######OpenITI# #META#Header#End# ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0044.png) # لله در كتاب نشيم1 من مطالع صفحاته محامد الملك الخلاق، وشكرا ~~لله شكر لسان نعطر زلاله من جنتاب أرباب الأذواق، وسقيا لفم نيضت ~~من أسنانه الصلاة، والسلام على متمم مكارم الأخلاق، وآله وأصحابه، ~~الناصبين ألوية في الآفاق، ما اخضرت الأشجار بالأوراق، وابيضت ~~الأسحار بالإشراق. # أما بعد: # فلما كان الوصول إلى السعادة الكبرى في النشأة الأولى والأخرى، ~~منوطا بتحلية الظاهر بالتكاليف والمشاق، وتخلية الباطن عن رذائل ~~الأخلاق، وكان أحوال التكاليف الظاهرة3، مما كثرت فيه التصانيف ~~الباهرة، وصارت علوم الأخلاق مما أوجز فيه المهرة، والحذاق، أردت أن ~~أسرح معانيه إلى بقعة البيان، وأشرح بدائع أسراره بقدر الإمكان، مؤتدا ما ~~يقتضيه العقل الصريح بما يرتضيه النقل الصحيح؛ ليكون مجمعا للبحرين، ~~وملتقى للنهرين، وواردا على منتهى السؤل والأمل، وجامعا لخلاصتي PageV01P044 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0045.png) # ~~العلم والعمل، وحيثما قصدت، آخذ عنان الأقلام وصرفه نحو تحبير ~~ديباجة هذا الكلام، ملفقا في هذا العلم بين متونه وحواشيه، بحيث يقول ~~الناظرون: لله در واشيه. # صادفت في خزانة الأزمان رسالة نسجت عليها عناكب النسيان، ~~ووسمها تقاعد همم الرجال بسمة الإهمال، والإغفال، مع أنها تستحق أن ~~تشتهر في مشارق الأرض ومغاربها، وتصعد إلى سنام العناية وغاربها، ~~وتبلغ في المساند المعظمة إلى القبول، وتسير في الأمصار مسير الصبا ~~والقبول، وقد صنفها الإمام الهمام، والفاضل القمقام، منقح أشتات ~~العلوم والمعارف، ومفتح مغلقات المتون لكل عارف، ولم يوزن شأنه بأحد ~~إلا وقد رجحه في الفضائل، وقد أنسى الأناسي ذكرى أفاضل الأوائل، لم ~~ينظر إليه أحد شزر إلا وهو على فعله متندم، ومن أسر مقدار فضله، ندم ~~على أن يقول: الفضل للمتقدم، ومن شاهد تصانيفه شهد بأنه البحر الزاخر، ~~وقال: أصدق كلمة قالها الشاعر: # كم ترك الأول للآخر # وما هو إلا العالم، العامل، الفاضل، الكامل، ملخص فوائد المعاني ~~والبيان، مبرز جواهر الكلام في مواقف الأذهان، الواصل في حل مشكلات ~~الأصول غاية الأمل، ومنتهى السؤل، المعتضد بحبل الله المتين، مولانا ~~عضد الملة والدين روح الله روحه، وأعظم فتوحه. PageV01P045 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0046.png) # # وهو - قد أدرج في عدة ms001 من الأوراق، أصول مسائل «علم ~~الأخلاق، ولما تبينت فيها نوعا من الإيجاز، ونبذا من الإغلاق، أردت ~~تفريغ ما فيه من الأصول، وتقييد ما فيها من الإطلاق، فشرحتها شرحا ~~مؤيدا بالنصوص والنقول، وما ورد في السنة المستفيضة، والأثر المقبول، ~~فصار الشرح غرة في جبين الدهر، ودرة في إكليل العصر. # اللهم كما وفقتنا لإيضاح هذه الأوراق، يسر لنا التخلق بمكارم ~~الأخلاق، واجعلنا فائزين بالسعادتين في نشأتي الأولى والآخرة، وحائزين ~~بالدولتين من الأعمال الزاهرة والأخلاق الفاخرة، إنك أنت الوهاب، ~~عليك التوكل، وإليك المآب. PageV01P046 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0047.png) # قال المولى المصنف - أكرمه الله المنان في أعلى درجات الجنان -: # بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد لله على نواله، والصلاة على نبيه ~~محمد وآله: تيمنا بذكر اسمه العالي، وحمده المتوالي، وتبركا بالصلاة ~~والسلام على سيد الأنام، وآله الكرام. # وبعد، أي: بعد التسمية، والحمدلة، والتصلية. # «فهذا مختصر، أي: كتاب معبر فيه عن المعاني الجليلة، بالألفاظ ~~القليلة، فإن أراد بالمختصر النقوش الدالة على الألفاظ، فالمشار إليه هو ~~الموجود في الأعيان، وإن أراد به الألفاظ التي هي من الأغراض الغير ~~القادرة إلا في الخيال، يكون إشارة إلى الموجود، وفي الأذهان، اللهم إلا ~~أن يطلق الخارج على خارج النفس، دون القوى المدركة هذا كله، على ~~تقدير تأخير الخطبة، وإما على تقدير تقدمها، كما هو الظاهر المتبادر ههنا، ~~بل في غيره أيضا، فالإشارة إلى ما في الخيال البتة. # ثم إن المصنف أشار بقوله: في بيان علم الأخلاق» إلى اسم الفن ~~باعتبار المعنى اللقبي، ونبه به إلى تعريفه، وموضوعه باعتبار المعنى ~~الإضافي ؛ لأن تعريفه: معرفة الأخلاق الحميدة، والذميمة؛ ليكتسب ~~الأولى، ويشرك الثانية. # وموضوعه: الأخلاق الإنسانية من حيث تبديل الذميمة منها بالحميدة. PageV01P047 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0048.png) # (م # وغايته: تكميل النفس الناطقة بالسعادات الفاخرة في داري الدنيا ~~والآخرة، بل ليس المقصود من بعثة الرسل والأنبياء، بعد تحصيل اليقين ~~في العقائد، إلا تهذيب الأخلاق، كما قا صل ل لى الله عليه وسلم: بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق»(1). # ومرتبته: هي المشار إليها بالوحي الناطق على لسان النبي الصادق، ~~حيث أمر جميع الأنبياء ms002 والرسل بهذا العلم، منها قوله: - تعالى - حكاية عن ~~إبراهيمالل : (رب هب لى حكما وألحقنى بالصلحين) ، ~~والأول: تكميل القوة النظرية، والثاني: تكميل القوة العملية، ومنها قوله: - ~~تعالى - خطابا لموسى ا: (إني أنا الله لآ إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلوة ~~لذكرى) ، فأول الآية إشارة إلى تكميل القوة النظرية، وآخرها ~~إلى تكميل القوة العملية. # ومنها قول صل لى الله عليه سلم حكاية عن عيسي الل : (قال إنى عبد الله عاتلن ~~الكتب وجعلن نبيا * وجعلى مباركا أتن ما كنت واوصانى بآلصلوة ~~والزكوة ما دمت حيا) [م3، 30]، ولا يخفى ما هذه الآية أيضا من ~~الإشارة إلى المرتبتين المذكورتين. # ومنها قوله: - عز شأنه - خطابا لحبيبه محمدا صل الله عليه وسلم، (فمن كان يرجوا ~~لقاء ربهه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)]، فإن هذه PageV01P048 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0049.png) # ~~الآية أيضا جامعة لخلاصتي العلم والعمل، وأمثال ما ذكر من الآيات في ~~حق الأنبياء خارجة عن حد العد والإحصاء. # وشرفه: إما نقلا فكثير، كما يظهر من الآيات المذكورة، وإما عقلا؛ ~~فلأن شرف العلوم بشرف موضوعها، ولا يخفى أن هذا العلم هو بلوغ ~~أشرف الممكنات، أعنى: الإنسان إلى شرفه الممكن له، وناهيك بها شرفا، ~~وفضلا، فقد جعلها غرضا لبعث خاتم الأنبياء، ومكمل شرائعهم، حيث ~~قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» كما ذكرناه. # ومبادئه: الشرائع النبوية والنواميس الإلهية، وقد يستعان بالمقبولات، ~~والمسلمات، واعلم أن الحكمة التي ذكرها الله - تعالى - في كتابه المجيد ~~بقوله: (فمن كان يرجوا لقاء ريهه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ريه ~~أحدا)، هي مجموع العلم والعمل: # والمراد بالعلم: ما يبحث فيه عن الموجودات الغير الصادرة منا على ~~ما هي عليه، بقدر الطاقة البشرية، ويسمى: الحكمة النظرية، ولا يلزم من ~~أن يكون موضوعها غير العمل أن لا يبحث فيه عن كيفية العمل، بل قد ~~يبحث فيها عنها، كما في الطب والمنطق، وقد لا يبحث كما في الطبيعي ~~والرياضي والإلهي. # والمراد بالعمل: ما يبحث فيه عن القيام بالأعمال والأفعال على ما ~~ينبغي بحسب الاستطاعة، ويسمى: الحكمة العملية، ولا يلزم ms003 من أن يكون ~~موضوعها الأعمال أن تختص جهة البحث بكيفية العمل البتة. # فالحكمة العملية منقسمة إلى قسم نظري، وإلى قسم عملي؛ ولهذا PageV01P049 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0050.png) ~~قال المصنف : ورتبته على أربع مقالات»؛ لأن المذكور فيه إما أن يتعلق ~~بكيفية العمل ، أو يتعلق بهما، والأول هو الأولى، أي: القسم النظري، ~~والثاني: إن كان سياسة الإنسان قواه من جهة تأديتها إلى صلاح المعاش ~~والمعاد فهو الثانية، أي: الحكمة الخلقية، وإن كان تحريه صلاح النوع في ~~الدارين، بحيث يصدر عنه دوام الألسن، والائتلاف، فهو الثالثة، أي: ~~الحكمة المنزلة، وأن مقصده انتظام السواد الأعظم، ودوام الألسن، ~~والتعاون بين عباد الله - تعالى - على قانون العدل والإنصاف، فهو الرابعة، ~~أي: سياسة الملك، وهي خلافة الله - تعالى - في أرضه، والإمامة التي ~~غايتها تكميل الخلق، ووجه الترتيب بين المقالات ظاهر. PageV01P050 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0051.png) # اعلم أن الأفعال إن كانت واقعة على مناهج متفاوتة، ويكون لمبدئها ~~شعور بها تسمى أفعالا نفسانية، وإن كانت على نهج واحد بلا شعور ~~لمبدئها بها، تسمى أفعالا طبيعية. # والأولى: إن كانت سريعة الزوال وغير راسخة في النفس تسمى ~~حالة، وإن كانت راسخة بطيئة الزوال - بسبب تكرير النفس إياها، وإذعانها ~~لها - تسمى: ملكة، والملكة تسمى: خلقا إن كان صدورها عن النفس بلا ~~تجشيم، وتمهل، بل بسهولة بلا روية، ولهذا عرفه المصنف بقوله: # الخلق: ملكة تصدر عنها الأفعال النفسانية بسهولة، أي: بحيث لا ~~يحتاج في تحصيلها إلى إتعاب فكر، وإعمال روية، ولما كان موضوع هذا ~~العلم الأخلاق، وكان تصور الموضوع من المباديء التصورية، قدمها على ~~المقاصد. # ثم إن الخلق قد يكون طبيعيا، ويكون الشخص مفطورا عليه؛ لكون ~~أصل مزاجه مستعدا عليه، كمن يغضب بلا سبب صالح له، وكمن يضحك ~~ضحكا شديدا بلا تعجب يعتد به، وإما عادي يحصل بدعا باختيار، وتكلفات ~~كثيرة، لم يصر ملكة راسخة فيه، كمن يلازم الصبر، ويتكلف فيه، حتى PageV01P051 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0052.png) # ~~يصير عادة له، وانقلاب الحال إلى الملكة لا ينبغي أن ينكروا له أمثلة في ~~الأمور الحسية، مثلا من يبتديء تعلم الخط يجد مشقة قوية وجهدا ms004 عظيما، ~~ثم يصير بالمزاولة ملكة راسخة، إلى حيث يرعى في تصوير الحروف، ~~ورعاية المناسبات بين هذه الكلمات، وبين السطور دقائق حسن، مع سرعة ~~وسهولة، ربما يتخيل نفسه أيضا، في أنها كيف صدرت عنه، ومتى صدرت. # ثم إن الحكماء اختلفوا؛ فمنهم من قال: إن الخلق الجبلي ما تكون ~~النفس مفطورة عليها، بحيث لا يتخلص عنها أصلا. # ومنهم من قال: النفس الناطقة مفطورة على السذاجة، والطهارة عن ~~كل نقيصة ، وما يكون ملكة لها من الأوصاف: هو ما يقتضيه استعداد مزاجه ~~الخاص الذي خلق البدن عليه، وبه يمكن تغيير الأخلاق. # ولما اختار المصنف القول الأخير قال: ويمكن تغييرها، أي: تغيير ~~الملكة لوجوه ثلاثة : للتجربة الواقعة في إزالة الملكات، الروية إلى ~~الأوصاف الحميدة والأخلاق المستحسنة، كما نشاهد ذلك في الأطفال، ~~والشبان، فإنهم بتعليم الأخيار يتركون طبيعة الأشرار إلى أخلاق الأبرار، ~~وقال عليل ل اله عليه وسلم أناء الوصية لابنه الحس ن ل الل عليه سل إنما قلب الحدث ~~كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادز بك الأدب، قبل أن ~~يقسو قلبك، ويشغل لبك، وقال الشاعر: ~~هي النفس إن تهمل تلازم خساسة وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج PageV01P052 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0053.png) # وقال في «البردة»: ~~والنفس كالطفل إن تهمله شب على # حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم # فهذا في التغيير إلى الخير، وعلى هذا القياس، حالة التغيير إلى ~~الشر، كما قال: : كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه؛ لورود الشرع به، أي: بتغيير الأخلاق الذميمة، ~~كالأمر بترك البخل، والكذب، والنميمة، والبهتان، إلى غير ذلك من ~~صفات النقصان، وأسباب العصيان، ولا يخفى أن عدم وقوع التكليف بما ~~لا يطاق، يستلزم - إن كان - تبديل الأخلاق. # يقول: قال الإمام الغزالي في كتاب: «مشكاة الأنوار من مغالطة ~~الحمقى: «قول بعضهم: إن الباطن مشحون بالخبائث، ليس يمكن تذكيته، ~~ولا مطمع في استئصال الغضب، والشهوة؛ لظنه أنه مأمور باستئصالها، ~~انتهى ما ذكره. PageV01P053 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0054.png) # # والحق أن الأخلاق مع كثرتها ترجع إلى ثلاث قوى: هي أمهات ~~الأخلاق، أعني: الحكمة، والعفة، ms005 والشجاعة، لكنها إن كانت في طرفي ~~الإفراط والتفريط تكون رذائل، وإنما تحمد آثارها، إذا كانت في حد ~~الاعتدال، وإنما تكون في حد الاعتدال إن قاده العقل والشرع. # ثم إن الشرع إنما ورد بتغيير الرذائل إلى الاعتدال، لا استئصال أصولها ~~بالكلية ، أي: الشرع لم يرد باستئصال القوى المذكورة بالكلية، وبذا يندفع ~~التدافع المذكور، واتفاق العقلاء على إمكان الأخلاق، ولهذا ينصبون ~~المؤدبين للصبيان، وينسبون المقصرين في تأديبهم إلى التقصير، ويرمونهم ~~بالتشييع والتعيير، وليس هذا إلا من إمكان التغيير. # واعلم أن المخالفين في هذا الأمر طوائف: # فمنهم من ذهب إلى العكس. # ومنهم من قال: البعض على الخير، والبعض على الشر والبعض قابلة ~~لهما، وتزييف الأولين: أنها إذا استفادت خلاف ما فيها، فإما من نفسها، ~~فيكون متصفا بضد ما فيها، أو من غيرها فهناك من يتصف بضدها. # وتزييف مذهب الأخير: أن كل ما يقبل التغيير، فليس بطبيعي البتة، ~~وقد ثبت إمكان التغيير بوجوه ثلاثة، وإنما الشرير أو الخير من كان واحد ~~منهما مقتضى مزاجه الخاص، وتختلف الاستعدادات، أي: استعدادات ~~النفس الناطقة فيه، أي: في التغيير بحسب الأمزجة، أي: بحسب اختلاف ~~أمزجة الأبدان المتعلقة هي بها، إذ الأخلاق إنما تحصل للنفس بواسطة ~~القوى، قوى البدنية التابعة لمزاجه الخاص، كالشهوة، والغضب، بل القوة PageV01P054 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0055.png) ~~المفكرة، وذلك لعجيب العلاقة بين النفس والبدن، إذ يسري حكم أحدهما ~~إلى الآخر ألبتة، فالخلق الذي يستند إلى مزاجه يعسر تغيره إلى حيث يكاد ~~يلحق بالمتعذر، وما يعسر لم يستند إلى ذلك، بل اكتسابه في الغير يكون ~~يسير التغير، بل يزول بأدنى التغير، وقد يقال: ضمير فيه راجع إلى الخلق، ~~أي: تختلف استعدادات الأشخاص للأخلاق، بحسب أمزجة أبدانهم، ~~فيتفاوتون في قبول تلك الملكات من الأخلاق الرذيلة، والملكات ~~الفاضلة؛ لكونهم من قبيل الكيفيات القابلة للشدة والضعف. PageV01P055 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0056.png) # ولما فرغ المصنف من تعريف الأخلاق، وأحكامها، شرع في حصر ~~أجناسها، المعبر عنها، ب(أمهات الأخلاق)، فقال: # وقوى النفس الإنسانية، وهي الجوهر العلوي المسمى بالنفس ~~الناطقة، وبالروح الذي من شأنه إدراك المعقولات، ويسمى: قوة نظرية، ms006 ~~والتصرف في هذا الهيكل المحسوس، ويسمى: قوة عملية، وأراد بقوتها: ~~أنها ههنا الصفة المؤثرة على وفق الإرادة، والرؤية دون غيرها؛ ولهذا قال: ~~بأنها ثلاث؛ لأن قواها أكثر من ذلك، ثم إنها إن كانت مبدأ الإدراك ~~بالذات، فهي المذركة التي بها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات، ومحلها ~~الدفاع، ويسمى: بالنفس الملكي، وإن كانت مبدعا لدفع الضرر فهي القوة ~~الغضبية، ومحلها القلب، ويسمى: بالنفس السبعي، وإن كانت مبدعا لجلب ~~نفع فهي الشهوية، ومحلها الكبد، ويسمى بالنفس البهيمي - والأولى من ~~هذه القوى خاصة بالنفس الإنساني، والأخريان مشتركتان بينها، وبين سائر ~~الحيوانات . # ثم إن لكل من هذه القوى الثلاث بحسب آثارها مراتب ثلاث: ~~طرفان: هما الإفراط والتفريط، ووسط: هو الاقتصاد، وكلا طرفي قصد ~~الأمور ذميمة، وخير الأمور أوسطها. PageV01P056 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0057.png) # # أما النطق، أي: القوة النطقية التي هي منشأ النظر في الحقائق، ~~فاعتدالها الحكمة، وهي باعتبار تحصيلها، باستعمال هذه القوى في تحقيق ~~اليقينيات نوع من العمل، وباعتبار حصولها في نفسها عين العلم. # فهي بالاعتبار الأول تعرف الموجودات كما هي، وفعل ما ينبغي أن ~~يفعل، وهو المراد ههنا، ويدل على فخامة شأنها، وإنارة برهانها، وثبات ~~سلطانها، قوله: - تعالى - (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فصل الله عليك عظيما)، ومن كلام ~~علي بن أبي طالي لي لى الله عليه سل: (خذ الحكمة ولو من أهل النفاق. # وبالاعتبار الثاني: حصول صورة الأشياء في النفس، قال الله: - تعالى - ~~(قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون)9]، ومن كلام علي ~~ال: لا شرف كالعلم، إذا أذل الله عبدا خطر عليه العلم. # قال الإمام الغزالي في الإحياء: «أما قوة العلم فحسنها، وصلاحها ~~في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق، والكذب في ~~الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في ~~الأفعال، وإفراطها الجربزة. # والسفه: ويسمى: الشيطنة، كالشوق إلى الفضول في العلوم الغير مفيدة، ~~أما بحسب النظر فمثل الجدل، والخلاف، والسفسطة، إذا استعملت مكان ~~اليقينيات، وأما بحسب العمل، فمثل الكهانة، والشعبذة، والأكسية، إذا ms007 PageV01P057 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0058.png) ~~جعلت وسيلة إلى الشهوات الخسيسة وتفريطها الغباوة وهي هيئة حاصلة ~~لتلك القوة بها يقصر صاحبها عن الخير والشر، ويقال له: الجمود والجموح. # وأيضا روي ا صلى ال عله وسلمال: أبغض الخلق إلى الله - تعالى - الأحمق، ~~إذ حرمه الله أعز الأشياء عليه، وهو العقل، قال الشاعر: ~~لكل داء دواءآ يستطب به إلا الحماقة أعيث من يداويها2 # ويقال له: البله أيضا، لا البله الذاتي، الذي ق صلى الل له لم في حقه: (أكثر ~~أهل الجنة البله)، بل البله، بالتقصير بالاختيار، فهو من قال: - تعالى - ~~فيهم: (ألئك كالأعلم بل هم أضل)، ويشملهم اسم الجهل. # وأما «الغضب، أي: القوة الغضبية، وهي شدة هيجان النفس؛ طلبا ~~للانتقام فاعتدالها الشجاعة، وهي امتثال ما يوجبه الرأي الصحيح في ~~الإقدام على المخاوف، والصبر على الشدائد، قال: - تعالى - (ألذين ~~هاجروا وأخرجوا من ديرهم واوذوا فى سبيلى وقلتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم ~~سيياتهم ولأ خلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهر)ا9]. # وق ال ال : (إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص). PageV01P058 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0059.png) ~~وقال : «إن الله يحب الشجاعة ولؤ على قتل حية وعقرب» . ~~وقال عل صلى الله عليه : من حمل اغتنم، ومن تفكر انهزم. ~~وقال معاوية : لمن كثر فكره في العواقب، لم يشجع في النوائب. ~~قال ابن المعتز2 : ~~وعاجز الرأي مضياع لوقته حتى إذا فات أمر عاقب القدرا ~~وقيل: ~~اذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة إن فسا # فإن فساد الرأي أن تترددا # وبادزهم أن يملكوا مثلها غدا(3 ~~ولا تمهل الأغداء يوما بقدرة وباد ~~وإفراطها التهور، وهي هيئة حاصلة لتلك القوة، بها يقدم على أمور ~~لا ينبغي أن يقدم عليها، كالقتال مع الكفار، إذا كانوا ضعف المسلمين ~~عددا، وكإعانة ظالم، واستخلاص باطل من يد ممطول، وإيقاع نفسه بين ~~الجم الغفير في الأعداء. ~~وتفريطها: الجبن، وهو الإحجام عما يجب عليه الإقدام، ويلزم ~~صاحبه المذلة، ووقوع الخلل في المهمات، والمصالح، والطمع الفاسد في PageV01P059 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0060.png) ~~الظلمة، وغيرهم في بذل ماله، وهتك حرمته، وسوء العيش، وعدم الثبات، ~~والصبر في ms008 المساعي، ومحبة البطالة، قال الله: - تعالى - (ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب رحكو) . ~~قال البي صلى الله علي ول: شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع. ~~وقال عل صلى الل عله : البخل عار، والجبن منقصة. ~~وقال: «إن الحذر لا يغني من قدر، وإن الصبر من أسباب الظفر». ~~وقال: إذا حلت التقادير بطلت التدابير». ~~وقال: إن الموت أمر محتوم لا يعجزه المقيم، ولا يغوثه الهارب. ~~قال معاوية: «كان الجبان يرى أنه يدافع عنه الفرار لأجل». ~~وأما «الشهوة، أي: القوة الشهوية، فاعتدالها العضة، وهي تصريف ~~الشهوة إلى مقتضى الرأي الصائب، بترك تعبدها ليقيد حريتها، قال الله ~~تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ). ~~وقال رسول ال صلى الله عليه وسلم: بئس العبد عبد هوى يضله. ~~وقال عل يل الل عليه : حلية المؤمن التواضع، وجماله التعنف. ~~وإفراطها: الفجور، ويسمى: الشره والنهم، وهو غلبة شيطان الشهوة ~~سلطان العقل، وصاحب هذه القوة كالخنزير النهم، أرسل في القدر، فيأكل، PageV01P060 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0061.png) ~~ولا يشبع أبدا، قال الله: - تعالى - (وكلوا واشروا ولا رفو). # وقال الله - تعالى -: (ولا تقربوا الفوحش ما ظهر منها وما بطن) ~~[الأنعام: 151]. # وقال البي لى الله عليه وسلم من وقي شر لقلقه، وقبقبه، وذبذبة، فقد وقي الشر ~~گله»(). # وتفريطها الجمود - (بالجيم) -؛ وهي: قصور النفس عن استيفاء ما ~~ينبغي، وما لا ينبغي. وصاحبه في درجة النبات القاصر من كمال الحيوان، ~~فضلا عن شرف الإنسان، كما قال الله: - تعالى - في شأنهم: (كأنهمخشب ~~مسناة) . # والفضائل من تلك القوى، هي الأوساط، فهي: - أي الأوساط - ثلاثة، ~~الحكمة، والشجاعة، والعف ة، كما قال الله: - تعالى - في حق السخاء: ~~(ولا تحعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبئطها كل البسط ). # ومن كلام علي بن أبي طالب : اليمين والشمال مضلة، والطريق ~~الوسطى هي الجادة، فهذه الاعتدالات هي أمهات مكارم الأخلاق، التي ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم تلمامها، والأطراف رذائل، فهي: - أي الأطراف - ستة، ~~أي: لكل من الفضائل الثلاثة طرفان، وهي: الجربزة والغباوة للحكمة، ~~والفجور والجمود للعفة، والتهور والجبن للشجاعة. فسلوك الفضيلة كسلوك PageV01P061 ![image ms009 file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0062.png) # ~~الخط المستقيم، كالقطر من الكرة، وسلوك الرذيلة كالدوائر الموازية للمحيط، ~~وعبر عنهما في التنزيل بقوله تعالى: (وأن هاذا صراطى مستقيما فاتبعوة ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) . وأيضا هو المراد ~~بقوله - تعالى: (فأستقم كما أمرت). # ولصعوبة سلوك حاق الوسط ، الذي عبر عنه بالاستقامة، قال النبي ~~ال عللمشيبتني سورة هود ، لأن الآية المذكورة فيها، وإنما الصراط ~~المستقيم، الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف، في أحد جانبيه نار ~~الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وهو جانب الإفراط. وفي الجانب ~~الآخر زمهرير عظيم، وهو جانب التفريط . # وصورة هذا الاعتدال، ولا تظنن أن المراد بأصحاب اليمين جانب ~~الإفراط ، وبأصحاب الشمال جانب التفريط ؛ لأن اليمين في الإنسان ~~الجانب الأقوى، ولا أقوى ممن يسلك الوسط، وهوالصراط المستقيم، ولا ~~أضعف ممن يسترسل نفسه هواها إفراطا أو تفريطا؛ لأن ذلك من سهل ~~الأمور، لكونه مقتضى الطباع، وهوى الأمزجة، والاستعدادات. # واعلم أن التفريط في القوة النظرية، والإفراط في الشهوية، والغضبية ~~مذموم بالاتفاق، وإنما الخلاف في إفراط الأولى، وتفريط الأخيرين، ~~ولكن الحق أن المحمود هو الأوساط مطلقا، أما ذم تفريط الأخيرين؛ ~~فلكونهما مؤديين إلى اختلال النظام، وقطع الصلات بين الأنام. PageV01P062 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0063.png) # قم # وأما إفراط القوة النظرية فقد مدحها قوم لا علم لهم بالحكمة، ولا ~~كمال لهم فيها، وقالوا: هو المراد بالقوة القدسية، لكنهم حرفوا الكلم عن ~~موضعه؛ لأن المراد بإفراط القوة النظرية إرسالها في المهالك، وفيما يليق ~~فيه كبح العنان، مما لا سبيل إلى معرفتها إلا بالعيان دون البرهان، وإنما ~~القوة القدسية هي : مشاهدة النظريات التي لها حظ من البرهان، فأين هذا ~~من الأول?! فالكمال: إعمال النظر الصحيح في محله، وأن لا يقع فيما وقع ~~فيه الفلاسفة من نفي الصفات، وإنكار أمور الآخرة، وأن لا يتبع فيما لا ~~يتخطى إليه بإقدام الأفكار إلى المؤيدين من عند الله - تعالى - بالوحي ~~الرباني، وهذا هو السر في إنزال المتشابهات كما حقق في موضعه. # حتى قال بعض من الفضلاء: كما ينبغي التوسط في محل الفكر، ~~كذلك ينبغي التوسط في ms010 نفس القوة؛ فإنه يجب أن يكون في حد الاعتدال ~~غير بليد، وأيضا غير حديد، فإن غاية الحدة يجعلها كثير العثار جموحا ~~يخرجه عن سواء الطريق، شارعا فيما ليس من شأنه. # واعلم أن الكمال المفسر بالحكمة، هي كمال النفس الناطقة عند ~~ملابستها بالمادة الهيولانية، متوغلا في المعارف الإلهية، مطالعا للجواهر ~~العالية الحقيقية، وهذه هي رتبة علم اليقين الذي هو ثمرة القوة النظرية ~~وههنا مرتبتان أخريان لا يتيسران إلا لواحد بعد واحد من الأفراد إحداهما ~~ما لا يتوقف على السعادة البدنية بل هي عند تجرد النفس الناطقة عن ~~جلباب البدن وملابس الحواس والكدورات البشرية ومخالطته بالملأ الأعلى PageV01P063 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0064.png) # 8 ~~متنعمة باللذة العليا، وهي رتبة عين اليقين، وثانيتهما ما لا يتوقف على ~~وجوده أيضا وهي عند انقطاع العارف عن ذاته وصفاته وانغماسه في بحر ~~الألوهية وغمراته، وانتفاء تعينه وانيته وبقاء تحققه وهويته، وهي رتبة حق ~~اليقين ، فهذه مراتب ثلاث: # فأهل المرتبة الأولى: هم العلماء [،ب] الراسخون والحكماء المحققون. # وأصحاب المرتبة الثانية قسمان: قسم غلبت عليهم الروحانية ~~واستولت عليهم السلطنة العقلية، فجذبته زمام الحس، وتوجهت به إلى ~~جناب القدس فلم يتفرغوا لتدبير المعاش وحفظ النظام، وهم الأولياء ~~المتصوفة والحكماء المتألهة ومن جملتهم العقلاء المجانين. # وقسم تمكنوا في هذا المقام من استعمال القوة البشرية واستقاموا إلى ~~الله في أحوالهم العملية والنظرية ووفت قوتهم لفرط طمأنينتهم وفور ~~سكينتهم لضبط الأمور الكلية والأحوال الجزئية فشرعوا في تكميل أهل ~~النقصان المتعدين وتنكيل أهل الطغيان المتمردين وتنظيم قواعد العدالة ~~وتقنين قوانين السياسة وهم الأنبياء والأئمة وأرباب المرتبة الثالثة: هم أهل ~~الوحدة أي أهل الله الذين تصفوا عن شوائب التعذر والاثنينية وبخلو عن ~~علائق التمكن والأبنية ولا يتأسفون لفراق محبوب ولا يتحسرون على ~~فوات مطلوب ومرغوب لا يزيدهم حصول النعماء مسرة ولا يقلعهم وقوع ~~البلاء ضجرة، يتساوى عندهم الأضداد ويتحد بهم الأعداء، وأحقر شيء ~~لديهم الدنيا وما فيها، ولا يكترثون بفانيها وباقيها غير منتظرين لآت ولا ~~مشايعين لماض بل يعاملون أعراض الدنيا بالإعراض أولئك لا خوف عليهم ~~ولا هم ms011 يحزنون، ولا يأسون على ما فاتهم ولا يفرحون بما آتاهم. PageV01P064 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0065.png) # هذه، أي: الأقسام المذكورة للأوساط والأفراط بحسب الكمية، أي: ~~باعتبار كمية الأوساط والأفراط، وأما إذا اعتبرت مع الكيفية فقد تكون ~~الأوساط في حكم الأفراط وانخرطت في مسلكها إذ رب رذيلة يحسبها ~~الجاهل فضيلة وصاحبها [ه13] محمود عند الخلق مذموم عن الحق يمدح ~~بما يمدح به التام، وهو حقيق بالملام، ويعد من ذوي المناقب وهو مغمور ~~في المثالب وكم سمي ليس مثل سميه وإن كان يدعى باسمه فيجيب ولهذا ~~أوردها المصنف رفعا للاشتباه بينهما، وقال: ومنها» أي من الرذائل رداءة ~~الكيفية المعتبرة في الأوساط أما في الحكمة فكمن يتعلمها لمجاراة العلماء ~~ومماراة السفهاء وتصرف به وجوه الناس إلا أدخله الله النار. # وقا الي الله ع: من تعلم علما يبتغي فيه وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب ~~به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. # واعلم أن العلم والحكمة وإن كانت فضيلة لا يوازيها فضيلة إلا أنها ~~مشروطة بخلوص النية وحسن الطوية فأعلاها التوسل بذلك إلى معرفة ~~الرحمن والقرب إلى جنابه وأدناها تحصيلها لأجل التذاذ النفس بالمعارف ~~والعلوم وبينهما مراتب لا تستقصى وأما إذا تلقفت لأجل الجاه والحشمة ~~كما في أكثر طلاب هذا الزمان فإنا نشاهد كثيرا من أهل الجدل والمناظرة PageV01P065 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0066.png) ~~يأخذون مسائلها تلقينا وتقليدا لا إتقانا وتحقيقا يبحثون عنها ولا ينتفعون بها ~~لأنهم ليسوا منها على يقين بل اكتفوا من التحقيق بالتخمين ترى أحدهم ~~ينطق بالحكمة ونفسه خالية عنها ويتكلم في المجالس وصوتها عالية ليتعجب ~~الناس بفصاحته ويدعي فهم الأسرار بوقاحته وربما يظن القاصر إذا رأى ~~حسن تقديره وجزالة لفظه ووجازة تحريره أنه صادف عالما نحريرا وهو لا ~~يكون إلا مكثارا مهذارا يقولون [ه3ب] بأفواههم ما ليس في قلوبهم يفتخرون ~~بالقيل والقال وغرضهم إلزام الخصم على أي حال، وكذا من تخلج في ~~وهمه تشكيكات ملبسة للحمق وتخييلات مشبهة بالصواب والصدق ويتخبط ~~في فكره ويتحير في أمره قلل الله أمثالهم في البلاد وأراح منهم العباد. # وقال ms012 علي ل لىاله عليه وسل: كم من عالم ضل وعلمه لا ينفعه. # وأما رداءة الكيفية في الشجاعة فكمن يمارسها للصيت والغنيمة مثلا ~~يقدم على المعارك ويقتحم في المحاطب والمهالك لا اتباعا للعقل ولا ~~تصديقا لما وعد في النقل، بل إما إظهارا للجلادة وإما طلبا للإغارة فهو ~~كالسبع الضاري أو الكلب الحريص في فعله بل أخس؛ لأنه يخاطر بنفسه ~~الشريفة لكرامة عاجلة تصيبه أو طعمة وحظ من حطام الدنيا يناله وذلك من ~~غاية الخساسة وأقصى اللؤم ونهاية الدناءة والشؤم، وكذا الصعاليك( الذين ~~يرتكبون الأمور العظام ويصبرون على شدائد الآلام؛ كقطع الأعضاء مثلا ~~ليبقى ذكره بين أظهر قوم من الهمج الرعاع، ويشتهر اسمه في الأطراف ~~والأصقاع، وربما يعرض لهم الجوع المفرط وهم معرضون معه في المطاعم PageV01P066 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0067.png) # ~~وفي الجملة يؤثرون المكروه ويلقون بأنفسهم إلى التهلكة تصلفا وتفاخرا ~~على أقرانهم ومباهاة بأفعالهم لا عن روية صائبة وطمأنينة نفس، وكل ذلك ~~من الشهوات الفاحشة بينها وبين الشجاعة بون سحيق وفرق غير دقيق ~~وينبغي أن لا يتوهم أن من لا يبالي من فضيحة ذهاب الشرف أو الآفات ~~الهائلة من الزلازل الشديدة والصواعق المتواترة والأمراض المزمنة والمؤلمة ~~وفقد الأصحاب والأحباب أو من خطر البحار فهو ليس في شيء صحيح ~~من الشجاعة، بل هو أقرب إلى الجنون والوقاحة من الشجاعة، وكذا من ~~ألقى [36] نفسه في الخطر بدون الضرورة مثل الغوص في البحر مع جهله ~~بالسباحة، أو الوقوف تحت الحائط المائل والصعود على الجبل الهائل أو ~~يتعرض لأوابد الجمل الصائل، فهو إلى نسبة التصلف والحماقة أولى من ~~النسبة إلى الشجاعة، وكذا من يخنق نفسه أو يقتله بالسيف أو بالسم أو ~~يلقيه في البحر أو يرديه في البئر لأمر شنيع أو للفقر فهو إلى نسبة الخوف ~~أحق من الشجاعة. # وأما رداءة الكيفية في العفة فكمن ترك اللذة الشهوية ويقصد اعتياضا ~~أكثر منها في الآخرة أو الحياة الدنيا كما ترى من المتعففين يعتزلون ~~الناس بالكلية ويعرضون عما يحفظ بقاء الشخص والنوع من متاع الدنيا ~~وحطامها لا للتوجه إلى جناب ms013 القدس وحضرة الجبروت، ولا لابتغاء ~~مرضاة الرب، بل طلبا لمثله في الآخرة، فهم في الحقيقة أحرص الناس ~~وأطمعهم حملهم أشبعيتهم إلى الرهبانية مع أنه لا رهبانية في الإسلام، ~~وكذا من تزهد فيه لخمود شهوته وجمود قوته عدم الشعور بلذته أو يختار PageV01P067 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0068.png) # لم ~~سوء الحال ويتمعدد في المطاعم والملابس ويتوقى عن المناكح لإصابة ~~منها في الدنيا أو لطلب الذكر الجميل فهو كما قال علي بن أبي طالب ~~صلى ا -ترك الدنيا للدنيا، وكل هذه رذيلة في زي فضيلة، وإنما العفة ما ~~يكون ملاك الأمر فيها امتثال القوة الشهوية بالقوة العملية ليظهر أثر الإنصاف ~~والانتصاف، ويحترز عن أن يكون ممن تعبد هواه عقله واتبع عقله اللذات ~~فظهر من هذه التفاصيل أن الفاضل الكامل من يصدر عنه هذه الفضائل طبعا ~~لا تطبعا ويفعلها؛ لأنها خيرات في أنفسها ويختارها لكونها أفعالا إلهية أو ~~مؤدية إليها لا لغرض آخر حتى يكون ممن يتخلقون بأخلاق الله تعالى، ~~وإنما سمي الأوساط فضائل بشرطين: # أحدهما: عدمي؛ وهو إذا لم يسبها [3ب] غرض من تلك الأغراض ~~الفاسدة . # والآخر: وجودي؛ هو أنها إذا صدرت بلا روية وفكر صدرت لأنها ~~خير وكمال فقط لا لأمر خارج عنها. # والفرق بين الخير والكمال هو أن لكل موجود خاصة يمتاز بها عما ~~عداه فتلك الخاصة باعتبار حصولها له بتأثير المحل يسمى خبرا وباعتبار ~~حصولها له بدونه يسمى كمالا فالخير أخص لأنه كمال مشتمل على التأثير ~~وكلاهما متعلق اللذة وهي عبارة عن إدراك الملائم من حيث هو كمال ~~وخير والخير المطلق هو المختار لأجل نفسه والمختار غيره لأجله وهو ~~الذي هو يتشوفه كل عاقل. # واعلم أن لكل فعل صدرت عن عاقل غاية يتوجه إليها وتلك الغاية PageV01P068 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0069.png) ~~أن يكون متصورة قبله وإلا لكان الفعل عبثا ولذا قيل أول الفكر آخر العمل ~~وهي إما أن تكون مقصودة لذاتها خيرا في نفسها أو لأمر هو خير منها، ~~والأول يسمى الخير المطلق الذي هو غاية الغايات والمقصود من وجود ~~جميع الموجودات والثاني الخير الإضافي وما ms014 يتوسل به إليها فالخير في ~~جميع الأشخاص واحد؛ لأنه المقصود من النوع؛ ولأن كل حركة لا يخلو ~~عنه، وأما السعادة فهي الخير أيضا إلا أنه بلوغ الشخص بحركته الإرادية ~~إلى كمال يمكنه ويليق به بحسب الاستعداد الأول فسعادة كل شخص غير ~~سعادة الآخرين، وأما الخير فمشترك في الكل ومما ينبغي أن يعلم أن ~~العلماء اختلفوا في الحقيقة الإنسانية. # قال بعض ممن لا خلاف له في الشرع: إنها النفس الناطقة، والبدن ~~بمنزلة الآلات. # وقال المحققون: إنها النفس الناطقة مع البدن، وعليه كثير من العلماء ~~المحققين من الفقهاء والمحدثين والفرقة الشريفة المتصوفة وهو الحق ~~الحقيق بالقبول. # وأما القائلون بأن حقيقته البدن فشرذمة لا يعبأ بشأنهم أصلا لا في ~~الملة ولا في الفلسفة []، فالفرقة الأولى حصروا السعادة في الحكمة ~~والشجاعة والعفة والعدالة، ويقولون: إن من حصل له هذه الأمهات الأربع ~~يصل إلى السعادة بعد خلاصها عن الكدورات الطبيعية وتقدسها عن التلوثات ~~الهيولانية. # والفرقة الثانية يقولون: إن السعادة التامة للإنسان بحيازته رتبة استعمال PageV01P069 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0070.png) # ~~الشرائع النبوية بالأبدان والاستنارة بالأنوار الإلهية في جميع الأزمان فيصير ~~جامعا لشرف الدارين، ويلتحق في الأخرى بزمرة الملأ الأعلى، ويحصل ~~له المعاد الأشرف، ويدخل في الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # ولما كانت العلوم قسمين: بدنية وروحانية وقد مر أقسام الروحانية. # أما الأولى فأصولها أربعة الزراعة للمطعم والحياكة للملبس والبناء ~~للمسكن والسياسة لانتظام التألف والاجتماع، وما سوى هذه خادمة لها ~~كالحدادة تخدم الزراعة والحلاجة والغزل تخدم الحياكة والنجارة تخدم ~~البناء والكتابة تخدم السياسة. ~~8 ثم إن السياسة على أربع مراتب: # الأولى: وهي العليا سياسة الأنبياء، وحكمهم على ظواهر الخاصة ~~والعامة وبواطنهم. # والثانية : الخلفاء والملوك والسلاطين، وحكمهم على ظواهر الخاصة ~~والعامة. # والثالثة: العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وحكمهم على باطن ~~الخاصة فقط ولا يرتقي فهم العامة إلى الاستفادة منهم، وأيضا لا تنتهي ~~قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم. # والرابعة: هم الوعاظ، وحكمهم على بواطن العامة فقط. # وإذا عرفت حال السعادة والكمال وفضائل الأعمال فلنشرع في ms015 ذكر PageV01P070 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0071.png) ~~شعبها وفروعها. # قال المصنف: ثم لكل فضيلة من الفضائل الثلاث - أعني الحكمة ~~والعفة [37ب] والشجاعة - شعب أي آثار كثيرة منشؤها الفضائل المذكورة ~~وأنواعها كثيرة لا تكاد تحصى كثرة ولا تحصر عددا لكن المصنف عد منها ~~ما هو الأظهر والأشهر. ~~9 فللحكمة سبع شعب: # الأولى: صفاء الذهن، وهو عبارة عن استعداد النفس الناطقة ~~لاستخراج المطلوب من مقدمات القياس بلا تشويش واضطراب يمنعانها ~~عن الوصول إلى المطالب، قال الله تعالى: (أفمن شرح الله صدره ~~للإسلم فهوعلى نور من ربه). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، فألقى ~~عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل. # والذهن على ما ذكره البندهي: قوة تشمل الحواس الظاهرة والباطنة. PageV01P071 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0072.png) ~~والعقل: قوة مميزة بين الحسن والقبح. # واعلم أن صفاء الذهن لما كان من الفضائل، وقد ثبت أن لكل فضيلة ~~طرفين؛ فطرف تفريطه الظلمة الحادثة في النفس إما بسبب ما حصل في ~~جبلته من القصور في استنباط النتائج أو لتعوده بذلك، وطرف إفراطه ~~التهاب الذهن المتجاوز عن قدر المطلوب، فيقع المطلوب دون طرفيه، ~~وليس هذا في شيء من الإصابة إلى المطلوب كما زعم من لا خبرة له ~~باستعمال الأفكار. # والثانية: جودة الفهم، وهي عبارة عن صحة الانتقال، أي: انتقال ~~الذهن من تصور الملزوم إلى تصور اللازم، قال علي بن أبي طالي صلى الله له : ~~من فهم علم غور العلم، وذلك لأن الإنسان مجبول على قوة مسماة ~~بالفهم من شأنها الانتقال من شيء إلى آخر ولا يتخلف عنها هذا الأمر إلا ~~بأن لا ينتقل أصلا أو بأن ينتقل لكن إلى ما لا انتقال إليه؛ إما لانتفاء ~~شرائطه كما في جلالة الطفولية الفاقدة لآلة الفهم، أو لوجود الموانع كما ~~في الغباوة العارضة لذلك، فإن الفهم [] في الإنسان جبلي وأن خلافه ~~لآفة ويرشدك إلى صحة هذا الكلام ما صدر عن صدر الإسلام محمد سيد ~~الأنام ا الله عليه وسلم من قوله : كل مولود يولد على ms016 فطرة الإسلام إلا أن أبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». # وهذه الفطرة وإن كانت فطرة الإسلام إلا أنها يفهم منها حال فطرة ~~الفهم بطريق الإشارة؛ لأنها مستلزمة لفطرة الفهم فافهم. PageV01P072 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0073.png) # واعلم أن جودة الفهم هي الوسط وتفريطها الإبطاء، وهي أن يكون ~~تأخر الفهم ملكة لصاحبه وإفراطها سرعة التخيل على سبيل الاختطاف بلا ~~إتقان في الإيقان، وإحكام في الأحكام، وأكثر العلماء في زماننا هذا ~~مخطئون في كونها رذيلة مانعة عن التحصيل حيث يظنونها فضيلة لعدم ~~فرقتهم بين سرعة التخيل وجودة الفهم. # *والثالثة: الذكاء، وهو: عبارة عن سرعة اقتداح النتائج ، أي: سرعة ~~انتقال الذهن من المقدمات إلى النتيجة، ويؤول به قوله تعالى: (يكاد زيتها ~~يضىء ولولر تمسسه نار) . # واعلم أن الذكاء قريب من الحدس وأخص من الفضيلة الثانية؛ التي ~~هي أخص من الأولى فيكون أخص من الأولى قطعا، وهو فضيلة متوسطة ~~وتفريطه البلادة، أما المتناهية التي تكون عدم الانتقال من الملزوم إلى ~~اللازم أو بالعكس، أو عدم استنتاج النتائج من الشكل الأول ملكة له أو ~~غير المتناهية بأن يعسر عليه الانتقال المذكور، والاستنتاج المذكور لكن ~~المراد ليس البلادة الخلقية بل البلادة المكتسبة الحاصلة من عدم تصقيل ~~الذهن بالرياضيات الفكرية، وهي بتسليط الفكر على المحاكمة في النسب ~~محكمية، إذ النفس مخلوقة على الإدراك ولا يصعب هو عليها وإنما الذي ~~يصعب هو عليها ويرتاض هي بذلك ملاحظة النسب محكية والجزم بإثباتها ~~أو نفيها [38ب]؛ لأن هذا أصعب الإدراكات وأعصاها على الأذهان. # وأما طرف الإفراط في الذكاء فهو الخبث الذي يجاوز دائرة الحق ~~ويخطو عن جادة الشريعة ويخبط خبط عشواء؛ لكونه في بصيرة عمياء وهو ~~إن كان زيادة صورة، فهو نقص حقيقة؛ لأن الزيادة على التمام نقصان PageV01P073 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0074.png) ~~كالإصبع . السادسة: في اليد، وهذا حاصل قول الحكماء: البلاعة أدنى إلى ~~الخلاص من فطانة بتراء. # والرابعة: حسن التصور، وهو عبارة عن البحث عن حقائق الأشياء ~~بقدر ما هي عليه، أي بلا إهمال شيء مما هو داخل فيها وإدخال شيء مما ~~هو خارج عنها، قال ms017 علي بن أبي طالب: من تبصر الفطنة ظهرت له الحكمة، ~~وهي أخص من الثانية مطلقا وأعم من الثلاثة؛ لأنه لا يلزم من حسن تصور ~~شيء سرعة الانتقال لكن يلزم من السرعة حسن التصور، إذ المعتبر هو ~~الانتقال الصحيح، ولما كان حسن التصور فضيلة لا جرم ثبت له طرفان؛ ~~طرف التفريط : قصور الفكر عن تعقل تمام المطلوب؛ وذلك لعدم وفاء ~~الفطرة بإحاطته بتمامه، وطرف الإفراط: صرف الفكر إلى تعقل أمور زائدة ~~على المطلوب، وذلك لقوة جريان الذكاء وقصور القوة المميزة الناقدة بين ~~ما يهمهما وما لا يهمهما عن المجاراة معه والمرافقة معه في كل شروط. # *والخامسة: سهولة التعلم، وهي عبارة عن قوة النفس على درك ~~المطلوب بلا زيادة سعي ومؤنة كلفة، قال الله تعالى: (أوليبك كتب في ~~قلوهم الإيمن وأيدهم بروح منه)، وهي فضيلة فلها طرفان ~~تفريطها تصعب التعلم بحيث يتعذر أو يتعسر عليه الوصول إلى المطلوب ~~كمن يرمي الغرض ويقف سهمه دونها؛ لنقصان في القوة، وإفراطها مبادرة ~~[139] القوة إلى المطلوب بحيث لا يستثبت صور المبادئ والمقدمات فلا ~~يوجد في ذهنه المطلوب إلا ظنا للغفلة عن مبادئه، فصار كمن يعدو إلى ~~المقصود لكن لا يلتفت إلى أمارات الطريق فلا يهتدي إليها مرة أخرى. # والسادسة: الحفظ، وهو عبارة عن ضبط الصور المدركة الحاصلة PageV01P074 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0075.png) # ~~بالاكتساب لا بالبديهيات إذ الحفظ لا يطلق على ضبطها، قال الله تعالى: ~~(وتعيها أان واعية ) وق صلى الل ليه سلم، هذا ما توعدون لكل أواب ~~حفيظ)]، وهو أيضا فضيلة، ولها طرفان تفريطها الغفلة عن استثبات ~~الصور التي ينتفع بها في المطلوب وإفراطها العناية بضبط أمور لا ينتفع بها ~~أصلا. # والسابعة: الذكر، بالضم، وهو عبارة عن استحضار المحفوظات ~~أي الأمور المضبوطة وهو أيضا فضيلة، ق صلى الله عليه (وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب)، فلها طرفان تفريطها النسيان المستلزم لإهمال ما ~~يجب مراعاته من المهام، وإفراطها الاستعراض المقتضي لتضييع الأوقات ~~فيما لا يعنيه من المدركات، والذكر أخص من الحفض مطلقا وأعم من ~~البواقي من وجه أما الثاني فظاهر. # وأما ms018 الأول: فلأن ضبط الصور المدركة بمثابة العلم بها إجمالا ~~واستحضارها بمثابة العمل بها تفصيلا. # ووجه الضبط في هذه الشعب السبع، هو أنه لابد في تحصيل ~~المدركات على ما هي عليه من جودة الآلة أولا ثم جودة تحصيلها المطلوب، ~~والأول هو الأولى. # والثاني: إن كان في التصور فهو الثانية وإن كان في التصديق فهو ~~الثالث وإن كان أعم منها إما في تعيين المطلوب وتمييزه عما عداه فهو ~~الرابعة أو في سهولة حصوله فهو الخامسة أو في حفظ صورة المدرك فهو ~~السادسة إذ كل الصور [39ب] فهو السابعة. # 84 PageV01P075 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0076.png) ~~(2) وللشجاعة إحدى عشرة شعبة: # الأولى: كبر النفس، وهو عبارة عن استحقار أربعة أمور، اليسار ~~وهو عبارة عن زيادة الدخول على الخروج وبمعناه الغنى والفقر، وهو بالعكس ~~من اليسار . # والكبر إما في الجثث أو في الصفات والصغر وهو الهوان إما في ~~الجثث أو في الصفات أيضا، وإذا استحقر هذه الأمور يكون قادرا على ~~احتمال الأمور الملائمة وغير الملائمة، قال الله تعالى: (قل متاع الدنيا ~~قليل). # وقال عل صلى الله عليه من كبرت عليه نفسه هانت عليه شهوته. # ولما كان كبر النفس فضيلة ثبت له الطرفان؛ تفريطه استعظام الأمور ~~المذكورة، وإفراطه: استحقار أمور أخر غيرها كاستحقار وجوده وما يتفرع ~~عليه من النعم العظام. # الثانية: عظم الهمة، وهي عبارة عن عدم المبالاة بسعادة الدنيا ~~وشقاوتها، أي: لا يستبشر بالملائمات الدنيوية ولا يتضجر على منافراتها ~~الدنيوية حتى الموبقات، قال الله تعالى حكاية عن أصحاب موسى في ~~جواب: (فلا قطعن أيديكم وأحلك قن خلاف ولاصلبنكم ف جذوع النخل) ~~[طه:1]، (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون)، وفي موضع ~~آخر: (فأقض ما أنت قاض إنما تقضى هاذه الحيواة الدنيا) []. # ولما كان عظم الهمة فضيلة يكون تفريطه اللامبالاة بسعادة الدنيا PageV01P076 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0077.png) # ~~وشقاوتها، وإفراطه: عدم المبالاة بالنعم العظام، كنعمة الوجود ونعمة العلم ~~وغيرهما. # الثالثة: الصبر، ويسمى الثبات أيضا، وهو عبارة عن قوة مقاومة ~~الآلام والأهوال والشدائد والصبر مع ما قبله فرعان للأولى، قال الله تعالى: ~~(وكأن من ني ms019 قلتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)، والصبر فضيلة ~~وتفريطها الجزع وإفراطها التهور. # الرابعة : النجدة، وهي عبارة عن عدم الجزع عند [0ا] المخاوف ~~مع ملكة الثبات للنفس حتى لا يعتبر الجزع عند المهالك ولا تصدر عند ~~الأفعال الغير المنتظمة، قال الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ~~ونقص قن الأمول والأنفس والثمرات وشر الصابين الذين إذا أصبتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه رجعون) ، ولا يخفى أن ~~طرفي النجدة الجبن والتهور. # الخامسة: الحلم، وهو عبارة عن الطمأنينة، وهي ترك الشغب عند ~~سورة الغضب، قال الله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجلاهلون قالوا سلما) ، (ادفع بألى هى أحسن ~~السيعة)، ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الشديد بالصرعة، PageV01P077 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0078.png) # 8ل ~~إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . وطرفا الحلم الغضب أعني ~~السفه والخمود وأعني عدم الحمية. # السادسة: السكون، وهو عبارة عن التأني في الخصومات والحروب ~~الشرعية، ويسمى عدم الطيش أيضا. # وهذه الثلاثة من تفاريع الصبر، قال الله تعالى: (وقاتلوا ف سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم)، وقال علي بن أبي طالبل ى اله عليه وسلم: ~~من بالغ في الخصومة أثم، وطرفا السكون: الطيش والجبن. # *السابعة: التواضع ، وهو عبارة عن استعظام ذوي الفضائل ومن ~~دونه في المال والجاه بشرط تنزيل مرتبته دون مرتبتهم في الفضائل ~~والكمالات ؛ ليكون لله تعالى لا للنفاق، وهذه راجعة إلى استحقار الكبر ~~والصغر فيكون من تفاريع كبر النفس، قال الله تعالى: (وأخفض جناحك لمن ~~أتبعك من المؤمنين)، وقال رسول الله صلى لى الله عليه وسلم : ما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله. ومن كلام علي لى الله عله وس: «حلية المؤمن التواضع. # واعلم أن طرفي التواضع : الكبر والتملق. # الثامنة : الشهامة، وهي عبارة عن الحرص [40ب] على مباشرة ما ~~يوجب الذكر الجميل من العظائم، قال الله تعالى: (أؤلتيبك يسارعون فى ~~الخيرات وهم لها سليقون) []، وطرفاها: الكسل عن طلب الخيرات ~~وطلب الفضل على ms020 كل أحد. PageV01P078 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0079.png) # 5م # التاسعة : الاحتمال، وهو عبارة عن إتعاب النفس في الحسنات، ~~ولا بد فيه من الحرص على اكتساب الذكر الجميل ليتعب نفسه في ذلك، ~~قال الله تعالى: (يأيها الإنسن إنك كادع إلى ربك كذحا فملاقيه) ، ~~وطرفاه: الكسل عن كسب الحسنات، والطمع حتى يريد تحصيل جميع ~~الحسنات لنفسه، وذلك غير ممكن. # العاشرة : الحمية، وهي عبارة عن المحافظة على الحرم والدين من ~~التهمة، ولابد فيه لما سبق من الحرص المذكور، فيكون كلاهما من آثار ~~الشهامة، قال رسول الله صلىلى الله عليه وسل : اتقوا مواضع التهم، وطرفاها نقصان ~~الغيرة وتأديتها إلى الحمية فيما ندب إليه الشرع؛ كمنع زوجته عن الحج ~~لصيانتها عن الإحرام. # الحادية عشرة: الرقة، وهي عبارة عن التأذى عن أذى يلحق الغير، ~~وينبغي أن لا يظهر منه اضطراب في الأفعال والأقوال؛ لئلا يلزم تنافي ~~الآثار لأمر واحد وهو الشجاعة. # ولا يخفى عليك أن المراد بالرقة ما يترتب عليها من إرادة أذى عن ~~المتأذي حتى يظهر كونها من فروع الشجاعة، وإلا فالرقة من مقولة الانفعال ~~والشجاعة من قبيل الفعل وتباين المقولتين يمنع كون أحدهما نوعا من ~~الآخر، كما هو معنى الشعبة، قال البي صل ل الله عليه وسلم: : ترى المؤمن في PageV01P079 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0080.png) ~~تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر ~~الجسد بالسهر والحمى». وطرفا الرقة الغضب بإرادة [،ا] الانتقال ~~والخوف من أذى الغير. # واعلم أن بعضا من الحكماء ذكر للشجاعة شعبة أخرى غير ما ذكره ~~المصنف وهو العفو، أعني: ترك الانتقام مع القدرة، قال الله تعالى: ~~(والكاظمين الغيظ والعافيب عن الناس)، (فمن عفا ~~وأصلح فأجرهر على اللهه ، (فاصفح عنهم وقل سلم) ~~89]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكونوا إمعة يقولون إن أحسن الناس ~~أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن ~~تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا. وقا صلض الله عيهوس : من كظم غيظه وهو يقدر ~~على إنفاذه ملأ الله قلبه إيمانا وأمنا. # واعلم أن كون العفو من فروع الشجاعة باعتبار ms021 القدرة على الانتقام، ~~وإنما ترك الانتقام لمدافعة الرحم إياه وإلا فمجرد ترك الانتقام مندرج في ~~الخوف المقابل للشجاعة، وطرفا العفو: الانتقام والعفو عن حقوق الشرع. ~~8) وللعفة إحدى عشرة شعبة كما للشجاعة. # الأولى: الحياء، وهو عبارة عن انحصار النفس خوف ارتكاب ~~القبائح الشرعية والعقلية، أو العرفية، والأولى أن يستحق العقاب عليه، ~~وإنما نسب إلى الشرع لعدم مجال العقل على الوقوف عليه والمرتكب عليه PageV01P080 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0081.png) ~~يسمى الفاسق. # والثانية: ما لا يلائم الطبع، أو ما لا يوجب المفسدة عقلا، والحاكم ~~في هذا المعنى العقل لا غير، ولهذا نسب إليه والمباشر له يسمى المجنون. # والثالثة: ما يذم فاعله، ولا يقف عليه إلا أهل العرف، ولهذا نسب ~~إليه والمقدم عليه يسمى الأبلع، ويكفي أن صاحب الحياء ينقبض عن ~~وجود هذه الألقاب فيه ويعين على الحياء في الإعراض عن هذه الأمور ~~الإيمان، كما قا ال ا.يال ع : الحياء شعبة من الإيمان، كما قال: أي أثر ~~من الآثار المترتبة عليه، وقال [1،ب]: «إن مما أرك الناس من كلام ~~النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت. # وقال علي ي ا الله عليه س: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. # ولا يخفى أن للحياء طرفين: إفرطها الخوف والجبن وتفريطها الوقاحة ~~والخلاعة. # والثانية: الصبر، وهو عبارة عن حبس النفس عن متابعة الهوى، قال ~~الله تعالى: (وما يلقلها إلا الذين صبروا) ، (ولنجزين الذين ~~صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملوب)، قال عل صلى الله عليه ~~«عليك بالصبر فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد» . PageV01P081 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0082.png) # واعلم أن الصبر صبران؛ صبر على ما يكره، وصبر على ما يحب، ~~وهذا التقسيم على هذا الوجه مأثور عن عل صي ل الله عليه وسلم، القسم الأول من فروع ~~الشجاعة، وقد يخص باسم الثبات، والقسم الثاني من فروع العفة، ~~وللإشارة إلى هذا الفرق ذكر المصنف في الأول: مقاومة الآلام والهوال، ~~وفي الثاني: متابعة الهوى. وللصبر أيضا طرفان تفريطه اتباع الهوى وإفراطه ~~الترهب. # الثالثة: الدعة، وهي عبارة عن السكون عند هيجان الشهوة، ms022 ولا بد ~~فيها من حصول ملكة التثبت، قال الله تعالى: (ولا تمدن عيتنيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا) ]، ولها أيضا طرفان: تفريطه ~~الفجور، وإفراطه الخمود. # الرابعة: النزاهة، وقد يسمى بالحرية، وهو عبارة عن اكتساب المال ~~من غير إهانة لأحد ولا ظلم إلى الآخر . وفي بعض النسخ: من غير مهانة، ~~وهي بمعنى الهوان، والصحيح هذا، إذ المراد سلب جانب التفريط، وهو أن ~~يكون في مكاسب دنية مستلزمة لتكلف الغرض وسقوط المروءة، كما أن ~~قوله: «ولا ظلم» سلب جانب الإفراط، هذا بيان طيب الخل، ولما وجب ~~في النزاهة في طيب المصرف أيضا قال [] وإنفاق في المصارف ~~الحميدة، وهذا أيضا وسط بين البخل والسرف، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لأن ~~يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله وجهه PageV01P082 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0083.png) # 3 ~~خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». ~~وقال علي لي الله عله النشر الصخر من قمم الجبال، أحب إلي من منن ~~الرجال». ~~وق صلى اله له : طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وخلصت سريرته، ~~وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله». وطرفا ~~النزاهة: الإسراف والجور إفراطا، والعجز عن الكسب والبخل عن الإنفاق ~~تفريطا. ~~الخامسة: القناعة، وهي عبارة عن الاقتصار على الكفاف والتساهل ~~في أسباب المعيشة، وحاصله: تسوية الدخل مع الخرج، قال النبي ~~الله عليه وسل : «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه. ~~وقا لى ال ع : «ليس الغنى من كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» . ~~وقا صلى الله عليهوسلم : :«ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس. ~~ومن كلام عل صلى الله عليه هم: القناعة مال لا ينفد». ~~وقا صلى اله ليه وسلم كفى بالقناعة ملكا وبحسن الخلق نعيما. ~~وقال مؤيد الدين الطغرائي: كنز القناعة لا يخشى عليه ولا يحتاج فيه ~~إلى الأنصار والخول . وطرفا القناعة : الحرص تفريطا، والتكاسل عن PageV01P083 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0084.png) # ~~المعاش حتى يؤدي إلى المخمصة إفراطا. # السادسة : الوقار، وهو عبارة عن التأني ms023 في التوجه نحو المطالب، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : (العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن. # وقل صلى الله عليه وسل : من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد، ~~وذلك؛ لأن التأني في الأمور سبب لظهور الرأي الصواب، فيكون من ~~ملمات الرحمن والعجلة بضد ذلك فيكون من ملمات الشيطان. وطرفا ~~الوقار: العجلة تفريطا، والعجز إفراطا. # السابعة: الرفق، وهو عبارة عن حسن الانقياد لما يؤدي إلى الجميل ~~[،ب] إما الشرعي وإما العقلي وإما العرفي، ويسمى أيضا: الديانة، ~~وحاصله: سهولة النفس على مباشرة مثل هذه الأفعال، قال الله تعالى: ~~(فقولا له قلا لييا) ،، وقوله تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوأ من حولك). # وفي (التوراة): «الرفق رأس كل حكمة. # ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم : من يخرم الرفق يخرم الخير. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله رفيق يحب الرفق. وطرفا الرفق: الغلظة PageV01P084 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0085.png) ~~والفظاظة تفريطا، والعجز إفراطا. # اعلم أن بعضا من العلماء جعل شعب العفة اثنى عشر وعدوا منها ~~المسالمة، وعرفوها بمجاملة النفس وقت منازعة الآراء مع القدرة لكنها لما ~~كانت راجعة إلى الرفق تركها المصنف - رحمه الله -. # الثامنة: حسن السمت، أي: الطريقة وهو عبارة عن محبة ما يكمل ~~النفس، فهو إن كان على قانون الشرع فذاك وإلا فإن كان على قانون العقل ~~والعرف فلابد من أن يكونا غير منافيين له، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : السمت ~~الحسن والتؤدة والاقتصار جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة، ~~وطرفاه: التقاعد عن حب المعارف تفريطا، والجربزة إفراطا. # التاسعة : الورع، وهو عبارة عن ملازمة الأعمال الجميلة الموافقة ~~للشرع والعقل والمروءة، قال الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون)، ~~(الذين هم فى صلاتهم خاشعون) .. إلى قوله: (أوليبك هم ~~ألوارتون)، وقال: (ومن عمل صللحا فلائفسهم يمهدون) ~~[الروم:4]، ومن كلام عي صلي الله عليه :سلم لا معقل أحسن من الورع»، وطرفا ~~الورع: الفسق تفريطا، والرهبانية إفراطا. # والعاشرة: الانتظام، وهو عبارة عن تقدير الأمور وترتيبها بحسب ~~المصالح، والمراد بالأمور: ما يتهيأ به المعاش، ms024 وبتقدير ما تصورها على ~~الوجه الكلي بحسب المصالح الكلية، وبالترتيب: إخراج ذلك الكلي [43] ~~إلى الفعل بحسب المصالح الجزئية السانحة، قال علي بن أبي طالي صلى الله عله ول PageV01P085 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0086.png) # ~~لكن مقدرا ولا تكن مقترا». # وقا صلى الله عله ول لا عقل كالتدبير، وطرفا الانتظام: الغرر تفريطا، والجربزة ~~إفراطا. # الحادية عشر: السخاء، وهو عبارة عن إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ~~على الوجه الذي ينبغي ولا بد في النظر في كيفية العطية والمصرف حتى ~~تراعى بينهما التناسب وفي كميتها بحسب استحقاق ذلك المصرف حتى يتم ~~رعاية التناسب بينهما، قال الله تعالى: (وما تقدموا لأفسكمر من خير تجدوه عند لله ~~هوخيرا والآعظم) ، وقال: (ميل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنايل)، وقال: (ؤنفقوا في سبيل الله ~~ولا تلقوا بأد يك إلى التقلكة وأحسنوأ ن الله يحب المحسنين) [رة: 195]، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : «الجنة دار الأسخياء. # وقل صلى الله عليه وسلم : لجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل. # وقا صلى الله عليه وسل : ينادي مناد كل ليلة اللهم اجعل لكل منفق خلفا ولكل ~~ممسك تلفا». # ومن كلام علي صلي الله عله : من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة، PageV01P086 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0087.png) # ~~وطرفا السخاء: البخل تفريطا، والسرف إفراطا. # وهذا - أي السخاء - جنس تحته أنواع من الفضائل، واعلم أن بعضا ~~من العلماء حصره في ثلاثة : السخاء والجود والإيثار. # أما السخاء فإعطاء الأقل وإمساك الأكثر، والجود عكسه. # وأما الإيثار فهو إعطاء الكل وهو أشرف الرتب وأعلاها وأحقها ~~بالمدح وأولاها، كما قال الله تعالى: (ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة)، قال الحكماء: ويشترط أن لا يكون الإعطاء لدفع ~~الأعداء أو طلب الجزاء. # ومنهم من جعل أنواع السخاء سبعة وزادوا المروءة، وهي رغبة ~~صادقة للنفس في الإفادة بقدر ما يمكن ومنهم من جعلها [43 ب] ثمانية ~~وزاده المروءة، والعفو أيضا وأرادوا بالعفو ترك المجازاة بسهولة من النفس ~~مع القدرة، إلا أن المصنف لما رأى أن المروءة من قبيل الورع أعني ~~ملازمة ms025 الأعمال الجميلة وأن العفو من قبيل كبر النفس وقد مر أنهما من ~~شعب الشجاعة حصر السخاء في ستة: # الأول: الكرم، وهو عبارة عن الإعطاء بالسهولة وطيب النفس في ~~الأمور العظام، وأما إطلاق السخاء على غير الله - تعالى - فقط وشمول ~~الكلام لهما معا، فلا ينافي كون الثاني نوعا للأول؛ لأن مدار النوعية ~~والجنسية خصوص المفهوم وعمومها، وذلك العموم لا ينافي الخصوص ~~بحسب الإطلاق من جهة الشرع، ولما كان الكرم فضيلة فلها طرفان: ~~إفراطها السرف وتفريطها البخل قال الله تعالى: (ومثل الذيب ينفقون PageV01P087 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0088.png) ~~أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثيتا من أنفسهة كمثل جنة برتوة أصابها ~~وابل فكاتآت أكلها ضعفين). # قال علي صلى الله عليه وسم الإفضال يعظم الأقدار». # وقالوا: البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة ~~حساب الأغنياء. # الثاني : الإيثار، وهو عبارة عن أن يكون الإعطاء مع الكف عن ~~حاجاته، أي مع كف المال الذي أعطاه عن الصرف إلى قضاء حوائجها، ~~ثم البذل إلى الغير، وهذه فضيلة مدح التنزيل صاحبها بقوله: (ويؤثرون على ~~أنفسهة ولو كان بهم خصاصة)، وقا صلى الل ليه سم (ولطعمون الطعام عل حيه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا). # ولهذه الفضيلة أيضا طرفان: إفراطها السرف، وتفريطها البخل، أما ~~البخل فظاهر، وأما السرف: فهو بذل المال إلى غير من يستحقها شرعا ~~وعرفا. # الثالث: النبل، وهو عبارة عن أن يكون الإعطاء مع السرور، قال ~~تعالى: (ويطعمون الطعام [] عل حبه مسكينا ويتيما وأسيا) ، ~~وإليه يشير قوله - تعالى - في حق الصدقة: طيبة بها أنفسكم، وله طرفان: ~~البخل والسرف كما مر بعينه. # الرابع: المواساة، وهي عبارة عن أن يكون الإعطاء مع مشاركة ~~الأصدقاء، أي يشاركهم في الانتفاع والتمتع بعدما بذل المال عليهم، قال PageV01P088 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0089.png) # ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : البركة في المال من إيتاء الزكاة ومواساة المؤمنين وصلة ~~الأقربين»، وطرفاه ما مر أيضا. # الخامس: السماحة، وهي عبارة عن بذل ما لا يجب تفضلا، وإنما ~~قيد بهذا؛ لأن بذل ما لا يجب بذله قد يتوقع بإزائه مجازاة فلا يسمى ~~تفضلا ولا سماحة ms026 إذ التفضل طلب الفضل على الغير وهو لا يوجد إلا ~~بدون المجازاة، قال البي صلى الله عليه وسلم : «السماح رباح. # قال عل صلى ال عليه م اكن سمحا ولا تكن مبذرا»، وطرفاه ما مر. # السادس: المسامحة، وهي عبارة عن ترك ما لا يجب تركه تنزها ~~كمن نقص من المال الذي له على الآخر قدرا معينا بلا توقع مجازاة، ~~ولاشك أن ذلك لم يكن واجبا عليه بل فعله تنزها فسمي بالمسامحة، قال ~~الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير ~~لكو) [2]، وقال النبي (3): «من أنظر معسرا أو وسع له أظله ~~الله تحت ظل عرشه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله. # واعلم أنك لما عرفت أن قوى النفس الإنساني ثلاث الحكمة ~~والشجاعة والعفة، وأن الأوساط منها فضائل والأطراف رذائل، وأن لتلك ~~الوسائط أنواعا وذكر نبذا منها، فاعلم أن تلك القوى الثلاث إذا سالمت PageV01P089 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0090.png) ~~وتعاونت في أفعالها واستوت في الكيفية حتى بلغت الغاية التي خلقت لها ~~حدثت العدالة، وهي مسالمة هذه القوى بعضها بعضا [،،ب] والانتصاف ~~من نفسه ومن غيره، ولهذا قال المصنف: «والعدالة التي هي من الفضائل ~~الإنسانية اسم لما يجمع سائر الفضائل، أي: الفضائل الثلاث من الحكمة ~~والشجاعة والعفة، قال الله تعالى: (وأقبطوا إن الله يحب المقسطين) ~~[الحجرات: 9]، وقوله تعالى: (أعدلوا هو أقرب للتقوع)، وقال ~~الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان). # وق لا: أمرت بأن أعدل بينكم. # وقال علي صلى الله عليه وه بالسيرة العادلة تقهر المناوئ المعادي، وأجناسها هي ~~الفضائل المذكورة وأنواعها لا تكاد تحصى كثرة ولا تحصر عدة لكن ذكر ~~المصنف منها ما هو أظهر وأشهر، فقال: ولها، أي وللعدالة أربع عشرة شعب: # الأولى: الصداقة، وهي عبارة عن محبة صادقة، وفسرها بقوله ~~بحيث لا يشوبها غرض أي لا يريد لنفسه شيئا إلا ويريده بالخليل أولا ثم قيد ~~بقوله: ويؤثره على نفسه في الخيرات؛ لأن المحبة الصادقة أمر باطني لا ~~يظهر إلا بحصول أثرها وهو الإيثار المذكور، وقد عرفت معنى الإيثار والمراد ms027 ~~بالخير هنا المال كما في قوله تعالى: (إن ترك خيرا) 8]، أي : مالا، ~~وفي قوله تعالى: (ولنه لحب الخير لشديد) ، أي: لحب المال. # وإنما جمع الخيرات باعتبار أصناف المال ومن عرف الفرق بين PageV01P090 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0091.png) # ~~الصداقة والصادقة لا يتوهم ورود سؤال الدور، قال النبي صلى الله عليه وسلم : كونوا ~~عباد الله إخوانا، ومن الأحاديث الربانية: المتحابون بجلالي اليوم ~~أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا في ظلي. # وفي كلام عل صلى اله عليه :سم أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان وأعجز ~~منه من ضيع من ظفر به منهم، واعلم أن طرفي أنواع العدالة هما طرفا ~~الحكمة والشجاعة والعفة لتركبها منها فاعتبر منها في كل من أنواعها. # الثانية : الألفة، وهي عبارة عن اتفاق الآراء في التعاون على تدبير ~~[ه4] المعاش ويرجع هذه إلى المشاورة اللازمة لها، قال الله تعالى: ~~(واعتصموأ بحبل الله جيعا ولا تفرقوأ واذكروا نعمت الله عليكم إذ كتتم أعداء ~~فألف بين قلوبكر فأصبحتر ينعمته إخوانا)، وقال ~~26: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف» . # وقال عل يلى الله عله : المؤمن إلف مألوف. # الثالثة: الوفاء، وهو عبارة عن ملازمة طريق المواساة فيما ليس مذموما ~~عند الحكام الثلاث أعني الشرع والعقل والعرف، ومحافظة عهود الخلطاء في ~~الدار والمال والنسب، قال الله تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسيولا) ~~[الاسراء: ]، (بل من أوف بعهدهء واتقل فإن الله يحب المتقيب) ~~[ال عمران: 76]. PageV01P091 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0092.png) # الرابعة: التودد، وهو عبارة عن طلب مودة الأكفاء وأهل الفضل ~~مما يوجب ذلك مما يستلزم محبتهم من حسن اللقاء وأمثاله وبالجملة مما ~~يناسب كل أحد، قال النبي صلى الله عليه وسل : التودد نصف العقل، وقل صلى الله عليه ولم : ~~إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق. # الخامسة: المكافأة، وهي عبارة عن مقابلة الإحسان بمثله أو زيادة، ~~قال الله تعالى: (وأذا حيييم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوه)، ~~وقال الني صلى الله عليه وسلم : من أوتي فليكافئ فإن لم يستطع فليذكره فإن ذكره فقد ~~شكره». # * السادسة: حسن الشركة، وهو ms028 عبارة عن رعاية العدل، أي: ~~الاعتدال في المعاملات المالية قال الله تعالى: (ويل للمطففين 5 الذين إذا ~~أكالوا على الذاس ييتوون ه واذا كالوهر أر وازنوهه يخمرون)، وقال ~~ال له(ولا تأحلوا أمولكم بينكم بالبطل) ، وفي موضع ~~آخر: (فأوفوا الكيل والميزاب ولا تبخسوا الناس أشياءهم) ~~[الأعراف: 85] # *السابعة: حسن القضاء، وهو عبارة عن ترك الندم والمن في ~~المجازاة، أي، في مجازاة الحقوق الثابتة عليه، أما المن، فإنه مذموم PageV01P092 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0093.png) # ~~شرعا، فقوله: (لا تبطلوا صدقايكم بالمن والأذع) [ه،ب] ~~وعقلا، كما قيل: المنة تهدم الصنيعة، وكذا يذم الندم؛ لأنه يلحق المروءة ~~بالعدم، وأما محمودية حسن القضاء، فلقوله - تعالى : (هل جزآء الإحسان ~~إلا الإحمان). # الثامنة: صلة الرحم، وهي عبارة عن مشاركة ذوي القرابة في ~~الخيرات الدنيوية الحاصلة عنده، قال الله - تعالى - : (والذين يصلون ما أمر ~~الله به أن يوصل)، وقال عز وعلا: (وعات المال على حبهء ذوى ~~القرى) ، قال النبي لى الل عليهم ( أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا ~~الطعام وصلوا الأرحام)، ول صلى الله عليه وسلم ما من شيء أطيع الله فيه بأعجل ~~ثوابا من صلة الرحم.)2 # التاسعة: الشفقة، وهي عبارة عن صرف الهمة إلى إزالة المكروه ~~عن الناس، لأجل أنه واصل إلى مظلوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم، ( إن أحدكم مرآة ~~أخيه، فإن رأى به أذي فليمط عنه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( المؤمن مرآة ~~المؤمن لأنه يتأمله فيسد فاقته وتحمل حالته)، وقل صلى الله عليه وسلم: ( الراحمون PageV01P093 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0094.png) # (3 ~~يرحمهم الرحمن، ازحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). # * العاشرة: الإصلاح، أي : إصلاح ذات البين، وهو عبارة عن التوسط ~~بين الناس في الخصومات بما يدفعها مع رعاية المناسبة بين المدفوع ~~والمدفوع عنه، قال الله - تعالى -: (فأصلحوأ بين أخويكم)، ~~وقال الله - تعالى : (فأتقوا الله وأصلحوأ ذات بينكم) ، وفي ~~موضع آخر: «لا خير فى كثير من نجولهم إلا من أمربصدقة او معروفي ~~أو إضلاح بين آلناس)[ # * الحادية عشر: التوكل، وهو عبارة عن ترك السعي فيما لا يسعه ~~قدرة البشر، قال الله ms029 - تعالى -: (ومن يتوكل على الله فهوحسبة)، ~~وقال - تعالى : (وعلى الله فتوتلوا إن كنتم مؤمنين) ، ~~والمراد بما لا يسعه قدرة البشر هو المسببات، إذ الأسباب مما يدخل تحت ~~قدرته فتفويض المسببات إلى الله - تعالى - بترك السعي فيها بعد مباشرة ~~أسبابها بقدر ما يمكن هو التوكل على الله - تعالى - [146] كما قال اليالله ليه ~~لأعرابي بعد ما قال أرسلت الناقة، وتوكلت على الله - تعالى -: (اعقلها ~~وتوكل على الله تعالى). # وفيه إشارة إلى أن التوكل ليس ترك مباشرة الأسباب، بل ذلك ربما ~~يكون منهيا عنه، وإنما التوكل تفويض المسببات إلى الله - تعالى - بعد ~~مباشرة أسبابها العادية أو المسببات يمكن تخلفها عن أسبابها، وأنه جرت PageV01P094 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0095.png) # ~~العادة بترتبها عليها، وذلك الترتب إن كان كليا يسمى التخلف، خرق العادة ~~وإن كان أكثر ما يسمى نوادر، وإن كان قليلا يسمى عاديا، أقول: هذا الذي ~~ذكرناه في تحقيق التوكل هو ما ذهب إليه الجمهور، وقد غلطوا في تحقيقه ~~إلا من عصمه الله، وقليل ما هم، وذلك؛ لأن التوكل لو كان مباشرة ~~الأسباب العادية وتفويض المسببات إلى خالقها لكانت الأشاعرة بأجمعهم ~~حتى المحترفة والتجار من المتوكلين الأبرار، ولم يختص التوكل بواحد ~~بعد واحد من الأخيار بل التوكل ترك مباشرة التعمق في الأسباب الوهمية ~~للمبتدئين، وترك مباشرة الأسباب الظنية للراسخين، وأما الأسباب القطعية ~~فلا غنى عنها بكل حال، بل قد يكون تركها حمقا وخرقا، بل إثما إن أدى ~~إلى تضييع واحد من الأمور الثلاثة أعني النفس والمال والعرض، وتمام ~~تحقيق معنى التوكل قد ذكرناه في رسالة الشفاء لأدواء الوباء. # الثانية عشر: التسليم، وهو عبارة عن الانقياد لأمر الله - تعالى - ~~وترك الاعتراض فيما لا يلائم طبيعته ومصلحته بحسب الظاهر قال الله - ~~تعالى -: (فلا وربكك لا يؤمنون حكا يحكموك فيما شجر بينهم ثه لا ~~يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . # *الثالثة عشر: الرضا، وهو عبارة عن طيب النفس فيما يصيبه من ~~المصائب، وفيما يفوته من الفوائد مع عدم التغير، وقد [،ب] يقال عدم ~~التغير مستدرك إذا فسر طيب النفس ms030 بمال لا يخاف ما يشبهه النفس يستلزم ~~عدم التغير، لكن المصنف أراد الأول قال الله - تعالى : (لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكر ولا تفرحوا بماء اتاكة). PageV01P095 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0096.png) # # الرابعة عشرة: العبادة، وهي عبارة عن تعظيم الله - تعالى - وتعظيم ~~أهله من الأنبياء والأولياء والأئمة وامتثال أوامره الشرعية مع الاجتناب عن ~~النواهي الشرعية. # واعلم أن من جملة أهل الله - تعالى - العلماء العاملون بعلمهم، كما ~~قا صل ل الله عليه وسلم (أهل القرآن أهل الله وخاصته)، فالمراد بالعلماء علماء ~~التفسير والحديث العاملون بما فيه، والآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر، لا العلماء السوء الذين هم إخوان الملوك، وأعوان السلاطين، قال ~~الله - تعالى - في حق العبادة: (فاعبد الله مخلصا له الدين)، ~~وقا صلى الله عليه :سلم (وأعبد ربك حت يأتيك اليقيب)، أي : الموت، ~~وقال عز وعلا : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وألي الأمر منك) 9]، ومما ~~ينبغي أن يعلم أن آفة العبادة الرياء، فينبغي الاجتناب عن ذلك، كما قال - ~~تعالى : (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)، وقال النبي ~~الله عليهوسلم ( لا يقبل الله عملا فيه مثقال ذرة من رياء) قال علي الل : للمرائي ~~أربع علامات يكسل إذا انفرد، وينشط إذا كان بين الناس، ويزيد في العمل ~~إذا أثني عليه، وينقص منه إذا ذم به، والله أعلم. # نطلامه 5) PageV01P096 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0097.png) # لما وضع المقالة الأولى لمعرفة الفضائل لتحفظ أو تكتسب، ومعرفة ~~الرذائل ليجتنب عنها، أو تزال، وعدم ذكر الرذائل في البعض للاعتماد ~~على فهمها من أضدادها وبضدها تتبين الأشياء. # وضع المقالة الثانية لبيان طريق حفظ الفضائل واكتسابها [7ا] وطريق ~~اجتناب الرذائل وإزالتها. # وأما ما توهم من أن المذكور فيها طريق إزالة الرذائل دون اكتساب ~~الفضائل فمدفوع بأن الأول لما استلزم الثاني اكتفي بذكره، وإنما لم يعكس ~~مع أن اللزوم من الطرفين بناء على أن الأهم إزالة الأمراض، وأيضا المقص ~~من الحركة ترك المنافر أولا، ثم طلب الملائم، ولاشك أن هذا من قبيل ~~الحركات النفسانية من حصل له فضيلة من الفضائل النفسانية بكسب فيما ~~حصل بعد أن لم يحصل، أو ms031 طبع فيما حصل بطريق الجبلة، وذلك بأن ~~يكون بين ذلك الخلق والمزاج مناسبة مخصوصة، لا بأن يندرج في الطبع ~~بحيث يكون الطبع مخلوقا عليها ومستلزما إياها، وإلا لم يمكن إزالتها، ~~وقد مر إمكان إزالة الأخلاق، فالفضائل سواء كانت بطبع أو بكسب ~~فليحفظها الإنسان باقتنائها وتحلية نفسها بها، فإنها هي الفوز العظيم، فكما ~~يجب على من يريد صحة المزاج استعمال الملائمات والاجتناب عن PageV01P097 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0098.png) # 3 ~~المنافرات، كما تقرر عند أطباء الأبدان، كذلك يجب على من يريد حفظ ~~الفضائل النفسانية مباشرة ما يوافقها، والاحتراز عما ينافيها كما نطق به ~~أطباء النفوس من أصحاب العرفان والحكماء البالغين درجات الإيقان. ~~8) وأنواع أسباب المحافظة أربعة: # أولها: بملازمة أهلها ذوي الفضائل، إذ النفس إذا كانت خيرة ~~سعيدة مقبلة، على كمالها من جناب القدس، معرضة عن وبالها جوار ~~الرجس ، أن يحفظ صحتها بملازمة من يجانسه من أربابها، ومعاشرة من ~~يشاكله في أصحابها [47ب] وطلابها، واتخاذ إخوان الصدق من أهل الفضل ~~ورفقاء الخير من زمرة الحق، واستماع أحاديثهم وأخبارهم واتباع سيرتهم ~~وآثارهم، وعدة صحبة الأشرار من أولي الرذائل، ومجانبة أهل الشر، ~~والقبائح خصوصا أولي الهزل والمجون وذوي السخرية والهجون، ~~والاحتراز عن صحبتهم والاجتناب عن سنتهم، وطريقتهم وترك استماع ~~أراجيزهم وظرفاتهم ورفض اقتفاء أباطيلهم، وجزافاتهم، فإن للصحبة تأثيرا ~~قويا وللخلط تغييرا عجيبا، قال الشاعر: ~~إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي ~~لا تسأل عن المرء وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي # ولما كان أصحاب الشر ثلاثة أصناف ذكرهم، وحذر صحبتهم بطريق ~~الوصية، فقال: وإياه، أي: فليتق من حصل له فضيلة، والاسترسال، أي: ~~استرسال نفسه في الملاهي التي هي ملاذ الحواس والمزاح، الذي هو من ~~لذائذ الطبع والمراء الذي من مرغوبات النفس؛ فإن هذه الأمور ربما أضلت PageV01P098 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0099.png) # ~~العامل الفاضل، وأغوت العالم الكامل، فكيف بالأحداث المستعدين ~~والفتيان المسترشدين ? وسبب ذلك اعتبار النفس في مبدأ جبلته وأول فطرته ~~باللذات البشرية والراحات البدنية فليقتصر على ترويح النفس بالبشاشة ~~والطلاقة في مؤانسة الأصدقاء ومداخلتهم والمزاح ms032 المستعذب، والكلام ~~المستملح في مفاكهة الأخلاء ومطايبتهم، فإن للإنسان طرفين إفراطا، وهو ~~الخلاعة والفسوق، وتفريطا وهو القبض، قال [] رسول الله صل لى الله عليه وسلم:. ~~(روحوا القلوب ساعة ساعة)(1. # والثاني من أنواع أسباب محافظة الفضائل، قوله: «ويروض نفسه ~~بوظائف علمية إفادة واستفاد، أو فكرية في نفسه وحده لتتمرن النفس في ~~النظر، ولا يتصرف من جانب القدس بالبطر، ولا يسوغن إهمالها، ~~والإخلال بها، ولا يغرنه التدرب والمهارة في العلوم عن مواظبة التفكر ~~والتذكار والمداومة على البحث والتكرار؛ فإنه من أعظم الآفات وأفسد ~~العاهات، وتلك الرياضة لما لم تتيسر إلا بتذكير ثلاثة أمور، أمر بذلك، ~~فقال: فليذكر جلالته، أي: جلالة العلم في الدارين، وذلك لشرف مقتنياتها، ~~ونفاسة مكتسباتها، فللنفس فيها لذة عظيمة، ونشاط ولهذا تنبسط عليها أي ~~انبساط وتهز على اقتنائها، وتحرض على استيفائها، وليذكر أيضا دوامه، أي: ~~دوام العلم بدوام آثاره مادام يتقي النفس، وذلك كدوام النور بدوام الشمس، ~~حتى يفوز بالبقاء الرضي الأبدي ودوام العيش الهنيء السرمدي، وليذكر ~~أيضا صفاءه، أي: صفاء النفس حيث يتشبه بسبب العلم بالواحد الحقيقي في ~~معرفة حقائق الأمور، (ومن لم يجعل الله له نورا فما لهر من نور). PageV01P099 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0100.png) # ولما كانت الأشياء تبين بأضدادها، عقب هذه الثلاثة بذكر أضدادها ~~على الترتيب فقال: وليذكر حقارة الدنيا وزوالها ونكدها، أي: تكدرها كما ~~هو المقرر عند أهل الاعتبار والظاهر لأرباب الاستبصار، فينبغي أن يبصرها ~~خساسة حطام الدنيا، ونكدها وقلة ثباته، وقصر أمده حتى يستحقوه، ~~فينفض اليد منه، وينقض ويشمئز عنه، وليذكر ما قاله أبو نواس في حق ~~الدنيا وهو أبلغ ما قيل في وصف الدنيا: # هالكوذو نسب في الهالكين عريق ~~ألا كل [8،ب] حي هالك وابن هالك ~~إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق # ويعتبرها بتهالك أرباب الدنيا على الشيء الحقير مع كثرة تطرق ~~الآفات إليه، واحتمالهم المتاعب والمشاق في تحصيله مع سرعة طريان ~~الغناء والزوال عليه، وتقاعدها عن الخطر الخطير مع دوام سلامته، والإعراض ~~عنه مع خفة مؤنته، وعدم انقطاع لذته، ويذكرها ms033 بأمثال قوله - تعالى - في ~~قارون: (فخرج على قومه في زينته قال الذيب يريدون الحيوة الدنيا يليت لنا ~~مثل ما أق قارون إنهر لذوح عظيم) ، (وقال الذين أوتوا العلو ~~وتلكة ثواب الله خير لمن امرب وعمل صالحا ولا يلقها إلا الصدروب) ~~[القصص 8]، وأشباه قول علي بن أبي طالي صل لى اله عليه وسل: ~~رضينا قسمة الجبار فينا لنا علم وللأعداء مال ~~فإن المال يفنى عن قريب وإن العلم باق لا يزال # وأيضا بالغ في توبيخ نفسك وتهديدها بالخطاب والعتاب بأن تقول PageV01P100 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0101.png) ~~لها: أيتها النفس المسكينة تفقدي حال من يحزن كسر الأحجار وقطع ~~الهشيم، وانظري تنافسك فيها، وتحاميك عليها، كأنها تظنها من النعيم ~~المقيم، ويلك يا شقية أنت منعمة بأيادي الملك العلام أفترغبين في أرواث ~~مزابل الأنعام، أنت مشرفة بخلعة الجبار الأعلى أفتقتفين بأسمال1 هذه ~~الأدنى أنت مكرمة بمناومة القدوس السلام أفترغبين إلى معاشرة الخساس ~~اللئام ? فتعسا للشهوة الروية وبؤسا للنهشية الكلبية. # والثالث من أنواع أسباب محافظة الفضائل ما ذكره بقوله: «ويختار ~~من أصدقاء الصدق من ينبهه على عيبه، فإن الصديق مخزن الأسرار، ~~وعيبة العيوب، فإن العيوب لصاحبها غيوب وذهن [ه،1] صاحبها عنها ~~محجوب، فيمكنه من نفسه ليطلعه على عيوبه الكامنة، وكم من عيوب ~~نفس صاحبها عنها آمنة، وينبغي أن يمتحنه بإظهار بعض الصغائر بحضرته، ~~فإن آنس منه تقصيرا في إفشائه فعليه بهجرته، وإن أبصر منه اكتتاما لفرط ~~إخائه، لا لإضراره وجفائه عامله على ذلك، وأوعده الفراق، فإنه يشبه ~~الخيانة والنفاق، وينبغي أن لا يقتصر على هذا إذ من يكشف العيوب من ~~الأصدقاء أعز من الكبريت الأحمر، بل ملحق بالعنقاء، ولهذا ينبغي أن ~~يتفحص قول أعدائه فيه بظهر الغيب إذ لا يطلع أحد على الذلة والعيب مثل ~~عدوه وشناته ولا أعرف منهم بسيئاته كما قيل: PageV01P101 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0102.png) # وينبغي أن يعلم منه، أي: من العدو عيوبه، فيتركها، إذ الأعداء لا ~~تستر العيب ، بل لا تجد غير العيب شيئا فإذا استكشف عن سيئاته ~~فيستأصلها من نفسه بحساب الحسنات والسيئات كل يوم فيقابل ms034 النفس ~~بالعيب واللوم، ويتوب عنها، ويحثها على الحسنات، والرخصة إليها إلى ~~أن ينقلع أثرها برمته، وإن لم يمكنه ذلك ينظر في معايب الناس، فيجتنبها ~~لما يستقبحها ويتنفر عنها ويشكر الله - تعالى - على موهبته. # والرابع من أنواع أسباب الفضل: ما ذكره بقوله: «وإن رأى فتورا ~~في النفس ، أي: وإن توجس في أثناء قلعها واستئصالها نفورا وفتورا في ~~النفس طوعها بالرياضات الصعبة، أي: أدبها برياضة باهظة وهضمها بمشقة ~~قادحة ، حتى يستعد بتوفيق الله - تعالى - وعونه وحسن هدايته وصونه تصفية ~~لها عن الكدورات الجسمانية ، لتنقاد وتترك ما اعتاده من الراحة [9،ب] ~~والتهاون في مشاق اقتناء الفضائل والتجنب عن الرذائل، ثم إن المصنف ~~لما فرغ من بيان طريق محافظة الفضائل شرع في بيانه طريق إزالة الرذائل، ~~التي هي الأمراض الروحانية، فقال: ومن حصل له مرض روحاني فطريق ~~معرفته أن يكون ذلك الخلق أسهل عليه، وألذ عنده من ضده فليعالجه ~~بارتكاب أربعة أمور، كما أن ملاك الأمر في المعالجة البدنية دفع المرض ~~بالضد وطريقه أربعة أمور أيضا: # الغذاء الدوائي إن أمكن وإن لم ينجح، فالدواء إما الغذائي أو ~~المطلق وإن لم ينفع فالسم، وإن لم يبرئ فالكي أو القطع، أولها ارتكاب ~~الفضيلة المقابلة لتلك الرذيلة الحاصلة للنفس، كالسخاء المقابل للبخل ~~فيعود النفس إياه بارتكابه إلى أن يزول ما يقابله كما قال الله - تعالى -: PageV01P102 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0103.png) # م ~~(إن الحسنات يذهبن السيات) ، وهذا نظير العلاج البدني ~~بالغذاء. # وثانيهما: ما أشار إليه بقوله: ثم التعنيف على النفي بعدما لم يفد ~~ارتكاب الفضيلة المقابلة، بأن يكلف النفس ترك تلك الرذيلة بالعنف مع ~~التغيير والتوبيخ في السر والعلانية وهذا نظير العلاج بالدواء. # وثالثها: ما ذكره بقوله: ثم ارتكاب الرذيلة المقابلة للرذيلة الراسخة في ~~النفس إذا لم يفد ارتكاب الفضيلة المقابلة، ولا التعنيف على الرذيلة ~~الراسخة مثلا ، إذا أريد إزالة البخل ولم يتيسر ذلك بارتكاب السخاء، ~~وتغيير النفس على البخل ينبغي أن يكلف النفس الإسراف حتى يزول ~~البخل، وينقطع عرقه باعتياد النفس البذل، ليكون اختيار السخاء سهلا على ~~النفس، ولكن ينبغي ms035 أن يكون ارتكاب الرذيلة قدر ما يرذل الرذيلة ~~الراسخة، لئلا يصير الرذيلة الأخرى ملكة راسخة فيفر من [150] ورطة، ~~ويقع في أخرى، وإلى هذا يشير قوله: فليحفظ المعالج ارتكاب الرذيلة ~~المقابلة حد العلاج حتى لا يتجاوز النفس إلى الطرف الآخر للفضيلة ، كما ~~ظهر لك من التمثيل المذكور، وهذا النظير العلاج بالسم. # ورابعها: ما ذكره بقوله: ثم ارتكاب الرياضات الشاقة إذا رسخت ~~الرذيلة في النفس وصارت عسيرة الزوال عنها، ولا يفي بذلك العلاجات ~~المذكورة، فيحتاج إلى ارتكاب العلاجات الصعبة والرياضات الشاقة ~~كارتكاب النذور والوفاء بها وارتكاب العهود الصعبة إن عاد إليه، وغير ذلك ~~من التزام الأعمال الصعاب حتى ترضى وتذعن لما هو الأسهل منها بالطلب ~~والسهولة، وهذا نظير المعالجة بالكي أو القطع، وقد قيل آخر الدواء الكي. # 112 PageV01P103 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0104.png) # # واعلم أن المصنف لما فرع من ذكر أجناس الأمراض وقانون ~~المعالجات على الوجه الكلي شرع في ذكر أردأ الأمراض وأفسدها من أنواع ~~أجناس الأمراض، وإن كان في ذكر ما سبق كفاية لمن اعتبر إلا أنه أوردها ~~في صورة جزئية ليتقرر تلك الكليات في النفوس، ويعلم طريق مقايسة ~~البواقي عليها فقال: # ولنذكر أمراضا جزئية صعبة يكثر وقوعها مع علاجها حتى يقاس ~~علاج بواقيها عليها. # اعلم أن الأمراض النفسانية باعتبار منشئها ثلاثة أصناف، لأنها ~~حاصلة إما من القوة النظرية وإما من القوة الدفعية وإما من القوة الجذبية. # أما الحاصلة من القوة النظرية فثلاثة: # أحدها: الحيرة: وهي من جنس إفراط القوة النطقية، كما أن تفريطها ~~الجهل البسيط، ومن رداءة الجهل المركب. # وسببها تعارض الأدلة على المسائل المفصلة والمطالب المشكلة، ~~وذلك عند تسلط الوهم [.هب] وعدم انقياده للعقل قال الله - تعالى -: ~~(ويمدهر في طغيكنهم يعمهون)، وق صلى الل لهوسلم، (فإنها لا تعمى ~~الأصار ولاكن تعمى القلوب ألتى في الصدور)]. # وعلاجها ممارسة القوانين العقلية كالمنطق والمناظرة، ليطلع على ~~موضع الغلط بالاطلاع على شرائط قد أهملها أولا، وقيل: علاجه بتسخيره ~~أولا بما يلجئه إلى الإذعان، في القواعد الرياضية المفيدة للإذعان وتذكره ~~هذه القضية الأولية على أن النفي والإثبات ms036 لا يجتمعان ولا يرتفعان ليعتقد PageV01P104 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0105.png) # 8 ~~على الإجمال أحقية أحد الطرفين، وبطلان الطرف الآخر ، ثم مراعاة ~~القوانين المنطقية ثانيا، ليطلع على صحة حجة أحد الطرفين المتحير فيهما، ~~ثم استحضار القياسات المغالطية ثالثا فإنها عظيمة النفع خاصة في هذا ~~الباب ، إذ بها يعرف فساد دليل الطرف الباطل ثم تصفح المقدمات ~~المستعملة في الدليلين، رابعا: وتفحص أحوالها الصورية والمادية حتى ~~يتخلص بعون الله صلى الله ليه وسلم وثانيها: الجهل البسيط، وهو عدم العلم عما من ~~شأنه أن يكون عالما وهو من جنس التفريط، وهو في الابتداء غير مذموم؛ ~~لأنه شرط التعلم لكن الرضاء والقرار عليه مرض مهلك قال الله - تعالى : ~~(إن شر الدواب عند الله الصم البكو الذين لا يعقلوب)، ~~وفي موضع آخر: (وجعل الرجس على الذين لا يعقلوب)، ~~وسببه حب الشهوات الحسية والركون إلى اللذات البهيمية، وأصحابه، أي: ~~الذي يتصفون بالجهل البسيط كالأنعام لفقدهم ما به يمتاز الإنسان عنها، ~~أي: عن الأنعام أعني العلم، لأن فضل الإنسان النطق وفضله بآثاره، أعني: ~~العلم؛ لأن النطق ليس هذا الصوت المعتمد على مخارج [51] الحروف، ~~بل الفهم والإدراك واكتناه حقائق الأشياء. # وإذا خلا عنه انخرطوا في سلك الأنعام، بل هم، أي: أرباب البسيط ~~من الجهل أضل وأدنى مرتبة منزلة منها لتوجهها، أي : الأنعام نحو كمالاتها ~~الممكنة في مرتبة الحيوانية، وقصورهم أي الجهال جهلا بسيطا عن ~~تحصيل ما يمكن لهم من العلم والتمييز، ولاشك أن الأنعام تبصر منافعها ~~فيلزمها ومضارها فيهربها، وهؤلاء لا يدفع عار الجهل الذي هو أقبح المضار ~~عن أنفسهم، وقد لاحظ المصنف في هذا المقام مضمون قوله . لله ليه وسل: ~~(كالائغم بل هم أضل)، ويعالج مرض الجهل البسيط بملازمة PageV01P105 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0106.png) # ~~العلماء ومجالسة الحكماء ليظهر له نقصانه عند محاوراتهم ومباحثاتهم ~~خصوصا عند البحث عن المعاني الدقيقة، فيعلم أن الألفاظ التي كان يتكلم ~~بها في غيبتهم كأصوات الحيوانات الأخر سواء، وإلا لما انقطع عنها عند ~~الإنسان الحقيقي، ومتحقق أن إطلاق اسم الإنسان عليه بطريق المجاز ~~التشبيهي أو باعتبار ما سيؤول إليه كإطلاق ms037 اسم البر على النبات الأخضر، ~~باعتبار استعداده لقبول صورة البر فيتصور قصوره عن درجتهم، ويرى ~~مراتبهم فوق أعين الناس على أن غيره من الحيوانات بالغة إلى كمالاتها التي ~~خلقت لأجلها، واصلة إلى غايات مقاصدها، حتى سائر الموجودات من ~~العناصر والمعادن والنبات هو محجوب بينه وبين كماله، منقطع دون مراده. # فإذا وقف على كونه أخزر وأخسر من كل الأشياء، وأخس وأرذل ~~من ذرات الهباء يعلم شرف العلم، وخلوه عنه، فعسى أن يعتبر نفسها بذلك ~~[1هب] العار فيغيرها، ويباشر إزالتها بتوفيق الله - تعالى - وهدايته إن بقي فيه ~~بقية من الاستعداد ومسكة من الرشاد، وإلا فالمرض مزمن أو خلقي فيكون ~~هو في واد والعلم في واد، (ومن يهد الله فهو المهتد) . (ومن ~~يضلل الله فما لهو من هاد). # وثالثها: الجهل المركب، وهو خلو النفس عن العلوم مع اعتقاد أنه ~~عالم قال الله - تعالى - : (أم تقولوب على الله ما لا تعلمون)، ~~وذلك أردأ أصنافه وصاحبه قلما يرجى شفاؤه، وقد أعجز أطباء النفوس ~~والأرواح عن القيام بمعالجتها؛ لأنه مع الجزم بعالميته لا ينتبه لجهله، وما PageV01P106 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0107.png) # .( ~~لم ينتبه لم يتشوق إلى طلب العلم، كما قال - تعالى -: (سواء عليهم ~~أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)، حتى قال بعضهم باليأس عن ~~العلاج، لأن طلبه موقوف على الانتباه الموقوف على الطلب، ولا يخفى ~~أنه التعلم؛ لكونه أمرا اختياريا يتوقف على الطلب ولذهاب بعض الناس ~~إلى امتناع العلاج. # قال المصنف: إن قبل العلاج، لكن لما ذهب الأكثرون إلى إمكان ~~العلاج، لكن مع العسر بين طريق علاجه بقوله: فبملازمة الرياضيات ~~كالهندسيات والحسابات؛ لأن مقدماتها يقينية لا يشوبها الوهم فلا يقع فيها ~~سوء الفهم، لكن ينبغي أن لا يروع أولا عن معتقده لئلا يأتي كل ما يسمع ~~ولا ينزجر عن كل ما يعرض، بل ينبغي عليه أن يمارس العلوم المذكورة ~~ليطعم لذة اليقين ويستأنس بالتحقيق فتنجلي مرآة قلبه بنور الهدى عن ظلمة ~~الشبهات، ولذلك كان الأوائل يقدمون العلوم الرياضية في التعليم حتى ~~على المنطق تعويدا لنفوس المتعلمين على اليقين، بل ms038 هذا أحد وجوه ~~تسمية تلك الوجوه بالرياضيات لوقوع رياضة الإنكار أولا بها، ثم التنبيه ~~[2ه1] على مقدمة مقدمة من البراهين بالتدريج ويعرض عليه أثناء المباحث ~~ما يدحض اعتقاده ويوجب بطلان مذهبه وفساده حتى يتزلزل في عقيدته، ~~وعلى هذا تراض شيئا فشيئا باليقينيات، ويقرر عليه ما يبطل معتقده من ~~الواحات، ثم يستعمل معه ما يدل على إثبات نقيضه من الحجج النيرة ~~والبراهين القاطعة إلى أن يعالج إلى الجهل البسيط، فيعالج بما ذكر، وإذا ~~عرفت الأمراض الثلاثة الحاصلة من قوة النطق وطريق علاجها فاعلم أن ~~الأمراض الحاصلة من قوة الدفع أيضا ثلاثة وهي الغضب والجبن والخوف، # 116 PageV01P107 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0108.png) # ~~أما الغضب: وهو شدة هيجان النفس شوقا إلى طلب الانتقام، وهو مرض ~~رديء يكاد يهلك صاحبه، قال النبيل الل ل: (شراركم من يكون سريع ~~الغضب بطيء الفيء). # وقال بعض العلماء: من وقع في لجة بحر خضم متلاطم وقت هبوب ~~الرياح العاصفة، وقد اشتملت اللجة على جبال راسيات آمن عندي من ~~الغضبان ؛ لأن حيلة الملاح ربما تنجع والتضرع والخضوع عند الغضبان لا ~~ينفع، فنقول: الغضب يعالج بنفي أسبابه لأن انتفاء الأسباب سبب لانتفاء ~~المسبب وأسبابه كثيرة، لكن أعرفها وأشهرها عشرة، وهي، أي: تلك ~~الأسباب، أحدها: العجب بضم العين وهو أن يظن الرجل اختصاصه بمزية ~~ليست له قال الله - تعالى : (لقد استكبروا ف أنفسهم وعتوعتوا كبيا) ~~[الفرقان : 1]، وقال علي بن أبي طال لي الل ل : عجب المرء بنفسه أحد حساد ~~عقله. وقل صلى الله ليه وسلم، لا وحدة أوحش من العجب. # وثانيها: التكبر وهو قريب من العجب إلا أن المعجب يكذب الناس ~~والمتكبر يكذب الناس بتخيلهم ما ليس فيه، حيث يترفع عليه ونفسه خالية ~~عن [2هب] عن ذلك الظن، وأشار إلى علاج العجب والكبر بقوله: # وهما: أي: العجب والكبر بدع، أي: بدع غريب ممن هو قد جرى ~~مجرى البول مرتين تارة من الأب حالة المباشرة، وأخرى من الأم حالة ~~الولادة، وحاصله: أن يتفكر في مبادئ بنيته، وأطوار خلقته، كما قال - تعالى -: PageV01P108 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0109.png) # ~~(خلقناكم من ms039 تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة ~~وغير مخلقة) ، وقال - تعالى -: (كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار) ].، ومن الأحاديث الربانية: (الكبرياء ردائي ~~والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار)، وقل صلى الله عليه وسلم ~~(ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر)2 . # ومن كلام عل يلى الل عله عجبت بالمتكبر الذي كان بالأمس نطفة، ويكون ~~غدا جيفة، وقد أخذ منه من قال أنت الذي أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة ~~مذرة وفيما بينهما تحمل العذرة، وهو ميت، أي: سيموت غدا، والتعبير ~~بميت للإشارة إلى تحقق وقوعه البتة، والتوقيت بالغد للتنبيه على أن كل ~~آت قريب ومع ذلك فهو يحتاج إلى أبناء جنسه حالتي الحياة والممات، ~~لكون الإنسان مدنيا بالطبع، إذ لا يوجد أحد منا إلا وهو محتاج إلى غيره ~~في أسباب معاشه ومعاده، وكل ما كان كماله بالغير فهو ناقص في ذاته. # وإذا علم أن كماله عند الغير رأى ذلك الغير أفضل منه، وإن أمعن ~~النظر وأنصف في نفسه وجد في كل شخص، بل في كل شيء فضيلة ~~ليست فيه، فلا أقل من الاشتراك، وعند ذلك يقف على نقصانه في المآل، ~~ويأمن من هذا الداء العضال. # وبالجملة دواء المرض المذكور الفكرة فيما ذكر من الأمور أعني ~~المبدأ والوسط والمنتهى، كما لا يخفى على أولي النهى. PageV01P109 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0110.png) # والسبب الثالث: الافتخار، وهو المباهاة بما هو خارج عن [153] ذاته ~~مما هو في معرض الزوال، والآفات كالمال والنسب والجاه، قال الله - ~~تعالى -: (ألمكه التكانر) (حتى زرتم المقابر) ، وقال ~~اا:(لا تأتوني بآبائكم، بل بأعمالكم). # وقد أشار المصنف إلى العلاج عنه بقوله: والافتخار أبعد منهما، أي: ~~من العجب والكبر؛ لأنه بفضيلة الغير، وإن فضيلته لا ينتقل إليه بل هي ~~ثابتة له، وهو إذا تجرد عنها لا يكون متزينا ومتجملا في نفسه قال الله ~~- تعالى -: (يؤم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ~~89]، وقال - تعالى -: (فإنا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يوميذ ولا ~~يتساءلون) ms040 ، ويعرف قلة اعتباره بالسفر إلى حيث لا يعرف، ~~يعني أن مصداق ما ذكره من الكلام أنه إذا تغرب عن وطنه وحيل بينه وبين ~~عرضه، بقي عريا من تلك الزينة، وأيضا لا يعرف نسبه مع أنه مباين عنه ~~مفارق إياه غير باق ببقائه، إذ الأموال تغصب وتنهب، والأسلاف تنهى ~~وتنكر، ولو فرض أبوه حيا لا يستقل بالفضيلة، ولم تتعد إليه قال الشاعر: ~~فما الفخر بالعظم الرميم وانما فخار الذي يبغي الفخار بنفسه # والسبب الرابع: المراء، والخامس اللجاج، وهما قاطعان للنظام، أي: PageV01P110 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0111.png) # 6 ~~نظام العالم، إذ النظام لابد له من ألفة، ويتولد منها البغض والحقد المزيلين ~~للألفة، فيلزمهما قطع النظام قطعا فصاحبهما أخس الناس رتبة وأرذلهم ~~منزلة . # واعلم أن المراء مخاصمة تحدث في رعاية المصلحة الجزئية قال الله ~~- تعالى - : (ب الذين كفروا في عزة وشقاق) [2]، وسبه: شدة تعلق النفس ~~بالمنافع البدنية والسعادات الخارجية ؛ لأن أكثر الناس من فرط لهجهم ~~بحب الحياة الدنيوية وكثرة شغفهم بالملاذ الحسية يجذبون كل ما يخصهم ~~من النفع، ويخصون كل ما يضر أنفسهم بالدفع، لا يبالون بإضرار الغير ~~[53ب] إذا كان فيه نفعهم، وذلك من قصور نظرهم وعلاجه بحث النفس ~~على إدراك المطالب الكلية وتصور المنافع العامة، إذ بذلك تعلو الهمة، ~~وتنجلي الغمة، ويتجرد عن العلائق الطبيعية والشوائب الوهمية، وينفعه ~~إلغاء قاعدة التوحيد فيجد نفعه مع نفع غيره، وضره مع ضر غيره لأن الكل ~~بنظر التوحيد واحد، ويزول عنه عشق الشيء المخصوص، ومنشأ ظهور ~~الوحدة في النفس النظر الكلي العقلي، كما أن مبدأ الكثرة النظر الجزئي ~~الحسي. # وأما اللجاج: فهو عناد ينشأ من طلب الترفع ومحبة الغلبة، فهو قريب ~~من المراء إلا أنه أخس منه، قال الله - تعالى : (فلم تحاجوب فيما ليس ~~لكم بهء علم)ا ] وعلاجه ما مر في العجب والمراء، ورب ~~جمعية فرق اللجاج شملها، وقطع وصلها، وهو في الحقيقة عداوة الله ~~- تعالى - ومناقضة حكمته؛ لأنها تقتضي التفرق وتبديد الالتئام، وعناية الله PageV01P111 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0112.png) # ~~- تعالى - تقتضي التوافق وضبط النظام. # والسبب السادس: المزاح، والسابع: الاستهزاء: # أما ms041 المزاح فظاهر، وأما الاستهزاء فهو استخفاف نفوس الناس والتمسخر ~~بهم، وهما - مع قلة الفائدة - مستتبعان لثلاثة أمور: # أحدها: أنهما مسلبة للبهاء، إذ كم من دعابة يصيب بها عرض أخيه ~~وكم من سخرية يسلب بها وقاره فيه، يحكى أن أبا نواس كان يمشي في ~~سكك بغداد، وهو غلام صبي، إذ مر به الفرزدق، وهو رجل قبيح، قال ~~له: ما يصنع الحور بين الدور، فقال أبو نواس: على الفور ما يصنع الشيطان ~~بين الحيتان، وأنت خبير بأنه لو سكت الفرزدق لكان لعرضه أسلم، ولكن ~~البادي أظلم. # وثانيهما: أنهما مجلبة للأعداء، لأنهما يولدان الحقد، إذ كم من ~~دعابة خفيفة ومزاحات لطيفة ومطيبات شريفة شاهدناها من بعض الظرفاء ~~تتدرج [،ه] في الزيادة قليلا قليلا إلى أن ورثت وحشة ومراء وعداوة ~~وبغضا. # وكذا الاستهزاء يعرض نفسه للمذلة والهوان، ولا يبالي بما سمع من ~~الفحش وشتم الأقران، ويبلغ به السخرية والأضاحيك إلى الحال المستبشع ~~والأمر الركيك. # وثالثها: أن ما ذكر من الأمرين قاطع للنظام كما عرفت. # واعلم أن الاستهزاء قد يتوسل به إلى المطالب الخسيسة من أسباب # 121 PageV01P112 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0113.png) # 8 ~~المعيشة، ولهذا يرفضها الحر العزيز النفس، لأنه يقع من خفة العقل وقلة ~~اعتناء صاحبه بأمر النفس قال الله حكاية عن قول موسى في جواب: ~~(أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجهليب)، وقال ~~تعالى : (يأيها الذين عامنوا لا يشخر قوم من قوم عسي أن يكؤنوأخيرا متهم) ~~[الحجرات: 11]، وعلاجه البحث والتفتيش عن شرف النفس وكرامتها ليعن له ~~الاعتناء بشأنها وملازمة أفعال الأحرار وتعلم العلوم الحقيقية، فإنها تورث ~~الجد وتحدث خطر النفس ووقعها، وأما المزاح فما كان من طيب النفس، ~~وعلى سبيل الظرافة مرعيا فيه الاقتصاد، فلا بأس به، بل كان محمودا، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( يمزح ولا يهزل وقيل له إنك تداعبنا يا رسول الله ~~قال إني وإن داعبتكم ولكن لا أقول إلا حقا). # ولقد تتبعنا ما صدر عه صلى الله عليه وسل ي أمر المزاح فقد بلغ أربعين حديثآ ~~وجعلناها رسالة ms042 ولم نجد زائدا على ذلك مع شدة تتغير وتفتيشنا عن ذلك، ~~وأيضا كان عل ل ل اله عليه وسلم، مزاحا، حتى قال ابن العباس ما أخلقك بالإمامة ~~لولا الدعابة فيك، وقال سلمان كان يغتسل ورماه عليلال اله عليه وسل 1،هب] ~~بالرمل من حيث لا يراه وتتبع سلمان ولم ير أحدا، ورمى أخرى وتتبع هو ~~أيضا مرة أخرى، وهكذا إلى أن لبس سليمان ثيابه ورأى عال صل ل الله عليه وسلم وحين ~~رآه قال ذلك. # ولما وجب الاحتياط في رعاية القصد، وكان ذلك صعبا جدا، إذ ~~ربما يعتاد النفس جد الإفراط قال: ومن عجز عن الاقتصاد في المزاح PageV01P113 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0114.png) # ~~فليتركه بالكلية حذرا من الوقوع في طرف الإفراط والوقوع في الكلام ~~الفاحش متدرجا، إذ الوقوف على حد الاعتدال متعسر جدا. # والسبب الثامن: الغدر، وهو مخادعة الناس عن مقاصدهم من المال ~~والعرض والجاه وغيرهما قال الله - تعالى - في ذم المشركين (لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة وأولآيبك هم المعتدون)، وقال البي صلى الله عليه وسلم ~~(لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له.) # والتاسع: الضيم، وهو أذى الغير على وجه الانتقام، فهو من باب ~~الظلم، والله لا يحب الظالمين. # واعلم أن عاقبة الظلم وخيمة وموقعه قبيح فإنه يحط أولا عن رتبة ~~لنبوة، كما قال الله - تعالى : (لا يتال عهدى الظامين)، ~~وثانيا عن درجة الولاية : (ألا لعنة الله على الظالميب)، وثالثا: ~~عن مرتبة السلطنة : بيت الظالم خراب ولو بعد حين، ورابعا عن نظر ~~الخلائق: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. # وخامسا عن حط نفسه: (وما ظلمونا ولاكن كانوا أنفسهمر يظلمون) ~~[البقرة: 57] ولله در القائل: ~~لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم آخره يأتيك بالندم ~~نامت عيونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم PageV01P114 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0115.png) # # وقيل: ~~أتلعب بالدعاء وتزدريه وما يدريك ما صنع الدعاء ~~سهام الليل لا تخطئ ولكن لها أمد وللامد انقضاء # ثم أشار المصنف إلى علاجهما بقوله: وهما إلى الغدر ms043 والضيم لمتاع ~~الدنيا بمعنى ليتفكر في خساسة المطلب منهما [53]، فإن الغاية القصوى، ~~والفائدة العظمى منهما: حصول متاع الدنيا وهو قليل، والآخرة خير لمن ~~اتقى. # ولاشك أن مطلوب كل واحد أقل من القليل بالنسبة إليه، وقد يفضي ~~إلى أعظم المفاسد، وذلك لأن الغدر منشؤه محبة الدنيا حتى يختار الدنيا ~~على الصديق، وهو أردأ أصناف الغدر مع أن الدنيا في معرض التغير ~~والزوال، وحبه رأس كل خطيئة، فلا يحسن اختياره على إخوانه وأصدقائه ~~الذين يعاونونه ويظاهرونه على الدوام، فيؤدي إلى تبديل الفاني على ~~الدائم، وهذا من أعظم المفاسد، وأيضا من لم يترجح عليه الصديق عند ~~الموازنة بملك الدنيا، فليس من الصداقة في شيء وما له في الخلة من ~~خلاق ، بل هو من أهل التلوين والنفاق. # وأما الضيم فصاحبه ربما يلتذ بأذى الناس من غير أن ينفع به، ولا ~~يخفى أن ذلك من قساوة قلبه فيذوق وبال أمره، فأي مفسدة أعظم منه إلا ~~إذا كان تركه يؤدي إلى أضرار عظام في الدين والدنيا، وإن أراد واحد قبح ~~الغدر والضيم، فليفرضه، أي: فليفرض ما وقع من الوصفين من غيره معه، PageV01P115 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0116.png) # 8 ~~أي: مع نفسه فحينئذ كيف يعرف قبحه فلعله يتنبه أو يتذكر فتنفعه الذكرى ~~والسبب العاشر طلب ما تنافس فيه من الجوابر الثمينة والأشياء العزيزة ~~الوجود، فهو يتولد من استعظامه زخارف الدنيا، وذلك لعدم تشرف النفس ~~من الجواهر الباقية قال الله - تعالى : (إنما مثل المحيوة الدنيا كماء أنزلنه ~~من السماء فاختلط بهء نبات الأرض مما يأحل الناس والأنه حتى إذا أخدت ~~الارآض زخرقها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتلها أمرنا ليلا أونهارا ~~فجعلنها حصيدا كأن لمتغن بالأمس) 1،5]. # وعلاجه النظر في فوائدها وتبعاتها وموازنة السعي في طلبها وحفظها ~~من الآفات بالتمتع بها وإلى هذا أشار المصنف بقوله، ومع حقارتها ~~وخساستها كما علم فيما مر يكثر العدو ويهيجهم على الكيد، فصاحبها ~~يصرف العمر العزيز وينفق أوقاته التي لا بدل لها أصلا إلى شيء يكثر ~~أعداؤه وحساده فينغص عيشه، ويكدر وقته، على أن ms044 طبيعة الكون والفساد ~~تقتضي تبديل أحواله وتبديل زيه وجماله، فيذهب بهاؤه ويؤول آخر الأمر ~~إلى فنائه، فالساعي في طلبه هو الساعي في تضييق عيشه، وتضييع عمره ~~وإعداد أسباب هلاكه وأيضا، إنها لا تغني عن صاحبه عند الحاجة شيئا من ~~الإمداد ؛ لأنها من قبيل الجماد ما لم تتركك لا تلذ عيشك، ولا يصفو ~~خاطرك لأنها لم يخلصك في الحال من فاقتك ولم ينفعك في الوقت من ~~حاجتك ؛ لأن رغبات أكثر الناس في أمثالها فاترة، وأنها إن بقيت لك على ~~تقدير سلامتها عن النبتة وخلاصها عن شرك الطلاب المتغلبة، لكنك لم ~~تبق لها، بل تتركها بالآخرة لوارث كما قيل: بشر مال البخيل بحادث أو ~~وارث. PageV01P116 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0117.png) # # وإذا تفكر من له لب في هذه الزواجر لعله يترك الجزع والغم لم يتركه ~~بالجبر والرغم، ولما فرغ المصنف من فروع الغضب وبيان طريق قطع أسبابها ~~وحسم مؤداها أراد أن يبين كيفية تسكين الغضب بعد الاحتياج وما لا بد ~~فيه، ويحتاج لأنها من أصعب الأمور، وقد عجز عن علاجها الجمهور فقال: # وأما الغضب بعد الاهتياج فصعب من جهة الدفع إليه لسترة العقل ~~بدخانه المظلم؛ لأنه سبب لغليان الدم، فينبعث من احتراقه الأبخرة الكثيفة ~~و[هه] ويتصعد إلى الدماغ ويكاد يزعج العقل والروع عن أوكارهما، ويحول ~~بينهما وبين أوطارهما، ولاشك أنه لا أصعب في الدنيا من انهزام السلطان ~~وغلبة جنود الشيطان، وما أحسن ما قيل إن الغضبان في حالة الغضب حالة ~~الاهتياج لا يقبل العلاج، والجنون قد يقبل، وقد مر مثل هذا الكلام نقلا ~~عن بعض العلماء، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وكل ما قرب منه، أي: ~~من الغضبان يكون كالوقود له فيمده ولا يميته ويديمه ولا يغنيه، وربما ينفع ~~للغضبان في تسكين غضبه وإطفاء لهبه تغيير الهيئة ، كتبديل ملبوسه إلى ~~الأخف والأطيب وشرب الماء البارد، ولأن الغضب من الحرارة كما قال ~~النبي صلى ال علي: (إن الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار وإنما تطفأ ~~النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ، رواه عطية بن عروة السعدي). ms045 # وينفع النوم أيضا لما قال النبي صل ل الله عليه وسلم : (إذا غضب أحدكم فليجلس، ~~فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) رواه أبو دلا، وقد يكون في PageV01P117 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0118.png) # 3م ~~الشهوة إذا منعت لأن أوعية المني إذا امتلأت وأخذ إلى الدماغ يتولد منه ~~الفسق والجنون، وهما مولدان للغضب وقد يكون الغضب من الشره؛ لأن ~~صاحبه إذا حرم من مشتهاه هاج به الغضب، وحمل على من يبعده عنه وربما ~~ردأت كيفيته حتى شتم البهائم والجمادات كالسحاب والمطر وأمثالهما، بل ~~يشتم الأموات وقد يشتفي بكسر الأواني والآلات وضرب البهائم والأموات. # ومن جملة علاجات الغضب أن مشاهدة هذه الأفعال الحاصلة من ~~الغضب واستهاجتها من غيره تنبيه على قبحها، فإن الإنسان قلما يدرك قبح ~~فعله، وإذا شاهد من غيره يعافه ويكره ارتكابه ويقبح في عينه الإقدام عليه، ~~ولا ينظر إليه لأن السعيد من اتعظ [56] بغيره، ثم إن للغضب لواحق ~~وأعراضا لم يذكرها لظهورها، لكن نحن نعد عليك أصنافها وهي سبعة: ~~الندامة، والكآبة، وشماتة الأعداء، ووقوعه في معرض الاستهزاء، وأداء ~~فعله إلى الأمراض، والأدواء، ومقت الأحباء، وشماتة الأعداء. # أما الجبن: فهو ضد الغضب، وهو الإحجام عما يجب عليه الإقدام ~~وهو مرض ردئ غاية الرداءة وأعراضه الجزئية عشرة والصنفية ثلاثة أما ~~الصنفية : فهي ما ذكره المصنف، بقوله: يتبعه الذل والاختلال وانتهاك ~~الحرمة ويلزمه أيضا وقوع الخلل في المهمات والمصالح والطمع الفاسد من ~~الظلمة وغيرهم في حاله وسوء العيش وعدم الثبات والصبر في المساعي ~~ومحبة البطالة، ويكون كالعصفور المألوف يحمل كل عضو ضيمه عليه ~~ويدفع أذاه إليه، وعلاجه الخوض في المخاوف والإقدام على المعاطب ~~والمهالك والشروع في الفتن والحروب الهائلة والخطوب الصعبة. # قال علي بن أبي طال صلى الله عله إذا خلت وتحريك دواعي الغضب PageV01P118 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0119.png) # ق ~~وتهييجه قليلا قليلا حتى يتحرك الوسط، وبالجملة التزام التهور إلى أن ~~تحدث الشجاعة، ثم الثبات عليه ومما يجري ذكر وجوب الموت، وأنه ~~عاقبة كل حي أن مدة العمر لا محالة منقضية، والآجال مقدرة فكيف يختار ~~العاقل القعود على الهوان ms046 مع علمه، بأنه لا سبيل إلى بقاء الأبدان وأن ~~الحذر عن الموت المحتوم لا يؤخره عن الوقت المعلوم. # وأما الخوف: فهو توجع النفس من توقع مكروه ينتظر وقوعه قال الله ~~تعالى: (إنما ذلكه الشيطن يخوف ألياءه. فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين) . # وهو مرض رديء لا يخلو صاحبه من نقصان عقل [57] وقصور نظر ~~وذكر؛ لأن المكروه المنتظر إما أن يجب وقوعه، ويمكن، فإن كان الأول ~~فليعلم أنه لابد من وقوعه إذ لا قدرة لأحد على دفع ما يجب، ولا يفيد ~~خوفه إلا استقبال البلاء وتعجيل العناء والتزام ألم المكروه قبل حدوثه؛ ~~لأنه كلما شاهد نفسه وجد في ذاته فجعله حائلا بينه وبين تحصيل أسباب ~~معاشه ومعاده، وإن كان ممكنا فإما أن يكون وقوعه بسبب فعله أو لا فإن ~~كان وجب عليه الاحتراز عما يكون سببا له وهو ما ذكره المصنف ويترك ~~أسبابه إن أمكن؛ لأنه إذا علم أن الممكن المتساوي الطرفين بحسب ذاته لم ~~يترجح أحد طرفيه على الآخر بسبب علم أيضا أن سبب فعله يجب عليه أن ~~لا يشرع في أمر يتولد منه تبعات مستكرهة وفضائح مستكرهة؛ لأنه إذا امتنع ~~عن فعله علم امتناع وقوعه بلا سبب أمن من الخوف وإلا فالتوطين، أي: ~~إذا علم أن سببه ليس فعله فليفرضه من الواجب فعليه بتوطين النفس على ~~ما قدره الله - تعالى - والرضاء بقضائه على أن الاشتغال بهمه وانتظار وقوعه PageV01P119 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0120.png) ~~لم يزده إلا الصرف عن مهماته الأخروية ومصالحه الدنيوية وخسار العاجل ~~وهلاك الآجل . # والحاصل: أن الأمر الذي يخاف منه إن كان ضروري الوقوع كالموت ~~فلا حذر منه موجودا فلا فائدة للخوف وإن كان بخلافه، فإما أن يكون ~~ممتنعا كالخوف من إهلاك الموت إياه فلا معنى للخوف منه، وإما أن يكون ~~ممكنا فهو أن يكون أحد طرفيه موجودا فلا يخاف منه، وإما مظنونا فإن ~~أمكن دفعه فيباشر ذلك وإلا فيلحق بضروري الوقوع فلا حذر عنه. # واعلم أن من أكثر أنواع الخوف وقوعا خوف الموت [هه] وهو داء ~~قلما يوجد أحد ms047 لا يبتلى به، قال الله - تعالى : (قل يأيها الذيب هادوا إن ~~زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمتوا الموت إن كنتر صدقين) ~~(ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) ، ومنشؤه الجهل والحيرة؛ ~~لأن الخوف إما مما قبله من ترك الأهل والأموال والأولاد، أو من نفسه من ~~شدة أهواله وسكراته، أو مما بعده من أمر المعاد، وحلول العقاب، أما ~~الأول فهو من الجهل بمنفعة أسباب المعاش وسر القدر وذلك؛ لأنه إذا ~~استعمل فكرته وجدد بصيرته علم أن النوبة في الحياة، والتملك ما انتهت ~~إليه إلا بموت الأسلاف إذ لو بقيت القرون الأولى لما وسعتهم الأرض ولم ~~ينتقل أمكنتهم وأسبابهم إليه، ولو أمكن بقاؤه لأمكن بقاؤهم ولو بقوا ما ~~وجد هذا الشخص، فبقاؤه يستلزم فناءه. # وأيضا تلك الأموال ليست له، بل لله مالك الملك رب العالمين قسم ~~الانتفاع بها، والتصرف فيها بين عباده على مقتضى حكمته، ووقوع مشيئته PageV01P120 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0121.png) # قلم ~~ومالكيته لها نسبة مخصوص عرضت لها بالقياس إليه وتبدل النسب لا يضر ~~المنتسبين أبدا، وأما الأهل والأولاد، فذلك فليس بسعي العباد بل بتقدير ~~العزيز، فأي ضرر في لحوق هذا الفرق العميم. # وأما الثاني: فلأن النفس جوهر مجرد والبدن آلة لها في استعماله في ~~كسب الإدراكات والأفعال وظاهر أن ذي الآلة لا يتضرر بخراب البتة، بل ~~الموت أخو النوم، إلا أن الموت ترك البدن مع عدم إمكان التصرف فيه، ~~والنوم مع إمكانه فلا شيء يخاف منه في الموت. # وأما ما تراه في الأهوال والسكرات، فذلك ليس من عوارض الموت، ~~بل هي من عوارض المرض ومعلوم [هه] أن الألم هو الإحساس بالمنفي، ~~وإذا حل الموت لم يبق الإحساس أصلا فلا يبقى الألم بل الموت سبب ~~للراحة من الآلام كالغشي والخدر عند الأوجاع الشديدة. # وأما الثالث: فإن كان خوفه من العقاب فليتدارك مما يؤديه من ~~الأسباب بالامتناع عن السيئات والزلات وما يبقى أثره في النفس من ~~الذنوب والعثرات وتزكية النفس من الرذائل وتحليتها بالفضائل وإن كان ~~خوفه من الحيرة في المعاد والجهل بحاله بعد ms048 الممات فخوفه من نقصانه ~~وجهله لا من الموت، وهو الخطب العظيم والهول الفظيع، وهو الذي ~~يحتار في دفعه الحكماء المتألهة والأولياء المتصوفة ترك الراحات واللذات ~~وآثروا عليها السهر والنصب والكد والتعب في تحصيل العلوم الحقيقية ~~والمعارف الإلهية، حتى أمنوا من هذا الداء المهلك والفزع الموبق: (وقالوا ~~الحمد لله الذى اذقب عنا الحرن إن ربا لغفور شكور ) [ناط:34) «(الذى PageV01P121 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0122.png) ~~أحلنا دار المقامة من فضلهه لا يمسنا فيها تصب ولا يمشنا فيها لغوب). # واعلم أن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، ومع ذلك فلا ضرر ~~فيه على المسلم أصلا فيه منافع ومطالع، وذلك لأنه قنطرة الآخرة التي أعد ~~فيها للصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ~~وأيضا وفيه تحقيق لمعنى (كل من عليها فان)] وإعلام لبقاء الله ~~العظيم الشان، وأيضا المؤمن يطهر في القلب من المعاصي كما يبقى ~~الذهب في النار. # وإذا عرفت أن الموت ليس فيه ألم فاعلم أن الموت الكلي والألم ~~[60] الحقيقي هو الجهل والخسار السرمدي تبعته، إنما الراحة الحقيقية ~~والحياة القلبية هو العلم والبقاء الأبدي ثمرته، ومن ذاق لذة العلم وحلاوته ~~فارق زينة الدنيا وطراوتها ونزع نفسه عن دار الفساد والبلى واتصل بزمرة ~~الملأ الأعلى فمات بالإرادة قبل الموت بالعادة فيجني بحياة لا ممات ~~بعدها أبدا وتنورت نفسه بنور المبدأ الأول سرمدا، ولا يزن العالم الأسفل ~~عنده جناح بعوضة في المقدار وانقلعت من الحضيض الأدنى إلى تلك ~~الدار فكان مفارقا قبل الموت آمنا من الهلاك والفوت مبتهجا بلذة مشاهدة ~~ما في الغيب بريئا عن الشك والريب، كما قال علي بن أبي طالي صلى الله عله لو ~~كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وهو يرى كماله في موته فكيف يخاف منه. # وأما من ترجى تأخير الأجل من شدة الحرص وغاية الأمل مع علمه ~~بأن البقاء على الدنيا محال، وأن كل نفس على النقلة والارتحال، فينبغي ~~أن يتفكر في تبعات الحياة وعند ذلك يختار الممات كما قال الشاعر: PageV01P122 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0123.png) # يف الحياة ومن يعش ms049 مانين حولا لا أبا لك يسأم ~~سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # لأن ذلك يستلزم ضعف الشيخوخة وسقوط القوة والابتلاء بمفارقة ~~الأحباب ومجاهدة الأوصاب، فهو كمن يتمنى مرضه وطول عذابه وربما ~~ينوب الإنسان نائبة يتمنى معها مماته كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب(2): ~~ذا عاش امرؤ ستين عاما فنصف العمر يمحقه الليالي ~~ونصف النصف يمضي ليس يدري تقلبه يمينا عن شمال ~~وثلث النصف آمال وحرص وشغل بالمكاسب والعيال ~~وباقي العمر أسقام وشيب وهم بارتحال وانتقال ~~فحب المرء طول العمر جهل وقسمته على هذا المثال # وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لكونه بلية عامة وداهية دهياء قد ~~طار من ذلك عقول [6] العقلاء، والله حسبي وكفى بالله وكيلا. # واعلم أن الأمراض الحاصلة من قوة الجذب ثلاثة، وهي: الحرص، ~~والبطالة، والحزن. # أما الحرص: فهو من جنس الإفراط في الشهوات وطلب الالتذاذ بها، ~~ولا شك في كثرة أعراضه مع رداءتها؛ لأن صاحبها يكون ذليلا قصير ~~التهمة كثير الهم؛ لأن همه في عموم الأوقات معقود بتدبير قوته البهيمية PageV01P123 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0124.png) ~~يستنفذ وسعه في خدمتها، ويستجهد فكره في لذتها والخادم أخس من ~~المخدوم فهو أخس من البهائم، فيعالج بالتفكر في مشاركة الحيوانات كالفيل ~~والخنزير ونحوهما في قضاء الشهوات من المآكل والمشارب والمناكح؛ فإن ~~تلك الحيوانات ما حازت شرفا بكثرة استعمال القوى المدركة في ملاذها ~~ويعالج أيضا بالتفكر في قلة لذتها؛ لأن تواتر ورود المذوقات على الذوق ~~بكل الحس وينقص الذوق وخصوصا إذا تشوقت النفس وقت استعمالها ~~إلى ما ألذ منها وبالتفكر في قصر مدتها إذ الماكل والمشارب ينفد لذتها ~~سريعا ولا يدوم إلا إلى بلوغها أصل اللسان ثم يتولد منها أمراض مثل ~~الهيضة(1) والتخمة والعفونات الحادثة من السدد الامتلائية وغير ذلك من ~~انصباب المواد المجتمعة من فضلات الغذاء إلى الأعضاء وأيضا الاستكثار ~~منها يورث البلادة وثقل الحواس كما قيل: البطنة تذهب الفطنة. # وأما المناكح فمدة لذتها من وقت انفصال المني عن أوعيته إلى ~~اندفاقها في الرحم ولا يخفى أن ذلك مدة قصيرة ثم يحصل منها ms050 كلال ~~البدن، وإتعاب القوى ودفع الكيموسات الصالحة التي هي غذاء الأعضاء، ~~وصرف الرطوبات الأصلية التي هي دعامة البدن وتحليل الحرارة الغريزية ~~التي هي مركب الروح الحيواني وآلة الطبيعة [62] في تصرفاتها وبالتفكر في ~~خساسة المطالب لما مر في الشركة مع البهائم والخسار في المال، والدين، ~~والهلاك في النفس والعقل مع أن صاحبها مهان غير وجيه. # وبالتفكر في استخراج حكمة القوة الشهوية التي خلقها الله - تعالى - PageV01P124 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0125.png) # ~~لدفع ألم الجوع، وحفظ بدل ما يتحلل لتقوم به البدن وينسد الرمق، وأيضا ~~قوة الجماع مودعة في الإنسان لإبقاء النوع وتكثير سواد الإسلام لا للتلذذ ~~بقضاء شهوة الوقاع على أي وجه كان وعلى أي طريق وقع من الطرق ~~المنهي عنها في الشرع والمذمومة في العرف، وإنما هو ليرغب فيه طبعا، ~~لئلا يتسنى لبعض الجاهلين ما سولت لهم أنفسهم من داعية للإعراض عن ~~الأولاد واختيار الرهبانية . # وأيضا قوى أسباب الشهوة تسويل النفس الأمارة وتخييلها لصاحبها ما ~~شاءت من المشتهيات، وتزيينها المناكح وسائر المستلذات كالحرص على ~~استبدال الزوجات، واختلاف المنكوحات والميل إلى تتبع النساء والتلذذ ~~بأنواع شمائلهن والتنعم بأصناف فضائلهن ولهذا يكون أكثر علاجه إجالة ~~الرأي الصحيح عند تسويلات النفس الأمارة فيما يصرفه من الهوى ليتنفر ~~من نهمه ويستصغر لذة مشربه ومطعمه، ويستهجن التلوث بالنساء والاشتغال ~~بالعلميات من العلوم الدقيقة، التي يستوعب تحصيلها الأوقات وغيرها مما ~~يلهي النفس عنها أي: عن تلك التسويلات من ملازمة الطاعات والعبادات ~~خصوصا إقامة وظائف الصلوات، قال الله - تعالى : (إب الصلوة ~~تنه عن الفحشاء والمنكر)، وإدامة الصيام فإن ~~الصوم له وجاء، والاجتناب مما يغري، أي: يحث بها أي بالشهوات من ~~المقدمات المفيدة لها، كصحبة أصحاب الحرص، مثلا بل عليه صحبة ~~الأماجد [3] والأكارم، وقد يستعان عليها بالترغيب في اتجاه والحشمة ~~والمكارم، وبالصبر على الصوم والجوع، وقد تعاضد فيه المعقول والمسموع. # واعلم أن من أردأ أنواع الحرص العشق الحيواني وهو صرف الهمة PageV01P125 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0126.png) # ~~إلى طلب النكاح من شخص معين ولا يصدر إلا عن ضعاف العقول، وركاك ~~الهمم، وربما يؤدي إلى هلاك النفس ms051 والبدن وعلاجه صرف الفكر عن ~~شمائل المعشوق والنكاح مع غيره والنظر إلى من هو فوقه في الحسن ~~والاشتغال بما يحتاج إلى دقيق فكر ولطف نظر من العلوم والقناعات ~~لينجذب عن جانبه ومواظبة مجالسة العلماء والظرفاء والخوض معهم في ~~النكت واللطائف والتجنب عن بحث ينشئ الخيالات الفاسدة، والاحتراز ~~عن حكايات العشاق وشعارهم، والكف عن الوحدة ثم ألا يقال في السفر ~~إلى حيث ينقطع عن معشوقه الخير ويئس عنه الوصال حتى يسلو عنه بذا ~~الحال وينبغي أن يعلم أن هذا العشق غير العشق العفيف الذي هو الابتهاج ~~بشمائل المعشوق والتهجج بحركاته وسكناته كما قيل: العشق عمى الحس ~~عن عيوب المحبوب فإن ذك من لطافة الطبع وصفاء النفس وهو محمود ~~غاية الحد معين على تجريد النفس عن علائق الطبيعة لأنه يجعل الهموم ~~المتفرقة هما واحدا. # ولا يخفى أن المانع من العشق الحقيقي للواحد الحق الذي هو غاية ~~الغايات ونهاية كمال الموجودات هو العلائق البدنية والشواغل الحسية ~~والكدورات الهيولانية، فإذا انحصر بالعشق المذكور تلك العلائق في واحد ~~يكون هو قنطرة الحقيقة ومأخذ السعادات الحقيقية، قال الشاعر: ~~العاشقون على ثلاثة أضرب ضرب يرون مكارم الأخلاق # لا يرتضون سوى هوى الخلاق(1) ~~وجماعة عشقوا [64] الصباح وفرقة لا يرتضون PageV01P126 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0127.png) # وأما البطالة فهي أردأ أنواع الرذالة، قال الله - تعالى - : (أفحسبتم أنما ~~خلقناكر عبثا) ، ثم ذكر تبعاتها فقال: مقتضاها من الأعراض ~~واللواحق كثيرة، لكن أكثرها لزوما هلاك النفس آجلا بإهمال رعاية مصالح ~~المعاش والقعود عن اكتساب سعادة المعاد فالآلام الحاصلة منها هي هلاك ~~نفوس العباد وهلاك البدن عاجلا بمخالفة حكمة الله - تعالى - في إيجاد ~~الإنسان ومعاندة حضرته في إضافة الجود والإحسان كاختلال مهماته ~~وواجباته من القيام بمصالح الأهل والأولاد الموجب فقد عدم بقاء النوع ~~والنسل الذي هو هلاك بدني معنوي، وأيضا هو أي: الكسل تشبه بالجماد، ~~بل أخس وانخراط في سلك هذا النوع لجامع فقدان التدبير والتصرف، ~~وكذا إبطال الحكمة في خلقه يوم القيامة بما يفيد النظام. # ولاشك أن التقاعد عن ذلك إبطال للحكمة في خلق العباد، وكذا ms052 ~~التقاعد عن معرفة أحوال المبدأ والمعاد وذلك خسران عظيم وعذاب أليم ~~لا يسد أحد ثلمته، ولا يجبر شيء كسرته. # ثم إن المصنف أشار إلى علاج البطالة بقوله: # فليجانس أرباب الجد والكد بمداومة فكرته في بلوغ هذا الحد ~~وتحريك دواعي الجاه والرفعة وتزيين تحصيل الثروة والسعة إلى أن ~~اهتاجت قوته، وأقبلت على طلب الفضائل قرونته، فيتأمل آثاره، أي: آثار ~~الجد ومنافعه عن فوز أربابه بالسعادات الفاخرة في داري الدنيا والآخرة، ~~ويسمع حكاياتهم، أي: حكايات أرباب الجد، مما يحرك رجوليته بالرأي ~~الصائب ويغريه على طلب المعالي والمكاسب وبلوغ الرفعة والمناصب، PageV01P127 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0128.png) # ~~ويسمع مذمة أهل الكسل عند الله ورسوله [25] وعند الناس كافة وسوء ~~عاقبتهم في الدارين، فإن هذه الأمور من الخسران المبين. # ولعل عند تقبيح عند حال المتعطلين ومذمتهم وتحسين أمر المجتهدين ~~ومحمدتهم تنفس نفس هؤلاء، وتهش عند استماع هاتيك الأشياء. # وكذا يتذكر ما تجره البطالة من الاشتغال بما لا يعني الذي من حسن ~~إسلام المرء تركه لأن صاحبها لا يمكن أن يستقر في موضع أبد الآباد، ~~ويلازم منبتا واحدا كالجماد، بل يتحرك بمقتضى هواه في طلب ما مشتهاه بل ~~قد يشغل الناس في مهمتهم ويصرفهم عما توجهوا إليه من طلباتهم فعدمه خير ~~من وجوده، وأما الحزن فهو تألم النفس من فقد المطلوب أو فوات المحبوب، ~~قال الله - تعالى : (ألا إن أولياء الله لا خوق عليهم ولا هم يحزون) ~~[يونس: 2، لأن الأولياء لا يحبون إلا الحي الباقي فليس لهم فقد المطلب، ~~وقا الي اله ي : (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) [دي، ومنشؤه توقع ~~حصول جميع المطالب من المستلذات الجسمانية والمشتهيات الدنياوية ~~وتوهم بقائها وكثرة الشغف وشدة اللهج بثباتها، وهو قريب من مفهوم ~~الحرص، وهو أي هذا التوقع والتوهم جهل وتشكيك للنفس في الضروريات؛ ~~لأن المشاهدة حاكمة بعدم حصول جميع المطالب في الأعم الغالب # وأيضا الضرورة حاكمة بطبيعة الكون والفساد وأن وراءها أمر المعاد ~~لأن العاقل لو أنعم النظر علم أن كل ما تركب في المختلطات وأجمع من ~~المتقابلات بقاؤه قسري وفناؤه طبيعي ms053 وغلبة الطبع على القسر ضرورية ~~فتفطن استحالة دوام بقاء مركبات هذا العالم وتيقن بطلانها، قال البي صى الله عليه وسلم PageV01P128 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0129.png) # 8 ~~(من صح فيها سقم ومن سقم فيها هرم ومن افتقر فيها حزن ومن استغني ~~فيها فتن)، وقال الحسن البصر صلى الله عليه ولم إن الدنيا أحلام نوم [66] أو كظل ~~زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع، وتذكر قول رسول الله: (ولا يلدغ المؤمن ~~من جحر مرتين)2. # ثم أشار المصنف إلى علاجه بقوله: فليتوجه صاحب هذا المرض إلى ~~الباقيات الصالحات وهي الخيرات التي شموسها بازغة في ليل الدنيا ونهار ~~الآخرة ولا تغرب أبدا إلا عند خفافيش عرضه الجهالة فعليه بالتمييز بين ~~الدائم الباقي وبين الزائل الفاني واتخاذ الأول وإطراح الثاني واقتناء ما صفا ~~من الصور القدسية وانتزاع ما كدر من الموجودات المادية والاجتناب عما ~~يقتضي وجودها عدمها وبقاؤها يستلزم فناءها بقدر الضرورة من الاقتصار ~~على الكفاف والرأي عن التشاف، والاقتداء بحال الطيور تغدو خماصا ~~وتروح بطانا، والاعتبار بما تراه من أحوال الحيوانات عيانا، ومجال من ~~سعى ودعى، وجمع واحتوى، ثم ترك ومضى، وكيف يصرف العاقل همه ~~ويبذل وسعه فيما عدمه واجب وبقاؤه ممتنع ويرفض ما لا يمكن زواله ~~ويستحيل تغيره وانتقاله وهل هذا إلا صيغة العمر وفعلة الجاهل الغمر ~~والعاقل يرى عواقب الأشياء ولا يجزع من المصائب والجاهل لا يتدبر في PageV01P129 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0130.png) ~~الأمور ويضطرب مما يفجأه من النوائب وكم من محزون يعود إلى السلو ~~والاصطبار بالاضطرار فعليك أن تجعل أول أمرك آخره مع بصيرة واعتبار ~~وتنفي عنك الحزن بادئ ذي بدء بالسكينة والوقار كما قال علي بن أبي ~~طالب ل. الل عليه وسلم «اصبر صبر الأكارم وإلا فسل سلو البهائم، قال الشاعر: ~~ذو الجهل يفعل ما ذو العقل يفعله في النائبات ولكن بعدما افتضحا # وكل من تفكر أن مواهب الدنيا عوار أعطاها الله - تعالى - للانتفاع بها ~~لم يحزن باسترجاعها ولم يغتم باستردادها، وخصوصا إذا اكتسب بها [67] ~~سعادات تبقى أبدا وكرامات تدوم سرمدا. # واعلم أن المصنف لما فرغ من ms054 الأعراض الأولية للقوى الثلاث شرع ~~في ذكر متولداتها وهي سبعة: # الأول: الحسد، وهو تمني استجماع جميع الخيرات مع إرادة زوالها ~~عن الغير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار ~~الحطب)، ومنشؤه الحرص والجهل بأن استيعاب جميع الخيرات لواحد ~~في الناس ممتنع عقلا والعاقل العالم بامتناع الشيء كيف يطلب حصوله وأما ~~تولده من الحرص فلأنه إذا رأى أن كل أحد حائز بما في يده يحكم بأنهم ~~يمنعون من حصول مطلوبه بجهل من عنده فيتولد من ذلك الحرص المفرط ~~إلى زواله عن إجرارهم بسبب من أسباب الزوال من الموت والنهب والقتل ~~إلى غير ذلك من الأحوال وهذا هو المراد بالحسد. # قال بعض العلماء القوى التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة: PageV01P130 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0131.png) # 8 ~~الشهوة، والغضب، والهوى، الشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى ~~شيطانية، والشهوة آفة لكن الغضب أعظم منها والغضب آفة لكن الهوى ~~أعظم منه، قال تعالى: (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي)، ~~الغضب والبغي الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه وبالغضب ظالما ~~لغيره وبالهوى لربه، ولهذا قل صلى الله عليه وسلم، ( الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا ~~يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك با لى الله عليه وسلم ~~والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا، والظلم الذي عسى الله ~~أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه). # ونتيجة الشهوة الحرص والبخل ونتيجة الغضب العجب والكبر ونتيجة ~~الهوى الكفر والبدعة ويحصل من اجتماع هذه السبعة في بني آدم خصلة ~~سابعة الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة كما أن الشيطان [68] هو النهاية ~~في الأشخاص المذمومة ولهذا السبب ختم الله تعالى مجامع الشرور ~~الإنسانية بالحسد في قوله: (ومن شر حاسد إذا حسد) ، كما ~~ختم جوامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة في قوله: (يوسوس فى صدور ~~الناس ه من ألجنة والناس). # وههنا أسرار أخر تركناها لعدم احتمال المقام لتفصيلها. # وأثره أي أثر الحسد الحزن الدائم المبرح؛ لأن نعم الله - تعالى - غير ~~قابلة للعد والإحصاء، ms055 وهو كل يوم في شأن من الكرم والإعطاء وكلتا يديه ~~بالخير سحاء، فإذا حزن صاحبه في كل خير ونعمة يلزمه الحزن الدائم PageV01P131 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0132.png) ~~والسخط اللازم، ومع ذلك لا تنجلي غمته، ولا تتحصل بغيته إلى أن ينقضي ~~عمره ومدته نعوذ بالله من هذا الداء العظيم والخطب الجسيم. # وأما علاج الحرص والجهل المذكور فعلاج الحسد بعينه؛ لأن المسبب ~~يرتفع بارتفاع السبب وشره، أي: أكثر أنواع الحرص شرا ما وقع بين ~~العلماء في المطالب العلمية؛ وذلك لأن المنافع الدنيوية بسبب انتهاء ~~حوزتها وضيق عرصتها يتعذر إشراك الجميع فيها، ولا ينال أحد منها حظا ~~إلا بعد حرمان الآخر مخاطبها ربما لا يريد الأخير بالذات بل يكره ضرر ~~الغير، وإنما يلزمه بواسطة اجتلاب ما يرومه من الخير بخلاف المنافع ~~العلمية إذ حظ واحد من العلماء لا يتوقف على حرمان الآخر فإنها لخلوها ~~عن المادة معراة عن النقص والفوات قابلة للتشريك، والاتفاق لا ينقص ~~بالعطاء والإنفاق، بل كلما أنفقت زادت لذتها وعمت منفعتها فالحسود فيها ~~على شرة الطبع وطبع السريرة فيكون من أقبح أنواع الحرص نجانا الله ~~وإياكم عن هذه الداهية الدهياء وأعاذنا وإياكم عن هذه الفتنة العمياء. # الثاني: الغبطة، وهي طلب حصول جميع الخير له، أي: للطالب مع عدم ~~توقع الزوال عن الغير [69] والقيد الأخير هو المميز بينها وبين الحسد، وهو ~~أي هذا الوصف أعني الغبطة محمود في السعادات الأخروية النفسانية وفي ~~الأمور الدنيوية حرص مذموم وقد مر تحصيل الحرص وعلاجها علاجه. # الثالث: الطمع، وهو توقع الخير من الغير بلا استحقاق ولا عرض، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بئس العبد عبد طمع يقوده)، وقال علي بن أبي PageV01P132 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0133.png) # 8ل ~~طالي ل ل اله ليه وسلم أكثر مصارع المعقول تحت بروق الأطماع، وهو أي : الطمع ~~ذل ينشأ من الحرص والبطالة والجهل بحكمة الله تعالى في الحاجات إلى ~~التعاون وصاحبه بعيد عن الحرية متذلل لأرذل البرية معرض عرضه للدنية ~~وكل طالب محتاج لمطلوبه ومتعبد له من تلك الجهة فالطامع مستفيض من ~~خاطب خطام ms056 الدنيا فهو عبد عبد الخطان الذي هو أخس الأشياء ومع ذلك ~~هو أرذل العبيد وأهونهم إذ لم يقم بحق خدمته سيده ولتقاعده عن أداء ~~حقوق نعمته قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ال الطمع رق مؤبد، ~~وعلاجه النظر في حكمة التعامل والتعارض فإن النظام يحصل بالانتهاء عن ~~كل ما لم يكتسب بنفسه حتى الهدايا والتحف وتشويق النفس إلى اللذات ~~العقلية لتعلو الهمة عن الانفعالبات واختلاط الأحرار واستماع حكاياتهم ~~وأمثالهم مثل ما روي عن عل صلى الله عله المنية ولا الدنية والتقلل ولا التوسل، ~~وقيل: الحر من لا يتوكل على الله تعالى أي لا يطلب ما لا يستحقه بل يعلم ~~أن كل ما يليق به ويقتضيه باستعداده هو موهوب له من حضرته. # الرابع: الحقد؛ وهو غضب مستمر كامن في الباطن، قال الله تعالى: ~~(ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا)، وفي لواحقه الشماتة، ~~وعلاجه أصعب من علاج الغضب [70] يزول بتصور الأخوة الحقيقية الثابتة ~~بينه وبين المحقود عليه، فإن المواصلة الغريزة بين كل شخصين من نوع ثابتة ~~قال الله - تعالى : (فمن عفى له من أخيه شيء)، فينبغي أن ~~يعتبر الأصل وما بينهما من الوصل وليقطع النظر عن العارض الغريب الذي ~~هو سبب الحقد، اللهم إلا أن يكون أمرا لا يجوز إلغاؤه شرعا وعقلا . # الخامس: الكذب وهو إخبار غير مطابق للواقع قال الله تعالى: (ويل PageV01P133 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0134.png) # 8ل ~~لكل أفاك أثيم) ، وهو شر في عدم النطق لإفادته اعتقادا غير حق ~~وربما جلب مضارا من النميمة والبهتان والسعاية والغمز بل الصدق أحد ~~أركان نظام العالم ولو فرض مرتفعا ارتفع نظامه وانقطع بقاؤه ودوامه وهو ~~أصل جميع المحمودات وركن بناء النبوات ونتيجة التقوى ومدار أمر ~~الفتوى وهو إلى سبيل الخيرات ذريعة ولولاه لبطل أحكام الشريعة وأسبابه ~~كثيرة أغلبها التوصل به إلى منفعة خسيسة فليذكر لعلاجه تبعاته في المذمة ~~إذ كل أحد يتنفر عنه طبعا وكذا الكذوب لا يرضى بنسبة الكذب إليه بل ~~يتأذى وعدم الاعتماد على كلامه حتى لا يلتفت الناس إلى كلامه أصلا، ms057 ~~والاستخفاف من الناس فيذهب وقعه وبهاؤه وأيضا لابد أن يتأمل أن خاصية ~~الإنسان فضيلة النطق ومن أجل أغراضه إعلام الغير ما غاب عنه من الأمور ~~الواقعة في أحد الأزمنة الثلاثة والكذب يفوت هذا الغرض وفوات الغرض ~~يجعل ما له الغرض عبثا ومن أبطل ما أودعه الله من الفضائل في الإنسان ~~يكون من كفران النعمة في أعلى مكان وزاد فسادا على هذا البطلان إفادته ~~اعتقادا منافيا للحق في جميع الأزمان. # والسادس والسابع: ما أشار إليه بقوله ومن العجب ينشأ الصلف ومنه ~~النفاق أي إذا انضم إلى الكذب العجب يتولد الصلف قال الله تعالى: [] ~~لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يقعلوا فلا ~~تحسبنهر بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) ، وإن ~~أخبر عن معتقده في حق الناس مظهرا لهم النصح فإن كان مع استبطان شرهم ~~ومخالفتهم كان نفاقا، قال الله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله ف ~~الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما في قليه وهو الد الخصام)، # 143 PageV01P134 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0135.png) # لفمالفاللظنبدف حفظ لخلرقة ابلف # 8 ~~وإن كان بدون استبطان شرهم ومخالطتهم كان رياء قولا كان ذلك الإخبار ~~أو فعلا كالحركات الدالة على أحوال الباطن والقول إن كان في غيبة ~~الإنسان يخص باسم السمعة ويسمى الرياء ملقا إن كان في المحبة وحدها ~~واعلم أن من جملة المتولدات البخل قال علي ليى الله عله البخل جامع لمساوئ ~~العيوب وهو زمام يقاد به كل سوء، وهو إما من مخافة الفقر فيزول بالفكر ~~في عواقب الأموال وصيرورتها إلى الفناء وإما لطلب الترفع بالمال فتزول ~~عند النظر في أن الرفعة للمال لا له بل هو خادم له وحارس، وفيما ذكرناه ~~في باب المباهاة كفاية وأما لمناسبة ذاتية بما يضن به فيزول بالنظر في ~~شرف جوهره ويعده نحو الهيوانيات في المرتبة. # واعلم أنك إذا أتقنت ما قيل في دفع كل رذيلة واستحضرت القوانين ~~الموردة في المعالجات سهل عليك استنباط البسائط والمركبات من علل ~~الأمراض ومعرفة ما صعب عليك من المعالجات والأغراض. PageV01P135 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0136.png) ms058 # ليس المراد بالمنزل ما هو المتعارف في العرف من القصور المشيدة، ~~والبيوت المنضدة، بل المراد به هنا: الاجتماع المخصوص بين أركان ~~خمسة من الزوج والزوجة والولد والخادم والقوت؛ لأن العلاقة إما علاقة ~~السببية الشرعية، فإما بين الرجال والنساء كالزوج والزوجة أو أعم من ذلك ~~كالمالك [] والمملوك أو بعلاقة النسبية كالولد والوالد أو ما يتوقف هذه ~~العلاقات عليه فهو القوت وتفصيل ذلك أن الإنسان من بين سائر ~~الحيوانات لما احتاج في أمر معاشه إلى فضل عناية وزيادة تدبير وكفاية ~~وذلك لكونه أعدل الأشياء مزاجا وأكملها جوهرا لم يكن تغذيه بالبسائط بل ~~يحتاج إلى ضيعة ولا يتيسر ترتيبه في كل وقت ومدة فلابد من كونه معدا ~~عند الحاجة من كل مكان يمكن ضبطه فيه وحافظ يحفظه وقت غيبته عنه ~~في بعض فصول السنة هذا بحسب الشخص. # وأما بحسب النوع فلأنه محتاج في ترتيبه من زمان ولادته إلى زمان ~~بلوغه إلى مشقة ناصبة ومؤنة فادحة فلم يكف في تبعيته نوعه النكاح كيف ~~اتفق بل لا بد من الازدواج على الوجه المرسوم والأمر المعلوم لئلا يختلط ~~النسب ويرتفع التمييز وينقطع تربية الآباء ووراثة الأبناء وإذا كثر الأولاد ~~وازدحم الاشتغال وترتيب الأقوات مس الاحتياج إلى من يقوم بحضانة ~~الأولاد من الإماء والعبيد ولما وجب في كل كثرة من وحدة ينتظر أمرهم بها PageV01P136 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0137.png) # 8 ~~بتأليف وحداني؛ لئلا يتفرق شملهم وليلم بذلك شعثهم وجب من حافظ ~~يراعي فيهم نسبة القاهرية والمعهودية حتى يكونوا بمنزلة عضوله والرئيس ~~بمنزلة الطبيب لهم بحيث يقصد قصدا أوليا رعاية مصلحة الجمهور كنظر ~~الطبيب إلى اعتدال البدن، ثم يقصد إلى حال الآحاد بمنزلة قصد الطبيب ~~إلى حال عضو عضو بحيث لو أضر حال أحدهم إلى صلاح الجمهور ~~بالزجر ثم الوعد والوعيد ثم القطع والقلع كما يغذي الطبيب أولا، ويعطي ~~الدواء ثانيا، ويعمل القطع والكي ثالثا عند احتمال سراية الفساد الكلي، ~~وقد قيل آخر الدواء الكي. # والنظر في سياسة المنزل في أربعة أمور: هي الأصناف الأربعة، من ~~الأقوات، والزوجات [73]، والخدم، والأولاد، والصنف ms059 الأول: وهو ~~المال والنظر فيه في ثلاثة أشياء في الدخل والحفظ والخرج. # أما الدخل فما يتعلق بالتدبير دون الميراث، والهبة، واللقطة، والتجارة، ~~والصناعة، أي: إلا نفع هذين، وإلا فمدار معايش الناس أربعة: التجارة، ~~والزراعة، والمواشي، والصناعة، أما الزراعة: فثباتها أكثر ومنافعها أندر، ~~والتجارة بالعكس، وأما المواشي فبين بين، والصناعة أدوم منفعة وإن ~~كانت أقل قليل وأقل آفة مما عداها، والضابط فيه أن ما يتوقف على ~~الإيجاد والإحداث بالكلية كالتجارة يكون آثارها لكثرة شرائطها وموانعها، ~~وإمكان انتفاء مادتها بالكلية أعني البضاعة، وما لا يتوقف على الإيجاد ~~والإحداث بل على إيجاد هيئة خاصة في مادة خاصة فإما عملي أي: ~~بمباشرة نفسه أو استعمالي، أي: بمباشرة غيره، وعلى كلا التقديرين تكون ~~مصونة عن الزوال لقلة الإحداث والإيجاد وكذلك المواشي في المتون # 146 PageV01P137 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0138.png) # ~~والضروع والإنتاج ويجب فيه أي: في الدخل مراعاة أمرين: أحدهما العدل ~~بحفظ المسادات في المعاملات والمعاوضات، وفي الوزن بالقسطاس ~~المستقيم والاجتناب عن الخداع والتطفيف في المكيال والآخر المروءة ~~وذلك اختيار الأشراف في أنواع الحرف وما يقرب من العفة والمروءة ~~والاجتناب عن الحرف الخسيسة، وأيضا ينبغي أن يحافظ على الحرية في ~~الاكتساب واجتناب اللوم، والحرف ثلاث طبقات الشريفة والخسيسة ~~والمتوسطة فالأولى ثلاثة أصناف: # الأول: ما يتعلق بالفعل من حسن التدبير والرأي الصائب والمشورة ~~وهو الوزراء وأعيان الممالك. # والثاني: ما يتعلق بالأدب [،] والفضية كالبلاغة والكتابة، والطب، ~~والنجوم، وأمثالها وهم الأدباء والفضلاء. # والثالث: ما يتعلق بقوة الشجاعة في الفروسية وتنفير العدو وسد ~~الثغور وهم العساكر والأمراء والثانية مناقضة لمصلحة الكل كالاحتكار ~~والسحر، أو منافية للفضيلة كالمقامرة والإطراب، أو مقتضية لنغرة الطبع ~~كالدباغة ولكنها ليست قبيحة عقلا لكونها من الأمور الضرورية اللازمة، ~~والثالثة ما يحتاج الناس إليه من الصناعات الضرورية ولا يتنفر عنه الطبع ~~كالتجارة والحدادة وأنفعها الزراعة، وأما الثاني فهو الحفظ فهو يحصل برعاية ~~أمرين أشار إلى الأول بقوله: فيكون الخرج أقل من الدخل بلا تقتير، أي: ~~بلا اختلال في معيشة الأهل والعيال واختار بعضهم مقابلة الخرج بالدخل ~~ولقد روي عن بعض ms060 المشايخ أنه قسم ريعه على أيام السنة وأنفق كل يوم نصيبه. PageV01P138 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0139.png) # # وأشار إلى الثاني بقوله والحفظ بالاستثمار لئلا يتطرق الزوال إلى ~~المال في المآل بالتدريج وينبغي أن يتحرز عما يتعذر نماؤه كالجواهر ~~النفيسة وأمثالها وأن يختار النفع الداسم وإن قل على الاتفاق وإن جل، ~~والمتمول ينبغي أن يقسم أمواله بين ثلاثة أمور نقد ومتاع وعقار، وجعل ~~بعضهم المواشي رابعا، وهذه القسمة للاحتياط، فإن الآفات متعاقبة فلعله ~~يسلم واحد أو اثنان عند فساد البعض. # وأما الثالث: فهو الخرج وأصناف مصارفه أربعة ، أما الأول فما كان ~~في سبيل الله، وابتغاء لمرضاته كالزكاة، والصدقة، قال الله - تعالى : ~~(مثل الذين ينفقون أموا لهم فى سبيل الل الآية، فليجتنب فيه أي ~~فيما ينفق في سبيل الله تعالى عن خمسة؛ لئلا يخبط هذه الأمور ما قصده ~~من العمل الصالح يوم الحساب [ه7] الأول الكراهة والإعطاء بغير طيب ~~النفس والاجتناب عن المن قال الله - تعالى -: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى) ، والثالث: الاجتاب عن الأذى لما وقع في الآية ~~المذكورة الآن، والرابع: الاجتناب عن الرياء وتوقع الشكر قال الله - تعالى -: ~~(يأيها الذين عامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفي ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الأخر فمتلهر كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتكه صلدا لا يقدرون على شى و مما كسبوا والله لا يقدى القوم ~~الكافين) الآية، والخامس: وليخص بالإنفاق من يكتم فقره ~~لأنه صعوبة حالة في غاية الكمال ومرتبه مترتبة بلغت أسوأ حال ومتى صعب ~~حاله واشتد فقره يكون الفرج عنه في غاية الفرح ويعز عنده إزالة الترح، PageV01P139 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0140.png) ~~فيكون عند الله مشكورا ويصير عمله مبرورا، قال الله - تعالى : (للفقراء ~~الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضركا ف الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف)]، وقد زاد بعضهم شرطين آخرين ~~أحدهما: أن لا يرد السائل أصلا كما قال الله - تعالى : (وأما السايل فلا ~~تنهر) ، وثانيهما: الكتمان عن الخلق لقوله تعالى: (وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهوخير لكت) . # ولعل المصنف أدرج الأول في ms061 الأذى وعممه الرد والثاني في الرياء ~~إذ الإظهار عند الناس من الرياء جزما، وأما الثاني فهو ما كان في مروءة ~~وهي قوة للنفس تصير مبدعا للأفعال الجميلة المستتبعة للمدح شرعا وعقلا ~~وعرفا فالتعجيل لازم له فيما يصرفه في طريقها لئلا يصير العزم فاترا آخرا ~~ولأنه أهنأ للمتصدقة عليه وقد قيل الرد الجميل أولى من المكث الطويل ~~وشرائط هذا القسم خمسة أحدها: ما ذكره من التعجيل، وثانيها: السر، ~~أي: الكتمان لأنه بالإنجاح والكرم أولى، وثالثها: التحقير أي تحقير ما ~~يعطي وإن كان من النفائس أو كثر، ورابعها: المواصلة؛ لأن الانقطاع ينسي ~~النفس خصلته وقد [] قال النبي صلى الله عليه وسلم ( خير الأعمال أدومها وإن قل)، ~~والمعنى أن الدائم يصير خلقا للنفس دون الكثير الغير الدائم من الأعمال ما ~~يفيد الخلق الحسن للنفس. PageV01P140 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0141.png) ~~والمعروف قال الشاعر: ~~ووضع الندى في موضع السيف بالعلى # مضر كوضع السيف في موضع الندى # وأيضا يقع في التبذير الذي هو من الرائل وأما الثالث فهو ما كان ~~للضرورة من دفع سفيه أو ظالم صيانة للعرض والمال قال النبيصلى الله عليه وسلم، (ما ~~وقى المرء به عرضه كتب له به صدقة)، أو جلب نفع وطلب ملائم ~~كالمآكل والملابس. # وأما شرطه فالاقتصار على قدر الضرورة فينبغي أن يحافظ عليها ولا ~~يتجاوز عنها، وأما الرابع فهو ما كان للحاجة من الإنفاق على نفسه وأهله ~~وأولاده فالاقتصاد فيه لازم ما استطاع لئلا يقع إما في البخل أو في السرف ~~والميل إلى السرف لازم إن عسر عليه الاقتصار لئلا يقع في البخل شيئا ~~فشيئا من حيث لا يشعر السرف وإن كان عاريا عن الشرف كالبخل إلا أن ~~تبديل السرف إلى الاقتصاد أهون من تبديل البخل إليه إذ النفوس مجبولة ~~على الشح والضنة. # وأما الصنف الثاني ففي سياسة الزوجين ليطلب بالتأهل أمرين أحدهما ~~النسل أي التوالد وثانيهما نظام المنزل في انتظام أمر المعاش ليتقوى بذلك ~~على القيام بمصالح الدين لا مجرد الشهوة لخساستها والاشتراك مع سائر ~~الحيوانات فيها. PageV01P141 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0142.png) # # وقد أشار ms062 المصنف إلى الصفات الثلاثة التي لا مندوحة عنها في النساء ~~فقال والعقل؛ لأنه أصل الأصول قال النبي صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم فإن العرق ~~دساس) [] نزاع وقل صلى الله عليه وسلم:( الناكح غارس فلينظر أين يضع غرسه)، ~~والعفة؛ لأنها واجبة في حفظ النسب وصيانة العرض ومحافظة أمر الغيرة، ~~والحياء لوجوبه في الكل سيما النساء، وهذه الأمور لابد منها لهن إذ لو ~~نقص فيهن واحدة منها لاختل الغرض من التزوج وهو انتظام، وإن زاد على ~~الصفات المذكورة النسب والجمال والمال فأولى مما تخلو عن هذه الزيادة. # وأما الاكتفاء بهذه الزيادة بدون الصفات المذكورة فيرجع إلى إثبات ~~الفرع وإيطال الأصل وأنه قلب المعقول وعكس المقبول وخلاف المنقول ~~وأما الجمال المفرط فليجتنب عنه البتة لكثرة الطالبين أي من يرغب في ~~الجمال وضعف عقولهن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( إنهن ناقصات العقل والدين)، ~~فيؤدي إلى الفساد لسهولة خلابتهن، وكذا فليجتنب مجرد المال؛ لأنه ~~يوجب تسلطها عليه واستخدامها له فيؤدي إلى الانتكاس، ومخالفة القياس، ~~وينتهي الأمر إلى الاختلال في نظام المنزل. # قال بعض الفضلاء: أجود النساء ما كانت عاقلة، عفيفة، حيية، عروبا، PageV01P142 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0143.png) ~~بكرا، حرا، نسيبة، أجنبية، مطواعة للزوج ، مدبرة للمنزل، وإن انضافت إليها ~~الثروة والجمال فقد تمت محاسنها وتناهت فضائلها وإن فقدت بعض تلك ~~الخصال فالعفة، والعقل أهم والاقتصار من الجمال على اعتدال البنية ~~وتناسب الأعضاء أولى؛ لأن الجميلة قلما تعف لكثرة طلابهن وضعف ~~عقولهن ويجب على الزوج بعد المواصلة بالنكاح من مراعاة ثلاثة أشياء: # الأول: إيضاع الهيبة في نفسها [78] ليكون محترما عندها فتنقاد ~~لأوامره ونواهيه، ولا تطمع في تسخيره ومطاوعته إياها لكن ينبغي أن يكون ~~إيضاع الهيبة بإظهار الفضائل وستر العيوب من نفسه وقلة الانبساط لها. # والثاني: تزيينها، أي: تجميل بزتها وتزيين بنيتها بما يناسب شأنها ~~ويليق بحالها مع سترها عن غير المحارم، ومشاورتها في الجزئيات بإطلاق ~~يدها في تصرف أمور المنزل من الأقوات وغيرها؛ لأنها نائبة في البيت، ~~ولا يشاورها في الكليات لضعف رأيها فيكثر الفساد والاختلال، وكذا إن ~~ترك ms063 المشاورة بالكلية وتحكيمها في داخل المنزل مثل أمر المعاش، وما ~~يتعلق بذلك من المصارف لتطييب قلبها بقدر الإمكان، وإزالة الوحشة عن ~~قلبها مع أن النساء أعرف بمصالح البيت ومصارفه، وإكرام أقاربها وصلتهم، ~~فإن ذلك يؤنس الزوجة، مع أن له مدخلا عظيما في المروءة، وإن تركها ~~ربما يؤدي إلى الوحشة بين الزوجين، ودفع الغيرة عنها بأن لا يستأثر عليها ~~أخرى، وإن كانت خيرا منها؛ لأن ذلك يهيج غيرتها ويثور أنفتها فيسوء ~~عيشه . PageV01P143 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0144.png) # # ولا يرخص في إكثار الزوجات إلا للملوك، ومن يجري مجراهم كما ~~قال خالد بن صفوان عند أبي العباس السفاح في قصة يطول ذكرها: إن ~~العرب إنما اشتقت الضرة من الضرر، وإن أحدا لم يكن عنده امرأتان إلا كان ~~في ضر وتنغيص، وإن الثلاث من النساء كأثافي القدر تغلي عليها أبدا، وإن ~~الأربع شر مجموع لصاحبه ويهرمنه ويسقمنه، وإن أبكار الإماء رجال، ولكن ~~لا حضر لهن. # والثالث: شعل خاطرها بأمور المنزل، وكفاية مصالح المعيشة، وإلا ~~اشتغل بأنواع التزيينات وتفرغت للخروج إلى النظارات ويتولد منه أنواع ~~[79] المفاسد واختلال النظام وانتهاك الحركة، روي عن الحجاج أنه قال ~~لوليد بن عبد الملك: إنما المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة فلا تعطيهن ~~في ذلك فيهزمنك، ولا تشغلهن بغير زينتهن، وإياك ومشاورتهن، فإن ~~رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن أبصارهن بحجبتك ~~إياهن، ولا تملك المرأة من الأمور ما يحاذر نفسها، ولا تطعها تشفع في ~~غيرها أبدا، ولا تطل الخلوة معهن فإن ذلك أوقر لعقلك، وأبرز لفضلك ~~هذا ما ذكره. # وليجتنب الزوج أيضا عن ثلاثة، الأول: فرط محبتها وإلا استولت ~~عليه فيفوت السياسة الثلاث المذكورة، وقد قال النبي صلى ل الله ليه وسلم:، (حبك الشيء ~~يعمي ويصم)، وإن ابتلي بها، أي: بالمحبة فليستره مهما قدر، وإن لم PageV01P144 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0145.png) ~~يقدر على كتمانها فليعالج بما مر من معالجات العشق، الثاني: ولا يطلعها ~~على أسراره إذ لا أمن عليهن في كتمان السرائر، ولأن تمليك السر إليهن ~~يجعلهن غالبات على الأزواج، ولا يشاورها في الكليات لما مر ms064 من ضعف ~~عقولهن قال النبي صل لى الله عليه وسلم، ( شاوروهن وخالفوهن)، هذا في الكليات وأما ~~الجزئيات فقد يشاورون فيها لتطييب قلوبهن بهذا القدر مع الضرر التام في ~~فوتها، ويستر الزوج عنها، أي: عن الزوجة مقدار ماله؛ لأنه إن كان قليلا ~~ربما يكون باعثا لإعراضها عنه لما قيل: ~~وإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب ~~إذا ابيض شعر المرء أو قل ماله فليس له في ودهن نصيب # وإن كان كثيرا فربما تطمع في ماله ويكون باعثا لاختلال النظام أو ~~لتكليفها الزوج تكليفات خارجة عن المعتاد [80] لوقوفها على كثرة المال ، ~~الثالث: ويجنبها عن الملاهي لأنها كثيرا ما تهيج داعية الشهوات، فيؤدي ~~إلى الفساد وكذا عن النظر إلى الأجانب، وعن مجالسة العجائز، ~~ومخالطتهن لأن العجائز لاختلاطهن طائفة الشبان مع ضعف عقولهن ربما ~~يكن وسائل إلى الفساد ولما فرغ المصنف مما يجب على الأزواج في أمر ~~المنزل شرع فيما يجب على الزوجات في أمر المنزل وقال: # ويجب على النساء مع أزواجهن خمسة أشياء: العفة وأمرها ظاهر، ~~وإظهار الكفاية في المال والخشية من زوجها، وحسن التبعل: بأن لا تفسد، PageV01P145 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0146.png) ~~وقلة العتاب بأن تجامله في المعاشرة. # ثم ختم المصنف أمر الزوجين بوصية مهمة، وهي: ومن أحس منها ~~أي من الزوجة بفساد وسوء حال قليلا أو كثيرا فليترك الزوجة بأن يطلقها ~~البتة، أما الكثير فظاهر، وأما القليل فربما يؤدي إلى الكثير، ولا يمكن دفعه ~~بعد ذلك وإن لم يكن الطلاق فالاحتيال بصرف المال في جهة خلاصه ~~عنها ، ثم بالضرب والمهاجرة في المضجع، ثم بتحريض العجائز على ~~تنفيرها عنه، وترغيبها في زوج آخر، ثم المسافرة الطويلة بشرط إقامة ~~الرقيب عليها إلى أن ترغب إلى المفارقة والقطع، وقيل: إن المرأة الصالحة ~~كالأم في الشفقة والتعطف، وكالصديق في المعاونة، والاقتناع بنفقة الزوج ~~عليها، وكالأمة في الخدمة والاحتمال، والطالحة كالجبار في التجني عليه، ~~وإيذاء الخدام، وكالعدو في استحقاره والتشكي عنه، وكالسارق في الخيانة ~~وإتلاف المال. # وقيل: يجب الاحتراز عن خمس: الحنانة، والمنانة، والأنانة، وكيته ~~القفاء، وخضراء الدمن، ms065 قال النبي صلى الله عليه وسلم،:(إياكم وخضراء الدمن، قالوا يا ~~رسول الله [ه6] ما خضراء الدمن ? قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء). # واعلم أن شرائط النساء في الشرع، سبعة: # الأول: حسن المعاشرة، قال الله - تعالى : (وعاشروهن بالمعروف) PageV01P146 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0147.png) # ~~[النساء 9، وقل صلى الله عليه وسلم في وصيته في مرض موته: (الصلاة وما ملكت ~~أيمانكم، والله الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم). # الثاني : السياسة إذ المؤمن ينبغي أن يكون غيورا ولا يتابع هواهن ولا ~~ينبسط معهن حتى يزول الهيبة عن قلوبهن وإذا رأى منهن ما يخالف الشرع ~~يزجرهم بالصولة والحمية ولا يعمل بمشاورتهن كما قل صلى الله عليه وسلم، (شاوروهن ~~وخالفوهن، فإن في خلافهن بركة)، وقال عم صلى الله عليه وسل حين أرادت منعه ~~عن أمر ما أنت إلا لعبة في البيت، إن كانت لنا حاجة وإلا جلست كما في ~~البيت، وفي رواية إنما النساء ريحانة لا قهرمانة. # الثالث : الغيرة قا صلى الله عليه ولم ( إني لغيور وما من امرئ لا يغار إلا منكوس ~~قلبه) من الغيرة دخول غير المحرم في حرمه، ومن الغيرة منعهن عن ~~مجامع مثل زيارة المقابر والمساجد ومجالس الولائم وما يجتمع فيه الرجال ~~والنساء ومع ذلك لا يكون سيئ الظن في حقهن ولا يبالغ في تحسس أحوالهن ~~ولا يطلب عيوبهن. # الرابع: النفقة قال الله تعالى: (والذيب إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) ~~[الفرقان: 67]، ثم إنه يختار في المعاش الاعتدال ووجوه الحلال وإن اختلط ~~معه الشبهات فليصرف الحلال في القوت والشبهات في الكسوة؛ لأن لحما ~~نبت من الحرام استحق النار. # الخامس: التعليم، قال الله - تعالى -: (يأيها الذين عامنوا قوا أنفسكم PageV01P147 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0148.png) # 8ل ~~وأقليكم نارا)، ويعلم أهله معتقد أهل السنة والجماعة وأمر ~~الدين من الثواب والعقاب وأحكام الطهارة [82] من الغسل والحيض ~~والنفاس، وأحكام الصلاة والصيام، وإن أهمل الرجل في تعليمها يجب عليها ~~أن تخرج بدون إذنه وتسأل من العلماء. # السادس: القسم إن تعددت زوجاته فيعدل بينهن في النفقة، والكسوة، ~~والمضاجعة، والبيتوتة. # السابع: التأديب قال الله تعالى: (وآلتى تخافون ms066 نتوزهب فظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واصربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا علتهن سبيلا) ~~[النساء، وحكاية الرسول صلى الله عليه وسلم مع أزواجه الطاهرات حيث اعتزلهن ~~مقدار شهر مشهورة مسطورة في التفاسير. # وأما الصنف الثالث في سياسة الخدم وهم كالأعضاء من البدن ~~للمنزل كما أن الزوج بمنزلة الروح والزوجة بمنزلة البدن؛ ذلك لأنه يكفي ~~عنه ما لو لم يكفه لاحتاج في كفايته إلى استعمال الجوارح وإتعابها، فمنافع ~~الخدم كمنافعها ولولاهم لازدحم عليه أشغال كثيرة واحتاج إلى كثرة ~~الحرمات ولهب هيبته ووقاره، فيجب عليه أن يصرف عنايته نحوهم، فلينظر ~~صاحب المنزل في حال الكل وإصلاحها إجمالا بأن يعرف أحوالهم، ~~ويخص كل واحد بما يناسبه من الأشغال، ويكل إليه ما يليق به ويلائمه من ~~الأعمال، ولا يكلفه ما لا يطيقه، ولا يجهده بكثرة الأشغال المختلفة والأمور ~~المتباينة، ولا يؤذيه بتتابع النقل والتحويل من شغل إلى آخر لئلا يسأم، ~~ويشكر الله - تعالى - على إنعامه بهم وعليه برعاية العدالة، والإنصاف معهم PageV01P148 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0149.png) # 8 ~~وترك الجور والاعتساف عليهم، وبالجملة لابد من تهيئة ما لابد لهم من ~~المآكل والملابس وما يتبعهما بلا إسراف ولا تقتير، وأن يحفظهم من ~~الفسوق والجدال والظلم إلى الغير، ثم لينظر في حال كل واحد منهم ~~تفصيلا إما حالة اتخاذهم وإما حالة [83) استخدامهم. # أما الأول: فبالتجرية أولا إن أمكن، وإلا فبالتفرس من هيئاتهم فإن ~~البدن قالب النفس فظاهره فيتبع أشكاله وتخاطيطه هيئاته وأخلاقها فيمن لم ~~تتقو نفسه بالعقل ولم يتجرد عن ملابس الحس، ولهذا يتطابق الخلق ~~والخلق في أكثر الأشخاص، وقيل أحس ما الذميم صورته فيجب الاجتناب ~~عن الخلق المختلفة والصور المتفاوتة؛ كالأحول، والأصيد، والأفجج، ~~وأمثالهم، وعن المعلول كالأبرص والأعور والأعرج واختيار المتناسب ~~الأطراف المتعادل الأعضاء وإيثار الحي المتوسط في الذكاء على الشهم ~~الذكي الوقع؛ لأن الأول عفيف متذلل، والثاني: مكار متحول. # وأما الثاني: فيبنى استخدامهم على المحبة والرجاء والضرورة ~~والمخافة، ويستميل قلوبهم بأن يمكن في قلوبهم دوام صحبته، ولا يمثل ~~في ضميرهم مجانبته فإنهم إذا تصوروا مساهمتهم في ماله ومشاركتهم في ~~منافعه ms067 وفوائده راعوا الشفقة في أمر ولازموا النصح في بابه وإن شعروا ~~بخفائه، ووقفوا على ضعف ولائه وتوجسوا قلة وفائه كانوا في خدمته كعابر ~~سبيل بل عازم سفر طويل يهيئ زاده للرحيل فأزموا2 على جذب ماله PageV01P149 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0150.png) # قم ~~وادخار القينات ليوم الفراق والاستظهار بها عند الاحتياج، وليهيء ~~معايشهم في المآكل والملابس أكثر من اهتمامه بأمر نفسه فيقدم مصالحهم ~~على مصالحه وقال النبي صلى الله عليه وسلم، ( إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن ~~جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا يكلفه من ~~العمل ما يغلبه فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه)، وعن عائش ة الله عله قالت: ~~آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الصلاة وما ملكت أيمانكم)، ويتعرف ~~أحوالهم من النقير والقطمير، قال النبي صلى الله عليه وسلم 4]: (كلكم راع وكلكم ~~مسئول عن رعيته)، مثلا يصرف إلى أمته إلى إزاحة عللهم ويعين أزمان ~~راحاتهم وأوقات استراحاتهم، ويجعل أمر كل واحد مكفولا إليه، بحيث ~~يخرج عن عهدته ليزدادوا في الأمور نشاطا، وفي الخدمة انبساطا، ويمتلئوا ~~فرحا لا مللا ويهاجروا تثاقلا وكسلا، ولا يخليهم من لطف بأن لا يترك ~~الصفح والغفران في الزلات ولكن بلا ضعف بل على سبيل الاعتدال بأن ~~لا يهمل أمر التأديب والتقويم بحسب الجنايات، ولا يخليهم من عنف، بلا ~~ظلم بل يجعل نفسه في صدورهم داعية وعظمة وتعظم وقعه عندهم من غير ~~بلوغ رتبة الغلظة، والفظاظة فضلا عن التعذيب وتشديد العقوبة بحيث يتلف ~~ويقرب من التلف أو ضربه ضربا مبرحا، فإن هذه كلها مما يباين المروءة ~~والفتوة بل حكم الشرع، ولا يبالغ في العقاب معهم بأن يجازي الزلات، PageV01P150 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0151.png) # ~~ولا يصفح عنها أو يجازي الجرائم فوق ما تستحقه، ألا ترى أن الشرع ~~جعل قدر الحد عليهم نصف ما على الجرائر فيجب أن يراعي هذه القاعدة ~~في حقهم، ويوازن تأديبهم بما يجب على الحرائر بطريق المناصفة لئلا يفقد ~~طريق العدالة والنصفة، ويعين الكل واحد منهم شغلا غير شغل الآخرين ~~حتى ms068 يمتاز حاله عن حالهم كما أن كل جارحة تختص بفعل كذلك كل خادم ~~مما يحسن فعلا معينا لمناسبة طبعه إياه دون سائر الأفعال. # وأيضا يطرأ عليه السآمة والملال إذا لم يتميز شغله عن شغل الآخرين ~~ولم يظهر قدر كفايته عن كفاية غيره، ولا يكلفهم فضل مشقة لئلا يكل ~~طباعهم ويسأمهم [هم] الجهد والمشقة، لما مر في الحديث السابق، قيل: ~~حقوق العبد على سيده، سبعة: أن يطعم مما يأكله، ويلبسه مما يلبس، وأن ~~لا يكلفه العمل فوق طاقته، وتعليم أحكام الشرع مما وجب عليه، وإذا أتم ~~خدمة اليوم لا يكلفه خدمة الليل، ولا ينظر إليه بالحقارة، ولا يكلفه العمل ~~وقت أداء الفرائض حتى يؤدي إلى القضاء، وأن يعفو ما لا يؤدي إلى ~~نقصان الدين. # والأصل المهم في هذا الباب: سلوك طريق اللطف والعنف معهم كفاء ~~المصالح، وألا يجازي على الزلات بل يصفح ويعزر، ولا يهمل في ~~الجرائم من غير تأدية إلى التعذيب، بل يعتدل في أمر التأديب، ولا يمكن ~~تأديبه بعزله رأسا فإنه مع دلالته على الطيش وسوء العيش يؤدي إلى تفويت ~~منفعة الخدمة بالمرة إذ يحتاج إلى الاستبدال، وحكم البدل مثل حكم الأول ~~وإذا تابوا عن الجريمة ثم عادوا إلى ما نهوا عنه فعليك بتشديد العقوبة، ولا PageV01P151 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0152.png) # ~~تيأس عن الصلاح، وإذا أصر على الفواحش والقبائح، ولم يرتدع عنها، ~~ولم يحصل له التهذيب بالتأديب والتعذيب فأبعده وأخرجه من بين العبيد ~~لئلا يتعدى الفساد إلى الآخرين، والعبد بالخدمة أولى من الحر لحصول ~~كمال التسلط عليه ولتوطئة النفس على ملازمة الخدمة وتأديته عن المفارقة ~~بخلاف الحر. # وأصناف العبد بحسب الطبائع، ثلاثة: إما حر بالطبع: فيقام مقام الأولاد ~~في التربية والخدمة. وإما عبد بالطبع: فينزل منزلة الدواب في الأعمال ~~والرياضة. وإما عبد الشهوة: فيقضي شهوته بقدر [1ب] الحاجة، ويشغل ~~بالأمور الشاقة بالامتنان والاستخفاف، وبحسب المواضع فالعرب من بينهم ~~مخصوصة بالفصاحة والدهاء منسوبة إلى القساوة، وفوق الشهوة والجفاء ~~والعجم موصوفة بالكياسة والنظافة منسوبة إلى الاحتيال والشره والروم ~~منسوبة بالوفاء والتؤدة مغرية إلى اللؤم ms069 والبخل، والهند منسوبة إلى ~~الحدس، والذكاء وإلى العجب، والمكر وخبث النية، والترك منسوبة إلى ~~الشجاعة وإلى الغدر والفظاظة. # وأما الصنف الرابع: فهو الولد ليحسن الوالد تسميته، وليختر ما يلائمه ~~بحسب الحال والمصلحة لأنه يبتهج بالاسم الحسن، روي عن عائش لة الل عله ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يغير الاسم القبيح ويروى أنه كان يتفاءل بالاسم ~~الحسن)، ثم ترضعه امرأة معتدلة المزاج حسنة الأخلاق؛ فإن الرضاع ~~يغير الطباع حتى إن سوء المزاج وسوء الأخلاق يسريان إليه، قال البي صلى الله عليه وسلم PageV01P152 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0153.png) # قلم ~~(لا تسترضعوا أولادكم بالحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء وولدها ضائع)، وقال ~~يعق عن الغلام يوم السابع ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب ، ~~وإذا بلغ سبع سنين عزل عنه فراشه، وإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على ~~الصلاة، فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه، ثم أخذ بيده، وقال: أدبتك، ~~وعلمتك، وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة. # ويحفظ أخلاقه قبل ضراوته بالذمائم؛ فإن الصبي بصغار نفسه وجودة ~~استعداده يعتاد بالأشياء في زمان قليل وخصوصا باللذات الطبيعية لفرط ~~احتياجه إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم (أدبوا أولادكم صغارا تقر عيونكم بها ~~كبارا)، وإن كانت أخلاقه مذمومة يداوي [8] بما مر في أول المقالة ~~الثانية عموما وخاصة استهانة أمر المأكل والملبس وتفهيمه أن استعمالها ~~لدفع ألم الجوع وتوقي الحر والبرد وأن الغرض منهما حفظ الصحة وستر ~~العورة لا اللذة والزينة، والتنفير عن الأطعمة اللذيذة المختلفة والملابس ~~الفاخرة، وتأخير الطعام عن وقت الاشتهاء قليلا ليقتصر على الأدون، ولا ~~يميل إلى الألذ والمنع عن الطعام قبل الفراغ عن الوظائف، وقبل أن يتعب ~~تعبا تاما معتدلا، وتعويده الخبز بلا إدام وتنقيص الغذاء عن العشاء؛ لئلا ~~يتكاسل، وتقليل اللحم للتيقظ والذكاء والتحذير عن الحلاوى والفواكه ~~لسرعة استحالتها، وعن المسكرات لإيراثها التهور والوقاحة، والزجر عن ~~القبائح، وإن صدرت عنه يؤاخذ بالتوبيخ والتهديد، ولا يصرح له بإقدامه ~~عليها عمدا بل ينسب إلى الغفلة؛ لئلا يجترئ وإن عادوا إليه سرا ms070 بولغ في PageV01P153 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0154.png) ~~التوبيخ، وإن احتاج إلى الضرب ضرب ضربا قليلا مؤلما ليتأذى به فيحذر. # ولا يكرر عليه التوبيخ والضرب فيحرص على ما منع منه، ويعتاد ~~بهما، وليكن مخالطوه من أهل الخير ليرسخ الملكات المحمودة من ~~صحبتهم في طبعه، وليمنع من مجالسة أهل اللهو والمجون، والإتراف ~~والتنعيم والنوم الكثير مطلقا والقليل نهارا لئلا يتبلد ويبعث على التعب، ~~والرياضة وتلقي الحر والبرد ، ويحث على التواضع، وإكرام الأقران، ~~ويحجز عن التطاول والطمع والكذب والأقسام صدقا وكذبا، وإذا صدر عنه ~~جميل بولغ في التحسين، والحث عليه كذا ذكر بعضهم وإذا شرع في [مه] ~~تعليمه ابتداء بمحاسن الأخبار والأشعار المروية في الآداب والمواعظ ~~وحذر في العشقيات والغزليات، ويجب أن يكون معلمه كيسا متدينا عالما ~~بترتيب التعليم، وتخريج الأحداث ذا هيبة ووقار خبيرا بصناعة الأخلاق ~~حاويا لآداب كل طبقة وصنف من الناس وخاصة الملوك وأرباب البيوتات ~~محترزا عن شيم الأزوال والأخساء، وأن يكون في مكنة الأقران والأكفاء ~~ومن هو في مرتبته ليغتبط عليهم في التحصيل، ولا يتضجر في التعليم ~~وينهى عن الاستغاثة عند ضرب المعلم إياه فإنه من أفعال المماليك، ~~ويرخص وقتا غب وقت في اللعب الجميل لترويح النفس وإلا تبلد، ويحقر ~~في عينه الماليات من الذهب والفضة والشهوات، ويعظم عنده الإحسان إلى ~~الأكفاء وإجلال الإسناد والوالدين، ويحبب إليه الفضائل والمكرمات ~~والمعالي، ويبغض الرذائل وسفساف الأمور، وإذا ارتقى من درجة الطفولية ~~والصبا وفهم أغراض الناس فليهتم بشأنه وحاله وليشتغل بصنعة يستعد لها ~~بأن يتفرس في أحواله أنه يستعد لأي نوع من العلوم والصناعات فيحثه عليه PageV01P154 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0155.png) # ~~ويوجهه إليه لأن كل أحد لا يستعد لكل علم أو صنعة وإلا لقصد الكل ~~شرفها وذلك مقتضى عناية الله - تعالى - بنظام العالم وحكمة القدر قال الله - ~~تعالى -: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) ~~1]، (إلا من رحو ربك ولذلك خلقهم) ، وجعل لكل منهم ~~شرعة ومنهاجا، وكل ميسر لما خلق له والمستعد للشيء يكفيه أيسر أسبابه، ~~ويجد ثمرته في زمان قليل، فإن كان من أهل ms071 العلم علم على الترتيب ~~المذكور [8] في باب اكتساب الفضائل، وإن كان من أرباب الصناعات ~~درب بما يوافقه، وإن وقف على عدم أهليته لصناعة شرع فيها نقل إلى ~~أخرى بذل المجهود واستفراغ الوسع، ولا يشوش ظاهره بكثرة الانتقالات ~~وقلة الثبات في الصناعات، وليأمر بتكميلها بأن يطلب المهارة فيما أقدم ~~عليه، ولا يرضى بتعلم البعض وترك الباقي وضبط الأصول، وإهمال الدقائق ~~بل يقصد في كل شيء بلوغ الغاية؛ لأن التمتع فيه وليؤمر الاكتساب بها ~~لئلا يضيع ما عاناه من الجد والاجتهاد في تحصيلها فإذا اقتدر على ~~الاكتساب بصنعة حرضه ليحرص على تكميلها والتمهر فيها عند وجدان لذة ~~الانتفاع ويتيقظ لتدبير المعاش ويتصرف في بابه. # واعلم أن ههنا قاعدة مطردة وفائدة مهمة وهي أنه لابد لأستاذ من ~~النظر إلى استعداد كل شخص بأن يتصرف بما يميل إليه طبعه وما يقبل له ~~شأنه حتى يأمر إلى المتعلم والتلميذ بالاشتغال إليه ليحظى منه بطائل، وإليه ~~يرمز قول أفلاطون الحكيم يؤخذ قلب آدمي معتدل المزاج وعيناه ويجعل ~~تحت الإبط أربعين يوما ثم يطرح على الناس يصير كيمياء والكيمياء في لغة ~~اليونان الحيلة في تحصيل المال ثم غلب على تحصيل النقدين ثم على PageV01P155 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0156.png) # ~~طريق مخصوص في تحصيلهما، ومراد أفلاطون بهذا الرمز أنه يتفحص ما ~~يميل إليه قلبه، وما ينظر إليه عينه ثم يؤمر بالاشتغال عليه فيجد فيه ما لا ~~يجد في غيره، وهذا هو المراد بالكيمياء ههنا، وأما ما يفهم من ظاهره من ~~تجويز أفلاطون القتل بغير حق في تحصيل الكيمياء فحاشاه غير ذلك القول ~~إذ لا يجوزه جاهل لئيم، فضلا عن عاقل حكيم. # واعلم أن للبنات بعد [90] تدبيرهن في أمر المأكل والمشرب أحوالا ~~خاصة: يتعلق بتأديبهن وهي إلزام خصال النساء، كالوفاء، والعفة، والمنع ~~من العلم والكتابة، والتزويج عند بلوغ الحد مع الكفء. # ولما فرغ المصنف من حق الولد على الوالد شرع في بيان حق الوالد ~~على الولد، فقال: وأما الولد بالنسبة إلى والديه فله أمران، فيعلم الولد أن ~~الوالده موجداه؛ لأن الله - تعالى - أوجده ms072 بسببهما فإن الوالد هو السبب في ~~دفع نطفته التي هي مخ ساقيه ونور عينيه ومادة حياته في رحم الأم فتحمل ~~الأم بجنين بذلك تسعة أشهر، وتحفظه مثل قلبها في قالبها، ثم تقاسي ثقل ~~الحمل، وتعاني الآلام والأسقام والأوجاع التي تصيبها عند الوضع ورباه ~~القريبان ، أي : مربياهما الصوريان، وأما الموجد الحقيقي والمربي المعني ~~فهو الموجد الحق والرب المطلق؛ وذلك لأن الأب يسعى في تحصيل ~~غذائه ومادة نشؤه ونمائه لقوام بدنه ويعلمه الآداب والصنائع والعلوم ~~والشرائع لكمال، ثم يستخلفه في أسبابه وماله وما يكدح لأجله ويشقى به، ~~وكذا الأم ترضعه من صفاوة دمها ومادة حياتها وترجح بقائه على بقائها، ~~وتدفع عنه المكاره والمضار، وتجذب إليه المنافع والمسار محامية عليه ~~ذابة عنه، فبالحري أن يكون أداء حقوقهما تابعا لأداء حقوق الباري تعالى، PageV01P156 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0157.png) # ~~فيجب طاعتهما والشكر لهما وتحصيل رضائهما وتحصيل أذاهما، قال الله ~~تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) ، وقال ~~عز من قائل: (ووصينا الإنسن بوالديه حملته أمهو وهنا على وهن وفصله ~~في عامين أن اشكرلى ولوالديك) ، بل رعاية حقوقهما ومكافأة ~~نعمهما أحق من عبادة الباري - تعالى -، ولذلك قال المصنف: [91] بل ~~احتياجهما واستغناء الباري تعالى عن عباداتنا، يوجب زيادة العناية بهما في ~~الخدمة على خدمة الله تعالى في غير الواجبات بل في بعض منها مع كون ~~طاعته تعالى. # وتلك الطاعة بثلاثة أشياء فيبذل أولا في الرضاء أي في استرضائهما ~~قولا وفعلا والمحبة لهما بأن لا يستسر لهما البغض في قلبه والطاعة لهما ~~بامتثال أوامرهما ونواهيهما إلا فيما يؤدي إلى معصية الخالق فخالفهما ~~بالملاطفة لا بالمنازعة قال الله - تعالى -: (وإن جلهداك على أن تشرك ب ~~ما ليس لك بهه عله فلا تطعهما) . # والثاني: يبذل في الإحسان غاية الإمكان بأن يساهمهما في الخيرات ~~المالية ومساعدتهما في المقتنيات الدنياوية بلا طلب منهما ومنة منه. # وههنا أمر ثالث لابد من مراعاته في حقهما: وهو إرادة الخير بهما سرا ~~وجهرا دينا ودنيا ومحافظة وصاياهما في حياتهما وبعد مماتهما قال الله - ~~تعالى -: (وقل رب ارحمهما ms073 كما ربياني صغيا). # ثم إن العقوق لهما أيضا بثلاثة أشياء، الأول: أن يؤذيهما قولا أو ~~نقصان المحبة قال الله - تعالى -: (قلا تقل لهمأف ولا تتهرهما) ، ~~الثاني : مضايقتهما بالأموال والمنافع أو تكدير إرفاقهما بالمن أو طلب الثناء PageV01P157 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0158.png) ~~وغيره عوضا، الثالث: عدم الاعتناء بأمرهما، وترك الحفاوة عليهما، وإهمال ~~وصاياهما، وكما أن طاعتهما يتلو التوحيد والعبادة، فكذلك عقوقهما يتبع ~~الشرك والمعصية، وإذا عرفت حق الوالدين معا، فاعلم أن بين حق الأب ~~والأم فرقا لابد من معرفته لئلا تخطئ في رعاية حق كل منهما. # واعلم أن حقه ألطف ومن الروحانية أقرب، ولهذا لا يتنبه إلا بعد ~~التعمق، وحقها أظهر، وإلى الجسمانية أميل ولهذا [92] يدرك في مبدأ ~~الإحساس فميل الصغير إلى الأم أكثر من ميله إلى الأب فمكافأة نعمته ببذل ~~الطاعة وذكر الخير والدعاء والثناء ومكافأة نعمتها ببذل المال وإيثار أسباب ~~المعيشة كل مما يناسبه كذا الحال في جميع من ينزل منزلتهما في الأجداد ~~والأعمام والأخوال والأكابر من الإخوان وما يقابل هؤلاء من طائفة النسوان ~~حكمهم حكمهما في التعظيم والتوقير وسائر ما ذكر أن المعلم لما كان في ~~التربية في حكم الوالدين بل آكد وأشد أراد أن يشير إلى حاله فقال: # والمعلم للإنسان ربه، أي: مربيه والمكمل له الذي أفاض عليه الصورة ~~الإنسانية من الكمالات العلمية والحياة الأبدية المكتسبة من الكمالات الفاضلة. # واعلم أن المعلم أحق برعاية حقه من الأب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الاثة ~~أب ولدك، وأب علمك، وأب رباك)، وفي رواية: (الآباء، ثلاثة: أب ~~من علمك، وأب من ولدك، وأب من زوجك، وخير الآباء من علمك)، ~~وذلك لأنه هو السبب في ولادة روحك الذي هو الحقيقة الإنسانية فإن PageV01P158 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0159.png) # ~~المعلم بإلقاء نطفة من طريق السمع إلى رحم قلبك المسمى بالعقل ~~الهيولاني يصير سببا لولادة طفل العقل بالملكة، كما قال عيسى - صلوات ~~الله عليه - لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين. # ثم يرضعه بلبن المعارف الحقيقية الحقة والحكمة البالغة المحضة ~~ويربه بأغية المعاني الحقيقية وأشربة الحقائق اليقينية ms074 إلى أن بلغ أوان حلم ~~العقل بالفعل وهكذا حتى يبلغ أشده الذي هو العقل المستفاد ويصل إلى ~~الأصل فيأمن من خوف الفناء والنفاد وبقدر فضيلة الروح على البدن، ~~ومزية العلم على البين وزيادة عذوبة لذة الأغذية الروحانية على الأطعمة ~~الحيوانية [93] ورجحان البقاء العقلي الدائم على الحسي الزائل يجب ~~ترجيح طاعة المعلم على رعاية الأب، فليعبد عبادة لا يطيعها لأحد من ~~المخلوقات، وإلا لم يقدر أن يعبد الله تعالى حق عبادته؛ لأن عبادته تعالى ~~موقوفة على معرفته ومعرفته مستفادة من المعلم فمن لم يعبده لم يعرف الله، ~~وإذا لم يعرف الله لم يمكنه أن يعبده، فهو خليفة الموجد الحق، ونائب ~~الرب المطلق. # ثم إن عبودية العلم بتولي خمسة أشياء: أن يبذل نفسه وماله ليتصرف ~~فيهما كيف يشاء، ويقدم خدمته على ضروريات نفسه، ويواظب على شكره ~~عالما بقصور عن مكافأته لينجذب خاطره إليه، ويتحمل أذاه وأذى الغير ~~لأجله بحسن التلقي والقبول، وترك الاعتراض على قوله وفعله وإياه ثم إياه ~~بإزائه بوجه ما، فإنه يؤدي إلى خسار الدنيا والآخرة ليتوطن الناس به ~~وعدوله عن الحق الواجب، فيقع في معرض سخط الله - تعالى - نعوذ بالله ~~منه -، وكذا حكم من يجري مجرى المعلم ويتعلق به من أولاده وأحبائه PageV01P159 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0160.png) # ~~وأصدقائه وإخوانه من أهل الصدق، وأرباب الحق في التفخيم والتكريم، ~~والله المستعان وعليه التكلان، وإذا انتهى الكلام إلى هذا المقام فلنختم ~~الباب ب: ~~(8) آداب المجلس من الكلام والحركات والطعام. # أما الكلام فيجب على العاقل أن يعتاد السكون وقد قيل إكثار الكلام ~~من الجنون وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من صمت نجا)، وإلا فترك الإكثار وتغلب ~~الاستماع، وأن لا تقطع كلام الناي بكلامه، وإن كان هو أعلم بهذا الأمر ~~منهم ما لم ينته كلامهم، وبعد أن ينتهي لا يجيب على وجه يقدح فيهم، ~~ولا يستقيم في الجواب، ولا يلتزم ما يسأل عن غيره وما لم يفهم فهما ~~كاملا لم يشرع [94] في الجواب، وما لم يتصور في نفسه لم يشرع في ~~التعبير عنه، ولا يستمع إلى ms075 مسارة الناس ونجواهم، ولا يرفع صوته بين ~~يدي الأكابر والأفاضل، ولا يغض أيضا بل ليراعي القصد، وليجر كلامه ~~معهم على المغايبة والكناية، وليتوق عن الكنايات المبهمة والألفاظ الوحشية ~~والتطويل، واللجاج، واللغو، والفحش، ولا يكرر إلا عند الاحتياج لكن ~~بعبارة أوضح ومن غير ضجر، وليمثل بمعضلات كلامه وعويصاته بالأمثلة ~~الواضحة مع العبارات الظاهرة، وليعدل إلى المجاز والتعريض عند الإخبار ~~عن المستقبحات والمستهجنات. # وليحترز عند الكلام عن الإشارة باليد والرأس وسائر الأعضاء إلا إذا ~~اقتضى الحال فيرمز رمزا لطيفا وحركة خفيفة، ولا يجادل مع أجد، ولا يلح PageV01P160 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0161.png) # ~~سيما مع السفهاء وذوي الوقاحة، وليجتنب في البحث عن المعاندة ~~والمكابرة، وليلازم الصدق والحق وإن ظهر في يد حريفه، ولا يتكلم إلا ~~بقدر عقول المخاطبين، ولا يحاك أقوال الناس وأفعالهم، وإذا دخل على ~~الأكابر افتتح بما يتمن به، وليهاجر الغيبة والبهتان قولا وسمعا، وليصغ إلى ~~حديث سيد القوم مقبلا عليه لكن غير معرض عن الباقين بالكلية، وأما ~~الحركات فيحترز فيها عن الإبطاء والإسراع والتبختر فعل الجبابرة والمتكبرين ~~قال الله - تعالى -: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ ~~الجبال طولا) ، وتحريك الكتفين فعل المخانيث، وإرخاء اليدين ~~وتحريكها، وكثرة النظر إلى خلف، والالتفات إلى الجوانب، والأطراف في ~~الطريق كالمحزون، وفي الجلوس غير مد الرجلين، والتربع فيه والجثو [95] ~~على الركبتين إلا عند الأستاذ والملوك والوالدين، ومن يجري مجراهم، ~~والاعتماد على اليد والاتكاء، ووضع الرأس على الركبة واليد، والأصابع ~~وترقهما، وإخالهما الأنف والفم، واللعب باللحية، والتمطي، والتثاءب، ~~والتبزق، وإلقاء النخامة، والحسر عن الساعد والقدم، والنعاس، وإن غلبه ~~دفعه بالحديث والتفكر، وإلا خرج عن المجلس، وإذا نام القوم وافقهم أو ~~خرج عنهم، وينبغي أن يراعي حده في المحفل لا يتقاصر عنه، ولا ~~يتجاوز، ويحفظ مرتبته إلا إذا كان سيد القوم فيجلس حيث يشاء، وإن كان ~~غريبا جلس حيث يجلس، ثم إن اطلع على أنه جلس فوق حده رجع إلى ~~مكانه والعمدة في الباب محافظته الاقتصاد. # وأما آداب الطعام فآلاتهم فيه: تنظيف الجوارح كاليد والوجه ms076 ~~والأنف، ولا يبادر إلى الطعام إلا أن يكون مضيفا، وليأكل بثلاثة أصابع PageV01P161 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0162.png) ~~ولا يلطخ ثيابه، وليصغر اللقمة، وليأكل مما يليه، ويمتنع عن التقعر وسرعة ~~الالتهام، وتواتر الالتقام، وتطويل المضغ، ولعق الأصابع، والتشوق إلى ~~اختلاف المطاعم، والميل إلى الألذ، والنظر إلى القرين، وخصوصا في ~~لقمته، واستشمام الطعام، وليحذر مما ينفر الطباع، وإن واجد فيما يمضغ ~~حصى أو عظما أخرجه بغفلة عن الحاضرين، ولا يكف من الطعام قبلهم، ~~وإذا شبع وامتلأ يتعلل باليسير، ويبلغ اللمظات المختلفة باللسان ويطرح ~~المقتلة بالحلال إلى حيث لم يتنفر عنه وإذا كان في جمع فليترك الخلال ~~وإذا انتهوا إلى [96] إلى الغسل لم يسابق القوم إلا إذا كان ضيفا وليبالغ في ~~تنظيف الأصابع وأصول الأظفار والفم وحواليه، ولا يتغرغر ولا يلقي ~~البزاق في الطست، وإذا شرب الماء فلا يعب بل ليتجرع، وليحذر عن ~~تصويت الحنك والحلق، وفي الآداب كثرة ومن لم يتنبه بهذا القدر فاهجره ~~وكل ميسر لما خلق له. PageV01P162 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0163.png) # ويقال له : الحكمة المدنية، وهي: النظر في القوانين الكلية المقتضية ~~لمصلحة الجمهور من جهة التعاون وموضوعه الهيئات الاجتماعية ~~والاجتماعات مختلفة مندرجة بعضها تحت بعض فالأول اجتماع المنزل، ~~ثم المحلة، ثم المدينة، ثم الأمة، ثم العالم، وكل اجتماع رئيس إلى رئيس ~~الرؤساء، أعني رئيس العالم - أعني أن الحاجة إلى التعاون أوجبت التمدن ~~اشتقاقا من المدينة التي هي الاجتماع، وذلك؛ لأن كل واحد منا لو تكفل ~~بنفسه ما يحتاج إليه من الحرف والصناعات لما تيسر له وكيف يمكن، وقد ~~قيل: إن كل لقمة تحتاج إلى عمل ألف صانع فلا يتنظم أمرهم، ولا ينضبط ~~معاشهم إذا تعاوضوا بينهم بتلك الأمور، فكان مبنى تعيشهم ومدار حياتهم ~~وتكملهم على التعاون والتعامل، وهذا ما يقال للإنسان مدني بالطبع، ولذلك ~~اقتضت حكمة الله - تعالى - اختلاف الطبائع، وتباين الآراء والعزائم؛ ليميل ~~كل واحد إلى صنعة وشأن يخالف صنعة الآخر وشأنه وفرح كل حزب بما ~~لديه ورضي بما عنده شريفا أو دنيا لمناسبة طينته له، وذلك رحمة من الله - ~~تعالى - ومنة [97] منه على ms077 عباده إذ لو تساووا لقصد الكل أمرا واحدا ~~فيفوت مصلحة التعاون وعاد المحذور وكذا إذا تساووا في الفقر والغنى إذ ~~يفوت التعاون أيضا، قال الله - تعالى : (ولؤ بسط الله الرزق لعبادو لبغوا في ~~الأرض)، وكذا في البلادة والذكاء قال الله - تعالى : (ولو شئنا PageV01P163 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0164.png) # ~~لأتينا كل نفس هدلها ولاكن حق القول من لأملأن جهة من الحتة ~~والناس أجمعين) ، فسبحان من خلق الأشياء بمشيئته على ~~مقدارها وسواها بمعدلته على مدارها. # ثم اعلم أن اجتماعات الناس صنفان: طبيعية، وغير طبيعية. # فالطبيعية: منشؤها المحبة، وهي تقتضي اتحادا طبيعيا، ولا يحتاج ~~إلى العدالة التي هي اتحاد صناعي، إذ لو ثبتت المحبة بين الأشخاص كلها ~~لما مالوا إلى الجور والاعتساف، فما افتقروا إلى الإنصاف والانتصاف، بل ~~ثبات كل الموجودات بالمحبة لأن بناءها على الوحدة ولا سبب للوحدة ~~غير المحبة ، فأفضل المحبات وأولاها، أولها في جانب الإفاضة محبة ~~الباري للعبد ثم المعلم للمتعلم ثم الأب للولد، ثم المحسن للمحسن إليه، ~~وكذا ينبغي أن يكون في جانب الاستفاضة؛ ليحصل العدل فلا يؤثر محبة ~~على محبة الله - تعالى - لئلا يلزم الشرك، واتخاذ الأنداد ولا يكون حقيقة إلا ~~من العلماء الربانيين وإن صدرت من غيرهم فهي حالية، لا أصل لها، ولا ~~يؤثر محبة ما سوى الله - تعالى - على محبة المعلم لأنها تشبه بالمحبة الأولى ~~من حيث أنه تكميل الذات، وسبب البقاء وتربية النفس وقد مر تفصيله. # ولا يؤثر محبة الكبراء والعظماء على محبة الوالد؛ لأنها تتشبه بالثانية ~~من حيث إن أصل وجود النفس والبدن من الله تعالى [48] وجعلهما سببين ~~قريبين لوجودهما، فالمعلم رب روحاني، والأب رب جسماني، وبقدر ~~فضيلة النفس على البدن يكون فضيلة محبة المعلم على محبة الأب، وعلى ~~هذه النسبة محبة المعلم للمتعلم والأب للولد، ولا يؤثر محبة بعض PageV01P164 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0165.png) # وإذا عرفت الاجتماعات الطبيعية فاعلم أن الاجتماعات الغير الطبيعية ~~صنفان: مسبب عن الخيرات، وتسمى المدينة الفاضلة؛ وهي اجتماع قوم ~~لا يقصدون بأفعالهم إلا اكتساب الخيرات واجتناب الشرور. وصادر عن ~~الشرور، وتسمى المدينة الغير الفاضلة، والأولى ms078 لا يكون إلا واحدا؛ لأن ~~طريق الحق واحد، وأهل هذه المدينة وإن كانوا مفترقين في بلاد شتى، ~~فهم مجتمعون بحسب اعتقاد العقيدة في المبدأ والمعاد واتحاد أقوالهم ~~وأفعالهم في التوجه إلى الكمال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( المؤمنون كنفس ~~واحدة)، كذا اتحدت ملوكهم فيتصرفون في ضبط نظام الكل وتحصيل ~~سعادة الجمهور، كما أن الأنبياء متفقون في الدعوة إلى الحق وإلى كلمة ~~سواء بينهم، ولا يقدح اختلاف الفروع في الشرائع في اتفاق الأصول، ~~فالملوك في تلك المدينة بمنزلة الرأس والأنبياء بمنزلة القلب ثم أركان هذه ~~المدينة خمس فرق، الأولى كط المدبرة، وهم الكمل من العارفين بحقائق ~~الأشياء الثانية : ذوو الألسنة، وهم: دعاة العوام وهداتهم إلى مقصد ~~الخواص كالفقهاء، والوعاظ، والخطباء، والكتاب، الثالثة: المقدرة، وهم: ~~الذين يراعون المصالح، ويحفظون العدالة في المدينة كالأطباء، والحساب ~~[99] الرابعة: المجاهدة، وهم: الذابون عن الحريم بالشجاعة ومحامون ~~للحمى من المتغلبة من أهل المدن الثلاث التي سنذكرها، الخامسة: الجالبة ~~للأرزاق إما بالتجارة والصناعة، وإما بالجباية، والحراثة. PageV01P165 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0166.png) # م # وأما الرياسة العظمى لهذه المدينة، فعلى أربعة أنواع: # الأولى: رياسة الحكمة، وهي: رياسة الملك المطلق إن وجد، وعلاماته، ~~ثلاثة : الحكمة علما وعملا وجودة، الاقتناع والتخييل الموجبة للتكميل، ~~وقوة الجهاد. # والثانية: رياسة الأفاضل، وهو عند فقدان الملك ووجداني خصاله ~~في ثلاثة أنفس يحصل باجتماعهم وتظاهرهم للتدبير التام. # والثالثة: رياسة السنة وهي لوجود رئيس تطلع على سير الأسلاف أي ~~الملك المطلق والأفاضل وأوضاعهم، ويقتدي بسنتهم وآدابهم ويحفظ ~~مراسمهم ويستخرج منها المصالح. # الرابعة: رئاسة أصحاب السنة عند فقدان هذا الرئيس أيضا وإقدام ~~جماعة متفقة الآراء على اتباع أمر السلف، وإنفاذ حكمهم في المدينة ويتم ~~أمر الإنفاذ بتقديم المتقدم في كل صفة وتسويده، والمنع عن الشروع في ~~الصنائع المتفرقة لمناسبة كل طبيعة بصنعة دون أخرى واختلال الصنعة ~~بأقسام الهمة المؤدي إلى نقصان الجميع، فإن كان أحدهم ذا صناعات ~~كثيرة وقف على الأشرف ومنع من البواقي. # وأما المدينة الغير الفاضلة : فأما عدم استعمال القوة العاقلة، أو ~~يستعملها لكن تكون مغلوبة بقوة ms079 أخرى، فإما ألا يكون محلة للاجتماع، أو ~~يكون محلة ، الأولى: المدينة الجاهلة، والثانية: الفاسقة، والثالثة: الضالة ~~المدينة الجاهلة ستة أنواع: # مدينة الضرورة وأهلها يتعاونون على سعادة البدع أو بالوجوه PageV01P166 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0167.png) # ~~المحمودة كالفلاحة [100] أو المذمومة كالسرقة. # ومدينة النذالة: وأهلها يتعاضدون على الثروة، ويصرفون المال في ~~الضروريات. # ومدينة الخسة: وأهلها يقتصرون على اللذات الحسية والطبيعية كالأكل ~~والشرب، واللهو، واللعب. # ومدينة الكرامة: وأهلها يتناصرون على الكرامات القولية والفعلية ~~وأسبابها: اليسار، ومساعدة أسباب اللهو والنفع بأحد هذين الوجهين ~~والغلبة والحسب غرضهم إيقاع الهيبة في القلوب بكثرة الحجاب وتعظيم ~~القدر بأنواع التجمل والتزين، وتكثير الحواشي والخدم، وإذا تقرر ملكه ~~ورسخت رياسته رتب الناس على حسب اختلاف درجاتهم، ويقرر الملك ~~لعدهم على أولادهم فهم الأحساب عندهم، وإذا أفرط أهلها في الكرامة ~~صاروا جبابرة وخصوصا إذا انضم إليها القهر. # ومدينة التغلب: وأهلها متعاونون على قهر الناس واستيلائهم إما ~~بسفك الدماء، أو بنهب الأموال أو بالسرقة ولذتهم في الغلبة. # ومدينة الحرية : وتسمى مدينة الجماعة وأهلها كلهم أحرار لا تفاضل ~~بينهم إلا بمزية الحرية، ومقدمهم من هو أبلغ حرية ن ويقتصر في معاشه ~~على الكفاف، فلا رياسة فيها بالحقيقة، ويفترق أهلها بحسب اختلاف ~~الهمم والآراء فرقا كثيرة، ولكل فرقة رئيس، وهذه المدينة مرغوب في ~~إقامتها ويعظم سوادها في مدة قليلة. # وأما المدينة الفاسقة : فهي موافقة للفاضلة في الاعتقاد ومخالفة لها في PageV01P167 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0168.png) # لم ~~الأعمال، وينقسم إلى أقسام الجاهلة. # وأما المدينة: فأقسامها غير متناهية اعتقادا وعملا ولكنها خمسة ~~أصناف: # الأول: المراعون، وهم يفعلون أفعال الأفاضل لا للسعادة بل للذة [10] ~~والكرامة . # الثاني: المحرفون، وهم الذين يميلون إلى أغراض الجاهلية فيئولون ~~قوانين أهل المدينة الفاضلة ما يوافق أهواءهم، لئلا يمنعهم عن بلوغ ~~مرادهم. # الثالث: البغاة وهم جماعة ترغب عن مطاوعة الملك الفاضل إلى ~~ملك التغلب. # الرابع : المارقون، وهم الذين يحملون قوانين الفضلاء على معان غير ~~مطابقة للحق من غير قصد التحريف لسوء فهمهم فهذه أقسام المدن ~~ورياستها وخيرها ما كان عن محبة لدوامها فإن الاجتماع على البغضاء ~~والشحناء يفضي إلى ms080 الافتراض، وهي: أي مدينة المحبة إما للخير، وذلك ~~كصداقة أهل الحكمة، ولهذا لا ينقطع محباتهم ويلزمها لذة لا يناسب اللذة ~~البدنية أصلا، ومن لم يذقها لم يعرفها، أو للنفع كمحبة المحسن إليه ~~للمحسن، وكصداقة المشايخ ومن يجري مجراهم، وهذه سريعة الانقطاع ~~والانتقال أو للذة كمحبة الزوجين وصداقة الأحداث ومن يدين بدينهم ~~ولكون اللذة سريع الانعقاد والانحلال يكون هذه الطائفة ربما يتواصلون ~~ويتقاطعون مرارا كثيرة في زمان قصير وقرينة بقاء مودتهم وذلك عند توقع PageV01P168 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0169.png) # ~~بقاء اللذة معا أو مركب منها ، أي: من هذه الثلاثة فكاشتراك صحبة الزوجين ~~في اللذة والنفع ويحصل من تركبها أقسام كثيرة فعليك باستخراجها، وقد ~~يساوي الطرفان بأن يكون محبة كل للخير، أو للنفع أو للذة مساويا لنظره في ~~الآخر، وقد يختلفان بأن يكون محبة كل من هذه الأمور أقوى من نظيره في ~~الآخر، أو أضعف منه قيل قوله وقد يختلفان مستدرك وفيه ما فيه ودوامها، ~~أي: دوام المدن والاجتماعات بحسب دوام تلك الأغراض من الخير [102] ~~والنفع واللذة، فإن أضداد هذه يؤدي إلى الافتراق. # وأركانها - أي: أركان المدن والاجتماعات - ثلاثة: مالك، ومملوك، ~~وأمثال؛ لأن الشخص إما أن يكون متسلطا على الغير مطلقا، فهو المالك أو ~~يتسلط عليه الغير مطلقا، فهو المملوك أو لا هذا أو لا ذاك فهو الأمثال أما ~~المالك فينبغي أن يتسم بسبع خصال: # الأول: أن يكون أصلا ليطاع بلا أنفة. # الثاني: أن يكون عالي التهمة ليتنزه عن الأمور الخسيسة المنفرة ~~للقلوب عن إطاعته. # الثالث: أن يكون متين الرأي لئلا ينفصم نظام مملكته ولا تنقطع عرى ~~دولته، ولا تحصل هي إلا بالفكر، أو النظر الصحيح والتجارب المرضية ~~واعتبار حال السلف. # الرابع: أن يكون ثابت العزم، ويعبر عن ذلك بعزم الملك وعزم الرجال ~~أيضا ويحصل من تركب الرأي الصحيح، والثبات التام، وإنما وجب هذا؛ ~~لأن ملك التردد في الأمور يفضي إلى التعطيل كما قال الشاعر: PageV01P169 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0170.png) # م # فإن فساد الرأي أن تترددا ~~إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمةفإن فساد الر ~~وإن كنت ذا ms081 عزم فامض ولا تقف فإن فساد العزم أن يتفند # والخامس: أن يكون صبورا على الشدائد ليفوز بالمطالب فإن التأني ~~في الأمور يطلع صاحبه على الصواب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الأناة من الله ~~والعجلة من الشيطان)، وقل صلى الله عليه وسلم ( التؤدة في كل شيء خير إلا في ~~عمل الآخرة)، وإنما استثنى عمل الآخرة لقوله تعالى: (سارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم) . # والسادس: أن يكون موسرا؛ لأن اليسار سبب لمزيد الاقتدار، والغنى ~~وسيلة المنى. # والسابع: أن يكون ذا أعوان متفقة ليتيسر له دفع الخصوم ومنع الظالم ~~عن المظلوم، ولا يظفر عليه [103] أحد من الأغيار إلا طالب دين، أو ثأر ~~أي: قصاص، وذلك لأن ظفر الغير يؤدي إلى فساد الملك إلا عار الدين، ~~والثأر إذ في منعهما اختلال النظام ووقوع الهرج والمرج بين الأنام فعاد ~~الملك على موضوعه بالنقض فلا يترك الكل لأجل البعض. # واعلم أن الملك يستحقه إلا العارف بمزاج العالم القادر على حفظ ~~صحته ورد مرضه إما بالرياسة التغلبية أو المحاربة الهرجية وأساس الدولة PageV01P170 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0171.png) # ~~اتفاق الجماعة وثبات عزائمهم وتزلزلها باختلاف دواعيهم، وانحطاط الدولة ~~برغبة أرباب الدول في الترفه والتجمل حتى اختاروا العطلة على الصبر ~~والتجمل ووضعوا أوزار الحرب والمقاتل، والجهال إلى أن كان كل من ~~ناقضهم مظفرا منصورا واستأصلوا عن آخرهم كأن لم يكن شيئا مذكورا وعليه ~~أي على المالك في حفظ النظام من تأليف الأولياء وتفريق الأعداء ولا يتم ~~هذين إلا بالنظر في مصالح الرعية، والحذر عن فساد أمر العدالة وشرائط ~~ما ذكر ثلاثة أمور: # الأول: تعديل الأصناف الأربعة بالتكافؤ؛ كاعتدال المزاج بتكافؤ ~~العناصر الأربعة: # الصنف الأول: أرباب القلم من أرباب العلوم والمعارف والفقهاء ~~والقضاة والأطباء والمنجمين، وأرباب الكتابة، والحساب، وغير هؤلاء ممن ~~هو سبب قوام الدين والدنيا، وهم بمنزلة الماء في العناصر. # والثاني [104]: أصحاب السيف كأهل الشجاعة والبأس من المجاهدين ~~والمطوعة الذين هم سبب معيشة الناس وهؤلاء بمنزلة الهواء. # والثالث: أصحاب المعاملة من التجار وأهل الغير الذيم يجلبون الميرة ~~والطعام والثياب الفاخرة إلى العباد ms082 الذين هم أركان النظام وينزل التجار منزلة ~~النار والرابع أهل المزارعة كالدهاقين والفلاحة وسائر من يعمل في أكثر ~~الأوقات لتحصيل مهمات الأقوات وهؤلاء من بين الأنواع بمنزلة الأرض ~~من بين الطباع. # ولما كانت العدالة بتعديل هذه الأصناف الأربعة في الترتيب كما أن PageV01P171 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0172.png) # 8م ~~غلبة بعض العناصر يؤدي إلى انحراف المزاج وانحلال التركيب فلا يمكن ~~أحدها من الغلبة على الباقي لاستلزامها اختلال النظام الاجتماع بالطبع ~~وانقلاع وصف الاتحاد والمساواة في النوع ومن كلام الحكماء فضيلة ~~الفلاحين هو التعاون بالأعمال، وفضيلة التجار: هي التعاون بالأموال، ~~وفضيلة الملوك: هي التعاون بالآراء والسياسة، وفضيلة الإلهيين: هي ~~التعاون بالحكم الإلهية قال الله تعالى: (وتعاوتوا على النبر والتقوى ولا تعاووا على ~~الإثم والعدوان). # الشرط الثاني: تعيين مراتب الخلق بحسب استعدادهم؛ لأن الناس ~~كلهم ثلاث فرق: أخيار بالطبع، وأشرار بالطبع، ومن ليس بخير ولا شرير ~~طبعا، قال الله - تعالى : (فمنهوظا ل لنقسه ومنهر مقتصد ومنهر سابق ~~بألخيرات بإذن الله). # القسم الأول: إما أن يتعدى خيره إلى الناس أو لا، وحكم الثاني أن ~~يعززهم ويكفى مؤنتهم وحكم الأول تعظيم الأخيار، وتقويتهم، ويجعل ~~أقرب الناس إليه، ويحكمهم على الجمهور لأنهم لباب الخلق [ه10] ~~وخلاصتهم، وفص خاتمهم وخاصتهم من ذلك رعاية أصحاب الفتياء، ~~وهم ركن عظيم من أركان الشريعة وعليها عمل الصحابة والتابعين ~~- رضوان الله عليهم أجمعين - إلى يومنا هذا ولابد أن يكون مجتهدا عفيفا ~~وتعريفه في علم الفقه، ومن ذلك أرباب القضاء، وهم من أعظم الأركان ~~نفعا وعلمهم مدار صلاح العالم شرعا. # ويستحب أن يكون القاضي عالما عاملا وعفيفا عادلا بعيدا عن التهم PageV01P172 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0173.png) # ~~مكتسبا بالشيم وسالكا مسلك الصحابة والتابعين في العمل والاعتقاد ~~واليقين، واتفق جمهور العقلاء على أن نظام العالم بورع العلماء، وتكلمهم ~~الحق عند الأمراء كما أن فساده بحبهم الرياسة والمال، ومداهنتهم مع ~~الملوك في الأمور والأحوال، ومن ذلك الحسبة وهي الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فينبغي للسلطان نصب من هذه شأنه ولا يرتدع أحد عن ~~أمره وهو يحكم بما أمر الله تعالى به ms083 مثلا يمنع عن حمل الدواب فوق ~~طاقتها وأن يؤدب المولى إذا لم يكسو المماليك أو كلفوا عليهم فوق ~~طاقتهم بما يرتدعون به عن ذلك على حسب مراتب الناس، وما يقتضيه ~~مرتبتهم وشأنهم، ومن ذلك أصحاب الكتابة وينبغي لهم أن يعرفوا آيات ~~القرآن وأسباب نزولها، ومعرفة الأحاديث بكنه مدلولها وفهم سنن الملوك ~~الماضية في أقوالهم وأفعالهم، ومعرفة المعاني الشعرية ما بين متعاربها ~~وطويلها ويختار عند إنشاء الكتاب ما استحسنه الكتاب من اختيار ما هو ~~أفصح لفظا وأرجح معنى ويفصح عن المراد والغرض من الكلام، ويستعمل ~~في كل مقام ما هو الأليق به وأحق ويعبر [106] عن المعاني الكثيرة ~~بالألفاظ القليلة، وعن المعاني الغريبة بالتراكيب الواضحة الجليلة، ومن ~~ذلك الحساب وأصحاب الدفاتر، وأرباب الدواوين فإنهم حراس الأموال، ~~وحفاظ الأحوال وأساس الدولة، وقهرمان السلطنة والملة، ويروى أن أول ~~من دون الدواوين في الإسلام عمر بن الخطاب وعين الأرزاق للأصحاب، ~~وجعلها متفاوتة بقدر فضلهم وسابقتهم في الإسلام، فاقتدى الناس بطريقتهم. # ثم السلطان يراعي في العساكر عموما بقديم الأشرف، فيقدم العرب ~~نسبا وسبقا في الإسلام، وفي الأتراك وغيرهم السبق في الإسلام، ثم قربهم PageV01P173 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0174.png) ~~من ولي الأمر، ثم الأعلى في طاعة الله تعالى، ويقدم فيهم خصوصا الأسن ~~ثم الأشجع، ثم يرجح بما يؤول إليه اجتهاده، وللسلطان أن يزيد في ~~أرزاقهم بزيادة عيالهم من الأزواج والأولاد، والمماليك، والدواب على ~~قدر كفايتهم، وله أن يزيد على قدر الكفاية إذا فاضت أموال بيت المال، ~~وهو مختار أبي حنيفة، ومنعه الشافعي، وأيضا يعطي ما استحقوا له في ~~الأيام الماضية إلى ورثتهم، ولا يجوز للسلطان قطع أرزاقهم، وأيضا ليس ~~لهم قطع الخدمة عند الحاجة، ومن ذلك ضبط الأموال ولما لم يتم نظام ~~السلطنة إلا بالأمراء والعساكر لا يكونون إلا بأموال فيجب الاعتناء بحفظها ~~ولكن ينبغي سلوك سنن الحق والإنصاف في أخذها، وأصولها ستة: ~~جزية، وخراج، وعشور، وغنيمة، وفيء، وركاز، ومصارف هذه في كتب ~~الشريعة. # ومما ينبغي أن يعلم أنه يجب على السلطان من وزير يستشيره في ~~صعاب الأمور، وهو قطب ms084 الدولة ومدارها، وسنن العزة ومنارها يستضيء ~~بتدبيره السلطان [107]، ويصير ضميره في الأمور البرهان، وقد صرح ~~الكتاب والسنة باتخاذ الوزير قال الله - تعالى - حكاية عن موسى: (واجعل لى ~~وزيرا من أقلى) [] (هرون أخى) ، وقال تعالى: (وجعلنا معه PageV01P174 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0175.png) # ~~أخاه هارون وزيرا)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيرا ~~جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه). # والوزير مشتق: إما من الوزر؛ وهو الثقل، فإنه يحمل عن الملك ~~أثقاله. أو من الوزر؛ وهو الملجأ، ومنه قوله - تعالى : (كلا لا وزر) ~~[القيامة : 11]، إذا الملك يلجأ إلى رأي الوزير وتدبيره أو من الأزر وهو الظهر ~~ومنه قوله تعالى: (أشدد به أزرى) ، أي: قو ظهري، فالملك يقوى ~~بالوزير. # ولما كان هذا المنصب جليلا كان أهله قليلا، وصفته: أن يكون ~~جامعا لخصال الخير، عفيفا، مستقيما، أمينا، صادقا يسكنه الحلم ويوقظه ~~العلم، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، ~~يسترق قلوب الناس بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، ويستحب أن يكون أمينا ~~صادقا قليل الطمع خاليا عن الأهواء. # وأما القسم الثاني فإما أن يتعدى شره إلى الغير أو لا، والأول: وهم ~~أخس الناس وأرذلهم وأضداده الرئيس الأعظم بالطبيعة كما أن الطائفة ~~الأولى أشباهه بالغريزة، ولهم مراتب كثيرة والواجب منع الأشرار مطلقا، ~~ويجب تأديبهم بالزجر والتأديب، ومنع عن الشر والتخريب إن كان مما ~~يرجى صلاحه، ثم الحبس، أي: إن لم يرج خير منه وعم شره أزيل ~~بالحبس، ثم بالقيد ثم بالنفي عن المدينة ثم قطع آلة الشر من أعضائه إن PageV01P175 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0176.png) ~~أفرط في شره صادرا عنه بالفعل، قال الله تعالى: (الزانيه والزاني افاجلدوالل ~~واحد منهما مأئة جلدة)ل، وقال الله - تعالى : (والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما) ، وأما القتل أي : قتل المفرط في الشر ~~فلا يجوز ؛ لأنه تجاسر على الله تعالى في تخريب بنيانه إلا ما أمر به الشرع ~~من القصاص وغيره، قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~معان ثلاث كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان ms085 وقتل امرئ مسلم بغير حق). # وأما الثاني: وهم الأشرار الذين لا يتعدى شرهم إلى الغير فلم يذكر ~~المصنف وحكمه أن يحقرهم ويذلهم، ويؤاخذهم بالأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر بالمواعظ، والنصائح والوعد المرغب والوعيد المرهب فإن ~~مالوا إلى الخير والصلاح وإلا بقوا في الهوان والصغار # وأما القسم الثالث: فيجب تخليصهم من الأذى وتحريضهم على ~~الخيرات لينالوا الكمال بقدر الاستعداد والقاعدة الكلية في إصلاح ~~الشخص النظر في مصلحة الكل بالقصد الأول ثم في مصلحته بالقصد ~~الثاني كالطبيب في إصلاح العضو. # الشرط الثالث: التسوية بينهم أي بين المذكورين في تقسيم الخبرات ~~المشتركة في الرزق والكرامات وغيرهما عليهم بحسب الاستحقاق، ~~والاستعداد فإن كل شخص يستحق قسطا منهما، فإذا أزيد في حقه كان ~~جورا على أهل المدينة وإذا أنقص عنه كان جورا عليه، ثم محافظة تلك ~~الخبرات عليهم بمنع المتغلبين عنهم، لئلا يخرج عن ملكتهم، وإن أخرجت PageV01P176 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0177.png) # ~~بالغضب والسرقة عن يد بعضهم، أو خرجت بالإرادة كالبيع والهبة يعوضه ~~على وجه لا يضر بالمدنية، وبمنع الجور بالعقوبة مقدرة على مقداره، وإلا ~~لكان جورا عليه، وعلى المظلوم والمدنية إن نقص قال الله - تعالى : ~~(وجزاؤا سيية سيئة مثلها)، فهذه شرائط العدالة ثم ليلازم ~~الإحسان في حقهم بإيصال [109] ما يمكن من الخيرات الزائدة عليه ~~الواجب إلى مستحقه مقرونا بالهيبة لبقي البقاء، وإلا لبطروا وصاروا حراصا ~~طامعين لا يرضون ببذل الملك كله. # ولما ذكر المصنف الشرائط الثلاثة المذكورة ذكر يتسهل به تلك ~~الأمور، فقال: ويتيسر ذلك، أي: إتيان الشرائط الثلاثة المذكورة بالتزام ~~الشرع والقوانين الحكمية الموافقة للشرع فإنه كما يتقوم البدن بالطبيعة، ~~وهي بالنفس وهي بالعقل يتقوم المدن بالملك وهو بالسياسة، وهي ~~بالحكمة وإذا أهملت الحكمة خذل الشرع، وذهب بهاء الملك واندرست ~~المروءة وزالت النعمة ويلتزم سهولة الحجاب بأن لا يحجب أصحاب ~~الحوائج من نفسه إذ لو كان رفيع الجناب منيع المآب لم يتيسر لأرباب ~~الهوان من المتظلمين الوصول إليهم فيختل النظام ويرتفع الأمان عن ~~استيلاء الأقوياء على العاجزين، ويبالغ في حفظ التغور، وأمن الطريق ~~ليترفه المملكة بإياب ms086 أرباب التجارات، والمعاملات ولا يقصر في إكرام ~~أهل الشوكة، والشجاعة، وليلزم مداومة الفكر في التدبير، لئلا يفوت منه ~~إدراك المطالب، وترك اللذات الخاصة به فإن مباشرتها ربما يؤدي إلى ~~المداومة عليها فتلهي صاحبها عما عليه من مهمات يخدم والرعايا فيقع ~~الخلل في النظام وترخصت العامة في الشهوات، وتنازعت أهواؤهم فيحدث PageV01P177 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0178.png) ~~الافتقار إلى الملك العادل الخبير والإمام المحقق لاستئناف التدبير، قال ~~الشاعر: ~~إذا عد ملك باللهو مشتغلا # فاحكم على ملكه بالويل والخرب ~~أما ترى الشمس في الميزان [110] هابطة # لما غدا برج نجم اللهو والطرب # واعلم أن الإمام إياه، وإن يهجس في خاطره أنه ملك رقاب الناس، ~~ونفذ تصرفه فيهم فيجب أن يكون أنعم حالا، وأفرغ بالا وأطيب لذة وأكثر ~~راحة منهم فإنه أقوى أسباب الفساد وأردأ آفات البلاد بل سبيله أن ينقص ~~من أوقات الراحة والطرب، ويزيد في ساعات الفكر والتعب، بل يهاجر ~~الأمور الضرورية أكثرها، ويفارق أسباب الدعوة أهمها كالنوم وغيره إلى ~~تدبير الملك، واستعمال الرأي، وينبغي له مشاورة أولي العقل والنهى، وذو ~~النبل والهمة، وعزة النفس؛ لأن المستشار مؤتمن؛ لأنه يقدر إجالة الرأي، ~~ويأمن المناقضة. # وينبغي أن يجتهد في كتمان أسراره من ضعاف العقول، ولا يطلع ~~العدو على تدبيره، وإذا صمم عزمه فليخلط الأفعال التي يقتضيها هذا الرأي ~~بنقائضها ولا يميل إلى أحد الطرفين بالكلية فيكون طريقا إلى استنباط فكره PageV01P178 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0179.png) ~~وليعين العيون والجواسيس لاستكشاف أحوال العدو، واستخراج آرائهم ~~عن أفعالهم فإنه أعظم أبواب الحزم، وأنفع أسباب الظفر؛ لاستعمالها في ~~وقت الحاجة والاحتراز عنها وقت الاحتياط وطريق استخراج آراء الملوك ~~هو النظر في أحوالهم من إعداد الأهبة، وتغيير الأمور المعتادة فيما بينهم ~~كجمع المتفرقات، وتفريق المجتمعات وتغييب الحاضرين، وإحضار ~~الغائبين واستعلام الأخبار عن خواصهم، ومن يداخلهم خصوصا ضعاف ~~العقول كالصبيان والمحادثة مع أخلاط الناس باب عظيم في استفشاء ~~الأسرار، فإن لكل واحد صديقا يستودعه الأسرار، ويؤدي بطريق العنعنة ~~إلى الضمائر فيمكن الاستدلال من مكنوناتها على حقيقة الأمر [111]، وما ~~لم يتوافق الأدلة ويتواتر الأمارات لا يطمئن إلى ms087 أحد الطرفين أولا لخرج ~~عن الخدم ويجب أن يبالغ في استمالة الأعداء وطلب الموافقة ما لم يحلو ~~على العجز ويحتال في دفع المحاربة بكل ما تيسر له ويجعلها آخر التدابير ~~كلها ولا يميل إليها إلا عند الاضطرار فإن اضطر فإما أن يكون دافعا وصائلا ~~وإن كان الأول، فإن قدر على المقاومة احتال في التبييت والمفاجأة على ~~الخصم فإن من أوتي في قعر داره غلب، وإلا فليبادر إلى تدبير الحصون ~~والخنادق ولسلط في طلب المصالحة ببذل الأموال وأصناف الحيل ~~والألطاف، وإن كان الثاني فليكن غرضه الخير المحض واستقامة الدين بحق ~~ولا يقدم عليها إلا بعد الوقوف بالظفر وإلا كان مخاطرة بالرجال والآلات ~~ولا يشرع فيها إلى مع جماعة اتفقت كلمتهم وإلا لكانوا عليه لا له وليحترز ~~عن القتال بنفسه كما قال عل لى الله عليه حين استشاره عمر لى الله عله ل في خروجه إلى ~~قتال الفرس بنفسه كلاما هذا بعضه مكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز PageV01P179 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0180.png) # ~~يجمعه ويضمه، فإن انقطع النظام تفرق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا ~~وليجعل قائد عسكره من له الشجاعة، والمعتبر شهرته بها وشمول صيته ~~لإلقاء الرعب في القلوب، والرأي الصائب ليتمكن من استعمال الخدع ~~والحيل، وأنه يكون مقداما على الحروب صاحب تجارب كثيرة فيها ليقدر ~~على استئصال الأعداء، وتفريق شملهم، واستعمال المكر والحيل ~~كالمكاتب المزورة، وغيرهما مما يفرق كلمة الأعداء جائز دون الغدر لبعده ~~عن المروءة، وأهم الأشياء نصب الطلائع والتيقظ الشديد في الوقائع، وأما ~~عند المقاتلة فليعبئ العسكر [112] تعبئة يقيم كل أحد بمقام لا يصلح إلا به ~~ولا يتخذ الخندق والحصار إلا عند الاضطرار فإنها تجرئ العدو وليبالغ في ~~إكرام من خاطر نفسه وتصدى لمبارزة بالمدح والعطاء تحريصا للشجعان ~~وتنشيطا لهم على الحرب، وليلازم الثبات والصبر وليجانب الطيش والتهور ~~ولا يستهين بأمر العدو وإن كان حقيرا وليتذكر قوله تعالى - : (كرمن ~~فعة قليلة غلبت فعة كثيرة بإذن الله)، وإذا قدر على ~~الأمر فلا يأمر بالقتل؛ لأنه فيه فوائد مثل الرهينة والسبي والفداء ms088 والمن، ~~وإذا ظفر فلا يستنم ويترك الحزم، ولكن ليحذر بعده العداوة والقتل، فإن ~~الأعداء بمنزلة الرعايا. # واعلم أن بعضا من الفضلاء ذكر للسلطان شرائط عشرة لا علينا أن ~~نذكرها ههنا بتمامها، وإن كان بعضها راجعا إلى بعض مما يقدم تبركا بترتيبه: # الأول: أن يظن نفسه عند الحكم واحدا من الرعايا حتى لا يرضى ~~لغيره ما لا يرضى لنفسه لو كان منهم. PageV01P180 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0181.png) # الثاني : أن يعلم أن قضاء حاجات المسلمين من أفضل الطاعات، وفي ~~الخبر إدخال السرور في قلب مؤمن يوازي عمل الثقلين وينتظر حاجتهم ولا ~~يتركهم محتاجين في بابه، وما لم يدفع حاجتهم لا يشتغل بالعبادة ولا يترك ~~مصالحهم بالعبادة، ولا يترك مصالحهم لأجل راحة بدنه. # الثالث: أن يقتدي بسيرة الخلفاء الراشدين في المأكل والملابس، ولا ~~يعتاد الأطعمة اللذيذة النفسية، ولا الملابس المستحسنة في الغاية. # الرابع: أن يداري في الكلام ولا ينظر الخشونة بلا سبب ولا يمل من ~~إصغاء حجة الناس، ولايضيق صدره عن الكلام مع الضعفاء والمساكين. # الخامس: أن لا يداهن في الحكم، ولا يهمل لرضاء الناس ولا ~~يخالف [113] وهي قسمان: # أحدهما الشرعية، وهي: الحاصلة من نور اليقين بتزكية النفس عن ~~الأخلاق الروية، وتصفية القلب عن الصفات الذميمة حتى ينظر بنور الله - ~~تعالى - حتى يكون الله - سبحانه - بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به ~~يسمع إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء. # وثانيها: الفراسة الحكمية، وهي التي وجدها الحكماء بالأدلة الدالة ~~على الأخلاق بالتجربة، وقد صنفوا فيها كتبا كثيرة، ثم اعلم أن للرعايا ~~حقوقا على السلطان، وهو أنهم كانوا مسلمين، فحقوقهم عشرون الأول: ~~التواضع لهم، ولا يتكبر عليهم لأجل سلطنة، الثاني: أن لا يسمع كلام ~~أحد سيما من الفاسقين قال الله - تعالى -: (إن جاءكم فاسق بنبم فتبينوا) ~~[الحجرات: ]، والحاسدين لأنهم يظنون أن المحاسن عيوبا والطامعين؛ PageV01P181 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0182.png) # ~~لأنهم يؤذون الناس لأجل نقمة، وأرباب الأغراض لأن الغرض يؤدي إلى ~~الكذب والبهتان. # الثالث: أن لا يؤخر العقوبة إلى ثلاثة أيام إلا أن يكون من الغضب ~~للدين ms089 والعفو في أمور الدنيا أولى، وفي أمور الآخرة هجرته أولى إلا أن ~~يتوب. # الرابع: أن يقم عدله وإحسانه على كافة البرايا ولا يفصل بين مسلم ~~وكافر لأن السلطان ظل الله تعالى. # الخامس: أن لا ينظر في حرم المسلمين ولا يدخل بيوتهم من غير ~~إذن ويستأذن فإن أذنوا دخل وإلا خرج. # السادس: يخاطب الناس ويعاملهم على قدر مراتبهم ولا يرجو من ~~الأجلاف والأوباش العبارات اللطيفة ومن جهال العامة الفصاحة والبلاغة، ~~ومن القروي والساكنين في البراري آداب مجلس الأشراف وأن لا يكلف ~~أحدا فوق قدره، وأن يعذرهم فيما لا يقدرون عليه، ولا يستنكف من ~~مواجهة [114] أحد. # السابع: أن يحترم الشيوخ سيما المتدينين، وينظر إلى الأطفال ~~بالشفقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا)، ~~وفي الحديث: (ما أكرم شاب شيخا من أجل سنه إلا قيض الله عند شيبته من ~~يكرمه) إشارة إلى أن من أكرم شيخا يبلغ سن الشيخوخة. PageV01P182 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0183.png) # ~~الثامن: أن لا يخالف وعده. ~~التاسع: أن لا يعنف في الحكم ويلقى إلى كل أحد وضيع وشريف ~~بالبشر وطلاقة الوجه ويرفق بالضعفاء. ~~العاشر: أن يراعي الإنصاف ويعامل بما لو عامله به غيره لرضي. ~~الحادي عشر: إصلاح ذات البين ولا يؤخر في فصول الخصومات. ~~الثاني عشر: أن لا يستكشف معالي الناس، ولا يتجسس عن ذلاتهم، ~~ولا يؤذيهم في كل ذلة، وكل ما يعرف من منكراتهم يستره. ~~الثالث عشر : أن لا يفعل الشبهات حتى تجاسر الناس عن المنكرات، ~~وأن يحترز عن مواضع التهم وإن ابتلي بمعصية فليستره لأن الناس على دين ~~ملوكهم وربما يقتدون به. ~~الرابع عشر: أن يقضي الحاجات إن احتاج إلى شفاعة الحاكم ولا ~~يهمل فيها وأن يعلم الغنيمة في أن المهمات العظام تتم بكلمة واحدة منه. ~~الخامس عشر: أن يكثر من مجالسة الصلحاء والفقراء وأهل الله ~~ويصقل مرآة قلبه في كل يوم بمواعظهم ونصائحهم، ويرجح جانب الضعفاء ~~والفقراء على جانب الأقوياء والأغنياء. ~~السادس عشر: أن يتفقد أحوال الضعفاء والفقراء والأرامل واليتامي ~~ويسد فاقتهم ms090 ويذكر يوما لا ينفع المال. PageV01P183 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0184.png) # ~~السابع عشر: أن ينصب الرقباء في المواضع الخالية عن العمارة ~~ويدفع استيلاء قاطع الطريق ويأخذهم وينكلهم بنكال يكون عبرة للآخرين. ~~الثامن عشر: أن لا يهمل في بناء الربط والجسور في مواضع الحاجة. ~~.[115] ~~التاسع عشر: أن يبني مساجد ويعين نفقة المهيأ ومؤذنيها؛ لئلا يمنع ~~طلب معاشهم عن الإقامة بوظائفهم العشرين أن لا يترك الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر وينصح العالم والخاص ويأمرهم بالطاعة وينهاهم عن ~~المعاصي بالسياسية، وفي الخبر: ما من عبد يسترعيه إلا رعية فلم يحفظها ~~بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة. ~~وإما حقوق أهل الذمة فعشرون أيضا، وقد كتبها في وصيته عمر بن ~~الخطايب بلى الله عله في حق أهل الذمة حتى أباح دمهم ومالهم إذا خالفوها وهي ~~هذه، وقد نقلها السيد على الهمذاني - قدس الله سره - في كتاب (ذخيرة ~~الملوك): ~~الأول: أن لا يحدثوا في دار الإسلام بيعة ولا كنيس. ~~الثاني : أن لا يجددوا ما انهدم منها. ~~الثالث: أن لا يمنعوا المسافر من المسلمين عن أن ينزلوا فيها. ~~الرابع: أن لا يقصروا في ضيافة المسلمين إلى ثلاثة أيام إن مكثوا ~~فيها بقدر ثلاثة أيام. ~~الخامس : أن لا يتجسسوا أحوال المسلمين ويخبروا إلى أهل الكفر. # 193 PageV01P184 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0185.png) # # ب8علف اليلابهقا رل # 8 ~~السادس: أن لا يمنعوا من يريد الإسلام من أقاربهم. ~~السابع: أن يحترموا المسلمين. ~~الثامن: أن يتركوا مجالسهم إلى أهل الإسلام إذا حضروا وهم في ~~مجالسهم. ~~التاسع: أن لا يتشبهوا المسلمين في لباسهم وزيهم. ~~العاشر: أن لا يتسموا بأسماء المسلمين. ~~الحادي عشر: أن لا يركبوا على فرس مسرج وملجم. ~~الثاني عشر: أن لا يحملوا القسي والسهام والسيوف، وأمثال ذلك. ~~الثالث عشر: أن لا يلبسوا خاتما له فص ونقش. ~~الرابع عشر: أن لا يبيعوا الخمر ولا يشربوها علانية. ~~الخامس عشر: أن لا يتركوا لباس أهل الشرك حتى يتميزوا بها عن ~~المسلمين. ~~السادس عشر: أن لا يظهروا الرسوم والعادات الجارية بين أهل ~~الشرك. ~~السابع عشر: أن لا يبنوا الدور [16] والمساكن في جوار المسلمين. ms091 ~~الثامن عشر: أن لا يدفنوا موتاهم قريبا من مقابر المسلمين. ~~التاسع عشر: أن لا يصيحوا عن مصيبتهم، وأن لا يبكوا صراخا عند ~~موت أقاربهم. PageV01P185 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0186.png) # 8م # العشرون: أن لا يشتروا عبيدا مسلمين. # ثم قال في آخر الوصية: فإن خالفوا ما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل ~~للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق. # وإنما أطنبنا الكلام في بيان أحوال الإمام؛ لكونها مما يحق أن يصرف ~~إليه الاهتمام والله ولي التوفيق والإلهام وأما وظيفة الملوك وسياسة الخدم ~~وآداب الأتباع فعليه أي يجب على المملوك ممن عاشر الملوك أن يباشر غاية ~~التعظيم ونهاية التوقير وغاية الامتثال للأوامر والنواهي بقدر الطاقة قال النبي ~~الله عليه وسلم: (من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقي الله، ولا وجه له عنده)، ~~وعليه الملازمة لمجلسه بلا إملال ومن لم يسم بخدمة الملوك فليحذر عن ~~تقربهم فإن في قربهم غوائل كثيرة وشبهوه بدخول النار تارة والبحر أخرى: # فما هو إلا في الحقيقة نار2 ~~أصاح اتق السلطان لا تقربنه فما هو إلا ف # وقيل: ~~وما السلطان إلا البحر قربا وقرب البحر محذور العواقب3 # وأما من تورط في هذه البلية فليوطن نفسه على الهوان والذلة، ~~وليواظب على ما أمر به والتزمه ولا يقصر طرفة عين عما عين له ورسم ~~عليه متوسطا في الملازمة المملة والمجانبة المخلة، وعليه التزيين، أي : ~~طلب وجوه حسن أفعاله فإنه لا فعل في الدنيا إلا وله جهتان: حسنة، PageV01P186 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0187.png) ~~وقبيحة، فليستخرج جهة الحسن، وعليه المدح أيضا لما صدر عنه على ~~وجه الصواب ، إلا من ذي المنزلة عند الأمير ويكون من أصحاب التدبير ~~كالمعلم والمشير [17]، ومن يكون في حكم الوزير فإنه يمدح في الخلوة ~~دون حضوره ويستعمل الرفق في تغيير رأيه الفاسد وصرفه إلى الصواب ~~بأنواع الحيل والحكايات، وأمثال السلف في أوقات الخلوات والتنبيه على ~~سوء عاقبته ما يتأذى إليه رأيه وتقبيح صورته وتزيين نقيضه إليه ليحصل له ~~بالتدريج ما لا يتهيأ بطريق الأمر والنهي فلا يسلكها؛ لأن رأي السلطان ~~كسيل يجري من أعلى الجبل ms092 لا يمكن تصريفه من جهة إلى أخرى إلا ~~بالتدريج والحيل وعليه الكتمان لأسراره بأن يتعود إخفاء أحواله الظاهرة ~~حتى يسهل عليه حفظ الأسرار فيعتمد عليه مخدومه عند الوقوف على ~~حاله، ولا يتهمه عند فشو أسراره، فإن أسرارهم كثيرة الانتشار بسبب توفر ~~الدواعي على نقلها وإمكان الاستدلال من الأحوال الظاهرة عليها لاتصال ~~الجلايا بالخفايا قال البستي إذا خدمت الملوك فالبس من التوقي أجل ملبس ~~وأدخل إذا ما دخلت أعمى وأخرج إذا ما خرجت أخرس وعليه اجتناب ~~أرباب الهمة والشفاعة فيهم ليتقرب إلى قلوبهم، وعليه الإيثار له بكل حظ، ~~أما في الأوصاف كما إذا وقع قبيح دار قبحه بينهما احتال في صرفه إلى ~~نفسه وتبرأ ذمة المخدوم عنه، فإذا برأ فكر فيما تبرأ به نفسه أيضا من ~~الأسباب الخارجية الموضحة غدره فيه، وأما في الأموال كما يترك منافع ~~المال، ويتجاوز عنه مستخلصا حظ السيد، وليتلطف في جذب المنافع عنه ~~بترك الطمع والحرص واختيار القناعة، فإن الدنيا كالظل يقبل على من ~~أعرض عنه فيتبعه ويبعد ممن قصده فيحذره فليستنفع بالمخدوم لا منه PageV01P187 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0188.png) ~~وعليه الموافقة [118] في كل شيء فإن من تخلف في بعض الأمور تحصل ~~ذات الصدور وينبت في القلوب عرق النقار، فينتهي إلى ما يوجب العار ~~وعليه ترك الحرص؛ لئلا يذل فيطرح عن درجة الاعتبار، ولينتفع به لا منه، ~~أي: يجب أن يستحصل منه أسباب المنافع ليعز عنده لا لنفع نفسه فيما ~~عنده وليظهر أن ماله ودمه مبذولان له بأدنى إشارة؛ لأن هذا يحرك سلسلة ~~الإخلاص وأيضا إذا اعتقد منه البذل لا يطمع في ماله فإن الممنوع ~~محروص عليه، والبذول مملول منه، وليجعلهما، أي: الدم والمال في زينته ~~أي زينته المالك لا تجمل نفسه مودة، واستبقاء، ولا يشارك فيما يحض ~~بأمثاله، أي : بأمثال المخدوم من الرؤساء؛ لأن ذلك يوجب الحسد الذي ~~يتولد منه كسر العرض والجاه؛ لأن الحسود من سلب المحسود منه لا ~~يؤخره أصلا . # وليحترز منه، أي: من مولاه عند غضبه ويسكت عند تمهيد العذر ~~والثناء عليه ريثما يسكت سورة ms093 غضبه، وتنطفيء نائرة لهبه؛ لأن نار ~~الغضب لا تبقي ولا تذر ثم ليتلطف فيما يوضح عذره ويستعطف قلبه، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : إذا استشاط السلطان تسلط الشيطان). # ولا يتشكى عنه، أي: عن المولى إن عتب عليه؛ لأن الشكوى سبب ~~للبلوى، ولا في ضميره، أي لا يستبطن البغض بل ليحتل فيما يرضيه؛ لأن ~~الملوك محدثون أرباب الدول ملهمون، وأكثرهم ذوو الكياسة ومتمهرون في ~~الفراسة، وليجتنب أي ليمل إليه بتواصل الخدمة بحيث يذكر آخرها أولها ~~أو لا يقرر حق خدمته عليه، فإن السلطان نساء للحقوق المنقطعة مقطوع PageV01P188 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0189.png) ~~الريتم عن كل أحد، وإن جعله السلطان أخا وازداده في تقريبه فلا يغتر ~~بتقربه منه [119]، بل جعله رتا ليزداد الشفقة عليه، وإذا صار ذا منزلة ~~عنده فليقطع الدعوات المتواترة والتضرعات المتوافرة؛ لأنه علامة الوحشة ~~إلا في الجماعة، فإن التقصير فيها مضر. # وليتوق عن خصومة الاستقامة، أي: ليحترز عن الأعداء ومكائدهم ~~بالاستقامة في أمره سرا وجهرا، ولا شيء في الخدمة أصعب من الوزارة ~~فإنه يغبط بمكانه ويكون حساده أولياء السلطان يعاشرونه في الخلوات ~~طامعين في منصبه منتهزي الفرص لرفعه وحطه عن محله ولا يضطرب بما ~~يقال فيه من الأمور الوجبة للتهمة بل يتثبت ولا يلتفت مثلا إذا وقف على ~~سعاية ساع أو مكر ماكر فليظهر أنه غير مبال به متجلدا متجرءا ولا يغضب ~~عليه بحضرة الملك لئلا يتأكد تقريره وإن حدث بينهم جدال وشجار ~~فليحاجهم بالحلم والوقار؛ لأن الظفر للحليم ولا يداخل فيما يستره الملك ~~منه؛ لأن ذلك سوء أدب ولا يسار بحضرته فإن من يسار عنده فيما لم يشعر ~~به يغضب، فلا سيما السلطان، وإن كلمه السلطان فليقبل عليه بجوامعه، ~~وإن ساءل غيره فلا يسرع في الجواب لأنه يدل على خفته واستخفافهما وإن ~~أعزه الملك لا يطلب التقدم على الأقدمين ممن تقدمت خدمته وطالت ~~عبوديته له فإن ذلك من أخلاق السفهاء، وكيف يترفع على من ربما يكون ~~بينه وبين الملك حق قديم أو سر أو غير ذلك مما لا يمكن تضييعه ms094 من ~~الوسائل فيتوافقان على دفعه ويتصالحان على قلعه، وليعلم أن كل امريء ~~ملكا كان أو مملوكا له أليف يؤانسه لمناسبة روحانية، ومشاكلة جوهرية PageV01P189 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0190.png) # ~~بينهما وإن كان في الظاهر بين مرتبتهما بون بعيد [120]، فليتفقد أليف ~~مخدومه مكرما له غاية الإكرام، وإن ارتأى ما يكرمه فليوافقه ولا يطمع في ~~مساعدته إياه فإنه السلطان لا هواي إلى هنا وظيفة المملوك. # واعلم أن الإنسان إن قاس نفسه على ما عداه فعلى ثلاثة أصناف: ~~لأن إما أن يكون فوقهم في الكمال كالمملوك وأمثالهم، فيحافظ حاله ~~معهم، لئلا ينحط عنهم، وقد مر هذا الصنف أيضا، وإما أن يكون مساويا ~~لهم في الكمال، وقد عبر المصنف عن هذا الصنف بالأمثال فقال: وأما ~~الأمثال فثلاثة أصناف ؛ لأن الأحوال الجارية عليهم إما بالنسبة للأصدقاء ~~فهو الصنف الأول أو إلى الأعداء فهو الصنف الثاني أو إلى من لا يكون ~~صديقا ولا عدوا فهم المعارف وهو الصنف الثالث. # والصنف الأول الأصدقاء وهم قسمان: أما أن يكون صحابتهم حقيقية ~~بل يكون بالتصنع والتملق، وهو القسم الأول أو يكون صداقتهم حقيقية، ~~وهو القسم الثاني، والأول ينبغي أن يحسن إليهم في الأقوال والأفعال ~~ويواسي أيامهم بقدر الوسع والإمكان ويداريهم بالملاطفة وإظهار الطلاقة ~~لأن المدارة كما قيل يضعف العلم ويهاديهم الهدايا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~(تهادوا تحابوا)، وعن عائشة قالت: اللطفة تزرع في القلوب المحبة ~~والألفة، وفي الأثر: الهدية تجلب المودة إلى القلب، ويهش معهم، ~~أي: يعاملهم بالهشاشة وطلاقة الوجه والبشاشة، ويتعهد متعلقهم أي يقضي ~~حوائج أقاربهم ومن يتعلق بهم، ويعاونهم في الضراء وأوقات الشدائد، PageV01P190 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0191.png) ~~ويكافئهم أذا أحسنوا إليه بالخير أي ببذل المال ويتجاوز عن ذنوبهم، أي: ~~إذا أذنبوا لما قيل الصفح عن الذنوب [121] يغطي كل العيوب قال النبي ~~لله عليه وسلم: (من لم يقبل من المتعذر عذرا صادقا أو كاذبا لم يرد على ~~حوضي)، ويقبل عتابهم إذا أساءوا، فإن من شيم أولي الألباب ترك ~~اللوم والعتاب إلا إذا تيقن الاستصلاح أي استصلاحهم بالعتاب والخطاب ~~ويكتم السر والمال ms095 منهم أما المال فكما قيل استر ذهابك وذهبك ومذهبك ~~وأما غيره من منافعه وسائر ما يستر من أحواله كما قيل سرك أسيرك، فإذا ~~تكلمت كنت أسيره هذا إن أريد بكتمان السر سر نفسه، وأما إن أريد ما يعم ~~هذا السر وسر غيره فذلك لما قيل إن إشاعة السر ذميمة بل قد يصير نميمة، ~~وقد قيل: من نم لك نم عليك، هذا كله في التصديق الغير الحقيقي. # وأما القسم الثاني: الذي هو الصديق الحقيقي ؛ وهو الذي يكون ~~بينهم مناسبة ذاتية تقتضي مخالطة ذوقية ومعاشرة شوقية، ويكون سبب ~~صداقتهم الخبر المحض، والحق الصرف والالتذاذ الحقيقي الإلهي دون ~~الطبيعي الحيواني فيشاركك معه في الخيرات، بل يؤثرهم على نفسه ~~ولعمري أن وجود هذه الصداقة أعز من مخ البعوض، وإن وجد هذا ~~الصديق فيسقط معه التكلف لما قيل شرط الإلفة ترك الكلفة وإنما لا ~~يتكلف له فإنه نفسه، ولا يتكلف الشخص لنفسه؛ لأن الصديق الصدوق ~~والشقيق الشفيق عينك عند التحقيق ونفسه نفسك فتنزله منزلة روحك PageV01P191 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0192.png) ~~واجعل لقاءه أجل فتوحك فإنه عونك في أحوالك وخليفتك في رهطك ~~وأموالك واعلم أن الصداقة الحقيقية لا توجد إلا بين اثنين وإن أمكن ~~فالاكتفاء بواحد أولى إذ السعي في مهم البعض يوجب التقاعد من مصالح ~~الباقين ولا شيء أنفس وأعظم [12] قدرا من الصداقة التامة والمحبة ~~البالغة ، ولا شيء من نعيم الدنيا طيباتها يوازن لذة ساعة من ملاقاة حبيب ~~يوافقك ظاهرا وباطنا ولا يعارض نعيم من منافع الدارين راحة من مصافاة ~~خليل يساعدك عاجلا وآجلا فطوبي لمن ظفر به، وتخلى عن ملك العالم ~~وحبذا من انضم إليه وتفرد عما يعادي ويسالم ولكن عليك بالاحتياط ~~والاهتمام ولا تغتر بمن يتصنع، وتفتن بمن يتملق، واحترز عن أن تستسمن ~~ذا ورم أو تنفخ في غير ضرم فإن محبة شيطاني مارد ضرب في حديد بارد ~~وجرب لمن يظهر لك الصداقة بأن تتعرف أولا معاملته مع أبويه ثم أقرانه ~~وقرائيه فإن من يركب متن العقوق يرغب عن سمت الحقوق وان تمتحن ~~سيرته في شكر ms096 النعم وكفرانها ولا يلزم المكافأة إذا قد تفوت لعدم إمكانها ~~ثم اختبر حرصه على المال والمقتنيات وميله إلى اللذات والشهوات إذ ~~الشهواني يتلون في أحواله ويتخلف عن أحواله وأقواله، وكم من أصدقاء ~~حراص انتهت معاملتهم إلى الحجرين المعلومين فتهارشوا معاندين ~~وتشاوشو متعاندين ، ثم يختبر حبه للرياسة، فإنه يوجب استخفاف ~~الأصدقاء، وعدم الإنصاف في معاشرة الأوداء ثم ينظر في شغفه إلى ~~الملاهي، والملاعب لعدم احتمال أهلها المتاعب، وليحترز عن تتبع صغار ~~الذنوب، وإلا لم يجد صديقا حميدا ويبقى فريدا وحيدا. # وإذا وجه الصديق على المنوال المذكور فليوافقه في السراء والضراء، PageV01P192 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0193.png) # ~~ويعاونهم في البلاء، ويؤانسهم في النعماء، ويلاقيهم بالبشر والرواء، ~~وبالتحية والثناء [123] ولكن لا مسرفا فيؤذن بالملق ولا متكلفا فيشعر ~~بالنفاق، ويجب المقاسمة في كل ماله على التساوي بلا من أو رجحان في ~~طرفه ويجب المواساة في الضراء بل هو أدل على الصداقة منها في السراء ~~كما قيل دعوى الإخاء في الرخاء كثيرة بل في الشدائد يعرف الإخوان وإن ~~آنس منه قصور أنس فليمح أثره عن قلبه على طريق الملاطفة ويداوم على ~~مراعاة جانبه في جميع الأحوال من جميع الوجوه، فإن كل شيء لم يتعهد ~~آل أمره إلى الفساد، وربما ينقلب والعياذ بالله صداقته عداوة، وأي خسار ~~أردأ من ذلك؛ لأن ضرر نكايته من أعظم الآفات، وأخوف المخافات، ~~وليحذر المراء فإنه من أضر الأشياء بين الأصدقاء وإياه والبخل في علم ~~اختص أو صنعة مهر فيها؛ لأن المشاركة فيما يستلزم إنفاقها نفادها واجبة ~~فضلا عما يزيد بالإنفاق ويقل بالإمساك وليحذر أصحابه وكل من يتعلق عن ~~إزراء ما يتعلق بالصديق فضلا عن نفسه بحيث لا يمكن أحدا من تقبيح أمر ~~يتصل به كناية وصريحا وجدا وهزلا، وإذا اطلع على عيب في صديقه ~~فليوافقه موافقة يرشده لا مغضبا عليه فإنه خيانة مبتدئا بالحكايات، والأمثال ~~المنبهة ثم التعريض، ثم بالتصريح مع تقدير ما يؤكد العهود، واطمئنان ~~القلب ، والسكينة مكتتما عن الأحباب والأقرباء فضلا عن الأجانب ~~والبعداء، وليحترز في حقه عن النمام وليقابله بالتغيير والملام. ms097 # والصنف الثاني الأعداء: وهو صنفان قريب وبعيد، وكل منهما أما ~~كاشح( كالحسود أو ظاهر كالحقود والقريب أولى بشدة التوقي لاطلاعه PageV01P193 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0194.png) ~~على الأسرار ووقوفه على وجوه المضار فيسعى [،12] في تجسسهم، وإزالة ~~عداوتهم بالمواساة، والتحمل، والتلطف إن أمكن وإلا فالحذر من الزيادة ~~بالمجاملة، والمداراة، والمروءة المتكلفة فإن دفع الشر بالخير، وقمعه ~~بالشر شر وبالجملة يجب الإغضاء والصفح عن سفهائهم، والاحتراز عن ~~المنافسة وإظهار العداوة والمنازعة فإنه يوجب تنغيص العيش بكثرة تصورها ~~والتفكر في تدبيره فيؤدي إلى قصر الهم على دفع السوء والشر فيكون ممن ~~خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين وأما البعيد فينبغي أن يعفو ~~عنهم إن أمكن وقال تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجرهر على الله4 ، ~~وقال: (وأن تعفوا أوب للتقوى)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ان العفو لا ~~يزيد العبد إلى عزا) ويداريهم بالمروءة واللطف المتكلف، ويشكوهم إلى ~~الرؤساء ويوقع شكايتهم في مسامع الناس ليعرفوا عداوتهم حتى لا يصغى ~~أحد منهم إلى مزخرفات كلامهم في حقه فلا ينجح مساعيهم في السعاية ~~وغيرها ولا يقبلون قوليهم في حقه ويحسن أن يتجسس عزائمهم ليطلع على ~~ضمائرهم بالنقير، والقطمير ويشتغل بالدفع، والتدبير، ويحسن أيضا أن ~~يتجسس معايبهم ويخفيها ليوم ينفع إظهارها، فإن إفشاءها يوجب زيادة ~~العداوة واعتياده به بحيث لا ينفعل منه بل الأحسن أن حسن الإظهار تنبيهه ~~على وقوفه منها تخويفا وإيعادا ليضعف رأيه ويجبن عن مقاومة خوف ~~الفصيحة، وعند الإظهار في وقته يلازم الصدق فإن الكذب يحول دون ~~كلامه عن القبول فيكون سببا لغلبته الخصم وقوته ويلازم العدل [125] معهم ~~فإن الظلم قبيح وعاقبته وخيمة ويخالط خلطاءهم فإنه مما يطلع على عثر أمم PageV01P194 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0195.png) # قل ~~ومزال أقدامهم وأيضا مما يعين على الظفر تعرف عادات الأعداء ومتعارفاتهم ~~وهاهو سبب ضجرتهم، ولا تدبير لدفعهم كالسبق عليهم في فضيلة مشتركة ~~بينهم وإحراز الكمال الحقيقي لينحطوا عن درجته فيفوز بسعادة نفسه ودفع ~~أعاديه كما سئل عن أفلاطون بم ينتقم المرء عن عدوه قال بأن يزداد فضيلة ~~في تنفسه يريد أن هذه أحسن ms098 الطرق في دفع العداة، وأما الغلبة والسبق ~~عليهم بارتكاب الطعن في إعراضهم والشماتة بما ينوبهم في مكروه يمكن ~~وقوعه به والشتم واللعن عليهم فحاشا وكلا من أن يكسر عداوتهم بل يضر ~~فاعل هذه إما الطعن والشتم فإنها لا تضرهم وتبكى في نفسه لتشبهه ~~بالسفهاء وتسليطهم على نفسه بأمثالها وأما الشماتة فإنها دليل البطر وسيعود ~~إليه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك)، ولقد ~~أحسن من قال) : ~~فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا # وإذا اعتمد العدو عليه والتجاء إليه فلا يخونهم البتة إذ ربما يغلب ~~عليه العدو الضعيف بسبب الخيانة منه، وقد ذم الله تعالى الخيانة في كتابه ~~الكريم قال الله - تعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) ~~[التوبة : ] وقال النبي صل الله عليه وسلم من استعاذكم بالله فأعيذوه)، وقال النبي: (لا ~~إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)، وبالجملة يعاملهم PageV01P195 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0196.png) # ل ~~بالسيرة المحمودة في المروءة وحسن العهد، وليكن محمدة الناس مخصوصة ~~به ونقائضها بأعدائه. # وأما دفع ضررهم فله ثلاث مراتب: مرتبة يدفع ضررهم أولا ~~بالاستصلاح إن أمكن، وإلا فإصلاح ذات البين ثم الاجتباب عنهم، ثانيا ~~يبعد الجوار إن لم يندفع [92اب] ضررهم على طريق الشرع ثم القهر والقمع ~~ثالثا ، لكن بشرائط هي أن يكون بلا ظلم منه وذلك بأن يكون شرارهم طبعا ~~بحيث لا يرجى صلاحهم ويأس عن خلاصهم منهم بطريق آخر وعلمه ~~بأنهم لو ظفروا به لقهروا به أشد من قهره لهم ومعانيه سيغنيهم في إزالة ~~الخير منه ولا رذيلة، أي: بشرط أن يكون الدفع بلا ارتكاب رذيلة في ~~قهرهم كالغدر مثلا وأن لا يكون قهره وخيمة في الدنيا والآخرة لو أمكن مع ~~حصول هذه الشرائط قهرهم بعدو آخر فليعوض إليه، قال علي بن أبي ~~طالب: الخير بالخير والبادي أكرم والشر بالشر والبادي أظلم. # وقال مالك: مقابلة الفاسد بالفاسد من تمام النظر، قال الشاعر: ~~إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ون أنت أكرمت اللييم تمردا # فوضع ms099 الندى في موضع السيف بالعلي قبيح كوضع السيف في موضع ~~الندى ويجب أن يعلم أن الحسود من بين الأعادي ينبغي أن يكدر عيشه ~~بإظهار النعم والفضائل والمراء فيما يوجب غيظه ما لم يستلزم رذيلة وليكن ~~محترزا عن شره فإنه لا ينقطع أبدا. # وأما الصنف الثالث: وهم الذين ليسوا بصديق ولا عدو، وعبر عنه PageV01P196 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0197.png) ~~المصنف بقوله: والمعارف، ويختلف معاملتهم بحسب اختلاف أصنافهم، ~~فيجب الرفد، أي : العطاء وحسن المحضر مع الكل، أي : مع كل من أصناف ~~المعارف، ويجب التكبر مع المكتبر صدقه إذ لولاه لازداد كبرا وغرورا ~~وتوهموا إصابتهم في طريقهم وحسبوا تعظيم الناس إياهم واجبا، وعند الشر ~~عليهم انزجروا عن فعلهم ووجدوا قبحه، وربما امتنعوا منه وقال رسول الله ~~لله عليه وسلم (على التائه حتي ينسى التائه تيه). # ويجب إكرام النصحاء ومخالطتهم [127] بالبشاشة، وحسن اللقاء، ~~واستماع كلامهم، ويجب إكرام اهل الصلاح وأراد بهم الذين يتبرعون ~~بإصلاح ذات البين فليعظمهم بالثناء والكرامات متدينا بدينهم متشبها بهم ~~فما أحمد سيرتهم بخلاف السفهاء فليترك مجاورتهم، ومخالتطهم، ~~وليعرض عن سمتهم، ومقابلتهم غير متوجع ولا متألم، ولا مكترث ~~بسفههم، وأذاهم، قال الشاعر: ~~وللكف عن شتم اللئيم تكرما أضر به من شتمه حين يشتم # وقال آخر: # وأعرض عن شتم اللئيم تكرما ~~واغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض # ويجب الاستفادة من الفضلاء فليشتغل بالاستفادة منهم منخرطا في ~~سلكهم مجتهدا في الاتصال بهم مغتنما صحبتهم ويجب المساعدة بالمال PageV01P197 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0198.png) ~~والخدمة لهم أي للفضلاء وليعد القدرة على معاونتهم بكل ما أمكن له ~~ومساعدتهم بالأموال توفيقا عظيما، ويجب تهذيب أخلاق المتعلمين إن ~~كانوا ذوي الطبائع الروية والشيم الغير مرضية ودعاهم إلى التحصيل نوع في ~~الشره والجاه ويهذب أخلاقهم بتنبيههم على معايبهم ومنعهم عما يتوسلون ~~به في العلوم إلى مطالبهم الفاسدة ومقاصدهم الباطلة، قال الشاعر: ~~فمن منح الجهال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم # ويجب الشفقة عليهم إن كانوا مستعدين راشدين معين ما بعثهم على ~~طلب العلم إلا وشوق الكمال فليختبر أحوال استعدادتهم، وطبائعهم، ~~وأخلاقهم، فإذا وجدهم مستعدين لطلب ms100 الكمال فلا يمنعن العلم عنهم ~~قطعا بلا حمل منة ومؤنة ساعيا في فراغ خاطرهم، ورفاع معايسهم جادا في ~~إزاحة عللهم بقدر الوسع، ومن كان تلميذا فليحجزه [128] عما لا يفهم ~~لكيلا يضيع عمره ويحرضه على ما يفيد ويجب إعطاء السائل ومواساته بل ~~يؤثره على نفسه ما لم يخل به وبعياله إلا إذا ألح فإنه يمنعه عن طمعه لأن ~~ذلك خير له ويجب رحم الضعفاء والمظلومين والإحسان إليهم، بأن يعني ~~على مقاصدهم، ومراداتهم، ويظاهرهم في مراماتهم، ومآربهم وليتعتده ~~إفاضة الخيرات في النية والقول والفعل مشبها بالأول تعالى فإنه منبع ~~الخيرات ومفيض الجود والبركات ويجب قضاء حوائج الناس ما أمكن قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم :من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره وضيفه، قال ~~علي ي الله : من لم يرض منه جاره ارتفعت بركة داره، وقال الحسن البصري: ~~ليس حسن الجوار كف الأذى، بل صبر على الأذى، قال الشاعر: PageV01P198 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0199.png) # ) ~~وكن على الدهر معوانا لذي أمل يرجو بذاك فإن الحر معوان ~~وأحسن إذا كان إمكان ومقدرة # درةولن يدوم على الإحسان إنسان # التهاني والعيادات؛ لأنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الأمور المعروفة ~~في الدين والمستحسنة بين المسلمين، ويجب إظهار الفرح لفرحهم وإظهار ~~الغم لغمهم؛ لأن هذا من قبيل النصح للمسلمين الذي هو من حقوق ~~المسلم على المسلم لكن بحيث لا يخرج هذا القرح والغم إلى حد النفاق ~~ذلك مذموم بالاتفاق. # وإذا وقع الفراغ عن شرح هذه الأوراق بعون الله الملك الخلاق، ~~فلنحتم الكلام بوصية نافعة في تكميل الأخلاق وهي هذه: # اعلم أيها الأخ الفاضل الكريم إياك ثم إياك أن تتخلق بهذه الأخلاق ~~[129 والفضائل، وتطبع بهذه الخصال والشمائل ثم تغتر وتعد نفسك في ~~جماهير الفضائل، وتحسب نفسك من دهماء الحكماء فتستلقي على ~~كتفيك، وتمد قدميك، وتظن أنك أحرزت الفضائل بشطريها وملكت ~~الكمالات بقطريها، وفزت من مارية بقرطيها وحصلت لنفسك الأوصاف ~~الجميلة، وأعددت لحضرة الحق الوسيلة، وتقول: ها أنا قد برزت على ~~لذاتي، وتفرغت عن تكميل ذاتي فيهب في ms101 دماعك أعاصير حب الرياسة، ~~وتهتاج إلى تكميل الخلق، وتقلد السيات متكفلا لإرشاد البرايا وأنت من ~~غوايتك في بلايا تهذب الأحداث بحسن الخلق ونفسك ممنوة بقبح ~~الخرق، هيهات هيهات ما خطر ببالك، وهجس في خيالك، فإنه همهمة PageV01P199 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0200.png) # ~~الحسبان ووسوسة الشيطان يتلألأ منها مخابل الزور، وتنكشف عنها دلائل ~~الغرور ن فلا يغرنك بالله الغرور، أين أنت من سبحات أنوار الجمال، ~~وسطوات بروق العزة والجلال ? أجب داعيه وأصخ مناديه، وتوجه إلى نور ~~حظيرة القدس بعد إحكام مبادئه، واستضيء بنور الله المبين، واعتصم ~~بحبل الله المتين؛ ليصير روحك روضة قدسته وقلبك كعبة عرشية، ويكون ~~مظهر الحق الأعظم ومتجلى الملك الأحكم، وما الأول الذي أنت فيه إلا ~~لجلية البرهان وما الثاني الذي أشرت إليه إلا بغريمة الإيمان، فعليك ~~بالتحقق لحقائق الإيمان للملك الديان والتعرض لنسائم فواتح الإحسان فإنه ~~أساس الدين القويم، ومنار المنهج المستقيم، قال الله - تعالى -: [130] ~~(الذين عامنوا ولم يلبسيوا إيمنهم بطلم أفلبآك لهر الأمن وهم مقتدون) ~~[الأنعام:]، وهكذا إلى أنه نزل منزلة الفناء، وتصل إلى قدس اللاهوت ~~والبقاء، ولما فنيت الأثنينية وانتفت الأنية، حصلت الوحدة الحقيقية أبدا، ~~وبطلت الكثرة الاعتبارية سرمدا شعر إذا ما تجلى الحق والخل طاغوت ~~وباد الحجى والنفس لم يبق ناسوت، وقام مقام الروح وجه منور تنور منه ~~الكل فانهل لاهوت، وهنالك يقول الله سبحانه بلسان البقاء والدوام: (كل ~~من عليها فان 3) ويبقى وجه ربك ذو الجل والإكراه )]. # اللهم لك الحمد على ما هديتنا بالكتاب المبين، ورزقتنا التمسك ~~بحبلك المتين، ونسألك اللهم أن توفقنا للوصول إلى مراتب أصفائيك، ~~والنزول على بساط أوليائك، وأن ترفع عنا حجب البشرية لنصير من ~~الموحدين، ونستريح في سرداقات عزتك يوم الدين. # اللهم إنا نبتهل إليك في أن نصلي على زمرة أصفيائك خصوصا على PageV01P200 ![image file](./0756CadudDinIji.RisalatAkhlaq_0201.png) # ~~رسولك محمد سيد أنبيائك، وعلى آله وأصحابه وذريته وأحبابه أفضل ~~صلاة وسلام، وعلى من يتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. # قد وقع الفراغ من تحريره وتصنيفه وترتيبه وترصيفه: يوم الخميس ~~السابع والعشرين من شهر رمضان - عمت ميامنه بالفضل والإحسان ms102 - من ~~شهور سنة ست وأربعين وتسعمائة من الهجرة النبوية المصطفية. # وقع تحريره وتنميقه بمحروسة قسطنطينية المحمية وأنا الفقير: أحمد ~~بن مصطفى بن خليل عفا عنهم الملك الجليل الشهير بطاش كبرى زاده، ~~جعل الله الهدى والتقى زاده، وأوفر كل يوم علمه وزاده [3]، وختم هذه ~~اليوم الحادي عشر في شهر ربيع الأول لسنة إحدى وتسعين وألف على يد ~~الفقير المذنب: محمد بن مصطفى، عفا الله عنهما، وعن أسلافه بدار ~~الحديث، سفر أغا الرحطوم. # طالعه وصححه قدر ما أدى إليه الفهم السقيم العبد الحقير عفت ~~- عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه - خلال سنة إحدى وسبعين ومائة بعد ~~الألف من الهجرة النبوية بمدينة قسطنطينية المحمية، والحمد لله أولا ~~وأخرا، وباطنا وظاهرا، والصلاة على نبيه محمد وآله وعترته الطاهرين ~~والسلام. PageV01P201 ms103