######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011088 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (المتوفى: 761هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 761 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011088 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11088 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11088 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحيم محمد أحمد القشقري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1410هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # نص، كتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة # للإمام الحافظ العلائي # بسم الله الرحمن الرحيم # وما توفيق إلا بالله. أما بعد: # حمدا لله الذي وسع كل شيء رحمة وعلما، وفضل من اجتباه بما آتاه من جميل ~~الرغائب وجزيل النعمى (ويسر للخير من هداه إليه فكان للسابقين المزية ~~العظمى) 1، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث برحمة ورحمى المنعوت ~~بأشرف الصفات حكمة وحكما. الذي فتح به قلوبا غلفا وعيونا عميا وآذانا صما. ~~وعلى آله وصحبه الحائزين به نعما جما. الفائزين لما خصوا به من صحبته ~~بالمحل الأسمى. # فإن الله سبحانه وتعالى اختص نبيه صلى الله عليه وسلم بصحابة جعلهم خير ~~أمته، والسابقين إلى تصديقه وتبعيته والمجاهدين بين يديه والباذلين نفوسهم ~~تقربا إليه (والناقلين لسننه وقضاياه، والمقتدين به في أفعاله ومزاياه) 2، ~~فلا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم. ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم. ~~فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم. ومتلقى من جهتهم بإبلاغهم ~~وتفهيمهم. فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان. وذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان. PageV01P029 # وهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة ~~الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة. ثم ~~إثبات العدالة لجميعهم رضي الله عنهم، وأنه لا يشذ عن هذه المنقبة أحد ~~منهم، وذكر المذاهب الشاذة وبيان ما يعتمد من قويم المسالك. # وبالله تعالى التوفيق. وإياه نسأل الهداية إلى أقصد الطريق. إنه بالإجابة ~~جدير وعلى ما يشاء قدير. # والكلام فيما قصدنا له ينحصر في ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: فيما يثبت به إسم الصحبة حتى ينطلق على من قام به إسم ~~الصحابي، وفي ذلك مذاهب متباينة. # الأولى: وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث. # "أنه كل مسلم رآه النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة وعقل منه شيئا، فهو ~~صحابي، سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا". # وهذا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل رحمه الله. # ورواه عبدوس ms01 بن مالك قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل رحمه الله ~~يقول: # "كل من صحبه سنة أو شهرا أو ساعة أو رآه فهو من # PageV01P030 # أصحابه"1. # وقال البخاري في صحيحه: "من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من ~~المسلمين فهو من أصحابه"2. # وأخرج أبو داود في سننه حديث طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ### | 1 - # "الجمعة حق واجب على كل مسلم ... الحديث". # ثم قال أبو داود عقيبه: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يسمع منه شيئا. فدل إخراجه الحديث في سننه على أنه مسند، ولولا أن ~~طارقا يعد من الصحابة لمجرد الرؤية، وإلا كان تابعيا، فيكون الحديث مرسلا3. # قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: # "المعروف في طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو من الصحابة". # قال: وبلغنا عن أبي المظفر بن السمعاني المروزي أنه قال: # "أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة. ~~ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة. وهذا لشرف منزلة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. أعطوا كل من رآه حكم الصحبة"4. # والقول الثاني: وهو أضيق من الأول قليلا، أنه لا يكتفي بمجرد الرؤية، لكن ~~لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة ولو ساعة. PageV01P031 # لطيفة حكاه بعض أئمة الحديث المتأخرين عن الواقدي أنه قال: # "ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولو ساعة من النهار"1. # وهكذا قال الآمدي في الأحكام ناقلا له عن أكثر أصحابنا: # "أن الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ولو ساعة، وإن لم ~~يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه ولا طالت مدة صحبته"2. # وعبارة الشيخ صفي الدين الأرموي في نهاية الوصول نحو هذا. # وهي أعم من قول الواقدي المتقدم آنفا. من جهة ms02 أن ذاك اشترط فيه البلوغ، ~~ولم يقيد الآمدي والأرموي كلامهما بذلك. بل يدخل فيه أيضا الصبي المميز ~~كمحمود بن الربيع الذي عقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهه ~~وهو ابن خمس سنين3. وعده البخاري وغيره من الصحابة لذلك. فيمكن لذلك أن ~~يجعل الكلامان قولين متباينين. # وأما ابن الحاجب فإنه اختار في مختصريه القول الذي نقلناه أولا عن أحمد ~~بن حنبل والجمهور من الاكتفاء بمجرد الرؤية4. PageV01P032 # ((القول الثالث)) : إن الصحابي أنما ينطلق على من رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه. # حكاه هكذا الآمدي والأرموي عن جماعة ولم يسموهم1. # ونقله ابن الصلاح عن أبي المظفر بن السمعاني أنه ذكر أن اسم الصحابي من ~~حيث اللغة. والظاهر إنما يقع على من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وكثرت مجالسته له على طريق التتبع له والأخذ عنه. # قال: وهذا طريق الأصوليين2. # ((القول الرابع)) : إن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وأخذ عنه العلم. حكاه الآمدي هكذا عن عمر بن يحيى3. # وعبر غيره عن هذا القول بأن يجمع بين الصحبة الطويلة والرواية عنه صلى ~~الله عليه وسلم. وهذا أقرب، لأنه من المعلوم أن من طالت صحبته للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فلا بد وأن يتحمل عنه شيئا ما، ولو من أفعاله التي شاهدها. # لكن يرد على هذا القائل: أنه لا يعرف خلاف بين العلماء في أن من طالت ~~صحبته ولم يحدث عنه صلى الله عليه وسلم بشيء. أنه معدود من الصحابة، لكن ~~وقوع مثل ذلك نادر جدا. إذ لا يلزم من عدم وصول رواية عن ذلك الصاحب إلينا ~~أن لا يكون روى شيئا عن النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعه أو شاهده. ~~PageV01P033 # ((القول الخامس)) : وهو أضيق المذاهب. ما حكاه إبن الصلاح وغيره عن سعيد ~~بن المسيب أنه قال: # "لا يعد الصحابي إلا من أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة ms03 أو سنتين، ~~وغزا معه غزوة أو غزوتين"1. # قال الشيخ أبو عمرو: # وكان المراد بهذا إن صح عنه راجع إلى المحكى عن الأصوليين. ولكن في ~~عبارته ضيق يوجب أن لا يعد في الصحابة جرير بن عبد الله رضي الله عنه ومن ~~شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة2. # قلت: مثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي. وخلق كثير ممن أسلم سنة ~~تسع وبعدها. # وقدم عليه صلى الله عليه وسلم فأقام عنده أياما ثم رجع إلى قومه، وروى ~~عنه أحاديث. # اللهم إلا أن يؤول كلام سعيد بن المسيب على من يعطي كمال الصحبة المقتضى ~~للعدالة، على ما اختاره الإمام المازري كما سيأتي إن شاء الله من قوله: # إن العدالة المطلقة إنما يحكم بها لأمثال هؤلاء. PageV01P034 # وهو قول مرجوح أيضا كما سنبينه إن شاء الله تعالى. # ((القول السادس)) : وهو أوسع المذاهب، ما حكاه القاضي عياض قال: # ذهب أبو عمر بن عبد البر في آخرين إلى أن إسم الصحبة وفضيلتها حاصلة لكل ~~من رآه وأسلم في حياته، أو ولد وإن لم يره، وإذا كان ذلك قبل وفاته بساعة ~~ولكن كان معهم في زمن واحد. وجمعه وإياه عصر مخصوص. # قلت: إن كان هذا أخذه القاضي عياض من تصريح إبن عبد البر وغيره بذلك، ~~ففيه من الأشكال ما سيأتي. وإن كان مأخوذا من إدخالهم أمثال هؤلاء في كتب ~~الصحابة التي صنفوها، فقد صرح إبن عبد البر بأنه إنما أدخل مثل الأحنف بن ~~قيس، والصنابحي، وأولاد الصحابة الذين ولدوا في حياته صلى الله عليه وسلم، ~~ولا يثبت لأحد منهم رؤية لموته صلى الله عليه وسلم وهم صغار جدا. ليستكمل ~~بذكرهم القرن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خير القرون. ~~يعني لا لأنهم من الصحابة. فقد حكم على روايتهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالإرسال في غير موضع من كتبه، فعرف مقصده بذكرهم في كتاب الصحابة1. # هذا حاصل المذاهب التي وقفت عليها في هذه المسألة، ms04 ويتعلق بها مباحثات. # الأولى: إن الصحبة لها اعتباران. # أحدهما: من حيث الوضع. # والآخر: من حيث العرف. PageV01P035 # فهي من حي الوضع اللغوي ينطلق على القليل والكثير سواء كان في مجالسة أو ~~مماشاة ولو ساعة يسيرة1. # وقد روى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه خرج مع عبد الله ~~بن مسعود رديفا له. فصحبه دهقان في الطريق من القنطرة، فأنشعبت له طريق ~~فأخذ فيها. قال: فقال عبد الله: أين أخذ الرجل. فقلت: إنشعبت له طريق. فلما ~~رآه قال: السلام عليك فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدؤا بالسلام. ~~قال: بلى ولكن هذا حق الصحبة. # فأطلق إبن مسعود رضي الله عنه إسم الصحبة على السير معه شيئا يسيرا. # وأما من حيث العرف: # فإنه لا ينطلق إلا على الصحبة الطويلة أو الكثيرة. # صرح بذلك إبن سيده، والراغب2 وغيرهما. # لكن لا حد لتلك الكثرة، كما أنه لم يحد الاعتبار اللغوي من حيث القلة إلا ~~بما ينطلق عليه الإسم. # وقد استدل ابن الحاجب لقول الجمهور الذي اختاره. أن إسم الصحابي يقع على ~~من له مجرد الرؤية فأكثر من ذلك، بأن إسم الصحبة يعم القليل والكثير. بدليل ~~أنه يصح تقسيمها إلى ذلك. ويقبل التقييد بكل منهما. PageV01P036 # فيكون للقدر المشترك بينهما، لأن مورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا. ولذلك ~~لو حلف حالف أنه لا يصحب فلانا حنث بصحبته لحظة1. # واستدل غيره أيضا بصحة الاستفهام، فإن القائل إذا قال: صحبت فلانا..؟ حين ~~أن يقال صحبته يوما أو شهرا أو ساعة يسيرة. ونحو ذلك، فلولا أنه موضوع للكل ~~لما حسن الاستفهام منه. # واعترض عليه بشيئين: # أحدهما: أنه – أعني ابن الحاجب- صدر المسألة بما اختاره من قول الجمهور ~~بأن إسم الصحبة يقع على من له مجرد الرؤية، كما تقدم. # وهذا الدليل لا يطابق المدعي. لأن من رأى شخصا من بعيد، ولم يكلمه ولا ~~صحبه لحظة. لا يقال له أنه صحبه. لا من حيث الوضع ولا من حيث العرف قطعا. ~~فلا يستقيم الدليل إلا لمن قال بالقول الثاني أنه ms05 لا يكتفي بمجرد اللقاء، ~~بل لا بد مما ينطلق عليه اسم الصحبة من ملابسة ما إما بكلام أو مماشاة ونحو ~~ذلك دون من رآه من بعيد وقتا ما كأبي الطفيل وأمثاله. # الثاني: إن هذا التقسيم والاستفهام إنما يجيئان في مطلق اسم الصحبة التي ~~هي المصدر وكذلك الفعل. # فأما إسم الفاعل الذي هو الصاحب فلا ينطلق إلا على الملازم الذي كثرت منه ~~الصحبة. كما يقال المزني والربيع صاحبا الشافعي. PageV01P037 # وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة ونحو ذلك. صرح بذلك الراغب وغيره1. # فلا يلزم من كون الصحبة للقدر المشترك بين القليل والكثير أن يكون الصاحب ~~كذلك، ولا يحسن الاستفهام عند إطلاق لفظ الصاحب كما يحسن عند إطلاق الفعل ~~أو المصدر. وكذلك الحنث في اليمين أيضا. فإنه إذا حلف أن لا يكون صاحبا ~~لفلان لم يحنث بصحبته ساعة لطيفة، وهذا هو المأخذ الذي اعتبره المازري في ~~تخصيص الحكم بالعدالة لمن اشتهر من الصحابة دون من قلت صحبته، أو كان له ~~مجرد الرؤية، فلا يبقى في إدراج من كان له مجرد الرؤية في عداد الصحابة إلا ~~لشرف المنزلة، أعطي من رآه حكم الصحبة. # وقد روى شعبة عن موسى السيلاني وأثنى عليه خيرا قال: ### | 2- # "أتيت أنس بن مالك رضي الله عنه فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحد غيرك. قال: بقي ناس من الأعراب قد (رأوه) 2 فأما من ~~صحبه فلا"3. PageV01P038 # قال ابن الصلاح: إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة1. # قلت: وهو يقتضي التفرقة بين الرائي ومن يطلق عليه إسم الصاحب. # والحاصل أن تسمية الجميع بإسم الصحابي له إعتبارات. # إحداها: من يصدق عليه الإستعمال العرفي قطعا، وهؤلاء هم، جمهور الصحابة ~~من المهاجرين والأنصار الذين كانوا معه صلى الله عليه وسلم. ومن هاجر إليه ~~من القبائل وغزا معه. ولا ريب في أمثال هؤلاء. # الثاني: من يقرب من هؤلاء كالذين هاجروا إليه وأقاموا عنده أياما قلائل ~~ورجعوا إلى أماكنهم كوفد (عبد القيس) 2 ووفد ثقيف وأمثالهم، وكمثل وائل بن ~~حجر، ms06 ومعاوية بن الحكم السلمي، وجرير بن عبد الله البجلي3. # ومن لم يصحبه إلا مدة يسيرة – الأيام والليالي- ولكن حفظ عنه وتعلم منه، ~~وروى عنه عدة أحاديث، فهؤلاء أيضا وأمثالهم يطلق عليهم إسم الصاحب حقيقة ~~عرفية. وإن كانت مدة صحبتهم ليست طويلة. لتحقق الإسم فيهم وصدق الإتصاف ~~بالصحبة لهم. PageV01P039 # الثالث: من لقيه صلى الله عليه وسلم بمجالسة يسيرة أو مبايعة أو مماشاة. ~~وكان مسلما إما بالغا أو مميزا. وعقل من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما، ~~بأن أجلسه في حجره أو مج في وجهه ماء أو غير ذلك، فلاريب في أن الإطلاق ~~العرفي منتف عن مثل هؤلاء. # وأما الإطلاق اللغوي فهو قريب. وقد ينازع فيه لأنه يصح نفي الصحبة عن ~~أمثال هؤلاء. فيقال ما صحبه ولكن بايعه أو كلمه يسيرا أو جلس في حجره صغيرا ~~ونحو ذلك. # وصحة النفي1 من علامات المجاز. فلا يكون إطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق ~~الحقيقة، لكن الإتفاق واقع من أئمة الحديث في كل عصر على تسمية هؤلاء من ~~جملة الصحابة. وإخراج ما حكوه من تلك الوقائع في مسانيد الصحابة والإحتجاج ~~بما فيها من الأحكام إذا صح السند إليهم من غير توقف في ذلك. فإسم الصحبة ~~في أمثال هؤلاء قريب من الحقيقة اللغوية قربا قويا وإن كان الاستعمال ~~العرفي معدوما في حقهم. # ومن هؤلاء طارق بن عبد الله المحاربي حيث أخبر أنه رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة فقال: ### | 3- # " هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: نعم. هذا البعير. قال: بكم؟ قلنا: بكذا ~~وكذا وسقا من تمر. قال: فأخذه بخطامه (وسار إلى المدينة. فقلنا: بعنا من ~~رجل لا ندري من هو) 2 ومعنا ظعينة3. فقالت: أنا ضامنة لكم ثمن البعير. رأيت ~~وجه رجل مثل القمر ليلة PageV01P040 # البدر (لا نحبس بكم) 1 فأصبحنا. فجاء رجل فقال: أنا رسول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليكم. يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا. وتكتالوا ~~حتى تستوفوا. قال: ففعلنا" 2. # رواه عن جامع بن شداد وربعي بن حراش. # وعداد طارق هذا ms07 في أهل الكوفة. # والرابع: من لم يجتمع به صلى الله عليه وسلم أصلا. وإنما رآه من بعيد، ~~وحكى شيئا من أفعاله. أو لم يحك شيئا. مثل أبي الطفيل عامر بن واثلة وغيره ~~ممن ليس له إلا مجرد الرؤية. أما في حجة الوداع أو غزوة الفتح أو غزوة ~~حنين. وغير ذلك. أو كان مع أبيه فأراه النبي صلى الله عليه وسلم من بعد. # فلا ريب في أن الإطلاق اللغوي منتف عن هؤلاء قطعا، فضلا عن الاستعمال ~~العرفي، وإنما أعطي هؤلاء حكم الصحبة لشرف ما حصل لهم من الرؤية له صلى ~~الله عليه وسلم، ولدخولهم في القرن الذي أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه خير القرون من أمته. فكان ذلك على وجه التوسع المجازي لا بالحقيقة ~~والله أعلم. # الثانية: أما ما بعد هذه المراتب من إلحاق من عاصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم يره أصلا. بالصحابة إذا كان قد أسلم في زمنه كالأحنف بن قيس، ~~PageV01P041 # وأبي عبد الله الصنابحي وأشباههما. فلا ريب أنه بعيد جدا. لأن الصحبة ~~منفية عن هؤلاء قطعا بالإعتبار اللغوي والمعنى الإصطلاحي. # ولا رؤية حصل لهم بها شرف المنزلة، فلا وجه لعدهم في جملة الصحابة، إلا ~~على ما تقدم ذكره من استيفاء ذكر أهل القرن الأول الذي عاصره النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وكذلك من ولد في حياته صلى الله عليه وسلم من أبناء الصحابة، ومات النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو إبن سنة ونحو ذلك. فلا يطلق على أحد من هؤلاء إسم ~~الصحبة لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز1. لكن هؤلاء المعاصرون على ~~قسمين: # أحدهما: من لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مكاتبة أصلا ولا ~~قرأ كتابه كأبي رجاء العطاردي، وإسمه عمران بن ملحان، وأمثاله ممن لا عداد ~~له إلا في التابعين. # الثاني: من كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أو راسله كالنجاشي واسمه ~~أصحمة بن بحر. أو قرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله إبن عكيم ~~الجهني. # فهؤلاء ms08 أقرب من القسم الأول بناء على أن المكاتبة أحد أنواع التحمل ~~PageV01P042 # التي تصح بها الرواية. فهم مرتفعون عن أن يعدوا في قسم التابعين، ولا بد ~~لما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من الإتصال فيكون ذلك علامة مجوزة ~~لإطلاق إسم الصحبة عليهم بطريق المجاز، وأما الحقيقة فمنتفية قطعا. # ومقابل هذا في التوسع. أعني عد هذين القسمين من جملة الصحابة. # قول من ضيق الأمر جدا ولم يجعل الصحابي إلا من صحب النبي صلى الله عليه ~~وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. # وهو المحكي عن سعيد بن المسيب إن ثبت عنه1. # والإجماع منعقد في كل عصر على عدم اعتبار هذا الشرط في إسم الصحابي. كيف ~~والمسلمون في سنة تسع وما بعدها من الصحابة آلاف كثيرة، وكذلك من أسلم زمن ~~الفتح من قريش وغيرها ولم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا زمنا يسيرا. ~~واتفق العلماء على أنهم من جملة الصحابة. # وأما اشتراط الجمع بيه الصحبة والرواية فضعيف. لأن الرواية لم تتصل إلا ~~عن عدد يسير من الصحابة بالنسبة لجميعهم رضي الله عنهم. # فقد جاء عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدد من روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: PageV01P043 ### | 4- # " شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع أربعون ألفا، وشهد معه ~~تبوك سبعون ألفا" وعن أبي زرعة أيضا أنه قال: ### | 5- # "قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من ~~الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه". # وفي رواية: ممن رآه وسمع منه. # فقيل له: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه..؟ # فقال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب. ومن شهد معه حجة ~~الوداع، كل رآه وسمع منه فعرفه1. # قلت: وكذلك من شهد معه فتح مكة، وغزوة حنين فإنهم كانوا يوم حنين إثني ~~عشر ألفا. ومن وفد عليه من القبائل، ومع هذا كله فأكبر الكتب المصنفة في ~~مسانيد الصحابة وأكثرها حديثا مسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن ms09 حنبل رحمه ~~الله. وجميع ما فيه لمن سمى من الصحابة من الرجال والنساء نحو سبعمائة ~~وثلاثين نفسا، ومن المبهمين الذي لم يسموا من الصنفين نيف وثلاثمائة. فيسقط ~~من هؤلاء جملة من الصحابة مع المعرفة بهم، وعدهم في أهل بدر وأحد والحديبية ~~ونحوها. # وقد تقدم أنه لا يلزم مع عدم إتصال رواية عن أحد منهم أن لا يكون روى ~~شيئا بالكلية، والله أعلم. # الثالث: ذكر الآمدي وابن الحاجب2. وغيرهما من أئمة PageV01P044 # الأصول أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى نزاع لفظي في مسمى الصحابي على ~~ما ينطلق. # وهذا فيه نظر من جهة أن مراد المصنفين غالبا بالنزاع اللفظي ما لا يترتب ~~عليه حكم شرعي. ولا ريب في أن هذا الخلاف يترتب عليه أحكام شرعية. منها: # العدالة الآتي تقريرها للصحابة رضي الله عنهم. فإن من لا يعد الرائي من ~~جملة الصحابة يتطلب تعديله بالتنصيص على ذلك كما في سائر الرواة من ~~التابعين فمن بعدهم. ومن ثبتت له خصيصة الصحبة بمجرد اللقاء أو بالصحبة ~~اليسيرة لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفي بشرف الصحبة تعديلا. # ومنها: # الحكم على ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بكونه مرسل صحابي أم لا. ~~فإن الجمهور على قبول مراسيل الصحابة ولم يخالف فيها إلا الأستاذ أبي إسحاق ~~الإسفراييني1. # فإذا أثبت لمن له مجرد الرؤية كونه صحابيا التحق مرسلة بمثل ما روى عن ~~ابن عباس، والنعمان بن بشير وأمثالهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P045 # في القبول على رأي الجمهور. وإن لم نعطه إسم الصحبة كان حديثه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كمرسل سائر التابعين يجيء فيه الخلاف المشهور. # ومنها أن من كان منهم مجتهدا أو نقلت عنه فتيا وحكمة1 هل يلتحق ذلك بكونه ~~قول صحابي حتى يكون حجة على رأي كثير من أهل العلم أو لا يكون كذلك – يعني ~~أيضا على إعطائه رتبة الصحبة أم لا. # فتبين أن الخلاف في هذه المسألة ينبني عليه أحكام مهمة عظيمة الجدوى فكيف ~~يكون لفظيا. وما صرح به بعضهم أن ms10 الخلاف اللفظي قد يترتب عليه حكم شرعي فهو ~~بعيد عن المعروف من اصطلاحهم، والله أعلم. # الرابعة: تقدم في عبارة الإمام البخاري وغيره، تقييد من رآه صلى الله ~~عليه وسلم أو كلمه أو ماشاه بكونه مسلما في تلك الحالة حتى يثبت له إسم ~~الصحبة. # وكذلك قال الآمدي وغيره2. # وهذا هو الحق وإن كانت المسألة قل من صرح بها فإن الصحبة رتبة شريفة اختص ~~بها من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو كلمه أو مشي معه، أو رآه على القول ~~بذلك، وإنما تثبت هذه الخصيصة ويصح الاتصاف بها بشرطها، وهو الإيمان به صلى ~~الله عليه وسلم حتى يصح انتسابه إليه، فمن ليس كذلك لا بصح انتسابه إلى ~~صحبته. PageV01P046 # ولهذا منع الله تعالى نسبة المنافقين إلى صحبته صلى الله عليه وسلم وأن ~~يروى عن أحد منهم شيء أصلا، ولا يوجد لأحد منهم ذكر في شيء من كتب الصحابة. # وكذلك أيضا لم يذكر أحد عبد الله بن صياد في الصحابة، وقد كلمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ووقف معه في قصته المشهورة1، وأسلم بعد وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحج، ولم يعتدوا بذلك اللقاء والكلام في حال كفره، والله أعلم ~~بما آل إليه أمره بعد إسلامه، وقد ذكر هذه المسألة بعض المتأخرين من فضلاء ~~المغاربة وقال: # لعلها لم تقع. أي أن يلقى النبي صلى الله عليه وسلم رجل على كفره ويكلمه ~~ثم يسلم بعد وفاته. # وغفل عن إبن صياد هذا2. # وممايستغرب ذكره هنا شيئان: # أحدهما: ما رواه أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبيه عن ~~عبد الله بن أبي الحمساء قال: PageV01P047 ### | 6- # "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته ~~أن آتيه بها في مكانه. ونسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه، ~~فقال: يا فتى لقد شققت علي. أن هاهنا منذ ثلاث أنتظرك"1. # فهذه القصة كانت قبل النبوة، ولم يكن أسلم عبد الله بن أبي الحمساء يومئذ ~~قطعا، ثم ms11 إنه لم يذكر له بعد ذلك صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~يعرف له إلا هذا الحديث الواحد. ولكن الظاهر أن له صحبة وإسلاما مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم2. فقد ذكره جماعة ممن سكن البصرة من الصحابة وعده بعضهم ~~في المكيين3. # فلو فرض في مثل هذا أنه أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه ~~بعد إسلامه. هل يكتفي بذلك اللقاء الأول مع إسلامه في زمنه ويعد صحابيا ~~بذلك..؟ # هذا مما فيه نظر واحتمال منقدح، بخلاف من لم يسلم إلا بعد وفاته صلى الله ~~عليه وسلم. # ومن هذا النوع أيضا: # سعيد بن حيوة الباهلي. رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وهو ~~صغير في حياة جده عبد المطلب، وهو يتطلبه لما أبطأ عنه في قصة رويناها من ~~طريق داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كندير بن سعيد عن أبيه4. ~~PageV01P048 # قال ابن عبد البر: لا يعرف سعيد إلا بهذا الحديث1. # قلت: ولم يذكر أحد له لقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد المبعث والله ~~أعلم. # الثاني: أن الصحابي إذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ثم ارتد بعد ~~وفاته ثم رجع إلى الإسلام، هل تحبط ردته ما ثبت له من شريف الصحبة، حتى إنه ~~لا يعد فيهم أو لا..؟ لأنه رجع إلى الإسلام بعد ذلك. # هذا مما فيه نظر. ولا يبعد على أصل الحنفية القائلين بأن هذا إسلام جديد، ~~يجب عليه فيه الحج وإن كان قد حج أولا، فقد حبط ذلك الحج أن يقال بأن صحبته ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بطل حكمها وبقي كمن لمن يسلم إلا بعد وفاته. # وأما على أصول أصحابنا فلا يجيء ذلك لأن الحبوط مشروط بالوفاة على الردة ~~فلما رجع هذا إلى الإسلام، بقي حكم الصحبة في حقه متسمرا، ولهذا ذكروا ~~الأشعث بن قيس من جملة الصحابة وعدوا أحاديثه من المسندات، وكان ممن ارتد ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى الإسلام بين ms12 يدي أبي بكر رضي الله ~~عنه2 وزوجه أخته3، والله أعلم. PageV01P049 # الخامسة: إذا قيل بأن من له مجرد الرؤية من الصحابة، فهل يلتحق بذلك من ~~لم ير النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد وفاته وقبل دفنه صلى الله عليه ~~وسلم وقد كان مسلما في حال حياته؟ # لم أر أحدا تعرض لهذه الصورة1، وهي محتملة وليست مجرد فرض، بل قد وقعت ~~لأبي ذؤيب الهذلي الشاعر. وقيل اسمه خويلد بن خالد في قصته المشهورة لما ~~أخبر بمرض النبي صلى الله عليه وسلم فسافر نحوه فقبض صلى الله عليه وسلم ~~قبل وصوله إلى المدينة بيسير وحضر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر رضي الله ~~عنه ثم حضر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ورآه مسجى وشهد دفنه ولم ~~تتقدم له رؤية قبل ذلك، لكنه كان مسلما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.2 ~~ولا يبعد أن يعطي هذا حكم الصحبة لشرف ما حصل له من رؤيته صلى الله عليه ~~وسلم قبل دفنه وصلاته عليه، وهو أقرب من عد المعاصر الذي لم يره أصلا فيهم. ~~أو الصغير الذي ولد في حياته. والله أعلم. PageV01P050 ### | المسألة الثانية: في طرق إثبات الصحبة # ... # المسألة الثانية: "فيما تثبت به الطرق المتقدمة". # قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح3: PageV01P050 # ثم إن كون الواحد منهم صحابيا يعرف تارة بالتواتر، وتارة بالإستفاضة ~~القاصرة عن التواتر. وتارة بأن يروي عن آحاد الصحابة أنه صحابي. وتارة ~~بقوله وأخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته أنه صحابي. # وقال الآمدي في الأحكام: # لو قال من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم أنا صحابي مع إسلامه وعدالته ~~فالظاهر صدقه، ويحتمل أن لا يصدق في ذلك لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها ~~لنفسه. كما لو قال: أنا عدل أو شهد لنفسه –بحق-1. # قلت: وقد بنى بعض المصنفين هذا على أن مجرد الرؤية أو الصحبة اليسيرة، هل ~~يثبت فيها مسمى الصحابي أم لا؟ فإن قلنا يكون بذلك صحابيا فذلك مما يتعذر ~~فيه إثبات بالنقل دائما إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه ms13 بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم أحد أو حال رؤيته إياه، أو حضر ذلك واحدا أو اثنان ولم ينقلا ~~ذلك. فلو لم يثبت ذلك بقوله لتعذر إثباته. بخلاف ما إذا ادعى طول الصحبة ~~وكثرة التردد في السفر والحضر، فإن مثل ذلك يشاهده أقوام كثيرون فينقل ~~ويشتهر فلا يثبت بقوله2. # ونظير هذا النوع، المودع والوكيل إذا ادعيا الهلاك بسبب ظاهر، فإنه لا ~~يقبل قولهما إلا ببينة لإمكان ذلك3. بخلاف ما إذا ادعيا مطلق الهلاك. أو ~~أسنداه إلى سبب خفي فإنه يقبل قولهما فيه من غير بينة. ثم PageV01P051 # إن قول من تقدم أنه يقبل قوله. أنا صحابي بعد ثبوت عدالته يشمل على ~~صورتين: # أحداهما: أن يكون ثابت العدالة قبل دعواه أن صحابي. # والثاني: أن يقول ذلك ولم يعلم حاله ثم تظهر عدالته بالاختبار بعد ذلك، ~~وهذا ظاهر في القسمين، ووراء هذا قسم آخر وهو أن يذكر لقائه النبي صلى الله ~~عليه وسلم واجتماعه به أو يروى شيئا يذكر أنه سمعه منه أو شاهده بفعله، ولا ~~يعرف ذلك إلا من جهته ولا يعلم حاله قبل ولا بعد. غير أنه لم يظهر فيه ما ~~يقتضي جرحا. # وقد ذكر الإمام أبو الحسين بن القطان في أثناء كلام له، أن الناس اختلفوا ~~في تصحيح أحاديث هذا الصنف. فقبلها قوم وردها بعض أهل الظاهر1. وفي كلامه ~~ما يقتضي ترجيح الثاني لأنهم لو ادعوا لأنفسهم أنهم ثقات لم يسمع منهم فكيف ~~يقبل منهم ادعاء مرتبة الصحبة. # والذي ذهب إليه أبو عمر بن عبد البر، قبول قول أمثال هؤلاء وتصحيح ~~أحاديثهم بناء على ظاهر سلامتهم عن الكذب والفسق، وهذا هو الذي يقتضيه عمل ~~أئمة الحديث، فإنهم خرجوا في مسانيدهم ومعاجمهم المصنفة على أسماء الصحابة ~~حديث جماعة كثيرين من هذا الصنف. # وكذلك كل من صنف في الصحابة يذكر هؤلاء فيهم من غير توقف. ولكن يبين ~~الطريق إلى ذلك وأنها غريبة. وأنه لا يعرف صحبته PageV01P052 # إلا بها لأن هذا شأن مصنفه، بخلاف أصحاب المسانيد والمعاجم فإنهم يخرجون ~~أحاديثهم ويسكتون عنها غالبا. والاحتمال ms14 في هذه الصورة أقوى منه فيما تقدم ~~إذا كانت عدالة المخبر بذلك معلومة. وهذا كله فيمن لم يتضمنه كتب التواريخ ~~والسير بأنه صحابي, فأما إذا شهد له بالصحبة مثل البخاري أو مسلم، أو ابن ~~أبي حاتم، أو ابن أبي خيثمة في كتبهم المصنفة وأمثالهم، فإن صحبته تثبت ~~بذلك وإن كان سند حديثه غريبا أو فردا ولا يعرف بغيره، كما أن من لم يرو ~~عنه إلا راو واحد فهو محكوم عليه بالجهالة إلا أن يكون بعض أئمة الحديث قد ~~وثقه، فإنه لا تلازم بين الجهالة وبين إنفراد الراوي عن الشيخ، فقد يكون ~~معروفا بالثقة والأمانة ولم يتفق أن يروى عنه إلا واحد، كذلك هذا يكون ~~معروف اللقاء والصحبة اليسيرة بين أهل المغازي والسير وإن لن يرو ذلك إلا ~~من جهة واحدة بأخباره عن نفسه. # فأما إذا أخبر التابعي أنه صحابي حالة الرواية، فهذا على أضرب: # أحدها: أن يقول أخبرني فلان أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، ~~مقتصرا على مثل ذلك فهذا حكمه ما تقدم في مدعي الصحبة. # وثانيهما: أن تثبت صحبته حال الرواية عنه، ويسميه باسمه، فإن كان مذكورا ~~بذلك في كتب المغازي والسير فحكمه ما تقدم. وأما إذا لم يكن معروفا بالصحبة ~~إلا من هذه الطريق فالظاهر الإعتماد على قول التابعي إذا كان ممن يعتمد ~~قوله في مثل ذلك. على أنه يجوز أن يكون التابعي بنى ذلك على تصديقه في ~~دعواه الصحبة وأن المسلمين محمولون على العدالة إلا في من ظهر منه ما يوجب ~~الفسق، فاكتفى فيه بذلك # PageV01P053 # ولكنه احتمال بعيد، والأول أظهر منه مثل هذه الرتبة لا يثبتها التابعي ~~العارف المعتمد إلا بعد تثبت وغلبة الظن بأن هذا صحابي. # ثالثها: أن لا يسميه بل يقول أخبرني رجل أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول كذا، أو رآه يفعل كذا ونحو ذلك ولا يزيد عليه. فهذا يقرب من ~~الضرب الأول. فلو قال أخبرني عن النبي صلى الله عليه وسلم بكذا ولم يصرح ~~بلقائه وقلنا بالراجح أن ms15 عن تقتضي الإتصال إلا من المدلس، فلا ريب في أن ~~هذه الصورة يترجح فيها احتمال الوقف، إلا أن تثبت صحبة ذلك الرجل بأحد ~~الطرق المتقدمة لأن التدليس وإن كان لم يثبت في حق هذا الرجل الذي قال عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالإرسال غير منتف عنه. # وكم من تابعي يرسل حديثا بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ونحن إنما نثبت الإتصال بلفظ عنه إذا ثبت لقاء المعنعن عنه على الراجح أو ~~يكتفي بمجرد إمكان اللقاء على قول مسلم، وليس في قول التابعي أخبرني رجل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يقتضي ثبوت لقائه إياه ولا إمكان ذلك. نعم قد ~~يفرق في مثل هذا بين التابعي الكبير المتقدم وبين من بعده إذ الغالب على ~~الظن أن التابعي الكبير إنما يروي عن الصحابة دون التابعي الصغير. فيقوى ~~الحكم بكون ذلك الرجل صحابيا1. # وقد وقع للقاضي أبي بكر بن العربي في أثناء كلامه في كتابه القبس في شرح ~~الموطأ أنه قال: # اتفقت الأمة على أن مجهول العين تجوز الرواية عنه إذا قال يعني الراوي ~~عنه من التابعين حدثنا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لوجوب ~~العدالة لهم ولا يجوز ذلك في غيرهم لعدم العدالة فيهم. وفي هذا النقل ~~PageV01P054 # من الإجماع نظر ظاهر يعرف مما تقدم. # وقد حكى ابن القطان الخلاف في ذلك مع تسمية المذكور بأنه صحابي فهو جار ~~في قوله رجل. بطريق الأولى. # وقد حكى بعض الفضلاء عن ابن حزم أنه قال في كتابه النبذ الكافية له: # كل من روى عن صاحب لم يسمه، فإن كان ذلك الراوي ممن لا يجهل صحة قول من ~~يدعي الصحبة من بطلانه، فهو خبر مسند تقوم به الحجة، لأن جميع الصحابة رضي ~~الله عنهم عدول. # قال: وإن كان الراوي ممن يمكن أن يجهل صحة قول مدعي الصحبة، فهو حديث ~~مرسل لا تقوم به الحجة، إذ لا يؤمن من فاسق من الناس أن يدعي الصحبة عند من ~~لا يعرف كذبه من ms16 صدقه1. # وأما إذا روى الراوي الثقة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خبرا ~~ولم يسمها فهو حجة قاطعة، لأنه لا يمكن أن تخفى أمهات المؤمنين على أحد من ~~أهل التمييز في ذلك الوقت2. # هذا ما نقله عن ابن حزم، وهو تفصيل حسن بالغ، ومقتضاه أن ما قال فيه أحد ~~علماء التابعين وأهل الخبرة منهم حدثني رجل من الصحابة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بكذا أنه يكون مقبولا، لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا بعد ثبوت ~~صحبته عنده. وحينئذ لا تضر الجهالة بإسمه لما سنقرره إن شاء الله تعالى من ~~عدالة جميعهم. PageV01P055 # وأما إذا لم يكن من علماء التابعين ففيه الاحتمال الذي قاله ابن حزم ~~والتوقف فيه قوى. هذا إذا وصفه التابعي بأنه صحابي، فأما إذا قال حدثني رجل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيه ما يقتضي اللقاء، فقد تقدم الكلام ~~فيه، وإن الأقوى التفرقة بين كبار التابعين وصغارهم، ويلتحق بما ذكره ابن ~~حزم من الراوية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مبهمة. # ما إذا قال التابعي الثقة حدثني رجل من أهل بدر، أو من أهل بيعة الرضوان، ~~ونحو ذلك مما لا يخفي بطلان دعوى من يدعي ذلك لنفسه إذا كان كاذبا على أهل ~~ذلك الزمن، لأن المتصفين بمثل هذه الصفات كانوا حينئذ مشهورين مميزين عند ~~كل أحد بخلاف دعوى مطلق الصحبة، فإن فيهم الأعراب ونزاع القبائل ممن لا ~~يعرف حاله أصلا، ولهذا نجد كثيرا منهم اختلف أئمة الحديث في إثبات الصحبة ~~له، فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون، ولم يختلفوا في من شهد بدرا والحديبية إلا ~~في النادر منهم. # وقد تحصل من مجموع ما تقدم أن ما ثبت به الصفة المقتضية للصحبة على ~~مراتب: # أولها وهو أعلاها: التواتر المفيد للعلم القطعي بصحبته، وهذا لا يختص ~~بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضا كل من تواترت ~~الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ عدد الرواة عنهم العدد المفيد ~~للتواتر كأبي سعيد الخدري، ms17 وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأمثالهم، ~~وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه وتلقته بالقبول، وإن لم تكثر الرواية ~~عنه كأبي قتادة وأبي مسعود البدري ونحوهما. # PageV01P056 # فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابيا، ويندرج في هذا عدد كثير من ~~الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم. # وثانيها: أن تكون صحبته ثابتة بالإشتهار القاصر عن رتبة التواتر وهو يفيد ~~العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير ~~والمغازي والتواريخ على ذكره في الصحابة وتسميته في عدد من الغزوات ولم ~~يوجد أحد خالف في ذلك ولا أهمل ذكره في ذلك. ويندرج في هذا النوع خلق كثير ~~من الصحابة رضي الله عنهم، وإن كان فيهم من ليس له إلا الحديث الواحد أو ~~الإثنان. # وثالثها: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه، ولكنه تضمنه كثير من كتب السير ~~بالذكر، أما بالوفادة على النبي صلى الله عليه وسلم أو باللقاء اليسير أو ~~في أثناء قصة أو غزوة، له ذكر ونحو ذلك. # فهذه مرتبة دون التي قبلها. # ورابعها: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ~~ممن هو متحقق بها وأثبت له ذلك التابعي الصحبة أو اللقاء أو جزم الرواية ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير معترض على ذلك لما يلزم في روايته عنه ~~على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية سواء سماه في روايته ~~عنه أو لم يسمه. بل قال رجل: إذا كان التابعي كما وصفنا بحيث لا يخفى عنه ~~ذلك، ولا فرق بين الحالتين والتابعي كذلك. إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي ~~بعد ثبوت صحبته. # وخامسها: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك. ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح. ~~فهذا مقبول القول على الراجح وفيه ما تقدم من الاحتمال، # PageV01P057 # ونظيره أن يروي أحد متقدمي التابعين عن رجل لم يسمه شيئا يقتضي له صحبة، ~~فإن القرائن هنا ms18 قائمة بصدقه منها: # ندرة كذب مثل ذلك في ذلك العصر الأول. # ومنها: أن الظاهر من التابعي الكبير أنه لا يروي إلا عن صحابي. فإن انضم ~~إلى ذلك وصفه بصفة خاصة، كرجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان فهو أعلى ~~من هذه المرتبة لما تقدم أن مثل هؤلاء كان مشهورا. فإذا وصفه التابعي الثقة ~~بذلك كان كالتصريح باسمه وهو معروف. فتكون هذه الحالة حينئذ من المرتبة ~~الرابعة. # وسادسها: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة، ولا ظهر ~~فيها ما يقتضي جرحه فيروي حديثا يتضمن أنه صحابي إما بسماعه ذلك أو ~~بمشاهدته شيئا من أفعاله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك. أو برواية مجردة إذا ~~اكتفينا بها في إثبات الصحبة. فهذا يتخرج على قبول رواية المستور. فمن قبله ~~كان ذلك هنا بطريق الأولى لقرينة صدق مثل هذا. وأنه لم يوجد في ذلك القرن ~~من يدعي ذلك كذبا إلا نادرا جدا، ولعله لا يصح السند إليه. ### | 1- # ومن لم يقبل رواية المستور في التابعين فمن بعدهم قد يقبل مثل هذا. وهو ~~الذي عليه عمل ابن منده، وابن عبد البر وغيرهما ممن صنف في الصحابة، لعدهم ~~هذا الصنف فيهم من غير توقف فيهم ومن العلماء من توقف في حديثهم وإثبات ~~الصحبة لهم كما تقدم. PageV01P058 # وسابعها: أن يروي بعض صغار التابعين ومن ليس من أهل الميز منهم عن رجل ~~مبهم ما يقتضي له صحبة، وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا ~~مثل ذلك وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم كما وصفت. # وكان ذلك –والله أعلم – لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون. وأن ~~مثل هذه المرتبة الشريفة لم يدعها أحد في ذلك العصر كذبا، بخلاف الأعصار ~~المتأخرة فقد رويت أحاديث عن جماعة ادعوا أنهم عمروا وأن لهم صحبة. كما قد ~~أولع كثير في هذه الأزمان بحديث رتن الهندي الذي ادعى الصحبة وأنه عاش إلى ~~نحو الستمائة والخمسين. ولعله لا وجود له البتة. ووضعت عليه هذه الأحاديث. # وإن ms19 كان له وجود وقد ادعى مثل ذلك، فهو كذاب قطعا لا يستريب أحد من علماء ~~أهل الأثر في ذلك. وليس هذا موضع بسط الكلام فيه. # فأما في ذلك العصر الأول فيعز وجود من يدعي صحبة وهو فيها كاذب. # فهذا تقسيم بالغ في تحقيق مراتب ما تثبت به الصحبة، من الله به وله الحمد ~~والمنة. ولم أر أحدا بسط الكلام في هذه المسألة مع قوة الحاجة الداعية ~~إليها. # والله الموفق للصواب وله الحمد كثيرا لا نحصي ثناء عليه. PageV01P059 ### | المسألة الثالثة: ((في تقرير عدالة الصحابة # رضي الله عنهم)) . # والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف، أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة رضي ~~الله عنهم، وهي الأصل المستصحب فيهم، إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد ~~منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحا عن أحد منهم، بحمد ~~الله فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف ~~من بعدهم. # وهذه المسألة عظيمة الجدوى، والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول ~~الفقه جميعا. # أما في أصول الدين: فبالنظر إلى الإمامة وشرايطها وبماذا تنعقد ومن يصح ~~أن يكون إماما، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد. # وأما في أصول الفقه: فلأن الصحابة نقلة الشريعة، ولم تصل إلى الأمة إلا ~~من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم ~~يبق بأيدينا والعياذ بالله متمسك بشيء منها وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ ~~والشبه في الدين، وأدى ذلك إلى الإنحلال بالكلية، كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله، ولا محذور أصعب من هذا، ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا ~~شذوذا لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض. # فمنهم من زعم أن حكمهم –أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث ~~عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم1. PageV01P060 # ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة، لكن في أول الأمر فأما ~~بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن ms20 كحال غيرهم لأن ~~الفاسق منهم غير متعين1. # وذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل عليا رضي الله عنه فهو فاسق مردود ~~الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق2. # ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته لأنا لا نقطع ~~بفسق أحد الفريقين، وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيعتذر ~~القبول3. # ومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولا، ~~لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها، فلا تزال بالشك كما في ~~المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما، فلا يثبت بهما ~~شيء لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعا من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين ~~العدالة المستصحب كما في الإنائين إذا تيقن نجاسة أحدهما وهذا مذهب واصل بن ~~عطاء. # ومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته رضي الله عنه4. # وقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان رضي الله عنه فلا شك في فسقهم، لعدم ~~التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما PageV01P061 # نحن فيه بحمد الله، لأنه ليس في قتلة عثمان رضي الله عنه من ثبتت له ~~الصحبة أصلا، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر، وهو لا صحبة له ولا ~~رؤية أيضا، لأنه ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر. # وجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور ~~الأعظم من القول المتقدم أولا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع ~~الصحابة بل قال: # لسنا نعني به كل من رآه اتفاقا أو زاراه لماما أو ألم به لغرض وانصرف عن ~~قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون.1 # وهذا قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم ~~بالعدالة أصلا كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن أبي العاص، ~~وأشباههم ممن وفد عليه صلى الله عليه وسلم ولم يقم إلا أياما ms21 قلائل ثم ~~انصرف. # وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الإثنين ولم يدر مقدار ~~صحبته من أعراب القبائل. # فالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور، وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها ~~تظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم ~~للجميع، ومجموعها يرجع إلى وجوه: # أحدها: ثناء الله عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال الله تعالى: ~~PageV01P062 # {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه} الآية1. # والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان، من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة ~~رضي الله عنهم. # قاله جماعة من المفسرين2. # قالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه صلى الله ~~عليه وسلم3. # ويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من المنافقين في غزوة تبوك. فأتبع الله ذلك بفضيلة الصحابة4 الذين غزو ~~معه صلى الله عليه وسلم وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم. ثم أتبع ~~ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في ~~الإسلام. فقال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} .. الآية5. # فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الذين تأخر إسلامهم. ~~فشملت الآية جميع الصحابة6. PageV01P063 # وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه، فمن ادعى بعد ذلك ~~في أحد منهم أنه قد سخط عليه، لزمه بيان ذلك بدليل قاطع عن الله تعالى، ولا ~~سبيل إلى ذلك. # قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} .. ~~إلى آخر الآية1. # وهي أيضا شاملة لجميع الصحابة رضي الله عنهم. لأن كل من أقام معه صلى ~~الله عليه وسلم ساعة ثبت إتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملا ~~للكل رضي الله عنهم. # وقال الله تعالى في وصف المهاجرين: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم} # إلى قوله: {أولئك هم الصادقون} 2. # ثم مدح الأنصار بقوله: {والذين تبوأوا الدار والأيمان} .. الآية إلى ~~آخرها3. # ثم ذكر من أسلم بعدهم بقوله تعالى: ms22 {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا} .. الآية4. PageV01P064 # والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم، كما في الآية ~~المتقدمة، بدليل قوله: {جاءوا} بلفظ الماضي، فهو أولى من حمله على ~~التابعين، لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال. # وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الآية، ~~وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم. بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع ~~الصحابة رضي الله عنهم. ولكنها –أعني هذه الآية- مفيدة التمسك بها في حق من ~~لابس الفتن من أهل الحديبية. فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقا. والله سبحانه ~~وتعالى أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن ~~يتبين خلافه عن الله تعالى، كما تقدم قريبا. # واحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس} .. الآية1. # وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الوسط. العدل" 2. # وبقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} 3 الآية. PageV01P065 # وأعترض بعضهم على ذلك. بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة ~~فلا يتخصص بها بعضهم لما يلزم في ذلك من إستعمال اللفظ في معنيين مختلفين. ~~وهوالمجموع من حيث هو مجموع الأمة، وعصر الصحابة دون غيرهم. # ويمكن الجواب عنه بوجهين: # أحدهما: إلتزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناء على جواز التمسك به ~~في الحقيقة والمجاز جميعا. وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على ~~كلا المعنيين. # وثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملا لجميع الأمة، فهي متضمنة ~~الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى. وقد خرج من ~~هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لا بد من معرفة ذلك فيهم بالبحث ~~عن أحوالهم. فبقي في الصحابة على مقتضى الآية. وإذا كانت الآية الأخرى ~~متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس. فلا ريب في أن الصحابة ~~رضي الله عنهم أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه. فلا أعدل ممن ~~ارتضاه الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله ms23 عليه وسلم ونصرته والسبق إليه. ولا ~~تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه. # الوجه الثاني من الأدلة: # ثناء النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بما منحهم الله تعالى من كونهم ~~خير القرون من أمته وأفضلها وإن أحدا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من ~~شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبا في سبيل الله. # PageV01P066 # ففي الصحيحين من طريق عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ### | 7- # "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" 1. # ومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: ### | 8- # "خير الناس قرني الذي أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال ~~عمران: فلا أدري أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ~~ثلاثة. متفق عليه – أيضا2. # ورواه الترمذي من حديث الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال إبن يساف عن عمران ~~رضي الله عنه3. # وأخرج مسلم أيضا من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV01P067 ### | 9- # "خيركم قرني. ثم الذين يلونهم. قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثا ... ~~الحديث" 1. # وفي مسند أحمد بن حنبل من طريق عاصم بن أبي النجود عن خيثمة، والشعبي عن ~~النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ### | 10- # "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. ~~الحديث" 2. وإسناده صحيح. # وروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ثنا صدقة بن خالد ~~ثنا عمرو بن شراحيل عن بلال بن سعد عن أبيه رضي الله عنه قال: قلنا: ### | 11- # "يا رسول الله، أي أمتك خير؟ قال: أنا وأقراني. ثم ماذا؟ قال: ثم القرن ~~الثاني. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثالث" 3. # وسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة. وابنه بلال من فضلاء التابعين. ~~وعمرو بن شراحيل ms24 وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه أحد. وصدقة بن خالد احتج به ~~البخاري. وأبو مسهر مشهور من رجال الصحيحين. # وقد رواه معلى بن منصور عن صدقة بن خالد أيضا ولفظه: PageV01P068 ### | 12- # "قيل يا رسول الله أي التابعين خير. قال: انا وأصحابي.." وذكر بقيته. # وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في ~~الإسلام، دون المعني الاصطلاحي فإنه متأخر. # وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره. عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن ~~جعدة بن هبيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ### | 13- # "خير الناس قرني الذين أنا فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.." 1. # وجعدة بن هبيرة هو إبن أم هانئ، أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه2. # أثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة3. # قال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا4. # والأول أظهر. # وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وجوه عديدة أنه قام بالجابية ~~خطيبا فقال: PageV01P069 ### | 14- # "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في مثل مقامي هذا فقال: أكرموا ~~أصحابي فإنهم خياركم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" 1. وذكر الحديث. # فهذا الحديث مستفيض عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض ما تقدم من ~~ألفاظه ما يقتضي دخول من رآه صلى الله عليه وسلم في أنه متصف بهذه الخيرية. # وقد روى الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن عبد الله بن ~~عامر اليحصبي أنه سمع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول: # سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ### | 15- # "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني.. الحديث" 2. وإسناده صحيح. # وقال صلى الله عليه وسلم: ### | 16- # "فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم ولا ~~نصيفه". متفق عليه3. # وفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة عن جده رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: PageV01P070 ### | 17- # " إن ms25 الله اختارني واختار لي أصحابا، وجعل لي منهم وزراء وأنصارا، فمن ~~سبهم فعليه لعنة الله" 1. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ### | 18- # "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب ~~العباد فاصطفاه وبعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه صلى ~~الله عليه وسلم يقاتلون عن دينه". # وروى السدي عن أبي مالك عن إبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: # {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} . # قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم2. # وروى سنيد المصيصي ثنا حجاج عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ### | 19- # "لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الناس. وقال: الناس خير وأنا وأصحابي خير" 3. PageV01P071 # وصدق أبا سعيد عليه. زيد بن ثابت ورافع بن خديج رضي الله عنهما1. # وفي مسند البزار بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ### | 20- # "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" 2. # الحديث والآثار في هذا المعنى كثيرة. # والخير هنا اسم جنس مضاف، أو ضيغة أفعل مضافة. فتعم جميع أنواع الخير. ~~فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث ~~عنها لم يكن خيرا ممن بعده مطلقا. # فإن قيل هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق الأمة من الفضل، كقوله عليه ~~السلام: ### | 21- # "وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا يا رسول الله. أولسنا إخوانك. قال ~~أنتم أصحابي. وإخواننا الذين لم يأتوا بعد". أخرجه مسلم3، وروى معناه من ~~عدة طرق. # وفي معجم الطبراني من حديث الأوزاعي حدثني أسيد بن عبد الرحمن حدثني صالح ~~بن جبير حدثني أبو جمعة رضي الله عنه قال: PageV01P072 ### | 22- # "تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح رضي ~~الله ms26 عنه فقلنا يا رسول الله أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: نعم ~~قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" 1. # وصالح بن جبير وثقه إبن معين وغيره2. # وقد رواه عنه أيضا معاوية بن صالح ولفظه: ### | 23- # "قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرا". وذكر بقيته كما تقدم. # وفي حديث لأبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ### | 24- # "فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل منهم في ذلك الزمان أجر خمسين رجلا، ~~قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم، قال: بل أجر خمسين رجلا ~~منكم". # رواه أبو داود والترمذي. وإسناد حسن3. # وروى الترمذي أيضا من حديث حماد بن يحيى الأبح عن ثابت البناني عن أنس ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV01P073 ### | 25 - # " أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أو آخره" 1. # وحماد بن يحيى وثقه إبن معين2. # قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده ~~تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول، على كل فرد فرد ممن بعدهم ورأو أن في آخر ~~الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة رضي الله عنهم. # وهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين جميع الأحاديث، واستثنى إبن ~~عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة. # والحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والفوز برؤيته لا يعدل بعمل. وأن من منحه الله تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء ~~بعده على الإطلاق لوجوه: # أحدها: مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم. # وثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام. # وثالثها: فضيلة الذب عن حضرته صلى الله عليه وسلم. # ورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له. # وخامسها: ضبطهم الشريعة، وحفظهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وسادسها: تبليغهم إياه إلى من بعدهم. # وسابعها: السبق بالنفقة في أول الإسلام. PageV01P074 # وثامنها: إن كل فضل وخير وعلم ms27 وجهاد ومعروف عمل في هذه الشريعة إلى يوم ~~القيامة، فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل. لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا ~~أبوابه. ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم. وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: ### | 26- # "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة" 1. # وقال صلى الله عليه وسلم: ### | 27- # "من دعى إلى هدى كان له من الأجور مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا "2. # فهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة، مع ما ~~اختصوا به مما تقدم ذكره. # وأما الأحاديث التي ذكرت: # فحديث "وددت أني رأيت إخواني" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه. كيف ~~والأخوة العامة كانت حاصلة أيضا للصحابة رضي الله عنهم بقوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون إخوة} ، وأيضا فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة. لما يوجد غالبا ~~بين الأخوة من العداوة بخلاف الصحبة. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "للعامل منهم أجر خمسين رجلا منكم" فلا ~~حجة فيه. لأنه لا PageV01P075 # يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة. # وأيضا فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ~~ترتب الأجر عليه. لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان ~~من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. أرجح مما يترتب على ~~مثل ذلك العمل من الصدر الأول1. # وأما الذي فاز به الصحابة رضي الله عنهم من صحبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه، فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم ~~قطعا، فلا يقع التفاضل فيه. فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله. وبه ~~استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم. فهذا أشد ما يجاب به عن هذا الحديث. # وحديث أبي جمعة: لم تتفق الروايات فيه على لفظ: هل أحد خير منا؟ بل قد ~~تقدم رواية معاوية بن صالح له "هل من قوم أعظم منا أجرا"، ومعاوية ms28 بن صالح ~~أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن. فروايته أرجح. ويتأول الحديث على ما ذكرناه ~~آنفا بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين، دون ما أختص ~~به الصدر الأول من الصحبة. # وأما حديث: "أمتي كالمطر"، فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه إبن معين2. # فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي3. PageV01P076 # وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، وقال: يهم في الشيء بعد الشيء1. # وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثا معضلا2. # وقال إبن عدي: بعض حديثه لا يتابع عليه. وذكر من جملة حديثه حديث أنس ~~هذا3. وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيى به دون أصحاب ثابت البناني، ولا ~~يحتمل منه مثل هذا التفرد. # ثم على تقدير صحته فهو مؤل على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا ~~الذين وتمسكوا به. وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج ~~وكثرة المعاصي. كانوا في ذلك غربا. فزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت ~~أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم4. # أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى بن مريم عليه السلام ومقامه بالأرض ~~حيث تظهر البركات وينشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام. وهي من أواخر ~~أزمان هذه الأمة. # فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول، ولا مساواتهم بل ~~بالنسبة إلى ما ذكرناه، كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من ~~بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل، وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، ~~فلا تكون معارضة لها، وبالله التوفيق. PageV01P077 # الوجه الثالث: # الإجماع على ذلك ممن يعتد به على أحد الوجهين: # أما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف، فإنه لم يخالف في ~~عدالة الصحابة من حيث الجملة أحد من أهل السنة، وإنما الخلاف عن المعتزلة ~~والخوارج وأمثالهم. # وأما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع إنعقاد الإجماع، إن ~~ثبت أن أحدا من أهل البدع، خالف في ذلك. # والطريق الأولى أقوى، ولا فرق في هذا بين من ms29 لابس الفتن من الصحابة ومن ~~لم يلابسها. # قال ابن الصلاح: # أجمع العلماء الذين يعتمد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضا إحسانا للظن ~~بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله تعالى أباح الإجماع على ~~ذلك لكونهم نقلة الشريعة. # فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، والله أعلم. # الوجه الرابع: # إنما يكتفي في التعديل بأخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض ~~الظواهر، ومع عدم عصمته عن الكذب، فكيف لا يكتفي بتزكية علام الغيوب الذي ~~لا يعزب عن علمه مثال ذرة في الأرض ولا PageV01P078 # في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب، وأنزل مدحهم ~~والثناء عليهم قرآنا يتلى مستمرا ما بقيت الدنيا، وذلك يقتضي أن الثناء ~~عليهم ومدحهم وتعديلهم مسترما لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه صلى الله عليه ~~وسلم ما يقع بينهم، وأخبر بذلك إما على وجه الإجمال كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: ### | 28- # "أرى مواقع الفتن بين يبوتكم كمواقع المطر" 1، ونحو ذلك. # (او تفصيلا في بعض القضايا، كمن أسر إليه ذلك، كحذيفة رضي الله عنه2، ولم ~~يكن ذلك مانعا له صلى الله عليه وسلم من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم ~~بأنهم خير القرون ونحو ذلك) 3 مما تقدم. # وهذا مع عصمته صلى الله عليه وسلم عن وقوع الكذب في أخباره وبراءته من ~~المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده صلى الله عليه ~~وسلم لم يحط من رتبتهم شيئا ألبتة. # فأما قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحوض: ### | 29- # "ليختلجن رجال من دوني أعرفهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي فيقال: ~~لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: PageV01P079 # سحقا" 1. # وفي رواية: # "فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} ... الآية. ~~فإنه محمول على من ارتد بعده صلى الله عليه وسلم ثم مات على ذلك. بدليل ~~قوله: فيؤخذ بهم ذات الشمال. # وكذلك في الرواية الأخرى: إنهم لم يزالوا مرتيدين على أعقابهم منذ ~~فارقتهم ... الحديث. # وإلا فالنبي صلى الله عليه ms30 وسلم قد شهد للعشرة رضي الله عنه بأنهم من أهل ~~الجنة، وقال: ### | 30- # "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار" 2. # ولما قال حاطب، 3وقد شكاه، ليدخل حاطب النار. # قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ### | 31- # "كذب إنه شهد بدرا، وما يدريك أن الله تعالى إطلع على أهل بدر، فقال: ~~إعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" 4. # وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وأن كثيرا ~~من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم بأنهم لا يدخلوا النار، وشهادته للعشرة بأنهم في PageV01P080 # الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي رضي الله عنهما من ~~القتال. # فتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة1. # الوجه الخامس: # أن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين، كمالك والسفيانين والشافعي ~~والبخاري ومسلم، وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل، ولا البحث عن حاله ~~بالإتفاق، وهو عمل مستمر لا نزاع فيه. # فالصحابة رضي الله عنهم أولى بذلك، لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في ~~الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الآباء والأولاد والأقرباء ~~والأهل، ومفارقة الأوطان والأموال. # كل ذلك في موالاة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته لله خالصا. # ثم ما كانوا عليه دائما من إشتدادهم في أمور الدين بحيث لا تأخذهم فيه ~~لومة لائم، ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد، وتدويخ الأمصار، فيا لله ~~العجب كيف يداني أحدا من هؤلاء من بعدهم فضلا عن مساواتهم، حتى إنه يحتاج ~~الواحد منهم إلى الكشف عن حاله وتزكيته أو يكون ما صدر عنه عن إجتهاد أو ~~تأويل قادحا في عدالته وحاطا له عن علو مرتبته العلية. # إن هذا القول الأعمى في البصيرة، وتوصلا إلى الطعن في الشريعة والقدح في ~~الدين وإلقاء الشبهة فيه. # ولذلك رد الله تعالى كلام من تكلم فيهم على القادحين، فكان ذلك سببا لحط ~~مرتبتهم ومقتضيا PageV01P081 # لجرحهم وفسقهم، ولله الحمد والمنة. # فهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضي للقطع بعدالة الصحابة رضي الله عنهم، ms31 ~~والأخير مختص بمن أكثر صحبته صلى الله عليه وسلم وأقام معه مدة، وهاجر معه ~~أو إليه بخلاف الوجه الثاني، فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو ~~لحظة، بحيث يعد من الصحابة بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من ~~المسلمين وإن لم يثبت له صحبة ولا رؤية. # لكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لا بد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن ~~بعدهم، فتبقى فيمن ثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه وبالله التوفيق. # وأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض ~~الصحابة على بعض، ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى: # ما لا يصح عنهم أصلا. # وإلى ما قد صح، وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة. # كقول عائشة في زيد بن أرقم رضي الله عنهما. ### | 32- # "أبلغوا زيدا إنه قد أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ~~يتوب"1. PageV01P082 # وقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه وقد قيل له إن أبا محمد يزعم: ### | 33- # "إن الوتر واجب"1. # فقال: كذب أبو محمد2. # وأبو محمد هذا من الصحابة رضي الله عنهم ونحو ذلك. # فالأمر فيه بين والخطب هين لسهولة تأويلها وإنها لا تعارض نصوص الكتاب ~~والسنة المشهورة. # وأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم، ~~فقطعوا على كل من قاتل عليا رضي الله عنه من أهل الجمل وصفين بالفسق، ~~واستثنى بعضهم من ذلك عائشة طلحة والزبير رضي الله عنهم. قال: لأنهم تابوا ~~من ذلك دون معاوية ومن كان معه. # ولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها. ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ~~ذلك بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم الدماء، وذكر ما يترتب ~~على سفكها. # ولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية ترجع إلى ~~وجهين: PageV01P083 # أحدهما: أن ذلك كان من كل منهم بناء على الإجتهاد منه في ذلك والتأويل ~~المسوغ له للأقدام عليه، ومع هذا فلا يكون شيء ms32 من ذلك قادحا في عدالتهم. ~~لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الإجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن ~~قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتوجه تخطئته إلى أحد من الفريقين. # وإن قلنا المصيب واحد والثاني مخطئ، فالمخطئ في إجتهاده معذور غير آثم، ~~فلا يخرجه خطؤه عن العدالة. # وإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الإجتهاد فالمخطئ كان متأولا فيما فعله. # وإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة، كيف وإن عدالتهم ثابتة بما ~~تقدم من الأدلة القطعية، فيستصحب ولا يزال بالشك والوهم. # لا سيما مع ما تقدم من ثناء الله تعالى عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~مع العلم بما يصدر منهم. # ومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه قعود جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن ~~الكون مع أحد الفريقين، كسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وغيرهم لأنه خفي ~~عليهم الأمر. # وروي أن عليا رضي الله عنه دعى سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له: ### | 34- # "أعطني سيفا يعرف الحق من الباطل، أو قال: المحق من المبطل، وكان علي رضي ~~الله عنه مع أن الحق معه يغبط سعد رضي الله عنه بذلك، فكان يقول: ### | 35- # "لله در منزل نزله سعد بن مالك، إن كان ذنبا فذنب صغير، وإن كان أجر فأجر ~~عظيم1. PageV01P084 # وقال علي رضي الله عنه أيضا غير مرة1: ### | 36- # "إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال الله تعالى ~~فيهم {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} . # والآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ. # الوجه الثاني: # إن كلما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم ~~مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم. # فإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم ~~كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته، ولا يجدون فارقا قاطعا بين ~~الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل وإحسان الظن بهم. وانسداد ذلك في حق ~~الجميع. وحينئذ يؤدي إلى ms33 أحد أمرين لا بد منهما: # إما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع، وهو المطلوب. # وإما إسقاط عدالة الجميع، وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي. فإن الأمة ~~كلها ممن يعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة ~~كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة، معاذ ~~الله من ذلك. # وأما من تقدمت الحكاية عنه. بأن كل من لا بس الفتن فهو ساقط العدالة، فهو ~~قول باطل ممن لا يعتد به. # ونظيره إكفار الخوارج كل PageV01P085 # الفئتين، فلا يرجع هذا القول إلا على قائله. ونسأله الله السلامة من ~~الأهواء المضلة. # فإن قيل: أنتم وإن تأولتم. فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك ~~في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم. # قلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة، حجة ~~قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر. فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة ~~الدالة على عدالتهم، واستصحبنا ذلك في كل1 فرد منهم كان هذا الشك مندفعا. ~~كيف ونحن إنما نتأول تأويلا في كل قصة. هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما ~~سيأتي بيان بعضه إن شاء الله تعالى قريبا. # وهذا أمر معمول به –أعني استصحاب العدالة- وأنها لا ترفع بالشك في حق من ~~ثبتت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم يفد إلا الظن المجرد. بجريان ذلك في حق ~~من هو مقطوع بعدالته بتعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بطريق ~~الأولى. # وبهذا يتبين أنه ليس المعنى بعدالة كل واحد من الصحابة رضي الله عنهم أن ~~العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة. ولكن المعنى بهذا أن روايته مقبولة ~~وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها؛ لأن استصحاب الحال ~~لا يفيد إلا ذلك. # هذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي. وأما التفصيلي: # فلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة، ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا ~~للجميع. ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل PageV01P086 # لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم ويكون ذلك ~~مثالا ms34 لغيره. # وهو أن المصيبة بعثمان رضي الله عنه كانت عظيمة. ولم يكن خطر ببال علي ~~ولا غيره من الصحابة رضي الله عنهم أن يقتل. ولكن ظنوا أن الخوارج الذين ~~حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة. فلما وقع قتله بغتة ~~كان منكرا مهولا. ولم يكن في قتله بحمد الله أحد ممن ثبتت الصحبة له كما ~~تقدم. # فأعجل الأمر الصحابة رضي الله عنهم عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم ~~حينئذ. ورأو المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولا. ولم يكن بد من متابعة ~~علي رضي الله عنه. لأنه حينئذ أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة. ~~لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك. فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل ~~الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظاما تاما يتمكن به عليا ~~رضي الله عنه من الإقادة بدم عثمان رضي الله عنه من قاتليه وقد انضموا ~~إليه. فلو أقاد من أحدهم لتفرق1 بذلك قبائلهم كلها. وكثرت الفتن وزاد ~~الهرج. # فرأى علي رضي الله عنه أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة ~~الحق من غير فتنة. ورأى طلحة والزبير رضي الله عنهما ومن قام معهما أنهم قد ~~وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان رضي الله عنه والسكوت عنه إلى أن قتل. ~~وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم. ولم يكن عندهم ~~ما رآه علي رضي الله عنه من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعا من المبادرة ~~إلى الطلب بدم عثمان. # فوقع ما قدره الله تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضي الله ~~PageV01P087 # أمرا كان مفعولا. قدر وقوعه في الأزل. وإن كان اجتهاد علي رضي الله عنه ~~أقرب إلى الحق. وإن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة. لم يكن ~~مقصده باطنا للاجتهاد الذي هو مأخذ طلحة والزبير. # بدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة ~~رضي الله عنه. فالمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم إنما ms35 قاموا مجتهدين فيما ~~نقلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده. لا فرق فيه بين الدماء ~~وغيرها. # وذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة رضي الله عنهم. وبسط الكلام ~~يطول به المقام ويخرج عن المقصود. وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور الله ~~قلبه، ولم يمل به الهوى إلى الانحراف. وبالله التوفيق. # وأما معاوية رضي الله عنه وإن كانت فئته باغية على علي رضي الله عنه بنص ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: ### | 37- # "تقتل عمارا الفئة الباغية" 1. # فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم بما أطلعه الله عليه أن معاوية سيملك، ~~وقال له: ### | 38- # "إن ملكت فاعدل" 2. PageV01P088 # وعلم أيضا ببغيه في قتال علي رضي الله عنه. ومع ذلك دعى له في الحديث ~~الذي رواه يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن ~~سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ### | 39- # "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب" 1. # وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صدق معاوية في الوتر بركعة ~~واحدة، وقال: ### | 40- # "أصاب إنه فقيه"2. # وروى عنه أنه "قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص"3. PageV01P089 # وكذلك روى أيضا عن معاوية: # جرير بن عبد الله البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ~~وعبد الله بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب بن يزيد، وجماعة غيرهم من ~~الصحابة رضي الله عنهم. # وكل ذلك بعدما وقع منه من قتال علي رضي الله عنه. # واتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن ~~العاص، وكل من قام معهما في الفتنة، فكان ذلك إجماعا سابقا على قول من قدح ~~فيهم حتى أن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثا1. # وقال محمد بن سيرين: # كان معاوية رضي الله عنه لا يتهم في الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم2. # قال الإمام أبو بكر البيهقي: # كل من روى عن النبي صلى ms36 الله عليه وسلم ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة، لم ~~يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى. # ومما يتصل بذلك أيضا: # الكلام في سمرة بن جندب رضي الله عنه. PageV01P090 # فقد تعرض إليه بعضهم لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ولأبي ~~هريرة ولآخر كان معهما1 في بيت. ### | 40- # "آخركم موتا في النار" وكان آخرهم موتا سمرة. # ولأنه ولي البصرة لزياد بن أبيه ثم لمعاوية أيضا. # وكان يكثر القتل. # وقد روى شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه أنه قال: ### | 41- # "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتين في الصلاة.. الحديث"2. # وأن عمران بن حصين أنكر ذلك، فكتبوا في ذلك إلى أبي بن كعب فكتب بصدق ~~سمرة، ويقول: ### | 42- # "إن سمرة حفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم3. # وروى عاصم بن سليمان عن محمد بن سيرين أن ابن عباس رضي الله عنهما أمر ~~الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه، فأرسل إلى سمرة بن جندب فقال له: ~~PageV01P091 # أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بها. قال: بلى. قال: فما ~~منعك أن تعلم أهل البلدة. # فلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى، لما سأله واستشهد به. # وقال عبد الله بن صبيح عن ابن سيرين: ### | 43- # "كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة صدوق الحديث يحب الإسلام وأهله"1. # وأما حديث: "آخركم موتا في النار". # فقد وقع مصداقه بأن سمرة رضي الله عنه أصابه في آخر عمرة كزاز فكان يعالج ~~منه بأن يغلي له قدر مملوء ماء حارا، فيقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها ~~وهي أشد ما تكون حراراة، فمات. # فلم يكن مراده صلى الله عليه وسلم إلا نار الدنيا2. # وأما قتله الناس: # فإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذي أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس3، ~~ولم يكن يقتل أحدا إذا ظفر به رضي الله عنه. # وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة، ومن جلد عمر ~~رضي الله عنه في قذف المغيرة ms37 بن شعبة وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم. لأنهم ~~إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوه مخرج القذف، وجلدهم عمر رضي الله ~~عنه باجتهاده، فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة رضي ~~الله عنهم. PageV01P092 # ((فصل)) # والذي نختتم به الكتاب في هذا المعنى أمر مهم أولع فيه الحنفية في كتبهم ~~ومناظراتهم يفضي إلى خلل عظيم في الإسلام، وذلك يتعلق بأمرين: # أحدهما: في حق أبي هريرة رضي الله عنه على الخصوص، وأن التهمة تطرقت إلى ~~رواياته لكثرة ما روى، ولأنه أنكر عليه جماعة من الصحابة1. # والثاني: فيما يتعلق بأخبار من ليس من فقهاء الصحابة، وإنما يقدم عليها ~~القياس عند المعارضة، ويكون التأويل متطرقا إليها بخلاف أخبار الفقهاء ~~منهم، وجعلوا هذين الأمرين عمدة لهم في رد كثير من الأحاديث التي صحت على ~~خلاف مذهبهم. والله الموعد. # كما ثبت هذا اللفظ عن أبي هريرة رضي الله عنه، لما قيل له إنه يكثر ~~الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقد بالغ بعضهم حتى حكى أبو الحسين بن القطان من أصحابنا عن عيسى بن أبان ~~أنه نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ### | 44- # "يخرج من أمتي ثلاثون دجالا ... الحديث". # وأن عليا قال: PageV01P093 # أنا أشهد أن أبا هريرة منهم. # ونقله عن إبن أبان جماعة من غلاة الحنفية ولكن أبو بكر الرازي منهم. أنكر ~~هذا عن عيسى بن أبان، وقال: # هو كذب على عيسى، ووضعه من لا يرجع إلى دين ولا مرؤة، ولا يتحاشى من ~~الكذب في التثبت. # والذي نقله الرازي عن إبن أبان أنه قال: # يقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يخالف نظايره من السنة ~~المعروفة، إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة والتابعون، وذلك لكثرة ما ~~أنكر الناس من حديثه. وشكهم في أشياء من روايته. # قال إبراهيم النخعي: # كانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة والنار، ولم ~~يقبل ابن عباس ms38 روايته في الوضوء مما مست النار، وقال: ### | 45- # "أنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار". # فقال له أبو هريرة: # يا ابن أخي إذا جاءك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له ~~الأمثال1. # قال عيسى بن أبان: فلم يرد ابن عباس رواية أبي هريرة لمعارض لها عنده – ~~يعني نسخ الوضوء مما مست النار-، وإنما ردها بالقياس – وكانت عائشة رضي ~~الله عنهما تمشي في الخف الواحد، وتقول: # "لأخشن أبا هريرة". PageV01P094 # يعني في روايته المنع من ذلك1. # وأنكرت عليه أيضا: ### | 46- # حديث: "ولد الزنا شر الثلاثة". # وعارضته بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} 2. # وقالت لابن أخيها: # لا تعجب من هذا وكثرت حديثه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث ~~حديثا لو عده العاد أحصاه3. # قال: # وقد أنكر ابن عمرو وغيره من الصحابة عليه كثرة حديثه، ولم يأخذوا بكثير ~~من رواياته حتى يسألوا غيره. # وقال أبو بكر الرازي بعد سياقه هذا الكلام: # لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غير أبي هريرة مثل ما ظهر منهم في ~~حديثه. # فدل ذلك على أنه متى غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته كان ذلك ~~مسوغا للإجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول. # ثم ذكر أن عمر رضي الله عنه قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أشياء لا تعرف: PageV01P095 # "لئن لم تكف عن هذا لألحقنك بجبال دوس" 1. # ثم ذكر الرازي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: ### | 47- # "من يبسط ردائه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئا سمعه مني. ~~قال أبو هريرة: فبسطت نمرة كانت علي حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مقالته، فما نسيت شيئا سمعته منه" 2. # وأجاب عن ذلك: بأن هذا لو كان كذلك لكانت هذه فضيلة اختص بها من بين ~~الصحابة، ولعرفوا له ذلك واشتهر بها حتى كانوا يرجعون إليه ويقدمون روايته ~~على3 رواية غيره، ولم يقع ذلك. بل كانوا ينكرون ms39 كثرة روايته. # وأيضا كيف يكون ذلك وقد روى حديث: ### | 48- # "لا عدوى ولا طيرة" 4. ثم نسيه. # وروى حديث: ### | 49- # "لا يورد ممرض على مصح". وأنكر أن يكون حديثا بالخبر الأول5. PageV01P096 # قال: على أنه لو صح الحديث في بسطه النمرة، لكان محمولا على ما سمعه في ~~ذلك المجلس خاصة دون غيره. # ثم ذكر بعد ذلك توقى من توقى من الصحابة رضي الله عنهم في الرواية ~~وتقليلهم منها. # قال: وهذا يدل على أن كثيرا1 من الصحابة رضي الله عنهم أشفقوا على حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أن يدخله خلل أو وهم. # وإذا كان السهو والغلط جائزين على الرواة ثم ظهر من السلف إنكار لكثرة ~~الرواية على بعضهم، كان ذلك سببا لاستعمال الرأي والإجتهاد2 فيما يرويه ~~وعرضه على الأصول والنظاير3. # "رد المؤلف على أبي بكر الرازي" 4 # وهذا الفصل كما تراه ظاهر الضعف، مقتض لرد كثير من السنة الثابتة لمجرد ~~الظن الفاسد. وليس في شيء مما ذكروه ما يقتضي توقفا في حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه ولا تطرق تهمة إليه. معاذ الله من ذلك أنى وقد شهد له النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالحرض على الحديث لما قال له: ### | 50- # "من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت أن لا يسألني ~~عن هذا أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي من قال ~~لا إله إلا الله". أخرجه البخاري5. # وروى في كتاب التاريخ له من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم ~~التيمي عن مالك بن أبي عامر قال: PageV01P097 ### | 51- # "كنت عند طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فدخل عليه رجل فقال: # يا أبا محمد والله ما ندري أهذا اليماني – يعني أبا هريرة – أعلم برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم منكم، أو هو يقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~لم يقل؟ # فقال: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ~~نسمع، وعلم ما لم نعلم. إنا كنا ms40 أغنياء لنا بيوتات وأهلون. وكنا نأتي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع. وكان مسكينا لا مال له ولا ~~أهل. يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان يدور معه حيثما دار. ~~فما نشك أنه قد علم مالم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولن نجد أحدا فيه خير يقول ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل"1. # وروى حفص بن غياث عن أشعث عن مولى لطلحة قال: ### | 52- # "كان أبو هريرة جالسا في مسجد الكوفة، فمر رجل بطلحة رضي الله عنه2. # فقال: قد أكثر أبو هريرة. # فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا". # وفي تاريخ البخاري أيضا من طريق إسماعيل بن أمية عن محمد بن قيس بن مخرمة ~~عن أبيه: ### | 53- # "أن رجلا جاء إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي ~~هريرة فإنا بتنا أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، فخرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن ندعوا الله فجلس إلينا فسكتنا فقال: PageV01P098 # عودوا للذي كنتم فيه. قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ثم دعى أبو هريرة فقال: اللهم إني ~~أسألك ما سألك صاحباي هذان وأسألك علما لا ينسى. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: آمين. فقلنا يا رسول لاله ونحن لا نسألك علما لا ينسى. قال: سبقكما ~~بها الغلام الدوسي1. # وروى هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن بن إبن عمر أنه مر ~~بأبي هريرة رضي الله عنه وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من تبع ~~جناز فقال: ### | 54- # "أنشدك الله يا أبا هريرة أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ ~~قال: اللهم نعم. لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الردى ~~ولا صفق بالأسواق، لقد كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة ~~يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها". # فقال إبن ms41 عمر: ### | 55- # "يا أبا هريرة قد كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا ~~بحديثه". # وهذا إسناد صحيح. # وأصل القصة في صحيح مسلم وفيه أن إبن عمر قال حينئذ: لقد فرطنا في قراريط ~~كثيرة2. PageV01P099 # وقال إبن أبي الزناد عن أبيه عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم أنه قعد في ~~مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ~~بضعة عشر رجلا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ~~فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم. ثم يحدثهم الحديث فلا ~~يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مرارا. # قال: فعرفت يومئذ أنا أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # رواه البخاري في تاريخه أيضا1. # وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: ### | 56- # "قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة. فقلت: تحدث عن رجل وقد ~~كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إنه قد سمع2. # (ولأن) 3 أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قلت: وممن روى عنه أيضا من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ~~وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو أمامة سهل بن حنيف4. # قال البخاري: # روى عنه نحو ثمانمائة نفس من صاحب وتابع من أهل العلم. PageV01P100 # وهذا يقتضي إجماع الأمة كلها على قبول روايته وعدم التوقف فيها1. # قال أبو صالح: ### | 57- # "كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يكن بأفضلهم"2. # وقال حماد بن زيد ثنا عمرو بن عبيد الأنصاري قال: ثنا أبو الزعيزعة كاتب ~~مروان بن الحكم. ### | 58- # "أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير فجعل يسأله وجعلت ~~أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به، فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله ~~عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر"3. # قلت: # وهذا ms42 كله نتيجة بسط ردائه الذي أشار إليه أبو بكر الرازي، وفي كلامه ما ~~يقتضي تضعيفه. وليس كما ذكر لأنه ثابت في الصحيحين. # وفي بعض طرقه الثابت قال: ### | 59- # "حضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا فقال: من يبسط ردائه حتى ~~PageV01P101 # أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلن ينسى شئيا سمعه مني؟ فبسطت بردة علي حتى ~~قضى حديثه ثم قبضتها إلي. فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئا بعده سمعته منه ~~"1. # أخرجاه في الصحيحين من طريق إبن عيينة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة. # ورواه البخاري أيضا من طريق إبن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال قلت: ### | 60- # "يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا فأنساه، قال: ابسط ردائك فبسطه ~~فغرف بيديه ثم قال: ضمه. فضممته فما نسيت حديثا قط" 2. # فهاتان الروايتان مصرحة بأن عدم نسيانه لم يكن مختصا بما قاله النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك المجلس. بل هو شامل لجميع ما سمعه منه في ذلك المجلس ~~وغيره. # وقول الرازي لو كان كذلك لاشتهر به بين سائر الصحابة، ولم يتثبت في ~~حديثه. يقال عليه إنه غير لازم لأن القضية لم تكن بحضور جمع يسمع الحديث ~~منهم. ولم يعرف ذلك إلا من جهته. وقد شهدوا له بالحفظ كما تقدم عن جماعة ~~منهم، ولم يتثبت أحد منهم في حديثه. ولو وقع في بعض ذلك شيء من واحد منهم ~~كان على وجه الاحتياط. كما في قصة أبي بكر رضي الله عنه مع المغيرة في ~~ميراث الجدة3. PageV01P102 # وقصة عمر رضي الله عنه مع أبي موسى في الإستئذان ثلاثا1. # ولا يلزم من ذلك تطرق ريبة إليهما. # وكذلك فعل إبن عمر في حديث أبي هريرة في إتباع الجنازة، وقد سلم له أنه ~~كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغيبون في أشغالهم2. # وأما قول عمر رضي الله عنه: # "لألحقنك بجبال دوس"، فلم ثبت عنه3. # وقد ولاه عمر رضي الله عنه البحرين مع عدم مداهنته4. # وقال له عثمان رضي الله ms43 عنه: ### | 61- # "حفظ الله عليك دينك، كما حفظت علينا ديننا". PageV01P103 # وإنما عمر رضي الله عنه كان يحب إقلال الرواية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويوصي بذلك كثيرا من الصحابة. أخذا بالتوقي والإحتياط وحذرا من زيادة ~~أو نقصان يقعان من الراوي وهو لا يشعر، والروايات عنه بذلك ثابتة. فلم يكن ~~ذلك مختصا بأبي هريرة دون غيره. # وأما نقض الرازي ذلك بنسيانه حديث:" لا عدوى" فلا يلزم لأنه لم يصرح بأنه ~~نسيه. # وربما كتمه في ذلك الوقت لمصلحة رآها في الحاضرين يومئذ. # ولو سلم أنه نسيه فلا يلزم منه دوام نسيانه، بل ربما تذكره بعد ذلك. # وفي إجماع العلماء كافة على قبول قول أبي هريرة وتلقيه منه غنية ورد على ~~إبن أبان ومن تبعه في رأيه. والله ولي التوفيق. # وأما الكلام في أفراد الصحابة الذين لم يشتهروا بالعلم، وأن حديثهم لا ~~يقبل منه إلا ما وافق القياس، فهو كما تقدم في الضعف، وعلى خلاف ما كان ~~عليه الصحابة رضي الله عنهم. # فقد ثبت عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه سأل عن إملاص المرأة، فقام حمل ~~بن مالك بن النابغة فقال: ### | 62- # "كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة.. الحديث". # رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم1. # وأخرجوا أيضا بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يقول: PageV01P104 ### | 63- # "الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا. حتى قال له الضحاك بن ~~سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من ~~دية زوجها، فرجع عمر رضي الله عنه إليه"1. # وصححه إبن حبان أيضا. # ولما أفتى إبن مسعو رضي الله عنه بإجتهاده أن المفوضة إذا مات عنها زوجها ~~قبل الدخول لها مهر المثل والميراث، وقام معقل بن سنان الأشجعي رضي الله ~~عنه فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في بروع بنت واشق. ~~فرح به ابن مسعود كثيرا، ولولا قبول روايته لم يفرح ms44 به. # وكل هذه الأمور على خلاف القياس، والصحابة الرواة لها لم يشتهروا بالقصة ~~بل ولا بطول الصحبة، فليس لما قالوه وجه مع قبول الصحابة رضي الله عنه ذلك. # وأيضا إذا كان الصحابي عدلا مأمونا فلا فرق فيما رواه بين ما يوافق ~~القياس وما يخالفه. وإن كانت التهمة تتطرق إليه فيما يخالف القياس، فهي ~~متطرقة إلى ما يوافقه أيضا. ويكون حكمه حكم سائر الرواة من غير الصحابة ممن ~~يتهم بسوء الحفظ، وقلة الإتقان ومعاذ الله من ذلك. # ولا ريب في أن فتح هذا الباب في الصحابة يشوش الشريعة ويدخل الشك في ~~السنن، ويطرق أهل البدع كالرافضة وغيرهم إلى القدح في الدين والتشكيك فيه ~~والتلبيس على ضعفاء المؤمنين. وكل PageV01P105 # مقالة أدت إلى هذه المفاسد فهي فاسدة، لا سيما والإجماع العملي منعقد قبل ~~قائلها وهي غنية عن الإطالة في ردها، والله ولي التوفيق. # ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. تم. # آخر الكتاب تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، ووافق الفراغ من ~~نسخه من نسخة المصنف في تاسع عشر جمادى الأول سنة ست وسبعمائة وسبعين. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # PageV01P106 ms45