######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010223 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: تقي الدين السبكي #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفى : 756هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 756 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إبراز الحكم من حديث رفع القلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الحديث النبوي الشريف وتراجم الرواة :: كتب الشروح #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إبراز الحكم من حديث رفع القلم #META# 030.LibURI :: JK_010223 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا أخبرنا الحافظ ~~الإمام أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى ~~الدمياطي رحمه الله سماعا عليه، قال: أخبرنا أبو الحسن بن أبي عبد الله بن ~~أبي الحسن البغدادي المعروف بابن المنير قراءة وأنا أسمع، عن الفضل بن سهل ~~والحافظ محمد بن ناصر. # قال الفضل: عن الخطيب أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ. # وقال ابن ناصر: أنا عبد الله بن احمد ابن السمرقندي وابو الحسن محمد بن ~~محمد بن الحسين ابن الفراء قالا: أنا الخطيب. # وفات ابن السمرقندي من السنن الجزء السابع والعشرون، وليس هذا الحديث ~~منه. # قال ابن ناصر أيضا: وقرأت على أبي غالب محمد بن الحسن بن علي البصري ~~الماوردي، أنا أبو علي علي بن أحمد بن علي التستري. # قال الخطيب والتستري: أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي ~~محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق ~~السجستاني رحمه الله تعالى قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن ~~هارون، أنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود، عن عائشة رضي ~~الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن ~~النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر). # وبه إلى أبي داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن ~~أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسا، ~~فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: ما ~~شأن هذه؟ فقالوا: مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر أن ترجم، قال: فقال: ~~ارجعوا بها. ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أما علمت أن القلم قد رفع عن ~~ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن ms01 النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل. ~~قال: بلى. قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء. قال: فأرسلها. قال: ~~فأرسلها. قال: فجعل يكبر. # وبه إلى أبي داود: حدثنا يوسف بن موسى، ثنا وكيع، عن الأعمش نحوه، وقال ~~أيضا: (حتى يعقل). وقال: (عن المجنون حتى يفيق). قال: فجعل عمر يكبر. # وبه إلى أبي داود قال: ثنا ابن السرح، أنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن ~~حازم، عن سليمان بن مهران، عن ابي ظبيان، عن ابن عباس قال: مر على علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ... بمعنى حديث عثمان، قال: أو ما تذكر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على ~~عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم). قال: صدقت. فخلى عنها. # وبه إلى أبي داود قال: (ثنا هناد، عن أبي الأحوص؛ ثنا جرير المعنى، عن ~~عطاء بن السائب، عن أبي ظبيان، قال هناد الجنبي، قال: أتي عمر بامرأة قد ~~فجرت فأمر برجمها، فمر على علي رضي الله عنه، فأخذها فخلى سبيلها، فأخبر ~~عمر رضي الله عنه، فقال: ادعوا لي عليا. فجاء علي رضي الله عنه، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، لقد علمت أن رسو الله صلى الله عليه وسليم قال: (رفع القلم ~~عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى ~~يبرأ)، وإن هذه معتوهة بني فلان، لعل الذي أتاها أتاها وهي في بلائها. قال: ~~فقال عمر: لا أدري. فقال علي: وأنا لا أدري. # وبه إلى أبي داود: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، عن خالد، عن أبي ~~الضحى، عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم ~~عن ثلاثة: حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل). # قال أبو داود: رواه ابن جريج، عن القاسم بن يزيد، عن علي رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # هذا آخر ما ذكره أبو داود. # فأما حديث عائشة رضي ms02 الله عنها حديث متصل حسن ورجاله كلهم علماء؛ الأسود ~~بن يزيد النخعي، وابن أخيه إبراهيم بن يزيد النخعي جبلان علما ودينا، متفق ~~عليهما. وحماد بن أبي سليمان فقيه أهل الكوفة جليل وحديثه يدخل في الحسن. ~~وحماد بن سلمة عالم كبير روى له الجماعة إلا البخاري، ويزيد بن هارون حافظ ~~ثبت زاهد متعبد، متفق عليه، وعثمان بن أبي شيبة محدث حافظ ثقة وإن كان دون ~~أخيه أبي بكر. PageV01P001 وقد رواه أيضا النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن ~~عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر، عن ~~يزيد وعن محمد بن خالد بن خداش ومحمد بن يحيى الذهلي، عن ابن مهدي جميعا عن ~~حماد به. # أخبرنا بحديث ابن ماجه أقضى القضاة أبو بكر محمد بن عبد العظيم الشافعي ~~المعروف بابن السقطين بقراءتي عليه، عن العدل أبي بكر عبد العزيز بن أحمد ~~عمر بن سالم بن باقا، أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي سماعا ~~لجميع الكتاب خلا الجزء الأول والعاشر والسابع عشر - وهو الأخير - فإجازة ~~وهذا الحديث من الجزء الثامن فهو سماع، قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن ~~الحسين بن أحمد بن الهيثم المقومي إجازة إن لم يكن سماعا، ثم ظهر سماعه بعد ~~ذلك، أخبرنا أبو طلحة القاسم بن أبي المنذر الخطيب، حدثنا أبو الحسن على بن ~~إبراهيم بن سلمة بن بحر القطان، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه، ~~قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون. وحدثنا محمد بن خالد ~~بن خداش ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا حماد بن سلمة، ~~عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى ~~يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق). # قال أبو بكر في حديثه: (وعن المبتلى حتى يبرأ). # ورأيت في سؤالات ابن الجنيد: قال رجل ليحيى ms03 بن معين - وأنا أسمع - : حديث ~~حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة ...) هو عندك واه؟ فقال يحيى: ليس ~~يروي هذا أحد إلا حماد بن سلمة عن حماد. # وأما حديث علي رضي الله عنه فقد رواه من طرق، والطريق الأخيرة منها معلقة ~~منقطعة، وقد رويناها متصلة إلى ابن جريج بالإسناد المتقدم قريبا إلى ابن ~~ماجه قال: حدثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج، أخبرني ~~القاسم بن يزيد، عن علي بن أبي طالب عليه السلام: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: (يرفع القلم عن الصغير، وعن المجنون، وعن النائم). # وهذا منقطع؛ لأن القاسم بن يزيد لم يدرك عليا. # وأما بقية الروايات فرواية ابن السرح رواها النسائي عنه كرواية أبي داود، ~~ورجالها رجال الصحيح، وهي متصلة، وقد صرح أبو ظبيان فيها بالرفع. # ورواية عثمان بن أبي شيبة الأولى صرح فيها بالاتصال دون الرفع، وكذا ~~رواية يوسف بن موسى. # ورواية هناد وعثمان بن أبي شيبة الثانية صرح فيها بالرفع، ولكنها منقطعة ~~بين أبي ظبيان وعلي، ولم يذكر فيها ابن عباس، وأن أبا ظبيان سمع عليا، ~~فيحتمل أن يكون هذا الحديث مما سمعه من علي ومن ابن عباس عنه، ويحتمل - وهو ~~الأقرب - أنه إنما سمعه من ابن عباس عنه، وتكون هذه الرواية منقطعة؛ لأن ~~فيها القصة التي جرت عند عمر، ويبعد أن يكون أبو ظبيان أدرك عمر حتى يكون ~~سمع من علي ذلك الوقت. # وأما رواية موسى بن إسماعيل فمنقطعة أيضا بين أبي الضحى وعلي؛ لأنا لا ~~نحفظ لأبي الضحى رواية عن علي بغير واسطة. # فهذا هو الكلام على رواية هذا الحديث، بتخيل أنه حسن متصل كما قلناه، ~~ووقف بعضهم له وقطع بعضهم لا يقدح في رواية رفعه ووصله. # وأما الكلام على متنه فمن وجوه: # الوجه الأول من الكلام في الحديث # أحدها: - وهو الذي حدانا على الكلام عليه - في قوله: (عن ثلاثة) قد سبق ~~في ms04 جميع رواياته ثبوت الهاء فيه، وكذلك هو في النسائي والدارقطني، ويقع في ~~بعض كتب الفقهاء: (ثلاث) بغير هاء، ولم أجد له أصلا، وبلغني عن بعض الفضلاء ~~أنه سأل - كأن لم يطرق سمعه غير ذلك - : لم حذفت الهاء؟ وظن بعضهم أن ذلك ~~لكون المعدود محذوفا كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه ~~بست من شوال) فحذفت الهاء، وإن كان المراد الأيام واليوم مذكر، لما حذفت ~~ولم يضف العدد إليها في اللفظ. PageV01P002 ولما وصل السؤال إلي لم أرتض ~~هذا الجواب، واكتفيت في دفع السؤال بتبيين لفظ الحديث، وأنه ثبت فيه التاء ~~من جميع وجوهه، ولو كان كما ظن المجيب لكان الأفصح حذفها كما سنبينه، وليس ~~كذلك، بل الذي ورد به الحديث هو الصواب؛ وذلك لأن حذف التاء إنما جاء عند ~~حذف المعدود المذكر إذا كان المعدود هو الأيام خاصة دون ما سواها من ~~المذكر، كقوله تعالى (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، وكقوله تعالى: (إن ~~لبثتم إلا يوما)، فليس المراد في الاثنين عشر ليال بل عشرة أيام، أو عشر ~~ليال بأيامها، وغلب المؤنث على المذكر، وكقوله صلى الله عليه وسلم: (بست من ~~شوال)، ومثله ما حكاه الكسائي: (صمنا من الشهر خمسا)، والصوم إنما يكون في ~~الأيام دون الليالي. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (وعشرا): وقيل: عشرا ذهابا إلى الليالي ~~والأيام داخلة معها، ولا تراهم قد يستعملون التذكير فيه ذابين إلى الأيام ~~تقول: صمت عشرا، ولو ذكرت خرجت من كلامهم. # وهذا الذي قاله الزمخشري يوافقه ما قاله سيبويه؛ فإنه قال: (وتقول: سار ~~خمس عشرة من بين يوم وليلة؛ لأنك ألقيت الاسم على الليالي ثم بينت فقلت: من ~~بين يوم وليلة، ألا ترى أنك تقول: لخمس بقين أو خلون، ويعلم المخاطب أن ~~الأيام قد دخلت في الليالي، فإذا ألقي الاسم على الليالي اكتفي بذلك عن ذكر ~~الأيام، كما تقول: أتيته ضحوة وبكرة، فيعلم المخاطب أنه ضحوة يومك وبكرة ~~يومك، واشابه هذا في الكلام كثير، فإنما قوله: من بين يوم وليلة، توكيد؛ ms05 ~~لأنه قد علم أن الأيام فاضلة على الليالي. # وقال النابغة الجعدي: # فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... تكون النكيران بصيف وتجأرا # قال ابن قتيبة: (يريد ثلاث أيام وثلاث ليال). # ثم قال سيبويه: (وقد يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة، وليس يحد ~~كلام العرب). # هذا كلام سيبويه، وإنما قلت: إنه يوافق كلام الزمخشري؛ لأن من ثلاث عشرة ~~إلى تسع عشرة مثل من الثلاث إلى العشر في حذف التاء من عدد المؤنث وإثباتها ~~في عدد المذكر، وحذف المعدود من أحدهما كحذفه من الآخر، والمراد من الحذف ~~أن لا يضاف إليه لفظا، وهو حاصل في مثال سيبويه، وقد نص على حذف التاء ~~وقال: إن إثباتها قد يجوز في القياس، وليس يحد كلام العرب. فخرج من كلامه ~~وجهان: الفصيح حذف التاء، وهو الذي قاله الزمخشري، وغير الفصيح إثباتها، ~~وهو الذي قال الزمخشري: إنه خارج من كلامهم - أي المسموع - وهو موافق لكلام ~~سيبويه أيضا. # وقال النووي في قوله صلى الله عليه وسلم: (بست من شوال): إنما حذفت الهاء ~~من ستة؛ لأن العرب إنما تلتزم الإتيان بالهاء في المذكر الذي هو دون أحد ~~عشر إذا صرحت بلفظ المذكر، كقوله الله تعالى: (وثمانية أيام)، فأما إذا لم ~~يأتوا بلفظ المذكر فيجوز إثبات الهاء وحذفها، فتقول: صمنا ستا، ولبثنا ~~عشرا، وتريد الأيام، ونقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب، ولا يتوقف ~~فيه إلا جاهل غبي. # والظاهر أن مراده بما نقله الفراء وابن السكيت وغيرهما عن العرب - الحذف، ~~كما حكاه الكسائي، وأما التصريح بالوجهين عن العرب فمخالف لكلام سيبويه ~~والزمخشري، فينبغي أن يتوقف فيه؛ إذ ليس في كلامه تصريح بنقله، نعم: جواز ~~الوجهين قد ثبت من كلام سيبويه كما سبق وإن كان أحدهما لي سيحد كلام العرب. # وطعن بعضهم في حكاية الكسائي، ولا يلتفت إلى هذا الطعن مع صحة الحديث ~~بمثله، ومعاضدة الفراء وابن السكيت وغيرهما للكسائي، وكل منهم إمام، ~~وتوجيهها: أنه لما ثبت جواز: سرت خمسا، وأنت تريد الأيام والليالي جميعا، ~~كما سبق من كلام سيبويه، ms06 وكما دلت عليه الآية الكريمة، وما ذاك إلا لتغليب ~~الليالي على الأيام، وجعل الأيام تابعة لليالي، أجري عليها هذا الحكم عند ~~إرادة الأيام وحدها، كقولك: سرت خمسا، وأنت تريد الأيام. أو: صمت خمسا؛ إذ ~~لا يمكن إرادة الليالي في الصوم، وصار اليوم كأنه مندرج تحت اسم الليلة ~~وجزء منها فيدل عليه باسمها، سواء أريدت حقيقة ذلك الاسم من الليلة واليوم ~~تابع لها، أم لم ترد واقتصر على إرادة ما يتبعها وهو اليوم. PageV01P003 ~~ونقل أبو حيان أنه يقال: صمت خمسة، وأنه فصيح. وهذا إن صح لا يعارض قول ~~سيبويه والزمخشري؛ لأنهما إنما قالا فيما يمكن إرادة الليالي والأيام ~~جميعا، ولا شك أنه عند إراتهما تغلب الليالي فيضعف التذكير، وأما عند إرادة ~~المذكر فقط فالتذكير وإثبات الهاء هو الأصل، والحذف ورد في الحديث وحكاه ~~الكسائي، فالوجهان فيه فصيحان بخلاف القسم الأول؛ فإن الحذف فيه أفصح، هذا ~~إن ثبت: صمنا خمسة، كما ادعاه أبو حيان، ولعله أخذه من ابن عصفور، فإن ثبت ~~ذلك صريحا من كلام غيره وإلا فليتوقف فيه. # وقال شيخنا ابو محمد الدمياطي: سقوط الهاء في (ست من شوال) مع سقوط ~~المعدود، أو ثبوت الهاء في (ستة) مع ثبوت الأيام هو المحفوظ الفصيح، وورد ~~في بعض الطرق المتقدمة للدراوردي وحفص بن غياث ثبوت الهاء في : (ستة من ~~شوال) مع سقوط الأيام، وهو غريب غير صحيح ولا فصيح. انتهى ما قاله، وذكر ~~ذلك في فضل إتباع رمضان بست من شوال، وجمع فيه طرق الحديث الوارد فيها، ~~فرواه من نيف وستين طريقا ليس فيها ثبوت التاء مع سقوط المعدود إلا من ~~الطريقين اللذين ذكرهما، وهو غلط من بعض الرواة الذين لا يتقنون لفظ ~~الحديث. # وذكر الواحدي وغيره من المفسرين أن سقوط التاء من قوله تعالى: (يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، لتغليب الليالي على الأيام. انتهى. # هذا كله في الأيام والليالي، أما إذا كان المعدود مذكرا أو مؤنثا غيرها ~~فلا وجه إلا مطابقة القاعدة الأصلية من إثبات التاء في المذكر وحذفها في ~~المؤنث ذكرت ms07 المعدود أو حذفته، قال تعالى: (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم)، ~~وقال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم)، وقال تعالى: (ما يكون م، ثلاثة إلا ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم)، و قال تعالى: (عليها تسعة عشر)، وقال ~~تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة)، فالمعدود في هذه الآيات كلها مذكر، وقد حذف ~~في الآية الأولى والثانية والثالثة والرابعة وأتي به موصوفا في الخامسة، ~~وثبتت التاء في جميع ذلك، وكذلك قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية)، والقول بجواز حذف التاء في مثل ذلك يحتاج إلى نقل، ولا يكاد يقدر ~~عليه. # وأما قول ابن عصفور: (إن من الثلاثة إلى العشرة إذا استعملتها غير مضافة؛ ~~إن أردت بها المعدود ولم ترد مجرد العدد ألحقت بها التاء، إن أوقعتها على ~~المذكر، وإن أوقعتها على المؤنث لم تلحقها، ويجوز حذف التاء في الحالين، ~~حكى الكسائي: صمنا من الشهر خمسا. والأول أفصح. # فقوله: يجوز حذف التاء في الحالين. فيه إطلاق لو أخذ به شمل الأيام ~~وغيرها، واستشهاده بحكاية الكسائي يقتضي تقييد ذلك الإطلاق، فإن تمسك أحد ~~بذلك الإطلاق وقال: يجوز حذف التاء في الحالين. فيه إطلاق لو أخذ به شمل ~~الأيام وغيرها، واستشهاده بحكاية الكسائي يقتضي تقييد ذلك الإطلاق، فإن ~~تمسك أحد بذلك الإطلاق وقال: يجوز حذف التاء من قولك: رأيت ثلاثا، وأنت ~~تريد رجالا، (طولب) بنقل صريح من العرب، ولا أظنه يجده وما ذكرناه من ~~الآيات يرد عليه إلا أن يدعي أن الآيات جاءت على الأفصح. # وبالجملة تلخص أن في غير الأيام نثبت التاء في المذكر حذفت المعدود أو ~~أثبته، والقول بحذف التاء فيه إذا حذف المعدود لم يتحققه من العرب، ولا صرح ~~به أحد من العلماء غير إطلاق ابن عصفور، وليس بصريح تبنى عليه قاعدة. # وقال الجوهري في باب (الثوب): (قولهم: الثوب سبع في ثمان، كان حقه أن ~~يقال: في ثمانية؛ لأن الطول يذرع بالذراع وهي مؤنثة، والعرض يشبر بالشبر ~~وهو مذكر، وإنما أنثه لما لم يأت ms08 بذكر الأشبار، وهذا كقولهم: صمنا من الشهر ~~خمسا، وإنما يراد بالصوم الأيام دون الليالي، ولو ذكرت الأيام لم تجد بدا ~~من التذكير). انتهى. # وهذا قد يؤخذ منه موافقة ابن عصفور، لكني أقول: التأنيث في ثمان يحتمل أن ~~يكون لأجل ازدواجها مع سبع، كما قيل: الغدايا والعشايا، ونحو ذلك، وتعليل ~~الجوهري بحذف المعدود ينبغي أن يجعل مع هذا المعنى علة وبمجموعهما يحسن ~~التأنيث، وأما بمفرده فيتنازع فيه. PageV01P004 واعلم أن الجوهري وغيره من ~~المصنفين في اللغة إذا نقلوا نقلا أخذناه مسلما مقبولا، وإذا تصرفوا وعللوا ~~نظرنا في كلامهم كغيرهم من المصنفين في العلوم، والمقصود شاهد من لسان ~~العرب على التأنيث إذا حذف المعدود في غير الأيام، ولم نجده في الأيام إذا ~~أريدت الليالي معها وحذف المعدود حذفت التاء في الفصيح الذي جاء به، ولا ~~يجوز خلاف ذلك إلا قياسا وليس بسماع، وإن أردت الأيام وحدها فيجوز الوجهان، ~~والحديث وحكاية الكسائي وغيره يشهدان للحذف، فهذه ثلاث مراتب، ومن رام ~~التسوية بين الأيام وغيرها وأخذ بكلام الزمخشري وأوجب حذف التاء إذا حذف ~~المعدود المذكر غير الأيام رد عليه بالآيات التي ذكرناها، ومما يدل على ~~الفرق بين الأيام وغيرها أن سيبويه مع تجويزه الأمرين في الأيام كما سبق ~~قال: ويقال: أعطاه خمسة عشر من بين عبد وجارية لا يكون في هذا إلا هذا؛ لأن ~~المتكلم لا يجوز له أن يقول: خمسة عشر عبدا، فيعلم أن ثم من الجواري ~~بعدتهم، ولا خمس عشرة جارية، فيعلم أن ثم من العبيد بعدتهن، فلا يكون هذا ~~إلا مختلطا يقع عليهم الاسم الذي بين به العدد. انتهى. # فقد نص في هذا الكلام على أنه لا بد من التاء في قوله: من بين عبد ~~وجارية، مع قوله بالحذف في نظيرها لو قال: من بين يوم وليلة. وهذا نص في ~~الفرق، وفرق من حيث المنى بأن الأيام تدخل في الليالي، وجنس العبيد ~~والجواري لا يدخل أحدهما في الآخر، يعني فلا يكون المعدود مؤنثا حتى تحذف ~~التاء. # وذكر ابن مالك هذا الذي قاله ms09 وزاد عليه بحكم ما لا يعقل فقال: (تقول: ~~عندي خمسة عشر عبدا وجارية، وخمسة عشر جارية وعبدا، فتجعل الحكم للمذكر ~~قدمته أو أخرتهن وكذا تفعل أبدا بكل مركب من عدد من يعقل إذا ميز بمذكر ~~ومؤنث، متصلا كان المميز كما هو في المثال المذكور، أو منفصلا ببين، كقولك: ~~عندي خمسة عشر بين رجل وامرأة، وخمسة عشر بني امرأة ورجل. وتقول: نحرت خمسة ~~عشر جملا وناقة في خمسة عشر يوما وليلة، فيجعل الحكم لسابقهما مذكرا كان أو ~~مؤنثا، وكذا تفعل أبدا بكل مركب من عدد ما لا يعقل إذا اتصل مميزه والمميز ~~مذكر ومؤنث، وتقول: عندي ست عشرة بين ناقة وجمل، واشتريت ست عشرة بين كبش ~~ونعجة. فيجعل الحكم لمؤنثهما قدمته أو أخرته إذا انفصل المميز، وكان مما لا ~~يعقل، والمراد في الحالين: أن نصف العدد المذكور ذكور ونصفه إناثس، وهكذا ~~أبدا في غير الليالي والأيام، وأما فيهن والعدد المذكور ذكور ونصفه إناث، ~~وهكذا أبدا في غير الليالي والأيام، وأما فيهن والعدد المذكور لليالي ~~والأيام مثله، فإذا قلت: كتبت لعشرين يوم وليلة، فالمراد عشر ليال وعشرة ~~أيام، هذا كله معنى كلام سيبويه، وتقول: عندي عشرة أعبد وجوار، أو: عشر ~~جوار وأعبد. # فيجعل الحكم عند الإضافة للسابق من المميز؛ مذكرا كان أو مؤنثا، عاقلا ~~كان أو غير عاقل، ولا يكون مميز هذا النوع أقل من ستة؛ لأنهما إذا كانا أقل ~~من ستة كان أحدهما أقل من ثلاثة، والخمسة وأخواتها لا تضاف إلى أقل من ~~ثلاثة، ولا فرق في ذلك بين أن يتصل المضاف غليه بالمضاف أو ينفصل بعاطف). ~~انتهى كلام ابن مالك. # فقد حكم في العدد بشيئين؛ لمذكرهما مطلقا إن وجد العقل، وإلا فلسابقهما ~~بشرط الاتصال، ولمؤنثهما إن فصلا ببين وعدم العقل، ولسابقهما في الإضافة ~~مطلقا، فأما حكمه لمذكرهما مطلقا إن وجد العقل فهو موافق لما قلناه ومقتض؛ ~~لأنه إذا قيل: رأيت ثلاثا من العقلاء، كانوا نسوة لا رجالا، وحكمه في غير ~~العاقل لسابقهما بشرط الاتصال صحيح، وحكمه لمؤنثهما إن فصلا ببين ms10 وعدم ~~العقل موافق لما قاله سيبويه في الأيام وزائد عليه بحكم غير العاقل في غير ~~الأيام، وحكمه لسابقهما في الإضافة مطلقا يعني به: عشر أعبد وجوار، وعشر ~~جوار وأعبد. # وقوله فيما قبل ذلك: (إنه كله معنى كلام سيبويه) رأيت بعضه فيه وبعضه لم ~~أره، فلعله أخذه من مكان آخر من كلامه. # وقوله: (إن المراد في الأيام والليالي والأيام مثله) صحيح موافق لكلام ~~سيبويه، وأنه إذا قال: خمس عشرة بين يوم وليلة فالمراد: خمسة عشر يوما وخمس ~~عشرة ليلة، وليس المراد أن الخمسة عشر بعضها ليال وبعضها أيام، بل المراد ~~ما قلناه، وكأن المقصود: خمس عشرة مدة، كل مدة يوم وليلة، وهذا مدلول ~~الكلام. PageV01P005 واعلم أنه لولا نص سيبويه على ذلك لكان يمكن القول ~~بأنه يحتمل أن يكون بعضها أياما وبعضها ليالي. # وقوله: أعني ابن مالك - : (إن المراد في غير الأيام والليالي أن نصف ~~العدد ذكور ونصفه إناث) فيرد عليه قول سيبويه: خمسة عشر بين عبد وجارية ولا ~~يمكن فيها التنصيف فلو قال: إن بعض العدد ذكور وبعضه إناث استقام، ويكون ~~المراد بالبعض النصف أو دونه أو فوقه، سواء كان مجموع العدد يقبل التنصيف ~~أم لا، ولا دلالة على التنصيف من هذا اللفظ. # وقوله: (ولا يكون مميز هذا النوع أقل من ستة) صحيح في المثال الذي ذكره، ~~وهو أن يكون المميز جمعا، فإذا قلت: ستة أعبد وجوار، اقتضى أن كلا من ~~العددين جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فالمجموع ستا، فلو قلت: خمسة أعبد وجوار، ~~لم يصح، لأنه يقتضي حمل أحد الجمعين على اثنين، وهكذا إذا لم تأت به مضافا ~~وفصلته ببين مجموعا، كقولك: ستة بين أعبد وجوار، فلو فصلته ببين وأتيت به ~~مفردا، كقولك: أعطيته ستة بين عبد وجارية جاز، واطرد في الخمسة وما دونها، ~~فإنك إذا قلت: أعطيته ثلاثا بين عبد وجارية كان المراد ثلاثا بعضها من جنس ~~العبيد وبعضها من جنس الجواري، والجنس لا يشترط فيه الجمع. # وقوله: (فطافت ثلاثا بين يوم وليلة)ن لولا ما سبق أن الأيام تكون مثل ms11 ~~الليالي في استيفاء العدد لكنا نقول: بعض الثلاث يوم وبعضها ليلتان، أو ~~العكس، وفي غير الأيام والليالي لم يجب ذلك، فهو محتمل. # وقد أطلنا في استيفاء الكلام على كلام ابن مالك فلنرجع إلى غرضنا ونقول: ~~إنه متى كان المعدود مذكرا وحذف؛ فإن كان من الأيام حذفت التاء فصيحا، وإن ~~كان من غير الأيام وهو عاقل فلا تحذف التاء أصلا، فإن قلت: ما ذكرته من ~~كلام سيبويه وغيره في خمسة عشر ونحوها خارج عن محل النزاع؛ لأنا إنما نتكلم ~~عن الثلاث إلى العشر، والزائد من إحدى عشرة فما فوقه لم نتكلم فيه. # قلت: حكم الثلاث إلى العشر مطرد في ثلاث عشرة إلى تسع عشرة من غير فوق، ~~قال سيبويه بعد ان بين حكم الثلاث إلى العشر: (فإذا زاد العدد واحدا على ~~اثني عشر فإن الحرف الأول لا يتغير بناؤه عن حاله وبنائه، حيث لم يجاوز ~~العدد ثلاثة والآخر بمنزلته حيث كان بعد أحد واثنين، وذلك قولك: له ثلاثة ~~عشر عبدا، وكذلك ما بين هذا العدد إلى تسعة عشر، وإذا زاد العدد واحدا فوق ~~ثنتي عشرة فالحروف الأولى بمنزلته حيث لم يجاوز العدة ثلاثا، والآخر ~~بمنزلته حيث كان بعد إحدى وثنتين، وذلك قولك: ثلاث عشرة جارية). ومما يدل ~~لما قلناه من الإتيان بالتاء إذا حذف المعدود المذكر أن سيبويه قال: ونقول: ~~هذا خامس أربعة. وقال: خامس خمسة. إذا كن أربع نسوة فيهن رجل، وخامس أربع ~~إذا أردت أنه صير أربع نسوة خمسة. انتهى. # ومن كلامهم أيضا: خمسة من الخمسين، وثلاثة من الكلاب، وقالوا في ثلاثة من ~~البقر ونحوها وجهان؛ لأن فيه التذكير والتأنيث فيقال على لغة التذكير: ~~ثلاثة من البقر، وعلى لغة التأنيث: ثلاث. وهذا من كلامهم نص في حكم أن ~~التذكير والتأنيث مراعا وإن لم تضف العدد إلى المعدود، وبه ظهر أن الصواب ~~ما ورد في الحديث من إثبات التاء في ثلاثة، وأنه لا يجوز حذفها غلا على ما ~~أطلقه ابن عصفور، فإن صح ذلك الإطلاق فيكون الحديث فيه لغة ضعيفة ms12 لم يرد ~~الحديث بها. # وقد تبين بهذا أن إطلاق من أطلق أنه متى حذف المعدود تحذف التاء ليس ~~بصحيح، ومن كلام ابن مالك في شرح الكافية: تثبت تاء ثلاثة فما فوقها إلى ~~عشرة إن كان واحد المعدود مذكرا، وتسقط إن كان مؤنثا، نحو: عندي من العبيد ~~ثلاثة، ومن الإماء ثلاث. فنظر كيف مثل ما يجب التاء بقوله: عندي من العبيد ~~ثلاثة، وهو عدد لم يضف إلى معدود. # وذكر أبو البقاء العكبري في (إعراب الحديث) له في حديث أنس رضي الله عنه: ~~(يتبع الميت ثلاث؛ أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد). قال: الوجه ~~أن يقال: ثلاثة؛ لأنها مذكرات والأشبه أنه من تغيير الرواة، ويحتمل أن يكون ~~الوجه فيه ثلاث علق والواحدة علقة؛ لأن كلا من هذه المذكورات علقة، ثم إنه ~~ذكر بعد ذلك حملا على اللفظ بعد أن حمل الأول على المعنى. انتهى كلامه. # فقد تحرر أن هذه الأقسام أربعة: PageV01P006 أحدها: أن يكون المعدود ~~مذكرا عاقلا، فلم يسمع فيه عند عدم الإضافة إليه ثبوت التاء كحاله عند ~~الإضافة، وما اقتضاه كلام ابن عصفور من ثبوت لغة فيه بحذف التاء عند عدم ~~الإضافة بعيد، وهو لم يصرح به، ولا يجوز إثباته إلا بنقل صريح، واستعمال ~~القرآن بخلافه. # الثاني: أن يكون المعدود أياما ولياليها جميعا، فها هنا المسموع حذف ~~التاء عند حذف المعدود كحاله عند الإضافة إلى الليالي والأيام تابعة، ويجوز ~~على ما قاله سيبويه في خمسة عشر إثبات التاء. # الثالث: أن يكون المعدود الأيام مجردة عن الليالي، فيجوز حذف التاء فصيحا ~~كما حكاه الكسائي، وصح به الحديث في ست من شوال، والظاهر أنه يجوز إثبات ~~التاء أيضا، وبه صرح أبو حيان وقال: إنه فصيح. وكنت أشتهي لو نقله عن أحد ~~أو أتى فيه بشاهد من لسان العرب، ولكنه أرسله، والظاهر أنه يتبع فيه ابن ~~عصفور، كما نبهت عليه من قبل، وهو وإن كان القياس يحتاج إلى سماع من العرب، ~~وقد يستشهد له بقوله تعالى: (وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة).. فأثبت ms13 ~~الهاء في هذين الموضعين، والمعدود الأيام وهي محذوفة، ولا يقال: إن تقدمها ~~في الآية كذكرها مع العدد؛ لأن الأمثلة التي نذكرها وذكرناها من كلام ~~سيبويه وغيره تقتضي أن المراد بالذكر إضافة العدد إليه، نعم! لا شك أن تقدم ~~ذكر الأيام أوجب حسن إثبات التاء في الآية بخلاف ما لو لم يذكر بالكلية وهو ~~المحل الذي نقله أبو حيان. # الرابع: أن يكون المعدود مذكرا غير عاقل من غير الأيام، فإن لم يعطف عليه ~~مؤنث ولا عطف على مؤنث فحكمه حكم العاقل، فتدخل التاء، قال تعالى: (فخذ ~~أربعة من الطير)، وإن عطف على غيره أو عطف غيره عليه، كقولك: عندي ست عشرة ~~بين ناقة وجمل أو بين جمل وناقة. قال ابن مالك: فيجعل الحكم لمؤنثهما قدمته ~~أو أخرته إذا انفصل المميز وكان مما لا يعقل. وهذا الحكم فيه نظر؛ لم غلب ~~المؤنث ها هنا؟ ولعله بالقياس على الأيام لاشتراكهما في عدم العقل، وقد ~~غلبت الليالي وهي مؤنثة على الأيام فكذلك هذا، ولنا أن نقول: الليالي إنما ~~غلبت على الأيام لسبقها في التاريخ فأطلق على اليوم بليلته ليلة، ولا كذلك ~~هنا، فليتوقف فيه أيضا. # وهذا البحث مما ينظر فيه وهو خارج عن غرضنا، وإنما ساق إليه التقسيم، ~~وبعد أن كتبت ما كتبت في ذلك وقفت على كلام أبي يوسف يعقوب بن السكيت - ~~رحمه الله - في ذلك فوجدته شاهدا لما قلته، فإنه قال: ونقول: صمنا خمسا من ~~الشهر، فيغلبون الليالي على الأيام إذا لم يذكروا الأيام، وإنما يقع الصيام ~~على الأيام؛ لأن ليلة كل يوم قبله؛ فإذا أظهروا الأيام قالوا: صمنا خمسة ~~أيام، وكذلك: أقمنا عنده عشرا وعشرة أيام، فإذا قالوا: أقمنا عنده عشرا بين ~~يوم وليلة غلبوا التأنيث، وتقول: له خمس من الإبل وإن عينت أجمالا؛ لأن ~~الإبل مؤنثة، وكذلك: له خمس من الغنم، وإن عينت أكبشا؛ لأن الغنم مؤنثة. ~~انتهى ما قاله ابن السكيت. # وهو نص فيما قلته، ألا تراه كيف قال: فيغلبون الليالي على الأيام إذا لم ~~يذكروا الأيام فدل على ms14 أن ذلك هو المستند في حذف التاء، وهذا المستند ليس ~~في الرجال ونحوهم من المذكرين، وابن السكيت أحد من وقع الاعتماد عليه في ~~إطلاق هذا اللفظ محذوف التاء، فليكن يرجع إليه في تعليله ومعناه، وقد حمدت ~~الله وشكرته لما وقعت على كلامه؛ إذ وفقني للصواب في هذه المسالة، وكنت مع ~~كوني لم أقف على نقل مساعد أتعجب ممن يخالف في ذلك ويأخذ بإطلاق من أطلق، ~~وممن تعجبت منه في ذلك شيخنا أبو حيان، بلغني عنه أنه قال: لا فرق بين ~~الأيام وغيرها. فلما رأيت كلام ابن السكيت سررت بموافقته والحمدلله على ~~ذلك؛ إذ أهلني للوقوع على الصواب. # الوجه الثاني PageV01P007 قوله: حتى يبلغ، وحتى يستيقظ، وحتى يفيق. وهذه ~~غايات مستقبلة، والفعل المغيا بها وهو قوله: (رفع) ماض، والماضي لا يجوز أن ~~يكون غايته مستقبلة، فلا تقول: سرت أمس حتى تطلع الشمس غدا؛ لأن مقتضى كون ~~الفعل ماضيا كون أجزاء المعنى جميعا ماضية، والغاية طرف المعنى، ويستحيل أن ~~يكون المستقبل ظرفا للماضي؛ لأن الآن فاصل بينهما، والغاية إما داخلة في ~~المعنى فتكون ماضية أيضا، وإما خارجة عنه مجاورة له فيصح أن يكون الآن غاية ~~للماضي، وإما أن تكون منفصلة حتى يكون المستقبل المنفصل عن الماضي غاية له ~~- فمستحيل، فكيف قال: رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ؟! وهذا السؤال لم يبلغني ~~عن أحد، ولكني أنا الذي حركته. # وجوابه - على ما ظهر لي - بالتزام حذف أو مجاز حتى يصح الكلام، ويتبين أن ~~الغاية ليست للفعل الماضي أو ليست مستقبلة، فيحتمل أن يقدر: رفع القلم عن ~~الصبي فلا يزال مرتفعا حتى يبلغ، أو: فهو مرتفع حتى يبلغ، فيبقى الفعل ~~الماضي على حقيقته، والمغيا محذوف، وبه ينتظم الكلام. # ودل على هذا وحسنه أن الرفع فعل له أثر يستمر، فالغاية لأثره لا له، كما ~~تقول: أجرتك داري إلى شهر. فالمغيا ليس هو الإيجار الماضي أو الحاضر، وإنما ~~المغيا أثره، وحدف لفهم المغيا بحيث لو ذكر لكان ركيكا للاستغناء عنه ~~بسببه. # ويحتمل أن يكون معنى: (رفع القلم) حكم ms15 برفعه، وتكون الغاية للرفع المحكوم ~~به لا للحكم الذي هو ماض، ولكن في هذا قلق، والأقرب أنه لا يصح من جهة أنك ~~إذا عبرت برفع عن حكم بالرفع فالمصدر الذي فيه من حيث المعنى هو الحكم لا ~~الرفع، فلا يصح أن يكون هو المغيا، وإنما المغيا الرفع المحكوم به والفعل ~~لم يتضمنه فيحتاج إلى تقديره فيعود إلى الوجه الأول. # ويحتمل أن يقال: إن الغاية للمصدر الذي دل عليه الفعل الماضي كقولهم: ~~تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، عند من لا يقدر فيه: أن تسمع، أو أن الفعل ~~جرد عن دلالاته عن الزمان فلم يبق إلا المصدر فيصح الغاية المستقبلة. # ويحتمل أن يقال ذلك في الغاية، وهو قوله: (حتى يبلغ)، والمعنى: حتى بلوغه ~~لأن هذا إخبار عن حكم شرعي حكم الله في الأزل، وأنه رفع القلم عن كل من ثبت ~~له الصبا في وقت ما حتى بلوغه، فيشمل ذلك من كان صبيا وبلغ في الماضي، ومن ~~هو صبي الآن ويبلغ في المستقبل، ومن يصير صبيا ويبلغ بعد ذلك. # وهذه الاحتمالات كلها في التقدير إما في التجوز في الفعل الثاني أو الفعل ~~الأول، أو الحذف - راجعة إلى معنى واحد وهو الحكم برفع القلم إلى الغاية ~~المذكورة. # وقد تقدم من حيث ابن ماجه الذي من مسند علي: (يرفع) بصيغة الفعل المضارع ~~فلا يرد السؤال على هذه الراوية، وإنما تكلمنا على الروايات المشهورة. # فإن قلت: ما ذكرته جميعه مبني على أن الفعل الماضي لا يجوز أن تكون غايته ~~مستقبلة، وقد قال الله تعالى: (وزلزلوا حتى يقول الرسول) قرىء بنصب (يقول) ~~بتقدير أن، وأن تخلص الفعل للاستقبال؟ قلت: ما أبعدك عما أردناه! نحن في ~~المستقبل حقيقة من جهة المعنى، وذلك وإن قدر مستقبلا فهو ماض في الزمان، ~~ألم تر إلى قول سيبويه في باب حتى: اعلم أن حتى تنصب على وجهين؛ أحدهما: أن ~~يجعل الدخول غاية المشترك، وذلك قوله: سرت حتى أدخلها حتى قلت: سرت حتى ~~أدخلها حتى قلت: سرت إلى أن أدخلها. فالناصب للفعل ms16 ها هنا هو الجار للاسم ~~إذا كان غاية، فالفعل إذا كان غاية نصيب، والاسم إذا كان غاية جر، فهذا قول ~~الخليل رحمه الله. # فأما الوجه الآخر: فأن يكون السير قد كان والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت ~~مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلمته حتى يأمرني بشيء. ~~انتهى. # فانظر كيف بين ذلك سيبويه أنه متى كان الدخول لم يكن كانت مثل كي أي: ~~للتعليل، وليس المراد في الحديث ذلك، وإنما المراد الغاية المجردة، وهذا ~~واضح لا خفاء فيه، وإنما خفنا أن تلتبس على بعض المبتدئين، و(يقول الرسول) ~~في الآية على قراءة الرفع والنصب جميعا مضى زمانه، والمعنى: حتى قال ~~الرسول. # الوجه الثالث # على رواية ابن ماجه في قوله: (يرفع) وعلى الروايات المشهورة في قوله: ~~(رفع) بعد اعتقاد أن المغيا هو المصدر PageV01P008 سؤال: وهو أن الرفع ~~عبارة عن النقل من سفل إلى علو، وذلك يوجد في زمان واحد غير متطاول، وما لا ~~يتطاول، وما لا يتطاول لا يكون مغيا بغاية؛ فإن الغاية لا بد أن يكون لها ~~ابتداء وانتهاء، والمغيا لا بد أن يتكرر قبل الغاية، كقولك: سرت من البصرة ~~إلى الكوفة، فالسير صادق في كل جزء بين ذلك. هكذا ذكر الشيخ أبو محمد ابن ~~عبد السلام أنه لا بد من التكرر، وفي اشتراط التكرر نظر، وإنما الشرط أن ~~يحصل المسمى فإنك تقول: تحرك الجوهر من حيز إلى حيز. واختلفوا: هل الحركة ~~في الحيز الثاني أو الانتقال إليه؟ فإذا قلنا: إنها الحصول في الحيز الثاني ~~لم يحصل التكرر قبله، بل ولا المسمى ما حصل قبله، وإنما حصل عنده، وعلى كل ~~تقدير فمتى جعل الشيء غاية فلا بد أن المغيا يتصل به، والرفع لا يتصل ~~بالبلوغ؛ لأنه حاصل في أول الصبا، وإنما يدوم أثره، وهو كون القلم غير ~~موضوع، وعدم الوضع غير الرفع فالغاية إنما تصح لعدم الوضع لا لنفس الرفع. # والجواب: أن الرفع وإن كان هو النقل من سفل إلى علو فقد يطلق على تبقية ~~المرفوع كذلك، ms17 كما أن القيام هو النهوض، وتقول: قمت يوما، بمعنى استمراره ~~على الانتصاب الذي هو من أثر النهوض، فكذلك الرفع يطلق على شيل القلم من ~~سفل إلى علو وعلى بقائه كذلك مرتفعا، فجاءت الغاية لهذا الارتفاع، وبقائه ~~على تلك الصورة غير موضوع حتى يبلغ، وإنما تمتنع الغاية في الأفعال التي ~~توجد وتنقطع بالكلية. # الوجه الرابع # إن الرفع قد يقال بأنه يقتضي سبق وضع ولم يكن القلم موضوعا على الصبي؟ ~~وعن هذا أجوبة: أحدهما: أن الرفع لا يستدعي تقدم وضع، كما قال يوسف الصديق ~~- على نبينا وعليه السلام - : (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون)، ومن المعلوم أن يوسف عليه السلام لم يكن على تلك الملة ~~قط، وقال شعيب - على نبينا وعليه السلام - لما قاله له قومه: (لنخرجنك ~~ياشعيب والذين آمنوا والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو ~~لو كنا كارهين، قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع كل شيء ~~علما)، ومن المعلوم أن شعيبا - عليه السلام - لم يكن في تلك الملة. # فإن قلت: أنت فسرت الرفع بأنه نقل من سفل إلى علو وذلك يستدعي تقدم وضع ~~ضرورة؟ قلت: حقيقة اللفظ ذلك، ولكن قد يستعلم فيما هو بصدد أن يوضع فيسمى ~~المنع من وضعه إقامة لما بالقوة مقام ما بالفعل، فكأنه كان موضوعا ورفع، ~~وهذا وإن كان مجازا فهو مجاز شائع، وقرينة الحال ترشد إليه فلا محذور فيه. # الجواب الثاني: أن البيهقي قال: (إن الأحكام إنما نيطت بخمس عشرة سنة من ~~عام الخندق، وقبل ذلك كانت تتعلق بالتمييز). وإذا ثبت هذا فيحتمل أن يكون ~~المراد بهذا الحديث انقطاع ذلك الحكم وبيان أنه ارتفع التكليف عن الصبي وإن ~~ميز حتى يبلغ، فيصح فيه أنه رفع بعد الوضع، وهو صحيح في النائم بلا إشكال ~~باعتبار وضعه عليه قبل نومه، وفي المجنون قبل جنونه إذا سبق له حال ms18 تكليف، ~~وإنما السؤال في الصبي إذ لا حالة تكليف له قبل ذلك، وقد ظهر جوابه بذلك. # الجواب الثالث: أن الوضع لو سلم إنما يلزم من الرفع الحقيقي، والرفع هنا ~~كناية عن عدم التكليف فلا يلزم ذلك فيه، ووجه الكناية سيأتي. # الوجه الخامس # قوله: (رفع القلم)، هل هو حقيقة أو مجاز؟ وفيه احتمالات: PageV01P009 ~~أحدهما: - وهو المنقول المشهور - أنه مجاز، لم يرد فيه حقيقة القلم ولا ~~الرفع، وإنما هو كناية عن عدم التكليف، ووجه الكناية فيه: أن التكليف يلزم ~~منه الكتابة؛ ولهذا يعبر بالكتابة عنه كقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام)، ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات في اليوم والليلة كتبهن الله على ~~عباده)، ويلزم من الكتابة القلم لأنه آلة لها، فالقلم لازم لازم التكليف، ~~وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ملزومه وملزوم ملزومه؛ فكذلك كنى بنفي القلم ~~عن نفي الكتابة، وهي من أحسن الكنايات، وأتى بلفظ الرفع إشعارا بأن التكليف ~~لازم لبني آدم إلا هؤلاء الثلاثة، وأن صفة الوضع أمر ثابت للقلم لا ينفك عن ~~غير الثلاثة موضوعا عليه حتى يرفع، ولو قال: لم يوضع. أو: لم يكتب على ~~ثلاثة. لم يكن فيه إشعار بذلك، وأنه في أصله متصف بالوضع والجريان على ~~مخلوق من العالمين. # وهذه فائدة جليلة، فاستعمال الرفع في موضع عدم الوضع بطريق المجاز، ~~واستعمال عدم وضع القلم في موضع عدم الكتابة بطريق المجاز، وعدم الكتابة ~~مجاز في عدم التكليف، والوضع الذي أشعر به لفظ الرفع مجاز أيضا بالنسبة إلى ~~هؤلاء الثلاثة إذ لم يتقدم في حقهم غلا بطريق القوة لا بطريق الفعل. # الاحتمال الثاني: أن يراد حقيقة القلم الذي ورد فيه الحديث: (أول ما خلق ~~الله القلم فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأفعال العباد ~~كلها؛ حسنها وسيئها يجري به ذلك القلم ويكتبه حقيقة، وثواب الطاعات وعقاب ~~السيئات يكتبه حقيقة، وقد خلق لذلك، وأمر بكتبه وصار موضوعا على اللوح ~~المحفوظ ليكتب ذلك فيه جاريا به إلى أن تقوم الساعة، وقد كتب 1لك وفرغ منه ~~وحفظ، ms19 وفعل الصبي والمجنون والنائم لا إثم فيه فلا يكتب القلم إثمه ولا ~~التكليف به، فحكم الله بأن القلم لا يكتب ذلك من بين سائر الأشياء رفع ~~للقلم الموضوع للكتابة، والرفع فعل الله تعالى، فالرفع في نفسه حقيقة، ~~والقلم حقيقة، والمجاز في شيء واحد وهو أن القلم لم يكن موضوعا على هؤلاء ~~الثلاثة إلا بالقوة والتهيؤ لأن يكتب ما يصدر منهم فسمى منعه من ذلك رفعا، ~~فمن هذا الوجه يشارك هذا الاحتمال الاحتمال الأول، وفيما قبله يفارقه. # الوجه السادس # اختلف الفقهاء والأصوليون في مفهوم العدد: هل هو حجة أو لا؟ والمختار عند ~~المتأخرين من الأصوليين أنه ليس بحجة، وظني اختيار الشافعي أنه حجة، فمن ~~قال بأنه حجة يتمسك بهذا الحديث على أن التكليف لا يرتفع عن غير الثلاثة، ~~ويقويه ما قدمناه من إشعار لفظ الرفع به، وإذا ثبت ذلك فنقول: هنا شيئان: ~~أحدهما: الشيخ الكبير، ورد فيه حديث موضوع يقتضي ارتفاع التكليف عنه، وهو ~~كذب باطل لا أصل له، ولا يرتفع التكليف عنه ما دام عقله ثابتا، ومما يدل ~~لتكليفه هذا الحديث من جهتين: (إحداهما) ما أشرنا غليه من مفهوم العدد. ~~(والثانية) مفهوم قوله: (حتى يبلغ) اقتضى التكليف على البالغ، ولم يفرق بين ~~الشيخ وغيره، على أن الإجماع على تكليفه فلا حاجة إلى التطويل فيه، والحديث ~~الوارد فيه باطل. # الثاني: الميت في الفترة، قد يتمسك بالحديث على تكليفه؛ لأنه ليس من ~~الثلاثة، ومذهب أهل السنة أنه لا تكليف قبل البعثة. والجواب عن الحديث: أن ~~مورده بعد البعثة وحصول التكليف، لا يشمل ما قبل ذلك، ومن هنا يستنبط جواب ~~آخر في قوله: (رفع) وهو أن بالبعثة وقيام المعجزة وتقرر شريعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثبت التكليف وجرى القلم على العالمين الذين أرسل إليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وخص من ذلك ثلاثة أحوال وهي: الصبا والجنون ~~والنوم، فلا تكليف فيها؛ فكان ذلك رفعا مما اقتضته الدعوة. # الوجه السابع PageV01P010 قدمنا أن قوله: (ثلاثة) يقتضي المذكرين ~~العاقلين، ونعني به أن يقدر المعدود المحذوف ms20 مذكر اللفظ، فنقدر: ثلاثة ~~أشخاص من العالمين حتى يشمل المذكر والمؤنث؛ لأنه لا فرق في هذا الحكم بين ~~الصبي والصبية، والمجنون والمجنونة، والنائم والنائمة، فإذا قدرته شخصا شمل ~~المذكر والمؤنث، والشخص مذكر اللفظ، وكذلك إذا قدرت: ثلاثة أنفس، عند من ~~يجعل النفس مذكرا بمعنى الإنسان، وهو الذي نقله سيبويه عن العرب في باب ~~المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر، ولك أن تقدر: ثلاثة أناس، والأحسن ~~تقدير الأنفس أو الأشخاص ليشمل الجن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث ~~إلى الإنس والجن، فإن كانت هذه الصفات فيهم فتجري أحكامها عليهم. # الوجه الثامن # عد الأصوليون: الغاية من جملة المخصصات وذلك فيما إذا تقدمها عموم يشملها ~~لو لم يؤت بها، كقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية)، فلو لم يقله لقاتلنا ~~المشركين أعطوا الجزية أو لم يعطوها، وفي هذا الحديث لا يأتي ذلك؛ لأن حالة ~~البلوغ خارجة عن الصبا، وحالة الإفاقة خارجة عن حالة الجنون، والاستيقاظ ~~خارج عن النوم، فلو قال: عن الصبي والمجنون والنائم، ولم يذكر الغايات ~~المذكورة لم يشملها. # فنقول: الغاية في مثل هذا يقصد بها شيئان: أحدهما: تأكيد العموم فيما ~~قبلها واستغراقه حتى لا يبقى جزء قبل الغاية غلا دخل فيه، وهذا المعنى ~~مقصود ها هنا؛ فإن عدم التكليف في جميع أزمنة الصبا لا يستثنى منها شيء؛ بل ~~هو مستغرق بجميعها من أولها إلى آخرها، وآخرها الذي يستعقب البلوغ داخل ~~فيها، وهكذا جميع أزمنة الجنون والنوم، فالمقصود بهذه الغاية من هذا الوجه ~~تحقيق التعميم لا التخصيص، ومن هذا قوله تعالى: (سلام هى حتى مطلع الفجر)، ~~فطلوع الفجر وزمان طلوعه ليسا من الليل ولا يشملهما قوله: (سلام)، وإنما ~~قصد به تحقيق أن جميع ليلة القدر سلام لا يخصص منها شيء قبل تلك الغاية. # الثاني: أن يقصد به ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية؛ فإن اللفظ لو اقتصر على ~~قوله: رفع القلم عن الصبي، شمل حالة الصبا ولم يتعرض لحالة البلوغ بإثبات ~~التكليف فيها ولا ينفيه عنها، بل هو ساكت عن حكمها، فإذا قال: حتى ms21 يبلغ، ~~وقد علم أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها فهم اثبات التكليف في حالة ~~البلوغ، فقصد بالغاية المذكورة هذا الحكم أيضا، وهذا يقوله من يقول ~~بالمفهوم، وهو وإن قيل به في نحو قوله: (حتى يعطوا الجزية) فهو أقوى من ~~القول به هنا؛ لأن هناك لو لم يقل به لم يكن للغاية فائدة، وهنا فائدتها ~~المقصود الأول، كما بيناه، فلم يكن دليل على الثاني، ألا ترى أن قوله: ~~(سلام هى حتى مطلع الفجر) يظهر من قوة اللفظ أنه إنما قصد به تعميم السلام ~~لليلة القدر دون قصد ارتفاع السلام بطلوع فجرها؛ فإن ذلك لا غرض فيه. # الوجه التاسع # تكلم النحاة والأصوليون والفقهاء في أن انتهاء الغاية هل يدخل أو لا ~~يدخل؟ ولا بد أن يستثنى من هذا الإطلاق شيئان: أحدهما: ما تقدم، وهي الغاية ~~التي لو سكت عنها لم يدل اللفظ عليها، كالغايات المذكورة في الحديث، وكطلوع ~~الفجر في قوله: (سلام هى حتى مطلع الفجر)، وكقوله: (فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن)؛ فإن حالة الطهر لا يشملها اسم الحيض. ~~PageV01P011 الثاني: ما يكون اللفظ الأول شاملا لها، مثل قولنا: قطعت ~~أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام، فإنه لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه ~~كلها، لافاد الاستغراق فكان قوله: من الخنصر إلى الإبهام تأكيدا، وكذلك: ~~قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته، وهو في الحقيقة راجع إلى الأول؛ لأن ~~المقصود فيهما تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه، وإن افترقا في أن الذي ~~جعل غاية في الثاني ظرف المغيا، وفي الأول ما بعده، ففي هذين الموضعين ~~الغاية لا خلاف فيها؛ بل هي في الأول خارجة قطعا، وفي الثاني داخلة قطعا. ~~وكذا: بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه، فالغاية داخلة قطعا، وإنما الخلاف ~~إذا قال: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، هل يدخل الابتداء والانتهاء ~~أو أحدهما أولا؟ ومحل القطع بدخول الغاية في قولنا: قطعت أصابعه كلها من ~~الخنصر إلى الإبهام، فإن اللفظ الأول صريح في الدخول، فلو كان ظاهرا غير ~~صريح ms22 كقولنا: ضربت القوم حتى زيدا، فالحكم كذلك ظاهر مع احتمال أن يكون ~~انتهاء الضرب إليه ولم يضربه. # ومن مباحث الحنفية في الغاية في قوله صلى الله عليه وسلم: (اركع حتى ~~تطمئن راكعا)، أنه لا يدل على الأمر بالطمأنينة، لأن الغاية لا تدخل في ~~المغيا، تقول ها هنا: إنه متى رفع قبل الطمأنينة لم يوجدن الركوع المأمور ~~به، وهو المغيا بالطمأنينة، نعم! يفيدنا هذا البحث في أن الطمأنينة هل هي ~~مقصودة في نفسها أو هي مقصودة لتحقيق الركوع المأمور به بالصفة الخاصة؟ ~~ويرجع أثر البحث إلى أن الركوع والطمأنينة فيه هل هما ركنان - كما قاله ~~صاحب التنبيه - أو الركوع هو الركن والطمأنينة وصف فيه؟ وعلى كل تقدير هي ~~فرض. # الوجه العاشر # اتفق الفقهاء على أن النائم والصبي والمجنون يتعلق بهم خطاب الوضع من ~~ضمان المتلفات وأروش الجنايات ونحوها، فليسوا بمنزلة البهيمة التي لم يتعلق ~~بها حكم ألبتة، ولا بمنزلة الآدميين قبل البعثة؛ فإن الحكم لم يتعلق بهم ~~أيضا ألبتة على المختار في أنه لا حكم قبل الشرع، والمختار فيه الجزم بعدم ~~الحكم لا التوقف، ولا ينافي ذلك كون الحكم قديما، ولا كون تعلقه أيضا قديما ~~عند من يقول بأن التعلق قديم، وهو المختار، وإنما لم يقدح في ذلك؛ لأن ~~المقصود هنا التعلق الذي يوجد أثره في المحكوم عليه، وذلك منتف قبل البعثة ~~قطعا، إذا عرفت هذا فانتفاؤه قبل البعثة عام في خطاب التكليف وخطاب الوضع ~~جميعا، ولا يثبت شيء من الأحكام الشرعية، وحكمنا بذلك حكم عقلي لا شرعي، ~~أما بعد البعثة فقد عرفت أن خطاب الوضع ثابت في حق الجميع، وخطاب الندب ~~ثابت في حق الصبي على الصحيح من مذاهب العلماء، فإنه مأمور بالصلاة من جهة ~~الشارع أمر ندب مثاب عليها، وكذلك يوجد في حقه خطاب الإباحة والكراهة حيث ~~يوجد خطاب الندب، وهو ما إذا كان مميزا، وإنما ينتفي في حقه الوجوب ~~والتحريم؛ لأن فيهما كلفة، وهل انتفاء ذلك في حقه لعدم الحكم كما قبل الشرع ~~أو حكم من حكم الله ms23 تخفيفا عنه؟ لم أر من تكلم في ذلك، وللبحث فيه مجال. # ويترتب عليه البحث في مدلول قوله في الحديث: (رفع القلم)، فإن جعلنا ~~الثابت في حقه عدم الحكم كما قبل الشرع كان معناه عدم الحكم واحتجنا إلى ~~تكلف الجواب عن قول السائل: إنه لم يكن موضوعا، وعن حقيقة الرفع فإنها لم ~~توجد، وإن جعلنا في حقه هو الحكم بعدم المؤاخذة حسن التعبير بقوله: (رفع ~~القلم)؛ لأنه أمر متجدد بعد الشرع وكان قريبا من الحقيقة في معنى الرفع، ~~وفي استدعائه الوضع؛ لأنه وضع على غيره وعليه في خطاب الوضع وغيره من ~~الإباحة والندب، ورفع في الوجوب والتحريم خاصة، ويؤيد هذا أنه على هذا ~~التقدير يكون قوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم) إثباتا لحكم شرعي، وعلى ~~تقدير أن يراد عدم التكليف الأصلي كما قبل البعثة يكون حكما عقليا، وحمل ~~كلام الشارع على الشرعي أولى. هذا في الصبي المميز. # أما غير المميز والمجنون والنائم فتكليفهم يبنى على تكليف ما لا يطاق، ~~ومذهب أهل السنة جوازه، وهو قبل البعثة منتف بالأدلة الدالة على عدم ~~التكليف، فإنه عام فيما يطاق ففي غيره أولى، أما بعد البعثة وثبوت الأحكام ~~في جميع المرسل إليهم احتمل أن يقال بدخول غير المميز في التكليف بناء على ~~تكليف ما لا يطاق وتكليف العاقل، فرفعه بقوله: (رفع القلم عن ثلاثة). ~~PageV01P012 وقد تبين لك بهذه المباحث أن هؤلاء الثلاثة ليسوا كمن قبل ~~البعثة، وظهر موقع الحديث فيه وهو يحسن أن يكون جوابا عن قوله: (رفع) ~~وتفسيرا له مع ما تقدم. # الوجه الحادي عشر # قال الجوهري: الصبي: الغلام. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد ~~بن عبد الله الأحداني في كتابه: (كفاية المحيط في اللغة) - وهي مما حفظته - ~~: قال بعضهم: الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولدته سمي صبيا، فإذا ~~فطم سمي غلاما إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، ثم يصير حزور إلى ~~خمس عشرة سنة. انتهى. # وما قاله من كون اسم الغلام من الفطام ms24 إلى سبع سنين هو الذي ذكره ابن عبد ~~البر في التمهيد في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) عن أهل اللغة، والذي ~~يجب القطع به أنه يسمى صبيا في هذه الأطوار إلى أن يحتلم في أثناء الطور ~~الرابع بعد العشر، ومن الدليل على إطلاق الصبي على ما قبل الفطام ما جاء في ~~الحديث: أتي النبي صلى الله ليه وسلم بصبي لم يأكل الطعام. ويطلق أيضا على ~~ما بعد الفطام إلى العشر كما جاء في الحديث: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، ~~واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)، ويطلق أيضا على ما بعد العشر إلى البلوغ ~~كقوله في هذا الحديث: (عن الصبي حتى يبلغ). # وأما الغلام فأصله لمن يخدم، فإطلاقه على ابن سبع ونحوه مما يقاربها ~~موافق لهذا الأصل، وإن صح إطلاقه على الرضيع كما يقتضيه كلام الجوهري، ~~فلعله من باب تسمية الشيء باسم ما يصير إليه، وقد جاء في رواية ابن ماجة ~~التي قدمناها: (الصغير)، وهي مرادفة للصبي. # الوجه الثاني عشر # قوله: (حتى يبلغ)، هكذا في الرواية التي رواها أبو ظبيان عن علي، وقد ~~قلنا: إنها منقطعة؛ لأنه لم يدركه، والرواية التي صرح فيها بابن عباس في ~~بعضها من رواية ابن السرح: (حتى يحتلم)، وقد قلنا: إن رجالها رجال الصحيح، ~~وهي من رواية ابن وهب عن جرير عن الأعمش، وكذا في رواية أبي الضحى عن علي، ~~وفي رواية عثمان عن جرير عن الأعمش: (حتى يعقل)، وفي رواية عائشة رضي الله ~~عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يكبر)، ولهذا البحث أثر يظهر فيما ~~بعد. # الوجه الثالث عشر # لا شك أن يكبر ويعقل لا بيان فيهما فالتمسك برواية: (حتى يحتلم) أولى ~~لبيانها، وايضا هي أصح سندا من حديث عائشة، وأما: (حتى يبلغ) ففيها ~~الانقطاع كما قلناه، وفيها عدم البيان؛ لأنا لا ندري يبلغ ماذا؟ والأقرب إن ~~صحت هذه اللفظة أن يكون المراد في قوله تعالى: (إذا بلغوا النكاح) فيكون ~~المراد: حتى يبلغ النكاح، ولا شك أن الاحتلام إنما يكون في ذلك السن، ms25 وقد ~~يبلغ السن الذي يصلح أن ينكح فيه ولا يحتلم فتقتضي الآية الكريمة بلوغه، ~~ولكن ذلك السن مختلف، فرب صبي قوي شديد الأسر كثير الفضلات تتوق نفسه إلى ~~النكاح قبل خمس عشرة سنة، ورب صبي ضعيف جاف البدن لا تتوق نفسه وهو قريب ~~العشرين، وقد يقال: إن البلوغ مطلق والاحتلام مقيد، فيحمل المطلق على ~~المقيد، وهذا بحث جيد؛ لأن (يبلغ) فعل في سياق الإثبات لا عموم له فهو ~~مطلق، وبيانه هنا أيضا بأن الرفع مغيا بالغايتين بمقتضى الحديثين، فإذا ~~وجدت إحداهما ولم توجد الأخرى فانقطاع الرفع عمل بالمفهوم واستمراره عمل ~~بالمنطوق فيتقدم، فإن كان السابق هو الاحتلام فلا شك أنه يحصل به البلوغ ~~ويحصل الغايتان جميعا بخصوصه وعمومه، وإن كان السابق كبر السن فيعمل ~~بالمنطوق إلى الاحتلام، وهذا ظاهر في سن خمس عشرة مما لم يدل دليل على أنه ~~بلوغ، أما الخمس عشرة فسنتكلم عليها، فيثبت أن الاحتلام بلوغ قطعا وما سواه ~~من السن قبل خمس عشرة ليس ببلوغ قطعا، وما عدا ذلك سنتكلم عليه إن شاء الله ~~تعالى. # الوجه الرابع عشر # هذا الذي قلناه من حمل المطلق على المقيد شرطه أن يثبت اللفظان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وإلا فالعمل بالثابت دون غيره، وكذلك إذا صح سندهما ~~وكان أحدهما أرجح فالعمل بالراجح؛ لأنه المحكوم بأنه الحديث، وإنما المطلق ~~والمقيد إذا ثبت أنهما قالهما بأن يكون نطق بالحديث مرتين، وأما الطريقة ~~الأخرى التي سلكناها من كون الرفع مغيا بالغايتين بمقتضى الحديثين إلى آخر ~~التقرير فهي جارية مطلقا، سواء صح كلا اللفظين عنه صلى عليه وسلم أم ~~أحدهما. # الوجه الخامس عشر PageV01P013 أجمع العلماء على أن الاحتلام يحصل به ~~البلوغ في الرجل، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم فليستئذنوا)، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (حتى يحتلم)، ~~والآية أصرح؛ فإنها ناطقة بالأمر بعد الحلم، والحديث قد قدمنا مدلول الغاية ~~وأن التكليف بعد الاحتلام، وإنما يؤخذ بدلال المفهوم وبما أشعر به الرفع من ~~وضع القلم ms26 عن من سوى الثلاثة. ومن الدليل في ذلك أيضا عن علي رضي الله عنه ~~قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتم بعد احتلام،ولا صمات ~~يوم إلى الليل). رواه أبو داود. # والمراد بالاحتلام خروج المني سواء كان في اليقظة أم في المنام بحلم أو ~~غير حلم، ولما كان في الغالب لا يحصل إلا في النوم بحلم أطلق عليه الحلم ~~والاحتلام، ويكون الخروج بغير حلم مدلولا عليه باللفظ إن أطلقنا اللفظ على ~~الأقسام الثلاثة لوجود المعنى في جميعها أو لا يكون مدلولا عليه، ولكن ~~الحلم ثابت فيه إجماعا لمشاركته في المعنى لما دل اللفظ عليه، ولو وجد ~~الاحتلام من غير خروج مني فلا حكم له. # والذي يتعلق بالحديث مما نحن فيه أن قوله: (حتى يحتلم) دليل البلوغ بذلك، ~~وهو إجماع، وهو حقيقة في خروج المني بالاحتلام؛ ومجاز في خروجه بغير احتلام ~~يقظة أو مناما، أو منقول فيما هو أعم من ذلك، ويخرج منه الاحتلام بغير خروج ~~مني إن أطلقناه عليه منقولا عنه، أو لكونه فردا من أفراد الاحتلام. # وقد قالوا: إن وقت إمكان خروج المني باستكمال تسع سنين، ولا عبرة بما ~~ينفصل قبل ذلك. وقيل: وقت الإمكان بمضي ستة أشهر من السنة العاشرة. وقيل: ~~بتمام العاشرة. والحديث لا تعرض له لشيء من ذلك؛ بل بخروج المني متى اتفق، ~~والقول بأن ما انفصل قبل تمام التاسعة لا عبرة به؛ إن كان على غير صفة ~~المني فصحيح، وإن كان على صفة المنى - إن فرض ذلك - فكيف لا يعتبر به ~~والاسم صادق عليه والحديث يشمله؟! وليس هذا كالدم إذا رأته المرأة قبل سن ~~الحيض حيث نقول: إنه دم فساد؛ فإن الدم بسببه،ن وأما المني فلا يشتبه ~~بغيره، ومقتضى الحديث أنه متى وجد وجد البلوغ، نعم! الظاهر أنه لا يوجد قبل ~~هذا السن، وأما أنا نفرض وجوده ونقول: لا عبرة به. فليس بظاهر. # الوجه السادس عشر # اختلف أصحابنا في بلوغ النساء بالاحتلام، والصحيح أنه بلوغ في حقهن ~~كالرجال، وفيه وجه أنه لا ms27 يوجب البلوغ فيهن؛ لأنه نادر فيهن ساقط العبرة، ~~ويؤخذ من هذا الحديث ضعف هذا الوجه لعموم قوله: (الصبي)، وهو شامل للذكر ~~والأنثى بما قررناه، وإطلاق قوله: (حتى يبلغ)، وتعلق المخالف بندرة ~~الاحتلام فيهن - إن سلمت له الندرة - لا تنفعه؛ لا، الندرة لا توجب الخروج ~~من اللفظ، وليس ذلك من مخصصات العموم، ولو سلم أن ذلك من المخصصات للعام ~~فذلك إذا كانت الصورة نادرة فهن داخلات في العموم بلا إشكال، وقوله: (حتى ~~يحتلم) غاية فيهن، وليس من شرط الغاية أن تكون غالبة ولا غير نادرة. # الوجه السابع عشر # اختلف العلماء في البلوغ بالسن؛ فعن مالك إنكاره مطلقا، وأن البلوغ إنما ~~هو بالاحتلام، وعن أبي حنيفة: أن بلوغ الغلام بثمان عشرة سنة، وفي الجارية ~~روايتان عنه: إحداهما كذلك، والثانية بسبع عشرة سنة، وقال الشافعي: إن ~~البلوغ فيهما بخمس عشرة سنة، واختلف أصحابه في ضبطها؛ فالمذهب المشهور أن ~~المعتبر تمام السنة الخامسة عشر، وفي وجه مشهور في طريق المراوزة زمانه ~~بالطعن فيها، وفي وجه غريب: أنه بمضي ستة أشهر منها، ولا دلالة للحديث الذي ~~نحن فيه على شيء من ذلك، ولكن استندوا فيه إلى حديثين: أحدهما: عن ابن عمر ~~قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة ~~فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. متفق ~~عليه. # قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز في خلافته فقال: إن هذا ~~لحد بين الصغير والكبير. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز أمر بذلك بعد، وكان ~~يجعل من دون خمس عشرة في الذرية، وكتب إلى عماله: أن افرضوا لابن خمس عشرة، ~~وما كان سوى ذلك فألحقوه بالعيال. PageV01P014 والمخالفون اعتذروا عن هذا ~~الحديث بأن الإجازة في القتال حكمها منوط بإطاقته والقدرة عليه، وإنما ~~أجازه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر في الخمس عشرة؛ لأنه رآه مطيقا ~~للقتال، ولم يكن مطيقا له قبله، لا لأنه أدار الحكم على البلوغ وعدمه. # ولعمري! إن هذا ms28 العذر يلوح ولكن يرده أن جماعة مع ابن عمر اتفق لهم ذلك ~~وأسنانهم متساوية، وكان فيمن رد من يتشرف للقتال ويظهر من نفسه الجلادة ~~والقوة، وذكر ابن عمر السن في المقامين دليل على أنه فهم أن ذلك منوط ~~بالسن، ويعضد ذلك بفهم عمر بن عبد العزيز ومن وافقه، والأمر فيه محتمل، ~~وأمر عمر بن عبد العزيز بجعل من دون خمس عشرة في الذرية ظاهر لما قدمناه من ~~البحث في الوجه الثالث عشر، وكذلك ينسحب حكم عدم البلوغ على ما قبل تمامها ~~بالبحث المذكور، لا ريبة فيه عندي، فلا بلوغ قبل استكمال خمس عشرة سنة بغير ~~احتلام، وإنما النظر في البلوغ بتمامها، والإجازة في القتال لا تدل على ~~البلوغ؛ لأن الصبي القادر على القتال يجوز له الحضور وإن لم يجب عليه. # وقد ذكر الرافعي في هذا الحديث زيادة، وهي قول ابن عمر في المرة الأول: ~~ولم يرني بلغت، وفي الخندق رآني قد بلغت. وهذه الزيادة إن صحت كافية في ~~الاستدلال مع إمكان أن يحملها الخصم على بلوغ القتال، ولكن الظاهر خلافه، ~~وبعض هذه الزيادة رواة البيهقي، وهو قول ابن عمر عن يوم أحد: ولم يرني ~~بلغت. رواه ابن جريج، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية جماعة، ~~عن عبيد الله: فاستصغرني. # وأما الحديث الثاني: فرواه الدارقطنين على ما نقله إمام الحرمين أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما ~~عليه، وأقيمت عليه الحدود). وهذا الحديث نص في المقصود، فإن الذي دلت عليه ~~السير أن ابن عمر يوم الخندق كان في ست عشرة سنة ولكنه لم يحسب تلك الزيادة ~~فقال: وأنا ابن خمس عشرة؛ لأنه كان أكملها وزاد عليها، فإجازة النبي صلى ~~الله عليه وسلم له يحتلم أن يكون لقدرته على القتال مع صباه، ويحتمل أن ~~يكون لاستكماله خمس عشرة، ويحتمل أن يكون لبلوغه قبل ذلك أو بعده، وأما هذا ~~الحديث فنص في اعتبار كمال خمس عشرة سنة، وصريح في ms29 أنه يكتب ما له وما عليه ~~وتقام عليه الحدود، وهذا معنى التكليف، فإن صح هذا الحديث فلا ريبة في هذا ~~الحكم، وإلا فنقول: اعتبار أبي حنيفة أيضا لسبع عشرة أو لثمان عشرة لا دليل ~~عليه، وبقاء الصبا إلى إلى الاحتلام أبدا لا صائر إليه، وربما لا يحتلم ~~شخص، وقد دل القرآن على بلوغ النكاح، وهو السن الذي تتوق فيه النفس إلى ~~الجماع ويقدر عليه، وهو مختلف باختلاف الاشخاص، والغالب وجوده في ابن خمس ~~عشرة وما قاربها، وقد شهد له حديث ابن عمر والحديث الآخر، فهو أولى ~~بالاعتبار وإقامته مظنته، فلذلك يختار موافقة الشافعي في الحكم بالبلوغ ~~باستكمال خمس عشرة ظاهرا لا قطعا، أما إذا استكمل سبع عشرة أو ثمان عشرة ~~فيحكم بالبلوغ باتفاق منا ومن الحنفية، ومخالفة مالك بعيدة؛ لأنه لا غاية ~~بعدها، وحيث أطلقنا السنين فالمراد القمرية، وحيث حكمنا بالبلوغ بالسن بدون ~~الاحتلام فذلك يقتضي تخصيص قوله: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) أو أنه ~~استعمل الاحتلام في الأعم منه ومن بلوغ وقته. # الوجه الثامن عشر # اختلف العلماء في إنبات العانة: هل يقتضي الحكم بالبلوغ؟ فمن العلماء من ~~أنكر ذلك، وهو أبو حنيفة رضي الله عنه، ومنهم من قال به في حق المسلمين ~~والكفار، وهو أحد الوجهين لأصحابنا بناء على أنه بلوغ حقيقة كسائر أسباب ~~البلوغ، أو أنه علامة يحتاج إليها عند الاشكال فيهما، وهو مذهب مالك، ومنهم ~~من قال به في حق الكفار خاصة، وهو الصحيح عند أصحابنا بناء على أنه ليس ~~ببلوغ، ولكنه دليل على البلوغ وأمارة؛ أنه يستعجل بالمعالجة، ولأن تواريخ ~~المواليد في المسلمين يسهل الكشف عنها بخلاف الكفار، فإنه لا اعتماد على ~~قولهم، فجعل علامة في حق الكافرخاصة، واحتجن من جعله دليلا في حق الكفار ~~بحديث عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون من أبنت الشعر قتل، ~~ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت. قال: فكشفوا عانتي فوجدوها لم ~~تنبت فجعلوني في السبي. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال ms30 ~~الترمذي: حسن صحيح. PageV01P015 وعن أبي سعيد الخدري: أن سعدا حكم في بني ~~قريظة أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(حكمت بحكم الله). متفق عليه. # وعن عطية قال: كنت ممن حكم عليه سعد، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت ترك، ~~فكنت ممن لم ينبت فتركت. # وهذه الاحاديث حجة قوية في الحكم بالبلوغ لذلك، وغاية ما فيه تخصيص قوله: ~~(رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) إذا فرض الإنبات قبل الاحتلام، على أن ~~القول بالتخصيص إنما يلزم من يقول: إنه بلوغ حقيقة، أما من يقوله أمارة على ~~البلوغ فمعناه إنما نستدل به على أنه بلغ بالاحتلام أو بالسن فلا يلزم ~~التخصيص، وسياق هذا يقتضي أن الشخص لو عرف من نفسه أنه لم يحتلم ولم يكمل ~~خمس عشرة وقد أنبت أنه لا يحكم ببلوغ نفسه، وأن يستديم حكم الصبا، وإن كنا ~~نحن نحكم ببلوغه، وهذا يقتضي القول بأنه أمارة، سواء قلنا به في حق الكفار ~~أم في حقهم وحق المسلمين، وقد رأيت للشافعي رضي الله عنه ما يدل على ذلك، ~~فإن ابن الحداد نقل في كتاب (الجزية) له: أنا لو تحققنا أن عمره دون خمس ~~عشرة فلا أثر للإنبات، وعلى ذلك نص الشافعي؛ إذ قال: فإن قال: أنبت من أني ~~تعالجت بشيء تعجل إنبات الشعر، لم يقبل ذلك منه إلا أن يقوم شاهدان مسلمان ~~على ميلاده فيكون لم يستكمل خمس عشرة فندعه. انتهى. وهذا مقتضى جعله دليلا ~~لا بلوغا، ومراد الشافعي: أنه لا يقبل في رفع الجزية عنه، أما إذا كان ~~المشركين وأسرناه وأردنا قتله فادعى ذلك، وقلنا: إنه علامة. قال أبو عاصم ~~العبادي: تسمع دعواه ويحلف، فإذا حلف ترك قتله. ولعل الفرق بين الذمي ~~والمشرك حظر الدم وسهولة أمر الجزية، وهو يشعد أيضا لما قلته. # فإن قلت: ولو جعلناه علامة فلم لا يقال بأنه مظنة، والمظنة إذا وجدت لا ~~يعتبر معها وجود الحكمة ولا يضر تخلفها، كالنوم لما كان مظنة للحدث كان ~~موجبا للوضوء، ولو تحققنا ms31 عدم الحدث، إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري. # قلت: المظنة إنما تكون في أمر خفي مستتر فيقام وصف ظاهر منضبط مقامه فصير ~~هو المعتبر، وأما الاحتلام والسن فأمران منضبطان لا يحتاجان إلى مظنة، ~~وإنما الإنبات دليل ظاهر إذا لم يعلم خلافه، فإن علم اتبع، على أن المظنة ~~إذا قطعنا بانتفاء الحكم عنها قيل: إنا لا نرتب الحكم عليها، وتحقيق ذلك ~~محله أصول الفقه. # والأقرب أن الانبات علامة في حق المسلم والكافر كما هو مذهب مالك، ويدل ~~له ما روي أنه رفع إلى عمر رضي الله عنه غلام من الأنصار شبب بامرأة في ~~شعره فقال عمر رضي الله عنه: لو أنبت الشعر لحددتك. ولعل مراد عمر بالحد ~~التعزير. # الوجه التاسع عشر PageV01P016 الحكمة في تعليق التكليف بخمسة عشر: أن ~~عندها بلوغ النكاح وهيجان الشهوة والتوقان، ويتسع معها الشهوات في الأكل ~~والتنشط ودواعي ذلك، ويدعوه ذلك إلى ارتكاب ما لا ينبغي، فلا يحجزه عن ذلك ~~ويرد النفس عن جماعها في هذه البلية العظمة إلا رابطة التقوى وتشديد ~~المواثيق عليه والوعيد، وكان مع ذلك قد كمل عقله واشتد أسره وقوته، فاقتضت ~~الحكمة الإلهية توجه التكليف إليه لقوة الدواعي الشهوانية والصوارف ~~العقلية، واحتمال القوة للعقوبات على المخالفة، وقد جعل الحكماء للإنسان ~~أطوارا، كل طور سبع سنين، وأنه إذا تكمل الاسبوع الثني تقوى مادة الدماغ ~~لاتساع المجاري وقوة الهضم، فيعتدل الدماغ ويوقى الفكر والذكر وتنفرق ~~الأرنبة وتتسع الحنجرة فيغلظ الصوت لنقصان الرطوبة وقوة الحرارة وينبت ~~الشعر لتولد الابخرة، ويحصل الإنزال بسبب الحرارة، وتمام الاسبوع الثاني هو ~~في وسط الخامسة عشرة؛ لأن الحكماء يحسبون بالشمسية، والمتشروعون يعتبرون ~~الهلالية، وتمام الخامسة عشر يتأخر عن ذلك أشهرا، فإما أن تكون الشريعة ~~حكمت بتمامها لكونه أمرا مضبوطا، أو لأن هناك دقائق اطلع الشرع عليها، ولم ~~يصل إليها الحكماء، اقتضت تمام السنة أو كما شاء تعالى، فسبحانه من حكيم ~~قادر قاهر، تقصر عن حكمته عقول الحكماء، وقد اشتملت الروايات الثلاث التي ~~ذكرناها في الحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرنا أنها ms32 تحصل عند خمس عشرة ~~وهي قوله: (حتى يكبر) و (حتى يعقل) و (وحتى يحتلم)، فالكبر إشارة إلى قوته ~~وشدته واحتماله للتكاليف الشاقة والعقوبات على تركها. والعقل المراد به ~~الفكر؛ فإنه وإن ميز قبل ذلك لم يكن فكره تاما وتمامه عند هذا السن، كما ~~أشرنا إليه من كلام الحكماء، وبذلك يتأهل للمخاطبة وفهم كلام الشارع ~~والوقوف مع الأوامر والنواهي. والاحتلام إشارة إلى انفتاح باب الشهوة ~~العظيمة التي توقع في الورطات، وتجذب إلى الهوى في الدركات، وجاء التكليف ~~كالحكمة في رأس البهيمة تمنعها من السقوط، فانظر هذه المحاسن بعين بصيرتك، ~~وتأمل هذه اللطائف بصفو فكرتك، يمتلىء قلبك بنور الفهم للكتاب والسنة، ~~وأسال الله أن يوزعك شكر هذه المنة، وقيل لو علمت الملوك ما نحن فيه ~~لجالدتنا عليه بالسيوف، والله أعلم. # الوجه الموفي عشرين # لا شك أن الصبي إذا أنزل فقد بلغ وزال الصبا، والإنزال موجب للغسل فهو ~~متقدم عليه بالذات وإن قارنه في الزمان. وقيل: إنه متقدم عليه في الزمان ~~أيضا، وهذا الخلاف جار في كل علامة شرعية، ووجوب الغسل وغيره من التكاليف ~~مشروط بالبلوغ، فالبلوغ متقدم على التكليف بالذات ايضا؛ لأنه شرطه، والشرط ~~كالعلة في التقدم، فإذا كان الإنزال موجبا للبلوغ يكون البلوغ متأخرا عنه ~~تأخر المعلول عن علته، ومتقدما على وجوب الغسل تقدم الشرط على مشروطه، ~~فالبلوغ ووجوب الغسل معلولا علة واحدة فيجب اقترانهما، والبلوغ شرط لوجوب ~~الغسل فيجب تقدمه، فيلزم أن يكون الشيء الواحد متقدما غير متقدم، وهو محال، ~~وحل هذا بأن لا يجعل الإنزال موجبا للبلوغ، بل هو دليل عليه، ولست أعني ~~بكونه دليلا كما نقول في الإنبات، وإنما أقول: إن البلوغ في الحقيقة ~~المقتضي للتكليف هو بلوغ وقت النكاح، كما أرشد إليه تعالى بقوله: (إذا ~~بلغوا النكاح)، والمراد: بلغوا وقته، وبلوغ وقت النكاح بالاشتداد والقوة ~~والتوقان وما أشبه ذلك مما يتأهل به له، فهذا في الحقيقة هو البلوغ المشار ~~إليه في الآية الكريمة، وضبطه الشارع بأنواع، أظهرها الإنزال، فإذا أنزل ~~تحققنا حصول تلك الحالة؛ إما قبل الإنزال، ms33 وإما مقارنة له، لكنها قبله غير ~~معتبرة لرفع القلم حتى يحتلم، فاعتبر الحالة المقارنة له، وهذا المعنى لا ~~يستدعي بتقدم الإنزال على البلوغ لا بالذات ولا بالزمان؛ لأنه ليس فيه علة، ~~ولكن علة في الحكم به وكاشفا عنه، وإذا عرف هذا فلا مانع من أن يكون وجوب ~~الغسل الذي هو معلول الإنزال مشروطا بالبلوغ؛ إذ البلوغ حينئذ مقارن ~~للإنزال لا متقدم عليه بالذات فلا استحالة. # الوجه الحادي والعشرون PageV01P017 إذا اعتبرنا البلوغ بخمس عشرة سنة فهو ~~تحديد؛ لأن كل عدد نص الشارع عليه فهو تحديد، وإنما يختلف فيما ليس مقدرا ~~من جهة الشارع، والمستند هنا إما حديث الدارقطني - إن صح - وهو نص في هذا ~~العدد، فصار كحول الركوة، وإما حديث ابن عمر، نوقد جاء فيه لفظ: الخمسة عشر ~~من لفظ ابن عمر، فيعتبر أيضا مع ما أشرنا إليه من قبل أنا حيث شككنا في ~~البلوغ قبل الاحتلام بنفيه بدلالة قوله: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) ~~فيستعمل هذا إذا بقي من الخمسة عشر أيام قليلة. # الوجه الثاني والعشرون # استدل بعض الفقهاء على عدم صحة بيع الصبي بقوله: (رفع القلم عن الصبي)، ~~ووجه الدلالة: أن البيع لو صح لاستلزم المؤاخذة بالتسليم والمطالبة ~~بالعهدة، والحديث دال على عدم المؤاخذة. ويقولون هكذا: لو صح منه البيع ~~لكلف أحكام البيع، وهو لا يكلف شيئا ما، عملا بقوله: (رفع القلم عن ثلاثة). ~~ولو صح هذا الاستدلال لنفع في بيع الاختبار، وهو الذي يختبر به رشد الصبي، ~~وتعرفه قبل البلوغ، فإن فيه خلافا، والصحيح عدم صحته، لكن هذا الاستدلال ~~فيه نظر؛ لأنه قد يقال بصحة البيع ولا يستلزم مؤاخذته، بل يؤمر وليه ~~بالتسليم والعهدة، كما يؤدي عنه الزكوات وأروش الجنايات. # واعتذر بعض الفقهاء عن هذا الاعتراض: بأن إقامة الولي مقامه في ذلك ~~للضرورة، ولا ضرورة تدعو إلى تصحيح بيعه وإقامة الولي مقامه في أحكامه، وفي ~~وصية الصبي وتدبيره خلاف، وكذا قبول روايته. ولا متعلق في الحديث لشيء من ~~ذلك. # الوجه الثالث والعشرون # في صحة إسلامه خلاف، وقد ms34 يحتج بالحديث على عدم صحته بمثل ما احتج به على ~~عدم صحة البيع، لأنه لو صح إسلامه لكلف أحكامه، واللازم منتف بالحديث. وهذا ~~أضعف من الأول؛ لأنه يكفي من ترتب أحكامه ظهور أثرها بعد البلوغ، والقائل ~~بصحة إسلامه يقول: إنه إذا بلغ ووصف الكفر صار مرتدا، وهذا لا ينفيه ~~الحديث، إنما ينفي المؤاخذة حين الصبا، والاسلام كالعبادات: الصوم والصلاة ~~والحج، فكما يصح منه العبادات يصح منه الإسلام. # الوجه الرابع والعشرون # اختلفوا في وجوب الزكاة عليه؛ ومذهب الشافعي رضي الله عنه: وجوبها، ومذهب ~~أبي حنيفة رحمه الله: لا تجب، وقد يتعلق بالحديث، والشافعي يجعلها كنفقة ~~الأقارب، وأن الخطاب بها من باب خطاب الوضع، وقد قدمنا أنه غير مرفوع عن ~~الثلاثة، والمكلف بإخراجها من مال الصبي هو الولي. # ومبنى الخلاف بين الإمامين على أن المغلب عليها شائبة العبادة أو النفقة؛ ~~فأبو حنيفة غلب شوب العبادة فلم يوجبها، والشافعي غلب شوب النفقات فأوجبها، ~~ويقول: إن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء الزكاة لكفاية الفقراء، فكما ~~تجب عليه نفقة قريبة تجب الزكاة، وليست داخلة في خطاب التكليف الذي اقتضى ~~الحديث رفعه. # الوجه الخامس والعشرون # اتفقوا على تأديب الصبي على ترك الصلاة إذا كان ابن عشر، كما صح الحديث ~~فيه، ولا يعارض ذلك قوله: (رفع القلم عن ثلاثة)؛ لما قلنا: إن المراد ~~الوجوب والتحريم، فضرب الصبي بما هو تأديب واستصلاح كاستصلاح البهيمة ~~بضربها، وإن أخذ رفع القلم عاما، فيكون الحديث الدال على الضرب مخصصا له. # الوجه السادس والعشرون # قوله: (وعن النائم حتى يستيقظ) يقتضي ارتفاع تكليفه حالة النوم، وقد اتفق ~~الفقهاء على أنه لو نام من أول وقت الصلاة إلى آخره وجب عليه بعد أن يستيقظ ~~قضاء الصلاة، وذلك مجمع عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها). # ولكن اختلفوا: هل ذلك بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ والمشهور أنه بأمر ~~جديد، وهو الوارد في الحديث، فلا يعارض رفع القلم عنه حالة النوم. وقيل: ~~الأول وهذا القول يحتمل أمرين: ms35 PageV01P018 أحدهما: أن يقال: الأمر الأول ~~اقتضى الوجوب عليه والنوم مانع، فإذا زال المانع عمل المقتضى عمله، وتعلق ~~ذلك الوجوب الذي اقتضاه الأول، وإن لم يتعلق به حالة النوم، وهذا لم أر من ~~صرح به، ولكنه محتمل أن يقال، وإذا قيل به لا يعارض قوله: (رفع القلم عن ~~ثلاثة) لأن المراد به عدم التعلق حالة الصبا والنوم والجنون، غاية ما في ~~الباب اختلاف حكمهم في ذلك، فالصبي والمجنون لا يثبت حكم الخطاب في حقهم ~~بعد ذلك؛ لأنهم ليسا من أهل الخطاب، فليس المقتضي في حقهم ثابتا، وانتفاء ~~التكليف في حقهم لانتفاء المقتضي لا لقيام المانع، والنائم لقرب استيقاظه ~~من أهل الخطاب، ولكن لا يتعلق به حالة النوم للغفلة كالساهي، فإذا زال ~~النوم ظهر أثر الخطاب. # الأمر الثاني: مما يحتمله هذا القول: أن وجوب الصلاة ثبت في حقه حالة ~~النوم، وهذا ظاهر كلام الفقهاء، ويؤول كلامهم إلى: أن معنى الوجوب ثبوتها ~~في الذمة، ويفرقون بين الوجوب ووجوب الأداء، فأصل الوجوب مع النوم، والمراد ~~به ما ذكرناه، ووجوب الأداء لا يحصل مع النوم، ولذلك قالوا في وجوب الزكاة: ~~إنها تجب على الصحيح بحولان الحول قبل التمكن، وإن كان التمكن شرطا، ولكنه ~~شرط في وجوب الأداء لا في الوجوب بمعنى الثبوت في الذمة، وإذا فسروا وجوب ~~الصلاة على النائم بمعنى ثبوتها في ذمته، صارت كالديون التي تثبت في الذمة ~~ولا يستدعي التكليف، والتحقت بخطاب الوضع، فلا تعارض قوله: (رفع القلم عن ~~ثلاثة) لأنه إنما اقتضى خطاب التكليف. # فإن قيل: فكان ينبغي ثبوت هذا المعنى في الصبي والمجنون: قلت: لما كان ~~زمن الصبا والجنون يطول، كان في ذلك مشقة، فلم يتعلق بذمتهما أيضا. # الوجه السابع والعشرون # إذا دخل على المكلف وقت الصلاة وتمكن من فعلها وأراد أن ينام قبل فعلها؛ ~~فإن وثق من نفسه أن يستيقظ قبل خروج الوقت بما يمكنه أن يصلي فيه - جاز، ~~وغلا لم يجز، وكذا لو لم يتمكن، ولكن بمجرد دخول الوقت قصد أن ينام، فإن ~~بمجرد دخول الوقت حصل الوجوب، ms36 ولكن التمكن شرط في الاستقرار، فإن الصلاة ~~تجب بأول الوقت، وتستقر بمضي زمان يتسع فعلها، فمتى قصد النوم بعد الوجوب ~~ومضى زمان التمكن أولا كان الحكم كما ذكرناه. وحيث نقول بالإثم فهنا إثمان؛ ~~أحدهما: إثم ترك الصلاة. # الثاني: التسبب إليه. # فأما إثم التسبب غليه فهو الذي أردناه بقولنا: إنه يأثم بالنوم. # فإن قيل: إما أن يأثم قبل النوم، أو حالة النوم، لا سبيل إلى الأول، لأن ~~سبب التفويت لم يوجد، ولا إلى الثاني، لعدم تكليف النائم، والإثم بلا تكليف ~~محال. # قلنا: لا مانع من الإثم أول النوم وقبيله؛ أما أوله فلأنه مقدور، لأن ~~الفرض كذلك، وهو سبب للفوات وهو قادر على دفعه، فأول جزء منه يقارنه الإثم ~~بالخطاب السابق، والمحذور أن يوجد خطاب حالة النوم. وأما قبيله فلأنه إذا ~~قصد ترك الصلاة وتعاطى أسبابه من التهيؤ للنوم أثم. وإذا ثبت الإثم عليه ~~بأول النوم فلا مانع من انسحاب حكم المعصية وإن لم يكن حالة النوم عاصيا ~~بالفعل، لكنه كسائر العصاة. # وهذه المعصية بالتسبب إلى تفويت الصلاة لا تساوي المعصية بترك الصلاة، ~~فإن مفسدة الترك لم تتحقق بعد، وقد يستيقظ على خلاف ظنه، فإن استيقظ وصلى ~~في الوقت لم يحصل له إثم ترك الصلاة، وأما ذلك الإثم الذي حصل فلا يرتفع ~~إلا بالاستغفار عنه. بلى، عندنا في كونه كبيرة نظر؛ فإن كان حصل فلا يرتفع ~~إلا بالإستغفار عنه. بلى، عندنا في كونه كبيرة نظر؛ فإن كان صغيرة وهو ~~الأقرب فيزول بعدم الاصرار. # وإذا صلى والحالة هذه في بقية الوقت: هل تكون صلاته أداء أو قضاء؟ يحتمل ~~أن يأتي فيه ما قاله القاضي أبو بكر والغزالي فيما إذا ظن المكلف أنه لا ~~يعيش إلى آخر الوقت ثم عاش وصلى؟ قال القاضي: هي قضاء. وقال الغزالي: هي ~~أداء؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه. وههنا يحتمل أن يقال بذلك، ويحتمل أن ~~يفرق بأنه هناك لما ظن أنه لا يعيش تضيق عليه، وهنا لم يتضيق عليه، بل هو ~~مخاطب بأحد الأمرين؛ إما أن يعجل ms37 الصلاة، وإما أن لا ينام، ومعصيته بتفويت ~~أحد الأمرين؛ والوقت لم يتغير في حقه. PageV01P019 وإن لم يستيقظ إلا بعد ~~الوقت فقد حصل إثم ترك الصلاة وهو كبيرة، ولكنا متى نحكم بذلك؟ يحتمل أن ~~يقال بخروج الوقت. وإن كان نائما تبين لنا أن إثم التفويت حصل بأوله. ~~ويحتمل أن يقال: إنه يحصل وهو نائم؛ لأن سببه صادر منه، وهو بصفة التكليف. ~~ويبعد أن يقال: إنه لا يحصل حتى يستيقظ فيتعلق ذلك الإثم؛ فإنه لا معنى ~~لذلك، وقد يموت في منامه. # الوجه الثامن والعشرون # إذا أراد أن ينام قبل الوقت، ويغلب على ظنه أن نومه يستغرق الوقت، لم ~~يمتنع عليه ذلك؛ لأن التكليف لم يتعلق به بعد، ويشهد له ما ورد في الحديث: ~~أن امرأة عابت زوجها بأنه ينام حتى تطلع الشمس فلا يصلي الصبح إلا ذلك ~~الوقت، فقال: إنا أهل بيت معروف لنا ذلك - أي: ينامون من الليل حتى تطلع ~~الشمس - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظت فصل). أو ما هذا ~~معناه. # الوجه التاسع والعشرون # هل يجب إيقاظ النائم الذي لم يصل؟ فنقول: أما الأول الذي نام بعد الوجوب ~~عاصيا، فيجب إيقاظه من باب النهي عن المنكر. # وأما الذي نام قبل الوقت فلا؛ لأن التكليف لم يتعلق به، لكن إذا لم يخش ~~عليه ضررا فالأولى إيقاظه؛ لينال الصلاة في الوقت، قال صلى الله عليه وسلم: ~~(رحم الله امرءا قام من الليل فصلى، ثم أيقظن زوجته فصلت، فإن أبت نضح في ~~وجهها الماء)، فإذا كان هذا في قيام الليل، فما ظنك بالفريضة!!؟ # الوجه الموفي ثلاثين # لا فرق في النوم بين الثقيل والخفيف إذا زال معه الشعور، وأما السنة التي ~~تحصل في العين ولا يزول بها شعور القلب فلا يسقط بها التكليف، فإن سميت ~~نوما فالحديث مخصوص بها، والأقرب أنها تسمى نوما، ولذلك قال تعالى: (لا ~~تأخذه سنة ولا نوم). # الوجه الحادي والثلاثون # إذا ثبت أن النائم رفع عنه القلم لعدم شعوره، فالمغمى عليه بطريق الأولى، ~~لأن النوم أسرع زوالا من ms38 الإغماء. وقيل: إن النوم يستر العقل، والإغماء ~~يغمره، والجنون يزيله. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم نص على الطرف الأعلى ~~مما يطرأ على العقل وهو الجنون، وعلى الطرف الأدنى وهو النوم، ويعلم بذلك ~~ما بينهما فيلحق بها. # وأما السكر وإن كان بينهما في إزالة الشعور، ولكن سببه معصية، فلذلك ~~اختلفت العلماء في تكليف السكران، والذي نقله أبو حامد عن مذهب الشافعي: ~~أنه مكلف، وإن كان كلام النووي يقتضي أنه غير مكلف، وكأن النووي أخذه من ~~الأصوليين، فإنهم يطلقون: أن النائم والناسي والسكران غير مكلفين، وطوائف ~~من الفقهاء يطلقون التكليف حتى في النائم والناسي، ونحن لا نوافقهم في ~~النائم والناسي إلا بمعنى الثبوت في الذمة كما سبق، والظاهر أنه مرادهم، ~~وأما السكران فمرادهم المؤاخذة لمعصيته، وتحقق ذلك مذكور في الفقه والأصول. # الوجه الثاني والثلاثون # (نائم) قبل دخول الألف واللام يدل على شخص مطلق متصف بنوم مطلق، أعني ~~مطلق شخص متصف بمطلق نوم، وبعد دخول الألف واللام يدل على كل شخص متصف ~~بمطلق نوم، فدلالته على الأشخاص عامة عموما استغراقيا، ودلالاته على النوم ~~مطلقة، لكن يعم بحسب عموم الأشخاص، يعني إذا وجد شخصان؛ اتصف أحدهما بنوع ~~من النوم، واتصف الآخر بنوع آخر منه، ثبت الحكم لهما جميعا لأجل عموم ~~الأشخاص، وليس ذلك لعموم النوم، بل النوم مطلق على حالة، لكن لو أخرجنا ذلك ~~النوع منه لأخرجنا الشخص المتصف به، ففات عموم الأشخاص، فلا منافاة بين ~~قولنا بالاستغراق في ذلك، وقولنا بأن النوم مطلق. # وقد تكلمنا على الدلالة الثانية، وقلنا: لا فرق بين النوم الثقيل ~~والخفيف، وأن السنة التي يبقى معها الشعور إن سميت نوما خصص بها اللفظ وإلا ~~فلا، وأما الدلالة وهي استغراق كل نائم فنتلكم عليها هنا ونقول: ~~PageV01P020 عموم الأشخاص يخرج منه من لا ينام قلبه - وهم تنام قلوبهم - ~~فلا يدخلون في حكم هذا الحديث في قوله: (وعن النائم حتى يستيقظ)، فالنوم في ~~حقهم لا يرفع التكليف، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إن عيني تنامان، ولا ~~ينام قلبي). وهكذا أقول ms39 فيما ورد أنه صلى الله عليه وسلم في مرضه أغمي ~~عليه: أن ذلك الإغماء متعلق بجسمه صلى الله عليه وسلم خاصة، ولا تعلق له ~~بقلبه، قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم إذا حفظ وعصم من النوم الذي هو أخف ~~من الإغماء بطريق الأولى، وأما غلبة الأوجاع للخواص الظاهرة فذلك من ~~الأمراض التي لا تمتنع، والإغماء كان من هذا القبيل، وليس كالإغماء الذي ~~يحصل لغيره من آحاد الناس فيغمو قلبه. # نعلم بذلك أن قوله: (عن النائم) عام مخصوص، والأنبياء معصومون عما يطرأ ~~على عقولهم. # الوجه الثالث والثلاثون # قوله: (وعن المجنون حتى يفيق) كذا في رواية يوسف بن موسى في حديث علي، ~~وفي رواية عثمان بن أبي شيبة فيه: (عن المجنون حتى يبرأ)، وفي رواية ابن ~~السرح فيه: (عن المجنون والمغلوب على عقله) ولم يذكر غاية، وهي مستغنى عنها ~~كما قدمناه، وفي رواية أبي ظبيان عن علي وهي منقطعة: (عن المعتوه حتى يبرأ) ~~وفي رواية أبي الضحى عن علي: (عن المجنون حتى يعقل)، وفي رواية ابن ماجه: ~~(حتى يعقل أو يفيق). # وهذه الألفاظ كلها متقاربة أو متوافقة، والمجنون والمعتوه واحد هنا، وإن ~~كان اللغويون أطلقوا أن المعتوه: الناقص العقل، والمراد بنقص العقل: نقصانه ~~عن أهلية الخطاب، وذلك هو الجنون، ولا يراد بذلك ما قد يطلقه بعض أهل العرف ~~من نقصان العقل على من لم يكن كامل العقل وافره، فإن ذلك نقصان كمال. # وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (وعن المبتلى حتى يبرأ)، والمبتلى وإن كان ~~من حيث الوضع أعم من المجنون، فإن المراد به هنا المجنون؛ لدلالة بقية ~~الروايات عليه، وللإجماع على أن المبتلى بغير ذلك لا يرتفع عنه القلم، ~~وإطلاق المبتلى على المجنون إطلاق ممكن، فإنه لا بلوى أعظم من ذهاب العقل ~~إلا ذهاب الدين، وسائر الأمراض البدنية غير الجنون لا يخرج صاحبها عن خاصة ~~النوع الإنساني، والجنون يكاد يخرجه فإن الذي يتميز به الإنسان عن البهيمة ~~هو العقل. # الوجه الرابع والثلاثون # تقول العرب: جن الرجل - مبنيا لما لم يسم فاعله ms40 - جنونا، وأجنة الله - ~~رباعيا - فهو مجنون، ولا تقل: مجن، وإن كان هو قياس الرباعي، وقولهم في ~~المجنون: ما أجنة! شاذ لا يقاس عليه. # الوجه الخامس والثلاثون # الجنون قد يكون منطبقا وقد يكون منقطعا، والحديث قد شمل النوعين، فإن ~~المنقطع يثبت حكمه كلما طرأ، ويزول كلما زال، وذلك مقتضى قوله: (حتى يفيق)، ~~فإنه اقتضى تعليق رفع القلم بالجنون، وزوال رفعه بالإفاقة، ولكن ذلك بواسطة ~~ما اقتضاه الحديث من كون الجنون علة الرفع، والإفاقة علة التكليف، والمعلول ~~يتكرر علته، وأما إذا نظرنا إلى مجرد اللفظ من غير ملاحظة التعليل فلا ~~يقتضي ذلك، لأن (رفع) و (يفيق) فعلان في سياق الإثبات لا عموم لهما، والشخص ~~واحد، وإنما دل العموم على الوجه الذي قررناه فيما سبق عند تعدد الأشخاص. # الوجه السادس والثلاثون # قوله في رواية ابن السرح: (المجنون المغلوب على عقله)، يظهر أن المغلوب ~~على عقله بيان للمجنون أو تأكيد، وفيه إشارة إلى أن العقل حاصل ولكن غلب ~~عليه، وهو أولى من قول الفقهاء: إنه يزيل العقل. والعقل صفة غريزية في ~~الإنسان، لكن يطرأ لها فساد، فسمى الفقهاء ذلك زوالا، وما أشار إليه الحديث ~~هو الصواب. # الوجه السابع والثلاثون # في حديث عائشة الذي رواه ابن ماجه: (رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى ~~يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل - أو يفيق - قال أبو ~~بكر في حديثه: (وعن المبتلى حتى يبرأ). وهذه يتوهم: ان هذه زيادة على ~~الثلاثة، وليس كذلك، بل مقصودا ابن ماجه أن أبا بكر ابن أبي شيبة قال بدل: ~~(المجنون حتى يعقل - أو يفيق - )، (المبتلى حتى يبرأ)، وغير أبي بكر من ~~شيوخ ابن ماجه قال: (المجنون حتى يعقل - أو يفيق - ) والمعنى واحد، وهم ~~ثلاثة في كل رواية. # الوجه الثامن والثلاثون PageV01P021 قول أبي داود: رواه ابن جريج، عن ~~القاسم بن يزيد، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم زاد فيه: (الخرف) - ~~يقتضي أنه زائد على الثلاثة، وهذا صحيح، والمراد به: الشيخ الكبير الذي زال ~~عقله من الكبر، فإن الشيخ ms41 الكبير قد يعرض له اختلاط عقل يمنعه من التمييز ~~ويخرجه عن أهلية التكليف، ولا يسمى جنونا، فإن الجنون يعرض من أمراض ~~سوداوية ويقبل العلاج، والخرف بخلاف ذلك، ولهذا لم يقل في الحديث: حتى ~~يعقل؛ لأن الغالب أنه لا يبرأ منه إلى الموت، ولو برأ في بعض الأوقات برجوع ~~عقله تعلق به التكليف، فسكوته عن الغاية فيه لا يضر، كما سكت عنها في بعض ~~الروايات في المجنون. # وكنا قد قدمنا أن الحديث في سقوط التكليف عن الشيخ الكبير: موضوع ومرادنا ~~به إذا كان عقله ثابتا، ووضع الحديث في نفسه، وأما سقوط التكليف عن الخرف ~~الذي زال عقله،، فلا شك فيه، وإن كان الحديث الوارد فيه منقطعا؛ لأن القاسم ~~لم يدرك عليا، لكنه في معنى المجنون، كما أن المغمى عليه في معنى النائم. # ولا يفوت الحصر بذلك إذا نظرنا إلى المعنى، فهم في الصورة خمسة؛ الصبي، ~~والنائم، والمغمى عليه، والمجنون، والخرف. وفي المعنى ثلاثة. # ولما لم يكن النائم في معنى المجنون؛ لأن الجنون يفسد العقل بالكلية، ~~والنوم شاغل له فقط، فبينهما تباين كثير - لم يجعل في معناه، وعدا شيئين ~~وأحكامهما مختلفة، بخلاف الخرف والجنون أحكامهما واحدة وليس بينهما تفاوت، ~~ويظهر أن الخرف رتبة متوسطة بين الإغماء والجنون، وهي إلى الإغماء أقرب. ~~والله تعالى أعلم. # تم الكتاب بعون الله وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم ~~على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ~~PageV01P022 ms42