزاء الأم، ~~فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الشرع # PageV04P347 # بقوله: " «ذكاته ذكاة أمه» " كما تكون ذكاتها ذكاة سائر أجزائها، فلو لم ~~تأت عنه السنة الصريحة، بأكله لكان القياس الصحيح يقتضي حله. ### | [لحم القديد] # : في " السنن " من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: ( «ذبحت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شاة ونحن مسافرون، فقال: " أصلح لحمها " فلم أزل أطعمه منه ~~إلى المدينة» ) . # القديد: أنفع من النمكسود، ويقوي الأبدان، ويحدث حكة ودفع ضرره بالأبازير ~~الباردة الرطبة، ويصلح الأمزجة الحارة ms1264 والنمكسود: حار يابس مجفف، جيده من ~~السمين الرطب، يضر بالقولنج، ودفع مضرته طبخه باللبن والدهن، ويصلح للمزاج ~~الحار الرطب. ### | [فصل في لحوم الطير] # قال الله تعالى: {ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة: 21] [الواقعة: 21] . # وفي " مسند البزار " وغيره مرفوعا: ( «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، ~~فتشتهيه، فيخر مشويا بين يديك» ) . # ومنه حلال، ومنه حرام. فالحرام: ذو المخلب، كالصقر والبازي # PageV04P348 # والشاهين، وما يأكل الجيف كالنسر والرخم واللقلق والعقعق والغراب الأبقع ~~والأسود الكبير، وما نهي عن قتله كالهدهد والصرد، وما أمر بقتله كالحدأة ~~والغراب. # والحلال أصناف كثيرة، فمنه الدجاج، ففي " الصحيحين ": من حديث أبي موسى، ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم (أكل لحم الدجاج) » . # وهو حار رطب في الأولى، خفيف على المعدة، سريع الهضم، جيد الخلط، يزيد في ~~الدماغ والمني، ويصفي الصوت، ويحسن اللون، ويقوي العقل، ويولد دما جيدا، ~~وهو مائل إلى الرطوبة، ويقال: إن مداومة أكله تورث النقرس، ولا يثبت ذلك. # ولحم الديك أسخن مزاجا، وأقل رطوبة، والعتيق منه دواء ينفع القولنج ~~والربو والرياح الغليظة إذا طبخ بماء القرطم والشبث، وخصيها محمود الغذاء، ~~سريع الانهضام، والفراريج سريعة الهضم، ملينة للطبع، والدم المتولد منها دم ~~لطيف جيد. # لحم الدراج: حار يابس في الثانية، خفيف لطيف سريع الانهضام، مولد للدم ~~المعتدل، والإكثار منه يحد البصر. # لحم الحجل: يولد الدم الجيد سريع الانهضام. # لحم الإوز: حار يابس، رديء الغذاء إذا اعتيد وليس بكثير الفضول. # لحم البط: حار رطب كثير الفضول، عسر الانهضام، غير موافق للمعدة. # لحم الحبارى: في " السنن " من حديث بريه بن عمر بن سفينة، عن أبيه # PageV04P349 # عن جده رضي الله عنه قال: ( «أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم ~~حبارى» ) . # وهو حار يابس، عسر الانهضام، نافع لأصحاب الرياضة والتعب. # لحم الكركي: يابس خفيف، وفي حره وبرده خلاف، يولد دما سوداويا، ويصلح ~~لأصحاب الكد والتعب، وينبغي أن يترك بعد ذبحه يوما أو يومين ثم يؤكل. # لحم العصافير والقنابر: روى النسائي في " سننه ": من حديث عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنه أن النبي ms1265 صلى الله عليه وسلم قال: ( «ما من إنسان يقتل ~~عصفورا فما فوقه بغير حقه إلا سأله الله عز وجل عنها. قيل: يا رسول الله! ~~وما حقه؟ قال " تذبحه فتأكله، ولا تقطع رأسه وترمي به» ) . # وفي " سننه " أيضا: عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: ( «من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يقول: يا رب إن ~~فلانا قتلني عبثا، ولم يقتلني لمنفعة» ) . # ولحمه حار يابس، عاقل للطبيعة، يزيد في الباه، ومرقه يلين الطبع، وينفع ~~المفاصل، وإذا أكلت أدمغتها بالزنجبيل والبصل، هيجت شهوة الجماع، وخلطها ~~غير محمود. # PageV04P350 # لحم الحمام: حار رطب، وحشيه أقل رطوبة، وفراخه أرطب خاصية، وما ربي في ~~الدور وناهضه أخف لحما وأحمد غذاء، ولحم ذكورها شفاء من الاسترخاء والخدر ~~والسكتة والرعشة، وكذلك شم رائحة أنفاسها، وأكل فراخها معين على النساء، ~~وهو جيد للكلى، يزيد في الدم، وقد روي فيها حديث باطل لا أصل له عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «أن رجلا شكا إليه الوحدة، فقال: " اتخذ زوجا من ~~الحمام» ". وأجود من هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ( «رأى رجلا يتبع ~~حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة» ) . # وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام. # لحم القطا: يابس يولد السوداء ويحبس الطبع وهو من شر الغذاء إلا أنه ينفع ~~من الاستسقاء. # لحم السمانى: حار يابس ينفع المفاصل، ويضر بالكبد الحار، ودفع مضرته ~~بالخل والكسفرة، وينبغي أن يجتنب من لحوم الطير ما كان في الآجام والمواضع ~~العفنة، ولحوم الطير كلها أسرع انهضاما من المواشي، وأسرعها انهضاما، أقلها ~~غذاء، وهي الرقاب والأجنحة، وأدمغتها أحمد من أدمغة المواشي. # الجراد: في " الصحيحين ": عن عبد الله بن أبي أوفى قال: ( «غزونا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد» ) . # PageV04P351 # وفي " المسند " عنه: ( «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد ~~والطحال» ) يروى مرفوعا وموقوفا على ابن عمر رضي الله عنه. # وهو حار يابس قليل الغذاء، وإدامة أكله ms1266 تورث الهزال، وإذا تبخر به نفع من ~~تقطير البول وعسره، وخصوصا للنساء، ويتبخر به للبواسير وسمانه يشوى ويؤكل ~~للسع العقرب، وهو ضار لأصحاب الصرع، رديء الخلط، وفي إباحة ميتته بلا سبب ~~قولان، فالجمهور على حله، وحرمه مالك، ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات ~~بسبب كالكبس والتحريق ونحوه. ### | [ضرر المداومة على اللحم] # فصل وينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم، فإنه يورث الأمراض الدموية ~~والامتلائية، والحميات الحادة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إياكم ~~واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر) ذكره مالك في " الموطأ " عنه. وقال ~~أبقراط: لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان. ### | [اللبن] # : قال الله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] [النحل: 66] وقال في ~~الجنة: {فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} [محمد: ~~15] [محمد: 15] . وفي " السنن " مرفوعا: ( «من أطعمه الله طعاما فليقل ~~اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا، فليقل اللهم ~~بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم ما # PageV04P352 # يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» ) . # اللبن: وإن كان بسيطا في الحس، إلا أنه مركب في أصل الخلقة تركيبا طبيعيا ~~من جواهر ثلاثة: الجبنية، والسمنية، والمائية، فالجبنية: باردة رطبة، مغذية ~~للبدن، والسمنية: معتدلة الحرارة والرطوبة ملائمة للبدن الإنساني الصحيح، ~~كثيرة المنافع، والمائية: حارة رطبة، مطلقة للطبيعة، مرطبة للبدن، واللبن ~~على الإطلاق أبرد وأرطب من المعتدل. # وقيل: قوته عند حلبه الحرارة والرطوبة، وقيل معتدل في الحرارة والبرودة. # وأجود ما يكون اللبن حين يحلب، ثم لا يزال تنقص جودته على مر الساعات، ~~فيكون حين يحلب أقل برودة، وأكثر رطوبة، والحامض بالعكس، ويختار اللبن بعد ~~الولادة بأربعين يوما، وأجوده ما اشتد بياضه، وطاب ريحه، ولذ طعمه، وكان ~~فيه حلاوة يسيرة، ودسومة معتدلة، واعتدل قوامه في الرقة والغلظ، وحلب من ~~حيوان فتي صحيح، معتدل اللحم، محمود المرعى والمشرب. # وهو محمود يولد دما جيدا، ويرطب البدن اليابس، ويغذو غذاء حسنا، وينفع من ms1267 ~~الوسواس والغم والأمراض السوداوية، وإذا شرب مع العسل نقى القروح الباطنة ~~من الأخلاط العفنة، وشربه مع السكر يحسن اللون جدا، والحليب يتدارك ضرر ~~الجماع، ويوافق الصدر والرئة، جيد لأصحاب السل، رديء للرأس والمعدة، والكبد ~~والطحال، والإكثار منه مضر بالأسنان واللثة، ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده ~~بالماء وفي " الصحيحين ": ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا، ثم دعا ~~بماء فتمضمض وقال: " إن له دسما» ) . # PageV04P353 # وهو رديء للمحمومين، وأصحاب الصداع، مؤذ للدماغ، والرأس الضعيف، ~~والمداومة عليه تحدث ظلمة البصر والغشاء، ووجع المفاصل وسدة الكبد، والنفخ ~~في المعدة والأحشاء، وإصلاحه بالعسل والزنجبيل المربى ونحوه، وهذا كله لمن ~~لم يعتده. ### | لبن الضأن والمعز # لبن الضأن: أغلظ الأ ### | لبان # وأرطبها، وفيه من الدسومة والزهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر، يولد ~~فضولا بلغميا، ويحدث في الجلد بياضا إذا أدمن استعماله، ولذلك ينبغي أن ~~يشاب هذا اللبن بالماء ليكون ما نال البدن منه أقل، وتسكينه للعطش أسرع، ~~وتبريده أكثر. # لبن المعز: لطيف معتدل، مطلق للبطن، مرطب للبدن اليابس، نافع من قروح ~~الحلق والسعال اليابس ونفث الدم. # واللبن المطلق أنفع المشروبات للبدن الإنساني لما اجتمع فيه من التغذية ~~والدموية، ولاعتياده حال الطفولية، وموافقته للفطرة الأصلية، وفي " ~~الصحيحين ": ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي ليلة أسري به بقدح من ~~خمر، وقدح من لبن، فنظر إليهما، ثم أخذ اللبن، فقال جبريل: الحمد لله الذي ~~هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك» ) . والحامض منه بطيء الاستمراء، خام ~~الخلط، والمعدة الحارة تهضمه وتنتفع به. ### | لبن البقر والإبل # لبن البقر: يغذو البدن، ويخصبه، ويطلق البطن باعتدال، وهو من أعدل ~~الألبان وأفضلها بين لبن الضأن، ولبن المعز في الرقة والغلظ والدسم، وفي " ~~السنن ": من حديث عبد الله بن مسعود يرفعه: ( «عليكم بألبان البقر، # PageV04P354 # فإنها ترم من كل الشجر» ". # لبن الإبل: تقدم ذكره في أول الفصل، وذكر منافعه، فلا حاجة لإعادته. ### | [لبان] # : هو الكندر: قد ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «بخروا بيوتكم ~~باللبان والصعتر» ) ، ولا يصح عنه، ولكن ms1268 يروى عن علي أنه قال لرجل شكا إليه ~~النسيان: (عليك باللبان، فإنه يشجع القلب، ويذهب بالنسيان) . ويذكر عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن شربه مع السكر على الريق جيد للبول والنسيان. ويذكر ~~عن أنس رضي الله عنه، أنه شكا إليه رجل النسيان، فقال: عليك بالكندر وانقعه ~~من الليل، فإذا أصبحت، فخذ منه شربة على الريق، فإنه جيد للنسيان. # ولهذا سبب طبيعي ظاهر، فإن النسيان إذا كان لسوء مزاج بارد رطب يغلب على ~~الدماغ، فلا يحفظ ما ينطبع فيه، نفع منه اللبان، وأما إذا كان النسيان ~~لغلبة شيء عارض، أمكن زواله سريعا بالمرطبات. والفرق بينهما أن اليبوسي ~~يتبعه سهر، وحفظ الأمور الماضية دون الحالية، والرطوبي بالعكس. # وقد يحدث النسيان أشياء بالخاصية، كحجامة نقرة القفا، وإدمان أكل الكسفرة ~~الرطبة، والتفاح الحامض، وكثرة الهم والغم، والنظر في الماء الواقف، والبول ~~فيه، والنظر إلى المصلوب، والإكثار من قراءة ألواح القبور، والمشي بين ~~جملين مقطورين، وإلقاء القمل في الحياض وأكل سؤر الفأر وأكثر هذا معروف ~~بالتجربة. # PageV04P355 # والمقصود: أن اللبان مسخن في الدرجة الثانية، ومجفف في الأولى، وفيه قبض ~~يسير، وهو كثير المنافع، قليل المضار، فمن منافعه: أن ينفع من قذف الدم ~~ونزفه، ووجع المعدة، واستطلاق البطن، ويهضم الطعام، ويطرد الرياح، ويجلو ~~قروح العين، وينبت اللحم في سائر القروح، ويقوي المعدة الضعيفة، ويسخنها، ~~ويجفف البلغم، وينشف رطوبات الصدر، ويجلو ظلمة البصر، ويمنع القروح الخبيثة ~~من الانتشار، وإذا مضغ وحده، أو مع الصعتر الفارسي جلب البلغم، ونفع من ~~اعتقال اللسان، ويزيد في الذهن ويذكيه، وإن بخر به ماء، نفع من الوباء، ~~وطيب رائحة الهواء. ### | [حرف الميم] ### | [ماء] # حرف الميم # ماء: مادة الحياة، وسيد الشراب، وأحد أركان العالم، بل ركنه الأصلي، فإن ~~السماوات خلقت من بخاره، والأرض من زبده، وقد جعل الله منه كل شيء حي. # وقد اختلف فيه: هل يغذو، أو ينفذ الغذاء فقط؟ على قولين، وقد تقدما، ~~وذكرنا القول الراجح ودليله. # وهو بارد رطب، يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته، ويرد عليه بدل ما ~~تحلل ms1269 منه، ويرقق الغذاء، وينفذه في العروق. # وتعتبر جودة الماء من عشرة طرق: # أحدها: من لونه بأن يكون صافيا. # الثاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحة البتة. # PageV04P356 # الثالث: من طعمه بأن يكون عذب الطعم حلوه، كماء النيل والفرات. # الرابع: من وزنه بأن يكون خفيفا رقيق القوام. # الخامس: من مجراه. بأن يكون طيب المجرى والمسلك. # السادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع. # السابع: من بروزه للشمس والريح، بأن لا يكون مختفيا تحت الأرض، فلا تتمكن ~~الشمس والريح من قصارته. # الثامن: من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة. # التاسع: من كثرته بأن يكون له كثرة يدفع الفضلات المخالطة له. # العاشر: من مصبه بأن يكون آخذا من الشمال إلى الجنوب أو من المغرب إلى ~~المشرق. # وإذا اعتبرت هذه الأوصاف، لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة ~~النيل، والفرات، وسيحون، وجيحون. # وفي " الصحيحين ": من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «سيحان، وجيحان، والنيل، والفرات كل من أنهار الجنة» ~~) . # وتعتبر خفة الماء من ثلاثة أوجه أحدها: سرعة قبوله للحر والبرد، قال ~~أبقراط: الماء الذي يسخن سريعا، ويبرد سريعا أخف المياه. الثاني: بالميزان، ~~الثالث: أن تبل قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين ثم يجففا بالغا ثم ~~توزنا فأيتهما كانت أخف فماؤها كذلك. # PageV04P357 # والماء وإن كان في الأصل باردا رطبا فإن قوته تنتقل وتتغير لأسباب عارضة ~~توجب انتقالها، فإن الماء المكشوف للشمال، المستور عن الجهات الأخر يكون ~~باردا وفيه يبس مكتسب من ريح الشمال، وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخر. # والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن، ويؤثر في البدن ~~تأثيره والماء العذب نافع للمرضى والأصحاء والبارد منه أنفع وألذ، ولا ~~ينبغي شربه على الريق، ولا عقيب الجماع ولا الانتباه من النوم، ولا عقيب ~~الحمام ولا عقيب أكل الفاكهة وقد تقدم. # وأما على الطعام، فلا بأس به إذا اضطر إليه بل يتعين ولا يكثر منه بل ~~يتمصصه مصا، فإنه لا يضره البتة بل يقوي المعدة، وينهض الشهوة ms1270 ويزيل العطش. # والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضد ما ذكرناه، وبائته أجود من طريه وقد تقدم. ~~والبارد ينفع من داخل أكثر من نفعه من خارج والحار بالعكس، وينفع البارد من ~~عفونة الدم وصعود الأبخرة إلى الرأس ويدفع العفونات، ويوافق الأمزجة ~~والأسنان والأزمان والأماكن الحارة، ويضر على كل حالة تحتاج إلى نضج وتحليل ~~كالزكام والأورام، والشديد البرودة منه يؤذي الأسنان والإدمان عليه يحدث ~~انفجار الدم والنزلات، وأوجاع الصدر. # والبارد والحار بإفراط ضاران للعصب ولأكثر الأعضاء، لأن أحدهما محلل ~~والآخر مكثف والماء الحار يسكن لذع الأخلاط الحادة ويحلل وينضج ويخرج ~~الفضول، ويرطب ويسخن، ويفسد الهضم شربه، ويطفو بالطعام إلى أعلى المعدة ~~ويرخيها ولا يسرع في تسكين العطش، ويذبل البدن، ويؤدي إلى أمراض رديئة ويضر ~~في أكثر الأمراض على أنه صالح للشيوخ وأصحاب الصرع والصداع البارد والرمد. ~~وأنفع ما استعمل من خارج. # ولا يصح في الماء المسخن بالشمس حديث ولا أثر، ولا كرهه أحد من # PageV04P358 # قدماء الأطباء، ولا عابوه، والشديد السخونة يذيب شحم الكلى، وقد تقدم ~~الكلام على ماء الأمطار في حرف العين. ### | [ماء الثلج والبرد] # ثبت في " الصحيحين ": عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان يدعو في ~~الاستفتاح وغيره: (اللهم اغسلني من خطاياي بماء الثلج والبرد) .» # الثلج له في نفسه كيفية حادة دخانية، فماؤه كذلك وقد تقدم وجه الحكمة في ~~طلب الغسل من الخطايا بمائه لما يحتاج إليه القلب من التبريد والتصليب ~~والتقوية، ويستفاد من هذا أصل طب الأبدان والقلوب، ومعالجة أدوائها بضدها. # وماء البرد ألطف وألذ من ماء الثلج، وأما ماء الجمد وهو الجليد، فبحسب ~~أصله. # والثلج يكتسب كيفية الجبال والأرض التي يسقط عليها في الجودة والرداءة، ~~وينبغي تجنب شرب الماء المثلوج عقيب الحمام والجماع والرياضة والطعام ~~الحار، ولأصحاب السعال، ووجع الصدر، وضعف الكبد، وأصحاب الأمزجة الباردة. ### | ماء الآبار والقني # : مياه الآبار قليلة اللطافة، وماء القني المدفونة تحت الأرض ثقيل، لأن ~~أحدهما محتقن لا يخلو عن تعفن، والآخر محجوب عن الهواء، وينبغي ألا يشرب ~~على الفور حتى يصمد للهواء، وتأتي عليه ms1271 ليلة، وأردؤه ما كانت مجاريه من ~~رصاص، أو كانت بئره معطلة، ولا سيما إذا كانت تربتها رديئة، فهذا الماء ~~وبيء وخيم. ### | [ماء زمزم] # : سيد المياه وأشرفها وأجلها قدرا وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمنا ~~وأنفسها عند الناس، وهو هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل. # PageV04P359 # وثبت في " الصحيح " عن ( «النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لأبي ذر وقد ~~أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، ليس له طعام غيره، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنها طعام طعم» ) وزاد غير مسلم بإسناده ~~(وشفاء سقم) . # وفي " سنن ابن ماجه ". من حديث جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: ( «ماء زمزم لما شرب له» ) وقد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد ~~الله بن المؤمل راويه عن محمد بن المنكدر. وقد روينا عن عبد الله بن ~~المبارك، أنه لما حج، أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن ~~محمد بن المنكدر، عن # PageV04P360 # جابر رضي الله عنه، عن نبيك صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «ماء زمزم لما ~~شرب له» ) وإني أشربه لظمأ يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذا ~~حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعا، وكلا القولين فيه مجازفة. # وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورا عجيبة، واستشفيت به من ~~عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبا ~~من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ~~ربما بقي عليه أربعين يوما، وكان له قوة يجامع بها أهله، ويصوم ويطوف ~~مرارا. ### | [ماء النيل] # : أحد أنهار الجنة أصله من وراء جبال القمر في أقصى بلاد الحبشة من أمطار ~~تجتمع هناك، وسيول يمد بعضها بعضا، فيسوقه الله تعالى إلى الأرض الجرز التي ~~لا نبات لها، فيخرج به زرعا، تأكل منه الأنعام والأنام، ولما كانت الأرض ~~التي يسوقه إليها إبليزا صلبة، إن أمطرت مطر العادة، لم ترو ولم تتهيأ ~~للنبات وإن أمطرت فوق العادة ضرت المساكن ms1272 والساكن، وعطلت المعايش والمصالح، ~~فأمطر البلاد البعيدة، ثم ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهر عظيم، وجعل ~~سبحانه زيادته في أوقات معلومة على قدر ري البلاد وكفايتها، فإذا أروى ~~البلاد وعمها، أذن سبحانه بتناقصه وهبوطه لتتم المصلحة بالتمكن من الزرع ~~واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة التي تقدم ذكرها، وكان من ألطف المياه ~~وأخفها وأعذبها وأحلاها. ### | [ماء البحر] # : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: ( «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته» ) وقد جعله الله سبحانه ملحا أجاجا مرا زعاقا لتمام مصالح من ~~هو على وجه الأرض من الآدميين والبهائم، فإنه دائم راكد كثير الحيوان، وهو ~~يموت فيه # PageV04P361 # كثيرا ولا يقبر، فلو كان حلوا لأنتن من إقامته وموت حيواناته فيه وأجاف ~~وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك وينتن ويجيف فيفسد العالم فاقتضت ~~حكمة الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملاحة التي لو ألقي فيه جيف العالم ~~كلها وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئا، ولا يتغير على مكثه من حين خلق، وإلى ~~أن يطوي الله العالم فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته، وأما الفاعلي ~~فكون أرضه سبخة مالحة. # وبعد فالاغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد، وشربه مضر بداخله ~~وخارجه، فإنه يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخا وعطشا، ومن اضطر إلى ~~شربه فله طرق من العلاج يدفع بها مضرته. # منها: أن يجعل في قدر، ويجعل فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش، ~~ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف، فإذا كثر عصره ولا يزال يفعل ~~ذلك حتى يجتمع له ما يريد، فيحصل في الصوف من البخار ما عذب، ويبقى في ~~القدر الزعاق. # ومنها: أن يحفر على شاطئه حفرة واسعة يرشح ماؤه إليها، ثم إلى جانبها ~~قريبا منها أخرى ترشح هي إليها، ثم ثالثة إلى أن يعذب الماء. وإذا ألجأته ~~الضرورة إلى شرب الماء الكدر، فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش، أو قطعة من ~~خشب الساج، أو جمرا ملتهبا يطفأ فيه، أو طينا أرمنيا أو سويق ms1273 حنطة فإن ~~كدرته ترسب إلى أسفل. ### | [مسك] # : ثبت في " صحيح مسلم "، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: ( «أطيب الطيب المسك» ) . # وفي " الصحيحين ": عن (عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبل # PageV04P362 # أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك» ) . # المسك: ملك أنواع الطيب، وأشرفها وأطيبها، وهو الذي تضرب به الأمثال، ~~ويشبه به غيره، ولا يشبه بغيره، وهو كثبان الجنة، وهو حار يابس في الثانية، ~~يسر النفس ويقويها، ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربا وشما، والظاهرة إذا ~~وضع عليها. نافع للمشايخ، والمبرودين، لا سيما زمن الشتاء جيد للغشي ~~والخفقان، وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية، ويجلو بياض العين، وينشف ~~رطوبتها، ويفش الرياح منها ومن جميع الأعضاء ويبطل عمل السموم وينفع من نهش ~~الأفاعي، ومنافعه كثيرة جدا، وهو من أقوى المفرحات. ### | [مرزنجوش] # : ورد فيه حديث لا نعلم صحته: ( «عليكم بالمرزنجوش، فإنه جيد للخشام» ) . ~~والخشام الزكام. # وهو حار في الثالثة يابس في الثانية، ينفع شمه من الصداع البارد، والكائن ~~عن البلغم، والسوداء، والزكام، والرياح الغليظة، ويفتح السدد الحادثة في ~~الرأس والمنخرين، ويحلل أكثر الأورام الباردة، فينفع من أكثر الأورام ~~والأوجاع الباردة الرطبة، وإذا احتمل، أدر الطمث، وأعان على الحبل، وإذا دق ~~ورقه اليابس، وكمد به، أذهب آثار الدم العارض تحت العين، وإذا ضمد به مع ~~الخل نفع لسعة العقرب. # ودهنه نافع لوجع الظهر والركبتين، ويذهب بالإعياء، ومن أدمن شمه لم ينزل ~~في عينيه الماء، وإذا استعط بمائه مع دهن اللوز المر، فتح سدد المنخرين، ~~ونفع من الريح العارضة فيها، وفي الرأس. # PageV04P363 ### | [ملح] # : روى ابن ماجه في " سننه ": من حديث أنس يرفعه ( «سيد إدامكم الملح» ) . ~~وسيد الشيء: هو الذي يصلحه، ويقوم عليه، وغالب الإدام إنما يصلح بالملح وفي ~~" مسند البزار " مرفوعا: ( «سيوشك أن تكونوا في الناس مثل الملح في الطعام ~~ولا يصلح الطعام إلا بالملح» ) . # وذكر البغوي في " تفسيره ": عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: ( ~~«إن الله ms1274 أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد، والنار، والماء، ~~والملح» ) . والموقوف أشبه. # الملح يصلح أجسام الناس وأطعمتهم، ويصلح كل شيء يخالطه حتى الذهب والفضة ~~وذلك أن فيه قوة تزيد الذهب صفرة والفضة بياضا، وفيه جلاء وتحليل وإذهاب ~~للرطوبات الغليظة، وتنشيف لها، وتقوية للأبدان ومنع من عفونتها وفسادها، ~~ونفع من الجرب المتقرح. # وإذا اكتحل به قلع اللحم الزائد من العين ومحق الظفرة. # والأندراني أبلغ في ذلك، ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار ويحدر البراز ~~وإذا دلك به بطون أصحاب الاستسقاء نفعهم، وينقي الأسنان ويدفع عنها العفونة ~~ويشد اللثة ويقويها، ومنافعه كثيرة جدا. ### | [حرف النون] ### | [نخل] # حرف النون # نخل: مذكور في القرآن في غير موضع، وفي " الصحيحين ": عن (ابن عمر # PageV04P364 # رضي الله عنهما، قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتي ~~بجمار نخلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن من الشجر شجرة مثلها مثل ~~الرجل المسلم لا يسقط ورقها، أخبروني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، ~~فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة، ثم نظرت فإذا أنا ~~أصغر القوم سنا، فسكت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هي النخلة " ~~فذكرت ذلك لعمر، فقال لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا» ) . # ففي هذا الحديث إلقاء العالم المسائل على أصحابه، وتمرينهم، واختبار ما ~~عندهم. # وفيه ضرب الأمثال والتشبيه. # وفيه ما كان عليه الصحابة من الحياء من أكابرهم وإجلالهم وإمساكهم عن ~~الكلام بين أيديهم. # وفيه فرح الرجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصواب. # وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب ~~وليس في ذلك إساءة أدب عليه. # وفيه ما تضمنه تشبيه المسلم بالنخلة من كثرة خيرها، ودوام ظلها وطيب ~~ثمرها ووجوده على الدوام. # وثمرها يؤكل رطبا ويابسا وبلحا ويانعا، وهو غذاء ودواء وقوت وحلوى، وشراب ~~وفاكهة، وجذوعها للبناء والآلات والأواني، ويتخذ من خوصها الحصر والمكاتل ~~والأواني والمراوح، وغير ذلك، ومن ليفها الحبال # PageV04P365 # والحشايا وغيرها، ثم آخر شيء نواها علف ms1275 للإبل، ويدخل في الأدوية ~~والأكحال، ثم جمال ثمرتها ونباتها وحسن هيئتها، وبهجة منظرها وحسن نضد ~~ثمرها وصنعته وبهجته ومسرة النفوس عند رؤيته فرؤيتها مذكرة لفاطرها وخالقها ~~وبديع صنعته وكمال قدرته وتمام حكمته ولا شيء أشبه بها من الرجل المؤمن إذ ~~هو خير كله ونفع ظاهر وباطن. # وهي الشجرة التي حن جذعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فارقه ~~شوقا إلى قربه وسماع كلامه وهي التي نزلت تحتها مريم لما ولدت عيسى عليه ~~السلام. وقد ورد في حديث في إسناده نظر ( «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت ~~من الطين الذي خلق منه آدم» ) . # وقد اختلف الناس في تفضيلها على الحبلة أو بالعكس على قولين، وقد قرن ~~الله بينهما في كتابه في غير موضع، وما أقرب أحدهما من صاحبه، وإن كان كل ~~واحد منهما في محل سلطانه ومنبته، والأرض التي توافقه أفضل وأنفع. ### | [نرجس] # : فيه حديث لا يصح ( «عليكم بشم النرجس فإن في القلب حبة الجنون والجذام ~~والبرص، لا يقطعها إلا شم النرجس» ) . # وهو حار يابس في الثانية، وأصله يدمل القروح الغائرة إلى العصب، وله قوة ~~غسالة جالية جابذة، وإذا طبخ وشرب ماؤه، أو أكل مسلوقا، هيج القيء، وجذب ~~الرطوبة من قعر المعدة، وإذا طبخ مع الكرسنة والعسل، نقى أوساخ القروح، ~~وفجر الدبيلات العسرة النضج. # PageV04P366 # وزهره معتدل الحرارة، لطيف ينفع الزكام البارد، وفيه تحليل قوي، ويفتح ~~سدد الدماغ والمنخرين، وينفع من الصداع الرطب والسوداوي، ويصدع الرءوس ~~الحارة، والمحرق منه إذا شق بصله صليبا، وغرس، صار مضاعفا، ومن أدمن شمه في ~~الشتاء أمن من البرسام في الصيف، وينفع من أوجاع الرأس الكائنة من البلغم ~~والمرة السوداء وفيه من العطرية ما يقوي القلب والدماغ وينفع من كثير من ~~أمراضها. وقال صاحب التيسير: شمه يذهب بصرع الصبيان. ### | [نورة] # : روى ابن ماجه: من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ( «كان إذا اطلى بدأ بعورته فطلاها بالنورة، وسائر جسده أهله» ) وقد ~~ورد فيها عدة أحاديث هذا أمثلها. # قيل: إن أول ms1276 من دخل الحمام، وصنعت له النورة، سليمان بن داود، وأصلها: ~~كلس جزءان، وزرنيخ جزء، يخلطان بالماء، ويتركان في الشمس أو الحمام بقدر ما ~~تنضج، وتشتد زرقته، ثم يطلى به، ويجلس ساعة ريثما يعمل، ولا يمس بماء ثم ~~يغسل ويطلى مكانها بالحناء لإذهاب ناريتها. ### | [نبق] # : ذكر أبو نعيم في كتابه " الطب النبوي " مرفوعا: ( «إن آدم لما أهبط إلى ~~الأرض كان أول شيء أكل من ثمارها النبق» ) . # وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النبق في الحديث المتفق على صحته أنه ( ~~«رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر» ) . # والنبق: ثمر شجر السدر يعقل الطبيعة، وينفع من الإسهال، ويدبغ المعدة، ~~ويسكن الصفراء، ويغذو البدن، ويشهي الطعام، ويولد بلغما، وينفع # PageV04P367 # الذرب الصفراوي، وهو بطيء الهضم، وسويقه يقوي الحشا، وهو يصلح الأمزجة ~~الصفراوية، وتدفع مضرته بالشهد. # واختلف فيه، هل هو رطب أو يابس؟ على قولين. والصحيح: أن رطبه بارد رطب، ~~ويابسه بارد يابس ### | [حرف الهاء] ### | [هندبا] # حرف الهاء # هندبا: ورد فيها ثلاثة أحاديث لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولا يثبت مثلها، بل هي موضوعة أحدها: ( «كلوا الهندباء ولا تنفضوه فإنه ليس ~~يوم من الأيام إلا وقطرات من الجنة تقطر عليه» ) . # الثاني: ( «من أكل الهندباء ثم نام عليها لم يحل فيه سم ولا سحر» ) . # الثالث: ( «ما من ورقة من ورق الهندباء إلا وعليها قطرة من الجنة» ) . # وبعد فهي مستحيلة المزاج، منقلبة بانقلاب فصول السنة، فهي في الشتاء ~~باردة رطبة، وفي الصيف حارة يابسة، وفي الربيع والخريف معتدلة، وفي الغالب ~~أحوالها تميل إلى البرودة واليبس، وهي قابضة مبردة جيدة للمعدة، وإذا طبخت ~~وأكلت بخل عقلت البطن وخاصة البري منها، فهي أجود للمعدة وأشد قبضا وتنفع ~~من ضعفها. # وإذا تضمد بها، سلبت الالتهاب العارض في المعدة، وتنفع من النقرس، ومن ~~أورام العين الحارة، وإذا تضمد بورقها وأصولها، نفعت من لسع العقرب، وهي ~~تقوي المعدة، وتفتح السدد العارضة في الكبد، وتنفع من أوجاعها حارها ~~وباردها، وتفتح سدد الطحال والعروق والأحشاء وتنقي ms1277 مجاري الكلى. # PageV04P368 # وأنفعها للكبد أمرها، وماؤها المعتصر ينفع من اليرقان السددي، ولا سيما ~~إذا خلط به ماء الرازيانج الرطب، وإذا دق ورقها، ووضع على الأورام الحارة ~~بردها وحللها، ويجلو ما في المعدة، ويطفئ حرارة الدم والصفراء، وأصلح ما ~~أكلت غير مغسولة ولا منفوضة، لأنها متى غسلت أو نفضت، فارقتها قوتها، وفيها ~~مع ذلك قوة ترياقية تنفع من جميع السموم. # وإذا اكتحل بمائها، نفع من العشا، ويدخل ورقها في الترياق، وينفع من لدغ ~~العقرب، ويقاوم أكثر السموم، وإذا اعتصر ماؤها، وصب عليه الزيت، خلص من ~~الأدوية القتالة، وإذا اعتصر أصلها، وشرب ماؤه نفع من لسع الأفاعي ولسع ~~العقرب ولسع الزنبور ولبن أصلها يجلو بياض العين. ### | [حرف الواو] ### | [ورس] # حرف الواو # ورس: ذكر الترمذي في " جامعه ": من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه ( «كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب» ) قال قتادة: يلد به ~~ويلد من الجانب الذي يشتكيه. # وروى ابن ماجه في " سننه " من حديث زيد بن أرقم أيضا، قال: «نعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورسا وقسطا وزيتا يلد به» . # وصح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كانت النفساء تقعد بعد نفاسها # PageV04P369 # أربعين يوما، وكانت إحدانا تطلي الورس على وجهها من الكلف) . # قال أبو حنيفة اللغوي: الورس يزرع زرعا، وليس ببري ولست أعرفه بغير أرض ~~العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. # وقوته في الحرارة واليبوسة في أول الدرجة الثانية، وأجوده الأحمر اللين ~~في اليد القليل النخالة ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة في سطح البدن ~~إذا طلي به، وله قوة قابضة صابغة، وإذا شرب نفع من الوضح ومقدار الشربة منه ~~وزن درهم. # وهو في مزاجه ومنافعه قريب من منافع القسط البحري، وإذا لطخ به على البهق ~~والحكة والبثور والسفعة نفع منها، والثوب المصبوغ بالورس يقوي على الباه. ### | [وسمة] # : هي ورق النيل، وهي تسود الشعر، وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في جواز ~~الصبغ بالسواد ومن فعله. ### | [حرف الياء] ### | [يقطين] ms1278 # حرف الياء # يقطين: وهو الدباء والقرع، وإن كان اليقطين أعم، فإنه في اللغة كل شجر لا ~~تقوم على ساق، كالبطيخ والقثاء والخيار، قال الله تعالى: {وأنبتنا عليه ~~شجرة من يقطين} [الصافات: 146] [الصافات: 146] . # فإن قيل: ما لا يقوم على ساق يسمى نجما لا شجرا والشجر: ما له ساق، قاله ~~أهل اللغة: فكيف قال: {شجرة من يقطين} [الصافات: 146] ؟ . # PageV04P370 # فالجواب: أن الشجر إذا أطلق، كان ما له ساق يقوم عليه، وإذا قيد بشيء ~~تقيد به، فالفرق بين المطلق والمقيد في الأسماء باب مهم عظيم النفع في ~~الفهم ومراتب اللغة. # واليقطين المذكور في القرآن: هو نبات الدباء وثمره يسمى الدباء والقرع ~~وشجرة اليقطين. وقد ثبت في " الصحيحين ": من حديث أنس بن مالك «أن خياطا ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس رضي الله عنه: فذهبت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرب إليه خبزا من شعير ومرقا فيه دباء ~~وقديد، قال أنس: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي ~~الصحفة، فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم» . # وقال أبو طالوت: «دخلت على أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو يأكل القرع ~~ويقول يا لك من شجرة ما أحبك إلي لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك» . # وفي " الغيلانيات ": من حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن ( «عائشة رضي الله ~~عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة إذا طبختم ~~قدرا فأكثروا فيها من الدباء فإنها تشد قلب الحزين» ) . # اليقطين: بارد رطب يغذو غذاء يسيرا، وهو سريع الانحدار، وإن لم يفسد قبل ~~الهضم، تولد منه خلط محمود ومن خاصيته أنه يتولد منه خلط محمود مجانس لما ~~يصحبه فإن أكل بالخردل تولد منه خلط حريف، وبالملح خلط مالح ومع القابض ~~قابض وإن طبخ بالسفرجل غذا البدن غذاء جيدا. # وهو لطيف مائي يغذو غذاء رطبا بلغميا، وينفع المحرورين، ولا يلائم ~~المبرودين ومن الغالب عليهم البلغم وماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع # PageV04P371 # الحار إذا شرب ms1279 أو غسل به الرأس، وهو ملين للبطن كيف استعمل، ولا يتداوى ~~المحرورون بمثله، ولا أعجل منه نفعا. # ومن منافعه: أنه إذا لطخ بعجين وشوي في الفرن أو التنور واستخرج ماؤه ~~وشرب ببعض الأشربة اللطيفة سكن حرارة الحمى الملتهبة وقطع العطش وغذى غذاء ~~حسنا، وإذا شرب بترنجبين وسفرجل مربى أسهل صفراء محضة. # وإذا طبخ القرع، وشرب ماؤه بشيء من عسل، وشيء من نطرون، أحدر بلغما ومرة ~~معا، وإذا دق وعمل منه ضماد على اليافوخ، نفع من الأورام الحارة في الدماغ. # وإذا عصرت جرادته، وخلط ماؤها بدهن الورد، وقطر منها في الأذن، نفعت من ~~الأورام الحارة، وجرادته نافعة من أورام العين الحارة، ومن النقرس الحار ~~وهو شديد النفع لأصحاب الأمزجة الحارة والمحمومين ومتى صادف في المعدة خلطا ~~رديئا استحال إلى طبيعته وفسد وولد في البدن خلطا رديئا، ودفع مضرته بالخل ~~والمري. # وبالجملة فهو من ألطف الأغذية، وأسرعها انفعالا ويذكر عن أنس رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر من أكله. ### | [فصل الوصايا الكلية لحفظ الصحة] ### | [فصل محاذير طبية لابن ماسويه] # فصل # وقد رأيت أن أختم الكلام في هذا الباب بفصل مختصر عظيم النفع في المحاذر ~~والوصايا الكلية النافعة لتتم منفعة الكتاب ورأيت لابن ماسويه فصلا في كتاب ~~" المحاذير " نقلته بلفظه قال: # PageV04P372 # من أكل البصل أربعين يوما وكلف، فلا يلومن إلا نفسه. # ومن افتصد، فأكل مالحا فأصابه بهق أو جرب فلا يلومن إلا نفسه. # ومن جمع في معدته البيض والسمك، فأصابه فالج أو لقوة فلا يلومن إلا نفسه. # ومن دخل الحمام وهو ممتلئ فأصابه فالج فلا يلومن إلا نفسه. # ومن جمع في معدته اللبن والسمك فأصابه جذام، أو برص أو نقرس فلا يلومن ~~إلا نفسه. # ومن جمع في معدته اللبن والنبيذ فأصابه برص أو نقرس فلا يلومن إلا نفسه. # ومن احتلم فلم يغتسل حتى وطئ أهله فولدت مجنونا أو مخبلا فلا يلومن إلا ~~نفسه. # ومن أكل بيضا مسلوقا باردا وامتلأ منه فأصابه ربو فلا يلومن إلا نفسه. # ومن ms1280 جامع فلم يصبر حتى يفرغ فأصابه حصاة فلا يلومن إلا نفسه. # ومن نظر في المرآة ليلا فأصابه لقوة أو أصابه داء فلا يلومن إلا نفسه. ### | [فصل محاذير طبية لابن بختيشوع وبعض الوصايا لغيره] # فصل # وقال ابن بختيشوع: احذر أن تجمع البيض والسمك فإنهما يورثان القولنج، ~~والبواسير، ووجع الأضراس. # وإدامة أكل البيض يولد الكلف في الوجه، وأكل الملوحة والسمك المالح ~~والافتصاد بعد الحمام يولد البهق والجرب. # PageV04P373 # إدامة أكل كلى الغنم يعقر المثانة. الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السمك ~~الطري يولد الفالج. # وطء المرأة الحائض يولد الجذام، الجماع من غير أن يهريق الماء عقيبه يولد ~~الحصاة، طول المكث في المخرج يولد الداء الدوي. # قال أبقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع. # وقال استديموا الصحة بترك التكاسل عن التعب وبترك الامتلاء من الطعام ~~والشراب. # وقال بعض الحكماء: من أراد الصحة فليجود الغذاء، وليأكل على نقاء، وليشرب ~~على ظمأ، وليقلل من شرب الماء، ويتمدد بعد الغداء، ويتمش بعد العشاء، ولا ~~ينم حتى يعرض نفسه على الخلاء، وليحذر دخول الحمام عقيب الامتلاء ومرة في ~~الصيف خير من عشر في الشتاء، وأكل القديد اليابس بالليل معين على الفناء، ~~ومجامعة العجائز تهرم أعمار الأحياء، وتسقم أبدان الأصحاء، ويروى هذا عن ~~علي رضي الله عنه، ولا يصح عنه وإنما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب ~~العرب وكلام غيره. # وقال الحارث: من سره البقاء - ولا بقاء - فليباكر الغداء، وليعجل العشاء ~~وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء. # وقال الحارث: أربعة أشياء تهدم البدن: الجماع على البطنة، ودخول الحمام ~~على الامتلاء، وأكل القديد، وجماع العجوز. # ولما احتضر الحارث اجتمع إليه الناس، فقالوا: مرنا بأمر ننتهي إليه من ~~بعدك، فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا شابة، ولا تأكلوا من الفاكهة إلا في ~~أوان نضجها، ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بتنظيف المعدة ~~في كل شهر، فإنها مذيبة للبلغم، مهلكة للمرة منبتة للحم، وإذا تغدى أحدكم، ~~فلينم # PageV04P374 # على إثر غدائه ساعة، وإذا تعشى فليمش أربعين خطوة. # وقال بعض الملوك ms1281 لطبيبه: لعلك لا تبقى لي فصف لي صفة آخذها عنك، فقال لا ~~تنكح إلا شابة، ولا تأكل من اللحم إلا فتيا، ولا تشرب الدواء إلا من علة، ~~ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها، وأجد مضغ الطعام. وإذا أكلت نهارا فلا بأس ~~أن تنام وإذا أكلت ليلا فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة، ولا تأكلن حتى ~~تجوع ولا تتكارهن على الجماع، ولا تحبس البول، وخذ من الحمام قبل أن يأخذ ~~منك، ولا تأكلن طعاما وفي معدتك طعام، وإياك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن ~~مضغه، فتعجز معدتك عن هضمه وعليك في كل أسبوع بقيئة تنقي جسمك، ونعم الكنز ~~الدم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه، وعليك بدخول الحمام، فإنه ~~يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه. # وقال الشافعي: # أربعة تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس ~~الكتان. # وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، ~~وكثرة أكل الحامض. # وأربعة تقوي البصر: الجلوس حيال الكعبة، والكحل عند النوم، والنظر إلى ~~الخضرة، وتنظيف المجلس. # وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر، وإلى المصلوب، وإلى فرج المرأة ~~والقعود مستدبر القبلة. # وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير، والإطريفل، والفستق، والخروب. # PageV04P375 # وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، ~~ومجالسة العلماء. # وقال أفلاطون: خمس يذبن البدن وربما قتلن: قصر ذات اليد، وفراق الأحبة، ~~وتجرع المغايظ، ورد النصح، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء. # وقال طبيب المأمون: عليك بخصال من حفظها فهو جدير أن لا يعتل إلا علة ~~الموت لا تأكل طعاما وفي معدتك طعام، وإياك أن تأكل طعاما يتعب أضراسك في ~~مضغه فتعجز معدتك عن هضمه وإياك وكثرة الجماع فإنه يطفئ نور الحياة، وإياك ~~ومجامعة العجوز فإنه يورث موت الفجأة، وإياك والفصد إلا عند الحاجة إليه ~~وعليك بالقيء في الصيف. # ومن جوامع كلمات أبقراط قوله: كل كثير فهو معاد للطبيعة. # وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرض؟ فقال لأني لم أجمع بين طعامين ms1282 رديئين، ولم ~~أدخل طعاما على طعام، ولم أحبس في المعدة طعاما تأذيت به. ### | [فصل في مضار البدن والأكل والجماع] # فصل # وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير، والنوم الكثير، والأكل الكثير، ~~والجماع الكثير. # فالكلام الكثير: يقلل مخ الدماغ ويضعفه، ويعجل الشيب. # والنوم الكثير: يصفر الوجه، ويعمي القلب، ويهيج العين، ويكسل عن العمل، ~~ويولد الرطوبات في البدن. # PageV04P376 # والأكل الكثير يفسد فم المعدة ويضعف الجسم ويولد الرياح الغليظة والأدواء ~~العسرة. # والجماع الكثير يهد البدن ويضعف القوى ويجفف رطوبات البدن ويرخي العصب ~~ويورث السدد ويعم ضرره جميع البدن ويخص الدماغ لكثرة ما يتحلل به من الروح ~~النفساني، وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات، ويستفرغ من جوهر الروح ~~شيئا كثيرا. # وأنفع ما يكون إذا صادف شهوة صادقة من صورة جميلة حديثة السن حلالا مع سن ~~الشبوبية، وحرارة المزاج ورطوبته، وبعد العهد به وخلاء القلب من الشواغل ~~النفسانية، ولم يفرط فيه ولم يقارنه ما ينبغي تركه معه من امتلاء مفرط أو ~~خواء أو استفراغ أو رياضة تامة أو حر مفرط أو برد مفرط فإذا راعى فيه هذه ~~الأمور العشرة انتفع به جدا، وأيها فقد فقد حصل له من الضرر بحسبه، وإن ~~فقدت كلها أو أكثرها فهو الهلاك المعجل. ### | [فصل وصايا لجالينوس] # فصل # والحمية المفرطة في الصحة كالتخليط في المرض، والحمية المعتدلة نافعة، ~~وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثا، وعليكم بأربع، ولا حاجة بكم إلى ~~طبيب، اجتنبوا الغبار والدخان والنتن، وعليك بالدسم والطيب والحلوى ~~والحمام، ولا تأكلوا فوق شبعكم ولا تتخللوا بالباذروج والريحان، ولا تأكلوا ~~الجوز عند المساء ولا ينم من به زكمة على قفاه ولا يأكل من به غم حامضا، ~~ولا يسرع المشي من افتصد، فإنه مخاطرة الموت، ولا يتقيأ من تؤلمه عينه، ولا ~~تأكلوا في الصيف لحما كثيرا، ولا ينم صاحب الحمى الباردة في الشمس، ولا ~~تقربوا الباذنجان العتيق المبزر، ومن شرب كل يوم في الشتاء # PageV04P377 # قدحا من ماء حار أمن من الأعلال، ومن دلك جسمه في الحمام بقشور الرمان ~~أمن من الجرب والحكة، ومن أكل ms1283 خمس سوسنات مع قليل مصطكى رومي، وعود خام، ~~ومسك بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد ومن أكل بزر البطيخ مع السكر نظف ~~الحصى من معدته وزالت عنه حرقة البول. ### | [فصل وصايا عامة] # فصل # أربعة تهدم البدن: الهم، والحزن، والجوع والسهر. # وأربعة تفرح: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري والمحبوب والثمار. # وأربعة تظلم البصر: المشي حافيا، والتصبح والتمسي بوجه البغيض والثقيل، ~~والعدو، وكثرة البكاء، وكثرة النظر في الخط الدقيق. # وأربعة تقوي الجسم: لبس الثوب الناعم، ودخول الحمام المعتدل، وأكل الطعام ~~الحلو والدسم، وشم الروائح الطيبة. # وأربعة تيبس الوجه، وتذهب ماءه وبهجته وطلاوته: الكذب، والوقاحة، وكثرة ~~السؤال عن غير علم، وكثرة الفجور. # وأربعة تزيد في ماء الوجه وبهجته: المروءة، والوفاء، والكرم، والتقوى. # وأربعة تجلب البغضاء والمقت: الكبر، والحسد، والكذب، والنميمة. # وأربعة تجلب الرزق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد ~~الصدقة، والذكر أول النهار وآخره. # وأربعة تمنع الرزق: نوم الصبحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة. # وأربعة تضر بالفهم والذهن: إدمان أكل الحامض والفواكه، والنوم على القفا، ~~والهم والغم. # PageV04P378 # وأربعة تزيد في الفهم: فراغ القلب، وقلة التملي من الطعام والشراب، وحسن ~~تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدسمة وإخراج الفضلات المثقلة للبدن. # ومما يضر بالعقل: إدمان أكل البصل، والباقلا والزيتون، والباذنجان، وكثرة ~~الجماع، والوحدة والأفكار والسكر، وكثرة الضحك، والغم. # قال بعض أهل النظر: قطعت في ثلاث مجالس فلم أجد لذلك علة إلا أني أكثرت ~~من أكل الباذنجان في أحد تلك الأيام ومن الزيتون في الآخر ومن الباقلا في ~~الثالث. ### | [فصل فضل الطب النبوي] # فصل # قد أتينا على جملة نافعة من أجزاء الطب العلمي والعملي، لعل الناظر لا ~~يظفر بكثير منها إلا في هذا الكتاب، وأريناك قرب ما بينها وبين الشريعة، ~~وأن الطب النبوي نسبة طب الطبائعيين إليه أقل من نسبة طب العجائز إلى طبهم. # والأمر فوق ما ذكرناه وأعظم مما وصفناه بكثير ولكن فيما ذكرناه تنبيه ~~باليسير على ما وراءه ومن لم يرزقه الله بصيرة على التفصيل فليعلم ما بين ~~القوة المؤيدة بالوحي من عند ms1284 الله والعلوم التي رزقها الله الأنبياء ~~والعقول والبصائر التي منحهم الله إياها وبين ما عند غيرهم. # ولعل قائلا يقول: ما لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وما لهذا الباب، ~~وذكر قوى الأدوية، وقوانين العلاج، وتدبير أمر الصحة؟ . # وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فإن هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه، ~~ودلالته عليه، وحسن الفهم عن الله ورسوله من يمن الله به على من يشاء من ~~عباده. # PageV04P379 # فقد أوجدناك أصول الطب الثلاثة في القرآن، وكيف تنكر أن تكون شريعة ~~المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملة على صلاح الأبدان، كاشتمالها على صلاح ~~القلوب، وأنها مرشدة إلى حفظ صحتها، ودفع آفاتها بطرق كلية قد وكل تفصيلها ~~إلى العقل الصحيح، والفطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء، كما هو ~~في كثير من مسائل فروع الفقه، ولا تكن ممن إذا جهل شيئا عاداه. # ولو رزق العبد تضلعا من كتاب الله وسنة رسوله، وفهما تاما في النصوص ~~ولوازمها لاستغنى بذلك عن كل كلام سواه، ولاستنبط جميع العلوم الصحيحة منه. # فمدار العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلم إلى الرسل ~~صلوات الله عليهم وسلامه، فهم أعلم الخلق بالله وأمره وخلقه وحكمته في خلقه ~~وأمره. # وطب أتباعهم: أصح وأنفع من طب غيرهم. وطب أتباع خاتمهم وسيدهم وإمامهم ~~محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم: أكمل الطب وأصحه وأنفعه، ~~ولا يعرف هذا إلا من عرف طب الناس سواهم وطبهم، ثم وازن بينهما فحينئذ يظهر ~~له التفاوت، وهم أصح الأمم عقولا وفطرا، وأعظمهم علما، وأقربهم في كل شيء ~~إلى الحق لأنهم خيرة الله من الأمم كما أن رسولهم خيرته من الرسل. والعلم ~~الذي وهبهم إياه والحلم والحكمة أمر لا يدانيهم فيه غيرهم، وقد روى الإمام ~~أحمد في " مسنده ": من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «أنتم توفون سبعين أمة أنتم ms1285 ~~خيرها وأكرمها على الله» ) . فظهر أثر كرامتها على الله سبحانه في علومهم ~~وعقولهم وأحلامهم وفطرهم، وهم الذين عرضت عليهم علوم الأمم قبلهم وعقولهم ~~وأعمالهم ودرجاتهم، فازدادوا بذلك علما وحلما وعقولا إلى ما # PageV04P380 # أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من علمه وحلمه. # ولذلك كانت الطبيعة الدموية لهم، والصفراوية لليهود، والبلغمية للنصارى، ~~ولذلك غلب على النصارى البلادة، وقلة الفهم والفطنة، وغلب على اليهود الحزن ~~والهم والغم والصغار، وغلب على المسلمين العقل والشجاعة والفهم والنجدة ~~والفرح والسرور. # وهذه أسرار وحقائق إنما يعرف مقدارها من حسن فهمه، ولطف ذهنه، وغزر علمه، ~~وعرف ما عند الناس وبالله التوفيق. # بعونه تعالى تم الجزء الرابع من زاد المعاد في هدي خير العباد ويليه ~~الجزء الخامس وأوله فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أقضيته وأحكامه # PageV04P381 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأقضية والأنكحة والبيوع] ### | [فصل جواز الحبس] # وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة تشريعا ~~عاما، وإنما الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، ~~وكيف كان هديه في الحكم بين الناس، ونذكر مع ذلك قضايا من أحكامه الكلية. # فصل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم «حبس رجلا في تهمة» . قال أحمد وعلي بن ~~المديني: هذا إسناد صحيح. # وذكر ابن زياد عنه صلى الله عليه وسلم في " أحكامه ": أنه صلى الله عليه ~~وسلم «سجن رجلا أعتق شركا له في عبد، فوجب عليه استتمام عتقه حتى باع غنيمة ~~له» . ### | [فصل في حكمه فيمن قتل عبده] # روى الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رجلا قتل عبده ~~متعمدا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة، ونفاه سنة وأمره أن ~~يعتق رقبة ولم يقده به» . # PageV05P005 # وروى الإمام أحمد: من حديث الحسن، عن سمرة رضي الله عنه، عنه صلى الله ~~عليه وسلم: ( «من قتل عبده قتلناه» ) فإن كان هذا محفوظا، وقد سمعه منه ms1286 ~~الحسن، كان قتله تعزيرا إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة. # وأمر رجلا بملازمة غريمه، كما ذكر أبو داود، عن النضر بن شميل، عن ~~الهرماس بن حبيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغريم لي، فقال لي: " الزمه " ثم قال لي: " يا أخا بني سهم ما ~~تريد أن تفعل بأسيرك؟» ". وروى أبو عبيد، أنه صلى الله عليه وسلم «أمر بقتل ~~القاتل، وصبر الصابر» . قال أبو عبيد: أي: بحبسه للموت حتى يموت. # وذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن علي: يحبس الممسك في السجن حتى يموت. ### | [فصل في حكمه في المحاربين] # حكم بقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، كما سملوا عين الرعاء، # PageV05P006 # وتركهم حتى ماتوا جوعا وعطشا كما فعلوا بالرعاء. ### | [فصل في حكمه بين القاتل وولي المقتول] # ثبت في " صحيح مسلم ": عنه صلى الله عليه وسلم «أن رجلا ادعى على آخر أنه ~~قتل أخاه، فاعترف، فقال: " دونك صاحبك "، فلما ولى، قال: " إن قتله، فهو ~~مثله "، فرجع فقال: إنما أخذته بأمرك، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما تريد ~~أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ " فقال: بلى، فخلى سبيله» . # وفي قوله: " فهو مثله "، قولان، أحدهما: أن القاتل إذا قيد منه، سقط ما ~~عليه، فصار هو والمستقيد بمنزلة واحدة، وهو لم يقل: إنه بمنزلته قبل القتل، ~~وإنما قال: إن قتله فهو مثله، وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله، فلا إشكال في ~~الحديث، وإنما فيه التعريض لصاحب الحق بترك القود والعفو. # والثاني: أنه إن كان لم يرد قتل أخيه فقتله به، فهو متعد مثله إذ كان ~~القاتل متعديا بالجناية، والمقتص متعد بقتل من لم يتعمد القتل، ويدل على ~~هذا التأويل ما روى الإمام أحمد في " مسنده ": من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: «قتل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول ~~الله! ما أردت قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1287 للولي: # PageV05P007 # " أما إنه إذا كان صادقا، ثم قتلته دخلت النار "، فخلى سبيله» . وفي كتاب ~~ابن حبيب في هذا الحديث زيادة، وهي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عمد ~~يد، وخطأ قلب» . ### | [فصل في حكمه بالقود على من قتل جارية وأنه يفعل به كما فعل] # ثبت في " الصحيحين ": «أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين على أوضاح لها، ~~أي: حلي فأخذ، فاعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين ~~حجرين» . # وفي هذا الحديث دليل على قتل الرجل بالمرأة، وعلى أن الجاني يفعل به كما ~~فعل، وأن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي، فإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا ~~عنه، بل قتله حتما، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن ~~قال: إنه فعل ذلك لنقض العهد، لم يصح، فإن ناقض العهد لا ترضخ رأسه ~~بالحجارة، بل يقتل بالسيف. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن ضرب امرأة حاملا فطرحها] # في " الصحيحين ": «أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها ~~وما في بطنها، فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة: عبد أو وليدة ~~في الجنين، # PageV05P008 # وجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة» ، هكذا في " الصحيحين ". وفي ~~النسائي: «فقضى في حملها بغرة، وأن تقتل بها» ، وكذلك قال غيره أيضا: إنه ~~قتلها مكانها، والصحيح: أنه لم يقتلها لما تقدم. وقد روى البخاري في " ~~صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضى ~~في جنين امرأة من بني لحيان بغرة: عبد أو وليدة، ثم إن المرأة التي قضى ~~عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها ~~وزوجها، وأن العقل على عصبتها» . # وفي هذا الحكم أن شبه العمد لا يوجب القود، وأن العاقلة تحمل الغرة تبعا ~~للدية، وأن العاقلة هم العصبة، وأن زوج القاتلة لا يدخل معهم، وأن أولادها ~~أيضا ليسوا من العاقلة. ms1288 ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بالقسامة فيمن لم يعرف قاتله] # ثبت في " الصحيحين ": أنه صلى الله عليه وسلم حكم بها بين الأنصار ~~واليهود، وقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: ( «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» ~~) وقال # PageV05P009 # البخاري: " «وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم "، فقالوا: أمر لم نشهده ولم نره، ~~فقال: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين "، فقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ ~~فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده» . # وفي لفظ: ( «ويقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته إليه» ) ، ~~واختلف لفظ الأحاديث الصحيحة في محل الدية، ففي بعضها أنه صلى الله عليه ~~وسلم وداه من عنده، وفي بعضها وداه من إبل الصدقة. # وفي " سنن أبي داود ": أنه صلى الله عليه وسلم «ألقى ديته على اليهود، ~~لأنه وجد بينهم» . # وفي " مصنف عبد الرزاق ": «أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بيهود، فأبوا أن ~~يحلفوا، فرد القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا فجعل عقله على يهود» . # وفي " سنن النسائي ": فجعل عقله على اليهود، وأعانهم ببعضها، وقد تضمنت ~~هذه الحكومة أمورا: # منها: الحكم بالقسامة، وأنها من دين الله وشرعه. # PageV05P010 # ومنها: القتل بها لقوله: ( «فيدفع برمته إليه» ) ، وقوله في لفظ آخر ( ~~«وتستحقون دم صاحبكم» ) فظاهر القرآن والسنة القتل بأيمان الزوج الملاعن ~~وأيمان الأولياء في القسامة، وهو مذهب أهل المدينة. وأما أهل العراق، فلا ~~يقتلون في واحد منهما، وأحمد يقتل في القسامة دون اللعان، والشافعي عكسه. # ومنها: أنه يبدأ بأيمان المدعين في القسامة بخلاف غيرها من الدعاوى. # ومنها: أن أهل الذمة إذا منعوا حقا عليهم، انتقض عهدهم لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «إما أن تدوه، وإما أن تأذنوا بحرب» . # ومنها: أن المدعى عليه إذا بعد عن مجلس الحكم، كتب إليه، ولم يشخصه. # ومنها: جواز العمل والحكم بكتاب القاضي وإن لم يشهد عليه. # ومنها: القضاء على الغائب. # ومنها: أنه لا يكتفى في القسامة بأقل من خمسين إذا وجدوا. # ومنها: الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان ~~الحكم بينهم وبين المسلمين. # ومنها: - وهو الذي أشكل ms1289 على كثير من الناس - إعطاؤه الدية من إبل الصدقة، ~~وقد ظن بعض الناس أن ذلك من سهم الغارمين، وهذا لا يصح، فإن غارم أهل الذمة ~~لا يعطى من الزكاة، وظن بعضهم أن ذلك مما فضل من الصدقة عن أهلها، فللإمام ~~أن يصرفه في المصالح، وهذا أقرب من الأول، وأقرب منه: أنه صلى الله عليه ~~وسلم وداه من عنده، واقترض الدية من إبل الصدقة، ويدل عليه: " فوداه من ~~عنده " وأقرب من هذا كله أن يقال: لما تحملها النبي صلى الله عليه وسلم ~~لإصلاح ذات البين بين الطائفتين، كان حكمها حكم القضاء على الغارم لما غرمه ~~لإصلاح ذات البين، ولعل هذا مراد من قال: إنه قضاها من سهم الغارمين، وهو ~~صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منها # PageV05P011 # لنفسه شيئا، فإن الصدقة لا تحل له، ولكن جرى إعطاء الدية منها مجرى إعطاء ~~الغارم منها لإصلاح ذات البين. والله أعلم. # فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله " «فجعل عقله على اليهود» "؟ فيقال: هذا مجمل ~~لم يحفظ راويه كيفية جعله عليهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لما كتب إليهم أن ~~يدوا القتيل، أو يأذنوا بحرب، كان هذا كالإلزام لهم بالدية، ولكن الذي ~~حفظوا أنهم أنكروا أن يكونوا قتلوا، وحلفوا على ذلك، وأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وداه من عنده، حفظوا زيادة على ذلك، فهم أولى بالتقديم. # فإن قيل: فكيف تصنعون برواية النسائي: " «أنه قسمها على اليهود، وأعانهم ~~ببعضها» "؟ قيل: هذا ليس بمحفوظ قطعا، فإن الدية لا تلزم المدعى عليهم ~~بمجرد دعوى أولياء القتيل، بل لا بد من إقرار أو بينة، أو أيمان المدعين، ~~ولم يوجد هنا شيء من ذلك، وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم أيمان القسامة ~~على المدعين، فأبوا أن يحلفوا، فكيف يلزم اليهود بالدية بمجرد الدعوى. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في أربعة سقطوا في بئر فتعلق بعضهم ببعض فهلكوا] # ذكر الإمام أحمد، والبزار، وغيرهما، «أن قوما احتفروا بئرا باليمن، فسقط ~~فيها رجل، فتعلق بآخر، والثاني بالثالث، والثالث بالرابع، فسقطوا ms1290 جميعا، ~~فماتوا، فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: اجمعوا ~~من حفر البئر من الناس، وقضى للأول بربع الدية، لأنه هلك فوقه ثلاثة، ~~وللثاني بثلثها لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقه واحد، ~~وللرابع بالدية تامة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل، ~~فقصوا عليه القصة، فقال: " هو ما قضى بينكم» ، هكذا سياق البزار. # وسياق أحمد نحوه، وقال: إنهم أبوا أن يرضوا بقضاء علي، «فأتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم عليه السلام، فقصوا عليه القصة، ~~فأجازه # PageV05P012 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا» . ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة أبيه] # روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: عن البراء رضي الله عنه، قال: لقيت ~~خالي أبا بردة ومعه الراية، فقال: «أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله» . # وذكر ابن أبي خيثمة في " تاريخه "، من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه، عن ~~جده رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى رجل أعرس ~~بامرأة أبيه، فضرب عنقه، وخمس ماله» . قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح. # وفي " سنن ابن ماجه " من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه» . # PageV05P013 # وذكر الجوزجاني، أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها، فقال: ~~احبسوه، وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوا عبد ~~الله بن أبي مطرف رضي الله عنه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " «من تخطى حرم المؤمنين، فخطوا وسطه بالسيف» ". # وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات ~~محرم، فقال: يقتل، ويدخل ماله في بيت المال. # وهذا القول هو الصحيح، وهو مقتضى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: ms1291 حده حد الزاني، ثم قال أبو حنيفة: إن ~~وطئها بعقد، عزر، ولا حد عليه، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه ~~أحق وأولى. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بقتل من اتهم بأم ولده فلما ظهرت براءته أمسك عنه] # روى ابن أبي خيثمة وابن السكن وغيرهما من حديث ثابت، عن أنس رضي الله ~~عنه، «أن ابن عم مارية كان يتهم بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: " اذهب فإن وجدته عند مارية، فاضرب عنقه "، ~~فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، ~~فأخرجه، فإذا هو مجبوب، ليس له ذكر، فكف عنه علي، ثم أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنه مجبوب، ما له ذكر» . وفي لفظ آخر: «أنه ~~وجده في نخلة يجمع تمرا، وهو # PageV05P014 # ملفوف بخرقة، فلما رأى السيف، ارتعد وسقطت الخرقة، فإذا هو مجبوب لا ذكر ~~له» . # وقد أشكل هذا القضاء على كثير من الناس، فطعن بعضهم في الحديث، ولكن ليس ~~في إسناده من يتعلق عليه، وتأوله بعضهم على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد ~~حقيقة القتل، إنما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها. قال: وهذا كما قال ~~سليمان للمرأتين اللتين اختصمتا إليه في الولد: " «علي بالسكين حتى أشق ~~الولد بينهما» "، ولم يرد أن يفعل ذلك، بل قصد استعلام الأمر من هذا القول، ~~ولذلك كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث: باب الحاكم يوهم خلاف الحق ~~ليتوصل به إلى معرفة الحق، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف ~~الصحابة براءته، وبراءة مارية، وعلم أنه إذا عاين السيف، كشف عن حقيقة ~~حاله، فجاء الأمر كما قدره رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا رضي الله ~~عنه بقتله تعزيرا لإقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده، فلما تبين لعلي حقيقة ~~الحال، وأنه بريء من الريبة، كف عن قتله، ms1292 واستغنى عن القتل بتبيين الحال، ~~والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد، بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجودا ~~وعدما. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في القتيل يوجد بين قريتين] # روى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~قال: «وجد قتيل بين قريتين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فذرع ما بينهما، ~~فوجد إلى أحدهما أقرب، فكأني أنظر إلى شبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فألقاه على أقربهما» . # وفي " مصنف عبد الرزاق " قال عمر بن عبد العزيز: «قضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما بلغنا في القتيل يوجد بين ظهراني ديار قوم: أن الأيمان على ~~المدعى عليهم، # PageV05P015 # فإن نكلوا، حلف المدعون، واستحقوا، فإن نكل الفريقان، كانت الدية نصفها ~~على المدعى عليهم، وبطل النصف إذا لم يحلفوا» . # وقد نص الإمام أحمد في رواية المروزي على القول بمثل رواية أبي سعيد، ~~فقال: قلت لأبي عبد الله: القوم إذا أعطوا الشيء، فتبينوا أنه ظلم فيه قوم؟ ~~فقال: يرد عليهم إن عرف القوم. قلت: فإن لم يعرفوا؟ قال: يفرق على مساكين ~~ذلك الموضع، فقلت: فما الحجة في أن يفرق على مساكين ذلك الموضع؟ فقال: عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه جعل الدية على أهل المكان يعني القرية التي وجد ~~فيها القتيل، فأراه قال: كما أن عليهم الدية هكذا يفرق فيهم، يعني: إذا ظلم ~~قوم منهم ولم يعرفوا، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قضى بموجب هذا ~~الحديث، وجعل الدية على أهل المكان الذي وجد فيه القتيل، واحتج به أحمد ~~وجعل هذا أصلا في تفريق المال الذي ظلم فيه أهل ذلك المكان عليهم إذا لم ~~يعرفوا بأعيانهم. # وأما الأثر الآخر، فمرسل لا تقوم بمثله حجة، ولو صح تعين القول بمثله، ~~ولم تجز مخالفته، ولا يخالف باب الدعاوى، ولا باب القسامة، فإنه ليس فيهم ~~لوث ظاهر يوجب تقديم المدعين، فيقدم المدعى عليهم في اليمين، فإذا نكلوا، ~~قوي جانب المدعين من وجهين: أحدهما: وجود القتيل بين ظهرانيهم. ms1293 والثاني: ~~نكولهم عن براءة ساحتهم باليمين، وهذا يقوم مقام اللوث الظاهر، فيحلف ~~المدعون، ويستحقون، فإذا نكل الفريقان كلاهما، أورث ذلك شبهة مركبة من نكول ~~كل واحد منهما، فلم ينهض ذلك سببا لإيجاب كمال الدية عليهم # PageV05P016 # إذا لم يحلف غرماؤهم، ولا إسقاطها عنهم بالكلية حيث لم يحلفوا، فجعلت ~~الدية نصفين، ووجب نصفها على المدعى عليهم لثبوت الشبهة في حقهم بترك ~~اليمين، ولم تجب عليهم بكمالها، لأن خصومهم لم يحلفوا، فلما كان اللوث ~~متركبا من يمين المدعين، ونكول المدعى عليهم، ولم يتم، سقط ما يقابل أيمان ~~المدعين وهو النصف، ووجب ما يقابل نكول المدعى عليهم وهو النصف، وهذا من ~~أحسن الأحكام وأعدلها، وبالله التوفيق. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بتأخير القصاص من الجرح حتى يندمل] # ذكر عبد الرزاق في " مصنفه " وغيره: من حديث ابن جريج، عن عمرو بن شعيب ~~قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل طعن آخر بقرن في رجله، ~~فقال: يا رسول الله، أقدني، فقال: " حتى تبرأ جراحك "، فأبى الرجل إلا أن ~~يستقيده، فأقاده النبي صلى الله عليه وسلم، فصح المستقاد منه، وعرج ~~المستقيد، فقال: عرجت وبرأ صاحبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألم ~~آمرك أن لا تستقيد حتى تبرأ جراحك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك "، ثم ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان به جرح بعد الرجل الذي عرج أن لا ~~يستقاد منه حتى يبرأ جرح صاحبه» . فالجراح على ما بلغ حتى يبرأ، فما كان من ~~عرج أو شلل، فلا قود فيه، وهو عقل، ومن استقاد جرحا فأصيب المستقاد منه، ~~فعقل ما فضل من ديته على جرح صاحبه له. # قلت: الحديث في " مسند الإمام أحمد " من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده متصل، أن «رجلا طعن بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أقدني. فقال: " حتى تبرأ "، فقال: أقدني. فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: ~~يا # PageV05P017 # رسول الله! عرجت، فقال: " قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل ms1294 عرجتك "، ~~ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه» . # وفي سنن الدارقطني: عن جابر رضي الله عنه، «أن رجلا جرح، فأراد أن ~~يستقيد، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ ~~المجروح» . # وقد تضمنت هذه الحكومة، أنه لا يجوز الاقتصاص من الجرح حتى يستقر أمره، ~~إما باندمال، أو بسراية مستقرة، وأن سراية الجناية مضمونة بالقود وجواز ~~القصاص في الضربة بالعصا والقرن ونحوهما، ولا ناسخ لهذه الحكومة، ولا معارض ~~لها، والذي نسخ بها تعجيل القصاص قبل الاندمال لا نفس القصاص فتأمله، وأن ~~المجني عليه إذا بادر واقتص من الجاني، ثم سرت الجناية إلى عضو من أعضائه، ~~أو إلى نفسه بعد القصاص، فالسراية هدر. # وأنه يكتفى بالقصاص وحده دون تعزير الجاني وحبسه، قال عطاء: الجروح قصاص، ~~وليس للإمام أن يضربه ولا يسجنه، إنما هو القصاص، وما كان ربك نسيا، ولو ~~شاء لأمر بالضرب والسجن. وقال مالك: يقتص منه بحق الآدمي، ويعاقب لجرأته. # والجمهور يقولون: القصاص يغني عن العقوبة الزائدة، فهو كالحد إذا أقيم ~~على المحدود، لم يحتج معه إلى عقوبة أخرى. # والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع عليه حد مقدر، فلا يجمع بينه وبين # PageV05P018 # التعزير. ونوع لا حد فيه، ولا كفارة، فهذا يردع فيه بالتعزير، ونوع فيه ~~كفارة، ولا حد فيه، كالوطء في الإحرام والصيام، فهل يجمع فيه بين الكفارة ~~والتعزير؟ على قولين للعلماء، وهما وجهان لأصحاب أحمد، والقصاص يجري مجرى ~~الحد، فلا يجمع بينه وبين التعزير. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم بالقصاص في كسر السن] # في " الصحيحين ": من حديث أنس، «أن ابنة النضر أخت الربيع لطمت جارية، ~~فكسرت سنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بالقصاص، فقالت ~~أم الربيع: يا رسول الله! أيقتص من فلانة؟ لا والله لا يقتص منها، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله يا أم الربيع كتاب الله القصاص "، ~~فقالت: لا والله لا يقتص منها أبدا، فعفا القوم، وقبلوا الدية. فقال النبي ms1295 ~~صلى الله عليه وسلم: " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» . ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن عض يد رجل فانتزع يده من فيه فسقطت ثنية العاض بإهدارها] # ثبت في " الصحيحين " «أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثناياه، ~~فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يعض أحدكم أخاه كما يعض ~~الفحل، لا دية لك» . # وقد تضمنت هذه الحكومة أن من خلص نفسه من يد ظالم له، فتلفت نفس # PageV05P019 # الظالم، أو شيء من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هدر غير مضمون. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن اطلع في بيت رجل بغير إذنه فحذفه بحصاة أو عود ففقأ عينه فلا شيء عليه] # ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت ~~عينه، لم يكن عليك جناح» . # وفي لفظ فيهما: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقؤوا عينه، فلا دية له ~~ولا قصاص» . # وفيهما: «أن رجلا اطلع من جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام ~~إليه بمشقص، وجعل يختله ليطعنه» ، فذهب إلى القول بهذه الحكومة، وإلى التي ~~قبلها فقهاء الحديث، منهم: الإمام أحمد، والشافعي، ولم يقل بها أبو حنيفة ~~ومالك. ### | [فصل ما يفعل بالحامل إذا قتلت عمدا] # فصل # وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحامل إذا قتلت عمدا لا تقتل حتى ~~تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها. ذكره ابن ماجه في " سننه ". # PageV05P020 # وقضى أن لا يقتل الوالد بالولد. ذكره النسائي وأحمد. # وقضى أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر. # PageV05P021 # وقضى أن من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، إما أن يقتلوا أو يأخذوا ~~العقل. # وقضى أن في دية الأصابع من اليدين والرجلين في كل واحدة عشرا من الإبل. ~~وقضى في الأسنان في كل سن بخمس من الإبل، وأنها كلها سواء، وقضى في المواضح ~~بخمس ms1296 خمس. # وقضى في العين السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا ~~قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها. # PageV05P022 # وقضى في الأنف إذا جدع كله بالدية كاملة، وإذا جدعت أرنبته بنصف الدية. # وقضى في المأمومة بثلث الدية، وفي الجائفة بثلثها، وفي المنقلة بخمسة عشر ~~من الإبل. وقضى في اللسان بالدية، وفي الشفتين بالدية، وفي البيضتين ~~بالدية، وفي الذكر بالدية، وفي الصلب بالدية، وفي العينين بالدية، وفي ~~إحداهما بنصفها، وفي الرجل الواحدة بنصف الدية، وفي اليد بنصف الدية، وقضى ~~أن الرجل يقتل بالمرأة. # وقضى أن دية الخطأ على العاقلة مائة من الإبل، واختلفت الرواية عنه في ~~أسنانها، ففي السنن الأربعة عنه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ~~«ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكر» . # PageV05P023 # قال الخطابي: ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا. # وفيها أيضا من حديث ابن مسعود: أنها أخماس: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت ~~لبون، وعشرون ابن مخاض، وعشرون حقة، وعشرون جذعة. # وقضى في العمد إذا رضوا بالدية ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ~~وما صولحوا عليه، فهو لهم. # فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى القول بحديث ابن مسعود رضي الله عنهما، وجعل ~~الشافعي ومالك بدل ابن مخاض ابن لبون، وليس في واحد من الحديثين. # وفرضها النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل ~~البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. # وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~جعلها ثمانمائة دينار، أو ثمانمائة آلاف درهم، ذكر أهل السنن الأربعة من ~~حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن رجلا قتل، فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ديته اثني # PageV05P024 # عشر ألفا» . # وثبت عن عمر أنه خطب فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها على أهل الذهب ألف ~~دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي ms1297 بقرة، وعلى أهل ~~الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة، فلم يرفعها ~~فيما رفع من الدية. # وقد روى أهل السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم: ( «دية المعاهد نصف ~~دية الحر» ) . # ولفظ ابن ماجه: " «قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود ~~والنصارى» ". # واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ ~~والعمد، وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد. وقال أبو حنيفة: بل كدية ~~المسلم في الخطأ والعمد. وقال الإمام أحمد: مثل دية المسلم في العمد. وعنه ~~في الخطأ روايتان، إحداهما: نصف الدية، وهي ظاهر مذهبه. والثانية: ثلثها، # PageV05P025 # فأخذ مالك بظاهر حديث عمرو بن شعيب، وأخذ الشافعي بأن عمر جعل ديته أربعة ~~آلاف، وهي ثلث دية المسلم، وأخذ أحمد بحديث عمرو إلا أنه في العمد ضعف ~~الدية عقوبة لأجل سقوط القصاص، وهكذا عنده من سقط عنه القصاص، ضعفت عليه ~~الدية عقوبة، نص عليه توقيفا، وأخذ أبو حنيفة بما هو أصله من جريان القصاص ~~بينهما، فتتساوى ديتهما. # وقضى صلى الله عليه وسلم أن عقل المرأة مثل عقل الرجل إلى الثلث من ~~ديتها، ذكره النسائي. فتصير على النصف من ديته، وقضى بالدية على العاقلة، ~~وبرأ منها الزوج، وولد المرأة القاتلة. # وقضى في المكاتب أنه إذا قتل يودى بقدر ما أدى من كتابته دية الحر، وما ~~بقي فدية المملوك، قلت: يعني قيمته. وقضى بهذا القضاء علي بن أبي طالب، ~~وإبراهيم النخعي، ويذكر رواية عن أحمد، وقال عمر: إذا أدى شطر كتابته كان ~~غريما، ولا يرجع رقيقا، وبه قضى عبد الملك بن مروان. وقال ابن مسعود: إذا ~~أدى الثلث، وقال عطاء: إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة، فهو غريم، والمقصود: ~~أن هذا القضاء النبوي لم تجمع الأمة على تركه، ولم يعلم نسخه. # وأما حديث ( «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» ) فلا معارضة بينه وبين هذا ~~القضاء، فإنه في الرق بعد، ولا تحصل حريته التامة إلا بالأداء. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم على من ms1298 أقر بالزنى] # ثبت في صحيح البخاري ومسلم «أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، # PageV05P026 # فاعترف بالزنى، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى شهد على نفسه ~~أربع مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبك جنون؟ " قال: لا. قال: " ~~أحصنت "؟ قال: نعم، فأمر به، فرجم في المصلى، فلما أذلقته الحجارة، فر ~~فأدرك، فرجم حتى مات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا، وصلى عليه» . # وفي لفظ لهما: أنه قال له: «أحق ما بلغني عنك؟ " قال: وما بلغك عني؟ قال: ~~" بلغني أنك وقعت بجارية بني فلان " فقال: نعم، قال: فشهد على نفسه أربع ~~شهادات، ثم دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا، ~~قال: " أحصنت؟ " قال: نعم، ثم أمر به فرجم» . # وفي لفظ لهما: «فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا. قال: " أحصنت؟ "؟ قال: نعم. قال: " ~~اذهبوا به فارجموه» . # وفي لفظ للبخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعلك قبلت أو غمزت، ~~أو نظرت "! قال: لا يا رسول الله. قال: " أنكتها؟ " لا يكني، قال: نعم، ~~فعند ذلك أمر برجمه» . # وفي لفظ لأبي داود: «أنه شهد على نفسه أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل ~~في الخامسة، قال: " أنكتها؟ " قال: نعم. قال: " حتى غاب ذلك منك في ذلك ~~منها؟ " قال: نعم. قال: " كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر؟ " ~~قال: نعم. قال: " فهل تدري ما الزنى؟ " قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي ~~الرجل من امرأته حلالا. قال: " فما تريد بهذا القول؟ " قال: أريد أن ~~تطهرني، قال: فأمر به فرجم» . # PageV05P027 # وفي " السنن ": «أنه لما وجد مس الحجارة، قال: يا قوم ردوني إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإن قومي قتلوني، وغروني من نفسي، وأخبروني أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي» . # وفي " صحيح مسلم ": «فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت ~~فطهرني، وأنه ردها، فلما كان ms1299 من الغد، قالت: يا رسول الله لم تردني، لعلك ~~أن تردني كما رددت ماعزا؟ فوالله إني لحبلى، قال: " إما لا، فاذهبي حتى ~~تلدي "، فلما ولدت، أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: " اذهبي ~~فأرضعيه حتى تفطميه "، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا ~~يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم ~~أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد ~~بحجر، فرمى رأسها، فانتضح الدم على وجهه، فسبها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب ~~مكس لغفر له " ثم أمر بها، فصلى عليها، ودفنت» . # وفي " صحيح البخاري ": «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى، ~~ولم يحصن # PageV05P028 # بنفي عام، وإقامة الحد عليه» . # وفي " الصحيحين ": «أن رجلا قال له: أنشدك بالله إلا قضيت بيننا بكتاب ~~الله، فقام خصمه، وكان أفقه منه، فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله، وائذن ~~لي، فقال: " قل " قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ~~منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة ~~وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال: " والذي نفسي بيده لأقضين ~~بينكما بكتاب الله، المائة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب ~~عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فاسألها، فإن اعترفت فارجمها "، فاعترفت ~~فرجمها» . # وفي " صحيح مسلم " عنه صلى الله عليه وسلم: " «الثيب بالثيب جلد مائة ~~والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» ". # PageV05P029 # فتضمنت هذه الأقضية رجم الثيب، وأنه لا يرجم حتى يقر أربع مرات، وأنه إذا ~~أقر دون الأربع، لم يلزم بتكميل نصاب الإقرار، بل للإمام أن يعرض عنه، ~~ويعرض له بعدم تكميل الإقرار. # وأن إقرار زائل العقل بجنون أو سكر ملغى لا عبرة به، وكذلك طلاقه وعتقه ~~وأيمانه ووصيته. # وجواز إقامة الحد في المصلى، وهذا لا يناقض نهيه أن تقام الحدود ms1300 في ~~المساجد. # وأن الحر المحصن إذا زنى بجارية، فحده الرجم، كما لو زنى بحرة. وأن ~~الإمام يستحب له أن يعرض للمقر بأن لا يقر، وأنه يجب استفسار المقر في محل ~~الإجمال، لأن اليد والفم والعين لما كان استمتاعها زنى استفسر عنه دفعا ~~لاحتماله. # وأن الإمام له أن يصرح باسم الوطء الخاص به عند الحاجة إليه، كالسؤال عن ~~الفعل. # وأن الحد لا يجب على جاهل بالتحريم، لأنه صلى الله عليه وسلم سأله عن حكم ~~الزنى، فقال: أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا. # وأن الحد لا يقام على الحامل، وأنها إذا ولدت الصبي أمهلت حتى ترضعه ~~وتفطمه، وأن المرأة يحفر لها دون الرجل، وأن الإمام لا يجب عليه أن يبدأ ~~بالرجم. # وأنه لا يجوز سب أهل المعاصي إذا تابوا، وأنه يصلى على من قتل في حد ~~الزنى، وأن المقر إذا استقال في أثناء الحد، وفر، ترك ولم يتمم عليه الحد، # PageV05P030 # فقيل: لأنه رجوع. وقيل: لأنه توبة قبل تكميل الحد، فلا يقام عليه كما لو ~~تاب قبل الشروع فيه. وهذا اختيار شيخنا. # وأن الرجل إذا أقر أنه زنى بفلانة، لم يقم عليه حد القذف مع حد الزنى. ~~وأن ما قبض من المال بالصلح الباطل باطل يجب رده. # وأن الإمام له أن يوكل في استيفاء الحد. # وأن الثيب لا يجمع عليه بين الجلد والرجم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يجلد ماعزا ولا الغامدية، ولم يأمر أنيسا أن يجلد المرأة التي أرسله إليها، ~~وهذا قول الجمهور، وحديث عبادة: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: الثيب ~~بالثيب جلد مائة والرجم» منسوخ. فإن هذا كان في أول الأمر عند نزول حد ~~الزاني، ثم رجم ماعزا والغامدية، ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا ~~شك، وأما حديث جابر في " السنن ": «أن رجلا زنى، فأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فجلد الحد، ثم أقر أنه محصن، فأمر به فرجم. فقد قال جابر في ~~الحديث نفسه: إنه لم يعلم بإحصانه، فجلد، ثم علم ms1301 بإحصانه فرجم» . رواه أبو ~~داود. # وفيه: أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالما بالتحريم، فإن ماعزا ~~لم يعلم أن عقوبته القتل، ولم يسقط هذا الجهل الحد عنه. # وفيه: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بالإقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه ~~شاهدان، نص عليه أحمد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأنيس: فإن ~~اعترفت بحضرة شاهدين فارجمها. # وأن الحكم إذا كان حقا محضا لله لم يشترط الدعوى به عند الحاكم. وأن الحد ~~إذا وجب على امرأة، جاز للإمام أن يبعث إليها من يقيمه عليها، ولا # PageV05P031 # يحضرها، وترجم النسائي على ذلك: صونا للنساء عن مجلس الحكم. وأن الإمام ~~والحاكم والمفتي يجوز له الحلف على أن هذا حكم الله عز وجل إذا تحقق ذلك، ~~وتيقنه بلا ريب، وأنه يجوز التوكيل في إقامة الحدود، وفيه نظر، فإن هذا ~~استنابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل، ~~لكن يغرب معها محرمها إن أمكن، وإلا فلا، وقال مالك: لا تغريب على النساء؛ ~~لأنهن عورة. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام] # ثبت في " الصحيحين " و " المسانيد ": «أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم "؟ قالوا: نفضحهم ~~ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، ~~فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له ~~عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق ~~يا محمد، إن فيها الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما» . # فتضمنت هذه الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، وأن الذمي يحصن ~~الذمية، وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي، ومن لم يقل بذلك اختلفوا في # PageV05P032 # وجه هذا الحديث، فقال مالك في غير " الموطأ ": لم يكن اليهود بأهل ذمة. ms1302 ~~والذي في " صحيح البخاري ": أنهم أهل ذمة، ولا شك أن هذا كان بعد العهد ~~الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم، ولم يكونوا إذ ذاك حربا، ~~كيف وقد تحاكموا إليه، ورضوا بحكمه؟ وفي بعض طرق الحديث: أنهم قالوا: ~~اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى ~~بيت مدراسهم، فأتاهم وحكم بينهم، فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك. # وقالت طائفة أخرى: إنما رجمهما بحكم التوراة. قالوا: وسياق القصة صريح في ~~ذلك، وهذا مما لا يجدي عليهم شيئا البتة، فإنه حكم بينهم بالحق المحض، فيجب ~~اتباعه بكل حال، فماذا بعد الحق إلا الضلال. # وقالت طائفة: رجمهما سياسة، وهذا من أقبح الأقوال، بل رجمهما بحكم الله ~~الذي لا حكم سواه. # وتضمنت هذه الحكومة أن أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا لا نحكم بينهم إلا ~~بحكم الإسلام. # وتضمنت قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض لأن الزانيين لم يقرا، ولم ~~يشهد عليهما المسلمون، فإنهم لم يحضروا زناهما، كيف وفي " السنن " في هذه ~~القصة: «فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاءوا أربعة، فشهدوا ~~أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة» . # PageV05P033 # وفي بعض طرق هذا الحديث: فجاء أربعة منهم، وفي بعضها: فقال لليهود: ~~«ائتوني بأربعة منكم» . # وتضمنت الاكتفاء بالرجم، وأن لا يجمع بينه وبين الجلد، قال ابن عباس: ~~الرجم في كتاب الله لا يغوص عليه إلا غواص، وهو قوله تعالى: {ياأهل الكتاب ~~قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} [المائدة: 15] ~~[المائدة: 15] ، واستنبطه غيره من قوله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44] [المائدة: 44] . # قال الزهري في حديثه: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم {إنا أنزلنا التوراة ~~فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] ، كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في الرجل يزني بجارية امرأته] # في " المسند " و " السنن " الأربعة: من حديث قتادة، عن ms1303 حبيب بن سالم، «أن ~~رجلا يقال له: عبد الرحمن بن حنين، وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان ~~بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إن كانت أحلتها لك، جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها، رجمتك ~~بالحجارة، فوجدوه أحلتها له، فجلده مائة» . قال الترمذي: في إسناد هذا ~~الحديث اضطراب، سمعت محمدا يعني البخاري يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن ~~سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو بشر لم يسمعه # PageV05P034 # أيضا من حبيب بن سالم، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وسألت محمدا عنه؟ ~~فقال: أنا أنفي هذا الحديث. وقال النسائي: هو مضطرب، وقال أبو حاتم الرازي: ~~خالد بن عرفطة مجهول. # وفي " المسند " و " السنن " عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته، إن كان ~~استكرهها، فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته، فهي له، وعليه ~~لسيدتها مثلها» . # فاختلف الناس في القول بهذا الحكم، فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه، فإن ~~الحديث حسن، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان: قتادة، وأبو بشر، ولم يعرف ~~فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين، والقياس وقواعد الشريعة يقتضي ~~القول بموجب هذه الحكومة، فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد، ولا تسقط ~~التعزير فكانت المائة تعزيرا، فإذا لم تكن أحلتها، كان زنى لا شبهة فيه، ~~ففيه الرجم، فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس. # PageV05P035 # وأما حديث سلمة بن المحبق: فإن صح، تعين القول به ولم يعدل عنه، ولكن قال ~~النسائي: لا يصح هذا الحديث. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي ~~رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف، ولا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن ~~حريث. وقال البخاري في " التاريخ ": قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق، في ~~حديثه نظر، وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق، وقال ms1304 البيهقي: ~~وقبيصة بن حريث غير معروف، وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وقبيصة غير معروف، ~~والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع. # وطائفة أخرى قبلت الحديث، ثم اختلفوا فيه، فقالت طائفة: هو منسوخ، وكان ~~هذا قبل نزول الحدود. # وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها، فقد أفسدها على سيدتها، ولم تبق ~~ممن تصلح لها، ولحق بها العار، وهذا مثلة معنوية، فهي كالمثلة الحسية، أو ~~أبلغ منها، وهو قد تضمن أمرين: إتلافها على سيدتها، والمثلة المعنوية بها، ~~فيلزمه غرامتها لسيدتها، وتعتق عليه، وأما إن طاوعته، فقد أفسدها على ~~سيدتها، فتلزمه قيمتها لها، ويملكها لأن القيمة قد استحقت عليه، وبمطاوعتها ~~وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة. قالوا: ولا بعد في تنزيل الإتلاف المعنوي ~~منزلة الإتلاف الحسي، إذ كلاهما يحول بين المالك وبين الانتفاع بملكه، ولا ~~ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطوءة لزوجها، فإنها لا تبقى لسيدتها كما ~~كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام، وهو موافق للقياس الأصولي. # وبالجملة: فالقول به مبني على قبول الحديث، ولا تضر كثرة المخالفين له، ~~ولو كانوا أضعاف أضعافهم. ### | [فصل الحكم في اللواط] # فصل # ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط بشيء؛ لأن هذا لم تكن ~~تعرفه # PageV05P036 # العرب، ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم، ولكن ثبت عنه أنه قال: «اقتلوا ~~الفاعل والمفعول به» . رواه أهل السنن الأربعة، وإسناده صحيح، وقال ~~الترمذي: حديث حسن. # وحكم به أبو بكر الصديق، وكتب به إلى خالد بعد مشاورة الصحابة، وكان علي ~~أشدهم في ذلك. # وقال ابن القصار، وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في ~~كيفية قتله، فقال أبو بكر الصديق: يرمى من شاهق، وقال علي رضي الله عنه: ~~يهدم عليه حائط. وقال ابن عباس: يقتلان بالحجارة. فهذا اتفاق منهم على ~~قتله، وإن اختلفوا في كيفيته، وهذا موافق لحكمه صلى الله عليه وسلم فيمن ~~وطئ ذات محرم، لأن الوطء في الموضعين لا يباح للواطئ بحال، ولهذا جمع ~~بينهما في حديث ms1305 ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه روى عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه» ، وروى أيضا عنه: «من وقع ~~على ذات محرم، فاقتلوه» ، وفي حديثه أيضا بالإسناد: «من أتى بهيمة فاقتلوه ~~واقتلوها معه» . # PageV05P037 # وهذا الحكم على وفق حكم الشارع، فإن المحرمات كلما تغلظت، تغلظت ~~عقوباتها، ووطء من لا يباح بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال، ~~فيكون حده أغلظ، وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه، أن حكم من أتى بهيمة ~~حكم اللواط سواء، فيقتل بكل حال، أو يكون حده حد الزاني. # واختلف السلف في ذلك، فقال الحسن: حده حد الزاني. وقال أبو سلمة عنه: ~~يقتل بكل حال، وقال الشعبي والنخعي: يعزر، وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو ~~حنيفة وأحمد في رواية، فإن ابن عباس رضي الله عنه أفتى بذلك، وهو راوي ~~الحديث. ### | [فصل الحكم فيمن أقر بالزنى بامرأة معينة] # فصل # وحكم صلى الله عليه وسلم على من أقر بالزنى بامرأة معينة بحد الزنى دون ~~حد القذف، ففي " السنن ": من حديث سهل بن سعد، «أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها، فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد وتركها» . # فتضمنت هذه الحكومة أمرين: # أحدهما: وجوب الحد على الرجل، وإن كذبته المرأة خلافا لأبي حنيفة وأبي ~~يوسف أنه لا يحد. # الثاني: أنه لا يجب عليه حد القذف للمرأة. # وأما ما رواه أبو داود في " سننه ": من حديث ابن عباس رضي الله عنه، «أن ~~رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده ~~مائة جلدة وكان بكرا، ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول ~~الله، فجلد حد الفرية # PageV05P038 # ثمانين» ، فقال النسائي: هذا حديث منكر. انتهى وفي إسناده القاسم بن فياض ~~الأنباري الصنعاني، تكلم فيه غير واحد، وقال ابن حبان: بطل الاحتجاج به. ### | [فصل الحكم في الأمة الزانية] ms1306 # فصل # وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن بالجلد. وأما قوله تعالى في الإماء: ~~{فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25] [النساء: 25] ، فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة ~~من الجلد، وأما قبل التزويج فأمر بجلدها. # وفي هذا الجلد قولان: # أحدهما: أنه الحد، ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده، فإن للسيد إقامته ~~قبله، وأما بعده، فلا يقيمه إلا الإمام. # والقول الثاني: أن جلدها قبل الإحصان تعزير لا حد، ولا يبطل هذا ما رواه ~~مسلم في " صحيحه ": من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: «إذا زنت أمة ~~أحدكم، فليجلدها ولا يعيرها ثلاث مرات، فإن عادت في الرابعة فليجلدها ~~وليبعها ولو بضفير» ، وفي لفظ: «فليضربها كتاب الله» . # PageV05P039 # وفي " صحيحه " أيضا: من حديث علي رضي الله عنه أنه قال: «أيها الناس ~~أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهن، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت ~~إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " ~~أحسنت» . # فإن التعزير يدخل تحته لفظ الحد في لسان الشارع، كما في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى» . # وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا في مواضع عديدة لم يثبت ~~نسخها، ولم تجمع الأمة على خلافها. # وعلى كل حال، فلا بد أن يخالف حالها بعد الإحصان حالها قبله، وإلا لم يكن ~~للتقييد فائدة، فإما أن يقال قبل الإحصان: لا حد عليها، والسنة الصحيحة ~~تبطل ذلك، وإما أن يقال: حدها قبل الإحصان حد الحرة، وبعده نصفه، وهذا باطل ~~قطعا مخالف لقواعد الشرع وأصوله، وإما أن يقال: جلدها قبل الإحصان تعزير، ~~وبعده حد، وهذا أقوى، وإما أن يقال: الافتراق بين الحالتين في إقامة الحد ~~لا في قدره، وأنه في إحدى الحالتين للسيد، وفي الأخرى للإمام، وهذا أقرب ما ~~يقال. # وقد يقال: ms1307 إن تنصيصه على التنصيف بعد الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن ~~بالإحصان يزول التنصيف، ويصير حدها حد الحرة، كما أن الجلد زال عن البكر ~~بالإحصان، وانتقل إلى الرجم، فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها، وهي # PageV05P040 # الإحصان تنبيها على أنه إذا اكتفي به فيها، ففيما قبل الإحصان أولى ~~وأحرى، والله أعلم. # وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريض زنى ولم يحتمل إقامة الحد، ~~بأن يؤخذ له عثكال فيه مائة شمراخ، فيضرب بها ضربة واحدة. ### | [فصل متى نزل حد القذف] # فصل # وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد القذف، لما أنزل الله سبحانه ~~براءة زوجته من السماء، فجلد رجلين وامرأة. وهما: حسان بن ثابت ومسطح بن ~~أثاثة. قال أبو جعفر النفيلي: ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش. # وحكم فيمن بدل دينه بالقتل، ولم يخص رجلا من امرأة، وقتل الصديق # PageV05P041 # امرأة ارتدت بعد إسلامها يقال لها: أم قرفة. # وحكم في شارب الخمر بضربه بالجريد والنعال، وضربه أربعين، وتبعه أبو بكر ~~رضي الله عنه على الأربعين. # وفي " مصنف عبد الرزاق ": «أنه صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر ثمانين» ~~. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: لم يوقت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا. # وقال علي رضي الله عنه: «جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر ~~أربعين، وأبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكل سنة» . # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة. واختلف ~~الناس في ذلك، فقيل: هو منسوخ، وناسخه «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث» . # PageV05P042 # وقيل: هو محكم، ولا تعارض بين الخاص والعام، ولا سيما إذا لم يعلم تأخر ~~العام. وقيل: ناسخه حديث عبد الله حمار، فإنه أتي به مرارا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجلده ولم يقتله. # وقيل: قتله تعزير بحسب المصلحة، فإذا كثر منه ولم ينهه الحد، واستهان به، ~~فللإمام قتله تعزيرا لا حدا، وقد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه ~~قال: ائتوني ms1308 به في الرابعة فعلي أن أقتله لكم، وهو أحد رواة الأمر بالقتل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: معاوية، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، ~~وعبد الله بن عمرو، وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم. # PageV05P043 # وحديث قبيصة: فيه دلالة على أن القتل ليس بحد، أو أنه منسوخ، فإنه قال ~~فيه: «فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فجلده، ثم أتي به، ~~فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة» . رواه أبو داود. # فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المتفق عليه، عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~«ما كنت لأدي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر، فإن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يسن فيه شيئا، إنما هو شيء قلناه نحن» . لفظ أبي داود. ~~ولفظهما: «فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يسنه» . # قيل: المراد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقدر فيه بقوله ~~تقديرا لا يزاد عليه ولا ينقص كسائر الحدود، وإلا فعلي رضي الله عنه قد شهد ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب فيها أربعين. # وقوله: إنما هو شيء قلناه نحن، يعني التقدير بثمانين، فإن عمر رضي الله ~~عنه جمع الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم، فأشاروا بثمانين، فأمضاها، ثم ~~جلد علي في خلافته أربعين، وقال: هذا أحب إلي. # ومن تأمل الأحاديث، رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة ~~عليها تعزير اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم، والقتل إما منسوخ، وإما أنه ~~إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد ~~لينزجر الباقون، فله ذلك، وقد حلق فيها عمر رضي الله عنه وغرب، وهذا من ~~الأحكام المتعلقة بالأئمة، وبالله التوفيق. # PageV05P044 ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في السارق] # قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم. # وقضى أنه لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار. # وصح عنه أنه قال: «اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ms1309 ذلك» ~~ذكره الإمام أحمد رحمه الله. # وقالت عائشة رضي الله عنها: «لم تكن تقطع يد السارق في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن، ترس أو جحفة، وكان كل منهما ذا ثمن» ~~. # وصح عنه أنه قال: «لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة ~~فتقطع يده. فقيل: هذا حبل السفينة، وبيضة الحديد، وقيل: بل كل حبل وبيضة» ، ~~وقيل: هو إخبار بالواقع، أي: إنه يسرق هذا، فيكون سببا لقطع يده # PageV05P045 # بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه. قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، ~~والحبل كانوا يرون أن منه ما يساوي دراهم. # وحكم في امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده بقطع يدها. # وقال أحمد - رحمه الله - بهذه الحكومة ولا معارض لها. # وحكم صلى الله عليه وسلم بإسقاط القطع عن المنتهب، والمختلس، والخائن، ~~والمراد بالخائن: خائن الوديعة. # وأما جاحد العارية، فيدخل في اسم السارق شرعا، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة، قطعها، وقال: «والذي نفسي بيده ~~لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» . # فإدخاله صلى الله عليه وسلم جاحد العارية في اسم السارق، كإدخاله سائر ~~أنواع المسكر في اسم الخمر، فتأمله، وذلك تعريف للأمة بمراد الله من كلامه. # وأسقط صلى الله عليه وسلم القطع عن سارق الثمر والكثر، وحكم أن من أصاب ~~منه شيئا # PageV05P046 # بفمه وهو محتاج، فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيء، فعليه غرامة مثليه ~~والعقوبة، ومن سرق منه شيئا في جرينه هو بيدره، فعليه القطع إذا بلغ ثمن ~~المجن، فهذا قضاؤه الفصل، وحكمه العدل. # وقضى في الشاة التي تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين، وضرب نكال، وما أخذ من ~~عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن. # «وقضى بقطع سارق رداء صفوان بن أمية، وهو نائم عليه في المسجد. فأراد ~~صفوان أن يهبه إياه، أو يبيعه منه، فقال: " هلا كان قبل أن تأتيني به» . # وقطع سارقا سرق ترسا من صفة النساء في المسجد. # ودرأ القطع عن عبد من رقيق ms1310 الخمس سرق من الخمس. وقال: " «مال الله سرق ~~بعضه بعضا» " رواه ابن ماجه. # ورفع إليه سارق، فاعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال له: «ما إخاله # PageV05P047 # سرق "؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع» . # ورفع إليه آخر فقال: " «ما إخاله سرق "؟ فقال: بلى، فقال: " اذهبوا به ~~فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به "، فقطع، ثم أتي به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له: " تب إلى الله "، فقال: تبت إلى الله، فقال: " تاب الله ~~عليك» ". # وفي الترمذي عنه أنه قطع سارقا وعلق يده في عنقه. قال: حديث حسن. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على من اتهم رجلا بسرقة] # روى أبو داود: عن أزهر بن عبد الله «أن قوما سرق لهم متاع، فاتهموا ناسا ~~من الحاكة، فأتوا النعمان بن بشير صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فحبسهم أياما ثم خلى سبيلهم، فأتوه فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا ~~امتحان، فقال: ما شئتم، إن شئتم أن أضربهم، فإن خرج متاعكم فذاك، وإلا أخذت ~~من ظهوركم مثل الذي أخذت من ظهورهم. فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: حكم الله وحكم ~~رسوله» . # PageV05P048 ### | [فصل ما تضمنته الأقضية السابقة في السرقة من الأمور] # فصل # وقد تضمنت هذه الأقضية أمورا: # أحدها: أنه لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم، أو ربع دينار. # الثاني: جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم، كما لعن السارق، ~~ولعن آكل الربا وموكله، ولعن شارب الخمر وعاصرها، ولعن من عمل عمل قوم لوط، ~~ونهى عن لعن عبد الله حمار وقد شرب الخمر، ولا تعارض بين الأمرين، فإن ~~الوصف الذي علق عليه اللعن مقتض. وأما المعين، فقد يقوم به ما يمنع لحوق ~~اللعن به من حسنات ماحية، أو توبة، أو مصائب مكفرة، أو عفو من الله عنه، ~~فتلعن الأنواع دون الأعيان. # الثالث: الإشارة إلى سد الذرائع، فإنه أخبر أن سرقة الحبل والبيضة لا ~~تدعه حتى تقطع يده. # الرابع: قطع جاحد العارية، وهو سارق شرعا كما تقدم. # الخامس: أن من سرق مالا قطع ms1311 فيه، ضوعف عليه الغرم، وقد نص عليه الإمام ~~أحمد - رحمه الله -، فقال: كل من سقط عنه القطع، ضوعف عليه الغرم، وقد تقدم ~~الحكم النبوي به في صورتين: سرقة الثمار المعلقة، والشاة من المرتع. # PageV05P049 # السادس: اجتماع التعزير مع الغرم، وفي ذلك الجمع بين العقوبتين: مالية ~~وبدنية. # السابع: اعتبار الحرز، فإنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق ~~الثمار من الشجرة، وأوجبه على سارقه من الجرين، وعند أبي حنيفة أن هذا ~~لنقصان ماليته، لإسراع الفساد إليه، وجعل هذا أصلا في كل ما نقصت ماليته ~~بإسراع الفساد إليه. وقول الجمهور أصح، فإنه صلى الله عليه وسلم جعل له ~~ثلاثة أحوال: حالة لا شيء فيها، وهو ما إذا أكل منه بفيه، وحالة يغرم ~~مثليه، ويضرب من غير قطع، وهو ما إذا أخذه من شجره وأخرجه، وحالة يقطع ~~فيها، وهو ما إذا سرقه من بيدره سواء كان قد انتهى جفافه أو لم ينته، ~~فالعبرة للمكان والحرز لا ليبسه ورطوبته، ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم ~~أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها، وأوجبه على سارقها من عطنها فإنه ~~حرزها. # الثامن: إثبات العقوبات المالية، وفيه عدة سنن ثابتة لا معارض لها، وقد ~~عمل بها الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وأكثر من عمل ~~بها عمر رضي الله عنه. # التاسع: أن الإنسان حرز لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه أين كان، سواء ~~كان في المسجد أو في غيره. # العاشر: أن المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قطع من سرق منه ترسا، وعلى هذا فيقطع من سرق من حصيره وقناديله وبسطه، وهو ~~أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. ومن لم يقطعه، قال: له فيها حق، فإن لم ~~يكن فيها حق، قطع كالذمي. # الحادي عشر: أن المطالبة في المسروق شرط في القطع، فلو وهبه إياه، أو ~~باعه قبل رفعه إلى الإمام، سقط عنه القطع، كما صرح به النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: # PageV05P050 # «هلا كان قبل أن تأتيني به» ms1312 . # الثاني عشر: أن ذلك لا يسقط القطع بعد رفعه إلى الإمام، وكذلك كل حد بلغ ~~الإمام، وثبت عنده لا يجوز إسقاطه، وفي " السنن ": عنه: «إذا بلغت الحدود ~~الإمام، فلعن الله الشافع والمشفع» . # الثالث عشر: أن من سرق من شيء له فيه حق لم يقطع. # الرابع عشر: أنه لا يقطع إلا بالإقرار مرتين، أو بشهادة شاهدين، لأن ~~السارق أقر عنده مرة، فقال: " ما إخالك سرقت "؟ فقال: بلى، فقطعه حينئذ، ~~ولم يقطعه حتى أعاد عليه مرتين. # الخامس عشر: التعريض للسارق بعدم الإقرار، وبالرجوع عنه، وليس هذا حكم كل ~~سارق، بل من السراق من يقر بالعقوبة والتهديد، كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى. # السادس عشر: أنه يجب على الإمام حسمه بعد القطع لئلا يتلف. وفي قوله: " ~~احسموه " دليل على أن مؤنة الحسم ليست على السارق. # السابع عشر: تعليق يد السارق في عنقه تنكيلا له وبه ليراه غيره. # الثامن عشر: ضرب المتهم إذا ظهر منه أمارات الريبة، وقد عاقب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في تهمة، وحبس في تهمة. # PageV05P051 # التاسع عشر: وجوب تخلية المتهم إذا لم يظهر عنده شيء مما اتهم به، وأن ~~المتهم إذا رضي بضرب المتهم، فإن خرج ماله عنده، وإلا ضرب هو مثل ضرب من ~~اتهمه إن أجيب إلى ذلك، وهذا كله مع أمارات الريبة، كما قضى به النعمان بن ~~بشير رضي الله عنه، وأخبر أنه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. # العشرون: ثبوت القصاص في الضربة بالسوط والعصا ونحوهما. ### | [فصل من تكرر منه الحد في السرقة] # فصل # وقد روى عنه أبو داود: «أنه أمر بقتل سارق فقالوا: إنما سرق، فقال: " ~~اقطعوه "، ثم جيء به ثانيا فأمر بقتله، فقالوا: إنما سرق، فقال: " اقطعوه ~~"، ثم جيء به في الثالثة، فأمر بقتله، فقالوا: إنما سرق، فقال: " اقطعوه "، ~~ثم جيء به رابعة، فقال: " اقتلوه "، فقالوا: إنما سرق، فقال: " اقطعوه "، ~~فأتي به في الخامسة، فأمر بقتله فقتلوه» . # فاختلف الناس في هذه الحكومة: فالنسائي وغيره لا يصححون هذا الحديث. قال ~~النسائي: هذا حديث منكر، ومصعب ms1313 بن ثابت ليس بالقوي، وغيره يحسنه ويقول: هذا ~~حكم خاص بذلك الرجل وحده، لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المصلحة ~~في قتله، وطائفة ثالثة تقبله وتقول به، وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في ~~الخامسة، وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية. # وفي هذه الحكومة الإتيان على أطراف السارق الأربعة. وقد روى عبد الرزاق ~~في " مصنفه ": «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعبد سرق، فأتي به أربع ~~مرات، # PageV05P052 # فتركه، ثم أتي به الخامسة، فقطع يده، ثم السادسة فقطع رجله، ثم السابعة ~~فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله» . # واختلف الصحابة ومن بعدهم، هل يؤتى على أطرافه كلها أم لا؟ على قولين. ~~فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه: يؤتى عليها كلها، وقال أبو ~~حنيفة وأحمد في رواية ثانية: لا يقطع منه أكثر من يد ورجل، وعلى هذا القول، ~~فهل المحذور تعطيل منفعة الجنس، أو ذهاب عضوين من شق؟ فيه وجهان يظهر ~~أثرهما فيما لو كان أقطع اليد اليمنى فقط، أو أقطع الرجل اليسرى فقط، فإن ~~قلنا: يؤتى على أطرافه، لم يؤثر ذلك، وإن قلنا: لا يؤتى عليها، قطعت رجله ~~اليسرى في الصورة الأولى، ويده اليمنى في الثانية على العلتين، وإن كان ~~أقطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى لم يقطع على العلتين، وإن كان أقطع اليد ~~اليسرى فقط، لم تقطع يمناه على العلتين، وفيه نظر، فتأمل. # وهل قطع رجله اليسرى يبتنى على العلتين؟ فإن عللنا بذهاب منفعة الجنس، ~~قطعت رجله، وإن عللنا بذهاب عضوين من شق، لم تقطع. # وإن كان أقطع اليدين فقط، وعللنا بذهاب منفعة الجنس قطعت رجله اليسرى، ~~وإن عللنا بذهاب عضوين من شق، لم تقطع، هذا طرد هذه القاعدة. # وقال صاحب " المحرر " فيه: تقطع يمنى يديه على الروايتين، وفرق بينها ~~وبين مسألة مقطوع اليدين، والذي يقال في الفرق: إنه إذا كان أقطع الرجلين، ~~فهو كالمقعد، وإذا قطعت إحدى يديه، انتفع بالأخرى في الأكل والشرب والوضوء ~~والاستجمار وغيره، وإذا كان أقطع اليدين لم ms1314 ينتفع إلا برجليه، فإذا ذهبت ~~إحداهما، لم يمكنه الانتفاع بالرجل الواحدة بلا يد، ومن الفرق أن اليد ~~الواحدة # PageV05P053 # تنفع مع عدم منفعة المشي، والرجل الواحدة لا تنفع مع عدم منفعة البطش. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم فيمن سبه من مسلم أو ذمي أو معاهد] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى لما قتلها ~~مولاها على السب. # وقتل جماعة من اليهود على سبه وأذاه، وأمن الناس يوم الفتح إلا نفرا ممن ~~كان يؤذيه ويهجوه، وهم أربعة رجال وامرأتان. وقال: «من لكعب بن الأشرف، ~~فإنه قد آذى الله ورسوله» . وأهدر دمه ودم أبي رافع. # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأبي برزة الأسلمي، وقد أراد قتل من # PageV05P054 # سبه: ليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا قضاؤه صلى ~~الله عليه وسلم وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد ~~أعاذهم الله من مخالفة هذا الحكم. # وقد روى أبو داود في " سننه ": عن علي رضي الله عنه «أن يهودية كانت تشتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دمها» . # وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هجت امرأة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " من لي بها "؟ فقال رجل من قومها: أنا، ~~فنهض فقتلها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا ينتطح فيها ~~عنزان» . # وفي ذلك بضعة عشر حديثا ما بين صحاح وحسان ومشاهير، وهو إجماع الصحابة. # وقد ذكر حرب في " مسائله ": عن مجاهد قال: أتي عمر رضي الله عنه برجل سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقتله، ثم قال عمر رضي الله عنه: من سب الله ~~ورسوله، أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أيما مسلم سب الله ورسوله، أو سب أحدا من الأنبياء، فقد كذب ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردة، ms1315 يستتاب، فإن رجع، وإلا قتل، وأيما ~~معاهد عاند، فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به، فقد نقض العهد ~~فاقتلوه. # وذكر أحمد، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه مر به راهب، فقيل له: هذا يسب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر رضي الله عنه: لو سمعته لقتلته، ~~إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة، ~~وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا: وهو محمول على إجماع ~~الصدر الأول من # PageV05P055 # الصحابة والتابعين. والمقصود: إنما هو ذكر حكم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقضائه فيمن سبه. # وأما تركه صلى الله عليه وسلم قتل من قدح في عدله بقوله: " اعدل فإنك لم ~~تعدل "، وفي حكمه بقوله: " أن كان ابن عمتك "، وفي قصده بقوله: " إن هذه ~~قسمة ما أريد بها وجه الله " أو في خلوته بقوله: " يقولون إنك تنهى عن الغي ~~وتستخلي به " وغير ذلك، فذلك أن الحق له، فله أن يستوفيه، وله أن يتركه، ~~وليس لأمته ترك استيفاء حقه صلى الله عليه وسلم. # وأيضا فإن هذا كان في أول الأمر حيث كان صلى الله عليه وسلم مأمورا ~~بالعفو والصفح. # وأيضا فإنه كان يعفو عن حقه لمصلحة التأليف وجمع الكلمة، ولئلا ينفر ~~الناس عنه، ولئلا يتحدثوا أنه يقتل أصحابه، وكل هذا يختص بحياته صلى الله ~~عليه وسلم. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن سمه] # ثبت في " الصحيحين ": «أن يهودية سمته في شاة، فأكل منها لقمة، ثم # PageV05P056 # لفظها، وأكل معه بشر بن البراء، فعفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يعاقبها» ، هكذا في " الصحيحين ". # وعند أبي داود: أنه أمر بقتلها، فقيل: إنه عفا عنها في حقه، فلما مات بشر ~~بن البراء، قتلها به. # وفيه دليل على أن من قدم لغيره طعاما مسموما، يعلم به دون آكله، فمات به، ~~أقيد منه. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الساحر] # في الترمذي: عنه صلى الله عليه وسلم: «حد الساحر ضربة ms1316 بالسيف» . والصحيح ~~أنه موقوف على جندب بن عبد الله. # وصح عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتله، وصح عن حفصة رضي الله عنها، أنها ~~قتلت مدبرة سحرتها، فأنكر عليها عثمان إذ فعلته دون أمره. وروي عن عائشة ~~رضي الله عنها أيضا أنها قتلت مدبرة سحرتها، وروي أنها باعتها، ذكره ابن ~~المنذر وغيره. # وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من سحره من اليهود، فأخذ ~~بهذا الشافعي، وأبو حنيفة - رحمهما الله -، وأما مالك، وأحمد - رحمهما الله ~~-، فإنهما يقتلانه، ولكن منصوص أحمد - رحمه الله - أن ساحر أهل الذمة لا ~~يقتل، واحتج # PageV05P057 # بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيد بن الأعصم اليهودي حين سحره، ~~ومن قال بقتل ساحرهم يجيب عن هذا بأنه لم يقر، ولم يقم عليه بينة، وبأنه ~~خشي صلى الله عليه وسلم أن يثير على الناس شرا بترك إخراج السحر من البئر، ~~فكيف لو قتله. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في أول غنيمة كانت في الإسلام وأول قتيل] # «لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش ومن معه سرية إلى ~~نخلة ترصد عيرا لقريش، وأعطاه كتابا مختوما، وأمره أن لا يقرأه إلا بعد ~~يومين، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا عثمان بن عبد الله، والحكم بن ~~كيسان، وكان ذلك في الشهر الحرام، فعنفهم المشركون، ووقف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الغنيمة والأسيرين حتى أنزل الله سبحانه وتعالى: {يسألونك ~~عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به ~~والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217] [البقرة: ~~217] ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه ~~قريش في فدائهما، فقال: لا، حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، ~~وعتبة بن غزوان -، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم، فلما ~~قدما، فاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثمان والحكم، وقسم الغنيمة» ~~. # وذكر ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه ms1317 وسلم رد الغنيمة، وودى القتيل. # والمعروف في السير خلاف هذا. # وفي هذه القصة من الفقه إجازة الشهادة على الوصية المختومة، وهو قول ~~مالك، وكثير من السلف، ويدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في " ~~الصحيحين ": «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده» . # PageV05P058 # وفيها: أنه لا يشترط في كتاب الإمام والحاكم البينة، ولا أن يقرأه الإمام ~~والحاكم على الحامل له، وكل هذا لا أصل له في كتاب ولا سنة، وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدفع كتبه مع رسله، ويسيرها إلى من يكتب إليه، ولا ~~يقرؤها على حاملها، ولا يقيم عليها شاهدين، وهذا معلوم بالضرورة من هديه ~~وسنته. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجاسوس] # ثبت أن حاطب بن أبي بلتعة لما جس عليه، سأله عمر رضي الله عنه ضرب عنقه، ~~فلم يمكنه، وقال: " «ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم» ". وقد تقدم حكم المسألة مستوفى. # واختلف الفقهاء في ذلك، فقال سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب، قتل، ولم ~~يستتب، وماله لورثته، وقال غيره من أصحاب مالك - رحمه الله -: يجلد جلدا ~~وجيعا، ويطال حبسه، وينفى من موضع يقرب من الكفار. وقال ابن القاسم: يقتل ~~ولا يعرف لهذا توبة، وهو كالزنديق. # وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد - رحمهم الله -: لا يقتل، والفريقان ~~احتجوا بقصة حاطب، وقد تقدم ذكر وجه احتجاجهم، ووافق ابن عقيل من أصحاب ~~أحمد مالكا وأصحابه. ### | [فصل في حكمه في الأسرى] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الأسرى أنه قتل بعضهم، ومن على بعضهم، ~~وفادى # PageV05P059 # بعضهم بمال، وبعضهم بأسرى من المسلمين، واسترق بعضهم، ولكن المعروف أنه ~~لم يسترق رجلا بالغا. # فقتل يوم بدر من الأسرى عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث. وقتل من ~~يهود جماعة كثيرين من الأسرى، وفادى أسرى بدر بالمال بأربعة آلاف إلى ~~أربعمائة، وفادى بعضهم على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة، ومن على أبي ~~عزة الشاعر ms1318 يوم بدر، وقال في أسارى بدر: " «لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم ~~كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له» ". # وفدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. # وفدى رجالا من المسلمين بامرأة من السبي، استوهبها من سلمة بن الأكوع. # ومن على ثمامة بن أثال، وأطلق يوم فتح مكة جماعة من قريش، فكان يقال لهم ~~الطلقاء. # وهذه أحكام لم ينسخ منها شيء، بل يخير الإمام فيها بحسب المصلحة، # PageV05P060 # واسترق من أهل الكتاب وغيرهم، فسبايا أوطاس، وبني المصطلق لم يكونوا ~~كتابيين، وإنما كانوا عبدة أوثان من العرب. واسترق الصحابة من سبي بني ~~حنيفة، ولم يكونوا كتابيين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «خير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد، يفعل ما ~~شاء» ، وهذا هو الحق الذي لا قول سواه. ### | [فصل حكمه صلى الله عليه وسلم في اليهود] # فصل # وحكم في اليهود بعدة قضايا، فعاهدهم أول مقدمه المدينة، ثم حاربه بنو ~~قينقاع، فظفر بهم، ومن عليهم، ثم حاربه بنو النضير، فظفر بهم، وأجلاهم، ثم ~~حاربه بنو قريظة، فظفر بهم وقتلهم، ثم حاربه أهل خيبر، فظفر بهم وأقرهم في ~~أرض خيبر ما شاء سوى من قتل منهم. # ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ~~وتغنم أموالهم، أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هذا حكم الله عز ~~وجل من فوق سبع سماوات. # وتضمن هذا الحكم: أن ناقضي العهد يسري نقضهم إلى نسائهم وذريتهم إذا كان ~~نقضهم بالحرب، ويعودون أهل حرب، وهذا عين حكم الله عز وجل. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر] # حكم يومئذ بإقرار يهود فيها على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. # PageV05P061 # وحكم بقتل ابني أبي الحقيق لما نقضوا الصلح بينهم وبينه: على أن لا ~~يكتموا ولا يغيبوا شيئا من أموالهم، فكتموا وغيبوا، وحكم بعقوبة المتهم ~~بتغييب المال حتى أقر به، وقد تقدم ذلك مستوفى في غزوة خيبر. # وكانت لأهل الحديبية خاصة، ولم ms1319 يغب عنها إلا جابر بن عبد الله، فقسم له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في فتح مكة] # حكم بأن من أغلق بابه، أو دخل دار أبي سفيان، أو دخل المسجد، أو وضع ~~السلاح، فهو آمن، وحكم بقتل نفر ستة، منهم: مقيس بن صبابة، وابن خطل، ~~ومغنيتان كانتا تغنيان بهجائه، وحكم بأنه لا يجهز على جريح، ولا يتبع مدبر، ~~ولا يقتل أسير، ذكره أبو عبيد في " الأموال ". وحكم لخزاعة أن يبذلوا ~~سيوفهم في بني بكر إلى صلاة العصر، ثم قال لهم: " «يا معشر خزاعة ارفعوا ~~أيديكم عن القتل» ". ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم] # حكم صلى الله عليه وسلم أن للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، هذا حكمه ~~الثابت عنه في مغازيه كلها، وبه أخذ جمهور الفقهاء. # PageV05P062 # وحكم أن السلب للقاتل. # وأما حكمه بإخراج الخمس، فقال ابن إسحاق: كانت الخيل يوم بني قريظة ستة ~~وثلاثين فرسا، وكان أول فيء وقعت فيه السهمان، وأخرج منه الخمس، ومضت به ~~السنة، ووافقه على ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق، فقال إسماعيل: وأحسب أن ~~بعضهم قال: ترك أمر الخمس بعد ذلك، ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيان ~~شاف، وإنما جاء ذكر الخمس يقينا في غنائم حنين. # وقال الواقدي: أول خمس خمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام، ~~نزلوا على حكمه، فصالحهم على أن له أموالهم، ولهم النساء والذرية، وخمس ~~أموالهم. # وقال عبادة بن الصامت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، ~~فلما هزم الله العدو، تبعتهم طائفة يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وطائفة استولت على العسكر والغنيمة، فلما رجع الذين ~~طلبوهم، قالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدو، وقال الذين أحدقوا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: نحن أحق به، لأنا أحدقنا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا ينال العدو غرته، وقال الذين استولوا على العسكر: هو لنا، نحن ~~حويناه. ms1320 فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ~~[الأنفال: 1] [الأنفال: 1] . فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء ~~قبل أن ينزل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ~~[الأنفال: 41] » . # PageV05P063 # وقال القاضي إسماعيل: إنما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني ~~النضير بين المهاجرين، وثلاثة من الأنصار: سهل بن حنيف، وأبي دجانة، ~~والحارث بن الصمة لأن المهاجرين حين قدموا المدينة، شاطرهم الأنصار ثمارهم، ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم قسمت أموال بني النضير ~~بينكم وبينهم، وأقمتم على مواساتهم في ثماركم، وإن شئتم أعطيناها للمهاجرين ~~دونكم، وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم، فقالوا: بل تعطيهم دوننا، ~~ونمسك ثمارنا، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين، فاستغنوا ~~بما أخذوا، واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم» ، وهؤلاء الثلاثة من ~~الأنصار شكوا حاجة. # PageV05P064 ### | [فصل من ضرب له سهم ولم يحضر] # فصل «وكان طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما بالشام لم ~~يشهدا بدرا، فقسم لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم سهميهما، فقالا: ~~وأجورنا يا رسول الله؟ فقال: " وأجوركما» ". # وذكر ابن هشام وابن حبيب أن ( «أبا لبابة والحارث بن حاطب وعاصم بن عدي ~~خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فردهم، وأمر أبا لبابة على المدينة، ~~وابن أم مكتوم على الصلاة، وأسهم لهم» ) . # ( «والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسهمه» ) . # قال ابن هشام: ( «وخوات بن جبير ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسهمه. ولم يختلف أحد أن عثمان بن عفان رضي الله عنه تخلف على امرأته رقية ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب له بسهمه، فقال: وأجري يا رسول ~~الله؟ قال: وأجرك» ) ، قال ابن حبيب: وهذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأجمع المسلمون أن لا يقسم لغائب. # قلت: وقد قال أحمد ومالك وجماعة من السلف والخلف: إن الإمام إذا بعث أحدا ~~في مصالح الجيش ms1321 فله سهمه. # قال ابن حبيب: ( «ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسهم للنساء والصبيان ~~والعبيد، ولكن كان يحذيهم من الغنيمة» ) . # PageV05P065 ### | [فصل ما يعدل البعير من الغنم والبقر] # فصل وعدل في قسمة الإبل والغنم كل عشرة منها ببعير، فهذا في التقويم ~~وقسمة المال المشترك. وأما في الهدي، فقد قال ( «جابر: نحرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» ) . فهذا ~~في الحديبية. وأما في حجة الوداع فقال ( «جابر أيضا: أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة» ) ، وكلاهما ~~في الصحيح. # وفي " السنن " من حديث ابن عباس أن ( «رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن علي بدنة وأنا موسر بها ولا أجدها فأشتريها، فأمره أن يبتاع سبع ~~شياه فيذبحهن» ) . ### | [فصل هل السلب من الخمس] # حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلب كله للقاتل، ولم يخمسه ولم يجعله من ~~الخمس، بل من أصل الغنيمة، وهذا حكمه وقضاؤه. # قال البخاري في " صحيحه ": السلب للقاتل إنما هو من غير الخمس، وحكم به ~~بشهادة واحد، وحكم به بعد القتل، فهذه أربعة أحكام تضمنها حكمه صلى الله ~~عليه وسلم بالسلب لمن قتل قتيلا. # وقال مالك وأصحابه: السلب لا يكون إلا من الخمس، وحكمه حكم # PageV05P066 # النفل، قال مالك: ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، ولا ~~فعله في غير يوم حنين، ولا فعله أبو بكر، ولا عمر رضي الله عنهما. قال ابن ~~المواز: ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله وخمسه. # قال أصحابه قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~[الأنفال: 41] فجعل أربعة أخماس الغنيمة لمن غنمها، فلا يجوز أن يؤخذ شيء ~~مما جعله الله لهم بالاحتمال. # وأيضا فلو كانت هذه الآية إنما هي في غير الأسلاب لم يؤخر النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكمها إلى حنين، وقد نزلت في قصة بدر، وأيضا إنما قال: ( «من قتل ~~قتيلا فله سلبه» ) ، بعد ms1322 أن برد القتال. ولو كان أمرا متقدما، لعلمه أبو ~~قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد أكابر أصحابه، وهو لم يطلبه ~~حتى سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. # قالوا: وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه إياه بشهادة واحد بلا ~~يمين، فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج حق مغنم إلا بما تخرج به الأملاك من ~~البينات، أو شاهد ويمين. # قالوا: وأيضا فلو وجب للقاتل ولم يجد بينة لكان يوقف كاللقطة ولا يقسم، ~~وهو إذا لم تكن بينة يقسم، فخرج من معنى الملك، ودل على أنه إلى اجتهاد ~~الإمام يجعله من الخمس الذي يجعل في غيره، هذا مجموع ما احتج به لهذا ~~القول. # قال الآخرون: قد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله قبل حنين ~~بستة أعوام، فذكر البخاري في " صحيحه ": ( «أن معاذ بن عمرو بن الجموح ~~ومعاذ بن عفراء الأنصاريين ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدر بسيفيهما حتى ~~قتلاه، فانصرفا إلى # PageV05P067 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد ~~منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر إلى السيفين ~~فقال: كلاكما قتله، وسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح» ) ، وهذا يدل على أن ~~كون السلب للقاتل أمر مقرر معلوم من أول الأمر، وإنما تجدد يوم حنين ~~الإعلام العام، والمناداة به لا شرعيته. # وأما قول ابن المواز: إن أبا بكر وعمر لم يفعلاه، فجوابه من وجهين، ~~أحدهما: أن هذا شهادة على النفي فلا تسمع، الثاني: أنه يجوز أن يكون ترك ~~المناداة بذلك على عهدهما اكتفاء بما تقرر، وثبت من حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقضائه، وحتى لو صح عنهما ترك ذلك تركا صحيحا لا احتمال فيه لم ~~يقدم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأما قوله: ولم يعط غير البراء بن مالك سلب قتيله، فقد أعطى السلب لسلمة ~~بن الأكوع، ولمعاذ بن عمرو، ولأبي طلحة الأنصاري، قتل عشرين يوم حنين فأخذ ms1323 ~~أسلابهم، وهذه كلها وقائع صحيحة معظمها في الصحيح، فالشهادة على النفي لا ~~تكاد تسلم من النقض. # وأما قوله: " وخمسه " فهذا لم يحفظ به أثر البتة، بل المحفوظ خلافه، ففي ~~" سنن أبي داود ": عن خالد ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمس السلب» ~~) . # وأما قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: ~~41] فهذا # PageV05P068 # عام، والحكم بالسلب للقاتل خاص، ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة، ونظائره ~~معلومة ولا يمكن دفعها. # وقوله: " لا يجعل شيء من الغنيمة لغير أهلها بالاحتمال "، جوابه من ~~وجهين، أحدهما: أنا لم نجعل السلب لغير الغانمين. الثاني: إنما جعلناه ~~للقاتل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالاحتمال، ولم يؤخر النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكم الآية إلى يوم حنين كما ذكرتم، بل قد حكم بذلك يوم ~~بدر، ولا يمنع كونه قاله بعد القتال من استحقاقه بالقتل. # وأما كون أبي قتادة لم يطلبه حتى سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقوله، فلا يدل على أنه لم يكن متقررا معلوما، وإنما سكت عنه أبو قتادة ~~لأنه لم يكن يأخذه بمجرد دعواه، فلما شهد له به شاهد أعطاه. # والصحيح أنه يكتفى في هذا بالشاهد الواحد ولا يحتاج إلى شاهد آخر ولا ~~يمين، كما جاءت به السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، وقد تقدم هذا ~~في موضعه. # وأما قوله: " إنه لو كان للقاتل لوقف ولم يقسم كاللقطة " فجوابه أنه ~~للغانمين وإنما للقاتل حق التقديم، فإذا لم تعلم عين القاتل اشترك فيه ~~الغانمون، فإنه حقهم ولم يظهر مستحق التقديم منهم فاشتركوا فيه. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم ظهر عليه المسلمون أو أسلم عليه المشركون] # في " البخاري ": أن فرسا لابن عمر رضي الله عنه ذهب وأخذه العدو، فظهر ~~عليه المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبق له عبد ~~فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون فرده عليه خالد في زمن أبي بكر رضي الله # PageV05P069 # عنه. # وفي ms1324 " سنن أبي داود ": ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي رد ~~عليه الغلام» ) . وفي " المدونة " و" الواضحة " ( «أن رجلا من المسلمين وجد ~~بعيرا له في المغانم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وجدته لم ~~يقسم فخذه، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته» ) . # وصح عنه: أن المهاجرين طلبوا منه دورهم يوم الفتح بمكة، فلم يرد على أحد ~~داره. ( «وقيل له: أين تنزل غدا من دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل ~~منزلا» ) ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وثب ~~عقيل على رباع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فحازها كلها، وحوى عليها، ثم ~~أسلم وهي في يده، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أسلم على شيء ~~فهو له، وكان عقيل ورث أبا طالب، ولم يرثه علي لتقدم إسلامه على موت أبيه، ~~ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ميراث من عبد المطلب فإن أباه عبد ~~الله مات وأبوه عبد المطلب حي، ثم مات عبد المطلب فورثه أولاده، وهم أعمام ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومات أكثر أولاده ولم يعقبوا، فحاز أبو طالب ~~رباعه ثم مات، فاستولى عليها عقيل دون علي لاختلاف الدين، ثم هاجر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاستولى عقيل على داره؛ فلذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «وهل ترك لنا عقيل منزلا» ) . # وكان المشركون يعمدون إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة فيستولون ~~على داره وعقاره، فمضت السنة أن الكفار المحاربين إذا أسلموا لم يضمنوا ما ~~أتلفوه على المسلمين من نفس أو مال، ولم يردوا عليهم أموالهم التي غصبوها ~~عليهم، بل من أسلم على شيء فهو له، هذا حكمه وقضاؤه صلى الله عليه وسلم. # PageV05P070 ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيما كان يهدى إليه] # كان أصحابه رضي الله عنهم يهدون إليه الطعام وغيره، فيقبل منهم ويكافئهم ~~أضعافها. # وكانت الملوك تهدي إليه فيقبل هداياهم، ويقسمها بين أصحابه ويأخذ منها ms1325 ~~لنفسه ما يختاره، فيكون كالصفي الذي له من المغنم. # وفي " صحيح البخاري ": ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت إليه أقبية ~~ديباج مزررة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن ~~نوفل، فجاء ومعه المسور ابنه، فقام على الباب فقال: ادعه لي، فسمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم صوته، فتلقاه به فاستقبله، وقال: يا أبا المسور خبأت ~~هذا لك» ) . # وأهدى له المقوقس مارية أم ولده، وسيرين التي وهبها لحسان وبغلة شهباء، ~~وحمارا. # وأهدى له النجاشي هدية فقبلها منه، وبعث إليه هدية عوضها، وأخبر أنه مات ~~قبل أن تصل إليه، وأنها ترجع، فكان الأمر كما قال. # وأهدى له فروة بن نفاثة الجذامي بغلة بيضاء ركبها يوم حنين، ذكره مسلم. # PageV05P071 # وذكر البخاري: «أن ملك أيلة أهدى له بغلة بيضاء، فكساه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بردة، وكتب له ببحرهم» . # وأهدى له أبو سفيان هدية فقبلها. # وذكر أبو عبيد: ( «أن عامر بن مالك ملاعب الأسنة أهدى للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فرسا، فرده وقال: إنا لا نقبل هدية مشرك، وكذلك قال لعياض ~~المجاشعي: إنا لا نقبل زبد المشركين» ) ، يعني: رفدهم. # قال أبو عبيد: وإنما قبل هدية أبي سفيان؛ لأنها كانت في مدة الهدنة بينه ~~وبين أهل مكة، وكذلك المقوقس صاحب الإسكندرية، إنما قبل هديته لأنه أكرم ~~حاطب بن أبي بلتعة رسوله إليه، وأقر بنبوته ولم يؤيسه من إسلامه، ولم يقبل ~~صلى الله عليه وسلم هدية مشرك محارب له قط. ### | [فصل حكم المهدى للأئمة] # فصل # وأما حكم هدايا الأئمة بعده، فقال سحنون من أصحاب مالك: إذا أهدى أمير ~~الروم هدية إلى الإمام فلا بأس بقبولها، وتكون له خاصة، وقال الأوزاعي: ~~تكون للمسلمين، ويكافئه عليها من بيت المال. وقال الإمام أحمد رحمه الله ~~وأصحابه: ما أهداه الكفار للإمام أو لأمير الجيش أو قواده فهو غنيمة حكمها ~~حكم الغنائم. # PageV05P072 ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال] # الأموال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسمها ثلاثة: الزكاة، ~~والغنائم، والفيء. ms1326 # فأما الزكاة والغنائم فقد تقدم حكمهما، وبينا أنه لم يكن يستوعب الأصناف ~~الثمانية، وأنه كان ربما وضعها في واحد. # وأما حكمه في الفيء فثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قسم يوم حنين ~~في المؤلفة قلوبهم من الفيء، ولم يعط الأنصار شيئا فعتبوا عليه، فقال لهم: ~~( «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتنطلقون برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تقودونه إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» ~~) وقد تقدم ذكر القصة وفوائدها في موضعها. # والقصة هنا أن الله سبحانه أباح لرسوله من الحكم في مال الفيء ما لم يبحه ~~لغيره، وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إني لأعطي أقواما، وأدع ~~غيرهم، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي» ) . # وفي " الصحيح " عنه ( «إني لأعطي أقواما أخاف ظلعهم وجزعهم، وأكل أقواما ~~إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم: عمرو بن تغلب) . قال ~~عمرو بن تغلب: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر ~~النعم» . # PageV05P073 # وفي " الصحيح: ( «أن عليا بعث إليه بذهيبة من اليمن، فقسمها أرباعا، ~~فأعطى الأقرع بن حابس، وأعطى زيد الخيل، وأعطى علقمة بن علاثة، وعيينة بن ~~حصن، فقام إليه رجل غائر العينين، ناتئ الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، ~~فقال: يا رسول الله، اتق الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك ~~أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!» ) الحديث. # وفي " السنن ": ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذي القربى في ~~بني هاشم، وفي بني المطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس، فانطلق جبير بن ~~مطعم وعثمان بن عفان إليه فقالا: يا رسول الله، لا ننكر فضل بني هاشم ~~لموضعهم منك، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم ~~بمنزلة واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا وبنو المطلب لا نفترق في ~~جاهلية ولا إسلام، إنما نحن وهم شيء واحد، وشبك بين أصابعه» ) . # وذكر بعض الناس أن هذا الحكم خاص بالنبي ms1327 صلى الله عليه وسلم، وأن سهم ذوي ~~القربى يصرف بعده في بني عبد شمس وبني نوفل كما يصرف في بني هاشم وبني ~~المطلب، قال: لأن عبد شمس وهاشما والمطلب ونوفلا إخوة، وهم أولاد عبد مناف. ~~ويقال: إن عبد شمس وهاشما توأمان. # والصواب: استمرار هذا الحكم النبوي، وأن سهم ذوي القربى لبني هاشم وبني ~~المطلب، حيث خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وقول هذا القائل: إن ~~هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم باطل، فإنه بين مواضع الخمس الذي جعله ~~الله لذوي القربى، فلا # PageV05P074 # يتعدى به تلك المواضع، ولا يقصر عنها، ولكن لم يكن يقسمه بينهم على ~~السواء بين أغنيائهم وفقرائهم، ولا كان يقسمه قسمة الميراث للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، بل كان يصرفه فيهم بحسب المصلحة والحاجة، فيزوج منه عزبهم، ويقضي ~~منه عن غارمهم، ويعطي منه فقيرهم كفايته. # وفي " سنن أبي داود ": عن ( «علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ولاني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وحياة أبي بكر رضي الله عنه، وحياة عمر رضي الله عنه» ) . # وقد استدل به على أنه كان يصرف في مصارفه الخمسة، ولا يقوى هذا ~~الاستدلال، إذ غاية ما فيه أنه صرفه في مصارفه التي كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصرفه فيها، ولم يعدها إلى سواها، فأين تعميم الأصناف الخمسة به؟ ~~والذي يدل عليه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه أنه كان يجعل ~~مصارف الخمس كمصارف الزكاة، ولا يخرج بها عن الأصناف المذكورة، لا أنه ~~يقسمه بينهم كقسمة الميراث، ومن تأمل سيرته وهديه حق التأمل لم يشك في ذلك. # وفي " الصحيحين ": عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( «كانت أموال بني ~~النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، ~~فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق منها على أهله نفقة سنة، ~~وفي لفظ: " يحبس لأهله قوت سنتهم، ويجعل ms1328 ما بقي في الكراع والسلاح عدة في ~~سبيل الله» ) . # وفي " السنن ": عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى ~~العزب # PageV05P075 # حظا» . # فهذا تفضيل منه للآهل بحسب المصلحة والحاجة، وإن لم تكن زوجه من ذوي ~~القربى. # وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتصرف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكا له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. # والذي تدل عليه سنته وهديه أنه كان يتصرف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره ~~الله، ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك ~~بشهوته وإرادته، يعطي من أحب، ويمنع من أحب، وإنما كان يتصرف فيه تصرف ~~العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده ومولاه، فيعطي من أمر بإعطائه، ويمنع ~~من أمر بمنعه. وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فقال: ( «والله ~~إني لا أعطي أحدا ولا أمنعه، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» ) ، فكان عطاؤه ~~ومنعه وقسمه بمجرد الأمر، فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا، ~~وبين أن يكون ملكا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا. # والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله، والملك ~~الرسول له أن يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كما قال تعالى للملك الرسول ~~سليمان: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص: 39] [ص: 39] . أي: أعط ~~من شئت، وامنع من شئت، لا نحاسبك، وهذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا صلى ~~الله عليه وسلم فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبودية المحضة ~~التي تصرف صاحبها فيها مقصور على أمر السيد في كل دقيق وجليل. # والمقصود: أن تصرفه في الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يخالف حكم # PageV05P076 # غيره من المالكين، ولهذا كان ينفق مما أفاء الله عليه مما لم يوجف ~~المسلمون عليه بخيل ولا ركاب على نفسه وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في ms1329 ~~الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل، وهذا النوع من الأموال هو السهم ~~الذي وقع بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم. # فأما الزكوات والغنائم وقسمة المواريث فإنها معينة لأهلها لا يشركهم ~~غيرهم فيها، فلم يشكل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من ~~الفيء، ولم يقع فيها من النزاع ما وقع فيه، ولولا إشكال أمره عليهم لما ~~طلبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها من تركته، وظنت أنه ~~يورث عنه ما كان ملكا له كسائر المالكين، وخفي عليها رضي الله عنها حقيقة ~~الملك الذي ليس مما يورث عنه، بل هو صدقة بعده، ولما علم ذلك خليفته الراشد ~~البار الصديق ومن بعده من الخلفاء الراشدين لم يجعلوا ما خلفه من الفيء ~~ميراثا يقسم بين ورثته، بل دفعوه إلى علي والعباس يعملان فيه عمل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حتى تنازعا فيه وترافعا إلى أبي بكر الصديق وعمر ولم ~~يقسم أحد منهما ذلك ميراثا، ولا مكنا منه عباسا وعليا، وقد قال الله تعالى: ~~{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب - للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - والذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلهم يحبون من هاجر إليهم} [الحشر: 7 - 9] إلى قوله: {والذين جاءوا من ~~بعدهم} [الحشر: 10] إلى آخر الآية [الحشر: 7 - 10] . # فأخبر سبحانه أن ما أفاء على رسوله بجملته لمن ذكر في هذه الآيات، ولم ~~يخص منه خمسه بالمذكورين، بل عمم وأطلق واستوعب. ويصرف على المصارف الخاصة، ~~وهم أهل الخمس، ثم على المصارف العامة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم ~~إلى # PageV05P077 # يوم الدين. # فالذي عمل به هو وخلفاؤه الراشدون هو المراد من هذه الآيات، ولذلك قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه ms1330 أحمد رحمه الله وغيره عنه: (ما أحد ~~أحق بهذا المال من أحد، وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد ~~إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبد مملوك، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، ~~وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل ~~وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، ووالله لئن ~~بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه) . ~~فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم المسمون في آية الخمس، ولم يدخل المهاجرون ~~والأنصار وأتباعهم في آية الخمس؛ لأنهم المستحقون لجملة الفيء، وأهل الخمس ~~لهم استحقاقان: استحقاق خاص من الخمس، واستحقاق عام من جملة الفيء، فإنهم ~~داخلون في النصيبين. # وكما أن قسمته من جملة الفيء بين من جعل له ليس قسمة الأملاك التي يشترك ~~فيها المالكون، كقسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة ~~والنفع والغناء في الإسلام والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخمس في أهله، فإن ~~مخرجهما واحد في كتاب الله، والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق ~~إدخالهم، وأنهم لا يخرجون من أهل الفيء بحال، وأن الخمس لا يعدوهم إلى ~~غيرهم، كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما أن الفيء العام في آية ~~الحشر للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم، ولهذا أفتى أئمة الإسلام كمالك ~~والإمام أحمد وغيرهما أن الرافضة لا حق لهم في الفيء؛ لأنهم ليسوا من ~~المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان، وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ ~~الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل القرآن، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وخلفائه الراشدين. # PageV05P078 # وقد اختلف الناس في آية الزكاة وآية الخمس، فقال الشافعي: تجب قسمة ~~الزكاة والخمس على الأصناف كلها، ويعطي من كل صنف من يطلق عليه اسم الجمع. # وقال مالك رحمه الله وأهل المدينة: بل يعطي في الأصناف المذكورة فيهما، ~~ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة ولا الفيء ms1331 في جميعهم. # وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: بقول مالك رحمهم الله في آية الزكاة، وبقول ~~الشافعي رحمه الله في آية الخمس. # ومن تأمل النصوص وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وجده يدل ~~على قول أهل المدينة، فإن الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعينهم ~~اهتماما بشأنهم وتقديما لهم، ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها لا يشركهم فيها ~~سواهم نص على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون أحد جعل ~~جملته لهم وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوى بين الخمس وبين الفيء في ~~المصرف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح ~~الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدما للأهم فالأهم، والأحوج ~~فالأحوج، فيزوج منه عزابهم، ويقضي منه ديونهم، ويعين ذا الحاجة منهم، ويعطي ~~عزبهم حظا، ومتزوجهم حظين، ولم يكن هو ولا أحد من خلفائه يجمعون اليتامى ~~والمساكين وأبناء السبيل وذوي القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على ~~السوية ولا على التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديه ~~وسيرته، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب. # PageV05P079 ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهد لعدوه وفي رسلهم أن لا يقتلوا ولا يحبسوا] # ، وفي النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خاف منه نقض العهد # ثبت عنه أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول إنه رسول الله: ( ~~«لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» ) . # وثبت عنه أنه (قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقام عنده، ~~وأنه لا يرجع إليهم، فقال: «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع ~~إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع» ) . # وثبت عنه أنه ( «رد إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يرد ~~إليهم من جاءه منهم مسلما» ) ولم يرد النساء، وجاءت سبيعة الأسلمية مسلمة، ~~فخرج زوجها في طلبها فأنزل الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ms1332 ~~ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] الآية [الممتحنة: 10] ، فاستحلفها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام، وأنها لم ~~تخرج لحدث أحدثته في قومها، ولا بغضا لزوجها، فحلفت، فأعطى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم زوجها مهرها، ولم يردها عليه. فهذا حكمه الموافق لحكم الله، ~~ولم يجئ شيء ينسخه البتة. ومن زعم أنه منسوخ، فليس # PageV05P080 # بيده إلا الدعوى المجردة، وقد تقدم بيان ذلك في قصة الحديبية. # وقال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا ~~يحب الخائنين} [الأنفال: 58] [الأنفال: 58] . # وقال صلى الله عليه وسلم: ( «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدا، ~~ولا يشدنه حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء» ) ، قال الترمذي: حديث ~~حسن صحيح. # ( «ولما أسرت قريش حذيفة بن اليمان وأباه أطلقوهما، وعاهدوهما أن لا ~~يقاتلاهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا خارجين إلى بدر، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله ~~عليهم» ) . ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الأمان الصادر من الرجال والنساء] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى ~~بذمتهم أدناهم» ) . # وثبت عنه أنه ( «أجار رجلين أجارتهما أم هانئ ابنة عمه» ) ، وثبت عنه أنه # PageV05P081 # ( «أجار أبا العاص بن الربيع لما أجارته ابنته زينب، ثم قال: يجير على ~~المسلمين أدناهم» ) . وفي حديث آخر: ( «يجير على المسلمين أدناهم، ويرد ~~عليهم أقصاهم» ) . # فهذه أربع قضايا كلية، أحدها: تكافؤ دمائهم، وهو يمنع قتل مسلمهم ~~بكافرهم. # والثانية: أنه يسعى بذمتهم أدناهم، وهو يوجب قبول أمان المرأة والعبد. # وقال ابن الماجشون: لا يجوز الأمان إلا لوالي الجيش أو والي السرية. قال ~~ابن شعبان: وهذا خلاف قول الناس كلهم. # والثالثة: أن المسلمين يد على من سواهم، وهذا يمنع من تولية الكفار شيئا ~~من الولايات، فإن للوالي يدا على المولى عليه. # والرابعة: أنه يرد عليهم أقصاهم، وهذا يوجب أن السرية إذا غنمت غنيمة ~~بقوة جيش الإسلام كانت لهم، وللقاصي ms1333 من الجيش، إذ بقوته غنموها، وأن ما صار ~~في بيت المال من الفيء كان لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم، فهذه ~~الأحكام وغيرها مستفادة من كلماته الأربعة، صلوات الله وسلامه عليه. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الجزية ومقدارها وممن تقبل] # [الأمر بأخذ الجزية] # قد تقدم أن أول ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم الدعوة ~~إليه بغير قتال ولا جزية، فأقام على ذلك بضع عشرة سنة بمكة، ثم أذن له في ~~القتال لما هاجر من # PageV05P082 # غير فرض له، ثم أمره بقتال من قاتله، والكف عمن لم يقاتله، ثم لما نزلت ~~(براءة) سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله، أو كف عن ~~قتاله إلا من عاهده، ولم ينقصه من عهده شيئا، فأمره أن يفي له بعهده، ولم ~~يأمره بأخذ الجزية من المشركين، وحارب اليهود مرارا، ولم يؤمر بأخذ الجزية ~~منهم. # ثم أمره بقتال أهل الكتاب كلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فامتثل أمر ~~ربه فقاتلهم، فأسلم بعضهم، وأعطى بعضهم الجزية، واستمر بعضهم على محاربته، ~~فأخذها صلى الله عليه وسلم من أهل نجران وأيلة، وهم من نصارى العرب، ومن ~~أهل دومة الجندل، وأكثرهم عرب، وأخذها من المجوس، ومن أهل الكتاب باليمن، ~~وكانوا يهودا. # ولم يأخذها من مشركي العرب، فقال أحمد والشافعي: لا تؤخذ إلا من الطوائف ~~الثلاث التي أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وهم: اليهود ~~والنصارى والمجوس. ومن عداهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل. # وقالت طائفة: في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم أهل الكتابين ~~بالقرآن والمجوس بالسنة، ومن عداهم ملحق بهم؛ لأن المجوس أهل شرك لا كتاب ~~لهم، فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها صلى ~~الله عليه وسلم من عبدة الأوثان من العرب؛ لأنهم أسلموا كلهم قبل نزول آية ~~الجزية، فإنها نزلت بعد تبوك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ من ~~قتال العرب، واستوثقت ms1334 كلها له بالإسلام، ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين ~~حاربوه؛ لأنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت أخذها من نصارى العرب ومن ~~المجوس، ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الأوثان بذلها لقبلها منه، كما قبلها من ~~عبدة الصلبان والنيران، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض، ~~ثم إن كفر عبدة الأوثان ليس أغلظ من كفر المجوس، وأي فرق بين عبدة الأوثان ~~والنيران، بل كفر المجوس أغلظ، وعباد الأوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، ~~وأنه لا خالق إلا الله، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه ~~وتعالى، ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم، أحدهما: خالق للخير، # PageV05P083 # والآخر للشر، كما تقوله المجوس، ولم يكونوا يستحلون نكاح الأمهات والبنات ~~والأخوات، وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. # وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلا، ولا دانوا بدين أحد من الأنبياء، ~~لا في عقائدهم ولا في شرائعهم، والأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ~~ورفعت شريعتهم لما وقع ملكهم على ابنته لا يصح البتة، ولو صح لم يكونوا ~~بذلك من أهل الكتاب، فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت فلم يبقوا على شيء منها. # ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، وكان له صحف وشريعة، ~~وليس تغيير عبدة الأوثان لدين إبراهيم عليه السلام وشريعته بأعظم من تغيير ~~المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح، فإنه لا يعرف عنهم التمسك بشيء من شرائع ~~الأنبياء عليهم الصلوات والسلام، بخلاف العرب، فكيف يجعل المجوس الذين ~~دينهم أقبح الأديان أحسن حالا من مشركي العرب، وهذا القول أصح في الدليل ~~كما ترى. # وفرقت طائفة ثالثة بين العرب وغيرهم، فقالوا: تؤخذ من كل كافر إلا مشركي ~~العرب. # ورابعة: فرقت بين قريش وغيرهم، وهذا لا معنى له، فإن قريشا لم يبق فيهم ~~كافر يحتاج إلى قتاله وأخذ الجزية منه البتة، وقد كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أهل هجر، وإلى المنذر بن ساوى، وإلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى ~~الإسلام أو الجزية، ولم يفرق بين عربي ms1335 وغيره. # وأما حكمه في قدرها، فإنه «بعث معاذا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ~~حالم دينارا أو قيمته معافر» ، وهي ثياب معروفة باليمن. ثم زاد فيها عمر # PageV05P084 # رضي الله عنه فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على أهل ~~الورق في كل سنة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن، وعمر ~~رضي الله عنه علم غنى أهل الشام وقوتهم. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الهدنة وما ينقضها] # ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صالح أهل مكة على وضع الحرب بينه وبينهم ~~عشر سنين، ودخل حلفاؤهم من بني بكر معهم، وحلفاؤه من خزاعة معه، فعدت حلفاء ~~قريش على حلفائه فغدروا بهم، فرضيت قريش ولم تنكره، فجعلهم بذلك ناقضين ~~للعهد، واستباح غزوهم من غير نبذ عهدهم إليهم؛ لأنهم صاروا محاربين له ~~ناقضين لعهده برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحق ردأهم في ~~ذلك بمباشرهم. # وثبت عنه أنه صالح اليهود وعاهدهم لما قدم المدينة فغدروا به ونقضوا عهده ~~مرارا، وكل ذلك يحاربهم ويظفر بهم، وآخر ما صالح يهود خيبر على أن الأرض ~~له، ويقرهم فيها عمالا له ما شاء، وكان هذا الحكم منه فيهم حجة على جواز ~~صلح الإمام لعدوه ما شاء من المدة، فيكون العقد جائزا له فسخه متى شاء، ~~وهذا هو الصواب، وهو موجب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ناسخ ~~له. # PageV05P085 ### | [فصل ما كان في صلحه لأهل مكة من دخول بعضهم في عهده صلى الله عليه وسلم] # فصل وكان في صلحه لأهل مكة أن من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده دخل، ومن ~~أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل، وأن من جاءهم من عنده لا يردونه إليه، ~~ومن جاءه منهم رده إليهم، وأنه يدخل العام القابل إلى مكة فيخلونها له ~~ثلاثا، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، وقد تقدم ذكر هذه القصة وفقهها في ~~موضعه. # PageV05P086 ### | [ذكر أقضيته وأحكامه صلى الله عليه وسلم في النكاح وتوابعه] # [فصل ms1336 في حكمه صلى الله عليه وسلم في الثيب والبكر يزوجهما أبوهما] ### | فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الثيب والبكر يزوجهما أبوهما # ثبت عنه في " الصحيحين ": ( «أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة ~~وكانت ثيبا، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها» ) . # وفي " السنن ": من حديث ابن عباس: ( «أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم» ) . وهذه غير خنساء، # PageV05P087 # فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر. # وثبت عنه في " الصحيح " أنه قال: ( «لا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا ~~رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» ) . # وفي " صحيح مسلم ": ( «البكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» ) . # وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا ~~برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات ~~عنه، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته. # أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا ~~الحديث مرسلة بعلة فيه، فإنه قد روي مسندا ومرسلا، فإن قلنا بقول الفقهاء: ~~إن الاتصال زيادة، ومن وصله مقدم على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرفهم في غالب ~~الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله، وإن حكمنا بالإرسال كقول كثير من ~~المحدثين، فهذا مرسل قوي قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد ~~الشرع، كما سنذكره فيتعين القول به. # PageV05P088 # وأما موافقة هذا القول لأمره فإن قال: " والبكر تستأذن "، وهذا أمر مؤكد؛ ~~لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه، والأصل في ~~أوامره صلى الله عليه وسلم أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه. # وأما موافقته لنهيه فلقوله: ( «لا تنكح البكر حتى تستأذن» ) فأمر ونهى، ~~وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق. # وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر ms1337 البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف ~~أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه ~~بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده ~~هو، وهي من أكره الناس فيه، أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فينكحها إياه قهرا ~~بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرة عنده، كما قال النبي: ( «اتقوا ~~الله في النساء، فإنهن عوان عندكم» ) أي: أسرى، ومعلوم أن إخراج مالها كله ~~بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من ~~قال: إنها إذا عينت كفئا تحبه، وعين أبوها كفئا، فالعبرة بتعيينه ولو كان ~~بغيضا إليها قبيح الخلقة. # وأما موافقته لمصالح الأمة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره ~~وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه، فلو ~~لم تأت السنة الصريحة بهذا القول لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا ~~تقتضي غيره، وبالله التوفيق. # فإن قيل: فقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرق بين البكر والثيب، ~~وقال: ( «ولا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» ) ، وقال: ~~( «الأيم أحق بنفسها # PageV05P089 # من وليها والبكر يستأذنها أبوها» ) فجعل الأيم أحق بنفسها من وليها، فعلم ~~أن ولي البكر أحق بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيم بذلك معنى. # وأيضا فإنه فرق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيب النطق، وإذن البكر ~~الصمت، وهذا كله يدل على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حق لها مع أبيها. # فالجواب: أنه ليس في ذلك ما يدل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها ~~وعقلها ورشدها، وأن يزوجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفئا، والأحاديث التي ~~احتججتم بها صريحة في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: ( «الأيم ~~أحق بنفسها من وليها» ) هذا إنما يدل بطريق المفهوم، ومنازعوكم ينازعونكم ~~في كونه حجة، ولو سلم أنه حجة فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح، وهذا ~~أيضا إنما يدل إذا قلت: إن للمفهوم عموما والصواب ms1338 أنه لا عموم له، إذ ~~دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عما ~~عداه، ومعلوم أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنتفيه فائدة، وأن إثبات ~~حكم آخر للمسكوت عنه فائدة وإن لم يكن ضد حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، ~~كيف وهذا مفهوم مخالف للقياس الصريح، بل قياس الأولى كما تقدم، ويخالف ~~النصوص المذكورة. # وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ( «والبكر يستأذنها أبوها» ) عقيب قوله: ~~( «الأيم أحق بنفسها من وليها» ) قطعا لتوهم هذا القول، وأن البكر تزوج ~~بغير رضاها ولا إذنها، فلا حق لها في نفسها البتة، فوصل إحدى الجملتين ~~بالأخرى دفعا لهذا التوهم. ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيب أحق ~~بنفسها من وليها أن لا يكون للبكر في نفسها حق البتة. # وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستة أقوال. # PageV05P090 # أحدها: أنه يجبر بالبكارة، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية. # الثاني: أنه يجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية. # الثالث: أنه يجبر بهما معا، وهو الرواية الثالثة عن أحمد. # الرابع: أنه يجبر بأيهما وجد، وهو الرواية الرابعة عنه. # الخامس: أنه يجبر بالإيلاد، فتجبر الثيب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن ~~الحسن البصري قال: وهو خلاف الإجماع. قال: وله وجه حسن من الفقه، فيا ليت ~~شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟! . # السادس: أنه يجبر من يكون في عياله، ولا يخفى عليك الراجح من هذه ~~المذاهب. ### | [فصل إذن البكر الصمات وإذن الثيب الكلام] # فصل # وقضى صلى الله عليه وسلم بأن إذن البكر الصمات، وإذن الثيب الكلام، فإن ~~نطقت البكر بالإذن بالكلام فهو آكد، وقال ابن حزم: لا يصح أن تزوج إلا ~~بالصمات، وهذا هو اللائق بظاهريته. ### | [فصل جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ] # فصل وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اليتيمة تستأمر في نفسها، ولا ~~يتم بعد احتلام، فدل ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب ~~عائشة رضي الله عنها، وعليه يدل القرآن والسنة، وبه قال ms1339 أحمد وأبو حنيفة ~~وغيرهما. # قال تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} ~~[النساء: 127] # PageV05P091 # [النساء: 127] . (قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر ~~وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يقسط لها سنة صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن ~~يقسطوا لهن سنة صداقهن) . # وفي السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم: ( «اليتيمة تستأمر في نفسها، ~~فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» ) . ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في النكاح بلا ولي] # في " السنن " عنه من حديث عائشة رضي الله عنها: ( «أيما امرأة نكحت نفسها ~~بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها ~~مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» ) . قال ~~الترمذي: حديث حسن. # وفي السنن الأربعة عنه: ( «لا نكاح إلا بولي» ) . # PageV05P092 # وفيها عنه: ( «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن ~~الزانية هي التي تزوج نفسها» ) . ### | [فصل إذا زوج المرأة الوليان فهي للأول منهما] # فصل # وحكم أن المرأة إذا زوجها الوليان فهي للأول منهما، وأن الرجل إذا باع ~~للرجلين فالبيع للأول منهما. ### | [فصل في قضائه في نكاح التفويض] # ثبت عنه أنه ( «قضى في رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل # PageV05P093 # بها حتى مات أن لها مهر مثلها، ولا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها ~~العدة أربعة أشهر وعشرا» ) . # وفي " سنن أبي داود " عنه أنه ( «قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: ~~نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، ~~فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، فلما كان عند موته ~~عوضها من صداقها سهما له بخيبر» ) . # وقد تضمنت هذه الأحكام جواز النكاح من غير تسمية صداق، وجواز الدخول قبل ~~التسمية، واستقرار مهر المثل بالموت وإن لم يدخل بها، ووجوب عدة الوفاة ~~بالموت وإن لم يدخل بها الزوج، وبهذا أخذ ابن ms1340 مسعود وفقهاء العراق وعلماء ~~الحديث، منهم: أحمد، والشافعي في أحد قوليه. # PageV05P094 # (وقال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما: لا صداق لها) وبه ~~أخذ أهل المدينة ومالك والشافعي في قوله الآخر. # وتضمنت جواز تولي الرجل طرفي العقد كوكيل من الطرفين، أو ولي فيهما، أو ~~ولي وكله الزوج، أو زوج وكله الولي، ويكفي أن يقول: زوجت فلانا فلانة، ~~مقتصرا على ذلك، أو تزوجت فلانة إذا كان هو الزوج، وهذا ظاهر مذهب أحمد. ~~وعنه رواية ثانية: لا يجوز ذلك إلا للولي المجبر، كمن زوج أمته أو ابنته ~~المجبرة بعبده المجبر، ووجه هذه الرواية أنه لا يعتبر رضى واحد من الطرفين. # وفي مذهبه قول ثالث: أنه يجوز ذلك إلا للزوج خاصة، فإنه لا يصح منه تولي ~~الطرفين لتضاد أحكام الطرفين فيه. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن تزوج امرأة فوجدها في الحبل] # في " السنن " و" المصنف ": عن سعيد بن المسيب «عن بصرة بن أكثم قال: ~~تزوجت امرأة بكرا في سترها، فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: (لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، وإذا ولدت ~~فاجلدوها) وفرق بينهما» . # PageV05P095 # وقد تضمن هذا الحكم بطلان نكاح الحامل من زنى، وهو قول أهل المدينة، ~~والإمام أحمد، وجمهور الفقهاء، ووجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد، وهذا ~~هو الصحيح من الأقوال الثلاثة. والثاني: يجب مهر المثل، وهو قول الشافعي ~~رحمه الله. والثالث: يجب أقل الأمرين. # وتضمنت وجوب الحد بالحبل وإن لم تقم بينة ولا اعتراف، والحبل من أقوى ~~البينات، وهذا مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأهل المدينة وأحمد في ~~إحدى الروايتين عنه. # وأما حكمه بكون الولد عبدا للزوج، فقد قيل: إنه لما كان ولد زنى لا أب ~~له، وقد غرته من نفسها، وغرم صداقها أخدمه ولدها، وجعله له بمنزلة العبد لا ~~أنه أرقه، فإنه انعقد حرا تبعا لحرية أمه، وهذا محتمل، ويحتمل أن يكون أرقه ~~عقوبة لأمه على زناها وتغريرها للزوج، ويكون هذا خاصا ms1341 بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وبذلك الولد، لا يتعدى الحكم إلى غيره، ويحتمل أن يكون هذا منسوخا. ~~وقد قيل: إنه # PageV05P096 # كان في أول الإسلام يسترق الحر في الدين، وعليه حمل بيعه - صلى الله عليه ~~وسلم - لسرق في دينه. والله أعلم. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الشروط في النكاح] # في " الصحيحين " عنه: ( «إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج» ~~) . وفيهما عنه: ( «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإنما ~~لها ما قدر لها» ) . # وفيهما: أنه ( «نهى أن تشترط المرأة طلاق أختها» ) . # وفي " مسند أحمد ": عنه ( «لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى» ) فتضمن هذا ~~الحكم وجوب الوفاء بالشروط التي شرطت في العقد إذا لم تتضمن تغييرا لحكم ~~الله ورسوله. # وقد اتفق على وجوب الوفاء بتعجيل المهر أو تأجيله والضمين والرهن به ونحو ~~ذلك، وعلى عدم الوفاء باشتراط ترك الوطء، والإنفاق والخلو عن المهر، ونحو ~~ذلك. # PageV05P097 # واختلف في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وشرط دار الزوجة، وأن لا يتسرى ~~عليها، ولا يتزوج عليها، فأوجب أحمد وغيره الوفاء به، ومتى لم يف به فلها ~~الفسخ عند أحمد. # واختلف في اشتراط البكارة والنسب والجمال والسلامة من العيوب التي لا ~~يفسخ بها النكاح، وهل يؤثر عدمها في فسخه؟ على ثلاثة أقوال. ثالثها: الفسخ ~~عند عدم النسب خاصة. # وتضمن حكمه صلى الله عليه وسلم بطلان اشتراط المرأة طلاق أختها، وأنه لا ~~يجب الوفاء به، فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج ~~عليها حتى صححتم هذا وأبطلتم شرط طلاق الضرة؟ قيل: الفرق بينهما أن في ~~اشتراط طلاق الزوجة من الإضرار بها وكسر قلبها وخراب بيتها وشماتة أعدائها ~~ما ليس في اشتراط عدم نكاحها ونكاح غيرها، وقد فرق النص بينهما، فقياس ~~أحدهما على الآخر فاسد. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في نكاح الشغار والمحلل والمتعة ونكاح المحرم ونكاح الزانية] # أما الشغار، فصح النهي عنه من حديث ابن عمر وأبي هريرة ومعاوية. وفي " ~~صحيح مسلم ": عن ابن ms1342 عمر مرفوعا ( «لا شغار في الإسلام» ) . وفي حديث ابن ~~عمر ( «والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما ~~صداق» ) . # PageV05P098 # وفي حديث أبي هريرة: ( «والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك، ~~وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك، وأزوجك أختي» ) . # وفي حديث معاوية: أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن ~~الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية رضي ~~الله عنه إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال: ( «هذا الشغار الذي نهى ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # فاختلف الفقهاء في ذلك، فقال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوجه وليته ~~على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سموا مع ~~ذلك مهرا صح العقد بالمسمى عنده. وقال الخرقي: لا يصح ولو سموا مهرا على ~~حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيمية وغيره من أصحاب أحمد: إن سموا ~~مهرا، وقالوا: مع ذلك بضع كل واحدة مهر الأخرى لم يصح، وإن لم يقولوا ذلك ~~صح. # واختلف في علة النهي، فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطا في الآخر، ~~وقيل: العلة التشريك في البضع، وجعل بضع كل واحدة مهرا للأخرى وهي لا تنتفع ~~به، فلم يرجع إليها المهر بل عاد المهر إلى الولي وهو ملكه لبضع زوجته ~~بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن ~~مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلد شاغر من ~~أمير، ودار شاغرة من أهلها: إذا خلت، وشغر الكلب: إذا رفع رجله وأخلى ~~مكانها. فإذا سموا مهرا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كل # PageV05P099 # واحد على الآخر شرطا لا يؤثر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد. # وأما من فرق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بضع كل واحدة مهر للأخرى ~~فسد؛ لأنها لم يرجع إليها مهرها وصار بضعها لغير المستحق، وإن لم يقولوا ~~ذلك صح، والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك وإن ms1343 لم يقولوه ~~بألسنتهم أنه لا يصح؛ لأن القصود في العقود معتبرة، والمشروط عرفا كالمشروط ~~لفظا فيبطل العقد بشرط ذلك، والتواطؤ عليه ونيته، فإن سمى لكل واحدة مهر ~~مثلها صح، وبهذا تظهر حكمة النهي واتفاق الأحاديث في هذا الباب. ### | [فصل نكاح التحليل] # فصل # وأما نكاح المحلل ففي " المسند " والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله ~~عنه قال: ( «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له» ) . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # وفي " المسند ": من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ( «لعن الله ~~المحلل والمحلل له» ) وإسناده حسن. # وفيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. # وفي " سنن ابن ماجه ": من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال # PageV05P100 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: ~~بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» ) . # فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي الله عنهم، وقد شهدوا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل، وهم: المحلل والمحلل له، وهذا إما ~~خبر عن الله فهو خبر صدق، وإما دعاء فهو دعاء مستجاب قطعا، وهذا يفيد أنه ~~من الكبائر الملعون فاعلها، ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم ~~بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد، فإن القصود في العقود عندهم ~~معتبرة، والأعمال بالنيات، والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان ~~كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني، فإذ ظهرت ~~المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل، وقد تحققت غاياتها فترتبت ~~عليها أحكامها. ### | [فصل النهي عن نكاح المتعة] # فصل # وأما نكاح المتعة فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها ~~عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر؟ على قولين، والصحيح: أن النهي ~~إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية، وإنما ~~قال علي لابن عباس: ( «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر ms1344 عن ~~متعة النساء، ونهى عن # PageV05P101 # الحمر الأهلية» ) محتجا عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد ~~بيوم خيبر راجع إلى الفصلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين ~~وقيده بيوم خيبر، وقد تقدم بيان المسألة في غزاة الفتح. # وظاهر كلام ابن مسعود إباحتها، فإن في " الصحيحين " عنه: ( «كنا نغزو مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: يا رسول الله ألا ~~نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم ~~قرأ عبد الله {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] » ) [المائدة: 87] ولكن في ~~" الصحيحين ": عن علي رضي الله عنه ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ~~متعة النساء» ) . # وهذا التحريم إنما كان بعد الإباحة، وإلا لزم منه النسخ مرتين، ولم يحتج ~~به على علي ابن عباس رضي الله عنهم، ولكن النظر: هل هو تحريم بتات أو تحريم ~~مثل تحريم الميتة والدم وتحريم نكاح الأمة فيباح عند الضرورة وخوف العنت؟ ~~هذا هو الذي لحظه ابن عباس، وأفتى بحلها للضرورة، فلما توسع الناس فيها، ~~ولم يقتصروا على موضع الضرورة، أمسك عن فتياه ورجع عنها. ### | [فصل نكاح المحرم في حج أو عمرة] # وأما نكاح المحرم فثبت عنه في " صحيح مسلم " من رواية عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لا ينكح المحرم ولا ~~ينكح» ) . # واختلف عنه صلى الله عليه وسلم، هل تزوج ميمونة حلالا أو حراما؟ فقال ابن ~~عباس: # PageV05P102 # تزوجها محرما، وقال أبو رافع: تزوجها حلالا، وكنت الرسول بينهما. وقول ~~أبي رافع أرجح لعدة أوجه. # أحدها: أنه إذ ذاك كان رجلا بالغا، وابن عباس لم يكن حينئذ ممن بلغ ~~الحلم، بل كان له نحو العشر سنين، فأبو رافع إذ ذاك كان أحفظ منه. # الثاني: أنه كان الرسول بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها، وعلى ~~يده دار الحديث، فهو أعلم به منه بلا شك، ms1345 وقد أشار بنفسه إلى هذا إشارة ~~متحقق له ومتيقن، ولم ينقله عن غيره، بل باشره بنفسه. # الثالث: أن ابن عباس لم يكن معه في تلك العمرة، فإنها كانت عمرة القضية، ~~وكان ابن عباس إذ ذاك من المستضعفين الذين عذرهم الله من الولدان، وإنما ~~سمع القصة من غير حضور منه لها. # الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة بدأ بالطواف بالبيت، ثم سعى ~~بين الصفا والمروة، وحلق ثم حل. # ومن المعلوم: أنه لم يتزوج بها في طريقه، ولا بدأ بالتزويج بها قبل ~~الطواف بالبيت، ولا تزوج في حال طوافه، هذا من المعلوم أنه لم يقع، فصح قول ~~أبي رافع يقينا. # الخامس: أن الصحابة رضي الله عنهم غلطوا ابن عباس، ولم يغلطوا أبا رافع. # السادس: أن قول أبي رافع موافق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح ~~المحرم، وقول ابن عباس يخالفه، وهو مستلزم لأحد أمرين، إما لنسخه، وإما ~~لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بجواز النكاح محرما، وكلا الأمرين مخالف ~~للأصل ليس عليه دليل فلا يقبل. # PageV05P103 # السابع: أن ابن أختها يزيد بن الأصم شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تزوجها حلالا، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. ذكره مسلم. ### | [فصل تحريم نكاح الزانية] # فصل # وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور، ~~وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ~~ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك. وإن التزمه ~~واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه فقال: {وحرم ذلك على ~~المؤمنين} [النور: 3] [النور: 3] # ولا يخفى أن دعوى نسخ الآية بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ~~[النور: 34] من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى، إذ يصير ~~معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزني بها إلا ~~زان أو مشرك، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا. # وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة ms1346 في غاية البعد عن لفظها وسياقها، ~~كيف وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة، ~~فقال: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا ~~متخذات أخدان} [النساء: 25] [النساء: 25] فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة ~~دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على ~~التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه فعلى أصل ~~التحريم. # وأيضا فإنه سبحانه قال: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [النور: ~~26] # PageV05P104 # [النور: 26] والخبيثات: الزواني. وهذا يقتضي أن من تزوج بهن فهو خبيث ~~مثلهن. # وأيضا فمن أقبح القبائح أن يكون الرجل زوج بغي، وقبح هذا مستقر في فطر ~~الخلق، وهو عندهم غاية المسبة. # وأيضا: فإن البغي لا يؤمن أن تفسد على الرجل فراشه، وتعلق عليه أولادا من ~~غيره، والتحريم يثبت بدون هذا. # وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الرجل وبين المرأة التي ~~وجدها حبلى من الزنى. # وأيضا فإن ( «مرثد بن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يتزوج عناق وكانت بغيا، فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ~~النور، وقال: لا تنكحها» ) . ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة أو على أختين] # في الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( «أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهن أربعا» ) . وفي طريق أخرى: ( ~~«وفارق سائرهن» ) . # PageV05P105 # ( «وأسلم فيروز الديلمي وتحته أختان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~اختر أيتهما شئت» ) . # فتضمن هذا الحكم صحة نكاح الكفار وأنه له أن يختار من شاء من السوابق ~~واللواحق؛ لأنه جعل الخيرة إليه، وهذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: إن ~~تزوجهن في عقد واحد فسد نكاح الجميع، وإن تزوجهن مترتبات ثبت # PageV05P106 # نكاح الأربع، وفسد نكاح من بعدهن ولا تخيير. ### | [فصل إذا تزوج العبد بغير إذن مواليه فهو عاهر] # فصل # ( «وحكم صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا تزوج بغير إذن ms1347 مواليه فهو عاهر» ~~) . قال الترمذي: حديث حسن. ### | [فصل منعه صلى الله عليه وسلم عليا أن يجمع بين فاطمة وبنت أبي جهل] # فصل # ( «واستأذنه بنو هشام بن المغيرة أن يزوجوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~ابنة أبي جهل، فلم يأذن في ذلك، وقال: إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ~~ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما ~~آذاها، إني أخاف أن تفتن فاطمة في دينها، وإني لست أحرم حلالا ولا أحل ~~حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد ~~أبدا» ) . # وفي لفظ فذكر صهرا له فأثنى عليه، وقال: ( «حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي» ~~) . # فتضمن هذا الحكم أمورا. # أحدها: أن الرجل إذا شرط لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط، ~~ومتى تزوج عليها فلها الفسخ، ووجه تضمن الحديث لذلك أنه صلى الله عليه وسلم ~~أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة ويريبها، وأنه يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويريبه، ~~ومعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على أن ~~لا يؤذيها ولا يريبها ولا يؤذي أباها صلى الله عليه وسلم ولا يريبه، وإن لم ~~يكن هذا مشترطا في صلب العقد، فإنه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه ~~وفي ذكره صلى الله عليه وسلم صهره الآخر، وثناءه عليه بأنه حدثه فصدقه، # PageV05P107 # ووعده فوفى له تعريض بعلي رضي الله عنه وتهييج له على الاقتداء به، وهذا ~~يشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها، فهيجه على الوفاء له، ~~كما وفى له صهره الآخر. # فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا، وأن عدمه يملك الفسخ ~~لمشترطه، فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون ~~أزواجهم من ذلك البتة واستمرت عادتهم بذلك كان كالمشروط لفظا، وهو مطرد على ~~قواعد أهل المدينة، وقواعد أحمد رحمه الله أن الشرط العرفي كاللفظي سواء، ~~ولهذا أوجبوا الأجرة على من دفع ثوبه إلى ms1348 غسال أو قصار، أو عجينه إلى خباز، ~~أو طعامه إلى طباخ يعملون بالأجرة، أو دخل الحمام أو استخدم من يغسله ممن ~~عادته يغسل بالأجرة ونحو ذلك، ولم يشرط لهم أجرة أنه يلزمه أجرة المثل. ~~وعلى هذا، فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة ولا ~~يمكنونه من ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك، كان كالمشروط لفظا. # وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا تمكن إدخال الضرة عليها عادة لشرفها ~~وحسبها وجلالتها، كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظا سواء. # وعلى هذا فسيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء ~~بهذا، فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدا لا تأسيسا. # وفي منع علي من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها وبين بنت أبي جهل حكمة ~~بديعة، وهي أن المرأة مع زوجها في درجته تبع له، فإن كانت في نفسها ذات ~~درجة عالية، وزوجها كذلك، كانت في درجة عالية بنفسها وبزوجها، وهذا شأن ~~فاطمة وعلي رضي الله عنهما، ولم يكن الله عز وجل ليجعل ابنة أبي جهل مع ~~فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة لا بنفسها ولا تبعا، وبينهما من الفرق ~~ما بينهما، فلم يكن نكاحها على سيدة نساء العالمين مستحسنا لا شرعا ولا ~~قدرا، # PageV05P108 # وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: ( «والله لا تجتمع بنت رسول ~~الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدا» ) فهذا إما أن يتناول درجة الآخر ~~بلفظه أو إشارته. ### | [فصل فيما حكم الله سبحانه بتحريمه من النساء على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم] # حرم الأمهات، وهن كل من بينك وبينه إيلاد من جهة الأمومة أو الأبوة، ~~كأمهاته وأمهات آبائه وأجداده من جهة الرجال والنساء وإن علون. # وحرم البنات، وهن كل من انتسب إليه بإيلاد كبنات صلبه، وبنات بناته ~~وأبنائهن وإن سفلن. # وحرم الأخوات من كل جهة، وحرم العمات، وهن أخوات آبائه وإن علون من كل ~~جهة. # وأما عمة العم، فإن كان العم لأب فهي عمة أبيه، وإن كان لأم ms1349 فعمته أجنبية ~~منه، فلا تدخل في العمات، وأما عمة الأم فهي داخلة في عماته، كما دخلت عمة ~~أبيه في عماته. # وحرم الخالات، وهن أخوات أمهاته، وأمهات آبائه وإن علون، وأما خالة العمة ~~فإن كانت العمة لأب فخالتها أجنبية، وإن كانت لأم فخالتها حرام؛ لأنها ~~خالة، وأما عمة الخالة، فإن كانت الخالة لأم فعمتها أجنبية، وإن كانت لأب ~~فعمتها حرام، لأنها عمة الأم. # وحرم بنات الأخ، وبنات الأخت، فيعم الأخ والأخت من كل جهة وبناتهما وإن ~~نزلت درجتهن. # وحرم الأم من الرضاعة، فيدخل فيه أمهاتها من قبل الآباء والأمهات وإن ~~علون، وإذا صارت المرضعة أمه صار صاحب اللبن - وهو الزوج أو السيد إن كانت ~~جارية - أباه، وآباؤه أجداده، فنبه بالمرضعة صاحبة اللبن التي هي مودع # PageV05P109 # فيها للأب، على كونه أبا بطريق الأولى، لأن اللبن له وبوطئه ثاب، ولهذا ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم لبن الفحل، فثبت بالنص وإيمائه ~~انتشار حرمة الرضاع إلى أم المرتضع وأبيه من الرضاعة، وأنه قد صار ابنا ~~لهما، وصارا أبوين له، فلزم من ذلك أن يكون إخوتهما وأخواتهما خالات له ~~وعمات، وأبناؤهما وبناتهما إخوة له وأخوات، فنبه بقوله: {وأخواتكم من ~~الرضاعة} [النساء: 23] [النساء: 22] على انتشار حرمة الرضاع إلى إخوتهما ~~وأخواتهما، كما انتشرت منهما إلى أولادهما، فكما صاروا إخوة وأخوات للمرتضع ~~فأخوالهما وخالاتهما أخوال وخالات له وأعمام وعمات له، الأول بطريق النص، ~~والآخر بتنبيهه، كما أن الانتشار إلى الأم بطريق النص وإلى الأب بطريق ~~تنبيهه. # وهذه طريقة عجيبة مطردة في القرآن، لا يقع عليها إلا كل غائص على معانيه ~~ووجوه دلالاته، ومن هنا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( «يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب» ) ، ولكن الدلالة دلالتان: خفية وجلية، فجمعهما ~~للأمة ليتم البيان ويزول الالتباس، ويقع على الدلالة الجلية الظاهرة من قصر ~~فهمه عن الخفية. # وحرم أمهات النساء، فدخل في ذلك أم المرأة وإن علت من نسب أو رضاع، دخل ~~بالمرأة أو لم يدخل بها، لصدق الاسم على هؤلاء كلهن. # وحرم ms1350 الربائب اللاتي في حجور الأزواج، وهن بنات نسائهم المدخول بهن، ~~فتناول بذلك بناتهن، وبنات بناتهن، وبنات أبنائهن، فإنهن داخلات في اسم ~~الربائب، وقيد التحريم بقيدين أحدهما: كونهن في حجور الأزواج. والثاني: # PageV05P110 # الدخول بأمهاتهن. فإذا لم يوجد الدخول لم يثبت التحريم، وسواء حصلت ~~الفرقة بموت أو طلاق، هذا مقتضى النص. # وذهب زيد بن ثابت، ومن وافقه، وأحمد في رواية عنه: إلى أن موت الأم في ~~تحريم الربيبة كالدخول بها، لأنه يكمل الصداق، ويوجب العدة والتوارث، فصار ~~كالدخول، والجمهور أبوا ذلك، وقالوا: الميتة غير مدخول بها فلا تحرم ~~ابنتها، والله تعالى قيد التحريم بالدخول، وصرح بنفيه عند عدم الدخول. # وأما كونها في حجره، فلما كان الغالب ذلك ذكره لا تقييدا للتحريم به، بل ~~هو بمنزلة قوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] [الإسراء: ~~31] ولما كان من شأن بنت المرأة أن تكون عند أمها فهي في حجر الزوج وقوعا ~~وجوازا، فكأنه قال: اللاتي من شأنهن أن يكن في حجوركم، ففي ذكر هذا فائدة ~~شريفة، وهي جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب ~~مؤاكلتها، والسفر والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك. # ولما خفي هذا على بعض أهل الظاهر، شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر ~~الزوج، وقيد تحريمها بالدخول بأمها، وأطلق تحريم أم المرأة ولم يقيده ~~بالدخول، فقال جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم: إن الأم تحرم بمجرد ~~العقد على البنت، دخل بها أو لم يدخل، ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم، ~~وقالوا: أبهموا ما أبهم الله. وذهبت طائفة إلى أن قوله: {اللاتي دخلتم بهن} ~~[النساء: 23] وصف لنسائكم الأولى والثانية، وأنه لا تحرم الأم إلا بالدخول ~~بالبنت، وهذا يرده نظم الكلام وحيلولة المعطوف بين الصفة والموصوف، وامتناع ~~جعل الصفة للمضاف إليه دون المضاف إلا عند البيان، فإذا قلت: مررت بغلام ~~زيد العاقل فهو صفة للغلام لا لزيد إلا عند زوال اللبس، كقولك: مررت بغلام ~~هند الكاتبة، ويرده أيضا جعله صفة واحدة لموصوفين مختلفي الحكم والتعلق ~~والعامل، ms1351 وهذا لا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن. # PageV05P111 # وأيضا فإن الموصوف الذي يلي الصفة أولى بها لجواره، والجار أحق بصقبه ما ~~لم تدع ضرورة إلى نقلها عنه، أو تخطيها إياه إلى الأبعد. # فإن قيل: فمن أين أدخلتم ربيبته التي هي بنت جاريته التي دخل بها وليست ~~من نسائه؟ . قلنا: السرية قد تدخل في جملة نسائه، كما دخلت في قوله: ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] [البقرة: 223] ودخلت ~~في قوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] [البقرة: ~~187] ودخلت في قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ~~[النساء: 22] . # فإن قيل: فيلزمكم على هذا إدخالها في قوله: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] ~~[النساء: 23] فتحرم عليه أم جاريته؟ . # قلنا: نعم، وكذلك نقول: إذا وطئ أمته حرمت عليه أمها وابنتها. # فإن قيل: فأنتم قد قررتم أنه لا يشترط الدخول بالبنت في تحريم أمها فكيف ~~تشترطونه ها هنا؟ . # قلنا: لتصير من نسائه، فإن الزوجة صارت من نسائه بمجرد العقد، وأما ~~المملوكة فلا تصير من نسائه حتى يطأها، فإذا وطئها صارت من نسائه فحرمت ~~عليه أمها وابنتها. # فإن قيل: فكيف أدخلتم السرية في نسائه في آية التحريم ولم تدخلوها في ~~نسائه في آية الظهار والإيلاء؟ . # قيل: السياق والواقع يأبى ذلك، فإن الظهار كان عندهم طلاقا، وإنما محله ~~الأزواج لا الإماء، فنقله الله سبحانه من الطلاق إلى التحريم الذي تزيله ~~الكفارة، # PageV05P112 # ونقل حكمه وأبقى محله، وأما الإيلاء فصريح في أن محله الزوجات لقوله ~~تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور ~~رحيم - وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 226 - 227] [البقرة: ~~226 - 227] . # وحرم سبحانه حلائل الأبناء، وهن موطوآت الأبناء بنكاح أو ملك يمين، فإنها ~~حليلة بمعنى محللة، ويدخل في ذلك ابن صلبه وابن ابنه وابن ابنته، ويخرج ~~بذلك ابن التبني، وهذا التقييد قصد به إخراجه. # وأما حليلة ابنه من الرضاع فإن الأئمة الأربعة ومن قال بقولهم يدخلونها ~~في قوله: {وحلائل أبنائكم} [النساء: 23] [النساء: 23] ولا يخرجونها بقوله: ~~{الذين ms1352 من أصلابكم} [النساء: 23] [النساء: 23] ويحتجون بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ( «حرموا من الرضاع ما تحرمون من النسب» ) ، قالوا: وهذه ~~الحليلة تحرم إذا كانت لابن النسب، فتحرم إذا كانت لابن الرضاع. قالوا: ~~والتقييد لإخراج ابن التبني لا غير، وحرموا من الرضاع بالصهر نظير ما يحرم ~~بالنسب. ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا تحرم حليلة ابنه من الرضاعة لأنه ~~ليس من صلبه، والتقييد كما يخرج حليلة ابن التبني يخرج حليلة ابن الرضاع ~~سواء ولا فرق بينهما. قالوا: وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( «يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب» ) فهو من أكبر أدلتنا وعمدتنا في المسألة، فإن ~~تحريم حلائل الآباء والأبناء إنما هو بالصهر لا بالنسب، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد قصر تحريم الرضاع على نظيره من النسب لا على شقيقه من الصهر ~~فيجب الاقتصار بالتحريم على مورد النص. # قالوا: والتحريم بالرضاع فرع على تحريم النسب لا على تحريم المصاهرة، ~~فتحريم المصاهرة أصل قائم بذاته والله سبحانه لم ينص في كتابه # PageV05P113 # على تحريم الرضاع إلا من جهة النسب، ولم ينبه على التحريم به من جهة ~~الصهر البتة، لا بنص ولا إيماء ولا إشارة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~أن يحرم به ما يحرم من النسب، وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنه لا يحرم به ما ~~يحرم بالصهر، ولولا أنه أراد الاقتصار على ذلك لقال: " حرموا من الرضاع ما ~~يحرم من النسب والصهر ". # قالوا: وأيضا فالرضاع مشبه بالنسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه وهو الحرمة ~~والمحرمية فقط دون التوارث، والإنفاق وسائر أحكام النسب فهو نسب ضعيف، فأخذ ~~بحسب ضعفه بعض أحكام النسب، ولم يقو على سائر أحكام النسب، وهو ألصق به من ~~المصاهرة فكيف يقوى على أخذ أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهة ~~وشقيقة؟! . # وأما المصاهرة والرضاع فإنه لا نسب بينهما ولا شبهة نسب ولا بعضية ولا ~~اتصال. قالوا: ولو كان تحريم الصهرية ثابتا لبينه الله ورسوله بيانا شافيا ~~يقيم الحجة ويقطع العذر، فمن الله البيان، وعلى رسوله ms1353 البلاغ، وعلينا ~~التسليم والانقياد، فهذا منتهى النظر في هذه المسألة، فمن ظفر فيها بحجة ~~فليرشد إليها وليدل عليها، فإنا لها منقادون، وبها معتصمون، والله الموفق ~~للصواب. ### | [فصل تحريم نكاح من نكحهن الآباء] # فصل # وحرم سبحانه وتعالى نكاح من نكحهن الآباء، وهذا يتناول منكوحاتهم بملك ~~اليمين أو عقد نكاح، ويتناول آباء الآباء وآباء الأمهات وإن علون، ~~والاستثناء بقوله: {إلا ما قد سلف} [النساء: 22] من مضمون جملة النهي، وهو ~~التحريم المستلزم للتأثيم والعقوبة، فاستثنى منه ما سلف قبل إقامة الحجة ~~بالرسول والكتاب. ### | [فصل تحريم الجمع بين الأختين والاختلاف في الجمع بين الأختين من ملك اليمين] # فصل # وحرم سبحانه الجمع بين الأختين، وهذا يتناول الجمع بينهما في عقد النكاح ~~وملك اليمين كسائر محرمات الآية، وهذا قول جمهور الصحابة ومن # PageV05P114 # بعدهم، وهو الصواب، وتوقفت طائفة في تحريمه بملك اليمين لمعارضة هذا ~~العموم بعموم قوله سبحانه: {والذين هم لفروجهم حافظون - إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 5 - 6] [المؤمنون: 5، 6] و ~~[المعارج 29 - 30] ولهذا قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( ~~«أحلتهما آية، وحرمتهما آية» ) . # وقال الإمام أحمد في رواية عنه: لا أقول هو حرام، ولكن ننهى عنه، فمن ~~أصحابه من جعل القول بإباحته رواية عنه. والصحيح أنه لم يبحه، ولكن تأدب مع ~~الصحابة أن يطلق لفظ الحرام على أمر توقف فيه عثمان بل قال ننهى عنه. ~~والذين جزموا بتحريمه رجحوا آية التحريم من وجوه. # أحدها: أن سائر ما ذكر فيها من المحرمات عام في النكاح وملك اليمين، فما ~~بال هذا وحده حتى يخرج منها، فإن كانت آية الإباحة مقتضية لحل الجمع ~~بالملك، فلتكن مقتضية لحل أم موطوءته بالملك ولموطوءة أبيه وابنه بالملك، ~~إذ لا فرق بينهما البتة ولا يعلم بهذا قائل. # الثاني: أن آية الإباحة بملك اليمين مخصوصة قطعا بصور عديدة لا يختلف ~~فيها اثنان، كأمه وابنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة، بل كأخته وعمته من ~~النسب عند من لا يرى عتقهن بالملك كمالك والشافعي، ولم يكن عموم قوله: ms1354 {أو ~~ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] معارضا لعموم تحريمهن بالعقد والملك، فهذا ~~حكم الأختين سواء. # الثالث: أن حل الملك ليس فيه أكثر من بيان جهة الحل وسببه، ولا تعرض فيه ~~لشروط الحل ولا لموانعه، وآية التحريم فيها بيان موانع الحل من النسب ~~والرضاع والصهر وغيره، فلا تعارض بينهما البتة، وإلا كان كل موضع ذكر فيه ~~شرط الحل وموانعه معارضا لمقتضى الحل، وهذا باطل قطعا بل هو بيان لما # PageV05P115 # سكت عنه دليل الحل من الشروط والموانع. # الرابع: أنه لو جاز الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء جاز الجمع بين ~~الأم وابنتها المملوكتين، فإن نص التحريم شامل للصورتين شمولا واحدا، وأن ~~إباحة المملوكات إن عمت الأختين عمت الأم وابنتها. # الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين» ) ولا ريب أن جمع الماء كما يكون بعقد ~~النكاح يكون بملك اليمين، والإيمان يمنع منه. ### | [فصل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها] # فصل ( «وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الجمع بين المرأة ~~وعمتها والمرأة وخالتها» ) ، وهذا التحريم مأخوذ من تحريم الجمع بين ~~الأختين لكن بطريق خفي، وما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرمه ~~الله، ولكن هو مستنبط من دلالة الكتاب. # وكان الصحابة رضي الله عنهم أحرص شيء على استنباط أحاديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من القرآن، ومن ألزم نفسه ذلك، وقرع بابه، ووجه قلبه إليه، ~~واعتنى به بفطرة سليمة، وقلب ذكي، رأى السنة كلها تفصيلا للقرآن، وتبيينا # PageV05P116 # لدلالته، وبيانا لمراد الله منه، وهذا أعلى مراتب العلم، فمن ظفر به ~~فليحمد الله، ومن فاته فلا يلومن إلا نفسه وهمته وعجزه. # واستفيد من تحريم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبينها وبين ~~خالتها، أن كل امرأتين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر فإنه ~~يحرم الجمع بينهما، ولا يستثنى من هذا صورة واحدة فإن لم يكن بينهما قرابة ~~لم يحرم الجمع بينهما، وهل يكره؟ على ms1355 قولين: وهذا كالجمع بين امرأة رجل ~~وابنته من غيرها. # واستفيد من عموم تحريمه سبحانه المحرمات المذكورة: أن كل امرأة حرم ~~نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين إلا إماء أهل الكتاب فإن نكاحهن حرام عند ~~الأكثرين، ووطؤهن بملك اليمين جائز، وسوى أبو حنيفة بينهما، فأباح نكاحهن ~~كما يباح وطؤهن بالملك. # والجمهور: احتجوا عليه بأن الله سبحانه وتعالى إنما أباح نكاح الإماء ~~بوصف الإيمان. فقال تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم} ~~[النساء: 25] [النساء: 25] . وقال تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~[البقرة: 221] [البقرة: 221] . خص ذلك بحرائر أهل الكتاب، بقي الإماء على ~~قضية التحريم، وقد فهم عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة إدخال الكتابيات ~~في هذه الآية فقال: ( «لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن المسيح إلهها» ) . # وأيضا فالأصل في الأبضاع الحرمة، وإنما أبيح نكاح الإماء المؤمنات، فمن ~~عداهن على أصل التحريم، وليس تحريمهن مستفادا من المفهوم. # واستفيد من سياق الآية ومدلولها أن كل امرأة حرمت حرمت ابنتها إلا العمة ~~والخالة وحليلة الابن وحليلة الأب وأم الزوجة، وأن كل الأقارب # PageV05P117 # حرام إلا الأربعة المذكورات في سورة الأحزاب، وهن بنات الأعمام والعمات ~~وبنات الأخوال والخالات. ### | [فصل الإشكال الوارد في استثناء ملك اليمين من تحريم المتزوجات] # فصل # ومما حرمه النص نكاح المزوجات وهن المحصنات، واستثنى من ذلك ملك اليمين، ~~فأشكل هذا الاستثناء على كثير من الناس، فإن الأمة المزوجة يحرم وطؤها على ~~مالكها، فأين محل الاستثناء؟ . # فقالت طائفة: هو منقطع، أي لكن ما ملكت أيمانكم، ورد هذا لفظا ومعنى، أما ~~اللفظ فإن الانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ، وبابه غير الإيجاب من النفي ~~والنهي والاستفهام، فليس الموضع موضع انقطاع، وأما المعنى: فإن المنقطع لا ~~بد فيه من رابط بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج ما توهم دخوله فيه بوجه ~~ما، فإنك إذا قلت: ما بالدار من أحد، دل على انتفاء من بها بدوابهم ~~وأمتعتهم، فإذا قلت: إلا حمارا أو إلا الأثافي، ms1356 ونحو ذلك، أزلت توهم دخول ~~المستثنى في حكم المستثنى منه. وأبين من هذا قوله تعالى: {لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما} [مريم: 62] [مريم: 62] فاستثناء السلام أزال توهم نفي ~~السماع العام، فإن عدم سماع اللغو يجوز أن يكون لعدم سماع كلام ما، وأن ~~يكون مع سماع غيره، وليس في تحريم نكاح المزوجة ما يوهم تحريم وطء الإماء ~~بملك اليمين حتى يخرجه. # وقالت طائفة: بل الاستثناء على بابه، ومتى ملك الرجل الأمة المزوجة كان ~~ملكه طلاقا لها، وحل له وطؤها، وهي مسألة بيع الأمة: هل يكون طلاقا لها أم ~~لا؟ فيه مذهبان للصحابة: فابن عباس رضي الله عنه يراه طلاقا ويحتج له ~~بالآية، وغيره يأبى ذلك ويقول: كما يجامع الملك السابق للنكاح اللاحق ~~اتفاقا ولا يتنافيان، كذلك الملك اللاحق لا ينافي النكاح السابق، قالوا: ~~وقد خير # PageV05P118 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة لما بيعت ولو انفسخ نكاحها لم ~~يخيرها. قالوا: وهذا حجة على ابن عباس رضي الله عنه، فإنه هو راوي الحديث ~~والأخذ برواية الصحابي لا برأيه. # وقالت طائفة ثالثة: إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح لأنها لم تملك ~~الاستمتاع ببضع الزوجة، وإن كان رجلا انفسخ لأنه يملك الاستمتاع به، وملك ~~اليمين أقوى من ملك النكاح، وهذا الملك يبطل النكاح دون العكس، قالوا: وعلى ~~هذا فلا إشكال في حديث بريرة. # وأجاب الأولون عن هذا بأن المرأة وإن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها فهي ~~تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأخذ مهرها، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع ~~بالبضع. # وقالت فرقة أخرى: الآية خاصة بالمسبيات، فإن المسبية إذا سبيت حل وطؤها ~~لسابيها بعد الاستبراء وإن كانت مزوجة، وهذا قول الشافعي وأحد الوجهين ~~لأصحاب أحمد، وهو الصحيح كما روى مسلم في " صحيحه " عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا ~~فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا سبايا، وكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من ms1357 المشركين، فأنزل الله ~~عز وجل في ذلك: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] » ~~) [النساء: 24] # PageV05P119 # أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. # فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية وإن كان لها زوج من الكفار، وهذا يدل ~~على انفساخ نكاحه وزوال عصمة بضع امرأته، وهذا هو الصواب، لأنه قد استولى ~~على محل حقه وعلى رقبة زوجته وصار سابيها أحق بها منه، فكيف يحرم بضعها ~~عليه، فهذا القول لا يعارضه نص ولا قياس. # والذين قالوا من أصحاب أحمد وغيرهم إن وطأها إنما يباح إذا سبيت وحدها. ~~قالوا: لأن الزوج يكون بقاؤه مجهولا، والمجهول كالمعدوم، فيجوز وطؤها بعد ~~الاستبراء، فإذا كان الزوج معها لم يجز وطؤها مع بقائه، فأورد عليهم ما لو ~~سبيت وحدها وتيقنا بقاء زوجها في دار الحرب فإنهم يجوزون وطأها، فأجابوا ~~بما لا يجدي شيئا، وقالوا: الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، فيقال لهم: ~~الأعم الأغلب بقاء أزواج المسبيات إذا سبين منفردات، وموتهم كلهم نادر جدا، ~~ثم يقال: إذا صارت رقبة زوجها وأملاكه ملكا للسابي وزالت العصمة عن سائر ~~أملاكه وعن رقبته، فما الموجب لثبوت العصمة في فرج امرأته خاصة، وقد صارت ~~هي وهو وأملاكهما للسابي؟ . # ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن ~~سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن ~~وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام حتى خفي عليهم حكم هذه ~~المسألة، وحصول الإسلام من جميع السبايا وكانوا عدة آلاف بحيث لم يتخلف ~~منهم عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم # PageV05P120 # يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ~~ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعا، فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب ~~طاووس وغيره، وقواه صاحب " المغني " فيه، ورجح أدلته وبالله ms1358 التوفيق. # ومما يدل على عدم اشتراط إسلامهن ما روى الترمذي في " جامعه " عن عرباض ~~بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في ~~بطونهن» ) فجعل للتحريم غاية واحدة وهي وضع الحمل، ولو كان متوقفا على ~~الإسلام لكان بيانه أهم من بيان الاستبراء. # وفي " السنن " و" المسند " عنه ( «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها» ) ولم يقل حتى تسلم، ولأحمد: ( ~~«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن شيئا من السبايا حتى تحيض» ) ~~ولم يقل: وتسلم. # وفي " السنن " عنه أنه قال في سبايا أوطاس: ( «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا ~~غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة» ) ، ولم يقل: وتسلم، فلم يجئ عنه اشتراط ~~إسلام المسبية في موضع واحد البتة. # PageV05P121 ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( «رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ~~ابنته على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا» ) رواه أحمد ~~وأبو داود والترمذي. وفي لفظ: ( «بعد ست سنين ولم يحدث نكاحا» ) ، قال ~~الترمذي: ليس بإسناده بأس، وفي لفظ: ( «وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين، ~~ولم يحدث شهادة ولا صداقا» ) . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ( «أسلمت امرأة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتزوجت فجاء زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله إني كنت أسلمت، # PageV05P122 # وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الآخر ~~وردها على زوجها الأول» ) رواه أبو داود. # وقال أيضا: ( «إن رجلا جاء مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال يا رسول الله: إنها أسلمت معي، فردها ~~عليه» ) ، قال الترمذي: حديث صحيح. # وقال مالك: إن أم حكيم بنت الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح بمكة وهرب ~~زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم ms1359 حكيم حتى ~~قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، فقدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام الفتح، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه ~~فرحا وما عليه رداء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك، قال: ولم يبلغنا أن ~~امرأة هاجرت إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار ~~الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبينه إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي ~~عدتها، ذكره مالك رحمه الله في " الموطأ " فتضمن هذا الحكم أن الزوجين إذا ~~أسلما معا فهما على نكاحهما، ولا يسأل عن كيفية وقوعه قبل الإسلام، هل وقع ~~صحيحا أم لا؟ ما لم يكن المبطل قائما، كما إذا أسلما وقد نكحها وهي في عدة ~~من غيره، أو تحريما مجمعا عليه، أو مؤبدا، كما إذا كانت محرما له بنسب أو ~~رضاع، أو كانت مما لا يجوز له الجمع بينها # PageV05P123 # وبين من معه كالأختين والخمس وما فوقهن، فهذه ثلاث صور أحكامها مختلفة. # فإذا أسلما وبينها وبينه محرمية من نسب أو رضاع أو صهر أو كانت أخت ~~الزوجة أو عمتها أو خالتها أو من يحرم الجمع بينها وبينها فرق بينهما ~~بإجماع الأمة، لكن إن كان التحريم لأجل الجمع خير بين إمساك أيتهما شاء، ~~وإن كانت بنته من زنى فرق بينهما أيضا عند الجمهور، وإن كان يعتقد ثبوت ~~النسب بالزنى فرق بينهما اتفاقا، وإن أسلم أحدهما وهي في عدة من مسلم ~~متقدمة على عقده فرق بينهما اتفاقا، وإن كانت العدة من كافر فإن اعتبرنا ~~دوام المفسد أو الإجماع عليه لم يفرق بينهما، لأن عدة الكافر لا تدوم ولا ~~تمنع النكاح عند من يبطل أنكحة الكفار ويجعل حكمها حكم الزنى. # وإن أسلم أحدهما وهي حبلى من زنى قبل العقد فقولان مبنيان على اعتبار ~~قيام المفسد أو كونه مجمعا عليه. # وإن أسلما وقد عقداه بلا ولي أو بلا شهود أو في عدة وقد انقضت أو على أخت ~~وقد ماتت أو على خامسة كذلك أقرا عليه، وكذلك ms1360 إن قهر حربي حربية واعتقداه ~~نكاحا ثم أسلما أقرا عليه. # وتضمن أن أحد الزوجين إذا أسلم قبل الآخر لم ينفسخ النكاح بإسلامه، فرقت ~~الهجرة بينهما أو لم تفرق فإنه لا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جدد نكاح زوجين سبق أحدهما الآخر بإسلامه قط، ولم يزل الصحابة يسلم الرجل ~~قبل امرأته وامرأته قبله ولم يعرف عن أحد منهم البتة أنه تلفظ بإسلامه هو ~~وامرأته وتساوقا فيه حرفا بحرف، هذا مما يعلم أنه لم يقع البتة وقد رد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وهو إنما ~~أسلم زمن الحديبية، وهي أسلمت من أول البعثة، فبين إسلامهما أكثر من ثماني ~~عشرة سنة. # وأما قوله في الحديث: كان بين إسلامها وإسلامه ست سنين، فوهم إنما أراد ~~بين هجرتها وإسلامه. # PageV05P124 # فإن قيل: وعلى ذلك فالعدة تنقضي في هذه المدة فكيف لم يجدد نكاحها؟ قيل: ~~تحريم المسلمات على المشركين إنما نزل بعد صلح الحديبية لا قبل ذلك فلم ~~ينفسخ النكاح في تلك المدة لعدم شرعية هذا الحكم فيها، ولما نزل تحريمهن ~~على المشركين أسلم أبو العاص فردت عليه. # وأما مراعاة زمن العدة فلا دليل عليه من نص ولا إجماع، وقد ذكر حماد بن ~~سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال في ~~الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها. # ذكر سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن علي هو أحق بها ما لم ~~يخرج من مصرها. # وذكر ابن أبي شيبة عن معتمر بن سليمان عن معمر عن الزهري إن أسلمت ولم ~~يسلم زوجها فهما على نكاحهما إلا أن يفرق بينهما سلطان. # ولا يعرف اعتبار العدة في شيء من الأحاديث ولا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا، ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده ~~فرقة لم تكن فرقة رجعية بل بائنة، فلا أثر للعدة في ms1361 بقاء النكاح وإنما ~~أثرها في منع نكاحها للغير، فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن ~~أحق بها في العدة، ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح ~~موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح ~~من شاءت، وإن أحبت انتظرته فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد ~~النكاح. # ولا نعلم أحدا جدد للإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد أمرين: إما ~~افتراقهما ونكاحها غيره، وإما بقاؤها عليه وإن تأخر إسلامها أو إسلامه، ~~وإما # PageV05P125 # تنجيز الفرقة أو مراعاة العدة، فلا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم في عهده من الرجال وأزواجهن وقرب إسلام ~~أحد الزوجين من الآخر وبعده منه، ولولا إقراره صلى الله عليه وسلم الزوجين ~~على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح ~~لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله تعالى: {لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] ، وقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ~~[الممتحنة: 10] [الممتحنة: 10] وأن الإسلام سبب الفرقة وكل ما كان سببا ~~للفرقة تعقبه الفرقة كالرضاع والخلع والطلاق، وهذا اختيار الخلال وأبي بكر ~~صاحبه وابن المنذر وابن حزم وهو مذهب الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم. # قال ابن حزم: وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله، ~~وابن عباس، وبه قال حماد بن زيد، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن جبير، وعمر بن ~~عبد العزيز، وعدي بن عدي الكندي والشعبي، وغيرهم. قلت: وهو أحد الروايتين ~~عن أحمد، ولكن الذي أنزل عليه قوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ~~[الممتحنة: 10] وقوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] لم ~~يحكم بتعجيل الفرقة فروى مالك في " موطئه " عن ابن شهاب قال: «كان بين ~~إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر ~~أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو ms1362 كافر ثم أسلم ولم ~~يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح» . ~~وقال ابن عبد البر وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده. # وقال ابن شهاب: أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى اليمن ~~فدعته إلى الإسلام فأسلم وقدم فبايع النبي صلى الله عليه وسلم فبقيا على ~~نكاحهما. # PageV05P126 # ومن المعلوم يقينا أن أبا سفيان بن حرب خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ولم تسلم هند امرأته حتى فتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة، فبقيا على نكاحهما. # وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته، وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن ~~أبي أمية عام الفتح، فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء، فأسلما قبل ~~منكوحتيهما، فبقيا على نكاحهما، ولم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته. # وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم في غاية البطلان، ومن القول على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلا علم، واتفاق الزوجين في التلفظ بكلمة الإسلام ~~معا في لحظة واحدة معلوم الانتفاء. # ويلي هذا القول مذهب من يقف الفرقة على انقضاء العدة مع ما فيه، إذ فيه ~~آثار، وإن كانت منقطعة، ولو صحت لم يجز القول بغيرها. قال ابن شبرمة: كان ~~الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة، ~~والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة، فهي امرأته، وإن ~~أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما، وقد تقدم قول الترمذي في أول الفصل وما ~~حكاه ابن حزم عن عمر رضي الله عنه فما أدري من أين حكاه؟ والمعروف عنه ~~خلافه فإنه ثبت عنه من طريق حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة كلاهما عن ابن ~~سيرين، عن عبد الله بن يزيد الخطمي (أن نصرانيا أسلمت امرأته فخيرها عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه) ومعلوم بالضرورة ~~أنه إنما خيرها بين انتظاره ms1363 إلى أن يسلم فتكون زوجته كما هي أو تفارقه ~~وكذلك صح عنه أن نصرانيا أسلمت امرأته فقال عمر رضي الله عنه إن أسلم فهي ~~امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما فلم يسلم ففرق بينهما) . # PageV05P127 # وكذلك قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت امرأته إما أن تسلم، وإلا ~~نزعتها منك، فأبى فنزعها منه. # فهذه الآثار صريحة في خلاف ما حكاه أبو محمد بن حزم عنه، وهو حكاها ~~وجعلها روايات أخر وإنما تمسك أبو محمد بآثار فيها أن عمر وابن عباس وجابرا ~~فرقوا بين الرجل وبين امرأته بالإسلام، وهي آثار مجملة ليست بصريحة في ~~تعجيل التفرقة ولو صحت، فقد صح عن عمر ما حكيناه، وعن علي ما تقدم وبالله ~~التوفيق. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في العزل] # ثبت في " الصحيحين ": عن ( «أبي سعيد قال أصبنا سبيا، فكنا نعزل فسألنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " وإنكم لتفعلون؟ " قالها ثلاثا. " ما ~~من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» ) . # وفي السنن عنه ( «أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي ~~جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن ~~اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى، قال: " كذبت يهود لو أراد الله أن ~~يخلقه ما استطعت أن تصرفه» ) . # PageV05P128 # وفي " الصحيحين ": عن (جابر قال: «كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن ينزل» ) . # وفي " صحيح مسلم " عنه ( «كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا» ) . # وفي " صحيح مسلم " أيضا: عنه قال: ( «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال إن عندي جارية، وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن ذلك لا يمنع شيئا أراده الله ". قال: فجاء الرجل فقال: يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أنا عبد الله ms1364 ورسوله» ) . # وفي " صحيح مسلم " أيضا: عن (أسامة بن زيد «أن رجلا جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " لم تفعل ذلك؟ " فقال الرجل: أشفق على ولدها، أو ~~قال على أولادها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كان ضارا ضر ~~فارس والروم» ) . # وفي " مسند أحمد " و " سنن ابن ماجه " من حديث عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قال: ( «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا ~~بإذنها» ) . # وقال أبو داود: سمعت أبا عبد الله ذكر حديث ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، ~~عن الزهري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه # PageV05P129 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها» ~~) فقال ما أنكره. # فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل، وقد رويت الرخصة فيه عن عشرة من ~~الصحابة علي وسعد بن أبي وقاص وأبي أيوب وزيد بن ثابت وجابر وابن عباس ~~والحسن بن علي وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وابن مسعود رضي الله عنهم. ~~قال ابن حزم: وجاءت الإباحة للعزل صحيحة عن جابر وابن عباس وسعد بن أبي ~~وقاص وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله عنهم وهذا هو الصحيح. # وحرمه جماعة منهم أبو محمد ابن حزم وغيره. # وفرقت طائفة بين أن تأذن له الحرة، فيباح أو لا تأذن فيحرم، وإن كانت ~~زوجته أمة أبيح بإذن سيدها، ولم يبح بدون إذنه، وهذا منصوص أحمد، ومن ~~أصحابه من قال: لا يباح بحال. ومنهم من قال: يباح بكل حال. ومنهم من قال: ~~يباح بإذن الزوجة حرة كانت أو أمة ولا يباح بدون إذنها حرة كانت أو أمة. # فمن أباحه مطلقا احتج بما ذكرنا من الأحاديث، وبأن حق المرأة في ذوق ~~العسيلة لا في الإنزال، ومن حرمه مطلقا احتج بما رواه مسلم في " صحيحه " من ~~حديث عائشة رضي الله عنها عن (جدامة ms1365 بنت وهب أخت عكاشة قال: «حضرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - في أناس فسألوه عن العزل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ذلك الوأد الخفي " وهي {وإذا الموءودة سئلت} [التكوير: ~~8] » ) قالوا: وهذا ناسخ لأخبار الإباحة فإنه ناقل عن الأصل وأحاديث ~~الإباحة على وفق البراءة الأصلية، وأحكام الشرع ناقلة عن البراءة الأصلية. ~~قالوا: وقول جابر رضي الله عنه ( «كنا نعزل والقرآن ينزل فلو كان شيئا ينهى ~~عنه لنهى عنه القرآن» ) . # PageV05P130 # فيقال: قد نهى عنه من أنزل عليه القرآن بقوله ( «إنه الموءودة الصغرى» ) ~~والوأد كله حرام. قالوا: وقد فهم الحسن البصري النهي من حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه لما ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~( «لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم فإنما هو القدر» ) . # قال ابن عون: فحدثت به الحسن فقال: والله لكأن هذا زجر. قالوا: ولأن فيه ~~قطع النسل المطلوب من النكاح وسوء العشرة وقطع اللذة عند استدعاء الطبيعة ~~لها. # قالوا: ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنه لا يعزل، وقال: (لو علمت أن أحدا ~~من ولدي يعزل لنكلته) ، وكان علي يكره العزل ذكره شعبة عن عاصم عن زر عنه. ~~وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في العزل: هو الموءودة الصغرى. وصح ~~عن أبي أمامة أنه سئل عنه، فقال: (ما كنت أرى مسلما يفعله) وقال نافع عن ~~ابن عمر (ضرب عمر على العزل بعض بنيه) . # وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: (كان عمر وعثمان ~~ينهيان عن العزل) . # وليس في هذا ما يعارض أحاديث الإباحة مع صراحتها وصحتها، أما حديث جدامة ~~بنت وهب، فإنه وإن كان رواه مسلم، فإن الأحاديث الكثيرة على خلافه، وقد قال ~~أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أن محمد بن عبد ~~الرحمن بن ثوبان حدثه أن رفاعة حدثه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( «أن ~~رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي جارية وأنا أعزل ms1366 عنها، ~~وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل ~~الموءودة الصغرى. قال: " كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن ~~تصرفه» ) . # وحسبك بهذا الإسناد صحة فكلهم ثقات حفاظ وقد أعله بعضهم بأنه # PageV05P131 # مضطرب فإنه اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير، فقيل عنه عن محمد بن عبد ~~الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله ومن هذه الطريق أخرجه الترمذي ~~والنسائي. # وقيل: فيه عن أبي مطيع بن رفاعة، وقيل: عن أبي رفاعة وقيل عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة، وهذا لا يقدح في الحديث، فإنه قد يكون عند يحيى، عن محمد بن عبد ~~الرحمن، عن جابر، وعنده عن ابن ثوبان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعنده عن ~~ابن ثوبان، عن رفاعة عن أبي سعيد. ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة، هل هو ~~أبو رافع، أو ابن رفاعة أو أبو مطيع؟ وهذا لا يضر مع العلم بحال رفاعة. # ولا ريب أن أحاديث جابر صريحة صحيحة في جواز العزل وقد قال الشافعي رحمه ~~الله: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ~~ذلك ولم يروا به بأسا. قال البيهقي: وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي ~~وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب مالك ~~والشافعي وأهل الكوفة وجمهور أهل العلم. # وقد أجيب عن حديث جدامة بأنه على طريق التنزيه وضعفته طائفة، وقالوا: كيف ~~يصح أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كذب اليهود في ذلك ثم يخبر به ~~كخبرهم؟! هذا من المحال البين، وردت عليه طائفة أخرى، وقالوا: حديث تكذيبهم ~~فيه اضطراب وحديث جدامة في " الصحيح ". # وجمعت طائفة أخرى بين الحديثين، وقالت: إن اليهود كانت تقول: إن العزل لا ~~يكون معه حمل أصلا، فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: ( «لو أراد الله أن يخلقه لما استطعت أن تصرفه» ) ~~، وقوله: ( «إنه الوأد ms1367 الخفي» ) فإنه وإن لم يمنع الحمل بالكلية كترك الوطء ~~فهو مؤثر في تقليله. # PageV05P132 # وقالت طائفة أخرى: الحديثان صحيحان، ولكن حديث التحريم ناسخ، وهذه طريقة ~~أبي محمد ابن حزم وغيره. قالوا: لأنه ناقل عن الأصل، والأحكام كانت قبل ~~التحريم على الإباحة، ودعوى هؤلاء تحتاج إلى تاريخ محقق يبين تأخر أحد ~~الحديثين عن الآخر وأنى لهم به وقد اتفق عمر وعلي رضي الله عنهما على أنها ~~لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع، فروى القاضي أبو يعلى وغيره ~~بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال: (جلس إلى عمر علي والزبير وسعد رضي ~~الله عنهم في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذاكروا العزل، ~~فقالوا: لا بأس به فقال: رجل إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى، فقال علي ~~رضي الله عنه: لا تكون موءودة حتى تمر عليها التارات السبع حتى تكون من ~~سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، ~~ثم تكون لحما، ثم تكون خلقا آخر، فقال عمر رضي الله عنه: صدقت أطال الله ~~بقاءك) وبهذا احتج من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء. # وأما من جوزه بإذن الحرة فقال للمرأة حق في الولد كما للرجل حق فيه، ~~ولهذا كانت أحق بحضانته، قالوا: ولم يعتبر إذن السرية فيه؛ لأنها لا حق لها ~~في القسم ولهذا لا تطالبه بالفيئة. ولو كان لها حق في الوطء لطولب المؤلي ~~منها بالفيئة. # قالوا: وأما زوجته الرقيقة فله أن يعزل عنها بغير إذنها صيانة لولده عن ~~الرق ولكن يعتبر إذن سيدها؛ لأن له حقا في الولد، فاعتبر إذنه في العزل ~~كالحرة، ولأن بدل البضع يحصل للسيد كما يحصل للحرة، فكان إذنه في العزل ~~كإذن الحرة. # قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب في الأمة إذا نكحها: يستأذن أهلها ~~يعني في العزل؛ لأنهم يريدون الولد والمرأة لها حق، تريد الولد وملك يمينه ~~لا يستأذنها. # PageV05P133 # وقال في رواية صالح وابن منصور وحنبل وأبي الحارث والفضل ابن ms1368 زياد ~~والمروذي: يعزل عن الحرة بإذنها، والأمة بغير إذنها، يعني: أمته. وقال في ~~رواية ابن هانئ: إذا عزل عنها لزمه الولد، قد يكون الولد مع العزل. وقد قال ~~بعض من قال: ما لي ولد إلا من العزل. وقال في رواية المروذي: في العزل عن ~~أم الولد إن شاء، فإن قالت: لا يحل لك؟ ليس لها ذلك. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الغيل وهو وطء المرضعة] # ثبت عنه في " صحيح مسلم ": أنه قال: ( «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ~~ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم» ) . # وفي " سنن أبي داود " عنه من حديث أسماء بنت يزيد: ( «لا تقتلوا أولادكم ~~سرا فوالذي نفسي بيده إنه ليدرك الفارس فيدعثره» ) . # قال: قلت: ما يعني؟ قالت: الغيلة يأتي الرجل امرأته وهي ترضع. # قلت: أما الحديث الأول فهو حديث جدامة بنت وهب، وقد تضمن # PageV05P134 # أمرين لكل منهما معارض فصدره هو الذي تقدم: ( «لقد هممت أن أنهى عن ~~الغيلة» ) وقد عارضه حديث أسماء، وعجزه: ثم سألوه عن العزل، فقال: ( «ذلك ~~الوأد الخفي» ) وقد عارضه حديث أبي سعيد: ( «كذبت يهود» ) ، وقد يقال إن ~~قوله: ( «لا تقتلوا أولادكم سرا» ) نهي أن يتسبب إلى ذلك، فإنه شبه الغيل ~~بقتل الولد، وليس بقتل حقيقة، وإلا كان من الكبائر، وكان قرين الإشراك ~~بالله. # ولا ريب أن وطء المراضع مما تعم به البلوى، ويتعذر على الرجل الصبر عن ~~امرأته مدة الرضاع، ولو كان وطؤهن حراما لكان معلوما من الدين، وكان بيانه ~~من أهم الأمور، ولم تهمله الأمة وخير القرون، ولا يصرح أحد منهم بتحريمه، ~~فعلم أن حديث أسماء على وجه الإرشاد والاحتياط للولد، وأن لا يعرضه لفساد ~~اللبن بالحمل الطارئ عليه، ولهذا كان عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غير ~~أمهاتهم، والمنع منه غايته أن يكون من باب سد الذرائع التي قد تفضي إلى ~~الإضرار بالولد، وقاعدة باب سد الذرائع إذا عارضه مصلحة راجحة قدمت عليه ~~كما تقدم بيانه مرارا والله أعلم. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه ms1369 وسلم في قسم الابتداء والدوام بين الزوجات] # ثبت في " الصحيحين ": عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «من السنة إذا تزوج ~~الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ~~ثلاثا، ثم قسم» . قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وهذا الذي قاله أبو قلابة، قد جاء مصرحا به عن أنس، كما رواه البزار في " ~~مسنده " من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن # PageV05P135 # النبي صلى الله عليه وسلم: ( «جعل للبكر سبعا وللثيب ثلاثا» ) . # وروى الثوري عن أيوب وخالد الحذاء كلاهما عن أبي قلابة عن أنس، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: ( «إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا وإذا تزوج ~~الثيب أقام عندها ثلاثا» ) . # وفي " صحيح مسلم ": عن ( «أم سلمة رضي الله عنها لما تزوجها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدخل عليها أقام عندها ثلاثا ثم قال: " إنه ليس بك على ~~أهلك هوان إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي» ) ، وله في لفظ " لما ~~أراد أن يخرج أخذت بثوبه فقال: ( «إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ~~ثلاث» ) . # وفي " السنن ": عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقسم فيعدل ويقول: ( «اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا ~~أملك» ) يعني القلب. # وفي " الصحيحين ": أنه صلى الله عليه وسلم: ( «كان إذا أراد سفرا أقرع ~~بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» ) . # وفي " الصحيحين ( «أن سودة وهبت يومها لعائشة رضي الله عنها وكان # PageV05P136 # النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» ) . # وفي " السنن ": «عن عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف ~~علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها ~~فيبيت عندها» . # وفي " صحيح ms1370 مسلم ": ( «إنهن كن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها» ) . # وفي " الصحيحين ": عن (عائشة رضي الله عنها في قوله: {وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا أو إعراضا} [النساء: 128] أنزلت في المرأة تكون عند الرجل ~~فتطول صحبتها فيريد طلاقها، فتقول: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حل من ~~النفقة علي والقسم لي، فذلك قوله {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير} [النساء: 128] ) . # وقضى خليفته الراشد وابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه إذا تزوج ~~الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة، وللحرة ليلتين. # وقضاء خلفائه وإن لم يكن مساويا لقضائه، فهو كقضائه في وجوبه على الأمة، ~~وقد احتج الإمام أحمد بهذا القضاء عن علي رضي الله عنه، وقد ضعفه أبو محمد ~~بن حزم بالمنهال بن عمرو، وبابن أبي ليلى، ولم يصنع شيئا، فإنهما ثقتان ~~حافظان جليلان، ولم يزل الناس يحتجون بابن أبي ليلى على شيء ما في حفظه ~~يتقى منه ما خالف فيه # PageV05P137 # الأثبات وما تفرد به عن الناس وإلا فهو غير مدفوع عن الأمانة والصدق ~~فتضمن هذا القضاء أمورا. # منها وجوب قسم الابتداء وهو أنه إذا تزوج بكرا على ثيب، أقام عندها سبعا ~~ثم سوى بينهما، وإن كانت ثيبا خيرها بين أن يقيم عندها سبعا، ثم يقضيها ~~للبواقي وبين أن يقيم عندها ثلاثا ولا يحاسبها، هذا قول الجمهور وخالف فيه ~~إمام أهل الرأي وإمام أهل الظاهر، وقالوا: لا حق للجديدة غير ما تستحقه ~~التي عنده فيجب عليه التسوية بينهما. # ومنها. أن الثيب إذا اختارت السبع قضاهن للبواقي، واحتسب عليها بالثلاث، ~~ولو اختارت الثلاث لم يحتسب عليها بها، وعلى هذا من سومح بثلاث دون ما ~~فوقها ففعل أكثر منها، دخلت الثلاث في الذي لم يسامح به بحيث لو ترتب عليه ~~إثم، أثم على الجميع وهذا كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن ~~يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثا. فلو أقام أبدا ذم على الإقامة كلها. # ومنها: أنه لا تجب التسوية بين النساء في المحبة فإنها لا، تملك ms1371 وكانت ~~عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه. وأخذ من هذا أنه لا تجب التسوية بينهن ~~في الوطء لأنه موقوف على المحبة والميل وهي بيد مقلب القلوب. # وفي هذا تفصيل: وهو أنه إن تركه لعدم الداعي إليه وعدم الانتشار فهو ~~معذور، وإن تركه مع الداعي إليه، ولكن داعيه إلى الضرة أقوى، فهذا مما يدخل ~~تحت قدرته وملكه فإن أدى الواجب عليه منه، لم يبق لها حق، ولم يلزمه ~~التسوية، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به. # ومنها: إذا أراد السفر لم يجز له أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة. # ومنها: أنه لا يقضي للبواقي إذا قدم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن يقضي للبواقي. # PageV05P138 # وفي هذا ثلاثة مذاهب. # أحدها: أنه لا يقضي سواء أقرع أو لم يقرع، وبه قال أبو حنيفة ومالك. # والثاني: أنه يقضي للبواقي أقرع أو لم يقرع، وهذا مذهب أهل الظاهر. # والثالث: أنه إن أقرع لم يقض، وإن لم يقرع قضى، وهذا قول أحمد والشافعي. # ومنها: أن للمرأة أن تهب ليلتها لضرتها، فلا يجوز له جعلها لغير ~~الموهوبة، وإن وهبتها للزوج، فله جعلها لمن شاء منهن، والفرق بينهما أن ~~الليلة حق للمرأة فإذا أسقطتها وجعلتها لضرتها تعينت لها، وإذا جعلتها ~~للزوج جعلها لمن شاء من نسائه، فإذا اتفق أن تكون ليلة الواهبة تلي ليلة ~~الموهوبة، قسم لها ليلتين متواليتين، وإن كانت لا تليها فهل له نقلها إلى ~~مجاورتها فيجعل الليلتين متجاورتين؟ على قولين للفقهاء وهما في مذهب أحمد ~~والشافعي. # ومنها: أن الرجل له أن يدخل على نسائه كلهن في يوم إحداهن، ولكن لا يطؤها ~~في غير نوبتها. # ومنها: أن لنسائه كلهن أن يجتمعن في بيت صاحبة النوبة يتحدثن إلى أن يجيء ~~وقت النوم، فتؤوب كل واحدة إلى منزلها. # ومنها: أن الرجل إذا قضى وطرا من امرأته، وكرهتها نفسه، أو عجز عن ~~حقوقها، فله أن يطلقها، وله أن يخيرها إن شاءت أقامت عنده، ولا حق لها في ~~القسم والوطء والنفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما ms1372 يصطلحان عليه، فإذا رضيت ~~بذلك، لزم، وليس لها المطالبة به بعد الرضى. # هذا موجب السنة ومقتضاها وهو الصواب الذي لا يسوغ غيره، وقول من قال إن ~~حقها يتجدد، فلها الرجوع في ذلك متى شاءت فاسد، فإن هذا خرج مخرج المعاوضة ~~وقد سماه الله تعالى صلحا، فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من # PageV05P139 # الحقوق والأموال ولو مكنت من طلب حقها بعد ذلك، لكان فيه تأخير الضرر إلى ~~أكمل حالتيه، ولم يكن صلحا، بل كان من أقرب أسباب المعاداة، والشريعة منزهة ~~عن ذلك، ومن علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر والقضاء النبوي ~~يرد هذا. # ومنها: أن الأمة المزوجة على النصف من الحرة كما قضى به أمير المؤمنين ~~علي رضي الله عنه، ولا يعرف له في الصحابة مخالف وهو قول جمهور الفقهاء إلا ~~رواية عن مالك أنهما سواء، وبها قال أهل الظاهر وقول الجمهور هو الذي ~~يقتضيه العدل، فإن الله سبحانه لم يسو بين الحرة والأمة لا في الطلاق، ولا ~~في العدة، ولا في الحد، ولا في الملك، ولا في الميراث، ولا في الحج، ولا في ~~مدة الكون عند الزوج ليلا ونهارا، ولا في أصل النكاح - بل جعل نكاحها ~~بمنزلة الضرورة - ولا في عدد المنكوحات، فإن العبد لا يتزوج أكثر من ~~اثنتين، هذا قول الجمهور وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قال: (يتزوج العبد ثنتين ويطلق ثنتين وتعتد امرأته حيضتين) واحتج ~~به أحمد ورواه أبو بكر عبد العزيز عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا ~~يحل للعبد من النساء إلا ثنتان. # وروى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين قال: (سأل عمر رضي الله عنه ~~الناس كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن ثنتين وطلاقه ثنتين) . فهذا عمر ~~وعلي وعبد الرحمن رضي الله عنهم، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة مع انتشار ~~هذا القول وظهوره وموافقته للقياس. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في تحريم وطء المرأة الحبلى من غير الواطئ] # ثبت ms1373 في " صحيح مسلم ": من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( «أن # PageV05P140 # النبي صلى الله عليه وسلم أتى بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال: " لعله ~~يريد أن يلم بها ". فقالوا: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد ~~هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه، وهو لا يحل له، كيف يستخدمه ~~وهو لا يحل له» ) . # قال أبو محمد ابن حزم: لا يصح في تحريم وطء الحامل خبر غير هذا. انتهى ~~وقد روى أهل " السنن " من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ( «أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: " لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى ~~تحيض حيضة» ) . # وفي الترمذي وغيره من حديث رويفع بن ثابت رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد ~~غيره» ) قال الترمذي: حديث حسن. # وفيه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن» ) . # وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو ~~لا يحل له» ) كان شيخنا يقول في معناه: كيف يجعله عبدا موروثا عنه ويستخدمه ~~استخدام العبيد وهو ولده؛ لأن وطأه زاد في خلقه؟ قال الإمام أحمد: الوطء ~~يزيد في سمعه وبصره. قال: فيمن اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل ~~وضعها، فإن الولد لا يلحق بالمشتري ولا يتبعه، لكن يعتقه لأنه قد شرك فيه ~~لأن الماء يزيد في # PageV05P141 # الولد وقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن ( «النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال: " لعله يريد أن يلم بها» ) وذكر ~~الحديث. يعني: أنه إن استلحقه وشركه في ميراثه، لم يحل له؛ لأنه ليس بولده، ~~وإن أخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في ~~الولد. # وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل سواء كان ms1374 حملها من زوج أو سيد ~~أو شبهة أو زنى، وهذا لا خلاف فيه إلا فيما إذا كان الحمل من زنى، ففي صحة ~~العقد قولان: أحدهما: بطلانه وهو مذهب أحمد، ومالك. والثاني: صحته وهو مذهب ~~أبي حنيفة والشافعي ثم اختلفا فمنع أبو حنيفة من الوطء حتى تنقضي العدة ~~وكرهه الشافعي، وقال أصحابه لا يحرم. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الرجل يعتق أمته ويجعل عتقها صداقها] # ثبت عنه في " الصحيح ": أنه ( «أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قيل: لأنس ~~ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها» ) وذهب إلى جواز ذلك علي بن أبي طالب وفعله ~~أنس بن مالك، وهو مذهب أعلم التابعين وسيدهم سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن ~~عبد الرحمن والحسن البصري والزهري وأحمد وإسحاق. # وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها فإن أبت ذلك ~~فعليها قيمتها. # وعنه رواية ثالثة أنه يوكل رجلا يزوجه إياها. # والصحيح هو القول الأول الموافق للسنة وأقوال الصحابة والقياس، فإنه كان ~~يملك رقبتها فأزال ملكه عن رقبتها وأبقى ملك المنفعة بعقد النكاح # PageV05P142 # فهو أولى بالجواز مما لو أعتقها، واستثنى خدمتها. وقد تقدم تقرير ذلك في ~~غزاة خيبر. ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في صحة النكاح الموقوف على الإجازة] # في " السنن ": عن ابن عباس رضي الله عنهما ( «أن جارية بكرا أتت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم» ) . # وقد نص الإمام أحمد على القول بمقتضى هذا، فقال في رواية صالح في صغير ~~زوجه عمه قال: إن رضي به في وقت من الأوقات جاز، وإن لم يرض فسخ، ونقل عنه ~~ابنه عبد الله إذا زوجت اليتيمة، فإذا بلغت فلها الخيار، وكذلك نقل ابن ~~منصور عنه حكي له قول سفيان في يتيمة زوجت ودخل بها الزوج، ثم حاضت عند ~~الزوج بعد، قال: تخير فإن اختارت نفسها لم يقع التزويج، وهي أحق بنفسها، ~~وإن قالت: اخترت زوجي؟ فليشهدوا على نكاحهما. قال أحمد جيد. # وقال ms1375 في رواية حنبل في العبد إذا تزوج بغير إذن سيده ثم علم السيد بذلك: ~~فإن شاء يطلق عليه، فالطلاق بيد السيد، وإذا أذن له في التزويج، فالطلاق ~~بيد العبد، ومعنى قوله يطلق، أي: يبطل العقد ويمنع تنفيذه وإجازته، هكذا ~~أوله القاضي، وهو خلاف ظاهر النص، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك على تفصيل في ~~مذهبه، والقياس يقتضي صحة هذا القول، فإن الإذن إذا جاز أن يتقدم القبول ~~والإيجاب جاز أن يتراخى عنه. # وأيضا فإنه كما يجوز وقفه على الفسخ يجوز وقفه على الإجازة كالوصية # PageV05P143 # ولأن المعتبر هو التراضي وحصوله في ثاني الحال كحصوله في الأول، ولأن ~~إثبات الخيار في عقد البيع هو وقف للعقد في الحقيقة على إجازة من له الخيار ~~ورده وبالله التوفيق. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في الكفاءة في النكاح] # قال الله تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] [الحجرات: 13] . ~~وقال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10] [الحجرات: 10] . وقال: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] [التوبة 71] وقال ~~تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم ~~من بعض} [آل عمران: 195] [آل عمران: 195] # وقال صلى الله عليه وسلم: ( «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ~~ولا لأبيض على أسود. ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم ~~من تراب» ) . # وقال صلى الله عليه وسلم: ( «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن ~~أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا» ) . # PageV05P144 # وفي الترمذي: عنه صلى الله عليه وسلم ( «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه ~~فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ، قالوا: يا رسول الله ~~وإن كان فيه؟ فقال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات» . # «وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبني بياضة (أنكحوا أبا هند وأنكحوا ~~إليه» ) وكان حجاما. # «وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة ~~مولاه» ms1376 ( «وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة ابنه» ) وتزوج بلال ~~بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: {والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات} [النور: 26] [النور: 26] وقد قال تعالى: {فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء} [النساء: 3] [النساء: 3] # فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم اعتبار الدين في الكفاءة أصلا ~~وكمالا، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة ~~في الكفاءة أمرا وراء ذلك، فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث، ولم ~~يعتبر نسبا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية، فجوز للعبد القن نكاح الحرة ~~النسيبة الغنية، إذا كان عفيفا مسلما، وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات، ~~ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات، وللفقراء نكاح الموسرات. # وقد تنازع الفقهاء في أوصاف الكفاءة فقال مالك في ظاهر مذهبه إنها # PageV05P145 # الدين وفي رواية عنه إنها ثلاثة الدين والحرية والسلامة من العيوب. # وقال أبو حنيفة: هي النسب والدين. # وقال أحمد في رواية عنه هي الدين والنسب خاصة. وفي رواية أخرى: هي خمسة ~~الدين والنسب والحرية والصناعة والمال. وإذا اعتبر فيها النسب فعنه فيه ~~روايتان: إحداهما: أن العرب بعضهم لبعض أكفاء. الثانية: أن قريشا لا ~~يكافئهم إلا قرشي، وبنو هاشم لا يكافئهم إلا هاشمي. # وقال أصحاب الشافعي: يعتبر فيها الدين والنسب والحرية والصناعة والسلامة ~~من العيوب المنفرة. # ولهم في اليسار ثلاثة أوجه: اعتباره فيها، وإلغاؤه، واعتباره في أهل ~~المدن دون أهل البوادي؛ فالعجمي ليس عندهم كفئا للعربي، ولا غير القرشي ~~للقرشية، ولا غير الهاشمي للهاشمية، ولا غير المنتسبة إلى العلماء والصلحاء ~~المشهورين كفئا لمن ليس منتسبا إليهما، ولا العبد كفئا للحرة، ولا العتيق ~~كفئا لحرة الأصل، ولا من مس الرق أحد آبائه كفئا لمن لم يمسها رق، ولا أحدا ~~من آبائها، وفي تأثير رق الأمهات وجهان، ولا من به عيب مثبت للفسخ كفئا ~~للسليمة منه، فإن لم يثبت الفسخ وكان منفرا كالعمى والقطع، وتشويه الخلقة، ~~فوجهان: واختار الروياني أن صاحبه ليس بكفء، ولا الحجام والحائك والحارس ~~كفئا لبنت التاجر والخياط ونحوهما، ولا المحترف ms1377 لبنت العالم، ولا الفاسق ~~كفئا للعفيفة، ولا المبتدع للسنية، ولكن الكفاءة عند الجمهور هي حق للمرأة ~~والأولياء. # ثم اختلفوا فقال أصحاب الشافعي: هي لمن له ولاية في الحال. # وقال أحمد في رواية: حق لجميع الأولياء، قريبهم وبعيدهم، فمن لم يرض منهم ~~فله الفسخ. وقال أحمد في رواية ثالثة: إنها حق الله، فلا يصح رضاهم ~~بإسقاطه، ولكن على هذه الرواية لا تعتبر الحرية ولا اليسار، ولا الصناعة ~~ولا النسب، إنما يعتبر الدين فقط فإنه لم يقل أحمد، ولا أحد من # PageV05P146 # العلماء إن نكاح الفقير للموسرة باطل، وإن رضيت، ولا يقول هو ولا أحد: إن ~~نكاح الهاشمية لغير الهاشمي والقرشية لغير القرشي باطل، وإنما نبهنا على ~~هذا لأن كثيرا من أصحابنا يحكون الخلاف في الكفاءة، هل هي حق لله أو ~~للآدمي؟ ويطلقون مع قولهم إن الكفاءة هي الخصال المذكورة، وفي هذا من ~~التساهل وعدم التحقيق ما فيه. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في ثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد] # ثبت في " الصحيحين " و " السنن ": «أن بريرة كاتبت أهلها، وجاءت تسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كتابتها فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أحب ~~أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن ~~يكون الولاء لهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ~~(اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) ، ثم خطب الناس فقال: ~~" ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في ~~كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، ~~وإنما الولاء لمن أعتق " ثم خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن ~~تبقى على نكاح زوجها وبين أن تفسخه فاختارت نفسها، فقال لها: " إنه زوجك ~~وأبو ولدك " فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأمرني بذلك؟ قال: " ~~لا إنما أنا شافع، قالت: فلا حاجة لي فيه وقال لها إذ خيرها: (إن قربك فلا ~~خيار لك " وأمرها أن ms1378 تعتد وتصدق عليها بلحم فأكل منه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال " هو عليها صدقة ولنا هدية» ) . # PageV05P147 # وكان في قصة بريرة من الفقه جواز مكاتبة المرأة، وجواز بيع المكاتب وإن ~~لم يعجزه سيده، وهذا مذهب أحمد المشهور عنه، وعليه أكثر نصوصه. وقال في ~~رواية أبي طالب: لا يطأ مكاتبته، ألا ترى أنه لا يقدر أن يبيعها. وبهذا قال ~~أبو حنيفة ومالك والشافعي. والنبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة رضي الله ~~عنها على شرائها وأهلها على بيعها، ولم يسأل: أعجزت أم لا، ومجيئها تستعين ~~في كتابتها لا يستلزم عجزها، وليس في بيع المكاتب محذور، فإن بيعه لا يبطل ~~كتابته، فإنه يبقى عند المشتري كما كان عند البائع، إن أدى إليه عتق، وإن ~~عجز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرق كما كان عند بائعه، فلو لم تأت السنة ~~بجواز بيعه، لكان القياس يقتضيه. # وقد ادعى غير واحد الإجماع القديم على جواز بيع المكاتب. قالوا: لأن قصة ~~بريرة وردت بنقل الكافة، ولم يبق بالمدينة من لم يعرف ذلك؛ لأنها صفقة. جرت ~~بين أم المؤمنين، وبين بعض الصحابة رضي الله عنهم، وهم موالي بريرة، ثم خطب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في أمر بيعها خطبة في غير وقت الخطبة، ~~ولا يكون شيء أشهر من هذا، ثم كان من مشي زوجها خلفها باكيا في أزقة ~~المدينة ما زاد الأمر شهرة عند النساء والصبيان، قالوا: فظهر يقينا أنه ~~إجماع من الصحابة، إذ لا يظن بصاحب أنه يخالف من سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثل هذا الأمر الظاهر المستفيض. قالوا: ولا يمكن أن توجدوا عن ~~أحد من الصحابة رضي الله عنهم المنع من بيع المكاتب إلا رواية شاذة عن ابن ~~عباس لا يعرف لها إسناد. # واعتذر من منع بيعه بعذرين. # أحدهما: أن بريرة كانت قد عجزت وهذا # PageV05P148 # عذر أصحاب الشافعي. # والثاني: أن البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها وهذا عذر أصحاب ~~مالك. # وهذان العذران أحوج إلى أن يعتذر عنهما ms1379 من الحديث، ولا يصح واحد منهما، ~~أما الأول: فلا ريب أن هذه القصة كانت بالمدينة، وقد شهدها العباس وابنه ~~عبد الله، وكانت الكتابة تسع سنين في كل سنة أوقية، ولم تكن بعد أدت شيئا، ~~ولا خلاف أن العباس وابنه إنما سكنا المدينة بعد فتح مكة، ولم يعش النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا عامين وبعض الثالث، فأين العجز وحلول ~~النجوم؟! . # وأيضا، فإن بريرة لم تقل: عجزت، ولا قالت لها عائشة: أعجزت؟ ولا اعترف ~~أهلها بعجزها، ولا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجزها، ولا وصفها به، ~~ولا أخبر عنها البتة، فمن أين لكم هذا العجز الذي تعجزون عن إثباته؟! . # وأيضا فإنها إنما قالت لعائشة: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل سنة أوقية، ~~وإني أحب أن تعينيني، ولم تقل: لم أؤد لهم شيئا، ولا مضت علي نجوم عدة عجزت ~~عن الأداء فيها، ولا قالت عجزني أهلي. # وأيضا فإنهم لو عجزوها لعادت في الرق ولم تكن حينئذ لتسعى في كتابتها ~~وتستعين بعائشة على أمر قد بطل. # فإن قيل الذي يدل على عجزها قول عائشة: إن أحب أهلك أن أشتريك وأعتقك، ~~ويكون ولاؤك لي فعلت. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ~~" «اشتريها فأعتقيها» " وهذا يدل على إنشاء عتق من عائشة رضي الله عنها، ~~وعتق المكاتب بالأداء لا بإنشاء من السيد. # قيل هذا هو الذي أوجب لهم القول ببطلان الكتابة. قالوا: ومن المعلوم أنها ~~لا تبطل إلا بعجز المكاتب أو تعجيزه نفسه وحينئذ فيعود في الرق، فإنما ورد ~~البيع على رقيق لا على مكاتب. # وجواب هذا: أن ترتيب العتق على الشراء لا يدل على إنشائه، فإنه ترتيب ~~للمسبب على سببه، ولا سيما فإن عائشة لما أرادت أن تعجل كتابتها جملة # PageV05P149 # واحدة كان هذا سببا في إعتاقها، وقد قلتم أنتم إن قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ( «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» ) . # إن هذا من ترتيب المسبب على سببه، وأنه بنفس الشراء ms1380 يعتق عليه لا يحتاج ~~إلى إنشاء عتق. # وأما العذر الثاني: فأمره أظهر وسياق القصة يبطله، فإن أم المؤمنين ~~اشترتها فأعتقتها، وكان ولاؤها لها، وهذا مما لا ريب فيه ولم تشتر المال ~~والمال كان تسع أواق منجمة فعدتها لهم جملة واحدة، ولم تتعرض للمال الذي في ~~ذمتها ولا كان غرضها بوجه ما، ولا كان لعائشة غرض في شراء الدراهم المؤجلة ~~بعددها حالة. # وفي القصة جواز المعاملة بالنقود عددا إذا لم يختلف مقدارها، وفيها أنه ~~لا يجوز لأحد من المتعاقدين أن يشترط على الآخر شرطا يخالف حكم الله ~~ورسوله، وهذا معنى قوله " ليس في كتاب الله "، أي: ليس في حكم الله جوازه، ~~وليس المراد أنه ليس في القرآن ذكره وإباحته، ويدل عليه قوله ( «كتاب الله ~~أحق وشرط الله أوثق» ) . # وقد استدل به من صحح العقد الذي شرط فيه شرط فاسد، ولم يبطل العقد به، ~~وهذا فيه نزاع وتفصيل يظهر الصواب منه في تبيين معنى الحديث، فإنه قد أشكل ~~على الناس قوله " «اشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق» "، فأذن لها في ~~هذا الاشتراط، وأخبر أنه لا يفيد. والشافعي طعن في هذه اللفظة وقال: إن ~~هشام بن عروة انفرد بها وخالفه غيره فردها الشافعي ولم يثبتها، ولكن أصحاب ~~" الصحيحين " وغيرهم أخرجوها ولم يطعنوا فيها، ولم يعللها أحد سوى الشافعي ~~فيما نعلم. # PageV05P150 # ثم اختلفوا في معناها فقالت طائفة: اللام ليست على بابها، بل هي بمعنى " ~~على " كقوله {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] ~~[الإسراء: 7] أي فعليها، كما قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها} [فصلت: 46] [فصلت 46] # وردت طائفة هذا الاعتذار بخلافه لسياق القصة ولموضوع الحرف، وليس نظير ~~الآية، فإنها قد فرقت بين ما للنفس وبين ما عليها بخلاف قوله: (اشترطي لهم) ~~. # وقالت طائفة بل اللام على بابها، ولكن في الكلام محذوف تقديره: اشترطي ~~لهم أو لا تشترطي، فإن الاشتراط لا يفيد شيئا لمخالفته لكتاب الله. # ورد غيرهم هذا الاعتذار لاستلزامه إضمار ما لا دليل عليه، والعلم به من ~~نوع علم ms1381 الغيب. # وقالت طائفة أخرى: بل هذا أمر تهديد لا إباحة كقوله تعالى: {اعملوا ما ~~شئتم} [فصلت: 40] [فصلت: 40] وهذا في البطلان من جنس ما قبله، وأظهر فسادا، ~~فما لعائشة وما للتهديد هنا؟ وأين في السياق ما يقتضي التهديد لها؟ نعم هم ~~أحق بالتهديد لا أم المؤمنين. # وقالت طائفة: بل هو أمر إباحة وإذن، وأنه يجوز اشتراط مثل هذا، ويكون ~~ولاء المكاتب للبائع، قاله بعض الشافعية وهذا أفسد من جميع ما تقدم وصريح ~~الحديث يقتضي بطلانه ورده. # وقالت طائفة: إنما أذن لها في الاشتراط ليكون وسيلة إلى ظهور بطلان هذا ~~الشرط وعلم الخاص والعام به، وتقرر حكمه صلى الله عليه وسلم وكان القوم قد ~~علموا حكمه صلى الله عليه وسلم في ذلك فلم يقنعوا دون أن يكون الولاء لهم، ~~فعاقبهم بأن أذن لعائشة في الاشتراط، ثم خطب الناس فأذن فيهم ببطلان هذا ~~الشرط، وتضمن حكما من # PageV05P151 # أحكام الشريعة وهو أن الشرط الباطل إذا شرط في العقد لم يجز الوفاء به، ~~ولولا الإذن في الاشتراط لما علم ذلك، فإن الحديث تضمن فساد هذا الحكم، وهو ~~كون الولاء لغير المعتق. # وأما بطلانه إذا شرط، فإنما استفيد من تصريح النبي صلى الله عليه وسلم ~~ببطلانه بعد اشتراطه، ولعل القوم اعتقدوا أن اشتراطه يفيد الوفاء به، وإن ~~كان خلاف مقتضى العقد المطلق فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم، وإن شرط كما ~~أبطله بدون الشرط. # فإن قيل: فإذا فات مقصود المشترط ببطلان الشرط، فإنه إما أن يسلط على ~~الفسخ، أو يعطى من الأرش بقدر ما فات من غرضه، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقض بواحد من الأمرين. # قيل: هذا إنما يثبت إذا كان المشترط جاهلا بفساد الشرط. فأما إذا علم ~~بطلانه ومخالفته لحكم الله كان عاصيا آثما بإقدامه على اشتراطه، فلا فسخ له ~~ولا أرش، وهذا أظهر الأمرين في موالي بريرة والله أعلم. ### | [فصل ما في إنما الولاء لمن أعتق من العموم] # فصل # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " «إنما الولاء لمن أعتق» " من العموم ما ms1382 ~~يقتضي ثبوته لمن أعتق سائبة أو في زكاة أو كفارة أو عتق واجب، وهذا قول ~~الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات، وقال في الرواية الأخرى: لا ~~ولاء عليه، وقال في الثالثة: يرد ولاؤه في عتق مثله، ويحتج بعمومه أحمد ومن ~~وافقه في أن المسلم إذا أعتق عبدا ذميا ثم مات العتيق ورثه بالولاء، وهذا ~~العموم أخص من قوله: ( «لا يرث المسلم الكافر» ) فيخصصه أو يقيده، وقال ~~الشافعي ومالك وأبو حنيفة: لا يرثه بالولاء إلا أن يموت العبد مسلما، ولهم ~~أن يقولوا: إن عموم قوله " «الولاء لمن أعتق» " مخصوص بقوله ( «لا يرث ~~المسلم الكافر» ) . # PageV05P152 ### | [فصل تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد] # فصل وفي القصة من الفقه تخيير الأمة المزوجة إذا أعتقت وزوجها عبد، وقد ~~اختلفت الرواية في زوج بريرة، هل كان عبدا أو حرا؟ . # فقال القاسم عن عائشة رضي الله عنها: (كان عبدا ولو كان حرا لم يخيرها) ~~وقال عروة عنها: كان حرا. وقال ابن عباس: (كان عبدا أسود يقال له مغيث، ~~عبدا لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة) وكل هذا في ~~الصحيح. # وفي " سنن أبي داود " عن عروة عن عائشة كان عبدا لآل أبي أحمد فخيرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: ( «إن قربك فلا خيار لك» ) . # وفي " مسند أحمد " عن عائشة رضي الله عنها: «أن بريرة كانت تحت عبد فلما ~~أعتقتها، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اختاري فإن شئت أن تمكثي ~~تحت هذا العبد وإن شئت أن تفارقيه» ) . # وقد روي في " الصحيح ": أنه كان حرا. # وأصح الروايات وأكثرها: أنه كان عبدا وهذا الخبر رواه عن عائشة رضي الله ~~عنها ثلاثة الأسود وعروة والقاسم، أما الأسود فلم يختلف عنه عن عائشة أنه ~~كان حرا، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان متعارضتان: إحداهما: أنه كان حرا، ~~والثانية: أنه كان عبدا، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه روايتان صحيحتان: ~~إحداهما: أنه كان حرا، والثانية: الشك. قال داود بن مقاتل ولم تختلف ~~الرواية ms1383 عن ابن عباس أنه كان عبدا. # واتفق الفقهاء على تخيير الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد، واختلفوا إذا كان ~~حرا فقال الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه: لا تخيير. وقال أبو # PageV05P153 # حنيفة وأحمد في الرواية الثانية تخير. وليست الروايتان مبنيتين على كون ~~زوجها عبدا أو حرا، بل على تحقيق المناط في إثبات الخيار لها، وفيه ثلاثة ~~مآخذ للفقهاء: # أحدها: زوال الكفاءة وهو المعبر عنه بقولهم كملت تحت ناقص. # الثاني: أن عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له ~~بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوا على أصلهم أن الطلاق معتبر ~~بالنساء لا بالرجال. # الثالث: ملكها نفسها، ونحن نبين ما في هذه. # المأخذ الأول: وهو كمالها تحت ناقص، فهذا يرجع إلى أن الكفاءة معتبرة في ~~الدوام كما هي معتبرة في الابتداء، فإذا زالت خيرت المرأة، كما تخير إذا ~~بان الزوج غير كفء لها. وهذا ضعيف من وجهين: # أحدهما: أن شروط النكاح لا يعتبر دوامها واستمرارها، وكذلك توابعه ~~المقارنة لعقده لا يشترط أن تكون توابع في الدوام، فإن رضى الزوجة غير ~~المجبرة شرط في الابتداء دون الدوام، وكذلك الولي والشاهدان، وكذلك مانع ~~الإحرام والعدة والزنى عند من يمنع نكاح الزانية، إنما يمنع ابتداء العقد ~~دون استدامته، فلا يلزم من اشتراط الكفاءة ابتداء اشتراط استمرارها ~~ودوامها. # الثاني: أنه لو زالت الكفاءة في أثناء النكاح بفسق الزوج، أو حدوث عيب ~~موجب للفسخ، لم يثبت الخيار على ظاهر المذهب، وهو اختيار قدماء الأصحاب ~~ومذهب مالك. # وأثبت القاضي الخيار بالعيب الحادث ويلزمه إثباته بحدوث فسق الزوج، وقال ~~الشافعي: إن حدث بالزوج ثبت الخيار، وإن حدث بالزوجة فعلى قولين. # وأما المأخذ الثاني: وهو أن عتقها أوجب للزوج عليها ملك طلقة ثالثة فمأخذ ~~ضعيف جدا، فأي مناسبة بين ثبوت طلقة ثالثة، وبين ثبوت الخيار لها؟ وهل نصب ~~الشارع ملك الطلقة الثالثة سببا لملك الفسخ، وما يتوهم - من أنها كانت تبين ~~منه باثنتين فصارت لا تبين إلا بثلاث، وهو زيادة إمساك وحبس لم # PageV05P154 # يقتضه العقد - فاسد، ms1384 فإنه يملك ألا يفارقها البتة، ويمسكها حتى يفرق ~~الموت بينهما، والنكاح عقد على مدة العمر، فهو يملك استدامة إمساكها، ~~وعتقها لا يسلبه هذا الملك فكيف يسلبه إياه ملكه عليها طلقة ثالثة، وهذا لو ~~كان الطلاق معتبرا بالنساء، فكيف والصحيح أنه معتبر بمن هو بيده وإليه ~~ومشروع في جانبه. # وأما المأخذ الثالث: وهو ملكها نفسها فهو أرجح المآخذ وأقربها إلى أصول ~~الشرع، وأبعدها من التناقض، وسر هذا المأخذ أن السيد عقد عليها بحكم الملك ~~حيث كان مالكا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي تمليك الرقبة والمنافع ~~للمعتق، وهذا مقصود العتق وحكمته فإذا ملكت رقبتها ملكت بضعها ومنافعها ومن ~~جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلا باختيارها، فخيرها الشارع بين أن ~~تقيم مع زوجها، وبين أن تفسخ نكاحه، إذ قد ملكت منافع بضعها، وقد جاء في ~~بعض طرق حديث بريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: ( «ملكت نفسك فاختاري» ~~) . # فإن قيل: هذا ينتقض بما لو زوجها ثم باعها، فإن المشتري قد ملك رقبتها ~~وبضعها ومنافعه، ولا تسلطونه على فسخ النكاح. قلنا: لا يرد هذا نقضا، فإن ~~البائع نقل إلى المشتري ما كان مملوكا له فصار المشتري خليفته، وهو لما ~~زوجها، أخرج منفعة البضع عن ملكه إلى الزوج، ثم نقلها إلى المشتري مسلوبة ~~منفعة البضع، فصار كما لو آجر عبده مدة ثم باعه. # فإن قيل: فهب أن هذا يستقيم لكم فيما إذا باعها، فهلا قلتم ذلك إذا ~~أعتقها وأنها ملكت نفسها مسلوبة منفعة البضع، كما لو آجرها ثم أعتقها، ~~ولهذا ينتقض عليكم هذا المأخذ؟ . # قيل الفرق بينهما: أن العتق في تمليك العتيق رقبته ومنافعه أقوى من ~~البيع، ولهذا ينفذ فيما لم يعتقه ويسري في حصة الشريك، بخلاف البيع، فالعتق ~~إسقاط ما كان السيد يملكه من عتيقه، وجعله له محررا، وذلك يقتضي إسقاط ملك ~~نفسه ومنافعها كلها. # وإذا كان العتق يسري في ملك الغير المحض الذي لا # PageV05P155 # حق له فيه البتة فكيف لا يسري إلى ملكه الذي تعلق به حق الزوج، فإذا سرى ~~إلى نصيب ms1385 الشريك الذي حق للمعتق فيه، فسريانه إلى ملك الذي يتعلق به حق ~~الزوج أولى وأحرى، فهذا محض العدل والقياس الصحيح. # فإن قيل: فهذا فيه إبطال حق الزوج من هذه المنفعة بخلاف الشريك فإنه يرجع ~~إلى القيمة. # قيل الزوج قد استوفى المنفعة بالوطء، فطريان ما يزيل دوامها لا يسقط له ~~حقا، كما لو طرأ ما يفسده أو يفسخه برضاع أو حدوث عيب أو زوال كفاءة عند من ~~يفسخ به. # فإن قيل فما تقولون فيما رواه النسائي، من حديث ابن موهب عن القاسم بن ~~محمد، قال: «كان لعائشة رضي الله عنها غلام وجارية قالت: فأردت أن أعتقهما، ~~فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ابدئي بالغلام قبل ~~الجارية» ) ولولا أن التخيير يمنع إذا كان الزوج حرا لم يكن للبداءة بعتق ~~الغلام فائدة، فإذا بدأت به عتقت تحت حر فلا يكون لها اختيار. # وفي " سنن النسائي " أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «أيما ~~أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها» ) . # قيل: أما الحديث الأول فقال أبو جعفر العقيلي وقد رواه: هذا خبر لا يعرف ~~إلا بعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف. # وقال ابن حزم: هو # PageV05P156 # خبر لا يصح. ثم لما صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين، ~~بل قال: كان لها عبد وجارية. ثم لو كانا زوجين لم يكن في أمرها لها بعتق ~~العبد أولا ما يسقط خيار المعتقة تحت الحر، وليس في الخبر أنه أمرها ~~بالابتداء بالزوج لهذا المعنى، بل الظاهر أنه أمرها بأن تبتدئ بالذكر لفضل ~~عتقه على الأنثى، وأن عتق أنثيين يقوم مقام عتق ذكر، كما في الحديث الصحيح ~~مبينا. # وأما الحديث الثاني: فضعف لأنه من رواية الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية ~~الضمري وهو مجهول. فإذا تقرر هذا وظهر حكم الشرع في إثبات الخيار لها، فقد ~~روى الإمام أحمد بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إذا أعتقت الأمة ~~فهي بالخيار ما ms1386 لم يطأها إن شاءت فارقته وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع ~~فراقه» ) ويستفاد من هذا قضيتان: # إحداهما: أن خيارها على التراخي ما لم تمكنه من وطئها وهذا مذهب مالك ~~وأبي حنيفة وأحمد. وللشافعي ثلاثة أقوال: هذا أحدها. والثاني: أنه على ~~الفور والثالث: أنه إلى ثلاثة أيام. # الثانية: أنها إذا مكنته من نفسها فوطئها سقط خيارها وهذا إذا علمت ~~بالعتق وثبوت الخيار به، فلو جهلتهما لم يسقط خيارها بالتمكين من الوطء. # وعن أحمد رواية ثانية: أنها لا تعذر بجهلها بملك الفسخ، بل إذا علمت ~~بالعتق ومكنته من وطئها سقط خيارها ولو لم تعلم أن لها الفسخ، والرواية ~~الأولى أصح فإن عتق الزوج قبل أن تختار - وقلنا: إنه لا خيار للمعتقة تحت ~~حر - بطل خيارها لمساواة الزوج لها، وحصول الكفاءة قبل الفسخ. # قال الشافعي في أحد قوليه - وليس هو المنصور عند أصحابه -: لها الفسخ ~~لتقدم ملك الخيار على العتق، فلا يبطله، والأول أقيس لزوال سبب الفسخ ~~بالعتق، وكما لو زال العيب # PageV05P157 # في البيع والنكاح قبل الفسخ به، وكما لو زال الإعسار في زمن ملك الزوجة ~~الفسخ به. وإذا قلنا: العلة ملكها نفسها فلا أثر لذلك، فإن طلقها طلاقا ~~رجعيا فعتقت في عدتها فاختارت الفسخ بطلت الرجعة، وإن اختارت المقام معه صح ~~وسقط اختيارها للفسخ؛ لأن الرجعية كالزوجة. # وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: لا يسقط خيارها إذا رضيت بالمقام دون ~~الرجعة، ولها أن تختار نفسها بعد الارتجاع، ولا يصح اختيارها في زمن ~~الطلاق، فإن الاختيار في زمن هي فيه صائرة إلى بينونة ممتنع. # فإذا راجعها صح حينئذ أن تختاره وتقيم معه؛ لأنها صارت زوجة وعمل ~~الاختيار عمله، وترتب أثره عليه. # ونظير هذا إذا ارتد زوج الأمة بعد الدخول، ثم عتقت في زمن الردة، فعلى ~~القول الأول لها الخيار قبل إسلامه، فإن اختارته ثم أسلم سقط ملكها للفسخ، ~~وعلى قول الشافعي: لا يصح لها خيار قبل إسلامه؛ لأن العقد صائر إلى ~~البطلان. فإذا أسلم صح خيارها. # فإن قيل: فما تقولون إذا طلقها قبل ms1387 أن تفسخ هل يقع الطلاق أم لا؟ . # قيل: نعم يقع لأنها زوجة، وقال بعض أصحاب أحمد وغيرهم: يوقف الطلاق، فإن ~~فسخت تبينا أنه لم يقع، وإن اختارت زوجها تبينا وقوعه. فإن قيل فما حكم ~~المهر إذا اختارت الفسخ؟ . # قيل: إما أن تفسخ قبل الدخول، أو بعده. فإن فسخت بعده لم يسقط المهر وهو ~~لسيدها سواء فسخت أو أقامت، وإن فسخت قبله ففيه قولان هما روايتان عن أحمد: ~~إحداهما: لا مهر لأن الفرقة من جهتها، والثانية: يجب نصفه ويكون لسيدها لا ~~لها. # فإن قيل فما تقولون في المعتق نصفها هل لها خيار؟ قيل فيها قولان وهما ~~روايتان عن أحمد فإن قلنا: لا خيار لها كزوج مدبرة له لا يملك غيرها ~~وقيمتها مائة، فعقد على مائتين مهرا، ثم مات عتقت ولم تملك الفسخ قبل # PageV05P158 # الدخول لأنها لو ملكت، سقط المهر أو انتصف، فلم تخرج من الثلث فيرق ~~بعضها، فيمتنع الفسخ قبل الدخول بخلاف ما إذا لم تملكه، فإنها تخرج من ~~الثلث فيعتق جميعها. ### | [فصل في قوله صلى الله عليه وسلم لو راجعته فقالت أتأمرني] # ؟ فقال: " لا إنما أنا شافع " فقالت: لا حاجة لي فيه» ) فيه ثلاث قضايا. # إحداها: أن أمره على الوجوب ولهذا فرق بين أمره وشفاعته، ولا ريب أن ~~امتثال شفاعته من أعظم المستحبات. # الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم لم يغضب على بريرة ولم ينكر عليها إذ لم ~~تقبل شفاعته؛ لأن الشفاعة في إسقاط المشفوع عنده حقه، وذلك إليه إن شاء ~~أسقطه وإن شاء أبقاه، فلذلك لا يحرم عصيان شفاعته صلى الله عليه وسلم ويحرم ~~عصيان أمره. # الثالثة: أن اسم المراجعة في لسان الشارع قد يكون مع زوال عقد النكاح ~~بالكلية، فيكون ابتداء عقد، وقد يكون مع تشعثه، فيكون إمساكا وقد سمى ~~سبحانه ابتداء النكاح للمطلق ثلاثا بعد الزوج الثاني مراجعة فقال: {فإن ~~طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230] [البقرة: 230] أي إن ~~طلقها الثاني، فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا نكاحا مستأنفا. ### | [فصل ما يستنبط من أكله صلى ms1388 الله عليه وسلم من اللحم الذي تصدق به على بريرة] # فصل وفي أكله صلى الله عليه وسلم من اللحم الذي تصدق به على بريرة وقال: ~~( «هو عليها صدقة ولنا هدية» ) دليل على جواز أكل الغني وبني هاشم وكل من ~~تحرم عليه الصدقة مما يهديه إليه الفقير من الصدقة؛ لاختلاف جهة المأكول، ~~ولأنه قد بلغ محله، وكذلك يجوز له أن يشتريه منه بماله. # هذا إذا لم تكن صدقة نفسه، فإن كانت صدقته لم يجز له أن يشتريها ولا ~~يهبها ولا يقبلها هدية. # كما «نهى # PageV05P159 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه عن شراء صدقته وقال: (لا ~~تشتره وإن أعطاكه بدرهم» ) . ### | [فصل في قضائه صلى الله عليه وسلم في الصداق بما قل وكثر وقضائه بصحة النكاح على ما مع الزوج من القرآن] # ثبت في " صحيح مسلم ": عن عائشة رضي الله عنها: ( «كان صداق النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، فذلك خمسمائة» ) . # وقال عمر رضي الله عنه: ( «ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ~~شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية» ) . ~~قال الترمذي حديث حسن صحيح. انتهى. # والأوقية أربعون درهما. # وفي " صحيح البخاري ": من حديث سهل بن سعد «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لرجل: (تزوج ولو بخاتم من حديد» ) . # وفي " سنن أبي داود ": من حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ~~«من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» ) . # PageV05P160 # وفي الترمذي: ( «أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم. فأجازه» ) . ~~قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وفي " مسند الإمام أحمد ": من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ( «إن أعظم النكاح بركة أيسره مئونة» ) . # وفي " الصحيحين ": ( «أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله إني قد وهبت نفسي ms1389 لك فقامت طويلا، فقال رجل: يا رسول الله ~~زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل ~~عندك من شيء تصدقها إياه؟ قال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إنك إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا " ~~قال: لا أجد شيئا، قال: " فالتمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم سورة ~~كذا وسورة كذا لسور سماها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد ~~زوجتكها بما معك من القرآن» ) . # PageV05P161 # وفي النسائي ( «أن أبا طلحة خطب أم سليم، فقالت: والله يا أبا طلحة ما ~~مثلك يرد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم ~~فذاك مهري وما أسالك غيره. فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت فما سمعنا ~~بامرأة قط كانت أكرم مهرا من أم سليم فدخل بها فولدت له» ) . # فتضمن هذا الحديث أن الصداق لا يتقدر أقله، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد ~~والنعلين يصح تسميتها مهرا وتحل بها الزوجة. # وتضمن أن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح وأنها من قلة بركته وعسره. # وتضمن أن المرأة إذا رضيت بعلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ~~ذلك، وكان ما يحصل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صداقها، كما إذا جعل ~~السيد عتقها صداقها، وكان انتفاعها بحريتها وملكها لرقبتها هو صداقها، وهذا ~~هو الذي اختارته أم سليم من انتفاعها بإسلام أبي طلحة، وبذلها نفسها له إن ~~أسلم، وهذا أحب إليها من المال الذي يبذله الزوج. # فإن الصداق شرع في الأصل حقا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم والدين ~~وإسلام الزوج وقراءته للقرآن كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها، فما ~~خلا العقد عن مهر وأين الحكم بتقدير المهر بثلاثة دراهم أو عشرة من النص؟ . # والقياس إلى الحكم بصحة كون المهر ما ذكرنا نصا وقياسا وليس هذا مستويا ~~بين ms1390 هذه المرأة وبين الموهوبة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وهي خالصة له من دون المؤمنين، فإن تلك وهبت نفسها هبة مجردة عن ولي وصداق، ~~بخلاف ما نحن فيه فإنه نكاح بولي وصداق، وإن كان غير مالي، فإن المرأة ~~جعلته عوضا عن المال لما يرجع إليها من نفعه، ولم تهب نفسها للزوج هبة ~~مجردة كهبة شيء من مالها بخلاف # PageV05P162 # الموهوبة التي خص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا مقتضى هذه ~~الأحاديث. # وقد خالف في بعضه من قال: لا يكون الصداق إلا مالا ولا تكون منافع أخرى، ~~ولا علمه ولا تعليمه صداقا كقول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. # ومن قال: لا يكون أقل من ثلاثة دراهم كمالك وعشرة دراهم كأبي حنيفة، وفيه ~~أقوال أخر شاذة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول ~~صاحب. # ومن ادعى في هذه الأحاديث التي ذكرناها اختصاصها بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أو أنها منسوخة أو أن عمل أهل المدينة على خلافها فدعوى لا يقوم ~~عليها دليل. والأصل يردها، وقد زوج سيد أهل المدينة من التابعين سعيد بن ~~المسيب ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد، بل عد ذلك في مناقبه وفضائله، ~~وقد تزوج عبد الرحمن بن عوف على صداق خمسة دراهم، وأقره النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا سبيل إلى إثبات المقادير إلا من جهة صاحب الشرع. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم وخلفائه في أحد الزوجين يجد بصاحبه برصا أو جنونا أو جذاما أو يكون الزوج عنينا] # في " مسند أحمد ": من حديث يزيد بن كعب بن عجرة رضي الله عنه: ( «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل عليها، ووضع ثوبه ~~وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا فاماز عن الفراش، ثم قال: خذي عليك ~~ثيابك " ولم يأخذ مما آتاها شيئا» ) . # وفي " الموطأ ": عن عمر أنه قال: ( «أيما امرأة غر بها رجل بها جنون أو # PageV05P163 # جذام أو برص ms1391 فلها المهر بما أصاب منها وصداق الرجل على من غره» ) . # وفي لفظ آخر: ( «قضى عمر في البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق ~~بينهما والصداق لها بمسيسه إياها، وهو له على وليها» ) . # وفي " سنن أبي داود ": من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( «طلق ~~عبد يزيد أبو ركانة زوجته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة - لشعرة ~~أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية ~~فذكر الحديث. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال له: " طلقها " ففعل، ثم قال: ~~" راجع امرأتك أم ركانة " فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله. قال: " قد ~~علمت ارجعها " وتلا: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] » ) [الطلاق:1] . # ولا علة لهذا الحديث إلا رواية ابن جريج له عن بعض بني أبي رافع، وهو ~~مجهول، ولكن هو تابعي وابن جريج من الأئمة الثقات العدول، ورواية العدل عن ~~غيره تعديل له ما لم يعلم فيه جرح، ولم يكن الكذب ظاهرا في التابعين، ولا ~~سيما التابعين من أهل المدينة، ولا سيما موالي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا سيما مثل هذه السنة التي تشتد حاجة الناس إليها لا يظن بابن جريج ~~أنه حملها عن كذاب ولا عن غير ثقة عنده ولم يبين حاله. # وجاء التفريق بالعنة عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وسمرة بن # PageV05P164 # جندب ومعاوية بن أبي سفيان والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والمغيرة بن ~~شعبة، لكن عمر وابن مسعود والمغيرة أجلوه سنة، وعثمان ومعاوية وسمرة لم ~~يؤجلوه، والحارث بن عبد الله أجله عشرة أشهر. # وذكر سعيد بن منصور حدثنا هشيم أنبأنا عبد الله بن عوف عن ابن سيرين: ( ~~«أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث رجلا على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان ~~عقيما فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ . قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم ~~خيرها» ) . # وأجل مجنونا ms1392 سنة فإن أفاق وإلا فرق بينه وبين امرأته. فاختلف الفقهاء في ~~ذلك، فقال داود وابن حزم ومن وافقهما: لا يفسخ النكاح بعيب البتة، وقال أبو ~~حنيفة: لا يفسخ إلا بالجب والعنة خاصة. # وقال الشافعي ومالك: يفسخ بالجنون والبرص والجذام والقرن والجب والعنة ~~خاصة، وزاد الإمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين ~~السبيلين، ولأصحابه في نتن الفرج والفم وانخراق مخرجي البول والمني في ~~الفرج، والقروح السيالة فيه والبواسير والناصور والاستحاضة، واستطلاق البول ~~والنجو والخصي وهو قطع البيضتين، والسل وهو سل البيضتين والوجء وهو رضهما، ~~وكون أحدهما خنثى مشكلا، والعيب الذي بصاحبه مثله من العيوب السبعة، والعيب ~~الحادث بعد العقد وجهان. # وذهب بعض أصحاب الشافعي: إلى رد المرأة بكل عيب ترد به الجارية في البيع، ~~وأكثرهم لا يعرف هذا الوجه ولا مظنته ولا من قاله. وممن حكاه أبو # PageV05P165 # عاصم العباداني في كتاب طبقات أصحاب الشافعي، وهذا القول هو القياس أو ~~قول ابن حزم ومن وافقه. # وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها ~~أو مساو لها، فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين، أو ~~الرجلين أو إحداهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من ~~أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو ~~كالمشروط عرفا، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لمن ~~تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم وخيرها " فماذا يقول رضي الله ~~عنه في العيوب التي هذا عندها كمال لا نقص؟! . # والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من ~~الرحمة والمودة يوجب الخيار وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في ~~النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا ~~مغبونا بما غر به وغبن به، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله ~~وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا ms1393 القول وقربه من ~~قواعد الشريعة. # وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن المسيب قال قال عمر: (أيما امرأة ~~زوجت وبها جنون أو جذام أو برص فدخل بها ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه ~~إياها وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره) . # ورد هذا بأن ابن المسيب لم يسمع من عمر من باب الهذيان البارد المخالف ~~لإجماع أهل الحديث قاطبة، قال الإمام أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن ~~عمر، فمن يقبل. وأئمة الإسلام وجمهورهم يحتجون بقول سعيد بن المسيب: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته عن عمر رضي الله عنه، وكان عبد ~~الله بن عمر يرسل إلى سعيد يسأله عن قضايا عمر، فيفتي بها، ولم يطعن أحد قط ~~من أهل # PageV05P166 # عصره ولا من بعدهم ممن له في الإسلام قول معتبر في رواية سعيد بن المسيب ~~عن عمر ولا عبرة بغيرهم. # وروى الشعبي عن علي: (أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن ~~فزوجها بالخيار ما لم يمسها إن شاء أمسك وإن شاء طلق وإن مسها فلها المهر ~~بما استحل من فرجها) . # وقال وكيع: عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر ~~قال: (إذا تزوجها برصاء أو عمياء فدخل بها فلها الصداق ويرجع به على من ~~غره) . # وهذا يدل على أن عمر لم يذكر تلك العيوب المتقدمة على وجه الاختصاص ~~والحصر دون ما عداها، وكذلك حكم قاضي الإسلام - حقا - الذي يضرب المثل ~~بعلمه ودينه وحكمه: شريح. قال عبد الرزاق: عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين ~~خاصم رجل إلى شريح، فقال: إن هؤلاء قالوا لي: إنا نزوجك بأحسن الناس، ~~فجاءوني بامرأة عمشاء، فقال شريح: إن كان دلس لك بعيب لم يجز، فتأمل هذا ~~القضاء، وقوله: إن كان دلس لك بعيب. كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة ~~فللزوج الرد به؟ وقال الزهري: يرد النكاح من كل داء عضال. # ومن تأمل فتاوى الصحابة والسلف علم أنهم لم ms1394 يخصوا الرد بعيب دون عيب إلا ~~رواية رويت عن عمر رضي الله عنه (لا ترد النساء إلا من العيوب الأربعة: ~~الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج) وهذه الرواية لا نعلم لها إسنادا ~~أكثر من أصبغ عن ابن وهب عن عمر وعلي. روي عن ابن عباس ذلك بإسناد متصل، ~~ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عنه. هذا كله إذا أطلق الزوج # PageV05P167 # وأما إذا اشترط السلامة أو شرط الجمال فبانت شوهاء، أو شرطها شابة حديثة ~~السن فبانت عجوزا شمطاء، أو شرطها بيضاء فبانت سوداء، أو بكرا فبانت ثيبا؛ ~~فله الفسخ في ذلك كله. # فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كان بعده فلها المهر وهو غرم على ~~وليها إن كان غره، وإن كانت هي الغارة سقط مهرها أو رجع عليها به إن كانت ~~قبضته، ونص على هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو أقيسهما وأولاهما ~~بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط. # وقال أصحابه: إذا شرطت فيه صفة فبان بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط ~~الحرية إذا بان عبدا، فلها الخيار. وفي شرط النسب إذا بان بخلافه وجهان، ~~والذي يقتضيه مذهبه وقواعده: أنه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها، بل إثبات ~~الخيار لها إذا فات ما اشترطته أولى؛ لأنها لا تتمكن من المفارقة بالطلاق، ~~فإذا جاز له الفسخ مع تمكنه من الفراق بغيره، فلأن يجوز لها الفسخ مع عدم ~~تمكنها أولى، وإذا جاز لها الفسخ إذا ظهر الزوج ذا صناعة دنيئة لا تشينه في ~~دينه ولا في عرضه، وإنما تمنع كمال لذتها واستمتاعها به، فإذا شرطته شابا ~~جميلا صحيحا، فبان شيخا مشوها أعمى أطرش أخرس أسود، فكيف تلزم به وتمنع من ~~الفسخ؟! هذا في غاية الامتناع والتناقض والبعد عن القياس وقواعد الشرع ~~وبالله التوفيق. # وكيف يمكن أحد الزوجين من الفسخ بقدر العدسة من البرص، ولا يمكن منه ~~بالجرب المستحكم المتمكن، وهو أشد إعداء من ذلك البرص اليسير، وكذلك غيره ~~من أنواع الداء العضال؟ . # وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ms1395 على البائع كتمان عيب سلعته، وحرم ~~على من علمه أن يكتمه من المشتري فكيف بالعيوب في النكاح، وقد «قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية أو أبي ~~الجهم: (أما معاوية # PageV05P168 # فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) » فعلم أن بيان ~~العيب في النكاح أولى وأوجب فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سببا ~~للزومه وجعل ذا العيب غلا لازما في عنق صاحبه مع شدة نفرته عنه، ولا سيما ~~مع شرط السلامة منه، وشرط خلافه، وهذا مما يعلم يقينا أن تصرفات الشريعة ~~وقواعدها وأحكامها تأباه والله أعلم. # وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إلى أن الزوج إذا شرط السلامة من العيوب فوجد ~~أي عيب كان، فالنكاح باطل من أصله غير منعقد، ولا خيار له فيه، ولا إجازة ~~ولا نفقة ولا ميراث. قال لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج، إذ السالمة ~~غير المعيبة بلا شك، فإذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما. ### | [فصل في حكم النبي صلى الله عليه وسلم في خدمة المرأة لزوجها] # قال ابن حبيب في " الواضحة ": ( «حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه ~~الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت وحكم على علي بالخدمة ~~الظاهرة» ) ثم قال ابن حبيب والخدمة الباطنة: العجين والطبخ والفرش وكنس ~~البيت واستقاء الماء وعمل البيت كله. # وفي " الصحيحين ": ( «أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى، وتسأله خادما فلم تجده، فذكرت ~~ذلك لعائشة رضي الله عنها، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته. ~~قال علي: فجاءنا وقد أخذنا # PageV05P169 # مضاجعنا فذهبنا نقوم فقال مكانكما " فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه ~~على بطني، فقال: " ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما، إذا أخذتما ~~مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، ms1396 وكبرا أربعا ~~وثلاثين، فهو خير لكما من خادم ". قال علي: فما تركتها بعد، قيل ولا ليلة ~~صفين؟ قال ولا ليلة صفين» ) . # وصح عن أسماء أنها قالت: ( «كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس ~~وكنت أسوسه وكنت أحتش له وأقوم عليه» ) . # وصح عنها أنها كانت تعلف فرسه وتسقي الماء وتخرز الدلو وتعجن وتنقل النوى ~~على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ. # فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح ~~البيت، وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء، ومنعت طائفة وجوب ~~خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل ~~الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل ~~المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق ~~فأين الوجوب منها؟ . # واحتج من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه ~~بكلامه، وأما ترفيه المرأة وخدمة الزوج وكنسه وطحنه # PageV05P170 # وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمن المنكر، والله تعالى يقول ~~{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] [البقرة:228] ، وقال: ~~{الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34] [النساء: 34] وإذا لم تخدمه ~~المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوامة عليه. # وأيضا: فإن المهر في مقابلة البضع، وكل من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، ~~فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها وكسوتها ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها ~~وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج. # وأيضا فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة ~~وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا ~~وإحسانا يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا ~~خدمة عليها، وإنما هي عليك وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحدا، ~~ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه لم يقل: له لا خدمة عليها، ~~وأن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام ~~أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية ms1397 هذا أمر لا ريب فيه. # ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية فهذه أشرف نساء العالمين، ~~كانت تخدم زوجها وجاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة، فلم يشكها، ~~وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المرأة عانية، فقال: ( ~~«اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» ) . # والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده ولا ريب أن النكاح ~~نوع من الرق، كما قال بعض السلف: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق ~~كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجح من المذهبين والأقوى من الدليلين. # PageV05P171 ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما] # روى أبو داود في " سننه ": من حديث عائشة رضي الله عنها: ( «أن حبيبة بنت ~~سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر بعضها، فأتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد الصبح فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال: خذ بعض ~~مالها وفارقها " فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ~~نعم. قال: فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: خذهما وفارقها ففعل» ) . # وقد حكم الله تعالى بين الزوجين يقع الشقاق بينهما بقوله تعالى: {وإن ~~خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا ~~يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا} [النساء: 35] [النساء 35] # وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين: هل هما حاكمان أو وكيلان؟ على قولين: # أحدهما: أنهما وكيلان، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول وأحمد في ~~رواية. # والثاني: أنهما حاكمان، وهذا قول أهل المدينة ومالك وأحمد في الرواية ~~الأخرى والشافعي في القول الآخر وهذا هو الصحيح. # والعجب كل العجب ممن يقول هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما ~~حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين، لقال: فليبعث وكيلا ~~من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها. # وأيضا فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل. # PageV05P172 # وأيضا فإنه جعل الحكم إليهما فقال: {إن ms1398 يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} ~~[النساء: 35] والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكليهما. # وأيضا فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع ولا في ~~العرف العام ولا الخاص. # وأيضا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام وليس للوكيل شيء من ذلك. # وأيضا فإن الحكم أبلغ من حاكم؛ لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على ~~الثبوت ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على ~~الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه. # وأيضا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل ~~والمرأة غيرهما، وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: {وإن خفتم شقاق بينهما} ~~[النساء: 35] فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلا من أهله ووكيلا من أهلها، ~~ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل ~~هي دالة على خلافه وهذا بحمد الله واضح. # (وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي ~~طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرقا ~~فرقتما) . # وصح عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين عليكما (إن رأيتما ~~أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما) # PageV05P173 # فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف ~~لهم من الصحابة مخالف وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم والله ~~أعلم. # وإذا قلنا: إنهما وكيلان، فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة ~~بعوض وغيره، وتوكيل الزوجة في بذل العوض أو لا يجبران؟ على روايتين، فإن ~~قلنا: يجبران فلم يوكلا جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزوجين، وإن ~~قلنا: إنهما حكمان لم يحتج إلى رضى الزوجين. # وعلى هذا النزاع ينبني ما لو غاب الزوجان أو أحدهما فإن قيل: إنهما ~~وكيلان، لم ينقطع نظر الحكمين، وإن قيل: حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على ~~الغائب، وقيل: يبقى نظرهما على القولين؛ لأنهما يتطرفان لحظهما فهما ~~كالناظرين. وإن جن الزوجان، انقطع ms1399 نظر الحكمين، إن قيل: إنهما وكيلان؛ ~~لأنهما فرع الموكلين، ولم ينقطع إن قيل: إنهما حكمان لأن الحاكم يلي على ~~المجنون. وقيل: ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما فكأنهما وكيلان، ولا ريب ~~أنهما حكمان فيهما شائبة الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم، فمن العلماء من ~~رجح جانب الحكم، ومنهم من رجح جانب الوكالة ومنهم من اعتبر الأمرين. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلع] # في " صحيح البخاري ": عن ابن عباس رضي الله عنه: ( «أن امرأة ثابت بن قيس ~~بن شماس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في ~~الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تردين عليه حديقته؟ " قالت: ~~نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقبل الحديقة وطلقها # PageV05P174 # تطليقة» ) . # وفي " سنن النسائي " عن الربيع بنت معوذ ( «أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب ~~امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكيه إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فقال: " خذ الذي لها عليك وخل ~~سبيلها " قال: نعم. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة ~~واحدة وتلحق بأهلها» ) . # وفي " سنن أبي داود ": عن ابن عباس: ( «أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس ~~اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة» ) . # وفي " سنن الدارقطني " في هذه القصة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«أتردين عليه حديقته التي أعطاك "؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " أما الزيادة فلا ولكن حديقته " قالت: نعم. فأخذ ماله وخلى ~~سبيلها، فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» ) . قال الدارقطني إسناده صحيح. # فتضمن هذا الحكم النبوي عدة أحكام: # أحدها: جواز الخلع كما دل عليه القرآن، قال تعالى: # PageV05P175 # {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ms1400 ~~الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~[البقرة: 229] [البقرة: 229] # ومنع الخلع طائفة شاذة من الناس خالفت النص والإجماع. # وفي الآية دليل على جوازه مطلقا بإذن السلطان وغيره، ومنعه طائفة بدون ~~إذنه، والأئمة الأربعة والجمهور على خلافه. # وفي الآية دليل على حصول البينونة به؛ لأنه سبحانه سماه فدية، ولو كان ~~رجعيا كما قاله بعض الناس لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له، ~~ودل قوله سبحانه: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] على جوازه ~~بما قل وكثر وأن له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. # وقد ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الربيع ~~بنت معوذ بن عفراء حدثته أنها اختلعت من زوجها بكل شيء تملكه فخوصم في ذلك ~~إلى عثمان بن عفان، فأجازه وأمره أن يأخذ عقاص رأسها فما دونه. # وذكر أيضا عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع: أن ابن عمر جاءته مولاة ~~لامرأته اختلعت من كل شيء لها وكل ثوب لها حتى نقبتها. # ورفعت إلى عمر بن الخطاب امرأة نشزت عن زوجها فقال: (اخلعها ولو من ~~قرطها) ذكره حماد بن سلمة عن أيوب عن كثير بن أبي كثير عنه. # PageV05P176 # وذكر عبد الرزاق عن معمر عن ليث عن الحكم بن عتيبة عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: ( «لا يأخذ منها فوق ما أعطاها» ) . # وقال طاووس: لا يحل أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وقال عطاء: إن أخذ ~~زيادة على صداقها، فالزيادة مردودة إليها. # وقال الزهري: لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. # وقال ميمون بن مهران: إن أخذ منها أكثر مما أعطاها لم يسرح بإحسان. # وقال الأوزاعي: كانت القضاة لا تجيز أن يأخذ منها شيئا إلا ما ساق إليها. # والذين جوزوه احتجوا بظاهر القرآن وآثار الصحابة، والذين منعوه احتجوا ~~بحديث أبي الزبير «أن ثابت بن قيس بن شماس لما أراد خلع امرأته قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: (أتردين ms1401 عليه حديقته "؟ قالت: نعم وزيادة. فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أما الزيادة فلا) » . قال الدارقطني سمعه أبو الزبير ~~من غير واحد وإسناده صحيح. # قالوا: والآثار من الصحابة مختلفة، فمنهم من روي عنه تحريم الزيادة، ~~ومنهم من روي عنه إباحتها، ومنهم من روي عنه كراهتها، كما روى وكيع عن أبي ~~حنيفة عن عمار بن عمران الهمداني عن أبيه عن علي رضي الله عنه: أنه كره أن ~~يأخذ منها أكثر مما أعطاها، والإمام أحمد أخذ بهذا القول ونص على الكراهة، ~~وأبو بكر من أصحابه حرم الزيادة وقال: ترد عليها. # وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء «أتت امرأة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أبغض زوجي ~~وأحب فراقه قال # PageV05P177 # (فتردين عليه حديقته التي أصدقك "؟ قالت: نعم وزيادة من مالي. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أما الزيادة من مالك فلا ولكن الحديقة " قالت: ~~نعم» ) فقضى بذلك على الزوج وهذا وإن كان مرسلا فحديث أبي الزبير مقو له ~~وقد رواه ابن جريج عنهما. ### | [فصل حكم الرجعة من الخلع في العدة] # فصل # وفي تسميته سبحانه الخلع فدية، دليل على أن فيه معنى المعاوضة، ولهذا ~~اعتبر فيه رضى الزوجين، فإذا تقايلا الخلع ورد عليها ما أخذ منها، وارتجعها ~~في العدة فهل لهما ذلك؟ منعه الأئمة الأربعة وغيرهم، وقالوا: قد بانت منه ~~بنفس الخلع، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال ~~في المختلعة: (إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذ منها في العدة، وليشهد ~~على رجعتها) قال معمر: وكان الزهري يقول مثل ذلك. قال قتادة: وكان الحسن ~~يقول لا يراجعها إلا بخطبة. # ولقول سعيد بن المسيب والزهري وجه دقيق من الفقه لطيف المأخذ، تتلقاه ~~قواعد الفقه وأصوله بالقبول ولا نكارة فيه غير أن العمل على خلافه، فإن ~~المرأة ما دامت في العدة فهي في حبسه، ويلحقها صريح طلاقه المنجز عند طائفة ~~من العلماء، فإذا ms1402 تقايلا عقد الخلع وتراجعا إلى ما كانا عليه بتراضيهما لم ~~تمنع قواعد الشرع ذلك وهذا بخلاف ما بعد العدة، فإنها قد صارت منه أجنبية ~~محضة، فهو خاطب من الخطاب، ويدل على هذا أن له أن يتزوجها في عدتها منه ~~بخلاف غيره. # PageV05P178 ### | [فصل ما يستنبط من أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة] # فصل # وفي أمره صلى الله عليه وسلم المختلعة أن تعتد بحيضة واحدة دليل على ~~حكمين: أحدهما: أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة واحدة، وهذا كما ~~أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر بن ~~الخطاب والربيع بنت معوذ وعمها وهو من كبار الصحابة لا يعرف لهم مخالف ~~منهم، كما رواه الليث بن سعد عن نافع مولى ابن عمر: «أنه سمع الربيع بنت ~~معوذ بن عفراء وهي تخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنها اختلعت من زوجها ~~على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمها إلى عثمان بن عفان فقال له: إن ابنة معوذ ~~اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل؟ فقال عثمان: (لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا ~~عدة عليها، إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حبل» ) فقال ~~عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا، وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن ~~راهويه والإمام أحمد في رواية عنه، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. # قال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعد الشريعة فإن العدة إنما جعلت ثلاث ~~حيض ليطول زمن الرجعة، فيتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا ~~لم تكن عليها رجعة، فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل وذلك يكفي فيه ~~حيضة، كالاستبراء. قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثا، فإن باب ~~الطلاق جعل حكم العدة فيه واحدا بائنة ورجعية. # قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، وهو مذهب ابن عباس وعثمان ~~وابن عمر والربيع وعمها ولا يصح عن صحابي أنه طلاق # PageV05P179 # البتة فروى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد ms1403 عن سفيان عن عمرو عن طاووس عن ~~ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال: (الخلع تفريق وليس بطلاق) . # وذكر عبد الرزاق عن سفيان عن عمرو عن طاووس أن إبراهيم بن سعد بن أبي ~~وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أينكحها؟ قال ابن ~~عباس: (نعم ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع بين ذلك) . # فإن قيل كيف تقولون: إنه لا مخالف لمن ذكرتم من الصحابة، وقد روى حماد بن ~~سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان: أن أم بكرة الأسلمية كانت تحت عبد ~~الله بن أسيد واختلعت منه، فندما فارتفعا إلى عثمان بن عفان فأجاز ذلك، ~~وقال: (هي واحدة إلا أن تكون سمت شيئا فهو على ما سمت) . # وذكر ابن أبي شيبة: حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن طلحة بن مصرف ~~عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال: (لا تكون تطليقة بائنة إلا ~~في فدية أو إيلاء) . # وروي عن علي بن أبي طالب فهؤلاء ثلاثة من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم. # قيل: لا يصح هذا عن واحد منهم، أما أثر عثمان رضي الله عنه، فطعن فيه ~~الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما، قال شيخنا: وكيف يصح عن عثمان وهو لا يرى ~~فيه عدة، وإنما يرى الاستبراء فيه بحيضة؟ فلو كان عنده طلاقا لأوجب فيه ~~العدة وجمهان الراوي لهذه القصة عن عثمان لا نعرفه بأكثر من أنه مولى ~~الأسلميين. # وأما أثر علي بن أبي طالب فقال أبو محمد ابن حزم رويناه من طريق لا # PageV05P180 # يصح عن علي رضي الله عنه. وأمثلها: أثر ابن مسعود على سوء حفظ ابن أبي ~~ليلى ثم غايته إن كان محفوظا أن يدل على أن الطلقة في الخلع تقع بائنة لا ~~أن الخلع يكون طلاقا بائنا وبين الأمرين فرق ظاهر. # والذي يدل على أنه ليس بطلاق أن الله سبحانه وتعالى رتب على الطلاق بعد ~~الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع. # أحدها: أن الزوج ms1404 أحق بالرجعة فيه. # الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج ~~وإصابة. # الثالث أن العدة فيه ثلاثة قروء. # وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع، وثبت بالسنة وأقوال ~~الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة، وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين، ووقوع ~~ثالثة بعده، وهذا ظاهر جدا في كونه ليس بطلاق، فإنه سبحانه قال: {الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] [البقرة: 229] وهذا وإن لم يختص ~~بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولها وغيرهما، ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من ~~لم يذكر، ويخلى منه المذكور، بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله وغيره. # ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} [البقرة: 230] وهذا يتناول من ~~طلقت بعد فدية وطلقتين قطعا لأنها هي المذكورة، فلا بد من دخولها تحت ~~اللفظ، وهكذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يعلمه الله تأويل القرآن وهي دعوة مستجابة بلا شك. # وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق دل على أنها من غير جنسه فهذا ~~مقتضى النص والقياس وأقوال الصحابة، ثم من نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها ~~دون ألفاظها يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان حتى بلفظ الطلاق، وهذا أحد الوجهين ~~لأصحاب أحمد وهو اختيار شيخنا. قال: وهذا ظاهر كلام أحمد وكلام ابن عباس ~~وأصحابه. قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس ~~يقول ما أجازه المال فليس بطلاق. # قال # PageV05P181 # عبد الله بن أحمد رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس. وقال عمرو عن ~~طاووس عن ابن عباس (الخلع تفريق وليس بطلاق) وقال ابن جريج عن ابن طاووس ~~كان أبي لا يرى الفداء طلاقا ويخيره. # ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله بلفظ الطلاق ~~طلاقا، وقواعد الفقه وأصوله ms1405 تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا ~~صورها وألفاظها وبالله التوفيق. # ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثابت بن قيس أن يطلق ~~امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه ~~فسخ، ولو وقع بلفظ الطلاق. # وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية، ومعلوم أن الفدية ~~لا تختص بلفظ، ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا، وطلاق الفداء طلاق ~~مقيد ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق، كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة ~~والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة وبالله التوفيق. ### | [ذكر أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم في الطلاق] ### | [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في طلاق الهازل وزائل العقل والمكره والتطليق في نفسه] # ذكر أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق ذكر حكمه صلى الله ~~عليه وسلم في طلاق الهازل وزائل العقل والمكره والتطليق في نفسه. # في " السنن ": من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( «ثلاث جدهن جد وهزلهن ~~جد النكاح والطلاق والرجعة» ) . # PageV05P182 # وفيها: عنه من حديث ابن عباس ": ( «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وما استكرهوا عليه» ) . # وفيها: عنه صلى الله عليه وسلم: ( «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» ) . # وصح عنه أنه «قال للمقر بالزنى: (أبك جنون) » ؟ . # وثبت عنه أنه أمر به أن يستنكه. # وذكر البخاري في " صحيحه ": عن علي أنه قال لعمر: ( «ألم تعلم أن القلم ~~رفع عن ثلاث عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يدرك وعن النائم حتى ~~يستيقظ» ) . # PageV05P183 # وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت ~~به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به» ) . # فتضمنت هذه السنن أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق أو يمين أو ~~نذر ونحو ذلك عفو غير لازم بالنية والقصد، وهذا قول الجمهور وفي المسألة ~~قولان آخران: # أحدهما: التوقف فيها، قال عبد الرزاق عن معمر: سئل ابن سيرين عمن طلق في ~~نفسه فقال أليس قد ms1406 علم الله ما في نفسك؟ قال: بلى. قال: فلا أقول فيها ~~شيئا. # والثاني: وقوعه إذا جزم عليه وهذا رواية أشهب عن مالك، وروي عن الزهري ~~وحجة هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: ( «إنما الأعمال بالنيات» ) وأن ~~من كفر في نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] [البقرة: 248] وأن المصر على المعصية فاسق ~~مؤاخذ وإن لم يفعلها # PageV05P184 # وبأن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ولهذا يثاب على الحب ~~والبغض والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكل والرضى والعزم على ~~الطاعة، ويعاقب على الكبر والحسد والعجب والشك والرياء وظن السوء ~~بالأبرياء. # ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ، ~~أما حديث ( «الأعمال بالنيات» ) فهو حجة عليهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع ~~النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك، فهو ~~كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم ~~كان نفس زواله كفرا، فإن الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب، فما لم يقم ~~بالقلب، حصل ضده وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل، ~~وكذلك كل نقيضين زال أحدهما خلفه الآخر. # وأما الآية فليس فيها أن المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه ~~بالشرع، وإنما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه، ثم هو مغفور له أو معذب، ~~فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية. # وأما أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ، فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية، ~~ثم أصر عليها، فهنا عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، وأما من ~~عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين: إما أن لا تكتب عليه، وإما أن ~~تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل. وأما الثواب والعقاب على أعمال القلوب ~~فحق والقرآن والسنة مملوءان به، ولكن وقوع الطلاق والعتاق بالنية من غير ~~تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإن ما ms1407 يعاقب ~~عليه من أعمال القلوب هو معاص قلبية يستحق العقوبة عليها، كما يستحقه على ~~المعاصي البدنية إذ هي منافية لعبودية القلب، فإن الكبر والعجب والرياء وظن ~~السوء محرمات على القلب، وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها فيستحق العقوبة ~~على فعلها وهي أسماء لمعان مسمياتها قائمة بالقلب. # وأما العتاق والطلاق فاسمان لمسميين قائمين باللسان، أو ما ناب عنه من # PageV05P185 # إشارة أو كتابة وليسا اسمين لما في القلب مجردا عن النطق. # وتضمنت أن المكلف إذا هزل بالطلاق أو النكاح أو الرجعة لزمه ما هزل به، ~~فدل ذلك على أن كلام الهازل معتبر وإن لم يعتبر كلام النائم والناسي وزائل ~~العقل والمكره، والفرق بينهما أن الهازل قاصد للفظ غير مريد لحكمه، وذلك ~~ليس إليه فإنما إلى المكلف الأسباب، وأما ترتب مسبباتها وأحكامها فهو إلى ~~الشارع قصده المكلف أو لم يقصده، والعبرة بقصده السبب اختيارا في حال عقله ~~وتكليفه فإذا قصده، رتب الشارع عليه حكمه جد به أو هزل، وهذا بخلاف النائم ~~والمبرسم والمجنون والسكران وزائل العقل فإنهم ليس لهم قصد صحيح، وليسوا ~~مكلفين فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده. # وسر المسألة الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يرد حكمه، وبين من ~~لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة: # إحداها: أن لا يقصد الحكم ولا يتلفظ به. # الثانية: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه. # الثالثة: أن يقصد اللفظ دون حكمه. # الرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم فالأوليان لغو، والآخرتان معتبرتان. هذا ~~الذي استفيد من مجموع نصوصه وأحكامه وعلى هذا فكلام المكره كله لغو لا عبرة ~~به، وقد دل القرآن على أن من أكره على التكلم بكلمة الكفر لا يكفر ومن أكره ~~على الإسلام لا يصير به مسلما، ودلت السنة على أن الله سبحانه تجاوز عن ~~المكره فلم يؤاخذه بما أكره عليه، وهذا يراد به كلامه قطعا، وأما أفعاله، ~~ففيها تفصيل، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه كالأكل في نهار رمضان، ~~والعمل في الصلاة ms1408 ولبس المخيط في الإحرام ونحو ذلك. # وما لا يباح بالإكراه فهو مؤاخذ به كقتل المعصوم وإتلاف ماله وما اختلف ~~فيه كشرب الخمر # PageV05P186 # والزنى والسرقة هل يحد به أو لا؟ فالاختلاف هل يباح ذلك بالإكراه أو لا؟ ~~فمن لم يبحه حده به، ومن أباحه بالإكراه لم يحده، وفيه قولان للعلماء وهما ~~روايتان عن الإمام أحمد. # والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع ~~مفسدتها، بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال فإنها يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة ~~أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف ~~مفسدة القول، فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالما به مختارا له. # وقد روى وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن خيثمة عن عبد الرحمن، ~~قال: قالت امرأة لزوجها: سمني فسماها الظبية، فقالت: ما قلت شيئا، قال: ~~فهات ما أسميك به، قالت: سمني خلية طالقا، قال: أنت خلية طالق، فأتت عمر بن ~~الخطاب فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها، ~~وقال لزوجها: (خذ بيدها وأوجع رأسها) . # فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوج اللفظ الذي ~~يقع به الطلاق، بل قصد لفظا لا يريد به الطلاق، فهو كما لو قال لأمته أو ~~غلامه: إنها حرة. وأراد أنها ليست بفاجرة، أو قال لامرأته: أنت مسرحة أو ~~سرحتك. ومراده تسريح الشعر ونحو ذلك، فهذا لا يقع عتقه ولا طلاقه بينه وبين ~~الله تعالى، وإن قامت قرينة أو تصادقا في الحكم لم يقع به. # فإن قيل فهذا من أي الأقسام؟ فإنكم جعلتم المراتب أربعة، ومعلوم أن هذا ~~ليس بمكره ولا زائل العقل ولا هازل ولا قاصد لحكم اللفظ؟ قيل: هذا متكلم ~~باللفظ مريد به أحد معنييه، فلزم حكم ما أراده بلفظه دون ما لم يرده، فلا ~~يلزم بما لم يرده باللفظ إذا كان صالحا لما أراده، وقد «استحلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم ركانة لما طلق امرأته البتة فقال: (ما أردت؟ قال: # PageV05P187 # واحدة. قال: ms1409 آلله. قال: آلله. قال: هو ما أردت» ) فقبل منه نيته في اللفظ ~~المحتمل. وقد قال مالك: إذا قال أنت طالق البتة، وهو يريد أن يحلف على شيء ~~ثم بدا له، فترك اليمين فليست طالقا؛ لأنه لم يرد أن يطلقها، وبهذا أفتى ~~الليث بن سعد والإمام أحمد، حتى إن أحمد في رواية عنه يقبل منه ذلك في ~~الحكم. # وهذه المسألة لها ثلاث صور: # إحداها: أن يرجع عن يمينه ولم يكن التنجيز مراده، فهذه لا تطلق عليه في ~~الحال ولا يكون حالفا. # الثانية: أن يكون مقصوده اليمين لا التنجيز، فيقول: أنت طالق ومقصوده إن ~~كلمت زيدا. # الثالثة: أن يكون مقصوده اليمين من أول كلامه، ثم يرجع عن اليمين في ~~أثناء الكلام، ويجعل الطلاق منجزا، فهذا لا يقع به؛ لأنه لم ينو به ~~الإيقاع، وإنما نوى به التعليق، فكان قاصرا عن وقوع المنجز، فإذا نوى ~~التنجيز بعد ذلك لم يكن قد أتى في التنجيز بغير النية المجردة، وهذا قول ~~أصحاب أحمد. وقد قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] [البقرة: 225] # واللغو نوعان: أحدهما: أن يحلف على الشيء يظنه كما حلف عليه، فيتبين ~~بخلافه. والثاني: أن تجري اليمين على لسانه من غير قصد للحلف كلا والله، ~~وبلى والله في أثناء كلامه، وكلاهما رفع الله المؤاخذة به لعدم # PageV05P188 # قصد الحالف إلى عقد اليمين وحقيقتها وهذا تشريع منه سبحانه لعباده ألا ~~يرتبوا الأحكام على الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها حقائقها ومعانيها، ~~وهذا غير الهازل حقيقة وحكما. # وقد أفتى الصحابة بعدم وقوع طلاق المكره وإقراره، فصح عن عمر أنه قال: ~~ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أوجعته أو ضربته أو أوثقته، وصح عنه أن رجلا ~~تدلى بحبل ليشتار عسلا، فأتت امرأته فقالت: لأقطعن الحبل أو لتطلقني. ~~فناشدها الله فأبت فطلقها، فأتى عمر فذكر له ذلك، فقال له: ارجع إلى ~~امرأتك، فإن هذا ليس بطلاق. وكان علي لا يجيز طلاق المكره، وقال ثابت ~~الأعرج: سألت ابن عمر وابن الزبير عن ms1410 طلاق المكره، فقالا جميعا: ليس بشيء. # فإن قيل: فما تصنعون بما رواه الغازي بن جبلة عن صفوان بن عمران الأصم عن ~~رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن رجلا جلست امرأته على صدره ~~وجعلت السكين على حلقه، وقالت له: طلقني أو لأذبحنك، فناشدها فأبت، فطلقها ~~ثلاثا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لا قيلولة في الطلاق» ) ~~رواه سعيد بن منصور في " سننه ". # وروى عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله» ) . # وروى سعيد بن منصور: حدثنا فرج بن فضالة، حدثني عمرو بن شراحيل المعافري، ~~أن امرأة استلت سيفا فوضعته على بطن زوجها وقالت: والله لأنفذنك أو ~~لتطلقني، فطلقها ثلاثا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمضى طلاقها. وقال ~~علي: (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه) . # PageV05P189 # قيل أما خبر الغازي بن جبلة ففيه ثلاث علل: إحداها: ضعف صفوان بن عمرو، ~~والثانية: لين الغازي بن جبلة، والثالثة: تدليس بقية الراوي عنه، ومثل هذا ~~لا يحتج به قال أبو محمد ابن حزم: وهذا خبر في غاية السقوط. # وأما حديث ابن عباس: (كل الطلاق جائز) فهو من رواية عطاء بن عجلان، وضعفه ~~مشهور، وقد رمي بالكذب. قال أبو محمد ابن حزم: وهذا الخبر شر من الأول. # وأما أثر عمر فالصحيح عنه خلافه، كما تقدم، ولا يعلم معاصرة المعافري ~~لعمر وفرج بن فضالة فيه ضعف. # وأما أثر علي، فالذي رواه عنه الناس أنه كان لا يجيز طلاق المكره، وروى ~~عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حميد عن الحسن أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: كان لا يجيز طلاق المكره. فإن صح عنه ما ذكرتم فهو عام مخصوص ~~بهذا. ### | [فصل طلاق السكران] # فصل وأما طلاق السكران فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] [النساء: 43] فجعل سبحانه ~~قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا ms1411 يعلم ما يقول وصح عنه أنه أمر بالمقر ~~بالزنى أن يستنكه ليعتبر قوله الذي أقر به أو يلغى. # وفي " صحيح البخاري " في «قصة حمزة لما عقر بعيري علي فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فوقف عليه يلومه فصعد فيه النظر وصوبه وهو سكران ثم قال: هل ~~> # PageV05P190 # أنتم إلا عبيد لأبي، فنكص النبي - صلى الله عليه وسلم - على عقبيه» . ~~وهذا القول لو قاله غير سكران، لكان ردة وكفرا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة. # وصح عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه قال: (ليس لمجنون، ولا سكران ~~طلاق) ، رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان ~~بن عثمان، عن أبيه. # وقال عطاء: (طلاق السكران لا يجوز) ، وقال ابن طاووس عن أبيه: (طلاق ~~السكران لا يجوز) . وقال القاسم بن محمد: لا يجوز طلاقه. # وصح عن عمر بن عبد العزيز أنه أتي بسكران طلق، فاستحلفه بالله الذي لا ~~إله إلا هو: لقد طلقها وهو لا يعقل، فحلف، فرد إليه امرأته، وضربه الحد. # وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصاري، وحميد بن عبد الرحمن، وربيعة، والليث بن ~~سعد، وعبد الله بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، والشافعي في أحد ~~قوليه، واختاره المزني وغيره من الشافعية، ومذهب أحمد في إحدى الروايات ~~عنه، وهي التي استقر عليها مذهبه، وصرح برجوعه إليها، فقال في رواية أبي ~~طالب: الذي لا يأمر بالطلاق، إنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق فقد ~~أتى خصلتين؛ حرمها عليه، وأحلها لغيره، فهذا خير من هذا، وأنا أتقي جميعا. ~~وقال في رواية الميموني: قد كنت أقول إن طلاق السكران يجوز حتى تبينته، ~~فغلب علي أنه لا يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقر، لم يلزمه، ولو باع لم # PageV05P191 # يجز بيعه، قال: وألزمه الجناية، وما كان من غير ذلك، فلا يلزمه. قال أبو ~~بكر عبد العزيز: وبهذا أقول، وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم، واختاره من ~~الحنفية أبو جعفر الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي. # والذين أوقعوه لهم سبعة مآخذ. # أحدها: أنه مكلف، ولهذا ms1412 يؤاخذ بجناياته. # والثاني: أن إيقاع الطلاق عقوبة له. # والثالث: أن ترتب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها، فلا ~~يؤثر فيه السكر. # والرابع: أن الصحابة أقاموه مقام الصاحي في كلامه، فإنهم قالوا: إذا شرب ~~سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون. # والخامس: حديث: ( «لا قيلولة في الطلاق» ) ، وقد تقدم. # السادس: حديث: ( «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ) ، وقد تقدم. # والسابع: أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق، فرواه أبو عبيد عن عمر، ~~ومعاوية، ورواه غيره عن ابن عباس. قال أبو عبيد: حدثنا يزيد بن هارون، عن ~~جرير بن حازم، عن الزبير بن الحارث، عن أبي لبيد، أن رجلا طلق امرأته وهو ~~سكران، فرفع إلى عمر بن الخطاب، وشهد عليه أربع نسوة ففرق عمر بينهما. # قال: وحدثنا ابن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن جعفر بن ربيعة عن ابن ~~شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن معاوية أجاز طلاق السكران. هذا جميع ما احتجوا ~~به، وليس في شيء منه حجة أصلا. # PageV05P192 # فأما المأخذ الأول، وهو أنه مكلف، فباطل، إذ الإجماع منعقد على أن شرط ~~التكليف العقل، ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف. # وأيضا فلو كان مكلفا، لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرها على شربها، أو غير ~~عالم بأنها خمر، وهم لا يقولون به. # وأما خطابه، فيجب حمله على الذي يعقل الخطاب، أو على الصاحي، وأنه نهي عن ~~السكر إذا أراد الصلاة، وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى. # وأما إلزامه بجناياته، فمحل نزاع لا محل وفاق، فقال عثمان البتي: لا ~~يلزمه عقد ولا بيع ولا حد، إلا حد الخمر فقط، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ~~أنه كالمجنون في كل فعل يعتبر له العقل. # والذين اعتبروا أفعاله دون أقواله، فرقوا بفرقين، أحدهما: أن إسقاط ~~أفعاله ذريعة إلى تعطيل القصاص، إذ كل من أراد قتل غيره أو الزنى أو السرقة ~~أو الحراب، سكر وفعل ذلك، فيقام عليه الحد إذا أتى جرما واحدا، فإذا تضاعف ~~جرمه بالسكر كيف يسقط ms1413 عنه الحد؟ هذا مما تأباه قواعد الشريعة وأصولها، وقال ~~أحمد منكرا على من قال ذلك: وبعض من يرى طلاق السكران ليس بجائز يزعم أن ~~السكران لو جنى جناية، أو أتى حدا، أو ترك الصيام أو الصلاة، كان بمنزلة ~~المبرسم والمجنون، هذا كلام سوء. # والفرق الثاني: أن إلغاء أقواله لا يتضمن مفسدة؛ لأن القول المجرد من غير ~~العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال، فإن مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا وقعت، ~~فإلغاء أفعاله ضرر محض، وفساد منتشر بخلاف أقواله، فإن صح هذان الفرقان، ~~بطل الإلحاق، وإن لم يصحا كانت التسوية بين أقواله وأفعاله متعينة. # وأما المأخذ الثاني - وهو أن إيقاع الطلاق به عقوبة له - ففي غاية الضعف، ~~فإن الحد يكفيه عقوبة، وقد حصل رضى الله سبحانه من هذه العقوبة # PageV05P193 # بالحد، ولا عهد لنا في الشريعة بالعقوبة بالطلاق، والتفريق بين الزوجين. # وأما المأخذ الثالث: أن إيقاع الطلاق به من ربط الأحكام بالأسباب، ففي ~~غاية الفساد والسقوط، فإن هذا يوجب إيقاع الطلاق ممن سكر مكرها، أو جاهلا ~~بأنها خمر، وبالمجنون والمبرسم، بل وبالنائم، ثم يقال: وهل ثبت لكم أن طلاق ~~السكران سبب حتى يربط الحكم به، وهل النزاع إلا في ذلك؟ . # وأما المأخذ الرابع: وهو أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم: إذا شرب ~~سكر، وإذا سكر هذى. فهو خبر لا يصح البتة. # قال أبو محمد بن حزم: وهو خبر مكذوب قد نزه الله عليا وعبد الرحمن بن عوف ~~منه، وفيه من المناقضة ما يدل على بطلانه، فإن فيه إيجاب الحد على من هذى ~~والهاذي لا حد عليه. # وأما المأخذ الخامس وهو حديث: ( «لا قيلولة في الطلاق» ) ، فخبر لا يصح، ~~ولو صح لوجب حمله على طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه ~~طلاق المجنون والمبرسم والصبي. # وأما المأخذ السادس، وهو خبر: ( «كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ) ، ~~فمثله سواء لا يصح، ولو صح لكان في المكلف، وجواب ثالث: أن السكران الذي لا ~~يعقل إما معتوه، وإما ملحق به، وقد ادعت طائفة ms1414 أنه معتوه. قالوا: المعتوه ~~في اللغة: الذي لا عقل له، ولا يدري ما يتكلم به. # وأما المأخذ السابع: وهو أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق، فالصحابة # PageV05P194 # مختلفون في ذلك، فصح عن عثمان ما حكيناه عنه. # وأما أثر ابن عباس، فلا يصح عنه، لأنه من طريقين، في أحدهما الحجاج بن ~~أرطاة، وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى، وأما ابن عمر ومعاوية، فقد ~~خالفهما عثمان بن عفان. ### | [فصل طلاق الإغلاق] # فصل # وأما طلاق الإغلاق، فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل: وحديث عائشة - ~~رضي الله عنها - سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «لا طلاق ولا ~~عتاق في إغلاق» ) ، يعني الغضب، هذا نص أحمد حكاه عنه الخلال، وأبو بكر في ~~" الشافي "، و " زاد المسافر ". فهذا تفسير أحمد. # وقال أبو داود في " سننه ": أظنه الغضب، وترجم عليه: " باب الطلاق على ~~غلط ". وفسره أبو عبيد وغيره بأنه الإكراه، وفسره غيرهما بالجنون، وقيل: هو ~~نهي عن إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة، فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى ~~منه شيء، كغلق الرهن، حكاه أبو عبيد الهروي. # قال شيخنا: وحقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه، فلا يقصد الكلام، أو ~~لا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده وإرادته. قلت: قال أبو العباس المبرد: ~~الغلق: ضيق الصدر، وقلة الصبر بحيث لا يجد مخلصا، قال شيخنا: ويدخل في ذلك ~~طلاق المكره والمجنون، ومن زال عقله بسكر أو غضب، وكل من لا قصد له ولا ~~معرفة له بما قال. # والغضب على ثلاثة أقسام: # PageV05P195 # أحدها: ما يزيل العقل، فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا ~~نزاع. # والثاني: ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده، ~~فهذا يقع طلاقه. # الثالث: أن يستحكم ويشتد به، فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين ~~نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر، وعدم الوقوع في هذه ~~الحالة قوي متجه. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطلاق قبل النكاح] # في " السنن ": من ms1415 حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ( «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما ~~لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» ) . قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو ~~أحسن شيء في هذا الباب، وسألت محمد بن إسماعيل، فقلت: أي شيء أصح في الطلاق ~~قبل النكاح؟ فقال: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. # وروى أبو داود: ( «لا بيع إلا فيما يملك، ولا وفاء نذر إلا فيما يملك» ) ~~. # وفي " سنن ابن ماجه ": عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: ( «لا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك» ) . # وقال وكيع: حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، وعطاء بن أبي # PageV05P196 # رباح، كلاهما عن جابر بن عبد الله، يرفعه: ( «لا طلاق قبل نكاح» ) . # وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس رضي ~~الله عنه: (لا طلاق إلا من بعد نكاح) . # قال ابن جريج: بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: (إن طلق ما لم ينكح فهو ~~جائز) ، فقال ابن عباس: (أخطأ في هذا، إن الله تعالى يقول: {إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن} [الأحزاب: 49] ) [الأحزاب: 49] ، ولم يقل: إذا طلقتم ~~المؤمنات ثم نكحتموهن. # وذكر أبو عبيد: عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سئل عن رجل قال: ~~إن تزوجت فلانة فهي طالق، فقال علي: (ليس طلاق إلا من بعد ملك) . # وثبت عنه - رضي الله عنه - أنه قال: (لا طلاق إلا من بعد نكاح وإن سماها) ~~، وهذا قول عائشة، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحابهم، وداود ~~وأصحابه، وجمهور أهل الحديث. # ومن حجة هذا القول: أن القائل: إن تزوجت فلانة، فهي طالق مطلق لأجنبية، ~~وذلك محال، فإنها حين الطلاق المعلق أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، والنكاح ~~لا يكون طلاقا، فعلم أنها لو طلقت، فإنما يكون ذلك استنادا إلى الطلاق ~~المتقدم معلقا، وهي إذ ذاك أجنبية، وتجدد الصفة لا ms1416 يجعله متكلما بالطلاق ~~عند وجودها، فإنه عند وجودها مختار للنكاح غير مريد للطلاق، فلا يصح، كما ~~لو # PageV05P197 # قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت وهي زوجته، لم تطلق بغير ~~خلاف. # فإن قيل: فما الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق؟ فإنه لو قال: إن ملكت ~~فلانا فهو حر، صح التعليق، وعتق بالملك؟ . # قيل: في تعليق العتق قولان، وهما روايتان عن أحمد، كما عنه روايتان في ~~تعليق الطلاق، والصحيح من مذهبه الذي عليه أكثر نصوصه، وعليه أصحابه - صحة ~~تعليق العتق دون الطلاق، والفرق بينهما أن العتق له قوة وسراية، ولا يعتمد ~~نفوذ الملك، فإنه ينفذ في ملك الغير، ويصح أن يكون الملك سببا لزواله ~~بالعتق عقلا وشرعا، كما يزول ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرم بشرائه، وكما ~~لو اشترى عبدا ليعتقه في كفارة أو نذر، أو اشتراه بشرط العتق، وكل هذا يشرع ~~فيه جعل الملك سببا للعتق، فإنه قربة محبوبة لله تعالى، فشرع الله سبحانه ~~التوسل إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه وليس كذلك الطلاق، فإنه بغيض إلى ~~الله، وهو أبغض الحلال إليه، ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببا لإزالته ~~البتة، وفرق ثان أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات والتبرر، ~~كقوله: لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا، فإذا وجد الشرط، لزمه ما ~~علقه به من الطاعة المقصودة، فهذا لون، وتعليق الطلاق على الملك لون آخر. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها وتحريم إيقاع الثلاث جملة] # في " الصحيحين " «أن ابن عمر - رضي الله عنه - طلق امرأته وهي حائض على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (مره فليراجعها ثم ليمسكها ~~حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء يطلق قبل أن ~~يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» ) . # PageV05P198 # ولمسلم: ( «مره فليراجعها، ثم ليطلقها ms1417 طاهرا أو حاملا» ) . # وفي لفظ: ( «إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس، فذلك الطلاق للعدة كما أمره ~~الله تعالى» ) . وفي لفظ للبخاري: ( «مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل ~~عدتها» ) . # وفي لفظ لأحمد، وأبي داود، والنسائي، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: قال ~~«طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض، فردها عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يرها شيئا، وقال: (إذا طهرت فليطلق أو ليمسك» ) . # وقال ابن عمر رضي الله عنه: ( «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ".» ) في قبل عدتهن [الطلاق: 1] . ### | [أنواع الطلاق من حيث الحل والحرمة] # فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربعه أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام. # فالحلالان: أن يطلق امرأته طاهرا من غير جماع، أو يطلقها حاملا مستبينا ~~حملها. # PageV05P199 # والحرامان: أن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه هذا في طلاق ~~المدخول بها. # وأما من لم يدخل بها، فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا، كما قال تعالى: {لا ~~جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: ~~236] [البقرة: 236] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49] ، ~~وقد دل على هذا قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ، ~~وهذه لا عدة لها، ونبه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( ~~«فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» ) ، ولولا هاتان الآيتان ~~اللتان فيهما إباحة الطلاق قبل الدخول، لمنع من طلاق من لا عدة له عليها. # وفي " سنن النسائي " وغيره من حديث محمود بن لبيد، قال: «أخبر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، ~~فقال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم) ، حتى قام رجل، فقال: يا رسول ~~الله! أفلا أقتله» . # وفي " الصحيحين ": «عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا سئل عن ~~الطلاق قال: أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو ms1418 مرتين فإن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثا، فقد حرمت عليك حتى تنكح ~~زوجا غيرك، وعصيت # PageV05P200 # الله فيما أمرك من طلاق امرأتك» . # فتضمنت هذه النصوص أن المطلقة نوعان: مدخول بها وغير مدخول بها، وكلاهما ~~لا يجوز تطليقها ثلاثا مجموعة، ويجوز تطليق غير المدخول بها طاهرا وحائضا. # وأما المدخول بها، فإن كانت حائضا أو نفساء، حرم طلاقها، وإن كانت طاهرا، ~~فإن كانت مستبينة الحمل، جاز طلاقها بعد الوطء وقبله، وإن كانت حائلا لم ~~يجز طلاقها بعد الوطء في طهر الإصابة، ويجوز قبله. هذا الذي شرعه الله على ~~لسان رسوله من الطلاق، وأجمع المسلمون على وقوع الطلاق الذي أذن الله فيه، ~~وأباحه إذا كان من مكلف مختار، عالم بمدلول اللفظ، قاصد له. ### | [الاختلاف في وقوع المحرم من الطلاق] # واختلفوا في وقوع المحرم من ذلك، وفيه مسألتان: # المسألة الأولى: الطلاق في الحيض، أو في الطهر الذي واقعها فيه. # المسألة الثانية: في جمع الثلاث، ونحن نذكر المسألتين تحريرا وتقريرا، ~~كما ذكرناهما تصويرا، ونذكر حجج الفريقين، ومنتهى أقدام الطائفتين، مع ~~العلم بأن المقلد المتعصب لا يترك من قلده ولو جاءته كل آية، وأن طالب ~~الدليل لا يأتم بسواه، ولا يحكم إلا إياه، ولكل من الناس مورد لا يتعداه، ~~وسبيل لا يتخطاه، ولقد عذر من حمل ما انتهت إليه قواه، وسعى إلى حيث انتهت ~~إليه خطاه. ### | [هل يقع الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي واقعها فيه] # فأما المسألة الأولى، فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين ~~السلف والخلف، وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي ~~عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: # PageV05P201 # من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا. # كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين ~~والمتأخرين؟ قال محمد بن عبد السلام الخشني: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد ~~الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع ms1419 مولى ابن ~~عمر، (عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض: ~~قال ابن عمر: لا يعتد بذلك) ، ذكره أبو محمد بن حزم في " المحلى " بإسناده ~~إليه. # وقال عبد الرزاق في " مصنفه ": عن ابن جريج، (عن ابن طاووس، عن أبيه أنه ~~قال: كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة، وكان يقول: وجه ~~الطلاق أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وإذا استبان حملها) . # وقال الخشني: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا ~~همام بن يحيى، عن قتادة، (عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته ~~وهي حائض قال: لا يعتد بها) ، قال أبو محمد بن حزم: والعجب من جرأة من ادعى ~~الإجماع على خلاف هذا، وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في ~~الحيض أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - غير ~~رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منا عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين ~~عن عثمان وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما. # إحداهما: رويناها من طريق ابن وهب عن ابن سمعان، عن رجل أخبره أن عثمان ~~بن عفان - رضي الله عنه - كان يقضي في المرأة التي يطلقها زوجها وهي حائض ~~أنها لا تعتد بحيضتها تلك، وتعتد بعدها بثلاثة قروء. # PageV05P202 # قلت: وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان الكذاب، وقد رواه عن مجهول ~~لا يعرف. قال أبو محمد: والأخرى من طريق عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن ~~قيس بن سعد مولى أبي علقمة، عن رجل سماه، (عن زيد بن ثابت أنه قال فيمن طلق ~~امرأته وهي حائض: يلزمه الطلاق، وتعتد بثلاث حيض سوى تلك الحيضة) . # قال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون، ~~ونعوذ بالله من ذلك، وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة، ومن ~~جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك أن الطلاق في الحيض أو في ms1420 طهر جامعها فيه ~~بدعة نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لأمره، فإذا كان لا ~~شك في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرون أنها بدعة ~~وضلالة، أليس بحكم المشاهدة مجيز البدعة مخالفا لإجماع القائلين بأنها ~~بدعة؟ قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلاف، لكان القاطع على جميع أهل ~~الإسلام بما لا يقين عنده ولا بلغه عن جميعهم- كاذبا على جميعهم. ### | [أدلة المانعين من وقوع الطلاق المحرم] # قال المانعون من وقوع الطلاق المحرم: لا يزال النكاح المتيقن إلا بيقين ~~مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع متيقن. فإذا أوجدتمونا واحدا من هذه ~~الثلاثة، رفعنا حكم النكاح به، لا سبيل إلى رفعه بغير ذلك. قالوا: وكيف ~~والأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوعه، فإن هذا الطلاق لم يشرعه الله تعالى ~~البتة، ولا أذن فيه، فليس في شرعه، فكيف يقال بنفوذه وصحته؟ . # قالوا: وإنما يقع من الطلاق المحرم ما ملكه الله تعالى للمطلق، ولهذا لا ~~يقع به الرابعة؛ لأنه لم يملكها إياه، ومن المعلوم أنه لم يملكه الطلاق ~~المحرم، ولا أذن له فيه، فلا يصح، ولا يقع. # قالوا: ولو وكل وكيلا أن يطلق امرأته طلاقا جائزا، فطلق طلاقا # PageV05P203 # محرما لم يقع، لأنه غير مأذون له فيه، فكيف كان إذن المخلوق معتبرا في ~~صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع، ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرف ~~بالإذن، فما لم يأذن به الله ورسوله لا يكون محلا للتصرف البتة. # قالوا: وأيضا فالشارع قد حجر على الزوج أن يطلق في حال الحيض أو بعد ~~الوطء في الطهر، فلو صح طلاقه لم يكن لحجر الشارع معنى، وكان حجر القاضي ~~على من منعه التصرف أقوى من حجر الشارع حيث يبطل التصرف بحجره. # قالوا: وبهذا أبطلنا البيع وقت النداء يوم الجمعة؛ لأنه بيع حجر الشارع ~~على بائعه هذا الوقت، فلا يجوز تنفيذه وتصحيحه. # قالوا: ولأنه طلاق محرم منهي عنه، فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فلو ~~صححناه لكان لا فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه من جهة ms1421 الصحة والفساد. # قالوا: وأيضا فالشارع إنما نهى عنه وحرمه، لأنه يبغضه، ولا يحب وقوعه، بل ~~وقوعه مكروه إليه، فحرمه لئلا يقع ما يبغضه ويكرهه، وفي تصحيحه وتنفيذه ضد ~~هذا المقصود. # قالوا: وإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه ~~وبين الطلاق، وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرمه ونهى ~~عنه من الطلاق، والنهي يقتضي البطلان في الموضعين؟ # قالوا: ويكفينا من هذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العام الذي ~~لا تخصيص فيه برد ما خالف أمره وإبطاله وإلغائه، كما في " الصحيح " عنه، من ~~حديث عائشة - رضي الله عنها -: ( «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» ) ، وفي ~~رواية ( «من # PageV05P204 # عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ) . وهذا صريح أن هذا الطلاق المحرم ~~الذي ليس عليه أمره - صلى الله عليه وسلم - مردود باطل، فكيف يقال: إنه ~~صحيح لازم نافذ؟ فأين هذا من الحكم برده؟ # قالوا: وأيضا فإنه طلاق لم يشرعه الله أبدا، وكان مردودا باطلا كطلاق ~~الأجنبية، ولا ينفعكم الفرق بأن الأجنبية ليست محلا للطلاق بخلاف الزوجة، ~~فإن هذه الزوجة ليست محلا للطلاق المحرم، ولا هو مما ملكه الشارع إياه. # قالوا: وأيضا فإن الله سبحانه إنما أمر بالتسريح بإحسان، ولا أشر من ~~التسريح الذي حرمه الله ورسوله، وموجب عقد النكاح أحد أمرين: إما إمساك ~~بمعروف، أو تسريح بإحسان، والتسريح المحرم أمر ثالث غيرهما، فلا عبرة به ~~البتة. # قالوا: وقد قال الله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] ، وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله ~~مراده من كلامه، أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر ~~الذي لم يجامع فيه، أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس بطلاق للعدة في ~~حق المدخول بها، فلا يكون طلاقا، فكيف تحرم المرأة به؟ # قالوا: وقد قال تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] [البقرة: 269] ، ~~ومعلوم أنه إنما أراد الطلاق المأذون فيه، وهو الطلاق للعدة، فدل على أن ما ~~عداه ليس من الطلاق، ms1422 فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به ~~الرجعة في مرتين، فلا يكون ما عداه طلاقا. قالوا: ولهذا كان الصحابة - رضي ~~الله عنهم - يقولون: إنهم لا طاقة لهم بالفتوى في الطلاق المحرم، كما روى ~~ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: # PageV05P205 # (من طلق كما أمره الله، فقد بين الله له، ومن خالف، فإنا لا نطيق خلافه، ~~ولو وقع طلاق المخالف لم يكن الإفتاء به غير مطاق لهم، ولم يكن للتفريق ~~معنى إذ كان النوعان واقعين نافذين) . # (وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضا: من أتى الأمر على وجهه فقد بين ~~الله له، وإلا فوالله ما لنا طاقة بكل ما تحدثون) . # وقال بعض الصحابة وقد سئل عن الطلاق الثلاث مجموعة: (من طلق كما أمر، فقد ~~بين له، ومن لبس تركناه وتلبيسه) . # قالوا: ويكفي من ذلك كله (ما رواه أبو داود بالسند الصحيح الثابت: حدثنا ~~أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير ~~«أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر قال أبو الزبير وأنا ~~أسمع: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضا ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر عن ذلك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، قال عبد ~~الله: فردها علي ولم يرها شيئا، وقال: إذا طهرت، فليطلق أو ليمسك، قال ابن ~~عمر: وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن) في قبل عدتهن.» # قالوا: وهذا إسناد في غاية الصحة، فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ ~~والثقة، وإنما يخشى من تدليسه، فإذا قال: سمعت أو حدثني، زال محذور ~~التدليس، وزالت العلة المتوهمة، وأكثر أهل الحديث يحتجون به إذا قال: " عن ~~" ولم يصرح بالسماع، ومسلم يصحح ذلك من حديثه، فأما إذا صرح بالسماع، فقد ~~زال الإشكال، وصح الحديث، ms1423 وقامت الحجة. # قالوا: ولا نعلم في خبر أبي الزبير هذا ما يوجب رده، وإنما رده من # PageV05P206 # رده استبعادا واعتقادا أنه خلاف الأحاديث الصحيحة، ونحن نحكي كلام من ~~رده، ونبين أنه ليس فيه ما يوجب الرد. # قال أبو داود: والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. # وقال الشافعي: ونافع أثبت عن ابن عمر من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين ~~أولى أن يقال به إذا خالفه. # وقال الخطابي: حديث يونس بن جبير أثبت من هذا، يعني قوله: ( «مره ~~فليراجعها "، وقوله: " أرأيت إن عجز واستحمق "؟ قال: فمه» ) . # قال ابن عبد البر: وهذا لم ينقله عنه أحد غير أبي الزبير، وقد رواه عنه ~~جماعة أجلة، فلم يقل ذلك أحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه ~~مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه. # وقال بعض أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا. # فهذا جملة ما رد به خبر أبي الزبير، وهو عند التأمل لا يوجب رده ولا ~~بطلانه. ### | [الرد على من ضعف حديث أبي الزبير] # أما قول أبي داود الأحاديث كلها على خلافه، فليس بأيديكم سوى تقليد أبي ~~داود، وأنتم لا ترضون ذلك، وتزعمون أن الحجة من جانبكم، فدعوا التقليد، ~~وأخبرونا أين في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير؟ فهل فيها حديث ~~واحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتسب عليه تلك الطلقة، وأمره أن ~~يعتد بها، فإن كان ذلك، فنعم والله هذا خلاف صريح لحديث أبي الزبير، ولا ~~تجدون إلى ذلك سبيلا، وغاية ما بأيديكم ( «مره فليراجعها» ) ، والرجعة ~~تستلزم وقوع الطلاق. # (وقول ابن عمر، وقد سئل أتعتد بتلك التطليقة؟ فقال: " أرأيت إن عجز ~~واستحمق "، وقول نافع أو من دونه: " فحسبت من طلاقها) ، وليس وراء ذلك حرف ~~واحد يدل على وقوعها # PageV05P207 # والاعتداد بها، ولا ريب في صحة هذه الألفاظ، ولا مطعن فيها، وإنما الشأن ~~كل الشأن في معارضتها، لقوله: ( «فردها علي ولم يرها شيئا» ) ، وتقديمها ~~عليه، ومعارضتها لتلك الأدلة المتقدمة التي سقناها، وعند الموازنة يظهر ~~التفاوت، وعدم ms1424 المقاومة، ونحن نذكر ما في كلمة كلمة منها. ### | [معنى المراجعة في كلام الله ورسوله] # أما قوله: ( «مره فليراجعها» ) ، فالمراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله ~~على ثلاث معان: # أحدها: ابتداء النكاح، كقوله تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} [البقرة: 230] [البقرة: 230] ، ولا ~~خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أن المطلق هاهنا: هو الزوج الثاني، وأن ~~التراجع بينها وبين الزوج الأول، وذلك نكاح مبتدأ. # وثانيهما: الرد الحسي إلى الحالة التي كان عليها أولا، ( «كقوله لأبي ~~النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلاما خصه به دون ولده: رده» ) ، فهذا رد ما ~~لم تصح فيه الهبة الجائزة التي سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -جورا ~~وأخبر أنها لا تصلح، وأنها خلاف العدل، كما سيأتي تقريره إن شاء الله ~~تعالى. # ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع، فنهاه عن ذلك، ورد ~~البيع، وليس هذا الرد مستلزما لصحة البيع، فإنه بيع باطل، بل هو رد شيئين ~~إلى حالة اجتماعهما كما كانا، وهكذا الأمر بمراجعة ابن عمر امرأته ارتجاع ~~ورد إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع ~~الطلاق في الحيض البتة. # وأما قوله: ( «أرأيت إن عجز واستحمق» ) ، فيا سبحان الله أين البيان في ~~هذا اللفظ بأن تلك الطلقة حسبها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والأحكام لا تؤخذ بمثل هذا، ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ~~حسبها عليه واعتد عليه بها - لم يعدل عن الجواب بفعله وشرعه إلى: أرأيت، ~~وكان ابن عمر أكره ما إليه " أرأيت " # PageV05P208 # فكيف يعدل للسائل عن صريح السنة إلى لفظة " أرأيت " الدالة على نوع من ~~الرأي سببه عجز المطلق وحمقه عن إيقاع الطلاق على الوجه الذي أذن الله له ~~فيه، والأظهر فيما هذه صفته أنه لا يعتد به، وأنه ساقط من فعل فاعله، لأنه ~~ليس في دين الله تعالى حكم نافذ سببه العجز والحمق عن امتثال الأمر، إلا أن ~~يكون ms1425 فعلا لا يمكن رده بخلاف العقود المحرمة التي من عقدها على الوجه ~~المحرم، فقد عجز واستحمق، وحينئذ فيقال: هذا أدل على الرد منه على الصحة ~~واللزوم، فإنه عقد عاجز أحمق على خلاف أمر الله ورسوله، فيكون مردودا ~~باطلا، فهذا الرأي والقياس أدل على بطلان طلاق من عجز واستحمق منه على صحته ~~واعتباره. # وأما قوله: فحسبت من طلاقها. ففعل مبني لما لم يسم فاعله، فإذا سمي ~~فاعله، ظهر، وتبين هل في حسبانه حجة أو لا؟ وليس في حسبان الفاعل المجهول ~~دليل البتة. وسواء كان القائل " فحسبت " ابن عمر أو نافعا أو من دونه، وليس ~~فيه بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حسبها حتى تلزم ~~الحجة به، وتحرم مخالفته، فقد تبين أن سائر الأحاديث لا تخالف حديث أبي ~~الزبير، وأنه صريح في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرها شيئا، ~~وسائر الأحاديث مجملة لا بيان فيها. ### | [رد الموقعين للطلاق على المانعين] # قال الموقعون: لقد ارتقيتم أيها المانعون مرتقى صعبا، وأبطلتم أكثر طلاق ~~المطلقين، فإن غالبه طلاق بدعي، وجاهرتم بخلاف الأئمة، ولم تتحاشوا خلاف ~~الجمهور، وشذذتم بهذا القول الذي أفتى جمهور الصحابة ومن بعدهم بخلافه، ~~والقرآن والسنن تدل على بطلانه. قال تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، وهذا يعم كل طلاق، وكذلك قوله: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] [البقرة: 228] ، ولم ~~يفرق، وكذلك قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ، وقوله: {وللمطلقات ~~متاع} [البقرة: 241] # PageV05P209 # [البقرة: 241] ، وهذه مطلقة وهي عمومات لا يجوز تخصيصها إلا بنص أو ~~إجماع. # قالوا: وحديث ابن عمر دليل على وقوع الطلاق المحرم من وجوه. أحدها: الأمر ~~بالمراجعة، وهي لم شعث النكاح، وإنما شعثه وقوع الطلاق. # الثاني: قول ابن عمر فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقها، وكيف يظن ~~بابن عمر أنه يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيحسبها من طلاقها، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرها شيئا. # الثالث: ( «قول ابن عمر لما قيل له: أيحتسب بتلك التطليقة؟ ms1426 قال: أرأيت إن ~~عجز واستحمق» ) أي: عجزه وحمقه لا يكون عذرا له في عدم احتسابه بها. # الرابع: أن ابن عمر قال: وما يمنعني أن أعتد بها، وهذا إنكار منه لعدم ~~الاعتداد بها، وهذا يبطل تلك اللفظة التي رواها عنه أبو الزبير، إذ كيف ~~يقول ابن عمر: وما يمنعني أن أعتد بها؟ وهو يرى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قد ردها عليه، ولم يرها شيئا. # الخامس: أن مذهب ابن عمر الاعتداد بالطلاق في الحيض، وهو صاحب القصة، ~~وأعلم الناس بها، وأشدهم اتباعا للسنن، وتحرجا من مخالفتها. قالوا: وقد روى ~~ابن وهب في " جامعه "، حدثنا ابن أبي ذئب أن نافعا أخبرهم، ( «عن ابن عمر ~~أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك، فقال: " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن ~~شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن ~~تطلق لها النساء وهي واحدة» ) ، هذا لفظ حديثه. # PageV05P210 # قالوا: وروى عبد الرزاق، ( «عن ابن جريج قال: أرسلنا إلى نافع وهو يترجل ~~في دار الندوة ذاهبا إلى المدينة، ونحن مع عطاء: هل حسبت تطليقة عبد الله ~~بن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم» ) ~~. # قالوا: وروى حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس - رضي الله عنه ~~- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «من طلق في بدعة ألزمناه ~~بدعته» ) رواه عبد الباقي بن قانع، عن زكريا الساجي حدثنا إسماعيل بن أمية ~~الذارع حدثنا حماد فذكره. # قالوا: وقد تقدم مذهب عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت في فتواهما بالوقوع. # قالوا: وتحريمه لا يمنع ترتب أثره وحكمه عليه كالظهار، فإنه منكر من ~~القول وزور، وهو محرم بلا شك، وترتب أثره عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن ~~يكفر، فهكذا الطلاق البدعي محرم، ويترتب عليه أثره إلى أن يراجع، ولا فرق ~~بينهما. # قالوا: وهذا (ابن عمر يقول للمطلق ms1427 ثلاثا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، ~~وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك) ، فأوقع عليه الطلاق الذي عصى به ~~المطلق ربه عز وجل. # PageV05P211 # قالوا: وكذلك القذف محرم، وترتب عليه أثره من الحد، ورد الشهادة وغيرهما. # قالوا: والفرق بين النكاح المحرم، والطلاق المحرم أن النكاح عقد يتضمن حل ~~الزوجة وملك بضعها، فلا يكون إلا على الوجه المأذون فيه شرعا، فإن الأبضاع ~~في الأصل على التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الشارع، بخلاف الطلاق، ~~فإنه إسقاط لحقه وإزالة لملكه، وذلك لا يتوقف على كون السبب المزيل مأذونا ~~فيه شرعا، كما يزول ملكه عن العين بالإتلاف المحرم، وبالإقرار الكاذب، ~~وبالتبرع المحرم كهبتها لمن يعلم أنه يستعين بها على المعاصي والآثام. # قالوا: والإيمان أصل العقود وأجلها وأشرفها، يزول بالكلام المحرم إذا كان ~~كفرا، فكيف لا يزول عقد النكاح بالطلاق المحرم الذي وضع لإزالته. # قالوا: ولو لم يكن معنا في المسألة إلا طلاق الهازل، فإنه يقع مع تحريمه ~~لأنه لا يحل له الهزل بآيات الله، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( ~~«ما بال أقوام يتخذون آيات الله هزوا: طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك» ) ، ~~فإذا وقع طلاق الهازل مع تحريمه، فطلاق الجاد أولى أن يقع مع تحريمه. # قالوا: وفرق آخر بين النكاح المحرم، والطلاق المحرم، أن النكاح نعمة فلا ~~تستباح بالمحرمات، وإزالته وخروج البضع عن ملكه نقمة، فيجوز أن يكون سببها ~~محرما. # قالوا: وأيضا فإن الفروج يحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق، وتجديد ~~الرجعة والعقد. # قالوا: وقد عهدنا النكاح لا يدخل فيه إلا بالتشديد والتأكيد من الإيجاب ~~والقبول والولي والشاهدين، ورضى الزوجة المعتبر رضاها # PageV05P212 # ويخرج منه بأيسر شيء، فلا يحتاج الخروج منه إلى شيء من ذلك، بل يدخل فيه ~~بالعزيمة، ويخرج منه بالشبهة، فأين أحدهما من الآخر حتى يقاس عليه. # قالوا: ولو لم يكن بأيدينا إلا قول حملة الشرع كلهم قديما وحديثا: طلق ~~امرأته وهي حائض، والطلاق نوعان، طلاق سنة، وطلاق بدعة، (وقول ابن عباس - ~~رضي الله عنه - الطلاق على أربعة أوجه: وجهان ms1428 حلال، ووجهان حرام) ، فهذا ~~الإطلاق والتقسيم دليل على أنه عندهم طلاق حقيقة، وشمول اسم الطلاق له ~~كشموله للطلاق الحلال، ولو كان لفظا مجردا لغوا لم يكن له حقيقة، ولا قيل: ~~طلق امرأته، فإن هذا اللفظ إذا كان لغوا كان وجوده كعدمه، ومثل هذا لا يقال ~~فيه طلق، ولا يقسم الطلاق - وهو غير واقع - إليه وإلى الواقع، فإن الألفاظ ~~اللاغية التي ليس لها معان ثابتة لا تكون هي ومعانيها قسما من الحقيقة ~~الثابتة لفظا، فهذا أقصى ما تمسك به الموقعون، وربما ادعى بعضهم الإجماع ~~لعدم علمه بالنزاع. ### | [رد المانعين على الموقعين] # قال المانعون من الوقوع: الكلام معكم في ثلاث مقامات بها يستبين الحق في ~~المسألة. # المقام الأول: بطلان ما زعمتم من الإجماع، وأنه لا سبيل لكم إلى إثباته ~~البتة، بل العلم بانتفائه معلوم. # المقام الثاني: أن فتوى الجمهور بالقول لا يدل على صحته، وقول الجمهور ~~ليس بحجة. # PageV05P213 # المقام الثالث: أن الطلاق المحرم لا يدخل تحت نصوص الطلاق المطلقة التي ~~رتب الشارع عليها أحكام الطلاق، فإن ثبتت لنا هذه المقامات الثلاث، كنا ~~أسعد بالصواب منكم في المسألة. # فنقول: أما المقام الأول، فقد تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان ~~دعوى الإجماع، كيف، ولو لم يعلم ذلك لم يكن لكم سبيل إلى إثبات الإجماع ~~الذي تقوم به الحجة، وتنقطع معه المعذرة، وتحرم معه المخالفة، فإن الإجماع ~~الذي يوجب ذلك هو الإجماع القطعي المعلوم. # وأما المقام الثاني: وهو أن الجمهور على هذا القول، فأوجدونا في الأدلة ~~الشرعية أن قول الجمهور حجة مضافة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع أمته. # ومن تأمل مذاهب العلماء قديما وحديثا من عهد الصحابة وإلى الآن، واستقرأ ~~أحوالهم وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكل منهم أقوالا عديدة ~~انفرد بها عن الجمهور، ولا يستثنى من ذلك أحد قط، ولكن مستقل ومستكثر فمن ~~شئتم سميتموه من الأئمة تتبعوا ما له من الأقوال التي خالف فيها الجمهور، ~~ولو تتبعنا ذلك وعددناه، لطال الكتاب به جدا، ونحن نحيلكم على الكتب ~~المتضمنة ms1429 لمذاهب العلماء واختلافهم، ومن له معرفة بمذاهبهم وطرائقهم، يأخذ ~~إجماعهم على ذلك من اختلافهم، ولكن هذا في المسائل التي يسوغ فيها ~~الاجتهاد، ولا تدفعها السنة الصحيحة الصريحة، وأما ما كان هذا سبيله، فإنهم ~~كالمتفقين على إنكاره ورده، وهذا هو المعلوم من مذاهبهم في الموضعين. # وأما المقام الثالث: وهو دعواكم دخول الطلاق المحرم تحت نصوص الطلاق، ~~وشمولها للنوعين إلى آخر كلامكم، فنسألكم: ما تقولون فيمن ادعى دخول أنواع ~~البيع المحرم، والنكاح المحرم تحت نصوص البيع # PageV05P214 # والنكاح، وقال: شمول الاسم للصحيح من ذلك والفاسد سواء؟ بل وكذلك سائر ~~العقود المحرمة إذا ادعى دخولها تحت ألفاظ العقود الشرعية، وكذلك العبادات ~~المحرمة المنهي عنها إذا ادعى دخولها تحت الألفاظ الشرعية، وحكم لها بالصحة ~~لشمول الاسم لها، هل تكون دعواه صحيحة أو باطلة؟ # فإن قلتم: صحيحة ولا سبيل لكم إلى ذلك، كان قولا معلوم الفساد بالضرورة ~~من الدين، وإن قلتم: دعواه باطلة، تركتم قولكم ورجعتم إلى ما قلناه، وإن ~~قلتم: تقبل في موضع، وترد في موضع، قيل لكم: ففرقوا بفرقان صحيح مطرد ~~منعكس، معكم به برهان من الله بين ما يدخل من العقود المحرمة تحت ألفاظ ~~النصوص، فيثبت له حكم الصحة، وبين ما لا يدخل تحتها، فيثبت له حكم البطلان، ~~وإن عجزتم عن ذلك، فاعلموا أنه ليس بأيديكم سوى الدعوى التي يحسن كل أحد ~~مقابلتها بمثلها، أو الاعتماد على من يحتج لقوله لا بقوله، وإذا كشف الغطاء ~~عما قررتموه في هذه الطريق وجد عين محل النزاع، فقد جعلتموه مقدمة في ~~الدليل، وذلك عين المصادرة على المطلوب، فهل وقع النزاع إلا في دخول الطلاق ~~المحرم المنهي عنه تحت قوله: {وللمطلقات متاع} [البقرة: 241] ، وتحت قوله: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ، وأمثال ذلك، وهل ~~سلم لكم منازعوكم قط ذلك حتى تجعلوه مقدمة لدليلكم؟ # قالوا: وأما استدلالكم بحديث ابن عمر، فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب ~~منه إلى أن يكون حجة لكم من وجوه: # أحدها: صريح قوله: ( «فردها علي ولم يرها شيئا» ) ، وقد تقدم بيان صحته. ~~قالوا: ms1430 فهذا الصريح الصحيح ليس بأيديكم ما يقاومه في الموضعين، بل جميع تلك ~~الألفاظ إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة كما ستقفون عليه. # الثاني: أنه قد صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - بإسناد كالشمس من # PageV05P215 # رواية عبيد الله، عن نافع عنه، في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال: لا ~~يعتد بذلك وقد تقدم. # الثالث: أنه لو كان صريحا في الاعتداد به، لما عدل به إلى مجرد الرأي ~~وقوله للسائل: أرأيت؟ # الرابع: أن الألفاظ قد اضطربت عن ابن عمر في ذلك اضطرابا شديدا، وكلها ~~صحيحة عنه، وهذا يدل على أنه لم يكن عنده نص صريح عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في وقوع تلك الطلقة والاعتداد بها، وإذا تعارضت تلك الألفاظ، ~~نظرنا إلى مذهب ابن عمر وفتواه، فوجدناه صريحا في عدم الوقوع، ووجدنا أحد ~~ألفاظ حديثه صريحا في ذلك، فقد اجتمع صريح روايته وفتواه على عدم الاعتداد، ~~وخالف في ذلك ألفاظ مجملة مضطربة، كما تقدم بيانه. # وأما قول ابن عمر - رضي الله عنه -: وما لي لا أعتد بها، وقوله: أرأيت إن ~~عجز واستحمق، فغاية هذا أن يكون رواية صريحة عنه بالوقوع، ويكون عنه ~~روايتان. # وقولكم: كيف يفتي بالوقوع وهو يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قد ردها عليه ولم يعتد عليه بها؟ فليس هذا بأول حديث خالفه راويه، وله ~~بغيره من الأحاديث التي خالفها راويها أسوة حسنة في تقديم رواية الصحابي ~~ومن بعده على رأيه. # وقد روى ابن عباس حديث بريرة، وأن بيع الأمة ليس بطلاقها، وأفتى بخلافه، ~~فأخذ الناس بروايته، وتركوا رأيه، وهذا هو الصواب، فإن الرواية معصومة عن ~~معصوم، والرأي بخلافها، كيف وأصرح الروايتين عنه موافقته لما رواه من عدم ~~الوقوع على أن في هذا فقها دقيقا إنما يعرفه من له غور على أقوال الصحابة ~~ومذاهبهم، وفهمهم عن الله ورسوله، واحتياطهم للأمة، > # PageV05P216 # ولعلك تراه قريبا عند الكلام على حكمه - صلى الله عليه وسلم - في إيقاع ~~الطلاق الثلاث جملة. # وأما قوله في حديث ابن ms1431 وهب عن ابن أبي ذئب في آخره، وهي واحدة فلعمر الله ~~لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قدمنا ~~عليها شيئا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده ~~أم ابن أبي ذئب، أم نافع، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما لا يتيقن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، وترتب عليه الأحكام، ~~ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال، والظاهر أنها من قول من دون ابن ~~عمر - رضي الله عنه - ومراده بها أن ابن عمر إنما طلقها طلقة واحدة، ولم ~~يكن ذلك منه ثلاثا، أي طلق ابن عمر - رضي الله عنه - امرأته واحدة على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره. # وأما حديث ابن جريج عن عطاء عن نافع، أن تطليقة عبد الله حسبت عليه، فهذا ~~غايته أن يكون من كلام نافع، ولا يعرف من الذي حسبها، أهو عبد الله نفسه، ~~أو أبوه عمر، أو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ولا يجوز أن يشهد على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوهم والحسبان، وكيف يعارض صريح قوله: ~~ولم يرها شيئا بهذا المجمل؟ والله يشهد - وكفى بالله شهيدا - أنا لو تيقنا ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حسبها عليه، لم نتعد ذلك، ولم ~~نذهب إلى سواه. # وأما حديث أنس: ( «من طلق في بدعة ألزمناه بدعته» ) ، فحديث باطل على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نشهد بالله أنه حديث باطل عليه، ولم ~~يروه أحد من الثقات من أصحاب حماد بن زيد، وإنما هو من حديث إسماعيل بن ~~أمية الذارع الكذاب الذي يذرع ويفصل، ثم الراوي له عنه عبد الباقي بن قانع، ~~وقد ضعفه البرقاني وغيره، وكان قد اختلط في آخر عمره، وقال # PageV05P217 # الدارقطني: يخطئ كثيرا، ومثل هذا إذا تفرد بحديث لم يكن حديثه حجة. # وأما إفتاء عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - بالوقوع، فلو ~~صح ذلك ولا ms1432 يصح أبدا، فإن أثر عثمان، فيه كذاب عن مجهول لا يعرف عينه ولا ~~حاله، فإنه من رواية ابن سمعان، عن رجل، وأثر زيد: فيه مجهول عن مجهول: قيس ~~بن سعد، عن رجل سماه عن زيد، فيالله العجب، أين هاتان الروايتان من رواية ~~عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن عبيد الله حافظ الأمة، عن نافع عن ابن ~~عمر أنه قال: لا يعتد بها. فلو كان هذا الأثر من قبلكم، لصلتم به وجلتم. # وأما قولكم: إن تحريمه لا يمنع ترتب أثره عليه، كالظهار، فيقال أولا: هذا ~~قياس يدفعه ما ذكرناه من النص، وسائر تلك الأدلة التي هي أرجح منه، ثم يقال ~~ثانيا: هذا معارض بمثله سواء معارضة القلب بأن يقال: تحريمه يمنع ترتب أثره ~~عليه كالنكاح، ويقال ثالثا: ليس للظهار جهتان: جهة حل، وجهة حرمة، بل كله ~~حرام، فإنه منكر من القول وزور، فلا يمكن أن ينقسم إلى حلال جائز، وحرام ~~باطل، بل هو بمنزلة القذف من الأجنبي والردة، فإذا وجد لم يوجد إلا مع ~~مفسدته، فلا يتصور أن يقال: منه حلال صحيح، وحرام باطل، بخلاف النكاح ~~والطلاق والبيع، فالظهار نظير الأفعال المحرمة التي إذا وقعت قارنتها ~~مفاسدها، فترتبت عليها أحكامها، وإلحاق الطلاق بالنكاح والبيع والإجارة ~~والعقود المنقسمة إلى حلال وحرام وصحيح وباطل - أولى. # وأما قولكم: إن النكاح عقد يملك به البضع، والطلاق عقد يخرج به، فنعم. من ~~أين لكم برهان من الله ورسوله بالفرق بين العقدين في اعتبار حكم أحدهما، ~~والإلزام به وتنفيذه، وإلغاء الآخر وإبطاله؟ # وأما زوال ملكه عن العين بالإتلاف المحرم، فذلك ملك قد زال حسا، # PageV05P218 # ولم يبق له محل. وأما زواله بالإقرار الكاذب، فأبعد وأبعد، فإنا صدقناه ~~ظاهرا في إقراره، وأزلنا ملكه بالإقرار المصدق فيه وإن كان كاذبا. # وأما زوال الإيمان بالكلام الذي هو كفر، فقد تقدم جوابه، وأنه ليس في ~~الكفر حلال وحرام. # وأما طلاق الهازل، فإنما وقع، لأنه صادف محلا، وهو طهر لم يجامع فيه ~~فنفذ، وكونه هزل به إرادة منه أن لا يترتب أثره ms1433 عليه، وذلك ليس إليه، بل ~~إلى الشارع، فهو قد أتى بالسبب التام، وأراد ألا يكون سببه، فلم ينفعه ذلك، ~~بخلاف من طلق في غير زمن الطلاق، فإنه لم يأت بالسبب الذي نصبه الله سبحانه ~~مفضيا إلى وقوع الطلاق، وإنما أتى بسبب من عنده، وجعله هو مفضيا إلى حكمه، ~~وذلك ليس إليه. # وأما قولكم: إن النكاح نعمة، فلا يكون سببه إلا طاعة بخلاف الطلاق، فإنه ~~من باب إزالة النعم، فيجوز أن يكون سببه معصية، فيقال: قد يكون الطلاق من ~~أكبر النعم التي يفك بها المطلق الغل من عنقه، والقيد من رجله، فليس كل ~~طلاق نقمة، بل من تمام نعمة الله على عباده أن مكنهم من المفارقة بالطلاق ~~إذا أراد أحدهم استبدال زوج مكان زوج، والتخلص ممن لا يحبها ولا يلائمها، ~~فلم ير للمتحابين مثل النكاح، ولا للمتباغضين مثل الطلاق، ثم كيف يكون نقمة ~~والله تعالى يقول: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: ~~236] [البقرة: 236] ، ويقول: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ؟ . # وأما قولكم: إن الفروج يحتاط لها، فنعم، وهكذا قلنا سواء، فإنا احتطنا ~~وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين، فإذا أخطأنا ~~فخطؤنا في جهة واحدة، وإن أصبنا فصوابنا في جهتين، جهة الزوج الأول، وجهة ~~الثاني، وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفرج على من # PageV05P219 # كان حلالا له بيقين، وإحلاله لغيره، فإن كان خطأ، فهو خطأ من جهتين، ~~فتبين أنا أولى بالاحتياط منكم، وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في ~~طلاق السكران نظير هذا الاحتياط سواء، فقال: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى ~~خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق أتى خصلتين؛ حرمها عليه، وأحلها لغيره، ~~فهذا خير من هذا. # وأما قولكم: إن النكاح يدخل فيه بالعزيمة والاحتياط، ويخرج منه بأدنى ~~شيء، قلنا: ولكن لا يخرج منه إلا بما نصبه الله سببا يخرج به منه، وأذن ~~فيه: وأما ما ينصبه المؤمن عنده، ويجعله هو سببا للخروج منه، فكلا. فهذا ~~منتهى أقدام الطائفتين في هذه ms1434 المسألة الضيقة المعترك، الوعرة المسلك التي ~~يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان، وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان، وإنما ~~نبهنا على مأخذها وأدلتها ليعلم الغر الذي بضاعته من العلم مزجاة، أن هناك ~~شيئا آخر وراء ما عنده، وأنه إذا كان ممن قصر في العلم باعه، فضعف خلف ~~الدليل، وتقاصر عن جني ثماره ذراعه، فليعذر من شمر عن ساق عزمه، وحام حول ~~آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحكيمها، والتحاكم إليها بكل همة، ~~وإن كان غير عاذر لمنازعه في قصوره ورغبته عن هذا الشأن البعيد، فليعذر ~~منازعه في رغبته عما ارتضاه لنفسه من محض التقليد، ولينظر مع نفسه أيهما هو ~~المعذور، وأي السعيين أحق بأن يكون هو السعي المشكور، والله المستعان وعليه ~~التكلان، وهو الموفق للصواب، الفاتح لمن أم بابه طالبا لمرضاته من الخير كل ~~باب. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة] # قد تقدم حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه: ( «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا، ثم ~~قال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ !» ) ، " وإسناده على شرط مسلم، ~~فإن ابن وهب قد رواه عن # PageV05P220 # مخرمة بن بكير بن الأشج، عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد فذكره، ومخرمة ~~ثقة بلا شك، وقد احتج مسلم في " صحيحه " بحديثه عن أبيه. # والذين أعلوه قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتاب. قال أبو طالب: سألت ~~أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير؟ فقال: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه، إنما هو ~~كتاب مخرمة، فنظر فيه، كل شيء يقول: بلغني عن سليمان بن يسار، فهو من كتاب ~~مخرمة. # وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع ~~إليه كتاب أبيه، ولم يسمعه. وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف، وحديثه عن ~~أبيه كتاب، ولم يسمعه منه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثا ~~واحدا، حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم ms1435 عن خاله موسى بن سلمة: أتيت ~~مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ قال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه. # والجواب عن هذا من وجهين. # أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظا مضبوطا، فلا فرق في قيام الحجة ~~بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا ~~تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف، وقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث كتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها ~~الحجة، وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام، فعملوا بها واحتجوا بها، ودفع ~~الصديق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة إلى أنس بن مالك، ~~فحمله وعملت به الأمة، وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان ~~عند آل عمرو، ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض، ويقول ~~المكتوب إليه: كتب إلي فلان أن فلانا أخبره، ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم ~~يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على ~~الحفظ، والحفظ خوان، والنسخة لا تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة ~~أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يشافهني به الكاتب، ~~فلا أقبله، بل كلهم # PageV05P221 # مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه. # الجواب الثاني: أن قول من قال: لم يسمع من أبيه معارض بقول من قال سمع ~~منه، ومعه زيادة علم وإثبات، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن مخرمة ~~بن بكير؟ فقال: صالح الحديث. قال: وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب ~~مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه؟ فحلف لي: ورب هذه ~~البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي. وقال علي بن المديني: سمعت معن بن ~~عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن ~~يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع منه ~~الشيء اليسير، ولم ms1436 أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول ~~في شيء من حديثه: سمعت أبي، ومخرمة ثقة. انتهى. # ويكفي أن مالكا أخذ كتابه، فنظر فيه واحتج به في " موطئه "، وكان يقول: ~~حدثني مخرمة، وكان رجلا صالحا. وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، ~~قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة، من هو؟ قال: مخرمة بن بكير. ~~وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال: نعم، وقال ابن ~~عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان مستقيمة، وأرجو أنه لا ~~بأس به. # وفي " صحيح مسلم " (قول ابن عمر للمطلق ثلاثا: " حرمت عليك حتى تنكح زوجا ~~غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك) ، وهذا تفسير منه للطلاق ~~المأمور به، وتفسير الصحابي حجة. وقال الحاكم: هو عندنا مرفوع. # PageV05P222 # ومن تأمل القرآن حق التأمل، تبين له ذلك، وعرف أن الطلاق المشروع بعد ~~الدخول هو الطلاق الذي يملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث ~~جملة واحدة البتة، قال تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ، ولا تعقل ~~العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمده ثلاثا وثلاثين، ~~وكبره أربعا وثلاثين» ) ، ونظائره فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير ~~وتحميد متوال يتلو بعضه بعضا، فلو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد ~~لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر أربعا وثلاثين بهذا اللفظ - لكان ثلاث مرات ~~فقط. وأصرح من هذا قوله سبحانه: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء ~~إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] [النور: 6] ، فلو ~~قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: ~~{ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} [النور: ~~8] [النور: 8] ، فلو قالت أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين، كانت ~~واحدة، وأصرح من ذلك قوله تعالى: {سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] [التوبة: ~~101] ، فهذا مرة بعد مرة، ولا ينتقض هذا ms1437 بقوله تعالى: # PageV05P223 # {نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] [الأحزاب: 31] ، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم: ( «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» ) ، فإن المرتين هنا هما الضعفان، ~~وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} ~~[الأحزاب: 30] [الأحزاب: 30] ، وقوله: {فآتت أكلها ضعفين} [البقرة: 265] ~~[البقرة: 265] ، أي: ضعفي ما يعذب به غيرها، وضعفي ما كانت تؤتي، ومن هذا ~~قول أنس: «انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين، أي: ~~شقتين وفرقتين» ، كما قال في اللفظ الآخر: ( «انشق القمر فلقتين» ) # وهذا أمر معلوم قطعا أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما ~~يكون مرتين في الزمان، وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة. # فالثاني: يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك. # ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال تعالى: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] إلى أن قال: {وبعولتهن أحق بردهن ~~في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] [البقرة: 228] ، فهذا يدل على أن ~~كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق أحق فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد ~~هذا، وكذلك قوله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] ، إلى قوله: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف} [الطلاق: 2] ، فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ~~أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها، فذكر # PageV05P224 # الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدة فيه، وذكر الطلقة الثالثة، وأنها تحرم ~~الزوجة على المطلق {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، وذكر طلاق الفداء ~~الذي هو الخلع، وسماه فدية، ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاق ~~الرجعي الذي المطلق أحق فيه بالرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة. # وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد ~~الدخول بغير عوض بائنة، وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية، ~~ويلغو وصفها بالبينونة، وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض. وأما أبو حنيفة، ~~فقال: تبين بذلك لأن الرجعة حق له، وقد أسقطها، والجمهور ms1438 يقولون: وإن كانت ~~الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطه إلا ~~باختيارها، وبذلها العوض، أو سؤالها أن تفتدي نفسها منه بغير عوض في أحد ~~القولين، وهو جواز الخلع بغير عوض. # وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض، فخلاف ~~النص والقياس. # قالوا: وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل ~~والمرأة، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد، فيطلق أحدهم المرأة ~~كلما شاء، ويراجعها، وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل، ففيه إضرار بالمرأة، ~~فنسخ سبحانه ذلك بثلاث، وقصر الزوج عليها، وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض ~~عدتها، فإذا استوفى العدد الذي ملكه، حرمت عليه، فكان في هذا رفق بالرجل إذ ~~لم تحرم عليه بأول طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث، فهذا ~~شرعه وحكمته، وحدوده التي حدها لعباده، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها كان ~~خلاف شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدة، ~~فالزائد عليها غير مأذون له فيه. # قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة، إذ هو خلاف ما شرعه، # PageV05P225 # لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة، إذ هو خلاف شرعه. # ونكتة المسألة أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين: # أحدهما: طلاق غير المدخول بها. # والثاني: الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق، فقد جعل للزوج فيه الرجعة، ~~هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره، وهذا قول الجمهور، منهم: الإمام أحمد، ~~والشافعي، وأهل الظاهر، قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع. # ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها: ~~أحدها: أنها ثلاث، قاله ابن الماجشون؛ لأنه قطع حقه من الرجعة، وهي لا ~~تنقطع إلا بثلاث، فجاءت الثلاث ضرورة. # الثاني: أنها واحدة بائنة، كما قال، هذا قول ابن القاسم؛ لأنه يملك ~~إبانتها بطلقة بعوض، فملكها بدونه، والخلع عنده طلاق. # الثالث: أنها واحدة رجعية، وهذا قول ابن وهب، وهو الذي يقتضيه الكتاب ~~والسنة والقياس، وعليه ms1439 الأكثرون. ### | [فصل هل يقع الطلاق ثلاثا فيمن قاله بكلمة واحدة] # فصل وأما المسألة الثانية، وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس ~~فيها على أربعة مذاهب: # أحدها: أنها تقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين، وكثير من ~~الصحابة رضي الله عنهم. # الثاني: أنها لا تقع بل ترد لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: ( «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ) ، وهذا ~~المذهب حكاه أبو محمد بن حزم، وحكي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول ~~الرافضة. # PageV05P226 # الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود ~~عنه. قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة فيرد إلى ~~السنة، انتهى، وهو قول طاووس، وعكرمة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. # الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، ~~ويقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن ~~راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب " اختلاف العلماء ". # فأما من لم يوقعها جملة، فاحتجوا بأنه طلاق بدعة محرم، والبدعة مردودة، ~~وقد اعترف أبو محمد بن حزم بأنها لو كانت بدعة محرمة، لوجب أن ترد وتبطل، ~~ولكنه اختار مذهب الشافعي أن جمع الثلاث جائز غير محرم، وستأتي حجة هذا ~~القول. # وأما من جعلها واحدة، فاحتج بالنص والقياس، فأما النص، فما رواه معمر ~~وابن جريج عن ابن طاووس، عن أبيه، ( «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم ~~تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟ قال: نعم» ) . رواه مسلم في " صحيحه ". # وفي لفظ: ( «ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر ترد إلى واحدة؟ قال: نعم» ) . # PageV05P227 # وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أن ابن جريج قال: ~~أخبرني بعض بني أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1440 - عن عكرمة، ~~(عن ابن عباس، قال: «طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح ~~امرأة من مزينة، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني ~~إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه، فأخذت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: " ~~ألا ترون أن فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا منه كذا وكذا "؟ ~~قالوا: نعم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: " طلقها "، ففعل ~~ثم قال: " راجع امرأتك أم ركانة وإخوته "، فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول ~~الله، قال: " قد علمت # PageV05P228 # راجعها " وتلا: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: ~~1] » ) . # وقال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن ~~إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، ( «عن عبد الله ~~بن عباس، قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس ~~واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " كيف طلقتها "، فقال: طلقتها ثلاثا، فقال: " في مجلس واحد؟ "، قال: ~~نعم، قال: " فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت "؟ قال: فراجعها» ) . فكان ابن ~~عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر. # قالوا: وأما القياس، فقد تقدم أن جمع الثلاث محرم وبدعة، والبدعة مردودة؛ ~~لأنها ليست على أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: وسائر ما تقدم ~~في بيان التحريم يدل على عدم وقوعها جملة. قالوا: ولو لم يكن معنا إلا قوله ~~تعالى: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] [النور: 6] ، وقوله: ~~{ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] [النور: 8] ، ~~قالوا: وكذلك كل ما يعتبر له التكرار من حلف أو إقرار أو شهادة، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم صاحبكم» ~~) . # فلو قالوا: نحلف بالله خمسين يمينا: إن فلانا قتله، كانت يمينا واحدة. ~~قالوا: وكذلك الإقرار بالزنى، كما في الحديث: أن بعض الصحابة قال ms1441 لماعز: إن ~~أقررت أربعا، رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يعقل أن تكون ~~الأربع فيه مجموعة بفم واحد. # وأما الذين فرقوا بين المدخول بها وغيرها، فلهم حجتان: # PageV05P229 # إحداهما: ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، ( «عن طاووس، أن رجلا يقال له: ~~أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال له: أما علمت أن الرجل كان إذا ~~طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ فلما رأى عمر الناس قد ~~تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم» ) . # الحجة الثانية: أنها تبين بقوله: أنت طالق، فيصادفها ذكر الثلاث، وهي ~~بائن، فتلغو، ورأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها، وحديث ~~أبي الصهباء في غير المدخول بها. قالوا: ففي هذا التفريق موافقة المنقول من ~~الجانبين، وموافقة القياس، وقال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من أهل ~~الفتوى، كما حكاه أبو محمد بن حزم وغيره، ولكن عدم الوقوع جملة هو مذهب ~~الإمامية، وحكوه عن جماعة من أهل البيت. # قال الموقعون للثلاث: الكلام معكم في مقامين: # أحدهما: تحريم جمع الثلاث. والثاني: وقوعها جملة ولو كانت محرمة، ونحن ~~نتكلم معكم في المقامين. فأما الأول: # فقد قال الشافعي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجماعة ~~من أهل الظاهر: إن جمع الثلاث سنة، واحتجوا عليه بقوله تعالى: {فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] [البقرة: 236] ، ولم ~~يفرق بين أن تكون الثلاث مجموعة، أو مفرقة، ولا يجوز أن نفرق بين ما جمع ~~الله بينه، كما لا نجمع بين ما فرق الله بينه. وقال تعالى: {وإن طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن} [البقرة: 237] [البقرة: 227] ، ولم يفرق وقال: {لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236] الآية، ولم يفرق وقال: # PageV05P230 # {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة: 241] [البقرة: 241] ، وقال: {ياأيها ~~الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: ~~49] [الأحزاب: 49] ، ولم يفرق. قالوا: وفي ms1442 " الصحيحين "، ( «أن عويمرا ~~العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ~~يأمره بطلاقها» ) . قالوا: فلو كان جمع الثلاث معصية لما أقر عليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يخلو طلاقها أن يكون قد وقع وهي امرأته، ~~أو حين حرمت عليه باللعان. فإن كان الأول، فالحجة منه ظاهرة، وإن كان ~~الثاني، فلا شك أنه طلقها، وهو يظنها امرأته، فلو كان حراما لبينها له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت قد حرمت عليه. قالوا: وفي " صحيح ~~البخاري "، من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة أم المؤمنين، ( «أن رجلا طلق ~~امرأته ثلاثا، فتزوجت، فطلقت، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحل ~~للأول؟ قال: " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول» ) ، فلم ينكر - صلى الله ~~عليه وسلم - ذلك، وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث، وعلى وقوعها، إذ لو لم ~~تقع، لم يوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها. # قالوا: وفي " الصحيحين " من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، ( «أن فاطمة ~~بنت قيس أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم ~~انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر، فأتوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن أبا حفص طلق ~~امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ليس لها نفقة وعليها العدة» ) . # PageV05P231 # وفي " صحيح مسلم " في هذه القصة: ( «قالت فاطمة، فأتيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: " كم طلقك "؟ ، قلت: ثلاثا، فقال: " صدق، ليس لك ~~نفقة» ) . # وفي لفظ له: ( «قالت: يا رسول الله! إن زوجي طلقني ثلاثا، وإني أخاف أن ~~يقتحم علي» ) . # وفي لفظ له: عنها ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المطلقة ~~ثلاثا: " ليس لها سكنى ولا نفقة» ) . # قالوا: وقد روى عبد الرزاق في " مصنفه " عن يحيى بن العلاء، عن عبيد الله ~~بن الوليد الوصافي، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت، ( «عن ms1443 ~~داود بن عبادة بن الصامت، قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق أبي ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبعة وتسعون ~~فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له» ) . # ورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، (عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن ~~الصامت، عن أبيه، عن جده قال: «طلق بعض آبائي امرأته، فانطلق بنوه إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق أمنا ~~ألفا، فهل له من مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله، فيجعل له مخرجا، بانت ~~منه بثلاث # PageV05P232 # على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه» ) . # قالوا: وروى محمد بن شاذان، عن معلى بن منصور، عن شعيب بن زريق، أن عطاء ~~الخراساني حدثهم عن الحسن، قال: ( «حدثنا عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ~~- أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرأين ~~الباقيين، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا ابن عمر! ~~ما هكذا أمرك الله، أخطأت السنة» ".. وذكر الحديث، وفيه، «فقلت: يا رسول ~~الله! لو كنت طلقتها ثلاثا، أكان لي أن أجمعها، قال: " لا، كانت تبين وتكون ~~معصية» ) . # قالوا: وقد روى أبو داود في " سننه ": (عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ~~ركانة، «أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما ~~أردت إلا واحدة؟ " فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن ~~عثمان» ) . # وفي " جامع الترمذي ": (عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، ~~عن جده «أنه طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: " أردت بها؟ قال: واحدة، ms1444 قال: " آلله "، قال: آلله، قال: " هو على ما ~~أردت» ) ، قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدا - يعني ~~البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال فيه اضطراب. # ووجه الاستدلال بالحديث، أنه - صلى الله عليه وسلم - أحلفه أنه أراد ~~بالبتة واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده، ولو لم يفترق ~~الحال لم يحلفه. # PageV05P233 # قالوا: وهذا أصح من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، عن عكرمة، عن ابن ~~عباس أنه طلقها ثلاثا. قال أبو داود: لأنهم ولد الرجل، وأهله أعلم به أن ~~ركانة إنما طلقها البتة. # قالوا: وابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع. فإن كان عبيد الله فهو ~~ثقة معروف، وإن كان غيره من إخوته، فمجهول العدالة لا تقوم به حجة. # قالوا: وأما طريق الإمام أحمد، ففيها ابن إسحاق، والكلام فيه معروف، وقد ~~حكى الخطابي أن الإمام أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها. # قالوا: وأصح ما معكم حديث أبي الصهباء عن ابن عباس، وقد قال البيهقي: هذا ~~الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه ~~تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس، ثم ساق الروايات عنه بوقوع ~~الثلاث، ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، ~~وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير - قال: ~~ورويناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري - كلهم عن ابن عباس، أنه أجاز ~~الثلاث وأمضاهن. # وقال ابن المنذر: فغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - شيئا ثم يفتي بخلافه. # وقال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تحسب على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة، يعني أنه بأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان ~~شيئا فنسخ. قال البيهقي: ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا ~~التأويل - يريد البيهقي - ما رواه ms1445 أبو داود والنسائي، من حديث عكرمة في ~~قوله تعالى: # PageV05P234 # {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] الآية. .. وذلك أن ~~الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك، ~~فقال: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ) # قالوا: فيحتمل أن الثلاث كانت تجعل واحدة من هذا الوقت، بمعنى أن الزوج ~~كان يتمكن من المراجعة بعدها، كما يتمكن من المراجعة بعد الواحدة، ثم نسخ ~~ذلك. # وقال ابن سريج: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوع خاص من الطلاق الثلاث، ~~وهو أن يفرق بين الألفاظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكان في ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر - رضي الله عنه - الناس ~~على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع، فكانوا يصدقون أنهم أرادوا ~~به التأكيد، ولا يريدون به الثلاث، فلما رأى عمر - رضي الله عنه - في زمانه ~~أمورا ظهرت، وأحوالا تغيرت، منع من حمل اللفظ على التكرار، وألزمهم الثلاث. # وقالت طائفة: معنى الحديث أن الناس كانت عادتهم على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إيقاع الواحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، ثم اعتادوا ~~الطلاق الثلاث جملة، وتتابعوا فيه، ومعنى الحديث على هذا: كان الطلاق الذي ~~يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبي بكر واحدة، فهو إخبار عن الواقع، لا عن المشروع. # PageV05P235 # وقالت طائفة: ليس في الحديث بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ~~الذي كان يجعل الثلاث واحدة، ولا أنه أعلم بذلك فأقر عليه، ولا حجة إلا ~~فيما قاله أو فعله، أو علم به فأقر عليه، ولا يعلم صحة واحدة من هذه الأمور ~~في حديث أبي الصهباء. # قالوا: وإذا اختلفت علينا الأحاديث، نظرنا إلى ما عليه أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإنهم أعلم بسنته، فنظرنا فإذا الثابت عن عمر بن ~~الخطاب الذي لا يثبت عنه غيره ما رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن ~~سلمة بن كهيل، (حدثنا زيد بن وهب، أنه رفع ms1446 إلى عمر بن الخطاب رجل طلق ~~امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر ~~بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث) . # وروى وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: (جاء رجل إلى علي بن ~~أبي طالب، فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم ~~سائرهن بين نسائك) . # وروى وكيع أيضا، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى، قال: (جاء رجل ~~إلى عثمان بن عفان، فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث) . # وروى عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، ~~قال: (قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا، فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها ~~عليك، وبقيتها عليك وزر، اتخذت آيات الله هزوا) . # PageV05P236 # وروى عبد الرزاق أيضا، عن معمر عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: ~~(جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت امرأتي تسعا وتسعين، فقال له ابن ~~مسعود: ثلاث تبينها منك، وسائرهن عدوان) . # وذكر أبو داود في " سننه "، (عن محمد بن إياس، أن ابن عباس، وأبا هريرة، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص، سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا، فكلهم ~~قال: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره) . # قالوا: فهؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تسمعون قد ~~أوقعوا الثلاث جملة، ولو لم يكن فيهم إلا عمر المحدث الملهم وحده، لكفى، ~~فإنه لا يظن به تغيير ما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الطلاق ~~الرجعي، فيجعله محرما، وذلك يتضمن تحريم فرج المرأة على من لم تحرم عليه، ~~وإباحته لمن لا تحل له، ولو فعل ذلك عمر، لما أقره عليه الصحابة، فضلا عن ~~أن يوافقوه، ولو كان عند ابن عباس حجة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن الثلاث واحدة لم يخالفها. ويفتي بغيرها موافقة لعمر، وقد علم مخالفته له ~~في العول، وحجب الأم بالاثنين من الإخوة والأخوات، وغير ذلك. # قالوا: ونحن في هذه المسألة تبع ms1447 لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فهم أعلم بسنته وشرعه، ولو كان مستقرا من شريعته أن الثلاث واحدة وتوفي ~~والأمر على ذلك لم يخف عليهم، ويعلمه من بعدهم، ولم يحرموا الصواب فيه، ~~ويوفق له من بعدهم، ويروي حبر الأمة وفقيهها خبر كون الثلاث واحدة ويخالفه. # قال المانعون من وقوع الثلاث: التحاكم في هذه المسألة وغيرها إلى من أقسم ~~الله سبحانه وتعالى أصدق قسم وأبره، أنا لا نؤمن حتى نحكمه # PageV05P237 # فيما شجر بيننا، ثم نرضى بحكمه، ولا يلحقنا فيه حرج، ونسلم له تسليما لا ~~إلى غيره كائنا من كان، اللهم إلا أن تجمع أمته إجماعا متيقنا لا نشك فيه ~~على حكم، فهو الحق الذي لا يجوز خلافه، ويأبى الله أن تجتمع الأمة على خلاف ~~سنة ثابتة عنه أبدا، ونحن قد أوجدناكم من الأدلة ما تثبت المسألة به، بل ~~وبدونه، ونحن نناظركم فيما طعنتم به في تلك الأدلة، وفيما عارضتمونا به على ~~أنا لا نحكم على أنفسنا إلا نصا عن الله، أو نصا ثابتا عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، أو إجماعا متيقنا لا شك فيه، وما عدا هذا فعرضة لنزاع، ~~وغايته أن يكون سائغ الاتباع لا لازمه، فلتكن هذه المقدمة سلفا لنا عندكم، ~~وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] ~~[النساء: 59] ، فقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة، فلا سبيل إلى ردها ~~إلى غير الله ورسوله البتة، وسيأتي أننا أحق بالصحابة، وأسعد بهم فيها، ~~فنقول: # أما منعكم لتحريم جمع الثلاث، فلا ريب أنها مسألة نزاع، ولكن الأدلة ~~الدالة على التحريم حجة عليكم. # أما قولكم: إن القرآن دل على جواز الجمع، فدعوى غير مقبولة، بل باطلة، ~~وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق، وذلك لا يعم جائزه ومحرمه، ~~كما لا يدخل تحته طلاق الحائض، وطلاق الموطوءة في طهرها، وما مثلكم في ذلك ~~إلا كمثل من عارض السنة الصحيحة في تحريم الطلاق المحرم بهذه الإطلاقات ~~سواء، ومعلوم أن القرآن لم يدل على جواز كل طلاق ms1448 حتى تحملوه ما لا يطيقه، ~~وإنما دل على أحكام الطلاق، والمبين عن الله عز وجل بين حلاله وحرامه، ولا ~~ريب أنا أسعد بظاهر القرآن كما بينا في صدر الاستدلال، وأنه سبحانه لم يشرع ~~قط طلاقا بائنا بغير عوض لمدخول بها، إلا أن يكون آخر العدد، وهذا كتاب ~~الله بيننا وبينكم، وغاية ما تمسكتم به ألفاظ مطلقة قيدتها السنة، وبينت ~~شروطها وأحكامها. # PageV05P238 # وأما استدلالكم بأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فما أصحه من حديث، وما أبعده من استدلالكم على جواز الطلاق ~~الثلاث بكلمة واحدة في نكاح يقصد بقاؤه ودوامه، ثم المستدل بهذا إن كان ممن ~~يقول: إن الفرقة وقعت عقيب لعان الزوج وحده، كما يقوله الشافعي، أو عقيب ~~لعانهما وإن لم يفرق الحاكم، كما يقوله أحمد في إحدى الروايات عنه، ~~فالاستدلال به باطل، لأن الطلاق الثلاث حينئذ لغو لم يفد شيئا، وإن كان ممن ~~يوقف الفرقة على تفريق الحاكم، لم يصح الاستدلال به أيضا لأن هذا النكاح لم ~~يبق سبيل إلى بقائه ودوامه، بل هو واجب الإزالة، ومؤبد التحريم، فالطلاق ~~الثلاث مؤكد لمقصود اللعان، ومقرر له، فإن غايته أن يحرمها عليه حتى تنكح ~~زوجا غيره، وفرقة اللعان تحرمها عليه على الأبد، ولا يلزم من نفوذ الطلاق ~~في نكاح قد صار مستحق التحريم على التأبيد نفوذه في نكاح قائم مطلوب البقاء ~~والدوام، ولهذا لو طلقها في هذا الحال وهي حائض، أو نفساء أو في طهر جامعها ~~فيه، لم يكن عاصيا، لأن هذا النكاح مطلوب الإزالة مؤبد التحريم، ومن العجب ~~أنكم متمسكون بتقرير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذا الطلاق ~~المذكور، ولا تتمسكون بإنكاره وغضبه للطلاق الثلاث من غير الملاعن، وتسميته ~~لعبا بكتاب الله كما تقدم، فكم بين هذا الإقرار وهذا الإنكار؟ ونحن بحمد ~~الله قائلون بالأمرين، مقرون لما أقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~منكرون لما أنكره. # وأما استدلالكم بحديث عائشة - رضي الله عنها - ( «أن رجلا طلق امرأته ~~ثلاثا فتزوجت، فسئل رسول الله ms1449 - صلى الله عليه وسلم - هل تحل للأول؟ قال: " ~~لا حتى تذوق العسيلة» ) ، فهذا لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى ~~بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد، بل الحديث ~~حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا إلا من فعل، وقال: مرة ~~بعد # PageV05P239 # مرة، هذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، ~~وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. # قالوا: وأما استدلالكم بحديث فاطمة بنت قيس، فمن العجب العجاب، فإنكم ~~خالفتموه فيما هو صريح فيه لا يقبل تأويلا صحيحا، وهو سقوط النفقة والكسوة ~~للبائن مع صحته وصراحته، وعدم ما يعارضه مقاوما له وتمسكتم به فيما هو ~~مجمل، بل بيانه في نفس الحديث مما يبطل تعلقكم به، فإن قوله: طلقها ثلاثا ~~ليس بصريح في جمعها، بل كما تقدم، كيف وفي " الصحيح " في خبرها نفسه من ~~رواية الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها ~~بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها. # وفي لفظ في " الصحيح ": أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وهو سند صحيح متصل ~~مثل الشمس، فكيف ساغ لكم تركه إلى التمسك بلفظ مجمل، وهو أيضا حجة عليكم ~~كما تقدم؟ # قالوا: وأما استدلالكم بحديث عبادة بن الصامت الذي رواه عبد الرزاق، فخبر ~~في غاية السقوط؛ لأن في طريقه يحيى بن العلاء، عن عبيد الله بن الوليد ~~الوصافي، عن إبراهيم بن عبيد الله ضعيف، عن هالك، عن مجهول، ثم الذي يدل ~~على كذبه وبطلانه، أنه لم يعرف في شيء من الآثار صحيحها ولا سقيمها، ولا ~~متصلها ولا منقطعها، أن والد عبادة بن الصامت أدرك الإسلام، فكيف بجده، ~~فهذا محال بلا شك، وأما حديث عبد الله بن عمر، فأصله صحيح بلا شك، لكن هذه ~~الزيادة والوصلة التي فيه، فقلت: يا رسول الله لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل ~~لي؟ إنما جاءت من رواية شعيب بن زريق، وهو الشامي، وبعضهم يقلبه، فيقول: ~~زريق بن شعيب، # PageV05P240 # وكيفما كان، فهو ضعيف، ولو ms1450 صح، لم يكن فيه حجة، لأن قوله: لو طلقتها ~~ثلاثا بمنزلة قوله: لو سلمت ثلاثا، أو أقررت ثلاثا، أو نحوه مما لا يعقل ~~جمعه. # وأما حديث نافع بن عجير الذي رواه أبو داود، أن ركانة طلق امرأته البتة، ~~فأحلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد إلا واحدة، فمن العجب ~~تقديم نافع بن عجير المجهول الذي لا يعرف حاله البتة، ولا يدرى من هو، ولا ~~ما هو على ابن جريج، ومعمر، وعبد الله بن طاووس في قصة أبي الصهباء، وقد ~~شهد إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطرابا، هكذا قال ~~الترمذي في " الجامع "، وذكر عنه في موضع آخر: أنه مضطرب. فتارة يقول: ~~طلقها ثلاثا، وتارة يقول: واحدة، وتارة يقول: البتة. وقال الإمام أحمد: ~~وطرقه كلها ضعيفة، وضعفه أيضا البخاري، حكاه المنذري عنه. # ثم كيف يقدم هذا الحديث المضطرب المجهول رواية على حديث عبد الرزاق عن ~~ابن جريج لجهالة بعض بني أبي رافع، هذا وأولاده تابعيون، وإن كان عبيد الله ~~أشهرهم وليس فيهم متهم بالكذب، وقد روى عنه ابن جريج، ومن يقبل رواية ~~المجهول، أو يقول: رواية العدل عنه تعديل له، فهذا حجة عنده، فأما أن يضعفه ~~ويقدم عليه رواية من هو مثله في الجهالة، أو أشد، فكلا، فغاية الأمر أن ~~تتساقط روايتا هذين المجهولين، ويعدل إلى غيرهما، وإذا فعلنا ذلك، نظرنا في ~~حديث سعد بن إبراهيم، فوجدناه صحيح الإسناد، وقد زالت علة تدليس محمد بن ~~إسحاق، بقوله: حدثني داود بن الحصين، وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع، وقد ~~صحح هو وغيره بهذا # PageV05P241 # الإسناد بعينه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد زينب على زوجها ~~أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئا. # وأما داود بن الحصين، عن عكرمة، فلم تزل الأئمة تحتج به وقد احتجوا به في ~~حديث العرايا فيما شك فيه، ولم يجزم به من تقديرها بخمسة أوسق أو دونها مع ~~كونها على خلاف الأحاديث التي نهى فيها عن بيع الرطب بالتمر، فما ms1451 ذنبه في ~~هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به، وإن قدحتم في عكرمة - ولعلكم فاعلون ~~- جاءكم ما لا قبل لكم به من التناقض فيما احتججتم به أنتم وأئمة الحديث من ~~روايته، وارتضاء البخاري لإدخال حديثه في " صحيحه ". ### | [فصل المسالك الوعرة في حديث أبي الصهباء لا يصح شيء منها] # فصل وأما تلك المسالك الوعرة التي سلكتموها في حديث أبي الصهباء، فلا يصح ~~شيء منها. # أما المسلك الأول، وهو انفراد مسلم بروايته وإعراض البخاري عنه، فتلك ~~شكاة ظاهر عنك عارها، وما ضر ذلك الحديث انفراد مسلم به شيئا، ثم هل تقبلون ~~أنتم، أو أحد مثل هذا في كل حديث ينفرد به مسلم عن البخاري، وهل قال ~~البخاري قط: إن كل حديث لم أدخله في كتابي، فهو باطل، أو ليس بحجة، أو ~~ضعيف، وكم قد احتج البخاري بأحاديث خارج الصحيح ليس لها ذكر في " صحيحه "، ~~وكم صحح من حديث خارج عن صحيحه فأما مخالفة سائر الروايات له عن ابن عباس، ~~فلا ريب أن عن ابن عباس روايتين صحيحتين بلا شك. إحداهما: توافق هذا ~~الحديث، والأخرى: تخالفه، فإن أسقطنا رواية # PageV05P242 # برواية، سلم الحديث على أنه بحمد الله سالم. # ولو اتفقت الروايات عنه على مخالفته، فله أسوة أمثاله، وليس بأول حديث ~~خالفه راويه، فنسألكم: هل الأخذ بما رواه الصحابي عندكم أو بما رآه؟ فإن ~~قلتم: الأخذ بروايته، وهو قول جمهوركم بل جمهور الأمة على هذا، كفيتمونا ~~مئونة الجواب. وإن قلتم: الأخذ برأيه أريناكم من تناقضكم ما لا حيلة لكم في ~~دفعه، ولا سيما عن ابن عباس نفسه، فإنه روى حديث بريرة وتخييرها، ولم يكن ~~بيعها طلاقا، ورأى خلافه، وأن بيع الأمة طلاقها، فأخذتم - وأصبتم - ~~بروايته، وتركتم رأيه، فهلا فعلتم ذلك فيما نحن فيه، وقلتم: الرواية ~~معصومة، وقول الصحابي غير معصوم، ومخالفته لما رواه يحتمل احتمالات عديدة ~~من نسيان أو تأويل، أو اعتقاد معارض راجح في ظنه، أو اعتقاد أنه منسوخ أو ~~مخصوص، أو غير ذلك من الاحتمالات، فكيف يسوغ ترك روايته مع قيام هذه ms1452 ~~الاحتمالات؟ وهل هذا إلا ترك معلوم لمظنون، بل مجهول؟ قالوا: وقد روى أبو ~~هريرة - رضي الله عنه - حديث التسبيع من ولوغ الكلب، وأفتى بخلافه، فأخذتم ~~بروايته، وتركتم فتواه. ولو تتبعنا ما أخذتم فيه برواية الصحابي دون فتواه، ~~لطال. # قالوا: وأما دعواكم نسخ الحديث، فموقوفة على ثبوت معارض مقاوم متراخ، ~~فأين هذا؟ # وأما حديث عكرمة، عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث، فلو ~~صح، لم يكن فيه حجة، فإنه إنما فيه أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير ~~عدد، فنسخ ذلك وقصر على ثلاث، فيها تنقطع الرجعة، فأين في ذلك الإلزام ~~بالثلاث بفم واحد، ثم كيف يستمر المنسوخ # PageV05P243 # على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، ~~لا تعلم به الأمة، وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج، ثم كيف يقول ~~عمر: (إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة) ، وهل للأمة أناة في ~~المنسوخ بوجه ما؟ ! ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه علي بن ~~الحسين بن واقد، وضعفه معلوم؟ # وأما حملكم الحديث على قول المطلق: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ~~ومقصوده التأكيد بما بعد الأول، فسياق الحديث من أوله إلى آخره يرده، فإن ~~هذا الذي أولتم الحديث عليه لا يتغير بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، وهلم جرا إلى آخر الدهر، ومن ينويه في ~~قصد التأكيد لا يفرق بين بر وفاجر، وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك ~~من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقا برا كان أو فاجرا. # وأيضا فإن قوله: إن الناس قد استعجلوا وتتايعوا في شيء كانت لهم فيه ~~أناة، (فلو أنا أمضيناه عليهم) . إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما ~~جعلهم الله في فسحة منه، وشرعه متراخيا بعضه عن بعض رحمة بهم، ورفقا وأناة ~~لهم، لئلا يندم مطلق، فيذهب حبيبه من يديه من أول وهلة، فيعز عليه تداركه، ~~فجعل له أناة ومهلة يستعتبه فيها، ويرضيه ms1453 ويزول ما أحدثه العتب الداعي إلى ~~الفراق، ويراجع كل منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه ~~أناة ومهلة، وأوقعوه بفم واحد، فرأى عمر - رضي الله عنه - أنه يلزمهم ما ~~التزموه عقوبة لهم، فإذا علم المطلق أن زوجته وسكنه تحرم عليه من أول مرة ~~بجمعه الثلاث، كف عنها، ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من ~~تأديب عمر لرعيته لما أكثروا من الطلاق الثلاث، كما سيأتي مزيد تقريره عند ~~الاعتذار عن عمر - رضي الله عنه - في إلزامه بالثلاث، # PageV05P244 # هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره، فأين هذا من تأويلكم المستكره ~~المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث، بل تنبو عنه، وتنافره. # وأما قول من قال: إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث الآن على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة، فإن حقيقة هذا التأويل: كان الناس على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلقون واحدة، وعلى عهد عمر صاروا ~~يطلقون ثلاثا والتأويل، إذا وصل إلى هذا الحد، كان من باب الإلغاز ~~والتحريف، لا من باب بيان المراد، ولا يصح ذلك بوجه ما، فإن الناس ما زالوا ~~يطلقون واحدة وثلاثا، وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلاثا، فمنهم من ردها إلى واحدة، كما في حديث عكرمة عن ابن ~~عباس، ومنهم من أنكر عليه، وغضب وجعله متلاعبا بكتاب الله، ولم يعرف ما حكم ~~به عليهم، وفيهم من أقره لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان، ومنهم من ألزمه ~~بالثلاث، لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث، فلا يصح أن يقال: إن الناس ~~ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر، فطلقوا ثلاثا، ولا يصح أن ~~يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فنمضيه عليهم، ولا يلائم ~~هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين عهده بوجه ~~ما، فإنه ماض منكم على عهده وبعد عهده. # ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة: ( «ألم تعلم أنه من طلق ms1454 ثلاثا جعلت ~~واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # وفي لفظ: ( «أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها ~~جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وصدرا من ~~خلافة عمر، فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل ~~بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ~~وصدرا من إمارة عمر، # PageV05P245 # فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم» ) ، ~~هذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد، وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ~~ما، ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعا للمذهب، فاعتقد ثم استدل. وأما من ~~جعل المذهب تبعا للدليل، واستدل ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل. # وأما قول من قال: ليس في الحديث بيان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان هو الذي يجعل ذلك، ولا أنه علم به، وأقره عليه، فجوابه أن يقال: ~~سبحانك هذا بهتان عظيم أن يستمر هذا الجعل الحرام المتضمن لتغيير شرع الله ~~ودينه، وإباحة الفرج لمن هو عليه حرام، وتحريمه على من هو عليه حلال، على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه خير الخلق، وهم يفعلونه، ولا ~~يعلمونه، ولا يعلمه هو، والوحي ينزل عليه، وهو يقرهم عليه، فهب أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلمه، وكان الصحابة يعلمونه، ويبدلون ~~دينه وشرعه، والله يعلم ذلك، ولا يوحيه إلى رسوله، ولا يعلمه به، ثم يتوفى ~~الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك، فيستمر هذا الضلال ~~العظيم، والخطأ المبين عندكم مدة خلافة الصديق كلها يعمل به ولا يغير إلى ~~أن فارق الصديق الدنيا، واستمر الخطأ والضلال المركب صدرا من خلافة عمر، ~~حتى رأى بعد ذلك برأيه أن يلزم الناس بالصواب، فهل في الجهل بالصحابة، وما ~~كانوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبح من هذا، وتالله لو كان جعل الثلاث ~~واحدة خطأ محضا، لكان ms1455 أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتأويل الذي ~~تأولتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها، لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة ~~والأجوبة. # قالوا: وليس التحاكم في هذه المسألة إلى مقلد متعصب، ولا هياب للجمهور، ~~ولا مستوحش من التفرد إذا كان الصواب في جانبه، وإنما # PageV05P246 # التحاكم فيها إلى راسخ في العلم قد طال منه باعه، ورحب بنيله ذراعه، وفرق ~~بين الشبهة والدليل، وتلقى الأحكام من نفس مشكاة الرسول، وعرف المراتب، ~~وقام فيها بالواجب، وباشر قلبه أسرار الشريعة وحكمها الباهرة، وما تضمنته ~~من المصالح الباطنة والظاهرة، وخاض في مثل هذه المضايق لججها، واستوفى من ~~الجانبين حججها، والله المستعان، وعليه التكلان. # قالوا: وأما قولكم: إذا اختلفت علينا الأحاديث، نظرنا فيما عليه الصحابة ~~- رضي الله عنهم - فنعم والله وحيهلا بيرك الإسلام، وعصابة الإيمان. # فلا تطلب لي الأعواض بعدهم ... فإن قلبي لا يرضى بغيرهم # ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شيء، وتكونوا أول نافر عنه، ومخالف له، ~~فقد توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر من مائة ألف عين كلهم قد ~~رآه وسمع منه، فهل صح لكم عن هؤلاء كلهم، أو عشرهم، أو عشر عشرهم، أو عشر ~~عشر عشرهم، القول بلزوم الثلاث بفم واحد؟ هذا ولو جهدتم كل الجهد لم تطيقوا ~~نقله عن عشرين نفسا منهم أبدا مع اختلاف عنهم في ذلك، فقد صح عن ابن عباس ~~القولان، وصح عن ابن مسعود القول باللزوم، وصح عنه التوقف، ولو كاثرناكم ~~بالصحابة الذين كان الثلاث على عهدهم واحدة، لكانوا أضعاف من نقل عنه خلاف ~~ذلك، ونحن نكاثركم بكل صحابي مات إلى صدر من خلافة عمر، ويكفينا مقدمهم، ~~وخيرهم وأفضلهم، ومن كان معه من الصحابة على عهده، بل لو شئنا لقلنا، ~~ولصدقنا: إن هذا كان إجماعا قديما لم يختلف فيه على عهد الصديق اثنان، ولكن ~~لا ينقرض عصر المجمعين حتى حدث الاختلاف، فلم يستقر الإجماع الأول حتى صار ~~الصحابة على قولين، واستمر الخلاف بين الأمة في ذلك إلى اليوم، ثم نقول: لم ~~يخالف عمر إجماع من تقدمه، بل ms1456 رأى إلزامهم # PageV05P247 # بالثلاث عقوبة لهم لما علموا أنه حرام، وتتايعوا فيه، ولا ريب أن هذا ~~سائغ للأئمة أن يلزموا الناس بما ضيقوا به على أنفسهم، ولم يقبلوا فيه رخصة ~~الله عز وجل وتسهيله، بل اختاروا الشدة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم، ولكن العقوبة تختلف ~~باختلاف الأزمنة والأشخاص، والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه ~~وخفائه، وأمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - لم يقل لهم: إن هذا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم به عن ~~التسارع إلى إيقاع الثلاث، ولهذا قال: (فلو أنا أمضيناه عليهم، وفي لفظ ~~آخر: " فأجيزوهن عليهم) ، أفلا يرى أن هذا رأي منه رآه للمصلحة لا إخبار عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما علم - رضي الله عنه - أن تلك الأناة ~~والرخصة نعمة من الله على المطلق، ورحمة به، وإحسان إليه، وأنه قابلها ~~بضدها، ولم يقبل رخصة الله، وما جعله له من الأناة عاقبه بأن حال بينه ~~وبينها، وألزمه ما ألزمه من الشدة والاستعجال، وهذا موافق لقواعد الشريعة، ~~بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرا وشرعا. # فإن الناس إذا تعدوا حدوده، ولم يقفوا عندها، ضيق عليهم ما جعله لمن ~~اتقاه من المخرج، وقد أشار إلى هذا المعنى بعينه من قال من الصحابة للمطلق ~~ثلاثا: إنك لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، كما قاله ابن مسعود وابن عباس. # فهذا نظر أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة، لا أنه - رضي الله عنه - غير ~~أحكام الله، وجعل حلالها حراما، فهذا غاية التوفيق بين النصوص وفعل أمير ~~المؤمنين ومن معه، وأنتم لم يمكنكم ذلك إلا بإلغاء أحد الجانبين، فهذا ~~نهاية أقدام الفريقين في هذا المقام الضنك والمعترك الصعب، وبالله التوفيق. # PageV05P248 ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبد يطلق زوجته تطليقتين ثم يعتق بعد ذلك هل تحل له بدون زوج وإصابة] # روى أهل السنن: (من حديث أبي الحسن مولى بني نوفل، ms1457 أنه «استفتى ابن عباس ~~في مملوك كانت تحته مملوكة، فطلقها تطليقتين، ثم عتقا بعد ذلك، هل يصلح له ~~أن يخطبها؟ قال: نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم» ) . # وفي لفظ: (قال ابن عباس: بقيت لك واحدة، قضى به رسول الله) . # قال الإمام أحمد: عن عبد الرزاق، أن ابن المبارك قال لمعمر: من أبو حسن ~~هذا؟ لقد تحمل صخرة عظيمة، انتهى. قال المنذري: وأبو حسن هذا قد ذكر بخير ~~وصلاح، وقد وثقه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، غير أن الراوي عنه عمر بن ~~معتب، وقد قال علي بن المديني: هو منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي. # وإذا عتق العبد والزوجة في حباله، مالك تمام الثلاث، وإن عتق وقد طلقها ~~اثنتين، ففيها أربعة أقوال للفقهاء: # أحدها: أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره حرة كانت أو أمة، وهذا قول ~~الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين بناء على أن الطلاق بالرجال، وأن العبد ~~إنما يملك طلقتين ولو كانت زوجته حرة. # والثاني: أن له أن يعقد عليها عقدا مستأنفا من غير اشتراط زوج وإصابة، ~~كما دل عليه حديث عمر بن معتب هذا، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهو # PageV05P249 # قول ابن عباس، وأحد الوجهين للشافعية، ولهذا القول فقه دقيق، فإنها إنما ~~حرمتها عليه التطليقتان لنقصه بالرق، فإذا عتق وهي في العدة، زال النقص، ~~ووجد سبب ملك الثلاث، وآثار النكاح باقية، فملك عليها تمام الثلاث، وله ~~رجعتها، وإن عتق بعد انقضاء عدتها، بانت منه وحلت له بدون زوج وإصابة، فليس ~~هذا القول ببعيد في القياس. # والثالث: أن له أن يرتجعها في عدتها، وأن ينكحها بعدها بدون زوج وإصابة، ~~ولو لم يعتق، وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم، فإن عندهم أن العبد والحر في ~~الطلاق سواء. # وذكر سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، (عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أن عبدا له طلق امرأته تطليقتين، فأمره ابن ~~عباس أن يراجعها، فأبى، فقال ابن عباس: هي لك فاستحلها بملك اليمين) ms1458 . # والقول الرابع: أن زوجته إن كانت حرة، ملك عليها تمام الثلاث، وإن كانت ~~أمة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وهذا قول أبي حنيفة. # وهذا موضع اختلف فيه السلف والخلف على أربعة أقوال: # أحدها: أن طلاق العبد والحر سواء، وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم، حكاه ~~عنهم أبو محمد بن حزم، واحتجوا بعموم النصوص الواردة في الطلاق، وإطلاقها، ~~وعدم تفريقها بين حر وعبد، ولم تجمع الأمة على التفريق، فقد صح عن ابن عباس ~~أنه أفتى غلاما له برجعة زوجته بعد طلقتين، وكانت أمة. وفي هذا النقل عن ~~ابن عباس نظر، فإن عبد الرزاق روى عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن أبا ~~معبد أخبره، (أن عبدا كان لابن عباس، وكانت له امرأة جارية لابن عباس، ~~فطلقها فبتها، فقال له ابن عباس: لا طلاق لك فارجعها) . # PageV05P250 # قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن سماك بن الفضل، (أن العبد سأل ابن عمر - ~~رضي الله عنهما - فقال: لا ترجع إليها وإن ضرب رأسك) . # فمأخذ هذه الفتوى، أن طلاق العبد بيد سيده، كما أن نكاحه بيده، كما روى ~~عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن (ابن ~~عباس قال: ليس طلاق العبد ولا فرقته بشيء) . # وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع (جابر بن عبد الله ~~يقول في الأمة والعبد: سيدهما يجمع بينهما ويفرق) ، وهذا قول أبي الشعثاء، ~~وقال الشعبي: أهل المدينة لا يرون للعبد طلاقا إلا بإذن سيده، فهذا مأخذ ~~ابن عباس، لا أنه يرى طلاق العبد ثلاثا إذا كانت تحته أمة، وما علمنا أحدا ~~من الصحابة قال بذلك. # والقول الثاني: أن أي الزوجين رق كان الطلاق بسبب رقه اثنتين، كما روى ~~حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن (ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- قال: الحر يطلق الأمة تطليقتين، وتعتد بحيضتين، والعبد يطلق الحرة ~~تطليقتين، وتعتد ثلاث حيض) ، وإلى هذا ذهب عثمان البتي. # والقول الثالث: أن الطلاق بالرجال، فيملك الحر ثلاثا. ms1459 وإن كانت زوجته ~~أمة، والعبد ثنتين، وإن كانت زوجته حرة، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في ~~ظاهر كلامه، هذا قول زيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة أمي المؤمنين، وعثمان ~~بن عفان، وعبد الله بن عباس، وهذا مذهب القاسم، وسالم، وأبي سلمة، وعمر بن ~~عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، وسليمان بن يسار، وعمرو ~~بن شعيب، وابن المسيب، وعطاء. # PageV05P251 # والقول الرابع: أن الطلاق بالنساء كالعدة، كما روى شعبة عن أشعث بن سوار، ~~عن الشعبي، عن مسروق، عن (ابن مسعود. السنة: الطلاق والعدة بالنساء) . # وروى عبد الرزاق: عن محمد بن يحيى وغير واحد، عن عيسى عن الشعبي، (عن ~~اثني عشر من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: الطلاق والعدة ~~بالمرأة) ، هذا لفظه، وهذا قول الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وإبراهيم، ~~والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، والثوري، والحسن بن حي، وأبي حنيفة وأصحابه. # فإن قيل: فما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المسألة؟ قيل: ~~قد قال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ~~مظاهر بن أسلم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: ( «طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان» ) . # وروى زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، ~~حدثنا عمر بن شبيب المسلي، حدثنا عبد الله بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر - ~~رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «طلاق ~~الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان» ) . # PageV05P252 # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج قال: كتب إلي عبد الله بن زياد بن ~~سمعان، أن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، أخبره عن نافع، (عن أم سلمة أم ~~المؤمنين، «أن غلاما لها طلق امرأة له حرة تطليقتين، فاستفتت أم سلمة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: " حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره» ) ، وقد ~~تقدم حديث عمر بن معتب، عن أبي حسن، عن ابن عباس - رضي الله عنه - ولا يعرف ~~عن النبي - صلى الله ms1460 عليه وسلم - غير هذه الآثار الأربعة على عجرها وبجرها. # أما الأول، فقال أبو داود: هو حديث مجهول، وقال الترمذي: حديث غريب لا ~~نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا ~~الحديث، انتهى. وقال أبو القاسم ابن عساكر في " أطرافه " بعد ذكر هذا ~~الحديث: روى أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنه كان جالسا عند أبيه، فأتاه ~~رسول الأمير، فأخبره أنه سأل القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله عن ذلك، ~~فقالا هذا، وقالا له: إن هذا ليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولكن عمل به المسلمون. قال الحافظ: فدل على أن الحديث ~~المرفوع غير محفوظ. # وقال أبو عاصم النبيل: مظاهر بن أسلم ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، ~~مع أنه لا يعرف، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. وقال البيهقي: لو كان ~~ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من نجهل عدالته. # وأما الأثر الثاني: ففيه عمر بن شبيب المسلي ضعيف، وفيه عطية وهو ضعيف ~~أيضا. # وأما الأثر الثالث: ففيه ابن سمعان الكذاب، وعبد الله بن عبد الرحمن ~~مجهول. # PageV05P253 # وأما الأثر الرابع: ففيه عمر بن معتب، وقد تقدم الكلام فيه. # والذي سلم في المسألة الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - والقياس. # أما الآثار، فهي متعارضة كما تقدم، فليس بعضها أولى من بعض، بقي القياس، ~~وتجاذبه طرفان: طرف المطلق، وطرف المطلقة. فمن راعى طرف المطلق، قال: هو ~~الذي يملك الطلاق، وهو بيده، فيتنصف برقه كما يتنصف نصاب المنكوحات برقه، ~~ومن راعى طرف المطلقة، قال: الطلاق يقع عليها، وتلزمها العدة والتحريم ~~وتوابعها، فتنصف برقها كالعدة، ومن نصف برقها كالعدة، ومن نصف برق أي ~~الزوجين كان راعى الأمرين، وأعمل الشبهين، ومن كمله وجعله ثلاثا رأى أن ~~الآثار لم تثبت، والمنقول عن الصحابة متعارض، والقياس كذلك، فلم يتعلق بشيء ~~من ذلك، وتمسك بإطلاق النصوص الدالة على أن الطلاق الرجعي طلقتان، ولم يفرق ~~الله بين حر وعبد، ولا ms1461 بين حرة وأمة، {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] # قالوا: والحكمة التي لأجلها جعل الطلاق الرجعي اثنتين في الحر والعبد ~~سواء، قالوا: وقد قال مالك: إن له أن ينكح أربعا كالحر، لأن حاجته إلى ذلك ~~كحاجة الحر، وقال الشافعي وأحمد: أجله في الإيلاء كأجل الحر، لأن ضرر ~~الزوجة في الصورتين سواء. # وقال أبو حنيفة: إن طلاقه وطلاق الحر سواء إذا كانت امرأتاهما حرتين ~~إعمالا لإطلاق نصوص الطلاق، وعمومها للحر والعبد. # وقال أحمد بن حنبل والناس معه: صيامه في الكفارات كلها، وصيام الحر سواء، ~~وحده في السرقة والشراب، وحد الحر سواء. قالوا: ولو كانت هذه الآثار أو ~~بعضها ثابتا، لما سبقتمونا إليه، ولا غلبتمونا عليه، ولو اتفقت آثار ~~الصحابة لم نعدها إلى غيرها، فإن الحق لا يعدوهم، وبالله التوفيق. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الطلاق بيد الزوج لا بيد غيره] # قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} ~~[الأحزاب: 49] # PageV05P254 # [الأحزاب: 49] ، وقال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف ~~أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] [البقرة: 231] ، فجعل الطلاق لمن نكح؛ لأن ~~له الإمساك، وهو الرجعة، وروى ابن ماجه في " سننه ": من حديث ابن عباس قال: ~~( «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فقال: يا رسول الله! سيدي زوجني ~~أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها. قال: فصعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المنبر، فقال: يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد ~~أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» ) . # وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء عن (ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- كان يقول: طلاق العبد بيد سيده، إن طلق، جاز، وإن فرق، فهي واحدة، إذا ~~كانا له جميعا، فإن كان العبد له، والأمة لغيره، طلق السيد أيضا إن شاء) . # وروى الثوري عن عبد الكريم الجزري، عن (عطاء عنه: ليس طلاق العبد ولا ~~فرقته بشيء) . # وذكر عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير سمع (جابرا يقول في ~~الأمة والعبد: سيدهما يجمع ms1462 بينهما ويفرق) . # وقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع، وحديث ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - المتقدم، وإن كان في إسناده ما فيه، فالقرآن يعضده، وعليه ~~عمل الناس. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن طلق دون الثلاث ثم راجعها بعد زوج أنها على بقية الطلاق] # ذكر ابن المبارك، عن عثمان بن مقسم، أنه أخبره، أنه سمع نبيه بن وهب، # PageV05P255 # يحدث عن رجل من قومه، عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~( «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في المرأة يطلقها زوجها دون ~~الثلاث، ثم يرتجعها بعد زوج أنها على ما بقي من الطلاق» ) . # وهذا الأثر وإن كان فيه ضعيف ومجهول، فعليه أكابر الصحابة، كما ذكر عبد ~~الرزاق في " مصنفه " عن مالك، وابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، وحميد ~~بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، (وسليمان بن يسار ~~كلهم يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: أيما امرأة ~~طلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين، ثم تركها حتى تنكح زوجا غيره، فيموت عنها، ~~أو يطلقها ثم ينكحها زوجها الأول، فإنها عنده على ما بقي من طلاقها) . # وعن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين - رضي الله عنهم - ~~مثله. # قال الإمام أحمد: هذا قول الأكابر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # (وقال ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس - رضي الله عنهم -: تعود على ~~الثلاث، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: نكاح جديد، وطلاق جديد) . # وذهب إلى القول الأول أهل الحديث، فيهم أحمد، والشافعي، ومالك، وذهب إلى ~~الثاني أبو حنيفة، هذا إذا أصابها الثاني، فإن لم يصبها فهي على ما بقي من ~~طلاقها عند الجميع، وقال النخعي: لم أسمع فيها اختلافا، ولو ثبت الحديث # PageV05P256 # لكان فصل النزاع في المسألة، ولو اتفقت آثار الصحابة، لكانت فصلا أيضا. # وأما فقه المسألة فمتجاذب، فإن الزوج الثاني إذا هدمت إصابته الثلاث، ~~وأعادتها إلى الأول بطلاق جديد، ms1463 فما دونها أولى، وأصحاب القول الأول ~~يقولون: لما كانت إصابة الثاني شرطا في حل المطلقة ثلاثا للأول لم يكن بد ~~من هدمها وإعادتها على طلاق جديد، وأما من طلقت دون الثلاث، فلم تصادف ~~إصابة الثاني فيها تحريما يزيله، ولا هي شرط في الحل للأول، فلم تهدم شيئا، ~~فوجودها كعدمها بالنسبة إلى الأول، وإحلالها له، فعادت على ما بقي، كما لو ~~لم يصبها، فإن إصابته لا أثر لها البتة، ولا نكاحه، وطلاقه معلق بها بوجه ~~ما، ولا تأثير لها فيه. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني] # ثبت في " الصحيحين ": عن عائشة رضي الله عنها، ( «أن امرأة رفاعة القرظي ~~جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن رفاعة ~~طلقني، فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإن ما معه ~~مثل الهدبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة. لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ) . # وفي " سنن النسائي ": عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ( «العسيلة الجماع ولو لم ينزل» ) . # PageV05P257 # وفيها عن ابن عمر قال: ( «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل ~~يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها الرجل، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها ~~قبل أن يدخل بها؟ قال: لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر» ) . # فتضمن هذا الحكم أمورا: # أحدها: أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل أنه لا يقدر على جماعها. # الثاني: أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، خلافا لمن اكتفى بمجرد ~~العقد، فإن قوله مردود بالسنة التي لا مرد لها. # الثالث: أنه لا يشترط الإنزال، بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة. # الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود الذي هو نكاح ~~رغبة كافيا، ولا اتصال الخلوة به، وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى يتصل ~~به الوطء، وهذا يدل على أنه لا يكفي ms1464 مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج ~~والزوجة فيه سوى صورة العقد، وإحلالها للأول بطريق الأولى، فإنه إذا كان ~~عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء، فكيف يكفي عقد تيس ~~مستعار ليحلها لا رغبة له في إمساكها، وإنما هو عارية كحمار العشريين ~~المستعار للضراب؟ . # PageV05P258 ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة تقيم شاهدا واحدا على طلاق زوجها والزوج منكر] # ذكر ابن وضاح عن ابن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن ~~ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل، استحلف ~~زوجها، فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر، ~~وجاز طلاقه» ) فتضمن هذا الحكم أربعة أمور: # أحدها: أنه لا يكتفى بشهادة الشاهد الواحد في الطلاق، ولا مع يمين ~~المرأة، قال الإمام أحمد: الشاهد واليمين إنما يكون في الأموال خاصة، لا ~~يقع في حد، ولا نكاح، ولا طلاق، ولا إعتاق، ولا سرقة، ولا قتل. وقد نص في ~~رواية أخرى عنه على أن العبد إذا ادعى أن سيده أعتقه، وأتى بشاهد، حلف مع ~~شاهده، وصار حرا، واختاره الخرقي، ونص أحمد في شريكين، في عبد ادعى كل واحد ~~منهما أن شريكه أعتق حقه منه، وكانا معسرين عدلين، فللعبد أن يحلف مع كل ~~واحد منهما، ويصير حرا، ويحلف مع أحدهما، ويصير نصفه حرا، ولكن لا يعرف عنه ~~أن الطلاق يثبت بشاهد ويمين. # وقد دل حديث عمرو بن شعيب هذا على أنه يثبت بشاهد ونكول الزوج، وهو ~~الصواب إن شاء الله تعالى، فإن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لا يعرف ~~من أئمة الإسلام، إلا من احتج به، وبنى عليه، وإن خالفه في بعض المواضع، ~~وزهير بن محمد الراوي عن ابن جريج ثقة محتج به في " الصحيحين "، وعمرو بن ~~أبي سلمة، هو أبو حفص التنيسي، محتج به في " الصحيحين ms1465 " أيضا، فمن احتج ~~بحديث عمرو بن شعيب. فهذا من أصح حديثه. # PageV05P259 # الثاني: أن الزوج يستحلف في دعوى الطلاق إذا لم تقم المرأة به بينة، لكن ~~إنما استحلفه مع قوة جانب الدعوى بالشاهد. # الثالث: أنه يحكم في الطلاق بشاهد ونكول المدعى عليه، وأحمد في إحدى ~~الروايتين عنه يحكم بوقوعه بمجرد النكول من غير شاهد، فإذا ادعت المرأة على ~~زوجها الطلاق، وأحلفناه لها في إحدى الروايتين فنكل، قضي عليه، فإذا أقامت ~~شاهدا واحدا، ولم يحلف الزوج على عدم دعواها، فالقضاء بالنكول عليه في هذه ~~الصورة أقوى. # وظاهر الحديث: أنه لا يحكم على الزوج بالنكول، إلا إذا أقامت المرأة ~~شاهدا واحدا، كما هو إحدى الروايتين عن مالك، وأنه لا يحكم عليه بمجرد ~~دعواها مع نكوله، لكن من يقضي عليه به يقول: النكول إما إقرار وإما بينة، ~~وكلاهما يحكم به، ولكن ينتقض هذا عليه بالنكول في دعوى القصاص، ويجاب بأن ~~النكول بدل استغني به، فيما يباح بالبدل، وهو الأموال وحقوقها دون النكاح ~~وتوابعه. # الرابع: أن النكول بمنزلة البينة، فلما أقامت شاهدا واحدا، وهو شطر ~~البينة، كان النكول قائما مقام تمامها. # ونحن نذكر مذاهب الناس في هذه المسألة، فقال أبو القاسم بن الجلاب في " ~~تفريعه ": وإذا ادعت المرأة الطلاق على زوجها، لم يحلف بدعواها، فإن أقامت ~~على ذلك شاهدا واحدا لم تحلف مع شاهدها، ولم يثبت الطلاق على زوجها، وهذا ~~الذي قاله لا يعلم فيه نزاع بين الأئمة الأربعة. قال: ولكن يحلف لها زوجها، ~~فإن حلف برئ من دعواها. # قلت هذا فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن الإمام أحمد. # إحداهما: أنه يحلف لدعواها، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأبي # PageV05P260 # حنيفة. والثانية لا يحلف. فإن قلنا: لا يحلف، فلا إشكال. وإن قلنا: يحلف، ~~فنكل عن اليمين، فهل يقضى عليه بطلاق زوجته بالنكول؟ فيه روايتان عن مالك، ~~إحداهما: أنها تطلق عليه بالشاهد والنكول عملا بهذا الحديث، وهذا اختيار ~~أشهب، هذا فيه غاية القوة؛ لأن الشاهد والنكول سببان من جهتين مختلفتين، ~~فقوي جانب المدعي بهما، فحكم له، فهذا مقتضى ms1466 الأثر والقياس. # والرواية الثانية عنه: أن الزوج إذا نكل عن اليمين، حبس، فإن طال حبسه ~~ترك. واختلفت الرواية عن الإمام أحمد، هل يقضى بالنكول في دعوى المرأة ~~الطلاق؟ على روايتين. ولا أثر عنده لإقامة الشاهد الواحد؛ بل إذا ادعت عليه ~~الطلاق، ففيه روايتان في استحلافه، فإن قلنا: لا يستحلف، لم يكن لدعواها ~~أثر، وإن قلنا: يستحلف، فأبى، فهل يحكم عليه بالطلاق؟ فيه روايتان: وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى الكلام في القضاء بالنكول وهل هو إقرار أو بدل أو قائم ~~مقام البينة في موضعه من هذا الكتاب؟ . ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخيير أزواجه بين المقام معه وبين مفارقتهن له] # ثبت في " الصحيحين " عن (عائشة رضي الله عنها قالت: «لما أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه، بدأ بي، فقال: إني ذاكر لك أمرا، فلا ~~عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ~~ليأمراني بفراقه، ثم قرأ {ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا - وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 28 ~~- 29] [الأحزاب: 28] ، فقلت في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله ~~والدار الآخرة. قالت عائشة: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما ~~فعلت، فلم يكن ذلك طلاقا» ) # PageV05P261 # قال ربيعة وابن شهاب: فاختارت واحدة منهن نفسها فذهبت وكانت البتة. قال ~~ابن شهاب: وكانت بدوية. قال عمرو بن شعيب: وهي ابنة الضحاك العامرية، رجعت ~~إلى أهلها، وقال ابن حبيب: قد كان دخل بها. انتهى. # وقيل لم يدخل بها، وكانت تلتقط بعد ذلك البعر، وتقول أنا الشقية. # واختلف الناس في هذا التخيير، في موضعين. أحدهما: في أي شيء كان؟ ~~والثاني: في حكمه، فأما الأول، فالذي عليه الجمهور أنه كان بين المقام معه ~~والفراق، وذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن الحسن، أن الله تعالى إنما خيرهن ~~بين الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن في الطلاق، وسياق القرآن، ms1467 وقول عائشة رضي ~~الله عنه يرد قوله، ولا ريب أنه سبحانه خيرهن بين الله ورسوله، والدار ~~الآخرة وبين الحياة الدنيا وزينتها، وجعل موجب اختيارهن الله ورسوله والدار ~~الآخرة المقام مع رسوله، وموجب اختيارهن الدنيا وزينتها أن يمتعهن ويسرحهن ~~سراحا جميلا، وهو الطلاق بلا شك ولا نزاع. ### | [كان التخيير بين المقام معه والفراق] # وأما اختلافهم في حكمه، ففي موضعين. أحدهما: في حكم اختيار الزوج، ~~والثاني: في حكم اختيار النفس، فأما الأول، فالذي عليه معظم أصحاب النبي ~~ونساؤه كلهن، ومعظم الأمة، أن من اختارت زوجها لم تطلق، ولا يكون التخيير ~~بمجرده طلاقا، صح ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة. (قالت عائشة: ~~«خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه» ، فلم نعده طلاقا، وعن أم ~~سلمة وقريبة أختها، وعبد الرحمن بن أبي بكر) # وصح عن علي وزيد بن ثابت، وجماعة من الصحابة، أنها إن اختارت زوجها فهي ~~طلقة رجعية، وهو قول الحسن، ورواية عن أحمد رواها عنه # PageV05P262 # إسحاق بن منصور، قال: إن اختارت زوجها، فواحدة يملك الرجعة، وإن اختارت ~~نفسها، فثلاث، قال أبو بكر: انفرد بهذا إسحاق بن منصور، والعمل على ما رواه ~~الجماعة. # قال صاحب " المغني ": ووجه هذه الرواية أن التخيير كناية نوى بها الطلاق، ~~فوقع بمجردها كسائر كناياته، وهذا هو الذي صرحت به عائشة رضي الله عنها، ~~والحق معها بإنكاره ورده، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختاره ~~أزواجه، لم يقل وقع بكن طلقة، ولم يراجعهن، وهي أعلم الأمة بشأن التخيير، ~~وقد صح عن (عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لم يكن ذلك طلاقا) وفي لفظ: (لم ~~نعده طلاقا) ، وفي لفظ: ( «خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفكان ~~طلاقا» ) ؟ . # والذي لحظه من قال: إنها طلقة رجعية، أن التخيير تمليك، ولا تملك المرأة ~~نفسها إلا وقد طلقت، فالتمليك مستلزم لوقوع الطلاق، وهذا مبني على مقدمتين. ~~إحداهما: أن التخيير تمليك. والثانية أن التمليك يستلزم وقوع الطلاق، وكلا ~~المقدمتين ممنوعة، فليس التخيير بتمليك، ولو كان تمليكا، لم يستلزم وقوع ms1468 ~~الطلاق قبل إيقاع من ملكه، فإن غاية أمره أن تملكه الزوجة، كما كان الزوج ~~يملكه، فلا يقع بدون إيقاع من ملكه، ولو صح ما ذكروه لكان بائنا؛ لأن ~~الرجعية لا تملك نفسها. ### | [هل التخيير يستلزم الطلاق] # وقد اختلف الفقهاء في التخيير: هل هو تمليك، أو توكيل، أو بعضه تمليك، ~~وبعضه توكيل، أو هو تطليق منجز، أو لغو لا أثر له البتة؟ على مذاهب خمسة. # التفريق هو مذهب أحمد ومالك. قال أبو الخطاب في " رءوس المسائل ": هو ~~تمليك يقف على القبول، وقال صاحب " المغني " فيه: إذا قال أمرك بيدك، أو ~~اختاري، فقالت قبلت، لم يقع شيء؛ لأن " أمرك بيدك " توكيل، فقولها في جوابه ~~قبلت، ينصرف إلى قبول الوكالة، فلم يقع شيء، كما لو قال لأجنبية: أمر ~~امرأتي بيدك، فقالت: قبلت، وقوله اختاري: في معناه، وكذلك # PageV05P263 # إن قالت: أخذت أمري، دخل عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانئ إذا قال ~~لامرأته: أمرك بيدك، فقالت: قبلت، ليس بشيء، حتى يتبين، وقال: إذا قالت ~~أخذت أمري، ليس بشيء، قال: وإذا قال لامرأته اختاري، فقالت قبلت نفسي، أو ~~اخترت نفسي، كان أبين. انتهى. وفرق مالك بين " اختاري، " وبين " أمرك بيدك، ~~" فجعل " أمرك بيدك " تمليكا، و " اختاري " تخييرا لا تمليكا. قال أصحابه: ~~وهو توكيل. # وللشافعي قولان: # أحدهما: أنه تمليك، وهو الصحيح عند أصحابه، والثاني: أنه توكيل وهو ~~القديم، وقالت الحنفية: تمليك. # وقال الحسن، وجماعة من الصحابة: هو تطليق تقع به واحدة منجزة، وله ~~رجعتها، وهي رواية ابن منصور عن أحمد. # وقال أهل الظاهر وجماعة من الصحابة: لا يقع به طلاق، سواء اختارت نفسها، ~~أو اختارت زوجها، ولا أثر للتخيير في وقوع الطلاق. ونحن نذكر مآخذ هذه ~~الأقوال على وجه الإشارة إليها. ### | [حجج من قال بأن التخيير تمليك] # قال أصحاب التمليك: لما كان البضع يعود إليها بعد ما كان للزوج، كان هذا ~~حقيقة التمليك. # قالوا: وأيضا فالتوكيل يستلزم أهلية الوكيل لمباشرة ما وكل فيه، والمرأة ~~ليست بأهل لإيقاع الطلاق، ولهذا لو وكل امرأة في طلاق زوجته لم ms1469 يصح في أحد ~~القولين؛ لأنها لا تباشر الطلاق، والذين صححوه قالوا: كما يصح أن يوكل رجلا ~~في طلاق امرأته، يصح أن يوكل امرأة في طلاقها. ### | [حجج من قال بأنه توكيل] # قالوا: وأيضا فالتوكيل لا يعقل معناه هاهنا، فإن الوكيل هو الذي يتصرف ~~لموكله لا لنفسه، والمرأة هاهنا إنما تتصرف لنفسها ولحظها، وهذا ينافي تصرف ~~الوكيل. قال أصحاب التوكيل: واللفظ لصاحب " المغني ": وقولهم إنه توكيل لا ~~يصح، فإن الطلاق لا يصح تمليكه، ولا ينتقل عن الزوج، وإنما ينوب فيه غيره # PageV05P264 # عنه، فإذا استناب غيره فيه، كان توكيلا لا غير. # قالوا: ولو كان تمليكا، لكان مقتضاه انتقال الملك إليها في بضعها، وهو ~~محال، فإنه لم يخرج عنها، ولهذا لو وطئت بشبهة كان المهر لها لا للزوج، ولو ~~ملك البضع لملك عوضه، كمن ملك منفعة عين كان عوض تلك المنفعة له. # قالوا: وأيضا فلو كان تمليكا لكانت المرأة مالكة للطلاق، وحينئذ يجب أن ~~لا يبقى الزوج مالكا لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكا لمالكين ~~في زمن واحد، والزوج مالك للطلاق بعد التخيير، فلا تكون هي مالكة له بخلاف ~~ما إذا قلنا: هو توكيل واستنابة، كان الزوج مالكا، وهي نائبة ووكيلة عنه. # قالوا: وأيضا فلو قال لها: طلقي نفسك، ثم حلف أن لا يطلق، فطلقت نفسها ~~حنث، فدل على أنها نائبة عنه، وأنه هو المطلق. # قالوا: وأيضا فقولكم: إنه تمليك، إما أن تريدوا به أنه ملكها نفسها، أو ~~أنه ملكها أن تطلق، فإن أردتم الأول لزمكم أن يقع الطلاق بمجرد قولها: ~~قبلت؛ لأنه أتى بما يقتضي خروج بضعها عن ملكه، واتصل به القبول، وإن أردتم ~~الثاني فهو معنى التوكيل، وإن غيرت العبارة. ### | [حجج المفرقين بين بعض صور التخيير وبعض] # قال المفرقون بين بعض صوره وبعض - وهم أصحاب مالك - إذا قال لها: أمرك ~~بيدك، أو جعلت أمرك إليك، أو ملكتك أمرك، فذاك تمليك. وإذا قال اختاري فهو ~~تخيير، قالوا: والفرق بينهما حقيقة وحكما. أما الحقيقة فلأن " اختاري " لم ~~يتضمن أكثر من تخييرها، لم يملكها ms1470 نفسها، وإنما خيرها بين أمرين، بخلاف ~~قوله أمرك بيدك، فإنه لا يكون بيدها، إلا وهي مالكته، وأما الحكم فلأنه إذا ~~قال لها: أمرك بيدك، وقال أردت به واحدة، فالقول قوله مع يمينه، وإذا قال ~~اختاري، فطلقت نفسها ثلاثا، وقعت، ولو قال أردت واحدة، إلا أن تكون غير ~~مدخول بها، فالقول قوله في إرادته الواحدة. قالوا: لأن التخيير يقتضي أن ~~لها أن تختار نفسها، ولا يحصل لها ذلك إلا بالبينونة، فإن كانت مدخولا بها ~~لم تبن إلا # PageV05P265 # بالثلاث، وإن لم تكن مدخولا بها بانت بالواحدة، وهذا بخلاف: أمرك بيدك، ~~فإنه لا يقتضي تخييرها بين نفسها وبين زوجها، بل تمليكها أمرها، وهو أعم من ~~تمليكها الإبانة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها، فإن أراد بها أحد ~~محتمليه، قبل قوله، وهذا بعينه يرد عليهم في " اختاري "، فإنه أعم من أن ~~تختار البينونة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها؛ بل " أمرك بيدك " أصرح في ~~تمليك الثلاث من " اختاري " لأنه مضاف ومضاف إليه، فيعم جميع أمرها. بخلاف ~~" اختاري "، فإنه مطلق لا عموم له، فمن أين يستفاد منه الثلاث؟ وهذا منصوص ~~الإمام أحمد، فإنه قال في اختاري: إنه لا تملك به المرأة أكثر من طلقة ~~واحدة، إلا بنية الزوج، ونص في " أمرك بيدك، وطلاقك بيدك، ووكلتك في الطلاق ~~": على أنها تملك به الثلاث. وعنه رواية أخرى: أنها لا تملكها إلا بنيته. ### | [حجة من جعله تطليقا منجزا وحجة من جعله لغوا] # وأما من جعله تطليقا منجزا، فقد تقدم وجه قوله وضعفه. # وأما من جعله لغوا، فلهم مأخذان، أحدهما: أن الطلاق لم يجعله الله بيد ~~النساء، إنما جعله بيد الرجال، ولا يتغير شرع الله باختيار العبد، فليس له ~~أن يختار نقل الطلاق إلى من لم يجعل الله إليه الطلاق البتة. # قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا حبيب بن أبي ~~ثابت (أن رجلا قال لامرأة له إن أدخلت هذا العدل إلى هذا البيت فأمر صاحبتك ~~بيدك، فأدخلته، ثم قالت هي طالق، فرفع ذلك ms1471 إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فأبانها منه، فمروا بعبد الله بن مسعود فأخبروه، فذهب بهم إلى عمر، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إن الله تبارك وتعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ولم ~~يجعل النساء قوامات على الرجال، فقال له عمر فما ترى؟ قال: أراها امرأته. ~~قال: وأنا أرى ذلك، فجعلها واحدة) # قلت: يحتمل أنه جعلها واحدة بقول الزوج، فأمر صاحبتك بيدك، ويكون كناية ~~في الطلاق، ويحتمل أنه جعلها واحدة بقول ضرتها: هي طالق ولم يجعل # PageV05P266 # للضرة إبانتها لئلا تكون هي القوامة على الزوج، فليس في هذا دليل لما ~~ذهبت إليه هذه الفرقة بل هو حجة عليها. # وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الغفار بن داود عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي ~~حبيب (أن رميثة الفارسية كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فملكها ~~أمرها، فقالت: أنت طالق ثلاث مرات، فقال عثمان بن عفان: أخطأت، لا طلاق ~~لها، لأن المرأة لا تطلق) # وهذا أيضا لا يدل لهذه الفرقة؛ لأنه إنما لم يوقع الطلاق، لأنها أضافته ~~إلى غير محله وهو الزوج، وهو لم يقل أنا منك طالق، وهذا نظير ما رواه عبد ~~الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أن مجاهدا أخبره أن (رجلا جاء ~~إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: ملكت امرأتي أمرها فطلقتني ثلاثا، فقال ~~ابن عباس: خطأ الله نوأها، إنما الطلاق لك عليها، وليس لها عليك) # قال الأثرم: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يقول لامرأته: أمرك بيدك؟ فقال: ~~قال عثمان وعلي رضي الله عنهما: القضاء ما قضت، قلت: فإن قالت قد طلقت نفسي ~~ثلاثا، قال القضاء ما قضت. قلت: فإن قالت طلقتك ثلاثا، قال: المرأة لا ~~تطلق) واحتج بحديث (ابن عباس رضي الله عنهما: خطأ الله نوأها) # (ورواه عن وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس رضي الله عنه في رجل جعل ~~أمر امرأته في يدها، فقالت: قد طلقتك ثلاثا، قال ابن عباس: خطأ الله نوأها، ~~أفلا طلقت نفسها) قال أحمد: صحف أبو ms1472 مطر فقال: " خطأ الله فوها " ولكن روى ~~عبد الرزاق، عن (ابن جريج قال: سألت عبد الله بن طاووس، كيف كان أبوك يقول ~~في رجل ملك امرأته أمرها، أتملك أن تطلق # PageV05P267 # نفسها أم لا؟ قال كان يقول: ليس إلى النساء طلاق، فقلت له فكيف كان أبوك ~~يقول في رجل ملك رجلا أمر امرأته أيملك الرجل أن يطلقها؟ قال: لا) # فهذا صريح من مذهب طاووس، أنه لا يطلق إلا الزوج، وأن تمليك الزوجة أمرها ~~لغو، وكذلك توكيله غيره في الطلاق. قال أبو محمد ابن حزم: وهذا قول أبي ~~سليمان وجميع أصحابنا. # الحجة الثانية لهؤلاء: أن الله سبحانه إنما جعل أمر الطلاق إلى الزوج دون ~~النساء؛ لأنهن ناقصات عقل ودين، والغالب عليهن السفه، وتذهب بهن الشهوة ~~والميل إلى الرجال كل مذهب، فلو جعل أمر الطلاق إليهن لم يستقم للرجال معهن ~~أمر، وكان في ذلك ضرر عظيم بأزواجهن، فاقتضت حكمته ورحمته أنه لم يجعل ~~بأيديهن شيئا من أمر الفراق، وجعله إلى الأزواج. # فلو جاز للأزواج نقل ذلك إليهن، لناقض حكمة الله ورحمته ونظره للأزواج. ~~قالوا: والحديث إنما دل على التخيير فقط، فإن اخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة، كما وقع، كن أزواجه بحالهن، وإن اخترن أنفسهن، متعهن وطلقهن هو ~~بنفسه، وهو السراح الجميل، لا أن اختيارهن لأنفسهن يكون هو نفس الطلاق، ~~وهذا في غاية الظهور كما ترى. # قال هؤلاء: والآثار عن الصحابة في ذلك مختلفة اختلافا شديدا، فصح عن عمر ~~وابن مسعود، وزيد بن ثابت، في رجل جعل أمر امرأته بيدها، فطلقت نفسها ~~ثلاثا، أنها طلقة واحدة رجعية، وصح عن (عثمان رضي الله عنه، أن القضاء ما ~~قضت) ورواه سعيد بن منصور، عن ابن عمر، وغيره عن ابن الزبير. وصح عن (علي، ~~وزيد، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، أنها إن اختارت نفسها فواحدة ~~بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية) # وصح عن بعض الصحابة أنها إن اختارت نفسها، فثلاث بكل حال، وروي عن (ابن ~~مسعود فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها، فليس بشيء) # PageV05P268 # قال ms1473 أبو محمد ابن حزم: وقد تقصينا من روينا عنه من الصحابة أنه يقع به ~~الطلاق، فلم يكونوا بين من صح عنه، ومن لم يصح عنه إلا سبعة، ثم اختلفوا، ~~وليس قول بعضهم أولى من قول بعض، ولا أثر في شيء منها إلا ما رويناه من ~~طريق النسائي، أخبرنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد ~~بن زيد، قال: قلت لأيوب السختياني: هل علمت أحدا قال في " أمرك بيدك ": ~~إنها ثلاث غير الحسن؟ قال: لا، اللهم غفرا، إلا ما حدثني به قتادة، عن كثير ~~مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ثلاث. قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة، فسألته فلم يعرفه فرجعت ~~إلى قتادة فأخبرته، فقال نسي. قال أبو محمد: كثير مولى ابن سمرة مجهول، ولو ~~كان مشهورا بالثقة والحفظ لما خالفنا هذا الخبر وقد أوقفه بعض رواته على ~~أبي هريرة. انتهى. # (وقال المروذي: سألت أبا عبد الله ما تقول في امرأة خيرت فاختارت نفسها؟ ~~قال: قال فيها خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها واحدة، ~~ولها الرجعة، عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة) ، وذكر آخر، قال غير المروذي ~~هو زيد بن ثابت. # قال أبو محمد ومن خير امرأته فاختارت نفسها أو اختارت الطلاق، أو اختارت ~~زوجها، أو لم تختر شيئا، فكل ذلك لا شيء، وكل ذلك سواء، ولا تطلق بذلك، ولا ~~تحرم عليه، ولا لشيء من ذلك حكم، ولو كرر التخيير وكررت هي اختيار نفسها، ~~أو اختيار الطلاق ألف مرة، وكذلك إن ملكها نفسها، أو جعل أمرها بيدها. ولا ~~فرق. # ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذ لم يأت في القرآن ~~ولا عن # PageV05P269 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قول الرجل لامرأته أمرك بيدك، أو قد ~~ملكتك أمرك، أو اختاري، يوجب أن يكون طلاقا، أو أن لها أن تطلق نفسها، أو ~~تختار طلاقا، فلا يجوز أن يحرم على ms1474 الرجل فرج أباحه الله تعالى له ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأقوال لم يوجبها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا في غاية البيان. انتهى كلامه. # قالوا: واضطراب أقوال الموقعين وتناقضها ومعارضة بعضها لبعض يدل على فساد ~~أصلها، ولو كان الأصل صحيحا لاطردت فروعه، ولم تتناقض، ولم تختلف، ونحن ~~نشير إلى طرف من اختلافهم. # فاختلفوا: هل يقع الطلاق بمجرد التخيير أو لا يقع حتى تختار نفسها؟ على ~~قولين: تقدم حكايتهما ثم اختلف الذين لا يوقعونه بمجرد قوله أمرك بيدك: هل ~~يختص اختيارها بالمجلس، أو يكون في يدها ما لم يفسخ أو يطأ؟ على قولين: ~~أحدهما: أنه يتقيد بالمجلس، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، في إحدى ~~الروايتين عنه. الثاني: أنه في يدها أبدا حتى يفسخ أو يطأ، وهذا قول أحمد، ~~وابن المنذر، وأبي ثور. والرواية الثانية عن مالك. ثم قال بعض أصحابه: وذلك ~~ما لم تطل حتى يتبين أنها تركته، وذلك بأن يتعدى شهرين، ثم اختلفوا، هل ~~عليها يمين، أنها تركت أم لا؟ على قولين. # ثم اختلفوا إذا رجع الزوج فيما جعل إليها، فقال أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، ~~والشعبي، ومجاهد، وعطاء: له ذلك، ويبطل خيارها. وقال مالك، وأبو حنيفة، ~~والثوري، والزهري: ليس له الرجوع، وللشافعية خلاف مبني على أنه توكيل، ~~فيملك الموكل الرجوع أو تمليك، فلا يملكه، قال بعض أصحاب التمليك: ولا ~~يمتنع الرجوع. وإن قلنا إنه تمليك؛ لأنه لم يتصل به القبول، فجاز الرجوع ~~فيه كالهبة والبيع. # واختلفوا: فيما يلزم من اختيارها نفسها. فقال أحمد والشافعي: واحدة # PageV05P270 # رجعية، وهو قول ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، واختاره أبو عبيد، ~~وإسحاق. وعن علي: واحدة بائنة، وهو قول أبي حنيفة، وعن زيد بن ثابت: ثلاث، ~~وهو قول الليث، وقال مالك: إن كانت مدخولا بها فثلاث، وإن كانت غير مدخول ~~بها قبل منه دعوى الواحدة. # واختلفوا: هل يفتقر قوله: أمرك بيدك إلى نية أم لا؟ فقال أحمد، والشافعي ~~وأبو حنيفة: يفتقر إلى نية، وقال مالك: لا يفتقر إلى نية، واختلفوا: هل ~~يفتقر ms1475 وقوع الطلاق إلى نية المرأة إذا قالت: اخترت نفسي، أو فسخت نكاحك؟ ~~فقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها، إذا نوى الزوج. وقال ~~أحمد، والشافعي: لا بد من نيتها إذا اختارت بالكناية، ثم قال أصحاب مالك: ~~إن قالت اخترت نفسي، أو قبلت نفسي، لزم الطلاق، ولو قالت لم أرده، وإن ~~قالت: قبلت أمري سئلت عما أرادت؟ فإن أرادت الطلاق كان طلاقا، وإن لم ترده ~~لم يكن طلاقا. ثم قال مالك: إذا قال لها: أمرك بيدك، وقال: قصدت طلقة ~~واحدة، فالقول قوله مع يمينه، وإن لم تكن له نية فله أن يوقع ما شاء. وإذا ~~قال: اختاري، وقال: أردت واحدة، فاختارت نفسها طلقت ثلاثا ولا يقبل قوله. # ثم هاهنا فروع كثيرة مضطربة غاية الاضطراب، لا دليل عليها من كتاب ولا ~~سنة ولا إجماع، والزوجة زوجته، حتى يقوم دليل على زوال عصمته عنها. # قالوا: ولم يجعل الله إلى النساء شيئا من النكاح، ولا من الطلاق، وإنما ~~جعل ذلك إلى الرجال، وقد جعل الله سبحانه الرجال قوامين على النساء، إن ~~شاءوا أمسكوا، وإن شاءوا طلقوا، فلا يجوز للرجل أن يجعل المرأة قوامة عليه، ~~إن شاءت أمسكت، وإن شاءت طلقت. قالوا: ولو أجمع أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على شيء لم نتعد إجماعهم، ولكن اختلفوا، فطلبنا الحجة لأقوالهم ~~من غيرها، فلم نجد الحجة تقوم إلا على هذا القول. وإن # PageV05P271 # كان من روي عنه قد روي عنه خلافه أيضا، وقد أبطل من ادعى الإجماع في ذلك، ~~فالنزاع ثابت بين الصحابة والتابعين، كما حكيناه، والحجة لا تقوم بالخلاف، ~~فهذا (ابن عباس، وعثمان بن عفان، قد قالا: إن تمليك الرجل لامرأته أمرها ~~ليس بشيء) (وابن مسعود يقول فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها: ليس بشيء) ~~(وطاووس يقول فيمن ملك امرأته أمرها: ليس إلى النساء طلاق، ويقول فيمن ملك ~~رجلا أمر امرأته: أيملك الرجل أن يطلقها؟ قال: لا) # قلت: أما المنقول عن طاووس فصحيح صريح، لا مطعن فيه، سندا وصراحة. وأما ~~المنقول عن ms1476 ابن مسعود فمختلف، فنقل عنه موافقة علي وزيد في الوقوع، كما ~~رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي: أن أمرك بيدك، واختاري سواء، في قول علي وابن ~~مسعود وزيد، ونقل عنه فيمن قال لامرأته: أمر فلانة بيدك، إن أدخلت هذا ~~العدل البيت ففعلت، أنها امرأته، ولم يطلقها عليه. # وأما المنقول عن ابن عباس، وعثمان، فإنما هو فيما إذا أضافت المرأة ~~الطلاق إلى الزوج، وقالت: أنت طالق. # وأحمد ومالك يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطلاق، إذا اختارت نفسها، أو ~~طلقت نفسها، فلا يعرف عن أحد من الصحابة إلغاء التخيير والتمليك البتة، إلا ~~هذه الرواية، عن ابن مسعود، وقد روي عنه خلافها، والثابت عن الصحابة اعتبار ~~ذلك، ووقوع الطلاق به، وإن اختلفوا فيما تملك به المرأة كما تقدم، والقول ~~بأن ذلك لا أثر له لا يعرف عن أحد من الصحابة البتة، وإنما وهم أبو محمد في ~~المنقول عن ابن عباس وعثمان، ولكن هذا مذهب طاووس، وقد نقل عن عطاء ما يدل ~~على ذلك، فروى عبد الرزاق عن (ابن جريج، قلت لعطاء: رجل قال لامرأته: أمرك ~~بيدك بعد يوم أو يومين، قال: ليس هذا بشيء. قلت: فأرسل إليها رجلا أن أمرها ~~بيدها يوما أو ساعة، قال: ما أدري ما هذا؟ ما أظن هذا # PageV05P272 # شيئا. قلت لعطاء: أملكت عائشة حفصة حين ملكها المنذر أمرها، قال عطاء: ~~لا، إنما عرضت عليها أتطلقها أم لا، ولم تملكها أمرها) # ولولا هيبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدلنا عن هذا القول، ~~ولكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم القدوة وإن اختلفوا في حكم ~~التخيير، ففي ضمن اختلافهم اتفاقهم على اعتبار التخيير، وعدم إلغائه، ولا ~~مفسدة في ذلك، والمفسدة التي ذكرتموها في كون الطلاق بيد المرأة، إنما تكون ~~لو كان ذلك بيدها استقلالا، فأما إذا كان الزوج هو المستقل بها، فقد تكون ~~المصلحة له في تفويضها إلى المرأة، ليصير حاله معها على بينة، إن أحبته ~~أقامت معه، وإن كرهته فارقته، فهذا مصلحة له ولها، وليس ms1477 في هذا ما يقتضي ~~تغيير شرع الله وحكمته، ولا فرق بين توكيل المرأة في طلاق نفسها، وتوكيل ~~الأجنبي، ولا معنى لمنع توكيل الأجنبي في الطلاق، كما يصح توكيله في النكاح ~~والخلع. # وقد جعل الله سبحانه للحكمين النظر في حال الزوجين عند الشقاق، إن رأيا ~~التفريق فرقا، وإن رأيا الجمع جمعا، وهو طلاق أو فسخ من غير الزوج، إما ~~برضاه إن قيل هما وكيلان، أو بغير رضاه إن قيل هما حكمان، وقد جعل للحاكم ~~أن يطلق على الزوج في مواضع بطريق النيابة عنه، فإذا وكل الزوج من يطلق ~~عنه، أو يخالع، لم يكن في هذا تغيير لحكم الله، ولا مخالفة لدينه، فإن ~~الزوج هو الذي يطلق، إما بنفسه، أو بوكيله، وقد يكون أتم نظرا للرجل من ~~نفسه، وأعلم بمصلحته، فيفوض إليه ما هو أعلم بوجه المصلحة فيه منه، وإذا ~~جاز التوكيل في العتق والنكاح والخلع والإبراء وسائر الحقوق من المطالبة ~~بها، وإثباتها واستيفائها، والمخاصمة فيها، فما الذي حرم التوكيل في ~~الطلاق؟ نعم الوكيل يقوم مقام الموكل فيما يملكه من الطلاق وما لا يملكه، ~~وما يحل له منه وما يحرم عليه، ففي # PageV05P273 # الحقيقة لم يطلق إلا الزوج إما بنفسه أو بوكيله. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بينه عن ربه تبارك وتعالى فيمن حرم أمته أو زوجته أو متاعه] # قال تعالى: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ~~والله غفور رحيم - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 1 - 2] ~~[التحريم: 1] ثبت في " الصحيحين ": ( «أنه صلى الله عليه وسلم شرب عسلا من ~~بيت زينب بنت جحش، فاحتالت عليه عائشة وحفصة حتى قال لن أعود له» ) . وفي ~~لفظ: (وقد حلفت) . # وفي " سنن النسائي ": عن أنس رضي الله عنه: ( «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل ~~الله عز وجل {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] » ) . # وفي " صحيح مسلم ": عن (ابن عباس رضي الله عنهما ms1478 قال: «إذا حرم الرجل ~~امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . # » وفي " جامع الترمذي ": عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( «آلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم، فجعل الحرام حلالا، وجعل في اليمين # PageV05P274 # كفارة» ) # هكذا رواه مسلمة بن علقمة، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، ~~ورواه علي بن مسهر، وغيره، عن الشعبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ~~وهو أصح، انتهى كلام أبي عيسى. # وقولها: جعل الحرام حلالا، أي جعل الشيء الذي حرمه وهو العسل، أو ~~الجارية، حلالا بعد تحريمه إياه. # وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن هبيرة، عن ~~(قبيصة بن ذؤيب، قال: سألت زيد بن ثابت، وابن عمر رضي الله عنهم، عمن قال ~~لامرأته: أنت علي حرام، فقالا جميعا: كفارة يمين) . # وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن (ابن ~~مسعود رضي الله عنه قال في التحريم: هي يمين يكفرها) . # قال ابن حزم، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين. وقال ~~الحجاج بن منهال، حدثنا (جرير بن حازم قال: «سألت نافعا مولى ابن عمر رضي ~~الله عنه عن الحرام أطلاق هو؟ قال: لا، أوليس قد حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جاريته، فأمره الله عز وجل، أن يكفر عن يمينه، ولم يحرمها عليه» ~~) . # وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، كلاهما ~~عن عكرمة، أن (عمر بن الخطاب قال: هي يمين يعني التحريم) . # وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن # PageV05P275 # صخر بن جويرية، عن نافع، عن (ابن عمر رضي الله عنهما، قال: الحرام يمين) ~~. # وفي " صحيح البخاري ": عن سعيد بن جبير، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما ~~يقول: إذا حرم امرأته ليس بشيء، وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة} [الأحزاب: 21] فقيل هذا رواية أخرى عن ابن عباس. وقيل إنما أراد ms1479 أنه ~~ليس بطلاق، وفيه كفارة يمين، ولهذا احتج بفعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا الثاني أظهر، وهذه المسألة فيها عشرون مذهبا للناس، ونحن ~~نذكرها، ونذكر وجوهها، ومآخذها، والراجح منها، بعون الله تعالى وتوفيقه. # أحدها: أن التحريم لغو لا شيء فيه، لا في الزوجة، ولا في غيرها، لا طلاق، ~~ولا إيلاء، ولا يمين، ولا ظهار، روى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ~~عن مسروق: (ما أبالي حرمت امرأتي أو قصعة من ثريد) # وذكر عبد الرزاق عن الثوري، عن صالح بن مسلم، عن الشعبي، أنه (قال في ~~تحريم المرأة: لهي أهون علي من نعلي) # وذكر عن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه ~~قال: ما أبالي حرمتها، يعني امرأته، أو حرمت ماء النهر. # وقال قتادة: سأل رجل حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ذلك؟ فقال: قال الله ~~تعالى: {فإذا فرغت فانصب - وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7 - 8] [ألم نشرح: 7] ~~وأنت رجل تلعب، فاذهب فالعب، هذا قول أهل الظاهر كلهم. # المذهب الثاني: أن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث. قال ابن حزم قاله علي بن ~~أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر وهو قول الحسن ومحمد بن # PageV05P276 # عبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن الحكم بن عتيبة. قلت: الثابت عن زيد بن ~~ثابت وابن عمر ما رواه هو من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي ~~هبيرة عن قبيصة، أنه سأل زيد بن ثابت، وابن عمر، عمن قال لامرأته. أنت علي ~~حرام، فقالا جميعا: كفارة يمين، ولم يصح عنهما خلاف ذلك، وأما علي، فقد روى ~~أبو محمد ابن حزم من طريق يحيى القطان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن ~~الشعبي، قال: يقول رجال في الحرام، هي حرام حتى تنكح زوجا غيره، ولا والله ~~ما قال ذلك علي، وإنما قال علي: (ما أنا بمحلها، ولا بمحرمها عليك، إن شئت ~~فتقدم، وإن شئت فتأخر) # وأما الحسن، فقد روى أبو محمد من طريق قتادة عنه ms1480 أنه قال: (كل حلال علي ~~حرام فهو يمين) ولعل أبا محمد غلط على علي وزيد، وابن عمر، من مسألة الخلية ~~والبرية والبتة، فإن أحمد حكى عنهم أنها ثلاث. # وقال هو عن علي وابن عمر صحيح، فوهم أبو محمد وحكاه في: أنت علي حرام وهو ~~وهم ظاهر، فإنهم فرقوا بين التحريم فأفتوا فيه بأنه يمين، وبين الخلية ~~فأفتوا فيها بالثلاث، ولا أعلم أحدا قال إنه ثلاث بكل حال. # المذهب الثالث: أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يقبل منه غير ذلك، وإن ~~كانت غير مدخول بها وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث، فإن أطلق فواحدة، ~~وإن قال لم أرد طلاقا، فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه، وإن ~~كان ابتداء لم يقبل، وإن حرم أمته، أو طعامه، أو متاعه، فليس بشيء، وهذا ~~مذهب مالك. # المذهب الرابع: أنه إن نوى الطلاق، كان طلاقا، ثم إن نوى به الثلاث ~~فثلاث، وإن نوى دونها فواحدة بائنة، وإن نوى يمينا فهو يمين فيها كفارة، ~~وإن لم ينو شيئا فهو إيلاء فيه حكم الإيلاء. فإن نوى الكذب صدق في الفتيا، ~~ولم يكن شيئا، ويكون في القضاء إيلاء، وإن صادف غير الزوجة الأمة والطعام ~~وغيره، فهو يمين فيه كفارتها وهذا مذهب أبي حنيفة. # المذهب الخامس: أنه إن نوى به الطلاق، كان طلاقا، ويقع ما نواه فإن # PageV05P277 # أطلق، وقعت واحدة، وإن نوى الظهار كان ظهارا، وإن نوى اليمين، كان يمينا، ~~وإن نوى تحريم عينها من غير طلاق ولا ظهار، فعليه كفارة يمين، وإن لم ينو ~~شيئا ففيه قولان: أحدهما: لا يلزمه شيء. # والثاني: يلزمه كفارة يمين. وإن صادف جارية فنوى عتقها، وقع العتق، وإن ~~نوى تحريمها، لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، وإن نوى الظهار منها، لم يصح، ~~ولم يلزمه شيء، وقيل بل يلزمه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئا ففيه قولان: ~~أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: عليه كفارة يمين. وإن صادف غير الزوجة ~~والأمة لم يحرم، ولم يلزمه به شيء، وهذا مذهب الشافعي. # المذهب ms1481 السادس: أنه ظهار بإطلاقه، نواه أو لم ينوه، إلا أن يصرفه بالنية ~~إلى الطلاق أو اليمين، فينصرف إلى ما نواه، هذا ظاهر مذهب أحمد. # وعنه رواية ثانية أنه بإطلاقه يمين إلا أن يصرفه بالنية إلى الظهار أو ~~الطلاق، فينصرف إلى ما نواه، وعنه رواية أخرى ثالثة، أنه ظهار بكل حال ولو ~~نوى غيره، وفيه رواية رابعة، حكاها أبو الحسين في " فروعه " أنه طلاق بائن. ~~ولو وصله بقوله أعني به الطلاق، فعنه فيه روايتان. إحداهما: أنه طلاق، فعلى ~~هذا، هل تلزمه الثلاث، أو واحدة؟ على روايتين، والثانية أنه ظهار أيضا، كما ~~لو قال: أنت علي كظهر أمي: أعني به الطلاق، هذا تلخيص مذهبه. # المذهب السابع: أنه إن نوى به ثلاثا، فهي ثلاث، وإن نوى به واحدة، فهي ~~واحدة بائنة، وإن نوى به يمينا، فهي يمين، وإن لم ينو شيئا، فهي كذبة لا ~~شيء فيها، وهذا مذهب سفيان الثوري، حكاه عنه أبو محمد ابن حزم. # المذهب الثامن: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال، وهذا مذهب حماد بن أبي ~~سليمان. # المذهب التاسع: أنه إن نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى واحدة، أو لم ينو شيئا، ~~فواحدة بائنة، وهذا مذهب إبراهيم النخعي، حكاه عنه أبو محمد ابن حزم. # PageV05P278 # المذهب العاشر: أنه طلقة رجعية، حكاه ابن الصباغ، وصاحبه أبو بكر الشاشي، ~~عن الزهري، عن عمر بن الخطاب. # المذهب الحادي عشر: أنها حرمت عليه بذلك فقط، ولم يذكر هؤلاء ظهارا، ولا ~~طلاقا، ولا يمينا، بل ألزموه موجب تحريمه. قال ابن حزم صح هذا عن علي بن ~~أبي طالب ورجال من الصحابة لم يسموا وعن أبي هريرة. # وصح عن الحسن وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد، وقتادة، أنهم أمروه باجتنابها ~~فقط. # المذهب الثاني عشر: التوقف في ذلك لا يحرمها المفتي على الزوج، ولا ~~يحللها له، كما رواه الشعبي عن علي أنه قال: (ما أنا بمحلها ولا محرمها ~~عليك، إن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر) # المذهب الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزا أو معلقا تعليقا ~~مقصودا، وبين ms1482 أن يخرجه مخرج اليمين، فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به ~~الطلاق، ولو وصله بقوله: أعني به الطلاق. # والثاني: يمين يلزمه به كفارة يمين، فإذا قال أنت علي حرام، أو إذا دخل ~~رمضان فأنت علي حرام، فظهار، وإذا قال إن سافرت، أو إن أكلت هذا الطعام، أو ~~كلمت فلانا، فامرأتي علي حرام، فيمين مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن ~~تيمية، فهذه أصول المذاهب في هذه المسألة، وتتفرع إلى أكثر من عشرين مذهبا. ### | [فصل حجج من قال بأن التحريم لغو] # فصل # فأما من قال: التحريم كله لغو لا شيء فيه، فاحتجوا بأن الله سبحانه لم ~~يجعل للعبد تحريما ولا تحليلا، وإنما جعل له تعاطي الأسباب التي تحل بها ~~العين وتحرم، كالطلاق، والنكاح، والبيع، والعتق، وأما مجرد قوله: حرمت كذا، ~~وهو علي حرام، فليس إليه، قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116] [النحل: 116] ~~وقال تعالى: # PageV05P279 # {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] [التحريم: 1] فإذا ~~كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له، فكيف يجعل لغيره ~~التحريم؟ # قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ~~رد» ) وهذا التحريم كذلك، فيكون ردا باطلا. # قالوا: ولأنه لا فرق بين تحريم الحلال وتحليل الحرام، وكما أن هذا الثاني ~~لغو لا أثر له، فكذلك الأول. # قالوا: ولا فرق بين قوله لامرأته: أنت علي حرام، وبين قوله لطعامه: هو ~~علي حرام. # قالوا: وقوله: أنت علي حرام، إما أن يريد به إنشاء تحريمها، أو الإخبار ~~عنها بأنها حرام وإنشاء تحريم محال، فإنه ليس إليه، إنما هو إلى من أحل ~~الحلال، وحرم الحرام، وشرع الأحكام، وإن أراد الإخبار، فهو كذب، فهو إما ~~خبر كاذب، أو إنشاء باطل، وكلاهما لغو من القول. # قالوا: ونظرنا فيما سوى هذا القول، فرأيناها أقوالا مضطربة متعارضة، يرد ~~بعضها بعضا، فلم نحرم الزوجة بشيء منها بغير برهان من الله ورسوله، فنكون ~~قد ارتكبنا أمرين: تحريمها ms1483 على الأول، وإحلالها لغيره، والأصل بقاء النكاح ~~حتى تجمع الأمة أو يأتي برهان من الله ورسوله على زواله، فيتعين القول به، ~~فهذا حجة هذا الفريق. ### | [فصل حجج من قال بأنها ثلاث] # فصل # وأما من قال: إنه ثلاث بكل حال إن ثبت هذا عنه، فيحتج له بأن التحريم جعل ~~كناية في الطلاق، وأعلى أنواعه تحريم الثلاث، فيحمل على أعلى أنواعه ~~احتياطا للأبضاع. # PageV05P280 # وأيضا فإنا تيقنا التحريم بذلك، وشككنا: هل هو تحريم تزيله الكفارة ~~كالظهار أو يزيله تجديد العقد كالخلع أو لا يزيله إلا زوج وإصابة كتحريم ~~الثلاث؟ وهذا متيقن، وما دونه مشكوك فيه، فلا يحل بالشك. # قالوا: ولأن الصحابة أفتوا في الخلية والبرية بأنها ثلاث. قال أحمد: هو ~~عن علي وابن عمر صحيح، ومعلوم أن غاية الخلية والبرية أن تصير إلى التحريم، ~~فإذا صرح بالغاية فهي أولى أن تكون ثلاثا؛ ولأن المحرم لا يسبق إلى وهمه ~~تحريم امرأته بدون الثلاث، فكأن هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في إيقاع ~~الثلاث. # وأيضا فالواحدة لا تحرم إلا بعوض، أو قبل الدخول، أو عند تقييدها بكونها ~~بائنة عند من يراه، فالتحريم بها مقيد، فإذا أطلق التحريم ولم يقيد، انصرف ~~إلى التحريم المطلق، الذي يثبت قبل الدخول أو بعده، وبعوض وغيره، وهو ~~الثلاث. ### | [فصل حجج المذهب الثالث] # فصل # وأما من جعله ثلاثا في حق المدخول بها، وواحدة بائنة في حق غيرها، فحجته ~~أن المدخول بها لا يحرمها إلا الثلاث، وغير المدخول بها تحرمها الواحدة، ~~فالزائدة عليها ليست من لوازم التحريم، فأورد على هؤلاء أن المدخول بها ~~يملك الزوج إبانتها بواحدة بائنة، فأجابوا بما لا يجدي عليهم شيئا، وهو أن ~~الإبانة بالواحدة الموصوفة بأنها بائنة إبانة مقيدة، بخلاف التحريم، فإن ~~الإبانة به مطلقة، ولا يكون ذلك إلا بالثلاث، وهذا القدر لا يخلصهم من هذا ~~الإلزام، فإن إبانة التحريم أعظم تقييدا من قوله: أنت طالق طلقة بائنة، فإن ~~غاية البائنة أن تحرمها، وهذا قد صرح بالتحريم، فهو أولى بالإبانة من قوله: ~~أنت طالق طلقة بائنة. ### | [فصل حجج من ms1484 قال بأنها واحدة بائنة] # فصل # وأما من جعلها واحدة بائنة في حق المدخول بها وغيرها، فمأخذ هذا القول # PageV05P281 # أنها لا تفيد عددا بوضعها، وإنما تقتضي بينونة يحصل بها التحريم، وهو ~~يملك إبانتها بعد الدخول بها بواحدة، بدون عوض، كما إذا قال أنت طالق طلقة ~~بائنة، فإن الرجعة حق له، فإذا أسقطها سقطت، ولأنه إذا ملك إبانتها بعوض ~~يأخذه منها ملك الإبانة بدونه، فإنه محسن بتركه؛ ولأن العوض مستحق له لا ~~عليه، فإذا أسقطه وأبانها، فله ذلك. ### | [فصل حجج من قال بأنها واحدة رجعية] # فصل # وأما من قال: إنها واحدة رجعية، فمأخذه أن التحريم يفيد مطلق انقطاع ~~الملك، وهو يصدق بالمتيقن منه، وهو الواحدة، وما زاد عليها فلا تعرض في ~~اللفظ له، فلا يسوغ إثباته بغير موجب، وإذا أمكن إعمال اللفظ في الواحدة ~~فقد وفى بموجبه، فالزيادة عليه لا موجب لها. # قالوا: وهذا ظاهر جدا على أصل من يجعل الرجعية محرمة وحينئذ فنقول ~~التحريم أعم من تحريم رجعية أو تحريم بائن، فالدال على الأعم لا يدل على ~~الأخص، وإن شئت قلت: الأعم لا يستلزم الأخص أو ليس الأخص من لوازم الأعم أو ~~الأعم لا ينتج الأخص. ### | [فصل حجج من قال يسأل عن نيته] # فصل # وأما من قال يسأل عما أراد من ظهار أو طلاق رجعي أو محرم أو يمين فيكون ~~ما أراد من ذلك، فمأخذه أن اللفظ لم يوضع لإيقاع الطلاق خاصة، بل هو محتمل ~~للطلاق والظهار والإيلاء، فإذا صرف إلى بعضها بالنية فقد استعمله فيما هو ~~صالح له وصرفه إليه بنيته، فينصرف إلى ما أراده ولا يتجاوز به ولا يقصر ~~عنه، وكذلك لو نوى عتق أمته بذلك عتقت وكذلك لو نوى الإيلاء من الزوجة ~~واليمين من الأمة لزمه ما نواه، قالوا: وأما إذا نوى تحريم عينها لزمه بنفس ~~اللفظ كفارة يمين اتباعا لظاهر القرآن وحديث ابن عباس الذي رواه مسلم في " ~~صحيحه ": ( «إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وتلا: # PageV05P282 # {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] » ) وهذا ms1485 يشبه ما ~~قاله مجاهد في الظهار، إنه يلزمه بمجرد التكلم به كفارة الظهار، وهو في ~~الحقيقة قول الشافعي رحمه الله، فإنه يوجب الكفارة، إذا لم يطلق عقيبه على ~~الفور. # قالوا: ولأن اللفظ يحتمل الإنشاء والإخبار، فإن أراد الإخبار فقد استعمله ~~فيما هو صالح له فيقبل منه. وإن أراد الإنشاء سئل عن السبب الذي حرمها به. ~~فإن قال: أردت ثلاثا أو واحدة أو اثنتين قبل منه لصلاحية اللفظ له، ~~واقترانه بنيته، وإن نوى الظهار كان كذلك؛ لأنه صرح بموجب الظهار؛ لأن ~~قوله: أنت علي كظهر أمي موجبه التحريم، فإذا نوى ذلك بلفظ التحريم، كان ~~ظهارا، واحتماله للطلاق بالنية لا يزيد على احتماله للظهار بها، وإن أراد ~~تحريمها مطلقا فهو يمين مكفرة؛ لأنه امتناع منها بالتحريم، فهو كامتناعه ~~منها باليمين. ### | [فصل حجج من قال بأنها ظهار إلا أن ينوي به طلاقا] # فصل # وأما من قال: إنه ظهار إلا أن ينوي به طلاقا، فمأخذ قوله: أن اللفظ موضوع ~~للتحريم فهو منكر من القول وزور، فإن العبد ليس إليه التحريم والتحليل، ~~وإنما إليه إنشاء الأسباب التي يرتب عليها ذلك، فإذا حرم ما أحل الله له، ~~فقد قال المنكر والزور فيكون كقوله أنت علي كظهر أمي بل هذا أولى أن يكون ~~ظهارا، لأنه إذا شبهها بمن تحرم عليه دل على التحريم باللزوم، فإذا صرح ~~بتحريمها فقد صرح بموجب التشبيه في لفظ الظهار فهو أولى أن يكون ظهارا. # قالوا: وإنما جعلناه طلاقا بالنية، فصرفناه إليه بها؛ لأنه يصلح كناية في ~~الطلاق، فينصرف إليه بالنية، بخلاف إطلاقه، فإنه ينصرف إلى الظهار، فإذا ~~نوى به اليمين كان يمينا، إذ من أصل أرباب هذا القول أن تحريم الطعام ونحوه ~~يمين مكفرة، فإذا نوى بتحريم الزوجة اليمين نوى ما يصلح له اللفظ، فقبل ~~منه. # PageV05P283 ### | [فصل حجج من قال بأنه ظهار] # فصل # وأما من قال: إنه ظهار، وإن نوى به الطلاق، أو وصله بقوله: أعني به ~~الطلاق فمأخذ قوله ما ذكرنا من تقرير كونه ظهارا، ولا يخرج عن كونه ظهارا ~~بنية ms1486 الطلاق، كما لو قال: أنت علي كظهر أمي، ونوى به الطلاق، أو قال: أعني ~~به الطلاق، فإنه لا يخرج بذلك عن الظهار، ويصير طلاقا عند الأكثرين، إلا ~~على قول شاذ، لا يلتفت إليه؛ لموافقته ما كان الأمر عليه في الجاهلية من ~~جعل الظهار طلاقا، ونسخ الإسلام لذلك وإبطاله، فإذا نوى به الطلاق فقد نوى ~~ما أبطله الله ورسوله مما كان عليه أهل الجاهلية عند إطلاق لفظ الظهار ~~طلاقا، وقد نوى ما لا يحتمله شرعا، فلا تؤثر نيته في تغيير ما استقر عليه ~~حكم الله الذي حكم به بين عباده، ثم جرى أحمد وأصحابه على أصله من التسوية ~~بين إيقاع ذلك، والحلف به كالطلاق، والعتاق، وفرق شيخ الإسلام بين البابين ~~على أصله في التفريق بين الإيقاع والحلف، كما فرق الشافعي وأحمد - رحمهما ~~الله - ومن وافقهما بين البابين في النذر، بين أن يحلف به فيكون يمينا ~~مكفرة، وبين أن ينجزه أو يعلقه بشرط يقصد وقوعه، فيكون نذرا لازم الوفاء، ~~كما سيأتي تقريره في الأيمان إن شاء الله تعالى. # قال: فيلزمهم على هذا أن يفرقوا بين إنشاء التحريم، وبين الحلف، فيكون في ~~الحلف به حالفا يلزمه كفارة يمين وفي تنجيزه أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرا ~~يلزمه كفارة الظهار، وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه ~~مرة جعله ظهارا، ومرة جعله يمينا. ### | [فصل حجج من قال بأنه يمين مكفرة بكل حال] # فصل # وأما من قال: إنه يمين مكفرة بكل حال، فمأخذ قوله أن تحريم الحلال من ~~الطعام والشراب واللباس يمين، تكفر بالنص، والمعنى، وآثار الصحابة، فإن ~~الله سبحانه قال: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ~~والله غفور رحيم - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 1 - 2] ~~[التحريم: 1 و2] # ولا بد # PageV05P284 # أن يكون تحريم الحلال داخلا تحت هذا الفرض؛ لأنه سببه، وتخصيص محل السبب ~~من جملة العام ممتنع قطعا، إذ هو المقصود بالبيان أولا، فلو خص لخلا سبب ~~الحكم عن البيان، وهو ممتنع، وهذا الاستدلال في ms1487 غاية القوة، فسألت عنه شيخ ~~الإسلام رحمه الله تعالى فقال: نعم، التحريم يمين كبرى في الزوجة، كفارتها ~~كفارة الظهار، ويمين صغرى فيما عداها، كفارتها كفارة اليمين بالله. # قال: وهذا معنى قول ابن عباس وغيره من الصحابة، ومن بعدهم، إن التحريم ~~يمين تكفر، فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة نقلا، وتقريرها استدلالا، ~~ولا يخفى - على من آثر العلم والإنصاف وجانب التعصب ونصرة ما بني عليه من ~~الأقوال - الراجح من المرجوح، وبالله المستعان. ### | [فصل الاختلاف في تحريم غير الزوجة] # فصل # وقد تبين بما ذكرنا أن من حرم شيئا غير الزوجة من الطعام والشراب واللباس ~~أو أمته لم يحرم عليه بذلك، وعليه كفارة يمين، وفي هذا خلاف في ثلاثة ~~مواضع. # أحدها: أنه لا يحرم، وهذا قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: يحرم تحريما ~~مقيدا تزيله الكفارة، كما إذا ظاهر من امرأته، فإنه لا يحل له وطؤها حتى ~~يكفر، ولأن الله سبحانه سمى الكفارة في ذلك تحلة، وهي ما يوجب الحل، فدل ~~على ثبوت التحريم قبلها، ولأنه سبحانه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لم ~~تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] ، ولأنه تحريم لما أبيح له، فيحرم ~~بتحريمه كما لو حرم زوجته. # ومنازعوه يقولون: إنما سميت الكفارة تحلة من الحل الذي هو ضد العقد، لا ~~من الحل الذي هو مقابل التحريم، فهي تحل اليمين بعد عقدها، وأما قوله: {لم ~~تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] فالمراد تحريم الأمة أو العسل، ومنع ~~نفسه منه، وذلك يسمى تحريما، فهو تحريم بالقول لا إثبات للتحريم شرعا. # وأما قياسه على تحريم الزوجة بالظهار، أو بقوله: أنت علي حرام، فلو # PageV05P285 # صح هذا القياس لوجب تقديم التكفير على الحنث قياسا على الظهار، إذ كان في ~~معناه، وعندهم لا يجوز التكفير إلا بعد الحنث، فعلى قولهم يلزم أحد أمرين: ~~ولا بد إما أن يفعله حراما، وقد فرض الله تحلة اليمين، فيلزم كون المحرم ~~مفروضا أو من ضرورة المفروض؛ لأنه لا يصل إلى التحلة إلا بفعل المحلوف ~~عليه، أو أنه لا سبيل له ms1488 إلى فعله حلالا؛ لأنه لا يجوز تقديم الكفارة، ~~فيستفيد بها الحل، وإقدامه عليه، وهو حرام ممتنع، هذا ما قيل في المسألة من ~~الجانبين. # وبعد، فلها غور، وفيها دقة وغموض، فإن من حرم شيئا، فهو بمنزلة من حلف ~~بالله على تركه، ولو حلف على تركه لم يجز له هتك حرمة المحلوف به بفعله، ~~إلا بالتزام الكفارة، فإذا التزمها جاز له الإقدام على فعل المحلوف عليه، ~~فلو عزم على ترك الكفارة، فإن الشارع لا يبيح له الإقدام على فعل ما حلف ~~عليه، ويأذن له فيه، وإنما يأذن له فيه ويبيحه، إذا التزم ما فرض الله من ~~الكفارة، فيكون إذنه له فيه وإباحته بعد امتناعه منه بالحلف أو التحريم ~~رخصة من الله له، ونعمة منه عليه، بسبب التزامه لحكمه الذي فرض له من ~~الكفارة، فإذا لم يلتزمه بقي المنع الذي عقده على نفسه إصرا عليه، فإن الله ~~إنما رفع الآصار عمن اتقاه، والتزم حكمه، وقد كانت اليمين في شرع من قبلنا ~~يتحتم الوفاء بها، ولا يجوز الحنث، فوسع الله على هذه الأمة وجوز لها الحنث ~~بشرط الكفارة، فإذا لم يكفر لا قبل ولا بعد لم يوسع له في الحنث فهذا معنى ~~قوله: إنه يحرم حتى يكفر. # وليس هذا من مفردات أبي حنيفة، بل هو أحد القولين في مذهب أحمد، يوضحه: ~~أن هذا التحريم والحلف قد تعلق به منعان: منع من نفسه لفعله، ومنع من ~~الشارع للحنث بدون الكفارة، فلو لم يحرمه تحريمه أو يمينه، لم يكن لمنعه ~~نفسه، ولا لمنع الشارع له أثر، بل كان غاية الأمر أن الشارع أوجب في ذمته ~~بهذا المنع صدقة، أو عتقا، أو صوما لا يتوقف عليه حل المحلوف عليه ولا ~~تحريمه البتة، بل هو قبل المنع وبعده على السواء من غير فرق، فلا يكون ~~للكفارة أثر البتة، لا في المنع منه، ولا في الإذن، وهذا لا يخفى فساده. # PageV05P286 # وأما إلزامه بالإقدام عليه مع تحريمه حيث لا يجوز تقديم الكفارة، فجوابه ~~أنه إنما يجوز له الإقدام عند عزمه ms1489 على التكفير، فعزمه على التكفير منع من ~~بقاء تحريمه عليه، وإنما يكون التحريم ثابتا إذا لم يلتزم الكفارة، ومع ~~التزامها لا يستمر التحريم. ### | [فصل كفارة التحريم] # فصل # الثاني: أن يلزمه كفارة بالتحريم، وهو بمنزلة اليمين، وهذا قول من سميناه ~~من الصحابة، وقول فقهاء الرأي والحديث، إلا الشافعي ومالكا، فإنهما قالا: ~~لا كفارة عليه بذلك. # والذين أوجبوا الكفارة أسعد بالنص من الذين أسقطوها، فإن الله سبحانه ذكر ~~تحلة الأيمان عقب قوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] وهذا صريح ~~في أن تحريم الحلال قد فرض فيه تحلة الأيمان، إما مختصا به، وإما شاملا له ~~ولغيره، فلا يجوز أن يخلى سبب الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة ~~ويعلق بغيره، وهذا ظاهر الامتناع. # وأيضا فإن المنع من فعله بالتحريم كالمنع منه باليمين، بل أقوى، فإن ~~اليمين إن تضمن هتك حرمة اسمه سبحانه، فالتحريم تضمن هتك حرمة شرعه وأمره، ~~فإنه إذا شرع الشيء حلالا، فحرمه المكلف، كان تحريمه هتكا لحرمة ما شرعه، ~~ونحن نقول: لم يتضمن الحنث في اليمين هتك حرمة الاسم، ولا التحريم هتك حرمة ~~الشرع، كما يقوله من يقول من الفقهاء، وهو تعليل فاسد جدا، فإن الحنث إما ~~جائز، وإما واجب، أو مستحب، وما جوز الله لأحد البتة أن يهتك حرمة اسمه، ~~وقد شرع لعباده الحنث مع الكفارة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه «إذا ~~حلف على يمين ورأى غيرها خيرا كفر عن يمينه، وأتى المحلوف عليه» ، ومعلوم ~~أن هتك حرمة اسمه تبارك وتعالى لم يبح في شريعة قط، وإنما الكفارة كما ~~سماها الله تعالى تحلة، وهي تفعلة من الحل، فهي تحل ما عقد به اليمين ليس ~~إلا وهذا # PageV05P287 # العقد كما يكون باليمين يكون بالتحريم، وظهر سر قوله تعالى: {قد فرض الله ~~لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] عقيب قوله: {لم تحرم ما أحل الله لك} ~~[التحريم: 1] ### | [فصل الحكم في تحريم الأمة] # فصل # الثالث: أنه لا فرق بين التحريم في غير الزوجة بين الأمة وغيرها عند ~~الجمهور إلا الشافعي وحده، أوجب ms1490 في تحريم الأمة خاصة كفارة يمين، إذ ~~التحريم له تأثير في الأبضاع عنده دون غيرها. # وأيضا فإن سبب نزول الآية تحريم الجارية، فلا يخرج محل السبب عن الحكم، ~~ويتعلق بغيره، ومنازعوه يقولون: النص علق فرض تحلة اليمين بتحريم الحلال، ~~وهو أعم من تحريم الأمة وغيرها، فتجب الكفارة حيث وجد سببها، وقد تقدم ~~تقريره. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الرجل لامرأته الحقي بأهلك] # ثبت في " صحيح البخاري ": ( «أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال: عذت بعظيم، الحقي ~~بأهلك» ) . # وثبت في " الصحيحين ": «أن كعب بن مالك رضي الله عنه لما أتاه رسول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يعتزل امرأته قال لها: (الحقي بأهلك) » # PageV05P288 # فاختلف الناس في هذا، فقالت طائفة: ليس هذا بطلاق، ولا يقع به الطلاق، ~~نواه أو لم ينوه، وهذا قول أهل الظاهر. قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن عقد على ابنة الجون، وإنما أرسل إليها ليخطبها. # قالوا: ويدل على ذلك ما في " صحيح البخاري ": من حديث حمزة بن أبي أسيد، ~~عن أبيه، أنه ( «كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أتي بالجونية، ~~فأنزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل، ومعها دابتها، فدخل ~~عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هبي لي نفسك " فقالت: وهل تهب ~~الملكة نفسها للسوقة، فأهوى ليضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، ~~فقال: " قد عذت بمعاذ، ثم خرج فقال: " يا أبا أسيد اكسها رازقيين، وألحقها ~~بأهلها» ) # وفي " صحيح مسلم ": عن سهل بن سعد قال: ( «ذكرت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها فقدمت، ~~فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءها دخل ~~عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك، قال: " ~~قد أعذتك مني " فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ ms1491 قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، جاءك ليخطبك، قالت: أنا كنت أشقى من ذلك» ) # قالوا: وهذه كلها أخبار عن قصة واحدة في امرأة واحدة في مقام واحد، وهي ~~صريحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن تزوجها بعد، وإنما دخل ~~عليها ليخطبها. # وقال الجمهور - منهم الأئمة الأربعة وغيرهم - بل هذا من ألفاظ الطلاق إذا ~~نوى به الطلاق، وقد ثبت في " صحيح البخاري ": أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم # PageV05P289 # طلق به امرأته لما قال لها إبراهيم: ( «مريه فليغير عتبة بابه "، فقال ~~لها: أنت العتبة، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك» ) وحديث عائشة ~~كالصريح، في أنه صلى الله عليه وسلم كان عقد عليها، فإنها قالت لما أدخلت ~~عليه، فهذا دخول الزوج بأهله، ويؤكده قولها: ودنا منها. وأما حديث أبي ~~أسيد، فغاية ما فيه قوله: (هبي لي نفسك) وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم ~~نكاحه لها، وجاز أن يكون هذا استدعاء منه صلى الله عليه وسلم للدخول لا ~~للعقد. وأما حديث سهل بن سعد، فهو أصرحها، في أنه لم يكن وجد عقد، فإن فيه ~~أنه صلى الله عليه وسلم لما جاء إليها، قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جاء ليخطبك، والظاهر أنها هي الجونية؛ لأن سهلا قال في حديثه: فأمر ~~أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها. # فالقصة واحدة، دارت على عائشة رضي الله عنها وأبي أسيد وسهل، وكل منهم ~~رواها، وألفاظهم فيها متقاربة، ويبقى التعارض بين قوله: جاء ليخطبك، وبين ~~قوله: فلما دخل عليها ودنا منها، فإما أن يكون أحد اللفظين وهما، أو الدخول ~~ليس دخول الرجل على امرأته، بل الدخول العام وهذا محتمل. # وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسماعيل صريح، ولم يزل هذا اللفظ ~~من الألفاظ التي يطلق بها في الجاهلية والإسلام، ولم يغيره النبي صلى الله ~~عليه وسلم، بل أقرهم عليه، وقد أوقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الطلاق، وهم القدوة: بأنت حرام، وأمرك بيدك، واختاري. ووهبتك ms1492 لأهلك، وأنت ~~خلية، وقد خلوت مني، وأنت برية، وقد أبرأتك، وأنت مبرأة، وحبلك على غاربك، ~~وأنت الحرج. # فقال علي وابن عمر: (الخلية ثلاث) وقال عمر: (واحدة وهو أحق بها) وفرق ~~معاوية بين رجل وامرأته قال لها: إن خرجت فأنت خلية، وقال علي وابن عمر رضي ~~الله # PageV05P290 # عنهما، وزيد في البرية: إنها ثلاث. وقال عمر رضي الله عنه: (هي واحدة وهو ~~أحق بها) وقال علي في الحرج: هي ثلاث، وقال عمر: واحدة، وقد تقدم ذكر ~~أقوالهم في أمرك بيدك وأنت حرام. # والله سبحانه ذكر الطلاق، ولم يعين له لفظا، فعلم أنه رد الناس إلى ما ~~يتعارفونه طلاقا، فأي لفظ جرى عرفهم به، وقع به الطلاق مع النية. # والألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلم بلفظ ~~دال على معنى، وقصد به ذلك المعنى، ترتب عليه حكمه، ولهذا يقع الطلاق من ~~العجمي والتركي والهندي بألسنتهم، بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية، ~~ولم يفهم معناه لم يقع به شيء قطعا، فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده، ~~وقد دل حديث كعب بن مالك على أن الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وأمثاله إلا ~~بالنية. # والصواب أن ذلك جار في سائر الألفاظ صريحها وكنايتها، ولا فرق بين ألفاظ ~~العتق والطلاق، فلو قال: غلامي غلام حر لا يأتي الفواحش، أو أمتي أمة حرة ~~لا تبغي الفجور، ولم يخطر بباله العتق ولا نواه، لم يعتق بذلك قطعا، وكذلك ~~لو كانت معه امرأته في طريق فافترقا، فقيل له أين امرأتك؟ فقال: فارقتها، ~~أو سرح شعرها وقال: سرحتها ولم يرد طلاقا، لم تطلق. كذلك إذا ضربها الطلق ~~وقال لغيره إخبارا عنها بذلك: إنها طالق لم تطلق بذلك، وكذلك إذا كانت ~~المرأة في وثاق فأطلقت منه، فقال لها: أنت طالق، وأراد من الوثاق. # هذا كله مذهب مالك وأحمد في بعض هذه الصور، وبعضها نظير ما نص عليه، ولا ~~يقع الطلاق به حتى ينويه ويأتي بلفظ دال عليه، فلو انفرد أحد الأمرين عن ~~الآخر، لم يقع ms1493 الطلاق، ولا العتاق، وتقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان ~~تقسيما صحيحا في أصل الوضع، لكن يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، ~~فليس حكما ثابتا للفظ لذاته، فرب لفظ صريح عند قوم كناية عند آخرين، أو ~~صريح في زمان أو مكان كناية في غير ذلك الزمان والمكان، والواقع شاهد بذلك، ~~فهذا لفظ السراح لا يكاد أحد يستعمله في الطلاق لا صريحا ولا # PageV05P291 # كناية، فلا يسوغ أن يقال إن من تكلم به، لزمه طلاق امرأته نواه أو لم ~~ينوه، ويدعي أنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوى باطلة شرعا ~~واستعمالا، أما الاستعمال فلا يكاد أحد يطلق به البتة، وأما الشرع فقد ~~استعمله في غير الطلاق، كقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] [الأحزاب: 49] فهذا السراح غير ~~الطلاق قطعا، وكذلك الفراق استعمله الشرع في غير الطلاق، كقوله تعالى: ~~{ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] إلى قوله: ~~{فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] [الطلاق: ~~2] فالإمساك هنا: الرجعة، والمفارقة: ترك الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية، هذا ~~مما لا خلاف فيه البتة، فلا يجوز أن يقال: إن من تكلم به طلقت زوجته، فهم ~~معناه أو لم يفهم، وكلاهما في البطلان سواء، وبالله التوفيق. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهار وبيان ما أنزل الله فيه ومعنى العود الموجب للكفارة] # حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهار # وبيان ما أنزل الله فيه ومعنى العود الموجب للكفارة # قال تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور - ~~والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير - فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ms1494 ذلك لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} [المجادلة: 2 - 4] ~~[المجادلة: 2 - 4] . # ثبت في السنن والمسانيد: أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت مالك ~~بن ثعلبة، وهي التي جادلت فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتكت إلى ~~الله، وسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، فقالت: ( «يا رسول الله، إن أوس ~~بن الصامت تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني، ونثرت له بطني، جعلني # PageV05P292 # كأمه عنده، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما عندي في أمرك ~~شيء، فقالت: اللهم إني أشكو إليك» ) وروي أنها قالت: ( «إن لي صبية صغارا، ~~إن ضمهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فنزل القرآن.» ) # وقالت عائشة: ( «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة بنت ~~ثعلبة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في كسر البيت يخفى ~~علي بعض كلامها فأنزل الله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] » ) ~~[المجادلة: 1] . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «ليعتق رقبة، قالت: ~~لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما ~~به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، ~~قالت: فأتي ساعتئذ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، ~~قال: أحسنت فأطعمي عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك» ) # وفي السنن أن ( «سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته مدة شهر رمضان، ثم ~~واقعها ليلة قبل انسلاخه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت بذاك ~~يا سلمة "، # PageV05P293 # قال: قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين وأنا صابر لأمر الله، فاحكم في ~~بما أراك الله، قال: " حرر رقبة " قلت: والذي بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة ~~غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: وهل أصبت الذي ~~أصبت إلا في الصيام، قال: فأطعم وسقا من تمر بين ms1495 ستين مسكينا، قلت: والذي ~~بعثك بالحق، لقد بتنا وحشين ما لنا طعام، قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني ~~زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك ~~بقيتها، قال: فرحت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السعة وحسن الرأي، وقد أمر لي بصدقتكم» ) # وفي " جامع الترمذي " عن ابن عباس، «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من ~~امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: (وما حملك على ذلك، يرحمك الله، قال ~~رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» ) قال: ~~هذا حديث حسن غريب صحيح. # PageV05P294 # وفيه أيضا: عن سلمة بن صخر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المظاهر ~~يواقع قبل أن يكفر، فقال: (كفارة واحدة) وقال: حسن غريب انتهى، وفيه انقطاع ~~بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر. # وفي مسند البزار، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ~~ابن عباس رضي الله عنه، قال: ( «أتى رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني ظاهرت من امرأتي، ثم وقعت عليها قبل أن أكفر، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: ألم يقل الله {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] ؟ ~~فقال: أعجبتني، فقال: أمسك عنها حتى تكفر» ) قال البزار: لا نعلمه يروى ~~بإسناد أحسن من هذا، على أن إسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه، وروى عنه جماعة ~~كثيرة من أهل العلم. # فتضمنت هذه الأحكام أمورا. # أحدها: إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية، وفي صدر الإسلام من كون الظهار ~~طلاقا، ولو صرح بنيته له، فقال: أنت علي كظهر أمي، أعني به الطلاق، لم يكن ~~طلاقا، وكان ظهارا، وهذا بالاتفاق، إلا ما عساه من خلاف شاذ، وقد نص عليه ~~أحمد والشافعي وغيرهما. قال الشافعي: ولو ظاهر يريد طلاقا كان ظهارا، أو ~~طلق يريد ظهارا كان طلاقا، هذا لفظه، ms1496 فلا يجوز أن ينسب إلى مذهبه خلاف هذا، ~~ونص أحمد: على أنه إذا قال: أنت علي كظهر أمي، أعني به الطلاق، أنه ظهار ~~ولا تطلق به، وهذا لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنسخ، فلم يجز أن يعاد ~~إلى الحكم المنسوخ. # وأيضا فأوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه، وأجرى عليه ~~حكم الظهار دون الطلاق. # وأيضا فإنه صريح في حكمه، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي # PageV05P295 # أبطله عز وجل بشرعه، وقضاء الله أحق، وحكم الله أوجب. # ومنها أن الظهار حرام لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه كما أخبر الله عنه منكر ~~من القول وزور، وكلاهما حرام، والفرق بين جهة كونه منكرا، وجهة كونه زورا، ~~أن قوله: أنت علي كظهر أمي يتضمن إخباره عنها بذلك وإنشاءه تحريمها، فهو ~~يتضمن إخبارا وإنشاء، فهو خبر زور، وإنشاء منكر، فإن الزور هو الباطل خلاف ~~الحق الثابت، والمنكر خلاف المعروف، وختم سبحانه الآية بقوله تعالى: {وإن ~~الله لعفو غفور} [المجادلة: 2] وفيه إشعار بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو ~~الله ومغفرته لآخذ به. # ومنها: أن الكفارة لا تجب بنفس الظهار، وإنما تجب بالعود، وهذا قول ~~الجمهور، وروى الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن طاووس قال: إذا تكلم بالظهار ~~فقد لزمه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عنه، وروى معمر، عن طاووس، عن أبيه في ~~قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] قال: جعلها عليه كظهر ~~أمه، ثم يعود فيطؤها فتحرير رقبة. # وحكى الناس عن مجاهد: أنه تجب الكفارة بنفس الظهار، وحكاه ابن حزم عن ~~الثوري، وعثمان البتي، وهؤلاء لم يخف عليهم أن العود شرط في الكفارة، ولكن ~~العود عندهم هو العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر، كقوله ~~تعالى في جزاء الصيد: {ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة: 95] [المائدة: ~~95] أي عاد إلى الاصطياد بعد نزول تحريمه، ولهذا قال: {عفا الله عما سلف} ~~[المائدة: 95] [المائدة: 95] قالوا: ولأن الكفارة إنما وجبت في مقابلة ما ~~تكلم به من المنكر والزور، وهو الظهار دون الوطء، ms1497 أو العزم عليه، قالوا: ~~ولأن الله سبحانه لما حرم الظهار ونهى عنه كان العود هو فعل المنهي عنه، ~~كما قال تعالى: {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا} [الإسراء: 8] [الإسراء: ~~8] أي إن عدتم إلى الذنب عدنا إلى العقوبة؟ فالعود هنا نفس فعل المنهي عنه. # قالوا: ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فنقل حكمه من الطلاق # PageV05P296 # إلى الظهار، ورتب عليه التكفير، وتحريم الزوجة حتى يكفر، وهذا يقتضي أن ~~يكون حكمه معتبرا بلفظه كالطلاق. # ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: إن العود أمر وراء مجرد لفظ الظهار، ولا ~~يصح حمل الآية على العود إليه في الإسلام؛ لثلاثة أوجه: # أحدها: أن هذه الآية بيان لحكم من يظاهر في الإسلام، ولهذا أتى فيها بلفظ ~~الفعل مستقبلا، فقال: يظاهرون، وإذا كان هذا بيانا لحكم ظهار الإسلام، فهو ~~عندكم نفس العود، فكيف يقول بعده: ثم يعودون، وأن معنى هذا العود غير ~~الظهار عندكم؟ # الثاني: أنه لو كان العود ما ذكرتم، وكان المضارع بمعنى الماضي، كان ~~تقديره: والذين ظاهروا من نسائهم ثم عادوا في الإسلام، ولما وجبت الكفارة ~~إلا على من تظاهر في الجاهلية، ثم عاد في الإسلام، فمن أين توجبونها على من ~~ابتدأ الظهار في الإسلام غير عائد؟ فإن هنا أمرين: ظهار سابق، وعود إليه، ~~وذلك يبطل حكم الظهار الآن بالكلية، إلا أن تجعلوا " يظاهرون " لفرقة، ~~ويعودون لفرقة، ولفظ المضارع نائبا عن لفظ الماضي، وذلك مخالف للنظم، ومخرج ~~عن الفصاحة. # الثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أوس بن الصامت، وسلمة بن ~~صخر بالكفارة، ولم يسألهما: هل تظاهرا في الجاهلية أم لا؟ فإن قلتم: ولم ~~يسألهما عن العود الذي تجعلونه شرطا، ولو كان شرطا لسألهما عنه. # قيل: أما من يجعل العود نفس الإمساك بعد الظهار زمنا، يمكن وقوع الطلاق ~~فيه، فهذا جار على قوله وهو نفس حجته، ومن جعل العود هو الوطء والعزم، قال: ~~سياق القصة بين في أن المتظاهرين كان قصدهم الوطء، وإنما أمسكوا له، وسيأتي ~~تقرير ذلك إن شاء الله تعالى. # وأما كون ms1498 الظهار منكرا من القول وزورا فنعم هو كذلك ولكن # PageV05P297 # الله عز وجل إنما أوجب الكفارة في هذا المنكر والزور بأمرين: به، ~~وبالعود، كما أن حكم الإيلاء إنما يترتب عليه وعلى الوطء لا على أحدهما. ### | [فصل قول الظاهرية بأن معنى العود أي إعادة اللفظ] # فصل # وقال الجمهور: لا تجب الكفارة إلا بالعود بعد الظهار، ثم اختلفوا في معنى ~~العود، هل هو إعادة لفظ الظهار بعينه، أو أمر وراءه؟ على قولين: فقال أهل ~~الظاهر كلهم: هو إعادة لفظ الظهار، ولم يحكوا هذا عن أحد من السلف البتة، ~~وهو قول لم يسبقوا إليه، وإن كانت هذه الشكاة لا يكاد مذهب من المذاهب يخلو ~~عنها. # قالوا: فلم يوجب الله سبحانه الكفارة إلا بالظهار المعاد لا المبتدأ. ~~قالوا: والاستدلال بالآية من ثلاثة وجوه # أحدها: أن العرب لا يعقل في لغاتها العود إلى الشيء إلا فعل مثله مرة ~~ثانية، قالوا: وهذا كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب بيننا وبينكم. قال ~~تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] [الأنعام: 28] فهذا ~~نظير الآية سواء في أنه عدى فعل العود باللام، وهو إتيانهم مرة ثانية بمثل ~~ما أتوا به أولا، وقال تعالى: {وإن عدتم عدنا} [الإسراء: 8] [الإسراء: 8] ~~أي إن كررتم الذنب كررنا العقوبة، ومنه قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نهوا ~~عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه} [المجادلة: 8] [المجادلة: 8] وهذا في ~~سورة الظهار نفسها، وهو يبين المراد من العود فيه، فإنه نظيره فعلا وإرادة، ~~والعهد قريب بذكره. # قالوا: وأيضا، فالذي قالوه: هو لفظ الظهار، فالعود إلى القول هو الإتيان ~~به مرة ثانية لا تعقل العرب غير هذا. قالوا: وأيضا فما عدا تكرار اللفظ إما ~~إمساك، وإما عزم، وإما فعل، وليس واحد منها بقول، فلا يكون الإتيان به ~~عودا، لا لفظا ولا معنى، ولأن العزم والوطء والإمساك ليس ظهارا، فيكون ~~الإتيان بها عودا إلى الظهار. # قالوا: ولو أريد بالعود الرجوع في الشيء الذي منع منه نفسه كما يقال: عاد # PageV05P298 # في الهبة، لقال: ثم يعودون فيما قالوا، كما في ms1499 الحديث: ( «العائد في ~~هبته، كالعائد في قيئه» ) # واحتج أبو محمد ابن حزم بحديث عائشة رضي الله عنها أن أوس بن الصامت كان ~~به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من زوجته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة ~~الظهار. فقال: هذا يقتضي التكرار، ولا بد قال: ولا يصح في الظهار إلا هذا ~~الخبر وحده. # قال: وأما تشنيعكم علينا بأن هذا القول لم يقل به أحد من الصحابة، فأرونا ~~من الصحابة من قال: إن العود هو الوطء، أو العزم، أو الإمساك، أو هو العود ~~إلى الظهار في الجاهلية، ولو عن رجل واحد من الصحابة، فلا تكونون أسعد ~~بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أبدا. ### | [فصل رد الجمهور على الظاهرية] # فصل ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: ليس معنى العود إعادة اللفظ الأول؛ ~~لأن ذلك لو كان هو العود، لقال: ثم يعيدون ما قالوا؛ لأنه يقال أعاد كلامه ~~بعينه، وأما عاد، فإنما هو في الأفعال، كما يقال: عاد في فعله، وفي هبته، ~~فهذا استعماله ب " في ". ويقال عاد إلى عمله، وإلى ولايته، وإلى حاله، وإلى ~~إحسانه وإساءته، ونحو ذلك، وعاد له أيضا. # وأما القول: فإنما يقال: أعاده كما ( «قال ضماد بن ثعلبة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أعد علي كلماتك» ) وكما ( «قال أبو سعيد " أعدها علي يا رسول ~~الله» ) وهذا ليس بلازم # PageV05P299 # فإنه يقال: أعاد مقالته، وعاد لمقالته، وفي الحديث: (فعاد لمقالته) بمعنى ~~أعادها، سواء، وأفسد من هذا رد من رد عليهم بأن إعادة القول محال كإعادة ~~أمس. # قال: لأنه لا يتهيأ اجتماع زمانين وهذا في غاية الفساد، فإن إعادة القول ~~من جنس إعادة الفعل، وهي الإتيان بمثل الأول لا بعينه، والعجب من متعصب ~~يقول: لا يعتد بخلاف الظاهرية، ويبحث معهم بمثل هذه البحوث، ويرد عليهم ~~بمثل هذا الرد، وكذلك رد من رد عليهم بمثل العائد في هبته، فإنه ليس نظير ~~الآية، وإنما نظيرها {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا ~~عنه} [المجادلة: 8] ومع هذا فهذه الآية ms1500 تبين المراد من آية الظهار، فإن ~~عودهم لما نهوا عنه هو رجوعهم إلى نفس المنهي عنه، وهو النجوى، وليس المراد ~~به إعادة تلك النجوى بعينها، بل رجوعهم إلى المنهي عنه، وكذلك قوله تعالى ~~في الظهار {يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] أي لقولهم. فهو مصدر بمعنى ~~المفعول، وهو تحريم الزوجة بتشبيهها بالمحرمة، فالعود إلى المحرم هو العود ~~إليه، وهو فعله، فهذا مأخذ من قال إنه الوطء. # ونكتة المسألة أن القول في معنى المقول، والمقول هو التحريم والعود له هو ~~العود إليه، وهو استباحته عائدا إليه بعد تحريمه، وهذا جار على قواعد اللغة ~~العربية واستعمالها، وهذا الذي عليه جمهور السلف والخلف، كما قال قتادة ~~وطاووس والحسن والزهري ومالك وغيرهم، ولا يعرف عن أحد من السلف أنه فسر ~~الآية بإعادة اللفظ البتة لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بعدهم، ~~وهاهنا أمر خفي على من جعله إعادة اللفظ، وهو أن العود إلى الفعل يستلزم ~~مفارقة الحال التي هو عليها الآن، وعوده إلى الحال التي كان عليها أولا، ~~كما قال تعالى: {وإن عدتم عدنا} [الإسراء: 8] [الإسراء: 8] ألا ترى أن ~~عودهم مفارقة ما هم عليه من الإحسان وعودهم إلى الإساءة وكقول الشاعر # وإن عاد للإحسان فالعود أحمد # والحال التي هو عليها الآن التحريم بالظهار والتي كان عليها إباحة الوطء # PageV05P300 # بالنكاح الموجب للحل، فعود المظاهر عود إلى حل كان عليه قبل الظهار، وذلك ~~هو الموجب للكفارة فتأمله، فالعود يقتضي أمرا يعود إليه بعد مفارقته، وظهر ~~سر الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر، فإن الهبة بمعنى ~~الموهوب وهو عين يتضمن عوده فيه إدخاله في ملكه وتصرفه فيه كما كان أولا ~~بخلاف المظاهر فإنه بالتحريم قد خرج عن الزوجية، وبالعود قد طلب الرجوع إلى ~~الحال التي كان عليها معها قبل التحريم، فكان الأليق أن يقال عاد لكذا ~~يعني: عاد إليه. # وفي الهبة عاد إليها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أوس بن الصامت، ~~وسلمة بن صخر، بكفارة الظهار، ولم يتلفظا به مرتين، فإنهما ms1501 لم يخبرا بذلك ~~عن أنفسهما، ولا أخبر به أزواجهما عنهما، ولا أحد من الصحابة، ولا سألهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم، هل قلتما ذلك مرة أو مرتين؟ ومثل هذا لو كان ~~شرطا لما أهمل بيانه. # وسر المسألة أن العود يتضمن أمرين: أمرا يعود إليه، وأمرا يعود عنه، ولا ~~بد منهما، فالذي يعود عنه يتضمن نقضه وإبطاله، والذي يعود إليه يتضمن ~~إيثاره وإرادته، فعود المظاهر يقتضي نقض الظهار وإبطاله، وإيثار ضده ~~وإرادته، وهذا عين فهم السلف من الآية، فبعضهم يقول: إن العود هو الإصابة، ~~وبعضهم يقول: الوطء، وبعضهم يقول: اللمس، وبعضهم يقول: العزم. # وأما قولكم: إنه إنما أوجب الكفارة في الظهار المعاد إن أردتم به المعاد ~~لفظه، فدعوى بحسب ما فهمتموه، وإن أردتم به الظهار المعاد فيه لما قال ~~المظاهر، لم يستلزم ذلك إعادة اللفظ الأول. # وأما حديث عائشة رضي الله عنها في ظهار أوس بن الصامت، فما أصحه، وما ~~أبعد دلالته على مذهبكم. ### | [فصل من قال بأن العود هو إمساكها زمنا يتسع لقوله أنت طالق] # فصل # ثم الذين جعلوا العود أمرا غير إعادة اللفظ اختلفوا فيه هل هو مجرد ~~إمساكها بعد الظهار أو أمر غيره؟ على قولين. # فقالت طائفة: هو إمساكها زمنا # PageV05P301 # يتسع لقوله: أنت طالق فمتى لم يصل الطلاق بالظهار لزمته الكفارة، وهو قول ~~الشافعي. # قال منازعوه: وهو في المعنى قول مجاهد، والثوري، فإن هذا النفس الواحد لا ~~يخرج الظهار عن كونه موجب الكفارة، ففي الحقيقة لم يوجب الكفارة إلا لفظ ~~الظهار، وزمن قوله: أنت طالق لا تأثير له في الحكم إيجابا ولا نفيا، فتعليق ~~الإيجاب به ممتنع، ولا تسمى تلك اللحظة والنفس الواحد من الأنفاس عودا لا ~~في لغة العرب، ولا في عرف الشارع، وأي شيء في هذا الجزء اليسير جدا من ~~الزمان من معنى العود أو حقيقته؟ قالوا: وهذا ليس بأقوى من قول من قال هو ~~إعادة اللفظ بعينه، فإن ذلك قول معقول يفهم منه العود لغة وحقيقة، وأما هذا ~~الجزء من الزمان فلا يفهم من الإنسان ms1502 فيه العود البتة. قالوا: ونحن نطالبكم ~~بما طالبتم به الظاهرية، من قال هذا القول قبل الشافعي؟ # قالوا: والله سبحانه أوجب الكفارة بالعود بحرف " ثم " الدالة على التراخي ~~عن الظهار، فلا بد أن يكون بين العود وبين الظهار مدة متراخية، وهذا ممتنع ~~عندكم، وبمجرد انقضاء قوله: أنت علي كظهر أمي صار عائدا ما لم يصله بقوله: ~~أنت طالق، فأين التراخي والمهلة بين العود والظهار؟ والشافعي لم ينقل هذا ~~عن أحد من الصحابة والتابعين، وإنما أخبر أنه أولى المعاني بالآية فقال: ~~الذي عقلت مما سمعت في {يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] أنه إذا أتت على ~~المظاهر مدة بعد القول بالظهار لم يحرمها بالطلاق الذي يحرم به، وجبت عليه ~~الكفارة، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرم على نفسه أنه حلال، فقد عاد ~~لما قال، فخالفه، فأحل ما حرم، ولا أعلم له معنى أولى به من هذا. انتهى. ### | [فصل من قال بأن العود هو العزم على الوطء] # فصل # والذين جعلوه أمرا وراء الإمساك اختلفوا فيه، فقال مالك في إحدى # PageV05P302 # الروايات الأربع عنه، وأبو عبيد: هو العزم على الوطء، وهذا قول القاضي ~~أبي يعلى وأصحابه، وأنكره الإمام أحمد، وقال مالك: يقول إذا أجمع لزمته ~~الكفارة، فكيف يكون هذا لو طلقها بعد ما يجمع، أكان عليه كفارة إلا أن يكون ~~يذهب إلى قول طاووس إذا تكلم بالظهار لزمه مثل الطلاق؟ # ثم اختلف أرباب هذا القول فيما لو مات أحدهما، أو طلق بعد العزم، وقبل ~~الوطء، هل تستقر عليه الكفارة؟ فقال مالك وأبو الخطاب: تستقر الكفارة. وقال ~~القاضي وعامة أصحابه: لا تستقر، وعن مالك رواية ثانية، أنه العزم على ~~الإمساك وحده، ورواية " الموطأ " خلاف هذا كله، أنه العزم على الإمساك ~~والوطء معا. # وعنه رواية رابعة، أنه الوطء نفسه، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد. وقد قال ~~أحمد في قوله تعالى: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] قال الغشيان: إذا ~~أراد أن يغشى كفر، وليس هذا باختلاف رواية، بل مذهبه الذي لا يعرف عنه غيره ~~أنه الوطء، ويلزمه إخراجها ms1503 قبله عند العزم عليه. # واحتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه قال في الكفارة: {من قبل أن ~~يتماسا} [المجادلة: 3] فأوجب الكفارة بعد العود وقبل التماس، وهذا صريح في ~~أن العود غير التماس، وأن ما يحرم قبل الكفارة لا يجوز كونه متقدما عليها. ~~قالوا: ولأنه قصد بالظهار تحريمها، والعزم على وطئها، عود فيما قصده. ~~قالوا: ولأن الظهار تحريم، فإذا أراد استباحتها فقد رجع في ذلك التحريم ~~فكان عائدا. # قال: الذين جعلوه الوطء: لا ريب أن العود فعل ضد قوله، كما تقدم تقريره، ~~والعائد فيما نهي عنه وإليه، وله: هو فاعله لا مريده كما قال تعالى: {ثم ~~يعودون لما نهوا عنه} [المجادلة: 8] فهذا فعل المنهي عنه نفسه لا إرادته، ~~ولا يلزم أرباب هذا القول ما ألزمهم به أصحاب العزم، فإن قولهم: إن العود ~~يتقدم التكفير، والوطء متأخر عنه، فهم يقولون إن قوله تعالى: {ثم يعودون ~~لما قالوا} [المجادلة: 3] أي يريدون العود كما قال تعالى: {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله} [النحل: 98] وكقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] [المائدة: 6] ونظائره مما يطلق الفعل فيه على ~~إرادته # PageV05P303 # لوقوعه بها. قالوا: وهذا أولى من تفسير العود بنفس اللفظ الأول، ~~وبالإمساك نفسا واحدا بعد الظهار، وبتكرار لفظ الظهار، وبالعزم المجرد لو ~~طلق بعده، فإن هذه الأقوال كلها قد تبين ضعفها، فأقرب الأقوال إلى دلالة ~~اللفظ وقواعد الشريعة وأقوال المفسرين هو هذا. وبالله التوفيق. ### | [فصل من عجز عن الكفارة لم تسقط عنه] # فصل # ومنها: أن من عجز عن الكفارة لم تسقط عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعان أوس بن الصامت بعرق من تمر، وأعانته امرأته بمثله حتى كفر، وأمر سلمة ~~بن صخر أن يأخذ صدقة قومه فيكفر بها عن نفسه، ولو سقطت بالعجز لما أمرهما ~~بإخراجها، بل تبقى في ذمته دينا عليه، وهذا قول الشافعي، وأحد الروايتين عن ~~أحمد. # وذهبت طائفة إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بعجزه عنها، وعن ~~إبدالها. وذهبت طائفة أن كفارة رمضان لا تبقى في ذمته، بل تسقط، وغيرها ms1504 من ~~الكفارات لا تسقط، وهذا الذي صححه أبو البركات ابن تيمية. # واحتج من أسقطها بأنها لو وجبت مع العجز لما صرفت إليه، فإن الرجل لا ~~يكون مصرفا لكفارته، كما لا يكون مصرفا لزكاته، وأرباب القول الأول يقولون ~~إذا عجز عنها، وكفر الغير عنه، جاز أن يصرفها إليه، كما صرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم كفارة من جامع في رمضان إليه وإلى أهله، وكما أباح لسلمة بن صخر ~~أن يأكل هو وأهله من كفارته التي أخرجها عنه من صدقة قومه، وهذا مذهب أحمد، ~~رواية واحدة عنه في كفارة من وطئ أهله في رمضان، وعنه في سائر الكفارات ~~روايتان. والسنة تدل على أنه إذا أعسر بالكفارة وكفر عنه غيره جاز صرف ~~كفارته إليه وإلى أهله. # PageV05P304 # فإن قيل: فهل يجوز له إذا كان فقيرا له عيال وعليه زكاة يحتاج إليها أن ~~يصرفها إلى نفسه وعياله؟ قيل لا يجوز ذلك، لعدم الإخراج المستحق عليه، ولكن ~~للإمام أو الساعي أن يدفع زكاته إليه بعد قبضها منه في أصح الروايتين عن ~~أحمد. فإن قيل: فهل له أن يسقطها عنه؟ قيل لا نص عليه، والفرق بينهما واضح. ~~فإن قيل: فإذا أذن السيد لعبده في التكفير بالعتق فهل له أن يعتق نفسه؟ ~~قيل: اختلفت الرواية فيما إذا أذن له في التكفير بالمال، هل له أن ينتقل عن ~~الصيام إليه؟ على روايتين: إحداهما: أنه ليس له ذلك، وفرضه الصيام، ~~والثانية له الانتقال إليه، ولا يلزمه لأن المنع لحق السيد وقد أذن فيه، ~~فإذا قلنا: له ذلك فهل له العتق؟ اختلفت الرواية فيه عن أحمد فعنه في ذلك ~~روايتان، ووجه المنع أنه ليس من أهل الولاء، والعتق يعتمد الولاء، واختار ~~أبو بكر وغيره أن له الإعتاق، فعلى هذا هل له عتق نفسه؟ فيه قولان في ~~المذهب، ووجه الجواز إطلاق الإذن، ووجه المنع أن الإذن في الإعتاق ينصرف ~~إلى إعتاق غيره، كما لو أذن له في الصدقة انصرف الإذن إلى الصدقة على غيره. ### | [فصل لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير] ms1505 # فصل # ومنها: أنه لا يجوز وطء المظاهر منها قبل التكفير، وقد اختلف هاهنا في ~~موضعين. أحدهما: هل له مباشرتها دون الفرج قبل التكفير أم لا؟ والثاني: أنه ~~إذا كانت كفارته الإطعام فهل له الوطء قبله أم لا؟ وفي المسألتين قولان ~~للفقهاء، وهما روايتان عن أحمد، وقولان للشافعي. # ووجه منع الاستمتاع بغير الوطء ظاهر قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} ~~[المجادلة: 3] ؛ ولأنه شبهها بمن يحرم وطؤها، ودواعيه، ووجه الجواز أن ~~التماس كناية عن الجماع، ولا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه، فإن ~~الحائض يحرم جماعها دون دواعيه، والصائم يحرم منه الوطء دون دواعيه، ~~والمسبية يحرم # PageV05P305 # وطؤها دون دواعيه، وهذا قول أبي حنيفة. # وأما المسألة الثانية: وهي وطؤها قبل التكفير: إذا كان بالإطعام، فوجه ~~الجواز أن الله سبحانه قيد التكفير بكونه قبل المسيس في العتق والصيام، ~~وأطلقه في الإطعام، ولكل منهما حكمة، فلو أراد التقييد في الإطعام لذكره ~~كما ذكره في العتق والصيام، وهو سبحانه لم يقيد هذا ويطلق هذا عبثا بل ~~لفائدة مقصودة، ولا فائدة إلا تقييد ما قيده وإطلاق ما أطلقه. ووجه المنع ~~استفادة حكم ما أطلقه مما قيده، إما بيانا على الصحيح، وإما قياسا، قد ألغي ~~فيه الفارق بين الصورتين، وهو سبحانه لا يفرق بين المتماثلين، وقد ذكر {من ~~قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] مرتين، فلو أعاده ثالثا لطال به الكلام، ونبه ~~بذكره مرتين على تكرر حكمه في الكفارات، ولو ذكره في آخر الكلام مرة واحدة، ~~لأوهم اختصاصه بالكفارة الأخيرة، ولو ذكره في أول مرة لأوهم اختصاصه ~~بالأولى، وإعادته في كل كفارة تطويل، وكان أفصح الكلام وأبلغه وأوجزه ما ~~وقع. وأيضا فإنه نبه بالتكفير قبل المسيس بالصوم، مع تطاول زمنه وشدة ~~الحاجة إلى مسيس الزوجة على أن اشتراط تقدمه في الإطعام الذي لا يطول زمنه ~~أولى. ### | [فصل هل يبطل المس تتابع الصيام] # فصل # ومنها: أنه سبحانه أمر بالصيام قبل المسيس وذلك يعم المسيس ليلا ونهارا ~~ولا خلاف بين الأئمة في تحريم وطئها في زمن الصوم ليلا ونهارا، وإنما ~~اختلفوا هل ms1506 يبطل التتابع به؟ فيه قولان: أحدهما: يبطل، وهو قول مالك، وأبي ~~حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، والثاني: لا يبطل، وهو قول الشافعي وأحمد في ~~رواية أخرى عنه. # والذين أبطلوا التتابع معهم ظاهر القرآن، فإنه سبحانه أمر بشهرين ~~متتابعين قبل المسيس ولم يوجد، ولأن ذلك يتضمن النهي عن المسيس قبل إكمال ~~الصيام وتحريمه، وهو يوجب عدم الاعتداد بالصوم؛ لأنه عمل ليس عليه أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيكون ردا. # PageV05P306 # وسر المسألة، أنه سبحانه أوجب أمرين: أحدهما: تتابع الشهرين، والثاني: ~~وقوع صيامهما قبل التماس، فلا يكون قد أتى بما أمر به إلا بمجموع الأمرين. ### | [فصل لا يشترط في إطعام المساكين التمليك ولا إطعامهم جملة أو مفرقين] # فصل # ومنها: أنه سبحانه وتعالى أطلق إطعام المساكين، ولم يقيده بقدر، ولا ~~تتابع، وذلك يقتضي أنه لو أطعمهم فغداهم وعشاهم من غير تمليك حب أو تمر ~~جاز، وكان ممتثلا لأمر الله، وهذا قول الجمهور، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد ~~في إحدى الروايتين عنه، وسواء أطعمهم جملة أو متفرقين. ### | [فصل لا بد من إطعام ستين مسكينا مختلفين] # فصل # ومنها: أنه لا بد من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحدا ستين يوما لم ~~يجزه، إلا عن واحد، هذا قول الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، في إحدى ~~الروايتين عنه. والثانية: أن الواجب إطعام ستين مسكينا، ولو لواحد، وهو ~~مذهب أبي حنيفة. والثالثة: إن وجد غيره لم يجز، وإلا أجزأه وهو ظاهر مذهبه، ~~وهي أصح الأقوال. ### | [فصل لا تدفع الكفارة إلا إلى المساكين ويدخل فيهم الفقراء] # فصل # ومنها: أنه لا يجزئه دفع الكفارة إلا إلى المساكين ويدخل فيهم الفقراء ~~كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق، وعمم أصحابنا وغيرهم الحكم ~~في كل من يأخذ من الزكاة لحاجته وهم أربعة: الفقراء والمساكين وابن السبيل ~~والغارم لمصلحته والمكاتب. وظاهر القرآن اختصاصها بالمساكين فلا يتعداهم. ### | [فصل ترجيح المصنف اشتراط الإيمان في الرقبة] # فصل # ومنها: أن الله سبحانه أطلق الرقبة هاهنا ولم يقيدها بالإيمان وقيدها في ~~كفارة القتل بالإيمان، فاختلف الفقهاء في اشتراط ms1507 الإيمان في غير كفارة ~~القتل على قولين: فشرطه الشافعي، ومالك، وأحمد، في ظاهر مذهبه، ولم يشترطه ~~أبو # PageV05P307 # حنيفة، ولا أهل الظاهر، والذين لم يشترطوا الإيمان قالوا: # لو كان شرطا لبينه الله سبحانه، كما بينه في كفارة القتل، بل يطلق ما ~~أطلقه، ويقيد ما قيده فيعمل بالمطلق والمقيد. وزادت الحنفية أن اشتراط ~~الإيمان زيادة على النص، وهو نسخ، والقرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، أو خبر ~~متواتر. # قال الآخرون: - واللفظ للشافعي - شرط الله سبحانه في رقبة القتل مؤمنة، ~~كما شرط العدل في الشهادة، وأطلق الشهود في مواضع، فاستدللنا به على أن ما ~~أطلق من الشهادات على مثل معنى ما شرط، وإنما رد الله أموال المسلمين على ~~المسلمين، لا على المشركين، وفرض الله الصدقات، فلم تجز إلا للمؤمنين، ~~فكذلك ما فرض من الرقاب لا يجوز إلا لمؤمن، فاستدل الشافعي بأن لسان العرب ~~يقتضي حمل المطلق على المقيد، إذا كان من جنسه، فحمل عرف الشرع على مقتضى ~~لسانهم. # وهاهنا أمران # أحدهما: أن حمل المطلق على المقيد بيان لا قياس. # الثاني: أنه إنما يحمل عليه بشرطين: أحدهما: اتحاد الحكم. والثاني: أن لا ~~يكون للمطلق إلا أصل واحد. فإن كان بين أصلين مختلفين، لم يحمل إطلاقه على ~~أحدهما إلا بدليل يعينه. # قال الشافعي: ولو نذر رقبة مطلقة لم يجزه إلا مؤمنة، وهذا بناء على هذا ~~الأصل، وأن النذر محمول على واجب الشرع، وواجب العتق، لا يتأدى إلا بعتق ~~المسلم. ومما يدل على هذا أن ( «النبي صلى الله عليه وسلم قال: لمن استفتى ~~في عتق رقبة منذورة ائتني بها، فسألها أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: ~~من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة» ) قال الشافعي: ~~فلما وصفت الإيمان، أمر بعتقها. انتهى. # PageV05P308 # وهذا ظاهر جدا أن العتق المأمور به شرعا لا يجزئ إلا في رقبة مؤمنة، وإلا ~~لم يكن للتعليل بالإيمان فائدة، فإن الأعم متى كان علة للحكم كان الأخص ~~عديم التأثير. # وأيضا فإن المقصود من إعتاق المسلم تفريغه لعبادة ربه، وتخليصه من عبودية ~~المخلوق ms1508 إلى عبودية الخالق، ولا ريب أن هذا أمر مقصود للشارع، محبوب له، ~~فلا يجوز إلغاؤه، وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغ العبد لعبادته وحده، ~~وتفريغه لعبادة الصليب، أو الشمس والقمر والنار، وقد بين سبحانه اشتراط ~~الإيمان في كفارة القتل، وأحال ما سكت عنه على بيانه، كما بين اشتراط ~~العدالة في الشاهدين، وأحال ما أطلقه وسكت عنه على ما بينه، وكذلك غالب ~~مطلقات كلامه سبحانه ومقيداته لمن تأملها، وهي أكثر من أن تذكر، فمنها: ~~قوله تعالى فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، {ومن يفعل ذلك ~~ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 114] [النساء: 114] وفي ~~موضع آخر، بل مواضع يعلق الأجر بنفس العمل اكتفاء بالشرط المذكور في موضعه، ~~وكذلك قوله تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} ~~[الأنبياء: 94] [الأنبياء: 94] ، وفي موضع يعلق الجزاء بنفس الأعمال ~~الصالحة اكتفاء بما علم من شرط الإيمان، وهذا غالب في نصوص الوعد والوعيد. ### | [فصل لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقا لرقبة] # فصل # ومنها: أنه لو أعتق نصفي رقبتين لم يكن معتقا لرقبة، وفي هذا ثلاثة أقوال ~~للناس، وهي روايات عن أحمد، ثانيها الإجزاء، وثالثها وهو أصحها: أنه إن ~~تكملت الحرية في الرقبتين أجزأه، وإلا فلا، فإنه يصدق عليه أنه حرر رقبة، ~~أي جعلها حرة بخلاف ما إذا لم تكمل الحرية. ### | [فصل لا تسقط الكفارة بالوطء قبل التكفير ولا تتضاعف] # فصل # ومنها: أن الكفارة لا تسقط بالوطء قبل التكفير، ولا تتضاعف، بل هي # PageV05P309 # بحالها كفارة واحدة، كما دل عليه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ~~تقدم، قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن ~~يكفر، فقالوا: كفارة واحدة. قال: وهم الحسن، وابن سيرين، ومسروق، وبكر، ~~وقتادة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعكرمة. قال: والعاشر أراه نافعا، وهذا قول ~~الأئمة الأربعة. وصح عن ابن عمر، وعمرو بن العاص، أن عليه كفارتين، وذكر ~~سعيد بن منصور، عن الحسن، وإبراهيم، في الذي يظاهر ثم يطؤها قبل أن يكفر: ms1509 ~~عليه ثلاث كفارات، وذكر عن الزهري وسعيد بن جبير، وأبي يوسف أن الكفارة ~~تسقط، ووجه هذا أنه فات وقتها، ولم يبق له سبيل إلى إخراجها قبل المسيس. ~~وجواب هذا أن فوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة، كالصلاة، والصيام، ~~وسائر العبادات، ووجه وجوب الكفارتين، أن إحداهما للظهار الذي اقترن به ~~العود، والثانية للوطء المحرم كالوطء في نهار رمضان، وكوطء المحرم، ولا ~~يعلم لإيجاب الثلاث وجه، إلا أن يكون عقوبة على إقدامه على الحرام، وحكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف هذه الأقوال، والله أعلم. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإيلاء] # ثبت في " صحيح البخاري ": عن أنس قال: ( «آلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من نسائه وكانت انفكت رجله فأقام في مشربة له تسعا وعشرين ليلة ثم نزل ~~فقالوا: يا رسول الله آليت شهرا فقال: " إن الشهر يكون تسعا وعشرين» ) وقد ~~قال سبحانه {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله ~~غفور رحيم} [البقرة: 226] [البقرة: 226] # PageV05P310 # {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] الإيلاء لغة: ~~الامتناع باليمين، وخص في عرف الشرع بالامتناع باليمين من وطء الزوجة، ~~ولهذا عدي فعله بأداة " من " تضمينا له معنى " يمتنعون " من نسائهم، وهو ~~أحسن من إقامة " من " مقام " على "، وجعل سبحانه للأزواج مدة أربعة أشهر ~~يمتنعون فيها من وطء نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت، فإما أن يفيء، وإما أن ~~يطلق، وقد اشتهر عن علي وابن عباس أن الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون ~~الرضى، كما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه، وظاهر القرآن مع ~~الجمهور. # وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين، ورجل آخر، فاحتج على محمد بقول ~~علي، فاحتج عليه محمد بالآية، فسكت. وقد دلت الآية على أحكام. # منها: هذا. ومنها: أن من حلف على ترك الوطء أقل من أربعة أشهر لم يكن ~~مؤليا، وهذا قول الجمهور، وفيه قول شاذ أنه مؤل. # ومنها: أنه لا يثبت له حكم الإيلاء حتى ms1510 يحلف على أكثر من أربعة أشهر، فإن ~~كانت مدة الامتناع أربعة أشهر، لم يثبت له حكم الإيلاء؛ لأن الله جعل لهم ~~مدة أربعة أشهر وبعد انقضائها إما أن يطلقوا، وإما أن يفيئوا، وهذا قول ~~الجمهور، منهم أحمد، والشافعي، ومالك، وجعله أبو حنيفة مؤليا بأربعة أشهر ~~سواء، وهذا بناء على أصله أن المدة المضروبة أجل لوقوع الطلاق بانقضائها، ~~والجمهور يجعلون المدة أجلا لاستحقاق المطالبة، وهذا موضع اختلف فيه السلف ~~من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم، فقال الشافعي: حدثنا سفيان ~~عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: ( «أدركت بضعة عشر # PageV05P311 # رجلا من الصحابة كلهم يوقف المؤلي» ) يعني: بعد أربعة أشهر. # وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال: (سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المؤلي، فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة ~~أشهر) وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. (وقال عبد الله بن ~~مسعود، وزيد بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر، ولم يفئ فيها، طلقت منه بمضيها) ~~وهذا قول جماعة من التابعين، وقول أبي حنيفة وأصحابه، فعند هؤلاء يستحق ~~المطالبة قبل مضي الأربعة الأشهر، فإن فاء وإلا طلقت بمضيها. وعند الجمهور ~~لا يستحق المطالبة حتى تمضي الأربعة الأشهر، فحينئذ يقال: إما أن تفيء، ~~وإما أن تطلق، وإن لم يفئ أخذ بإيقاع الطلاق، إما بالحاكم، وإما بحبسه حتى ~~يطلق. # قال الموقعون للطلاق بمضي المدة: آية الإيلاء تدل على ذلك من ثلاثة أوجه. # أحدها: أن عبد الله بن مسعود قرأ " فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم " ~~فإضافة الفيئة إلى المدة تدل على استحقاق الفيئة فيها، وهذه القراءة إما أن ~~تجرى مجرى الخبر الواحد، فتوجب العمل، وإن لم توجب كونها من القرآن، وإما ~~أن تكون قرآنا نسخ لفظه، وبقي حكمه، لا يجوز فيها غير هذا البتة. # الثاني: أن الله سبحانه جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر، فلو كانت الفيئة ~~بعدها لزادت على مدة النص، وذلك غير جائز. # PageV05P312 # الثالث: أنه لو وطئها في ms1511 مدة الإيلاء لوقعت الفيئة موقعها، فدل على ~~استحقاق الفيئة فيها. قالوا: ولأن الله سبحانه وتعالى جعل لهم تربص أربعة ~~أشهر ثم قال: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم - وإن عزموا الطلاق} [البقرة: ~~226 - 227] وظاهر هذا أن هذا التقسيم في المدة التي لهم فيها تربص، كما إذا ~~قال لغريمه: أصبر عليك بديني أربعة أشهر، فإن وفيتني وإلا حبستك، ولا يفهم ~~من هذا إلا إن وفيتني في هذه المدة، ولا يفهم منه إن وفيتني بعدها، وإلا ~~كانت مدة الصبر أكثر من أربعة أشهر، وقراءة ابن مسعود صريحة في تفسير ~~الفيئة بأنها في المدة، وأقل مراتبها أن تكون تفسيرا. # قالوا: ولأنه أجل مضروب للفرقة، فتعقبه الفرقة، كالعدة وكالأجل الذي ضرب ~~لوقوع الطلاق، كقوله: إذا مضت أربعة أشهر فأنت طالق. # قال الجمهور: لنا من آية الإيلاء عشرة أدلة. # أحدها: أنه أضاف مدة الإيلاء إلى الأزواج، وجعلها لهم، ولم يجعلها عليهم، ~~فوجب ألا يستحق المطالبة فيها، بل بعدها، كأجل الدين، ومن أوجب المطالبة ~~فيها لم يكن عنده أجلا لهم، ولا يعقل كونها أجلا لهم، ويستحق عليهم فيها ~~المطالبة. # الدليل الثاني: قوله: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] فذكر ~~الفيئة بعد المدة بفاء التعقيب، وهذا يقتضي أن يكون بعد المدة، ونظيره قوله ~~سبحانه: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] ~~[البقرة: 229] . وهذا بعد الطلاق قطعا. فإن قيل: فاء التعقيب توجب أن يكون ~~بعد الإيلاء لا بعد المدة؟ قيل: قد تقدم في الآية ذكر الإيلاء، ثم تلاه ذكر ~~المدة، ثم أعقبها بذكر الفيئة، فإذا أوجبت الفاء التعقيب بعد ما تقدم ذكره، ~~لم يجز أن يعود إلى أبعد المذكورين، ووجب عودها إليهما، أو إلى أقربهما. # PageV05P313 # الدليل الثالث: قوله: {وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 227] [البقرة: 227] ~~وإنما العزم ما عزم العازم على فعله، كقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] [البقرة: 235] فإن قيل: فترك الفيئة ~~عزم على الطلاق؟ قيل: العزم هو إرادة جازمة لفعل المعزوم عليه أو تركه، ~~وأنتم توقعون الطلاق بمجرد مضي المدة، وإن ms1512 لم يكن منه عزم لا على وطء، ولا ~~على تركه، بل لو عزم على الفيئة ولم يجامع طلقتم عليه بمضي المدة، ولم يعزم ~~الطلاق، فكيفما قدرتم فالآية حجة عليكم. # الدليل الرابع: أن الله سبحانه خيره في الآية بين أمرين: الفيئة أو ~~الطلاق، والتخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالة واحدة كالكفارات، ولو كان ~~في حالتين، لكان ترتيبا لا تخييرا، وإذا تقرر هذا فالفيئة عندكم في نفس ~~المدة، وعزم الطلاق بانقضاء المدة، فلم يقع التخيير في حالة واحدة. # فإن قيل: هو مخير بين أن يفيء في المدة، وبين أن يترك الفيئة، فيكون ~~عازما للطلاق بمضي المدة. قيل: ترك الفيئة لا يكون عزما للطلاق، وإنما يكون ~~عزما عندكم إذا انقضت المدة، فلا يتأتى التخيير بين عزم الطلاق، وبين ~~الفيئة البتة، فإنه بمضي المدة يقع الطلاق عندكم فلا يمكنه الفيئة، وفي ~~المدة يمكنه الفيئة، ولم يحضر وقت عزم الطلاق الذي هو مضي المدة، وحينئذ ~~فهذا دليل خامس مستقل. # الدليل السادس: أن التخيير بين أمرين يقتضي أن يكون فعلهما إليه ليصح منه ~~اختيار فعل كل منهما وتركه، وإلا لبطل حكم خياره، ومضي المدة ليس إليه. # الدليل السابع: أنه سبحانه قال: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} ~~[البقرة: 227] فاقتضى أن يكون الطلاق قولا يسمع، ليحسن ختم الآية بصفة ~~السمع. # الدليل الثامن: أنه لو قال لغريمه: لك أجل أربعة أشهر، فإن وفيتني قبلت # PageV05P314 # منك، وإن لم توفني حبستك، كان مقتضاه أن الوفاء والحبس بعد المدة لا ~~فيها: ولا يعقل المخاطب غير هذا. فإن قيل: ما نحن فيه نظير قوله لك الخيار ~~ثلاثة أيام، فإن فسخت البيع، وإلا لزمك، ومعلوم أن الفسخ إنما يقع في ~~الثلاث لا بعدها؟ قيل هذا من أقوى حججنا عليكم، فإن موجب العقد اللزوم، ~~فجعل له الخيار في مدة ثلاثة أيام، فإذا انقضت ولم يفسخ، عاد العقد إلى ~~حكمه، وهو اللزوم، وهكذا الزوجة لها حق على الزوج في الوطء، كما له حق ~~عليها، قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: ms1513 228] [البقرة: ~~228] فجعل له الشارع امتناع أربعة أشهر لا حق لها فيهن، فإذا انقضت المدة ~~عادت على حقها بموجب العقد، وهو المطالبة لا وقوع الطلاق، وحينئذ فهذا دليل ~~تاسع مستقل. # الدليل العاشر أنه سبحانه جعل للمؤلين شيئا، وعليهم شيئين، فالذي لهم ~~تربص المدة المذكورة، والذي عليهم إما الفيئة، وإما الطلاق، وعندكم ليس ~~عليهم إلا الفيئة فقط، وأما الطلاق فليس عليهم، بل ولا إليهم، وإنما هو ~~إليه سبحانه عند انقضاء المدة، فيحكم بطلاقها عقيب انقضاء المدة، شاء أو ~~أبى، ومعلوم أن هذا ليس إلى المؤلي ولا عليه، وهو خلاف ظاهر النص. # قالوا: ولأنها يمين بالله تعالى توجب الكفارة، فلم يقع بها الطلاق كسائر ~~الأيمان، ولأنها مدة قدرها الشرع لم تتقدمها الفرقة، فلا يقع بها بينونة ~~كأجل العنين، ولأنه لفظ لا يصح أن يقع به الطلاق المعجل، فلم يقع به المؤجل ~~كالظهار، ولأن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية فنسخ كالظهار، فلا يجوز أن ~~يقع به الطلاق؛ لأنه استيفاء للحكم المنسوخ، ولما كان عليه أهل الجاهلية. # قال الشافعي: كانت الفرق الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء بالطلاق والظهار ~~والإيلاء، فنقل الله سبحانه وتعالى الإيلاء والظهار عما كانا عليه في ~~الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقر عليه حكمهما في الشرع، # PageV05P315 # وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه هذا لفظه. # قالوا: ولأن الطلاق إنما يقع بالصريح والكناية، وليس الإيلاء واحدا ~~منهما، إذ لو كان صريحا لوقع معجلا إن أطلقه، أو إلى أجل مسمى إن قيده، ولو ~~كان كناية لرجع فيه إلى نيته، ولا يرد على هذا اللعان، فإنه يوجب الفسخ دون ~~الطلاق، والفسخ يقع بغير قول، والطلاق لا يقع إلا بالقول. # قالوا: وأما قراءة ابن مسعود فغايتها أن تدل على جواز الفيئة في مدة ~~التربص، لا على استحقاق المطالبة بها في المدة، وهذا حق لا ننكره. # وأما قولكم: جواز الفيئة في المدة دليل على استحقاقها فيها، فهو باطل ~~بالدين المؤجل. # وأما قولكم: إنه لو كانت الفيئة بعد المدة لزادت على أربعة أشهر، فليس ~~بصحيح؛ لأن ms1514 الأربعة الأشهر مدة لزمن الصبر الذي لا يستحق فيه المطالبة، ~~فبمجرد انقضائها يستحق عليه الحق، فلها أن تعجل المطالبة به. وإما أن ~~تنظره، وهذا كسائر الحقوق المعلقة بآجال معدودة، إنما تستحق عند انقضاء ~~آجالها، ولا يقال: إن ذلك يستلزم الزيادة على الأجل، فكذا أجل الإيلاء ~~سواء. ### | [فصل الحجة في أن المؤلي مخير بين الطلاق والعود] # ودلت الآية على أن كل من صح منه الإيلاء بأي يمين حلف، فهو مؤل حتى يبر، ~~إما أن يفيء، وإما أن يطلق، فكان في هذا حجة لما ذهب إليه من يقول من السلف ~~والخلف: إن المؤلي باليمين بالطلاق إما أن يفيء، وإما أن يطلق، ومن يلزمه ~~الطلاق على كل حال لم يمكنه إدخال هذه اليمين في حكم الإيلاء، فإنه إذا ~~قال: إن وطئتك إلى سنة فأنت طالق ثلاثا، فإذا مضت أربعة أشهر لا يقولون له ~~إما أن تطأ وإما أن تطلق، بل يقولون له إن وطئتها طلقت، وإن لم تطأها # PageV05P316 # طلقنا عليك، وأكثرهم لا يمكنه من الإيلاج لوقوع النزع الذي هو جزء الوطء ~~في أجنبية، ولا جواب عن هذا إلا أن يقال بأنه غير مؤل، وحينئذ فيقال: فلا ~~توقفوه بعد مضي الأربعة الأشهر، وقولوا: إن له أن يمتنع من وطئها بيمين ~~الطلاق دائما، فإن ضربتم له الأجل أثبتم له حكم الإيلاء من غير يمين، وإن ~~جعلتموه مؤليا ولم تجيزوه خالفتم حكم الإيلاء وموجب النص، فهذا بعض حجج ~~هؤلاء على منازعيهم. # فإن قيل: فما حكم هذه المسألة، وهي إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا. # قيل: اختلف الفقهاء فيها، هل يكون مؤليا أم لا؟ على قولين: وهما روايتان ~~عن أحمد، وقولان للشافعي في الجديد، أنه يكون مؤليا، وهو مذهب أبي حنيفة ~~ومالك. وعلى قولين: فهل يمكن من الإيلاج؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي. # أحدهما: أنه لا يمكن منه، بل يحرم عليه؛ لأنها بالإيلاج تطلق عندهم ~~ثلاثا، فيصير ما بعد الإيلاج محرما، فيكون الإيلاج محرما، وهذا كالصائم إذا ~~تيقن أنه لم يبق إلى طلوع الفجر، إلا قدر ms1515 إيلاج لذكر دون إخراجه، حرم عليه ~~الإيلاج، وإن كان في زمن الإباحة لوجود الإخراج في زمن الحظر كذلك هاهنا ~~يحرم عليه الإيلاج، وإن كان قبل الطلاق لوجود الإخراج بعده. # والثاني: أنه لا يحرم عليه الإيلاج، قال الماوردي: وهو قول سائر أصحابنا؛ ~~لأنها زوجته، ولا يحرم عليه الإخراج؛ لأنه ترك. وإن طلقت بالإيلاج ويكون ~~المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والنزع، وهذا ظاهر نص ~~الشافعي، فإنه قال لو طلع الفجر على الصائم وهو مجامع وأخرجه مكانه كان على ~~صومه، فإن مكث بغير إخراجه أفطر ويكفر. وقال في كتاب الإيلاء ولو قال إن ~~وطئتك فأنت طالق ثلاثا، وقف، فإن فاء، فإذا غيب # PageV05P317 # الحشفة، طلقت منه ثلاثا، فإن أخرجه ثم أدخله فعليه مهر مثلها. قال هؤلاء ~~ويدل على الجواز أن رجلا لو قال لرجل: ادخل داري ولا تقم، استباح الدخول ~~لوجوده عن إذن، ووجب عليه الخروج لمنعه من المقام، ويكون الخروج وإن كان في ~~زمن الحظر مباحا؛ لأنه ترك، كذلك هذا المؤلي يستبيح أن يولج، ويستبيح أن ~~ينزع ويحرم عليه استدامة الإيلاج، والخلاف في الإيلاج قبل الفجر والنزع ~~بعده للصائم كالخلاف في المؤلي، وقيل يحرم على الصائم الإيلاج قبل الفجر، ~~ولا يحرم على المؤلي، والفرق أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير الإيلاج، ~~فجاز أن يحرم عليه الإيلاج، والمؤلي لا يطرأ عليه التحريم بغير الإيلاج ~~فافترقا. # وقالت طائفة ثالثة: لا يحرم عليه الوطء، ولا تطلق عليه الزوجة، بل يوقف، ~~ويقال له: ما أمر الله؟ إما أن تفيء، وإما أن تطلق. قالوا: وكيف يكون مؤليا ~~ولا يمكن من الفيئة، بل يلزم بالطلاق، وإن مكن منها وقع به الطلاق، فالطلاق ~~واقع به على التقديرين مع كونه مؤليا؟ فهذا خلاف ظاهر القرآن بل يقال لهذا: ~~إن فاء لم يقع به الطلاق، وإن لم يفئ ألزم بالطلاق، وهذا مذهب من يرى ~~اليمين بالطلاق لا يوجب طلاقا، وإنما يجزئه كفارة يمين، وهو قول أهل ~~الظاهر، وطاووس، وعكرمة، وجماعة من أهل الحديث، واختيار شيخ الإسلام ابن ~~تيمية قدس ms1516 الله روحه. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللعان] # قال تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين - والخامسة أن لعنة الله عليه إن ~~كان من الكاذبين - ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين - والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} [النور: 6 - 9] ~~[النور: 69] . # وثبت في " الصحيحين ": من حديث سهل بن سعد، «أن عويمرا العجلاني # PageV05P318 # قال لعاصم بن عدي: أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه ~~أم كيف يفعل؟ فسل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، حتى كبر على ~~عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن عويمرا سأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها " ~~فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا قال: كذبت عليها يا ~~رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» ) . قال الزهري: فكانت تلك سنة المتلاعنين. # قال سهل: وكانت حاملا، وكان ابنها ينسب إلى أمه، ثم جرت السنة أن يرثها ~~وترث منه ما فرض الله لها. # وفي لفظ: ( «فتلاعنا في المسجد، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاكم التفريق بين كل متلاعنين» ) # وقول سهل: وكانت حاملا إلى آخره، هو عند البخاري من قول الزهري، ~~وللبخاري: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «انظروا فإن جاءت به ~~أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق ~~عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها " ~~فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق ~~عويمر» ) # وفي لفظ: " وكانت حاملا فأنكر حملها ms1517 # وفي " صحيح مسلم " «من حديث ابن عمر أن فلان بن فلان قال: يا رسول الله، ~~أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم # PageV05P319 # تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، ~~فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: {والذين يرمون أزواجهم} ~~[النور: 6] فتلاهن عليه ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها ~~وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق ~~إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ~~والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين، ثم فرق بينهما» . # وفي " الصحيحين " عنه ( «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين " ~~حسابكما على الله أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها " قال: يا رسول الله مالي؟ ~~قال لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت ~~عليها فهو أبعد لك منها» . # وفي لفظ لهما: «فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين وقال: " ~~والله إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ".» # وفيهما عنه: ( «أن رجلا لاعن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بأمه» # وفي " صحيح مسلم ": ( «من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في قصة # PageV05P320 # المتلاعنين، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن ~~الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن، فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " مه " فأبت فلعنت، فلما أدبر قال: لعلها أن تجيء ~~به أسود جعدا " فجاءت به أسود جعدا» . # وفي " صحيح مسلم " من ms1518 حديث أنس بن مالك ( «أن هلال بن أمية قذف امرأته ~~بشريك ابن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه وكان أول رجل لاعن في ~~الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا ~~قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين، فهو ~~لشريك ابن سحماء، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين» ) # وفي " الصحيحين " «من حديث ابن عباس نحو هذه القصة، فقال له رجل: أهي ~~المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو رجمت أحدا بغير بينة ~~لرجمت هذه "؟ فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء» . # ولأبي داود في هذا الحديث، عن ابن عباس: «ففرق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى ولا يرمى ولدها، ومن ~~رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت، من أجل ~~أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها» . # PageV05P321 # وفي القصة، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب. # وذكر البخاري: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بشريك ابن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البينة أو حد في ~~ظهرك " فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس ~~البينة؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " البينة وإلا حد في ظهرك ~~"، فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، ~~فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه: {والذين يرمون أزواجهم. .} [النور: 6] ~~.. الآيات، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ~~" فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي ~~سائر اليوم فمضت، ms1519 فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به ~~أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء " فجاءت به ~~كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا ما مضى من كتاب الله كان لي ~~ولها شأن) » # وفي " الصحيحين ": «أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد ~~مع امرأته رجلا أيقتله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فقال سعد: ~~بلى والذي بعثك بالحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا إلى ما ~~يقول سيدكم» . وفي لفظ آخر: «يا رسول الله، إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله ~~حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: " نعم» . وفي لفظ آخر: «لو وجدت مع أهلي رجلا ~~لم أهجه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نعم "، ~~قال كلا والذي # PageV05P322 # بعثك بالحق نبيا إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله ~~أغير مني» . وفي لفظ: «لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مصفح، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير ~~منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا ~~شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله ~~المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد ~~الله الجنة» ) ### | [فصل يصح اللعان من كل زوجين وإن كانا فاسقين محدودين في قذف أو كافرين] # فصل # واستفيد من هذا الحكم النبوي عدة أحكام # الحكم الأول: أن اللعان يصح من كل زوجين، سواء كانا مسلمين أو كافرين، ~~عدلين أو فاسقين، محدودين في قذف أو غير محدودين أو أحدهما، كذلك قال ~~الإمام أحمد في رواية إسحاق بن منصور: جميع الأزواج يلتعنون؛ الحر من الحرة ~~والأمة إذا كانت زوجة، والعبد من الحرة والأمة إذا كانت زوجة، والمسلم من ~~اليهودية ms1520 والنصرانية، وهذا قول مالك وإسحاق، وقول سعيد بن المسيب والحسن ~~وربيعة وسليمان بن يسار. # وذهب أهل الرأي والأوزاعي والثوري وجماعة إلى أن اللعان لا يكون إلا بين ~~زوجين مسلمين عدلين حرين غير محدودين في قذف، وهو رواية عن أحمد. # ومأخذ القولين أن اللعان يجمع وصفين: اليمين والشهادة، وقد سماه # PageV05P323 # الله سبحانه شهادة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا حيث يقول: ~~" «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» " فمن غلب عليه حكم الأيمان قال: يصح من ~~كل من يصح يمينه، قالوا: ولعموم قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} ~~[النور: 6] قالوا: وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا. # قالوا: ولأنه مفتقر إلى اسم الله وإلى ذكر القسم المؤكد وجوابه. # قالوا: ولأنه يستوي فيه الذكر والأنثى بخلاف الشهادة. # قالوا: ولو كان شهادة لما تكرر لفظه، بخلاف اليمين فإنه قد يشرع فيها ~~التكرار، كأيمان القسامة. # قالوا: ولأن حاجة الزوج التي لا تصح منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد، ~~كحاجة من تصح شهادته سواء، والأمر الذي ينزل به مما يدعو إلى اللعان كالذي ~~ينزل بالعدل الحر، والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجا ومخرجا ~~مما نزل به، وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال لا فرج له مما نزل به ولا ~~مخرج، بل يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن ~~سكت سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته، وهذا تأباه ~~الشريعة الواسعة الحنيفية السمحة. # قال الآخرون: قال الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء ~~إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] وفي الآية دليل من ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه سبحانه استثنى أنفسهم من الشهداء، وهذا استثناء متصل قطعا، ~~ولهذا جاء مرفوعا. # والثاني: أنه صرح بأن التعانهم شهادة، ثم زاد سبحانه هذا بيانا فقال: ~~{ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} [النور: ~~8] # والثالث: أنه جعله بدلا من الشهود، وقائما مقامهم عند عدمهم. # قالوا: وقد روى عمرو ms1521 بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «لا لعان بين مملوكين ولا كافرين» ) ذكره أبو عمر بن عبد البر ~~في " التمهيد ". # PageV05P324 # وذكر الدارقطني من حديثه أيضا عن أبيه عن جده مرفوعا: ( «أربعة ليس بينهم ~~لعان؛ ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين ~~المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان» ) # وذكر عبد الرزاق في " مصنفه " عن ابن شهاب قال: من وصية النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعتاب بن أسيد: أن لا لعان بين أربع. فذكر معناه. # قالوا: ولأن اللعان جعل بدل الشهادة، وقائما مقامها عند عدمها، فلا يصح ~~إلا ممن تصح منه، ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج ونكولها تنزيلا للعانه ~~منزلة أربعة شهود. # قالوا: وأما الحديث: ( «لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن» ) ~~فالمحفوظ فيه: " «لولا ما مضى من كتاب الله» " هذا لفظ البخاري في " صحيحه ~~". # وأما قوله: " «لولا ما مضى من الأيمان» " فمن رواية عباد بن منصور، وقد ~~تكلم فيه غير واحد. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال علي بن الحسين بن ~~الجنيد الرازي: متروك قدري. وقال النسائي: ضعيف. # وقد استقرت قاعدة الشريعة أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ~~والزوج هاهنا مدع، فلعانه شهادة، ولو كان يمينا لم تشرع في جانبه. # قال الأولون: أما تسميته شهادة فلقول الملتعن في يمينه: أشهد بالله، فسمي ~~بذلك شهادة، وإن كان يمينا اعتبارا بلفظها. # قالوا: وكيف وهو مصرح فيه # PageV05P325 # بالقسم وجوابه، وكذلك لو قال: أشهد بالله انعقدت يمينه بذلك، سواء نوى ~~اليمين أو أطلق، والعرب تعد ذلك يمينا في لغتها واستعمالها. قال قيس: # فأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا # وفي هذا حجة لمن قال: إن قوله " أشهد " تنعقد به اليمين، ولو لم يقل ~~"بالله" كما هو إحدى الروايتين عن أحمد. والثانية: لا يكون يمينا إلا ~~بالنية، وهو قول الأكثرين. كما أن قوله: أشهد بالله، يمين عند الأكثرين ~~بمطلقه. # قالوا: وأما استثناؤه سبحانه ms1522 أنفسهم من الشهداء فيقال: # أولا: " إلا " هاهنا: صفة بمعنى "غير" والمعنى: ولم يكن لهم شهداء غير ~~أنفسهم، فإن " غير " و " وإلا " يتعاوضان الوصفية والاستثناء فيستثنى ب " ~~غير " حملا على " إلا " ويوصف ب " إلا " حملا على " غير ". # ويقال ثانيا: إن " أنفسهم " مستثنى من الشهداء، ولكن يجوز أن يكون منقطعا ~~على لغة بني تميم، فإنهم يبدلون في الانقطاع كما يبدل أهل الحجاز وهم في ~~الاتصال. # ويقال ثالثا: إنما استثنى " أنفسهم " من الشهداء؛ لأنه نزلهم منزلتهم في ~~قبول قولهم، وهذا قوي جدا على قول من يرجم المرأة بالتعان الزوج إذا نكلت ~~وهو الصحيح، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. والصحيح أن لعانهم يجمع ~~الوصفين؛ اليمين والشهادة، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار، ويمين مغلظة ~~بلفظ الشهادة والتكرار؛ لاقتضاء الحال تأكيد الأمر، ولهذا اعتبر فيه من ~~التأكيد عشرة أنواع. # أحدها: ذكر لفظ الشهادة. # PageV05P326 # الثاني: ذكر القسم بأحد أسماء الرب سبحانه وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى، ~~وهو اسم الله جل ذكره. # الثالث: تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه من " إن واللام " وإتيانه ~~باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب دون الفعل الذي هو صدق وكذب. # الرابع: تكرار ذلك أربع مرات. # الخامس: دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين. # السادس: إخباره عند الخامسة أنها الموجبة لعذاب الله، وأن عذاب الدنيا ~~أهون من عذاب الآخرة. # السابع: جعل لعانه مقتض لحصول العذاب عليها، وهو إما الحد أو الحبس، وجعل ~~لعانها دارئا للعذاب عنها. # الثامن: أن هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما، إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة. # التاسع: التفريق بين المتلاعنين وخراب بيتها وكسرها بالفراق. # العاشر: تأبيد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما، فلما كان شأن هذا اللعان ~~هذا الشأن جعل يمينا مقرونا بالشهادة، وشهادة مقرونة باليمين، وجعل الملتعن ~~لقبول قوله كالشاهد، فإن نكلت المرأة مضت شهادته وحدت، وأفادت شهادته ~~ويمينه شيئين؛ سقوط الحد عنه، ووجوبه عليها. وإن التعنت المرأة وعارضت ~~لعانه بلعان آخر منها أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجوبه عليها، فكان ~~شهادة ويمينا ms1523 بالنسبة إليه دونها؛ لأنه إن كان يمينا محضة فهي لا تحد بمجرد ~~حلفه، وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده. فإذا انضم إلى ذلك ~~نكولها قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها، فكان دليلا ظاهرا ~~على صدقه، فأسقط الحد عنه وأوجبه عليها، وهذا أحسن ما يكون من الحكم، ومن ~~أحسن # PageV05P327 # من الله حكما لقوم يوقنون. وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة، ~~وشهادة فيها معنى اليمين. # وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فما أبين دلالته لو كان صحيحا ~~بوصوله إلى عمرو، ولكن في طريقه إلى عمرو مهالك ومفاوز. قال أبو عمر بن عبد ~~البر: ليس دون عمرو بن شعيب من يحتج به. # وأما حديثه الآخر الذي رواه الدارقطني، فعلى طريق الحديث عثمان بن عبد ~~الرحمن الوقاصي وهو متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة. # وأما حديث عبد الرزاق، فمراسيل الزهري عندهم ضعيفة، لا يحتج بها، وعتاب ~~بن أسيد كان عاملا للنبي صلى الله عليه وسلم على مكة، ولم يكن بمكة يهودي ~~ولا نصراني البتة حتى يوصيه أن لا يلاعن بينهما. # قالوا: وأما ردكم لقوله: ( «لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن» ) ~~وهو حديث رواه أبو داود في " سننه " وإسناده لا بأس به، وأما تعلقكم فيه ~~على عباد بن منصور فأكثر ما عيب عليه أنه قدري داعية إلى القدر، وهذا لا ~~يوجب رد حديثه، ففي الصحيح الاحتجاج بجماعة من القدرية والمرجئة والشيعة، ~~ممن علم صدقه، ولا تنافي بين قوله: " «لولا ما مضى من كتاب الله تعالى» " , ~~و " «لولا ما مضى من الأيمان» " فيحتاج إلى ترجيح أحد اللفظين وتقديمه على ~~الآخر، بل # PageV05P328 # الأيمان المذكورة هي في كتاب الله، وكتاب الله تعالى حكمه الذي حكم به ~~بين المتلاعنين، وأراد صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من حكم الله الذي ~~فصل بين المتلاعنين لكان لها شأن آخر. # قالوا: وأما قولكم: إن قاعدة الشريعة استقرت على أن الشهادة في جانب ~~المدعي واليمين في جانب المدعى عليه فجوابه ms1524 من وجوه: # أحدها: أن الشريعة لم تستقر على هذا، بل قد استقرت في القسامة بأن يبدأ ~~بأيمان المدعين، وهذا لقوة جانبهم باللوث، وقاعدة الشريعة أن اليمين تكون ~~من جنبة أقوى المتداعيين، فلما كان جانب المدعى عليه قويا بالبراءة الأصلية ~~شرعت اليمين في جانبه، فلما قوي جانب المدعي في القسامة باللوث كانت اليمين ~~في جانبه، وكذلك على الصحيح لما قوي جانبه بالنكول صارت اليمين في جانبه، ~~فيقال له: احلف واستحق، وهذا من كمال حكمة الشارع واقتضائه للمصالح بحسب ~~الإمكان، ولو شرعت اليمين من جانب واحد دائما لذهبت قوة الجانب الراجح ~~هدرا، وحكمة الشارع تأبى ذلك، فالذي جاء به هو غاية الحكمة والمصلحة. # وإذا عرف هذا، فجانب الزوج هاهنا أقوى من جانبها، فإن المرأة تنكر زناها ~~وتبهته، والزوج ليس له غرض في هتك حرمته وإفساد فراشه ونسبة أهله إلى ~~الفجور، بل ذلك أشوش عليه وأكره شيء إليه، فكان هذا لوثا ظاهرا، فإذا انضاف ~~إليه نكول المرأة قوي الأمر جدا في قلوب الناس خاصهم وعامهم، فاستقل ذلك ~~بثبوت حكم الزنى عليها شرعا، فحدت بلعانه، ولكن لما لم تكن أيمانه بمنزلة ~~الشهداء الأربعة حقيقة كان لها أن تعارضها بأيمان أخرى مثلها يدرأ عنها بها ~~العذاب؛ عذاب الحد المذكور في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين} [النور: 2] [النور: 2] ولو كان لعانه بينة حقيقة لما دفعت ~~أيمانها عنها شيئا، وهذا يتضح بالفصل الثاني المستفاد من قضاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهو أن المرأة إذا لم تلتعن فهل تحد أو تحبس حتى تقر ~~أو تلاعن؟ فيه قولان للفقهاء: # فقال الشافعي وجماعة من السلف والخلف: تحد، وهو قول أهل الحجاز. # PageV05P329 # وقال أحمد: تحبس حتى تقر أو تلاعن، وهو قول أهل العراق. وعنه رواية ~~ثانية: لا تحبس ويخلى سبيلها. # قال أهل العراق ومن وافقهم: لو كان لعان الرجل بينة توجب الحد عليها لم ~~تملك إسقاطه باللعان وتكذيب البينة كما لو شهد عليها أربعة. # قالوا: ولأنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تحد بهذه الشهادة، فلأن ms1525 لا ~~تحد بشهادته وحده أولى وأحرى. # قالوا: ولأنه أحد المتلاعنين، فلا يوجب حد الآخر كما لم يوجب لعانها حده. # قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «البينة على المدعي» ) ولا ~~ريب أن الزوج هاهنا مدع. # قالوا: ولأن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد عليها، ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «البينة وإلا حد في ظهرك» ) فإن موجب قذف ~~الزوج كموجب قذف الأجنبي وهو الحد، فجعل الله سبحانه له طريقا إلى التخلص ~~منه باللعان، وجعل طريق إقامة الحد على المرأة أحد أمرين؛ إما أربعة شهود، ~~أو اعتراف، أو الحبل عند من يحد به من الصحابة، كعمر بن الخطاب ومن وافقه، ~~وقد قال عمر بن الخطاب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والرجم ~~واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إذا قامت بينة أو كان ~~الحبل أو الاعتراف) ، وكذلك قال علي رضي الله عنه، فجعلا طريق الحد ثلاثة ~~لم يجعلا فيها اللعان. # قالوا: وأيضا فهذه لم يتحقق زناها فلا يجب عليها الحد؛ لأن تحقق زناها # PageV05P330 # إما أن يكون بلعان الزوج وحده، لأنه لو تحقق به لم يسقط بلعانها الحد، ~~ولما وجب بعد ذلك حد على قاذفها، ولا يجوز أن يتحقق بنكولها أيضا؛ لأن الحد ~~لا يثبت بالنكول، فإن الحد يدرأ بالشبهات فكيف يجب بالنكول، فإن النكول ~~يحتمل أن يكون لشدة خفرها أو لعقلة لسانها، أو لدهشها في ذلك المقام الفاضح ~~المخزي، أو لغير ذلك من الأسباب، فكيف يثبت الحد الذي اعتبر في بينته من ~~العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود، وفي إقراره أربع مرات بالسنة الصحيحة ~~الصريحة، واعتبر في كل من الإقرار والبينة أن يتضمن وصف الفعل، والتصريح به ~~مبالغة في الستر، ودفعا لإثبات الحد بأبلغ الطرق وآكدها، وتوسلا إلى إسقاط ~~الحد بأدنى شبهة، فكيف يجوز أن يقضى فيه بالنكول الذي هو في نفسه شبهة لا ~~يقضى به في شيء من الحدود والعقوبات البتة، ولا فيما عدا الأموال؟ . # قالوا: والشافعي ms1526 رحمه الله تعالى لا يرى القضاء بالنكول في درهم فما دونه ~~ولا في أدنى تعزير، فكيف يقضى به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتا وأسرعها ~~سقوطا؟ ولأنها لو أقرت بلسانها ثم رجعت لم يجب عليها الحد، فلأن لا يجب ~~بمجرد امتناعها من اليمين على براءتها أولى، وإذا ظهر أنه لا تأثير لواحد ~~منهما في تحقق زناها لم يجز أن يقال بتحققه بهما لوجهين. # أحدهما: أن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا يزول بضم أحدهما إلى الآخر، ~~كشهادة مائة فاسق، فإن احتمال نكولها لفرط حيائها، وهيبة ذلك المقام ~~والجمع، وشدة الخفر، وعجزها عن النطق، وعقلة لسانها، لا يزول بلعان الزوج ~~ولا بنكولها. # الثاني: أن ما لا يقضى فيه باليمين المفردة لا يقضى فيه باليمين مع ~~النكول كسائر الحقوق. # قالوا: وأما قوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد} [النور: 8] فالعذاب ~~هاهنا # PageV05P331 # يجوز أن يراد به الحد، وأن يراد به الحبس والعقوبة المطلوبة، فلا يتعين ~~إرادة الحد به، فإن الدال على المطلق لا يدل على المقيد إلا بدليل من خارج، ~~وأدنى درجات ذلك الاحتمال، فلا يثبت الحد مع قيامه، وقد يرجح هذا بما تقدم ~~من قول عمر وعلي رضي الله عنهما: (إن الحد إنما يكون بالبينة أو الاعتراف ~~أو الحبل) # ثم اختلف هؤلاء فيما يصنع بها إذا لم تلاعن، فقال أحمد: إذا أبت المرأة ~~أن تلتعن بعد التعان الرجل أجبرتها عليه وهبت أن أحكم عليها بالرجم؛ لأنها ~~لو أقرت بلسانها لم أرجمها إذا رجعت، فكيف إذا أبت اللعان؟ وعنه رحمه الله ~~تعالى رواية ثانية: يخلى سبيلها، اختارها أبو بكر؛ لأنها لا يجب عليها ~~الحد، فيجب تخلية سبيلها كما لو لم تكمل البينة. ### | [فصل حجج الموجبين للحد] # فصل # قال الموجبون للحد: معلوم أن الله سبحانه وتعالى جعل التعان الزوج بدلا ~~عن الشهود وقائما مقامهم، بل جعل الأزواج الملتعنين شهداء كما تقدم، وصرح ~~بأن لعانهم شهادة، وأوضح ذلك بقوله: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع ~~شهادات بالله} [النور: 8] ، وهذا يدل على أن سبب العذاب ms1527 الدنيوي قد وجد، ~~وأنه لا يدفعه عنها إلا لعانها، والعذاب المدفوع عنها بلعانها هو المذكور ~~في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] ، وهذا عذاب ~~الحد قطعا، فذكره مضافا ومعرفا بلام العهد، فلا يجوز أن ينصرف إلى عقوبة لم ~~تذكر في اللفظ، ولا دل عليها بوجه ما من حبس أو غيره، فكيف يخلى سبيلها ~~ويدرأ عنها العذاب بغير لعان؟ وهل هذا إلا مخالفة لظاهر القرآن؟ # قالوا: وقد جعل الله سبحانه لعان الزوج دارئا لحد القذف عنه، وجعل لعان ~~الزوجة دارئا لعذاب حد الزنى عنها، فكما أن الزوج إذا لم يلاعن يحد حد ~~القذف، فكذلك الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها الحد. # PageV05P332 # قالوا: وأما قولكم: إن لعان الزوج لو كان بينة توجب الحد عليها لم تملك ~~هي إسقاطه باللعان كشهادة الأجنبي. # فالجواب: أن حكم اللعان حكم مستقل بنفسه غير مردود إلى أحكام الدعاوى ~~والبينات، بل هو أصل قائم بنفسه شرعه الذي شرع نظيره من الأحكام، وفصله ~~الذي فصل الحلال والحرام، ولما كان لعان الزوج بدلا عن الشهود لا جرم نزل ~~عن مرتبة البينة فلم يستقل وحده بحكم البينة، وجعل للمرأة معارضته بلعان ~~نظيره، وحينئذ فلا يظهر ترجيح أحد اللعانين على الآخر لنا، والله يعلم أن ~~أحدهما كاذب، فلا وجه لحد المرأة بمجرد لعان الزوج. فإذا مكنت من معارضته ~~وإتيانها بما يبرئ ساحتها فلم تفعل ونكلت عن ذلك عمل المقتضى عمله، وانضاف ~~إليه قرينة قوته وأكدته، وهي نكول المرأة وإعراضها عما يخلصها من العذاب ~~ويدرؤه عنها. # قالوا: وأما قولكم: إنه لو شهد عليها مع ثلاثة غيره لم تحد بهذه الشهادة، ~~فكيف تحد بشهادته وحده؟ فجوابه: أنها لم تحد بشهادة مجردة، وإنما حدت ~~بمجموع لعانه خمس مرات ونكولها عن معارضته مع قدرتها عليها، فقام من مجموع ~~ذلك دليل في غاية الظهور والقوة على صحة قوله، والظن المستفاد منه أقوى ~~بكثير من الظن المستفاد من شهادة الشهود. # وأما قولكم: إنه أحد اللعانين فلا يوجب حد الآخر كما لم يوجب لعانها حده. # فجوابه: أن ms1528 لعانها إنما شرع للدفع، لا للإيجاب كما قال تعالى: {ويدرأ ~~عنها العذاب أن تشهد} [النور: 8] فدل النص على أن لعانه مقتض لإيجاب الحد، ~~ولعانها دافع ودارئ لا موجب، فقياس أحد اللعانين على الآخر جمع بين ما فرق ~~الله سبحانه بينهما، وهو باطل. # قالوا: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( «البينة على المدعي» ) ~~فسمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن لعان الزوج المذكور ~~المكرر بينة، وقد انضم إليه نكولها الجاري مجرى إقرارها عند قوم، ومجرى ~~بينة المدعين عند # PageV05P333 # آخرين، وهذا من أقوى البينات. # ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( «البينة وإلا حد في ~~ظهرك» ) ولم يبطل الله سبحانه هذا، وإنما نقله عند عجزه عن بينة منفصلة ~~تسقط الحد عنه يعجز عن إقامتها، إلى بينة يتمكن من إقامتها، ولما كانت ~~دونها في الرتبة اعتبر لها مقو منفصل، وهو نكول المرأة عن دفعها ومعارضتها ~~مع قدرتها وتمكنها. # قالوا: وأما قولكم: إن موجب لعانه إسقاط الحد عن نفسه، لا إيجاب الحد ~~عليها إلى آخره، فإن أردتم أن من موجبه إسقاط الحد عن نفسه فحق، وإن أردتم ~~أن سقوط الحد عنه يسقط جميع موجبه ولا موجب له سواه فباطل قطعا، فإن وقوع ~~الفرقة أو وجوب التفريق والتحريم المؤبد أو المؤقت، ونفي الولد المصرح ~~بنفيه، أو المكتفى في نفيه باللعان، ووجوب العذاب على الزوجة، إما عذاب ~~الحد أو عذاب الحبس، كل ذلك من موجب اللعان، فلا يصح أن يقال: إنما يوجب ~~سقوط حد القذف عن الزوج فقط. # قالوا: وأما قولكم: إن الصحابة جعلوا حد الزنى بأحد ثلاثة أشياء؛ إما ~~البينة أو الاعتراف أو الحبل، واللعان ليس منها، فجوابه أن منازعيكم ~~يقولون: إن كان إيجاب الحد عليها باللعان خلافا لأقوال هؤلاء الصحابة، فإن ~~إسقاط الحد بالحبل أدخل في خلافهم وأظهر، فما الذي سوغ لكم إسقاط حد أوجبوه ~~بالحبل، وصريح مخالفتهم، وحرم على منازعيكم مخالفتهم في إيجاب الحد بغير ~~هذه الثلاثة مع أنهم أعذر منكم لثلاثة أوجه. # أحدها: أنهم ms1529 لم يخالفوا صريح قولهم، وإنما هو مخالفة لمفهوم سكتوا عنه، ~~فهو مخالفة لسكوتهم، وأنتم خالفتم صريح أقوالهم. # الثاني: أن غاية ما خالفوه مفهوم قد خالفه صريح عن جماعة منهم بإيجاب ~~الحد، فلم يخالفوا ما أجمع عليه الصحابة، وأنتم خالفتم منطوقا لا يعلم لهم ~~فيه مخالف البتة هاهنا، وهو إيجاب الحد بالحبل، فلا يحفظ عن صحابي قط ~~مخالفة عمر وعلي رضي الله عنهما في إيجاب الحد به. # PageV05P334 # الثالث: أنهم خالفوا هذا المفهوم لمنطوق تلك الأدلة التي تقدمت، ولمفهوم ~~قوله: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد} [النور: 8] [النور: 8] ، ولا ريب أن هذا ~~المفهوم أقوى من مفهوم سقوط الحد بقولهم: إذا كانت البينة أو الحبل أو ~~الاعتراف، فهم تركوا مفهوما لما هو أقوى منه وأولى، هذا لو كانوا قد خالفوا ~~الصحابة، فكيف وقولهم موافق لأقوال الصحابة؟ فإن اللعان مع نكول المرأة من ~~أقوى البينات كما تقرر. # قالوا: وأما قولكم: لم يتحقق زناها إلى آخره، فجوابه: إن أردتم بالتحقيق ~~اليقين المقطوع به كالمحرمات، فهذا لا يشترط في إقامة الحد، ولو كان هذا ~~شرطا لما أقيم الحد بشهادة أربعة، إذ شهادتهم لا تجعل الزنى محققا بهذا ~~الاعتبار. وإن أردتم بعدم التحقق أنه مشكوك فيه على السواء بحيث لا يترجح ~~ثبوته فباطل قطعا، وإلا لما وجب عليها العذاب المدرأ بلعانها، ولا ريب أن ~~التحقق المستفاد من لعانه المؤكد المكرر مع إعراضها عن معارضة ممكنة منه، ~~أقوى من التحقق بأربع شهود، ولعل لهم غرضا في قذفها وهتكها وإفسادها على ~~زوجها، والزوج لا غرض له في ذلك منها. # وقولكم: إنه لو تحقق فإما أن يتحقق بلعان الزوج أو بنكولها أو بهما، ~~فجوابه أنه تحقق بهما، ولا يلزم من عدم استقلال أحد الأمرين بالحد وضعفه ~~عنه عدم استقلالهما معا، إذ هذا شأن كل مفرد لم يستقل بالحكم بنفسه، ويستقل ~~به مع غيره لقوته به. # وأما قولكم: عجبا للشافعي! كيف لا يقضي بالنكول في درهم ويقضي به في ~~إقامة حد بالغ الشارع في ستره واعتبر له أكمل بينة، فهذا موضع لا ms1530 ينتصر فيه ~~للشافعي ولا لغيره من الأئمة، وليس لهذا وضع كتابنا هذا، ولا قصدنا به نصرة ~~أحد من العالمين، وإنما قصدنا به مجرد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سيرته وأقضيته وأحكامه، وما تضمن سوى ذلك، فتبع مقصود لغيره، # PageV05P335 # فهب أن من لم يقض بالنكول تناقض فماذا يضر ذلك هدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # على أن الشافعي رحمه الله تعالى لم يتناقض، فإنه فرق بين نكول مجرد لا ~~قوة له وبين نكول قد قارنه التعان مؤكد مكرر أقيم في حق الزوج مقام البينة، ~~مع شهادة الحال بكراهة الزوج لزنى امرأته وفضيحتها وخراب بيتها، وإقامة ~~نفسه وحبه في ذلك المقام العظيم بمشهد المسلمين يدعو على نفسه باللعنة إن ~~كان كاذبا بعد حلفه بالله جهد أيمانه أربع مرات إنه لمن الصادقين. والشافعي ~~رحمه الله إنما حكم بنكول قد قارنه ما هذا شأنه، فمن أين يلزمه أن يحكم ~~بنكول مجرد؟ . # قالوا: وأما قولكم: إنها لو أقرت بالزنى ثم رجعت لسقط عنها الحد، فكيف ~~يجب بمجرد امتناعها من اليمين؟ بجوابه: ما تقرر آنفا. # قالوا: وأما قولكم: إن العذاب المدرأ عنها بلعانها هو عذاب الحبس أو ~~غيره، فجوابه أن العذاب المذكور إما عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، وحمل ~~الآية على عذاب الآخرة باطل قطعا، فإن لعانها لا يدرؤه إذا وجب عليها، ~~وإنما هو عذاب الدنيا، وهو الحد قطعا، فإنه عذاب المحدود، وهو فداء له من ~~عذاب الآخرة، ولهذا شرعه سبحانه طهرة وفدية من ذلك العذاب، # PageV05P336 # كيف وقد صرح به في أول السورة بقوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ~~[النور: 2] [النور: 2] ثم أعاده بعينه بقوله {ويدرأ عنها العذاب} [النور: ~~8] فهذا هو العذاب المشهود، مكنها من دفعه بلعانها، فأين هنا عذاب غيره حتى ~~تفسر الآية به؟ وإذا تبين هذا فهذا هو القول الصحيح الذي لا نعتقد سواه، ~~ولا نرتضي إلا إياه. وبالله التوفيق. # فإن قيل: فلو نكل الزوج عن اللعان بعد قذفه فما حكم نكوله؟ # قلنا: يحد حد ms1531 القذف عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول الشافعي ~~ومالك وأحمد وأصحابهم، وخالف في ذلك أبو حنيفة، وقال: يحبس حتى يلاعن أو ~~تقر الزوجة، وهذا الخلاف مبني على أن موجب قذف الزوج لامرأته هل هو الحد ~~كقذف الأجنبي وله إسقاطه باللعان، أو موجبه اللعان نفسه؟ فالأول قول ~~الجمهور. والثاني: قول أبي حنيفة، واحتجوا عليه بعموم قوله تعالى: {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] ~~[النور: 4] وبقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: ( «البينة أو حد في ~~ظهرك» ) وبقوله له: ( «عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» ) وهذا قاله لهلال ~~بن أمية قبل شروعه في اللعان. فلو لم يجب الحد بقذفه لم يكن لهذا معنى، ~~وبأنه قذف حرة عفيفة يجري بينه وبينها القود فحد بقذفها كالأجنبي، وبأنه لو ~~لاعنها ثم أكذب نفسه بعد لعانها لوجب عليه الحد، فدل على أن قذفه سبب لوجوب ~~الحد عليه، وله إسقاطه باللعان، إذ لو لم يكن سببا لما وجب بإكذابه نفسه ~~بعد اللعان، وأبو حنيفة يقول: قذفه لها دعوى توجب أحد أمرين؛ إما لعانه ~~وإما إقرارها، فإذا لم يلاعن حبس حتى يلاعن، إلا أن تقر فيزول موجب الدعوى، ~~وهذا بخلاف قذف الأجنبي، فإنه لا حق له عند المقذوفة، فكان قاذفا محضا، ~~والجمهور يقولون: بل قذفه جناية منه # PageV05P337 # على عرضها، فكان موجبها الحد كقذف الأجنبي، ولما كان فيها شائبة الدعوى ~~عليها بإتلافها لحقه وخيانتها فيه، ملك إسقاط ما يوجبه القذف من الحد ~~بلعانه، فإذا لم يلاعن مع قدرته على اللعان وتمكنه منه عمل مقتضى القذف ~~عمله واستقل بإيجاب الحد إذ لا معارض له. وبالله التوفيق. ### | [فصل ومن الأحكام المستنبطة من أحاديث اللعان أنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يقضي بالوحي] # فصل # ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يقضي بالوحي وبما أراه ~~الله، لا بما رآه هو، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقض بين المتلاعنين حتى ~~جاءه الوحي ونزل القرآن، فقال لعويمر حينئذ: ( «قد نزل ms1532 فيك وفي صحابتك ~~فاذهب فأت بها» ) وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( «لا يسألني الله عز وجل عن ~~سنة أحدثتها فيكم لم أومر بها» ) وهذا في الأقضية والأحكام والسنن الكلية، ~~وأما الأمور الجزئية التي لا ترجع إلى أحكام كالنزول في منزل معين وتأمير ~~رجل معين ونحو ذلك مما هو متعلق بالمشاورة المأمور بها بقوله: {وشاورهم في ~~الأمر} [آل عمران: 159] [آل عمران:159] فتلك للرأي فيها مدخل، ومن هذا قوله ~~صلى الله عليه وسلم في شأن تلقيح النخل: (إنما هو رأي رأيته) فهذا القسم ~~شيء، والأحكام والسنن الكلية شيء آخر. ### | [فصل يكون اللعان بحضرة الإمام أو نائبه] # فصل # ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يأتي بها، فتلاعنا بحضرته، ~~فكان في هذا بيان أن اللعان إنما يكون بحضرة الإمام أو نائبه، وأنه ليس ~~لآحاد الرعية أن يلاعن بينهما، كما أنه ليس له إقامة الحد، بل هو للإمام أو ~~نائبه. # PageV05P338 ### | [فصل يسن التلاعن بمحضر جماعة من الناس] # فصل # ومنها: أنه يسن التلاعن بمحضر جماعة من الناس يشهدونه، فإن ابن عباس وابن ~~عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم، فدل ذلك على أنه حضره جمع كثير، ~~فإن الصبيان إنما يحضرون مثل هذا الأمر تبعا للرجال. «قال سهل بن سعد: ~~فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي صلى الله عليه وسلم» . وحكمة هذا - والله ~~أعلم - أن اللعان بني على التغليظ مبالغة في الردع والزجر، وفعله في ~~الجماعة أبلغ في ذلك. ### | [فصل القيام عند الملاعنة] # فصل # ومنها: أنهما يتلاعنان قياما، «وفي قصة هلال بن أمية أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له: قم فاشهد أربع شهادات بالله» . # وفي " الصحيحين ": في قصة المرأة: ثم قامت فشهدت، ولأنه إذا قام شاهده ~~الحاضرون، فكان أبلغ في شهرته، وأوقع في النفوس، وفيه سر آخر، وهو أن ~~الدعوة التي تطلب إصابتها إذا صادفت المدعو عليه قائما نفذت فيه، ولهذا لما ~~دعا خبيب على المشركين حين صلبوه أخذ أبو سفيان معاوية فأضجعه، وكانوا يرون ~~أن الرجل إذا لطئ بالأرض ms1533 زلت عنه الدعوة. ### | [فصل البداءة بالرجل في اللعان] # فصل # ومنها: البداءة بالرجل في اللعان، كما بدأ الله عز وجل ورسوله به، فلو ~~بدأت هي لم يعتد بلعانها عند الجمهور، واعتد به أبو حنيفة. وقد بدأ الله ~~سبحانه في الحد بذكر المرأة فقال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} [النور: 2] [النور: 2] وفي اللعان بذكر الزوج، وهذا في غاية ~~المناسبة؛ لأن الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل، لأنها تزيد على هتك حق ~~الله إفساد فراش بعلها وتعليق # PageV05P339 # نسب من غيره عليه، وفضيحة أهلها وأقاربها، والجناية على محض حق الزوج، ~~وخيانته فيه، وإسقاط حرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغي، وغير ذلك من ~~مفاسد زناها، فكانت البداءة بها في الحد أهم، وأما اللعان فالزوج هو الذي ~~قذفها وعرضها للعان، وهتك عرضها، ورماها بالعظيمة، وفضحها عند قومها ~~وأهلها، ولهذا يجب عليه الحد إذا لم يلاعن، فكانت البداءة به في اللعان ~~أولى من البداءة بها. ### | [فصل وعظهما قبل اللعان] # فصل # ومنها: وعظ كل واحد من المتلاعنين عند إرادة الشروع في اللعان، فيوعظ ~~ويذكر ويقال له: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإذا كان عند الخامسة ~~أعيد ذلك عليهما كما صحت السنة بهذا وهذا. ### | [فصل لا يقبل منهما أقل من خمس مرات] # فصل # ومنها: أنه لا يقبل من الرجل أقل من خمس مرات، ولا من المرأة، ولا يقبل ~~منه إبدال اللعنة بالغضب والإبعاد والسخط، ولا منها إبدال الغضب باللعنة ~~والإبعاد والسخط، بل يأتي كل منهما بما قسم الله له من ذلك شرعا وقدرا، ~~وهذا أصح القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما. # ومنها: أنه لا يفتقر أن يزيد على الألفاظ المذكورة في القرآن والسنة ~~شيئا، بل لا يستحب ذلك، فلا يحتاج أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ~~عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ونحو ذلك، بل ~~يكفيه أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين، وهي تقول: أشهد بالله إنه لمن ~~الكاذبين، ولا يحتاج أن يقول: فيما رميتها به ms1534 من الزنى، ولا أن تقول هي: ~~إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ولا يشترط أن يقول إذا ادعى ~~الرؤية: رأيتها تزني كالمرود في المكحلة، ولا أصل لذلك في كتاب الله ولا ~~سنة رسوله، فإن الله سبحانه بعلمه وحكمته كفانا بما شرعه لنا وأمرنا به عن ~~تكلف زيادة عليه. # PageV05P340 # قال صاحب " الإفصاح " وهو يحيى بن محمد بن هبيرة في " إفصاحه ": من ~~الفقهاء من اشترط أن يزاد بعد قوله: من الصادقين، فيما رميتها به من الزنى، ~~واشترط في نفيها عن نفسها أن تقول: فيما رماني به من الزنى. قال: ولا أراه ~~يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى أنزل ذلك وبينه ولم يذكر هذا الاشتراط. # وظاهر كلام أحمد: أنه لا يشترط ذكر الزنى في اللعان، فإن إسحاق بن منصور ~~قال: قلت لأحمد: كيف يلاعن؟ قال: على ما في كتاب الله، يقول أربع مرات: ~~أشهد بالله إني فيما رميتها به لمن الصادقين، ثم يقف عند الخامسة فيقول: ~~لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والمرأة مثل ذلك. # ففي هذا النص أنه لا يشترط أن يقول: من الزنى، ولا تقوله هي، ولا يشترط ~~أن يقول عند الخامسة: فيما رميتها به، وتقول هي: فيما رماني به، والذين ~~اشترطوا ذلك حجتهم أن قالوا: ربما نوى: إني لمن الصادقين في شهادة التوحيد ~~أو غيره من الخبر الصادق، ونوت: إنه لمن الكاذبين في شأن آخر، فإذا ذكرا ما ~~رميت به من الزنى انتفى هذا التأويل. # قال الآخرون: هب أنهما نويا ذلك فإنهما لا ينتفعان بنيتهما، فإن الظالم ~~لا ينفعه تأويله، ويمينه على نية خصمه، ويمينه بما أمر الله به إذا كان ~~مجاهرا فيها بالباطل والكذب موجبة عليه اللعنة أو الغضب، نوى ما ذكرتم أو ~~لم ينوه، فإنه لا يموه على من يعلم السر وأخفى بمثل هذا. ### | [فصل هل ينتفي الحمل باللعان] # فصل # ومنها: أن الحمل ينتفي بلعانه، ولا يحتاج أن يقول: وما هذا الحمل مني، ~~ولا يحتاج أن يقول: وقد استبرأتها، هذا قول أبي بكر عبد العزيز، من ms1535 أصحاب ~~أحمد، وقول بعض أصحاب مالك، وأهل الظاهر. وقال الشافعي: يحتاج الرجل إلى ~~ذكر الولد، ولا تحتاج المرأة إلى ذكره، وقال الخرقي وغيره: يحتاجان إلى ~~ذكره، وقال القاضي: يشترط أن يقول: هذا الولد من زنى، وليس هو مني. وهو # PageV05P341 # قول الشافعي، وقول أبي بكر أصح الأقوال، وعليه تدل السنة الثابتة. # فإن قيل: فقد روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته، وانتفى من ولدها، ففرق بينهما ~~وألحق الولد بالمرأة» ) . # وفي حديث سهل بن سعد: وكانت حاملا فأنكر حملها. # وقد حكم صلى الله عليه وسلم (بأن الولد للفراش) وهذه كانت فراشا له حال ~~كونها حاملا، فالولد له، فلا ينتفي عنه إلا بنفيه. # قيل: هذا موضع تفصيل لا بد منه، وهو أن الحمل إن كان سابقا على ما رماها ~~به وعلم أنها زنت وهي حامل منه، فالولد له قطعا، ولا ينتفي عنه بلعانه، ولا ~~يحل له أن ينفيه عنه في اللعان، فإنها لما علقت به كانت فراشا له، وكان ~~الحمل لاحقا به، فزناها لا يزيل حكم لحوقه به. وإن لم يعلم حملها حال زناها ~~الذي قد قذفها به فهذا ينظر فيه؛ فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من الزنى ~~الذي رماها به فالولد له، ولا ينتفي عنه بلعانه، وإن ولدته لأكثر من ستة ~~أشهر من الزنى الذي رماها به نظر؛ فإما أن يكون استبرأها قبل زناها أو لم ~~يستبرئها، فإن كان استبرأها انتفى الولد عنه بمجرد اللعان سواء نفاه أو لم ~~ينفه، ولا بد من ذكره عند من يشترط ذكره، وإن لم يستبرئها فهاهنا أمكن أن ~~يكون الولد منه، وأن يكون من الزاني، فإن نفاه في اللعان انتفى، وإلا لحق ~~به؛ لأنه أمكن كونه منه، ولم ينفه. # PageV05P342 # فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بعد اللعان، ونفى الولد بأنه ~~إن جاء يشبه الزوج صاحب الفراش فهو له، وإن جاء يشبه الذي رميت به فهو له، ~~فما قولكم ms1536 في مثل هذه الواقعة إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثم جاء ~~الولد يشبهه، هل تلحقونه به بالشبه عملا بالقافة، أو تحكمون بانقطاع نسبه ~~منه عملا بموجب لعانه؟ قيل: هذا مجال ضنك وموضع ضيق تجاذب أعنته اللعان ~~المقتضي لانقطاع النسب وانتفاء الولد، وأنه يدعى لأمه، ولا يدعى لأب، ~~والشبه الدال على ثبوت نسبه من الزوج، وأنه ابنه مع شهادة النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأنها إن جاءت به على شبهه فالولد له، وأنه كذب عليها، فهذا مضيق ~~لا يتخلص منه إلا المستبصر البصير بأدلة الشرع وأسراره، والخبير بجمعه ~~وفرقه الذي سافرت به همته إلى مطلع الأحكام والمشكاة التي منها ظهر الحلال ~~والحرام. # والذي يظهر في هذا، والله المستعان وعليه التكلان، أن حكم اللعان قطع حكم ~~الشبه، وصار معه بمنزلة أقوى الدليلين مع أضعفهما، فلا عبرة للشبه بعد مضي ~~حكم اللعان في تغيير أحكامه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر عن شأن ~~الولد وشبهه ليغير بذلك حكم اللعان، وإنما أخبر عنه ليتبين الصادق منهما من ~~الكاذب، الذي قد استوجب اللعنة والغضب، فهو إخبار عن أمر قدري كوني يتبين ~~به الصادق من الكاذب بعد تقرر الحكم الديني، وأن الله سبحانه سيجعل في ~~الولد دليلا على ذلك، ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد ~~انتفائه من الولد وقال: (إن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا صدق عليها، وإن ~~جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا كذب عليها) فجاءت به على النعت المكروه، ~~فعلم أنه صدق عليها ولم يعرض لها، ولم يفسخ حكم اللعان، فيحكم عليها بحكم ~~الزانية مع العلم بأنه صدق عليها، فكذلك لو جاءت به على شبه الزوج يعلم أنه ~~كذب عليها، ولا يغير ذلك حكم اللعان فيحد الزوج ويلحق به الولد، فليس قوله: ~~إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية إلحاقا له به في الحكم، كيف وقد ~~نفاه باللعان، وانقطع نسبه به، كما أن قوله: وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي ~~رميت به. ms1537 ليس إلحاقا به وجعله ابنه، وإنما هو إخبار عن # PageV05P343 # الواقع، وهذا كما لو حكم بأيمان القسامة، ثم أظهر الله سبحانه آية تدل ~~على كذب الحالفين لم ينتقض حكمها بذلك، وكذا لو حكم بالبراءة من الدعوى ~~بيمين، ثم أظهر الله سبحانه آية تدل على أنها يمين فاجرة لم يبطل الحكم ~~بذلك. ### | [فصل هل يحد إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه] # فصل # ومنها: أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنى برجل بعينه ثم لاعنها سقط الحد ~~عنه لهما، ولا يحتاج إلى ذكر الرجل في لعانه، وإن لم يلاعن فعليه لكل واحد ~~منهما حده، وهذا موضع اختلف فيه، فقال أبو حنيفة ومالك: يلاعن للزوجة ويحد ~~للأجنبي، وقال الشافعي في أحد قوليه: يجب عليه حد واحد ويسقط عنه الحد لهما ~~بلعانه، وهو قول أحمد، والقول الثاني للشافعي: أنه يحد لكل واحد حدا، فإن ~~ذكر المقذوف في لعانه سقط الحد، وإن لم يذكره فعلى قولين: # أحدهما: يستأنف اللعان ويذكره فيه، فإن لم يذكره حد له. # والثاني: أنه يسقط حده بلعانه، كما يسقط حد الزوجة. # وقال بعض أصحاب أحمد: القذف للزوجة وحدها، ولا يتعلق بغيرها حق المطالبة ~~ولا الحد. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يجب الحد لهما. # وهل يجب حد واحد أو حدان؟ على وجهين، وقال بعض أصحابه: لا يجب إلا حد ~~واحد قولا واحدا، ولا خلاف بين أصحابه أنه إذا لاعن وذكر الأجنبي في لعانه ~~أنه يسقط عنه حكمه، وإن لم يذكره فعلى قولين؛ الصحيح عندهم أنه لا يسقط. # والذين أسقطوا حكم قذف الأجنبي باللعان حجتهم ظاهرة وقوية جدا، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يحد الزوج بشريك ابن سحماء، وقد سماه صريحا، وأجاب ~~الآخرون عن هذا بجوابين: # أحدهما: أن المقذوف كان يهوديا ولا يجب الحد بقذف الكافر. # والثاني: أنه لم يطالب به، وحد القذف إنما يقام بعد المطالبة. # وأجاب الآخرون عن هذين الجوابين وقالوا: قول من قال: إنه يهودي باطل، ~~فإنه شريك بن عبدة، وأمه سحماء، وهو حليف الأنصار، وهو أخو # PageV05P344 # البراء بن مالك لأمه. قال ms1538 عبد العزيز بن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق: ~~قد اختلف أهل العلم في شريك ابن سحماء المقذوف، فقيل: إنه كان يهوديا. وهو ~~باطل، والصحيح أنه شريك بن عبدة حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك ~~لأمه. # وأما الجواب الثاني: فهو ينقلب حجة عليكم؛ لأنه لما استقر عنده أنه لا حق ~~له في هذا القذف لم يطالب به ولم يتعرض له، وإلا كيف يسكت عن براءة عرضه، ~~وله طريق إلى إظهارها بحد قاذفه، والقوم كانوا أشد حمية وأنفة من ذلك؟ # وقد تقدم أن اللعان أقيم مقام البينة للحاجة، وجعل بدلا من الشهود ~~الأربعة، ولهذا كان الصحيح أنه يوجب الحد عليها إذا نكلت، فإذا كان بمنزلة ~~الشهادة في أحد الطرفين كان بمنزلتها في الطرف الآخر، ومن المحال أن تحد ~~المرأة باللعان إذا نكلت، ثم يحد القاذف حد القذف، وقد أقام البينة على صدق ~~قوله، وكذلك إن جعلناه يمينا فإنها كما درأت عنه الحد من طرف الزوجة درأت ~~عنه من طرف المقذوف، ولا فرق؛ لأنه به حاجة إلى قذف الزاني لما أفسد عليه ~~من فراشه، وربما يحتاج إلى ذكره ليستدل بشبه الولد له على صدق قاذفه، كما ~~استدل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق هلال بشبه الولد بشريك ابن سحماء، ~~فوجب أن يسقط حكم قذفه ما أسقط حكم قذفها، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للزوج: ( «البينة وإلا حد في ظهرك» ) ولم يقل: وإلا حدان، هذا، ~~والمرأة لم تطالب بحد القذف، فإن المطالبة شرط في إقامة الحد لا في وجوبه، ~~وهذا جواب آخر عن قولهم: إن شريكا لم يطالب بالحد، فإن المرأة أيضا لم ~~تطالب به، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( «البينة وإلا حد في ~~ظهرك» ) . # PageV05P345 # فإن قيل: فما تقولون لو قذف أجنبية بالزنى برجل سماه؟ فقال: زنى بك فلان، ~~أو زنيت به؟ قيل: هاهنا يجب عليه حدان؛ لأنه قاذف لكل واحد منهما، ولم يأت ~~بما يسقط موجب قذفه، فوجب عليه حكمه إذ ليس هنا بينة بالنسبة ms1539 إلى أحدهما، ~~ولا ما يقوم مقامها. ### | [فصل إذا لاعنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه ولم يحتج إلى أن يلاعن بعد وضعه] # فصل # ومنها: أنه إذا لاعنها وهي حامل وانتفى من حملها انتفى عنه، ولم يحتج إلى ~~أن يلاعن بعد وضعه، كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وهذا موضع اختلف ~~فيه. فقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يلاعن لنفيه حتى تضع، لاحتمال أن يكون ~~ريحا فتنفش ولا يكون للعان حينئذ معنى، وهذا هو الذي ذكره الخرقي في " ~~مختصره " فقال: وإن نفى الحمل في التعانه لم ينتف عنه حتى ينفيه عند وضعها ~~له ويلاعن، وتبعه الأصحاب على ذلك، وخالفهم أبو محمد المقدسي كما يأتي ~~كلامه. # وقال جمهور أهل العلم: له أن يلاعن في حال الحمل اعتمادا على قصة هلال بن ~~أمية، فإنها صريحة صحيحة في اللعان حال الحمل ونفي الولد في تلك الحال، وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «إن جاءت به على صفة كذا وكذا فلا أراه ~~إلا قد صدق عليها» . . .) الحديث. قال الشيخ في " المغني ": وقال مالك ~~والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل وينتفي عنه، محتجين بحديث ~~هلال، وأنه نفى حملها، فنفاه عنه النبي صلى الله عليه وسلم وألحقه بالأم، ~~ولا خفاء أنه كان حملا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «انظروها ~~فإن جاءت به كذا وكذا» ) قال: ولأن الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولهذا ~~تثبت للحامل أحكام تخالف فيها الحائل، من النفقة والفطر في الصيام، وترك ~~إقامة الحد عليها، وتأخير القصاص عنها، وغير ذلك مما يطول ذكره، ويصح ~~استلحاق الحمل فكان كالولد بعد وضعه. قال: وهذا القول هو الصحيح؛ لموافقته ~~ظواهر الأحاديث، وما خالف الحديث لا يعبأ به كائنا ما كان، وقال أبو بكر: ~~ينتفي الولد بزوال الفراش، ولا يحتاج إلى # PageV05P346 # ذكره في اللعان احتجاجا بظاهر الأحاديث، حيث لم ينقل نفي الحمل ولا تعرض ~~لنفيه. # وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يصح نفي الحمل، واللعان عليه، فإن ~~لاعنها حاملا ثم أتت ms1540 بالولد لزمه عنده ولم يتمكن من نفيه أصلا؛ لأن اللعان ~~لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت بلعانها في حال حملها. # قال المنازعون له: هذا فيه إلزامه ولدا ليس منه، وسد باب الانتفاء من ~~أولاد الزنى. والله سبحانه قد جعل له إلى ذلك طريقا، فلا يجوز سدها، قالوا: ~~وإنما تعتبر الزوجية في الحال التي أضاف الزنى إليها فيها؛ لأن الولد الذي ~~تأتي به يلحقه إذا لم ينفه، فيحتاج إلى نفيه، وهذه كانت زوجته في تلك الحال ~~فملك نفي ولدها. وقال أبو يوسف ومحمد: له أن ينفي الحمل ما بين الولادة إلى ~~تمام أربعين ليلة منها. وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يلاعن لنفي الحمل ~~إلا أن ينفيه ثانية بعد الولادة. وقال الشافعي: إذا علم بالحمل فأمكنه ~~الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن له أن ينفيه بعد. ### | [مسألة فيما لو استلحق الحمل وقذفها بالزنى] # فإن قيل: فما تقولون لو استلحق الحمل وقذفها بالزنى فقال: هذا الولد مني، ~~وقد زنت، ما حكم هذه المسألة؟ # قيل: قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال # أحدها: أنه يحد ويلحق به الولد، ولا يمكن من اللعان. # والثاني: أنه يلاعن وينتفي الولد. # والثالث: أنه يلاعن للقذف ويلحقه الولد. والثلاثة روايات عن مالك، ~~والمنصوص عن أحمد: أنه لا يصح استلحاق الولد كما لا يصح نفيه. # قال أبو محمد: وإن استلحق الحمل فمن قال: لا يصح نفيه قال: لا يصح ~~استلحاقه، وهو المنصوص عن أحمد. ومن أجاز نفيه قال: يصح # PageV05P347 # استلحاقه، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه محكوم بوجوده، بدليل وجوب النفقة ووقف ~~الميراث، فصح الإقرار به كالمولود، وإذا استلحقه لم يملك نفيه بعد ذلك، كما ~~لو استلحقه بعد الوضع. ومن قال: لا يصح استلحاقه قال: لو صح استلحاقه للزمه ~~بترك نفيه كالمولود، ولا يلزمه ذلك بالإجماع، وليس للشبه أثر في الإلحاق، ~~بدليل حديث الملاعنة، وذلك مختص بما بعد الوضع، فاختص صحة الإلحاق به، فعلى ~~هذا لو استلحقه ثم نفاه بعد وضعه كان له ذلك، فأما إن ms1541 سكت عنه فلم ينفه ولم ~~يستلحقه لم يلزمه عند أحد علمنا قوله؛ لأنه تركه محتمل؛ لأنه لا يتحقق ~~وجوده إلا أن يلاعنها، فإن أبا حنيفة ألزمه الولد على ما أسلفناه. ### | [فصل قول ابن عباس ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما] # فصل وقول ابن عباس: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا ~~يدعى ولدها لأب ولا ترمى، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا ~~بيت لها عليه، ولا قوت من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. # وقول سهل: فكان ابنها يدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما ~~فرض الله لها. # وقوله: (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا) . # وقال الزهري، عن سهل بن سعد: ( «فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وقال: لا يجتمعان أبدا» ) . وقول الزوج: ( «يا رسول الله مالي؟ قال " لا ~~مال لك؛ إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها ~~فهو أبعد لك منها» ) . فتضمنت هذه الجملة عشرة أحكام. # PageV05P348 # الحكم الأول: التفريق بين المتلاعنين، وفي ذلك خمسة مذاهب. # أحدها: أن الفرقة تحصل بمجرد القذف، هذا قول أبي عبيد، والجمهور خالفوه ~~في ذلك، ثم اختلفوا، فقال جابر بن زيد: وعثمان البتي ومحمد بن أبي صفرة ~~وطائفة من فقهاء البصرة: لا يقع باللعان فرقة ألبتة، وقال ابن أبي صفرة: ~~اللعان لا يقطع العصمة، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه ~~الطلاق بعد اللعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزه نفسه أن يمسك من قد اعترف ~~بأنها زنت، أو أن يقوم عليه دليل كذب بإمساكها، فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فعله سنة، ونازع هؤلاء جمهور العلماء وقالوا: اللعان يوجب الفرقة، ثم ~~اختلفوا على ثلاثة مذاهب. # أحدها: أنها تقع بمجرد لعان الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة، وهذا القول ~~مما تفرد به الشافعي، واحتج له بأنها فرقة حاصلة بالقول، فحصلت بقول الزوج ~~وحده كالطلاق. ms1542 المذهب الثاني: أنها لا تحصل إلا بلعانهما جميعا، فإذا تم ~~لعانهما وقعت الفرقة، ولا يعتبر تفريق الحاكم، وهذا مذهب أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه، اختارها أبو بكر، وقول مالك وأهل الظاهر، واحتج لهذا القول ~~بأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان ~~الزوج وحده، وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما بعد تمام اللعان ~~منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله مخالف لمدلول السنة وفعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، واحتجوا بأن لفظ اللعان لا يقتضي فرقة، فإنه إما أيمان على ~~زناها وإما شهادة به، وكلاهما لا يقتضي فرقة، وإنما ورد الشرع بالتفريق ~~بينهما بعد تمام لعانهما لمصلحة ظاهرة، وهي أن الله سبحانه جعل بين الزوجين ~~مودة ورحمة، وجعل كلا منهما سكنا للآخر، وقد زال هذا بالقذف، وأقامها مقام ~~الخزي والعار والفضيحة، فإنه إن كان كاذبا فقد فضحها وبهتها ورماها بالداء ~~العضال، ونكس رأسها ورءوس قومها، وهتكها على رءوس الأشهاد. وإن كانت كاذبة ~~فقد أفسدت فراشه وعرضته للفضيحة والخزي والعار بكونه زوج بغي # PageV05P349 # وتعليق ولد غيره عليه، فلا يحصل بعد هذا بينهما من المودة والرحمة والسكن ~~ما هو مطلوب بالنكاح، فكان من محاسن شريعة الإسلام التفريق بينهما والتحريم ~~المؤبد على ما سنذكره، ولا يترتب هذا على بعض اللعان كما لا يترتب على بعض ~~لعان الزوج، قالوا: ولأنه فسخ ثبت بأيمان متحالفين، فلم يثبت بأيمان ~~أحدهما، كالفسخ لتخالف المتبايعين عند الاختلاف. # المذهب الثالث: أن الفرقة لا تحصل إلا بتمام لعانهما وتفريق الحاكم، وهذا ~~مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال: ~~ومتى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا أبدا. واحتج أصحاب هذا القول ~~بقول ابن عباس في حديثه: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. وهذا ~~يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله، واحتجوا بأن عويمرا قال: كذبت عليها يا رسول ~~الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا حجة من وجهين: # أحدهما: أنه يقتضي إمكان إمساكها. ms1543 # والثاني: وقوع الطلاق، ولو حصلت الفرقة باللعان وحده لما ثبت واحد من ~~الأمرين، وفي حديث سهل بن سعد أنه طلقها ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. رواه أبو داود. # قال الموقعون للفرقة بتمام اللعان بدون تفريق الحاكم: اللعان معنى يقتضي ~~التحريم المؤبد، كما سنذكره، فلم يقف على تفريق الحاكم كالرضاع، قالوا: ~~ولأن الفرقة لو وقعت على تفريق الحاكم لساغ ترك التفريق إذا كرهه الزوجان، ~~كالتفريق بالعيب والإعسار، قالوا: وقوله: " فرق النبي صلى الله عليه وسلم" ~~يحتمل أمورا ثلاثة؛ أحدها: إنشاء الفرقة. والثاني: الإعلام بها. والثالث: ~~إلزامه بموجبها من الفرقة الحسية. # وأما قوله: كذبت عليها إن أمسكتها، فهذا لا يدل على أن إمساكها بعد # PageV05P350 # اللعان مأذون فيه شرعا، بل هو بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر صائرا إلى ~~ما بادر إليه، وأما طلاقه ثلاثة فما زاد الفرقة الواقعة إلا تأكيدا، فإنها ~~حرمت عليه تحريما مؤبدا، فالطلاق تأكيد لهذا التحريم، وكأنه قال: لا تحل لي ~~بعد هذا. # وأما إنفاذ الطلاق عليه فتقرير لموجبه من التحريم، فإنها إذا لم تحل له ~~باللعان أبدا كان الطلاق الثلاث تأكيدا للتحريم الواقع باللعان، فهذا معنى ~~إنفاذه، فلما لم ينكره عليه وأقره على التكلم به وعلى موجبه جعل هذا إنفاذا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، وسهل لم يحك لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: وقع طلاقك، وإنما شاهد القصة وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم ~~للطلاق، فظن ذلك تنفيذا، وهو صحيح بما ذكرنا من الاعتبار والله أعلم. ### | [فصل فرقة اللعان فسخ] # فصل # الحكم الثاني: أن فرقة اللعان فسخ وليست بطلاق، وإلى هذا ذهب الشافعي ~~وأحمد ومن قال بقولهما، واحتجوا بأنها فرقة توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا، ~~كفرقة الرضاع، واحتجوا بأن اللعان ليس صريحا في الطلاق، ولا نوى الزوج به ~~الطلاق، فلا يقع به الطلاق، قالوا: ولو كان اللعان صريحا في الطلاق أو ~~كناية فيه لوقع بمجرد لعان الزوج ولم يتوقف على لعان المرأة، قالوا: ولأنه ~~لو كان طلاقا فهو طلاق من ms1544 مدخول بها بغير عوض لم ينو به الثلاث، فكان يكون ~~رجعيا. قالوا: ولأن الطلاق بيد الزوج، إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وهذا الفسخ ~~حاصل بالشرع، وبغير اختياره، قالوا: وإذا ثبت بالسنة وأقوال الصحابة ودلالة ~~القرآن أن فرقة الخلع ليست بطلاق بل هي فسخ مع كونها بتراضيهما فكيف تكون ~~فرقة اللعان طلاقا؟ . ### | [فصل توجب هذه الفرقة تحريما مؤبدا والحكمة من ذلك] # فصل # الحكم الثالث: أن هذه الفرقة توجب تحريما مؤبدا لا يجتمعان بعدها أبدا. ~~قال الأوزاعي: حدثنا الزبيدي، حدثنا الزهري، عن سهل بن سعد، فذكر قصة ~~المتلاعنين وقال: «ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: (لا ~~يجتمعان # PageV05P351 # أبدا» ) # وذكر البيهقي من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا» ) # قال: وروينا عن علي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا: (مضت السنة في ~~المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدا) قال: وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه قال: (يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا) وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي ومالك ~~والثوري وأبو عبيد وأبو يوسف. # وعن أحمد رواية أخرى: أنه إن أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله، وهي ~~رواية شاذة شذ بها حنبل عنه. قال أبو بكر: لا نعلم أحدا رواها غيره، وقال ~~صاحب " المغني ": وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما. ~~فأما مع تفريق الحاكم بينهما فلا وجه لبقاء النكاح بحاله. # قلت: الرواية مطلقة، ولا أثر لتفريق الحاكم في دوام التحريم، فإن الفرقة ~~الواقعة بنفس اللعان أقوى من الفرقة الحاصلة بتفريق الحاكم، فإذا كان إكذاب ~~نفسه مؤثرا في تلك الفرقة القوية رافعا للتحريم الناشئ منها، فلأن يؤثر في ~~الفرقة التي هي دونها، ويرفع تحريمها أولى. # وإنما قلنا: إن الفرقة بنفس اللعان أقوى من الفرقة بتفريق الحاكم؛ لأن ~~فرقة اللعان تستند إلى حكم الله ورسوله، سواء رضي الحاكم والمتلاعنان ~~التفريق # PageV05P352 # أو أبوه، فهي فرقة من الشارع بغير رضا أحد منهم ms1545 ولا اختياره، بخلاف فرقة ~~الحاكم، فإنه إنما يفرق باختياره. # وأيضا فإن اللعان يكون قد اقتضى بنفسه التفريق؛ لقوته وسلطانه عليه، ~~بخلاف ما إذا توقف على تفريق الحاكم، فإنه لم يقو بنفسه على اقتضاء الفرقة، ~~ولا كان له سلطان عليها، وهذه الرواية هي مذهب سعيد بن المسيب، قال: فإن ~~أكذب نفسه فهو خاطب من الخطاب، ومذهب أبي حنيفة ومحمد، وهذا على أصله اطرد؛ ~~لأن فرقة اللعان عنده طلاق. وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه ردت إليه ما ~~دامت في العدة. # والصحيح القول الأول الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وأقوال ~~الصحابة رضي الله عنهم، وهو الذي تقتضيه حكمة اللعان، ولا تقتضي سواه، فإن ~~لعنة الله تعالى وغضبه قد حل بأحدهما لا محالة، ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند الخامسة: (إنها الموجبة) أي الموجبة لهذا الوعيد، ونحن لا ~~نعلم عين من حلت به يقينا، ففرق بينهما خشية أن يكون هو الملعون الذي قد ~~وجبت عليه لعنة الله وباء بها، فيعلو امرأة غير ملعونة، وحكمة الشرع تأبى ~~هذا كما أبت أن يعلو الكافر مسلمة والزاني عفيفة. # فإن قيل: فهذا يوجب ألا يتزوج غيرها؛ لما ذكرتم بعينه؟ . # قيل: لا يوجب ذلك؛ لأنا لم نتحقق أنه هو الملعون، وإنما تحققنا أن أحدهما ~~كذلك، وشككنا في عينه، فإذا اجتمعا لزمه أحد الأمرين ولا بد؛ إما هذا وإما ~~إمساكه ملعونة مغضوبا عليها قد وجب عليها غضب الله وباءت به، فأما إذا ~~تزوجت بغيره أو تزوج بغيرها لم تتحقق هذه المفسدة فيهما. # وأيضا فإن النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول ~~أبدا، فإن الرجل إن كان صادقا عليها فقد أشاع فاحشتها وفضحها على رءوس ~~الأشهاد، وأقامها مقام الخزي، وحقق عليها الخزي والغضب، وقطع نسب # PageV05P353 # ولدها، وإن كان كاذبا فقد أضاف إلى ذلك بهتها بهذه الفرية العظيمة، ~~وإحراق قلبها بها، والمرأة إن كانت صادقة فقد أكذبته على رءوس الأشهاد ~~وأوجبت عليه لعنة الله. وإن كانت كاذبة فقد أفسدت فراشه وخانته في نفسها، ms1546 ~~وألزمته العار والفضيحة، وأحوجته إلى هذا المقام المخزي، فحصل لكل واحد ~~منهما من صاحبه من النفرة والوحشة وسوء الظن ما لا يكاد يلتئم معه شملهما ~~أبدا، فاقتضت حكمة من شرعه كله حكمة ومصلحة وعدل ورحمة تحتم الفرقة بينهما ~~وقطع الصحبة المتمحضة مفسدة. # وأيضا فإنه إذا كان كاذبا عليها فلا ينبغي أن يسلط على إمساكها مع ما صنع ~~من القبيح إليها، وإن كان صادقا فلا ينبغي أن يمسكها مع علمه بحالها ويرضى ~~لنفسه أن يكون زوج بغي. # فإن قيل: فما تقولون لو كانت أمة ثم اشتراها، هل يحل له وطؤها بملك ~~اليمين؟ # قلنا: لا تحل له؛ لأنه تحريم مؤبد، فحرمت على مشتريها كالرضاع، ولأن ~~المطلق ثلاثا إذا اشترى مطلقته لم تحل له قبل زوج وإصابة، فهاهنا أولى؛ لأن ~~هذا التحريم مؤبد، وتحريم الطلاق غير مؤبد. ### | [فصل لا يسقط صداق الملاعنة بعد الدخول] # فصل # الحكم الرابع: أنها لا يسقط صداقها بعد الدخول، فلا يرجع به عليها، فإنه ~~إن كان صادقا فقد استحل من فرجها عوض الصداق، وإن كان كاذبا فأولى وأحرى. # فإن قيل: فما تقولون لو وقع اللعان قبل الدخول هل تحكمون عليه بنصف المهر ~~أو تقولون يسقط جملة؟ # قيل: في ذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن أحمد مأخذهما: أن الفرقة إذا ~~كانت بسبب من الزوجين كلعانهما، أو منهما ومن أجنبي كشرائها لزوجها قبل ~~الدخول، فهل يسقط الصداق تغليبا لجانبها، كما لو كانت مستقلة بسبب الفرقة، ~~أو # PageV05P354 # نصفه تغليبا لجانبه، وأنه هو المشارك في سبب الإسقاط، والسيد الذي باعه ~~متسبب إلى إسقاطه ببيعه إياها؟ فهذا الأصل فيه قولان. وكل فرقة جاءت من قبل ~~الزوج نصفت الصداق كطلاقه، إلا فسخه لعيبها، أو فوات شرط شرطه، فإنه يسقط ~~كله، وإن كان هو الذي فسخ؛ لأن سبب الفسخ منها، وهي الحاملة له عليه. ولو ~~كانت الفرقة بإسلامه فهل يسقط عنه أو تنصفه؟ على روايتين. فوجه إسقاطه أنه ~~فعل الواجب عليه، وهي الممتنعة من فعل ما يجب عليها، فهي المتسببة إلى ~~إسقاط صداقها بامتناعها من الإسلام، ms1547 ووجه التنصيف أن سبب الفسخ من جهته. # فإن قيل: فما تقولون في الخلع هل ينصفه أو يسقطه؟ . قيل: إن قلنا: هو ~~طلاق نصفه، وإن قلنا: هو فسخ، فقال أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: كذلك ~~تغليبا لجانبه. والثاني: يسقطه؛ لأنه لم يستقل بسبب الفسخ، وعندي أنه إن ~~كان مع أجنبي نصفه وجها واحدا، وإن كان معها ففيه وجهان. # فإن قيل: فما تقولون لو كانت الفرقة بشرائه لزوجته من سيدها: هل يسقطه أو ~~ينصفه؟ # قيل: فيه وجهان. أحدهما: يسقطه؛ لأن مستحق مهرها تسبب إلى إسقاطه ببيعها. ~~والثاني: ينصفه؛ لأن الزوج تسبب إليه بالشراء، وكل فرقة جاءت من قبلها ~~كردتها وإرضاعها من يفسخ إرضاعه نكاحها، وفسخها لإعساره أو عيبه، فإنه يسقط ~~مهرها. # فإن قيل: فقد قلتم: إن المرأة إذا فسخت لعيب في الزوج سقط مهرها، إذ ~~الفرقة من جهتها، وقلتم: إن الزوج إذا فسخ لعيب في المرأة سقط أيضا، ولم ~~تجعلوا الفسخ من جهته فتنصفوه كما جعلتموه لفسخها لعيبه من جهتها ~~فأسقطتموه، فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أنه إنما بذل المهر في مقابلة بضع # PageV05P355 # سليم من العيوب، فإذا لم يتبين كذلك وفسخ، عاد إليها كما خرج منها، ولم ~~يستوفه، ولا شيئا منه، فلا يلزمه شيء من الصداق، كما أنها إذا فسخت لعيبه ~~لم تسلم إليه المعقود عليه، ولا شيئا منه، فلا تستحق عليه شيئا من الصداق. # فصل الحكم الخامس: أنها لا نفقة لها عليه ولا سكنى، كما قضى به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وهذا موافق لحكمه في المبتوتة التي لا رجعة لزوجها ~~عليها، كما سيأتي بيان حكمه في ذلك، وأنه موافق لكتاب الله لا مخالف له، بل ~~سقوط النفقة والسكنى للملاعنة أولى من سقوطها للمبتوتة؛ لأن المبتوتة له ~~سبيل إلى أن ينكحها في عدتها، وهذه لا سبيل له إلى نكاحها لا في العدة ولا ~~بعدها، فلا وجه أصلا لوجوب نفقتها وسكناها، وقد انقطعت العصمة انقطاعا ~~كليا. # فأقضيته صلى الله عليه وسلم يوافق بعضها بعضا، وكلها توافق كتاب الله، ~~والميزان الذي أنزله ليقوم ms1548 الناس بالقسط، وهو القياس الصحيح، كما ستقر عينك ~~إن شاء الله تعالى بالوقوف عليه عن قريب. # وقال مالك والشافعي: لها السكنى. وأنكر القاضي إسماعيل بن إسحاق هذا ~~القول إنكارا شديدا. # وقوله: " من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها " لا يدل ~~مفهومه على أن كل مطلقة ومتوفى عنها لها النفقة والسكنى، وإنما يدل على أن ~~هاتين الفرقتين قد يجب معهما نفقة وسكنى، وذلك إذا كانت المرأة حاملا فلها ~~ذلك في فرقة الطلاق اتفاقا، وفي فرقة الموت ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا ~~نفقة لها ولا سكنى، كما لو كان حائلا، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى ~~روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، لزوال سبب النفقة بالموت على وجه لا يرجى ~~عوده، فلم يبق إلا نفقة قريب، فهي في مال الطفل إن كان له مال، وإلا فعلى ~~من تلزمه نفقته من أقاربه. # PageV05P356 # والثاني: أن لها النفقة والسكنى في تركته، تقدم بها على الميراث، وهذا ~~إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن انقطاع العصمة بالموت لا يزيد على انقطاعها ~~بالطلاق البائن، بل انقطاعها بالطلاق أشد، ولهذا تغسل المرأة زوجها بعد ~~موته عند جمهور العلماء، حتى المطلقة الرجعية عند أحمد ومالك في إحدى ~~الروايتين عنه، فإذا وجبت النفقة والسكنى للبائن الحامل فوجوبها للمتوفى ~~عنها زوجها أولى وأحرى. # والثالث: أن لها السكنى دون النفقة حاملا كانت أو حائلا، وهذا قول مالك ~~وأحد قولي الشافعي؛ إجراء لها مجرى المبتوتة في الصحة، وليس هذا موضع بسط ~~هذه المسائل وذكر أدلتها والتمييز بين راجحها ومرجوحها، إذ المقصود أن ~~قوله: " من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها زوجها " إنما يدل ~~على أن المطلقة والمتوفى عنها قد يجب لهما القوت والبيت في الجملة، فهذا إن ~~كان هذا الكلام من كلام الصحابي، والظاهر - والله أعلم - أنه مدرج من قول ~~الزهري. ### | [فصل انقطاع نسب ولد اللعان من جهة الأب] # فصل # الحكم السادس: انقطاع نسب الولد من جهة الأب؛ لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى ألا يدعى ولدها ms1549 لأب، وهذا هو الحق، وهو قول الجمهور، وهو أجل ~~فوائد اللعان. # وشذ بعض أهل العلم وقال: المولود للفراش لا ينفيه اللعان البتة؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «قضى أن الولد للفراش» ، وإنما ينفي اللعان ~~الحمل، فإن لم يلاعنها حتى ولدت لاعن لإسقاط الحد فقط، ولا ينتفي ولدها ~~منه، وهذا مذهب أبي محمد بن حزم، واحتج عليه بأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى أن الولد لصاحب الفراش، قال: فصح أن كل من ولد على فراشه ولد فهو ~~ولده، إلا حيث نفاه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو حيث يوقن ~~بلا شك أنه ليس ولده، ولم ينفه صلى الله عليه وسلم إلا وهي حامل باللعان ~~فقط، فبقي ما عدا ذلك على لحاق النسب قال: ولذلك قلنا: إن صدقته # PageV05P357 # في أن الحمل ليس منه، فإن تصديقها له لا يلتفت إليه؛ لأن الله تعالى ~~يقول: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] [الأنعام: 164] فوجب أن ~~إقرار الأبوين يصدق على نفي الولد، فيكون كسبا على غيرهما، وإنما نفى الله ~~سبحانه الولد إذا أكذبته الأم والتعنت هي والزوج فقط، فلا ينتفي في غير هذا ~~الموضع. انتهى كلامه. # وهذا ضد مذهب من يقول: إنه لا يصح اللعان على الحمل حتى تضع، كما يقول ~~أحمد وأبو حنيفة، والصحيح صحته على الحمل وعلى الولد بعد وضعه، كما قاله ~~مالك والشافعي، فالأقوال ثلاثة. # ولا تنافي بين هذا الحكم وبين الحكم بكون الولد للفراش بوجه ما، فإن ~~الفراش قد زال باللعان، وإنما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الولد ~~للفراش عند تعارض الفراش ودعوى الزاني، فأبطل دعوى الزاني للولد، وحكم به ~~لصاحب الفراش. وهاهنا صاحب الفراش قد نفى الولد عنه. # فإن قيل: فما تقولون لو لاعن لمجرد نفي الولد مع قيام الفراش فقال: لم ~~تزن ولكن ليس هذا الولد ولدي؟ . # قيل: في ذلك قولان للشافعي، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد. # إحداهما: أنه لا لعان بينهما، ويلزمه الولد وهي اختيار الخرقي. # والثانية: أن له ms1550 أن يلاعن لنفي الولد فينتفي عنه بلعانه وحده، وهي اختيار ~~أبي البركات ابن تيمية، وهي الصحيحة. # فإن قيل: فخالفتم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الولد للفراش) # قلنا: معاذ الله، بل وافقنا أحكامه حيث وقع غيرنا في خلاف بعضها تأويلا، ~~فإنه إنما حكم بالولد للفراش حيث ادعاه صاحب الفراش فرجح دعواه بالفراش ~~وجعله له، وحكم بنفيه عن صاحب الفراش حيث نفاه عن نفسه وقطع نسبه منه، وقضى ~~ألا يدعى # PageV05P358 # لأب، فوافقنا الحكمين وقلنا بالأمرين، ولم نفرق تفريقا باردا جدا سمجا لا ~~أثر له في نفي الولد حملا ونفيه مولودا، فإن الشريعة لا تأتي على هذا الفرق ~~الصوري الذي لا معنى تحته البتة، وإنما يرتضي هذا من قل نصيبه من ذوق الفقه ~~وأسرار الشريعة وحكمها ومعانيها، والله المستعان، وبه التوفيق. ### | [فصل إلحاق ولد اللعان بأمه] # فصل # الحكم السابع: إلحاق الولد بأمه عند انقطاع نسبه من جهة أبيه، وهذا ~~الإلحاق يفيد حكما زائدا على إلحاقه بها مع ثبوت نسبه من الأب، وإلا كان ~~عديم الفائدة، فإن خروج الولد منها أمر محقق، فلا بد في الإلحاق من أمر ~~زائد عليه، وعلى ما كان حاصلا مع ثبوت النسب من الأب، وقد اختلف في ذلك. # فقالت طائفة: أفاد هذا الإلحاق قطع توهم انقطاع نسب الولد من الأم كما ~~انقطع من الأب، وأنه لا ينسب إلى أم ولا إلى أب، فقطع النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا الوهم وألحق الولد بالأم، وأكد هذا بإيجابه الحد على من قذفه أو ~~قذف أمه، وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وكل من لا يرى أن أمه ~~وعصباتها له. # وقالت طائفة ثانية: بل أفادنا هذا الإلحاق فائدة زائدة، وهي تحويل النسب ~~الذي كان إلى أبيه إلى أمه، وجعل أمه قائمة مقام أبيه في ذلك، فهي عصبته ~~وعصباتها أيضا عصبته، فإذا مات حازت ميراثه، وهذا قول ابن مسعود، ويروى عن ~~علي، وهذا القول هو الصواب؛ لما روى أهل السنن الأربعة من حديث واثلة بن ~~الأسقع عن النبي صلى الله ms1551 عليه وسلم أنه قال: ( «تحوز المرأة ثلاثة مواريث: ~~عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه» ) ورواه الإمام أحمد وذهب إليه. # وروى أبو داود في " سننه ": من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن # PageV05P359 # جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( «جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ~~ولورثتها من بعدها» ) # وفي " السنن " أيضا مرسلا: من حديث مكحول قال: ( «جعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها» ) # وهذه الآثار موافقة لمحض القياس، فإن النسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من ~~جهته صار للأم، كما أن الولاء في الأصل لمعتق الأب، فإذا كان الأب رقيقا ~~كان لمعتق الأم. فلو أعتق الأب بعد هذا انجر الولاء من موالي الأم إليه ~~ورجع إلى أصله، وهو نظير ما إذا كذب الملاعن نفسه واستلحق الولد رجع النسب ~~والتعصيب من الأم وعصبتها إليه. فهذا محض القياس وموجب الأحاديث والآثار، ~~وهو مذهب حبر الأمة وعالمها عبد الله بن مسعود، ومذهب إمامي أهل الأرض في ~~زمانهما أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعليه يدل القرآن بألطف إيماء ~~وأحسنه، فإن الله سبحانه جعل عيسى من ذرية إبراهيم بواسطة مريم أمه، وهي من ~~صميم ذرية إبراهيم، وسيأتي مزيد تقرير لهذا عند ذكر أقضية النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأحكامه في الفرائض إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: فما تصنعون بقوله في حديث سهل الذي رواه مسلم في " صحيحه " في ~~قصة اللعان وفي آخره: ثم جرت السنة أن يرث منها وترث منه ما فرض الله لها؟ # قيل: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وإن أمكن أن يكون مدرجا من ~~كلام ابن شهاب، وهو الظاهر؛ فإن تعصيب الأم لا يسقط ما فرض الله لها من ~~ولدها في كتابه، وغايتها أن تكون كالأب حيث يجتمع له الفرض والتعصيب، فهي ~~تأخذ فرضها ولا بد، فإن فضل شيء أخذته # PageV05P360 # بالتعصيب، وإلا فازت بفرضها، فنحن قائلون بالآثار كلها في هذا الباب بحمد ~~الله وتوفيقه. ### | [فصل يحد قاذفها وقاذف ولدها] # فصل # الحكم الثامن: " أنها لا ms1552 ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها ~~فعليه الحد " وهذا لأن لعانها نفى عنها تحقيق ما رميت به، فيحد قاذفها ~~وقاذف ولدها، هذا الذي دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة، وهو قول جمهور ~~الأمة، وقال أبو حنيفة: إن لم يكن هناك ولد نفي نسبه، حد قاذفها، وإن كان ~~هناك ولد نفي نسبه، لم يحد قاذفها، والحديث إنما هو فيمن لها ولد نفاه ~~الزوج، والذي أوجب له هذا الفرق أنه متى نفى نسب ولدها فقد حكم بزناها ~~بالنسبة إلى الولد، فأثر ذلك شبهة في سقوط حد القذف. ### | [فصل لا تترتب الأحكام السابقة إلا بعد تمام اللعان] # فصل # الحكم التاسع: أن هذه الأحكام إنما ترتبت على لعانهما معا وبعد أن تم ~~اللعانان، فلا يترتب شيء منها على لعان الزوج وحده، وقد خرج أبو البركات ~~ابن تيمية على هذا المذهب انتفاء الولد بلعان الزوج وحده، وهو تخريج صحيح، ~~فإن لعانه كما أفاد سقوط الحد وعار القذف عنه من غير اعتبار لعانها، أفاد ~~سقوط النسب الفاسد عنه، وإن لم تلاعن هي بطريق الأولى، فإن تضرره بدخول ~~النسب الفاسد عليه أعظم من تضرره بحد القذف، وحاجته إلى نفيه عنه أشد من ~~حاجته إلى دفع الحد، فلعانه كما استقل بدفع الحد استقل بنفي الولد والله ~~أعلم. ### | [فصل وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا حاملين] # فصل # الحكم العاشر: وجوب النفقة والسكنى للمطلقة والمتوفى عنها إذا كانتا ~~حاملين، فإنه قال: " من أجل أنهما يفترقان عن غير طلاق ولا متوفى عنها " ~~فأفاد ذلك أمرين: أحدهما: سقوط نفقة البائن وسكناها إذا لم تكن حاملا من ~~الزوج. # والثاني: وجوبهما لها وللمتوفى عنها إذا كانتا حاملين من الزوج. # PageV05P361 ### | [فصل اعتبار الحكم بالقافة في الإلحاق بالنسب] # وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن ~~أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك ابن سحماء» ) إرشاد منه صلى الله ~~عليه وسلم إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأن للشبه مدخلا في معرفة النسب ~~وإلحاق الولد بمنزلة الشبه، ms1553 وإنما لم يلحق بالملاعن لو قدر أن الشبه له ~~لمعارضة اللعان الذي هو أقوى من الشبه له كما تقدم. ### | [فصل من قتل رجلا في داره مدعيا زناه بحريمه قتل به إن لم يأت ببينة أو إقرار الولي] # فصل # وقوله في الحديث: ( «لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا يقتله فتقتلونه به» ) ~~دليل على أن من قتل رجلا في داره وادعى أنه وجده مع امرأته أو حريمه قتل ~~فيه، ولا يقبل قوله، إذ لو قبل قوله لأهدرت الدماء، وكان كل من أراد قتل ~~رجل أدخله داره وادعى أنه وجده مع امرأته. # ولكن هاهنا مسألتان يجب التفريق بينهما: إحداهما: هل يسعه فيما بينه وبين ~~الله تعالى أن يقتله أم لا؟ والثاني: هل يقبل قوله في ظاهر الحكم أم لا؟ ~~وبهذا التفريق يزول الإشكال فيما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، حتى ~~جعلها بعض العلماء مسألة نزاع بين الصحابة، وقال: مذهب عمر رضي الله عنه ~~أنه لا يقتل به، ومذهب علي: أنه يقتل به، والذي غره ما رواه سعيد بن منصور ~~في " سننه (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يوما يتغدى إذ جاءه رجل ~~يعدو وفي يده سيف ملطخ بدم ووراءه قوم يعدون، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء ~~الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر رضي ~~الله عنه: ما تقول؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إني ضربت بين فخذي امرأتي، ~~فإن كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر رضي ~~الله عنه سيفه فهزه، ثم دفعه إليه وقال: إن عادوا فعد) فهذا ما نقل عن عمر ~~رضي الله عنه. # وأما علي فسئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله فقال: إن لم يأت بأربعة # PageV05P362 # شهداء فليعط برمته. فظن أن هذا خلاف المنقول عن عمر، فجعلها مسألة خلاف ~~بين الصحابة، وأنت إذا تأملت حكميهما لم تجد بينهما اختلافا، ms1554 فإن عمر إنما ~~أسقط عنه القود لما اعترف الولي بأنه كان مع امرأته، وقد قال أصحابنا - ~~واللفظ لصاحب " المغني ": فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص ولا دية؛ لما روي ~~عن عمر. ثم ساق القصة، وكلامه يعطي أنه لا فرق بين أن يكون محصنا وغير ~~محصن، وكذلك حكم عمر في هذا القتيل، وقوله أيضا: " فإن عادوا فعد " ولم ~~يفرق بين المحصن وغيره، وهذا هو الصواب، وإن كان صاحب " المستوعب " قد قال: ~~وإن وجد مع امرأته رجلا ينال منها ما يوجب الرجم فقتله وادعى أنه قتله لأجل ~~ذلك فعليه القصاص في ظاهر الحكم، إلا أن يأتي ببينة بدعواه، فلا يلزمه ~~القصاص، قال: وفي عدد البينة روايتان؛ إحداهما: شاهدان، اختارها أبو بكر؛ ~~لأن البينة على الوجود لا على الزنى. والأخرى: لا يقبل أقل من أربعة، ~~والصحيح أن البينة متى قامت بذلك أو أقر به الولي سقط القصاص، محصنا كان أو ~~غيره، وعليه يدل كلام علي، فإنه قال فيمن وجد مع امرأته رجلا فقتله: (إن لم ~~يأت بأربعة شهداء " فليعط برمته) وهذا؛ لأن هذا القتل ليس بحد للزنى، ولو ~~كان حدا لما كان بالسيف، ولاعتبر له شروط إقامة الحد وكيفيته، وإنما هو ~~عقوبة لمن تعدى عليه وهتك حريمه وأفسد أهله، وكذلك فعل الزبير رضي الله عنه ~~لما تخلف عن الجيش ومعه جارية له فأتاه رجلان فقالا: أعطنا شيئا فأعطاهما ~~طعاما كان معه فقالا: خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة. # وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حرمة أو ~~عورة فلهم خذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم. # قال القاضي أبو يعلى: هذا ظاهر كلام أحمد أنهم يدفعونه ولا ضمان عليهم من ~~غير تفصيل. # PageV05P363 # وفصل ابن حامد فقال: يدفعه بالأسهل فالأسهل، فيبدأ بقوله: انصرف واذهب ~~وإلا نفعل بك كذا. قلت: وليس في كلام أحمد ولا في السنة الصحيحة ما يقتضي ~~هذا التفصيل، بل الأحاديث الصحيحة تدل على خلافه، فإن في " الصحيحين " عن ms1555 ~~أنس «أن رجلا اطلع من جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه ~~بمشقص أو بمشاقص وجعل يختله ليطعنه» ، فأين الدفع بالأسهل وهو صلى الله ~~عليه وسلم يختله أو يختبئ له ويختفي ليطعنه. # وفي " الصحيحين " أيضا: من حديث سهل بن سعد ( «أن رجلا اطلع في جحر في ~~باب النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به ~~رأسه، فلما رآه قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك، إنما جعل الإذن ~~من أجل البصر» ) # وفيهما أيضا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «لو أن امرءا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم ~~يكن عليك جناح» ) # وفيهما أيضا: ( «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ~~ولا قصاص» ) # PageV05P364 # وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: ليس هذا من باب دفع ~~الصائل، بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي، وعلى هذا فيجوز له فيما بينه وبين ~~الله تعالى قتل من اعتدى على حريمه، سواء كان محصنا أو غير محصن، معروفا ~~بذلك أو غير معروف، كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة، وقد قال ~~الشافعي وأبو ثور: يسعه قتله فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان الزاني ~~محصنا، جعلاه من باب الحدود. # وقال أحمد وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء بشاهدين، ولم يفصلا بين المحصن ~~وغيره. واختلف قول مالك في هذه المسألة، فقال ابن حبيب: إن كان المقتول ~~محصنا وأقام الزوج البينة فلا شيء عليه، وإلا قتل به، وقال ابن القاسم: إذا ~~قامت البينة فالمحصن وغير المحصن سواء، ويهدر دمه، واستحب ابن القاسم الدية ~~في غير المحصن. # فإن قيل: فما تقولون في الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه ( «أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع ~~امرأته رجلا أيقتله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا " فقال ms1556 سعد: ~~بلى والذي بعثك بالحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا إلى ما ~~يقول سيدكم» ) # وفي اللفظ الآخر: ( «إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ ~~قال: " نعم " قال: والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور، وأنا ~~أغير منه، والله أغير مني؟» ) # قلنا: نتلقاه بالقبول والتسليم والقول بموجبه، وآخر الحديث دليل على أنه ~~لو قتله لم يقد به؛ لأنه قال: بلى والذي أكرمك بالحق، ولو وجب عليه القصاص ~~بقتله لما أقره على هذا الحلف، ولما أثنى على غيرته، ولقال: لو قتلته قتلت ~~به. # وحديث أبي هريرة صريح في هذا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # PageV05P365 # : ( «أتعجبون من غيرة سعد، فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني» ) ولم ~~ينكر عليه ولا نهاه عن قتله؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم حكم ملزم، وكذلك ~~فتواه حكم عام للأمة، فلو أذن له في قتله لكان ذلك حكما منه بأن دمه هدر في ~~ظاهر الشرع وباطنه، ووقعت المفسدة التي درأها الله بالقصاص، وتهالك الناس ~~في قتل من يريدون قتله في دورهم ويدعون أنهم كانوا يرونهم على حريمهم، فسد ~~الذريعة وحمى المفسدة وصان الدماء، وفي ذلك دليل على أنه لا يقبل قول ~~القاتل، ويقاد به في ظاهر الشرع، فلما حلف سعد أنه يقتله ولا ينتظر به ~~الشهود عجب النبي صلى الله عليه وسلم من غيرته وأخبر أنه غيور، وأنه صلى ~~الله عليه وسلم أغير منه، والله أشد غيرة، وهذا يحتمل معنيين: # أحدهما: إقراره وسكوته على ما حلف عليه سعد أنه جائز له فيما بينه وبين ~~الله، ونهيه عن قتله في ظاهر الشرع، ولا يناقض أول الحديث آخره. # والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك كالمنكر على سعد، ~~فقال: ( «ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم» ) يعني: أنا أنهاه عن قتله، وهو ~~يقول: بلى والذي أكرمك بالحق، ثم أخبر عن الحامل له ms1557 على هذه المخالفة، وأنه ~~شدة غيرته، ثم قال: أنا أغير منه، والله أغير مني. وقد شرع إقامة الشهداء ~~الأربعة مع شدة غيرته سبحانه، فهي مقرونة بحكمة ومصلحة ورحمة وإحسان، فالله ~~سبحانه مع شدة غيرته أعلم بمصالح عباده، وما شرعه لهم من إقامة الشهود ~~الأربعة دون المبادرة إلى القتل، وأنا أغير من سعد وقد نهيته عن قتله، وقد ~~يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الأمرين، وهو الأليق بكلامه وسياق ~~القصة. ### | [فصل لحوق النسب بالزوج إذا خالف لون ولده لونه] # في حكمه صلى الله عليه وسلم في لحوق النسب بالزوج إذا خالف لون ولده لونه # ثبت عنه في " الصحيحين ( «أن رجلا قال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود ~~-كأنه يعرض بنفيه - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هل لك من إبل "؟ قال ~~نعم. قال " ما # PageV05P366 # لونها؟ " قال: حمر. قال: " فهل فيها من أورق؟ " قال نعم. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " فأنى أتاها ذلك؟ " قال: لعله يا رسول الله يكون نزعه ~~عرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وهذا لعله يكون نزعه عرق» ". # وفي هذا الحديث من الفقه؛ أن الحد لا يجب بالتعريض إذا كان على وجه ~~السؤال والاستفتاء. ومن أخذ منه أنه لا يجب بالتعريض ولو كان على وجه ~~المقابحة والمشاتمة فقد أبعد النجعة، ورب تعريض أفهم وأوجع للقلب وأبلغ في ~~النكاية من التصريح، وبساط الكلام وسياقه يرد ما ذكروه من الاحتمال، ويجعل ~~الكلام قطعي الدلالة على المراد. # وفيه أن مجرد الريبة لا يسوغ اللعان ونفي الولد. # وفيه ضرب الأمثال والأشباه والنظائر في الأحكام، ومن تراجم البخاري في " ~~صحيحه " على هذا الحديث: باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله ~~حكمه ليفهم السائل، وساق معه حديث: ( «أرأيت لو كان على أمك دين» ) ؟. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش وأن الأمة تكون فراشا وفيمن استلحق بعد موت أبيه] # ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( «اختصم سعد بن ~~أبي وقاص وعبد ms1558 بن زمعة في غلام، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة ~~بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي ~~يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرأى شبها بينا بعتبة فقال: " هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر # PageV05P367 # واحتجبي منه يا سودة» ) فلم تره سودة قط. # فهذا الحكم النبوي أصل في ثبوت النسب بالفراش، وفي أن الأمة تكون فراشا ~~بالوطء، وفي أن الشبه إذا عارض الفراش قدم عليه الفراش، وفي أن أحكام النسب ~~تتبعض فتثبت من وجه دون وجه، وهو الذي يسميه بعض الفقهاء: حكما بين حكمين، ~~وفي أن القافة حق وأنها من الشرع. ### | [جهات ثبوت النسب] ### | الفراش # فأما ثبوت النسب بالفراش فأجمعت عليه الأمة. # وجهات ثبوت النسب أربعة: الفراش، والاستلحاق، والبينة، والقافة، فالثلاثة ~~الأول متفق عليها، واتفق المسلمون على أن النكاح يثبت به الفراش، واختلفوا ~~في التسري فجعله جمهور الأمة موجبا للفراش، واحتجوا بصريح حديث عائشة ~~الصحيح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالولد لزمعة، وصرح بأنه صاحب ~~الفراش، وجعل ذلك علة للحكم بالولد له، فسبب الحكم ومحله إنما كان في ~~الأمة، فلا يجوز إخلاء الحديث منه وحمله على الحرة التي لم تذكر البتة، ~~وإنما كان الحكم في غيرها، فإن هذا يستلزم إلغاء ما اعتبره الشارع وعلق ~~الحكم به صريحا، وتعطيل محل الحكم الذي كان لأجله وفيه. # ثم لو لم يرد الحديث الصحيح فيه لكان هو مقتضى الميزان الذي أنزله الله ~~تعالى ليقوم الناس بالقسط، وهو التسوية بين المتماثلين، فإن السرية فراش ~~حسا وحقيقة وحكما، كما أن الحرة كذلك، وهي تراد لما تراد له الزوجة من ~~الاستمتاع والاستيلاد، ولم يزل الناس قديما وحديثا يرغبون في السراري ~~لاستيلادهن واستفراشهن، والزوجة إنما سميت فراشا لمعنى هي والسرية فيه على ~~حد سواء. # PageV05P368 # وقال أبو حنيفة: لا تكون الأمة فراشا بأول ولد ولدته من السيد، فلا يلحقه ~~الولد إلا إذا ms1559 استلحقه فيلحقه حينئذ بالاستلحاق لا بالفراش، فما ولدت بعد ~~ذلك لحقه، إلا أن ينفيه، فعندهم ولد الأمة لا يلحق السيد بالفراش إلا أن ~~يتقدمه ولد مستلحق، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بزمعة ~~وأثبت نسبه منه، ولم يثبت قط أن هذه الأمة ولدت له قبل ذلك غيره، ولا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولا استفصل فيه. # قال منازعوهم: ليس لهذا التفصيل أصل في كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب، ~~ولا تقتضيه قواعد الشرع وأصوله، قالت الحنفية: ونحن لا ننكر كون الأمة ~~فراشا في الجملة، ولكنه فراش ضعيف وهي فيه دون الحرة، فاعتبرنا ما تعتق به ~~بأن تلد منه ولدا فيستلحقه، فما ولدت بعد ذلك لحق به إلا أن ينفيه، وأما ~~الولد الأول فلا يلحقه إلا بالاستلحاق، ولهذا قلتم: إنه إذا استلحق ولدا من ~~أمته لم يلحقه ما بعده إلا باستلحاق مستأنف، بخلاف الزوجة، والفرق بينهما: ~~أن عقد النكاح إنما يراد للوطء والاستفراش، بخلاف ملك اليمين، فإن الوطء ~~والاستفراش فيه تابع، ولهذا يجوز وروده على من يحرم عليه وطؤها بخلاف عقد ~~النكاح. # قالوا: والحديث لا حجة لكم فيه؛ لأن وطء زمعة لم يثبت، وإنما ألحقه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعبد أخا، لأنه استلحقه فألحقه باستلحاقه لا بفراش ~~الأب. # قال الجمهور: إذا كانت الأمة موطوءة فهي فراش حقيقة وحكما، واعتبار ~~ولادتها السابقة في صيرورتها فراشا اعتبار ما لا دليل على اعتباره شرعا، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبره في فراش زمعة، فاعتباره تحكم. # وقولكم: إن الأمة لا تراد للوطء، فالكلام في الأمة الموطوءة التي اتخذت ~~سرية وفراشا وجعلت كالزوجة أو أحظى منها لا في أمته التي هي أخته من الرضاع ~~ونحوها. # PageV05P369 # وقولكم: إن وطء زمعة لم يثبت حتى يلحق به الولد ليس علينا جوابه، بل ~~جوابه على من حكم بلحوق الولد بزمعة وقال لابنه: هو أخوك. # وقولكم: إنما ألحقه بالأخ لأنه استلحقه باطل، فإن المستلحق إن لم يقر به ~~جميع الورثة لم يلحق ms1560 بالمقر، إلا أن يشهد منهم اثنان أنه ولد على فراش ~~الميت، وعبد لم يكن يقر له جميع الورثة، فإن سودة زوجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخته، وهي لم تقر به، ولم تستلحقه، وحتى لو أقرت به مع أخيها عبد لكان ~~ثبوت النسب بالفراش لا بالاستلحاق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صرح عقيب ~~حكمه بإلحاق النسب بأن: ( «الولد للفراش» ) معللا بذلك منبها على قضية كلية ~~عامة تتناول هذه الواقعة وغيرها. # ثم جواب هذا الاعتراض الباطل المحرم أن ثبوت كون الأمة فراشا بالإقرار من ~~الواطئ أو وارثه كاف في لحوق النسب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألحقه به ~~بقوله: ابن وليدة أبي، ولد على فراشه، كيف وزمعة كان صهر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وابنته تحته، فكيف لا يثبت عنده الفراش الذي يلحق به النسب؟ . # وأما ما نقضتم به علينا أنه إذا استلحق ولدا من أمته لم يلحقه ما بعده ~~إلا بإقرار مستأنف، فهذا فيه قولان لأصحاب أحمد هذا أحدهما # والثاني: أنه يلحقه وإن لم يستأنف إقرارا، ومن رجح القول الأول قال: قد ~~يستبرئها السيد بعد الولادة فيزول حكم الفراش بالاستبراء، فلا يلحقه ما بعد ~~الأول إلا باعتراف مستأنف أنه وطئها كالحال في أول ولد، ومن رجح الثاني ~~قال: قد يثبت كونها فراشا أولا، والأصل بقاء الفراش حتى يثبت ما يزيله إذ ~~ليس هذا نظير قولكم: إنه لا يلحقه الولد مع اعترافه بوطئها حتى يستلحقه، ~~وأبطل من هذا الاعتراض قول بعضهم: إنه لم يلحقه به أخا، وإنما جعله له ~~عبدا، ولهذا أتى فيه بلام التمليك فقال: (هو لك) أي: مملوك لك، وقوى هذا ~~الاعتراض بأن في بعض ألفاظ الحديث " هو لك عبد " وبأنه أمر سودة أن تحتجب ~~منه، ولو كان أخا لها لما أمرها بالاحتجاب منه، فدل على أنه أجنبي منها. # قال: وقوله: ( «الولد للفراش» ) تنبيه على عدم لحوق نسبه بزمعة، أي لم ~~تكن هذه الأمة فراشا له؛ لأن # PageV05P370 # الأمة لا تكون فراشا، والولد إنما هو للفراش، وعلى هذا ms1561 يصح أمر احتجاب ~~سودة منه، قال: ويؤكده أن في بعض طرق الحديث: " «احتجبي منه فإنه ليس لك ~~بأخ» " قالوا: وحينئذ فتبين أنا أسعد بالحديث وبالقضاء النبوي منكم. # قال الجمهور: الآن حمي الوطيس والتقت حلقتا البطان، فنقول - والله ~~المستعان - أما قولكم: إنه لم يلحقه به أخا وإنما جعله عبدا يرده ما رواه ~~محمد بن إسماعيل البخاري في " صحيحه " في هذا الحديث: ( «هو لك، هو أخوك يا ~~عبد بن زمعة» ) وليس اللام للتمليك، وإنما هي للاختصاص كقوله: ( «الولد ~~للفراش» ) # فأما لفظة قوله ( «هو لك عبد» ) فرواية باطلة لا تصح أصلا. # وأما أمره سودة بالاحتجاب منه، فإما أن يكون على طريق الاحتياط والورع ~~لمكان الشبهة التي أورثها الشبه البين بعتبة، وإما أن يكون مراعاة للشبهين ~~وإعمالا للدليلين، فإن الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل ~~نفيه، فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي لقوته، وأعمل الشبه بعتبة ~~بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا من أحسن الأحكام وأبينها ~~وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه، فهذا الزاني يثبت النسب منه ~~بينه وبين الولد في التحريم والبعضية دون الميراث والنفقة والولاية وغيرها، ~~وقد يتخلف بعض أحكام النسب عنه مع ثبوته لمانع، وهذا كثير في الشريعة، فلا ~~ينكر من تخلف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل ~~هذا إلا محض الفقه؟ وقد علم بهذا معنى قوله " ليس لك بأخ " لو صحت هذه ~~اللفظة مع أنها لا تصح، وقد ضعفها أهل العلم بالحديث، ولا نبالي بصحتها مع ~~قوله لعبد: (هو أخوك) وإذا جمعت أطراف كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقرنت ~~قوله " هو أخوك " بقوله: ( «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ) تبين لك بطلان ~~ما ذكروه من التأويل، وأن الحديث صريح في خلافه لا يحتمله بوجه والله أعلم. # والعجب أن منازعينا في هذه المسألة يجعلون الزوجة فراشا لمجرد العقد، وإن ~~كان بينها وبين الزوج بعد # PageV05P371 # المشرقين، ولا يجعلون سريته التي يتكرر استفراشه لها ليلا ونهارا فراشا. ### | [فصل الاختلاف فيما تصير به الزوجة ms1562 فراشا] # فصل # واختلف الفقهاء فيما تصير به الزوجة فراشا على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها، بل لو طلقها عقيبه في ~~المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة. # والثاني: أنه العقد مع إمكان الوطء، وهذا مذهب الشافعي وأحمد. # والثالث: أنه العقد مع الدخول المحقق لا إمكانه المشكوك فيه، وهذا اختيار ~~شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إن أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنه نص في ~~روايته فيمن طلق قبل البناء وأتت امرأته بولد فأنكره، أنه ينتفي عنه بغير ~~لعان، وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشا ولم يدخل ~~بها الزوج ولم يبن بها لمجرد إمكان بعيد؟ ، وهل يعد أهل العرف واللغة ~~المرأة فراشا قبل البناء بها؟ وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب بمن لم يبن ~~بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك؟ وهذا الإمكان قد يقطع ~~بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق. وبالله التوفيق. # وهذا الذي نص عليه في رواية حرب هو الذي تقتضيه قواعده وأصول مذهبه. ~~والله أعلم. # واختلفوا أيضا فيما تصير به الأمة فراشا، فالجمهور على أنها لا تصير ~~فراشا إلا بالوطء , وذهب بعض المتأخرين من المالكية إلى أن الأمة التي ~~تشترى للوطء دون الخدمة كالمرتفعة التي يفهم من قرائن الأحوال أنها إنما ~~تراد للتسري فتصير فراشا بنفس الشراء، والصحيح أن الأمة والحرة لا تصيران ~~فراشا إلا بالدخول. # فصل فهذا أحد الأمور الأربعة التي يثبت بها النسب وهو الفراش. # PageV05P372 ### | [الاستلحاق] # الثاني: الاستلحاق، وقد اتفق أهل العلم على أن للأب أن يستلحق، فأما الجد ~~فإن كان الأب موجودا لم يؤثر استلحاقه شيئا، وإن كان معدوما، وهو كل ~~الورثة، صح إقراره وثبت نسب المقر به، وإن كان بعض الورثة وصدقوه فكذلك، ~~وإلا لم يثبت نسبه إلا أن يكون أحد الشاهدين فيه. # والحكم في الأخ كالحكم في الجد سواء، والأصل في ذلك أن من حاز المال يثبت ~~النسب بإقراره واحدا كان أو جماعة، وهذا أصل مذهب أحمد والشافعي، لأن ms1563 ~~الورثة قاموا مقام الميت وحلوا محله. # وأورد بعض الناس على هذا الأصل أنه لو كان إجماع الورثة على إلحاق النسب ~~يثبت النسب للزم إذا اجتمعوا على نفي حمل من أمة وطئها الميت أن يحلوا محله ~~في نفي النسب، كما حلوا محله في إلحاقه، وهذا لا يلزم؛ لأنا اعتبرنا جميع ~~الورثة والحمل من الورثة، فلم يجمع الورثة على نفيه. # فإن قيل؛ فأنتم اعتبرتم في ثبوت النسب إقرار جميع الورثة، والمقر هاهنا ~~إنما هو عبد، وسودة لم تقر به وهي أخته، والنبي صلى الله عليه وسلم ألحقه ~~بعبد باستلحاقه، ففيه دليل على استلحاق الأخ وثبوت النسب بإقراره، ودليل ~~على أن استلحاق أحد الإخوة كاف. # قيل: سودة لم تكن منكرة، فإن عبدا استلحقه وأقرته سودة على استلحاقه، ~~وإقرارها وسكوتها على هذا الأمر المتعدي حكمه إليها من خلوته بها ورؤيته ~~إياها وصيرورته أخا لها تصديق لأخيها عبد وإقرار بما أقر به، وإلا لبادرت ~~إلى الإنكار والتكذيب، فجرى رضاها وإقرارها مجرى تصديقها، هذا إن كان لم ~~يصدر منها تصديق صريح فالواقعة واقعة عين، ومتى استلحق الأخ أو الجد أو ~~غيرهما نسب من لو أقر به مورثهم لحقه ثبت نسبه ما لم يكن هنا وارث منازع، ~~فالاستلحاق مقتض لثبوت النسب، ومنازعة غيره من الورثة مانع من الثبوت، فإذا ~~وجد المقتضي، ولم يمنع مانع من اقتضائه ترتب عليه حكمه. # PageV05P373 # ولكن هاهنا أمر آخر، وهو أن إقرار من حاز الميراث واستلحاقه هل هو إقرار ~~خلافة عن الميت أو إقرار شهادة؟ هذا فيه خلاف، فمذهب أحمد والشافعي رحمهما ~~الله أنه إقرار خلافة، فلا تشترط عدالة المستلحق، بل ولا إسلامه، بل يصح ~~ذلك من الفاسق والدين، وقالت المالكية: هو إقرار شهادة فتعتبر فيه أهلية ~~الشهادة، وحكى ابن القصار عن مذهب مالك: أن الورثة إذا أقروا بالنسب لحق، ~~وإن لم يكونوا عدولا، والمعروف من مذهب مالك خلافه. ### | [فصل البينة] # فصل الثالث: البينة بأن يشهد شاهدان أنه ابنه، أو أنه ولد على فراشه من ~~زوجته أو أمته، وإذا شهد بذلك اثنان من ms1564 الورثة لم يلتفت إلى إنكار بقيتهم ~~وثبت نسبه، ولا يعرف في ذلك نزاع. ### | [فصل القافة] # فصل الرابع: القافة، حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه باعتبار ~~القافة وإلحاق النسب بها. # ثبت في " الصحيحين ": من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( «دخل علي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: " ألم تري ~~أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد وعليهما قطيفة ~~قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» ) فسر # PageV05P374 # النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائف، ولو كانت كما يقول المنازعون من ~~أمر الجاهلية كالكهانة ونحوها لما سر بها ولا أعجب بها، ولكانت بمنزلة ~~الكهانة. وقد صح عنه وعيد من صدق كاهنا. # قال الشافعي: والنبي صلى الله عليه وسلم أثبته علما ولم ينكره، ولو كان ~~خطأ لأنكره؛ لأن في ذلك قذف المحصنات ونفي الأنساب، انتهى. # كيف والنبي صلى الله عليه وسلم قد صرح في الحديث الصحيح بصحتها ~~واعتبارها، فقال في ولد الملاعنة: ( «إن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن ~~أمية، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لشريك ابن سحماء» ) فلما جاءت به على شبه ~~الذي رميت به قال: ( «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن» ) وهل هذا إلا اعتبار ~~للشبه وهو عين القافة، فإن القائف يتبع أثر الشبه وينظر إلى من يتصل، فيحكم ~~به لصاحب الشبه، وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الشبه وبين سببه، ~~ولهذا لما قالت له أم سلمة: أوتحتلم المرأة؟ فقال " مم يكون الشبه؟ ". # وأخبر في الحديث الصحيح ( «أن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه ~~له، وإذا سبق ماؤها ماءه كان الشبه لها» ) # فهذا اعتبار منه للشبه شرعا وقدرا، وهذا أقوى ما يكون من طرق الأحكام، أن ~~يتوارد عليه الخلق والأمر والشرع والقدر، ولهذا تبعه خلفاؤه الراشدون في ~~الحكم بالقافة. # قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن # PageV05P375 # يسار، عن عمر في امرأة ms1565 وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه ~~جميعا، فجعله بينهما. # قال الشعبي: وعلي يقول: (هو ابنهما وهما أبواه يرثانه) ذكره سعيد أيضا. # وروى الأثرم بإسناده، عن سعيد بن المسيب (في رجلين اشتركا في طهر امرأة ~~فحملت فولدت غلاما يشبههما، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فدعا القافة ~~فنظروا فقالوا: نراه يشبههما، فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه) ولا يعرف ~~قط في الصحابة من خالف عمر وعليا رضي الله عنهما في ذلك، بل حكم عمر بهذا ~~في المدينة وبحضرته المهاجرون والأنصار فلم ينكره منهم منكر. # قالت الحنفية: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرجل، والحكم بالقيافة ~~تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين، ومعلوم أن الشبه قد يوجد من الأجانب ~~وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصة أسامة وزيد ونسيتم قصة الذي ولدت امرأته ~~غلاما أسود يخالف لونهما فلم يمكنه النبي صلى الله عليه وسلم من نفيه ولا ~~جعل للشبه ولا لعدمه أثرا، ولو كان للشبه أثر لاكتفى به في ولد الملاعنة، ~~ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني ~~بذلك عن اللعان، بل كان لا يصح نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلت السنة ~~الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: ( «أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية» ) وهذا ~~قاله بعد اللعان ونفي النسب عنه، فعلم أنه لو جاء على الشبه المذكور لم ~~يثبت نسبه منه، وإنما كان مجيئه على شبهه دليلا على كذبه، لا على لحوق ~~الولد به. قالوا: وأما قصة أسامة وزيد فالمنافقون كانوا يطعنون في نسبه من ~~زيد # PageV05P376 # لمخالفة لونه لون أبيه، ولم يكونوا يكتفون بالفراش وحكم الله ورسوله في ~~أنه ابنه، فلما شهد به القائف وافقت شهادته حكم الله ورسوله، فسر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم لموافقتها حكمه ولتكذيبها قول المنافقين، لا أنه أثبت ~~نسبه بها، فأين في هذا إثبات النسب بقول القائف؟ قالوا: وهذا معنى الأحاديث ~~التي ذكر فيها ms1566 اعتبار الشبه، فإنها إنما اعتبرت فيه الشبه بنسب ثابت بغير ~~القافة ونحن لا ننكر ذلك. # قالوا: وأما حكم عمر وعلي، فقد اختلف على عمر، فروي عنه ما ذكرتم، وروي ~~عنه أن القائف لما قال له: قد اشتركا فيه قال: وال أيهما شئت. فلم يعتبر ~~قول القائف. قالوا: وكيف تقولون بالشبه ولو أقر أحد الورثة بأخ وأنكره ~~الباقون والشبه موجود لم تثبتوا النسب به وقلتم: إن لم تتفق الورثة على ~~الإقرار به لم يثبت النسب؟ # قال أهل الحديث: من العجب أن ينكر علينا القول بالقافة ويجعلها من باب ~~الحدس والتخمين من يلحق ولد المشرقي بمن في أقصى المغرب، مع القطع بأنهما ~~لم يتلاقيا طرفة عين، ويلحق الولد باثنين مع القطع بأنه ليس ابنا لأحدهما، ~~ونحن إنما ألحقنا الولد بقول القائف المستند إلى الشبه المعتبر شرعا وقدرا، ~~فهو استناد إلى ظن غالب ورأي راجح وأمارة ظاهرة، بقول من هو من أهل الخبرة، ~~فهو أولى بالقبول من قول المقومين، وهل ينكر مجيء كثير من الأحكام مستندا ~~إلى الأمارات الظاهرة والظنون الغالبة؟ # وأما وجود الشبه بين الأجانب وانتفاؤه بين الأقارب وإن كان واقعا # PageV05P377 # فهو من أندر شيء وأقله، والأحكام إنما هي للغالب الكثير، والنادر في حكم ~~المعدوم. وأما قصة من ولدت امرأته غلاما أسود فهو حجة عليكم؛ لأنها دليل ~~على أن العادة التي فطر الله عليها الناس اعتبار الشبه، وأن خلافه يوجب ~~ريبة، وأن في طباع الخلق إنكار ذلك، ولكن لما عارض ذلك دليل أقوى منه وهو ~~الفراش كان الحكم للدليل القوي، وكذلك نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش ~~الصحيح إذا كان قائما فلا يعارض بقافة ولا شبه، فمخالفة ظاهر الشبه لدليل ~~أقوى منه - وهو الفراش - غير مستنكر، وإنما المستنكر مخالفة هذا الدليل ~~الظاهر بغير شيء. # وأما تقديم اللعان على الشبه وإلغاء الشبه مع وجوده، فكذلك أيضا هو من ~~تقديم أقوى الدليلين على أضعفهما، وذلك لا يمنع العمل بالشبه مع عدم ما ~~يعارضه، كالبينة تقدم على اليد والبراءة الأصلية ويعمل بهما عند عدمهما. # وأما ms1567 ثبوت نسب أسامة من زيد بدون القيافة، فنحن لم نثبت نسبه بالقيافة، ~~والقيافة دليل آخر موافق لدليل الفراش، فسرور النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفرحه بها واستبشاره لتعاضد أدلة النسب وتضافرها، لا لإثبات النسب بقول ~~القائف وحده، بل هو من باب الفرح بظهور أعلام الحق وأدلته وتكاثرها، ولو لم ~~تصلح القيافة دليلا لم يفرح بها ولم يسر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يفرح ويسر إذا تعاضدت عنده أدلة الحق، ويخبر بها الصحابة، ويحب أن يسمعوها ~~من المخبر بها؛ لأن النفوس تزداد تصديقا بالحق إذا تعاضدت أدلته وتسر به ~~وتفرح، وعلى هذا فطر الله عباده، فهذا حكم اتفقت عليه الفطرة والشرعة. ~~وبالله التوفيق. # وأما ما روي عن عمر أنه قال: وال أيهما شئت، فلا تعرف صحته عن # PageV05P378 # عمر، ولو صح عنه لكان قولا عنه، فإن ما ذكرنا عنه في غاية الصحة، مع أن ~~قوله: وال أيهما شئت ليس بصريح في إبطال قول القائف، ولو كان صريحا في ~~إبطال قوله لكان في مثل هذا الموضع إذا ألحقه باثنين،، كما يقوله الشافعي ~~ومن وافقه. # وأما إذا أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون، فإنما لم يثبت نسبه لمجرد ~~الإقرار، فأما إذا كان هناك شبه يستند إليه القائف فإنه لا يعتبر إنكار ~~الباقين، ونحن لا نقصر القافة على بني مدلج، ولا نعتبر تعدد القائف، بل ~~يكفي واحد على الصحيح بناء على أنه خبر، وعن أحمد رواية أخرى: أنه شهادة ~~فلا بد من اثنين، ولفظ الشهادة بناء على اشتراط اللفظ. # فإن قيل: فالمنقول عن عمر أنه ألحقه بأبوين فما تقولون فيما إذا ألحقته ~~القافة بأبوين هل تلحقونه بهما أو لا تلحقونه إلا بواحد، وإذا ألحقتموه ~~بأبوين فهل يختص ذلك باثنين أم يلحق بهم وإن كثروا، وهل حكم الاثنين في ذلك ~~حكم الأبوين أم ماذا حكمهما؟ # قيل: هذه مسائل فيها نزاع بين أهل العلم، فقال الشافعي ومن وافقه: لا ~~يلحق بأبوين، ولا يكون للرجل إلا أب واحد، ومتى ألحقته القافة باثنين سقط ~~قولها. وقال الجمهور: ms1568 بل يلحق باثنين. ثم اختلفوا، فنص أحمد في رواية مهنا ~~بن يحيى: أنه يلحق بثلاثة، وقال صاحب المغني: ومقتضى هذا أنه يلحق بمن ~~ألحقته القافة به وإن كثروا؛ لأنه إذا جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر ~~من ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة، لكنه لا يقول بالقافة، فهو يلحقه بالمدعين ~~وإن كثروا، وقال القاضي: يجب أن لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن ~~الحسن، وقال ابن حامد: لا يلحق بأكثر من # PageV05P379 # اثنين، وهو قول أبي يوسف، فمن لم يلحقه بأكثر من واحد قال: قد أجرى الله ~~سبحانه عادته أن للولد أبا واحدا وأما واحدة، ولذلك يقال: فلان بن فلان، ~~وفلان بن فلانة فقط. # ولو قيل: فلان بن فلان وفلان لكان ذلك منكرا وعد قذفا، ولهذا إنما يقال ~~يوم القيامة: أين فلان بن فلان؟ وهذه غدرة فلان بن فلان، ولم يعهد قط في ~~الوجود نسبة ولد إلى أبوين قط، ومن ألحقه باثنين احتج بقول عمر وإقرار ~~الصحابة له على ذلك، وبأن الولد قد ينعقد من ماء رجلين كما ينعقد من ماء ~~الرجل والمرأة، ثم قال أبو يوسف: إنما جاء الأثر بذلك فيقتصر عليه. # وقال القاضي: لا يتعدى به ثلاثة؛ لأن أحمد إنما نص على الثلاثة، والأصل ~~ألا يلحق بأكثر من واحد، وقد دل قول عمر على إلحاقه باثنين مع انعقاده من ~~ماء الأم، فدل على إمكان انعقاده من ماء ثلاثة، وما زاد على ذلك فمشكوك ~~فيه. # قال الملحقون له بأكثر من ثلاثة: إذا جاز تخليقه من ماء رجلين وثلاثة جاز ~~خلقه من ماء أربعة وخمسة، ولا وجه لاقتصاره على ثلاثة فقط، بل إما أن يلحق ~~بهم وإن كثروا، وإما أن لا يتعدى به أحد، ولا قول سوى القولين. والله أعلم. # فإن قيل: إذا اشتمل الرحم على ماء الرجل وأراد الله أن يخلق منه الولد ~~انضم عليه أحكم انضمام وأتمه حتى لا يفسد، فكيف يدخل عليه ماء آخر؟ # قيل: لا يمتنع أن يصل الماء الثاني إلى حيث وصل الأول فينضم عليهما، ms1569 وهذا ~~كما أن الولد ينعقد من ماء الأبوين، وقد سبق ماء الرجل ماء المرأة أو ~~بالعكس، ومع هذا فلا يمتنع وصول الماء الثاني إلى حيث وصل الأول، وقد علم ~~بالعادة أن الحامل إذا توبع وطؤها جاء الولد عبل # PageV05P380 # الجسم ما لم يعارض ذلك مانع؛ ولهذا ألهم الله سبحانه الدواب إذا حملت أن ~~لا تمكن الفحل أن ينزو عليها، بل تنفر عنه كل النفار. وقال الإمام أحمد: إن ~~الوطء الثاني يزيد في سمع الولد وبصره، وقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بسقي الزرع، ومعلوم أن سقيه يزيد في ذاته، والله أعلم. # فإن قيل: فقد دل الحديث على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، ~~فما تقولون لو استلحق الزاني ولدا لا فراش هناك يعارضه، هل يلحقه نسبه ~~ويثبت له أحكام النسب؟ # قيل: هذه مسألة جليلة اختلف أهل العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهب ~~إلى أن المولود من الزنى إذا لم يكن مولودا على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه ~~الزاني - ألحق به، وأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( «الولد للفراش» ) ~~على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب ~~الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده في رجل زنى بامرأة، فولدت ولدا، ~~فادعى ولدها فقال: يجلد ويلزمه الولد. وهذا مذهب عروة بن الزبير وسليمان بن ~~يسار، ذكر عنهما أنهما قالا: (أيما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه ~~زنى بأمه، ولم يدع ذلك الغلام أحد، فهو ابنه) . واحتج سليمان بأن عمر بن ~~الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، وهذا المذهب كما ~~تراه قوة ووضوحا، وليس مع الجمهور أكثر من ( «الولد للفراش» ) وصاحب هذا ~~المذهب أول قائل به، والقياس الصحيح يقتضيه، فإن الأب أحد الزانيين، وهو ~~إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها، وترثه ويرثها، ويثبت النسب بينه وبين ~~أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد # PageV05P381 # وجد الولد من ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهما، فما ~~المانع من لحوقه بالأب إذا ms1570 لم يدعه غيره؟ فهذا محض القياس، وقد قال جريج ~~للغلام الذي زنت أمه بالراعي: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي، وهذا ~~إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب. # فإن قيل: فهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة حكم؟ قيل: قد ~~روي عنه فيها حديثان، نحن نذكر شأنهما. ### | [فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزنى وتوريثه] # فصل # ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في استلحاق ولد الزنى وتوريثه # ذكر أبو داود في " سننه " من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ( «لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ~~ومن ادعى ولدا من غير رشدة فلا يرث ولا يورث» ) . # المساعاة الزنى، وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنهن يسعين ~~لمواليهن، فيكتسبن لهم، وكان عليهن ضرائب مقررة، فأبطل النبي صلى الله عليه ~~وسلم المساعاة في الإسلام، ولم يلحق النسب بها، وعفا عما كان في الجاهلية ~~منها، وألحق النسب به. وقال الجوهري: يقال زنى الرجل وعهر، فهذا قد يكون في ~~الحرة والأمة، ويقال في الأمة خاصة: قد ساعاها. ولكن في إسناد هذا الحديث ~~رجل مجهول، فلا تقوم به حجة. # وروى أيضا في " سننه " من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده " أن # PageV05P382 # النبي صلى الله عليه وسلم ( «قضى أن كل مستلحق استلحق» ) بعد أبيه الذي ~~يدعى له ادعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق ~~بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من الميراث، وما أدرك من ميراث لم يقسم ~~فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره، وإن كان من أمة لم ~~يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو ~~ادعاه، فهو من ولد زنية من حرة كان أو أمة. # وفي رواية: وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا - حرة أو أمة. وذلك ms1571 فيما ~~استلحق في أول الإسلام، فما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى " وهذا لأهل ~~الحديث في إسناده مقال؛ لأنه من رواية محمد بن راشد المكحولي. # وكان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا، فإذا ولدت أمة أحدهم وقد وطئها ~~غيره بالزنى فربما ادعاه سيدها، وربما ادعاه الزاني واختصما في ذلك، حتى ~~قام الإسلام، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالولد للسيد؛ لأنه صاحب ~~الفراش، ونفاه على الزاني. # ثم تضمن هذا الحديث أمورا: # منها: أن المستلحق إذا استلحق بعد أبيه الذي يدعى له، ادعاه ورثته، فإن ~~كان الولد من أمة يملكها الواطئ يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه، يعني إذا ~~كان الذي استلحقه ورثة مالك الأمة، وصار ابنه من يومئذ ليس له مما قسم قبله ~~من الميراث شيء؛ لأن هذا تجديد حكم نسبه، ومن يومئذ يثبت نسبه، فلا يرجع ~~بما اقتسم قبله من الميراث؛ إذ لم يكن حكم البنوة ثابتا، وما أدرك من ميراث ~~لم يقسم فله نصيبه منه؛ لأن الحكم ثبت قبل قسمه الميراث، فيستحق منه نصيبه، # PageV05P383 # وهذا نظير من أسلم على ميراث قبل قسمه، قسم له في أحد قولي العلماء، وهو ~~إحدى الروايتين عن أحمد، وإن أسلم بعد قسم الميراث فلا شيء له، فثبوت النسب ~~هاهنا بمنزلة الإسلام بالنسبة إلى الميراث. # قوله: " ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره " هذا يبين أن التنازع ~~بين الورثة، وأن الصورة الأولى أن يستلحقه ورثة أبيه الذي كان يدعى له، ~~وهذه الصورة إذا استلحقه ورثته وأبوه الذي يدعى له كان ينكر، فإنه لا يلحق؛ ~~لأن الأصل الذي الورثة خلف عنه منكر له، فكيف يلحق به مع إنكاره؟ فهذا إذا ~~كان من أمة يملكها، أما إذا كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، ~~فإنه لا يلحق ولا يرث وإن ادعاه الواطئ وهو ولد زنية من أمة كان أو من حرة، ~~وهذا حجة الجمهور على إسحاق ومن قال بقوله: إنه لا يلحق بالزاني إذا ادعاه، ~~ولا يرثه، وأنه ولد زنى ms1572 لأهل أمه من كانوا، حرة كانت أو أمة. # وأما ما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى، فهذا الحديث يرد قول إسحاق ~~ومن وافقه، لكن فيه محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب، فلا يعلل ~~الحديث به، فإن ثبت هذا الحديث تعين القول بموجبه، والمصير إليه، وإلا ~~فالقول قول إسحاق ومن معه، والله المستعان. ### | [ذكر الحكم الذي حكم به علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد ثم تنازعوا الولد] # ، فأقرع بينهم فيه، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم ينكره # ذكر أبو داود والنسائي في " سننهما " من حديث عبد الله بن الخليل، عن زيد ~~بن أرقم رضي الله عنه قال: ( «كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فجاء رجل من أهل اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا يختصمون ~~إليه في ولد قد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال لاثنين: طيبا بالولد ~~لهذا، فغليا، ثم قال: # PageV05P384 # لاثنين طيبا بالولد لهذا، فغليا، ثم قال: لاثنين طيبا بالولد لهذا، ~~فغليا، فقال أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم، فمن قرع فله الولد، ~~وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم، فجعله لمن قرع، فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى بدت أضراسه أو نواجذه» ) . وفي إسناده يحيى بن عبد الله ~~الكندي الأجلح، ولا يحتج بحديثه، لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ~~ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: ( «أتي علي بن أبي طالب بثلاثة - ~~وهو باليمن - وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين: أتقران لهذا ~~بالولد؟ قالا: لا. حتى سألهم جميعا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا، فأقرع ~~بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال ~~فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه» ) . وقد أعل هذا ~~الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم، فيكون مرسلا. قال النسائي: ~~وهذا أصوب. وهذا أعجب؛ فإن ms1573 إسقاط زيد بن أرقم من هذا الحديث لا يجعله ~~مرسلا، فإن عبد خير أدرك عليا وسمع منه، وعلي صاحب القصة، فهب أن زيد بن ~~أرقم لا ذكر له في السند، فمن أين يجيء الإرسال؟ إلا أن يقال: عبد خير لم ~~يشاهد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم! وعلي إذ ذاك كان باليمن، وإنما شاهد ~~ضحكه صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم أو غيره من الصحابة، وعبد خير لم يذكر ~~من شاهد ضحكه، فصار الحديث به مرسلا. فيقال إذا: قد صح السند عن عبد خير عن ~~زيد بن أرقم متصلا، فمن رجح الاتصال لكونه زيادة من الثقة فظاهر، ومن رجح ~~رواية الأحفظ والأضبط، وكان الترجيح من جانبه، ولم يكن علي قد أخبره # PageV05P385 # بالقصة - فغايتها أن تكون مرسلة، وقد يقوى الحديث بروايته من طريق أخرى ~~متصلا. # وبعد، فاختلف الفقهاء في هذا الحكم، فذهب إليه إسحاق بن راهويه وقال: هو ~~السنة في دعوى الولد، وكان الشافعي يقول به في القديم، وأما الإمام أحمد، ~~فسئل عن هذا الحديث، فرجح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحب إلي. # وهاهنا أمران، أحدهما: دخول القرعة في النسب، والثاني: تغريم من خرجت له ~~القرعة ثلثي دية ولده لصاحبيه. وأما القرعة فقد تستعمل عند فقدان مرجح ~~سواها من بينة أو إقرار أو قافة، وليس ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذه ~~الحال، إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى، ولها دخول في دعوى ~~الأملاك المرسلة التي لا تثبت بقرينة ولا أمارة، فدخولها في النسب الذي ~~يثبت بمجرد الشبه الخفي المستند إلى قول القائف أولى وأحرى. وأما أمر الدية ~~فمشكل جدا، فإن هذا ليس بموجب الدية، وإنما هو تفويت نسبه بخروج القرعة، ~~فيقال وطء كل واحد صالح لجعل الولد له، فقد فوته كل واحد منهم على صاحبيه ~~بوطئه، ولكن لم يتحقق من كان له الولد منهم، فلما أخرجته القرعة لأحدهم صار ~~مفوتا لنسبه عن صاحبيه، فأجري ذلك مجرى إتلاف الولد، ونزل الثلاثة منزلة أب ~~واحد، فحصة المتلف منه ms1574 ثلث الدية، إذ قد عاد الولد له، فيغرم لكل من صاحبيه ~~ما يخصه، وهو ثلث الدية. # ووجه آخر أحسن من هذا، أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وجب ~~عليه ضمان قيمته، وقيمة الولد شرعا هي ديته، فلزمه لهما ثلثا قيمته، وهي ~~ثلثا الدية، وصار هذا كمن أتلف عبدا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ~~ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحر عليهما بحكم القرعة، كإتلاف الرقيق ~~الذي بينهم. # PageV05P386 # ونظير هذا تضمين الصحابة المغرور بحرية الأمة قيمة أولاده لسيد الأمة لما ~~فات رقهم على السيد لحريتهم وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء، وهذا ألطف ما ~~يكون من القياس وأدقه، وأنت إذا تأملت كثيرا من أقيسة الفقهاء وتشبيهاتهم ~~وجدت هذا أقوى منها، وألطف مسلكا، وأدق مأخذا، ولم يضحك منه النبي صلى الله ~~عليه وسلم سدى. # وقد يقال: لا تعارض بين هذا وبين حديث القافة، بل إن وجدت القافة تعين ~~العمل بها، وإن لم توجد قافة، أو أشكل عليهم تعين العمل بهذا الطريق، والله ~~أعلم. ### | [فصل ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولد من أحق به في الحضانة] # فصل # ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولد من أحق به في الحضانة # روى أبو داود في " سننه " من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد ~~الله بن عمرو بن العاص ( «أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان ~~بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني فأراد أن ~~ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم ~~تنكحي» ) . # وفي " الصحيحين ": من حديث البراء بن عازب، ( «أن ابنة حمزة اختصم فيها ~~علي وجعفر وزيد. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي ~~وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم» ) . # PageV05P387 # وروى أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله ms1575 عنه، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( «خير غلاما بين أبيه وأمه» ) . قال الترمذي: حديث صحيح. # وروى أهل السنن أيضا عنه ( «أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ~~يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " استهما عليه "، فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا أبوك وهذه أمك، وخذ بيد أيهما شئت " ~~فأخذ بيد أمه، فانطلقت به» ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. # وفي " سنن النسائي ": عن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عن أبيه، عن جده ( ~~«أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ، قال: فأجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم هاهنا، ثم خيره وقال: " اللهم ~~اهده " فذهب إلى أبيه» ) . # PageV05P388 # ورواه أبو داود عنه، وقال: أخبرني جدي رافع بن سنان، ( «أنه أسلم وأبت ~~امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ابنتي وهي فطيم أو ~~شبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقعد ~~ناحية "، وقال لها: " اقعدي ناحية "، فأقعد الصبية بينهما ثم قال: " ~~ادعواها " فمالت إلى أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهدها ~~"، فمالت إلى أبيها، فأخذها» ) . ### | [فصل الكلام على هذه الأحكام] # أما الحديث الأول فهو حديث احتاج الناس فيه إلى عمرو بن شعيب، ولم يجدوا ~~بدا من الاحتجاج هنا به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة ~~وغيرهم، وقد صرح بأن الجد هو عبد الله بن عمرو، فبطل قول من يقول: لعله ~~محمد والد شعيب، فيكون الحديث مرسلا. # وقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، فبطل قول من قال: إنه منقطع، ~~وقد احتج به البخاري خارج صحيحه، ونص على صحة حديثه، وقال: كان عبد الله بن ~~الزبير الحميدي، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن عبد الله ms1576 يحتجون بحديثه، فمن الناس ~~بعدهم؟ ! هذا لفظه. وقال إسحاق بن راهويه: هو عندنا كأيوب عن نافع عن ابن ~~عمر. وحكى الحاكم في " علوم الحديث " له الاتفاق على صحة حديثه. وقال أحمد ~~بن صالح: لا يختلف على عبد الله أنها صحيفة. # وقولها: " كان بطني وعاء " إلى آخره، إدلاء منها، وتوسل إلى اختصاصها به، ~~كما اختص بها في هذه المواطن الثلاثة، والأب لم يشاركها في ذلك، فنبهت # PageV05P389 # في هذا الاختصاص الذي لم يشاركها فيه الأب على الاختصاص الذي طلبته ~~بالاستفتاء والمخاصمة. # وفي هذا دليل على اعتبار المعاني والعلل، وتأثيرها في الأحكام، وإناطتها ~~بها، وأن ذلك أمر مستقر في الفطر السليمة حتى فطر النساء، وهذا الوصف الذي ~~أدلت به المرأة وجعلته سببا لتعليق الحكم به قد قرره النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ورتب عليه أثره، ولو كان باطلا ألغاه، بل ترتيبه الحكم عقيبه دليل ~~على تأثيره فيه وأنه سببه. # واستدل بالحديث على القضاء على الغائب، فإن الأب لم يذكر له حضور ولا ~~مخاصمة، ولا دلالة فيه لأنها واقعة عين، فإن كان الأب حاضرا، فظاهر، وإن ~~كان غائبا فالمرأة إنما جاءت مستفتية، أفتاها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمقتضى مسألتها، وإلا فلا يقبل قولها على الزوج إنه طلقها حتى يحكم لها ~~بالولد بمجرد قولها. ### | [فصل الأم أحق بالولد من الأب] # ودل الحديث على أنه إذا افترق الأبوان وبينهما ولد فالأم أحق به من الأب، ~~ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا ~~يعرف فيه نزاع، وقد قضى به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر على ~~عمر بن الخطاب، ولم ينكر عليه منكر. # فلما ولي عمر قضى بمثله، فروى مالك في " الموطأ "، عن يحيى بن سعيد أنه ~~قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: (كانت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إن عمر فارقها، فجاء عمر قباء، ~~فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه ms1577 بين يديه على ~~الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق رضي ~~الله عنه، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني. فقال أبو بكر رضي الله عنه: ~~خل بينها وبينه، فما راجعه عمر الكلام) . # PageV05P390 # قال ابن عبد البر: هذا خبر مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة، تلقاه أهل العلم ~~بالقبول والعمل، وزوجة عمر أم ابنه عاصم: هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن ~~أبي الأقلح الأنصاري. # قال: وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف أبي بكر، ولكنه سلم ~~للقضاء ممن له الحكم والإمضاء، ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي، ولم ~~يخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيرا لا يميز، ولا مخالف لهما من ~~الصحابة. # وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، أنه أخبره عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ~~قال: (طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم، فلقيها تحمله ~~بمحسر، وقد فطم ومشى، فأخذ بيده لينتزعه منها، ونازعها إياه حتى أوجع ~~الغلام وبكى، وقال: أنا أحق بابني منك، فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به ~~وقال: ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه) . ومحسر: سوق ~~بين قباء والمدينة. # وذكر عن الثوري، عن عاصم، عن عكرمة قال: (خاصمت امرأة عمر عمر إلى أبي ~~بكر رضي الله عنه، وكان طلقها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: الأم أعطف، ~~وألطف، وأرحم، وأحنى، وأرأف، هي أحق بولدها ما لم تتزوج.) # وذكر عن معمر قال: سمعت الزهري يقول: إن أبا بكر قضى على عمر في ابنه مع ~~أمه، وقال: (أمه أحق به ما لم تتزوج) # فإن قيل: فقد اختلفت الرواية: هل كانت المنازعة وقعت بينه وبين الأم # PageV05P391 # أولا ثم بينه وبين الجدة، أو وقعت مرة واحدة بينه وبين إحداهما؟ # قيل: الأمر في ذلك قريب، لأنها إن كانت من الأم فواضح، وإن كانت من الجدة ~~فقضاء الصديق رضي الله عنه لها يدل على أن الأم أولى. ### | [فصل يقدم الأب في ولاية المال والنكاح ms1578 وتقدم الأم في ولاية الحضانة والرضاع] # فصل # والولاية على الطفل نوعان: نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها، وهي ~~ولاية المال والنكاح، ونوع تقدم فيه الأم على الأب، وهي ولاية الحضانة ~~والرضاع، وقدم كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقف ~~مصلحته على من يلي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته. # ولما كان النساء أعرف بالتربية، وأقدر عليها، وأصبر وأرأف وأفرغ لها؛ ~~لذلك قدمت الأم فيها على الأب. # ولما كان الرجال أقوم بتحصيل مصلحة الولد والاحتياط له في البضع، قدم ~~الأب فيها على الأم، فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط ~~للأطفال، والنظر لهم، وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك. # إذا عرف هذا فهل قدمت الأم لكون جهتها مقدمة على جهة الأبوة في الحضانة، ~~فقدمت لأجل الأمومة، أو قدمت على الأب، لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة ~~والتربية من الذكور، فيكون تقديمها لأجل الأنوثة؟ ففي هذا للناس قولان، ~~وهما في مذهب أحمد يظهر أثرهما في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو ~~بالعكس، كأم الأم، وأم الأب، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والخالة، ~~والعمة، وخالة الأم، وخالة الأب، ومن يدلي من الخالات والعمات بأم، ومن ~~يدلي منهن بأب، ففيه روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: تقديم أقارب الأم ~~على أقارب الأب. والثانية وهي أصح دليلا واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: ~~تقديم أقارب الأب، وهذا هو الذي ذكره الخرقي في " مختصره " فقال: والأخت من ~~الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة، # PageV05P392 # وخالة الأب أحق من خالة الأم، وعلى هذا فأم الأب مقدمة على أم الأم كما ~~نص عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه. # وعلى هذه الرواية، فأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم، والأخ ~~للأب أحق من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، هذا إن قلنا: إن لأقارب الأم ~~من الرجال مدخلا في الحضانة، وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشافعي. أحدهما: ~~أنه لا حضانة إلا لرجل من العصبة محرم، أو ms1579 لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة، ~~أو وارث. # والثاني: أن لهم الحضانة، والتفريع على هذا الوجه، وهو قول أبي حنيفة، ~~وهذا يدل على رجحان جهة الأبوة على جهة الأمومة في الحضانة، وأن الأم إنما ~~قدمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها، إذ لو كان جهتها راجحة لترجح رجالها ~~ونساؤها على الرجال والنساء من جهة الأب، ولما لم يترجح رجالها اتفاقا ~~فكذلك النساء، وما الفرق المؤثر؟ ! # وأيضا فإن أصول الشرع وقواعده شاهدة بتقديم أقارب الأب في الميراث، ~~وولاية النكاح وولاية الموت وغير ذلك، ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم ~~على قرابة الأب في حكم من الأحكام، فمن قدمها في الحضانة فقد خرج عن موجب ~~الدليل. # فالصواب في المأخذ هو أن الأم إنما قدمت لأن النساء أرفق بالطفل، وأخبر ~~بتربيته، وأصبر على ذلك، وعلى هذا فالجدة أم الأب أولى من أم الأم، والأخت ~~للأب أولى من الأخت للأم، والعمة أولى من الخالة، كما نص عليه أحمد في إحدى ~~الروايتين، وعلى هذا فتقدم أم الأب على أب الأب، كما تقدم الأم على الأب. # وإذا تقرر هذا الأصل فهو أصل مطرد منضبط لا تتناقض فروعه، بل إن اتفقت ~~القرابة والدرجة واحدة قدمت الأنثى على الذكر، فتقدم الأخت على الأخ، # PageV05P393 # والعمة على العم، والخالة على الخال، والجدة على الجد، وأصله تقديم الأم ~~على الأب. # وإن اختلفت القرابة، قدمت قرابة الأب على قرابة الأم، فتقدم الأخت للأب ~~على الأخت للأم، والعمة على الخالة، وعمة الأب على خالته، وهلم جرا. # وهذا هو الاعتبار الصحيح والقياس المطرد، وهذا هو الذي قضى به سيد قضاة ~~الإسلام شريح، كما روى وكيع في " مصنفه " عن الحسن بن عقبة، عن سعيد بن ~~الحارث قال: اختصم عم وخال إلى شريح في طفل، فقضى به للعم، فقال الخال: أنا ~~أنفق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح. # ومن سلك غير هذا المسلك لم يجد بدا من التناقض، مثاله: أن الثلاثة وأحمد ~~في إحدى روايتيه يقدمون أم الأم على أم الأب، ثم قال الشافعي في ظاهر ~~مذهبه، ms1580 وأحمد في المنصوص عنه: تقدم الأخت للأب على الأخت للأم، فتركوا ~~القياس، وطرده أبو حنيفة والمزني وابن سريج فقالوا: تقدم الأخت للأم على ~~الأخت للأب. قالوا: لأنها تدلي بالأم، والأخت للأب بالأب، فلما قدمت الأم ~~على الأب قدم من يدلي بها على من يدلي به، ولكن هذا أشد تناقضا من الأول؛ ~~لأن أصحاب القول الأول جروا على القياس والأصول في تقديم قرابة الأب على ~~قرابة الأم، وخالفوا ذلك في أم الأم وأم الأب، وهؤلاء تركوا القياس في ~~الموضعين، وقدموا القرابة التي أخرها الشرع، وأخروا القرابة التي قدمها، ~~ولم يمكنهم تقديمها في كل موضع، فقدموها في موضع، وأخروها في غيره مع ~~تساويهما، ومن ذلك تقديم الشافعي في الجديد الخالة على العمة مع تقديمه ~~الأخت للأب على الأخت للأم، وطرد قياسه في تقديم أم الأم على أم الأب، فوجب ~~تقديم الأخت للأم، والخالة على الأخت للأب والعمة، وكذلك من قدم من أصحاب ~~أحمد الخالة على العمة، وقدم الأخت للأب على الأخت للأم، كقول القاضي ~~وأصحابه، وصاحب " المغني ": فقد تناقضوا. # PageV05P394 # فإن قيل: الخالة تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فكما قدمت الأم على ~~الأب، قدم من يدلي بها، ويزيده بيانا كون الخالة أما، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فالعمة بمنزلة الأب. # قيل: قد بينا أنه لم يقدم الأم على الأب لقوة الأمومة وتقديم هذه الجهة، ~~بل لكونها أنثى، فإذا وجد عمة وخالة فالمعنى الذي قدمت له الأم موجود ~~فيهما، وامتازت العمة بأنها تدلي بأقوى القرابتين، وهي قرابة الأب، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم ( «قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: الخالة أم» ) حيث لم ~~يكن لها مزاحم من أقارب الأب تساويها في درجتها. # فإن قيل: فقد كان لها عمة وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة، وكانت إذ ~~ذاك موجودة في المدينة، فإنها هاجرت، وشهدت الخندق، وقتلت رجلا من اليهود ~~كان يطيف بالحصن الذي هي فيه، وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين، وبقيت ~~إلى خلافة عمر رضي الله عنه، فقدم النبي صلى الله ms1581 عليه وسلم الخالة عليها، ~~وهذا يدل على تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب. # قيل إنما يدل هذا إذا كانت صفية قد نازعت معهم وطلبت الحضانة فلم يقض لها ~~بها بعد طلبها وقدم عليها الخالة، هذا إذا كانت لم تمنع منها لعجزها عنها، ~~فإنها توفيت سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة، فيكون لها وقت هذه الحكومة بضع ~~وخمسون سنة، فيحتمل أنها تركتها لعجزها عنها، ولم تطلبها مع قدرتها، ~~والحضانة حق للمرأة، فإذا تركتها، انتقلت إلى غيرها. # وبالجملة، فإنما يدل الحديث على تقديم الخالة على العمة إذا ثبت أن صفية ~~خاصمت في ابنة أخيها وطلبت كفالتها، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الخالة، وهذا لا سبيل إليه. # PageV05P395 ### | [فصل تناقض من قدم أم أم ثم الخالة على الأب وأم الأب] # فصل # ومن ذلك أن مالكا لما قدم أم الأم على أم الأب، قدم الخالة بعدها على ~~الأب وأمه، واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء، على وجهين، فأحد ~~الوجهين: تقديم خالة الخالة على الأب نفسه وعلى أمه، وهذا في غاية البعد، ~~فكيف تقدم قرابة الأم وإن بعدت على الأب نفسه وعلى قرابته، مع أن الأب ~~وأقاربه أشفق على الطفل وأرعى لمصلحته من قرابة الأم؟ فإنه ليس إليهم بحال، ~~ولا ينسب إليهم، بل هو أجنبي منهم، وإنما نسبه وولاؤه إلى أقارب أبيه، وهم ~~أولى به، يعقلون عنه، وينفقون عليه عند الجمهور، ويتوارثون بالتعصيب، وإن ~~بعدت القرابة بينهم بخلاف قرابة الأم، فإنه لا يثبت فيها ذلك، ولا توارث ~~فيها إلا في أمهاتها، وأول درجة من فروعها، وهم ولدها، فكيف تقدم هذه ~~القرابة على الأب، ومن في جهته، ولا سيما إذا قيل بتقديم خالة الخالة على ~~الأب نفسه وعلى أمه، فهذا القول مما تأباه أصول الشريعة وقواعدها. وهذا ~~نظير إحدى الروايتين عن أحمد في تقديم الأخت على الأم والخالة على الأب، ~~وهذا أيضا في غاية البعد ومخالفة القياس. # وحجة هذا القول: أن كلتيهما تدليان بالأم المقدمة على الأب، فتقدمان ~~عليه، ms1582 وهذا ليس بصحيح، فإن الأم لما ساوت الأب في الدرجة، وامتازت عليه ~~بكونها أقوم بالحضانة، وأقدر عليها وأصبر، قدمت عليه، وليس كذلك الأخت من ~~الأم، والخالة مع الأب، فإنهما لا يساويانه، وليس أحد أقرب إلى ولده منه، ~~فكيف تقدم عليه بنت امرأته أو أختها؟ وهل جعل الله الشفقة فيهما أكمل منه؟ # ثم اختلف أصحاب الإمام أحمد في فهم نصه هذا على ثلاثة أوجه: # أحدها: إنما قدمها على الأب لأنوثتها، فعلى هذا تقدم نساء الحضانة على كل ~~رجل، فتقدم خالة الخالة وإن علت، وبنت الأخت على الأب. # الثاني: أن الخالة والأخت للأم لم تدليا بالأب، وهما من أهل الحضانة، # PageV05P396 # فتقدم نساء الحضانة على كل رجل إلا على من أدلين به، فلا تقدمن عليه؛ ~~لأنهن فرعه، فعلى هذا الوجه لا تقدم أم الأب على الأب، ولا الأخت والعمة ~~عليه، وتقدم عليه أم الأم، والخالة، والأخت للأم، وهذا أيضا ضعيف جدا؛ إذ ~~يستلزم تقديم قرابة الأم البعيدة على الأب وأمه، ومعلوم أن الأب إذا قدم ~~على الأخت للأب فتقديمه على الأخت للأم أولى؛ لأن الأخت للأب مقدمة عليها، ~~فكيف تقدم على الأب نفسه؟ هذا تناقض بين. # الثالث: تقديم نساء الأم على الأب وأمهاته وسائر من في جهته، قالوا: فعلى ~~هذا، فكل امرأة في درجة رجل تقدم عليه، ويقدم من أدلى بها على من أدلى ~~بالرجل، فلما قدمت الأم على الأب وهي في درجته قدمت الأخت من الأم على ~~الأخت من الأب، وقدمت الخالة على العمة. هذا تقرير ما ذكره أبو البركات بن ~~تيمية في " محرره " من تنزيل نص أحمد على هذه المحامل الثلاث، وهو مخالف ~~لعامة نصوصه في تقديم الأخت للأب على الأخت للأم وعلى الخالة، وتقديم خالة ~~الأب على خالة الأم، وهو الذي لم يذكر الخرقي في " مختصره " غيره، وهو ~~الصحيح، وخرجها ابن عقيل على الروايتين في أم الأم، وأم الأب، ولكن نصه ما ~~ذكره الخرقي، وهذه الرواية التي حكاها صاحب " المحرر " ضعيفة مرجوحة، فلهذا ~~جاءت فروعها ولوازمها أضعف منها بخلاف سائر ms1583 نصوصه في جادة مذهبه. ### | فصل ضابط في الحضانة لأصحاب أحمد # فصل وقد ضبط بعض أصحابه هذا الباب بضابط، فقال: كل عصبة، فإنه يقدم على ~~كل امرأة هي أبعد منه، ويتأخر عمن هي أقرب منه، وإذا تساويا فعلى وجهين. ~~فعلى هذا الضابط يقدم الأب على أمه، وعلى أم الأم ومن معها، ويقدم الأخ على ~~ابنته وعلى العمة، والعم على عمة الأب، وتقدم أم الأب على جد الأب، وفي ~~تقديمها على أب الأب وجهان. وفي تقديم الأخت للأب على الأخ للأب وجهان، وفي ~~تقديم العمة على العم وجهان. # PageV05P397 # والصواب: تقديم الأنثى مع التساوي، كما قدمت الأم على الأب لما استويا، ~~فلا وجه لتقديم الذكر على الأنثى مع مساواتها له، وامتيازها بقوة أسباب ~~الحضانة والتربية فيها. # واختلف في بنات الإخوة والأخوات، هل يقدمن على الخالات والعمات، أو تقدم ~~الخالات والعمات عليهن؟ على وجهين، مأخذهما: أن الخالة والعمة تدليان بأخوة ~~الأم والأب، وبنات الإخوة والأخوات يدلين ببنوة الأب، فمن قدم بنات الإخوة، ~~راعى قوة البنوة على الأخوة، وليس ذلك بجيد، بل الصواب تقديم العمة والخالة ~~لوجهين. # أحدهما: أنها أقرب إلى الطفل من بنات أخيه، فإن العمة أخت أبيه، وابنة ~~الأخ ابنة ابن أبيه، وكذلك الخالة أخت أمه، وبنت الأخت من الأم، أو لأب بنت ~~بنت أمه أو أبيه، ولا ريب أن العمة والخالة أقرب إليه من هذه القرابة. # الثاني: أن صاحب هذا القول إن طرد أصله لزمه ما لا قبل له به من تقديم ~~بنت بنت الأخت، وإن نزلت على الخالة التي هي أم، وهذا فاسد من القول، وإن ~~خص ذلك ببنت الأخت دون من سفل منها، تناقض. # واختلف أصحاب أحمد أيضا في الجد والأخت للأب أيهما أولى؟ فالمذهب: أن ~~الجد أولى منها، وحكى القاضي في " المجرد " وجها: أنها أولى منه، وهذا يجيء ~~على أحد التأويلات التي تأول عليها الأصحاب نص أحمد، وقد تقدمت. ### | فصل بيان تناقض الضابط السابق # فصل ومما يبين صحة الأصل المتقدم: أنهم قالوا: إذا عدم الأمهات ومن في ~~جهتهن انتقلت ms1584 الحضانة إلى العصبات، وقدم الأقرب فالأقرب منهم، كما في ~~الميراث، فهذا جار على القياس، فيقال لهم: هلا راعيتم هذا في جنس القرابة، ~~فقدمتم القرابة القوية الراجحة على الضعيفة المرجوحة كما فعلتم في العصبات؟ # PageV05P398 # وأيضا فإن الصحيح في الأخوات عندكم أنه يقدم منهن من كانت لأبوين، ثم من ~~كانت لأب، ثم من كانت لأم، وهذا صحيح موافق للأصول والقياس، لكن إذا ضم هذا ~~إلى قولهم بتقديم قرابة الأم على قرابة الأب جاء التناقض، وتلك الفروع ~~المشكلة المتناقضة. # وأيضا فقد قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم، وهو ~~الصواب الموافق لأصول الشرع، لكنه مناقض لتقديمهم أمهات الأم على أمهات ~~الأب، ويناقض تقديم الخالة والأخت للأم على الأب، كما هو إحدى الروايتين عن ~~أحمد رحمه الله، والقول القديم للشافعي. ولا ريب أن القول به أطرد للأصل، ~~لكنه في غاية البعد من قياس الأصول كما تقدم، ويلزمهم من طرده أيضا تقديم ~~من كان من الأخوات لأم على من كان منهن لأب، وقد التزمه أبو حنيفة، ~~والمزني، وابن سريج، ويلزمهم من طرده أيضا تقديم بنت الخالة على الأخت ~~للأب، وقد التزمه زفر، وهو رواية عن أبي حنيفة، ولكن أبو يوسف استشنع ذلك، ~~فقدم الأخت للأب كقول الجمهور، ورواه عن أبي حنيفة. # ويلزمهم أيضا من طرده تقديم الخالة والأخت للأم على الجدة أم الأب، وهذا ~~في غاية البعد والوهن، وقد التزمه زفر، ومثل هذا من المقاييس التي حذر منها ~~أبو حنيفة أصحابه، وقال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إن أخذتم بمقاييس ~~زفر حرمتم الحلال، وحللتم الحرام. ### | [فصل ضابط آخر في الحضانة لبعض أصحاب أحمد وبيان تناقضه] # وقد رام بعض أصحاب أحمد ضبط هذا الباب بضابط زعم أنه يتخلص به من ~~التناقض، فقال: الاعتبار في الحضانة بالولادة المتحققة، وهي الأمومة، ثم ~~الولادة الظاهرة وهي الأبوة، ثم الميراث. قال ولذلك تقدم الأخت من الأب على ~~الأخت من الأم، وعلى الخالة؛ لأنها أقوى إرثا منهما. قال: ثم الإدلاء، ~~فتقدم الخالة على العمة؛ لأن الخالة تدلي بالأم، والعمة ms1585 تدلي بالأب، فذكر ~~أربع # PageV05P399 # أسباب للحضانة، مرتبة الأمومة، ثم بعدها الأبوة، ثم بعدها الميراث، ثم ~~الإدلاء، وهذه طريقة صاحب " المستوعب "، وما زادته هذه الطريقة إلا تناقضا ~~وبعدا عن قواعد الشريعة، وهي من أفسد الطرق، وإنما يتبين فسادها بلوازمها ~~الباطلة، فإنه إن أراد بتقديم الأمومة على الأبوة تقديم من في جهتها على ~~الأب ومن في جهته - كانت تلك اللوازم الباطلة المتقدمة من تقديم الأخت ~~للأم، وبنت الخالة على الأب وأمه، وتقديم الخالة على العمة، وتقديم خالة ~~الأم على الأب وأمه، وتقديم بنات الأخت من الأم على أم الأب، وهذا مع ~~مخالفته لنصوص إمامه، فهو مخالف لأصول الشرع وقواعده. # وإن أراد أن الأم نفسها تقدم على الأب، فهذا حق لكن الشان في مناط هذا ~~التقديم: هل هو لكون الأم ومن في جهتها تقدم على الأب ومن في جهته، أو ~~لكونها أنثى في درجة ذكر، وكل أنثى كانت في درجة ذكر قدمت عليه مع تقديم ~~قرابة الأب على قرابة الأم؟ وهذا هو الصواب كما تقدم، وكذلك قوله: " ثم ~~الميراث " إن أراد به أن المقدم في الميراث مقدم في الحضانة فصحيح، وطرده ~~تقديم قرابة الأب على قرابة الأم؛ لأنها مقدمة عليها في الميراث، فتقدم ~~الأخت على العمة والخالة. وقوله: " وكذلك تقديم الأخت للأب على الأخت للأم، ~~والخالة؛ لأنها أقوى إرثا منهما، فيقال: لم يكن تقديمها لأجل الإرث وقوته، ~~ولو كان لأجل ذلك لكان العصبات أحق بالحضانة من النساء، فيكون العم أولى من ~~الخالة والعمة، وهذا باطل. ### | [ضابط الحضانة عند ابن قدامة] # فصل وقد ضبط الشيخ في " المغني " هذا الباب بضابط آخر، فقال: فصل في بيان ~~الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال والنساء. # وأولى الكل بها: الأم، ثم أمهاتها وإن علون يقدم منهن الأقرب فالأقرب؛ ~~لأنهن نساء ولادتهن متحققة، فهن في معنى الأم، وعن أحمد أن أم الأب ~~وأمهاتها يقدمن على أم الأم، فعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم؛ ~~لأنهن يدلين به، فيكون الأب # PageV05P400 # بعد الأم، ثم أمهاته، والأولى هي المشهورة عند ms1586 أصحابنا، فإن المقدم الأم، ~~ثم أمهاتها، ثم الأب، ثم أمهاته، ثم الجد، ثم أمهاته، ثم جد الأب، ثم ~~أمهاته وإن كن غير وارثات؛ لأنهن يدلين بعصبة من أهل الحضانة، بخلاف أم أب ~~الأم. وحكي عن أحمد رواية أخرى: أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب، ~~فتكون الأخت من الأبوين أحق منه، ومنهما، ومن جميع العصبات، والأولى هي ~~المشهورة من المذهب، فإذا انقرض الآباء والأمهات انتقلت الحضانة إلى ~~الأخوات، وتقدم الأخت من الأبوين، ثم الأخت من الأب، ثم الأخت من الأم، ~~وتقدم الأخت على الأخ؛ لأنها امرأة من أهل الحضانة، فقدمت على من في درجتها ~~من الرجال، كالأم تقدم على الأب، وأم الأب على أب الأب، وكل جدة في درجة جد ~~تقدم عليه؛ لأنها تلي الحضانة بنفسها، والرجل لا يليها بنفسه. # وفيه وجه آخر: أنه يقدم عليها لأنه عصبة بنفسه، والأول أولى، وفي تقديم ~~الأخت من الأبوين، أو من الأب على الجد وجهان، وإذا لم تكن أخت فالأخ ~~للأبوين أولى، ثم الأخ للأب، ثم ابناهما، ولا حضانة للأخ من الأم لما ~~ذكرنا. # فإذا عدموا صارت الحضانة للخالات على الصحيح، وترتيبهن فيها كترتيب ~~الأخوات، ولا حضانة للأخوال، فإذا عدموا صارت للعمات، ويقدمن على الأعمام ~~كتقديم الأخوات على الإخوة، ثم للعم للأبوين، ثم للعم للأب، ولا حضانة للعم ~~من الأم، ثم ابناهما، ثم إلى خالات الأب على قول الخرقي، وعلى القول الآخر: ~~إلى خالات الأم، ثم إلى عمات الأب، ولا حضانة لعمات الأم؛ لأنهن يدلين بأب ~~الأم، ولا حضانة له. وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة في درجة قدم ~~المستحق منهم بالقرعة، انتهى كلامه. # وهذا خير مما قبله من الضوابط، ولكن فيه تقديم أم الأم، وإن علت على الأب ~~وأمهاته، فإن طرد تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب جاءت تلك ~~اللوازم الباطلة، وهو لم يطرده، وإن قدم بعض من في جهة الأب على بعض من في ~~جهة الأم كما فعل - طولب بالفرق وبمناط التقديم. # PageV05P401 # وفيه إثبات ms1587 الحضانة للأخت من الأم دون الأخ من الأم، وهو في درجتها ومساو ~~لها من كل وجه، فإن كان ذلك لأنوثتها وهو ذكر، انتقض برجال العصبة كلهم، ~~وإن كان ذلك لكونه ليس من العصبة، والحضانة لا تكون لرجل إلا أن يكون من ~~العصبة. قيل: فكيف جعلتموها لنساء ذوي الأرحام مع مساواة قرابتهن لقرابة من ~~في درجتهن من الذكور من كل وجه؟ فإما أن تعتبروا الأنوثة فلا تجعلوها ~~للذكر، أو الميراث فلا تجعلوها لغير وارث، أو القرابة فلا تمنعوا منها الأخ ~~من الأم والخال وأبا الأم أو التعصيب، فلا تعطوها لغير عصبة. # فإن قلتم: بقي قسم آخر وهو قولنا، وهو اعتبار التعصيب في الذكور والقرابة ~~في النساء. # قيل: هذا مخالف لباب الولايات، وباب الميراث، والحضانة ولاية على الطفل، ~~فإن سلكتم بها مسلك الولايات فخصوها بالأب والجد، وإن سلكتم بها مسلك ~~الميراث فلا تعطوها لغير وارث، وكلاهما خلاف قولكم وقول الناس أجمعين. # وفي كلامه أيضا: تقديم ابن الأخ وإن نزلت درجته على الخالة التي هي أم، ~~وهو في غاية البعد، وجمهور الأصحاب إنما جعلوا أولاد الإخوة بعد أب الأب ~~والعمات وهو الصحيح، فإن الخالة أخت الأم، وبها تدلي، والأم مقدمة على ~~الأب، وابن الأخ إنما يدلي بالأخ الذي يدلي بالأب، فكيف يقدم على الخالة! ~~وكذا العمة أخت الأب وشقيقته، فكيف يقدم ابن ابنه عليها! # وقد ضبط هذا الباب شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية بضابط آخر، فقال: أقرب ما ~~يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة ~~والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه الصفات وهم أقاربه يقدم ~~منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدا، فإن ~~استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر، فتقدم الأم على الأب، والجدة على # PageV05P402 # الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ. فإن كانا ~~ذكرين أو أنثيين، قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما، وإن اختلفت ~~درجتهما من الطفل، فإن كانوا من جهة واحدة قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت ms1588 ~~على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد، ~~والجدة والجد أبو الأم على الأخ للأم، هذا هو الصحيح؛ لأن جهة الأبوة ~~والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل يقدم الأخ للأم لأنه ~~أقوى من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد. # وفيه وجه ثالث: أنه لا حضانة للأخ من الأم بحال؛ لأنه ليس من العصبات، ~~ولا من نساء الحضانة، وكذلك الخال أيضا، فإن صاحب هذا الوجه يقول: لا حضانة ~~له، ولا نزاع أن أبا الأم وأمهاته أولى من الخال، وإن كانوا من جهتين، ~~كقرابة الأم وقرابة الأب، مثل العمة والخالة، والأخت للأب، والأخت للأم، ~~وأم الأب، وأم الأم، وخالة الأب، وخالة الأم قدم من في جهة الأب في ذلك كله ~~على إحدى الروايتين فيه. هذا كله إذا استوت درجتهم، أو كانت جهة الأب أقرب ~~إلى الطفل، وأما إذا كانت جهة الأم أقرب، وقرابة الأب أبعد، كأم الأم، وأم ~~أب الأب، وكخالة الطفل، وعمة أبيه، فقد تقابل الترجيحان، ولكن يقدم الأقرب ~~إلى الطفل لقوة شفقته وحنوه على شفقة الأبعد، ومن قدم قرابة الأب، فإنما ~~يقدمها مع مساواة قرابة الأم لها، فأما إذا كانت أبعد منها قدمت قرابة الأم ~~القريبة، وإلا لزم من تقديم القرابة البعيدة لوازم باطلة لا يقول بها أحد، ~~فبهذا الضابط يمكن حصر جميع مسائل هذا الباب وجريها على القياس الشرعي، ~~واطرادها وموافقتها لأصول الشرع، فأي مسألة وردت عليك أمكن أخذها من هذا ~~الضابط، مع كونه مقتضى الدليل، ومع سلامته من التناقض ومناقضة قياس الأصول، ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل الحضانة حق للأم وهل تحق لها الأجرة] # فصل # وقوله صلى الله عليه وسلم: ( «أنت أحق به ما لم تنكحي» ) فيه دليل على أن ~~الحضانة حق # PageV05P403 # للأم، وقد اختلف الفقهاء، هل هي للحاضن أم عليه؟ على قولين في مذهب أحمد ~~ومالك، وينبني عليهما: هل لمن له الحضانة أن يسقطها فينزل عنها؟ على قولين. ~~وأنه لا يجب عليه خدمة الولد أيام حضانته إلا بالأجرة إن قلنا: الحق ms1589 له، ~~وإن قلنا: الحق عليه، وجب خدمته مجانا. وإن كان الحاضن فقيرا، فله الأجرة ~~على القولين. # وإذا وهبت الحضانة للأب وقلنا: الحق لها، لزمت الهبة ولم ترجع فيها، وإن ~~قلنا: الحق عليها، فلها العود إلى طلبها. # والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعد كهبة الشفعة قبل البيع حيث ~~لا تلزم في أحد القولين - أن الهبة في الحضانة قد وجد سببها، فصار بمنزلة ~~ما قد وجد، وكذلك إذا وهبت المرأة نفقتها لزوجها شهرا ألزمت الهبة، ولم ~~ترجع فيها. هذا كله كلام أصحاب مالك وتفريعهم، والصحيح أن الحضانة حق لها، ~~وعليها إذا احتاج الطفل إليها، ولم يوجد غيرها، وإن اتفقت هي، وولي الطفل ~~على نقلها إليه جاز، والمقصود أن في قوله صلى الله عليه وسلم: ( «أنت أحق ~~به» ) دليلا على أن الحضانة حق لها. ### | [فصل هل سقوط الحضانة بالنكاح للتعليل أو للتوقيت] # فصل وقوله: ( «ما لم تنكحي» ) اختلف فيه: هل هو تعليل أو توقيت، على ~~قولين ينبني عليهما: ما لو تزوجت وسقطت حضانتها ثم طلقت، فهل تعود الحضانة؟ ~~فإن قيل: اللفظ تعليل، عادت الحضانة بالطلاق؛ لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال ~~بزوالها، وعلة سقوط الحضانة التزويج، فإن طلقت زالت العلة، فزال حكمها، ~~وهذا قول الأكثرين، منهم الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة. # ثم اختلفوا فيما إذا كان الطلاق رجعيا، هل يعود حقها بمجرده، أو يتوقف ~~عودها على انقضاء العدة؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد والشافعي، أحدهما: ~~تعود بمجرده، وهو ظاهر مذهب الشافعي. والثاني: لا تعود حتى # PageV05P404 # تنقضي العدة، وهو قول أبي حنيفة والمزني، وهذا كله تفريع على أن قوله: " ~~ما لم تنكحي " تعليل، وهو قول الأكثرين. وقال مالك في المشهور من مذهبه: ~~إذا تزوجت ودخل بها لم يعد حقها من الحضانة وإن طلقت.، قال بعض أصحابه: ~~وهذا بناء على أن قوله " ما لم تنكحي " للتوقيت، أي: حقك من الحضانة موقت ~~إلى حين نكاحك، فإذا نكحت انقضى وقت الحضانة، فلا تعود بعد انقضاء وقتها ~~كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها. ms1590 وقال بعض أصحابه: يعود ~~حقها إذا فارقها زوجها، كقول الجمهور، وهو قول المغيرة وابن أبي حازم. ~~قالوا: لأن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتها الخاصة، وإنما عارضها مانع ~~النكاح؛ لما يوجبه من إضاعة الطفل، واشتغالها بحقوق الزوج الأجنبي منه عن ~~مصالحه، ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه، وعليهم في ذلك منة ~~وغضاضة، فإذا انقطع النكاح بموت أو فرقة زال المانع والمقتضي قائم، فترتب ~~عليه أثره، وهكذا كل من قام به من أهل الحضانة مانع منها، ككفر، أو رق، أو ~~فسق، أو بدو، فإنه لا حضانة له، فإن زالت الموانع، عاد حقهم من الحضانة، ~~فهكذا النكاح والفرقة. # وأما النزاع في عود الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي، أو بوقفه على انقضاء ~~العدة - فمأخذه كون الرجعية زوجة في عامة الأحكام، فإنه يثبت بينهما ~~التوارث والنفقة، ويصح منها الظهار والإيلاء: ويحرم أن ينكح عليها أختها، ~~أو عمتها، أو خالتها، أو أربعا سواها، وهي زوجة، فمن راعى ذلك لم تعد إليها ~~الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة، فتبين حينئذ، ومن أعاد ~~الحضانة بمجرد الطلاق، قال: قد عزلها عن فراشه، ولم يبق لها عليه قسم، ولا ~~لها به شغل، والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق، وهذا هو ~~الذي رجحه الشيخ في " المغني " وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال: وإذا أخذ ~~الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت، رجعت على حقها من كفالته. # PageV05P405 ### | [فصل هل مجرد عقد النكاح يسقط الحضانة] # فصل # وقوله: ( «ما لم تنكحي» ) اختلف فيه، هل المراد به مجرد العقد، أو العقد ~~مع الدخول؟ وفي ذلك وجهان. أحدهما: أن بمجرد العقد تزول حضانتها، وهو قول ~~الشافعي وأبي حنيفة؛ لأنه بالعقد يملك الزوج منافع الاستمتاع بها، ويملك ~~نفعها من حضانة الولد. والثاني: أنها لا تزول إلا بالدخول، وهو قول مالك، ~~فإن بالدخول يتحقق اشتغالها عن الحضانة، والحديث يحتمل الأمرين، والأشبه ~~سقوط حضانتها بالعقد؛ لأنها حينئذ صارت في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ ~~للدخول، وأخذها حينئذ في أسبابه، وهذا قول الجمهور. ### | [فصل ms1591 اختلاف الفقهاء في سقوط الحضانة بالنكاح] # فصل # واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال. # أحدها: سقوطها به مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى، وهذا مذهب ~~الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه. قال ابن المنذر: أجمع ~~على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، وقضى به شريح. # والقول الثاني: أنها لا تسقط بالتزويج بحال، ولا فرق في الحضانة بين ~~الأيم وذوات البعل، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري، وهو قول أبي محمد بن ~~حزم. # القول الثالث: أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها، وإن كان ~~ذكرا سقطت، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله، نص عليه في رواية مهنا ~~بن يحيى الشامي، فقال: إذا تزوجت الأم وابنها صغير، أخذ منها. قيل له: ~~والجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين. وعلى هذه ~~الرواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ؟ على روايتين. قال ~~ابن أبي موسى: وعن أحمد أن الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ. # PageV05P406 # والقول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها، ثم اختلف ~~أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال، أحدها: أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا ~~للطفل فقط، وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد. الثاني: أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا ~~رحم محرم، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. الثالث: أنه يشترط أن يكون بين الزوج ~~وبين الطفل إيلاد، بأن يكون جدا للطفل، وهذا قول مالك، وبعض أصحاب أحمد، ~~فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة. # فأما حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا، فثلاث حجج: إحداها: حديث عمرو ~~بن شعيب المتقدم ذكره. الثانية: اتفاق الصحابة على ذلك، وقد تقدم قول ~~الصديق لعمر: هي أحق به ما لم تتزوج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالف ~~لهما من الصحابة البتة، وقضى به شريح، والقضاة بعده إلى اليوم في سائر ~~الأعصار والأمصار. # الثالثة: ما رواه عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، حدثنا ms1592 أبو الزبير، عن رجل ~~صالح من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: «كانت امرأة من ~~الأنصار تحت رجل من الأنصار، فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ~~ولدها ورجل آخر إلى أبيها، فأنكح الآخر، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: أنكحني أبي رجلا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها، فقال: أنكحت فلانا فلانة؟ قال نعم، ~~قال: " أنت الذي لا نكاح لك، اذهبي فانكحي عم ولدك» "، فلم ينكر أخذ الولد ~~منها لما تزوجت، بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليل على سقوط ~~الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل. واعترض أبو محمد ابن ~~حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة، وحديث أبي سلمة هذا ~~مرسل، وفيه مجهول. وهذان الاعتراضان ضعيفان، فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو ~~في # PageV05P407 # تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم، وقول ~~البخاري، وأحمد، وابن المديني، والحميدي، وإسحاق بن راهويه، وأمثالهم، لم ~~يلتفت إلى سواهم. # وأما حديث أبي سلمة هذا، فإن أبا سلمة من كبار التابعين وقد حكى القصة عن ~~الأنصارية، ولا ينكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإرسال، ولو تحقق فمرسل جيد، له ~~شواهد مرفوعة وموقوفة، وليس الاعتماد عليه وحده، وعنى بالمجهول الرجل ~~الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أن هذه الشهادة لا تعرف ~~به، ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته، وإن كان واحدا ~~على أصح القولين، فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة، ~~ولا سيما التعديل في الرواية فإنه يكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل ~~نصاب الرواية، هذا مع أن أحد القولين: إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل ~~له، وإن لم يصرح بالتعديل، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وأما إذا روى ~~عنه وصرح بتعديله، فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته، لا سيما إذا ~~لم يكن معروفا بالرواية ms1593 عن الضعفاء والمتهمين، وأبو الزبير وإن كان فيه ~~تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس ~~السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوع من ~~التدليس في المتأخرين. # واحتج أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاري، عن عبد العزيز بن ~~صهيب، عن أنس قال: ( «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له ~~خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيس، فليخدمك. قال فخدمته في السفر ~~والحضر» ) وذكر الخبر. # PageV05P408 # قال أبو محمد: فهذا أنس في حضانة أمه، ولها زوج، وهو أبو طلحة بعلم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاحتجاج في غاية السقوط، والخبر في غاية ~~الصحة، فإن أحدا من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو طفل صغير، لم يثغر، ولم يأكل وحده، ولم يشرب وحده، ولم يميز، وأمه ~~مزوجة، فحكم به لأمه، وإنما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين، فكان عند أمه، ~~فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول: قد ~~تزوجت فلا حضانة لك، وأنا أطلب انتزاعه منك، ولا ريب أنه لا يحرم على ~~المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك، ولا ~~ريب أنه لا يجب، بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن ~~يخاصمها من له الحضانة، ويطلب انتزاع الولد، فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد ~~الاحتجاج وأبرده. # ونظير هذا أيضا، احتجاجهم بأن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم تسقط كفالتها لابنها، بل استمرت على حضانتها، فيا عجبا من ~~الذي نازع أم سلمة في ولدها ورغب عن أن يكون في حجر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # واحتج لهذا القول أيضا بأن ms1594 رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة ~~لخالتها وهي مزوجة بجعفر، فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ. ~~أحدها: أن النكاح لا يسقط الحضانة. الثاني: أن المحضونة إذا كانت بنتا ~~فنكاح أمها لا يسقط حضانتها، ويسقطها إذا كان ذكرا. الثالث: أن الزوج إذا ~~كان نسيبا من الطفل لم تسقط حضانتها، وإلا سقطت، فالاحتجاج بالقصة على أن ~~النكاح لا يسقط الحضانة مطلقا لا يتم إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين ~~الآخرين. ### | [فصل قضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه] # فصل وقضاؤه صلى الله عليه وسلم بالولد لأمه وقوله: ( «أنت أحق به ما لم ~~تنكحي» ) لا يستفاد منه عموم القضاء لكل أم حتى يقضي به للأم. وإن كانت ~~كافرة، أو رقيقة، أو # PageV05P409 # فاسقة، أو مسافرة، فلا يصح الاحتجاج به على ذلك ولا نفيه، فإذا دل دليل ~~منفصل على اعتبار الإسلام والحرية والديانة والإقامة لم يكن ذلك تخصيصا ولا ~~مخالفة لظاهر الحديث. # وقد اشترط في الحاضن ستة شروط: اتفاقهما في الدين، فلا حضانة لكافر على ~~مسلم لوجهين: # أحدهما: أن الحاضن حريص على تربية الطفل على دينه، وأن ينشأ عليه، ويتربى ~~عليه فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر ~~عليها عباده، فلا يراجعها أبدا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «كل ~~مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» ) . فلا ~~يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم. # فإن قيل: الحديث إنما جاء في الأبوين خاصة. # قيل: الحديث خرج مخرج الغالب إذ الغالب المعتاد نشوء الطفل بين أبويه، ~~فإن فقد الأبوان أو أحدهما قام ولي الطفل من أقاربه مقامهما. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل ~~المسلمين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم من بعض، والحضانة من أقوى أسباب ~~الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين. وقال أهل الرأي، وابن القاسم، وأبو ~~ثور: تثبت الحضانة لها مع كفرها وإسلام الولد، واحتجوا بما روى النسائي في ~~سننه، من حديث عبد الحميد بن ms1595 جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سنان، ( «أنه ~~أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي ~~فطيم أو يشبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اقعد ~~ناحية "، وقال لها: " اقعدي ناحية "، # PageV05P410 # وقال لهما: " ادعواها "، فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " اللهم اهدها "، فمالت إلى أبيها فأخذها» ) . # قالوا: ولأن الحضانة لأمرين: الرضاع وخدمة الطفل، وكلاهما يجوز من ~~الكافرة. # قال الآخرون: هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن ~~الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، وقد ضعفه إمام العلل يحيى بن سعيد ~~القطان، وكان سفيان الثوري يحمل عليه، وضعف ابن المنذر الحديث، وضعفه غيره، ~~وقد اضطرب في القصة فروى أن المخير كان بنتا، وروى أنه كان ابنا. وقال ~~الشيخ في " المغني ": وأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يثبته ~~أهل النقل. وفي إسناده مقال، قاله ابن المنذر. # ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام، فإن الصبية لما ~~مالت إلى أمها دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالهداية، فمالت إلى ~~أبيها، وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من ~~عباده، ولو استقر جعلها مع أمها، لكان فيه حجة، بل أبطله الله سبحانه بدعوة ~~رسوله. # ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأي فسق أكبر من الكفر؟ وأين ~~الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من ~~الكافر، مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا، وإن شرطها ~~أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد. # PageV05P411 # ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على ~~الأمة، واشتد العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال ~~الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا، مع كونهم الأكثرين. ومتى وقع في ~~الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر ms1596 - ~~واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط ~~العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى ~~والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسق في ~~الناس، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا من ~~تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه موليته، والعادة شاهدة بأن الرجل ولو ~~كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، ~~وإن قدر خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك ~~بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان ~~هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدما على ~~كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل ~~بخلافه. ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب خمرا أو أتى كبيرة ~~فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره، والله أعلم. # نعم، العقل مشترط في الحضانة، فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل؛ لأن ~~هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم، فكيف يكونون كافلين لغيرهم. # وأما اشتراط الحرية، فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه، وقد اشترطه ~~أصحاب الأئمة الثلاثة. وقال مالك في حر له ولد من أمة: إن الأم أحق به إلا ~~أن تباع فتنتقل، فيكون الأب أحق بها، وهذا هو الصحيح؛ لأن # PageV05P412 # النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا توله والدة عن ولدها» ) . وقال: ( ~~«من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ) . وقد ~~قالوا: لا يجوز التفريق في البيع بين الأم وولدها الصغير فكيف يفرقون ~~بينهما في الحضانة؟ وعموم الأحاديث تمنع من التفريق مطلقا في الحضانة ~~والبيع، واستدلالهم بكون منافعها مملوكة للسيد فهي مستغرقة في خدمته فلا ~~تفرغ لحضانة الولد - ممنوع، بل حق الحضانة لها، تقدم به في أوقات حاجة ~~الولد على حق السيد كما في البيع سواء. وأما اشتراط خلوها من النكاح فقد ~~تقدم. # وهاهنا مسألة ms1597 ينبغي التنبيه عليها، وهي أنا إذا أسقطنا حقها من الحضانة ~~بالنكاح ونقلناها إلى غيرها فاتفق أنه لم يكن له سواها - لم يسقط حقها من ~~الحضانة، وهي أحق به من الأجنبي الذي يدفعه القاضي إليه، وتربيته في حجر ~~أمه ورأيه أصلح من تربيته في بيت أجنبي محض لا قرابة بينهما توجب شفقته ~~ورحمته وحنوه، ومن المحال أن تأتي الشريعة بدفع مفسدة بمفسدة أعظم منها ~~بكثير، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم حكما عاما كليا: أن كل امرأة ~~تزوجت سقطت حضانتها في جميع الأحوال حتى يكون إثبات الحضانة للأم في هذه ~~الحالة مخالفة للنص. # وأما اتحاد الدار، فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود، والآخر مقيم فهو ~~أحق به؛ لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعا إضرار به، وتضييع ~~له، هكذا أطلقوه، ولم يستثنوا سفر الحج من غيره، وإن كان # PageV05P413 # أحدهما منتقلا عن بلد الآخر للإقامة، والبلد وطريقه مخوفان، أو أحدهما، ~~فالمقيم أحق، وإن كان هو وطريقه آمنين، ففيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، ~~إحداهما: أن الحضانة للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه، وهو قول ~~مالك والشافعي، وقضى به شريح. والثانية: أن الأم أحق. وفيها قول ثالث: أن ~~المنتقل إن كان هو الأب فالأم أحق، وإن كان الأم، فإن انتقلت إلى البلد ~~الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به، وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق، وهو ~~قول الحنفية. وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى: أن نقلها إن كان من بلد إلى ~~قرية، فالأب أحق، وإن كان من بلد إلى بلد، فهي أحق، وهذه أقوال كلها كما ~~ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه، فالصواب النظر والاحتياط للطفل في ~~الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة، فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ ~~روعي، ولا تأثير لإقامة ولا نقلة، هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة ~~الآخر وانتزاع الولد منه. فإن أراد ذلك لم يجب إليه، والله الموفق. ### | [فصل قول من اشترط لسقوط الحضانة مع عقد النكاح ms1598 والدخول حكم الحاكم] # فصل وقوله: ( «أنت أحق به ما لم تنكحي» ) قيل: فيه إضمار تقديره: ما لم ~~تنكحي، ويدخل بك الزوج، ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة. وهذا تعسف بعيد لا ~~يشعر به اللفظ، ولا يدل عليه بوجه، ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف ~~صحة المعنى عليها، والدخول داخل في قوله " تنكحي " عند من اعتبره، فهو ~~كقوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ومن لم يعتبره فالمراد بالنكاح ~~عنده العقد. # وأما حكم الحاكم بسقوط الحضانة، فذاك إنما يحتاج إليه عند التنازع ~~والخصومة بين المتنازعين، فيكون منفذا لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف سقوط الحضانة على حكمه، بل قد حكم ~~هو بسقوطها، حكم به الحكام بعده أو لم يحكموا. والذي دل عليه هذا الحكم ~~النبوي، أن الأم أحق بالطفل ما لم يوجد منها النكاح، فإذا نكحت زال ذلك ~~الاستحقاق، وانتقل # PageV05P414 # الحق إلى غيرها. فأما إذا طلبه من له الحق، وجب على خصمه أن يبذله له، ~~فإن امتنع أجبره الحاكم عليه، وإن أسقط حقه أو لم يطالب به بقي على ما كان ~~عليه أولا، فهذه قاعدة عامة مستفادة من غير هذا الحديث. ### | [فصل اختلاف الفقهاء في التخيير بين الأبوين] ### | [التخيير بين الأبوين في الحضانة] # فصل وقد احتج من لا يرى التخيير بين الأبوين بظاهر هذا الحديث، ووجه ~~الاستدلال أنه قال: ( «أنت أحق به» ) ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به، إلا ~~إذا اختارها، كما أن الأب لا يكون أحق به إلا إذا اختاره، فإن قدر: أنت أحق ~~به إن اختارك، قدر ذلك في جانب الأب، والنبي صلى الله عليه وسلم جعلها أحق ~~به مطلقا عند المنازعة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ونحن نذكر هذه المسألة، ~~ومذاهب الناس فيها، والاحتجاج لأقوالهم، ونرجح ما وافق حكم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منها. ### | [ذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه] # ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي الله ms1599 ~~عنهما قال: طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته، فذكر الأثر المتقدم، ~~وقال فيه: ريحها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه، فحكم به لأمه ~~حين لم يكن له تمييز إلى أن يشب ويميز ويخير حينئذ. ### | [ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه] # قال الشافعي: حدثنا ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن ~~عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرحمن بن غنم، أن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه (خير غلاما بين أبيه وأمه) . # وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: ~~خير عمر رضي الله عنه غلاما ما بين أبيه وأمه، فاختار أمه فانطلقت به. # PageV05P415 # وذكر عبد الرزاق أيضا: عن معمر، عن أيوب، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ~~عبد الرحمن بن غنم، قال: (اختصم إلى عمر بن الخطاب في غلام، فقال: هو مع ~~أمه حتى يعرب عنه لسانه ليختار) . # وذكر سعيد بن منصور، عن هشيم، عن خالد، عن الوليد بن مسلم، قال: اختصموا ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يتيم فخيره، فاختار أمه على عمه، فقال ~~عمر: (إن لطف أمك خير من خصب عمك) . ### | [ذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه] # قال الشافعي رحمه الله تعالى: أنبأنا ابن عيينة، عن يونس بن عبد الله ~~الجرمي، عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي بين أمي وعمي، ثم قال لأخ لي أصغر ~~مني: (وهذا أيضا لو بلغ مبلغ هذا لخيرته) # قال الشافعي رحمه الله: قال إبراهيم، عن يونس، عن عمارة، عن علي مثله، ~~قال في الحديث: وكنت ابن سبع سنين، أو ثمان سنين. # قال يحيى القطان: حدثنا يونس بن عبد الله الجرمي، حدثني عمارة ابن رويبة، ~~أنه تخاصمت فيه أمه وعمه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: فخيرني علي ~~ثلاثا، كلهن أختار أمي، ومعي أخ لي صغير، فقال علي: (هذا إذا بلغ مبلغ هذا ~~خير) . ### | [ذكر قول أبي هريرة رضي ms1600 الله عنه] # قال أبو خيثمة زهير بن حرب: حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، # PageV05P416 # عن هلال بن أبي ميمونة، قال: شهدت أبا هريرة خير غلاما بين أبيه وأمه، ~~وقال: ( «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه» ) . ### | [مذهب ابن راهويه في التخيير] # فهذا ما ظفرت به عن الصحابة. وأما الأئمة، فقال حرب بن إسماعيل: سألت ~~إسحاق بن راهويه، إلى متى يكون الصبي والصبية مع الأم إذا طلقت؟ قال: أحب ~~إلي أن يكون مع الأم إلى سبع سنين، ثم يخير. قلت له: أترى التخيير؟ قال: ~~شديدا. قلت: فأقل من سبع سنين لا يخير؟ قال: قد قال بعضهم: إلى خمس، وأنا ~~أحب إلي سبع. ### | [مذهب أحمد] # وأما مذهب الإمام أحمد، فإما أن يكون الطفل ذكرا أو أنثى، فإن كان ذكرا ~~فإما أن يكون ابن سبع أو دونها، فإن كان له دون السبع فأمه أحق بحضانته من ~~غير تخيير، وإن كان له سبع ففيه ثلاث روايات. # إحداها - وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه - أنه يخير، وهي اختيار أصحابه، ~~فإن لم يختر واحدا منهما، أقرع بينهما، وكان لمن قرع، وإذا اختار أحدهما، ~~ثم عاد فاختار الآخر، نقل إليه، وهكذا أبدا. # والثانية: أن الأب أحق به من غير تخيير. # والثالثة: أن الأم أحق به كما قبل السبع. # وأما إذا كان أنثى فإن كان لها دون سبع سنين فأمها أحق بها من غير تخيير، ~~وإن بلغت سبعا فالمشهور من مذهبه، أن الأم أحق بها إلى تسع سنين، فإذا بلغت ~~تسعا، فالأب أحق بها من غير تخيير. # وعنه رواية رابعة: أن الأم أحق بها حتى تبلغ، ولو تزوجت الأم. # وعنه رواية خامسة: أنها تخير بعد السبع كالغلام، نص عليها، وأكثر # PageV05P417 # أصحابه إنما حكوا ذلك وجها في المذهب، هذا تلخيص مذهبه وتحريره. ### | [مذهب الشافعي] # وقال الشافعي: الأم أحق بالطفل ذكرا كان أو أنثى إلى أن يبلغا سبع سنين، ~~فإذا بلغا سبعا وهما يعقلان عقل مثلهما، خير كل منهما بين أبيه وأمه، وكان ~~مع ms1601 من اختار. ### | [مذهب مالك وأبي حنيفة والليث والحسن بن حي] # وقال مالك وأبو حنيفة لا تخيير بحال، ثم اختلفا، فقال أبو حنيفة: الأم ~~أحق بالجارية حتى تبلغ، وبالغلام حتى يأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ~~ثم يكونان عند الأب، ومن سوى الأبوين أحق بهما حتى يستغنيا، ولا يعتبر ~~البلوغ. وقال مالك: الأم أحق بالولد ذكرا كان أو أنثى حثى يثغر، هذه رواية ~~ابن وهب، وروى ابن القاسم: حتى يبلغ ولا يخير بحال. # وقال الليث بن سعد: الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين، وبالبنت حتى ~~تبلغ، ثم الأب أحق بهما بعد ذلك. # وقال الحسن بن حي: الأم أولى بالبنت حتى يكعب ثدياها، وبالغلام حتى ييفع، ~~فيخيران بعد ذلك بين أبويهما، الذكر والأنثى سواء. ### | [مذهب من قال بالتخيير في الغلام دون الجارية] # قال المخيرون في الغلام دون الجارية: قد ثبت التخيير عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الغلام من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء الراشدين وأبي ~~هريرة، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة البتة، ولا أنكره منكر. قالوا: وهذا ~~غاية في العدل الممكن، فإن الأم إنما قدمت في حال الصغر لحاجة الولد إلى ~~التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء، وإلا فالأم ~~أحد الأبوين، فكيف تقدم عليه؟ فإذا بلغ الغلام حدا يعرب فيه عن نفسه، ~~ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء، تساوى الأبوان، وزال السبب ~~الموجب لتقديم الأم، والأبوان متساويان فيه، فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح، ~~والمرجح إما من خارج وهو القرعة، وإما من جهة الولد وهو اختياره، وقد جاءت ~~السنة بهذا وهذا، وقد جمعهما حديث أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعا، ولم ندفع ~~أحدهما بالآخر. # PageV05P418 # وقدمنا ما قدمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرنا ما أخره، فقدم التخيير؛ ~~لأن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوت الحقوق من كل وجه ولم يبق مرجح ~~سواها، وهكذا فعلنا هاهنا، قدمنا أحدهما بالاختيار، فإن لم يختر أو ~~اختارهما جميعا عدلنا إلى القرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة لكان من ms1602 ~~أحسن الأحكام وأعدلها وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين. # وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي، أنه إذا لم يختر واحدا منهما كان ~~عند الأم بلا قرعة؛ لأن الحضانة كانت لها، وإنما ننقله عنها باختياره، فإذا ~~لم يختر بقي عندها على ما كان. # فإن قيل: فقد قدمتم التخيير على القرعة، والحديث فيه تقديم القرعة أولا ~~ثم التخيير، وهذا أولى؛ لأن القرعة طريق شرعي للتقديم عند تساوي المستحقين، ~~وقد تساوى الأبوان، فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة، فإن أبيا القرعة، لم يبق ~~إلا اختيار الصبي، فيرجح به، فما بال أصحاب أحمد والشافعي قدموا التخيير ~~على القرعة. # قيل: إنما قدم التخيير، لاتفاق ألفاظ الحديث عليه، وعمل الخلفاء الراشدين ~~به، وأما القرعة، فبعض الرواة ذكرها في الحديث، وبعضهم لم يذكرها، وإنما ~~كانت في بعض طرق أبي هريرة رضي الله عنه وحده، فقدم التخيير عليها، فإذا ~~تعذر القضاء بالتخيير تعينت القرعة طريقا للترجيح؛ إذ لم يبق سواها. ### | [رد المخيرين على من اقتصر بالتخيير على الغلام] # ثم قال المخيرون للغلام والجارية: روى النسائي في " سننه " والإمام أحمد ~~في " مسنده " من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه: ( «أنه تنازع هو وأم في ~~ابنتهما، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده ناحية، وأقعد المرأة ناحية، ~~وأقعد الصبية بينهما، وقال: " ادعواها " فمالت إلى أمها فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم اهدها "، فمالت إلى أبيها فأخذها» ) . قالوا: ولو ~~لم يرد هذا الحديث لكان حديث أبي هريرة رضي الله # PageV05P419 # عنه، والآثار المتقدمة حجة في تخيير الأنثى؛ لأن كون الطفل ذكرا لا تأثير ~~له في الحكم، بل هي كالذكر في قوله صلى الله عليه وسلم: ( «من وجد متاعه ~~عند رجل قد أفلس» ) . وفي قوله: ( «من أعتق شركا له في عبد» ) بل حديث ~~الحضانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه؛ لأن لفظ الصبي ليس من كلام الشارع، ~~إنما الصحابي حكى القصة، وأنها كانت في صبي، فإذا نقح المناط تبين أنه لا ~~تأثير لكونه ذكرا. ### | [رد الحنابلة على من أجاز التخيير للذكر والأنثى] # قالت الحنابلة: الكلام ms1603 معكم في مقامين، أحدهما: استدلالكم بحديث رافع، ~~والثاني: إلغاؤكم وصف الذكورية في أحاديث التخيير. # فأما الأول، فالحديث قد ضعفه ابن المنذر وغيره، وضعف يحيى بن سعيد ~~والثوري عبد الحميد بن جعفر، وأيضا فقد اختلف فيه على قولين. أحدهما: أن ~~المخير كان بنتا، وروي أنه كان ابنا. فقال عبد الرزاق: أخبرنا سفيان، عن ~~عثمان البتي، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده ( «أن أبويه اختصما ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما مسلم والآخر كافر، فتوجه إلى الكافر، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم اهده " فتوجه إلى المسلم فقضى له ~~به» ) . # قال أبو الفرج بن الجوزي: ورواية من روى أنه كان غلاما أصح. قالوا: ولو ~~سلم لكم أنه كان أنثى فأنتم لا تقولون به، فإن فيه أن أحدهما كان مسلما، # PageV05P420 # والآخر كافرا، فكيف تحتجون بما لا تقولون به. # فلو كانا مسلمين، ففي الحديث أن الطفل كان فطيما، وهذا قطعا دون السبع، ~~والظاهر أنه دون الخمس، وأنتم لا تخيرون من له دون السبع، فظهر أنه لا ~~يمكنكم الاستدلال بحديث رافع هذا على كل تقدير. # فبقي المقام الثاني، وهو إلغاء وصف الذكورة في أحاديث التخيير وغيرها، ~~فنقول: لا ريب أن من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذكورة، أو وصف الأنوثة ~~قطعا، ومنها ما لا يكفي فيه، بل يعتبر فيه إما هذا وإما هذا، فيلغى الوصف ~~في كل حكم تعلق بالنوع الإنساني المشترك بين الأفراد، ويعتبر وصف الذكورة ~~في كل موضع كان له تأثير فيه، كالشهادة والميراث، والولاية في النكاح، ~~ويعتبر وصف الأنوثة في كل موضع يختص بالإناث أو يقدمن فيه على الذكور، ~~كالحضانة، إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى قدمت الأنثى. # بقي النظر فيما نحن فيه من شأن التخيير، هل لوصف الذكورة تأثير في ذلك ~~فيلحق بالقسم الذي تعتبر فيه، أو لا تأثير له فيلحق بالقسم الذي يلغى فيه؟ ~~ولا سبيل إلى جعلها من القسم الملغى فيه وصف الذكورة؛ لأن التخيير هاهنا ~~تخيير شهوة، لا تخيير رأي ومصلحة؛ ولهذا إذا ms1604 اختار غير من اختاره أولا نقل ~~إليه، فلو خيرت البنت أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارة، وعند الأم أخرى، ~~فإنها كلما شاءت الانتقال أجيبت إليه، وذلك عكس ما شرع للإناث من لزوم ~~البيوت، وعدم البروز، ولزوم الخدور وراء الأستار، فلا يليق بها أن تمكن من ~~خلاف ذلك. وإذا كان هذا الوصف معتبرا قد شهد له الشرع بالاعتبار لم يمكن ~~إلغاؤه. # قالوا: وأيضا فإن ذلك يفضي إلى ألا يبقى الأب موكلا بحفظها، ولا الأم ~~لتنقلها بينهما، وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ويتواكلون ~~فيه فهو آيل إلى ضياع، ومن الأمثال السائرة " لا يصلح القدر بين طباخين ". # PageV05P421 # قالوا: وأيضا فالعادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فيه ~~بالإحسان إليه وصيانته، فإذا اختار أحدهما ثم انتقل إلى الآخر لم يبق ~~أحدهما تام الرغبة في حفظه والإحسان إليه. # فإن قلتم فهذا بعينه موجود في الصبي ولم يمنع ذلك تخييره. قلنا: صدقتم ~~لكن عارضه كون القلوب مجبولة على حب البنين، واختيارهم على البنات، فإذا ~~اجتمع نقص الرغبة، ونقص الأنوثة، وكراهة البنات في الغالب - ضاعت الطفلة، ~~وصارت إلى فساد يعسر تلافيه، والواقع شاهد بهذا، والفقه تنزيل المشروع على ~~الواقع، وسر الفرق أن البنت تحتاج من الحفظ والصيانة فوق ما يحتاج إليه ~~الصبي؛ ولهذا شرع في حق الإناث من الستر والخفر ما لم يشرع مثله للذكور في ~~اللباس وإرخاء الذيل شبرا أو أكثر، وجمع نفسها في الركوع والسجود دون ~~التجافي، ولا ترفع صوتها بقراءة القرآن، ولا ترمل في الطواف، ولا تتجرد في ~~الإحرام عن المخيط، ولا تكشف رأسها، ولا تسافر وحدها، هذا كله مع كبرها ~~ومعرفتها، فكيف إذا كانت في سن الصغر وضعف العقل الذي يقبل فيه الانخداع؟ ~~ولا ريب أن ترددها بين الأبوين مما يعود على المقصود بالإبطال، أو يخل به، ~~أو ينقصه؛ لأنها لا تستقر في مكان معين، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد ~~الأبوين من غير تخيير كما قاله الجمهور: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، ~~فتخييرها ليس ms1605 منصوصا عليه، ولا هو في معناه فيلحق به. ### | [اختلاف الفقهاء في تعيين أحد الأبوين لمقام البنت عنده] # ثم هاهنا حصل الاجتهاد في تعيين أحد الأبوين لمقامها عنده وأيهما أصلح ~~لها، فمالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه عينوا الأم، وهو الصحيح ~~دليلا، وأحمد رحمه الله في المشهور عنه، واختيار عامة أصحابه عينوا الأب. # قال من رجح الأم: قد جرت العادة بأن الأب يتصرف في المعاش، # PageV05P422 # والخروج، ولقاء الناس، والأم في خدرها، مقصورة في بيتها، فالبنت عندها ~~أصون وأحفظ بلا شك، وعينها عليها دائما بخلاف الأب، فإنه في غالب الأوقات ~~غائب عن البنت، أو في مظنة ذلك، فجعلها عند أمها أصون لها وأحفظ. # قالوا: وكل مفسدة يعرض وجودها عند الأم فإنها تعرض أو أكثر منها عند ~~الأب، فإنه إذا تركها في البيت وحدها لم يأمن عليها، وإن ترك عندها امرأته ~~أو غيرها فالأم أشفق عليها وأصون لها من الأجنبية. # قالوا: وأيضا فهي محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام ~~بمصالح البيت، وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال، فهي أحوج إلى أمها ~~لتعلمها ما يصلح للمرأة، وفي دفعها إلى أبيها تعطيل هذه المصلحة، وإسلامها ~~إلى امرأة أجنبية تعلمها ذلك، وترديدها بين الأم وبينه، وفي ذلك تمرين لها ~~على البروز والخروج، فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها، وهذا ~~القول هو الذي لا نختار سواه. # قال من رجح الأب: الرجال أغير على البنات من النساء، فلا تستوي غيرة ~~الرجل على ابنته وغيرة الأم أبدا، وكم من أم تساعد ابنتها على ما تهواه، ~~ويحملها على ذلك ضعف عقلها، وسرعة انخداعها، وضعف داعي الغيرة في طبعها، ~~بخلاف الأب؛ ولهذا المعنى وغيره جعل الشارع تزويجها إلى أبيها دون أمها، ~~ولم يجعل لأمها ولاية على بضعها البتة، ولا على مالها، فكان من محاسن ~~الشريعة أن تكون عند أمها ما دامت محتاجة إلى الحضانة والتربية، فإذا بلغت ~~حدا تشتهى فيه وتصلح للرجال، فمن محاسن الشريعة أن تكون عند من هو أغير ~~عليها، وأحرص ms1606 على مصلحتها، وأصون لها من الأم. # قالوا: ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرجال من الغيرة، ولو مع فسقه ~~وفجوره ما يحمله على قتل ابنته وأخته وموليته إذا رأى منها ما يريبه لشدة ~~الغيرة، ونرى في طبيعة النساء من الانحلال والانخداع ضد ذلك، قالوا: فهذا ~~هو # PageV05P423 # الغالب على النوعين، ولا عبرة بما خرج عن الغالب، على أنا إذا قدمنا أحد ~~الأبوين فلا بد أن نراعي صيانته وحفظه للطفل؛ ولهذا قال مالك والليث: إذا ~~لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين، أو كانت غير مرضية، فللأب أخذ البنت منها، ~~وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه، فإنه يعتبر قدرته ~~على الحفظ والصيانة. فإن كان مهملا لذلك، أو عاجزا عنه، أو غير مرضي، أو ذا ~~دياثة، والأم بخلافه - فهي أحق بالبنت بلا ريب، فمن قدمناه بتخيير أو قرعة ~~أو بنفسه، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأم أصون من ~~الأب وأغير منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه ~~الحالة، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ~~ذلك، لم يلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل ~~الشريعة غير هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: ( «مروهم بالصلاة ~~لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» ) ، والله تعالى ~~يقول: {ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} ~~[التحريم: 6] [التحريم 6] . وقال الحسن: علموهم وأدبوهم وفقهوهم، فإذا كانت ~~الأم تتركه في المكتب، وتعلمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، ~~وأبوه يمكنه من ذلك، فإنه أحق به بلا تخيير ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى ~~أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله، والآخر مراع له فهو أحق ~~وأولى به. # وسمعت شيخنا رحمه الله يقول: تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام، فخيره ~~بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه، فسأله فقال: ~~أمي تبعثني كل يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي ms1607 يتركني للعب مع الصبيان، ~~فقضى به للأم، قال: أنت أحق به. # قال شيخنا: وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي، وأمره الذي أوجبه الله # PageV05P424 # عليه، فهو عاص، ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته، ~~فلا ولاية له، بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما ~~أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب؛ إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب ~~الإمكان. قال شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم ~~والنكاح والولاء، سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا، بل هذا من جنس الولاية ~~التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به، وفعله بحسب الإمكان. قال: ~~فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها وأمها أقوم ~~بمصلحتها من تلك الضرة، فالحضانة هنا للأم قطعا، قال: ومما ينبغي أن يعلم ~~أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقا، ولا تخيير الولد بين ~~الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا، بل لا يقدم ~~ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن، والله أعلم. ### | [مذهب من قال ببطلان التخيير] # قالت الحنفية والمالكية: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: بيان الدليل ~~الدال على بطلان التخيير، والثاني: بيان عدم الدلالة في الأحاديث التي ~~استدللتم بها على التخيير، فأما الأول: فيدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~( «أنت أحق به» ) ، ولم يخيره. وأما المقام الثاني: فما رويتم من أحاديث ~~التخيير مطلقة لا تقييد فيها، وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها، بل قيدتم ~~التخيير بالسبع فما فوقها، وليس في شيء من الأحاديث ما يدل على ذلك، ونحن ~~نقول: إذا صار للغلام اختيار معتبر خير بين أبويه، وإنما يعتبر اختياره إذا ~~اعتبر قوله، وذلك بعد البلوغ، وليس تقييدكم وقت التخيير بالسبع أولى من ~~تقييدنا بالبلوغ، بل الترجيح من جانبنا؛ لأنه حينئذ يعتبر قوله، ويدل عليه ~~قولها: " وقد سقاني من بئر أبي عنبة "، وهي على أميال من المدينة، وغير ~~البالغ لا ms1608 يتأتى منه عادة أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر، ~~سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ، فليس فيه ما ينفيه، والواقعة ~~واقعة عين، وليس عن الشارع نص عام في تخيير من هو دون البلوغ حتى يجب # PageV05P425 # المصير إليه، سلمنا أنه فيه ما ينفي البلوغ، فمن أين فيه ما يقتضي ~~التقييد بسبع كما قلتم؟ ### | [رد المثبتين للتخيير على مبطليه] # قالت الشافعية والحنابلة ومن قال بالتخيير: لا يتأتى لكم الاحتجاج بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «أنت أحق به ما لم تنكحي» ) بوجه من الوجوه، فإن ~~منكم من يقول: إذا استغنى بنفسه، وأكل بنفسه، وشرب بنفسه، فالأب أحق به ~~بغير تخيير، ومنكم من يقول: إذا اثغر فالأب أحق به. # فنقول: النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم لها به ما لم تنكح، ولم يفرق بين ~~أن تنكح قبل بلوغ الصبي السن الذي يكون عنده أو بعده، وحينئذ فالجواب يكون ~~مشتركا بيننا وبينكم، ونحن فيه على سواء، فما أجبتم به أجاب به منازعوكم ~~سواء، فإن أضمرتم أضمروا، وإن قيدتم قيدوا، وإن خصصتم خصصوا. وإذا تبين هذا ~~فنقول: الحديث اقتضى أمرين. # أحدهما: أنها لا حق لها في الولد بعد النكاح. # والثاني: أنها أحق به ما لم تنكح، وكونها أحق به له حالتان، إحداهما: أن ~~يكون الولد صغيرا لم يميز، فهي أحق به مطلقا من غير تخيير. الثاني: أن يبلغ ~~سن التمييز، فهي أحق به أيضا، ولكن هذه الأولوية مشروطة بشرط، والحكم إذا ~~علق بشرط صدق إطلاقه اعتمادا على تقدير الشرط، وحينئذ فهي أحق به بشرط ~~اختياره لها، وغاية هذا أنه تقييد للمطلق بالأدلة الدالة على تخييره. ولو ~~حمل على إطلاقه - وليس بممكن البتة - لاستلزم ذلك إبطال أحاديث التخيير، ~~وأيضا فإذا كنتم قيدتموه بأنها أحق به إذا كانت مقيمة وكانت حرة ورشيدة ~~وغير ذلك من القيود التي لا ذكر لشيء منها في الأحاديث البتة - فتقييده ~~بالاختيار الذي دلت عليه السنة واتفق عليه الصحابة أولى. ### | [الرد على من قال إن التخيير يحصل ms1609 بعد البلوغ] # وأما حملكم أحاديث التخيير على ما بعد البلوغ فلا يصح؛ لخمسة أوجه: # أحدها: أن لفظ الحديث أنه خير غلاما بين أبويه، وحقيقة الغلام من لم # PageV05P426 # يبلغ، فحمله على البالغ إخراج له عن حقيقته إلى مجازه بغير موجب ولا ~~قرينة صارفة. # الثاني: أن البالغ لا حضانة عليه، فكيف يصح أن يخير ابن أربعين سنة بين ~~أبوين؟ هذا من الممتنع شرعا وعادة، فلا يجوز حمل الحديث عليه. # الثالث: أنه لم يفهم أحد من السامعين أنهم تنازعوا في رجل كبير بالغ ~~عاقل، وأنه خير بين أبويه، ولا يسبق إلى هذا فهم أحد البتة، ولو فرض تخييره ~~لكان بين ثلاثة أشياء: الأبوين، والانفراد بنفسه. # الرابع: أنه لا يعقل في العادة ولا العرف ولا الشرع أن تنازع الأبوان في ~~رجل كبير بالغ عاقل، كما لا يعقل في الشرع تخيير من هذه حاله بين أبويه. # الخامس: أن في بعض ألفاظ الحديث أن الولد كان صغيرا لم يبلغ، ذكره ~~النسائي، وهو حديث رافع بن سنان، وفيه: فجاء ابن لها صغير لم يبلغ، فأجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأب هاهنا والأم هاهنا، ثم خيره. # وأما قولكم: إن بئر أبي عنبة على أميال من المدينة، فجوابه: مطالبتكم ~~أولا بصحة هذا الحديث ومن ذكره، وثانيا: بأن مسكن هذه المرأة كان بعيدا من ~~هذه البئر، وثالثا بأن من له نحو العشر سنين لا يمكنه أن يستقي من البئر ~~المذكور عادة، وكل هذا مما لا سبيل إليه، فإن العرب وأهل البوادي يستقي ~~أولادهم الصغار من آبار هي أبعد من ذلك. # وأما تقييدنا له بالسبع، فلا ريب أن الحديث لا يقتضي ذلك، ولا هو أمر ~~مجمع عليه، فإن للمخيرين قولين، أحدهما: أنه يخير لخمس، حكاه إسحاق بن ~~راهويه، ذكره عنه حرب في " مسائله "، ويحتج لهؤلاء بأن الخمس هي السن التي ~~يصح فيها سماع الصبي، ويمكن أن يعقل فيها، وقد قال محمود بن الربيع: # PageV05P427 # ( «عقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في في وأنا ابن خمس سنين» ~~) . والقول الثاني: ms1610 أنه إنما يخير لسبع، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ~~رحمهم الله، واحتج لهذا القول بأن التخيير يستدعي التمييز والفهم، ولا ضابط ~~له في الأطفال، فضبط بمظنته وهي السبع، فإنها أول سن التمييز؛ ولهذا جعلها ~~النبي صلى الله عليه وسلم حدا للوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة. # وقولكم: إن الأحاديث وقائع أعيان، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملها على ~~تخيير الرجال البالغين كما تقدم. وفي بعضها لفظ " غلام "، وفي بعضها لفظ " ~~صغير لم يبلغ "، وبالله التوفيق. ### | [الاختلاف في قصة بنت حمزة] # فصل وأما قصة بنت حمزة، واختصام علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم فيها، وحكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بها لجعفر، فإن هذه الحكومة كانت عقيب فراغهم ~~من عمرة القضاء، فإنهم لما خرجوا من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي يا عم يا ~~عم، فأخذ علي بيدها، ثم تنازع فيها هو وجعفر وزيد، وذكر كل واحد من الثلاثة ~~ترجيحا، فذكر زيد أنها ابنة أخيه للمؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينه وبين حمزة، وذكر علي كونها ابنة عمه، وذكر جعفر مرجحين: ~~القرابة، وكون خالتها عنده، فتكون عند خالتها، فاعتبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرجح جعفر دون مرجح الآخرين، فحكم له، وجبر كل واحد منهم وطيب قلبه ~~بما هو أحب إليه من أخذ البنت. # فأما مرجح المؤاخاة فليس بمقتض للحضانة، ولكن زيدا كان وصي حمزة، وكان ~~الإخاء حينئذ يثبت به التوارث، فظن زيد أنه أحق بها لذلك. # وأما مرجح القرابة هاهنا وهي بنوة العم، فهل يستحق بها الحضانة؟ على ~~قولين، أحدهما: يستحق بها وهو منصوص الشافعي، وقول مالك، وأحمد، وغيره؛ ~~لأنه عصبة، وله ولاية بالقرابة، فقدم على الأجانب كما يقدم عليهم # PageV05P428 # في الميراث وولاية النكاح وولاية الموت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم ينكر على جعفر وعلي ادعاءهما حضانتها، ولو لم يكن لهما ذلك لأنكر عليهما ~~الدعوى الباطلة، فإنها دعوى ما ليس لهما، وهو لا يقر على باطل. # والقول الثاني: أنه لا حضانة لأحد من الرجال ms1611 سوى الآباء والأجداد، هذا ~~قول بعض أصحاب الشافعي، وهو مخالف لنصه وللدليل. فعلى قول الجمهور - وهو ~~الصواب - إذا كان الطفل أنثى، وكان ابن العم محرما لها برضاع أو نحوه - كان ~~له حضانتها، وإن جاوزت السبع وإن لم يكن محرما فله حضانتها صغيرة حتى تبلغ ~~سبعا، فلا يبقى له حضانتها، بل تسلم إلى محرمها أو امرأة ثقة. وقال أبو ~~البركات في " محرره ": لا حضانة له ما لم يكن محرما برضاع أو نحوه. # فإن قيل: فالحكم بالحضانة من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة هل ~~وقع للخالة أو لجعفر؟ # قيل: هذا مما اختلف فيه على قولين، منشؤهما اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك، ~~ففي " صحيح البخاري " من حديث البراء: فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~لخالتها. # وعن أبي داود: من حديث رافع بن عجير، عن أبيه، عن علي في هذه القصة. ( ~~«وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنما الخالة أم» ) . ثم ~~ساقه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال: قضى بها لجعفر؛ لأن خالتها ~~عنده، ثم ساقه من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ وهبيرة بن ~~يريم، وقال: ( «فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: الخالة ~~بمنزلة الأم» ) . # PageV05P429 # واستشكل كثير من الفقهاء هذا وهذا، فإن القضاء إن كان لجعفر فليس محرما ~~لها، وهو وعلي في القرابة منها سواء، وإن كان للخالة فهي مزوجة، والحاضنة ~~إذا تزوجت سقطت حضانتها، ولما ضاق هذا على ابن حزم طعن في القصة بجميع ~~طرقها. وقال أما حديث البخاري فمن رواية إسرائيل، وهو ضعيف، وأما حديث هانئ ~~وهبيرة فمجهولان، وأما حديث ابن أبي ليلى فمرسل، وأبو فروة الراوي عنه هو ~~مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف، وأما حديث نافع بن عجير فهو وأبوه ~~مجهولان، ولا حجة في مجهول، قال: إلا أن هذا الخبر بكل وجه حجة على الحنفية ~~والمالكية والشافعية؛ لأن خالتها كانت مزوجة بجعفر، وهو أجمل شاب في قريش، ~~وليس هو ذا رحم محرم من بنت حمزة. ms1612 قال ونحن لا ننكر قضاءه بها لجعفر من أجل ~~خالتها؛ لأن ذلك أحفظ لها. # قلت وهذا من تهوره رحمه الله وإقدامه على تضعيف ما اتفقت الناس على صحته، ~~فخالفهم وحده، فإن هذه القصة شهرتها في الصحاح والسنن والمسانيد والسير ~~والتواريخ تغني عن إسنادها، فكيف وقد اتفق عليها صاحب الصحيح، ولم يحفظ عن ~~أحد قبله الطعن فيها البتة، وقوله: إسرائيل ضعيف، فالذي غره في ذلك تضعيف ~~علي بن المديني له، ولكن أبى ذلك سائر أهل الحديث، واحتجوا به، ووثقوه ~~وثبتوه، قال أحمد: ثقة وتعجب من حفظه، وقال أبو حاتم. وهو من أتقن أصحاب ~~أبي إسحاق، ولا سيما وقد روى هذا الحديث عن أبي إسحاق، وكان يحفظ حديثه كما ~~يحفظ السورة من القرآن، وروى له الجماعة كلهم محتجين به. # وأما قوله: إن هانئا وهبيرة مجهولان، فنعم مجهولان عنده، معروفان عند أهل ~~السنن، وثقهما الحفاظ، فقال النسائي: هانئ بن هانئ ليس به بأس، وهبيرة روى ~~له أهل السنن الأربعة وقد وثق. # PageV05P430 # وأما قوله: حديث ابن أبي ليلى وأبو فروة الراوي عنه مسلم بن مسلم الجهني ~~ليس بالمعروف، فالتعليلان باطلان؛ فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى روى عن علي ~~غير حديث، وعن عمر، ومعاذ رضي الله عنهما. والذي غر أبا محمد أن أبا داود ~~قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا سفيان عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى بهذا الخبر، وظن أبو محمد، أن عبد الرحمن لم يذكر عليا في الرواية، ~~فرماه بالإرسال، وذلك من وهمه، فإن ابن أبي ليلى روى القصة عن علي، ~~فاختصرها أبو داود، وذكر مكان الاحتجاج، وأحال على العلم المشهور برواية ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، وهذه القصة قد رواها علي، وسمعها منه ~~أصحابه: هانئ بن هانئ، وهبيرة بن يريم، وعجير بن عبد يزيد، وعبد الرحمن بن ~~أبي ليلى، فذكر أبو داود حديث الثلاثة الأولين لسياقهم لها بتمامها، وأشار ~~إلى حديث ابن أبي ليلى؛ لأنه لم يتمه، وذكر السند منه إليه، فبطل الإرسال، ~~ثم رأيت أبا ms1613 بكر الإسماعيلي قد روى هذا الحديث في مسند علي مصرحا فيه ~~بالاتصال، فقال: أخبرنا الهيثم بن خلف، حدثنا عثمان بن سعيد المقري، حدثنا ~~يوسف بن عدي، حدثنا سفيان، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ~~علي، أنه اختصم هو وجعفر وزيد، وذكر الحديث. # وأما قوله: إن أبا فروة ليس بالمعروف، فقد عرفه سفيان بن عيينة وغيره، ~~وخرجا له في " الصحيحين ". # وأما رميه نافع بن عجير وأباه بالجهالة، فنعم، ولا يعرف حالهما، وليسا من ~~المشهورين بنقل العلم، وإن كان نافع أشهر من أبيه؛ لرواية ثقتين عنه: محمد ~~بن إبراهيم التميمي، وعبد الله بن علي، فليس الاعتماد على روايتهما، وبالله ~~التوفيق، فثبتت صحة الحديث. # وأما الجواب عن استشكال من استشكله، فنقول وبالله التوفيق: لا إشكال، # PageV05P431 # سواء كان القضاء لجعفر أو للخالة، فإن ابنة العم إذا لم يكن لها قرابة ~~سوى ابن عمها جاز أن تجعل مع امرأته في بيته، بل يتعين ذلك وهو أولى من ~~الأجنبي، لا سيما إن كان ابن العم مبرزا في الديانة، والعفة والصيانة، فإنه ~~في هذه الحال أولى من الأجانب بلا ريب. # فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ابن عمها، وكان محرما لها؛ لأن ~~حمزة كان أخاه من الرضاعة، فهلا أخذها هو؟ # قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في شغل شاغل بأعباء الرسالة، ~~وتبليغ الوحي، والدعوة إلى الله، وجهاد أعداء الله عن فراغه للحضانة، فلو ~~أخذها لدفعها إلى بعض نسائه، فخالتها أمس بها رحما وأقرب. # وأيضا فإن المرأة من نسائه لم تكن تجيئها النوبة إلا بعد تسع ليال، فإن ~~دارت الصبية معه حيث دار، كان مشقة عليها، وكان فيه من بروزها وظهورها كل ~~وقت ما لا يخفى، وإن جلست في بيت إحداهن كانت لها الحضانة وهي أجنبية. هذا ~~إن كان القضاء لجعفر وإن كان للخالة - وهو الصحيح وعليه يدل الحديث الصحيح ~~الصريح - فلا إشكال؛ لوجوه: # أحدها: أن نكاح الحاضنة لا يسقط حضانة البنت، كما هو إحدى الروايتين عن ~~أحمد، وأحد قولي ms1614 العلماء، وحجة هذا القول الحديث، وقد تقدم سر الفرق بين ~~الذكر والأنثى. # الثاني: أن نكاحها قريبا من الطفل لا يسقط حضانتها، وجعفر ابن عمها. # الثالث: أن الزوج إذا رضي بالحضانة وآثر كون الطفل عنده في حجره لم تسقط ~~الحضانة، هذا هو الصحيح، وهو مبني على أصل، وهو أن سقوط الحضانة بالنكاح هو ~~مراعاة لحق الزوج، فإنه يتنغص عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة لحضانتها ~~لولد غيره، ويتنكد عليه عيشه مع المرأة، لا # PageV05P432 # يؤمن أن يحصل بينهما خلاف المودة والرحمة؛ ولهذا كان للزوج أن يمنعها من ~~هذا مع اشتغالها هي بحقوق الزوج، فتضيع مصلحة الطفل، فإذا آثر الزوج ذلك، ~~وطلبه وحرص عليه، زالت المفسدة التي لأجلها سقطت الحضانة، والمقتضي قائم، ~~فيترتب عليه أثره، يوضحه أن سقوط الحضانة بالنكاح ليست حقا لله، وإنما هي ~~حق للزوج وللطفل وأقاربه، فإذا رضي من له الحق جاز، فزال الإشكال على كل ~~تقدير، وظهر أن هذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الأحكام ~~وأوضحها، وأشدها موافقة للمصلحة، والحكمة، والرحمة، والعدل، وبالله ~~التوفيق. # فهذه ثلاثة مدارك في الحديث للفقهاء، أحدها: أن نكاح الحاضنة لا يسقط ~~حضانتها، كما قاله الحسن البصري، وقضى به يحيى بن حمزة، وهو مذهب أبي محمد ~~ابن حزم. # والثاني: أن نكاحها لا يسقط حضانة البنت، ويسقط حضانة الابن، كما قاله ~~أحمد في إحدى روايتيه. # والثالث: أن نكاحها لقريب الطفل لا يسقط حضانتها، ونكاحها للأجنبي ~~يسقطها، كما هو المشهور من مذهب أحمد. # وفيه مدرك رابع لمحمد بن جرير الطبري، وهو أن الحاضنة إن كانت أما ~~والمنازع لها الأب، سقطت حضانتها بالتزويج، وإن كانت خالة أو غيرها من نساء ~~الحضانة، لم تسقط حضانتها بالتزويج، وكذلك إن كانت أما والمنازع لها غير ~~الأب من أقارب الطفل لم تسقط حضانتها. # ونحن نذكر كلامه وما له وعليه فيه، قال في " تهذيب الآثار " بعد ذكر حديث ~~ابنة حمزة: فيه الدلالة الواضحة على أن قيم الصبية الصغيرة والطفل الصغير ~~من قرابتهما من قبل أمهاتهما من النساء أحق بحضانتهما ms1615 من عصباتهما من قبل ~~الأب، وإن كن ذوات أزواج غير الأب الذي هما منه، وذلك أن # PageV05P433 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها في الحضانة، وقد ~~تنازع فيها ابنا عمها علي وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم آخى بينه وبينه، وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها، وذلك بعد ~~مقتل حمزة وكان معلوما بذلك صحة قول من قال: لا حق لعصبة الصغير والصغيرة ~~من قبل الأب في حضانته ما لم تبلغ حد الاختيار، بل قرابتهما من النساء من ~~قبل أمهما أحق، وإن كن ذوات أزواج. # فإن قال قائل: فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفت من أن أم الصغير ~~والصغيرة وقرابتهما من النساء من قبل أمهاتهما أحق بحضانتهما، وإن كن ذوات ~~أزواج من قرابتهما من قبل الأب من الرجال الذين هم عصبتهما، فهلا كانت الأم ~~ذات الزوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد كما كانت الخالة أحق بهما وإن ~~كان لها زوج غير أبيهما؟ وإلا فما الفرق؟ # قيل: الفرق بينهما واضح، وذلك لقيام الحجة بالنقل المستفيض روايته عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الأم أحق بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من ~~والدهم، ما لم تنكح زوجا غيره، ولم يخالف في ذلك من يجوز الاعتراض به على ~~الحجة فيما نعلمه. وقد روي في ذلك خبر، وإن كان في إسناده نظر، فإن النقل ~~الذي وصفت أمره دال على صحته، وإن كان واهي السند. ثم ساق حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده: ( «أنت أحق به ما لم تنكحي» ) من طريق المثنى بن ~~الصباح عنه. # ثم قال: وأما إذا نازعها فيه عصبة أبيه، فصحة الخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي ذكرناه أنه جعل الخالة ذات الزوج، غير أبي الصبية أحق بها ~~من بني عمها وهم عصبتها، فكانت الأم أحق بأن تكون أولى منهم وإن كان لها ~~زوج غير أبيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الخالة أولى منهم ms1616 ~~لقرابتها من الأم، وإذا كان ذلك كالذي وصفنا تبين أن القول الذي قلناه في ~~المسألتين أصل إحداهما من جهة النقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد ~~العدول، فإذا كان # PageV05P434 # كذلك فغير جائز رد حكم إحداهما إلى حكم الأخرى، إذ القياس إنما يجوز ~~استعماله فيما لا نص فيه من الأحكام، فأما ما فيه نص من كتاب الله أو خبر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا حظ فيه للقياس. # فإن قال قائل: زعمت أنك إنما أبطلت حق الأم من الحضانة إذا نكحت زوجا غير ~~أبي الطفل، وجعلت الأب أولى بحضانتها منها بالنقل المستفيض، فكيف يكون ذلك ~~كما قلت؟ وقد علمت أن الحسن البصري كان يقول: المرأة أحق بولدها وإن تزوجت، ~~وقضى بذلك يحيى بن حمزة. # قيل: إن النقل المستفيض الذي تلزم به الحجة في الدين عندنا ليس صفته ألا ~~يكون له مخالف، ولكن صفته أن ينقله قولا وعملا من علماء الأمة من ينتفي عنه ~~أسباب الكذب والخطأ، وقد نقل من صفته ذلك من علماء الأمة أن المرأة إذا ~~نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجا غيره أن الأب أولى بحضانة ابنتها منها، ~~فكان ذلك حجة لازمة غير جائز الاعتراض عليها بالرأي، وهو قول من يجوز عليه ~~الغلط في قوله، انتهى كلامه. ### | [ذكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود] # فأما قوله: إن فيه الدلالة على أن قرابة الطفل من قبل أمهاته من النساء ~~أحق بحضانته من عصباته من قبل الأب وإن كن ذوات أزواج، فلا دلالة فيه على ~~ذلك البتة، بل أحد ألفاظ الحديث صريح في خلافه، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: ( «وأما الابنة فإني أقضي بها لجعفر» ) ، وأما اللفظ الآخر: ( «فقضى ~~بها لخالتها وقال: هي أم» ) وهو اللفظ الذي احتج به أبو جعفر، فلا دليل على ~~أن قرابة الأم مطلقا أحق من قرابة الأب، بل إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليا وجعفرا على دعوى الحضانة يدل على أن لقرابة الأب مدخلا فيها، وإنما ~~قدم الخالة لكونها أنثى من ms1617 أهل الحضانة، فتقديمها على قرابة الأب كتقديم ~~الأم على الأب، والحديث ليس فيه لفظ عام يدل على ما ادعاه، لا من أن من كان ~~من قرابة الأم أحق بالحضانة من العصبة من قبل الأب # PageV05P435 # حتى تكون بنت الأخت للأم أحق من العم، وبنت الخالة أحق من العم والعمة، ~~فأين في الحديث دلالة على هذا فضلا عن أن تكون واضحة. # قوله: وكان معلوما بذلك صحة قول من قال: لا حق لعصبة الصغير والصغيرة من ~~قبل الأب في حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار، يعني: فيخير بين قرابة أبيه ~~وأمه، فيقال: ليس ذلك معلوما من الحديث ولا مظنونا، وإنما دل الحديث على أن ~~ابن العم المزوج بالخالة أولى من ابن العم الذي ليس تحته خالة الطفل، ويبقى ~~تحقيق المناط: هل كانت جهة التعصيب مقتضية للحضانة فاستوت في شخصين؟ فرجح ~~أحدهما بكون خالة الطفل عنده وهي من أهل الحضانة، كما فهمه طائفة من أهل ~~الحديث، أو أن قرابة الأم وهي الخالة أولى بحضانة الطفل من عصبة الأب، ولم ~~تسقط حضانتها بالتزويج إما لكون الزوج لا يسقط الحضانة مطلقا، كقول الحسن ~~ومن وافقه، وإما لكون المحضونة بنتا كما قاله أحمد في رواية، وإما لكون ~~الزوج قرابة الطفل كالمشهور من مذهب أحمد، وإما لكون الحاضنة غير أم نازعها ~~الأب، كما قاله أبو جعفر، فهذه أربعة مدارك، ولكن المدرك الذي اختاره أبو ~~جعفر ضعيف جدا، فإن المعنى الذي أسقط حضانة الأم بتزويجها هو بعينه موجود ~~في سائر نساء الحضانة، والخالة غايتها أن تقوم مقام الأم، وتشبه بها، فلا ~~تكون أقوى منها، وكذلك سائر قرابة الأم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم ~~حكما عاما أن سائر أقارب الأم من كن لا تسقط حضانتهن بالتزويج، وإنما حكم ~~حكما معينا لخالة ابنة حمزة بالحضانة مع كونها مزوجة بقريب من الطفل، ~~والطفل ابنة. # وأما الفرق الذي فرق بين الأم وغيرها بالنقل المستفيض إلى آخره، فيريد به ~~الإجماع الذي لا ينقضه عنده مخالفة الواحد والاثنين، وهذا أصل تفرد به، ~~ونازعه ms1618 فيه الناس. # وأما حكمه على حديث عمرو بن شعيب بأنه واه، فمبني على ما وصل إليه من ~~طريقه، فإن فيه المثنى بن الصباح، وهو ضعيف أو متروك، ولكن الحديث قد # PageV05P436 # رواه الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواه أبو داود في " ~~سننه ". ### | [فصل المسلك الخامس في قصة بنت حمزة] # فصل وفي الحديث مسلك خامس، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها ~~لخالتها وإن كانت ذات زوج؛ لأن البنت تحرم على الزوج تحريم الجمع بين ~~المرأة وخالتها، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا بعينه في حديث ~~داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله وقال فيه: ( ~~«وأنت يا جعفر أولى بها: تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على ~~خالتها» ) ، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يقتضي أن يكون الحاضن ذا ~~رحم تحرم عليه البنت على التأبيد حتى يعترض به على هذا المسلك، بل هذا مما ~~لا تأباه قواعد الفقه وأصول الشريعة، فإن الخالة ما دامت في عصمة الحاضن ~~فبنت أختها محرمة عليه، فإذا فارقها فهي مع خالتها، فلا محذور في ذلك أصلا، ~~ولا ريب أن القول بهذا أخير وأصلح للبنت من رفعها إلى الحاكم يدفعها إلى ~~أجنبي تكون عنده؛ إذ الحاكم غير متصد للحضانة بنفسه، فهل يشك أحد أن ما حكم ~~به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة هو عين المصلحة والحكمة ~~والعدل، وغاية الاحتياط للبنت والنظر لها، وأن كل حكم خالفه لا ينفك عن جور ~~أو فساد لا تأتي به الشريعة، فلا إشكال في حكمه صلى الله عليه وسلم، ~~والإشكال كل الإشكال فيما خالفه، والله المستعان وعليه التكلان. ### | [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في النفقة على الزوجات] # وأنه لم يقدرها، ولا ورد عنه ما يدل على تقديرها، وإنما رد الأزواج فيها ~~إلى العرف. # ثبت عنه في " صحيح مسلم " أنه قال في خطبة حجة الوداع بمحضر الجمع العظيم ~~قبل وفاته ببضعة وثمانين يوما: ms1619 ( «واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن ~~بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن # PageV05P437 # وكسوتهن بالمعروف» ) . # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في " الصحيحين ": ( «أن هندا امرأة أبي ~~سفيان قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، ليس يعطيني من النفقة ما يكفيني ~~وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ) ~~. # وفي " سنن أبي داود " من حديث حكيم بن معاوية، عن أبيه رضي الله عنه قال: ~~( «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ما تقول في ~~نسائنا؟ قال: أطعموهن مما تأكلون، واكسوهن مما تلبسون، ولا تضربوهن ولا ~~تقبحوهن» ) . # وهذا الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مطابق لكتاب الله عز وجل، ~~حيث يقول تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] [البقرة: ~~233] والنبي صلى الله عليه وسلم جعل نفقة المرأة مثل نفقة الخادم، وسوى ~~بينهما في عدم التقدير، وردهما إلى المعروف فقال: ( «للمملوك طعامه وكسوته ~~بالمعروف» ) فجعل نفقتهما بالمعروف، ولا ريب أن نفقة الخادم غير مقدرة، ولم ~~يقل أحد بتقديرها. # وصح عنه في الرقيق أنه قال: ( «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون» ~~) . # رواه مسلم، كما قال في الزوجة سواء. # PageV05P438 # وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (امرأتك تقول: إما أن تطعمني، ~~وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني. ويقول الابن: أطعمني إلى ~~من تدعني) فجعل نفقة الزوجة والرقيق والولد كلها الإطعام لا التمليك. # وروى النسائي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. # وقال تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} [المائدة: 89] ~~[المائدة: 89] ، وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (الخبز والزيت) ، ~~وصح عن ابن عمر رضي الله عنه: (الخبز والسمن، والخبز والتمر، ومن أفضل ما ~~تطعمون الخبز واللحم) . # ففسر الصحابة إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم، والله ورسوله ذكرا ~~الإنفاق مطلقا من غير تحديد ولا تقدير ولا تقييد، فوجب رده ms1620 إلى العرف لو لم ~~يرده إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف وهو الذي رد ذلك إلى العرف، ~~وأرشد أمته إليه؟ ومن المعلوم أن أهل العرف إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق ~~على أهليهم حتى من يوجب التقدير: الخبز والإدام دون الحب، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه إنما كانوا ينفقون على أزواجهم، كذلك دون تمليك الحب ~~وتقديره؛ ولأنها نفقة واجبة بالشرع، فلم تقدر بالحب كنفقة الرقيق، ولو كانت ~~مقدرة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم هندا أن تأخذ المقدر لها شرعا، ولما ~~أمرها أن تأخذ ما يكفيها من غير تقدير ورد الاجتهاد في ذلك إليها، ومن ~~المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في مدين ولا في رطلين، بحيث لا يزيد ~~عليهما ولا ينقص، ولفظه لم يدل على ذلك بوجه، ولا إيماء، ولا إشارة، وإيجاب ~~مدين أو رطلين خبزا قد يكون أقل من الكفاية، فيكون تركا # PageV05P439 # للمعروف، وإيجاب قدر الكفاية مما يأكل الرجل وولده ورقيقه وإن كان أقل من ~~مد أو من رطلي خبز إنفاق بالمعروف، فيكون هذا هو الواجب بالكتاب والسنة؛ ~~ولأن الحب يحتاج إلى طحنه وخبزه وتوابع ذلك، فإن أخرجت ذلك من مالها، لم ~~تحصل الكفاية بنفقة الزوج، وإن فرض عليه ذلك لها من ماله كان الواجب حبا ~~ودراهم، ولو طلبت مكان الخبز دراهم أو حبا أو دقيقا أو غيره، لم يلزمه ~~بذله، ولو عرض عليها ذلك أيضا لم يلزمها قبوله؛ لأن ذلك معاوضة، فلا يجبر ~~أحدهما على قبولها، ويجوز تراضيهما على ما اتفقا عليه. # والذين قدروا النفقة اختلفوا، فمنهم من قدرها بالحب، وهو الشافعي، فقال: ~~نفقة الفقير مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أقل ما يدفع في الكفارة ~~إلى الواحد مد، والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل، فقال: ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} [المائدة: ~~89] [المائدة: 89] ، قال: وعلى الموسر مدان؛ لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه ~~للواحد مدان في كفارة الأذى، وعلى المتوسط مد ونصف، نصف نفقة الموسر، ونصف ~~نفقة ms1621 الفقير. # وقال القاضي أبو يعلى: مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة، والواجب ~~رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر والمعسر اعتبارا بالكفارات، وإنما ~~يختلفان في صفته وجودته؛ لأن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول وما تقوم ~~به البنية، وإنما يختلفان في جودته، فكذلك النفقة الواجبة. # والجمهور قالوا: لا يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة، لا بمد ولا ~~برطل، والمحفوظ عنهم بل الذي اتصل به العمل في كل عصر ومصر ما ذكرناه. # قالوا: ومن الذي سلم لكم التقدير بالمد والرطل في الكفارة، والذي دل عليه ~~القرآن والسنة أن الواجب في الكفارة الإطعام فقط لا التمليك؟ قال تعالى في ~~كفارة اليمين: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} ~~[المائدة: 89] # PageV05P440 # [المائدة: 89] ، وقال في كفارة الظهار: {فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا} [المجادلة: 4] [المجادلة: 4] وقال في فدية الأذى: {ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] [البقرة: 196] وليس في القرآن في إطعام ~~الكفارات غير هذا، وليس في موضع واحد منها تقدير ذلك بمد ولا رطل، وصح «عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن وطئ في نهار رمضان: (أطعم ستين ~~مسكينا) » ، وكذلك قال للمظاهر، ولم يحد ذلك بمد ولا رطل. # فالذي دل عليه القرآن والسنة، أن الواجب في الكفارات والنفقات هو الإطعام ~~لا التمليك، وهذا هو الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم. قال أبو بكر بن أبي ~~شيبة: حدثنا أبو خالد، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: يغديهم ~~ويعشيهم خبزا وزيتا. # وقال إسحاق عن الحارث: كان علي يقول في إطعام المساكين في كفارة اليمين: ~~يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا، أو خبزا وسمنا. # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يعلى، عن ليث قال: كان عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه يقول: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: ~~الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز واللحم. # PageV05P441 # وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أوسط ما يطعم الرجل أهله الخبز ~~واللبن، والخبز والزيت، والخبز والسمن، ms1622 ومن أفضل ما يطعم الرجل أهله الخبز ~~واللحم) . # وقال يزيد بن زريع: حدثنا يونس، عن محمد بن سيرين، أن أبا موسى الأشعري ~~كفر عن يمين له مرة، فأمر بجيرا أو جبيرا يطعم عنه عشرة مساكين خبزا ولحما، ~~وأمر لهم بثوب معقد أو ظهراني. # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن حميد، ~~أن أنسا رضي الله عنه مرض قبل أن يموت، فلم يستطع أن يصوم، وكان يجمع ~~ثلاثين مسكينا فيطعمهم خبزا ولحما أكلة واحدة. # وأما التابعون، فثبت ذلك عن الأسود بن يزيد، وأبي رزين، وعبيدة، ومحمد بن ~~سيرين، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وشريح، وجابر بن زيد، وطاووس، ~~والشعبي، وابن بريدة، والضحاك، والقاسم، وسالم، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن ~~كعب، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والأسانيد عنهم بذلك في أحكام القرآن ~~لإسماعيل بن إسحاق، منهم من يقول: يغدي المساكين ويعشيهم. ومنهم من يقول: ~~أكلة واحدة. ومنهم من يقول: خبز ولحم، خبز وزيت، خبز وسمن، وهذا مذهب أهل ~~المدينة، وأهل العراق، # PageV05P442 # وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى: أن طعام الكفارة مقدر دون ~~نفقة الزوجات. # فالأقوال ثلاثة: التقدير فيهما كقول الشافعي وحده، وعدم التقدير فيهما ~~كقول مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. والتقدير في الكفارة دون ~~النفقة كالرواية الأخرى عنه. # قال من نصر هذا القول: الفرق بين النفقة والكفارة أن الكفارة لا تختلف ~~باليسار والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، ولا أوجبها الشارع بالمعروف، ~~كنفقة الزوجة والخادم، والإطعام فيها حق لله تعالى لا لآدمي معين، فيرضى ~~بالعوض عنه؛ ولهذا لو أخرج القيمة لم يجزه، وروي التقدير فيها عن الصحابة، ~~فقال القاضي إسماعيل: حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، ~~عن أبي وائل، عن يسار بن نمير، قال: قال عمر: (إن ناسا يأتوني يسألوني، ~~فأحلف أني لا أعطيهم، ثم يبدو لي أن أعطيهم، فإذا أمرتك أن تكفر فأطعم عني ~~عشرة مساكين، لكل مسكين صاعا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من بر) . # حدثنا حجاج بن المنهال ms1623 وسليمان بن حرب قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن سلمة ~~بن كهيل، عن يحيى بن عباد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (يا يرفا، ~~إذا حلفت فحنثت، فأطعم عني ليميني خمسة أصوع عشرة مساكين) . # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عمر بن أبي مرة، عن ~~عبد الله بن سلمة، عن علي قال: (كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين ~~نصف صاع) . # حدثنا عبد الرحيم وأبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن قرط، عن جدته، # PageV05P443 # عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنا نطعم نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر ~~في كفارة اليمين) . # وقال إسماعيل: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام بن أبي عبد الله، حدثنا ~~يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زيد بن ثابت قال: (يجزئ في كفارة اليمين ~~لكل مسكين مد حنطة) . # حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن يزيد، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر ~~رضي الله عنه كان إذا ذكر اليمين أعتق، وإذا لم يذكرها أطعم عشرة مساكين، ~~لكل مسكين مد مد. # وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما: (في كفارة اليمين مد ومعه أدمه) . # وأما التابعون فثبت ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد وقال: ~~كل طعام ذكر في القرآن للمساكين فهو نصف صاع، وكان يقول في كفارة الأيمان ~~كلها: مدان لكل مسكين. # وقال حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم ~~يعطون في كفارة اليمين مدا بالمد الأول. وقال القاسم وسالم وأبو سلمة: مد ~~مد من بر، وقال عطاء: فرقا بين عشرة، ومرة قال: مد مد. # قالوا: وقد ثبت في " الصحيحين " ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب ~~بن عجرة في كفارة فدية الأذى: أطعم ستة مساكين نصف صاع نصف صاع، طعاما لكل ~~مسكين» ) . فقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدية الأذى، فجعلنا تقديرها ~~أصلا، وعديناها إلى سائر الكفارات. ثم قال من قدر طعام الزوجة: ms1624 ثم رأينا ~~النفقات والكفارات قد اشتركا في الوجوب، فاعتبرنا إطعام النفقة بإطعام ~~الكفارة، ورأينا الله سبحانه # PageV05P444 # قد قال في جزاء الصيد: {أو كفارة طعام مساكين} [المائدة: 95] [المائدة: ~~95] ، وما أجمعت الأمة أن الطعام مقدر فيها، ولهذا لو عدم الطعام، صام عن ~~كل مد يوما، كما أفتى به ابن عباس والناس بعده، فهذا ما احتجت به هذه ~~الطائفة على تقدير طعام الكفارة. # قال الآخرون: لا حجة في أحد دون الله ورسوله وإجماع الأمة، وقد أمرنا ~~تعالى أن نرد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله، وذلك خير لنا حالا وعاقبة، ~~ورأينا الله سبحانه إنما قال في الكفارة: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة: ~~89] ، و {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] ، فعلق الأمر بالمصدر الذي هو ~~الإطعام، ولم يحد لنا جنس الطعام ولا قدره، وحد لنا جنس المطعمين وقدرهم، ~~فأطلق الطعام وقيد المطعومين، ورأيناه سبحانه حيث ذكر إطعام المسكين في ~~كتابه، فإنما أراد به الإطعام المعهود المتعارف، كقوله تعالى: {وما أدراك ~~ما العقبة - فك رقبة - أو إطعام في يوم ذي مسغبة - يتيما} [البلد: 12 - 15] ~~[البلد: 12] . وقال: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} ~~[الإنسان: 8] [الإنسان: 8] وكان من المعلوم يقينا، أنهم لو غدوهم أو عشوهم ~~أو أطعموهم خبزا ولحما أو خبزا ومرقا ونحوه لكانوا ممدوحين داخلين فيمن ~~أثنى عليهم، وهو سبحانه عدل عن الطعام الذي هو اسم للمأكول إلى الإطعام ~~الذي هو مصدر صريح، وهذا نص في أنه إذا أطعم المساكين، ولم يملكهم، فقد ~~امتثل ما أمر به، وصح في كل لغة وعرف: أنه أطعمهم. # قالوا: وفي أي لغة لا يصدق لفظ الإطعام إلا بالتمليك؟ ولما قال أنس رضي ~~الله عنه ( «إن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم الصحابة في وليمة زينب خبزا ~~ولحما» ) . كان قد اتخذ طعاما ودعاهم إليه على عادة الولائم، وكذلك قوله في ~~وليمة صفية (أطعمهم حيسا) ، وهذا أظهر من أن نذكر شواهده، قالوا: وقد زاد ~~ذلك # PageV05P445 # إيضاحا وبيانا بقوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] ~~[المائدة: 89] ، ومعلوم يقينا أن الرجل إنما يطعم أهله الخبز واللحم ms1625 والمرق ~~واللبن ونحو ذلك، فإذا أطعم المساكين من ذلك فقد أطعمهم من أوسط ما يطعم ~~أهله بلا شك، ولهذا اتفق الصحابة رضي الله عنهم في إطعام الأهل على أنه غير ~~مقدر كما تقدم، والله سبحانه جعله أصلا لطعام الكفارة، فدل بطريق الأولى ~~على أن طعام الكفارة غير مقدر. # وأما من قدر طعام الأهل، فإنما أخذ من تقدير طعام الكفارة، فيقال: هذا ~~خلاف مقتضى النص، فإن الله أطلق طعام الأهل وجعله أصلا لطعام الكفارة، فعلم ~~أن طعام الكفارة لا يتقدر كما لا يتقدر أصله، ولا يعرف عن صحابي ألبتة ~~تقدير طعام الزوجة مع عموم هذه الواقعة في كل وقت. # قالوا: فأما الفروق التي ذكرتموها، فليس فيها ما يستلزم تقدير طعام ~~الكفارة، وحاصلها خمسة فروق، أنها لا تختلف باليسار والإعسار، وأنها لا ~~تتقدر بالكفاية، ولا أوجبها الشارع بالمعروف، ولا يجوز إخراج العوض عنها، ~~وهي حق لله لا تسقط بالإسقاط بخلاف نفقة الزوجة، فيقال: نعم لا شك في صحة ~~هذه الفروق، ولكن من أين يستلزم وجوب تقديرها بمد ومدين؟ بل هي إطعام واجب ~~من جنس ما يطعم أهله، ومع ثبوت هذه الأحكام لا يدل على تقديرها بوجه. # وأما ما ذكرتم عن الصحابة من تقديرها، فجوابه من وجهين. # أحدهما: أنا قد ذكرنا عن جماعة منهم: علي وأنس وأبو موسى وابن # PageV05P446 # مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا: يجزئ أن يغديهم ويعشيهم. # الثاني: أن من روي عنهم المد والمدان لم يذكروا ذلك تقديرا وتحديدا، بل ~~تمثيلا، فإن منهم من روي عنه المد، وروي عنه مدان، وروي عنه مكوك، وروي عنه ~~جواز التغدية والتعشية، وروي عنه أكلة، وروي عنه رغيف أو رغيفان، فإن كان ~~هذا اختلافا فلا حجة فيه، وإن كان بحسب حال المستفتي وبحسب حال الحالف ~~والمكفر فظاهر، وإن كان ذلك على سبيل التمثيل فكذلك. فعلى كل تقدير لا حجة ~~فيه على التقديرين. # قالوا: وأما الإطعام في فدية الأذى فليس من هذا الباب؛ فإن الله سبحانه ~~قال: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] [البقرة: ms1626 196] ، والله ~~سبحانه أطلق هذه الثلاثة ولم يقيدها. وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تقييد الصيام بثلاثة أيام، وتقييد النسك بذبح شاة، وتقييد الإطعام بستة ~~مساكين لكل مسكين نصف صاع، ولم يقل سبحانه في فدية الأذى: فإطعام ستة ~~مساكين، ولكن أوجب صدقة مطلقة وصوما مطلقا ودما مطلقا فعينه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالفرق، والثلاثة الأيام، والشاة. # وأما جزاء الصيد فإنه من غير هذا الباب، فإن المخرج إنما يخرج قيمة الصيد ~~من الطعام، وهي تختلف بالقلة والكثرة، فإنها بدل متلف لا ينظر فيها إلى عدد ~~المساكين، وإنما ينظر فيها إلى مبلغ الطعام، فيطعمه المساكين على ما يرى من ~~إطعامهم وتفضيل بعضهم على بعض، فتقدير الطعام فيها على حسب المتلف، وهو يقل ~~ويكثر، وليس ما يعطاه كل مسكين مقدرا. # ثم إن التقدير بالحب يستلزم أمرا باطلا بين البطلان، فإنه إذا كان الواجب ~~لها عليه شرعا الحب، وأكثر الناس إنما يطعم أهله الخبز، فإن جعلتم هذا ~~معاوضة كان ربا ظاهرا، وإن لم تجعلوه معاوضة فالحب ثابت لها في ذمته ولم ~~تعتض عنه فلم تبرأ ذمته منه إلا بإسقاطها وإبرائها، فإذا لم تبرئه طالبته ~~بالحب مدة طويلة مع إنفاقه عليها كل يوم حاجتها من الخبز والأدم، وإن مات ~~أحدهما # PageV05P447 # كان الحب دينا له أو عليه، يؤخذ من التركة مع سعة الإنفاق عليها كل يوم. # ومعلوم أن الشريعة الكاملة المشتملة على العدل والحكمة والمصلحة تأبى ذلك ~~كل الإباء، وتدفعه كل الدفع كما يدفعه العقل والعرف، ولا يمكن أن يقال: إن ~~النفقة التي في ذمته تسقط بالذي له عليها من الخبز والأدم لوجهين، أحدهما: ~~أنه لم يبعه إياها، ولا اقترضه منها حتى يثبت في ذمتها، بل هي معه فيه على ~~حكم الضيف لامتناع المعاوضة عن الحب بذلك شرعا. ولو قدر ثبوته في ذمتها لما ~~أمكنت المقاصة لاختلاف الدينين جنسا، والمقاصة تعتمد اتفاقهما. هذا وإن قيل ~~بأحد الوجهين إنه لا يجوز المعاوضة على النفقة مطلقا لا بدراهم ولا بغيرها ~~لأنه معاوضة عما لم يستقر ولم يجب، ms1627 فإنها إنما تجب شيئا فشيئا، فإنه لا تصح ~~المعاوضة عليها حتى تستقر بمضي الزمان، فيعاوض عنها كما يعاوض عما هو مستقر ~~في الذمة من الديون، ولما لم يجد بعض أصحاب الشافعي من هذا الإشكال مخلصا ~~قال: الصحيح أنها إذا أكلت سقطت نفقتها. قال الرافعي في " محرره ": أولى ~~الوجهين السقوط، وصححه النووي لجريان الناس عليه في كل عصر ومصر، واكتفاء ~~الزوجة به. وقال الرافعي في " الشرح الكبير "، و " الأوسط ": فيه وجهان. ~~أقيسهما: أنها لا تسقط؛ لأنه لم يوف الواجب وتطوع بما ليس بواجب، وصرحوا ~~بأن هذين الوجهين في الرشيدة التي أذن لها قيمها، فإن لم يأذن لها لم تسقط ~~وجها واحدا. ### | [فصل ما استنبط من حديث شكوى هند] # فصل وفي حديث هند: دليل على جواز قول الرجل في غريمه ما فيه من العيوب ~~عند شكواه، وأن ذلك ليس بغيبة، ونظير ذلك قول الآخر في خصمه: يا رسول الله، ~~إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه. # وفيه دليل على تفرد الأب بنفقة أولاده ولا تشاركه فيها الأم، وهذا إجماع ~~من العلماء إلا قول شاذ لا يلتفت إليه أن على الأم من النفقة بقدر ميراثها، ~~وزعم # PageV05P448 # صاحب هذا القول أنه طرد القياس على كل من له ذكر وأنثى في درجة واحدة، ~~وهما وارثان فإن النفقة عليهما، كما لو كان له أخ وأخت أو أم وجد أو ابن ~~وبنت فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما، فكذلك الأب والأم. # والصحيح: انفراد العصبة بالنفقة، وهذا كله كما ينفرد الأب دون الأم ~~بالإنفاق، وهذا هو مقتضى قواعد الشرع، فإن العصبة تنفرد بحمل العقل وولاية ~~النكاح وولاية الموت والميراث بالولاء، وقد نص الشافعي على أنه إذا اجتمع ~~أم وجد أو أب فالنفقة على الجد وحده، وهو إحدى الروايات عن أحمد وهي ~~الصحيحة في الدليل، وكذلك إن اجتمع ابن وبنت، أو أم وابن، أو بنت وابن ابن ~~فقال الشافعي: النفقة في هذه المسائل الثلاث على الابن لأنه العصبة، وهي ~~إحدى الروايات عن أحمد. والثانية أنها على قدر الميراث في المسائل ms1628 الثلاث، ~~وقال أبو حنيفة: النفقة في مسألة الابن والبنت عليهما نصفان لتساويهما في ~~القرب، وفي مسألة بنت وابن ابن: النفقة على البنت لأنها أقرب، وفي مسألة أم ~~وبنت على الأم الربع والباقي على البنت، وهو قول أحمد، وقال الشافعي: تنفرد ~~بها البنت؛ لأنها تكون عصبة مع أخيها، والصحيح: انفراد العصبة بالإنفاق؛ ~~لأنه الوارث المطلق. # وفيه دليل على أن نفقة الزوجة والأقارب مقدرة بالكفاية، وأن ذلك ~~بالمعروف، وأن لمن له النفقة له أن يأخذها بنفسه إذا منعه إياها من هي ~~عليه. # وقد احتج بهذا على جواز الحكم على الغائب، ولا دليل فيه؛ لأن أبا سفيان ~~كان حاضرا في البلد لم يكن مسافرا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يسألها البينة، ولا يعطى المدعي بمجرد دعواه، وإنما كان هذا فتوى منه - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقد احتج به على مسألة الظفر، وأن للإنسان أن يأخذ من مال غريمه إذا ظفر ~~به بقدر حقه الذي جحده إياه، ولا يدل لثلاثة أوجه، أحدها: أن سبب الحق ~~هاهنا ظاهر وهو الزوجية فلا يكون الأخذ خيانة في الظاهر فلا يتناوله قول # PageV05P449 # النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من ~~خانك» ) ولهذا نص أحمد على المسألتين مفرقا بينهما، فمنع من الأخذ في مسألة ~~الظفر، وجوز للزوجة الأخذ، وعمل بكلا الحديثين. # الثاني: أنه يشق على الزوجة أن ترفعه إلى الحاكم، فيلزمه بالإنفاق أو ~~الفراق، وفي ذلك مضرة عليها مع تمكنها من أخذ حقها. # الثالث: أن حقها يتجدد كل يوم فليس هو حقا واحدا مستقرا يمكن أن تستدين ~~عليه، أو ترفعه إلى الحاكم بخلاف حق الدين. ### | [فصل هل تسقط النفقة بمضي الزمن] # فصل وقد احتج بقصة هند هذه على أن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان؛ لأنه لم ~~يمكنها من أخذ ما مضى لها من قدر الكفاية مع قولها: إنه لا يعطيها ما ~~يكفيها ولا دليل فيها؛ لأنها لم تدع به ولا طلبته، وإنما استفتته: هل تأخذ ~~في المستقبل ما يكفيها؟ فأفتاها بذلك. # وبعد، فقد ms1629 اختلف الناس في نفقة الزوجات والأقارب، هل يسقطان بمضي الزمان ~~كلاهما، أو لا يسقطان، أو تسقط نفقة الأقارب دون الزوجات؟ على ثلاثة أقوال. # أحدها: أنهما يسقطان بمضي الزمان، وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين ~~عن أحمد. # والثاني: أنهما لا يسقطان إذا كان القريب طفلا، وهذا وجه للشافعية. # PageV05P450 # والثالث: تسقط نفقة القريب دون نفقة الزوجة، وهذا هو المشهور من مذهب ~~الشافعي وأحمد ومالك. ثم الذين أسقطوه بمضي الزمان منهم من قال: إذا كان ~~الحاكم قد فرضها لم تسقط، وهذا قول بعض الشافعية والحنابلة. ومنهم من قال: ~~لا يؤثر فرض الحاكم في وجوبها شيئا إذا سقطت بمضي الزمان، والذي ذكره أبو ~~البركات في " محرره " الفرق بين نفقة الزوجة ونفقة القريب في ذلك، فقال: ~~وإذا غاب مدة ولم ينفق لزمه نفقة الماضي، وعنه: لا يلزمه إلا أن يكون ~~الحاكم قد فرضها. # وأما نفقة أقاربه فلا تلزمه لما مضى وإن فرضت إلا أن يستدان عليه بإذن ~~الحاكم وهذا هو الصواب، وأنه لا تأثير لفرض الحاكم في وجوب نفقة القريب لما ~~مضى من الزمان نقلا وتوجيها، أما النقل: فإنه لا يعرف عن أحمد ولا عن قدماء ~~أصحابه استقرار نفقة القريب بمضي الزمان إذا فرضها الحاكم، ولا عن الشافعي ~~وقدماء أصحابه والمحققين لمذهبه منهم كصاحب " المهذب " و " الحاوي " و " ~~الشامل " و " النهاية " و " التهذيب " و " البيان " و " الذخائر "، وليس في ~~هذه الكتب إلا السقوط بدون استثناء فرض، وإنما يوجد استقرارها إذا فرضها ~~الحاكم في " الوسيط " و " الوجيز " وشرح الرافعي وفروعه، وقد صرح نصر ~~المقدسي في " تهذيبه " والمحاملي في " العدة " ومحمد بن عثمان في " التمهيد ~~" والبندنيجي في " المعتمد " بأنها لا تستقر ولو فرضها الحاكم، وعللوا ~~السقوط بأنها تجب على وجه المواساة لإحياء النفس، ولهذا لا تجب مع يسار ~~المنفق عليه، وهذا التعليل يوجب سقوطها، فرضت أو لم تفرض. وقال أبو # PageV05P451 # المعالي: ومما يدل على ذلك أن نفقة القريب إمتاع لا تمليك، وما لا يجب ~~فيه التمليك وانتهى إلى الكفاية استحال مصيره دينا في الذمة، واستبعد لهذا ~~التعليل ms1630 قول من يقول: إن نفقة الصغير تستقر بمضي الزمان، وبالغ في تضعيفه ~~من جهة أن إيجاب الكفاية مع إيجاب عوض ما مضى متناقض، ثم اعتذر عن تقديرها ~~في صورة الحمل على الأصح. إذا قلنا: إن النفقة له بأن الحامل مستحقة لها أو ~~منتفعة بها فهي كنفقة الزوجة. قال: ولهذا قلنا: تتقدر، ثم قال: هذا في ~~الحمل والولد الصغير، أما نفقة غيرهما فلا تصير دينا أصلا. انتهى. # وهذا الذي قاله هؤلاء هو الصواب، فإن في تصور فرض الحاكم نظرا؛ لأنه إما ~~أن يعتقد سقوطها بمضي الزمان أو لا، فإن كان يعتقده لم يسغ له الحكم ~~بخلافه، وإلزام ما يعتقد أنه غير لازم، وإن كان لا يعتقد سقوطها مع أنه لا ~~يعرف به قائل إلا في الطفل الصغير على وجه لأصحاب الشافعي. فإما أن يعني ~~بالفرض الإيجاب، أو إثبات الواجب، أو تقديره أو أمرا رابعا، فإن أريد به ~~الإيجاب فهو تحصيل الحاصل ولا أثر لفرضه، وكذلك إن أريد به إثبات الواجب ~~ففرضه وعدمه سيان، وإن أريد به تقدير الواجب فالتقدير إنما يؤثر في صفة ~~الواجب من الزيادة والنقصان لا في سقوطه ولا ثبوته، فلا أثر لفرضه في ~~الواجب ألبتة، هذا مع ما في التقدير من مصادمة الأدلة التي تقدمت على أن ~~الواجب النفقة بالمعروف فيطعمهم مما يأكل ويكسوهم مما يلبس. وإن أريد به ~~أمر رابع، فلا بد من بيانه لينظر فيه. # فإن قيل: الأمر الرابع المراد هو عدم السقوط بمضي الزمان، فهذا هو محل ~~الحكم وهو الذي أثر فيه حكم الحاكم وتعلق به. قيل: فكيف يمكن أن يعتقد ~~السقوط ثم يلزم ويقضي بخلافه؟ وإن اعتقد عدم السقوط فخلاف الإجماع، ومعلوم ~~أن حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته، فإذا كانت صفة هذا الواجب سقوطه بمضي ~~الزمان شرعا لم يزله حكم الحاكم عن صفته. # فإن قيل: بقي قسم آخر وهو أن يعتقد الحاكم السقوط بمضي الزمان ما لم # PageV05P452 # يفرض، فإن فرضت استقرت فهو يحكم باستقرارها لأجل الفرض لا بنفس مضي ~~الزمان. # قيل: هذا ms1631 لا يجدي شيئا، فإنه إذا اعتقد سقوطها بمضي الزمان، وإن هذا هو ~~الحق والشرع، لم يجز له أن يلزم بما يعتقد سقوطه وعدم ثبوته، وما هذا إلا ~~بمثابة ما لو ترافع إليه مضطر وصاحب طعام غير مضطر، فقضي به للمضطر بعوضه، ~~فلم يتفق أخذه حتى زال الاضطرار، ولم يعط صاحبه العوض، أنه يلزمه بالعوض ~~ويلزم صاحب الطعام ببذله له، والقريب يستحق النفقة لإحياء مهجته، فإذا مضى ~~زمن الوجوب حصل مقصود الشارع من إحيائه، فلا فائدة في الرجوع بما فات من ~~سبب الإحياء ووسيلته مع حصول المقصود والاستغناء عن السبب بسبب آخر. # فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بنفقة الزوجة فإنها تستقر بمضي الزمان، ولو لم ~~تفرض مع حصول هذا المعنى الذي ذكرتموه بعينه. # قيل: النقض لا بد أن يكون بمعلوم الحكم بالنص أو الإجماع، وسقوط نفقة ~~الزوجة بمضي الزمان مسألة نزاع، فأبو حنيفة وأحمد في رواية يسقطانها، ~~والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى لا يسقطانها، والذين لا يسقطونها فرقوا ~~بينها وبين نفقة القريب بفروق. # أحدها: أن نفقة القريب صلة. # الثاني: أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار بخلاف نفقة القريب. # الثالث: أن نفقة الزوجة تجب مع استغنائها بمالها، ونفقة القريب لا تجب ~~إلا مع إعساره وحاجته. # الرابع: أن الصحابة - رضي الله عنهم - أوجبوا للزوجة نفقة ما مضى، ولا ~~يعرف عن أحد منهم قط أنه أوجب للقريب نفقة ما مضى، فصح عن عمر # PageV05P453 # - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، ~~فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى، ولم يخالف عمر ~~- رضي الله عنه - في ذلك منهم مخالف. قال ابن المنذر - رحمه الله -: هذه ~~نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا ~~بمثلها. # قال المسقطون: قد شكت هند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أبا سفيان ~~لا يعطيها كفايتها، فأباح لها أن تأخذ في المستقبل قدر الكفاية، ولم يجوز ~~لها أخذ ما مضى، وقولكم: إنها نفقة معاوضة، فالمعاوضة إنما ms1632 هي بالصداق، ~~وإنما النفقة لكونها في حبسه فهي عانية عنده كالأسير فهي من جملة عياله، ~~ونفقتها مواساة، وإلا فكل من الزوجين يحصل له من الاستمتاع مثل ما يحصل ~~للآخر، وقد عاوضها على المهر، فإذا استغنت عن نفقة ما مضى فلا وجه لإلزام ~~الزوج به، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل نفقة الزوجة كنفقة القريب ~~بالمعروف وكنفقة الرقيق، فالأنواع الثلاثة إنما وجبت بالمعروف مواساة ~~لإحياء نفس من هو في ملكه وحبسه، ومن بينه وبينه رحم وقرابة، فإذا استغنى ~~عنها بمضي الزمان فلا وجه لإلزام الزوج بها، وأي معروف في إلزامه نفقة ما ~~مضى وحبسه على ذلك والتضييق عليه وتعذيبه بطول الحبس، وتعريض الزوجة لقضاء ~~أوطارها من الدخول والخروج وعشرة الأخدان بانقطاع زوجها عنها وغيبة نظره ~~عليها كما هو الواقع، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعلمه إلا الله، حتى ~~إن الفروج لتعج إلى الله من حبس حماتها ومن يصونها عنها، وتسييبها في ~~أوطارها، ومعاذ الله أن يأتي شرع الله لهذا الفساد الذي قد استطار شراره ~~واستعرت ناره، وإنما أمر عمر بن الخطاب الأزواج إذا طلقوا أن يبعثوا بنفقة ~~ما مضى، ولم يأمرهم إذا قدموا أن يفرضوا نفقة ما مضى، ولا يعرف ذلك عن ~~صحابي ألبتة، ولا يلزم من الإلزام بالنفقة الماضية بعد الطلاق وانقطاعها ~~بالكلية الإلزام بها إذا عاد الزوج إلى النفقة والإقامة، واستقبل الزوجة ~~بكل ما تحتاج إليه، فاعتبار أحدهما بالآخر غير صحيح، ونفقة الزوجة تجب يوما ~~بيوم فهي كنفقة القريب، وما مضى فقد # PageV05P454 # استغنت عنه بمضي وقته، فلا وجه لإلزام الزوج به، وذلك منشأ العداوة ~~والبغضاء بين الزوجين، وهو ضد ما جعله الله بينهما من المودة والرحمة، وهذا ~~القول هو الصحيح المختار الذي لا تقتضي الشريعة غيره، وقد صرح أصحاب ~~الشافعي بأن كسوة الزوجة وسكنها يسقطان بمضي الزمان إذا قيل: إنهما إمتاع ~~لا تمليك، فإن لهم في ذلك وجهين. ### | [فصل فرض الدراهم في النفقة لا أصل له في الكتاب والسنة] # فصل وأما فرض الدراهم فلا أصل له في ms1633 كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ألبتة ولا ~~التابعين ولا تابعيهم ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة ~~الإسلام، وهذه كتب الآثار والسنن، وكلام الأئمة بين أظهرنا، فأوجدونا من ~~ذكر فرض الدراهم. والله سبحانه أوجب نفقة الأقارب والزوجات والرقيق ~~بالمعروف، وليس من المعروف فرض الدراهم، بل المعروف الذي نص عليه صاحب ~~الشرع أن يطعمهم مما يأكل ويكسوهم مما يلبس، ليس المعروف سوى هذا، وفرض ~~الدراهم على المنفق من المنكر، وليست الدراهم من الواجب ولا عوضه، ولا يصح ~~الاعتياض عما لم يستقر ولم يملك، فإن نفقة الأقارب والزوجات إنما تجب يوما ~~فيوما، ولو كانت مستقرة لم تصح المعاوضة عنها بغير رضى الزوج والقريب، فإن ~~الدراهم تجعل عوضا عن الواجب الأصلي، وهو إما البر عند الشافعي، أو الطعام ~~المعتاد عند الجمهور، فكيف يجبر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غير رضاه، ~~ولا إجبار صاحب الشرع له على ذلك، فهذا مخالف لقواعد الشرع ونصوص الأئمة ~~ومصالح العباد، ولكن إن اتفق المنفق والمنفق عليه على ذلك جاز باتفاقهما، ~~هذا مع أنه في جواز اعتياض الزوجة عن النفقة الواجبة لها نزاع معروف في ~~مذهب الشافعي وغيره، فقيل: لا تعتاض؛ لأن نفقتها طعام ثبت في الذمة عوضا ~~فلا تعتاض عنه قبل القبض كالمسلم فيه، وعلى هذا فلا يجوز الاعتياض لا ~~بدراهم ولا ثياب ولا شيء البتة، وقيل: تعتاض بغير الخبز والدقيق؛ فإن # PageV05P455 # الاعتياض بهما ربا، هذا إذا كان الاعتياض عن الماضي، فإن كان عن المستقبل ~~لم يصح عندهم وجها واحدا؛ لأنها بصدد السقوط فلا يعلم استقرارها. ### | [ذكر ما روي من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمكين المرأة من فراق زوجها إذا أعسر بنفقتها] # روى البخاري في " صحيحه " من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « (أفضل الصدقة ما ترك غنى) ، وفي لفظ: ~~(ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير ms1634 من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) ، ~~تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني ~~واستعملني، ويقول الولد: أطعمني، إلى من تدعني؟ قالوا: يا أبا هريرة، سمعت ~~هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا. هذا من كيس أبي هريرة» ~~. # وذكر النسائي هذا الحديث في كتابه وقال فيه: «وابدأ بمن تعول "، فقيل: من ~~أعول يا رسول الله؟ قال: (امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني، خادمك يقول: ~~أطعمني واستعملني، ولدك يقول: أطعمني، إلى من تتركني؟) » . وهذا في جميع ~~نسخ كتاب النسائي، هكذا، وهو عنده من حديث سعيد بن أيوب عن محمد بن عجلان ~~عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وسعيد ومحمد ~~ثقتان. # وقال الدارقطني: حدثنا أبو بكر الشافعي حدثنا محمد بن بشر بن مطر، حدثنا ~~شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «المرأة تقول لزوجها: أطعمني أو ~~طلقني» ) الحديث. # PageV05P456 # وقال الدارقطني: حدثنا عثمان بن أحمد بن السماك، وعبد الباقي بن قانع ~~وإسماعيل بن علي قالوا: أخبرنا أحمد بن علي الخزاز، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ~~الباوردي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن ~~سعيد بن المسيب، في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما. ~~وبهذا الإسناد إلى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. # وقال سعيد بن منصور في " سننه ": حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: سألت ~~سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: ~~نعم. قلت: سنة؟ قال: سنة. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فغايته أن يكون من مراسيل سعيد بن المسيب. # واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال. # أحدها: أنه يجبر على أن ينفق أو يطلق، روى سفيان ms1635 عن يحيى بن سعيد ~~الأنصاري عن ابن المسيب قال: إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته، أجبر ~~على طلاقها. # الثاني: إنما يطلقها عليه الحاكم، وهذا قول مالك؛ لكنه قال: يؤجل في عدم ~~النفقة شهرا ونحوه، فإن انقضى الأجل وهي حائض أخر حتى تطهر، وفي الصداق ~~عامين ثم يطلقها عليه الحاكم طلقة رجعية، فإن أيسر في العدة فله ارتجاعها، ~~وللشافعي قولان. أحدهما: أن الزوجة تخير إن شاءت أقامت معه، وتبقى نفقة ~~المعسر دينا لها في ذمته. قال أصحابه: هذا إذا أمكنته من نفسها، وإن لم ~~تمكنه سقطت نفقتها، وإن شاءت فسخت النكاح. # PageV05P457 # والقول الثاني: ليس لها أن تفسخ، لكن يرفع الزوج يده عنها لتكتسب، ~~والمذهب أنها تملك الفسخ. # قالوا: وهل هو طلاق أو فسخ؟ فيه وجهان. # أحدهما: أنه طلاق، فلا بد من الرفع إلى القاضي حتى يلزمه أن يطلقها أو ~~ينفق، فإن أبى طلق الحاكم عليه طلقة رجعية، فإن راجعها طلق عليه ثانية، فإن ~~راجعها طلق عليه ثالثة. # والثاني: أنه فسخ، فلا بد من الرفع إلى الحاكم ليثبت الإعسار ثم تفسخ هي، ~~وإن اختارت المقام ثم أرادت الفسخ ملكته؛ لأن النفقة يتجدد وجوبها كل يوم، ~~وهل تملك الفسخ في الحال أو لا تملكه إلا بعد مضي ثلاثة أيام؟ وفيه قولان. ~~الصحيح عندهم: الثاني. قالوا: فلو وجد في اليوم الثالث نفقتها وتعذر عليه ~~نفقة اليوم الرابع، فهل يجب استئناف هذا الإمهال؟ فيه وجهان. وقال حماد بن ~~أبي سليمان: يؤجل سنة ثم يفسخ قياسا على العنين. وقال عمر بن عبد العزيز: ~~يضرب له شهر أو شهران. وقال مالك: الشهر ونحوه. وعن أحمد روايتان. إحداهما، ~~وهي ظاهر مذهبه: أن المرأة تخير بين المقام معه وبين الفسخ، فإن اختارت ~~الفسخ رفعته إلى الحاكم فيخير الحاكم بين أن يفسخ عليه أو يجبره على الطلاق ~~أو يأذن لها في الفسخ، فإن فسخ أو أذن في الفسخ فهو فسخ لا طلاق، ولا رجعة ~~له، وإن أيسر في العدة. وإن أجبره على الطلاق فطلق رجعيا فله رجعتها، فإن ms1636 ~~راجعها وهو معسر أو امتنع من الإنفاق عليها فطلبت الفسخ فسخ عليه ثانيا ~~وثالثا، وإن رضيت المقام معه مع عسرته ثم بدا لها الفسخ أو تزوجته عالمة ~~بعسرته ثم اختارت الفسخ فلها ذلك. # قال القاضي: وظاهر كلام أحمد: أنه ليس لها الفسخ في الموضعين ويبطل ~~خيارها، وهو قول مالك لأنها رضيت بعيبه ودخلت في العقد عالمة به فلم تملك ~~الفسخ، كما لو تزوجت عنينا عالمة بعنته. وقالت بعد العقد: قد # PageV05P458 # رضيت به عنينا. وهذا الذي قاله القاضي: هو مقتضى المذهب والحجة. # والذين قالوا: لها الفسخ - وإن رضيت بالمقام - قالوا: حقها متجدد كل يوم ~~فيتجدد لها الفسخ بتجدد حقها، قالوا: ولأن رضاها يتضمن إسقاط حقها فيما لم ~~يجب فيه من الزمان، فلم يسقط كإسقاط الشفعة قبل البيع. قالوا: وكذلك لو ~~أسقطت النفقة المستقبلة لم تسقط، وكذلك لو أسقطتها قبل العقد جملة ورضيت ~~بلا نفقة، وكذلك لو أسقطت المهر قبله لم يسقط، وإذا لم يسقط وجوبها لم يسقط ~~الفسخ الثابت به. والذين قالوا بالسقوط أجابوا عن ذلك بأن حقها في الجماع ~~يتجدد، ومع هذا إذا أسقطت حقها من الفسخ بالعنة سقط ولم تملك الرجوع فيه. # قالوا: وقياسكم ذلك على إسقاط نفقتها قياس على أصل غير متفق عليه ولا ~~ثابت بالدليل، بل الدليل يدل على سقوط الشفعة بإسقاطها قبل البيع كما صح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن ~~شريكه، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق بالبيع» ) وهذا صريح في أنه إذا أسقطها ~~قبل البيع لم يملك طلبها بعده، وحينئذ فيجعل هذا أصلا لسقوط حقها من النفقة ~~بالإسقاط، ونقول: خيار لدفع الضرر فسقط بإسقاطه قبل ثبوته كالشفعة ثم ينتقض ~~هذا بالعيب في العين المؤجرة فإن المستأجر إذا دخل عليه أو علم به ثم اختار ~~ترك الفسخ لم يكن له الفسخ بعد هذا، وتجدد حقه بالانتفاع كل وقت كتجدد حق ~~المرأة من النفقة سواء ولا فرق، وأما قوله: لو أسقطها قبل النكاح أو أسقط ~~المهر قبله ms1637 لم يسقط، فليس إسقاط الحق قبل انعقاد سببه بالكلية كإسقاطه بعد ~~انعقاد سببه، هذا إن كان في المسألة إجماع، وإن كان فيها خلاف فلا فرق بين ~~الإسقاطين وسوينا بين الحكمين، وإن كان بينهما فرق امتنع القياس. # PageV05P459 # وعنه رواية أخرى: ليس لها الفسخ، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه. وعلى هذا ~~لا يلزمها تمكينه من الاستمتاع؛ لأنه لم يسلم إليها عوضه فلم يلزمها ~~تسليمه، كما لو أعسر المشتري بثمن المبيع لم يجب تسليمه إليه، وعليه تخلية ~~سبيلها لتكتسب لها وتحصل ما تنفقه على نفسها؛ لأن في حبسها بغير نفقة ~~إضرارا بها. # فإن قيل فلو كانت موسرة، فهلا يملك حبسها؟ قيل قد قالوا أيضا: لا يملك ~~حبسها؛ لأنه إنما يملكه إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه من ~~النفقة والكسوة ولحاجته إلى الاستمتاع الواجب له عليها، فإذا انتفى هذا ~~وهذا لم يملك حبسها، وهذا قول جماعة من السلف والخلف. # ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عمن لا يجد ما يصلح امرأته من ~~النفقة؟ قال: ليس لها إلا ما وجدت، ليس لها أن يطلقها. وروى حماد بن سلمة ~~عن جماعة عن الحسن البصري أنه قال في الرجل يعجز عن نفقة امرأته: قال: ~~تواسيه وتتقي الله وتصبر، وينفق عليها ما استطاع. وذكر عبد الرزاق عن معمر ~~قال: سألت الزهري عن رجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: ~~تستأني به ولا يفرق بينهما، وتلا: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل ~~الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7] [الطلاق: 7] . قال معمر: وبلغني عن عمر بن ~~عبد العزيز مثل قول الزهري سواء. وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري في ~~المرأة يعسر زوجها بنفقتها: قال: هي امرأة ابتليت فلتصبر ولا تأخذ بقول من ~~فرق بينهما. # قلت: عن عمر بن عبد العزيز ثلاث روايات، هذه إحداها. والثانية: روى ابن ~~وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يقول ~~لزوج امرأة شكت إليه أنه لا ينفق ms1638 عليها: اضربوا له أجلا شهرا أو شهرين فإن ~~لم ينفق عليها إلى ذلك الأجل فرقوا بينه وبينها. # PageV05P460 # والثالثة: ذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلا شكى ~~إلى عمر بن عبد العزيز بأنه أنكح ابنته رجلا لا ينفق عليها، فأرسل إلى ~~الزوج، فأتى، فقال: أنكحني وهو يعلم أنه ليس لي شيء، فقال عمر: أنكحته وأنت ~~تعرفه؟ قال: نعم. قال: فما الذي أصنع؟ اذهب بأهلك. # والقول بعدم التفريق مذهب أهل الظاهر كلهم، وقد تناظر فيها مالك وغيره ~~فقال مالك: أدركت الناس يقولون: إذا لم ينفق الرجل على امرأته فرق بينهما. ~~فقيل له، قد كانت الصحابة - رضي الله عنهم - يعسرون ويحتاجون، فقال مالك: ~~ليس الناس اليوم كذلك؛ إنما تزوجته رجاء. # ومعنى كلامه: أن نساء الصحابة - رضي الله عنهم - كن يردن الدار الآخرة ~~وما عند الله، ولم يكن مرادهن الدنيا، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن؛ لأن ~~أزواجهن كانوا كذلك. وأما النساء اليوم فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ~~ونفقتهم وكسوتهم، فالمرأة إنما تدخل اليوم على رجاء الدنيا، فصار هذا ~~المعروف كالمشروط في العقد، وكان عرف الصحابة ونسائهم كالمشروط في العقد، ~~والشرط العرفي في أصل مذهبه كاللفظي، وإنما أنكر على مالك كلامه هذا من لم ~~يفهمه ويفهم غوره. # وفي المسألة مذهب آخر وهو: أن الزوج إذا أعسر بالنفقة حبس حتى يجد ما ~~ينفقه، وهذا مذهب حكاه الناس عن ابن حزم وصاحب " المغني " وغيرهما عن عبيد ~~الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة. ويالله العجب! لأي شيء يسجن ويجمع عليه ~~بين عذاب السجن وعذاب الفقر وعذاب البعد عن أهله؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، ~~وما أظن من شم رائحة العلم يقول هذا. # وفي المسألة مذهب آخر وهو: أن المرأة تكلف الإنفاق عليه إذا كان عاجزا عن ~~نفقة نفسه، وهذا مذهب أبي محمد ابن حزم، وهو خير بلا شك من مذهب العنبري. ~~قال في " المحلى ": فإن عجز الزوج عن نفقة نفسه، وامرأته غنية # PageV05P461 # كلفت النفقة عليه، ولا ترجع بشيء من ذلك إن أيسر، برهان ms1639 ذلك قول الله عز ~~وجل {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا ~~تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] ~~[البقرة: 233] فالزوجة وارثة فعليها النفقة بنص القرآن. # ويا عجبا لأبي محمد! لو تأمل سياق الآية لتبين له منها خلاف ما فهمه؛ فإن ~~الله سبحانه قال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] ~~وهذا ضمير الزوجات بلا شك، ثم قال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] ~~فجعل سبحانه على وارث المولود له، أو وارث الولد من رزق الوالدات وكسوتهن ~~بالمعروف مثل ما على الموروث، فأين في الآية نفقة على غير الزوجات؟ حتى ~~يحمل عمومها على ما ذهب إليه. # واحتج من لم ير الفسخ بالإعسار بقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن ~~قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ~~[الطلاق: 7] [الطلاق: 7] قالوا: وإذا لم يكلفه الله النفقة في هذه الحال ~~فقد ترك ما لا يجب عليه ولم يأثم بتركه، فلا يكون سببا للتفريق بينه وبين ~~حبه وسكنه وتعذيبه بذلك. قالوا: وقد روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي ~~الزبير عن جابر ( «دخل أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فوجداه جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا، فقال أبو بكر: ~~يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، ~~فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني ~~النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، ~~كلاهما يقول: تسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده، فقلن: ~~والله لا نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا أبدا ما ليس عنده، ثم ~~اعتزلهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا» ) وذكر الحديث. # PageV05P462 # قالوا: فهذا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يضربان ابنتيهما بحضرة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سألاه نفقة لا يجدها. ومن المحال ms1640 أن يضربا ~~طالبتين للحق ويقرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فدل على ~~أنه لا حق لهما فيما طلبتاه من النفقة في حال الإعسار، وإذا كان طلبهما لها ~~باطلا فكيف تمكن المرأة من فسخ النكاح بعدم ما ليس لها طلبه ولا يحل لها، ~~وقد أمر الله سبحانه صاحب الدين أن ينظر المعسر إلى الميسرة، وغاية النفقة ~~أن تكون دينا، والمرأة مأمورة بإنظار الزوج إلى الميسرة بنص القرآن هذا إن ~~قيل: تثبت في ذمة الزوج، وإن قيل: تسقط بمضي الزمان فالفسخ أبعد وأبعد. # قالوا: فالله تعالى أوجب على صاحب الحق الصبر على المعسر، وندبه إلى ~~الصدقة بترك حقه، وما عدا هذين الأمرين فجور لم يبحه له، ونحن نقول لهذه ~~المرأة كما قال الله تعالى لها سواء بسواء: إما أن تنظريه إلى الميسرة وإما ~~أن تصدقي، ولا حق لك فيما عدا هذين الأمرين. # قالوا: ولم يزل في الصحابة المعسر والموسر، وكان معسروهم أضعاف أضعاف ~~موسريهم، فما مكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قط امرأة واحدة من الفسخ ~~بإعسار زوجها، ولا أعلمها أن الفسخ حق لها فإن شاءت صبرت وإن شاءت فسخت، ~~وهو يشرع الأحكام عن الله تعالى بأمره، فهب أن الأزواج تركن حقهن، أفما كان ~~فيهن امرأة واحدة تطالب بحقها؟ وهؤلاء نساؤه - صلى الله عليه وسلم - خير ~~نساء العالمين يطالبنه بالنفقة حتى أغضبنه، وحلف ألا يدخل عليهن شهرا من ~~شدة موجدته عليهن، فلو كان من المستقر في شرعه أن المرأة تملك الفسخ بإعسار ~~زوجها لرفع إليه ذلك ولو من امرأة واحدة، وقد رفع إليه ما ضرورته دون ضرورة ~~فقد النفقة من فقد النكاح، وقالت له امرأة رفاعة: إني نكحت بعد رفاعة عبد ~~الرحمن بن الزبير وإن ما معه مثل هدبة الثوب. تريد أن يفرق بينه وبينها. ~~ومن المعلوم أن هذا كان فيهم في # PageV05P463 # غاية الندرة بالنسبة إلى الإعسار، فما طلبت منه امرأة واحدة أن يفرق بينه ~~وبينها بالإعسار. # قالوا: وقد جعل الله الفقر والغنى مطيتين للعباد، فيفتقر الرجل الوقت ~~ويستغني ms1641 الوقت، فلو كان كل من افتقر فسخت عليه امرأته لعم البلاء وتفاقم ~~الشر وفسخت أنكحة أكثر العالم وكان الفراق بيد أكثر النساء، فمن الذي لم ~~تصبه عسرة ويعوز النفقة أحيانا. # قالوا: ولو تعذر من المرأة الاستمتاع بمرض متطاول وأعسرت بالجماع لم يمكن ~~الزوج من فسخ النكاح، بل يوجبون عليه النفقة كاملة مع إعسار زوجته بالوطء، ~~فكيف يمكنونها من الفسخ بإعساره عن النفقة التي غايتها أن تكون عوضا عن ~~الاستمتاع؟ # قالوا: وأما حديث أبي هريرة فقد صرح فيه بأن قوله: امرأتك تقول: أنفق علي ~~وإلا طلقني، من كيسه، لا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا في " ~~الصحيح " عنه. ورواه عنه سعيد بن أبي سعيد وقال: ثم يقول أبو هريرة إذا حدث ~~بهذا الحديث: امرأتك تقول، فذكر الزيادة. # وأما حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله، فأشار إلى حديث يحيى بن سعيد عن سعيد ~~بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته. قال: يفرق بينهما، فحديث ~~منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلا، وأحسن أحواله ~~أن يكون عن أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفا، والظاهر: أنه روي بالمعنى، ~~وأراد قول أبي هريرة - رضي الله عنه - امرأتك تقول: أطعمني أو طلقني، وأما ~~أن يكون عند أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه سئل عن الرجل ~~لا يجد ما ينفق على امرأته فقال: يفرق بينهما، فوالله ما قال هذا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا سمعه أبو هريرة ولا حدث به، كيف وأبو هريرة لا ~~يستجيز أن يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (امرأتك تقول: أطعمني وإلا ~~طلقني) # PageV05P464 # ويقول: هذا من كيس أبي هريرة لئلا يتوهم نسبته إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها في هذه المسألة: أن الرجل إذا غر ~~المرأة بأنه ذو مال فتزوجته على ذلك فظهر معدما لا شيء له، ms1642 أو كان ذا مال ~~وترك الإنفاق على امرأته ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها ولا ~~بالحاكم أن لها الفسخ، وإن تزوجته عالمة بعسرته أو كان موسرا ثم أصابته ~~جائحة اجتاحت ماله فلا فسخ لها في ذلك، ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد ~~اليسار ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن، وبالله ~~التوفيق. # وقد قال جمهور الفقهاء: لا يثبت لها الفسخ بالإعسار بالصداق، وهذا قول ~~أبي حنيفة وأصحابه وهو الصحيح من مذهب أحمد - رحمه الله - اختاره عامة ~~أصحابه وهو قول كثير من أصحاب الشافعي. وفصل الشيخ أبو إسحاق وأبو علي بن ~~أبي هريرة فقالا: إن كان قبل الدخول ثبت به الفسخ، وبعده لا يثبت، وهو أحد ~~الوجوه من مذهب أحمد هذا مع أنه عوض محض، وهو أحق أن يوفى من ثمن المبيع ~~كما دل عليه النص، كل ما تقرر في عدم الفسخ به فمثله في النفقة وأولى. # فإن قيل: في الإعسار بالنفقة من الضرر اللاحق بالزوجة ما ليس في الإعسار ~~بالصداق، فإن البنية تقوم بدونه بخلاف النفقة. قيل: والبنية قد تقوم بدون ~~نفقته بأن تنفق من مالها أو ينفق عليها ذو قرابتها أو تأكل من غزلها، ~~وبالجملة فتعيش بما تعيش به زمن العدة، وتقدر زمن عسرة الزوج كله عدة. # ثم الذين يجوزون لها الفسخ يقولون: لها أن تفسخ ولو كان معها القناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة إذا عجز الزوج عن نفقتها، وبإزاء هذا القول قول ~~منجنيق الغرب أبي محمد ابن حزم: إنه يجب عليها أن تنفق عليه في هذه الحال، ~~فتعطيه مالها وتمكنه من نفسها، ومن العجب قول العنبري بأنه يحبس. # وإذا تأملت أصول الشريعة وقواعدها، وما اشتملت عليه من المصالح ودرء # PageV05P465 # المفاسد، ودفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتفويت أدنى المصلحتين ~~لتحصيل أعلاهما، تبين لك القول الراجح من هذه الأقوال، وبالله التوفيق. ### | [فصل في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الموافق لكتاب الله أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى] # روى مسلم في " صحيحه " ( «عن فاطمة بنت قيس: ms1643 أن أبا عمرو بن حفص طلقها ~~ألبتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا ~~من شيء، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له وما قال، ~~فقال: " ليس لك عليه نفقة " فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال " تلك ~~امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، ~~فإذا حللت فآذنيني ". قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا ~~جهم خطباني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما أبو جهم فلا يضع ~~عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد " ~~فكرهته، ثم قال: " انكحي أسامة بن زيد " فنكحته فجعل الله فيه خيرا ~~واغتبطت» ) # وفي " صحيحه " أيضا: عنها «أنها طلقها زوجها في عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكان أنفق عليها نفقة دونا فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كانت لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن ~~لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئا، قالت: فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال (لا نفقة لك ولا سكنى) .» # وفي " صحيحه " أيضا عنها «أن (أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا ~~ثم انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن ~~الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة، ~~فقالوا: إن أبا حفص طلق # PageV05P466 # امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" ليست لها نفقة وعليها العدة " وأرسل إليها: " أن لا تسبقيني بنفسك " ~~وأمرها أن تنتقل إلى أم شريك، ثم أرسل إليها: " أن أم شريك يأتيها ~~المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى فإنك إذا وضعت خمارك ~~لم يرك " فانطلقت إليه فلما انقضت عدتها أنكحها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أسامة بن زيد بن حارثة) » . # وفي " صحيحه " أيضا، عن عبيد الله بن عبد الله بن ms1644 عتبة، ( «أن أبا عمرو ~~بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته ~~فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش ~~بن أبي ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملا، فأتت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له قولهما، فقال " لا نفقة لك "، ~~فاستأذنته في الانتقال فأذن لها، فقالت: أين يا رسول الله؟ قال " إلى ابن ~~أم مكتوم " وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلما مضت عدتها أنكحها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد، فأرسل إليها مروان قبيصة بن ~~ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته به، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من ~~امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول ~~مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] إلى قوله: {لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] قالت: هذا لمن كان له مراجعة ~~فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا، ~~فعلام تحبسونها؟!» ) . # وروى أبو داود في هذا الحديث بإسناد مسلم عقيب قول عياش بن أبي ربيعة ~~والحارث بن هشام: ( «لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا، فأتت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV05P467 # فقال " لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا» ) . # وفي " صحيحه " أيضا ( «عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن ~~قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، فقالت: طلقها زوجها ألبتة ~~فخاصمته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السكنى والنفقة، قالت: ~~فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم» ) . # وفي " صحيحه " عن أبي بكر بن أبي الجهم العدوي قال: سمعت ( «فاطمة بنت ~~قيس تقول: طلقها زوجها ثلاثا فلم يجعل لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سكنى ولا نفقة، قالت: قال ms1645 لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا ~~حللت فآذنيني " فآذنته، فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما معاوية فرجل ترب لا مال له، وأما أبو ~~جهم فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة بن زيد "، فقالت بيدها هكذا: أسامة! ~~أسامة! فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " طاعة الله وطاعة رسوله ~~خير لك " فتزوجته فاغتبطت» ) . # وفي " صحيحه " أيضا عنها قالت: ( «أرسل إلي زوجي أبو عمرو بن حفص بن ~~المغيرة عياش بن أبي ربيعة بطلاقي، فأرسل معه بخمسة آصع تمر وخمسة آصع ~~شعير، فقلت: أما لي نفقة إلا هذا؟ ولا أعتد في منزلكم؟ قال: لا، فشددت علي ~~ثيابي، وأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " كم طلقك؟ " قلت: ~~ثلاثا. قال: " صدق، ليس لك نفقة، اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ~~ضرير البصر تضعين ثوبك عنده، فإذا انقضت عدتك فآذنيني» ) . # PageV05P468 # وروى النسائي في " سننه " هذا الحديث بطرقه وألفاظه، وفي بعضها بإسناد ~~صحيح لا مطعن فيه، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «إنما النفقة ~~والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» ) ، ورواه الدارقطني وقال: ~~«فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، قالت: (فلم يجعل لي ~~سكنى ولا نفقة) وقال: (إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة) » . وروى ~~النسائي أيضا هذا اللفظ، وإسنادهما صحيح. ### | [ذكر موافقة هذا الحكم لكتاب الله عز وجل] # قال الله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا - فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 1 - 2] إلى ~~قوله: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق: 3] [الطلاق: 1 - 3] فأمر الله ~~سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساك والتسريح بأن لا يخرجوا ~~أزواجهم ms1646 من بيوتهم، وأمر أزواجهن أن لا يخرجن، فدل على جواز إخراج من ليس ~~لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنه سبحانه ذكر لهؤلاء المطلقات أحكاما ~~متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض. # أحدها: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهن. # والثاني: أنهن لا يخرجن من بيوت أزواجهن. # والثالث: أن لأزواجهن إمساكهن بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، ~~فيسرحوهن بإحسان. # PageV05P469 # والرابع: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهاد على الرجعة إما وجوبا وإما استحبابا ~~وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيات خاصة بقوله: {لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] والأمر الذي يرجى إحداثه هاهنا: هو ~~المراجعة. هكذا قال السلف ومن بعدهم، قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية ~~عن داود الأودي عن الشعبي: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: ~~1] قال: لعلك تندم فيكون لك سبيل إلى الرجعة، وقال الضحاك: {لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] قال: لعله أن يراجعها في العدة، وقاله عطاء ~~وقتادة والحسن، وقد تقدم قول فاطمة بنت قيس: أي أمر يحدث بعد الثلاث؟ فهذا ~~يدل على أن الطلاق المذكور هو الرجعي الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن حكمة ~~أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين اقتضته؛ لعل الزوج أن يندم ويزول الشر الذي ~~نزغه الشيطان بينهما فتتبعها نفسه فيراجعها كما قال علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - " لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق ما تتبع رجل نفسه ~~امرأة يطلقها أبدا. # ثم ذكر سبحانه الأمر بإسكان هؤلاء المطلقات فقال: {أسكنوهن من حيث سكنتم ~~من وجدكم} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] فالضمائر كلها يتحد مفسرها وأحكامها ~~كلها متلازمة، وكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «إنما النفقة ~~والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» ) مشتقا من كتاب الله عز وجل ~~ومفسرا له وبيانا لمراد المتكلم به منه، فقد تبين اتحاد قضاء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وكتاب الله عز وجل، والميزان العادل معهما أيضا لا ~~يخالفهما، فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبية، حكمها ~~حكم سائر الأجنبيات، ms1647 ولم يبق إلا مجرد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة ~~كالموطوءة بشبهة أو زنى، ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من ~~الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت ~~لها عليه لأجل عدتها لوجبت للمتوفى عنها من ماله ولا فرق بينهما ألبتة، فإن ~~كل واحد منهما قد بانت عنه وهي معتدة منه قد تعذر منهما الاستمتاع، ولأنها ~~لو وجبت لها السكنى لوجبت لها النفقة كما # PageV05P470 # يقوله من يوجبها. فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة فالنص والقياس ~~يدفعه، وهذا قول عبد الله بن عباس وأصحابه وجابر بن عبد الله وفاطمة بنت ~~قيس إحدى فقهاء نساء الصحابة، وكانت فاطمة تناظر عليه، وبه يقول أحمد بن ~~حنبل وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأصحابه وداود بن علي وأصحابه وسائر أهل ~~الحديث. وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن أحمد: ~~أحدها: هذا. والثاني: أن لها النفقة والسكنى، وهو قول عمر بن الخطاب وابن ~~مسعود وفقهاء الكوفة. والثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وهذا مذهب أهل ~~المدينة وبه يقول مالك والشافعي. ### | [ذكر المطاعن التي طعن بها على حديث فاطمة بنت قيس قديما وحديثا] # فأولها طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فروى مسلم في " ~~صحيحه ": «عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا في المسجد الأعظم ~~ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به ~~فقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؟ لها السكنى ~~والنفقة) قال الله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] » قالوا: فهذا عمر يخبر أن سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب أن هذا مرفوع؛ فإن ~~الصحابي إذا ms1648 قال: من السنة كذا، كان مرفوعا، فكيف إذا قال: من سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب؟ وإذا ~~تعارضت رواية عمر - رضي الله عنه - ورواية فاطمة، فرواية عمر - رضي الله ~~عنه - أولى لا سيما ومعها ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: ~~حدثنا أبو معاوية # PageV05P471 # حدثنا الأعمش عن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطاب إذا ذكر عنده حديث فاطمة ~~بنت قيس قال: ما كنا نغير في ديننا بشهادة امرأة. ### | [ذكر طعن عائشة رضي الله عنها في خبر فاطمة بنت قيس] # في " الصحيحين ": من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: تزوج يحيى بن سعيد ~~بن العاص بنت عبد الرحمن بن الحكم فطلقها فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم ~~عروة، فقالوا: إن فاطمة قد خرجت، قال عروة: فأتيت عائشة - رضي الله عنها - ~~فأخبرتها بذلك فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير أن تذكر هذا الحديث. وقال ~~البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: ~~اتق الله وارددها إلى بيتها. قال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني، ~~وقال القاسم بن محمد: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرك ألا تذكر ~~حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر. # ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شر كان في لسانها، فيكفيك ما ~~بين يحيى بن سعيد بن العاص وبين امرأته من الشر. # وفي " الصحيحين ": عن عروة أنه قال لعائشة - رضي الله عنها -: ألم تري ~~إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها ألبتة فخرجت فقالت: بئس ما صنعت، فقلت: ~~ألم تسمعي إلى قول فاطمة، فقالت: أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك. # وفي حديث القاسم عن عائشة - رضي الله عنها - يعني: في قولها: لا سكنى لها ~~ولا نفقة. وفي " صحيح البخاري ": عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت # PageV05P472 # لفاطمة: ألا تتقي الله، تعني في قولها لا سكنى لها ولا نفقة، وفي " صحيحه ~~" أيضا: ms1649 عنها قالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك ~~أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لها. # وقال عبد الرزاق: عن ابن جريح أخبرني ابن شهاب عن عروة أن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني: " انتقال المطلقة ثلاثا ". # وذكر القاضي إسماعيل، حدثنا نصر بن علي حدثني أبي عن هارون عن محمد بن ~~إسحاق، قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم أن عائشة - رضي الله عنها - قالت ~~لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان) . ### | [ذكر طعن أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه على حديث فاطمة] # روى عبد الله بن صالح كاتب الليث قال حدثني الليث بن سعد حدثني جعفر عن ~~ابن هرمز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: ~~كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئا من ذلك - يعني انتقالها في عدتها - رماها ~~بما في يده ### | [ذكر طعن مروان على حديث فاطمة] # روى مسلم في " صحيحه ": من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~حديث فاطمة هذا: أنه حدث به مروان فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة، ~~سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها. # PageV05P473 ### | [ذكر طعن سعيد بن المسيب] # روى أبو داود في " سننه ": من حديث ميمون بن مهران قال: قدمت المدينة ~~فدفعت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمة بنت قيس طلقت، فخرجت من بيتها، فقال ~~سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت امرأة لسنة، فوضعت على يدي ابن أم ~~مكتوم الأعمى. ### | [ذكر طعن سليمان بن يسار] # روى أبو داود في " سننه " أيضا قال في خروج فاطمة: إنما كان من سوء ~~الخلق. ### | [ذكر طعن الأسود بن يزيد] # تقدم حديث مسلم: أن الشعبي حدث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفا من حصباء ~~فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ وقال النسائي: ويلك لم تفتي بمثل هذا؟ ~~قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله - صلى الله ~~عليه ms1650 وسلم - وإلا لم نترك كتاب ربنا لقول امرأة. ### | [ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن] # قال الليث: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، ~~فذكر حديث فاطمة ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها قبل أن ~~تحل، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، ~~فروى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه أخبر إبراهيم النخعي بحديث ~~الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن # PageV05P474 # عمر أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: ( «لها السكنى والنفقة» ) ذكره أبو محمد في " المحلى "، فهذا نص ~~صريح يجب تقديمه على حديث فاطمة لجلالة رواته وترك إنكار الصحابة عليه ~~وموافقته لكتاب الله. ### | [ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن وبيان بطلانها] # وحاصلها أربعة. # أحدها: أن راويتها امرأة لم تأت بشاهدين يتابعانها على حديثها. # الثاني: أن روايتها تضمنت مخالفة القرآن. # الثالث: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حق لها في السكنى، بل لأذاها ~~أهل زوجها بلسانها. # الرابع: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. # ونحن نبين ما في كل واحد من هذه الأمور الأربعة بحول الله وقوته، هذا مع ~~أن في بعضها من الانقطاع وفي بعضها من الضعف وفي بعضها من البطلان ما سننبه ~~عليه، وبعضها صحيح عمن نسب إليه بلا شك. # فأما المطعن الأول: وهو كون الراوي امرأة، فمطعن باطل بلا شك، والعلماء ~~قاطبة على خلافه، والمحتج بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له ومخالف له ~~فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم ~~من سنة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء ~~الصحابة بأيدي الناس لا تشاء أن ترى فيها سنة تفردت بها امرأة منهن إلا ~~رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين، وقد أخذ ms1651 الناس بحديث ~~فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد في اعتداد المتوفى عنها في بيت # PageV05P475 # زوجها، وليست فاطمة بدونها علما وجلالة وثقة وأمانة، بل هي أفقه منها بلا ~~شك، فإن فريعة لا تعرف إلا في هذا الخبر، وأما شهرة فاطمة ودعاؤها من ~~نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك فأمر مشهور، وكانت أسعد ~~بهذه المناظرة ممن خالفها كما مضى تقريره، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم ~~- يختلفون في الشيء فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - شيئا، فيأخذون به ويرجعون إليه ويتركون ما عندهم له، وإنما ~~فضلن على فاطمة بنت قيس بكونهن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وإلا فهي من المهاجرات الأول وقد رضيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لحبه وابن حبه أسامة بن زيد، وكان الذي خطبها له. وإذا شئت أن تعرف مقدار ~~حفظها وعلمها فاعرفه من حديث الدجال الطويل الذي حدث به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر فوعته فاطمة وحفظته، وأدته كما سمعته ولم ~~ينكره عليها أحد مع طوله وغرابته، فكيف بقصة جرت لها وهي سببها وخاصمت فيها ~~وحكم فيها بكلمتين وهي: لا نفقة ولا سكنى، والعادة توجب حفظ مثل هذا وذكره، ~~واحتمال النسيان فيه أمر مشترك بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي ~~تيمم الجنب، وذكره عمار بن ياسر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهما ~~بالتيمم من الجنابة فلم يذكره عمر - رضي الله عنه - وأقام على أن الجنب لا ~~يصلي حتى يجد الماء. # ونسي قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ~~فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] # PageV05P476 # [النساء: 20] حتى ذكرته به امرأة فرجع إلى قولها. # ونسي قوله {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] [الزمر: 30] حتى ذكر به، ~~فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي ~~عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك، ~~فهي باطلة على التقديرين، ولو ms1652 ردت السنن بمثل هذا لم يبق بأيدي الأمة منها ~~إلا اليسير، ثم كيف يعارض خبر فاطمة ويطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر ~~الواحد العدل ولا يشترط للرواية نصابا، وعمر - رضي الله عنه - أصابه في مثل ~~هذا ما أصابه في رد خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، ورد ~~خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شهد له محمد بن مسلمة، وهذا كان ~~تثبيتا منه - رضي الله عنه - حتى لا يركب الناس الصعب والذلول في الرواية ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان ~~الكلابي وحده وهو أعرابي، وقبل لعائشة - رضي الله عنها - عدة أخبار تفردت ~~بها، وبالجملة فلا يقول أحد: إنه لا يقبل قول الراوي الثقة العدل حتى يشهد ~~له شاهدان لا سيما إن كان من الصحابة. ### | [فصل رد القول بأن رواية فاطمة مخالفة للقرآن] # فصل وأما المطعن الثاني: وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين ~~مجمل ومفصل، أما المجمل: فنقول: لو كانت مخالفة كما ذكرتم لكانت # PageV05P477 # مخالفة لعمومه فتكون تخصيصا للعام، فحكمها حكم تخصيص قوله {يوصيكم الله ~~في أولادكم} [النساء: 11] [النساء: 11] بالكافر والرقيق والقاتل، وتخصيص ~~قوله {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] [النساء: 24] بتحريم الجمع بين ~~المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها ونظائره، فإن القرآن لم يخص البائن بأنها ~~لا تخرج ولا تخرج وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إما أن يعمها ويعم ~~الرجعية وإما أن يخص الرجعية. # فإن عم النوعين فالحديث مخصص لعمومه، وإن خص الرجعيات وهو الصواب للسياق ~~الذي من تدبره وتأمله قطع بأنه في الرجعيات من عدة أوجه قد أشرنا إليها، ~~فالحديث ليس مخالفا لكتاب الله بل موافق له، ولو ذكر أمير المؤمنين - رضي ~~الله عنه - بذلك لكان أول راجع إليه، فإن الرجل كما يذهل عن النص يذهل عن ~~دلالته وسياقه وما يقترن به مما يتبين المراد منه، وكثيرا ما يذهل عن دخول ~~الواقعة المعينة تحت النص العام واندراجه تحتها، فهذا كثير جدا، والتفطن ms1653 له ~~من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر - ~~رضي الله عنه - من ذلك بالمنزلة التي لا تجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أن ~~النسيان والذهول عرضة للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا ذكر ذكر ورجع. # فحديث فاطمة - رضي الله عنها - مع كتاب الله على ثلاثة أطباق لا يخرج عن ~~واحد منها، إما أن يكون تخصيصا لعامه. الثاني: أن يكون بيانا لما لم ~~يتناوله، بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بيانا لما أريد به وموافقا لما أرشد ~~إليه سياقه وتعليله وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافق له لا مخالف، ~~وهكذا ينبغي قطعا، ومعاذ الله أن يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بما يخالف كتاب الله تعالى أو يعارضه، وقد أنكر الإمام أحمد - رحمه الله - ~~هذا من قول عمر - رضي الله عنه - وجعل يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب ~~السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثا، وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة وقالت: ~~بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] وأي أمر يحدث بعد # PageV05P478 # الثلاث، وقد تقدم أن قوله {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن} [الطلاق: 2] ~~[الطلاق: 2] يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيات. ### | [فصل رد مطعن أن خروجها كان لفحش لسانها] # فصل وأما المطعن الثالث: وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما ~~أبرده من تأويل وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة - رضي الله عنهم - ~~وفضلائهم، ومن المهاجرات الأول، وممن لا يحملها رقة الدين وقلة التقوى على ~~فحش يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقها الذي جعله الله لها ونهى عن ~~إضاعته، فيا عجبا! كيف لم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا ~~الفحش؟ ويقول لها: اتقي الله وكفي لسانك عن أذى أهل زوجك واستقري في مسكنك؟ ~~وكيف يعدل عن هذا إلى قوله ( «لا نفقة لك ولا سكنى» ) إلى قوله ( «إنما ~~السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» ) فيا عجبا! كيف يترك ~~هذا المانع الصريح ms1654 الذي خرج من بين شفتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ويعلل بأمر موهوم لم يعلل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألبتة، ولا ~~أشار إليه ولا نبه عليه؟ هذا من المحال البين. ثم لو كانت فاحشة اللسان وقد ~~أعاذها الله من ذلك لقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعت وأطاعت: ~~كفي لسانك حتى تنقضي عدتك، وكان من دونها يسمع ويطيع لئلا تخرج من سكنه. ### | [فصل رد مطعن معارضة روايتها برواية عمر] # فصل وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر - رضي الله عنه - ~~فهذه المعارضة تورد من وجهين. أحدهما: قوله لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا، ~~وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: ( «لها السكنى والنفقة» ) . # ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصح ~~عنه أبدا. قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطني: # PageV05P479 # بل السنة بيد فاطمة بنت قيس قطعا، ومن له إلمام بسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر - رضي الله عنه - سنة ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة، ~~وعمر كان أتقى لله وأحرص على تبليغ سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن تكون هذه السنة عنده ثم لا يرويها أصلا ولا يبينها ولا يبلغها عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأما حديث حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن عمر - رضي ~~الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ( «لها السكنى ~~والنفقة» ) فنحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر ~~- رضي الله عنه - وكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينبغي أن لا ~~يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب لها على معارضة سنن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عند عمر ~~- رضي ms1655 الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لخرست فاطمة وذووها ولم ~~ينبسوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها ~~لبذاء لسانها، ولما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن ~~والأحكام المنتصرين للسنن فقط لا لمذهب ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى ~~إبراهيم، ولو قدر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نخاعه؛ فإن إبراهيم لم ~~يولد إلا بعد موت عمر - رضي الله عنه - بسنين، فإن كان مخبر أخبر به ~~إبراهيم عن عمر - رضي الله عنه - وحسنا به الظن، كان قد روى له قول عمر - ~~رضي الله عنه - بالمعنى، وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي ~~حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلقة، حتى قال عمر - رضي الله عنه - لا ندع ~~كتاب ربنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحا ويكون مغفلا ليس تحمل الحديث ~~وحفظه وروايته من شأنه، وبالله التوفيق. # وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيب فذكر له ميمون ~~خبر فاطمة فقال سعيد: (تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون: لئن كانت إنما ~~أخذت بما أفتاها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فتنت الناس، وإن ~~لنا في # PageV05P480 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ~~ليس لها عليه رجعة ولا بينهما ميراث) . انتهى. ولا يعلم أحد من الفقهاء - ~~رحمهم الله - إلا وقد احتج بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض ~~الأحكام كمالك والشافعي. وجمهور الأمة يحتجون به في سقوط نفقة المبتوتة إذا ~~كانت حائلا، والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه ~~فطلقني ثلاثا، وقد بينا أنه إنما طلقها آخر ثلاث كما أخبرت به عن نفسها. ~~واحتج به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال، واحتج به الأئمة كلهم على ~~جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب ~~الأول، واحتجوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على ms1656 وجه النصيحة لمن ~~استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه وأن ذلك ليس بغيبة، واحتجوا به ~~على جواز نكاح القرشية من غير القرشي، واحتجوا به على وقوع الطلاق في حال ~~غيبة أحد الزوجين عن الآخر وأنه لا يشترط حضوره ومواجهته به، واحتجوا به ~~على جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ~~ببركة روايتها وصدق حديثها فاستنبطتها الأمة منها وعملت بها، فما بال ~~روايتها ترد في حكم واحد من أحكام هذا الحديث وتقبل فيما عداه؟! فإن كانت ~~حفظته قبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يقبل في شيء من أحكامه، ~~وبالله التوفيق. # فإن قيل: بقي عليكم شيء واحد وهو أن قوله سبحانه: {أسكنوهن من حيث سكنتم ~~من وجدكم} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] إنما هو في البوائن لا في الرجعيات ~~بدليل قوله عقيبه: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] فهذا في البائن؛ إذ لو كانت ~~رجعية لما قيد النفقة عليها بالحمل ولكان عديم التأثير، فإنها تستحقها ~~حائلا كانت أو حاملا، والظاهر أن الضمير في (أسكنوهن) هو والضمير في قوله ~~{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] واحد. # فالجواب: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة # PageV05P481 # والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول: فالآية على زعمه ~~حجة عليه؛ لأنه سبحانه شرط في إيجاب النفقة عليهن كونهن حوامل، والحكم ~~المعلق على الشرط ينتفي عند انتفائه فدل على أن البائن الحائل لا نفقة لها. # فإن قيل: فهذه دلالة على المفهوم ولا يقول بها. # قيل: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو ~~بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطا، وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها فيقال ~~له: ليس في الآية ضمير واحد يخص البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخص الرجعية ~~قطعا، كقوله {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: ~~2] [الطلاق: 2] ونوع يحتمل أن يكون للبائن وأن يكون للرجعية ms1657 وأن يكون لهما ~~وهو قوله: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] وقوله {أسكنوهن من ~~حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] فحمله على الرجعية هو المتعين ~~لتتحد الضمائر ومفسرها، فلو حمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر ومفسرها وهو ~~خلاف الأصل والحمل على الأصل أولى. # فإن قيل: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعية بكونها حاملا؟ # قيل: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعية الحائل، بل الرجعية ~~نوعان قد بين الله حكمهما في كتابه: حائل: فلها النفقة بعقد الزوجية إذ ~~حكمها حكم الأزواج، أو حامل: فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، ~~فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع ~~حالها بعده، فإن الزوج ينفق عليها وحده إذا كانت حاملا، فإذا وضعت صارت ~~نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، ~~بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنه في حال حملها جزء من ~~أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت ~~فائدة التقييد وسر الاشتراط، والله أعلم بما أراد من كلامه. # PageV05P482 ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الموافق لكتاب الله تعالى من وجوب النفقة للأقارب] # روى أبو داود في " سننه " عن كليب بن منفعة عن جده أنه أتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ( «من أبر؟ قال: أمك وأباك وأختك ~~وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب ورحم موصولة» ) . # وروى النسائي عن طارق المحاربي قال: قدمت المدينة فإذا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: ( «يد المعطي ~~العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك» ) . # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ( «جاء رجل إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن ~~صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ms1658 ثم ~~من؟ قال: أبوك ثم أدناك أدناك» ) . # وفي الترمذي عن معاوية القشيري - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله ~~( «من أبر؟ قال: أمك، قلت: ثم من؟ قال: أمك، قلت: ثم من؟ قال: أمك، قلت: ثم ~~من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب» ) . # PageV05P483 # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: ( «خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف» ) . # وفي " سنن أبي داود " من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم ~~من كسبكم فكلوه هنيئا» ) ورواه أيضا من حديث عائشة - رضي الله عنها - ~~مرفوعا. # وروى النسائي من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ( «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن ~~أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا» ) . # وهذا كله تفسير لقوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا وبذي القربى} [النساء: 36] [النساء: 36] وقوله تعالى: ~~{وآت ذا القربى حقه} [الإسراء: 26] [الإسراء: 26] فجعل سبحانه حق ذي القربى ~~يلي حق الوالدين كما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء بسواء، وأخبر ~~سبحانه أن لذي القربى حقا على قرابته وأمر بإتيانه إياه، فإن لم يكن ذلك حق ~~النفقة فلا ندري أي حق هو. وأمر تعالى بالإحسان إلى ذي القربى. ومن أعظم ~~الإساءة أن يراه يموت جوعا وعريا وهو قادر على سد خلته وستر عورته، ولا ~~يطعمه لقمة ولا يستر له عورة إلا بأن يقرضه ذلك في ذمته، وهذا الحكم من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مطابق لكتاب الله تعالى حيث يقول: {والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له ~~بولده وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] # PageV05P484 # [البقرة: 233] فأوجب سبحانه وتعالى على الوارث مثل ما أوجب على المولود ~~له، وبمثل هذا الحكم حكم أمير المؤمنين عمر ms1659 بن الخطاب - رضي الله عنه -. ~~فروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر ~~- رضي الله عنه - حبس عصبة صبي على أن ينفقوا عليه، الرجال دون النساء. # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن شعيب أن ابن المسيب ~~أخبره أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقف بني عم على منفوس كلالة ~~بالنفقة عليه مثل العاقلة فقالوا: لا مال له، فقال: ولو، وقوفهم بالنفقة ~~عليه كهيئة العقل، قال ابن المديني: قوله: ولو، أي ولو لم يكن له مال. # وذكر ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو عن سعيد بن المسيب ~~قال: جاء ولي يتيم إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: أنفق عليه، ثم ~~قال: لو لم أجد إلا أقضي عشيرته لفرضت عليهم، وحكم بمثل ذلك أيضا زيد بن ~~ثابت. # قال ابن أبي شيبة: حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن عن مطرف عن إسماعيل ~~عن الحسن عن زيد بن ثابت قال: إذا كان أم وعم فعلى الأم بقدر ميراثها، وعلى ~~العم بقدر ميراثه، ولا يعرف لعمر وزيد مخالف في الصحابة ألبتة. # وقال ابن جريج: قلت لعطاء: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] [البقرة: # PageV05P485 ### | 233 - # ] قال: على ورثة اليتيم أن ينفقوا عليه كما يرثونه. قلت له: أيحبس وارث ~~المولود إن لم يكن للمولود مال؟ قال: أفيدعه يموت؟ وقال الحسن: {وعلى ~~الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] قال: على الرجل الذي يرث أن ينفق عليه حتى ~~يستغني. وبهذا فسر الآية جمهور السلف منهم قتادة ومجاهد والضحاك وزيد بن ~~أسلم وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعبد الله بن عتبة بن مسعود وإبراهيم ~~النخعي والشعبي وأصحاب ابن مسعود، ومن بعدهم: سفيان الثوري وعبد الرزاق ~~وأبو حنيفة وأصحابه، ومن بعدهم: أحمد وإسحاق وداود وأصحابهم. # وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على عدة أقوال. # أحدها: أنه لا يجبر أحد على نفقة أحد من أقاربه، وإنما ذلك بر وصلة، وهذا ~~مذهب يعزى إلى ms1660 الشعبي. قال عبد بن حميد الكشي: حدثنا قبيصة عن سفيان الثوري ~~عن أشعث عن الشعبي قال: ما رأيت أحدا أجبر أحدا على أحد - يعني على نفقته ~~-. وفي إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظر، والشعبي أفقه من هذا، والظاهر ~~أنه أراد أن الناس كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغني أن يجبره الحاكم على ~~الإنفاق على قريبه المحتاج، فكان الناس يكتفون بإيجاب الشرع عن إيجاب ~~الحاكم أو إجباره. # المذهب الثاني: أنه يجب عليه النفقة على أبيه الأدنى وأمه التي ولدته ~~خاصة، فهذان الأبوان يجبر الذكر والأنثى من الولد على النفقة عليهما إذا ~~كانا فقيرين، فأما نفقة الأولاد فالرجل يجبر على نفقة ابنه الأدنى حتى يبلغ ~~فقط وعلى نفقة بنته الدنيا حتى تزوج، ولا يجبر على نفقة ابن ابنه ولا بنت ~~ابنه وإن سفلا، ولا تجبر الأم على نفقة ابنها وابنتها ولو كانا في غاية ~~الحاجة والأم في غاية الغنى، ولا تجب على أحد النفقة على ابن ابن ولا جد ~~ولا أخ ولا أخت ولا # PageV05P486 # عم ولا عمة ولا خال ولا خالة ولا أحد من الأقارب البتة سوى ما ذكرنا. ~~وتجب النفقة مع اتحاد الدين واختلافه حيث وجبت، وهذا مذهب مالك وهو أضيق ~~المذاهب في النفقات. # المذهب الثالث: أنه تجب نفقة عمودي النسب خاصة دون من عداهم مع اتفاق ~~الدين ويسار المنفق وقدرته وحاجة المنفق عليه وعجزه عن الكسب بصغر أو جنون ~~أو زمانة إن كان من العمود الأسفل. وإن كان من العمود الأعلى: فهل يشترط ~~عجزهم عن الكسب؟ على قولين. ومنهم من طرد القولين أيضا في العمود الأسفل. ~~فإذا بلغ الولد صحيحا سقطت نفقته ذكرا كان أو أنثى، وهذا مذهب الشافعي وهو ~~أوسع من مذهب مالك. # المذهب الرابع: أن النفقة تجب على كل ذي رحم محرم لذي رحمه، فإن كان من ~~الأولاد وأولادهم أو الآباء والأجداد وجبت نفقتهم مع اتحاد الدين واختلافه. ~~وإن كان من غيرهم لم تجب إلا مع اتحاد الدين، فلا يجب على المسلم أن ينفق ~~على ذي رحمه ms1661 الكافر، ثم إنما تجب النفقة بشرط قدرة المنفق وحاجة المنفق ~~عليه. فإن كان صغيرا اعتبر فقره فقط، وإن كان كبيرا فإن كان أنثى فكذلك، ~~وإن كان ذكرا فلا بد مع فقره من عماه أو زمانته، فإن كان صحيحا بصيرا لم ~~تجب نفقته، وهي مرتبة عنده على الميراث إلا في نفقة الولد، فإنها على أبيه ~~خاصة على المشهور من مذهبه. # وروي عن الحسن بن زياد اللؤلئي: أنها على أبويه خاصة بقدر ميراثهما طردا ~~للقياس، وهذا مذهب أبي حنيفة وهو أوسع من مذهب الشافعي. # المذهب الخامس: أن القريب إن كان من عمودي النسب وجبت نفقته مطلقا، سواء ~~كان وارثا أو غير وارث، وهل يشترط اتحاد الدين بينهم؟ على روايتين، وعنه ~~رواية أخرى: أنه لا تجب نفقتهم إلا بشرط أن يرثهم بفرض أو تعصيب كسائر ~~الأقارب. وإن كان من غير عمودي النسب وجبت نفقتهم بشرط # PageV05P487 # أن يكون بينه وبينهم توارث. ثم هل يشترط أن يكون التوارث من الجانبين أو ~~يكفي أن يكون من أحدهما؟ على روايتين. وهل يشترط ثبوت التوارث في الحال أو ~~أن يكون من أهل الميراث في الجملة؟ على روايتين: فإن كان الأقارب من ذوي ~~الأرحام الذين لا يرثون فلا نفقة لهم على المنصوص عنه، وخرج بعض أصحابه ~~وجوبها عليهم من مذهبه من توارثهم، ولا بد عنده من اتحاد الدين بين المنفق ~~والمنفق عليه حيث وجبت النفقة إلا في عمودي النسب في إحدى الروايتين. فإن ~~كان الميراث بغير القرابة كالولاء وجبت النفقة به في ظاهر مذهبه على الوارث ~~دون الموروث، وإذا لزمته نفقة رجل لزمته نفقة زوجته في ظاهر مذهبه. وعنه: ~~لا تلزمه. وعنه: تلزمه في عمودي النسب خاصة دون من عداهم. وعنه: تلزمه ~~لزوجة الأب خاصة، ويلزمه إعفاف عمودي نسبه بتزويج أو تسر إذا طلبوا ذلك. # قال القاضي أبو يعلى: وكذلك يجيء في كل من لزمته نفقته، أخ أو عم أو ~~غيرهما يلزمه إعفافه؛ لأن أحمد - رحمه الله - قد نص في العبد يلزمه أن ~~يزوجه إذا طلب ذلك وإلا بيع ms1662 عليه، وإذا لزمه إعفاف رجل لزمه نفقة زوجته؛ ~~لأنه لا تمكن من الإعفاف إلا بذلك، وهذه غير المسألة المتقدمة وهو وجوب ~~الإنفاق على زوجة المنفق عليه، ولهذه مأخذ ولتلك مأخذ، وهذا مذهب الإمام ~~أحمد وهو أوسع من مذهب أبي حنيفة، وإن كان مذهب أبي حنيفة أوسع منه من وجه ~~آخر حيث يوجب النفقة على ذوي الأرحام وهو الصحيح في الدليل وهو الذي تقتضيه ~~أصول أحمد ونصوصه وقواعد الشرع وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل، وحرم ~~الجنة على كل قاطع رحم، فالنفقة تستحق بشيئين: بالميراث بكتاب الله، ~~وبالرحم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد تقدم أن عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - حبس عصبة صبي أن ينفقوا عليه وكانوا بني عمه، وتقدم قول ~~زيد بن ثابت: إذا كان عم وأم فعلى العم بقدر ميراثه، وعلى الأم بقدر ~~ميراثها، فإنه لا مخالف لهما في # PageV05P488 # الصحابة ألبتة، وهو قول جمهور السلف، وعليه يدل قوله تعالى {وآت ذا ~~القربى حقه} [الإسراء: 26] [الإسراء: 26] وقوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا ~~وبذي القربى} [النساء: 36] [النساء: 36] وقد أوجب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - العطية للأقارب، وصرح بأنسابهم فقال: ( «وأختك وأخاك ثم أدناك ~~فأدناك، حق واجب ورحم موصولة» ) . # فإن قيل: فالمراد بذلك البر والصلة دون الوجوب. # قيل: يرد هذا أنه سبحانه أمر به وسماه حقا وأضافه إليه بقوله: (حقه) ، ~~وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه حق، وأنه واجب، وبعض هذا ينادي ~~على الوجوب جهارا. # فإن قيل: المراد بحقه ترك قطيعته. # فالجواب من وجهين. أحدهما: أن يقال: فأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى ~~جوعا وعطشا ويتأذى غاية الأذى بالحر والبرد ولا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ~~ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف يظله، هذا وهو ~~أخوه ابن أمه وأبيه، أو عمه صنو أبيه، أو خالته التي هي أمه، إنما يجب عليه ~~من ذلك ما يجب بذله للأجنبي البعيد بأن يعاوضه على ذلك في الذمة إلى أن ~~يوسر ثم يسترجع به عليه، هذا ms1663 مع كونه في غاية اليسار والجدة وسعة الأموال. ~~فإن لم تكن هذه قطيعة، فإنا لا ندري ما هي القطيعة المحرمة والصلة التي أمر ~~الله بها، وحرم الجنة على قاطعها. # الوجه الثاني: أن يقال: فما هذه الصلة الواجبة التي نادت عليها النصوص ~~وبالغت في إيجابها وذمت قاطعها؟ فأي قدر زائد فيها على حق الأجنبي حتى ~~تعقله القلوب وتخبر به الألسنة وتعمل به الجوارح؟ أهو السلام عليه إذا ~~لقيه، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وإجابته إذا # PageV05P489 # دعاه، وإنكم لا توجبون شيئا من ذلك إلا ما يجب نظيره للأجنبي على ~~الأجنبي؟ وإن كانت هذه الصلة ترك ضربه وسبه وأذاه والإزراء به ونحو ذلك، ~~فهذا حق يجب لكل مسلم على كل مسلم، بل للذمي البعيد على المسلم، فما خصوصية ~~صلة الرحم الواجبة؟ ولهذا كان بعض فضلاء المتأخرين يقول: أعياني أن أعرف ~~صلة الرحم الواجبة. ولما أورد الناس هذا على أصحاب مالك وقالوا لهم: ما ~~معنى صلة الرحم عندكم؟ صنف بعضهم في صلة الرحم كتابا كبيرا، وأوعب فيه من ~~الآثار المرفوعة والموقوفة، وذكر جنس الصلة وأنواعها وأقسامها، ومع هذا فلم ~~يتخلص من هذا الإلزام، فإن الصلة معروفة يعرفها الخاص والعام، والآثار فيها ~~أشهر من العلم، ولكن ما الصلة التي تختص بها الرحم وتجب له الرحمة ولا ~~يشاركه فيها الأجنبي؟ فلا يمكنكم أن تعينوا وجوب شيء إلا وكانت النفقة أوجب ~~منه، ولا يمكنكم أن تذكروا مسقطا لوجوب النفقة إلا وكان ما عداها أولى ~~بالسقوط منه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قرن حق الأخ والأخت بالأب ~~والأم فقال: ( «أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك» ) فما الذي نسخ ~~هذا، وما الذي جعل أوله للوجوب وآخره للاستحباب؟ وإذا عرف هذا فليس من بر ~~الوالدين أن يدع الرجل أباه يكنس الكنف، ويكاري على الحمر، ويوقد في أتون ~~الحمام، ويحمل للناس على رأسه ما يتقوت بأجرته، وهو في غاية الغنى واليسار ~~وسعة ذات اليد، وليس من بر أمه أن يدعها تخدم الناس، وتغسل ثيابهم، وتسقي ~~لهم الماء، ونحو ms1664 ذلك، ولا يصونها بما ينفقه عليها، ويقول: الأبوان مكتسبان ~~صحيحان وليسا بزمنين ولا أعميين، فيالله العجب: أين شرط الله ورسوله في بر ~~الوالدين وصلة الرحم أن يكون أحدهم زمنا أو أعمى، وليست صلة الرحم ولا بر ~~الوالدين موقوفة على ذلك شرعا ولا لغة ولا عرفا، وبالله التوفيق. # PageV05P490 ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرضاعة وما يحرم بها وما لا يحرم وحكمه في القدر المحرم منها وحكمه في إرضاع الكبير هل له تأثير أم لا] # ثبت في " الصحيحين ": من حديث عائشة - رضي الله عنها - عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ( «إن ### | الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» ) . # وثبت فيهما: من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ( «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أريد على ابنة حمزة، فقال: " إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من ~~الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم» ) . # وثبت فيهما: أنه قال لعائشة - رضي الله عنها -: ( «ائذني لأفلح أخي أبي ~~القعيس، فإنه عمك " وكانت امرأته أرضعت عائشة - رضي الله عنها -» ) . # وبهذا أجاب ابن عباس لما سئل عن: رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية ~~والأخرى غلاما، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ قال: لا، اللقاح واحد. # PageV05P491 # وثبت في " صحيح مسلم " عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ( «لا تحرم المصة والمصتان» ) . # وفي رواية: ( «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» ) . # وفي لفظ له: ( «أن رجلا قال: يا رسول الله، هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: ~~لا» ) . # وثبت في " صحيحه " أيضا: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ( «كان فيما ~~نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن» ) . # وثبت في " الصحيحين ": من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: ( «إنما الرضاعة من المجاعة» ) . # وثبت في " جامع الترمذي ": من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «لا يحرم من الرضاعة إلا ms1665 ما فتق ~~الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» ) " وقال الترمذي: حديث صحيح. # PageV05P492 # وفي " سنن الدارقطني " بإسناد صحيح، عن ابن عباس يرفعه: ( «لا رضاع إلا ~~ما كان في الحولين» ) . # وفي " سنن أبي داود ": من حديث ابن مسعود يرفعه: ( «لا يحرم من الرضاع ~~إلا ما أنبت اللحم وأنشر العظم» ) . # وثبت في " صحيح مسلم ": عن عائشة - رضي الله عنها - قالت ( «جاءت سهلة ~~بنت سهيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إني أرى ~~في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أرضعيه تحرمي عليه» ) . # وفي رواية له عنها قالت: ( «جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم ~~وهو حليفه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه، فقالت: وكيف أرضعه ~~وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: قد علمت أنه ~~كبير» ) . # وفي لفظ لمسلم ( «أن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت لعائشة - رضي الله ~~عنها -: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي، فقالت عائشة ~~- رضي الله عنها -: أما لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة؟ إن ~~امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس ~~أبي حذيفة منه شيء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه حتى ~~يدخل عليك» ) . # PageV05P493 # وساقه أبو داود في " سننه " سياقة تامة مطولة، فرواه من حديث الزهري عن ~~عروة عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما: أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ~~بن عبد شمس كان تبنى سالما، وأنكحه ابنة أخيه هندا بنت الوليد بن عتبة وهو ~~مولى لامرأة من الأنصار، كما تبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيدا، ~~وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه حتى أنزل الله ~~تعالى في ذلك: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ms1666 آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] فردوا إلى آبائهم، ~~فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين، ( «فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو ~~القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى ~~سالما ولدا وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فضلا، وقد ~~أنزل الله تعالى فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " أرضعيه» ) فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، ~~فبذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن ~~يرضعن من أحبت عائشة - رضي الله عنها - أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا ~~خمس رضعات، ثم يدخل عليها، وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة من الناس حتى يرضع في المهد، ~~وقلن لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لسالم دون الناس. # فتضمنت هذه السنن الثابتة أحكاما عديدة، بعضها متفق عليه بين الأمة، وفي ~~بعضها نزاع. ### | [الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة] # الحكم الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «الرضاعة تحرم ما تحرم ~~الولادة» ) ، وهذا الحكم متفق عليه بين الأمة حتى عند من قال: إن الزيادة ~~على النص نسخ، والقرآن لا # PageV05P494 # ينسخ بالسنة، فإنه اضطر إلى قبول هذا الحكم وإن كان زائدا على ما في ~~القرآن، سواء سماه نسخا أو لم يسمه، كما اضطر إلى تحريم الجمع بين المرأة ~~وعمتها وبينها وبين خالتها مع أنه زيادة على نص القرآن، وذكرها هذا مع حديث ~~أبي القعيس في تحريم لبن الفحل على أن المرضعة والزوج صاحب اللبن قد صارا ~~أبوين للطفل، وصار الطفل ولدا لهما، فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث، ~~فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما، وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من ~~الآخر ومن غيره إخوته وأخواته من الجهات الثلاث، فأولاد أحدهما من الآخر ~~إخوته وأخواته لأبيه وأمه، وأولاد الزوج من غيرها ms1667 إخوته وأخواته من أبيه، ~~وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه، وصار آباؤها أجداده وجداته، ~~وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة صاحب اللبن وأخواته ~~أعمامه وعماته، فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط. # ولا يتعدى التحريم إلى غير المرتضع ممن هو في درجته من إخوته وأخواته، ~~فيباح لأخيه نكاح من أرضعت أخاه وبناتها وأمهاتها، ويباح لأخته نكاح صاحب ~~اللبن وأباه وبنيه، وكذلك لا ينتشر إلى من فوقه من آبائه وأمهاته، ومن في ~~درجته من أعمامه وعماته وأخواله وخالاته، فلأبي المرتضع من النسب وأجداده ~~أن ينكحوا أم الطفل من الرضاع وأمهاتها وأخواتها وبناتها، وأن ينكحوا أمهات ~~صاحب اللبن وأخواته وبناته، إذ نظير هذا من النسب حلال، فللأخ من الأب أن ~~يتزوج أخت أخيه من الأم، وللأخ من الأم أن ينكح أخت أخيه من الأب، وكذلك ~~ينكح الرجل أم ابنه من النسب وأختها، وأما أمها وبنتها، فإنما حرمتا ~~بالمصاهرة. ### | [هل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع] # وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع وبنتها ~~من الرضاعة وامرأة ابنه من الرضاعة، أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، ~~أو بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرمه الأئمة # PageV05P495 # الأربعة وأتباعهم، وتوقف فيه شيخنا وقال: إن كان قد قال أحد بعدم ~~التحريم، فهو أقوى. # قال المحرمون: تحريم هذا يدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب» ) فأجرى الرضاعة مجرى النسب وشبهها به، فثبت ~~تنزيل ولد الرضاعة وأبي الرضاعة منزلة ولد النسب وأبيه، فما ثبت للنسب من ~~التحريم ثبت للرضاعة، فإذا حرمت امرأة الأب والابن وأم المرأة وابنتها من ~~النسب حرمن بالرضاعة. وإذا حرم الجمع بين أختي النسب حرم بين أختي الرضاعة، ~~هذا تقدير احتجاجهم على التحريم. قال شيخ الإسلام: الله سبحانه حرم سبعا ~~بالنسب وسبعا بالصهر، كذا قال ابن عباس. قال: ومعلوم أن تحريم الرضاعة لا ~~يسمى صهرا وإنما يحرم منه ما يحرم من النسب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ( «يحرم من ms1668 الرضاعة ما يحرم من الولادة» ) ، وفي رواية: ( «ما يحرم من ~~النسب» ) . ولم يقل: وما يحرم بالمصاهرة، ولا ذكره الله سبحانه في كتابه ~~كما ذكر تحريم الصهر، ولا ذكر تحريم الجمع في الرضاع كما ذكره في النسب، ~~والصهر قسيم النسب وشقيقه، قال الله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا} [الفرقان: 54] [الفرقان: 54] فالعلاقة بين الناس بالنسب ~~والصهر، وهما سببا التحريم، والرضاع فرع على النسب، ولا تعقل المصاهرة إلا ~~بين الأنساب، والله تعالى إنما حرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، ~~وبينها وبين خالتها لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم المحرمة. ومعلوم أن الأختين ~~من الرضاع ليس بينهما رحم محرمة في غير النكاح، ولا ترتب على ما بينهما من ~~أخوة الرضاع حكم قط غير تحريم أحدهما على الآخر، فلا يعتق عليه بالملك، ولا ~~يرثه، ولا يستحق النفقة # PageV05P496 # عليه، ولا يثبت له عليه ولاية النكاح ولا الموت، ولا يعقل عنه، ولا يدخل ~~في الوصية والوقف على أقاربه وذوي رحمه، ولا يحرم التفريق بين الأم وولدها ~~الصغير من الرضاعة، ويحرم من النسب، والتفريق بينهما في الملك كالجمع ~~بينهما في النكاح سواء، ولو ملك شيئا من المحرمات بالرضاع لم يعتق عليه ~~بالملك، وإذا حرمت على الرجل أمه وبنته وأخته وعمته وخالته من الرضاعة لم ~~يلزم أن يحرم عليه أم امرأته التي أرضعت امرأته، فإنه لا نسب بينه وبينها ~~ولا مصاهرة ولا رضاع، والرضاعة إذا جعلت كالنسب في حكم لا يلزم أن تكون ~~مثله في كل حكم، بل ما افترقا فيه من الأحكام أضعاف ما اجتمعا فيه منها، ~~وقد ثبت جواز الجمع بين اللتين بينهما مصاهرة محرمة، كما جمع عبد الله بن ~~جعفر بين امرأة علي وابنته من غيرها. وإن كان بينهما تحريم يمنع جواز نكاح ~~أحدها للآخر لو كان ذكرا، فهذا نظير الأختين من الرضاعة سواء؛ لأن سبب ~~تحريم النكاح بينهما في أنفسهما، ليس بينهما وبين الأجنبي منهما الذي لا ~~رضاع بينه وبينهما ولا صهر، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. # واحتج أحمد بأن ms1669 عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته، ولم ينكر ذلك ~~أحد، قال البخاري: وجمع الحسن بن الحسن بن علي بين بنتي عم في ليلة، وجمع ~~عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وابنته، وقال ابن شبرمة: لا بأس به، وكرهه ~~الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. وكرهه جابر بن زيد للقطيعة وليس فيه تحريم ~~لقوله عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] [النساء: 24] هذا كلام ~~البخاري. # PageV05P497 # وبالجملة: فثبوت أحكام النسب من وجه لا يستلزم ثبوتها من كل وجه أو من ~~وجه آخر، فهؤلاء نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - هن أمهات المؤمنين في ~~التحريم والحرمة فقط، لا في المحرمية، فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر ~~إليهن، بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن ومن ~~بينهن وبينه رضاع، فقال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء ~~حجاب} [الأحزاب: 53] [الأحزاب: 53] ثم هذا الحكم لا يتعدى إلى أقاربهن ~~ألبتة، فليس بناتهن أخوات المؤمنين يحرمن على رجالهم، ولا بنوهن إخوة لهم ~~يحرم عليهن بناتهن، ولا أخواتهن وإخوانهن خالات وأخوالا، بل هن حلال ~~للمسلمين باتفاق المسلمين، وقد كانت أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تحت العباس، وكانت أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة - رضي ~~الله عنها - تحت الزبير، وكانت أم عائشة - رضي الله عنها - تحت أبي بكر، ~~وأم حفصة تحت عمر - رضي الله عنه - وليس لرجل أن يتزوج أمه، وقد تزوج عبد ~~الله بن عمر وإخوته وأولاد أبي بكر وأولاد أبي سفيان من المؤمنات، ولو ~~كانوا أخوالا لهن لم يجز أن ينكحوهن، فلم تنتشر الحرمة من أمهات المؤمنين ~~إلى أقاربهن، وإلا لزم من ثبوت حكم من أحكام النسب بين الأمة وبينهن ثبوت ~~غيره من الأحكام. # ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى في المحرمات: {وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم} [النساء: 23] [النساء: 23] . # ومعلوم أن لفظ الابن إذا أطلق لم يدخل فيه ابن الرضاع، فكيف إذا قيد ~~بكونه ابن صلب، وقصد إخراج ms1670 ابن التبني بهذا لا يمنع إخراج ابن الرضاع ويوجب ~~دخوله، وقد ثبت في " الصحيح ": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «أمر ~~سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة؛ ليصير محرما لها» ) فأرضعته ~~بلبن أبي حذيفة زوجها، وصار ابنها ومحرمها بنص رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، سواء كان هذا الحكم مختصا بسالم أو عاما كما قالته أم المؤمنين ~~عائشة - رضي الله عنها - فبقي سالم محرما لها لكونها أرضعته وصارت أمه، ولم ~~يصر محرما لها لكونها امرأة أبيه من # PageV05P498 # الرضاعة، فإن هذا لا تأثير فيه لرضاعة سهلة له، بل لو أرضعته جارية له أو ~~امرأة أخرى صارت سهلة امرأة أبيه، وإنما التأثير لكونه ولدها نفسها، وقد ~~علل بهذا في الحديث نفسه، ولفظه: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~(أرضعيه) فأرضعته خمس رضعات، وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، ولا يمكن دعوى ~~الإجماع في هذه المسألة، ومن ادعاه فهو كاذب، فإن سعيد بن المسيب وأبا سلمة ~~بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وأبا قلابة لم يكونوا يثبتون ~~التحريم بلبن الفحل، وهو مروي عن الزبير وجماعة من الصحابة، كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى، وكانوا يرون أن التحريم إنما هو من قبل الأمهات فقط، ~~فهؤلاء إذا لم يجعلوا المرتضع من لبن الفحل ولدا له، فإنهم لا يحرموا عليه ~~امرأته، ولا على الرضيع امرأة الفحل بطريق الأولى، فعلى قول هؤلاء فلا يحرم ~~على المرأة أبو زوجها من الرضاعة، ولا ابنه من الرضاعة. # فإن قيل: هؤلاء لم يثبتوا البنوة بين المرتضع وبين الفحل فلم تثبت ~~المصاهرة؛ لأنها فرع ثبوت بنوة الرضاع، فإذا لم تثبت له لم يثبت فرعها، ~~وأما من أثبت بنوة الرضاع من جهة الفحل كما دلت عليه السنة الصحيحة الصريحة ~~وقال به جمهور أهل الإسلام، فإنه تثبت المصاهرة بهذه البنوة، فهل قال أحد ~~ممن ذهب إلى التحريم بلبن الفحل: إن زوجة أبيه وابنه من الرضاعة لا تحرم؟ # قيل: المقصود أن في تحريم هذه نزاعا، وأنه ليس مجمعا عليه، وبقي ms1671 النظر في ~~مأخذه، هل هو إلغاء لبن الفحل، وأنه لا تأثير له، أو إلغاء المصاهرة من جهة ~~الرضاع، وأنه لا تأثير لها، وإنما التأثير لمصاهرة النسب؟ # ولا شك أن المأخذ الأول باطل؛ لثبوت السنة الصريحة بالتحريم بلبن الفحل، ~~وقد بينا أنه لا يلزم من القول بالتحريم به إثبات المصاهرة به إلا بالقياس، ~~وقد تقدم أن الفارق بين الأصل والفرع أضعاف أضعاف الجامع، وأنه لا يلزم من ~~ثبوت حكم من أحكام النسب ثبوت حكم آخر. # PageV05P499 # ويدل على هذا أيضا أنه سبحانه لم يجعل أم الرضاع وأخت الرضاعة داخلة تحت ~~أمهاتنا وأخواتنا، فإنه سبحانه قال: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} ~~[النساء: 23] [النساء: 23] ثم قال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة} [النساء: 23] [النساء: 23] فدل على أن لفظ أمهاتنا عند الإطلاق: ~~إنما يراد به الأم من النسب، وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: {وأمهات نسائكم} ~~[النساء: 23] مثل قوله: (وأمهاتكم) إنما هن أمهات نسائنا من النسب فلا ~~يتناول أمهاتهن من الرضاعة، ولو أريد تحريمهن لقال: وأمهاتهن اللاتي ~~أرضعنهن كما ذكر ذلك في أمهاتنا، وقد بينا أن قوله: ( «يحرم من الرضاعة ما ~~يحرم من النسب» ) إنما يدل على أن من حرم على الرجل من النسب حرم عليه ~~نظيره من الرضاعة، ولا يدل على أن من حرم عليه بالصهر أو بالجمع حرم عليه ~~نظيره من الرضاعة، بل يدل مفهومه على خلاف ذلك مع عموم قوله: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} [النساء: 24] [النساء 24] . ### | [من جوز من السلف نكاح بنات الزوجة إذا لم تكن في حجره] # ومما يدل على أن تحريم امرأة أبيه وابنه من الرضاعة ليس مسألة إجماع، أنه ~~قد ثبت عن جماعة من السلف جواز نكاح بنت امرأته إذا لم تكن في حجره، كما صح ~~عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري قال: كانت عندي امرأة وقد ولدت لي فتوفيت ~~فوجدت عليها، فلقيت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال لي: ما لك؟ قلت: ~~توفيت المرأة، قال: لها ابنة؟ قلت: نعم، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، ms1672 هي في ~~الطائف. قال: فانكحها، قلت: فأين قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسائكم} [النساء: 23] ؟ [النساء: 23] . قال: إنها لم تكن في حجرك، وإنما ~~ذلك إذا كانت في حجرك. # PageV05P500 # وصح عن إبراهيم بن ميسرة أن رجلا من بني سواءة يقال له: عبيد الله بن ~~معبد، أثنى عليه خيرا، أخبره أن أباه أو جده كان قد نكح امرأة ذات ولد من ~~غيره، ثم اصطحبا ما شاء الله، ثم نكح امرأة شابة، فقال أحد بني الأولى: قد ~~نكحت على أمنا وكبرت واستغنيت عنها بامرأة شابة، فطلقها، قال: لا والله إلا ~~أن تنكحني ابنتك، قال: فطلقها وأنكحه ابنته، ولم تكن في حجره هي ولا أبوها. ~~قال فجئت سفيان بن عبد الله، فقلت: استفت لي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- قال: لتحجن معي، فأدخلني على عمر - رضي الله عنه - بمنى، فقصصت عليه ~~الخبر، فقال عمر: لا بأس بذلك فاذهب فسل فلانا ثم تعال فأخبرني. قال: ولا ~~أراه إلا عليا، قال: فسألته، فقال: لا بأس بذلك، وهذا مذهب أهل الظاهر. ~~فإذا كان عمر وعلي - رضي الله عنهما - ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة ~~إذا لم تكن في حجر الزوج، مع أنها ابنة امرأته من النسب، فكيف يحرمان عليه ~~ابنتها من الرضاع، وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله سبحانه وتعالى في تحريمها، ~~أن تكون في حجره، وأن تكون من امرأته، وأن يكون قد دخل بأمها. فكيف يحرم ~~عليه مجرد ابنتها من الرضاعة، وليست في حجره، ولا هي ربيبته لغة، فإن ~~الربيبة بنت الزوجة، والربيب ابنها باتفاق الناس، وسميا ربيبا وربيبة لأن ~~زوج أمهما يربهما في العادة، وأما من أرضعتهما امرأته بغير لبنه، ولم يربها ~~قط، ولا كانت في حجره، فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظا ومعنى، وقد ~~أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريم الربيبة بكونها في الحجر. ففي " ~~صحيح البخاري " من حديث الزهري عن عروة أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن ( ~~«أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله، أخبرت أنك ms1673 تخطب بنت أبي سلمة، ~~فقال: بنت أم سلمة؟ قالت: نعم، فقال: إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما ~~حلت لي» ) . وهذا يدل على # PageV05P501 # اعتباره - صلى الله عليه وسلم - القيد الذي قيده الله في التحريم وهو أن ~~تكون في حجر الزوج. # ونظير هذا سواء، أن يقال في زوجة ابن الصلب إذا كانت محرمة برضاع: لو لم ~~تكن حليلة ابني الذي لصلبي، لما حلت لي سواء، ولا فرق بينهما، وبالله ~~التوفيق. ### | [فصل التحريم بلبن الفحل] # فصل الحكم الثاني: المستفاد من هذه السنة أن لبن الفحل يحرم، وأن التحريم ~~ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، ~~وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أحق أن تتبع ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لأجل قول أحد ~~كائنا من كان. ولو تركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو ~~لتأويلها، أو غير ذلك لترك سنن كثيرة جدا وتركت الحجة إلى غيرها، وقول من ~~يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، ~~وهذه بلية، نسأل الله العافية منها، وأن لا نلقاه بها يوم القيامة. # قال الأعمش: كان عمارة وإبراهيم وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسا حتى ~~أتاهم الحكم بن عتيبة بخبر أبي القعيس، يعني: فتركوا قولهم ورجعوا عنه، ~~وهكذا يصنع أهل العلم إذا أتتهم السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجعوا إليها وتركوا قولهم بغيرها. # قال الذين لا يحرمون بلبن الفحل: إنما ذكر الله سبحانه في كتابه التحريم ~~بالرضاعة من جهة الأم، فقال {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} ~~[النساء: 23] [النساء: 23] واللام: للعهد ترجع إلى الرضاعة المذكورة وهي ~~رضاعة الأم، وقد قال الله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ~~[النساء: 24] # PageV05P502 # فلو أثبتنا التحريم بالحديث لكنا قد نسخنا القرآن بالسنة، وهذا - على أصل ~~من يقول: الزيادة على النص نسخ - ألزم، قالوا: وهؤلاء أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه ms1674 وسلم - هم أعلم الأمة بسنته وكانوا لا يرون التحريم به، فصح ~~عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين ~~أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - امرأة الزبير بن ~~العوام، قالت زينب: وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون ~~رأسي ويقول: أقبلي علي فحدثيني، أرى أنه أبي وما ولد منه فهم إخوتي، ثم إن ~~عبد الله بن الزبير أرسل إلي يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير، وكان ~~حمزة للكلبية، فقالت لرسوله: وهل تحل له؟ وإنما هي ابنة أخته، فقال عبد ~~الله: إنما أردت بهذا المنع من قبلك. أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وما كان ~~من غير أسماء فليسوا لك بإخوة، فأرسلي فاسألي عن هذا، فأرسلت فسألت، وأصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل ~~الرجل لا تحرم شيئا فأنكحيها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها. # قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا: ومن المعلوم أن ~~الرضاعة من جهة المرأة لا من الرجل. # قال الجمهور: ليس فيما ذكرتم ما يعارض السنة الصحيحة الصريحة، فلا يجوز ~~العدول عنها. أما القرآن فإنه بين أمرين: إما أن يتناول الأخت من الأب من ~~الرضاعة فيكون دالا على تحريمها، وإما أن لا يتناولها فيكون ساكتا عنها، ~~فيكون تحريم السنة لها تحريما مبتدءا ومخصصا لعموم قوله: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} [النساء: 24] [النساء: 24] والظاهر يتناول لفظ الأخت لها، فإنه ~~سبحانه عمم لفظ الأخوات من الرضاعة، فدخل فيه كل من أطلق عليها أخته، ولا ~~يجوز أن يقال: إن أخته من أبيه من الرضاعة ليست أختا له، ( «فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة # PageV05P503 # - رضي الله عنها -: ائذني لأفلح؛ فإنه عمك» ) ، فأثبت العمومة بينها ~~وبينه بلبن الفحل وحده، فإذا ثبتت العمومة بين المرتضعة وبين أخي صاحب ~~اللبن، فثبوت الأخوة بينها وبين ابنه بطريق الأولى أو مثله. # فالسنة بينت مراد الكتاب لا أنها خالفته، ms1675 وغايتها أن تكون أثبتت تحريم ما ~~سكت عنه، أو تخصيص ما لم يرد عمومه. # وأما قولكم: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون التحريم ~~بذلك فدعوى باطلة على جميع الصحابة، فقد صح عن علي - رضي الله عنه - إثبات ~~التحريم به، وذكر البخاري في " صحيحه " أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له ~~امرأتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما أيحل أن ينكحها؟ فقال ابن عباس: ~~لا، اللقاح واحد، وهذا الأثر الذي استدللتم به صريح عن الزبير أنه كان ~~يعتقد أن زينب ابنته بتلك الرضاعة، وهذه عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها ~~- كانت تفتي: أن لبن الفحل ينشر الحرمة، فلم يبق بأيديكم إلا عبد الله بن ~~الزبير، وأين يقع من هؤلاء. # وأما الذين سألتهم فأفتوها بالحل فمجهولون غير مسمين، ولم يقل الراوي: ~~فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم متوافرون، بل لعلها ~~أرسلت فسألت من لم تبلغه السنة الصحيحة منهم فأفتاها بما أفتاها به عبد ~~الله بن الزبير، ولم يكن الصحابة إذ ذاك متوافرين بالمدينة، بل كان معظمهم ~~وأكابرهم بالشام والعراق ومصر. # وأما قولكم: إن الرضاعة إنما هي من جهة الأم، فالجواب أن يقال: إنما ~~اللبن للأب الذي ثار بوطئه، والأم وعاء له، وبالله التوفيق. # فإن قيل: فهل تثبت أبوة صاحب اللبن وإن لم تثبت أمومة المرضعة، أو # PageV05P504 # ثبوت أبوته فرع على ثبوت أمومة المرضعة؟ # قيل: هذا الأصل فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي، ~~وعليه مسألة من له أربع زوجات فأرضعن طفلة كل واحدة منهن رضعتين فإنهن لا ~~يصرن أما لها؛ لأن كل واحدة منهن لم ترضعها خمس رضعات. وهل يصير الزوج أبا ~~للطفلة؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يصير أبا كما لم تصر المرضعات أمهات، ~~والثاني وهو الأصح: يصير أبا لكون الولد ارتضع من لبنه خمس رضعات، ولبن ~~الفحل أصل بنفسه غير متفرع على أمومة المرضعة، فإن الأبوة إنما تثبت بحصول ~~الارتضاع من لبنه لا لكون المرضعة أمه، ولا يجيء هذا على أصلي أبي ms1676 حنيفة ~~ومالك فإن عندهما قليل الرضاع وكثيره محرم، فالزوجات الأربع أمهات للمرتضع، ~~فإذا قلنا بثبوت الأبوة - وهو الصحيح - حرمت المرضعات على الطفل؛ لأنه ~~ربيبهن وهن موطوآت أبيه، فهو ابن بعلهن. وإن قلنا: لا تثبت الأبوة، لم ~~يحرمن عليه بهذا الرضاع. # وعلى هذه المسألة: ما لو كان لرجل خمس بنات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة لم ~~يصرن أمهات له. وهل يصير الرجل جدا له، وأولاده الذين هم إخوة المرضعات ~~أخوالا له وخالات؟ على وجهين أحدهما: يصير جدا وأخوهن خالا؛ لأنه قد كمل ~~المرتضع خمس رضعات من لبن بناته فصار جدا، كما لو كان المرتضع بنتا واحدة. ~~وإذا صار جدا كان أولاده الذين هم إخوة البنات أخوالا وخالات، لأنهن إخوة ~~من كمل له منهن خمس رضعات فنزلوا بالنسبة إليه منزلة أم واحدة، والآخر: لا ~~يصير جدا ولا أخواتهن خالات؛ لأن كونه جدا فرع على كون ابنته أما، وكون ~~أخيها خالا فرع على كون أخته أما، ولم يثبت الأصل فلا يثبت فرعه، وهذا ~~الوجه أصح في هذه المسألة بخلاف التي قبلها؛ فإن ثبوت الأبوة فيها لا ~~يستلزم ثبوت الأمومة على الصحيح. والفرق بينهما: أن الفرعية متحققة في هذه ~~المسألة بين المرضعات وأبيهن فإنهن بناته، واللبن ليس له، فالتحريم هنا بين ~~المرضعة وابنها، فإذا لم تكن أما لم يكن أبوها جدا، # PageV05P505 # بخلاف تلك، فإن التحريم بين المرتضع وبين صاحب اللبن، فسواء ثبتت أمومة ~~المرضعة أو لا، فعلى هذا إذا قلنا: يصير أخوهن خالا، فهل تكون كل واحدة ~~منهن خالة له؟ فيه وجهان. أحدهما: لا تكون خالة؛ لأنه لم يرتضع من لبن ~~أخواتها خمس رضعات فلا تثبت الخؤولة. والثاني: تثبت؛ لأنه قد اجتمع من ~~اللبن المحرم خمس رضعات وكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتا للخؤولة، ولا ~~تثبت أمومة واحدة منهن إذ لم يرتضع منها خمس رضعات، ولا يستبعد ثبوت خؤولة ~~بلا أمومة، كما ثبت في لبن الفحل أبوة بلا أمومة، وهذا ضعيف. والفرق ~~بينهما: أن الخؤولة فرع محض على الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل ms1677 فكيف يثبت ~~فرعه؟ بخلاف الأبوة والأمومة فإنهما أصلان لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء ~~الآخر. # وعلى هذا مسألة ما لو كان لرجل أم وأخت وابنة وزوجة ابن، فأرضعن طفلة كل ~~واحدة منهن رضعة لم تصر واحدة منهن أمها، وهل تحرم على الرجل؟ على وجهين: ~~أوجههما: ما تقدم. والتحريم هاهنا بعيد؛ فإن هذا اللبن الذي كمل للطفل لا ~~يجعل الرجل أبا له ولا جدا ولا أخا ولا خالا، والله أعلم. ### | [فصل تحريم المخلوقة من ماء الزاني] # فصل وقد دل التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة من ماء الزاني دلالة ~~الأولى والأحرى؛ لأنه إذا حرم عليه أن ينكح من قد تغذت بلبن ثار بوطئه، ~~فكيف يحل له أن ينكح من قد خلق من نفس مائه بوطئه؟ وكيف يحرم الشارع بنته ~~من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سببا فيه، ثم يبيح له نكاح من ~~خلقت بنفس وطئه ومائه؟ هذا من المستحيل؛ فإن البعضية التي بينه وبين ~~المخلوقة من مائه أكمل وأتم من البعضية التي بينه وبين من تغذت بلبنه، فإن ~~بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية، والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقة من ~~مائه، فنصفها أو أكثرها بعضه قطعا، والشطر الآخر للأم، وهذا قول جمهور ~~المسلمين، ولا يعرف # PageV05P506 # في الصحابة من أباحها، ونص الإمام أحمد رحمه الله على أن من تزوجها، قتل ~~بالسيف محصنا كان أو غيره. # وإذا كانت بنته من الرضاعة بنتا في حكمين فقط: الحرمة، والمحرمية، وتخلف ~~سائر أحكام البنت عنها لم تخرجها عن التحريم، وتوجب حلها، فكذا بنته من ~~الزنى تكون بنتا في التحريم، وتخلف أحكام البنت عنها لا يوجب حلها، والله ~~سبحانه خاطب العرب بما تعقله في لغاتها، ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقله ~~الشارع عن موضعه الأصلي، كلفظ الصلاة والإيمان ونحوهما، فيحمل على موضوعه ~~اللغوي حتى يثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره، فلفظ البنت كلفظ الأخ والعم ~~والخال ألفاظ باقية على موضوعاتها اللغوية. # وقد ثبت في " الصحيح " «أن الله تعالى أنطق ابن الراعي الزاني ms1678 بقوله: أبي ~~فلان الراعي» وهذا الإنطاق لا يحتمل الكذب، وأجمعت الأمة على تحريم أمه ~~عليه. وخلقه من مائها وماء الزاني خلق واحد، وإثمهما فيه سواء، وكونه بعضا ~~له مثل كونه بعضا لها، وانقطاع الإرث بين الزاني والبنت لا يوجب جواز ~~نكاحها، ثم من العجب كيف يحرم صاحب هذا القول أن يستمني الإنسان بيده، ~~ويقول: هو نكاح ليده، ويجوز للإنسان أن ينكح بعضه، ثم يجوز له أن يستفرش ~~بعضه الذي خلقه الله من مائه، وأخرجه من صلبه، كما يستفرش الأجنبية. ### | [فصل لا تحرم المصة والمصتان من الرضاع] # فصل والحكم الثالث: أنه لا تحرم المصة والمصتان، كما نص عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا يحرم إلا خمس رضعات، وهذا موضع اختلف فيه العلماء. ~~فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهذا يروى عن ~~علي وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن والزهري، وقتادة، والحكم، ~~وحماد، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وزعم الليث بن سعد ~~أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في # PageV05P507 # المهد ما يفطر به الصائم، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. # وقالت طائفة أخرى: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات، وهذا قول أبي ~~ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود بن علي، وهو رواية ثانية عن أحمد. # وقالت طائفة أخرى: لا يثبت بأقل من خمس رضعات، وهذا قول عبد الله بن ~~مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوس، وهو إحدى الروايات الثلاث عن ~~عائشة رضي الله عنها، والرواية الثانية عنها: أنه لا يحرم أقل من سبع، ~~والثالثة: لا يحرم أقل من عشر. والقول بالخمس مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر ~~مذهبه، وهو قول ابن حزم، وخالف داود في هذه المسألة. # فحجة الأولين أنه سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمها وجد ~~حكمها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» ~~وهذا موافق لإطلاق القرآن. # وثبت في " الصحيحين "، «عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج أم يحيى ms1679 بنت أبي ~~إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: وكيف وقد زعمت أنها قد ~~أرضعتكما فنهاه عنها» ، ولم يسأل عن عدد الرضاع، قالوا: ولأنه فعل يتعلق به ~~التحريم، فاستوى قليله وكثيره، كالوطء الموجب له، قالوا: ولأن إنشاز العظم، ~~وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره. قالوا: ولأن أصحاب العدد قد اختلفت ~~أقوالهم في الرضعة وحقيقتها، واضطربت أشد الاضطراب، وما كان هكذا لم # PageV05P508 # يجعله الشارع نصابا لعدم ضبطه والعلم به. # قال أصحاب الثلاث: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تحرم ~~المصة والمصتان» ، وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تحرم الإملاجة والإملاجتان» . وفي حديث آخر: «أن رجلا قال: ~~يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: لا» . وهذه أحاديث صحيحة صريحة، ~~رواها مسلم في " صحيحه "، فلا يجوز العدول عنها فأثبتنا التحريم بالثلاث ~~لعموم الآية، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة قالوا: ولأن ما يعتبر ~~فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث. قالوا: ولأنها أول مراتب الجمع، وقد ~~اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جدا. # قال أصحاب الخمس: الحجة لنا ما تقدم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة ~~الصريحة، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~توفي والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لسهلة بنت سهيل: «أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه» . قالوا: وعائشة أعلم ~~الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة ~~رضي الله عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو ~~أخواتها فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في ~~عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة ~~بعضها خرج جوابا للسائل، وبعضها تأسيس حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا ~~التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئا من النصوص التي استدللتم ms1680 بها، وإنما ~~نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص. # وأما من علق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يخالف أحاديث نفي التحريم # PageV05P509 # بالرضعة والرضعتين، وأما صاحب الثلاث، فإنه وإن لم يخالفها، فهو مخالف ~~لأحاديث الخمس. # قال من لم يقيده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة رضي الله عنها نقل ~~الأخبار، فيحتج به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يثبت بالتواتر، ~~والأمة لم تنقل ذلك قرآنا، فلا يكون قرآنا، وإذا لم يكن قرآنا ولا خبرا، ~~امتنع إثبات الحكم به. # قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادا في فصلين، أحدهما: ~~كونه من القرآن، والثاني: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، ~~فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسه على المحدث، وقراءته على ~~الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم ~~يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظن، وقد احتج كل واحد من الأئمة ~~الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو ~~حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات ". واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم ~~أنه السدس بقراءة أبي، " وإن كان رجل يورث كلالة، أو امرأة وله أخ، أو أخت ~~من أم، فلكل واحد منهما السدس "، فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة، ولا ~~مستند للإجماع سواها. # قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآنا أو خبرا، قلنا: بل قرآنا ~~صريحا. قولكم: فكان يجب نقله متواترا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه أو بقي، أما ~~الأول، فممنوع، والثاني، مسلم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نسخ لفظه، وبقي ~~حكمه، فيكون له حكم قوله: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " مما اكتفي ~~بنقله آحادا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه. وفي المسألة مذهبان آخران ~~ضعيفان. # PageV05P510 # أحدهما: أن التحريم لا يثبت بأقل من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: ~~لا يحرم من الرضاع دون سبع ms1681 رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر ~~جاء بالتحريم، المرة الواحدة تحرم، وهذا المذهب لا دليل عليه. # الثاني: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يروى عن حفصة وعائشة رضي ~~الله عنهما. # وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن ~~قال طاوس: كان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضعات محرمات، ولسائر الناس ~~رضعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد، وقد تبين الصحيح من هذه الأقوال، وبالله ~~التوفيق. ### | [فصل حد الرضعة] # فصل فإن قيل ما هي الرضعة التي تنفصل من أختها، وما حدها؟ قيل: الرضعة ~~فعلة من الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثدي، ~~فامتص منه ثم تركه باختياره، من غير عارض كان ذلك رضعة؛ لأن الشرع ورد بذلك ~~مطلقا، فحمل على العرف، والعرف هذا، والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، ~~أو لشيء يلهيه، ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل ~~إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة، هذا مذهب ~~الشافعي، ولهم فيما إذا قطعت المرضعة عليه، ثم أعادته وجهان. # أحدهما: أنها رضعة واحدة ولو قطعته مرارا حتى يقطع باختياره. قالوا: لأن ~~الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة، ولهذا لو ارتضع منها وهي نائمة حسبت رضعة، ~~فإذا قطعت عليه، لم يعتد به، كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيب، ~~فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد، فإنها أكلة واحدة. # والوجه الثاني: أنها رضعة أخرى لأن الرضاع يصح من المرتضع ومن المرضعة ~~ولهذا لو أوجرته وهو نائم احتسب رضعة. # ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان. أحدهما: لا # PageV05P511 # يعتد بواحد منهما لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة، فلم ~~تتم الرضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا ~~رضعة واحدة. # والثاني: أنه يحتسب من كل واحد منهما رضعة، لأنه ارتضع، وقطعه باختياره ~~من شخصين. # وأما مذهب ms1682 الإمام أحمد رحمه الله، فقال صاحب " المغني ": إذا قطع قطعا ~~بينا باختياره، كان ذلك رضعة، فإن عاد كان رضعة أخرى، فأما إن قطع لضيق ~~نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، ~~نظرنا، فإن لم يعد قريبا، فهي رضعة، وإن عاد في الحال، ففيه وجهان، أحدهما: ~~أن الأولى رضعة، فإذا عاد، فهي رضعة أخرى، قال: وهذا اختيار أبي بكر، وظاهر ~~كلام أحمد في رواية حنبل، فإنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من الثدي، فإذا ~~أدركه النفس، أمسك عن الثدي ليتنفس، أو ليستريح، فإذا فعل ذلك، فهي رضعة، ~~قال الشيخ: وذلك أن الأولى رضعة لو لم يعد، فكانت رضعة، وإن عاد، كما لو ~~قطع باختياره. # والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة، وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه ~~المرضعة، ففيه وجهان؛ لأنه لو حلف: لا أكلت اليوم إلا أكلة واحدة، فاستدام ~~الأكل زمنا، أو انقطع لشرب ماء، أو انتقال من لون إلى لون، أو انتظار لما ~~يحمل إليه من الطعام لم يعد إلا أكلة واحدة فكذا هاهنا، والأول أصح؛ لأن ~~اليسير من السعوط والوجور رضعة، فكذا هذا. # قلت: وكلام أحمد يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره الشيخ، ويكون قوله: " فهي ~~رضعة "، عائدا إلى الرضعة الثانية. الثاني: أن يكون المجموع رضعة، فيكون ~~قوله: " فهي رضعة " عائدا إلى الأول، والثاني، وهذا أظهر # PageV05P512 # محتمليه؛ لأنه استدل بقطعه للتنفس، أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة. ~~ومعلوم أن هذا الاستدلال أليق بكون الثانية مع الأولى واحدة من كون الثانية ~~رضعة مستقلة، فتأمله. # وأما قياس الشيخ له على يسير السعوط والوجور، فالفرق بينهما أن ذلك مستقل ~~ليس تابعا لرضعة قبله، ولا هو من تمامها، فيقال: رضعة بخلاف مسألتنا، فإن ~~الثانية تابعة للأولى، وهي من تمامها فافترقا. ### | [فصل زمن الرضاع المحرم] # فصل والحكم الرابع: أن الرضاع الذي يتعلق به التحريم ما كان قبل الفطام ~~في زمن الارتضاع المعتاد، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي، وأحمد، ~~وأبو يوسف، ومحمد: هو ما كان ms1683 في الحولين، ولا يحرم ما كان بعدهما، وصح ذلك ~~عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وروي عن سعيد بن ~~المسيب، والشعبي، وابن شبرمة، وهو قول سفيان، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن حزم، ~~وابن المنذر، وداود، وجمهور أصحابه. # وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام، ولم يحدوه بزمن، صح ذلك ~~عن أم سلمة، وابن عباس، وروي عن علي، ولم يصح عنه، وهو قول الزهري، والحسن، ~~وقتادة، وعكرمة، والأوزاعي. # قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه، ثم رضع في الحولين، لم ~~يحرم هذا الرضاع شيئا، فإن تمادى رضاعه ولم يفطم، فما كان في الحولين فإنه ~~يحرم. وما كان بعدهما، فإنه لا يحرم وإن تمادى الرضاع. # وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان في الصغر، ولم يوقته هؤلاء بوقت، وروي ~~هذا عن ابن عمر، وابن المسيب، وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ~~عائشة رضي الله عنها. وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرا، وعن أبي حنيفة ~~رواية أخرى، كقول أبي يوسف ومحمد. # وقال مالك في المشهور من مذهبه: يحرم في الحولين، وما قاربهما، ولا حرمة ~~له بعد ذلك. ثم روي عنه # PageV05P513 # اعتبار أيام يسيرة، وروي عنه شهران. وروي شهر، ونحوه. وروى عنه الوليد بن ~~مسلم وغيره: أن ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، ~~فإنه عندي من الحولين، وهذا هو المشهور عند كثير من أصحابه. # والذي رواه عنه أصحاب الموطأ وكان يقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه: وما ~~كان من الرضاع بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئا، إنما هو بمنزلة ~~الطعام، هذا لفظه. # وقال: إذا فصل الصبي قبل الحولين، واستغنى بالطعام عن الرضاع، فما ارتضع ~~بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة. # وقال الحسن بن صالح، وابن أبي ذئب، وجماعة من أهل الكوفة: مدة الرضاع ~~المحرم ثلاث سنين، فما زاد عليها لم يحرم، وقال عمر بن عبد العزيز: مدته ~~إلى سبع سنين، وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه كالمتعجب من ms1684 قوله. وروي عنه ~~خلاف هذا، وحكى عنه ربيعة، أن مدته حولان، واثنا عشر يوما. ### | [من قال بتحريم رضاع الكبير] # وقالت طائفة من السلف والخلف: يحرم رضاع الكبير، ولو أنه شيخ، فروى مالك، ~~عن ابن شهاب، أنه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزبير، بحديث ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلت، وكانت ~~تراه ابنا لها. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فيمن ~~كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها ~~يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل ~~فقال: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلا كبيرا، أفأنكحها؟ قال # PageV05P514 # عطاء: لا تنكحها، فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة رضي الله ~~عنها تأمر بذلك بنات أخيها. وهذا قول ثابت عن عائشة رضي الله عنها. ويروى ~~عن علي، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وهو قول الليث بن سعد، وأبي ~~محمد بن حزم، قال: ورضاع الكبير ولو أنه شيخ يحرم كما يحرم رضاع الصغير. ~~ولا فرق فهذه مذاهب الناس في هذه المسألة. # ولنذكر مناظرة أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير، فإنهما طرفان، ~~وسائر الأقوال متقاربة. ### | [حجة من قال بعدم التحريم برضاع الكبير] # قال أصحاب الحولين: قال الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] [البقرة: 233] ، قالوا: ~~فجعل تمام الرضاعة حولين، فدل على أنه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به ~~التحريم. قالوا: وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقصر الرضاعة المحرمة عليها. قالوا: وهذه مدة الثدي الذي قال ~~فيها: «لا رضاع إلا ما كان في الثدي» ، أي في زمن الثدي، وهذه لغة معروفة ~~عند العرب، فإن العرب يقولون: فلان مات في الثدي، أي في زمن الرضاع قبل ~~الفطام، ومنه الحديث المشهور: «إن إبراهيم مات في ms1685 الثدي وإن له مرضعا في ~~الجنة تتم رضاعه» . يعني إبراهيم ابنه صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: وأكد ~~ذلك بقوله: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء» وكان في الثدي قبل الفطام، فهذه ~~ثلاثة أوصاف للرضاع المحرم، ومعلوم أن رضاع الشيخ الكبير عار من الثلاثة. # PageV05P515 # قالوا: وأصرح من هذا حديث ابن عباس: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين» . # قالوا: وأكده أيضا حديث ابن مسعود: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما أنبت ~~اللحم وأنشز العظم» ، ورضاع الكبير لا ينبت لحما، ولا ينشز عظما. # قالوا: ولو كان رضاع الكبير محرما لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة - وقد تغير وجهه، وكره دخول أخيها من الرضاعة عليها لما رآه كبيرا: ~~- " انظرن من إخوانكن " فلو حرم رضاع الكبير لم يكن فرق بينه وبين الصغير، ~~ولما كره ذلك وقال: «انظرن من إخوانكن» ثم قال: «فإنما الرضاعة من المجاعة» ~~وتحت هذا من المعنى خشية أن يكون قد ارتضع في غير زمن الرضاع وهو زمن ~~المجاعة، فلا ينشر الحرمة، فلا يكون أخا. # قالوا: وأما حديث سهلة في رضاع سالم، فهذا كان في أول الهجرة؛ لأن قصته ~~كانت عقيب نزول قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] ، ~~وهي نزلت في أول الهجرة. # وأما أحاديث اشتراط الصغر، وأن يكون في الثدي قبل الفطام، فهي من رواية ~~ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عباس إنما قدم المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة ~~إنما أسلم عام فتح خيبر بلا شك، كلاهما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه ~~من امرأة أبي حذيفة. ### | [حجة من حرم برضاع الكبير] # قال المثبتون للتحريم برضاع الشيوخ: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صحة لا يمتري فيها أحد أنه أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما مولى أبي ~~حذيفة، وكان كبيرا ذا لحية، وقال: «أرضعيه تحرمي عليه» ثم ساقوا الحديث، ~~وطرقه وألفاظه وهي صحيحة صريحة بلا شك. # ثم قالوا: فهذه الأخبار ترفع الإشكال، وتبين مراد الله عز وجل في الآيات ~~المذكورات أن الرضاعة التي تتم بتمام الحولين، ms1686 أو بتراضي الأبوين قبل ~~الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحا للرضيع، إنما هي الموجبة # PageV05P516 # للنفقة على المرأة المرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها. # ولقد كان في الآية كفاية من هذا؛ لأنه تعالى قال: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] [البقرة: 233] ، فأمر الله تعالى الوالدات ~~بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريم للرضاعة بعد ذلك، ولا أن التحريم ~~ينقطع بتمام الحولين، وكان قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ~~من الرضاعة} [النساء: 23] [النساء: 23] ، ولم يقل في حولين، ولا في وقت دون ~~وقت زائدا على الآيات الأخر، وعمومها لا يجوز تخصيصه إلا بنص يبين أنه ~~تخصيص له لا بظن ولا محتمل لا بيان فيه، وكانت هذه الآثار يعني التي فيها ~~التحريم برضاع الكبير قد جاءت مجيء التواتر، رواها نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وسهلة بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها من التابعين: القاسم بن محمد، وعروة بن ~~الزبير، وحميد بن نافع، ورواها عن هؤلاء: الزهري، وابن أبي مليكة، وعبد ~~الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ثم رواها عن هؤلاء: أيوب ~~السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعبة، ومالك، وابن جريج، ~~وشعيب، ويونس، وجعفر بن ربيعة، ومعمر، وسليمان بن بلال، وغيرهم، ثم رواها ~~عن هؤلاء الجم الغفير، والعدد الكثير، فهي نقل كافة لا يختلف مؤالف ولا ~~مخالف في صحتها، فلم يبق من الاعتراض إلا قول القائل: كان ذلك خاصا بسالم، ~~كما قال بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن في ذلك، فليعلم ~~من تعلق بهذا أنه ظن ممن ظن ذلك منهن رضي الله عنهن. # هكذا في الحديث أنهن قلن: ما نرى هذا إلا خاصا بسالم، وما ندري لعلها ~~كانت رخصة لسالم. فإذا هو ظن بلا شك فإن الظن لا يعارض به السنن الثابتة، ~~قال الله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس: ms1687 36] [يونس: 36] ~~وشتان بين احتجاج أم سلمة رضي الله عنها بظنها، وبين احتجاج عائشة رضي الله ~~عنها بالسنة الثابتة، ولهذا لما قالت لها عائشة: أما لك في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسوة حسنة، سكتت أم سلمة، ولم تنطق بحرف، وهذا إما # PageV05P517 # رجوع إلى مذهب عائشة، وإما انقطاع في يدها. # قالوا: وقول سهلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أرضعه وهو رجل ~~كبير؟ بيان جلي أنه بعد نزول الآيات المذكورات. # قالوا: ونعلم يقينا أنه لو كان ذلك خاصا بسالم، لقطع النبي صلى الله عليه ~~وسلم الإلحاق، ونص على أنه ليس لأحد بعده، كما بين لأبي بردة بن نيار أن ~~جذعته تجزئ عنه، ولا تجزئ عن أحد بعده. . # وأين يقع ذبح جذعة أضحية من هذا الحكم العظيم المتعلق به حل الفرج ~~وتحريمه، وثبوت المحرمية والخلوة بالمرأة والسفر بها؟ فمعلوم قطعا، أن هذا ~~أولى ببيان التخصيص لو كان خاصا. # قالوا: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الرضاعة من المجاعة» حجة ~~لنا؛ لأن شرب الكبير للبن يؤثر في دفع مجاعته قطعا، كما يؤثر في الصغير أو ~~قريبا منه. # فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبير والصغير فيه سواء؟ قلنا: فائدته ~~إبطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن، أو المصة الواحدة التي لا تغني من ~~جوع، ولا تنبت لحما، ولا تنشز عظما. # قالوا: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين، وكان ~~في الثدي قبل الفطام» ليس بأبلغ من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ربا إلا ~~في النسيئة» ، «وإنما الربا في النسيئة» ، ولم يمنع ذلك ثبوت ربا الفضل ~~بالأدلة الدالة عليه، فكذا هذا. # فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسننه الثابتة كلها حق يجب ~~اتباعها، ولا يضرب بعضها ببعض، بل تستعمل كل منها على وجهه. قالوا: ومما ~~يدل على ذلك أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأفقه نساء الأمة هي التي ~~روت هذا وهذا، # PageV05P518 # فهي التي روت: «إنما الرضاعة من المجاعة» وروت حديث سهلة، وأخذت ms1688 به فلو ~~كان عندها حديث «إنما الرضاعة من المجاعة» مخالفا لحديث سهلة، لما ذهبت ~~إليه وتركت حديثا واجهها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغير وجهه، ~~وكره الرجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي. # قالوا: وقد صح عنها أنها كانت تدخل عليها الكبير إذا أرضعته - في حال ~~كبره أخت من أخواتها الرضاع المحرم، ونحن نشهد بشهادة الله، ونقطع قطعا ~~نلقاه به يوم القيامة، أن أم المؤمنين لم تكن لتبيح ستر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بحيث ينتهكه من لا يحل له انتهاكه، ولم يكن الله عز وجل ليبيح ~~ذلك على يد الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات، وقد عصم الله ~~سبحانه ذلك الجناب الكريم، والحمى المنيع، والشرف الرفيع أتم عصمة، وصانه ~~أعظم صيانة، وتولى صيانته وحمايته، والذب عنه بنفسه ووحيه وكلامه، قالوا: ~~فنحن نوقن ونقطع، ونبت الشهادة لله بأن فعل عائشة رضي الله عنها هو الحق، ~~وأن رضاع الكبير يقع به من التحريم والمحرمية ما يقع برضاع الصغير، ويكفينا ~~أمنا أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وقد كانت تناظر في ذلك نساءه صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يجبنها بغير قولهن: ما أحد داخل علينا بتلك الرضاعة، ~~ويكفينا في ذلك أنه مذهب ابن عم نبينا، وأعلم أهل الأرض على الإطلاق حين ~~كان خليفة، ومذهب الليث بن سعد الذي شهد له الشافعي بأنه كان أفقه من مالك، ~~إلا أنه ضيعه أصحابه، ومذهب عطاء بن أبي رباح ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج ~~عنه. # وذكر مالك عن الزهري، أنه سئل عن رضاع الكبير، فاحتج بحديث سهلة بنت سهيل ~~في قصة سالم مولى أبي حذيفة، وقال عبد الرزاق: وأخبرني ابن جريج، قال: ~~أخبرني عبد الكريم، أن سالم بن أبي جعد المولى الأشجعي أخبره أن أباه ~~أخبره، أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أردت أن أتزوج امرأة قد ~~سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به، فقال له علي: لا تنكحها، ونهاه عنها. # PageV05P519 # فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك ms1689 نصوصنا كالشمس صحة وصراحة. قالوا: ~~وأصرح أحاديثكم حديث أم سلمة ترفعه: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء ~~في الثدي وكان قبل الفطام» فما أصرحه لو كان سليما من العلة، لكن هذا حديث ~~منقطع؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئا؛ ~~لأنها كانت أسن من زوجها هشام باثني عشر عاما، فكان مولده في سنة ستين، ~~ومولد فاطمة في سنة ثمان وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، وفاطمة ~~صغيرة لم تبلغها، فكيف تحفظ عنها، ولم تسمع من خالة أبيها شيئا وهي في ~~حجرها، كما حصل سماعها من جدتها أسماء بنت أبي بكر؟ # قالوا: وإذا نظر العالم المنصف في هذا القول، ووازن بينه وبين قول من يحد ~~مدة الرضاع المحرم بخمسة وعشرين شهرا، أو ستة وعشرين شهرا أو سبعة وعشرين ~~شهرا، أو ثلاثين شهرا من تلك الأقوال التي لا دليل عليها من كتاب الله، أو ~~سنة رسوله، ولا قول أحد من الصحابة، تبين له فضل ما بين القولين، فهذا # PageV05P520 # منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة، ولعل الواقف عليها لم يكن يخطر له ~~أن هذا القول تنتهي قوته إلى هذا الحد، وأنه ليس بأيدي أصحابه قدرة على ~~تقديره وتصحيحه، فاجلس أيها العالم المنصف مجلس الحكم بين هذين المتنازعين، ~~وافصل بينهما بالحجة والبيان لا بالتقليد، وقال فلان. ### | [رد القائلين بالحولين على حديث سهلة وأولها رده بالنسخ] # واختلف القائلون بالحولين في حديث سهلة هذا على ثلاثة مسالك، أحدها: أنه ~~منسوخ، وهذا مسلك كثير منهم، ولم يأتوا على النسخ بحجة سوى الدعوى، فإنهم ~~لا يمكنهم إثبات التاريخ المعلوم التأخر بينه وبين تلك الأحاديث. ولو قلب ~~أصحاب هذا القول عليهم الدعوى، وادعوا نسخ تلك الأحاديث بحديث سهلة، لكانت ~~نظير دعواهم. # وأما قولهم: إنها كانت في أول الهجرة، وحين نزول قوله تعالى: {ادعوهم ~~لآبائهم} [الأحزاب: 5] [الأحزاب: 5] ورواية ابن عباس رضي الله عنه، وأبي ~~هريرة بعد ذلك، فجوابه من وجوه. # أحدها: أنهما لم يصرحا بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ms1690 بل لم يسمع ~~منه ابن عباس إلا دون العشرين حديثا وسائرها عن الصحابة رضي الله عنهم. # الثاني: أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم تحتج واحدة منهن، بل ولا ~~غيرهن على عائشة رضي الله عنها بذلك، بل سلكن في الحديث بتخصيصه بسالم، ~~وعدم إلحاق غيره به. # الثالث: أن عائشة رضي الله عنها نفسها روت هذا وهذا، فلو كان حديث سهلة ~~منسوخا، لكانت عائشة رضي الله عنها قد أخذت به، وتركت الناسخ، أو خفي عليها ~~تقدمه مع كونها هي الراوية له، وكلاهما ممتنع، وفي غاية البعد. # الرابع: أن عائشة رضي الله عنها ابتليت بالمسألة، وكانت تعمل بها، وتناظر ~~عليها، وتدعو إليها صواحباتها فلها بها مزيد اعتناء، فكيف يكون هذا حكما ~~منسوخا قد بطل كونه من الدين جملة، ويخفى عليها ذلك، ويخفى على # PageV05P521 # نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلا تذكره لها واحدة منهن. ### | [رد حديث سهلة بالخصوصية بسالم] # المسلك الثاني: أنه مخصوص بسالم دون من عداه، وهذا مسلك أم سلمة ومن معها ~~من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهن، وهذا المسلك أقوى مما قبله، ~~فإن أصحابه قالوا مما يبين اختصاصه بسالم أن فيه: أن سهلة سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب، وهي تقتضي أنه لا يحل للمرأة أن ~~تبدي زينتها إلا لمن ذكر في الآية وسمي فيها، ولا يخص من عموم من عداهم أحد ~~إلا بدليل. # قالوا: والمرأة إذا أرضعت أجنبيا، فقد أبدت زينتها له، فلا يجوز ذلك ~~تمسكا بعموم الآية، فعلمنا أن إبداء سهلة زينتها لسالم خاص به. قالوا: وإذا ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الأمة بأمر، أو أباح له شيئا أو ~~نهاه عن شيء وليس في الشريعة ما يعارضه ثبت ذلك في حق غيره من الأمة ما لم ~~ينص على تخصيصه، وأما إذا أمر الناس بأمر، أو نهاهم عن شيء، ثم أمر واحدا ~~من الأمة بخلاف ما أمر به الناس، أو أطلق له ما نهاهم عنه، فإن ms1691 ذلك يكون ~~خاصا به وحده، ولا نقول في هذا الموضع: إن أمره للواحد أمر للجميع، وإباحته ~~للواحد إباحة للجميع؛ لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الأمر الأول، والنهي الأول، ~~بل نقول: إنه خاص بذلك الواحد لتتفق النصوص وتأتلف، ولا يعارض بعضها بعضا، ~~فحرم الله في كتابه أن تبدي المرأة زينتها لغير محرم، وأباح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لسهلة أن تبدي زينتها لسالم وهو غير محرم عند إبداء الزينة ~~قطعا، فيكون ذلك رخصة خاصة بسالم، مستثناة من عموم التحريم، ولا نقول: إن ~~حكمها عام، فيبطل حكم الآية المحرمة. # قالوا: ويتعين هذا المسلك لأنا لو لم نسلكه، لزمنا أحد مسلكين، ولا بد ~~منهما إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، ~~وإما نسخها به، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين لعدم العلم بالتاريخ، ولعدم ~~تحقق المعارضة، ولإمكان العمل بالأحاديث كلها، فإنا إذا حملنا حديث سهلة ~~على الرخصة الخاصة، والأحاديث الأخر على عمومها فيما عدا سالما، لم تتعارض، ~~ولم ينسخ بعضها بعضا، وعمل بجميعها. # PageV05P522 # قالوا: وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن الرضاع إنما يكون في ~~الحولين، وأنه إنما يكون في الثدي، وإنما يكون قبل الفطام، كان ذلك ما يدل ~~على أن حديث سهلة على الخصوص، سواء تقدم أو تأخر، فلا ينحصر بيان الخصوص في ~~قوله هذا لك وحدك حتى يتعين طريقا. # قالوا: وأما تفسير حديث «إنما الرضاعة من المجاعة» بما ذكرتموه، ففي غاية ~~البعد من اللفظ، ولا تتبادر إليه أفهام المخاطبين، بل القول في معناه ما ~~قاله أبو عبيد والناس، قال أبو عبيد: قوله: «إنما الرضاعة من المجاعة» ~~يقول: إن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن، إنما هو الصبي الرضيع. # فأما الذي شبعه من جوعه الطعام، فإن رضاعه ليس برضاع، ومعنى الحديث: إنما ~~الرضاع في الحولين قبل الفطام، هذا تفسير أبي عبيد والناس، وهو الذي يتبادر ~~فهمه من الحديث إلى الأذهان، حتى لو احتمل الحديث التفسيرين على السواء، ~~لكان هذا المعنى أولى به ms1692 لمساعدة سائر الأحاديث لهذا المعنى، وكشفها له، ~~وإيضاحها، ومما يبين أن غير هذا التفسير خطأ، وأنه لا يصح أن يراد به رضاعة ~~الكبير، أن لفظة " المجاعة " إنما تدل على رضاعة الصغير، فهي تثبت رضاعة ~~المجاعة، وتنفي غيرها، ومعلوم يقينا أنه إنما أراد مجاعة اللبن لا مجاعة ~~الخبز واللحم، فهذا لا يخطر ببال المتكلم ولا السامع، فلو جعلنا حكم ~~الرضاعة عاما لم يبق لنا ما ينفي ويثبت. # وسياق قوله: لما رأى الرجل الكبير، فقال: «إنما الرضاعة من المجاعة» ، ~~يبين المراد، وأنه إنما يحرم رضاعة من يجوع إلى لبن المرأة، والسياق ينزل ~~اللفظ منزلة الصريح، فتغير وجهه الكريم صلوات الله وسلامه عليه وكراهته ~~لذلك الرجل، وقوله: «انظرن من إخوانكن» إنما هو للتحفظ في الرضاعة، وأنها ~~لا تحرم كل وقت، وإنما تحرم وقتا دون وقت، ولا يفهم أحد من هذا أنما ~~الرضاعة ما كان عددها خمسا فيعبر عن هذا المعنى بقوله من المجاعة، وهذا ضد ~~البيان الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم. # وقولكم: إن الرضاعة تطرد الجوع عن الكبير، كما تطرد الجوع عن الصغير # PageV05P523 # كلام باطل، فإنه لا يعهد ذو لحية قط يشبعه رضاع المرأة ويطرد عنه الجوع، ~~بخلاف الصغير فإنه ليس له ما يقوم مقام اللبن، فهو يطرد عنه الجوع، فالكبير ~~ليس ذا مجاعة إلى اللبن أصلا، والذي يوضح هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يرد حقيقة المجاعة، وإنما أراد مظنتها وزمنها، ولا شك أنه الصغر، فإن أبيتم ~~إلا الظاهرية، وأنه أراد حقيقتها، لزمكم أن لا يحرم رضاع الكبير إلا إذا ~~ارتضع وهو جائع، فلو ارتضع وهو شبعان لم يؤثر شيئا. # وأما حديث الستر المصون، والحرمة العظيمة، والحمى المنيع، فرضي الله عن ~~أم المؤمنين، فإنها وإن رأت أن هذا الرضاع يثبت المحرمية، فسائر أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم يخالفنها في ذلك، ولا يرين دخول هذا الستر ~~المصون، والحمى الرفيع بهذه الرضاعة، فهي مسألة اجتهاد، وأحد الحزبين مأجور ~~أجرا واحدا، والآخر مأجور أجرين، وأسعدهما بالأجرين من أصاب حكم الله ~~ورسوله ms1693 في هذه الواقعة، فكل من المدخل للستر المصون بهذه الرضاعة، والمانع ~~من الدخول فائز بالأجر، مجتهد في مرضاة الله وطاعة رسوله، وتنفيذ حكمه، ~~ولهما أسوة بالنبيين الكريمين - داود وسليمان اللذين أثنى الله عليهما ~~بالحكمة والحكم، وخص بفهم الحكومة أحدهما. ### | [فصل تقوية حديث أم سلمة] # فصل وأما ردكم لحديث أم سلمة، فتعسف بارد، فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل ~~أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة، فقد يعقل الصغير جدا أشياء، ~~ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع المجة وهو ابن سبع سنين، ويعقل أصغر منه. # وقد قلتم: إن فاطمة كانت وقت وفاة أم سلمة بنت إحدى عشرة سنة، وهذا سن ~~جيد، لا سيما للمرأة، فإنها تصلح فيه للزوج، فمن هي في حد الزواج، كيف ~~يقال: إنها لا تعقل ما تسمع، ولا تدري ما تحدث به؟ هذا هو الباطل الذي # PageV05P524 # لا ترد به السنن، مع أن أم سلمة كانت مصادقة لجدتها أسماء، وكانت دارهما ~~واحدة، فنشأت فاطمة هذه في حجر جدتها أسماء مع خالة أبيها عائشة رضي الله ~~عنها وأم سلمة، وماتت عائشة رضي الله عنها سنة سبع وخمسين. # وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقد يمكن سماع فاطمة منها، وأما جدتها أسماء، ~~فماتت سنة ثلاث وسبعين، وفاطمة إذ ذاك بنت خمس وعشرين سنة، فلذلك كثر ~~سماعها منها، وقد أفتت أم سلمة بمثل الحديث الذي روته أسماء. # فقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبد ~~الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة، أنها سئلت ما يحرم من الرضاع؟ فقالت: ما كان ~~في الثدي قبل الفطام. فروت الحديث، وأفتت بموجبه. # وأفتى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما رواه الدارقطني من حديث سفيان ~~عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: لا رضاع إلا في ~~الحولين في الصغر. # وأفتى به ابنه عبد الله رضي الله عنه، فقال مالك رحمه الله، عن نافع، عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يقول: لا رضاعة إلا ms1694 لمن أرضع في الصغر، ~~ولا رضاعة لكبير. # وأفتى به ابن عباس رضي الله عنهما، فقال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن، عن ~~سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ~~لا رضاع بعد فطام. # PageV05P525 ### | [رجوع أبي موسى الأشعري إلى عدم التحريم إلا برضاع الصغير] # وتناظر في هذه المسألة عبد الله بن مسعود، وأبو موسى، فأفتى ابن مسعود ~~بأنه لا يحرم إلا في الصغر، فرجع إليه أبو موسى، فذكر الدارقطني، أن ابن ~~مسعود قال لأبي موسى: أنت تفتي بكذا وكذا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم» # وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا وكيع، حدثنا ~~سليمان بن المغيرة، عن أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما ~~أنبت اللحم وأنشز العظم» . # ثم أفتى بذلك كما ذكره عبد الرزاق عن الثوري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ~~أبي حصين، عن أبي عطية الوادعي، قال: جاء رجل إلى أبي موسى، فقال: إن ~~امرأتي ورم ثديها فمصصته، فدخل حلقي شيء سبقني، فشدد عليه أبو موسى، فأتى ~~عبد الله بن مسعود، فقال: سألت أحدا غيري؟ قال: نعم أبا موسى، فشدد علي، ~~فأتى أبا موسى، فقال: أرضيع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا ~~الحبر بين أظهركم. فهذه روايته وفتواه. # وأما علي بن أبي طالب، فذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن جويبر، عن الضحاك، ~~عن النزال بن سبرة، عن علي: لا رضاع بعد الفصال. # وهذا خلاف رواية عبد الكريم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه عنه. لكن ~~جويبر لا يحتج بحديثه، وعبد الكريم أقوى منه. # PageV05P526 ### | [فصل رد حديث سهلة بأنه رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة] # فصل المسلك الثالث: أن حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عام في حق ~~كل أحد، وإنما هو رخصة ms1695 للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق ~~احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته ~~للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه، فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ ~~الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير ~~إما مطلقة، فتقيد بحديث سهلة، أو عامة في الأحوال فتخصيص هذه الحال من ~~عمومها، وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل ~~بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له، والله الموفق. ### | [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في العدد] ### | [عدة الحامل] # ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم في العدد # هذا الباب قد تولى الله - سبحانه - بيانه في كتابه أتم بيان، وأوضحه، ~~وأجمعه بحيث لا تشذ عنه معتدة، فذكر أربعة أنواع من العدد، وهي جملة ~~أنواعها. # النوع الأول: عدة الحامل بوضع الحمل مطلقا بائنة كانت أو رجعية، مفارقة ~~في الحياة، أو متوفى عنها، فقال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] [الطلاق: 4] وهذا فيه عموم من ثلاث جهات. # أحدها: عموم المخبر عنه، وهو أولات الأحمال، فإنه يتناول جميعهن. # الثاني: عموم الأجل، فإنه أضافه إليهن، وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة ~~يعم، فجعل وضع الحمل جميع أجلهن، فلو كان لبعضهن أجل غيره لم يكن جميع ~~أجلهن. # الثالث: أن المبتدأ والخبر معرفتان، أما المبتدأ: فظاهر، وأما الخبر - ~~وهو قوله تعالى: {أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] ، ففي تأويل مصدر ~~مضاف، # PageV05P527 # أي أجلهن وضع حملهن، والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، اقتضى ذلك حصر ~~الثاني في الأول، كقوله: {ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد} [فاطر: 15] [فاطر: 15] . # وبهذا احتج جمهور الصحابة على أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع ~~حملها، ولو وضعته والزوج على المغتسل كما أفتى به النبي صلى الله عليه وسلم ~~لسبيعة الأسلمية، وكان هذا الحكم والفتوى منه مشتقا من كتاب الله، مطابقا ~~له. ### | [عدة المطلقة التي تحيض] # فصل النوع الثاني: عدة المطلقة التي تحيض، وهي ثلاثة قروء، كما قال الله ms1696 ~~تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . [البقرة: ~~228] . ### | [عدة التي لا حيض لها] # النوع الثالث: عدة التي لا حيض لها، وهي نوعان: صغيرة لا تحيض، وكبيرة قد ~~يئست من الحيض. فبين الله سبحانه عدة النوعين بقوله: {واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: ~~4] [الطلاق: 4] أي: فعدتهن كذلك. ### | [عدة المتوفى عنها زوجها] # النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها فبين عدتها - سبحانه - بقوله: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ~~[البقرة: 234] ، فهذا يتناول المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، ولا ~~تدخل فيه الحامل؛ لأنها خرجت بقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] فجعل وضع حملهن جميع أجلهن، وحصره فيه، بخلاف قوله في المتوفى ~~عنهن: يتربصن فإنه فعل مطلق لا عموم له، وأيضا فإن قوله: # PageV05P528 # {أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] متأخر في النزول عن قوله: ~~(يتربصن) وأيضا فإن قوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ~~[البقرة: 234] في غير الحامل بالاتفاق، فإنها لو تمادى حملها فوق ذلك ~~تربصته، فعمومها مخصوص اتفاقا، وقوله: {أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ~~[الطلاق: 4] غير مخصوص بالاتفاق، هذا لو لم تأت السنة الصحيحة بذلك، ووقعت ~~الحوالة على القرآن، فكيف والسنة الصحيحة موافقة لذلك، مقررة له. # فهذه أصول العدد في كتاب الله مفصلة مبينة، ولكن اختلف في فهم المراد من ~~القرآن ودلالته في مواضع من ذلك، وقد دلت السنة بحمد الله على مراد الله ~~منها، ونحن نذكرها ونذكر أولى المعاني وأشبهها بها، ودلالة السنة عليها. # فمن ذلك اختلاف السلف في المتوفى عنها إذا كانت حاملا، فقال علي، وابن ~~عباس، وجماعة من الصحابة: أبعد الأجلين من وضع الحمل، أو أربعة أشهر وعشرا، ~~وهذا أحد القولين في مذهب مالك رحمه الله اختاره سحنون. قال الإمام أحمد في ~~رواية أبي طالب عنه: علي بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل: ~~أبعد الأجلين، وكان ابن مسعود يقول: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى ~~نزلت بعد، وحديث سبيعة يقضي بينهم " إذا ms1697 وضعت، # PageV05P529 # فقد حلت ". # وابن مسعود يتأول القرآن: {أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] ~~هي في المتوفى عنها، والمطلقة مثلها إذا وضعت، فقد حلت، وانقضت عدتها، ولا ~~تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقه، فإذا بان له يد أو رجل، عتقت ~~به الأمة، وتنقضي به العدة، وإذا ولدت ولدا وفي بطنها آخر، لم تنقض العدة ~~حتى تلد الآخر، ولا تغيب عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرا ~~إذا لم تكن حاملا، والعدة من يوم يموت أو يطلق، هذا كلام أحمد. # وقد تناظر في هذه المسألة: ابن عباس، وأبو هريرة رضي الله عنهما، فقال ~~أبو هريرة: عدتها وضع الحمل، وقال ابن عباس: تعتد أقصى الأجلين، فحكما أم ~~سلمة رضي الله عنها، فحكمت لأبي هريرة، واحتجت بحديث سبيعة. # وقد قيل: إن ابن عباس رجع. # وقال جمهور الصحابة ومن بعدهم، والأئمة الأربعة: إن عدتها وضع الحمل، ولو ~~كان الزوج على مغتسله فوضعت، حلت. # قال أصحاب الأجلين: هذه قد تناولها عمومان، وقد أمكن دخولها في كليهما، ~~فلا تخرج من عدتها بيقين حتى تأتي بأقصى الأجلين، قالوا: ولا يمكن تخصيص ~~عموم إحداهما بخصوص الأخرى، لأن كل آية عامة من وجه، خاصة من وجه، قالوا: ~~فإذا أمكن دخول بعض الصور في عموم الآيتين، يعني إعمالا للعموم في مقتضاه. # فإذا اعتدت أقصى الأجلين دخل أدناهما في أقصاهما. # PageV05P530 # والجمهور أجابوا عن هذا بثلاثة أجوبة. # أحدها: أن صريح السنة يدل على اعتبار الحمل فقط، كما في " الصحيحين ": ~~«أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حبلى، فوضعت، فأرادت أن تنكح، فقال ~~لها أبو السنابل: ما أنت بناكحة حتى تعتدي آخر الأجلين، فسألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: " كذب أبو السنابل، قد حللت فانكحي من شئت» ". # الثاني أن قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ~~[الطلاق: 4] نزلت بعد قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] [البقرة: 234] وهذا جواب عبد الله ~~بن مسعود، كما في " صحيح البخاري " عنه: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون ms1698 ~~لها الرخصة، أشهد لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: {وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] . # وهذا الجواب يحتاج إلى تقرير، فإن ظاهره أن آية الطلاق مقدمة على آية ~~البقرة لتأخرها عنها، فكانت ناسخة لها، ولكن النسخ عند الصحابة والسلف أعم ~~منه عند المتأخرين، فإنهم يريدون به ثلاثة معان. # أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب. # الثاني: رفع دلالة الظاهر إما بتخصيص، وإما بتقييد، وهو أعم مما قبله. # الثالث: بيان المراد باللفظ الذي بيانه من خارج، وهذا أعم من المعنيين # PageV05P531 # الأولين، فابن مسعود رضي الله عنه أشار بتأخر نزول سورة الطلاق، إلا أن ~~آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخة لآية البقرة إن كان عمومها مرادا، أو مخصصة ~~لها إن لم يكن عمومها مرادا، أو مبينة للمراد منها، أو مقيدة لإطلاقها، ~~وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه، ورسوخه في العلم، ومما يبين أن أصول الفقه ~~سجية للقوم، وطبيعة لا يتكلفونها، كما أن العربية والمعاني والبيان ~~وتوابعها لهم كذلك، فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم وأنى له؟ ! # الثالث: أنه لو لم تأت السنة الصريحة باعتبار الحمل، ولم تكن آية الطلاق ~~متأخرة، لكان تقديمها هو الواجب لما قررناه أولا من جهات العموم الثلاثة ~~فيها، وإطلاق قوله {يتربصن} [البقرة: 234] ، وقد كانت الحوالة على هذا ~~الفهم ممكنة، ولكن لغموضه ودقته على كثير من الناس، أحيل في ذلك الحكم على ~~بيان السنة، وبالله التوفيق. ### | لا تنقضي العدة حتى تضع جميع الحمل # ودل قوله سبحانه: {أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] على ~~أنها إذا كانت حاملا بتوأمين لم تنقض العدة حتى تضعهما جميعا، ودلت على أن ~~من عليها الاستبراء، فعدتها وضع الحمل أيضا، ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه ~~على أي صفة كان حيا أو ميتا، تام الخلقة أو ناقصها، نفخ فيه الروح أو لم ~~ينفخ. # ودل قوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] [البقرة: ~~234] على الاكتفاء بذلك وإن لم تحض وهذا قول الجمهور، وقال مالك: إذا كان ~~عادتها أن تحيض في كل سنة مرة، فتوفي عنها ms1699 زوجها، لم تنقض عدتها حتى تحيض ~~حيضتها، فتبرأ من عدتها. فإن لم تحض، انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم وفاته، ~~وعنه رواية ثانية: كقول الجمهور، أنه تعتد أربعة أشهر وعشرا، ولا تنتظر ~~حيضها. ### | [فصل من قال إن الأقراء هي الحيض] # فصل ومن ذلك اختلافهم في الأقراء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ فقال أكابر # PageV05P532 # الصحابة: إنها الحيض، هذا قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ~~وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل رضي ~~الله عنهم، وهو قول أصحاب عبد الله بن مسعود، كلهم كعلقمة، والأسود، ~~وإبراهيم، وشريح، وقول الشعبي، والحسن، وقتادة، وقول أصحاب ابن عباس، سعيد ~~بن جبير، وطاوس، وهو قول سعيد بن المسيب، وهو قول أئمة الحديث: كإسحاق بن ~~إبراهيم، وأبي عبيد القاسم، والإمام أحمد رحمه الله، فإنه رجع إلى القول ~~به، واستقر مذهبه عليه، فليس له مذهب سواه، وكان يقول: إنها الأطهار، فقال ~~في رواية الأثرم: رأيت الأحاديث عمن قال: القروء الحيض، تختلف. # والأحاديث عمن قال: إنه أحق بها حتى تدخل في الحيضة الثالثة أحاديث صحاح ~~قوية، وهذا النص وحده هو الذي ظفر به أبو عمر بن عبد البر، فقال: رجع أحمد ~~إلى أن الأقراء: الأطهار، وليس كما قال: بل كان يقول هذا أولا، ثم توقف ~~فيه، فقال في رواية الأثرم أيضا: قد كنت أقول الأطهار، ثم وقفت كقول ~~الأكابر، ثم جزم أنها الحيض، وصرح بالرجوع عن الأطهار، فقال في رواية ابن ~~هانئ. كنت أقول: إنها الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أن الأقراء الحيض، قال ~~القاضي أبو يعلى: وهذا هو الصحيح عن أحمد رحمه الله، وإليه ذهب أصحابنا، ~~ورجع عن قوله بالأطهار، ثم ذكر نص رجوعه من رواية ابن هانئ كما تقدم، وهو ~~قول أئمة أهل الرأي؛ كأبي حنيفة وأصحابه. ### | [من قال بأن الأقراء هي الأطهار] # وقالت طائفة: الأقراء: الأطهار، وهذا قول عائشة أم المؤمنين، وزيد بن ~~ثابت، وعبد الله بن عمر. # ويروى عن الفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان والزهري، وعامة فقهاء المدينة، ms1700 ~~وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. # وعلى هذا القول، فمتى طلقها في أثناء طهر، فهل تحتسب ببقيته قرءا؟ على ~~ثلاثة أقوال. # PageV05P533 # أحدها: تحتسب به، وهو المشهور. # والثاني: لا تحتسب به، وهو قول الزهري. كما لا تحتسب ببقية الحيضة عند من ~~يقول: القرء: الحيض اتفاقا. # والثالث: إن كان قد جامعها في ذلك الطهر، لم تحتسب ببقيته، وإلا احتسبت، ~~وهذا قول أبي عبيد. فإذا طعنت في الحيضة الثالثة أو الرابعة على قول ~~الزهري، انقضت عدتها. وعلى قول الأول، لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة ~~الثالثة. ### | [هل يقف انقضاء العدة على اغتسال المعتدة من حيضتها الثالثة] # وهل يقف انقضاء عدتها على اغتسالها منها؟ على ثلاثة أقوال. أحدها: لا ~~تنقضي عدتها حتى تغتسل، وهذا هو المشهور عن أكابر الصحابة، قال الإمام ~~أحمد: وعمر، وعلي، وابن مسعود يقولون: له رجعتها قبل أن تغتسل من الحيضة ~~الثالثة، انتهى. # وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي موسى، وعبادة، وأبي ~~الدرداء، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم، كما في مصنف وكيع، عن عيسى الخياط، ~~عن الشعبي، عن ثلاثة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخير فالخير، ~~منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عباس: أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة. # وفي " مصنفه " أيضا، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن معاذ بن جبل وأبي ~~الدرداء مثله. # وفي " مصنف عبد الرزاق ": عن معمر، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة بن عبد ~~الله بن مسعود، قال: أرسل عثمان إلى أبي بن كعب في ذلك، فقال أبي بن كعب: ~~أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة، وتحل لها الصلاة، قال: فما ~~أعلم عثمان إلا أخذ بذلك. # PageV05P534 # وفي " مصنفه " أيضا: عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، أن عبادة بن ~~الصامت قال: لا تبين حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل لها الصلاة. # فهؤلاء بضعة عشر من الصحابة، وهو قول سعيد بن المسيب، وسفيان الثوري، ~~وإسحاق بن راهويه. قال ms1701 شريك: له الرجعة وإن فرطت في الغسل عشرين سنة، وهذا ~~إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله. # والثاني: أنها تنقضي بمجرد طهرها من الحيضة الثالثة، ولا تقف على الغسل، ~~وهذا قول سعيد بن جبير والأوزاعي، والشافعي في قوله القديم حيث كان يقول: ~~الأقراء: الحيض، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب. # والثالث: أنها في عدتها بعد انقطاع الدم، ولزوجها رجعتها حتى يمضي عليها ~~وقت الصلاة التي طهرت في وقتها، وهذا قول الثوري، والرواية الثالثة عن ~~أحمد: حكاها أبو بكر عنه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، لكن إذا انقطع الدم ~~لأقل الحيض، وإن انقطع الدم لأكثره، انقضت العدة عنها بمجرد انقطاعه. ### | [هل يشترط كون الطهر مسبوقا بدم قبله على من قال بالأطهار] # وأما من قال: إنها الأطهار، اختلفوا في موضعين، أحدهما: هل يشترط كون ~~الطهر مسبوقا بدم قبله، أو لا يشترط ذلك؟ على قولين لهم، وهما وجهان في ~~مذهب الشافعي وأحمد. أحدهما: يحتسب؛ لأنه طهر بعده حيض، فكان قرءا، كما لو ~~كان قبله حيض. والثاني: لا يحتسب، وهو ظاهر نص الشافعي في الجديد؛ لأنها لا ~~تسمى من ذوات الأقراء إلا إذا رأت الدم. ### | [هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة على من قال بالأطهار] # الموضع الثاني: هل تنقضي العدة بالطعن في الحيضة الثالثة أو لا تنقضي # PageV05P535 # حتى تحيض يوما وليلة؟ على وجهين لأصحاب أحمد، وهما قولان منصوصان ~~للشافعي، ولأصحابه وجه ثالث: إن حاضت للعادة، انقضت العدة بالطعن في ~~الحيضة. وإن حاضت لغير العادة، بأن كانت عادتها ترى الدم في عاشر الشهر، ~~فرأته في أوله، لم تنقض حتى يمضي عليها يوم وليلة. ثم اختلفوا: هل يكون هذا ~~الدم محسوبا من العدة؟ على وجهين، تظهر فائدتهما في رجعتها في وقته، فهذا ~~تقرير مذاهب الناس في الأقراء. ### | [حجة من فسر الأقراء بالحيض] ### | الدليل الأول لمن حمل القرء على الحيض ### | [الوجه الأول الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض] # قال من نص: أنها الحيض: الدليل عليه وجوه. # أحدها: أن قوله ms1702 تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ~~[البقرة: 228] إما أن يراد به الأطهار فقط، أو الحيض فقط، أو مجموعهما. # والثالث: محال إجماعا، حتى عند من يحمل اللفظ المشترك على معنييه. وإذا ~~تعين حمله على أحدهما، فالحيض أولى به لوجوه. # أحدها: أنها لو كانت الأطهار فالمعتدة بها يكفيها قرآن، ولحظة من الثالث، ~~وإطلاق الثلاثة على هذا مجاز بعيد لنصية الثلاثة في العدد المخصوص. # فإن قلتم: بعض الطهر المطلق فيه عندنا قرء كامل، قيل: جوابه من ثلاثة ~~أوجه. # أحدها: أن هذا مختلف فيه كما تقدم، فلم تجمع الأمة على أن بعض القرء قرء ~~قط، فدعوى هذا يفتقر إلى دليل. # الثاني: أن هذا دعوى مذهبية، أوجب حمل الآية عليها إلزام كون الأقراء ~~الأطهار، والدعاوى المذهبية لا يفسر بها القرآن، وتحمل عليها اللغة، ولا ~~يعقل في اللغة قط أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا، ولا اجتمعت الأمة ~~على ذلك، فدعواه لا تثبت نقلا ولا إجماعا، وإنما هو مجرد الحمل، ولا ريب أن ~~الحمل شيء، والوضع شيء آخر، وإنما يفيد ثبوت الوضع لغة أو شرعا أو عرفا. # PageV05P536 # الثالث: أن القرء إما أن يكون اسما لمجموع الطهر، كما يكون اسما لمجموع ~~الحيضة أو لبعضه، أو مشتركا بين الأمرين اشتراكا لفظيا، أو اشتراكا معنويا، ~~والأقسام الثلاثة باطلة فتعين الأول، أما بطلان وضعه لبعض الطهر، فلأنه ~~يلزم أن يكون الطهر الواحد عدة أقراء، ويكون استعمال لفظ " القرء " فيه ~~مجازا. # وأما بطلان الاشتراك المعنوي، فمن وجهين، أحدهما: أنه يلزم أن يصدق على ~~الطهر الواحد أنه عدة أقراء حقيقة. # والثاني: أن نظيره - وهو الحيض - لا يسمى جزؤه قرءا اتفاقا، ووضع القرء ~~لهما لغة لا يختلف، وهذا لا خفاء به. # فإن قيل: نختار من هذه الأقسام أن يكون مشتركا بين كله وجزئه اشتراكا ~~لفظيا، ويحمل المشترك على معنييه، فإنه أحفظ، وبه تحصل البراءة بيقين. قيل ~~الجواب من وجهين. أحدهما: أنه لا يصح اشتراكه كما تقدم. # الثاني: أنه لو صح اشتراكه، لم يجز حمله على مجموع معنييه. أما على قول ~~من لا ms1703 يجوز حمل المشترك على معنييه، فظاهر، وأما من يجوز حمله عليهما، ~~فإنما يجوزونه إذا دل الدليل على إرادتهما معا. فإذا لم يدل الدليل وقفوه ~~حتى يقوم الدليل على إرادة أحدهما، أو إرادتهما، وحكى المتأخرون عن ~~الشافعي، والقاضي أبي بكر، أنه إذا تجرد عن القرائن، وجب حمله على معنييه، ~~كالاسم العام؛ لأنه أحوط، إذ ليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا سبيل إلى ~~معنى ثالث، وتعطيله غير ممكن، ويمتنع تأخير البيان عن وقت الحاجة. # فإذا جاء وقت العمل، ولم يتبين أن أحدهما هو المقصود بعينه، علم أن ~~الحقيقة غير مرادة، إذ لو أريدت لبينت، فتعين المجاز، وهو مجموع المعنيين، ~~ومن يقول: إن الحمل عليهما بالحقيقة يقول: لما لم يتبين أن المراد أحدهما ~~علم أنه أراد كليهما. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: في هذه الحكاية عن الشافعي والقاضي ~~نظر، أما القاضي، فمن أصله الوقف في صيغ العموم، وأنه لا يجوز حملها على ~~الاستغراق إلا بدليل، فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ ~~المشتركة بالاستغراق من غير دليل؟ وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة # PageV05P537 # الاشتراك رأسا، وما يدعى فيه الاشتراك، فهو عنده من قبيل المتواطئ، وأما ~~الشافعي، فمنصبه في العلم أجل من أن يقول مثل هذا، وإنما استنبط هذا من ~~قوله: إذا أوصى لمواليه تناول المولى من فوق ومن أسفل، وهذا قد يكون قاله ~~لاعتقاده أن المولى من الأسماء المتواطئة، وأن موضعه القدر المشترك بينهما، ~~فإنه من الأسماء المتضايفة، كقوله " «من كنت مولاه فعلي مولاه» ولا يلزم من ~~هذا أن يحكى عنه قاعدة عامة في الأسماء التي ليس من معانيها قدر مشترك أن ~~تحمل عند الإطلاق على جميع معانيها، ثم الذي يدل على فساد هذا القول وجوه. # أحدها: أن استعمال اللفظ في معنييه إنما هو مجاز، إذ وضعه لكل واحد منهما ~~على سبيل الانفراد هو الحقيقة، واللفظ المطلق لا يجوز حمله على المجاز، بل ~~يجب حمله على حقيقته. # الثاني: أنه لو قدر أنه موضوع لهما منفردين، ولكل واحد منهما ms1704 مجتمعين، ~~فإنه يكون له حينئذ ثلاثة مفاهيم، فالحمل على أحد مفاهيمه دون غيره بغير ~~موجب ممتنع. # الثالث: أنه حينئذ يستحيل حمله على جميع معانيه، إذ حمله على هذا وحده، ~~وعليهما معا مستلزم للجمع بين النقيضين، فيستحيل حمله على جميع معانيه، ~~وحمله عليهما معا حمل له على بعض مفهوماته، فحمله على جميعها يبطل حمله على ~~جميعها. # PageV05P538 # الرابع: أن هاهنا أمورا. أحدها: هذه الحقيقة وحدها، والثاني: الحقيقة ~~الأخرى وحدها، والثالث: مجموعهما، والرابع: مجاز هذه وحدها، والخامس: مجاز ~~الأخرى وحدها، والسادس: مجازهما معا، والسابع: الحقيقة وحدها مع مجازها، ~~والثامن: الحقيقة مع مجاز الأخرى. والتاسع: الحقيقة الواحدة مع مجازهما، ~~والعاشر: الحقيقة الأخرى مع مجازها، والحادي عشر: مع مجاز الأخرى، والثاني ~~عشر: مع مجازهما، فهذه اثنا عشر محملا بعضها على سبيل الحقيقة، وبعضها على ~~سبيل المجاز، فتعيين معنى واحد مجازي دون سائر المجازات والحقائق ترجيح من ~~غير مرجح، وهو ممتنع. # الخامس: أنه لو وجب حمله على المعنيين جميعا لصار من صيغ العموم؛ لأن حكم ~~الاسم العام وجوب حمله على جميع مفرداته عند التجرد من التخصيص، ولو كان ~~كذلك، لجاز استثناء أحد المعنيين منه، ولسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق ~~العموم، وكان المستعمل له في أحد معنييه بمنزلة المستعمل للاسم العام في ~~بعض معانيه، فيكون متجوزا في خطابه غير متكلم بالحقيقة، وأن يكون من ~~استعمله في معنييه غير محتاج إلى دليل، وإنما يحتاج إليه من نفى المعنى ~~الآخر، ولوجب أن يفهم منه الشمول قبل البحث عن التخصيص عند من يقول بذلك في ~~صيغ العموم، ولا ينفي الإجمال عنه، إذ يصير بمنزلة سائر الألفاظ العامة، ~~وهذا باطل قطعا، وأحكام الأسماء المشتركة لا تفارق أحكام الأسماء العامة، ~~وهذا مما يعلم بالاضطرار من اللغة، ولكانت الأمة قد أجمعت في هذه الآية على ~~حملها على خلاف ظاهرها ومطلقها إذ لم يصر أحد منهم إلى حمل " القرء " على ~~الطهر والحيض معا، وبهذا يتبين بطلان قولهم: حمله عليهما أحوط، فإنه لو قدر ~~حمل الآية على ثلاثة من الحيض والأطهار، لكان فيه خروج ms1705 عن الاحتياط. # وإن قيل: نحمله على ثلاثة من كل منهما، فهو خلاف نص القرآن إذ تصير ~~الأقراء ستة. # PageV05P539 # قولهم: إما أن يحمل على أحدهما بعينه، أو عليهما إلى آخره قلنا: مثل هذا ~~لا يجوز أن يعرى عن دلالة تبين المراد منه كما في الأسماء المجملة، وإن ~~خفيت الدلالة على بعض المجتهدين، فلا يلزم أن تكون خفية عن مجموع الأمة، ~~وهذا هو الجواب عن الوجه الثالث، فالكلام، إذا لم يكن مطلقه يدل على المعنى ~~المراد، فلا بد من بيان المراد. ### | [الوجه الثاني الدال على أولوية حمل القرء في الآية على الحيض] # وإذا تعين أن المراد بالقرء في الآية أحدهما لا كلاهما، فإرادة الحيض ~~أولى لوجوه. منها: ما تقدم. الثاني: أن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في ~~الطهر، فإنهم يذكرونه تفسيرا للفظه، ثم يردفونه بقولهم: وقيل، أو قال فلان، ~~أو يقال: على الطهر، أو وهو أيضا الطهر، فيجعلون تفسيره بالحيض كالمستقر ~~المعلوم المستفيض، وتفسيره بالطهر قول قيل. وهاك حكاية ألفاظهم. # قال الجوهري: القرء بالفتح: الحيض، والجمع أقراء وقروء. # وفي الحديث: «لا صلاة أيام أقرائك» . # والقرء أيضا: الطهر، وهو من الأضداد. # وقال أبو عبيد: الأقراء: الحيض، ثم قال: الأقراء الأطهار، وقال الكسائي ~~والفراء: أقرأت المرأة: إذا حاضت. # وقال ابن فارس: القروء: أوقات، يكون للطهر مرة، وللحيض مرة، والواحد قرء ~~ويقال: القرء: وهو الطهر، ثم قال: وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض، فحكى ~~قول من جعله مشتركا بين أوقات الطهر والحيض، وقول من جعله لأوقات الطهر، ~~وقول من جعله لأوقات الحيض، وكأنه لم يختر واحدا منهما، بل جعله لأوقاتهما. ~~قال، وأقرأت المرأة إذا خرجت من حيض إلى طهر، ومن طهر إلى حيض، وهذا يدل ~~على أنه لا بد من مسمى الحيض في حقيقته يوضحه أن من قال: أوقات الطهر تسمى ~~قروءا، فإنما يريد أوقات الطهر التي # PageV05P540 # يحتوشها الدم، وإلا فالصغيرة والآيسة لا يقال لزمن طهرهما أقراء، ولا هما ~~من ذوات الأقراء باتفاق أهل اللغة. ### | [الدليل الثاني لمن حمل القرء على الحيض] # الدليل الثاني: ms1706 أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض، ولم ~~يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله في الآية على المعهود المعروف ~~من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة " ~~«دعي الصلاة أيام أقرائك» " وهو صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله تعالى، ~~وبلغة قومه نزل القرآن، فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب ~~حمله في سائر كلامه عليه إذا لم تثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة، ~~ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، ~~ويصير هذا المعنى الحقيقة الشرعية في تخصيص المشترك بأحد معنييه، كما يخص ~~المتواطئ بأحد أفراده، بل هذا أولى؛ لأن أغلب أسباب الاشتراك تسمية أحد ~~القبيلتين الشيء باسم، وتسمية الأخرى بذلك الاسم مسمى آخر، ثم تشيع ~~الاستعمالات، بل قال المبرد وغيره: # PageV05P541 # لا يقع الاشتراك في اللغة إلا بهذا الوجه خاصة، والواضع لم يضع لفظا ~~مشتركا البتة، فإذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض، علم أن هذا ~~لغته، فيتعين حمله على ما في كلامه. # ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن} [البقرة: 228] [البقرة: 228] وهذا هو الحيض، والحمل عند عامة ~~المفسرين، والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي، ولهذا قال السلف ~~والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد ~~قط: إنه الطهر؛ ولهذا لم ينقله من عني بجمع أقوال أهل التفسير، كابن ~~الجوزي، وغيره. # وأيضا فقد قال سبحانه: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] فجعل كل شهر ~~بإزاء حيضة، وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض. # وأيضا فحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «طلاق ~~الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» ، رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، ~~وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف ms1707 له في ~~العلم غير هذا الحديث، وفي لفظ للدارقطني فيه: «طلاق العبد ثنتان» ، وروى ~~ابن ماجه من حديث عطية العوفي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان.» وأيضا: قال ~~ابن ماجه في " سننه ": حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، ~~عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتد ~~ثلاث حيض. # PageV05P542 # وفي " المسند ": عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خير بريرة، فاختارت نفسها، وأمرها أن تعتد عدة الحرة.» وقد فسر عدة ~~الحرة بثلاث حيض في حديث عائشة رضي الله عنها. فإن قيل: فمذهب عائشة رضي ~~الله عنها أن الأقراء: الأطهار؟ قيل: ليس هذا بأول حديث خالفه راويه، فأخذ ~~بروايته دون رأيه، وأيضا ففي حديث الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر امرأة ثابت بن قيس بن شماس لما اختلعت من زوجها أن تتربص حيضة ~~واحدة، وتلحق بأهلها، رواه النسائي. # وفي " سنن أبي داود " عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن امرأة ثابت بن قيس ~~اختلعت من زوجها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة» # وفي الترمذي: «أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة.» قال ~~الترمذي: حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. وأيضا، فإن ~~الاستبراء هو عدة الأمة، وقد ثبت عن أبي سعيد: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض ~~حيضة» رواه أحمد وأبو داود. # فإن قيل: لا نسلم أن استبراء الأمة بالحيضة، وإنما هو بالطهر الذي هو # PageV05P543 # قبل الحيضة، كذلك قال ابن عبد البر، وقال: قولهم: إن استبراء الأمة حيضة ~~بإجماع ليس كما ظنوا، بل جائز لها عندنا أن تنكح إذا دخلت في الحيضة، ~~واستيقنت أن ms1708 دمها دم حيض، كذلك قال إسماعيل بن إسحاق ليحيى بن أكثم حين ~~أدخل عليه في مناظرته إياه. # قلنا: هذا يرده قوله صلى الله عليه وسلم: «لا توطأ الحامل حتى تضع ولا ~~حائل حتى تستبرأ بحيضة» # وأيضا فالمقصود الأصلي من العدة إنما هو استبراء الرحم، وإن كان لها ~~فوائد أخر، ولشرف الحرة المنكوحة وخطرها، جعل العلم الدال على براءة رحمها ~~ثلاثة أقراء، فلو كان القرء: هو الطهر، لم تحصل بالقرء الأول دلالة، فإنه ~~لو جامعها في الطهر، ثم طلقها، ثم حاضت كان ذلك قرءا محسوبا من الأقراء عند ~~من يقول: الأقراء الأطهار. ومعلوم: أن هذا لم يدل على شيء، وإنما الذي يدل ~~على البراءة الحيض الحاصل بعد الطلاق، ولو طلقها في طهر، لم يصبها فيه، ~~فإنما يعلم هنا براءة الرحم بالحيض الموجود قبل الطلاق، والعدة لا تكون قبل ~~الطلاق؛ لأنها حكمه، والحكم لا يسبق سببه، فإذا كان الطهر الموجود بعد ~~الطلاق لا دلالة له على البراءة أصلا، لم يجز إدخاله في العدد الدالة على ~~براءة الرحم، وكان مثله كمثل شاهد غير مقبول، ولا يجوز تعليق الحكم بشهادة ~~شاهد لا شهادة له، يوضحه أن العدة في المنكوحات، كالاستبراء في المملوكات. # وقد ثبت بصريح السنة أن الاستبراء بالحيض لا بالطهر، فكذلك العدة إذ لا ~~فرق بينهما إلا بتعدد العدة، والاكتفاء بالاستبراء بقرء واحد، وهذا لا يوجب ~~اختلافهما في حقيقة القرء، وإنما يختلفان في القدر المعتبر منهما؛ ولهذا ~~قال الشافعي في أصح القولين عنه: إن استبراء الأمة يكون بالحيض، وفرق ~~أصحابه بين البابين، بأن العدة وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصت بأزمان حقه، ~~وهي أزمان الطهر، وبأنها تتكرر، فتعلم معها البراءة بتوسط # PageV05P544 # الحيض بخلاف الاستبراء، فإنه لا يتكرر، والمقصود منه مجرد البراءة، ~~فاكتفي فيه بحيضة. وقال في القول الآخر: تستبرأ بطهر طردا لأصله في العدد، ~~وعلى هذا فهل تحتسب ببعض الطهر؟ على وجهين لأصحابه، فإذا احتسبت به، فلا بد ~~من ضم حيضة كاملة إليه. فإذا طعنت في الطهر الثاني، حلت، وإن لم تحتسب به، ~~فلا ms1709 بد من ضم طهر كامل إليه، ولا تحتسب ببعض الطهر عنده قرءا قولا واحدا. # والمقصود: أن الجمهور على أن عدة الاستبراء حيضة لا طهر، وهذا الاستبراء ~~في حق الأمة كالعدة في حق الحرة، قالوا: بل الاعتداد في حق الحرة بالحيض ~~أولى من الأمة من وجهين. # أحدهما: أن الاحتياط في حقها ثابت بتكرير القرء ثلاث استبراءات، فهكذا ~~ينبغي أن يكون الاعتداد في حقها بالحيض الذي هو أحوط من الطهر، فإنها لا ~~تحتسب ببقية الحيضة قرءا، وتحتسب ببقية الطهر قرءا. # الثاني: أن استبراء الأمة فرع على عدة الحرة، وهي الثابتة بنص القرآن، ~~والاستبراء إنما ثبت بالسنة، فإذا كان قد احتاط له الشارع بأن جعله بالحيض، ~~فاستبراء الحرة أولى، فعدة الحرة استبراء لها، واستبراء الأمة عدة لها. # وأيضا فالأدلة والعلامات والحدود والغايات إنما تحصل بالأمور الظاهرة ~~المتميزة عن غيرها، والطهر هو الأمر الأصلي، ولهذا متى كان مستمرا مستصحبا ~~لم يكن له حكم يفرد به في الشريعة، وإنما الأمر المتميز هو الحيض، فإن ~~المرأة إذا حاضت تغيرت أحكامها من بلوغها، وتحريم العبادات عليها من الصلاة ~~والصوم والطواف واللبث في المسجد وغير ذلك من الأحكام. # ثم إذا انقطع الدم واغتسلت، فلم تتغير أحكامها بتجدد الطهر، لكن # PageV05P545 # لزوال المغير الذي هو الحيض، فإنها تعود بعد الطهر إلى ما كانت عليه قبل ~~الحيض من غير أن يجدد لها الطهر حكما، والقرء أمر يغير أحكام المرأة، وهذا ~~التغيير إنما يحصل بالحيض دون الطهر. فهذا الوجه دال على فساد قول من يحتسب ~~بالطهر الذي قبل الحيضة قرءا فيما إذا طلقت قبل أن تحيض، ثم حاضت، فإن من ~~اعتد بهذا الطهر قرءا جعل شيئا ليس له حكم في الشريعة قرءا من الأقراء، ~~وهذا فاسد. ### | [فصل حجة من فسر الأقراء بالأطهار] ### | [فصل دليلهم على أن الأقراء هي الأطهار] # فصل قال من جعل الأقراء الأطهار: الكلام معكم في مقامين. # أحدهما: بيان الدليل على أنها الأطهار. # الثاني: في الجواب عن أدلتكم. # أما المقام الأول: فقوله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن} ms1710 [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ووجه الاستدلال به: أن اللام هي لام ~~الوقت، أي: فطلقوهن في وقت عدتهن، كما في قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] ، [الأنبياء: 47] أي: في يوم القيامة، وقوله: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] ، [الإسراء: 78] أي: وقت الدلوك، ~~وتقول العرب: جئتك لثلاث بقين من الشهر، أي: في ثلاث بقين منه، وقد فسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بهذا التفسير، ففي " الصحيحين ": «عن ~~ابن عمر رضي الله عنه: أنه لما طلق امرأته وهي حائض، أمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يراجعها، ثم يطلقها، وهي طاهر، قبل أن يمسها، ثم قال: فتلك ~~العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي الطهر الذي بعد الحيضة، ولو كان ~~القرء هو الحيض # PageV05P546 # كان قد طلقها قبل العدة لا في العدة، وكان ذلك تطويلا عليها، وهو غير ~~جائز، كما لو طلقها في الحيض. # قال الشافعي: قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] [البقرة: 228] ، فالأقراء عندنا - والله أعلم - الأطهار، فإن ~~قال قائل: ما دل على أنها الأطهار وقد قال غيركم: الحيض؟ قيل: له دلالتان. ~~إحداهما: الكتاب الذي دلت عليه السنة، والأخرى: اللسان. فإن قال: وما ~~الكتاب؟ قيل: قال الله تبارك وتعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] [الطلاق: 1] وأخبرنا مالك: عن نافع، «عن ابن عمر رضي الله عنه، ~~أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره ~~فليراجعها، تم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن ~~شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» # أخبرنا مسلم، وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير «أنه سمع ابن ~~عمر يذكر طلاق امرأته حائضا، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ms1711 طهرت ~~فليطلق أو يمسك، وتلا النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن} [الطلاق: 1] لقبل أو في قبل عدتهن» [الطلاق: 1] قال الشافعي رحمه ~~الله: أنا شككت، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل: أن ~~العدة الطهر دون الحيض، وقرأ: فطلقوهن # PageV05P547 # لقبل عدتهن وهو أن يطلقها طاهرا؛ لأنها حينئذ تستقبل عدتها، ولو طلقت ~~حائضا، لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. # فإن قال: فما اللسان؟ قيل: القرء: اسم وضع لمعنى، فلما كان الحيض دما ~~يرخيه الرحم فيخرج، والطهر دما يحتبس فلا يخرج، وكان معروفا من لسان العرب ~~أن القرء الحبس. تقول العرب: هو يقري الماء في حوضه وفي سقائه، وتقول ~~العرب: هو يقري الطعام في شدقه، يعني: يحبسه في شدقه. وتقول العرب: إذا حبس ~~الرجل الشيء، قرأه. يعني: خبأه، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تقرى في ~~صحافها، أي: تحبس في صحافها. # قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة. قال ~~ابن شهاب: فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ~~ذلك ناس. وقالوا: إن الله تعالى يقول {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] فقالت ~~عائشة رضي الله عنها: صدقتم، وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار. # أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما ~~أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة رضي الله ~~عنها. قال الشافعي رحمه الله: وأخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ~~رضي الله عنها: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه # وأخبرنا مالك رحمه الله، عن نافع، وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار أن ~~الأحوص - يعني ابن حكيم - هلك بالشام حين دخلت امرأته في الحيضة # PageV05P548 # الثالثة، وقد كان طلقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت يسأله عن ذلك؟ فكتب ~~إليه زيد: إنها إذا دخلت ms1712 في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، وبرئ ~~منها، ولا ترثه، ولا يرثها. # وأخبرنا سفيان، عن الزهري، قال: حدثني سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت، ~~قال: إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة فقد برئت. # وفي حديث سعيد بن أبي عروبة، عن رجل، عن سليمان بن يسار، أن عثمان بن ~~عفان وابن عمر قالا: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها. # وأخبرنا مالك: عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا طلق الرجل ~~امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ولا ترثه، ولا ~~يرثها. # أخبرنا مالك رحمه الله أنه بلغه عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ~~وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، أنهم كانوا يقولون: ~~إذا دخلت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة، فقد بانت منه، ولا ميراث ~~بينهما. زاد غير الشافعي عن مالك رحمهما الله: ولا رجعة له عليها. قال ~~مالك: وذلك الأمر الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا. # قال الشافعي رحمه الله: ولا بعد أن تكون الأقراء الأطهار، كما قالت عائشة ~~رضي الله عنها، والنساء بهذا أعلم؛ لأنه فيهن لا في الرجال، أو الحيض فإذا ~~جاءت بثلاث حيض، حلت، ولا نجد في كتاب الله للغسل معنى، ولستم تقولون بواحد ~~من القولين، يعني: أن الذين قالوا: إنها الحيض، قالوا: وهو أحق برجعتها حتى ~~تغتسل من الحيضة الثالثة، كما قاله علي، وابن مسعود، وأبو # PageV05P549 # موسى، وهو قول عمر بن الخطاب أيضا. # فقال الشافعي: فقيل لهم يعني للعراقيين: لم تقولوا بقول من احتججتم ~~بقوله، ورويتم هذا عنه، ولا بقول أحد من السلف علمناه؟ فإن قال قائل: أين ~~خالفناهم؟ قلنا. قالوا: حتى تغتسل وتحل لها الصلاة، وقلتم: إن فرطت في ~~الغسل حتى يذهب وقت الصلاة حلت وهي لم تغتسل، ولم تحل لها الصلاة. انتهى ~~كلام الشافعي رحمه الله. # قالوا: ويدل على أنها الأطهار في اللسان قول الأعشى: # أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة ms1713 عزا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # فالقروء في البيت: الأطهار، لأنه ضيع أطهارهن في غزاته، وآثرها عليهن. # قالوا: ولأن الطهر أسبق إلى الوجود من الحيض، فكان أولى بالاسم، قالوا: ~~فهذا أحد المقامين. ### | [فصل رد المفسرين بالأطهار على أدلة المفسرين بالحيض] # وأما المقام الآخر، وهو الجواب عن أدلتكم: فنجيبكم بجوابين، مجمل ومفصل. # أما المجمل: فنقول: من أنزل عليه القرآن، فهو أعلم بتفسيره، وبمراد ~~المتكلم به من كل أحد سواه، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم العدة التي ~~أمر الله أن تطلق لها النساء بالأطهار، فلا التفات بعد ذلك إلى شيء خالفه، ~~بل كل تفسير يخالف هذا فباطل. قالوا: وأعلم الأمة بهذه المسألة أزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهن بها عائشة رضي الله عنها؛ لأنها فيهن لا ~~في الرجال، ولأن الله تعالى جعل قولهن في # PageV05P550 # ذلك مقبولا في وجود الحيض والحمل؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهن، فدل على ~~أنهن أعلم بذلك من الرجال، فإذا قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: إن ~~الأقراء الأطهار. # فقد قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام # قالوا: وأما الجواب المفصل، فنفرد كل واحد من أدلتكم بجواب خاص، فهاكم ~~الأجوبة. # أما قولكم: إما أن يراد بالأقراء في الآية الأطهار فقط، أو الحيض فقط أو ~~مجموعهما إلى آخره. # فجوابه أن نقول: الأطهار فقط، لما ذكرنا من الدلالة. قولكم النص اقتضى ~~ثلاثة إلى آخره. قلنا: عنه جوابان # أحدهما: أن بقية الطهر عندنا قرء كامل، فما اعتدت إلا بثلاث كوامل. # الثاني: أن العرب توقع اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، كقوله تعالى: ~~{الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] [البقرة: 197] فإنها شوال، وذو القعدة، ~~وعشر من ذي الحجة، أو تسع، أو ثلاثة عشر. ويقولون: لفلان ثلاث عشرة سنة، إذ ~~دخل في السنة الثالثة عشر. فإذا كان هذا معروفا في لغتهم، وقد دل الدليل ~~عليه، وجب المصير إليه. # PageV05P551 # وأما قولكم: إن استعمال القرء في الحيض أظهر منه في الطهر، فمقابل بقول ~~منازعيكم. # قولكم: إن أهل اللغة ms1714 يصدرون كتبهم بأن القرء هو الحيض، فيذكرونه تفسيرا ~~للفظ، ثم يردفونه بقولهم: بقيل، أو وقال بعضهم: هو الطهر. # قلنا: أهل اللغة يحكون أن له مسميين في اللغة، ويصرحون بأنه يقال على ~~هذا، وعلى هذا، ومنهم من يجعله في الحيض أظهر، ومنهم من يحكي إطلاقه عليهما ~~من غير ترجيح، فالجوهري: رجح الحيض. والشافعي من أئمة اللغة، وقد رجح أنه ~~الطهر، وقال أبو عبيد: القرء يصلح للطهر والحيض. # وقال الزجاج: أخبرني من أثق به، عن يونس أن القرء عنده يصلح للطهر ~~والحيض، وقال أبو عمرو بن العلاء: القرء الوقت، وهو يصلح للحيض، ويصلح ~~للطهر، وإذا كانت هذه نصوص أهل اللغة، فكيف يحتجون بقولهم: إن الأقراء ~~الحيض؟ # قولكم: إن من جعله الطهر، فإنه يريد أوقات الطهر التي يحتوشها الدم، وإلا ~~فالصغيرة والآيسة ليستا من ذوات الأقراء وعنه جوابان. # أحدهما: المنع، بل إذا طلقت الصغيرة التي لم تحض ثم حاضت، فإنها تعتد ~~بالطهر الذي طلقت فيه قرءا على أصح الوجهين عندنا؛ لأنه طهر بعده حيض، وكان ~~قرءا كما لو كان قبله حيض. # الثاني: إنا وإن سلمنا ذلك، فإن هذا يدل على أن الطهر لا يسمى قرءا حتى ~~يحتوشه دمان، وكذلك نقول: فالدم شرط في تسميته قرءا، وهذا لا يدل على أن ~~مسماه الحيض، وهذا كالكأس الذي لا يقال على الإناء إلا بشرط كون الشراب ~~فيه، وإلا فهو زجاجة أو قدح، والمائدة التي لا تقال للخوان إلا إذا كان ~~عليه طعام، وإلا فهو خوان، والكوز الذي لا يقال لمسماه: إلا إذا كان ذا ~~عروة، وإلا فهو كوب، والقلم الذي يشترط في صحة إطلاقه على القصبة كونها ~~مبرية، وبدون البري، فهو أنبوب أو قصبة، والخاتم شرط إطلاقه أن يكون ذا فص ~~منه أو من # PageV05P552 # غيره، وإلا فهو فتخة، والفرو شرط إطلاقه على مسماه الصوف، وإلا فهو جلد. # والريطة شرط إطلاقها على مسماها أن تكون قطعة واحدة، فإن كانت ملفقة من ~~قطعتين، فهي ملاءة، والحلة شرط إطلاقها أن تكون ثوبين، إزارا ورداء، وإلا ~~فهو ثوب، والأريكة لا ms1715 تقال على السرير إلا إذا كان عليه حجلة، وهي التي ~~تسمى بشخانة وخركاه، وإلا فهو سرير، واللطيمة لا تقال للجمال إلا إذا كان ~~فيها طيب، وإلا فهي عير، والنفق لا يقال إلا لما له منفذ، وإلا فهو سرب، ~~والعهن لا يقال للصوف إلا إذا كان مصبوغا، وإلا فهو صوف، والخدر لا يقال ~~إلا لما اشتمل على المرأة، وإلا فهو ستر. # والمحجن لا يقال للعصا إلا إذا كان محنية الرأس، وإلا فهي عصا. والركية ~~لا تقال على البئر إلا بشرط كون الماء فيها، وإلا فهي بئر. والوقود لا يقال ~~للحطب إلا إذا كانت النار فيه، وإلا فهو حطب، ولا يقال للتراب ثرى إلا بشرط ~~نداوته، وإلا فهو تراب. ولا يقال للرسالة: مغلغلة، إلا إذا حملت من بلد إلى ~~بلد، وإلا فهي رسالة، ولا يقال للأرض قراح إلا إذا هيئت للزراعة، ولا يقال ~~لهروب العبد: إباق إلا إذا كان هروبه من غير خوف ولا جوع ولا جهد، وإلا فهو ~~هروب، والريق لا يقال له رضاب إلا إذا كان في الفم، فإذا فارقه فهو بصاق ~~وبساق، والشجاع لا يقال له: كمي إلا إذا كان شاكي السلاح، وإلا فهو بطل، ~~وفي تسميته بطلا قولان أحدهما: لأنه تبطل شجاعته قرنه وضربه وطعنه، ~~والثاني: لأنه تبطل شجاعة الشجعان عنده، فعلى الأول، فهو فعل بمعنى فاعل، ~~وعلى الثاني، فعل بمعنى مفعول، وهو قياس اللغة. # والبعير لا يقال له: راوية إلا بشرط حمله للماء، والطبق لا يسمى مهدى إلا ~~أن يكون عليه هدية، والمرأة لا تسمى ظعينة إلا بشرط كونها في الهودج، هذا ~~في الأصل، وإلا فقد تسمى المرأة ظعينة، وإن لم تكن في هودج، ومنه في ~~الحديث: «فمرت ظعن يجرين» والدلو لا يقال له: سجل إلا ما دام فيه ماء، ولا ~~يقال لها: ذنوب، إلا # PageV05P553 # إذا امتلأت به، والسرير لا يقال له: نعش إلا إذا كان عليه ميت، والعظم لا ~~يقال له: عرق، إلا إذا اشتمل عليه لحم، والخيط لا يسمى سمطا إلا إذا كان ~~فيه خرز. ms1716 # ولا يقال للحبل: قرن إلا إذا قرن فيه اثنان فصاعدا، والقوم لا يسمون رفقة ~~إلا إذا انضموا في مجلس واحد، وسير واحد، فإذا تفرقوا زال هذا الاسم، ولم ~~يزل عنهم اسم الرفيق، والحجارة لا تسمى رضفا إلا إذا حميت بالشمس أو ~~بالنار، والشمس لا يقال لها: غزالة إلا عند ارتفاع النهار، والثوب لا يسمى ~~مطرفا إلا إذا كان في طرفيه علمان، والمجلس لا يقال له: النادي إلا إذا كان ~~أهله فيه. # والمرأة لا يقال لها: عاتق إلا إذا كانت في بيت أبويها، ولا يسمى الماء ~~الملح أجاجا، إلا إذا كان مع ملوحته مرا، ولا يقال للسير: إهطاع إلا إذا ~~كان معه خوف، ولا يقال للفرس: محجل، إلا إذا كان البياض في قوائمها كلها، ~~أو أكثرها، وهذا باب طويل لو تقصيناه، فكذلك لا يقال للطهر: قرء، إلا إذا ~~كان قبله دم، وبعده دم، فأين في هذا ما يدل على أنه حيض؟ # قالوا: وأما قولكم: إنه لم يجئ في كلام الشارع إلا للحيض، فنحن نمنع ~~مجيئه في كلام الشارع للحيض البتة، فضلا عن الحصر. قالوا: إنه قال ~~للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ، فقد أجاب الشافعي عنه في كتاب حرملة ~~بما فيه شفاء، وهذا لفظه. # قال: وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية أن الأقراء: الحيض، واحتج بحديث ~~سفيان، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها: «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال في امرأة استحيضت تدع الصلاة أيام أقرائها» ~~قال الشافعي رحمه الله: وما حدث بهذا سفيان قط، إنما قال سفيان، عن أيوب، ~~عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن» # أو قال: " أيام أقرائها "، الشك من أيوب لا يدري. قال: هذا أو هذا، فجعله ~~هو حديثا على ناحية ما يريد، فليس هذا بصدق، وقد أخبرنا مالك، عن نافع، عن ~~سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها، ms1717 أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لتنظر عدد # PageV05P554 # الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، ~~ثم لتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتصل.» ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب وهو يقول: ~~بمثل أحد معنيي أيوب اللذين رواهما، انتهى كلامه. قالوا: وأما الاستدلال ~~بقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] ~~[البقرة: 228] . # وأنه الحيض، أو الحبل أو كلاهما، فلا ريب أن الحيض داخل في ذلك، ولكن ~~تحريم كتمانه لا يدل على أن القروء المذكورة في الآية هي الحيض، فإنها إذا ~~كانت الأطهار، فإنها تنقضي بالطعن في الحيضة الرابعة أو الثالثة، فإذا ~~أرادت كتمان انقضاء العدة لأجل النفقة أو غيرها، قالت: لم أحض، فتنقضي ~~عدتي، وهي كاذبة وقد حاضت وانقضت عدتها، وحينئذ فتكون دلالة الآية على أن ~~القروء الأطهار أظهر، ونحن نقنع باتفاق الدلالة بها، وإن أبيتم إلا ~~الاستدلال، فهو من جانبنا أظهر، فإن أكثر المفسرين قالوا: الحيض والولادة. ~~فإذا كانت العدة تنقضي بظهور الولادة فهكذا تنقضي بظهور الحيض تسوية بينهما ~~في إتيان المرأة على كل واحد منهما. # وأما استدلالكم بقوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] [الطلاق: 4] فجعل كل شهر بإزاء ~~حيضة، فليس هذا بصريح في أن القروء هي الحيض، بل غاية الآية أنه جعل اليأس ~~من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر، فما دامت حائضا لا تنتقل إلى عدة ~~الآيسات، وذلك أن الأقراء التي هي الأطهار عندنا لا توجد إلا مع الحيض، لا ~~تكون بدونه، فمن أين يلزم أن تكون هي الحيض؟ # وأما استدلالكم بحديث عائشة رضي الله عنها: «طلاق الأمة طلقتان وقرؤها ~~حيضتان» فهو حديث لو استدللنا به عليكم لم تقبلوا ذلك منا، فإنه # PageV05P555 # حديث ضعيف معلول، قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ~~ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث، انتهى. ومظاهر بن أسلم هذا، ~~قال فيه أبو حاتم الرازي: منكر الحديث. # وقال يحيى بن معين: ليس ms1718 بشيء، مع أنه لا يعرف، وضعفه أبو عاصم أيضا. وقال ~~أبو داود: هذا حديث مجهول، وقال الخطابي: أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث، ~~وقال البيهقي: لو كان ثابتا لقلنا به إلا أنا لا نثبت حديثا يرويه من تجهل ~~عدالته، وقال الدارقطني: الصحيح عن القاسم بخلاف هذا، ثم روي عن زيد بن ~~أسلم قال: سئل القاسم عن الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها ثنتان، وعدتها حيضتان. # قال: فقيل له: هل بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا؟ فقال: ~~لا. وقال البخاري في " تاريخه ": مظاهر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة رضي ~~الله عنها يرفعه: «طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان.» # قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج، عن مظاهر، ثم لقيت مظاهرا، فحدثنا به، ~~وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا، وقال يحيى بن سليمان: حدثنا ابن وهب، قال: ~~حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، أنه كان جالسا عند أبيه، فأتاه رسول الأمير، ~~فقال: إن الأمير يقول لك: كم عدة الأمة؟ فقال: عدة الأمة حيضتان، وطلاق ~~الحر الأمة ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدة الحرة ثلاث حيض، ثم قال ~~للرسول: أين تذهب؟ قال: أمرني أن أسأل القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، ~~قال: فأقسم عليك إلا رجعت إلي فأخبرتني ما يقولان، فذهب ورجع إلى أبي، ~~فأخبره أنهما قالا كما قال، وقالا له: قل له: إن هذا ليس في كتاب الله، ولا ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عمل به المسلمون. # وقال أبو القاسم بن عساكر في " أطرافه ": فدل ذلك على أن الحديث المرفوع ~~غير محفوظ. # وأما استدلالكم بحديث ابن عمر مرفوعا، «طلاق الأمة ثنتان، وعدتها # PageV05P556 # حيضتان» ، فهو من رواية عطية بن سعد العوفي، وقد ضعفه غير واحد من ~~الأئمة. قال الدارقطني: والصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه ما رواه سالم، ~~ونافع من قوله، وروى الدارقطني أيضا عن سالم ونافع، أن ابن عمر كان يقول: ~~طلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاثة قروء، وطلاق الحر الأمة تطليقتان، ~~وعدتها عدة الأمة حيضتان. # قالوا: ms1719 والثابت بلا شك، عن ابن عمر رضي الله عنه، أن الأقراء: الأطهار. # قال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك رحمه الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ~~إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ولا ~~ترثه ولا يرثها. # قالوا: فهذا الحديث مداره على ابن عمر، وعائشة، ومذهبهما بلا شك أن ~~الأقراء: الأطهار، فكيف يكون عندهما عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، ~~ولا يذهبان إليه؟ قالوا: وهذا بعينه هو الجواب عن حديث عائشة الآخر: «أمرت ~~بريرة أن تعتد ثلاث حيض.» # قالوا: وقد روي هذا الحديث بثلاثة ألفاظ: أمرت أن تعتد، وأمرت أن تعتد ~~عدة الحرة، وأمرت أن تعتد ثلاث حيض، فلعل رواية من روى " ثلاث حيض " محمولة ~~على المعنى، ومن العجب أن يكون عند عائشة رضي الله عنها هذا وهي تقول: ~~الأقراء: الأطهار، وأعجب منه أن يكون هذا الحديث بهذا السند المشهور الذي ~~كلهم أئمة، ولا يخرجه أصحاب الصحيح، ولا المساند، ولا من اعتنى بأحاديث ~~الأحكام وجمعها، ولا الأئمة الأربعة، وكيف يصبر عن إخراج هذا الحديث من هو ~~مضطر إليه، ولا سيما بهذا السند المعروف الذي هو كالشمس شهرة، ولا شك أن ~~بريرة أمرت أن تعتد، وأما إنها أمرت بثلاث حيض، فهذا لو صح لم نعده إلى ~~غيره، ولبادرنا إليه. # PageV05P557 # قالوا: وأما استدلالكم بشأن الاستبراء، فلا ريب أن الصحيح كونه بحيضة، ~~وهو ظاهر النص الصحيح، فلا وجه للاشتغال بالتعلل بالقول: إنها تستبرأ ~~بالطهر، فإنه خلاف ظاهر نص الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلاف القول الصحيح ~~من قول الشافعي، وخلاف قول الجمهور من الأمة، فالوجه العدول إلى الفرق بين ~~البابين، فنقول: الفرق بينهما ما تقدم أن العدة وجبت قضاء لحق الزوج، ~~فاختصت بزمان حقه، وهو الطهر بأنها تتكرر، فيعلم منها البراءة بواسطة ~~الحيض، بخلاف الاستبراء. # قولكم: لو كانت الأقراء الأطهار لم تحصل بالقرء الأول دلالة؛ لأنه لو ~~جامعها ثم طلقها فيه حسبت بقيته قرءا، ومعلوم قطعا أن هذا الطهر لا يدل على ~~شيء. # فجوابه أنها ms1720 إذا طهرت بعد طهرين كاملين، صحت دلالته بانضمامه إليهما. # قولكم: إن الحدود والعلامات والأدلة إنما تحصل بالأمور الظاهرة إلى آخره. # جوابه أن الطهر إذا احتوشه دمان، كان كذلك، وإذا لم يكن قبله دم، ولا ~~بعده دم، فهذا لا يعتد به البتة. # قالوا: ويزيد ما ذهبنا إليه قوة، أن القرء هو الجمع، وزمان الطهر أولى ~~به، فإنه حينئذ يجتمع الحيض، وإنما يخرج بعد جمعه. قالوا: وإدخال التاء في ~~(ثلاثة قروء) يدل على أن القرء مذكر، وهو الطهر، فلو كان الحيض لكان بغير ~~تاء؛ لأن واحدها حيضة. # فهذا ما احتج به أرباب هذا القول استدلالا وجوابا، وهذا موضع لا يمكن فيه ~~التوسط بين الفريقين، إذ لا توسط بين القولين، فلا بد من التحيز إلى أحد ~~الفئتين، ونحن متحيزون في هذه المسألة إلى أكابر الصحابة وقائلون فيها ~~بقولهم: # PageV05P558 # إن القرء الحيض، وقد تقدم الاستدلال على صحة هذا القول، فنجيب عما عارض ~~به أرباب القول الآخر، ليتبين ما رجحناه، وبالله التوفيق. # فنقول: أما استدلالكم بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ~~[الطلاق: 1] ، فهو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب منه إلى أن يكون حجة لكم، ~~فإن المراد طلاقها قبل العدة ضرورة، إذ لا يمكن حمل الآية على الطلاق في ~~العدة، فإن هذا - مع تضمنه لكون اللام للظرفية بمعنى - في - فاسد معنى، إذ ~~لا يمكن إيقاع الطلاق في العدة، فإنه سببها، والسبب يتقدم الحكم، وإذا تقرر ~~ذلك فمن قال: الأقراء الحيض، فقد عمل بالآية، وطلق قبل العدة. # فإن قلتم: ومن قال إنها الأطهار فالعدة تتعقب الطلاق، فقد طلق قبل العدة، ~~قلنا: فبطل احتجاجكم حينئذ، وصح أن المراد الطلاق قبل العدة لا فيها، وكلا ~~الأمرين يصح أن يراد بالآية، لكن إرادة الحيض أرجح، وبيانه أن العدة فعلة ~~مما تعد يعني معدودة؛ لأنها تعد وتحصى، كقوله: {وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] ~~[الطلاق: 1] ، والطهر الذي قبل الحيضة مما يعد ويحصى، فهو من العدة، وليس ~~الكلام فيه، وإنما الكلام في أمر آخر، وهو دخوله في مسمى القروء الثلاثة ~~المذكورة في الآية أم لا؟ ms1721 فلو كان النص: فطلقوهن لقروئهن، لكان فيه تعلق، ~~فهنا أمران. # قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] [البقرة: 228] ، ~~والثاني: قوله: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ، ولا ريب أن ~~القائل: افعل كذا لثلاث بقين من الشهر، إنما يكون المأمور ممتثلا إذا فعله ~~قبل مجيء الثلاث، وكذلك إذا قال: فعلته لثلاث مضين من الشهر، إنما يصدق إذا ~~فعله بعد مضي الثلاث، وهو بخلاف حرف الظرف الذي هو " في " فإنه إذا قال: ~~فعلته في ثلاث بقين، كان الفعل واقعا في نفس الثلاث، وهاهنا نكتة حسنة، وهي ~~أنهم يقولون: فعلته لثلاث ليال خلون أو بقين من الشهر، وفعلته في الثاني أو ~~الثالث من الشهر، أو في ثانيه أو ثالثه، فمتى أرادوا مضي الزمان أو ~~استقباله، أتوا باللام، ومتى أرادوا وقوع الفعل فيه، أتوا بفي، وسر ذلك ~~أنهم إذا أرادوا مضي زمن الفعل أو استقباله # PageV05P559 # أتوا بالعلامة الدالة على اختصاص العدد الذي يلفظون به بما مضى، أو بما ~~يستقبل، وإذا أرادوا وقوع الفعل في ذلك الزمان أتوا بالأداة المعينة له، ~~وهي أداة " في "، وهذا خير من قول كثير من النحاة: إن اللام تكون بمعنى قبل ~~في قولهم: كتبته لثلاث بقين، وقوله: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] [الطلاق: ~~1] . وبمعنى بعد، كقولهم: لثلاث خلون. وبمعنى في: كقوله تعالى: {ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] [الأنبياء: 47] ، وقوله: ~~{فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} [آل عمران: 25] [آل عمران: 25] ، ~~والتحقيق أن اللام على بابها للاختصاص بالوقت المذكور، كأنهم جعلوا الفعل ~~للزمان المذكور اتساعا لاختصاصه به، فكأنه له فتأمله. # وفرق آخر: وهو أنك إذا أتيت باللام، لم يكن الزمان المذكور بعده إلا ~~ماضيا أو منتظرا، ومتى أتيت بفي لم يكن الزمان المجرور بها إلا مقارنا ~~للفعل، وإذا تقرر هذا من قواعد العربية، فقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] [الطلاق: 1] ، معناه: لاستقبال عدتهن لا فيها، وإذا كانت العدة ~~التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض، ~~فإن الطاهر لا تستقبل الطهر إذ هي فيه، وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي ~~هي ms1722 فيها، هذا المعروف لغة وعقلا وعرفا، فإنه لا يقال لمن هو في عافية: هو ~~مستقبل العافية، ولا لمن هو في أمن: هو مستقبل الأمن، ولا لمن هو في قبض ~~مغله وإحرازه: هو مستقبل المغل، وإنما المعهود لغة وعرفا أن يستقبل الشيء ~~من هو على حال ضده، وهذا أظهر من أن نكثر شواهده. # فإن قيل: فيلزم من هذا أن يكون من طلق في الحيض مطلقا للعدة عند من يقول: ~~الأقراء الأطهار؛ لأنها تستقبل طهرها بعد حالها التي هي فيها، قلنا: نعم ~~يلزمهم ذلك، فإنه لو كان أول العدة التي تطلق لها المرأة هو الطهر لكان إذا ~~طلقها في أثناء الحيض مطلقا للعدة؛ لأنها تستقبل الطهر بعد ذلك الطلاق. # فإن قيل: " اللام " بمعنى " في "، والمعنى: فطلقوهن في عدتهن، وهذا إنما # PageV05P560 # يمكن إذا طلقها في الطهر، بخلاف ما إذا طلقها في الحيض. قيل: الجواب من ~~وجهين. # أحدهما: أن الأصل عدم الاشتراك في الحروف، والأصل إفراد كل حرف بمعناه، ~~فدعوى خلاف ذلك مردودة بالأصل. # الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعض العدة ظرفا لزمن الطلاق، فيكون الطلاق ~~واقعا في نفس العدة ضرورة صحة الظرفية، كما إذا قلت: فعلته في يوم الخميس، ~~بل الغالب في الاستعمال من هذا أن يكون بعض الظرف سابقا على الفعل، ولا ريب ~~في امتناع هذا، فإن العدة تتعقب الطلاق ولا تقارنه، ولا تتقدم عليه. # قالوا: ولو سلمنا أن " اللام " بمعنى " في "، وساعد على ذلك قراءة ابن ~~عمر رضي الله عنه وغيره: (فطلقوهن في قبل عدتهن) ، فإنه لا يلزم من ذلك أن ~~يكون القرء: هو الطهر، فإن القرء حينئذ يكون هو الحيض، وهو المعدود ~~والمحسوب، وما قبله من الطهر يدخل في حكمه تبعا وضمنا لوجهين. # أحدهما: أن من ضرورة الحيض أن يتقدمه طهر، فإذا قيل: تربصي ثلاث حيض، وهي ~~في أثناء الطهر كان ذلك الطهر من مدة التربص، كما لو قيل لرجل: أقم هاهنا ~~ثلاثة أيام، وهو في أثناء ليلة، فإنه يدخل بقية تلك الليلة في اليوم الذي ~~يليها، كما تدخل ms1723 ليلة اليومين الآخرين في يوميهما. ولو قيل له في النهار: ~~أقم ثلاث ليال، دخل تمام ذلك النهار تبعا لليلة التي تليه. # الثاني: أن الحيض إنما يتم باجتماع الدم في الرحم قبله، فكان الطهر مقدمة ~~وسببا لوجود الحيض، فإذا علق الحكم بالحيض، فمن لوازمه ما لا يوجد الحيض ~~إلا بوجوده، وبهذا يظهر أن هذا أبلغ من الأيام والليالي، فإن الليل والنهار ~~متلازمان، وليس أحدهما سببا لوجود الآخر، وهاهنا الطهر سبب لاجتماع الدم في ~~الرحم، فقوله سبحانه وتعالى: {لعدتهن} [الطلاق: 1] أي لاستقبال العدة التي # PageV05P561 # تتربصها، وهي تتربص ثلاث حيض بالأطهار التي قبلها. فإذا طلقت في أثناء ~~الطهر، فقد طلقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدة المحسوبة، وتلك العدة هي ~~الحيض بما قبلها من الأطهار، بخلاف ما لو طلقت في أثناء حيضة، فإنها لم ~~تطلق لعدة تحسبها؛ لأن بقية ذلك الحيض ليس هو العدة التي تعتد بها المرأة ~~أصلا ولا تبعا لأصل، وإنما تسمى عدة؛ لأنها تحبس فيها عن الأزواج، إذا عرف ~~هذا، فقوله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] [الأنبياء: ~~47] ، يجوز أن تكون اللام لام التعليل، أي: لأجل يوم القيامة. # وقد قيل: إن القسط منصوب على أنه مفعول له، أي نضعها لأجل القسط، وقد ~~استوفى شروط نصبه، وأما قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: ~~78] [الإسراء: 78] ، فليست اللام بمعنى " في " قطعا، بل قيل: إنها لام ~~التعليل، أي: لأجل دلوك الشمس، وقيل: إنها بمعنى بعد، فإنه ليس المراد ~~إقامتها وقت الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب، وإنما يؤمر بالصلاة بعده، ~~ويستحيل حمل آية العدة على ذلك، وهكذا يستحيل حمل آية العدة عليه، إذ يصير ~~المعنى: فطلقوهن بعد عدتهن. فلم يبق إلا أن يكون المعنى: فطلقوهن لاستقبال ~~عدتهن، ومعلوم أنها إذا طلقت طاهرا استقبلت العدة بالحيض. ولو كانت الأقراء ~~الأطهار، لكانت السنة أن تطلق حائضا لتستقبل العدة بالأطهار، فبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلق ~~طاهرا لتستقبل عدتها بعد الطلاق. # فإن قيل: فإذا ms1724 جعلنا الأقراء: الأطهار، استقبلت عدتها بعد الطلاق بلا ~~فصل، ومن جعلها الحيض لم تستقبلها على قوله حتى ينقضي الطهر. # قيل: كلام الرب تبارك وتعالى لا بد أن يحمل على فائدة مستقلة، وحمل الآية ~~على معنى: فطلقوهن طلاقا تكون العدة بعده لا فائدة فيه، وهذا بخلاف ما إذا ~~كان المعنى: فطلقوهن طلاقا يستقبلن فيه العدة لا يستقبلن فيه طهرا لا تعتد ~~به، فإنها إذا طلقت حائضا استقبلت طهرا لا تعتد به، فلم تطلق لاستقبال ~~العدة، ويوضحه قراءة من قرأ: فطلقوهن في قبل عدتهن. وقبل العدة: هو الوقت ~~الذي # PageV05P562 # يكون بين يدي العدة تستقبل به، كقبل الحائض، يوضحه أنه لو أريد ما ذكروه، ~~لقيل: في أول عدتهن، فالفرق بين بين قبل الشيء وأوله. # وأما قولكم: لو كانت القروء هي الحيض، لكان قد طلقها قبل العدة. قلنا: ~~أجل، وهذا هو الواجب عقلا وشرعا، فإن العدة لا تفارق الطلاق ولا تسبقه، بل ~~يجب تأخرها عنه. # قولكم: وكان ذلك تطويلا عليها، كما لو طلقها في الحيض، قيل: هذا مبني على ~~أن العلة في تحريم طلاق الحائض خشية التطويل عليها، وكثير من الفقهاء لا ~~يرضون هذا التعليل، ويفسدونه بأنها لو رضيت بالطلاق فيه، واختارت التطويل، ~~لم يبح له، ولو كان ذلك لأجل التطويل، لم تبح له برضاها، كما يباح إسقاط ~~الرجعة الذي هو حق المطلق بتراضيهما بإسقاطها بالعوض اتفاقا، وبدونه في أحد ~~القولين، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد ومالك، ويقولون: ~~إنما حرم طلاقها في الحيض؛ لأنه طلقها في وقت رغبة عنها، ولو سلمنا أن ~~التحريم لأجل التطويل عليها، فالتطويل المضر أن يطلقها حائضا، فتنتظر مضي ~~الحيضة والطهر الذي يليها، ثم تأخذ في العدة، فلا تكون مستقبلة لعدتها ~~بالطلاق، وأما إذا طلقت طاهرا، فإنها تستقبل العدة عقيب انقضاء الطهر، فلا ~~يتحقق التطويل. # وقولكم: إن القرء مشتق من الجمع، وإنما يجمع الحيض في زمن الطهر. عنه ~~ثلاثة أجوبة. # أحدها: أن هذا ممنوع، والذي هو مشتق من الجمع إنما هو من باب الياء من ~~المعتل، ms1725 من قرى يقري، كقضى يقضي، والقرء من المهموز من بنات الهمز، من قرأ ~~يقرأ، كنحر ينحر، وهما أصلان مختلفان فإنهم يقولون: قريت الماء في الحوض ~~أقريه، أي: جمعته، ومنه سميت القرية، ومنه قرية النمل: للبيت الذي تجتمع ~~فيه؛ لأنه يقريها، أي يضمها ويجمعها. وأما المهموز، فإنه من الظهور والخروج ~~على وجه التوقيت والتحديد، ومنه قراءة # PageV05P563 # القرآن؛ لأن قارئه يظهره ويخرجه مقدارا محدودا لا يزيد ولا ينقص، ويدل ~~عليه قوله: {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] [القيامة: 17] ، ففرق بين ~~الجمع والقرآن. ولو كانا واحدا، لكان تكريرا محضا؛ ولهذا قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] [القيامة: 18] ، فإذا ~~بيناه، فجعل قراءته نفس إظهاره وبيانه، لا كما زعم أبو عبيدة أن القرآن ~~مشتق من الجمع. # ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، وما قرأت جنينا هو من هذا الباب، ~~أي ما ولدته وأخرجته وأظهرته، ومنه: فلان يقرؤك السلام، ويقرأ عليك السلام، ~~هو من الظهور والبيان، ومنه قولهم: قرأت المرأة حيضة أو حيضتين، أي: ~~حاضتهما؛ لأن الحيض ظهور ما كان كامنا، كظهور الجنين، ومنه: قروء الثريا، ~~وقروء الريح: وهو الوقت الذي يظهر المطر والريح، فإنهما يظهران في وقت ~~مخصوص، وقد ذكر هذا الاشتقاق المصنفون في كتب الاشتقاق، وذكره أبو عمرو ~~وغيره، ولا ريب أن هذا المعنى في الحيض أظهر منه في الطهر. # قولكم: إن عائشة رضي الله عنها قالت: القروء: الأطهار، والنساء أعلم بهذا ~~من الرجال. # فالجواب أن يقال: من جعل النساء أعلم بمراد الله من كتابه، وأفهم لمعناه ~~من أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ~~وأبي الدرداء رضي الله عنهم، وأكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فنزول ذلك في شأنهن لا يدل على أنهن أعلم به من الرجال، وإلا كانت كل آية ~~نزلت في النساء تكون النساء أعلم بها من الرجال، ويجب على الرجال تقليدهن ~~في معناها وحكمها، فيكن أعلم من # PageV05P564 # الرجال بآية الرضاع، وآية الحيض، وتحريم وطء الحائض، ms1726 وآية عدة المتوفى ~~عنها، وآية الحمل والفصال ومدتهما، وآية تحريم إبداء الزينة إلا لمن ذكر ~~فيها، وغير ذلك من الآيات التي تتعلق بهن، وفي شأنهن نزلت، ويجب على الرجال ~~تقليدهن في حكم هذه الآيات ومعناها، وهذا لا سبيل إليه البتة. وكيف ومدار ~~العلم بالوحي على الفهم والمعرفة، ووفور العقل والرجال أحق بهذا من النساء، ~~وأوفر نصيبا منه، بل لا يكاد يختلف الرجال والنساء في مسألة إلا والصواب في ~~جانب الرجال، وكيف يقال: إذا اختلفت عائشة، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي ~~طالب، وعبد الله بن مسعود في مسألة: إن الأخذ بقول عائشة رضي الله عنها ~~أولى، وهل الأولى إلا قول فيه خليفتان راشدان؟ وإن كان الصديق معهما كما ~~حكي عنه، فذلك القول مما لا يعدوه # PageV05P565 # الصواب البتة، فإن النقل عن عمر، وعلي ثابت، وأما عن الصديق ففيه غرابة، ~~ويكفينا قول جماعة من الصحابة فيهم مثل: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي ~~الدرداء، وأبي موسى، فكيف نقدم قول أم المؤمنين وفهمها على أمثال هؤلاء؟ # ثم يقال: فهذه عائشة رضي الله عنها ترى رضاع الكبير ينشر الحرمة، ويثبت ~~المحرمية، ومعها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد خالفها غيرها من ~~الصحابة، وهي روت حديث التحريم به، فهلا قلتم: النساء أعلم بهذا من الرجال، ~~ورجحتم قولها على قول من خالفها؟ # ونقول لأصحاب مالك رحمه الله: وهذه عائشة رضي الله عنها لا ترى التحريم ~~إلا بخمس رضعات، ومعها جماعة من الصحابة، وروت فيه حديثين، فهلا قلتم: ~~النساء أعلم بهذا من الرجال، وقدمتم قولها على قول من خالفها؟ # فإن قلتم: هذا حكم يتعدى إلى الرجال، فيستوي النساء معهم فيه، قيل: ~~ويتعدى حكم العدة مثله إلى الرجال، فيجب أن يستوي النساء معهم فيه، وهذا لا ~~خفاء به. ثم يرجح قول الرجال في هذه المسألة، بأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شهد لواحد من هذا الحزب، بأن الله ضرب الحق على لسانه وقلبه. وقد وافق ~~ربه تبارك وتعالى في عدة مواضع قال فيها قولا، فنزل القرآن بمثل ms1727 ما قال، ~~وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم فضل إنائه في النوم، وأوله # PageV05P566 # بالعلم وشهد له بأنه محدث ملهم، فإذا لم يكن بد من التقليد، فتقليده ~~أولى، وإن كانت الحجة هي التي تفصل بين المتنازعين، فتحكيمها هو الواجب. # قولكم: إن من قال: إن الأقراء الحيض، لا يقولون بقول علي وابن مسعود، ولا ~~بقول عائشة، فإن عليا يقول: هو أحق برجعتها ما لم تغتسل، وأنتم لا تقولون ~~بواحد من القولين، فهذا غايته أن يكون تناقضا ممن لا يقول بذلك، كأصحاب أبي ~~حنيفة، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها عمن يقول بقول علي، وهو الإمام أحمد ~~وأصحابه، كما تقدم حكاية ذلك، فإن العدة تبقى عنده إلى أن تغتسل كما قاله ~~علي، ومن وافقه، ونحن نعتذر عمن يقول: الأقراء الحيض في ذلك، ولا يقول: هو ~~أحق بها ما لم تغتسل، فإنه وافق من يقول: الأقراء الحيض في ذلك، وخالفه في ~~توقف انقضائها على الغسل لمعارض أوجب له مخالفته، كما يفعله سائر الفقهاء. # ولو ذهبنا نعد ما تصرفتم فيه هذا التصرف بعينه، فإن كان هذا المعارض ~~صحيحا لم يكن تناقضا منهم، وإن لم يكن صحيحا، لم يكن ضعيف قولهم في إحدى ~~المسألتين عندهم بمانع لهم من موافقتهم لهم في المسألة الأخرى، فإن موافقة ~~أكابر الصحابة وفيهم من فيهم من الخلفاء الراشدين في معظم قولهم خير، وأولى ~~من مخالفتهم في قولهم جميعه وإلغائه بحيث لا يعتبر البتة. # PageV05P567 # قالوا: ثم لم نخالفهم في توقف انقضائها على الغسل، بل قلنا: لا تنقضي حتى ~~تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة، فوافقناهم في قولهم بالغسل، وزدنا عليهم ~~انقضاءها بمضي وقت الصلاة؛ لأنها صارت في حكم الطاهرات بدليل استقرار ~~الصلاة في ذمتها، فأين المخالفة الصريحة للخلفاء الراشدين رضوان الله ~~عليهم. # وقولكم: لا نجد في كتاب الله للغسل معنى. فيقال: كتاب الله تعالى لم ~~يتعرض للغسل بنفي ولا إثبات، وإنما علق الحل والبينونة بانقضاء الأجل. # وقد اختلف السلف والخلف فيما ينقضي به الأجل، فقيل: بانقطاع الحيض. وقيل: ~~بالغسل أو مضي صلاة، أو ms1728 انقطاعه لأكثره. وقيل: بالطعن في الحيضة الثالثة، ~~وحجة من وقفه على الغسل قضاء الخلفاء الراشدين، قال الإمام أحمد: عمر، ~~وعلي، وابن مسعود يقولون: حتى تغتسل من الحيضة الثالثة. قالوا: وهم أعلم ~~بكتاب الله، وحدود ما أنزل على رسوله، وقد روي هذا المذهب عن أبي بكر ~~الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي موسى، وعبادة، وأبي الدرداء، حكاه صاحب " ~~المغني " وغيره عنهم. ومن هاهنا قيل: إن مذهب الصديق ومن ذكر معه أن ~~الأقراء: الحيض. # قالوا: وهذا القول له حظ وافر من الفقه، فإن المرأة إذا انقطع حيضها صارت ~~في حكم الطاهرات من وجه، وفي حكم الحيض من وجه، والوجوه التي هي فيها في ~~حكم الحيض أكثر من الوجوه التي هي فيها في حكم الطاهرات، فإنها في حكم ~~الطاهرات في صحة الصيام، ووجوب الصلاة، وفي حكم الحيض في تحريم قراءة ~~القرآن عند من حرمه على الحائض، واللبث في المسجد، والطواف بالبيت، وتحريم ~~الوطء، وتحريم الطلاق في أحد القولين، فاحتاط الخلفاء الراشدون وأكابر ~~الصحابة للنكاح، ولم يخرجوها منه بعد ثبوته إلا بقيد لا ريب فيه، وهو ثبوت ~~حكم الطاهرات في # PageV05P568 # حقها من كل وجه إزالة لليقين بيقين مثله، إذ ليس جعلها حائضا في تلك ~~الأحكام أولى من جعلها حائضا في بقاء الزوجية، وثبوت الرجعة، وهذا من أدق ~~الفقه وألطفه مأخذا. # قالوا: وأما قول الأعشى: # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # فغايته استعمال القروء في الطهر، ونحن لا ننكره. # قولكم: إن الطهر أسبق من الحيض، فكان أولى بالاسم، فترجيح طريف جدا، فمن ~~أين يكون أولى بالاسم إذا كان سابقا في الوجود؟ ثم ذلك السابق لا يسمى قرءا ~~ما لم يسبقه دم عند جمهور من يقول: الأقراء الأطهار، وهل يقال في كل لفظ ~~مشترك: إن أسبق معانيه إلى الوجود أحق به، فيكون عسعس من قوله: {والليل إذا ~~عسعس} [التكوير: 17] [التكوير: 17] ، أولى بكونه لإقبال الليل لسبقه في ~~الوجود، فإن الظلام سابق على الضياء. # وأما قولكم: إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القروء بالأطهار، فلعمر ~~الله لو كان ms1729 الأمر كذلك، لما سبقتمونا إلى القول بأنها الأطهار، ولبادرنا ~~إلى هذا القول اعتقادا وعملا، وهل المعول إلا على تفسيره وبيانه: # تقول سليمى لو أقمتم بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف # فقد بينا من صريح كلامه ومعناه ما يدل على تفسيره للقروء بالحيض، وفي ذلك ~~كفاية. ### | [فصل في الأجوبة عن اعتراضكم على أدلتنا] # قولكم في الاعتراض على الاستدلال بقوله: " ثلاثة قروء " فإنه يقتضي أن ~~تكون كوامل، أي: بقية الطهر قرء كامل، فهذا ترجمة المذهب، والشأن في كونه # PageV05P569 # قرءا في لسان الشارع، أو في اللغة، فكيف تستدلون علينا بالمذهب، مع ~~منازعة غيركم لكم فيه ممن يقول: الأقراء: الأطهار كما تقدم؟ ولكن أوجدونا ~~في لسان الشارع، أو في لغة العرب، أن اللحظة من الطهر تسمى قرءا كاملا، ~~وغاية ما عندكم أن بعض من قال: القروء الأطهار، لا كلهم يقولون: بقية القرء ~~المطلق فيه قرء، وكان ماذا؟ كيف وهذا الجزء من الطهر بعض طهر بلا ريب؟ فإذا ~~كان مسمى القرء في الآية هو الطهر، وجب أن يكون هذا بعض قرء يقينا، أو يكون ~~القرء مشتركا بين الجميع والبعض، وقد تقدم إبطال ذلك، وأنه لم يقل به أحد. # قولكم: إن العرب توقع اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، جوابه من وجوه. # أحدها: أن هذا إن وقع، فإنما يقع في أسماء الجموع التي هي ظواهر في ~~مسماها، وأما صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها، فكلا ولما، ولم ترد صيغة ~~العدد إلا مسبوقة بمسماها، كقوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتاب الله} [التوبة: 36] [التوبة: 36] . وقوله: {ولبثوا في كهفهم ثلاث ~~مائة سنين وازدادوا تسعا} [الكهف: 25] [الكهف: 25] . وقوله: {فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] [البقرة: 196] ~~. وقوله {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] [الحاقة: ~~7] ، ونظائره مما لا يراد به في موضع واحد دون مسماه من العدد. وقوله: ~~{ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ، اسم عدد ليس بصيغة جمع، فلا يصح إلحاقه بأشهر ~~معلومات، لوجهين. # أحدهما: أن اسم العدد نص في ms1730 مسماه لا يقبل التخصيص المنفصل، بخلاف الاسم ~~العام، فإنه يقبل التخصيص المنفصل، فلا يلزم من التوسع في الاسم الظاهر ~~التوسع في الاسم الذي هو نص فيما يتناوله. # الثاني: أن اسم الجمع يصح استعماله في اثنين فقط مجازا عند الأكثرين، ~~وحقيقة عند بعضهم، فصحة استعماله في اثنين، وبعض الثالث أولى بخلاف # PageV05P570 # الثلاثة، ولهذا لما قال الله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ~~[النساء: 11] [النساء 11] حمله الجمهور على أخوين ولما قال: {فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات} [النور: 6] [النور 6] لم يحملها أحد على ما دون الأربع. # والجواب الثاني: أنه وإن صح استعمال الجمع في اثنين وبعض الثالث إلا أنه ~~مجاز، والحقيقة أن يكون المعنى على وفق اللفظ، وإذا دار اللفظ بين حقيقته ~~ومجازه فالحقيقة أولى به. # الجواب الثالث: أنه إنما جاء استعمال الجمع في اثنين، وبعض الثالث في ~~أسماء الأيام والشهور والأعوام خاصة؛ لأن التاريخ إنما يكون في أثناء هذه ~~الأزمنة، فتارة يدخلون السنة الناقصة في التاريخ وتارة لا يدخلونها. وكذلك ~~الأيام، وقد توسعوا في ذلك ما لم يتوسعوا في غيره، فأطلقوا الليالي وأرادوا ~~الأيام معها تارة وبدونها أخرى وبالعكس. # الجواب الرابع: أن هذا التجوز جاء في جمع القلة وهو قوله {الحج أشهر ~~معلومات} [البقرة: 197] [البقرة 197] . وقوله {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ~~جمع كثرة، وكان من الممكن أن يقال: ثلاثة أقراء إذ هو الأغلب على الكلام بل ~~هو الحقيقة عند أكثر النحاة، والعدول عن صيغة القلة إلى صيغة الكثرة لا بد ~~له من فائدة، ونفي التجوز في هذا الجمع يصلح أن يكون فائدة، ولا يظهر ~~غيرها، فوجب اعتبارها. # الجواب الخامس: أن اسم الجمع إنما يطلق على اثنين وبعض الثالث فيما يقبل ~~التبعيض وهو اليوم، والشهر، والعام، ونحو ذلك، دون ما لا يقبله، والحيض ~~والطهر لا يتبعضان، ولهذا جعلت عدة الأمة ذات الأقراء قرأين كاملين ~~بالاتفاق، ولو أمكن تنصيف القرء لجعلت قرءا ونصفا، هذا مع قيام المقتضي ~~للتبعيض، فأن لا يجوز التبعيض مع قيام المقتضي للتكميل أولى، وسر المسألة ~~أن القرء ليس لبعضه حكم في الشرع. ms1731 # الجواب السادس أنه سبحانه قال في الآيسة والصغيرة: {فعدتهن ثلاثة أشهر} ~~[الطلاق: 4] # PageV05P571 # ، ثم اتفقت الأمة على أنها ثلاثة كوامل وهي بدل عن الحيض، فتكميل المبدل ~~أولى. # قولكم: إن أهل اللغة يصرحون بأن له مسميين الحيض والطهر لا ننازعكم فيه، ~~ولكن حمله على الحيض أولى للوجوه التي ذكرناها، والمشترك إذا اقترن به ~~قرائن ترجح أحد معانيه وجب الحمل على الراجح. # قولكم: إن الطهر الذي لم يسبقه دم قرء على الأصح، فهذا ترجيح وتفسير ~~للفظه بالمذهب وإلا فلا يعرف في لغة العرب قط أن طهر بنت أربع سنين يسمى ~~قرءا، ولا تسمى من ذوات الأقراء لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا، فثبت أن الدم ~~داخل في مسمى القرء، ولا يكون قرءا إلا مع وجوده. # قولكم: إن الدم شرط للتسمية كالكأس والقلم وغيرهما من الألفاظ المذكورة ~~تنظير فاسد، فإن مسمى تلك الألفاظ حقيقة واحدة مشروطة بشروط، والقرء مشترك ~~بين الطهر والحيض يقال على كل منهما حقيقة، فالحيض مسماه حقيقة لا أنه شرط ~~في استعماله في أحد مسمييه فافترقا. # قولكم: لم يجئ في لسان الشارع للحيض قلنا: قد بينا مجيئه في كلامه للحيض، ~~بل لم يجئ في كلامه للطهر البتة في موضع واحد، وقد تقدم أن سفيان بن عيينة ~~روى عن أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها «عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المستحاضة (تدع الصلاة أيام أقرائها) » # قولكم: إن الشافعي قال: ما حدث بهذا سفيان قط، جوابه أن الشافعي لم يسمع ~~سفيان يحدث به، فقال بموجب ما سمعه من سفيان، أو عنه من قوله ( «لتنظر عدد ~~الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر» ) وقد سمعه من سفيان من لا ~~يستراب بحفظه وصدقه وعدالته. وثبت في السنن من حديث «فاطمة بنت أبي حبيش ~~أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق، فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا ~~مر # PageV05P572 # قرؤك فتطهري، ثم صلي ما ms1732 بين القرء إلى القرء) » رواه أبو داود بإسناد ~~صحيح، فذكر فيه لفظ القرء أربع مرات، في كل ذلك يريد به الحيض لا الطهر، ~~وكذلك إسناد الذي قبله، وقد صححه جماعة من الحفاظ. # وأما حديث سفيان الذي قال فيه: ( «لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت ~~تحيضهن من الشهر» ) فلا تعارض بينه وبين اللفظ الذي احتججنا به بوجه ما حتى ~~يطلب ترجيح أحدهما على الآخر، بل أحد اللفظين يجري من الآخر مجرى التفسير ~~والبيان، وهذا يدل على أن القرء اسم لتلك الليالي والأيام، فإنه إن كانا ~~جميعا لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الظاهر - فظاهر، وإن كان قد ~~روي بالمعنى فلولا أن معنى أحد اللفظين معنى الآخر لغة وشرعا، لم يحل ~~للراوي أن يبدل لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقوم مقامه، ولا ~~يسوغ له أن يبدل اللفظ بما يوافق مذهبه، ولا يكون مرادفا للفظ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لا سيما والراوي لذلك من لا يدفع عن الإمامة والصدق ~~والورع وهو أيوب السختياني، وهو أجل من نافع وأعلم. # وقد روى عثمان بن سعد الكاتب، حدثنا ابن أبي مليكة قال: «جاءت خالتي ~~فاطمة بنت أبي حبيش إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: إني أخاف أن أقع في ~~النار، أدع الصلاة السنة والسنتين، قالت: انتظري حتى يجيء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فجاء فقالت عائشة رضي الله عنها: هذه فاطمة تقول كذا وكذا ~~قال: (قولي لها فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها) » قال الحاكم: هذا حديث ~~صحيح وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث، يجمع حديثه، قال البيهقي: ~~وتكلم فيه غير واحد. وفيه: أنه تابعه الحجاج بن أرطاة # PageV05P573 # عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها. # وفي " المسند ": «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (إذا ~~أقبلت أيام أقرائك فأمسكي عليك) » الحديث. # وفي " سنن أبي داود " من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده «عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms1733 في المستحاضة (تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل ~~وتصلي) » . # وفي " سننه " أيضا: «أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك ~~عرق، فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين ~~القرء إلى القرء) » وقد تقدم. # قال أبو داود: وروى قتادة، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة رضي الله عنها ( ~~«أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت، فأمرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن تدع الصلاة أيام أقرائها» ) # وتعليل هذه الأحاديث، بأن هذا من تغيير الرواة رووه بالمعنى لا يلتفت ~~إليه، ولا يعرج عليه، فلو كانت من جانب من عللها، لأعاد ذكرها، وأبداه وشنع ~~على من خالفها. وأما قولكم: إن الله سبحانه وتعالى جعل اليأس من الحيض شرطا ~~في الاعتداد بالأشهر، فمن أين يلزم أن تكون القروء هي الحيض؟ قلنا: لأنه ~~جعل الأشهر الثلاثة بدلا عن الأقراء الثلاثة، وقال: {واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم} [الطلاق: 4] [الطلاق 4] فنقلهن إلى الأشهر عند تعذر ~~مبدلهن وهو الحيض، # PageV05P574 # فدل على أن الأشهر بدل عن الحيض الذي يئسن منه، لا عن الطهر، وهذا واضح. # قولكم: حديث عائشة رضي الله عنها معلول بمظاهر بن أسلم ومخالفة عائشة له، ~~فنحن إنما احتججنا عليكم بما استدللتم به علينا في كون الطلاق بالنساء لا ~~بالرجال، فكل من صنف من أصحابكم في طريق الخلاف، أو استدل على أن طلاق ~~العبد طلقتان، احتج علينا بهذا الحديث.، وقال: جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلاق العبد تطليقتين، فاعتبر الطلاق بالرجال لا بالنساء، واعتبر العدة ~~بالنساء، فقال: وعدة الأمة حيضتان. فيا سبحان الله يكون الحديث سليما من ~~العلل إذا كان حجة لكم، فإذا احتج به منازعوكم عليكم اعتورته العلل ~~المختلفة فما أشبهه بقول القائل # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى نشركم فيطيب # فنحن إنما كلنا لكم بالصاع الذي كلتم لنا به بخسا ببخس، وإيفاء بإيفاء، ~~ولا ريب ms1734 أن مظاهرا ممن لا يحتج به لكن لا يمتنع أن يعتضد بحديثه ويقوى به ~~والدليل غيره. # وأما تعليله بخلاف عائشة رضي الله عنها له، فأين ذلك من تقريركم أن ~~مخالفة الراوي لا توجب رد حديثه وأن الاعتبار بما رواه لا بما رآه، وتكثركم ~~من الأمثلة التي أخذ الناس فيها بالرواية دون مخالفة راويها لها، كما أخذوا ~~برواية ابن عباس المتضمنة لبقاء النكاح مع بيع الزوجة، وتركوا رأيه بأن بيع ~~الأمة طلاقها وغير ذلك. # وأما ردكم لحديث ابن عمر رضي الله عنه: ( «طلاق الأمة طلقتان وقرؤها ~~حيضتان» ) بعطية العوفي، فهو وإن ضعفه أكثر أهل الحديث، فقد احتمل الناس ~~حديثه وخرجوه في السنن، وقال يحيى بن معين في رواية عباس الدوري عنه صالح ~~الحديث، وقال أبو أحمد بن عدي رحمه الله: روى عنه جماعة من # PageV05P575 # الثقات، وهو مع ضعفه يكتب حديثه فيعتضد به وإن لم يعتمد عليه وحده. # وأما ردكم الحديث بأن ابن عمر مذهبه: أن القروء الأطهار، فلا ريب أن هذا ~~يورث شبهة في الحديث، ولكن ليس هذا بأول حديث خالفه راويه، فكان الاعتبار ~~بما رواه لا بما ذهب إليه:، وهذا هو الجواب عن ردكم لحديث عائشة رضي الله ~~عنها بمذهبها، ولا يعترض على الأحاديث بمخالفة الرواة لها. # وأما ردكم لحديث المختلعة وأمرها أن تعتد بحيضة، فإنا لا نقول به، فللناس ~~في هذه المسألة قولان وهما روايتان عن أحمد أحدهما: أن عدتها ثلاث حيض كقول ~~الشافعي ومالك، وأبي حنيفة. # والثاني: أن عدتها حيضة، وهو قول أمير المؤمنين عثمان بن عفان وعبد الله ~~بن عمر وعبد الله بن عباس، وهو مذهب أبان بن عثمان، وبه يقول إسحاق بن ~~راهويه، وابن المنذر، وهذا هو الصحيح في الدليل، والأحاديث الواردة فيه لا ~~معارض لها، والقياس يقتضيه حكما، وسنبين هذه المسألة عند ذكر حكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في عدة المختلعة. # قالوا: ومخالفتنا لحديث اعتداد المختلعة بحيضة في بعض ما اقتضاه من جواز ~~الاعتداد بحيضة لا يكون عذرا لكم في مخالفة ما اقتضاه ms1735 من أن القروء الحيض، ~~فنحن وإن خالفناه في حكم، فقد وافقناه في الحكم الآخر، وهو أن القرء الحيض، ~~وأنتم خالفتموه في الأمرين جميعا هذا مع أن من يقول: الأقراء الحيض ويقول: ~~المختلعة تعتد بحيضة قد سلم من هذه المطالبة، فماذا تردون به قوله؟ # وأما قولكم: في الفرق بين الاستبراء والعدة: إن العدة وجبت قضاء لحق ~~الزوج، فاختصت بزمان حقه، كلام لا تحقيق وراءه، فإن حقه في جنس الاستمتاع ~~في زمن الحيض والطهر، وليس حقه مختصا بزمن الطهر، ولا العدة مختصة بزمن ~~الطهر دون الحيض، وكلا الوقتين محسوب من العدة، وعدم تكرر # PageV05P576 # الاستبراء لا يمنع أن يكون طهرا محتوشا بدمين كقرء المطلقة، فتبين أن ~~الفرق غير طائل. # قولكم: إن انضمام قرأين إلى الطهر الذي جامع فيه يجعله علما، جوابه: أن ~~هذا يفضي إلى أن تكون العدة قرأين حسب، فإن ذلك الذي جامع فيه لا دلالة له ~~على البراءة البتة، وإنما الدال القرآن بعده، وهذا خلاف موجب النص، وهذا لا ~~يلزم من جعل الأقراء الحيض، فإن الحيضة وحدها علم، ولهذا اكتفي بها في ~~استبراء الإماء. # قولكم: إن القرء هو الجمع، والحيض يجتمع في زمان الطهر، فقد تقدم جوابه، ~~وأن ذلك في المعتل لا في المهموز. # قولكم: دخول التاء في ثلاثة يدل على أن واحدها مذكر، وهو الطهر، جوابه: ~~أن واحد القروء قرء، وهو مذكر، فأتى بالتاء مراعاة للفظه وإن كان مسماه ~~حيضة، وهذا كما يقال جاءني ثلاثة أنفس وهن نساء باعتبار اللفظ. والله أعلم. ### | [فصل قول من سوى بين عدة الحرة والأمة] # فصل # وقد احتج بعموم آيات العدد الثلاث من يرى أن عدة الحرة والأمة سواء، قال ~~أبو محمد بن حزم: وعدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة كعدة الحرة سواء ~~بسواء، ولا فرق؛ لأن الله تعالى علمنا العدد في الكتاب فقال {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] [البقرة 288] ، وقال {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ~~[البقرة 234] ، وقال الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم ms1736 فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 4] [الطلاق 4] وقد علم الله تعالى إذ أباح لنا زواج ~~الإماء، أنه يكون # PageV05P577 # عليهن العدد المذكورات. وما فرق عز وجل بين حرة ولا أمة في ذلك وما كان ~~ربك نسيا. # وثبت عمن سلف مثل قولنا: قال محمد بن سيرين رحمه الله: ما أرى عدة الأمة ~~إلا كعدة الحرة إلا أن يكون مضت في ذلك سنة، فالسنة أحق أن تتبع. قال: وقد ~~ذكر أحمد بن حنبل أن قول مكحول: إن عدة الأمة في كل شيء كعدة الحرة، وهو ~~قول أبي سليمان وجميع أصحابنا هذا كلامه. # وقد خالفهم في ذلك جمهور الأمة فقالوا: عدتها نصف عدة الحرة هذا قول ~~فقهاء المدينة سعيد بن المسيب، والقاسم وسالم، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن ~~عتبة، والزهري، ومالك، وفقهاء أهل مكة كعطاء بن أبي رباح، ومسلم بن خالد، ~~وغيرهما، وفقهاء البصرة كقتادة، وفقهاء الكوفة كالثوري، وأبي حنيفة وأصحابه ~~رحمهم الله، وفقهاء الحديث كأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور رحمهم الله ~~وغيرهم. # وسلفهم في ذلك الخليفتان الراشدان عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهما صح ذلك عنهما، وهو قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما رواه ~~مالك، عن نافع عنه (عدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض) ، وهو قول زيد ~~بن ثابت كما رواه الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت (عدة الأمة ~~حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض) . وروى حماد بن زيد، عن عمرو بن أوس الثقفي، ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لو استطعت أن أجعل عدة الأمة حيضة ~~ونصفا لفعلت فقال له: رجل يا أمير المؤمنين فاجعلها شهرا ونصفا) . # وقال عبد الرزاق حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد ~~الله يقول: جعل لها عمر رضي الله عنه حيضتين يعني: الأمة المطلقة. # وروى عبد الرزاق أيضا: عن ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن # PageV05P578 # سليمان بن يسار، عن عبد الله ms1737 بن عتبة بن مسعود، «عن عمر رضي الله عنه ~~(ينكح العبد اثنتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين فإن لم تحض فشهرين، ~~أو قال فشهرا ونصفا» ) . # وذكر عبد الرزاق أيضا:، عن معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي، عن ابن ~~مسعود قال (يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة) . # وقال ابن وهب: أخبرني رجال من أهل العلم أن نافعا، وابن قسيط، ويحيى بن ~~سعيد، وربيعة وغير واحد من أصحاب رسول الله والتابعين قالوا: عدة الأمة ~~حيضتان. قالوا: ولم يزل هذا عمل المسلمين. # قال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنهم قال: عدة الأمة حيضتان. # قال القاسم: مع أن هذا ليس في كتاب الله عز وجل، ولا نعلمه سنة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قد مضى أمر الناس على هذا، وقد تقدم هذا ~~الحديث بعينه، وقول القاسم وسالم فيه لرسول الأمير: قل له إن هذا ليس في ~~كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عمل به المسلمون. ~~قالوا: ولو لم يكن في المسألة إلا قول عمر: وابن مسعود: وزيد بن ثابت: وعبد ~~الله بن عمر لكفى به. # وفي قول ابن مسعود رضي الله عنه تجعلون عليها نصف العذاب، ولا تجعلون لها ~~نصف الرخصة، دليل على اعتبار الصحابة للأقيسة والمعاني، وإلحاق النظير ~~بالنظير. # ولما كان هذا الأثر مخالفا لقول الظاهرية في الأصل والفرع، طعن ابن حزم # PageV05P579 # فيه، وقال لا يصح عن ابن مسعود، قال: وهذا بعيد على رجل من عرض الناس ~~فكيف عن مثل ابن مسعود؟ وإنما جرأه على الطعن فيه أنه من رواية إبراهيم ~~النخعي عنه، رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، وإبراهيم ~~لم يسمع من عبد الله، ولكن الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد الله كعلقمة ~~ونحوه. # وقد قال إبراهيم: إذا قلت قال عبد الله فقد حدثني به غير واحد عنه وإذا ~~قلت: قال فلان عنه فهو عمن سميت، أو كما ms1738 قال. # ومن المعلوم أن بين إبراهيم وعبد الله أئمة ثقات لم يسم قط متهما، ولا ~~مجروحا، ولا مجهولا، فشيوخه الذين أخذ عنهم، عن عبد الله أئمة أجلاء نبلاء ~~وكانوا كما قيل: سرج الكوفة، وكل من له ذوق في الحديث إذا قال إبراهيم: قال ~~عبد الله لم يتوقف في ثبوته عنه، وإن كان غيره ممن في طبقته لو قال: قال ~~عبد الله، لا يحصل لنا الثبت بقوله، فإبراهيم عن عبد الله نظير ابن المسيب ~~عن عمر ونظير مالك عن ابن عمر، فإن الوسائط بين هؤلاء وبين الصحابة رضي ~~الله عنهم إذا سموهم وجدوا من أجل الناس وأوثقهم وأصدقهم، ولا يسمون سواهم ~~البتة، ودع ابن مسعود في هذه المسألة، فكيف يخالف عمر وزيدا وابن عمر وهم ~~أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ويخالف عمل المسلمين لا إلى قول صاحب البتة، ~~ولا إلى حديث صحيح، ولا حسن، بل إلى عموم أمره ظاهر عند جميع الأمة، ليس هو ~~مما تخفى دلالته ولا موضعه حتى يظفر به الواحد والاثنان دون سائر الناس، ~~هذا من أبين المحال. # ولو ذهبنا نذكر الآثار عن التابعين بتنصيف عدة الأمة لطالت جدا، ثم إذا ~~تأملت سياق الآيات التي فيها ذكر العدد وجدتها لا تتناول الإماء وإنما ~~تتناول الحرائر، فإنه سبحانه قال {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ~~[البقرة: 228] [البقرة 228] إلى أن قال {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] # PageV05P580 # [البقرة 229] # وهذا في حق الحرائر دون الإماء، فإن افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها.، ~~ثم قال {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا ~~جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230] [البقرة 230] فجعل ذلك إليهما، ~~والتراجع المذكور في حق ms1739 الأمة، وهو العقد إنما هو إلى سيدها لا إليها، ~~بخلاف الحرة فإنه إليها بإذن وليها، وكذلك قوله سبحانه في عدة الوفاة ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] ~~[البقرة 234] ، وهذا إنما هو في حق الحرة، وأما الأمة فلا فعل لها في نفسها ~~البتة، فهذا في العدة الأصلية. وأما عدة الأشهر ففرع وبدل. وأما عدة وضع ~~الحمل فيستويان فيها كما ذهب إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتابعون وعمل به المسلمون، وهو محض الفقه وموافق لكتاب الله في تنصيف ~~الحد عليها، ولا يعرف في الصحابة مخالف في ذلك، وفهم أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الله أولى من فهم من شذ عنهم من المتأخرين وبالله ~~التوفيق. # ولا تعرف التسوية بين الحرة والأمة في العدة، عن أحد من السلف إلا عن ~~محمد بن سيرين ومكحول. فأما ابن سيرين فلم يجزم بذلك وأخبر به عن رأيه، ~~وعلق القول به على عدم سنة تتبع. وأما قول مكحول فلم يذكر له سندا وإنما ~~حكاه عنه أحمد رحمه الله، وهو لا يقبل عند أهل الظاهر ولا يصح، فلم يبق ~~معكم أحد من السلف إلا رأي ابن سيرين وحده المعلق على عدم سنة متبعة، ولا ~~ريب أن سنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك متبعة ولم يخالفه في ذلك أحد ~~من الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم. # فإن قيل: كيف تدعون إجماع الصحابة وجماهير الأمة وقد صح عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أن عدة الأمة التي لم تبلغ ثلاثة أشهر، وصح ذلك عن عمر بن عبد ~~العزيز، ومجاهد، والحسن، وربيعة، والليث بن سعد # PageV05P581 # والزهري، وبكر بن الأشج، ومالك، وأصحابه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات ~~عنه. # ومعلوم أن الأشهر في حق الآيسة والصغيرة بدل عن الأقراء الثلاث فدل على ~~أن بدلها في حقها ثلاثة. # فالجواب أن القائلين بهذا هم بأنفسهم القائلون إن عدتها حيضتان ms1740 وقد أفتوا ~~بهذا، وهذا ولهم في الاعتداد بالأشهر ثلاثة أقوال وهي للشافعي وهي ثلاث ~~روايات عن أحمد. فأكثر الروايات عنه أنها شهران رواه عنه جماعة من أصحابه، ~~وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكرها الأثرم وغيره عنه. # وحجة هذا القول أن عدتها بالأقراء حيضتان فجعل كل شهر مكان حيضة. # والقول الثاني: إن عدتها شهر ونصف نقلها عنه الأثرم والميموني، وهذا قول ~~علي بن أبي طالب وابن عمر وابن المسيب وأبي حنيفة، والشافعي في أحد أقواله. ~~وحجته أن التنصيف في الأشهر ممكن فتنصفت بخلاف القروء. ونظير هذا: أن ~~المحرم إذا وجب عليه في جزاء الصيد نصف مد أخرجه فإن أراد الصيام مكانه لم ~~يجزه إلا صوم يوم كامل. # والقول الثالث: أن عدتها ثلاثة أشهر كوامل، وهو إحدى الروايتين عن عمر ~~رضي الله عنه وقول ثالث للشافعي، وهو فيمن ذكرتموه. # والفرق عند هؤلاء بين اعتدادها بالأقراء وبين اعتدادها بالشهور، أن ~~الاعتبار بالشهور للعلم ببراءة رحمها، وهو لا يحصل بدون ثلاثة أشهر في حق ~~الحرة والأمة جميعا؛ لأن الحمل يكون نطفة أربعين يوما، ثم علقة أربعين، ثم ~~مضغة أربعين، وهو الطور الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهو بالنسبة ~~إلى الحرة والأمة سواء بخلاف الأقراء، فإن الحيضة الواحدة علم ظاهر على # PageV05P582 # الاستبراء، ولهذا اكتفي بها في حق المملوكة، فإذا زوجت فقد أخذت شبها من ~~الحرائر وصارت أشرف من ملك اليمين، فجعلت عدتها بين العدتين. # قال الشيخ في " المغني ": ومن رد هذا القول قال: هو مخالف لإجماع الصحابة ~~لأنهم اختلفوا على القولين الأولين، ومتى اختلفوا على قولين لم يجز إحداث ~~قول ثالث؛ لأنه يفضي إلى تخطئتهم وخروج الحق عن قول جميعهم. # قلت: وليس في هذا إحداث قول ثالث بل هو إحدى الروايتين عن عمر، ذكرها ابن ~~وهب وغيره، وقال به من التابعين من ذكرناهم وغيرهم. ### | [فصل عدة الآيسة والتي لم تحض] # فصل # وأما عدة الآيسة والتي لم تحض، فقد بينها سبحانه في كتابه فقال {واللائي ~~يئسن من المحيض من ms1741 نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} ~~[الطلاق: 4] [الطلاق 4] وقد اضطرب الناس في حد الإياس اضطرابا شديدا فمنهم ~~من حده بخمسين سنة، وقال لا تحيض المرأة بعد الخمسين، وهذا قول إسحاق ~~ورواية عن أحمد رحمه الله، واحتج أرباب هذا القول بقول عائشة رضي الله ~~عنها: (إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض) # وحده طائفة بستين سنة وقالوا: لا تحيض بعد الستين وهذه رواية ثانية عن ~~أحمد. # وعنه رواية ثالثة الفرق بين نساء العرب وغيرهم فحده ستون في نساء العرب ~~وخمسون في نساء العجم. # وعنه رواية رابعة أن ما بين الخمسين والستين دم مشكوك فيه تصوم وتصلي ~~وتقضي الصوم المفروض وهذه اختيار الخرقي. # وعنه رواية خامسة أن الدم إن عاود بعد الخمسين وتكرر فهو حيض وإلا فلا. # وأما الشافعي رحمه الله فلا نص له في تقدير الإياس بمدة، وله قولان بعد. ~~أحدهما: أنه يعرف بيأس أقاربها. والثاني: أنه يعتبر بيأس جميع النساء، فعلى ~~القول الأول هل المعتبر جميع أقاربها، أو نساء عصباتها، أو نساء بلدها ~~خاصة؟ فيه ثلاثة أوجه، ثم إذا قيل: يعتبر بالأقارب فاختلفت عادتهن فهل ~~يعتبر بأقل عادة منهن، أو بأكثرهن عادة، أو بأقصر امرأة في العالم عادة؟ ~~على # PageV05P583 # ثلاثة أوجه # والقول الثاني للشافعي رحمه الله أن المعتبر جميع النساء.، ثم اختلف ~~أصحابه هل لذلك حد أم لا؟ على وجهين # أحدهما: ليس له حد، وهو ظاهر نصه. # والثاني: له حد، ثم اختلفوا فيه على وجهين # أحدهما: أنه ستون سنة قاله أبو العباس بن القاص، والشيخ أبو حامد. # والثاني: اثنان وستون سنة قاله الشيخ أبو إسحاق في "" المهذب ""، وابن ~~الصباغ في "" الشامل "". # وأما أصحاب مالك رحمه الله فلم يحدوا سن الإياس بحد البتة. # وقال آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: اليأس يختلف باختلاف النساء وليس ~~له حد يتفق فيه النساء. والمراد بالآية أن يأس كل امرأة من نفسها؛ لأن ~~اليأس ضد الرجاء، فإذا كانت المرأة قد يئست من الحيض ولم ترجه فهي آيسة وإن ~~كان لها أربعون ms1742 أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون. # وقد ذكر الزبير بن بكار: أن بعضهم قال: لا تلد لخمسين سنة إلا عربية، ولا ~~تلد لستين سنة إلا قرشية.، وقال: إن هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ~~ربيعة ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهم ولها ستون سنة. # وقد صح (، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة طلقت فحاضت حيضة، أو ~~حيضتين، ثم يرتفع حيضها لا تدري ما رفعه، أنها تتربص تسعة أشهر فإن استبان ~~بها حمل وإلا اعتدت ثلاثة أشهر) وقد وافقه الأكثرون على هذا منهم مالك، ~~وأحمد، والشافعي في القديم. قالوا: تتربص غالب مدة الحمل، ثم تعتد عدة ~~الآيسة، ثم تحل للأزواج ولو كانت بنت ثلاثين سنة، أو أربعين، وهذا يقتضي أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن وافقه من السلف والخلف تكون المرأة آيسة ~~عندهم قبل الخمسين وقبل الأربعين، وأن اليأس عندهم ليس وقتا محدودا للنساء، ~~بل مثل هذه تكون آيسة وإن كانت بنت ثلاثين، وغيرها لا تكون آيسة وإن بلغت ~~خمسين. وإذا كانوا فيمن ارتفع حيضها، ولا تدري ما رفعه جعلوها آيسة بعد ~~تسعة أشهر فالتي تدري ما رفعه إما بدواء يعلم أنه لا # PageV05P584 # يعود معه، وإما بعادة مستقرة لها من أهلها وأقاربها أولى أن تكون آيسة. ~~وإن لم تبلغ الخمسين، وهذا بخلاف ما إذا ارتفع لمرض، أو رضاع، أو حمل، فإن ~~هذه ليست آيسة، فإن ذلك يزول. # فالمراتب ثلاثة. أحدها: أن ترتفع ليأس معلوم متيقن، بأن تنقطع عاما بعد ~~عام ويتكرر انقطاعه أعواما متتابعة، ثم يطلق بعد ذلك، فهذه تتربص ثلاثة ~~أشهر بنص القرآن سواء كانت بنت أربعين، أو أقل، أو أكثر، وهي أولى بالتربص ~~بثلاثة أشهر من التي حكم فيها الصحابة والجمهور بتربصها تسعة أشهر، ثم ~~ثلاثة، فإن تلك كانت تحيض وطلقت وهي حائض، ثم ارتفع حيضها بعد طلاقها لا ~~تدري ما رفعه، فإذا حكم فيها بحكم الآيسات ms1743 بعد انقضاء غالب مدة الحمل فكيف ~~بهذه؟ ، ولهذا قال القاضي إسماعيل في " أحكام القرآن ": إذا كان الله ~~سبحانه قد ذكر اليأس مع الريبة فقال تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] [الطلاق 4] ، ثم جاء، عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفظ موافق لظاهر القرآن لأنه قال (أيما امرأة ~~طلقت فحاضت حيضة، أو حيضتين، ثم ارتفعت حيضتها لا تدري ما رفعها فإنها ~~تنتظر تسعة أشهر، ثم تعتد ثلاثة أشهر) . # فلما كانت لا تدري ما الذي رفع الحيضة كان موضع الارتياب فحكم فيها بهذا ~~الحكم، وكان اتباع ذلك ألزم وأولى من قول من يقول إن الرجل يطلق امرأته ~~تطليقة أو تطليقتين فيرتفع حيضها وهي شابة أنها تبقى ثلاثين سنة معتدة وإن ~~جاءت بولد لأكثر من سنتين لم يلزمه، فخالف ما كان من إجماع المسلمين الذي ~~مضوا لأنهم كانوا مجمعين على أن الولد يلحق بالأب ما دامت المرأة في عدتها، ~~فكيف يجوز أن يقول قائل إن الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ويكون ~~بينها وبين زوجها أحكام الزوجات ما دامت في عدتها من الموارثة وغيرها؟ فإن ~~جاءت بولد لم يلحقه، وظاهر عدة الطلاق أنها جعلت من الدخول الذي يكون منه ~~الولد فكيف تكون المرأة معتدة والولد لا يلزم؟ # قلت: هذا إلزام منه لأبي حنيفة، فإن عنده أقصر مدة الحمل سنتان # PageV05P585 # والمرتابة في أثناء عدتها لا تزال في عدة حتى تبلغ سن الإياس فتعتد به، ~~وهو يلزم الشافعي في قوله الجديد سواء، إلا أن مدة الحمل عنده أربع سنين. ~~فإذا جاءت به بعدها لم يلحقه وهي في عدتها منه. # قال القاضي إسماعيل: واليأس يكون بعضه أكثر من بعض وكذلك القنوط وكذلك ~~الرجاء وكذلك الظن، ومثل هذا يتسع الكلام فيه، فإذا قيل منه شيء أنزل على ~~قدر ما يظهر من المعنى فيه، فمن ذلك أن الإنسان يقول قد يئست من مريضي إذا ~~كان الأغلب عنده أنه لا يبرأ، ويئست من غائبي إذا كان الأغلب عنده أنه لا ~~يقدم، ms1744 ولو قال إذا مات غائبه أو مات مريضه قد يئست منه لكان الكلام عند ~~الناس على غير وجهه إلا أن يتبين معنى ما قصد له في كلامه، مثل أن يقول كنت ~~وجلا في مرضه مخافة أن يموت فلما مات وقع اليأس فينصرف الكلام على هذا وما ~~أشبهه. # إلا أن أكثر ما يلفظ باليأس إنما يكون فيما هو الأغلب عند اليأس أنه لا ~~يكون، وليس واحد من اليائس والطامع يعلم يقينا أن ذلك الشيء يكون، أو لا ~~يكون، وقال الله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس ~~عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] [النور 60] ~~والرجاء ضد اليأس، والقاعدة من النساء قد يمكن أن تزوج، غير أن الأغلب عند ~~الناس فيها أن الأزواج لا يرغبون فيها.، وقال الله تعالى: {وهو الذي ينزل ~~الغيث من بعد ما قنطوا} [الشورى: 28] [الشورى: 28] والقنوط شبه اليأس، وليس ~~يعلمون يقينا أن المطر لا يكون، ولكن اليأس دخلهم حين تطاول إبطاؤه.، وقال ~~الله تعالى: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} ~~[يوسف: 110] [يوسف 110] فلما ذكر أن الرسل هم الذين استيأسوا كان فيه دليل ~~على أنهم دخل قلوبهم يأس من غير يقين استيقنوه؛ لأن اليقين في ذلك إنما ~~يأتيهم من عند الله كما قال في قصة نوح {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك ~~إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} [هود: 36] [هود: 36] ، وقال ~~الله تعالى في قصة إخوة يوسف {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} [يوسف: 80] ~~[يوسف 80] فدل الظاهر على أن يأسهم ليس بيقين، وقد حدثنا ابن أبي أويس ~~حدثنا مالك، # PageV05P586 # عن هشام بن عروة، عن أبيه أن (عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول في ~~خطبته: تعلمن أيها الناس أن الطمع فقر وأن اليأس غنى وأن المرء إذا يئس من ~~شيء استغنى عنه) فجعل عمر اليأس بإزاء الطمع، وسمعت أحمد بن المعدل ينشد ~~شعرا لرجل من القدماء يصف ناقة # صفراء من تلد بني العباس ... صيرتها كالظبي ms1745 في الكناس # تدر أن تسمع بالإبساس ... فالنفس بين طمع وياس # فجعل الطمع بإزاء اليأس. # وحدثنا سليمان بن حرب حدثنا جرير بن حازم، عن الأعمش، عن سلام بن شرحبيل ~~قال «سمع (حبة بن خالد وسواء بن خالد أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالا: علمنا شيئا، ثم قال " لا تيأسا من الخير ما تهزهزت رءوسكما، فإن كل ~~عبد يولد أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله ويعطيه) # » وحدثنا علي بن عبد الله حدثنا ابن عيينة قال قال هشام بن عبد الملك ~~لأبي حازم يا أبا حازم ما مالك. قال خير مال ثقتي بالله ويأسي مما في أيدي ~~الناس. قال: وهذا أكثر من أن يحصى انتهى. # قال شيخنا: وليس للنساء في ذلك عادة مستمرة بل فيهن من لا تحيض وإن بلغت ~~وفيهن من تحيض حيضا يسيرا يتباعد ما بين أقرائها حتى تحيض في السنة مرة، ~~ولهذا اتفق العلماء على أن أكثر الطهر بين الحيضتين لا حد له، وغالب النساء ~~يحضن كل شهر مرة ويحضن ربع الشهر ويكون طهرهن ثلاثة أرباعه. ومنهن من تطهر ~~الشهور المتعددة لقلة رطوبتها ومنهن من يسرع إليها الجفاف # PageV05P587 # فينقطع حيضها وتيأس منه وإن كان لها دون الخمسين بل والأربعين. ومنهن من ~~لا يسرع إليها الجفاف فتجاوز الخمسين وهي تحيض. قال وليس في الكتاب ولا ~~السنة تحديد اليأس بوقت، ولو كان المراد بالآيسة من المحيض من لها خمسون ~~سنة، أو ستون سنة، أو غير ذلك لقيل: واللائي يبلغن من السن كذا وكذا ولم ~~يقل يئسن. # وأيضا، فقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم جعلوا من ارتفع حيضها قبل ~~ذلك يائسة كما تقدم. والوجود مختلف في وقت يأسهن غير متفق، وأيضا فإنه ~~سبحانه قال {واللائي يئسن} [الطلاق: 4] ولو كان له وقت محدود لكانت المرأة ~~وغيرها سواء في معرفة يأسهن، وهو سبحانه قد خص النساء بأنهن اللائي يئسن ~~كما خصهن بقوله {واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] فالتي تحيض هي التي تيأس، ~~وهذا بخلاف الارتياب فإنه سبحانه قال إن ارتبتم ولم ms1746 يقل إن ارتبن، أي إن ~~ارتبتم في حكمهن وشككتم فيه فهو هذا لا، هذا الذي عليه جماعة أهل التفسير، ~~كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث جرير وموسى بن أعين واللفظ له، عن ~~مطرف بن طريف، عن عمرو بن سالم، عن أبي بن كعب قال: ( «قلت: يا رسول الله ~~إن ناسا بالمدينة يقولون في عدد النساء ما لم يذكر الله في القرآن الصغار ~~والكبار وأولات الأحمال فأنزل الله سبحانه في هذه السورة {واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] » ) [الطلاق 4] # فأجل إحداهن أن تضع حملها، فإذا وضعت فقد قضت عدتها. ولفظ جرير: «قلت يا ~~رسول الله إن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية التي في البقرة في ~~عدة النساء قالوا: لقد بقي من عدد النساء عدد لم يذكرن في القرآن الصغار ~~والكبار التي قد انقطع عنها الحيض وذوات الحمل، قال: فأنزلت التي في النساء ~~القصرى {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم} [الطلاق: 4] » # PageV05P588 # [الطلاق 4] ثم روي (عن سعيد بن جبير في قوله: {واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم} [الطلاق: 4] يعني الآيسة العجوز التي لا تحيض، أو المرأة التي قعدت ~~عن الحيضة فليست هذه من القروء في شيء) . # وفي قوله: {إن ارتبتم} [الطلاق: 4] في الآية يعني إن شككتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر، وعن مجاهد: إن ارتبتم لم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيض، أو التي لم ~~تحض {فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] . فقوله تعالى: {إن ارتبتم} [الطلاق: ~~4] يعني: إن سألتم عن حكمهن ولم تعلموا حكمهن وشككتم فيه، فقد بيناه لكم ~~فهو بيان لنعمته على من طلب عليه ذلك ليزول ما عنده من الشك والريب بخلاف ~~المعرض عن طلب العلم. وأيضا، فإن النساء لا يستوين في ابتداء الحيض، بل ~~منهن من تحيض لعشر، أو اثنتي عشرة، أو خمس عشرة، أو أكثر من ذلك، فكذلك لا ~~يستوين في آخر سن الحيض الذي هو سن اليأس، والوجود ms1747 شاهد بذلك. وأيضا فإنهم ~~تنازعوا فيمن بلغت ولم تحض هل تعتد بثلاثة أشهر أو بالحول كالتي ارتفع ~~حيضها لا تدري ما رفعه؟ وفيه روايتان عن أحمد. # قلت: والجمهور على أنها تعتد بثلاثة أشهر ولم يجعلوا للصغر الموجب ~~للاعتداد بها حدا، فكذلك يجب أن لا يكون للكبر الموجب للاعتداد بالشهور حد، ~~وهو ظاهر ولله الحمد. ### | [فصل عدة الوفاة] # فصل # وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها، أو لم يدخل اتفاقا كما دل ~~عليه عموم القرآن والسنة، واتفقوا على أنهما يتوارثان قبل الدخول، وعلى أن ~~الصداق يستقر إذا كان مسمى؛ لأن الموت لما كان انتهاء العقد استقرت به ~~الأحكام فتوارثا واستقر المهر ووجبت العدة. # واختلفوا في مسألتين إحداهما: وجوب مهر المثل إذا لم يكن مسمى فأوجبه ~~أحمد وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه ولم يوجبه مالك، والشافعي # PageV05P589 # في القول الآخر وقضى بوجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في ~~السنة الصحيحة الصريحة من حديث بروع بنت واشق وقد تقدم. ولو لم ترد به ~~السنة لكان هو محض القياس؛ لأن الموت أجري مجرى الدخول في تقرير المسمى ~~ووجوب العدة. # والمسألة الثانية هل يثبت تحريم الربيبة بموت الأم كما يثبت بالدخول بها؟ ~~وفيه قولان للصحابة وهما روايتان عن أحمد. # والمقصود أن العدة فيه ليست للعلم ببراءة الرحم، فإنها تجب قبل الدخول ~~بخلاف عدة الطلاق. # وقد اضطرب الناس في حكمة عدة الوفاة وغيرها فقيل: هي لبراءة الرحم وأورد ~~على هذا القول وجوه كثيرة. # منها: وجوبها قبل الدخول في الوفاة ومنها: أنها ثلاثة قروء وبراءة الرحم ~~يكفي فيها حيضة كما في المستبرأة ومنها: وجوب ثلاثة أشهر في حق من يقطع ~~ببراءة رحمها لصغرها، أو كبرها. # ومن الناس من يقول هو تعبد لا يعقل معناه، وهذا فاسد لوجهين. # أحدهما: أنه ليس في الشريعة حكم إلا وله حكمة وإن لم يعقلها كثير من ~~الناس، أو أكثرهم. # الثاني: أن العدد ليست من العبادات المحضة بل فيها من المصالح رعاية حق ~~الزوجين والولد والناكح. # قال شيخنا: والصواب ms1748 أن يقال أما عدة الوفاة فهي حرم لانقضاء النكاح ~~ورعاية لحق الزوج، ولهذا تحد المتوفى عنها في عدة الوفاة رعاية لحق الزوج ~~فجعلت العدة حريما لحق هذا العقد الذي له خطر وشأن فيحصل بهذه فصل بين نكاح ~~الأول ونكاح الثاني، ولا يتصل الناكحان، ألا ترى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما # PageV05P590 # عظم حقه حرم نساؤه بعده وبهذا اختص الرسول؛ لأن أزواجه في الدنيا هن ~~أزواجه في الآخرة بخلاف غيره، فإنه لو حرم على المرأة أن تتزوج بغير زوجها ~~تضررت المتوفى عنها، وربما كان الثاني خيرا لها من الأول، ولكن لو تأيمت ~~على أولاد الأول لكانت محمودة على ذلك مستحبا لها # وفي الحديث: «أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وأومأ بالوسطى ~~والسبابة، امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال وحبست نفسها على يتامى لها ~~حتى بانوا، أو ماتوا» . # وإذا كان المقتضي لتحريمها قائما فلا أقل من مدة تتربصها، وقد كانت في ~~الجاهلية تتربص سنة فخففها الله سبحانه بأربعة أشهر وعشر، وقيل لسعيد بن ~~المسيب: ما بال العشر؟ قال فيها ينفخ الروح فيحصل بهذه المدة براءة الرحم ~~حيث يحتاج إليه، وقضاء حق الزوج إذا لم يحتج إلى ذلك. ### | [فصل حكمة عدة الطلاق] # فصل # وأما عدة الطلاق فهي التي أشكلت، فإنه لا يمكن تعليلها بذلك لأنها إنما ~~تجب بعد المسيس، ولأن الطلاق قطع للنكاح، ولهذا يتنصف فيه المسمى ويسقط فيه ~~مهر المثل. # فيقال والله الموفق للصواب - عدة الطلاق وجبت ليتمكن الزوج فيها من ~~الرجعة، ففيها حق للزوج وحق لله وحق للولد وحق للناكح الثاني. فحق الزوج ~~ليتمكن من الرجعة في العدة، وحق الله لوجوب ملازمتها المنزل كما نص عليه ~~سبحانه، وهو منصوص أحمد ومذهب أبي حنيفة. وحق الولد لئلا يضيع نسبه، ولا ~~يدرى لأي الواطئين. وحق المرأة لما لها من النفقة زمن العدة لكونها زوجة ~~ترث وتورث، ويدل على أن العدة حق للزوج قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن} ms1749 [الأحزاب: ~~49] # PageV05P591 # {من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] [الأحزاب 49] فقوله: فما لكم عليهن من ~~عدة دليل على أن العدة للرجل على المرأة، وأيضا فإنه سبحانه قال: {وبعولتهن ~~أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] [البقرة 228] # فجعل الزوج أحق بردها في العدة، وهذا حق له. فإذا كانت العدة ثلاثة قروء، ~~أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربص لينظر في أمره هل يمسكها، أو يسرحها، كما ~~جعل سبحانه للمؤلي تربص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يمسك ويفيء، أو يطلق، ~~وكان تخيير المطلق كتخيير المؤلي، لكن المؤلي جعل له أربعة أشهر كما جعل ~~مدة التسيير أربعة أشهر لينظروا في أمرهم. # ومما يبين ذلك أنه سبحانه قال {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} [البقرة: 232] ~~[البقرة 231] وبلوغ الأجل هو الوصول والانتهاء إليه، وبلوغ الأجل في هذه ~~الآية مجاوزته، وفي قوله {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2] ~~مقاربته ومشارفته، ثم فيه قولان أحدهما: أنه حد من الزمان، وهو الطعن في ~~الحيضة الثالثة، أو انقطاع الدم منها، أو من الرابعة، وعلى هذا فلا يكون ~~مقدورا لها، وقيل: بل هو فعلها، وهو الاغتسال كما قاله جمهور الصحابة، وهذا ~~كما أنه بالاغتسال يحل للزوج وطؤها ويحل لها أن تمكنه من نفسها، فالاغتسال ~~عندهم شرط في النكاح الذي هو العقد، وفي النكاح الذي هو الوطء. # وللناس في ذلك أربعة أقوال # أحدهما: أنه ليس شرطا لا في هذا، ولا في هذا كما يقوله من يقول من أهل ~~الظاهر. # والثاني: أنه شرط فيهما كما قاله أحمد وجمهور الصحابة كما تقدم حكايته ~~عنهم. # والثالث: أنه شرط في نكاح الوطء لا في نكاح العقد كما قاله مالك، ~~والشافعي. # والرابع: أنه شرط فيهما، أو ما يقوم مقامه، وهو الحكم بالطهر بمضي وقت ~~صلاة وانقطاعه لأكثره كما يقوله أبو حنيفة، فإذا ارتجعها قبل غسلها كان ~~غسلها لأجل وطئه لها، وإلا كان لأجل حلها لغيره وبالاغتسال # PageV05P592 # يتحقق كمال الحيض وتمامه كما قال الله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن ~~فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ms1750 الله} [البقرة: 222] [البقرة 222] والله ~~سبحانه أمرها أن تتربص ثلاثة قروء، فإذا مضت الثلاثة فقد بلغت أجلها، وهو ~~سبحانه لم يقل إنها عقيب القرأين تبين من الزوج، خير الزوج عند بلوغ الأجل ~~بين الإمساك والتسريح، فظاهر القرآن كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم أنه ~~عند انقضاء القروء الثلاثة يخير الزوج بين الإمساك بالمعروف، أو التسريح ~~بالإحسان، وعلى هذا فيكون بلوغ الأجل في القرآن واحدا لا يكون قسمين، بل ~~يكون باستيفاء المدة واستكمالها. # وهذا كقوله تعالى إخبارا، عن أهل النار {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} ~~[الأنعام: 128] [الأنعام 128] وقوله {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن بالمعروف} [البقرة: 234] [البقرة 234] . وإنما حمل من قال ~~إن بلوغ الأجل هو مقارنته أنها بعد أن تحل للخطاب لا يبقى الزوج أحق ~~برجعتها وإنما يكون أحق بها ما لم تحل لغيره، فإذا حل لغيره أن يتزوج بها ~~صار هو خاطبا من الخطاب. ومنشأ هذا ظن أنها ببلوغ الأجل تحل لغيره، والقرآن ~~لم يدل على هذا، بل القرآن جعل عليها أن تتربص ثلاثة قروء وذكر أنها إذا ~~بلغت أجلها فإما أن تمسك بمعروف، وإما أن تسرح بإحسان. وقد ذكر سبحانه هذا ~~الإمساك، أو التسريح عقيب الطلاق فقال {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] [البقرة 229] ، ثم قال {وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} [البقرة: 232] [البقرة 232] ، ~~وهذا هو تزوجها بزوجها الأول المطلق الذي كان أحق بها، فالنهي عن عضلهن ~~مؤكد لحق الزوج وليس في القرآن أنها بعد بلوغ الأجل تحل للخطاب، بل فيه أنه ~~في هذه الحال إما أن يمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، فإن سرح بإحسان حلت حينئذ ~~للخطاب، وعلى هذا فدلالة القرآن بينة أنها إذا بلغت أجلها، وهو انقضاء ~~ثلاثة قروء بانقطاع الدم، فإما أن يمسكها قبل أن تغتسل فتغتسل عنده، وإما ~~أن يسرحها فتغتسل وتنكح من شاءت، وبهذا يعرف قدر فهم الصحابة رضي الله عنهم ~~وأن من بعدهم إنما يكون # PageV05P593 # غاية اجتهاده أن يفهم ما فهموه ويعرف ما قالوه. ms1751 # فإن قيل: فإذا كان له أن يرتجعها في جميع هذه المدة ما لم تغتسل، فلم قيد ~~التخيير ببلوغ الأجل؟ قيل: ليتبين أنها في مدة العدة كانت متربصة لأجل حق ~~الزوج، والتربص الانتظار، وكانت منتظرة هل يمسكها، أو يسرحها؟ ، وهذا ~~التخيير ثابت له من أول المدة إلى آخرها، كما خير المؤلي بين الفيئة وعدم ~~الطلاق، وهنا لما خيره عند بلوغ الأجل كان تخييره قبله أولى وأحرى، لكن ~~التسريح بإحسان إنما يمكن إذا بلغت الأجل، وقبل ذلك هي في العدة. # وقد قيل: إن تسريحها بإحسان مؤثر فيها حين تنقضي العدة، ولكن ظاهر القرآن ~~يدل على خلاف ذلك، فإنه سبحانه جعل التسريح بإحسان عند بلوغ الأجل، ومعلوم ~~أن هذا الترك ثابت من أول المدة، فالصواب أن التسريح إرسالها إلى أهلها بعد ~~بلوغ الأجل ورفع يده عنها، فإنه كان يملك حبسها مدة العدة، فإذا بلغت أجلها ~~فحينئذ إن أمسكها كان له حبسها وإن لم يمسكها كان عليه أن يسرحها بإحسان، ~~ويدل على هذا قوله تعالى في المطلقة قبل المسيس {فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] [الأحزاب 49] فأمر ~~بالسراح الجميل ولا عدة، فعلم أن تخلية سبيلها إرسالها كما يقال سرح الماء ~~والناقة إذا مكنها من الذهاب، وبهذا الإطلاق والسراح يكون قد تم تطليقها ~~وتخليتها، وقبل ذلك لم يكن الإطلاق تاما، وقبل ذلك كان له أن يمسكها وأن ~~يسرحها، وكان مع كونه مطلقا قد جعل أحق بها من غيره مدة التربص، وجعل ~~التربص ثلاثة قروء لأجله ويؤيد هذا أشياء. # أحدها: أن الشارع جعل عدة المختلعة حيضة كما ثبتت به السنة وأقر به عثمان ~~بن عفان، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وحكاه أبو جعفر النحاس في " ~~ناسخه ومنسوخه " إجماع الصحابة، وهو مذهب إسحاق وأحمد بن حنبل في أصح ~~الروايتين عنه دليلا كما سيأتي تقرير المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى. ~~فلما لم يكن على المختلعة رجعة لم يكن عليها عدة، بل # PageV05P594 # استبراء بحيضة لأنها لما افتدت منه وبانت ملكت ms1752 نفسها فلم يكن أحق ~~بإمساكها فلا معنى لتطويل العدة عليها، بل المقصود العلم ببراءة رحمها ~~فيكفي مجرد الاستبراء. # والثاني: أن المهاجرة من دار الحرب قد جاءت السنة بأنها إنما تستبرأ ~~بحيضة، ثم تزوج كما سيأتي. # الثالث أن الله سبحانه لم يشرع لها طلاقا بائنا بعد الدخول إلا الثالثة، ~~وكل طلاق في القرآن سواها فرجعي، وهو سبحانه إنما ذكر القروء الثلاثة في ~~هذا الطلاق الذي شرعه لهذه الحكمة. وأما المفتدية فليس افتداؤها طلاقا بل ~~خلعا غير محسوب من الثلاث والمشروع فيه حيضة. # فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بصورتين. # إحداهما: بمن استوفت عدد طلاقها فإنها تعتد ثلاثة قروء، ولا يتمكن زوجها ~~من رجعتها. # الثانية: بالمخيرة إذا عتقت تحت حر، أو عبد، فإن عدتها ثلاثة قروء بالسنة ~~كما في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها: ( «أمرت بريرة أن تعتد عدة ~~الحرة» ) وفي " سنن ابن ماجه ": ( «أمرت أن تعتد ثلاث حيض، ولا رجعة لزوجها ~~عليها» ) # فالجواب أن الطلاق المحرم للزوجة لا يجب فيه التربص لأجل رجعة # PageV05P595 # الزوج، بل جعل حريما للنكاح وعقوبة للزوج بتطويل مدة تحريمها عليه، فإنه ~~لو سوغ لها أن تتزوج بعد مجرد الاستبراء بحيضة لأمكن أن يتزوجها الثاني ~~ويطلقها بسرعة، إما على قصد التحليل أو بدونه، فكان تيسير عودها إلى ~~المطلق، والشارع حرمها عليه بعد الثالثة عقوبة له؛ لأن الطلاق الذي أبغض ~~الحلال إلى الله إنما أباح منه قدر الحاجة، وهو الثلاث، وحرم المرأة بعد ~~الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وكان من تمام الحكمة أنها لا تنكح حتى تتربص ~~ثلاثة قروء، وهذا لا ضرر عليها به، فإنها في كل مرة من الطلاق لا تنكح حتى ~~تتربص ثلاثة قروء، فكان التربص هناك نظرا في مصلحته لما لم يوقع الثلاث ~~المحرمة، وهنا التربص بالثلاث من تمام عقوبته، فإنه عوقب بثلاثة أشياء أن ~~حرمت عليه حبيبته وجعل تربصها ثلاثة قروء، ولم يجز أن تعود إليه حتى يحظى ~~بها غيره حظوة الزوج الراغب بزوجته المرغوب فيها، وفي كل من ذلك عقوبة ~~مؤلمة على إيقاع ms1753 البغيض إلى الله المكروه له. # فإذا علم أنه بعد الثالثة لا تحل له إلا بعد تربص وتزوج بزوج آخر وأن ~~الأمر بيد ذلك الزوج، ولا بد أن تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، علم أن المقصود ~~أن ييأس منها فلا تعود إليه إلا باختيارها لا باختياره، ومعلوم أن الزوج ~~الثاني إذا كان قد نكح نكاح رغبة، وهو النكاح الذي شرعه الله لعباده وجعله ~~سببا لمصالحهم في المعاش والمعاد وسببا لحصول الرحمة والوداد، فإنه لا ~~يطلقها لأجل الأول بل يمسك امرأته فلا يصير لأحد من الناس اختيار في عودها ~~إليه، فإذا اتفق فراق الثاني لها بموت أو طلاق كما يفترق الزوجان اللذان ~~هما زوجان أبيح للمطلق الأول نكاحها كما يباح للرجل نكاح مطلقة الرجل ~~ابتداء، وهذا أمر لم يحرمه الله سبحانه في الشريعة الكاملة المهيمنة على ~~جميع الشرائع بخلاف الشريعتين قبلنا، فإنه في شريعة التوراة قد قيل: إنها ~~متى تزوجت بزوج آخر لم تحل للأول أبدا. # وفي شريعة الإنجيل قد قيل: إنه ليس له أن يطلقها البتة، فجاءت هذه ~~الشريعة الكاملة الفاضلة على أكمل الوجوه وأحسنها وأصلحها للخلق، ولهذا لما ~~كان التحليل مباينا للشرائع كلها # PageV05P596 # والعقل والفطرة، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له. ~~ولعنه صلى الله عليه وسلم لهما إما خبر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما، ~~أو دعاء عليهما باللعنة، وهذا يدل على تحريمه وأنه من الكبائر. # والمقصود أن إيجاب القروء الثلاث في هذا الطلاق من تمام تأكيد تحريمها ~~على الأول على أنه ليس في المسألة إجماع، فذهب ابن اللبان الفرضي صاحب "" ~~الإيجاز "" وغيره إلى أن المطلقة ثلاثا ليس عليها غير استبراء بحيضة ذكره ~~عنه أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى فقال: مسألة إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا ~~بعد الدخول، فعدتها ثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الأقراء، وقال ابن اللبان ~~عليها الاستبراء بحيضة دليلنا قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} [البقرة: 228] ولم يقف شيخ الإسلام على هذا القول وعلق تسويغه على ~~ثبوت الخلاف فقال: إن ms1754 كان فيه نزاع كان القول بأنه ليس عليها ولا على ~~المعتقة المخيرة إلا الاستبراء قولا متوجها، ثم قال: ولازم هذا القول أن ~~الآيسة لا تحتاج إلى عدة بعد الطلقة الثالثة. قال: وهذا لا نعلم أحدا قاله. # وقد ذكر الخلاف أبو الحسين فقال: مسألة: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا وكانت ~~ممن لا تحيض لصغر أو هرم، فعدتها ثلاثة أشهر خلافا لابن اللبان أنه لا عدة ~~عليها، دليلنا: قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] . # قال شيخنا: وإذا مضت السنة بأن على هذه ثلاثة أقراء لم يجز مخالفتها، ولو ~~لم يجمع عليها فكيف إذا كان مع السنة إجماع؟ قال: وقوله صلى الله عليه وسلم ~~لفاطمة بنت قيس: اعتدي قد فهم منه العلماء أنها تعتد ثلاثة قروء، فإن ~~الاستبراء قد يسمى # PageV05P597 # عدة. قلت: كما في حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس أنه فسر قوله تعالى: ~~{والمحصنات من النساء} [النساء: 24] بالسبايا، ثم قال: أي فهن لكم حلال إذا ~~انقضت عدتهن فجعل الاستبراء عدة. قال فأما حديث ( «عائشة رضي الله عنها: ~~أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض» ) فحديث منكر؛ فإن مذهب عائشة رضي الله عنها ~~أن الأقراء الأطهار. قلت: ومن جعل أن عدة المختلعة حيضة فبطريق الأولى تكون ~~عدة الفسوخ كلها عنده حيضة؛ لأن الخلع الذي هو شقيق الطلاق وأشبه به لا يجب ~~فيه الاعتداد عنده بثلاثة قروء، فالفسخ أولى وأحرى من وجوه. # أحدها: أن كثيرا من الفقهاء يجعل الخلع طلاقا ينقص به عدده بخلاف الفسخ ~~لرضاع ونحوه. # الثاني: أن أبا ثور ومن وافقه يقولون إن الزوج إذا رد العوض ورضيت المرأة ~~برده وراجعها فلهما ذلك بخلاف الفسخ. # الثالث: أن الخلع يمكن فيه رجوع المرأة إلى زوجها في عدتها بعقد جديد ~~بخلاف الفسخ لرضاع أو عدد، أو محرمية حيث لا يمكن عودها إليه، فهذه بطريق ~~الأولى يكفيها استبراء بحيضة، ويكون المقصود مجرد العلم ببراءة رحمها ~~كالمسبية والمهاجرة والمختلعة والزانية على أصح القولين فيهما دليلا وهما ms1755 ~~روايتان عن أحمد. ### | [فصل الفرق بين عدة الرجعية والبائن] # فصل # ومما يبين الفرق بين عدة الرجعية والبائن أن عدة الرجعية لأجل الزوج، ~~وللمرأة فيها النفقة والسكنى باتفاق المسلمين، ولكن سكناها هل هي كسكنى ~~الزوجة فيجوز أن ينقلها المطلق حيث شاء أم يتعين عليها المنزل فلا تخرج، ~~ولا تخرج؟ فيه قولان. # وهذا الثاني هو المنصوص عن أحمد، وأبي حنيفة # PageV05P598 # وعليه يدل القرآن. والأول قول الشافعي، وهو قول بعض أصحاب أحمد. # والصواب ما جاء به القرآن، فإن سكنى الرجعية من جنس سكنى المتوفى عنها، ~~ولو تراضيا بإسقاطها لم يجز كما أن العدة فيها كذلك بخلاف البائن فإنها لا ~~سكنى لها ولا عليها، فالزوج له أن يخرجها ولها أن تخرج كما ( «قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: لا نفقة لك، ولا سكنى» ) # وأما الرجعة فهل هي حق للزوج يملك إسقاطها بأن يطلقها واحدة بائنة أم هي ~~حق لله فلا يملك إسقاطها؟ ولو قال أنت طالق طلقة بائنة وقعت رجعية أم هي حق ~~لهما فإن تراضيا بالخلع بلا عوض وقع طلاقا بائنا، ولا رجعة فيه؟ فيه ثلاثة ~~أقوال. # فالأول: مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايات عن أحمد. # والثاني: مذهب الشافعي والرواية الثانية عن أحمد. # والثالث مذهب مالك والرواية الثالثة عن أحمد. # والصواب أن الرجعة حق لله تعالى ليس لهما أن يتفقا على إسقاطها، وليس له ~~أن يطلقها طلقة بائنة ولو رضيت الزوجة، كما أنه ليس لهما أن يتراضيا بفسخ ~~النكاح بلا عوض بالاتفاق. # فإن قيل: فكيف يجوز الخلع بغير عوض في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، ~~وهل هذا إلا اتفاق من الزوجين على فسخ النكاح بغير عوض؟ قيل: إنما يجوز ~~أحمد في إحدى الروايتين الخلع بلا عوض إذا كان طلاقا، فأما إذا كان فسخا ~~فلا يجوز بالاتفاق، قاله شيخنا رحمه الله. قال: ولو جاز هذا لجاز أن يتفقا ~~على أن يبينها مرة بعد مرة من غير أن ينقص عدد الطلاق، ويكون الأمر إليهما ~~إذا أرادا أن يجعلا الفرقة بين الثلاث جعلاها ms1756 وإن أرادا لم يجعلاها من ~~الثلاث، ويلزم من هذا إذا قالت فادني بلا طلاق أن يبينها بلا طلاق، ويكون # PageV05P599 # مخيرا إذا سألته إن شاء أن يجعله رجعيا وإن شاء أن يجعله بائنا، وهذا ~~ممتنع، فإن مضمونه أنه يخير إن شاء أن يحرمها بعد المرة الثالثة، وإن شاء ~~لم يحرمها، ويمتنع أن يخير الرجل بين أن يجعل الشيء حلالا وأن يجعله حراما، ~~ولكن إنما يخير بين مباحين له، وله أن يباشر أسباب الحل وأسباب التحريم، ~~وليس له إنشاء نفس التحليل والتحريم، والله سبحانه إنما شرع له الطلاق ~~واحدة بعد واحدة، ولم يشرع له إيقاعه مرة واحدة لئلا يندم وتزول نزغة ~~الشيطان التي حملته على الطلاق فتتبع نفسه المرأة فلا يجد إليها سبيلا، فلو ~~ملكه الشارع أن يطلقها طلقة بائنة ابتداء لكان هذا المحذور بعينه موجودا، ~~والشريعة المشتملة على مصالح العباد تأبى ذلك، فإنه يبقى الأمر بيدها إن ~~شاءت راجعته وإن شاءت فلا، والله سبحانه جعل الطلاق بيد الزوج لا بيد ~~المرأة رحمة منه وإحسانا ومراعاة لمصلحة الزوجين. # نعم له أن يملكها أمرها باختياره فيخيرها بين القيام معه وفراقها.، وإما ~~أن يخرج الأمر عن يد الزوج بالكلية إليها، فهذا لا يمكن، فليس له أن يسقط ~~حقه من الرجعة، ولا يملك ذلك، فإن الشارع إنما يملك العبد ما ينفعه ملكه، ~~ولا يتضرر به، ولهذا لم يملكه أكثر من ثلاث، ولا ملكه جمع الثلاث، ولا ملكه ~~الطلاق في زمن الحيض والطهر المواقع فيه، ولا ملكه نكاح أكثر من أربع، ولا ~~ملك المرأة الطلاق، وقد نهى سبحانه الرجال أن يؤتوا السفهاء أموالهم التي ~~جعل الله لهم قياما، فكيف يجعلون أمر الأبضاع إليهن في الطلاق والرجعة، ~~فكما لا يكون الطلاق بيدها لا تكون الرجعة بيدها، فإن شاءت راجعته وإن شاءت ~~فلا، فتبقى الرجعة موقوفة على اختيارها، وإذا كان لا يملك الطلاق البائن ~~فلأن لا يملك الطلاق المحرم ابتداء أولى وأحرى؛ لأن الندم في الطلاق المحرم ~~أقوى منه في البائن. فمن قال إنه لا يملك الإبانة ولو ms1757 أتى بها لم تبن كما ~~هو قول فقهاء الحديث لزمه أن يقول إنه لا يملك الثلاث المحرمة ابتداء بطريق ~~الأولى والأحرى وأن له رجعتها. وإن أوقعها كان له رجعتها. وإن قال أنت طالق # PageV05P600 # واحدة بائنة، فإذا كان لا يملك إسقاط الرجعة فكيف يملك إثبات التحريم ~~الذي لا تعود بعده إلا بزوج وإصابة؟ # فإن قيل: فلازم هذا أنه لا يملكه ولو بعد اثنتين قلنا: ليس ذلك بلازم، ~~فإن الله سبحانه ملكه الطلاق على وجه معين، وهو أن يطلق واحدة ويكون أحق ~~برجعتها ما لم تنقض عدتها، ثم إن شاء طلق الثانية كذلك ويبقى له واحدة، ~~وأخبر أنه إن أوقعها حرمت عليه، ولا تعود إليه إلا أن تتزوج غيره ويصيبها ~~ويفارقها، فهذا هو الذي ملكه إياه لم يملكه أن يحرمها ابتداء تحريما تاما ~~من غير تقدم تطليقتين. وبالله التوفيق. ### | [فصل عدة المختلعة] # فصل # قد ذكرنا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المختلعة أنها ( «تعتد ~~بحيضة» ) وأن هذا مذهب عثمان بن عفان وابن عباس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن ~~حنبل في إحدى الروايتين عنه اختارها شيخنا. ونحن نذكر الأحاديث بذلك ~~بإسنادها. # قال النسائي في " سننه الكبير ": باب في عدة المختلعة. أخبرني أبو علي ~~محمد بن يحيى المروزي حدثنا شاذان عبد العزيز بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي ~~حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال أخبرني محمد بن عبد الرحمن ~~أن ( «ربيع بنت معوذ بن عفراء أخبرته أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته ~~فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فجاء أخوها يشتكيه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: خذ ~~الذي لها عليك وخل سبيلها. فقال: نعم. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها» ) # أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد قال حدثني عمي قال أخبرنا ~~أبي، عن ابن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن ms1758 عبادة بن الصامت # PageV05P601 # ، عن ( «ربيع بنت معوذ قال قلت لها: حدثيني حديثك قالت: اختلعت من زوجي، ~~ثم جئت عثمان فسألت: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون حديث ~~عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حيضة. قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مريم المغالية كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت ~~منه» ) # وروى عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه أن ( «امرأة ثابت بن قيس اختلعت ~~منه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة» ) رواه أبو داود، عن ~~محمد بن عبد الرحيم البزاز، عن علي بن بحر القطان، عن هشام بن يوسف، عن ~~معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة. ورواه الترمذي، عن محمد بن عبد الرحيم ~~بهذا السند بعينه.، وقال حديث حسن غريب. # وهذا كما أنه موجب السنة وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وموافق ~~لأقوال الصحابة فهو مقتضى القياس، فإنه استبراء لمجرد العلم ببراءة الرحم ~~فكفت فيه حيضة كالمسبية والأمة المستبرأة والحرة والمهاجرة والزانية إذا ~~أرادت أن تنكح. وقد تقدم أن الشارع من تمام حكمته جعل عدة الرجعية ثلاثة ~~قروء لمصلحة المطلق والمرأة ليطول زمان الرجعة، وقد تقدم النقص على هذه ~~الحكمة والجواب عنه. # PageV05P602 ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتداد المتوفى عنها في منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه] # ، وأنه غير مخالف لحكمه بخروج المبتوتة واعتدادها حيث شاءت # ثبت في " السنن "، عن زينب بنت كعب بن عجرة، عن ( «الفريعة بنت مالك أخت ~~أبي سعيد الخدري أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع ~~إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا ~~بطرف القدوم لحقهم فقتلوه: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى ~~أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نعم. فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة، أو في ms1759 المسجد دعاني، أو أمر بي ~~فدعيت له، فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: ~~فقال: " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر ~~وعشرا، قالت: فلما كان عثمان، أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فقضى به ~~واتبعه» ) # قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث ~~مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق. وقال أبو محمد بن حزم: هذا الحديث ~~لا يثبت، فإن زينب هذه مجهولة لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق بن كعب، وهو ~~غير مشهور بالعدالة، ومالك رحمه الله وغيره يقول فيه # PageV05P603 # سعد بن إسحاق، وسفيان يقول: سعيد. وما قاله أبو محمد غير صحيح، فالحديث ~~حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق، وأدخله مالك في " موطئه "، واحتج به ~~وبنى عليه مذهبه. # وأما قوله: إن زينب بنت كعب مجهولة، فنعم مجهولة عنده فكان ماذا؟ وزينب ~~هذه من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب وليس ~~بسعيد، وقد ذكره ابن حبان في كتاب الثقات. والذي غر أبا محمد قول علي بن ~~المديني: لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق، وقد روينا في " مسند الإمام أحمد ~~": حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن ~~معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن ~~عجرة وكانت عند أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد قال: ( «اشتكى الناس عليا رضي ~~الله عنه فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فسمعته يقول: يا أيها الناس ~~لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله» ) فهذه ~~امرأة تابعية كانت تحت صحابي، وروى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف، واحتج ~~الأئمة بحديثها وصححوه. # وأما قوله: إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة، فقد قال إسحاق بن منصور، ~~عن يحيى بن معين: ثقة، وقال النسائي أيضا والدارقطني أيضا: ثقة. وقال أبو ~~حاتم: ms1760 صالح، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وقد روى عنه الناس: حماد بن ~~زيد، وسفيان الثوري، وعبد العزيز الدراوردي، وابن جريج، ومالك بن أنس، ~~ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن ~~قيس، وخلق سواهم من الأئمة، ولم يعلم فيه قدح، ولا جرح البتة، ومثل هذا ~~يحتج به اتفاقا. # وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في حكم هذه المسألة، # PageV05P604 # فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن (عائشة رضي ~~الله عنها. أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم ~~كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة) # ومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء، عن (ابن عباس أنه ~~قال: إنما قال الله عز وجل: تعتد أربعة أشهر وعشرا، ولم يقل: تعتد في ~~بيتها، فتعتد حيث شاءت) وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس، فإن علي بن ~~المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن (عطاء قال: سمعت ابن ~~عباس يقول: قال الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ولم يقل: يعتددن في بيوتهن تعتد ~~حيث شاءت) قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا. # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، أخبرني (أبو الزبير أنه سمع جابر بن ~~عبد الله يقول: تعتد المتوفى عنها حيث شاءت) # وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن (علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن) # وذكر عبد الرزاق أيضا، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس وعطاء ~~قالا جميعا: المبتوتة والمتوفى عنها تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان. # PageV05P605 # وذكر أيضا، عن ابن جريج، عن (عطاء قال: لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت) # وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن (عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا: ~~المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت) # وذكر ابن أبي ms1761 شيبة، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن (حبيب المعلم، قال: سألت ~~عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها، أتحجان في عدتهما؟ قال: نعم. وكان ~~الحسن يقول بمثل ذلك) # وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن حنين بن أبي حكيم أن (امرأة مزاحم ~~لما توفي عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أأمكث حتى تنقضي عدتي؟ ~~فقال لها: بل الحقي بقرارك ودار أبيك فاعتدي فيها) # قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بن أيوب، عن (يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال ~~في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته، وله بها دار، وله بالفسطاط دار، ~~فقال: إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد، وإن أحبت أن ترجع إلى دار # PageV05P606 # زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع) # قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن (بكير بن الأشج قال: سألت سالم ~~بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى؟ قال: تعتد ~~حيث توفي عنها زوجها، أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها) وهذا مذهب ~~أهل الظاهر كلهم. # ولأصحاب هذا القول حجتان احتج بهما ابن عباس، وقد حكينا إحداهما، وهي: أن ~~الله سبحانه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر، ولم يأمرها بمكان معين. # والثانية: ما رواه أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثنا موسى بن ~~مسعود، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال: قال عطاء: (قال ابن عباس: نسخت هذه ~~الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله عز وجل: {غير إخراج} ~~[البقرة: 240] قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت ~~خرجت لقول الله عز وجل: {فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن} [البقرة: ~~240] قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت) # وقالت طائفة ثانية من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: تعتد في منزلها التي ~~توفي زوجها وهي فيه، قال وكيع: حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن سعيد ~~بن المسيب (أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات، أو معتمرات توفي عنهن ms1762 ~~أزواجهن) # PageV05P607 # وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، أخبرنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: ~~(كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجات ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة) # وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة (أن ~~امرأة متوفى عنها زارت أهلها في عدتها فضربها الطلق، فأتوا عثمان فقال: ~~احملوها إلى بيتها وهي تطلق) # وذكر أيضا، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، (عن ابن عمر أنه كانت له ابنة ~~تعتد من وفاة زوجها، وكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم، فإذا كان الليل ~~أمرها أن ترجع إلى بيتها) # وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، ~~عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها ~~بياض يومها، وأن زيد بن ثابت لم يرخص لها إلا في بياض يومها أو ليلها) # وذكر عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم ~~النخعي، عن علقمة قال: (سأل ابن مسعود نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن ~~فقلن: إنا نستوحش، فقال ابن مسعود: تجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة منكن ~~إلى بيتها بالليل) # PageV05P608 # وذكر الحجاج بن المنهال، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم (أن ~~امرأة بعثت إلى أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: إن أبي مريض وأنا في ~~عدة أفآتيه أمرضه؟ قالت: نعم، ولكن بيتي أحد طرفي الليل في بيتك) # وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي ~~أنه سئل عن المتوفى عنها: أتخرج في عدتها؟ فقال: (كان أكثر أصحاب ابن مسعود ~~أشد شيء في ذلك يقولون: لا تخرج وكان الشيخ - يعني علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه - يرحلها) # وقال حماد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة أن أباه قال: (المتوفى عنها ~~زوجها تعتد في بيتها إلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم) # وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى بن سعيد هو الأنصاري (أن ~~القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ms1763 وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفى عنها: ~~لا تبرح حتى تنقضي عدتها) # وذكر أيضا (عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وجابر، كلاهما قال ~~في المتوفى عنها: لا تخرج) # وذكر وكيع، عن الحسن بن صالح، عن المغيرة، (عن إبراهيم في المتوفى عنها: ~~لا بأس أن تخرج بالنهار، ولا تبيت عن بيتها) # وذكر حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين (أن امرأة توفي ~~عنها زوجها وهي مريضة فنقلها أهلها، ثم سألوا، فكلهم يأمرهم أن ترد # PageV05P609 # إلى بيت زوجها قال ابن سيرين: فرددناها في نمط) ، وهذا قول الإمام أحمد، ~~ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة رحمهم الله وأصحابهم، والأوزاعي، وأبي عبيد، ~~وإسحاق. # قال أبو عمر بن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، ~~والعراق، ومصر. # وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك، وقد تلقاه عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار، وتلقاه أهل المدينة والحجاز ~~والشام والعراق ومصر بالقبول، ولم يعلم أن أحدا منهم طعن فيه، ولا في ~~رواته، وهذا مالك مع تحريه وتشدده في الرواية. # وقوله للسائل له عن رجل: أثقة هو؟ فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي: قد ~~أدخله في " موطئه " وبنى عليه مذهبه. # قالوا: ونحن لا ننكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السنة تفصل بين ~~المتنازعين. # قال أبو عمر بن عبد البر: أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع ~~فمستغنى عنه مع السنة؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من ~~وافقته السنة. # وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري قال: (أخذ المترخصون في المتوفى ~~عنها بقول عائشة رضي الله عنها وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر) . # فإن قيل: فهل ملازمة المنزل حق عليها، أو حق لها؟ قيل: بل هو حق عليها ~~إذا تركه لها الورثة ولم يكن عليها فيه ضرر، أو كان المسكن لها، فلو حولها ~~الوراث، أو طلبوا منها الأجرة لم يلزمها السكن وجاز لها التحول. # PageV05P610 # ، ثم اختلف أصحاب هذا القول هل ms1764 لها أن تتحول حيث شاءت، أو يلزمها التحول ~~إلى أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة؟ على قولين. # فإن خافت هدما، أو غرقا، أو عدوا، أو نحو ذلك، أو حولها صاحب المنزل ~~لكونه عارية رجع فيها، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعديا، أو ~~امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجر المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو ~~لم تجد إلا من مالها فلها أن تنتقل لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجر ~~المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى ~~سقطت، وهذا قول أحمد، والشافعي. # فإن قيل: فهل الإسكان حق على الورثة تقدم الزوجة به على الغرماء وعلى ~~الميراث أم لا حق لها في التركة سوى الميراث؟ قيل: هذا موضوع اختلف فيه. # فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلا فلا سكنى لها في التركة، ولكن عليها ~~ملازمة المنزل إذا بذل لها كما تقدم وإن كانت حاملا ففيه روايتان إحداهما ~~أن الحكم كذلك. # والثاني: أن لها السكنى حق ثابت في المال تقدم به على الورثة والغرماء، ~~ويكون من رأس المال لا تباع الدار في دينه بيعا يمنعها سكناها حتى تنقضي ~~عدتها، وإن تعذر ذلك فعلى الوارث أن يكتري لها سكنا من مال الميت. فإن لم ~~يفعل أجبره الحاكم وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورة. وإن اتفق الوارث ~~والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأنه يتعلق بهذه السكنى حق الله تعالى، فلم ~~يجز اتفاقهما على إبطالها، بخلاف سكنى النكاح فإنها حق لله تعالى؛ لأنها ~~وجبت من حقوق العدة، والعدة فيها حق للزوجين. # والصحيح المنصوص أن سكنى الرجعية كذلك، ولا يجوز اتفاقهما على إبطالها، ~~هذا مقتضى نص الآية، وهو منصوص أحمد وعنه رواية ثالثة أن للمتوفى عنها ~~السكنى بكل حال حاملا كانت، أو حائلا، فصار في مذهبه ثلاث روايات: # PageV05P611 # وجوبها للحامل والحائل وإسقاطها في حقهما ووجوبها للحامل دون الحائل، هذا ~~تحصيل مذهب أحمد في سكنى المتوفى عنها. # وأما مذهب مالك فإيجاب السكنى لها حاملا كانت، أو ms1765 حائلا، وإيجاب السكنى ~~عليها مدة العدة، قال أبو عمر: فإذا كان المسكن بكراء؟ فقال مالك: هي أحق ~~بسكناه من الورثة والغرماء، وهو من رأس مال المتوفى إلا أن يكون فيه عقد ~~لزوجها وأراد أهل المسكن إخراجها. # وإذا كان المسكن لزوجها لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها انتهى كلامه. # وقال غيره من أصحاب مالك: هي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء إذا كان ~~الملك للميت، أو كان قد أدى كراءه، وإن لم يكن قد أدى ففي " التهذيب ": لا ~~سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا، وروى محمد، عن مالك: الكراء لازم ~~للميت في ماله، ولا تكون الزوجة أحق به وتحاص الورثة في السكنى وللورثة ~~إخراجها إلا أن تحب أن تسكن في حصتها وتؤدي كراء حصتهم. # وأما مذهب الشافعي:، فإن له في سكنى المتوفى عنها قولين أحدهما: لها ~~السكنى حاملا كانت، أو حائلا. # والثاني: لا سكنى لها حاملا كانت، أو حائلا، ويجب عنده ملازمتها للمسكن ~~في العدة بائنا كانت، أو متوفى عنها، وملازمة البائن للمنزل عنده آكد من ~~ملازمة المتوفى عنها، فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروج نهارا لقضاء حوائجها، ~~ولا يجوز ذلك في البائن في أحد قوليه، وهو القديم، ولا يوجبه في الرجعية بل ~~يستحبه. # وأما أحمد فعنده ملازمة المتوفى عنها آكد من الرجعية، ولا يوجبه في ~~البائن. وأورد أصحاب الشافعي رحمه الله على نصه بوجوب ملازمة المنزل على ~~المتوفى عنها مع نصه في أحد القولين على أنه لا سكنى لها سؤالا. وقالوا: ~~كيف يجتمع النصان وأجابوا بجوابين. # أحدهما: أنه لا تجب عليها ملازمة المسكن على ذلك القول، لكن لو ألزم ~~الوارث أجرة المسكن وجبت عليها # PageV05P612 # الملازمة حينئذ، وأطلق أكثر أصحابه الجواب هكذا. # والثاني: أن ملازمة المنزل واجبة عليها ما لم يكن عليها فيه ضرر بأن ~~تطالب بالأجرة، أو يخرجها الوارث، أو المالك فتسقط حينئذ. # وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا: لا يجوز للمطلقة الرجعية، ولا للبائن ~~الخروج من بيتها ليلا، ولا نهارا، وأما المتوفى عنها فتخرج نهارا وبعض ~~الليل، ولكن لا ms1766 تبيت في منزلها قالوا: والفرق أن المطلقة نفقتها في مال ~~زوجها. # فلا يجوز لها الخروج كالزوجة، بخلاف المتوفى عنها فإنها لا نفقة لها، فلا ~~بد أن تخرج بالنهار لإصلاح حالها قالوا: وعليها أن تعتد في المنزل الذي ~~يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة قالوا: فإن كان نصيبها من دار الميت لا ~~يكفيها، أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت؛ لأن هذا عذر، والكون في بيتها ~~عبادة، والعبادة تسقط بالعذر، قالوا: فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه ~~لكثرته فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه، وهذا من كلامهم يدل على أن ~~أجرة السكن عليها، وإنما يسقط السكن عنها لعجزها عن أجرته، ولهذا صرحوا ~~بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها، وهذا لأنه لا سكنى عندهم للمتوفى ~~عنها حاملا كانت، أو حائلا، وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها ~~وهي فيه ليلا لا نهارا، فإن بذله لها الورثة وإلا كانت الأجرة عليها، فهذا ~~تحرير مذاهب الناس في هذه المسألة ومأخذ الخلاف فيها وبالله التوفيق. # ولقد أصاب فريعة بنت مالك في هذا الحديث نظير ما أصاب فاطمة بنت قيس في ~~حديثها، فقال بعض المنازعين في هذه المسألة لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة، ~~فإن الله سبحانه إنما أمرها بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولم يأمرها ~~بالمنزل. وقد أنكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وجوب المنزل وأفتت ~~المتوفى عنها بالاعتداد حيث شاءت كما أنكرت حديث فاطمة بنت قيس وأوجبت ~~السكنى للمطلقة. # وقال بعض من نازغ في حديث الفريعة قد قتل من الصحابة رضي الله # PageV05P613 # عنهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق كثير يوم أحد ويوم بئر ~~معونة ويوم مؤتة وغيرها واعتد أزواجهم بعدهم، فلو كان كل امرأة منهن تلازم ~~منزلها زمن العدة لكان ذلك من أظهر الأشياء وأبينها بحيث لا يخفى على من هو ~~دون ابن عباس وعائشة، فكيف خفي هذا عليهما وعلى غيرهما من الصحابة الذين ~~حكى أقوالهم مع استمرار العمل به استمرارا شائعا، هذا من ms1767 أبعد الأشياء، ثم ~~لو كانت السنة جارية بذلك لم تأت الفريعة تستأذنه صلى الله عليه وسلم أن ~~تلحق بأهلها ولما أذن لها في ذلك، ثم يأمر بردها بعد ذهابها ويأمرها بأن ~~تمكث في بيتها، فلو كان ذلك أمرا مستمرا ثابتا لكان قد نسخ بإذنه لها في ~~اللحاق بأهلها، ثم نسخ ذلك الإذن بأمره لها بالمكث في بيتها فيفضي إلى ~~تغيير الحكم مرتين، وهذا لا عهد لنا به في الشريعة في موضع متيقن. # قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد هذه السنة الصحيحة الصريحة التي ~~تلقاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأكابر الصحابة بالقبول ونفذها عثمان ~~وحكم بها، ولو كنا لا نقبل رواية النساء عن النبي صلى الله عليه وسلم لذهبت ~~سنن كثيرة من سنن الإسلام لا يعرف أنه رواها عنه إلا النساء، وهذا كتاب ~~الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السنة مخالفة له، ~~بل غايتها أن تكون بيانا لحكم سكت عنه الكتاب، ومثل هذا لا ترد به السنن، ~~وهذا الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه أن تترك السنة إذا ~~لم يكن نظير حكمها في الكتاب. # وأما ترك أم المؤمنين رضي الله عنها لحديث الفريعة - فلعله لم يبلغها، ~~ولو بلغها فلعلها تأولته، ولو لم تتأوله فلعله قام عندها معارض له، وبكل ~~حال فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث أعذر من التاركين له لترك أم ~~المؤمنين له، فبين التركين فرق عظيم. # وأما من قتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن مات في حياته فلم يأت قط أن ~~نساءهم كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث فريعة البتة، ~~فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمر لا يعلم كيف كان، ولو علم أنهن كن يعتددن ~~حيث # PageV05P614 # شئن ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث الفريعة فلعل ذلك قبل استقرار هذا ~~الحكم وثبوته، حيث كان الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب. # وقد ذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عبد الله ms1768 بن كثير قال: قال مجاهد: ( ~~«استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن ~~إنا نستوحش يا رسول الله بالليل فنبيت عند إحدانا حتى إذا أصبحنا تبددنا في ~~بيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن ~~فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة إلى بيتها» ) # وهذا وإن كان مرسلا فالظاهر أن مجاهدا إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة، أو ~~من صحابي، والتابعون لم يكن الكذب معروفا فيهم وهم ثاني القرون المفضلة، ~~وقد شاهدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا العلم عنهم وهم خير ~~الأمة بعدهم، فلا يظن بهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~الرواية عن الكذابين، ولا سيما العالم منهم إذا جزم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالرواية وشهد له بالحديث فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ونهى فيبعد كل البعد أن يقدم على ~~ذلك مع كون الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كذابا، أو ~~مجهولا، وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم، فكلما تأخرت القرون ساء الظن ~~بالمراسيل ولم يشهد بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالجملة فليس ~~الاعتماد على هذا المرسل وحده وبالله التوفيق. ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحداد المعتدة نفيا وإثباتا] # ثبت في " الصحيحين ":، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة أنها ~~أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة رضي ~~الله عنها بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ~~ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول على المنبر ( «لا # PageV05P615 # يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على ms1769 زوج ~~أربعة أشهر وعشرا» ) # قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست منه، ~~ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول على المنبر ( «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ~~ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» ) # قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة رضي الله عنها تقول ( «جاءت امرأة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن بنتي توفي عنها زوجها، وقد ~~اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا " مرتين، أو ~~ثلاثا، كل ذلك يقول " لا "، ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت ~~إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول» ) # فقالت زينب: ( «كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ~~ثيابها، ولم تمس طيبا، ولا شيئا، حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار، أو ~~شاة، أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي ~~بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب، أو غيره.» ) قال مالك: تفتض تمسح به ~~جلدها. # وفي " الصحيحين ": ( «، عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة توفي عنها ~~زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل ~~فقال: # PageV05P616 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد كانت إحداكن تكون في شر بيتها، أو في ~~شر أحلاسها في بيتها حولا، فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت، أفلا أربعة أشهر ~~وعشرا» ) # وفي " الصحيحين "، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( «قال: لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة ~~أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا ~~إلا إذا طهرت نبذة من قسط، أو أظفار» ) # وفي " سنن أبي داود ": من حديث الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم ms1770 ~~سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( «المتوفى عنها زوجها لا تلبس ~~المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب» ) # وفي " سننه " أيضا: من حديث ابن وهب أخبرني مخرمة، عن أبيه قال سمعت ~~المغيرة بن الضحاك يقول أخبرتني أم حكيم بنت أسيد، عن أمها أن زوجها توفي ~~وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء. # قال أحمد بن صالح رحمه الله: الصواب بكحل الجلاء ( «فأرسلت مولاة لها إلى ~~أم سلمة رضي الله عنها فسألتها عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحلي به إلا من ~~أمر لا بد منه يشتد عليك # PageV05P617 # فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرا ~~فقال " ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب. ~~فقال " إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي ~~بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب " قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ ~~قال " بالسدر تغلفين به رأسك» ) # وقد تضمنت هذه السنة أحكاما عديدة. أحدها: أنه لا يجوز الإحداد على ميت ~~فوق ثلاثة أيام كائنا من كان إلا الزوج وحده. # وتضمن الحديث الفرق بين الإحدادين من وجهين. # أحدهما: من جهة الوجوب والجواز، فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره ~~جائز. # الثاني: من مقدار مدة الإحداد، فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة، ~~وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا ما حكي عن الحسن والحكم ~~بن عتيبة. # أما الحسن فروى حماد بن سلمة، عن حميد عنه (أن المطلقة ثلاثا والمتوفى ~~عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتختضبان وتنتقلان وتصنعان ما شاءتا) ~~وأما الحكم فذكر عنه شعبة: (أن المتوفى عنها لا تحد) # قال ابن حزم: واحتج أهل هذه المقالة، ثم ساق من طريق أبي الحسن محمد بن ~~عبد السلام حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنا الحكم ~~بن عتيبة، عن عبد ms1771 الله بن شداد بن الهاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV05P618 # قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: ( «إذا كان ثلاثة أيام فالبسي ما شئت، أو ~~إذا كان بعد ثلاثة أيام» ) شعبة شك. # ومن طريق حماد بن سلمة حدثنا الحجاج بن أرطاة، عن الحسن بن سعد، عن عبد ~~الله بن شداد ( «أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تبكي على جعفر وهي امرأته فأذن لها ثلاثة أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة ~~أيام أن تطهري واكتحلي» ) # قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد لأنه بعدها، فإن أم سلمة رضي الله عنها ~~روت حديث الإحداد وأنه صلى الله عليه وسلم أمرها به إثر موت أبي سلمة، ولا ~~خلاف أن موت أبي سلمة كان قبل موت جعفر رضي الله عنهما. # وأجاب الناس عن ذلك بأن هذا حديث منقطع، فإن عبد الله بن شداد بن الهاد ~~لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه، فكيف يقدم حديثه على ~~الأحاديث الصحيحة المسندة التي لا مطعن فيها؟ وفي الحديث الثاني: الحجاج بن ~~أرطاة، ولا يعارض بحديثه حديث الأئمة الأثبات الذين هم فرسان الحديث. ### | [فصل تبعية الإحداد للعدة] # فصل. # الحكم الثاني: إن الإحداد تابع للعدة بالشهور، أما الحامل فإذا انقضى ~~حملها سقط وجوب الإحداد عنها اتفاقا، فإن لها أن تتزوج وتتجمل وتتطيب ~~لزوجها وتتزين له ما شاءت. # فإن قيل: فإذا زادت مدة الحمل على أربعة أشهر وعشر فهل يسقط وجوب الإحداد ~~أم يستمر إلى حين الوضع؟ قيل: بل يستمر الإحداد إلى حين الوضع فإنه من ~~توابع العدة، ولهذا قيد بمدتها، وهو حكم من أحكام العدة # PageV05P619 # وواجب من واجباتها فكان معها وجودا وعدما. ### | [فصل تستوي الزوجات بالإحداد حتى الكافرة والأمة والصغيرة] # فصل. 50 الحكم الثالث أن الإحداد تستوي فيه جميع الزوجات المسلمة ~~والكافرة والحرة والأمة الصغيرة والكبيرة، وهذا قول الجمهور أحمد، والشافعي ~~ومالك. إلا (أن أشهب وابن نافع قالا لا إحداد على الذمية) رواه أشهب، عن ~~مالك، وهو قول أبي حنيفة، ولا ms1772 إحداد عنده على الصغيرة. # واحتج أرباب هذا القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإحداد من ~~أحكام من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل فيه الكافرة، ولأنها غير مكلفة ~~بأحكام الفروع. # قالوا: وعدوله عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيد بالإيمان يقتضي أن ~~هذا من أحكام الإيمان ولوازمه وواجباته فكأنه قال من التزم الإيمان، فهذا ~~من شرائعه وواجباته. # والتحقيق أن نفي حل الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفار، ولا ~~إثبات لهم أيضا، وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه فهذا لا يحل له، ~~ويجب على كل حال أن يلزم الإيمان وشرائعه، ولكن لا يلزمه الشارع شرائع ~~الإيمان إلا بعد دخوله فيه، وهذا كما لو قيل: لا يحل لمؤمن أن يترك الصلاة ~~والحج والزكاة، فهذا لا يدل على أن ذلك حل للكافر، وهذا كما قال في لباس ~~الحرير ( «لا ينبغي هذا للمتقين» ) فلا يدل أنه ينبغي لغيرهم. # وكذا قوله ( «لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا» ) # وسر المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب إنما شرعت لمن التزم أصل ~~الإيمان، ومن لم يلتزمه وخلي بينه وبين دينه فإنه يخلى بينه وبين # PageV05P620 # شرائع الدين الذي التزمه كما خلي بينه وبين أصله ما لم يحاكم إلينا، وهذه ~~القاعدة متفق عليها بين العلماء، ولكن عذر الذين أوجبوا الإحداد على الذمية ~~أنه يتعلق به حق الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدة، ولهذا لا ~~يلزمونها به في عدتها من الذمي، ولا يتعرض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع ~~المسلمين، فإنهم يلزمون فيها بأحكام الإسلام وإن لم يتعرض لعقودهم مع بعضهم ~~بعضا، ومن ينازعهم في ذلك يقولون الإحداد حق لله تعالى، ولهذا لو اتفقت هي ~~والأولياء والمتوفى على سقوطه بأن أوصاها بتركه لم يسقط ولزمها الإتيان به ~~فهو جار مجرى العبادات، وليست الذمية من أهلها، فهذا سر المسألة. ### | [فصل لا يجب الإحداد على الأمة ولا أم الولد] # فصل # الحكم الرابع أن الإحداد لا يجب على الأمة ولا أم الولد إذا مات سيدهما ~~لأنهما ms1773 ليسا بزوجين. قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. # فإن قيل: فهل لهما أن تحدا ثلاثة أيام؟ قيل: نعم لهما ذلك، فإن النص إنما ~~حرم الإحداد فوق الثلاث على غير الزوج وأوجبه أربعة أشهر وعشرا على الزوج، ~~فدخلت الأمة وأم الولد فيمن يحل لهن الإحداد لا فيمن يحرم عليهن، ولا فيمن ~~يجب. # فإن قيل: فهل يجب على المعتدة من طلاق، أو وطء شبهة، أو زنى، أو استبراء ~~إحداد؟ # قلنا: هذا هو الحكم الخامس الذي دلت عليه السنة أنه لا إحداد على واحدة ~~من هؤلاء؛ لأن السنة أثبتت ونفت فخصت بالإحداد الواجب الزوجات وبالجائز ~~غيرهن على الأموات خاصة، وما عداهما فهو داخل في حكم التحريم على الأموات ~~فمن أين لكم دخوله في الإحداد على المطلقة البائن؟ ، وقد قال سعيد بن ~~المسيب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه، والإمام أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه، اختارها الخرقي: إن البائن يجب عليها الإحداد، وهو # PageV05P621 # محض القياس؛ لأنها معتدة بائن من نكاح، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها ~~لأنهما اشتركا في العدة، واختلفا في سببها، ولأن العدة تحرم النكاح فحرمت ~~دواعيه. # قالوا: ولا ريب أن الإحداد معقول المعنى، وهو أن إظهار الزينة والطيب ~~والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال ويدعو الرجال إليها: فلا يؤمن أن تكذب ~~في انقضاء عدتها استعجالا لذلك، فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه الذريعة، هذا ~~مع أن الكذب في عدة الوفاة يتعذر غالبا بظهور موت الزوج وكون العدة أياما ~~معدودة بخلاف عدة الطلاق فإنها بالأقراء، وهي لا تعلم إلا من جهتها فكان ~~الاحتياط لها أولى. # قيل: قد أنكر الله سبحانه وتعالى على من حرم زينته التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق، وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يحرم من الزينة إلا ما ~~حرمه الله ورسوله، والله سبحانه قد حرم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ~~زينة الإحداد على المتوفى عنها مدة العدة، وأباح رسوله الإحداد بتركها على ~~غير الزوج، فلا يجوز تحريم غير ما حرمه، بل هو على أصل ms1774 الإباحة، وليس ~~الإحداد من لوازم العدة ولا توابعها. # ولهذا لا يجب على الموطوءة بشبهة، ولا المزني بها، ولا المستبرأة، ولا ~~الرجعية اتفاقا، وهذا القياس أولى من قياسها على المتوفى عنها لما بين ~~العدتين من القروء قدرا أو سببا وحكما، فإلحاق عدة الأقراء بالأقراء أولى ~~من إلحاق عدة الأقراء بعدة الوفاة، وليس المقصود من الإحداد على الزوج ~~الميت مجرد ما ذكرتم من طلب الاستعجال، فإن العدة فيه لم تكن لمجرد العلم ~~ببراءة الرحم، ولهذا تجب قبل الدخول، وإنما هو من تعظيم هذا العقد وإظهار ~~خطره وشرفه وأنه عند الله بمكان، فجعلت العدة حريما له، وجعل الإحداد من ~~تمام هذا المقصود وتأكده ومزيد الاعتناء به حتى جعلت الزوجة أولى بفعله على ~~زوجها من أبيها وابنها وأخيها وسائر أقاربها. # وهذا من تعظيم هذا العقد وتشريفه وتأكد الفرق بينه وبين السفاح من جميع ~~أحكامه، ولهذا شرع في ابتدائه إعلانه والإشهاد عليه والضرب بالدف لتحقق ~~المضادة بينه وبين السفاح، وشرع في # PageV05P622 # آخره وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يشرع في غيره. ### | [فصل الخصال التي تجتنبها الحادة] # فصل # الحكم السادس في الخصال التي تجتنبها الحادة وهي التي دل عليها النص دون ~~الآراء والأقوال التي لا دليل عليها وهي أربعة. # أحدها: الطيب بقوله في الحديث الصحيح ( «لا تمس طيبا» ) ، ولا خلاف في ~~تحريمه عند من أوجب الإحداد، ولهذا لما خرجت أم حبيبة رضي الله عنها من ~~إحدادها على أبيها أبي سفيان دعت بطيب فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ~~ثم ذكرت الحديث، ويدخل في الطيب المسك والعنبر والكافور والند والغالية ~~والزباد والذريرة والبخور والأدهان المطيبة كدهن البان والورد والبنفسج ~~والياسمين والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة كماء الورد وماء القرنفل ~~وماء زهر النارنج، فهذا كله طيب، ولا يدخل فيه الزيت، ولا الشيرج، ولا ~~السمن، ولا تمنع من الأدهان بشيء من ذلك. ### | [فصل تجتنب الحادة الزينة في بدنها] # فصل # الحكم السابع وهي ثلاثة أنواع. أحدها: الزينة في بدنها، فيحرم عليها ~~الخضاب والنقش والتطريف والحمرة والاسفيداج، فإن النبي صلى الله ms1775 عليه وسلم ~~نص على الخضاب منبها به على هذه الأنواع التي هي أكثر زينة منه وأعظم فتنة ~~وأشد مضادة لمقصود الإحداد، ومنها: الكحل، والنهي عنه ثابت بالنص بالصريح ~~الصحيح. # ثم قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف منهم أبو محمد بن حزم: لا ~~تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلا، ولا نهارا، ويساعد قولهم حديث أم سلمة ~~المتفق عليه ( «أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على عينها فأتوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فما أذن فيه بل قال " لا " مرتين، أو ~~ثلاثا، ثم ذكر لهم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنة ~~ويصبرن على ذلك، أفلا # PageV05P623 # يصبرن أربعة أشهر وعشرا» ) # ولا ريب أن الكحل من أبلغ الزينة فهو كالطيب، أو أشد منه.، وقال بعض ~~الشافعية: للسوداء أن تكتحل، وهذا تصرف مخالف للنص والمعنى، وأحكام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا تفرق بين السود والبيض كما لا تفرق بين الطوال ~~والقصار، ومثل هذا القياس بالرأي الفاسد الذي اشتد نكير السلف له وذمهم ~~إياه. # وأما جمهور العلماء كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي وأصحابهم فقالوا: ~~إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويا لا زينة فلها أن تكتحل به ليلا وتمسحه ~~نهارا، وحجتهم حديث أم سلمة المتقدم رضي الله عنها فإنها قالت في كحل ~~الجلاء: ( «لا تكتحل إلا لما لا بد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتغسلينه ~~بالنهار» ) # ومن حجتهم حديث أم سلمة رضي الله عنها الآخر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها، وقد جعلت عليها صبرا فقال ( «ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: صبر ~~يا رسول الله ليس فيه طيب فقال: إنه يشب الوجه فقال: " لا تجعليه إلا ~~بالليل وتنزعيه بالنهار» ) وهما حديث واحد فرقه الرواة، وأدخل مالك هذا ~~القدر منه في " موطئه " بلاغا، وذكر أبو عمر في " التمهيد " له طرقا يشد ~~بعضها بعضا، ويكفي احتجاج مالك به، وأدخله أهل السنن في كتبهم، واحتج به ~~الأئمة، وأقل درجاته أن يكون حسنا، ولكن حديثها هذا مخالف ms1776 في الظاهر ~~لحديثها المسند المتفق عليه، فإنه يدل على المتوفى عنها لا تكتحل بحال، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن للمشتكية عينها في الكحل لا ليلا، ولا ~~نهارا، ولا من ضرورة، ولا غيرها، وقال " لا " مرتين، أو ثلاثا، ولم يقل إلا ~~أن تضطر. # وقد ذكر مالك، عن نافع ( «، عن صفية ابنة عبيد أنها اشتكت عينها وهي حاد ~~على زوجها عبد الله بن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان» ) # PageV05P624 # قال أبو عمر: وهذا عندي وإن كان ظاهره مخالفا لحديثها الآخر لما فيه من ~~إباحته بالليل وقوله في الحديث الآخر " لا " مرتين، أو ثلاثا على الإطلاق ~~أن ترتيب الحديثين والله أعلم على أن الشكاة التي قال فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا لم تبلغ - والله أعلم - منها مبلغا لا بد لها فيه من ~~الكحل؛ فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك ~~كما فعل بالتي قال لها: ( «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار» ) والنظر يشهد ~~لهذا التأويل؛ لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول، ~~ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة رضي الله عنها تفسيرا للحديث المسند في الكحل؛ ~~لأن أم سلمة رضي الله عنها روته وما كانت لتخالفه إذا صح عندها وهي أعلم ~~بتأويله ومخرجه، والنظر يشهد لذلك؛ لأن المضطر إلى شيء لا يحكم له بحكم ~~المرفه المتزين بالزينة، وليس الدواء والتداوي من الزينة في شيء، وإنما ~~نهيت الحادة عن الزينة لا عن التداوي، وأم سلمة رضي الله عنها أعلم بما روت ~~مع صحته في النظر، وعليه أهل الفقه وبه قال مالك والشافعي وأكثر الفقهاء. # وقد ذكر مالك رحمه الله في " موطئه " أنه بلغه، عن سالم بن عبد الله ~~وسليمان بن يسار أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: إنها إذا ~~خشيت على بصرها من رمد بعينيها، أو شكوى أصابتها أنها تكتحل وتتداوى بالكحل ~~وإن كان فيه طيب. # قال أبو عمر: لأن القصد إلى التداوي لا إلى التطيب والأعمال بالنيات. # وقال الشافعي ms1777 رحمه الله: الصبر يصفر فيكون زينة وليس بطيب، وهو كحل ~~الجلاء، فأذنت أم سلمة رضي الله عنها للمرأة بالليل حيث لا ترى، وتمسحه ~~بالنهار حيث يرى، وكذلك ما أشبهه. # وقال أبو محمد بن قدامة في " المغني ": وإنما تمنع الحادة من الكحل # PageV05P625 # بالإثمد لأنه الذي تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا والعنزروت ~~ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يقبح العين ويزيدها مرها. # قال: ولا تمنع من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها لأنه إنما منع منه في ~~الوجه لأنه يصفره فيشبه الخضاب، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( «إنه ~~يشب الوجه» ) # قال: ولا تمنع من تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ~~ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به لحديث أم سلمة رضي الله عنها ولأنه ~~يراد للتنظيف لا للتطيب، وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في " مسائله " ~~قيل لأبي عبد الله: المتوفى عنها تكتحل بالإثمد؟ قال: لا، ولكن إذا أرادت ~~اكتحلت بالصبر إذا خافت على عينها واشتكت شكوى شديدة. ### | [فصل تجتنب الحادة زينة الثياب] # فصل # النوع الثاني: زينة الثياب فيحرم عليها ما نهاها عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وما هو أولى بالمنع منه وما هو مثله.، وقد صح عنه أنه قال ": «ولا ~~تلبس ثوبا مصبوغا» "، وهذا يعم المعصفر والمزعفر وسائر المصبوغ بالأحمر ~~والأصفر والأخضر والأزرق الصافي وكل ما يصبغ للتحسين والتزيين. # وفي اللفظ الآخر ( «، ولا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق» ) وههنا ~~نوعان آخران. # أحدهما: مأذون فيه، وهو ما نسج من الثياب على وجهه ولم يدخل فيه صبغ من ~~خز، أو قز، أو قطن، أو كتان، أو صوف، أو وبر، أو شعر، أو صبغ غزله ونسج مع ~~غيره كالبرود. # والثاني: ما لا يراد بصبغه الزينة مثل السواد وما صبغ لتقبيح، أو ليستر ~~الوسخ، فهذا لا يمنع منه. # قال الشافعي رحمه الله في الثياب زينتان. إحداهما: جمال الثياب على ~~اللابسين والسترة للعورة. فالثياب زينة لمن يلبسها، وإنما نهيت الحادة عن ~~زينة بدنها ولم تنه عن ms1778 ستر عورتها، فلا بأس أن تلبس كل ثوب من البياض؛ لأن # PageV05P626 # البياض ليس بمزين، وكذلك الصوف والوبر وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل ~~عليه صبغ من خز أو غيره، وكذلك كل صبغ لم يرد به تزيين الثوب مثل السواد ~~وما صبغ لتقبيحه، أو لنفي الوسخ عنه، فأما ما كان من زينة، أو وشي في ثوبه، ~~أو غيره، فلا تلبسه الحادة وذلك لكل حرة، أو أمة كبيرة، أو صغيرة مسلمة، أو ~~ذمية. انتهى كلامه. # قال أبو عمر: وقول الشافعي رحمه الله في هذا الباب نحو قول مالك، وقال ~~أبو حنيفة: لا تلبس ثوب عصب، ولا خز وإن لم يكن مصبوغا إذا أرادت به ~~الزينة، وإن لم ترد بلبس الثوب المصبوغ الزينة فلا بأس أن تلبسه. # وإذا اشتكت عينها اكتحلت بالأسود وغيره وإن لم تشتك عينها لم تكتحل. ### | [فصل لا تتزين المعتدة ولا تتطيب بشيء من الطيب] # فصل # وأما الإمام أحمد رحمه الله فقال في رواية أبي طالب: ولا تتزين المعتدة، ~~ولا تتطيب بشيء من الطيب، ولا تكتحل بكحل زينة وتدهن بدهن ليس فيه طيب، ولا ~~تقرب مسكا، ولا زعفرانا للطيب، والمطلقة واحدة أو اثنتين تتزين وتتشوف لعله ~~أن يراجعها.، وقال أبو داود في " مسائله ": سألت أحمد قال: المتوفى عنها ~~زوجها والمطلقة ثلاثا والمحرمة يجتنبن الطيب والزينة. # وقال حرب في " مسائله ": سألت أحمد رحمه الله قلت: المتوفى عنها زوجها ~~والمطلقة هل تلبسان البرد ليس بحرير؟ فقال: لا تتطيب المتوفى عنها، ولا ~~تتزين بزينة وشدد في الطيب إلا أن يكون قليلا عند طهرها. # ثم قال: وشبهت المطلقة ثلاثا بالمتوفى عنها لأنه ليس لزوجها عليها رجعة، ~~ثم ساق حرب بإسناده إلى أم سلمة قال المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من ~~الثياب، ولا # PageV05P627 # تختضب، ولا تكتحل، ولا تتطيب، ولا تمتشط بطيب. # وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري في " مسائله ": سألت أبا عبد الله، عن ~~المرأة تنتقب في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال: لا بأس به وإنما كره ~~للمتوفى عنها زوجها أن تتزين. # وقال أبو ms1779 عبد الله: كل دهن فيه طيب فلا تدهن به، فقد دار كلام الإمام ~~أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة رحمهم الله على أن الممنوع منه من الثياب ما ~~كان من لباس الزينة من أي نوع كان، وهذا هو الصواب قطعا، فإن المعنى الذي ~~منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم، والنبي صلى الله عليه وسلم خصه ~~بالذكر مع المصبوغ تنبيها على ما هو مثله وأولى بالمنع، فإذا كان الأبيض ~~والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما ~~وتناهي جودتهما كان أولى بالمنع من الثوب المصبوغ. # وكل من عقل عن الله ورسوله لم يسترب في ذلك لا كما قال أبو محمد بن حزم: ~~إنها تجتنب الثياب المصبغة فقط ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض ~~وأصفر من لونه الذي لم يصبغ، وصوف البحر الذي هو لونه وغير ذلك. # ومباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر ~~والياقوت والزمرد وغير ذلك، فهي خمسة أشياء تجتنبها فقط وهي الكحل كله ~~لضرورة أو لغير ضرورة ولو ذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا، وتجتنب فرضا كل ~~ثوب مصبوغ مما يلبس في الرأس والجسد أو على شيء منه، سواء في ذلك السواد ~~والخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك إلا العصب وحده وهي ثياب موشاة تعمل في ~~اليمن فهو مباح لها. # وتجتنب أيضا: فرضا الخضاب كله جملة، وتجتنب الامتشاط حاشا التسريح بالمشط ~~فقط فهو حلال لها، وتجتنب أيضا فرضا الطيب كله، ولا تقرب شيئا حاشا شيئا من ~~قسط أو أظفار عند طهرها فقط، فهذه الخمسة التي ذكرها حكينا كلامه فيها ~~بنصه. # وليس بعجيب منه تحريم لبس ثوب أسود عليها من الزينة في شيء، وإباحة ثوب ~~يتقد ذهبا ولؤلؤا وجوهرا، ولا تحريم المصبوغ الغليظ لحمل الوسخ، # PageV05P628 # وإباحة الحرير الذي يأخذ بالعيون حسنه وبهاؤه ورواؤه، وإنما العجب منه أن ~~يقول هذا دين الله في نفس الأمر وأنه لا يحل لأحد خلافه. # وأعجب من هذا إقدامه على خلاف الحديث الصحيح في نهيه صلى الله عليه وسلم ms1780 ~~لها عن لباس الحلي. # وأعجب من هذا أنه ذكر الخبر بذلك، ثم قال، ولا يصح ذلك لأنه من رواية ~~إبراهيم بن طهمان، وهو ضعيف، ولو صح لقلنا به، فلله ما لقي إبراهيم بن ~~طهمان من أبي محمد بن حزم، وهو من الحفاظ الأثبات الثقات الذين اتفق الأئمة ~~الستة على إخراج حديثه واتفق أصحاب الصحيح وفيهم الشيخان على الاحتجاج ~~بحديثه وشهد له الأئمة بالثقة والصدق، ولم يحفظ عن أحد منهم فيه جرح، ولا ~~خدش، ولا يحفظ عن أحد من المحدثين قط تعليل حديث رواه، ولا تضعيفه به. # وقرئ على شيخنا أبي الحجاج الحافظ في " التهذيب " وأنا أسمع قال: إبراهيم ~~بن طهمان بن سعيد الخراساني أبو سعيد الهروي ولد بهراة وسكن نيسابور وقدم ~~بغداد وحدث بها، ثم سكن بمكة حتى مات بها، ثم ذكر عمن روى ومن روى عنه، ثم ~~قال: قال نوح بن عمرو بن المروزي، عن سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك: ~~صحيح الحديث، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه وأبي حاتم: ثقة، وقال ~~عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن معين: لا بأس به وكذلك قال العجلي، ~~وقال أبو حاتم: صدوق حسن الحديث، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان ثقة في ~~الحديث، ثم لم تزل الأئمة يشتهون حديثه ويرغبون فيه ويوثقونه. # وقال أبو داود: ثقة. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث حسن الرواية ~~كثير السماع ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة وروى له الجماعة. # وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز ~~وأوثقهم وأوسعهم علما. # وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول مات إبراهيم بن طهمان سنة ثمان ~~وستين ومائة بمكة ولم يخلف مثله. # PageV05P629 # وقد أفتى الصحابة رضي الله عنهم بما هو مطابق لهذه النصوص وكاشف عن ~~معناها ومقصودها، فصح عن ابن عمر أنه قال (لا تكتحل، ولا تتطيب، ولا تختضب، ~~ولا تلبس المعصفر، ولا ثوبا مصبوغا، ولا بردا، ولا تتزين بحلي، ولا تلبس ~~شيئا ms1781 تريد به الزينة، ولا تكتحل بكحل تريد به الزينة إلا أن تشتكي عينها) # وصح عنه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن ~~نافع، عن ابن عمر: (، ولا تمس المتوفى عنها طيبا، ولا تختضب، ولا تكتحل، ~~ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب تتجلبب به) # وصح عن أم عطية: (لا تلبس الثياب المصبغة إلا العصب، ولا تمس طيبا إلا ~~أدنى الطيب بالقسط والأظفار، ولا تكتحل بكحل زينة) # وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (تجتنب الطيب والزينة) # وصح عن أم سلمة رضي الله عنها: (لا تلبس من الثياب المصبغة شيئا، ولا ~~تكتحل، ولا تلبس حليا، ولا تختضب، ولا تتطيب) # وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (لا تلبس معصفرا، ولا تقرب طيبا ~~وتكتحل وتلبس حليا وتلبس إن شاءت ثياب العصب) ### | [فصل هل تجتنب الحادة النقاب] # فصل # وأما النقاب فقال الخرقي في " مختصره ": وتجتنب الزوجة المتوفى عنها ~~زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها والكحل بالإثمد والنقاب. # ولم أجد بهذا نصا عن أحمد، وقد قال إسحاق بن هانئ في " مسائله ": سألت ~~أبا عبد الله، عن المرأة # PageV05P630 # تنتقب في عدتها، أو تدهن في عدتها؟ قال لا بأس به وإنما كره للمتوفى عنها ~~زوجها أن تتزين. # ولكن قد قال أبو داود في " مسائله "، عن المتوفى عنها زوجها والمطلقة ~~ثلاثا والمحرمة تجتنبن الطيب والزينة. # فجعل المتوفى عنها بمنزلة المحرمة فيما تجتنبه، فظاهر هذا أنها تجتنب ~~النقاب، فلعل أبا القاسم أخذ من نصه هذا - والله أعلم - وبهذا علله أبو ~~محمد في " المغني " فقال فصل الثالث فيما تجتنبه الحادة النقاب وما في ~~معناه مثل البرقع ونحوه؛ لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة والمحرمة تمتنع من ~~ذلك. # وإذا احتاجت إلى ستر وجهها سدلت عليه كما تفعل المحرمة. ### | [فصل هل تلبس الحادة الثوب إذا صبغ غزله ثم نسج] # فصل # فإن قيل: فما تقولون في الثوب إذا صبغ غزله، ثم نسج هل لها لبسه؟ قيل: ~~فيه وجهان وهما احتمالان في المغني أحدهما: يحرم لبسه؛ ms1782 لأنه أحسن وأرفع، ~~ولأنه مصبوغ للحسن فأشبه ما صبغ بعد نسجه، والثاني: لا يحرم لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله عنها: ( «إلا ثوب عصب» ) ، ~~وهو ما صبغ غزله قبل نسجه ذكره القاضي # قال الشيخ: والأول أصح، وأما العصب فالصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب # قال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به، فأرخص النبي ~~صلى الله عليه وسلم للحادة في لبس ما يصبغ بالعصب لأنه في معنى ما يصبغ ~~لغير تحسين كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه ~~كحصولها بما صبغ بعد نسجه. والله أعلم. ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستبراء] # ثبت في " صحيح مسلم ": من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم ~~فظهروا عليهم وأصابوا سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ~~ذلك # PageV05P631 # {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] » ) [النساء 24] ~~أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. # وفي " صحيحه " أيضا: من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ( «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مر بامرأة مجح على باب فسطاط فقال " لعله يريد أن يلم بها ~~". فقالوا: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد هممت أن ألعنه ~~لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له» ) ~~. # وفي الترمذي: من حديث عرباض بن سارية ( «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ~~وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن» ) # وفي " المسند " و " سنن أبي داود ": من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس: ( «لا توطأ حامل حتى ~~تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة» ) . # وفي الترمذي: من حديث رويفع بن ثابت ms1783 رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره» ) . ~~قال الترمذي: حديث حسن. # ولأبي داود من حديثه أيضا: ( «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن # PageV05P632 # يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها» ) . # ولأحمد: ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا ~~حتى تحيض» ) . وذكر البخاري في " صحيحه ": قال ابن عمر: ( «إذا وهبت ~~الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو عتقت فلتستبرأ بحيضة، ولا تستبرأ العذراء» ~~) . # وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس: ( «أرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مناديا في بعض مغازيه: لا يقعن رجل على حامل ولا حائل ~~حتى تحيض» ) . # وذكر عن سفيان الثوري، عن زكريا، عن الشعبي قال ( «أصاب المسلمون سبايا ~~يوم أوطاس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقعوا على حامل حتى ~~تضع، ولا على غير حامل حتى تحيض» ) . ### | [لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم براءة رحمها] # فصل # فتضمنت هذه السنن أحكاما عديدة. أحدها: أنه لا يجوز وطء المسبية حتى يعلم ~~براءة رحمها، فإن كانت حاملا فبوضع حملها، وإن كانت حائلا فبأن تحيض حيضة. ~~فإن لم تكن من ذوات الحيض فلا نص فيها، واختلف فيها وفي البكر وفي التي ~~يعلم براءة رحمها بأن حاضت عند البائع، ثم باعها عقيب الحيض ولم يطأها ولم ~~يخرجها عن ملكه، أو كانت عند امرأة وهي مصونة فانتقلت عنها إلى رجل، فأوجب ~~الشافعي، وأبو # PageV05P633 # حنيفة، وأحمد الاستبراء في ذلك كله أخذا بعموم الأحاديث واعتبارا بالعدة ~~حيث تجب مع العلم ببراءة الرحم، واحتجاجا بآثار الصحابة كما ذكر عبد ~~الرزاق. حدثنا ابن جريج قال قال عطاء: تداول ثلاثة من التجار جارية فولدت ~~فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القافة فألحقوا ولدها بأحدهم، ثم قال عمر ~~رضي الله عنه (من ابتاع جارية قد بلغت المحيض فليتربص بها حتى تحيض فإن ~~كانت لم تحض فليتربص بها خمسا وأربعين ليلة) # قالوا: وقد أوجب ms1784 الله العدة على من يئست من المحيض وعلى من لم تبلغ سن ~~المحيض وجعلها ثلاثة أشهر، والاستبراء عدة الأمة فيجب على الآيسة ومن لم ~~تبلغ سن المحيض. # وقال آخرون: المقصود من الاستبراء العلم ببراءة الرحم، فحيث تيقن المالك ~~براءة رحم الأمة فله وطؤها، ولا استبراء عليه كما رواه عبد الرزاق، عن ~~معمر، عن أيوب، عن نافع (، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: إذا كانت الأمة ~~عذراء لم يستبرئها إن شاء) وذكره البخاري في " صحيحه " عنه. # وذكر حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي، عن ~~ابن عمر قال (وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة، قال ابن ~~عمر: فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون) # ومذهب مالك إلى هذا يرجع، وهاك قاعدته وفروعها: قال أبو عبد الله ~~المازري، وقد عقد قاعدة لباب الاستبراء فنذكرها بلفظها: والقول الجامع في ~~ذلك أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء، وكل من غلب على ~~الظن كونها حاملا، أو شك في حملها، أو تردد # PageV05P634 # فيه فالاستبراء لازم فيها، وكل من غلب الظن ببراءة رحمها، لكنه مع الظن ~~الغالب يجوز حصوله، فإن المذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه. # ثم خرج على ذلك الفروع المختلفة، فيها كاستبراء الصغيرة التي تطيق الوطء، ~~والآيسة، وفيه روايتان عن مالك، قال صاحب (الجواهر) : ويجب في الصغيرة إذا ~~كانت ممن قارب سن الحمل كبنت ثلاث عشرة، أو أربع عشرة، وفي إيجاب الاستبراء ~~إذا كانت ممن تطيق الوطء، ولا يحمل مثلها كبنت تسع وعشر، روايتان، أثبته في ~~رواية ابن القاسم، ونفاه في رواية ابن عبد الحكم، وإن كانت ممن لا يطيق ~~الوطء فلا استبراء فيها. # قال: ويجب الاستبراء فيمن جاوزت سن الحيض، ولم تبلغ سن الآيسة، مثل ابنة ~~الأربعين والخمسين. # وأما التي قعدت عن المحيض، ويئست عنه، فهل يجب فيها الاستبراء، أو لا ~~يجب؟ روايتان لابن القاسم، وابن عبد الحكم. # قال المازري: ووجه استبراء الصغيرة التي تطيق الوطء والآيسة، ms1785 أنه يمكن ~~فيهما الحمل على الندور، أو لحماية الذريعة، لئلا يدعى في مواضع الإمكان أن ~~لا إمكان. # قال: ومن ذلك استبراء الأمة خوفا أن تكون زنت، وهو المعبر عنه بالاستبراء ~~لسوء الظن، وفيه قولان والنفي لأشهب. # قال ومن ذلك استبراء الأمة الوخش، فيه قولان، الغالب: عدم وطء السادات ~~لهن، وإن كان يقع في النادر. # ومن ذلك استبراء من باعها مجبوب، أو امرأة، أو ذو محرم، ففي وجوبه ~~روايتان عن مالك. # ومن ذلك استبراء المكاتبة إذا كانت تتصرف ثم عجزت، فرجعت إلى سيدها، فابن ~~القاسم يثبت الاستبراء، وأشهب ينفيه. # ومن ذلك استبراء البكر، قال أبو الحسن اللخمي: هو مستحب على # PageV05P635 # وجه الاحتياط غير واجب، وقال غيره من أصحاب مالك: هو واجب. # ومن ذلك إذا استبرأ البائع الأمة، وعلم المشتري أنه قد استبرأها، فإنه ~~يجزئ استبراء البائع عن استبراء المشتري. # ومن ذلك إذا أودعه أمة، فحاضت عند المودع حيضة، ثم استبرأها، لم يحتج إلى ~~استبراء ثان، وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها، وهذا بشرط أن لا تخرج، ولا ~~يكون سيدها يدخل عليها. # ومن ذلك أن يشتريها من زوجته، أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت عند ~~البائع، فابن القاسم يقول: إن كانت لا تخرج أجزأه ذلك، وأشهب يقول: إن كان ~~مع المشتري في دار وهو الذاب عنها، والناظر في أمرها أجزأه ذلك، سواء كانت ~~تخرج أو لا تخرج. # ومن ذلك إن كان سيد الأمة غائبا، فحين قدم، اشتراها منه رجل قبل أن تخرج، ~~أو خرجت وهي حائض، فاشتراها قبل أن تطهر، فلا استبراء عليه. # ومن ذلك إذا بيعت وهي حائض في أول حيضها، فالمشهور من مذهبه أن ذلك يكون ~~استبراء لها لا يحتاج إلى حيضة مستأنفة. # ومن ذلك، الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، ~~وقد حاضت في يده، فلا استبراء عليه. # وهذه الفروع كلها من مذهبه تنبيك عن مأخذه في الاستبراء، وأنه إنما يجب ~~حيث لا يعلم ولا يظن براءة الرحم، فإن علمت أو ظنت، فلا استبراء، ms1786 وقد قال ~~أبو العباس ابن سريج وأبو العباس ابن تيمية: إنه لا يجب استبراء البكر، كما ~~صح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وبقولهم نقول، وليس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نص عام في وجوب استبراء كل من تجدد له عليها ملك على أي # PageV05P636 # حالة كانت، وإنما نهى عن وطء السبايا حتى تضع حواملهن، وتحيض حوائلهن. # فإن قيل: فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهن قبل الاستبراء، كما يمتنع وطء ~~الثيب؟ # قيل: نعم، وغايته أنه عموم أو إطلاق ظهر القصد منه، فيخص أو يقيد عند ~~انتفاء موجب الاستبراء، ويخص أيضا بمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~حديث رويفع: ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبا من السبايا ~~حتى تحيض» ) . ويخص أيضا بمذهب الصحابي، ولا يعلم له مخالف. # وفي (صحيح البخاري) : من حديث بريدة، قال: «بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عليا - رضي الله عنه - إلى خالد يعني باليمين ليقبض الخمس ~~فاصطفى علي منها سبية، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟ وفي ~~رواية: فقال خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟ قال بريدة: وكنت أبغض عليا - ~~رضي الله عنه - فلما قدمنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرت ذلك له ~~فقال: (يا بريدة أتبغض عليا) ؟ قلت: نعم. قال: (لا تبغضه فإن له في الخمس ~~أكثر من ذلك) » . # فهذه الجارية إما أن تكون بكرا فلم ير علي وجوب استبرائها، وإما أن تكون ~~في آخر حيضها، فاكتفى بالحيضة قبل تملكه لها. وبكل حال، فلا بد أن يكون ~~تحقق براءة رحمها بحيث أغناه عن الاستبراء. # فإذا تأملت قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حق التأمل، وجدت قوله: ( ~~«ولا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» ) ، ظهر لك منه أن ~~المراد بغير ذات الحمل من يجوز أن تكون حاملا، وأن لا تكون، فيمسك عن وطئها # PageV05P637 # مخافة الحمل، لأنه لا علم له بما اشتمل عليه رحمها، وهذا قاله في ~~المسبيات لعدم علم السابي بحالهن. # وعلى هذا فكل ms1787 من ملك أمة لا يعلم حالها قبل الملك، هل اشتمل رحمها على ~~حمل أم لا؟ لم يطأها حتى يستبرئها بحيضة، هذا أمر معقول، وليس بتعبد محض لا ~~معنى له، فلا معنى لاستبراء العذراء والصغيرة التي لا يحمل مثلها، والتي ~~اشتراها من امرأته وهي في بيته لا تخرج أصلا، ونحوها ممن يعلم براءة رحمها، ~~فكذلك إذا زنت المرأة وأرادت أن تتزوج، استبرأها بحيضة، ثم تزوجت، وكذلك ~~إذا زنت وهي مزوجة، أمسك عنها زوجها حتى تحيض حيضة، وكذلك أم الولد إذا مات ~~عنها سيدها، اعتدت بحيضة. # قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، كم عدة أم الولد إذا توفي عنها مولاها ~~أو أعتقها؟ قال: عدتها حيضة، وإنما هي أمة في كل أحوالها، إن جنت، فعلى ~~سيدها قيمتها، وإن جني عليها، فعلى الجاني ما نقص من قيمتها. وإن ماتت، فما ~~تركت من شيء فلسيدها، وإن أصابت حدا، فحد أمة، وإن زوجها سيدها فما ولدت ~~فهم بمنزلتها يعتقون بعتقها، ويرقون برقها. # وقد اختلف الناس في عدتها، فقال بعض الناس: أربعة أشهر وعشرا، فهذه عدة ~~الحرة وهذه عدة أمة خرجت من الرق إلى الحرية، فيلزم من قال: أربعة أشهر ~~وعشرا أن يورثها، وأن يجعل حكمها حكم الحرة؛ لأنه قد أقامها في العدة مقام ~~الحرة. # وقال بعض الناس: عدتها ثلاث حيض، وهذا قول ليس له وجه، إنما تعتد ثلاث ~~حيض المطلقة، وليست هي بمطلقة ولا حرة، وإنما ذكر الله العدة فقال: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ~~[البقرة: 234] ، وليست أم الولد بحرة ولا زوجة، فتعتد بأربعة أشهر وعشر. ~~قال: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] # PageV05P638 # ، وإنما هي أمة خرجت من الرق إلى الحرية، وهذا لفظ أحمد - رحمه الله -. # وكذلك قال في رواية صالح: تعتد أم الولد إذا توفي عنها مولاها، أو أعتقها ~~حيضة، وإنما هي أمة في كل أحوالها. # وقال في رواية محمد بن العباس: عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر إذا توفي ~~عنها سيدها. # وقال الشيخ في (المغني) : وحكى أبو ms1788 الخطاب رواية ثالثة عن أحمد: أنها ~~تعتد بشهرين وخمسة أيام. قال: ولم أجد هذه الرواية عن أحمد - رحمه الله - ~~في (الجامع) ولا أظنها صحيحة عن أحمد - رحمه الله - وروي ذلك عن عطاء ~~وطاووس وقتادة؛ لأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة الأمة، كما لو مات رجل ~~عن زوجته الأمة، فعتقت بعد موته، فليست هذه رواية إسحاق بن منصور عن أحمد. # قال أبو بكر عبد العزيز في (زاد المسافر) : باب القول في عدة أم الولد من ~~الطلاق والوفاة. قال أبو عبد الله في رواية ابن القاسم: إذا مات السيد وهي ~~عند زوج، فلا عدة عليها، كيف تعتد وهي مع زوجها؟ وقال في رواية مهنا: إذا ~~أعتق أم الولد، فلا يتزوج أختها حتى تخرج من عدتها. وقال في رواية إسحاق بن ~~منصور: وعدة أم الولد عدة الأمة في الوفاة والطلاق والفرقة، انتهى كلامه. # وحجة من قال: عدتها أربعة أشهر وعشر، ما رواه أبو داود عن عمرو بن العاص، ~~أنه قال لا تفسدوا علينا سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عدة أم ~~الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. وهذا قول السعيدين، # PageV05P639 # ومحمد بن سيرين، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وخلاس بن عمرو، والزهري، ~~والأوزاعي، وإسحاق. قالوا: لأنها حرة تعتد للوفاة، فكانت عدتها أربعة أشهر ~~وعشرا، كالزوجة الحرة. # وقال عطاء، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: تعتد بثلاث حيض، وحكي ~~عن علي، وابن مسعود، قالوا: لأنها لا بد لها من عدة، وليست زوجة، فتدخل في ~~آية الأزواج المتوفى عنهن، ولا أمة، فتدخل في نصوص استبراء الإماء بحيضة، ~~فهي أشبه شيء بالمطلقة فتعتد بثلاثة أقراء. # والصواب من هذه الأقوال أنها تستبرأ بحيضة، وهو قول عثمان بن عفان ~~وعائشة، وعبد الله بن عمر، والحسن، والشعبي، والقاسم بن محمد، وأبي قلابة، ~~ومكحول، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل في أشهر الروايات عنه، وهو قول أبي ~~عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، فإن هذا إنما هو لمجرد الاستبراء لزوال الملك ~~عن الرقبة فكان حيضة واحدة في حق من ms1789 تحيض، كسائر استبراءات المعتقات، ~~والمملوكات، والمسبيات. # وأما حديث عمرو بن العاص، فقال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو ~~بن العاص. # وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص، فقال لا ~~يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم ~~قال: أين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا؟ وقال: {أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذه أمة خرجت من ~~الرق إلى الحرية، ويلزم من قال بهذا أن يورثها، وليس لقول من قال: تعتد ~~ثلاث حيض وجه إنما تعتد بذلك المطلقة. انتهى كلامه. # وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو، مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق، وقد ~~ضعفه غير واحد، وأخبرنا شيخنا أبو الحجاج الحافظ في كتاب (التهذيب) قال أبو ~~طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مطر الوراق. فقال: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه ~~عن عطاء، وقال عبد الله بن أحمد بن # PageV05P640 # حنبل: سألت أبي عن مطر الوراق، قال: كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر ~~الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، قال عبد الله: فسألت أبي عنه؟ فقال ما ~~أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة، وقال مطر في عطاء: ضعيف الحديث، قال ~~عبد الله: قلت ليحيى بن معين: مطر الوراق؟ فقال: ضعيف في حديث عطاء بن أبي ~~رباح، وقال النسائي: ليس بالقوي. وبعد، فهو ثقة، قال أبو حاتم الرازي: صالح ~~الحديث، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، واحتج به مسلم، فلا وجه لضعف ~~الحديث به. # وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص - رضي ~~الله عنه - ولم يسمع منه، قاله الدارقطني، وله علة أخرى، وهي أنه موقوف لم ~~يقل: لا تلبسوا علينا سنة نبينا. # قال الدارقطني: والصواب: لا تلبسوا علينا ديننا. موقوف. وله علة أخرى، ~~وهي اضطراب الحديث، واختلافه عن عمرو على ثلاثة أوجه: # أحدها: هذا. # والثاني: عدة أم الولد عدة الحرة. ms1790 # والثالث: عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر، فإذا أعتقت، فعدتها ~~ثلاث حيض، والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي. # قال الإمام أحمد: هذا حديث منكر حكاه البيهقي عنه، وقد روى خلاس، عن علي ~~مثل رواية قبيصة عن عمرو، أن عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر، ولكن خلاس بن ~~عمرو قد تكلم في حديثه، فقال أيوب: لا يروى عنه؛ فإنه صحفي، وكان مغيرة لا ~~يعبأ بحديثه. # وقال أحمد: روايته عن علي يقال: إنه كتاب، وقال البيهقي: روايات خلاس عن ~~علي ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، فقال: هي من صحيفة. ومع ذلك فقد روى ~~مالك، عن نافع، عن ابن عمر في أم الولد يتوفى عنها سيدها، قال: تعتد بحيضة. # فإن ثبت عن # PageV05P641 # علي وعمرو ما روي عنهما، فهي مسألة نزاع بين الصحابة، والدليل هو الحاكم، ~~وليس مع من جعلها أربعة أشهر وعشرا إلا التعلق بعموم المعنى، إذ لم يكن ~~معهم لفظ عام، ولكن شرط عموم المعنى تساوي الأفراد في المعنى الذي ثبت ~~الحكم لأجله، فما لم يعلم ذلك لا يتحقق الإلحاق، والذين ألحقوا أم الولد ~~بالزوجة رأوا أن الشبه الذي بين أم الولد وبين الزوجة أقوى من الشبه الذي ~~بينها وبين الأمة من جهة أنها بالموت صارت حرة، فلزمتها العدة مع حريتها، ~~بخلاف الأمة؛ ولأن المعنى الذي جعلت له عدة الزوجة أربعة أشهر وعشرا، موجود ~~في أم الولد، وهو أدنى الأوقات الذي يتيقن فيها خلق الولد، وهذا لا يفترق ~~الحال فيه بين الزوجة وأم الولد، والشريعة لا تفرق بين متماثلين، ومنازعوهم ~~يقولون: أم الولد أحكامها أحكام الإماء، لا أحكام الزوجات، ولهذا لم تدخل ~~في قوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] [النساء: 12] ، وغيرها. ~~فكيف تدخل في قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} [البقرة: 234] ~~[البقرة: 234] ؟ قالوا: والعدة لم تجعل أربعة أشهر وعشرا لأجل مجرد براءة ~~الرحم، فإنها تجب على من يتيقن براءة رحمها وتجب قبل الدخول والخلوة فهي من ~~حريم عقد النكاح وتمامه. # وأما استبراء الأمة، فالمقصود منه العلم ببراءة رحمها، وهذا يكفي ms1791 فيه ~~حيضة، ولهذا لم يجعل استبراؤها ثلاثة قروء، كما جعلت عدة الحرة كذلك تطويلا ~~لزمان الرجعة، ونظرا للزوج، وهذا المعنى مقصود في المستبرأة، فلا نص يقتضي ~~إلحاقها بالزوجات ولا معنى، فأولى الأمور بها أن يشرع لها ما شرعه صاحب ~~الشرع في المسبيات والمملوكات، ولا تتعداه، وبالله التوفيق. ### | [فصل لا يحصل استبراء المسبية بطهر بل لا بد من حيضة] # فصل # الحكم الثاني: أنه لا يحصل الاستبراء بطهر البتة، بل لا بد من حيضة، وهذا ~~قول الجمهور، وهو الصواب، وقال أصحاب مالك، والشافعي في قول له: # PageV05P642 # يحصل بطهر كامل، ومتى طعنت في الحيضة، تم استبراؤها بناء على قولهما: إن ~~الأقراء الأطهار، ولكن يرد هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ~~«لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» ) . # وقال رويفع بن ثابت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم ~~حنين: ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى ~~يستبرئها بحيضة» ) رواه الإمام أحمد وعنده فيه ثلاثة ألفاظ هذا أحدها. ~~الثاني: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا توطأ الأمة حتى تحيض ~~وعن الحبالى حتى تضعن» . # الثالث: ( «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا ~~حتى تحيض» ) . فعلق الحل في ذلك كله بالحيض وحده لا بالطهر، فلا يجوز إلغاء ~~ما اعتبره، واعتبار ما ألغاه، ولا تعويل على ما خالف نصه، وهو مقتضى القياس ~~المحض فإن الواجب هو الاستبراء، والذي يدل على البراءة هو الحيض، فأما ~~الطهر، فلا دلالة فيه على البراءة، فلا يجوز أن يعول في الاستبراء على ما ~~لا دلالة له فيه عليه دون ما يدل عليه، وبناؤهم هذا على أن الأقراء هي ~~الأطهار، بناء على الخلاف للخلاف، وليس بحجة ولا شبهة، ثم لم يمكنهم بناء ~~هذا على ذاك حتى خالفوه، فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءا، ولم يجعلوا طهر ~~المستبرأة التي تجدد عليها الملك فيه، أو مات سيدها فيه قرءا، وحتى خالفوا ~~الحديث أيضا، كما تبين، وحتى ms1792 خالفوا المعنى كما بيناه، ولم يمكنهم هذا ~~البناء إلا بعد هذه الأنواع الثلاثة من المخالفة، وغاية ما قالوا: إن بعض ~~الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة، فيقال لهم فيكون الاعتماد عليهم ~~حينئذ على بعض الحيضة، وليس ذلك قرءا عند أحد؟ فإن قالوا: هو اعتماد على ~~بعض حيضة وطهر. # قلنا: هذا قول ثالث في مسمى القروء، ولا يعرف، وهو أن تكون حقيقته مركبة ~~من حيض وطهر. # PageV05P643 # فإن قالوا: بل هو اسم للطهر بشرط الحيض. فإذا انتفى الشرط، انتفى ~~المشروط، قلنا: هذا إنما يمكن لو علق الشارع الاستبراء بقرء، فأما مع ~~تصريحه على التعليق بحيضة، فلا. ### | [فصل لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها] # فصل # الحكم الثالث: أنه لا يحصل ببعض حيضة في يد المشتري اكتفاء بها. قال صاحب ~~(الجواهر) : فإن بيعت الأمة في آخر أيام حيضها، لم يكن ما بقي من أيام ~~حيضها استبراء لها من غير خلاف، وإن بيعت وهي في أول حيضتها، فالمشهور من ~~المذهب أن ذلك يكون استبراء لها. # وقد احتج من نازع مالكا بهذا الحديث، فإنه علق الحل بحيضة فلا بد من ~~تمامها، ولا دليل فيه على بطلان قوله، فإنه لا بد من الحيضة بالاتفاق، ولكن ~~النزاع في أمر آخر، وهو أنه هل يشترط أن يكون جميع الحيضة وهي في ملكه، أو ~~يكفي أن يكون معظمها في ملكه، فهذا لا ينفيه الحديث، ولا يثبته، ولكن ~~لمنازعيه أن يقولوا: لما اتفقنا على أنه لا يكفي أن يكون بعضها في ملك ~~المشتري، وبعضها في ملك البائع إذا كان أكثرها عند البائع، علم أن الحيضة ~~المعتبرة أن تكون وهي عند المشتري، ولهذا لو حاضت عند البائع، لم يكن ذلك ~~كافيا في الاستبراء. # ومن قال بقول مالك، يجيب عن هذا بأنها إذا حاضت قبل البيع وهي مودعة عند ~~المشتري، ثم باعها عقيب الحيضة، ولم تخرج من بيته، اكتفي بتلك الحيضة، ولم ~~يجب على المشتري استبراء ثان، وهذا أحد القولين في مذهب مالك كما تقدم، فهو ~~يجوز أن يكون الاستبراء ms1793 واقعا قبل البيع في صور، منها هذه. # ومنها إذا وضعت للاستبراء عند ثالث، فاستبرأها، ثم بيعت بعده. # قال في (الجواهر) : ولا يجزئ الاستبراء قبل البيع إلا في حالات منها: أن ~~تكون تحت يده # PageV05P644 # للاستبراء، أو بالوديعة، فتحيض عنده، ثم يشتريها حينئذ، أو بعد أيام، وهي ~~لا تخرج ولا يدخل عليها سيدها. ومنها: أن يشتريها ممن هو ساكن معه من ~~زوجته، أو ولد له صغير في عياله. وقد حاضت، فابن القاسم يقول: إن كانت لا ~~تخرج أجزأه ذلك. وقال أشهب: إن كانت معه في دار وهو الذاب عنها، والناظر في ~~أمرها، فهو استبراء، سواء كانت تخرج أو لا تخرج. # ومنها: إذا كان سيدها غائبا، فحين قدم استبرأها قبل أن تخرج، أو خرجت وهي ~~حائض، فاشتراها منه قبل أن تطهر. # ومنها: الشريك يشتري نصيب شريكه من الجارية وهي تحت يد المشتري منهما، ~~وقد حاضت في يده. وقد تقدمت هذه المسائل، فهذه وما في معناها تضمنت ~~الاستبراء قبل البيع، واكتفى به مالك عن استبراء ثان. # فإن قيل: فكيف يجتمع قوله هذا، وقوله: إن الحيضة إذا وجد معظمها عند ~~البائع لم يكن استبراء؟ قيل: لا تناقض بينهما، وهذه لها موضع وهذه لها ~~موضع، فكل موضع يحتاج فيه المشتري إلى استبراء مستقل لا يجزئ إلا حيضة، لم ~~يوجد معظمها عند البائع، وكل موضع لا يحتاج فيه إلى استبراء مستقل لا يحتاج ~~فيه إلى حيضة ولا بعضها، ولا اعتبار بالاستبراء قبل البيع، كهذه الصور ~~ونحوها. ### | [فصل استبراء المسبية الحامل بوضع الحمل] # فصل # الحكم الرابع: أنها إذا كانت حاملا، فاستبراؤها بوضع الحمل، وهذا كما أنه ~~حكم النص، فهو مجمع عليه بين الأمة. ### | [فصل لا يجوز وطء المسبية الحامل قبل وضع حملها] # فصل # الحكم الخامس: أنه لا يجوز وطؤها قبل وضع حملها، أي حمل كان، سواء كان ~~يلحق بالواطئ، كحمل الزوجة والمملوكة، والموطوءة بشبهة، أو لا يلحق به، ~~كحمل الزانية، فلا يحل وطء حامل من غير الواطئ البتة، كما صرح # PageV05P645 # به النص، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم ms1794 -: ( «من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره» ) ، وهذا يعم الزرع الطيب والخبيث، ~~ولأن صيانة ماء الواطئ عن الماء الخبيث حتى لا يختلط به أولى من صيانته عن ~~الماء الطيب؛ ولأن حمل الزاني وإن كان لا حرمة له، ولا لمائه، فحمل هذا ~~الواطئ وماؤه محترم، فلا يجوز له خلطه بغيره، ولأن هذا مخالف لسنة الله في ~~تمييز الخبيث من الطيب، وتخليصه منه، وإلحاق كل قسم بمجانسه ومشاكله. # والذي يقضي منه العجب تجويز من جوز من الفقهاء الأربعة العقد على الزانية ~~قبل استبرائها ووطئها عقيب العقد، فتكون الليلة عند الزاني وقد علقت منه، ~~والليلة التي تليها فراشا للزوج. # ومن تأمل كمال هذه الشريعة علم أنها تأبى ذلك كل الإباء وتمنع منه كل ~~المنع # ومن محاسن مذهب الإمام أحمد، أن حرم نكاحها بالكلية حتى تتوب، ويرتفع ~~عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة، فهو - رحمه الله - لا يجوز أن يكون ~~الرجل زوج بغي، ومنازعوه يجوزون ذلك، وهو أسعد منهم في هذه المسألة بالأدلة ~~كلها من النصوص والآثار، والمعاني والقياس، والمصلحة والحكمة، وتحريم ما ~~رآه المسلمون قبيحا. # والناس إذا بالغوا في سب الرجل صرحوا له بالزاي والقاف، فكيف تجوز ~~الشريعة مثل هذا، مع ما فيه من تعرضه لإفساد فراشه، وتعليق أولاد عليه من ~~غيره، وتعرضه للاسم المذموم عند جميع الأمم؟ وقياس قول من جوز العقد على ~~الزانية ووطئها قبل استبرائها حتى لو كانت حاملا، أن لا يوجب استبراء الأمة ~~إذا كانت حاملا من الزنى، بل يطؤها عقيب ملكها، وهو مخالف لصريح السنة. # فإن أوجب استبراءها، نقض قوله بجواز وطء الزانية قبل استبرائها، وإن لم ~~يوجب استبراءها، خالف النصوص، ولا ينفعه الفرق بينهما، بأن الزوج لا ~~استبراء عليه، بخلاف السيد فإن الزوج إنما لم يجب عليه الاستبراء؛ لأنه لم ~~يعقد على معتدة، ولا حامل من غيره بخلاف السيد، ثم إن الشارع إنما حرم ~~الوطء، بل # PageV05P646 # العقد في العدة خشية إمكان الحمل، فيكون واطئا حاملا من غيره، وساقيا ~~ماءه لزرع غيره مع احتمال أن ms1795 لا يكون كذلك، فكيف إذا تحقق حملها. # وغاية ما يقال: إن ولد الزانية ليس لاحقا بالواطئ الأول، فإن الولد ~~للفراش، وهذا لا يجوز إقدامه على خلط مائه ونسبه بغيره، وإن لم يلحق ~~بالواطئ الأول، فصيانة مائه ونسبه عن نسب لا يلحق بواضعه لصيانته عن نسب ~~يلحق به. # والمقصود: أن الشرع حرم وطء الأمة الحامل حتى تضع، سواء كان حملها محرما ~~أو غير محرم وقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الرجل والمرأة التي ~~تزوج بها، فوجدها حبلى، وجلدها الحد، وقضى لها بالصداق، وهذا صريح في بطلان ~~العقد على الحامل من الزنى. (وصح عنه «أنه مر بامرأة مجح على باب فسطاط ~~فقال: (لعل سيدها يريد أن يلم بها) ؟ قالوا: نعم. قال: (لقد هممت أن ألعنه ~~لعنا يدخل معه قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحل له، كيف يورثه وهو لا يحل له» ~~؟) . # فجعل سبب همه بلعنته وطأه للأمة الحامل، ولم يستفصل عن حملها، هل هو لاحق ~~بالواطئ أم غير لاحق به؟ وقوله: (كيف يستخدمه وهو لا يحل له) أي: كيف يجعله ~~عبدا له يستخدمه، وذلك لا يحل، فإن ماء هذا الواطئ يزيد في خلق الحمل، ~~فيكون بعضه منه، قال الإمام أحمد يزيد وطؤه في سمعه وبصره. # وقوله: (كيف يورثه وهو لا يحل له) ، سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ~~فيه: أي كيف يجعله تركة موروثة عنه، فإنه يعتقده عبده، فيجعله تركة تورث ~~عنه، ولا يحل له ذلك؛ لأن ماءه زاد في خلقه، ففيه جزء منه. # وقال غيره: المعنى: كيف يورثه على أنه ابنه، ولا يحل له ذلك؛ لأن # PageV05P647 # الحمل من غيره، وهو بوطئه يريد أن يجعله منه، فيورثه ماله، وهذا يرده أول ~~الحديث، وهو قوله: (كيف يستعبده) ؟ أي: كيف يجعله عبده؟ وهذا إنما يدل على ~~المعنى الأول. # وعلى القولين، فهو صريح في تحريم وطء الحامل من غيره، سواء كان الحمل من ~~زنى أو من غيره، وأن فاعل ذلك جدير باللعن، بل قد صرح جماعة من الفقهاء من ~~أصحاب أحمد وغيرهم: بأن ms1796 الرجل إذا ملك زوجته الأمة لم يطأها حتى يستبرئها ~~خشية أن تكون حاملا منه في صلب النكاح، فيكون على ولده الولاء لموالي أمه ~~بخلاف ما علقت به في ملكه، فإنه لا ولاء عليه، وهذا كله احتياط لولده: هل ~~هو صريح الحرية لا ولاء عليه، أو عليه ولاء؟ فكيف إذا كانت حاملا من غيره؟ ### | [فصل لا تحيض الحامل] # فصل # الحكم السادس: استنبط من قوله: ( «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى ~~تستبرأ بحيضة» ) ، أن الحامل لا تحيض، وأن ما تراه من الدم يكون دم فساد ~~بمنزلة الاستحاضة، تصوم وتصلي، وتطوف بالبيت، وتقرأ القرآن، وهذه مسألة ~~اختلف فيها الفقهاء، فذهب عطاء والحسن، وعكرمة ومكحول، وجابر بن زيد، ومحمد ~~بن المنكدر، والشعبي، والنخعي، والحكم، وحماد، والزهري، وأبو حنيفة ~~وأصحابه، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والإمام أحمد في ~~المشهور من مذهبه، والشافعي، في أحد قوليه إلى أنه ليس دم حيض. # وقال قتادة، وربيعة، ومالك، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق ~~بن راهويه: إنه دم حيض، وقد ذكره البيهقي في (سننه) وقال إسحاق بن راهويه: ~~قال لي أحمد بن حنبل: ما تقول في الحامل ترى الدم؟ فقلت: تصلي واحتججت بخبر ~~عطاء عن عائشة - رضي الله عنها -. قال: فقال أحمد بن حنبل: أين أنت عن خبر ~~المدنيين، خبر أم علقمة مولاة عائشة - رضي الله عنها -؟ فإنه أصح. # قال إسحاق: فرجعت إلى قول أحمد، وهو كالتصريح من أحمد، بأن دم الحامل دم ~~حيض، وهو الذي فهمه إسحاق عنه، والخبر الذي أشار إليه أحمد، # PageV05P648 # وهو ما رويناه من طريق البيهقي، أخبرنا الحاكم، حدثنا أبو بكر بن إسحاق، ~~حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن بكير بن عبد الله، ~~عن أم علقمة مولاة عائشة، أن عائشة - رضي الله عنها - سئلت عن الحامل ترى ~~الدم فقالت: لا تصلي قال البيهقي: ورويناه عن أنس بن مالك. # وروينا عن عمر بن الخطاب، ما يدل على ذلك. وروينا «عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها أنشدت ms1797 لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي كبير الهذلي: # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # » قال: وفي هذا دليل على ابتداء الحمل في حال الحيض حيث لم ينكر الشعر. # قال: وروينا عن مطر، عن عطاء، (عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ~~الحبلى لا تحيض، إذا رأت الدم، صلت.) . قال: وكان يحيى القطان ينكر هذه ~~الرواية، ويضعف رواية ابن أبي ليلى، ومطر عن عطاء. # قال: وروى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء، عن عائشة - رضي ~~الله عنها - نحو رواية مطر، فإن كانت محفوظة، فيشبه أن تكون عائشة كانت ~~تراها لا تحيض، ثم كانت تراها تحيض، فرجعت إلى ما رواه المدنيون، والله ~~أعلم. # قال المانعون من كون دم الحامل دم حيض: قد قسم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الإماء قسمين: حاملا وجعل عدتها وضع الحمل، وحائلا فجعل عدتها حيضة، ~~فكانت # PageV05P649 # الحيضة علما على براءة رحمها، فلو كان الحيض يجامع الحمل، لما كانت ~~الحيضة علما على عدمه، قالوا: ولذلك جعل عدة المطلقة ثلاثة أقراء؛ ليكون ~~دليلا على عدم حملها، فلو جامع الحمل الحيض لم يكن دليلا على عدمه. قالوا: ~~وقد ثبت في (الصحيح) ، ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - حين طلق ابنه امرأته وهي حائض: (مره فليراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكها بعد، وإن شاء طلق ~~قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» )) # ووجه الاستدلال به، أن طلاق الحامل ليس ببدعة في زمن الدم وغيره إجماعا، ~~فلو كانت تحيض لكان طلاقها فيه، وفي طهرها بعد المسيس بدعة عملا بعموم ~~الخبر، قالوا: وروى مسلم في (صحيحه) من حديث ابن عمر أيضا: ( «مره ~~فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» ) ، وهذا يدل على أن ما تراه من الدم ~~لا يكون حيضا، فإنه جعل الطلاق في وقته نظير الطلاق في وقت الطهر سواء. # فلو كان ما تراه من الدم حيضا، ms1798 لكان لها حالان، حال طهر، وحال حيض، ولم ~~يجز طلاقها في حال حيضها، فإنه يكون بدعة قالوا: وقد روى أحمد في (مسنده) ~~من حديث رويفع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «لا يحل لأحد أن ~~يسقي ماءه زرع غيره، ولا يقع على أمة حتى تحيض أو يتبين حملها» ) # فجعل وجود الحيض علما على براءة الرحم من الحمل. قالوا: وقد روي عن علي ~~أنه قال: ( «إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم مما تغيض الأرحام» ) . # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ( «إن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل ~~الدم رزقا للولد» ) . رواهما أبو حفص بن شاهين. # PageV05P650 # قالوا: وروى الأثرم، والدارقطني بإسنادهما، ( «عن عائشة - رضي الله عنها ~~- في الحامل ترى الدم، فقالت: الحامل لا تحيض، وتغتسل، وتصلي.» ) # وقولها: وتغتسل، بطريق الندب لكونها مستحاضة، قالوا: ولا يعرف عن غيرهم ~~خلافهم، لكن عائشة قد ثبت عنها أنها قالت: الحامل لا تصلي. وهذا محمول على ~~ما تراه قريبا من الولادة باليومين ونحوهما، وأنه نفاس جمعا بين قوليها، ~~قالوا: ولأنه دم لا تنقضي به العدة، فلم يكن حيضا كالاستحاضة. # وحديث عائشة - رضي الله عنها - يدل على أن الحائض قد تحبل، ونحن نقول ~~بذلك، لكنه يقطع حيضها ويرفعه. قالوا: ولأن الله سبحانه أجرى العادة ~~بانقلاب دم الطمث لبنا غذاء للولد، فالخارج وقت الحمل يكون غيره فهو دم ~~فساد. # قال المحيضون: لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، لا سيما في أول ~~حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده. وقد كان حيضا قبل الحمل ~~بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه بيقين. # قالوا: والحكم إذا ثبت في محل، فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه، فالأول ~~استصحاب لحكم الإجماع في محل النزاع، والثاني استصحاب للحكم الثابت في ~~المحل حتى يتحقق ما يرفعه، والفرق بينهما ظاهر. # قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «إذا كان دم الحيض فإنه ~~أسود يعرف» ) . وهذا أسود يعرف فكان حيضا. # قالوا: وقد قال النبي - صلى الله ms1799 عليه وسلم -: ( «أليست إحداكن إذا حاضت ~~لم تصم ولم تصل؟» ) . وحيض المرأة خروج دمها في أوقات معلومة من الشهر لغة ~~وشرعا، # PageV05P651 # وهذا كذلك لغة، والأصل في الأسماء تقريرها لا تغييرها. # قالوا: ولأن الدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان: ~~حيض واستحاضة، ولم يجعل لهما ثالثا، وهذا ليس باستحاضة، فإن الاستحاضة الدم ~~المطبق، والزائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحدا ~~منها، فبطل أن يكون استحاضة، فهو حيض، قالوا: ولا يمكنكم إثبات قسم ثالث في ~~هذا المحل، وجعله دم فساد، فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع أو دليل يجب ~~المصير إليه، وهو منتف. # قالوا: وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة إلى عادتها، وقال: ~~( «اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين» ) . # فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل ~~على عادتها المعتادة، ووقتها من غير زيادة ولا نقصان ولا انتقال، دلت ~~عادتها على أنه حيض، ووجب تحكيم عادتها، وتقديمها على الفساد الخارج عن ~~العبادة. # قالوا: وأعلم الأمة بهذه المسألة نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأعلمهن عائشة، وقد صح عنها من رواية أهل المدينة، أنها لا تصلي، وقد شهد ~~له الإمام أحمد بأنه أصح من الرواية الأخرى عنها، ولذلك رجع إليه إسحاق، ~~وأخبر أنه قول أحمد بن حنبل، قالوا: ولا تعرف صحة الآثار بخلاف ذلك عمن ~~ذكرتم من الصحابة، ولو صحت فهي مسألة نزاع بين الصحابة، ولا دليل يفصل. # قالوا: ولأن عدم مجامعة الحيض للحمل، إما أن يعلم بالحس أو بالشرع، ~~وكلاهما منتف، أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فليس عن صاحب الشرع ما يدل ~~على أنهما لا يجتمعان. # وأما قولكم: إنه جعله دليلا على براءة الرحم من الحمل في العدة ~~والاستبراء. # قلنا: جعل دليلا ظاهرا أو قطعيا الأول: صحيح. والثاني: باطل، فإنه لو كان ~~دليلا قطعيا لما تخلف عنه مدلوله، ولكانت أول مدة الحمل من حين # PageV05P652 # انقطاع الحيض، وهذا لم يقله أحد، بل أول المدة من حين ms1800 الوطء، ولو حاضت ~~بعده عدة حيض، فلو وطئها، ثم جاءت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين الوطء، ~~ولأقل منها من حين انقطاع الحيض، لحقه النسب اتفاقا، فعلم أنه أمارة ظاهرة، ~~قد يتخلف عنها مدلولها تخلف المطر عن الغيم الرطب، وبهذا يخرج الجواب عما ~~استدللتم به من السنة، فإنا بها قائلون، وإلى حكمها صائرون، وهي الحكم بين ~~المتنازعين. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - قسم النساء إلى قسمين: حامل فعدتها وضع ~~حملها، وحائل فعدتها بالحيض، ونحن قائلون بموجب هذا غير منازعين فيه، ولكن ~~أين فيه ما يدل على أن ما تراه الحامل من الدم على عادتها تصوم معه وتصلي؟ ~~هذا أمر آخر لا تعرض للحديث به، وهذا يقول القائلون: بأن دمها دم حيض، هذه ~~العبارة بعينها، ولا يعد هذا تناقضا ولا خللا في العبارة. # قالوا: وهكذا قوله في شأن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: ( «مره ~~فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمسها» ) ، إنما فيه إباحة الطلاق إذا ~~كانت حائلا بشرطين: الطهر وعدم المسيس، فأين في هذا التعرض لحكم الدم الذي ~~تراه على حملها؟ وقولكم إن الحامل لو كانت تحيض لكان طلاقها في زمن الدم ~~بدعة، وقد اتفق الناس على أن طلاق الحامل ليس ببدعة وإن رأت الدم؟ . # قلنا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم أحوال المرأة التي يريد ~~طلاقها إلى حال حمل، وحال خلو عنه، وجوز طلاق الحامل مطلقا من غير استثناء، ~~وأما غير ذات الحمل، فإنما أباح طلاقها بالشرطين المذكورين، وليس في هذا ما ~~يدل على أن دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، ~~وأن غيرها إنما تطلق طاهرا غير مصابة، ولا يشترط في الحامل شيء من هذا، بل ~~تطلق عقيب الإصابة، وتطلق وإن رأت الدم، فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها، ~~لا يحرم حال حيضها. # وهذا الذي تقتضيه حكمة الشارع في وقت الطلاق إذنا ومنعا، فإن المرأة متى ~~استبان حملها كان المطلق على بصيرة من أمره، ولم يعرض له من الندم ms1801 ما يعرض ~~لهن كلهن بعد الجماع، ولا يشعر بحملها، فليس ما منع منه نظير # PageV05P653 # ما أذن فيه، لا شرعا، ولا واقعا، ولا اعتبارا، ولا سيما من علل المنع من ~~الطلاق في الحيض بتطويل العدة، فهذا لا أثر له في الحامل. # قالوا: وأما قولكم: إنه لو كان حيضا؛ لانقضت به العدة، فهذا لا يلزم، لأن ~~الله - سبحانه - جعل عدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الحائل بالأقراء، ولا ~~يمكن انقضاء عدة الحامل بالأقراء لإفضاء ذلك إلى أن يملكها الثاني ويتزوجها ~~وهي حامل من غيره، فيسقي ماءه زرع غيره. # قالوا: وإذا كنتم سلمتم لنا أن الحائض قد تحبل، وحملتم على ذلك حديث ~~عائشة - رضي الله عنها - ولا يمكنكم منع ذلك لشهادة الحس به، فقد أعطيتم أن ~~الحيض والحبل يجتمعان، فبطل استدلالكم من رأسه، لأن مداره على أن الحيض لا ~~يجامع الحبل. # فإن قلتم: نحن إنما جوزنا ورود الحمل على الحيض، وكلامنا في عكسه، وهو ~~ورود الحيض على الحمل وبينهما فرق. # قيل: إذا كانا متنافيين لا يجتمعان، فأي فرق بين ورود هذا على هذا وعكسه؟ ~~. # وأما قولكم: إن الله - سبحانه - أجرى العادة بانقلاب دم الطمث لبنا يتغذى ~~به الولد، ولهذا لا تحيض المراضع. قلنا: وهذا من أكبر حجتنا عليكم؛ فإن هذا ~~الانقلاب والتغذية باللبن إنما يستحكم بعد الوضع، وهو زمن سلطان اللبن، ~~وارتضاع المولود، وقد أجرى الله العادة بأن المرضع لا تحيض. ومع هذا، فلو ~~رأت دما في وقت عادتها، لحكم له بحكم الحيض بالاتفاق، فلأن يحكم له بحكم ~~الحيض في الحال التي لم يستحكم فيها انقلابه، ولا تغذى الطفل به أولى ~~وأحرى. # قالوا: وهب أن هذا كما تقولون فهذا إنما يكون عند احتياج الطفل إلى ~~التغذية باللبن، وهذا بعد أن ينفخ فيه الروح. فأما قبل ذلك، فإنه لا ينقلب ~~لبنا لعدم حاجة الحمل إليه. # PageV05P654 # وأيضا، فإنه لا يستحيل كله لبنا، بل يستحيل بعضه، ويخرج الباقي، وهذا ~~القول هو الراجح كما تراه نقلا ودليلا، والله المستعان. # فإن قيل: فهل تمنعون من الاستمتاع بالمستبرأة بغير الوطء ms1802 في الموضع الذي ~~يجب فيه الاستبراء؟ قيل: أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها، فهذه لا تحرم ~~قبلتها ولا مباشرتها، وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أبو ~~محمد المقدسي، وشيخنا وغيرهما، فإنه قال: إن كانت صغيرة بأي شيء تستبرأ إذا ~~كانت رضيعة؟ وقال في رواية أخرى: تستبرأ بحيضة إن كانت تحيض، وإلا ثلاثة ~~أشهر إن كانت ممن توطأ وتحبل. قال أبو محمد: فظاهر هذا أنه لا يجب ~~استبراؤها، ولا تحرم مباشرتها، وهذا اختيار ابن أبي موسى، وقول مالك وهو ~~الصحيح، لأن سبب الإباحة متحقق، وليس على تحريمها دليل، فإنه لا نص فيها ~~ولا معنى نص، فإن تحريم مباشرة الكبيرة إنما كان لكونه داعيا إلى الوطء ~~المحرم، أو خشية أن تكون أم ولد لغيره، ولا يتوهم هذا في هذه، فوجب العمل ~~بمقتضى الإباحة، انتهى كلامه. ### | [فصل مباشرة البكر في وقت الاستبراء] # فصل # وإن كانت ممن يوطأ مثلها، فإن كانت بكرا، وقلنا: لا يجب استبراؤها، ~~فظاهر، وإن قلنا: يجب استبراؤها، فقال أصحابنا: تحرم قبلتها ومباشرتها، ~~وعندي أنه لا يحرم، ولو قلنا بوجوب استبرائها؛ لأنه لا يلزم من تحريم الوطء ~~تحريم دواعيه، كما في حق الصائم، لا سيما وهم إنما حرموا تحريم مباشرتها؛ ~~لأنها قد تكون حاملا، فيكون مستمتعا بأمة الغير، هكذا عللوا تحريم ~~المباشرة، ثم قالوا: ولهذا لا يحرم الاستمتاع بالمسبية بغير الوطء قبل ~~الاستبراء في إحدى الروايتين؛ لأنها لا يتوهم فيها انفساخ الملك؛ لأنه قد ~~استقر بالسبي فلم يبق لمنع الاستمتاع بالقبلة وغيرها من البكر معنى. # وإن كانت ثيبا، فقال أصحاب أحمد، والشافعي، وغيرهم: يحرم الاستمتاع بها ~~قبل الاستبراء، قالوا: لأنه استبراء يحرم الوطء، فحرم الاستمتاع بها قبل ~~الاستبراء كالعدة، ولأنه لا يأمن # PageV05P655 # كونها حاملا، فتكون أم ولد، والبيع باطل، فيكون مستمتعا بأم ولد غيره. ~~قالوا: ولهذا فارق وطء تحريم الحائض والصائم. # وقال الحسن البصري: لا يحرم من المستبرأة إلا فرجها وله أن يستمتع منها ~~بما شاء ما لم يطأ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما منع من ms1803 الوطء ~~قبل الاستبراء، ولم يمنع مما دونه، ولا يلزم من تحريم الوطء تحريم ما دونه، ~~كالحائض والصائمة وقد قيل: إن ابن عمر قبل جاريته من السبي حين وقعت في ~~سهمه قبل استبرائها. # ولمن نصر هذا القول أن يقول: الفرق بين المشتراة والمعتدة: أن المعتدة قد ~~صارت أجنبية منه، فلا يحل وطؤها ولا دواعيه، بخلاف المملوكة، فإن وطأها ~~إنما يحرم قبل الاستبراء خشية اختلاط مائه بماء غيره، وهذا لا يوجب تحريم ~~الدواعي، فهي أشبه بالحائض والصائمة، ونظير هذا أنه لو زنت امرأته أو ~~جاريته، حرم عليه وطؤها قبل الاستبراء، ولا يحرم دواعيه وكذلك المسبية كما ~~سيأتي. # وأكثر ما يتوهم كونها حاملا من سيدها، فينفسخ البيع، فهذا بناء على تحريم ~~بيع أمهات الأولاد على علاته، ولا يلزم القائل به؛ لأنه لما استمتع بها، ~~كانت ملكه ظاهرا، وذلك يكفي في جواز الاستمتاع، كما يخلو بها ويحدثها، ~~وينظر منها ما لا يباح من الأجنبية، وما كان جوابكم عن هذه الأمور، فهو ~~الجواب عن القبلة والاستمتاع، ولا يعلم في جواز هذا نزاع، فإن المشتري لا ~~يمنع من قبض أمته وحوزها إلى بيته، وإن كان وحده قبل الاستبراء، ولا يجب ~~عليها أن تستر وجهها منه، ولا يحرم عليه النظر إليها والخلوة بها، والأكل ~~معها، واستخدامها، والانتفاع بمنافعها، وإن لم يجز له ذلك في ملك الغير. ### | [فصل الاستمتاع بغير الوطء للمسبية] # فصل # وإن كانت مسبية، ففي جواز الاستمتاع بغير الوطء قولان للفقهاء، وهما ~~روايتان عن أحمد - رحمه الله -. # PageV05P656 # إحداهما: أنها كغير المسبية، فيحرم الاستمتاع منها بما دون الفرج، وهو ~~ظاهر كلام الخرقي، لأنه قال: ومن ملك أمة لم يصبها ولم يقبلها حتى يستبرئها ~~بعد تمام ملكه لها. # والثانية: لا يحرم، وهو قول ابن عمر - رضي الله عنه -، والفرق بينها وبين ~~المملوكة بغير السبي، أن المسبية لا يتوهم فيها كونها أم ولد، بل هي مملوكة ~~له على كل حال، بخلاف غيرها كما تقدم والله أعلم. # فإن قيل: فهل يكون أول مدة الاستبراء من حين البيع، أو من حين ms1804 القبض؟ # قيل: فيه قولان، وهما وجهان في مذهب أحمد - رحمه الله -. أحدهما: من حين ~~البيع؛ لأن الملك ينتقل به. والثاني: من حين القبض؛ لأن القصد معرفة براءة ~~رحمها من ماء البائع وغيره، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده، وهذا على أصل ~~الشافعي وأحمد. أما على أصل مالك، فيكفي عنده الاستبراء قبل البيع في ~~المواضع التي تقدمت. فإن قيل: فإن كان في البيع خيار، فمتى يكون ابتداء مدة ~~الاستبراء؟ # قيل: هذا ينبني على الخلاف في انتقال الملك في مدة الخيار، فمن قال: ~~ينتقل، فابتداء المدة عنده من حين البيع، ومن قال لا ينتقل فابتداؤها عنده ~~من حين انقطاع الخيار. # فإن قيل: فما تقولون لو كان الخيار خيار عيب؟ قيل: ابتداء المدة من حين ~~البيع قولا واحدا؛ لأن خيار العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف، والله ~~أعلم. ### | [فصل هل سكتت السنة عن استبراء الآيسة والتي لم تحض] # فصل # فإن قيل: قد دلت السنة على استبراء الحامل بوضع الحمل، وعلى استبراء ~~الحائل بحيضة فكيف سكتت عن استبراء الآيسة والتي لم تحض ولم تسكت عنهما في ~~العدة؟ # PageV05P657 # قيل: لم تسكت عنهما بحمد الله، بل بينتهما بطريق الإيماء والتنبيه، فإن ~~الله - سبحانه - جعل عدة الحرة ثلاثة قروء، ثم جعل عدة الآيسة والتي لم تحض ~~ثلاثة أشهر، فعلم أنه - سبحانه - جعل في مقابلة كل قرء شهرا. ولهذا أجرى ~~سبحانه عادته الغالبة في إمائه، أن المرأة تحيض في كل شهر حيضة، وبينت ~~السنة أن استبراء الأمة الحائض بحيضة، فيكون الشهر قائما مقام الحيضة، وهذا ~~إحدى الروايات عن أحمد، وأحد قولي الشافعي. # وعن أحمد رواية ثانية: أنها تستبرأ بثلاثة أشهر، وهي المشهورة عنه، وهو ~~أحد قولي الشافعي. ووجه هذا، القول ما احتج به أحمد في رواية أحمد بن ~~القاسم، فإنه قال: قلت لأبي عبد الله: كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان حيضة، ~~وإنما جعل الله - سبحانه - في القرآن مكان كل حيضة شهرا؟ # فقال أحمد: إنما قلنا: ثلاثة أشهر من أجل الحمل، فإنه لا يتبين في أقل من ms1805 ~~ذلك، فإن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابل، فأخبروا ~~أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه ذلك، ثم قال: ألا تسمع قول ~~ابن مسعود: إن النطفة تكون أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة بعد ذلك، ~~فإذا خرجت الثمانون، صارت بعدها مضغة، وهي لحم فيتبين حينئذ. # قال ابن القاسم: قال لي: هذا معروف عند النساء. فأما شهر، فلا معنى فيه، ~~انتهى كلامه. # وعنه رواية ثالثة أنها: تستبرأ بشهر ونصف، فإنه قال في رواية حنبل: قال ~~عطاء: إن كانت لا تحيض، فخمسة وأربعون ليلة. قال حنبل: قال عمي: لذلك أذهب؛ ~~لأن عدة المطلقة الآيسة كذلك، انتهى كلامه. # ووجه هذا القول: أنها لو طلقت وهي آيسة، اعتدت بشهر ونصف في رواية، فلأن ~~تستبرأ الأمة بهذا القدر أولى. # وعن أحمد رواية رابعة: أنها تستبرأ بشهرين، حكاها القاضي عنه، # PageV05P658 # واستشكلها كثير من أصحابه، حتى قال صاحب (المغني) : ولم أر لذلك وجها. # قال ولو كان استبراؤها بشهرين، لكان استبراء ذات القروء بقرءين، ولم نعلم ~~به قائلا. # ووجه هذه الرواية، أنها اعتبرت بالمطلقة، ولو طلقت وهي أمة، لكانت عدتها ~~شهرين، هذا هو المشهور عن أحمد - رحمه الله - واحتج فيه بقول عمر - رضي ~~الله عنه - وهو الصواب؛ لأن الأشهر قائمة مقام القروء وعدة ذات القروء ~~قرءان، فبدلهما شهران، وإنما صرنا إلى استبراء ذات القرء بحيضة؛ لأنها علم ~~ظاهر على براءتها من الحمل، ولا يحصل ذلك بشهر واحد، فلا بد من مدة تظهر ~~فيها براءتها، وهي إما شهران أو ثلاثة، فكانت الشهران أولى؛ لأنها جعلت ~~علما على البراءة في حق المطلقة، ففي حق المستبرأة أولى، فهذا وجه هذه ~~الرواية. # وبعد، فالراجح من الدليل: الاكتفاء بشهر واحد، وهو الذي دل عليه إيماء ~~النص وتنبيهه، وفي جعل مدة استبرائها ثلاثة أشهر تسوية بينها وبين الحرة، ~~وجعلها بشهرين تسوية بينها وبين المطلقة، فكان أولى المدد بها شهرا؛ فإنه ~~البدل التام، والشارع قد اعتبر نظير هذا البدل في نظير الأمة، وهي الحرة، ~~واعتبره الصحابة ms1806 في الأمة المطلقة، فصح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~أنه قال: عدتها حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهران، احتج به أحمد - رحمه الله ~~-. وقد نص أحمد - رحمه الله - في أشهر الروايات عنه على أنها إذا ارتفع ~~حيضها لا تدري ما رفعه، اعتدت بعشرة أشهر، تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة. # وعنه رواية ثانية: تعتد بسنة، هذه طريقة الشيخ أبي محمد، قال: وأحمد ~~هاهنا جعل مكان الحيضة شهرا؛ لأن اعتبار تكرارها في الآيسة لتعلم براءتها ~~من الحمل، وقد علم براءتها منه هاهنا بمضي غالب مدته، فجعل الشهر مكان ~~الحيضة على وفق القياس، وهذا هو الذي ذكره الخرقي مفرقا بين الآيسة، وبين ~~من ارتفع حيضها، فقال: فإن كانت آيسة، فبثلاثة أشهر، وإن ارتفع حيضها لا ~~تدري ما رفعه، اعتدت بتسعة أشهر للحمل، وشهر مكان الحيضة. # PageV05P659 # وأما الشيخ أبو البركات، فجعل الخلاف في الذي ارتفع حيضها، كالخلاف في ~~الآيسة، وجعل فيها الروايات الأربع بعد غالب مدة الحمل تسوية بينها وبين ~~الآيسة، فقال في (محرره) : والآيسة، والصغيرة بمضي شهر. وعنه: بمضي ثلاثة ~~أشهر. وعنه: شهرين، وعنه: شهر ونصف. وإن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، ~~فبذلك بعد تسعة أشهر. # وطريقة الخرقي، والشيخ أبي محمد أصح، وهذا الذي اخترناه من الاكتفاء ~~بشهر، هو الذي مال إليه الشيخ في (المغني) فإنه قال: ووجه استبرائها بشهر، ~~أن الله جعل الشهر مكان الحيضة، ولذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيضات، ~~فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة أشهر مكان الثلاثة قروء، وعدة الأمة شهرين ~~مكان القرءين، وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها عشرة أشهر، تسعة للحمل، ~~وشهر مكان الحيضة، فيجب أن يكون مكان الحيضة هنا شهر، كما في حق من ارتفع ~~حيضها. # قال: فإن قيل: فقد وجدتم ما دل على البراءة وهو تربص تسعة أشهر. # قلنا: وهاهنا ما يدل على البراءة وهو الإياس، فاستويا. ### | [ذكر أحكامه صلى الله عليه وسلم في البيوع] ### | [ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم فيما يحرم بيعه] # ثبت في (الصحيحين) : من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله ms1807 عنهما - أنه ~~سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، ~~والميتة، والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها ~~يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا هو حرام) . ~~ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن ~~الله لما حرم عليهم شحومها # PageV05P660 # جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» ) . # وفيهما أيضا: عن ابن عباس، «قال بلغ عمر - رضي الله عنه - أن سمرة باع ~~خمرا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها» ) . # فهذا من (مسند عمر) - رضي الله عنه - وقد رواه البيهقي، والحاكم في ~~(مستدركه) فجعلاه من (مسند ابن عباس) ، وفيه زيادة، ولفظه: عن ابن عباس، ~~قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، يعني الحرام، فرفع بصره ~~إلى السماء فتبسم، فقال: (لعن الله اليهود، لعن الله اليهود، لعن الله ~~اليهود، إن الله - عز وجل - حرم عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، إن ~~الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» ) وإسناده صحيح، فإن البيهقي ~~رواه عن ابن عبدان، عن الصفار، عن إسماعيل القاضي، حدثنا مسدد، حدثنا بشر ~~بن المفضل، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس. # وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - نحوه، دون قوله: ( ~~«إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» ) . # فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول، ~~ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثا؛ وأعيان تفسد الأديان، وتدعو إلى ~~الفتنة والشرك. # PageV05P661 # فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها، وبالثاني: القلوب ~~عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها، والغاذي شبيه بالمغتذي، ~~وبالثالث: الأديان عما وضع لإفسادها. # فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان. # ولكن الشأن في معرفة حدود كلامه - صلوات الله عليه - وما يدخل فيه، وما ~~لا يدخل فيه، لتستبين عموم كلماته وجمعها، وتناولها لجميع الأنواع ms1808 التي ~~شملها عموم كلماته، وتأويلها بجميع الأنواع التي شملها عموم لفظه ومعناه، ~~وهذه خاصية الفهم عن الله ورسوله التي تفاوت فيه العلماء، ويؤتيه الله من ~~يشاء. # فأما تحريم بيع الخمر، فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر، مائعا كان، أو ~~جامدا، عصيرا، أو مطبوخا، فيدخل فيه عصير العنب، وخمر الزبيب، والتمر، ~~والذرة، والشعير، والعسل، والحنطة، واللقمة الملعونة، لقمة الفسق والقلب ~~التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن، فإن هذا كله خمر بنص رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده، ولا إجمال في ~~متنه، إذ صح عنه قوله: ( «كل مسكر خمر» ) . # وصح عن أصحابه - رضي الله عنهم - الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده: أن ~~الخمر ما خامر العقل فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر كدخول جميع أنواع ~~الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والزبيب، تحت قوله: ( «لا تبيعوا # PageV05P662 # الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر ~~بالتمر، والملح بالملح، إلا مثلا بمثل» ) . # فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز ~~إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنه يتضمن محذورين. # أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه. # والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييرا ~~لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به ~~الشارع، أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكما آخر. # ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمته من يبتلى بهذا، كما قال: ~~( «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» ) قضى قضية كلية عامة لا ~~يتطرق إليها إجمال، ولا احتمال، بل هي شافية كافية، فقال: ( «كل مسكر خمر» ~~) ، هذا ولو أن أبا عبيدة، والخليل وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه ~~الكلمة هكذا لقالوا: قد نص أئمة اللغة على # PageV05P663 # أن كل مسكر خمر، وقولهم حجة، وسيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر هديه في ~~الأطعمة والأشربة مزيد تقرير لهذا، وأنه لو لم يتناوله لفظه، ms1809 لكان القياس ~~الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع ~~المسكر في تحريم البيع والشرب، فالتفريق بين نوع ونوع، تفريق بين متماثلين ~~من جميع الوجوه. ### | [فصل تحريم بيع الميتة] # فصل # وأما تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة، سواء مات حتف أنفه، ~~أو ذكي ذكاة لا تفيد حله. ويدخل فيه أبعاضها أيضا، ولهذا استشكل الصحابة - ~~رضي الله عنهم - تحريم بيع الشحم، مع ما لهم فيه من المنفعة، فأخبرهم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه حرام، وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة وهذا ~~موضع اختلف الناس فيه؛ لاختلافهم في فهم مراده - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~أن قوله: ( «لا، هو حرام» ) هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال ~~التي سألوا عنها؟ فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع؛ فإنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لما أخبرهم أن الله حرم بيع الميتة، قالوا: إن في شحومها من المنافع ~~كذا وكذا، يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: ( «لا، هو حرام» ) . # قلت: كأنهم طلبوا تخصيص الشحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العباس - ~~رضي الله عنه - تخصيص الإذخر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز، فلم يجبهم ~~إلى ذلك، فقال: ( «لا، هو حرام» ) . # وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التحريم عائد إلى الأفعال المسؤول عنها، ~~وقال: هو حرام، ولم يقل: هي؛ لأنه أراد المذكور جميعه ويرجح قولهم عود ~~الضمير إلى أقرب مذكور، ويرجحه من جهة المعنى أن إباحة هذه الأشياء # PageV05P664 # ذريعة إلى اقتناء الشحوم وبيعها، ويرجحه أيضا: أن في بعض ألفاظ الحديث، ~~فقال: ( «لا، هي حرام» ) ، وهذا الضمير إما أن يرجع إلى الشحوم، وإما إلى ~~هذه الأفعال، وعلى التقديرين، فهو حجة على تحريم الأفعال التي سألوا عنها. # ويرجحه أيضا قوله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «في الفأرة التي ~~وقعت في السمن: (إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وكلوه وإن كان مائعا فلا ~~تقربوه» ) . وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قربان له. ومن رجح الأول ~~يقول: ms1810 ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «إنما حرم من الميتة ~~أكلها» ) وهذا صريح في أنه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل، كالوقيد، ~~وسد البثوق، ونحوهما. قالوا: والخبيث إنما تحرم ملابسته باطنا وظاهرا، ~~كالأكل واللبس، وأما الانتفاع به من غير ملابسة فلأي شيء يحرم؟ . # قالوا: ومن تأمل سياق حديث جابر، علم أن السؤال إنما كان منهم عن البيع، ~~وأنهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم، لما فيها من المنافع، فأبى ~~عليهم، وقال: (هو حرام) ، فإنهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال، لقالوا: ~~أرأيت شحوم الميتة، هل يجوز أن يستصبح بها الناس، وتدهن بها الجلود؟ ولم ~~يقولوا: فإنه يفعل بها كذا وكذا، فإن هذا إخبار منهم، لا سؤال، وهم لم ~~يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم؛ ليكون قوله: (لا هو حرام) صريحا ~~في تحريمها، وإنما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة، فكأنهم طلبوا منه أن ~~يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها، فلم يفعل. ونهاية الأمر ~~أن الحديث يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلم أن الله ورسوله حرمه. # قالوا: وقد ثبت عنه أنه نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن # PageV05P665 # يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم، قالوا: ومعلوم أن إيقاد ~~النجاسة والاستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة، وعن ملابستها باطنا ~~وظاهرا، فهو نفع محض لا مفسدة فيه. وما كان هكذا، فالشريعة لا تحرمه، فإن ~~الشريعة إنما تحرم المفاسد الخالصة أو الراجحة وطرقها وأسبابها الموصلة ~~إليها. # قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الروايتين الاستصباح بشحوم الميتة إذا ~~خالطت دهنا طاهرا، فإنه في أكثر الروايات عنه يجوز الاستصباح بالزيت النجس، ~~وطلي السفن به، وهو اختيار طائفة من أصحابه، منهم: الشيخ أبو محمد، وغيره، ~~واحتج بأن ابن عمر أمر أن يستصبح به. # وقال في رواية ابنيه: صالح وعبد الله: لا يعجبني بيع النجس، ويستصبح به ~~إذا لم يمسوه، لأنه نجس، وهذا يعم النجس، والمتنجس، ولو قدر أنه إنما أراد ~~به ms1811 المتنجس، فهو صريح في القول بجواز الاستصباح بما خالطه نجاسة ميتة أو ~~غيرها، وهذا مذهب الشافعي، وأي فرق بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان ~~منفردا، وبين الاستصباح به إذا خالطه دهن طاهر فنجسه؟ . # فإن قيل: إذا كان مفردا، فهو نجس العين، وإذا خالطه غيره تنجس به، فأمكن ~~تطهيره بالغسل، فصار كالثوب النجس، ولهذا يجوز بيع الدهن المتنجس على أحد ~~القولين دون دهن الميتة. # قيل: لا ريب أن هذا هو الفرق الذي عول عليه المفرقون بينهما، ولكنه ضعيف ~~لوجهين. # PageV05P666 # أحدهما: أنه لا يعرف عن الإمام أحمد، ولا عن الشافعي البتة غسل الدهن ~~النجس، وليس عنهم في ذلك كلمة واحدة، وإنما ذلك من فتوى بعض المنتسبين، وقد ~~روي عن مالك أنه يطهر بالغسل، هذه رواية ابن نافع، وابن القاسم عنه. # الثاني: أن هذا الفرق وإن تأتى لأصحابه في الزيت والشيرج ونحوهما، فلا ~~يتأتى لهم في جميع الأدهان، فإن منها ما لا يمكن غسله، وأحمد والشافعي قد ~~أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدهن النجس من غير تفريق. # وأيضا فإن هذا الفرق لا يفيد في دفع كونه مستعملا للخبيث والنجاسة، سواء ~~كانت عينية أو طارئة، فإنه إن حرم الاستصباح به لما فيه من استعمال الخبيث، ~~فلا فرق، وإن حرم لأجل دخان النجاسة، فلا فرق، وإن حرم لكون الاستصباح به ~~ذريعة إلى اقتنائه، فلا فرق، فالفرق بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا ~~دون هذا لا معنى له. # وأيضا فقد جوز جمهور العلماء الانتفاع بالسرقين النجس في عمارة الأرض ~~للزرع، والثمر، والبقل مع نجاسة عينه، وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة ~~الموقد، وظهور أثره في البقول والزروع، والثمار، فوق ظهور أثر الوقيد، ~~وإحالة النار أتم من إحالة الأرض، والهواء والشمس للسرقين، فإن كان التحريم ~~لأجل دخان النجاسة، فمن سلم أن دخان النجاسة نجس، وبأي كتاب، أم بأية سنة ~~ثبت ذلك؟ وانقلاب النجاسة إلى الدخان أتم من انقلاب عين السرقين والماء ~~النجس ثمرا أو زرعا، وهذا أمر لا يشك فيه، بل معلوم بالحس والمشاهدة، حتى ~~جوز بعض أصحاب ms1812 مالك، وأبي حنيفة - رحمهما الله - بيعه، فقال ابن الماجشون: ~~لا بأس ببيع العذرة؛ لأن ذلك من منافع الناس. وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع ~~الزبل. قال اللخمي: وهذا يدل من قوله على أنه يرى بيع العذرة. وقال أشهب في ~~الزبل: المشتري أعذر فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: ~~لم # PageV05P667 # يعذر الله واحدا منهما، وهما سيان في الإثم. # قلت: وهذا هو الصواب، وأن بيع ذلك حرام وإن جاز الانتفاع به، والمقصود ~~أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير ما حرم الله ~~ورسوله منها، كالوقيد وإطعام الصقور والبزاة وغير ذلك. وقد نص مالك على ~~جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد، وعلى جواز عمل الصابون منه، ~~وينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بيعه ~~حرم الانتفاع به، بل لا تلازم بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم ~~البيع. ### | [فصل تحريم بيع أجزاء الميتة التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت وحل بيع الشعر والوبر والصوف] # فصل # ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع أجزائها التي تحلها الحياة، وتفارقها ~~بالموت، كاللحم والشحم والعصب، وأما الشعر والوبر والصوف، فلا يدخل في ذلك؛ ~~لأنه ليس بميتة، ولا تحله الحياة. وكذلك قال جمهور أهل العلم: إن شعور ~~الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة إذا كانت من حيوان طاهر، هذا مذهب مالك ~~وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، والليث والأوزاعي، والثوري، وداود، وابن المنذر، ~~والمزني، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، وأصحاب عبد الله بن مسعود، ~~وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها، واحتج له بأن اسم الميتة يتناولها كما ~~يتناول سائر أجزائها بدليل الأثر والنظر، أما الأثر، ففي (الكامل) لابن ~~عدي: من حديث ابن عمر يرفعه: ( «ادفنوا الأظفار، والدم والشعر، فإنها ميتة» ~~) . # وأما النظر، فإنه متصل بالحيوان ينمو بنمائه، فينجس بالموت كسائر أعضائه، ~~وبأنه شعر نابت في محل نجس فكان نجسا كشعر الخنزير، وهذا لأن ارتباطه بأصله ~~خلقة يقتضي أن يثبت له حكمه تبعا، فإنه محسوب منه عرفا، والشارع أجرى ms1813 ~~الأحكام فيه على وفق ذلك، فأوجب غسله في الطهارة، وأوجب الجزاء يأخذه من ~~الصيد كالأعضاء، وألحقه بالمرأة في النكاح والطلاق حلا وحرمة، وكذلك هاهنا، ~~وبأن الشارع له تشوف إلى إصلاح الأموال وحفظها وصيانتها، وعدم إضاعتها. # وقد قال لهم في شاة ميمونة: ( «هلا أخذتم إهابها # PageV05P668 # فدبغتموه فانتفعتم به» ) . ولو كان الشعر طاهرا لكان إرشادهم إلى أخذه ~~أولى؛ لأنه أقل كلفة، وأسهل تناولا. # قال المطهرون للشعور: قال الله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] [النحل: 80] ، وهذا يعم أحياءها ~~وأمواتها، وفي (مسند أحمد) : عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال «مر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بشاة لميمونة ميتة، فقال: (ألا انتفعتم بإهابها، ~~قالوا: وكيف وهي ميتة؟ قال: إنما حرم لحمها» ) . وهذا ظاهر جدا في إباحة ما ~~سوى اللحم، والشحم والكبد والطحال والألية كلها داخلة في اللحم، كما دخلت ~~في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقض هذا بالعظم والقرن، والظفر والحافر، فإن ~~الصحيح طهارة ذلك كما سنقرره عقيب هذه المسألة. # قالوا: ولأنه لو أخذ حال الحياة، لكان طاهرا فلم ينجس بالموت، كالبيض ~~وعكسه الأعضاء. قالوا: ولأنه لما لم ينجس بجزه في حال حياة الحيوان ~~بالإجماع، دل على أنه ليس جزءا من الحيوان، وأنه لا روح فيه؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ما أبين من حي، فهو ميتة» ) . رواه أهل ~~السنن. ولأنه لا يتألم بأخذه، ولا يحس بمسه، وذلك دليل عدم الحياة فيه، ~~وأما النماء فلا يدل على # PageV05P669 # الحياة والحيوانية التي يتنجس الحيوان بمفارقتها، فإن مجرد النماء لو دل ~~على الحياة، ونجس المحل بمفارقة هذه الحياة، لتنجس الزرع بيبسه، لمفارقة ~~حياة النمو والاغتذاء له. # قالوا: فالحياة نوعان: حياة حس وحركة، وحياة نمو واغتذاء، فالأولى: هي ~~التي يؤثر فقدها في طهارة الحي دون الثانية. # قالوا: واللحم إنما ينجس لاحتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة فيه، والشعور ~~والأصواف بريئة من ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره. # قالوا: ms1814 والأصل في الأعيان الطهارة، وإنما يطرأ عليها التنجيس باستحالتها، ~~كالرجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشعور ~~في حال استحالتها كانت طاهرة، ثم لم يعرض لها ما يوجب نجاستها بخلاف أعضاء ~~الحيوان، فإنها عرض لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقان الفضلات الخبيثة. # قالوا: وأما حديث عبد الله بن عمر، ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن ~~أبي رواد. قال أبو حاتم الرازي: أحاديثه منكرة ليس محله عندي الصدق، وقال ~~علي بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسا يحدث بأحاديث كذب. # وأما حديث الشاة الميتة وقوله: ( «ألا انتفعتم بإهابها» ) ، ولم يتعرض ~~للشعر فعنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه أطلق الانتفاع بالإهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشعر، ~~مع أنه لا بد فيه من شعر، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقيد الإهاب ~~المنتفع به بوجه دون وجه، فدل على أن الانتفاع به فروا وغيره مما لا يخلو ~~من الشعر. # PageV05P670 # والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشعر في ~~الحديث نفسه حيث يقول: ( «إنما حرم من الميتة أكلها أو لحمها» ) . # والثالث: أن الشعر ليس من الميتة ليتعرض له في الحديث؛ لأنه لا يحله ~~الموت، وتعليلهم بالتبعية يبطل بجلد الميتة إذا دبغ، وعليه شعر، فإنه يطهر ~~دون الشعر عندهم، وتمسكهم بغسله في الطهارة يبطل بالجبيرة، وتمسكهم بضمانه ~~من الصيد يبطل بالبيض، وبالحمل. وأما في النكاح، فإنه يتبع الجملة لاتصاله، ~~وزوال الجملة بانفصاله عنها، وهاهنا لو فارق الجملة بعد أن تبعها في ~~التنجس، لم يفارقها فيه عندهم، فعلم الفرق. ### | [فصل هل يحرم بيع عظم الميتة وقرنها وجلدها بعد الدباغ] # فصل # فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريم بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد ~~الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك؟ قيل: الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله ~~واستعماله، كما أشار إليه النبي بقوله: ( «إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ~~ثمنه» ) . وفي اللفظ الآخر: ( «إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» ) . فنبه على أن ~~الذي يحرم بيعه يحرم أكله. ms1815 # وأما الجلد إذا دبغ، فقد صار عينا طاهرة ينتفع في اللبس والفرش، وسائر ~~وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه، وقد نص الشافعي في كتابه القديم على ~~أنه لا يجوز بيعه، واختلف أصحابه، فقال القفال: لا يتجه هذا إلا بتقدير قول ~~يوافق مالكا في أنه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعه، وإن ~~طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد؛ فإنه جزء من الميتة، حقيقة فلا يجوز ~~بيعه كعظمها ولحمها. # وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدبغ؛ لأنه عين طاهرة ينتفع بها، فجاز ~~بيعها كالمذكى، وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أن الدبغ إزالة أو # PageV05P671 # إحالة، فإن قلنا: إحالة جاز بيعه؛ لأنه قد استحال من كونه جزء ميتة إلى ~~عين أخرى، وإن قلنا: إزالة لم يجز بيعه؛ لأن وصف الميتة هو المحرم لبيعه، ~~وذلك باق لم يستحل. # وبنوا على هذا الخلاف جواز أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجه: أكله مطلقا، ~~وتحريمه مطلقا، والتفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول، فأصحاب الوجه ~~الأول، غلبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثاني، غلبوا حكم الإزالة، وأصحاب ~~الوجه الثالث أجروا الدباغ مجرى الذكاة، فأباحوا بها ما يباح أكله بالذكاة ~~إذا ذكي دون غيره، والقول بجواز أكله باطل مخالف لصريح السنة، ولهذا لم ~~يمكن قائله القول به إلا بعد منعه كون الجلد بعد الدبغ ميتة، وهذا منع ~~باطل، فإنه جلد ميتة حقيقة، وحسا وحكما، ولم يحدث له حياة بالدبغ ترفع عنه ~~اسم الميتة، وكون الدبغ إحالة باطل حسا؛ فإن الجلد لم يستحل ذاته وأجزاؤه، ~~وحقيقته بالدباغ، فدعوى أن الدباغ إحالة عن حقيقة إلى حقيقة أخرى، كما تحيل ~~النار الحطب إلى الرماد، والملاحة ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح دعوى ~~باطلة. # وأما أصحاب مالك - رحمه الله - ففي (المدونة) لابن القاسم المنع من بيعها ~~وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب (التهذيب) . وقال المازري: هذا هو مقتضى ~~القول بأنها لا تطهر بالدباغ. قال: وأما إذا فرعنا على أنها تطهر بالدباغ ~~طهارة كاملة، فإنا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها. # قلت: عن ms1816 مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان. إحداهما: يطهر ظاهره ~~وباطنه، وبها قال وهب، وعلى هذه الرواية جوز أصحابه بيعه. والثانية - وهي ~~أشهر الروايتين عنه - أنه يطهر طهارة مخصوصة يجوز معها استعماله في ~~اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرواية ~~لا يجوز بيعه، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاة عليه. # PageV05P672 # وأما مذهب الإمام أحمد: فإنه لا يصح عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه ~~في جوازه بعد الدبغ روايتان، هكذا أطلقهما الأصحاب، وهما عندي مبنيتان على ~~اختلاف الرواية عنه في طهارته بعد الدباغ. # وأما بيع الدهن النجس ففيه ثلاثة أوجه في مذهبه. # أحدها: أنه لا يجوز بيعه. # والثاني: أنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاسته، وهو المنصوص عنه. قلت: ~~والمراد بعلم النجاسة: العلم بالسبب المنجس لا اعتقاد الكافر نجاسته. # والثالث: يجوز بيعه لكافر ومسلم. وخرج هذا الوجه من جواز إيقاده، وخرج ~~أيضا من طهارته بالغسل، فيكون كالثوب النجس، وخرج بعض أصحابه وجها ببيع ~~السرقين النجس للوقيد من بيع الزيت النجس له، وهو تخريج صحيح. # وأما أصحاب أبي حنيفة فجوزوا بيع السرقين النجس إذا كان تبعا لغيره ~~ومنعوه إذا كان مفردا. ### | [فصل بيع عظم الميتة] # فصل # وأما عظمها، فمن لم ينجسه بالموت، كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ~~ابن وهب من أصحاب مالك، فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلف مأخذ الطهارة، فأصحاب ~~أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كون الألم ~~دليل حياته، قالوا: وإنما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم، وحملوا ~~قوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] [يس: 78] على حذف ~~مضاف، أي أصحابها. وغيرهم ضعف هذا المأخذ جدا، وقال: العظم يألم حسا، وألمه ~~أشد من ألم اللحم، ولا يصح حمل الآية على حذف مضاف؛ لوجهين أحدهما: أنه ~~تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه. الثاني: أن هذا التقدير يستلزم ~~الإضراب عن جواب سؤال السائل الذي استشكل حياة # PageV05P673 # العظام، «فإن أبي بن خلف أخذ عظما باليا، ثم جاء به إلى ms1817 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ففته في يده، فقال: يا محمد! أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (نعم، ويبعثك، ويدخلك النار) » . # فمأخذ الطهارة أن سبب تنجيس الميتة منتف في العظام، فلم يحكم بنجاستها، ~~ولا يصح قياسها على اللحم؛ لأن احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به ~~دون العظام، كما أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، وهو حيوان كامل، ~~لعدم سبب التنجيس فيه. فالعظم أولى، وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول، وعلى ~~هذا، فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوان طاهر العين. # وأما من رأى نجاستها، فإنه لا يجوز بيعها، إذ نجاستها عينية، قال ابن ~~القاسم: قال مالك: لا أرى أن تشترى عظام الميتة ولا تباع، ولا أنياب الفيل، ~~ولا يتجر فيها، ولا يمتشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها، وكيف يجعل الدهن في ~~الميتة ويمشط لحيته بعظام الميتة، وهي مبلولة، وكره أن يطبخ بعظام الميتة، ~~وأجاز مطرف، وابن الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقا، وأجازه ابن وهب، وأصبغ ~~إن غليت وسلقت، وجعلا ذلك دباغا لها. ### | [فصل تحريم بيع الخنزير] # فصل # وأما تحريم بيع الخنزير، فيتناول جملته، وجميع أجزائه الظاهرة والباطنة، ~~وتأمل كيف ذكر لحمه عند تحريم الأكل إشارة إلى تحريم أكله ومعظمه اللحم، ~~فذكر اللحم تنبيها على تحريم أكله دون ما قبله، بخلاف الصيد، فإنه لم يقل ~~فيه: وحرم عليكم لحم الصيد، بل حرم نفس الصيد؛ ليتناول ذلك أكله وقتله. ~~وهاهنا لما حرم البيع ذكر جملته، ولم يخص التحريم بلحمه ليتناول بيعه حيا ~~وميتا. # PageV05P674 ### | [فصل تحريم بيع الأصنام] # فصل # وأما تحريم بيع الأصنام، فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على ~~أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت صنما أو وثنا أو صليبا، وكذلك الكتب المشتملة ~~على الشرك، وعبادة غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة ~~إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة ~~بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ms1818 يؤخر ذكرها ~~لخفة أمرها، ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه، فإن الخمر أحسن حالا ~~من الميتة، فإنها قد تصير مالا محترما إذا قلبها الله سبحانه ابتداء خلا، ~~أو قلبها الآدمي بصنعته عند طائفة من العلماء، وتضمن إذا أتلفت على الذمي ~~عند طائفة بخلاف الميتة، وإنما لم يجعل الله في أكل الميتة حدا اكتفاء ~~بالزاجر الذي جعله الله في الطباع من كراهتها، والنفرة عنها، وإبعادها ~~عنها، بخلاف الخمر. # والخنزير أشد تحريما من الميتة، ولهذا أفرده الله تعالى بالحكم عليه أنه ~~رجس في قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا} [الأنعام: 145] ~~[الأنعام: 145] ، فالضمير في قوله (فإنه) وإن كان عوده إلى الثلاثة ~~المذكورة باعتبار لفظ المحرم، فإنه يترجح اختصاص لحم الخنزير به لثلاثة ~~أوجه. أحدها: قربه منه، والثاني: تذكيره دون قوله، فإنها رجس، والثالث: أنه ~~أتى (بالفاء) و (إن) تنبيها على علة التحريم لتزجر النفوس عنه، ويقابل هذه ~~العلة ما في طباع بعض الناس من استلذاذه واستطابته، فنفى عنه ذلك، وأخبر ~~أنه رجس، وهذا لا يحتاج إليه في الميتة والدم، لأن كونهما رجسا أمر مستقر ~~معلوم عندهم، ولهذا في القرآن نظائر، فتأملها. ثم ذكر بعد تحريم بيع ~~الأصنام، وهو أعظم تحريما وإثما، وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة ~~والخنزير. # PageV05P675 ### | [فصل تحريم الشيء تحريم لثمنه] # فصل # وفي قوله: ( «إن الله إذا حرم شيئا أو حرم أكل شيء حرم ثمنه» ) ، يراد به ~~أمران، أحدهما: ما هو حرام العين والانتفاع جملة، كالخمر، والميتة، والدم، ~~والخنزير، وآلات الشرك، فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت. # والثاني: ما يباح الانتفاع به في غير الأكل، وإنما يحرم أكله كجلد الميتة ~~بعد الدباغ، وكالحمر الأهلية، والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الانتفاع ~~به، فهذا قد يقال: إنه لا يدخل في الحديث، وإنما يدخل فيه ما هو حرام على ~~الإطلاق. وقد يقال: إنه داخل فيه، ويكون تحريم ثمنه إذا بيع ms1819 لأجل المنفعة ~~التي حرمت منه، فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما، حرم ثمنهما بخلاف ما إذا ~~بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به، حل ثمنه. وإذا بيع ~~لأكله، حرم ثمنه، وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء، كأحمد، ومالك ~~وأتباعهما: إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرا، حرم أكل ثمنه. بخلاف ما إذا ~~بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما، حرم أكل ثمنه، ~~وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله، فثمنه من الطيبات، وكذلك ثياب الحرير ~~إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه، حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له ~~لبسها. # فإن قيل: فهل تجوزون للمسلم بيع الخمر والخنزير من الذمي لاعتقاد الذمي ~~حلهما، كما جوزتم بيعه الدهن المتنجس إذا بين حاله لاعتقاده طهارته وحله؟ ~~قيل: لا يجوز ذلك، وثمنه حرام، والفرق بينهما: أن الدهن المتنجس عين طاهرة ~~خالطها نجاسة ويسوغ فيها النزاع. وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا ~~ينجس إلا بالتغير. وإن تغير، فذهب طائفة إلى إمكان تطهيره بالغسل، بخلاف ~~العين التي حرمها الله في كل ملة، وعلى لسان كل رسول، كالميتة، والدم ~~والخنزير، فإن استباحته مخالفة لما أجمعت الرسل على تحريمه، وإن اعتقد ~~الكافر حله، فهو كبيع الأصنام للمشركين، وهذا هو الذي حرمه الله # PageV05P676 # ورسوله بعينه، وإلا فالمسلم لا يشتري صنما. # فإن قيل: فالخمر حلال عند أهل الكتاب فجوزوا بيعها منهم. # قيل: هذا هو الذي توهمه من توهمه من عمال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~حتى كتب إليهم عمر - رضي الله عنه - ينهاهم عنه، وأمر عماله أن يولوا أهل ~~الكتاب بيعها بأنفسهم، وأن يأخذوا ما عليهم من أثمانها، فقال أبو عبيد: ~~حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان بن سعيد، عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي، عن ~~سويد بن غفلة، قال بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن ناسا يأخذون ~~الجزية من الخنازير فقام بلال، فقال: إنهم ليفعلون، فقال عمر - رضي الله ~~عنه -: (لا تفعلوا ولوهم بيعها) . # قال أبو ms1820 عبيد: وحدثنا الأنصاري، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، ~~عن سويد بن غفلة، أن بلالا قال لعمر - رضي الله عنه - إن عمالك يأخذون ~~الخمر والخنازير في الخراج، فقال: (لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، ~~وخذوا أنتم من الثمن) . # قال أبو عبيد: يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر ~~والخنازير من جزية رؤوسهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، ~~فهذا الذي أنكره بلال، ونهى عنه عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها ~~إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنازير مال من أموال ~~أهل الذمة، ولا تكون مالا للمسلمين. # قال: ومما يبين ذلك حديث آخر لعمر - رضي الله عنه - حدثنا علي بن معبد، ~~عن عبيد الله بن عمرو، عن ليث بن أبي سليم، أن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - كتب إلى العمال يأمرهم بقتل الخنازير وقبض أثمانها لأهل الجزية من # PageV05P677 # جزيتهم. # قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قصاصا من الجزية إلا وهو يراها من أموالهم. ~~فأما إذا مر الذمي بالخمر والخنازير على العاشر، فإنه لا يطيب له أن ~~يعشرها، ولا يأخذ ثمن العشر منها. وإن كان الذمي هو المتولي لبيعها أيضا، ~~وهذا ليس من الباب الأول، ولا يشبهه؛ لأن ذلك حق وجب على رقابهم وأرضيهم، ~~وأن العشر هاهنا إنما هو شيء يوضع على الخمر والخنازير أنفسها، وكذلك ثمنها ~~لا يطيب لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( «إن الله إذا حرم شيئا ~~حرم ثمنه» ) . وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أفتى في مثل ~~هذا بغير ما أفتى به في ذاك، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز. # حدثنا أبو الأسود المصري، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة ~~السبائي أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب بأربعين ألف درهم صدقة ~~الخمر، فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: (بعثت إلي بصدقة الخمر، وأنت أحق ~~بها من المهاجرين، وأخبر بذلك الناس، وقال: والله لا استعملتك على ms1821 شيء ~~بعدها، قال: فتركه) . # حدثنا عبد الرحمن، عن المثنى بن سعيد الضبعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز ~~إلى عدي بن أرطاة، أن ابعث إلي بتفصيل الأموال التي قبلك، من أين دخلت؟ ~~فكتب إليه بذلك وصنفه له، وكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف ~~درهم. قال: فلبثنا ما شاء الله ثم جاء جواب كتابه: إنك كتبت إلي تذكر من ~~عشور الخمر أربعة آلاف درهم، وإن الخمر لا يعشرها مسلم، ولا يشتريها، ولا ~~يبيعها، فإذا أتاك كتابي هذا، فاطلب الرجل فارددها عليه، فهو أولى بما كان ~~فيها. فطلب الرجل، فردت عليه. # قال أبو عبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل، وإن كان إبراهيم النخعي قد # PageV05P678 # قال غير ذلك. ثم ذكر عنه في الذمي يمر بالخمر على العاشر، قال: يضاعف ~~عليه العشور. # قال أبو عبيد: وكان أبو حنيفة يقول: إذا مر على العاشر بالخمر والخنازير، ~~عشر الخمر، ولم يعشر الخنازير، سمعت محمد بن الحسن يحدث بذلك عنه، قال أبو ~~عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما ~~- أولى بالاتباع، والله أعلم. ### | [حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمن الكلب والسنور] # في (الصحيحين) : عن أبي مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( ~~«نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي، وحلوان الكاهن» ) . # وفي (صحيح مسلم) : عن أبي الزبير، قال: ( «سألت جابرا عن ثمن الكلب ~~والسنور، فقال: زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك» ) . # وفي (سنن أبي داود) : عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «نهى عن ثمن ~~الكلب والسنور» ) . # وفي (صحيح مسلم) : من حديث رافع بن خديج، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: ( «شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام» ) . # PageV05P679 # فتضمنت هذه السنن أربعة أمور. # أحدها: تحريم بيع الكلب، وذلك يتناول كل كلب صغيرا كان أو كبيرا للصيد، ~~أو للماشية، أو للحرث، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة، والنزاع في ذلك ~~معروف عن أصحاب مالك، وأبي حنيفة، فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع ms1822 الكلاب، وأكل ~~أثمانها، وقال القاضي عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه ~~من الكلاب، فمنهم من قال: يكره، ومنهم من قال: يحرم، انتهى. # وعقد بعضهم فصلا لما يصح بيعه، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب، فقال: ~~ما كانت منافعه كلها محرمة لم يجز بيعه، إذ لا فرق بين المعدوم حسا، ~~والممنوع شرعا، وما تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة، فإن كان المقصود من ~~العين خاصة، كان الاعتبار بها - والحكم تابع لها - فاعتبر نوعها، وصار ~~الآخر كالمعدوم. وإن توزعت في النوعين، لم يصح البيع؛ لأن ما يقابل ما حرم ~~منها أكل مال بالباطل، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا. # قال: وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد، فإذا بني الخلاف فيها على هذا ~~الأصل، قيل: في الكلب من المنافع كذا وكذا، وعددت جملة منافعه، ثم نظر ~~فيها، فمن رأى أن جملتها محرمة، منع، ومن رأى جميعها محللة، أجاز، ومن رآها ~~متنوعة، نظر: هل المقصود المحلل، أو المحرم، فجعل الحكم للمقصود، ومن رأى ~~منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة، منع أيضا، ومن التبس عليه كونها ~~مقصودة، وقف أو كره، فتأمل هذا التأصيل والتفصيل، وطابق بينهما يظهر لك ما ~~فيهما من التناقض والخلل، وأن بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من أفسد ~~البناء، فإن قوله: من رأى أن جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد # PageV05P680 # تعديدها، لم يجز بيعه، فإن هذا لم يقله أحد من الناس قط، وقد اتفقت الأمة ~~على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة، وهما جل منافعه، ولا ~~يقتنى إلا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كلها محرمة، ولا يصح أن تراد منافعه ~~الشرعية؟ فإن إعارته جائزة. # وقوله: ومن رأى جميعها محللة، أجاز، كلام فاسد أيضا، فإن منافعه المذكورة ~~محللة اتفاقا، والجمهور على عدم جواز بيعه. # وقوله: ومن رآها متنوعة، نظر، هل المقصود المحلل أو المحرم؟ كلام لا ~~فائدة تحته البتة، فإن منفعة كلب الصيد هي الاصطياد دون الحراسة، فأين ~~التنوع وما يقدر في المنافع من التحريم ms1823 يقدر مثله في الحمار والبغل؟ وقوله: ~~ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة منع. أظهر فسادا مما قبله، فإن هذه ~~المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد، وإن قدر أن مشتريه قصدها، ~~فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه، وتبين فساد هذا التأصيل، ~~وأن الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له البتة من ~~تحريم بيعه. # فإن قيل: كلب الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بدليل ما رواه الترمذي، من حديث جابر - رضي الله عنه - أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «نهى عن ثمن الكلب، إلا كلب الصيد» ) . # وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، عن ~~حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه - أن # PageV05P681 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( «نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب ~~الصيد» ) . # وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا ~~يحيى بن أيوب، حدثنا المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ثمن الكلب ~~سحت إلا كلب صيد» ) . # وقال ابن وهب: عمن أخبره، عن ابن شهاب، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ~~- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «ثلاث هن سحت: حلوان الكاهن، ~~ومهر الزانية، وثمن الكلب العقور» ) . # وقال ابن وهب: حدثني الشمر بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ( «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن ثمن الكلب العقور» ) . # ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضا، أن جابرا أحد من روى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - النهي عن ثمن الكلب، وقد رخص جابر نفسه في ثمن كلب الصيد، ~~وقول الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة، فكيف إذا كان معه ~~النص باستثنائه والقياس؟ وأيضا لأنه ms1824 يباح الانتفاع به، ويصح نقل اليد فيه ~~بالميراث، والوصية، والهبة، وتجوز إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء، # PageV05P682 # وهما وجهان للشافعية، فجاز بيعه كالبغل والحمار. # فالجواب: أنه لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثناء كلب الصيد ~~بوجه: أما حديث جابر - رضي الله عنه - فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا ~~من الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على ~~جابر. وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث. # وقال في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا لا يصح، أبو المهزم ضعيف، ~~يريد راويه عنه. وقال البيهقي: روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي ~~عن ثمن الكلب جماعة، منهم ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، ورافع ~~بن خديج، وأبو جحيفة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. والحديث الذي روي في ~~استثناء كلب الصيد لا يصح وكأن من رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه فشبه ~~عليه، والله أعلم. # وأما حديث حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، فهو الذي ضعفه الإمام أحمد - ~~رحمه الله - بالحسن بن أبي جعفر، وكأنه لم يقع له طريق حجاج بن محمد، وهو ~~الذي قال فيه الدارقطني: الصواب أنه موقوف، وقد أعله ابن حزم، بأن أبا ~~الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر، وهو مدلس، وليس من رواية الليث عنه. ~~وأعله البيهقي بأن أحد رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نهي عن اقتنائه ~~من الكلاب فنقله إلى البيع. # قلت: ومما يدل على بطلان حديث جابر هذا، وأنه خلط عليه أنه صح عنه أنه ~~قال: ( «أربع من السحت: ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، وكسب الحجام» ~~) . وهذا علة أيضا للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد، فهو علة للموقوف ~~والمرفوع. # وأما حديث المثنى بن الصباح، عن عطاء، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~فباطل؛ لأن فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرحه الإمام # PageV05P683 # أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفه عندهم مشهور، ويدل على بطلان الحديث، ~~ما رواه النسائي، حدثنا الحسن بن ms1825 أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبد الله بن ~~نمير، حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال أبو هريرة ~~- رضي الله عنه -: ( «أربع من السحت: ضراب الفحل، وثمن الكلب، ومهر البغي، ~~وكسب الحجام» ) . # وأما الأثر عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلا يدرى من أخبر ابن ~~وهب، عن ابن شهاب، ولا من أخبر ابن شهاب عن الصديق - رضي الله عنه -، ومثل ~~هذا لا يحتج به. # وأما الأثر عن علي - رضي الله عنه - ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف، ومثل ~~هذه الآثار الساقطة المعلولة لا تقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقات ~~الأثبات، حتى قال بعض الحفاظ: إن نقلها نقل تواتر، وقد ظهر أنه لم يصح عن ~~صحابي خلافها البتة، بل هذا جابر، وأبو هريرة، وابن عباس، يقولون: ثمن ~~الكلب خبيث. # قال وكيع: حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - يرفعه: ( «ثمن الكلب، ومهر البغي وثمن الخمر حرام» ) . # وهذا أقل ما فيه أن يكون قول ابن عباس. # وأما قياس الكلب على البغل والحمار، فمن أفسد القياس، بل قياسه على ~~الخنزير أصح من قياسه عليهما؛ لأن الشبه الذي بينه وبين الخنزير أقرب من ~~الشبه الذي بينه وبين البغل والحمار، ولو تعارض القياسان لكان القياس ~~المؤيد بالنص # PageV05P684 # الموافق له أصح وأولى من القياس المخالف له. # فإن قيل: كان النهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلما حرم قتلها وأبيح ~~اتخاذ بعضها، نسخ النهي، فنسخ تحريم البيع. # قيل: هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل، ولا شبهة، وليس في الأثر ~~ما يدل على صحة هذه الدعوى البتة بوجه من الوجوه، ويدل على بطلانها: أن ~~أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كلها، وأحاديث الأمر بقتلها ~~والنهي عن اقتنائها نوعان: نوع كذلك وهو المتقدم، ونوع مقيد مخصص وهو ~~المتأخر، فلو كان النهي عن بيعها مقيدا مخصوصا، لجاءت به الآثار كذلك فلما ~~جاءت عامة مطلقة، علم أن عمومها وإطلاقها مراد، فلا يجوز ms1826 إبطاله. والله ~~أعلم. ### | [فصل تحريم بيع السنور] # فصل # الحكم الثاني: تحريم بيع السنور، كما دل عليه الحديث الصحيح الصريح الذي ~~رواه جابر، وأفتى بموجبه، كما رواه قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضاح، ~~حدثنا محمد بن آدم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي ~~الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه كره ثمن الكلب والسنور قال أبو محمد: ~~فهذه فتيا جابر بن عبد الله، أنه كره بما رواه، ولا يعرف له مخالف من ~~الصحابة، وكذلك أفتى أبو هريرة - رضي الله عنه - وهو مذهب طاووس، ومجاهد، ~~وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي ~~بكر عبد العزيز، وهو الصواب لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يعارضه، فوجب القول ~~به. # قال البيهقي: ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان محكوما ~~بنجاستها، فلما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «الهرة ليست بنجس» ) ~~صار ذلك # PageV05P685 # منسوخا في البيع. # ومنهم من حمله على السنور إذا توحش، ومتابعة ظاهر السنة أولى. ولو سمع ~~الشافعي - رحمه الله - الخبر الواقع فيه لقال به إن شاء الله، وإنما لا ~~يقول به من توقف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان عن جابر ~~على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس، وحفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي ~~سفيان، انتهى كلامه. # ومنهم من حمله على الهر الذي ليس بمملوك، ولا يخفى ما في هذه المحامل من ~~الوهن. ### | [فصل تحريم مهر البغي] # فصل # والحكم الثالث: مهر البغي، وهو ما تأخذه الزانية في مقابلة الزنى بها، ~~فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك خبيث على أي وجه كان، حرة ~~كانت، أو أمة، ولا سيما فإن البغاء إنما كان على عهدهم في الإماء، دون ~~الحرائر، ولهذا قالت هند: وقت البيعة: (أو تزني الحرة؟!) ولا نزاع بين ~~الفقهاء في أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلا من نفسها فزنى بها أنه ~~لا مهر لها واختلف في مسألتين. # إحداهما: الحرة ms1827 المكرهة. # والثانية: الأمة المطاوعة، فأما الحرة المكرهة على الزنى ففيها أربعة ~~أقوال وهي روايات منصوصات عن أحمد. # أحدها: أن لها المهر بكرا كانت أو ثيبا، سواء وطئت في قبلها أو دبرها. # والثاني: أنها إن كانت ثيبا، فلا مهر لها، وإن كانت بكرا، فلها المهر، ~~وهل يجب معه أرش البكارة؟ على روايتين منصوصتين، وهذا القول اختيار أبي ~~بكر. # PageV05P686 # والثالث: أنها إن كانت ذات محرم، فلا مهر لها، وإن كانت أجنبية، فلها ~~المهر. # والرابع: أن من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت، فلا مهر لها، ومن تحل ~~ابنتها كالعمة والخالة، فلها المهر. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا مهر للمكرهة على الزنى بحال بكرا كانت ~~أو ثيبا. # فمن أوجب المهر، قال: إن استيفاء هذه المنفعة جعل مقوما في الشرع بالمهر، ~~وإنما لم يجب للمختارة؛ لأنها باذلة للمنفعة التي عوضها لها، فلم يجب لها ~~شيء، كما لو أذنت في إتلاف عضو من أعضائها لمن أتلفه. # ومن لم يوجبه قال: الشارع إنما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهر في عقد أو ~~شبهة عقد، ولم يقومها بالمهر في الزنى البتة، وقياس السفاح على النكاح من ~~أفسد القياس. قالوا: وإنما جعل الشارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحد ~~والعقوبة، فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر. قالوا: والوجوب إنما يتلقى من ~~الشارع من نص خطابه أو عمومه، أو فحواه، أو تنبيهه، أو معنى نصه، وليس شيء ~~من ذلك ثابتا متحققا عنه. # وغاية ما يدعى قياس السفاح على النكاح، ويا بعد ما بينهما. قالوا: والمهر ~~إنما هو من خصائص النكاح لفظا ومعنى، ولهذا إنما يضاف إليه فيقال: مهر ~~النكاح، ولا يضاف إلى الزنى، فلا يقال: مهر الزنا، وإنما أطلق النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - المهر وأراد به العقد، كما قال: ( «إن الله حرم بيع الخمر ~~والميتة والخنزير والأصنام» ) . وكما قال: ( «ورجل باع حرا فأكل ثمنه» ) . ~~ونظائره كثيرة. # PageV05P687 # والأولون يقولون: الأصل في هذه المنفعة، أن تقوم بالمهر، وإنما أسقطه ~~الشارع في حق البغي، وهي التي تزني باختيارها، وأما المكرهة على الزنى ~~فليست ms1828 بغيا، فلا يجوز إسقاط بدل منفعتها التي أكرهت على استيفائها، كما لو ~~أكره الحر على استيفاء منافعه، فإنه يلزمه عوضها، وعوض هذه المنفعة شرعا هو ~~المهر، فهذا مأخذ القولين. # ومن فرق بين البكر والثيب، رأى أن الواطئ لم يذهب على الثيب شيئا، وحسبه ~~العقوبة التي ترتبت على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعا مال يلزم من ~~أقدم عليها، بخلاف البكر فإنه أزال بكارتها، فلا بد من ضمان ما أزاله فكانت ~~هذه الجناية مضمونة عليه في الجملة، فضمن ما أتلفه من جزء منفعة، وكانت ~~المنفعة تابعة للجزء في الضمان، كما كانت تابعة له في عدمه من البكر ~~المطاوعة. # ومن فرق بين ذوات المحارم وغيرهن، رأى أن تحريمهن لما كان تحريما مستقرا، ~~وأنهن غير محل الوطء شرعا، كان استيفاء هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط، ~~فلا يوجب مهرا، وهذا قول الشعبي، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنه عارض ~~يمكن زواله. # قال صاحب (المغني) : وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع؛ لأنه ~~طارئ أيضا. ومن فرق في ذوات المحارم، بين من تحرم ابنتها، وبين من لا تحرم، ~~فكأنه رأى أن من لا تحرم ابنتها تحريمها أخف من تحريم الأخرى فأشبه العارض. # فإن قيل: فما حكم المكرهة على الوطء في دبرها، أو الأمة المطاوعة على ~~ذلك؟ قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقا. # PageV05P688 # وقد اختلف في هذه المسألة الشيخان، أبو البركات ابن تيمية، وأبو محمد بن ~~قدامة، فقال أبو البركات في (محرره) : ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة، ~~والمكرهة على الزنى في قبل أو دبر، وقال أبو محمد في (المغني) : لا يجب ~~المهر بالوطء في الدبر، ولا اللواط؛ لأن الشرع لم يرد ببدله، ولا هو إتلاف ~~لشيء، فأشبه القبلة والوطء دون الفرج، وهذا القول هو الصواب قطعا، فإن هذا ~~الفعل لم يجعل له الشارع قيمة أصلا، ولا قدر له مهرا بوجه من الوجوه، ~~وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس، ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت ~~به اللوطية من الذكور، ms1829 وهذا لم يقل به أحد البتة. ### | [فصل هل للحرة المكرهة على الزنى مهر] # فصل # وأما المسألة الثانية: وهي الأمة المطاوعة، فهل يجب لها المهر؟ فيه ~~قولان. أحدهما: يجب، وهو قول الشافعي وأكثر أصحاب أحمد - رحمه الله -. ~~قالوا: لأن هذه المنفعة لغيرها، فلا يسقط بدلها مجانا، كما لو أذنت في قطع ~~طرفها. والصواب المقطوع به: أنه لا مهر لها، وهذه هي البغي التي نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن مهرها، وأخبر أنه خبيث، وحكم عليه وعلى ثمن ~~الكلب، وأجر الكاهن بحكم واحد، والأمة داخلة في هذا الحكم دخولا أوليا، فلا ~~يجوز تخصيصها من عمومه؛ لأن الإماء هن اللاتي كن يعرفن بالبغاء، وفيهن وفي ~~ساداتهن أنزل الله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} ~~[النور: 33] [النور: 33] ، فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نص أردن به قطعا، ~~ويحمل على غيرهن. # وأما قولكم: إن منفعتها لسيدها، ولم يأذن في استيفائها، فيقال: هذه ~~المنفعة يملك السيد استيفاءها بنفسه، ويملك المعاوضة عليها بعقد النكاح أو ~~شبهته، ولا يملك المعاوضة عليها إلا إذا أذنت، ولم يجعل الله ورسوله للزنى ~~عوضا قط غير العقوبة، فيفوت على السيد حتى يقضى له بل هذا تقويم مال # PageV05P689 # أهدره الله ورسوله، وإثبات عوض حكم الشارع بخبثه، وجعله بمنزلة ثمن ~~الكلب، وأجر الكاهن، وإن كان عوضا خبيثا شرعا، لم يجز أن يقضي به. # ولا يقال: فأجر الحجام خبيث، ويقضى له به؛ لأن منفعة الحجامة منفعة ~~مباحة، وتجوز، بل يجب على مستأجره أن يوفيه أجره، فأين هذا من المنفعة ~~الخبيثة المحرمة التي عوضها من جنسها، وحكمه حكمها، وإيجاب عوض في مقابلة ~~هذه المعصية، كإيجاب عوض في مقابلة اللواط، إذ الشارع لم يجعل في مقابلة ~~هذا الفعل عوضا. # فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضا، وهو المهر من حيث ~~الجملة بخلاف اللواطة. # قلنا: إنما جعل في مقابلته عوضا، إذا استوفي بعقد أو بشبهة عقد، ولم يجعل ~~له عوضا إذا استوفي بزنى محض لا شبهة فيه، وبالله التوفيق. ولم ms1830 يعرف في ~~الإسلام قط أن زانيا قضي عليه بالمهر للمزني بها، ولا ريب أن المسلمين يرون ~~هذا قبيحا، فهو عند الله - عز وجل - قبيح. ### | [فصل ما تفعل الزانية بكسبها إذا قبضته ثم تابت] # فصل # فإن قيل: فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته، ثم تابت هل يجب عليها رد ~~ما قبضته إلى أربابه، أم يطيب لها، أم تصدق به؟ # قيل هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن من قبض ما ليس ~~له قبضه شرعا، ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه، ~~ولا استوفى عوضه رده عليه. فإن تعذر رده عليه، قضى به دينا يعلمه عليه، فإن ~~تعذر ذلك، رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك، تصدق به عنه، فإن اختار صاحب الحق ~~ثوابه يوم القيامة، كان له. وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض، استوفى ~~منه نظير ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها، كما ثبت عن الصحابة - رضي ~~الله عنهم. # PageV05P690 # وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم، كمن عاوض على خمر ~~أو خنزير، أو على زنى أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه ~~أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض ~~والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسير أصحاب المعاصي ~~عليه. وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، ~~فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع ~~بين الظلم والفاحشة والغدر. ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها، ~~ثم يرجع فيما أعطاها قهرا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي ~~به شريعة، ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولكن خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ منه، فطريق ~~التخلص منه، وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر ~~حاجته، ويتصدق بالباقي، ms1831 فهذا حكم كل كسب خبيث لخبث عوضه عينا كان أو منفعة، ~~ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه. # فإن قيل: فالدافع ماله في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوز دفعه، بل ~~حجر عليه فيه الشارع، فلم يقع قبضه موقعه، بل وجود هذا القبض كعدمه، فيجب ~~رده على مالكه، كما لو تبرع المريض لوارثه بشيء، أو لأجنبي بزيادة على ~~الثلث، أو تبرع المحجور عليه بفلس، أو سفه، أو تبرع المضطر إلى قوته بذلك ~~ونحو ذلك، وسر المسألة أنه محجور عليه شرعا في هذا الدفع فيجب رده. # قيل: هذا قياس فاسد؛ لأن الدفع في هذه الصور تبرع محض لم يعاوض عليه، ~~والشارع قد منعه منه لتعلق حق غيره به، أو حق نفسه المقدمة على غيره، وأما ~~ما نحن فيه، فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة، أو استهلاك عين محرمة، ~~فقد قبض عوضا محرما، وأقبض مالا محرما، فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه، وبذل ~~فيه ما لا يجوز بذله، فالقابض قبض مالا محرما، والدافع # PageV05P691 # استوفى عوضا محرما، وقضية العدل تراد العوضين، لكن قد تعذر رد أحدهما، ~~فلا يوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه. نعم لو كان الخمر قائما بعينه لم ~~يستهلكه، أو دفع إليها المال ولم يفجر بها، وجب رد المال في الصورتين قطعا ~~كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبض. # فإن قيل: وأي تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة، ومعلوم أن قبض ما ~~لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه، إذ الممنوع شرعا كالممنوع حسا، فقابض المال قبضه ~~بغير حق، فعليه أن يرده إلى دافعه؟ # قيل: والدافع قبض العين، واستوفى المنفعة بغير حق، كلاهما قد اشتركا في ~~دفع ما ليس لهما دفعه، وقبض ما ليس لهما قبضه، وكلاهما عاص لله، فكيف يخص ~~أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوض عنه، ويفوت على الآخر العوض والمعوض. # فإن قيل: هو فوت المنفعة ms1832 على نفسه باختياره. قيل: والآخر فوت العوض على ~~نفسه باختياره، فلا فرق بينهما، وهذا واضح بحمد الله. # وقد توقف شيخنا في وجوب رد عوض هذه المنفعة المحرمة على باذله، أو الصدقة ~~به في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم " وقال: الزاني، ~~ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، فاستوفوا العوض ~~المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت ~~هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين رد الآخر، فإذا ~~تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال، وهذا الذي استوفيت منفعته ~~عليه ضرر في أخذ منفعته، وأخذ عوضها جميعا منه، بخلاف ما إذا كان العوض ~~خمرا أو ميتة، فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية ~~لأتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت، لتوفرت عليه بحيث كان ~~يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي # PageV05P692 # عمل بها. ثم أورد على نفسه سؤالا، فقال: فيقال على هذا فينبغي أن تقضوا ~~بها إذا طالب بقبضها. # وأجاب عنه بأن قال: قيل نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار ~~المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض ~~لم يحكم بالرد، ولكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة؛ لأنه كان معتقدا ~~لتحريمها بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة، فقلنا له: أنت فرطت حيث ~~صرفت قوتك في عمل يحرم، فلا يقضى لك بالأجرة. فإذا قبضها، وقال الدافع هذا ~~المال: اقضوا لي برده، فإني أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة، قلنا له: ~~دفعته معاوضة رضيت بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ، فاردد إليه ما أخذت إذا ~~كان له في بقائه معه منفعة، فهذا محتمل. قال: وإن كان ظاهر القياس، ردها ~~لأنها مقبوضة بعقد فاسد، انتهى. # وقد نص أحمد في رواية أبي النضر، فيمن حمل خمرا، أو خنزيرا، أو ميتة ~~لنصراني: أكره أكل كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء. وإذا كان لمسلم، ms1833 فهو ~~أشد كراهة. فاختلف أصحابه في هذا النص على ثلاث طرق. # إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة. قال ابن أبي موسى: ~~وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. فإن فعل، قضي ~~له بالكراء، وهل يطيب له أم لا؟ على وجهين. أوجههما: أنه لا يطيب له، ~~ويتصدق به، وكذا ذكر أبو الحسن الآمدي، قال: إذا أجر نفسه من رجل في حمل ~~خمر، أو خنزير، أو ميتة كره، نص عليه، وهذه كراهة تحريم؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعن حاملها. إذا ثبت ذلك، فيقضى له بالكراء، وغير ممتنع أن ~~يقضى له بالكراء، وإن كان محرما كإجارة الحجام انتهى. فقد صرح هؤلاء بأنه ~~يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح. # الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة ~~رواية واحدة، وهي أن هذه الإجارة لا تصح، وهذه طريقة القاضي في " المجرد "، ~~وهي طريقة ضعيفة، وقد رجع عنها في كتبه المتأخرة، فإنه صنف " المجرد " ~~قديما. # PageV05P693 # الطريقة الثالثة: تخريج هذه المسألة على روايتين إحداهما: أن هذه الإجارة ~~صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة. والثانية: لا تصح ~~الإجارة، ولا يستحق بها أجرة وإن حمل. وهذا على قياس قوله في الخمر: لا ~~يجوز إمساكها، وتجب إراقتها. قال في رواية أبي طالب؛ إذا أسلم وله خمر أو ~~خنازير، تصب الخمر، وتسرح الخنازير، وقد حرما عليه، وإن قتلها فلا بأس. فقد ~~نص أحمد، أنه لا يجوز إمساكها، ولأنه قد نص في رواية ابن منصور: أنه يكره ~~أن يؤاجر نفسه لنطارة كرم لنصراني؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن ~~يعلم أنه يباع لغير الخمر، فقد منع من إجارة نفسه على حمل الخمر، وهذه ~~طريقة القاضي في " تعليقه " وعليها أكثر أصحابه، والمنصور عندهم: الرواية ~~المخرجة، وهي عدم الصحة، وأنه لا يستحق أجرة، ولا يقضى له بها، وهي مذهب ~~مالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد. # وهذا إذا استأجر على حملها إلى بيته للشرب، أو لأكل الخنزير، أو مطلقا، ~~فأما ms1834 إذا استأجره لحملها ليريقها، أو لينقل الميتة إلى الصحراء لئلا يتأذى ~~بها، فإن الإجارة تجوز حينئذ؛ لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد ~~الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه، رده على ~~صاحبه، هذا قول شيخنا، وهو مذهب مالك. والظاهر أنه مذهب الشافعي. # وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله: فمذهبه كالرواية الأولى، أنه تصح ~~الإجارة، ويقضى له بالأجرة، ومأخذه في ذلك، أن الحمل إذا كان مطلقا، لم يكن ~~المستحق نفس حمل الخمر، فذكره وعدم ذكره سواء، وله أن يحمل شيئا آخر غيره، ~~كخل وزيت، وهكذا قال: فيما لو أجره داره، أو حانوته ليتخذها كنيسة، أو ~~ليبيع فيها الخمر، قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط ~~أن يبيع فيها الخمر، أو لا يشترط وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر: أن الإجارة ~~تصح؛ لأنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط ذلك؛ لأن ~~له أن لا يبيع فيه الخمر، ولا يتخذ الدار كنيسة، ويستحق عليه الأجرة ~~بالتسليم في المدة، فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء، # PageV05P694 # كان ذكرها وتركها سواء، كما لو اكترى دارا لينام فيها أو ليسكنها، فإن ~~الأجرة تستحق عليه، وإن لم يفعل ذلك، وكذا يقول: فيما إذا استأجر رجلا ~~ليحمل خمرا أو ميتة، أو خنزيرا: أنه يصح؛ لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو ~~حمله بدله عصيرا استحق الأجرة، فهذا التقييد عندهم لغو، فهو بمنزلة الإجارة ~~المطلقة، والمطلقة عنده جائزة. وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما ~~يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا، ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة. قال: ~~لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره، وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة ~~الأولى، وقالوا: ليس المقيد كالمطلق، بل المنفعة المعقود عليها هي ~~المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي منفعة محرمة، وإن كان للمستأجر أن ~~يقيم غيرها مقامها، وألزموه فيما لو اكترى دارا ليتخذها مسجدا، فإنه لا ~~يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع ms1835 هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناء على أنها ~~اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد إجارة. # ونازعه أصحاب أحمد ومالك في المقدمة الثانية، وقالوا: إذا غلب على ظنه أن ~~المستأجر ينتفع بها في محرم، حرمت الإجارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعن عاصر الخمر ومعتصرها، والعاصر إنما يعصر عصيرا، ولكن لما علم أن ~~المعتصر يريد أن يتخذه خمرا، فيعصره له، استحق اللعنة. # قالوا: وأيضا فإن في هذا معاونة على نفس ما يسخطه الله ويبغضه، ويلعن ~~فاعله، فأصول الشرع وقواعده تقتضي تحريمه وبطلان العقد عليه، وسيأتي مزيد ~~تقرير هذا عند الكلام على حكمه صلى الله عليه وسلم بتحريم العينة وما يترتب ~~عليها من العقوبة. # قال شيخنا: والأشبه طريقة ابن موسى، يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت ~~المنفعة محرمة، ولكن لا يطيب له أكلها. قال: فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، ~~وأقرب إلى القياس؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عاصر الخمر، ~~ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه. فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة ~~تستحق # PageV05P695 # عوضا، وهي ليست محرمة في نفسها، وإنما حرمت بقصد المعتصر والمستحمل، فهو ~~كما لو باع عنبا وعصيرا لمن يتخذه خمرا، وفات العصير والخمر في يد المشتري، ~~فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يقضى له بعوضه. كذلك هنا المنفعة التي ~~وفاها المؤجر، لا تذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما ~~كان من جهة المستأجر، لا من جهة المؤجر، فإنه لو حملها للإراقة، أو ~~لإخراجها إلى الصحراء خشية التأذي بها، جاز. ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق ~~الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري، بخلاف من استؤجر للزنى أو التلوط أو ~~القتل أو السرقة، فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر، فهو كما لو ~~باع ميتة أو خمرا، فإنه لا يقضى له بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمة، وكذلك ~~لا يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة. # قال شيخنا: ومثل هذه الإجارة، والجعالة، يعني الإجارة على حمل الخمر ~~والميتة، لا توصف بالصحة مطلقا، ولا بالفساد ms1836 مطلقا، بل يقال: هي صحيحة ~~بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه العوض، وفاسدة بالنسبة إلى ~~الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجر، ولهذا في الشريعة نظائر. ~~قال: ولا ينافي هذا نص أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني، فإنا ننهاه عن ~~هذا الفعل وعن عوضه، ثم نقضي له بكرائه، قال: ولو لم يفعل هذا، لكان في هذا ~~منفعة عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية ~~قد حصلوا غرضهم منه، فإذا لم يعطوه شيئا، ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم، ~~كان ذلك أعظم العون لهم، وليسوا بأهل أن يعاونوا على ذلك، بخلاف من سلم ~~إليهم عملا لا قيمة له بحال، يعني كالزانية، والمغني، والنائحة، فإن هؤلاء ~~لا يقضى لهم بأجرة، ولو قبضوا منهم المال، فهل يلزمهم رده عليهم، أم ~~يتصدقون به؟ فقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك، وبينا أن الصواب أنه لا يلزمهم ~~رده، ولا يطيب لهم أكله، والله الموفق للصواب. ### | [فصل تحريم حلوان الكاهن] # فصل. # الحكم الخامس: حلوان الكاهن. قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف في # PageV05P696 # حلوان الكاهن أنه ما يعطاه على كهانته، وهو من أكل المال بالباطل، ~~والحلوان في أصل اللغة: العطية. قال علقمة: # فمن رجل أحلوه رحلي وناقتي ... يبلغ عني الشعر إذ مات قائله # انتهى. # وتحريم حلوان الكاهن تنبيه على تحريم حلوان المنجم، والزاجر، وصاحب ~~القرعة التي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصا، والعراف، والرمال ونحوهم ممن ~~تطلب منهم الأخبار عن المغيبات، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان ~~الكهان، وأخبر أن ( «من أتى عرافا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم» ) ولا ريب أن الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبما يجيء به هؤلاء، لا يجتمعان في قلب واحد، وإن كان أحدهم قد يصدق ~~أحيانا، فصدقه بالنسبة إلى كذبه قليل من كثير، وشيطانه الذي يأتيه بالأخبار ~~لا بد له أن يصدقه أحيانا ليغوي به الناس، ويفتنهم به. # وأكثر الناس مستجيبون ms1837 لهؤلاء مؤمنون بهم ولا سيما ضعفاء العقول، كالسفهاء ~~والجهال والنساء، وأهل البوادي، ومن لا علم لهم بحقائق الإيمان، فهؤلاء هم ~~المفتونون بهم، وكثير منهم يحسن الظن بأحدهم، ولو كان مشركا كافرا بالله ~~مجاهرا بذلك، ويزوره، وينذر له، ويلتمس دعاءه. فقد رأينا وسمعنا من ذلك ~~كثيرا؛ وسبب هذا كله خفاء ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق على ~~هؤلاء وأمثالهم، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] وقد ~~قال الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء يحدثوننا ~~أحيانا بالأمر، فيكون كما # PageV05P697 # قالوا، فأخبرهم: أن ذلك من جهة الشياطين، يلقون إليهم الكلمة تكون حقا، ~~فيزيدون هم معها مائة كذبة فيصدقون من أجل تلك الكلمة. # وأما أصحاب الملاحم فركبوا ملاحمهم من أشياء. # أحدها: من أخبار الكهان. # والثاني: من أخبار منقولة عن الكتب السالفة متوارثة بين أهل الكتاب. # والثالث: من أمور أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بها جملة وتفصيلا. # والرابع: من أمور أخبر بها من له كشف من الصحابة ومن بعدهم. # والخامس: من منامات متواطئة على أمر كلي وجزئي. فالجزئي: يذكرونه بعينه، ~~والكلي: يفصلونه بحدس وقرائن تكون حقا أو تقارب. # والسادس: من استدلال بآثار علوية جعلها الله تعالى علامات وأدلة وأسبابا ~~لحوادث أرضية لا يعلمها أكثر الناس، فإن الله سبحانه لم يخلق شيئا سدى ولا ~~عبثا. وربط سبحانه العالم العلوي بالسفلي، وجعل علويه مؤثرا في سفليه دون ~~العكس، فالشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإن كان كسوفهما ~~لسبب شر يحدث في الأرض؛ ولهذا شرع سبحانه تغيير الشر عند كسوفهما بما يدفع ~~ذلك الشر المتوقع من الصلاة والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار والعتق، فإن ~~هذه الأشياء تعارض أسباب الشر، وتقاومها وتدفع موجباتها إن قويت عليها. # وقد جعل الله سبحانه حركة الشمس والقمر، واختلاف مطالعهما سببا للفصول ~~التي هي سبب الحر والبرد، والشتاء والصيف، وما يحدث فيهما مما يليق بكل فصل ~~منها، فمن له اعتناء بحركاتهما، واختلاف مطالعهما، يستدل # PageV05P698 # بذلك على ما يحدث في ms1838 النبات والحيوان وغيرهما، وهذا أمر يعرفه كثير من ~~أهل الفلاحة والزراعة، ونواتي السفن لهم استدلالات بأحوالهما، وأحوال ~~الكواكب على أسباب السلامة والعطب من اختلاف الرياح وقوتها وعصوفها، لا ~~تكاد تختل. # والأطباء لهم استدلالات بأحوال القمر والشمس على اختلاف طبيعة الإنسان ~~وتهيئها لقبول التغير، واستعدادها لأمور غريبة ونحو ذلك. # وواضعو الملاحم لهم عناية شديدة بهذا، وأمور متوارثة عن قدماء المنجمين، ~~ثم يستنتجون من هذا كله قياسات وأحكاما تشبه ما تقدم ونظيره. وسنة الله في ~~خلقه جارية على سنن اقتضته حكمته، فحكم النظير حكم نظيره، وحكم الشيء حكم ~~مثله، وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والقدر، واعتبار بعضه ~~ببعض، والاستدلال ببعضه على بعض، كما صرف أئمة الشرع قوى أذهانهم إلى أحكام ~~الأمر والشرع، واعتبار بعضه ببعض، والاستدلال ببعضه على بعض، والله سبحانه ~~له الخلق والأمر، ومصدر خلقه وأمره عن حكمة لا تختل ولا تتعطل ولا تنتقض، ~~ومن صرف قوى ذهنه وفكره، واستنفد ساعات عمره في شيء من أحكام هذا العالم ~~وعلمه، كان له فيه من النفوذ والمعرفة والاطلاع ما ليس لغيره. # ويكفي الاعتبار بفرع واحد من فروعه، وهو عبارة الرؤيا، فإن العبد إذا نفذ ~~فيها، وكمل اطلاعه جاء بالعجائب. وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورا ~~عجيبة، يحكم فيها المعبر بأحكام متلازمة صادقة سريعة وبطيئة، ويقول سامعها: ~~هذه علم غيب. # وإنما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسباب انفرد هو بعلمها، وخفيت على غيره ~~والشارع صلوات الله عليه حرم من تعاطي ذلك ما مضرته راجحة على منفعته، أو ~~ما لا منفعة فيه، أو ما يخشى على صاحبه أن يجره إلى الشرك، وحرم بذل المال ~~في ذلك، وحرم أخذه به؛ صيانة للأمة عما يفسد عليها الإيمان أو يخدشه، بخلاف ~~علم عبارة الرؤيا، فإنه حق لا باطل؛ لأن الرؤيا # PageV05P699 # مستندة إلى الوحي المنامي، وهي جزء من أجزاء النبوة؛ ولهذا كلما كان ~~الرائي أصدق كانت رؤياه أصدق، وكلما كان المعبر أصدق، وأبر وأعلم كان ~~تعبيره أصح، بخلاف الكاهن والمنجم، وأضرابهما ممن لهم مدد من ms1839 إخوانهم من ~~الشياطين؛ فإن صناعتهم لا تصح من صادق ولا بار، ولا متقيد بالشريعة، بل هم ~~أشبه بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذب وأفجر، وأبعد عن الله ورسوله ~~ودينه، كان السحر معه أقوى وأشد تأثيرا، بخلاف علم الشرع والحق، فإن صاحبه ~~كلما كان أبر وأصدق وأدين كان علمه به ونفوذه فيه أقوى، وبالله التوفيق. ### | [فصل خبث كسب الحجام] # فصل. # الحكم السادس: خبث كسب الحجام، ويدخل فيه الفاصد والشارط، وكل من يكون ~~كسبه من إخراج الدم، ولا يدخل فيه الطبيب، ولا الكحال ولا البيطار لا في ~~لفظه ولا في معناه، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( «أنه حكم بخبثه وأمر ~~صاحبه أن يعلفه ناضحه أو رقيقه» ) وصح عنه أنه ( «احتجم وأعطى الحجام أجره» ~~) . # PageV05P700 # فأشكل الجمع بين هذين على كثير من الفقهاء، وظنوا أن النهي عن كسبه منسوخ ~~بإعطائه أجره، وممن سلك هذا المسلك الطحاوي، فقال في احتجاجه للكوفيين في ~~إباحة بيع الكلاب، وأكل أثمانها: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الكلاب، ثم قال: ( «ما لي وللكلاب» ) ، ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم، ~~وكان بيع الكلاب إذ ذاك والانتفاع به حراما، وكان قاتله مؤديا للفرض عليه ~~في قتله، ثم نسخ ذلك، وأباح الاصطياد به، فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه، ~~قال: ومثل ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام، وقال: ( «كسب الحجام ~~خبيث» ) ثم أعطى الحجام أجره، وكان ذلك ناسخا لمنعه وتحريمه ونهيه. انتهى ~~كلامه. # وأسهل ما في هذه الطريقة أنها دعوى مجردة لا دليل عليها، فلا تقبل، كيف ~~وفي الحديث نفسه ما يبطلها؛ فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم ~~قال: ( «ما بالهم وبال الكلاب؟» ) ثم رخص لهم في كلب الصيد. # (وقال ابن عمر: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب إلا كلب ~~الصيد، أو كلب غنم أو ماشية» ، وقال عبد الله بن مغفل: «أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رخص ms1840 في ~~كلب الصيد وكلب الغنم» ) # والحديثان في " الصحيح " فدل على أن الرخصة في كلب الصيد وكلب الغنم وقعت ~~بعد الأمر بقتل الكلاب، فالكلب الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~اقتنائه هو الذي حرم ثمنه، وأخبر أنه خبيث دون الكلب الذي أمر بقتله، فإن ~~المأمور بقتله غير مستبقى حتى تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجر ~~العادة ببيعه وشرائه بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإن الحاجة داعية إلى ~~بيان حكم ثمنه أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجر عادتهم ببيعه، بل قد ~~أمروا بقتله. # PageV05P701 # ومما يبين هذا أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الأربعة التي تبذل فيها ~~الأموال عادة؛ لحرص النفوس عليها، وهي ما تأخذه الزانية والكاهن والحجام ~~وبائع الكلب، فكيف يحمل هذا على كلب لم تجر العادة ببيعه، وتخرج منه الكلاب ~~التي إنما جرت العادة ببيعها، هذا من الممتنع البين امتناعه؟ وإذا تبين هذا ~~ظهر فساد ما شبه به من نسخ خبث أجرة الحجام، بل دعوى النسخ فيها أبعد. # وأما إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الحجام أجره، فلا يعارض قوله: ( ~~«كسب الحجام خبيث» ) ؛ فإنه لم يقل: إن إعطاءه خبيث، بل إعطاؤه إما واجب، ~~وإما مستحب، وإما جائز، ولكن هو خبيث بالنسبة إلى الآخذ، وخبثه بالنسبة إلى ~~أكله، فهو خبيث الكسب، ولم يلزم من ذلك تحريمه؛ فقد سمى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الثوم والبصل خبيثين مع إباحة أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم الحجام أجره حل أكله فضلا عن كون أكله طيبا؛ فإنه قال: ~~( «إني لأعطي الرجل العطية يخرج بها يتأبطها نارا» ) ، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد كان يعطي المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة والفيء مع غناهم، وعدم ~~حاجتهم إليه؛ ليبذلوا من الإسلام والطاعة ما يجب عليهم بذله بدون العطاء، ~~ولا يحل لهم توقف بذله على الأخذ، بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوض. # وهذا أصل معروف من أصول الشرع أن العقد والبذل قد يكون جائزا، أو مستحبا، ms1841 ~~أو واجبا من أحد الطرفين، مكروها أو محرما من الطرف الآخر، فيجب على الباذل ~~أن يبذل، ويحرم على الآخذ أن يأخذه. # وبالجملة فخبث أجر الحجام من جنس خبث أكل الثوم والبصل، لكن هذا خبيث ~~الرائحة، وهذا خبيث لكسبه. # فإن قيل: فما أطيب المكاسب وأحلها؟ قيل: هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء. # أحدها: أنه كسب التجارة. # PageV05P702 # والثاني: أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة ونحوها. # والثالث: أنه الزراعة، ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثرا ونظرا، ~~والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان الشارع، وهذا الكسب قد جاء في القرآن ~~مدحه أكثر من غيره، وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم؛ ولهذا اختاره الله ~~لخير خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حيث يقول: ( «بعثت بالسيف بين يدي الساعة ~~حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار ~~على من خالف أمري» ) ، وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله، وجعل ~~أحب شيء إلى الله، فلا يقاومه كسب غيره. والله أعلم. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في بيع عسب الفحل وضرابه] # في حكمه صلى الله عليه وسلم في بيع عسب الفحل وضرابه # في " صحيح البخاري " عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «نهى عن ~~عسب الفحل» ) . # وفي " صحيح مسلم " عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «نهى عن بيع ~~ضراب الفحل» ) . # وهذا الثاني تفسير للأول، وسمى أجرة ضرابه بيعا؛ إما لكون المقصود هو ~~الماء الذي له، فالثمن مبذول في مقابلة عين مائه، وهو حقيقة البيع، وإما ~~أنه سمى إجارته لذلك بيعا، إذ هي عقد معاوضة وهي بيع المنافع، والعادة أنهم ~~يستأجرون الفحل للضراب، وهذا هو الذي نهي عنه، والعقد الوارد عليه باطل ~~سواء كان بيعا أو إجارة، وهذا قول جمهور العلماء، منهم أحمد والشافعي، وأبو ~~حنيفة وأصحابهم. # PageV05P703 # وقال أبو الوفاء بن عقيل: ويحتمل عندي الجواز؛ لأنه ms1842 عقد على منافع الفحل، ~~ونزوه على الأنثى وهي منفعة مقصودة، وماء الفحل يدخل تبعا، والغالب حصوله ~~عقيب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر؛ ليحصل اللبن في بطن الصبي، وكما لو ~~استأجر أرضا، وفيها بئر ماء، فإن الماء يدخل تبعا، وقد يغتفر في الأتباع ما ~~لا يغتفر في المتبوعات. # وأما مالك فحكي عنه جوازه، والذي ذكره أصحابه التفصيل، فقال صاحب " ~~الجواهر " في باب فساد العقد من جهة نهي الشارع، ومنها بيع عسب الفحل، ~~ويحمل النهي فيه على استئجار الفحل على لقاح الأنثى وهو فاسد؛ لأنه غير ~~مقدور على تسليمه، فأما أن يستأجره على أن ينزو عليه دفعات معلومة، فذلك ~~جائز إذ هو أمد معلوم في نفسه، ومقدور على تسليمه. # والصحيح تحريمه مطلقا وفساد العقد به على كل حال، ويحرم على الآخر أخذ ~~أجرة ضرابه، ولا يحرم على المعطي؛ لأنه بذل ماله في تحصيل مباح يحتاج إليه، ~~ولا يمنع من هذا كما في كسب الحجام، وأجرة الكساح، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عما يعتادونه من استئجار الفحل للضراب، وسمى ذلك بيع عسبه، فلا ~~يجوز حمل كلامه على غير الواقع والمعتاد وإخلاء الواقع من البيان مع أنه ~~الذي قصد بالنهي، ومن المعلوم أنه ليس للمستأجر غرض صحيح في نزو الفحل على ~~الأنثى الذي له دفعات معلومة، وإنما غرضه نتيجة ذلك وثمرته، ولأجله بذل ~~ماله. وقد علل التحريم بعدة علل. # PageV05P704 # إحداها: أنه لا يقدر على تسليم المعقود عليه، فأشبه إجارة الآبق، فإن ذلك ~~متعلق باختيار الفحل وشهوته. # الثانية: أن المقصود هو الماء وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، فإنه مجهول ~~القدر والعين وهذا بخلاف إجارة الظئر، فإنها احتملت بمصلحة الآدمي، فلا ~~يقاس عليها غيرها، وقد يقال - والله أعلم - إن النهي عن ذلك من محاسن ~~الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان، وجعله محلا لعقود ~~المعاوضات مما هو مستقبح ومستهجن عند العقلاء، وفاعل ذلك عندهم ساقط من ~~أعينهم في أنفسهم، وقد جعل الله سبحانه فطر عباده لا سيما المسلمين ميزانا ~~للحسن والقبيح، فما رآه المسلمون ms1843 حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون ~~قبيحا، فهو عند الله قبيح. # ويزيد هذا بيانا أن ماء الفحل لا قيمة له، ولا هو مما يعاوض عليه، ولهذا ~~لو نزا فحل الرجل على رمكة غيره، فأولدها، فالولد لصاحب الرمكة اتفاقا؛ ~~لأنه لم ينفصل عن الفحل إلا مجرد الماء وهو لا قيمة له، فحرمت هذه الشريعة ~~الكاملة المعاوضة على ضرابه ليتناوله الناس بينهم مجانا، لما فيه من تكثير ~~النسل المحتاج إليه من غير إضرار بصاحب الفحل، ولا نقصان من ماله، فمن ~~محاسن الشريعة إيجاب بذل هذا مجانا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«إن من حقها إطراق فحلها وإعارة دلوها» ) فهذه حقوق يضر بالناس منعها إلا ~~بالمعاوضة، فأوجبت الشريعة بذلها مجانا. # فإن قيل: فإذا أهدى صاحب الأنثى إلى صاحب الفحل هدية، أو ساق إليه كرامة ~~فهل له أخذها؟ قيل: إن كان ذلك على وجه المعاوضة والاشتراط في # PageV05P705 # الباطن لم يحل له أخذه، وإن لم يكن كذلك فلا بأس به، قال أصحاب أحمد ~~والشافعي: وإن أعطى صاحب الفحل هدية، أو كرامة من غير إجارة جاز، واحتج ~~أصحابنا بحديث روي عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ( «إذا كان إكراما فلا بأس» ) ، ذكره صاحب " المغني " ولا أعرف حال ~~هذا الحديث، ولا من خرجه، وقد نص أحمد في رواية ابن القاسم على خلافه، فقيل ~~له: ألا يكون مثل الحجام يعطى، وإن كان منهيا عنه؟ فقال: لم يبلغنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعطى في مثل هذا شيئا كما بلغنا في الحجام. # واختلف أصحابنا في حمل كلام أحمد رحمه الله على ظاهره، أو تأويله، فحمله ~~القاضي على ظاهره، وقال: هذا مقتضى النظر، لكن ترك مقتضاه في الحجام، فبقي ~~فيما عداه على مقتضى القياس. وقال أبو محمد في " المغني ": كلام أحمد يحمل ~~على الورع لا على التحريم، والجواز أرفق بالناس، وأوفق للقياس. ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنع من بيع الماء الذي يشترك فيه ms1844 الناس] # ثبت في " صحيح مسلم " من حديث جابر رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء» . # وفيه عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الفحل، وعن ~~بيع الماء والأرض لتحرث» ، فعن ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ( «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» ) وفي لفظ آخر ( «لا ~~تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به # PageV05P706 # الكلأ» ) ، وقال البخاري في بعض طرقه: ( «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به ~~فضل الكلإ» ) # وفي " المسند " من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «من منع فضل مائه، أو فضل كلئه منعه الله ~~فضله يوم القيامة» ) . # وفي " سنن ابن ماجه " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار» ) . # وفي " سننه " أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ( «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ، وثمنه ~~حرام» ) . # وفي " صحيح البخاري " من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ( «ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة، ولا ~~يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ~~ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه ~~منها سخط، ورجل أقام سلعة بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد ~~أعطيت بها كذا # PageV05P707 # وكذا، فصدقه رجل، ثم قرأ هذه الآية {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] » ) الآية. # وفي " سنن أبي داود " ( «عن بهيسة قالت: استأذن أبي النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فجعل يدنو منه ويلتزمه، ثم قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل ms1845 ~~منعه؟ قال: الماء قال: " يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ~~الملح، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير ~~خير لك» ) . # الماء خلقه الله في الأصل مشتركا بين العباد والبهائم، وجعله سقيا لهم، ~~فلا يكون أحد أخص به من أحد، ولو أقام عليه، وتنأ عليه، قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: ابن السبيل أحق بالماء من التانئ عليه، ذكره أبو عبيد عنه. # وقال أبو هريرة: ( «ابن السبيل أول شارب» ) . # فأما من حازه في قربته أو إنائه، فذاك غير المذكور في الحديث، وهو بمنزلة ~~سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه، ثم أراد بيعها كالحطب والكلأ والملح، ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( «لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة ~~حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه ~~أو منعوه» ) رواه البخاري. # وفي " الصحيحين " ( «عن علي رضي الله عنه قال: أصبت شارفا مع # PageV05P708 # رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر، وأعطاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شارفا آخر، فأنختهما يوما عند باب رجل من الأنصار وأنا أريد ~~أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه» ) . وذكر الحديث، فهذا في الكلأ والحطب ~~المباح بعد أخذه وإحرازه، وكذلك السمك وسائر المباحات، وليس هذا محل النهي ~~بالضرورة، ولا محل النهي أيضا بيع مياه الأنهار الكبار المشتركة بين الناس؛ ~~فإن هذا لا يمكن منعها، والحجر عليها، وإنما محل النهي صور، أحدها: المياه ~~المنتقعة من الأمطار إذا اجتمعت في أرض مباحة، فهي مشتركة بين الناس، وليس ~~أحد أحق بها من أحد إلا بالتقديم لقرب أرضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ~~فهذا النوع لا يحل بيعه ولا منعه، ومانعه عاص مستوجب لوعيد الله ومنع فضله ~~إذ منع فضل ما لم تعمل يداه. # فإن قيل: فلو اتخذ في أرضه المملوكة له حفرة يجمع فيها الماء، أو حفر ~~بئرا، فهل يملكه بذلك، ويحل له بيعه؟ قيل: لا ريب أنه أحق ms1846 به من غيره، ومتى ~~كان الماء النابع في ملكه، والكلأ والمعدن فوق كفايته لشربه وشرب ماشيته ~~ودوابه لم يجب عليه بذله، نص عليه أحمد، وهذا لا يدخل تحت وعيد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه إنما توعد من منع فضل الماء، ولا فضل في هذا. ### | [فصل يجب بذل ما فضل من الماء عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه لمن طلبه لحاجته أو حاجة بهائمه والاختلاف في بذله لزرع غيره] # فصل. # وما فضل منه عن حاجته وحاجة بهائمه وزرعه، واحتاج إليه آدمي مثله، أو ~~بهائمه، بذله بغير عوض، ولكل واحد أن يتقدم إلى الماء ويشرب. ويسقي ماشيته، ~~وليس لصاحب الماء منعه من ذلك، ولا يلزم الشارب وساقي البهائم عوض. وهل ~~يلزمه أن يبذل له الدلو والبكرة والحبل مجانا، أو له أن يأخذ أجرته؟ على ~~قولين، وهما وجهان لأصحاب أحمد في وجوب إعارة المتاع عند الحاجة إليه، ~~أظهرهما دليلا وجوبه، وهو من الماعون. # قال أحمد: إنما هذا في # PageV05P709 # الصحاري والبرية دون البنيان يعني: أن البنيان إذا كان فيه الماء، فليس ~~لأحد الدخول إليه إلا بإذن صاحبه، وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره؟ فيه ~~وجهان، وهما روايتان عن أحمد. # أحدهما: لا يلزمه وهو مذهب الشافعي؛ لأن الزرع لا حرمة له في نفسه، ولهذا ~~لا يجب على صاحبه سقيه بخلاف الماشية. # والثاني: يلزمه بذله، واحتج لهذا القول بالأحاديث المتقدمة وعمومها، ومما ~~روي ( «عن عبد الله بن عمرو أن قيم أرضه بالوهط كتب إليه يخبره أنه سقى ~~أرضه، وفضل له من الماء فضل يطلب بثلاثين ألفا، فكتب إليه عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما: أقم قلدك، ثم اسق الأدنى، فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع فضل الماء» ) . # قالوا: وفي منعه من سقي الزرع إهلاكه وإفساده، فحرم كالماشية. وقولكم: لا ~~حرمة له، فلصاحبه حرمة، فلا يجوز التسبب إلى إهلاك ماله، ومن سلم لكم أنه ~~لا حرمة للزرع؟ قال أبو محمد المقدسي: ويحتمل أن يمنع نفي الحرمة عنه، فإن ~~إضاعة ms1847 المال منهي عنها، وإتلافه محرم، وذلك دليل على حرمته. # فإن قيل: فإذا كان في أرضه أو داره بئر نابعة، أو عين مستنبطة، فهل تكون ~~ملكا له تبعا لملك الأرض والدار؟ قيل: أما نفس البئر وأرض العين فمملوكة ~~لمالك الأرض، وأما الماء ففيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، ووجهان لأصحاب ~~الشافعي. # PageV05P710 # أحدهما: أنه غير مملوك؛ لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه، فأشبه الجاري ~~في النهر إلى ملكه. # والثاني: أنه مملوك له، قال أحمد في رجل له أرض ولآخر ماء، فاشترك صاحب ~~الأرض وصاحب الماء في الزرع: يكون بينهما؟ فقال: لا بأس، وهذا القول اختيار ~~أبي بكر. # وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك كالقار والنفط والموميا ~~والملح، وكذلك الكلأ النابت في أرضه كل ذلك يخرج على الروايتين في الماء، ~~وظاهر المذهب أن هذا الماء لا يملك، وكذلك هذه الأشياء قال أحمد: لا يعجبني ~~بيع الماء البتة، وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم نهر ~~تشرب منه أرضهم لهذا يوم، ولهذا يومان يتفقون عليه بالحصص، فجاء يومي ولا ~~أحتاج إليه أكريه بدراهم؟ قال: ما أدري، أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى ~~عن بيع الماء، قيل: إنه ليس يبيعه، إنما يكريه، قال: إنما احتالوا بهذا ~~ليحسنوه، فأي شيء هذا إلا البيع انتهى. # وأحاديث اشتراك الناس في الماء دليل ظاهر على المنع من بيعه، وهذه ~~المسألة التي سئل عنها أحمد هي التي قد ابتلي بها الناس في أرض الشام ~~وبساتينه وغيرها، فإن الأرض والبستان يكون له حق من الشرب من نهر، فيفصل ~~عنه، أو يبنيه دورا وحوانيت، ويؤجر ماءه، فقد توقف أحمد أولا، ثم أجاب بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء، فلما قيل له: إن هذه إجارة، ~~قال: هذه التسمية حيلة، وهي تحسين اللفظ، وحقيقة العقد البيع، وقواعد ~~الشريعة تقتضي المنع من بيع هذا الماء، فإنه إنما كان له حق التقديم في سقي ~~أرضه من هذا الماء المشترك بينه وبين غيره، فإذا استغنى عنه لم ms1848 يجز له ~~المعاوضة عنه، وكان المحتاج إليه أولى به بعده، وهذا كمن أقام على معدن، ~~فأخذ منه حاجته لم يجز له أن يبيع باقيه بعد نزعه عنه. # PageV05P711 # وكذلك من سبق إلى الجلوس في رحبة أو طريق واسعة، فهو أحق بها ما دام ~~جالسا، فإذا استغنى عنها، وأجر مقعده لم يجز، وكذلك الأرض المباحة إذا كان ~~فيها كلأ أو عشب، فسبق بدوابه إليه، فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيه، فإذا ~~طلب الخروج منها، وبيع ما فضل عنه لم يكن له ذلك وهكذا هذا الماء سواء، ~~فإنه إذا فارق أرضه لم يبق له فيه حق، وصار بمنزلة الكلأ الذي لا اختصاص له ~~به، ولا هو في أرضه. # فإن قيل: الفرق بينهما أن هذا الماء في نفس أرضه، فهو منفعة من منافعها، ~~فملكه بملكها كسائر منافعها بخلاف ما ذكرتم من الصور، فإن تلك الأعيان ليست ~~من ملكه، وإنما له حق الانتفاع والتقديم إذا سبق خاصة. # قيل: هذه النكتة التي لأجلها جوز من جوز بيعه، وجعل ذلك حقا من حقوق ~~أرضه، فملك المعاوضة عليه وحده كما يملك المعاوضة عليه مع الأرض، فيقال: حق ~~أرضه في الانتفاع لا في ملك العين التي أودعها الله فيها بوصف الاشتراك، ~~وجعل حقه في تقديم الانتفاع على غيره في التحجر والمعاوضة، فهذا القول هو ~~الذي تقتضيه قواعد الشرع وحكمته واشتماله على مصالح العالم، وعلى هذا فإذا ~~دخل غيره بغير إذنه، فأخذ منه شيئا، ملكه، لأنه مباح في الأصل، فأشبه ما لو ~~عشش في أرضه طائر، أو حصل فيها ظبي، أو نضب ماؤها عن سمك، فدخل إليه فأخذه. # فإن قيل: فهل له منعه من دخول ملكه، وهل يجوز دخوله في ملكه بغير إذنه؟ # قيل: قد قال بعض أصحابنا: لا يجوز له دخول ملكه لأخذ ذلك بغير إذنه، وهذا ~~لا أصل له في كلام الشارع، ولا في كلام الإمام أحمد، بل قد نص أحمد على ~~جواز الرعي في أرض غير مباحة مع أن الأرض ليست مملوكة له ولا مستأجرة، ~~ودخولها ms1849 لغير الرعي ممنوع منه. فالصواب أنه # PageV05P712 # يجوز له دخولها لأخذ ما له أخذه، وقد يتعذر عليه غالبا استئذان مالكها، ~~ويكون قد احتاج إلى الشرب وسقي بهائمه، ورعي الكلأ، ومالك الأرض غائب، فلو ~~منعناه من دخولها إلا بإذنه كان في ذلك إضرار ببهائمه. # وأيضا فإنه لا فائدة لهذا الإذن؛ لأنه ليس لصاحب الأرض منعه من الدخول، ~~بل يجب عليه تمكينه، فغاية ما يقدر أنه لم يأذن له، وهذا حرام عليه شرعا لا ~~يحل له منعه من الدخول، فلا فائدة في توقف دخوله على الإذن. # وأيضا فإنه إذا لم يتمكن من أخذ حقه الذي جعله له الشارع إلا بالدخول، ~~فهو مأذون فيه شرعا، بل لو كان دخوله بغير إذنه لغيرة على حريمه وعلى أهله ~~فلا يجوز له الدخول بغير إذن، فأما إذا كان في الصحراء، أو دار فيها بئر ~~ولا أنيس بها، فله الدخول بإذن وغيره، وقد قال الله تعالى: {ليس عليكم جناح ~~أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] [النور: 29] ، وهذا ~~الدخول الذي رفع عنه الجناح هو الدخول بلا إذن، فإنه قد منعهم قبل من ~~الدخول لغير بيوتهم حتى يستأنسوا ويسلموا على أهلها، والاستئناس هنا: ~~الاستئذان، وهي في قراءة بعض السلف كذلك، ثم رفع عنهم الجناح في دخول ~~البيوت غير المسكونة لأخذ متاعهم، فدل ذلك على جواز الدخول إلى بيت غيره ~~وأرضه غير المسكونة، لأخذ حقه من الماء والكلأ، فهذا ظاهر القرآن، وهو ~~مقتضى نص أحمد وبالله التوفيق. # فإن قيل: فما تقولون في بيع البئر والعين نفسها: هل يجوز؟ قال الإمام ~~أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، ويجوز بيع البئر ~~نفسها والعين، ومشتريها أحق بمائها، وهذا الذي قاله الإمام أحمد هو الذي ~~دلت عليه السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «من يشتري بئر رومة ~~يوسع بها على # PageV05P713 # المسلمين وله الجنة» ) أو كما قال، فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~من يهودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها للمسلمين، وكان اليهودي ms1850 ~~يبيع ماءها. وفي الحديث أن عثمان رضي الله عنه اشترى منه نصفها باثني عشر ~~ألفا، ثم قال لليهودي: اختر إما أن تأخذها يوما وآخذها يوما، وإما أن تنصب ~~لك عليها دلوا، وأنصب عليها دلوا، فاختار يوما ويوما، فكان الناس يستقون ~~منها في يوم عثمان لليومين، فقال اليهودي: أفسدت علي بئري فاشتر باقيها، ~~فاشتراه بثمانية آلاف، فكان في هذا حجة على صحة بيع البئر وجواز شرائها، ~~وتسبيلها، وصحة بيع ما يسقى منها، وجواز قسمة الماء بالمهايأة، وعلى كون ~~المالك أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك. # فإن قيل: فإذا كان الماء عندكم لا يملك، ولكل واحد أن يستقي منه حاجته، ~~فكيف أمكن اليهودي تحجره حتى اشترى عثمان البئر وسبلها، فإن قلتم: اشترى ~~نفس البئر وكانت مملوكة، ودخل الماء تبعا، أشكل عليكم من وجه آخر وهو أنكم ~~قررتم أنه يجوز للرجل دخول أرض غيره لأخذ الكلأ والماء، وقضية بئر اليهودي ~~تدل على أحد أمرين ولا بد؛ إما ملك الماء بملك قراره، وإما على أنه لا يجوز ~~دخول الأرض لأخذ ما فيها من المباح إلا بإذن مالكها. # قيل: هذا سؤال قوي، وقد يتمسك به من ذهب إلى واحد من هذين المذهبين، ومن ~~منع الأمرين، يجيب عنه بأن هذا كان في أول الإسلام، وحين قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقبل تقرر الأحكام، وكان اليهود إذ ذاك لهم شوكة بالمدينة، ~~ولم تكن أحكام الإسلام جارية عليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم، ~~صالحهم، وأقرهم على ما بأيديهم، ولم يتعرض له، ثم استقرت الأحكام، # PageV05P714 # وزالت شوكة اليهود لعنهم الله، وجرت عليهم أحكام الشريعة، وسياق قصة هذه ~~البئر ظاهر في أنها كانت حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في أول ~~الأمر. ### | [فصل هل يملك ماء البرك والمصانع] # فصل. # وأما المياه الجارية، فما كان نابعا من غير ملك كالأنهار الكبار وغير ~~ذلك، لم يملك بحال، ولو دخل إلى أرض رجل، لم يملكه بذلك وهو كالطير يدخل ~~إلى أرضه، فلا يملك بذلك، ولكل ms1851 واحد أخذه وصيده، فإن جعل له في أرضه مصنعا ~~أو بركة يجتمع فيها، ثم يخرج منها، فهو كنقع البئر سواء، وفيه من النزاع ما ~~فيه وإن كان لا يخرج منها، فهو أحق به للشرب والسقي، وما فضل عنه فحكمه حكم ~~ما تقدم. # وقال الشيخ في " المغني ": وإن كان ماء يسير في البركة لا يخرج منها، ~~فالأولى أنه يملكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار. # ثم قال: فأما المصانع المتخذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البرك ~~وغيرها، فالأولى أن يملك ماؤها، ويصح بيعه إذا كان معلوما؛ لأنه مباح حصله ~~في شيء معد له، فلا يجوز أخذ شيء منه إلا بإذن مالكه. # وفي هذا نظر، مذهبا ودليلا، أما المذهب، فإن أحمد قال: إنما نهى عن بيع ~~فضل ماء البئر والعيون في قراره، ومعلوم أن ماء البئر لا يفارقها، فهو ~~كالبركة التي اتخذت مقرا كالبئر سواء، ولا فرق بينهما، وقد تقدم من نصوص ~~أحمد ما يدل على المنع من بيع هذا، وأما الدليل فما تقدم من النصوص التي ~~سقناها، وقوله في الحديث الذي رواه البخاري في وعيد الثلاثة: ( «والرجل على ~~فضل ماء يمنعه ابن السبيل» ) ولم يفرق بين أن يكون ذلك الفضل في أرضه ~~المختصة به، أو في الأرض المباحة، وقوله: ( «الناس شركاء في ثلاث» ) ولم ~~يشترط في هذه الشركة كون مقره مشتركا، وقوله وقد سئل: ما الشيء الذي لا يحل ~~منعه؟ فقال: الماء، ولم يشترط كون مقره مباحا، فهذا مقتضى الدليل في هذه ~~المسألة أثرا ونظرا. # PageV05P715 ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منع الرجل من بيع ما ليس عنده] # في " السنن " و " المسند " من حديث ( «حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول ~~الله، يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، فأبيعه منه، ثم أبتاعه من ~~السوق، فقال: لا تبع ما ليس عندك» ) قال الترمذي: حديث حسن. # وفي " السنن " نحوه من حديث ابن عمرو رضي الله عنه، ولفظه: ( «لا يحل سلف ~~وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ms1852 ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك» ) قال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح. # فاتفق لفظ الحديثين على نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده، ~~فهذا هو المحفوظ من لفظه صلى الله عليه وسلم وهو يتضمن نوعا من الغرر، فإنه ~~إذا باعه شيئا معينا، وليس في ملكه، ثم مضى ليشتريه، أو يسلمه له، كان ~~مترددا بين الحصول وعدمه، فكان غررا يشبه القمار، فنهي عنه. # وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهى عنه؛ لكونه معدوما، فقال: لا يصح بيع ~~المعدوم، وروى في ذلك حديثا أنه صلى الله عليه وسلم ( «نهى عن بيع المعدوم» ~~) ، وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له أصل، والظاهر أنه ~~مروي بالمعنى من هذا الحديث، وغلط من ظن أن معناهما واحد، وأن هذا المنهي ~~عنه في حديث حكيم وابن عمرو رضي الله عنه لا يلزم أن يكون معدوما، وإن كان ~~فهو معدوم خاص، فهو كبيع حبل الحبلة وهو معدوم يتضمن غررا وترددا في حصوله. # والمعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة، فهذا يجوز بيعه اتفاقا، # PageV05P716 # وإن كان أبو حنيفة شرط في هذا النوع أن يكون وقت العقد في الوجود من حيث ~~الجملة، وهذا هو السلم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # والثاني: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثر منه وهو نوعان: نوع متفق عليه، ~~ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، ~~فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منه، وإن كانت ~~بقية أجزاء الثمار معدومة وقت العقد، ولكن جاز بيعها تبعا للموجود، وقد ~~يكون المعدوم متصلا بالموجود، وقد يكون أعيانا أخر منفصلة عن الوجود لم ~~تخلق بعد. # والنوع المختلف فيه كبيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان، ~~أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة، ويأخذها المشتري شيئا بعد شيء، كما جرت به ~~العادة، ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين ~~الذي استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى ms1853 لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا ~~سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، وأحد ~~القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. # والذين قالوا: لا يباع إلا لقطة لقطة لا ينضبط قولهم شرعا ولا عرفا ~~ويتعذر العمل به غالبا، وإن أمكن ففي غاية العسر، ويؤدي إلى التنازع ~~والاختلاف الشديد، فإن المشتري يريد أخذ الصغار والكبار، ولا سيما إذا كان ~~صغاره أطيب من كباره، والبائع لا يؤثر ذلك، وليس في ذلك عرف منضبط، وقد ~~تكون المقثأة كثيرة، فلا يستوعب المشتري اللقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لقطة ~~أخرى، ويختلط المبيع بغيره، ويتعذر تمييزه، ويتعذر أو يتعسر على صاحب ~~المقثأة أن يحضر لها كل وقت من يشتري ما تجدد فيها، ويفرده بعقد، وما كان ~~هكذا فإن الشريعة لا تأتي به، فهذا غير مقدور ولا مشروع، ولو ألزم الناس به ~~لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم، ثم إنه يتضمن التفريق بين متماثلين من كل ~~الوجوه، فإن بدو الصلاح في المقاثئ بمنزلة بدو الصلاح في الثمار، وتلاحق ~~أجزائها # PageV05P717 # كتلاحق أجزاء الثمار، وجعل ما لم يخلق منها تبعا لما خلق في الصورتين ~~واحد، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين. # ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لقطة لقطة من الفساد والتعذر قالوا: طريق رفع ~~ذلك بأن يبيع أصلها معها، ويقال: إذا كان بيعها جملة مفسدة عندكم، وهو بيع ~~معدوم وغرر، فإن هذا لا يرتفع ببيع العروق التي لا قيمة لها، وإن كان لها ~~قيمة فيسيرة جدا بالنسبة إلى الثمن المبذول، وليس للمشتري قصد في العروق، ~~ولا يدفع فيها الجملة من المال، وما الذي حصل ببيع العروق معها من المصلحة ~~لهما حتى شرط، وإذا لم يكن بيع أصول الثمار شرطا في صحة بيع الثمرة ~~المتلاحقة كالتين والتوت وهي مقصودة، فكيف يكون بيع أصول المقاثئ شرطا في ~~صحة بيعها وهي غير مقصودة؟ والمقصود أن هذا المعدوم يجوز بيعه تبعا ~~للموجود، ولا تأثير للمعدوم، وهذا كالمنافع المعقود عليها في الإجارة، ~~فإنها معدومة، وهي ms1854 مورد العقد؛ لأنها لا يمكن أن تحدث دفعة واحدة، والشرائع ~~مبناها على رعاية مصالح العباد، وعدم الحجر عليهم فيما لا بد لهم منه، ولا ~~تتم مصالحهم في معاشهم إلا به. ### | [فصل التفريق بين هذا وبين السلم] # فصل. # الثالث: معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكون ~~المشتري منه على خطر، فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه معدوما، بل لكونه ~~غررا، فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر رضي الله ~~عنهما، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه، ولا له قدرة على تسليمه؛ ليذهب ~~ويحصله، ويسلمه إلى المشتري، كان ذلك شبيها بالقمار والمخاطرة من غير حاجة ~~بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه، وكذلك بيع حبل الحبلة - وهو ~~بيع حمل ما تحمل ناقته - ولا يختص هذا النهي بحمل الحمل، بل لو باعه ما ~~تحمل ناقته أو بقرته أو أمته، كان من بيوع الجاهلية التي يعتادونها، وقد ظن ~~طائفة أن بيع السلم مخصوص من النهي عن بيع ما ليس عنده، وليس هو # PageV05P718 # كما ظنوه، فإن السلم يرد على أمر مضمون في الذمة، ثابت فيها، مقدور على ~~تسليمه عند محله، ولا غرر في ذلك ولا خطر، بل هو جعل المال في ذمة المسلم ~~إليه، يجب عليه أداؤه عند محله، فهو يشبه تأجيل الثمن في ذمة المشتري، فهذا ~~شغل لذمة المشتري بالثمن المضمون، وهذا شغل لذمة البائع بالمبيع المضمون، ~~فهذا لون وبيع ما ليس عنده لون، ورأيت لشيخنا في هذا الحديث فصلا مفيدا ~~وهذه سياقته. # قال: للناس في هذا الحديث أقوال قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة ~~التي هي مال الغير، فيبيعها، ثم يتملكها، ويسلمها إلى المشتري، والمعنى: لا ~~تبع ما ليس عندك من الأعيان، ونقل هذا التفسير عن الشافعي، فإنه يجوز السلم ~~الحال، وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه، فحمله على بيع الأعيان؛ ليكون ~~بيع ما في الذمة غير داخل تحته سواء كان حالا أو مؤجلا. # وقال آخرون: ms1855 هذا ضعيف جدا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئا معينا هو ~~ملك لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلب عبد ~~فلان، ولا دار فلان، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب، فيقول: أريد ~~طعاما كذا وكذا، أو ثوبا كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه ~~منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، هذا هو الذي يفعله من ~~يفعله من الناس، ولهذا قال: " يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي " لم يقل ~~يطلب مني ما هو مملوك لغيري، فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئا معينا، كما ~~جرت به عادة الطالب لما يؤكل ويلبس ويركب، إنما يطلب جنس ذلك، ليس له غرض ~~في ملك شخص بعينه دون ما سواه، مما هو مثله أو خير منه، ولهذا صار الإمام ~~أحمد وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن ~~بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن ~~عنده، لكن جاءت الأحاديث بجواز السلم المؤجل، فبقي هذا في السلم الحال. # والقول الثالث - وهو أظهر الأقوال -: إن الحديث لم يرد به النهي عن # PageV05P719 # السلم المؤجل، ولا الحال مطلقا، وإنما أريد به أن يبيع ما في الذمة مما ~~ليس هو مملوكا له، ولا يقدر على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يملكه، ويضمنه ~~ويقدر على تسليمه، فهو نهي عن السلم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما ~~باعه، فيلزم ذمته بشيء حال، ويربح فيه، وليس هو قادرا على إعطائه، وإذا ذهب ~~يشتريه فقد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السلم ~~حالا وجب عليه تسليمه في الحال، وليس بقادر على ذلك، ويربح فيه على أن ~~يملكه ويضمنه، وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئا، بل ~~أكل المال بالباطل، وعلى هذا فإذا كان السلم الحال والمسلم إليه قادرا على ~~الإعطاء، فهو جائز، وهو كما قال الشافعي: إذا جاز المؤجل، ms1856 فالحال أولى ~~بالجواز. # ومما يبين أن هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل إنما سأله عن ~~بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجز بيع ذلك، فبيع المعين الذي ~~لم يملكه أولى بالمنع، وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، فإنما سأله ~~عن بيعه حالا، فإنه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: ( «لا تبع ما ~~ليس عندك» ) ، فلو كان السلف الحال لا يجوز مطلقا، لقال له ابتداء: لا تبع ~~هذا سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيع ما في الذمة ~~حالا لا يجوز، ولو كان عنده ما يسلمه، بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا ~~معينا لا يبيع شيئا في الذمة، فلما لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~مطلقا، بل قال: ( «لا تبع ما ليس عندك» ) علم أنه صلى الله عليه وسلم فرق ~~بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في ~~الذمة. # ومن تدبر هذا تبين له أن القول الثالث هو الصواب، فإن قيل: إن بيع المؤجل ~~جائز للضرورة وهو بيع المفاليس؛ لأن البائع احتاج أن يبيع إلى أجل، وليس ~~عنده ما يبيعه الآن، فأما الحال، فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة ~~إلى بيع موصوف في الذمة، أو بيع عين غائبة موصوفة لا يبيع شيئا مطلقا؟ . ~~قيل: # PageV05P720 # لا نسلم أن السلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما ~~من مصالح العالم. # والناس لهم في مبيع الغائب ثلاثة أقوال: منهم من يجوزه مطلقا، ولا يجوزه ~~معينا موصوفا كالشافعي في المشهور عنه، ومنهم من يجوزه معينا موصوفا، ولا ~~يجوزه مطلقا كأحمد وأبي حنيفة، والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ~~ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف في الذمة، فالمعين الموصوف ~~أولى بالجواز، فإن المطلق فيه من الغرر والخطر والجهل أكثر مما في المعين، ~~فإذا جاز بيع حنطة مطلقة بالصفة، فجواز بيعها معينة ms1857 بالصفة أولى، بل لو جاز ~~بيع المعين بالصفة، فللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضا، كما نقل عن ~~الصحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وقد جوز القاضي ~~وغيره من أصحاب أحمد السلم الحال بلفظ البيع. # والتحقيق: أنه لا فرق بين لفظ ولفظ، فالاعتبار في العقود بحقائقها ~~ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها، ونفس بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضها ~~يسمى سلفا إذا عجل له الثمن، كما في " المسند " عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه نهى أن يسلم في الحائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه، فإذا بدا ~~صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن ~~يقول: ابتعت عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال ~~صلاحه، فإذا عجل له الثمن قيل له: سلف؛ لأن السلف هو الذي تقدم، والسالف ~~المتقدم قال الله تعالى: {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} [الزخرف: 56] ~~[الزخرف: 56] . # والعرب تسمي أول الرواحل السالفة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ~~«الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون» ) . وقول الصديق رضي الله عنه: ~~لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي. وهي العنق. # PageV05P721 # ولفظ السلف يتناول القرض والسلم؛ لأن المقرض أيضا أسلف القرض، أي: قدمه، ~~ومنه هذا الحديث: ( «لا يحل سلف وبيع» ) ، ومنه الحديث الآخر ( «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا وقضى جملا رباعيا» ) والذي يبيع ما ليس ~~عنده لا يقصد إلا الربح، وهو تاجر، فيستلف بسعر، ثم يذهب فيشتري بمثل ذلك ~~الثمن، فإنه يكون قد أتعب نفسه لغيره بلا فائدة، وإنما يفعل هذا من يتوكل ~~لغيره فيقول: أعطني، فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أمينا، أما أنه ~~يبيعها بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في ~~الحال، فهذا لا يفعله عاقل، نعم إذا كان هناك تاجر، فقد يكون محتاجا إلى ~~الثمن فيستسلفه وينتفع به مدة إلى أن يحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السلم ~~المؤجل، وهو الذي يسمى بيع المفاليس، فإنه يكون محتاجا إلى الثمن ms1858 وهو مفلس، ~~وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له ما ينتظره من مغل أو غيره، فيبيعه في ~~الذمة، فهذا يفعل مع الحاجة، ولا يفعل بدونها إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن ~~في الحال، أو يرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسلم، فإن المستسلف ~~يبيع السلعة في الحال بدون ما تساوي نقدا، والمسلف يرى أن يشتريها إلى أجل ~~بأرخص مما يكون عند حصولها، وإلا فلو علم أنها عند طرد الأصل تباع بمثل رأس ~~مال السلم لم يسلم # PageV05P722 # فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الأجر أقرضه ذلك قرضا، ولا ~~يجعل ذلك سلما إلا إذا ظن أنه في الحال أرخص منه وقت حلول الأجل، فالسلم ~~المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن، وأما الحال، فإن ~~كان عنده فقد يكون محتاجا إلى الثمن، فيبيع ما عنده معينا تارة، وموصوفا ~~أخرى، وأما إذا لم يكن عنده، فإنه لا يفعله إلا إذا قصد التجارة والربح، ~~فيبيعه بسعر، ويشتريه بأرخص منه. # ثم هذا الذي قدره قد يحصل كما قدره، وقد لا يحصل له تلك السلعة التي يسلف ~~فيها إلا بثمن أغلى مما أسلف فيندم، وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك، قدم السلف ~~إذ كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الثمن، فصار هذا من نوع الميسر والقمار ~~والمخاطرة، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم ~~البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري، وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح ~~والمضامين، ونحو ذلك مما قد يحصل، وقد لا يحصل، فبائع ما ليس عنده من جنس ~~بائع الغرر الذي قد يحصل، وقد لا يحصل وهو من جنس القمار والميسر. # والمخاطرة مخاطرتان: مخاطرة التجارة. وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ~~ويربح ويتوكل على الله في ذلك. # والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكل المال بالباطل، فهذا الذي حرمه ~~الله تعالى ورسوله مثل بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة والملاقيح ~~والمضامين، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ومن هذا النوع يكون أحدهما ms1859 قد قمر ~~الآخر، وظلمه، ويتظلم أحدهما من الآخر بخلاف التاجر الذي قد اشترى السلعة، ~~ثم بعد هذا نقص سعرها، فهذا من الله سبحانه ليس لأحد فيه حيلة، ولا يتظلم ~~مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده من قسم القمار والميسر؛ لأنه قصد أن ~~يربح على هذا لما باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنه يبيعه، ثم يشتري ~~من غيره، وأكثر الناس لو علموا ذلك لم يشتروا منه، بل يذهبون ويشترون من ~~حيث اشترى هو، وليست هذه المخاطرة مخاطرة التجار، بل مخاطرة المستعجل ~~بالبيع قبل القدرة على التسليم، فإذا اشترى # PageV05P723 # التاجر السلعة، وصارت عنده ملكا وقبضا، فحينئذ دخل في خطر التجارة، وباع ~~بيع التجارة كما أحله الله بقوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] [النساء 29] والله أعلم. ### | [ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة] # ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في # بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة. # في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( «نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر # » ) وفي " الصحيحين " عنه ( «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الملامسة والمنابذة» ) زاد مسلم: ( «أما الملامسة: فأن يلمس كل منهما ثوب ~~صاحبه بغير تأمل، والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ~~ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه الآخر» ) . # وفي " الصحيحين " عن أبي سعيد قال: ( «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن بيعتين ولبستين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع» . # والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا ~~بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر ثوبه، ويكون ~~ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض) . ### | بيع الحصاة # أما بيع الحصاة، فهو من باب إضافة المصدر إلى نوعه، كبيع الخيار، وبيع ~~النسيئة ونحوهما، وليس من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، كبيع الميتة والدم. # PageV05P724 # والبيوع ms1860 المنهي عنها ترجع إلى هذين القسمين؛ ولهذا فسر بيع الحصاة بأن ~~يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، وفسر بأن بيعه من ~~أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، وفسر بأن يقبض على كف من حصا، ويقول: ~~لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع، أو يبيعه سلعة، ويقبض على كف من ~~الحصا، ويقول: لي بكل حصاة درهم، وفسر بأن يمسك أحدهما حصاة في يده، ويقول: ~~أي وقت سقطت الحصاة وجب البيع، وفسر بأن يتبايعا، ويقول أحدهما: إذا نبذت ~~إليك الحصاة فقد وجب البيع، وفسر بأن يعترض القطيع من الغنم، فيأخذ حصاة، ~~ويقول: أي شاة أصبتها فهي لك بكذا، وهذه الصور كلها فاسدة لما تتضمنه من ~~أكل المال بالباطل، ومن الغرر والخطر الذي هو شبيه بالقمار. ### | [فصل بيع الغرر] # فصل. # وأما بيع الغرر، فمن إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الملاقيح والمضامين، ~~والغرر: هو المبيع نفسه، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مغرور به كالقبض والسلب ~~بمعنى المقبوض والمسلوب، وهذا كبيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه، ~~والفرس الشارد، والطير في الهواء، وكبيع ضربة الغائص وما تحمل شجرته أو ~~ناقته، أو ما يرضى له به زيد، أو يهبه له، أو يورثه إياه ونحو ذلك مما لا ~~يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه، أو لا يعرف حقيقته ومقداره، ومنه بيع ~~حبل الحبلة، كما ثبت في " الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، ~~وهو نتاج النتاج في أحد الأقوال، والثاني: أنه أجل، فكانوا يتبايعون إليه، ~~هكذا رواه مسلم، وكلاهما غرر، والثالث: أنه بيع حمل الكرم قبل أن يبلغ، ~~قاله المبرد. # قال: والحبلة: الكرم بسكون الباء وفتحها، وأما ابن عمر رضي الله عنه، ~~فإنه فسره بأنه # PageV05P725 # أجل كانوا يتبايعون إليه، وإليه ذهب مالك والشافعي، وأما أبو عبيدة، ~~ففسره ببيع نتاج النتاج، وإليه ذهب أحمد، ومنه بيع الملاقيح والمضامين، كما ~~ثبت في حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه ( «أن النبي صلى ~~الله عليه ms1861 وسلم نهى عن المضامين والملاقيح» ) . قال أبو عبيد: الملاقيح ما ~~في البطون من الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول، وكانوا يبيعون الجنين ~~في بطن الناقة، وما يضربه الفحل في عام أو أعوام وأنشد: # إن المضامين التي في الصلب ... ماء الفحول في الظهور الحدب # ومنه بيع المجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. قال ابن ~~الأعرابي: المجر ما في بطن الناقة، والمجر: الربا، والمجر: القمار، والمجر: ~~المحاقلة والمزابنة. # ومنه بيع الملامسة والمنابذة وقد جاء تفسيرهما في نفس الحديث، ففي " صحيح ~~مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه ( «نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة، ~~أما الملامسة: فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة: أن ~~ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه» ) ~~هذا لفظ مسلم. # وفي " الصحيحين " عن ( «أبي سعيد قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن بيعتين ولبستين في البيع، والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده ~~بالليل أو بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى ~~الرجل ثوبه، وينبذ الآخر إليه # PageV05P726 # ثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض» ) # وفسرت الملامسة بأن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته، فهو عليك ~~بكذا، والمنابذة بأن يقول: أي ثوب نبذته إلي، فهو علي بكذا، وهذا أيضا نوع ~~من الملامسة والمنابذة، وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله، والغرر في ذلك ظاهر، ~~وليس العلة تعليق البيع شرط، بل ما تضمنه من الخطر والغرر. ### | [فصل بيع المغيبات] # فصل # وليس من بيع الغرر بيع المغيبات في الأرض كاللفت والجزر والفجل والقلقاس ~~والبصل ونحوها، فإنها معلومة بالعادة يعرفها أهل الخبرة بها، وظاهرها عنوان ~~باطنها، فهو كظاهر الصبرة مع باطنها، ولو قدر أن في ذلك غررا، فهو غرر يسير ~~يغتفر في جنب المصلحة العامة التي لا بد للناس منها، فإن ذلك غرر لا يكون ~~موجبا للمنع، فإن إجارة الحيوان والدار والحانوت مساناة لا تخلو عن غرر؛ ~~لأنه يعرض فيه موت الحيوان، وانهدام الدار، ms1862 وكذا دخول الحمام، وكذا الشرب ~~من فم السقاء، فإنه غير مقدر مع اختلاف الناس في قدره، وكذا بيوع السلم، ~~وكذا بيع الصبرة العظيمة التي لا يعلم مكيلها، وكذا بيع البيض والرمان ~~والبطيخ والجوز واللوز والفستق، وأمثال ذلك مما لا يخلو من الغرر، فليس كل ~~غرر سببا للتحريم. # والغرر إذا كان يسيرا، أو لا يمكن الاحتراز منه، لم يكن مانعا من صحة ~~العقد، فإن الغرر الحاصل في أساسات الجدران، وداخل بطون الحيوان، أو آخر ~~الثمار التي بدا صلاح بعضها دون بعض لا يمكن الاحتراز منه، والغرر الذي في ~~دخول الحمام، والشرب من السقاء ونحوه غرر يسير، فهذان النوعان لا يمنعان ~~البيع بخلاف الغرر الكثير الذي يمكن الاحتراز منه، وهو # PageV05P727 # المذكور في الأنواع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان ~~مساويا لها لا فرق بينها وبينه، فهذا هو المانع من صحة العقد. # فإذا عرف هذا فبيع المغيبات في الأرض، انتفى عنه الأمران، فإن غرره يسير، ~~ولا يمكن الاحتراز منه، فإن الحقول الكبار لا يمكن بيع ما فيها من ذلك إلا ~~وهو في الأرض، فلو شرط لبيعه إخراجه دفعة واحدة كان في ذلك من المشقة وفساد ~~الأموال ما لا يأتي به شرع، وإن منع بيعه إلا شيئا فشيئا كلما أخرج شيئا ~~باعه، ففي ذلك من الحرج والمشقة وتعطيل مصالح أرباب تلك الأموال، ومصالح ~~المشتري ما لا يخفى، وذلك مما لا يوجبه الشارع، ولا تقوم مصالح الناس بذلك ~~البتة حتى إن الذين يمنعون من بيعها في الأرض إذا كان لأحدهم خراج كذلك، أو ~~كان ناظرا عليه، لم يجد بدا من بيعه في الأرض اضطرارا إلى ذلك، وبالجملة، ~~فليس هذا من الغرر الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نظيرا ~~لما نهى عنه من البيوع. ### | [فصل بيع المسك في فأرته] # فصل. # وليس منه بيع المسك في فأرته، بل هو نظير ما مأكوله في جوفه كالجوز ~~واللوز والفستق وجوز الهند، فإن فأرته وعاء له تصونه من الآفات، وتحفظ عليه ms1863 ~~رطوبته ورائحته، وبقاؤه فيها أقرب إلى صيانته من الغش والتغير، والمسك الذي ~~في الفأرة عند الناس خير من المنفوض، وجرت عادة التجار ببيعه وشرائه فيها، ~~ويعرفون قدره وجنسه معرفة لا تكاد تختلف، فليس من الغرر في شيء، فإن الغرر ~~هو ما تردد بين الحصول والفوات، وعلى القاعدة الأخرى: هو ما طويت معرفته، ~~وجهلت عينه، وأما هذا ونحوه فلا يسمى غررا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا، ومن ~~حرم بيع شيء، وادعى أنه غرر، طولب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعا، وجواز ~~بيع المسك في الفأرة أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو الراجح دليلا، والذين ~~منعوه جعلوه مثل بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاج، واللبن في الضرع، ~~والسمن في الوعاء، والفرق بين النوعين ظاهر. # PageV05P728 # ومنازعوهم يجعلونه مثل بيع قلب الجوز واللوز والفستق في صوانه؛ لأنه من ~~مصلحته، ولا ريب أنه أشبه بهذا منه بالأول، فلا هو مما نهى عنه الشارع، ولا ~~في معناه، فلم يشمله نهيه لفظا ولا معنى. # وأما بيع السمن في الوعاء، ففيه تفصيل، فإنه إن فتحه، ورأى رأسه بحيث ~~يدله على جنسه ووصفه جاز بيعه في السقاء، لكنه يصير كبيع الصبرة التي شاهد ~~ظاهرها وإن لم يره، ولم يوصف له لم يجز بيعه؛ لأنه غرر فإنه يختلف جنسا ~~ونوعا ووصفا، وليس مخلوقا في وعائه كالبيض والجوز واللوز والمسك في ~~أوعيتها، فلا يصح إلحاقه بها. # وأما بيع اللبن في الضرع، فمنعه أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة والذي ~~يجب فيه التفصيل، فإن باع الموجود المشاهد في الضرع، فهذا لا يجوز مفردا، ~~ويجوز تبعا للحيوان؛ لأنه إذا بيع مفردا تعذر تسليم المبيع بعينه؛ لأنه لا ~~يعرف مقدار ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهدا كاللبن في الظرف، لكنه ~~إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع، فاختلط المبيع بغيره على وجه لا ~~يتميز، وإن صح الحديث الذي رواه الطبراني في " معجمه " من حديث ابن عباس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «نهى أن يباع صوف على ظهر، أو ms1864 لبن في ضرع» ~~) فهذا إن شاء الله محمله، وأما إن باعه آصعا معلومة من اللبن يأخذه من هذه ~~الشاة، أو باعه لبنها # PageV05P729 # أياما معلومة، فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لا يجوز وأما إن ~~باعه لبنا مطلقا موصوفا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة، ~~فقال شيخنا: هذا جائز، واحتج بما في " المسند " من أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( «نهى أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه» ) . قال: ~~فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما ~~يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه ~~إلى كمال صلاحه، هذا لفظه. ### | [فصل إجارة الحلوبة مدة معلومة لأخذ لبنها] # فصل. # وأما إن أجره الشاة أو البقرة أو الناقة مدة معلومة لأخذ لبنها في تلك ~~المدة، فهذا لا يجوزه الجمهور؛ واختار شيخنا جوازه، وحكاه قولا لبعض أهل ~~العلم، وله فيها مصنف مفرد، قال: إذا استأجر غنما أو بقرا، أو نوقا أيام ~~اللبن بأجرة مسماة، وعلفها على المالك، أو بأجرة مسماة مع علفها على أن ~~يأخذ اللبن، جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظئر # قال: وهذا يشبه البيع، ويشبه الإجارة؛ ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع، ~~وبعضهم في الإجارة، لكن إذا كان اللبن يحصل بعلف المستأجر وقيامه على ~~الغنم، فإنه يشبه استئجار الشجر، وإن كان المالك هو الذي يعلفها، وإنما ~~يأخذ المشتري لبنا مقدرا، فهذا بيع محض، وإن كان يأخذ اللبن مطلقا، فهو بيع ~~أيضا، فإن صاحب اللبن يوفيه اللبن بخلاف الظئر، فإنما هي تسقي الطفل، وليس ~~هذا داخلا فيما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من بيع الغرر؛ لأن الغرر تردد ~~بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه؛ لأنه من جنس القمار الذي هو الميسر، ~~والله حرم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل، وذلك من الظلم الذي حرمه الله ~~تعالى، وهذا إنما يكون قمارا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مال، ms1865 والآخر ~~قد يحصل له وقد لا يحصل، فهذا الذي لا يجوز كما في بيع العبد الآبق، ~~والبعير الشارد، وبيع حبل الحبلة، فإن البائع يأخذ مال المشتري، والمشتري ~~قد يحصل له شيء وقد لا يحصل، ولا يعرف قدر الحاصل، فأما إذا كان شيئا ~~معروفا بالعادة كمنافع الأعيان بالإجارة مثل منفعة الأرض والدابة، ومثل لبن ~~الظئر # PageV05P730 # المعتاد، ولبن البهائم المعتاد، ومثل الثمر والزرع المعتاد، فهذا كله من ~~باب واحد وهو جائز. # ثم إن حصل على الوجه المعتاد، وإلا حط عن المستأجر بقدر ما فات من ~~المنفعة المقصودة، وهو مثل وضع الجائحة في البيع، ومثل ما إذا تلف بعض ~~المبيع قبل التمكن من القبض في سائر البيوع. # فإن قيل: مورد عقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان؛ ولهذا لا يصح ~~استئجار الطعام ليأكله، والماء ليشربه، وأما إجارة الظئر، فعلى المنفعة ~~وهي: وضع الطفل في حجرها، وإلقامه ثديها، واللبن يدخل ضمنا وتبعا، فهو كنقع ~~البئر في إجارة الدار، ويغتفر فيما دخل ضمنا وتبعا ما لا يغتفر في الأصول ~~والمتبوعات. # قيل: الجواب عن هذا من وجوه. # أحدها: منع كون عقد الإجارة لا يرد إلا على منفعة، فإن هذا ليس ثابتا ~~بالكتاب ولا بالسنة ولا بالإجماع، بل الثابت عن الصحابة خلافه، كما صح عن ~~عمر رضي الله عنه أنه قبل حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين، وأخذ الأجرة فقضى ~~بها دينه، والحديقة: هي النخل، فهذه إجارة الشجر لأخذ ثمرها، وهو مذهب أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا يعلم له في الصحابة مخالف، ~~واختاره أبو الوفاء بن عقيل من أصحاب أحمد، واختيار شيخنا، فقولكم: إن مورد ~~عقد الإجارة لا يكون إلا منفعة غير مسلم، ولا ثابت بالدليل، وغاية ما معكم ~~قياس محل النزاع على إجارة الخبز للأكل، والماء للشرب، وهذا من أفسد ~~القياس، فإن الخبز تذهب عينه، ولا يستخلف مثله بخلاف اللبن ونقع البئر، ~~فإنه لما كان يستخلف ويحدث شيئا فشيئا، كان بمنزلة المنافع. # يوضحه الوجه الثاني: وهو أن الثمر يجري مجرى المنافع والفوائد ms1866 في الوقف ~~والعارية ونحوها فيجوز أن يقف الشجرة لينتفع أهل الوقف بثمراتها كما # PageV05P731 # يقف الأرض؛ لينتفع أهل الوقف بغلتها، ويجوز إعارة الشجرة، كما يجوز إعارة ~~الظهر، وعارية الدار، ومنيحة اللبن، وهذا كله تبرع بنماء المال وفائدته، ~~فإن من دفع عقاره إلى من يسكنه، فهو بمنزلة من دفع دابته إلى من يركبها، ~~وبمنزلة من دفع شجرة إلى من يستثمرها، وبمنزلة من دفع أرضه إلى من يزرعها، ~~وبمنزلة من دفع شاته إلى من يشرب لبنها، فهذه الفوائد تدخل في عقود التبرع، ~~سواء كان الأصل محبسا بالوقف، أو غير محبس. ويدخل أيضا في عقود المشاركات، ~~فإنه إذا دفع شاة، أو بقرة، أو ناقة إلى من يعمل عليها بجزء من درها ونسلها ~~صح على أصح الروايتين عن أحمد، فكذلك يدخل في العقود للإجارات. # يوضحه الوجه الثالث: وهو أن الأعيان نوعان: نوع لا يستخلف شيئا فشيئا، بل ~~إذا ذهب ذهب جملة، ونوع يستخلف شيئا فشيئا، كلما ذهب منه شيء خلفه شيء ~~مثله، فهذا رتبة وسطى بين المنافع وبين الأعيان التي لا تستخلف، فينبغي أن ~~ينظر في شبهه بأي النوعين، فيلحق به، ومعلوم أن شبهه بالمنافع أقوى، ~~فإلحاقه بها أولى. # يوضحه الوجه الرابع: وهو أن الله سبحانه نص في كتابه على إجارة الظئر، ~~وسمى ما تأخذه أجرا، وليس في القرآن إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا ~~إجارة الظئر بقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم ~~بمعروف} [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] . # قال شيخنا: وإنما ظن الظان أنها خلاف القياس حيث توهم أن الإجارة لا تكون ~~إلا على منفعة، وليس الأمر كذلك، بل الإجارة تكون على كل ما يستوفى مع بقاء ~~أصله، سواء كان عينا أو منفعة، كما أن هذه العين هي التي توقف وتعار فيما ~~استوفاه الموقوف عليه والمستعير بلا عوض يستوفيه المستأجر وبالعوض، فلما ~~كان لبن الظئر مستوفى مع بقاء الأصل جازت الإجارة عليه، كما جازت على ~~المنفعة، وهذا محض القياس، فإن هذه الأعيان يحدثها الله شيئا بعد شيء، ~~وأصلها باق كما يحدث الله المنافع شيئا ms1867 بعد شيء، وأصلها باق. # PageV05P732 # ويوضحه الوجه الخامس: وهو أن الأصل في العقود وجوب الوفاء إلا ما حرمه ~~الله ورسوله، فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا، ~~فلا يحرم من الشروط والعقود إلا ما حرمه الله ورسوله، وليس مع المانعين نص ~~بالتحريم البتة، وإنما معهم قياس قد علم أن بين الأصل والفرع فيه من الفرق ~~ما يمنع الإلحاق، وأن القياس الذي مع من أجاز ذلك أقرب إلى مساواة الفرع ~~لأصله، وهذا ما لا حيلة فيه، وبالله التوفيق. # يوضحه الوجه السادس: وهو أن الذين منعوا هذه الإجارة لما رأوا إجارة ~~الظئر ثابتة بالنص والإجماع، والمقصود بالعقد إنما هو اللبن، وهو عين، ~~تمحلوا لجوازها أمرا يعلمون هم والمرضعة والمستأجر بطلانه، فقالوا: العقد ~~إنما وقع على وضعها الطفل في حجرها وإلقامه ثديها فقط، واللبن يدخل تبعا، ~~والله يعلم والعقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك، وأن وضع الطفل في حجرها ليس ~~مقصودا أصلا، ولا ورد عليه عقد الإجارة لا عرفا ولا حقيقة ولا شرعا، ولو ~~أرضعت الطفل وهو في حجر غيرها، أو في مهده لاستحقت الأجرة، ولو كان المقصود ~~إلقام الثدي المجرد، لاستؤجر له كل امرأة لها ثدي، ولو لم يكن لها لبن، ~~فهذا هو القياس الفاسد حقا، والفقه البارد، فكيف يقال: إن إجارة الظئر على ~~خلاف القياس، ويدعى أن هذا هو القياس الصحيح. # الوجه السابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى منيحة العنز والشاة ~~للبنها، وحض على ذلك، وذكر ثواب فاعله ومعلوم أن هذا ليس ببيع ولا هبة، فإن ~~هبة # PageV05P733 # المعدوم المجهول لا تصح، وإنما هو عارية الشاة للانتفاع بلبنها كما يعيره ~~الدابة لركوبها، فهذا إباحة للانتفاع بدرها، وكلاهما في الشرع واحد، وما ~~جاز أن يستوفى بالعارية جاز أن يستوفى بالإجارة، فإن موردهما واحد، وإنما ~~يختلفان في التبرع بهذا والمعاوضة على الآخر. # والوجه الثامن: ما رواه حرب الكرماني في " مسائله ": حدثنا سعيد بن ~~منصور، حدثنا عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه أسيد بن حضير توفي ms1868 ~~وعليه ستة آلاف درهم دين، فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه " غرماءه، ~~فقبلهم أرضه سنتين "، وفيها الشجر والنخل، وحدائق المدينة الغالب عليها ~~النخل والأرض البيضاء فيها قليل، فهذا إجارة الشجر لأخذ ثمرها، ومن ادعى أن ~~ذلك خلاف الإجماع، فمن عدم علمه، بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب، فإن ~~عمر رضي الله عنه فعل ذلك بالمدينة النبوية بمشهد المهاجرين والأنصار وهي ~~قصة في مظنة الاشتهار، ولم يقابلها أحد بالإنكار، بل تلقاها الصحابة ~~بالتسليم والإقرار، وقد كانوا ينكرون ما هو دونها وإن فعله عمر رضي الله ~~عنه، كما أنكر عليه عمران بن حصين وغيره شأن متعة الحج ولم ينكر أحد هذه ~~الواقعة، وسنبين إن شاء الله تعالى أنها محض القياس، وأن المانعين منها لا ~~بد لهم منها، وأنهم يتحيلون عليها بحيل لا تجوز. # الوجه التاسع: أن المستوفى بعقد الإجارة على زرع الأرض هو عين من الأعيان ~~وهو المغل الذي يستغله المستأجر، وليس له مقصود في منفعة الأرض # PageV05P734 # غير ذلك، وإن كان له قصد جرى في الانتفاع بغير الزرع، فذلك تبع. # فإن قيل: المعقود عليه هو منفعة شق الأرض وبذرها وفلاحتها والعين تتولد ~~من هذه المنفعة، كما لو استأجر لحفر بئر، فخرج منها الماء، فالمعقود عليه ~~هو نفس العمل لا الماء. # قيل: مستأجر الأرض ليس له مقصود في غير المغل، والعمل وسيلة مقصودة ~~لغيرها، ليس له فيه منفعة، بل هو تعب ومشقة، وإنما مقصوده ما يحدثه الله من ~~الحب بسقيه وعمله، وهكذا مستأجر الشاة للبنها سواء مقصوده ما يحدثه الله من ~~لبنها بعلفها وحفظها والقيام عليها، فلا فرق بينهما البتة إلا ما لا تناط ~~به الأحكام من الفروق الملغاة، وتنظيركم بالاستئجار لحفر البئر تنظير فاسد، ~~بل نظير حفر البئر أن يستأجر أكارا لحرث أرضه ويبذرها ويسقيها، ولا ريب أن ~~تنظير إجارة الحيوان للبنه بإجارة الأرض لمغلها هو محض القياس، وهو كما ~~تقدم أصح من التنظير بإجارة الخبز للأكل. # يوضحه الوجه العاشر: وهو أن الغرر والخطر الذي في إجارة الأرض لحصول ~~مغلها ms1869 أعظم بكثير من الغرر الذي في إجارة الحيوان للبنه، فإن الآفات ~~والموانع التي تعرض للزرع أكثر من آفات اللبن، فإذا اغتفر ذلك في إجارة ~~الأرض؛ فلأن يغتفر في إجارة الحيوان للبنه أولى وأحرى. ### | [فصل الاختلاف في العقد على اللبن في الضرع] # فصل. # فالأقوال في العقد على اللبن في الضرع ثلاثة. # أحدها: منعه بيعا وإجارة، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة. # والثاني: جوازه بيعا وإجارة. # والثالث: جوازه إجارة لا بيعا، وهو اختيار شيخنا رحمه الله. # وفي المنع من بيع اللبن في الضرع حديثان، أحدهما: حديث عمر بن فروخ # PageV05P735 # وهو ضعيف عن حبيب بن الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~مرفوعا " «نهى أن يباع صوف على ظهر، أو سمن في لبن، أو لبن في ضرع» " وقد ~~رواه أبو إسحاق عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما من قوله دون ذكر ~~السمن، رواه البيهقي وغيره. # والثاني: حديث رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، حدثنا حاتم بن إسماعيل، ~~حدثنا جهضم بن عبد الله اليماني، عن محمد بن إبراهيم الباهلي، عن محمد بن ~~زيد العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " «نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ~~ضروعها إلا بكيل أو وزن، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى ~~تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص» " # ولكن هذا الإسناد لا تقوم به حجة، والنهي عن شراء ما في بطون الأنعام ~~ثابت بالنهي عن الملاقيح والمضامين، والنهي عن شراء العبد الآبق، وهو آبق ~~معلوم بالنهي عن بيع الغرر، والنهي عن شراء المغانم حتى تقسم داخل في النهي ~~عن بيع ما ليس عنده، فهو بيع غرر ومخاطرة، وكذلك الصدقات قبل قبضها، وإذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع انتقاله إلى ~~المشتري وثبوت ملكه عليه، وتعيينه له، وانقطاع تعلق غيره به، فالمغانم ~~والصدقات قبل قبضها ms1870 أولى بالنهي. وأما ضربة الغائص فغرر ظاهر لا خفاء به. # وأما بيع اللبن في الضرع، فإن كان معينا لم يمكن تسليم المبيع بعينه، وإن ~~كان بيع لبن موصوف في الذمة، فهو نظير بيع عشرة أقفزة مطلقة من هذه الصبرة # PageV05P736 # وهذا النوع له جهتان: جهة إطلاق وجهة تعيين، ولا تنافي بينهما، وقد دل ~~على جوازه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون ~~قد بدا صلاحه، رواه الإمام أحمد، فإذا أسلم إليه في كيل معلوم من لبن هذه ~~الشاة وقد صارت لبونا جاز، ودخل تحت قوله: ( «ونهى عن بيع ما في ضروعها إلا ~~بكيل أو وزن» ) فهذا إذن لبيعه بالكيل والوزن معينا أو مطلقا؛ لأنه لم ~~يفصل، ولم يشترط سوى الكيل والوزن، ولو كان التعيين شرطا لذكره. # فإن قيل: فما تقولون لو باعه لبنها أياما معلومة من غير كيل ولا وزن. # قيل: إن ثبت الحديث لم يجز بيعه إلا بكيل أو وزن، وإن لم يثبت، وكان ~~لبنها معلوما لا يختلف بالعادة جاز بيعه أياما، وجرى حكمه بالعادة مجرى ~~كيله أو وزنه، وإن كان مختلفا فمرة يزيد، ومرة ينقص، أو ينقطع فهذا غرر لا ~~يجوز، وهذا بخلاف الإجارة، فإن اللبن يحدث على ملكه بعلفه الدابة، كما يحدث ~~الحب على ملكه بالسقي، فلا غرر في ذلك، نعم إن نقص اللبن عن العادة، أو ~~انقطع، فهو بمنزلة نقصان المنفعة في الإجارة، أو تعطيلها يثبت للمستأجر حق ~~الفسخ، أو ينقص عنه من الأجرة بقدر ما نقص عليه من المنفعة، هذا قياس ~~المذهب، وقال ابن عقيل، وصاحب " المغني ": إذا اختار الإمساك لزمته جميع ~~الأجرة؛ لأنه رضي بالمنفعة ناقصة، فلزمه جميع العوض، كما لو رضي بالمبيع ~~معيبا، والصحيح أنه يسقط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة؛ لأنه إنما ~~بذل العوض الكامل في منفعة كاملة سليمة، فإذا لم تسلم له لم يلزمه جميع ~~العوض. # وقولهم: إنه رضي بالمنفعة معيبة، فهو كما لو رضي بالبيع معيبا، جوابه من ~~وجهين. # أحدهما: أنه ms1871 إن رضي به معيبا، بأن يأخذ أرشه كان له ذلك على ظاهر المذهب، ~~فرضاه بالعيب مع الأرش لا يسقط حقه. # PageV05P737 # الثاني: إن قلنا: إنه لا أرش لممسك له الرد، لم يلزم سقوط الأرش في ~~الإجارة؛ لأنه قد استوفى بعض المعقود عليه، فلم يمكنه رد المنفعة كما ~~قبضها؛ ولأنه قد يكون عليه ضرر في رد باقي المنفعة، وقد لا يتمكن من ذلك، ~~فقد لا يجد بدا من الإمساك، فإلزامه بجميع الأجرة مع العيب المنقص ظاهرا، ~~ومنعه من استدراك ظلامته إلا بالفسخ ضرر عليه، ولا سيما لمستأجر الزرع ~~والغرس والبناء، أو مستأجر دابة للسفر فتتعيب في الطريق، فالصواب: أنه لا ~~أرش في المبيع لممسك له الرد، وأنه في الإجارة له الأرش. # والذي يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بوضع الجوائح، وهي أن ~~يسقط عن مشتري الثمار من الثمرة، بقدر ما أذهبت عليه الجائحة من ثمرته، ~~ويمسك الباقي بقسطه من الثمن؛ وهذا لأن الثمار لم تستكمل صلاحها دفعة ~~واحدة، ولم تجر العادة بأخذها جملة واحدة، وإنما تؤخذ شيئا فشيئا، فهي ~~بمنزلة المنافع في الإجارة سواء، والنبي صلى الله عليه وسلم في المصراة خير ~~المشتري بين الرد وبين الإمساك بلا أرش، وفي الثمار جعل له الإمساك مع ~~الأرش، والفرق ما ذكرناه، والإجارة أشبه ببيع الثمار، وقد ظهر اعتبار هذا ~~الشبه في وضع الشارع الجائحة قبل قبض الثمن. # فإن قيل: فالمنافع لا توضع فيها الجائحة باتفاق العلماء. # قيل: ليس هذا من باب وضع الجوائح في المنافع، ومن ظن ذلك فقد وهم، قال ~~شيخنا: وليس هذا من باب وضع الجائحة في المبيع كما في الثمر المشترى، بل هو ~~من باب تلف المنفعة المقصودة بالعقد أو فواتها. # وقد اتفق العلماء على أن المنفعة في الإجارة إذا تلفت قبل التمكن من ~~استيفائها، فإنه لا تجب الأجرة مثل أن يستأجر حيوانا فيموت قبل التمكن من ~~قبضه، وهو بمنزلة أن يشتري قفيزا من صبرة فتتلف الصبرة قبل القبض والتمييز، ~~فإنه من ضمان البائع بلا نزاع؛ ولهذا لو ms1872 لم يتمكن المستأجر من ازدراع الأرض ~~لآفة حصلت لم يكن عليه الأجرة. # PageV05P738 # وإن نبت الزرع، ثم حصلت آفة سماوية أتلفته قبل التمكن من حصاده ففيه ~~نزاع، فطائفة ألحقته بالثمرة والمنفعة، وطائفة فرقت، والذين فرقوا بينه ~~وبين الثمرة والمنفعة قالوا: الثمرة هي المعقود عليها وكذلك المنفعة، وهنا ~~الزرع ليس معقودا عليه، بل المعقود عليه هو المنفعة وقد استوفاها، والذين ~~سووا بينهما قالوا: المقصود بالإجارة هو الزرع، فإذا حالت الآفة السماوية ~~بينه وبين المقصود بالإجارة، كأن قد تلف المقصود بالعقد قبل التمكن من ~~قبضه، وإن لم يعاوض على زرع، فقد عاوض على المنفعة التي يتمكن بها المستأجر ~~من حصول الزرع، فإذا حصلت الآفة السماوية المفسدة للزرع قبل التمكن من ~~حصاده لم تسلم المنفعة المعقود عليها، بل تلفت قبل التمكن من الانتفاع، ولا ~~فرق بين تعطيل منفعة الأرض في أول المدة أو في آخرها إذا لم يتمكن من ~~استيفاء شيء من المنفعة، ومعلوم أن الآفة السماوية إذا كانت بعد الزرع ~~مطلقا بحيث لا يتمكن من الانتفاع بالأرض مع تلك الآفة، فلا فرق بين تقدمها ~~وتأخرها. ### | [فصل بيع الصوف على الظهر] # فصل. # وأما بيع الصوف على الظهر، فلو صح هذا الحديث بالنهي عنه لوجب القول به، ~~ولم تسغ مخالفته، وقد اختلف الرواية فيه عن أحمد، فمرة منعه، ومرة أجازه ~~بشرط جزه في الحال، ووجه هذا القول: أنه معلوم يمكن تسليمه، فجاز بيعه ~~كالرطبة، وما يقدر من اختلاط المبيع الموجود بالحادث على ملك البائع يزول ~~بجزه في الحال، والحادث يسير جدا لا يمكن ضبطه، هذا ولو قيل: بعدم اشتراط ~~جزه في الحال، ويكون كالرطبة التي تؤخذ شيئا فشيئا، وإن كانت تطول في زمن ~~أخذها كان له وجه صحيح، وغايته بيع معدوم لم يخلق تبعا للموجود، فهو كأجزاء ~~الثمار التي لم تخلق، فإنها تتبع الموجود منها، فإذا جعلا للصوف وقتا معينا ~~يؤخذ فيه كان بمنزلة أخذ الثمرة وقت كمالها. # ويوضح هذا أن الذين منعوه قاسوه على أعضاء الحيوان، وقالوا: متصل # PageV05P739 # بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه، ms1873 وهذا من أفسد القياس؛ لأن ~~الأعضاء لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان. # فإن قيل: فما الفرق بينه وبين اللبن في الضرع وقد سوغتم هذا دونه؟ قيل: ~~اللبن في الضرع، يختلط ملك المشتري فيه بملك البائع سريعا، فإن اللبن سريع ~~الحدوث كلما حلبه، در بخلاف الصوف. والله أعلم وأحكم. PageV05P740 ms1874