######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010514 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الصفدي #META# 010.AuthorNAME :: صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (المتوفى : 764هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 764 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نصرة الثائر على المثل السائر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأمثال :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: نصرة الثائر على المثل السائر #META# 030.LibURI :: JK_010514 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # عفوك اللهم # الحمد لله الذي فطر عقول البشر متغايرة، وجعل النفوس برأيها عل نقطة ~~الرضى دائرة، وزين لها أعمالها حتى توهمت أنها في الأمثال السائرة. # أحمده على نعمه التي أوضحت ما أبهم وألبس، وأبدت نار الهدى التي لم تكن ~~بسوى أنامل الذوق تقبس، وراضت جواد الانتقاد الذي إذا أم غاية لم يثن عنانه ~~ولم يحبس. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يسجع بها حمام ~~اللسان من اليقين على أراكه، وتنجي قائلها من الوقوع في حبائل الشرك ~~وأشراكه، وتكون له ذخيرة إذا عدم سكونه بعد حراكه. وأشهد أن محمدا سيدنا ~~وعبده الذي عصمه الله من الخطأ في القول والعمل، وحرس به سرح الفصاحة ~~ولولاه لاختلط المرعى بالهمل، وآتاه من جوامع الكلم ما لم تطمح إليه عين ~~أمنية ولم تطمع فيه يد أمل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هابتهم ~~الأساود وخافتهم الأسود، وتجانست أفعالهم فما منهم إلا من يجول ويجود، ~~ويسوس ويسود، وتبرأت شيمهم من النقائص فلم يكن فيهم مختال ولا متكبر ولا ~~حسود، صلاة تتبسم عن ثغرها شفة الفجر في لعس الظلام، ويتلثم بنورها وجه ~~البدر في عرس التمام. # وبعد: فإن كتاب المثل السائر للصاحب ضياء الدين بن أثير الجزيرة، عامله ~~الله بلطفه، وسامحه بما هزت به نسمات الخيلاء من غصن عطفه، من الكتب التي ~~خفقت له في الاشتهار عذبات أوراقه، وسعى القلم في خدمته على رأسه إذا سعى ~~الخادم على ساقه. واشتهر بين أهل الإنشاء اشتهار الليل بالكتمان والنهار ~~بالإفشاء، لا بل اشتهار بني عذرة في الحب بتحرق الأحشاء، وأولع به أهل ~~الأدب في الآفاق ولع الكريم بالإنفاق، لا بل ولع الرقباء بالعشاق. # إلا أن واضعه رحمه الله، وان جمع فيه العلم والعمل، وسجع فيه بين الثقيل ~~والرمل، وتوهم أن بدر فضله قد تم وكمل، وتخيل أن جيد الإنشاء بعده قد عطل، ~~وفنه قد خمل، قد أذهب حسناته النادرة، بتوالي سيئاته البادرة، وأضاع تلك ~~الزهرات الفذة، في قفار الدعاوى ms001 التي لا يجد فيها السالك لذة، وطال على ~~الناس بعد هلاله سواد ليله، ورفضوا مواقع طله لغثاء سيله. ونعم فإنه: # ما الجزع أهل أن تردد نظرة ... فيه وتثنى نحوه الأعناق # لأنه أفنى ذلك البسط في الإعجاب بنفسه والإطراء، وأطال في الغض من أبناء ~~جنسه والازدراء، وظن أن الله قد حرم الفصاحة على من يأتي من بعده، وأن ~~الذين من قبله إما شيخ قد خرف في هرمه، وإما طفل يعبث في مهده. وجر رداء ~~الكبر والخيلاء مخيطا بإبر الحمد، وبالغ في ذلك مبالغة أبي زبيد الطائي في ~~وصف الأسد. ووصف نفسه ولا وصف امرىء القيس لأفراسه، ومدحها ولا مدح أبي ~~نواس سلافة كاسه، وكرر ذلك فغثى النفوس بذلك الغث، وزاد حتى رثى القلق ثوب ~~الصبر لمارث. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احذروا ثلاثا : الحرص فإنه أخرج آدم ~~من الجنة، والكبر فإنه حط إبليس عن مرتبته، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى ~~قتل أخيه. # وقال صلى الله عليه وسلم: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ~~ويقال: إنه أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض. وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم حاكيا عن الله عز وجل: الكبرياء ردائي فمن نازعنيه أدختله النار. ~~وقال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب للمؤمن خير من العجب، ولولا ذلك ما ~~ابتلي مؤمن بذنب. # وقال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر المرء عليها العجب، والنعمة التي ~~لا يحسد عليها التواضع. # ومما قيل: لا شيء أكتم للمحاسن من التيه والعجب. # هذا إلى ما في الكتاب من فلتات عديدة، واختيارات غير موفقة ولا سديدة، ~~ونصر باطل، وتحلية عاطل، وترجيح ما ضعف ووهى، وتوهين ما تحرر وانتهى. # مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق # وكنت أقف على أطلالها عند المراجعة ناديا، وأعثر في أذيالها حين المطالعة ~~غالبا، وأتأوه لانفراد تلك اللآلىء في سلوك السبج، وأستطيل سواد لياليه ~~والصبح من محاسنه ما أسفر ولا انبلج. # وبلغني ما وضعه عز الدين بن أبي الحديد رحمه ms002 الله على الكتاب من ~~المؤاخذة، وأنه استصرخت به تلك الظلامات عائذة. فلما وقفت على الفلك الدائر ~~وجدته قد أغفل كثيرا ، وأخذ قليلا وترك أثيرا . فأحببت بعد ذلك أن ألتقط ما ~~غادره، وأتتبع شاذه ونادره. PageV01P001 وعلي أن أقضي صلاتي بعدما ... فاتت ~~إذا لم أقضها في وقتها # على أنني بعد ابن أبي الحديد كمن جاء بعد اجتحاف سيل، وأصبح بعد قاطف ~~النهار حاطب ليل. فإن هذا الرجل له تصانيف تدل على تمكنه واطلاعه، وسداد ~~مراميه عند مد باعه، وريه من الفنون وقيامه بها واضطلاعه. منها تعليقان على ~~المحصل والمحصول للإمام فخر الدين وتعليقة ثالثة على الأربعين لفخر الدين، ~~ونظم فصيح ثعلب نظما جيدا في يوم وليلة، وهذا الفلك الدائر علقه في ثلاثة ~~عشر يوما مع أشغال ديوانه. # وكتب إليه أخوه موفق الدين ابن أبي الحديد لما وضع الفلك الدائر: # المثل السائر يا سيدي ... صنفت فيه الفلك الدائرا # لكن هذا فلك دائر ... أصبحت فيه المثل السائرا # ووضع على نهج البلاغة شرحا في ستة عشر مجلدا، وناهيك بمن يتصدى لنهج ~~البلاغة ويشرحه، ويأتي على ما يتعلق به من كل علم: أصولا وفقها وعربية ~~وتاريخا وأسماء رجال وغير ذلك. ومن وقف على هذا الشرح، علم أنه قل من يدخل ~~معه ذلك الصرح، أو يسام معه في مثل هذا السرح، وحسبك بمن وأخذ الإمام فخر ~~الدين وأورد عليه. ووجدت له أبياتا أولها: # وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... لذين بها قد كنت ممن يحبه # وأفنيت عمري في دقيق علومه ... وما بغيتي إلا رضاه وقربه # هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله ... وأوبقه دون البرية ذنبه # أما يقتضي شرع التكرم عفوه ... أيحسن أن ينسى هواه وحبه # أما رد زيغ ابن الخطيب وشكه ... وتمويهه في الدين إذ جل خطبه # أما كان ينوي الحق فيما يقوله ... ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه # فقلت أنا رادا عليه في وزنه ورويه: # علمنا بهذا القول أنك آخذ ... بقول اعتزال جل في الدين خطبه # فتزعم أن الله في الحشر ما يرى ... وذاك اعتقاد سوف يرديك غبه ms003 # وتنفي صفات الله وهي قديمة ... وقد أثبتتها عن إلهك كتبه # وتعتقد القرآن خلقا ومحدثا ... وذلك داء عز في الناس طبه # وتثبت للعبد الضعيف مشيئة ... يكون بها ما لم يقدره ربه # وأشياء من هذي الفضائح جمة ... فأيكما داعي الضلال وحزبه ؟ # ومن ذا الذي أضحى قريبا من الهدى ... وحامى عن الدين الحنيفي ذبه # وما ضر فخر الدين قول نظمته ... وفيه شناع مفرط إذ تسبه # وقد كان ذا نور يقود إلى الهدى ... إذا طلعت في حندس الشك شهبه # ولو كنت تعطي حق نفسك قدره ... لأخمدت جمرا بالمحال تشبه # وما أنت من أقرانه يوم معرك ... ولا لك يوما بالامام تشبه # ونقلت من خط الحافظ اليغموري قال: أنشدني الإمام ركن الدين أبو القاسم ~~لنفسه في عز الدين بن أبي الحديد وقد صنف الفلك الدائر على المثل السائر: # لقد أتى باردا ثقيلا ... ولم يرث ذاك من بعيد # فهو كما قد علمت شيء ... أشهر ما كان في الحديد # وصنف كتابا يرد فيه على ابن أبي الحديد وسماه: نشر المثل السائر وطي ~~الفلك الدائر قلت: هذا ركن الدين أبو القاسم، هو محمود بن الحسين ابن ~~الإمام أرشد الدين الأصبهاني الأصل السنجاري المولد. كان حنفيا يعرف المذهب ~~والأصولين والخلاف والأدب، قرأ على السيف الآمدي وعلى ضياء الدين ابن ~~الأثير، وبطل خرقة الفقهاء وتزيي بزي الأجناد، وتوفي بدمشق في سادس شهر ~~رمضان سنة خمسين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في سنة اثنتين وتسعين ~~وخمسمائة. وقال في انتقاله إلى الجندية أبياتا منها: # فانظر أخا العقل إلى حرفة ... منها هربنا للوغى الجحفل # لو لم تكن أنحس ما في الورى ... لم ترض عنها بالردى الاعجل # وكنت أنا في وقت قد كتبت على المحصل للإمام فخر الدين الرازي أبياتا يحسن ~~هنا ذكرها وهي: # علم الأصول بفخر الدين منتصر ... به نصول بإعجاب وإعجاز PageV01P002 أضحت ~~به السنة الغراء واضحة ... قد استقامت لمختار ومجتاز # له مباحث كم قد أحرقت شبها ... بشهبها فمن الزاري على الرازي ! # وأنشدني من لفظه شيخنا الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان محمد بن ms004 يوسف ~~بالديار المصرية سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قال: أنشدنا شيخنا النسابة حافظ ~~المشرق والمغرب شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن ~~الدمياطي يوم الاربعاء الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة ~~بالقاهرة بقراءتي عليه قال: أنشدنا الشيخ العالم الصاحب عز الدين أبو حامد ~~عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي ~~ببغداد، ومولده بالمدائن مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة لنفسه: # لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبد # أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلا جهدي # وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوة أحلى من الشهد # وأن أتيه الدهر كبرا على ... كل لئيم أصعر الخد # لذاك أهوى لا فتاة ولا ... خمر ولا ذي ميعة نهد # قول ابن أبي الحديد هنا: لولا ثلاث.. البيت، إشارة إلى قول طرفة بن ~~العبد: # فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد # وكري، إذا نادى المضاف، مجنبا ... كسيد الغضا، نبهته، المتورد # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد # ومن شعر ابن أبي الحديد قصيدة بائية من جملة مدائحه في علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: # ألا إن نهج المجد أبيض محلوب ... على أنه جم المسالك مرهوب # هو العسل الماذي يشتاره امرؤ ... بغاه وأطراف الرماح اليعاسيب # ذق الموت إن شئت العلا واطعم الردى ... فنيل الأماني بالمنية مكسوب # خض الحتف تأمن خطة الخسف إنما ... يبوح ضرام الخطب والخطب مشبوب # ألم تخبر الأخبار عن فتح خيبر ... ففيها لذي اللب الملب أعاجيب # وفوز علي بالعلا فوزها به ... فكل إلى كل مضاف ومنسوب # حصون حصان الفرج حيث تبرجت ... وما كل ممتط الجزارة مركوب # تناط عليها للنجوم قلائد ... وتسفل عنها للغمام أهاضيب # منها: # وأرعن موار العنان يمورها ... فلم يغن عنها جر مجر وتلبيب # فللخطب عنها والصروف صوارف ... كما كان عنها للنوائب تنكيب # منها # نهار سيوف في دجى ليل عثير ms005 ... فأبيض وضاح وأسود غربيب # ينوح عليها نوح قارون يوشع ... ويذري عليها دمع يوسف يعقوب # بها من زماجير الرجال صواعق ... ومن صوب آذي الدماء شآبيب # منها # يمج منونا سيفه وسنانه ... ويلهب نارا غمده والأنابيب # ومن مدائحه في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قصيدة أولها: # عن ريقها يتحدث المسواك ... أرجا فهل شجر الأراك أراك # ولطرفها خنث الجبان فإن رنت ... باللحظ فهي الضيغم الفتاك # شرك القلوب ولم أخل من قبلها ... أن القلوب تصيدها الأشراك # منها # يا وجهها المصقول ماء شبابه ... ما الحتف لولا طرفك الفتاك # أم هل أتاك حديث وقفتها ضحى ... وقلوبنا بشبا الفراق تشاك # لا شيء أقطع من نوى الأحباب أو ... سيف الوصي كلاهما سفاك PageV01P003 ~~وهاتان القصيدتان طويلتان، اختصرت منهما ما اختصرت، واقتصرت على ما اقتصرت، ~~طلبا للدلالة على فضله، ومضاء سنانه ونصله. ولكن أدته مواده الغزيرة إلى أن ~~اعتزل وتشيع، وأهمل جانب السنة وضيع. وله نثر أجاد فيه بعض جوده، ولم يكن ~~كنظمه الذي رفع هضبه ووطد طوده. وقد ساق شيئا منه في الفلك الدائر، ونثر ~~ابن الأثير أقعد منه عند أولى البصائر، ولو حذفه كان خيرا من إثباته، وأمنع ~~له من عجم سهمه وغمز قناته. # فأي قوادم ينهض بها من جاء بعد هذا المتكلم، وأي سيف يفري فريه وهو ~~متثلم، والمعتزلة فرسان المباحث، وممن توفرت لهم الهمم على الجدل وطاوعتها ~~الدواعي والبواعث. ولكن: # قد يدرك المجد الفتى ولباسه ... خلق وجيب قميصه مرقوع # وقد ترك الأول للآخر أكثر مما جاء به، وتفاوتت الأذهان في انتقاد مها ~~الحسن وكواعبه، وأعقب العقل سحابه لما انجلت بصوب سحائبه. # وما عقمت أم الندى بعد حاتم ... لها كل يوم في البرية مولود # وقد جمعت ما عثرت عليه من هفوات ابن الأثير في هذه الأوراق، وضربت عليها ~~هذا الفسطاط ومددت هذه الأرواق، وسردتها على الترتيب، وسقتها على ذلك ~~التبويب. وسميت ذلك نصرة الثائر على المثل السائر واخترت هذه التسمية له ~~شارة وإشارة، لأن الثائر لغة هو الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثاره. وإذا ms006 ~~ناقشته في بحث أورده، ونافسته في صالح أفسده، لا أكاد أخلي ذلك الموطن من ~~محاسن أرباب هذا الفن الذين عابهم، وتردد إلى مواقف ذمهم وانتابهم. خصوصا ~~القاضي الفاضل رحمه الله تعالى. فإنه قد عارضه في بعض ما أنشاه، وعاب عليه ~~ما دبجه ووشاه. # وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل # والسيف مشهور بغير حمائل، والصبح مشهود بغير دلائل. وأين مقاصد الفاضل ~~وبعد مرماه، واختلاسه المعاني بلطف مغزاه وخفي مسراه. هيهات، فإن بينهما من ~~الفرق، ما بين ذل القدم وعز الفرق. ولطف ذلك لا يخفى على ذوق الكاتب ~~الماهر، وحسن معانيه في الباطن أضعاف كلامه في الظاهر. # ولله در ابن سناء الملك إذ يقول على أن غالب ديوانه فيه : # شهد الكاملون بالفضل للفا ... ضل أو كاد يشهد المولود # وعد الدهر أن يجود على الخل ... ق ولكن بمثله لا يجود # وابن قلاقس إذ يقول أيضا فيه من جملة أبيات: # وأسكرنا بيانا دام حتى ... عجبنا كيف حذرنا المداما # معان يقعد الفصحاء عنها ... وتسمعها خواطرهم قياما # يتيمات تصدق في علاه ... مقالة من دعاه أبا اليتامى # وأما ابن الساعاتي فأكثر فيه المدح. من ذلك: # ما من يقيس إليه خلقا مثله ... إلا كمن قاس الوهاد إلى الذرى # فإذا تقدم في العلاء مفاخرا ... عرف السماك محله فتأخرا # وقد تصدى الناس لابن الأثير كونه ناقض الفاضل، ورمي من ألسنتهم وأقلامهم ~~بمشق سيوف المناظر، ورشق سهام المناضل. # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راضي سنة من يسيرها # وليس هذا موطن الثناء على القاضي الفاضل، وسوف تقف عليه، وتدلك نفحات ~~طيبه إذا انتهيت إليه. # ومن هنا أجرد عن ساعد المؤاخذة، وأبرى السهام التي أظنها في الغرض نافذة. ~~وعلى الله قصد السبيل، هو حسبي ونعم الوكيل. # الابتداء بالحمدلة # قال ابن الأثير سامحه الله تعالى : نسأل الله أن يبلغ بنا من الحمد ما هو ~~أهله، وأن يعلمنا من البيان ما تقصر عنه مزية النطق وفضله، وحكمة الخطاب ~~وفصله. PageV01P004 أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ms007 كلام ~~لايبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم فلو قال: الحمد لله لكان أفضل. وربما عيب ~~ذلك على الزمخشري في أول المفصل كونه قال: الله أحمد. وعلى الحريري كونه ~~قال: اللهم إنا نحمدك. لأنهما ما افتتحا كلامهما بالحمد. والأولى الأخذ بما ~~جاء عن الله تعالى، فإنه لا مقام للعبد أشرف من الصلاة لأنها عبادة. حتى ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقرب ما يكون من العبد من ربه وهو ساجد. ~~والفاتحة التي هي أم الكتاب والعمدة في الصلاة، إنما افتتحت ببسم الله ~~الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. وقد قال سهل بن هارون: حق على كل ذي ~~مقالة أن يبدأ فيها بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل ~~استحقاقها. واستعمل ابن الأثير رحمه الله تعالى ذلك في توقيع كتبه فقال: كل ~~كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم. وقد أورد ابن أبي الحديد على ابن ~~الأثير فيما سأله في هذه السجعة ما فيه مقنع، فليؤخذ ذلك من الفلك الدائر. # وأما السجعة الثانية، فما أدري معنى قوله تقصر عنه مزية النطق، فأي شيء ~~يعلمه حتى تقصر عنه مزية النطق ؟ إن أراد بذلك لطف المعاني التي هي أرواح ~~الألفاظ فمتى قصر النطق عن معنى لم تبرزه النفس كاملا؟ وإن أراد بذلك ~~الأشياء التي تكون على تراكيب الألفاظ من الطلاوة والرونق ذلك غير البيان ~~لأن البيان إيضاح المعاني وإبداؤها وإظهارها، وذلك الذي أردته من الحسن ~~واللطف اللذين يكونان في بعض الكلام، فذلك غير البيان. وهو كالملاحة التي ~~لا يعقل لها معنى ولا يعبر عنه. كما قيل: # شيء به فتن الورى غير الذي ... يدعى الجمال ولست أدري ما هو # ويقال: مع المحبوب شيء آخر غير حسنه هو الذي يشفع له إلى القلوب. ألا ترى ~~أن بعض الصور مفردات أعضائها نهاية في الحسن، وليس لها ذلك المعنى الذي ~~لغيرها. وكذا قيل في الترياق، إنه بعد التركيب يفيض الله عليه خاصة لم تكن ~~في قوة أجزائه حالة الإفراد. والهيئة الاجتماعية لها معنى غير الحالة ms008 التي ~~تكون لأفرادها ولا شك أن لكلام الفصحاء في حالة التركيب خواص لا يمكن ~~التعبير عن ذلك الحسن الموجود فيها. ولهذا أفتى الفقهاء فيمن بدل ترتيب ~~الفاتحة، وقلب بعض الآيات إلى موضع بعض أنه لا تصح صلاته، لأنه يبطل إعجاز ~~القرآن العظيم، وهو سياقته على هذا النمط الغريب، وتأليفه على هذا النظم ~~العجيب. وهنا بحث بين الأشعري والمعتزلي، أضربت عنه طلبا للاختصار. فإن كان ~~ابن الأثير سأل هذه الخاصة، فهذه الخاصة لا يطلق عليها لفظ البيان. وإذا ~~كان الأمر كذا، فقد ثبت أن معنى هذه السجعة غير مفهوم. وقد ناقشه ابن أبي ~~الحديد في قوله النطق وما الذي أراد به فليؤخذ من كتابه. # قال: وعلى آله وصحبه، الذين منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم ~~من آوى ونصر. وأقول: لو قال: ومنهم من هاجر ونصر لكان أحسن من وجهين: ~~أحدهما أنه يحصل له الموازنة والترصيع بين هاجر وصابر، وثانيهما أنه يتناول ~~المهاجرين والأنصار من الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم مقدمون على ~~الأنصار، وعلى قوله لا ذكر للمهاجرين، فإن من الأنصار من سبق غيره إلى ~~الإيمان. # فإن قيل: قوله صابر وصبر المعنى واحد، قلت: اتبع لفظ القرآن في قوله ~~تعالى: اصبروا وصابروا. فإن الصبر غير المصابرة، لأن المصابرة مفاعلة، وهي ~~مقابلة الفعل من الآخر بمثله. وكأن ذلك زيادة على الصبر الذي يطيقه ~~الإنسان. # عجز الحريري عن إنشاء ما طلب منه # في الديوان # قال وقد ذكر الحريري المقامات رحمه الله تعالى، وأنه صدر عنه مثل هذا ~~الكتاب، ولما استكتب في الديوان أفحم. وساق الحكاية المشهورة. ثم قال: وهذا ~~مما يعجب منه، وسئلت عن هذا فقلت: لا عجب، لأن المقامات مدارها جميعها على ~~حكاية تخرج إلى مخلص، وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأن المعاني ~~فيها تتجدد بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه ~~إذا كتب الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف ~~مشهور وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا ms009 تبلغ عشر سنين، فإنه يدون ~~عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من المقامات ~~حجما، ثم إذا غربلت خلص منها النصف. PageV01P005 أقول: أما عجب الناس من ~~واقعة الحريري فهي موضع العجب في بادىء الرأي. لأن من يصدر عنه مثل هذا ~~الكتاب الذي لا نظير له في بابه، وهو في الآداب: # شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبر جدها # ثم يتوقف في كتاب يطلب منه فإن ذلك غريب. وأما إذا فكر الإنسان، وعلم أن ~~الإنشاء من باب الفتوح على الإنسان، لم يكن ذلك بعجيب. لأن الله تعالى قد ~~يفتح بذلك في وقت دون وقت. وقد عد الشيخ محيي الدين بن عربي النظم وحسن ~~الكتابة من الفتوح، وما يزال الناس كذلك تارة يفتح عليهم وتارة لم يفتح. ~~والحريري في ذلك الوقت لم يفتح عليه. # على أن الحريري في وقت عمل المقامات كان في بيته مخلى ونفسه، يصوغ ويكسر ~~ويهدم ويبني فإذا نبا به مقام تحول إلى غيره، وإذا تقاعس عليه معنى تركه ~~وجذب ما هو أسلس قيادا منه. وقد ذكر أن مسودات المقامات كانت حمل جمل. وذلك ~~أمر غير جلوسه في الديوان وأول قدومه، وهو بين جماعة من أرباب الفن، ويقترح ~~عليه معنى لا محيد له عنه، ولا فسحة له في مضيقه، ولا نجاة له من زلله، ولم ~~يكن قد استعد له، لا جرم أنه أفحم وتوقف ونتف عثنونه. # وليس يعاب المرء في جبن يومه ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس # ولعل ابن الأثير سامحه فيما أورده من كلامه في المثل والوشي المرقوم ~~والمعاني المبتدعة وغير ذلك من نسبة المقامات. فإنه حكى عن نفسه في المثل ~~السائر أنه كان يتلو القرآن العظيم، فإذا مرت به الآية الكريمة ولمح فيها ~~معنى يناسب أن يكون في كذا، بنى عليه كتابا أو فصلا وأثبته. أو كما قال. ~~وغالب ما أثبته إنما هو معارضات عارض بها كتب القاضي الفاضل وأبا إسحاق ~~الصابي وهذا من باب عمل المقامات وهو في بيته يطالع على ms010 ما يعمله ويتروى ~~ويمحو ويثبت. # وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان # وأما قوله: إن الكاتب يظهر عنه في المدة التي ذكرها عشرة أجزاء كل جزء ~~أكبر حجما من المقامات وإذا غربلت ونقحت كانت خمسا، فهذا تعصب ودعوى لا ~~يقوم عليها برهان، أو جهل بلغ الغاية. وأي ترسل لكاتب تقدم عصره وإلى الآن ~~يجمع له من ترسله مجلدة واحدة تكون كالمقامات يتداولها الناس، ويتعاطون ~~كؤوسها، ويتمثلون بأبياتها وأسجاعها، ويكررون عليها من أولها إلى آخرها، ~~ويبحثون عن عوراتها، وينقبون عن مساوئها، فلا يجدون فيها مغمزا، ولا يقعون ~~فيها على مطعن. بل تصفوا على السبك، وتجود على الاستعمال. # ويزيدها مر الليالي جدة ... وتقادم الأيام حسن شباب # على أن ابن الخشاب رد عليه أليفاظا يسيرة وأجابه المسعودي عنها وابن ~~الخشاب أصاب في القليل من القليل، وتعنت في كثير القليل. وكذلك ابن بري وضع ~~عليها نكتا يسيرة. # وناهيك بكتاب اشتهر، وضرب به المثل، وأصبح إحدى الأثافي في علم الأدب، ~~وأصبحت ألفاظه ومعانيه حجة، ونقلت بها النسخ عدد حروفها. # وسار مسير الشمس في كل موضع ... وهب هبوب الريح في البر والبحر # وما رأيت ولا سمعت بمن أخذ جزءا من ترسل، وقرأه على شيخ وحفظه وطلب به ~~الرواية وعلق عليه حواشي لغة وإعراب ومعان. وقد وضع الناس الشروح المبسوطة ~~على المقامات مثل المسعودي فإن له عليها شرحين، والمطرز وابن الأنباري وأبي ~~البقاء وغيرهم ولقد رأيت بعضهم يزعم أنها رموز في الكيمياء، ويحكى أن ~~الفرنج يقرؤونها على ملوكهم بلسانهم ويصورونها ويتنادمون بحكاياتها. # وما ذاك إلا أن هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المضحكة، والوقائع ~~التي إذا شرع الإنسان في الوقوف عليها، تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، ~~وتشوقت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة. هذا إلى ما فيها من الحكم ~~والأمثال التي تشاكل كتاب كليلة ودمنة وإلى ما فيها من أنواع الأدب وفنونه ~~المختلفة وأساليبه المتنوعة. # حكى لي الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس عن والده أبي عمرو عن أبيه أبي ms011 ~~بكر قال: قلنا لابن عميرة كاتب الأندلس: لأي شيء ما تصنع مثل المقامات ؟ ~~فقال: أما الألفاظ فما أغلب عنها، وأما تلك الأكاذيب التي تكذبها فما أحسن ~~أن أضع مثلها. PageV01P006 وسمعت القاضي شهاب الدين محمودا رحمه الله تعالى ~~حين قراءة هذا الكتاب عليه يحكي أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أراد ~~معارضتها، وصنع ثلاث عشرة مقامة عارض كل فصل بمثله حتى جاء إلى قول الحريري ~~في المقامة الرابعة عشرة: اعلموا يا مآل الآمل وثمال الأرامل، أنني من ~~سروات القبائل، وسريات العقائل. لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر، ويسيرون ~~القلب، ويمطون الظهر، ويولون اليد. فلما أردى الدهر الأعضاد، وفجع بالجوارح ~~الأجساد، وانقلب ظهر البطن، نبا الناظر، وجفا الحاجب وذهبت العين وفقدت ~~الراحة، وصلد الزند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ~~ناب. فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، ~~وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر. # فقال الفاضل: من أين تأتي الإنسان بفصل يعارض هذا ؟ ثم إنه قطع ما كان ~~عمله من المقامات ولم يظهر. أو كما قال. وناهيك بمن يقول مثل القاضي الفاضل ~~في حقه مثل هذا، ويعترف له بالعجز. # وأما أنا فكلما قرأت هذا الفصل وذكرته، أجد له نشوة كنشوة الراح، وبهجة ~~ولا بهجة الساري بطلعة الصباح. وفي أي ترسل تجد نظير هذا الفصل الذي له هذه ~~الخفة والطلاوة، ولم تروجه الأسجاع ؟. # وقد ظلم المقامات من جعلها من باب الترسل، والترسل جزء منها. بل هي كتاب ~~علم في بابه، وبلاغة الرجل تعلم من ذكره لشيء في غالب مقاماته بالمدح ~~والذم. وهذا هو البلاغة، أن تصف الشيء ثم تذمه، أو بذم ثم تمدحه، كما فعل ~~في مقامة الدينار، والتي فاضل فيها بين كتابة الإنشاء والحساب، والتي ذكر ~~فيها البكر والثيب والزواج والعزبة وغير ذلك. # وفصاحته تعلم من أخذه الأمثال السائرة وضمها إلى سجعة أحسن منها. كقوله: ~~أعطيت القوس باريها وأنزلت الدار بانيها وقوله: تخلصت قابية من قوب وبرىء ~~براءة الذئب من دم ms012 ابن يعقوب. وقوله: وهل ضاعت عدتنا عدة عرقوب أو بقيت ~~حاجة في نفس يعقوب وقوله: فلما دل شعاعه على شمسه، ونم عنوانه بسر طرسه ~~وقوله: فبقيت أحير من ضب وأذهل من صب وقوله: أنحل من قلم وأقحل من جلم ~~وقوله: لو كان في عصاي سير ولغيمي مطير وقوله: طويته على غره، وصنت شغاه عن ~~قره وقوله: إنكما فرقدا سماء وكزندين في وعاء وقوله ليعلم أن ريحه لاقت ~~إعصارا وجدوله صادف تيارا وقوله مأرب لا حفاوة ومشرب لم يبق له عندي طلاوة ~~وقوله: المكنة زورة طيف، والفرصة مزنة صيف وقوله: أبعد من رد أمس الدابر، ~~والميت الغابر وقوله: ما أطول طيلك وأهول حيلك وقوله: وكان يوما أطول من ظل ~~القناة، وأحر من دمع المقلاة وقوله: فأخذ يلدغ ويصي، ويتقح ولا يستحيي ~~وقوله: أين مدب صباك، ومن أين مهب صباك وقوله: قد وجدت فاغتبط واستكرمت ~~فارتبط وقوله: ما ذهب من مالك ما وعظك، ولا أجرم إليك من أيقظك وقوله إنك ~~حمت على ركية بكية، وتعرضت لخلية خلية وقوله ما كل سوداء، تمرة، ولا كل ~~صهباء خمرة وقوله: كمن يبغي بيض الأنوق، ويطلب الطيران من النوق وقوله: ~~أتعلم أمك البضاع وظئرك الإرضاع وقوله: فلما رأينا نارهم الحباحب، وخبرهم ~~كسراب السباسب وقوله: إني لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك وفيها من هذا ~~النوع كثير أضربت عنه خوف الإطالة. # وما تناهيت في بثي محاسنه ... إلا وأكثر مما قلت ما أدع # ثقافة الكاتب # قال: فإذا ركب الله في الإنسان طبعا قابلا لهذا، فيفتقر إلى ثمانية أنواع ~~من الآلات ثم سردها. PageV01P007 أقول: أما الكاتب فيحتاج إلى حفظ الكتاب ~~العزيز وإدمان تلاوته، ليكون دائرا على لسانه، جاريا على فكرته، ممثلا بين ~~عيني ذاكرته لينفق من سعته، وإلى معرفة اللغة والنحو وإدمان الإعراب ليلا ~~ونهارا ، حتى يصير له ذلك ملكة جيدة، والتصريف والمعاني والبيان والبديع ~~والعروض والقافية والأحكام السلطانية كما ذكر في كتابه وشيء من التفسير، ~~وشيء من الأحاديث مثل كتاب الشهاب أو كتاب النجم للأقليشي، والآثار ~~المنقولة عن ms013 الصحابة رضوان الله عليهم وما دار بين الخلفاء الراشدين ~~وعمالهم، وما دار بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من المحاورات، وتواقيع ~~الخلفاء والوزراء والكتاب، وأمثال العرب، وحفظ جانب جيد من شعر العرب ~~والمخضرمين والمحدثين وفحول المتأخرين، وحفظ جيد الحماسة ومختار المفضليات، ~~وبعض قصائد منتهى الطلب جمع ابن ميمون، وما أمكن من التاريخ وأسماء الرجال ~~والحساب، ومراجعات أمهات كتب الأدب، مثل الأغاني والعقد والبيان والتبيين ~~والذخيرة وزهر الآداب وأمالي القالي والكامل للمبرد وتذكرة ابن حمدون وحفظ ~~جانب جيد من المقامات والخطب النباتية، وبعض شعر المتنبي وأبي تمام ~~والبحتري وسقط الزند وغير ذلك. وقد اخترت أنا من شعر هؤلاء الشعراء الأربعة ~~في مجلدة لطيفة، والوقوف على ترسل الكتاب ومراعاة ما قصدوه في كل فن: من ~~التهاني والتعازي والفتوحات ووصايا تقاليدهم وتواقيعهم وأوامرهم ونواهيهم ~~فيها، وافتتاحات أدعيتهم في كل ما يتشعب من طرق الكتابة وكيفية البداءات ~~والمراجعات في الهدايا والشفاعات والأوصاف وكتب الإخوان وما يجري هذا ~~المجرى. وهذا باب لا يغلق له مصراع ولا ينعقد على حصره إجماع. # وعلى الجملة، فالكاتب يحتاج إلى كل شيء، ولولا أنه لا يلزمه تحقيق كل فن ~~لقلت إنه الذي يعرف الوجود على ما هو عليه. وهيهات. # نعم الناس متفاوتون في ذلك وهم على طبقات: فمنهم من تسنم الدرجات، ومنهم ~~من لا نهض من الدركات، وما بين ذلك. ولا بد من المشاركة مهما أمكن، ولو أنه ~~معرفة لمصطلح لكل صاحب فن، وإذا كمل مواده أو قارب الإكمال، فمعرفة مصطلح ~~الديوان في المكاتبات من معرفة الألقاب والنعوت وما يجري هذا المجرى. فإن ~~هذا معرفته مع المباشرة في أقل من جمعة يتصوره ويدريه، وهو مما لم يتقرر ~~قاعدته، لأنه يختلف باختلاف كل زمان وأهله. وهذا لا عبرة به، فإنه أسهل ما ~~يعرفه. # هل تضر مخالفة النحو في معنى # قال وقد ذكر النحو: إذا نظرنا إلى ضروبه وأقسامه، وجدنا أكثرها غير محتاج ~~إليه في إفهام المعاني. ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت: قوم بإثبات ~~الواو ولم تجزم لما اختل ms014 من فهم ذلك شيء. وكذلك الشرط والفضلات كلها تجري ~~هذا المجرى من الحال والتمييز والاستثناء وساق أشياء من هذه الأنواع. # أقول: ما يورد مثل هذا إلا عوام الناس ومن لم يتلبس بالمعرفة، ومن لم يرح ~~رائحة العلم. ألم يعلم أنه إذا صدر عن مترسل كتاب لم يجزم أفعال أمره ولا ~~شروطه وجوابها، ولم يرفع فاعله وينصب فضلاته، ولا راعي شيئا من قواعد ~~إعرابه التي هي ظاهرة، ولا حافظ على شيء من الإعراب ألبتة، كان ذلك ضحكة ~~للمغفلين فضلا عن العقلاء. وحينئذ فقد استوى العلماء والجهال. # وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فتفقهوا في ~~السنة وتعلموا العربية وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يضرب ولده على ~~اللحن. # وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه. ورأى أبو ~~الأسود الدوءلي أعدالا للتجار مكتوب عليها لأبو فلان. فقال: سبحان الله ~~يلحنون ويربحون. ويقال: من أحب أن يجد الكبر في نفسه فليتعلم العربية. # ألم يعلم أن بعضهم استدل على أن النحو فرض كفاية إن لم يقل إنه فرض عين، ~~وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى لا يقبل الدعاء إذا لم يكن معربا. وقال الشيخ ~~تقي الدين ابن الصلاح: أخشى على من تعاطى الحديث ولم يدر النحو، أن يدخل في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمدا، فليتبوا مقعده من النار. # ثم إنه استثنى أشياء من ذلك لا تعرف إلا بالإعراب. فأقول: إنه لا يتوصل ~~إلى معرفة الغامض إلا بعد معرفة الواضح، ومن لم يعرف البين لم يعرف العويص، ~~لينتقل في التفهم من الأدنى إلى الأعلى. PageV01P008 قال الخليل بن أحمد ~~رحمه الله: لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج ~~إليه، فقال أبو عمر: إن كان لا يوصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج ~~إليه، فقد صار ما لا يحتاج إليه محتاجا إليه. وكل علم بهذه المثابة فيه ~~الجلي والغامض في الفقه، فإن ms015 مسائله الغامضة في الحيض والتيمم وللفرائض، ~~وما في الجبر والمقابلة، ومسائل الدور في الطلاق وغير ذلك. وكما في المنطق ~~فإن غوامضه في الأقيسة والمختلطات والمغالط وغير ذلك. وكما في علم الكلام ~~من إثبات الجوهر الفرد، وأن العرض لا يبقى زمانين، وأن المعدوم ليس بشيء. ~~وما يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه المسائل العويصة إلا بعد مقدمات يفهمها من ~~المسائل الواضحة، وما رأيت من يورد مثل هذا غير العوام، أو من يجهل هذا ~~الفن. # هل يقدح اللحن في حسن الكلام # قال بعد أن ساق شيئا من نظم أبي نواس وأبي تمام وأبي الطيب ولحنهم: إن ~~اللحن لم يكن قادحا في حسن الكلام. # أقول: ما بقي بعد هذا إلا أن يقول: إن مراعاة الإعراب علة موجبة لقبح ~~الكلام أتراه ما سمع بقولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام. وقد ذهب ~~بعضهم إلى أن الإعراب إنما سمي إعرابا لأن العرب في قوله تعالى: " عربا ~~أترابا " هن المتحببات إلى أزواجهن، فكأن من أعرب كلامه تحبب إلى مخاطبه. ~~أقول: معنى تحببه كونه ذكر أمارات تدل على معانيه. فإنه إذا أراد التعجب ~~قال: ما أحسن زيدا، ولو ترك الإعراب وقال: ما أحسن زيد بسكون النون والدال، ~~لالتبس الفهم على المخاطب وبقي في حيرة: هل هو مستفهم أو متعجب أو مخبر. ~~فلما نصب النون والدال علم أنه يتعجب. وإذا قال: ما أحسن زيد برفع النون ~~وكسر الدال علم أنه يستفهم. واذا قال ما أحسن زيد بنصب النون ورفع الدال ~~علم أنه مخبر بنفي الإحسان عنه. واذا أراح المتكلم من يخاطبه من الفكرة ~~والحيرة بالإعراب، فقد تحبب إليه. # وقد قال ..... لا قدر للحان ولو بلغ يافوخه عنان السماء وأنا فما أنكر أن ~~لطف التركيب وسهولة الكلام أمر آخر وراء النحو. هذا معلوم ولكن المشاحة في ~~تعسفه وتعنته. # حول لون البقرة في الآية صفراء فاقع لونها # قال: وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: " صفراء ~~فاقع لونها " ، إن لون البقر كان أسود. وأخذ في الشناع على ذلك ms016 والاستدلال ~~على أن اللون أصفر. # أقول: من المعلوم أن الأرجح هو أن اللون كان أصفر، لكونه مؤكدا بفاقع. ~~كما يؤكد أسود بحالك وحانك، وأبيض بيقق ولهق، وأحمر بقان وذريحي وأخضر ~~بناضر ومدهام، وأصفر بناصع وفاقع ووارس، وأزرق بخطباني، وأرمك برذاني. ولكن ~~إذا ورد التفسير وثبت النقل بشيء، فما يمكن غير قبوله والعمل به في موضعه ~~من غير أن يتعدى به ذلك الموضع. هذا إذا خالف قاعدة، وإن أمكن ترجيحه رجح، ~~كما رجح هذا بعضهم بقوله تعالى: " إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر " ~~. أي جمال سود تضرب إلى الصفرة. قالوا: والنار سوداء مظلمة. # التأدب في الحديث عن العظماء # قال عند ذكر وقائع العرب: ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب أنه استدعى ~~أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي، ~~فمضى إلى يرفأ، مولى عمر، وسأله عما يروج عنده وينفق عليه، فأشار إلى خشونة ~~العيش. فمضى ولبس جبة صوف وعمامة دكناء وخفا مطابقا وحضر بين يديه في جملة ~~العمال. فصوب عمر نظره وصعده فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله ثم ~~أوصى أبا موسى الأشعري به. # ثم قال ابن الأثير: وقد استعملت أنا هذا في تقليد لبعض الملوك من ديوان ~~الخلافة، فقلت: واذا استعنت على عملك بأحد، فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض ~~بما عرفته من مبدا حاله، فإن الأحوال تتنقل تنقل الأجساد، وإياك أن تخدع ~~بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد. PageV01P009 أقول: ~~قوله كما خدع عمر، في هذا القول إساءة أدب على عمر رضي الله عنه من نسبته ~~إلى أنه خدع، وفي هذا شبهة لصاحب التقليد، فإنه يقول في نفسه: وإذا كان مثل ~~عمر خدع، فما ظني بنفسي، فيقع منه الإهمال. والآدب في مثل هذا أحسن، ودفع ~~الانخداع عنه أليق. ألا ترى إلى قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام: " ~~من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " ، فنسب ما وقع بينهم إلى الشيطان ~~تأدبا مع إخوته عليهم السلام. ms017 وإذا خدع مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ~~تحرزه وشدته في الدين، فما يظن بغيره. # وقال المغيرة بن شعبة: ما رأيت أحدا أحزم من عمر. كان والله له فضل يمنعه ~~أن يجزع، وعقل يمنعه أن يخدع. # قال أبو بكر الخرائطي: رحم الله عمر ما كان أنظره بنور الله في ذات الله ~~وأفرسه. كان والله كما قال الشاعر: # بصير بأعقاب الأمور برأيه ... كأن له في اليوم عينا إلى غد # وقد نقل عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئه أنه كان يقول: أدرجت ~~سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب. # وما أحسن قول الشاعر: # حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم # لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنني مظلوم # فانظر إلى أدب هذا الشاعر وتلطفه مع محبوبه وإجلاله له. # وكان الأحسن أن لو قال: وإذا استعنت على عملك بأحد، فلا تثق منه بلمع ~~السراب، واكشف بيد إرصادك عن وجه سيرته حجاب النقاب، وتيقظ لأموره فلا ترض ~~بالظاهر العامر وتنسى الباطن الخراب، وتخيل من مكره ما تحيل به الربيع بن ~~زياد على عمر بن الخطاب. فإن نسبة الحيلة إلى الربيع أحسن في الأدب من نسبة ~~الخدع إلى عمر رضي الله عنه. # إنكار التلقب بالناصر على السلطان صلاح الدين # قال: وجدت لابن زيادة البغدادي كتابا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين ~~يشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة. من ذلك أنه تلقب بالناصر وذلك ~~لقب أمير المؤمنين. # ثم إن ابن الأثير استصلح الكتاب وقال: لم أجد فيه مغمزا إلا في هذا الفصل ~~الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت فيه بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، ~~بل أتى بكلام فيه غثاثة كقوله: ما يستصلحه المولى على العبد حرام وشيء من ~~هذا النسق. # ثم إن ابن الأثير رحمه الله ذكر ما أنشأه في هذا المعنى لنفسه قال: قد ~~علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من ~~الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد. وقد ms018 أجرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك في أشياء نص عليها بحكمه، من جملتها أنه نهى غيره أن يجمع بين ~~كنتيه واسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورا وعلى ~~غيره محظورا. # وساق باقي السجع وليس فيه زبدة فأثبته. أقول: قبل الخوض معه أقدم الفرق ~~بين الاسم والكنية واللقب. # وذلك أن العلم الدال على شخص معين إن كان مصدرا بأب كأبي بكر وأبي حفص، ~~أو بأم كأم كلثوم وأم البنين وأم المؤمنين فهو الكنية. وإن أشعر برفع ~~المسمى كماء السماء وذي رعين وذي النورين وذات النطاقين وذي الجناحين، ~~ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء بني أمية وبني العباس، كالهادي والمهدي والرشيد ~~والأمين والمأمون، ويدخل فيه مصطلح الناس، من شمس الدين وبدر الدين ونجم ~~الدين وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب كشمس الدولة وتاج الملك. أو يشعر بضعة ~~المسمى كففة وبطة والأقيشر والأحوص فهذا هو اللقب. وإن كان للدلالة على ذات ~~المسمى وتعيينه، كزيد وعمرو وبكر وخالد فهذا هو الاسم. # وإذا تقرر هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تجمعوا بين اسمي ~~وكنيتي " مراده لا يقال لأحد من أمته محمد أبو القاسم. أما الناصر والعاضد ~~والقادر والمستنصر وما أشبه ذلك فليس ذلك بكنية ولا اسم على ما تقرر. # على أن الفقهاء اختلفوا في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: فذهب ~~الشافعي رحمه الله ومن وافقه إلى أن لا يحل لأحد أن يكتني به سواء كان اسمه ~~محمدا أو غيره. # وذهب مالك رحمه الله إلى أنه يجوز التكني به لمن اسمه محمد ولغيره. وذهب ~~بعضهم إلى أنه يجوز لمن لم يكن اسمه محمدا ولا يجوز لمن اسمه محمد. # قال الرافعي: يشبه هذا الثالث أن يكون أصح، لأن الناس ما زالوا يكتنون به ~~في جميع الأعصار ولا إنكار. PageV01P010 قال الشيخ محي الدين النووي رحمه ~~الله: وهذا الذي قاله صاحب هذا المذهب، فيه مخالفة لظاهر الحديث. وأما ~~إطباق الناس على فعله مع أن في المكتنين به من الأئمة الأعلام وأهل ms019 الحل ~~والعقد والذين يقتدى بهم في الدين، ففيه تقوية لمذهب مالك رحمه الله في ~~جوازه مطلقا. ويكونون قد فهموا النهي مختصا بحياته صلى الله عليه وسلم، لما ~~هو مشهور من سبب النهي في اكتناء اليهود بأبي القاسم ومناداتهم يا أبا ~~القاسم طلبا للايذاء. وهذا المعنى قد زال انتهى. # قلت: وممن تكنى بأبي القاسم محمد بن الحنفية. يقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال " لعلي رضي الله عنه سيولد لك بعدي غلام وقد نحلته اسمي ~~وكنيتي ولا يحل لأحد بعده " . # ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن طلحة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن ~~عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ~~ومحمد بن الأشعث بن قيس. # وسمعت بخواص الأنبياء: أما النبي صلى الله عليه وسلم فخواصه معلومة شرعا. ~~منها: وجوب الضحى والضحية والوتر والتهجد والسواك وتخيير الزوجة في الإقامة ~~معه أو الفراق، وتحريم الخط والشعر وإمساك الكارهة من الزوجات، والفرار من ~~العدو في الحرب، وأن لا يغمد السلاح بعد إشهاره حتى ينال به من العدو، ~~وإباحة الوصال، والخمس وصفي المغنم، ودخول مكة حلالا، وجعل تركته صدقة غير ~~موروثة، والنكاح بلفظ الهبة من الزوجة بلا مهر وبلا ولي ولا شهود، وفي ~~الإحرام والتزوج بأكثر من أربع، ومن آثرها حرم على الزوج نكاحها ولزمه ~~طلاقها، وحرمة زوجاته بعد وفاته على الأمة فلا يحل نكاحهن لأحد. وأما من ~~عداهم من سائر أمتهم فما لأحد منهم خاصة يمتاز بها من حيث الشرع. # فانظر إلى ابن الأثير رحمه الله، لم يطابق بين الإنكار والاستشهاد، ولو ~~أجاب الملك الناصر عن ذلك وقال: إن الخادم ما جمع بين كنية أمير المؤمنين ~~وبين اسمه ولا انفردت بواحدة منهما، فما وجه الإنكار علي، لكان له أن يقول ~~ذلك. # على أن الملك الناصر رحمه الله تعالى ما تسمى بهذا اللقب والناصر في بني ~~العباس خليفة، وإنما العاضد من خلفاء الفاطميين بمصر لما استوزره في سنة ~~أربع وستين وخمسمائة لقبه ms020 بهذا اللقب وكان الخليفة ببغداد إذ ذاك المستضيء ~~بالله. # رسالة ابن زيادة البغدادي # وأما قول ابن زيادة: وكل ما يستصلحه المولى على العبد حرام، فإنه مناسب، ~~ولعله أتى به في صورة أحسن من هذه، وجاء في أثناء كلامه مطبوعا، ولم يذكر ~~ابن الأثير ما أتى به ليعلم حسنه من قبحه، ولم يحضرني عند تعليق هذا الفصل ~~كلام ابن زيادة، ولعلي أظفر به فيما بعد فأثبته في الحاشية. # وقفت على كلام ابن زيادة فيما بعد، فكان ما ختم به فصل الإنكار على ~~اللقب: ومن العجب أن أمير المؤمنين يخاطبه من سمة الملك بما لم يكن له، ~~ويزاحم هو فيما هو لغيره. ومن الحكم الرائقة في وجيز الكلام، والذي يصلح ~~للمولى على العبد حرام انتهى. # قلت: وهذه السجعة بيت شعر من أبيات كتبها عمرو بن مسعدة إلى المأمون مع ~~فرس أهداه إليه وهو أدهم بغرة: # يا إماما لا يداني ... ه إذا عد إمام # قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام # وجهه صبح ولكن ... سائر الجسم ظلام # والذي يصلح ... البيت # وقد أجاب القاضي الفاضل رحمه الله عن كتاب ابن زيادة جوابا مطولا ، ولكنه ~~حاسن فيه وما خاشن وكاثر وما كاشر. ثم إن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ~~رحمه الله تعالى، أملى جوابا على الكتاب المذكور على لسان صلاح الدين طول ~~فيه إلى الغاية، مع أنه نافس فيه وناقش، وقاسر فيه وقاشر. # وللقاضي الفاضل رحمه الله عذر ظاهر في ذلك الوقت عن المداهنة، لعظم منصب ~~الخلافة ذلك الزمان. ولعمري إن هذا الكتاب، فت في عضد الملك الناصر وغض ~~منه، وامتنع الناس الأعيان الذين لهم سورة في غير بلاده أن يقولوا إلا ~~السلطان صلاح الدين دون الملك الناصر، لإنكار الخليفة ذلك. ولعل هذا الأمر ~~باق إلى هذا الزمان، فإنه لا يقال إلا السلطان صلاح الدين في الغالب. # وهذان الجوابان قد أثبتهما في الجزء الثالث عشر من التكرة التي جمعتها # البلاغة والفصاحة PageV01P011 قال في الفصل الثامن في الفصاحة والبلاغة ~~عند ذكر البلاغة، بعد أن قرر أن ms021 البلاغة للمعاني والفصاحة للألفاظ: البلاغة ~~شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخص من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان. فكل ~~إنسان حيوان وليس كل حيوان إنسانا. وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل ~~كلام فصيح بليغا ويفرق بينها وبين الفصاحة من كل وجه آخر غير الخاص والعام، ~~وهو أنها لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة ~~لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها الوصف ~~المختص بالفصاحة وهو الحسن. وأما البلاغة فلا يوجد فيها لخلوها من المعنى ~~المفيد الذي ينتظم كلاما. # أقول: قد ادعى أن هذا الفارق الثاني غير الأول، وهو هو بعينه ومينه. فإنه ~~أراد أولا ، كل كلام فصيح يطلق عليه أنه بليغ ولا ينعكس. ومعنى هذا، إذا ~~قلنا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل فإن هذا الكلام بليغ باعتبار أن معناه ~~بلغ في صوغ تركيبه إلى حد له توفية بتمام المراد. وفصيح باعتبار بيان ~~مفرداته وحسنها وعذوبتها في السمع. وإذا فككنا هذا التركيب وأخذنا كل فرد ~~من ألفاظه، كان كل فرد فصيحا، ولا يكون بليغا لعدم التركيب في المعنى. ~~فكانت الفصاحة أعم من البلاغة لأنها وجدت في الإفراد والتركيب. وكانت ~~البلاغة أخص لكونها لا تتناول إلا المركب فقط. فحيث وجدت البلاغة مع عذوبة ~~الألفاظ وجدت الفصاحة ولا ينعكس. فصح أن البلاغة كالإنسانية في خصوصها، ~~والفصاحة كالحيوانية في عمومها. وهذا المعنى موجود بعينه في الفارق الثاني ~~الذي أبداه. فإنه قال: إن البلاغة لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط ~~التركيب.. إلى آخره فتأمل كلامه يظهر لك ما قلته. # تحديد معنى البلاغة والفصاحة # والذي أقوله أنا: هو أن بين البلاغة والفصاحة، عموما من وجه وخصوصا من ~~وجه. بيان ذلك: أما عموم البلاغة، فلأنها تتناول الكلام الفصيح أعني الحسن ~~المبين، وغير الفصيح أعني الغريب الوحشي. وعموم الفصاحة، فلأنها تتناول ~~الألفاظ المركبة فقط، وخصوص الفصاحة، فلأنها لا تتناول إلا الألفاظ العذبة ~~المستعملة فقط. فثبت أن بين البلاغة والفصاحة عموما من وجه، وخصوصا من وجه. ~~ومثل هذا لا ms022 يتنبه له ابن الأثير. # أقسام علم البيان # قال في هذا الفصل: وأما أقسام علم البيان من الفصاحة والبلاغة، فليست ~~كذلك لأنها استنبطت بالنظر وقضية العقل من غير واضع اللغة، ولم يفتقر فيها ~~إلى التوقيف، بل أخذت ألفاظ ومعان على هيئة مخصوصة وحكم لها العقل بمزية ~~الحسن لا يشاركها فيها غيرها. فإن كل عارف بأسرار الكلام من أي لغة كانت من ~~اللغات، يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة يلذها السمع ولا ينبو ~~عنها الطبع، خير من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع. ولو ~~أراد واضع اللغة خلاف ذلك ما قلدناه. # أقول: قد ادعى أن ذلك عقل صرف. فإن أراد بالبيان الذي اصطلح عليه أرباب ~~البلاغة، وهو أحد أقسام علم البلاغة الذي يطلق على معرفة الحقيقة والمجاز ~~والتشبيه والاستعارة والكناية، فإن من المجاز ما هو لغوي كالصلاة، استعملها ~~الشارع في هذه الهيئة المخصوصة المشتملة على القيام والقراءة والركوع ~~والسجود والذكر والسلام والدعاء. وهي في أصل اللغة إنما تطلق على الدعاء ~~الذي هو جزء هذه الهيئة فسماها باسم جزئها، فقد توقفت معرفة هذا المجاز على ~~حقيقته، وتلك الحقيقة لا تعرف إلا بالنقل لا بالعقل، والمتوقف على المتوقف ~~على معرفة الشي متوقف على ذلك الشيء. # الاستعارة والكناية # وأما الاستعارة، فاختلف علماء البيان، هل هي مجاز لغوي أو عقلي. فذهب ~~الأكثرون إلى أنها مجاز لغوي خلافا لصاحب المفتاح فإنه ذهب إلى أنها عقلية. ~~ودليل الأكثرين أنك إذا قلت: عندي أسد شاكي السلاح، وأنت تريد الرجل ~~الشجاع، كان لفظ الأسد عند التحقيق مستعملا في غير ما وضع له، لأنك تفهم ~~أنه عنده رجل شبهه بالأسد. وإنما حذف أداة التشبيه مبالغة، والألف والسين ~~والدال فهم معناها متوقف على النقل. # وأما الكتابة فمن أقسامها قسم يتوقف على النقل. كقول الشاعر: # أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئا بالقميص المستجد # أراد أبوك أمك حين زفت ... فلم يوجد لأمك بنت سعد PageV01P012 وقد ألقى ~~كساء أبي عبيد ... عليك فصرت أكسى أهل نجد # أراني الله عينك في الجعبى ... وعينك ms023 عين بشار بن برد # فإن الشاعر أراد بأخي لخم جذاما، وببنت سعد عذرة، وبأبي عبيد الأبرص، ~~وبعين بشار العمى. # وقول محمد بن عبدون في خمر عادت خلا: # ألا في سبيل اللهو كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابت # حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وراحت كجسم الشنفري بعد ثابت # أراد ببنت بسطام صهباء، وبجسم الشنفري قوله: # فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خلي لخل # وقول الآخر: # ويدعي الشرب في كأس وفي قدح ... وأم عنترة العبسي تكفيه # أي تكفيه زبيبة لأنها اسم أم عنترة العبسي. # ولولا النقل لما علم من هذه الكنايات شيء، وليس للعقل هنا مجال. فقد اتضح ~~أن بعض البيان نقلي. # وإن أراد بالبين علم المعاني الذي هو ما يعرف به تتبع خواص تراكيب الكلم، ~~من أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، والفصل ~~والوصل، والإيجاز والإطناب وأحوال الطلب، فأكثر ذلك تتوقف معرفته على ~~النقل، إذ المسند والمسند إليه هما المبتدا والخبر، وأحوال كل منهما ~~متنوعة، من تقديم وتأخير لكل منهما وتعريفهما وتنكيرهما، وحذف هذا تارة ~~وذلك أخرى، ومجيء المسند إليه تارة اسما وتارة فعلا إما ماضيا وإما مضارعا. ~~ولولا خوف الإطالة لضربت أمثلة ذلك، ولكنها معلومة من النحو. وجميع ذلك ~~الأصل فيه ما ورد به النقل. # وهذا هو جل علم المعاني. فقد ثبت أن البيان ليس بعقلي كما ادعاه ابن ~~الأثير، بل بعضه عقلي وبعضه نقلي. على أنه قد أورد الناس على علم المعاني ~~فقالوا: إن كان بديهيا لم يحتج إلى تعلمه وتدوينه، وذكره مستغنى عنه، وإن ~~كان كسبيا افتقر إلى علم آخر، ودار أو تسلسل. وما أفضى إلى ذلك فهو باطل. # وأجيب بأنه ليس الكل بديهيا فيلزم ذلك. بل البعض بديهي يدرك بالذوق ~~السليم والذهن المستقيم، والبعض كسبي يؤخذ بالنقل. # ولما كان الناس على ثلاث طبقات: الأولى أصحاب الطبع السليم وهم العرب ~~الخلص الذين يوردون الكلام بسجيتهم موارده، فهؤلاء مستغنون عن تعلمه لأنه ~~لهم جبلة وفطرة. والطبقة الثانية الجفاة أصحاب الفظاظة والطباع النافرة ~~الذين ms024 لا شعور لهم بمعاني الكلام، ولا استعداد لهم لتحصيل ذلك، فهؤلاء أيضا ~~مستغنون عن تعمله، فإنه لا فائدة لهم فيه. والطبقة الثالثة هم المتوسطون، ~~بين هؤلاء وبين هؤلاء، قد يصيبون تارة في أفكارهم وقد يخطئون. فهؤلاء هم ~~الذين وضعت لهم هذه الآلة. فإذا راعوا قوانينها المدونة، وحدودها المقررة، ~~كانوا أبعد عن الخطأ. وحينئذ لا تستغني هذه الطبقة عن تعلم هذه الآلة. # تعليلات النحاة # قال في هذا الفصل أيضا : والذي تكلفه النحاة من التعليلات واه لا يثبت ~~على محك النظر. # أقول: قد أجابه ابن أبي الحديد في الفلك الدائر عن ذلك. ولكن ما أنضج ~~القول معه، ويحتاج إلى بقية تذنيب. وهو أن يقال له: ما كأنك نظرت في هذا ~~العلم حق النظر ورأيت ما ذكره ابن السراج والرماني وأبو علي والسيرافي ومن ~~بعدهم مثل: ابن جني وما أتى به في كتاب الخصائص وسر الصناعة وابن الأنباري ~~في أسرار العربية وغير ذلك من حسن التعليل لأحكام النحو، والمناسبات التي ~~أبدوها وإن كان في البعض تسامح لما أنهم التزموا بتعليل كل ما ورد عن ~~العرب. وكما التزم أبو علي في الحجة بتعليل القراءات السبع، وابن جني في ~~المحتسب في تعليل القراءات الشاذة وليس كل ذلك ما يطابق قواعد النحو في ~~الظاهر أكثر من قراءة أبي عمرو رحمه الله تعالى، لأنه كان أقعدهم بالنحو، ~~ولهذا شنع النحاة على ابن عامر رحمه الله في قراءته المشهورة قوله تعالى " ~~وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم " . بتغيير زين لما لم ~~يسم فاعله، ورفع قتل مفعول له، ونصب الدال من أولادهم على أنه مفعول المصدر ~~الذي هو قتل، وجر شركائهم لأنه فاعل المصدر وجره على الإضافة، ولا يضاف ~~المصدر إلا إلى فاعله. PageV01P013 فقد فصل ابن عامر بين المصدر وفاعله ~~المضاف إليه، وهو غير ما قرره النحاة. وأفرطوا في الشناع عليه، وهو جائز. ~~وقد جاء عن العرب كثيرا في شعورهم، واستشهد له الشيخ جمال الدين بن مالك ~~رحمه الله في شرح الكافية بشواهد عديدة ومنع الخصم بأن ms025 هذا الباب جائز في ~~ضرورة الشعر، وليس في القرآن ضرورة. وانتصر الكواشي لابن عامر في تفسيره ~~وأيد هذه القراءة. # وهذا شأن الفقهاء، أكثر تعليلاتهم لما ورد في أحكام الشرع الشريف في غاية ~~الحسن والقوة، وفي بعض ذلك تسامح. كمن أراد تعليل بعض مناسك الحج فإنه ليس ~~بقوي قوة غيره. والغزالي في الإحياء تكلم في هذا كلاما حسنا، وكذلك شأن ~~المتكلمين، فإن بعض أدلتهم لا تبلغ القوة فيما أتوا به. من حدوث العالم ~~والنفس وإثبات الوحدانية وعدم الجهة. فقد تجىء معهم مسائل قليلة أدلتها ~~عليلة لا تبلغ في القطع والجزم وإلزام الخصم مبلغ تلك. ولولا ذلك لما وقع ~~في النحو خلاف بين البصريين والكوفيين، ولا بين أصحاب المذاهب في الفروع، ~~كالأئمة الأربعة ومن عداهم من الفقهاء التابعين وأصحاب الظاهر رضي الله ~~عنهم أجمعين، ولا بين المتكلمين في أصول الدين من الأشاعرة والمعتزلة ~~والإمامية والخوارج والحشوية. وكأنه نظر إلى قول ابن فارس صاحب المجمل: # مرت بنا هيفاء مجدولة ... تركية تعزى لتركي # ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجة نحوي # ألم يعلم أن الشعر والخطابة يروج فيهما أدنى شبهة، وتضيء فيهما أقل لمعة. ~~وقول الشاعر هنا إنما هو بالنسبة إلى الأمور الضرورية، كتنافي الضدين، وأن ~~الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم الواحد لا يشغل الحيزين معا في وقت واحد وما ~~أشبه ذلك، على أن من الناس من أنكر هذه البديهيات وطعن في صحتها واعترف ~~بالحسيات. ومن الناس من أنكر الحسيات وطعن فيها وجزم بالبديهيات. ومن الناس ~~من طعن فيهما وأنكر الحسيات والبديهيات وهم السوفسطائية. # حكي أن صالح بن عبد القدوس مات له ولد فمضى إليه أبو الهذيل ومعه النظام ~~وهو غلام حدث، فرأى من جزعه فقال له: لا أعلم لجزعك وجها إذ كان الناس عندك ~~كالزرع ! فقال صالح: يا أبا الهذيل، إنما أجزع عليه لأنه لم يقرا كتاب ~~الشكوك فقال وما هو ؟ قال: كتاب وضعته، من قرأه شك فيما كان حتى يتوهم أنه ~~لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان. فقال ms026 له النظام: فشك أنت في ابنك ~~أنه لم يمت وإن كان مات واعمل على أنه عاش إلى أن قرا الكتاب وإن كان ما ~~عاش إلى أن قرأه. فبهت صالح وحصر. # وإذا كان الأمر وصل في المكابرة إلى هذا الحد، فما ظنك بمن يعلل رفع ~~الفاعل ونصب المفعول وعمل لم الجزم وإن جزم الشرط والجزاء وغير ذلك. وباب ~~الجدل مفتوح لكل من أراد أن يمنع شيئا. ولهذا يقال: إذا ناظرت المعتزلي في ~~مسألة الرؤية الزم جانب المنع، ومن أراد أن ينكر شيئا أنكره وأتعب خصمه، ~~فلا يستطيع أن يقهره. # وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # نعم إذا لزم خصمك الحق وقصده ظفرت منه بالمراد، وجذبته بعد العناد إلى ~~الصواب سلس القياد وإذا كان متعنتا أو جاهلا أو جاحدا ، فإنما تضرب في حديد ~~بارد وقد ضيعت نفخك في الرماد. # وما يقوم لأهل الحب بينة ... على بياض صباح أو سواد دجا # ويابن الأثير: إن كانت تعليلات النحاة واهية لم تثبت على محك النظر، ~~فماذا الذي يثبت على محك النظر من تعليلات أصحاب المعاني وهي ما هي ؟ أكثر ~~ما يستندون إليه شبه خطابية لا يقطع بها. ولو عورضوا فيها وقفوا في الكثير ~~منها. # وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى يقول: علم المعاني ~~والبيان إلى الآن بعد ما أنضجته الطبيعة. حكى لي ذلك عنه الشيخ فتح الدين ~~ابن سيد الناس بالديار المصرية في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، فإنه تلميذه ~~الخاص به. # وما أشك أن الكثير من الحجج أقوى وأقطع وأقرب إلى الجزم من الكثير من حجج ~~أرباب المعاني، بل ما بينهما صيغة أفعل. فأت في ذلك بحجة قاطعة: # أو فدع الأشياء مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع # ما يشترك فيه الكاتب والشاعر # قال في الفصل التاسع في أركان الكتابة: إن الكاتب من أجاد المطلع ~~والمقطع، أو يكون مبنيا على مقصد الكتاب. ثم قال: وهذا يشترك فيه الكاتب ~~والشاعر. PageV01P014 أقول: هذا فيه تسامح، فإن الشاعر في كل وقت ms027 ما يفتتح ~~قصيدته بما يدل على مقصوده. فإن من مدح يطلب الإرفاد والإعانة بمال أو ~~مركوب أو شفاعة أو طلب ولاية، ثم صدر تلك القصيدة بغزل يصف فيه محبوبه، أو ~~وصف هوى أو غربة أو شوق أو مسير، كيف يتأتى له ذلك ؟. نعم إذا كان مدحا ~~مجردا بلا غزل لاق به ذلك، وأكثر ما يكون المدح مجردا من الغزل إذا كان في ~~واقعة تجددت للمدوح فيهنئه الشاعر إما بولاية منصب أو بظفره بعدو أو بمولود ~~أو بسلامة من حادثة أصابته أو هناء بعافية أو بتشيف أو غير ذلك من مجددات ~~الوقائع. ولولا خوف الإطالة ذكرت الشواهد على ذلك. # وأما الكاتب فإنه إن كتب إلى من هو دونه أو مساويه أو أرفع منه، بحيث أنه ~~تمكن مخاطبته بالدعاء، فيحتاج إلى أن يكون الدعاء مناسبا لما يتضمنه الكتاب ~~من شوق أو وحشة أو هدية أو استهداء أو شفاعة أو سؤال أمر أو شكر أو هناء أو ~~عزاء أو ما هو بحسب الحال. وهذا النوع إنما حافظ عليه المتأخرون من الكتاب ~~خصوصا في التقاليد والتواقيع فإنهم راعوا ذلك. ولولا خوف الإطالة لأوردت من ~~ذلك جملة كافية. # على أن هذا لا يحتاج أهل هذا العصر إلى التنبيه عليه، لأنه هذا الأمر قد ~~اشتهر بين كتابه.. وقد بقي هو الغاية المطلوبة من الكاتب. حتى إنه ليقال: ~~افتتح تقليده أو توقيعه أو كتابه بكيت وكيت. ويذكر اسم صاحب التقليد في أول ~~السجعة، أو ينبه على معنى ما اشتمل عليه الكتاب. فمنهم السابق ومنهم ~~المقصر. وقد يتفق في غالب الأوقات اسم المكتوب له والوظيفة، فينبه الكاتب ~~على المعنى. ألا ترى ما أحسن قول.... وقد كتب تقليدا بولاية العهد للسلطان ~~الملك الأشرف صلاح الدين فقال: الحمد لله الذي جعل الملك الأشرف صلاح ~~الدين. فما استعار له شيئا . واتفق لي مثل هذا في توقيع كتبته لقاضي القضاة ~~الحنفية عماد الدين علي بتدريس المدرسة القايمازية فقلت: الحمد لله الذي ~~جعل عماد الدين عليا فما استعرت له شيئا . وهذا كثير الاتفاق. ms028 # وقول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وقد كتب تقليدا بولاية العهد ~~للسلطان الملك الصالح علاء الدين علي عن والده السلطان الملك المنصور فقال: ~~الحمد لله الذي شرف سرير الملك بعليه، وحاطه منه بوصيه، وعضد منصوره بولاية ~~عهد مهدية وقول القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في تقليد ~~كتبه لركن الدين بيبرس المظفر، عندما تملك عن مولانا أمير المؤمنين أبي ~~الربيع سليمان أدام الله أيامه فافتتحه بأن قال: إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم. # وكتب فخر الدين بن لقمان عن الملك السعيد بن الملك الظاهر رحمهما الله ~~تعالى تقليدا بوزارة برهان الدين السنجاري، افتتحه بقوله تعالى: " يا أيها ~~الناس قد جاءكم برهان من ربكم " . وفي هذه اللمعة كفاية. ولكن قد ظهر أولا ~~أن الشاعر لا يلزمه الكاتب من مراعاة المطالع. # كيف يستفيد الكاتب المنشىء # من التراث الأدبي # وقال في الفصل العاشر في الطريق إلى تعلم الكتابة: الثاني أن يمزج كتابة ~~المتقدمين بما يستجده لنفسه من زيادة حسنة: إما في تحسين ألفاظ أو تحسين ~~معان ثم قال: إلا أن هذه الطريق مستوعرة جدا ، ولا يستطيعها إلا من رزقه ~~الله لسانا هجاما وخاطرا رقاما ، وقد سهلت لي صعابها وذللت فجاجها، وكنت ~~أشح بإظهار ذلك لما عانيت في نيله من العناء. # أقول: وقد سلك هو طريقا والقاضي الفاضل طريقا: # عاجوا إلى تلفي وعجت إلى الرضى ... شتان بين طريقهم وطريقي # فإن القاضي رحمه الله، أذهل لما أسهل، وابن الأثير سامحه الله أحزن لما ~~أحزن، على أن ابن الأثير أكثر ما جاء به في طريقه: حل المنظوم، وتضمين ~~الأمثال. وليس هو بأبي هذه العذرة، ولا ناظم تلك الشذرة. وأين كلامه من ~~كلام الوزير أبي الوليد ابن زيدون: ومن وقف على ترسله، على حسن توصله إلى ~~هذا الفن ولطف توسله. لا سيما رسالته التي كتبها على لسان ولادة بنت ~~المستكفي إلى الوزير أبي عامر ابن عبدوس، والرسالة التي كتبها إلى ابن جهور ~~يستعطفه بها. فإنه أتى في هاتين الرسالتين بالغرائب والعجائب، ms029 وضمنهما من ~~الأمثال والوقائع وحل الأبيات ما زاد، وضوع نده في كل ناد، لأنه حشر فيهما ~~فنادى، ونظم لآلىء ذلك توأما وفرادى فجاءت كل رسالة. # يحرك أعطاف المعالي سماعها ... وتبعث أطراب النهى وتهيج PageV01P015 ~~وهناك يعلم قدر هذا الرجل في إطلاعه، وبسط ظله وغاية ارتفاعه. حتى قيل: إن ~~نثره أشبه منه بالمنظوم. # وقد نثر ابن خلف الحماسة وزاد عليها في مجلدة وسمها بالمنثور البهائي ~~وادعى فيه أنه هو الذي ابتدع حل المنظوم، كما أن الخليل بن أحمد اخترع ~~العروض. # وأما ابن الأثير، فإنه أكثر من الحل، وأتى فيه بما حرم وما حل، وزاد من ~~رقمه في بروده، وبالغ من نظمه في عقوده. # والخد بهجته بخال واحد ... وتقل فيه بكثرة الخيلان # وأتى فيه بالسمين والغث، وما جاء فيه بجديد إلا وقرنه بالرث. وحل المنظوم ~~إنما هو نوع واحد، وقسم لو فقد ما كان عليه واجد، وما لم تمكن فيه خفة ~~تروجه، وحلاوة تقرنه بالسمع وتزوجه، لم يعلق بالسمع قرطه، ولم يجاز بالقبول ~~شرطه. وما أمثله إلا بعقد نثرت حباته، وروض صوحت زهراته. فأي حسن لقريض ~~خانه وزنه، وأي نضارة لروض جفاه مزنه. اللهم إلا أن يكون المنشىء سليم ~~الفطرة، قويم الفكرة، يستدرك على الناظم ما فاته، ويرهف صارمه ويثقف قناته، ~~إما باحتراز ما لم يحد عنه، أو الإتيان بملائم لم يتمكن لضيق الوزن منه، أو ~~باختصار ما يقوم المعنى بدونه، أو بزيادة زهر غصونه، أو بجودة سبكه، أو ~~بإتقان حبكه. وهنا تظهر القدرة المتمكنة، وتكون أدلة الفصاحة بينه. # فليس لوصل من يدعى فيأتي ... عذوبة وصل من يدعى فيأبى # وأما القاضي الفاضل رحمه الله، فإنه سلك طريقا غريبة، وأظهر فنونا عجيبة، ~~زعم بعضهم أنه كان جل اعتماده على حفظ كلام ابن أبي الشخباء، وأنه كان ~~يستحضر أكثر كلامه، وبعضهم زعم أنه اعتمد على كلام ابن أبي الخصال، وبعضهم ~~زعم أنه اعتمد على كلام البديع وهيهات، ليس في كلام واحد منهم تلك النشوة، ~~ولا لمتكلم غيره تلك الخطوة في نيل الحظوة، ولا لمترسل حسنه ms030 الذي شق قلوب ~~الرجال إن لم يقطع أيدي النسوة. بينما هو يخاطبك بالكلام، إذا به قد عاطاك ~~كؤوس المدام، وبينا هو يناوح مهبك، إذا به قد سحر لبك، وبينا هو يتكلم مثل ~~الناس على العادة، إذا به قد سرد الكواكب الوقادة، وبينا هو قد ألفتك ظهره، ~~إذا به قد أدار لك المحيا، وبينا هو يسايرك في الثرى، إذا به قد تبختر عند ~~الثريا. # فإن كان من در فما الدر هكذا ... وإن كان سحرا إن ذا لعجيب # وها أنا أورد هنا من كلامه نبذة تكون لباقيه عنوانا ، وفلذة تكون بينه ~~وبين غيره ميزانا ، من ذلك كتاب كتبه في وصف كتاب كتبه موفق الدين خالد بن ~~مهذب الدين القيسراني بذهب وهو: وقف الخادم على ما دبجته أنامل الحضرة التي ~~إذا صاب سحابها روض لساعته، وإذا عدمت حقيقة السحر فهي التي نفثها بيانه في ~~روع يراعته، فانتقل من الاستحسان إلى التسبيح لأن حروفه شذور السبح، وخلص ~~التفضيل من الترجيح بأول ما صافح الطرف من الطرف واللمح من الملح. فتناول ~~منها جنة قد زخرفت بنار، وليلة قد وشحت بنهار، وروضة قد سقيت بأنها عقار، ~~وغصون أقلام قد فتحت بنوار نضار، وعارض ذهب قد أذيب يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار. فتعالى من ألان لداود عليه السلام الحديد ولها الذهب، وأيقظ به ~~جد هذه الصناعة بعد أن نام بين الأنام فهب، وأعلم الناس أن القلم في يد ابن ~~البواب للضرب لا للطرب، وأن قيمة لك منها ومنه ما به في هذه الصناعة كتب، ~~وحلاها بتمام البدور وأعطاه ما أعطى أباه هلالا من المحاق، وأخر زمانها ~~وقدم زمانه ورزقها السبق وحرمه اللحاق. PageV01P016 فمن ألفات ألفت الهمزات ~~غصونها حمائم، ومن لام ألفات بعدها يحسدها المحب على عناق قدودها النواعم، ~~ومن صادات نقعت غلل العيون الصوادي والقلوب الحوائم، ومن واوات ذكرت بما في ~~جنة الأصداغ من العطفات، ومن ميمات دنت الأفواه من ثغورها لتنال جنى ~~الرشفات، ومن سينات كأنها التأشير في تلك الثغور، ومن دالات دالات على ~~الطاعة لكاتبها ms031 بانحناء الظهور، ومن جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق ~~لروعات الاستحسان كالطيور، وفها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وخالد فيها ~~خالد، وتحيته فيها المحامد، ويده تضرب في ذهب ذائب والخلق تضرب في حديد ~~بارد. فهي اليد التي تنظم تيجان الملوك بدرها، وتظهر آية الكرم على ~~قراطيسها بما تظهره من تبرها. وما كنت قبل يدها أحسب أن سحابا تمطر نضارا ، ~~ولا أن ماء يستمد نارا ، ولا أن أقلامها سيوف قد سفكت دم المال فأجرته ~~أنهارا ، ولا قبل لحظها أن الشفق لا يشفق من طلوع الفجر، ولا أن لون الوصل ~~ينفض على لون الهجر، ولا أن الليل يتشبث بعطف البرق فلا يريم، ولا أن ذهب ~~الأصيل يجري به سواد الليل البهيم، ولا أن يدا كريمة تدعي من آيات قلمها ~~ومعجزات كرمها أن الجلمود بها يفارق الجمود، وأن البراعة تسير فرقدها على ~~الظما فيشافه منهل النضارة المورود، وما كانت خطوط الفضلاء إلا تجربة بين ~~يدي تحريرها الآن، ولا أقلامها إلا حطبا أوقدته على الذهب فذاب لها ولان، ~~ولا يحسب الخط إلا يحسب بيدها فغيرت له أثواب الحداد وجلت عرائس حروفه ~~مضمخة الأجساد بالجساد، وأطلعت إنسان عين الإحسان بدليل كونه لم يلمح إلا ~~في سواد، وسجد له والسجود فرضه لأنه دون التيجان، وقبله والتقبيل حقه لأن ~~الجنان يحاور منه حور الجنان، وكيف لا يفضل جوهرها بأن يفصل، وتقابل حروفها ~~بأن تقبل، وقد كتب الناس باليد وكتب بالعين، وحصل الناس من هذه الصناعة بعد ~~حرب حنين على خفي حنين، وفازت بما أظهرت من نروتها للنظار من النضار، وصحت ~~لها الكيمياء، لأنه كتب بشطر دينار سطرا بألف دينار، وأن له في نهارها بل ~~في أنهارها سبحا طويلا ، وأنها على خفة وزنها وقلة أسطرها لتكلف من الشكر ~~عبئا ثقيلا ، وكيف لا يخف ميزان الثناء على أنهار حجته بذائب ذهب، وكيف يضل ~~وفد الشكر وقد هدته بذوائب لهب، وقد نشره وطواه حتى كاد أن يخلفه، وأسام ~~فيه ناظر لا يسأمه، فكان آخر ما تأمله أول ما رمقه، ومأسى ms032 لافتنائه يعبد ~~مذهبه على حرف أو على ورقه، وورده إذ يقسى ورده فازداد عطشا على كثرة العل ~~والنهل، وأعشاه إذ أغشاه وكثرة النور تعشى ناظر المقل. # ومن ذلك ما وصف به الخيام من جملة كتاب وهو: أما الخيام فقد بليت وصارت ~~أمشاجا، ورقت فخالطت كأس الغمام مزاجا ، ولقيت معنا الشدة وكانت شدتنا أن ~~رأينا بها انفراجا . ففيها من السماء رقاع، وكأنما أخذها في شق الثياب ~~سماع، وإذا هبت الرياح فهي بتقدمها وتأخرها في نزع حثيث، ونزغ من الشيطان ~~خبيث، طلقتنا وهي بعد في حبالنا، وطعنت وهي بعد في عقالنا، إن أرسلت الريح ~~آية ظلت أعناقها لها خاضعة، وإن قعدنا فيها فعلى قارعة الطريق وهي قاعدة ~~على طريق القارعة، وإن وقعت ليلا فما لوقعتها الخافضة رافعة. بها للدهر ~~جراح الإبر لا تقطبها، ومنها على الدهر أطلال تصدقها العين تارة وتكذبها، ~~وقد فرجت سماؤها وانشقت، وأذنت لربها وحقت. لم يبق في أديمها بشرة تعاتب، ~~ولا في صبرها مسكة تجاذب. كأنها وأخواتها إذا هبت الرياح المجرمون رأوا ~~العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، بحيث ترى حماها نافضا، والعارض قد دخل عليها ~~على الحقيقة عارضا ، فعمدها الأغصان هزها البارح، وشرائطها الشرار أطاره ~~القادح، وأما إذا نشأت السحائب فسلت سيوف برقها، وسلسلت سيول ودقها، فإنها ~~أمام تلك السيوف جرحى، ووراء تلك السيول طرحى. تود ما ود ابن نوح يوم لا ~~عاصم، وتراها كبط الماء ونحن بين غريق وعائم. نضربها في كل يوم فوق الحد، ~~ونأخذها في المصيف بحرب حر في الشتاء ببرد برد. PageV01P017 ومن ذلك كتاب ~~أصدره من بعرين، وهو: المستقر ببعرين، حيث أخرجت السماء أثقالها وفتحت من ~~عزاليها أقفالها، وركضت خيل الرعود لابسة من الغيم جلالها، وثوب الليل بماء ~~الغمام غسيل، وشبح الظلام بسيف البرق قتيل، وغراب الأفق في الجو باز، إلا ~~أنه في قوس قزح ناز، وكأن عقارب الظلماء بالثلج أفاع، فليكن ليل قرينتها ~~ليل السليم، وكأن مواقع الرعد قعاقع حلي الغواني فهو لا ينام ولا ينيم، ~~وكأن الصباح قد ذاب في الليل قطرا، وكأن ms033 البرق لما ساوى الغمام بين صدفي ~~الليل والنهار قد قال آتوني أفرغ عليه قطرا، وقد ابتل جناح الليل المغدف ~~فما يطير، وأبطا حمام الصبح خلاف ما نحاه في رسالة نوح فما يسير، والرياح ~~وقد أعصفت فقصفت عيدان نجد ورتمها، وخيولها قد ركضها السحاب فكان البرق ~~تحجيلها ورثمها. # فأما الخيام التي قد نضجت جلودها بإيقاد الشمس واسودت، ثم نضحت بدموع ~~الغمام فتراخت أجفانها بعدما اشتدت. فما هي إلا أعين سال منها بالدموع ~~كحلها، وخيول دهم حل عنها بالرياح من الأطناب شكلها، ولا يزال الخصام بينها ~~وبين الأهوية إلى أن تشق الثياب من حربها كما شقها السحاب من طربها، ونحن ~~ندأب في عقد ظنبها، لندخل في عقد حسبها. وهيهات سلبت في البيكار أشباحها، ~~وخرجت بالرياح أرواحها. فالشمس إن طلعت ألقى الشرق جامات تقر على العيان، ~~لا دنانير أبي الطيب التي تفر من البنان. وما لاذت بجانبها الرياح، وأبت ~~على الأطناب من إرسالها في عنان الجماح، إلا أشبهت قطاة غرها شرك وقد علق ~~الجناح، وقذاة هزها درك وقد أبت البراح. # وقد زادت السيول إلى أن صارت هذه الخيام عليها فواقع، وهمهم الرعد قاريا ~~فاستقلت قيامها بين ساجد وراكع. وأنا فيها كعثمان في داره، والخطب قد أخذ ~~في حصاره. فلا يزال نبل الوبل مغرقا، ولا أزال على نفسي من السيل مخندقا . ~~وقد رجعنا إلى النشأة الأولى فعدنا في هذا الماء علقا . ولا كفران لله فإني ~~ملقى على طرق الطوارق، ملقا ما شاب العيش من فراق يشوب بالشيب المفارق. وما ~~كنت أخشى أن ينقلني الدهر من درجة مجانيه المقتطفة، إلى مدرجة مجاريه ~~المجتحفه، ولن يرى أعجب مني ممحلا وأنا أشكو الغدران الغادرة، ومجدبا أتظلم ~~من ظلمات الليالي الماطرة. وقبح الله بعرين، وإن استجن أسد الإسلام منها ~~بعرين، وأنا بريء منها بعدد رمل يبرين. # ومن ذلك: وتلك الجهة وإن كانت غريبة، فإن الغرب مستودع الأنوار، وكنز ~~دينار الشمس ومصب أنهار النهار. # ومن ذلك: وبالجملة، إن كانت البلاغة دينا فقد ألحد من لا يوحده وإن كانت ~~سيفا ms034 فقد تعرض للحد من لا يقلده، وإن كانت فراشا فقد نفي عن ظهر البلاغة ~~مالا يلده. # ومن ذلك: فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم، وتقلدتم أيامه صوارم، ~~ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم، وأيامكم أعراس وكأنه ما تم على الأموال ~~فيها مآتم، والجود في أيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم. # ومن ذلك: فروح الله تلك الروح، وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما كانت ~~ترجوه من الفتوح. # ومن ذلك في شرك صنيعه: والله إن صنيعته كالشمس وضوحا لا أجحدها، ولو جاز ~~أن تعبد الشمس في دين الله لكنت أعبدها، فإنها شمس ما ألقت يدا في كافر، ~~ولا وضعت يدا إلا في شاكر. # ومن ذلك: ولو بلغ القول مني إلى السمع لما بلغ إلى القلب، ولو رأيت سيفه ~~خضيبا من مقره في صدري لما استشعرت الحرب، ولو صمم على الضرب لحركته حتى ~~يصير من الضرب لا من الضرب. # ومن ذلك: والقلوب طيبة، والغيوث صيبة، وقد صار على عطف كل زرع منها جبيرة ~~تتبرج وعلى أذن كل قرط منها لؤلؤة تترجرج. # ومن ذلك: فلا عدمت تلك الأنفاس من النفائس، وتلك العقائل العرائس، وتلك ~~الجواهر التي تسرني أن تفضح عرضي، وتلك السهام التي هي والله غرضي. # ومن ذلك: ووثقنا بنجح الطلب، وأمسكنا بقرون حماة فحصلنا على حلب حلب. # ومن ذلك في ذكر النيل يتدافع تياره دافعا في صدر الجدب بيد الخصب، وترضع ~~أمهات خلجه حتى أبناؤها بالعصف والأب. # ومن ذلك: والمهامه قد نشرت ما ملأها من ملاء السراب وزخر فيها ما ولد ~~لغير رشده على فراش السحاب. # ومن ذلك: وإن يصفح عنه الصفح الجميل المألوف من هذا البيت، فبصفحهم أمضى ~~الله حدهم، وبعفوهم أنجح الله جهدهم، وباتباعهم لأبيهم رحمه الله عليه أعلى ~~الله سبحانه جدهم. PageV01P018 ومن ذلك: والله بيننا وبين البين، فما أكثر ~~فضوله ودخوله بين المحبين. # ومن ذلك: وقد وصل كتابه الكريم جوابا بل ثوابا عن كتابي العافي، وأسفر ~~بشر صفحة بره المخفي وكل بشر لا إخفاء معه فهو بشر الحافي. ms035 # ومن ذلك: والقصائد أنا مترقب وصولها بأي خط اتفق، فعربيتها لا تغولها ~~عجمة الناقل، ونور حقها يعرف من ظلمة الباطل، وما يضر محاسن سحبان أن تجري ~~على لسان باقل. # ومن ذلك: سعدا لا يصوح منه مربعه الأخضر، أمنا لا يحزنه الفزع الأكبر، ~~مطاعا بنفاذ تصريفه الأبيض والأسمر، محبوب القلم حتى لو عاداه السيف لقيل ~~له إن شانئك هو الأبتر. # ومن ذلك: ولا أعدمني تفضله الذي تفض له صحائف الود، وتفاظ عليه طرائق ~~الحمد، وعهده الذي جمع إلى بقاء الآس نضارة الورد، وإلى رواء الروض ري ~~الورد. # ومن ذلك: وإلى أن تنجلي عنا هذه الغمره، وإلى أن تجف مناديل العيون فإنها ~~كانت بالدموع عصره. # ومن ذلك: وفداه بأوليائه وإخوانه، ولا كرامة لأعدائه ولا نعمة لحسده، ~~وأبقى على الدهر سؤدده الذي أجار بنيه من سوء دده. # ومن ذلك: ورد من سيدنا كتابان شرحا الصدر وسرا السر وسريا الهم، ولقياني ~~بالفتح ولقيتهما بالضم. # ومن ذلك: ورد المثال الشريف من الديوان العزيز، فأبى له الضلال نوره، ~~وأناله الهدى والهدو إسفاره وسفوره، وجلا وجله ملا أمله حبوره وحبيره، وما ~~عدت أن غدت جنته وجريره جنته وحريره، وراض طرف طرفه في روض أنف أنف أن يعبر ~~عنه إلا عبيره، وحلا عنه الآثام وأحله الدرجات العلا فهو سواره وسوره ~~وسريره. # ومن ذلك: قسم فعدل، وأجزل فأفضل، وبلغ فلم يكن في بلاغ بلاغ، وفتح زهرا ~~ما كان مثله ما يطول إليه باع باغ، فلله هو من كتاب ولله قلمه، فهذا أورد ~~ما ساغ، وهذا قلد ما صاغ. # ومن ذلك: فأما الكتاب إلى غريم الجمال فالله يجمع المال على الجمال ~~ويريحه من اتفاق هاتين السجعتين حتى يكون الجمال الجم المال. # ومن ذلك: والفضل بيد الله يؤتيه أهله، وقد زاده منه فلا عدم فضله، فما ~~يجاريه مجار إلا حمق وكان في طريق السيل بقله. # ومن ذلك كل لفظة موصولة بأنة، وفي كل قلب من حزنه نار وفي كل دار من فضله ~~جنة. # ومن ذلك: فما وصلت إلى مكان العافية منه، ms036 إلا وقد امتقعت واقتطعت وقلت ~~بقية السلف الوضاح، وسحاب الفضل حوشي أن يضف حتى يكاد يرفعه من قام بالراح. # ومن ذلك: وأغناه بحراسة لفظه عن احتراسه، وأغنى الملك عن إعمال سهمه ~~بقرطاسه. # ومن ذلك: وأدام سيادته على أهله، وأعاذه بخصب رحله من محل محله، ولا ~~عدمنا من لفظه ما يشهد أنه الشهد حقا لا نحلة نحله ولا نحيلة نخله. # ومن ذلك: وأهلك كل عدو له وأذله، وجعل الحياة قذى وأذى له، ووقفت منهما ~~على البلاغة المسرودة الموضونة، والجواهر الثمينة المكنونة، والثمرات التي ~~اجتناها من شجرة البلاغة الطيبة، ومن الناس من يجتني من الشجرة الملعونة. # ومن ذلك: هو ذلك الفرع الذي سقاه حتى التف في ورقه، وخطر في سندسه ~~وإستبرقه، وشافه منه بياض الفجر بعدما كان لا يظفر بأزرقه. # ومن ذلك: وبات الناس بالحصن مطيفين والنيران بهم مطيفة وعليهم مشتملة، ~~وعذبات ألسنتها على وجهه مسدلة ومن خلفه مسبلة، ولفحاتها جهنمية وقودها ~~الناس والحجارة، والبلاء ينادي طبرية وإياك أعني واسمعي يا جارة. # ومن ذلك: ولا زالت الملوك ببابه وقوفا ، والأقدار له سيوفا . والخلق له ~~في دار الدنيا ضيوفا ، ودين دين الحق يعلم الناس إذا جرد لتقاضيه سيوفا أن ~~سيوفى. # أقول: كيف رأيت هذه الدرر المتسقة والمحاسن المتفقة ؟ هل أتى غيره بهذا ~~النمط، أو ظفرت بهذه النكت في ذخائر الكتاب قط: # هذا كلام عن الأملاك محتجب ... فلا تذله بإكثار على السوق # وسوف يرد له في أثناء هذا الكتاب ما تدور عليه كؤوسه، وتشرق شموسه. # الصفدي ينتقد ابن الأثير في بعض من إنشائه # وأما قول ابن الأثير رحمه الله في هذا الفصل الذي قدمته: إلا من ملكه ~~لسانا هجاما وخاطرا رقاما . # فأقول: ما أدري ما أقوله في هذا، أي مناسبة بين هجام ورقام: ثم إن ~~استعارة الرقم للخاطر بعيدة، وإنما الرقم لليد حقيقة وللقلم مجاز. وما معنى ~~اللسان الهجام، ولو قال لسانا قوالا ، وخاطرا جوالا ، أو لسانا حاد الغرب، ~~وجنانا لا يهاب الحرب، أو لسانا نظاما ، وبنانا رقاما ، أو ما أشبه ذلك ~~لكان أحسن. ms037 PageV01P019 قال في هذا الفصل: ومن وقف على ما ذكرته علم أني لم ~~آت شيئا فريا ، وأن الله قد جعل تحت خاطري من بنات الأفكار سريا . # أقول إنه هنا في مقام تعظيم لما أتى به في فن الكتابة من حل المنظوم ~~والآيات الكريمة، فقوله، شيئا فريا ينافي هذا المقام، لأن الفري العظيم أو ~~الشيء المختلق المصنوع، فإذا قال: ما أتيت شيئا عظيما ، أو شيئا مختلقا ~~مصنوعا ، لم يكن ذلك مناسبا . # وأما السري فإنه النهر الصغير، ومن ذهب إلى أنه عيسى عليه السلام، بمعنى ~~أنه واحد من سراة الناس، فإنه غلط منه. # قال لبيد يصف حمر الوحش: # فتوسطا عرض السري وصدعا ... مسجورة متجاورا قلامها # فالسري: النهر الصغير. والمسجورة: صفة للعين المملوءة. # وما أحسن قول أبي المقدام الخزاعي من جملة قصيدته المشهورة في اللغز: # وسريا رأيته وسط قوم ... ماكثا ما يريد عنهم زوالا # تشرب الخمر دونه وسقوه ... حين دارت رحاهم أبوالا # السري: هو النهر الصغير وعليه سياق الكلام. وسياق الآية الكريمة يدل على ~~بطلان قول من قال هو كناية عن عيسى عليه السلام لأنه تعالى قال: " وكلي ~~واشربي " أي كلي من الرطب الجني، واشربي من النهر، وإذا ثبت هذا فما أدري ~~ما معنى قوله تحت خواطري من بنات الأفكار سريا فإن أراد الذي ذهب إليه من ~~زعم السري هو عيسى عليه السلام، فكان ينبغي له أن يقول سريات لأنه صفة ~~لبنات، وإن كان المراد النهر فلا معنى له. # ولو قال: علم أني امتلأت من ذلك ريا ، وأن الله قد جعل تحت فكري من هذا ~~النوع سريا. # قال أيضا بعد ذلك: والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من ~~لآلئها بمعرفة ما في الأصداف. # أقول: ما أدري معنى هذه القرينة الثانية ما هو ؟ فإنه ما في الأصداف إلا ~~اللؤلؤ ولو قال: ويترك اللآلىء ويضم الأصداف، لكان أحسن. # قال: ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج منها استنتجت لهام بها في كل ~~واد، وتزود إلى سلوك طريقها كل زاد. # أقول: هذه السجعة الأخيرة محلولة باردة لا ms038 معنى تحتها. ولو قال: لهام بها ~~في كل واد، وارتفع لها في مظهر الربا وانخفض في مضمر الوهاد، لكان أحسن. # ادعاء ابن الأثير الإبداع في رسالة له # في ذم الشيب # قال في هذا الفصل: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم الشيب فقلت: ~~والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، ~~وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من ~~الطبائع الأربع فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته ~~كزيادة التصغير تدل على نقصها، ويصبح بعد ذلك وهو يدعى أبا بعد أن كان يدعى ~~ابنا، ويتقمص من المشيب ثوبا لا يجتر ذيله خيلاء ولا يزهى به حسنا. وإن قيل ~~إن أحسن الثياب شعارا البياض قيل: إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من ~~الفظاعة أنه ينظر الأحباب إليه نظر القال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير ~~له لفظ الاشتعال. ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا حدادا ~~على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصدق من وحشة الكذاب. ~~وخداع النفس أن تسلو عن بسره المعطلة وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ~~ثوب مرقع وهي تراه بعين الثوب الجديد ثم قال وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن ~~الرومي. وهو قوله: # رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على شرخ الشبيبة يلبس # غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لا توجد في كلام آخر. # أقول: قد ادعى أنه ابتكر ما فيه هذا الفصل من المعاني، وأنا أذكر أبياتا ~~تدل على أخذ كلامه منها. # قال أبو الطيب: # آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى # وقال التهامي أيضا : # وطري من الدنيا الشباب وروقه ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري # وقال ابن أبي حصينة: # كأن الفتى يرقى من العيش سلما ... إلى أن يجوز الأربعين وينحط # وقال سبط التعاويذي: # وعلو السن قد كس ... ر بالشيب نشاطي # كيف سموه عوا ... وهو أخذ في انحطاط # وقال ms039 أبو الطيب في معنى أن زيادة التصغير نقص: # وكان ابنا عدو كاثراه ... له يائي حروف أنيسيان PageV01P020 وما أحسن قول ~~ابن قلاقس: # في أمر توقيعي وأمري سيرة ... أعيت على الفطن الفصيح الألسن # حكمت زيادته عليه بنقصه ... كالضيف لما ازداد نون الضيفن # وقال أبو الطيب: # متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد رأت انتقاصي في ازديادي # وقال ابن صردر: # لم أبك أن حل المشيب وإنما ... أبكي لأن يتقارب الميعاد # شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى ... جفت على آثاره الأعواد # وقال ابن عبد ربه: # وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا # وقال أبو الطيب: # أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم # وقال الغزي: # أوهنت زهرة الحياة وأذوت ... زهرة العيش زهرة في القذال # كاد يخفى علي قبل اشتعال ال ... رأس أن الخمود في الاشتعال # قال: ومن هذا المعنى قولي أيضا : وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام ~~بنقلها في الناس وفرضها، وتحلى بأسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا لبعضها. ~~فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في مسعاة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب ~~لأقوال عذاله. وهذا مأخوذ من قول الفرزدق. # يداك يد ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من الحرام # وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، ولكني أنا تصرفت تصرفا لم يتصرفه أحد ~~غيري. # أقول: أي تصرف، وما نكر شيئا إلا وتعرف. وقد استعمل الناس أسماء الشهور ~~فجاؤوا بها عذبة حلوة متمكنة. كقول القائل في بخيل: # تحلى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم # وقال الآخر فأحسن كل الإحسان. # وشادن مبتسم عن حبب ... مورد الخد مليح الشنب # يلومني العاذل في حبه ... وما درى شعبان أني رجب # كانت العرب تسمى شعبان العاذل، قبل الإسلام، ورجب الأصم. # وما أحسن قول القاضي الفاضل رحمه الله: تولى الله تحقيق مقصده، وترويق ~~مورده، وتشييد مباني أسعده، وتخليد مغاني سؤدده، حتى تنتظم مواهب الله لديه ~~مثنى وفرادى، ويلبس أمن رجب في شعبان وخصب ربيع في جمادى. # وقوله أيضا : فهو الماء إلا أنه الزلال، والسحر إلا أنه الحلال، ms040 والورد ~~النضر إلا أنه بعيد العهد من الملال، وأيام الوقوف عليه أيام أعياد بين ~~طهارة رمضان وخصب شوال. وقوله أيضا ويعود إلى ذكر كتابه: فسجد لمحرابه ~~وسلم، وحسب سطوره مباسم تتبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل يكلمه ولا ~~يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى بدمعه وقد كان على خده المحرم. # وقول ابن سناء الملك: # نشيطة حسن القد والخد والحلى ... فلم زعموا أن المليحة مكسال # أطل على نسكي بها جهل صبوتي ... فيا رمضان قد أظلك شوال # وأما استعمال أسماء الشهور موراة، فمن أحسنها قول القاضي محيي الدين عبد ~~الله بن عبد الظاهر: # إياكم أن تنكروا جعفرا ... ذاك الخيالي وأصحابه # فنيل مصر كم له جعفر ... مخيل يخرج في بابه # ما أصنع هذين البيتين وألطف هذا التخيل. # وقول ابن قزل: # قد ضجرنا من ماء تل العجول ... وكرهنا سماع قال وقيل # ومن المحنة التي نحن فيها ... حر تموز آب في أيلول # وقول أسعد بن مماتي: # قد نفث السحر السحر ... وأشبه الزهر الزهر # وبل كافور الندى ... ثياب أوراق الشجر # والعندليب مذ رأى ... محرم الروض صفر # وقول السراج الوراق من أبيات: # وأراد اطفاء السرا ... ج بها فضاعفت التهابه # وحوى بها طوبى فصا ... ر حديثنا في الناس بابه # وقول ابن الساعاتي: # ليوسف يوسف إن أزمة عرضت ... يخشى فيرجى وفي أحكامه عمر # كل الشهور ربيع من فواضله ... حيث الخزائن من أمواله صفر # مناقشة مثال لابن الأثير # قال: ومن ذلك ما ذكرته في استصلاح مودة وساق الفصل وفي آخره: والصبر خير ~~ما استعمل في جفاء الإخوان، والماء إذا جرى في مكان ثم انحرف عنه فلا بد ~~وأن يعود إلى ذلك المكان. PageV01P021 أقول: ما أدري ما معنى هذا. فإن ~~الماء إذا انحرف عن مكان، إنما ينحرف باستفال الموضع الذي انحرف إليه عن ~~الموضع الذي انحرف عنه. إما بأخدود يحفر، أو بتهدم من نفس الأرض. وحينئذ ~~يرجع الماء القهقرى وينعطف عن المرتفع، وينحدر إلى المنخفض. هذا الذي يفهم ~~من لفظة انحرف الماء. ومتى كان الأمر كذلك فلا يعود الماء إليه، ms041 اللهم إلا ~~أن يدعي أن مدد الماء يقوى دفعه فيزيد إلى أن يعلو المنخفض، ولم يجد له ~~حيزا يشغله غير ذلك الذي انحرف عنه. وهذا غير مفهوم من مجرد كلامه. # ولو قال: فإن الغيث إن أقلع صوبه عن مكان، فلا بد وأن يعود في وقت إلى ~~ذلك المكان. أو فإن الماء إذا جفا موضع جريته في وقت، فلا بد أن ينعطف على ~~ذلك المكان. أو إذا قطعت سقياه عن مكان أو ما ناسب ذلك، غير لفظة انحرف. # وما أحلى قول القاضي الفاضل: وقد يعود الماء إلى مشرعه، والكوكب إلى ~~مطلعه. # وما أحسن قول القائل في معنى قول ابن الأثير: # سأصبر صبر الحر من غير قدرة ... على الصبر لكن من طريق التجمل # لعلك يوما أن تردك رحمة ... علي فتلقاني بوجه التفضل # مناقشة مثال آخر لابن الأثير # قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف الخمر وهو: الخمر لا تفي لذة إسكارها ~~بتنعيص خمارها، فهي خرقاء البنان، بذيئة اللسان، وتأنيثها يدلك أنها من ~~ناقصات العقول والأديان. وقد عرف منها سنة الجور في أحكامها، ولولا ذلك لما ~~استأثرت من الرؤوس بجناية أقدامها. وهذا أحسن من قول الشاعر وأغرب وألطف، ~~لأنه قال: # ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... زمنا تداس بأرجل العصار # لانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار # أقول: أما إضافة البنان واللسان والعقل والدين إلى الخمر، فإنه من الغريب ~~وأغرب من ذلك أن جعل للرؤوس أقداما، وأغرب من هذين كونه يدعي أن كلامه ألطف ~~وأحسن وأغرب من قول الشاعر، والفرق مثل الصباح ظاهر. وكأنه أراد أن يد ~~معاقرها خرقاء، ولسانه بذيء، وعقله ودينه ناقصان ولو نسب ذلك إلى الندمان ~~في ذم الخمر لكان قادحا فيها. وإنما إضافة الجوارح والعقل والدين إليها ~~فغير جائز إلا بتأويل بعيد إلى الغاية. # وما أحسن قول أبي تمام: # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء # وقول القائل: # وصف المدامة شاربوها أنها ... تحوي السرور وتطرد الهما # صدقوا هفت بعقولهم وبدينهم ... أرأيت عادم دين مغتما # وقول ابن سناء الملك: ms042 # عروسكم يا أيها الشرب طالق ... وإن فتنت من حسنها كل مجتلي # دفعت لها مالي وعقلي معجلا ... فقالت وجنات النعيم مؤجلي # قيل: إن سليمان بن عبد الملك ناول نصيبا قدحا . فقال. يا أمير المؤمنين، ~~إنما وصلت إليك بعقلي فإن رأيت أن لا تفرق بين عقلي وبيني فعلت وقول السراج ~~الوراق. # شؤم أم الخبائث الخمر شوم ... جاوز الحد فاستمع ما يعد # فلها في الدنان حبس وللرا ... ووق صلب وللمعاقر جلد # وأما قوله: فاستثأرت من الرؤوس بجناية أقدامها. الضمير لا يخلو: إما أن ~~يعود إليها أو إلى الرؤوس وكلاهما غير جائز. # وما أحسن قول ابن زهر إلا شبيلي: # وموسدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم في السكر ما قد غالني # ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني # والكأس تعلم كيف تأخذ ثارها ... إني أملت إناءها فأمالني # وقال أبو تمام من قصيدة: # إذا اليد نالتها بوتر توقرت ... على ضغنها حتى استقادت من الرجل # وتصرع ساقيها بإنصاف شربها ... وصرعهم بالجور في صورة العدل # وأما قوله: وتأنيثها يدلك أنها من ناقصات العقول والأديان. ما أحسن ما ~~استعمل المتنبي هذا في وصف الدنيا فقال: # شيم الغانيات فيها فما أد ... ري لذا أنث اسمها الناس أم لا PageV01P022 ~~قال: ومن ذلك ما ذكرته في الحث على الاغتراب وهو: لولا التغرب ما ارتقت ~~بنات الأصداف إلى شرف الأعناق، ولا ارتقى تراب الأحجار إلى نور الأحداق ثم ~~قال: وكذلك قولي في هذا المعنى وهو: في الانتقال تنويه لخامل الأقدار ولولا ~~ذلك لم يكنس الهلال حلة الإبدار، والمندل الرطب حطب في أوطانه، والمسك دم ~~في سرر غزلانه، ولولا فراق السهم وتره لم يحظ بفضل الإصابة، ولولا فراق ~~الوشيج منبته لم يتحل بعز البنان ولا شرف الذؤابة. # وهذا الفصل فصل من القول في معناه، ومما لم يتسن للخواطر ابتناء مبناه. ~~فمنه ما هو مأخوذ من الشعر، ومنه ما سنح به الخاطر على غير مثال وهو يشهد ~~لنفسه. # أقول: قوله ارتقت أولا ، وارتقى ثانيا فيه عي لتكراره. ولو قال في أحدهما ~~ما ms043 اتصل أو ما سما أو غير ذلك لكان أحسن. وكذا ابتناء مبناه، ومثل هذا يعاب ~~في الكلام. وقد عيب على الصاحب بن عباد قوله: # أشبب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب # وبي صبوة لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظما لكن من العز أشرب # وسميت القصيدة اللاكنية لكثرة ترداد لكن فيها. # وكل هذه المعاني تداولها الشعراء وأكثروا منها. من ذلك قول ابن صردر: # قلقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني للقصور # لولا التغرب ما ارتقى ... در البحور إلى النحور # وقول سبط التعاويذي: # قالوا انتزح وتغرب تكتسب شرفا ... فالدر ما عز حتى فارق الصدفا # وقول ابن قلاقس: # سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا # والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا # وبنقلة الدرر النفي ... سة بدلت بالبحر نحرا # وابن قلاقس وابن الأثير رحمهما الله تعالى من أهل عصر واحد. فإن ابن ~~قلاقس توفي سنة سبع وستين وخمسمائة. وابن الأثير توفي سنة سبع وثلاثين ~~وستمائة ومولد ابن قلاقس سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ومولد ابن الأثير ~~سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. فعمر ابن الأثير أكثر. # وقول ابن الساعاتي وهو من أهل عصره: # وكن غانيا عن كل أرض بأختها ... وإن حل مغناها كواعب عين # فلولا فراق الدر أصداف بحره ... لأنكره نحر وصد جبين # وقول القائل: # الأسد لولا فراق الغاب ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب # والتبر كالترب ملقى في مواطنه ... والعود في أرضه نوع من الحطب # وقول أبي العلاء المعري: # والسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه # وقلت أنا من هذه المادة: # سافر تنل عزا فما مسك الورى ... إلا دما في سرة الغزلان # والرمح لما فارق الوطن اغتدى ... بذؤابة خفقت وتاج سنان # وقلت أيضا : # سافر تنل رتب المفاخر والعلا ... كالدر سار فصار في التيجان # وكذا هلال الأفق لو ترك السرى ... ما فارقته معرة النقصان # قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الدنيا وهو: أنكاد الدنيا مشوبة بالأشياء ~~التي جبلت النفوس على حبها، وكل ما تستلذه الأبدان من مآكلها فإنه يضرها ms044 من ~~جهة طبها، ولهذا تذمم من منفعة الهليلج ومضرة اللوزينج. وأعجب من ذلك أنه ~~لا ينتفع الإنسان بشيء من لذتها إلا ضرته من جهة ثوابه، فهو كالذي ينتفع ~~باصطلاء النار وهي محرقة لأثوابه. وقد ضرب لذلك مثل من الأمثال، وقيل إن كل ~~ما ينفع الكبد مضر بالطحال. # أقول: انظر إلى هذه الركة والعامية، ألا تراه أشبه بشيء بكلام العجائز ~~قوابل النساء إذا أخذن يعظن ويضربن الأمثال، أكذا توصف الدنيا في حالة ~~الذم: أتراه ما سمع بشيء من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا قال له ~~رجل: صف لنا الدنيا فقال: ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها ~~حساب وحرامها عذاب، من استغنى فيها فتن ومن افتقر حزن ولا بشيء من بعض ~~أقوال الحكماء فيها كقول بعضهم: الدنيا أمل بين يديك، وأجل مطل عليك، ~~وشيطان فتان، وأماني جرارة العنان، تدعوك فتستجيب، وترجوها فتخيب. # أما سمع بزهديات أبي نواس التي منها: # وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق PageV01P023 ~~إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # حتى إن الرشيد أو المأمون قال: لو وصفت الدنيا نفسها، ما وصفت بأكثر من ~~قول أبي نواس. أما سمع بشيء من أقوال أبي العتاهية، وصالح ابن عبد القدوس ~~ومحمود الوراق، ومن تعرض لذمها من الشعراء كالمتنبي وأبي تمام وغيرهما.. ~~أما سمع بقول الزمخشري تحلين لهم ثم تمرين، وتحلين لهم ثم تمرين. الأول من ~~الحلاوة والمرارة، والثاني من الحلول والمرور. أما وقف على رسائل المعري في ~~ذم الدنيا. أليس يقول في بعض رسائله: فلو كانت الدنيا عروسا لطلقت ولكنها ~~أم أملقت، يحبها ولدها على العقوق، وتصدهم عن إدراك الحقوق، مالنا ومالك أم ~~دفر أما أما يقنعك هلاك الوفر: أعييتني بأشر، فكيف بدردر. سؤتني غانية، ~~فكيف بك عجوزا فانية، وهيهات ما أصابك الهرم ولا البرم، وإنما ذلك لأبنائك ~~الذين شربوا من إنائك... وهي طويلة أتى فيها على ذكر من درج من أعيان ~~الأمم. وهي من الرسائل ms045 الطنانات. # ويقول ابن الشبل البغدادي. # إنما نحن بين ظفر وناب ... من خطوب أسودهن ضراء # نتمنى وفي المنى قصر العم ... ر فنغدو كما نسر نساء # صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء # بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء # ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء # صلف تحت راعد وسراب ... كرعت منه مومس خرقاء # راجع جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساء # وقليلا ما تصحب المهجة الجس ... م ففيم الشقاء وفيم العناء # قبح الله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباء # نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فإيجادنا علينا بلاء # دع كل ذا. أما وقف على الخطب النباتية ورأى كلامه فيها ويحذو حذوه ويتلو ~~تلوه حتى يقول: الهليلج واللوزينج والكبد والطحال. والناس يذكرون مثل هذا، ~~ولكن يدرجونه في عبارة تكون مفحلة لها وقع في النفس. # قال: ومن ذلك ما ذكرته في الزهد وهو: الناس في الدنيا للساعة الراهنة، ~~كما أن النفوس ليست فيها بقاطنة. # أقول: ما أدري معنى التشبيه هنا ما هو.. ووجه العلاقة في ذلك. فإن قوله: ~~كما، الكاف للتشبيه ولا نسبة بين: أنهم أبناء الساعة الراهنة، وبين أنهم ~~يزولون. ولو حذف لفظة كما لاستقام المعنى، لأنه يعود: والنفوس فيها ليست ~~بقاطنة. # ألا ترى أن بعض الناس عاب على أبي الطيب قوله: # لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء # وكذا الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماء # وقال: بأي شيء شبه إقامة الكريم وما تقدمه ما يناسب ذلك: والجواب عن ذلك: ~~إنه لما قال إن الثلوج سدت المسالك عليه فرجعت ببياضها سوداء. شبه ذلك ~~بالحالة التي تكون للكريم أنه يسيل به جامد النضار ويجمد مائع الماء. فهذا ~~الاتضاد كذاك. وهذا الموطن مما يسأل عنه من شعر المتنبي. # قال في آخر هذا الفصل: وغاية مطلوب الإنسان أن يمد له في عمره، ويملى له ~~في امتداد أثره. أما تعميره فيعترضه المشيب الذي هو عدم في وجود، وهو أخو ~~الموت في كل شيء إلا ms046 في سكنى اللحود، والجوارح التي يدرك بها الشهوات ترى ~~وكل منها قد تحول، وأصبح كالطلل الدارس الذي ليس عنده من معول. فلا ليلى ~~بليلي ولا النوار، ولا الأسماع الأسماع ولا الأبصار الأبصار. # أقول: وهذا من ذلك النمط في الركة والسماجة، خصوصا هذا الأخير: لا يخفى ~~على من كان عنده أدنى نباهة ويسير ذوق انحلال هذه الألفاظ وسقوطها. وكأنه ~~أراد أن يحذو حذو أبي تمام حيث قال: # لا أنت أنت ولا الديار ديار ... جف الهوى وتقضت الأوطار # ولكن أين الثرى من الثريا، ويا بعد ما بين القفا والمحيا. ومن النصف ~~الثاني تعلم فائدة التكرار في النصف الأول. # ومن العجيب أنه قال في النوع الرابع في توكيد الضميرين، وقد أورد قول أبي ~~الطيب: # قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام PageV01P024 لم أورده ~~اختيارا له، وإنما مثلت به ليعلم توكيد المنفصل بالمنفصل. وإلا فالبيت ليس ~~بالمرضي لأن سبكه سبك عار من الحسن. # أقول: فليت شعري أي طلاوة على قوله هو: أما أبو تمام فإنه خاطب نفسه ~~كالمنكر ما كان منه في شغفه بتلك الديار التي وقف عليها بعد سلوه وتقضي ~~أوطاره. وحق له أن يقول: لا أنت ذاك الذي كنت أولا ، ولا هذه الديار تلك ~~التي كانت أولا . يعني كأن نفسه أصبحت غير تلك والديار بدلت بصفة أخرى. # وما أحسن قول الحظيري الوراق: # تركتك فامض إلى من تحب ... ففعلك برد نار الجوى # وقبحك الغدر في ناظري ... وغودر عود الهوى قد ذوى # وصرت أراك بعين السلو ... وكنت أراك بعين الهوى # ومن المعلوم أن العين ما تغيرت في ذاتها، ولا كانت ثم عين وبدلت غيرها. ~~إنما السلو أوجب أن يريه بعين القبح، والحب أوجب أن يريه بعين الحسن. # ومن هذا قول.... # وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا # وهذا دائر على ألسنة الناس. يقولون في من يتغير عليهم منه صفة من الصفات: ~~كأنه راح وجاء غيره. وهذا من أبي تمام في غاية الحسن في بابه. # وأما قول أبي ms047 الطيب، فتحته من المعنى ما يكسوه حسنا فائقا ، لأن هذا من ~~أمدح ما يكون للقبيلة التي ذكرها، لأنه قال: قبيلة أنت منهم، وأنت أنت، ~~معناه: فيا لها من قبيلة لأنها أنت منهم وأنت ذاك العظيم. فأخر المعطوف ~~عليه عن المعطوف كقوله: # ... ... ... ... عليك ورحمة الله السلام. # وقدرة الشيخ تاج الدين الكندي تقديرا آخر، وهذا أحسن مع الضرورة التي فيه ~~وكأن ابن الأثير رحمه الله، لمح معنى الأبيات التي وردت لبعض شعراء الذخيرة ~~لابن بسام وهي: # أصبحت رمة تزايل عنها ... فصلها الجوهري والعرضي # وتلاشى كيانها الحيواني ... وأودى بيانها المنطقي # وقوى عقله الثلاث تلاشت ... إن ذا كله لأمر خفي # والحواس الخمس التي كن فيه ... ولإدراكهن فعل وحي # ذهبت تلكم الصفات جميعا ... ومحال أن يذهب الأزلي # فأراد أن يأتي بهذا المعنى فأفسده، وهدم ما جاء به هذا الشاعر وشيده. ~~وبعض الناس يدعي أن هذه الأبيات للرئيس أبي علي بن سينا، وابن بسام أثبتها ~~في الذخيرة لبعض المغاربة. ولكن قصيدة الرئيس في النفس التي أولها: # هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع # في غاية الحسن، وما لأحد مثلها في بابها، وشهرتها تمنع من سردها. وقد ~~اعتنى بها الفضلاء وخمسوها وشرحوها. # وما أحسن قوله وقد ذكرها عند الموت: # وكأنها برق تألق بالحمى ... ثم انطوى فكأنه لم يلمع # نماذج من إنشاء ابن الأثير والنقاش حولها # قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام بالفصاحة، وهو فصل من كتاب فقلت: وله ~~البيان الذي يفض من نسق الفريد ولا تخلق نضرة لباسه الجديد، وهو فوق الكلام ~~المجيد، ودون القرآن المجيد. # أقول: ما رأينا من مدح كلاما ولا قرظه بمثل هذا. وفي أفانين المديح وضروب ~~الثناء عن ذلك مندوحة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد ~~آدم. ومع هذا فما سمعت أحدا مدح آخر فقال له: أنت دون النبي عليه السلام. ~~لأن لفظة دون وأقل وتحت ما تستعمل في جانب الممدوح. وكلام الله تعالى قد ~~تقرر وثبت أنه ليس في قدرة البشر أن يأتوا ms048 بسورة منه، فكل كلام دونه. # فقوله: كلام دون القرآن المجيد لا معنى تحته لأنه من باب تحصيل الحاصل. ~~ومثل هذا عند الشيخ جمال الدين بن مالك ومن تابعه، لا يطلق عليه كلاما لأنه ~~ما أفاد فائدة تامة لم تكن عند المخاطب كقولك: السماء فوق الأرض لأنه معلوم ~~عند كل أحد. فإن قلت: أراد بذلك الأدب. قلت ما ضاق المجال عليه، ولا حصره ~~ضيق المقام إلى هذا حتى يحتاج أن يأتي بما يحترز فيه. وما أوقعه في ذلك إلا ~~لفظة المجيد والمجيد وطلب الجناس. # قال: وإذا اختصروا صفة قال: إنه يستميل سمع الطروب، ويستخف وقار القلوب ~~ويتمثل آيات بيضا من غير ضم إلى الجيوب، ويرى في الأرض غير لاغب إذا مس ~~غيره فتنة اللغوب. PageV01P025 أقول: إذا كان يستميل سمع الطروب، فما في ~~هذا كبير مدح، وذلك أن صيغة فعول مبالغة فيمن يطرب. ولا يقال طروب إلا لمن ~~يميل لأدنى لذة، ويتحرك لأقل نعمة. مثل: أكول وشروب لكثير الأكل والشرب لما ~~يمر به. وإذا كان الذي يميل إلى الطرب ويتكرر ذلك منه، يطرب لهذا الكلام ~~فما في هذا مزية توجب مدحه، ولهذا قيل: المستعد للشيء يكفيه أدنى سبب، ~~وإنما المدح أن يقال: يستميل من لا يرتاح للطرب. كما قال في الثانية: ~~ويستخف وقار القلوب. فإن هذا هو المعهود في المدح. فإن قلت: هذا يرد على ~~البحتري في قوله: # مستميل سمع الطروب المعنى ... عن أغاني معبد وعقيد # قلت: هذا مما يؤيد ما قلته، لأنه قال: يستميل سمع الطروب المعنى عن سماع ~~معبد وعقيد اللذين هما أصل الغناء. وإذا كان يلفت من هو بهذه الصفة عن لذته ~~إلى سماعه، كان ذلك مدحا فهو من باب يستخف الحليم ويصبي الناسك. وما خلص ~~هذا للبحتري إلا بقوله: عن أغاني معبد. ولو قال ابن الأثير: يستميل الطروب ~~عن أغانيه بفصاحته، لما أوردت عليه هذا الإيراد. وهذا الذي قلته هو المعهود ~~في المدح. # ألا ترى قول النابغة الذبياني: # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد # لرنا ms049 لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد # وقول امرىء القيس: # إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما اسبكرت بين درع ومجول # وما أحسن قول كشاجم في عوادة، من أبيات: # دارت ملاويه فيه فاختلفت ... مثل اختلاف اليدين شبكتا # لو حركته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا # وقلت أنا: # جست مثاني عودها بأنامل ... عبثت بلب الخاشع المتورع # وشدت فلو شاءت عذوبة لفظها ... عطفت عنان البارق المتسرع # وعجبت من ريح الصبا إذ لم تقف ... طربا ولكن ما لها أذن تعي # وأما قوله: ويرى في الأرض غير لاغب، ما سمعت بمن مدح الكلام الفصيح بمثل ~~هذا، والكلام لا يوصف بإعياء ولا لغوب. ولكن هذا من باب إضافة العقل والدين ~~والجوارح للخمر في الفصل الذي تقدم. أتراه ما علم أن اللغوب من صفات ~~الأجسام ولواحقها عند الحركة وإدمانها، فإن الكلام لا يتعب وإنما التعب ~~لجارحة من تكلم به، والكتاب لا يتعب وإنما الكاتب الذي خطه. # وما أحسن قول القائل: # إذا أخذ القرطاس أودع طرسه ... خميلة زهر أو قلادة جوهر # حمى كل فكر عن عراك رويه ... وحط عن الأقلام ثقل التفكر # فإن كان ابن الأثير أراد الكاتب الذي صدر عنه هذا الكتاب الذي وصفه، فليس ~~في سياق الكلام ما يدل عليه. # وقد عاب الوحيد على أبي الطيب قوله: # كل السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها غير سيف الدولة السأم # وقال: السأم لا يلحق السيوف إلا أن يكون جاء به استعارة في موضع كلال ~~الحد قال: ولما وقفت عليه قلت: سبحان من أعطى سيدنا فلم يبخل، وخصه بنبوة ~~البيان إلا أنه لم يرسل، ولولا أن الوحي قد سد بابه لقيل هذا كتاب منزل، ~~ولقد خار الله لأولي الفصاحة إذ لم يحيوا إلى عصره، ولم يبلوا بداء الحسد ~~الذي يصليهم بتوقد جمره، ولئن سلموا من ذلك فما سلمت أقوالهم من أقواله ~~التي محتها محو المداد، وقد كانت باقية من بعده فلما أتى صارت كما صاروا ~~إلى الألحاد. # أقول: في هذا من اساءة الأدب ما فيه، وللإنسان عن ms050 مثل هذا المدح مندوحة ~~تخرجه من هذه المضائق. # وقوله: وخصه بنبوة البيان إلا أنه لم يرسل مأخوذ من قول أبي العلاء ~~المعري: # لولا انقطاع الوحي بعد محمد ... قلنا محمد من أبيه بديل # هو مثله في الفضل إلا أنه ... لم يأته برسالة جبريل # وقد كفر قائل مثل هذا. # قال: وإن لكلمه طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، وخفة الأرواح معلومة من ~~بين ثقل الأجسام، فلو لم يعرف بطعمه عرف بوسمه، والصبح لا يتمارى في ~~إسفاره، ولا يفتقر إلى دليل على أنواره. وقد علم أن العرق يعرف بغصنه، وأن ~~القول يعرف بلحنه. # أقول: قوله: وإن لكلمه طعما يعرف مذاقه من بين الكلام، ما أحسن ما أجاب ~~به ابن عميرة ابن الأبار عن كتاب بعثه إليه، فجاء من جملة الجواب: ~~PageV01P026 فمهلا أيها الموفي على علمه النافث بسحر قلمه، أتظن منزلتك في ~~البلاغة تخفى ومهيعها لا حب. ومنزعها بالعقول لاعب. أتسفل وقد ترفعت، أو ~~تخفى وقد تلفعت. عرفناك يا سوده، وشهرت حلة عطارد بالملاحة والجوده. # وقوله: والصبح لا يتمارى في إسفاره، السجعتين. مأخوذ من قول أبي الطيب: # وليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # ومن قول الغزي: # فلا تبغ برهانا على مكرماته ... طلابك برهانا على الصبح بارد # وقوله: وقد علم أن العرق يعرف بغصنه مأخوذ من قول أبي الطيب: # أفعاله نسب لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن # على أن المتنبي أخذه من البحتري حيث يقول: # لست أعتد للفتى نسبا ... ما لم يكن في فعاله نسبه # ومن قول ابن الرومي: # كدأب علي في المواطن جده ... أبي حسن والغصن من حيث يخرج # وقد نقلت أنا هذا المعنى إلى الغزل، فقلت في مليح رأيته في طاقة: # رأيت في طاقة كالبدر فتى ... فقلت من تحت هذا البانة النضره # قالوا حكمت وما أبصرت قامته ... فقلت: إني عرفت الغصن بالثمره # قال: ونفائس هذه العقود لا تبرزها إلا أنفاسه، فدررها لفظه، وسلوكها ~~قرطاسه ثم قال ومن هذا الباب قولي أيضا وهو ألفاظ كخفق البنود وزأر ms051 الأسود، ~~ومعان تدل بإرهافها أنها هي السيوف وأن قلوبا نمتها هي الغمود، فيخالها ~~المتأمل حومة طعان أو حلبة رهان. # أقول: ما طبق في هذا المفصل على المفصل، فإنه شبهها بخفق البنود وزأر ~~الأسود. فأي مدخل في هذين لحلبة الرهان فيما بعد ولم يتقدم للخيل ذكر. ~~والتناسب أن يقول: حومة طعان، وغيل ليوث، وجلاد فرسان. ومثل هذه الأوصاف لا ~~تكون في شيء من الكلام، إلا أن يوصف بذلك كلام فيه تهديد وتقريع أو إرهاب ~~عدو أو ما جرى مجراه. # ألا ترى ما أحسن قول البحتري: # عتاب بأطراف القوافي كأنه ... عتاب بأطراف القنا المتكسر # ولا بأس بإيراد شيء من كلام القاضي الفاضل رحمه الله في وصف المراسلات ~~الواردة، لتعلم أيها الواقف على هذه الأوراق كيف يكون التقريظ. # فمن ذلك قوله: وصلني كتابه فوصلني منه ما وصلني، وعرفت من بلاغته ما ~~جهلني، وشربت من بحر كلامه ما شربني وأكلني، وعلوت به قدرا على أنه عن صهوة ~~الكلام استنزلني. فإنها بدائع، ما سر البلاغة قبلها بذائع، ووقائع خاطر صفت ~~صفاتها فهي التي رقته وروقته الوقائع، وغرائب سهلت وجزلت فتارة أقول جرأة ~~نبع وتارة أقول جرية نابع. قد ضمن الدر إلا أنه كما قال أبو الطيب كلم، ~~وأحيى حي الشوق إلا أنه كما قال أبو تمام لو مات من شغله بالبين ما علم. ~~ففديت يدها وقد مدت ظلا من الخط كاد يقصر ظلا من الحظ، ولله قلمها الذي طال ~~وأناف فما كأنه تحيفه القط قط. # وقوله: وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت ~~خرسا إلا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت في ~~دويها إلا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه في مرقدها، ولاسودت رؤوسها إلا ~~لأنها أعلام عباسية تناولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحمي الحمى، وتسفك ~~دما وتحقن دما وتتشح بهايده عنانا، ويرسلها فيعلم الفرسان أن في الكتاب ~~فرسانا، ويقوم الخطباء بما كتبت فتعلم الألسنة أن في الأيدي كما في الأفواه ~~لسانا، ولقد ms052 عجبت من هذه الأقلام تحز ألسنتها قطعا فتنطق فصيحه، وتجدع ~~أنوفها بريا فتخرج صحيحة، وتجلى مليحه، وما هي إلا آية في يد سيدنا البيضاء ~~موسويه، وما مادتها في الفصاحة إلا علوية ولولا الغلو لقال علويه. # وقوله: ولو ادعى سحر البيان أنه يقضي أيسر حقوقه، ويثمر ما يجب من شكر ~~فروعه وعروقه، لكنت أفضح باطل سحره، وأذيقه وبال أمره، وأصلب الخواطر ~~السحارة على جذوع الأقلام، وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسن عن ~~الكلام. PageV01P027 وقوله: كتاب كريمي من حيث نسبته إليه، كليمي من حيث ~~نسبته إلى اليد لبيضاء من يديه، مسيحي من حيث أن أحيى موات الأنس، محمدي من ~~حيث كاد يكون بما نفثه في روعي روح القدس، فلا عدمت مخاطبته التي تخلع على ~~الأيام يوم العيد، وعلى الليالي ليلة العرس. فأبقاه الله للسان العربي ~~فلولاه كان مزويا لا مرويا ، مدحورا لا مدخورا ، ولولاه لحالت أحرفه عن ~~حالاتها، وأبت الفصاحة أن تكون قوائم الأحرف من آلاتها. فكانت تقعد ألفه ~~القائمة، وتموت باؤه النائمة، ويزيد حني ظهر داله حتى يلحق بالرغام خدها ~~ويغض، وحتى تدرد أسنان سنه فلا يبقى لها ناجذ عليه تعض. # وقوله: وقف عليه والشكر عن المنعم به غير واقف بل وقف، واستمطر منه صوب ~~الغمام فما انقطع له ولا كف وكف، ورأى بنيان تبيان لو رأته المجارون لأتي ~~بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف، فلله هو من بليغ إن قال فالقول عنده ~~أكثر يوم البين من ماء الطرف، وإن رام القول غيره فهو أقل عنده يوم الحسين ~~من ماء الطف. # وقوله في جواب كتاب للشيخ تاج الدين الكندي: وظننته وحقق الله فيه الظن ~~وقد ارتقى الأسباب وأخذ اللفظ من القطر والقرطاس من السحاب، وآمنت بصحة ~~رقيه، وتبينت التقاطه للنجوم حين أوردها في بارع اللفظ ونقيه، وقلت ~~للجماعة: كلام التاج تاج الكلام، والملك في كندة وكانت أقلامها سيوفا ~~وسيوفها الآن أقلام. # وقوله: فوقفت منه على ظرف الظرف، وتحفة الطرف، وكدت أعبده منه على حرف، ~~وكل حرف ذلك الحرف. ولولا إشفاقي أن ms053 يفطن الدهر لمكانه من قلبي، وخوفي أن ~~أعرفه بحسنته منه فأغريه منها برفع أوزار حربي، لقلت قولا يغض الأولين ~~والآخرين من هذه الصناعة، وأنفذت فيهم سهاما لا تحمي شاعرا منها صخرة وجه ~~ولا كاتبا درع دراعة. وما هي إلا آيات كل واحدة أكبر من أختها، وفكر مرزوقة ~~في أيام الجمعة كلها إذا أتت الفكر أرزاقها يوم سبتها. # وقوله: كتب كريمة كادت ألفاظها تتبسم، ومعانيها تتكلم، وكادت حروفها تكون ~~أناسي لعين المسار، وكادت سطورها تجلي عرائس وعليها من الشكل حلي ومن النقط ~~نثار. # وقوله: كتاب سني المعاني سيني القوافي، وحق سينه أن يخلص لها الإقبال، ~~والسين تصحب الفعل فتخلصه للاستقبال، وهذا أفق لامطار فيه إلا للعقاب ~~وابنه، وبحر لا سبح فيه إلا لمن يخرج الدر من فيه ويدخل البحر في ردنه، وما ~~عنيت ها هنا بالبحر إلا يده الكريمة فأما البحر فلم أعنه. # وقوله: كتب المجلس روح الله قلبه، وأتاح قربه، ولا برحت أقلامه سلاح ~~أوليائه على الزمن إذا خافوا حربه، تؤنس راجيها، وتؤيس مجاريها، ويخصب بها ~~السمع، ويتظاهر بها النفع، لولا أنها تغير علينا شيمنا فتخلق فيها الحسد، ~~وتشد أيدينا إذا تعاطينا المجاراة بحبل من مسد. # وقوله: وسيدنا ما بعد بيانه بيان، وبين فكيه سيف وبين فكي كل إنسان لسان، ~~فقولي يا أقلامه فقد خرست في الغمود المناصل، وتبختري يا تغلب ابنة وائل ~~فقد أعطي من البلغاء التقدمة وهم صارغون، وأفلح المعترف بفضله وقد علم أنه ~~لا يفلح الكافرون. # وقوله: ووقف على الميمية فأطاف به منها الطوفان، وحياة منها الروح ~~والريحان، وهي مما أملاه ملك إن كان يملي الأشعار شيطان، وعجبت لاطراد تلك ~~القوافي، ورأيت الشعراء أتت بما ألفت في ضيق الأودية وخاطره وقلمه أتيا بما ~~ألقيا في الفيافي، وكل بيت منها بديوان، كما أن قائلها إنسان يفدى بألف ~~إنسان، كما أن قلمه قصير فما جدع أنفه إلا ليأخذ ثأر القلم من السنان. # قلت: وعلى ذكر الفيافي في قول القاضي الفاضل، وما ركبه في هذه السجعة من ~~الجناس المليح، فكنت ms054 كتبت إلى شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس ~~أبياتا ، وأجابني عنها بنظم ونثر. من جملة النثر: بل ذلك السحر الحلال ~~الشافي، بل تلك القوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في ~~المنافي. # فكتبت الجواب إليه ومنه: وعكف منه على كعبة البلاغة، فيا حسن ما نشر في ~~استلامي وطوى في طوافي، وأراد طائر القلب أن ينهض بالجواب فذهبت القوى من ~~القوادم، وظهر الخوى في الخوافي. رجع إلى كلام الفاضل. PageV01P028 وقوله: ~~ولكن اعتزل الناس السسماك الأعزل، وارتفع أهل الدرج العليا وانخفض أهل ~~الدرك الأسفل، وضيع الناس السهام وأصبت أنت بواحدها المقتل، فأنت الرامي ~~وغيرك الرائم، وأنت الحامي وغيرك الحائم، وحروفك الأزهار وكتبك الكمائم، ~~وقلمك الساقي وخواطرك الغمائم، وبقولك يضن ويغالى، وإذا قلت يا خيل الأقلام ~~اركبي ملأت الأرض تصهالا وصيالا، ونفرت إليك المعاني خفافا وثقالا، وأذنت ~~فيها بالحج ضمائر على كل ضامر ورجالا، وأنت الحاضر والغيب الحضور، وأنت ~~الحاضر والغيب الحضور، وأنت السيد وغيرك الحصور، والأسماع إلى ما تقول في ~~دمشق صور، ولو قدحت الماء لاستطار شرارا، ولو أجرت ورد الخد لكنت له من ~~بنفسج العذار جارا. # وقوله: فلله هو من كتاب كأنه سورة، وكل آية فيه، سجدة، وقابله بالخشوع ~~كأنما قلم الكتاب القضيب وطرسه البردة. # وقوله: وما هذه الكتب إلا كتائب، وما هذه الأحرف إلا قواضب، ولا الأسطر ~~بها إلا مراكب، ولا النفس منها إلا عجاج يسفر عن الصباح إسفار الغياهب. # وقوله: وكأنما ذخر قلمها للمملكة يحوك وشيها، وصائغا يخلق حليها، وكأنما ~~هو أمير والكلام رعيته فهو يصرف أمرها ونهيها، وكأنما أودع الله سبحانه ~~خاطرها سحابا وكتابها روضا جعل القلم دولابها والدواة نهيها. # وقوله: وارتحت لما امتحت على بعد أرضي من غمامه، واويت القب الدوي من ~~آلامه بلمامه، وأعاد علي زمن رامة كما هو بآرامه، وطلع علي مطالع الأهلة ؟ ~~هل هي إلا قلامة أقلامه. # وليكن هنا آخر ما أورده للقاضي الفاضل من هذا النوع، وإن كان ذلك قطرة من ~~حوض، وزهرة من روض. # مناسبة اللفظ للمعنى # قال ms055 في فصل بعدما تقدم: وقد نيط بسيدنا قلما الخط اللذان ينسب أحدهما إلى ~~المداد، وينسب الآخر إلى الصعاد. # أقول: أما نسبة القلم إلى المداد فجائز، وأما نسبة الآخر إلى الصعاد فما ~~أدري ما هو. فإن الصعاد هي الرماح التي تنبت مستقيمة فلا تحتاج إلى تثقيف. # فنسبة الرماح إلى الصعاد، أو الصعاد إلى الرماح من باب نسبة الشيء إلى ~~نفسه، وهو غير جائز. وما تنسب الرماح إلا إلى الأعلام أو الأسنة أو الطعن، ~~كما تنسب الأقلام إلى المداد والكتابة. # قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف القلم فقلت: وقد أوحى الله إلى قلمه ما ~~أوحى إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر وهو يأوي إلى المكان ~~السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من ~~نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام. # أقول: قوله ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام غير مناسب، إذ المناسبة تقتضي ~~أن يقول: ذات أرواح لا ذات أجسام، أو ذات طيالس لا ذات أكمام، ليناسب بين ~~الروح والجسم والطيلسان والكم. ثم نسبة الروح إلى الثمرة أمر خارج عن ~~العادة، ولم يسمع بثمر له روح وثمر ما له روح. وإذا قصدت المبالغة في وصف ~~الثمرة قيل إنها ماء تجمد أو هواء تجسد. # وما أحسن قول أبي الطيب. # لها ثمر يشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أواني # اللفظ والتركيب # قال في القسم الأول من المقالة الأولى: وكذلك ورد قوله تعالى: " إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة " . فلفظة لي مثل لفظة تؤذي وقد ~~جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، ~~كقول أبي الطيب: # تمسي الأماني صرعى دون مطلبه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي # أقول: أي شيء أنكره من هذه اللفظة: وليس الذي ذكره غير دعوى مجردة، وهذه ~~لفظة لي قد وقعت متمكنة، والقافية إذا جاءت متمكنة فإنها من حسن التركيب ~~وعذوبة الانسجام. وأما لفظة تؤذي في قوله: تلذ له المرؤة وهي تؤدي فإنها ms056 ~~جاءت ركيكة بخلاف لي في البيت المذكور. ولا تعاب هذه في هذا البيت، إلا أن ~~تعاب لفظة بي في قوله: # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي # وما رأيت من عاب هذا البيت ولا هذه القافية، وإنما هو معدود في المحاسن ~~التي انفرد بها أبو الطيب، لما فيه من مقابلة خمسة بخمسة. ولم يتفق هذا ~~العدد لغيره. # وكذا لفظة تؤذي التي عابها، لو وقعت قافية متمكنة لم تعب. # وما أحسن قول الشيخ مجد الدين بن الظهير الإربلي: # قلبي وطرفي ذا يسيل دما وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه PageV01P029 ~~وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كل منهما في جرحه # والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحه # انظر إلى هذه القافية الثالثة ما أحلاها وأمكنها لا يقوم غيرها مقامها، ~~ولو وقعت في غير القافية لما كان لها هذه الحلاوة والتمكن. وكذا لفظة لي في ~~قول أبي الطيب. # ومن هذا التمكن في القافية، قول ابن أبي هلال القيرواني من أبيات: # يهدي إلى العليا فما من سالك ... طرق العلا إلا وكان دليله # فضل الورى في الفضل حتى إنه ... لو قيل من فذ الأنام ؟ لقيل: هو # وما أحسن ما استعمل القاضي الفاضل رحمه الله تعالى لفظة لي في القافية ~~حيث قال: # ومدحت أهل البيت منكم بالذي ... شهد الرجال بأن ذاك البيت لي # هل سورة النجم مسجوعة على حرف الياء ؟ # قال في هذا القسم وقد استطرد الكلام إلى قوله تعالى: " تلك إذن قسمة ضيزي ~~" إن سورة النجم مسجوعة على حرف الياء. # أقول: ليس الاعتبار في رؤوس القرائن والقوافي بصورة الخط، إنما العبرة ~~باللفظ. والسورة مسجوعة على حرف الألف المقصورة. ولكنه غره رسم رؤوس الآي ~~بالياء نظرا إلى أصل الكلمة. ولا قائل بأن صغرى وكبرى وضيزى ومأوى ومنتهى، ~~وما أشبه ذلك، إذا وقع في رؤوس الآي، أو في قافية البيت على حرف الياء، بل ~~كل ذلك من باب الألف المقصورة في مثل حبلى ودنيا، وإنما كتب ذلك بالياء ~~نظرا إلى أصل الكلمة ms057 لكونها من ذوات الياء. فإنك تقول: المأوى من أويت، ~~والمنتهى من انتهيت، وهوى من هويت، وغوى من غويت. # وإذا كان الأصل في الكلمة الواو كتب ذلك بالألف. مثل دنيا لأنه من دنوت، ~~ورجا من رجوت في أحد القولين. وزعم بعضهم أن ذلك لكراهية الجمع بين ~~المثلين. وما أظن بابن الأثير رحمه الله أنه جهل هذا، ولكنها غفلة ليس إلا # مناسبة اللفظ للمعنى # ونماذج من خطب ابن نباته # قال أيضا في هذا القسم وقد أورد قول الفرزدق: # ولولا حياء زدت راسك شجة ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي # شرنبثة شمطاء من ير ما بها ... تشبه ولو بين الخماسي والطفل # إن شرنبثة من الألفاظ التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ها هنا غير ~~مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة، لعيب ذلك على ~~مستعمله. # أقول: قبل هذا بأسطر قليلة أورد قول تأبط شرا : # يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك # وقال: لفظة جحيش من الألفاظ المنكرة القبيحة. # فيقال له: سبحان الله ما بالعهد من قدم، تناقض قولك في صفحة واحدة، وأنا ~~أرى أن جحيشا أخف على السمع من شرنبثة ولو وردت هذه شرنبثة في النيل كدرته، ~~وأحالت فراته العذب إلى الملح الأجاج وغيرته، ولو كانت خالا في وجنة الشمس ~~هجنتها، وألغت محاسنها التي أنارت الأيام وزينتها. # قال: وقد ورد في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها ~~أهوال القيامة فقال: اقمطر وبالها واشمخر نكالها، فما طابت ولا ساغت. # أقول: إن الخطيب رحمه الله من البلغاء الفصحاء الذين يوردون الكلام ~~موارده، ويعطون كل مقام ما يستحقه، لأن ذكر النار والقيامة أمر مهول ويحتاج ~~إلى ألفاظ مفخمة تهول السمع وتسيل الدمع وتقشعر لها الجلود وتنفطر لها ~~الكبود. ولا يليق بأوصاف النار غير هذه الألفاظ مثل: اقمطر واشمخر واسبطر ~~وازبأر واكفهر واقشعر وابذعر واطلخم وادلهم، واقتحم واحتدم. # الموضوعات والألفاظ # كما أن أوصاف الجنة لها ألفاظ تخصها عذبة سهلة لذيذة إلى السمع. مثل: لان ~~نسيمها، ودام نعميها، ورف ms058 ظرها، وراق زلالها، وعذب تسنيمها. # ألا ترى أن المديح له ألفاظ تخصه، والهجاء له ألفاظ تخصه. فيذكر الرأس ~~والفرق في المديح، والدماغ والقذال في الهجاء. # ووصف أبو زبيد الطائي للأسد بحضرة الصحابة بمجلس عثمان رضي الله عنه مما ~~يؤيد هذا الكلام. من جملة ذلك أنه قال: PageV01P030 لبلاغمه غطيط، ولصدره ~~نحيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما أو يطا صريما، وإذا ~~هامة كالمجن وخد كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربله ~~ولزمة رهلة، وكتد مغبط وزور مرط، وعضد مفتول وساعد مجدول وكف شثنه البراثن ~~إلى مخالب كالمحاجن. فضرب بيده فأرهج وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة ~~غير مفلولة، وفم أشدق كالغار الأخرق، ثم تمطى فأشرع بيديه، ثم حفز وركيه ~~برجليه، حتى صار طوله مثليه ثم أقعى فاقشعر، ثم مثل فاكفهر، ثم تجهم ~~فازبأر. فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأول أخ لنا من فزارة، ضخم ~~الجزارة، فوقصه ثم أقعصه، ثم نفضه نفضة فقضقض متنه وبقر بطنه وجعل يلغ في ~~دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا فهجهجنا به فكر مقشعرا بزبرة كأنها ~~شيهم حولي، فاختلج من دوننا رجلا أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت لها ~~مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ. فوالله لخلت ~~البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله ويمينه. فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، ~~وأطت الأضلاع، وارتجت الأسماع، ولحقت المتون، وشخصت العيون وساءت الظنون، ~~واخزألت المتون. ثم تبهنس وحلق، ثم حدق وحملق، فإذا له عينان سجراوان مثل ~~وهج الشرر، كأنما نقرا بالمناقير عن عرض حجر. لونه ورد، وزئيره رعد، وجبهته ~~عظيمة، وهامته شتيمة. إن استقبلته قلت أدرع، وإن استدبرته قلت أقدع. وإذا ~~الليل اعرنكس تبغى وتحسس. هوله شديد وشره عنيد وخيره بعيد، متى قاسم ظلم، ~~ومتى بارز حطم، ومتى نال غشم. ثم أنشد: # عبوس شموس مطرخم مكابر ... جريء على الأعداء للقرن قاهر # براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر غضا في وجهه الشر طائر # يدل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق ms059 عنها خناجر # قال الراوي: فحبق أحد الحاضرين، فقال له عثمان رضي الله عنه: مه رض الله ~~فاك فلقد رعبت المسلمين. # فانظر إلى هذه الألفاظ ومواقعها في النفس، كأنها أسود تلتهم أو أساود ~~تلتقم، هل يحسن شيء منها أن يكون في وصف ظبي أو طاووس ؟ كلا. وقد عجبت منه ~~كونه خفي مثل هذا عليه. # مناسبة اللفظ للسجع # قال في النوع الأول في السجع: ومن ذلك ما كتبته في جواب كتاب يتضمن إباق ~~غلام. فقلت: وأما الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة، فقد يفر ~~المهر من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه. # أقول: أما الفراش فما يحسن أن يقال فيه: قد يطير إلى حريقه. فإن قد هنا ~~للتقليل. مثل قد يكبو الجواد. وكما قال: وقد يفر المهر من عليقه. أما ~~الفراش فما رأى النار إلا وألقى نفسه فيها. هذا هو الغالب، ولا كذلك المهر، ~~فإن الغالب في أمره أنه إذا رأى العليق أقبل إليه، وفي النادر يفر منه. ~~وقال أبو العلاء المعري في وصف أسد: # بدا فدعا الفراش بناظريه ... كما تدعوه موقدتا ظلام # مناقشة حول معنى أخطا فيه ابن الأثير # في إنشائه # وأما عطف الإثبات على النفي فلا يجوز في مثل هذا. والأحسن أن يقول: قد ~~يفر المهر من عليقه، وينأى المرء عن شقيقه. # قال عند ذكر التقليد الذي أورده في معارضة الصابي في نقابة الأشراف: أما ~~بعد، فإن كل كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يرقم باسمه ~~فليس بمعلم، وعلى هذا فإن حمده ينزل من الكلام منزلة الأعضاء من الجسم ~~واسمه يتنزل من الكتاب منزلة الرقوم من الثياب. وقد جمعنا في كتابنا هذا ~~بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحا للتيمن والآخر سببا للمزيد، ثم ~~ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيده الله بالقرآن المجيد، وجعل ~~شهادته قبل كل شهيد وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من القول، وهدوا ~~إلى صراط حميد. # عودة إلى الإبتداء بالحمد PageV01P031 أقول: ادعى أنه حمد الله تعالى ~~وذكر اسمه، وصلى ms060 على النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على آله، ولم يصدر منه ~~تحميد ولا ذكر اسم الله تعالى، إلا إن كان في أول التقليد بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ولا صلاة، لأنك إذا قلت حمد الله واجب، وذكر اسمه مستحب، والصلاة ~~على رسوله وعلى آله وصحبه متعين، لم تكن أتيت بحمد ولا بذكر اسم ولا بصلاة. ~~وإنما أخبرت عن الحمد بالوجوب، وعن الذكر بالاستحباب، وعن الصلاة بالتعيين. ~~ومثل هذا إذا قلت: سبحان الله عدد ريش الأطيار، والحمد لله عدد موج البحار، ~~لم تكن أتيت بتسبيح وتحميد يوازي ذينك العددين ويساويهما. وكان معنى هذا من ~~قولك: إن الله يستحق من المحامد والتسبيح عدد ذلك. # ومثل هذه الأشياء يتعين أن يتحفظ منها، وإلا كان للطعن فيه مجال. # أقسام التصريع # قال وقد ذكر التصريع وقسمه إلى سبعة أقسام: جعل الأول ما كان كل مصراع ~~مستقلا بنفسه، ومثله بقول امرىء القيس: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل البيت. # وجعل المرتبة الثانية أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى ~~الذي يليه. فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، ومثله بقول امرىء القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل البيت. # وجعل المرتبة الثالثة أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع أخيه. ~~ومثله بقول ابن حجاج البغدادي. # من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشرب مع خلو المكان # فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا، ومصراعه الثاني أولا . وهذه ~~كالمرتبة الثانية في الجودة. # أقول: هذه المرتبة الثالثة أحق بأن تكون أولى من الأولى التي ذكرها هو، ~~لأن مثل هذا النوع أعز من الأول، وفيه دلالة على تمكن الناظم وجودة طبعه. # وقد جاء منه للغزي: # لولا تذكر ما تقادم عهده ... ما راجع القلب المدله وجده # وكذا قوله أيضا : # ذهب الصبا فتنقبي أو فاسفري ... لا حظ فيك لذي قذال مسفر # ولابن قلاقس الاسكندري: # الحيا من غيوثك البارقات ... والجنا من أصولك الباسقات # وكذا قوله أيضا : # عدد ودع ذكر التصابي عدد ... يا غافلا عما يراه في الغد # ولابن الساعاتي: # ما ms061 كنت بالباكي ولا المتباكي ... لولا وقائع طرفك الفتاك # وكذا قوله أيضا : # بالله يا رسل الرياح ... كيف السبيل إلى جناح # ألا ترى أن كل بيت من هذه الأبيات فيه ما في الذي جعله أولا وزيادة، فهو ~~أولى بالتقديم، ويشترط فيه أن يكون كل مصراع منه مستقلا بنفسه، غير محتاج ~~إلى غيره مع إمكان جعل الصدر عجزا والعجز صدرا. # وقد واخذه ابن أبي الحديد في تقسيم التصريع في كتابه ولم يتنبه لهذا. # كلامه على التجنيس # قال في التجنيس: القسم الثاني من المشبه بالتجنيس أن تكون الألفاظ ~~متساوية في الوزن، مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير. # ثم مثله بقوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " . ومثل بقوله ~~تعالى " وهم ينهون عنه وينأون عنه " ثم قال: وعلى نحو من هذا ورد قوله صلى ~~الله عليه وسلم: الخيل معقود بنواصيها الخير وقول أبي تمام: # يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب # وقول البحتري: # من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور # ثم قال: وكذلك قوله: # شواجر أرماح تقطع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها # أقول: قد صدر التقسيم بأن تكون الألفاظ متساوية الوزن مختلفة التركيب ~~بحرف واحد، وما صدق معه من الأمثلة التي ذكرها إلا قوله تعالى: " وهم ينهون ~~عنه " الآية وقوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة " الآية والحديث الذي ذكره. ~~وأما عواص وعواصم، وقواض وقواضب، فإن إحدى اللفظتين زادت على الأخرى بحرف ~~ولم تخالف، وكذا أرحام وأرماح، إحدى اللفظتين خالفت الأخرى بحرفين في ~~الترتيب. ففات ما شرطه، ولا دخول لهذا فيما ذكره. # وقد أورد عليه ابن أبي الحديد في التجنيس أشياء وما تنبه لهذا. وقد خبط ~~ابن الأثير في التجنيس تخبيطا كثيرا وما أحسن في ترتيبه. PageV01P032 وقد ~~وضعت أنا في لك كتابا وسميته جنان الجناس قسمت فيه الجناس إلى ما أمكن ~~تقسيمه، فجاء ما يقارب الستين قسما . فمن أراد تحرير التجنيس في أقسامه ~~فليقف عليه هناك. # التجنيس المعكوس # قال: القسم الرابع من المشبه بالتجنيس ويسمى المعكوس ثم أورد عادات ~~السادات ms062 سادات العادات، وشيم الأحرار أحرار الشيم وما شابه ذلك وساق أشياء ~~كثيرة له ولغيره. # أقول: ما لهذا النوع دخول في باب التجنيس، وإنما هو من باب رد الأعجاز ~~على الصدور، وهو باب مستقل بذاته. ومن أحسن ما جاء فيه قوله صلى الله عليه ~~وسلم جار الدار أحق بدار الجار. # وقول الأرجاني. # شبت أنا والتحى حبيبي ... حتى برغمي سلوت عنه # ابيض ذاك السواد مني ... واسود ذاك البياض منه # وقول عفيف الدين التلمساني وفيه زيادة صنعة: # يا بأبي معاطف وأعين ... يصول منها رامح ونابل # فهذه ذوابل نواضر ... وهذه نواظر ذوابل # ألا ترى أن الذوابل والنواضر في الأول، غير الذوابل والنواظر في الثاني. ~~ولو عد ابن الأثير مثل هذا في باب التجنيس لكان ذلك قولا صحيحا. فإن ~~الألفاظ اتفقت والمعاني اختلفت. # ومما قلته أنا في ذلك: # أضاع نسكي عذار مسك ... فكيف تركي لحاظ تركي # تنكى سهام الجفون منه ... ومقلتي لا تزال تبكي # قضى على أدمعي بسفح ... يقضي بها في دمي بسفك # وشك قلبي برمح قد ... قد فؤادي بغير شك # فالشك والقد في الأول، غير الشك والقد في الثاني. # ومما نظمته في غير هذا النمط: # قد فاق غصن النقا حبيبي ... وأخجل البدر في التمام # ذاك قوام بلا محيا ... وذا محيا بلا قوام # يقال: إنه رفعت إلى القاضي الفاضل قصة باسم مؤذنين يستخدمان، أحدهما اسمه ~~مرتضى والآخر زيادة، فكتب عليها: أما زيادة فمرتضى، وأما مرتضى فزيادة. ~~فاستخدم زيادة، وصرف مرتضى. وهذا في غاية الحسن. # التجنيس المجنب # قال في القسم الخامس المشبه بالتجنيس ويسمى المجنب. ثم إنه أخذ في ~~الاستشهاد على ذلك بقول القائل. # أبا العباس لا تحسب بأني ... لشيبي من حلى الأشعار عار # فلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جار # إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلي زند على الأدوار وار # ثم قال: وهذا القسم فيه عندي نظر، لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه ~~بالتجنيس. وأخذ يعلل ذلك بأشياء تعسف فيها. # أقول: الصحيح أن هذا من أقسام التجنيس. وهو النوع الذي يسمونه بالمزدوج. ms063 ~~ولزوم ما لا يلزم باب معقود بذاته لا مدخل له في هذا، ولا لهذا فيه مدخل. ~~فإن اللزوم عبارة عن أن يأتي الشاعر أو الكاتب في القافية قبل الروي بحرف ~~أو أكثر، يلتزم بورود ذلك في كل قافية. كما ورد في قول المعري: # لا تطلبن بآلة لك رتبة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل # سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل # فإن المعري التزم بالزاي قبل الروي وهو اللام. ولو قال مع ذلك: معول وأول ~~وأفضل لصحت القافية ولكن ورود الزاي لزوم ما لا يلزم، وكما تقول: الحمام ~~والغمام والتمام والكمام. أو: البدور والصدور أو الشذور والنذور. # فإن الميم والدال والذال لزوم ما لا يلزم. ويجوز أن تقول مع الحمام، ~~السلام ومع البدور القبور ومع الشذور، الحرور. # وعلى هذا الشرط بنى المعري لزومياته من أولها إلى آخرها. وأما الذي أورده ~~ابن الأثير، فلم يكن كذلك، لأنه قبل الألف الأولى عين، والثانية جيم، ~~والثالثة واو. ففات اللزوم. # ومما اتفق لي من نمط أبي الفتح البستي: # تذكرت عيشا مر حلوا بكم فهل ... لأيامنا تلك الذواهب واهب # وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ... ولا أنا هذي الرغائب غائب # سأصبر كرها في الهوى غير طائع ... لعل زماني بالحبائب آيب # وقلت أيضا : # بنفسي من إذا ادكر اكتئابي ... وأني لا أرى الأوزار زارا # يبيت وللتقى حرس عليه ... ولي فإذا رأى الأسحار حارا PageV01P033 ولي قلب ~~إذا اذكر الزمان ال ... لذي نلنا به الأوطارا طارا # وقلت أيضا : # إن أنت أصبحت رب أمر ... فلا تعره لباس باس # وإن تمادت بك الأماني ... لا تعرها من قياس ياس # لزوم ما لا يلزم # قال في النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب ~~يتضمن ذم جبان فقلت: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل في أمر لم يؤمن ~~إلا إذا أدركه الغرق. # أقول: في السجعة الثانية عدم مطابقة، وما يقابل الضلال إلا بالهدى، ولا ~~الإيمان إلا بالكفر. فيقال في ذلك: فإذا كفر نعمة لم يؤمن، ms064 وإذا ضل في أمر ~~لم يهتد. وهذا من العيوب المعدودة. # وقد عيب على أبي الطيب قوله: # نظرت إلى الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال # وكان ذلك بحضرة سيف الدولة. فقيل له: إنما يقابل المستقيم بالمعوج، ~~والصناعة تقتضي أن تقول: كأنك مستقيم في اعوجاج. فقال له سيف الدولة: لو أن ~~القافية جيمية كيف كنت تصنع في البيت الثاني ؟ فقال أبو الطيب من غير روية: ~~كنت أقول: # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن البيض بعض دم الدجاج # فاستحسن ذلك من سرعة بديهته. # على أن المتنبي وقع له هذا كثيرا في شعره. من ذلك قوله: # ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء # القرة إنما ضدها الإسخان، والقذى ضده الجلاء. وقوله: # ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا # العظم ضده الحقارة، والنقص ضده التمام أو الكمال وقوله: # وإنه المشير عليك في بضلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا # الحر ضده اللئيم. # وإن أمكن التأويل لأبي الطيب في هذه وأمثالها، لكن الأحسن أن تكون كما ~~ذكرته. وهذا النوع كثير في شعره. # مناقشة حول معنى أخطأ ابن الأثير فيه # في إنشائه # وأما كون ابن الأثير رحمه الله تعالى يأتي بسجعتين لزومهما من أخف ما ~~يكون ويعدهما من اللزوم ويستشهد بهما في كتابه من كلامه فإن هذا من العجيب. ~~ولو كان الكاتب كله من أوله إلى آخره بلزوم الراء قبل القاف، لما كان كبير ~~أمر. # ألم ير كتاب اللزوميات لأبي العلاء، وهو مجلد كبير نظم على حروف المعجم. ~~ألم ير المقامات التميمية وهي خمسون مقامة أنشأها السرقسطي ملزومة من أولها ~~إلى آخرها وقد جمع الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ من شعره جزءا ~~جيدا من باب اللزوم، أتى فيه بأبحر العروض وضروبها، والشعر في غاية الحسن ~~ولطف التركيب وجودة المعاني ورقة الألفاظ. # من ذلك قوله: # متيم ود في عينيه لو خبأك ... ماذا يضيرك لو عرفته نبأك # إن أثرت مقلتي في وجنتيك فقد ... نكأت قلبي بها أضعاف ما نكأك # أدميت خديك إذ أدميت ms065 لي كبدي ... أنصف وقل لي ترى بالشر من بدأك # منها. # قد قلت للسجف لما أن حجبت به ... يا سيف ليتك قد أخفيت لي رشأك # ويا منمنم خطي عارضيه لقد ... قراك مهجته العاني وما قرأك # وأنت يا من يساميني إلى شرفي ... لقد وسعت إذا أضعاف ما ملأك # هذا وسرحك يرعى في حمى كلأي ... فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك # قل ما بدا لك من لؤم لذي كرم ... فلو نبحت طوال الدهر ما خسأك # انظر إلى لطف هذا النظم وانسجامه، وإلى هذه القوافي وتمكنها في أماكنها ~~وما أحلاها في مواطنها، وإذا أفردتها من تركيبها لم يكن لها هذا الحسن. وما ~~أقوى تركيبها في بنائها نفسها، وليست على إفرادها بعذبة في السمع. وهنا ~~يبين قدر الناظم. وما أحلى قوله: فلا رعى سرحك الباري ولا كلأك. # ثم إن ابن الأثير رحمه الله ساق بعد تينك السجعتين شيئا آخر من كلامه ~~سجعتين سجعتين أيضا مثل: بابه واغبابه، وعرضا وأرضا ، وأنزلته وحولته، ~~واطرافها واطرافها، وسكناه ويمناه، وليس ذلك من النادر الحسن. كما جاء في ~~كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في قوله: والإنعام الذي هو الحقيقة وما ~~سواه مجاز، والفضل الفصل اللذين وردا بالإسهاب والإيجاز، والجميل المخلد ~~الذكر فإنه تنجيز وعد الخلود وإن جاز فيه إنجاز. PageV01P034 وفي قوله: ~~وعرفت الإنعام بالخلع، ومن تكفل في مواقف المناظرة بطي لسانها تكفلت له ~~المملكة بأن يزهى بطيلسانها، وأحلته من سواد الخلع في خلعة إنسانها. # وفي قوله في وصف ليل: في ليل كموج البحر، له أنجم كحبب النهر، وقد حشر ~~الهموم وحشدها وهدى ضوالها وأنشدها. فأقول لما تمطى بصلبه: قطع الله صلبك، ~~ومتى أرى عمود الصبح وقد عجل الله عليه صلبك. # وفي قوله: واطلعت شرف الأربعين وما تركت شرف العشرين، وقلت للنفس: أنساني ~~نيسان ما تشرين لتشرين. # وفي قوله: وأوحشني قوله: إني بعثت بالكتاب مرتادا ومستأذنا ، وكيف ترى في ~~معشر طلبته بالحقوق لأستاذنا، ووجدت ريح كتبه وروح قربه فرجعنا إلى العادة ~~وعادت أيامنا، وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا، وعاودنا المنى ms066 وما كانت تخطر ~~وإن خطرت فإنها كلا منى. # كذا يكون اللزوم حسنا، وكذا تكون الفصحاء لسنا، لا ما أورده ابن الأثير ~~من الحشف، وساقه من الغث الذي مجه السمع وما ارتشف. # وقد اتفق لي في اللزوم أبيات ثنى، لا بأس بإثبات شيء منها هنا. # قلت: # أدعوك يا موجد الأشياء من عدم ... وصانع العالم العلوي والأرضي # إن كنت تعرض يوم الحشر لي عملا ... فلا تقدر له طولا على عرضي # وقلت أيضا : # يا ساحبا ذي الصبا في الهوى ... أبليته في الغي وهو القشيب # فاغسل بدمع العين ثوب التقى ... ونقه من قبل عصر المشيب # وقلت أيضا : # وجدت في عشرة صحبي أذى ... لما لزمت البيت في الوقت زال # يا عجبا من أشعري غدا ... يحمد رأي الناس في الاعتزال # وقلت أيضا : # إن اللطافة لم تزل ... عند الأكابر فاشيه # أرأيت عمرك في الورى ... طرفا رقيق الحاشيه # وقلت أيضا : # لا ترع للملاق عهدا ولا ... تصغ لما نمقه واختلق # فأنت تدري ما جنته يد الر ... امي على الطير برعي الملق # وقلت أيضا : # أتاني وقد أودى السهاد بناظري ... يمزق جنح الليل بارق فيه # فقلت له: يا طيب الأصل هكذا ... أخذت الكرى مني وعيني فيه # وقلت أيضا : # إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى # بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها # وقلت أيضا : # فديت حبيبا ضرج الحسن وجهه ... فصب على خديه ذوب عقيق # إذا عاين الروض المدبج خده ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي # وقلت أيضا : # أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه لكل معنى شارد # وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغزلي في البارد # وقلت أيضا : # وقف القضيب لقده لما مشى ... وجرت دموع العين في تحصيله # رشا كساه الحسن منه حلة ... جاءت بجملتها على تفصيله # وقلت أيضا : # قالوا وقد مادت بغصن النفا ... أسرفت في الحب بلا فائده # فقلت منهوم الهوى لم يكن ... يشبع إن لذت له المائده # وقلت أيضا : # لما تناءيت عنكم ... ما زال عني عنائي # ولو قفلت إليكم ... فتحت باب الهناء ms067 # وقلت أيضا : # كن كيف شئت فإن قد ... رك قد غلا عندي وعزا # مات السلو تعيش أن ... ت أما رأيت الصبر عزى # وقلت أيضا : # له في خده آيات حسن ... وليس لعقدها في الحب فسخ # وريحان العذار له حواش ... على نار لهما بالروح تسخو # وقلت أيضا : # يا عجبا من معشر سكرهم ... أثبتهم في عالم المحو # وكل كأس شمسه أشرقت ... ويومهم عار من الصحو # وقلت أيضا : # رشأ سار بقلبي ... وأنا أشكر سيره # فسبى صبري لما ... لم يجد القلب غيره # أقول: إنني ما أثبت هذه الأبيات لما فيها من اللزوم ولا بد فإن ذلك إنما ~~جاء فيها ضمنا وتبعا، وإنما أثبتها لما فيها من التورية. وذلك ظاهر لمن ~~تأمل مواضعها. PageV01P035 وكتبت بقدوم ركاب مولانا السلطان خلد الله ملكه ~~من الحجاز الشريف سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة لمولانا ملك الأمراء بالشام ~~المحروس أعز الله أنصاره: ضاعف الله نعمة الجناب العالي وسره بما عطر ~~الوجود من أنباء سلطانه، وأبهجه بعود مليكه بعد بلوغ أوطاره إلى أوطانه، ~~وملأ سمعه بما ملأ قلب الإسلام فرحا حتى فاض قليبه مسرة بغير أشطانه. # صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام يتعوذ البدر بكماله ~~من نقصانه، وتنشر عن ثناء رقص الحمام بأسجاعه أعطاف أغصانه، وتوضح لعلمه ~~الكريم أنه سطرناها بعد ورود ركابنا الشريف إلى مستقر ملكه بقلعة الجبل ~~التي حللنا مغناها، وضوأنا بنير وجهنا الشريف أفقها وقد كانت كالألفاظ ~~المبهمة فلما حللناها ظهر معناها، ووردناها وهي أشد شوقا إلينا من الرياض ~~الذاوية إلى الغمام، وأعظم كلفا من المشوق بنسمات الحمى وسجعات الحمام، ~~وأكثر تطلا من الساري في الظلام إلى طلعة البدر التمام، فزينا سماءها، ~~وجلينا ظلماءها وبللنا غلة أشواقها، وفككنا يد الوحشة التي أخذت بأطواقها. ~~هذا والظفر نزيل جناب جنائبنا، والنصر خادم ركاب ركائبنا، والسعود سائرة ~~بين أيدينا، والوجود، بالتأييد من سائر الجهات ينادينا، والبروق قد بعثت في ~~الآفاق ملطفات البشائر مخلقة، والأولياء قد حفت بركابنا فما قصرت عنها ~~سوابق نعمنا لما رأيناها محلفة. # وقد قضينا بحمد الله ومنه مناسك ms068 الحج، ورفعنا صوتنا بالنداء وأكفنا ~~بالندى فرأى الناس كيف يكون العج، والغيث كيف يكون الثج، ونفحنا من سرانا ~~بنار البرق وفحمة الدجى في ضرم، وعطفنا من مكة شرفها الله إلى المدينة ~~أعزها الله فما سرنا من حرم إلا إلى حرم. فنلنا بفضل الله تعالى ما أميناه ~~وأملناه، وأدينا الأمانة للشوق في التملي بالحجرة الشريفة كما حملناه، ~~وشافهنا ذلك المقام الشريف بالسلام عند الوصول إلى السول، وخلونا به فما ~~كان بيننا وبين الرسول رسول، فالجناب العالي يأخذ حظه من هذه البشرى التي ~~ابتهج بها الإسلام، وترنحت لها أعطاف المنابر وعددت هباتها أنامل الأعلام، ~~ونطقت بمحامدها حتى أفواه المحابر بألسنه الأقلام. ولا يكلف الرعايا في هذه ~~البشرى شيئا لتكون القربة بريئة من الشوائب، خلية من المعائب، فإن الصواعق ~~تكدر جود السحائب، والملل ينغص وصل الحبائب. # والله يبقى الجناب لهناء نسمعه نغماته المطربة، وثناء تترنح له أعطاف ~~الطروس وتترنم له ألسنة الأقلام في أيدي الكتبة المعربة بمنه وكرمه. # وغالب ما أنشئه أنا إنما آتي به ملزوما، وخطبة هذا الكتاب ملزومة. # قال في اللزوم أيضا : وقد ورد للعرب شيء من ذلك، فمما جاء منه قول بعضهم ~~في أبيات الحماسة: # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # وساق الأبيات المشهورة. # أقول: ليس من اللزوم هذا في شيء، وإنما القافية اللام والهاء صلة. ألا ~~ترى أنه لو قال في بعض قوافيها: أقرها أو أصمها لما جاز ذلك. وهذا النوع ~~كثير في شعر العرب وليس هو من اللزوم كقول كثير عزة: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا حيث حلت # وهي قصيدة طويلة، القافية فيها اللام، وأبيات الحماسة التي لعمرو بن معد ~~يكرب: # ولما رأيت الخيل زورا كأنها ... جدال زرع أرسلت فاسبطرت # الأبيات. # القافية فيها الراء. على أن ابن الأثير جعلها من باب اللزوم، وهذا أقرب ~~إلى اللزوم من الأول. ولو أورد هذه وادعى أنها من اللزوم لكان له بعض شبهة. ~~فإن أبا تمام وغيره يرون أن القافية هنا التاء. ونظم أبو ms069 تمام قصيدة تائية ~~على هذا. وهي: # نسائلها أي المواطن حلت ... وأي ديار أوطنتها وأيت # وكذلك تائية شرف الدين بن الفارض نظم السلوك، والأخرى القصيرة، والمحققون ~~لا يجيزون ذلك ويعيبونه. وأبيات سلمى بن ربيعة شاعر الحماسة: # حلت تماضر غربة فاحتلت ... فلجا وأهلك باللوى فالحلت # أبيات طويلة لم يجعل رويها غير اللام. # وكذلك قول سليمان بن قتبة العدوي من شعراء الحماسة: # مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها كعهدها يوم حلت # وفي الحماسة من هذا النوع كثير. أما أبيات الحماسة: # وحرب يضج القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلة الدبرات PageV01P036 ~~فإنها من باب اللزوم، أما التي أوردها ابن الأثير فلا. # قال: وقد ذكر بعضهم في هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة. وهو: # وفيشة ليست كهذي الفيش. # ثم ساق الأبيات وقال: وليس هذا من باب اللزوم. وأخذ يستدل على صحة دعواه، ~~إما بما مغلط فيه، وإما بما خفي الصواب فيه عليه. وأقول: إن هذه الأبيات من ~~باب اللزوم، بدليل أنه لو قال فيها حوش لجاز. وأما استدلاله بعرش وطيش فلا ~~يسلم له. والواو والياء تقعان ردفا قبل الروي كما تقول: قصور وقصير، وكسور ~~وكسير. وهو أشهر وأظهر من أن يستشهد له بشيء. # قال في اللزوم أيضا : واعلم أنه إذا صغرت الكلمة الأخيرة من الشعر، أو من ~~فواصل الكلام المنثور، فإن ذلك ملحق باللزوم ثم أورد قول الشاعر: # عز على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير # وساقها إلى آخرها. # أقول: ليس ذلك من اللزوم، فإن طمرا وظهرا وصدرا ، وسحرا ومطرا وقمرا ، ~~إذا كان جميع ألفاظها مبكرا فلا لزوم فيها. نعم لو كانت القوافي التي ~~ذكرها، قميرا وغميرا وعميرا وجميرا وسميرا ونميرا ، لعد ذلك من اللزوم ~~لوجود الميم. فإن الناظم لا يتكلف لمثل ما أورده ولا يلزم نفسه شيئا ، بل ~~كل قافية رائية أو غير بائية يجوز تصغيرها. ومن عجائب هذا الرجل رحمه الله ~~أنه يعد مثل هذا لزوما ثم إنه يقول بعد سطرين: وربما وقع بعض الجهال في هذا ~~الموضع فأدخل فيه ما ms070 ليس منه. كقوله تعالى: " إن المتقين في جنات ونعيم. ~~فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم " . وهذا لا يدخل في باب ~~اللزوم، لأن الأصل فيه، نعم وجحيم. والياء هي من حروف المد واللين. # أقول: من المطبوع قول القائل: # لو أراد الله خيرا ... وصلاحا لمحبه # نقلت رقة خدي ... ه إلى قسوة قلبه # وكذا هذا الرجل، لو وفقه الله في هذا المقام، كان كلامه هنا قد نقله إلى ~~ما ذكره من التصغير، وقال: إن الياء هنا للتصغير فلا عبرة بها لأن الأصل: ~~سدر وغمر في سدير وغمير. على أنني أضعت هذين البيتين اللذين أوردتهما هنا ~~متمثلا ، فإنهما أشرف من كذا. وما يقال هنا إلا: فديتك لا تزني ولا تتصدقي. # وأما الآيات الكريمة التي أوردها فإنها من باب اللزوم. فإنه يجوز في ~~السجع أن يقال: سموم وحميم فيجمع بين الواو والياء كما تقدم. وأما جحيم ~~ونعيم وحميم فإنه من باب اللزوم وقد خبط في هذا الباب كما خبط في التجنيس. ~~على أن لزوم ما لا يلزم والتجنيس من واضح البديع ومن اشتغل بذلك تنبه لهما ~~في المبادىء لوضوحهما. # وعجبت لابن أبي الحديد كونه ما تنبه لهذه الأشياء. # لفظة خود متى تكون حسنة أو قبيحة # قال في النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها، بعدما ذكر لفظ خود ~~وأنها: في الاسم الذي هو خود حسنة رائقة، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن ~~رائقة. # ثم أورد قول أبي تمام. # وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رأى الطريق فخودا # وبيت الحماسة: # أقول لنفسي حين خود رألها ... رويدك لما تشفقي حين مشفق # ثم إنه حكم للأولى بالثقل والسماجة، وللثانية بالخفة والحسن. واحتج لهذه ~~بأنها وردت هنا على حكم المجاز، وهناك على حكم الحقيقة. # أقول: ما أكثر تحكم هذا الرجل ودعاويه بلا مستند. وإن كان، فهو أوهن من ~~بيت أسس على شفا جرف هار. وذلك أنه من أول الكتاب إلى آخره، يستدل على أن ~~عذوبة اللفظة وحسنها أمر يرجع إلى تركيب أحرفها ولذة موقعها في ms071 السمع، وأن ~~ذلك أمر يشهد له الحس. # فيقال له: إذا كان الأمر كذلك، فلا اعتبار هنا بالمعنى، ولو أن المعنى ~~يؤثر في اللفظ عذوبة لكانت هركولة للمرأة المرتجة الأطراف والأرداف عذبة، ~~ولو أثر المعنى في اللفظ ركة، لكانت لفظة سعير وحيف ثقيلة في السمع. ولما ~~لم تكن العذوبة والثقالة يتعلقان بالمعنى علمنا أنا لمعنى لا عبرة به في ~~الفصاحة. فحينئذ قوله: إن خود في الأول ثقيل لكون حقيقة وفي الثاني حسن ~~لكونه مجازا، دعوى مجردة، لأن الخاء والواو المشددة والدال لم يتغير لها ~~صيغة ولا بناء في الموضعين. والمجاز والحقيقة أمران معنويان لا علاقة لهما ~~باللفظ. PageV01P037 ويقال له: أنت قلت: إن الذي تكلفه النحاة من التعديلات ~~واه لا يثبت على محك النظر، أفهذا التعليل الذي أوردته قوي ثابت على محك ~~النظر، ليس فيه مغمز ولا قدح. # أهذا طعن من يشفي غليلا ... وإقدام امرىء عاب الرجالا ! # هل كلمة الإمة بالكسر فصيحة # قال أيضا في هذا الفصل، وقد ذكر الإمة بكسر الهمزة: ورأيت صاحب كتاب ~~الفصيح وقد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة. ويا ليت شعري ما الذي ~~رآه من فصاحتها. # ثم زاد في الحط عليه وأكثر من ذلك. # أقول: إن أبا العباس ثعلبا رحمه الله ما ذكر ذلك إلا التزاما بورودها ~~لأجل الباب الذي عقده لذلك. فقال: باب المكسور أوله، والمضموم باختلاف ~~المعنى فاضطر لذكرها وذكر أمثالها في هذا الباب: من الخطبة والصفر والرحلة ~~والعشر. التزاما بورود ما جاء في ذلك. وقد يكون المكسور أعذب، وقد يكون ~~المضموم أعذب وأئمة اللغة إذا قالوا فصيح ما يريدون به العذوبة والحسن ولا ~~بد، وإنما يريدون به كثرة الاستعمال، والعذوبة قد تجيء بعد ذلك ضمنا وتبعا ~~. # ولهذا تسمعهم يقولون اللغة الصحى في زئبق، وزئبر الثوب الهمز دون ~~التسهيل، وإن كان التسهيل أخف وأعذب من الهمز فالأفصح الهمز. # وكذا قولهم السمع بتحريك الميم أفصح من السكون، والحس يشهد بأن التسكين ~~أخف وأحسن. فكل عذب فصيح ولا ينعكس. # قال في ذلك أيضا : وكذلك فعل بفتح الفاء ms072 وضم العين فليس له إلا اسم واحد ~~أيضا وهو فعيل، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما شذ. لكن فعل بفتح الفاء وكسر ~~العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا واستقباحا لأن له ثلاثة أوزان ~~نحو فاعل وفعل وفعلان، تقول منه: حمد فهو حامد وحمدان. # أقول: إن فعلا بضم العين، ليس فاعله مقصورا على فعيل بل قد يأتي على ~~فعال. نحو جبن فهو جبان، وحصنت المرأة فهي حصان. # وقد يأتي على فعل بتحريك العين، نحو بطل فهو بطل وحسن فهو حسن. وقد يجيء ~~على فعال بضم الفاء نحو فرت الماء فهو فرات، وضخم الشيء فهو ضخام، وشجع فهو ~~شجاع. وقد يجيء على فعول نحو حصرت الناقة فيه حصور، وعزت فهي عزوز. وقد ~~يجيء على فاعل نحو حمض اللبن فهو حامض. وقد يجيء على فعل نحو غمر الرجل إذا ~~لم يجرب الأمور فهو غمر، وصلب الشيء فهو صلب. وقد يجيء على فعل نحو ندس ~~الرجل فهو ندس ويقظ فهو يقظ. وقد يجىء على فعل بسكون العين كقولك: ضخم فهو ~~ضخم، وسهل فهو سهل، وصعب فهو صعب، وشهم فهو شهم. # أما إذا كان من أفعال السجايا كظرف وشرف وعظم وكبر، فإن اسم فاعله على ~~وزن فعيل تقول في ذلك: ظريف وشريف وعظيم وكبير. # وأما فعل بكسر العين، فإنه أطلق العبارة وادعى أن فاعله يجيء على ثلاثة ~~أوزان فاعل وفعل وفعلان والقاعدة في ذلك أن الفعل لا يخلو من ثلاث صيغ: فعل ~~بفتح العين كضرب وفعل بكسر العين كعلم وفعل بضم العين كظرف. أما الأول، ~~فاسم فاعله مطرد القياس على فاعل كضرب فهو ضارب، وذهب فهو ذاهب، وغلب فهو ~~غالب، ونقص فهو ناقص، وكمل فهو كامل. # وأما الثاني وهو فعل بكسر العين فاسم فاعله على فاعل مسموع، لا يتعدى ~~بذلك النقل، وليس للقياس في ذلك مدخل. كقولك: أمن فهو آمن، وسلم فهو سالم، ~~وسخط فهو ساخط ورضي فهو راض. # فأما اطراد اسم فاعل فعل على فعل، فهو إذا كان لازما غير متعد، وهو فعل ms073 ~~العرض الذي هو غير مستقر، كقولك: فرح فهو فرح، وغرث فهو غرث، وبطن فهو بطن، ~~وأشر فهو أشر، فهذا مطرد. # وإذا كان متعديا كما ذكره ابن الأثير في حمد فلا يطرد فاعله على فعل أما ~~حمد فما سمعته قط. وأظن ابن خالويه في كتاب ليس قال: ليس في الأسماء ما بني ~~على ثلاثة أسماء مثل: رحم فهو راحم ورحيم ورحمان، إلا سلم فهو سالم وسليم ~~وسلمان، وندم فهو نادم ونديم وندمان. وقيل: إنه ادعى مثل هذا في مجلس سيف ~~الدولة بن حمدان، وذكرت هذه القاعدة وابن خالويه حاضر. فقال: قد بقيت واحدة ~~من نسب الأمير وهي حمد فهو حامد وحميد وحمدان، وهذه من محاسن ابن خالويه. ~~ولو كان في فاعلها حمد لذكر في ذلك الوقت. # فإن كان فعل من أفعال الألوان والخلق، فاسم فاعله على أفعل نحو عور فهو ~~أعور وحول فهو أحول، وجهر فهو أجهر، وكدر فهو أكدر. وكذا خضر وسود وصفر، ~~كلما كان من الألوان فاسم فاعله أفعل. PageV01P038 وأما إذا كان فعل ~~للامتداء وحرارة البطن فهو فعلان بسكون العين مثل: شبع فهو شبعان، وعطش فهو ~~عطشان، وصدي فهو صديان، وروي فهو ريان وسكر فهو سكران. وأما الثالث فهو فعل ~~بضم العين. فقد تقدم الكلام على اسم فاعله. # فهذه القاعدة في أبنية أسماء الفاعلين من الصيغ الثلاثة، لا ما ادعاه ~~وأطلقه. # حول المعاظلة اللفظية # قال في المعاظلة اللفظية: ومن ذلك بعضهم: # وفبر حرب في مكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر # فهذه القافات والراءات كأنها سلسلة في تتابعها، ولا خفاء بما في ذلك من ~~الثقل. # وهكذا ورد قول الحريري في مقاماته فقال: # وازور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه # أقول: أما البيت الذي ذكره أولا فهو معذور فيه، وكل أرباب المعاني ~~والبيان ذكروه ونصوا عليه ولم يقرنوه بقول الحريري. وهذا من تعسفه وتعنته. ~~فإن البيت الذي للحريري ما فيه غير كثرة الجناس، وهذه صناعة فكيف يعدها ~~عيبا. وإن كان كذلك فكل جناس تردد في بيت أو فقرة ms074 يكون معاظلة على رأيه ~~وليس كذلك. ولو لمح السر في ثقل ذلك البيت، لما قرنه بقول الحريري. وسبب ~~الثقل في ذلك البيت، ما هو تكرار الحروف ولا بد فإن ذلك جزء علة، وإنما هو ~~تقديم الحروف بعضا على بعض، مع التكرار في قوله: قرب قبر. حتى إن هذا البيت ~~اشتهر بأن الأذكياء يمتحنون بإنشاده ثلاث مرات متواليات على نفس واحد، فما ~~يكاد يسلم أحد من التخبيط فيه. # والسبب في ذلك تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيرها. وليس هذا مخصوصا بهذا ~~البيت، بل بكل ما ترددت حروفه متقدمة ومتأخرة. # وهذا ابن سناء الملك من أرق المتأخرين شعرا وألطفهم قد جاء له مثل هذا في ~~قوله: # وصفتك واللاحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذر وكان أبا جهل # له شاهدا زور من النهي والنهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدل # حبيبة هذا القلب من قبل خلقه ... يحبك قلبي قبل خلقك بل قبلي # انظر البيتين المتقدمين ما أرفهما وما أثقل هذا الثالث، وما سببه غير ~~تقديم الحروف تارة، وتأخيرها تارة في قبلي وقلبي، وقلب وقبل. وأما بيت ~~الحريري فما فيه غير تردد حروف جناسه، والتقديم والتأخير معدومان فيه. ألا ~~ترى أن العين قبل الفاء في المرتين والعين قبل الراء والراء قبل الفاء في ~~المرتين وهذا ظاهر. # وهذا شرف الدين ابن الفارض رحمه الله في تائيته يأتي بالجناس في البيت ~~كثيرا مرددا كقوله: # أيا زاجرا حمر الأوراك تارك ال ... موارك من أكوارها كالأريكة # وليس فيه من التعاظل والثقل على اللسان ما في قوله: # ولا حلم لي في حمل ما فيك نالني ... يؤدي لحمدي أو لمدح مودتي # وعاد دعاوي القيل والقال وانج من ... عوادي دعاوي صدقها قصد سمعة # وكلفتها لا بل كفلت قيامها ... بتكليفها حتى كفلت بكلفتي # وما السبب في ذلك غير تقديم الحروف في هذا تارة، وتأخيرها تارة، وسردها ~~على الترتيب في الأول من غير تقديم وتأخير فاعرف ذلك. # وأنا ما أنكر أن كثرة التجنيس المتردد في البيت أو الفقرة لا يخلو من ثقل ~~ما، وإنما ms075 شاححته في كونه جعل قول الحريري من باب البيت الذي كأنه رقى ~~العقرب، أو بعض العزائم الروحانية، وقد أكثر الناس من الاستشهاد به وصار في ~~قلق الألفاظ مثلا . وتقعير الألفاظ معلوم وقد ذكره الناس. من ذلك أن عيسى ~~بن عمر النحوي أو أبا علقمة النحوي سقط عن حماره وأغمي عليه، فلما أفاق ~~ورأى اجتماع الناس عليه، قال: ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤ على ذي جنة، ~~افرنقعوا عني يرحمكم الله فقال بعضهم: دعوه فإن عفريته يتكلم بالهندية. # ومن ذلك خبر أم الهيثم مع المرأة التي شكت إليها ألما في ظهرها، فسألتها ~~عن السبب فقالت: كنت وحمى بدكة، فحضرت مأدبة، فأكلت حيزبة من فراص هلعة ~~فاعترتني زلخة. فقالت لها أم الهيثم: إنك لذات خزعبلات وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون. # هذه الألفاظ كلها يراد بها المتنطعون في الكلام. فالثرثار من قولهم عين ~~ثرثارة إذا كثر ماؤها، والمتفيهق من تفيهق الغدير إذا امتلأ، والمتشدق الذي ~~يفتح شدقيه. # من أنواع المعاظلة PageV01P039 قال في المعاظلة: القسم الخامس من ~~المعاظلة أن ترد صفات متعددة على نحو واحد. # كقول أبي تمام وأنشد له أبياتا منها: # تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئله أجده # ثم قال: وهذا البيت من المعاظلة التي قلع الأضراس دونها. # أقول: ليس ثقل البيت من تعدد الصفات، وإنما هو من قوله تامكه ومحزئله، ~~وليس في تعدد الصفات نفسها ثقل ولا معاظلة إذا وردت بألفاظ عذبة، كما تقول ~~إذا وصفت قواما : قويمه، أهيفه، ناعمه، لدنه، ريانه. فإن حذفت الهاء زاد ~~حسنا . ومثل ذلك قول القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان. # قسما بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرتك التي كالغيهب # وبقامة لك كالقضيب ركبت في ... أخاطرها في الحب أصعد مركب # ويطيب مبسمك الشهي البارد ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب # ومما قلته في هذا النوع: # قسما بناضر قدك اللدن القوي ... م الأهيف المتعطف الريان # وبجفني الدامي القريح الهامع ال ... هامي الملث الهاطل الهتان # مالي على ذل الجفا صبر ولا ... جلد يساعدني ms076 على الهجران # والحس يحكم بيننا وبين من يدعي أن هذا من باب المعاظلة اللفظية. وأما بيت ~~أبي تمام فإنه من قصيدة جاء فيها مثله بيتان وهما: # مارنه لدنه مثقفه ... عراصه في الأكف مسحسحه مطرده # ثم قال: # مسفه ثره مسححه ... وابله مستهله برده # قال وقد أورد قول أبي الطيب: # فلا يبرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم # رد التعصب # وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه ~~الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه. # وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في ~~البصر والبصيرة. # أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ~~ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا ~~غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم ~~يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن ~~الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ~~ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، ~~وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة ~~عني فهو لقيط. # وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي ~~بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا ~~والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال: # فذي الدار أخدع من مومس ... وأمكر من كفة الحابل # ثم أردفه بقوله: # تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل # وكما قال يرثي والدة سيف الدولة: # أتتهن المصيبة غافلات ... ودمع الحزن في دمع الدلال # ثم قال: # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # وكما قال منها: # رأيتك في الذين أرى مملوكا ... كأنك مستقيم في محال # ثم أردفه بقوله: # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # وكما قال في رثاء ms077 ابن سيف الدولة: # بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... فهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي # ثم أردفه: # كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا مت فاخترت الحمام على الثكل # وكما قال: # ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول # ثم أردفه بقوله: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل # وكما قال: # نلومك يا علي لغير ذنب ... لأنك قد زريت على العباد # ثم يقول بعد ذا: # كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد # وقد صنعت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد # وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه ~~الطلاوة. # وكما قال: PageV01P040 وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام # ثم يردفه بقوله: # ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام # وكما قال: # أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد # ثم يردفهما بقوله: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # قيل إنه لما ادعى النبوة قيل له: ما معجزك ؟ فقال: قولي ومن نكد الدنيا.. ~~البيت وكما قال: # ستبكي شجوها فرسي ومهري ... صفائح دمعها ماء الجسوم # ثم يقول بعد هذا: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # وكما قال: # صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ... وعناهم من شأنه ما عنانا # ثم يقول: # وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا # وكما قال: # نتاج رأيك في وقت على عجل ... كلفظ حرف وعاه سامع فهم # ثم يقول: # صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم # فكان أثبت ما فيه جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم # وكما قال: # وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرجل شملال # ثم يقول: # ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال # وهذا البيت فيه ثلاثة أمثال. # وكما قال: # عجبت لمن له قد وحد ... وينبو نبوة القصم الكهام # ثم يقول: # ولم أر في عيوب الناس شيئا ms078 ... كنقص القادرين على التمام # وكما قال: # ذريني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل # ثم يقول: # تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل # وكما قال: # أبا شجاع بفارس عضد الد ... ولة فناخسرو شهنشاها # أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها # فهذا يسير من كثير، وقليل من غزير. ولكن هذا القدر كاف في الدلالة على ~~ماله من الجيد، فانظر إلى انحطاطه وارتفاعه. ولكن أين ارتفاعه. وهذان ~~الرجلان قد سار ذكرهما وثبت أمرهما وأسكرت الألباب خمرهما. # وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويزعم أن يأتي لها بضريب # فالقاضي الفاضل رحمه الله انفرد بالترسل، وانفرد المتنبي بالشعر مع ~~مالهما من الانحطاط، ولكن انحطاط المتنبي أوضع وأشنع. # ولو أن الناس إذا رأوا جوادا بخل في وقت، أو شجاعا فر في وقت، أو صانعا ~~ماهرا قصر في وقت، يرمونهم بالعيب ويطعنون عليهم ولا يعدون لهم إحسانا ، ~~لما كان في الوجود جواد ولا شجاع ولا صانع ماهر ولا خطيب بليغ ولا شاعر ~~مجيد. وإنما العبرة بالأغلب والأكثر، والقليل معفو عنه، لأن العصمة لا ~~تشترط إلا للمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه. # وللمعري بيتان يفضل فيهما أبا الطيب على أبي تمام وهما: # ما حبيب إلا أديب ولكن ... ما أراه يقارب المتنبي # ذا المعاني الغرائب اللائي أسهرن ... جفوني دهرا وتيمن قلبي # ولما فرغ أبو العلاء من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح ديوان أبي ~~الطيب وقرىء عليه، أخذ الجماعة في وصفه. فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ ~~الغيب إذ يقول: # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم # وقيل: إن المعري كان إذا خلا ممن لا يثق إليه قال: ناولوني معجز أحمد، ~~يعني ديوان أبي الطيب وإذا كان في غير الخلوة يقول: الشاعر. # وهذا شبيه بما يحكى عن أفلاطون من أنه كان إذا جلس للناس، واستدعي منه ~~الكلام قال: اصبروا حتى يحضر الناس، أو ربما قال: حتى يحضر العقل. يريد ~~أرسطو. وكان يسمي ديوان أبي تمام ms079 ذكرى حبيب ويسمي ديوان البحتري عبث ~~الوليد. وهذا يحتمل المدح والذم. أما المدح فلأن عبث الوليد حلو على ~~القلوب. وأما الذم فلأن العبث من حيث هو مذموم عند العقلاء. # ويسمي ديوان ابن هانىء المغربي رحى تطحن قرونا ولعمري إن أبا العلاء ~~المعري ما أنصف ابن هانىء في هذه التسمية. أليس هو الذي يقول في القصيدة ~~الرائية: PageV01P041 وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد ~~الأخضر # ومنها # لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر # وبعض الناس يمغلط في هذا البيت ويقول: هو بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه ~~وصفهم بأنهم لكثرة ما يجتمعون على الواحد من أعدائهم، يكسرون القنا في ~~الطعان عليه حتى يقتلوه، فيجتمع عليه من الرماح المكسرة ما يمنع السرحان من ~~أكله وليس الأمر كذلك، لأن الطعين المراد به أنه من الممدوحين أنفسهم، ~~والمعنى: أنه إذا مات منهم طعين لا يموت إلا بعد أن يجتمع عليه من الأعداء ~~خلق كثير. فالطعين من الممدوحين لا من عدوهم وهذا في غاية المدح. # أليس له تلك القصيدة الفائية، وما فيها من تشبيه الكواكب حتى انتهى إلى ~~ذكر السهى فقال: # كأن سهاها عاشق بين عود ... فآونة يبدو وآونة يخفى # وهي مشهورة وكلها جيد. # أليس له القصيدة الدالية التي أولها: # إمسحوا عن ناظري كحل السهاد ... وانفضوا عن مضجعي شوك القتاد # أو خذوا مني ما أبقيتم ... لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد # ومنها في وصف الدروع: # كل رقراق الحواشي فوقه ... كعيون من أفاع أو جراد # فعلى الأجساد وقد من سنا ... وعلى الماذي صبغ من جساد # أليس له الفائية الأخرى التي يقول فيها: # ولقد هززت غصونها بثمارها ... وهصرتهن مهفهفا فمهفهفا # فرددتها من راحتيه مرة ... وشربتها من مقلتيه قرقفا # ما كان أفتكني لو اخترطت يدي ... من ناظريك على رقيبك مرهفا # أليس له القصيدة الكافية التي أولها: # فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك # أجلاد مرهفة وفتك محاجر ... لا أنت راحمة ولا أهلوك # منها: # منعوك من سنة الكرى وسروا فلو ... عثروا بطيف طارق ظنوك ms080 # ودعوك نشوى ما سقوك مدامة ... لما تمايل عطفك اتهموك # وله أشياء مليحة. # وأما تخلصاته فمن أحسن ما يكون ولكن المعري تحامل عليه. وأما أبو الطيب ~~فمن سعادته أنه شرح ديوانه ما يقارب الأربعين فاضلا . منهم الواحدي وحسبك ~~ومنهم الإمام فخر الدين، وللشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله حواش على ~~ديوانه أحسن من حواشي الأصداغ في هوامش الوجنات، تشتمل على فوائد جمة ~~وقواعد مهمة، من غريب لغة واعراب ومعنى ليس لها نظير. وقد سردت من شرح ~~ديوانه في ترجمته في كتاب الوافي بالوفيات. # وقال الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص وقد قال: المتنبي، وإخواننا ~~المغاربة يقولون المتنبه. # قلت أنا: وهذا تحريف حسن من المغاربة، وما يليق أن يطلق عليه المتنبي. ~~وكان الشيخ تاج الدين يروي لأبي الطيب بيتين يتصل سندهما به وليسا في ~~ديوانه وهما: # أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق # لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق # وعلى الجملة فقد رزق أبو الطيب من السعادة في شعره ما لم يرزقه غيره. ~~وممن عابه وحط عليه الصاحب بن عباد في كراريس لطيفة، ومنهم ابن وكيع في ~~المنصف وقال ابن شرف القيرواني في أبكار الأفكار وهو أجور من سدوم. والوحيد ~~المغربي حط عليه وعلى ابن جني حطا بالغا ومنهم الحاتمي في رسيلة لطيفة، ~~ورسالة أخرى أملاها الحاتمي في معايبه، وهي مجلدة لطيفة، وله الموازنة بينه ~~وبين أبي تمام وللجرجاني رحمه الله كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ما ~~خلا فيها من التمالي عليه، ومنهم الناصح ابن الدهان في رسالة سماها الرسالة ~~السعيدية في المآخذ الكندية. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان الإنسان كالقدح، لقال الناس ~~ولولا. وما لمن يعيب جيده جواب إلا ما قاله هو في وصف قصديته: # بذي الغباوة من انشادها صمم ... كما تضر رياح الورد بالجعل # حول وصل همزة القطع وقطع همزة الوصل # قال في المعاظلة اللفظية أيضا : ومن هذا القسم وصل همزة القطع وهو محسوب ~~من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام ms081 المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل. # ثم أورد قول أبي تمام: PageV01P042 فأصبح يلقاني الزمان من آجله ... ~~بإعظلام مولود ورأفة والد # أقول: أما قطع همزة الوصل فإنه معذور فيها إذا عدها عيبا، وهي عندي كمد ~~المقصور في القبح. ووصل همزة القطع أراها كمد المقصور وهي أحسن. وذلك أنك ~~تنقل الأثقل إلى الأخف فيهما بخلاف ذينك فإنك تنقل الأخف إلى الأثقل. # وأما جعله قول أبي تمام من أجله مما لا يجوز إلا في الشعر فقط، فليس ~~الأمر كذلك، وهذا من باب النقل، وقراء التجويد يعرفون ذلك ولا يسمونه وصل ~~الهمز، بل نقل الحركة من المتحرك إلى الساكن كقوله تعالى " ولو انهم صبروا ~~" فإن واو لو ساكنه، فإذا أرادوا النقل نقلوا حركة الهمزة التي تليها ~~إليها. قالوا: " ولو انهم " وهذا مشهور ظاهر لا ينكر. # وقرأوا قوله تعالى: " من اجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل " بنقل حركة ~~الهمزة إلى النون في من وهذا مثل قول أبي تمام. # وإذا كان هذه القاعدة مطردة في القرآن جميعه من أوله إلى آخره، كيف يمنعه ~~ويجعله من ضرورات الشعر والمعاظلة في الألفاظ. # نعم يقبح في مثل قول المتنبي: # يوسطه المافوز كل يوم ... طلاب الطالبين لا الإنتظار # وقوله أيضا : وشدة الظن لا الاستدلال فإنه وإن كان على القاعدة فإنه ~~مستثقل كما تراه. # ؟الصناعة المعنوية قال في المقالة الثانية في الصناعة المعنوية وقد ذكر ~~حكم اليونان وعلومهم إن أبا نواس ومسلم بن الوليد وأبا تمام والبحتري وأبا ~~الطيب وغيرهم كعبد الحميد وابن العميد والصابي لم يتعلموا من كتب اليونان ~~شيئا وجاؤوا بما جاؤوا به ثم إنه مثل بنفسه وإنه لم يراع ذلك وجاء بما جاء ~~به، وادعى هنا ما ادعاه لنفسه. # أقول: إنني ما المشاحة هنا إلا في حكمه أن هؤلاء ما اشتغلوا بشيء من ذلك. ~~فأقول له: من أين عملت هذا حتى تحكم به ؟ أما دعواك لنفسك فما أعارضك فيها، ~~لأن الناس أخبر بنفوسهم، وأما أبو نواس فقد قيل: إنه كان يشتغل بالفقه حتى ~~قيل فيه: أبو نواس فقيه غلب ms082 عليه الشعر، والشافعي شاعر غلب عليه الفقه. ومع ~~ذلك فلم يظهر عنه فقه، كما لم يظهر عنه اشتغال بعلوم اليونان. وعدم الدليل ~~لا يدل على عدم المدلول. # على أنه كان في زمن الرشيد والأمين والمأمون، وهذه العلوم اشتهرت في ~~أيامهم، خصوصا في زمن المأمون، فإنه رتب الذهب لمن يحل كتب اليونان من ~~اليونانية إلى العربية مثل حنين بن إسحق، وابن بختيشوع وغيرهما. # ألا ترى أبا نواس قال: # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # فإن قلت: هذا مما يدل على رفضه لهذه العلوم وتركه إياها، قلت إنما قال ~~هذا في سياق أبيات يغري فيها بالسكر ودفع الخمار بالخمر والإدمان لذلك، ~~والانهماك في اللذات ومواصلة الشراب ومجالس الأنس، حتى انتهى إلى قومه هذا ~~البيت ردا على القائلين بالحكمة، وأن الأخذ من الشراب كثيرا محرم عقلا ، ~~وأن الاكثار من ذلك مضر من حيث الطب. فأخذ يسفه الحكيم في رأيه ويقول: حفظت ~~شيئا من الحكمة، وغابت عنك أشياء في إدمان الشراب من اللذاذات والابتهاج ~~على عادة الشعراء في الإغراء. # ثم إنه قال فيها: # لا تحظر العفو ان كنت امرءا حرجا ... فإن حظركه بالدين ازراء # وهذا على عادة الشعراء في مجونهم، وإنما أبو نواس أكثر من الشعر فدون ~~عنه، ولم يضع هو تلك العلوم شيئا ، لا جرم أنه لم يظهر عنه شيء. # وقول أبي نواس: # أباح العراقي النبيذ وشربه ... وقال: حرامان المدامة والسكر # وقال الحجازي: الشرابان واحد ... فحلت لنا من بين قوليهما الخمر # سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر # فمن أنعم النظر في هذه الأبيات، علم أن أبا نواس كان منطقيا ، فإن ~~استنتاجه حل الخمر في مقدمتي كلام الفقيه العراقي والحجازي يدل على ذلك. ~~وهذا على عادة مجاز الشعر وإلا فالصحيح حرمة الخمر. # هل صح اطلاع بعض الشعراء والكتاب # على حكم اليونان وعلومهم # وأما أبو الطيب فقد قال: أنا وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري، ~~وكلام هذين الشاعرين يدل على أنهما ما عريا عن شيء من علوم ms083 الفلسفة. خصوصا ~~المتنبي والحاتمية تدل على أنه كان ينظر في كلاما قوم. ألا ترى قوله يمدح ~~ابن العميد: PageV01P043 من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس ~~والإسكندرا # وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متبديا متملكا متحضرا # وهذا بعيد أن يصدر ممن لم ينظر في كتب القوم. # وقال المعري وقد أورد لأبي الطيب قوله: # إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق # والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق # هذان البيتان يفضلان كتابا من كتب اليونان، لتناهيهما في الصدق وحسن ~~النظر، ولو لم يكن له سواهما، لكفاه ذلك شرفا . # وأما ابن العميد فقد قال ابن خلكان رحمه الله تعالى في ترجمته: وكان ~~متوسعا في علوم الفلسفة والنجوم. # قلت: والبيتان الرائيان المذكوران لأبي الطيب في مدحه يؤيدان ما قاله ابن ~~خلكان. # وأقول: أليس هو بصاحب الصاحب بن عباد، وقد كان من رجالات المعتزلة، وله ~~في أصولهم مصنف. ومن المستحيل أن معتزليا لا ينظر في كتب الفلسفة. # وأما ابن أبي الحديد، فقد أجابه عن دعواه أن الإنسان لا يحتاج إلى المنطق ~~ولا إلى هذه العلوم، في الفلك الدائر. والصحيح أنه من جهل شيئا عاداه. # شاهد الحال ودوره في استخراج المعاني # قال في هذا: ومما يعين على استخراج المعاني شاهد الحال. # أقول: ما أنكر أن مشاهدة الحال في الخارج تعين على تصور المعاني، إلا أن ~~استنباط المعاني لا يفتقر فيه إلى المشاهدة، وقد جاء في الوجود جماعة من ~~العميان الذين لم يشاهدوا الصور في الخارج، وأتوا بالتشبيهات البديعة، مثل ~~بشار بن برد حيث قال. # كأن مثار النفع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # ومثل أبي العلاء المعري حيث يقول: # ولاح هلال مثل نون أجادها ... بذوب النضار الكاتب ابن هلال # وحيث يقول: # ليلتي هذه عروس من الزن ... ج عليها قلائد من جمان # وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان # ثم شاب الدجى وخاف من الهج ... ر فغطى المشيب بالزعفران # وله أشياء كثيرة من التشبيه الغريب. # ومثل أبي البقاء العكبري ms084 حيث يقول: # وغدير رقت حواشيه حتى ... بان في قعره الذي كان ساخا # وكأن الطيور إذ وردته ... من صفا مائه تزق فراخا # وما أحلى قول أبي طاهر حيدر في مثل هذا: # وضاحية وردت بها غديرا ... يقدر من صفاء الماء أرضا # كأن الوحش حيث تغب فيه ... يقبل بعضها للشوق بعضا # ومثل جماعة تقدموا من الأضراء كأبي العيناء وابن سيده صاحب المحكم، ~~والشاطبي رحمه الله، وغير هؤلاء ممن أتى بالغرائب، ولم يستعينوا بحاسة ~~البصر. # فإن قلت: إن هؤلاء إن كانوا ما رأوا ولا شاهدوا، فقد سمعوا ما قاله ~~غيرهم، وشبهوا كما شبه غيرهم. قلت: ما نازعتك في ذلك، وإنما أردت أن ~~التشبيه لا يفتقر إلى الصورة الخارجة. فإن الناظم قد يتصور المعنى في ذهنه ~~من عير أن يشاهده في الخارج، ويولد المعنى من معنى آخر. كقول ابن المعتز. # وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت من ثياب حداد # فإنه ولد هذا المعنى من قول الآخر: # كأن كؤوس الشرب والليل مظلم ... وجوه عذارى في ملاحف سود # وكما قال ابن الذروي وقد ذكر أهل النوبة في مدح صلاح الدين: # سود وتحمر الظبى حولها ... كأعين الرمد بدت للأساه # أو لا فسمر تنتحيها القنا ... مثل دنان بزلت للسقاه # فإنه ولد هذا المعنى الأول من قول الأرجاني: # وكأن كل شقيقة محمرة ... كحلت محاجرها بأحمر قان # عين لإنسان وقد رمدت فما ... يبدو لرامقها سوى الإنسان # وولد المعنى الثاني من قول أبي العلاء المعري في تشبيه البرق: # إذا ما اهتاج أحمر مستطيرا ... حسبت الليل زنجيا جريحا # ولعمري لقد تصرف في هذا التشبيه الثاني تصرفا حسنا . # وكما ولدت أنا من قول الحصري: # الناس كالأرض ومنها هم ... من خشن اللمس ومن لين # مرو تشكى الرجل منه الأذى ... وإثمد يجعل في الأعين # فنقلته إلى معنى المتنبي المشهور وقلت: PageV01P044 مولى تفرع من كرام ~~وجههم ... وبنانهم للمجتلي والمجتني # سادوا الأنام علا وهم من جنسهم ... ومن الحجارة إثمد في الأعين # وولدت أيضا من قول بعض العرب: # كأن هلاله مرآة قين ... لها شطر يلوح من الغلاف # فقلت ms085 في العذار: # قلت إذ قيل لي تسل فهذا ... صدغه قد دجا وكان ينير # هي مرآة خده غاب منها ... في غلاف العذار شيء يسير # أو يعكس المعنى إلى ضده وهو في التشبيه كثير، لأن التشبيه واقع بين ~~طرفين، شبيه ومشبه به. فإذا شبهت النجوم بالشرار جاز أن تشبه الشرار ~~بالنجوم، وإذا شبهت البرق بالسيف، جاز أن تشبه السيف بالبرق، وإذا شبهت ~~الهلال بالقلامة، جاز أن تشبه القلامة بالهلال. # قال ابن المعتز: # ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قدت من الظفر # وعكس ذلك سعد الدين ابن عربي فقال في مليح قلم أظافره: # أبعدت ظفرك وهو بعضك فالذي ... يهواك أجدر بالبعاد الأطول # فأجابني: أتظنني قلمتها ... عن حاجة، لا بل لمعنى عن لي # لأريك يا من بالهلال يقيسني ... أن الهلال قلامة من أنملي # وما أحسن قول الحسن بن إبراهيم النطري في المقص والأنامل والقلامات ~~والأظفار: # ما عامل يحكي إذا استعملته ... وأعانه خمس بهن يدور # صقرا يصيد أهلة يلمعن من ... أعلى بدور تحتهن بحور # وعكست أنا قول بعضهم في الورد: # كأن احمرار الورد والطل فوقه ... خدود توالى فوقها الدمع بالوكف # فقلت من أبيات: # أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في ... روض على مثل عطفيها ولا صدحت # وكلما اعتدلت بالميل قامتها ... رأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت # وما اكتسى خدها من لؤلؤ عرقا ... لكنها وردة بالطل قدر رشحت # وعكست أيضا التشبيه الوارد في قوله تعالى " وهي تجري بهم في موج كالجبال ~~" فقلت: # قد ركبنا على البريد لمصر ... بحر رمل عجاجه عجاج # فعكسنا التشبيه لما جرينا ... في جبال كأنها أمواج # ومثل هذا يسمى غلبة الفرع على الأصل، كما إذا شبهت العرجون بالهلال، ~~والغصن بالقد، والنرجس بالعيون، والليل بالشعر والصبح بالثغر. وهو مشهور. # فضل المتنبي في لاميته في خيمة سيف الدولة # قال بعدما أورد أبيات المتنبي في الخيمة التي أولها: # أينفع في الخيمة العذل # وقد ساق منها خمسة عشر بيتا : وهذه الأبيات قد اشتملت على معان عديدة، ~~وكفى بالمتنبي فضلا أن يأتي بمثلها. # أقول: أين هذا الكلام ms086 في حق المتنبي من الكلام عند إيراد قوله: # فلا تبرم الأقدار ما هو حالل... البيت # والإزراء والطعن على المعري لتفضيله إياه. # هل أبدع أبو نواس في أبياته # تدار علينا الراح في عسجدية قال بعدما أورد أبيات أبي نواس: # تجار علينا الراح في عسجدية... الأبيات الثلاثة. # وقد أكثر العلماء من وصف هذه الأبيات وهذا المعنى، وقولهم فيه إنه معنى ~~مبتدع. ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعاني قديما ~~وحديثا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه. # وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أن أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن ~~الأمثال السائرة: بدون هذا يباع الحمار. وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة ~~لا هذا المعنى. فإنه كبير كلفة فيه. لأن أبا نواس رأى كأسا من الذهب ذات ~~تصاوير فحكاها في شعره. # والذي عندي في هذا، أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ~~ماء يسيرا ، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها ~~قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر. ~~PageV01P045 أقول: كفى بهذا الرجل رحمه الله أن يقول مثل هذا، وما أعرف ~~كتابا من أمهات كتب الأدب مثل الروضة للمبرد والذخيرة لابن بسام وزهر ~~الآداب للحصري إلا وقد تضمن ذكر هذه الأبيات والثناء عليها. وحسبك بكلام ~~يثني عليه أبو عثمان عمرو الجاحظ، وهو من أحذق أئمة الأدب، وأعرفهم بما ~~يقول، وأبصرهم بمدارك العقول، وقوله في مثل هذا حجة، وما قرره في الأبيات ~~هو المحجة. # وما أحسن قول القاضي الفاضل: وأما الجاحظ رحمه الله فما منا معاشر الكتاب ~~إلا من دخل من كتبه الحارة، وشن الغارة، وخرج وعلى الكتف منها كاره. # وقد أولع الفاضل رحمه الله بذكره في ترسله، وذكر تصانيفه، ولو لم يكن له ~~في كتب الأدب إلا كتاب البيان والتبيين لكفاه ذلك فخرا. ويقال: مما فضل ~~الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من الأمم، عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه بسياسته، والحسن البصري ms087 بعلمه، والجاحظ ببيانه. # ويحكى عنه أنه قال: دخلت ديوان المكاتبات ببغداد، فرأيت قوما قد صقلوا ~~ثيابهم، وصفوا عمائمهم، ووشوا طرزهم. ثم اختبرتهم، فوجدتهم كما قال الله ~~تعالى: " فأما الزبد فيذهب جفاء " ظواهر نظيفة، وبواطن سخيفة " فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون " ومن أجوبته ما يحكى عنه أنه اجتمع ~~بالجماز في مجلس بالبصرة. فقال له الجماز: كم نارا في اللغة ؟ فقال: نار ~~الحرب، ونار الشجر، ونار الحباحب، ونار المعدة، والنار المعروفة. فقال له: ~~تركت أبلغ النيران. قال: وما هي. قال: نار حر أمك التي كلما ألقي فيها فوج ~~سألتها خزنتها. فقال الجاحظ: أما نار أمي فقد قضيت أن لها خزانا ، الشأن في ~~حر أمك التي يقال لها: هل امتلأت ؟ وتقول: هل من مزيد. والجاحظ أشهر من أن ~~يذكر بمحاسن وأنا أحكي ما قاله الجاحظ. فإن ابن الأثير رحمه الله روج ~~المقال. والذي نقله أئمة الأدب عنه أنه قال: وجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ ~~بعضها من بعض، إلا قول عنترة في الذباب: # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المنكب على الزناد الأجذم # وقول أبي نواس في تصاوير الكأس: # تدار علينا الراح في عسجدية... وأنشد الأبيات انتهى. # قال ابن بسام في الذخيرة وقد ذكر أن أبا نواس ولد هذا المعنى من قول ~~امرىء القيس: # فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... وشجت بماء غير طرق ولا كدر # فجعل الشراب والماء نصفين لقوة الشراب، فتسلق عليه أبو نواس وأخفاه بما ~~شغل به الكلام من ذكره الصور المنقوشة، إلا أنها سرقة مليحة. # وكرر أبو نواس هذا المعنى عجبا به في مواضع. كقوله: # بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم # فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذن لاصطفانا دون كل نديم # وأخذه الناشىء فولد معنى زائدا عليه فقال: # في كأسها صور تظن لحسنها ... عربا برزن من الحجال وغيدا # وإذا المزاج أثارها فتنمنمت ... ذهبا ودرا توأما وفريدا # فكأنهن لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا # وقال ms088 ابن المعتز: # وكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن ألباب الرجال # وألم بهذا ابن بطال البطليوسي فقال: # وغاب من الأكواس فيها ضراغم ... من الراح، ألباب الرجال فريسها # قرعت بها سن الهموم فأقلعت ... وقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها # وقال أبو تمام ابن رباح: # وكاس بدا كسرى بها في قرارة ... غريقا ، ولكن في خليج من الخمر # وما صورته فارس عبثا به ... ولكنهم جاؤوا بأخفى من السحر # أشاروا بما دانوا له في حياته ... فنومي إليه بالسجود ولا ندري # هذا ما أورده ابن بسام في معنى الكأس المنقوشة. # ولا بأس بإيراد ما جاء في ذلك للشعراء المتأخرين، من ذلك قول ابن سناء ~~الملك. # ما الدر إلا ذا الحبا ... ب وإنني بالدر أدرى # شعري وشعرى في السما ... ء وفي كؤوسك ألف شعرى # منت عليك ولا كما ... منت على أشلاء كسرى PageV01P046 الخلق لما عاش قد ~~... سجدوا له طوعا وقسرا # والكل لما مات قد ... سجدوا له في الكأس سكرا # ولا يخفى على ذي اللب أن هذا مأخوذ من قول أبي تمام بن رباح وقد تقدم وهو ~~أحسن من هذا. # وقوله أيضا : # ألا إن شراب المدام هم الناس ... وغيرهم فيهم جنون ووسواس # فيا ليت أني مثل كسرى مصور ... فليس يزال الدهر في كفه كاس # وهذا مأخوذ من قول أبي فراس. وسيأتي فيما بعد. # وقوله أيضا وهو في غاية الحسن: # شربنا على هذا وذاك مدامة ... بدت كالعقيق الرطب والذهب الرخص # أعيد لنا في كأسها شخص قيصر ... وكسرى، فكادت تبعث الروح في الشخص # قياصرة في قصر كسرى وربما ... مجنا فقلنا بل مساكين في خص # وقول ابن قلاقس الإسكندري: # لو لم يصبها الماء حين توقدت ... بيد المدير لخفت أن يتسعرا # وبنيتها قصرا سقيت براحتي ... كسرى أنوشروان فيه وقيصرا # وقوله أيضا # أنهكت جسمها السنين فلولا ... عرفها لم يكن بها ذا اعتراف # فاحني في الكأس جسم كسرى براح ... تبعث الروح منه في الأعطاف # وقول ابن سناء الملك الذي تقدم أكمل في الحسن. # وقوله أيضا : # بزجاجة دارت وفي جنباتها ... كسرى أنوشروان في إيوانه # خلعت على ms089 عطفيه خلعة قهوة ... وسلبتها فغدوت في سلطانه # يعني أنه لبسها بشربه لها فغدا في سلطانه، لما يجده السكران من العزة. ~~كما قال المنخل شاعر الحماسة: # وإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير # وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير # وقول ابن الذروي: # ومصور نازعت في ... ه على المدامة قيصرا # وسلبت منه متوجا ... حتى رجعت مسورا # ومضيت من عقيانه ... ولجينه أغنى الورى # وقول ابن قلاقس أيضا : # وزجاجة حياك منها قيصر ... وكأنما هو في جوانب قصره # ما ألبسته الراح ثوبا مذهبا ... إلا وقلده الحباب بدره # وهذا مأخوذ من قول الناشىء، وقد تقدم. # وما أحسن قول أبي فراس. # أغمام ما يدريك كيف قتالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح # نطفو ونرسب في الدماء كأننا ... صور الفوارس في كؤوس الراح # ومما اتفق لي وفيه تورية: # كؤوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا # ودعها سواذج من نقشها ... فأحسن ما ذهبت بالطلا # وقلت أيضا مضمنا البيت المشهور، واهتدمت منه ما اهتدمت ليطابق المعنى ~~الذي تخيلته: # ومشمولة قد هام كسرى بكأسها ... فأضحى ينادي وهو فيها مصور # وقفت لشوقي من وراء زجاجة ... إلى الراح من فرط الصابة أنظر # وأما قول عنترة في الذباب، فقد زعم مشايخ الأدب أنه من التشبيهات العقم. ~~وقد أخذه ابن الرومي فقال: # وأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغنى مغني الطير فيه فرجعا # وغرد ربعي الذباب خلاله ... كما حثحثت الندمان صنجا مشرعا # فكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقعا # وقال ابن عبدون: # ساروا ومسك الدياجي غير منهوب ... وطررة الشرق غفل دون تذهيب # على ربى لم يزل شادي الذباب بها ... يلقي بآنق ملفوظ ومضروب # وقد أخذه من قول المثقب العبدي يذكر الناقة: # وتستمع الذباب إذا تغنى ... كتغريد الحمام على الغصون # وقول الأقيشر: # وقد تقوم على رأسي منعمة ... لها إذا طربت من صوتها غنج # فترفع الصوت أحيانا وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الهزج # وقد أخذ ابن عبدون قوله من قول الأخطل في وصف ثور وحشي. وهو: # فردا يغنيه ذبان الرياض ... كما غنى الغواة بصنج عند أسوار # وقال أبو بكر ms090 بن سعد البطليوسي: # كأن أهازيج الذباب أساقف ... لها من أزاهير الرياض محاريب PageV01P047 ~~ولم يجسر أحد على هذا المعنى قبل عنترة. غير أن ذا الرمة نقل معنى الصفة ~~إلى الجندب فقال: # كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاذب من برديه ترنيم # وقال السلامي في زنبور وأحسن: # ولابس لون واحد وهو طائر ... ملونة أبراده وهو واقع # أغر محشى الطيلسان مديج ... وسود المنايا في حشاه ودائع # إذا حك أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع # بدا فارسي الزي يعقد خصره ... ومئزره التبري أصفر فاقع # يرجع ألحان الغريض ومعبد ... ويسقي كؤوسا ملؤها السم ناقع # قوله: إذا حك أعلى رأسه.. البيت، من قول مسلم بن الوليد: # فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأساري أثقلتها الجوامع # نقل السلامي هذا المعنى إلى الزنبور لما ولده من هنا، وشارك عنترة في ~~الصفة مشاركة خفية. وكذا يكون التخيل الشعري الصحيح. # وما أحلى قول بعض الشعراء: # فعل الأديب إذا خلا بهمومه ... فعل الذباب يرن عند فراغه # فتراه يفرك راحتيه ندامة ... منه ويتبعها بلطم دماغه # لم أورد هذه المقاطيع في الكأس المصورة والذباب وأكثرت منها إلا لأن هذا ~~الموضع من محزات الأدب وغريب المعاني. ولعل هذا القدر ما اجتمع لأحد فيهما. # وأما قوله بدون هذا يباع الحمار، أصل هذا المثل أن رجلا أراد أن يشتري ~~حمارا من آخر يدعى أبا يسار، فجعل يصفه ويبالغ فيه إلى أن قال: تصيد به ~~النعام معقولا فقال له: شاكه أبا يسار، بدون ذا ينفق الحمار. وشاكه معناه ~~قارب أي لا تغل. # قال: وكذلك ورد قوله. # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم # فاسقني البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم # وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني ~~التي تستخرج من غير شاهد حال مصورة. وساق حكاية جرت في حضرة الرشيد في ~~استخراج معناه، وهي مشهورة. # أقول: وأبو نواس ممن له المعاني التي ظاهرها سهل وباطنها مشكل في غاية ~~الدقة، كقوله: # أما ترى الشمس حلت الحملا ... وطاب وزن ms091 الزمان واعتدلا # وغنت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الراح حولها كملا # محل الإشكال فيه واستوفت الراح حولها. # قالوا: من حين عصير الراح، إلى أن تحل الشمس الحمل ما يكون غير ستة أشهر ~~أو ما حولها، فكونه يدعي أن الراح استوفت الحول كاملا غير صحيح، والحول ~~اثنا عشر شهرا. الجواب من وجوه: أحدها وهو أقواها، أن الضمير في حولها لا ~~يعود على الراح، وإنما يعود على الشمس. كأنه قال: واستوفت الراح حول الشمس ~~كاملا . # وثانيهما، أن المراد بالحول هنا إنما هو الغاية والتمام، والمعنى: استوفت ~~الراح بلوغها وصلاحها لأن تستعمل وترشف. وفي هذه المدة ينتهي صلاح الخمرة، ~~وكل شيء بلغ غاية تطلب منه، فقد استوفى حوله. كأنه من: حال عن هيئته إلى ~~هيئة أخرى. وهذا الذي يفهم من كلامه. # وكذا قوله: # ظلت حميا الكأس تبسطنا ... حتى تهتك بيننا الستر # في مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه، وحلت الخمر # ذكروا في هذا أربعة أوجه: أحدها أن طيب المكان وكمال السرور، أباح حرمتها ~~على عادة الشعراء في مبالغاتهم ثانيها أن يكون آلى على نفسه أن لا يتناول ~~الخمر إلا بعد اجتماعه بمحبوبه، فكان الاجتماع مخرجا من يمينه. كقول امرىء ~~القيس: # حلت لي الخمر وكنت امرءا ... عن شربها في شغل شاغل # ثالثها يريد بحلت نزلت، من الحلول في المكان. # رابعها: يريد أنهم استحلوها بدخولهم في السكر وذهول عقلهم وكنت وقفت ~~بالديار المصرية على جزء فيه كلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب ~~على قول الشاعر. # بيض مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسو بأموالنا آثار أيدينا # وقد ذكر في قوله: بيض مفارقنا مئتي وجه وثلاثة أوجه، في احتمال معنى ~~هاتين اللفظتين. # وقد وجدت لأبي الحسن الطوسي الفقيه بيتين، يسأل عن معنى الثاني منهما: ~~وهما: # منينني حينا فلما ... أن مللت من التمني # عرضن لي بالوصل حتى ... قلت قد، أعرضن عني PageV01P048 الإشكال فيه أنه ~~كيف يعرضن له بالوصل، وهو يدعي أنهن أعرضن عنه. والمعرض لا يعرض بالوصل. # والجواب: أن قد هنا بمعنى حسب، وذلك أحد مواردها. كقول أبي ms092 تمام: # قدك اتئب أربيت في الغلواء. # أي: حسبك. والمعنى: منينني زمانا إلى أن مللت، ثم عرضن لي بالوصال حتى ~~إذا قلت هذا حسبي، أعرضن عني. # واتفق لي فيما قلت بيتان، ثانيهما مشكل، وهما: # قال وقد أبصر دمعي دما ... هذا وما رعتك بالبين # فقلت: لما فنيت أدمعي ... بكيت بالدمع بلا عين # الإشكال في ذلك أنه: كيف يعترف بأن دموعه فنيت ونفدت، ثم يقول بعد ذلك: ~~بكيت بالدمع بلا عين. وكيف يتفق البكاء بلا عين. ؟ والجواب: أنه قال أولا ~~إنه أبصره وقد بكى دما فأنكر عليه ذلك، فقال لما نفدت الدموع ولم يبق لي ~~دمع، بكيت بالدم. # والعين هنا إنما يراد بها أحد حروف الهجاء أخت العين المعجمة، لا العين ~~التي هي الجارحة من الإنسان حاسة البصر، فإن الدمع إذا حذفت منه العين كان ~~دما . # هل يمكن إبداع معنى من معنى غير مبتدع # قال: واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع فمن ذلك ~~قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد: # تنافس الليل فيه والنهار معا ... فمقمصاه بجلباب من المقل # وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه، وقد جاء ~~بعده شاعر من أهل الموصل يقال له ابن مسنهر، فاستخرج من هذا البيت معنى ~~غريبا فقال: # ونقطته حباء كي يسالمها ... من المنايا نعاج الرمل بالحدق # أقول: أول أبيات ابن السراج: # شثن البراثن في فيه وفي يده ... ما للقواضب والعسالة الذبل # والشمس مذ لقبوا بالغزالة لم ... تطلع لخيفته إلا على وجل # وما أدري معنى قوله: استخرج منه معنى غريبا : أي غريب أتى به الثاني ؟ ~~والمعنى الغريب هو أن بياض الفهد وسواده يشبه العيون. هذا هو روح هذا ~~المعنى، وأما أن الليل والنهار تنافسا فيه، وأن النعاج سالمته ونقطته، ليس ~~بكثير أمر. # أما انتزاع معنى غريب من معنى آخر، فكقول مسلم بن الوليد: # تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما # انتزعه من قول أبي نواس: # بح صوت المال مما ... منك يدعو ويصيح # فقول مسلم أفصح ms093 ومعناه أبلغ. # وقد اتفقت لي انتزاعات معان من معان هي دونها غريبة. # من ذلك قول بيليك القبجاقي المعري في الأترج. # وأترجة جاءت إليك هدية ... فشبهت منها الريح ريح حبيب # إذا نظرت عيني إليها تمثلت ... بكف مريض مدها لحبيب # انتزعت منه معنى آخر فقلت: # أيا حسن أترج يلوح لناظري ... عليه من الأوراق خضر الغلائل # حكى مستهاما غير البين حاله ... وقد عد أيام الجفا بالأنامل # ومن ذلك قول شهاب الدين التلعفري: # جريت بحمراء الكميت إلى الشقرا ... مفر الهوى طيبا وأعرضت عن مقرا # انتزعت منه معنى آخر فقلت: # وحمراء لما ترشفتها ... جنيت المسرة فيما جنيت # ونلت المسرات دون الورى ... لأني سبقتهم بالكميت # ومن ذلك قول مهيار الديلمي: # هل السابق العجلان يملك أمره ... فما كل سير اليعملات وخيد # رويدا بأخفاف المطايا فإنما ... تداس جباه في الثرى وخدود # انتزعت منه معنى آخر فقلت: # أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال حماها # وكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينا وجباها # ومن ذلك قول ابن التلمساني: # ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاس # انتزعت منه معنى آخر فقلت: # قلب الدن من أحب فأضحت ... نفحة الند من حمياه تهدى # قال لي اعجب فقلت غير عجيب ... كل دن قلبته كان ندا # ومن أحسن ما وقفت عليه في الفهد قول القائل: # ومتصف بالفتك عند اكتسابه ... على ظفره شبه الدماء ونابه # كأن مهاة الفلك لما انتهى به ... مداه إلى سرب المها وانتهابه ~~PageV01P049 رمته بشهب الجو خوف انتقامه ... فأطفأها في عسجد من إهابه # مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير # قال: ومما ذكرته في فصل من كتاب منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق ~~فقلت: فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت ~~المنجنيقات فأنشأت سحبا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد. فلم تزل ~~تقذف جلامد السور بوبل من جلمودها، وتفجؤه برعودها قبل بروقها وبروق السحب ~~قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلا، والعامر بلقعا محلا. # وفي هذا معنيان غريبان: أحدهما أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد، ~~والآخر ms094 أن رعودها قبل بروقها. # أقول: ما أدري معنى قوله في تشبيه الغبار بأنه سحب صعبة القياد ما هو ؟ ~~وكونه ادعى أن تخصيص السحب بالربا دون الوهاد أمر غريب. في هذا تعسف، وبعض ~~السحب تسقي الوهاد دون الربا، وبعضها بالعكس، هذا أمر محسوس. فهي إذا سقت ~~الربا وجفت الوهاد، كانت بالربا مخصوصة وبالعكس. # وما أحسن قول أبي العلاء المعري: # ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا # ولو أعطى على قدر المعالي ... سقى الهضبات واجتنب الوهادا # وكذا دعواه في أن البروق في السحب قبل الرعود أمر غير لازم، فإن البروق ~~قد ترى بعد الرعود وإن كانت في الغالب تكون قبل. # ولا بأس بإيراد شيء من كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى هنا في ذكر ~~المنجنيق. فمن ذلك: وكتب الخادم والمنجنيقات قد سكنت سبابتها المسلمة، وكان ~~عدم التسليم لموادعة البلد المستسلمة. # ومنه: والحصار مستمر على صفد وقد نصب عليها من المنجنيقات غلاظا شدادا ~~جامعة لأوصاف الزبانية، ونحن في الليل والنهار لا نسمع إلا الواحدة ~~والثانية، والله ينجح الثالثة في عبدة الثلاثة، والبلدة عقدة وسعادة ~~السلطان نفاثات في العقد، ما أصغى إلى الآن للمنجنيق عطفها، ولا رغم من ~~البروج أنفها. # ومن ذلك: فما خطفوا الخطفة حتى اتبعهم شهاب ثاقب، ولا قذفوا أنفسهم في ~~الخندق حتى قذفتهم السيوف من كل جانب، ولا أقدموا على سماء المنجنيقات ~~لأنها قد زينت من المقاتلة بزينة الكواكب. # ومن ذلك: بعد نصب منجنيقات ترمي بأحجار متناوبة النوائب، وإذا اتبعتها ~~الحبال مودعة خيلت أنها كواكب ذوات نوائب، وبعد أن حذرهم خطاب الخطوب من ~~اللجاج، وبعد أن هزت النقوب أعطاف الجدران وتساقط ثمر الأبراج. # ومن ذلك: وأنا نازل على عين يصم السمع هديرها، فوق جبال يقمر العين ~~صبيرها، تحت سماء قد رابني منها الغداة سفورها، أمامي قتال يدير كأس المنون ~~فيها مديرها، وورائي حجار المنجنيقات التي إذا رأت نقطها حروف البروج محيت ~~سطورها. # ومن ذلك: وجثا المنجنيق يحاكمها، ولسان حبله يخاصمها، والخادم تحت ~~المنجنيق الإسلامي يعرض الوجه لمنجنيق الفرنج، ms095 وينقل قطع الستائر نقل قطع ~~الشطرنج، حيث التراس بياذق والجفاتي رخاخ، وحيث القلاع صيد والحجارة حب ~~والمنجنيقات فخاخ. # ومن ذلك: وضايقوا عكا بأبراج خشبية ضربت مع الأبراج الحجرية المصاف، ~~وتقدموا بمنجنيقات محاربة لله ورسوله فقطعت أيديها وأرجلها من خلاف. # ومن ذلك: وفي الثغرب مجانيق لا يعطل راتبها، ولا يرصد ضاربها، أكبرها ما ~~قتل المقاتل شدخا، وأيسرها ما جعل بيذق الهام رخا. # ومن ذلك: وقد كنا نزلنا على هذه المدينة فأردنا توقير ثغرها، وتوفيرها عن ~~نقبها وثغرها، فلم كان ثاني يوم الأضحى وقد بلغ منا الصبر إلى غاية من لا ~~لوم عليه في التقرب بنحرها، وقضى بأن يتل تلها للجبين، وأن لا يأخذها ~~بالأمان بل يأخذها باليمين، فأضجعتها المجانيق وذبحتها النقوب، وجرت منها ~~دماء في الحال أوجبت من أبرجتها الجنوب. # ومن إنشاء شيخنا القاضي شهاب الدين محمود رحمه الله من قصيدة نظمها في ~~فتح المرقب: # وأمطرتها المجانيق التي نشأت ... ولم يكن قبلها يهمي به المطر # وكان للكسر منها كلما صنعوا ... من جنسها ولأيدي الهدم ما عمروا # كأنها ومجانيق الفرنج لها ... فرائس الأسد إذ أظفارها الظفر # وكم شكى الحصن ما يلقى فما اكترثت ... يا قلبها أحديد أنت أم حجر # ومن كتاب كتبه القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير في هذا الفتح أيضا : ~~PageV01P050 والمنجنيقات تفوق إليهم سهام قسيها، ويخيل إليهم ساعية إليهم ~~بحبالها وعصيها، وهي في الحصون من ألد الخصوم، وإذا أمت حصنا حكم بأنه ليس ~~بإمام معصوم، ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممترين، ~~وإذا نزلت بساحة قوم فساء صباح المنذرين، تدعى إلى الوغى فتكلم، وما أقيمت ~~صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم. # قال ابن الساعاتي: # ومتى يحاول بلدة لم يثنه ... حشد الجيوش بها ولا بعد المدى # هتمت مجانقه ثنايا سورها ... فرأيت ذاك الثغر ثغرا أدردا # نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها التقدم # قال: ومن ذلك ما وصفت فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه ~~وكان ذلك في ms096 زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورا. فقلت: وقد ~~عاجلته قتال البروق قبل البيارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين ~~الخنادق. # والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا ~~بأخضره، والأرض كأنها قرصة النفي وعسى أن تكون أرض محشره ثم أخذ في ذكر ~~اختراع المعنى من الحديث النبوي وهو إنكم تحشرون على أرض بيضاء كفرصة النقي ~~يريد: الخبزة البيضاء. ودندن لذلك وطنطن. # أقول: العجب منه كونه يدون هذه الأشياء ويجمعها ويوردها، ويخطب عقيب كل ~~واحدة منها خطبة لنفسه، يدعي فيها أن البلاغة في غيره مجاز وفي كلامه ~~حقيقة، وأنه جاء بعقود الدرر وجاء غيره بجزعة ولا يرضى أن يقول بعقيقة. وقد ~~أوردت كتابا للقاضي الفاضل فيما تقدم أصدره من بعرين، ذكر فيه الأمطار ~~والثلوج والخيام وأتي فيه بمحاسن ما لابن الأثير بها يدان، ولا يدور على ~~قطبها لكاتب فرقدان. # ومن كلام القاضي الفاضل: فأما الثلوج التي وصلها ذلك البيان فأججها، بل ~~أهداها إلى الصدور التي هي بيوت نار الشوق فأثلجها. فقد تمثلت البلاد ~~وكأنما نشر المولى عليها عرضه، وسرني أن سر ذلك الفضاء فضه، وأراني النجوم ~~في هذه السنة وقد ناصحت في خصبها فنزلت بأنفسها، وبرزت ظاهرة في النهار ~~بجواريها وخنسها، وأجدر بها أن تكون سنة تغسل وضر الكفر بصابون ثلجها، ~~وتبشر العزمة الناصرية من هذه الرغوة بما تحتها من صريح فلجها. # ومن ذلك: وإن يكشف الله قناع الشك، تكن أحق منزلة بالترك، فلن ترى إلا ~~محشر الحشرات بل محسر الحسرات، يومها بالهم والثلج أبلق، والمنفق فيها يقلب ~~كفيه على ما أنفق. # ومن رسالة كتبها القاضي محيي الدين بن قرناص إلى القاضي تاج الدين ابن ~~الأثير: وعندما سطرها متهجما ، كان وجه الأفق بالغيم متجهما ، وثغر حماة ~~بالثلج متبسما ، وقد ظهر عليها السكون، حيث شابت منها القرون، وكان المملوك ~~مشرفا على مكان أحيط بثمر، والدوح يقلب كفيه على ما أنفق من عمره، وقد تزهد ~~فتجرد من حرير أوراقه ولبس قطن زهره، ms097 فلا ترى إلا أشجارا قائمة على أصولها ~~وكروما خاوية العروش، وسقيط ثلج كالفراش المبثوث وجبال غيوم كالعهن ~~المنفوش. # ومن جواب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر عن هذه الرسالة: وكان توجهنا ~~إذ ذاك حين اكتست الجبال بالثلوج، وأحاطت بنا الأنواء من كل جانب إحاطة ما ~~لها من فروج، بفصل فتحت فيه السماء أبوابها بما ليس لجمله عن تلك المواطن ~~فصول، ولا لخضاب الجليد الدابغ أديم الثرى المتجلد من نصول. فعدنا إلى جهة ~~حمص وإن لم يعجبنا العام، وقلنا كل ذلك مغتفر في جنب ما أشارته مصلحة ~~الإسلام، الشاملة منهم للخاص والعام، واستقبلنا تلك النواحي المتناوحة، ~~والمنازل المتنائية على المراحل المتنازحة، برقة جلود تتجالد على الجليد، ~~وأوجه تواجه من تلك الظهور ما ورود حياض المنون به إليها أقرب من حبل ~~الوريد، كم التفت الشمس بقارا من قرها بفروة سنجاب من الغمام، وكم غمضت ~~عينها عمن لم تطعم جفونه بتهويم ولا تطمع بمنام، وكم سبك الزمهرير فضة ~~ثلوجها فصحت عند السبك، وكم خبر من امرىء القيس أنشد عند النبك قفا نبك. ~~هذا والزميتا قد مدت على البلاد والعباد ملاءتها الرحيضة، وأضحت بها الأنفس ~~قتيلة لا مريضة، كأنها وخط المشيب على المفارق، أو رمل أبيض قد ذر على سطور ~~تلك المهارق. # وللقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى في القطيفة عدة مفاطيع ~~يصف بردها. منها قوله: # هذي القطيفة التي ... لا تشتهى عقلا ونقلا PageV01P051 خشيت ببرد يابس ~~... فلأجل ذاك الحشو تقلى # وقوله أيضا : # على ذم القطيفة اجتمعنا ... وإن حشيت ببرد قد تكرر # وقد أضحى عليها للزميتا ... بياض مثلما قد ذر سكر # ولم يكن المكفن غير شخص ... يكون إلى نواحيها مسير # وأبيات شهاب الدين الشاغوري مشهورة في الثلج. وهي: # قد أخمد الجمر في كانون حين قدح ... وأجمد الخمر في كانون كل قدح # يا جبة الزبداني أنت مسفرة ... عن حسن وجه إذا وجه الزمان كلح # فالثلج قطن عليك السحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح # ومن هذا قول أبي الفضل الكاتب: # وأطربنا غيم يمازح ms098 شمسه ... فتستر طورا بالسحاب وتكسف # ترى قزحا في الجو يفتح قوسه ... مكبا على قطن من الثلج يندف # قيل إن الثلج وقع مرة في بغداد، فقال بعض شعراء ذلك العصر: # يا صدور العراق لم نر ثلجا ... قبلها حل في نواحي العراق # إنما عم ظلمكم سائر النا ... س فشابت ذوائب الآفاق # ومما اتفق لي في ذلك: # تبا لها من بلدة لا أرى ... فيها مقامي واضح النهج # لأنها في وجه سكانها ... وأهلها تبصق بالثلج # الحسن في أبيات ابن بقي # بأبي غزال غازلته مقلتي قال وقد أورد في محاسن المعاني قول القائل: # بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطي بارق # ... الأبيات. # وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى ~~كادت ترقص رقصا ، والبيت الأخير هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت ~~الأبصار بفضل الأسماع.... # أقول: هذه الأبيات لابن بقي، وأوردها ابن الأبار في تحفة القادم ثم قال: ~~وقد نسب بعض أهل عصرنا ابن بقي إلى الجفاء في قوله: # أبعدته عن مهجة تشتاقه... # ولو قال: أبعدت عنه أضالعا تشتاقه، لكان أحسن. # ثم أورد بعد ذلك لأبي الحكم جعفر بن يحيى بن عتال الداني: # حبك لذ بكل معنى ... إلى كرى ملت أو سهاد # إن كان لا بد من رقاد ... فأضلعي هاك عن وساد # ونم على خفقها هدوا ... كالطفل في نهنه المهاد # ولما وقفت أنا على ما ذكره ابن الأبار من الإيراد على ابن بقي، وأبيات ~~ابن العتال خطر لي أن يكون ذلك نظما. فنظمت ذلك على روي ابن بقي ووزنه: # أبعدته من بعد ما زحزحته ... ما أنت عند ذوي الغرام بعاشق # هذا يدل الناس منك على الجفا ... إذ ليس هذا فعل صب وامق # إن شئت قل أبعدت عنه أضالعي ... ليكون فعل المستهام الصادق # أو قل فبات على اضطراب جوانحي ... كالطفل مضطجعا بمهد خافق # فانظر إلى ما استحسنه ومدحه وفضله كيف أورد الناس عليه وعابوه، ولعمري ~~إنه نقد حسن ومأخذ دقيق وإيراد متوجه. # وأما خفق الفؤاد واضطرابه من المحب، فللمتأخرين فيه مقاصد لطيفة ms099 المغزى. ~~من ذلك قول الحظيري الوراق: # يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه # فما لقلبك قد جا ... ء خفقه يعتريه # فقلت وصلك عرس ... والقلب يرقص فيه # وقول.... # لا تنكروا خفقان قلب ... جاء الحبيب إليه زائر # ما تلك إلا داره ... دقت له فيها بشائر # وقول ابن سناء الملك: # أما والله لولا خوف سخطك ... لهان علي ما ألقى برهطك # ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك # وقول أبي الوليد بن الجنان الشاطبي: # وأبيك لم يخفق جناني إنما ... طربا بأيام العقيق يصفق # لا يدعي فيه الفؤاد خفوقه ... فوشاح من أهوى لعمري أخفق # وقول الآخر: # ملك القرط والفؤاد فحقا ... إن تسمى بمالك الخافقين # واحد الحسن في الورى ثاني الغص ... ن إذا ماس ثالث القمرين # وقول البدر يوسف بن لولو الذهبي: # وأحوى فاتر الأجفان ألمى ... رشيق قده رخص البنان PageV01P052 تملك قرطه ~~والقلب مني ... فصار له بذاك الخافقان # وقول ابن سناء الملك من مرثية: # أوسعت فيك الدهر عتبا مؤلما ... فأجابني بالبهت والبهتان # قلبي يحاسبه على إجرامه ... ويعدها بأنامل الخفقان # وما أحسن قول القاضي الفاضل أيضا: # وقد خفقت راياته فكأنها ... أنامل في عمر العدو تحاسبه # وقول معين الدين بن تولوا: # لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذرا علي من الخيال الطارق # فأجبته: قلبي فقال تعجبا: ... أرأيت عمرك ساكنا في خافق # وهو مأخوذ من قول: # وسكنت قلبا خافقا ... يا ساكنا في غير ساكن # وما أحسن قول السراج الوراق: # يا ساكنا قلبي ذكرتك قبله ... أرأيت قبلي من بدا بالساكن # وجعلته وقفا عليك وقد غدا ... متحركا بخلاف قلب الآمن # وقول شمس الدين محمد بن التلمساني: # يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواه ثان # لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان # هذا المعنى، رأيت جماعة من أهل العصر قد لهجوا به واستحسنوه، وهو فاسد، ~~وذلك أن القلب وعاء للساكنين، والظرف غير المظروف، والقاعدة ان الساكنين ~~إذا التقيا كسر الثاني منهما، وإذا كسر قلبه فليس بعجيب لأنه غير الساكنين ~~وليس واحدا منهما، فما لإنكاره عليه معنى، فتأمل ذلك ms100 يظهر فساده. # ومن معنى قول معين الدين بن تولوا قول ابن سناء الملك، ولكنه سلك به مسكا ~~آخر حيث قال: # من كل محتكم الأجفان يخرجنا ... من أرض سلوتنا في الحب ساحره # يأوي إلى خافق القلب الشجي به ... فاعجب لمن وكره في الحب طائره # وقوله: # يا طائر الحسن الذي وكره ... قد حل من قلبي في طائر # وقوله أيضا: # وطائر حسن طار قلبي بحسنه ... فيا عجبا من طائر وكر طائر # ومن هذا قول ابن قلاقس وقد وصف المركب: # ونحن في منزل يسري بساكنه ... فاسمع حديث مقيم بيته غاد # ومما قلته في خفقان القلب: # لما رقدت أتى خيالك بغتة ... فغدا فؤادي خافقا يتموج # لو أن صحبي شاهدوني في الكرى ... والقلب يرقص في الخيال تفرجوا # ومن قولي أيضا: # حسبي الذي ألقاه فيك من الجفا ... وعلى الصحيح فبعض ذاك كفاني # فانظر إلى قلبي إذا قابلته ... يا غصن كيف يطير بالخفقان # أحسن ما قيل في الخمر وكأسها # قال: وكذلك جاء قول بعض المغاربة في الخمر وكأسها، وهو: # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح # وهذا معنى مبتدع، أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويرق كما رقت ~~لطفا ويفوح كما فاحت نشرا. # أقول: هما لأبي علي إدريس اليماني، وأصل المعنى لابن المعتز حيث قال: # وزنا الكأس فارغة وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء # ولكنه زاده مبالغة، وهي أن الكؤوس استفادت بالخمر خفة، ثم إنه أراد لذلك ~~مثالا في الخارج فلم يجده إلا في الروح والجسم. # ومثل هذا قول الخوارزمي: # رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا ... لزاما وإن أعسرت زرت لماما # فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما # أخذ المعنى في الأصل من قول إبراهيم بن العباس الصولي في ابن الزيات: # يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا # ولما أراد أن يضرب لذلك مثالا في الخارج، لم يجده إلا في القمر وضوئه. ~~وهكذا حال إدريس اليماني مع ابن المعتز. ms101 # ولابن حميدس هذا المعنى بعينه، فإنه قال: # وكاس نشوان فيها الشمس بازغة ... باتت تديم إلى الإصباح لثم فمه # تخف ملأى وتعطي الثقل فارغة ... كالجسم عند وجود الروح أو عدمه # وقال أيضا : # جسام تجمع شربه لذاتنا ... وعقولنا بالسكر منه تبدد # ويخف ملآنا ويثقل فارغا ... كالجسم يعدم روحه أو يوجد PageV01P053 على أن ~~ابن حمديس أتى بالمعنى كاملا في بيت واحد، وإدريس اليماني إنما أتى به في ~~بيتين. ولكن نظم إدريس أعلق بالقلب، وأوقع في النفس، وأعذب في السمع. # وقريب من هذا المعنى قول أبي العلاء المعري في اللزوميات: # لم يكن الدن غير نكر ... سلافة الراح عرفته # كآدم صيغ من تراب ... ونفخة الروح شرفته # وكلاهما تسلق على هذا المعنى، ونقله إلى الثقل والخفة، وإلا فهو هو. # وعلى ذكر الخفة في الخمر والطيران، فما أحلى قول أبي الحسين الفكيك: # بكر خطاب إذا ما الماء خالطها ... أبدت لنا زبدا في سورة الغضب # كادت تطير نفارا حين واقعها ... لولا شبابيك ما صاغت من الحبب # نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها السمو # قال: وقد جاءني في الكلام المنثور شيء من هذا الضرب، وسأذكر ههنا منه ~~نبذة. فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، ~~وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك زاد طيبا ، واتفقت فيه ~~الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا ، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، ولو مر ~~على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه. # أقول: أي غريب في هذه المعاني، وأي إبداع حتى يثبته ويتعجب له ويروقه. # أما الأول فمأخوذ من قول: # ربيب ملك كأن الله صوره ... مسكا ، وقدر إنشاء الورى طينا # ولا يخفى أن هذا أمدح وأحسن. # وأما الثاني، فمأخوذ من قول البحتري: # أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس # وقول ابن لنكك. # عصرت من دم القلوب فما تب ... صر إلا تعلقت بالقلوب # وأما قوله فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، فأي مزية لهذا الموصوف بهذه ~~الصفة والورد ما زال عطرا ، سواء صافحه ms102 زنجي أو غيره، وهذا من باب تحصيل ~~الحاصل. ولو قال: فلو صافح الأثل تضوع منه نشر البان، ولو مر على اللينوفر ~~في الليل لأيقظ طرفه الوسنان لكان أحسن. فإن الورد لو صافحه أبو الأسود ~~الدؤلي أبو عبد الملك بن مروان، لكان طيب العرف، والمدح إنما يكون بأن ~~الإنسان يكسب الطيب ما ليس له طيب ويفيد الحسن ما لم يكن معروفا بحسن. # ألا ترى أنهم عابوا على كثير عزة قوله: # وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها # بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها # وقيل له: لو كانت هذه أمة زنجية ووقود نارها مندل رطب، لطاب ريحها وتعطر ~~ردنها. وهلا قلت كما قال امرؤ القيس. # ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت لها طيبا وإن لم تطيب # ولهذا استحسنوا قول القائل: # وريحها أطيب من طيبها ... والطيب فيه المسك والعنبر # فانظر إلى هذا الشاعر لما أثبت أنها تتطيب جعل ريحها أطيب منه. # وبالغ بشار بن برد في قوله: # وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب الطيب على ريح البصل # لكن هجن هذا المعنى بذكر البصل. # ويحكى أن بعض الشيعة أنشد أبا مجالد قول السيد الحميري: # أقسم بالله وآياته ... والمرء عما قال مسؤول # أن علي بن أبي طالب ... على الهدى والبر مجبول # ذاك الذي سلم في ليلة ... عليه ميكال وجبريل # ميكال في ألف وجبريل في ... ألف ويتلوهم سرافيل # في يوم بدر بددا كلهم ... كأنهم طير أبابيل # فقال له أبو مجالد: يا هذا إن الشاعر لم يمدح صاحبك، وإنما هجاه في ~~موضعين أحدهما أنه زعم أن عليا كرم الله وجهه مجبول على البر والهدى، ومن ~~جبل على أمر لم يمدح عليه، لأنه لم يكسبه بسعيه. # وثانيهما أنه ادعى أن أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيله له حينئذ في ~~الظفر، لأن أبا حية النميري لو أيد بهؤلاء لقهر الأعداء. # ذكر ذلك أبو عمر الزاهد في كتاب الياقوته فثبت بمثل هذا أن لا مدح في ~~قوله: لو صافح الورد لتعطرت أوراقه. ويؤيد هذا ms103 أنه تنبه لهذا في السجعة ~~الثانية فقال: ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه فاحترز بالليل لأنه ~~في النهار يكون مفتوح الأوراق. # ومن طريف ما جاء للشعراء في اللينوفر قول الخبز أرزي: PageV01P054 خاف ~~الملال إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحيانا ويحتجب # كأنه حين يبدو من مطالعه ... صب يقبل حبا وهو يرتقب # وذكرت هنا قول بعض المتأخرين في زر ورد. # سبقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أوانها تطفيلا # طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا # وهذا من محاسن التضمين الذي نقل عن أصله، لأن المتنبي قال في الناقة من ~~جملة قصيدته: # ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا # على أنه أخذه من ابن بابك، وإنما حسن ذلك التضمين. فإن ابن بابك قال: # وافى الشتاء فبز النور بهجته ... فعل المشيب بشعر اللمة الرجل # ورد تفتح ثم ارتد مجتمعا ... كما تجمعت الأفواه للقبل # وما أحسن قول مجير الدين محمد بن تميم في اللينوفر: # غدا اللينوفر المصفر يحكي ... النجوم فلا يغادرها شبيها # تغوص العين فيه إذا تجلى ... النهار وفي الظلام يغوص فيها # وقد استخدم العين هنا في معنين: أولهما العين الباصرة، والثاني العين ~~الجارية وقول ابن حمديس الصقلي: # اشرب على بركة لينوفر ... مصفرة الأوراق خضراء # كأنما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء # وما ألطف قول التنوخي من جملة أبيات: # ألف المياه مشاكلا بلطافة ... حتى يفارق شكله لم يصبر # فيقوم طورا ثم يرفع رأسه ... بتخنث وتأود وتكسر # وكأنه في الماء صاحب مذهب ... أغراه وسواس بأن لم يطهر # وقول الآخر: # كأن لينوفرها عاشق ... نهاره يرقب وجه الحبيب # حتى إذا الليل بدا سجفه ... وانصرف المحبوب نحو الكئيب # غمض عينيه عسى أن يرى ... في النوم من فاز به عن قريب # وبالغ الآخر في الظرف حين قال: # وكأنه إذ غاب وقت مسائه ... في الماء واحتجبت نضارة قده # صب يهدده الحبيب بهجره ... ظلما فغرق نفسه من وجده # وقال الوجيه ابن الذروي يهجو اللينوفر المصري: # ولينوفر أبدى لنا باطنا له ... مع الظاهر المخضر جمرة عندم # فشبهته لما ms104 قصدت هجاءه ... بكاسات حجام بها لوثة الدم # نموذج من إنشاء ابن الأثير # في ذم الشيب يدعي فيه الإبداع # قال: ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب فقلت: والشيب إعدام لا يسار، وظلم لا ~~أنوان، وهو الموت الأول الذي يصلي نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن ~~قال قوم إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا ~~وأضلوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا. ~~ون عجائب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع بدره، ~~ولما فقد الشباب كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده. # أقول: إنه أخذ بعد فراغه من هذا الفصل في الدندنة على العادة، وأن المعنى ~~الذي ابتدعه هو تشبيه الشيب بآلة الحرث، وقد شبه الناس الشيب بأشياء منها ~~اشتعال النار، وقد نطق القرآن العظيم به في قوله تعالى " واشتعل الرأس شيبا ~~" . # وقال الأرجاني: # قد أشعل الشيب رأسي المبلا عجلا ... والشمع عند اشتعال الرأس ينسبك # فإن يكن راعها من لونه يقق ... فطالما راقها من لونه حلك # ومنها تشبيه بالصبح، قال: # وقالوا انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد لاح صبح في دجاك عجيب # فقلت: أخلاني دعوني ولذتي ... فإن الكرى عند الصباح يطيب # ومنها تشبيهه بالنجوم، قال: .... # ومنها تشبيهه بالتبسم. قال أبو تمام: # رأت تبسمه فاهتاج هائجها ... وقال لاعجها للعبرة انسكبي # فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب # ومنها تشبيهه بالحبب. قال.... # ومنها تشبيهه بالغبار قال ابن المعتز: # صدت شرير وأزمعت هجري ... وضعت ضمائرها إلى الغدر # قالت كبت وشبت قلت لها ... هذا غبار وقائع الدهر PageV01P055 ومنها ~~تشبيهه بالسيف، قال: # أنا إن نزعت عن الغواية والصبا ... فلطالما استهوتني الآثام # أصبو سيف للمشيب مجرد ... وقلت نور بدا على قضبه # ومنها تشبيهه بالزهر. قال الغزي: # تألق الشيب فاعتذرت له ... وقلت نور بدا على قضبه # كأن ثغر الحبيب ركب في ... مفارقي ما أضاء من شنبه # ومنها تشبيهه بالبوم والقطاة كقول الشافعي رضي الله عنه ms105 في أبياته التي ~~منها: # أيا بومة قد عششت فوق هامتي ... على الرغم مني حين طار غرابها # وقال الغزي: # قطاة في الهداية كان شيبي ... وإن سمته نقبته غرابا # وشبهه السراج الوارق بالقرطم، وإنما حسن ذلك لأنه رحمه الله تعالى كان ~~أشقر. فقال. # ذهب العصفر مني ... وبدا قرطم شيبي # والتي قد ملكت رق ... بي ردتني بعيبي # وقيل لأعرابي عن الشيب: ما هذا البياض الذي في رأسك ؟ فقال زبدة مخضتها ~~الأيام وفضة سبكتها التجارب. # وما أحسن قول القاضي الفاضل رحمه الله . # إليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أر بي ما يقتضي أربي # والعمر كالكأس والأيام تمزجه ... والشيب فيه قذى في موضع الحبب # وشبه بأشياء مناسبة غير هذه، ولم أر لأحد تشبيهه بآلة الحرث، وأي مناسبة ~~بين آلة الحرث والشيب وما وجه الشبه وليس هذا من باب تشبيه المحسوس ~~بالمحسوس، ولا من باب المحسوس بالمعقول، وما أدري ما هو، وأما تشبيه الهرم ~~بالحرث نفسه فجائز وأما قوله اعدام لا يسار، فمأخوذ من قول المتنبي: # وقد أراني الشباب الروح في بدني ... وقد أراني المشيب الروح في بدلي # وأما قوله ظلام لا أنوار، فمأخوذ من قول أبي تمام: # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع # وقول أبي الطيب: # ابعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم # وما أحسن قول الغزي: # كيف لا ينفر الظباء من الشي ... ب ومن عادة الظباء النفور # أبيض مظلم وكل بياض ... في سوى العين والمفارق نور # وأما قوله: وهو الموت الأول.. السجعة، قال محمود الوراق: الشيب إحدى ~~الميتتين. # وقال غيره: الشيب غمام قطر الغموم. # وأما قوله: ولئن قال قوم إنه جلالة.. السجعة، فذكرت به قول بعض ~~المتأخرين: # وقالوا شباب المرء لهو وغرة ... ومن خلفه شيب الوقار ولا ريب # وأي وقار لامرىء عري الصبا ... وقدامه شيب ومن خلفه شيب # وأما قوله: وهو المملول الذي يشفق من بعده، فمأخوذ من قول مسلم ابن ~~الوليد وقول مسلم في غاية الحسن: # الشيب كره وكره أن يفارقني ... اعجب بشيء ms106 على البغضاء مودود # يمضي الشباب فيأتي بعده بدل ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود # قيل: إن المنذر بن أبي سبرة نظر إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع ~~فقال له: ما أصبرك على هذا القميص ؟ فقال: رب مملول لا يستطاع فراقه. فبعث ~~إليه تختا من ثياب. # ونظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى الشيب فقال: عيب لا عدمناه وقد جاء في ~~ترسل الفاضل ذكر الشيب فقال: فمن يطلع شرف السبعين يهبط إلى الحضيض، ومن ~~يعمر العمر الطويل يقع في الطويل العريض وأيام المشيب كلها بيض، وما نحن ~~ممن يصوم الأيام البيض. # وما ألطف قول ابن المعتز: # أيا نفس قد أثقلتني بذنوبي ... أيا نفس كفي عن هواك وتوبي # وكيف التصابي بعد أن ذهب الصبا ... وقد مل مقراضي عتاب مشيبي # وما أحلى قول: # ألا يا ساريا في بطن قفر ... ليقطع في الفلا وعرا وسهلا # قطعت نقا المشيب وبنت عنه ... وما بعد النقا إلا المصلى # ولبعض الشعراء: # ولما رأيت الشيب راء بعارضي ... تيقنت أن الوصل لي منك واصل # ربما يفهم من هذا البيت غير ما قصده الناظم، فيتوهم أنه يظن أن الشيب سبب ~~لوصاله وهو على خلاف المعهود من كلام الشعراء، فإنهم ما زالوا يقولون إن ~~الشيب سبب نفار الغواني عن المحبين. # وما أحسن قول خالد الكاتب في هذا: PageV01P056 لما رأت شيبا ألم بمفرقي ~~... صدت صدود مفارق متجمل # وجعلت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي # والشاعر إنما أراد هذا المعنى المعهود، فإن واصل بن عطاء الغزال رأس ~~المعتزلة، كان يلثغ في الراء لثغة قبيحة، وكان يتجنب الراء في كلامه، ولا ~~تكاد تسمع منه كلمة فيها راء ويقال إنه امتحن ليقرأ أول سورة براءة فقرأ من ~~غير فكر ولا روية: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتم من الفاسقي، فسيحوا ~~في البسيطة هلالين هلالين. # وبلغه أن بشار بن برد هجاه، فقال غير مفكر: أما آن لهذا الأعمى الملحد ~~المكنى بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق ~~الغالية، لبعثت إليه ms107 من يبعج بطنه على مضطجعه ثم لا يكون إلا سدوسيا أو ~~عقيليا . # فقال الأعمى ولم يقل الضرير، وقال الملحد ولم يقل الكافر، وقال أبو معاذ ~~ولم يقل بشار بن برد ولا المرعي، وقال الغيلة ولم يقل الغدر، وقال الغالية ~~ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال بعثث ولم يقل سيرت، وقال يبعج ولم ~~يقل يبقر، وقال مضطجعه ولم يقل فراشه، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما كان بشار ~~بن برد يذكره من الاعتزاز إليهما. # وقال فيه بعض الشعراء يمدحه: # ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر # ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فجاء بالغيث إشفاقا من المطر # فلهذا قال الشاعر ذلك البيت. وشبه الوصل بواصل، وشبه الشيب بالراء. مراده ~~أنه يجفوه جفاء واصل الراء. # وقال آخر فأحسن: # أعد لثغة لو أن واصل حاضر ... ليسمعها ما أسقط الراء واصل # وقال الرمادي في مليح ألثغ. # لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء # فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وقعدت منتحبا أنا والراء # وقال الأرجاني: # هجر الراء واصل بن عطاء ... في خطاب الوري من الخطباء # وأنا سوف أهجر القاف والرا ... ء مع الضاد من حروف الهجاء # مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير # قال: وكذلك كتبت إلى بعض الأصحاب كتابا من هذا الجنس، أهزل معه فقلت: ~~ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم ~~به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير ~~أنه من ذوات القرون والقرون عدة في الخصام. # أقول: أي معنى هذا حتى يتبجح به وقول: وهذا معنى ابتدعته ولم أسمعه لأحد ~~قبلي. # ولو أنه اقتصر على السجعتين الأوليين لكان ذلك أحسن من أن يفسر معناهما ~~فيما بعد ولقد أذهب رونق التنديب والتندير، بما أتى به من التفسير. وقد قيل ~~إن من شرط التنديب أن لا يكون خفيا ولا صريحا ولكن بين بين. # ألا ترى إلى قول السراج الوراق فيمن ينعت بالصفي: # حالت حوادث بيني ... بين الصفي ms108 وبيني # فلا أموت إلى أن ... أرى الصفي بعيني # ما أحلاه. ولو قال: فلا أموت إلى أن اراه صفيا أو بعين واحدة، يعني أعور ~~ما كان له هذه الطلاوة، ولا فيه هذا الحسن الواقع من القلب. أو لو أخذ ~~يفسره فيما بعد ويشرح ما رمزه، ذهبت منه هذه الحلاوة. # وانظر ما أحسن قول الجزار أبي الحسين رحمه الله تعالى: # لو يقنص الجزار أرواح العدى ... في يوم عيدك كنت أول قانص # لكنهم أمنوا مداي لنقصهم ... إن الضحية لا تكون بناقص # وقوله أيضا : # نصحتك فاسمع من نصيحة عاشق ... وإني على ما قلته لأمين # من الرأي أن لا توقع الحرب بيننا ... فإني جزار وأنت سمين # ولو قال: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي بين البرية، فإني لم اسمه ~~إلا لكي تحرم به الأضحية، لكان أحسن. فإن قوله: الأضحية في يوم الأضاحي من ~~باب قولك: العيد في يوم العيد، والصيام في يوم الصيام. ومن المعلوم أن ~~الضحايا لا تطلق إلا على ما ذبح أيام التشريق، وما ذبح في غير ذلك من ~~الذبائح لا يطلق عليه ذلك. وكذلك صلاة الجمعة لا تطلق إلا على الصلاة ~~المعروفة في الوقت المخصوص، ومتى كانت صلاة في غير ذلك الوقت فلا تكون ~~جمعة. # نموذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيه الإبداع PageV01P057 قال في فصل ذكر ~~فيه هدية رطب لبعض ملوك الشام: ولما استقلت به الطريق أنشا الحسد لغيره من ~~الفواكه أربا، وما منها إلا من قال يا ليتني كنت رطبا. # أقول أي فصاحة لهذه العبارة، وأي بلاغة على هذا المعنى الذي لا طائل تحته ~~وأين هذا من قول أبي الحسين الجزار: # قلت لما سكب السا ... قي على الأرض الشرابا # غيرة مني عليه ... ليتني كنت ترابا # فإن هذا أتى بلفظ القرآن العظيم، فكان له في السمع وقع وفي القلب حلاوة، ~~ولو كان قوله ليتني كنت رطبا بعض آية أو بعض بيت أو بعض مثل أو معنى ~~متداولا في شيء، فنقله إلى هذا، لكان حسنا . # ومن كلام القاضي الفاضل رحمه الله ms109 تعالى في جواب الخليفة: ورد الكتاب ~~المشتمل على ما أبان عنوان النية وإن كان كتابا ، وأقر النعمة وإن علا وكان ~~سحابا ، المقتضي حد الطاعة ولتلك القدم الشريفة يقول المؤمن ليتني كنت ~~ترابا. # ثم إن ابن الأثير قال: وما منها إلا من قال. فأجرى من على ما لا يعقل. ~~وهي لا تكون إلا لمن يعقل. والفواكه لا تعقل. # ولو قال: وما منها نوع إلا قال، لخلص من ذلك. وقد يعتذر له بأنه لما نزل ~~أنواع الفاكهة منزلة العاقلين في القول، أطلق من عليها. كقوله تعالى: فقال ~~لها وللأرض، ائتيا طوعا أو كرها ، قالتا أتنا طائعين. وهذا الجمع الذي يعرب ~~بالحروف لا يكون إلا للعاقلين. ولكنه لما نزلهما منزلة العاقلين في القول ~~والطاعة، أعطاهما جمع العاقلين. # والجواب: ليس هذا من هذا، والفرق بين الآية الكريمة وبين كلامه، أنه في ~~الآية الكريمة أطلق ذلك لما تقدم قولهما. فأشعر بأنهما تنزلا منزلة ~~العاقلين. # وأما ابن الأثير فإنه أطلق من على ما لا يعقل من أول وهلة فلم يحسن. ~~وبمثل هذا خلص المتنبي من إيراد ابن وكيع وغيره عليه، في قوله: # وكل ما قد خلق الل ... ه وما لم يخلق # محتقر في همتي ... كشعرة في مفرقي # قالوا: وفيما خلق الله تعالى، الأنبياء والرسل والملائكة. وهذا يقتضي ~~تكفيره ويدل على زندقته. # والجواب على المتنبي أنه إنما قال وكل ما ولم يقل وكل من فإن ما لما لا ~~يعقل على الصحيح وبهذا يخرج عنه الرسل ومن شرف قدرهم وارتفع مقامهم عن هذا، ~~والملائكة صلوات الله عليهم وسلامه. # وكذا أورد بعض الجاهلين في قوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم " . # فقال: وممن عبد المسيح، ولم يدر المثكل أن ما في قوله تعالى " وما تعبدون ~~" لما لا يعقل. فيتناول الأصنام والكواكب وغير ذلك، ويخرج المسيح عليه ~~السلام من ذلك. # مناقشة رسالة لابن الأثير من عاشق إلى معشوق # قال: ومن ذلك وقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقة من عاشق إلى ~~معشوق ثم أخذ ف سردها ms110 وهي طويلة افتتحها بقول القائل: # وإذا قيل من تحب تخطا ... ك لساني وأنت في القلب ذاكا # فلما رأيته قد صدر الرسالة ببيت أبي تمام قلت: لعل هذا البارق تكون وراءه ~~سقيا، ويتمسك بهذه الطليعة في اللطف على عادة مخاطبة العشاق وخضوعهم وذل ~~سؤالهم في طلب الوصال أو شكوى الهجر أو رقة العتاب في إخلاف الوعد أو الميل ~~إلى الضد، فإنه إن كانت الرقة واللطافة والاستكانة خلقت لشيء، فما أرى أحدا ~~أولى بها من العشاق في هذه المقامات وما أحلى قول القائل: # يدير من كفه مداما ... ألذ من غفلة الرقيب # كأنها إذ صفت وزفت ... شكوى محب إلى حبيب PageV01P058 فما كان إلا أن قال ~~بعد ذلك البيت: يا من لا أسميه ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه لا ~~تكن ممن أوتي ملك الملاحة فلم ينظر إلى زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار ~~في إدلاله، ولا تغتر بقول من رأى الحسن للإساءة ماحيا ، واعلم أن اللاحي ~~يقول: كفى بالتذلل لاحيا ، وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة ~~في الحد نقص في المحدود. وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست ~~زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ~~ولا ينتظر أن يحول الحول في إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، ~~والمستحقون لها قسم واحد ولا يقال إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون ~~بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد أسرا من رقبة تتحرر بالكتاب. فاخرج يا مولاي ~~من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت لطالب منى وأي مطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر ~~عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملتني بها ~~مرة ساخرا ومرة ساحرا ، ومن الأقوال السائرة إن الغر تجعله التجربة ماهرا ، ~~ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علما ، وتبصرة وإن كان كما يقال أعمى، ~~وقد كذب القائل: # عرصن للذي تحب بحب ... ثم دعه يروضه إبليس # فإن كانت الرياضة كما قيل لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع، وأراك ~~استعصيت عليه استعصاء القارح ms111 وأنت جذع، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من ~~البناء، وأنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، ~~وعليه عاتب. فأين نفاثاته التي هي أخدع من الحبائل، وأين قوله لآتينهم عن ~~الأيمان والشمائل، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري منهم مجرى ~~الدماء. وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن أدركته النخوة ~~بأني استهزأت بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه حتى أعلم أنه قادر على ~~حل عقاله، وإلا فليخف راسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر فليقوض ~~من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه ولكنه في الأصفر ونقشه، وها ~~أنذا قد بعثت بما يجعل العزم محلولا والود مبذولا ، وما أقول إلا أني بعثت ~~معشوقا إلى معشوق، وكلاهما محله من القلب بل القلب من حبها مخلوق، وما ~~أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله، وما ~~وصفه واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصفاه وأحسنها أنه لم ~~ير ذو وجهين وجيها سواه، ولا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، ~~وتناول وعره فبدله بسهمه وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت أن لا ~~يكون في سفارته صادقا ، وأنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا ، فليس على الحسن ~~أمانه، وفي مثله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة ~~رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن ذا الذي يقوى درعه على تلك ~~السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه وبين المرام، وهذا الذي منعني ~~إلا أن أرسل كيسا أو كتابا ، فأحدهما يكون في السفارة محسنا والآخر على ~~السر حجابا ، والسلام إن شاء الله تعالى. # أقول: إنه لما فرغ من هذه الرسالة، أخذ على العادة في تفريط كلامه لما ~~ابتدعه من ذكر الزكاة ووصف الدينار بمعنى الحديث، وأن الذي اتفق له لم يظفر ~~به الحريري ولا سبق إليه وأقول: إنني ما سمعت ms112 ولا رأيت ولا أسمع ولا أرى ~~بمن راسل محبوبه بمثل هذه الأشياء، وتهدد بأن العشق يزول بالصدود، والزيادة ~~في الحد نقص في المحدود، وأن الوصال زكاة تجب عليك ولا تقل إنها في العام ~~بل في كل وقت، فأخرج من هذا الحق الواجب عليك، ولا تقل إني غريم هين الطلب، ~~فكم تسخر بي، فما أنا كما كنت والتجربة تجعل الغر ماهرا ، ولكن المحب أعمى ~~ثم أخذ في ذم إبليس وتأنيبه وتوبيخه، وأنه ليس بصاحب الوسوسة والإغواء ~~والسحر إنما هو للدينار، وها أنا قد جهزت شيئا من ذلك، وما بقي بعد أن أجهز ~~المعشوق إلى المعشوق شيء. ثم أخذ يصف الدينار. # نعم هذه العبارة والتهديد تصلح أن تكون في حق عدو خرج من الصداقة إلى ~~العداوة أو متول أكثر الظلم والفساد في البلاد والعباد، ولم يفده الإنذار ~~ولا التحذير، أو عبد خرج عن طاعة مولاه ولم يخف سلطانه. PageV01P059 وما ~~أظن هذا المعشوق إلا أنه كان قد عزم على زيارة هذا العاشق، فعارضه في ~~الطريق الرسول بهذا الكتاب والدينار، فلما وقف عليها ورأى هذا الإنعام ~~والمانة به عليه، كر راجعا بعد إن سب الرسول ومزق ثيابه، ونتف ذقنه وبصق في ~~وجهه ولعن من أرسله، ومزق الرقعة شذر ومذر، وداس فتات الرقعة برجليه وقال ~~ما عنده من العجر والبجر، وتفضل في حق كاتب الرسالة بما يستحقه، ورمى ~~بالدينار الذي أرسله في الهواء. على أنه يكون في ذلك مختصرا، وأنه سكت عن ~~ظلمه ولم يكن منتصرا . # أما وقف هذا على شعر المتيمين من العرب الذين خاطبوا أحبابهم وتوسلوا في ~~طلب الوصال، وتلطفوا في طلب الرضا والمساعدة على الهوى. أكذا قال قيس بن ~~ذريح وعبد الله بن العجلان النهدي وعروة بن حزام وأبو ذؤيب وقيس المجنون ~~وجميل بثينه وكثير عزة. أكذا تغزل عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد ~~والعباس بن الأحنف. أما سمع قول أبي الطيب: # زيدي أذى مهجتي أزدك هوى ... فاجهل الناس عاشق حاقد # وقول أبي فراس: # أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما ms113 كان منه حبيب # يعد علي الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه الجميل ذنوب # وقول الآخر. # لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك # وقول الآخر: # ويدل هجركم على ... أني خطرت ببالكم # أما سمع قول المعري: # لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن سبيل # ما أحلى قول: فاذكري ابن سبيل إن أخرجت زكاة جمالك، لم يأمرها بصرفها ~~إليه ولا أوجبها عليها بل قال: إن كان شيء، فاذكري ابن السبيل المستحق. # ومن هذا قول كثير عزة: # لئن كان يهدى برد أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقير # على أن معناه مشكل إذا تأملته حتى التأمل، وليس هذا مكان الكلام عليه. ~~وما ألطف ابن سناء الملك في قوله: # وغانية لم تعد عشرين حجة ... أقول لها قولا لديه صواب # عليك زكاة فاجعليها وصالنا ... فعمرك في العشرين وهي نصاب # وقول ناصر الدين بن النقيب: # لقد وجبت عليك زكاة حسن ... وفيه كمثل ما في المال حق # فلا تعدل به عني فاني ... لمصرفه الفقير المستحق # أما سمع بقول جميل بن معمر العذري. # لا خير في الحب وقفا لا تحركه ... عوارض اليأس أو يعتاده الطمع # لو كان صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعرف ما آتي وما أدع # وقول أبي الطيب: # وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر، فهو الدهر يخشى ويتقي # وقول كشاجم: # لولا اطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا # هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى يصيب غليلا # وقول العباس بن الأحنف: # وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران فيه وبالعتب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب # وقول علية بنت المهدي: # وضع الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج # ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج # أما سمع بقول محمد بن بشير الخارجي: # ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم # يبقى على ريب الزمان وصرفه ... وعلى جفائك إنه لكريم # وما أحسن قول العباس بن الأحنف ms114 حين عنف أحبابه على المطل بالوصل: # كأن لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولا بحبلكم حبلي # وإني لأستحيي لكم من محدث ... يحدث عنكم بالملالة والمطل # حكى الشبلي رحمه الله تعالى قال: رأيت يوم جمعة معتوها عند جامع الرصافة ~~قائما عريان وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت: لم لا تدخل ~~الجامع وتتوارى وتصلي ؟ فأنشد يقول: # يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني # إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني ~~PageV01P060 قلت أنا: وهذا نوع آخر غير هذا الذي نحن فيه، وطرق الجد غير ~~طرق المزاح ومما قلت أنا: # وإذا تهتك في الهوى سري غدا ... وتحدثت بصبابتي السمار # أو قيل ذا المسكين أصل جنونه ... سحر العيون وما له أنصار # أيحل في شرع الهوى هذا ومن ... أفتى بأن دم المحب جبار # وعلمت أن هواك أصل بليتي ... فعلى صدودك لا علي العار # أما سمع بما قنع به المحبون مثل جميل حيث يقول: # وإني لراض منك يا بثن بالذي ... لو أيقنه الواشي لقرت بلابله # بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد ماطله # وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله # وجحدر حيث يقول: # أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك بنا تدان # وتنظر للهلال كما أراه ... ويعلوهها النهار كما علاني # والآخر حيث يقول: # إلى الطائر النسر انظري كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر # عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعا ما تجن الضمائر # وأبي العلاء المعري حيث يقول: # لاقاك في العام الذي ولى ولم ... يسألك إلا قبلة في القابل # إن البخيل إذا تمد له المدى ... في الجود هان عليه بذل النائل # وأما ذكره إبليس واستصراخه به وحثه على وسواسه وتزيين الباطل له، فإنه من ~~الغريب أتراه ما علم أن المحب إذا قال لمحبوبه: ما يدعك تزورني وتحنو علي ~~إلا إبليس بوسواسه أن المعشوق يمثل ذلك بين عينيه ويقول: إن هذه الأمور من ~~فعل إبليس ومطاوعة الشيطان في إتباع المحرمات المحظورة، فيرجع إلى ms115 الهجران، ~~ويتقمص شعار الجفا والصد والإعراض ويكون في ذلك كالنائم الذي أيقظه غيره من ~~الغفلة. # قال بعضهم: كان لي صديق، وكان لا يحتشمني ولا أحتشمه، فقال لي يوما : يا ~~أخي قد علمت حبي لفلانه ولم أقدر منها على شيء قط وقد زارتني اليوم، وأحب ~~أن تكون عندنا فإني لا أحتشمك. فأجبته إلى ذلك. فلما صرت إلى مكانه، وأخذت ~~عيني الجارية فرأيت أحسن النساء. ثم إنا أفضنا في الأكل والشرب والحديث، ~~وسألني صاحبي الغناء وكنت مجيدا فيه. وكأن الله تعالى أنساني جميع ما أحفظه ~~إلا هذا الصوت: # من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا # فلما سمعته الجارية قالت: أحسنت والله أعده يا أخي فأعدته، فوثبت قائمة ~~وقالت: أنا إلى الله تائبة، والله ما كنت لأفضح أخي وأرفع شنار أبي. فجهد ~~الفتى في رجوعها فلم تفعل وخرجت. فقال لي: ويحك، ما حملك على ما صنعت ؟ ~~فقلت: والله ما هو شيء اعتمدته، ولكنه ألقي على لساني. # فانظر إلى فائدة ما ذكرته. والأنسب في طلب الوصال أن يقول: اسأل الله أن ~~يعطف قلبك علي، ويلهمك اغتنام الأجر في ويرزقك رحمتي لتدخل في الجنة كما ~~غالط القائل محبوبه في قوله: # تجنيت لي ذنبي ولم أك مذنبا ... وحملتني في الحب ما لا أطيقه # وما طلبي للوصل حرص على البقا ... ولكنه أجر إليك أسوقه # وكما غالط الآخر حيث قال: # قم بنا تفديك روحي ... نجعل الشك يقينا # فإلى كم يا حبيبي ... يأثم القائل فينا # وقد وقفت على بعض رسالة من كلام ابن سناء الملك وهو: وأنا والله في أمرك ~~مغلوب والسبب أني أنا المحب وأنت المحبوب، ولا أتجالد عليك فأغرك، ولا أخون ~~حبك ولا أقعقع عليك فأغشك وأغم قلبك، اعمل ما شئت فأنا الصابر، واقتل كيف ~~شئت فأنا الشاكر، وقل لي فلي سمع يعشق قولك، والتفت تر آمالي ترفرف حولك، ~~وافعل فأنت المعذور، واستطل فما أنا المضرور بل المسرور، وارجع إلى الود ~~الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور انتهى. # قلت: ولله الوزير أبو الوليد بن زيدون ms116 حيث يقول: # بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع # يا بائعا حظه مني، ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع # يكفيك أنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع # ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع ومر أطع PageV01P061 ~~والآخر حيث قال: # هيهات لا جذب السلو بمقودي ... أبدا ولا ظفر الملام بسلوتي # إقطع وصل أوصد عني عامدا ... طبع الغرام على هواك سجيتي # ومحاسن الشوا حيث يقول: # أدين فما يندني أفيء فما يفي ... أكف فما يكفي أجود فما يجدي # تهنوا أهن جوروا أجر أوعدو أعد ... تسلوا أسل صولوا أصل هددوا أهدي # وحيث يقول أيضا : # فديتك يا من تجنى وصالا ... وأحرمني في هواه الوصالا # فللحسن فيك معان بها ... تضل النساء وتلهي الرجالا # تروع تراعى تحابي تحب ... تعادي تعاد تولي توالى # يا من وقفت على فرط الضنى جسدي ... فيه، وقلبي على التعذيب والعنت # بن أدن قاطع أصل بح أخف شح أجد ... خن أوف جر أعدل اسخط أرض عش أمت # والوزير أبو شجاع فاتك حيث قال # يا ممرضا بتجنيه وجفوته ... قلبي، ويا تاركي لحما على وضم # كن كيف شئت فإني لست أكره ما ... ترضى، ولو أن ما يرضيك سفك دمي # أعرض وعرض وجر واهجر وصد وصل ... واخشن ولن وارض واغضب واعف وانتقم # في كل حال أنا الجاني المسىء وأن ... ت المحسن الحسن الأخلاق والشيم # وابن رواحة الحموي: # إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي # عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب # وهذا أكثر وأشهر من أن يستشهد له. # وأما إضافة السحر وعقده إلى إبليس، فإنه من العجب، والسحر والعقد إنما ~~هما للآدميين ليستخدموا إبليس وجنوده، فالسحر للإنسان لا للشيطان. # وما أحلى قول.... حين استصرخ بإبليس تظرفا منه: # الخمر يا إبليس إن لم تقم ... وتوسع الحيلة في ردها # لانفقت سوق المعاصي ولا ... أفلحت يا إبليس من بعدها # وأما دعواه في وصف الدينار بذي الوجهين وأنه لم يسبق إليه، فأول ما ms117 وصفه ~~الحريري بذلك، فقال في مقاماته: # تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق # يبدو بوضعين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق # وقد جاء ذكر الدينار في مقامات البديع الهمذاني فقال: فاستصحب لي عدوا في ~~بردة صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، كدارة العين ~~يحط ثقل الدين، وينافق بوجهين. # وما أحسن قول ناصر الدين بن النقيب ملغزا في الدينار: # أي شيء تصبو الناس إليه ... صبوة العاشقين للمعشوق # ضربوه وعلقوه ولكن ... زاد عزا بالضرب والتعليق # وأما قوله: يمضي سفيرا ويعود عاشقا وليس على الحسن أمانة، فمأخوذ من قول ~~أبي الطيب: # ما لنا كلنا جو يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول # كلما عاد من بعثت إليها ... غار مني وخان فيما يقول # أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهن العقول # ومن هنا أخذ الأرجائي أيضا حيث قال: # قسما لقد رجع النسيم عليلا ... لما سرى مني إليك رسولا # فأتى لبرح هواك وهو مردد ... نفسا يسارقه الأنام طويلا # ورأى لحبك أنه قدخانني ... فغدا يجر من الحياء ذيولا # ومن هنا أخذ قول ابن سناء الملك أيضا : # راح رسولا وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق # وعادلا بالجواب بل بجوى ... أخرسه والهوى به ناطق # ولكن الأرجاني تستر في سرقته. # قال في تعزية بزوجة توفيت ثم توفي ولدها،: أشجي التعازي ما أتبع فيه ~~المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الأخبية وسعد السعود ثم قال ولم ~~يوفهما حقهما من بكى ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدي أحدهما ~~بصاحبه فعاش درهما المفدي بالذهب... # ثم ساق باقي الرسالة وهي طويلة غثه سمجة، إلا أنه بعد الفراغ منها أخذ ~~يطنطن ويدندن في قول سعد الأخبية وسعد السعود وأنهما منزلتان من منازل ~~القمر، ويعجب من هذا الاتفاق. # مناقشة نموذج من إنشاء ابن الأثير PageV01P062 وأقول: إنه نفخ في غير ~~ضرم، وطاف بغير حرم، وليس ذلك بكبير أمر، ولا مما ينبه عليه بعد الفراغ ~~منه، بل هو في الرتبة الوسطى لا ينحط انحطاطه في ms118 عادته، ولا يرتفع ارتفاع ~~القاضي الفاضل. # وقد استعمل الناس أسماء المنازل والكواكب في كلامهم جدا وهزلا ، كقول سيف ~~الدين المشد ابن قزل: # ضل فؤادي بين أبياتكم ... وناره تضرمها الأهويه # يا ذابح النوم بطرفي أما ... ترثي لقلب ضل في الأخبيه # وقوله أيضا : # ألا يا وادي الشقرا ... ء كم قد حزت من نزهه # غياض ماؤها يجري ... فما في طيبها شبهه # وكم بدر يروق الطر ... ف أضحى منك في الجبهه # وقوله أيضا : # بدا في الدرع مثل الرم ... ح في الأعطاف والسمره # فيا لله من بدر ... يروق الطرف في النثره # وقول العدل برهان الدين بن الفقيه نصر: # بخدمتكم لم أنل طائلا ... وميزان نقصي بكم راجح # ففي الطرف من أدمعي نثرة ... وفي القلب من سعدكم ذابح # ومن أحسن الكنايات قول الآخر: # ألم ترني أكابد فيك وجدي ... وأحمل منك ما لا يستطاع # إذا ما أنجم الجو استقلت ... ومال الدلو وارتفع الذراع # وقول محمد سبط التعاويذي: # فبت وباتت إلى جانبي ... نعد المنازل فيها كلانا # تريني البطين ولكنني ... أقارضها فأريها الزبانى # وقول الآخر من أبيات: # فأعجلته عن دخول الكنيف ... بجهل مطاع وحلم مطاع # فغرقت منه بنوء البطين ... ورواه مني نوء الذراع # وأما قوله: وليت لو فدي أحدهما بصاحبه، أحسن من هذا قول المتنبي: # فليت طالعة الشمسين غائبة ... وليت غائبة الشمسين لم تغب # وتمام السجعة نصف بيت من هذه القصيدة لأبي الطيب، أول: # قد كان قاسمك الشخصين دهرهما ... فعاش درهما المفدي بالذهب # قال: ومن هذا الباب ما أوردته في رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها ~~ثم إنه ساقها. # أقول: وهي أيضا من الوسط، فلا تكون في العالي ولا السقط، وذكرت بالطريق ~~التي سلكها فيها ما جاء لبعض كتاب العجم فيما أظن، في القوس التي للسهام، ~~فإنها في حسنها فذة، ونكتها في سلب العقول مغذة، وصناعتها لم تدع في ~~المثاني والمثالث عند النفوس بعدها لذة. وهي: # رسالة لابن الأثير في وصف قسي البندق وحامليها # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا ، حكيم جبل على السداد، ~~يهدي إلى ms119 سبل الرشاد، آثار بأسه مشهورة على ذوي الأعواد ويسألونك عن ~~الأهلة، فقل صفر من غير علة، مجرة تنقض منها نجوم الرجوم، برج ذو جسدين ~~يطلع بالطائر المشؤوم، شيطان تطلع شمس النصر بين قرنيه، مارد لا يسكن إلا ~~بتعريك أذنيه، صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو ~~الحوايا أو ما اختلط بعظم. مطية تخالف سائر الأنعام، قيامها باليد وقيامهن ~~بالأقدام. متحرك يعض على ناجذ التصبر في الشدة والرخاء، من صحبه طرفة عين ~~مشى على الهواء، فقل في نون التقم مرسلا فنبذه بالعراء. مقيد يحمل عليه ~~المطلق، طريد العنق من جيد عاتقه معلق. ناحل ألصق بطنه بظهره، حتى بدت ~~للناظرين بنات صدره، وغارت كلاه في خصره، لاستيلاء قوتيه الجاذبة والماسكة ~~على قوتيه الدافعة والهالكة. مقبوض يقارب السريع، ويفارقه عند التقطيع. ~~وهري أتى عليه قرن بعد قرن فانحنى مطاه، لا ينصب إلا على اليد متكاه، وينشد ~~إذا فتح فاه: # سلبت عظامي لحمها فتركتها ... مجردة تضحي لديك وتحصر # خذي بيدي ثم اكشفي الثوب تنظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر # منحني الظهر يتوكأ على عصا، ويلقيها فإذا هي حية تسعى. # تنكب رماح الخط والبيض خلها ... وأما الحنايا حلها وتنكبا PageV01P063 ~~أقبل على تعاطي القنا من مغاوير الرجال، وتناولتها بالساعد مساعير الأبطال. ~~آلة حدباء تنذر بالمنون، وأعوجي ضامر كحرف النون. أنضاء تحن على غلظ ~~أكبادها، عطوف تئن لفراق أولادها. فرع شد بهداب الدمقس المفتل، ضارب بسهميه ~~في أعشار قلب مقتل. غلاظ شداد قاسية القلوب جافية الطباع، توكل بقبض ~~الأرواح ذي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. نضو يهدر إذ لن في قرن، جامع إلى بطن ~~الشارخ انحناء اليفن، مكدود كاد ينقطع منه الوتين، منحني الظهر شارف عقد ~~الستين.... # وهي طويلة تدخل في كراسة، وكلها من هذا الأنموذج. # وقد عارضها جماعة، منهم القاضي ناصر الدين بن المنير، ضنع ثلاثة أو أكثر، ~~وغيره، وكلهم لم يشق لها غبارا ، ولم يجر من الذيل خلفها إلا ما كان عثارا. # وأما البندق، فلشيخنا القاضي شهاب الدين أبي الثناء محمود رحمه ms120 الله ~~تعالى فيه رسالة طنانة، الدرة مع الشذرة تزدحم فيها كالحب في الرمانة، ~~أثبتها في كتابه الموسوم بحسن التوسل وهي من الحسن في غاية، ومن طبقات ~~الأدب في نهاية. ولولا طولها لأثبتها هنا، وأوجدت فقر هذا التأليف منها ~~الغني. # ولابن الرومي قصيدة عينية في البندق والرماة رجز طويلة. ولمحمد سبط ~~التعاويذي قصيدة في رمي البندق أولها: # حييت يا دار الهوى من دار ... ولا عدتك السحب السواري # في غاية الحسن، وهي في ديوانه. # ومن أحسن ما ذكرته في قوس البندق قول ابن وضاح المرسي: # عجبا من القوس الكريمة إنها ... لم ترع حق حمائم الأغصان # أضحت لها حتفا وكانت مأمنا ... وكذاك حكم تصرف الأزمان # وأما أنا فقد كتبت توقيعا بالحكم بين رماة البندق، لا بأس بإثباته هنا. ~~وهو: الحمد لله الذي لم يزل حمده واجبا ، ورفده لكل خير واهبا ، وشكره ~~للنعم جالبا وللنقم حاجبا، وذكره للبؤس سالبا ، وللنعيم كاسبا . نحمده على ~~نعمه التي نصرع بالحمد أصناف أطيارها ونقص بالشكر أجنحتها فلا قدرة لها على ~~مطارها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يكون لنا بها ~~عن الفوز بالجنة عذر، ولا نجد بها نفوسنا يوم البعث إلا في حواصل طوير خضر. # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من قدم ذوي الرتب، وأشرف من حكم بالعدل ~~العاري من الشبه والريب. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا في ~~الحروب عقبانها الكواسر، وفرسانها الذين أشبعوا من لحوم العدى ذوات المخالب ~~والمناسر، ما أحمد الرامي في المرام عزمه، وسعت له في الرتب قدم قدمة. وسلم ~~تسليما كثير. وبعد. # فلما كان الرمي بالبندق فنا تعاطاه الخلفاء والملوك، وسلك الأمراء ~~والعظماء منه طريقة لطيفة المأخذ طريفة السلوك يرتاضون به عند الملل ~~لاسترواح نفوسهم، ويجنون ثمرات المنى في التنزه من عروش غروسهم، ويبرزون ~~إلى ما يروق الطرف ويروع الطير من برزاتهم، وينالون ببنادق الطين من الطير ~~ما لا يناله سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم. قد نبذوا في تحصيل المراتب ~~العلية شواغل العلق، وتدرعوا ms121 شعار الصدق بينهم وهم أصحاب الملق، ومنعوا ~~جفونهم من ورد حياض النوم إلا تحلة، وبرزوا بوجوه هي البدور وقسي هي ~~الأهلة. وتنقلوا في صيد النسور تنقل الرخ، وصادوا الطيور في الجو لما نثروا ~~حبات الطين من كل قوس هو كالفخ، وصرخوا على الأوتار وكانت ندامى الأطيار ~~على سلاف المياه من جملة صرعاها، واقتطفوا زهرات كل روضة أخرجت ماءها ~~ومرعاها، احتاجت هذه الطريق إلى ضوابط تراعى في شروطها، وتسحب على الجادة ~~أذيال مروطها، ليقف كل رام عند طور طيره، ويسبر بتقدمه غور غيره، ليؤمن ~~التنازع في المراتب، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب. # وكان المجلس السامي الأميري الشهابي هو الذي جر فيها على المجرة مطرفه، ~~وأصبح ابن بجدتها علما ومعرفة، تطرب الأطيار لنغمة أوتاره، وتنشق مرائر ~~الطير غيرة من لون غياره، وتود المجرة لو كانت له طريقا والشمس جراوة ~~والسماء ملقة، وتتمنى قوس السحاب الملونة لو كانت قوسه والنسر طائره ~~والنجوم بندقه. كم جعل حلل الروض المرقومة بما صرعه مطايره، وكم خرج في زمر ~~والطير فوقهم صافات فصاد بدر تم حين بادره، وكم ضرج في معرك الجو من قتيل ~~ريشه كالزرد الموضون، وكم أرسل البندق فكان سهما ماضيا لأنه من حمأ مسنون. ~~PageV01P064 فلذلك رسم الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، لا ~~زال طائره ميمونا ، ودر أمره في أدراج الامتثال مكنونا ، أن يفوض إليه ~~الحكم يبن رماة البندق بدمشق المحروسة، على عادة من تقدمه في ذلك من ~~القاعدة المستقرة بين الرماة. فليتول ذلك ولاية يعتمد الحق بها في طريق ~~الواجب، ويظهر من سياسته التي شخصت لها العيون فكأنما عقدت أعالي كل جفن ~~بحاجب، وليرع حق هذه الطريق في حفظ موثقه، وليجر على السنن المألوف من هذه ~~الطائفة فكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، بحيث إنه ينزل كل مستحق في ~~منزلته التي لا يعدوها، ويقبل من الرامي دعوى صيده الواجب له ويرد ما لا ~~يعتد به الرماة ولا يعدوها، متثبتا فيما يحمل إليه للحكم ولا يرخ على عيبه ~~ذيلا ، محررا أمر المصروع ms122 الذي أصبح راميه من كلفه به مجنون ليلى، جريا في ~~ذلك على العادة المألوفة، والقاعدة التي هي بالمنهج الواضح موصوفة. وليتلق ~~هذه النعمة بشكر يستحق به زيادة كل خير، ويتل آيات الحمد لهذا الأمر ~~السليماني الذي حكمه حتى في الطير. والله يتولى تدبيره، ويصلح ظاهر حكمه ~~والسريرة. إن شاء الله تعالى. # هل من شرط بلاغة التشبيه # أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم # قال في النوع الثامن من التشبيه: وقد قيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن ~~يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم، ومن ها هنا غلط بعض كتاب أهل مصر في ذكر ~~حصن من حصون الجبال مشبها له: هامة عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها ~~الأصيل وكأن الهلال لها قلامة. # ثم إنه أخذ يعيب هذا ويقول: أي مقدار للأنملة أن تشبه الحصن وأطال ~~باعتراض وجواب. # أقول: إن ابن أبي الحديد ناقشه في ذلك، وقد بقي شيء من مؤاخذته على هذا. # وهو أن الذي ادعى أن من بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه ~~وأعظم، أبحث معه وأقول: فعلى هذا تبطل غلبة الفرع على الأصل في التشبيه، ~~ونخطىء مثل ذي الرمة في مثل قوله: # ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس # فإنه شبه كثبان الرمل بما هو أقل منها وأحقر، لأن أوراك العذارى دون ~~الكثبان. ولا نستحسن مثل قول أبي بكر محمد بن هاشم. # والمشتري وسط السماء تخاله ... وسناه مثل الزئبق المترجرج # مسمار تبر أصفر ركبته ... في خاتم والفص من فيروزج # فإن كرة السماء والمشتري أكبر من الفص والمسمار. # ولا قول ابن قزل: # فصل كأن البدر فيه مطرب ... يبدو وهالته لديه طاره # وكأن قوس الغيم جنك مذهب ... وكأنما صوب الحيا أوتاره # ومثل هذا كثير. وكل ما كان في العالم العلوي لا يشبه بشيء من العالم ~~الأرضي لأنه أحقر وأقل، كما تشبه الثريا بالنرجس الذابل، والهلال بالقلامه ~~والنعل، والبرق بالسيف، والشمس بالمرآة، والنجوم بالسراج، وقوس قزح بأذيال ~~العروس، وجميع ما هو من هذا الباب لا يجوز ms123 تشبيهه، وإن كان فلا يكون بليغا ~~على هذا التقرير. وهيهات هذا سد لباب الحسن. وأما الحصون، فقد شبهها ~~الشعراء بالأنامل، منهم الغزي حيث يقول: # سد البسيطة نازلا من قلة ال ... جبل الأشم إلى قرار الوادي # حتى غدا الحصن المبارك خنصرا ... في خاتم من بهمة وجواد # وقد استعمل ابن الأثير ذلك، فقال في فصل تقدم: فنزلنا منه بمرأى ومسمع، ~~واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع. # وشبهها ابن قزل بالعين فقال: # إن الحصون لكالعيون فهدبها ... شرفاتها وجفونها الأصوار # وكذا محاجرها الخنادق حولها ... والحافظون لها هم الأشفار # ومن يعيب مثل قول القاضي الفاضل: ونزلنا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب ~~في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كأن الهلال لها ~~قلامة. # فما ينبغي لمجادل يناظره إلا كف القول عنه، وهل الطعن على هذا إلا قول من ~~لم يصل إلى العنقود. # كأن عائبكم يبدي محاسنكم ... به ويمدحكم عندي ويغريني # ويكفيه أنه عاب مثل هذه الألفاظ التي بهر حسنها لما ظهر، وغدت وفي كل ~~ضاحية من وجهها قمر. # وقول الفاضل يشبه قول ابن خفاجة: # في خضر غور بالأراك موشح ... أو رأس طودس بالغمام معمم PageV01P065 ومن ~~إنشاء شيخنا شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في وصف حصن: حصن قد تقرط ~~بالنجوم وتقرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء ورسا أصله في التخوم، تخال ~~الشمس إذا علت أنها تتنقل في أبراجه، ويظن من سها إلى السهى أنه ذبالة في ~~سراجه، لا يعلوه من مسمى الطير غير نسر السماء ومرزمه، ولا يرمق متبرجات ~~بروجه غير عين الشمس والمقل التي تطرف من أنجمه، وحوله من الجبال كل شامخ ~~تتهيب عقاب الجو قطع عقابه، وتقف الرياح حسرى إذا توقلت في هضابه، تخاف ~~العيون إذا رمقته سلوك ما دونه من المحاجر، ويخيل الفكر صورة الترقي إليه ~~ثم لا يبلغها حتى تبلغ القلوب الحناجر، وحوله من الأودية خنادق لا تعلم ~~منها الشهور إلا بأنصافها ولا تعرف فيه الأهلة إلا بأوصافها. # قال كعب الأشقري يصف حصنا : # محلقة دون السماء كأنها ... غمامة ms124 صيف زال عنها سحابها # فلا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها # ولا خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها # والخالديان: # وقلعة عانق العيوق أسفلها ... وجاز منطقة الجوزا أعاليها # لا يعرف القطر إذ كان الغمام بها ... أرضا توطأ قطريه سواسيها # إذا الغمامة لاحت خاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عزاليها # يعد من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنه كان يجري في مجاريها # على ذرى شامخ وعز قد امتلأت ... كبرا به وهو مملوء بها نيها # له عقاب عقاب الجو حائمة ... من دونها فهي تخفى في خوافيها # وقالا أيضا في ذلك: # وحلقاء قد تاهت على من يرونها ... بمدقبها العالي ومركبها الصعب # يزر عليها الجو جيب غمامه ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشهب # إذا ما سرى برق بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السحب # سموت لها بالرأي يشرق في الدجى ... ويقطع في الجلى وتنهض في الصعب # فأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا ... وغادرتها ملصوقة الخد بالترب # مناقشة حول التشبيه في أبيات أحد الشعراء # قال في النوع الثاني من التشبيه بعدما أورد قول الشاعر: # وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء # شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء # إنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها ~~بالكواكب. # أقول: قد ادعى أنه شبه ثلاثة بثلاثة، وهو لم يشبه الساقي، ولا في البيتين ~~ما يدل على تشبيهه، على أن الشاعر توهم أنه شبه الساقي ولم يذكره، وقلده ~~ابن الأثير رحمه الله في وهمه. ومعناهما: أن الخمر في حببها كأنها شمس رقصت ~~فنقطها البدر بالكواكب، وكنى برقصها عن اضطرابها عند المزج. وحسن ذكر البدر ~~هنا لأنه يصاحب الكواكب، وهو أكبرها في رأي العين، لا في العقل إذا فكر في ~~الهيئة، فحسن أن يكون له الكواكب تصرف لينقط الشمس بها. وذكر البدر هنا أمر ~~على طريق الاستطراد، لما ذكر النقوط، أراد أن يسند فعله إلى فاعل صدر عنه، ~~فحسن أن يذكر البدر. ولو حذف من الكلام تم المعنى في الأصل، ms125 كما يقال: كأن ~~الخمر شمس رقصت فنقطت بالكواكب. والشاعر أثبت أداة التشبيه للساقي في قوله: ~~وكأنها وكأن حامل كأسها. # ولم يأت له بمشبه به، فالشاعر واهم، وابن الأثير مقلد، وكلاهما اغتر بذكر ~~البلد، لأن العادة قد جرت بتشبيه الساقي بالبدر، والخمر بالشمس. كقول ~~الشاعر: # إسقنيها بنت كرم ... عتقت عشرا وخمسا # بات يجلوها علينا ... قمر يحمل شمسا # وقول الآخر: # وساق كالهلال يدير شمسا ... على الندمان في مثل الهلال # وقول ابن الرومي: # أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس # فكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس PageV01P066 ولو كان الشاعر ~~شبه الساقي لقال: شمس يديرها بدر أو يطوف بها أو يحملها. وهذان البيتان ~~مشهوران بين أهل الأدب، ولعل أحدا ما تفطن لهذا النقد. وما أقول: لأن ~~الشاعر أدخل أدلة التشبيه على مثار النقع وأسيافهم وأتى بمشبه واحد هو ~~الليل وقوله: تهاوى كواكبه في موضع الصفة لليل، فهي من لواحق الليل. # ولو قال: ليل تهاوى كواكبه، ورقمه البرق ووشاه الصبح، لكان كل ذلك مشبها ~~به ليس إلا. ولو كان من باب تشبيه اثنين باثنين لقال: ليل وكواكب تتهاوى. ~~كما قال امرؤ القيس: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وهذا الذي ذكرته ثابت على محك النظر ليس بدعوى مجردة عن الدليل والبرهان. ~~وللعكوك بيت هو بيت بشار بن برد. وهو: # كأن سمو النقع والبيض حوله ... سماوة ليل أسفرت عن كواكب # وما أحسن قول ابن قاضي ميلة: # بتنا ونحن على الفرات نديرها ... ليلا فأشرق من سناها النيل # وكأنها شمس وكف مديرها ... فينا ضحى وفم النديم أصيل # وذكرت بالبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير رحمه الله تعالى قول ابن ~~السراج في مجدور: # لي قمر جدر لما اكتسى ... فزاده حسنا وزادت هموم # كأنه غنى لشمس الضحى ... فنفطته طربا بالنجوم # وقول أبي يزيد العاص أكثر مناسبة من هذا، فإنه قال: # عابه الحاسد الذي لام فيه ... أن رأى فوق خده جدريا # إنما وجهه كبدر تمام ... جعلوا برقعا عليه الثريا # لأن الثريا قد ترى مع البدر، وأما ms126 النجوم فلا ترى مع الشمس. ويمكن أن ~~يقال فيه: ولهذا قال: نقطته طربا بالنجوم، فإن من نقط بشيء فقد بان عنه ~~وفارقه. # ويمكن أيضا التأويل للبيتين اللذين أوردهما ابن الأثير أيضا ولكنه بعيد. # مناقشة نماذج من التشبه من إنشاء ابن الأثير # قال في التشبيه: ومن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر ~~فيه نزول العدو الكافر على عكا. فقلت: وأحاط به العدو إحاطة الشفاه ~~بالثغور، ونزل عليه نزول الظلماء على النور. # أقول: ليس في ذلك مبالغة، لأن الشفاه لا تحيط بالثغور، والإحاطة اشتمال ~~المحيط على المحوط من كل جانب، كالدائرة بالنقطة، وعنصر الماء بكرة الأرض، ~~وبياض العين بالسواد. أما الشفاه فإنما هي ساترة لا محيطة. # والكامل في ذلك قول الحريري رحمه الله تعالى: وقد أحاطت به أخلاط الزمر، ~~إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر. # وقول القاضي الفاضل: وأبقاه بقاءا خارقا للعوائد، وجعل أياديه مطيفة ~~بالأعناق إطافة القلائد وليست الشفاه كذلك، إنما هي تستر الظاهر دون ~~الباطن. # وقوله: نزول الظلماء على النور، لا بأس به، من نسبة الكفار إلى الظلام، ~~ونسبة ثغر عكا إلى النور لكونه كان في أيدي المؤمنين. # وما أحلى قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى من كتاب في فتح طبرية: وصبح ~~الخادم طبرية وهجم عليها هجوم الطيف، وافتض عذرتها بالسيف. # قال: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت: وما شبهت ~~كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب إلى إقباله وإعراضه وكلا الأمرين ~~كالسهم في ألم وقعه وألم نزعهن والمشوق من اشتهرت صبابته في حالتي وصله ~~وقطعه. # أقول: هذا مأخوذ من قول الشاعر # .......... # ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع النصال ونزعه، أليم # براعة التشبيه في بيت للبحتري # قال وقد أورد قول البحتري: # وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب # وفي هذا التشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، ~~والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب. وهذا من الحسن النادر. # أقول: هذا من أنموذج ما تقدم من قوله في قول ms127 الشاعر: # وكأنها وكأن حامل كأسها... البيتين. # هناك وهم الشاعر فقلده، وهنا انفرد هو بالوهم دون البحتري، لأن البحتري ~~ما قال: وتراه في عجاج الحرب إذا كر على الرجال برمحه، قمرا يجول في الظلام ~~بكوكب، ولو كان البيت يفهم منه هذا المعنى، كان تشبيه ثلاثة بثلاثة، وليس ~~في البيت غير تشبيه واحد لأنه قال: تراه في ظلم الوغى فتخاله قمرا. ~~PageV01P067 هذا هو المعنى الذي بني عليه البيت. وأما قوله: يكر على الرجال ~~بكوكب، فمن لواحق القمر ألا ترى أن الجملة في موضع النصب على أنها صفة ~~لقمر. # ومن العجيب أنه ادعى أن البحتري شبه العجاج بالظلم، والبحتري جعل العجاج ~~نفسه ظلاما. ولو أتى ذكر الظلام في عجز البيت، لدخل في المشبه به واندرج ~~بين القمر والكوكب، وإنما جاء ذكره في أصل المشبه. # وما أحسن قول المعتمد بن عباد: # ولما اقتحمت الوغى دارعا ... وقنعت وجهك بالمغفر # حسبنا محياك شمس الضحى ... عليها سحاب من العنبر # وقول ابن الزقاق. # لو كنت شاهده وقد غشي الوغى ... يختال في درع الحديد المسبل # لرأيت منه والحسام بكفه ... بحرا يريق دم العداة بجدول # وقول الغزي: # وقد سلب الطعن الأسنة لونها ... فعصفر في اللبات ما كان أزرقا # وأسيافنا في السابغات كأنها ... جداول تجري بين زهر تفتقا # وقوله أيضا : # وكم رعت من ملومة لا تبين من ... فوارسها إلا الظبى والحمالق # تخوض النجيع احمر تحت دلاصه ... كما نبتت حول الغدير الشقائق # وهذا مأخوذ من قول أبي الطيب: # تعود أن لا تقضم الحب خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق # ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق # ومما قلته أنا في هذا النوع: # وسيوف إذا مضت في جراح ... قلت هذا بنفسج في شقيق # ينشد الجسم روحه من ظباها ... ودماها بين النقا والعقيق # وأما ما يشبه قول البحتري الذي أورده ابن الأثير، فقول أبي فراس فيما ~~أظن: # وقفلت عنهم غانما وقلوبهم ... فيها لخوفك عسكر جرار # وأتيت يقدمك السنان كما أتى ... قبل الصباح الكوكب الغرار # قال: ومن التشبيهات الباردة قول أبي ms128 الطيب: # وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان # أقول: لعمري إنه معذور في هذا، وهو من سقطات المتنبي التي ينحط فيها، ~~وهذا البيت من تلك القصيدة التي افتتحها بقوله: # الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # الأبيات الخمسة. # فانظر إلى هذا الافتتاح، وما أتبعه من الحكم والأمثال مع الفصاحة ~~والبلاغة وفي هذه القصيدة مثل قوله: # وتوهموا اللعب والوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان # ومنها يصف العدو المنهزم: # يغشاهم مطر السحاب مفصلا ... بمهند ومثقف وسنان # وقبل البيت الذي أورده ابن الأثير: # قد سودت شجر الجبال شعورهم ... فكأن فيه مسفة الغربان # ولما عكس أبو المطرف بن أبي بكر المخزومي معنى أبي الطيب في تشبيه نارنجة ~~في نهر جاء حسنا . فإنه قال: # ومنظر أرقني حسنه ... من أزرق ينساب كالأرقم # أبصرته يحمل نارنجة ... طافية حمراء كالعندم # ودرجت ريح الصبا متنه ... لما انبرت وهي به ترتمي # فخلته سيف وغى مصلتا ... هز وفيه قطرة من دم # وقال ابن فتحون في ذلك: # والماء فوق صفائه نارنجة ... تطفو به وعجاجه يتموج # حمراء قانية الأديم كأنها ... وسط المجرة كوكب يتوهج # فأتى بالمعنى في بيتين، وأبو المطرف في أربعة فأطال. # وذكرت بقول أبي المطرف، قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: # كأنما الزرع وخاماته ... وقد تبدت فيه أيدي الرياح # كتائب تجفل مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح # مناقشة نموذج آخر من إنشاء ابن الأثير # قال في القسم الأول من النوع الرابع في الالتفات، بعدما تكلم على ما في ~~سورة الفاتحة من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وفرغ من ذلك: فانظر إلى ~~هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة، التي الأقدام تكاد تطؤها والأفهام ~~مع قربها صافحة عنها. PageV01P068 أقول: أكذا يقال بعد ذكر أسرار القرآن ~~الكريم وإيضاح غامضه. وما أفاد قوله: المعاني الشريفة وتأدبه بقوله تكاد ~~الأقدام تطؤها ! وكان الأحسن أن لو قال: فانظر إلى هذه المعاني الشريفة كيف ~~غدت شموسها ضاحية، والبصائر عن إدراك ضيائها لاهية. أو أن يقول: تكاد ~~تيجانها تقع على المفارق، والأذهان عاطلة ms129 الجيد من درها المتناسق. # الالتفات في بعض الآيات # قال في الالتفات وقد ذكر قوله تعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " ~~الآية. إنما عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: " وزينا السماء ~~الدنيا " لأن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء ~~الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما . فلما صار الكلام إلى هنا، عدل عن خطاب ~~الغائب إلى خطاب نفسه لأنه مهم من مهمات البلاغة في الاعتقاد، وفيه تكذيب ~~الفرقة المكذبة المعتقدين بطلانه. # أقول: إن اعتقادهم أنها ليست في سماء الدنيا وليست رجوما، نوع على اعتقاد ~~قدم العالم، وأن الله تعالى موجب بالذات دون حدوث العالم والفاعل المختار. # وعلى ما قرره، فإضافة الفعل في خلق السماوات في يومين، ووحي أمرها فيها ~~إلى المتكلم، يكون أولى من أن تكون إخبارا عن غيره، لأنه الأصل، والعناية ~~بالأصل أولى من العناية بالفرع، لأنه إذا ثبت الأصل ثبت الفرع ولا ينعكس، ~~ولو كان هذا أولى لما عدل عنه، ولكنه قد عدل عنه لحكمة لم تظهر لابن ~~الأثير. # اقحام النحو # قال في النوع الرابع في توكيد الضميرين: ولربما قيل في هذا الموضع: إن ~~الضمائر مذكورة في كتب النحو فأي حاجة إلى ذكرها هنا ؟ ولم يعلم أن النحاة ~~لا يذكرون ما ذكرته، لأن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يعرضون إليه، ~~وإنما يذكرون عدد الضمائر، وأن المنفصل منها كذا والمتصل كذا ولا يتجاوزون ~~ذلك. وأما أنا فقد أوردت في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي. # أقول: إن نحو المتقدمين غالبه معان وبيان، مثل: الرماني وأبي علي الفارسي ~~وابن جني على تأخر زمانهم، وأكثر ما هو الآن مدون في علم المعاني مذكور في ~~كتب القوم، ولكن لما أتى الإمام عبد القاهر الجرجاني، جرد هذه النكت التي ~~ليست بإعراب ولا بد، وجمعها ودونها وبوبها ورتبها، صار علما قائما برأسه، ~~وتنبه الناس بعده كالسكاكي وغيره تفتحت لهم الأبواب. # ولهذا إن من لم يكن متمكنا من النحو، لا يقدر على الكلام في هذا. ألا ترى ms130 ~~أن الزمخشري لما كان عارفا بالنحو تيسر له في تفسيره ما لا تيسر لغيره، ~~وباقتداره على الإعراب والنظر في أسرار العربية وتعليل أحكامها أورد تلك ~~الإشكالات، وأجاب عنها بتلك الأجوبة المرقصة، وبالنحو استطال ومهر وتبحر ~~ودربه فني النظم والنثر هي التي نبهته لذلك. حتى إن الإمام فخر الدين في ~~تفسيره تراه إذا تكلم في سائر العلوم غير مقلد لأحد، فإذا جاء المعاني ~~والبيان قلد الزمخشري في ذلك وقال: قال محمود الخوارزمي وقال صاحب الكشاف. ~~ولهذا قال العلماء: من نظر في الكشاف ولم يكن عارفا بالعربية وأصول الدين، ~~صار معتزليا ، وما أشبه وضع علم المعاني والبيان إلا بالفقه. فإن الفقهاء ~~قديما في التابعين إنما كانوا محدثين فلما جاء أبو حنيفة رضي الله عنه دون ~~الفقه وقرر قواعده، وقاس ما لم يبلغه فيه حديث على ما ورد فيه الحديث، وجاء ~~الناس من بعده ومدوا فيه الأطناب، وفتحت لهم الأبواب. وانفرد الفقهاء بهذا ~~العلم عن المحدثين، واختص الفقهاء بمعرفة الأحكام والاستنباط وتركوا معرفة ~~طرق الحديث وأسماء رجاله وصحيحها من سقيمها للمحدثين. ولهذا تسمعهم يقولون، ~~فلان من الفقهاء المحدثين. وأعيان الفقهاء إنما تميزوا لقيامهم بفن الحديث. ~~وانظر إلى أئمة المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وأبي ~~داود الظاهري والثوري والأوزاعي وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم تجدهم من ~~كبار المحدثين. PageV01P069 ويقال: إن سبب وضع أبي حنيفة الفقه وتدوينه أنه ~~كان في عصره اثنان حضرا إلى الحمام وأودعا صاحبه وداعة لها صورة، ودخلا ~~الحمام. ثم إن أحدهما خرج وطلب الوداعة وأخذها وراح في سبيله. فلما خرج ~~الآخر طلبها من الحمامي فقال له: إن صاحبك خرج وأخذها، فراح إلى الحكام في ~~ذلك الزمان وشكاه إليهم فألزموه بالقيام بها للغريم الحاضر وقالوا له: أنت ~~فرطت، وكان الواجب أن لا تدفع الوداعة إلا إليهما معا كما أودعاك معا ، ~~فبقي ذلك الرجل في حيرة لا يدري ما يصنع. فلقيه أبو حنيفة فسأله عن حاله ~~لما رآه من الفكرة والحيرة، فأخبره بقضيته، فقال له: قل لغريمك: إن ms131 المال ~~عندي، فأحضر لي صاحبك لأدفع الوداعة إليكما، فإذا أتى به حصلت على غريمك. ~~فكان ذلك سبب خلاص الحمامي من تلك الورطة. # وعند ذلك أخذ أبو حنيفة في تدوين الفقه، وكانت المسألة المذكورة أول ما ~~وضعه. وكذلك أصول الفقه، إنما كان يقوم به المجتهد العارف بما يحتاج إليه ~~من العلوم في استنباط الحكم من الآية والحديث، ويكون عنده قوة ينظر بها في ~~المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، وصحة الحديث من ~~ضعفه، وثقة رواته، وترجيح أحد الحديثين على الآخر إذا تساويا في الصحة بما ~~يوافق القواعد ويستند إلى القياس الشرعي، ومثل هذا يحتاج إلى علوم جمة، ~~فجاء الشافعي رحمه الله تعالى ووضع أصول الفقه وجمع ما كان منه مفرقا في ~~العلوم من اللغة في معرفة المشترك والمتباين والمترادف، والحقيقة والمجاز، ~~والاستعارة والكناية. # ومن النحو في معرفة الشرط والجزاء، والاستثناء المتصل والمنقطع، والعطف ~~المرتب والعطف الذي لا يرتب، والذي للفور والذي للتراخي، وحروف الجر ~~واختلاف معانيها وما ينقسم كل حرف إلى أنواعه، والأسماء المبهمة وغير ذلك. # ومن المنطق في معرفة دلالة المطابقة والتضمن والالتزام، ومعرفة الجنس ~~والنوع، والفصل والخاصة والعرض العام، والمقدمتين والنتيجة والقياس المنتج، ~~وغير ذلك مما يحتاج إليه الفقيه من قواعد الجدل ومعرفة المغالط، وما يحتاج ~~إليه من معرفة صحة الحديث وضعفه وحسنه إلى غير ذلك. وجعله الشافعي رحمه ~~الله تعالى علما قائما برأسه وإن كانت أجزاؤه مفرقة في العلوم. ثم إن الناس ~~جاؤوا بعده وزادوا فيه ما أمكن من ذلك. فكذا علم المعاني والبيان، انتزع من ~~النحو ودون وجعل فنا قائما برأسه. # حول توكيد الضميرين # قال: ولنقدم في ذلك قولا يحصره ويجمع أطرافه فنقول: إذا كان المقصود ~~معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين بالآخر وإذا ~~كان غير معلوم وهو مما يشك فيه فالأولى حينئذ أن توكد أحد الضميرين بالآخر ~~في الدلالة لتقرره وتثبته. فمما جاء من ذلك قوله تعالى: " قالوا يا موسى ~~إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين " فإن إرادة السحرة للإلقاء ms132 قبل موسى ~~لم تكن معلومة عنده، ولأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم وطول في الكلام على ~~ذلك. # أقول: ظهرت فائدة ما قررته أنا من أن المعاني والبيان جزء من النحو، وإذا ~~خرجا عن القواعد النحوية، خبط قائلهما عشواء. والدليل على ذلك أنه قرر في ~~القاعدة التي له أن المعنى إذا كان ثابتا في النفس، فأنت مخير في تأكيد أحد ~~الضميرين بالآخر وليست هذه القاعدة على الإطلاق، فإن التأكيد هو التكرار، ~~ومن شرطه أعني التكرار أن يتم المعنى بدونه مثل: ضربت زيدا زيدا ، وجاءني ~~زيد زيد، وأنت أنت الفاضل، وهو هو الجواد. فكل هذه الصور يجوز حذف التأكيد ~~فيها لأن المعنى يتم بدونه. # وقد وجدنا الضمير يتكرر ولا يجوز حذفه، كقوله تعالى: " وقلنا يا آدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة " . وقوله تعالى: " فاذهب أنت وربك فقاتلا " ، لأن أفعال ~~الأمر نحو: قم واقعد واسكن كلها يتحمل الضمير ولا يجوز إظهاره، لأن ~~التقدير: قم أنت، واسكن أنت، ولهذا حكم النحاة على أفعال الأمر بأنها كلام ~~لأنها تركبت من فعل وفاعل. PageV01P070 ألا ترى أنهم أوردوا على الشيخ جمال ~~الدين بن الحاجب رحمه الله تعالى في قوله: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، ~~الضمائر المستكنة في أفعال الأمر جميعا وقالوا: هي كلمات ولم يلفظ بها ~~اللسان. حتى إن الشيخ بدر الدين محمد بن مالك رحمه الله تعالى قال: الكلمة ~~لفظ بالقوة أو الفعل فاحترز بقوله بالقوة من مثل الضمائر التي تتحملها ~~أفعال الأمر، ولهذا فسر بعضهم اللفظ فقال: اللفظ ما يطرحه اللسان أو في ~~حكمه حتى يخلص حد ابن الحاجب. # وإذا تقرر هذا فأقول: إن أنت في قوله تعالى: " اسكن أنت " ضمير آخر بارز ~~غير الضمير المستكن في اسكن، وتقديره: اسكن أنت أنت وزوجك. ومع ذلك فلا ~~يجوز أن يحذف الضمير الظاهر ها هنا لأنه لا يجوز عطف زوجك على الضمير ~~المستتر، لضعف ما هو بالقوة بالنسبة إلى ما هو بالفعل. وهذا بخلاف قوله ~~تعالى: " وإما أن نكون نحن الملقين " . فثبت أن صاحب المعاني إذا لم يعرف ms133 ~~النحو، لم يدر ما يقوله. # ويمكن أن يجاب عنه ويعتذر له فيقال: إنه إنما يتكلم في التوكيد، وقوله ~~تعالى: " اسكن أنت وزوجك " ليس هو من باب التوكيد، إنما أتى به لأمر آخر ~~وهو عدم الجواز في العطف على المضمر المستكن، وهذا غير التوكيد. # قلت: وعلى كل حال، فهي عبارة مدخولة غير سادة، تحتاج إلى قيد يخرج مثل ~~هذا، وإلا ورد على قاعدته التي قررها، فإن القواعد تحتاج إلى أن تكون محكمة ~~غير موهمة. # ابن الأثير يناقش المتنبي في بعض شعره # قال في النوع الثامن من استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات: وقد ~~أغفل كثير من الشعراء ذلك، من جملتهم أبو الطيب حيث يقول: # يا بدر يا بحر يا غمامة يا ... ليث الشرى يا حمام يا رجل # فإنه إذا فعل ذلك، كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان ~~كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه. # فأما قوله: يا بدر فإنه اسم الممدوح والابتداء به أولى، ثم يجب أن يقول ~~بعده: يا رجل يا ليث يا غمامة يا بحر يا حمام لأن الليث أعظم من الرجل، ~~والغمامة، أعظم من الليث والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر. # أقول: قد ناقشه ابن أبي الحديد، وقال كلاما أذكر ملخصه، وهو أن المتنبي ~~قصد مقصدا صالحا لأنه ابتدأ بالبحر وهو دون الغمامة، لأن البحر هنا هو الذي ~~يورد وهو مثل الغدير والنهر لا البحر الملح، فإن ذلك استقص كلي، والأنهار ~~والغدران يتفرعا عن الغمامة، ثم انتقل فقال: يا ليث الشرى وانتقل منه إلى ~~الحمام لأنه أعلى من الليث، لأنه لولا الحمام لم يرهب الليث. ولذكر الجود ~~أولا قال يا بحر، ولذكر الشجاعة ثانيا قال يا ليث، وقدم الجود لأن حاجة ~~جمهور الناس إلى الجود أكثر من حاجتهم إلى الشجاعة، انتهى، هذا ملخص كلام ~~ابن أبي الحديد، وهو لعمري تأويل حسن، كونه عكس على ابن الأثير مقصده وجعل ~~البيت من باب الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، وغالب الناس طعن في ms134 البيت كما ~~طعن ابن الأثير. # قلت: وللناس فيه تأويل آخر، وهو أنه لا يلزمه الانتقال من الأدنى إلى ~~الأعلى فيما قصده، لأنه أراد وصفه بالمدح الذي ادعاه فيه قبل. وقال: يا بدر ~~اسمه، ثم قال يا بحر، فإن لم أصدق فيما أقوله فيا غمامة، فإن لم أصدق فيا ~~ليث، فإن لم أصدق فيا حمام لأنك تعدم نفوس أعدائك الحياة، فإن لم أصدق فيا ~~رجل، جمع هذه الأوصاف التي ذكرتها، على أن هذا التأويل ليس في قوة ما ذكره ~~ابن أبي الحديد ولا في حسنه. # وابن الأثير ادعى أن الحمام أكبر من البحر وأعلى ولم يبين وجه ذلك، والذي ~~أقوله في ذلك: لأن الموت عبارة عن عدم الحياة، والبحر عبارة عن وجود الماء ~~الكثير الغمر، والعدم أعم من الوجود، فهو أعلى منه بهذا الاعتبار ومقدم ~~عليه. ومن هذا قوله تعالى: " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل ~~الظلمات والنور " . قيل: إنه قدم الظلمات على النور، لأن الظلمة عبارة عن ~~عدم النور، والعدم مقدم على الوجود. ولولا هذا التأويل في هذه الآية ~~الكريمة، لكان قول المتنبي: يا بدر يا بحر البيت من هذا الباب. PageV01P071 ~~ويشكل على من قرر أنه لا ينتقل إلا من الأدنى إلى الأعلى، وبهذه القاعدة ~~التي قرروها تمسك من فضل الملائكة على الأنبياء وقال: إن الله تعالى انتقل ~~من الأدنى إلى الأعلى في قوله تعالى: " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون " فإن الحكيم لا ينتقل من الأعلى إلى الأدنى، ولا ~~يقول البليغ: لا أفكر في السلطان ولا في الوزير بل يقول: لا أفكر في الوزير ~~ولا في السلطان. # والصحيح الذي ذهب إليه علماء السنة، أن الأنبياء أفضل من الملائكة إلا من ~~شذ منهم مثل: القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي. # وقوله: ومثل جدودها في عيون الأعداء شيئا عجابا ، هذا كلام فارغ كالجسد ~~الذي لا روح فيه. # وقوله: وأراهم في اليقظة إرهابا وإرعابا ، وفي المنام إبلا صعابا ، تقود ~~خيلا عرابا ، أصل هذا المعنى لأشجع ms135 السلمي. # وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام # فإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام # وما زان سجعته الثانية إلا تضمينه السجع الذي جاء في رؤية الموبذان ليلة ~~ولد النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء في ذلك من كلام سطيح. # وابن الأثير احتفل لهاتين السجعتين، وأراد مماثلة القاضي الفاضل في دعاء ~~الكتاب الذي كتبه في فتح القدس. ومنه: ولا زالت غيوث فضله إلى الأولياء ~~أنواء إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى الأعداء خيلا إلى ~~المراقب وخيالا إلى المراقد. # وأنت أيها الواقف على هذه الأوراق حكم بين هذين الخصمين، وبيدك الأمر في ~~الفرق بين الكلامين: # فمن استحق الاتقاء فرقه ... ومن استحط فحطه في حشه # وإن كان هواي مال بي إلى كلام الفاضل. # فلله ابن سناء الملك حيث قال: # إني رأيت البدر ثم رأيتها ... ماذا علي إذا عشقت الأحسنا # ثم قال: وهي فتح القدس الذي تفتحت له أبواب السماء، وكثرت بأحاديث مجده ~~كواكب الظلماء، واسترد حق الإسلام وطالما سعت الهمم في طلبه بالزاد والماء. # وأي همم هذه، وما عسى أن تناله إذا لم يكن معها إلا الزاد والماء. أما ~~كان لها مهم غير الزاد والماء، ولا لها فكرة غير ذلك ؟ وهمة لا يكون همها ~~الخيل والرجل والسلاح والدأب والسرى وركوب الأخطار، وقطع المفاوز، والصبر ~~على السهر وأنواع المشاق، أي شيء تناله.. # ثم قال: ومن أحسن ما أتى به أنه آنس قبلته الثانية بقبلته الأولى. # أقول: المليح النادر في هذا، ما ورد في خطبة القاضي محيي الدين ابن الزكي ~~رحمه الله تعالى وهو على المنبر في أول جمعة أقيمت في القدس: ومسجدكم هذا ~~أول القبلتين، وثاني الحرمين، وثالث المسجدين... # واستعمل العماد الكاتب ذلك أيضا في كتاب كتبه إلى ديوان الخلافة بفتح ~~القدس أيضا ، فقال وقد ذكر الصخرة: فصافحت الأيدي منها موضع القدم، وتجدد ~~لها من البهجة والرسالة ما كان لها في القدم، فهو ثاني المسجدين بل ثالث ~~الحرمين. # ثم قال: وكان قد برز من السلاح ms136 في لباس رائع من المنعه، وأخرج من السواد ~~الأعظم ما خدع العيون والحرب خدعه. # أقول: أكذا يكتب عن مثل ملك عانى من الأهوال ما عانى، وكابد ما كابد، ~~وبذل نفسه وولده وأهله وماله وعساكره، حتى استنقذ مثل القدس من مثل ~~الفرنج.. وهو يريد أن يمت إلى الخليفة بهذه اليد، ويعظم الأمر ويفخمه، ويصف ~~الشدائد التي كابدها حتى صار هذا الفتح العظيم في أيام الخليفة، وانضاف إلى ~~ملكه ودخل في قبضته. ويقال: خدعهم بالسواد الأعظم والحرب خدعة. ليس هذا ~~بلائق في هذا المقام. # ثم قال: وما تمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، ولا تحمى بعوالي الأسوار بل ~~بعوالي الصعاد. # أقول: كان الأحسن أن لو قال: وما تمنع رقاب البلاد بكثرة السواد، بل ~~ببياض الرأي وكثرة السداد. PageV01P072 على أن هذا الكتاب الذي أورده ابن ~~الأثير رحمه الله في معارضة الفاضل من أجل ما أنشاه، وأحسن ما وشاه. وإنما ~~سبب ذلك كونه عارضه به معارضه، وأخذ محاسنه من المهلة والتأني مقارضه، ~~فلهذا جاء منقحا وزهره مفتحا . ولو أنه أخذ درجا، والقاضي الفاضل درجا ~~وقعدا في مكان واحد، وأخذا في العمل على غير مثال، لبان المجلي في الحلبة ~~من الفسكل، كما اقترح السلطان المعز على ابن رشيق وابن شرف القيرواني أن ~~ينظما في الشعر الدقيق الذي على ساق بعض النساء ويمدحاه لكونه يستحسنه ~~ويعيبه بعض الضراير. وقال: أريد أن يكون ذلك حجة لها على من يعيبها. فانفرد ~~كل واحد منهما ونظما في الوقت. فكان الذي أتى به ابن شرف: # وبلقيسية زينت بشعر ... يسير مثل ما يهب الشحيح # حكى زغب الخدود وكل خد ... به زغب فمعشوق مليح # فإن يك صرح بلقيس زجاجا ... فمن حدق العيون لها صروح # وكان الذي أتى به ابن رشيق: # يعيبون بلقيسية إذ رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا # وقد زادها التزغيب ملحا كمثل ما ... يزيد خدود المرد تزغيبها ملحا # فاستحسن المعز أبيات ابن شرف وعاب قول ابن رشيق وقال: لقد أوجدت خصمها ~~حجة بقولك يعيبون، فإن بعض الناس ms137 عاب ذلك. وهذا نقد حسن. # وانظر إلى هذين الشاعرين كيف نطقا بلسان واحد، عن رؤية واحدة، ومعنى ~~واحد، وقافية واحدة. # ولا بأس بإثبات شيء من كتاب القاضي الفاضل في الفتح المذكور. ولولا خوف ~~الإطالة لأثبت الكتابين برمتهما، ولكن يؤخذان من مكانيهما. # قال القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: أدام الله أيام الديوان العزيز، ولا ~~زال مظفرا بكل جاحد، غنيا بالتوفيق عن رأي كل رائد، موقوف المساعي على ~~اقتناء مطلقات المحامد، مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد سحاب الجود ~~والسحاب على الأرض غير وارد، متعدد مساعي الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر ~~واحد، ماضي حكم العدل بعزم لا يمضي لسل غوي وريش راشد، ولا زالت غيوث فضله ~~إلى الأولياء أنواء إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعوث رعبه إلى ~~الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد. # منه: ولله في إعادة شكره رضى، وللنعمة الراهنة دوام لا يقال معه هذا مضى، ~~وقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصائرها، وقد استتبت عقائد أهلها على ~~بصائرها، وتقلص ظل الكافر المبسوط، وقد صدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط ~~وقع المشروط، وقد كان الإسلام غريبا فهو الآن في وطنه، والفوز معروضا وقد ~~بذلت الأنفس في ثمنه، وجاء أمر الله وأنوف الشرك راغمة، وأدلجت السيوف ~~والآجال نائمة، وصدق الله وعده في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له ~~أنوار أبانت أن الصباح عندها جبان الجبين، واسترد المسلمون تراثا كان عنهم ~~آبقا ، فظفروا منه يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفا على النأي طارقا ~~، واستقرت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على ~~الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة كما تشتفي بالماء غللهم. ولما قدم ~~الدين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنأ كفؤها الحجر الأسود ببت عصمتها من ~~الكافر بحربه، فلله الحمد على أن أحرمت بخلع ذلك البنيان المخيط، وطهرها ما ~~قطر من دعم الكفر وما كان ليطهرها البحر المحيط، وكان الخادم لا يسعى سعيه ~~إلا بهذه العظمى، ولا يقاسي تلك البؤس إلا لهذه ms138 النعمى، ولا يحارب من ~~يستظلمه إلا لتكون الكلمة مجموعة وكلمة الله هي العليا، وليفوز بجواهر ~~الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا. ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقة ~~رابحة خاسر، ومن سما لأن يجلي غمرة غامر. # منه لما ذكر الخلفاء لا جرم أنهم ورثوا سرهم وسريرتهم خلفهم الأطهر، ~~ونجلهم الأكبر، وبقيتهم الشريفة، وطليعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم، لا ~~عدم الإسلام سواد القلم وبياض الصحيفة. # منه: والشرق يهتدي بأنواره، بل إن بدا نور من ذاته هتف الغرب بأن واره، ~~فإنه نور لا تكنه أغساق السدف، وذكر لا تواريه أوراق الصحف. # منه وقد ذكر الكفر: ونام سيف جفنه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، ~~وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى راعفة بالمنون، وأصبحت الأرض ~~المقدسة الطاهرة وكانت الطامث، والرب المفرد الواحد وكان في زعمهم الثالث. ~~PageV01P073 منه: وبدل الله مكان السيئة الحسنه، ونقل بيت عبادته من يد ~~أصحاب المشأمة إلى أصحاب الميمنة. # منه: فكم أهلة سيوف تقارضها الضراب حتى عادت كالعراجين، وكم أنجم قنا ~~تبادلت الطعان حتى صارت كالمطاعين، وكان اليوم مشهودا والملائكة شهودا ، ~~وكان الصليب صارخا والإسلام مولودا ، وكانت ضلوع الكفار لنار جهنم وقودا . # منه وقد ذكر القومص وفراره: وكان مليا يوم الظفر بالقتال ويوم الخذلان ~~بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح وجناح السيف، ~~وكان لعدتهم كذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك. وبعد الكسرة مر الخادم ~~على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا البيضاء ~~صنعا ، الخافقة هي وقلوب أعدائها، هي وعزائم أوليائها، المستضاء بأنوارها ~~إذا فتح عينها البشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر. # منه: ويحصد كفرا ويزرع إيمانا ، ويحط من جوامعها صلبانا ويرفع أذانا ، ~~ويبدل المذابح منابر والكنائس مساجد، ويبوىء أهل القرآن بعد أهل الصلبان ~~للقتال مقاعد، ويقر عينه وعين أهل الإسلام أن تعلق النصر منه ومن عسكره ~~بجار ومجرور، وأن يظفر بكل سور ما كان يخاف زلزاله وزياله إلى يوم النفخ في ~~الصفح. # منه: وقبالها ثم قاتلها، ونزل ms139 إليها ثم نازلها، وبرز لها ثم بارزها، ~~وحاجزها ثم ناجزها، فضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح، وصدع جمعها فإذا هم لا ~~يصبرون على عبودية الحد عن عتق الصفح. # منه: وقدم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم ~~قسيها التي تضرب ولا تفارق سهامها نصالها، فصافحت السور فإذا سهمها في ~~ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر نسرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ~~ويعلو علوه إلى السماك، فشج مرادغ أبراجها، وأسمع صوت عجاجها، فأخلى السور ~~من السيارة، والحرب من النظارة، وأمكن للنقاب أن يسفر للحرب النقاب، وأن ~~يعيد الحجر إلى سيرته من التراب، فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله، ~~وحل عقده بضربه الأخرق الدال على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة حنينه ~~واستغاثته إلى أن كادت ترق لمقتله، وتبرأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب ~~عليها موثقا فلن يبرح الأرض، وفتح من السور بابا سد من نجاتهم أبوابا ، ~~وأخذ يفت في حجره فقال الكافر يا ليتني كنت ترابا . # منه في تسلم البلد: وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها ~~الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله تعالى أخرجهم منها وأهبطهم، ~~وأرضى أهل الحق وأسخطهم. # منه: وفيها كل غريب من الرخام الذي يطرد ماؤه، ولا ينطرد لألاؤه، قد لطف ~~الحديد في تجزيعه، وتفنن في توسيعه، إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد، ~~كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض بها من بياض الترخيم ~~رقراق، وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق. # منه: وأقيمت الخطبة وكادت السموات ينفطرن للسجوم لا للوجوم، والكواكب ~~تنتثر للطرب لا للرجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، ~~وطهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة، وأقيمت الخمس وكان التثليث ~~يقعدها وجهرت الألسنة بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر باسم أمير ~~المؤمنين في موطنه الأشرف من المنبر، فرحب به ترحيب من بر بمن بر، وخفق ~~علماه في خافقتيه فلو طار سرورا لطار بجناحيه. # منه: وكل مشقة بالإضافة إلى الفتح محتملة، ms140 وأطماع الفرنج بعد ذلك غير ~~مرجئة ولا معتزلة، فإن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أن لا تسمع ولن ~~يفكوا أيديهم من أطواق البلاد حتى تقطع، ولهذه البشائر أخبار لا تكاد من ~~غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفذ فلانا شارحا ، ~~ومبشرا صادحا ، يطالع بالخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرة من طليعته إلى ~~ساقته. وهو فلان. # وقال من كتاب آخر عند ذكر الصخرة: فقد كان بخت الناصر في رد القدس أمضى ~~من سيف بخت ناصر. # وذكرت هنا أبيات الصاحب جمال الدين ابن مطروح رحمه الله وهي: # المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلا سائرا # إذا غدا للكفر مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا # فناصر طهره أولا ... وناصر طهره آخرا # رجع إلى كلام الفاضل: PageV01P074 منه: وكان الكفر حل بهذا البلد فملكه ~~واستهلكه، وأغلقه فأوثقه، وضاعت مفاتيحه من الإسلام فلم يجدها إلا في زمان ~~أمير المؤمنين وهي السيوف، وما كان يضرب في فنائه للحرب مصاف حتى ضربت في ~~مسجده للصلاة صفوف فاسترجع الصخرة التي هي فص خاتم الإسلام كما استرجع بها ~~سليمان قدما خاتمه، وكان وكيل الإسلام في استرجاع خاتمه صارمه آخر كلام ~~الفاضل رحمه الله تعالى. # وهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا # وقد أتبع ابن الأثير رحمه الله كتاب فتح القدس بتقليد حسبة، أطال فيه ~~وليس في عقده واسطة، ولا في أثنائه نكتة تكون بينها وبين التعجب رابطة، ~~لكنه استوعب آداب الحسبة وعددها، ورصع وصاياها في سلكه ونضدها وأطال في ~~نصها لما سردها، وأظهر فيه العلم لا لطف العمل، وأتى به عريا عن المحاسن ~~فلا رغبة فيه للمنشىء الماهر ولا أمل، وهو بأن يكون جزءا في آداب الحسبة ~~أحق منه بأن يكون في التقاليد معدودا، وبأن يضم إلى الكتب الموضوعة لذلك ~~أولى منه بأن يكون في جملة الإنشاء مسرودا. # ؟حول ورود أن بعد لما # وأثرها في الدلالة على تراخي الزمن # قال في النوع السابع عشر في التكرير، وقد ذكر دخول أن التي ترد ms141 بعد لما ~~وادعى أنها إذا دخلت في الكلام دل على أن الفعل لم يكن على الفور، وأنه ثم ~~تراخ ومهلة. وساق قوله تعالى: " فلما أن جاء البشير القاه على وجهه فارتد ~~بصيرا " . # وإذا نظر في قصة يوسف مع إخوته منذ ألقوه في الجب وإلى أن جاء البشير إلى ~~أبيه عليه السلام، وجد أنه كان ثم إبطاء وتراخ بعيد بعيد، ولو لم يكن ثم ~~مدة بعيدة وأمد متطاول، لما جىء بأن بعد لما وقبل الفعل. بل كانت تكون ~~الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه. وهذه دقائق ورموز لا توجد عند ~~النحاة لأنها ليست من شأنهم. # أقول: هذا من جناية إعجاب المرء بعقله ورأيه، ألا تراه كيف تصور الخطأ ~~صوابا ، ثم أخذ يتبجح بأنه ظفر بما لم يفهمه النحاة ولا يعلوه: أتراه ما ~~نظر إلى هذه الفاء التي هي للتعقيب عقيب ماذا وردت. هل وردت عقيب قوله ~~تعالى: " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب " .. والآيات ~~المتعلقة بواقعة إلقائه في الجب حتى يدعي هذه الدعوى. أو وردت عقيب قوله ~~تعالى: " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني لأجد ريح ~~يوسف لولا أن تفندون. قالوا: تالله إنك لفي ضلالك بأهلكم أجمعين " إلى قوله ~~تعالى: " ولما فصلت العير قال أبوهم: إني القديم. فلما أن جاء البشير " ~~الآيات. فأي تراخ بين هذين من البعد البعيد والمدة المتطاولة ؟ إنما كان ~~ذلك كله بقدر المسافة من مصر إلى أرض كنعان، مقام يعقوب عليه السلام، وهي ~~تكون اثني عشر يوما وما حولها، ولهذا قال النحاة: إنها هنا زائدة. # قال في هذا النوع أيضا وقد أورد قول أبي نواس: # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس # مراده من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام. ويا عجبا له، يأتي بمثل هذا البيت ~~السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات. # أقول: ليس الأمر كما ادعاه من أنه أراد أنهم أقاموا أربعة أيام، بل قد ~~ذهب بعض المتأدبين إلى أن المقام كان ms142 سبعة أيام، بدليل أنه أقام يوما ويوما ~~وثالثا فهذه ثلاثة أيام. ثم قال: ويوما له يوم الترحل خامس فزاد الثلاثة ~~أربعة أخر خامسها يوم الرحيل. وما يشك صاحب الذوق أن هذه العبارة أحسن من ~~قوله: أقمنا بها أسبوعا ، وإن كان هذا أخصر في اللفظ، ولكن ذلك له موقع. # سلمنا أن المقام أربعة أيام، ولكنه كرر ذلك لمعنى لم يوجد إلا في هذا ~~التكرار، وهو أن المقام في هذه الحالة مقام وصف لأيام قطعها في لذة، فأخذ ~~يعددها أفرادا غير جملة ويقول: أقمنا بها يوما ويوما ويوما كالمتلذذ بهيئة ~~كل يوم استحضرها في ذهنه، وما مر لهم فيها من أنواع اللذاذات والمسرات، ~~وهذا أمر متعارف في الخير والشر فيقال: واصلني يوما في يوم في يوم في يوم، ~~وهجرني يوما في يوم في يوم في يوم. ومن هذا قول مروان الأصغر: # سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد # كرر ذلك تلذذا بذكرها، وتحرقا بالشوق إليها. # ولله المتنبي حيث قال: PageV01P075 أبا شجاع بفارس عضد الد ... ولة ~~فناخسرو شهنشاها # أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها # ؟حول الاعتراض قال في النوع الثامن عشر في الاعتراض بعدما أورد قول ~~المضرب السعدي # فلو سألت سراة الحي سلمى ... على أن قد تلون بي زماني # لخبرها بنو أحساب قومي ... وأعدائي فكل قد بلاني # ومن ذلك قول أبي تمام الطائي: # وإن الغنى لي إن لحظت مطالبي ... من الشعر إلا في مديحك أطوع # أقول: أي شيء رآه في قول أبي تمام حتى يجعله منخرطا في قول المضرب السعدي ~~؟، وأنا لا أعيب البيت من حيث معناه فإنه في غاية الحسن، وإنما أعيبه من ~~حيث تراكيب ألفاظه فإنها بين تقديم وتأخير ضيعا بهجة المعنى وأذهبا طلاوته، ~~ألا ترى أنه يحتاج إلى تقدير وهو: وأن الغنى أطوع لي من الشعر إلا في ~~مدائحك إن لحظت مطالبي. فالمعنى في نفسه في غاية الحسن من البلاغة، ~~والألفاظ ما كأنها إلا عقد الميزان، أو التخطيط الذي يكون في منامات ~~الباذنجان. وما ms143 أشبه هذا البيت إلا بقول الفرزدق: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أخوه يقاربه # ومثل قول أبي تمام قول شرف الدين بن الفارض: # هبي قبل يفني الحب مني بقية ... أراك بها لي نظرة المتلفت # والتقدير فيه: هبي لي نظرة المتلفت قبل أن يفني الحب مني بقية أراك بها. # حول الكناية # قال في النوع التاسع عشر في الكناية وقد أورد قوله تعالى " أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا " الآية: فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم الإنسان ~~الآخر، فشديد المناسبة، لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق ~~أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم من تغتابه، لأن أكل اللحم تمزيق على ~~الحقيقة. # أقول: دعواه أن مناسبة الغيبة بأكل لحم الإنسان لأنها تمزيق عرض والتمزيق ~~أكل، ليست بواضحة فإن تمزيق العرض من باب أكل اللحم، وهما كناية عن أمرين ~~معقولين بأمرين محسوسين. والأحسن في مثل هذا أن يقال: لأن الذي يغتاب يذكر ~~مثالب وارتكاب محرمات وغيرها مما يجب فيها على المغتاب الحد، ولعل ذلك الحد ~~يكون ضرب عنق أو قطع يد أو جلد ظهر، وذلك تفصيل أعضاء وتمزيق أجزاء، فهو ~~أشبه شيء بالأكل، لأن الأكل يفرق الأجزاء من الأجسام. ألا ترى قول السراج ~~الوراق ما أحسنه في هذا المعنى: # ورب شخصين قط ما اجتمعا ... إلا على هرت غائب فهما # ما مر يوم إلا وعندهما ... لحم رجال أو يولغان دما # مضمن. # وهذا التعليل أنسب، وبه يعلل تمزيق العرض أيضا فأما قوله كتمزيق العرض، ~~فإنه أحال على أمر يحتاج إلى بيان، وينتقل السؤال من الغيبة إليه، وبمثل ~~هذه المناسبة التي ذكرتها أنا، لا يحتاج إلى ذلك. # قال في هذا النوع: وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية، فإنه لا ~~يحسن استعماله لأنه عيب في الكلام فاحش وذلك لعدم المراد من الكناية فيه. ~~فمما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة: # إن لم تكن نصلا فغمد نصال. # أقول: أما هذه الكناية فإنها في غاية الحسن في كون المرأة يغمد فيها ذلك ms144 ~~العضو المخصوص وليس في بابها مثلها ولا تقبح من حيث الصناعة وتخيل المعنى. ~~وإنما قبحها بالإضافة إلى المقام، إن كان المقام مقام تعظيم قدر المرثي، ~~لأنها أم ملك أو بنت كبير القدر، أو أخت أمير. فإنه ليس من الأدب أن يسمع ~~فيها قريبها هذه الكناية لتعلقها بفرجها وذكر عورتها. كما عيب على أبي ~~الطيب قوله يرثي أم سيف الدولة: # رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال # فإنه ليس من الأدب أن يذكر أم السلطان ويقال: فوقها ممتد، فإن النفوس ~~الكبار تأنف من ذكر عورات النساء. # ويقال: إن بعض الولاة أحضر إليه جماعة من الفساق، فأراد تأديبهم، فجعلوا ~~يقسمون عليه ولا يزداد عليهم إلا قسوة وغلظة، وكان فيهم مخنث فقال: تنحوا ~~يا حمير، أكذا يحلف الأمير ثم قال: يا أمير بحياة أمك، فاشتد غضبه عليه وهم ~~يجلدونه، فقال: بحياة وجهها، بحياة عنقها، بحياة كذا بحياة كذا حتى قال: ~~بحياة سرتها. فقال الأمير وليس بعد السرة إلا الحرة. أطلقوهم. # وما أحسن قول كشاجم يرثي أمه: PageV01P076 فأقسم لو أبصرتني عند موتها ~~... وجفني يسح الدمع سجلا على سجل # رثيت لنصل يأخذ الموت جفنه ... وأعجبت من فرع ينوح على أصل # وقد تحسن هذه الكناية من الشريف الرضي في باب التهكم وتكون نهاية في ~~الحسن. وعلى الجملة فقبح الكناية التي ذكرها ليس لذاتها بل لأمر عرض عليها ~~على أنه قد أورد بعدها قول الفرزدق يرثي امرأته: # وجفن نصال قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا # وقال: هذا حسن بديع في بابه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه ~~الكناية ولا أفخم شأنا . # فيقال له: أي شيء حسن هذه وقبح تلك ؟ # حول المغالطات المعنوية # قال في النوع العشرين في المغالطات المعنوية: فمنه ما كتبته في فصل من ~~كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج: ومن صفات هذا البرد ~~أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، ولربما تعدى إلى قليب الخاطر فأحقه ~~أن يجري بوصفه، والأرض شهباء غير ms145 أنها حولية لم ترض، ومسيلات الجبال أنهار ~~غير أنها جامدة لم تخض. # أقول: ثم إنه أخذ يصف مكان الحسن في قوله: حولية ولم ترض. وأي كبير حسن ~~في هذا حتى يدونه ويستشهد به. ولكنه معذور إذا وقع في كلامه تورية أن يخطب ~~لها، فكيف به لو قال مثل القاضي الفاضل يصف البرد: في ليلة جمد خمرها، وخمد ~~جمرها، إلى يوم تود البصلة لو ازدادت إلى قمصها، والشمس لو جرت النار إلى ~~قرصها. # وقد نظم هذا الجلال بن الصفار فقال: # ويوم قر برد أنفاسه ... تمزق الأوجه من قرصها # يوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها # ومن كلام الفاضل في ليلة كثيرة البرد: في ليلة جمد الماء في لبابيدها حتى ~~ثقل متنها، وانعكست القاعدة في التشبيه حتى صار كالجبال عهنها. # وقال الصاحب جمال الدين ابن مطروح: # انظر تجد وجه البسيطة أبيضا ... لم تبد فيه شامة سوداء # كرم السحاب فعم بالثلج الثرى ... إن الكريم له اليد البيضاء # وقال: مجير الدين محمد بن تميم: # دنياك مذ وعدت بأنك لم تزل ... في نعمة وسعادة لا تنقضي # كان الدليل على وفاها أنها ... أضحت تقابلنا بوجه أبيض # وقال مجير الدين أيضا في البرد: # وليلة قرة قد هب فيها ... نسيم لا تقابله الصدور # نسيم يقشعر الروض منه ... إذا وافى ويرتعد الغدير # ثم قال: ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم فقلت: ولقد نزلت منه بمهلبي الصنع، ~~أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن ~~حتى أقول استبدلت به أهلا ووطنا ، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة ~~فاستولدها بجواره حسنا ثم أخذ في الثناء على ذلك. # أقول: غاية ما ذكره أنه استعمل اسم فاطمة والحسن رضي الله عنهما تورية ~~وليس هذا بعظيم. # وما أحسن ما استعمل القاضي الفاضل اسم الحسن، فقال يخاطب قوما أشرافا : ~~السعيد من أشبه حديثه قديمه السعيد، والشرف القديم مقطوع إن لم يصله الشرف ~~الجديد، والغصن من الدوحة العريقة وإن لم ينم كان من الحطب، ومحمد صلى الله ~~عليه ms146 وسلم كان عمه أبا لهب، وقبيح أن يكون فعلكم القبيح وجدكم الحسن. وأن ~~يكون أولكم قاتل حتى لا تكون فتنة وتقاتلون حتى تكون الفتن. # وما أحسن قول أبي الحسين الجزار يمدح سيف الدين علي بن قليج من جملة ~~قصيدة في ذكر الزمان: # وإني لمعتاد لحمل خطوبه ... إذا كل أو أعيى من الهم حامله # أقول لفقري: مرحبا لتيقني ... بأن عليا بالمكارم قاتله # كذا تكون التورية، وكذا يكون تحيل التخيل. # ومما اتفق لي نظمه: # أقول لشاد تغنى لنا ... وقد قرح الدمع أجفان عيني # ايا حسن الوجه رجع وخذ ... بصوت علي لنا في حسيني # ثم قال: ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان فقلت: ~~وعهده بقلمي وهو يتحلى من البيان بأسمائه، ويبرز أنوار المعاني من ظلمائه، ~~وقد أصبحت يدي منه وهي حمالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا ~~لهب. PageV01P077 أقول: قد استعمل القاضي الفاضل مثل هذا كثيرا ، ولهج ~~المتأخرون بمثل هذا فأتوا فيه بالطم والرم. قال ابن النبيه: # لو لم تكن إبنة العنقود ريقته ... لما غدا خده القاني أبا لهب # تبت يدا عاذلي فيه ووجنته ... حمالة الورد لا حمالة الحطب # وقال ابن سناء الملك في معذر: # كنت مثل الظبي ذا غيد ... صرت مثل الثور ذا غبب # وجنة كانت أبا لهب ... رجعت حمالة الحطب # وقال: # وصفتك واللاحي يعناد بالعذل ... فكنت أبا ذر وكان أبا جهل # وقلت وأنا في رمل مصر عند العريش: # أتينا عريش الرمل في وقت حره ... فقلنا له تبت يداك أبا لهب # وكم أثلة لا ظل فيها ولا جنى ... تقابلنا منه بحمالة الحطب # ثم قال من فصل: ومن آثر مساعيه أنه حاز قفل المكارم ومفتاحها، وإذا سئل ~~منقبة كان مناعها وإذا سئل موهبة كان مناحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ ~~بأعنة الصواب وألان جماحها، وإذا شهد حومة حرب كان منصورها وإذا لقي مهجة ~~خطب كان سفاحها. # أقول: وهذا الباب أعني أسماء الخلفاء في الألقاب، مما جسر الناس على ~~دخوله، وعبره كل أحد من ms147 المتأدبين وتصرف في محصوله، فإنه سلس القياد في ~~التورية إذا جذب وسريع الارتفاع إذا أقيم أو نصب. # قال ابن سناء الملك: # بايعته يد السعادة والبي ... عة قد كررت عليه اليمين # واصطفاه الرأي الرشيد على العا ... لم فهو الأمين والمأمون # وقال سيف الدين المشد ابن قزل: # يا أهل ودي دعوة من مدنف ... خفيت شكايته عن العواد # تالله ما جلدي عليكم طائع ... كلا ولا والله قلبي الهادي # وقال ابن سناء الملك: # بأبي وأمي من يكون المكتفي ... بجماله لجماله كالمقتدي # مستوحش متفرد في حسنه ... لا تعجبن لوحشة المتفرد # وقال مجير الدين محمد بن تميم: # يا موثرا قصدي حماة وخدمتي ... سلطانها من بعد كل أمير # أنا واثق برشيد رأيك طائع ... لأمينه الهادي إلى المنصور # ثم قال من فصل: وما أقول إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها ~~القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله الرفع. # أقول: وهذا الباب أيضا مما تقدم، وسوره مما خرب وتهدم، قد دخل الناس فيه ~~أفواجا ، وراقت لآلئهم فيه انفرادا وازدواجا . # قال السراج الوراق يرثي الجزار: # رفعوك وانتصبوا قياما خافضي ال ... أصوات إذ جزم الردى منك العرى # وغدوت في الأكفان عنهم مضمرا ... وهم يرونك للجلالة مظهرا # إن الصحيح اعتل مذ فارقتنا ... وأبيك والجمع الصحيح تكسرا # وقال أيضا : # نصب العداوة حاسدوك فأعقبوا ... جزما لألسنهم وخفض الشان # فمتى أراهم أدبروا ورؤوسهم ... مرفوعة بعوامل المران # وقال شهاب الدين التلعفري: # وإذا الثنية أشرفت وشممت من ... نفس الحمى أرجا كنشر عبير # سل هضبها المنصوب أين حديثها المرفوع عن ذيل الصبا المجرور وهذا في غاية ~~الحسن من الصناعة، فإنه أتى بالمنصوب في المنصوب، وبالمرفوع في المرفوع، ~~وبالمجرور في المجرور. # وله بيتان آخران في هذا المعنى، ولكن هذين أحسن وأكمل. # وعلى الجملة، فهذه الأشياء قد انتهك المتأخرون حرمتها، ومنعوا من الآباء ~~عصمتها خصوصا أسماء الخلفاء كما تقدم، وألقاب الإعراب وقد تقدم، وأسماء سور ~~القرآن. كما قال أبو الحسين الجزار يمدح فخر القضاة نصر الله ابن بصاقة: # وكم ليلة قد بتها معسرا ولي ... بزخرف آمالي كنوز من اليسر ms148 # أقول لفقري كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر # وكما قال أيضا وقد خلع على شاعر أسود ولم يخلع عليه يخاطب جمال الدين ابن ~~رمضان: # غير خاف عنك الذي ناله الأسود ... بالأمس من ندى السلطان # وتمشيه بالعمامة والثوب ... ومنديل الكم والطيلسان PageV01P078 قلت إذ ~~فصلت عليه أرى الزخرف ... يتلى بالنص فوق الدخان # وكما قال سيف الدين ابن قزل: # أقسم من جفني بالذاريات ... ومن دموع العين بالمرسلات # إني على الإخلاص في حبكم ... حتى ترى روحي في النازعات # وكما قال الآخر: # أناشده الرحمن في جمع شملنا ... فيقسم هذا لا يكون إلى الحشر # إذا ما غدا شبه الحديد فؤاده ... فوالعصر إن العاشقين لفي خسر # وأسماء الكتب كما قال من أبيات: # يا سائلي من بعدهم عن حالتي ... ترك الجواب جواب هذي المسأله # حالي إذا حدثت لا جملا ولا ... لمعا لا يضاحي لها من تكمله # عندي جوى يذر الفصيح مبلدا ... فاترك مفصلة ودونك مجمله # القلب ليس من الصحاح فيرتجى ... إصلاحه والعين سحب مثقله # وقد ذكر في هذه الثلاثة عشرة أسماء من تصانيف الأدب. # كما قال ابن قزل في مليح يلعب بالقانون: # ترى ابن سيناء في يديه ... أقل ملعوبه الغناء # قانونه المرتضى نجاة ... كل إشاراته شفاء # وقد ذكر في البيت الثاني على قصر بحره من مصنفات الرئيس أربعة كتب. # وكما قال أبو الحسين الجزار: # يا مالكي ما شافعي ... إليك إلا أدبي # حاشاك أن تحتاج في التن ... بيه للمهذب # وأسماء مشايخ العلوم كما قال أبو الحسين الجزار: # إن فصل الشتاء منذ نحا جس ... مي أبدت بيانه الأعضاء # فيه عظمي المبرد إذ عن ال ... كسائي واحتمى الفراء # وكما قال ناصر الدين حسن بن النقيب: # يا من مقاماته في الجود مذهبة ... ومن تشاريفه وشي وديباج # أعطيتني جسدا ملقى وليس له ... روح وللبرد إقلاق وإزعاج # وليس عن فروة تحت الحرير غنى ... إن الحريري للفراء محتاج # وكما قال مجير الدين محمد بن تميم: # وصادحة تردد لي غناها ... فتطربني وأجهل ما تقول # بلحن حار إبراهيم فيه ... ووزن ليس يعرفه الخليل ms149 # وقد نظم شرف الدين المقدسي رحمه الله قصيدة تقارب الخمسين بيتا، جمع فيها ~~جملة من كتب التفسير والحديث والفقه والنحو واللغة وغير ذلك، وذكر مشايخ ~~العلوم وغيرهم. وكلها غزل، وأسماء البروج الإثنى عشر والمنازل. كما قال ابن ~~قزل: # بدر جعلت القلب أخبية له ... كي لا يراه رقيبه العواء # خلعت عليه الشمس رونق حسنه ... وحبته رونق ثغره الجوزاء # وكما قال الآخر: # بت وبدر الدجى ضجيعي ... وهو موات بلا امتناع # فقلت للحاسدين لما ... أشرقت الشمس بالشعاع # القلب والطرف منزلاه ... وهو إلى الآن في الذراع # وكما قال الآخر في مليح يحرث: # يا حارثا تروى مقامات الهوى ... عن طرفه الفتاك غير مؤوله # أضحى يشق لحود من قتل الهوى ... في حرثه ليست خطوطا مهمله # روحي الفداء لبدر تم سائق ... للثور، ليس يروم غير السنبله # وأسماء مشاهير العرب، كما قال ابن سناء الملك: # إني على ما كان شغلي بالهوى ... لم يشتغل وبطالتي لم تبطل # أنا جد أنصار النبي لأنني ... يا أشهل العينين عبد الأشهل # وكما قال ابن قزل: # عدت فيه جاهلي الح ... ب من غير تعدي # لحظ عيني عبد شمس ... وفؤادي عبد ود # وكما قال شمس الدين محمد بن التلمساني: # وما كنت مجنون الهوى قبل أن يرى ... لقلبي من صدغيك في الأسر عاقل # ولو أن قسما واصف منك وجنة ... لأعجزه نبت بها وهو باقل # وأسماء المدن، وأسماء الملل والنحل، وأسماء أبحر العروض، وأسماء القراء، ~~وأسماء أشكال الرمل وأسماء الشعراء، وأسماء منازل العرب وأماكنها وأشياء ~~غير ذلك. PageV01P079 ولولا خوف الإطالة، وأني لم أضع هذه الأوراق لهذا، ~~لأتيت بالشواهد على ذلك. لتعلم أيها الواقف على كتابي هذا أن ابن الأثير ~~رحمه الله ما أتى بطائل، ولا رقت بكلامه أنفاس الأسحار ولا برود الأصائل، ~~وأنه لو تأخر وجوده إلى هذا العصر علم أن قوله ليس بحجة، وأن قطره يغرق في ~~مثل هذه اللجة، وأن الناس قد بلغوا محط الرحال وهو إلى الآن في الدلجة. # وما أحسن قول مجاهد الخياط يهجو أبا الحسين الجزار: # أبا الحسين تأدب ... ما الفخر بالشعر ms150 فخر # وما تبللت منه ... بقطرة وهو بحر # وإن أتيت ببيت ... وما لبيتك قدر # لم تأت بالبيت إلا ... عليه للناس حكر # وقد وضعت كتابا في التورية وسمته فض الختام عن التورية والاستخدام فإن ~~أردت أن تكشف عن ماهية ذلك وتقف على محاسنه، فقف عليه، لعله يكون فيه لك ~~زبدة، أو تجد فيه على ما ترونه نجدة. # ثم قال من فصل يذكر فيه الحمى: ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست ~~بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدئة بأيام تروية. # أقول: ليس في السجعة الأولى طائل وهي كلام فارغ. وأما الثانية فما فيها ~~غير التورية بيوم التروية للنحر، وليس في ذلك أمر كبير. # وما أحسن قول الجزار: # إني لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأب، وسل عنهم إن رمت تصديقي # تضيء بالدم إشراقا عراصهم ... فكل أيامهم أيام تشريق # وأما أبيات المتنبي في الحمى فما لأحد مثلها في حسنها. منها: # وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في المنام # بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي # يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام # إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام # كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام # وحذا السراج الوراق حذوه فقال: # وزائرتي وليس بها احتشام ... تزور ضحى وتطرق في المنام # بها عهر وليس لها عفاف ... عن الشيخ الكبير ولا الغلام # إذا طرقت أعاذ الله منها ... سلوت عن الكرائم والكرام # لها في ظاهري حر وبرد ... بقلبي والفتور ففي العظام # تلهوج نارها لحمي طعاما ... وتشرب من دمي صرف المدام # وأصوات الغناء لها أنيني ... فما تنفك من هذا المقام # تضاجعني على ضعفي وشيبي ... وقد أعييت ربات الخيام # إذا ما فارقتني غسلتني ... لأني قد وصلت إلى حمامي # وما أحسن قول أمهدوست الديلمي: # وزائرة تزور بلا رقيب ... وتنزل بالفتى من غير حبه # تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربه # وتمنعه لذيذ العيش حتى ... تنغصه بمطعمه وشربه # أتت لزيارتي من غير وعد ... وكم من زائر لا مرحبا به # وقول ناصر الدين حسن بن النقيب: ms151 # أقول لنوبة الحمى اتركيني ... ولا يك منك لي ما عشت أوبه # فقالت: كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه # وقد ظرف مجير الدين محمد بن تميم في قوله، وقد حم النور الإسعردي: # أخفوا شماتتهم لدي وأقبلوا ... في زي مقروح الفؤاد كليم # قالوا بأن النور حم فقلت لا ... يس حول النور من حم # هكذا تكون مقاصد أهل الأدب وتورياتهم وأوصافهم، ليس كما قال ابن الأثير ~~الأدوية في علاجها ليست أدوية. # وأقوال الناس في المليح المحموم مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها. وكنت في وقت ~~قد كتبت إلى بعض الأصحاب كتابا أشكو فيه الحمى. من ذلك: وينهي لا بل يشكو ~~حاله التي ليس له منها بدل، وآلامه التي كلمت أعضاءه فلا يطيق جلده قطع ذاك ~~الجدل، وحماه التي يلدغه منها عقرب وترميه قوس فليت جسمه مع ذلك حمل، ~~واتصال رشح عرقه الذي لا يقال مع بحره سآوي من الصبر الجميل إلى جبل، فأين ~~قولهم لقيت منها عرق القربة، ممن لقي منها غرق الكربة. PageV01P080 إذا ما ~~فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام # ويعجز المملوك عن وصف ما حصل لرأسه من الصداع ولجسمه من الصدوع، ولآماله ~~المعلقة من القطع ولحظه من القطوع. # ثم قال من فصل كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من الكفار: والسائر ~~بها فلان، وهو راوي أخبار نصرها التي صححتها في تجريح الرجال، وعوالي ~~إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والليالي والأيام لها رواة فما الظن برواية ~~الأيام والليال. # أقول: هذا الفصل ختم به الكتاب الذي عارض به القاضي الفاضل في فتح القدس. ~~وقد أورده هنا أيضا وادعى فيه هذه الدعوى، وأذكرني هنا بقول مجير الدين ~~محمد بن تميم: # إني لأعجب في الوغى من فارس ... حارت دقائق فكرتي في كنهه # أدى الشهادة لي بأني فارس اله ... يجاء حين جرحته في وجهه # وهو مأخوذ من قول ابن الساعاتي: # وكائن سقى جيشا كؤوس حمامه ... دهاقا وأطراف العوالي مجاديح # فيا سيفه حزت العدالة في العدى ... وما شاهد إلا له بك تجريح # وما أحلى ms152 قول القاضي الفاضل: وعرف المملوك ركوب مولانا الملك الأفضل في ~~القلب ولقد سخا السلطان على القلب بقلبه، وأبرزه حاسرا لحربه، وهذا الموقف ~~نص صحيح على السلطنة، وهو نص مطلق كان السيف فيه القاضي والنصر البينة، عرس ~~به الإسلام وكان النثار دنانير غرر الصواهل، والتحايا رياحين أطراف ~~الذوابل، فهو أعز الله نصره السابق ولادا وجهادا ، ولقد ولد أبوه والدا ~~وولد الآباء أولادا ، والحمد لله الذي أنجد الإسلام منه ومن سيفه بعلي وذي ~~الفقار وبعمر وفي يده سيف عمار. # الذي يتعلق بهذا الموطن السجعتان الأوليان، ولكن القلم استلذ هذا النغم ~~وقال: معذور من امتلا، وغب كؤوس الطلا. # الأحاجي والمغالطات في مقامات الحريري # ثم قال في النوع الحادي والعشرين في الأحاجي: وكذلك فعل الحريري في ~~مقاماته، فإنه ذكر الأحاجي التي جعلها على حكم الفتاوى كناية ومغالطة، وظن ~~أنهما من الأحاجي الملغزة كقوله: أيحل للصائم أن يأكل نهارا . ثم إن ابن ~~الأثير أخذ يستدل على أن ذلك من باب المغالطات المعنوية. # وأقول على أني ما أدري ما أقول، هذا الرجل رحمه الله تعالى يتصور شيئا ~~ويلزم الناس به، ويرميهم بمساوئه ولم يكونوا أرادوه ولا قالوه. # والمقامات فكتاب اشتهر وحفظ، ودرس وما اندرس، وهذه المسائل التي أشار ~~إليها قد أودعها الحريري رحمه الله تعالى المقامة الثانية والثلاثين. وهي ~~مائة فتيا، وسردها مرتبة على تبويب الفقه، ولم يسم ذلك أحجية ولا لغزا . بل ~~قال عند ذكرها: فصمد له فتى فتيق اللسان، جري الجنان وقال: إني حاضرت فقهاء ~~الدنيا، وانتحلت منهم مائة فتيا. فإن كنت ممن يرغب عن بنات غير، ويرغب منا ~~في مير، فاستمع وأجب، لتقابل بما يجب. فقال: الله أكبر، سيبين المخبر، ~~وينكشف المضمر، فاصدع بما تؤمر. # قال: ما تقول فيمن توضأ ثم لمس ظهر نعله ؟ قال: انتفض وضوءه بفعله حتى ~~فرغ من ذلك، ولم يقل أحجية ولا لغزا ولا كناية ولا مغالطة. # وأما في مقدمة الكتاب فإنه قال: ورصعته فيها من الأمثال العربية، ~~واللطائف الأدبية، والأحاجي النحوية، والفتاوى اللغوية فذكرها في المقدمة ~~وفي المقامة ms153 التي اختصت بها أنها فتاوى. # ولابن فارس كتاب سماه فتاوى اللغة ومنه استمد الحريري؛ فأي حرج على ~~الحريري إذا سمى ذلك فتاوى. # الفرق بين الإلغاز والوصف # أمثلة من وصف السفن # قال: وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب في السفن: # وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الأبدان # تأتي بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان # أقول: قد عد هذين من الإلغاز، وليسا من ذلك في شيء، بل هما من باب ~~الأوصاف، لأن اللغز من شرطه أن لا يذكر الملغز به صريحا في الكلام، وهذا ~~يخالف ذلك لأن أبا الطيب قال قبلهما: # فتل الحبال من الغدائر فوقه ... وبنى السفين له من الصلبان # وهذا تصريح. فهما من باب الأوصاف لا من باب الألغاز. # وانظر إلى قول السراج الوراق يلغز في المركب: # وما هو شيء علينا كبير ... ومقصودنا منه شيء يسير PageV01P081 غدا واحدا ~~وهو جمع كما ... أتانا بذاك الكتاب المنير # أما الأول، فهو ظاهر على ما فيه من التورية. وأما الثاني، فإنه قد نص ~~أئمة اللغة على أن الفلك لفظ يستوي فيه المفرد والجمع. # وقد نظمت أنا لغزا في السفينة فقلت: # وجارية حل لي وطؤها ... ولم يك في ذاك ما يمنع # ويا عجبا ما أتت ريبة ... وألزمها أنها تقلع # فقول السراج وقولي من باب اللغز، لأنا لم نصرح بلفظ المركب ولا السفينة، ~~وأما المتنبي، فإنه صرح بذكر السفين فخرج من هذا الباب، وهو من باب ~~الأوصاف. # وكذا قول مجير الدين محمد بن تميم: # عجبت للبحر لما أن رأيت به ... تلك الصواري وقد أربت على الحبك # أظنها لم تطل إلا وقد وليت ... حمل الرسائل بين الفلك والفلك # وقول أيضا مضمنا : # ولما ركبنا الفلك والبحر قد طمى ... وهاج علينا موجه المتلاطم # تمشت لنا في لجة ببطونها ... كما تتمشى في الصعيد الأراقم # وابن قلاقس الإسكندري ممن أجاد أوصاف السفن في عدة قصائد. من ذلك قوله ~~وقد ذكر البحر: # ترى المواخر تجري في زواخره ... فترتقي في أعاليه وتنحدر # من كل سوداء مثل الخال يحملها ... بوجنة ms154 منه فيها للضحى خفر # وقوله أيضا من قصيدة: # وقد رأيت به الأشراط قائمة ... لأن أمواجه تجري بأطواد # تعلو فلولا كتاب الله صح لنا ... أن السماوات منها ذات أعماد # ونحن في منزل يسري بساكنه ... فاسمع حديث مقيم بيته غاد # أبيت إن بت ومنه في مصورة ... من ضيق لحد ومن إظلام إلحاد # لا يستقر لنا جنب بمضجعه ... كأن حالاتنا حالات عباد # وله أشياء غير هذه، أضربت عنها خوف الإطالة. # وما أحلى قول أبي الحسين الجزار: # كنت في كلكة تطير بقلع ... وهي طورا على المنايا تحوم # أنظر الموج حولها فإخال ال ... جيم تاء لخيفتي وهي جيم # لم أجد لي فيها صديقا حميما ... غير أني بالماء فيها حميم # وإذا ما دنت إلى البر أمسى ... عندنا منه مقعد ومقيم # يسجد الجرف كلما ركع المو ... ج فدأبي هنالك التسليم # وقبيح علي أن أشتكي بر ... را وبحرا وأنت بر رحيم # وقال ابن الساعاتي وإن كان فيه بعض قلق: # ولما توسطنا مدى النيل غدوة ... ظننت وقلب اليوم باللهو جذلان # عشارية إنسانا له الماء مقلة ... وليس لها إلا المجاذيف أجفان # وقد ذكر القاضي الفاضل رحمه الله المراكب في مواطن. منها قوله: ووافى ~~الأسطول في خمسين غرابا طائرا من القلوع بأجنحته، كاسرا بمخالب أسلحته، فما ~~وافى شملا إلا دعاه إلى الحين، وحقق ما يغري إليه من البين. # وقوله: فيملأها عليهم جواري في البحر كالأعلام، ومدنا في اللج سوائر ~~كأنها الليالي مقلعات بالأيام، وتطلع علينا معاشر الإسلام آمالا ، وتطلع ~~على الكفار آجالا ، مسومة تمدها ملائكة مسومة، ومعلمة تقدم حيازيمها إقدام ~~حيزوم تحت الحزمة. # قال: وأحسن من ذلك وألطف قول بعضهم في الخلخال: # ومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق # له قد الهلال على ... مليح القد ممشوق # وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط في السوق # أقول: كذا وجدته في النسخة بالمثل ووقفت عليه أيضا في كتاب: الإعجاز في ~~الأحاجي والإلغاز للحظيري على هذه الصورة. # والأحسن أن يقال فيه: له شبه الهلال أو شكل الهلال أو طوق الهلال. فإن قد ~~الهلال غير مناسب. ولكن ms155 هذا من قوله فيما تقدم في التفاح وعظم قده. # وقلت أنا ملغزا في الخلخال: # ما أصفر دار على أبيض ... لان ولكن قلبه قاس # ورب ساق غص منه وما ... أحسن هذا الوصف في الناس # وقلت فيه أيضا : # أيا عجبا من صابر صامت ولم ... يفه بكلام قط في ساعة الضرب PageV01P082 ~~أقام ولم يبرح مكانا ثوى به ... على أنه أضحى يدور على الكعب # وإن كان الشيء يذكر بالشيء، فما أحلى قول القائل ملغزا في دملج: # إلى النساء يلتجي ... وعندهن يوجد # الجسم منه فضة ... والقلب منه جلمد # مناقشة الصفدي لابن الأثير # في تعليقه على لغز في حمام # قال: ووجدت لبعض الأدباء لغزا في حمام: ثم إنه ذكره وقال بعد الفراغ منه: ~~وهذا من فصيح الألغاز، ولا يقال في صاحبه إنه في العمى ضائع العكاز. # أقول: ما السجعة الثانية مناسبة للأولى في المدح والتقريظ، وما كانت ~~السجعة تريد إلا أن يقول بعدها: ولا أنه في الحيوان معدود من البهائم لأنه ~~انفرد بالنطق وامتاز. ! وما رأيت من قرظ أحدا بمثل هذا التقريظ ويكون ~~المقام مقام استحسان وثناء ومدح فيقال: ما هو في العمى ضائع العكاز. وأي ~~مدح في هذا وقد جعله أعمى بعكاز، وهو أشد حالا من الأعمى الذي يمشي بلا ~~عكاز. لأن الذي يعتمد مع عماه على عكازه، يكون قد جمع بين عمى البصيرة وعمى ~~البصر. والظاهر أنه أراد أن يذكر المعمى فما اتفق له، والتزم بالزاي فما ~~وجد غير العكاز، وآخر هذه السجعة عجز بيت لأبي الطيب. وهو: # ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمي ضائع العكاز # من أقوالهم في الحمام # وعلى ذكر الحمام فلا بأس بذكر شيء من كلام المتأخرين في هذا الموطن ~~وإيراده. # كتب القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى يستدعي ~~إلى حمام: هل لك أطال الله بقاءك إطالة تكرع في منهل النعيم، وتتملى ~~بالسعادة تملي الزهر بالوسمي والنظر بالحسن الوسيم في المشاركة في جمع بين ~~جنة ونار، وأنواء وأنوار، وزهر وأزهار، قد زال فيه الاحتشام وكل ms156 عار ولا ~~عار. # نجوم سمائه لا يعتريها أفول، وناجم رخامه لا يغيره ذبول، تنافست العناصر ~~على خدمة الحال به، تنافسا أحسن كل فيه التوصل إلى بلوغ مآربه فأرسل البحر ~~ما جسده حسده من زبده، لتقبيل يد أخمصه إذ قصرت همته عن تقبيل يده، ولم ير ~~التراب له في هذه الخدمة مدخلا ، فتطفل وجاء وما علم أن التسريح لمن جاء ~~متطفلا ، والنار رأت أنه عين مباشرتها وأنها بفرض خدمته لا تخل ولأن لها ~~حرمة هداية الضيف في السرى، وبها دفع القر ونفع القرى، فأعلمت ضدها الماء ~~فدخل وهو حر الأنفاس، وغلت مراجله فلأجل ذلك داخله من صوت تسكابه الوسواس، ~~ورأى الهواء أنه قصر عن مطاولة هذه المبار، فامسك متهيبا ينظر ولكن من وراء ~~زجاجة إلى تلك الدار، ثم إن الأشجار رأت ان لا شائبة لها في هذه الحظوة ولا ~~مساهمة في تلك الخلوة، فأرسلت من الأمشاط أكفا أحسنت بما تدعو إليه الفرق، ~~ومرت في سواد العذار الفاحم كما يمر البرق، وذلك بيد قيم قيم بحقوق الخدمة، ~~عارف بما يعامل به أهل النعيم أهل النعمة، خفيف اليد مع الأمانة، موصوف ~~بالمهابة عند أهل تلك المهانة، لطف أخلاقا حتى كأنها عتاب بين جحظة ~~والزمان، وحسن صنعة فلا يمسك يدا إلا بمعروف ولا يسرح تسريحا إلا بإحسان، ~~أبدا يرى مع طهارته وهو ذو صلف، ويشاهد مزيلا لكل أذى حتى لو خدم البدر ~~لأزال من وجهه الكلف، بيده موسى كأنها صباح ينسخ ظلاما ، أو نسيم ينفض عن ~~الزهر أكماما ، إذا أخذ صابونه أفهم من يخدمه بما يمره على جسده أنه بحر ~~عجاج، وأنه يبدو منها زبد الأعكان التي هي أحسن من الأمواج. # فهلم إلى هذه اللذة، ولا تعد الحمام دعوة أهل الحراف فربما كانت هذه من ~~بين تلك الدعوات فذة. # وكتب أيضا في محضر قيم في حمام الصوفة: PageV01P083 يقول العبد الفقير ~~إلى الله تعالى عبد الله بن عبد الظاهر أن أبا الحجاج يوسف ما برح لأهل ~~الصلاح ميمما ، وله جودة صناعة استحق بها أن يدعى ms157 قيما ، كم له عند جسد من ~~من جسيم، وكم أقبل مستعملوه تعرف في وجوههم نضرة النعيم، وكم تجرد مع شيخ ~~صالح في خلوة، وكم قال ولي الله يا بشراي لأنه يوسف حين أدلى في حوض دلوه، ~~كم خدم من العلماء والصلحاء إنسانا ، وكم ادخر بركتهم لدنيا وأخرى فحصل من ~~كل منهم شفيعين مؤتزرا وعريانا ، كم شكرته أبشار البشر، وكم حك رجل رجل ~~صالح فتحقق هنالك أن السعادة لتلحظ الحجر، قد ميز بخدمة الفضلاء أهله ~~وقبيله، وشكر على ما يعاب به غيره من طول الفتيلة، كم ختم تغسيل رجل ~~بإعطائه براءته يستعملها ويخرج من حمام حار، فاستعملها وخرج فكانت له براءة ~~وعتقا من النار، كم أوضح فرقا ، وغسل درنا مع مشيب فكان الذي أنقى فما ~~أبقى، تتمتع الأجساد بتطييبه لحمامه بظل ممدود وماء مسكوب، وتكاد كثرة ما ~~يخرجه من المياه أن يكون كالرمح أنبوبا على أنبوب، كم له بينة حر على تكثير ~~ماء يزول به الاشتباه، وكم تجعدت فباءت كالسطور في كل حوض فقل هذا كتاب ~~الطهارة باب المياه، كم رأس انشدت موساه حين أخرجت من تلاحق الإنبات خضرا: # ولو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانا يبث الشكر كنت مقصرا # أقول: ليس يخفى ما في هذا الكلام من التورية والاستخدام وحل الأبيات ~~والحديث وغيره، ولولا خوف الإطالة لذكرت ذلك. # وما أحسن قول النصير الحمامي وألطفه: # لي منزل معروفه ... ينهل غيثا كالسحب # أقبل ذا العذر به ... وأكرم الجار الجنب # وقوله أيضا : # وكدرت حمامي بغيبتك التي ... تكدر من لذاتها كل مشرب # فما كان صدر الحوض منشرحا بها ... ولا كان قلب الماء فيها بطيب # وكتب يستدعي إلى حمامه: # من الرأي عندي أن تواصل خلوة ... لها كبد حرى وفيض عيون # تراعي نجوما فيك من حر قلبها ... وتبكي بدمعي فارح وحزين # غدا قلبها صبا عليك وأنت إن ... تأخرت أضحى في حياض منون # وللناس في مدح الحمام وذمها أشياء مليحة ليس هذا موضع ذكرها خوف الإطالة. # أمثلة على الألغاز الحسان # ومناقشة الفرق بين اللغز والتعريض # قال: ms158 ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات، ما يحكى عن ~~عمر بن هبيرة وشريك النميري. وذلك أن عمر كان سائرا على برذون له، وإلى ~~جانبه شريك النميري، فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر: اغضض من لجامها. ~~فقال: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة. فتبسم عمر ثم قال له: ويحك لم أرد ~~هذا. فقال له شريك: ولا أنا أردته. # وكان عمر أراد قول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # فأجابه شريك بقول الآخر: # لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار # الفرق بين اللغز والتعريض # أقول: ليس هذا وأمثاله من الإلغاز في شيء، لأن اللغز هو أن تذكر شيئا ~~بصفات يشاركه فيها غيره، فيرجع الذهن في ذلك إلى حيرة لا يدري مصرفها إلى ~~أي متصف منهما بتلك الصفات، لكونها تصدق من جهة وتكذب من أخرى. واشتقاقه من ~~اللغيزي، وهي حفر يحفرها اليربوع تحت الأرض، ويجعلها متشعبة يمنة ويسرة ~~ليخفي أمره على من يقصده، فإذا طلبه في واحد منها خرج من آخر. # ألا ترى أن السامع إذا سمع قول القائل: # جارية جاءت من الهند ... يحثها السير إلى القصد # لها بنات لسن من جنسها ... في حدهم جزن عن الحد # لهم قرون ولها حافر ... وذاك من أغرب ما أبدي # وأعجب الأشياء أولادها ... يكلمون الناس في المهد PageV01P084 أخذ يقول ~~في نفسه: في البيت الأول، جارية جاءت من الهند يحثها السير، ما في ذا شيء، ~~فإذا سمع الثاني: لها بنات لسن من جنسها، رجع في الحيرة وفكر وقال: كيف يكن ~~من غير جنس أمهن. فإذا سمع الثالث: لهم قرون ولها حافر، زاد في حيرته وقال: ~~لسن هؤلاء ولا أمهن من الأناسي. فإذا سمع الرابع: يكلمون الناس في المهد، ~~تأكدت حيرته، ثم رجع إلى أنهن من الأناسي لإثبات المهد والكلام، وأخذ يعمل ~~فكرته في موجود متصف بهذه الصفات. فإذا أعيى مال إلى الألفاظ المشتركة، ~~ونزله بقوة فكرته وإصابة حدسه على أن ذلك لا يصدق إلا على الدست الذي ~~للقاصد ms159 وريشه وما أحلى ما استعمل هذا الشاعر، السير والحافر والتكليم، ~~وهكذا يكون اللغز. # وحكاية ثعلب رحمه الله مشهورة مع الأعرابي الذي وقف عليه وأنشده ملغزا ~~بيتا بعد بيت وثعلب يقول: هذا كذا، ثم ينتقل في الثاني إلى غير التفسير ~~الأول، حتى إذا فرغ الأعرابي من إنشاده قال ثعلب: هذا قلم. # وإذا ثبت هذا في اللغز، فليس الذي ساقه ابن الأثير من الألغاز، وإنما ذلك ~~من باب التعريض والإشارة، كأن المتكلم بمثل هذا يعرض للمخاطب بما قيل ويشير ~~له إلى واقعة وقعت. وما رأيت من عد مثل هذا لغزا غير ابن الأثير رحمه الله ~~تعالى على أنه قال في المثل في الكناية والتعريض: إنما سمي التعريض بهذا ~~لأن المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ، أي: من جانبه، وعرض كل شيء جانبه. # أقول: وكذا واقعة عمر وشريك، كل منهما فهم مقصود صاحبه من عرض كلامه. فإن ~~غض جانب من قول الشاعر: # فغض الطرف... البيت. # وكذا الكتب جانب من قوله: واكتبها بأسيار. فتعين أن التعريض غير اللغز. ~~وهذا شريك صاحب أجوبة حادة. يقال: إن أهل الكوفة كانوا إذا تمنى منهم أحد ~~شيئا يقول: أتمنى أن يكون لي فقه أبي حنيفة، وحفظ سفيان وورع مسعر بن كدام ~~وجواب شريك. # ومثل حكاية عمر وشريك، ما ذكره صاحب الأغاني. قال: عرض معاوية على عبد ~~الرحمن بن الحكم خيله، فمر به فرس فقال: كيف تراه ؟ قال: هذا سابح. ثم عرض ~~عليه آخر. فقال: وهذا ذو علالة. ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم. فقال له ~~معاوية: أبي تعرض ؟! قد علمت ما أردت، إنما عرضت بقول النجاشي: # ونجى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجش هزيم والرماح دوان # اخرج فلست تساكنني في بلد. # فانظر إلى كلام معاوية رضي الله عنه كيف صرح بلفظة التعريض في الموضعين. # وقد ساق علماء الأدب من هذا الباب جملة في كتبهم. وأما أبو عبد الله محمد ~~بن السيد البطليوسي فقد ساق واقعة شريك وعمر بن هبيرة هذه في شرح أدب ~~الكاتب، ثم قال ms160 بعد الفراغ منها: عرض له ابن هبيرة بقول جرير، وعرض له شريك ~~بقول سالم بن دارة. وساق أمثال هذه الواقعة، وفي الكل يقول: عرض. وهذا صريح ~~من مثل هذا الرجل وهو إمام فيما يقوله وقوله حجة. # وما أحسن قول من قال وما ألطفه: # إسقني خمرة كرقة ديني ... أو كعقلي ولا أقول كحالي # خيفة من توهم الناس أني ... قلت هذا في معرض للسؤال # ومن التعريض قول السراج الوراق يعرض بطلب صابون: # بعثت لك الكتاب وقل سعيي ... على رأسي لبابك بالكتاب # وعذري عنك في التأخير أني ... تبددت الدواة على ثيابي # ونقلت من خط السراج الوراق رحمه الله ما صورته: كان أبو الحسين النحوي ~~يجلس عند شرابي، فجاء يوما فوجد في موضعه قمقم ما ورد. فقال له الشرابي: يا ~~سيدنا نشيل القمقم وتجلس. فقال له: كيف وقد أمرتني بالقيام مرتين بقولك: ~~قمقم ؟! واتفق أن أهدى إلي شخص قمقما فأنشدته: # إن كان ذلك قال: قم قم طاردا ... لجليسه بإشارة في القمقم # فأنا الذي قعد الزمان بحظه ... فأتى بذاك له ونادى: قم قم # المبادىء والافتتاحات # قال في النوع الثاني والعشرين في المبادىء والافتتاحات: PageV01P085 ومن ~~الحذاقة في هذا الباب، أن يجعل الدعاء في أول المكاتبات السلطانيات ~~والإخوانيات وغيرهما مضمنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء ~~انفردت بابتداعه، وتراه كثيرا فيما انشأته. ثم قال: ومن ذلك ما ذكرته في ~~الهناء بمولود وهو: جدد الله مسرات المجلس الفلاني، ورسل صبوح هنائه ~~بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشر بطروقه، وأبقاه حتى يستضيء برأيه ويرمي عني ~~فوقه، وسر به أبكار المعالي حتى يخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه ~~فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه. # أقول: هذا وقد عاب على الصابي وعلى جماعة من الشعراء في الافتتاحات، ~~وادعى هذه الدعوى، ثم أتى بمثل هذا الافتتاح في الهناء بمولود. # وليس في أول سجعة ما يدل على أن الهناء بمولود أو ختان أو عرس أو فتح أو ~~عيد أو برء من مرض أو غير ذلك من أنواع المسار، وإنما دلت على مطلق ms161 الهناء. # وأما قوله: وسر به أبكار المعالي حتى تخلق أعطافها بخلوقه، ما أدري ما في ~~هذا من البلاغة. # وكتبت أنا في هناء بمولود: وزان أفق السعادة بنجمه الذي أصبح بازغا ، ~~وبلغه في صباه أعلى المفاخر حتى يكون قبل البلوغ لغايات المعالي بالغا ، ~~وشغل به السيادة فإن قلبها إلا من هذا البيت لا يزال فارغا . # وكتبت أيضا : وحفظ على غاب الممالك شبله، وجعله طليعة بشرى لما بعده كما ~~جاء ساقة خير لما قبله، وأهله لأن يكون أمام صفوف الحرب إماما ، كما جعل ~~وجهه للحسن جامعا ويده للقبل قبلة. # وكتبت أيضا : وأقر عينه بهذه القرة، وبلغه نهايات آماله فيه من السعود ~~فإنها مترجمة في هذه الطرة، وجعل الأصيل زعفران هذا الخلوق والشفق عقيقة ~~هذه الدرة. # وقد كتبت جوابا عن كتاب ورد قرين تفاصيل قماش مطاير. فقلت يقبل الباسطة ~~لا زالت جمل جودها مشكورة التفاصيل، وتحف برها المرقومة تعمل لوليه ما يشاء ~~من محاريب وتماثيل، ونقوش هداياها ترمي نفوس العدى بالهلاك من طيورها ~~الأبابيل. # وعلى ذكر الهناء بالولد. فمما جاء في كلام القاضي الفاضل رحمه الله تعالى ~~وهذا الولد المبارك هو الموفي لاثنى عشر ولدا ، بل لاثنى عشر نجما متقدا ، ~~فقد زاده الله في أنجمه عن أنجم يوسف نجما ، ورآهم المولى يقظة ورأى تلك ~~حلما ، ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجودا ، وهو قادر أن يزيد حدود ~~المولى إلى أن يراهم أبا وجدودا . # ومن كلامه أيضا : ونهي أن الله وله الحمد رزق الملك العزيز عز نصره ولدا ~~مباركا عليا ، ذكرا سويا ، نقيا تقيا ، من ذرية بعضها من بعض، ومن بيت كادت ~~ملوكه تكون ملائكة في السماء ومماليكه ملوكا في الأرض، في غرة الهلال من ~~جمادى فلهذه الليلة غرتا هلالين، بشرتا بالأنواء صادقتين. وأصدر المملوك ~~هذه الخدمة مبشرا بأن الله تعالى لا يخلي مولانا في كل وقت من زيادة أولاد ~~يمنحها، أو زيادة بلاد يفتحها. فهو في كل يوم مبشر، بما هو له ميسر، والفلك ~~بما نرجوه له جار وله مسمر، فيطلع عليه نجومه ms162 نجما نجما ، وتستهل سحبه عليه ~~سجما سجما ، وقد ورد في الأثر أن الولد ريحان الجنة، فالبيوت الكريمة على ~~هذه بساتين، والأولاد البررة على هذه رياحين، فلا عفا بستاننا، ولا ذوى ~~ريحاننا، وعلا جد بني مولانا الذي هو جدهم وأبوهم وسلطاننا. # وقد ادعى ابن الأثير أنه الذي انفرد بمناسبات المبادىء، وهذا ما زال غالب ~~الناس يراعيه. وقد نص على ذلك ابن خلف في المنثور البهائي قال: ومن ذلك ~~مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وساق مقدمة الكتاب، وفي آخرها: وقد يعبر عن ~~الكتاب ونائله، بالسحاب ووابله، فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع ~~التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل، إن البحر عنصر السحاب. # أقول: ليس هذا من التحقيق في شيء، ومن ادعى أن السحاب من البحر، فليس ~~عنده علم بحقيقة ذلك وكيف والبحر ملح أجاج، والقطر المنزل من السحب عذب ~~فرات ؟. # وقد فسر قوله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون " أنه السحاب التي ~~تمطر، ولو كان كما زعمه، لقال: وفي البحر رزقكم. # وقال الله تعالى: " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا " ، فجعل علة منشأ ~~السحاب إرسال الرياح، ولم يذكر البحر. # وما أحسن قول ابن زيدون: # للشفيع الغناء والحمد في صو ... ب الحيا للرياح لا للغيوم PageV01P086 ~~إشارة إلى معنى الآية الكريمة. وإن كان جاء في ذلك نقل يوثق بصدقه، يرد ~~بالتأويل إلى هذا. # وقد قال أبو العلاء المعري: # وقد يجتدى فضل الغمام وإنما ... من البحر فيما يزعم الناس نجتدي # فاحترز بقوله: فيما يزعم الناس. يعني: في الظاهر. وإن كان الأمر في ~~الباطن بخلاف ذلك. # وما أحسن قول الحسين بن مطير يصف مطرا : # لو كان من لجج السواحل ماؤه ... لم يبق في لجج السواحل ماء # وربما كابر بعض الجهال وقال: إن السحاب من البحر ولكن الرياح تقصره ~~فيحلو. ومن هذا قول التهامي: # كالبحر تمطره السحاب ومالها ... فضل عليه لأنه من مائه # وما يليق بهذا المكان غير التنبيه على أن المطر ليس من البحر، وأن البحر ~~ليس بعنصر السحاب. وغير ذلك يؤخذ ms163 من كتب هذا الفن في الطبيعيات. # وما أحلى قول القاضي الفاضل رحمه الله تعالى: وصل كتابه وقد انقضى الربيع ~~وعهده، وصدر وارده وقوض ورده، فنابت سطوره فأحسنت النيابة، وعرف الناس ما ~~بينه وبين الربيع من القرابة، بل الأخوة فإن أمهما السحابة. # قال: ومن جملة الكتب المشار إليها، مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، ~~وأرسلته إليه من الموصل ثم ذكر الكتاب. # ولما فرغ منه، بخبخ لنفسه وأثنى، وساق كتبا أخر في معنى الثناء على ~~المراسلات الواردة، ومنها من الحسن بعض إحسان، وإذا قرنتها بكلام الفاصل ~~قلت فتى ولا كمالك ومرعى ولا كالسعدان. # من المحاسن افتتاح الكتاب بآية أو حديث أو بيت شعر # قال: ومن محاسن هذا الفن، أن يفتتح الكتاب بآية من آيات القرآن، أو بخبر ~~من الأخبار النبوية، أو بيت من الشعر، ثم يبنى الكتاب عليه. # فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح. وهو: # ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتحه البيض الخفاف الصوارم # وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك ~~العقيم. # أقول: من محاسن ما وجدته من هذا النوع، كتاب كتبه القاضي محيي الدين ابن ~~عبد الظاهر رحمه الله تعالى، جوابا إلى الأمير شمس الدين آقسنقر، عن كتاب ~~ورد منه بفتح بلاد النوبة، استفتحه بعد البسملة بقوله تعالى: " وجعلنا ~~الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " أدام ~~الله نعمة المجلس، ولا زالت عزائمه مرهوبة، وغنائمه مجلوبة ومجنوبة، وسطاه ~~وخطاه هذه تكف النوب وهذه تكف النوبة، ولا برحت وطأته على الكفار مشتدة، ~~وآماله لإهلاك الأعداء كرماحه ممتدة، ولا عدمت الدولة بيض سيوفه التي ترى ~~بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة. # صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس تثني على عزائمه التي واتت على كل أمر ~~رشيد، وأتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء " وما ربك ~~بظلام للعبيد " . حيث شكرت الضمر الجرد وحمدت العيس، واشتبه يوم النصر ~~بأمسه بقيام حروف العلة مقام بعض فأصبح غزو كنيسة سوسن ms164 كغزاة سيس. # ونفهه أنا علمنا فضل الله بتطهير البلاد من رجسها وإزاحة العناد، وحسم ~~مادة معظمها الكافر وقد كاد وكاد، وتعجيل عيد النحر بالأضحية بكل كبش حرب ~~يبرك في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد. وتحققنا النصر الذي شفى ~~النفوس وأزال البوس، ومحا آية الليل بخير الشموس، وخرب دنقلة بجريمة سوس، ~~وكيف لا يخرب شيء يكون فيه سوس. PageV01P087 فالحمد لله على أن صبحتهم ~~عزائم المجلس بالويل، وعلى أن أولج النهار من السيف منهم في الليل، وعلى أن ~~رد حرب حرابهم إلى نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وبين خط السيف الأبيض ~~من الخيط الأسود من فجر فجورهم، وأطلع على مغيبات النصر ذهن المجلس الحاضر، ~~وأورث سليمان الزمان المؤمن ملك داوود الكافر، وقرن النصر بعزم المجلس ~~الأنهض، وأهلك العدو الأسود بميمون طائر النصر الأبيض، وكيف لا وآقسنقر هو ~~الطائر الأبيض. وأقر لأهل الصعيد كل عين، وجمع شملهم فلا يرون من عدوهم ~~بعدها غراب بين، ونصر ذوي السيوف على ذوي الحراب، وسهل صيد ملكهم على يد ~~المجلس وكيف يعسر على السنقر صيد الغراب ؟. والشكر لله على إذلال ملكهم ~~الذي لان وهان، وأذاله ببأسه الذي صرح به شر كل منهم في قتاله فأمسى وهو ~~عريان، وإزهاقهم بالألسنة التي غدا طعنها كفم الزق غدا والزق ملآن، ودق ~~أقفيتهم بالسيف الذي أنطق الله بفاله أعجم الطير فقال: دق قفا السودان. # ورعى الله جهاد المجلس الذي قوم هذا الحادث المنآد، ولا عدم الإسلام في ~~هذا الخطب سيف الذي قام خطيبا وكيف لا وقد ألبسه منهم السواد، وشكر له عزمه ~~الذي استبشر به وجه الزمن القطوب، وتحققت بلاد الشمال به صلاح بلاد الجنوب، ~~وأصبحت به سهام الغنائم في كل جهة تسنهم، ومتون الفتوحات تمتطى فتارة يمتطي ~~السيف كل سيس وتارة كل أدهم، وحمد شجاعته التي ما وقف لصدمتها السواد ~~الأعظم. # ولله المنة على أن جعل ربوع العدو بعزائم المجلس حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس، وأقام فروض الجهاد بسيوفه المسنونة وأنامله الخمس، وقرن ثباته ~~بتوصيل الطعن لنحور الأعداء ms165 ووقت النحر قيد رمح من طلوع الشمس. ونرجو من ~~كرم الله إدراك داوود المطلوب ورده على السيف بعيب هربه والعبد السوء إذا ~~هرب يرد لا محالة بعيب الهروب. # والله يشكر تفصيل مكاتبات المجلس وجملها، وآخر غزواته وأولها، ونزال ~~مرهفاته ونزلها، ويجعله إذا انسلخ نهار سيفه من ليل هذا العدو يعود سالما ~~إلى مستقره والشمس تجري لمستقر لها. # أثبت هذا الكتاب بمجموعه لما فيه من النكت المطربة، والتوريات المغربة. ~~وللقاضي محيي الدين رحمه الله تعالى في هذه الواقعة بيتان، وقيل لابن ~~النقيب. وهما: # يا يوم دنقلة وقتل عبيدها ... في كل ناحية وكل مكان # من كل نوبي يقول لأمه ... نوحي فقد دقوا قفا السودان # في التخلص والاقتضاب # قال في النوع الثالث والعشرين في التخلص والاقتضاب، وقد أورد قول أبي ~~تمام من جملة أبيات: # لا والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم # ثم قال: وهذا خروج من غزل إلى مديح. # أقول: المشهور في هذا البيت أن أبا تمام قاله: # لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر... # وما رأيت من أورده كذا، ولا وقفت عليه في ديوان على كثرة النسخ به إلا ~~وهو مثبت كما ذكرته. وأما أرباب البلاغة، فقد ذكروا البيت وعدوه من العيوب، ~~لأنه لا مناسبة بين الصبر والكرم. ولو قيل: إن الزمان بخيل وأبا الحسين ~~كريم، أو يقول إن النوى صبر وإن الوصال شهد، كان مناسبا . وما ذكره أحد ~~فيما علمت إلا وعده عيبا، وهذا عده من المحاسن ومثل به وغير لفظه. والعدالة ~~غير هذا، وليته أصلحه لما غيره. # ولا بأس بإيراد نبذ مما جاء للشعراء في هذا النوع. من ذلك قول المعري أبي ~~العلاء وقد ذكر النوق: # سألن فقلت مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا # وقول مسلم بن الوليد: # يقول صحبي وقد جدوا على عجل ... والخيل تستن بالركبان في اللجم # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت: كلا ولكن مطلع الكرم # وقد أخذه أبو تمام أخذا وفلذه فلذا فقال: # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت: ms166 كلا ولكن مطلع الجود # وأخذه الغزي أيضا ، وسبكه فلبكه إذ قال: # تقول إذا حثثناها وظلت ... تناجينا بألسنة الكلال # إلى أفق الهلال مسير ركبي ... فقلنا: بل إلى أفق النوال # وقول علي بن الجهم: # وليلة كحلت بالنقس مقلتها ... ألقت قناع الدجى في كل أخدود PageV01P088 ~~تكاد تغرقني أمواج ظلمتها ... لولا اقتباسي سنا من وجه داوود # وقول القائد أبي عبد الله السنبسي يمدح سيف الدولة صدقة بن منصور: # ونرجس خضل تحكي نواظره ... أحداق تبر على أجفان كافور # كأنما نشره في كل باكرة ... مسك تضوع أو ذكر ابن منصور # وقول ابن سناء الملك: # لا يرجع الكلف المشوق عن الهوى ... أو يرجع الملك العزيز عن الندى # وقوله أيضا : # فالوجد لي وحدي دون الورى ... والملك لله وللظاهر # وقول ابن الساعاتي: # وجدي وان كنت الذليل ببيضه ... وجد العزيز بكل لدن أسمر # وقوله أيضا : # كم وقفنا فيها مع الغيث مثلي ... ن جفونا وكافة وغماما # أثخنته ظبى البروق جراحا ... منهرات سالت عليه ركاما # وكأن الغمام نقع وقد جر ... رد فيه الملك المعز حساما # وأحسن من هذا كله قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ بحماة من ~~غزل قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم: # فمن رأى ذلك الوشاح الص ... ائم صلى على محمد # وقول أبي الحسين الجزار يمدح جمال الدين موسى بن يغمور: # جسرت على لثم الشقيق بخدها ... ورشف رضاب لم أزل منه في سكر # ولست أخاف السحر من لحظاتها ... لأني بموسى قد أمنت من السحر # وقوله أيضا يمدح فخر القضاة نصر الله بن بصاقة: # وكم ليلة قد بتها معسرا ولي ... بزخرف آمالي كنوز من اليسر # أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر # وعلى ذكر المخلص، فما أحلى قول السراج الوراق: # لئن خف صدري للقوافي ونظمها ... ففي من وظل الجود عني مقلص # وكم مطلع حبرته من قصيدة ... يقول عيسى لي أو عسى لك مخلص # وظرف من ذم التخلص في بيت واحد حيث قال: # بينا ذوائب من يحب بكفه ... حتى تعلق لحية الممدوح # التخلص ms167 في القرآن الكريم # قال: وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: إن كتاب الله خال ~~من التخلص. إنما هو الخروج من كلام إلى كلام آخر بلطيفة تلائم بين ~~الكلامين، الذي خرج منه، والذي دخل إليه. # حول أمثلة من ذلك أوردها ابن الأثير من القرآن الكريم # ثم قال ابن الأثير: وفي القرآن مواضع كثيرة. من ذلك: وأخذ يورد ما أورده. ~~كقوله تعالى: " واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون... " ~~إلى آخر القصة، وغير ذلك. # أقول: الذي ذكره ابن الأثير لا يخرج عما قاله الغانمي؛ فإن القرآن جميعه ~~متعلق بعضه ببعض، كالخروج من الوعظ والتذكير إلى الإنذار أو إلى البشارة، ~~أو إلى أمر أو نهي أو وعد أو وعيد، إلا ما خفي تعلقه في الظاهر. والإمام ~~فخر الدين راعي هذا في تفسيره، وتكلم على علاقة الآية بما بعدها. # وابن الأثير ما فهم كلام الغانمي ولا علم مراده، وهو أنه أراد التخلص ~~الذي اصطلح عليه الشعراء، وهو أن يتخلص الشاعر في البيت الواحد، من غزل أو ~~عتاب أو وصف إلى مديح. ومثل هذا لم أعلم أنه ورد في الآية الواحدة. وأما ~~تعلق الآية بما قبلها، فما شذ من هذا إلا اليسير وذلك في الظاهر، وإلا متى ~~تدبر الإنسان ذلك وتأمله حق التأمل، لم يجده مقطوعا إلا فيما هو معلوم ~~الاقتضاب. # نماذج من التخلص في إنشاء ابن الأثير # قال: وقد جاءني من التخلصات في الكلام المنثور أشياء كثيرة. فمن ذلك ما ~~أوردته في كتاب إلى بعض الإخوان أصف فيه الربيع، ثم خرجت من ذلك إلى ذكر ~~الأشواق. فقلت: وكما أن هذه الأوصاف في شأنها بديعة، فكذلك شوقي في شأنه ~~بديع، غير أنه بحره فصل مصيف وهذا فصل ربيع. PageV01P089 أقول: قد أورد هذا ~~الرجل من تخلصات الشعراء، كأبي تمام وأبي الطيب والبحتري وغيرهم أمثلة وما ~~تنبه للتخلص وحسنه. أترى مثل هذا يعد من التخلصات ولو كان قال: وشقيق شق ~~أكمامه، ورفع أعلامه، وملأ من المدام جامه، وجلا خده الأحمر وفيه من ms168 السواد ~~شامه، وأوقد ناره فحكت جمر أشواقي وضرامه، لعد الناس هذا تخلصا . ثم ذكر ~~فصلا آخر في البرد، وادعى أنه تخلص إلى الشوق، وهو من هذه النسبة. ثم ذكر ~~فصلا آخر في الهدية، تخلص منها إلى الشفاعة، وهو من هذا الضرب. ثم ذكر فصلا ~~في ذكر المودة، وتخلص إلى طلب رطب. وهو من هذا القبيل. # التناسب بين المعاني ومناقشة أمثلة من ذلك # قال في النوع الرابع والعشرين في التناسب بين المعاني، بعد أن أورد أمثال ~~قول الشاعر: # ألا يا بن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى # ومالك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا # وأنكر عدم المناسبة بين إفراد الرزق وجمع الأجل، وقبحه: كنت أرى هذا ~~الضرب واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن ~~ما يخالفه. كقوله تعالى: " أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله ~~عن اليمين والشمائل. وأورد قوله تعالى: " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~وسمعهم وأبصارهم " . # وقوله تعالى: " حتى إذا ما جاؤوها، شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم " . # أقول: لا مرية في قول الشاعر: آجالا ورزقا ، أنه معيب معدود في عدم تناسب ~~المعاني، وقد ذكره علماء البلاغة ونصوا عليه. ولو كان قال: أجلا وأرزاقا ~~لكان أهون، فإن الأجل واحد، والرزق متعدد. وصحة الذوق تأبى مثل هذا. # وأما إيراده هذه الآيات، فإنه لم يرد الجمع مع الإفراد إلا لحكمة لم يطلع ~~عليها ابن الأثير. وتلك الحكمة أكبر وأعظم من مراعاة المناسبة. # ويضرب إلى جهة اليسار فهو واحد، فإذا زالت الشمس وعادت إلى جهة الغرب، ~~انعكس الظل وأخذ عن الشمال ثم صار شيئا ف شيئا وتعددت زياداته وفرضت ~~النصبة. كذا لاستقبال القبلة وشرف جهتها. # ودع ذا فإن لفظة الشمائل أعذب في الجمع من الإفراد وأحلى، والعرب من ~~عادتها مراعاة خفة الألفاظ وعذوبتها مع عدم تناسب المعاني. وأنت قررت أن من ~~الألفاظ ما يثقل مفردا ويخف جمعا . # وأما السمع في الآيتين الكريمتين فإنما أفرد لأنه مصدر، والمصدر يصدق على ~~القليل ms169 والكثير، فإذا اندرج بين جموع كان له حكمها، وإذا اندرج بين مفردات، ~~كان في حكمها. # وعلى الجملة فالمصادر جمعها عي، لأن معنى الكثرة موجود فيها، أو لأنه ~~بتقدير حذف مضاف لم يحسن في غيره، كأنه تعالى قال: وعلى حواشي سمعهم. ولا ~~يستقيم مثله في الأبصار والقلوب. # أما الأبصار، فلأنها غير مطبوع عليها ولكنها مغشاة. وأما القلوب، فلأنها ~~غير محوية فيما له حواش يقع الختم عليها، فكان الطبع على القلوب نفسها لا ~~على حواشيها. ومن هذا قوله تعالى: " وجعل الظلمات والنور " لأن الظلمات من ~~أجرام متكاثفة، والنور من النار. فكذا اليمين والشمائل. # مناقشة ابن الأثير في الاقتصاد والتفريط والإفراط # قال في النوع الخامس والعشرين في الاقتصاد والتفريط والإفراط، عند ذكر ~~التفريط: وأعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قوم في ~~ذلك حتى قالوا: من الأدب أن لا يخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب. وهذا ~~غلط بارد، فإن الله الذي هو ملك الملوك، قد خوطب بالكاف في أول كتابه ~~العزيز فقيل: " إياك نعبد وإياك نستعين " . وقد ورد أمثال في مواضع من ~~القرآن محصورة. # أقول: استشهاده بهذا ليس مما يرد قول من ذهب إلى أن الأدب في خطاب الملوك ~~ومن قاربهم أن لا يكون بالكاف، لأن هذه فاتحة الكتاب ومما يتلى في كل ركعة، ~~والقرآن الكريم إنما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ومن جملة فوائده ~~تنزيه الله عز وجل عن الشريك والولد والزوجة. فلو قيل: إياكم نعبد وإياكم ~~نستعين، لكان فيه إشعار للمشركين والنصارى بما يقولونه من تعدد الآلهة، ~~وكان شبهة لمدعي ذلك. PageV01P090 وقد وردت رسالة من جزيرة قبرص على يد ~~كليام الفرنجي التاجر في سنة عشرين وسبعمائة تقريبا ، ووقفت عليها بمدينة ~~صفد، فوجدت واضعها قد استدل على صحة مذهب النصارى في القول بالثالوث، ~~بأشياء نقلية من القرآن العظيم. بمثل قوله تعالى: " قال رب ارجعون " " وكفى ~~بنا حاسبين " . وبمثل هذه الآيات، وبأشياء أخر يضحك من الاستدلال بها. # ثم أخذ يستدل على الثالوث بقوله تعالى: " قالوا نعبد إلهك وإله ms170 آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحق " فذكر ثلاثة، وهذا شيء يضحك منه. # على أن بعض الرافضة، له في القول بصحة الزواج بتسعة دليل من هذا النوع. ~~وهو قوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " وقال: ~~هذه العدة مجموعها تسعة، والنبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة. # وأما هذه الرسالة القبرسية؛ أجاب عنها الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه ~~الله في مجلدين، وعبث بها مدة وأولع بها. # فإن قلت بمثل قوله تعالى: " رب ارجعون " " وكفى بنا حاسبين " يشكل عليك ~~فيما قررته في الفاتحة، قلت: ثبت لنا في القرآن من غير هذا، وقامت الأدلة ~~على الوحدانية بمثل قوله تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ، ~~وإذا جاء مثل هذا علمنا أنه المراد به التعظيم. وما أخذ الناس خطاب العظيم ~~بلفظ الجمع إلا من القرآن العظيم. # والعلة في أن المعظم نفسه يقول: نحن فعلنا وأمرنا .. وما أشبه ذلك، هو ~~أنه لا يقول هذا إلا من هو مطاع معظم في قومه، ولا يكون المطاع إلا من له ~~أتباع وخدم يقولون بقوله، ويرجعون إلى ما يقوله. كصاحب المذهب يقول: رأينا، ~~ومذهبنا. أي أنا ومن يقول بهذا القول. # ولهذا، الفقهاء والنظار يقول الواحد منهم: لا نسلم. ويكون واحدا لا غير، ~~والمراد أن هذا أمنعه أنا ومن وافق قولي. # فلما كان المتكلم إذا كان عظيما قال: نحن فعلنا، حمل على ذلك خطابه فقيل ~~له: أنتم فعلتم ليكون ذلك مقابلة لما يقوله. # وأما في هذا العصر، فقد استراح الناس من خطاب الملوك في مكاتباتهم وغير ~~مكاتباتهم من الكاف ومن ضمير الجمع. فإنه لا يقال إلا: المراسم الشريفة، ~~والآراء الشريفة، والصدقات الشريفة، والأبواب الشريفة، إلا ما كان يجل ~~الشرف أن ينعت به مثل: الاسطبل، والمناخ والمطابخ وأشباه ذلك، فإنه ينعت ~~بالسعيدة. # وان كان المتكلم بين يدي السلطان قال: رأس مولانا السلطان خلد الله ملكه ~~وكل شيء يذكره، أضافه إلى هذه الجملة. # المفاضلة بين التسميتين الإرصاد والتوشيح # قال في النوع الثامن والعشرين في الإرصاد: ورأيت ms171 أبا هلال العسكري قد سمى ~~هذا النوع: التوشيح. وليس كذلك، بل تسميته بالإرصاد أولى. # أقول: هذا الإرصاد الذي ذهب إلى أنه أليق من التوشيح بالمعنى الذي قرره، ~~مثاله قول البحتري: # أحلت دمي يوم الفراق وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي # وليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام # وهو أن الشاعر يأتي بنصف بيت يفهم منه النصف الثاني، أو صدر يفهم منه ~~العجز، أو من البعض يفهم الكل، وهو دليل التمكن وجودة الطبع. # ووجه المناسبة بين هذا المعنى وبين التوشيح، أن ينزل أول الكلام وآخره ~~منزلة العاتق والكشح، وينزل دلالة ما في أوله على آخره منزلة الوشاح الجائل ~~عليهما. وهذا معنى لائق بهذا المسمى، ونفس اللفظ أعذب في السمع من الإرصاد. # قال: وقد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجة عن موضوع علم ~~البيان وهي بنجوة عنه، لأنها في واد وعلم البيان في واد. # فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة التي هي كلمة ~~معجمة وكلمة مهملة، والرسالة التي هي حرف من حروف ألفاظها معجم والآخر غير ~~معجم. # ونظم غيره شعرا ، آخر كل بيت منه، أول البيت الذي يليه. وكل هذا وإن تضمن ~~مشقة من الصناعة، فإنه خارج عن باب الفصاحة والبلاغة. # أقول: إن الحريري رحمه الله تعالى لم يأت بما أتى به من هذه الأنواع ~~وادعى أن هذا هو الفصاحة والبلاغة، وإنما أتى بذلك ليستوعب أنواع الأدب، ~~ويبين للأديب ما يلزمه معرفته، وكل ذلك دليل القدرة والتمكن. # ولو أن الحريري فعل ذلك في المقامات كلها لكان غير حسن. PageV01P091 ومثل ~~هذه الأشياء من اللغز والأحجية والأغاليط، والإتيان بالكلمة المعجمة وبعدها ~~المهملة، وبالحرف المعجم وبعده المهمل، أو صدر بيت كذا وعجزه كذا .. كل ذلك ~~لائق بالمقامات. أما في الترسل والخطب، فإنه يكره ويستثقل. لأن الترسل ليس ~~المراد منه التفقه في الأدب وإنما هو إما لهناء أو عزاء أو شكر أو مدح أو ~~وصف أو استعطاف أو عتب أو شوق أو غير ذلك. ومثل هذه الأشياء لا يليق ms172 بها ~~التكلف. # على أنه وإن كان هذه الأنواع في المقامات، فينبغي أن يكون كاللمع ~~اليسيرة، فإنها إذا كثرت سمجت. ألا ترى أن العماد الكاتب رحمه الله تعالى ~~لما جعل كلامه مشحونا بالجناس لا تكاد كلمة تخلو من ذلك، ثقل على الأسماع ~~والقلوب، ولم يكن له خفة كلام القاضي الفاضل على القلوب. # وقد يكون الشاعر مجيدا ، فيأتي بنوع من التكلف وليس عليه أثر الكلفة. ~~كقول ابن حمديس: # مزرفن الصدغ يسطو لحظه عبثا ... بالخلق، جذلان أن أشك الهوى ضحكا # لا تعرضن لورد فوق وجنته ... فإنما نصبته عينه شركا # فالأول يجمع حروف المعجم كلها على عدم تبين الكلفة عليه. # وكذلك قول القائل: # لبق أقبل فيه هيف ... كل ما أملك إن غنى هبه # فإن كل كلمتين من هذا لا يتغير معناهما بالانعكاس إلا القافية فإنها في ~~نفسها معلومة. وليس عليه أثر الكلفة. # ومثله أيضا : # أرض خضرا فيها ... أهيف ساكب كاس # وكذا قول القائل: # أرانا الإله ... هلالا أنارا # وكذلك قول القائل: # تقتل تأثم ... تجور تندم # إذا عكس وصحف كان: # مذيب روحي متى نلتقي # ومثله قول القائل: # رفت شمائل قاتلي ... فلذاك روحي لا تقر # رد الحبيب جوابه ... فكأنه في اللفظ در # أول كل بيت، عكس الكلمة الأخيرة منه. وليس عليه كلفة. # وأما ابن الأثير، فكأنه يظن أن الأدب عبارة عن الترسل فقط، ولم يعلم أنه ~~جزء منه وإن كان جزءا كبيرا ، ونوعا جليلا . # وأقل هذه التكلفات استثقالا ما كان كله مهملا ، لا بل لا يعد في شيء من ~~الاستثقال، بل هو خفيف عذب في السمع والقلب. كقول الحريري: # أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح # القصيدة كلها في غاية الحسن. # وقد وجدت للقاضي الفاضل رحمه الله تعالى خطبة وضعها لدخول العام الجديد، ~~وهي طويلة كلها عري عن الإعجام، وهي في غاية الحسن. ولولا خوف الإطالة ~~لأثبتها. # وقد وجدت الوراق الحظيري قد تكلف أشياء من هذه الأنواع، من ذلك بيتان كل ~~كلمة منهما مهموزة. وهما: # بأبي أغيد أذاب فؤادي ... إذ تناءى وأظهر الإعراضا # رشأ يألف الجفاء ms173 فإن أق ... بل أبدى لآمليه انقباضا # وفي انقباض نظر؛ كاد قول أبي الطيب: # أمي أبا الفضل المبر أليتي ... لأيممن أجل بحر جوهرا # يكون من هذا اللزوم، وفيه مع تكرار الهمز تكرار الشدات. # ومن ذلك قطعة إذا قرئت لا تتحرك فيها الشفتان. وهي: # ها أنذا عاري الجلد ... أسهرني الذي رقد # آه لعين نظرت ... إلى غزال ذي غيد # أريتني يا ناظري ... صيد الغزال للأسد # إن الضنى لهجره ... يا عاذلي هد الجسد # حشا حشاي إذ نأى ... نار الغضا حين شرد # يا غادرا غادرني ... على لظى نار تقد # ألا اصطنعت ناحلا ... لا يشتكي إلى أحد # ومن ذلك قطعة، أنصافها الأول معجمة، والثواني مهملة. منها: # بي شغف شب بين جنبي ... دواؤه الود والوصال # يبث بثي خفي غيظ ... أحور موعوده محال # زين بشيئين غنج جفن ... وملح دل له كمال # قال: وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم: # وفتى من مازن ... قد فاق أهل البصره # أمه معرفة ... وأبوه نكره # وهل يشك في حسن هذا المعنى ولطافته. PageV01P092 أقول: ما أولى هذين ~~البيتين بالشك، وأحق ناظمهما بالصك، أي حسن فيهما وأي لطف، مع هذه الألفاظ ~~المستثقلة في استعماله البصرة بتحريك الصاد، وما فيهما من الزحاف وإن كان ~~جائزا . وهل فيهما غير ذكر المعرفة والنكرة ؟ وأي كبير أمر في ذلك !. # ولو شاء كتاب هذا العصر أن يستعملوا أبواب النحو وألقاب الإعراب من أول ~~الفن إلى آخره في أي معنى أرادوا لفعلوه. # أما في النثر، فقد وجدت للقاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر رحمه الله ~~تعالى رقعة كتبها شفاعة على يد شخص إلى كبير. وهي: لا زال علم علمه مرفوعا ~~أبدا ، وبناء مجده منصوبا بخفض العدى، ولا برحت حروف أقلامه لأفعال الشك ~~جازمة، ووفود السعود عن أعدائه متعدية ولأوليائه لازمة. # وينهى أن فلانا حضر وذكر أن اسمه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل ~~على الأسماء، واستثني من غير موجب بخفض وليس الخفض من أدوات الاستثناء، ~~وادعى أن العامل الذي دخل عليه منعه من التصرف ولزمه لزوم البناء، ودخل معه ~~في ms174 الشرط وأفرده بالجزاء، والمؤثر أيده الله نصب محله على المدح لا على ~~الإغراء، ورفع اسمه المعرى من العوامل على الابتداء ففيه من التمييز والظرف ~~ما يوجب له العطف، ومن العدل والمعرفة ما يمنعه من الصرف. لا زال باب ~~مولانا للعائد والصلة، وحال مكانته شائعة غير منتقلة. # فانظر إلى صناعة هذا المنشئ في هذه الرسالة ما ألطف ما أتى بهذا المصطلح ~~النحوي في معنى الشفاعة والدعاء والثناء على من شفع له من أول كلامه وإلى ~~آخره. # وأما النظم، فإنه قد عبث الشعراء به كثيرا ، وهو مشهور. وما أحلى قول ~~البهاء زهير: # لم يقض زيدكم من وصلكم وطره ... ولا قضى ليله في هجركم سحره # تركتم خبري في الهجر مبتدا ... وكل معرفة لي في الهوى نكره # وما في البيتين اللذين أوردهما ابن الأثير، غير الكناية عن المذكور أنه ~~ولد زنا لا يعرف أبوه. وما أحسن قول ابن عنين يهجو ابن سيده: # قل لابن سيدة وإن أضحى له ... خول تدل بكثرة وخيول # ما أنت إلا كالعقاب فأمها ... معلومة ولها أب مجهول # حول السرقات الشعرية # قال في النوع الثلاثين، في السرقات الشعرية بعدما أورد بيت ابن الخياط: # أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه # وبيت عمارة: # وهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم # إن هذين مسروقان من قول المتنبي: # لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأغرته بفدائه # ومن قول أبي تمام يمدح بعض الخلفاء وقد حج: # يا من رأى حرما يسعى إلى حرم ... طوبى لمستلم يأتي وملتزم # وأخد في الشناع على أهل الشام ومصر، في كونهم خفي عليهم مثل هذا، وزاد في ~~التعجب. # أقول: إن سبب خفاء السرقة في هذين البيتين وغيرهما، أن الأصل يكون ركيكا ~~غير مستعمل ولا دائر على الألسنة في المكاتبات والمحاورات والأمثال، فيأتي ~~بعض الشعراء إلى ذلك المعنى الخامل، ويبرزه في صورة حسناء، ويسبكه في قالب ~~أرشق وألطف من الأول، فيحلو ويعذب ويتداوله الناس، ويعود الأول نسيا منسيا ~~كأن لم ms175 يكن. كما إذا بدا النجم ثم يبدو البدر من بعده، فلا يشتغل البصر ~~بالنجم ويدع البدر. # وما أحسن قول أبي تمام: # أعندك الشمس تزهى في محاسنها ... وأنت منشغل الأحشاء بالقمر # ولا يلتفت في الثاني إلا إلى حسنه من غير بحث عن أصله، وهل هو مسروق أو ~~مبتدع. على أن الأديب لو أنه ما عسى أن يكون من النقل والاطلاع، ليس في ~~إمكانه استخراج كل معنى يمر به من غير روية ولا تتبع لذلك. خصوصا فيما عذب ~~وساغ، وبرز في صورة غير صورته الأولى. # ولا شك أن قول ابن الخياط أعذب من قول المتنبي، ولهذا اشتهر. وكذا قول ~~عمارة أحسن وأرق من قول أبي تمام، ولهذا ساغ واشتهر، واستعمل مثلا على تأخر ~~زمانه، وتقدم زمان أبي تمام. خصوصا عجز بيت عمارة، فإنه ذاع وضاع، وملأ ~~الأفواه والأسماع. # وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فما أحلى قول عبد الحكم بن الخطيب العراقي ~~في رجل وجب عليه القتل، فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب كبده فقتله من ~~وقته: PageV01P093 أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت ... تئن، والأم قد تحنو ~~على الولد # وما درت أنه لما رميت به ... ما سار من كبد إلا إلى كبد # وأما الغيرة، فمن أبلغ ما جاء في ذلك قول ابن قلاقس من أبيات: # وابلائي من مخدرة ... دونها سور وجدران # وأسود خاف سطوتها ... كل ما حازته خفان # ورقيب لو يلاحظها ... لتثنى وهو غيران # وقول علي بن عبد الله الجعفري: # ربما سرني صدودك عني ... في طلابيك وامتناعك مني # حذرا أن أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني # وبالغت حفصة المغربية في قولها: # أغار عليك من غيري ومني ... ومنك ومن مكانك والزمان # ولو أني خبأتك في جفوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني # وأخذ جمال الدين ابن مطروح بعض هذا وقال: # فلو أمسى على تلفي مصرا ... لقلت: معذبي بالله زدني # ولا تسمح بوصلك لي فإني ... أغار عليك منك، فكيف مني # ومنه قول سعد الدين محمد بن عربي: # يا من أغار عليه مني في الهوى ... فأصد ms176 عنه وقلبي المشتاق # صن حسن وجهك عن لحاظي إن لي ... قلبا يرى ولناظري إطراق # وما أحسن قول شهاب الدين ابن الخيمي: # وعذول رابني في نصحه ... كلما زدت هوى زاد لجاجا # ما عذولي قط إلا عاشق ... ستر الغيرة بالعذل ودجى # وقد نظمت أنا في معنى قول ابن الخيمي: # تداهى عذولي في الغرام ولم تكن ... مقاصده تخفى على عاشق مثلي # أحب حبيبي ثم غار فخاف أن ... أفاتحه فيه فسابق بالعذل # على أن المتنبي في الأصل، أخذ المعنى من العباس بن الأحنف حيث يقول: # لم ألق ذا شجن يبوح بحبه ... إلا حسبتك ذلك المحبوبا # حذرا عليك وإنني بك واثق ... أن لا ينال سواي منك نصيبا # ومن الغيرة قول أبي تمام الطائي: # أغار عليك من قبلي ... وإن أعطيتني أملي # وأشفق أن أرى خدي ... ك نصب مواقع القبل # ومن الغيرة قول القائل: # خلص الهوى لك واصطفتك محبتي ... حتى أغار عليك من ملكيكا # وأراك تخطر في محاسنك التي ... هي محنتي فأغار منك عليكا # ولو استطعت جرحت لفظك غيرة ... إني أراه مقبلا شفتيكا # وما ألطف قول عبد المحسن الصوري، فإنه عكس المقصد لما قال: # تعلقته سكران من خمرة الصبا ... به غفلة عن لوعتي ولهيبي # يشاركني في حبه كل أغيد ... يشاركني في مهجتي بنصيب # فلا تلزموني غيرة ما ألفتها ... فإن حبيبي من أحب حبيبي # الاقتصاد في اللفظ # قال: قال بشار بن برد: # من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج # أخذه سلم الخاسر وكان تلميذه فقال: # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # فبين البيتين لفظتان في التأليف .. # أقول: ما أنصف سلم الخاسر، وما يقال في هذا: بينهما لفظتان في التأليف إذ ~~اللفظة تصدق على الحرفين، مثل: من وعن وما ... وغير ذلك. بل على الحرف ~~الواحد كباء الجر ولامه، والأحسن في هذا أن يقال: بينهما تسعة أحرف. فإن ~~الأول أربعة وأربعون حرفا ، والثاني خمسة وثلاثون حرفا وكذا قول أبي ~~العتاهية: # وإني لمعذور على فرط حبها ... لأن لها وجها يدل على عذري # أخذه أبو تمام فقال: ms177 # له وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذري # الأول أربعة وأربعون حرفا ، والثاني ستة وعشرون حرفا ، فبينهما ثمانية ~~عشر حرفا . وسلم الخاسر ممن له القدرة على الاختصار. ألا ترى قوله: # أقبلن في رأد الضحى ... يسترن وجه الشمس بالشمس # وقول الآخر: # وإذا الغزالة في السماء تعرضت ... وبدا النهار لوقته يترحل # أبدت لعين الشمس عينا مثلها ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل # وكذا قوله أيضا : PageV01P094 سقتني بعينيها الهوى وسقيتها ... فدب دبيب ~~الخمر في كل مفصل # وقول عبيد الله من شعراء الحماسة: # شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم والتأم الفطور # تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور # قال: وعلى هذا ورد قول ابن الرومي: # كأني أستدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا # أخذه بعض شعراء الشام وهو ابن قسيم الحموي، فقال # فهو كالسهم كلما زدته من ... ك دنوا بالنزع زادك بعدا # أقول: وأخذه أيضا الأرجاني فقال: # فلا تنكروا حق المشوق فإننا ... لنا وعليكم أنجم الليل تشهد # أرانا سهاما في الهوى ونراكم ... حنايا فما تدنون إلا لتبعدوا # وكرره فقال: # قد قوس القد توديعا وقربني ... سهما فأبعدني من حيث أدناني # وكرره أيضا فقال: # كالسهم راميه يقربه ... ولأجل بعد ذلك القرب # وقال: # ما ضمني يوم الرحيل هوى ... بل كان يدنيني ليبعدني # وقال: # والإلف قد عانقني للنوى ... فالتف خداي وخداه # كأنه رام إلى غاية ... تناول السهم بيمناه # حتى إذا أدناه من صدره ... أبعده ساعة أدناه # وأخذه كشاجم قبل الأرجاني فقال: # أرى وصالك لا يصفو لآمله ... والهجر يتبعه ركضا على الأثر # كالقوس أقرب سهميها إلى عطفت ... عليه، أبعدها من منزع الوتر # وكرر ابن الرومي هذا المعنى في موضع آخر فقال: # رأيتك بينا أنت جار وصاحب ... إذا بك قد وليتنا ثانيا عطفا # وإنك إذ تحنو حنوك معقبا ... بعادا لمن بادلته الود والعطفا # لكالقوس أحنى ما تكون إذا حنت ... على السهم أدنى ما تكون له قذفا # وولد ابن باك من هذا معنى آخر فقال: # أصبحت في صولجانه كرة ... يبعدها قربها من الضارب # وما أحسن ms178 قول ابن المغلس ملغزا فيها: # أراد دنوها حتى إذا ما ... دنت منه بكد أي كد # قلاها ثم أتبعها بضرب ... وبدل قربها منه ببعد # بين النثر والنظم # قال في تفضيل النثر على النظم في آخر الكتاب: إن الشاعر إذا أراد أن يشرح ~~أمورا متعددة، ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم ~~مائتي بيت أو ثلاثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع ولا في ~~الكثير منه، بل يجيد في جزء قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي. والكاتب ~~لا يؤتى من ذلك، بل يطيل في الكتاب الواحد إطالة واسعة تبلغ عشر طبقات من ~~القراطيس أو أكثر، وتكون مشتملة على ثلاثمائة سطر أو أربعمائة أو خمسمائة. ~~وهو مجيد في ذلك كله. # وهذا لا نزاع فيه، لأننا رأيناه وقلناه. وعلى هذا فإني وجدت العجم يفضلون ~~العرب في هذه النكتة المشار إليها. فإن شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله ~~إلى آخره شعرا ، وهو شرح قصص وأحوال، يكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة ~~في لغة القوم، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف شاه نامه وهو ستون ~~ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع ~~فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على ~~اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أنه لغة العرب بالنسبة اليها كقطرة من ~~بحر. # أقول: قد ختم ابن الأثير رحمه الله تعالى كتابه بهذه النكتة التي مال ~~فيها إلى الشعوبية، وما قال معمر بن المثنى ولا سهل بن هارون، ولا ابن ~~غرسية في رسالته مثل هذا. وقد وجد في أهل اللسان العربي من نظم الكثير أيضا ~~، وإن عد هو الفردوسي، عددت له مثل ذلك جماعة، منهم من نظم تاريخ المسعودي ~~نظما في غاية الحسن، ومنهم من نظم كتاب كليلة ودمنة في عشرة آلاف بيت ~~ونظمها أبان اللاحقي أيضا . وأخبرني الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد ~~الله محمد الذهبي أن مكي ابن أبي محمد بن ms179 محمد بن أبيه الدمشقي عرف بابن ~~الدجاجية، نظم كتاب المهذب قصيدة علي روي الراء سماها البديعة في أحكام ~~الشريعة انتهى. قلت: والمهذب في أربع مجلدات. PageV01P095 وبعض المغاربة ~~امتدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصيدة عدتها ثمانية عشر ألف ~~بيت. ولابن الهبارية كتاب الصادح والباغم في ألفي بيت، كل بيت منها قصر ~~مشيد، ونكته ما عليها في الحسن مزيد، يشتمل على الحكايات والنوادر والأمثال ~~والحكم، وكلها في غاية الفصاحة والبلاغة ليس فيها لو ولا ليت. # وأما من نظم الألف وما دونه فكثير جدا لا يبلغهم الحصر، وأما الشاطبية ~~وما اشتملت عليه من معرفة القراءات السبع واختلافها، وتلك الرموز التي ~~ظاهرها الغزل وباطنها العلم، فكتاب اشتهر وظهر، وخلب سحره الألباب وبهر، ~~حتى قال القائل فيها: # جلا الرعيني علينا ضحى ... عروسه البكر وياما جلا # لو رامها مبتكر غيره ... قالت قوافيها له الكل: لا # وأما أراجيز النحو والعروض والفقه، كالذي نظم الوجيز ومنظومة الحنفية ~~وغير ذلك من الطب وغيره من العلوم، فكثير جدا ، إلى الغاية التي لا يحيط ~~بها الوصف. # وما سمعنا بمن اشتغل من العجم بالعربية إلا وفضل اللغة العربية، برهان ~~هذه الدعوى أن أبا علي الفارسي، وبندار، وأبا حاتم والزمخشري وغيره هؤلاء، ~~لما اشتغلوا بالعربية وذاقوا حلاوتها، هاموا بها وكلفوا بمحاسنها، وأفنوا ~~الليالي والأيام في تحصيلها، وأنفقوا مدة العمر في تأليفها وتدوينها وتتبع ~~محاسنها وقواعد أقيستها وغرائب فنونها، ومن المستحيل أن يكون هؤلاء القوم ~~اجتهدوا هذا الاجتهاد في العربية وأفنوا مدة العمر وهي ما لا يخلف في شيء ~~هو دون غيره. والأولى بهم وبكل عاقل الاشتغال بالأحسن والأفصح والأبلغ ~~والأحكم، ولو علم هؤلاء القوم أن اللغة الأعجمية لها أفعل التفضيل، ما ~~عرجوا على العربية إلا ريثما عرفوها، ثم عاجوا إلى لغتهم. # ومن الكلم النوابغ للزمخشري: فرقك بين الرطب والعجم، فرق بين العرب ~~والعجم. # ومنها: العرب نبع صلب المعاجم، والغرب مثل للأعاجم. # فانظر إلى الزمخشري كيف جعل العرب رطبا والعجم عجما . والعجم بتحريك ~~الجيم هو النوى. وكيف جعل العرب مثل ms180 شجر النبع، وهو صلب تتخذ منه القسي، ~~وجعل العجم مثل شجر الغرب، وهو خوار. # قال المتنبي: # فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب # فإن قلت: ما كان علماء العربية من العجم عالمين باللغة العجمية كما ~~ينبغي، قلت: أليس أنهم كانوا يعرفون العجمية، ثم أنهم تمهروا في العربية ~~وبالغوا في إتقانها. ومن وصل في لغة من اللغات إلى ما وصل إليه أبو علي ~~والزمخشري وغيرهما من معرفة الاشتقاق الأكبر والأصغر والأبنية والتصريف، في ~~الاسم والفعل الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل والمفعول وصارت له تلك ~~الملكة، كان عنده من الأهلية أن ينظر في كل لغة عرف لسانها، وأن يستخرج ~~قواعدها ويتبع أصولها، فيقع على غرائب حكمها ومحاسن قواعدها، لاشتباك ~~العلوم بعضها ببعض، واجتماع شملها في الغاية التي أوجبت وضعها. ولا يضع ~~اللغة إلا حكيم. # ألا ترى أن بعض النحاة رتب اللغة التركية على القواعد النحوية، وميز ~~الاسم من الفعل، والماضي من المضارع من الأمر، وضمير المتكلم من المخاطب من ~~الغائب، والجمع من الإفراد، وعلامة الجمع، والمضاف من المضاف إليه إلى غير ~~ذلك، وهذا أمر غير خاف. # وأما قوله: إن كتاب شاهنامة ستون ألف بيت، كلها في غاية الحسن من الفصاحة ~~والبلاغة، وما فيها ما يعاب، فإن هذه الدعوى لا تسمع مجردة عن البرهان الذي ~~يؤيدها. # ومن يأتي بستين ألف كلمة، أو بستة آلاف كلمة تكون في غاية الفصاحة في ~~الألفاظ، والبلاغة في المعنى حتى إنها لا تعاب بوجه ؟! هذا ليس في قوى ~~البشر في لغة من اللغات. # سلمنا أن ذلك ما يعاب في تلك اللغة، فمن أين لك أن جيد شعر العجم في طبقة ~~جودة شعر العرب. كما تقول: القمر أشد نورا من النجوم، والشمس أشد نورا من ~~النجوم، فالشمس والقمر اشتركا في الفضيلة على النجوم، ولكنهما في نفسيهما ~~لا يستويان مثلا . # وكل له فضله والحجو ... ل يوم التفاضل دون الغرر PageV01P096 فهل جيد ~~العجم مثل جيد العرب. كوصف امرئ القيس في الخيل، والنابغة في الاعتذار، ~~وزهير في المدائح، والأعشى ms181 في الخمر ؟ أو كجيد جرير والفرزدق والأخطل وبشار ~~بن برد ومسلم بن الوليد وأبي نواس وديك الجن والحسين بن الضحاك والمتنبي ~~وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز وأبي فراس وغيرهم وإلى هذا ~~العصر، وما بين ذلك من الشعراء الذين تغرق قطرات العجم في لججهم، حتى إنه ~~يقول: إن ذلك كله جيد لا يعاب. هل يستويان مثلا في الجودة من حيث هي: # ألم تر أن السيف ينقص قيمة ... إذا قلت إن السيف أمضى من العصا # وإنما قل الجيد في الشعر، لأن البلغاء وعلماء الأدب انتقوا الجيد العالي ~~الذي يكون نهاية في الفصاحة والبلاغة، وجعلوه أنموذجا ومثالا يحذى، على ما ~~قرروه بقوة فكرهم وصحة انتقادهم. فكان ذلك الجيد في الطبقة العليا. ولا جرم ~~أن الساقط من الشعر أكثر من العالي عند أئمة البلاغة، وإلا فعلى الحقيقة، ~~الذي يعده أرباب البلاغة من ساقط الشعر يكون جيدا عند غيرهم غير معيب، إلا ~~ما هو ساقط إلى الغاية. وهذه النكتة هي العلة في قلة الجيد من الشعر. # ومن أين في شعر العجم ما في شعر العرب من المجاز والاستعارة والكناية ~~والتشبيه والتورية والاستخدام والجناس، على اختلاف كل نوع من هذه الأنواع ~~وتشعب أقسامه. إلى غير ذلك من أنواع البديع وهو ما يقارب المائة نوع. هيهات ~~ما بينهما صيغة أفعل. # وذكر الحصري في زهر الآداب أن أعرابيا قال لشاعر من أهل الفرس: الشعر ~~للعرب، وكل من يقول الشعر منكم، فإنما نزا على أمه رجل منا. انتهى. # وقد أنصف ابن خلف في قوله: وللعرب بيت وديوان، وللعجم قصر وإيوان وأما ~~دعواه أن الشاعر لا يحسن في الأكثر، فالعذر في ذلك ظاهر. لأنه في ضائقتين ~~شديدتين إلى الغاية. وهما: الوزن، ولزوم الروي الواحد. والناثر غير مضطر ~~إلى شيء منهما، بل هو مخلى ونفسه، إن شاء أتى بسجعتين على حرف واحد، وإن ~~شاء على أكثر، وإن شاء أتى بالسجعة على عشرين كلمة، أو على أقل إلى كلمتين. ~~ولو أتى الكاتب برسالة مطولة على حرف واحد في سجعه، وعدد ms182 مخصوص من كلمات ~~السجع، لكان حاله حال الشاعر، بل كان كلامه أسمج وأثقل على الأسماع ~~والقلوب، لأن الشعر يروجه الوزن، ولا كذلك النثر. فحينئذ لا يصلح هذا أن ~~يكون فضيلة في النثر على النظم. # وكيف ولم يزل للشعر ماء ... يرف عليه ريحان القلوب # وليكن ها هنا آخر ما أردته من الكلام على المثل السائر وقد سامحته في ~~كثير سقطه فيه ظاهر. # على أنني لا أنكر ما له فيه من الإحسان، والنكت التي هي لعين هذا الفن ~~إنسان فإنه لم يأل جهدا في التوقيف الذي وقفه، ولم يقصر في التثقيف الذي ~~ثقفه. # وقد نبه على محزات هذا الفن، وأشار إلى اقتناص ما شرد منه وما عن. وإذا ~~اتفق للكاتب أو الشاعر مراجعة المثل السائر والفلك الدائر وهذه الأوراق، ~~فلا مرية في أن ذلك يفيده فوائد جمة، ويتنبه لموارد الخطأ فيجتنبها، ويتيقظ ~~لمواقع الحسن فينتجعها. # وقد أهديتها لك وهي عندي ... على الأيام من أزكى الهدايا # ولله الحمد أولا وآخرا ، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين ~~الطاهرين والسلام. PageV01P097 ms183