######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006355 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي العلائي (المتوفى: 761هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 761 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006355 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6355 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6355 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. إبراهيم محمد السلفيتي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب الثقافية - الكويت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # وما توفيقي إلا بالله أما بعد حمد الله العزيز بباهر كماله القدير بقاهر ~~جلاله الجواد بجزيل نواله الحكيم بجميل فعاله والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد النبي الأمي وآله صلاة تبلغ قائلها نهاية آماله فإن مسألة إقتضاء ~~النهي الفساد من مهمات الفوائد وأمهات القواعد لرجوع كثير من المسائل ~~الفرعية إليها وتخريج خلاف الأئمة في مآخذهم عليها فعلقتها في هذه الأوراق ~~مبسوطة وذكرت من المباحث ما هي به منوطة والله تعالى الهادي إلى سواء ~~السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل والكلام عليها يترتب في فصول # PageV01P060 ### | الفصل الأول # في مقدمات وتقسيمات يترتب الكلام عليها وفيها مباحث # البحث الأول أن صيغة لا تفعل حصر إستعمالها جماعة من الأئمة في عدة وجوه ~~أحدها التحريم كقوله تعالى {ولا تقربوا الزنى} وأمثاله وثانيها الكراهة ~~كقوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء ~~الحديث وثالثها التحقير كقوله تعالى {ولا تمدن عينيك} الآية ورابعها ~~الإرشاد كقوله تعالى {لا تسألوا عن أشياء} # PageV01P061 # وخامسها التحذير كقوله تعالى {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} وسادسها بيان ~~العاقبة كقوله تعالى {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} وسابعها ~~اليأس كقوله تعالى {لا تعتذروا اليوم} الآية وثامنها الدعاء كقوله تعالى ~~{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا} ونحوه وتاسعها التسوية كقوله تعالى {فاصبروا أو ~~لا تصبروا} # PageV01P062 # وعاشرها التهديد كقول السيد لعبده لا تمتثل أمري يهدده بذلك وزاد بعض ~~الحنفية وجها آخر وهو الشفقة كما في قوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا ~~الدواب كراسي ويمكن رده إلى وجه الكراهة وكذلك التحقير وبيان العاقبة بخلاف ~~بقية الوجوه # ثم الخلاف بين الأئمة مشهور في التحريم والكراهة هل اللفظ حقيقة في ~~أحدهما مجاز في الآخر أو هو مشترك لفظي أو للقدر المشترك أو يقال بالوقف ~~على ما هو معروف في موضعه والمختار أنه حقيقة في التحريم مجاز فيما عداه # والكلام في أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا إنما هو مفرع على أنه للتحريم ~~وأما نهي الكراهة فالذي يشعر به كلام الأكثرين وصرح به ms01 جماعة أنه # PageV01P063 # لا خلاف فيه وذلك ظاهر إذ لا مانع من الاعتداد بالشيء مع كونه مكروها ~~ولذلك قال أصحابنا وغيرهم بصحة الصلاة في الحمام وأعطان الإبل ونحوهما مع ~~القول بكراهتها وقد وقع فى كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى ~~ما ينافي هذا فإن أصحابنا اختلفوا في النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة هل ~~هو للتحريم أو للتنزيه # والأصح عند الجمهور أنه للتحريم ثم ذكروا وجهين في أنها إذا أحرم بها في ~~هذه الأوقات هل تنعقد أم لا والأصح أنها لا تنعقد كالصوم في يوم العيد ~~فالذي يظهر أن هذين الوجهين مفرعان على أن النهي للتحريم أو للتنزيه ولذلك ~~اتفق التصحيح على أنه للتحريم وأنها لا تنعقد # PageV01P064 # وقال ابن الصلاح مأخذ الوجهين أن النهي هل يعود إلى نفس الصلاة أم إلى ~~خارج عنها قال ولا يتخرج هذا على أن النهي للتحريم أو للتنزيه لأن نهي ~~التنزيه أيضا يضاد الصحة إذا رجع إلى نفس الصلاة لأنها لو صحت لكانت عبادة ~~مأمورا بها والأمر والنهي الراجعان إلى نفس الشيء متناقضان انتهى كلامه # وهذا مأخوذ من كلام الإمام الغزالي في المستصفى فإنه قال كما يتضاد ~~الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب فلا يدخل مكروه تحت الأمر حتى يكون ~~شيء واحد مأمورا به مكروها إلا أن تنصرف الكراهة عن ذات المأمور إلى غيره ~~ككراهة الصلاة في الحمام وأعطان الإبل وذكر بقية كلام # فتحصلنا على قولين في أن نهي التنزيه إذا كان لعين الشيء هل يقتضي الفساد ~~أم لا وفي نهي التنزيه نظر لأن التناقض إنما يجيء إذا كان النهي للتحريم ~~وعلى تقدير اعتبار ما ذكره الغزالي وابن الصلاح فذلك التضاد إنما يجيء فيما ~~هو واجب خاصة لما بين الوجوب والكراهة من التباين # فأما الصحة مع الإباحة كما في العقود المنهي عنها تنزيها فلا تضاد حينئذ ~~والفساد مختص بما كان النهي فيه للتحريم والله أعلم # PageV01P065 # البحث الثاني النهي عن الشيء ينقسم ظاهرا إلى ثلاثة أقسام أحدها ما يرجع ~~إلى ذات المنهي عنه كالكذب والظلم ms02 ونحوهما وثانيها ما يرجع إلى غيره كالنهي ~~عن البيع وقت النداء وعن النجش وما أشبههما وثالثها ما يرجع إلى وصف المنهي ~~عنه كصوم يوم النحر وبيع الربويات على الوجه المنهي عنه والوطء في حالة ~~الحيض والطلاق فيه أيضا # فالصوم من حيث انه صوم مشروع لكن من حيث إيقاعه في يوم العيد منهي عنه ~~والبيع مشروع من حيث الجملة لكن من حيث إيقاعه انه وقع مقرونا بشرط فاسد أو ~~بزيادة في المال الربوي ممنوع وكذلك الوطء والطلاق حالة الحيض وفيهما نظر ~~يأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى والعلماء مختلفون في الحكم بالفساد ~~وعدمه في هذه الأقسام كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى # وينقسم أيضا من وجه آخر إلى ما يتعلق بالعبادات وما يتعلق بالمعاملات وكل ~~منهما ينقسم إلى الأقسام الثلاثة الأولى # PageV01P066 # وعبر الحنفية عن الأقسام الثلاثة التي ذكرناها بعبارة أخرى فقالوا النهي ~~عن الشيء إما لعينه أو لغيره # فالأول ينقسم إلى وضعي كالعبث والسفه وشرعي كبيع الحر والمضامين ~~والملاقيح والصلاة بغير طهارة لارتفاع أهلية الأداء شرعا والثاني ينقسم إلى ~~مجاور ووصف لازم فالمجاور كالوطء في الحيض والبيع وقت النداء وكصوم يوم ~~النحر والصلاة في الدار المغصوبة والوصف اللازم كبيع الربوي متفاضلا أو ~~بنسيئة وسائر العقود الفاسدة وعد بعضهم صوم يوم النحر من هذا القسم وسيأتي ~~ما يترتب على هذا التقسيم وما يرد عليه أن شاء الله تعالى # البحث الثالث المعني بالفساد الآتي ذكره عند كل من قال به هو ما ذهب إليه ~~في تفسير الفساد ولهم في ذلك اختلاف والكلام في طرفين الأول ما يتعلق ~~بالعبادات وتفسير لفظ الفساد مترتب على ما يقابله وهو الصحة والذي ذهب إليه ~~المتكلمون أن المعني بالصحة في العبادة كونها موافقة لأمر الشارع في ظن ~~الفاعل لا في نفس الأمر # PageV01P067 # وعند الفقهاء المراد بالصحة فيها إسقاط القضاء والفساد مقابل للصحة على ~~التفسيرين فعلى هذا يتخرج صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين أنه ليس كذلك فعند ~~المتكلمين هي صحيحة لأنها وقعت موافقة لأمر الشارع ms03 في ظنه # وعند الفقهاء هي باطلة لأنها لم تسقط القضاء وعكسها صلاة من صلى خلف ~~الخنثى المشكل ثم تبين أنه رجل إذا فرع على أحد القولين للشافعي في انه لا ~~يجب القضاء لكن الراجح خلافه فإنها على اصطلاح الفقهاء صحيحة على هذا القول ~~لإسقاطها القضاء وعند المتكلمين باطلة لأنها ليست موافقة لأمر الشرع # وذكر القرافي أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في التسمية وأما الأحكام ~~فمتفق عليها عند الفريقين لأنهم اتفقوا على أنه موافق لأمر الله تعالى وأنه ~~مثاب عليها وأنه لا يجب عليه القضاء إذا لم يطلع على الحدث وأنه يجب القضاء ~~إذا تبينه # قال وإنما اختلفوا في وضع لفظ الصحة هل يضعونه لما وافق الأمر # PageV01P068 # سواء وجب القضاء أو لم يجب أو لما لا يمكن أن يتعقبه قضاء وهذا فيه نظر ~~من جهة مسألة الصلاة خلف الخنثى المشكل التي أشرنا إليها ولا يلزم من ~~اتفاقهم على ما ذكر من الأحكام أن يكون الخلاف في التسمية لأنه ثم أحكام ~~أخر غير هذه # وقد ذكر الأصفهاني شارح المختصر فيه أن مما يتخرج على هذا الخلاف صلاة من ~~لم يجد ماء ولا ترابا إذا صلى على حسب حاله وقلنا بالراجح من المذهب انه ~~يجب عليه الإعادة قال فتلك الصلاة صحيحة على اصطلاح المتكلمين فاسدة على ~~اصطلاح الفقهاء قلت وفي ذلك وجهان لأصحابنا حكاهما إمام الحرمين والمتولي ~~وبنى عليهما لو حلف لا يصلي فصلى # PageV01P069 # كذلك ولكن هذا القول يؤدي إلى أن نقول كل صلاة فعلت لحرمة الوقت ولم يسقط ~~بذلك فرضها بل كان قضاؤها واجبا تكون فاسدة عند الفقهاء ولا يكون الفساد في ~~العبادة دائرا مع ارتكاب المنهي عنه وجودا وعدما بل قد يكون لاختلال شرط أو ~~ركن مع كونه مأمورا بفعل العبادة في الوقت لحرمته لكن يشكل على هذا أن يقال ~~كيف يؤمر بعبادة هي فاسدة ولا يسمحون بإطلاق الفاسد في مثل هذا بل قد صرحوا ~~فيه بالصحة وللنظر هنا مجال وسيأتي مزيد بحث في ذلك إن شاء الله تعالى ms04 # الطرف الثاني فيما يتعلق بالمعاملات والذي ذكره جمهور أئمة الأصول أن ~~الصحة فيها عبارة عن ترتب ثمرة ذلك العقد المطلوبة منه والمراد بالفساد أن ~~لا يترتب عليه ذلك والمراد بالثمرة أثر كل عقد بحسبه فأثر البيع التمكن من ~~الأكل والوطء والهبة والوقف ونحو ذلك وثمرة الإجارة التمكن من المنافع وفي ~~القراض عدم الضمان واستحقاق الربح وفي النكاح التمكن من الوطء والطلاق إلى ~~غير ذلك من أنواع العقود # واعترض بعضهم على ذلك بأن المراد من ثمرات العقود إما الكل أو البعض ~~والأول باطل لأن المبيع في زمن الخيار والمبيع قبل قبضه لا يترتب عليه ~~ثمراته مع أن العقد صحيح وكذلك إذا باع الدار المأجورة والعبد الجاني وقلنا ~~بصحة البيع فيهما # PageV01P070 # وإن كان المراد بالثمرات بعضها فذلك البعض إما معين أو أي بعض كان والأول ~~باطل اتفاقا وأيضا ليس في اللفظ ما يشعر به # والثاني يرد عليه ترتب بعض آثار العقد الفاسد كالقراض والوكالة الفاسدين ~~فإن التصرف فيهما يصح وهو بعض ثمرات العقد فيكون الحد غير مانع # ويمكن الجواب عنه بأن المراد به جميع ثمرات العقد وليس المعني به الترتيب ~~بالفعل بل بالقوة وتخلف ذلك عن المبيع قبل القبض أو في زمن الخيار لا يرد ~~لأن العقد وإن كان صحيحا لكنه لم يتم حتى يتمكن المشتري من جميع التصرفات ~~فتخلف ذلك لمانع عارضه لا لفساد العقد # وأيضا فجواز تصرف العامل والوكيل في القراض والوكالة الفاسدين ليس من ~~ثمرات العقد بل من ثمرات الأذن الذي اشتمل عليه العقد ولهذا يسقط المسمى ~~ويرجع فيه إلى أجرة المثل وكذلك القول في الخلع والكتابة الفاسدين ليس ~~النفوذ فيهما من ثمرات العقد بل من التعليق الذي اشتمل العقد عليه فلم ~~يترتب في هذا على العقد الفاسد شيء ولهذه العقود عدل بعضهم عن العبارة ~~المتقدمة فقال المراد من كون العقد صحيحا أن يكون مستجمعا لجميع أركانه ~~وشرائطه ومن كونه فاسدا أن لا يكون كذلك ليشمل الحد جميع ما أشرنا إليه ~~ورجح هذه العبارة قائلها بمناسبتها للمعنى اللغوي فان ms05 الصحة في اللغة ضد ~~السقم فالصحيح من الحيوان ما هو على الحالة الطبيعية التي هي أكمل أحواله ~~والفساد هو الخروج عن ذلك فالعقد المستجمع لأركانه وشرائطه صحيح # PageV01P071 # لأنه على أكمل أحواله وما نقص فيه شيء من ذلك كان فاسدا لخروجه عن ذلك ~~ويمكن أن تجعل هذه العبارة شاملة للعبادات والمعاملات جميعا فيقال كون كل ~~منهما صحيحا هو ما استجمع جميع أركانه وشرائطه لكنه يحتاج إلى أن يزاد في ~~العبادة مع القدرة عليها حتى لا ترد صلاة المريض قاعدا عند مشقة القيام ~~وأمثاله وكذلك من صلى إلى غير جهة القبلة بالاجتهاد ثم تبين الخطأ إذا قلنا ~~بأنه لا يلزمه الإعادة وهاتان العبارتان إنما هي على قاعدة أصحابنا # والجمهور في عدم التفرقة بين الباطل والفاسد وأنهما مترادفان يطلق كل ~~منهما في مقابلة الصحيح # وأما الحنفية فإنهم فرقوا بينهما وخصصوا اسم الباطل بما لا ينعقد بأصله ~~كبيع الخمر والحر والفاسد بما ينعقد عندهم بأصله دون وصفه كعقد الربا فإنه ~~مشروع من حيث انه بيع وممنوع من حيث انه عقد ربا فالبيع الفاسد عندهم يشارك ~~الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض # وحاصل هذا أن قاعدتهم انه لا يلزم من كون الشيء ممنوعا بوصفه أن يكون ~~ممنوعا بأصله فجعلوا ذلك منزلة متوسطة بين الصحيح والباطل وقالوا الصحيح هو ~~المشروع بأصله ووصفه وهو العقد المستجمع لكل شرائطه والباطل هو الممنوع ~~بهما جميعا والفاسد المشروع بأصله الممنوع بوصفه # ومذهب الشافعي وأحمد وأصحابهما أن كل ممنوع بوصفه فإنه ممنوع بأصله ~~وستأتي المسألة مبسوطة إن شاء الله تعالى غير أن الذي يخص هذا الموضع # PageV01P072 # بيان فساد هذا الاصطلاح وذلك من جهة النقل فان مقتضى هذه التفرقة أن يكون ~~الفاسد هو الموجود على نوع من الخلل والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه ~~وقد قال الله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فسمى السموات ~~والأرض فاسدة عند تقدير الشريك ووجوده ودليل التمانع يقتضي أن العالم على ~~تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع لا انه يكون موجودا ms06 على ~~نوع من الخلل فقد سمى الله تعالى الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدا وهو خلاف ~~ما قالوه في الفرق بين الباطل والفاسد وان كان مأخذهم في التفريق مجرد ~~الاصطلاح مطالبون بمستند شرعي يقتضي اختلاف الحكم المرتب عليهما # فعلم بهذا أن مراد الجمهور بقولهم النهي يقتضي الفساد هو البطلان وأما ~~الفساد على اصطلاح الحنفية فلا وان مراد الحنفية في أن بعض أنواع النهي ~~يقتضي الفساد ليس هو البطلان كما سيأتي بيانه # وأما المالكية فتوسطوا بين القولين ولم يفرقوا بين الباطل والفاسد في ~~التسمية ولكنهم قالوا البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك فإذا ~~لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة وهي حوالة الأسواق وتلف العين ~~ونقصانها وتعلق حق الغير بها على تفصيل لهم وفروع هي مبسوطة في كتبهم والله ~~أعلم # PageV01P073 ### | الفصل الثاني # في نقل المذاهب في هذه المسألة وللعلماء في ذلك اختلاف كثير والذي وقعت ~~عليه من كلام المصنفين في هذه المسالة على أقسام # أحدهما قول من أطلق الخلاف في المسألة ولم يفصل فقال الأستاذ أبو بكر بن ~~فورك الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة أن النهي يقتضي الفساد ~~وقال إمام الحرمين في البرهان ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي ~~تتضمن فساد المنهي عنه # PageV01P074 # وخالف في ذلك كثير من المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة # وقال القاضي الماوردي في كتابه الحاوي والنهي إن تجرد عن قرينة كان ~~محمولا عند الشافعي على التحريم وفساد المنهي عنه إلا أن يصرفه دليل غيره # وقال الإمام أبو نصر بن الصباغ في كتابه العدة النهي يدل على فساد المنهي ~~عنه بظاهره وعلى التحريم ويجوز أن يصرف عن ظاهره بدليل وقال قوم من أصحابنا ~~لا يدل على فساد المنهي عنه وهو مذهب أكثر المتكلمين وذهب متأخروهم إلى أنه ~~يدل على فساد المنهي عنه في العبادات دون العقود والإيقاعات # PageV01P075 # وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في شرح اللمع النهي يقتضي فساد المنهي عنه ~~على قول أكثر أصحابنا # وقال أبو بكر القفال لا يدل عليه ms07 وللشافعي رحمه الله كلام يدل عليه وهو ~~قول أبي الحسن الكرخي من الحنفية واكثر المتكلمين من الأشاعرة # وقال بعض أصحابنا إن كان النهي يختص بالمنهي عنه كالصلاة في السترة ~~النجسة دل على فساده وإن كان لا يختص بالمنهي عنه كالصلاة في الدار ~~المغصوبة والثوب الحرير والبيع وقت النداء لا يدل على فساده انتهى # PageV01P076 # وقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة في ملخصه ذهب أكثر الفقهاء إلى أن ~~النهي يدل على فساد المنهي عنه وذهب أهل الأصول إلى أنه لا يدل على ذلك ومن ~~ذهب إلى المذهب الأول اختلفوا فمنهم من قال لا يدل باللغة ولكن بدليل شرعي ~~ومنهم من قال يدل على الفساد بموضوعه في اللغة وقال ابن برهان النهي يقتضي ~~فساد المنهي عنه فنقل عن بعض أصحابنا وهو ظاهر كلام الشافعي أنه يقتضي فساد ~~المنهي عنه ونقل عن القفال الشاشي من أصحابنا وأبي الحسن الكرخي أنه لا ~~يقتضيه وعن أبي الحسن البصري أن النهي عن العبادات يقتضي فسادها وأما عن ~~العقود الشرعية فلا # PageV01P077 # ونقل عن طائفة من المتكلمين أن النهي إن كان لمعنى يخص المنهي عنه ~~كالصلاة في البقعة النجسة فإنه يقتضي فساد المنهي عنه فإن النهي إنما كان ~~لمعنى يختص بالصلاة وهي النجاسة ألا ترى أنه في غير الصلاة لا يمنع من ~~الجلوس في البقعة النجسة وإن كان لمعنى لا يخص المنهي عنه فلا يقتضي فساده ~~كالصلاة في الدار المغصوبة لأنه نهي عن الغصب وذلك لا يخص الصلاة # ونقل عن بعض العلماء أنه إذا كان النهي عن فعل فإذا فعل المنهي عنه أخل ~~بشرط من شرائطه أو ركن من أركانه كالنهي عن الصلاة من غير طهارة دل على ~~فساده وإلا فلا كالنهي عن البيع وقت النداء انتهى # وقال القاضي أبو الوليد الباجي من المالكية النهي عن الشيء يقتضي فساد ~~المنهي عنه وبهذا قال القاضي أبو محمد يعني عبد الوهاب وجمهور أصحابنا ~~وأصحاب أبي حنيفة والشافعي وبه قال الشيخ أبو بكر بن فورك # PageV01P078 # وقال القاضي أبو بكر والقاضي أبو جعفر ms08 السمناني وأبو عبد الله الأزدي ~~وأبو بكر القفال من الشافعية لا يقتضي فساد المنهي عنه # وقال الإمام المازري في شرح البرهان الأكثر من الفقهاء في هذه المسألة ~~على دلالة النهي على الفساد والأكثر من المتكلمين على أنه لا يدل على ~~الفساد وأصحاب الشافعي يحكون عنه القولين فمنهم من نقل عنه ذهابه إلى أن ~~النهي يدل على الفساد ومنهم من استلوح من كلام وقع له مصيره إلى أنه لا يدل ~~على الفساد # والجمهور من مذاهب المالكية كونه دالا على الفساد والذاهبون إلى دلالته ~~على الفساد مختلفون هل ذلك مأخوذ من اللغة أو عن الشرع # PageV01P079 # وقال الإمام أبو نصر القشيري في كتابه قال أصحاب الشافعي ومالك وأبي ~~حنيفة وأهل الظاهر وطوائف من المتكلمين النهي عن الشيء يدل على فساده ثم ~~نقل عنهم الخلاف في أن ذلك من جهة اللغة أو الشرع # ثم قال وقال معظم المتكلمين فيما حكاه القاضي أن النهي لا يدل على الفساد ~~ثم أجمعوا على أنه كما لا يدل على الفساد لا يدل على صحته وإجزائه كذا قال ~~وفي نقل هذا الإجماع نظر لما سيأتي من مذهب الحنفية وتبعهم على هذه العبارة ~~في الإطلاق الإمام فخر الدين الرازي وسائر أتباعه واختاروا # PageV01P080 # جميعا أنه يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات كما هو إختيار الغزالي ~~وأبي الحسين البصري # وقال الإمام أبو العباس القرطبي في كتابه الوصول قال قوم النهي يدل على ~~الفساد وهو مذهب مالك على ما حكاه القاضي عبد الوهاب وقال آخرون لا يدل ~~عليه وفرق آخرون فمنهم من قال يدل عليه في العبادات دون المعاملات ومنهم من ~~قال إن كان النهي راجعا لعين المنهي عنه دل وإلا فلا # وقال القرافي في شرح التنقيح في هذه المسألة أربعة مذاهب يقتضي الفساد لا ~~يقتضيه الفرق بين العبادات والمعاملات تفيد الفساد على وجه تثبت معه شبهة ~~الملك وهو مذهب مالك وزاد في شرح المحصول على هذه الأربعة قولا خامسا وهو ~~مذهب أبي حنيفة أنه يدل على الصحة # PageV01P081 # وقال في مذهب مالك إن ms09 البيع الفاسد عندهم المنهي عنه يفيد شبهة الملك ~~فإذا اتصل به البيع أو غيره على ما قرروه ثبت الملك فيه بالقيمة وان كانت ~~قاعدتهم أن النهي يدل على الفساد في الأصول غير أنهم راعوا الخلاف في أصل ~~القاعدة في الفروع فقالوا شبهة الملك ولم يخصوا الفساد ولا الصحة جمعا بين ~~المذاهب قلت وهذا يقتضي اختصاص هذا القول بالعقود دون العبادات لكن سيأتي ~~من تفريعاتهم في العبادات ما يؤخذ منه نظير ذلك حيث يقولون بوجوب الإعادة ~~في الوقت خاصة ولا يعيد بعده # وقال الشيخ موفق الدين في الروضة النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي ~~فسادها ثم نقل بعد ذلك ثلاثة أقوال أخر وهي # PageV01P082 # أنه لا يقتضي فسادا ولا صحة # وأنه يقتضي الصحة كما قاله أبو حنيفة وانه يقتضي الفساد في العبادات دون ~~المعاملات وكذلك قال أبو الخطاب الحنبلي في كتابه الهداية النهي يدل على ~~فساد المنهي في رواية جماعة يعني عن الإمام أحمد رحمه الله فهذا كلام من ~~وقفت عليه من المصنفين في إطلاق الخلاف أولا في المسألة من غير تقييد # والقسم الثاني من قيد محل الخلاف في كلامه ببعض الصور فقال الإمام ~~الغزالي في المستصفى اختلفوا في أن النهي عن البيع والنكاح والتصرفات ~~المفيدة للأحكام هل يقتضي فسادها فذهب الجماهير إلى أنه يقتضي فسادها وذهب ~~قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه لعينه دل على الفساد وإن كان لغيره فلا ~~والمختار أنه لا يقتضي الفساد ثم اختار بعد ذلك في مسألة أخرى أن النهي عن ~~العبادات يقتضي فسادها ولم ينقل فيه خلافا # PageV01P083 # وكذلك قال الآمدي في الأحكام اختلفوا في النهي عن التصرفات والعقود ~~المفيدة لأحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما هل يقتضي فسادها أم لا # فذهب جماعة الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع ~~أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى فسادها لكن اختلفوا في جهة الفساد ~~فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة ~~ومنهم من لم يقل بالفساد وهو اختيار ms10 المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام ~~الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد ~~الله البصري والكرخي والقاضي عبد # PageV01P084 # الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم ولا يعرف خلافا في أن ما نهي ~~عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة إلا ما ~~نقل عن مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه # والمختار أن ما نهي عنه لعينه فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة بل ~~من جهة المعنى ثم قال بعد ذلك في مسألة بعدها إتفق أصحابنا على أن النهي عن ~~الفعل لا يدل على صحته # ونقل أبو زيد عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن أنهما قالا يدل على صحته فظاهر ~~كلام الغزالي والآمدي رحمهما الله تخصيص الخلاف بالعقود المنهي عنها لكن ~~الغزالي صرح بعد ذلك كما تقدم بأن النهي عن # PageV01P085 # العبادة يقتضي الفساد وفي أثناء كلام الآمدي أيضا التصريح بأن النهي عن ~~العبادة لعينها يقتضي الفساد وهذا هو مراد الغزالي لأنه صرح القول بصحة ~~الصلاة في الدار المغصوبة عند الكلام فيها # والقسم الثالث من قيد الخلاف في المسألة على وجه آخر وهو الشيخ أبو عمرو ~~بن الحاجب رحمه الله فقسم المنهي عنه إلى ما نهي عنه لعينه وإلى ما نهي عنه ~~لوصفه وحكى في المنهي عنه لعينه خمسة مذاهب أحدها أنه يقتضي الفساد من جهة ~~الشرع لا من مقتضى اللغة وهو القول الذي اختاره وهو الراجح دليلا كما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى وثانيها أنه يقتضيه من حيث اللغة وجوهر اللفظ ~~والثالث لا يقتضي فسادا ولا صحة والرابع أنه يقتضي الصحة ولم ينقله أولا بل ~~ذكر أدلة القائلين به في أثناء المسألة على عادته في الإختصار وخامسها ~~الفرق بين العبادات والعقود كما تقدم # ثم حكى في المنهي عنه لوصفه ثلاثة مذاهب # PageV01P086 # أحدها أنه يفيد الفساد شرعا كالمنهي عنه لعينه وثانيها أنه لا يفيده ~~وعزاه إلى الأكثر وثالثها قول الحنفية أنه يدل على فساد ذلك الوصف لا فساد ms11 ~~المنهي عنه وذكر أن الشافعي رضى الله عنه قال إن النهي عن الشيء لوصفه يضاد ~~وجوب أصله # قال ابن الحاجب وأراد أنه يضاده ظاهرا لا قطعا إذ لو كان قطعا لورد عليه ~~نهي الكراهة كالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل والأماكن المكروهة فإنه يلزم ~~حينئذ إذا كان مضادا لوجوب الأصل أن لا تصح الصلاة وليس كذلك فإذا قيل إنه ~~يضاده ظاهرا يكون قد ترك في هذه المواضع الظاهر لدليل راجح وفي كلام ابن ~~الحاجب ما يقتضي إختياره لهذا القول أي إنه يدل على الفساد ظاهرا لا قطعا ~~ومقتضى ذلك أن يكون عنده دلالة النهي عن الشيء لعينه على الفساد قطعا لا من ~~حيث الظاهر وتبعه على هذه التفرقة شراح كتابه لكن زاد البيضاوي في كتابه ~~المرصاد الذي أوضح فيه مختصر ابن الحاجب في المسألة الأولى فقال # PageV01P087 # النهي عن الشيء لعينه وللازمه يقتضي الفساد شرعا وذكر بقية المذهب وأراد ~~بذلك نحو النهي عن الزنا فإنه لدفع محذور اختلاط الأنساب وهو لازم له غالبا ~~أو لدفع ما يترتب عليه من الأنفة والحمية التي توجبها الغيرة وهو لازم له ~~أيضا # وقال في المسألة الثانية النهي عن الشيء لوصفه اللازم كصوم يوم العيد ~~والربا كالنهي لعينه فإن مستلزم الحرام حرام # ولذلك قال الشافعي رحمة الله عليه حرمة الشيء لوصفه تضاد وجوب أصله وهذا ~~تقييد حسن ولا يحتاج بذلك أن يقول ظاهرا إذا جعل ذلك مختصا بالنهي الذي هو ~~للتحريم كما نص عليه الشافعي فلا يرد نهي الكراهة وهذا التفصيل الذي سلكه ~~البيضاوي هو الراجح المختار في هذه المسألة كما سيأتي تقريره إن شاء الله ~~تعالى ولم يتعرض ابن الحاجب ومن تبعه للنهي عن الشيء لغيره كالبيع وقت ~~النداء مع أن فيه الخلاف المتقدم عن الحنابلة وغيرهم فهذه الطرق الثلاث هي ~~الموجودة في كتب أصحابنا في نقل هذه المسألة وما فيها من الخلاف # وأما الحنفية فلهم في ذلك عبارة أخرى وهي في الحقيقة راجعة إلى ما تقدم ~~من النقل عنهم ولكن أذكرها لما فيها من ms12 الفائدة ولبيان تناقضها فيما بعد إن ~~شاء الله تعالى # PageV01P088 # قالوا مقتضى النهي شرعا قبح المنهي عنه كما أن مقتضى الأمر بشيء تحسينه ~~قال تعالى {وينهى عن الفحشاء والمنكر} فكان القبح من مقتضياته شرعا لا لغة ~~ثم قسموا المنهي عنه في صفة القبح إلى أربعة أقسام أحدها ما قبح لعينه وضعا ~~كالعبث والسفه والكذب والظلم وثانيها ما التحق به شرعا كبيع الحر والمضامين ~~والملاقيح وثالثها ما قبح لغيره وصفا كالبيع الفاسد # PageV01P089 # ورابعها ما قبح لغيره لمجاورته إياه كالبيع وقت النداء فالقسمان الأولان ~~اقتضى النهي فيهما الفساد والرابع لم يقتضه والثالث يدل على فساد الوصف دون ~~المنهي عنه بل يدل على صحته # واستثنوا من هذا القسم الثالث النهي عن الأفعال التي تدرك حسا كالقتل ~~والزنا والسرقة وشرب الخمر فإنها وإن كان النهي عنها لوصفها اللازم لها فهي ~~ملحقة بالمنهي عنه لعينه في اقتضاء الفساد ثم أوردوا على أنفسهم البيع ~~الفاسد والإجارة الفاسدة ونحوهما فإنهما يدر كان بالحس أيضا كالزنى والقتل ~~وأجابوا عن ذلك بالفرق بين ذلك من جهة أن القتل والغصب وأمثال ذلك كان ~~معروفا عند أهل الملل كلها يتعاطونه من غير شرع ويعلمون قبحه بخلاف البيع ~~والإجارة فإنهم وإن كانوا يتعاطون ذلك قبل الشرع فإنما كانوا يتعاطون ~~مبادلة المال بالمال أو المنفعة فأما أن يكون بعت أو اشتريت عقدا عندهم ~~تترتب عليه أحكام شرعية فلا بل إنما عرفت تلك الأحكام بالشرع هذا ملخص ~~قولهم ولا يخفى بطلان هذا الفرق وسيأتي بسط القول في ذلك إن شاء الله تعالى # فيتحصل من مجموع ما تقدم في هذه المسألة عدة مذاهب لا تخفى من كلامهم ~~لكني أشير إليها ملخصة لما في ذلك من الفائدة # الأول أن النهي يقتضي الفساد مطلقا سواء كان عن الشيء لعينه أو # PageV01P090 # لوصفه أو لغيره وسواء كان في العبادات أو المعاملات وهذا مأخوذ من إطلاق ~~من أطلق الكلام أولا في نقل المذاهب ثم فصل بعد ذلك في نقل نعتها والحق أن ~~هذا مذهب للإمام أحمد بن حنبل وكثير من أصحابه ms13 وسائر الظاهرية # والثاني أنه لا يقتضي الفساد مطلقا أيضا سواء كان لعينه أو لوصفه أو ~~لغيره أو لاختلال ركن من أركانه أو شرط من شرائطه وسواء كان عبادة أو عقدا ~~وهذا مأخوذ من إطلاق من أطلق ثم فصل القول عن بعضهم بالفرق بين هذه الأمور ~~كما صرح به ابن برهان وغيره ممن تقدم وهو مشكل جدا لما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى # الثالث أنه يقتضي شبهة الفساد كما حكاه القرافي عن المالكية وظاهر كلامه ~~اختصاص ذلك بالعقود إذا كان النهي عنها لعينها # الرابع أنه يقتضي الصحة إذا كان النهي عنه لوصفه ولم يكن من الأفعال ~~الحسية وأما النهي عن الشيء لعينه فيقتضي الفساد وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد ~~بن الحسن وجمهور أصحابهما # الخامس أنه يقتضي الفساد في العبادات دون العقود وهو اختيار الإمام ~~الغزالي والآمدي وغيرهما كما تقدم # السادس أن النهي عن الشيء إن كان لعينه أو لوصفه اللازم له فهو مقتض ~~للفساد بخلاف ما إذا كان لغيره وسواء في ذلك العبادات أو العقود # PageV01P091 # وهذا أرجح المذاهب وأصحها دليلا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وهو ~~الذي ينبغي أن يكون مذهب الشافعي وجمهور أصحابه كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى # السابع الفرق بين ما إذا كان النهي يختص بالمنهي عنه كالصلاة في البقعة ~~النجسة فيقتضي الفساد دون ما لا يختص به كالصلاة في الدار المغصوبة حكاه ~~الشيخ أبو إسحق وغيره # الثامن الفرق بين ما يخل بركن أو شرط فإنه يقتضي الفساد دون ما لا يخل ~~بواحد منهما حكاه ابن برهان # ثم القائلون باقتضاء النهي الفساد في الأقوال الخمسة المتقدمة اختلفوا هل ~~ذلك من جهة اللغة وموضوع اللفظ أو هو مستفاد من الشرع على قولين لهم تقدما ~~والراجح أن ذلك من جهة الشرع لا من حيث اللغة كما سيأتي تقريره إن شاء الله ~~تعالى # فيتحصل بهذا الاختلاف زيادة خمسة أقوال أخر # ومن وجه آخر هل يقتضي الفساد قطعا أم ظاهرا فيه مذهبان كما أشعر به كلام ~~ابن الحاجب في ms14 المنهي عنه لوصفه ومقتضى هذا أنه لا فرق # PageV01P092 # بين نهي التحريم ونهي التنزيه لكن الصحة جاءت في نهي الكراهة من دليل ~~خارجي وقد صرح بذلك الغزالي وابن الصلاح فيما تقدم أولا ومقتضى كلام غيرهما ~~بل صرح به جماعة كما نقله الشيخ صفي الدين الهندي في نهاية الوصول أن ذلك ~~مختص بالنهي الذي هو للتحريم فيؤخذ من هذا زيادة قولين آخرين من جهة الفرق ~~بين دلالته قطعا أو ظنا ومن جهة الفرق بين نهي التحريم ونهي الكراهة # ويعترض هنا تفصيل آخر في تفسير لفظ الفساد كما تقدم وهل هو في العبادات ~~ما وجب قضاؤه أو ما كان على مخالفة أمر الشرع وهل هو في العقود بمعنى ~~البطلان أم لا فيجيء من هذا أقوال أخر غير ما تقدم ولا يخفى وجه ذلك ولا ~~إلى ما ينتهي عدد المذاهب # وهنا قول آخر أيضا مناف لكل ما تقدم وهو أن من قال من الحنابلة بأن النهي ~~عن الشيء لغيره المجاور له يقتضي الفساد لم يقل بذلك إلا في العبادات ~~والعقود كالصلاة في الدار المغصوبة والبيع على بيع أخيه ولم يطردوا ذلك في ~~الإيقاعات كالطلاق في حالة الحيض وخالف بعض الظاهرية # PageV01P093 # الجمهور أو الإجماع في ذلك فقالوا بأن الطلاق في حالة الحيض لا يقع وكذلك ~~في طهر جامعها فيه فهذا قول آخر وينتهي مجموع المذاهب إلى أكثر من ستة عشر ~~قولا # والراجح المختار منها كلها القول السادس كما تقدم # وفي المسألة أيضا قول آخر لم يتقدم وهو التفرقة بين ما كان النهي عنه حق ~~الله تعالى فيقتضي الفساد وما كان لحق العباد فلا يقتضي الفساد حكاه ~~المازري عن شيخه ولم أظفر به إلا متأخرا وقد ذكرته آخر الكتاب مع الكلام ~~عليه # ثم هنا تنبيهات تتضمنها أبحاث # الأول أن أصحاب الطريقة الأولى على كثرتهم وتحققهم بالإمامة يشكل قولهم ~~أول الكلام أن النهي يقتضي الفساد ولم يفرقوا بين ما كان النهي لعين الشيء ~~أو لغيره وعزوهم ذلك إلى مذهب الشافعي كما تقدم في كلام جماعة منهم واختيار ms15 ~~آخرين مع أن المنهي عنه لغيره لا يقتضي ذلك النهي فساده عند الشافعي وجمهور ~~العلماء سواء كان في العبادات كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير أو ~~في العقود كالنهي عن البيع على بيع أخيه والخطبة على خطبته وبيع الحاضر ~~للبادي ونحو ذلك # فإن قيل مرادهم بذلك ما إذا كان النهي عن الشيء لعينه لأنهم صرحوا في ~~مسألة الصلاة في الدار المغصوبة بصحتها وذكروا الخلاف عن أحمد # PageV01P094 # قلت هو وارد عليهم من جهة إطلاق القول في موضع التفصيل وخصوصا من نقل بعد ~~ذلك القول بالتفصيل بين ما كان عن الشيء لعينه أو لغيره كالشيخ أبي اسحق ~~وابن برهان والقرطبي فان مقتضى هذا التفصيل أن يكون القول الأول لا فرق فيه ~~بين المنهي عنه لعينه أو لغيره نعم لا يرد على مثل الآمدي الذي صرح بذلك ~~بعد إطلاقه أولا ولا على إمام الحرمين وأبي نصر بن القشيري لأنهما ذكرا في ~~صدر المسألة الكلام في الصلاة بالدار المغصوبة وبعد تقريرها عاد إلى مسألة ~~اقتضاء النهي الفساد فكان ذلك مشعرا بالتفرقة بين الأمرين والحق أن إطلاق ~~القول بذلك من غير تفصيل إنما هو مذهب الحنابلة والظاهرية كما تقدم # الثاني أن إطلاق القول بأنه لا يقتضي الفساد عمن قال بذلك من غير فرق بين ~~أن يكون المنع من الشيء لاختلال ركن من أركانه أو شرط من شرائطه مشكل أيضا ~~وخصوصا ابن برهان الذي نقل بعد إطلاقه قولا ذهب إليه بعضهم بالتفرقة بين ما ~~يقتضي اختلال ركن أو شرط دون ما لا يخل بهما فإن مقتضى هذا أن القائلين ~~بالقول المتقدم لم يفرقوا بين ما يدل على اختلال الركن أو الشرط وبين غيره ~~وهذا بعيد جدا ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف وإن كان فيه فهو غير معتد به إذ ~~يمتنع أن لا يكون له دلالة على الفساد مع دلالته على اختلال ركن من أركانه ~~أو شرط من شرائطه والفساد حينئذ لازم من لوازمه وإلا لزم من ذلك وجود الكل ~~بدون الجزء ووجود المشروط # PageV01P095 # بدون الشرط ms16 وهو ممتنع نعم من يقول بالصحة في بعض الصور فإنما ذلك مبني ~~على أن ذلك المختل بسبب النهي ليس بشرط عنده كقراءة الفاتحة في الصلاة عند ~~الحنفية والطهارة في الطواف على رأيهم لا أن ذلك ركن أو شرط ثم لا يكون ~~النهي الدال على اختلاله دالا على الفساد # الثالث إن القائلين بأن النهي عن العقود لا يدل عل فسادها من غير تفرقة ~~بين النهي عن الشيء لعينه أو لغيره قولهم مشكل جدا ولا سيما من صور أصل ~~المسألة بالعقود وذكر قول من فرق بين المنهي عنه لعينه أو لغيره ثم اختار ~~انه لا يدل على الفساد مطلقا كالإمام الغزالي فإنه تناقض كلامه في كتبه ~~الأصولية وكتبه الفقهية فاختار في المستصفى ما ذكرناه آنفا وقد تقدم نقل ~~كلامه # وقال في كتابه الوسيط عندنا أن مطلق النهي عن العقد يدل على فساده فإن ~~العقد الصحيح هو المشروع والمنهي عنه في عينه غير مشروع فلم يكن صحيحا إلا ~~إذا ظهر تعلق النهي بأمر غير العقد اتفق مجاورته للعقد كقوله تعالى {فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} # PageV01P096 # وقسم المناهي على قسمين الأول ما لم يدل على الفساد كالنهي عن النجش ~~والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي ونحوها # ثم قال القسم الثاني من المناهي ما دل على الفساد إما لتطرق خلل إلى ~~الأركان والشرائط التي سبقت أو لأنه لم يبق للنهي تعلق سوى العقد فحمل على ~~الفساد وذكر في هذا القسم النهي عن بيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وبيوع الغرر ~~وأشباهها # وكذلك قال في كتابه البسيط والوجيز وهذا التقسيم متفق عليه بين جمهور ~~الأصحاب فلا يستقيم من شافعي إطلاق القول بأن النهي في العقود لا يقتضي ~~الفساد من غير تفصيل # الرابع تقدم أن جمهور المالكية على القول بأن النهي يدل على الفساد كما ~~نقله الباجي والمازري وأنه مذهب مالك كما قاله القاضي عبد الوهاب فيما حكاه ~~عنه القرطبي # وقد حكى ابن شاس في كتابه الجواهر الثمينة عن القاضي عبد الوهاب غير ذلك ~~فقال في ms17 الكتاب المذكور وعندنا أن مطلق النهي عن العقد لا يدل على فساده ~~إلا أن يقوم دليل هكذا حكى القاضي أبو محمد عن أهل المذهب واصطلاحه في هذا ~~الكتاب إذا قال القاضي أبو محمد يريد به عبد الوهاب # PageV01P097 # ولعل طريق الجمع بين النقلين أن يكون مرادهم بالأول العبادات وبالمنع ~~العقود كما قيد ابن شاس به كلامه فيكون هذا موافقا لما ذهب إليه الغزالي ~~وغيره من التفرقة بين البابين # وقد تقدم أن القرافي ذكر في كتبه أن مذهب المالكية أنه يفيد الفساد على ~~وجه تثبت معه شبهة الملك وجعل هذا قولا في المسألة على الإطلاق ثم ذكر في ~~أثناء كلامه ما يقتضي اختصاص ذلك بالبيوع الفاسدة خاصة فإنهم قالوا إن ~~الملك لا ينتقل لمجرد العقد الفاسد ولا باتصال القبض به إلا أن يتعقبه ~~الفوات فينتقل حينئذ الملك إلى المشتري الذي فات في يده ويجب عليه ضمانه ~~إما بالمثل إن كان مثليا أو بالقيمة # وأسباب الفوات عندهم أربعة تغير الذات وتغير الملك والخروج عن اليد ~~بالبيع وتعلق حق الغير به فهذه الأسباب إنما تجيء في المبيعات خاصة # ثم إنه لا ينبغي أن يعد هذا منهم خلافا في أن النهي يدل على الفساد لأنهم ~~صرحوا بأنه عقد فاسد وإنما حقيقة هذا الاختلاف راجعة إلى تفسير الفساد ماذا ~~كما جاء في مذهب أبي حنيفة ولهذا أوجبوا رد العين إذا كانت غير تالفة وعند ~~التلف لم يقرروا الثمن الذي ورد العقد عليه بل أوجبوا المثل أو القيمة ~~كضمان الغصوب ونحوها فلم ينشأ ذلك إلا من شبهة العقد وإذن البائع للمشتري ~~في قبض المبيع والتصرف فيه # PageV01P098 # ثم إنهم لم يفرقوا في هذا الحكم بين النهي عن الشيء لعينه أو لغيره بل ~~طردوا ذلك في بيع الملاقيح والمضامين إذا اتصل بالقبض وفاتت في يد المشتري # وكذلك قالوا أيضا في البيع على بيع أخيه والنجش واختلفوا في البيع وقت ~~النداء والمشهور عندهم أنه يفسخ ما لم يفت # وقالوا فيمن خطب على خطبة أخيه بعدما ركن إليه فزوج ثلاثة أقوال ms18 # أحدها أنه يفسخ بكل حال قال القاضي عبد الوهاب هو الظاهر من المذهب # الثاني لا يفسخ قاله ابن القاسم وصححه ابن العربي # والثالث الفرق بين ما قبل الدخول وبعده فيفسخ إذا لم يدخل بها # ومقتضى هذا أن النهي لا يدل على الفساد إذ لو كان كذلك لما احتاج العقد ~~إلى فسخ لكن هذا إنما يجيء فيما يكون قابلا للعقد عليه فأما ما لا يقبل ~~العقد بحال كنكاح الخامسة والمعتدة فإنه باطل اتفاقا وكذلك عندهم # PageV01P099 # نكاح الشغار إذا جعل بضع كل واحدة صداقا للأخرى فأما إذا سميا فيه صداقا ~~لكل منهما فيفسخ قبل الدخول عندهم وكذلك بعده على المشهور # وأما في العبادات فالواجبات عندهم فيها منقسمة إلى ما هي شرط وما ليس ~~بشرط كالتنزه عن النجاسة فما كان ليس بشرط لا يقتضي فسادا وإن كان فيه ~~ارتكاب نهي ولهذا اختلفوا فيمن صلى عاريا في الخلوة هل يعيد مطلقا أو في ~~وقت خاصة إذا أدركه على الخلاف في أن الستر هل هو من شروط صحة الصلاة أم لا # فقد تبين أن حقيقة مذهب مالك وأصحابه راجعة إلى قولين في أن النهي هل ~~يقتضي الفساد وعلى ما ذكر القرافي يجيء أيضا في البيوع قول ثالث أنه يقتضي ~~شبهة الفساد والله أعلم # الخامس أطلق جماعة من المصنفين أن النهي عن الشيء يدل على صحته كما تقدم ~~في كلام الآمدي والشيخ موفق الدين والقرافي وليس مذهبهم ذلك في كل منهي عنه ~~على الإطلاق بل في بعض أقسامه كما تقدم من كلامهم وقاعدتهم في ذلك مضطربة ~~جدا فإنهم قالوا في النهي عن صوم يوم العيد أنه يدل على صحته لأن النهي عنه ~~لوصفه لا لعينه فإذا نذره انعقد نذره فإن صام فيه صح وإن كان محرما واتفقوا ~~على أن صلاة الحائض باطلة مع أن النهي عنها # PageV01P100 # أيضا لوصفها بل قالوا بذلك أيضا في مخالفة الأوامر بناء على أن الأمر ~~بالشيء نهي عن ضده فأبطلوا صلاة من يحاذي المرأة في ائتمامها جميعا بإمام ~~واحد لما ذكروا من ms19 الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أخروهن من حيث أخرهن الله # وكذلك أبطلوا صلاة من عليه أربع صلوات فوائت إذا لم يقدمها على الحاضرة ~~بناء على قوله صلى الله عليه وسلم فليصلها إذا ذكرها ولا ريب في أنه إذا ~~قيل بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده أن هذا نهي عنه لوصفه لا لعينه # واتفقوا على بطلان نكاح المتعة وصحة نكاح الشغار وإن جعلا بضع كل واحدة ~~منهما صداقا للأخرى مع أن النهي عن كل منهما لوصفهما وقالوا إذا فرق القاضي ~~بينهما في النكاح الفاسد قبل الدخول فلا مهر لها عليه ولم يعطوه حكم الصحيح ~~من كل وجه وقالوا إن بيع أم الولد والمكاتب والمدبر باطل لأن التمليك لا ~~يتصور فيه وكذلك إذا جعل واحدا منها عوضا في العقد والبيع بالخمر والخنزير ~~فاسد وبيع السمك في الماء باطل وكذلك ضربة الغائص ونحوه وبيع الملامسة ~~والحصاة أيضا والبيع الذي اقترن به شرط ينافي مقتضاه فاسد ومع ورود النهي ~~في كل هذه الصور إلى غير ذلك من الصور التي يأتي ذكرها فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى # والمقصود هنا أنهم لم يقولوا بالصحة في كل الصور المنهي عنها بل إذا # PageV01P101 # كان النهي عنه لوصفه اللازم أو لأمر خارجي عنه ولم يطردوا ذلك في كل منهي ~~عنه لوصفه # السادس أطلق جماعة ممن تقدم القول بأن النهي يقتضي الفساد في العبادات ~~دون العقود ولم يتعرض أحد منهم لغير العقود إلا القليل كابي نصر بن الصباغ ~~فإنه قال دون العقود والإيقاعات وقصد بالإيقاعات الطلاق المحرم كطلاق ~~الحائض وكإرسال الثلاث جميعا على قاعدة الحنفية وكذلك الوطء المحرم كالوطء ~~في الحيض فإنه يحصل به الدخول ويكمل به المهر وكذلك وطء المحرم زوجته ووطء ~~الصائم في نهار رمضان ولهذا كله عبر ابن الحاجب في المختصر عن القول ~~بالتفصيل بأنه يعني النهي يقتضي الفساد في الأجزاء دون السببية وأتى ~~بالسببية ليشمل العقود والإيقاعات والوطء وأشباه ذلك وهي زيادة حسنة لكن ~~ورد عليه بسببها شيء آخر وهو أنه اختار في المسألة ms20 أولا أن النهي عن الشيء ~~لعينه يدل على فساده مطلقا ثم أشار إلى قول ثان بالمنع مطلقا ثم ذكر القول ~~الثالث بالتفصيل المشار إليه ومقتضى هذا أن يكون القول الأول يشمل هذه ~~الصور التي ذكرناها في الطلاق والعتق والوطء ويكون النهي عنها يدل على ~~فسادها وأنه اختياره وليس كذلك قطعا فقد تقدم أن الإجماع منعقد على وقوع ~~الطلاق في الحيض وفي طهر جامعها فيه وكذلك إرسال الثلاث ومن # PageV01P102 # خالف في ذلك أو بعضه كالظاهرية والشيعة فخلافهم غير معتد به ولا عبرة بما ~~ذهب إليه بعض المتأخرين في ذلك لانعقاد الإجماع على خلافه قبله # ولا يقال هذه الصور كلها النهي عنها لغيرها فلا يرد على إطلاق ابن الحاجب ~~لأنه صدر المسالة بالنهي عن الشيء لعينه لأنا نقول هذا صحيح في وطء الحائض ~~والطلاق في حالة الحيض وفي طهر جامعها فيه وعتق المرهون ووطئه لأن المنع ~~فيها كلها لأمر خارجي ولا يتم ذلك في إرسال الطلاق الثلاث ووطء الصائم ~~والمحرم فإنه ممنوع منه لوصفه اللازم لا لأمر خارجي وابن الحاجب رحمه الله ~~اختار في المسالة الثانية أن النهي عن الشيء لوصفه كالنهي عنه لعينه في ~~اقتضاء الفساد ولا يقول بالفساد في هذه الصور فترد على إطلاقه بل نقول أيضا ~~أنه قد تقدم أن مذهب أحمد بن حنبل وكثير من أصحابه أن النهي عن الشيء لغيره ~~يقتضي الفساد كالنهي عنه لعينه ولم يقولوا بذلك إلا في العبادات والعقود ~~خاصة كبيع الحاضر للبادي وتلقى الركبان والصلاة في الدار المغصوبة ونحو ذلك # فأما هذه الصور المتقدمة فلم يقولوا به فيها بل الكل متفقون على نفوذها ~~على الوجه المتقدم وإن كانت منهيا عنها # السابع أطلق جمهور المصنفين تصوير المسألة كما تقدم النقل عنهم من غير ~~تقييد والحق أن محل الخلاف إنما هو في مطلق النهي كما قيد به كلامه بعض ~~المتأخرين من أهل التحقيق # فأما النهي الذي اقترن بقرينة تدل على بطلانه أو بقرينة تدل على # PageV01P103 # صحته فلا ينبغي أن يكون فيهما خلاف وإن كانوا قد ms21 أطلقوا ذلك لكن مرادهم ~~ما قلناه # فمثال الأول قوله صلى الله عليه وسلم لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج ~~المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تنكح نفسها رواه ابن ماجه والدار قطنى من ~~عدة طرق فقوله صلى الله عليه وسلم فإن الزانية هي التي تنكح نفسها قرينة في ~~أن النهي مقتض للفساد # ومثله أيضا نهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ثم قال بعده فإن جاء ~~يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا رواه أبو داود بإسناد صحيح فإن هذا أيضا قرينة ~~في أن النهي يدل على فساد البيع وأنه لا يستحق فيه ثمنا وكذلك حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بروث ~~أو عظم وقال إنهما لا يطهران رواه الدارقطنى وصحح إسناده فلا يمكن أن يكون ~~في شيء من هذا خلاف أنه لا يقتضي الفساد وعد بعض المتأخرين من هذا النوع ما ~~يكون النهي متضمنا لخلل في أركان المنهي عنه أو في # PageV01P104 # شرائطه كما تقدم ومثال الثاني حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه أكل ~~ثوما ثم أتى المسجد فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فوجد منه ريح الثوم ~~فقال من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها فأخذ المغيرة ~~بيد النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلها في صدره فوجده معصوبا من الجوع فقال ~~صلى الله عليه وسلم إن لك عذرا رواه ابن حبان في صحيحه فهذه القرينة وهي ~~عدم أمره صلى الله عليه وسلم المغيرة بإعادة الصلاة ولبسطه عذره دلت في ~~الحديث على أن هذا النهي غير مقتض للفساد # ومثله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا ~~يجهل فإن سبه أحد فليقل إني صائم وفي بعض طرقه لا تساب وأنت صائم # PageV01P105 # وإن سابك أحد فقل إني صائم مع أنه صلى الله عليه وسلم لم بفصل بين أن ~~يكون الساب صائما أو لا يكون صائما فإنه قرينة تدل على ms22 أن السب لا يقتضي ~~فساد الصوم # ومنه أيضا النهي عن الشيء لغيره أو لمجاور له عند من يقول بأنه لا يقتضي ~~الفساد فإنه عنده قرينة في ذلك كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى # الثامن تقدم أن الظاهر من مذهب الشافعي أن النهي يدل على الفساد سواء كان ~~لعينه أو لوصفه اللازم وإن من الأصحاب من حكى عنه قولا بخلاف ذلك وبعضهم ~~جعل ذلك مستنبطا من أثناء كلام له استلوح منه أنه لا يدل على الفساد # والذي وجدت في مواضع عديدة نص الشافعي على أنه يدل على الفساد من ذلك ~~قوله تعالى {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} قال ~~الشافعي رحمه الله فمن صلى سكرانا لم تجزه صلاته لنهي الله عز وجل إياه عن ~~الصلاة حتى يعلم ما يقول فإن معقولا أن الصلاة قول وعمل وإمساك في مواضع ~~مختلفة ولا يؤدي هذا كما أمر به إلا من عقله هذا لفظه فيما نقله البيهقي ~~عنه في أحكام القرآن # وقال الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة روايتنا من طريق الربيع ~~ابن سليمان عنه وقد ذكر أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة # PageV01P106 # فاحتمل النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعات عن الصلاة ~~معنيين أحدهما وهو أعمهما أن تكون الصلوات كلها واجبها الذي نسي ونيم عنه ~~وما لزم بوجه من الوجوه منها محرما في هذه الساعات لا يكون لأحد أن يصلي ~~فيها ولو صلى لم يؤد ذلك عنه ما لزمه من الصلاة كما يكون من قدم صلاة قبل ~~دخول وقتها لم تجز عنه # واحتمل أن يكون أراد به بعض الصلوات دون بعض ثم ذكر بقية الكلام ورجح أن ~~المراد به كل صلاة لا سبب لها # وقال بعد ذلك في موضع آخر منها أيضا كل النساء محرمات الفروج إلا بواحد ~~من المعنيين النكاح وملك اليمين الذين أذن الله تعالى فيهما وسن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كيفية النكاح الذي تحل به الفروج المحرمة قبله فسن ms23 فيه ~~وليا وشهودا ورضا من المنكوحة الثيب وذلك دليل على أن يكون أيضا برضا ~~المتزوج فإذا نقص واحدا من هذا كان فاسدا لأنه لم يؤت به كما سن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثم ذكر إذا نقص شيء من ذلك وقال فإذا عقد كذلك كان ~~النكاح مفسوخا ونهى الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ~~عن # PageV01P107 # النكاح بحالات فذكر بعض ما في القرآن من ذلك ونهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ثم قال فكل نكاح كان من هذا ~~لم يصح وذلك أنه قد نهي عن عقده ومثله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الشغار وعن نكاح المتعة ونهى المحرم أن ينكح أو ينكح فنحن نفسخ هذا كله من ~~النكاح في هذه الحالات التي نهي عنها بمثل ما فسخنا به ما نهي عنه مما ~~ذكرنا قبله وقد يخالفنا في هذا غيرنا ومثله أن ينكح الرجل المرأة بغير ~~إذنها فتجيز بعد فلا يجوز لأن العقد وقع منهيا عنه # ومثل هذا أيضا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيوع الغرر ~~وبيع الرطب بالتمر إلا في العرايا وغير ذلك مما نهى عنه وذلك أن الأصل مال # PageV01P108 # كل امرئ محرم على غيره إلا بما أحل له وما أحل به من البيوع ما لم ينه ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون ما نهى عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من البيوع محلا ما كان أصله محرما من مال الرجل لأخيه ولا تكون ~~المعصية بالبيع المنهي عنه تحل محرما ولا تحل إلا بما لا يكون معصية هذا ~~كله لفظ الإمام الشافعي رض # ثم ذكر بعد ذلك النهي عن شيء في أمر مباح كالنهي عن اشتمال الصماء وعن ~~القران بين التمرتين وأشباه ذلك مما يختص النهي بمورده ولا يتعدى إلى تحريم ~~الأكل رأسا ولا تحريم لبس الثوب على غير هذا الوجه المنهي عنه لأن الأصل في ms24 ~~ذلك الإباحة وإنما يعصي في هذا النوع بفعل ما نهي عنه فقط كما أن وطء ~~الزوجة أو الجارية في حالة الحيض أو الصيام لا يحرم عليه أصل الوطء في غير ~~صورة النهي بخلاف النوع الأول لأن أصل مال الرجل محرم على غيره إلا ما أبيح ~~له ولذلك فروج النساء محرمات إلا ما أبيحت به من النكاح أو الملك على الوجه ~~المشروع فإذا لم يوجد ذلك بقي التحريم على أصله # PageV01P109 # هذا معنى كلامه وكل هذا صريح في أن النهي عن الشيء لعينه أو لوصفه اللازم ~~يدل على فساده ويمكن أن يؤخذ من استناده في المنع إلى أصل التحريم في ~~الأموال والفروج أن الفساد لم يأت من مطلق النهي بمجرده بل من الأصل المشار ~~إليه فيكون هذا هو الموضع الذي أخذ منه القول بذلك ولكنه ليس بظاهر الكلام ~~بل الظاهر من تصرفات الشافعي وجمهور أصحابه رحمة الله عليهم أن النهي على ~~الوجه المشار إليه ويدل على الفساد وأن دلالته على ذلك من جهة الشرع لا من ~~جهة اللغة وأن ما نهي عنه لغيره المجاور له لا يقتضي النهي فساده وهذا هو ~~المختار وبالله التوفيق # PageV01P110 ### | الفصل الثالث # في الأدلة على هذا المختار وما اعترض به عليها وما استدل به المانع لذلك ~~مع الجواب عنه # والكلام في أطراف # الطرف الأول في الأدلة على أن النهي عن الشيء لعينه يدل على فساده من جهة ~~الشرع وذلك من النص والإجماع والمعقول # أما النص فعلى وجهين أحدهما ما يشمل المنهيات عنها كلها بعمومه وذلك في ~~الحديث الذي روته عائشة رض أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحدث في ~~ديننا هذا ما ليس منه فهو رد اتفقا عليه في الصحيحين وعند مسلم أيضا في ~~رواية أخرى من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وهذه الرواية أخص بالمطلوب ~~من الرواية الأولى والرد هنا باتفاق أئمة اللغة والحديث بمعنى المردود ~~كالخلق بمعنى المخلوق # وكذلك أيضا جاء في حديث العسيف قوله صلى الله عليه وسلم الماية شاة ~~والخادم ms25 رد عليك أي مردود عليك والرد صرف الشيء ورجعه إما بذاته أو # PageV01P111 # بحالة من حالاته ويقال للمرأة المطلقة مردودة ورديد الدراهم ما زيف منها ~~ورد # والمراد بالأمر هنا شرعه صلى الله عليه وسلم وطريقه بدليل الرواية الأولى ~~المتفق عليها ولا شك في أن المنهي عنه ليس من الدين فكان مردودا والمردود ~~هو المفسوخ الذي لا يعمل به ولا يلتفت إليه وهو نقيض المقبول والصحيح يقال ~~رد عبارته إذا لم يقبلها وكذلك رد دعاه ورد كلام الخصم إذا أبطله ولهذا ~~يقال للكتب المصنفة في إبطال كلام أهل البدع كتب الرد عليهم فيكون اللفظ ~~حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز اللذين هما على خلاف الأصل ~~فإذا ورد مجردا عن القرينة وجب حمله على كلا المعنيين إذ لو لم يكن لكان ~~إما أن لا يحمل على واحد منهما أو على أحدهما معينا أو مخيرا والأول باطل ~~بالإتفاق ولأنه يؤدي إلى تعطيل اللفظ والثاني أيضا باطل لأن الحمل على أحد ~~مدلولي اللفظ المتساويين لعينه من غير دليل ترجيح من غير مرجح وكذلك الثالث ~~أيضا لأن الحمل على التخيير إنما يجري فيما يتساوى فيه المعنيان وهنا ليسا ~~متساويين لما سنبينه إن شاء الله تعالى # واعترض على هذا الدليل بوجوه # أحدها أنه من أخبار الآحاد فلا يفيد إلا الظن وهذه المسألة من أمهات ~~مسائل أصول الفقه فلا يحتج فيها إلا بالقاطع وهذا الإعتراض قديم أورده ~~القاضي أبو بكر على هذا الحديث هنا # وثانيها أن الضمير عائد إلى الفاعل ومعنى الكلام من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فالفاعل رد أي مردود ومعنى كونه مردودا أنه غير مثاب # PageV01P112 # ثالثها أنه وإن عاد إلى المفعول لكنه محمول على ما لا يكون مقبولا أي لا ~~يترتب عليه ثواب ولا يلزم من نفي القبول نفي الصحة ويترجح الحمل على هذا ~~المعنى لما فيه من التعميم لشمول جميع الصور المنهي عنها بخلاف ما إذا حمل ~~على نفي الصحة فإنه يخرج عنه كل فعل منهي عنه حكم بصحته كالطلاق في الحيض ~~والذبح ms26 بسكين مغصوب والبيع وقت النداء والصلاة في الأرض المغصوبة والأماكن ~~المكروهة إلى ما لا ينعد كثرة فكان الحمل على نفي القبول أرجح وهذان ~~الإعتراضان ذكرهما الآمدي بأخصر من هذا التقرير # ورابعها قاله الإمام فخر الدين في المحصول إن الطلاق في زمن الحيض يوصف ~~بأمرين أحدهما أنه غير مطابق لأمر الله تعالى والثاني انه سبب للبينونة # أما الأول فالقول به إدخال في الدين ما ليس منه فلا جرم كان ردا وأما ~~الثاني فلم قلت إنه ليس من الدين حتى يلزم منه أن يكون ردا فإن هذا عين ~~المتنازع فيه وأشار إليه الآمدي أيضا بعبارة مختصرة وأصل هذا الإعتراض ~~للإمام الغزالي في المستصفى # PageV01P113 # والجواب عن الأول نمنع أن هذا الحديث لا يفيد إلا الظن بل أحاديث ~~الصحيحين لإجماع الأمة على صحتها وتلقيهم إياها بالقبول تفيد العلم النظري ~~كما يفيد الخبر المحتف بالقرائن وهذا هو اختيار الأستاذ أبي إسحق ~~الاسفراييني وإمام الحرمين وقرره أبو عمرو بن الصلاح وقد ذكرته بدلائله في ~~مقدمة نهاية الأحكام # سلمنا أنه لا يفيد إلا الظن لكن لا نسلم أن هذه المسألة مما يطلب فيها ~~العلم بل هي ظنية ويكتفى فيها بالظن الراجح # سلمنا أنها علمية لكن إذا انضم هذا الحديث إلى ما يأتي بعده أفاد مجموع ~~ذلك العلم إن شاء الله تعالى # وعن الثاني أن عود الضمير إلى الفعل أولى لوجهين أحدهما أنه أقرب مذكور ~~والثاني أن عوده إلى الفاعل يستلزم أن يكون المردود هنا أريد به المجاز لأن ~~حمله على الفاعل بمعنى أنه غير مثاب يكون مجازا بخلاف ما إذا حمل على نفس ~~الفعل لأن رده يكون حقيقة وخصوصا إذا حمل على نفي الصحة والإعتداد به وعدم ~~ترتب أثره عليه # وعن الثالث أن نفي القبول يلزم منه نفي الصحة لأن القبول ترتب الغرض ~~المطلوب من الشيء على الشيء يقال قبل فلان عذر فلان إذا ترتب على عذره ~~الغرض المطلوب من محو جنايته ولهذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنفي ~~القبول حيث المراد نفي الصحة مثل # PageV01P114 # لا ms27 يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول وقوله لا يقبل صلاة حائض ~~إلا بخمار أي من بلغت سن المحيض وأمثاله # لا يقال فقد وردت أحاديث نفي فيها القبول وهي صحيحة # كالعبد إذا أبق لم تقبل له صلاة ومن أتى عرافا وشارب الخمر وغيره لأنا ~~نقول قام هنا دليل من خارج على الصحة ففسرنا القبول فيها بلازمه وهو ترتب ~~الثواب ولا يلزم من ذلك أن يفسر بلازمه في كل الصور إذا لم يقم دليل من ~~خارج على صحة ما حكم برده أو نفي عنه القبول # سلمنا أن نفي القبول لا يلزم منه نفي الصحة لكن لا نسلم تعين الحمل عليه ~~في قوله فهو رد بل حمله على نفي الصحة أولى لوجهين # PageV01P115 # أحدهما أنه هو حقيقة اللفظ أو هو أقرب إلى الحقيقة كما بينا من قبل # وثانيهما أنه أكثر فائدة لأن الحمل على نفي الصحة يلزم منه نفي القبول ~~دون العكس والحمل على الأكثر فائدة أولى أو هو المتعين # وأما الذبح بالسكين المغصوب وطلاق الحائض وما ذكر معها فهو غير معتبر ولا ~~نقض بها علينا لأن النهي فيها كلها لأمر خارجي لا لعينها فالآتي بذلك الفعل ~~المقترن بهذا الخارجي لم يأت به مرتكبا لمنهي بالنسبة إليه بل بالنسبة إلى ~~غيره # وعن الرابع أن الطلاق في الحيض غير وارد لما أشرنا إليه آنفا ولا يرده ~~الإمام فخر الدين بعينه لكنه جاء به على وجه المثال ومراده التعميم في كل ~~الصور بأن يقال مثلا بيع الربوي متفاضلا من هذه الحيثية غير مطابق لأمر ~~الله وأما ترتب أثره عليه فذاك أمر آخر وهو محل النزاع # فيقال في جوابه الحديث مصدر بلفظ من التي هي من صيغ العموم فيعم ذلك كل ~~عمل ليس على طريق الشرع بالحكم عليه أنه مردود ورد الواقع متعذر فيتعين ~~صرفه إلى آثاره ويعم جميع الآثار المترتبة عليه والنقض بالمنهي عنه لغيره ~~غير وارد لما بيناه والله أعلم # الوجه الثاني من الأحاديث ما جاءت مختصة ببعض الصور المنهي عنها فمنها ms28 ~~حكمه صلى الله عليه وسلم على المسيء صلاته بالعدم في قوله إرجع فصل فإنك لم ~~تصل # PageV01P116 # ولا معنى للعدم إلا البطلان وعدم الإعتداد بها ولا يقال لو كانت باطلة لم ~~يقره عليها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكملها غير مرة لأنا نقول كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يظن به تحسن صلاته لمجرد الإنكار عليه وتربص به ~~حتى يفرغ لمصلحة التعليم # وروى أبو داود في سننه في قصة المواقع أهله في نهار رمضان أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له وصم يوما مكانه وذلك دليل على فساد الصوم بارتكاب ~~المنهي عنه # ومنها حكمه صلى الله عليه وسلم على البيوع المنهي عنها بالرد والإبطال ~~كما في حديث فضالة رض أتي النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر بقلادة فيها ~~ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا حتى تميز بينهما فرده حتى ميز بينهما رواه مسلم وفي سنن أبي داود عن علي ~~رض أنه فرق بين # PageV01P117 # والدة وولدها فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ورد البيع # وفي المستدرك للحاكم عن أبي سعيد أن أم سلمة رضي الله عنها بعثت بصاعين ~~من تمر عتيق واشترت بهما صاع عجوة فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتناول منه تمرة ثم سأل عنه فأخبرته بما صنعت فألقى التمرة وقال ردوه ردوه ~~التمر بالتمر مثلا بمثل الحديث وفي صحيح البخاري عن أبي المنهال اشتريت أنا ~~وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة فجاء البراء بن عازب # PageV01P118 # فسألناه فقال فعلته أنا وشريكي زيد بن أرقم قال فسألنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فقال أما ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فردوه # وفي الموطأ مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر السعدين أن يبيعا آنية ~~من المغنم من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا فقال لهما أربيتما ~~فردا # ولا يقال لو كان النهي يقتضي الفساد لم يتعاط الصحابة رضي الله ms29 عنهم هذه ~~العقود لأنا نقول يحتمل أن يكون من فعلها منهم لم يبلغه النهي وهذا هو ~~الظاهر أو المتعين # PageV01P119 # لأنه لا يظن بهم الإقدام على المنهي عنه وموضع الدلالة من هذه الأحاديث ~~إبطال النبي صلى الله عليه وسلم تلك البيوع والظاهر أن ذلك لارتكاب المنهي ~~عنه فيها # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم ~~عليهم ثمنه رواه أبو داود # وهذا يتضمن الدليل على أن البيع الفاسد لا يتقرر أصلا بوجه ما إذ لو كان ~~كذلك لما حرم التصرف في الثمن مطلقا فهذا يختص بالرد على من يقول إن العقد ~~الفاسد يقر في بعض الصور أو أن النهي يقتضي الصحة إلى غير ذلك من الأحاديث ~~الكثيرة # وأما الإجماع فقد تواتر عن الصحابة رضى الله عنهم من وجوه عديدة ~~الاستدلال بالنهي عن الفساد والحكم على المنهي عنه بفساده في وقائع كثيرة ~~يقتضي مجموعها القطع بذلك لاستعمالها على المعنى الكلي المشار إليه ولم ~~ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك ولا ذهاب إلى صحة فكل منهي عنه أصلا فكان في ~~ذلك إجماع منهم على أن النهي للفساد # فمن الأول إنكار علي رض على ابن عباس رضي الله عنهما # PageV01P120 # في نكاح المتعة واستدلاله على بطلانه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم # وقال ابن عمر رضي الله عنهما كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى زعم رافع ~~ابن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها فتركناها # PageV01P121 # واستدل على بطلان نكاح الكتابية بقوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن} وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية رضي الله عنهما بيع الذهب بالفضة ~~نسيئة واستدل بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فرد الناس تلك البيوع ~~التي تبايعوها يومئذ على الوجه المنهي عنه والقصة في صحيح مسلم وكذلك أيضا ~~فعل أبو الدرداء مع معاوية رضي الله عنهما رواه النسائي # PageV01P122 # وأنكر معمر بن عبد الله رض على غلامه بيع الحنطة بالشعير وأمره برده ~~واستدل بنهي النبي صلى الله عليه ms30 وسلم عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل ~~رواه مسلم # وفي مصنف ابن أبي شيبة # عن حبيب بن أبي ثابت قال كنت جالسا مع ابن عباس رضي الله عنهما في المسجد ~~الحرام فأتاه رجل فقال إنا نأخذ الأرض من الدهاقين فأعتملها بيدي وبقري ~~فآخذ حقي وأعطيه حقه فقال له خذ رأس مالك ولا ترد عليه شيئا واستدل بنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن المخابرة # PageV01P123 # وعن إسماعيل الشيباني قال بعت ما في رؤوس النخل إن زاد فلهم وإن نقص ~~فعليهم فسألت ابن عمر رضي الله عنهما فقال نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك # وأما حكمهم بفساد العبادة أو العقد عند ارتكاب المنهي عنه فيهما فما لا ~~يحصى كثرة كقول حذيفة رض للذي رآه يصلي ولا يحسن الركوع والسجود ما صليت ~~منذ أربعين سنة ولو مت وهذه صلاتك لمت على غير الفطرة وقال بلال رض لآخر ~~مثل ذلك # PageV01P124 # وأمر المسور بن مخرمة رجلا لم يتم ركوعه وسجوده بإعادة الصلاة وصلى عمر ~~رض بالمغرب فلم يقرأ فيها فأعاد الصلاة وصلى أيضا وهو جنب ساهيا فأعاد ~~وكذلك قال علي وابن عمر رضي الله عنهما # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ما أبالي كانا مصرورين في ناحية ثوبي أو ~~نازعاني في صلاتي يعني الغائط والبول # PageV01P125 # وقال عبد الرحمن بن عوف رض الصائم في السفر كالمفطر في الحضر # وقال ابن عباس رضي الله عنهما إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف # وقضى عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وابن عمرو رضي الله عنهم بفساد حج من ~~جامع وهو محرم وثبت عن ابن عباس في قوله تعالى {فلا رفث} قال هو الجماع # وقال ابن أبي جبلة كانوا يفرقون بين السبايا فيجيء # PageV01P126 # أبو أيوب رضي الله عنه فيجمع بينهم يعني بين الوالدة وولدها في القسمة ~~وأبو أيوب هو الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله من فرق بين والدة ~~وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة رواه الترمذي # ورد عمر رض نكاح ms31 من تزوج بغير ولي وفرق بينهما في غير ما قصة وعزر في ~~بعضها الزوج وتزوج رجل امرأة على خالتها فضربه عمر رض وفرق بينهما وقال ابن ~~عمر نكاح العبد بغير إذن سيده زنا وكان يضرب الحد فيه وسئل عن المتعة فقال ~~لا نعلمها إلا السفاح # PageV01P127 # وكذلك قال ابن الزبير رضي الله عنهما # هي الزنا وقال عمر رض لا أوتى برجل تمتع إلا رجمته وقضى هو وعلي رضي الله ~~عنهما في امرأة تزوجت في عدتها أن يفرق بينهما وقال علي وابن عباس رضي الله ~~عنهما ببطلان بيع الولاء وهبته إلى غير ذلك مما يطول تعداده ولا يقال إن ~~ذلك كان منهم دلالة خاصة دلت على # PageV01P128 # الفساد في هذه الصور الخاصة بأعيانها لأنا نقول الأصل عدم تلك الأدلة كيف ~~وإن شيئا منها لم يوجد وليس إلا المناهي الواردة منها في الكتاب والسنة ~~فالظاهر أن مستند الصحابة رضي الله عنهم في فساد هذه القضايا كلها هو النهي ~~الوارد فيها كما في الصور المتقدمة أولا # وبالجملة كما يعلم إجماعهم على أن الأمر المطلق للوجوب باستقراء ~~استدلالهم في بعض المواضع به ومسارعتهم إلى الامتثال واعتقاد الوجوب في ~~سائرها كذا يعلم إجماعهم على أن النهي يقتضي الفساد باستقراء أحوالهم # فمن عول على هذه الطريقة في أن الأمر للوجوب يلزمه ذلك هنا إذ لا فرق بين ~~الموضعين ومن لم يعول على ذلك فيهما يحتج عليه بأن ذلك إجماع منهم لأن هذه ~~القضايا شاعت بينهم وذاعت من غير نكير مع ما علم من عادتهم وأنهم لا يقرون ~~على باطل # وبهذا يخرج الجواب عما قاله الغزالي وغيره أن هذا حكم من بعض الصحابة فلا ~~يصح إسناده إلى جميعهم لأنا إنما أسندناه إلى الكل بطريق الفعل من بعض ~~والرضا والإقرار من الباقين كما استدل بمثل ذلك في إثبات القياس والتعبد ~~بخبر الواحد وأمثالهما # واعترض فخر الدين في المحصول وأتباعه بعده على هذا بأنه لا نسلم أن ~~الصحابة رجعوا في فساد شيء من المنهيات إلى مجرد النهي # وسند المنع أنهم حكموا ms32 في كثير من المنهيات بالصحة فلو قيل بأن # PageV01P129 # تمسكهم في فساد تلك الصور لمجرد النهى لزم أن يكون تخلف الحكم عن هذه ~~الصور التي قيل فيها بالصحة لمانع هذا على خلاف الظاهر والأصل عدمه بخلاف ~~ما إذا قلنا بأن النهي لمجرده لا يقتضي الفساد فإن حكمهم بالفساد في تلك ~~الصور يكون لدليل منفصل وليس فيه ترك للظاهر فكان هذا أولى # والجواب عن ذلك أن الصور التي حكموا فيها بالصحة مع ورود النهي ليس النهي ~~عن شيء منها لعينه ولا لوصفه اللازم فلا يتوجه بها نقض بل جميع تلك الصور ~~التي فيها لأمر خارجي مجاور والمدعى أن الصحابة رضي الله عنهم حكموا ~~بالفساد في كل منهي عنه لعينه أو لوصفه اللازم وهذا غير منتقض بصورة من ~~الصور حكم فيها بالصحة بل أن من المنهي عنه لغيره ما أفتى فيه بعضهم ~~بالفساد أيضا لكنه لم يتفق عليه بل خولف فيه أما صورة من الصور المحتج لها ~~حكم فيها صحابي بالصحة فذلك لا يوجد ومن ادعاه فعليه البيان # قولهم أن الحكم بالفساد يكون لدليل منفصل قلنا نقطع بأن حكمهم به لمجرد ~~النهي كما جاء مصرحا به في الصور المتقدمة وغيرها # قولهم أنها أخبار آحاد قلنا هي متواترة في المعنى كشجاعة علي ووجود حاتم ~~وأمثالهما كما أشرنا إليه فيما تقدم وكل هذه الصور التي ذكرناها مروية ~~الأسانيد في كتب الأئمة فهذا الوجه وحده كاف بالمطلوب مستقل بإثباته وبالله ~~التوفيق # PageV01P130 # وأما المعقول فمن وجوه # الأول أن النهي اقتضاء كف عن فعل ولا يخلو إما أن يكون لمقصود دعا الشارع ~~إلى طلب ذلك الكف أو لا لمقصود # لا جائز أن يقال أنه لا لمقصود # أما على أصول المعتزلة فلأنه عبث والعبث قبيح ولا يصدر من الشارع # وأما على أصول أهل السنة فإنا وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم ~~والمقاصد غير أنا نعتقد أن الأحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع ~~إلى العبد لكن لا بطريق الوجوب بل بحكم الوقوع تفضلا فالإتفاق واقع على ms33 أن ~~الأحكام الشرعية لا تخلو من الحكمة وسواء ظهرت لنا أو لم تظهر وبتقدير ~~تسليم خلو بعض الأحكام عن الحكمة فلا شك أنه نادر والغالب عدم خلوها عن ~~الحكمة وإدراج ما وقع عليه النزاع تحت الغالب هو الأولى فإذا بطل أن يكون ~~ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود من الحكمة معتبر # فالأمر يعتمد المصلحة الخالصة أو الراجحة والنهي يعتبر الكف عن المفسدة ~~الخالصة أو الراجحة فلو قيل بصحة المنهي عنه لكان سببا للحكمة المطلوبة منه ~~فإما أن يكون مقصود النهي راجحا على مقصود الصحة أو مساويا أو مرجوحا لا ~~جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا يكون مطلوبا مقصودا في نظر العقلاء ~~والغالب من الشارع إنما هو التقرير # PageV01P131 # لا التغيير وما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الكف لأجله وإلا كان الطلب ~~خليا عن الحكمة وهو ممتنع كما سبق # وبمثل ذلك يمتنع أن يكون مساويا ولما فيه أيضا من الترجيح بغير مرجح فلم ~~يبق إلا أن يكون راجحا على مقصود الصحة ويلزم من ذلك امتناع الصحة وعدم ~~ترتب آثاره وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود ضرورة كون مقصودها ~~مرجوحا وذلك ممتنع كما سبق وهو المطلوب # هذه طريقة الإمام سيف الدين الآمدي في تقرير هذا الدليل وغالبه عين كلامه # وقرره الإمام فخر الدين الرازي بطريقة أخرى وهي أن المنهي عنه لا يجوز أن ~~يكون منشئا للمصلحة الخالصة أو الراجحة وإلا لكان النهي منعا من تلك ~~المصلحة وأنه لا يجوز يعني على الوجه المتقدم من قول أهل السنة أن أحكام ~~الشرع كلها أو غالبها معللة بالمصالح والحكم # ولهذا كانت المناسبة علة في القياس ولكن ذلك ليس على وجه الوجوب بل على ~~وجه التفضل والإحسان فلزم أن يكون المنهي عنه أحد أمور ثلاثة وهو أن يكون ~~منشأ المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية # وعلى التقديرين الأوليين يجب الحكم بالفساد لأنه إذا لم يفسد الحكم أصلا ~~كان عبثا والعاقل لا يرغب في العبث ظاهرا فلا يقدم عليه فكان القول بالفساد # PageV01P132 # سعيا ms34 في إعدام تلك المفسدة # وعلى التقدير الثالث وهو التساوي يكون الفعل أيضا عبثا وهو محذور عند ~~العقلاء فالقول بالفساد يفضي إلى دفع المحذور فوجب القول به # هذا ما قرره ابن الخطيب وذكره على وجه المعارضة من جانب الخصم القائل بأن ~~النهي يقتضي الفساد في العقود أيضا وفخر الدين لا يقول بذلك إلا في ~~العبادات فأورد هذا الدليل مع غيره على وجه المعارضة ولم يعترض عليه مع أنه ~~اعترض على غيره من أدلة المعارض # واستدل غيره لبطلان التساوي المفضي إلى العبث بأنه إذا تساوت المصلحة ~~والمفسدة لا تبقى فائدة مطلوبة في إيجاب فعله كما لا فائدة في إيجاب تركه ~~لأن الأوامر كلها مشتملة على المصالح أما الخالصة كالإيمان ونحوه أو ~~الراجحة كالجهاد فإنه وإن تضمن إتعاب النفوس واذهابها غالبا وإتلاف الأموال ~~فالمصلحة المقصودة به من إعلاء كلمة الإيمان ومحو الكفر وتأمين المسلمين في ~~ديارهم وغير ذلك راجحة على تلك المفاسد وكذلك النواهي جميعا متضمنة لدرء ~~المفاسد أما الخالصة كالكفر والظلم وأشباههما أو الراجحة كشرب الخمر فإنه ~~وإن تضمن منافع فالمفسدة الخالصة منه راجحة على تلك المنافع كما قال تعالى ~~{وإثمهما أكبر من نفعهما} فإيجاب # PageV01P133 # أحد المتساويين أو تحريمه من غير مرجح يكون عبثا في نظر العقلاء كما في ~~إبدال درهم بدرهم مثله من غير مقصود معتبر والتجارة المتساوية ربحا وخسارة ~~وأمثالهما عبث والعبث على الله تعالى محال أما على أصول المعتزلة فظاهر ~~وأما على أصلنا فبالنظر إلى ما أجرى الله عادته به من رعاية المصالح في ~~الأحكام الشرعية # وقرر بعض الأئمة المتأخرين هذا الدليل على وجه آخر بعد ذكر تلك المقدمات ~~وهو أنه إذا ثبت أن المنهي عنه مشتمل على المفسدة الخالصة أو الراجحة يجب ~~أن لا يكون صحيحا لوجهين # أحدهما أن القول بالصحة يفضي إلى حصول تلك المفسدة والقول بالفساد يفضي ~~إلى لا حصولها واحتمال حصول تلك المفسدة مرجوح بالنسبة إلى احتمال لا ~~حصولها في نظر الشرع لما سبق والمفضي إلى المرجوح مرجوح والمفضي إلى الراجح ~~راجح فالقول بالصحة مرجوح ms35 بالنسبة إلى القول بالفساد ولا يعني بكون النهي ~~للفساد سوى هذا # وثانيهما القياس على جميع المناهي الفاسدة والجامع أن القول بالفساد سعي ~~في إعدام تلك المفسدة الخالصة أو الراجحة بالكلية # وهذه الطريقة الأخيرة ذكرها القرافي على وجه آخر وهو # PageV01P134 # الوجه الثاني من وجوه الأدلة العقلية وهو أن المنهي عنه في العبادات غير ~~المأمور به فإذا أتى بالمنهي عنه لم يأت بالمأمور به ومن لم يأت بالمأمور ~~به بقي عهدة التكليف # وهذا هو المعني بقولنا إن النهي يقتضي الفساد في العبادات وأما في ~~المعاملات فلأن النهي يعتمد وجود المفسدة الخالصة أو الراجحة في المنهي عنه ~~فلو ثبت الملك والإذن في التصرف لكان ذلك تقريرا لتلك المفسدة والمفسدة لا ~~ينبغي أن تقرر وإلا لما ورد النهي عنها والمقدر ورود النهي عنها هذا خلف ~~وقياسا على العبادات # وهذا وإن كان قريبا من الوجه الأول لكنه مغاير له في الحقيقة # وقد اعترض على الوجه الأول بأن غايته أن النهي يناسب نفي الصحة إلا أنه ~~لا يلزم من ذلك نفي الصحة إلا أن يتبين له شاهد بالإعتبار وإذا تبين له ~~شاهد بالإعتبار يكون الفساد لازما من جهة القياس لا من لفظ النهي ولا من ~~معناه # وهذا السؤال وارد على أصحاب الطريقة الأولى # وأما من اعتمد في ذلك القياس على العبادات أو على المناهي التي قيل ~~بفسادها فعليهم اعتراضان آخران أيضا # أحدهما أن القياس على المناهي التي حكم فيها بالفساد إنما يتم إذا كان ~~قائل ذلك لم يعتمد في القول بالفساد إلا مجرد النهي فأما إذا كان ذلك لدليل ~~خارجي من نص أو إجماع فلا يرد عليه شيء من ذلك لأنه لم يحكم بالفساد لمجرد ~~النهي # PageV01P135 # وثانيهما ابداء الفارق بين المقيس والمقيس عليه # قال ابن الخطيب في المحصول المراد من الفساد في العبادات أنها غير مجزئة ~~والمراد به في باب المعاملات أنه لا يفيد سائر الأحكام وإذا اختلف المعنى ~~لم يتوجه أحدهما نقضا على الآخر # وقرر بعض أتباعه هذا الكلام أبسط من هذا فقال ما ذكرنا ms36 من الدليل الدال ~~على فساد العبادة المنهي عنها لم يوجد بتمامه في المعاملات فلا يرد نقضا ~~ولا يصح قياس العقود على العبادات ووجه الفرق انا عنينا بفساد العبادة ~~المنهي عنها عدم إجزائها عن المأمور به ودللنا على ذلك بأن قلنا الآتي ~~بالعبادة المأمور بها تاركا للمأمور به فوجب أن يبقى في عهدة الواجب وهذا ~~الدليل غير موجود في المعاملات ضرورة أنه لم يؤمر بالبيع على وجه مخصوص حتى ~~أن من أتى بالبيع على خلاف ذلك الوجه كان تاركا للمأمور به لأن تعلق الأمر ~~والنهي بعين واحدة محال # ومن المعلوم أن هذا الدليل لم يوجد في المعاملات ومع ظهور هذا الفرق لا ~~يصح قياسها على العبادات # واعترض آخرون بالنقض بالصور التي نهي عنها وحكم فيها بالصحة كبيع الحاضر ~~للبادي ونحوه # وأجاب الآمدي عن الإعتراض الأول بأنا لم نقض بالفساد لوجود ما يناسب ~~الفساد حتى يفتقر إلى شاهد بالإعتبار وإنما قضينا بالفساد لعدم # PageV01P136 # المناسب المعتبر بما بيناه من استلزام النهي لذلك ولا يخفى أن هذا الجواب ~~غير متين # والحق أن مجرد النهي إذا كان على ظاهره للتحريم مناسب للفساد لما يشتمل ~~المنهي عنه من المفسدة الخالصة أو الراجحة وشاهد ذلك بالإعتبار المواضع ~~المنهي عنها التي اتفق على القول بالبطلان فيها كبيع الملاقيح والمضامين ~~ونكاح ذوات المحارم وما لا يحصى كثرة # وقولهم أن الفساد لازم من القياس لا من معنى النهي جوابه أن القياس ~~المناسب إنما اعتمد في كون النهي عن الشيء لعينه يدل على فساد المنهي عنه ~~لا أن نفس المناسب هو المقتضي للفساد # والفرق بين المقامين واضح وهذا السؤال بعينه أورده بعضهم على الاحتجاج ~~لاقتضاء الفساد بالحديث المتقدم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد فقال ~~المقتضي للفساد هو هذا الحديث نفسه لا مجرد النهي وجوابه ما ذكرناه آنفا # وقولهم إن الحكم بالفساد لدليل خارجي تقدم الجواب عنه وأما الفرق بين ~~الصور المتفق على القول بفسادها من المنهيات وبين بقية الصور فيقال في ~~الجواب عنها أن الفارقين طائفتان إحداهما الحنفية ms37 الذين فرقوا بين المنهي ~~عنه لعينه والمنهي عنه لوصفه وسيأتي الكلام معهم إن شاء الله تعالى وبيان ~~تناقضهم وأنه لا فرق بين القسمين # PageV01P137 # والفريق الثاني كالغزالي والإمام فخر الدين وأبي الحسين البصري الذين ~~فرقوا بين العبادات والعقود واعتمدوا الفرق الذي تقدم ذكره عنهم # فجوابه أن الفساد في الجميع هو عدم ترتب الآثار على المنهي عنه فأثر ~~النهي في العبادات عدم براءة الذمة وأثره في المعاملات عدم إفادة الملك ~~وتنوع الأثر لا يقتضي اختلاف الجنس فإن النهي عن المعاملات عندهم على حد ~~واحد وآثاره مختلفة فيها كما أن آثار صحتها مختلفة أيضا فأثر البيع الصحيح ~~الملك في العين وفي الإجارة الملك في المنفعة وفي النكاح التمكن من الوطء ~~وفي القراض الأمانة على المال واستحقاق النصيب ففي كل موطن أثر يخالف الآخر ~~ولم يمنعهم ذلك الاختلاف من جعل الجميع شيئا واحدا فكذلك العبادات مع ~~العقود # وتفسير الفساد في الجميع بعدم ترتب آثارها عليها وإن كانت الآثار مختلفة ~~فيجمعها مسمى الأثر كما يجمع الحيوانات كلها مسمى الحيوانية وهي مختلفة في ~~نفسها # وهذا ذكره صاحب تنقيح المحصول وتبعه عليه القرافي وزيفه الأصفهاني في شرح ~~المحصول وقال أنه ضعيف جدا # وليس كما ذكر لأنه إذا أمكن تفسير لفظ الفساد بما يشمل جميع الصور # PageV01P138 # وينتظمها بمعنى كلي يشترك الكل فيه كان أولى من تفسيره لمعنيين مختلفين ~~لأنه يكون حينئذ مشتركا لفظيا والتواطؤ خير منه # وأما النقض بالصور التي حكم فيها بالصحة مع ورود النهي فقد تقدم أن تلك ~~جميعها من المنهي عنه لغيره المجاور له كالصلاة في الدار المغصوبة والبيع ~~على بيع الغير والمدعى والمستدل له غير هذا القسم فلا يتوجه النقض به # ولو سلم على وجه التنزل أن الصحة وجدت في منهي عنه لعينه أو لوصفه اللازم ~~فغايته أن الفساد تخلف لدليل منفصل ولا يلزم من تخلف الحكم عن المدلول عند ~~قيام مانع تخلفه في جميع الصور وهذا ظاهر لا ريب فيه # تنبيه ذكر الأرموي في الحاصل على هذا الدليل العقلي المتقدم سؤالا ضعيفا ~~إلى ms38 الغاية رام به إبطاله حيث لم يعترض عليه ابن الخطيب فقال اشتمال الفعل ~~على المفسدة لا يمنع كونه مفيدا للحكم وقرره القرافي بأن السبب الشرعي ليس ~~من شرطه أن يكون مشروعا مأذونا في مباشرته فإن الزنا سبب للرجم والسرقة سبب ~~للقطع والحرابة سبب للقتل إلى غير ذلك # PageV01P139 # من الأحكام الكثيرة والمعني بعدم الفساد هو ترتب الأحكام على المنهي عنه ~~والأسباب قد تكون كذلك كما في النظائر المذكورة # وجواب هذا أن الحكم المترتب على الفعل المحرم قد يكون حكما رتب في أصل ~~الشرع على التحريم كالقطع في السرقة وأمثاله ولا نزاع في هذا أصلا حتى ينقض ~~به إنما النزاع في الحكم المترتب على الفعل المأذون فيه شرعا إذا وقع ذلك ~~الفعل على وجه محرم كالبيع الفاسد والنكاح الفاسد وأشباههما هل يترتب عليه ~~ما كان يترتب عليه حالة وقوعه على الوجه المأذون فيه شرعا أم لا وإنما يرد ~~النقض بشيء من هذا القسم وقد بينا أنه لا يوجد ذلك مجمعا عليه في المنهي ~~عنه لعينه أو لوصفه اللازم حالة القدرة على الإحتراز عن المنهي عنه وان ~~النقض بصحة المنهي عنه لغيره لا يرد # واحترزنا بحالة القدرة عن الصلاة يغير ماء ولا تراب على قول من لا يوجب ~~إعادتها كمالك والمزني وأشباه ذلك فهذا الجواب على ما فهمه القرافي من كلام ~~صاحب الحاصل وقرره به ويحتمل أن لا يكون ذلك مراده بل يعني أنه لا يشترط في ~~الفعل المأذون فيه تعرية من المفسدة من كل وجه وأن يكون مصلحة خالصة بل قد ~~يشتمل على # PageV01P140 # مفسدة ما ويترتب عليه إفادة الحكم كغالب التكاليف المشتملة على إتعاب ~~البدن وإنفاق المال ونحو ذلك # وجواب هذا أن هذه المفاسد منغمرة في جنب المصالح الحاصلة من تلك الأفعال ~~الراجحة على تلك المفاسد ونحن لم نشترط في الفعل خلو عن المفسدة من كل وجه ~~بل عن المفسدة الخالصة أو الراجحة فأما المرجوحة فلا اعتبار بها ولا نقض ~~حينئذ وإن صاحب الحاصل بكلامه المتقدم النقض بالمنهي عنه لغيره كالصلاة في ms39 ~~الدار المغصوبة فقد تقدم الجواب عنه وأنه غير محل النزاع وسيأتي تقرير ذلك ~~إن شاء الله تعالى وبيان الفرق بينه وبين ما نحن فيه # الوجه الثالث من الأدلة العقلية أن فعل المنهي عنه معصية إذ الكلام في ~~النهي الذي للتحريم وحصول الثواب على العبادة والإعتداد بها مقربة إلى الله ~~تعالى وحصول الملك في العقود وصحة التصرف كلها نعم والمعصية تناسب المنع من ~~النعمة وقد اقترن الحكم بالفساد بصور كثيرة جدا من المناهي والمناسبة مع ~~الإقتران دليل باتفاق القائسين ففي تعميم القول بأن النهي للفساد في كل ~~منهي عنه لعينه أو لوصفه اللازم إعمال للأدلة المناسبة مع الإقتران وفي ترك ~~القول بذلك إبطال لهما فكان القول بذلك واجبا # الرابع أن المنهي عنه قبيح ومحرم إذ الكلام فيه والمحرم لا يكون مشروعا ~~وما لا يكون مشروعا لا يكون صحيحا لأن كل صحيح مشروع فالمنهى عنه لا يكون ~~صحيحا فإذا النهي يقتضي الفساد # واعترض الإمام الغزالي على هذا الوجه بأنه إن عنيتم بالمشروع كونه مأمورا ~~أو مندوبا أو مباحا فذلك محال ولسنا نقول به وان عنيتم كونه علامة للملك # PageV01P141 # أو الحل أو حكم من الأحكام ففيه وقع النزاع فلم ادعيتم استحالته فجاز أن ~~يكون غير مشروع وإذا وقع تترتب عليه الأحكام كما تترتب على الصحيح كما قد ~~فعل في الصلاة في الدار المغصوبة ونحوها # ويمكن الجواب عن ذلك بأن المراد المشروع الأعم من ذلك وهو كل ما رتب ~~الشارع عليه آثاره لأن الصحة والفساد من تصرفات الشارع وكذلك ترتيب الآثار ~~على الفعل والمنهي عنه ليس بمشروع فلا يترتب عليه أثره والنقض بصحة الصلاة ~~في الأرض المغصوبة تقدم الجواب عنه وأنه غير وارد # الخامس لو لم يكن النهي للفساد لكان كل موضع منهي عنه قيل بفساده كبيع ~~الحر ونكاح ذوات المحارم والصلاة مع ملابسة النجاسة التي لا يعفى عنها ~~وأشباه ذلك يجب أن يكون لقرينة منفصلة دلت على ذلك الفساد لكن الأصل عدمها ~~والظاهر أن الفساد مستند إلى مجرد النهي وإلا كانت القرينة تذكر ms40 ولو في بعض ~~الصور فوجب أن يكون النهي يقتضي الفساد لذلك # السادس وهو خاص بالعبادات أن العبادة إنما تكون صحيحة إذا كانت موافقة ~~للأمر أو مسقطة للقضاء على ما سبق من الإختلاف وكل منهما إنما يكون بإمتثال ~~الأمر المستدعي لاستحقاق الثواب وفعل المنهي عنه معصية فلا يكون سببا ~~لاستحقاق الثواب بل العذاب مترتب عليه فلو كان فعل # PageV01P142 # المنهي عنه سببا لسقوط التعبد أو القضاء لزم أن يكون الفعل الواحد طاعة ~~ومعصية معا وهو محال # السابع ذكره التبريزي في التنقيح وهو خاص في الحقيقة بالعقود إن النهي لا ~~بد له من فائدة وليست إلا الفساد لأن طلب الكف إما لمفسدة في الفعل أو لعدم ~~فائدة فيه أو لفائدة في الإمتناع ودليل الحصر أنا لو فرضنا انتفاء هذه ~~الأقسام كلها للزم أن يكون الفعل مشتملا على المصلحة خاليا من المفسدة ~~فيكون مطلوبا لا منهيا عنه وليس الأمر كذلك فثبت الحصر # وحينئذ نقول لا يجوز أن يكون لعدم الفائدة فإنا فرضناه مفيدا لأحكامه ولا ~~للمفسدة لأنها كانت تنشأ إما من نفس العقد أو بواسطة ترتب الأحكام عليه ~~والأول باطل لأن صيغ المعاملات لا مفسدة فيها ولهذا لا يأثم بها في معظم ~~البياعات والثاني باطل لأن المفسدة لو نشأت من الحكم لما ثبت الحكم ولأن ~~الحكم وضع شرعي والشارع لا يضع المفاسد ولا يجوز حمله على فائدة في ~~الامتناع فإن الامتناع عما فيه فائدة وهي ترتب الحكم على رأي الخصم لا ~~فائدة فيه # فإن قيل فائدته الابتلاء والامتحان قلنا ذلك فائدة الامتناع لأصل النهي ~~ونحن نطلب فائدة في الامتناع عن الفعل ليكون النهي عنه معقولا ولأن النهي ~~ظاهر في التحريم والاعتبار ينافي التحريم لأنه تمكين المكلف من تحصيل حكمه ~~بدليل جميع الأحكام المجمع على اعتبارها هذا خلاصة ما قاله التبريزي # PageV01P143 # والمنع متوجه عليه في قوله إن صيغ المعاملات المنهي عنها لا مفسدة فيها ~~وقوله أنه لا يأثم بها في معظم البياعات على ما لا يخفى # الثامن وهو أيضا يختص بالعقود أن النهي عنها مع ms41 ربط الحكم بها وترتيب ~~آثارها عليها يفضي إلى التناقض وذلك من وجهين # أحدهما أن النهي عنها لم يرد إلا لما اشتملت عليه من المفسدة الخالصة أو ~~الراجحة على ما تقدم فلو أفادت المقصود عند الإقدام عليها لكان ذلك باعثا ~~للنفوس على تعاطيها والنهي عنها لما فيها من المفسدة الخالصة أو الراجحة ~~يمنع من الإقدام عليها فيتناقض من قبل الشرع الباعث والصارف وذلك محال وما ~~أدى إلى المحال محال فيجب القول بالفساد نفيا لذلك المحال # وثانيهما أن نصبها سببا لترتب آثارها عليها تمكين من التوسل بها والنهي ~~عنها منع من ذلك التوسل فيؤدي أيضا إلى التناقض وفيه ما ذكرناه وهذا الوجه ~~أمتن من السابع المتقدم قبله ذكره الشيخ موفق الدين في الروضة والأنباري في ~~شرح البرهان # PageV01P144 # التاسع أن النهي عن الشيء يدل على تعلق المفسدة به كما تقدم غير مرة وفي ~~القضاء بالإفساد للمنهي عنه وعدم ترتيب آثاره عليه إعدام لتلك المفسدة ~~بالكلية بأبلغ الطرق بخلاف ما إذا قيل بالصحة أو بترتب أثره عليه فإن في ~~ذلك تبقية لآثار المفسدة فكان الأول أولى أو هو المتعين # العاشر ما أشار إليه الإمام الشافعي في كلامه المتقدم وذكره أصرح من ذلك ~~في موضع آخر وهو أن العقود إنما تفيد إذا جرت على وفق الشرع لما تمهد فيها ~~من الشروط وقيدت به من القيود ومنع الخلق من كثير مما كانوا يتعاطونه فيها ~~ويرضون به قبل الشرع فأشبهت العبادات حينئذ # وتوقف الحكم بترتب آثارها عليها حتى ترد على وفق المشروع وإذا لم يكن ~~كذلك بقيت الأموال والأبضاع على أصلها من التحريم ولا تنتقل إلا إذا وقعت ~~على الوجه المشروع فما لم تكن كذلك يحكم بفسادهما استنادا إلى أصل التحريم ~~وهذا حسن بالغ وبالله التوفيق # الطرف الثاني في أن دلالة النهي على الفساد حيث حكمنا به ليس ذلك من جوهر ~~اللفظ وموضوع اللغة بل متلقى من الشرع # وجميع الأدلة التي قدمناها إنما تقتضي كون ذلك مأخوذا من جهة الشرع وقد ~~تقدم أن جماعة من الأئمة ذهبوا ms42 إلى أن ذلك مستفاد من موضوع النهي اللغوي # PageV01P145 # والدليل على بطلان قولهم إن فساد المنهي عنه سواء كان عبادة أو معاملة لا ~~معنى له سوى سلب أحكامه عنه وانتفاء ثمراته المقصودة عنه وخروجه عن كونه ~~سببا مفيدا لها فلو دل النهي عن الشيء على فساده من حيث اللغة لكان في ~~اللفظ ما يدل لغة على انتفاء ثمراته عنه واللازم باطل فالملزوم كذلك # أما الملازمة فظاهرة وأما انتفاء اللازم فلأن معنى النهي في اللغة اقتضاء ~~الكف عن الفعل وليس انتفاء الأحكام عنه عين ذلك ولا جزؤه ولا لازما له من ~~حيث اللغة لأنه لو قال واحد لا تبع غلامك فإنك إن بعته ثبت حكم البيع ~~وانتقل الملك فيه إلى المشتري لم يكن ذلك متناقضا من حيث اللغة ولو كان ~~النهي عن الشيء لعينه مقتضيا لفساده من موضوع اللغة لكان ذلك متناقضا # وأيضا فإن الصحة عبارة عن ترتب الأحكام الشرعية على الفعل المأذون فيه ~~والفساد معناه عدم ترتبها والأحكام إنما هي متلقاة من الشرع فقبل الشرع لا ~~يكون النهي دالا على فساد ولا صحة والموضوعات اللغوية متلقاة عن العرب قبل ~~الشرع فليس الفساد مستفادا من موضوع النهي لغة # واحتج القائل بذلك بوجهين أحدهما استدلال الصحابة رضي الله عنهم ومن ~~بعدهم من العلماء على الفساد في المنهيات بالنهي عنها فدل على فهمهم ذلك له ~~من حيث اللغة # PageV01P146 # وأجاب ابن الحاجب وغيره عن ذلك بمنع أنهم فهموا ذلك من موضوع اللغة بل ~~إنما فهموا الفساد من جهة الشرع كما تقدم وفي هذا الجواب نظر إذ يقال عليه ~~فيلزم أن يكون الشارع نقل النهي عن موضوعه في اللغة والأصل عدم النقل # ويمكن أن يقرر الجواب على وجه آخر وهو أنه دار الأمر في استدلال الصحابة ~~والعلماء بعدهم على الفساد بالنهي على الوجه المتقدم بين أن يكون فهموا ذلك ~~من حيث اللغة أو من حيث الشرع والاحتمال الثاني أولى للجمع بين ذلك وبين ما ~~ذكرناه من الدليل الدال على أن ذلك ليس من موضوع اللفظ # وقولهم ms43 انه يلزم منه النقل يجاب عنه بأن ذلك إنما يلزم إذا كان الفساد ~~مستفادا من لفظ النهي بطريق المطابقة أما إذا كان بطريق التضمن أو الالتزام ~~كما تقدم تقريره فلا يلزم النقل إذ لم يتغير موضوع اللفظ # PageV01P147 # الوجه الثاني أن الأمر يقتضي الصحة من حيث اللغة والنهي نقيض الأمر لأنه ~~مشارك له في الطلب والاقتضاء ومخالف له في طلب الترك فلا بد وأن يقتضي نقيض ~~الصحة وهو الفساد ضرورة كون النهي مقابلا للأمر وأنه يجب أن يكون حكم أحد ~~المتقابلين مقابلا لحكم الآخر وهذا الدليل استدل به جماعة من المتقدمين على ~~أن النهي يدل على الفساد مطلقا وبعضهم جعله دليلا من جهة القائلين به لغة ~~كابن الحاجب وأتباعه لأنه أخص بهذا المدعى من جهة الدلالة اللفظية وزاد ~~بعضهم في تقريره أن العرب من شأنها أن تحمل الشيء على نقيضه كما تحمله على ~~نظيره بدليل إعمالهم لا التي هي لنفي الجنس عمل أن المثبتة وهي نقيضها ~~وأجيب عن ذلك بوجوه أحدها منع أن الأمر يدل على الإجزاء الذي هو الصحة # وثانيها لو سلم أنه يدل عليه فلا نسلم أن يدل على الأجزاء من حيث اللغة ~~بل من حيث الشرع كما قررناه في النهي # وثالثها أنه لا يلزم من دلالة الأمر على الصحة دلالة النهي على الفساد إذ ~~لا يلزم اشتراك المتقابلات في جميع اللوازم بل جاز أن يكونا ضدين ويشتركا ~~في لازم واحد فقط ولو لم يكن ذلك إلا في مجرد الضدية كان كافيا فإن السواد ~~والبياض ضدان وهما مشتركان في الرؤية والحدوث وكونهما عرضا وغير ذلك # ورابعها أنا وإن سلمنا انه يلزم من ذلك تقابل حكميهما فإنما يلزم منه أن ~~النهي لا يكون مقتضيا للصحة لا أنه يقتضي الفساد لأن شأن النقيض # PageV01P148 # أن يثبت له نقيض حكم نقيضه كما أن الواجب يعاقب عليه فما ليس بواجب لا ~~يعاقب عليه فيكون اللازم هنا أن النهي لا يدل على الإجزاء لأنه نقيض ما دل ~~عليه الأمر أما دلالته على الفساد فليس نقيض ms44 الإجزاء بل أمر آخر هكذا قرر ~~الجواب صاحب المحصول وغيره وفيه نظر لأن الأمر والنهي ضدان وليسا نقيضين ~~لأنهما ثبوتيان وأحد النقيضين لابد وأن يكون عدميا وإذا كانا ضدين وسلم ~~لزوم ضد الصحة فالمنوع الأولى كافية في رد هذا الاستدلال وخصوصا منع كون ~~الأمر يقتضي الإجزاء لغة بل ذلك مستقى من الشرع أيضا والله أعلم # الطرف الثالث في أدلة القائلين بأن النهي لا يقتضي الفساد وقد تنوعت ~~عباراتهم في الاحتجاج لذلك وحاصلها يرجع إلى ثلاثة أوجه # الوجه الأول لو دل النهي على الفساد لكان ذلك لدليل يقتضيه والدليل إما ~~عقلي أو نقلي والنقلي إما إجماع أو نص والنص إما متواتر أو آحاد # PageV01P149 # ولم يثبت شيء من ذلك جميعه ولا دلالة له من جهة العقل أيضا لما سيأتي فلم ~~يكن النهي دالا عليه # الثاني أن النهي إما أن يدل على الفساد دلالة لفظية أو معنوية وهما ~~باطلتان فالقول بأنه يقتضي الفساد باطل أما بطلان الدلالة اللفظية فلأنها ~~إما أن تكون بحسب اللغة أو مستفادة من جهة الشرع والأول باطل لما تقدم ولأن ~~البدوي العارف باللغة غير العارف بالأحكام الشرعية إذا سمع لفظ النهي لم ~~يفهم منه سوى المنع من الفعل ولا يخطر بباله الفساد قط ولو كان موضوعا له ~~لغة لم يكن كذلك # والثاني أيضا باطل لما تقدم أن الأصل عدم النقل وأيضا فلأنه لو كان ~~موضوعا للفساد من جهة الشرع لزم ترك مقتضى اللفظ في الصور التي استعمله ~~فيها ولم يترتب على ذلك النهي فساد كالصلاة في الدار المغصوبة والذبح بسكين ~~مغصوبة ونحو ذلك وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بأنه يدل على الفساد فانه في ~~الصور التي قيل فيها بفساد المنهي عنه يكون ذلك لأمر زائد على ما دل عليه ~~اللفظ ولم يتعرض له اللفظ بنفي ولا إثبات ولا شك في أن هذا أولى # وأيضا لو كان موضوعا للفساد لغة أو شرعا للزم من ذلك التناقض إذا صرح ~~بالصحة مع صريح النهي كما إذا قال مثلا لا تتوضأ بالماء ms45 المغصوب ولا تذبح ~~بسكين مغصوب وإن فعلت ذلك صحت طهارتك وحلت الذبيحة # PageV01P150 # ولا تطلق حالة الحيض فإن فعلت نفذ طلاقك ولا تطأ جارية الإبن فإن ~~استولدتها دخلت في ملكك إلى غير ذلك من الصور التي لا استبعاد في صحتها ~~والقول فيها بعدم التناقض وذلك بخلاف ما إذا قال حرمت عليك الطلاق وأمرتك ~~به أو أبحته لك وحرمت عليك استيلاد جارية الإبن وأوجبته عليك فإن ذلك ~~متناقض غير معقول # وبهذا أيضا تنتفي الدلالة المعنوية لأن شرطها اللزوم ومفهوم الفساد غير ~~لازم لمفهوم التحريم الذي هو مدلول اللفظ إذ لو كانت الدلالة الإلتزامية ~~موجودة لما صح إثباته مع نفيه لأن إثبات الملزوم مع التصريح بنفي اللازم ~~غير صحيح # الوجه الثالث لو دل النهي على الفساد لثبت الفساد حيثما وجد النهي عملا ~~بالدليل واللازم باطل بدليل صحة الصلاة في الثوب المغصوب والأماكن المكروهة ~~وصحة البيع وقت النداء وأمثاله فلزم من ذلك أن النهي لا دلالة له لمجرده ~~على الفساد # والجواب عن الأول انا بينا فيما تقدم دلالة النص والإجماع والعقل على أن ~~النهي يقتضي الفساد وحصل بحمد الله تعالى الانفصال عن كل ما أعترض به علينا ~~وهذا الوجه هو الذي عول عليه الإمام الغزالي في أن النهي لا يقتضي الفساد ~~في العقود ثم ذكر من أدلة القائلين بذلك بعض ما تقدم واعترض عليها بما ~~ذكرناه هناك وقد أجبنا عنه # PageV01P151 # وعن الثاني أنا نسلم أنه لا يدل النهي على الفساد بحسب وضع اللغة لكن ما ~~المانع أن يدل عليه دلالة لفظية بحسب وضع الشرع # قوله يلزم منه النقل والأصل خلافه قلنا تقدم أنه إنما يلزم النقل إذا ~~كانت دلالته بحسب المطابقة فأما بطريق التضمن أو الإلتزام فلا ودلالة النهي ~~على الفساد بحسب اللزوم سلمنا أن ذلك بطريق المطابقة لكن قد يصار إلى النقل ~~عند قيام الدليل على ذلك والأدلة المتقدمة قد تقررت على أنه للفساد فيجب ~~المصير إلى القول بالنقل لئلا يلزم ترك الدليل الذي مخالفته أشد من مخالفة ~~الأصل # قولهم ثانيا يستلزم جعله ms46 حقيقة في الفساد ترك مقتضى الدليل في الصور التي ~~نهي عنها ولم يقل بفسادها وذلك محذور قلنا نعم لكنه يلتزم عند قيام الدلالة ~~عليه وهذا كما قالوا إن النهي حقيقة في التحريم وثبت استعماله في الكراهة ~~في صور كثيرة عند قيام دليل على ذلك وأما قولهم ثالثا أنه يلزم التناقض إذا ~~صرح فيه بالصحة فعنه أجوبة أحدها أن الملازمة على قسمين ظنية وقطعية فدلالة ~~الإلتزام تنقسم كذلك إلى هذين القسمين ويكون دلالة النهي على الفساد ظنية ~~كما نقول في المفهوم وغيره انه دلالة الالتزام وهي دلالة ظنية لأن الملازمة ~~ظنية وحينئذ فلا يناقضها # PageV01P152 # قولهم لا استبعاد في أن يقول الشارع لا تبع الربوي متفاضلا فان فعلت ثبت ~~الملك لأن هذا إشارة إلى الاحتمال ومن ادعى الظن فقد التزم الاحتمال لأن ~~الدلالة الظنية لا تعرى عنه ولكنها تكون راجحة عليه فلا يعمل عمله كيف وهو ~~هنا أضعف الاحتمالات لأنه مبني على مجرد عدم إلاستبعاد ولا يخفى ضعفه # وثانيها انه لا نسلم أنه لا يعد متناقضا إذا قال حرمت عليك الطلاق في ~~الحيض لعينه ولكن إذا أوقعته نفذ بالنسبة إلى الوضع الشرعي نعم لا يعد ~~متناقضا إذا قال حرمت عليك الطلاق حالة الحيض وإذا أوقعته نفذ لاحتمال أن ~~يكون التحريم لأمر خارجي وهو تطويل العدة وأما إذا قال لعينه فلا نسلم عدم ~~التناقض وكلامنا إنما هو في المنهي عنه لعينه # وثالثها أنا لو سلمنا ذلك وأنه لا يعد متناقضا وإن كان النهي عنه لعينه ~~لكن لا نسلم أن ترك مقتضى اللفظ الظاهر الدلالة لقرينة أو صراحة من المتكلم ~~يكون مناقضا لكلامه كما أن اللافظ باللفظ العام وبأسماء العدد مع التخصيص ~~لها والاستثناء منها لا يعد متناقضا ومتهافتا في كلامه فكذلك هنا # قولهم إثبات الملزوم مع التصريح بنفي اللازم غير صحيح قلنا لا نسلم ذلك ~~لما تقدم أنها دلالة ظنية فتقدم عليها الدلالة الصريحة إذا كانت معارضة لها # PageV01P153 # والجواب عن الثالث أن القائلين بتعميم الفساد في جميع صور النهي سواء كان ~~لعينه أو ms47 لغيره كأحمد بن حنبل والظاهرية لا يرد عليهم نقض شيء مما ذكروه ~~لأنهم طردوا قولهم في ذلك كله وقد التزم هذه الطريق بعض الأصوليين في ~~تصانيفه وذكر أن الجواب الصحيح وليس كذلك # وأجاب آخرون عن ذلك بأن القول بالصحة في هذه الصور إنما كان لدليل خارجي ~~قام بها فلا يلزم من ذلك نقض كما في تخصيص العام والخروج عن حقيقة الأمر من ~~الوجوب إلى الندب وحقيقة النهي من التحريم إلى الكراهة لأدلة دلت على ذلك ~~في تلك المواضع الخاصة ولم يلزم بذلك نقض الأصل ولا إبطال دلالته من أصلها # ثم أشار بعضهم إلى تلك الأدلة في كثير من الصور كقوله صلى الله عليه وسلم ~~لا تلقوا الجلب فمن تلقى شيئا من ذلك فأشتراه فصاحبه إذا أتى السوق بالخيار ~~فإثبات الخيار فيه للبائع دليل على أن البيع صحيح ولا شك أن المواضع التي ~~قيل فيها بالصحة مع وجود النهي كثيرة جدا في العبادات والعقود والإيقاعات ~~وغيرها كما تقدم ذكر كثير منها وسيأتي ويحتاج سالك هذه الطريق إلى دليل يخص ~~كل واحد منها وهو متعذر قطعا # PageV01P154 # فالجواب الصحيح عن ذلك كله ما سبقت الإشارة إليه غير مرة وهو أن النهي في ~~هذه جميعها ليس لعين المنهي عنه ولا لوصفه اللازم بل لغيره المجاور له ولا ~~يقتضي النهي في هذا القسم الفساد كما سيأتي تحقيق ذلك وبيان الفرق بين ~~المقامين إن شاء الله تعالى والمدعى الذي استدللنا عليه إنما هو القسمان ~~الأولان فلا يرد النقض بغيرهما فإن قيل لا فرق قلنا سنبين ذلك إن شاء الله ~~تعالى # وأما من فرق بين العبادات والمعاملات فقد احتج الإمام الغزالي بما تقدم ~~أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة والأمر والنهي يتضادان فلا يكون ~~المنهي عنه قربة ولا امتثالا فيدل النهي في العبادات على الفساد بخلاف ~~العقود إذ لا تضاد بين تحريم العقود وبين جعلها سببا للملك والتصرف كما ~~تقدم فلم يكن دالا على الفساد # وحاصل ذلك أن النهي إنما يدل على الزجر فقط وذلك ms48 من خطاب التكليف وأما ~~الصحة والفساد فهما من خطاب الوضع ولا إشعار له بهما # وهذا الدليل هو عين المدعى لأنا نقول النهي دال على الزجر والفساد جميعا ~~وقد دللنا عليه بما تقدم وإن كانت دلالته على الفساد بطريق الاستلزام فذلك ~~كاف في المطلوب # PageV01P155 # ثم إن الذي احتج به الإمام فخر الدين على أنه لا يدل عليه في العقود يرد ~~عليه في العبادات بأن يقال لو دل النهي على عدم إجزائها فإما أن يدل عليه ~~بلفظه أو بمعناه وكل منهما باطل ولا استبعاد في أن يقول الشارع مثلا نهيتك ~~عن الصلاة في الأوقات المكروهة وإن فعلتها أجزأت عنك وصحت وعن الصوم يوم ~~النحر وإن صمت فيه صح وكذلك النقض أيضا بالعقود المنهي عنها وهي صحيحة رد ~~مثله في العبادات كالضوء بالماء المغصوب والصلاة في الثوب الحرير وأمثالهما ~~فما يكون جوابا له عن ذلك يجاب به أيضا في المعاملات # ونحن قد طردنا القول في البابين فسادا وصحة وفرقنا بين ما يقتضي الفساد ~~منهما وما لا يقتضيه فإن جنح إلى الفرق المتقدم بين الموضعين في تفسير ~~الفساد أعني بين العبادات والعقود أجيب بما تقدم من تفسير الفساد بمعنى كلي ~~يشملهما # وقولهم إن النهي لا ينافي إفادة الملك وصحة التصرف ممنوع بما تقدم من ~~الأدلة الدالة على تنافيهما وإن سلم أنه لا ينافي ذلك قطعا فهو ينافيه ~~ظاهرا وذلك كاف على ما تقدم غير مرة وبالله التوفيق # PageV01P156 ### | الفصل الرابع # في الفرق بين المنهي عنه لعينه أو لوصفه اللازم وبين المنهي عنه لغيره ~~وبيان أنه في هذا القسم الآخر لا يدل على الفساد # وأصل هذه القاعدة أنه ورد في الكتاب والسنة مناه كثيرة منها ما أتفق ~~العلماء على فساده عند ارتكاب المنهي عنه كنهي الحائض عن الصوم والصلاة ~~والنهي عن بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة وعن نكاح زوجة الأب والجمع ~~بين المرأة وعمتها وخالتها إلى غير ذلك من الصور الإجماعية # ومنها ما اختلفوا في ترتيب الفساد عليه كالبيع وقت صلاة الجمعة وعلى بيع ~~أخيه وبيع ms49 الحاضر للبادي وأشباه ذلك مع أن غالب القسم الأول لم يقترن به ما ~~يدل على الفساد سوى مجرد النهي وكذلك الثاني لم يقترن به ما يقتضي الصحة ~~فنظر الإمام الشافعي رض فوجد الفارق بين ذلك أن النهي عن الشيء متى كان ~~لعينه أو لوصفه اللازم فإنه يقتضي الفساد دون ما كان لغيره لما تقدم أن ~~الصحة تنافي المشروعية وأن ما توجه النهي إلى ذاته أو وصفه اللازم ليس ~~مشروعا والآتي به مرتكب المنهي عنه بالنسبة إلى ذلك الفعل بخلاف ما إذا كان ~~النهي لأمر خارجي مجاور له فإن الآتي بذلك الفعل لم يرتكب منهيا بالنسبة ~~إلى ذاته بل في أمر خارج عنه # PageV01P157 # وطرد الشافعي رحمه الله أصله في جميع صور المنهيات بحيث أنه لم ينتقض ~~قوله في البابين بشيء بخلاف سائر الأئمة ممن عداه فإن أحدا منهم لم يطرد ~~قوله لا في الصحة ولا في الفساد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى # تحقيق الفرق بين هذين المقامين يستدعي ذكر مسألة مقصودة وهي الصلاة في ~~الدار المغصوبة وبيان صحتها فيه بتحقق الفرق بين البابين ثم ننعطف على ~~تفاصيل المناهي واختلاف العلماء في ذلك إن شاء الله تعالى # فنقول أولا إن الواحد يطلق باعتبارات أحدها الواحد بالجنس وهو الصادق على ~~أنواع مختلفة كالحيوان والجسم النامي ونحو ذلك # وثانيها الواحد بالنوع وهو المقول لنوع واحد تحته أصناف كالإنسان والفرس ~~ونحوهما # وثالثها الواحد بالصنف كالهندي والرومي # ورابعها الواحد بالشخص وهو المقول للجزئي المشخص كزيد وعمرو # فأما الثلاثة الأول فلا ريب في أنه يختلف حكمها بحسب اختلاف أنواعها ~~وأصنافها واشخاصها ويصدق على بعضها ما يكذب على البعض الآخر فيصح في الواحد ~~بالنوع مثلا أن يكون بعض أصنافه مأمورا به وبعضها منهيا عنه ولا محذور في ~~ذلك لأن محل الإثبات إذا كان مغايرا لمحل النفي إما بالنوع أو بالصنف أو ~~بالشخص لا يلزم منه اجتماع النفي والإثبات في محل واحد # PageV01P158 # ونقل إمام الحرمين وغيره عن طائفة من المعتزلة كأبي هاشم وأتباعه أنهم ~~أنكروا ذلك بناء ms50 على أن النوع الواحد لا تختلف صفته في الحسن والقبح فإذا ~~كان بعض إفراده حسنا أو قبيحا وجب أن يكون كله كذلك فقالوا السجود لله ~~تعالى لما كان حسنا واجبا استحال أن يكون السجود لغيره كالصنم مثلا محرما ~~من حيث انه سجود بل المحرم إنما هو قصد تعظيم الصنم # وهذا ظاهر الضعف واه جدا لما بينا إن عند الاختلاف إما بالنوع أو بالصنف ~~أو بالشخص يصح تغاير الحكم بالنسبة إلى الأفراد ولا يتوارد النفي والإثبات ~~على ذات واحدة من وجه واحد وقد قال الله تعالى {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن} ولو كان ذلك مستحيلا لما حسن هذا الأمر والنهي ~~والمسالة واضحة جدا فلا فائدة في الإطالة بها # وأما الواحد بالشخص فاتفقوا على أنه لا يكون باعتبار واحد حراما وحلالا ~~وواجبا وطاعة ومعصية لاستحالة اجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد ~~بالاعتبار الواحد إلا من جوز التكليف بالمحال لذاته # واختلفوا في الواحد باعتبارين مختلفين كالصلاة في الدار المغصوبة هل # PageV01P159 # يجوز تعلق الأمر بها باعتبار كونها صلاة وتوجه النهي إليها باعتبار كونها ~~غصبا فقال جمهور أصحابنا الأشعرية وأكثر الفقهاء كالشافعية والحنفية وجمهور ~~المالكية أنه تصح الصلاة في الدار المغصوبة على معنى أن الآتي بها يكون ~~آتيا بالمأمور به ويسقط عنه الطلب بفعلها وإن كان عاصيا من جهة لبثه في ~~المغصوب # وذهب أحمد بن حنبل وأصحابه وأهل الظاهر بأسرهم إلى أنها لا تصح وبه قال ~~الجبائي وابنه من المعتزلة والزيدية وآخرون وبعضهم نقله رواية عن مالك # وقال المازري شذ بعض أصحاب مالك وهو اصبغ فقال # PageV01P160 # لا تجزي ونقله القرافى عن عبد الملك بن حبيب منهم أيضا وبهذا أيضا قال ~~القاضي أبو بكر الباقلاني إلا أنه قال الطلب يسقط عندها لا بها بخلاف من ~~ذكر قبله فإنهم قالوا لا يسقط الطلب بها ولا عندها واختار فخر الدين الرازي ~~قول القاضي أبي بكر # وحجة الجمهور وجوه أحدها أن التغاير قد يقع مع اتحاد الموضوع المحكوم ~~عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته بأن يكون ms51 المحكوم عليه بأحد الحكمين ~~المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ذاته وإحدى صفتيه والمحكوم عليه بالحكم ~~الآخر هو الهيئة الاجتماعية من ذاته والصفة الأخرى كالحكم على زيد بكونه ~~مذموما لفسقه ومشكورا لكرمه فعلم أن المجموع الحاصل من الذات والصفة مغاير ~~لكل واحد منهما وإذا حصل التغاير في المحكوم عليه فلا استحالة في الحكم ~~بالوجوب والحظر معا بحسب اختلاف الجهتين # وثانيها أن السيد إذا قال لعبده أوجبت عليك خياطة هذا الثوب وحرمت عليك ~~الكون في هذا الدار فجمع العبد بين الفعلين فإنا نقطع # PageV01P161 # بطاعة العبد وعصيانه جميعا للجهتين وأنه يستحق الثواب على امتثاله ~~والعقاب على عصيانه ولا نعد ذلك متناقضا فكذلك ما نحن فيه حذو القذة بالقذة # ولا يقال لا نسلم أن الطاعة والعصيان للجهتين لأن متعلق الأمر هو الخياطة ~~ومتعلق النهي هو اللبث في الدار وهما فعلان متباينان لا جهتان في فعل واحد # لأنا نقول الخياطة تشتمل على حركة لا محالة فتلك الحركة واجبة من حيث هي ~~جزء الخياطة وحرام من حيث هي لبث في الدار # وثالثها هو الذي عول عليه إمام الحرمين تحقيق الفرق بين المنهي عنه لعينه ~~ولوصفه ولغيره فإذا كان النهي يختص بالفعل المأمور به ويرجع إلى عينه فلا ~~يجامعه الأمر به بل هما متناقضان نحو صم لا تصم فهذا هو المنهي عنه لعينه # وأما المنهي عنه لوصفه فأن يفرض أمر مطلق يتبين به أن مراد الآمر تحصيله ~~ثم يفرض نهي عن إيقاع ذلك المأمور السابق على وجه خاص مع التعرض في النهي ~~للمأمور به أو يفهم منه قصد تعليق النهي به كالأمر بالصوم مطلقا والنهي عنه ~~يوم العيد فإن هذا يقتضي عند الشافعي وجمهور العلماء إلحاق شرط بالمأمور به ~~حتى إذا فرض وقوعه على ما عمه النهي يقال فيه أنه ليس امتثالا وفيه خلاف ~~الحنفية وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى # PageV01P162 # وأما القسم الثالث فان يجرى الأمر مطلقا ويتبين أن الغرض إيقاع المأمور ~~به من غير تخصيص له بحال ومكان ثم يرد نهي مطلق عن كون في ms52 مكان من غير ~~تخصيص له بموجب الأمر الأول فيقع النهي مسترسلا ولا ارتباط لأحدهما بالآخر ~~فإذا وقع الفعل على حسب الأمر مخالفا للنهي قيل فيه إنه وقع مقصودا للأمر ~~المطلق منفيا عنه بالنهي المطلق فلا يمتنع والحالة هذه اجتماع الحكمين ~~وينزل هذا منزلة تعداد الآمر والناهي فكذلك هنا لأنه لم يثبت النهي عن ~~الكون في الدار المغصوبة في وضع الشرع متعلقا بمقصود الصلاة فاسترسل النهي ~~منقطعا عن اعتراض الصلاة وبقيت الصلاة على حكمها فلو صح النهي مقصورا على ~~الصلاة في الدار المغصوبة قلنا ببطلانها كما لا تصح صلاة المحدث لما تعلق ~~النهي بعينها # وزاد الإمام المازري هذا وضوحا بمثال ضربه وهو أن السيد إذا كان بين يديه ~~طعام وقد غص بلقمة فقال لغلامه أسرع إلي بكوز ماء حلو وارفق في إمساكه لئلا ~~ينكسر فجرى إليه ولم يرفق في إمساكه وسقاه فإنه لا يعد عاصيا له في مقصود ~~أمره ولا يصير كمن فرط في سيده حتى مات ولم يسقه ماء ولو أقبل إليه بالكوز ~~وفيه ماء زعاق لا يساغ أو أقبل به إليه فارغا كان ذلك كالعدم وليم على هذا ~~كما يلام إذ قعد ولم يأته به # وهذا معلوم متعارف عند سائر العقلاء وبه يتضح الفرق بين ما هو مقصود ~~بالنسبة إلى المنهي عنه وبين ما ليس بمقصود في ذاته بل ورد لأمر خارجي عنه ~~وهو معلوم بالحس والمشاهدة وليس إلى إنكاره سبيل # PageV01P163 # ورابعها أنه لو لم يصح كون الصلاة في الدار المغصوبة مأمورا بها منهيا ~~عنها لكان عدم الصحة اتحاد متعلق الأمر ومتعلق النهي فإنه لا مانع عندهم من ~~الصحة سوى الاتحاد واللازم باطل لأن متعلق الوجوب هو الفعل باعتبار كونه ~~صلاة ومتعلق النهي هو الفعل باعتبار كونه غصبا فالفعل بالاعتبار الأول غير ~~الفعل بالاعتبار الثاني واختيار المكلف جمعهما لا يخرجهما عن حقيقتهما كما ~~إذا رمى سهما واحدا إلى مسلم بحيث يمرق منه إلى كافر أو بالعكس وقصدهما ~~جميعا فإنه يثاب ويعاقب ويملك سلب الكافر ويقتل بالمسلم قصاصا لتضمن فعله ms53 ~~الواحد أمرين مختلفين يصح انفكاك أحدهما عن الآخر وإن كان هو قد جمعهما ~~فإذن متعلق الأمر غير متعلق النهي # واعترض على هذا بأدلة القائلين ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة وحاصلها ~~ادعاء اتحاد المتعلقين وسيأتي ذكرها والجواب عنها إن شاء الله تعالى # وخامسها ما ذكره القاضي أبو بكر وهو النقض بمن تعين عليه قضاء دين وهو ~~متمكن من أدائه والطلب به متوجه نحوه فيحرم بالصلاة فإنها تصح وإن كان مكثه ~~في مكانه تركا لواجب عليه في جهة السعي لأداء الدين وكذلك في رد الوديعة ~~وكذلك لو ضاق وقت الصلاة فاشتغل بإنشاء عقد بيع أو نكاح حتى خرج وقتها فإن ~~العقد يصح وإن كان عاصيا به وتاركا للصلاة المفروضة ولعقد التكبيرة المأمور ~~بها # PageV01P164 # قال إمام الحرمين وأبو هاشم لا نسلم ذلك ولا أمثاله وليس هو ممن تروعه ~~التهاويل يعني فيلتزم البطلان في هذه الصور ونحوها واعترض غيره بأنه لم يعص ~~هنا بترك الصلاة بل بترك قضاء الدين ورد الوديعة وكذلك لم يعص بعقد البيع ~~بل بتأخير الصلاة عن وقتها # وأجيب عن ذلك بأن كونه في الصلاة ترك لاشتغاله بقضاء الدين كما أن كونه ~~فيها لبث في الدار المغصوبة ولا فرق فالنقص لازم له بغير إشكال # وأما ما ذكره إمام الحرمين فليس بشيء لأن هذه الصور كلها إجماعية قطعية ~~لم يقل أحد ببطلان الصلاة فيها ولا يسع أبا هاشم ولا غيره التزام ذلك لأنه ~~يؤدي إلى إبطال أكثر أعمال الخلق من صلاة وصوم وحج وبيع وشراء وإعتاق إلى ~~غير ذلك من التصرفات التي هي من ضرورات الخلق وعلى الواحد منهم حقوق يجب ~~عليه التنصل منها أما بالرد أو بالاستحلال فيكون اشتغاله عن ذلك بما ذكر ~~قاطعا عن الخروج من حق الغير وهذا معلوم بطلانه أعني القول بفساد هذه ~~التصرفات في هذه الحالة # واحتج القائلون بفساد الصلاة في الدار المغصوبة بأوجه أحدها أن متعلق ~~الأمر إما أن يكون عين متعلق النهي أو غيره فإن كان الأول كان الشيء الواحد ~~مأمورا منهيا معا وذلك عين ms54 تكليف ما لا يطاق # وإن كان الثاني فالوجهان إما أن يتلازما أو لا فإن لم يتلازما كان الأمر ~~والنهي متعلقين بشيئين ولا نزاع في صحة ذلك لكنه ليس بصورة المسألة # PageV01P165 # لما سنبينه وإن تلازما كان كل واحد من ضرورات الآخر والأمر بالشيء أمر ~~بما هو من ضروراته وإلا وقع التكليف بما لا يطاق فإذا كان المنهي من ضرورات ~~المأمور كان مأمورا فيعود الأمر إلى لزوم كون الشيء الواحد مأمورا منهيا ~~وذلك محال وهذا صورة هذه المسألة لأن جهة الغصب على الإطلاق وإن كانت ~~مغايرة لجهة الصلاة ومنفكة عن مطلق الصلاة لكنه يستحيل انفكاك هذه الصلاة ~~عن جهة الغصب إذ الصلاة في الدار المغصوبة يستحيل أن تكون منفكة عن جهة ~~الغصب # وثانيها أن الحركات والسكنات داخلة في مفهوم الصلاة في الدار المغصوبة ~~وشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر ~~للحيز بعد أن كان في غيره والسكون عبارة عن شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان ~~واحد فشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة ~~فكان داخلا في مفهوم الصلاة لأن جزء الجزء جزء وشغل الحيز فيما نحن فيه ~~حرام فالصلاة التي جزؤها حرام لا تكون واجبة لأن وجوبها إما أن يستلزم ~~إيجاب ما كان من أجزائها محرما وهو تكليف بما لا يطاق # والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة لا نفس الصلاة لأن ~~مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال ولأن النهي عن الجزء نهي عن الكل ~~المجموع والمنهي عنه لا يكون واجبا # ولأن الأمر بالكل أمر بالجزء لتوقفه عليه ويلزمه إيجاب ما كان من أجزائها ~~محرما وهو تكليف بالمحال # PageV01P166 # وثالثها أن المسلمين أجمعوا على أن الصلاة لا تصح إلا بنية التقرب إلى ~~الله تعالى والتقرب إليه لا يتصور بما هو معصية وقد حرمه الله سبحانه ~~وبعبارة أخرى شرط صحة الصلاة نية الوجوب أو نية ما يقوم مقام الوجوب فكيف ~~يتحقق الوجوب فيما قد تحقق فيه الحظر لأن الكون في الدار ms55 المغصوبة محرم # ورابعها النقض ببطلان صوم يوم النحر بالنذر وغيره مع اختلاف الجهتين فيه ~~لأن جهة كونه صوما منذورا مأمورا به وجهة كونه واقعا في يوم النحر منهي عنه ~~ومنهم من أورد ذلك على وجه الملازمة فقال لو صحت الصلاة في الدار المغصوبة ~~لصح الصوم يوم النحر والجامع اختلاف الجهتين كما سبق فلما لم يصح الصوم يوم ~~النحر لم تصح الصلاة في الدار المغصوبة ولا يخفى أن هذا الوجه إنما هو لازم ~~للمالكية والشافعية القائلين ببطلان صوم يوم العيد بخلاف الحنفية فإنهم ~~يقولون بصحته كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى # وأجيب عن الوجه الأول والثاني بأمور # أحدها النقض بما تقدم من المثال المضروب في أمر السيد عبده بالخياطة ~~ونهيه عن دخول الدار # قال صاحب الأحكام # جميع ما ذكروه في الوجه الأول والثاني بعينه وارد على المثال المضروب من ~~غير فرق # PageV01P167 # وأجاب غيره بمنع أن ما لا يتم الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب ~~وبمنع أن الأمر بالكل أمر بالجزء وهذا المنع إنما يتم ممن يمنع ذلك مطلقا ~~أو ممن يقول إن ما لا يتم الواجب إلا به لا يكون واجبا إلا إذا كان شرطا ~~شرعيا كابن الحاجب ومن وافقه وكلا القولين ضعيفان # والراجح وجوب ما لا يتم الواجب إلا به وان الأمر بالكل أمر بالجزء وأجاب ~~صاحب التحصيل عنهما بوجهين # أحدهما أنه لا نزاع في أن الفعل المعين لا يجوز أن يكون مأمورا به لعينه ~~ومنهيا عنه لعينه وإنما النزاع في أن الفعل إذا كان فردا من أفراد المأمور ~~به ولم يكن مأمورا به لعينه ولكن وجد المأمور به في ضمنه هل النهي عنه أم ~~لا # وما ذكر من الدليلين لا يدل على فساد هذا بل على أن الصلاة في الدار ~~المغصوبة لا يكون مأمورا بها لعينها ولا نزاع في ذلك # وجواب المتنازع فيه بنى على أصل الإمام فخر الدين الرازي أن الأمر ~~بالماهية الكلية ليس أمرا بشيء من جزئياتها فالأمر بصلاة الظهر مثلا لا ~~يكون أمرا ms56 بهذه الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة # PageV01P168 # وبهذا خرج الجواب عن قولهم في الوجه الأول إن لم يتلازما فليست هذه ~~المسألة أي مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإن الصلاة مع الغصب أمران ~~متلازمان هنا كما تقدم من كلامه لأنه تبين أن التلازم إنما يكون إذا كان ~~المأمور به هنا هو عين الصلاة في الدار المغصوبة وليس الأمر كذلك بل ~~المأمور به نفس الصلاة الواقعة في ضمن الصلاة في الدار المغصوبة فإن ~~المأمور به إنما هو فرد من نوع لا بخصوص كونه ذلك الفرد بل بوجود النوع ~~الواجب في ضمن ذلك الفرد لأن كل فرد من أفراد الواجب ظهرا الواقعة في نفس ~~الظهر مثلا إنما يتشخص بعوارض مخصوصة كزمان مخصوص ومكان مخصوص وعلى قدر ~~مخصوص ولا توجد تلك العوارض المخصوصة إلا في ضمن ذلك الفرد مع اشتراك ~~الجميع في كونها صلاة الظهر واقعة في الوقت # ولا يقال إذا لم تكن الصلاة في الدار المغصوبة واجبة فالآتي بها لم يخرج ~~عن العهدة لتركه الواجب لأنا نقول المدعى أن الواجب المطلق موجود في ضمن ~~هذا الفرد المتشخص بالعوارض المخصوصة فيخرج بذلك عن العهدة ولا يلزم منه أن ~~يكون هذا الفرد المعين لشخصه بعوارضه الخاصة واجبا لعينه لما بيناه # وهذا كله بناء على ما تقدم أن الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بشيء من ~~جزئياتها وموضع تقريره غير هذا المكان فتكون الصلاة في الدار المغصوبة ~~مأمورا بها باعتبار ماهيتها ومنهيا عنها باعتبار خصوصيتها # PageV01P169 # الوجه الثاني أنه إذا لم يقل بأن الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بشيء من ~~جزئياتها بل هو أمر بها فيلزم على ذلك نقض عظيم وهو أنه يمتنع النهي عن فعل ~~ما إذا قيل بأنه يمتنع النهي عن فرد من أفراد الكلي المأمور به وذلك باطل ~~بالإجماع وبيان الملازمة أن نفس الفعل مأمور به ولأن الفعل الخاص مأمور به ~~ونفس الفعل جزء من الفعل الخاص وجزء المأمور به مأمور به جزما فلا ينهى عن ~~فعل معين لأن كل فعل منهي عنه فهو فرد من ms57 أفراد نفس الفعل والتفريع على أنه ~~لا يكون الفعل المعين المنهي عنه فردا من أفراد الكلي المأمور به وهذا ~~الفعل المعين المنهي عنه فرد من أفراد نفس الفعل المأمور فلا يكون المعين ~~منهيا عنه وإلا يلزم اجتماع الأمر والنهي في فعل واحد وذلك محال هذا معنى ~~كلام صاحب التحصيل مبسوطا عما ذكره # واعترض الشيرازي شارح المختصر على هذا الوجه الثاني بأن نفس هذا الفعل ~~المعين ليس مأمورا به أصالة بل تبعا لكونه جزء المأمور به ولا يلزم من ~~استحالة ما ذكر في المأمور به أصالة أن يجيء ذلك في المأمور به تبعا # ثم قال نعم لو قيل لو امتنع ذلك استحال النهي عن صلاة المحدث لكونها فرد ~~من أفراد الصلاة المأمور بها مع أن النهي عنها واقع لهم وفي الإعتراض ~~المذكور نظر من جهة أن الأصالة لا أثر لها فيما نحن فيه فان الدليل المذكور ~~قياسي في الحقيقة والجامع اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد وهذا ممتنع ~~سواء كان الوجوب بالأصالة أو التبعية # PageV01P170 # وأما قوله في صلاة المحدث فضعيف أيضا لأن الصلاة المأمور بها هي الصلاة ~~المستجمعة لشروطها وصلاة المحدث مع القدرة على الطهارة ليست فردا من ~~الأفراد المأمور بها فلم يجتمع الوجوب والتحريم معا # وأما الوجه الثالث فالجواب عنه ظاهر لأن نية التقرب إلى الله تعالى إنما ~~تتوجه إلى كونها صلاة لا إلى كونها غصبا ونحن قد بينا انفكاك أحد الأمرين ~~عن الآخر وأنهما ليسا متلازمتين بل باعتبار الجهتين كما سبق فلا تناقض ~~حينئذ وهذا الجواب هو المعتمد وقد أجاب القاضي أبو بكر بن الباقلاني عنه ~~بأن الصلاة تشتمل على جنسين أقوال كالقراءة والأذكار وأفعال كالقيام ~~والركوع والسجود والأقوال لا غصب فيها بخلاف الأفعال فتتوجه النية إلى ما ~~لا غصب فيه وتكون الأفعال كالأجزاء التي تعزب النية فيها عن المصلي بعد ما ~~نوى أولا # وفي هذا الجواب نظر والحق أن نية الصلاة تشمل كل ما يقع فيها ولا استحالة ~~في الأفعال لما بينا من اعتبار الجنس # والجواب عن الرابع ms58 بالفرق بين المقامين فإن صوم يوم النحر غير منفك عن ~~الصوم بوجه لأنه خاص والخاص لا ينفك عن العام فلا يتحقق فيه جهتان كما ~~تحققنا في الصلاة في الأرض المغصوبة لأن الأمر لكونها صلاة والنهي لكونها ~~غصبا # ولا يقال فالأمر بصوم يوم النحر لكونه صوما مطلقا والنهي لكونه يوم النحر ~~لأنا نقول اليوم المتعلق بالصوم غير منهي عنه مفردا والغصب المتعلق بالصلاة ~~منهي عنه مجردا عنها ومن أورد ذلك الوجه # PageV01P171 # على طريق الملازمة يجاب عنها بتخصيص المدعى بأن يقال المدعى تجويز تعلق ~~الأمر والنهي معا بذي جهتين ينفك المنهي عنه عن المأمور به في الجملة أو كل ~~واحدة منها عن الأخرى في الجملة وحينئذ لا يلزم ما ذكروه من فساد صوم يوم ~~النحر لامتناع انفكاك صوم يوم النحر عن الصوم من حيث هو صوم لاستلزام الأخص ~~الأعم وسيأتي تتمة الكلام على صوم النحر وبيان بطلانه في الفصل الآتي بعد ~~هذا إن شاء الله تعالى # وأما القاضي أبو بكر بن الطيب فإنه احتج لفساد الصلاة في الأرض المغصوبة ~~بالوجوه المتقدمة وقد أجبنا عنها ثم رأى أن ذلك معارض بإجماع السلف على ~~سقوط المطالبة بها فقال الغرض يسقط عندها لا بها جمعا بين الدليلين # واختار هذه الطريقة ابن الخطيب في المحصول قال لأنا بينا بالدليل امتناع ~~ورود الأمر بها والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلوات ~~المؤداة في الدور المغصوبة ولا طريق إلى التوفيق بينهما إلا ما ذكرناه # وقد اعترض المحققون على هذه الطريقة بعبارات مختلفة # وقال إمام الحرمين هذا عندي حائد عن التحصيل غير لائق لمنصب هذا الرجل ~~الخطير يعني القاضي أبا بكر فإن الأعذار التي ينقطع بها الخطاب # PageV01P172 # محصورة فالمصير إلى سقوط التكليف من متمكن من الامتثال ابتداء ودواما ~~بسبب معصية لابسها لا أصل له في الشريعة # والذي يتحصل من كلامهم في رد هذه الطريقة وجوه أرجحها # منع وجود الإجماع المذكور وإن كان قد احتج به جماعة من الأئمة كالغزالي ~~ومن بعده حتى قال الغزالي رحمه الله وغيره ms59 أن من قال بأن الفرض لم يسقط ~~بالصلاة في الدار المغصوبة لمحجوج بالإجماع وليس الأمر كما ذكر لأن الإجماع ~~لم ينقل عن المتقدمين لفظا عنهم بل غاية ما قال القاضي أبو بكر لم يأمر ~~أئمة السلف الظلمة بإعادة الصلوات التي أقاموها في الأرض المغصوبة # وحاصل هذا إثبات الإجماع بعدم النقل وقد علم أن عدم الوجدان لا يلزم منه ~~عدم الوجود فلا يثبت ادعاء الإجماع حتى يثبت النقل بأن الظلمة غصبوا أراض ~~معينة غصبا محققا ثم كانوا يصلون فيها والعلماء من الصحابة المتأخرين ومن ~~بعدهم من التابعين يشاهدونهم ولا يأمرونهم بالإعادة مع قدرتهم على الإنكار ~~عليهم ثم شاع ذلك واستمر العمل به في الأمصار كلها حتى انعقد الإجماع عليه ~~وكل هذه المقدمات لا يمكن ثبوت شيء منها بل الظاهر خلافها وان ذلك لم يتفق ~~في عصر الصحابة رضي الله عنهم ولو اتفق من واحد من ولاة بني أمية لأمكن أن ~~يخفى عليهم ولو قدر أن لا يخفى عنهم لأمكن أن ينكروا ذلك ويخفى عنا لأن ~~الظاهر من حالهم أنهم لا يقرون عن المنكر وقد كانوا ينكرون أقل من هذا وكيف ~~يدعي الإجماع في المسألة وفيها # PageV01P173 # الخلاف من مثل الإمام أحمد بن حنبل وأصبغ بن الفرج وعبد الملك بن حبيب من ~~المالكية # وقد قال إمام الحرمين عزي المنقول عن أحمد إلى طوائف من سلف الفقهاء وقيل ~~هو رواية عن مالك ولا ريب في أن الإمام أحمد رحمه الله من أعلم الفقهاء ~~بالإجماع والاختلاف وأكثرهم إطلاعا على الآثار المنقولة عن السلف فكيف يخفى ~~عليه مثل هذا # وقول فخر الدين المتقدم أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلوات ~~فيه خلل ظاهر فإن الذي ادعاه من نقل الإجماع واستروح إليه إنما هو عدم أمر ~~الأئمة من السلف للظلمة لا النقل عنهم كلهم أن الظلمة لا يؤمرون وفرق بين ~~المقامين # ثم إن الإجماع عند فخر الدين دليل ظني وما ذكره من الأدلة التي سبق ذكرها ~~قطعية على زعمه فكيف يعارض الظني القطعي حتى يحتاج إلى ms60 الجمع بينهما # وقولهم إن الفرض يسقط عندها لا بها لا يخفى ضعفه وخصوصا في مقابلة ما ~~أدعوه من القاطع فإن سقوط الفرض المعين منحصر في أدائه على الوجه الذي أمر ~~به أو تعذره من المكلف بخروجه عن أهلية التكليف ونحو ذلك أو بالنسخ عنه ~~والأخيران منتفيان هنا فتعين أن يكون السقوط للمعنى الأول وهذا القدر كاف ~~في هذه المسألة وفيها مباحث طويلة وتشكيكات كثيرة على الأدلة من الطريقين ~~لا فائدة في ذكرها لئلا يطول الكلام # وقد ذكر الأصفهاني شارح المحصول مسألة ترد نقضا على القائلين # PageV01P174 # ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة وهي صوم يوم من شهر رمضان يخاف المكلف ~~على نفسه الهلاك به لسبب الصوم فإن الصوم حرام عليه في ذلك النهار قطعا مع ~~أنه صحيح وذكر أنه لا جواب لهم عنه وهذا إنما يتم إذا كان الحنابلة ومن ~~وافقهم يسلمون صحة صوم ذلك اليوم فإن كان كذلك فهو نقض قوي وبه يتبين أيضا ~~اعتبار الجهتين # لكن الظاهرية يقولون ببطلان مثل هذا الصوم وأنه لا يؤدى عن الفرض كما ~~يقولون بمثله في صوم المسافر بل ها هنا أولى # والذي اعتمد عليه الغزالي في النقض عليهم ما تقدمت الإشارة إليه وهو أن ~~من في ذمته حق لغيره وهو قادر على رده إليه أو استحلاله منه ولم يفعل أنه ~~لا يصح بيعه ولا صلاته ولا زكاته وإذا تزوج المطلقة ثلاثا لا يحصل التحليل ~~بوطئه لأنه عصى بترك رد المظلمة ولم يتركه إلا بتزويجه وبيعه وصلاته قال ~~فيؤدي هذا إلى تحريم أكثر النساء وفوات أكثر الأملاك وهو خرق للإجماع قطعا ~~وذلك لا سبيل إليه # وذكر جماعة من المصنفين أن الخلاف في الصلاة في الدار المغصوبة جار # PageV01P175 # في الوضوء بالماء المغصوب من الإناء المغصوب والتيمم بتراب مغصوب والمسح ~~على خف مغصوب وكذلك الزكاة إذا خرجت بمكيال مغصوب أو ميزان مغصوب والحج على ~~جمل مغصوب أو بنفقة حرام وكذلك الوضوء من إناء الذهب أو الفضة حكاه الشيخ ~~محي الدين والذبح بسكين مغصوب فإنه لا تحل الذبيحة ms61 أيضا عندهم وكذلك إقامة ~~الحد بسوط مغصوب وما أشبه ذلك # وقال الشيخ صفي الدين الهندي رحمه الله في نهاية الوصول بعده ذكره أكثر ~~هذه المسائل اختلف القائلون ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة سواء قالوا ~~بوجوب القضاء أو بسقوط الطلب عندها لا بها فمنهم من عمم المنع في الكل ~~ومنهم من خصص بما إذا كان المنهي عنه جزءا أو لازما للماهية دون غيره # فأشار بالأول إلى داود وأتباعه وبالثاني إلى الإمام أحمد بن حنبل # PageV01P176 # فإن الروايات اختلفت عنه في آحاد هذه المسائل لكن جادة مذهبه أن كل منهي ~~عنه غير صحيح وإن كان النهي لمعنى خارجي # لكن اتفقت الروايات عنه على أن الطلاق البدعي في الحيض ونحوه ينفذ وكذلك ~~إرسال الثلاث جملة وإن كان منهيا عنه عنده واتفق على ذلك أصحابه كافة ~~والنقض بهذه الصور وارد عليهم قطعا فإن فرقوا بين المقامين بأن الإيقاعات ~~يغتفر فيها ما لا يغتفر في العبادات والعقود نقض ذلك عليهم بقولهم في الذبح ~~بالسكين المغصوب أنه لا يحل الذبيحة # وقد نقل ابن برهان الإجماع على صحة صلاة الجمعة في البقعة المغصوبة بعد ~~ذكر الخلاف المتقدم في مطلق الصلاة في الدار المغصوبة # ومما يشهد لصحة المنهي عنه إذا كان النهي لغيره إثباته صلى الله عليه ~~وسلم الخيار لمشتري المصراة إذا تبين التصرية مع أن التصرية غش وتدليس منهي ~~عنه قطعا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم ببطلان البيع بل أثبت الخيار ~~وذلك دال على إنعقاده مع ارتكاب البائع النهي فيه # وكذلك تلقي الركبان ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه ثم أثبت لمن تلقى ~~واشترى منه الخيار إذا قدم السوق كما هو في الصحيحين وذلك يقتضي تصحيح ~~العقد كما في المصراة على أنه روي عن أحمد بن حنبل رحمه # PageV01P177 # الله في رواية أن البيع باطل طردا لقاعدته والحديث حجة على هذه الرواية # وفيما تقدم من تحقيق الفرق بين المقامين وأن النهي عنه لغيره لم يتوارد ~~النفي والإثبات فيه بالنسبة إلى معنى واحد فلا يكون مرتكبه داخلا ms62 تحت ~~الأدلة المتقدمة الدالة على أن النهي يقتضي الفساد كفاية وأبينها ما ذكره ~~المازري رحمه الله من ضرب المثال بمن طلب من عبده أن يسقيه ماء ويرفق في ~~إمساكه كما تقدم والفرق واضح جدا بين من صلى بغير وضوء أو توضأ بماء نجس ~~وبين من توضأ بماء مغصوب فإن الأول لم يأت بالمأمور به والثاني لم يأت به ~~على وجهه المشروع في ذاته وأما الثالث فأتى به على وجهه ولكن عصى بأمر ~~خارجي عنه # فإن قيل وبماذا يعرف كون النهي عن الشيء لأمر خارجي حتى يعلل به عن ~~اقتضائه الفساد قلنا # يعرف ذلك تارة بتنصيص الشارع أو إيمائه إلى ذلك كما في قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإن هذا ~~إشارة إلى أن النهي عن هذا البيع إنما هو لما يقترن به من المضرة للغير ~~وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الرجل على بيع أخيه وعن # PageV01P178 # بيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان وأمثاله فالنهي متعلق بالبيع من جهة ~~اللفظ وبإضرار الغير من جهة المعنى كما في قوله تعالى {ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} النهي عن الموت في اللفظ وليس ذلك مقدورا بل هو في الحقيقة عما ~~يقترن به من الكفر # وكذلك قوله تعالى {ولا يصدنكم الشيطان} والنهي عن الصد للشيطان في اللفظ ~~وللمكلفين في المعنى # ومثل هذا قول القائل لغيره لا أرينك ها هنا فإنه لم يقصد المتكلم بالنهي ~~نفسه وإنما المقصود به المخاطب وتارة يعرف ذلك من جهة أن النهي ليس مختصا ~~بمورده بل يعم صورا غير المنهي عنه كالبيع وقت النداء للجمعة فإن الإتفاق ~~على أن غير البيع من سائر الشواغل عن الجمعة كالبيع في النهي عن الاشتغال ~~بها # فدل على أن النهي في الآية عن البيع ليس لذاته ولا لخلل في أركانه ~~وشرائطه بل لكونه سببا لترك الجمعة # وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة إذ التحريم ليس مختصا بالصلاة # PageV01P179 # فقط بل يعم سائر الأفعال والحركات والسكنات الكائنة ms63 في الأرض المغصوبة ~~فعلم من ذلك أن النهي ليس لذات الصلاة # وتارة يعرف ذلك من جهة المعنى كما في طلاق الحائض فإنه ليس لذاته بل لما ~~يقترن به من تطويل العدة # وكذلك الصلاة في أعطان الإبل لما يخشى من نفارها فتشوش على المصلي # وكالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين فإن ذلك لما فيه من تفويت كمال ~~الخشوع وتشويشه ولو ترك الخشوع عمدا صحت صلاته فدل على أن النهي لأمر خارجي # وكذلك نهي الحاكم عن أن يحكم بين اثنين وهو غضبان فإنه احتياط للحكم فإذا ~~وقع الحكم في هذه الحالة بأركانه وشرائطه صح اتفاقا فدل ذلك على أنه لأمر ~~خارجي غير ذات المنهي عنه وهذه أيضا مما ترد على الحنابلة # وكذلك بيع العنب ممن يتخذه خمرا لما كان المنع منه لئلا يتوسل به إلى ~~اتخاذ الخمر المنهي عنه صحح الشافعي البيع لأنه ليس لذات المبيع وقال أحمد ~~ببطلانه طردا للقاعدة # فإن قيل فلم قال الشافعي ببطلان البيع إذا وقع به التفريق بين الوالدة ~~وولدها مع أن النهي عنه لغيره لا لذات العقد # قلنا لأن تسليم المبيع فيه ممنوع شرعا والممتنع شرعا كالممتنع حسا فكان ~~المبيع غير مقدور على تسليمه وذلك شرط في صحة البيع # PageV01P180 # فإن قيل يرد عليه أيضا بطلان نكاح المحرم فإن المنهي عنه لكونه وسيلة إلى ~~الوطء المحرم حالة الإحرام قلنا ليس كذلك بل هو من المنهي عنه لوصفه اللازم ~~بدليل النهي له أيضا عن أن ينكح غيره أو أن يخطب فهو كالنهي عن الصلاة بغير ~~وضوء والإحرام بالنسبة إلى العقد كالحدث بالنسبة إلى الصلاة # وقد ذكر المالكية فرعا حسنا لم أره مسطورا في كتب أصحابنا وهو ما إذا لبس ~~المحرم الخف متعديا به ثم توضأ ومسح عليه فقالوا لا تصح طهارته وفرقوا بينه ~~وبين الماسح على الخف المغصوب بأن الماسح على الخف المغصوب مخير بين الغسل ~~والمسح على الخف في الجملة غاية الأمر أنه تعدى باستعمال المغصوب ومسح عليه ~~وكان النهي في المجاور كما مر في نظائره وأما ms64 المحرم فإنه لم يؤمر حالة ~~الإحرام إلا بغسل الرجل ولم يخير بينه وبين المسح فإذا لبس الخف ومسح عليه ~~لم يأت بالمأمور به فلم تصح طهارته وهو فرق حسن وبحث صحيح ولا يتعد أن ~~يتخرج على قواعد الشافعية # والحاصل أن النهي متى ظهر فيه أنه لأمر خارجي لم يكن دالا على الفساد ~~وإذا لم يظهر فيه ذلك حمل على الفساد سواء تحقق فيه أنه لعين المنهي عنه أو ~~لوصفه اللازم أو لم يتحقق ذلك كنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى ~~يجري فيه الصاعان والله سبحانه أعلم # PageV01P181 ### | الفصل الخامس # في البحث مع الحنفية في دلالة النهي على الصحة وقد تقدم أنهم لا يقولون ~~بذلك في جميع المناهي بل في المنهي عنه لوصفه اللازم وإن كان جماعة من ~~الأئمة المصنفين أطلقوا القول عنهم بذلك والكلام في أبحاث # البحث الأول في أن النهي لا يدل على الصحة أصلا وبيانه من وجهين الأول ~~أنه لو دل على الصحة لدل إما بلفظه أو بمعناه والقطع حاصل بأنه لا يدل عليه ~~بلفظه وأما أنه لا يدل عليه بمعناه فلأن شرط الدلالة المعنوية اللزوم إما ~~قطعا أو ظاهرا والتحريم لا يستلزم الصحة لا قطعا ولا ظاهرا بل هو مستلزم ~~لعدمها لما بيناه في الوجوه الدالة على أن النهي يقتضي الفساد وأن مقصود ~~التحريم أن لا يوجد الفعل والقول بالصحة مضاد لهذا المقصود لأنه يفضي إلى ~~الوجود # ومن وجه آخر أن كون التصرف صحيحا يلزم منه كونه مشروعا ومن ضرورة كونه ~~مشروعا كونه مرضيا قال الله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية ~~وكون الفعل محرما منهيا عنه ينافي هذا الوصف وإن كان داخلا في المشيئة ~~والقضاء الأزلي إذ لا يلزم من ذلك # PageV01P182 # الرضا فإن الكفر وسائر المعاصي واقعة بقضاء الله وقدره ولا يرضى بها وإذا ~~ثبت التنافي بين التحريم والصحة لم يكن النهي دالا على الصحة بطريق اللزوم ~~أصلا بل هو دال على نقيضها كما بيناه فيما تقدم # الثاني أنا أجمعنا ms65 على وجود النهي حيث لا صحة كالنهي عن بيع المضامين ~~والملاقيح وحبل الحبلة وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض بقوله صلى الله ~~عليه وسلم دعي الصلاة أيام أقرائك وكالنهي عن نكاح ما نكح الآباء إلى غير ~~ذلك من المناهي فلو كان النهي مقتضيا للصحة لكان # PageV01P183 # تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف مقتضى الدليل ولا ريب أن ذلك على خلاف ~~الأصل سواء كان لمعارض أو لا لمعارض بل نقول الأصل عدم المعارض وان أبدي ~~إجماع في هذه الصور فالظاهر أنه مستند إلى النهي إذ لا إجماع إلا عن مستند ~~ولم يزل العلماء يستدلون على الفساد بالنهي عنها كما تقدم فتكون هذه ~~المناهي مستند الإجماع # ولا يرد على ذلك المواضع التي حكم فيها بالصحة مع النهي عنها لأنا نقول ~~ليس شيء من ذلك منهيا عنه لعينه ولا لوصفه اللازم بل كلها من المنهي عنه ~~لأمر خارجي جاوره وكلامنا في القسمين الأولين فالنقض إنما يرد على المالكية ~~في إثباتهم شبهة الصحة في بعض الصور كما تقدم # فإن قيل قد الصحة أثبتم فيما إذا أحرم مجامعا مع ارتكابه المنهي عنه قلنا ~~هو وجه مرجوح لبعض الأصحاب وليس عليه الفتوى ولنا وجهان آخران أحدهما أنه ~~لا ينعقد إحرامه أصلا كما لا تنعقد الصلاة مع الحدث وهذا هو الأصح # والثاني أنه ينعقد فاسدا كما لو جامع بعد انعقاد الإحرام فإنه يفسد ~~إحرامه ويجب عليه القضاء والكفارة والمضي في إتمام هذا الفاسد وسيأتي ~~الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى # واحتج محمد بن الحسن رحمه الله تعالى لأن النهي يقتضي الصحة # PageV01P184 # بأن صوم يوم العيد وأيام التشريق منهي عنه والنهي لا يقع عما لا يتكون ~~وقرروا هذا الكلام بوجهين # أحدهما أن الأصل في ألفاظ الشارع تنزيلها على عرفه وعرف الشارع في النهي ~~عن الصلاة والصوم والبيع ونحو ذلك إنما هو المعتبر شرعا فلو لم يكن التصرف ~~المنهي عنه كذلك لكان المنهي عنه غير الأمر الشرعي وهو ممتنع # وثانيهما أن النهي عن غير المقدور قبيح وعبث بدليل ms66 أنه يقبح أن يقال ~~للأعمى لا تبصر وللزمن لا تمش لكونه غير متصور منه فيكون النهي عن غير ~~المتصور قبيحا وعبثا وهو غير جائز على الحكيم فيلزم أن يكون المنهي عنه ~~متصور الوقوع ويلزم من ذلك صحته # والجواب عن المذكور أولا أن الشرعي ليس معناه هو المعتبر في نظر الشرع ~~فإن الشرعي قد يكون صحيحا وقد يكون فاسدا والدليل على أن الشرعي المنهي عنه ~~ليس هو الصحيح المعتبر قوله صلى الله عليه وسلم للحائض دعي الصلاة أيام ~~أقرائك فإن الصلاة المنهي عنها هي الصلاة الشرعية لأن اللغوية لا ينهى عنها ~~وهذه الصلاة المأمور بتركها فاسدة غير معتبرة في نظر الشرع وأيضا لو كان ~~المراد بالنهي الشرعي الذي يعتبر معناه بحسب عرف الشرع لزم دخول الوضوء ~~وغيره في الشرائط في مسمى الصلاة الشرعية لأن كونها شرعية إنما يتحقق عند ~~اجتماع شرائطها # PageV01P185 # وعن الثاني أن الصحة على ثلاثة أقسام صحة عقلية وهي إمكان الشيء وقبوله ~~للوجود والعدم في نظر العقل كإمكان الأجسام والأعراض # وصحة عادية كالحركة الممكنة من القادر عليها مثل المسمى أماما ويمينا ~~وشمالا دون الصعود في الهواء # وصحة شرعية وهي للإذن الشرعي في جواز الإقدام على الفعل والنزاع إنما هو ~~في الصحة الشرعية وما ذكروه في قضية الأعمى والزمن دليلا على العبث والفساد ~~إنما هو دال على اشتراط الصحة العادية وهي مجمع على اعتبارها فإنه ليس في ~~الشريعة مأمور به ومنهي عنه ولا مشروع على الإطلاق إلا وفيه الصحة العادية ~~بل لم يقع في اللغة طلب وجود ولا عدم إلا فيما يصح عادة فالدليل الذي ذكروه ~~لا يجامع صورة النزاع ولئن سلمنا أن ما ذكروه يدل على الصحة الشرعية ~~فالامتناع في المنهي عنه لم يأت من ذاته حتى يقبح النهي عنه بل إنما جاء من ~~تعليق النهي به فلم يكن ممتنعا شرعا إلا بعد النهي والمستقبح إنما هو النهي ~~عن ممتنع وقوعه قبل النهي بسبب آخر # سلمناه لكن ما المانع من حمل النهي على النسخ كما إذا قال الموكل لوكيله ms67 ~~لا تبع هذا فإنه وإن كان نهيا في الصيغة لكنه نسخ في الحقيقة لتلك الصحة ~~السابقة ثم إن هذا منقوض بقوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات} {ولا تنكحوا ما ~~نكح آباؤكم} وقوله صلى الله عليه وسلم للحائض دعي الصلاة # PageV01P186 # أيام أقرائك فإن كل ذلك ممتنع شرعا وقد منع منه فإن قالوا يحمل النكاح ~~والصلاة في هذه الصورة وما أشبهها على المسمى اللغوي دون الشرعي # قلنا قد خالفتم قولكم أن الممتنع لا يمنع منه لأن النكاح اللغوي الذي هو ~~مجرد الوطء أو العقد على اصطلاح الجاهلية ممتنع في الشرع ثم قد منع منه ~~وأيضا يتعذر ذلك في دعي الصلاة أيام أقرائك لأن مفهوم الصلاة اللغوي إنما ~~هو الدعاء وليست الحائض ممنوعة منه # وأجاب الشيخ الموفق في الروضة وغيره أيضا بأن حمل ألفاظ الشارع على ~~الحقائق الشرعية إنما يلزم في الأوامر فإن بهذا الحمل تتحقق صورة المأمور ~~به وأما في النواهي فلا يلزم بل المقصود تصور الأفعال المنظومة ذهنا ثم ~~الكف عنها وذلك كاف في الانتهاء والله أعلم # PageV01P187 # البحث الثاني في المنهي عنه لوصفه وقد تقدم أن قاعدتهم فيه فساد ذلك ~~الوصف دون المنهي عنه وأن الشافعي ومن وافقه من الجمهور قالوا تحريم الشيء ~~لوصفه مضاد لوجوب أصله فيقتضي الفساد ظاهرا كالمنهي عنه لعينه # وحقيقة هذا الخلاف ترجع إلى أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقا ثم نهى عنه في ~~بعض أحواله فهل يقتضي ذلك النهي إلحاق شرط بالمأمور به حتى يقال أنه لا يصح ~~بدون ذلك الشرط ويصير الفعل الواقع بدونه كالعدم كما في الفعل الذي اختل ~~منه شرطه الثابت شرطيته بدليل آخر أم لا يكون كذلك # ومثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر والأمر بالطواف والنهي ~~عنه مع الحدث في قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لما حاضت ~~افعلي المناسك كلها غير أن لا تطوفي في البيت وأمر بالصلاة ثم نهى عن ~~إيقاعها في الأوقات الخمسة وشرع البيع مطلقا ثم نهى عن الربوي متفاضلا إلى ~~غير ذلك من ms68 الصور فالشافعي والجمهور قالوا إن النهي على هذا الوجه يقتضي ~~الفساد وإلحاق شرط بالمأمور لا تثبت صحته بدونه # وذهبت الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف المنهي عنه دون الأصل المتصف به ~~حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحا بحسب الأصل فاسدا ~~بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد وإلا # PageV01P188 # فمجرد النهي عنه لا يدل على الفساد بل على الصحة كما تقدم فإذا نذر الرجل ~~صوم يوم النحر ينعقد نذره عندهم ويجب عليه إيقاعه في غير يوم النحر فإن ~~أوقعه فيه كان محرما ويقع عن نذره ويصح # وكذلك قالوا في طواف الحائض أنه يحرم عليها الطواف ويجزئها عن طواف الفرض ~~حتى يقع التحلل به وإذا باع درهما بدرهمين بطل العقد في الدرهم الزائد وصح ~~في القدر المساوي وهذا معنى قولهم صحيح بأصله فاسد بوصفه وإنما حكموا ~~ببطلان صلاة المحدث لقيام الدليل الدال على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة ~~أما من الإجماع أو من قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا ~~أحدث حتى يتوضأ ونحوه ولهم في ذلك مأخذان # أحدهما قالوا أن المنهي عنه في يوم النحر هو إيقاع الصوم فيه لا الصوم ~~الواقع وهما مفهومان متغايران فلا يلزم من تحريم الإيقاع تحريم كما أنه لم ~~يلزم من تحريم الكون في الدار المغصوبة تحريم نفس الصلاة لما كان المفهومان ~~متغايرين # الثاني ما تقدم أن النهي يستلزم تصور حقيقته الشرعية فيقتضي ذلك الصحة ~~والمنهي عنه قبيح لذاته وذلك قائم بالوصف لا بالأصل فيجب # PageV01P189 # العمل بمقتضى الأصلين فيكون صحيحا بأصله لمشروعيته فاسدا بوصفه لقبحه # واعترضوا على الجمهور بوطء الحائض فإنه منهي عنه لوصفه ويترتب عليه آثاره ~~من تكميل المهر بوجوب العدة وثبوت الإحصان وغير ذلك وبالطلاق في حالة الحيض ~~أيضا فإنه منهي عنه لوصفه وينفذ اتفاقا وبذبح شاة الغير بدون إذنه فإنه ~~محرم ويفيد ذكاته الحل أيضا # وحجة الجمهور الأدلة المتقدمة الدالة على أن النهي يقتضي الفساد وتحقيق ~~القول في ذلك يرجع إلى بيان التضاد ms69 بين الأمر والنهي في هذه الصور المتقدمة # وبيانه أن السيد إذا قال لعبده آمرك بالخياطة وأنهاك عنها فلا ريب في أن ~~ذلك متناقض يؤدي إلى الاستحالة كما تقدم فلو قال له آمرك بالخياطة وأنهاك ~~عن دخول الدار كان ذلك معقولا فإذا أتى العبد بالخياطة داخل الدار صح فيه ~~أن يقال أطاعه وعصاه كما بيناه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة # ولاريب في هذين القسمين وإنما الكلام في القسم المتوسط بين هذين وهو أن ~~يقول آمرك بالخياطة وأنهاك عن إيقاعها وقت الزوال فإذا خاط وقت الزوال فهل ~~جمع بين المطلوب والمنهي عنه أو ما أتى بالمطلوب الذي يظهر انه ما أتى ~~بالمطلوب فإن المنهي عنه هو الخياطة الواقعة وقت الزوال لا الوقوع في وقت ~~الزوال مع بقاء الخياطة مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن ~~الواقع ولو كانت الخياطة مطلوبة في كل # PageV01P190 # وقت للزم من ذلك أن تكون مطلوبة وقت الزوال ومنهيا عنها في ذلك الوقت ~~فيجتمع المحال # وأيضا فكل عربي يفهم من قول القائل أنهاك عن إيقاع الصوم في يوم النحر ما ~~يفهم من قوله أنهاك عن صوم يوم النحر من تحريم صومه مطلقا ولا شك في أن هذا ~~مضاد لوجوب صومه بل لصحته وانعقاده # وبهذا فارق الصلاة في الدار المغصوبة فإنه ليس المفهوم من النهي عن الغصب ~~أو من النهي عن اللبث في الدار المغصوبة عين ما هو المفهوم من النهي عن ~~الصلاة حتى يلزم من فساد صوم يوم النحر فساد الصلاة في الدار المغصوبة ~~وأيضا لا يمكن الجمع بينهما عند الحنفية فإنهم وإن قالوا بصحة الصوم في يوم ~~النحر فليس على الإطلاق بل هو مختص عندهم بالمنذور دون غيره من أنواع ~~الصيام والصلاة في الدار المغصوبة صحيحة مطلقا لا تختص بصلاة دون صلاة فهذا ~~يوجب الاقتران أيضا في أصل الحكم # وأما قولهم أن النهي عن الشيء يستلزم تصور حقيقته الشرعية فقد تقدم ~~الجواب عنه ثم أن هذا منقوض بما تقدم ذكره من بطلان صلاة الرجل إذا ms70 حاذته ~~المرأة في موقفه وبطلان صلاة من عليه قضاء أربع صلوات فما دونها ولا جواب ~~لهم عن هذين فإنه لو ثبت في ذلك نهي خاص كان نهيا عنه لوصفه كالصوم في يوم ~~النحر قطعا وكذلك قولهم في بطلان نكاح المتعة ولافرق بينه وبين نكاح الشغار ~~وكذلك بطلان بيع المضامين والملاقيح والصوف على ظهر الغنم والجذع في السقف ~~وضربة الغائص مع تصحيح بيع الربوي بجنسه متفاضلا في القدر المساوي والمقترن ~~بالشرط # PageV01P191 # الفاسد مع حذف ذلك الشرط فإنه لا فرق بين هذه الصورة إلا ما ذكروه من ~~الإضافة إلى غير محل في بيع الحر والمضامين والملاقيح ونحو ذلك وان ما عدا ~~ذلك يرجع إلى الوصف وهو فرق اصطلاحي لا يزيد على كونه عين المتنازع فيه فإن ~~قيل النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام وغيرهما من الأماكن المكروهة توجه ~~النهي إلى الصلاة وهو نهي عنها لوصفها فلم قلتم بصحتها # قلنا لأن النهي إنما تعلق بها لأمر خارجي مجاور لها فكان كالبيع وقت ~~النداء وهذا هو الجواب عن الطلاق في حالة الحيض والوطء فيه فإن ذلك للمجاور ~~أيضا كما تقدم أن النهي عن الطلاق في حالة الحيض لما فيه من تطويل العدة ~~وفي الطهر الذي جامعها فيه لما يخشى من الندم عند ظهور الولد وعن الوطء في ~~الحيض لما فيه من ملابسة الدم # وأما ذبح ملك الغير بدون إذنه فقد أجاب عنه ابن الحاجب وعن الصور ~~المذكورة آنفا أيضا بأن اقتضاء النهي عن الشيء لوصفه الفساد إنما هو على ~~وجه الظهور لا القطع وهذه الصور مستثناة بدليل خارجي كما في المواضع التي ~~صرف فيها النهي عن حقيقته إلى مجازه من الكراهة والعموم عن ظاهره إلى ~~الخصوص ونحوه # PageV01P192 # ونحن قد بينا أن طلاق الحائض ووطأها من المنهي عنه لغيره فلا يحتاج ~~الاستثناء لدليل إلا ذبح شاة الغير # قالوا فصوم يوم النحر منهي عنه أيضا لغيره الخارج عنه وهو ترك إجابة دعوة ~~الله بالأكل في هذا اليوم والإعراض عن الوظيفة الموضوعة في هذا الوقت من ~~الله ms71 سبحانه لعباده # قلنا إن ثبت أن هذا المعنى هو المقتضي لتحريم الصوم فهو وارد عليكم لأن ~~الصوم نقيض الأكل المطلوب فكيف يقال أجب دعوة الله وكل والصوم يقع منك ~~عبادة ولاريب في أن هذا متناقض فإن قيل فلم انعقدت الصلاة في الأوقات ~~الخمسة أما مطلقا على قول أو ذات السبب باتفاق الأصحاب # قلنا أما القول بانعقادها فقد تقدم أن له أحد مأخذين أما حمل النهي على ~~الكراهة والمقتضي للفساد إنما هو نهي التحريم وأما صرف النهي إلى أمر خارجي ~~عن ذات الصلاة ووصفها وذلك لما فيه من التشبه في الأوقات بالكفار وغير ذلك ~~مما هو معروف في كتب الفقه # وأما ذات السبب فبالدليل المقتضي لاستثنائها عن بقية الصلوات كما هو مقرر ~~في موضعه فهو كذبح شاة الغير ولا يخرج بذلك أصل النهي عن اقتضاء الفساد كما ~~تقدم # خاتمة من أقوى ما يتمسك في إبطال قاعدة الحنفية هذه أن أصلهم المستقر أن ~~المنهي عنه قبيح شرعا كما أن المأمور به حسن شرعا وأن # PageV01P193 # الأصل أن يكون القبح قائما بالمنهي عنه إلى أن يثبت بدليل أنه منصرف إلى ~~غيره لأن الكمال في صفة القبح أن يكون في المنهي عنه لا في غيره كما في ~~جانب الأمر الحسن الشرعي قائم بالمأمور به لا بغيره إلا أن يدل دليل على ~~خلاف ذلك فإن صرف هذا إلى كون النهي راجعا إلى الوصف دون الأصل خروج عن ~~الأصل # هذا ما صرحوا به في كتبهم فعلى هذا يقال جميع المناهي التي حكموا فيها ~~بفساد الوصف دون الأصل وجعلوا النهي راجعا إلى الوصف لم يرد النهي فيها من ~~الشارع إلا على ذات الأصل كنهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيدين # وعن بيع وشرط وعن نكاح الشغار وأمثاله ولم # PageV01P194 # يرد النهي عن الوصف خاصة إلا أن يكون نادرا فيكون جعلهم النهي في هذه ~~كلها راجعا إلى الوصف دون الأصل مجازا والأصل خلافه إلى أن يثبت ذلك بدليل ~~ولم يثبت من السنة ولا من إجماع الأمة ما يقتضي ms72 هذه القاعدة أصلا بل ثبت في ~~الحديث خلافها كما تقدم من إبطاله صلى الله عليه وسلم بيع القلادة في زمن ~~خيبر ولم يصحح العقد في القدر المساوي ويبطله في القدر الزائد وكذلك رده ~~صلى الله عليه وسلم التمر الذي اشترى له الصاع بالصاعين ولم يبين لهم أن ~~العقد يصح في القدر المساوي دون غيره بل ابطل البيع بالكلية فلو كان الشرع ~~يقتضي تصحيح العقد على الوجه الذي ذكروه لكان في هذه الصور وأمثالها تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة إذ لم يبين ذلك في وقت أصلا ولا يجدونه منقولا البتة ~~فهذا وحده كاف في الرد لهذه القاعدة والله أعلم # البحث الثالث في بيان الفروع التي تنشأ عن هذه القاعدة على أصولهم وأصول ~~الجمهور المخالفين لهم # وقد بالغ الحنفية في التخريج على هذا الأصل حتى عدوه إلى ما ليس منه على ~~قاعدتهم فقالوا إن الزنا يترتب عليه حرمة المصاهرة بين أم المزني بها ~~وابنتها وبين الزاني # وأن الغاصب إذا أدى قيمة المغصوب إلى المغصوب منه عند إدعاء الهلاك # PageV01P195 # وهو كاذب في ذلك يملك المغصوب بذلك وإن الكفار إذا استولوا على أموال ~~المسلمين ملكوها # والحق أن شيئا من هذه المسائل لا ترجع إلى هذا الأصل لأن الزنا والغصب ~~والاستيلاء من الأفعال الحسية ولا خلاف عندهم أن النهي عن الأفعال الحسية ~~لانتفاء المشروعية ولهذا لم يقل أحد بمشروعية الزنا والغصب وقد تقدم أن ~~تفريقهم بين الزنا والسرقة ونحو ذلك وبين عقد البيع والنكاح الفاسدين بأن ~~الزنا ونحوه من الأفعال الحسية لا حاصل تحته وليس ثم دليل من نقل أو قياس ~~يقتضي هذه التفرقة مع أن الكل من الأفعال الحسية فلم يبق إلا مجرد اصطلاح ~~على خلاف المعنى المناسب # وقد تقرر فيما تقدم أن المعصية والصحة متنافيان لأن معنى الصحة ترتب ~~الآثار المشروعة على الشيء فلا تجتمع المشروعية والمعصية في ذات واحدة ~~بالنسبة إلى معنى واحد ولهذا قال الشافعي رحمة الله عليه النكاح أمر حمدت ~~عليه والزنا أمر رجمت عليه فلم يجز أن يعمل أحدهما ms73 عمل الآخر ولا يرد وطء ~~الشبهة والجارية المشتركة لأنهما لا يوصفان بالتحريم من كل وجه # وأما وجوب الغسل وفساد الصوم والاعتكاف ونحو ذلك بهذا الوطء فذاك غير ~~مختص بالزنا بل هو مترتب على خروج المني باختياره على أي وجه كان حتى ~~بالإستمناء وكان يلزمهم أن يقولوا بوجوب مهر مثل في الزنا إذا كان بطواعية ~~من الحرة من جملة آثاره ولم يقولوا بذلك # وأعجب من هذا كله قولهم إن الزنا لا يحرم أصلا بنفسه بل لكونه سبب الولد ~~وإن وجود الماء الذي هو سبب الولد هو المقتضي لتحريم المصاهرة ووجود الولد ~~لا معصية فيه ولا عدوان إذ ليس باختياره # PageV01P196 # وهذا كلام متناقض والذي ينبغي القطع به أن الزنا محرم لذاته وهو ~~الاستمتاع بالمحل المحرم وان لم يكن مظنه الولد كوطء الصغيرة والآيسة التي ~~لا تلد مثلها وهم حاولوا بذلك (تخريجه على أن النهي عنه ليس لعينه بل لوصفه ~~وكان يلزمهم أن يقولوا فيه بالصحة بناء) على أصلهم # ومما خرجوا على هذا الأصل أيضا مسألة العاصي بسفره وانه يجوز له الترخص # قالوا لأن السفر في نفسه حسن مباح والعصيان بقطع الطريق ونحوه مجاور له ~~فكان كالبيع وقت النداء وهذا ممنوع بل المحرم هو نفس السفر كما في الصوم ~~يوم العيد سواء وإذا كانت المعصية حاصلة بنفس السفر فلا يكون هذا السفر ~~سببا للرخص الشرعي لما بينا من التنافي بين المعصية والصحة المشروعة فصرفهم ~~المعصية إلى المجاور ليس بصحيح وكذلك قولهم فيما إذا باع بخمر أو خنزير أن ~~الخلل ليس في ركن البيع ومحله بل في الثمن الذي هو تابع وهو كونه مالا غير ~~متقوم ففسد البيع بوصفه دون أصله ووجب ثمن المثل وكذلك في بيع الربوي بجنسه ~~متفاضلا ولا ريب في أن الثمن من الأركان المقصودة في البيع في نظر الشارع ~~ولهذا ابطل بيع القلادة والتمر الذي بيع متفاضلا # ثم فرقوا بين هذا وبين بيع الملاقيح والمضامين وما قالوا فيه ببطلان ~~البيع بان البيع في هذه الصور أضيف إلى غير محله فلم ms74 ينعقد # PageV01P197 # قلنا وكذلك إذا باع بخمر أو ميتة ونحو ذلك أو اشترى به أضيف فيه البيع ~~إلى غير محله وقد سلك البزدوي وغيره من أئمتهم في هذا الموضع طريقا عجبا ~~وهو انهم قالوا بصحة طواف الحائض مع التحريم دون صلاه المحدث ففرقوا بينهما ~~بان طواف المحدث ورد فيه مجرد النهي وهو يقتضي الصحة على أصلهم بخلاف ~~الصلاة فإنه ورد فيها النفي مثل (لا صلاة إلا بوضوء) والنفي يقتضي العدم ~~فيكون باطلا # ولهذا أيضا قالوا ببطلان النكاح بغير شهود لما رووا عنه صلى الله عليه ~~وسلم انه قال لا نكاح إلا بشهود # ثم لما ورد عليهم قولهم ببطلان بيع الملاقيح والمضامين ونكاح زوجة الأب ~~ونحو ذلك مما لم يرد فيه إلا مجرد النهي قالوا النهي في هذه الصور مجاز عن ~~النفي لما بينهما من المشابهة فهو مستعار له فلذلك قلنا فيه بالبطلان # وهذا متهافت من وجوه أحدها أن تقدير النفي في بعض المناهي دون بعض من غير ~~دليل يدل عليه تحكم لا وجه له # PageV01P198 # وثانيها أن ما ذكروه من الحديث لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود لم ~~يثبت بل الثابت في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة أحدكم ~~إذا أحدث حتى يتوضأ وفي حديث آخر لا يقبل الله صلاة بغير طهور فإن تعلقوا ~~بهذا وجعلوه فارقا بين الصلاة والطواف لزمهم مثله في صلاة العبد الابق ~~وشارب الخمر لورود مثل هذه الصيغة فيهما # وثالثها أن اعتبار النفي دليلا على البطلان لازم لهم في مثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل ولا نكاح إلا بولي وأشباهها من الأحاديث الصحيحة الثابتة فيها # PageV01P199 # صيغة النفي وقد قالوا فيها بالصحة بدون تلك الصفة بل الحديث الذي تعلقوا ~~به في بطلان النكاح بغير شهود لم يرد بذكر الشهود فقط بل مع الولي في قوله ~~صلى الله عليه سلم نكاح إلا بولي وشاهدي عدل والنكاح عندهم يصح بدون الولي ~~وبمجرد ms75 حضور من ليس بعدل # ومما فرعوا على أصلهم المتقدم في أن المنهي عنه مشروع بأصله فاسد بوصفه ~~الصلاة في الأوقات الثلاثة عند الطلوع والاستواء والغروب فإنها محرمة عندهم ~~فيها فقالوا الصلاة حسنة لذاتها والوقت صحيح بأصله فاسد بوصفه لمقارنة ~~الشيطان الشمس في هذه الأوقات فصارت الصلاة ناقصة فلا يتأدى بها الكامل ~~وتضمن بالشروع # وقالوا في صيام يوم النحر انه لا يضمن بالشروع يعني انه لا يجب قضاؤه إذا ~~شرع فيه بنية التطوع بل له الخروج منه وان كان منذورا ففرقوا بين الموضعين ~~مع أن فساد كل منهما بالنسبة إلى وقته وقد ردوا النهي فيهما إلى معنى خارجي ~~وقالوا بأن الصلاة بعد الصبح وبعده العصر مكروهة لا محرمة مع انه صلى الله ~~عليه وسلم قال لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب ~~الشمس فقالوا النفي هنا لنفي الكمال والفضيلة لا لنفي الأصل فلم يفوا ~~بالقاعدة المتقدمة في النفي والكلام في هذه الفروع وامثالها يطول وفيما ~~ذكرنا كفاية وبالله التوفيق # PageV01P200 ### | الفصل السادس # في لواحق وتتمات يذيل بها ما تقدم وفيه تنبيهات # الأول أن هذه المسألة وإن كانت جزئية فهي من القواعد الكبار التي ينبني ~~عليها من الفروع الفقهية ما لا يحصى وقد اضطربت فيها المذاهب وتشعبت الآراء ~~وتباينت المطالب كما بيناه فيما تقدم ثم إن كل الأئمة المجتهدين قد تناقض ~~فيها قولهم ولم يطردوا أصلهم الذي اختاروه فيها سوى الإمام الشافعي ومن ~~تابعه # أما الحنفية فقد تبين آنفا تناقض طريقهم فيها وما ينقض به عليهم من ~~المواضع التي قالوا فيها بالبطلان وليس ثم سوى مجرد النهي عن ذلك الشيء ~~لوصفه اللازم كنكاح المتعة والنكاح بغير شهود وبيع الملاقيح والمضامين ~~وضربة الغائص ونحوها وكصلاة من عليه أربع فوائت وصلاة الرجل المحاذي للمرأة ~~إلى غير ذلك # وأما الحنابلة وان طردوا القول بالبطلان في جميع المناهي حتى المجاورة ~~فقد نقضوا ذلك بتنفيذ الطلاق في الحيض وفي طهر جامعها فيه وإرسال الطلاق ~~الثلاث دفعة وحلت ذبح شاة الغير عدوانا # والظاهرية وإن ms76 طردوا القول بالفساد في هذه الصور أيضا فقد انتقض قولهم ~~بوطء الحائض فإنه محرم ومع ذلك رتبوا عليه أثره من تكميل المهر وثبوت ~~الإحصان وغير ذلك # PageV01P201 # وأما المالكية فقد قالوا إن النهي يقتضي الفساد وطردوا ذلك إلا في البيع ~~الفاسد إذا وجد أحد الأمور الأربعة المتقدم ذكرها فانهم حكموا فيها بالملك ~~للمشتري ورتبوا على الفاسد بعض ما يترتب على الصحيح من الآثار # وقد اعترف القرافي وغيره بأن المالكية لم يطردوا أصلهم في هذا الموضع لكن ~~زاد القرافي في شرح التنقيح فذكر أن الحنفية طردوا أصلهم في قولهم انه يدل ~~على الصحة وان الشافعي واحمد بن حنبل طردوا اصلهما في القول بأنه يقتضي ~~الفساد وقد تبين آنفا أن الحنفية والحنابلة لم يطردوا أصولهم في ذلك # وأما الشافعي فلم ينتقض قوله في المسألة بصورة أصلا لأنه قال بالفساد في ~~المنهي عنه لعينه أو لوصفه اللازم وان المنهي عنه لغيره المجاور له لا ~~يقتضي فسادا بل إن دل دليل من خارج على فساده فذاك لمعنى آخر غير المنهي ~~كما بينا في مسألة التفريق بين الوالدة وولدها فكل فكل موضع ورد فيه النهي ~~ولم يقل الشافعية بفساده لا يرجع النهي إلى عينه ولا إلى وصفه اللازم وكلما ~~رجع النهي فيه إلى أحد هذين قال فيه بالفساد فقد طرد اصله في المواضع كلها ~~مع صحته واعتضاده بالأدلة الراجحة حسبما بيناه فيما تقدم ولله الحمد والمنه # فإن قيل هذا منتقض بقولهم في ذبح شاة الغير عدوانا أنها تحل أكلها قلنا ~~وان سلم إن النهي راجع في هذه الصورة إلى وصفها اللازم فعنه جوابان # PageV01P202 # أحدهما أن المعتبر في حل الذبيحة كون المذكي من أهل الذكاة والآلة التي ~~يذبح بها واما التعدي بذلك فذاك أمر خارج لا تعلق له بأصل الذكاة وهي باقية ~~على ملك مالكها والمتعدي بالذبح يلزمه ما نقص من قيمتها بالذكاة # فلو قال الشافعي بدخولها في ملك الذابح مع ضمانها بالقيمة كان قد رتب على ~~النهي القول بالصحة فإن هذا هو المرتب على الفعل المنهي ms77 عنه في هذا الموضع ~~وأما الحل والتحريم فأمر آخر غير مختص بهذه الصورة وهذا بخلاف ذكاة المجوسي ~~والذكاة بالسن والظفر فان النهي لما ورد في هذه الصور راجعا إلى الوصف ~~اللازم قال الشافعي بفساد الذكاة وعدم الحل طردا لأصله # الثاني أنا وان سلمنا أنه رتب في هذه الصورة على المنهي عنه أثره من ~~الصحة فذاك لدليل خارجي وهو الحديث الذي رواه أبو داود في قصة المرأة التي ~~ذبحت شاة أخيها بغير إذنه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطعامه الأسارى ~~ولم يجعلها ميتة فكان هذا الدليل مقدما على القاعدة العامة كما في أمثاله ~~ولا يلزم منه بطلان القاعدة من اصلها ولا تناقض القول بغير دليل والله اعلم # الثاني ذكر القرافي في كتابه القواعد مسالة الصلاة في الدار المغصوبة ~~وفرق بينها وبين صوم يوم النحر بما تقدم ذكره # PageV01P203 # ثم أورد على ذلك انه لو نذر الصلاة في البقعة المغصوبة لم ينعقد نذره كما ~~لا ينعقد نذر الصوم يوم النحر عند الشافعية والمالكية # فأما أن يقال النهي عن الوصف لا يتعدى إلى الأصل في الجميع كما قالت ~~الحنفية أو يقال بتعديه إلى الأصل في الكل كالحنابلة فان هذين المذهبين ~~طرفا نقيض في تعميم القول بالفساد والقول بالصحة ومذهب مالك والشافعي متوسط ~~بينهما فيحتاج إلى الفرق بين الصور # ثم ذكر القرافي رحمه الله فرقين أحدهما بين صوم يوم النحر والصلاة في ~~الدار المغصوبة بأن النهي إذا توجه إلى عبادة موصوفة دل على أن تلك العبادة ~~عرية عن المصلحة الكائنة في العبادة التي ليست موصوفة بهذه الصفة الخاصة ~~والأوامر تتبع المصالح فإذا ذهبت المصلحة ذهب الطلب وحينئذ لا يبقى الصوم ~~قربة # وأما الصلاة في المغصوب فلم يأت النهي عنها لكونها صلاة إنما ورد النهي ~~عن مطلق الغصب وجاء في هذه الصلاة صفة لها بحسب الواقع مع جواز انفكاكها في ~~غير هذه الصورة فبقيت الصلاة بحالها مشتملة على مصلحة الأمر فكان الأمر ~~ثابتا فكانت قربة # وثانيهما بين العقود والصلاة في المغصوب بأن انتقال الأملاك في ms78 # PageV01P204 # المعاوضات يعتمد الرضا لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم ~~إلا بطيب نفسه ومن عقد على الربوي بجنسه متفاضلا لم تطب نفسه إلا بالعقد ~~المشتمل على الزيادة فان ألغيت الزيادة وصحح العقد بدونها لم يكن راضيا ~~بذلك فلم يحصل شرط العقد بخلاف الصلاة في المغصوب فانه وجد فيها الأمر ~~بجملته والنهي مقارن له خارج عنه كما تقدم تقريره فأعطي كل واحد منهما حكمه ~~كما إذا سرق في صلاته وهذا الفرق راجع في الحقيقة إلى ما تقدم وكذلك الذي ~~قبله لكن بعبارة أخرى # الثالث تقدم أن الإمام الغزالي رحمه الله اختار في المستصفى أن النهي عن ~~العقود لا يدل على فسادها خلاف ما اختاره في كتبه الفقهية ثم قال في آخر ~~كلامه فإن قيل قد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد دون البعض فما ~~الفيصل # قلنا النهي لا يدل على الفساد وانما يعرف فساد العقد والعبادة بفوات شرطه ~~وركنه ويعرف الشرط أما بإجماع كالطهارة في الصلاة وستر العورة # PageV01P205 # واستقبال القبلة وأما بنص وأما بصيغة النفي كقوله لا صلاة إلا بطهور ولا ~~نكاح إلا بشهود فذلك ظاهر في النفي عند انتفاء الشرط وأما بالقياس على ~~منصوص فكل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بالشرط فيدل على الفساد من حيث الإخلال ~~بالشرط لا من حيث النهي وشرط المبيع أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه ~~معينا أما كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف وشرط الثمن أن يكون مالا معلوم ~~القدر والجنس وليس من شرط النكاح الصداق فلذلك لم يفسد بكون النكاح على خمر ~~أو خنزير أو مغصوب وان كان منهيا عنه ولا فرق بين الطلاق السني والبدعي في ~~النفوذ وان اختلفا في التحريم # فان قيل فلو قال قائل كل نهي يرجع إلى عين الشئ فهو دليل على الفساد دون ~~ما يرجع إلى غيره فهل يصح # قلنا لا لأنه لا فرق بين الطلاق في حالة الحيض والصلاة في حالة الحيض ~~والصلاة في الدار المغصوبة فإنه إن أمكن أن يقال ليس منهيا عن الطلاق ms79 لعينه ~~ولا عن الصلاة لعينها بل لوقوعه في حالة الحيض ووقوعها في الدار المغصوبة ~~أمكن تقرير مثله في الصلاة في حال الحيض فلا اعتماد إلا على فوات الشرط # هذا كله كلام الغزالي في المستصفى وهو غير لائق لمنصبه في العلم # PageV01P206 # وتحقيقه فإن النهي عن الصلاة في حال الحيض ليس لأمر خارجي بل هو راجع إلى ~~ذات الصلاة ليكون العبد عند مناجاة ربه على أكمل أحواله بخلاف الصلاة في ~~الدار المغصوبة والطلاق في الحيض لما بيناه فيما تقدم # وقوله في أن معيار الفساد فوات الشرط سبقه إليه القاضي أبو بكر بن ~~الباقلاني وذكره ظابطا لذلك ومنه أخذ الإمام الغزالي وناقض به ما قرره في ~~كتبه الفقهية كما تقدمت الإشارة إليه ثم أنه يرد عليه في اعتبار هذا الظابط ~~المواضع التي قال بفسادها مع أنه لم يوجد فيها سوى مجرد النهي كالنهي عن ~~بيع وشرط وعن بيع ما لم يقبض وعن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وغير ذلك ~~مما لم يرد فيه صيغة نفي ولم يقم دليل من نص أو إجماع على شرطية الفائت ~~فإذا ادعى فيه الشرطية حتى يصير الفساد ناشئا عن فوات الشرط كان ذلك تحكما ~~لتخصيصه ذلك ببعض المناهي دون البعض من غير دليل فالذي يثبت على السير ~~ضابطا للفساد وعدمه ما قدمناه من رجوع النهي إلى ذات المنهي أو وصفه اللازم ~~أو رجوعه إلى الخارج المجاور له وهو الذي اعتبره الإمام الشافعي رض فقيل ~~أنه نص على ذلك صريحا وقيل بل هو مأخوذ من معاني كلامه ومفهوم من تصرفاته ~~والله أعلم # الرابع تقدم في نقل المذاهب في أصل المسألة أن من العلماء من فرق بين ما ~~إذا كان النهي يختص بالمنهي عنه كالصلاة في البقعة النجسة فيقتضي الفساد ~~وبين ما لا يختص به كالصلاة في الدار المغصوبة ومنهم من فرق بين ما يخل ~~بركن أو شرط فيقتضي الفساد دون ما لا يخل بواحد منهما # ومنهم من قال أن رجع النهي إلى عين المنهي أو وصفه اللازم كان ms80 الفساد ~~وإلا فلا فيتصدى النظر هنا أن هذه العبارات هل ترجع إلى # PageV01P207 # معنى واحد أو هي متباينة فتعد أقوالا كما فعلناه هناك الذي يظهر من كلام ~~المازري أن كل ذلك راجع إلى معنى واحد # ولهذا عبر إمام الحرمين عن الذي يرجع إلى ذات المنهي عنه بالذي يختص ~~بالمأمور به وظاهر كلام ابن برهان وغيره التفرقة بينهما وهذا هو الراجح فقد ~~تقدم قول الغزالي وغيره أن مجرد النهي عن الشيء لا يقتضي فساده ما لم تثبت ~~شرطية ذلك المنهي عنه بدليل آخر فلا تلازم عندهم بينهما # وكذلك قالت الحنفية في المنهي عنه لوصفه اللازم أنه لا يقتضي إلحاق شرط ~~بالمأمور به وكذلك لاختصاص بالشيء قد لا يكون شرطا فيه كاجتناب النجاسة في ~~الصلاة على قول المالكية فإن ذلك مأمور به وهو منهي عن ملابسة النجاسة في ~~بدنه وثيابه حالة الصلاة ومع ذلك فليس شرطا في صحة الصلاة على الإطلاق ~~عندهم حتى تصح صلاة من صلى بنجاسة ناسيا أو جاهلا وهو القول القديم للشافعي ~~وكذلك ستر العورة على أحد القولين للعلماء فإن ستر العورة منهم من جعل ~~الأمر به عاما في الصلاة وغيرها فلا اختصاص له بالصلاة ومنهم من جعله مختصا ~~بالصلاة لقوله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} # وعلى هذا ينبني وجوب الإعادة على من صلى عاريا فمن أوجب الإعادة قال ستر ~~العورة من خصائص الصلاة فيقتضي النهي عن عدمه فسادها ومن يقول لا تجب ~~الإعادة لا يجعله من خصائصها فظهر بهذا أنه لا يلزم من اختصاص النهي بالشيء ~~كون ذلك شرطا فيه # PageV01P208 # وهذا إنما يجيء على غير الراجح من مذهب الشافعي # أما على القول الصحيح الذي هو المختار فيما تقدم فلا فرق بين ذلك جميعه ~~والكل يقتضي الفساد لما تقرر أن النهي عن الشيء لوصفه يقتضي إلحاق شرط به ~~والله أعلم # الخامس ذكر الإمام المازري في شرح البرهان عن شيخه وأظنه أبا الحسن ~~اللخمي قولا بالتفصيل في المنهيات لم أظفر به حتى وصلت إلى هنا وهو مباين ~~لما تقدم من ms81 المذاهب ويتحصل منه زيادة قول آخر في المسالة وهو أن ما كان ~~النهي عنه لحق الخلق فإنه لا يدل على الفساد وجعل هذا التفصيل طريقا إلى ~~صحة الصلاة في الدار المغصوبة لأن النهي عنها لحق الخلق وتزول المعصية ~~بإسقاط المالك حقه وبالإذن له بخلاف ما هو حق الله تعالى فإنه لا يسقط بإذن ~~أحد ولا بإسقاطه # واحتج لذلك بأن التصرية تدليس لا يحل في البيع بإجماع والنهي عنه عائد ~~إلى المخلوقين لما فيه من الإضرار بهم والشارع لم يبطل البيع المقترن به بل ~~أثبت فيه الخيار للمشتري فلم يقتض التحريم فساد العقد لما كان لحق الخلق # PageV01P209 # وهذا القول غريب جدا ومقتضاه بأن النهي في العبادات يقتضي الفساد مطلقا ~~لأن جميع مناهيها لحق الله تعالى والتفصيل إنما هو في غيرها ويرد عليه صور ~~كثيرة مما قيل فيها بالفساد والنهي فيها لحق الخلق كالبيع المقترن بالشرط ~~المفسد والأجل المجهول وخصوصا عند المالكية في البيع على بيع أخيه والمترتب ~~على النجش وأمثال ذلك ولا يثبت له هذا المعنى على السبر إلا في صور قليلة ~~كصورة التصرية التي ذكرها والبيع وقت النداء فانه فاسد على المشهور من ~~مذهبهم والنهي عنه لحق الله تعالى لما فيه من ترك الجمعة فإن قيل الفساد في ~~تلك العقود جاء مما يلزم فيها من أكل المال الباطل # قلنا وذاك أيضا راجع إلى حق الآدمي وعند التحقيق كل منهي يتعلق بالخلق ~~فلله تعالى فيه أيضا حق وهو امتثال أمره ونهيه لكن من المناهي ما يتمحض ~~الحق فيه لله سبحانه ومنها ما يجتمع فيه الحقان ومقتضى هذه الطريقة أيضا ~~عدم التفرقة بين المنهي عنه لعينه والمنهي عنه لغيره ويلزمه حينئذ إبطال ~~الصلاة في الأماكن المكروهة كالحمام وأعطان الإبل لأن النهي فيها لحق الله ~~تعالى إلى غير ذلك من الصور والله سبحانه وتعالى أعلم # آخر كتاب تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد # PageV01P210 # قال مؤلفه شيخ الإسلام مفتي مصر والشام بقية المجتهدين صلاح الدين خليل ~~العلائي الشافعي تغمده الله برحمته فرغت منه ms82 كتابة وتصنيفا في أوائل شهر ~~شعبان سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة ببيت المقدس حماه الله تعالى ولله الحمد ~~والمنة لا تحصي ثناء عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # وافق الفراغ من تعليقه ببيت المقدس حماه الله تعالى منتصف شهر رجب الفرد ~~من شهور سنة سبع وثمانمائة على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى رحمة مولاه ~~ورضوانه محمد بن محمد بن الواسطي الشافعي غفر الله له ولوالديه ولجميع ~~المسلمين آمين PageV01P211 ms83