######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010478 #META# 000.BookURI :: #0767.IbnCusaBalawi.TajMafriq #META# 010.AuthorAKA :: البلوي #META# 010.AuthorNAME :: خالد بن عيسى البلوي (المتوفى : نحو 765هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 765 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تاج المفرق في تحلية علماء المشرق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراجم التاريخية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تاج المفرق في تحلية علماء المشرق #META# 030.LibURI :: JK_010478 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الجزء الأول # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلاة على سيدنا وعلى آله وصحبه # قال عبيد الله سبحانه، الراجي عفوه وغفرانه، خالد بن عيسى ابن أحمد بن ~~إبراهيم بن أحمد بن علي بن خالد البلوى، لطف الله به وأخذ بيده وبرحمته ~~آمين. # الحمد للذي فرض حج البيت على من استطاع إليه سبيلا، وجعله تأسيس إبراهيم ~~خليلا، وقال وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، ومن أصدق من الله قبلا، ~~وجعل جزاء الحج المبرور الجنة، وأصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا، ~~نحمده على نعمه التي قدمها ظلا ظليلا، وأولاها مقاما ورحيلا، ونصلي على ~~نبيه محمد الذي بعثه بالحق رسولا، وفضله على جميع مخلوقاته تفضيلا، وأنزل ~~عليه الكتاب تبيانا لكل شيء وتفصيلا، وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبل ~~نصرته وخدا وذميلا، وذللوا بين يديه أعناق الجبابرة تذليلا، وجردوا الإماطة ~~صدأ الدين عضبا صقيلا، ومهدوا سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا، ونستوهب من الله سبحانه لأملاكنا الكرام من آل نصر الذين ~~تبوأنا في أيامهم من العدل كل وثير المهاد، وجمعنا بفضل مساعيهم المبرورة، ~~وتحت رايتهم المنشورة المنصورة بين الحج والجهاد، أن يجدد الرحمة على من ~~قضى منهم وسلف، ويتم النعم على من خلف، ويخص بالتأييد والحسنى والمزيد، ~~رافع رايات فخرهم، والقائم بأعباء نصرهم، والمجدد لآثارهم ومآثرهم، والمحيي ~~لمكارمهم ومفاخرهم، فخر الملوك الجلة، وناصر الملة، والبدر الذي زان أفق ~~الملك من أبنائه السعداء والأمراء بالنجوم والأهلة، إمام الهدى، وغمام ~~الندى، وحسام الله المسلول على العدى مولانا السلطان أمير المسلمين وناصر ~~الدين، أبا الحجاج يوسف بن مولانا السلطان هازم أحزاب المشركين وقد جاشت، ~~ومسلط سيوفه العضاب على عاتي تلك الرقاب فما استنت ولا حاشت، أمير المسلمين ~~المقدس السعيد الشهيد، أبى الوليد ابن نصر، وصل الله لهم عادة تأييده ~~وعضده، وحباهم بكل نعمة من عنده. # هذا تقييد، أطلعه عون من الله وتأييد، قصدت به ضبط موارد الرحلة ~~الحجازية، وذكر معاهد الوجهة المشرقية، جعلها الله تعالى في ذاته وابتغاء ~~مرضاته، بمنه وكرمه، وألممت ms001 مع ذلك بذكر بعض الشيوخ من العلماء الفضلاء ~~الذين يطئون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة، ولهم كلام يتألق منه شعاع ~~الشرق، ويترقرق عليه صفاء العقل، وينبث فيه فرند الحكمة، ويعرض على حلى ~~البيان، وينقش في فص الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح عقائل الدر، ويخجل ~~نور الشمس والبدر وألمعت بذكر نبذ من فوائدهم، واختيار طرف من أناشيدهم، ~~ومزجتها بما جرت إليه العبارة، وحسنت فيه الإشارة، من قطع الشعر المناسبة ~~قطع النور، المنتظمة من جواهر اللفظ، البعيدة الغور، الغريبة الحفظ، الآخذة ~~من الحسن باوغر الحظ، مقتديا في ذلك كله بقول القائل: # قالوا خذ العين من كل فقلت لهم # في العين فضل ولكن ناظر العين # حرفان في ألف طومارمسودة # وربما لم تجد في الألف حرفين # ولما بوبت ما ألفت، ورصعت ما جمعت، وشعشعت ما وضعت، فجاء كما تراه حسن ~~الزي، عذب الري، عالي القدر، غالي الدر، مسبوك الحلية والتبر، فيه للمسمع ~~مراد، وللفكر معاد، وللألباب مسرح ومرتاد. سميته: بتاج المفرق، في تحلية ~~علماء المشرق. ودعوت الله تعالى في مواطن الإجابة، أن يوفقني فيه للإجادة ~~والإصابة، وأن ينفع به كل من يلتمس النفع به في المطالعة أو الكتابة، وهو ~~سبحانه سميع الدعاء، مجيب النداء، محقق الرجاء، وهو حسبي ونعم الوكيل. ~~فأقول مستعينا بالله سبحانه: أني خرجت قاصدا للحج، وطالبا للعلم من بلدي ~~قتورية: البلد الذي طال سناه، وطاب مغناه، وانتطق بالجوزاء، وناجت أبراجه ~~بروج السماء، فكأنه في الحصانة جبل منيع، وفي الحسن ربيع بديع: # بلد صحبت به الصبابة والصبا # ولبست ثوب العيش وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته # وعليه أغصان الشباب تميد # فوقع اتفاق الخروج من صحوة يوم السبت، الثامن عشر لصفر من عام ستة ~~وثلاثين وسبعمائة، مودعا لجميع الأهل، ومتجرعا من ذلك ما ليس بالعذب ولا ~~بالسهل: # ودعت قلبي يوم ودعتهم ... وقلت يا قلبي عليك السلام # وقلت للنوم انصرف راشدا ... فان عيني بعدهم لا تنام PageV01P001 محرم يا ~~عين أن ترقدي ... وليس في العالم نوم حرام # وكان لذلك الوداع موقف مشهور مشهود، ms002 نثر فيه من جمان الدمع لؤلؤ منظوم ~~منضود، وفيه قلت: # موقف للفراق أرخص فيه ... كل در لنا وكل عقيق # بجموع كوجدنا في اجتماع ... ودموع كالشمل في التفريق # وقد أعدت الركاب، وطاشت الألباب، وحضر للوداع جميع الأحباب، وأنا أصبر ~~كصبر ميت على النزاع، وأقول ما خلق الله من عذاب أشد من وقفة الوداع، أعالج ~~السياق، وأعاين المنايا بين أخفاف النياق: # أقول لصحبي حين ساروا، ترفقوا ... لعلي أرى من بالجناب الممنع # والثم أرضا ينبت العز تربها ... وأسقى ثراها من سحائب أدمعي # وينظر طرفي أين أترك مهجتي ... فقد أقسمت أن لا تسير غدا معي # وما أنا ان خلفتها متأسفا ... عليها وقد حلت باكرم موضع # ولما تبرأ التابع من المتبوع، وطفئت نيران الوداع بمياه الدموع، وعطف ~~المودعين لي بالعودة لقطرهم والرجوع، وهم بين راجع بالجسم وهو لي بالقلب ~~مصطحب، وضاحك بما يرجوه لي وهو على وداعي منتحب، أخذت في الارتحال، وأنشدت ~~بلسان الارتجال، بل بلسان الحال: # ليت شعري أنلتقي بعد هذا ... أم وداعا يكون هذا اللقاء # فاذكروني وزودوني دعاء ... خير زاد تزودوني الدعاء # ثم امطيت الطرق طريقه، ولم أبلعه في الأناة ريقه، والفراق يردى فريقه، ~~وقلت: # أ أذهبت، أيام الشبيبة والنوى ... وأتلفت باقي العمر؟ يا ضحوة السبت # فقل لجديد العيش: لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل: لابد من شت # وسرت بعزمة لا يفل حدها، ولا يتجاوز حدها، وخرمة لا يثنى رسنها، ولا يلم ~~بعين وسنها، و أخلقنا في السير شباب ذلك النهار، وجاريت بدموعي جريان تلك ~~الأنهار، وبت بساحة واد حللنا به بين ظفر التوحش ونابه، أكن الوجد ما غاية ~~الثكلى ان تكنه، وأجن من الحنين ما لا تطبق الجوانح أن تجنه، وأردد: # أ هذا ولما تمضي للبين ليلة؟ ... فكيف إذا مرت عليك شهور! # حتى إذا بقى من الليل حد الوصية من المال، قضينا على معزول السرى ~~بالاستعمال، وسرت أحمل أنفاس الصبا حقائب الوجد، وأتمتع من شميم عرار نجد، ~~فما طلع من الغد وجه النهار، ولا بدا فيه حاجب الأسفار، إلا وقد أشرفنا ms003 على ~~)المرية(، تتلع إلينا أجياد قصابها وغرفاتها وتبتسم عن ثغور أسوارها، وبلج ~~شرفاتها، كالعذارى شددن مناطفا، وتوجن بالأكيل مفارقا، كأن ترابها عنبر، ~~وحصاها عقيق، وهواها نسيم وماءها رحيق، مغان لها عندي معان وأماكن، فسكانها ~~للنفوس سواكن. # دمن طالما التقت ادمع الح ... زن عليها وادمع العشاق # فهناك شاهدت الظباء مختلطة بالآرام، والغزالة أنيسة النفور والشادي يبادر ~~بالسلام، والعطف من العطف لا يخلو، والحقف بحمل الغصن يمر في كل حين وكلما ~~مريحلو، فحمدنا عند الصباح السرى ودخلنا المدينة أم تلك القرى: # ألوى الضلوع من الولوع بخطرة ... من شيم برق أو شميم عرار # وأنيخ حيث دموع عيني منهل ... يروي وحيث حشاي موقد نار # وعند دخولنا إليها مررنا على بعض البساتين المجاورة لها، فحيانا بوجه ~~مشرق، وحبانا من مذانبه برواء مغدق. # ودولاب إذا أن ... يزيد القلب أشجانا # سقى الغصن وغناه ... فما يبرح نشوانا # فدخلت المدينة بقلب غير داخل، وتلقيت المنام بطرف شحيح بالكرى باخل، ~~وكلما فتشت للأوطان في فكري ذنبا، اجعله سببا للسلو، أو عيبا أركن به إلى ~~الراحة والهدوء، قال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض علي من حسناتها ~~ما جلا به ظلام الليل الحالك، ولولا أني رجعت إلى جميل الصبر بعد الذهاب، ~~وعللت الروح التي راح سرها لقرب الإياب، لأمسيت أثرا بعد عين، ولكنت أحد من ~~قتله يوم البين: # البين جرعني نقيع الحنظل ... والبين أثكلني وان لم أثكل # ما حسرتي! ان كنت أقضي إنما ... حسرات نفسي أنني لم أفعل # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل PageV01P002 ~~فحللت منها المحل المودود، وحللت بها المشدود والمعقود، وجددت بعلمائها ~~العهود، وأقمت الازم منها معهدا مألوفا، ومشهدا بالحبائب محفوفا، إلى أن ~~تهيأ غراب دار الصنعة، وتيسر اندفاعه في يوم الجمعة، فجددت الوداع، وشاع ~~خبر الجواز وذاع، وفارقت من فارقت لا عن ملالة، وودعت من ودعت لا عن تعويض، ~~وركبت فيه بباب الديوان في يوم الأحد، السابع لجمادى الأولى من العام ~~المذكور ms004 ثم وقفت ماشيا على الماء وقفة المتسلم، وودعت الأندلس وداع المتأمل ~~المتألم، وأنشدت: # خليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلا وانظراه يسلم # وسرنا في أطيب هواء، واحسن استواء، إلى أن وافينا )مرسى هنين( فنزلنا بها ~~ضحوة يوم الثلاثاء، التاسع لجمادى الأولى المذكور، فرأيت بليدة نضيرة، لا ~~كبيرة ولا صغيرة، جميلة المنظر، متوسطة بين الصغر والكبر، موضوعة أسفل ~~جبلين، بين بحر وشجر، يخفضها ارتفاع قلعة، دار صنعة، وأسواق موفورة، ومساجد ~~معمورة، ولقربها من الأندلس هي مذكورة، لقيت بها الخطيب، أبا عبد الله بن ~~جابر، فجبر الوحشة بالإيناس وأنشدني لبعض الناس: # أبشر بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى # فرب أمر مسخط ... لك في عواقبه الرضى # ثم خرجت منها صبيحة يوم الخميس، الحادي عشر لجمادى الأولى المذكورة وسرنا ~~نلتهم الأرض التهام الضمير نرتبط بالجد ارتباط الفعل بالضمير، إلى أو ~~وافينا مدينة )تلمسان(، فحللنا به ضحوة يوم الجمعة، الثاني عشر من الشهر ~~المذكور، فرأيت مدينة قل مثلها، وجل عرارها وبانها واثلها، بطاح وادواح، ~~وربى ملاح، وضياء وانشراح، وبسيط له اتساع وانفساح، ومياه لها على در الحصا ~~انسحاب وانسياح، وروضات يعتري ويعترض إليها اهتزاز وارتياح، وجنات ريقها ~~ندى وثغورها اقاح، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في الحسن ~~والانتهاء، جوها صقيل، مجتلاها جميل، ونشرها أريج النفس عليل. # وأرض من الحصباء بيضاء قد جرت ... جداول ماء فوقها تتفجر # كما سبحت تبغي النجاة أراقم ... على روضة فيها الأقاح منور # وكم للعباد من أطراد مذانبها واخضرار جوانبها، من نفحات رحمة، وبيضاء ~~تربى على كل مستحمة، تحييك بالوجه الوسيم، وترى الغصن يصلى بتحيات النسيم، ~~فنزلت منها بالمحلة المنصورة، الحاضرة للمدينة المذكورة، محلة السلطان ~~العادل، الهمام الباسل، ملك الإسلام والمسلمين وناصر الدنيا والدين، أبى ~~الحسن بن السلطان الفاضل الغمام الهاطل، أمير المسلمين، نخبة الملوك ~~والسلاطين، أبى سعيد العابد، المرابط المجاهد أمير المسلمين، المجاهد في ~~سبيل رب العالمين، أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق المرينى، أيدهم الله تعالى ~~وأسعدهم، فما حططنا الركاب، ولا وضعنا الاقتاب إلا والشمس يتبين زوالها، ~~وطهارة ms005 المكتوبة يتعين استعمالها فأمطنا وعثاء السفر، وأخذنا في غسل الجمعة ~~بالأثر، ثم تمتعنا بالخطبة والخطيب، بعد أن أخذنا بحظ وافر من الطيب، ~~والعود الرطيب، وند ما له ند، تعاطيه من السنة، إذا أدخلته النار حكى رائحة ~~الجنة، وجلنا في المحلة، وهي روض يثمر خيلا وأعنة، وبحر يزخر قنا وأسنة، ~~وذوائب الأعلام تخفق، وألسنة عذباتها تكاد بالنصر تنطق، والأحوال قد ~~استقامت، والأخبية على القاعدين فيها قد قامت، وهي مبيضة كسقيط الثلج، ~~مصطفة كبيوت الشطرنج، وقد أشرق الجو بإشراق الخمائل والنبات وأشرف على ~~مدينة أحدقت بها الأزهار والأنهار من جميع الجهات، فأقمنا هنالك درر ~~الأنباء، ونحتلب در النعماء، وأنا امرح في جهاتها، مرح العين في منتزهاتها، ~~حتى تمتعت في ذلك الجمع الحافل، بلقاء جماعة من الأفاضل، وأنشدني بعضهم ~~لبعض أهلها وهو الكاتب أبو بكر بن الخطاب، رحمه الله تعالى، وهو مع سائر ~~نظمه عندي بالإجازة عن الشيخ الخطيب المحدث الحاج الفاضل أبى عبد الله محمد ~~بن عمر بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري رحمه الله، قال أنشدنا شيخنا الكاتب ~~الأديب البليغ أبو بكر بن خطاب بتلمسان لنفسه: # سرى البدر فارتاع الفؤاد لومضه ... فبت وجفني لم يذق طعم غمضه # تبدى كعرق في الغمامة نابض ... يدل على سقمي تواتر نبضه # سجدت له لما تراءى يمانيا ... وأكملت من دمعي طهوري لفرضه # وقضيت من حق الصبابة واجبا ... برئت من العشاق ان لم أقضه PageV01P003 ~~وذكرني عصر الشباب وطيبه ... وعيشا تحلينا مليا بغضه # وعهدا شددنا عقده بيد الوفا ... فلا بطشت كف تمد لنقضه # فيا ساري البرق الذي ضاعف الأسى ... على دنف ما زال يشقى بنضه # أ عندك من أهل العقيق رسالة ... أقارضك عن إبلاغها خير قرضه # وإلا فبلغهم تحية موجع ... يعاني الذي ينهد رضوى لبعضه # وجرد على واديهم ذيل ديمة ... تنمنم بالأزهار صفحة أرضه # حنيني إلى الوادي لأجل جوارهم ... مجاورة المخفوض تعدى بخفضه # ثم زرت تربة ولي الله تعالى ابن مدين مرة أولى وثانية، وأقمت بالمحلة ~~أياما ثمانية، وكان خروجي منها ورحيلي عنها في صبيحة يوم السبت، ms006 الموفى ~~عشرين جمادى الأولى المذكور، ولم نزل نقطع مهامه قفار، ونجوز في أودية ~~وبحار، ونشاهد من الأرض والسماء كل نهر سائل وغيم مدرار، إلى أن وردنا ~~)مدينة الجزائر(، في آخر يوم الخميس الثاني لجمادى الثانية من العام ~~المذكور والليل قد غول، والنهار قد تحول، والقلب لا يصبو إلا لأول منزل، ~~ولا يحن إلا إلى الحبيب الأول، ولما طرزت طرة الظلام يد إلا صباح، وأرسل ~~الفجر في رداء السحر خيط الصباح أسرعنا مبادرين، وبادرنا مسرعين، وتفرقنا ~~في سكك المدينة أجمعين، فرأيت محيا صبيحا وتربا مليحا ومسجدا عتيقا، وبناء ~~أنيقا، وأناسا قد سلكوا إلى الحسن والإحسان طريقا، من مدينة أقسمت بعلو ~~هضابها إلا بفوز مبسم الثريا برشف رضابها، فلا ترتقيها إلا الظنون، وكأنها ~~ضب ومن يطمع فيها نون، قد أحاط بها البحر إحاطة السوار بالزناد فألبس ذلك ~~الجسم روح المجد، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد، فأقمنا بها نحكم في حزن ~~الأنس وسهله، حكم الصبي على أهله، حتى قرب أمد الرحيل، وغلب واجبه على ~~المستحيل، فعزمت على الخروج، وسرت على بياض ذلك الساحل وخضرة تلك المروج. # يا بياضا أدرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني عقيقا # وخرجنا في صبيحة يوم الاثنين السادس لجمادى الثانية المذكورة فدخلنا في ~~أمر عظيم، وطريق غير مستقيم، وعذاب يوم عظيم، نصعد على التهائم ونغور في ~~النجود ونسلك كل مخدع لم يكن بالمألوف ولا بالعهود. ولا كان مسلكا إلا ~~للذئاب واللصوص والأسود، إلى شعراء بالخوف مشعرة، وأرض خالية مقفرة، وجبال ~~منخرقة في الجو وعرة، تقطع الأسباب، وتخلع الألباب، وتذكر الصراط والميزان ~~والحساب، وأظن الخطابي إياها عنى بقوله: # سلكت عقابا في طريقي كأنها ... صياصي ديوك أو أكف عقاب # وما ذاك إلا أن ذنبي أحاط بي ... فكان عقابي في سلوك عقاب PageV01P004 ~~فبقينا نكابد عظيم ذلك الأمر، ونسير ولا نفارق ساحل البحر، ونرقى العنق ~~التي تقربنا من السماك وتدنينا من النسر، وقد اشتد البرد، وبلغ الجد، وفرع ~~الجهد، ووقع الثلج، وعمى النهج، وابتلى به الفج والمرج، فتصبح وصباحنا ~~أبيض، وجناحنا لا ms007 ينهض، والعروق لا تنبض، والبروق لا تومض، والخيام لجمودها ~~واقفة على غير عمودها، والنيران مقرورة، وشفاه الجليد مطرورة، والزناد ~~كابية، والصعاد نابية، والوجوه في عبوس، والوجود في بوس، وقد جمدنا كأننا ~~بلا نفوس، فنبت الأيدي على ان تبطش، والأقدام عن أن تنهض، وأسود يومي منه ~~وان كان به أبيض، وجاءت السماء بسيل عرم، ولهب قر يضطرم، وقد صوب الغمام ~~سهامه، ولبس الجو لحرب المحل لامه، فلم يبق قطر إلا وقد نفدت فيه تلك ~~السهام، ولا أفق إلا وعلاه من خيوط الودق المحتبسة مثل القتام، فلا أحد إلا ~~وجد من ذلك ما أقلقه، وأحرق قلبه بتواليه وان كان في الحقيقة أغرقه، وسرنا ~~والعناء قد بلغ منا الغاية وانتهى بنا إلى النهاية، حتى وصلنا إلى )بجاية(، ~~فدخلناها في يوم الاثنين الثالث عشر لجمادى الثانية )المذكور( بلدة قدرها ~~خطير، وذكرها في كل زمن يطير، وخطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس ~~أثير، فكم هاجت من كفاح، وملت عليها في بيض وصفاح، يمتد أمامها بسيط أخضر، ~~مد البصر قد أجرى الله فيه مذانب الماء تسقيه، وتضرب في نواحيه، كأنها ~~سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، محفوفة بالزمرد والعسجد، والبساتين ~~ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، والنهر الأعظم ينساب بين يديها قد انعطف ~~عليها انعطاف السوار، والحدائق تنتظم بحافيته، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، ~~فهي النضيرة الدوح، العذبة الأنهار، الطيبة الهواء المشرقة الأضواء، التي ~~اجتمعت عليها الأمراء، وسلم لها الهواء، وشيد فيها البناء، وبعد لها الصيت ~~المدود والثناء، انتظم فيها من الوادي والبحر، قلادتان على ذلك النحر، قد ~~حلينا ذلك البلد، وتجلينا كوالد وما ولد، قد مرجها الله بحرين يلتقيان، ~~بينهما برزخ لا يبغيان، فإذا ضاحكتهما الشمس أنعكس الضياء، وزاد الاحتفال ~~في النور والأفياء، إلى حدائق قد انتظمت انتظام الأحباب، وشقائق ترفل في ~~أثواب الشباب، وتسدل أذيالها بين تلك القباب. # ورياض كأنما نثرت فو ... ق ثراها حريرة خضراء # أعين النرجس الجنى نجوم ... واخضرار الرياض منها سماء # للثرى تحتها شيات وللما ... غطيط وللغصون لقاء # فأول من لقيته من أرباب ms008 المحابر، وركاب أعواد الكراسي والمنابر، فاضل ~~الأفاضل وكبير الأكابر، الشيخ العالم المحدث، أبو عبد الله محمد بن جعفر ~~رحمه الله، قصدت لقاءه والأخذ عنه وقدمته وكنت أسمع من ملفوظ حامده، ومحفوظ ~~محامده، ما هو بغية السامع وحلية للمسامع، فلما رويت من مكارمه ما رويت، ~~استصغرت ما سمعت لعظيم ما رأيت واستقللت ما سمعت أذناي، لما عاينته عيناي، ~~وأنشدت لنجم الدين بن مهذب الدين: # كانت محادثة الركبان تخبرني ... عن مجدكم وسناكم أطيب الخبر # حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري # فأنزلني بمنزله الكريم، وقابلني بالترفيع والتكريم، وأقمت معه فيه يفيض ~~على من كرمه بحرا زاخرا، ويفاوضني من علمه منهلا لا أجد له أخرا، ويرويني ~~بمسوغاته الفاضلة، ويرويني من مسوعاته الحافلة، فلا أدري من أي بحريه أعجب، ~~ولا أيهما أروى وأعذب، حتى قلت له: # أبكيت عين الغيث لما فته ... كرما فثغر البرق منه يضحك # فارتاح وتهلل، وأكثر من الأفضل وما قلل، وجرى على عادته في المكارم ~~والانطباع فأنشدته: # ولو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع PageV01P005 سمعت ~~عليه تصانيف كثيرة، وأجازني وكتب لي بخطه، وكان رحمه الله إمام هدى وعدالة، ~~ووحيد معارف وجلالة، حالي الرواية، كامل المعرفة والدراية، رصين العقل، ~~إماما في التحديث والنقل، متفاوت الكرم، بعيد الهمم زكي الشيم، حسن ~~المفازع، مليح المبادئ والمقاطع، واقعا من النفس أحلى المواقع، ذكر لي: قال ~~ذكر لي الشيخ القاضي أبو العباس الرندى قال: كنا جلوسا بحضرة تونس مع ~~القاضي بها أبى العباس ابن الغماز لارتقاب شهر شوال، وإذا بطفل صغير وسيم ~~قد نظر ورآه قبلنا فقال القاضي ابن الغماز: كنا جلوسا مع الشيخ أبى الربيع ~~بن سالم الكلاعى بمدينة بلنسية لارتقاب هلال شوال فأول من رآه غلام وضئ ~~الوجه من قرابة الشيخ، فارتجل الشيخ ساعتئذ: # توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... وغطى بسجف الغيم زهوا محياه # فلما أتى )شقيقه( ليزوره ... تبدى له دون الأنام فحياه # ومما أنشدته فاستغربه وحفظه وكتبه، ما أنشدني الشيخ الخطيب المحدث الحاج ms009 ~~الفاضل أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد إجازة قال أنشدني ناصر الدين نصير ~~بن أحمد بن علي المصري المناوي الحمامي بحمامة بمصر لنفسه في فتى اسمه فرج ~~الله على طريق التورية. # أقول لقلبي وقد ذاب في ... هوى شادن حاز حسنا غريبا # تصبر إذا كنت في شدة ... عسى فرج الله يأتي قريبا # وأنشدني لبعضهم عند الوداع: # يا راحلا ودموع العين تسبقه ... هل من سبيل إلى لقياك تتفق # ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو محترق # وقد أفادني من فرائد الفوائد، ما لا يفيده إلا فرائد العلماء إلا ما جد، ~~كانت مجالستي إياه ببجاية آخر العهد به فأنه توفي بعد انفصالي منها ونزوحي ~~عنها على أحسن ما أجرى الله حاله عليه من حسن السيرة وخلوص السريرة، جدد ~~الله عليه من الرحمة والمغفرة، وجعله من الذين قال الله فيهم وجوه يومئذ ~~مسفرة، ثم لقيت بها جملة من الفضلاء وجلة من العلماء قد ضمهم الولاء في ~~فلكه: # لهم همم كما شمخت جبال ... وأخلاق كما هشت بطاح # ترى بهم النجوم، ولا ظلام ... واوضاح النهاو ولا صباح # قصدت الرؤية لهم والرواية عنهم، فنحوا نحوه، وحذوا حذوه، واقتدوا بفعله، ~~وان لم يدركوا شأوه: # يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب # ثم أخذت في حركة الخروج من ذلك القطر الذي هو حاضرة البحر ونادرة الدهر، ~~وموطن الفضلاء من أهل العصر الذين طبق ذكرهم تطبيق الغمائم ونم كما نمت ~~بأزاهرها الكمائم، ولهم مآثر بتعاطي الركب حمياها، ويتعاطى نوافح رياها: # وما أراني بمستوف مناقبهم ... ولو نظمت لهم زهر النجوم حلا # ففارقت الصبر عند مفارقة تلك المنازع، وودعت الجلد عند وداعي لذلك المسجد ~~الجامع. وسرت وقلبي في تلك التلاع وتلك الاجارع، وقد خامرني الفرق، واستولى ~~على جفني الأرق، وأولعت بما يولع به المشفق. وأنفقت دمعي وكل امرئ مما عنده ~~ينفق، ورحم الله زهيرا المهلبي، فعن حالي عبر بقوله: # إلى كم جفوني بالدموع قريحة ... وحتى م قلبي بالتفرق خافق # ففي كل يوم لي حنين ms010 مجدد ... وفي كل أرض لي حبيب مفارق # ومن خلقي أني ألوف وانه ... يطول التفاتي للذين أفارق # وأقسم ما فارقت في الأرض موضعا ... ويذكر إلا والدموع سوابق # فيممت خير ميمم وفارقت غير مذمم، وخرجت منها في صبيحة يوم الأحد الحادي ~~عشر لرجب الفرد، من العام المذكور، على ضفة الوادي الكبير بين المنازل ~~والقصور: # يا وادي القصر نعم القصر والوادي ... من منزل حاضر ان شئت أو بادي # ترى قرى قرة والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي # فعبرت من الوادي الصغير بمثل ما أجرته جفوني من الدموع، وخطرت من الرشة ~~على ما أبرزته من الربيع والربوع، واجتزت على الربيع الرفيع، وحررت بالبديع ~~البديع، وسلكت على تلك المرابع الرائقة بالنزهة والتوديع. # ولقد وقفت بها وكف ربيعها ... في نسج حلة نورها يتأنق # وسدا خيوط المزن يرسلها الحيا ... أبدا وأكمام النبات تفتق # والروض تولاه الولي ووسمه الوسمى وجشمته نسمات الرياح، وأظللته رايات ~~الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسه الوقاح، وباكرت الصبا تقبيل ثنايا ~~غوره الوضاح: PageV01P006 من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ~~ثغور الأقاح # والأرض قد أخذت زخرفها وآزينت، وبينت من حكمة الله سبحانه ما بينت ورباها ~~قد تعممت بملونات الأزهار، وأراقم المذانب قد انسابت في مغائر الأنهار، ~~والزمان قد استقبل اذاره، وخلع عذاره: # فالنور عقد والغصون سوالف ... والجزع زند والسرى سوار # رقص القضيب بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمام وصفق التيار # ثم جزنا الوادي الكبير وهو بحر عباب، وفي كل رقعة من أثوابنا ميزات. ~~وسرنا والموج غمر، وذلك الماء على الأجساد ثلج وفي أكبادنا جمر، والريح ~~ترمي بحاصب، والودق يأتي من كل جانب، والدوافع ترعب، والمذانب تتعب، والقطر ~~قد ملأ كل خرق وسبسب، وورد آتيه من كل آتي ومذهب، وجاء بكل صبح وغيهب. ولم ~~تزل الأمطار تتوالى وتنزل: # كأن السحاب دوين السما ... نعام تعلق بالأرجل # فادمعها سح وسكب وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان # فسرنا على تلك الحال، ونحن من طوفان تلك السحائب في أعظم الأوحال، وقد ~~أعيا الركوبة ما أدهى حمله من مستنقع الأثقال، ms011 حتى وصلنا إلى )قسطنطينة( ~~والركاب فاشلة، والنفوس ذاهلة، والتلاع سائلة، وجفون السحاب هاملة هاطلة، ~~والشآبيب مستمرة، وحلاوة العيش ممرة، والأوحال تمنع من خروج يعيد الأبدان ~~معفرة، والثياب معصفرة، فحللنا منها في حصن حصين، ومكان مكين، وربوة ذات ~~قرار ومعين، وقاعدة أمن وتأمين، وتمهيد وتسكين، صحيحة الهوى، بعيدة المهوى ~~وبسبب ذلك تنسب إلى الهوى المقصور، فيقال: قسطنطينة الهوى، ناهيك من مدينة ~~تحوم حول سحاب القطر، وتسوم بارتفاعها مراقي الكواكب الزهر، وتصون ~~بامتناعها من حدثان الدهر، وتصول ببساط الملك وبسيط الزهر، وتروق بناعم ~~الروض وهامر النهر، وتفخر بجمال المحاسن كل الفخر، ويخترق بطاحها نهر ينساب ~~فيها انسياب الأرقم، ويدور بها دور السوار بالمعصم، ويغوص ببعض حافاتها ~~فيغيب عن العين، ثم يبدو بخارجها كأنه سبائك اللجين، فيسيل على تلك البطاح ~~سيلا، ويتخللها جداوله فتجر بها ذيلا، وتعمها شربا، وتسقي منه بماء واحد ~~ورياه تعود منه بما شئت من صلة وعائد: # نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر # ما آصفر وجه الشمس عند غروبها ... لا لفرقة حسن ذاك المنظر # بها تتوفر الأرباح، وبأعلاها تتبارى الرياح، وبشتى أقطارها يتلاقى التاجر ~~والفلاح، ويعتز الساكن منها في الحصن الأحمى، والموطن الأسمى، والمحل ~~الأسنى، والعيش الأهنى، ويمسك له في خزائنه الواسعة من ياقوت القوت ما يفنى ~~الدهر وهو لا يفنى، تهابه النفس عند موافاته وتأوي الفتح الكواسر بأدنى ~~حافاته، وتزل أقدام الصاعدين إليه على أكثر صفاته، وتعجز أوصاف الواصفين عن ~~بعض صفاته: # يأوي إليه كل أحور ناعب ... وتهب فيه كل ريح صرصر # ويكاد من يرقى إليه مرة ... من دهره يشكو انقطاع الابهر # وبادرت فدخلناها في يوم الجمعة السادس عشر لرجب المذكور. وبادرت إلى لقاء ~~الفضلاء، ومباحثة النبلاء، اجتلى واجتنى ولا اجتنب، وأنا والطرس في ملأ ~~انتقى منهم وانتخب. فمما أنشدني المنزل، رب المنزل الشيخ الإمام الرواية ~~الحاج الفاضل المتفضل: أبو الحسن علي بن عبيد الله لبعضهم: # ما رأينا ما سمعنا ... كزمان نحن فيه # كل من تلقى تراه ... يشتكي ما تشتكيه # وذكر لي قال ms012 كتب بعض السؤال إلى بعض أهل هذه المدينة يستجديه ويستحثه ~~بقوله: # ماذا أقول إذا سئلت وقيل لي ... ماذا لقيت من الجواد المفضل # ان قلت: أعطاني، كذبت، وأن أقل: ... يخل الجواد بما له لم يجمل # فاختر لنفسك ما أقول، فأنني ... لا بد أخبرهم وان لم أسئل # فأجابه المسئول بقوله: # أعجلتنا، فأتاك عاجل برنا ... قلا، ولو أمهلتنا لم نقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تقل، ... ونكون نحن كأننا لم نسأل # وأخبرني قال: أقبل أعرابي إلى داوود بن المهلب فقال له: أني مدحتك فاسمع. ~~فقال على رسلك، ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج فقال: قل، فان أحسنت حكمناك، ~~وان لم تحسن قتلناك فانشأ يقول: # أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المغشى والبؤس والفقر # فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان ان شددت به أزري PageV01P007 ~~له حكم لقمان وصورة يوسف ... وحكم سليمان وعدل أبى بكر # فقال له: قل قد حكمناك، فان شئت على قدرنا وان شئت على قدرك. قال: )بل ~~على قدري( فأعطاه خمسين ألفا، فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدرة الأمير؟ ~~فقال لهم: لم يكن في ماله ما يفي بقدره، فقال له داود: أنت في هذه أشعر منك ~~في شعرك، وأمر له بمثل ما أعطاه. # وأنشدني أيضا قصائد تقيدت في غير هذا، واجازني جميع مروياته، فهو روضة ~~الأدب الناعمة الغضة، وصحيفة الرواية النقية المبيضة، وحامل المكارم ~~المنقضة والمحامد المرفضة، وجامع المحاسن التي بها أدمع الصبابة منفضة، ~~ألسنا لمن وأخاه، السنى في كل ما يتوخاه، العاكف على ما يحمد عقباه. العارف ~~بما رواه ورواه، الحفى بمن آتاه المنيب إلى أواه، الخاشع لمولاه، أبو الحسن ~~بن عبيد الله، تغمده الله برحماه، وجعل الجنة نزله ومثواه، برحمته، ولم أزل ~~أو إلى أهل الولا، واختص بذوي السؤدد والملا، حتى جاء الفراق، ومارق ولا ~~راق، فأنشدتهم وقد قوى العزم، لأبى المغيرة بن حزم: # واجد بالخليل من برحاء الشو ... ق وجدان غيره بالحبيب # ان قلبي لكم كالكبد الحرى ... وقلبي لغيركم كالقلوب # وخرجت منها ضحوة يوم الأحد الثامن عشر ms013 من رجب المذكور في جمع وافر، ذي خف ~~وحافر، سرنا نقتفي البيداء، ونغتدى في كل ثنية جرداء، قد دأبنا على ~~الترحال، وركبنا متون الوحال، سمونا على الماء كسمو حبابه حالا على حال، ~~إلى أن وافينا بلد العناب، )وتسمى أيضا بونة( وصلناها أيضا بيمن الله على ~~أفضل الأحوال، ودائرة البيضاء يمنى مركز الزوال، فدخلناها في يوم الجمعة ~~الثالث والعشرين لرجب المذكور، فرأيت مدينة مكينة، وقلعة حصينة شهيرة ~~الامتناع، بائنة الارتفاع، ومعدومة الشبيه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة ~~أن ترام أو تستطاع قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة، سامية الأرجاء، ~~واسعة الفناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء، والمدينة ~~العجيبة كالعروس في ناديها قد رفلت في درع واديها، وامتنعت بحسامه المسلول ~~من غير الأيام وعواديها، فأخذت به من المطالب معتصما، وتجلت في سواره معصما ~~فبكل مسقط نظرة ما اشتهت الأنفس من نعيم ونضرة، نهر هتان، يحفه بستان، ~~ومرآي لخواطر الأدباء فتان: # نهر يسيل كما يذوب نضار ... وتدور في أيدي السقاة عقار # فإذا استقام فصارم دامي الظبا ... وإذا انحنى جزع به فسوار # مغرورق التيار، ملتطم كما ... خفقت بظهر مهب ريح نار # فاحمر وأخضر النبات بشطه ... فكأن ذا خد وذاك عذار PageV01P008 لها أرض ~~تقتنص النظر بتدييج أزهارها، وأطراد أنهارها، وتؤمن الراكض بها من هفوة ~~غبارها، وكبوة عثارها، كأنما نسج أديمها منسج، واستوت أطرافها وأوساطها ~~فجوها سجسج، ومتى تكلمت الفصول أعاد الله شبابها، فأنشأها خلقا جديدا، وجعل ~~عودها مثمرا وظلها ظليلا مديدا، فيالله اتساع ظواهرها وبواديها، والحسن ~~البادي ببحرها وبواديها، وارتفاع تلك القلعة والحصن، وما أوتي من النعمة ~~والحسن، قد عمرت نجاده وغيطانه، واستقر بين خصب الوادي، ورحب النادي ثواؤه ~~واستيطانه صعدت إليه فرأيت حصنا مستقلا، وكثيرا من الحسن لا مقلا، بل معقل ~~الحسن ومستقره، ومجاز الأنس وممره، قلعة قد عقد الجبل حبوتها، وأزلق العراب ~~أن تطأ ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوي معصمها، وحمت غرر دهمائها أدهمها، ~~فالخيل تصعد منها أنجما في فلك، بين طالع كطالعها أو غارب كغاربها، والأرجل ~~منها على كرة لا ms014 تستقر بأخمص راجلها ولا بحافر فرس راكبها وكأنها قد اعتزت ~~لولا ما جعل الله الأرض ذلولا، وأمر أهلها أن يمشوا في مناكبها، فمشيت منها ~~في مركب سام، وألف بالنجوم مسام، ثم خرجت من المدينة في صبيحة يوم الأحد ~~الخامس والعشرين لرجب المذكور سالكا سبيل جبل الحفاء، ومالكا من الرجاء ما ~~برح به الخفاء، من جبل يقرع الواصل إليه سن الندم، ولا يكاد يشرب الماء إلا ~~من قليب دم، قد أفرط في الجفا، واشتهر بالحفا، وجمع بين غلظ الشعراء والأرض ~~الوعراء، فسلكنا منه في عقاب كفى بسلوكها للمجرمين من عقاب، نكتنف الفزع ~~ونلتحف الجزع، إلى أن جزمتنا عوامله بالحذف، ومنعتها علاته من الصرف، وأسفر ~~لنا وجهه العبوس ومحياه الذي في مشاهدته البوس، عن قطعة من العرب كقطع ~~الليل، حملت علينا حمل السيل، فكان زوال كل ما ملكناه أسرع من لحسة الكلب ~~أنفه، وناهيك عن صبيحة ذلك اليوم فجاءة حال، وسرعة انتقال " وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال " . # لقونا فضموا جانبينا بصادق ... من الطعن مثل النار في الحطب اليبس # وانقلبت اعدى من جام ونجوت برأس طمرة ولجام، منهزما مكلما، يثعب جرحي ~~دما، وصحابي قد منحوا الأكتاف والرقاب، ودماؤهم تسيل على الأعقاب، # وتركتهم تعس الرماح ظهورهم ... من بين مقتول وآخر مسند # ولم نزل نخوض أحشاء كل واد كالثعبان، نتلقف نفس الجريء فكيف بالجبان، ~~فكأن تلك الأودية سيوف لقتل الأنس مسلولة، ولولا زرقة ألوانها لقلت دماء ~~مطلولة، خاتم نظامها ومسك ختامها، ومنتهى كمالها وتمامها، وآخر عذابها ~~وانتقامها يسمى )أبو جردة( قيل لأنه يجرد الإيمان من قلب شاربه، كفاك هذا ~~من أوصافه ومناقبه، وهو على أثنى عشر ميلا من الحضرة، لم تنبت قط حوله عشبة ~~نضرة، ترابه قد أسود، وماؤه قد أظلم، ويقال أنه من أودية جهنم، تعذر علينا ~~جوازه في القارب فما توسطته راكبا إلا والمركب قد غمرته المياه وحملتني ~~وإياه، وكنا من المغرقين لولا ان رحم الله، ثم خرجت سابحا، وقد ذهب الوادي ~~بأكثر القوم، ms015 بسبب ما أنعم الله به علي من معرفة السباحة والعوم، وحصلت على ~~ساحل النجاة ولا شيء إلا مبلولا، ولا شد إلا محلولا آو محمولا. # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # فوصلت إلى )حضرة تونس المحروسة( في ليلة يوم السبت أول من شعبان المكرم ~~من العام المذكور بعد اللتيا والتي، وانضاء جسمي ومطيتي، وأخلاق البيتين ~~اللذين لم أخلهما عن فكري ورويتي. # يقولون تونس مصر عظيم ... وأرجاؤها جنة زاهرة # نعم هي مصر لأربابها ... وللواردين هي القاهرة # فأرحت الراحلة من الرحل، واستبشرت بالخصب بعد المحل، ولابد دون الشهد من ~~أبر النحل، فبتنا بها جيران دولاب يهدل، وأغصان تثني وتعتدل، وستر الظلام ~~ينسدل، وتلك الحضرة تتلفع بثمارها تلفع الكاعب بخضرة خمارها، قد سلت على ~~بساط الروض من المذانب حساما، وضحكت ثغور شرفاتها ابتساما، والدولاب بندب ~~من الزهر الذاوي هديلا، ويتوسل للروض بدموعه فيخلف له بديلا، فبت أجاوب ~~أنين ذلك الدولاب، وأجري بدمعي دمعه في الانسكاب، وأنشد فيه لبعض الأعراب: # باتت تحن وما بها وجدي ... واحن من طرب إلى نجدي # فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي PageV01P009 ولما تفرى ~~عن وجنة الأفق عذار العيهب، وتتوج كسرى المشرق بالتاج المذهب، طفقت أتمشى ~~في الأماكن المكينة، وأتخلل سكك المدينة وأتعجب من محاسنها المستبينة، ~~ووضوح قدمها ورسوخ قدمها وبهجتها وانفراجها، وانفساح رباها وأبراجها، ورونق ~~رياضها، وتذلل الهموم لفرجتها وارتياضها، واتساع جنباتها وإفنائها، وكما ~~لها في البلاد البحرية وغنائها، وإيناع حدائقها المحدقات، وإحرام حجيج ~~الأنس في ذلك الميقات، فدخلت منها جنة حفت من طرقها بالمكاره، وعقيلة عقلت ~~قلب الطائع والكاره، فهي الدمية الغراء، والقبة اللعساء، والخريدة العيناء، ~~تزهى بها المحافل، ويحتقبها الطالع والآفل ولله در القائل: # لتونس تؤنس من جاءها ... وتودعه لوعة حيث سار # فيغدو ولوحل أرض العراق ... يحن إليها حنين الحوار # ويأمل عودا ويشتاقه ... اشتياق الفرزدق عود النوار # فالتاح بتونس الأنس، وانشرحت النفس، وصلحت الحال واللبس، ووجدتها كما قال ~~أبو الحسن المري: # تؤنس بالغرب خير دار ... تؤنس من حلها غريبا # حللت ms016 عقد البعاد لما ... حللت من أهلها قريبا # وظللت ألقى أكابر الأولياء، وآخذ عن العلماء الأتقياء، فأول من لقيته بها ~~من الأولياء والأفراد، والعلماء الزهاد، السيخ العالم الولي لله تعالى، أبو ~~الحسن علي، المشتهر بالمنتصر، أفاض الله علينا من بركاته. هو صدر من صدور ~~أئمة الدين، وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء ~~الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، وحافظ للكتاب ~~والسنة، ومحافظ على اتباع الشريعة والملة، قائم بأعباء صلاح الأمة، باسط ~~للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، كثير الصيام والقيام، دائم ~~الخلوات ومستجاب الدعوات وقورا صموتا، مهابا معظما: # قابلته فملئت منه مهابه ... شغلت علي فصاحتي وبياني # ولثمت قرب فنائه فكأنما ... قبلت من طرب خدود غواني # رحل إلى المشرق قديما ووعى الكثير، وشأنه كبير، وله من المكاشفات وإجابة ~~الدعوات ما هو أشهر من أن يذكر، حللت بحلاله، وانضويت إلى جلاله، وخيمت ~~بسوارف ظلاله، فألقيت فيه ركنا عظيما ومأوى كريما وابابرا رحيما وإماما ~~أوسعني إفادة ونصحا وتعليما، وسبب ذلك أن أخي أبا بكر محمدا لما خرج إلى ~~وجهته الحجازية، وعلم الله تعالى منه صلاح النية وخلوص الطوية، وانتهى إلى ~~الحضرة التونسية، جملته عوارف الألطاف الخفية، وعطفته عواطف القدرة ~~الربانية، إلى لقاء شيخنا هذا والتبرك به، وطلب الدعاء منه فتفرس رضي الله ~~عنه فيه مخايل النجابة ولاحت له عليه دلائل الصدق والإنابة، فضمه إلى جانبه ~~الشامخ القواعد، وكفله كفول الوالدة والوالد، حتى جعل تحت حرمته، واختص ~~بصحبته، وظهر فيه صدق فراسته وبركة دعوته، ثم ارتحل عنه مشرقا بعد تراخي ~~المدة، وتوالي الأيام والأشهر الممتدة، قرير العين، ملي اليدين، فائزا ~~بحظوة الدارين وحين وردت موارده، وحضرت معاهده، وسألت عن مطلع شمسه، مسير ~~يومه وأمسه، فأخبرت أن الذي نعنيه بالسؤال، قد بانت برحيله الرحال، سقطت ~~على التراب معفرا، وأفضت فأنشدت حين سرى: # ماذا وقوفك والركاب تساق ... أين الجوى والمدمع المهراق # الغير هذا اليوم يخبأ أو ترى ... بخلت عليك بمائها الأماق # حتى لقد رحلوا بقلبك والكرى ... ان النواظر لا الدموع تراق PageV01P010 ~~ثم ms017 نزلت منازله، فتمتعت بها دهورا، وأقمت ألازمها ليالي وأياما وشهورا، ~~وجعل الله لي بصحبة هذا الشيخ انتفاعا وظهورا، ولهذا الرجل الصيت البعيد، ~~والباع المديد، زهدا وانقباضا، ونصيحة لعباد الله تعالى وحدبا على ضعفائهم، ~~ووضع له القبول في الأرض فلم يختلف اثنان في فضله، ولي منه حظ لا أعده به ~~حظا عسى الله ان ينفع به )وثانيه( في الفضل والولاية، والعلم المتسع ~~والدراية، الشيخ العالم خطيب الجامع الأعظم، والراقي بقدم الصدق وذروة ~~مناره، المعظم، أبو عبد الله بن عبد الستار، نفع الله تعالى به إمام من ~~أئمة الفروع والتفسير، وسراج يقتدى به في ظلمات الدياجير، انتهى من الفضل ~~إلى أقصى أمده، وكرع في بحره لا في تمده وحل منزلة مقنعة من عالم اللسان، ~~ونظرت به عين التعين كالإنسان، أضاء بأنوار معارفه البلاد، وترادف على محله ~~العلي العلمي القصاد، وعلا سنه وسناه، وبلغ من وعي المعارف الدينية ~~والأحاديث الكريمة النبوية قصده ومناه، له جلالة السبق، ومهابة الولاية ~~والصدق، ومكانة القبول عند الخالق الخلق، ذو في الدنيا وأغراض عن زهرتها، ~~وعزوف عن طلابها، وكان يدرس العلوم في مدرسة الكتبيين التي استوطنها، فسمعت ~~عليه كثيرا من التفسير والحديث والفروع والأصول وغير ذلك، ولازمته وانتفعت ~~به، وشاهدت له كرامات ومقامات تصدر إلا من مثله أو من الولي الذي من قبله. ~~PageV01P011 رحل إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي عليه أفضل الصلاة ~~وأزكى السلام، ففاز من ذلك بغاية سوله، ونهاية مطلبه ومأموله، وتواتر عنه ~~أنه لما عاد إلى وطنه، أعاد جميع صلواته التي كان صلاها في سفره، إذ لم ~~ترتضها عبادته النزيهة ومعالي سيره، وها هو قد طعن في السنين، ونيف على ~~التسعين، فما ضعفت له قط موارد العبادة، ولا تعطلت منه تلك المدرسة عن ~~الدول المعتادة ومما تقلت منها: ان الواقدى رفع إلى المأمون قصة يشكى فيها ~~غلبة الدين وقلة الصبر، فوقع عليها، أنت رجل فيك خلتان، السخاء والحياء، ~~فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فهو الذي بلغ بك ما أنت ms018 ~~عليه، وقد أجزنا ذلك بمائتي ألف درهم، فان كنا أصبنا إرادتك فأزدد في بسط ~~يديك وأن كنا لم نصبها فجنايتك على نفسك، فأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء ~~الرشيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للزبير: ان مفاتيح الأرزاق ~~بازاء العرش ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثر كثر له، ومن ~~قلل قلل له، قال الواقدى: وكنت أنسيت هذا الحديث فكانت مذاكرته إياي به ~~أعجب إلى من صلته. وأعززهما بإمام الدنيا ومتبوئ الذرة العليا، وسابق ~~الغاية القصيا، والشيخ العالم، قدوة الأئمة وواحد أسانيد الأمة أبو عبد ~~الله بن برال أبقى الله تعالى بركته، رجل أتاه الله تعالى كتابه وفتح عليه ~~فيه أبوابه، ووفقه في أدائه إلى الصواب فأصابه، فاجتمع الناس إليه وتناغى ~~المجودون من أهل القرآن في التلقف منه، وانثالوا إليه عمن سواه فقامت له ~~سوق، وأجلى خبره عن تقديم أمثل الخبرة، وأطباقهم على تفضيله، وكان هذا ~~الشيخ قد أوتي من حسن اللفظ بالقرآن ما لم يؤته أحد ممن بقى على الأرض في ~~هذا الوقت بإجماع، حضرت قيامه في ليالي رمضان بالاشفاع وانتدب الناس إسماعه ~~من النواحي والبقاع فما قرع سمعي ولا وقع في أذن قلبي، أحسن منه صوتا ولا ~~أحلى تلاوة، ولا أطيب إيرادا، ولا أعذب مساقا، ولا أعجب أحكاما، ولا أغرب ~~ترتيلا، ولا أجمل جملة وتفصيلا. ولقد كنت في حين قراءته على قساوة قلبي، ~~وغباوة لبى أتغاشى وأتلاشى ويضج جامع تونس باهله، ويغص جمعه، فبين باك وداع ~~وخاشع وساقط من القيام، وعادم وجوده في ذلك المقام، كلهم يفعل فيه صدقه، ~~ويسكنهم نطقه، ويسكرهم ذوقه، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع جمعا ~~في ختمة واحدة والإدغام الكبير في رواية أبى عمرو بن العلاء وترك الهمز من ~~طريق أهل الرقة، بطريق أبى عمرو الداني رحمه الله تعالى وهو آخر من قرأت ~~عليه السبع من الأئمة المقرئين والأساتذة المبرزين عددهم اثنا عشر شيخا ما ~~منهم إلا من قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع إفرادا وجمعا أو ~~أفرادا، ms019 أولهم الأب المرحوم ناجلى، الكفيل بتربيتي في نشأتي وناحلى أول ~~موهبة من تدريبي في بدأتي والدي عيسى رضي الله عنه قاضي بلدة قتورية ~~وخطيبها ووالي كافة أمورها مدة من أربعين سنة قرأت عليه بالقراءات السبع ~~على والده جدي الأستاذ الخطيب الحاج الزاهد أبى جعفر أحمد، وقرأ والده جدي ~~بالقراءات السبع على جماعة منهم والده الخطيب الصالح أبو إسحاق إبراهيم ~~وقرأ والده جد والذي بالقراءات السبع كذلك على جماعة منهم والده الفقيه أبو ~~جعفر أحمد بن علي بن أبى خالد رحمة الله على جميعهم، وهكذا تتصل لي هذه ~~السلسلة بالقراءة السبع إلى سابع جد ولله الحمد، وحدثني شيخي هذا انه قرأ ~~بالقراءات السبع أفرادا مع الإدغام الكبير في رواية أبى عمرو بن العلاء ~~وترك الهمز من طريق أهل الرقة ثم جمع السبع في ختمة كاملة، وقرأ قراءة أبى ~~محمد يعقوب الحضرمي على الشيخ الفقيه المقرئ الصالح الرواية أبى العباس ~~أحمد بن موسى بن عيسى بن أبى الفتح الأنصاري المشتهر بالبطرنى وحدثه أنه ~~قرأ بالسبع القراءات على الشيخ الفقيه المقرئ الخطيب القاضي أبى محمد عبد ~~الله بن يوسف بن أبى بكر بن عبد الأعلى المغافري السبرتى بقراءة نافع ~~أفرادا وجمعا وباقي السبع ختمة جمعا لكل إمام ثم جمع عليه السبع في ختمة ~~كاملة مع الإدغام الكبير، قال قرأت على خاتمة المحققين بل المقرئين بشرق ~~الأندلس أبى جعفر أحمد بن يحيى بن عون الله الحصار بقراءة نافع إفرادا ~~وجمعا وجمعت عليه السبع في ختمة كاملة كما قرأت بالقراءات السبع بالأفراد ~~والجمع مع الإدغام الكبير فيهما على الشيخ الفقيه الزاهد أبى الحسن ~~PageV01P012 علي بن محمد بن علي بن هذيل البنسى، قال قرأت جميع ذلك على ~~الشيخ الفقيه المقرئ أبى داود سليمان بن نجاح الأموي، قال، قرأت جميع ذلك ~~على الإمام الحافظ أبى عمرو وعثمان بن سعيد بن عثمان الدانى بسنده في كتاب ~~التيسير، وقد قرأت جميعه عليه وقرأت عليه جميع القصيدة اللامية المسماة ~~بحرز الأماني التي من نظم الإمام أبى القاسم بن فيرة الشاطبى ms020 رحمه الله ~~قراءة تثبيت وتبيين لمعانيها وإعراب لمشكلها، وإيضاح لأسرارها، واستخراج ~~لغوامضها وجميع عقيلة أتراب القصائد من نظم الشاطبى أيضا وحدثني بجميع ذلك ~~عن شيخه أبى العباس البطرنى المذكور، ولشيخي هذا أسانيد غيرها، وسماع ~~وتبتل، وانقطاع ومواصلة للقرآن واعتناء بذلك الشأن فجمع بين علو الإسناد، ~~والسلسلة الذهبية وتوسع كثيرا في اللغة العربية. وتتبع أنواعا من هذه ~~الطريقة الأدبية يعمر بها مجالسه أنشدني لبعض الشعراء: # أني غريب بأرض لا كرام بها ... كغربة الشعرة السوداء في الشمط # لا أطلق العين في شيء أسر به ... ولا أنال الرضى إلا على سخط # وأنشدني لبعضهم: # ان الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأعمار # فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار # وأنشدني لبعضهم: # تمتع بالرقاد على الشمال ... فسوف يطول نومك باليمين # ومتع من يحبك باجتماع ... فأنت من الفراق على يقين # وكان رضي الله عنه رقيق الاشادات، طيع العبارات، حلو الحكايات، عالي ~~الروايات، تبهجك طلاقته ويرضيك بشره مع مروؤة ظاهرة، وتمام خلقة، وهدى وسمت ~~ووقار لأكفاء له، إلى حسن البيان وعذوبة اللسان. # ملح كالرياض غازلت الشم ... س رباها وافتر عنها الربيع # فهي للعين منظر مؤلف الحس ... ن وفي النفس سئودد مجموع # ذكر لي قال دخل بعض الملوك على جارية له، وقد دهن شعره بدهن بيضه به، ~~فقال يخاطبها: # كل البياض مليح ... لا شيء في الحسن بعده # فأجابته: # أهواه من كل شيء ... إلا من الشيب وحده # فاستحسن جوابها، وأحسن ثوابها، وأخبرني، قال دخل بعض الشعراء على بعض ~~الكبراء مادحا له بشعر قاله فيه فوجد عنده حجاما قد قص من شعره وأجزل له في ~~العطاء ولم يعط الشاعر فقال مرتجلا: # أرى من جاء بالموسى مواسي ... وراحة ذي القريض تروح صفرا # فهذا منجح ان قص شعرا ... وهذا مخفق ان نص شعرا # وأخبرني قال: مدح أبو الحسن بن الفضل أحد الوزراء بمراكش وكان أقرع فلم ~~يثبه، فقال: # أهديت مدحي للوزير الذي ... دعا به المجد فلم يسمع # فحامل الشعر إليه كمن ... يهدي به مشطا إلى أقرع # وأخبرني قال: أهدى سالم بن ms021 قاسم من بني مهنا الحسنيين لصلاح الدين ابن ~~أيوب مروحة بيضاء وفيها مكتوب بالأحمر بيتين وهما هذه: # أنا من نخلة تجاور قبرا ... ساد من فيه سائر الخلق طرا # شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة أبن أيوب أقرأ PageV01P013 وقد ~~كان الرسول بها قال لصلاح الدين، خذ هذه فما أهدى لك ولا لبيك قط مثلها، ~~فغضت السلطان من هذا الكلام فقال الرسول لا تعجل وانظر ما فيها من الكلام، ~~فلما نظرها وقرأ البيتين قبلهما ووضعهما على رأسه وقال: صدق الشريف ما ~~وصلتني قط هدية مثل هذه. وقرأت عليه من كتب القراءات والحديث وغيرها تصانيف ~~كثيرة، استوفيتها بأسانيدها في برنامج رواياتي، وأجازني إجازة تامة، مطلقة ~~عامة، وكتب لي بخطه، ومولده عام ثمانية وستين وستمائة. # وأشفعهم بأوحد الزمان، وفريد البيان والتبيان، العديم النظراء والأقران، ~~والمرتقى درجة الاجتهاد بالدليل والبرهان، الشيخ العالم المشاور أبو عبد ~~ابن الحباب، حبر، بحر، حافظ لافظ، ذو أبهة وبهاء وحبوة مملوءة من علم، ~~خالية من ازدهاء، برع بأحسن الصورة، في مطالع الحسنى إلى أنهى كمال وأكمل ~~انتهاء، برع بأحسن الصورة، وفرع من الجمال أرفع السورة فبسق بسوق الغصن ~~الناضر وأضحت حدائق محاسنه نزهة الأحداق والنواظر، انفرد بفنى المعقولات ~~والمقولات، واتحد في علمي اللسان والبيان فما يجارى، في شيء من ذلك ولا ~~يبارى، وهو فيما عدا ذلك من الفنون يفوق القدور ويفيض على مزاحمة البحور، ~~ويحلى من فوائده الطلا والنحور، وله تآليف وتصانيف فيها للعلوم صنوف، وهي ~~في الأذان شنوف، ولها ظهور على غيرها وشفوف، وقلائد قصائد تنجلي بجمالها ~~الخرائد، وتحسد حسنها النيرات الفراقد ونشربل نور، أو أنجم زهر، أو لجين أو ~~تبر، أو يواقيت أو در، أو حصباء بللها نهر أو شذور رصعت فشطر وشطر: # نظم ونثر في رياض بلاغة ... سجد الربيع لبردها الرفراف # لم أدر من عجب بها وتعجب ... أ نظام در أو نظام قواف # كان زمن شبابه، وتعلقه بطلب العلم واستفتاح بابه، رئيس إنشاء الدولة ~~الحفصية، والمستقل بحمل الراية التونسية، فملا الدلو ومد الرشاء، وأنال ~~الإنشاء ما ms022 شاء، وأزال عن جفون الطريقة الأدبية العماية والعشاء، فلما أحرز ~~في ذلك الفن قصب السبق وحازه، وقطع فيه صدر العمر واستقبل إعجازه، عطف إلى ~~تعليم العلوم، وعكف على تدريب تدريس المعدوم منها والمعلوم، فأفاد الأفذاذ، ~~والأفراد وأمتع الجهابذة والنقاد، وأسمع الأسماع ما اشتهى كل منها وأراد، ~~إلا أنه كثير الأنس مؤثر لراحة النفس، قلما ينضبط لطالب، ولا يغتبط إلا بذي ~~فهم ثاقب، وسهم في العلوم مسدد صائب، فمجالسه مجالس علم وإيناس، وتقريب ~~لأناس، وتبعيد لأناس، وكنت بحمد الله من الفريق الأول لا بالمشكوك فيه ولا ~~بالمتأول، فسمعت وأخذت وأجازني الإجازة التامة، وكتب لي بخطه أنشدني لبعض ~~المشارقة يعرض بآخر ينعت بسراج الدين، وكانت قبيلته بجيلة فضمنها البيتين ~~وهما: # لنا في البيت من خزف سراج ... عراقي فتيلته نحيلة # يضيء لمن تعاهده بدهن ... فلا كان السراج ولا الفتيلة # وأنشدني لسراج الدين الآمدي: # بني أفدى بالكتاب العزيز ... وراح إليه سريعا وراجا # فما قال لي أف مذكان لي ... لكوني أباه وكوني سراجا PageV01P014 ويتلوه ~~البحر المتلاطم الأمواج، والمنهل الذي نروى بعذبه بقاع الوهاد وتلاع ~~الفجاج، والمجموع الذي نزلت بساحته مفنرقات العلوم نزول الماء الثجاج قاضي ~~القضاة وإمام الفقهاء والنحاة ورب العقل الوافر والحصاة، الشيخ العالم ~~العلامة قطي الشورى وعماد الفتيا، قدوة علماء الإسلام، أبو عبد الله بن عبد ~~السلام رضي الله عنه، رجل نشأ في العفة والصيانة وتبوأ ذروة الطهارة ~~والديانة، وصعد من هضبة التقى على أعلى المكانة، فلم تعرف له قط صبوة ولا ~~حلت له على غير الطاعة حبوة، على ان المسهب في الأوصاف الكريمة، والمشيد ~~بالمناقب المشيدة، سكيت مع سبقه ومسيء في إحسانه، وقاصر عن إدراكه، وهيهات ~~يضرب في حديد بارد، ويطلب ما ليس له بواجد، من رام بيده لمس الشمس، وتعاطى ~~برجله لحاق البرق، صرف همته العلية، وفكرته الوفادة الزكية، إلى انتحال ~~فنون العلوم، وافتتاح المعكوم منها والمختوم، ملك أعنتها، وقاد أزمتها، ~~وأوضح أشكالها، ووسم إغفالها، وحل أقفالها وتلقى بالسهل والرجب آنثيالها ~~عليه واقبالها، فهو اليوم وحيد الأوان، وعلامة الزمان، والمشار إليه ms023 ~~بالبنان والبيان ما قرن به فاضل من العلماء الارحجه، ولا ألقى إليه مبهم من ~~العلم إلا كشفه وأوضحه، عدلا في أحكامه، جزلا في إقدامه مراقبا لله في فعله ~~وكلامه، له صادقات عزائم، لا تأخذه معها في الله لومة لائم، إلى نزاهة عن ~~الدنيا، وهمة نيطت بالثريا، ولهجة فيها ترقرق ماء البشر فأحيا وحيا. # يقابلني له خلق وضيء ... يصدق بشره خلق رضى # حضرت مغتنما وملتزما تدريسه الذي هو ضالة الناشئ الناشد، وبغية القاصي ~~والقاصد وحديقة الرأي الرائد، وحقيقة الفوائد، فسمعت وانتفعت وأخذت عنه ~~شرحه لكتاب ابن الحاجب الفرعى فقرات وكتبت وأجازني في غير ما مرة، وكتب لي ~~بخطه ومولده سنة ست وسبعين وستمائة وسمعت منه بمنزله من تونس جميع موطا ~~الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه في مجالس كثيرة آخرها ضحوة يوم الجمعة ~~الثالث عشر لصفر من عام أربعين وسبعمائة وأذن لي في روايته عنه وحدثني أنه ~~قرأه أجمع بلفظه على الأستاذ المقرئ أبى العباس المشتهر بالبطرنى المتقدم ~~الذكر بسنده فيه وقرأه كذلك أيضا على الشيخ المحدث الرواية المعمر أبى محمد ~~عبد الله بن هارون الطاءي، وحدثه به عن القاضي أبى القاسم أحمد بن يزيد بن ~~عبد الرحمن بن بقى قراءة لبعضه وسماعا لسائره بمدينة قرطبة أعاداها الله ~~دار اسلام عن أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي قراءة عليه عن أبي عبد ~~الله محمد بن فرج الفقيه مولى الطلاع سماعا عليه قال سمعته على القاضي أبي ~~الوليد يونس بن عبد الله أبن المغيث عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله أبن يحيى ~~بن يحيى عن عم أبيه عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن مال بن أنس رضي الله عنه ~~ورحمهم وهذا السند لا يوجد مثله بالمغرب علوا واتصالا بالقراءة والسماع، ~~وقرأته أيضا عام ثلاثين وسبعمائة على والدي وأخبرني أنه قرأ منه جميع كتاب ~~الصلاة عرضا عن ظهر قلب على والده جدى عن جماعة جلة منهم والده الخطيب أبو ~~إسحاق وغيره وقرأته بالمسجد من مدينة مالقة المحروسة عام ms024 ثلاثة وعشرين ~~وسبعمائة على الشيخ الخطيب الزاهد الولي الله تعالى أبى عبد الله محمد بن ~~أحمد الهاشمي الطنجالي بسنده فيه وقد قرأته وسمعته بالأندلس وبغرب العدوة ~~على غير من ذكرته رضى الله عن جميعهم. وقد آن أن يبرز فارس ميدان التسجيل ~~المتميز في عناق تلك الحلبة بالغرة والتحجيل المحرز فضل السبق الموجب ~~للتعظيم والتبجيل الشيخ العالم المتصوف أبو عبد الله بن عمر أرضاه الله ~~تعالى، علم الجماعة، وقلم التأييد والاستطاعة، ورب الفكرة المطاعة، ومن له ~~في النظم والنثر القلم الأعلى، والقدم الأولى، واللفظ الأجلى، والقدح ~~المعلى، والبدائع التي تستفاد وتستعاد وتستحلى، وله في الطريقة الصوفية ~~مقام عال، واشتات معال، وخاطر يجول بين واسع مجال فيبرز نفائس لئال وعرائس ~~جمال ويأتي بسحر حلال، وبحر زلال بين بديهة وارتجال، ووخذ وارقال وانحفاز ~~واستعجال. # مكارم مثل الحصا كثرة ... وخاطر يغرف من كل بحر PageV01P015 رحل إلى ~~المغرب والمشرق فعلت روايته وعظمت آياته، وكثرت مبالاته بالعلم وعنايته، ~~فبدأ في سماء المعالي بل المعارف شمسا تتجلى بزهر هدايته مشكلاتها، ولاح في ~~جيد العوارف سلكا تتحلى بذر كفايته لباتها، وأقام مشتغلا بالعلم سنين، ~~وانعقد النكاح بينه وبين عقائل الآداب بالرفاء والبنين، فيلد من مخلدات ~~فكره خرائد تتهاداها الملوك وفرائد تزدان بها التيجان والسلوك، تحلت به ~~الدولة الأندلسية كما تجلت عنه الخضرة التونسية فهو الآن متولي ديوان ~~إنشائها ومدلى أشطان رشائها قد استقر عنه من عرف له شانه وعاف بعده وشانه ~~واقتنى نظمه فزانه وأذخر مرجان نثره وجمانه. دخلت الحضرة المذكورة على حين ~~أخذ مني البين أخذته وفلذ من فؤادي فلذته، فتفرست أدبه الرائق ومذهبه ~~الواضح الطرائق فكان جنابه العلي مطمح نفسي ومسرح أنسي ومصلح ما نضى من ~~لبسي، وانضى من عنسي فكانت فراسة لاح صدقها، وأومض برقها سحابها، وهمل ~~ودقها، ولما عجت إليه وقصدت منزله للسلام عليه، أنشدت بيتين اثنين استأذنته ~~بهما وهما: # ببابك يا مولى الكتابة كاتب ... أتاك بقلب من أسى البين مفجوع # وحاجته تقبيل يمناك، أنها ... تؤمن من خوف وتسمن من جوع # فارتاح إليهما ارتياح ms025 الصداق لبليل القبول، ومد لهما يمين اليمن والقبول، ~~ودارت بيننا المخاطبات نظما وتكررت بيننا المراسلات والمراجعات قلا وكثرا، ~~ولم أزل مدة إقامتي بتلك الحضرة تحت ظله الوارف وفضله المحمود المطارف خرج ~~مستريحا في بعض أزمنته الطيبة إلى بعض جناته التي هي منى النواظر، وملعب ~~الغصون النواضر ومهب الأنفاس العواطر وراحة الأبدان والخواطر، حلال الحلل ~~التي توشيها أيدي الغمائم المواطر، فما ألم بها حتى وجه إلى مع بعض خدامه ~~مركوبا من عتاق الخيل، جامعا لضياء الصباح وغسق الليل نقلني إليه، وأحلني ~~لديه، فوافيت والربيع قد أهدى نوافحه، وأسدى لواقحه، وأسدل ملاحفه وأسبل ~~مطارفه، وألان معاطفه وأفاض معارفه، ومد بروده، وأمال قدوده، وحشد جنوده، ~~وحشر بيضه وسوده، ونشر ألويته وبنوده، وملأ تهامته ونجوده، ونظم جواهره ~~وعقوده، ورقم صحائفه وعقوده، وأعطى مواثيقه وعقوده، والغمام قد بكى على ميت ~~الروض فأحيا نوره وأضحك ثغره وحدق أحداقه، وأرضى أوراقه، وأصفى ملبسه، ووشى ~~سندسه، والنسيم قد جر على بساط البسيطة ذيوله، وأجال بملعبه خيوله، واستنطق ~~أطياره، وشق أنواره، وأفشى أسراره، وأذاع شيحه وعراره، وفضض أنواره، وذهب ~~أزهاره، ونثر درهمه وديناره، وحيا ورده وبهاره، وصافح آسه وجلناره، وأطاب ~~ثناياه وأخباره، والمذانب تسل السيوف، وترى لنفسها على الأنهار الشفوف، ~~وتخترق من مكللات الثمار الصفوف، وتدور على سوق الغصون كالخلاخل، وتلتوي ~~بها التواء اللسان المجادل، وتلك السواقي تحن حنين الحوار، وتضرم في القلب ~~المشوق حر الأوار، وتهيج لوعة الصب المغترب النازح الدار، وتفجر من بين ~~أضلاعها أمثال الشفار، كما قال الرئيس أبو عبد الله بن أبى الحسين: # ومحنية الأصلاب تحنو على الثرى ... وتسقي بنات الترب در الترائب # تعد من الأفلاك أن مياهها ... نجوم لرجم المحل ذات ذوائب # وأطربها رقص الغصون ذوابلا ... فدارت بأمثال السيوف القواضب # وما خلتها تشكو بتحنانها الصبا ... ومن بين مثليها أطراد المذائب # فخذ من مجاريها ودهمة لونها ... بياض العطايا في سواد المطالب # فحللت منها شرفا، وتبوأت عرفا، واجتنيت تحفا وطرفا، وأقمنا فيها ليالي ~~وأياما أمنين، تغازلنا أعين النرجس وتقابلنا خدود الورد وتصافحنا أكف ~~الياسمين: # في رياض ms026 من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح # زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح # قلت وما ذنبها فقال مجيبا ... سرقت حمرة الخدود الملاح # ومما أنشدني هناك لنفسه: # حسن المرية ريح ... جرى عليها فعما # فكل وجه تراه ... تراه بدارا أتما PageV01P016 وأنشدني وقال لي: أنشدني ~~الحاج الفاضل أبو زكرياء بن واش الفاسي، وقال أنشدني بعض الشيوخ المجاورين ~~البغداديين وقد مر به بحرم مكة، شرفها الله تعالى، الفقيه أبو جعفر بن ~~شيخنا الإمام رضي الدين الطبري، وهو إذ ذاك فتى، فقال له الشيخ، )ما الذي ~~تقرأ وبم تشتغل من الكتب(، فقال له الفتى، )بالتنبيه( فأنشد الشيخ بديهة. # ومهفهف الأعطاف ساج طرفه ... يغدو على الفقهاء للتعليم # شغلوه بالتنبيه جهلا منهم ... لو انصفوا شغلوه بالتنويم # وأنشدني وقال لي، دخل الأديب الشهير أبو بكر بن قزمان، رحمه الله تعالى، ~~على بعض البلاد فأعطى نعله ليصلح له، وهو مستوفز قد نفد ما عنده، فخاطب في ~~الحال بعض الناس من أهل البلد بقوله: # دفعت قرقي لقراق يصلحه ... وفد تعذر قيراط من الثمن # فامنن على شاعر خفت مؤونته ... قدر السؤال بقدر الناس والزمن # وأنشدني لبعضهم: # خبت نار العلى بعد اشتعال ... ونادى الجود حي على الزوال # فقدنا الجود إلا في حديث ... وإلا في الدفاتر والآمال # ولو أني ملكت الأمر يوما ... لما حاربت إلا بالسؤال # لأن الناس ينهزمون منه ... وقد ثبتوا لا لأطراف العوالي # وقرأت وسمعت عليه جميع صحيح مسلم بن الحجاج، رحمه الله تعالى، فكمل لي ~~جميعه عليه ما بين قراءة وسماع بحق قراءته لجميعيه، بالحرم الشريف تجاه ~~الكعبة المعظمة، سنة ثلاث عشرة وسبعمائة على الشيخ الإمام الخليل عليه ~~السلام رضي الدين أبى أحمد إبراهيم بن محمد الطبري المكي الشافعي، قال: ~~قرأته أجمع بالحرام الشريف اتجاه الكعبة المعظمة، سنة خمس وسبعين وستمائة ~~على الشيخ الأوحد شمس الدين أبى عبد الله محمد بن النعمان بحق قراءته، على ~~الشيخ أبى الفضل محمد بن أبى المعالي بن الجياب السعدي، على الشيخ الشريف ~~أبى المفاخر سعيد بن الحسين الماموني، عن الشيخ أبى عبد ms027 الله محمد بن الفضل ~~الصاعدي الفراوي، عن الشيخ أبى الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، عن ~~الشيخ بن أحمد بن عيسى الجلودى، عن أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ~~النيسابوري، عن الإمام، أبى الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى، قال: " وقال ~~الشيخ أبو أحمد إبراهيم بن محمد رضي الدين الطبري، وأخبرني به، أعلى من هذا ~~الشيخ المحدث أمين الدين عبد الصمد بن عبد الوهاب بن عساكر الدمشقي، قراءة ~~عليه وأنا أسمع، بالحرم الشريف تجاه الكعبة المعظمة سنة تسع وخمسين وستمائة ~~قال: أخبرنا به الشيخ أبو الحسن المؤيد الطوسي، اجارة عن الإمام أبى عبد ~~الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوى، وبسنده المذكور " . وقد أجازني ~~الإجازة التامة، وكتب لي بخطه. PageV01P017 )وآخر سبعهم(، وموثر شفعهم، ~~إمام المعارف، وروضة الآداب الناعمة الأفنان، الرائقة المطارف، الفائزة من ~~المجد الموثل بالتالد والطارف، الشيخ العالم الولي: أبو عبد الله لبن حريز ~~فرع الأصل الغزير، وطبع الأدب المخجل أسلاك الدر وسبائك الإبريز، والمعترف ~~له في ميدان البلاغة وفرسان البراعة بالسبق والتبريز، سبق في شجرة قرشية ~~أموية كريمة الأعراق، ساطعة الإشراق طيبة الأثمار والأوراق، وتفتح نور ~~بيانه في جنان جنانه، فاجتنى لسانه، واجتلى كالزهر في آداره ونيسانه، وترقى ~~بإجادته وإحسانه، من رجل برع في الطرق الأدبية الصوفية، ونبغ في العلوم ~~العقلية والنقلية، وفرغ لها بالنفس العاصفية، والهمة الأوسية والفكرة ~~الأياسية، فخلق فيها رجوما رافقت الأنكدار، وبدورا فارقت الأبدار، وشموسا ~~على كسوفها من الزمان ما دار، فعلا بعدهم قدمه، وأضحى وجمهور العالم حوله ~~وخدمه، فاقتصر في منزله الكريم على عبادة ربه، وإفادة صحبه، سارحا من فنون ~~علوية، في روضات جنات، ودرجات مقامات، وسائحا من عيون مجلداته في بحر ~~أمهات، وفيض ملمهات، منقبضا عن الناس إلا عن المحتاجين إلى مواساته، ~~والمفتقرين إلى إفادته ومؤانسته، فترى تراكم الخلق عليه تراكم الجراد ~~المنتشر، فمجلسه في داره بتونس مجتمع إليه فيه أصناف أهل العلم، وطوائف ~~أولى التقى والفهم، وهو اليوم هناك كعبة العلوم يحج إليها، وعمدة المحاسن ~~يعول عليها، قد جعله الله تعالى محيا ms028 للأنفس، وسببا للتأنس، وأودع فيه من ~~صدق المصاحبة، وحسن المداعبة، وكثرة الخشية لله تعالى والمراقبة، ما سلكه ~~على أحسن أسلوب، وملكه الأنفس وحب القلوب، فهو كما كان محمد بن سيرين رضي ~~الله عنه، يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه، فإذا أردته على شيء من دينه كانت ~~الثريا أقرب إليك من ذلك. # سماحة لا تبارى الريح غايتها ... جودا ولا تتعاطى شأوها السحب # وهيبة لو رآها الدهر ماثلة ... ولي وللرعب في أحشائه صخب # إلى ما رزقه الله تعالى من القريحة الوقادة، والفطنة النقادة، والخوض في ~~بحور العلوم الشرعية والطبيعية، والورود من مشارع الكمالات النفسية، ~~والمشارب الذوقية الوجدانية، والعنايات السلطانية والحمايات العامة ~~والعطايا الحاتمية، والرتب العليه، والزهد في الدنيا الدنية، وبعد الهمة ~~والمشاركة للخاصة والعامة، من هذه الأمة، وإجابة الدعوة، والخلو من الزهو ~~والنخوة، وأنا من رأيت نجاح دعواته، وصلاح حالي بالتماس بركاته، ولازمته ~~وتردد إليه كثيرا فكنت أجد في مجالسته فوائد تنسي الأوطان، وأرد في موانسته ~~موارد تحيي الهائم الظمئان، قلت له يوما، يا سيدي علم الله تعالى أني أحبك ~~فقال لي: ابشر أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي: ~~)يا محمد رزقك الله التقوى وحببك إلى خلقه وجعل من يحبك من عبادة المؤمنين ~~قال رضي الله عنه: فمن علمت أنه يحبني علمت أنه من عباده المؤمنين( سمعت من ~~لفظه رضي الله عنه جميع تآليفه البديع المزري بروض الربى وزهر الربيع الذي ~~سماه مهب نواسم المدائح، ومصب غمائم المنائح، في مدح أحد حجاب، الخلافة ~~الحفصية، ونقلته من خطه وصححته عليه، وسمعت وقرأت عليه، وأجازني وكتب لي ~~بخطه، ومولده في الثاني عشر لشهر ربيع الثاني عام اثنين وثمانين وستمائة، ~~وأخبرني رضي الله عنه قال: حضرت محتفلة عند بعض الأصحاب انشد فيه المسمع ~~قصيدة ابن صردر العراقي فأعجبت بها، وما أتمها إلا وقد أشربت فؤادي من سمعة ~~واحدة، وعرضتها في الحين على من حضر وهي: # لحاجة نفس ما يفيق غرورها ... وحاجة صب ليس يفضي يسيرها # أكفكفها هطلا على كل منزل ms029 ... فلو أنها أرض لغارت بحورها # وما ينفع العين التسهد والبكا ... أذن تعرفا لي مقلة أستعيرها # وقفنا صفوفا بالديار كأنها ... أهذي التي تهوى فقلت نظيرها # لئن أشبهت أجيادها وعيونها ... لقد خالفت أعجازها وصدورها # ووالله ما أدري غداة رمينى ... أ تلك سهام أو كئوس تديرها؟ # فان كن من نبل فأين حفيفها ... وان كن من خمر فأين سرورها؟ # وان قلتما لي ليس في الأرض جنة ... أما هذه فوق الركائب حورها # يعز على الهيم الخوانس وردها ... إذا كان ما بين الشفاه غديرها! ~~PageV01P018 أراكد الحما قل لي بأي وسيلة ... توسلت حتى قبلتك ثغورها # تنال الذي ما شئت منها وتشتهي ... فصف لي ريا منها فأنت خبيرها # ومالي بها علم فهل أنت عالم ... أ أفواها أولى بها لأم نحورها؟ # يفوح النسيم الرطب من كل منزل ... وما كل أرض يستطاب عبيروها # وان فروع البان من بطن وجرة ... شهي إلينا ظللها وحرورها # ألذ من العذب الجنى عرارها ... وأشهى من الشهد المصفى رحيقها؟ # على رسلكم في الحب أنا جماعة ... إذا ظفرت بالحب عف ضميرها # لعمرك ما سحر الغواني بقادر ... على ذات نفس والمشيب نذيرها # وما الشعرات البيض إلا كواكب ... مطالعها رأس وفي القلب نورها # هكذا أملاها على بلفظه، رضي الله عنه، وقرأتها عليه بلفظي مصححها لها مرة ~~ثانية وأنشدني أيضا قال هما لأبي الحسن أبن الزقاق رضي الله عنه. # وحبب يوم السبت عندي أنه ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت # ومن أعجب الأشياء أني مسلم ... حنيف ولكن خير أيامي السبت # فهؤلاء سبعة الدرارى في علو المقام، أو كسبعة الأيام المحيطة بأزمان ~~أكوان الأنام، آثرت ذكرهم انتقاء من أولئك الجهابذة الأعلام، واقتصرت في ~~عددهم على احب الأوتاد إلى الملك العلام، ولما أراد الله سبحانه ان يسعدني ~~بالأخذ عنهم، ويسعفني في الاستفادة منهم، قيض أول من علم غيبة، ووفر جوده ~~وسيبه، ولطائفه الخفية، وعوارفه الالاهية، صديقا في المحبة، وموافقا على ~~الصحبة، حافظا في الصخور والغيبة، # خير أخوانك المشارك في المر ... وأين الشريك في المرأينا؟ # الذي ان حضرت سرك بالود ... وان غبت كان أذنا ms030 وعينا! # هو الشيخ الفقيه العالم أبو العباس النقارسى، نفع الله بمودته، حافظ ~~مجيد، وحامل مجيد، وناقل سديد وناقد شديد، وعالم فريد، ومدرس مقيد، له طبع ~~حل فيه الذكاء والنبل، وقل فيه لوابل كرمه الطل والوبل،ان وأخاك رأيت الأنس ~~قد ارتدت ذواهبه، وعادت مذاهبه، ووجدت الزمان قد لانت صعابه، وبانت شعابه، ~~وأولاك ودادا أخلصت سريرته، وحمدت في شرعة الوفاء سيرته، فلا حمد إلا ما قد ~~تصفحته له صفحات الفلا، ولا عهد إلا ما حفظه وإلا فلا، # وحسن الوفاء مرشح بخلائق ... تجري مع الماء الزلال إذا جرى # رحل من بلدة تلمسان قبل أن يلم بها الحصار، ويلقى ريحها الإعصار، ويشرب ~~الزمان صفوها بالأكدار ويحكم فيها الخطوب والأقدار، ويدير عليها من البلاء ~~والمحنة ما أدار، فكانت منه فعلة سنية ونقلة سرية، وفراسة اياسية، والماعية ~~عباسية، فدخل الحضرة مشمرا عن ساعد الجد، ومقتادا بقائد الجد، فطلع في ~~آفاقها كوكبا، ورسى في ساحتها كبكبا وجال في ميدانها ركضا وخببا، وتعلق ~~بعروتها الوثقى سببا فسببا، ولم يزل يفحص في هذه المسالك على الكمال، ~~ويستقي من مناهلها العذبة السلسل الزلال إيثارا للرتب المنيفة، واستطلاعا ~~للمقامات الشريفة، فبلغ المنتهى، وخول ما اشتهى، وحل في الحظوة فوق السهى، ~~فهو الآن أحد المدرسين الأعلام، وأوحد من برع في علمي البيان والكلام، ~~وأوجد الناس للدر إذا خاض بحر العلوم بسوابح الأقلام، أديب العصر ونحويه، ~~وعرضيه وبيانيه، وحكميه ومنطقيه، وعددية وفرضية، وأصولية وجدلية، وتعاليجية ~~وأرتماطيقية، جمع أشتات هذه الفضائل وكان فيها صائلا ليس بضائل، وعلم ~~اللغات وسائرها، وفك الأعاريض ودوائرها، إلى إحاطة بعلم التفسير والحديث، ~~وسلاطة على المطالعة والمذاكرة في القديم والحديث، أما الفروع والأصول فبه ~~كنت فيهما أصول، ولم ترعيني قط شرقا وغربا أسرع منه نسخا وكتبا، ولا أقرأ ~~لكل خط ما عسى أن يكون صعبا، على جودة خطه وصحة نقله وضبطه، وإتيانه للسحر ~~الحلال بأي شيء أخذ من الأرض لا يميل بشقه ولا يفطه. # كالحية الرقشاء إلا انه ... يستنزل الاروى إليه تلطفا # يهفو به قلم يمج لعابه ... فيعود سيفا صارما ms031 ومثقفا PageV01P019 دخلت ~~الحضرة وقد كساني البين تلك الغمرة، فنبهني منه أخ شقيق وفرج به عني أزمة ~~وضيق، وقد كان يتشوقني على السماع، وينشط للاتصال له والاجتماع، فلما علم ~~بوصولي وصل في لمة من اخوانه الأعلام، وأعيان ذلك الصقع المتصلين بالسؤدد ~~اتصال الألف بالام، فالتقينا هنالك التقاء النفس والأمل، وانتظمنا انتظام ~~القول والعمل، وأقمت معه في منزل واحد، وأمل وافد، لا يستأثر أحدنا بمقسوم، ~~ولا ينفرد عن الآخر بمكتوم ولا مختوم، وهو في كل ذلك يؤنسني غاية الإيناس، ~~ويأخذ بضبعي إلى معرفة أكابر الناس، ويفيدني بأجل الفوائد، ويأتي من مرسوم ~~فضائله بالزوائد، الخارقة للعوائد، وكثيرا ما كنت أعجب من تطلعه إلى ~~المعالي وتحصيله، وأنجب باحتذائي حدوه في جملته وتفصيله، واقتفائي سننه في ~~دقيق الأمر وجليله، والمرء على دين خليله وما زلنا بتلك الحاضرة، نتجلى ~~أنوار المحاضرة، ونجتني نوار المذاكرة، إلى أن جاء يوم الفراق، باخترام ذلك ~~التلاق، واحتدام ذلك الأعلاق، فسبحان من أوجد العهود ثم أعدمها، ووصل تلك ~~الأسباب ثم حذفها، وهذه شيمة الليالي في أعقاب تجميعها بتفريقها وإشراقها ~~كل نفس بريقها، لا تجمع شملا إلا شتته، ولا تصل حبلا إلا بتته، من أطاعها ~~عصته ومن أدناها أقصته ومن وصلها قطعته، ومن نزع إليها نزعته، ومن أرضاها ~~أغضبته وأحرجته، ومن سكن دارها أزعجته وأخرجته، والغبطة بها مع ذلك شديدة، ~~والآمال فيها على أنها دار البلاء جديدة، حتى كأن حقيقة ما يعلم من ~~استحالتها ارتياب، والرحلة عندها إياب، لقد حق أن يرفضها البصير، ويعد لما ~~إليه تصير، ويسئل الله في أمره فنعم المولى ونعم النصير، ألهمنا الله تعالى ~~طريق إرشادنا، وأعاننا على الأعداد لمعادنا، وقضى في العاجل والآجل ~~بإسعادنا، أنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وارجع إلى تتميم ما بدأت عن ~~الأعلام بفضل هذا الفاضل وجلالته، والالماع من ذكر روايته والرواية عنه بما ~~لا يخشى من ملالته، فأقول: أني قرأت عليه جميع تآليفه في العروض الذي سماه ~~بالروض الاريض في علم القريض، وجميع تآليفه في الأدب الذي لخص فيه رسالة ~~أحكام صنعة ms032 الكلام من إنشاء الوزير الكاتب أبى عبد الله ابن عبد الغفور، ~~وكتبها لي بخطه، وأجاز لي جميع ما رواه وألفه من تآليفه التي أبدع فيها ~~تلخيص مشكل الحديث لابن فورك، وكتاب حديقة الناظر في تلخيص المثل السائل في ~~علم البيان، وشرح كتاب المصباح لابن مالك، وكتاب إيضاح السبيل والقصد ~~الجليل في علم الخليل في شرح قصيدة ابن الحاجب العروضية، وله تآليف غيرها ~~مما عرف بحمد الله قدرها، وأشتهر على الألسنة ذكرها، # وسارت مسير الشمس في كل بلدة ... وهبت هبوب الريح في البر والبحر # وأنشدني وقال: أنشدني الشيخ الإمام الأوحد أبو عبد الله محمد بن راشد، ~~رحمه لله تعالى، قال: أنشدني لنفسه معين الدين ابن تولواء التوزى، رحمه ~~الله تعالى ورضى عنه: # يا أهل مصر رأيت أيديكم ... عن بسطها للنوال منقبضة # لما فقدت القرى بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضة # وأنشدني لغيره: # لحا الله مصر وسكانها ... وفتت أكبادهم بالحسد # متى يرتجى مفلس عندهم ... غني، وعلى كل فلس أسد # وأنشدني الشيخ المحدث الفاضل فتح الدين بن عمر بن سيد الناس رحمه الله ~~تعالى: # بالله ان جزت بواد الأراك ... وقبلت عيدانه الخضر فاك # فأبعث إلى المملوك من بعضها ... فأنني والله مالي سواك # وأنشدني لبعضهم: # جعلت هديتي لكم سواكا ... ولم أقصد به أحد سواك # بعثت إليك عودا من أراك ... رجاء أن أعود وأن أراكا # وأنشدني قال أنشدني الشيخ الإمام الأوحد ناصر الدين أبو علي منصور بن عبد ~~الحق المشذلى رحمه الله، قال أنشدني أبو عبد الله بن أبى الفضل السلمى ~~المرسي لنفسه: # عابوا الجهالة وازدروا بحقوقها ... وتهاونوا بحديثها في المجلس # وهي التي ينقاد في يدها الغنى ... وتجيئها الدنيا برغم المعطس # ان الجهالة للغنى جذابة ... جذب الحديد حجارة المغنطس # وأنشدني له أيضا: # تنقل فلذات الهوى في التنقل ... ورد كل صاف لا تقف عند منهل # وان سار من تهوى فسر عن جنابه ... ولا تسكبن دمعا على مترحل PageV01P020 ~~ولا تلتفت قول امرئ القيس انه ... ضليل ومن ذا يهتدي بمضل # ففي الأرض أحباب وفيها منازل ... فلا تبك من ذكرى ms033 حبيب ومنزل # وأنشدني للقاضي الخطيب العالم أبى عمر بن إدريس، أخي بني بحر صفوان بن ~~إدريس. في أبى العباس الفضل بن أحمد بن الفضل، أحد علماء مرسية ووزرائها، ~~وكان أوحد زمانه في حسن الصورة. # أطاع فؤادي حبه وعصى العدلا ... وذاق الهوى مرا، ولكنه استحلا # يقولون أقصر، وأنس فضلا ولم اكن ... لا فعل هذا، ساء قولهم فعلا # يكلفني العذال ما لا يحل لي ... أ أنسى؟ وقال الله لا تنسوا الفضلا # وأنشدني له أيضا: # واغيد حظي منه ما اختلس الطرف ... يميل بقلبي نحوه الحسن والظرف # غزال ضعيف اللحظ ويحي وإنما ... جنى ضعف صبري في الهوى ذلك الضعف # هو الخشف إلا أنه كلما رنا ... جزعت وفي المعتاد أن يجزع الخشف # أرى هجره وقفا علي فهل غدا ... جزاء على أني على حبه وقف # سلوه برفق هل جنيت جناية ... فان قال أي فاسألوه عسى يعفو # ويصرفني من جوره نحو عدله ... فها أنا لا عدل على ولا صرف # سأتنيه نحوي بالقوافي فأنها ... نسيم ويحكي الغصن لي ذلك العطف # قنعت بأن يهدى إلى سلامه ... إذا لم يكن زهر من الروض فالعرف # وأنشدني لابن الربيع سليمان بن أحمد اليبنى، أندلسي استوطن المشرق ومدح ~~الملك الكامل: # لولا تحديه بآية سحره ... ما كنت ممتثلا شريعة أمره # رشأ أصدقه وكاذب وعده ... يبرى لعاشقه أدلة عذره # ظهرت نبوة حسنه في فترة ... من جفنه وضلالة من شعره # وأنشدني عند الوداع لعلي بن هاشم المروزي: # يا موقد النار يدكيها فيحمدها ... قر الشتاء بأرواح وأمطار # قم فاصطلي النار من قلبي مضرمة ... بالشوق من مهجتي، يا موقد النار # ويا أخا الذود قد طال الظلماء بها ... ما يعرف الرى من جذب واقفار # رد بالعطاش على عيني ومحجرها ... تروي العطاش بدمع وأكب جار # يا مزمع البين لا كان الرحيل فان ... كان الرحيل فأني غير صبار # ان غاب شخصك عن عيني فلم تره ... فان ذكرك مقرون باضمار PageV01P021 ثم ~~تهيأ زادي، وكمل للسفر استعدادي، وخرجت بعد الاستخارة المشهورة، ومن حضرة ~~تونس المذكورة في صبيحة يوم السبت السابع عشر شهر ربيع ms034 الثاني عام سبعة ~~وثلاثين وسبعمائة، وقد نثر المركب بنوده، وقلد شراعه وأحكم شدوده، فركبت في ~~اليوم المذكور، ثم أحصى الراكبون فكمل في المركب منهم نحو ألف راكب، ثم رفع ~~الشراع وسرنا خارجين من المرسى إلى ان جزنا جزيرة )قوسرة( ووصلنا إلى جزيرة ~~)ملطة(، ثم هبت ريح اقتلعتنا واسرعتنا، واشتدت وحامت فروعتنا وأزعجتنا، حتى ~~أدخلتنا مرسى جزيرة )أفريطش( فأقمنا فيها خمسة أيام، وهي جزيرة للروم، ~~وطولها نحو ثلاثمائة ميل ثم خرجنا منها فلما توسطنا المواسط اشتدت الريح ~~المختلفة، وعظمت الأمواج المضطربة، وأتت الأنواء من كل جانب، وجاءنا الموج ~~من كل مكان أمثال الجبال السائرة، فاظلم الجو وتراكم النوء، وارتفع الصحو، ~~وتبدل بالكدر الصفو، واهتاج البحر اهتياجا، واربدت الآفاق سوادا، وانتشرت ~~الرياح عصوفا، وتدفقت الأمواج، وعظم الارتجاج، وهمى الغمام، واستشعر ~~الحمام، وأرسلت شئاييب الأمطار كأنها السهام، وكان ذلك الخطب أعظم من ان ~~يحيط به الوصف، فرجفت القلوب، وخرست الألسن، وجرت الرياح بما لا تشتهيه ~~السفن، واتصلت الحال في الزيادة إلى أن قربنا )من جزر الرومانية(، وتفاقم ~~الأمر وتعاظم حتى انتهينا إلى جزيرة )أشقرباطة( فركبنا إلى مرساها، وأرسينا ~~به فتزايد الأمر وعظم، حتى قطع المراسي جملة واحدة، وخرج المركب رغما على ~~الأنواف واستقبل عظيم تلك البحار فأيقنا بالهلاك، وغلب اليأس على الأمل، ~~وقلت )أنا الغريق فما خوفي من البلل( وكم يسير بنا في غير طريق، والهول ~~يزيد ويعظم، حتى تفتح المركب من جميع جهاته وصار الماء يدخله من كل جانب ~~حتى ملاء الجو الأسفل واستوى على ظهر الطبقة الثانية من المركب، وتزايد ~~فيها حتى قرب من الطبقة العليا، فاستغاث الناس ولم يبق شك في الهلاك، وإذا ~~بالرئيس والبحريين قد أقبلوا عليهم وقالوا ما بقي في الحياة من طمع إلا ان ~~قدرتم على ميح الماء ورمى الوسق، فقام الخلق بأجمعهم كبيرا وصغيرا وذلك بين ~~العشائين، وأقبلوا على الميح والرمى، فلما رجع أحد عن رمي ما قام في وجهه ~~شيء كان، ما عدا النفس خاصة، والقليل من الشدائد يصير عند المشاهدة له ~~كثيرا، كما ان ms035 الكثير من الشدائد يصير عند سماعه قليلا، وأهوال البحر لا ~~تحصى ولا تحصر، والشيء يسمع فيحقر حتى يبصر: # هو البحر حدث عنه غير مكذب ... فما تنقضي آياته وعجائبه # فأقاموا كذلك حتى ظهرت )جزيرة قبرس( وهي جزيرة كبيرة معمورة بالنصارى ~~كالجزر التي قبلها، فما انفصلنا عنها إلا وقد أدركهم الجهد والإعياء، ~~ولحقهم العطش الشديد والعناء، وقد كانوا رموا جميع ما كان بقي لهم من الماء ~~المعد للشرب فطلبت قطرة من الماء توجد، فما رض ضلوعي ولا فض دموعي إلا ~~أطفال يضطربون بالبكاء ويستغيثون من العطش ومن الماء حتى أشرف الناس على ~~الهلاك بالعطش، وتجزع بعضهم من ماء البحر فكنت أراهم مطروحين يعالجون سكرات ~~الموت، فعند ذلك قام صاحب المركب إلى شيء يسير كان بقى له ولرجاله من الماء ~~لشربهم، وحضره إلى ناحية وأحصى جميع ما كان في المركب اسما وعينا بالزمام، ~~وصار يدفع لهم جرعة واحدة ظهر كل يوم قدرها نحو ثلاث أواقى، فبينما يتمسكون ~~بتلك العلالة، ويترمقون بتلك المصة والبلالة، التي كان الناس يتجرعونها، ~~كرها، والعطش أشهى للنفس منها، إذ أمر الله تعالى الرياح ان تسكن. والبحار ~~أن تبيض، فلم تتحرك فيها للنسيم حركة: # وقد كان بحرا قبل ذلك زاخرا ... فغدا بذلك، وهو بر مقفر PageV01P022 ~~فتمكن اليأس، وعظم البأس، وسقط في أيدي الناس، فضجوا بالدعاء، ونقص لهم ~~النصف من تلك الجرعة التي كانوا يأخذونها من الماء، واختلفت إليهم أنواع ~~الهلاك والبلاء، فلما رأيت تلك الشدة، جمعت الأصحاب من قراء القرآن فاجتمع ~~منهم نحو الثلاثين رجلا، فقلت لهم ما لنا إلا اللجوء إلى الله عزل وجل، ~~وأتوسل إليه بكتابه وبرسوله فصلينا العشاء الأخيرة وقسمت عليهم القرآن ~~مجزئا، وأقمنا على التلاوة والقراءة ليلتنا تلك فلم يكن إلا أمد يسير وشفع ~~الله فينا كتابه العظيم، ونبيه الكريم، وهبت ريح سرنا بها حتى أنعم الله ~~سبحانه وظهر منار الإسكندرية فأعلم الناس بذلك، فضجوا سرورا بالدعاء ~~والبكاء، وأعلنوا بالحمد والشكر لله تعالى والثناء، وكادوا أن يقضي عليهم ~~ذلك الأمل ومن فرح النفس ما يقتل. # خفقت ms036 قلوبهم سرورا بعدما ... باتوا بأفئدة يراع خوافق # فما رأيت قبلها بشارة أحلى في النفوس، أوقع في القلوب، ولا أعظم سرورا من ~~سرور الخلق بها في تلك الساعة، وما ظنك بساعة أعلنت بالكرم والجود، وأعلمت ~~بالخروج من العدم إلى الوجود، وفيها نطق لسان الشكر بما تيسير على الفكر ~~فقلت: # بشراكم لاح المنار إلا سعد ... ودنا على اليأس المرام إلا بعد # وتنفس الكرب الذي كنا به ... في حالة البلوى نقوم ونقعد # وافتر من إسكندرية ثغرها ... قد أخصب المرعى وطاب المورد # واستقبلوا النعم العظام بشكرها ... فبشكرها أبدا لكم تتزيد # ما خاب قصدكم وطبية قصدكم ... وشفيعكم خير الأنام محمد # فوصلنا وجفن الظلام قد انطلق على عين الشمس، ومضى اليوم مضي الأمس، ~~ودخلنا المرسى بقرب المنار، في ليلة الجمعة الثالث عشر لجمادى الأخرى من ~~عام سبعة وثلاثين المذكور، ولما بدأ من الفجر سفور، ونثر الصبح كافور، ~~وركبت إلينا زوارق المدينة، وخرج الناس لمشاهدتنا في أحسن الزينة، نزلنا ~~البر لا نلوي على جريج ولا نصبر ريثما يسكن البحر من ماء وريح، وأقبلنا ~~الساحل قاصدين تائبين من ركوب البحر أبد الآبدين فلما وطيئنا الرمل وسلمنا ~~على الأخوان احتضنا بالشرط والاهوان، وحملنا بأجمعنا إلى الديوان هناك ~~شاهدنا الحساب وأرينا العذاب، وملئوا منا البيوت والرحاب ثم أمرت اليد على ~~القليل الكثير، والحقير والنقير، والدفتر والقطمير، والرفيع الوضيع والغني ~~والفقير، وفتشت الأوساط، وعم الزحام والاختلاط، وكثر الهياط والمياط، حتى ~~خرج المخزون والموزن، وبرز المعكوم والمختوم، وعند الله تجمع الخصوم، فأخذ ~~من كل عشرة دنانير ديناران ومن كل عشرة دراهم درهمان، ظلما وعدوانا وجورا ~~وطغيانا فاستشعرت الأسف، ونسيت كل رزء سلف، وودت للنزر الحاضر لو كان مع ~~الشيء الآخر ذهب وتلف وجعلت أنشد: # رمى بي البحر درا في بلادكم ... لكنني لم أصادف فيكم صدفا # أصبحت بين أناس ضعت بينهم ... كالزهر في كف مزكزم فوا أسفا # وبعد مرارة تلك المواقف المهينة، أعقبت حلاوة تلك المدينة: # فنسينا ما لقينا ... وكأنا ما شقينا # وخلصت من حجر الأسى لمسرة ... فتنت بها الأبصار والأسماع # وظفرت من ms037 زمني بحظ لم يزل ... بيني وبين الدهر فيه نزاع # فانتظم الشمل بقصر الموضوع، بديع المجموع، يعجب بقطعه المتجاورات، وحدائق ~~فيها من كل الثمرات ونخل كالكتائب قابلت الكتائب، والعذارى أرخين الذوائب، ~~فيها قنوان من البسر وألوان تعدى على العسر، وتهدى إلى اليسر فلم أر مدينة ~~أحسن منها وضعا ولا أبدع ربعا، ولا أسع مسالك ولا أعلى مباني ولا أسمى ~~مراقى، ولا أجمل مراسم، ولا أوضح معالم، ولا أملح أزقة، ولا أعجب رونقا ~~ورقة، ولا أحسن تفصيلا وجملة. # هي القصور البيض لا ما حدثوا ... عن أرم وغيرها من البنا # تخطف الأبصار من لالائها ... والليل قد ألقى القناع الادكنا PageV01P023 ~~فكأن محاسن الدنيا فيها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، كوكبها يقظان، ~~وجوها عريان، وحصاها جوهر ونسيمها عطر، وترابها مسك أذفر، ويومها غداة، ~~وليلها سحر، وكفاها ان ليلها كالنهار في تصرف العباد، وإعادة مسائها ~~كصباحها، وهو غير المعتاد، وهل هي الاذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد، ذكر المفسرون عن أبى ابن كعب في قوله تعالى أرم ذات العماد: إنها ~~الإسكندرية، فهي من أعجب البلدان، وفيها بنيان عجيب، ذكر صاحب الجغرافيا ~~أنها بنيت في ثلاثمائة سنة، وان أهلها مكثوا سبعين سنة ألا يمشون فيها ~~بالنهار إلا معصبين الأعين بخرق سود، خوفا على أبصارهم من شدة بياضها، وعلى ~~منارها سرطان من رخام، والمنار على أربعة أساطين، وطوله ثلاثمائة ذراع ~~وحيطان المدينة وسورها من رخام، فيها قبة كانت لفرعون، وفيها قصر سليمان قد ~~نهدم وبقيت أثاره، وبها أسطوانة تستدير الدهر كله، وكان في القديم على ~~منارها مرآة كبيرة، صنعها الحكماء، يتطلع بها على القسطنطينية وبلاد الروم ~~حتى احتيل في إنزالها، فلم يستطع أحد على صرفها بهذا انتهى، ومن عجيب صنعها ~~أن بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها، بل أعتق وأمتن، لان الماء من النيل ~~يخترق جميع ديارها ويتخلل جميع أزقتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض ~~ويمد بعضها بعضا، وعاينت فيها من سوارى الرخام وألواحه كثرة وعلوا واسعا ~~وحسنا ما لا يتخيل بالوهم، ولقد نلقي فيها سوارى ms038 يقصد الجو بها لا يدري ~~معناها، ولا لما كان أصل وضعها، ويذكر انه كان عليها في الزمن القديم مبان ~~الفلاسفة ولأهل الرياسة والله اعلم، ومن أعجبها وأعظمها عمود السوارى، له ~~قاعدة مربعة هو عليها، عددت في أحد جوانبها نيفا على أحد عشر شبرا، وطالعت ~~في بعض التآليف أنه أعظم عمود على وجه الأرض واقف على كنز من الكنوز، وان ~~طوله تسع وأربعون ذارعا بالذراع الكبيرة التي فيها ذراعان، وانه لا يتزحزح ~~عن موضعه ولو تساقطت عليه الجبال الشم، ومن عجائب الإسكندرية أيضا المنار، ~~وهو بخارجها قد صعد كالبرج الأعظم في عنان السماء أساسه كله معقود بالرصاص، ~~وبنيانه بالحجر المنجور الجافي يزاحم السماء سموا وارتفعا قد وضعه الله ~~تعالى على يد من سخره لذلك آية للمتوسمين، وهداية للمسافرين يهتدون به في ~~البحر إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلا، عرض أحد جوانبه ~~الأربع ينيف على خمسين باعا، ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة، ~~وألفيت في بعض التآليف المعتمدة ما نصه: وذكر من عبد الله بن عمرو ابن ~~العاص أنه قال عجائب الدنيا أربعة مرآة منار الإسكندرية كان الناس يجلسون ~~تحتها فيرون من القسنطينة وبينهما عرض البحر، وفرس من نحاس بأرض الأندلس ~~باسط يديه مقابل بكفييه أي، ليس خلفي مسلك فلا مسلك فلا يطأ أحد تلك الأرض ~~إلا ابتلعته النمل، ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، فإذا كانت ~~الأشهر الرحم هطل منها الماء فشرب الناس واستقوا وصبوا في الحياض فان ~~انقطعت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء إلى آخر، وشجرة من نحاس بأرض رومة ~~عليها زرزور من نحاس سودانية فإذا كان أوان الزيتون صفرت تلك السودانية من ~~النحاس فيعصر أهل رومة ما يكفيهم من الزيت لادمهم وسرجهم في كنائسهم إلى ~~عام قابل، هذا الذي ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص خبر مشهور موجود في كتب ~~الحكماء، والمرآة التي كانت بمنار الإسكندرية صح خبرها بالتواتر خاصة، ~~وإنما عمل الروم في إفسادها خوفا منها، ولهذه المدينة ms039 من المدارس والمساجد ~~ما لا يستوفيه وصف ذكر الهروى في بعض تآليفه أن مدينة الإسكندرية احتوت على ~~أثني عشر ألف مسجد، وذكر أبو الربيع بن سالم الكلاعي في كتاب الاكتفاء له ~~قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين فتح ~~الإسكندرية، أما بعد فأني فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أني أصبت فيها ~~أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، ~~وأربعمائة حلة للملوك، وعن أبى قبيل، ان عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ~~وجد فيها أثنى عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر )انتهى(، إلى غير ذلك من ~~المعاهد والمفاخر والمشاهد والمآثر، وفيها تربة بعض الأنبياء عليهم السلام، ~~وتربة بعض التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، استوفيت زيارة جميعهم وتردد ~~إلى مبارك بقيعهم، ثم عدت إلى لقاء العلماء والأخذ PageV01P024 عن الفضلاء ~~فأول من لقيته بها من الأئمة وحاملي الآثار والسنة الشيخ الفقيه الإمام ~~قاضي المالكية الأحق بالرتبة السامية السنية، وجيه الدين أبو زكرياء يحيى ~~بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الأمان بن خليفة بن أبى أرضين ابن تقين بن ~~تامشت بن علي بن رجاء بن عبد المؤمن بن ذي حي الصنهاجي اليزيدي المالكي، ~~هكذا أملى علينا نسبه ومولده في الثالث من شهر ربيع الأول سنة سبع وستين ~~وستمائة إمام الفروع والأحكام، والعالم بالحلال والحرام، والمهتم بطلب ~~العلم أعظم الاهتمام له رحلة قديمة وعي فيها الكثير ولقى الصدور الأكابر، ~~وحج نحو العشر حجج وجاور سنين وشغل زمانه بالعلم فاستفاد وأفاد، فيه يقول ~~صاحبنا ورفيقنا الكاتب البليغ الحافل الفاضل أبو إسحاق ابن الحاج وأنشده ~~إياهما بمحضري: # أضحى وجيه الدين أسبق سابق ... في العلم والعلياء والخلق النزيه # عجب الورى من سبقه وتعجبوا ... فأجبتهم لا تنكروا سبق الوجيه # وهو رجل قد أجزل الله تعالى له الحظين: كمال الخلقة ووفور القوة، وسعة ~~الدنيا، ومتانة الدين، سرى وسيم، مسكي النسيم، زكي المناسم في المبدأ ~~والقسيم، طلق أسرة الوجه دمث جناب البر رقيق حاشية الطبع، حسن الأخلاق، ms040 ~~وحسن الهيئة، جميل اللباس، سمح اللقاء مليح التأنيس، حلو المحاضرة، ذكي ~~المعاني، نبيل المقاصد، سهل الحجاب، لين الجانب، يقظ، حاضر الذهن كأن خاطره ~~جمرة تقد، سمعت عليه تآليف كثيرة بمنزله من الإسكندرية وأجازني الإجازة ~~التامة المطلقة العامة وكتب لي بخطه. . . وجرت المحاضرة عنده فأجرى خيله، ~~وجر الحديث على المذكرة ذيله فأخبرته ان في كتاب سحر الشعر. . . من لا يجد ~~انفعالا عند سماع قول ابن عبد ربه القرطبي. # أشكو إليك قلا دعائي يسمع ... يا من يضر بناظريه وينفع # للورد حين ليس يطلع دونه ... وأراه عندك كل حين يطلع # من لي باحور ما يلين كلامه ... خجلا وسيف جفونه ما يقلع # منع الكلام سوى إشارة لحظه ... منها يخاطبني وعنها يسمع # فليتهم مزاجه وليبادر علاجه " وفي كتاب " الأشعار بهزات الأشعار " قول ~~ابن عبد ربه " : # يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتعذيب القلوب خليقا # ما ان رأيت ولا سمعت بمثله ... درا يعود من الحياء عقيقا # وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا # يا من تقطع خصره من ورقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا # وفي كتاب " المطمح " ان أبا الوليد بن عتال لما انصرف من الحج اجتمع بأبي ~~الطيب في مسجد عمرو بن العاص بمصر ففاوضه قليلا ثم قال له أنشدني لمليح ~~الأندلس، يعني ابن عبد ربه فأنشده هذه الأبيات، فلما أكمل إنشادها استعادها ~~ثم صفق بيده وقال: يا ابن عبد ربه لقد تأتيك العراق حبوا فتناقلتها عني ~~بالألسن الأقلام، وكانت سببا لتأنيسى بأولئك الجلة الأعلام. PageV01P025 ~~وممن لقيته بها من الأمجاد، والعلماء النقاد، الشيخ العدل شرف الدين أبو ~~البركات محمد بن الشيخ الإمام العدل المرحوم فخر الدين أبو بكر محمد بن ~~الشيخ الإمام العالم المصنف شهاب الدين أبى محمد عبد الكريم ابن عطاء الله ~~الجذامى الإسكندري، له حسب صميم، وسلف في العلم قديم ومنهج على السنة قويم، ~~وبيت له للعلم والدين تعظيم وتفخيم، فلله ما هنالك من خيم، ومنادى لا يدخله ~~ترخيم، ومنتهى لا يعرف نحوه إلا منطق دلق ولفظ رخيم. فهو ms041 كريم النجار، كبير ~~الكبار، خير الأخيار، طاهر اللذات، فاضل الذات، كامل الأدوات، كثير الآيات، ~~عالي الروايات، عالم بالشرعيات، واقف على الطبيعيات، عف السريرة، حسن ~~الصورة والسيرة، طريف المنازع، ذكي المبادئ والمقاطع، سهل العبارة نبيه ~~التنبيه والإشارة، كأنه لطيمة مسك أو شهدة مشتارة. ذاكر الحديث والفروع، ~~سالك على ألسن المشروع، عارف بعقد الشروط ناظم لتلك السموط، عاقد مجيد، ~~باحث مفيد، إمام مفتي عالم مدرك عدل مبرز. # من معشر أوصافهم ... كالمسك لذ لمن نشق # فحديث آخرهم زكا ... وحديث أولهم عبق # لقيته بدكانه من الشهود بالإسكندرية، وجالسته كثيرا مغتنما لفوائد ~~مجالسته، متنعما في حدائق مؤانسته، وسمعت عليه وأجازني إجازة تامة مطلقة ~~عامة، وكتب لي بخطه. # وممن لقيته بها من العلماء المسندين والأولياء المهتدين: الشيخ العالم ~~شرف الدين أبو العباس أحمد بن أبى الحسن علي )بن عبد العزيز ابن عبد الله ~~الكتامى الشافعي، الشهير بابن المصفى أرضاه الله تعالى: شيخ المعارف ~~والفضائل وإمام الأكابر، وصدر المجالس والمحافل، بدر الإشارة لسرى القوافل، ~~له المناقب الثواقب والمواهب السواكب، والفوائد الفرائد، والمناهج المباهج ~~وله بالعلم عناية، تكشف العماية، ونباهة تكشف النزاهة، دراية تعضد الرواية ~~فكلامه تنثر طرفه وتتهادى تحفه فارق لين المهاد، ورافق العبادة والاجتهاد، ~~وانعطفت قناته وهبت بحركاته سكناته، ذو خشبة لله ومراقبة له كثير الدعاء ~~دائم الصبرة شديد التواضع عالم صالح فاضل. # محامد فاز في الدنيا بعاجلها ... وفي القيامة أجر غير ممنون # لقيته بمنزلة من الإسكندرية، فسمعت عليه تصانيف جملة، وتلقيت منه فوائد ~~جمة، وقرأت عليه بلفظي جميع كتاب الشهاب للقضاعي رحمه الله تعالى، وحدثني ~~به عن شيخه سعد الدين عبد الرحمن بن حسن بن حمزة لجميعه من لفظه وسنده في ~~برنامج روايتي وحدثني به أيضا عن الشيخ أبى البركات هبة الله بن زوير ~~الأزدي الإسكندري إجازة ان لم يكن سماعا قال أخبرنا الشيخ أبو القاسم بن ~~حمزة بن موقى السعدي الأنصاري سماما عليه من المدارك سماعا عن المؤلف ~~سماعا، وسمعت عليه جزءا وافرا من كتاب موطأ الإمام مالك بن أنس رضي الله ~~عنه، وتناولته ms042 أجمع من يده المباركة، وله فيه علو زائد، وألبسني خرقة ~~التصوف، وأخبرني انه لبسها عن الشيخ الإمام القدرة شمس الدين أبى عبد الله ~~محمد بن موسى بن النعمان الهذلي بسنده فيها، وقرأت عليه بلفظي جميع الجزء ~~المسمى تنبيه المذنب بالطير والحوت قبل ان يموت تأليف شمس الدين أبى عبد ~~الله بن النعمان المذكور، وحدثني به عنه سماعا عليه، ومما انفرد بالعلو فيه ~~سماعه غير مرة لجميع القصيدة الفقهية في الحجة والزورة المحمدية على ناظمها ~~الشيخ الإمام الصالح مجد الدين أبى عبد الله محمد بن أبى بكر البغدادي ~~الواعظ رحمه الله تعالى وأولها: # أيا عذبات البان من أيمن الحمى ... رعى الله عيشا في حماك رعيناه # سرقناه من ريب الزمان وصرفه ... ولما سرقنا العيش منه سرقناه # وجاءت جيوش البين يقدمها القضا ... فبدد شملا بالحجاز نظمناه # وسماعه كذلك لجميع القصائد الوترية المضمنة مدح أشرف البرية لناظمها مجد ~~الديد وأولها: # أصلي صلاة تملأ والسماء ... على من له أعلى العلا متبوأ # أقيم مقاما لم يقم فيه مرسل ... وأمست له حجب الجلال توطأ # إلى العرش والكرسي أحمد قد دنا ... ونورهما من نوره يتلألأ # وقد قرأت جميع ذلك كله عليه بلفظي بمنزله المذكور، وقرأت وسمعت عليه ذلك ~~وأجازني وكتب لي بخطه ومولده في شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة، وأنشدني في ~~غير مرة، وقال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبى بكر الواعظ المذكور ~~لنفسه: PageV01P026 حضرت فكنت في بصري مقيما ... وغبت فكنت في أقصى الفؤاد # وما شطت بنا دار ولكن ... نقلت من السواد إلى السواد # وممن لقيته بها من أهل المجادة، والعلم والعبادة، الشيخ العالم، المسند ~~سديد الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ العدل المرحوم عز الدين أبى القاسم ~~عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أبى محمد عبد الوهاب بن الشيخ رضي الدين ~~أبى عبد الله محمد بن الشيخ الإمام الأوحد مفتي المسلمين جمال الدين أبى ~~الماضي عطية بن المسلم بن رجا بن منصور بن جامع بن الحسن بن علي التنوخي ~~اللخمى الإسكندري المالكي، المشهور بابن ms043 عطية، أوحد من برع في العبادة ~~والزهد، وفرع ذروة العلم والمجد فجمع الله له بين العلم والعمل، ومنحه من ~~كل فضل بلوغ الغاية التي لا يقال معها لشيء كمل لو أن ذا كمل، ووهبه شرف ~~الخلال لجميع خلال الشرف، وجعل سرفه في الخير حجة على من قال لا خير في ~~السرف. # بيته أحد البيوت الرفيعة بالإسكندرية، وله بها مزية الرفعة المزية، عمر ~~بالحسنات إناءه، وتتبع بالقربات آباءه بانيا كما بنوا، بل زائدا على ما ~~أتوا، وبادئا من حيث انتهوا، فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المفاخر، ~~وحجة المفاخر، فقد رأى وشاهد، وحمد ذلك المجد المشاهد، ويا طالما لازمته ~~فاجتليت شمسه العلية طالعة من شرقها، وأنوارها الجلية ساطعة في أفقها، ولكم ~~أقمت بها خطيبا وأرجت من ثنائها طيبا: # فآنثنى والثناء بأرج من عطفيه ... طيبا لم يرض بالند ندا # لقيته بمنزله من الإسكندرية، وسمعت منه حديث )الرحمة( المسلسل بشرطه، ~~وحدثني فيه في غير هذا، وقد أخذت، حديث )الرحمة( هذا عن جماعة كبيرة من أهل ~~الأندلس وغرب العدوة وغيرهم، وخرجت سندي فيه عنهم في مجموع كبير. سمعت عليه ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أجزاء كثيرة منها جزء فيه مجلس من أمالى ~~الحافظ أبى القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي، وجزء فيه ثلاثة عشر ~~حديثا مخرجه من كتاب للترمذي، وجميع ما تضمنته الأربعون الكبرى الصحابية، ~~للحافظ أبى الحسن المقدسي من الأحاديث النبوية بأسانيدها والكلام عليها، ~~وهي سبعة أجزاء يجمعها مجلد واحد، وجميع الأربعين حديثا على أربعين شيخا، ~~في أربعين بابا، لأربعين صحابيا، وقد استوفيت جميع أسانيد ذلك كله في ~~برنامج روايتي فذلك موضوعها. وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ~~ومولده رضي الله عنه خمسين وستمائة. # ومنن لقيته بها من كبار المقرئين، وخيار عباد الله الصالحين، الشيخ ~~المقري الصالح فخر الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى الحسين يحيى بن ~~السيورى أبقى الله بركته فخر السنة والملة، وإمام الأئمة الجلة، ولي الله ~~الكريم عليه، المنقطع إليه، المشفع بالقراءة ms044 والتلاوة بين يديه، مجد في ~~الزهادة، متفرغ للعبادة متوكف ما وعد الله سبحانه للذين أحسنوا من الحسنى ~~والزيادة، نشأ على عفة وصيانة، وأمانة وديانة، فعظم الله شأنه، ورفع بالعلم ~~والعمل مكانته ومكانه، وأعلى منار الهداية ورزق الناس الانتفاع به في ~~البداية والنهاية، فازدحموا على مورده والمورد العذب كثير الزحام، والتأموا ~~بمعهده، وحيث الحب يزدحم الحمام، وأنشدوا لدى يديه: # لقد حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الزمن ابتسام PageV01P027 ~~وللجمهور بالانسياح إليه والانسياب، لهج الغياب بالإياب، وطرب الشيب لذكر ~~الشباب، أخذ القراءة عن جماعة جلة وسمع الحديث على رجال بأسانيد علية، حتى ~~انتهى رتبة أوائلها، وانتهج طرق اعتنائها واعتلائها، وفضائله كالصبح جلا ~~الأفاق، والنجم أعقب الإخفاق لقيته بموضوع إقرائه من الإسكندرية فسمعت عليه ~~من الحديث كثيرا، وترددت إليه فانتفعت به انتفاعا كبيرا، ومما سمعت عليه ~~جزأ فيه ستة أحاديث منتحبة من رباعيات الترمذي، وفيها حديث واحد ثلاثي ~~تخريج السيد الشريف تاج الدين أبى الحسن علي بن أبى الحسن علي ابن أبى ~~العباس أحمد القرافي الحسنى بسماعه له قراءة مخرجه المذكور على الشيخ شرف ~~الدين أبى عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان القرشى الأمورى بسماعه ~~بجميع كتاب الترمذي من أبى الحسن علي بن أبى المكرم نصر بن المبارك المعروف ~~بابن البناء قال أخبرنا أبو الفتح عبد المالك بن أبى القاسم عبد الله بن ~~أبى سهل بن أبى القاسم الكردوخى سماعا عليه، قال: أخبرنا المشائخ الثلاثة ~~أبو عامر محمود بن أبى القاسم الأزدي وأبو بكر أحمد بن عبد الصمد الغوجي ~~وأبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقى قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار ~~بن عبد الله بن أبى الجراح الجراحي قال: أخبرنا أبو عباس محمد ابن أحمد بن ~~محبوب المحبوبى المروزي قال: أخبرنا أبو عيسى الترمذي، ومما قرأت عليه ~~بلفظي جميع الجزء المسمى " بقضاء حوائج الأخوان وإغاثة اللهفان " تأليف ~~الحافظ أبى الغنائم محمد بن علي بن ميمون النسري الكوفي، بحق سماعه على ~~الشريف أبى الحسن علي بن أبى العباس أحمد القرافى ms045 المذكور، بسنده المرسوم ~~على ظهر الجزء المذكور المنتسخ بخطى، المصحح على هذا الشيخ الفاضل جهدي، ~~وإجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده سنة ثلاث وخمسين ~~وستمائة بمصر بالفسطاط وأشياخه جملة منهم: أبو عبد الله بن طرخان المذكور، ~~ومنهم الإمام أبو عبد الله محمد بن الدهان، والشيخ المقرئ صالح مكين الدين ~~عبد الله الأسمر بن منصور العمري، ومنهم الشيخ كمال الدين أبو الذكر بن عبد ~~القادر الدحراوى، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، رضي الله عن جميعهم، ونفع بحبهم ~~والترحم عليهم. وممن لقيته من العلماء المتجرين والحفاظ المصنفين: الشيخ ~~المصنف نور الدين أبو الحسن علي بن يونس بن عبد الله الهواري التونسي حل ~~كتف العلم والعلاء، وجل قدره في الجلة الفضلاء، ولم يزل على كد الطلب أصبر ~~من عود يجنيه جلب فقطع الليالي ساهرا، وقطف من العلم ازاهر، حتى ارتوى من ~~المعارف سجله، وعرف مكانه من العلم وفضله، فأثمروا وأورق، وغرب وشرق، وجمع ~~وفرق، وتوغل في فنون العلم واستغرق، طلع على الأبصار هلالا لأن الغرب ~~مطلعه، وسما في النفوس موضعه وموقعه، وأدرك غاية المجد بقدمه، وأفصح عن سر ~~فضله لسان قلمه، فجمع أشتات الفضائل، ورفع ألوية الفواضل واجتلى شمس العلى ~~بتلك الآفاق، وشاهد في طلوعها من مشرقها ما لها من الإشراق، فلله دره بحرا ~~لدرره الأسماع ملتقطة، وروضا بزهره الأجفان مغتبطة، فلا أزين من لقائه ولا ~~أحسن من إلقائه، ولا أفضل من معاملته، ولا اجمل من مجاملته، ولا أحلى من ~~محادثته، ولا أجلى من مناقشته، لقي الشيوخ الأكابر، وبقي حمده متعرفا من ~~بطون الكتب والسنة الأقلام وأفواه المحابر كثيرا ما كنت أذكر بأوصافه، ~~وأفكر في حمد يقوم بأوصافه ولم ادر أرد أم أرود، وافد بقلمي على مجالس جود ~~أو مجال سجود، فأحشر إليه الألفاظ، وأقوم بها في مدحه أخطب من قس أياد ~~بعكاظ لقيته بالإسكندرية فسمعت من لفظه جملة من تخميس أبى مهيب لعشرينيات ~~أبى زيد الفزارى وتناولت جميع التخميس من يده، وحدثني به عن الأستاذ أبى ~~العباس النيلى سماعا لجميعه ms046 عليه، حدثه به عن الناظم ابن مهيب المذكور ~~وسمعت عليه تفقها بعض كتاب التنقيح للإمام شهاب الدين القرافى، وحدثني به ~~عن المؤلف شهاب الدين المذكور عرضا مني لجميعه عليه وتفقها، وسمعت منه بعض ~~شرحه لكتاب ابن الحاجب الأصلي وبعض شرحه للتنقيح وأجازهما لي، وأذن لي في ~~روايتهما عنه، وأجازني سائر تئاليفه وجميع ما يعلمه ويرويه إجازة تامة ~~مطلقة عامة وكتب بخطه، ومولده في ذي الحجة من عام ثمانية وستين وستمائة، ~~وممن نفته بها من الرواة المتقين الله حق الثقاة الشيخ الفقيه العدل شمس ~~الدين أبو عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة مفتي PageV01P028 المسلمين ~~كمال الدين أبى عبد الله محمد بن محمد عبد الرحمن القرشي الإسكندري حامي ~~المجيزيين، وحامل لواء العدول المبرزين، ومجدد ملابس الثناء الثمين، ومحرز ~~عرائس الألفاظ لحفظ ذمم العالمين، ذخر الدهر، فخر القطر، وسر العدا، وآفة ~~الجزر، ومالك بيض الطروس وسمر السطور، وبالبيض والسمر، وقار ما مثله وقار، ~~ومآثر كأنها علم في رأسه نار، مفاخر طوالعها صبح ونهار، وشيم تتضاءل لها ~~قطع الرياض، وتحدث ولا حرج عن بحر الكرم الفياض، وسجايا عريقة المجد، ما ~~جدة الأعراق، خليقة بالمجد حميدة الأخلاق، قد سقته العلوم زلالها، ومدت ~~عليه العدالة ظلالها، وأحلته الجلالة جلالها، وأرشفته الأصالة عذبها ~~وسلسالها فعلا قدرا ولاح في سماء السناء بدرا، وصار لأولئك الصدور صدرا، ~~وحق لمن أعلقت بهذا الشرف حبالته ان توارى أنوار الغزالة ذبالته: # شرف يطل على السماك وسؤد ... كالصبح لا يسع العدا إنكاره # لقيته بالإسكندرية بحانوت الوثيقة، وحيث تأثلت معارفه تأثل الروضة ~~الأنيقة، فسمعت عليه أجزاء كثيرة وكبيرة، ومنها جزء انتقى من الأخبار لأبي ~~بكر محمد بن القاسم الأنباري وسنده فيه مقيد في أوله ومن أصله نقلته، وعليه ~~صححته، وقد قرأته على غيره وسمعته، وأذن لي هو في روايته وأجازني جميع ما ~~يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده أول ساعة يوم ~~الأربعاء ثاني جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وستمائة، وأنشدني لأمير ~~المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه: # إنما ms047 للناس منا ... حسن خلق ومزاح # ولنا ما كان فينا ... من فساد وصلاح # وممن تدمجت معه وتمتعت به فيها صاحبنا الشيخ الفقيه المحدث تقي الدين أبو ~~عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن عوام الربعي الشافعي، سبط الشيخ الولي ~~الشهير أبى الحسن الشاذلي نفع الله تعالى به، هو من كبار الطلبة الفضلاء، ~~وخيار السادة الفقهاء، وسليل الكرام والأكابر والأولياء صالح أراك سيرة ~~سلفه، وأعفاك من كبره وصلفه، واقتفى سنن مجده، واقتدى في حمل الفضائل بأبيه ~~وجده، إمام مدرسا وعدلا مبرزا، ذاكرا للعرب وأنسابها، حافظا لغاتها ~~وآدابها، جذب من العربية أوفر نصيب، وضرب في الحديث والفروع بسهم مصيب، ~~وشارك في جمل فضائل وجمل مسائل، وحصل من كرم الطبع وطبع الكرم على طائل، مع ~~إفادته طلبته في تدريسه، ونصيحته لمستفيده وجليسه، فلا فضيلة إلا وفضل ~~بحملها وحمل فضلها، وكان أحق بها وأهلها، وأخاني وصافاني فتجاذبنا ~~المذاكرة، وتعاهدنا المراوحة للشيوخ والمباكرة، وأفاد كل واحد منا صاحبه ~~بما تجلبه المذاكرة من وجه الإفادات وتفضل من المشاركة المباركة وبذل الجد ~~والمياسرة في لقاء أولئك الأفاضل، والأخذ عنهم بما أوجب على ذكره معهم ~~وإلحاقه بهم وإضافته إلى جملتهم: # حفظا على السؤدد الممنوع جانبه ... من أن يضام وإشفاقا على الكرم # وسمعت عليهم بقراءته كثيرا، وتحصل لي منهم بدلالته حفظا كبيرا، وأجازني ~~الإجازة التامة وكتب لي بخطه وأنشدني أناشيد كثيرة تقيدت في غير هذا، ومن ~~ذلك ما أنشدني، وقال: أنشدنا شيخنا بخطه: أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف ~~بن حيان بلفظه، قال: أنشدنا الفقيه الإمام الأديب البارع، شمس الدين أبو ~~عبد الله محمد بن ختام الدين دانيال بن يوسف بن معتوق الخزاعي الموصلي ~~لنفسه: # ألا أن أرض الغرب أفضل موطن ... تساق إليه الواخذات النجائب PageV01P029 ~~ولو لم يكن في الغرب كل فضيلة ... لما حركت شوقا إليه الكواكب # وأنشدني وقال: أنشدنا شيخنا السيد الشريف عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن ~~نور الدين، أبو العباس أحمد بن عبد المحسن القرافى الحسنى قال: أنشدنا ~~المحدث: أبو إسحاق عبد الرحمن بن ms048 مكي بن حمزة بن موقى الإسكندري الحافظ ~~إجازة قال: أنشدنا الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقى ~~السعدي الأنصاري من لفظه قال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ~~إبراهيم الرازي إجازة. قال: أنشدني الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر ~~ابن عبد الرحمن السلمي النحوي المعروف بالكمال لنفسه: # أسهرتني شجنا عليك ... ونمت عن شجني ووجدي # وجعلتني متقسما ... ما بين أعراض وصد # لا تقتلني هجرة ... فيكون قتلى قتل عمد # واصل فان لام العذول ... فقل له واصلت عبدي # وأنشدني قال: أنشدنا شيخنا عز الدين المذكور قال: أنشدنا الشيخ بهاء ~~الدين أبو الحسن علي بن أبى الفضائل هبة الله بن سلامة ابن مسلم الشافعي ~~اللخمي سبط الشيخ أبى الفوارس الحميدى قال: أنشدني الشريف الكوفي في قدمته ~~علينا بمصر قال: حضرت درس الشيخ محيي الدين محمد بن يحيى قال: فلما قضى ~~درسه قام رجل غريب ليس من الفقهاء فأنشده بيتين وهما: # رفاه الدين والإسلام تحيى ... بمحيي الدين مولانا بن يحيى # كان الله رب العرش يلقى ... عليه حين يلقى الدرس وحيا # قال فنزع قميصه الأعلى وأعطاه إياه وأنشدني قال: أنشدني عز الدين المذكور ~~قال: أنشدني الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي المذكور قال: أنشدنا الشيخ ~~بهاء الدين الطوسي قال: أنشدنا شيخنا محيي الدين محمد بن يحيى لنفسه: # وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا # فلما التقى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا # ثم قال لي، أنشدني من شعر الأندلسيين ما آخذه عنك واستفيده منك فأنشدته ~~لابن بكر بن مجبر: # دع العين تجني الحب من موقع النظر ... وتغرس ورد الحسن في روضة الخفر # أمتعها فيه فان تك لوعة ... صبرت وما ذم العواقب من صبر # فتور العيون النجل يطلب بالهوى ... وان غفل التفتير لم يغفل الحور # وزائرة والليل مرخ رواقه ... ومن أين للظلماء أن تكتم القمر # حدرت قناع الصون عن صفح خدها ... فيا حسن ما انشق الكمام عن الزهر # وراودتها عن لتمه ms049 فتمنعت ... وما عادة الأغصان ان تمنع الثمر # رشأ كلما أدمت جفوني خده ... أشار إلى قلبي بعينيه فانتصر # يطالبني قلبي بتقبيل ثغره ... لقد غاص في بحر الجمال على الدرر # وأنشدني لأبى الحسين علي بن سعيد: # ما بين ملتف الأراك غزال ... تجري بجنة خده الجريال # رشا كلما أدمت جفوني خذه ... ويميل قلبي قده الميال # يملي علينا السحر من ألحاظه ... ويسيل في ألفاظه السلسال # قولوا له يا راحما عشاقه ... ما هاجني إلا لها البلبال # ولحاظه رسل إلى عشاقه ... أو ليس يعلم أنهن نبال # وأنشدني لأبى محمد عبد الجليل بن وهبون: # ومهفهف بادي العذار كأنما ... عقد الغرام به على كتابا # لما استراب بما رأى من خضرة ... في خده جعل الصدود نقابا # ملك إذا كلمته بضراعة ... صرف اللحاظ على الكلام جوابا # وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... ألفيت فيها رحمة وعذابا # ما كان أصبرني لسيف لحاظه ... لو أنه يسقى الجريح رضابا # وأنشدته لأبى الحسن بن الزقاق: # وأغيد طاف بالكؤس ضحى ... وحثها والصباح قد وضحا # والروض أهدى لنا شقائقه ... وآسه العنبرى قد نفحا # قلنا وأين الاقاح قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا # فظل ساقي المدام يجحد ما ... قال فلما تبسم افتضحا # وأنشدته لأبى الحسن بن حريق: # كلمته فاحمر من خجل ... حتى اكتسى بالعسجد الورق # وسألته تقبيل راحته ... فأبى وقال أخاف تحترق # حتى زفيري عاق عن أملي ... ان الشقي بريقه شرق # وأنشدته لأبى إسحاق إبراهيم بن سهل الاشبيلي الإسلامي: # يا لائمي ان مت فيه أتئد ... أو ما إلى أجفانه تحتكم PageV01P030 غرقت في ~~بحر هواه وذا ... ك الردف منه موجه الملتطم # وأنشدته من نظمي بديها: # شكوت هواه إلى ردفه ... وهل يسمع الموج شكوى الغريق # وآرخصت لؤلؤ دمعي به ... ولم ادر كيف يباع العقيق # فقال لي الآن حصص الحق، وها أنا أعترف للأندلسيين بالسبق، فقلت له ليس ~~المشارقة لاعترافك بمنكرين ولتجدن أكثرهم شاكرين. # وفي صبيحة يوم الثلاثاء أول يوم من رجب الفرد المبارك من عام سبعة ~~وثلاثين المذكور اجتمعت به مع أخي أبي بكر محمد وكان خروجه من بلدنا ms050 قتورية ~~المذكور أولا في ضحوة يوم السبت أول صفر خمسة وثلاثين وسبعمائة فلما قضى ~~الله تعالى حاجته وحجته، وبلغه منها مراده وبغيته، كر راجعا إلى بلاد ~~الصعيد والديار المصرية فقيض الله سبحانه من أوقع خبري عليه، وألقى جملته ~~إليه، فما راعني إلا دخول البشير على بقدومه، واجتلاء غرته مع تسليمه، ~~فتلاقينا بالتحية وتلافينا وبكينا حتى أبكيناه ووالينا بحمد الله تعالى ~~وأتنينا وكم لله من نعمة علينا، وأنشدته على البديهة بيتي منصور الفقيه ~~وهما: # على خير أوقات الزمان آيات ... على الطائر الميمون والبركات # قدمت فقرت بالقدوم عيوننا ... وقد كن أيام النوى قرحات # ولم نزل نسرح في روض من ذلك الاجتماع، ونشرح ما وجدناه من البعد ~~والانقطاع، إلى أن تهيأ نفرنا، وتأتي في البر سفرنا، فخرجنا من الإسكندرية ~~في يوم الثلاثاء ثامن يوم من رجب المذكور، وسرنا في بسيط من الأرض عريض ~~مرداه لا يخترقه النسيم بمسراه، ويكاد البصر يقف عند مداه، بين مدائن عليها ~~نضره النعيم وبساتين اعتمارها من التعميم، وسرحات مونقة، ودوحات مورقة، ~~ونخلات طلع، وخامات زرع، تموج بدائعها موج البحر، وتلوح طلائعها بين كتائب ~~الزهر من لم ير أرض مصر في أوان ربيعها، وأبان زروعها، لم ير منظرا نضيرا ~~إلى أن وصلنا إلى مدينة )القاهرة( فدخلناها في آخر يوم الأحد الثالث عشر ~~لرجب من العام المذكور فنزلنا منها بقرب الجامع الأعظم المشهور بجامع ابن ~~طولون الذي بناه ابن طولون فيما يذكر على مثال المسجد الحرام بمكة المشرفة ~~طولا وعرضا، ولما أنبت كافور الفجر من المسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة ~~على النجم الثواقب: # حمدت السرى إذ أنزلتني ربوعها ... وأيقنت أني في اغترابي موفق # وسرنا في أقطار تلك الحضرة التي أرضها سندسية اللباس، وروضها متنوع ~~الجناس، وروائحها عنبرية الأنفاس، ومنظرها يجلب أنواع الإيناس، فهي بغية ~~النفس، وغاية الأنس، ومنية الطرف، ومسرح الظرف وسلوة الفكر، ونبعة العلم ~~والذكر، وشغل الخاطر والذهن، ومحل الهناء والأمن: # ما عداها من جنة الخلد إلا ... أننا لا ننال فيها الخلودا # رياضها تشرق، وأطيارها تنطق، وكأن بكل عود ms051 عودا يخفق: # وما كنت أدري قبل ذلك والهوى ... فنون، بأن الروض يهوى ويعشق PageV01P031 ~~وفتحت لي راحة القلب أبواب النزهة، فأطلقت عنان طرف الطرف نحو الجهة فرأيت ~~فيها من المباني الهائلة والأسواق الحفلة والمساجد العتيقة والمدارس ~~الأنيقة والمرابع البارعة والمصانع الناصعة والأزهار والأشجار الباهرة ~~والآثار العامرة والجنود الوافرة والأمم المتكاثرة ما تحار في ذلك الأوهام ~~وتكل دون وصفه الألسن والأقلام، القاهرة وما أدراك ما القاهرة الظلال ~~الوارفة والمياه الهامرة والأرض الأريضة والروضات العاطرة منابر قام السرور ~~في منبر دوحها خطيبا، ومشاهد بذت مغاني الشعب طيبا، إلى أغصان عقدت الجداول ~~خلاخل بسوقها، ولئالئ مثلت من الرياض بسوقها، فمن حيث استقبلت تلك المدينة ~~أشرقت وكيفما لمحت أساريرها برقت ومعلوم أنها قاعدة المشرق وأم المدائن ~~ومقر الملوك ودار الطمأنينة، قد كمل الله حضرتها، وجمل نضرتها بأن قلد بها ~~أمور المسلمين، وخلد فيها العزو والتمكين للسلطان الناصر الدنيا والدين أبى ~~المعالي محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي قسيم الملك أمير ~~المؤمنين أبى الربيع سليمان بن الخلفاء العباسيين فاستمرت سلطنته الآن مدة ~~من خمسين سنة فجاءت الدنيا في أيامه غضة، وزهرة الأيام بهجة، لما منح الله ~~على يديه من الأمن والسكون والدعة وظلال المسرة والهدنة فانسحب ذيل العز، ~~وأنضرب رواق الأمن، وانسدل ستر العافية على الملأ والكافة والأقطار النازحة ~~والغريبة وخصوصا على هذه المدينة وما ظنك بمدينة عذب فيها البحر وفاض عليها ~~من الجنة واستقبل بها النهي والأمر وانحشر الناس إليها فخيل لرائيها الحشر: # وافي إليها النيل من بعد غاية ... كما زار مشغوف يروم وصالا # وعانقها من فرط شوق بحسنها ... فمد يمينا نحوها وشمالا # ركبت بحر نيلها العذب في جملة وافرة من الصحب أخلاقهم أعذب من مائه ~~وشمائلهم أرق من صفائه، فاستوينا على جارية من تلك الجواري المنشئات وسابحة ~~فوق لجة الماء العذب الفرات وتحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب وتنساب في ~~الحباب كالحباب ولما ضمت إلينا، ودخلناها وقلنا اركبوا فيها بسم الله ~~مجراها ومرساها ولا فرش غير ريحان منضد، ولا سقف غير كتان ممدد، تمخر ms052 ~~البحر، فامتطينا بأجوقتها مطاه، وتذلل فصفعنا بأجنحتها قفاه وسرنا في ~~منزهات تلك الأقطار الرفيعة إلى أن قضينا أجمل الاوطار وتمتعنا من تلك ~~المنازل الرفيعة بالحدائق الغضة والنسيم المعطار، بحيث تضاحك الورد ~~والبهار، وتفاوح الروض والعرار، وأرضها مخضر نبت صاغ النور تاجه، وحاك ~~القطر ديباجه، وسماؤنا ملتف أيك سال الماء لجينا بين أكنافه، وحاك الزهر ~~وشيا بين أعطافه، فماء الندى مسكوب، ورواق الظل مضروب، والريح تصفق والغصن ~~يتثنى، والقبر يصرصر والبلبل يتغنى، والطير قد تكلم، والعود قد ترنم وقد ~~خيم السرور، وتضاعف بتضاعف النيل الحبور، وبدا لنا يوم حسن، وحسن يوم تمنت ~~حسنه البدور. # يوم لنا والنيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر # والسفن تغدو في الفرات بنا ... والماء مرتفع ومنحدر # فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما دارته سرر PageV01P032 أخبرني هناك من أثقه ~~من العلماء، قال أخبرني أحد كتاب السلطان أنهم كتبوا وأحصوا المراكب ~~الجارية في هذا النيل المعدة لا يساق الزرع خاصة، فألفوها تنيف على مائة ~~ألف مركب ماعدا الزواريق الصغار التي للصيد والركوب، وغير ذلك فكأنها أكثر ~~من أن تحصى واخبرني الشيخ الإمام القدوة شمس الدين الكركي قال عد الصاحب ~~الوزير الملك الطاهر وأحصى الجمال الداخلة إلى القاهرة بالماء في كل يوم ~~فبلغت مائتي ألف جمل ما عدا البغال والحمير والسقائين الذين بالزقزق وغيرهم ~~فان ذلك شيء لا ينضبط ولا ينحصر وهذه الجمال المذكورة تحط بالمدينة في كل ~~يوم من أيام الصيف سبع آلاف وفي الشتاء أقل من ذلك، قال وأحصى دكاكين ~~السقائين المعدة للسقي بالقاهرة فبلغت ستين ألف دكان ما عدا السقائين الذين ~~بالأكواز والأكواب في الطريق والأسواق وغيرها، ولو لم يكن للقاهرة ما تذكر ~~به إلا )المارستان( وحده وهو قصر عظيم من القصور الرائقة حسنا وجمالا ~~واتساعا ما لم يعهد مثله بقطر من الأقطار أحسن بناء ولا أبدع إنشاء ولا ~~اكمل انتهاء في الحسن والجمال وانتماء من قد نعمت أدواحه وخبت على خضر ~~الأغصان وزرق العدران أرواحه فلا غرو أن أمن ورقى، ثم لما كسا وأطعم سقى، ~~آية نعمى وفت ms053 بالميعاد، وحسنا مثلها يعد للمعاد قد رويت جوانحه الصادية، ~~وجمعت في شرعته السارية والغادية، فها هو فخره بادي الغرر والأوضاح، منبجس ~~بالماء القراح. # متماثل بالحسن كيف لحظته ... ما شئت من أرض به وسماء # ينساب رونقه فتحسب أنه ... متسربل بنسيجه من ماء # لما رأى فيض الزلال أديمه ... طلب الغئور به من استيحاء # فأراك دمعة ضاحك لم تنحدر ... وتحيرت في مقلة حواء # أو ثغر باسمة تهلل ظلمه ... وبه مجاجة ريقة شنباء # ليس الذي يجري هنالك سلسلا ... لكن ذلك ترقرق الأهواء # أخبرني الشيخ العالم المؤرخ شمس الدين الكركي المذكور أنه يكمل في كل يوم ~~من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين منه أربعة آلاف نفس وتارات ~~يزيدون وينقصون ولا يخرج منه كل من يبرأ فيه من مرض حتى يعطي إحسانا إليه، ~~وإنعاما إليه كسوة للباسه ودراهم لنفقاته، وأما ما يعالج به المرضى من ~~قناطير الأشربة المقنطرة والأكحال الرفيعة الطيبة التي تسحق فيها دنانير ~~الذهب والإبريز وفصوص الياقوت النفيس وأنواع اللؤلؤ الثمين فشيء يهول ~~السماع ويعم ذلك الجمع إلى ما يضاف إلى ذلك كله من لحوم الطيور والأغنام ~~على اختلافها وتباين أصنافها مع ما يحتاج إليه كل واحد ممن يوافيه ويحل فيه ~~لفرشه وعرشه من غطاء ووطاء ومشموم ومذرور وشبه ذلك مما هو معد على أكمله ~~هنالك وما ليس مثله إلا في منزل أمير أو خليفة، وقد رتب على ذلك كله من ~~الأطباء الماهرين والشهود المبرزين، والنظام العارفين، والخدام المتصرفين، ~~كل ما هو في معالجته موثوق بعدالته مسلم له في معرفته غير مقصر في تصرفه ~~وخدمته، ولو استقصيت الكلام في هذا المارستان وحده لكان مجلدا مستقلا بنفسه ~~إذ في مبانيه الرائعة وصناعاته وتواريخه المذهبة ونقوشه العجيبة المنتخبة ~~التي ترفل في ملابس الإعجاب، وتسحر العقول والألباب، ما يفتن النفوس ويكسف ~~أنواع البدور والشموس، وتعجز عن وصف بعضها خطى الأقلام في ساحة الطروس، فما ~~وقعت عين على مثله ولا سمعت بشبهه وشكله: # تجاوز حد الوهم واللحظ والمنى ... وأعشى الحجا لالاؤه المتضاوئ # فتنعكس الأفكار وهو خواسر ... وتنقلب الأبصار ms054 وهي خواسئ # وفي مصر مارستان آخر على مثاله ولكن ليست حاله كحاله فما كل صهباء خمرة، ~~ولا كل سوداء ثمرة، ولا كل حيوان إنسان، ولا كل مارستان: # وما كل دار أقفرت دارة الحما ... ولا كل بيضاء الترائب زينت PageV01P033 ~~وبها الأهرام القديمة المعجزة البناء الغريبة المنظر البديعة الإنشاء كأنها ~~القباب المضروبة قامت في جو السماء، ولا سيما الاثنان منها يقصر الجو بهما ~~سموا واتساعا ارتفاعها مائة ذراع بالذراع الكبيرة من أحد أركانها إلى الركن ~~الثاني ثلاثمائة خطوة وست وستون خطوة وأقيمت من الصخر العظام تركيبها بديع ~~الإلصاق، وهي محدودة الأطراف لا سبيل إلى الصعود إليها إلا على خطر ومشقة ~~فتلقى أطرافها المحدودة كأوسع ما يكون بين الرحاب لو رام أهل الأرض بناءها ~~لا عجزهم ذلك وبها كان يجعل الطعام في أيام يوسف عليه السلام، وعلى النيل ~~رجل مبني من صخرة فيه علامات لخروج النيل في زيادته ونقصانه وقد وكل به قوم ~~يتعاهدونه فإذا خرج سقى جميع ضياعهم ومزارعهم وهم يزرعون على ذلك السقي ولا ~~يحتاج زرعهم إلى سقي آخر بقدرة السميع العليم، ومخرج النيل من جبل القمر ~~ولا يكاد يتوصل إليه أحد لبعد المشقة وطول المسافة وفي كتاب الاكتفاء ما ~~نصه، وكان عمرو بن العاص يقول ولآية مصر جامعة تعدل الخلافة وقال نيل مصر ~~سيد الأنهار سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن ~~يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها وفجر له الأرض عيونا فإذا انتهت جريته إلى ~~ما أراد الله سبحانه أوحى كل ماء ان يرجع إلى عنصره انتهى، ثم جلنا من مصر ~~في أعظم المصر، وحللنا منها اكرم المحل واسنى القطر، واجتليناها أوضح من ~~البدر عند الفجر وأعطر من الزهر غب القطر فنسي كل ذي غربة وطنه وود ان لو ~~قطع فيها عمره وزمنه وكفاك منها قول القائل: # لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنة الدنيا لمن يتبصر # فأولادها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر ~~PageV01P034 كنت أتردد بها إلى المسجد العتيق الحافل الذي بناه عمرو ms055 بن ~~العاص رضي الله عنه وإليه ينسب اليوم فأرى جامعا منيرا ومسجدا كبيرا له صحن ~~فسيح وسوار حافلة ومقاصر من العود عجيبة وتواريخ مكتوبة بالخط الحافل ~~المذهب كثيرة فمنها ما كان مكتوبا على المحراب ونصه بسم الله الرحمن الرحيم ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر النصر والتمكين والفتح ~~المبين لمولانا وسيدنا الإمام المستضيء بأمر الله أبى محمد الحسن أمير ~~المؤمنين أمر بتجديده الملك الزاهد الناصر المجاهد صلاح الدنيا والدين أبو ~~المظفر يوسف وفقه الله تعالى لطاعته في سنة ثمان وخمسمائة، وفي داخل ~~القاهرة شاهدت المشهد العظيم حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وهو تابوت فضة قد بني عليه بنيان محتفل يقصر الوصف ويقف الطرف فيه ولا ~~يحيط الإدراك به مجلد بأنواع الديباج محفوف بأمثال السواري الكبار من الشمع ~~الأبيض موضوعة في قواعد فضة خالصة، ومنها مذهبة وقد علق عليه قناديل الفضة ~~وصفف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار ~~حسنا وجمالا، فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما ~~لا يتخيله المتخيلون ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون، والمدخل إلى هذه الروضة ~~المباركة على مسجد مثلها في الحسن والغرابة والترصيع البديع والأمثال ~~البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع والناس من لازدحام على هذا ~~المشهد الكريم والإحداق به والانكباب عليه والتبرك به والتضرع لديه كل مرئ ~~هائل عظيم والأمر فيه كبير يفوت التقدير ولكنا اختصرنا القليل من الكثير، ~~ووقفنا موقف العجز والتقصير، )وبداخل القاهرة( أيضا شاهدت المشهد العظيم ~~مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها فرأيت مسجدا عظيم الاحتفال قائما في الحسن ~~فيه من الذهب وأنواع الصنعة به يحصره العد ولا يجمع إلا ذلك النضد ينتهي ~~إليه الداخل بعد ثلاثة أبواب هائلة بديعة بين كل وباب فضاء واتساع يجري ~~بينها مياه غزيرة عذبة وفي قبلة المسجد باب من المسجد حافل فوقه مكتوب ~~بالذهب هذا مشهد السيدة نفيسة بنت الحسين بن زيد بن الحسين بن علي بن أبى ~~طالب ms056 رضي الله عنهم، وفي داخله مسجد آخر أصغر منه جرما وأتم حسنا وأعظم ~~إتقانا وصنعة، وفي قبلته باب بديع إلى قبة عجيبة تتوقد ذهبا وتلألأ جمالا ~~تكل الإفهام، وتحار الأوهام في تخييلها وتمثيلها. فمنها مشتبهات في النقوش، ~~ومؤتلفات ومختلفات في الرقوش، وقد أنارت بالمضاوي أبهاؤها فتساوي صباحها ~~ومساؤها، وتحت هذه القبة الضريح المبارك حوله من الرخام البديع المجزع ~~الغريب الترصيع وشبابيك العود البديعة التخريم وكواكب الفضة والذهب وقناديل ~~التبر الخالص الإبريز واستار الديباج الغريبة التطريز وسواري الشمع الأبيض ~~المتناهية الغلظ الرائعة الصنعة على قواعد الذهب والفضة، ما يستوقف الأحداق ~~حسنا وجمالا ويختبل الأذهان الثاقبة اختبالا وتزف ظلاله على المشهد الكريم ~~أموالا وشاهدت )بداخل القاهرة( أيضا المسجد المعظم حيث مشد السيدة زينب رضي ~~الله عنها وهو على هيئة هذا المتقدم الذكر ونوعه وعلى بابه مكتوب هذا مشهد ~~السيدة زينب أبنة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ~~ودخلت بخارج القاهرة المشهد العظيم المقدس حيث تربة زيد بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهما وهو مثل ما تقدم من الصفة والترتيب ولهذا في ~~جملة أبوابه دفة من الحجر الصلد المنحوت لوحا واحدا أعددت في طولها تسعة ~~أشبار وفي عرضها خمسة أشبار، ثم قصدت القرافة وهي ما بين مصر والقاهرة بلدة ~~كبيرة منفردة بنفسها مستقلة بأسواقها ومساجدها وهي إحدى العجائب بما تحتوي ~~عليه من مشاهد الأنبياء صلوات الله عليهم وأهل البيت رضوان الله عليهم ~~والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة ~~والأنباء الغريبة نفعنا الله تعالى بحبهم وأفاض علينا من بركاتهم بمنه، ~~ومما رأيت فيها قبر أبى النبي صالح عليه السلام وقبر يعقوب أخي يوسف عليهم ~~السلام وقبر آسية وقبر جماعة من أهل البيت رضي الله عنهم على كل واحد منها ~~بناء حفيل بديع الإتقان عجيب البنيان عليها تواريخهم مكتوبة بأسمائهم منها ~~قبر علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللهم عنهم ~~وقبر القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد ms057 بن PageV01P035 زين العابدين ~~المذكور وقبر أبنه عبد الله القاسم رضي الله عنهما وقبر معاد بن جبل رضي ~~الله عنه وقبر عقبة بن عامر الجهنى حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقبر أبى الحسن صانع مولى حديفة بن اليماني رضي الله عنه وقبر عبد الله بن ~~حذافة السهمى رضي الله عنه وقبر حليمة التي كانت رضيع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقبر محمد بن أبى الصديق رضي الله عنهما وقبر أشهب وأبى القاسم ~~صاحبي مالك رضي الله عنهما وعنه وقبر محمد بن مسعود بن محمد بن هارون ~~الرشيد المعروف بالسبتي رضي الله عنه وقبر الرجل الصالح المعروف بالأقطع ~~المغربي رضي الله عنه، وقبر بنان العابد رضي الله عنه وقبر القاضي عبد ~~الوهاب والقاضي الأنباري وقبر ورش المقري وقبر شيبان الراعي وقبر الطبري ~~وقبر الرودبادي وقبر ذي النوى بن إبراهيم المصري وقبر شيخه شقران رضي الله ~~عنهم وقبر الرجل الصالح الزاهد المعروف بصاحب الإبريق وقصته عجيبة في ~~الكرامة رضي الله عنه، وقبر الناطق الذي سمع عند وضعه يقول في لحده يقول: ~~اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، رضي الله عنه وقبر الصامت ~~الذي يحكى عنه أنه لم يتكلم أربعين سنة رضي الله عنه وقبر الجوهري الواعظ ~~رضي الله عنه وقبور أصحابه بازائه رضي الله عنهم، وقبر أصبغ بن الفرج رضي ~~الله عنه وقبر المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنهما، وقبر عبد الله ~~بن الحكم وابنه محمد رضي الله عنهما، وقبور جلة لا يحصى عددهم إلا الله ~~تعالى، وبقبلي القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بقبور الشهداء وهم الذين ~~استشهدوا مع سارية رضي الله عنهم أجمعين. # وقفنا على رسم الديار فسلمنا ... وقلنا له يا رسم أين نأوا عنا # وجدنا بدمع كالرذاذ على الثرى ... فصم المنادى وانصرفنا كما كنا # وما ذلك إلا أن ربع ديارهم ... به كالذي نلقى فقد زادنا حزنا # فلما يئسنا من جواب ديارهم ... نزلنا فقبلنا الثرى قبل أن رحنا ~~PageV01P036 ومما شهدت من المواضع المعظمة مشهد الإمام أبو عبد ms058 الله ~~الشافعي رضي الله عنه وهو مسجد عظيم القدر ومتناهى الاحتفال، مفرط الاتساع، ~~يصل داخله إليه بعد دخول أربعة أبواب هائلة حافلة بين كل باب وباب فضاء ~~واسع، ومدى بعيد، والمسجد كله قبة كبيرة فائقة الحسن، فائقة الصنعة، نادرة ~~الاختراع فيها من الذهب الخالص والتبر المسبوك ما يغشى الأبصار ويذهل ~~الألباب ويفوت وصف الواصفين قد حار فيها أهل حران وأربت على مباني سجستان ~~ونجران، وصارت غاية السمو والإتقان وانعطفت بما يفضل معاطف التيجان الفائتة ~~باقترانها لاقتران حواجب القيان، وتحتها في وسط المسجد المبارك الضريح ~~المكرم له من الرخام المجزع، الموضع والشبابيك المفضضة المذهبة الأستار، ~~المدبجة المطرزة، والشمع الأبيض أمثال السواري العظام على قواعد الذهب ~~والفضة ما يقصر عنه الوصف، ويحار فيه العقل، وبازائه قبور جله كرام، وعند ~~رأس المشهد المكرم سارية من الرخام الأبيض منقوش بالخط الحسن ما نصه وان ~~ليس للإنسان إلا ما سعى، وان سعيه سوف يرى، ثم يجزيه الجزاء الأوفى هذا قبر ~~السيد الإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن ~~السائب بن عبيد بن عبد زيد بن هشام بن المطلب ابن عبد المناف جد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولد رضي الله عنه سنة خمسين ومائة وعاش إلى سنة أربع ~~ومائتين ومات يوم الجمعة آخر يوم رجب من السنة المذكورة ودفن من يومه بعد ~~العصر رضي الله عنه وأرضاه آمين وعند منتهى القبلة من داخلها مكتوب في ~~الدائرة بالخط العجيب والذهب الرائق ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم: # الشافعي أمام الناس كلهم ... في العلم والحلم والعلياء والبأس # أصحابه خير أصحاب ومذهبه ... خير المذاهب عند الله والناس # له الإمامة في الدنيا مسلمة ... كما الخلافة في أولاد عباس # والسلام، ومما كتب في القبة المذكورة من نظم شرف الدين ابن عبد الله ~~الدلاصي البوصيري: # بقبر الإمام الشافعي سفينة ... رست من بناء محكم فوق جلمود # وقد غاض طوفان العلوم بقبره ... فقل استوي فلك الضريح على الجودي # ومما أنشدني هناك بعض الفضلاء لبعضهم رضي الله ms059 عنهم أجمعين: # زرت الإمام الشافعي ولم أكن ... يوما زيارة قبره بالتارك # ووجدت مولاي الحبيب يزوره ... وظفرن عند الشافعي بمالك # وبازاء هذا المسجد العظيم مدرسة مختلفة الصنعة سامية المنية أعظم المدارس ~~اتساعا وأعلاها سموا وارتفاعا فيها من المنازل الرفيعة والرواتب الموقفة، ~~والمياه الجارية، ما يقر بالعين ويملأ اليد بالمين ويريك ذوائب الذهب في ~~سبابيك اللجين، قرأت بها وبالمسجد الأعظم المذكور وسمعت من كتب الحديث ~~النبوي تآليف جملة على إمام ذلك المقام الشافعي المعظم ولي الله تعالى ~~الكريم عليه المتوجه إليه الشيخ العالم الصالح تقي الدين أبى التقى صالح بن ~~مختار بن صالح بن أبى الوارس الأسندي رضي الله عنه هو من أحد المتقين وعباد ~~الله المخلصين قد سما بجلالة قدره ونبذ الدنيا وراء ظهره، ووضع الله له ~~البركة في عمله وعمره، فظل يقطع ليله مستعبرا، ويهش للجميل مبتدرا، عالما ~~انه سيحمد عند صباحه السرى فحافظ على السنن وانتهج أقوم السنن، واعتصم من ~~الطاعة باوقى الجنن، حتى كأنه أبو حازم، أبو الحسن، له علو ومعرفة في ~~الرواية، وإمامة كبيرة في العلم والدراية، ومراتب علية في الزهد والولاية، ~~وكرامتها عند الخالق أعظم الدرجات وأكرم العناية، وقد حيل الله النفوس على ~~مودته والقلوب على محبته وأنشدني: # وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة الناس PageV01P037 فما رمقه ~~طرف إلا وأحب أن يفديه بسواده، ولا نال أحد دعوته إلا ورأى بركتها في نفسه ~~وماله وأولاده، نفعنا الله تعالى به، وبالصالحين من عباده بمنه وقد أثبت ~~سماعي عليه واستوفيته في غير هذا، وأجازني الإجازة التامة، ومولده رضي الله ~~عنه في شهر رمضان المعظم من عام اثنين وأربعين وستمائة بمدينة إعزاز ~~)بالعين المهملة والزاي قبل الألف وبعده( وهي من أعمال حلب، ومن جملة ما ~~قرأت عليه بلفظي بحيث ذكر وهو عال جميع الأربعين حديثا لأبى بكر محمد بن ~~الحسين الآجري وحدثني أنه سمع جميعها على الشيخ أبى العباس بن عبد الدائم ~~بن نعمة المقدسي يوم الجمعة العاشر لربيع الأول سنة خمسين وستمائة بحق ~~سماعه لها من الثقى ms060 بسماعه من أبى علي الحداد بسماعه من الحافظ أبى نعيم ~~بسماعه من المؤلف أبى بكر الآجري، ومن جملة ما سمعت عليه جميع الأربعين ~~حديثا البلدانية للحافظ أبى طاهر السلفى رحمه الله، وحدثني بها إجازة عن ~~الشيخ أبى عبد الله محمد بن عبد الهادي بن قدامة بإجازته من السلفى ان لم ~~يكن سماعاه ولنطرز ذكر هذا القطر باسم سيده ووحيده شيخ الشيوخ إمام الأئمة، ~~قدوة الفقهاء نخبة النحاة والأدباء ودرة العلماء الفضلاء، وحجة العرب ~~العرباء، أثير الدين أبى الحيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان ~~النفرى الأندلسي الغرناطي، هو من سفر عن بدر الكمال الزاهر، وسجر ببحر ~~الكلام الزاخر، وحسر عن ساعد الجد في اقتناء المعالي والمفاخر، فشأى كل ذي ~~شأو ومغرب، وأوتي منه زمانه بكل بديع مغرب، تبلج منه الأفق الأندلسي ~~الغرناطي عن غرة غار منها فلق الصباح المشرق، واشتمل منه الجو المصري ~~والمجلس السلطاني على نحرير، أقرت بفضله صناديد المشرق، فكيف يوصف هطل ~~غمام، أو ينصف أفضل إمام، لا يدانيه لقس اياد، ولا موئل منه لسبحان وائل، ~~وايم الله ان المسرف في وصفه لمقتصد، وغير الرامي في تعريضه لمقتصد، نجم ~~نجم سعوده الموذن بإنجاز وعوده، وإبراز موعده، فتنقل في سماء السعادة بدر ~~أوحل في ذروة الإجادة صدرا، وبلغ من فنون العلم وضروب الأدب إلى أعلى ~~المنازل وأسنى الرتب حتى طار ذكره في الأفاق، وسار متواترا على السن ~~الرفاق، وضربت إليه أباط الإبل واجياد العتاق، وشدت إلى لقائه الرحال من ~~أقاليم الشام وأقاصي العراق، فروى من بحوره العذبة ظماء الأكباد، وغذى ~~بأسرار علومه قلب الحاضر والباد، وغير كثير، في وصف الأثير، نثر الدر ~~المنظوم، ونظم الدر النثير، دخلت عليه منتزهه الذي دنا له النيل، فالزمان ~~يخوله فيه يناء وينيل والدهر قد سفر له عن محياه، والزهر قد تبسم له وحياه، ~~والطير بين يديه يخاطب إياها وتخاطب إياه، فاقبل علي بالبشر والترحيب، ومهد ~~إلى أرجاء جانبه، وأراني بشاشة المحب عند لقاء الحبيب، وتتبع أخبار الأندلس ~~وأهلها، وأعرب عن ms061 سيرها الحميدة وفضلها، وأنشدني من أبيات له: # وبيننا نسب ترعى وان بعدت ... لكوننا ننتمي فيها لأندلس PageV01P038 قرأت ~~عليه بعض القرآن العظيم بالقراءات السبع بقراءة الإمام أبى عمرو الداني ~~وبالإدغام الكبير لابن عمرو بن العلاء وبقراءات يعقوب الحضومي جمعا بين ~~روايتي روح ورويس عنه، وأخبرني أنه قرأ بحرفي الحرمين جمعا ما عدا من أول ~~سورة مريم إلى آخر القرآن على أبي جعفر أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشير ~~الأنصاري شهر بالفزاز بسنده المشهور، وقرأ عليه جميع كتاب التيسير ثم سمعه ~~ثانيا عليه، وأخبرني أيضا أنه قرأ بالقراءات السبع على الشيخ أبى العباس ~~أحمد بن علي بن عيسى بن عباس الرعينى الشهير بالطباع، وأخبره أنه قرأ بها ~~على الخطيب الجليل المجاب الدعوة أبى محمد عبد الله بن محمد بن حسين ~~العبدري الشهير بالكواب، وقرأ أبو محمد الكواب على الأستاذ الجليل أبى بكر ~~محمد بن علي بن حسون الحميدي على شريح بن محمد ابن شريح بسنده، )وقرأ أيضا( ~~بالقراءات السبع جمعا في ختمة واحدة على الشيخ أبى الطاهر إسماعيل بن هبة ~~الله بن المليخى بقرائته للسبع على أبى الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي ~~المنذري، وقرأ أبو الجود على أبى الفتوح ناصر بن الحسين الزيدي الخطيب ~~بمصر، وقرأ أبو الفتوح على أبى الحسن علي بن أحمد الأبهري الصيني الضرير، ~~وقرأ على الاهوزى، وقرأ أبو الفتوح أيضا على أبى الحسن بن يحيى ابن الفرج ~~بن الخشاب المصري، وقرأ على أبى العباس بن النفيس، وأخبرني أنه قرأ ~~بالقراءات الثمان على الشيخ رشيد الدين أبى محمد عبد النصير بن علي بن يحيى ~~الهمداني عرف بالمريوطي وقرأ على جعفر الهمداني وعلي الصفراوي وقرأ على بن ~~خلف الله، وقرأ ابن خلف الله على ابن الفحام صاحب كتاب )التجريد( بأسانيده ~~وهذا كله إسناد عال في القراءات وقرأت عليه بعض كتاب التيسير للحافظ أبى ~~عمر الداني، وناولنيه ثم قرأت جميعه عليه بعيد ذلك وحدثني به بأسانيده فيه ~~في هذا، وسمعت من لفظه حديث الرحمة المسلسل بشرطه، وقرأت عليه ms062 جميع ~~الأرجوزة الألفية في علم العربية نظم أبى زكرياء يحيى بن معط بن عبد النور ~~وحدثني بها قراءة عن الشيخ رضي الدين أبى بكر بن عجن بن علي القسنطيني ~~الشافعي عن ناظمها قراءة، وقرأت عليه جميع القصيدة البائية الشهيرة التي من ~~نظم الإمام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن محمد بن المنعم الأنصاري محمد ~~الخيمي وأولها: # يا مطلبا ليس لي في غيره أرب ... إليك آل التقصى، وانتهى الطلب # وحدثني بها عن ناظمها المذكور سماعا عليه، وقرأت عليه جميع ثلاثيات ~~الإمام أبى عبد الله البخارى رضي الله عنه في أصله منها الذي بخط يده، ~~ووهبه لي أثر القراءة وجميع أسانيده فيها مسطورة فيه بخطه وتخريجه وقد قرأت ~~جميع الثلاثيات هذه، وسمعتها على جماعة كثيرة من أهل الأندلس وغرب العدوة ~~وغيرهم وأفردت لأسانيدي فيها كتابا مجموعا، وقرأت عليه جميع قصيدته اللامية ~~التي سماها )بعقد اللئالى( في القراءات السبع العوالي، وقرأت عليه بعض ~~تآليفه اختصر فيه نهاية ابن رشد رحمه الله، وسمعت عليه جميع الجزء الذي ~~أملاه في الفوائد والفرائد المنتقاة والغرائب عن الشيوخ العوالي، ونقلته من ~~أصله وصححت بقرائتي عليه بعض تآليفه المسمى بالبحر المحيط في تفسير القرآن ~~العظيم، وبعض تآليفه المسمى بارتشاف الضرب، من لسان العرب في النحو، وجميع ~~المقدمة في النحو التي سماها الشذرة، وتناولت جميع هذه الكتب من يده وقرأت ~~عليه كثيرا من ديوان شعره ومن رسائله ونثره، ونقلت من نظمه جملة فوائد ~~فريدة، وصححتها بقراءتي عليه، وسمعت عليه مروياته، وسمعت غير ما رسمت هنا ~~وذكرت، وأجازني إجازة تامة وكتب لي بخطه، ومولده بغرناطة في آخر شعبان من ~~عام أربعة وخمسين وستمائة وأنشدني لنفسه: # لم أؤخر عمن أحب كتابي ... لقلى فيه أو لترك هواه # غير أني إذا كتبت كتابا ... غلب الدمع مقلتي ومحاه # وأنشدني لنفسه أيضا: # سبق الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله # وأجاد السطور في صفحة الخ ... د ولم لا يجيد، وهو ابن مقله # وأنشدني لنفسه أيضا: # عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أبعد ms063 الرحمان عني إلا عاديا # هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ~~PageV01P039 وجمعت الضيافة في منزله المذكور بيني وبين نائبه في التدريس، ~~الشيخ الفقيه الإمام برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن الشيخ الإمام القدوة ~~المرحوم نور الدين أبى الحسن علي المالكي، فعرفني الشيخ رضي الله عنه ~~بجلالة قدره ورسوخ قدمه في العلم وطهارة فجره ثم تمادى المجلس، فشهدت فيه ~~على العيان، ورأيت منه إمام العصر واحد الزمان، عالما من علماء القاهرة ~~وفقيها من فقهائهم، وصدرا في آبائهم، ومتقدما في علمائهم، حافظا للغة ~~العربية، بصيرا بالغريب والنادر، قيما بالشاهد والمثل، عالما بالخبر ~~والآثار، تام العناية بالفقه والسنة ان فاتحته في هذه الجهة فجرت منه بحرا ~~زاخرا، وان عدلت به إلى الأدب ظننت أنه لا يحسن سواه فصيح اللسان، حسن ~~البيان، صحيح الألفاظ واضح المعاني ناصع البراعة جيد البلاغة شاعرا مطبوعا ~~أبرز ذلك الميدان منه فارسا مجلا وكان يوما أغر محجلا: # حيث الغدير وقد أجادت نقشه ... كف النسيم ومرها في جوشن # وغصون دوح النيرين يهزها ... نغم القمارى بالغناء المحسن # من كل لدن كالقوام يميل من ... شرخ الشباب إلى الدلال فينثني # ما بين ثغر بالأقاح مفلج ... وجبين نهربا لنسيم مغصن # ووجوه هاتيك الرياض سوافر ... غيد تزان من المياه باعين # والأرض تجلى في رداء أخضر ... والجو يبرز في قناع أدكن # وأمره الشيخ أن يسمعني ويجيزني فامتثل أمره، وأسعف رغبته، وهو أعزه الله ~~أهل لذلك، وجاز من طريق الشيخ على أهدى المسالك وما ظنك بخليفة ابن حيان ~~ولم يقعد في موضعه غيره لا فلان ولا فلان سمعت منه بمحضر الشيخ وأجازني ~~إجازة تامة وأستنشدته لي من شعره فأنشدني لنفسه من قصيدة: # أراك النقاهل يبلغ الجزع آعله؟ ... وهل آئب يوما إلى الحي راحله؟ # وهل لي وجد في دارك مقيله ... أناشده عن أهله وأسائله # وهل عائد عهدي بمنعرج اللوى ... يغازلني ظبي النقا وأغازله # غزال ومكنون الصدور كناسه ... هلال واحناء الضلوع منازله # فلا خمر إلا من سلافة ريقه ... ولا سحر إلا بين جفنيه بابله # ولا ليل إلا ms064 ما أجن جبينه ... ولا صبح إلا ما محياه شامله # ولا الغصن المياس إلا قوامه ... ولا الزهر المرموق إلا شمائله # ومن يك موليه الصبابة والضنى ... فما عادل في شرعة الحب عاذله # وأنشدني في غير ذلك مما كتبته في غير هذا، فلما فرغ من إنشاده جعل ~~مجاوبتي إياه من اعتماده فقال لي أنت قد جبت كل مخوفة وجلبت كل أطروفة، ~~فأنشدنا من طرف ما لديك وإلا حاكمناك إلى مولانا الشيخ فيحكم عليك، فقلت ~~السمع والطاعة ولم أجد إلى العذر من استطاعة وأنشدته من شعر الإمام الشريف ~~أبى القاسم علي ن الحسن الملقب بالمرتضى أخي الشريف الرضي قوله من قصيدة ~~طويلة يفخر فيها: # لو لم تعالجه النوى لتحيرا ... وقصاره وقد انتأوا أن يقصرا # أو كلما راح الخليط تصوبت ... عبرات عين لم تقل فتكثرا # قد أوقدت حرق الفراق صبابة ... لم تستعر، وجرين دمعا قد جرى # شغف يكتمه الحياء ولوعة ... خفيت، وحق لمثلها أن يظهرا # وأنى الركائب لم يكن ما خلته ... صبرا ولكن كان ذاك تصبرا # لبين داعية النوى فأريننا ... بين القباب البيض موتا أحمرا # وبعدين بالبين المشتت ساعة ... فكأنهن بعدن عنا أشهرا # عاجوا على ثمد البطاح وحبهم ... أجرى العيون غداة بانوا أبحرا # وتنكبوا وعر الطريق وخلفوا ... ما في الجوانح من هواهم أوعرا # أما السلوى فانه لا يهتدي ... قصد القلوب وقد خشين تذكرا # قد رمت ذاك فلم أجده وحق من ... فقد السبيل إلى الهوى ان يعذرا # أهلا بطيف خيال مانعة لنا ... يقظى ومفضلة علينا في الكرا # ما كان أنعمنا بها من زورة ... لو باعدت وقت الورود المصدرا # جزعت لو خطأت المشيب وإنما ... بلغ الشباب مدى الكمال فنورا # والشيب ان فكرت فيه مورد ... لابد يورده الفتى ان عمرا # يبيض بعد سواده الشعر الذي ... ان لم يزره الشيب واراه الثرا # ومن الشبيبة لأعدتك تحية ... وسناك منهمر الحيا ما استغزرا # فلطالما أضحى ردائي ساحبا ... في ظلك الوافي وعودي اخضرا PageV01P040 ~~أيام يرمقني الغزال إذا رنا ... شغفا ويطرقني الخيال إذا سرا # وأنشدته من شعر ابن المعلم الواسطي المشهور برقة الغزل ms065 قصيدة بارعة منها ~~قوله: # خذ من عيونهم الأمان! وهل لمن ... حمل الغرام من العيون أمان؟ # كم في البراقع من قسي حواجب ... يصمى القلوب وثيرها المران # رحلوا بأفئدة الرجال وغادروا ... بصدودها فكرا من الأحزان # واستقبلوا الوادي فأطرقت المها ... وتحيرت بغصونها الكثبان # كأنما اعترفت لهم بقدورها ... الأغصان أو بعيونها الغزلان # وأنشدته من شعر ابن الخياط البغدادي قوله من قصيدة: # وابعث لهن الزافرات لا الصبا ... واستمطر الجفون لا السحائبا # أين عداك الركب يا دار الحما ... منكبا لقد تعدى الواجبا # وقفت أدرى فيك دمعا سائلا ... ينشد من قبلك ربعا ذاهبا # لا زال دمع العاشقين والحيا ... يهمى عليك هاطلا وساكبا # حتى يرى فيك الربيع ناشرا ... على الربا من نوره عجائبا # يهدى إلى تلاعه مطارفا ... منه ويكسو جوها جلاببا # أين الأولى ظمئت مذ فارقتهم ... إذ لا أزال للدموع شاربا # بانوا فما أنظر إلا نازحا ... يجري وما أسمع إلا ناعبا # وخلفوا من الهوى بي حادثا ... لمسمعي عن الملام حاجبا # فما أخاف اليوم إلا واشيا ... حيث أمنت عادلا أو عائبا # خذ بيدي وليس تلقى لي يدا ... تأخذها إذا لقيت جاذبا # دمعي وقد كان مصونا جامدا ... اصاره البين مذالا ذائبا # ذبت فلم يبصر بجمسي عائدى ... لو لم أكن لعائدى مخاطبا # بي يقتدي أهل الهوى لأنني ... لهم شرعت في الهوى المذاهبا # فانسب إلى العشق لا إليهم ... ان كنت من إلى الغرام ناسبا # وطيب أذيال النسيم ما جرى ... بها على تلك الخيام ساحبا # حوى أريجا كلما استنشقته ... أقصى الأسى وقرب الحبائبا # وذكرت له ما حفظته من كتاب سورة الألباب، وذخيرة الكتاب، تآليف أبى محمد ~~الحسن بن الفرج بن إبراهيم الكاتب قال فيه دخلت يوما على الوزير أبى القاسم ~~الحسن بن علي المغربي بالموصل، وفي يدي شيء من شعر أبي النجيب شداد بن ~~إبراهيم المعروف بالظاهر الجزرى فسألني عما في يدي فأخبرته بفضل هذا الرجل ~~وفصاحته وبليغ عبارته ومليح استعارته وبديع إشارته فأستنشدني منها شيئا ~~فأنشدته: # يا منكرا شغفي به ... ومكذبا طول اشتياقي # في أي أحوالي تشك ... فهي أحوال السياق # أ مدامعي ms066 أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي # كلى إذا انصفتى ... حجج عليك بما ألاقى # فاستحسن ذلك وعمل في الحال: # الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياق # وأكاد من انس التذك ... ر لا أذم يد الفراق # وأغض طرفي بعدما ... ولأته غزلان العراق # وأفر من خجل العتا ... ب متى سعدنا بالتلاق # وأنشدته لبعضهم: # أيها الراكب الميمم أرضي ... بلغن بعضي السلام لبعضي # ان جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض # قد قضى الله بيننا بافتراق ... فعسى باجتماعنا سوف يقضى # فلما أنشدته هذه الأبيات فاضت الدموع، ولحق الخشوع فقال لي المولى الشيخ ~~حيا الله بلادك وبلغك من جمع شملك مرادك، وانفصل المجلس الكريم وخصصت ~~بالمقام مبالغة في التكريم، ومما سمعت منه وأخذت عنه الشيخ العالم الأوحد ~~أبو الأصبغ عيسى بن مخلوف المغيلى أحد الأعلام الجلة، وعلماء الإسلام ~~والملة إمام الأنام وعلم الأعلام، سيما في الفروع والأصول وعلم الكلام، ~~مصيبا في كل ما يعتمده في اختياراته، من استقصاء واستيفاء واقتصار واختصار ~~قد فات قدره في ضبط الفوائد الأقدار، وبحرا يأمن وارد صفوه الأكدار، ويوجب ~~فضله الشبق إليه والابتدار، فهو على الإطلاق العالم الصدر العالي القدر، قد ~~جمع إلى معارفه بين الكرم والمروءة والظرف والفتوة، وتشبت بأهداب آداب ~~وتمسك من الرواية بأسباب إلى عقل وحصاة وفضائل غير مستقصاة، رحل إلى آفاق ~~العراق، فأحرز بما اجتلب خصال السباق، وبرز بما اكتسب بخط يده من الأصول ~~العتاق، مما صحح وحدق إلى طريق الصواب عيونه: # ويبدو لها بشر ونشر كأنما ... تبلج وجه الصبح أو نفح الند PageV01P041 ~~لقيته بالمدرسة الناصرية من القاهرة المعزية فسمعت فوائد من لفظه وقيدت ~~شوارد من حفظه وقرأت عليه تفقها بعض مختصر التفريع لابن الجلاب اختصار قاضي ~~القضاة ببغداد عز الدين حسين بن أبى القاسم النيلي وهو المختصر الأكبر وأذن ~~لي في روايته عنه وحدثني انه قراه قراءة تفقه وبحث على مؤلفه المذكور ~~ببغداد وإجازة إياه وأذن له في تدريسه وتبيينه إجازة تامة مطلقة عامة؟ ~~وأنشدني لأبي العلاء المعري قوله: # لا تطلبن بآلة لك رتبة ... قلم البليغ ms067 بغير جد معزل # سكن السما كان السماء كلاهما ... هذاله رمح وهذا أعزل # وممن سمعت عليه وترردت إليه واحتفلت إلى منزله واعترفت بفضله وتطوله، ~~الشيخ العالم الكبير تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي إمام من ~~أئمة الشافعية، وعالم من كبار علماء الديار المصرية ومن يعترف له بالرتبة ~~العلية، ويرشح للخطة الكبيرة القاضوية له عدالة الأصل وأصالة العدل وإصابة ~~النقل ورزانة العقل وجزالة القول والفعل ومتانة الدين والفضل، إلى تحصيل ~~وتفنن وتأصيل، في المنقولات والمعقولات وتمكن ونظر راجح وحفظ راسخ وتقدم في ~~التحديث والرواية عال شامخ، كريم شهد له العيان إليه يعزي البيان، ومن بحره ~~يخرج اللؤلؤ والمرجان، إلى آداب غضة وفضائل مرفضة ومساع كغرته مبيضة: # فمساعيه شهود أنه ... خير فرع جاء من أكرم أصل # لقيته بمنزله من القاهرة فتراكمت على سحائب أياديه الهامرة وأسمعني كل ~~مسموع مفيد ولم أزل من كرمه الواكف كل يوم في عيد، ولما أكملت سماعي عليه ~~واستوفيته لديه رسم لي الإجازة التامة العامة بخطه رسما كملت أوصانه وأوجبه ~~فضله وإنصافه قرأت عليه كثيرا من شعر الإمام أبى عبد اله الشافعي رضي الله ~~عنه فاستحسنت منه قوله: # لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات # أني أحيي عدوي حين أبصره ... لأدفع الشر عن بالتحيات # ولست أسلم ممن ليس يعرفني ... فكيف أسلم من أهل المودات # وممن سمعت عليه أياما وشفيت بري الرواية عنه أواما، الشيخ العالم المحدث ~~تاج الدين أبو محمد عبد الله بن علي القلعي الأطفيحى أحد المشيخة الذين ~~تقرظ بحلي أنبائهم الآذان مصيخة فتراشحوا للعلاء، وتوشحوا بغر الحلي، ~~وكرعوا في بحر علم لا تكدره الدلاء، طلب العلم من صغره، ولازم كبراء رجاله، ~~وعمر طويلا وروى وأسند كثيرا فتحلى من علو الرواية أجمل حلية، وأخذ عن ~~جماعة من العلماء عليه فهو الرواية وحيد عصره، وفريد دهره، مع مشاركة في ~~معارف أخرى واستيثار في جميع ذلك بالحظوة والأثر، وإذا يراجعك الحديث فخذ ~~منه وحدث عن أبى ذر، لقيته مرار كثيرة وسمعت عليه جملا ms068 مفيدة، وكتاب شرف ~~أصحاب الحديث للحافظ أبى بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، وسمعت ~~جميعه عليه بقراءة شيخنا معين الدين ابن عبد الله محمد بن فتوح المصغونى ~~زبقصد الرواية عمها بحق إجازتهما من الشيخ أبى العز عبد العزيز عبد المنعم ~~بن علي بن نصر بن منصور بن هبة الله بن الصقيل الحراني النميري بسماعه عن ~~أبى القاسم ضياء بن الخريف بسماعه من المصنف أبى بكر محمد بن عبد الباقي بن ~~محمد الأنصاري بسماعه من المصنف أبى بكر أحمد بن علي المذكور وأجازني ~~الإجازة التامة وكتب لي بخطه، سمعت بها أيضا، وقرأت على سوى من ذكرت. )ثم( ~~خرجنا منها في صبيحة يوم الاثنين الثامن والعشرين لرجب الفرد من عام سبعة ~~وثلاثين المذكور مستقبلين الأرض الصحراء الجذبة الفقراء حتى تحار فيها ~~القطا، ولا تهتدي إليها الخطا، ويعدم بها الماء، وتضن عليها السماء، ويفنى ~~فيها الزاد، ويعيى بسلوكها العباد، نحدو بالجمال، ونخفض الاقتاب لرفع ~~الرحال، ونقطع بالسير موصول تلك الرمال، حتى أشرفنا على مدينة )غزة( ~~فدخلناها ضحوة يوم الثلاثاء السابع لشعبان المكرم من العام المذكور وقد: # تبسم ثغر الزهر عن شنب القطر ... ودب عذار الظل في صفحة النهر # فزينة الأرض مشهورة، وحلة الروض منشورة، والبسيطة مدت بساطا مفوفا، وأهدت ~~من مطارف وشيها وزخارف نورها ألطافا وتحفا: # فالجو رقراق الشعاع مفرق ... والماء فياض الآتي معسجد # والأرض في حلى الربيع كأنما ... قطف الغمائم لؤلؤ وزبرجد PageV01P042 ~~فأرحنا فيها تعب الأبدان، وسرحنا منها في بلد من أحسن تلك البلدان، بلد ~~حسنه يفقه من كان بليدا، حتى يعود ليبدأ، فسيحة الساحة، مستطيلة المساحة، ~~نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة، ما شئت من منظر عجيب، وجانب رحيب، ~~وبسيط خصيب، وساحل قريب، ومكان مؤنس لكل غريب، يزهر بالحسن المحض، والنور ~~الغض، وناهيك بالشام، شامة الأرض كما قال عرقلة الدمشقي: # هذا هو الزمن الربيع المونق ... والعيشة الرغد التي هي تعشق # فعلام تصحو والحمام كأنها ... سكرى تغني تارة وتصفق # وتلوم في حب الديار جهالة ... هيهات يسلوها فؤاد شيق # والشام شامة ms069 وجنة الدنيا كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلق # من آسها لك جنة لا تنقضي ... ومن الشقيق جهنم لا تحرق # سيما وقد رقم الربيع ربوعها ... وشيا به حدق البرايا تحدق # في روضة ضحكت ثغور أقاحها ... لما بكاها العارض المتدفق # فبتنا ببعض بساتنها وهناك جريان الأنهار، وحفيف الأشجار، وتغريد الأطيار، ~~ما أذكر قول ابن حصن كاتب المعتمد بن عباد: # وما هاجني إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والنهر # مفستق طوق زوردي كلكل ... موشى الطلى أحوى القوادم والظهر # أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التبر # حديد شبا المنقار داج كأنه ... شبا قلم من فضة مد في حبر # توسد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طي الجناح من النحر # ولما رأى دمعي مراقا أرابه ... بكائي فاستولى على الغصن النضر # وحث جناحيه وصفق طائرا ... وطار بقلبي حيث طار ولا ادري!؟ # وأقمنا حتى بدا النور، وتكلم العصفور، وسرنا نحث السرى، ونعاصى الكرا، ~~حتى ذهب الظلام وأشرفنا على مدينة الخليل عليه السلام، وأشرقت لنا تلك ~~الربا والأعلام، فدخلناها في ضحوة يوم الخميس التاسع لشعبان المذكور فحللت ~~فيها قصرا عظيم البركة ظاهر الرحمة، لائح الأنوار، كريم المئاثر، والآثار، ~~ينبى عن الشام بطيب أنبائها، وحسن آلائها. ورقة هوائها، وبهجة بهائها، وجدا ~~جداولها، وجنا جذاذلها، وتضوع أريج أسحارها وتنوع بهيج أوهارها، وريا ~~رياضها ورونق جواهرها وأعراضها، وغرة أرضها وصحة هوائها وقلة أمراضها: # بلاد بها الحصباء درو تربها ... عبير وأنفاس الرياح شمول # تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل # وقدمت والزمان في عنفوانه، والربيع في ريعانه، والروض في حسنه وإحسانه ~~والزهر في زهره وزهوه، والطير في شوقه، وشدوه، والدوح بالورق بين أوراقه في ~~جدوه، والنوار قد شب وشاب، والهزار قد لب ولاب، والعندليب قد طرب وغنى، ~~والحبيب قد ظرف وتجنى، وللأندية أنداء، وللأدوية أوداء، وللصبا صبابات، ~~وللبيب لبانات وللشمال شمول، وللقبول قبول، وللعرار شميم، والباهر نسيم، ~~وللنرجس عيون وللورد وجنة. وللكمام أجنة، وللغمام دجنة وللإقاح ثغور، باسمة ~~وللأغصان قدود ناعمة وللأفنان فنون، وللحديث ms070 شجون ولجبهة الغدير من حركة ~~النسيم غضون، ولهزة المساري أعطاف يقال لها غصون: # والماء تحت الغصن مطرد ... والغصن فوق الماء منعكس PageV01P043 فآويت إلى ~~إيوان، ونزلت أحسن مكان، وأمكن إحسان، ثم دخلت المسجد الأعظم فرأيت من حسنه ~~عجبا، ومن بنيانه ما شئت فضة وذهبا، لا تدرك مبانيه السامية، ولا تلحق ~~أثاره العالية، له أواب حافلة من الحديد وشباك منه بديع، وبنيان بالرخام ~~والأحجار العظام الهائلة المنحوتة الضخام، عددت في طول الحجر الواحد منها ~~أربعة وثلاثين شبرا، وفيها أكبر من ذلك وأصغر، قد أسس ذلك المسجد العظيم ~~عليها وبنى ظاهره وباطنه منها فجاء جامعا عجيبا واسع الساحة، بديع الصنعة، ~~أحدق بجميعه سور جليل، بناؤه من الصخر الجسيم، قد جمع الحسن والحصانة ~~والعلو والمتانة، يشرق بياضه على بعد المتأمل وكذلك حال المدينة منازلها ~~وقصورها من الإشراق والبهجة التي تشوبها خضرة الحدائق الملتفة بها المكتنفة ~~بساحتها، وداخل المسجد الأعظم موجه القبلة بالرخام المجزع المختلف الألوان، ~~الغريب الترصيع الفائق الحسن قد أفرغ فيه الذهب المضروب والتبر الخالص ~~افرغا، وفي وسط المسجد الكريم، التربة المقدسة تربة الخليل أبينا إبراهيم ~~عليه السلام قد جن بها من الشماعات العظام المذهبة والأستار المكللة ~~المطرزة والمصابيح البديعة المموهة كل حسن رائق رائع، وإمامه ضريح زوجه ~~رضوان الله عليها وتجاه ذلك من الجانب الجوفي قبة أخرى عظيمة القدر متناهية ~~الإتقان تحتها ضريح النبي يعقوب عليه السلام وأمامه زوجه رضى الله عنها ~~وتحتها طبقة وقبة فيها ضريح النبي يوسف الصديق عليه السلام والأستار ~~المدبجة والرسوم المذهبة بأسمائها المباركة على جميعها والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بصحة ذلك كله وما بين المسجد الكريم والقبة الجوفية صحن عظيم كبير جدا ~~فيه في المسجد أيضا هو مجتمع الواردين والمقيمين من الأغنياء والفقراء ~~والأمراء والكبراء للضيافة المباركة ضيافة لخليل عليه السلام في كل يوم بعد ~~صلاة العصر على توالي أحقاب الدهر وفيه حضرتها مع جملتهم متبركا بذلك ثم ~~اختلفت إلى لقاء الفضلاء وأخذت عمن بذلك القطر المبارك من العلماء، منهم ~~شيخ الوقت سناء وسنا وعلما ودينا الشيخ ms071 العالم الصالح شمس الدين أبو عبد ~~الله محمد بن كافل الشافعي رضي الله عنه شيخ العلم والوقار ومحل المناقب ~~المغرسة في أرفع البقاع وأمنع القرار وأهل المكارم السنية الأنوار السنية ~~الآثار نزيه الأحوال نبيه القدر زكي الخلال ما عرى من أثواب عفاف ولا تعطل ~~من حلى برو إنصاف له الحكم الظاهرة والنباهة الحاصرة والنزاهة التي أذعنت ~~لها الدنيا وترجى لها الآخرة فما قيس ابن عاصم منه بأحلم ولا عبد الرحمن بن ~~القاسم بأعلم، ولا الأغلب ممن سالم بأجل في النفوس وأعظم ولي القضاء بعدما ~~أكره عليه وجذب راغم الأنف إليه، فلم يعلق به طبع ولا زال من الزهد والورع ~~بمرئي ومسمع ثم نبذ الأمر وخلاه، وأسلمه لمن ولاه، تخلى هو لعباده مولاه ~~فهو الآن بذلك المسجد العظيم والمقام النيير الكريم لا يفتر من العبادة ولا ~~يدخل منزله إلا للعادة، الله أكبر حين تسئله وحي على الفلاح. سمعت من لفظه ~~هناك بين المنبر والمحراب أجزاء غير واحدة واستفدت في مجلسه غير ما فائدة ~~وسألته عن أشياخه فأخبرني أنهم جماعة كبيرة منهم الشيخ الزاهد أبو إسحاق ~~إبراهيم بن أحمد الرقي الشافعي نزيل دمشق رحمه الله تعالى سمع عليه كثيرا ~~وأنشدني لنفسه: # وصل الحبيب لسم الهجر ترياق ... وقربه لأسير البين إطلاق # أما السلو فدين لا أدين به ... وكيف يسلو عن الأحباب عشاق # أم كيف يجمل في سلوى جمالكم ... وبيننا في الهوى عهد وميثاق # قلبي القريح عليكم حشوه حرق ... ولوعة وصبابات وأشواق # لا غروان كان قلبي شيقا قلقا ... قلب المحب إلى الأحباب تواق # ان أبعدوني فأهل للبعاد وان ... هم قربوني فان القلب مشتاق PageV01P044 ~~أنشدنيها عن ناظمها المذكور وكتبتها من إملائه وصححتها بعد قراءتي عليه ومن ~~شيوخه أيضا الشيخ أبو الحسن علي الواسطي قال لي وكان رحمه الله ما انقطع عن ~~الحج والزيارة مدة حياته فسأله أهله أن يقيم معهم ويدع الحج سنة واحدة فلما ~~عزم على ذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له يا علي ~~عزمت على الإقامة عنا. ms072 فقال سألني الأهل في ذلك فقال له أن أقمت عنا أقمنا ~~غيرك مقامك، فلما استيقظ عزم على الحج والزيارة في ساعته وسأل الله تعالى ~~أن يجعل قبره ما بين الحرمين الشريفين فتوفي ما بين بدر وحنين رحمه الله ~~تعالى، وقد سمعت عليه أبعاض كتب كثيرة وتناولتها من يده وأجازني الإجازة ~~التامة المطلقة العامة وكتب لي بخطه. # ومنهم علم الأعلام وإمام الإسلام الشيخ العالم الراوية شمس الدين أبو عبد ~~الله محمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم الأموي القرشي هو الإمام الذي رفعه ~~العلم قبل شبابه وعرفه بركات ما مله الحميد وطلابه ومهد له من السعد في نيل ~~القصد رحيب مغناه وفسيح جنابه، وسهل له آربا وأوطارا، ولم يزل مترسما من ~~أشرف الأفعال وأعرق الأقوال من معالم المآثر ومآثر المعالم، وأعيان ذوي ~~الأقدار والأخطار أعلاها مقدارا، متسنما من مراتب الصفات وصفات المراتب ~~أقصاها منالا، وأسماها منارا، مترسما من أخلاق المجد ومجد الأخلاق أزهارها ~~نظارة وأنظرها أزهارا، متحليا من الشيم الفاضلة بأنفسها دارا، ومتحليا في ~~سعودها الشارقة بدرا متجنبا عن كل ما يعقب الإقبال على السعادات أدبارا، ~~محرزا في ميدان طهارة الأردان خصل السباق، متميزا في عنفوان شبابه بحسن ~~الخلق وإحسان الأخلاق، مثمرا لرأس مال العفاف، ساحبا من حلله الضافية ~~الأفواف، مقبلا على ما يزيد مجده مآثرا وآثارا إلى رواية فاز بفريدها ~~الثمين وعلقها، ونام على ليل إهمالها وقام بحقها ودار حول قطبها، ومرقى ~~مطالع أفقها وأنعم بها سحا ومدارا إلى علوم حديث اقتصر عليه مع أدواته ~~الثابتة الفضائل الواضحة الدلائل اختصارا، وهصر أفنان خمائله الباستل وقد ~~تناءت مساقا وتناهت إيراقا وأزهارا، وكرع في مشارعها السلسبيلية ومناهلها ~~الزلالية. آمنا صدرا واصدرا وعطف على محلها المرفوع، واستند إليها استنادا ~~المحمول إلى الموضوع، وأسند من حديثها الحسن الصحيح لا المختلف الموضوع ~~أثارا وأخبارا إلى المنصب الذي أحسب مناه والمنسب الذي أراه في المحتد ~~القرشي متمناه والبيت الذي قر على عمد المجد قرارا، متخذا للورع دثارا. ~~وللزهد شعارا، فاشتهرت في الغابر والسالف بفضلها التالد والطارف ms073 اشتهارا، ~~وظهر في الطهارة والنزاهة علما يحمل نور الانارا، فعذب في مشارعها مشربا، ~~وثبت في مناكبها كبكبا، وسرى في منازلها السعود كوكبا سيارا، والى مكانة في ~~العلماء معروف قدرها، مشاهد بتصديق خبرها الحسن خبرها، ذائع عرفها ونشرها ~~وجلالة في الحسباء لا تنكر معارفها ولا تخلق برودها الفضفاضة ومطارفها، ولا ~~يتقلص من ظلالها السابغة ممدودها ووارفها إعظاما لمحلها الرفيع وإكبارا، ~~فحين ساغ له هذا المشرب الزلالي العلمي العملي ورد وارتوى، وعلم أنه ظفر من ~~ضالته المنشودة وبغيته المقصودة بما ابتغى، ونوى، فألقى عصى التسيار في ~~مناهج لقاء أولى العلم الأخيار واستقرت بعد النوى استقرارا، وأقبلت على ~~إفادة العلوم، بين تلك المعاهد الشريفة والرسوم بساحة سنية ورساخة علمية ~~عالية منارا، ساطعة أنوارا متصلة عوائده الدينية وفوائده العلمية بقاء ~~واستمرارا، فتجلى الشك عن اليقين، وتسفر عن مثل الصبح المبين أسفارا فها هو ~~محمول من الترفيع والتعظيم على واجبه مكفول من البر والتكريم بمزيده ~~ومتعاقبه قد تجلت له صور الرعاية والمبرة شموسا وأقمارا، وتحلت به من ذلك ~~الأفق المقدس أزمانا وأعصارا، متصلة الإشراق ومشرقة الاتصال ليلا ونهارا: # كساها وقد عاث فيها المشيب ... برونق أيامها الاوله # فلا سلب الله ثوب البقاء ... عنه وهناه ما خوله PageV01P045 لقيته بالحرم ~~الخليلي الشريف فسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وغير ذلك من الأجزاء والكتب في فنون شتى وأجازني الإجازة التامة المطلقة ~~العامة وكتب لي بخطه، وأشياخه جماعة كثيرة من جدا ومولده رضي الله عنه بحلب ~~المحروسة في سنة بضع وستين وستمائة خرجنا منها ضحوة يوم الأحد الثاني ~~لشعبان المذكور عشي ذلك اليوم بنفسه دخلنا مدينة بيت المقدس كلأها الله ~~تعالى. # هي بلدة الأفق المنير ونجمه، والنجم الذي لا تمتطي صهواته وصلناها والليل ~~في سن الاكتهال وأيدينا ممتدة بالشكر لله تعالى والابتهال فوافينا مدينة ~~واسعة الرقعة طيبة البقعة، سامية الاتفاع، مشرفة البقاع مباركة الأغوار ~~والتلاع، عذبة المراد، منمنمة الابراد، ممرعة الجنبات، متنوعة النبات ~~ممدودة الظلال، مودودة الخلال، مأمولة السعادة مسعودة الآمال، ضخمة البناء، ~~واسعة الفناء، ms074 تشهد لسكانها بالثراء والسناء، قد أخذت من كل المحاسن نصيبا، ~~وفوقت إلى هدف الفضائل سهما مصيبا وملئت ظرفا وأدبا وأوتيت من كل شيء سببا: # محل كأن الشمس تخجل كلما ... نضت توبها عن معطفيه مغيبا # تنم رياح الخلد منه لأهله ... وبطفح تسنيم ويرشح طيبا # ظل ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مدانبه إنسياب الأراقم بكل سبيل، ورياضات ~~تحي النفوس بنسيمها العليل تتبرح لناظرها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلي ~~معرس للحسن ومقيل، فنزلنا منها منزلا بديعا قد عذب ماؤه، وراق روضه، ورق ~~صفاؤه وهواؤه، وتفسحت مساحاتها، وتأرجت أرجاؤه: # وكم مبسم للاقحوانة حوله ... مؤلفه ريق من الطل أشنب # ولمة حقف لم يرمها مخيل ... من الريح يسرى أو من السرب يلعب # يقر بعيني ان تفئ ظلاله ... وأن يتثنى دوحه المتأشب # وان كان لا يمضي النسيم بغصنه ... إذا اجتاز ألا خائفا يترقب # ثم قصدت الحرم الشريف، والمسجد العظيم المنيف، الذي بارك الله حوله، ~~وعرفت كل أمة فضله، المسجد الأقصى موضع المعراج والإسراء، وكفى بهذا شرفا ~~وفخرا، فرأيت بقعة لها نور، وفضل مأثور، وشرف معلوم مذكور، ومسجد له ~~محرمات، ومقام تخطر فيه خطرات وتعرض مقامات، ومحل تفيض عليه بركات، وتستجاب ~~فيه دعوات، ومكان يمكن فيه الالتفات، وتقصر عنه الصفات، وتكل في تصنيف ~~محاسنه الياءات والألفات، قد جمع شرف المقدار إلى طيب التربة وفضيلة الدار، ~~وشهرت مفاخره، فأية البقاع تفاخره؟ وراقت محاسنه فلا منظر يحاسنه! وفاقت ~~مئاثره جميع من يكاثره، وأمتع بكل سليم الود سلم وحيا، وأطلع نور البشر في ~~أفق المحيا: # كأنه من حسنه لم يزل ... يستخدم التوفيق وإلا سعدا # رست بجناه وعلا سمكه ... فطاول الجوزاء والفرقدا PageV01P046 وهذه المسجد ~~الشريف هو أعظم مساجد الدنيا طوله سبعمائة وثمانون ذراعا وعرضه أربعمائة ~~وخمسون ذراعا فيكون تكسيره في المراجع المغربية مائة مرجع، وسواريه ~~أربعمائة وأربع عشرة سارية وأبوابه خمسون بابا يطيف به سور سعته ثلاث خطوات ~~قد أسس بالحجارة العظيمة وألواحه الكبار المنحوتة الهائلة بنته الجن ~~لسليمان عليه السلام والمفتوحة الآن من أبوابه اثنا عشر بابا كل باب منها ~~له الوجه ms075 المنقش الحسن المرقش فيها باب مصفح بالعقيان واللجين مغمد بهما قد ~~قام على ما راق الأبصار وأعجب الأنظار )ومنها باب الرحمة وباب التوبة بابان ~~من الجهة الشرقية وروى المفسرون عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس ~~أيضا في قوله تعالى فضرب بينهم بسور أنه سور بيت المقدس الشرقي له باب يسمى ~~باب الرحمة من بيت المقدس قال: كعب باطنه المسجد. وظاهره وادي جهنم وفي ~~الجهة القبلية المسجد الأعظم الحافل الذي عليه اليوم اسم المسجد الأقصى فيه ~~الخطبة والجمعة والمنبر الذي جمع الله فيه من كل إبداع عجيب واختراع غريب ~~والمقاصر التي لا نظير لها غرابة صنعة وجود إنشاء والسواري المفضضة الملونة ~~من ألوان شتى من حمرة قانية وصفرة فاقعة وبياض ناصع ومن الجبرية الحالكة ~~الصافية ومن الخبرية المجزعة العجيبة البديعة كلها مطلية الرؤوس بالذهب ~~الذائب والتبر الخالص وقد قامت بين يد المحراب منتظمة، به عظيمة جليلة ~~منقسمة على أفنان معقودة بأقواس محنية متراكبة مدخلة على ألوان شتى، وتصنيف ~~غريب، مذهبة ما دخلها في التثمين والتسديد والتربيع بتذهيب مشجر مورق ~~بالذهب مصنف محكم قد رونق الحسن استماتتها واستوفت من حظوظ البراعة ~~أقسامها، لها منظر رائع ورواء لامع فتراها تشتعل ذهبا وتستقل عجبا، فيها ~~تواريخ مكتوبة بالذهب في أرض فيروزية وفي أرض حمراء زنجفورية )وبأعلى ~~المحراب( مكتوب بالذهب في أربعة أسطار ما نصه، أمر بتجديد هذا المحراب ~~المقدس، وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس عبد الله ووليه يوسف ~~بن أيوب المظفر الملك الناصر صلاح الدين والدنيا عندما فتحه الله على يديه ~~في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهو يسأل الله ايزاعه شكر هذه النعمة، ~~واجزال حظه من المغفرة والرحمة )وبشرقي( هذا المسجد متصلا به وداخلا فيه ~~المسجد المبارك، الذي بناه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وبجوفه تربيعه خلفها محراب زكرياء عليه السلام، ومكتوب عليه بالذهب يا ~~زكرياء انا بشرناك بغلام اسمه يحيى، وبخارج المسجد الأعظم من ناحية المشرق ~~مسجد بقبتين، يعرف بمسجد عيسى، وفي ms076 شرقيه باب له مدارج كثيرة تفضي تحت ~~الأرض إلى موضع كبير حسن كمسجد فيه مهد مصور من الحجر الصلد يذكر أنه مهد ~~عيسى عليه السلام، وبغربيه مسجد حسن للمالكية يسمى بمسجد المغاربة تلاصقه ~~من ناحية الغرب مدرسة حافلة تسمى الفخرية، وبخارج المسجد الأعظم صحن عظيم ~~كبير مثمر بأنواع الثمار والأشجار الكبار المختلفة الأنواع ومن أكثرها ~~الزيتون، وفيه أجياب كثيرة ذكر عبد الملك بن حبيب بسنده أن عمر بن الخطاب ~~لما قدم بيت المقدس خرج رجل من أصحابه يستسقي في جب سليمان وهو جب في داخل ~~المسجد فخرت دلوه في الجب فنزل بها يستخرجها فبينما هو يطوف في الجب إذا ~~أتاه ملكان فأخذا بعاتقه فذهبا به حتى أدخلاه الجنة فجعل يسريان به فيها ~~فكان كلما مرا به على شجرة لها ثمر يمد يده إلى ثمرها فيؤخره الملكان حتى ~~مرا به على شجرة ذات أفنان فمد يده فأخذ ورقة واحدة فقال له الملكان لو ~~ملكت يدك لسرنا بك اليوم إلى يوم القيامة ثم انصرفا به إلى الجب فخرج عند ~~صلاة الظهر فأتى عمر فأخبره بالذي كان وضبط يده على الورقة فقال عمر، أضمم ~~يدك عليها ثم بعث إلى كعب الأحبار فاتاه فقال يا أبا إسحاق! هل تجد في علمك ~~أن رجلا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة ثم يخرج منها قال نعم ~~يا أمير المؤمنين قال هل تسميه قال نعم فهو شريك بن حماشة النميري قال ~~فأنظر هل تراه فنظر كعبا مليا ثم قال هو ذا فقيل لكعب صف الورقة قال نعم ~~كانت مثل الكف العظيمة أشبه شئ بورق الزراقين يعني الخوخ ففي بيت المقدس ~~اثنا عشر جبا، ليس فيها جب أطيب ولا أعذب ولا أبرد من هذا الجب وهو يسمى ~~بيير الورقة انتهى، وفي هذا الصحن ساقية ماء تأتي من مسافة شاقة ومهوى بعيد ~~من الأرض قطعت لها الجبال وصدعت لها الصخور PageV01P047 الجليلة صدعا ~~بالمال الجسيم والأيدي الشديدة حتى انصبت منها المياه على المسجد الأقصى ~~فأروت وأغدقت وفاضت ms077 وأفضت إلى )خسة( من رخام كبيرة أمام المسجد الأعظم في ~~وسطها فوارة يجري فيها الماء )وفي وسط هذا الصحن( صحن آخر عال مرتفع يصعد ~~إليه بأدراج عالية كثيرة من جهات ثمانية وهو مفروش بالرخام الأبيض وفي وسط ~~هذا الصحن الأخير المرتفع القبة العظيمة القدر الكبيرة الخطر التي كان ~~محاسن الدنيا مجموعة فيها ومحصورة في نواحيها فهي من أعاجيب الدهر وأحسن ما ~~يرى بالبصر ويتخيل في الفكر )قبة الصخرة الكريمة( وهي مصنوعة من قبة مثمنة ~~الحائط والأركان من داخلها وخارجها مستوية السقف، أعلاها ذهب مضروب في ~~صنائع عجيبة وجوانبها كلها من داخلها ملبسة بألواح الرخام المنثور الملصق ~~إلصاقا محكما مخططا بالخطوط الكحل تخطيط القدرة الربانية فجاء منها خواتم ~~عجيبة وطوالع مختلفة الصناعة غريبة، وفي وسط هذه القبة المثمنة المستوية ~~السقف قبة أخرى قد بعد في السماء مرتقاها حتى تساوي ثراها مع ثرياها وجازت ~~الجوزاء سمتا وعزلت السماك الأعزل سمكا وارتقت في الهوى وأسرت إلى السماء ~~النجوى، وانتهت في الحسن الغاية القصوى فكأنما صورت جنة الخلد وأشربت حبة ~~القلب وأوسعت قرة العين، ونقشت في عرض الأرض وأبرزت في الإبريز الخالص ~~المحض قد اتفق الذكر فيها وضرب المثل بتناهيها، وبلغ الخاصة والعامة خبرها ~~وبعد فيهم، صيتها وارتفع ذكرها وعظم خطرها وتوافى الناس إليها من البعد ~~والقرب والشرق والغرب متأملين لها متعجبين من مونق مرعاها ورونق سناها ~~والتقى رجال برجال قد دخلوا البلدان واستبدلوا الأوطان وجالوا في الأمصار ~~وجابوا في الأقطار فأقسم كل واحد منهم بجهد قسمه انه ما رأى لتمام محاسنها ~~تماما ولا بئانق ما انتظمته مطالعها انتظاما ولا بعجيب ما تضمنه ايواؤها، ~~ومنحته أفناؤها من النقوش السرية، والصنائع السنية التي لا يبلغها نقوش أهل ~~الهند ولا تنتهيها نمنمة أهل الصين تدركها رقوم أهل رها، ولا تساميها دباسح ~~تستر ولا يقارن بها وشي صنعاء ولو لم يكن لها إلا السطح المدد المشرف على ~~الصحن الكبير والقبة وعجائب ما تضمنته من إتقان الصنعة وفخامة الهمة وحسن ~~المستشرق وبراعة الملبس والحلة ما بين مرمر مسنون ms078 وذهب موضون، وعمد كأنها ~~أفرغت في القوالب، أو أعيرت ملمس النضار الدلامس، ونقوش كقطع الحياض، ~~وتشجير كألفات الرياض، يتسنم بين ذلك كله أنه سنام الدنيا، سلسل برود يفرغ ~~أمامه من تماثيل عجيبة الأشخاص في خوابي رخام تهد الجبال ضخما ولا تهتدي ~~الأوهام إلى سبيل الالفاء بها ولقد أخبرني الشيخ العالم القدوة شمس الدين ~~الكركي قال بلغت زنة الرصاص الذي على سقف قبة الصخرة هذه ثلاثين ألف قنطار ~~بالدمشقي وهو بالمومنى مائة ألف وعشرون ألف قنطار كاملة، وذكر عبد الملك بن ~~حبيب رحمه الله أن عبد الملك بن مروان بنى القبة على الصخرة وجعل على ~~الجانبة التي أعلا القبة ثمانية آلاف صفيحة من نحاس مطلية بالذهب في كل ~~صفيحة سبعة مثقال وأفرغ على رأس الأعمدة مائة ألف مثقال ذهبا وفي وسطها ~~مكتوب بالذهب في أرض سماوية لا زوردية على الدائرة ما نصه: - بسم الله ~~الرحمن الرحيم - أمر بتجديد تذهيب هذه القبة الشريفة مولانا السلطان الملك ~~الناصر العالم العادل المجاهد المؤيد من السماء ناصر الدنيا والدين محيي ~~العدل في العالمين وظل الله في أرضه القائم بسنته وفرضه محرر ممالك الدنيا ~~ومظهر كلمة الله العليا مشيد أركان الشريعة الشريفة، سلطان الإسلام الشهيد ~~الملك المنصور قلاون تغمده ألله برحمته وذلك في شهور سنة ثمان عشرة ~~وسبعمائة وتحت هذه القبة العجيبة الصخرة الشريفة التي هي كالجبل الراسي ~~والطود العظيم معلقة وسط الفضاء بين الأرض والسماء لا صعودا ولا نزولا، ~~إنما يمسكها الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وقد انصنع بهذه الصخرة ~~الشريفة والبنيان الدائر بها نوع مغارة كبيرة تفضي إليها أدراج جملتها خمسة ~~عشر درجا وفيها سطح مفروش بالرخام المجزع المختلف الألوان البديع الصنعة ~~وهو موضع مبارك للصلاة، وفي الطرف القبلي من الصخرة الشريفة أثر قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتبرك به الناس ويمرغون خدودهم فيه وقد طاف بالصخرة ~~الشريفة شباك من العود، وبعده شباك آخر من الحديد، ثلاثة أبواب وبين ~~الشباكين فضاء واسع للصلاة، وللقبة PageV01P048 المثمنة أربعة أبواب فالباب ~~الجوفي منها يسمى باب ms079 الجنة وبأعلاه مكتوب بالخط الحسن هذا باب الجنة ~~وبأعلى الباب الثاني منه لوح نحاس كبير مكتوب فيه بالنقش المحكم ما نصه: ~~بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا شريك ~~له الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، عبد الله ورسوله ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون آمنا بالله ~~وبما أنزل على محمد وبما أوتي النبئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن ~~له مسلمون، صلى الله عليه وسلم على محمد عبده ونبيه والسلام عليه ورحمة ~~الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، مما أمر به الإمام المأمون أمير المؤمنين ~~أطال الله بقاءه في ولاية أخيه أمير المؤمنين أبي اسحاق أبن أمير المؤمنين ~~الرشيد أبقاه الله وجرى على يده صالح بن يحيى مولى أمير المؤمنين في شهير ~~ربيع الأخير سنة ست عشرة ومائتين، وأعلى الباب الثاني من الباب الشرقي لوح ~~آخر من نحاس أيضا مكتوب هذا النص المذكور بجملته، وأمام باب الجنة المذكور ~~قبة تغشى النواظر بشعاعها وتخطف الأبصار بالتماعها تسمى قبة السلسلة التي ~~كان يحكم بها داوود عليه السلام وهي قبة عجيبة قامت على أسوار مختلفة ~~وصناعة على الحسن مشتملة بوسطها تأريخان مكتوبان بالذهب أحدهما في أرض ~~خضراء زرعية ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم وداوود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان، وكلا ~~أتينا حكما وعلما، كمل تجديد بطن هذه القبة السلسة المباركة ونقش سقفها ~~وتبليطها في شهور سنة ست وتسعين وخمسمائة، وفي الركن الغربي من هذا الصحن ~~المرتفع المذكور مسجد فيه قبتان منتظمتان عجيبتان فيهما رسوم مذهبة وتواريخ ~~مختلفة أقربها عهدا وهو ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلواته ~~على خير خلق الله محمد وءاله وصحبه، أما بعد فما زلت همم ملوك الإسلام ~~تناصر على إثبات مفاخر يبقى ذكرهم ببقائها وإنشاء محاسن يباهون الأمم ~~ببهائها، فيحيون رسوما طالما نسجت عليها العناكب. ويرقمون على صفحات الأيام ms080 ~~من الخيرات رقما تشرف إليه الكواكب فتظل عيون الأماني بمآثرهم قريرة وأعواد ~~احبالهم بمفاخرهم مورقة نضيرة أعطاهم الله قدرة فصرفوها إلى رفع أقدارهم، ~~وأتاهم الدنيا فلم يتركوها غفلا من محاسن ءاثاهم: PageV01P049 )فتراهم دون ~~الرجام وذكرهم ... باق بها فكأنهم أحياء( # فلله در فتى تبقى مساعيه بعده مشكورة، ومناقبه ما بقيت أثارهم مذكورة، ~~ولما تشعث السقف الذي كان أنشأه الملك المعظم الواقف المذكور رحمه الله ~~انتدب لإحيائه عبد الله الفقير إليه أسد الدين عبد القادر سبط الواقف بحكم ~~ما إليه من النظر الشرعي في أوقاف جده فجدده وبذل وسعه وطاقته فيه ابتغاء ~~مرضاة الله تعالى وكان الفراغ منه في ربيع الأخير سنة تسع وعشر وسبعمائة من ~~الهجرة النبوية وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وفي الجهة ~~الغربية ثلاث صوامع وأسم المأذنة أو المنار أحق من أسم الصومعة لأن الصومعة ~~هي التي للراهب وهي بفتح الميم. وفي الجهة الغربية والجوفية قباب مختلفة ~~تركت وصفها اختصارا، منها قبة الركن المشرقي الحافلة وقبة المعراج وقبة ~~الميزان الرخامية وقبة موسى البديعة وقبة سليمان الرائقة وفي كل مسجد من ~~تلك المساجد ومدرسة من تلك المدارس، وقبة من تلك القباب أمام عاكف به قائم ~~عليه، ولقد عددت مواضع الاشفاع وصلاة التراويح بها في شهر رمضان المعظم ~~فألفينا نحو الأربعين موضعا وفي الجهة الغربية من الصحن الكبير المثمن ~~مدرسة عجيبة غريبة الشكل غزيرة المياه حافلة الصنعة بابها ملاصق لباب الحرم ~~تسمى الذنقيدية. ويسكنها الصوفية وقد حف بها من الرسوم المذهبة العجيبة ~~والخطب الأدبية الغربية والألفاظ البعيدة القريبة كل من أتى بالعجب، وسفر ~~عن الحسن المنتخب ووجب ان كتب هناك بذوب الذهب، اخترت أخصرها ونقلت أيسرها، ~~فكان الذي ارتضاه الاختيار واقتضاه الاختصار ما قيدته من مباح الطبقة ~~العليا ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي رفع لبيت المقدس في ~~سائر الملل ذكرا، وفضله على أكثر البقاع شرفا وفخرا، وجمع القلوب على محبته ~~تعظيما لرتبته، وقدرا، وأسرى بخير خلقه إليه ثم أنزل عليه صلوات الله عليه، ~~سبحان الذي ms081 أسرى، فيا بشرى لمن بنا لله فيه بيتا ولو كان شبرا، ويا أسعد من ~~أسدى للناس فيه ثوابا وبرا، لقوله تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله هو خيرا وأعظم أجرا، فأي خير أعظم من إنشاء هذا المكان وبناء هذا ~~الايوان، الذي باب الرحمة مفتوحا بين يديه، والطور أمامه والشجر وتحت ~~قدميه، والجامع الأقصى كالقمر ناظر إليه، والصخرة الشريفة كالشمس مقبلة ~~عليه، وهو كالهلال قد ظهر بين الشمس والقمر. # ما الشمس ما البدر في لالاء بهجته ... في كل ناحية من وجهه قمر ~~PageV01P050 أرجو لبانيه، أن يعطي أمانيه، وأن يفوز من الملك الجليل ~~بالعطاء الجزيل والثناء الجميل والظل الظليل وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا ~~الطور المذكور جبل عظيم منه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء فيما يذكر، ~~وهو بشرقي هذا الحرم العظيم فيه تلعة مباركة في أعلاها مسجد شريف حافل مؤسس ~~بالسواري الحسنة الضخمة والرخام الأبيض الصافي والحجر المنجور الجافي يقصده ~~الناس تبركا ودونه بيسير قبة مباركة يفضي إليها أدراج تحتها تربة الصالحة ~~الولية رابعة العدوية رحمها الله تعالى ودونها على بعد قبة كبيرة مختلفة ~~فيها تربة مريم عليها السلام تفضي إليها أدراج هابطة إلى التربة الكريمة ~~عددت فيها ثمانية وأربعين درجة وفي هذه المدينة الكريمة بقاع طاهرة عليها ~~بركات ظاهرة وبها قبور الأنبياء صلوات الله عليهم وأثارهم نفع الله بالقصد ~~والنية في زيارتها برحمته وما هذا الذي ذكرت في وصف تلك المشاهد الشريفة ~~الذكر، والمساجد العظيمة القدر، والمعاهد الكريمة الفخر إلا كالنقطة ~~الواقعة في البحر، والذرة الساقطة في القفر، والشرارة من الجمر، ولما لاحت ~~نيرات هذه الأنوار، وفاحت نسيمات تلك الأسحار، وشاهدت أحد المساجد الثلاثة ~~التي لا تشد إليها إلا الرحال وعاينت الحرم الشريف حقيقة قد أحلني لديه ~~الترحال، اخترت مجاورته وأثرت ملازمته وقلت أين أذهب عن موطن مهبط الرحمة ~~وموضع محشر الأمة، ومحل تفرج الكربة والغمة، حدثني الشيخ الفقيه القاضي شمس ~~الدين عبد الله محمد بن سالم بن عبد الناصر الكنانى الغربي الشافعي قاضي ~~مدينة بيت المقدس ms082 حرسها الله تعالى سماعا مني عليه بحرم المسجد الأقصى ~~الشريف بقراءة شقيقه الشيخ الإمام الأوحد، علم الدين أبي الربيع سليمان ~~وبقصد الرواية عنهما ومن أصلها نقلت، قالا حدثنا الشيخ الإمام المحدث علاء ~~الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن داوود العطار رحمه الله، قال الأول ~~منهما، سماعا عليه في رجب سنة أربع وعشرين وسبعمائة وقال الثاني قراءة عليه ~~في يوم الجمعة ثاني صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة بدمشق المحروسة يرفعه إلى ~~أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى، رواه ~~البخاري ومسلم، ولمسلم قال نما يسافر إلى ثلاثة مساجد الكعبة ومسجدي ومسجد ~~ايلياء وبهذا السند إلى أبي العطار يرفعه إلى ذي الأصابع رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه، قال قلنا يا رسول الله أرأيت أن ~~ابتلينا بالبقاء بعدك أين تأمرنا، فقال فعليك ببيت المقدس فعسى الله ان ~~ينشئ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون، وبه انس رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال، من زار بيت المقدس محتسبا لله عز وجل حرم الله ~~لحمه وجسمه على النار، وبه عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: أفضل صلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدى ألف ~~صلاة وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة وبه عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا ~~رسول الله الصلاة هاهنا أفضل أم الصلاة في بيت المقدس، قال صلاة في مسجدي ~~خير من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلي هو أرض المحشر والمنشر، وبه عن يزيد ~~بن عبد الله رحمه الله قال من خرج إلى بيت المقدس بغير حاجة إلى الصلاة فيه ~~فصلى فيه خمس صلوات صبحا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء خرج من خطيئته كيوم ~~ولدته أمه، وبه من أبى يزيد قال لما خلق الله بيت المقدس حزنت فقال لها ~~الرب جل جلاله ما ms083 يحزنك، وقد سميتك من حبي باسمي أنا المقدس وأنت المقدسة ~~قالت ربي فإذا فعلت هذا فمن أتاني فصلى في فتقبل منه، ومن سكنني فأرزقه، ~~ومن مات في فاغفر له وارحمه، فقال لها الرب لك ما سألت وقال الإمام أبو ~~حامد الغزالي رحمه الله قد سال سليمان عليه السلام ربه أن من قصد هذا ~~المسجد لا يعنيه إلا الصلاة فيه ألا تصرف بصرك عنه ما دام مقيما فيه حتى ~~يخرج منه، وان تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فأعطاه الله ذلك وقوله ~~سبحانه الذي باركنا حوله، يعني بالماء والشجر وأقدام الأنبياء، كان كعب رضي ~~الله عنه يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا، ولو ~~تتبعت الأحاديث المأثورة والأخبار لأملات وملأت ورويت ورويت هذا إلى ما ~~أطلعه الله في ذلك الأفق المنير من بدور العلماء وامتنع من صدور ~~PageV01P051 الأولياء الذين وردوا على طاهر تلك البقاع وقصدوا إلى العبادة ~~فيها والانقطاع، فسن الله إلى البغية ولقيتهم أجمعين ورويت عنهم ولما كثر ~~على تعدادهم وقل على نظراؤهم وأندادهم، انتقيت منهم هاهنا خمسة يتبرك ~~بذكرهم وتعطر الاندية بشكرهم )فأولهم( في الحلبة و وأولاهم بالتقديم على ~~هذه العصبة الشيخ الخطيب العالم زين الدين أبو البركات عبد الرحيم بن بدر ~~الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم أبن أبي الفضل بن سعد الله بن جماعة بن ~~علي بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الشافعي سليل العلماء العالمين وقليل ~~النظراء في عبادة الله الصالحين، تجلى من مراقب الفضائل والمعارف وتحلى ~~بالمجد التليد والطارف قصرت الأوهام عند كنه فضله ونقصت الأحلام عن رجاحة ~~عقله وعجزت الأقلام عن وصف مثله كنز من كنوز الكرم لا ينفذ على النفقة ولا ~~يسئم من الصلة والصدقة من رجل ما زادته الرفعة إلا تواضعا عجبا، ولا أبقت ~~له المعلومات في العجب أربا برع بأحسن صوره، ورفع من المجد ارفع سوره، وجمع ~~جمال سمات وجمال سيرة زين به ذلك المسجد الشريف ومحرابه وعين للإمامة ~~والخطابة فيه، وما بقل عذاره ولا كمل ms084 شبابه، فجلس على الكرسي الأكبر ورقى ~~ذروة المنبر # لفو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليه المنبر # خطة ورثها من الفاضل أبيه ورتبة ما برح يتوخى فيها السنن الرضى ويقتفيه، ~~ولو لم يكن لديه إلا اقتفاء سير أسلافه الصالحين والرواية عنهم وعن والده ~~قاضي القضاة بدر الدين رضي الله عنهم أجمعين، لقيته بالمسجد الأقصى عمره ~~الله تعالى بالذكر وضاعف لمجاوره جزيل الأجر فأدخلني إلى منزله الكريم الذي ~~التصق بابه بمحراب ذلك المسجد العظيم فرأيت منزلا جليل القدر سامي الخطر ~~مكلل الجوانب مرصع الأرز، فذهلت في نقشه وخجلت من وطئ فرشه ثم ذكرت ما أعده ~~الله تعالى لأوليائه في دار كرامته من النعيم المقيم وتلوت: قل ان الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد سفرت في زوايا مجالسه ~~خدود الورد الغض، وتراكمت سحائبه بعضها فوق بعض، فعجبت من ظهوره في غير ~~أيامه، وأكببت على انتشاقه والتثامه وذكرت به ما ذكره أبو الحسن جعفر بن ~~الحاج اللورقي في كتاب مجد الشعر له وذلك أنه ورد الأديب أبو الحجاج يوسف ~~بن هارون الرمادي رحمه الله على بني أرقم بمدينة وادي آش أهدي إليهم ورد في ~~قمعه من مدينة بجانة أول ظهوره فأكب الرمادي عليه يقبله استشارا به وفرحا، ~~ففهم المتعجب من فعله ذلك من حضر فأنشد ارتجالا: # يا خدود الحور في إخجالها ... قد عرتها حمرة مكتسبة # اغتربنا، أنت من بجابة ... وأنا مغترب من قرطبة # واجتمعنا عند اخوان صفا ... بالندي أموالهم منتهبة # عصبة ان سئلت عن نسبة ... فإلى أرقمها منتسبة # ان لثمي لك من بينهم ... ليس فيه حالة مستغربة # لاجتماع في اغتراب بيننا ... قبل المغترب المغتربة PageV01P052 فاستحسن ~~رضي الله عنه ما ذكرته من ذلك، وأجزل صلتي مما حضر هناك، ولم أزل أتردد ~~إليه واسمع منه، وأقرأ عليه حتى تحصلت لي منه جمل مفيدة، ومقيدات عديدة، ~~ومما قرأت عليه بمنزله المذكور جميع الجزء الذي ألفه وخرجه عن شيوخه في ~~أحاديث نبوية، وفوائد جمة، وجميع الجزء المسمى بتنقيح المناظرة، في ms085 تصحيح ~~المخابرة، وجميع كتاب المنهل الروي في علوم الحديث النبوي، وهو اختصار كتاب ~~ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وجميع الخطب المختصرة من خطب ابن نباتة رحمه ~~الله تعالى، ومما سمعت بلفظه بعض كتاب غرر التبيان لمن لم يسمع من القرآن، ~~وبعض كتاب تجنيد الأجناد، في وجهات الجهاد، وبعض كتاب مستند الأجناد في ~~آلات الجهاد، وكلها من تأليف والده سوى الجزء الأول، وتناولت ما لم يكمل لي ~~سماعه عن يده المباركة وأخبرني بذلك سماعا عن المؤلف والده، المذكور وقرأت ~~عليه وسمعت منه غيرها حسبما كتب لي لذلك وأجازني إجازة تامة. والثاني أعوذه ~~بالمعوذتين والسبع المثاني الشيخ العالم الإمام الحافظ مفتي المسلمين صلاح ~~الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله الملائي الشافعي الدمشقي نزيل بيت المقدس ~~نفع الله تعالى به رجل من أكبر كبار المشرق. واستقبل بالإمامة في جميع فنون ~~العلم ولما يشب له سواد المفرق، واستقر بالنيرين، نور علمه ونور جبينه ~~المشرق، فجلى من حسن الصورة بما قصرت عنه مخدرات القصور، واتى من الشجاعة ~~ما يرعد به مفارق ومفاصل الليث الهصور، ومنح من الكرم ما تخلى عنه أسخياء ~~هذه الأزمة وكرماء هذه العصور، ولما أكمل تعالى عليه نعمته في كمال خلقته ~~واعتدال قامته وبنيته أحب أن يزيد كمال حلاه البدنية، وصفاته بكمال نفسه ~~السنية، وذاته البهية، فجمع في صدره ما تشتت من فنون العلم، وألقى عليه ~~سكينة الوقار والتقى والحلم، والبس أديم الحسن ناعم ذلك الجسم، فلم تر عيني ~~على عظيم ما رأيت من مخلوقات الله تبارك وتعالى رجلا أتم حسنا، ولا أكمل ~~معنى، ولا أنبل تحصيلا، ولا أفضل جملة وتفضيلا، منه في صورته وسيرته وعمله، ~~ولبسه وعقله وفضله، واعتداله وكماله وجزالته وبسالته وشجاعته وبراعته ~~ودهائه وحيائه وحبائه وكرمه وكلمه وحفظه ولفظه وفصاحته وسماحته وذكائه ~~ونباهته ونزاهته وعبادته وزهادته وورعه ودينه وإخلاصه ويقينه وحركاته ~~وسكونه وتصرفاته في جميع فنونه. # لولا عجائب صنع الله ما ثبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب PageV01P053 ~~يمينا بئاياته السافرة، وآياته السائرة ان الأحبار لفي حيرة بإفادته ms086 ~~كالمحابر والمنابر، بإجادته، وان أوضح الملفوظات ما تلقاه فألقاه، وأصح ~~المحفوظات، ما أحرزه فأبرزه ببصيرته يحتدي البصري، وبكفايته يقتدي الكوفي ~~وبنكتته يستصحب الصاحب وعلى إنشائه يعتمد ابن العميد، وأما الآثار فعليه ~~مدارها ولديه ينفق عندرها وبنذارها. لا جرم إن ذا التحصيل والرأي الأصيل، ~~من طاف بسدة سيادته، وجنح لمعلم علمه فاستعدي الرشاد والسداد واستملي المتن ~~والإسناد ليسعد جده بالحمل على الجادة، ويتحقق في كل صورة ومادة، بين الصبح ~~لذي عينين، وما قلت إلا بالذي علمت سعد، لقد حضرت مجالس تدريسه التي هي ~~منتدى الإعلام، ومنتهى جهد الأسماء الأعلام، وميدان فرسان الطروس والأقلام، ~~وقلائد أعناق مدارس الإسلام. فكان كل من حضرها من علماء الأمصار يحلف انه ~~ما سمع بمثلها من مثله في هذه الإعصار، وان الله أخلصه بخالصة ذكرى الدار، ~~وجعله من أولي الأيدي والأبصار ولقد حل أول شهر رمضان معتكفا بالمسجد ~~الأعظم لالتزام الأوراد والأذكار، والتسبيح والاستغفار، فما كان يبرز منه ~~إلا للإفطار، وقضاء ما خف من الاوطار، ولقد شاهدته بطول الشهر المذكور وقد ~~اختص به واحتل بمنزله من طلبة العلم وغيرهم ما ينيف على الأربعين رجلا سوى ~~عائلته والجميع من عنده يأكلون وإليه ينضمون ويأوون، فسألت ذلك فقيل لي ذلك ~~دأبه وعادته في رمضان كل سنة على تعاقب الدهور والأزمنة. وهذه نبذ من عظام ~~فضائله، ولمع من حسان فعائله، فلنقف عندها، وهي تدل على ما بعدها، ثم نذكر ~~بعض ما سمعت من لفظه ونقلت من خطه أو حفظت فمن ذلك كتاب الشفا بتعريف حقوق ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض رحمه ~~الله تعالى سمعت جميعه من لفضه بالمسجد الأقصى الشريف وحدثني به بسنده ~~المكتتب بخطه في إجازته لي وقرأت بلفظه جميع كتاب الشفاء هذا، وسمعته بلفظ ~~غيري على جماعة كثيرة من أهل الأندلس غرب العدوة وأثبت سندهم فيه في برنامج ~~روايتي وسمعت عليه بعض كتاب مسلم بن الحجاج رضي الله عنه وجميع الجزء الذي ~~صنفه في تقرير الوحدانية لله تعالى، يشتمل على ms087 تفسير قوله تعالى: يا أهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، الآية. وجميع بغية ~~الملتمس في عوالي حديث مالك أبن أنس من تخريجه أيضا وهو ستة أجزاء خرجها من ~~كتاب الموطأ، وقرأت وسمعت عليه غير ذلك مما هو مثبت بخطه كذلك وله شعر رائق ~~ونثر فائق اسمعني من ذلك جملة وأنشدني. ومن خطه نقلت لشيخه الإمام العلامة ~~فريد دهره ووحيد عصره قس الفصاحة ملك البلاغة شهاب الدين أبن أبي الثناء ~~محمود بن سليمان الحلبي كاتب السلطان بدمشق كل فريدة غيداء وحديقة غناء ~~رائقة النظم والرصف فائقة الوسم والوصف مالكة القلب والطرف. # يقود عنان السمع حسن نشيدها ... فتزري بالحان الغريض ومعبد # وأنا أول من جلب شعر شهاب الدين هذا فادخله بلاد المغرب وقصيدته اللامية ~~الحافلة التي استوفت كثيرا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهي من ~~القصائد العجيبة والقلائد الغريبة أولها. # هذا اللقاء وما شفيت غليلا ... كيف احتيالي ان عزمت رحيلا # يا دار من أهوى وحقك لم أجب ... داعي التفرق لو وجدت سبيلا # وعددها مائة بيت وواحد وثمانون بيتا، وقال لي شيخي صلاح الدين رضي الله ~~عنه قرأت وسمعت ذلك مع مجموع شعره عليه وأجازنيه، فمما أنشدني له على طريقة ~~مهيار وكتب بها إلى محيي الدين أبن عبد الطاهر رضي الله عنه. # شام على الابرق برقا باديا ... فأنشأت أجفانه الغواديا # وعاج بالركب وقد بدا له ... برق الثنايا وكفاه هاديا # وساق بي العيش قطار دمعه ... لما غدا له الزفير حاديا # ما لاح عن قرب مدى وإنما ... قربه الشوق فكان نائيا # يا برق حق ما، رأى أم شوقه ... أدنى له ما ليس منك دانيا # حن إلى ماء النقي ولم ينزل ... إليه والماء كثير صاديا # يا حبذا ماء العذيب منهلا ... وحبذا وادي الاثيل واديا # وحبذا من النسيم شمألا ... فيه ومسرى رقة يمانيا # وحبذا والورق في غصونه ... تدرس في أوراقها الاماليا # حيث ترى الادمع في رياضه ... مستبقات والنسيم وانيا PageV01P054 والغصن ~~الرطب وما أشبهه ... بالطل أو بالدمع فيه حاليا # ترى ms088 الاقاح بالثغور ضاحكا ... والغيث فيه كالجفون باكيا # وتحسب العشاق في عراصه ... لولا الأنين الرمم البواليا # فكم حوى الظل نحولا مثله ... لولا التهاب الوجد كان خافيا # وافاه معتل النسيم عائدا ... وجاءه ورق الحمام راقيا # يا برق اذكيت بقلبي حرقة ... منك فما شأن الحيا وشأنيا # جزت على دار الهوى فهل غدا ... زندك في رى ثراها واريا # عار على دمعي إذا ضن الحيا ... ان تعنذي أغصانها عواريا # إذ كرتني برق الثغور لائحا ... فظل دمعي رائحا وغاديا # بالله ان جزت بأرض رامة ... فصف وان لم يسألوك حاليا # وقل لهم خلفت في الحي لكم ... ميتا قضى وما قضى إلا مانيا # أرخص فيكم دمعة كروحه ... وكان كالصبر عزيزا غاليا # ومن حمى الوادي عريب أشرعوا ... دون القدود مثلها عواليا # جاورت فيهم والندى شعارهم ... فأطلقوا لي من دموعي جاريا # يا صاحبي قد ضاع قلبي فابكيا ... عليه في ناديهم وناديا # واستخبروا السرب ولا تتهما ... عليه في ذا الأعين الروانيا # فان أتى فحبذا وان أبى ... أرسلت دون ناعييه ناعيا # بي منهم ظبي رنا فصادني ... يفديه قلبي صائدا أورانيا # شاكي السلاح لا ترى بجفنه ... في الحي إلا باكيا وشاكيا # يا صارما جفونه جفونه ... فعلك أضحى في القلوب ماضيا # ويا قواما لحظه سنانه ... اذكرتني الطعن وكنت ناسيا # ويا وشاحا ضم خصرا مثله ... لا ترج مثلي من سقيم شافيا # ما لك والخلخال يشكو ربه ... مثل الذي جلت عليه ظاميا # ويا جبينا ما انجلى صباحه ... حتى طوى من فرعه لياليا # سامرت والأفلاك فيك مقتلي ... دون النجوم الادمع الحواليا # كأنني والجو روض ناظر ... بت لأسراب النجوم راعيا # كأنني في مدح محيي الدين قد ... حاولت أن أنظمها قوافيا # وأنشدني له أيضا: # ما ضر من شفع الصدود ببعده ... لو علل الكلف المشوق بوعده # أو لو شفاه بزورة بعد النوى ... ليرى الذي فعل البعاد ببعد # ظبي من الأتراك خال باله ... من حال ملئان الفؤاد بوجده # ريان من ماء الشباب إذا مشى ... يثني الغصون على تثني قدره # ما كنت أشكو من قساوة قلبه ... لو أنه أغرته رقة خده # أبكي ms089 ويضحكه التدلل عن سني ... برد شفاء محبة في برده # وأمير حسن ناظري، والقلب من ... أعوانه أبدا على وجنده # علما بان اللحظ منه صارم ... عضب وما حذرا مواقع حده # لو زارني لفضضت ختم رضابه ... وضممت ما ضمت معاقد بنده # وجنيت منه الروض غب سمائه ... وجليت منه البدر ليلة سعده # ووردت من وجناته ورضابه ... ما بغيتي في ورده أو ورده # وأجلت كفى من مجال نطاقه ... في غورة وكففتها عن نجده # قالوا به سقم فقلت لعله ... في جفنه أو خصره أو عهده # يا سالبي طيب الرقاد وإنما ... أسفي على فقد الخيال لفقده # لولا انتظار الطيف يطرق في الكرى ... ما راح دمعي سائلا من خده # وأنشدني له أيضا يعرض بالشيخ شمس الدين الايكي أحد المدرسين بدمشق وكان ~~بلغه عنه أنه تنقص بالإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وذكره بسوء فانتصر له ~~شهاب الدين أبو الثناء المذكور بهذه الأبيات: # بنت فبات الطيف لي مسعدا ... يبيحني جنة خديك # وطالما حاولتها قبلة ... فصد عنها سيف جفنيك # لو لم أخل حمام اللوى ... في الأيك يغني عن رقيبيك # لفر نوما كان مثل الصبا ... يعطف لي ان ملت بعطفيك # فلا راعي الله حمام اللوى ... ولعنه الله على الايكى # وأنشدني له أيضا: # إذا ما بدا مسفرا ضاحكا ... وقد ميلته الصبا والجنوب # فلاح الصباح وفاح الاقاح ... وماس القضيب وماج الكثيب PageV01P055 ~~والثالث أكبرهم سنا. وأكثرهم بالمعاني الأدبية معنى الشيخ الفقيه المحدث ~~الأديب علاء الدين أبو الحسن علي بن أيوب بن منصور المقدسي الشافعي أبقى ~~الله بركته شيخ النظم والنثر وإمام الحديث في ذلك القطر خطب حسناء الأدب ~~سنين، وانعقد النكاح بينهما بالرفاء والبنين، واعتنى بالرواية فأخذ عن جلة ~~من الشيوخ الغابرين قطع في ذلك زمنه، وأطار فيه وسنه ولم يثن لغير العلم ~~همته، ولا جر في سواه رسنه، فروى وقيد وشيد من مباني العلم ما شيد، فهو ~~اليوم وان قرب من الفوت رحلة هذا الوقت له سبلة منسدلة يروق ايماضها ويفوق ~~السواد بياضها، على وقار وسكينة وجلالة مكينة وحصاة رزينة وهيئة زينت ms090 بأحسن ~~زينة ينصب مجالسه المباركة لعلوم الحديث في القديم من الزمان والحديث، ~~فيعلوها منه الصدق ويغتنمها لديه الخلق ويطرق إليها من أقاصي البلاد، فيلحق ~~فيها الأصاغر بالأكابر والإباء بالأولاد، سمعت عليه بمجلسه من المسجد ~~الأقصى الشريف جميع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي ~~الله عنه بعد أن كفت سمعت عليه جميع الثلاثيات المخرجة منه وحدثني به عن ~~الشيخ الإمام تاج الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، ~~وعن الشيخ الحافظ شرف الدين الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني قراءة منه ~~على كل واحد منها بجميعه بدمشق المحروسة قالا أخبرنا الشيخ الصدوق أبو عبد ~~الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن الزبيد أخبرنا الشيخ ~~الثقة أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن الشجري أخبرنا الشيخ أبو الحسن عبد ~~الرحمن ابن محمد المظفر الداوردي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن ~~حموية السرخسي، أخبرنا أبو عبد الله البخاري، وقد كنت قرأت عليه بلفظه جميع ~~صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري بالمسجد الأعظم من مدينة مالقة حرسها ~~الله عام ثلاثة وعشرون وسبعمائة على الشيخ الخطيب الصالح الولي لله تعالى ~~أبي عبد الله محمد بن أحمد الهاشمي الطنجالي، وسنده فيه مشهور لجودته، ~~وسمعت على شيخي هذا بالمسجد الأقصى الشريف، جميع أحاديث الرباعيات المروية ~~عن مسلم رضي الله عنه وجميع الجزء الذي فيه التساعيات من شيخه ابن البخاري، ~~وجميع الجزء الذي فيه ثمانية وثمانون حديثا من مشيخته أيضا وجميع جزء ~~الأنصاري وجميع الثمانية عشر حديثا وحديثين عن ثمانية عشر شيخا، وشيختين ~~لأبن الطاهر، وأسانيد هذه الأجزاء كلها مستوفاة في برنامج روايتي، وسمعت ~~عليه بحيث ذكر جميع قصيدته الرائيتين التين نظمهما في فضائل المسجد الأقصى ~~شرفه الله تعالى، وأجازني بالإجازة التامة وكتب لي بخطه ومولده يؤخذ من ~~قوله فيما كتب لي به في استدعاء وأنشدنيها بلفظه رضي الله عنه: # )أجازهم المسؤول فيه بشرطه ... علي بن أيوب بن منصور بالقدس( # )ومولده ما بين ستين ms091 حجة ... وسبعين بعد الستمائة بالحدس( # ورابعهم في التعداد، العديم الأقران والانداده، الشيخ الفقيه المقري ~~الصالح شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي محمد بن مثبت الخولاني ~~الأندلسي، أحد العباد الموفقين، والعباد المتقين، يذكرك سيرة السلف الصالح ~~بعمله الموهوب، وعقله الراجح، ما تراه أو تلقاه إلا يروعك دينه وتقاه ولا ~~تبصر مجلسه أو ممشاه إلا وتهابه وتخشاه اشتغل بما يعنيه، واشتمل دهره أما ~~على علم ينجيه، أو إلى عمل يجنيه، قد عزل عن الناس نفسه وجعل بالله وبكتابه ~~انسه، فليس له هم إلا في إقراء القرآن، وإيراده عند اغفاء الأجفان، أو في ~~إطعام كبد جائع وإغاثة ملهوف مغترب شافع فهو مأوى الغرباء وجنان الفقراء ~~ومظان قضاء حوائج الأخوان والأولياء: # قبلة في السماح يجتمع السا ... بق في فضلها مع المسبوق # رحل عن الأندلس فتى غرا فجرعه البين كأسه مرا، والى هلم جرا يذكر أوطانه ~~فتفيض دموعه حمرا ويهب له منها نسيم فيذكي ضلوعه جمرا، لا جرم أن الزمان ~~أخذ بيده، فبلغه أسنى مقصده وانجزه أكرم موعده فوعى وفهم وعمل بما علم ~~واستقاد وأفاد، ورزق المال والأولاد فهم الآن بذلك الحرم الشريف من خيار ~~المدرسين وكبار الرؤساء لا المرءوسين، كثيرا ما كنت أحضر مجالسه العلية ~~وفوائده العلمية ودوله الفقيهية والنحوية فاغبط من حضر والتقط الدرر: # وأمنح الطرس من ألفاظه نبذا ... وأخلط العنبر الوردي بالعفر PageV01P056 ~~ومما قصدت رواية لعلوه فيه، كتاب عوارف المعارف تأليف الإمام شهاب الدين ~~أبي حفص السهرودي رحمه الله تعالى سمعت أكثره بلفظه وتناولته من يده فحدثني ~~به عن الشيخ كمال الدين عمر بن الياس المرعني سماعا عليه بجمعيه حدثه به عن ~~الشيخ الإمام قطب الدين أبي بكر بن محمد بن أحمد القسطلاني قراءة عليه عن ~~المؤلف شهاب الدين المذكور سماعا عليه من لفظه أيضا، أكثر رسالة الشيخ أبي ~~القاسم القشيري رحمه الله وناوليها، وحدثني بها عن الشيخ شهاب الدين أحمد ~~أبن يحيى بن إسماعيل بن جهبل قراءة منه عليه لجميعها حدثه بها عن الشيخ شرف ~~الدين بن هبة الله ms092 بن عساكر سماعا عليه عن الشيخ أبي محمد عبد الوهاب بن ~~شاه الشاذا باخي سماعا، عن المؤلف المذكور وسمعت من لفظه جميع الأحاديث ~~التي خرجها الشيخ الإمام فخر الدين أبو الحسن علي السعدي المقدسي الحنبلي، ~~وحدثني بها عن الشيخ شهاب الدين بن أحمد بن جهبل المذكور، قراءة عليه حدثه ~~بها عن مخرجها فخر الدين المذكور سماعا، قراءات وسمعت غير ذلك واجازني ~~إجازة تامة وكتب لي بخطه )وأوترهم( بل أوثرهم بمسك الخاتم، وملك الكلام ~~وخامس الأربعة الكرام، وحامل لواء البيان بين صناديد مصر وفحول الشام الشيخ ~~الفقيه الأديب الابرع جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن ~~علي بن يحيى بن طاهر بن عبد الرحيم بن نباتة المصنف صاحب الخطب الشهيرة ~~أبرع خلق الله إذا نظم أو كتب ومن جمع الله له الأدب والحسب، ورحب في تلك ~~الطباع، املح الانطباع وأمد الباع ان تغرل أو نسب، الذي مد أرض البلاغة ~~ودخلها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، يستخرج بن بحره اللؤلؤ المنظوم والمنثور ~~فيسحر الحور ويفتن الحور ويطمع المهارق ويؤيس النحور، فرفقا يا دره النفس ~~ومهلا يا مرجانة المسطور، غازلت الغزلان، وبدرت البدور، وعلمتنا ننبذ ~~المباسم وننسى الثغور فنحن في روضة مدبجة نخرج من زهرة إلى زهرة، ولما ملكه ~~الله تعالى ملاك هذه الطريقة الأدبية وقوامها وحطت لديه هذه الصناعة السنية ~~رحلها وزمامها ومدت له في الأدب غاية كبا دونها أهل الآداب، ورفعت له في ~~الشعر راية مشى تحتها كثيرا من الشعراء والكتاب، تنافست ملوك الشام في ~~لقائه وتهافتت على اصطفائه وارتقائه فخولته مقاصد وقصورا ووهبته ولدانا ~~وحورا، وأنالته نعيما وملكا كبيرا، فانضوى إليهم زمانا، وتلقى منى وأمانا ~~فزهت في يمنيه الاقام، ونهت وأمرت بين يديه الليالي والأيام: # ورف إليهم بنات النهى ... فامهر نقدا ولم يخش نقدا # ونظمها بجبيين العلى ... فزانت كما زين الجيد عقدا # خطب حسناء المعالي فلم يغفله المهر، ونهى وأمر فامتثل إليه النهى والأمر، ~~وأنيل أمله النظم والنثر، وحلل سحرهما وقد حرم السحر، فقرط وشنف، ودبج ms093 ~~وفوف، وألف وصنف، وعنى ببنات فكره القلوب ممن عنى، وعنف، وسحرتني ألفاظه، ~~ولقد كنت بعيدا من أن أصاب بسحر، إلا أنه اليوم قد آثر الراحة من حراسهم ~~وحجا بهم، واستغنى بباب الله عن الوقوف إلى أبوابهم، فما يطأ لهم ناديا، ~~ولا يبلي منهم مناديا، بل اقبل ما يعنيه، وأعرض عما كان يتعبه ويعنيه، بهمة ~~تشرق فهي الشمس أو تسمو إلى الغايات فهي زحل. PageV01P057 لقيته بحرم ~~المقدس أتاه من دمشق زائرا، وخرج من بيته مهاجرا، وقد كان عرف أني في ~~الطريقة من أنسابه وعلى الحقيقة من المتعلقين بأهدابه، فحين رآني أسرع في ~~القيام، وبادر إلى اللقاء والى السلام، فخجلت من فعله وعجبت من فضله ~~واستنشدني من شعري، فأنشدته لي ولغيري، وتحصل بيني وبينه ذمام أكيد، وعهد ~~بفضل الله حميد، ثم سألته في تقييد شئ من شعره فأخرج لي ما ارتضاه منه ~~واختاره في نسخة تغار عليها حبات القلوب إذا تبديها، وتود الاحداق إذا ~~رمقتها لو تبديها فياضها بياضها وسوادها بسوادها، فاستعرتها منه، وكتبتها ~~عنه فلما رمق ما كتبته احب اقتناءه تجديدا للعهد وحفظا للود فاستوهبه مني ~~محتشما، وأسعفته فيه فقبله وقبلت ضاحكا مبتسما، ووهبني أصله وأكمل لدى طوله ~~وفضله فأنا أول من جلب ذلك الدر النفيس من بحره، وتقلد في جيده ونحره، وفاز ~~بشرفه وفخره ولما قرأت عليه أخذ القلم بمحضري وكتب على ظهر الأصل ما نصه ~~)الله الموفق قرأ على الشيخ الإمام العالم الكامل الفريد أبو البقاء خالد ~~البلوي الأندلسي شكر الله بره المغدق وأصله المعرق، وحرس شخصه الذي تقول ~~المحاسن أطلعه الغرب فأرنا مثله يا مشرق أكثر هذا النبذ من شعري والرسالة ~~من إنشائي قراءة ملأ بها سمعا وذهنا، واربح بها للشعر نقدا ووزنا، وفضها ~~سبط حلى فهو أما يقلد عنقا وأما يقرظ أذنا واحكمها ببيانته وصوته، فما سمعت ~~أطيب من حالته إعرابا ولحنا، وأجزت له روايتها وجميع ما تجوز لي روايته ~~معترفا بفوائده الممتازة، عالما أنه كان يجب أن أجيز من الجائزة لا من ~~الإجازة متطوقا عوارفه التي ms094 عز بها الجيد ولا كرامة للدر، ولا عزازة، ~~ونحلته هذه النسخة. وسألته إصلاحها بعد أن تعرضت عنها بنسخة من خطه الذي ~~يتنافس فيه البصر والسمع، وقطرات أقلامه التي إذا نافستها أقلام الفضلاء ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع والله تعالى يرحم أسلافه، ويبقى منه على كرمه ~~الطاهر ما أبقى الكرم من السلافة قال ذلك وكتبه محمد بن الخطيب بن نباته ~~العبشهي المصري ثم الشافعي وذلك في شوال سنة سبع وثلاثين وسبعمائة بحرمة ~~القدس الشريف وهذا الذي أثبته من نثره يدلك على جلالة قدره وحفاوة بره وها ~~أنا اثبت من نظمه ما يسمعك عجبا ويريك ألفاظه ياقوتا ولجينا وذهبا: # من كل بيت لو تدفق طبعه ... ماء لغص به الفضاء مسيلا # وكل قصيدة للعقول مقصودة ومقطوعة، على الحسن مطبوعة، فمن ذلك قوله يمدح ~~السلطان المؤبد صاحب حماة رحمه الله تعالى من قصيدة العينية: # سرى طيفها حيث العواذل هجع ... فنم علينا نشره المتضوع # وبات يعاطيني الأحاديث في دجى ... كأن الثريا فيه كاس مرصع # أجيراننا حيا الربيع دياركم ... وإن لم يكن فيها لطرفي مربع # شكوت إلى سفح النقا طول نأيكم ... وسفح النقا بالبين مثلي مروع # ولابد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع # فديت حبيبا قد خلا عنه ناظري ... ولم يخل منه في فؤادي موضع # مقيم بأكناف الغضا وهي مهجة ... وإلا بوادي المنحنا وهي أضلع # أطال حجاز الصد بيني وبينه ... فمقلته حور ودمعي ينبع # لئن عارضت من دون زورته الفلا ... فيا رب روض ضمنا فيه مجمع # محل ترى فيه جوامع نزهة ... به تخطب الأطيار والقضب تركع # قرأنا به نحو الهنا فملابس ... تجر وأيد بالمدامة ترفع # وقد أمنتنا دولة شادوية ... فما نختشي اللاوى ولا نتخشع # وقال يمدح من قصيدة: # ملي الحسن حال المرشفين ... متى يقضي، وعود الوصل ديني # أبثك عن عاد لي المعنى ... رآك بعين حب مثل عيني # فحاكى قلبه قلبي خفوقا ... وحكمك الهوى في الخافقين # لمثل هواك تجنح كل نفس ... وتسفح كل ناظرة بعين # صددت فما الأسى عندي بقل ... و لا دمعي ms095 بدون القلتين # بروحي عاطر الأنفاس ألمي ... رشيق القد ساجي المقلتين # يهز مثقفا من معطفيه ... ومن جفنيه يجذب مرهفين # له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين # وحول نقا سوالفه عذار ... كما شعرت نقوش في لجين # أظل إذا نظرت لوجنتيه ... أنزه في النقا والرقمتين # فيا لله من غضن فريد ... وفي خديه كلتا الجنتين PageV01P058 أما وحباب ~~مبسمه المفدى ... على معسول كأس المرشفين # لقد عذبت موارده ولكن ... ندى المنصور أحلى الموردين # وقال أيضا: # وأغيد تعرف من جفنه ... علامة التأنيث بالكسرة # أرخى على أعطافه شعره ... قد جذبتني فيه للحسرة # فأعجب لمن جار عليه الضنى ... حتى غذت تجذبه شعره # فقال يطلب الأذن: # ما يقوم المقام أيده الله ... ولا زال للسعود يحوز # في ولى ببابه تركب الخلق ... ووافى يجوز أم لا يجوز # وقال: # أهواه لدن القوام منعطفا ... يسل من مقلتيه سيفين # وهبت قلبي له فقال عسى ... نومك أيضا فقلت من عيني # وقال: # لله خال على خد حبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبث # أورثته حبة القلب القتيل له ... وكان عهدي ان الخال لا يرث # وقال أيضا: # بقلت وجنة المليح وقد ولى ... زمان الصبا الذي كنت أملك # يا عذار المليح دعني فإني ... لست في ذا الزمان من خل بقلك # وقال أيضا: # رأيت في جلق غزالا ... تحار في حسنه العيون # فقلت ما الاسم قال موسى ... قلت بذا تحلق الدقون # وقال أيضا: # أهواه معسول الرضاب منعما ... ولكم يعذبني الهوى بمنعم # يا قلب هذا شعره وجفونه ... صبرا على هذا السواد الأعظم # وقال: # لا ينكر الكاسر أجفانه ... دم الشهيد الصابر المغرم # فالريح، ريح المسك في خده ... كما ترى، واللون لون الدم # وقال: # علقتها غيداء حالية الطلا ... تجني على عقل المحب وقلبه # بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به # وقال: # بروحي معسول المراشف أغيد ... كثير التجني ما أغر وما أغرا # تثنى قضييا فاح مسكا رنا طلا ... سطا أسد، غنى حماما بدا بدرا # وقال: # وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى # أجل نظرا في حاجبيه ولحظه ms096 ... تر السحر منه قاب قوسين أو أدنى # وقال: # وضعت سلاح الصبر عنه فما له ... يقابل بالالحاظ من لا يقابله # وسأل عذار فوق خديه جائر ... على مهجتي فليتق الله سائله # وحين ودعته تأسف للفراق وأعقب بإرسال دمعة المهراق وأنشدني وهو مما يجب ~~أن يكتب على الاحداق لا على الأوراق فقالي لي: # أودعكم وأودعكم لقلبي ... وعون الله حسبكم وحسبي # فقلت مرتجلا: # وأرعى حبكم ما دمت حيا ... وأرجو فضلكم رعيا لحبي # ثم تألف بتلك المدينة الركب، واشتاق إلى البقاع الكريمة القلب فأعددت ~~الزاد. وشددت الاقتاب والاقتاد، وخرجت من مدينة القدس الشريف. في عشي يوم ~~الأربعاء الثاني عشر لشوال من العام المذكور. وقد تضمخ حبي الأصيل بالعبير، ~~وكادت الشمس تسقط من الغرب على شفير، فبتنا بقرب سورها، وأخذنا من الأمور ~~بميسورها، وودعت بمنزلنا ذلك أخي محمد المذكور المتقدم الذكر وداعا استولى ~~على الفكر. فشغلت مقل بالدموع، وأكباد بالجمر، وطالت النوى لوجدان الأسى ~~وعدم الصبر: # ومدت اكف للوداع وصافحت ... وكادت عيون للفراق تسيل # ولا بد للألفين من دمع لوعة ... إذا ما خليل بان منه خليل # ولما غاض نهر المجرة، وابتسمت أسنان الكواكب المفترة، سرنا إلى ان خيمنا ~~بظلال روضات الغيور، وقد استل سيوف الجداول وترشح خمائل النور معدت حينئذ ~~في صفة الشعراء: # وتحدث الماء الزلال مع الحصا ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرا # وكأن فوق الماء وشيا ظاهرا ... وكأن تحت الماء درا مضمرا # فترامينا على تلك المياه بين تلك الظلال مستقين وأنشدتهم لكتاب ميا ~~فارقين: # وقانا وقدة الرمضاء ظل ... وقاه مضاعف الظل العميم # يراعي الشمس أني قابلتنا ... فيحجبها وبأذن للنسيم # وسقانا على ظمأ زلالا ... الذمن المدام لنديم # تروع حصاه حالية الغواني ... فتلمس جانب العقد النظيم PageV01P059 ثم ~~عبرنا واديه الكبير، بعد أن لقينا الجهد الكثير، وسرنا سيرا مجدا، لم نأل ~~فيه جهدا، إلى ان اجتمعتنا بالركب الصفدي بخارج حسبان. وصلناها والأصيل قد ~~ولى، وعامل الضلال قد تولى، فبتنا جميعا بها ولم نفرق بين ظهور المطى ~~وقتبها حتى عبث الابتسام بالوجوم، وفاض مهر المجرة على حصباء النجوم، ms097 ~~فنهبنا أيدي المطى على سنة السكون وسرنا إلى أن وافينا مدينة )الكرك( ~~المحروسة العيا، التي هي من امنع معقل، في الدنيا، فوصلنا إليها في ضحوة ~~يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال المذكور فرأيت مدينة عظيمة الجرم، سامية ~~الرسم، كأنها على مرقب النجم. يحصر دونها الناظر ويقصر عنها العقاب الكاسر ~~يكاد من علاها يعرف حوض الغمام، ويقف على همام السحاب والقتام، متناهية في ~~الحصانة، موصوفة بالوثاقة، ممتنعة على الطلب والطلاب، مختصة بكقرة الحراس ~~وشدة الحجاب منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب صماء عن الراقي، عالية ~~على المرتقى نائية للمراقب لن تزدها الأيام إلا نبو أعطاف، واستصعاب جوانب ~~وأطرف، فهو حمى لا يراع ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صافحتها على الإعفاء ~~من الحوادث، والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع ضخمة المأوى رحبة ~~المثوى، معشوقة السكنى رائقة المغنى. # تحسب النجم في دجى الليل زهرا ... في رباها وتحسب الزهر نجما # قد ساوت الفرقد بالوهاد والنجد، وفتحت أبوابها أنقابا في وسط الحجر ~~الصلد، والعجب كل العجب أنها على بعد مرقاها، وسمو مرتقاها، قد اينعت في ~~أعلاها الثمار وتفجرت منها العيون والأنهار فكلما هب فيها النسيم غردت ~~الأطيار. # فهي لا تسئل الغما ... م ولا تشتاق كالأرض كلها آذار # فنزلنا بخارجها في الثنية العلية، وقد وصل بوصلنا المحمل الدمشقي والمركب ~~الحلبي وتألفت هنالك ركبان الشام وأعدت عدة السير لزيارة افضل الأنام عليه ~~أتم الصلاة وأكمل السلام، ثم تجهز الركب الكركي للسير أولا على عادته ~~الحسنة فتجهزت معه مبتغيا بركة التقدم والإسراع وقاصدا السبق أول وافد على ~~تلك البقاع وخرجنا منها ضحوة يوم الاثنين من غد اليوم المذكور وهو اليوم ~~الرابع والعشرون من شوال فسرنا في جيش كثيف وعدة تظاهر تحت أعلام فخمة ~~وطبول هادرة، وأخذنا نجد السير ليلا ونهارا، ونصل السري اظلاما وأقمارا، ~~ونقطع أرضا صحراء مخوفة القطع، جرداء كالنطع، سوداء مثل القطع، يخطي الدليل ~~سمتها، ويضل السبيل عوجها وأمتها نخترق منها كل خرق وسبسب ونموذج فيها عند ~~كل صباح وغيهب وتلك الجمال المباركة تمد أعناقها، وتحدق أحداقها، ms098 وتفري من ~~الفيافي أزرارها وأطواقها، وتشكو إليها أسرارها وأشواقها، ويطربها الحداة ~~فتبل دموعها محاجرها وآفاقها: # )تثنى إلى حداتها أعناقها ... كأنها تأخذ عنهم خبرا( # والنوم قد طار عن الأجفان، وكاد يسير بكبد الظمئان اللهفان، ويسري لبيت ~~الرسول من الزوار ولله من الضيفان فأول ماء وردناه من مياه تلك الصحراء كان ~~يعرف بالحساء وهو ماء عذب زلال، حوله أسس وأطلال، تنبئ عن استصعاب أبد، ~~واقتراب من عهد لبد، فبتنا فيه ليلتنا واروينا فيه غلتنا، وسرنا صباحا نجد ~~السير، ونسرع إسراع الطير، لا تستقر بنا حرارة منزل، ولا نبيت بحمى إلا ~~والكري عنا بمعزل، إلى ان وردناه ماء مغان وهو ماء كثير عذب نمير، فبتنا به ~~وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة، ثم سرنا في قفر صفر، واقتحمنا ~~صدر فلاة تروع كل سعادة: # ومهامه كالبحر لا أثرا ... فيها لمفتقر ولا سنن # لو سار فيها النجم ضل بها ... حيران لا شام ولا يمن PageV01P060 إلى أن ~~وصلنا إلى تبوك التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلدها اليوم ~~خراب، وعلى كل جدار غراب، فوردنا البير المبارك التي فاضت ببركة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ففرحنا بنزولها وسرحنا في ظل نخيلها ثم سرنا في مهامه ~~تجمع بين النفس والجزع، وتتصيد عنقاء البسالة في شرك الفزع، إلى ان وصلنا ~~إلى العلا بعد مدى بعيد، وعناء شديد، وهي بليدة ذات منظر جميل، كثير المياه ~~والنخيل، وبينها وبين تبوك مسيرة ثمانية أيام، نهارا وليلا وهي مسافة لها ~~مهابة ومخافة، تتعب فيها الركاب، وتفقد الرفقاء والصحاب: وتكابد الخطوب ~~الصعاب، وقديما ضربت العامة بها مثلا فقالت: ترك أبوك بين العلا وتبوك، ثم ~~رحلنا إلى العلا صباحا، وسرنا غدوا ورواحا، إلى أن وردنا بيرا يقال لها ~~)بير الناقة( بقرب الموضع المعروف بمبرك الناقة. ويعنون بالناقة هاهنا ناقة ~~النبي صالح صلى الله عليه وسلم فوافينا بجهد عظيم وعطش عميم، وهجير كأنما ~~أرسل من نار الجحيم، فبتنا بها ثم أدلجنا منها، وتبلج الفجر ونحن نسير في ~~مدن النبي صالح عليه السلام، ms099 فعاينت منها عجبا، بيوتا منحوتة من الصخر، ~~ومجالس مكونة من الجبال لا تفنى إلى آخر الدهر، وغرفا معلقة في الهوا مأوى ~~للنسر، وقصورا مقصورة على الوحوش والطير، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين ~~وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأدرك الناس العبر، وعاينوا منظرا لا ~~تشرحه عبارة الخبرة، لا يخبر عنه إلا منظره، ولا يشفى من حديثه إلا محضره، ~~وما عدا ذلك فنجم من سماء، ونقطة من ماء: # كما قابل الزند بركان نار ... وحقف الثماد القليل بحار # ولم نزل نسير، وقد جد المسير وحمى الهجير، وعدم الماء، وتحكم العناء، وعم ~~العطش والإعياء وكاد ان يستولي علينا الفناء: # ولذة جسمي ذلك الضنى ... وراحة قلبي ذلك الألم # ولم تزل الحال كذلك حتى وردنا ماء هدبه فأغثنا به غلل الأكباد، وعادت ~~الأرواح للأجساد، ولما شارفنا أرض هدية، تفاءلنا بأن تكون لنا هدية، وقصد ~~عربان الفلا ان يتخذونا كاسمها ويجعلوننا في الدروس كرسمها، فضربوا على ذنب ~~الركب في راس المضيق، وأذاقوه دون برد الماء بأطراف الأسنة عذاب الحريق، ~~فآنبرى من الركب من صرفهم عن تلك النية وصافحهم بيد البلية، ثم حللنا عرى ~~السفر، وحللنا بساحة هدية الظفر، فأحدقنا بها أحداق الهدب بالعين، وأطرنا ~~بمختلس وصالها وغربان البين، واجتلينا منها عروسا قد مد بين يديها بساط ~~الماء، وتوجت بالهلال وقرطت بالثريا ووشيت بنجوم السماء، وبتنا تلك الليلة ~~مسرورين بالقرب مستبشرين، حامدين الله تعالى شاكرين مرتقبين لوشك الرحيل ~~منتظرين: # طال الوقوف برسم الدار يا حادي ... فمن عسى خبر من جانب الوادي # عرج بمنعرج الوادي لعل به ... منهم شفاء لقلب الهائم الصادي # ثم ارتحلنا صبحا، وسرنا نتلقى نجحا، ولم نزل نفري الفلا ونجذب البرا، ~~ونجد السير ونؤثر السرى، حتى بدت أعلام وادي القرى فدنا الأنس، وانشرحت ~~النفس، ونسخ باليوم الأمس، كلما قيل غدا تدنو الدار، ويقرب المزار طربت على ~~السماع، وترقبت الملتقى من ثنيات الوداع، وكفكفت العبرات، وتمثلت بهذه ~~الأبيات: # قالوا غدا تدنو فوا حسرنا ... لو كان بالعمر غدا يشترى # اسمع بالقرب ولكنني ... لا تنطفي ناري حتى ms100 أرى # يا ليلة قد بقيت هل ترى ... احمد في صبح رجالك السرى # وحين وصلنا إلى ثنية )المدينة النبوية الكريمة( علما ان لمشاركة اسمها ~~استحقت الثنايا القبل، ولما انجلت عنه من بارقة اللقاء اتصف بها الاشتراك ~~واتصل، فشاهدنا نورا خالف العادة إشراقه، وعز على ضوء النسرين لحاقه عرفته ~~البصائر قبل الأبصار وأنكرته النواظر لعلو جوهر نزره على الأنوار، ففسحت ~~لطرف طرفي في ذلك الأفق مجالا، وأرسلت دمعي سجالا ونظمت ارتجالا: # الله أكبر حبذا إكباره ... لاح الهدى وبدت لنا أنواره # لاحت معالم يثرب وربوعها ... مثوى الرسول وداره وقراره # هذا النخيل وطيبة ومحمد ... خير الوري طرا وها أنا جاره # هذا المصلى والبقيع وهاهنا ... ربع الحبيب وهذه آثاره # هذه منازله المقدسة التي ... جبريل ردد بينها تكراره # هذه مواضع مهبط الوحي الذي ... تشفى الصدور من العمى اسطاره PageV01P061 ~~هذه مواطئ خير من وطئ الثرى ... وعلا على السبع العلا استقراره # ملا الوجود حقيقة إشراقه ... فأضاء منه ليله ونهاره # والروضة الفيحاء هب نسيمها ... والبان بان ونم منه عراره # وتعطرت سلع فسل عن طيبها ... لم لا تطيب وحولها مختاره # بشرك يا قلبي فقد نلت المنى ... وبلغت ما تهوى وما تختاره # قد أمكن الوصل الذي أملته ... وكذلك حبي أمكنت أسراره # قد كان عندي لوعة قبل اللقا ... فالآن ضاعف لوعتي إبصاره # رفقا قليلا يا دموعي أقصري ... فالدمع يحسن في الهوى اقصاره # قد كانت العين الكريمة في غنى ... عن أن يفيض بتربها تياره # أيضيع من زار الحبيب وقد درى ... ان المزور بباله زواره # أيخيب من قصد الكريم وعنده ... حسن الرجاء شعاره ودثاره # أيؤم بابك مستقيل عاثر ... فيرد عنك ولا تقال عثاره # حاشا وكلا أن تخيب آملا ... فيعود صفرا خيبت أسفاره # يا سيد الإرسال ظهري مثقل ... فعسى تخف بجاهكم أوقاره # رحماك فيمن أوبقته ذنوبه ... فكأنما إقباله ادباره # ليس الصغار وقد تعاظم وزره ... والعفو تصغر عنده أوزاره # شط المزار ولا قرار وشدما ... يلقى محب شط عنك مزاره # وافي حماك يفر من زلاته ... وإليك يا خير الأنام فراره # وأتاك يلتمس الشفاعة والرجا ... اقتاده وظنونه أنصاره ms101 # والعبد معتذر ذليل خاضع ... ومقصر قد طولت أعذاره # متسول قد أغرقته دموعه ... متنصل قد أحرقته ناره # قدفت به في غربة أوطانه ... ورمت به لعلائكم أوطاره # فأمنن وسامح واعف وأصحف واغتفر ... فلانت ماح للخطأ غفاره # صلى عليك الله ما حيا الحيا ... روض الربا وترنمت أطياره # ثم تحدرنا من الهضاب، وقذفتنا بطون الأودية من أفواه الشعاب ولاحت لنا ~~الأنوار النبوية من تلك القباب وشرفنا الجباه بوطء ذلك التراب: # ولما رأينا ربع من لم يدع لنا ... فؤادا لتذكار الديار ولالبا # نزلنا على الاكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه ان نلم به ركبا # ومن آداب الزيارة إذا أشرف الزائر على المدينة أو على البيت أن يترجل ~~ولما قدم الجوهري المدينة ترجل وجعل يقول: # رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطع دونه الأوهام # وإذا المطى بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرحال حرام # قربتنا من خير من وطئ الثرا ... فلها علينا حرمة وذمام # ومشى حتى بلغ إلى المسجد وهو ينشد: # هذه دراهم وأنت محب ... ما احتباس الدموع في الاماق # والمغاني للصب فيها معان ... فهي تدعى مصارع العشاق # حل عقد الدموع وأحلل رباها ... وأهجر الصبر وآقض حق الفراق # ووصلنا إلى المدينة النبوية، المقدسة الشريفة المخصوصة بالصفحة الزهراء ~~والتربة البيضاء، والبقعة المشرفة بمجد صلى الله عليه وسلم سيد الانبياء ~~صلى اله عليه وسلم صلاة تتصل مع الأحيان والأناء، فنزلنا بها من ضحى يوم ~~الخميس التاسع عشر لذي القعدة من العام المذكور ثم ابتدرنا إلى الحرم ~~الشريف، والكرم قد فتح الباب ورفع الحجاب وملا بالبر الرحاب، فاستعظمنا ~~الأقدام على المقام، وعجزنا عن أداء ما يجب من السلام فعبرت العبرات عن ~~الكلام ووقفنا بين يدي ساكنه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فيا لها تحية ~~أرق من النسيم إذا سرى وسلاما أندى على الأكباد من قطر الندى، والذي في ~~الأجفان من سنة الكرى، وحين فزت بهذه النعمة فوزا عظيما، ودخلت مع تلك ~~الفوحة مدخلا كريما، وثبت بعد الاستغفار بالتربة والرحمة لقوله تعالى ولو ~~أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ms102 الرسول لوجدوا الله ~~ثوابا رحيما، وأخذت في تلاوة القرآن المنزل عليه في حضرته ومثلت نفسي جالسا ~~بين يديه الكريمة أعرض عليه درسي بعد استيذانه ومشورته، ثم ختمت الختمة ~~بالدعاء، وأضرمت نيران الأشواق بماء البكاء، وهنأت نفسي ببلوغ المنى وزوال ~~العناء: # وعفرت خدي في شدا ذلك الثرى ... ومتعت طرفي بالحبيب ومسمعي PageV01P062 ~~ثم أقبلت على ذلك الحرام الشريف. والمسجد الرفيع المنير، أتأمل محاسنه، ~~وأتخيل فيه بين أصحابه الأبرار ساكنه، فمن أبدع ما رايته وأبرعه قصيدة ~~فريدة كتبت بالخط المذهب الرائق البديع، وأثبتت في ألوان الأذهان التي تخجل ~~زهر الربيع ورفعت أمام المقدسة في سقف المسجد الشريف الرفيع فنحلت القراطيس ~~لؤلؤها، ونقلت كل ما كان قبلها وبعدها، وهاهي تسفر عن غرتها الواضحة، وتعبق ~~عن نسمتها النافحة، وتشهد لناظمها بالقريحة الراجحة والعقيدة الصالحة: بسم ~~الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، # سلام كنشر الورد من مسقط الندا ... عليك رسول الله يا منزل الهدى # ويا مهبط الأملاك والوحي لم تزل ... أنيسا بزوراء الرسول ممجدا # ويا تربة المختار أفديك تربة ... بنفسي وان كانت أقل من الفدا # ويا بيته حيا ومثواه ميتا ... لك الفخر في حاليك بيتا ومشهدا # تضمنت أعضاء الرسول مبوءا ... مهادا من الفردوس فيك ممهدا # سقى الله منك الترب أفضل ما سقى ... وصلىعلى من حل فيك موسدا # فيا منزل الأبرار حييت منزلا ... ويا مسجد الأبرار شرفت مسجدا # كأني أرى صحب النبي محمد ... بأرجائك انبثوا ركوعا وسجدا # ففيك بدت من جنة الخلد روضة ... تطوف بها الأملاك مثنى ومفردا # سلام من الرحمن يذكو أريجه ... أخص به خير الامام محمدا # سلام ورضوان وروح ورحمة ... على روحه ما راح ساع وما غدا # فيا خير أهل الأرض بيتا وعنصرا ... وأشرف خلق الله نفسا ومحتدا # وأوسعهم خلقا وأزكى خلائقا ... وأطيبهم خيما وأطيب مولدا # ويا صفوة الرحمن من خير خلقه ... وأطولهم طولا وأعظم سؤددا # شهدت بأن الله لا رب غيره ... وان رسول الله حقا محمدا # وأشهد أن الله أهداك رحمة ... إلى خلقه وأختارك الله سيدا # فصلى عليك الله ms103 يا خير مرسل ... ويا خير من بالمعجزات تفردا # وصلى عليك الله ما لاح بارق ... وما ناح طير في الغضون مغردا # وصلي على الأبرار أهلك أنهم ... بنورهم يأتم من قد تزهدا # هم القوم عنهم اذهب الرجس كله ... وركب فيهم كل خير وأوجدا # وصلي على أصحابك الغر إنهم ... نجوم بها ينجو غدا من بها اهتدى # صلاة الاهي والسلام مضاعف ... على المصطفى المختار ما اتصل المدى ~~PageV01P063 الهم أدم العز والتمكين والنصر والفتح المبين لعبدك المسكين، ~~الذي أوليته أمور المسلمين واخترته على كثير من العالمين السلطان الملك ~~الناصر، ناصر الدنيا والدين، وأبو المعالي محمد قسم أمير المؤمنين سلطان ~~الإسلام والمسلمين، قاتل الكفرة والمشركين، قاهر الفجرة والمتمردين، حامي ~~حوزة الدين، سلطان الديار المصرية والعراقية، والبلاد الشامية، ملك البحرين ~~خادم الحرمين الشريفين، ولد السلطان المرحوم، الملك المنصور، سيف الدنيا ~~والدين قلاون الصالحي أدام الله أيامه، ونشر في الخافقين رايته وأعلامه، ~~وجعل السعد والإقبال حيثما توجد أمامه، وكان ابتداء العمل في شهر ربيع ~~الأول، وانتهاؤه في جمادى مستهل الأخير سنة إحدى وسبعمائة للهجرة النبوية ~~انتهى. والروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية من المسجد الشريف مما يلي ~~الشرق، ولها خمسة أركان خمسة صفحات وشكلها عجيب، لا يكاد يتأتى تصويره لأحد ~~ولا تمثيله، والصفحات الأربعة محرفة من القبلة تحريفا بديعا لا يتأتى لأحد ~~استقبالها في صلاته، لأنه ينحرف عن القبلة وقيل أن عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه اخترع في تدبير بنائها مخافة ان يتخذها الناس مصلى، وفي الصفحة ~~الغربية منها صندوق من أبنوس مختم بالصندل مصفح بالفضة مكوكب بها هو قبالة ~~رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وطوله خمسة أشبار وعرضه ثلاثة وارتفاعه ~~أربعة أشبار، وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي صلى الله عليه وسلم مسمار ~~فضة هو قبالة الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام عليه صلى الله عليه ~~وسلم وإلى قدميه رأس أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورأس عمر الفاروق رضي ~~الله عنه مما يلي كتفي أبي بكر رضي الله عنه فيقف المسلم مستدبر القبلة ms104 ~~ومستقبل الوجه الكريم فيسلم ثم ينصرف إلى وجه أبي بكر، ثم إلى وجه عمر رضي ~~الله عنهما، وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة، ~~وفيها اثنان من الذهب وتوقد كل ليلة مع غيرها من الشمع العظيم العجيب، ~~فجميع سعة الروضة المباركة من جميع جهاتها مائة شبر واثنان وسبعون شبرا، ~~مؤزرة بالرخام البديع النحت، الرائق النعت وينتهي منها إلى نحو الثلث والى ~~حيز الرخام تنتهي الأستار من الديباج وهي لا زوردية اللون مختمة بخواتم بيض ~~مثمنة ومربعة، ومنظرها منظر رائق بديع الشكل، والجدار المكرم قد علاه تضميخ ~~المسلك والطيب متراكما عليه على طول الأزمنة وتعاقب الأيام، والذي يعلو مع ~~علو الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى لان أعلى الروضة المقدسة متصل ~~بسمك الجدار الشريف، وبين الروضة المقدسة والشبابيك المباركة مدى واسع، ~~وللشبابيك أبواب مكتوبة على كل باب منها ما نصه )بسم الله الرحمن الرحيم ~~خدم بهذه الدار بزينة للحرم الشريف مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا ~~والدين أبي الفتح بيبر الصالحي، قسيم أمير المؤمنين في سنة ثمان وستين ~~وستمائة، وفي جوفي الروضة المقدسة حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب قيل ~~انه كان بيت فاطمة رضي الله عنها وقيل أنه قبرها والله أعلم، وعن يمين ~~الروضة المقدسة المنبر المبارك الذي قصر الصانعون عن صنعته ونبت الافهام عن ~~مرام شبهه فقام في أدق نمنمة، وأوضح رقم من رفيع الأبنوس ونفيس الصندل ~~الأحمر والأصفر والبقس واللبع والبقم والشوحط والقيقب بأحكم تصنيف وأبدع ~~تركيب وما بينهما الروضة التي جاء فيها الحديث أنها من رياض الجنة فتزاحم ~~الناس فيها للصلاة وحق لهم ذلك وبازاء الجهة القبيلة عود يقال أنه مطبق على ~~بقية الجدع الذي حن للنبي صلى الله عليه وسلم وقطعة منه في وسط العمود ~~ظاهرة يقبلها الناس ويتبركون بلمسها ومسح خدودهم فيها، وطول المسجد الكريم ~~مائة وست وتسعون خطوة وسعته مائة وست وعشرون خطوة وهو بالذراع ثلاثمائة ~~ذراع طولا ومائتان عرضا وتكسيره من المراجع المغربية أربعة وعشرون مرجعا، ~~وعدد سواريه ثمانمائة ms105 وتحفة من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به ووسطه كله ~~مفروش بالحصا والرمل وفي صحنه قبة بيضاء كبيرة أمامها خمس عشرة نخلة نصف ~~جدار القبة الأسفل رخام موضوع أزار على أزار مختلف الصنعة واللون مجزع أبدع ~~تجزيع، والنصف الأعلى من الجدار منزل كله بالذهب قد أنتج الصناع فيه نتائج ~~غريبة من الصنعة فيها تصاوير أشجار مختلفات الصنعة ماثلات الأغصان فيه ~~بثمرها، والمسجد المكرم كله على تلك الضفة لكن الصنعة PageV01P064 في جدار ~~القبلة أحفل والاحتفال في هذا المسجد المبارك أكثر من ان يأتي عليه الوصف ~~وللمسجد الكريم أربعة أبواب كبار هي المفتوحة الآن في الغرب منها اثنان ~~يسمى أحدها باب الرحمة والثاني باب الخشية وفي الشرق واثنان يعرف الواحد ~~بباب جبريل عليه السلام، والثاني بباب الرخاء، ويقابل باب الرحمة مدرسة لم ~~أر أحسن بناء منها ولا أبدع صنعة، ويقابل باب جبريل باب عثمان رضي الله عنه ~~وهي التي استشهد بها وبازاء المقصورة لجهة الشرق خزانتان كبيرتان تحتوي على ~~كتب ومصاحف موقفة على المسجد المبارك، ويخارجه لجهة الشرق دار أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه وبازائها دار عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودار ابنه ~~عبد الله رضي الله عنه، وللحرم الشريف أربع صوامع في الأربعة الجوانب، ~~وبظاهر المدينة الكريمة من جهة القبلة على ميلين اثنين منها مسجد قباء وهو ~~مسجد حسن عدل التربيع مستوى الطول والعرض، ظاهر البركة كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يأتيه راكبا وماشيا، وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال الصلاة في مسجد قباء كعمرة، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~توضأ فأحسن وضوءه ثم جاء مسجد قباء فركع فيه أربعة ركعات كان ذلك كعمرة على ~~عمرة وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي صلى الله عليه وسلم وعليه شبه روضة صغيرة ~~يتبرك الناس بالصلاة فيه وفي صحته مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو ~~موضع ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وبأعلى المحراب مكتوب ما نصه بسم الله ~~الرحمن الرحيم لمسجد أسس على ms106 التقوى من أول يوم أحق ان تقوم فيه، فيه رجال ~~يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين، هذا مقام النبي صلى الله عليه وسلم ~~جدد هذا المسجد في تاريخ سنة إحدى وسبعين وستمائة وطول المسجد مائة وعشرون ~~خطوة وعرضه كذلك وله باب واحد من جهة المغرب ومئذنته عالية جدا بيضاء تظهر ~~على بعد، وأمام بابه بئر كبيرة عذبة معينة، يأتي الماء منها إلى المدينة، ~~وفي قبلة المسجد دار أبى أيوب الأنصاري ويلي دار أبي أيوب وهي دار بني ~~النجار دار عائشة وبازائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبى بكر رضي الله عنهم، ~~وقباء كانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرمة والطريق أليها بين دائق ~~النخيل المتصلة والنخيل يحدق بالمدينة وجهاتها كلها، وأعظمها نخلا جهة ~~القبلة وجهة الشرق وعند قفولنا من قباء. أتينا مسجد الفتح الذي أنزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيه صورة الفتح فتبركنا برؤيته وشفعنا ما شاء ~~الله في بقعته، وبظاهر المدينة الكريمة من جهة الجوف على مقدار ثلاثة أميال ~~منها جبل أحد وبه مشهد حمزة رضي الله عنه ومشاهد الشهداء بازائه وفي طريق ~~أحد، مسجد علي رضي الله عنه ومسجد سليمان الفارسي رضي الله عنه، وبخارج ~~المدينة الكبيرة من جهة الشرق بقيع الغرقد فأول ما يلقى الخارج من باب ~~البقيع على يساره مشهد صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم أم الزبير بن ~~العوام رضي الله عنهما وأمامه قبر مالك بن أنس رضي الله عنه وعليه قبة ~~صغيرة مختصرة البناء وأمامه قبر السلالة الطاهرة النبوية إبراهيم بن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعليه قبة بيضاء وبقربه عقيل بن أبي طالب وعبد الله بن ~~أبي جعفر الطيار رضي الله عنهم، وبأزائهم روضة فيها أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم ورضى عنهم بأزائها روضة صغيرة فيها ثلاث من بنات النبي صلى الله ~~عليه وسلم تليها روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي ورأس الحسن إلي ~~رجلي العباس رضي الله عنهما وهي قبة كبيرة مرتفعة في الهواء والقبران ~~مرتفعان عن ms107 الأرض متسعان مغشبان بألواح ملصقة أبدع إلصاق مرصعة بصفائح ~~الصفر ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ~~بن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد ذي ~~النورين رضي الله عنه، وعليه قبة كبيرة مختصرة عالية وعلى مقربة منه مشهد ~~فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وعلى القبر مكتوب ما ضم ~~قبر أم أحد كفاطمة بنت أسد رضي الله عنهما وعن بنيها ومشاهد هذا البقيع ~~المكرم أكثر من ان تحصى لأنه مدفن الجمهور من الصحابة المهاجرين والأنصار ~~رضي الله عنهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من مات في أحد ~~الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب وفي ~~طريق آخر بعث من الأمين يوم PageV01P065 القيامة وعن ابن عمر عنه عليه ~~السلام من استطاع أن يمت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من جاءني زائرا لا يهمه إلا زيارتي كان حقا ~~على الله سبحانه أن أكون له شفيعا، وروي عنه صلى الله عليه وسلم من زارني ~~بعد وفاتي فكأنه زارني في حياتي. # وفي كتاب الشفاء لأبن سبع رحمه الله ان بعض العلماء قال ومما خص الله به ~~نبيه صلى الله عليه وسلم من الآيات الظاهرة والعلامات الزاهرة الشعاع الذي ~~يرى فوق المدينة كالإكليل يتطاير من موضع لا يخفى على من يتأمله وهذه كرامة ~~أفرد بها المدينة دون سائر البلدان. وللمدينة المكرمة أربعة أبواب وهي تحت ~~سورين في كل سور باب يقابله باب آخر الواحد منها حديد كله ويعرف بباب ~~الحديد ويليه باب الشريفة ثم باب القبلة ثم باب البقيع المذكور، وقبل سور ~~المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة هو الخندق الشهير الذكر الذي صنعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند تحزب الأحزاب وبينه وبين المدينة المكرمة عن يمين ~~الطريق العين المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم وعليها خلق ms108 عظيم وبنيان ~~مستدير ومنبع العين وسطه كأنه الحوض المستطيل، وتحته سقايتان مستطيلتان ~~باستطالة الخلق، فقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض المذكور جدار، فحصل الحوض ~~محدقا بجدارين وهو يمد السقايتين المذكورتين ويهبط إليهما على أدراج عددها ~~خمسة وعشرون درجا وماء هذه العين المباركة يعم أهل الأرض فضلا عن أهل ~~المدينة، وللمدينة المكرمة سقاية ثالثة داخل باب الحديد يهبط إليها على ~~أدراج وماءها معين وهو بمقربة من الحرم الكريم، والمدينة المكرمة في مستو ~~من الأرض شريف نزيه وسماها عليه السلام طيبة لأن من توجه نحوها يجد رائحة ~~طيبة على مسيرة أميال، والمدينة المكرمة متسعة الأرجاء مشرقة الأنحاء طيبة ~~الهواء كثيرة النخيل والماء ممتدة التخطيط والاستواء حسنة الترتيب والبناء ~~لم أر قط ولم أتنشق ءانق من رباها ولا أعبق من صباها ولا أمرع من روضها، ~~ولا أمرح من أرضها ولا أصفى من جوها ولا أضوأ من ضوئها، ولا اشرق من نورها ~~وأفتن من زهرها ولا ارق حاشية من أديمها ولا ألصق بنياط القلب من أرجها ~~ونسيمها. # أحب الحما لأجل من سكن الحما ... ومن أجل من فيها تحب المنازل ~~PageV01P066 ولم أزل ألازم ذلك الحرم الشريف مساءا وصباحا وأتنعم في روضته ~~الجنة غدوا ورواحا، وأرسل دمع اللقاء مدرارا، وأناجي الحبيب ليلا ونهارا، ~~فتهب نفحات القبول من ذلك الجناب، وتنفح أرواح الرحمة فأجلى المحبوب من ~~وراء حجاب، ويزدحم الناس على الروضة المقدسة فتتلقاهم جنات عدن مفتحة لهم ~~الأبواب، وفي كل ليلة تتجدد لها من اللطائف والتحف، والطرائف والزلف، ما ~~تقصر الألسن من نعتها، وما نرى من آية إلا وهي أكبر من أختها، وقد أثبت ~~جميع ما سمعت، وجميع ما لقيت من ذلك الحرم النبوي الشريف في برنامج روايتي. ~~وأكبر من لقيت به وأفضلهم وأعلمهم بالله تعالى وأزهدهم وأكملهم الشيخ ~~الإمام الأوحد، ولى الله تعالى أبو محمد بن أسعد بن علي اليافعي، اليمني ~~الشافعي، رضي الله عنه هو أجل العلماء العابدين وأفضل الأولياء الزاهدين، ~~وأحفل الأدباء البلغاء الماجدين آثر الفقر عن الغنى، واختار الآخرة على ~~الدنيا ms109 وتبدل من الجياد، بالوهاد، واعتاض من اللدونة بالخشونة فقطع ~~العلائق، وهجر الخلائق، ورأى الدنيا ساعة فجعلها طاعة، وشمر للعبادة كل ~~التشمير وبالغ في الزهادة حتى ما أبقى من فتيل ولا قطمير، فخرج من مواطنه ~~إلى بلاد اليمن سائحا وانقطع لعبادة مولاه شابا صالحا، مفارقا للامرة، ~~وهاجر دياره إلى دار الهجرة، فاشتهر علما وعقلا، واشتغل بالحق عن الخلق ~~وكفى بالعبادة شغلا، واستنفذ في طاعة مولاه الجهد، واستشهد في دنياه الجهد، ~~وآثر الرغبة عنا والزهد، وتسوغ صابها كما يتسوغ الشهد، وأطال في حنادسها ~~السهد، وواصل الصيام والقيام حتى أفنى العظم والجلد، ولقد عاينته وقد الصق ~~بالأرض الخد وأرسل دموعه حتى سقت الثرى والنجد، وعلا صياحه متأوها باكيا ~~حتى كاد أن يبكي الحجر الصلد. فيرحمه من شاهدوه قد فني ويرتجي له الخلد. ~~فاستقر بالحرم النبوي الشريف وقر في ذلك الجنات العالي المنيف، وقسم ~~مجاورته الكريمة. بين الحرمين الشريفين مكة والمدينة فتارة يكون في جوار ~~بيت الله، وتارة يسكن في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشرف وكرم. لم ~~يزل على ذلك من سنين، فله من الحجج ما ينيف، على الخمسين، ما ملك زيادة على ~~ستر عورته ولا علم أحد من أين يأتيه سد جوعته، وقد رفع العلم قدره، واحتقرت ~~العين طمره، ولو اقسم على الله لأبره: # رب ذي طمرين نضو ... يأمن العالم شره # لا يرى إلا غنيا ... وهو لا يملك ذره # ثم لو اقسم في شيء ... على الله أبره # لقيته بالحرم النبوي الشريف فسمعت منه، ورويت عنه، وظهرت لي بركة لقائه، ~~وإجابة دعاءه. نفعنا الله به وبأوليائه وسمعت من لفظه كثيرا من تأليفه الذي ~~سماه كتاب الإرشاد والتطريز. في فضل ذكر الله وتلاوة كتابه العزيز، وفضل ~~الأولياء والناسكين والفقراء والمساكين، وهو تأليف بديع السلك، وأجازه لي ~~وأذن لي في روايته عنه وأجازني إجازة تامة وأنشدني منه قصائد عديدة لنفسه، ~~من ذلك قصيدة طويلة أحسن فيها ما شاء وأجاد وأولها. # قفي حدثينا من حديث الأحبة ... وقد سكروا من كأس راح المحبة # وأقمار حسن ms110 قد تجلت ليجتلوا ... عرائس أنوار عن الوصف جلت # ومن ذلك قصيدته التي أولها: # تركت هوى ليلى وسعدي بمعزل ... وعدت إلى تصحيح أول منزل # ونادت بي الأشواق مهلا فهذه ... منازل من تهوى رويدك فانزل # وأنشدني لنجم الدين الاصبهاني: # وقد أوطأت نعلي كل أرض ... وقد أتعبت نفسي باغتراب # وقد طوفت في الأفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب PageV01P067 ومن ~~أعظمهم رياسة، وأكرمهم سيادة وسياسة، الشيخ العالم الرئيس جمال الدين أبو ~~عبد الله محمد بن أحمد بن خلف الخزجي المصري السعدي العبادي رضي الله عنه ~~ذو المجادة والأصالة، والسيادة المأثورة والجزالة، والحفظ لرسوم العلم ~~والجلالة، الذي علم بالوفد، وشهد بالرفد، وتبوأ بحبوحة المجد، وسار سيرة ~~الصلحاء الأخيار وورث الأعمال البرة من أسلافه، وتقليل ذروة العز المكينة، ~~وأشير إليه بالسمت والعدالة والسكينة، كبير الرؤساء، وأثير الكرماء، وعارض ~~النعماء، وفاضل العلماء وكامل السؤدد والعلاء، عكف على إسماع الحديث وإقامة ~~السنة، لقضاء أوطار أهل الاوطار، لا واهي الهمة ولا ضعيف المنه، لقي الصدور ~~الأكابر، فوعى صدره علما كبيرا وسقى زلال الحكمة فأحيا الله به إنعاما ~~واناسى كثيرة. # جزته جوازي الخير عنهم فانه ... سقاهم بشؤبوب من العدل ساجم # فقد سار فيهم سيرة لم يسر بها ... من الناس إلا مثل كعب وحاتم # لقيته بالحرم النبوي الشريف تجاه الروضة المقدسة، فسمعت عليه كثيرا من ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأربعين حديثا التي خرجها له الأمام ~~الحافظ علم الدين البرزالى الدمشقي في كتاب الزيارة لأبي اليمن عبد الصمد ~~بن عبد الوهاب بن عساكر، وحدثني بها عن أبي اليمن بن عساكر المذكور سماعا ~~عليه، وأجازنيها مع جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة، ومولده في ~~سنة ست وسبعين وستمائة وما برحت في ذلك الحرم النبوي الشريف في بلوغ سول، ~~ومجاورة أكرم نبي، وافضل رسول، إلى أن وصلت الركبان الشامية التي كنا خلفنا ~~خلفنا، فخرجنا بأثر وصولهم، وهبت علينا نفحات القبول والتكرم، والشوق في كل ~~ذلك مكتنف ولا دمع إلا منذرف، ولا قلب إلا مختطف. # ولولا الترجي للمحبين لم تكن ms111 ... قلوبهم يوم النوى تعمر الدرا # وكان خروجنا من المدينة الكريمة في ضحوة يوم الاثنين الثالث والعشرين لذي ~~القعدة المذكورة وسرنا نكفكف أمطار الدموع، ونخلف المدينة الكريمة بالطرف ~~الرامق والقلب الولوع، وقلبي يتوقف ويتخوف على اللحاق، ويتخلف عن الرفاق من ~~فرق الفراق، بعد فرح التلاق فصارعت مرامه وأنشدت أمامه: # لله أي هوى برامه ... حيث القلوب المستهامه # لم يبق قلب في الحمى ... إلا وقد أعطى زمامه # بالله يا حادي القلوب ... إذا رجعت مع السلامة # فاخدع فؤادي عله ... يرعى لمنزله ذمامه # حتى انتهينا إلى ذي الحليفة وهي على خمسة أميال من المدينة أحرم من هناك ~~أكثر الناس بالحج مفردين، وقارنين ومتمتعين فأحرمت منها بحجة مفرد، ومنها ~~أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها هو حرم المدينة الكريمة إلى مشهد ~~حمزة رضي الله عنه إلى )قبا( ثم سرنا ملبين راغبين لله تعالى مبتهلين، ولم ~~نزل نسير في تلك الأودية وهجيرها يلفح. وزفيرها لا يكف عنا ولا يصفح إلى أن ~~وافينا وادي الصفراء فنزلنا على نعيمه الذي به حييت الذماء، وان هو إلا ~~الاسودان التمر والماء، وسرنا إلى أن نزلنا ببدر وهناك يجتمع من مصر والشام ~~الطريقان، ويتألف منهما الفريقان. وبمنزلنا ذلك اجتمعنا مع الركب المصري ~~والمحمل الآمري فروينا من عذب ذلك الماء، وزرنا مشاهد الصحابة الشهداء. ثم ~~رحلنا إلى أن وردنا ماء )رابغ( بقرب الجحفة فأحرم هنالك من كان دون إحرام. ~~وارتحلنا محرمين إلى بلد حرام. إلى أن وصلنا )خليص( فوردنا من ماءها ~~النمير. وتزودنا تمورها الكثير، وارتحلنا إلى أن وصلنا إلى بطن )مرو( وقد ~~أنسنا بدنو المرام. والاقتراب من بيت الله الحرام. فأدركنا في تلك الطريق ~~الظلال بقية المقيل، وخيمنا بين متكاثف ذلك النخيل، وسرنا إلى أن وصلنا مكة ~~شرفها الله تعالى فدخلناها من كداء الثنية التي بأعلاها في ضحوة يوم السبت ~~الخامس لذي الحجة من العام المذكور. والأصوات تصافح الآذان بالتلبية، ~~والألسنة تضج بالرغبى والأدعية فياله يوما طرز به العمر وانشرح له الصدر، ~~ووضع فيه الوزر وأجزل الثواب والأجر. فاعظم بحرمة ms112 حرمته وأكرم بمسائه ~~وصحبته وأعبق بكافور غدوته، وزعفران عشيته، وعنبر ليلته، وفي ذلك يقول ~~صاحبنا نجم الدين أبو الحسن علي بن داوود بن يحيى بن كامل الحنفي الدمشقي ~~ونظمها قبل الوصول إلى الكعبة شرفها الله تعالى. # ليلة الوصل بالمليحة أهلا ... بك يا غاية الأماني وسهلا PageV01P068 طال ~~عمر الصدود دونك حتى ... كدت اقضي أسى وأعدم عقلا # قد أشاب الفراق رأسي حتى ... ظنني الناس في الشبيبة كهلا # يا ليالي الوصال لا صرم الدهر ... لنا بعد ما بلغناك حبلا # كم بكيناك بالدموع اشتياقا ... لا نبالي في ذلك لوما وعذلا # وركبنا نجائب السهر نطوي ... من قفار الأفكار وعرا وسهلا # ولعمري جميع ذلك حلو ... غير أن الوصال والله أحلا # يا جفوني لك الهناء تقضي ... زمن البعد والجفا وتخلا # فتملى بما تمنيت هذا ... ربع مي وهذه مي تجلا # فاجعلي دمعك المصون نثارا ... فهو أعلى من اللئالي وأغلا # أترى هذه منازل مي ... عن يقين وهذه مي أم لا # وهل الدهر جامع لمحب ... بك يا حلوة الشمائل شملا # لا تلومي على الجهالة صبا ... لا يرى غير شغله بك شغلا # كان قبل الهوى عزيزا فلما ... ذاق طعم الهوى استكان وذلا # فغدا يبصر الشقاء نعيما ... ويعد الملام في الحب جهلا # طاب يا ربة الستور سقامي ... عندما طاب في هواك وجلا # وأذاب البعاد جسمي نحولا ... وانقضى بالصدود عمري وولا # ثم زال الشقا وفزت بوصل ... منك أعلى من الحياة محلا # وبلغت المنى فلست أبالي ... أقبل الدهر بعد ذا أم تولى # وحين حمدنا السرى، ووصلنا إلى أم القرى وعلمنا أننا أضياف الله فدخلنا ~~منه بأحسن القرى وتبدت لنا الكعبة الغراء في أستارها، وتجلت لنا المليحة في ~~حلل أنوارها # وضعنا جباها في الثرى قد تهللت ... أساريرها منها وزاد سرورها # وطفنا بها سبعا وزفت ظلالها ... على خائف مثلي أتى يستجيرها # وحين وقع نظري عليها، ومثلت لديها، أنشدت مرتجلا بلسان الخضوع، وكتبت ~~خجلا بماء الدموع. # الهي هذا البيت بيتك جئته ... وعادة رب البيت أن يكرم الضيفا # فهب لي قرى فيه رضاك وأنني ... من النار خوفي فلتؤمني ms113 الخوفا # وأخذنا نطوف طواف القدوم، ونعرف ما لنا من الكرامة بموجوده على المعدوم، ~~وقضينا الانساك مهتدين في قضائها، مقتدين في شروع أدائها، وعدنا إلى البيت ~~الحرام نطوف به ونستلم، وتقبل أركانه ونلتزم، ونصبر عند تقبيل الحجر على ~~الاصطدام والاظطرام، نغتفر الزحام عند الورود على منهله والمنهل العذب كثير ~~الزحام، ونستنزل الألطاف ونستلذ المقام بين الركن والمقام، ونشرب من ماء ~~زمزم ما يروي الاوام، ويبري من السقام، والقلب يتشبت بأهداب تلك الخيام، ~~ويوطن نفسه دون بقية الجسد على المقام، والطرف يذرف دموع المذنب الخاطئ، ~~واللسان يردد لنجم الدين مهلل بن محمد الدمياطي: # يروق لي منظر البيت العتيق إذا ... بدا لطرفي في الاصباح والطفل # كان حلته السوداء قد نسجت ... من حبة القلب أو من أسود المقل PageV01P069 ~~والبيت المكرم له أربعة أركان، وهو قريب من التربيع وذكر أن ارتفاعه في ~~الهواء من السطح الذي يقابل الصفا وهو بين الحجر الأسود واليماني تسع ~~وعشرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون بسبب انصباب السطح إلى الميزاب ~~فأول أركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود ومنه ابتداء الطواف ويتقهقر ~~الطائف عنده قليلا كأنه يمس جميعه بيده والبيت المكرم عن يساره وأول ما ~~يلقى بعده الركن العراقي وهو ناظر إلى جهة الشمال ثم الركن الشامي وهو ناظر ~~إلى جهة المغرب ثم الركن اليماني وهو ناظر إلى حيز الجنوب ثم يعود إلى ~~الركن الأسود وهو ناظر إلى جهة المشرق وعند ذلك يتم الطائف شوطا واحدا ومن ~~الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا وذلك ~~داخل الحجر، وأما من خارجه فمنه إليه أربعون خطوة وهي مائة وعشرون شبرا ومن ~~خارجه يكون الطواف. ومن الركن الشامي إلى الركن اليماني ما من الأسود إلى ~~العراقي لأنه الصفح الذي يقابله ومن اليماني إلى الأسود ما من العراقي إلى ~~الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله أيضا وباب البيت المكرم في الصفح ~~الذي بين ركن الحجر الأسود بعشرة أشبار وذلك الموضع الذي بينهما من صفح ~~البيت يسمى الملتزم وهو موضع استجاب ms114 الدعوة على ما ورد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن الحجر الأسود إلى الأرض ستة أشبار فالطويل يتطامن لتقبيله ~~والقصير يتطاول له والحجر الأسود مرأى بديع ورونق صقيل هو قيد الأبصار حسنا ~~وفي وسطه مما يلي جانبه الذي على يمين المستلم له إذا وقف نقطة بيضاء صغيرة ~~مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة، وفي هذه الشامة البيضاء أثر ~~أن النظر إليها يجلو البصر فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله من الشامة ~~المباركة ما استطاع، وللحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى ~~يود اللاثم أن لا يقلع فمه عنه فهو أعذب من رضاب الكعاب، وأشهى من شم العرب ~~الاتراب، وتلك من خواص العناية الالاهية فيه، روى الترمذي عن أبن عباس رضي ~~الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزل الحجر من الجنة أشد ~~بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم. وروى الترمذي أيضا من طريق عبد الله ~~بن عمر ان الحجر الأسود والركن اليماني ياقوتان من الجنة ولولا ما طمس من ~~نورها لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية غيره ولا براء من أستلمها ~~من الخرس والجذام والبرص ومن حديث أبن عباس أيضا قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحجر والله ليبعثنه الله يوم القيامة به عينان يبصر ~~بهما ولسان ينطق يشهد على من استلمه بحق وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه قال: كنت طائفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت الله الحرام فقلت فذاك ~~أبي وأمي ما هذا البيت. فقال يا علي أسس الله تعالى هذا البيت في دار ~~الدنيا كفارة لذنوب أمتي. فقله: فذاك أبي وأمي يا رسول الله ما هذا الحجر ~~الأسود. قال: تلك جوهرة كانت في الجنة أهبطها الله إلى الدنيا لها شعاع ~~كشعاع الشمس فاشتد سوادها وتغير لونها مما مسها من أيدي المشركين. # وفي حديث آخر قال دحيت الأرض من مكة وأول من طاف بالبيت الملائكة وما من ~~نبي هرب من ms115 قرية إلا هرب إلا الله بمكة يعبده بها حتى يموت وأن قبر نوح ~~وهود وصالح وشعيب وإسماعيل فيما بين زمزم والمقام. # وفي حديث آخر أن حول الكعبة من قبور الأنبياء ثلاثمائة قبر نبي وان ما ~~بين الركن اليماني والركن الأسود لقبور سبعين نبيا. # وروي عنه صلى الله عليه سلم أنه قال الركن يمين الله في الأرض يصافح بها ~~عباده كما يصافح أحدكم أخاه وان الركن والمقام يأتيان يوم القيامة كل واحد ~~منهما مثل أبي قبيس لهما عينان وشفتان يشهدان لمن وافاهما بالوفاء. # وروى صلى الله عليه سلم أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت جبريل ~~عنده قائما يقول يا محمد أستلم. PageV01P070 وفي حديث آخر أنه قال ما أتيت ~~الركن اليماني قط إلا وجدت عنده جبريل عليه السلام قائما يقول يا محمد ~~استلم، وفي حديث آخر أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت عنده جبريل ~~وهو يقول يا واحد يا ماجد لا تسلبني نعمة أنعمت بها علي، وفي حديث أبن عباس ~~قال وقف جبريل عليه السلام وعليه عصابة خضراء قد علاها الغبار فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما هذا الغبار الذي علا عصابتك أيها الروح الأمين ~~قال ان الملائكة أمروا بزيارة هذا البيت فازدحمت على الركن فهذا الغبار ~~الذي ترى ما تثير الملائكة بأجنحتها. # وروي أن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال ان الله ~~عز وجل ينزل كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة على هذا البيت ستون للطائفين ~~وأربعون للمصلين وعشرون للناضرين. )والباب الكريم( مرتفع من الأرض بأحد ~~عشرا شبرا أو نصف وهو من فصة مذهبة الصنعة رائق الصفة يستوقف الأبصار حسنا ~~وخشوعا للمهابة التي كسا الله بيته وعضادته كذلك والعتبة العليا كذلك وعلى ~~رأسها لوح ذهب خالص إبريز في سعته مقدار شبرين وللباب نقرتا فضة كبيرة تان ~~يتعلق عليها قفل الباب وهو ناظر للشرق وسعته ثمانية أشبار وطوله ثلاثة عشر ~~شبرا وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب ms116 خمسة أشبار وداخل البيت المكرم ~~مفروش بالرخام المجزع وحياطنه كلها رخام مجزع قد قام على ثلاثة أعمدة من ~~الساج مفرطة الطول متوسطة فيه وبين الأعمدة أقواس من الفضة عددها ثلاثة ~~عشر، واحدها من ذهب خالص وظاهر البيت كله من الأربعة الجوانب مكسو ستورا من ~~الحرير الأكحل وفي أعلاها رسم بالحرير الأبيض فيه مكتوب: )ان أول بيت وضع ~~الناس الذي ببكة مباركا وهدي للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فان ~~الله غني عن العالمين(، واسم الخليفة الإمام وفي سعته قدر ثلاثة أذرع يطيف ~~بها كلها قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة أشكال محاريب رائقة ورسوم ~~مقروة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للإمام العباسي الآمر بإقامتها وعدد ~~الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ~~ستر واحد يعم الجوانب الأربعة محيطة الأعلى والأسفل وثيقة العرى والأزرار ~~لا تخلع إلا من عام إلى عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لهذا البيت الكريم ~~الشرف إلى يوم القيامة )والبيت العتيق( مبني بالحجارة الكبار الصم قد رص ~~بعضها على بعض وألصقت بالعقد الوثيق إلصاقا لا تحيله الأيام ولا تفصمه ~~الأزمان وله خمسة مضاو عليها زجاج عراقي بديع النقش وفيه باب يسمى باب ~~الرحمة يصعد منه إلى سطح البيت الكريم داخله الأدراج ولمعاينة البيت الكريم ~~هول يشعر النفوس الذهول، ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر إلا لحظات خاشعة ~~وعبرات هامعة وألسنة إلى الله تعالى داعية ضارعة لا يمل النظر إليه ولا ~~يسأم الطواف به، ولا يبرح التلفت له، ولا تزال القلوب مشغوفة بحبه إذا غابت ~~عنه أبدا )هذا البيت المكرم( وهو عروس الفلك الأرضي، واقتضى النص أنه أول ~~موضع للناس. # وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع الناس فقال المسجد ~~الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بين وضعهما فقال أربعون سنة وفي الخبر أول ما ~~خلق الله القلم وأول مسجد وضع في ms117 الأرض المسجد الحرام وأول جبل وضع في ~~الأرض أبو قيبس وقيل ان وقيل ان أول من بناه في الأرض آدم عليه السلام ولما ~~أهبط من الجنة قالت له الملائكة طف حول هذا البيت فقد طفنا به قبلك بألفين ~~ودحيت الأرض من تحته، وقيل أول من بناه إبراهيم عليه السلام ثمن بناه قوم ~~من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبنته قريش. PageV01P071 ~~وروى أبو هريرة قال: كانت الكعبة زبدة بيضاء على وجه الماء عليها ملكان ~~يسبحان الله تعالى قبل خلق الأرض بألفي سنة وسئل علي رضي الله عنه عن أول ~~بيت وضع في الأرض فقال له انه كان قبل هذا البيت بيوت كثيرة ولكنه أول بيت ~~وضع الناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة، وقد ورد في الآثار ان إبراهيم ~~عليه السلام لما بنى الكعبة أمره الله سبحانه أن يقف على جبل من جبال الأرض ~~وأحيا له الأولين والآخرين إلى يوم القيامة وأمره أن ينادي في الناس ان ~~ربكم بنى بيتا فحجوه فأجابه كل من سبق القضاء بحجه وأحياهم حتى سمعوا خطابه ~~وهو أحد الاحياءات الخمسة التي يتطور فيها الآدمي وينام فيها وقيل أنه كان ~~من موضعه بيت فرفع إلى السماء الرابعة فالملائكة تطوف به في السماوات ~~كالبيت الذي بمكة، وقد صح في الشريعة وتواتر أنه أحب بقاع الأرض إلى الله ~~وإنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة وتقطعهم وقيل لأن الناس يتبكون ~~فيها أي يزدحمون في أيام الحجيج وبكة ومكة اسمان على مسمى واحد وقيل مكة ~~البلد وبكة موضوع المسجد والصحيح هو الأول والمراد من الوضع المذكور في ~~الآية الكريمة أن الله سبحانه وضعه متعبدا للناس وقبلة لهم تنبيها على ~~تخصيصه وتشريفه ووصفه بالبركة ظاهر لأنه يحمل لمن حجه أو اعتمره الخير ~~والزيادة التامة وتكفير الذنوب والآيات التي فيه هي مقام إبراهيم وأمن من ~~دخله، وأثر القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين. . . ~~PageV01P072 وإثباته إلى الآن مع ذهاب سائر آيات الأنبياء وحفظه مع كثرة ~~أعدائه كما قال ms118 تعالى ويتخطف الناس من حولهم )وورد في الأثر( أنه لما أرتفع ~~بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة وقام على هذا الحجر فغاصت فيه ~~قدماه، ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال مرحبا بك من ~~بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك. وفي الحديث عنه عليه السلام ما من أحد يدعو الله ~~عند الركن الأسود إلا استجاب الله له، وكذلك عند الميزاب وعنه عليه السلام ~~من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وحشر يوم ~~القيامة من الآمنين، ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم الشريف ~~كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى، وحمام الحرام لا تحصى كثرة وهي من الأمن ~~بحيث يضرب المثل بها ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامه ولا تحل بوجه ولا ~~على حال فترى الحمام يتخلل على الحرم كله فإذا قربت من البيت عرجت عنه ~~يمينا أو شمالا والطيور سواها كذلك وفي أخبار مكة أنه لا ينزل عليها طائر ~~إلا عند مرض يصيبه فأما يموت لحينه أو يبرأ فسبحان من أورثه التشريف ~~والتكريم، ومن آياته أيضا أن بابه الكريم يفتح في أيام معلومة والحرم قد غص ~~بالخلق فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله عز وجل ولله الآيات البينات ~~البراهين المعجزات. سبحانه وتعالى: ومن عجائب اعتناء الله تبارك وتعالى به ~~أنه لا يخلو من الطائفين ساعة في النهار ولا وقتا من ليل فلا تجد من يخبر ~~أنه رءاه دون طائف به فسبحان من كرمه وعظمه، وموضوع الطواف مفروش بالرخام ~~البديع وقد اتسع عن البيت بمقدار تسع خطى وسائر الحرم مع البلاطات كلها ~~مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر الرخام المفروش، وقد جدد ترصيعه ونمق ~~تنميقا بديعا فيه تواريخ مرسومة ومنها ما نصه )بسم الله الرحمن الرحيم أمر ~~بعمارة المطاف الشريف سيدنا ومولانا الإمام الأعظم، المفروض الطاعة على ~~سائر الأمم أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، بلغه الله ~~آماله، وزين بالصالحات أعماله، وذلك في شهر وسنة إحدى وثلاثين ms119 وستمائة وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله )والحجر( من الركن العراقي إلى الركن الشامي ~~يقابل الصفح الذي فيه الميزاب، وفي ارتفاع جدار الحجر ستة أشبار، وسمكه ~~أربعة أشبار ونصف وداخل الحجر مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف إلى ~~دور الدينار إلى ما فوق ذلك ودونه. ثم الصق بانتظام بديع وتأليف عجيب معجز ~~الصنعة غريب الإتقان رائع الترصيع والتجزيع وفي صحن الحجر بمقربة من جدار ~~البيت المكرم قبر إسماعيل عليه السلام، وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي ~~قبر أمه هاجر رضي الله عنها، والميزاب في أعلى الصفح الذي على الحجر ~~المذكور من صفر مذهب يغشى الأبصار، وقد خرج عن صفح البيت بمقدار أربعة أذرع ~~وسعته مقدار شبر، وهذا الموضع تحت الميزاب، وهو أيضا مظنة استجابة الدعوة ~~)بفضل الله تعالى( وموضوع المقام الكريم وهو الذي يصلي خلفه يقابل ما بين ~~الباب الكريم والركن العراقي، وعليه قبة خشب مركنة محدودة بديعة النقش، قد ~~نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وبازاء المقام الكريم منبران كبيران ~~حسنان فيهما ضروب من قطع الخشب الملون المتخير المنتقي المستجاد، والجديد ~~منها منقش من جميع جهاته ووجوه درجه وتاجه المذهب بأبدع نقش وأحدقه، ~~وصنائعه مقسومة على تصنيف وتشجير منطبعة كانطباع نسيج الديباج الهاشمي ~~واليوسفي في الاعتدال والرونق مسمر بمسامير الفضة الخالصة المذهبة، مقضب ~~بصفائح الفضة المرفشة منقوش عليه برسم الذهب ما نصه: )مما عمل برسم الحرم ~~الشريف في شهور سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة(. PageV01P073 ومن فضائل البيت ~~الشريف ما خصه الله تعالى به من بئر زمزم وما جعله الله في هذا الماء. ومن ~~الفوائد والمنافع لكل ما شرب له فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء زمزم لما شرب له ومنها ما رواه ~~ابن العباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التضلع من ~~ماء زمزم براءة من النفاق، ومنها ما رواه الضحاك بن مزاحم قال: بلغني ان ~~التضلع من ماء زمزم ms120 براءة من النفاق وان ماءها يذهب بالحمى والصداع وان ~~الاطلاع فيها يجلو البصر وانه سيأتي عليها زمان تكون فيه أعذب من النيل ~~والفرات وقبة بير زمزم تقابل الركن الأسود، ومنها إليه أربعة وعشرون خطوة ~~وداخلها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض )وتنور البير( المباركة في ~~وسطها وهو من رخام قد ألصق إلصاقا لا تحيله الأيام وقد حف به من أعمدة ~~الرصاص الملصقة إبلاغا قي قوة لزه ورصة اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها ~~رؤوس قابضة على حافة البير دائرة بالتنور كله ودوره أربعون شبرا وارتفاعه ~~أربعة أشبار ونصف وغلظة شبر ونصف وقد استدارت بداخل القبة سقاية لملأ ماء ~~للوضوء وحولها مصطبة دائرة يرتفع الناس إليها ويتوضئون عليها وفي ماء زمزم ~~أمر عجيب وذلك أنه إذا شرب عند خروجه من قراراته يوجد حاسة الذوق كاللبن ~~عند خروجه من الضرع دفيئا وهو لما شرب له، وإذا صب منه من يجد إعياء أو ~~كسلا من أمر متعب للبدن وجد الراحة والنشاط عليه وبظاهر جدار القبلة ~~المباركة مكتوب بالخط الرائق المذهب ما نصه، عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ~~ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت تقبل الله ~~ممن عمل بهذا الحديث، ودعا لمن أسس هذه السنة الحسنة من هذا الحرم الشريف ~~في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. PageV01P074 وتلي قبلة بير زمزم من ورائها ~~قبة الشراب وهي المنسوبة للعباس رضي الله عنه لأنها كانت سقاية الحاج، وهي ~~كذلك له لان فيها يبرد ماء زمزم وتلي هذه القبة العباسية على انحراف عنها ~~قبة أخرى وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وشمع ~~وغير ذلك والمسجد الحرام تطيفه به من جهاته الأربع ثلاث بلاطات على ثلاث ~~سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد، ذرعها في الطول أربعمائة ذراع وفي ~~العرض ثلاثمائة ذراع فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربعين مرجعا وعدد سواريه ~~الرخامية أربعمائة سارية وأربع ms121 وثمانون سارية حاشا الجبصية التي منها في ~~دار الندوة وعند باب إبراهيم. )وللحرم الشريف( أربعة أئمة وكل واحد من ~~الأئمة الأربعة صلاته تحت حطيم له مصنوع من الخشب البديع النجارة، ~~فالمالكية تصلي قبالة الركن اليماني، والشافعية خلف المقام والحنفية قبالة ~~الميزاب في البلاد الآخذ من المغرب إلى الجنوب والحنبلية تقابل ما بين ~~الحجر الأسود والركن اليماني في البلاط الآخذ من المغرب إلى الشمال. ويطيف ~~بهذه المواضع كلها دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا مشاعيل توقد في ~~صحاف من حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف كله نورا، وتوضع بين أيدي ~~الأئمة في محاريبهم وللحرم الشريف سبع صوامع أربع في الأربعة الجوانب وواحد ~~في دار الندوة، وأخرى على باب الصفا وأخرى على باب إبراهيم وللحرم الشريف ~~نيف وأربعون لها أسماء منها باب القائد ويسمى أيضا باب الخياطين وباب ~~العباس رضي الله عنه وباب علي رضي الله عنه وباب بني شبية وباب الرباط وباب ~~الندوة وباب دار المجلة وباب السدة وباب العمرة وباب إبراهيم عليه السلام ~~وباب جزورة وباب جياد وباب غزوة، ومن باب الصفا إلى باب الصفا ست وسبعون ~~خطوة والصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة والدرجة العليا ~~متسعة كأنها مصطبة وقد أحدقت به الديار وفي سعته سبع عشر خطوة، والميل ~~سارية خضراء وهي خضرة صياغية وهي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من ~~الحرم الشريف وفيها يرمل في السعي إلى الملين الأخضرين، وهما أيضا ساريتان ~~خضراوان على الصفة المذكورة الواحدة منهما بازاء باب علي رضي الله عنه في ~~جدار الحرم الشريف وعن يسار الخارج من الباب والميل الآخر يقابله في جدار ~~دار وعلى كل واحد مهما بازاء لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج المنقوش ~~فيه برسم مذهب " ان الصفا والمرة من شعائر الله " )الآية(، وبعدها أمر ~~بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيئ بأمر الله أمير ~~المؤمنين أعز الله نصره، سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فجميع خطا الساعي من ~~الصفا إلى المروة أربعمائة ms122 خطوة وثلاث وتسعون خطوة، وأدراج المروة خمسة وهي ~~بقوس واحد كبير، وسعته سعة الصفا سبع عشرة خطوة والخطوة ثلاثة أقدام، وما ~~بين الصفا والمروة )مسيل( هو اليوم سوق حافلة بجميع الفواكه وغيرها من ~~الحبوب والمبيعات وغيرها. ومكة شرفها الله تعالى هي بلدة قد وضعها الله ~~تعالى بين جبال محدقة بها وهي بطن واد مقدس كبيرة مستطيلة تسع من الخلائق ~~عددا لا يحصيهم إلا الله عز وجل وهي البلد المباركة التي سبقت لها ولأهلها ~~الدعوة الخليلية الإبراهيمية، قال الله عز وجل: " أو لم حرما آمنا تجبى ~~إليه ثمرات كل شيء " فبرهان ذلك فيها ظاهر إلى يوم القيامة، وذلك أن أفئدة ~~الناس تهوى إليها من الأصقاع النائية، والأقطار الشاحطة، فالطريق إليها ~~ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة والثمرات تجبى إليها من كل ~~مكان، فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر، ولو لم يكن لها ~~من المتاجر إلا أوان الموسم، ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب فيباع فيها في ~~يوم واحد فضلا عما يتبعه من الأيام من البر إلى الدر، ومن الذخائر النفيسة ~~كالجواهر والياقوت وسائر الأحجار من أنواع الطيب كالمسك والكافور والعنبر ~~والعقاقير الهندية إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة إلى الأمتعة العراقية ~~واليمانية إلى السلع الخرسانية، والبضائع المغربية، إلى ما لا ينحصر ولا ~~ينضبط، ما لو فرق على البلاد كلها لا قام لها الأسواق النافقة، وعم جميعها ~~بالمنفعة التجارية حاشا ما يطرأ بها مع طول العام من اليمن وسواها فما على ~~الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة من الذخائر إلا وهي موجودة فيها وهي تغص ~~بالنعم والفواكه PageV01P075 والخضر على اختلافها ولا تنقطع منها مع طول ~~العام ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق فيفضل فيها ~~أنواعه الموجودة في سائر البلاد فهذه بركة لا خفاء لها )ولها ثلاثة أبواب( ~~وأولها باب المعلى ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة وهي بالموضع الذي يعرف ~~بالحجون وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج يخرج ~~منها إلى ms123 طريق العمرة وتلك الثنية تعرف بكداء بفتح الكاف والمد وهي التي ~~عنى حسان بقوله )تثير النقع موعدها كداء(. وعن يمينك إذا استقبلت الجبانة ~~المذكورة مسجد في مسيل بين جبيلين يقال أنه المسجد الذي بايعت فيه الجن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبهذه الجبانة المباركة مدفن جماعة من الصحابة ~~والتابعين، والأولياء والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين ويروى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا ~~وقال عليه السلام الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينتشران في الجنة ووقف ~~عليه السلام على ثنيه الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال يبعث الله تعالى من ~~هذه البقعة ومن هذا الحرم يوم القيامة سبعين ألفا فيدخلون الجنة بغير حساب. ~~يشفع كل واحد منهم في سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر. وعلى هذا الباب ~~المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات، وهذا الباب المذكور ~~بين الشرق والشمال وهو للشرق أميل، )ثم باب المسفل( وهو إلى جهة الجنوب ~~وعليه طريق اليمن ومنه كان دخول خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم الفتح، ثم ~~باب الزاهر ويعرف أيضا بباب العمرة وهو غربي، وعليه طريق مدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وطريق الشام وطريق جدة ومنه يتوجه إلى التنعيم وهو اقرب ~~ميقات المعتمرين، يخرج من الحرم إليه على باب العمرة، ولذلك خصص بهذا ~~الاسم، والتنعيم من البلد على فرسخ وهو طريق حسن فسيح فيه الآبار العذبة ~~التي تسمى بالشبيكة، وعندما تخرج من البلد بنحو ميل تلقى مسجدا بازائه حجر ~~موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش دائر الرسم يقال أنه ~~الموضع الذي جلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستريحا عند مجيئه من ~~العمرة، فيتبرك الناس بتقبيله ومسح الخدود فيه وحق لهم ذلك، وعلى جانبي ~~الطريق من هذا الموضوع جبال أربعة جبلان من هنا وجبلان من هنا عليها أعلام ~~من الحجارة، يقال إنها الجبال المباركة التي جعل إبراهيم عليه السلام أجزاء ~~الطير عليها، ثم دعاهن حسبما ذكر ms124 الله في كتابه، ثم بعد هذا الموضوع بمقدار ~~غلوة تلقى على قارعة الطريق المتوجهة إلى العمرة من جهة اليسار قبرين قد ~~علتهما أكوام من الصخر العظام يقال أنهما قبر أبي لهب وامرأته فما زال ~~الناس في القديم إلى هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك ~~جبلان عظيمان، وعند اجتيازك الزاهر وهو مبنى على الطريق يحتوي على ديار ~~وبساتين تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند دخول مكة، وكان أبن عمر رضي الله عنهما يغتسل فيه وحينئذ يدخلها وحولها ~~إلى آبار تعرف بالشبيكة وفيه مسجد يقال أنه فيه مسجد إبراهيم عليه السلام ~~فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع هذا الآثار المقدسة التي اكتنفته ثم تجئ ~~الوادي إلى مضيق تخرج منه إلى الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل والحرم وما ~~هو داخلها إلى مكة حرم وما هو خارجها حل وهي كالأبراج مصفوفة كبار وصغار، ~~واحد بازاء آخر على مقربة منه تأخذ من أعلى جبل يعترض عن يمين الطريق في ~~التوجه إلى العمرة وتشق الطريق إلى أعلى جبل عن يساره، ومنه ميقات ~~المعتمرين وفيها مساجد مبنية يصلي المعتمرون فيها ويحرمون منها ومسجد عائشة ~~رضي الله عنها خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين وإليه يصلي المالكيون ومنه ~~يحرمون وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكورة قال ~~الشيخ محيي الدين النوري رحمه الله تعالى جاء عن الحسن البصري رضي الله عنه ~~أنه قال في رسالته المشهورة إلى أهل مكة ان الدعاء يستجاب هناك في خمسة عشر ~~موضعا، في الطواف وعند الملتزم وتحت الميزاب وفي البيت وعند زمزم وعلى ~~الصقا وعلى السعي وفي المروة وفي السعي وخلف المقام وفي عرفات وفي المزدلفة ~~وفي منى وعند الجمرات الثلاث، وأما مشاهدها المقدسة وأثارها العظيمة فهي ~~اكثر من أن تحصى، ومكة شرف الله تعالى كلها مشهد كريم كفاها PageV01P076 ~~شرفا ما خص الله تعالى به من مثابة بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخليل ~~إبراهيم، وإنها حرم الله وأمنه وكفاها ms125 أنها منشأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأمي الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وبعثه بالآيات البينات والذكر ~~الحكيم، فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل ومهبط الروح الأمين جبريل. # وكانت بمثابة أنبياء الله ورسله الاكرمين، وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة ~~الصحابة القرشيين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين. ونجوما ~~للمهتدين. فمن مشاهدها التي عاينها قبة الوحي وهي في دار خديجة أم المؤمنين ~~رضي الله عنها. # وفيها كان أبناء النبي صلى الله عليه وسلم بها. وقبة صغيرة أيضا في الدار ~~المذكورة. # وفيها كان مولد فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وهذه المواضع المقدسة ~~مغلوقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها، وكتب بداخل القبة الأولى ما نصه " ~~بسم الرحمن الرحيم تقرب إلى الله تعالى بعمارة هذا الموضع الشريف المنسوب ~~إلى خديجة رضي الله عنها ومسكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي ~~الكريم العبد المفتقر إلى رحمة الله تعالى، مولانا السلطان بن السلطان ~~الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي خادم الحرمين الشريفين بلغه الله تعالى ~~غاية أماله، وتقبل منه صالح أعماله، وذلك بتاريخ شهر صفر سنة ست وثمانين ~~وستمائة وكتب بداخل القبة الصغيرة هذا موضع مولد فاطمة رضي الله عنها " ~~وموضع الولادة شبه صهريج صغير وفيها محتبى النبي صلى الله عليه وسلم شبيه ~~القبة وفيه مقعد في الأرض شبيه الحفرة داخله في الجدار قليلا وقد خرج عليها ~~من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور، قيل انه الحجر الذي غطى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند اختبائه في الموضع المذكور وفي زقاق هذه ~~الدار على مقربة منها مصطبة فيها متكأ يقصد الناس إليها، ويصلون فيها ~~ويتمسحون بأركانها لان في موضعها كان قعود النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي صلى الله عليه وسلم والتربة التي هي أول ~~تربة مست جسمه الطاهر بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه أكثره ذهب منزل ~~وكان دارا لعبد الله بن عبد المطلب أبي النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P077 والموضع المقدس الذي سقط ms126 فيه صلى الله عليه وسلم ساعة الولادة ~~السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للناس أجمعين محفوف بالغضة كأنه ~~صهريج صغير سطحه فضة فيا لها تربة شرفها الله تعالى بأن جعلها مسقط أطهر ~~الأجسام ومولد خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام، ~~وسلم تسليما وعليه مكتوب ما نصه: هذا ما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام ~~الناصر لدين الله أبو العباس أحمد أمير المؤمنين أعز الله أنصاره وضاعف ~~اقتداره، في سنة ست وسبعين وخمسمائة وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وعلى ~~مقربة منه أيضا يشرف عليه جبل أبي قبيس وهو في الجهة الشرقية يقابل ركن ~~الحجر الأسود وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة ~~الشريفة ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة ~~وسطه، وهو أول جبل خلقه الله، وفيه قبر آدم عليه السلام، وفيه موقف النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند انشقاق القمر له بقدرة الله تعالى وهو أحد أخشبي ~~مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقيقعان في الجهة الغربية، وبسفح أبي ~~قبيس مسجد محتفل البناء عليه مكتوب هذا المسجد، هو مولد علي ابن أبي طالب ~~رضوان الله عليه، وفيه تربى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان دارا لأبي ~~طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكافله ومن جبال مكة المشهورة بعد جبل ~~أبي قبيس جبل حراء وهو في الشرق منها على مقدار فرسخ أو نحوه وهو جبل مبارك ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينتابه يتعبد في غار فيه وأول آية ~~نزلت في القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجبل المذكور ومن ~~جبال فيها أثر كريم ومشهد عظيم، الجبل المعروف بابي ثور، وهو في الجهة ~~اليمنية من مكة على مقدار فرسخ وأزيد فيه الغار الذي أوى إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعه صاحبه الصديق رضي الله عنه حسبما ذكر الله تعالى في ~~كتابه العزيز، وخص الله نبيه بآيات مبينات، ومن مشاهدها الكريمة أيضا دار ms127 ~~الخيزران وهي الدار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله فيها سرا ~~مع الطائفة الكريمة المباردة للإسلام من أصحابه رضي الله عنهم حتى نشر الله ~~الإسلام منها على يد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكفى بهذه ~~الفضيلة الكريمة، ومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهي ~~اليوم دار سكة الأمير ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه يقال ~~أنه كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم متى أجتاز عليه وذكر أنه صلى ~~الله عليه وسلم جاء يوما إلى دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه فنادى به ولم ~~يكن حاضرا فانطق الله عز وجل الحجر المذكور، وقال يا رسول الله ليس بحاضر، ~~وكانت من إحدى آياته المعجزات صلى الله عليه وسلم. PageV01P078 ثم تلبعت ~~لقاء العلماء والمحدثين واستقريت المجاورين منهم جماعة جملة يضيق هذا ~~المجموع عنهم ويتسع برنامج روايتي لهم فهم فيه على الكمال والتمام ومن ~~أعظمهم قدرا وأرفعهم خطرا، وأشرفهم مكانة وذكرا الشيخ الفقيه الخطيب بالحرم ~~الشريف وصاحب الصلاة به، فارس المنابر وإمام الأمة، ومقتدي فرق الأمة. ولى ~~الله عز وجل أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر المكي المالكي ~~المشتهر بخليل نفع الله تعالى به أحد السبعة الابدال، ورب المئاثر المبرأة ~~عن الخلاف والجدال والموجودة في بركاته ما يخجل الغيث في الانسحاب ~~والانسدال، والموطأة أكنافة للخاصة والعامة، فهي معتدلة الكمال، كاملة ~~الاعتدال، فالأعناق متعلقة عليه والركبان منتالة عليه، مائلة بين يديه، ~~سامعون لأمره متبركون بمساس طمره، معترفون بفضله متصرفون عن إذن من قوله أو ~~فعله، وكلهم يرد من إحسانه مناهل الكرم ويرود من فضله مواقع الديم، ويسترشد ~~من نور عمله ما هو أوضح من نار على علم، ويقتدى بآثاره فيسلك شغف الشوق ~~آداب الخدم، قد انتحله مواصلة العبادة، وأكلته الأيام بشغف الزهادة فلم تبق ~~منه إلا الرسوم على السجادة، وهو على ذلك من أصبر الخلق وأجلدهم على إلحاح ~~السائلين، واختلاف القاصدين إليه والسالكين والتكفل بحوائج الأغنياء ms128 ~~والفقراء والمساكين، والنظر لجميعهم في جميع أمور الدنيا والدين لقيته بحرم ~~مكة الشريف تجاه الكعبة المعظمة وبمنزله أيضا بقرب حرمه الشريف فاكترث ~~الاختلاف إليه، وكنت ممن استفاد في مناسك حجه تفقها ومعاينة بين يديه، ~~فانتفعت به أعظم الانتفاع واستفدت بالالتزام له والأتباع، وسمعت عليه ~~واجازني جميع ما يحمله ويرويه إجارة تامة، مطلقة عامة. PageV01P079 ومن ~~أرجحهم عقلا، وأوضحهم فضلا، الشيخ العالم الفاضل أبو العباس أحمد بن ~~إبراهيم الشافعي رضي الله عنه شيخ علم وذكاء، وشبح حلم وذكاء حسن الشارة ~~مستحسن الإشارة حافظ العلم محافظ على شيم الحلم عبادة موردها صفوزلال، ~~وزهادة موعدها روض يانع وظلال، ودراية تعضدها رواية وسماع. وينعقد عليها ~~اتفاق واجتماع وقد أثنى عليه كل من أخذ عنه بما أثنى، ووردت فضائله على ~~الألسن فرادى ومثنى محامده مطلعة في روض الطرس، وأفق النقس كل زهرة وزهرة، ~~وأسانيده مكتوبة في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة، لقيته بحرم مكة الشريف تجاه ~~الكعبة المعظمة فسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~غير ذلك وانتفعت به وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة، ومولده سنة ست ~~وثمانية وستمائة، ثم تكاملت الركبان بمكة شرفها الله تعالى فخرجنا إلى منى ~~يوم التروية وهو اليوم الثامن لذي حجة في أمم يرتفع لها العجاج، ويتزاحم ~~بها الفجاج، وخلائق يغص بهم البسيط الأفيج ويضيق عنهم المهمة الصحصح، فترى ~~الأرض تميد بهم ميدا وتموج بجمعهم موجا، فتبصر منهم بحرا طامي العباب ماؤه ~~السراب، وسفنه الركاب وشرعها الطلائل المرفوعة والقباب، فمن لم يشاهد هذا ~~الخروج لم يشاهد الخروج لم يشاهد من أعاجيب الزمان ما يحدث به فمن هوادج ~~تسيل في أباطح مكة وشعابها، ومن محاير كالقباب المضروبة تسير بأربابها، ~~والإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين، فتراها تتهادى تهادي العرائس في ~~الكلل، وترفل من قلائد الذهب وأستار الديباج في الحلي والحلل، فلا تبصر إلا ~~سجفا، تسحب على وجه الأرض، وتشبه في وشيها وشى الروض، خلائق تملأ من الطول ~~إلى العرض، وتذكر مرأى الحشر والعرض، فسبحان من أحصاهم عددا، وأراد ms129 بهم ~~رشدا ثم نزلنا )بمنى( فعاينا ليلة من لم يعاينها لم يعاين أعذب ليالي ~~الدنيا، ولم يصبر الأرض عادت ثريا يوقد فيها من الشمع والمشاعل، والسرج ما ~~ترى الأرض تتلألأ به نورا، وتضيء سهولا ووعورا، وتفوق كواكب السماء سطوعا ~~وظهورا، فلله هي ليلة الدهر وعروس ليالي العمر، والبكر التي تهيم بها بنات ~~الفكر، )بمنى( مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختلاط عتيقة الموضع تملأ النفوس ~~بهجة وانشراحا، قد درست إلا منازل حسنة محدثة النزول، تحف بجانبي طريق ممتد ~~الطول، كأنه الميدان اتساعا وانفساحا، فأول ما يلقى المتوجه إليها عن يساره ~~بمقربة منها مسجد البيعة المباركة التي كانت أول بيعة في الإسلام عقدها ~~العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار، حسبما أشتهر من ~~ذلك ثم يفضي منها إلى جمرة العقبة وهي أول منى للمتوجه إلى مكة، وعن يسار ~~المار إليها وهي على قارعة الطريق مرتفعة بالمتراكم فيها من حصا الجمرات، ~~ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على ~~تعاقب الدهور وتوالي الأزمنة وعليها مسجد مبارك وبها علم منصوب شبه أعلام ~~الحرم التي ذكرنا قبل، وبعد هذه الجمرة العقبية )موضع الجمرة الوسطى( وبها ~~أيضا علم وبينها قدر الغلوة، ثم بعدها تلقي الجمرة الأولى ومسافتها منها ~~كمسافة الأخرى. والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقي الجمرة الأولى ثم ~~الوسطى ثم جمرة العقبة ثم بعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى ~~منحر الذبيح عليه السلام حيث فدى بالذبح العظيم، وعلى الموضع المبارك مسجد ~~مبني وهو بمقربة من سفح جبل ثبير، وفي المسجد المذكور حجر قد ألصق بالجدار ~~قيه أثر قدم صغير يقال إنها أثر قدم الذبيح عليه السلام عند تحركه، فلان له ~~الحجر بقدرة الله، فيتبرك الناس بلثمه ومسه، ثم يفضي من ذلك إلى مسجد الخيف ~~المبارك وهو آخر منى من التوجه من المعمور منها بالبنيان، وأما الآثار ~~القديمة فآخذة إلى ابعد غاية أمام المسجد وهو متسع الساحة، كبير المساحة، ~~وهو من المساجد المشتهرة بركة وشرف ms130 بقعة وكفى بما ورد في الأثر الكريم، من ~~أن بقعته مدفن لكثير من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ثم صعدنا إلى ~~عرفات وتكامل الجمع بها فاجتمع فيها من الخلائق جمع لا يحصى عددهم إلا الله ~~عز وجل، ومن مزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين منى وعرفات من منى إليها ما من ~~مكة إلى منى، وذلك نحو خمسة أميال ومنها إلى عرفات مثل ذلك ومن مزدلفة تسمى ~~المشعر الحرام، وقبلها بنحو الميل وادي محسر وجرت السنة بالهرولة فيه وهو ~~حد بين مزدلفة ومنى PageV01P080 لأنه معترض بينهما وعرفات بسيط من الأرض مد ~~البصر لو كان محشر الخلائق لوسعهم، وفي آخر ذلك البسيط جبل الرحمة، وفيه ~~وحوله موقف الناس والعلمان قبله بنحو الميلين فما أمام العلمين إلى عرفات ~~حل وما دونهما حرم، وبمقربة منهما مما يلي عرفات بطن عرنة الذي أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالارتفاع عنه في قوله صلى الله عليه وسلم عرفات كلها ~~موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، فالواقف في عرنة لا يصح حجه فيجب التحفظ من ~~ذلك وجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في البسيط وهو حجارة منقطعة ~~بعضها على بعض وكان صعب المرتقى فأحدثت فيه أدراج وطيئة واسعة من أربع جهات ~~أنفق فيها مال عظيم، وفي أعلى الجبل قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها ~~والله أعلم بصحة ذلك وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحول ذلك ~~المسجد المكرم سطح محدق به فسيح الساحة، جميل المنظر يشرف منه على بسيط ~~عرفات وفي جهة القبلة منه جدار قد نصبت فيه محاريب يصلي الناس فيها وفي ~~اسفل هذا الجبل المقدس عن يسار المستقبل القبلة فيه دار عتيقة البنيان في ~~أعلاها غرف لها طيقان تنسب إلى آدم صلى الله عليه وسلم، وعن يسار هذه الدار ~~في استقبال القبلة الصخرات التي كان عندها موقف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهي في جبل متطامن وحول جبل الرحمة والدار المكرمة المذكورة صهاريج الماء ~~وجباب، وعن يسار الدار ويسار القبلة مسجد قديم ms131 فسيح البناء بقي منه الجدار ~~القبلي ينسب إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيه يخطب الخطيب يوم الوقفة ~~وعن يسار العلمين في استقبال القبلة وادي الأراك وهو أراك أخضر يمتد في ذلك ~~البسيط مع البصر امتدادا طويلا وكان الوقوف بعرفات يوم الأربعاء التاسع لذي ~~حجة فخطب في ذلك المقام العظيم، والمشهد الكريم الشيخ الخطيب الولي أبو عبد ~~الله خليل المذكور آنفا بعد أن جمع بين الظهر والعصر خطبة محبرة. نظم ~~شذورها، وأحكم فصولها فذرفت منها العيون. ووجلت لها القلوب، وعلا الضجيج، ~~وأرتفع النشيج وتراكم الحجيج، ووقف جميع الناس خاشعين، باكين داعين إلى ~~الله عز وجل في الرحمة والمغفرة متضرعين، فما شهدت يوما كان اكثر مدامع، ~~ولا قلوبا خواشع، ولا أعناقا لهيبة الله تعالى خوانع خواضع، من ذلك اليوم، ~~فما زال على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم. والرحمة بفضل الله تعالى تكنف ~~جميعهم، حتى سقط قرص الشمس وتمكن غروبها، ولما حان الوقت أشار الإمام بيده ~~ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا وارتجت منه الأرض ورجفت له الجبال ~~فيا له موقفا ما اعظم مراءاه وأرجى في النفوس عقباه، جعلنا الله تعالى ممن ~~خصصه فيه برضاه، وتعمده برحماه، انه منعم كريم، غفور رحيم، وروى ابن ~~المبارك عن أنس بن مالك قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات وكادت ~~الشمس أن تغرب فقال يا بلال أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنصت الناس فقال: معاشر الناس أتاني جبريل آنفا ~~فأقرأني من ربي السلام وقال ان الله عز وجل غفر لأهل عرفات وأهل المعشر ~~وضمن عنهم التباعات فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ~~هذا لنا خاصة، فقال هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر بن ~~الخطاب كثر خير الله وطاب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة إلى ~~العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وروى النسائي ~~عن ابن مسعود قال: قال ms132 رسول الله صلى الله عليه وسلم تابعوا بين الحج ~~والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب ~~والفضة وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة وفي صحيح مسلم عن أبن هريرة قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق يرجع ~~كيوم ولدته أمه. PageV01P081 وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من يوم أكثر من ان يعتق الله فيه عبدا ~~من النار من يوم عرفة فأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أدر ~~هؤلاء، وفي طريق آخر انه سبحانه يباهي بأهل عرفات ويقول: يا ملائكتي انظروا ~~إلى عبادي جاءوا إلي من أقصى الأرض شعشعا غبرا أشهدكم أني قد غفرت لهم. # الجزء الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه # قال عبيد الله سبحانه، الراجي عفوه وغفرانه خالد بن عيسى بن احمد بن ~~إبراهيم بن احمد بن علي بن خالد البلوي، لطف الله به وأخذ بيده وبرحمته ~~آمين. PageV01P082 ثم انصرفت من عرفات الوفود وانفض المشهد المشهود، وفاض ~~الكرم الواسع وعم الجود، ورعدت الطبول وخفقت البنود وخرجت من بين العلمين ~~تلك الجنود، وغصت بهم الربى والتهائم ولنجود، إلى أن أتينا مزدلفة بين ~~العشائين فجمعنا فيها بين الصلاتين، واتقد المشعر الحرام، وما حوله تلك ~~الليلة مشاعيل من الشمع المسرج، وعاد كله نورا فيخيل للناظر إليه كواكب ~~السماء كلها نزلت به وعلى هذه الصفة تكون هذه المشاهد مدة إقامة الركبان ~~بها، لأن أولئك الخرسانيين وسواهم من العراقيين والشاميين أعظم الناس همة ~~في استجلاب هذا الشمع والاحتفال فيه والإكثار منه إضاءة لهذه المشاهد ~~المقدسة، فيا لك من ضياء زاهر، وسناء وارج خلاب أيام غرر وليال مشرقات، ~~وكذلك يختلفون في القباب والأروقة والسرادقات، على هيئة عظيمة فترى أحدهم ~~من الأمراء والكبراء قد أحدق به سرداق كالسور، نسيج كتان كأنه حديقة بستان، ~~وزخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة وهي كلها سواد في ms133 بياض، مشرقة ~~ملونة كأنها أزهار رياض لهذا السرادق الذي كالسور المضروب أبواب مرتفعة ~~كأنها أبواب القصور المشيدة يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم يفضي منها إلى ~~الفصل الذي فيه القباب فكأن أحدهم ساكن في مدينة قد أحدق بها سور تنتقل ~~بانتقاله، وتنزل بنزوله، وهي من الأبهات الملوكية التي لم تعهد عند ملوك ~~المغرب إلى قباب بديعة لمنظر، عجيبة الشكل، قد قامت كأنها التيجان ~~المنصوبة، أو الأخبية المضروبة، تنقش أحسن النقش وتملأ بأبهى الفرش، ويقعد ~~الراكب فيها مستريحا وأي مستراح وبازائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من ~~الشقة الأخرى والقبة مضروبة عليهما ماشية فيهما فيسار بهما وهما نائمان لا ~~يشعران فعندما يصلان إلى الرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين إن كانا ~~من أهل الترفه والتنعم، فيدخل بهما إلى السرادق وهما راكبان، وينصب لهما ~~كرسي ينزلان عليه فينتقلان من ظل قبة المنزل، دون واسطة هواء يلحقهما، ولا ~~خطفة شمس تصيبهما وناهيك من هذا الترفيه وهذا المحمل النبيه فهؤلاء لا ~~يلقون لأسفارهم وإن بعدت مشقة ولا نصبا، ولا يجدون على طول الحل والترحال ~~تعبا، ويجب على المجتهدين من القاصدين لهذه لمشاعر الكريمة، والمشاهد ~~العظيمة أن يحملوا أنفيهم مشقة لمشي على الأقدام. فورد في ذلك من الثواب ~~كثير، وقد حج الحسن بن علي رضي الله عنه وعن آبائه الطاهرين خمسا وعشرين ~~حجة ماشيا، والنجائب تقاد، وحج الإمام احمد بن حنبل حجتين ماشيا، وحج علي ~~بن الموفق على قدميه على قدم الفقر إحدى وستين حجة، قال فطفت ليلة متطوعا، ~~فقلت اللهم أني قد حججت كذا وكذا حجة، وأشهدك أني وهبت رسولك عشرة وأبا بكر ~~عشرة، وعمر عشرة، وعثمان عشرة، والعشرون الباقية لمن لم يقبل حجة في هذا ~~الموسم، وحجة الفريضة اكفيني قال فرأيت الحق سبحانه في المنام فقال لي: يا ~~بن موفق أتتسخى علي وأنا خلقت السخاء أتجود علي وأنا خلقت الجود أتتكرم علي ~~وأنا خلقت الكرم أما علمت يا بن موفق أني غفرت في هذه الليلة لكل من قال لا ~~إله إلا ms134 الله محمد رسول الله، فبات الناس بالمشعر الحرام هذه الليلة، وهي ~~ليلة الخميس العاشرة لذي حجة فلما وصلوا الصبح غدوا منه إلى منى بعد الوقوف ~~والدعاء لأن مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ففيه تقع الهرولة في التوجه ~~إلى منى حتى يخرج عنه، ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وهو ~~المستحب، ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى، فلما انتهى الناس إلى منى ~~بادروا لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم نحروا أو ذبحوا، ثم حلقوا وحلوا من ~~كل شيء إلا النساء والصيد والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة، ثم توجه كثر ~~الناس لطواف الإفاضة، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني، وأقاموا يرمون ~~الجمار بمنى، فلما كان اليوم الثالث تعجل أكثر الناس في الانحدار إلى مكة ~~قال الله تعالى: [فمن تعجل في يومين فلا إثم عيه، ومن تأخر فلا إثم عليه]، ~~قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله خفف على الخلق الرجوع عنه إلى ~~الأهل والوطن، ولما علم من علاقة قلوبهم بهم فأعادهم بأبدانهم، وعلق قلوبهم ~~بما عاينوا من مكانهم، وذلك قوله تعالى: [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا]، فلا يراه أحد إلا تمنى أن يعود إليه، وإن حمله شوق الأهل وحب الوطن ~~على أن يفارقه، قد رأيت الفراق ذقته وأكلته وشربته، وساورني PageV01P083 ~~وساورته، فما رأيت فراقا أبعد ملتقى ولا استناما أقصى مرتقى، من فراق ~~المحصب. # فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع نجد كبكب # منهم مشرق إلى الغاية، ومغرب إلى النهاية، وشمالي بغير موعد وجنوبي ولات ~~حين مرصد، ولا شك والله أعلم، أنه عيار لفراق يوم الموقف، فإنه بين آخذ إلى ~~الجنة ومحمول إلى النار، ولا ملتقى أبدا، وأقمنا إلى أن خرجنا من منى بعد ~~رمي الجمرة الأخيرة، وصلاة الظهر من يوم الأحد رابع يوم النحر، فنزلنا ~~بخارج مكة شرفها الله تعالى بئابار الزاهر، ثم أحرمنا للعمرة بمسجد عائشة ~~رضي الله عنها بعد صلاة المغرب به، وأتينا مكة والحرم الشريف للطواف والسعي ~~إلى أن قضينا ذلك في النصف ms135 الأخير من ليلة يوم الاثنين وهو خامس يوم النحر ~~ثم ودعناه ساعتئذ وخرجنا وانصرفنا، قد كمل لنا الحج والعمرة والحمد لله رب ~~العالمين وحين وجب طواف الوداع وتعين العزم على الإزماع، ودعنا البيت ~~لحرام، والدموع تستوقف القطار، وتستوكف الأمطار وقلبي لا يطيق وداعا ولا ~~تملك حبته انتزاعا وسرت وأنا أكفكف العبرات وأنشد هذه الأبيات: # أيا شعب مكة نومي حرام ... متى قوضت عن رباك الخيام # ألفناك ألف الرضيع الرضاع ... وقد يؤلمن الرضيع الفطام # سأبكيك ما بكت الثاكلات ... وهيهات يبرد مني أوام # وأحنو إليك حنين النياق ... لهن بأكناف نجد غرام # أيا ساكنين الحمى هي يعود ... لنا بعد وقع الشتات التئام # عليكم وأن شط مني المزار ... سلام وجهد المقل السلام # ولما استقلت نجائب الرفاق وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، ~~وأخذنا نسري ونسير ليلا ونهارا، ونجذب بالنجب الفيافي إشراقا وأسحارا، ~~وتغيب عنا الشموس والأقمار فنتخذ من السرج والمشاعل شموسا وأقمارا ونقطع ~~مهامه ينقطع فيها الرفيق عن الرفيق ونسلك مسالك تارة في الاتساع وتارة في ~~الضيق إلى أن وصلنا إلى رأس )وادي العقيق( وتراءت لنا بعد البعاد أعلام ذلك ~~الفريق، وهناك أنشدت الأصحاب الحضرين ما أنشدني تجاه لكعبة المشرفة لوالده ~~شيخنا جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن شهاب الدين أبي الثناء محمود ابن ~~سليمان الحلبي وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم مصيب وربت من البيان في روض ~~يانع ومرعى خصيب ونصها: # وصلنا السرى وهجرنا الديارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا # أتيناك نحدو البكا والركابا ... ونبعث أثر القطار القطارا # إذا أخذت هذه في الربى ... صعودا أبى ذلك إلا انحدارا # وإن فاض ماء لفرط الحنين ... ورجع حادي السرى عاد نارا # كأنا به وهو يجي دما ... وقوف على الخيف نرمي الجمارا # أتيناك سعيا ننادي البدارا ... إلى سيد المرسلين البدارا # إلى أشرف الخلق في محتد ... وأحمي جوارا وأعلى نجارا # إلى من به لله أسرى إليه ... وما زاغ ناظره حين زارا # لما نزعنا شعار الرقاد ... لبسنا الدجى وادعنا النهارا # نميل من الشوق فوق الرحال ... كأنا سكارى ولسنا سكارى # نجافي عن ms136 الطيف أجفاننا ... فلا نطعم النوم الأغرارا # ونسري مع الشوق أنى سرى ... ونتبع حادي السرى حيث سارا # ونسئل والدار تدنو بنا ... عن القرب في كل يوم مرارا # وما ذاك أنا سئمنا السرى ... ولكن دنونا فزدنا انتظارا # إذا لبرق عارضنا موهنا ... حسبنا سنى طيبة قد أنارا # فنفري بأدرع تلك النياق ... أديم الفلا غدوة وابتكارا # ونرمي بهن صدور الفجاج ... كانا نشن عليها مغارا # إذا رقصت في الفلاة المطى ... جعلنا الدموع عليها نثارا # تسابق أرجلها في السرى ... يديها وتشكو اليمين اليسارا # ونجمع بين السرى والمسير ... ونجفو الكرى ونعاف القرار # وكيف القرار إلى أن نراك ... وتدنى المطى إليك المزارا # من كان يأمل منك الدنو ... أيملك دون اللقاء اصطبارا # ترى تنظر العين هذا البشير ... يريني على البعد تلك الديارا # لأعطيه روحي سرورا بها ... وأوطيه طرفي وخدي اعتذارا PageV01P084 وأمسح ~~عن أرجل اليعملات ... بأجفان عيني ذلك الغبارا # واهدي على القرب مني السلام ... وحسبي بها رتبة وافتخارا # وأكتب شوقي بماء الدموع ... بسطا إذا اللفظ كان اختصارا # وأفدي بما طال من مدتي ... بطيبة تلك الليالي القصارا # ترى هل أناجي هناك الرسول ... جهارا كما نرتجي أم سرارا # وأعلم أني على بابه ... وقفت قبلت ذاك الجدارا # وماذا أقول وكل الورى ... نشاوي هنالك مثلي حيارى # وأنشد يا شافع المذنبين ... أجر من باب حماك استجارا # أقلني فقد جئت أشكو الذنوب ... إليك وأنت تقيل العثارا # فكن شافعي يوم لا شافع ... سواك يفك العناة الأسارى # فمالي سوى حق هذا الجوار ... إليك ومثلك يرعى الجوارا # وأني قطعت إليك القفار ... فقيرا أقل ذنوبا غزارا # وفي قطعها لك فضل على ... ولو خضت دون القفار البحارا # ولو أستطيع قطعت الزمان ... وأنت المنى حجة واعتمارا # وما كنت أظعن إلا إليك ... إذا ما ملكت لروحي اختيارا # حمى حل فيه نبي الهدى ... فأضحى به أشرف الأرض دارا # فيا فوز من كل عام أتاه ... ويا فوت من غاب عنه خسارا # شممنا الشذا من مبادي الحجاز ... فخلنا العبير أعار العرارا # فواها لها نفحة أذكرت ... هواي وأذكت بقلبي الشرارا # إذا خطرت في الربا سحرة ... وجرت ذيولا ms137 على الغار غارا # يمانية رابها إنها ... بطيبة مرت وجرت أزرا # على من سرت من حماة السلام ... وحيا الحيا ذلك الربع دارا # ووصلنا إلى المدينة النبوية الكريمة بقلوب مسرورة بالوصال، محزونة بما ~~تتوقعه بعد ذلك من قرب الارتحال: # ما يقتل الليل الطويل سهرا ... غير محب خائف أن يهجرا # فدخلناها عشية يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ذي الحجة من العام ~~المذكور، واليوم قد ولى شبابه، والمساء قد استحكمت أسبابه: # والشمس تجنح للغروب مريضة ... والليل نحو مغيبها يتطلع # ولما حططنا بها رحال الإمام، وخلعنا على عطف الصلاة برد الإتمام تسارعنا ~~إلى الروضة الشريفة المقدسة تسارع الطير إلى الأوكار، وتسابقنا تسابق ~~الخواطر مع الأفكار، وكنا ظننا أن الدموع نفدت، وأن نيران القلوب خمدت، ~~فتراكمت من العيون سحبها، وتزايد من القلوب لهبها، وأخذنا بعد السلام في ~~شرح ما فعلت الأشواق وإن كانت الإحاطة بوصفها تكليف ما لا يطاق، وجرى الأمر ~~كما سلف من خلوات معهودة، وقلوب ببرد لمغفرة معمودة، وبتنا نطفئ نيران ~~الأشواق بماء العبرات وننادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمام الحجرة ~~لا من وراء الحجرات: # ولما وقفنا للسلام تبادرت ... دموعي إلى أن كدت في الدمع أغرق # فقلت لعيني هل مع الوصل عبرة ... فقالت ألسنا بعده نتفرق # ولما تحقق السير عن ذلك الحما، وأشأم حاد كان بالأمس أتهما، أجريت الدموع ~~وحرمت الهجوع، وأضرمت بنيران الزفرات الأكباد والضلوع، وانقطع بي الرجاء، ~~وضاقت على الأرجاء: # قالوا الرحيل وما تملت باللقا ... عيني ولا امتلأت بغير مدامع # فتيقنت روحي بأن مقالهم ... أن يصدق الحادي أشد مصارعي # ووقفت بين تأمل وتململ ... يبدو السرور على فؤادي الجازع # حيران لا أدري بقرب رائق ... أذري المدامع أم لبعد رائع # وودعنا الروضة المشرفة المكرمة، والتربة المقدسة المعظمة، فياله وداعا ~~ذابت له الأجساد والتهبت به الأكباد، وكاد يتصدع الجماد وما ظنك بموقف ~~يناجي بالتوديع فيه سيد المرسلين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين، وخيرة ~~خلق الله أجمعين، وأنه لموقف تنزع فيه الأرواح انتزاعا، وترى الخلق من هوله ~~صراعا كل يقاسي مرارة مذاقه ويبوح ms138 لديه بأشواقه، لا يجد بدا من فراقه، فوا ~~أسفاه وا أسفاه. ما أصبر قلبي على هذا الوداع وأجفاه: # عجبا لقلبي يوم راعتنا النوى ... ودنا وداعك كيف لم يتفطر PageV01P085 ~~بوأنا الله تعالى منزلة الكرامة، بزيارة هذا النبي الكريم، وأحلنا من فضله ~~في جواره دار المقامة، انه ذو الفضل العظيم بمنه وكرمه، ثم رحلنا من ~~المدينة المنورة الشريفة، في يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة ~~المذكورة وهو غد يوم دخولنا ووصولنا، وسرنا مع الركب المصري على عادتنا من ~~وصل السري وحث المطى وأنا أجد نسيم طيبة المكيبة أعبق من العنبر الذكي ~~وأفتق من المسك النقي، وأحلى على قلبي الصادي من المورد العذب الشهي. # ولفخر الرؤساء الرضى الموسوي. # أيها الرائح المجد تحمل ... حاجة للمتيم المشتاق # وأقرعني السلام أهل المصلى ... وبلاغ السلام بعض التلاقي # وإذا ما مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إليه بالأشواق # وأبك عنى فطالما كنت من ... قبل أعير الدموع للعشاق # ضاع قلبي فأنشده لي بين جمع ... ومنى عند بعض تلك الحداق # إلى أن وصلنا إلى الينبوع في عشى يوم السبت السادس والعشرين لذي الحجة ~~المذكورة وصلناها بعد مسح الجبين، والانحفار المبين فحللنا منها ببلد أثير، ~~ذي نخل كثير،و ماء غزير، عذب نمير، وخرجنا منها ضحوة يوم الاثنين الثامن ~~والعشرين لذي الحجة المذكور وسرنا والغيظ يشتد حره، والهجير يلتظي جمره، ~~إلى أن وردنا ماء العقبة الكبرى على ساحل البحر وهي التي تسمى عقبة أيلة ~~يجتمع عندها الناس من الشام ومصر وغيرهما للقاء الركبان، والسؤال عن ~~الأحباب والإخوان، # عارضا بي ركب الحجاز أسائ ... ه متى عهده بأيام جمع # واستملأ حديث من سكن الخيف ... ولا تكتباه إلا بدمعي # فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي # وصلنا إليها في ضحى يوم الخميس السادس عشر لشهر الله المحرم مفتتح عام ~~ثمانية وثلاثين وسبعمائة ثم تقسمت الركبان فبعض انقلب إلى الديار المصرية ~~وبعض ذهب إلى البلاد الشامية: # ألا بلغ الله الحمى من يريده ... وبلغ أكناف اللوى من يريدها # فكنت ممن آثر زيارة تلك البقاع السامية ms139 الكريمة، واستخار الله تعالى ~~فاختار له أفضل الغنيمة، ورحلنا من العقبة في ليلة يوم السبت الثامن عشر من ~~شهر الله المحرم المذكور، فأول ماء لقيناه بعد العقبة المذكورة ماء غضيان ~~ثم ماء الغمر ثم ماء التجان ثم سرنا فأتينا عقبة الصفا، وقد اشتدت جمرة ~~القيظ، والنفوس من جواز تلك العقبة الكئود تكاد تميز من الغيظ. وما زلنا ~~نسير فيشتد حر الشمس، ويشبه اليوم الأمس، إلى أن وصلنا إلى مدينة الخليل ~~عليه السلام فدخلناها عند العصر من اليوم الخميس الثالث والعشرين لشهر الله ~~المحرم المذكور، فاستراحت الأبدان وتلاقى الأخوان، وتفرق الركب، وتألف ~~الصحب واجتمع كل بخليله ونسيبه، وأخذ من سماط أبيه الخليل عليه السلام ~~بسهمه ونصيبه، فقضينا ما تعين من الزيارة ووجب من السلام، لقيت من امكن من ~~أولئك الفضلاء الأعلام، وخرجت منها في عشى يوم الجمعة من غد اليوم المذكور، ~~وسرنا والعشى قد طفل، وعطفه في الثب القصير قد رفل، والشمس قد خجلت من فراق ~~الحاضرين، صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، فوصلنا إلى مدينة القدس الشريف ~~في صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين من شهر الله المحرم المذكور، وبها ~~اجتمعت بأخي محمد حيث تركته بعدما جال في أطراف بلاد الشام، وكاد يبلغ ~~مدينة السلام. فتلاقينا بتحية الإخوان إذا التقيا بعد البين، وحظينا بعد ~~الأثر بالعين، فكان بذلك لنوم عيني سبيل وعهدي بالنوم عهد طويل، وأقمنا ~~بالقدس الشريف الكريم ملتمسين البركة في ذلك الحرم العظيم إلى أن خرجت منه ~~بالرغم، وتزودت بالغم ملتفتا إلى تلك الربوع ومكفكفا واكف الدموع فنبت عنه ~~مرتحلا، وفيه أنشأت عاجلا وأنشدت مرتجلا: # خليلي في ربع الخليل مني نفسي ... وفيك فؤاد أنت يا حرم القدس # أحن إلى تلقاء هذا صبابة ... وألمح من هذا سنى البدر والشمس # مواطن لو أنصفتها جئت زائرا ... إليها على العينين والخد والرأس # ولو أنني أعطي مرادي بينها ... لما رحلت من دونها أبدا عنسي # وكيف رحيلي عن معاهد لم تزل ... على الحل والترحال لي غاية الأنس # أروح وأغدو بينها شيقا لها ... وأصبح فيها مستهاما كما ms140 أمسى # بلاد خليل الله والمسجد الذي ... صلاة به في الأجر كالمائة الخمس ~~PageV01P086 ومواطن معراج لنبي محمد ... وقد هب غمض النوم في الأعين النعس # وموطئ أقدام الرسالة والهدى ... وقد لان صلد الصخر من ذلك اللمس # أيا مسجد قد بارك الله حوله ... وعظمه في العرب والعجم والفرس # ويا أربعا قد أظهر الله فضلها ... وكرمها في اليوم والغد والأمس # رحلت وفي قلبي لأجلك لوعة ... فلم يبلها مني الزمان ولم ينس # وأزعجني عنك النوى وهي دائما ... تعاملني في جمع شملي بالعكس # وعندي إلى لقياك أي تشوق ... به اغتدي دهري وألحد في رمس # عسى عودة أو زورة تنقع الظما ... وتخلع عني للظما وارس اللبس # وإن كانت الأخرى ولم تك أوبة ... فأهدي سلامي في القراطيس بالنفس # وكان خروجنا من القدس الشريف في عشى يوم الجمعة أول يوم في صفر من العام ~~المذكور. وسرنا والعيشة تجود لزمامها، وذكاء تتشحط بدمائها، والفلا تذوب من ~~كدنا خجلا، والنجم يرعد من سرانا وجلا، إلى أن وصلنا إلى مدينة الرملة، في ~~عشى يوم السبت من غد اليوم المذكور، والأصيل قد قضى، ودين اليوم قد انقضى: # والشمس تنثر زعفرانا في الربى ... وتفت مسكتها على الغيطان # فنزلنا بها بمدينة غضة المنظر، حسنة المخبر، ممتعة بالروض لناعم، والنسيم ~~الأعطر، أحسن المدائن، أزقة وأسواقا، وأكثرها فواكه وأرزاقا. وأملحها بياضا ~~وإشراقا، وأبدعها اتصالا بالبساتين والتصاقا، قريبة من البحر، بعيدة من ~~الغور كثيرة المساجد والخير، معتدلة الهواء، سامية البناء، واسعة الفناء، ~~ساكنة المساكن، مكينة الأماكن، لائحة المباهج، واضحة المناهج، رائقة ~~المنازه، رائعة المنازل، مرنة الرباب، معشبة الشعاب، هامرة السحاب، عاملة ~~الجناب، سافرة المطالع، افرة الصنائع، سابغة المدارع، سائغة المشارع، صافية ~~الزلال، ضافية الظلال، سارة الأسارير، زاهرة الأزاهير، معقودة الحبا، ~~معهودة الربا، جليلة العلا، جميلة الحلا، جائشة الجيوش، معرشة العروش، فيها ~~جنات من نخيل، وأعناب، طوبى لمبصرها وحسن مئاب، دخلت بداخلها المسجد الجامع ~~الكبير حيث الخطبة الكبرى، والجماعة العظمى وهو المشتهر بالجامع الأبيض له ~~صحن كبير جدا فيه أشجار وأطيار وجب وآبار فيها ماء كثير عذب نمير، وفي ms141 وسط ~~الصحن مغارة عظيمة كبيرة تفضي إليها أدراج كثيرة، قد قامت على أقواس محنية ~~وأرجل مختلفة مبنية، ذكر أن فيها جماعة عظيمة من الأنبياء مدفونين يعدهم ~~النساك بالمئين، زرناها لما يوثر عنها من البركات والأعمال بالنيات وعلى ~~باب المسجد المذكور تاريخان منقوشان في الرخام، وقدمهما وأخصرهما ما نصه: ~~)بسم الله الرحمن الرحيم( هذا ما أمر بعمارة هذا المسجد الجامع المبارك ~~إياس عبد الله بن جهة الأمير علم الدين قيصر رحمه الله ورحم من ترحم عليه، ~~سنة ست ثمانين وخمسمائة وخرجنا منها عشية يوم الأحد الثالث من صفر المذكور، ~~وسرنا والشمس قد عصفرت أبرادها، وردنا في العين الحميئة إيرادها، وبتنا ~~نركب ظهر لسرى ونقطع بالذيل عمر الكرى، حتى سفرت الجونة عن نقابها، ونكصت ~~النجوم على أعقابها، وأحرقت فحمة الليل عنبر لصباح، وخبا من النجوم الزهر ~~كل مصباح، وهتف داعي العرفان، وحيعل المثوب بالأذان، وأصبحنا على عسقلان في ~~صبيحة الاثنين من غد اليوم المذكور، وهي مدينة كبيرة، مفروشة بالرخام عجيبة ~~وكانت دار إبراهيم عليه السلام وفيها آثار النمرود من كنعان، فسرحنا بمسرح ~~آمال، جنتان عن يمين وشمال، روضات قد أينعت فيها الأزهار، وانبعثت الأعين ~~وعنت الأطيار، فحللناها بلدا أقفر وخرب، وأكل الدهر على محاسنها وشرب، وترك ~~ساحته كدرامية بالعلياء، وغادره منقض الفناء، متقلص الأفياء فأطلت الركوع ~~والسجود في ذلك المسجد الحافل، وظلت أتبرك بما تضمنه من الآثار الجلائل، ~~وجعلت أجول معتبرا بين تلك المنازل وأتمثل بقول القائل: # ما للمنازل لا نجبن حزينا ... أصممن أم بعد المدى فبلينا # دمن تقادم عهد هن على البلا ... فلبثن من بعد الشهور سنينا # من مدينة مأثورة الفضل قليلة النظير في الحسن عديمة المثل لم يبق منها ~~إلا رسومها الواهية وأطلالها العالية البالية، وأزقتها الخاوية الخالية: # طلول إذا دمعى شكى البين بينها ... شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم ~~PageV01P087 فالأعلام طوامس ووفود الأبواب روامس والمأموم بالإمام مزجور ~~والدار خالية، والباب مهجور، ستغفر الله إلا روضها الناعم، وأرضها المنسابة ~~المذانب انسياب الأراقم، وانتظام الشجر والبحر، والنسيم الزدري بعنبر ms142 ~~الشجر، فإن المحاسن في ذلك راقت وصفا اتسقت رصفا، والأمواج تنعطف صفا تنقصف ~~قصفا وتأتي خاضعة إلى البر فتقبل منه كفا وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفا ~~وتتثنى عن الإلمام به عطفا: # تتكسر الأمواج فيه فتتثنى ... بيد الصبا مبيضة أعطافها # فكان شهب الخيل قد غرقت به ... فطفت على أمواجه أعرافها # فارقناها يصاحبنا الهواء الرطب ونسيمه، والأرج العنبري وتسنيمه، ولنفس ~~النجدي الذي هو في الصحة شقيقه وقسيمه، وقد أحدقت البساتين بها أحداق ~~الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر، وامتدت بطحتها الخضراء امتداد البصر فكل ~~توقع لحظة لجهاتها نضرته اليانعة قيد النظر، وما زلن نسير على بساطتها ~~الأخضر، وأديمها الأنضر، إلى أن وفينا مدينة )غزة( في ظهر يوم الاثنين ~~الرابع لصفر المذكور فأقمنا بها إلى خرجنا منها في عشى يوم الثلاثاء خامس ~~صفر المذكور وقد تضخمت صفحات الربى بخلوق الأصيل وأرزمت المطايا إلى الدعة ~~أرزام الفصيل وسرنا نحث في الرحيل ونصل المساء بالصباح والغدو بالأصيل إلى ~~أن وصلنا إلى )قاطية( والظلام يزملنا بنجاده واليباب يرفعنا إلى ظهور ~~روابيه من نجاده في نصف ليلة الأحد العاشر لصفر المذكور وهي بليدة عجيبة ~~منقطعة في ذلك الرمل غريبة جدبها خصب وشيبها شبيبة، يمتد بين يديها من كلا ~~جنبيها رمل أفيح أغبر لا ماء ولا شجر ولا ظل ولا ثمر قد نبذت بالعراء، ~~ووضعت في وسط الصحراء، فهي تشتكي ظماء وتستقي على البعد ماءها، لكنها حسنة ~~المنزع، متسعة المربع، تقبل من لحسن بثمان وتدبر بأربع لولا ظلم نهيها ~~وأمرها، وشوب حلوها ومرها، وعظم ضرها للوارد وقهرها، تفتش أمتاعه، وتنهب ~~رقاعه وتستلب من بين يديه، فلا بيعه ولا ابتياعه وفي مثلها يغضب الحليم ~~فيحذر، وينفث المصدور فيعذر، قال بعض العلماء بلاد الحجاز آخرة ولا دنيا، ~~ومصر دنيا ولا آخرة والشام دنيا وآخرة وقاطية لا دنيا ولا آخرة، ولما رأيت ~~هبوب ريحها، ودبيب تباريحها، وتصريف صروفها، وتحريف حروفها، وتأملت الخائن ~~فيها فإذا هو مؤتمن والتمست العدل فيها فوجدته كالماء في دار عثمان، له ~~ثمن، زويت وجهي عن محاسنها، وساويت بين صفوها ms143 وآسنها، ورميت بحبلها على ~~غاربها، وضربت وجوه مشارقها بمغاربها وكرهت علها ونهلها، وتركتها وتركت ~~جملتها لها، وخرجت منها في عشى اليوم المذكور، والشمس مرضى أصائلها، والربا ~~معصفرة وصائلها، وسرنا نطوي مسافة البيداء، طي الرداء، ونطير في جو الرجاء ~~بجناح النجاء، إلى أن وصلنا إلى مصر فنزلنا بها في ليلة يوم الخميس الرابع ~~عشر من صفر المذكور قد أظلنا الليل. كظهر الفيل، التف جنحه باهابه، وافتر ~~فجره عن نابه وكأن سماءه سندس عليه نثير تفاح، وكأن بدره يفتش عن صحبه ~~بمصباح، ومر يحدوه السير إلى أن لف الثريا في ملاءته الفجر، فوسنا سنة ~~النصب وهدأنا هدأة الوصب، فما صحت العيون من نشوة رقادها، إلا لتغريد الطير ~~في أعوادها، وذكاء قد أذكت قبسها علينا، وسفرت فكشفت عن صبحتها إلينا، ~~ونسيم الروض يروي الطيب ويسند، ويعض النبلاء يردد وينشد: # بتناوبات الورد يضربه الندا ... في ظل أخضر بارد الأنداء # والليل يخفى نفسه في نفسه ... والصبح كشاف لكل غطاء # وكانما الإصباح ينشر مهرقا ... أثر المداد به من المساء # فأجابه صاحبه على إنشاده كأنه ما فطن لمراده: # قم ترى الليل كيف رق دجاه ... وبدا طيسانه ينجاب # وكأن الصباح في الأفق بار ... والدجا بين مخلبيه غراب # وكأن السماء لجة بحر ... وكأن النجوم فيها حباب # فعجبت من ذكاء المنشدين، وأديت بعد الطهارة ما حل من الدين وتقاضينا جواب ~~القطعتين فأنشدتهما لابن جرج رضي الله عنه: # ربى تروق وروضات مزخرفة ... وسابح مد بالهطالة الهتن # وللنسيم على أرجائه حبب ... يكاد من رقة يخفى على الغصن # وأنشدتهما لابن صارة رضي الله عنه: # تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء # وقد جالت بنا عذراء حبلى ... يجاذب مرطها ري رخاء PageV01P088 بنهر ~~كالسجنجل كوثري ... تعاين وجهها فيه السماء # )وبحر النيل( العجيب قد فاض فيضا، وركضت سيوله في البسيطة ركضا وزاد ~~امتلاؤه على حده فسقى بالزيادة أرضا، وانسلت صلاله فسكنت الرياض، وقد يسكن ~~الصل روضا، وتلك الأساطيل قد صففت من حوله صفوفا، وكفت من موجه كفوفا، وسلت ~~لأعناقه من مجاذبها سيوفا كثيرا ما كنا ms144 نركبه ولا نرهبه، ونستصحبه ولا ~~نستصعبه، نرد على طريق إليه ونعوج عن غيره، ونعرج عليه، ومع ذلك نواخي ~~الفضلاء ونوالي العلماء فممن لقيته بمصر من كبراء المتصوفين، وفضلاء ~~المتبتلين العابدين الشيخ العالم الصوفي الولي نجم الدين، أبو العباس أحمد ~~بن محمد بن يوسف القرشي الحجازي نفع الله به فرع الحسب الصميم، ونبع الشرف ~~العظيم، وطبع الفضل العميم وطوع التخلي الكريم شرف إلى سماء الكرم مرقاه، ~~وأدب من ماء الكوثر سقاه، وكأطيب الثمر تخيره وانتقاه، سلف له في العالم ~~أسلاف كرام وثبت له في قريش نسب يحق له إجلال وإكرام، واستقر له في التصوف ~~قدم وإقدام، يجب له احتفاء واحترام وجل الكمال والكلام وصاحب الحال والمقام ~~وحامل فخر الأقلام ونجل السراة الأعلام، وأجل بيوت الإسلام غرر الزمن ~~البهيم، وموارد الآمال الهيم: # لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم، وأفنوا في اكتساب المجد وفرهم وشبابهم، رضي ~~اللهم عنهم وأرضاهم: # ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر # ورث الطريقة الصوفية عن آبائه الكرام وأجداده، واستقل بشيخها فلم يدعها ~~معه أحد من أنداده فغدا صدر صدور المشيخة الصوفية، والراسخ القدم في رتب ~~الولاية الربانية، والمجلى في حلبة رواة الأحاديث النبوية والمتميز بجملة ~~وافرة من اللغة وفنون العربية، صوام نهاره، قوام ليله لا تلحقه سئامة ~~الملل، ولا تتعلق به فترة الكسل، بالغا درجة التوكل بالقول والعمل، فهو ~~الآن في ذلك القطر، عظيم القدر شهير الذكر، له كرامات تربى على العد ~~والحصر، وفراسات تغوص على السر، في موج الفكر، فتبرز المكتوم والكنون، ~~وتنجز المظنون والمضمون وما يعقلها إلا العالمون، لقيته بمنزلة مصر ~~المحروسة فسمعت من لفظه جملة وافرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ومن جملة مسموعاته كتاب مسلم بن الحجاج وكتاب الشفا للقاضي أبي الفضل عياض ~~رحمه الله وغيرهما، وقد سمعت عليه بعضهما، وتناولتهما من يده المباركة ~~وأخبرني رضي الله عنه أنه لبس خرقة التصوف كما ألبسنيها من يده المباركة عن ~~والده ms145 ولبسها والده عن جده الولي الأكبر أبي الحجاج يوسف المشتهر بالأقصري ~~ولبسها جده عن الشيخ أبي مدين دفين تلمسان رضي الله عنه، قال وكان اجتماع ~~الجد أبي الحجاج يوسف المذكور به بالأرض البيضاء ببلاد السودان على خرق ~~العادة، وللأرض ألسن ذاكرة تقول الله الله. # وسمعت من لفظه غيرهما وأجاوني جميع ما يحمله ويرويه وكتب بخط يده ما نصه ~~قال الشيخ الكبير الجد يوسف عبد الرحيم الأقصري قدس الله روحه، ونور ضريحه، ~~قيل لي من قبل الله تعالى من جاءك من أهل الطلب فدله عليها وأما الوصل فمنا ~~فمن رأيناه صادقا محقا لدينا، وصلناه إلينا ومن رأيناه لا يصلح جعلناه ~~خادما وأجرته علينا، ومن رأينا غافلا عنا طردناه من بين أيدينا، فانه لا ~~يصل إلى المحبوب من هو بغيره محجوب، وذكر لي رضي الله عنه قال مما وصى به ~~الجد الأكبر أبو الحجاج يوسف المذكور خواصه وأصدقاءه قال: إذا أدركتكم ~~الضرورة والفاقة فقولوا حسبي الله ربي فالله يعلم أنه في ضيق وذكر لي أيضا ~~رضي الله عنه قال رأى هذا الجد يوسف المذكور النبي أصابته فاقة فشكى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم قل يا بر ~~يا رحيم، ألطف لي في قضائك ولا تول أمري أحدا سواك حتى ألقاك فلما قالها ~~أذهب الله تعالى فاقته قال فكان رحمه الله تعالى يوصي بها أصحابه وأحبابه، ~~وأنشدني لبعض الفقراء وكتبهما لي بخطه: # لئن شت الزمان لنا جسوما ... فقد جمع الوفاء لنا قلوبا # وان أصبحت من عيني بعيدا ... فلست تزال من قنبي قريبا # وأنشدني لفظا لبعضهم وكتبهما لي بخطه رضي الله عنه: # ما أنت غيري فأخشى أن تفارقني ... فدتك نفسي يا روحي فأنت أنا ~~PageV01P089 لئن تباعدت الأجسام وافترقت ... فالروح واحدة والسر يجمعنا # وممن لقيته بها من بلغاء الخطباء، وفضلاء العلماء الشيخ العالم الفاضل ~~علم الدين أبو قاسم بن عبد الله بن أبي القاسم الشافعي أنقى الله بركاته ~~سراج من سرج الأئمة وهداة الأمة ومن يقتدي بأنواره، ms146 ويهتدي بآثاره في شبه ~~الظلم ويهتدي بآثاره في شبه الظلم وظلم الشبه وغياهبهما المدلهمة كلما تقلب ~~تغلب. وكيف ذهب اذهب. وأينما أصاب أصاب، وحيثما ثاب أثاب فأهل ولائه مهتدون ~~بعلائه لا يطلع إلا ومغيب شهابه ظلاله، ولا يغيب قمرهم إلا وقد لاح هلاله، ~~فأياديه تستهيدها المحافل ويستجديها الطالع والآفل يجتنيها الجناة على ~~اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم وقد طاب فيهم خيرها وخبرها وحسن في مساري ~~أسماعهم وأبصارهم مسلكها وأثرها فرفعت بأيدي الأيدي راياته، وتليت بالسنة ~~سورته المعجزة وآياته وامتدت في مجال التأييد والتأبيد غايته وافترت به ~~ثغور الأيام عن مباسهما، ونظمت مئاثره الأثيرة في سلك أعياد ومواسمها وحفظت ~~بحفظ علومه العلمية في عالمها ومراسمها، وحليت بحلى معارفه السنية السنية ~~صفحات لباتها ومعاصمها، فأصبحت الأرض مشرقة بأنواره ومبتهجة بآثاره، قد ~~راقت نعمة ونضارة، ورقت له لدونة وغضارة،وعمت برفادتها البدو والحضارة ~~فأقسم بما لديه من أحكام اليراعة وأحكام البراعة وباعث الاستطاعة بأعباء ~~السمع والطاعة، وأنه لقسم لا يأثم عاقده، ولا تحل إلا بأكف البر معاقده لقد ~~وردت لما وفدت موارد خطابه، وحصلت في حلبه خطابه وتولعت لما تطلعت إلى بسره ~~وأرطابه، فتفيأته ظلالا، واستسغته زلالا واستنرت بلؤلؤ غرته، وآلاء مبرته ~~قمرا فأنشدته وماثلا بين يديه الكريمة ترويا وارتجالا: # إليكم صرفت النفس وهي مروضة ... وجئت بقلبي نحوكم وهو يطيع # وان كنت سني الإخاء فأنني ... بحكم الهوى في حبكم كتشيع # لقيته أولا بأحواز مضر ببلد )دمنهور( ثم لقيته ثانيا بقسطاط مصر وهو بها ~~العالم علم الدين المشهور، فسمعت من لفظه في الأولى حديث الرحمة المسلسل ~~بشرطه وغير ذلك من مروياته، وأعلى مروياته، وقرأت عليه بلفظي في الثانية ~~جميع الأربعين حديثا البلدانية للحافظ أبي طاهر رضي الله عنه وحدثني بها عن ~~الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن ابن جماعة الإسكندري ~~قراءة منه عليه بلفظه بها عن جعفر بن علي أبي البركات الهمداني سماعا عن ~~الحافظ السلفي سماعا، وحدثني بها أيضا عن أبي الحسن علي بن عمر الواني ~~الصوفي قراءة عليه وهو يسمع ms147 بالقاهرة عن سبط السلفي سماعا متصلا، وحدثني ~~بحديث الرحمة وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرني به أبو الحسين يحيى بن عبد ~~السلام الإسكندري وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرني ابن عمي أبو بكر ابن ~~عبد السلام الصفاقصي عرف باب المقدسية وهو أول حديث سمعته منه عن الحافظ ~~السلفي، وهو أول حديث سمعته منه حضورا بسنده فيه وقرأت وسمعت أيضا عليه غير ~~ذلك من كتب الحديث وغيرها وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة وكتبت لي بخطة ~~وأنشدني لبعض المشارفة: # ألا يا راحلا في فقر عمر ... يكابد في السرى حزنا وسهلا # بلغت نقى المشيب وجزت عنه ... وما بعد التقى إلا المصلا # وأنشدني للصاحب أبي القاسم بن عباد: # أيا قمر تبسم عن أقاح ... ويا غصنا يميس مع الرياح # جبينك والمقلد والثنايا ... صباح في صباح # وأنشدني لبعضهم: # قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك # قال قول الوشاة عندي ريح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك # وأنشدني لبعضهم أيضا: # تثني عطفه خطوات دل ... إذا لم تثنه نثوات راح # يميل مع الوشاة وأي غصن ... رطيب لا يميل مع الرياح # وأنشدني لابن سنا الملك: # يا عاطل الجيد إلا من محاسنه ... عطلت فيك الحشا إلا من الحزن # في سلك جسمي خيط الدمع منتظم ... فهل لجيدك في عقد بلا ثمن # لا تخش مني فأني كالنسيم ضنى ... وما النسيم بمخشي على الخصن PageV01P090 ~~ودخلت على الشيخ الأكبر، دوة الدهر ووحيد العصر، أبي حيان محمد بن يوسف بن ~~حيان المتقدم الذكر، منزله من القاهرة المعزية مجددا عهدا ومجردا من فوائد ~~ما لا أجد منه بدا، فقرأت عليه أجزاء عديدة، وأخذت عنه أشياء مفيدة وقد ~~استوفيتها في برنامج روايتي، ومما قرأت ثانيا عليه من نظمه قصيدة طويلة مدح ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولها: # لا تعذلاه فما ذو الحب المهذول ... العقل مختبل والقلب مبتول # هزت له اسمرا من خط قامتها ... فما انثنى الصب إلا وهو مقتول # وقرأت عليه من نظمه قصيدة بارعة يصف فيها غرناطة وطنه ويبث ms148 فيها شوقه ~~وشجنه ويندب معاهده بها ومشاهده، ويذكر مصتدره بينها وموارده، وأولها: # هل تذكرين منازلا بالأحبل ... ومنازها حفت بشطى شنل # ومشاهدا ومعاهدا ومناظرا ... للقاصرات اليعملات الذبل # حيث الرياض تفتحت أزهارها ... فشممت أذكى من أريج المندل # والطير تشدو مفصحات بالغنا ... فوق الغصون الناعمات الميل # فتثير للمشتاق داء كامنا ... وتذيل صائن دمعه المتهلل # وأخذ يصف لي أشواقه إلى الأندلس الكريمة، ويتأوه لذكر عهوده القديمة، ~~وتبع الزفرة بالزفرة، ويصل العبرة بالعبرة ويقول والله لقد كنت ارتحل إليها ~~لو كانت لي طاقة أو قدرة، وأنشدني لنفسه ودموعه تفيض نهرا، وتبل منه صدرا ~~ونحرا، وتسيل على بسيط خدوده فتسلك منها سهلا ووعرا: # يا فرقة أبدلتني بالسرور أسى ... وأسهرت ناظرا قد طالما نعسا # أنى يكون اجتماع بين مفترق ... جسم بمصر وروح حل أندلسا # فبكيت والله لبكائه، ودعا الله في رجوعه إليها فأمنت على دعائه، ثم شهق ~~شهقة حسبت فؤاده بها منفطرا ولم يزل بقية يومه منكسرا. # أن للجنة بالأندلس ... مجتلى عين وريا نفس # فسنا صبحتها من شنب ... ودجا ليلتها من لعس # فإذا ما هبت الريح صبا ... صحت وأشواقي إلى أندلس # ثم خرجنا من مدينة مصر في يوم الأربعاء الموفى عشرين لصفر المذكور فركبنا ~~في بحر النيل العجيب جواري منشئات، عذارى حبشيات وناسكات على الماء ماشيات، ~~تطلعنا على تلك الآيات، وتطالعنا بحسن الآيات وتذكرنا بهذه الأبيات: # نزلنا بمصر وهي أحسن كاعب ... فقيدة مثل زانها كرم الفعل # فلم أر أمضى من حسام خليجها ... يلوح على أفرنده صدأ الصقل # إذا سأل لا بل سل في متهالك ... من الأرض جدب طل فيه دم المحل # غداة جلا تبر الشعاع متونه ... ولا شك أن الماء والنار في النصل # ولا مثل أعطاف الغصون كأنها ... شمائل معشوق تثنى من الدل # ينظم تعويذا لها سبح الدجا ... وينثر إعجابا بها لؤلؤ الطل # ورحنا على البحر وقد سكن هائجه وركن مائجه، وأقبلت الزوارق تهفو بقوادم ~~غربان وتعطو بسوالف غزلان تخالها في سمائه أهله مكسوفة. وتحسبها فوق مائه ~~جريدة دهم مصفوفة. وزورقنا بينها يسرع في اندفاعه. وقد استدرنا ms149 تحت ظل ~~شراعه فحسبته خوف العواصف طائرا مد الحنان على بنيه جناحه، وما برحنا نسرع ~~سفرا. ونسير نفرا، ونرتشف من ماء النيل كوثرا، ونتجلى منه حبابه زهرا. ومن ~~جوانبه زهرا. ونتبوأ من جناته منازل فتحت أبوابها فدخلناها زمرا، وأنشدتها ~~حين ودعتها. # وفتحت أبواب السهاد لناظري ... وجعلت ليلى بالنجوم مسمرا PageV01P091 إلى ~~أن وصلنا إلى )فوهة( ضحوة يوم الجمعة الثاني والعشرين لصفر المذكور وهي ~~بلدة من أحسن بلاد ذلك الساحل مرءى وأخصبها مرعى. وأملحها مرسى. وأمنحها ~~أنسا وأينعها روضا وانفعها أرضا فأممنا بها برهة ثم قطعنا النيل أمامها ~~عشية وسرنا في الخليج راكبين بين جنات معرشات وغير معروشات وبلدان موشاة ~~بالبطاح منقوشات وروضات هي مرتع النواظر، ومتنفس الخواطر قد أخذت أدوات ~~الجنان. وضحكت عن العبقري الحسان، وأتت من الحسن والإحسان بما يقصر عن وصفه ~~لسان القلم وقلم اللسان، إلى أن وصلنا إلى الإسكندرية فدخلناها في صبيحة ~~يوم الأحد الرابع والعشرين لصفر المذكور، ونزلنا منها بالمدرسة الموسومة ~~بالعلمية منزلا تشتهيه الأنفس وتلذ له الأعين وتسبح من حسنه الأفواه ~~والألسن، وأقمت مترددا هل يتسنى لي السفر أم القعود، وهل أعود في البحر أم ~~أبقى على توبتي منه لا أعود، يدبر ابن آدم والقضاء يضحك، إلى أن تهيأ مركب ~~ابن خلاص للسفر إلى تونس فلما كمل فيه الوسق وركب فيه الخلق قلت الدخول ~~فيما دخل الناس فيه هو الحق وجعلت أفضل البحر فتقرب الأوطان، ونسيت هوله ~~وما أنسانيه إلا الشيطان، فاستخرت الله تعالى وركبت فيه أنا وأخي محمد ~~بمرسى المنار في عشى يوم الأحد ثاني يوم من شهر ربيع النبوي المبارك من عام ~~ثمانية وثلاثين المذكور ثم رفع الشراع وسرنا حتى إذا كنا بالمواسط أمر الله ~~باجتماع الرياح المختلفة، وتفريق تلك الأمة المؤتلفة، فضربنا في البحار ~~يمينا ويسارا وسرنا إقبالا وإدبارا، ورأينا بروقا وأمطارا، وكسرنا أقساطا ~~وجرارا، وقدرنا الهلاك أما انطمارا، وإما انكسارا، فلما انتهينا إلى قريب ~~طرابلس الغربية بعث الله تعالى ريحا شديدة غربية ضربت من تجاهنا في وجوهنا، ~~وردتنا على أعقابنا وأدبارنا إلى ms150 أن دخلنا بها مرسى العمارة في عشى يوم ~~السبت الموفى عشرين لشهر ربيه الأخير من العام المذكور بعد أن كابدنا نصبا ~~وعناء وعدمنا زادا وماء، وكدنا نموت غرقا وجوعا وظمئا. والأخبار كلما كانت ~~أشد على من شاهدها كانت أطرب على سمعها والأسفار سفر عن أخلاق لرجال وتجول ~~بالمرء في كل مجال لا جرم أني لقيت بها أنجادا وأغوارا وظلمات وأنوارا: # والناس كالناس إلا أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر # كالأيك مشتبهات في منابتها ... وغنما يقع التفضيل بالثمر # )وهذا المرسى( لما رسينا به قام رئيس الجفن المذكور رجل من الأرذلين يلقب ~~بالفنش فقال يا قوم قد رمنا السفر فما تيسر لنا فلابد لي من الإقامة أيام ~~الشتاء هنا على كل حال وهي ثلاثة أشهر لا محالة فمن أراد السفر في البر ~~غربا أو شرقا فليفعل ثم أظهر لنا العزم على القعود، وأعطانا عليه جميع ~~المواثيق والعهود، وأشهد على نفسه شهود السفينة وناهيك بالشهود، وحلف ~~باللازمة المغلظة، وأيمان الطلاق المؤكدة ثم رفع إلى السماء يديه وشرع في ~~سب والديه، والدعاء بالذبح على ولديه. فهبط عند ذلك من المركب نحو المائتي ~~رجل مشرقين ومغربين: # تفيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلى الهم من حيث أعلم # ثم قام فقال لي يا سيدي حفظك الله وأصلحك أني والله أحبك فوجب على أن ~~أنصحك فقلت وما ذلك، جعلت فداك، فقال أرى أن تنزل إلى البر لتستريح وتكفي ~~هذا الماء وهذا الريح، وهنا في هذا البراري دشار يقال له العماري فصل إليه ~~فإن صلح بك أخذت حوائجك وعزمت عليك فقلت له لعمري لقد نصحت وبينت وأوضحت، ~~وعجبت من فضله، وشكرته على قوله، ولم أدر أنه تحيل فيما تحيل ومكر فيما ~~ذكر: # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم # فبادرت مسرعا ونهضت لا مودعا. ونزلت أنا وأخي على أن نعود ونرتاد حيث ~~نلتزم العقود: # وقد كان حسن الظن بعض مذاهبي ... فأدبني هذا الزمان وأهله PageV01P092 ~~وكان نزولنا في صبيحة يوم الخميس الخامس ms151 والعشرين لشهر ربيع الأخير المذكور ~~فساعة وطئنا تراب البر، وغبنا عن الجفن وعن البحر، رفع الخبيث شراعه، ووافق ~~شيطانه الغوى وأطاعه، وراح وتركنا منبوذين بالعراء، مطروحين في وسط الصحراء ~~حيارى في أمرنا سكرى، ولا ندري أغربا سلك أم رجع القهقرى، ولا نلتفت إلا ~~إلى زفرة حرى، وعبرة تتوالى وتترى، فما أم طفل قد قذفها خطب الزمان لعنيد، ~~ببعض مسارحلبيد، في أرض موحشة المسالك كثيرة المهالك، قد لمع سرابها، ~~وتوقدت هضابها، وصرخ بومها ونفر ظليمها وحضر سمومها، وغاب نسيمها، فلما ~~خافت على ولدها من الظلماء الهلاك، وأجلسته إلى جانب كثيب هناك، ثم عادت في ~~طلب ماء للغلام، ليلا يقضى عليه حر الأوام، فانتهى بها المسير إلى روضة ~~وغدير، وآثار مطى بوارك، تدل على أن الطريق هناك، فعادت إلى الغلام مسرعة ~~وكل أعضائها إليه عيون متطلعة، فلما شارفت جانب الكثيب، رأت ولدها في فم ~~الذيب. . . # بأعظم كنى حسرة وتلهفا ... وأكثر منى حرة وتوجعا # وأغزر دمعا عندما أقلعوا ضحى ... ومركبنا أضحى على البعد مزمعا # فلما تجرعت أفضع منها غصة، ولا أفضح منها فرصة وتحملت فقد كل شيء وتجلدت ~~عليه إلا فقد الكتب فلم تبق لي جلدا، ولا عزيت عليه خلدا، وسقط في يدي، ~~وأظلمت الدنيا في عيني وبقيت ولا تسأل كيف بقاءي، ودعوت وما قدرت على دعائي ~~وعتبت ولكن: # كأنني كلما أصبحت أعتبه ... أخط حرفا بأقلامي على الماء # ومكثت في دشار الغناري النكد لا املك إلا نفسي وأخي عاريا من الثياب ~~خاليا إلا من الوجد والاكتئاب، بين قوم لا يحسن بهم إلمام، ولا ينهاهم عن ~~قبيح شيب ولا إسلام، ما فيهم إلا من يكلح، ويقسم وجهه أنه لا يفلح: # قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر # قد عكم البرد أفواههم، ووسم الفقر جباههم، فلا التفت منهم إلا إلى وجه ~~مكرب، ولا أدري إلى أين انقلب هل إلى مشرق أو إلى مغرب: # حيران أذهل عن إجابة من دعا ... بأسمى وأوحش في الجميع الحضر # فأقمنا نبغي فرجة من عقال، وعرجة إلى خير انتقال، وبقيت ms152 هنالك في بيت ~~الصلاة أتجرع الغصص وألج كما يلج العصفور القفص، أتحيل لهذه النفس لأنقذها ~~مما وقذها، وأتخلصها مما تقلصها، وأتوسل لأجلاف أخلاف، أتجرع بينهم مرارة ~~الذل، وأعدم حتى لمحة الظل: # أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح # فلما طال الأمر وعيل الصبر، ولم يبق منهم إلا من تسبب في سفك دمنا وكاد، ~~وبلغ بالنفس التراقي أو كاد، قلت لأخي أما وقد حصلنا في هذا الكرب، ~~فالإسكندرية أقرب من الغرب، وأخلص أن سلمنا من العرب، فلنخرج فلعل الله ~~يسلك بنا للنجاة منهجا ويجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا، فوافقني على ذلك ~~واستخرنا الله تعالى هناك، وخرجنا: # في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا # ليلة يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من العام المذكور، فتسللنا ~~متفرقين فريقين، وقصدنا جهة البحر، ودعونا الله تعالى في ستر الأمر، وسرنا ~~في الماء ليلا تقع العين على الآثار، وسلكنا بطون الأودية وظهور القفار، ~~وقلوبنا تطير فرقا، وتخفق وجلا، وإن رأينا غير شيء ظنناه رجلا، لا نركن إلى ~~الحلال ولا نجد سبيلا إلى الماء الزلال راكبين ظهر مهمه يضل القطا في ساحته ~~وتكل الرياح النكب دون مساحته: # سريت به أحييه لا حية السرى ... تموت لا ميت الصباح يعاد # يقلب مني العزم إنسان مقلتي ... له الأفق جفن والظلام سهاد # وطفقنا نسير كذلك ليلا ونهارا، ولا نبيت صياما ولا نجد إفطارا، فكنا إذا ~~أضر بنا الجوع كل الضرر، ولم نقدر معه على الهجوع ولا على السفر ملنا إلى ~~بعض بيوت الشعر، وقلنا الضيافة على أهل الوبر، ليست على أهل المدر، ثم نعطف ~~عليها عطفا ونحن نتساقط ضعفا، ونقدم باعا ونوخر ألفا، فلا نجد إلا من يقول ~~أفا، ويهدد حتفا، ويضاعف الكرب ضعفا، فنخرج عن البيوت مشردين ومطردين على ~~حالة ترحمها الجبال الشم، وترثى لها الصخور الصم: # فنعود في البيد القفار أذلة ... خضع الرقب نواكس الإبصار # وما زلنا نقبل في ذروة وغارب ونطارد كل شارد وغارب: # تترامى كأنها ورق جف فألوت به الصبا ms153 والدبور PageV01P093 إلى أن قاربنا ~~أرض الإسكندرية وخفت عنا هموم تلك البرية: # فيا دارها بالغور أن مرامها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال # وسرنا نتقلب إلى البيوت فنحتال على شيء من القوت، وما ظنك بالقوت، وهو كف ~~من الشعير البالي لا نحمله إلا عن العوالي ولا نأخذه حتى نقرأ ألف رقية، ~~ونعقد ألف خيط بألف عقدة، يطلب منا نفعها ودفعها للصوص والذئاب، والكهوف ~~والكلاب: # تدعو الضرورة في الأمور إلى ... ركوب ما لا يليق بالأدب # فإذا فتح الله تعالى تلك الحفنة منه وضعناها مع النار في الأرض حتى تتلقى ~~ثم نفخناها من الفحم والتراب والرماد وأكلناها: # لونا ينم لنا عليه طيبه ... ويزيد ألوانا على ألوان # ويلوح من مرآه مرأى حالك ... وكذلك كان يضيء في الأبدان # وبقيت الحال على ذلك إلى أن دنونا من المدينة وحينئذ لمحنا غرة الصخينة، ~~فألزمنا قمرها من سحابنا سجوفا، ومحونا إشراقها كسوفا، وما ظنك بخرقاء وجدت ~~صوفا، وما ظنك بالحلفاء أدنيت لها النار ولما وقفت من أمر برقة على ما ~~وقفت، وكابدت منها ما كابدت، وعرفت ما عرفت أحببت أن أذكر من ذلك في النظم، ~~ما يقرب للحفظ ويكون في العلم، وهي قصيدة نظمتها شبه الارتجال، وعلقتها بين ~~يدي الأوجال، وأولها: # لا قدس الله ربى كل بحري ... رمى بنا بخداع في الغماري # في أرض برقة لا ماء ولا شجر ... ولا مكان سوى الريح الجنوبي # يستوحش الوحش فيها في مسالكه ... ويستعيذ لديها كل جني # فيها طوائف أعراب ذوي شره ... مبرئين من الدين الحنيفي # تلقاهم بين أطمار ملفقه ... من فوقها كل ذي وجه غرابي # من تلق منهم تقل لاقيت أسوءهم ... وجها وأسوء بالطبع الغريزي # لا يعرفون لقرص الخبز من صفة ... ولا يرون سوى القرص السماوي # ولا يبيت لهم ضيف على شبع ... إلا بنا ذاق من غم ومن غي # محاربين ترى الحجاج بينهم ... موتى يخوضون من حي إلى حي # مجردين حفاة هالكين أسى ... والأكل أول منبوذ ومنسي # تلين فيها الصخور الصم راحمة ... لمن يراها ولو كان ابن ذمي # والقوم لا راحم فيهم ms154 على أحد ... أرحمة ترتجى في قلب برقي # كيف التخلص لي من هؤلاء وما ... تريد من شاعر فيهم ونحوي # أرقى الجمال وأرقى كل ذي وجع ... ويستريح بنفثي كل جذري # وأكتب الحرز للمحموم ينفعه ... وأعقد الخيط ما لي فيه من عي # ونشرة الكسب في حفظي إذا وضعت ... على الزريبة تنفي كل وحشي # والشقف عندي لرب البيت أكتبه ... يلقى على باب بيت غير قبلي # وأعرف اليوم أشقاه وأسعده ... والليل أعرف فيه كل دري # وأعرف الشهر في خف وفي ثقل ... والعام هل مطر فيه لصيفي؟ # وأضرب الخط في رمل وأعرف من ... أشكاله كل ماءي وتربي # وأحفظ الشعر للعربان أنسبه ... لأهله من جذامي ولخمي # فهذه كلها في برقة سبب ... للعيش إن بات فيها كل غربي # ولا تفتك عصا للكلب تحملها ... وتتكيها لدى الأمر الضروري # وقد دللتك عن علم وتجربة ... سل العليل ولا تسأل لطبي # لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... لا يوجد الكعك إلا عند كعكي # ثم سرنا نجتاز على بيوت من الليف ونروي الأحاديث عن الرغيف فما يتفق لنا ~~في الوجادة إلا بالسند الضعيف، وتسلسل الحال، واتصل الترحال، إلى أن وصلنا ~~الإسكندرية المحروسة، وقد فنينا بؤسا، وعرينا ملبوسا، وتبدلنا صورا ونفوسا، ~~وحملنا حشى كفؤاد أم موسى، حتى كأنا أخرجنا من القبور نخبر عن النفخ في ~~الصور، وهول يوم النشور، فدخلناها عشية يوم السبت الرابع لجمادى الثانية من ~~العام المذكور، فنزلنا منها بالمدرسة العلمية المتقدمة الذكر منزلا مرتضى ~~أعقب بالرضى، وانس وأنسى ما مضى، فانبسطت نفسي ورجع إلى عقلي وحسي، وعاد ~~يومي أحسن من أمسي، وجعلت أنشد أهل ودادي وأنسي: # أنا من البدو أقبلنا نؤمكم ... انضاء شوق على انضاء أسفار # لابد للصب أن تبدو صبابته ... ذا تبدل غير الدار بالدار PageV01P094 ثم ~~سمعت بخبر جفننا المذكور الذي غاب عدة من الشهور، ورمى وسقه ورجع فارغا إلى ~~تحت السور، أنه قد كان قبلنا وصل ودخل راجعا إلى مرسى المدينة وحصل، فما ~~كذبت ولا صدقت حتى ذهبت وحققت، فألفيته قد اعترف بالخيبة واعتذر عن بعد ~~الأوبة، وانتبذ وحده ms155 من بين الأجفان كلها، انتباذ من جنى جناية لم يوت ~~بمثلها، والناس يعظمون ذنبه جدا ويعدون شهور غيبته عدا، ويقولون له قد جئت ~~شيئا إدا، وهو قد أبدى وجله ولبس خجله، وقال تعست العجلة، فأسرعت لما سمعت ~~ما سمعت وأنزلت منه جميع ما استودعت وتمثلت: # كان الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يكن صعلوكا إذا ما تمولا # ثم ضممت رحلي، وشمرت لدخول المدينة ذيلي، وخليت بينهم وبينه، ودخلت ولم ~~تر بعد عيني عينه، وأخذت في تمهيد القعود والإقامة، وتجديد العهد بالأئمة ~~المشتهرين بإمامة، فاختلفت إليهم فائتلف الشكل والشكل، وعرفت منهم ما لم ~~أكن عرفته من قبل، ولله المنة على في ذلك والفضل: # وقد كان صرف الدهر فرق بيننا ... فمن حسنات الدهر أن جمع الشمل # وقد انتقيت منهم هاهنا مستأنفا، زيادة إلى ما ذكرته من أهل قطرهم آنفا، ~~جماعة البسوني شرفا وجمالا، وأوسعوني برا وإجمالا، فألبسهم اللسان إحسانا، ~~وأبرزهم البيان والبنان إنسانا فإنسانا )فمنهم( ملك قلم الفتيا، وسالك ~~القنى العليا، والشيخ العالم العلامة نجم الدين أبو الحسن علي بن زين الدين ~~أبي عبد الله محمد بن جمال الدين أبي القاسم هبة الله ابن الأنصاري الخزرجي ~~المالكي أبقى الله بركته، عالم بالأحكام والشروع، ومفتي الأئمة في الخطب ~~المروع، وإمام في الحديث والنحو والفروع، وأنه النجم في أوجه، والبحر ~~متدفقا بموجه، له عقل راجح، وعلم واضح ونور لائح، ومع ذلك رجل صالح للخيرات ~~إيضاحه وخبه، وبالصالحات غرامه وحبه ومناثره الأثيرة، أبين من ابن ذكاء ~~وأظهر من شمس الظهيرة: # وليس يصح في الأوهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # ولي في بلده القضاء، وأحسن فيه السيرة والإمضاء، وأجاد الحالتين السطوة ~~والأغضاء، ثم نزعة من يده نزعا، وانتقل عنه تطبعا وطبعا، واشتغل بالله قلبا ~~وذهنا وبصرا سمعا، وأقبل على العبادة والإفادة بإخلاص ويقين، فتقبل الله ~~تعالى علمه وعمله، وإنما يتقبل الله في المتقين، ردد الاختلاف إلى بيت الله ~~الحرام، وأطال الطواف بين الحجر والحجر والركن والمقام وجاور بالحرمين ~~الشريفين عدة من الأعوام، فكثرت حجاته ms156 وعلت درجاته، وناجت حسناته، وحسنت ~~مناجاته: # يقضي بنشر العلم في الناس يومه ... وتجفوه في جنح الظلام المضاجع # فينفك عنه يومه وهو ذاكر ... وينفك عنه ليله وهو راكع PageV01P095 انتحل ~~العلوم دهورا وسنين، ورزق جماعة من البنين وكلهم حملة علم، وأولو وقار وفضل ~~وحلم، بلغوا من بره فوق مراده ومقصده، وعكفوا على تقبيل رجله فضلا على يده، ~~وعلامة الشيخ الصالح نجابة ولده، عمرت بفوائده المدارس، واستمرت له فيها ~~محافل ومجالس، فعظم بها الانتفاع، وعلا فيها السماع، وتتابع لها الأشياع ~~والأتباع، سمعت عليه جميع كتاب الملخص لأبي الحسن القابسي رحمه الله، ~~وحدثني به عن قاضي القضاة زين الدين أبي القاسم محمد بن الشيخ الإمام ~~القاضي العلامة علم الدين أبي الحسن محمد بن رشيق المالكي قراءة منه عليه ~~بجميعه، وحدثه به عن والده علم الدين المذكور سماعا منه عليه بجميعه بحق ~~سماعه له من أبي الطاهر إسماعيل بن ظافر العقيلي عن الشيخ الجليل أبي عبد ~~الله محمد بن احمد بن محمد التجيبي قراءة عليه، قال حدثني الفقيه أبو ~~العباس احمد بن الخطيب، قال حدثنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور ~~الحضرمي، قال حدثنا أبو عبد لله بن الوليد بن سعد البكري قراءة عليه، قال ~~أنبأنا الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي وجميع ثلاثيات ~~الإمام أبي عبد الله البخاري رضي الله عنه، وحدثني بها عن الشريف تاج الدين ~~أبي الحسن علي بن أبي العباس احمد بن عبد المحسن الحسيني القرافي قراءة منه ~~لها عليه، قال سمعتها عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن أبي بكر بن زربة ~~القلانسي قال سمعتها علي الشيخ أبي الوقت عبد الأول السجري بسنده المعلوم ~~وجميع كتاب شرف أصحاب الحديث للحافظ أبي بكر احمد بن علي بن ثابت، الخطيب ~~البغدادي رحمه الله تعالى وقرأت عليه تفقها نحو الربع الأخير من كتاب موطأ ~~الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وبعض صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه، ونحو ~~النصف من آخر سفر من كتاب أبي عيسى ms157 الترمذي رضي الله عنه، وجزءا كبير من ~~كتاب الشفاء للقاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى ونحو الربع من آخر كتاب ~~التهذيب لابن سعيد البرداعي رحم الله تعالى وغير ذلك من كتب العربية ~~والتأليف الزهدية والوعظية، وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه وأسانيده ~~في هذه الكتب المذكورة مذكورة بخطي في برنامج روايتي ومولده رضي الله عنه ~~في آخر جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وستمائة، ومنهم الموفق للسداد، المصيب ~~في الاجتهاد الشيخ العالم القدوة شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ ~~الإمام مفتي المسلمين، فخر الدين أبي محمد بن الحسن بن الشيخ جمال الدين ~~أبي إسحاق إبراهيم القمني الأنصاري الإمام الأعظم والجهبذ الذي على عقده ~~ينثر الكلام وينظم، والفذ الذي به تفتتح المعالي وتختم، وعنه تتضح المعارف ~~وعنده تخيم سلالة الصدور الأعاظم والبحور الخضارم، والسيوف الصوارم والليوث ~~الضراغم وكفاه شرفا. ممدود رواق النساء، آخذ بآفاق السماء أنه عطارد وذلك ~~القطر فلك. وأن ليس وراءه في اتقاد النبل واعتقاد الفضل مسلك، له البحث ~~الذي لا يناهض والإدراك الذي لا يعارض. والسبق الذي لا يجاري ولا يقارض ~~أقام السؤدد حفافيه. ويهي العلم بين يديه فما شئت من معال تليدة، ومعان ~~طريفة، خرست لها شقاشق الفحول، وانقطعت دونها مصاقع الخطباء لما اخترعت ما ~~خط سواها منه المطروق وابتدعت ما نسي به زمان البديع وأتت بالعبر التي ضاقت ~~عنها العبارة، وسارت فلم تبلغ أدنى غاياتها إلا مثال السيارة، فالبشر ~~المسفر روض يرف، والبر الأوفر عارض يكف، والعلم الوضح بحر طام، والحلم ~~الأرجح طود سام، واللسان الرطب، مهند غضب، والإحسان لا يغير مورد عذب، ~~والذكاء المستعر زندوار، والذكاء المشتهر نور سار، والكنف اللين مربع ~~مهضوب، والشرف الأبين مفخر في صفح الدار مكتوب، إلى سجايا كرم، وأيمان، لم ~~ينفطر عليها أهل هذا الزمان رعاها ضمان الله، ولا زال نشرها نزهة الإسلام ~~وطيب الأفواه، لقيته بالمدرسة المعدة لتدريسه بالإسكندرية فسمعت عليه بها ~~جميع كتابه الأربعين، المخصوصة بالتعيين، لرواية سيد المرسلين عن رب ~~العالمين تصنيف الشيخ الحافظ شرف ms158 الدين أبي الحسن علي بن الفضل بن علي ~~المقدسي. وحدثني به عن الشيخ كمال الدين أبي العباس احمد بن شجاع بن ضرغام ~~القرشي الشافعي سماعا عليه بحق سماعه لجميعه على المنصف شرف الدين المقدسي ~~المذكور. سمعت من لفظه جميع الكتاب المسمى بكتاب الأربعين في فضل الدعاء ~~والداعين، تصنيف الحافظ شف الدين أبي PageV01P096 الحسن المقدسي المذكور، ~~وأخبرني به سماعا كذلك عن الشيخ كمال الدين أبي العباس بن شجاع بن ضرغام ~~المذكور بسماعه عن المصنف شرف الدين المذكور وقرأت عليه بلفظي جميع ~~الثمانينات المخرجة للشيخ نجيب الدين عبد المنعم بن عبد اللطيف الحراني ~~المعروف بابن الصقيل وهي أربعة أجزاء، وحدثني بها عن الشيخ نجيب المذكور ~~سماعا لجميعها عليه في يوم الجمعة خامس المحرم سنة سبعين وستمائة بمنزل ~~الملك المجاهد بباب القنطرة بمصر المحروسة، وقرأت أيضا عليه حديث الرحمة ~~بسنده فيه وهو أول حديث مسلسل سمعته منه وهو أول حديث سمعته عن الشيخ نجيب ~~الدين المذكور وأجازني جميع ذلك كله وأذن لي في روايته عنه، وأجازني جميع ~~ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، )ومنهم( المؤثر ~~الديانة المستكثر الصيانة الشيخ العالم المسند شرف الدين أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن الشيخ المحدث المرحوم عز الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن ~~ابن الكهف القرشي الشافعي، جملة جلال، في خميلة خلال، وموضع الاتساع، ~~والاصطناع والاحتفال في الإجمال والازدياد، من حمده المستجاد والاستكثار من ~~التحسن بحلله والاستظهار، فإنه بقية صالحة وغرة في دهمة الوقت واضحة، نابت ~~في أطيب سرار، بائت في مهاد فخار ثابت من المجد في حجر قرار، يتحلى بظرف ~~حسين، ويحمل وفاء عامر بن جوين ويأوي إلى ربوة وضية، ومروءة مرضية إلى فنون ~~علوم مقامها في العالم معلوم، ومعارف سابقة له فيها مراتب سابقة وصالحات ~~يهيئ طرقها وأسبابها، ومكرمات يسحب أذيالها وأثوابها فلقد بدا من وجوه ~~فضله، وسداد قوله وفعله، وشمول إبانته وعدله، ما تضيق عن تقريره الرقاع، ~~وتترفه بذكره الأسماع، وغيره ممن يشيد بناء، ويستفيد ثراء، ويستزيد جاها ~~وذكاء، ms159 وقد كساه الله اكتسابا ووراثة من هذه الوجوه الثلاثة، ما تنقطع دونه ~~الأعناق، ويوضحه الإجماع والأصفاق، ويعرف به جميل مقصده في الخير ومنحاه، ~~ومكانه من العلم لذي يلتزم كل أحد أن يحله ويرعاه )لقيته( بالإسكندرية ~~فسمعت عليه أجزاء منها جميع الجزء المعروف بسداسيات الرازي بسماعه للجميع ~~من الشيخ أبي البركات هبة الله بن أبي محمد عبد الله بن أبي البركات بن ~~زروين الأزدي في يوم الخميس رابع المحرم سنة اثنتين وستين وستمائة بسماعه ~~لجمعيه من أبي القاسم عبد الرحمان بن مكي بن حمزة بن موقي السعدي الأنصاري ~~بسماعه لجميعه من الشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي ~~المذكور، قال: أخبرنا أبو لفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي بمصر قال: ~~أخبرنا عبد الله بن محمد بن بطة العكبري بها أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز ~~البغوي حدثني يحيى الحماني حدثنا عطوان بن مشكان حدثتني جمرة بنت عبد الله ~~اليربوعية قالت: ذهب بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قد ~~رددت على أبي الإبل، وقال: يا رسول الله أدع الله لابنتي هذه قالت: فأجلسني ~~في حجره ووضع يده على رأسي ودعا لي، وبه إلى الرازي، قال: ومن أغرب ما وقع ~~لي وأقربه إسنادا وهو من الخماسي ما أخبرنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد ~~بن عيسى السعدي بمصر قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، قال: ~~أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: سألت أحمد بن عبيد بن ~~أبي طيبة وكان يزعم أنه سمع من أنس بن مالك والحسن وابن سيرين وحدثنا عنهم ~~فسألته عن اسم أبي طيبة فقال اسمه ميسرة قال عبد الله وقال أحمد بن عبيد ~~صمت لله مائة وتسعة وعشرين رمضانا ، قال عبد الله: وسمعت منه في سنة خمس ~~وعشرين ومائتين انتهى أول حديث من هذا الجزء المذكور وقد أذن لي في روايته ~~عنه جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة وكتب لي بخطه )ومنهم( الذي ms160 ~~بشر بإنجاز إجازته الوعد، وأثار بره سحابا يحدوه الرعد، الشيخ العالم ~~الكبير عماد الدين أبي الحسين بن أبي بكير بن أبي الحسين الكندي المالكي قد ~~كنت لقيته في المرة الأولى، ولم أعمل في إثباته اليد الطولى، لاستصعابه، ~~وقلة استصحابه، وانقباضه عن حملة العلم وطلابه، ثم رأيت أن إهمال ذكره ~~إخمال لقدره وإخلال به بين أهل قطره فشفعت فيه عمله، وأعلقت هذا الديوان ~~اسمه، فقد علم الله أني لا أمين ولا أميل، واغتفر الكثير القبيح إذا تبعه ~~النزر الجميل. وهذا الرجل وإن ألزمه الطبع صلفا، وناء بجانبه أنفا فقد رفعه ~~العلم وعضده الحلم، وكان له PageV01P097 الحكم، فلم يعرف منه الظلم، ولى ~~رتبة القضاء العلى، ببلد الثغر الإسكندراني، فجرى على النهج السوي، والسنن ~~الرضى، فجر ذيول العز طلقا، وجرع الحلو والمر جزعا ومذقا وحظى فرقا، وأسعد ~~فرقا، وأنحس فرقا، ثم عزل فلحقه الخمول، وعثر به الجد ففاته المأمول وبقي ~~مطرحا، وأقطع الإهمال مسرحا: # ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجو وانحط القتام # وما زال يدرس في أحسن المدارس، فيغص مجلسه بالواقف والجالس، ويحضر بين ~~يديه خيار الفضلاء، وكبار العلماء، كلهم معتمدون عليه مستندون اليه، ~~مستفيدون بين يديه: # وكل خاشع الصوت ... لديه خاضع النطق # وأنه لأجل إمام وأكبر نحرير، ولا سيما في حديث وعربية وتفسير، وأقول فيه ~~قول من يختصر في ذكره، ويصدق سنة فكره، هو مالك أزمة علو اللسان، وإمام ~~تفسير الحديث والقرآن، والمعول عليه في مذهب مالك بالإجماع والمشار إليه ~~مهما ذكر علم العربية في سائر البقاع، سمعت عليه كثيرا أول الأمر عند ورودي ~~لذلك الثغر، فلما قفلت في العودة ظننته بعض العدة وقلت: العماد مشتق من ~~العمدة، فاستأذنت عليه بأبيات ارتجلتها، وأقمت بباب منزله وأرسلتها وهي: # وارد جاء لاثم لك تربا ... أصدق الناس في جلالك حبا # طبق الأرض من ثنائك شرقا ... وسيملي مسامع الأرض غربا # طلب الأذن أن يراكم بديها ... ثم إن شئت زاد أوزار غبا # أتراكم أسعفتموه لقاء ... أم تراه عن بابكم بان صبا PageV01P098 فأعرض عن ~~وجهها الحسن، ms161 ونكب عن قصدها تنكيب الجفن المهجور عن الوسن، فعجبت من الجفا، ~~وتعذر الوفا، ثم أعاد نظره فعاد إلى بذل الفضل والخلوص والصفا، فرسم لي خطه ~~بالإجازة، ووسمني بسمة السماع وإجازة الإجازة، ومما سمعت عليه جميع الجزء ~~المنتقى من كتاب فضل الخيل وما يستحب وما يكره من ألوانها وشياتها، وما جاء ~~في كراهية أكل لحومها وإباحتها وما ورد في سباقها وسهامها وصدقاتها، تأليف ~~الحافظ شرف الدين أبي محمد عبد المومن ابن خلف بن أبي الحسن الدمياطي ~~انتقاء الفقيه الفاضل تقي الدين أبي المعالي محمد بن جمال الدين رافع بن ~~محمد السلاحي بسماعه هو لجميع كتاب فضل الخيل المنتفي فيه هذا الجزء على ~~مؤلفه شرف الدين الدمياطي المذكور في شعبان خمس وتسعين وستمائة بالمدرسة ~~الظاهرية من القاهرة المعزية ومن أشياخه المجيزين له بالفتيا والتدريس على ~~مذهب مالك رضي الله عنه قاضي القضاة ناصر الدين بن الأنباري وغيره، وأخذ ~~علم العربية عن الشيخين الإمامين الدينيين أبي عبد الله محمد بن عبد الله ~~النحوي الشهير بحافي رأسه، وبهاء الدين أبي عبد لله محمد بن النحاس الحلبي، ~~وأجازه كل واحد منهما بإقراء فن العربية وسمع الحديث من جماعة منهم الحافظ ~~شرف الدين الدمياطي المذكور وقاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن مجد ~~الدين أبي الحسن الشهير بابن دقيق العيد وغيرهما، وأجازه كل واحد منهم ~~إجازة تامة مطلقة عامة، وسمع على الشيخ عبد النصير المريوطي بعض مقامات ~~الحريري وحدثه بها عن أبي عماد عن ابن النفور عن الحريري وقد سمعت بعضها ~~عليه، وبعض كتاب مسلم ابن الحجاج وبعض كب التهذيب للبرادعي وبعض كتاب ~~الجزولية في النحو وبعض كتاب الفصيح لأبي العباس ثعلب كل ذلك تفقها مع غير ~~ذلك من الكتب وأجازني جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة وكتب لي بخطه ومولده ~~في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، )ومنهم( العلم الذي بأنواره الاهتداء ~~والعالم الذي بآثاره الاقتداء، الشيخ المحدث الحافظ معين الدين أبو عبد ~~الله محمد بن جمال الدين أبي العباس احمد بن فتوح ابن أبي ms162 الذكر المصغوني ~~الشافعي رضي الله عنه هذا رجل جليل، له فضل جزيل، وفعل جميل، وعقل نبيل، ~~وطول حفيل، وعلم فضيل، وحسب أصيل، ومحاسن لم يحوها من العباد إلا قليل، فإن ~~ذكر كرم المنصب وشرف المحتد كانت شجرته المصغونية في قرارة المجد والعلاء، ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأن وصف حسن الخلق والخلق فله طلعة كالشمس ~~على وجه الأرض وأخلاق خلقن من الكرم المحض، وشيم تشام منها بارقة المجد ~~وتنم عليها خمائل الروض، وإن مدح التواضع وبعد الهمة ضربنا به المثل، ~~وتمثلنا همة على هامة زحل، وأما سائر آلات الفضل وأدوات الخير، وخصال المجد ~~وفنون العلم؟ فقد قسم الله تعالى له منها ما يباري الشمس ظهورا ويجاري ~~القطر وفورا ولله هو إذا خاض في عجائب علم التحديث، وسلك طرقها بالباع ~~المديد، والسير الحثيث وأخذ في التعديل والتجريح، وجذب أهداب الآداب والنحو ~~والتاريخ فهناك تزخر بحار العلوم، وتذخر جواهر المنثور والمنظوم، ويجتمع ~~الحسن برمته والإحسان بكليته، وتضيق المجالس عن الجلوس، وتتسع أقدام ~~الأقلام في سطور الطروس، صيغ من أشرف الجواهر وردي رداء المحامد وبوئ ببوحة ~~الكمالات فلا غرو أن بدا التأخر للمتقدم وغدا العالم في صورة المتعلم: # وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد PageV01P099 ارتحل في طلب ~~العلم شابا ما أحكمت يده عقد الإزار، ولا سما فأدرك خمسة الأشبار، ثم آب ~~وقد حمد إيابه، وأجزل ثوابه، ونفع به في طلبته وصحابه، فهو اليوم رحلة ~~الزمان وخليفة ابن النعمان والإمام الذي علقت به الأماني فأصبحت في الأمان، ~~مجالسه زينها الصدق وحسنها الحق، وأحبها الخالق والخلق، فنورها يعلو على ~~النسرين، ويرغب في خير الدارين، وان مشائخه لتزيد على الألفين، حقا أقول ~~أنه الآية الله في الأرض، وما فهمت من محاسنه إلا ببعض البعض، فالغلو فيه ~~القليل، والخلو منه ساعة خمول، فما انتجاع الخمائل في أبرديه، ولا اجتماع ~~الفضائل إلا من برديه ولا العلياء إلا في مخبره ومنظره، ولا الدنيا إلا بين ~~مبدأه ومحتضره، ولا العز إلا التعلق بأذياله، ولا الأمن إلا التفئ بظلاله، ms163 ~~وردت ذلك الثغر لا رشف ريقه، وأكشف فريقه، وقد رافقني البين، وفارقني ~~الغبن، وأصابتني العين، فتلقاني رضي الله عنه بمحيا حيى، وصافحني براحة ~~أريحى، وعاملني ببرصفى، وبشر حفى: # فبشرت آمالي بشخص هو الورى ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر # ومكثت زمانا تحت أفضاله، وواسع نواله، فلما دخل شهر رمضان ضاعفر في ~~المعونة وخفف على المئونة، وأفاض على وعلى من لدي عوارفه فيضا، وأوجب ذلك ~~على نفسه الكريمة سنة وفرضا، حتى رحلت مسافرا من عنده، وحينئذ بنت برغم ~~مكارمه عن رفده، وقد تحصل لي عليه ما بين قراءة وسماع ما ينيف على المائة ~~تأليف جلها بل كلها منقولة بخط يدي من أصوله لعتيقة مصححة عليه على ما ~~تقتضيه إمامته في تلك الطريقة، وأجازني غير ما مرة وكتب لي في غير ما موضع ~~بخطه، ومن جملة ما سمعته عليه جميع القصيدة اللامية الشاطبية المسماة بحرز ~~الأماني وحدثني بها عن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن احمد بن عبد ~~الرحمن الكندي سماعا من لفظه بسماعه من الشيخ أبي الحسن علي بن شجاع بن ~~سالم العباس الهاشمي حدثه بها عن ناظمها أبي القاسم الشاطبي سماعا وقراءة، ~~ومما سمعت عليه بلفظه جميع الأربعين حديثا تخريج قاضي القضاة تقي الدين أبو ~~الفتح محمد المشتهر بابن دقيق العيد. بإجازته منه إن لم تكن سماعا وجميع ~~الأربعين البلدانية السلفية وحديث الرحمة المسلسل بشرطه، وجميع مسند حديث ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وجميع العمدة في الحديث تأليف أبي محمد ~~عبد الغني بن سرور المقدسي رحمه الله وجميع الأربعين حديثا على مذهب ~~المحققين من المتصوفة جمع الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن ~~إسحاق رحمه الله ثم قرأت جميعها عليه بلفظي مرة ثانية قراءة تصحيح وكذلك ~~قرأت عليه بلفظي مرتين جميع الأربعين السباعيات المخرجة من سماع الشيخ رضي ~~الدين أبي المعالي عبد المنعم ابن عبد الله الفراوي النيسابوري وقرأت عليه ~~بلفظي مرتين ثنتين كذلك جميع ثلاثيات الإمام أبي عبد الله البخاري رضي الله ~~عنه ms164 وقرأها هو وسمعها على جماعة منهم الشريف تاج الدين أبو الحسين علي بن ~~احمد الحسيني القرافي قرأها عليه بلفظه وقد تقدم سنده فيها آنفا وقرأت ~~وسمعت عليه غير ذلك مما قد استوفيته في برنامج روايتي، وأخبرني أبي عبيد ~~الله المهدي كان أديبا شاعرا وجال في البلاد بعد قتل أبيه ودارت عليه صروف ~~الدهر، واضطر إلى الاستجداء بالشعر حتى مدح الوزير ابن عطاف وكيل أبيه ~~بقصيدة منها: # أقول لا مالي ستبلغ أن بدا ... محيا ابن عطاف ونعم المؤمل # فقالت دعوني كل يوم تعلل ... فقلت لها أن لاح يفنى التعلل # فتغافل عنه فكتب إليه: # أيها المكن من قدرته ... لا يراك الله إلا محسنا # إنما المرء بما قدمه ... فتخير بين ذم وثنا # لا تكن بالدهر غرا وإذا ... كنت فانظر فعله في ملكنا # مد كفا نحو كف طالما ... أمطرت منها السحاب الهتنا # أوارحني بجواب مؤيس ... فمطال النفس من شر العنا PageV01P100 فقال صاعقة ~~لم يرسلها الله إلا على، ثم قال لوكيله أدفع إليه خمسة عشر درهما. فقال: يا ~~سيدي ما لهذا القدر رونق، أما عشرة أو عشرين، فقال: أدفع إليه عشرة فقال له ~~الوكيل ما قلت لك هذا إلا لتطلع همتك ولا يكون كلامي شرفا على الرجل فقال: ~~يا هذا دع الفضول فغنما أنت وكيل لا مشير فقال فارجع إلى الحال الأول فحرد ~~وحلف إلا يعطيه شيئا فتحيل الوكيل في خمسين درهما، ودفعها إلى عبيد الله ~~فسمع ذلك ابن عطاف فقال له: من أنت في الكلاب حتى تعطي خمسين كأنك معن بن ~~زائدة أو جعفر البرمكي مثلك لا يستخدم فصرفه فقدر الله موت الوزير فتزوج ~~الوكيل زوجته وسكن داره فقال في ذلك عبيد الله شعرا أوله: # أيا دار قولي أين ساكنك الذي ... أبى يومه أن يترك الشكر خالدا # وأضحى وكيل كان يأنف فعله ... نزيلك في الحوض الممنع واردا # فقلت: أين هذا من مالك بن طوق رحمه الله عليه فإنه كان جالسا في بهو مطل ~~على رحبة ومعه جلساؤه إذ أقبل أعرابي نخب به ناقته فقال: ms165 إياي أراد ونحوي ~~قصد، لعل معه أدبا ينتفع به ثم أمر حاجبه بإدخاله فلما مثل بين يديه قال ما ~~أقدمك يا أعرابي قال: المل في سيب الأمير والرجاء في نائله، قال: فهل قدمت ~~أمام غرضك وسيلة، قال: نعم أربعة أبيات قلتها نظما، قال: فهل لك أن تنشدنا ~~أبياتك ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك وإلا فقد ~~نلت مرادك وربحت علينا، قال: قد رضيت: # وما زلت أخشى الدهر حتى تعلقت ... يداي بمن لا يتقي الدهر صاحبه # فلما رءاني الدهر تحت جناحه ... رأى مرقا صعبا منيعا مطالبه # رءاني بحيث النجم في رأس باذخ ... يظل الوري أكنافه وجوانبه # فتى كسماء الغيث والناس حوله ... إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه # قال ظفرنا بك يا أعرابي، والله ما قيمتها إلا عشرة آلاف درهم قال: فإن لي ~~صاحبا شاركته فيها ما أراه يرضى ببيعتي، قال: أترى حدثت نفسك بالنكث، قال: ~~نعم، وجدت النكث في البيع أسهل من خيانة الشريك فأمر له بها وأخبرني، قال: ~~دخل المظفر الأعمى على الملك الكامل فقال له الملك نصف هذا البيت: وأنشد ~~بديها: قد بلغ الشوق منتهاه. # فقال المظفر: وما درى العاذلون ما هو؟ فقال الملك: وغنما غرهم دخولي. # فقال المظفر: فيه فهاموا به وتاهوا. # فقال الملك: ولي حبيب رأى هواني فقال المظفر: وما تغيرت عن هواه فقال ~~الملك: رياضة النفس في احتمالي فقال المظفر: وروضة الحسن في حلاه فقال ~~الملك: أسمر لدن القوام ألمي فقال المظفر: يعشقه كل من يراه فقال الملك: ~~ريقته كلها مدام فقال المظفر: ختامها المسك من لماه فقال الملك: ليلته كلها ~~رقاد فقال المظفر: وليلتي كلها انتباه فقال الملك: وما عسى من يهين عبدا ~~فقال المظفر: بالملك الكامل احتماه. # وكانت بيد الملك رقعة يكتب فيها كل ما نظمناه فرمى بها تجنبا أن يكتب ~~مدحه بيده، ثم زاد المظفر بعد ذلك وأخبرني قال: أخبرني أبو عبد الله محمد ~~بن حماد القطان التونسي قدم علينا حاجا قال: حدثني الشيخ أبو محمد ~~المغرياني، قال: لما ms166 جئت برسم الحج إلى الديار المصرية تعرفت بشيخ من ~~المتصفة، فقال لي: أريد أن أجمع بينك وبين الأمير ابن يغمور فأجبته: إلى ~~ذلك فجئنا إليه وهو في بستان فاستأذنا فأذن إلينا، وأمرنا بالجلوس، فجلسنا ~~وبين يديه مملوك صغير حسن الصورة، ومماليك أخرى بين يديه. . . وبين يديه ~~محبرة، فقال له الشيخ عني، هذا الرجل أديب فاضل يقول الشعر فسر بذلك وأخذ ~~غرارة وكتب فيها من نظمه: # لاح بدرا وتثنى غصنا ... فحكى الشمس سناء وسنا # ثم نادى الحسن هل من عاشق. . . ثم قال لي: أجز هذا البيت فارتج على ~~زمانا، إذ دخل نوتي من المركب فقال لبيك، فألهمني كلامه فقلت: )فأجاب القلب ~~لبيك أنا. . .( فاستحسن ذلك ووصلني، وأخبرني قال صنع بعض الفضلاء ببغداد ~~طعاما ودعا إليه الناس فأجابوا دعوته وكان في جملتهم أبو العباس المبرد ~~فلما فرغوا من أكلهم دعا رب المنزل جارية له خلف ستر، وقال لها: اسمعينا ~~شيئا فقالت: # وقالوا لها هذا حبيبك معرض ... فقالت ألا أعراضه أيسر الخطب # فما هو إلا نظرة بتبسم ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب PageV01P101 فقام كل ~~من كان في المجلس وطابوا بأجمعهم وداروا إلا أبا العباس فلم يقم ولم يتحرك. ~~فقال له رب المنزل: لم لم تقم، فقالت الجارية: دعه يا سيدي إنما لم يقم ~~لأنه ظن أني لحنت في قولي، هذا حبيبك معرض، ولم يعلم أن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه قرأ وهذا بعلي شيخا فقام فطرب حينئذ أبو العباس وطاب، وقام ~~ودار حتى شق ثوبه )وأخبرني( قال حضر ابن حجاج البغدادي وليمة فتأخر الطعام ~~فكتب لصاحبها: # يا ذاهبا في داره جائيا ... لغير معنى وبلا فائدة # قد جن أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة # وجميع ما أنشدني من القصائد والمقطوعات يحتمل سفرين كبيرين، وقد تقيد لي ~~جميع ذلك في غير هذا بخطى وبخطه رضي الله عنه فما لخصت منه هنا ما أنشدنيه ~~لمهلل الدمياطي: # يا بانة الرمل هل مرت بك الإبل ... وساحة الشيح هل حطت بك الكلل # ويا عرب النقى هل للقا ms167 أمد ... ويقتضي بحماكم ذلك الأمل # رحلتم بفؤادي يوم رحلتكم ... وبين جنبي قد حلت لكم حلل # وحقكم ويمين الحب صادقة ... قلبي بغير هواكم ليس يشتغل # يا سائق البدن بالبطحاء فقف نفسا ... لعل عيني بحسن القوم تكتحل # بدر تمام من الأكوان مطلعها ... في القلب والطرف قد حلوا وقد نزلوا # يا للرجال عسى خل يعين فتى ... حلف الغرام رمته الأعين النجل # قد دار بالوجد حتى شاب مفرقه ... ومارس الحب حتى جاءه الأجل # وأنشدني لتاج الدين السرخدي: # تأنوا ففي طي النسيم رسائل ... وميلوا فإن البان بالسفح مائل # وما مال إلا للسؤال ... حديث هوى فاستحدثوه وسائلوا # روى خبرا عن بان نعمان مرسلا ... وأسند عنه ما حكته الشمائل # خذوا عن يمين البان قد بلغ الهوى ... أواخر لم يدرك لهن أوائل # وقصوا غرامي للنسيم فإنه ... غريمي إذا ما هيجتني البلابل # وميلوا إلى رمل الحماعل سربه ... تلاحظكم غزلانه وتغازل # وإن سؤالي للنسيم علالة ... كما أن دمعي للمنازل سائل # وأنشدني لعلي بن مسعود الحلبي المعروف بالذهبي وهو من شعراء الملك ~~الناصر: # إلى كم تراني يا خليا من الوجد ... وتعرض عن بثي وتخلف لي وعدي # وكم فيك جرعت الهوان بمنزل ... علمت به أن المنازل لا تجدي # أعيد وأبدي ما أحس من الهوى ... على رسم دار ما يعيد وما يبدي # وبرق تراءى من تهامة موهنا ... فأوهمني قرب المزار على بعد # سرى خافقا من أيمن الغور مهديا ... إلى الماء والجمر المضرم في نجد # وأضحى على وادي الأراك مخيما ... يلوح ويخفى مثل حاشية البرد # لك الله يا برق الغضا، أن للغضا ... بقلبي ما للنار من مهجة الزند # وأنشدني لكافور بن عبد الله الخصي خادم روضة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهي قصيدة طويلة: # أولها: وحق الهوى ما هبت الريح من نجد ... على كبدي إلا تلوت من الوجد # وإن لاح برق من ثنية لعلع ... ذكرت به برق الثنية من هند # هلالية تحكي بوجهها ... إذا لاح في ليل من الفاحم الجعد # على أنني ما زلت منذ علقتها ... على حالة مذمومة العهد من عهد # فأما على ms168 شوق يتاح إلى الثوى ... وأما على وصل ينغص بالصد # أردية الخدين من ترف الصبا ... ويا بنت ذي الأقدام بالفرس الورد # صلي واغنمي شكرا فلا وردة الربا ... تدوم لجانيها ولا وردة الخد # خليلي أن الصدر ضاق عن الجوى ... فلا تعذلاني واتركا النار في الزند # وأنشدني للشريف بن الجلاوي الموصلي: # حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلا وجنتاه وريقه # هلال ولكن أفق قلبي محله ... غزال ولكن سفح عيني عقيقه # على خده جمر من الحسن مضرم ... يشب ولكن في الفؤاد حريقه # على مثله يستحسن هتكه ... وفي حبه يجفو الصديق صديقه # أحن إليه كل حين صبابة ... وقد سد من بعد المزار طريقه # وأشتاق أكناف الحماحين حله ... ومن ذا الذي ذكر الحما لا يشوقه # وأنشدني لأبي مختيار الأبله البغدادي المشهور برقة القول في الغراميات: # بأي لسان للوشاة آلام ... وقد علموا أني سهرت وناموا PageV01P102 أهيم ~~وما أظهرت في الحب بدعة ... ولو أنهم ذاقوا الغرام لهاموا # هل العشق إلا لوعة في جوانحي ... تنم عليها أنه وغرام # ألام على حبي وهو مبرح ... وأكبر حب في هواك ملام # أيستكثرون الوصل لي منك ساعة ... وقد مر عام للصدود وعام # وأنشدني قال أنشد أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري لمحمد بن أبي ~~أمية: # مل الوصال فعاد بالهجر ... وتكلمت عيناه بالغدر # وظللت محزونا أفكر في ... إعراضه عني وفي صبري # ما نلت منه في مودته ... يوما أسر به مع الدهر # في كل موضع لذة حزن ... يغتاله من حيث لا ندري # وأنشدني قال أنشد أبو محمد بن القاسم الأنباري لخالد الكاتب: # قد القضيب حكى رشاقة قده ... والورد يحسد وردة في خده # والشمس جوهر نورها من نوره ... والبدر أسعد سعده من سعده # خشف أرق من الحياء بهاؤه ... ومن الفرند المحض في أفرنده # لو مكنت عيناك من وجناته ... لرأيت وجهك في صفيحة خده # )ومنهم( الأثير النايل، الكثير الفضائل، الشيخ الإمام، القدوة تاج الدين ~~أبو محمد عبد الوهاب بن هبة الله بن احمد المقدسي الأنصاري الشافعي نفع ~~الله تعالى به، ذو الرياسة العلية والسياسة ms169 العلمية، والمراتب السنية ~~والمناقب السرية والهمم البعيدة الزكية، والشيم الرضية المرضية وأفضل ~~الفضلاء بقطر الإسكندرية من رجل انتهى إليه العلم ووقف عليه العقل واختصه ~~الكرم، وبعد له الصيت ووسمه الصدق وعظمه العالم وخلقته العبادة، وأدبه ~~التواضع، وارتضاه التصوف ووسعته السنة وأحبته الأمة، وجرت على يديه النعمة، ~~بسيط الكف رحب الصدر موطأ الأكناف سهل الخلق، كريم الطباع غيث مغيث وبحر ~~زخور، ضحوك السن بشير الوجه، بادي القبول، يستقبلك بطلاقة ويخبرك ببشر، ~~ويستدبرك بكرم غيب وجميل، نشر، ريان من العقل، خميص من الجهل، وراجح العلم، ~~ثاقب الرأي، طيب الخلق محض )كذا( الظرفية، كاس من كل مكرمة، عار من كل ~~ملامة، إن سئل بل، وإن قال فعل، فلم يحو فضله العصر، ولم يبد مثله ذلك ~~الصفع، وذلك القطر، ولما درت له درر أخلاق التوفيق فشرب ريه، وهبت له نسمات ~~الإرشاد، فتنسمها ذكية عنبرية، والتاحت له شمس المعارف، فالتمحها بيضاء ~~نقية، ودعته المعالي لنفسها فأسرع إجابة دعوتها المعنوية إذ لا نطقية، ~~اصطفته الخطة الشرعية، وارتضته إلا مرة القاضوية، فهو رئيس كتابها ومنشئ ~~شروطها وآدابها، ومفتي مشكلها وإعرابها، والعارف بنقضها وإبامها، والعاكف ~~على تنقير نوازلها، وتنفيذ أحكامها ومع سمو قدره ونفوذ نهيه وأمره، فالناس ~~منصفون في سبقه، ومعترفون ببخس حقه، عارفون بما يجب لعلمه وفضله وحذقه، ~~لقيته بمنزله من الإسكندرية لآخذ عنه واستفيد منه فأراني من فضله ما أتى ~~بخرق العوائد وأتحفني بأعظم التحف وأكبر الفوائد: # لقد كان لي روضة عذبة ... مواردها في فم الصادر # أقلب طرفي بأرجائها ... فيرتع في مونق زاهر # وقد تحصل لي بخط يده البارع جملة تفتخر المهارق بها افتخارا وتطلع في أفق ~~الطروس ليلا ونهارا فإنه: # تبث يمناه زهرا في الطروس ولا ... نكر على السحب أن بنبتن أزهارا # خط هو السحر لكنا ننزهه ... ونجعل القلم النفاث سحارا # ومما قرأته عليه بلفظي كتاب عيون الحقائق تأليف شيخه العالم الكبير ~~الشهير الولي لله تعالى أبي سليمان داود الشاذلي نفع الله ببركته وهو ديوان ~~عجيب من أحسن ما جمع في علم التصوف ومن أصل ms170 شيخي الذي بخطه البارع نقلت ~~أصلي منه ومعه قابلته وعليه صححته، حدثني به عنه قراءة عليه ومما أسمعني من ~~لفظه جميع الجزء الذي ألفه في الطريقة الصوفية فأبدع فيه تأليفا وإنشاء ~~واطلع منه كواكب العجائب تشرق صباحا وتروق عشاء، وجميع الأحاديث الأربعينية ~~البلدانية السلفية بحق قراءته لجميعها على الشيخ المحدث محي الدين أبي ~~القاسم عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن بن جماعة بسماعه لها على الشيخ ~~أبي الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني نقلا بسماعه لها من مخرجها ~~الحافظ أبي الطاهر احمد بن محمد السلفي رحمه الله وقد سمعت عليه أجزاء ~~كثيرة وأحاديث مسلسلة عديدة منها حديث الرحمة المسلسل بشرطه وأجازني وكتب ~~لي بخطه وأخبرني وقال: PageV01P103 أخبرني الفقيه العالم أبو بكر الأذفري ~~قال: أخبرني الفقيه حرب من أهل دمشق قال: شخص من الفقراء لإخوانه أحب اليوم ~~أن نجتمع وأغني لكم قال فاجتمعوا فغنى لهم: # سلي نجوم الدجى يا طلعة القمر ... عن مدمعي كيف يدمي فيك بالسهر # أيه بعيشك ماذا أنت صانعة ... من الجميل فهذا آخر العمر # ثم شهق ومات رحمه الله تعالى، وأخبرني أبو بكر المذكور عن القاضي شمس ~~الدين بن القماح قال: سمعت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يذكر في مجلس ~~درسه بجامع ابن طولون أنه حضر سماعا وكان هناك فقير فغنى مغن من أبيات ابن ~~الخياط: # خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه # وأيا كما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الموت أيسر خطبه # أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا وخوفا أن تكون لحبه # وفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه # قال فقال الفقير لبيك ورفع رأسه فإذا هو ميت. # )ومنهم( مفتي الإسلام، فخر الأنام، الشيخ الإمام فخر الدين أبو العباس ~~احمد بن محمد بن أبي الفضل بن عاصم الذي له الكرامات الظاهرة، والآيات ~~الزاهرة، والمجاهدة الوافرة، والبيت الذي بالصلاح مشهور، وبالرياسة في ~~التقدم على الصوفية مذكور، فهو شيخ الطريقة، ومعدن الحقيقة نشأ مذ كان ms171 على ~~الطرائق العلمية الملية وتربى في حجر الحماية بعين الولاية لما سبق له من ~~الرعاية بالعناية الأنعامية، وحباه سبحانه بأن ألهم هممه العلية للاهتمام ~~بالعزلة والفراغ عن الشواغل الدنيوية، ومنحه بصدق المجاهدة ومراتب ~~المراقبة، ومشاهد المشاهدة ما منحه من مواهبه العرفانية، وخصائصه ~~الإحسانية، فلم يزل يتقلب في أطوار العبادة، ويصحب أهل الفضائل ويلازمهم ~~للإفادة والاستفادة، مترقيا إلى أفلاكهم، وفائتا شأو إدراكهم، فحفظ أنواع ~~العلوم الربانية ولحظ أسرار الخطرات الواردة الإلهامية، فظهر عند فنائه في ~~فناء معارجها وبر حين هب عليه نسيم القرب، فتموجت معارف بحارها وبحار ~~معارفها، وأقام يقيم رسوم العلوم الدراسية، بيد أعمال الطاعية، فلاحت في ~~معادن أسراره، ومشارق أنواره، ما شئت من شواهده البرهانية ودلائله ~~الإيمانية، إلى ما حوى من بدائع المواعظ الزهديات وروائع الحكم الأدبيات ~~التي تبرقعت بنور الصباح، وحسن الأوجه الصباح وتخلقت بنشوة الراح، وارتياح ~~الأرواح، فتجلت لها أنوار جلت ظلمات الأفكار الجسمانية، وتبدت لها أسرار ~~محت بقايا الأطوار الروحانية: # فما سريان الراح في روح وامق ... بأنفس منها في نفوس وعاتها # سقانا بها حتى سكرنا مدامة ... فكيف لنا بالصحو من نشواتها # فهاهو واحد زمانه وفريد أوانه، وواسطة نظام العقد الذي تجلى بلؤلؤه ~~ومرجانه، وشاع وذاع فملأ القلوب والأبصار والأسماع، بما راق وراع، من ~~فوائده البيانية، وفرائده التبيانية وعوائده الدنيوية والأخروية، قد صفا من ~~الكدر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر، وفاق رجال ~~الأمصار والآفاق من البلاد الإسكندرية والمصرية والشامية، لقيته بمدينة ~~الإسكندرية فقرأت وسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في تآليف عديدة منها جميع الجزء المسمى بالمجالس الثلاثة من امالي الحافظ ~~أبي الحسن علي بن الفضل بن علي المقدسي رضي الله عنه بسماعه لجميع الجزء في ~~سنة أربع وثمانين وستمائة على الشيخ شرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد ~~الخالق القرشي بسماعه لجميعه من مخرجه المقدسي، وقرأت وسمعت عليه غير ذلك ~~من الكتب والأجزاء والأحاديث المسلسلة وغيرها مما قد استوفيته في برنامج ~~روايتي، وأجازني الإجازة التامة المطلقة ms172 العامة، وكتب لي بخطه وأخذت عنه في ~~التصوف تآليف عديدة نقلت منها هنا ما نصه: PageV01P104 أما الصوفي فهو ~~العالم بما لابد في أعمال الطاعة منه، المقبل على الله بوجهه كله المتجرد ~~عن نفسه القائم في شيء بإرادة ربه، سمعت شيخنا الإمام قطب الوقت شهاب الدين ~~أبا عبد الله عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد السهروردي رضي الله عنه ~~يقول: من عمل ولم يعلم كان كمن يبذر في السباخ، ومن علم لم يعمل كان علمه ~~ضائعا، وأما الفقير فهو المقبل على الله تعالى بوجهه المتمكن من تربية ~~ظاهرة وباطنة بصريح العلم الذي لا تفاوت في معاملته بين خلوته وجلوته، ~~المتطلع بترك المال والجاه إلى ما تحقق عند الله من العوض في المئال، قال ~~فارس رضي الله عنه: قلت لبعض الفقراء رضي الله عنه ورأيت عليه أثر الجوع ~~ألا تسأل قال: أخاف أن أرد فلا يفلح الراد، وقال محمد بن ياسين: سألت ابن ~~الجلاب رضي الله عنهما عن الفقر فذهب ثم رجع فقال: كانت عندي أربعة دوانق ~~فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر وهي عندي فذهبت حتى أخرجتها، ثم تكلم، ~~وهذا يظهر الغنى في الفقر، وقال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه إظهار ~~الغنى في الفقر أحب إلينا من الفقر، وأن يكون العطاء أحب إلينا من الأخذ. # والإرادة هي القصد إلى طريق السالكين إلى الله تعالى وهو أول منازلهم ~~والمريد هو القاصد إلى تلك الطريق، وأعلم أن الخرقة خرقتان خرقة تبرك وخرقة ~~إرادة، ولخرقة التبرك حقوق، منها لا يمنع طالبها ولا يرد مع صحة القصد ~~خاطبها وأن يلقاها بالقبول، ويرجو ببركتها الوصول إلى أهلية خرقة الإرادة، ~~وأن يجالس إلى أهلية خرقة الإرادة، وان يجالس هذه الطائفة متشبها بهم ~~متزييا بزيهم متأدبا بآدابهم ناظرا إلى سيرهم وأحوالهم، متعرفا بذلك عوارف ~~بركاتهم، ولها شروط منها ما هو شرط في صحة لباسها ومنها ما هو شرط في دوام ~~حكمها، أما الشرط الأول، فهو الأيمان بطريق القوم، قال شيخنا رضي الله عنه ms173 ~~الأيمان بطريق الصوفية أصل كبير، وذكر قول الجنيد الأيمان بطريقنا هذه ~~ولاية فقال وجه ذلك هو أن الصوفية تميزوا بأحوال عزيزة وآثار مستعذبة عند ~~أكثر الخلق لأنهم مكاشفون بالقدر وغرائب العلوم، وإشارتهم إلى عظيم أمر ~~الله والقرب منه، و)الأيمان بذلك أيمان بالقدرة، ولهم علوم من هذا القبيل، ~~ومن أهل الملة من أنكر الكرامات فلن يومن بطريقهم إلا من خصه لله بمزيد ~~عنايته، الشرط الثاني سلوك الطريق التي لا تتوجه على سالكها من حاكمي العقل ~~والنقل لوم فإن عصوك فقل أني بريء مما تعلمون فإذا حرك لابسها بحركة تنافي ~~طريق القوم متعمدا لذلك مصرا عليه غير مجيب إلى الرجوع عنه تنزع خرقة ~~المشايخ عنه، ويصان حريم احترامها عنه، فإنها محترمة شريفة مكرمة، لأنها ~~شعائر المقربين، وحلية الأبرار المتقين، قال إبراهيم بن شيبان رضي الله عنه ~~كنا لا نصاحب من يقول نعلي، وقال أبو احمد بن القلانسي رضي الله عنه دخلت ~~على قوم من الفقراء يوما بالبصرة فأكرموني فقلت يوما لبعضهم أين إزاري ~~فسقطت من أعينهم، ودخل الرود باري رضي الله عنه يوما دار بعض أصحابه فوجده ~~غائبا وباب بيته مغلق فقال صوفي وله باب مغلق، فكسر وأنفذ جميع ما وجده فيه ~~إلى السوق، فدخل صاحب المنزل ولم يقل شيئا، ودخلت امرأته رمت بكساء كان ~~عليها وقالت بيعوه فهو من بقية المتاع وقالت مثل هذا الشيخ يباسطنا ويحكم ~~علينا وندخر شيئا عنه، ومن آدابها أن يصلي لابسها عقب إلباسها ركعتي القدوم ~~بالإجماع من سفر الغفلة لى وطن الوصلة، ثم يقبل على تقبيل يد الشيخ على ~~عادة دخول الرياضات في تقديم صلاة القدوم على صلاة التسليم، ومن فوائدها أن ~~ببركتها تلوح للابسها إشراك الفتى فيحذرها ويعلم أن النكير يشتد عليه من كل ~~طائفة فينكرها، وإن بدا منه اضطراب في شيء من ذلك فذلك لأنه: # ضاق بحمل العذار ذرعا ... كالمهر لا يعرف اللجاما # وأنشدني رضي الله عنه لطاهر بن حسن المخزومي: # ليس التصوف أن يلاقيك لفتى ... وعليه من نسج المسوح مرقع # بطرائق بيض سود ms174 لفقت ... فكأنه غيها غراب أبقع # أن التصوف ملبس متعارف ... يخشى الفتى فيه الالاه ويخشع # وأنشدني أيضا لغيره: # ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ... ولا بكاؤك أن غنى المغنونا # ولا صياح ولا رقص ولا طرب ... ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا # بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدنيا PageV01P105 ~~وأن ترى خاشعا لله مكتئبا ... على ذنوبك طوال الدهر محزونا # )ومنهم( لغمر الديم، الغر الشيم، الشيخ العالم الأصيل جمال الدين أبو عبد ~~الله محمد بن شرف الدين محمد بن المنير. له البيت الذي نمى على قواعد ~~الأديان الصحيحة، وسمى على عمد الأعمال الصالحة والأنساب الصريحة، والعلم ~~الذي أنارت ثواقب مفاخره ومآثره في أقطار الآفاق وآفاق الأقطار، وطارت ~~مناقب نزاهته وعدالته في الخافقين كل مطار وانتظمت أسلاك أصالته في أجياد ~~الأسطار وهمت سحائب كرمه على الداني والقاصي كالغيث الواكف المدرار. وسرت ~~أمثال علمه سرى نسمات باسمات الأزهار. وبهرت صفات شخصه النفيس الجوهر ~~المطهر المحتد الكريم لعنصر المشرق الأنوار، واستدار فلك مجده على قطبي ~~العلم والدين وأسخار قمر هديه أشرق من الصبح المبين، فسما في العلم علما ~~راسخ القواعد، مشار إليه من كل غائب وشاهد، آونة للصلة وأونة للعائد، ~~مشاورا في نوازل الديانات، مسفتي في عوارض غوامض القضايا المشكلات تصطفيه ~~الرتب العلية السنية، وتتنافس فيه الخطط لشرعية السنية، فطورا مقدما في ~~أندية الوزراء والأعيان، وتارة صدرا في قضاة العدل والإحسان، حتى اعترف ~~بإرشاده الخاص والعام، واغترف من بحر إرفاده الراوي والظام، فما من جار في ~~تحصيل مرام إلا عليه اعتمد، وما من سار على سبيل اعتصام إلا بدليله اسنرشد: # خلاله عن طريق المجد حاسده ... ومن يساجل صوب العارض الهطل # علم وحلم ورأي محصف وندي ... سبحان جامع هذا الفضل في رجل # لقيته بمنزله من الإسكندرية فسمعت عليه أكثر تآليف عمه العالم الكبير قضي ~~قضاة الإسكندرية ناصر الدين أبي العباس احمد بن محمد المنير رحمه الله، ~~ومنها الأرجوزة الكبرى التي فسر فيها القرآن العظيم، وتأليفه المفيد الذي ~~فسر فيه راجم أبواب صحيح البخاري رضي الله ms175 عنه، وجزء فيه أحكام السماع ~~بشروطه، وغيرها من تآليفه، وحدثني بها عنه سماعا عليه وسمعت عليه غير ذلك ~~وأجازني وكتب لي بخطه وأنشدني من شعر عمه المذكور جملة مقطوعات حكيمات ~~وزهديات، قيدتها في غير هذا وأنشدني له كذلك الشيخ العالم الأوحد مفتي ~~المسلمين عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن نور الدين بي عبد الله محمد بن ~~حباسة وقال أنشد فيهما غير ما مرة ناظمهما قاضي القضاة ناصر الدين المذكور ~~يمدح والدي نور الدين رحمهما لله تعالى: # يا نور أوصافك الغراء كالحبك ... ووجهك البدر بدر التم في الفلك # عليك نور بهي لا خفاء به ... نور العفاف ونور الدين والنسك # وذكر لي الشيخ عز الدين المذكور قال ولى نصر الدين بن المنير هذا القضاء ~~بالإسكندرية وهو ابن خس وثلاثين سنة وكان مشائخه من نوابه رحمة الله عليه، ~~ومنهم العظيم القدر المشروح الصدر الشيخ المحدث العدل، صدر الدين أبو عبد ~~الله محمد بن الشيخ الإمام الكبير محيي الدين أبي عبد الله الزماتي المالكي ~~الشهير بأبي حافي رأسه، نوع آخر منه، وفرع من أصل يقصر الوصاف عنه، فإن ~~والده محيي الدين، من كبار الأئمة المهتدين، وهو الذي أحيا لسان العرب وعلم ~~العربية في الديار المصرية والإسكندرية ثم تولد هذا الفرع عن ذلك الأصل، ~~وتخلد نسخة ثانية من الفضل: # وحسبكم مجدا أثيلا مكارم ... جسام تلافيها العقيب عقيب # حووها على مر الليالي وراثة ... تشابه فيها منجب ونجيب PageV01P106 فنجب ~~وأنجب، ساد وشاد، وجاد وأجاد، وأفاد واستفاد، وأقام المتن والإسناد، وععي ~~وعلم، اجتنى ثمر الحكم واجتلى غرر الكلم، إلى تظرف يواجهك بالوجه الوسيم، ~~وتلطف يحادثك محادثة النسيم، وقد تولته السنة الحمد من القاصد والوارد، ~~وأظلته سماء المجد بجمال المشتري ظرف عطارد، فهو درة العصر، ونخبة فضلاء ~~ذلك المصر لقيته بدكانه من الموثقين من الإسكندرية، فسمعت عليه أجزاء عديدة ~~مفيدة، منها جزء فيه المجلس لخامس في فضل صوم المحرم، تخريج الحافظ أبي ~~المظفر منصور بن سليمان بن منصور الهلداني الشافعي بسماعه بجميعه منه، وجزء ~~فيه مقطعات وأبيات والجزء بجميعه ms176 من نظم الإمام العلامة الأديب أبي النصر ~~مظفر بن محاسن بن علي بن نصر الله الذهبي الدمشقي بسماعه عليه وإجازته له، ~~وسمعت عليه غير ذلك وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده ~~سنة ثلاث وستين وستمائة بالإسكندرية وأنشدني لوالده محيي الدين المذكور ~~يرثي بعض الفضلاء رضي الله عنه: # من لمسترشد ببسط البيان ... من لمسترغد ببسط البنان # مات برهان فابكوا وقولوا ... ويح دين خلا من البرهان # عين إنسان دهري كان وتدري ... فقد عين الإنسان للإنسان # و)منهم( الباهر الفصاحة، الطاهر الجناب والساحة الشيخ لفقيه العالم ناصر ~~الدين أبو عبد لله محمد بن الشيخ العالم المصنف المرحوم وجيه الدين أبي بكر ~~بن عبد المنعم ابن علي بن ظافر بن مبادر الشافعي الزبيري من ذرية مولانا ~~الزبير بن العوام رضي الله عنه حبر خير، مقيد مفيد، متقن، متفنن، ناقد ~~نافذ، قد زان العلم بالحلم، والباهة بالنزاهة والذكاء بالزكاء، والرواية ~~بالدراية، فجمع بين العلم والتقييد، واعتلاء الأسانيد إلى دين متين استمسك ~~بعروته الوثقى وزهد جرى منه إلى الأمد الأقصى، وأياد على الأنام لا يجوز أن ~~تكفر، وحسنات حق ذنوب الأيام بها أن تغفر، فاستحق من الثناء ما يستغرق لفظ ~~اللافظ، وارتسم في رتب العلاء بالإمام الحافظ، وأقسم بالرحمن والمثاني ~~والقرآن، انه لفخر الأعيان، وعين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، وأبلغ ~~بني ذبيان، ومن أبي الحسين عند بني حمدان، ونائب ديوان الإنشاء ببغدان، ومع ~~طيب النحيزة وشرف هذه الغريزة، فقد كان له من نفوس الناس محل لفضله، ~~واعتداله وانقباضه عن مظان الاقتحام والتزامه لا جرم أنه حسن الطريقة ~~والسمت، ذو معرفة بموضع الأصابع في النطق والصمت: # إذا ما اجتبى في القوم أو نطق اقتدى ... بحكمته لقمان أو هابه كسرى # لقيته وسمعت منه وقرأت عليه بلفظي جميع كتاب النيسير للحافظ أبي عمرو ~~الداني وحدثني به عن الشيخ الإمام الزاهد العابد شيخ المتصوفين جمال الدين ~~أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الملك الحميري الشاطبي المالكي سماعا ~~منه عليه بجميعه في مجالس آخرها سلخ جمادى ms177 الأولى سنة سبع وستين وستمائة، ~~وحدثه أنه سمعه بمدينه شاطبة جبرها الله تعالى عن الشيخ المعمر المسند ~~المحدث أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي، وسمعه أبو داوود على مصنفة أبي ~~عمرو الداني وحم الله جميعهم، وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه في عام ~~واحد وستين وستمائة وله رطوبة أدب وحلاوة شعر أنشدني لنفسه ملغزا وعنى به ~~القرآن العظيم: # شيء عجيب أمره ... النصف منه عشره # عذب لذيذ مشتهى ... سهل يسيل ذكره # لم يستطيع تفسيره ... إلا عظيم قدره # وما زلت أختلف إليه واقرأ عليه إلى أن اتفق منج جملة المقادير والأسباب ~~أن هيأت لتونس قرقورة الأصحاب فعرض على السفر فيها عرض الركماء، وحضني عليه ~~فأنشدته: # ما أنت نوح فتنجبني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء # ثم رفضت الغربة، وفرضت القربى، والقربة واغتنمت المركب المبارك والصحبة ~~رددت الاستخارة وجددت الاستشارة عزمت على ما عرفت من مكابدة البحور، وركبت ~~أنا وأخي في المركب المذكور فكان ركوبنا بمرسى منار الإسكندرية في عشى عيد ~~الفطر يوم الأربعاء عام ثمانية وثلاثين المذكور وظللنا ليلتنا تلك نقلد ~~ونواسي ونرقع الرقائق والمراسي إلى أن أخذ منا السهر واستبان لنا السحر، ~~وأطلت راية الصباح في أفق الشرق حتى: # كان سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل في الأعين الزرق ~~PageV01P107 وأخذنا نسير ونمور وننجد بين الأمواج ونغور، ونصبح ونمسي ليس ~~إلا السماء والبحور، إلى أن اشتدت علينا الرياح الغربية وتحكمت فينا المياه ~~البحرية فتقهقرنا بسبب ذلك إلى أن أشرفنا على مرسى طبرق من مراسي برقة ~~المشئومة فدخلناه يوم السبت التاسع لذي قعدة من العام المذكور فنزل به من ~~الأصحاب من قدر الله في سفره من البر نزوله ونظمت في ذلك ساعة وصوله ~~ودخوله: # يا ليلة جمعت بمرسى طبرق ... أجلى صباحك عن نوى وتفرق # ألفت بين مفرق ومجمع ... وجمعت بين مغرب ومشرق # ضحك الفراق لنا وقد عبس الدجا ... فبكيت فيه بدمعي المتدفق # قد مزق الإصباح ثوبك مثل ما ... مزقت ثوب الصبر كل ممزق # ورمى سوادك من بياض صباحه ... بمثال ما ms178 صنع الفراق بمفرق # أبدا بحلكته بياضا ناصعا ... فأعاد دهمته شيات الأبلق # وتبسم الزنجي فيه تعجبا ... من قسوة البين الذي لم يرفق # أكثرت يا جفني البكاء لبينهم ... لا تخشى من أقلال دمع أنفق # ولقد رهنت القلب فيهم فانثنوا ... وبقيت رهن صبابة وتشوق # نهضوا وما نفضوا المواثق أن هم ... شرحوا شهور المستهام الموثق # بانوا فيها بان اللوى هل بلغوا ... مني السلام إلى النقاء والأبرق # راحوا فراح تصبري من راحتي ... يا راحتي روحي أمام الأينق # مروا فحلو العيش مر بعدهم ... وحللت حالي مركب أو زورق # وقفوا لتوديعي ففاضت أدمعي ... أسفا وغاضت بالزفير المحرق # ومن العجائب أن دمعي أحمر ... والجفن يسبح في الغدير الأزرق # يا راحلين لأرض أندلس إذا ... جزتم على بان الكثيب المونق # وبدت لكم تلك الربا الخضر التي ... تهدي الشذا من عرفها المستنشق # عوجوا على تلك الديار وقبلوا ... جدرانها بتلطف وتملق # وقفوا هناك على المتيم وقفة ... تذر الهوى في قلب من لم يعشق # وصفوا لذياك الفريق تفرقي ... منكم وتقديري لدمعي المطلق # قولوا تركناه وقد أخذ الهوى ... منه اعتداء أخذ من لم يشفق # وعلى تحول حالتيه فإنه ... باق على حفظ المودة ما بقي # يهوى لقاءكم ويأبى دهره ... وأصدعه الأكباد إن لم نلتق # وأقمنا به ننظر تأتي الريح، ونعاني من أهل برقة ألم الوجد وعظيم التبريح ~~إلى أن أقمنا به مدة، ورأينا الأمر لا يزداد إلا شدة فرفعنا الشراع للرجوع ~~وسرنا ولا كرامة للسلوة ولا للهجوع. # وإذا أتاك من الأمور مقدر ... ففررت منه فنحوه تتوجه # وخرجنا من المرسى المذكورة يوم السبت السادس عشر لذي قعدة المذكور، ~~فنزلنا به للإقامة. وحمدنا الله تعالى على السلامة، ثم حللت من المدينة ~~بالمدرسة السراجية ساكنا وقد نال مني نصب البحر ظاهرا وباطنا، وعدت لعادتي ~~من الاجتماع بالفضلاء، والانتفاع بالعلماء: # كأن لم يكن بين ولم تك فرقة ... إذا كان من بعد الفراق تلاقي # ولما نزلنا بالمدرسة السراجية الحافلة، وجمعت فيها بين الفريضة والنافلة، ~~صادف نزولي بها قدوم مدرسها الأكبر وإمامها الأشهر، الشيخ الفقيه العالم ~~مفتي المسلمين شمس الدين، أبو ms179 عبد الله محمد بن الشيخ الفقيه الصالح شرف ~~الدين أبي الروح عيسى بن أبي الحسن علي بن أبي الحسن اسم كنيته ابن أبي ~~العلاء عبد الله الكناني الشافعي الشامي ثم الإسكندري نفع الله تعالى به ~~وافى من سفر كان أبطأ فيه، ثم أسرع به إلى الحظ الذي يقرب الأمل النازح ~~ويدنيه، فحللناها حلول الهائم المجد، في وصل الحبيب المسعد، ومنشدين ~~)ويجمعنا شتى على غير موعد( واستقررت منها بمسكن مجاور لمسكنه، حيث مأوى ~~تدريسه، وخزانة كتبه، فكان فيه جاري بيت بيت، والمهدي لوجاري حتى الخل ~~والزيت، فسقاني حتى أروي كل ظمأ وجواد وأحلني من مبرته وفؤاد، ووالى من ~~إتحافه، وضروب ألطافه، ما حسبتني به مفطوما يعلل على الفطام، ورأيت الأماني ~~مجنوبة إلى في الخطام: # وحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد PageV01P108 ~~وكنت كثيرا ما أجلسه فأقطف من مؤانسته أعبق نور، وأحالني بمجالسته كجليس ~~القعقاع بن شور، وأنسى في اليوم فعل الأمس، كما أربى على ليلة البدر يوم ~~الشمس، ففي كل يوم أزيد فيه اغتباطا، واستوثق في يدي محبته ارتباطا، وكأني ~~استقبل منه في كل زمن فرد رباطا، ولما حملني من مننه أعظم من جهدي ومن ~~طوقي. # أصبحت كالورقاء في شكره ... لما غدا أنعامه طوقي # إلى ما استدفتدته من الفوائد العلمية، والمسموعات النبوية والدرر الأدبية ~~إذ هو روضة لعلوم العاطرة الريا، الباهرة المحيا، النادرة في هذه الدنيا، ~~ناهيك من رجل هجرت إلى لقائه المواطن، واستنارت له بأنواره المعرفة الظواهر ~~والبواطن، فهو اليوم عمدة الصقع الإسكندري، والمفتي على الإطلاق في مذهب ~~الإمام الشافعي، ومقتدي الفرق في العلم العقلي، ومن لا يختلف اثنان في فضله ~~الفرعي والأصلي، يقول فيختلس العقول ويكتب فيجلب ويخلب، فإن عبر، قلت ~~بالسحر خبر، وعنبر الشجر حبر، حتى إذا تكلم في العلويات والسفليات والعلوم ~~الربانيات، والحكم الأدبيات، والحركات الهندسيات أسمعك رغائب الغرائب، ~~وأطلعك على نجائب العجائب مع ما منحه الله تعالى وخوله، وجبله عليك وركبه ~~فيه من الشجاعة الغريزية والنجدة النفسانية والقوة الجسمانية التي هي مواهب ms180 ~~الجلال وكمال خصال الكمال، والفرق بين النساء والرجال، وقد خصه الله تعالى ~~منها بالحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، والجزء الذي لو قسم على الأجناد لا غنى ~~عن الدرع والمغفر، يبدو فترى طلعة بدر، وجلالة قدر، وسعة صدر، ونهضة لا ~~مشوبة بأشر، ولا منسوبة لغدر، ثم ينيلك بدائع دانيات القطاف، ويعاطيك ~~أحاديث مستعذبات النطاف، ويهاديك أزاهر من حدائق القراطيس أو من أعطاف ~~القضب اللطاف، فتسيل هذه زلالا، وتطلع هذه من سحائب أنامله هلالا، ومنه ~~تعلمت أحكام الرماية بالقوس العربية، وهو رضي الله عنه محكم لذلك غاية ~~الإحكام ومهتم باكتساب أنواع السلاح غاية الاهتمام، فلو شاء لأخرج من ~~خزائنه الواسعة ما وسع الجمهور من السلاح الموفورة، والعدد المذخورة وآلات ~~الحرب المنيعة المحذورة إلى غيرها من أمهات المجلدات وألوف التآليف وصنوف ~~التصانيف المجموعات المصنفات قرأت وسمعت عليه عدة من تآليفه التي أفاد فيها ~~وأجاد، ونسخت منها ما سئت وبالغت في تصحيح ذلك معه ما استطعت وقرأت سمعت ~~عليه نيفا على الثلاثين تأليفا في فنون شتى تقيدت أسماؤها وأسانيدها في ~~برنامج روايتي، وأجازني وكتب لي الإجازة الحافلة بخطة وأنشدني للملك الأشرف ~~في مملوك له جميل وقعت عليه شمعة فأصابت شاربه فقال فيه بديها: # وذي هيف زارني ليلة ... فأضحى به الهم في معزل # فمالت لتقبيله شمعة ... ولم تخش من ذلك المحفل # فقلت لصحبي وقد حكمت ... صوارم لحظيه في مفتل # أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل هذا الرشا الأكحل # درت أن ريقته شهدة ... فحنت إلى ألفها الأول # وأنشدني لابن سرايا الحلي من أهل العصر في شمع كان يدخل به إلى مجلس صاحب ~~ماردين على أيدي الغلمان الحسان: # أهلا بشهب في سماء المجلس ... هتكت أشعتها حجاب الحندس # زهر إذا أرخى الظلام ستوره ... فعلت بها كصحيفة المتلمس # هيف القدود تريك بهجة منظر ... أبهى لديك من الجواري الكنس # كالقضب إلا إنها لا تنثني ... منها القدود وزهرها لم يلمس # أذكت لحاظ عيونها فكأنها ... زهر تفتق في حديقة نرجس # نابت عن الشمس المنيرة عندما ... حبست وساطع نورها لم يحبس # وإذا تحذرت النجوم رأيتها ms181 ... ترعى الصباح بمقلته لم تنعس # وضحت أسرتها وقد عبس الدجا ... وتنفست والصبح لم يتنفس # إن خاطبتها رد لسانها ... همسا كلجلجة للسان الأخرس # وإذا تعودها النسيم ترى لها ... خفقا كقلب الخائف المتوسوس # في طرفها عمش إذا حققته ... لم يبد منها الاسم ما لم يعكس # عجبا لها تبدي لعط لسانها ... بشرا وتحيا عند قطع الأرؤس # رضيت ببذل النفس حين تبوأت ... من حضرة السلطان أشرف مجلس # الصالح الملك الذي أنعامه ... طوق الغنى وطوق جيد المفلس. # شمس حكى الشمس المنيرة باسمه ... وضياء بهجته وبعد الملمس PageV01P109 هو ~~صاحب البلد الذي لسماحه ... بالرفق يبلغ لا بشق الأنفس # لا زال في أوج السعادة لابسا ... من حلة النعماء أشرف ملبس # وأنشدني له تورية في ساقي: # وساق من بني الأتراك طفل ... أتيه به على جمع الرفاق # أملكه قيادي وهو رقى ... وأفديه بعيني وهو ساق # وأنشدني له أيضا: # ما زال كحل النوم في مقلتي ... من قبل أعراضك والبين # حتى سرقت الغمض من ناظري ... يا سارق الكحل من العين # وأنشدني لابن الأثير الجزري: # كأن في فيه نباذا وأللالا ... وبين جنبيه نفاثا ونبالا # منوع الحسن يبدي من محاسنه ... لا عين الناس أصنافا وأشكالا # فلاح بدرا ووافى دمية وذكا ... مسكا وعن طلا وازور رئبالا # وافتر درا وغنى بلبلا وسطا ... عضبا وماج نقى واهتز عسالا # وأنشدني له أيضا: # إن التي ملكتني في الهوى ملكت ... مجامع الحسن حتى لم تدع حسنا # رنت غزالا وباهت روضة وبدت ... بدرا وماجت غديرا وانثنت غصنا # وأنشدني: قال أنشدني قوام الدين العجمي بمصر ما ادعاه لنفسه وهو: # تصاممت إذ نطقت ظبية ... تصيد الأسود بألحاظها # وما بي وقر ولكنني ... أردت إعادة ألفاظها # قال واستحسنها أهل مصر، وعارضها منهم ألف وخمسمائة شاعر وأعجب بالبيتين ~~صاحبنا شافع بن عبد الطاهر كاتب السر للسلطان الملك الناصر فاستحسنهما ~~واستقصر جميع من عارضه فيهما من الشعراء ثم وقع في نفسه انهما لغيره فلم ~~يزل يكشف عنهما حتى وجدهما لابن الرومي في ديوانه الكبير قال فلما وقف ~~عليهما فيه بعثني بذلك إليه فأعلمته، فقال قوام المذكور وهو ms182 وأنا معا ~~بالجامع الأعظم من مصر والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بهما قط، وأن هذا ~~لمن توارد الخاطر، ووقوع الحفر على الحافر، وذكر أنه دخل بعض الشعراء من ~~المغاربة على صاحب طرابلس الشام وبين يديه مملوك جميل الصورة في نهاية ~~الحسن والجمال فالتفت الشاعر وجعل ينظر حسنه فقال له السيد إن كان قد أعجبك ~~فامدحه بشعر حسن وخذه هدية لك فأنشد فيه قصيدة أولها: # تناقده غضن الصبا سكرا ... فعربد ساجي طرفه نافثا سحرا # غريب معاني الحسن ذابل قده ... يريك قضيب البان قد أثمر البدرا # جرى قلم الريحان يثبت حسنه ... فخط بمسك الخال في خده سطرا # ونادى بلال الخال من فوق خده ... تبارك ممن فرعه أطلع الفجرا # وسبحان من أنشأ بخده جنة ... وأجرى بها ماء وأذكى بها جمرا # وساق إلى فيه من الخمر كوثرا ... مكللة في كأس ياقوتة درا # فلو لم يكن مبعوث حسن لما غدت ... صحائف آيات الجمال به تقرأ # قال فلما أنشد الأبيات، أعجب بها السيد فوهب المملوك له ثم افتداه منه ~~بعد ذلك بوزن المملوك دراهم عشر مرات، قال رضي الله عنه ومن أخبار المتوكل ~~مع ابن الجهم أنه دخل عليه يوما فأنشده شعره الذي يقول فيه: # )هي النفس ما حملتها تتحمل(. # وكان في يد المتوكل جوهرتان فأعطاه التي في يمينه فاطرق يفكر في شعر يأخذ ~~به الأخرى فقال له المتوكل إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى ورمى بها إليه ~~فقال ابن الجهم: # يسر من رأى إمام عدل ... تغرف في جوده البحار # يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنه جنة ونار # الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار # يداه في الجود ضرتان ... كلتاهما في الندا تغار # لن تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار # قال: قال أبو العتاهية بيتين في أيام الرشيد ورفعهما إلى زبيدة يمدح ~~ابنها محمد وهما: # لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسؤدد # أن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد # فأمرت أن يملأ فمه درا، وذكر لي ms183 أنه صلب ابن بقية وزير بغداد وكان ~~الخليفة قد وكل به من يحرسه ليلا ونهارا ولم يتجاسر أحد على أن يرثه، وقف ~~الكاتب ابن الأنباري عليه والناس حوله قائمين صفوفا فرثاه بقوله: # علوا في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات # كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام في الصلاة PageV01P110 مددت يديك ~~نحوهم اكتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات # ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات # أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... هم الأكفان ثوب السافيات # ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المرمات # لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات # وتشعل حولك النيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة # ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات # وتلك فضيلة فيها تأس ... تعاند عند تعيير العدات # أسأت إلى نوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات # وكنت تقيل من صرف الليالي ... فصار مطالبا لك بالثارات # غليلي باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات # ولو أني قدرت على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات # ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحت بها خلاف النائحات # ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجنات # ومالك تربة فأقول تسقي ... لأنك نصب هطل الهاطلات # عليك تحية الرحمان تترى ... برحمات غواد رائحات # قال فأعطاه ابنه عليها ثلاثين ألف دينار كبار، وقال الحافظ رحمه الله ~~وأخبرنا أبو بكر يحيى بن إبراهيم السلماسي قال: قرأت على القاضي أبي قاسم ~~ناصر الدين بن أحمد بن بكران الحوفي، ووجدت بخط والدي الشيخ أبي الطاهر بن ~~أحمد إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي، قال لما أمر عضد الدولة بقتل ~~الوزير أبي محمد بن بقية وصلبه بمدينة السلام في سنة سبع وستين وثلاثمائة ~~كان له صديق يعرف بأبي الحسن الأنباري فرثاه بهذه الأبيات وكتبها ورمى بها ~~في شراع بغداد فتناولتها الأدباء إلى أن وصل الخبر عضد الدولة، فلما أنشدت ~~بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه فقال على بهذا الرجل فطلب سنة كاملة ~~وأتصل ms184 الخبر بالصاحب إسماعيل بن عباد بالري وكتب له بالأمان، فلما سمع بذكر ~~الأمان قصد حضرته فقال له أنت القائل لهذه الأبيات قام نعم قال: أنشديها من ~~فيك قلما أنشده: # ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المركمات # قام الصاحب فعانقه وقبل فاه وأنفذه إلى حضرة عضد الدولة فلما مثل بين ~~يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوى فقال له: حقوق سلفت، وأياد مضت ~~فجاش الحزن في قلبي فرثيت فقال: هل يحضرك شيء في الشموع والشموع تزهر بين ~~يديه فأنشأ يقول: # كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا # أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا # فلما أنشده هذين البيتين خلع عليه وحمله على فرس وأعطاه بدرة، وذكر لي أن ~~الخليفة الناصر كان وزيره ناصر بن مهدي الحسني وكان كثير المخالفة في كل ما ~~يأمره به فقال للخليفة يوما بعض خواص أن هذا الوزير يسئ الأدب، ويخالف أمير ~~المؤمنين فيما يأمر به فوجد الخليفة لذلك وقال للوزير لئن خالفتني بعدها أو ~~عارضتني في شيء من أمري لاستبدلن بك من وجدته في الحال، فقال له: نعم وأذعن ~~للسمع والطاعة، ثم أقام على ذلك أياما فعرض للخليفة في بعض الأوقات أمر من ~~الأمور المهمات فذكره ودبر رأيه فقال له الوزير لايا يأمر أمير المؤمنين، ~~الرأي أن تفعل خلاف هذا، فقام الخليفة لوقته وخرج من بعض أبواب قصره فوجد ~~شابا مصفر الوجه يلتقط شيئا من نفاضات الموائد فدعاه الخليفة إليه وقال له ~~أتحسن الكتابة قال: أجل فدخل به وولاه الوزارة من حينه وخرج صاحب الشرطة ~~بين يديه إلى دار الوزارة وقام يدبرها أحسن التدبير، وكان ظن الوزير ~~المعزول أنه لا يوجد مثله لما كان فيه من المعرفة فكتب إلى الخليفة رقعة ~~فيها: # شمل النسج من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت # القني في لظى فان أحرقتني ... فتيقن أن لست بالياقوت # فلما بلغت الخليفة أخذها وأطال النظر فيها فقال له الوزير المستجد يا ~~أمير المؤمنين أراك النظر في هذه ms185 الرقعة فدفعها إليه فلما أخذها من يد ~~الخليفة وسمع ونظر إليها قال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الجواب، قال: ~~نعم، فكتب تحت البيتين: # نسج داود لم يفد صاحب الغار ... وكان الفخار للعنكبوت # وبقاء السمند في لهب النار ... مزيل فضيلة الياقوت PageV01P111 فلما نظر ~~الخليفة الجواب بعث إليه به وقال غدا يأتي النعى الوزير فما أصبح الصباح ~~حتى جيء بنعى الوزير وذكرت له بهذه الحكاية ما وجدته ببعض التآليف المعتمدة ~~وذلك أنه مر بعض الملوك بغلام يسوق حمارا غير منبعث وقد عنف عليه في السوق، ~~فقال يا غلام أرفق به فقال له الغلام الرفق به مضرة عليه، قال: وما مضرته ~~قال يطول طريقه ويشتد جوعه وفي العنف به إحسان إليه يخف حمله ويطول أكله، ~~فأعجب الملك كلامه فقال له: قد أمرت له بألف درهم، فقال رزق مقدور وواهب ~~مأجور، وقال: وقد أمرت في حشمي، قال: كفيت مؤنة فرزقت بها معونة، فقال: ~~لولا أنك حديث السن لا ستوزرتك، فقال: لم يعدم الفضل من رزق العقل، قال: ~~فهل تصلح لذلك، قال إنما يكون الحمد أو الذم إلا بعد التجربة، ولا يعرف ~~الإنسان نفسه حتى يبلوها، قال: فاستوزره فوجده ذا رأي صائب ومشهورة تقع ~~موقع التوفيق، ومن ظريف الوجادة وغريب الاتفاق أني لما دخلت الإسكندرية ~~قافلا وقعت عيني ببعض الجدران على هذين البيتين: # إذا ضاق بي صدري استعنت بخالق ... قدير على تيسير كل عسير # فبين انطباق الجفن ثم ارتفاعه ... فكان أسير وانجبار كسير # ثم تنقلت خطى يسيرة وإذا بحائط آخر مكتوب عليه ما نصه: # ما رأينا ضربة من بطل ... بحسام قطعت ألف قلم # بل رأينا نقطة في كاتب ... بمداد نكست ألف علم # ثم دخلت المدرسة السراجية المذكورة آنفا فرأيت بأعلى باب بيتي الذي سكنته ~~فيها ما نصه: # عليك السلام الله يا خير منزل ... رحلنا وودعناك غير ذميم # فان تكن الأيام فرقن بينا ... فما أحد من صرفها بسليم # ثم تأملت فإذا بعده بخط آخر ما نصه: # تركنا همنا ثم ارتحلنا ... كذا الدنيا نزول وارتحال # وما ms186 دهر على أحد بباق ... ولا يبقى على الإنسان حال # ثم ألتفت فإذا أمامه بخط آخر ما نصه: # قد حصرنا في ذا المكان وغنينا ... وكذا الدهر غيبة وحضور # قد حضرنا في ذا المكان وغبتم ... وقرأنا من بعده ما كتبتم # وذكرنا كم بكل جميل ... فاذكرونا بمثله أن حضرتم # فعجبت لدار تدين برحيل وتنبئ عن سفر طويل وتفرق بين كل خل وخليل وكتبت من ~~نظمي هناك بطرف دامع وقلب عليل: # قد استلم لنا الدموع نجيعا ... وذكرنا كم بخير جميعا # وسألنا يا حاضرين دعاء ... واجترعنا الفراق والتوديعا # وكنت لما صدرت من الشام وخرجت عن أقطارها وسرت في بعض قفارها أداني السير ~~إلى أطلال عالية بالية فوجدت لرؤيتها كل الوجد وقربت إليها من البعد، فإذا ~~ببعض تلك الجدران مكتوب عليها بالفحم هذان البيتان: # ولقد ندمت على تفرق شملنا ... أسفا ففاض الدمع من أجفان # ونذرت نذرا أن ظفرت بعودة ... لا عدت أذكر فرقة بلسان # فعلمت أن كاتبهما مثلي بعيد الدار، متصرف بين يدي الأقدار قد سئم السرى ~~وشاقه النسيم متى سرى، فدعوت الله تعالى في جمع شملي وشمله ورد كل غريب إلى ~~وطنه وأهله وكتبت هنالك من نظمي على شاكلته وشكله: # ولقد جرى يوم النوى دمعي دما ... حتى لقال الصحب انك فان # والله إن سمح الزمان بقربنا ... لكففت من ذكر النوى وكفاني # وقرأت بخط الإمام أبي الحسن علي بن سعيد قال: قرأت بحائط التربة التي ~~فيها معروف الكرخي الزاهد بالجانب الغربي من مدن بغداد: # وما ضرني إلا الذين عرفتم ... جزى الله خيرا كل من لست أعرف # وتحت هذا لبيت: رجل غريب، طاف بالأرض فلم يظفر بحبيب ووجدت في مقابلة ذلك ~~بخط آخر: # لعمرك ما انتفعت بغير خل ... له عندي الذي ألفيه عنده # يراعني فيصبح عبد قصدي ... كما أمسى إذا ما احتاج عبده PageV01P112 ~~وتحتهما من صفا باطنه، كأن كل العالم صديقه، ومن كدر باطنه كان كل من في ~~العالم عدوه، وجرى الحديث بذلك مع الشيخ الإمام العالم المفتي المسلمين عز ~~الدين أبي إسحاق بن حباسة رضي الله ms187 عنه بمنزلة من الإسكندرية المحروسة، ~~فقال لي: سافرت إلى الشام مع السلطان قلاوون الصالحي فبينما نحن نسير في ~~فلات من الأرض القفراء وإذا أنا بطلل بال قد لمحته على بعد فحننت إليه ~~وقصدته فلما دنوت منه ألفيت عليه مكتوبا بالمداد ما صه: جبت القفار، ووقفت ~~على الآثار، فما رأيت صديقا صادقا، ولا رفيقا موافقا، فمن قرأ هذا الخط فلا ~~يركن لأحد قط من الأنام والسلام، وحدثني الشيخ الإمام عز الدين المذكور قال ~~أخبرني أخي وصديقي الشيخ الإمام القدوة رئيس الكتاب نور الدين أبو الحسن ~~علي بن الشيخ الإمام الكبير، رئيس الكتاب جمال الدين بن المكرم قال: سافرت ~~مع السلطان الملك الأشرف ابن السلطان قلاوون الصالحي إلى مدينة عكة في ~~غزوته إياها، فأقمنا عليها، إلى أن يسر الله تعالى في فتحها بعد مدة طويلة ~~قال: فلما دخلناها دخلت الكنيسة التي كانت بها فإذا هي ذهب ساطع وإذا أنا ~~بكتب على حائط منها قريب العهد لم يجف مداده فيه ما نصه: # أدمى الكنائس أن تكن عبثت بكم ... أيدي الحوادث أو تغير حال # غلطا لما سجدت لكن شمامس ... ثم النوف جحاجح أبطال # ليكن عزاكن الجميل فإنه ... يوم بيوم والحروب سجال # قال فعلمت قطعا أن كاتبه نصراني وعجبت في ذلك غاية العجب وحدثني الشيخ عز ~~الدين المذكور قال وجد مكتوبا على باب كافور الأخشيدي بمصر: # أنظر إلى عبر الأيام ما صنعت ... أفنت أناسا بها كانوا وما فنيت # ديارهم ضحكت أيام دولتهم ... فإذا خلت منهم ناحتهم وبكت PageV01P113 وذكر ~~لي الشيخ عز الدين المذكور أن أهل مصرنا لهم جور من بعض ولاة كافور المذكور ~~ولم يعلم بذلك كافور ولا أطلع عليه فاجتمع خاصتهم وكتبوا كتابا بالشكوى ~~أعلموه فيه بحالهم، نصه بعد البسملة أما بعد فإنكم قدرتم فأسأتم وملكتم ~~فقهرتم ووسع عليكم فضيقتم، واغتررتم بصفو العيش ولم تتفكروا في عواقبكم، ~~وتهاونتم بسهام الأسحار وهي صائبة لا سيما إذا خرجت من قلوب جرحتموها، ~~وأكباد اججتموها، وأجساد اعريتموها ولو تأملتم هذا حق التأمل لأشفقتم، أو ~~ما علمتم أن الدنيا ms188 لو دامت للعاقل لم يصبها الجاهل، ولو دامت لمن مضى لم ~~يصل إليها من بقى، وكفى محنة رجل يكون في هلاكه فرج العالم كله ومن المحال ~~هلاك المنتظرين وبقاء المنتظر به وحده، اعملوا ما شئتم فأنا صابرون، وجوروا ~~فأنا بالله مستجيرون. وثقوا بقدرتكم فأنا بقدرة الله واثقون، وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون، فلما وصل الكتاب إلى كافور ساءه، وشغل باله فلم ~~يلبث سوى سبعة أيام حتى مات والشيخ عز الدين هذا هو أبو إسحاق إبراهيم بن ~~نور الدين أبي عبد الله محمد بن زين الدين أبي الحسين يحيى بن وجيه الدين ~~أبي علي منصور بن أبي محمد عبد العزيز بن نور الدين بن أبي الحسن علي بن ~~حباسة بفتح الحاء المهملة. وحباسة هو ابن علي بن محمد بن محمود بن موسى بن ~~عز العرب بن زيد بن عمرو بن محارب ابن مكاثر بن رافع بن مدافع بن مغيث بن ~~حرب بن عمارة بن المسيب ابن شريك بن محور بن حارث بن ربيعة بن معن بن وهب ~~أياد بن حيا ابن عامر بن معاوية بن الحارث بن تميم بن مرة بن طابخة بن ~~الياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هكذا كتبته من حفظه وهكذا صححته ~~بعد عليه، وأن سلفه هذا من بني تميم، لذو مجد صميم، وجد عند الملوك عظيم، ~~قدم في العلم ماضية على منهج قويم، وصراط مستقيم وأن الشيخ عز الدين هذا ~~السالك مسالكهم وصالحهم ومحيي مآثرهم، ومجدد مفاخرهم، وأولهم في حمل ~~الفضائل وإن كان آخرهم فهو دوحة المجد وريحانة الكرم الممد، وروضة العلم، ~~وهضبة التقى والحلم تفتحت له روضة المعارف، وتفسحت له المجالس بين الأعلام ~~العوارف، فتدلت له ثمرات تلك الحدائق، وعلت به دوحات أولى النهي والحقائق، ~~فصحب من أولياء الله تعالى فريقا، وركب جادة الجد إليهم طريقا، واتخذ العلم ~~والعمل دليلا ورفيقا، أخذ نفسه الكريمة بالتصوف فأدبها بآدابه وهذبها ~~بملازمة أربابه. حتى آض شيخا لشيوخ تلك الطريقة، وعلما في أعلام أولى ~~الحقيقة مع ms189 اتساع روايته. وامتداد باع درايته، واهتمامه بالعلم وعنايته، ~~وتبحره في استخراج جواهر الحكم وتقدمه في السخاء والجود والكرم: # وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب # واظبته وقد ناهز التسعين، وجف ماء عمره المعين، إلا أنه قد متع بلسانه ~~وجنانه وأقطع ما شاء من إحسانه وبيانه. ووضع له البركة في سمعه وبصره ~~وبنانه، فما دخلت عليه قط إلا وهو مطالع في الدواوين والتآليف، أو ناسخ لكن ~~بالخط الرقيق والقلم النحيف على نحافة جسمه وقيامه، في ليله وصيامه في ~~نهاره، له سماع من أبيه كثير، والماع بفنون العلم أثير، وقدره كبير، وبيته ~~شهير، وله نظم يدل على رقة صنعه، ويعرب عن كريم طبعه وأما نثره فشبيه بنثر ~~الدر غير أن ألفاظه تزيد على أسماطه في القدر لازمته كثيرا وتبناني فكنت ~~صدى صوته. وسلمان بيته، وكنت كثيرا لا استأذن في الدخول عليه ولا أزال أقول ~~بين يديه: # سلمان بيتكم وحق المج ... د أن يرعى ذمامه # فرضت صلاتك كالصلا ... ة وحمد وافدك الإقامة PageV01P114 وقرأت وسمعت ~~عليه نحو الأربعين مجلدا في أنواع مختلفة وصححها لي بخطه وجازني الإجازة ~~التامة، ومما قرأت عليه بلفظي لعلوه فيه جميع الأربعين حديثا السباعية ~~الفراوية النيسابورية، وجميع الأربعين حديثا البلدانية السلفية وجميع ~~الأربعين حديثا الودعانية غيرها، مما قد استوفيته في غير هذا(، وأخبرني أنه ~~قرأ جميع الأربعين البلدانية السلفية على الشيخ الإمام الكبير كمال الدين ~~أبي الذكر احمد بن رضى الدين أبي محمد عبد القادر بن المعالي رافع بن أبي ~~الذكر احمد بن الدمراوي بحق سماعه لها من الشيوخ لثلاثة العلماء الأئمة أبي ~~الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني، والشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد ~~الرحمن بن مكي بن الحاسب سبط الحافظ السلفي رشيد الدين أبي محمد عبد الوهاب ~~بن رافع بن علي عرف والده برواح بسماعهم الثلاثة من الحافظ أبي طاهر السلفي ~~المخرج المذكور رحم الله جميعهم بمنه، ومولده رضي الله عنه في الرابع عشر ~~من شعبان المكرم سنة اثنين وستين وستمائة وعنه أخذت ms190 خرقة التصوف ولبستها من ~~عنده ومن يده كما لبسها من شيخه الإمام الأوحد قطب الدين أبي بكر محمد بن ~~احمد القسطلاني رحمه الله )سنده المخرج في تأليفه الذي سماه ارتقاء الرتبة ~~باللباس والصحبة، وقد أخذت عنه عن شيخه هذا قراءة وتصحيحا ومن أصل المؤلف ~~قطب الدين المذكور نقلته ومما أنشدني غير مرة لشيخه قطب الدين أبي بكر قال ~~أنشدنيها غير مرة: # إذا المرء ربى نفسه بمراده ... فقد شاد بنيانا على غير أسه # ومن لم تربيه الرجال وتسقه ... لبانا لهم قد رد من ثدي قدسه # فذاك لقيط ما له نسبة الورى ... ولا يتعدى المرء أبناء جنسه # وان شاب من بعد هذا رياسة ... فقد سكن الداء العضال برأسه # فكن قاطعا أن ليس يفلح دهره ... إذا كان ممن ذاق طعما لنفسه # وأنشدني الشيخ الإمام الكبير الشهير شهاب الدين السهروردي وهو غير صاحب ~~كتاب عوارف المعارف: # أبدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح # وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى جميل جمالكم ترتاح # وارحمه للعاشقين تحلموا ... ثقل المحبة والهوى فضاح # بالسر أن تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح # وأنشدني للملك الكامل رحمه الله: # طوا مغرما من أجلكم واصل الضنى ... وفي حبكم طيب المنام فقد فقد # أثار الهوى نارا تشب بقلبه ... فكيف بإطفاء الغرام وقد وقد # وأنشدني للإمام أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه: # رضيت من الدنيا بقوت وخرقه ... وأشرب من كوز حوافيه تكسر # فقل لبني الدنيا اعزلوا من أردتم ... وولوا وخلوني على البعد أنظر # وأخبرني بسنده فيه قال أتى رجل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال ~~له عنبسة الهلالي فقال يا محمد أني قلت شعرا أفتسمع مني فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم قل فأنشده: # وحي ذوي الأظعان تسبى عقولهم ... تحيتك الحسنى فقد يرقع النعل # فإن هتفوا بالقول فأعف تكرما ... وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل # فإن الذي يوذيك منه استماعه ... كأن الذي قالوا وراءك لم يقل PageV01P115 ~~فقال له صلى الله عليه وسلم: أجدت يا أخا العرب فتبسم الأعرابي وقال له يا ~~محمد ms191 فهل أنزل عليك ربك شيئا مثل هذا فنزل جبريل عليه السلام وقال له: اقرأ ~~[ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم]، فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله. ومن المستظرف ما أخبرني به الشيخ العالم الزاهد جمال الدين أبو الفرج ~~محمد بن الشيخ الفقيه الإمام نجم الدين أبي البركات محمد بن الشيخ الفقيه ~~الصالح المرحوم شرف الدين بي القاسم عبد الرحمن بن احمد بن محمد بن محمد بن ~~سلامة البلوي القضاعي المالكي الإسكندري رضي الله عنه قال: كان هنا ببلدنا ~~رجل من أحسن الناس خطا، فقطعت يمينه وصار يكتب باليسار أحسن ما يمكن من ~~الخط فرفع إلى أبي رسالة يستجديه بها وهي هذه وناولني رقعة، قد اتخذها ~~الحسن بقعة أولها قطعة شعر قد صور من الأمل، وجسم من الكحل وخلى من السحر ~~فنبت وقيد بالحبر فثبت تتبعها رسالة سلسالة، كم سارقت الحواجب خط نوناتها ~~ضاربه، وخطت الأصداغ على مثل لامتها مباعدة ومقارنة، واستمدت حبل التخفيف ~~وخدع الصنع اللطيف فأيأس التابع فضل المتبوع، وفضح التطبع شيمة المطبوع، ~~آخرها وكتب فلان بن فلان المقطوع اليد والقطعة هي هذه: # غربة تتبع قلة ... أن في الفقر مذلة # أكرم الناس ويأمن ... جوده فيه جبلة # لا تجد لي لسؤالي ... إنما جودك لله # فوعيت ما رأيت واستملحت ما لمحت وذكرت له ما رويته بسندي إلى الحافظ أبي ~~طامي احمد بن احمد السلفي قال: أخبرنا أبو محمد بن السراج أخبرنا أبو محمد ~~الحسن بن محمد الخلال الحافظ عن أبي عمر بن حيوية الخزازي حدثنا أبو عبد ~~الله النوبختي قال: قيل أن هذا الشعر لابن علي بن مقلة قاله من الحبس بعدما ~~قطعت يمينه وقتل بعد ذلك في شوال سنة ست وعشرين وثلاثمائة. # ما مللت الحياة ولكن توثقت ... بأيمانهم فبانت يميني # لقد أحسنت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني # بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني # ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا ms192 حياتي بانت يميني فبيني PageV01P116 وهذا ~~الشيخ جمال الدين من كبار علماء المسلمين، اعلم الناس بمذهب الإمام مالك ~~وأعلاهم في دلالة تلك السبل والمسالك، نسب أشهر من الشمس في السماء وحسب ~~كاتساق عقد النجوم في نحور الظلماء، وخلق أندى من الزهر وأسوغ من الماء إلى ~~سبق في المنطق والجدل وحذق في الأصول والفروع، موقعي من الخطأ والخطل، ~~وتشبث بأهداب من الآداب وتمسك من الرواية عن علماء أهل بيته وغيرهم بأسباب، ~~وشأن هذا الرجل عجيب في نبوغه في طريق العلم وبلوغه، إلى أعلى مراتب التقى ~~والعلم وأطباق الناس على تعظيمه وحبه، وانقباضه عنهم وانقطاعه إلى ربه، به ~~يضرب المثل في العلم والزهد، وعند كلامه يقف الكلام في الفتوى والرد، مقبل ~~على الآخرة معرض عن الدنيا، عار من زخرفها إلا ما يتخذه من ثوب حسن جميل ~~حسنه وجهه الجميل. فترى رجلا زينه الله بهيبة وجلال وألقى عليه مسحة جمال، ~~وأكرمه أن يشغله بأهل أو ولد أو مال، فكان إذا خرج من مدرسته حيث سكناه ~~وتدريسه، لم يخلف وراءه ما يتشوق إليه، وحفظ الله عليه حسنه من شبابه إلى ~~شاخته فلم يتغير له ديباجه ولا انقطع عجب النواظر منه وعجبها به، لازمته ~~كثيرا، وأفادني من أفانين العلم المحفوظ وقوانين المفهوم والملفوظ ما لا ~~يفيده إلا الأعلام الجلة. وسمعت عليه جميع الجزء المحتوي على ثلاثين حديثا ~~من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثلاثين شيخا، وبآخره فوائد ~~وأناشيد متصلة به تخريج الإمام الحافظ أبي الظفر منصور بن سليمان بن منصور ~~الهمذاني رواية الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أبي طالب الأزدي ~~المعروف بابن الدهان عنه حدثني به عن أبي الدهان المذكور سماعا عليه، وأطلق ~~لي أن أحدث عنه وأن نفيد ما استفدته منه وأجازني إجازة تامة، مطلقة عامة، ~~وكتب لي بخطه، وأخبرني رضي الله عنه قال رأيت ليلة من الليالي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في النوم جالسا وعن يساره امرأة بيضاء اللون والثياب ~~فلما وقعت عيني عليها صرفت ms193 وجهي عنها مسرعا ثم رددته فرأيتها فصرفت وجهي ~~عنها أسرع من المرة الأولى فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عائشة ~~فقلت: قال أبو حامد الغزالي قال فأصغى إلي مقبلا على كلامي عندما ذكرته له ~~في الوسيط له وتخمين الظن فيما لا حاجة إلى العمل به في الحال تضييع زمان ~~واقتحام خطر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم نعم، قال: ثم شكوت ~~له صلى الله عليه وسلم قضية، فقال لي: إذا دخلت الحمام لا تتكلم، قال: ثم ~~وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الكريمة على ناصيتي وقام فقمت خلفه ~~ثم رقى في الهوى فرقيت خلفه ولم يزل يرقى وأنا أرقى خلفه إلى أن استيقظت، ~~قال ففتح الله علي ببركة تلك الرؤية المباركة في معرفة أشياء وافتتاح علوم ~~لا يدركها الغير والحمد لله ولنختم علماء الإسكندرية بمسك ختامها ووسط ~~نظامها، وعاقد نقضها وإبرامها، ومالك خطامها وزمامها، قاضي القضاة، والقائم ~~بالمسير المرتضاة، الشيخ العالم الكبير محي الدين، أبي عبد الله محمد ابن ~~عمرو بن عبد الوهاب بن خلف العلامي الشافعي معدن العلم والوقار ورافع راية ~~المجد والافتخار. الآخذ بذؤابة الحسب الشامخ الذروة العالي النجار المفيض ~~من جنانه وبنانه، بحار المواهب ومواهب البحار برز لرامح الخطب، فحطم ~~سمهرية، ونزع عن قليب السخاء فلم أر عبقريا يفري فريه له سلف لم يعلق به ~~صلف ولم يعرف له بغير العلم كلف، استوزرهم السلاطين والملوك، واستشعرهم ~~الصدق والسلوك، فاستقلوا بأجل الرياسة، واستقبلوا الرعايا بأجمل السياسة إن ~~خطوا فالأقدام عنهم تتأخر أو خطوا فالأقلام بهم تفخر، بدورهم مشرقة وبحورهم ~~مغرقة، ومآثرهم مشئمة معرقة، ولقد اذخروا لنا منهم درة تاجهم، ونكتة ~~احتجاجهم وبشارة إقبالهم وقرارة أسيالهم، ففرع هذا الفرع من تلك الأصزل ~~وبرع في استقراء تلك الأبواب وتيك الفصول وشرع في تشييد المجد وتخليد ~~الحمد، فأعطى ما شاء من سبيل إلى الوصول، فاستخلصه الجناب السلطاني الناصري ~~القلاووني أيده الله، ثم أنعم به على العالمين، وآثر على نفسه المسلمين ~~فولاه مدينة الإسكندرية ms194 قضي قضاتها، والمسارع إلى مرضاة الله بمرضاتها فرفع ~~علم الحق ونفع سائر الخلق حتى برئت تلك المدينة من سقمها وولدت بعد عمقها ~~وبلغت أملها في نفوذ أمرها وعدل حكمها فاستقامت الأمور وانكشف الديجور وسرى ~~عن الناس ما كانوا فيه PageV01P117 فكأنما كانوا في حندس ليل قاتم. فتجلى ~~عن ضياء فجر ساطع فالأحكام به باهرة والأيام بسيرته زاهرة، والأنام في ~~دولته تشملهم نعم باطنة وظاهره: # ترى عظماء الناس من خوف لحظه ... كأنهم الكروان أبصر بازيا # وما الخرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا # هيبة التقوى لا هيبة الأقوى وخوف الجلال لا خوف الإذلال، وتلوح في أغطاف ~~منطقه شيم الندا ومخائل الفضل، دخلت عليه وقد صرفتني الريح عن وجهتي ~~الغربية من مواسطة البحور، وعرفتني الحوادث فأنكرتني معارف الجدة والوفور، ~~ومكثت في مكابدة الأسفار ومعاناة البحار عدة من الليالي، ومدة من الدهور، ~~فرفعت له من نظمي قصيدة ضادية حكت نسجها حاكيا، ولكت فيها الزمان شاكرا ~~وشاكيا، فتقبلها بقبول حسن وأيقظ لها اعتناءه ولم يكن ذا وسن وإن كانت ~~مزجاة البضاعة مستوجبة الإضاعة فعين الرضى كليلة عن كل عيب لا يرتضى، وقد ~~أثبتها في ديوان شعري، وربما والله أعلم أجادها فكري. فإنه رأيته يقرأها ~~ويتمايل طربا ويردد ألفاظها استحسانا وعجبا وسمعت الناس يقولون إنها حسنة ~~فلا أدري أصدقا أم كذبا، وكيف ما كانت فقد جعلها الله لانتفاعي به سببا، ~~وإن كنت كتبتها بالمداد فقد ملأ يدي فضة وذهبا، وأمر لي مع ذلك بجراية ~~نفقتي وراتبي في كل يوم مدة إقامتي بالإسكندرية ومكثت كذلك تحت نائل ~~جرايته، وطائل عنايته، إلى أن افتصلت عنه مسافرا وودعته خجلا من فضله ~~سافرا. فرحا برفده، مفصحا بحمده، متزودا من عنده فسمعت عليه بمنزلة ومجلس ~~حكمه من الإسكندرية المحروسة بلفظ إمام لمحدثين معين الدين بي عبد الله ~~المصغوني المتقدم الذكر، وبفقد الرواية عنهما جميع تاريخ الرقة للحافظ أبي ~~علي القشيري الحراني الرقي وحدثني به عن الشيخ الإمام أبي عمران موسى بن ~~عثمان بن محمد البزاز سماعا منه ms195 عليه، قال حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~لبي يعقوب يوسف بن همة لله بن محمود بن الطفيل الدمشقي قال أخبرنا الحافظ ~~أبو طاهر احمد بن محمد السلفي، قال أخبرنا المبارك ابن عبد الجبار بن احمد ~~الصيرفي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي، قال: أخبرنا ~~أبو احمد محمد بن عبد الله بن احمد بن القاسم بن جامع الدهان قال: حدثنا ~~أبو علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عيسى بن مرزوق القشيري ~~الحراني حافظ الرقة بالرقة، قال الإمام معين الدين المصغوني القارئ المذكور ~~وهو في إجازتي من الشيخ أبي عمران موسى بن عثمان بن محمد البزاز المذكور ~~وقد سمعت عليه غيره من مروياته وكتب تدريسه المتداولة بين يديه في الحديث ~~والفقه رواية وتفقها، وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة متلفظا لي بها ~~غير مرة وكاتبا بخطه، ثم شرع الركب المغربي في السفر وانقلب مقضي الحاجة ~~فائزا بالظفر فاشتاق أخي محمد إلى المواطن الأندلسية الكريمة ورأى أن يرجع ~~بما سن الله تعالى له من الغنيمة فآثرت مذهبه في ذلك ورأينا أن لا تنقطع عن ~~الأهل المنقطعين هنالك فصرفتني المقادير عن صحبته وقضت بقفوله وتسنى سفره ~~مغربا على بغيته وسؤله، ورحل ولا تسأل عن بقائي بعد رحيله، ورجوعي من وداعه ~~إلى موطئ قعوده ومواطن حلوله: # فلم أر أنسا قبله عاد وحشة ... وبردا على الأحشاء عاد غليلا # ومن تك أيام السرور قصيرة ... به كان ليل الحزن منه طويلا # ويا لساعات التوديع ما أشد كربها وأحد غربها، وأكثر إلهابها للخلد، ~~وإذهابها بالجلد فصدر ووردت واجتمع وانفردت وعدت إلى منزلي: # ولو جدي من العروض بسيط ... ومديد وافر وطويل # ولم أكن عارفا بهذا إلى أن ... قطع القلب بالفراق لخليل # أدري دمع العين، وآسى لشمل لا ينفك من روعة البين، وأفكر في عهد كنت إليه ~~استمنت، ولعيني في ظله أنمت، فما برحت الأيام حتى أخلقت برده وعلقمت شهده ~~وأتته من بابها وعضته بنابها: # ورجعت من تشييعهم ... وقد علاني خبل # وكل من خاطبني ms196 ... قلت له قد رحلوا # يقول من أبصرني ... وسوس هذا الرجل # فلقد أصابني لفراقهم ما أنه: # لو كان بالفلك الدوار لم يدر ... أو كان بالماء لم يشرب من الكدر ~~PageV01P118 أو كان بالعيش ما في يوم رحلتهم ... أعيت على السائق الحادي ~~فلم يسر # كأن أيدي مطاياهم إذا وخدت ... يقعن في حر خدي أو على بصري # فغودرت المنازل صماء عمياء، ودهيت من الفراق بداهية دهياء، وبقيت لا ميتا ~~مع الأموات ولا حيا مع الأحياء، أتطارح بين تلك المنازل، أتجرع غصص المنايا ~~من خطب الفراق النازل، وأترامى على مواطئ أخفاف الرواحل، وأمر بخدودي على ~~ممر الحبيب الراحل. . . # وأنتسم نواسم تلك المعالم ... فيفوح لي كالعنبر المتنفس # ونمشي حفاة في ذراها تأدبا ... نرى أننا نمشي بواد مقدس # وعجبت للإسكندرية كيف جمعتنا ثم فرقتنا ولم تغربنا معا كما شرقتنا ~~وأنشدت: # من لم يكن أخذ الهوى بفؤاده ... فلقد أخذت من الهوى بنصيب # فرأيت أن أشد كل بلية ... قضيت على أحد فراق حبيب # وكان سفره مع الركب المغربي المذكور في غرة جمادى الأولى من عام تسعة ~~وثلاثين وسبعمائة: # راق الفراق لجيرة من بعدهم ... ما راق لي عيش ولا دمعي رقا # ولكم سألت لينجد الحادي بهم ... يوم الندي فأبى السؤال وعرقا # رحلوا وللزفرات بين ركابهم ... نار يكاد زفيرها أو يحرقا # يا باكي بالأطلال بعد حبيبه ... حزنا يومل دمنة أن تنطقا # بح بالسرائر واهم دمعك واشتهر ... وجدا بت النوم عنك مطلقا # أن الذين عهدتهم سكانها ... نعب الغراب بشملهم فتفرقا # فأقمت بعده للعلم ملازما، تارة متعلما وتارة معلما إلى أن يسر الله تعالى ~~في تجهيز مركب سيف الدين، وحان سفره بجمع عظيم من المسلمين فركبت فيه في ~~يوم السبت السادس لشوال من العام المذكور، وسرنا في مواسط تلك البحور طورا ~~في الصعود وطورا في الحدور، ولنحذف زيادة الأنواء وإثبات الجرور وعدة ما ~~تكرر لي في تلك الموسطة من المرات والشهور إلى أن وصلنا )مرسى الحمامات( ~~بليدة بقرب حضرة تونس فنزلت بها ضحوة يوم الاثنين السادس لذي قعدة من العام ~~المذكور وخرجت منها ms197 في ضحوة يوم الأربعاء الثامن لذي قعدة المذكور ودخلت ~~حضرة تونس المحروسة في ضحوة يوم الخميس التاسع من الشهر المذكور، فنزلت ~~منها بمدرسة الشماعين واجتمعت بإخواننا وأوليائنا من الطلبة والمدرسين، ~~فألفيتهم لم ينقص الله لهم عددا، ولا أراهم بالفراق شملا مبددا، فسر الجميع ~~بالاجتماع، وأقمنا كما كنا على المذاكرة والانتفاع، وكأني ما مددت إليهم ~~يدا للوداع فنشروا من در الثناء منثورا ومنظوما، ونشروا من برود الصفاء ~~مطويا ومكتوما فأنشدتهم: # أني وإن شط المزار وبددت ... أيدي النوائب شملنا المنظوما # لم أخل من حسن الثناء عليكم ... مذ غبت عنكم ظاعنا ومقيما # وأقبلوا يطالبونني بما اجتلبت من الفوائد، ويقصدونني في إطلاق ما قيدت من ~~القصائد، لا أحصي كم أديبا كتب عني قصيدة صاحبنا جمال الدين أبي المحاسن ~~يوسف بن سليمان الدمشقي المعروف بالنابلسي، وهي: # أسر الفؤاد ودمع عيني أطلقا ... والوجد جدده وصبري مزقا # حلو الشمائل ما أمر صدوده ... متنعم قد لذ لي فيه الشقا # بعث الغرام إلى المنام فرده ... عن عين عاشقه فبات مؤرقا # إن قلت مالي بالتجني طاقة ... ولي وباب الوصل عني أغلقا # ظبى من الأتراك ينفر خيفة ... في الحب من شركي به أن يعلقا # وتصح نسبته إذا حققتها ... للترك لحظا والأعاريب منطقا # طرح الذؤابة خلفه فحسبتها ... حنشا بغصن أراكه متعلقا # صل الركاب إذا تمثل راكبا ... فإذا ترجل ضمها متمنطقا # طالت فزاد سوادها فظننتها ... ليل الصدود فلم أزل متعلقا # للحسن ماء جال في وجناته ... كم فيه من إنسان عين غرقا # يسمو بطلعته عن قمر السما ... وبلين قامته على غصن النقا # وإذا تكلم أو تبسم ثغره ... ما يترك السالي إلى أن يعشقا # في مهجتي جمر الأسى متلهبا ... وبثغره ماء الحياة مروقا # يا طيبة ماء ويا ظمأي فهل ... أروي به وأعب حتى أشرقا # ومنها: يا عاذلي أقصر وتب عما مضى ... ما أنت في عذل المحب موفقا # قد قلت لي يسليك عنه مثله ... وصدقت لكن مثله ما يلتقيا # يا فاتر الأجفان أحرقت الحشا ... مني فذبت صبابة وتشوقا PageV01P119 يمضي ~~الزمان وما أزور ديركم ... من كثرة الرقباء ms198 عند الملتقا # وأريد أسبح في الدموع إليكم ... فأخاف من ضعف القوى أن أغرقا # وأرد عن برد النسيم تنفسي ... أخشى يهب لكم لهيبا محرقا # أما غرامي من هواك فإنه ... باق ولكن في السلو لك البقا # وأخذت فيما كنت فيه من معرفة ولي أصطفيه أو عالم أبادر لملازمته وتحفيه، ~~فممن لازمته كثيرا، وأخذت أولا وأخيرا، الشيخ الفقيه الأديب أبو العباس ~~أحمد عبد الله الأنصاري المعروف بالرصافي شيخ صالح غاد في طاعة الله رائح ~~معهم في الحق، أخذ بالجد والصدق، لا يخالط أحدا ولا تراه إلا منفردا مشتغل ~~بالعلم والعمل، خال من الحرص والأمل، محافظ على أوقات العبادة متقشف في ~~أحواله تقشف الزهادة، مقتصد اقتصاد العليل، مقتصر على أقل القليل، قد استعد ~~للرحيل، وشمر للعبادة بجسمه النحيل ورسمه المحيل فاستنفد الدهر علالته، ~~واستنشق بلالته وغادره كالخيال الشعري، والغرض الأشعري، فهو يتظاهر بشعار ~~المتحلم ويسفر عن سن عوف بن محلم عزيز النفس نبيل الحدس، قوي المنة على ~~الهمة مقبل على الأمور الدينية المهمة، مهتم بما ينيله خير الدارين، قليل ~~العيال، وقلة العيال إحدى اليسارين، قد سلك في العزلة أحسن المسالك وعمل ~~على ما قاله إمام البلاغة بن مالك: # منغص العيش لا يأوى إلى دعة ... من كل ذا بلد أو كان ذا ولد # والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسكن إلى أحد ~~PageV01P120 له حظ من الأدب وافر، ووجه بمحاسنه سافر، وعناية هو بها مكاثر ~~وأمام ناظم ناثر، رحل إلى المغرب زمان شبابه، وسلك سبيل الهدى ودخل من ~~بابه، فلقى جماعة من جلة العلماء وعلية الفضلاء منهم بسبتة الشيخ العالم ~~العلم أبو القاسم بن الشيخ الفقيه المحدث أبي العباس العزفي اللخمي سمع ~~عليه طائفة من كتاب الدر المنظم تأليف أبيه وكتب له بالسماع والإجازة ~~العامة والشيخ العالم الصالح الإمام في علم العربية أبو الحسين بن الربيع ~~القرشي سمع عليه كثيرا من كتاب سيبويه ومن الإيضاح ومن الجمل ومن شرحيه ~~عليهما وأجازه وكتب له بخطه: والشيخ العالم الناثر الناظم أبو الحكم مالك ~~بن المرحل ms199 سمع عليه كثيرا من تأليفه ومن أمداحه في النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومن نظمه ونثره، وأجازه إجازة تامة مطلقة، وقد قرأت عليه كل ما سمعه ~~عليهم من ذلك وحدثني به عنهم، والشيخ الفقيه الفرضى أبو إسحاق إبراهيم بن ~~أبي بكر الأنصاري التلمساني قرأ عليه قصيدته اللامية الشهيرة المتضمنة ~~النسب النبوي الكريم، والمعشرات التي له على أعاريض الشعر، والرجز الذي ~~نظمه في الفرائض، وقد قرأت عليه أنا بلفظي جميع ذلك كله، وحدثني به عنه ~~قراءة عليه، ومنهم بغرناطة الشيخ الفقيه المقرئ أبو جعفر بن الطباع قرأ ~~عليه بعض القرآن العظيم وأجازه وكتب له بخطه، والشيخ الأستاذ النحوي أبو ~~الحسن ابن الضائع الأشبيلي سمع عليه كثيرا من إلقائه في علم العربية وأجازه ~~إجازة تامة مطلقة وكتب له بخطه والشيخ الفقيه المقري أبو سهل اليسر بن عبد ~~الله بن محمد بن خلف بن مروان بن اليسر القشيري قرأ عليه جميع الأربعين ~~حديثا عن الأربعين شيخا وهي المسماة بالجواهر والدرر تأليف الشيخ العالم ~~الحاج الزاهد المحدث أبي الحسن علي بن يحيى الأزدي الجياني حدثه بها عن ~~مؤلفها المذكور قراءة عليه، وقد قرأت جميعها عليه، وحدثني بها بالسند ~~المذكور وأشياخه جماعة كثيرة احتوى عليهم برنامجه، وقرأت عليه جميع كتاب ~~التيسير للحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله تعالى، وحدثني به عن الشيخ ~~المقرئ المسن أبي بكر بن محمد بن الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر ~~احمد ابن مشليون الأنصاري البلنسي قراءة عليه حدثه به عن أبي عبد الله بن ~~نوح وأبي جعفر الحصار وأبي عبد الله بن مسعود الشاطبي قراءة عليهم قالوا: ~~حدثنا أبو الحسن ابن هذيل عن أبي داود عن أبي عمرو الداني مؤلفه، قال أبو ~~بكر بن مشليون، وكتب به إلى إجازة أبو بكر محمد بن احمد بن أبي جمرة المرسي ~~عن أبيه سماعا عن مؤلفه، وقد قرأت بلفظي جميع كتاب التيسير المذكور ببلاد ~~المغرب والأندلس وغيرها على أزيد من عشرين شيخا من الشيوخ الجلة الأعلام، ~~وأخذته مبغضا وسماعا عن جماعة ms200 أخرى كذلك، كل واحد منهم كتب لي بذلك بخط ~~يده، وأسانيدهم فيه مستوفاة في برنامج روايتي، وقرأت عليه جميع تخميس قصيدة ~~الإمام أبي عبد الله بن أبي الخصال البائية الشهيرة التي أولها )إليك فهمي ~~والفؤاد بيثرب( للشيخ الأديب، الفاضل أبي بكر ابن حبيش رحمة الله تعالى ~~عليه، وحدثني بالتخميس عن ناظمه ابن حبيش المذكور قراءة عليه. وقرأت عليه ~~نظمه الذي خمس به قصيدة أبي إسحاق إبراهيم بن سهل الأشبيلي الإسلامي التي ~~أولها )تنازعني الآمال كهلا ويافعا( وقرأت عليه كثيرا من نظمه، وأجازني ~~وكتب لي بخطه ومولده بمدينة مرسية جبرها الله تعالى في اليوم الثاني ~~والعشرين من شهر رمضان المعظم من عام خمسين وستمائة وأخبرني رضي الله عنه ~~قال خمست هذه القصيدة العينية المذكورة منذ عشرين سنة فارطة عن التاريخ ~~وكنت في حين تخميس لها رمد العينين فساعة ما أتممت تخميسها برئت من الرمد ~~وشفاني الله تعالى وعاد بصري كأحسن ما كان، وهو والحمد لله كذلك إلى الآن ~~ما شكوته بعدما كبر السن، وأخبرني قال: أخبرني بمدينة سبتة شيخي أبو الحكم ~~مالك بن المرحل رحمه الله تعالى قال: كان هناك معنا أبو إسحاق إبراهيم بن ~~سهل المذكور وقد حسن إسلامه ولازمت الجماعات صلواته، ولازم القراءة واشتغل ~~بها ونظر في الأدب فنبغ في الشعر وكان من جملة كتاب علي بن خلاص صاحب سبتة ~~إلى أن عين ابن خلاص ولده رسولا إلى المنتصر ملك تونس، ووجه ابن سهل معه ~~فركبا في البحر في غراب، وسار إلى أن هال البحر فغرقا معاهما، وكل من كان ~~ركب معهما ولم يخرج منهم أحد، ولما بلغت المستنصر وفاة ابن سهل في البحر ~~PageV01P121 قال عاد الدر إلى وطنه، وأنشدني لأبي إسحاق بن سهل المذكور: # تركت هوى موسى لحب محمد ... ولولا هدى الرحمن ما كنت اهتدي # وما عن قلى مني تركت وإنما ... شريعة موسى عطلت بمحمد # قد خرجت جميع ما أنشدني لنفسه ولغيره من القصائد والمقطعات جزءا كبيرا، ~~وممن لازمت تعليمه ولزمت تعظيمه الشيخ الفقيه الإمام أبو عبد الله ms201 محمد بم ~~هارون أبقى الله بركته، إمام في الفقه وأصوله. . . وعلم الكلام وفصوله، ~~متوصل بالجد والجد إلى حصله، فهو علم من أعلام المعارف ومعلم لأعلام الحلل ~~الدينية والمطارف، نبغ بما وعى من العلم الأصيلي المعرق، وشفع ما استفاده ~~من علماء بلدة تونس بما استفاده من علماء المشرق، وأظفرته رحلته بالمبرزين ~~العلماء والمدرسين القدماء وآب من رحلته وقد قضى عنه فرضه، واشتاقت إليه ~~أرضه، وكمل فضله، واشتمل على الكمال الإنساني نقله وعقله، فانبسط في العلم ~~بنباهته وانقبض عن العالم بنزاهته، لزم مطالعة حدائق دواوينه، وحدق إلى ~~متونها عيون حذقه وفهمه ودينه، فنفع الله بعلمه بشرا كثيرا، وأودع له في ~~قلوب عباده من القبول حظا كبيرا، ولولا ما رزق من الزهد والقناعة لأعلق به ~~قضاء الجماعة، فنيطت به أحسن تلك المدارس، وغبطت منه بالفوارس وأي الفوارس، ~~فقام العباد بحقه، وصد قافيه الخبر النبوي، فلم يتماروا في صدقه، وعلموا ~~أنه هو السابق في هذا المضمار الذي لا يترشح أحد لسبقه، فازدحم لإفادته ~~أفواج الناس، اقتبسوا علمه، وهو النور الذي لا ينقص بكثرة الاقتباس حتى ~~أقرت له السادات بالتسديد وأحيا الله به سنة الاجتهاد حين وقف غيره على سنن ~~التقليد، فبرز في ميدان تدريسه بما برز، وأحرز من خصل السبق ما أحرز من ~~جلالة القدر، وسعة الصدر، وحسن الخلق واعتدال الخلق، سهولة العبارة وصناعة ~~صياغة الكلام للبداوة والحضارة، وقمع الباحث الملد، ومزج أليفاظ الهزل ~~بالجد كامتزاج الماء بالنار في الخد، إلى تآليف قد اختص فيها بفصاحة ~~اليراعة واقتنص فيها أوضح طرق البراعة، فاحكم أصولها، وأتقن فصولها، ركب ~~على عواليها المثقفة نصولها، واحسن فيها ترتيب الإيراد والاعتراض، والقصد ~~إلى توفية الأغراض، هذا إلى الاختصار والإيجاز، والمأخذ الذي يكاد ينتسب ~~إلى الإعجاز يستوفي الإبداع في ذلك كله ببديهية ملاحظة للغايات البعيدة في ~~اللمحة السريعة القريبة فإليها يطمح الأمل، بها الاعتماد وعليها المعول ~~وهي: # أسرى وأسير في الآفاق من قمر ... ومن نسيم ومن طيف ومن مثل PageV01P122 ~~وكانت لي بين يديه الكريمتين دول مأثورة له فيها حكم منثورة ms202 فأني كنت قارئي ~~تلك الفصول وبارئ تلك النصول، والمعيد لما يبدي، والسبب فيما يهدي من ذلك ~~ويسدي فيسحرني ويسبي الحاضرين حسن إلقاء وملاحة إشارة وإيماء، ونبل تنبيه، ~~ولطف توجيه، وإصابة تنظير، وإجادة تنقير، وقلما ترى العين، أو تسمع الأذن ~~بأصل من الأصول، وأفرع من الفروع، وأبرع في نقد الكلام وسبكه، وأعرف بتبيف ~~ابن الحاجب وفتح مغلقاته وحل مشكلاته منه رضي الله عنه قرأت عليه نفع الله ~~به نحو النصف من كل واحد من تأليفي ابن الحاجب الفروعي والأصولي قراءة تفقه ~~وبحث، وسمعت عليه الكثير من التهذيب وغيره من كتب الفقه والأصول والعربية، ~~وقرأت سمعت عليه كثيرا من تآليفه ومنها شرح مختصر ابن الحاجب الأصولي وشرح ~~مختصره الفروعي، وشرح المعالم الفقيه واختصار المتيطية واختصار التهذيب ~~وشرح التهذيب في مجلدات عديدة، وشرح الحاصل، وغير ذلك وسوغني الرواية في ~~جميعها بالمناولة والأذن وأجازني جميع ما يحمله ويرويه وكتب لي الإجازة ~~بخطة ومولده سنة ثمانين وستمائة ثم نضيف إليه ونعطف عليه من تبركت بالمثول ~~بين يديه الشيخ الفقيه العدل أبا زكرياء يحيى بن الشيخ الفقيه العدل ~~المرحوم أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ الفقيه القاضي المرحوم أبي زكرياء ~~يحيى بن يوسف بن إدريس الحسني الشهير بالسلوي أبقى الله بركتهم بمنه، شرف ~~يا له من شرف، وسلف كريم خلف، وبيت أصيل شمخ، في حرز منيع، وعز مكتنف فطال ~~بالعلياء شغفه وزاحم منكب الجوزاء شرفه. وشرف بقومه وزاد على أمسه في ~~الفضائل يومه، نشأة صالحة وركب إلى التقوى طريقا واضحا فاهتدى بسنن مبين ~~واقتدى بسند متين وجمع له بين حسب وعلم ودين، هذا إلى أكرم النجار وعتق ~~المنمى، وطيب الأرومة وشرف الخيم، وطهارة البيت وزكاء العقب، فما جملة ~~الأعلام وحملة الأسياف والأقلام، إلا دون محطة العالي، وبمنزلته السامية، ~~فهو بحر حصاه الدر النفيس وروض يجني منه أطاييب الثمر الجليس قدر برز من ~~التوفيق في أحسن حلية وبرز في التوثيق وكان عنه في غنية، إلى وقار لا تحل ~~حباه، وصون لا يتسنم الدنس رباه وسؤدد على رغم من ms203 أباه. أشبه فما ظلم ومن ~~سعادة المرء أن يشبه أباه: # أشبا أباه فصار في أعراقه ... متوغلا وجرى إلى مضماره # فوفاؤه كوفائه وحياؤه ... كحيائه ووقاره كوقاره # رحل إلى المشرق عام ثامنية وثمانين وستمائة فحج وزار، وحط الذنوب ~~والأوزار، ولقى المشائخ فروى عن جلة، وعاد في كثرة من الفوائد وغيره في ~~قلة، حضر تدريس الشيخ الإمام قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد وأجازه ~~ولقى الشيخ الإمام الكبير قطب الدين القسطلاني وغيرهما من الأئمة الكبار ~~وحاملي الآثار، ثم آب عن يسيرة من السنين، ورأى قرة العين في النفس والمال ~~والبنين، قرأت عليه بمنزله المبارك من حضرة تونس المحروسة جميع كتاب موطأ ~~الإمام ابن أنس رضي الله عنه، فكمل لي قرأت عليه بلفظي في أوائل شهر ربيع ~~الأول المبارك من عام أربعين وسبعمائة وحدثني به عن والده وعن الشيخ الإمام ~~المحدث أبي جعفر أحمد يوسف الفهري الشهير باللبلي قراءة منه عليه بجمعيه ~~وإجازة من والده بسندهما فيه وجميع برنامج الإمام أبي جعفر اللبلي موجود ~~بيدي مصحح بخط يده رحمة الله عليه وقرأت عليه أيضا بمنزله المذكور، جميع ~~تخميس القصيدة النبوية الشرقراطسية الشهيرة لمخمسها الإمام القاضي أبي عمرو ~~عثمان بن عتيق بن عثمان القيسي مع القصيدة المذكورة، ولم يأت أحد لها بمثل ~~فيما علمت، وحدثني به قراءة عليه عن والده المذكور، ومن خطه البارع نقلته ~~حدثه به عن مخمسها أبي عمرو عثمان بن عتيق المذكور قراءة عليه وقرأت وسمعت ~~عليه غير ذلك وأجازني وكتب لي بخطه، ومولده أواسط عام خمس وستمائة )ثم( ~~نردفه برفيقه ومحل أخيه وشقيقه الشيخ الفقيه الخطيب أبي محمد عبد الله بن ~~الشيخ الفقيه الجليل أبي عبد الله محمد بن الشيخ الفقيه القاضي العالم ~~المصنف أبي القاسم بن علي بن البر التنوخي هذه بيتة غذيب بالعلم والأدب، ~~وبنيت على المجد والحسب ورقيت في أعلى الخطط وأسمى الرتب، فإليهم ينتهي في ~~حسن النقائب، وبفواضلهم تنطق ألسنة الحقائب: # قطفوا ثمار المجد من غرس العلا ... بأكفهم فلنعم غرس الغارس # فهم لباب المجد عزة أنفس ms204 ... وذكاء الباب وطيب مغارس PageV01P123 ما منهم ~~إلا عالم أوحد، لا ينعت ولا يحد، ولهم بالدولة الحفيصة سبق ذكر وحق لا ~~ينكر، والقاضي أبو القاسم جدهم، به سفر مجدهم، وهو الذي عمر ربع الملك وأمر ~~بالحياة والهلك، ودبج القرطاس وفوف، ودون العلم وصنف، وشيخنا الخطيب أبو ~~محمد هذا بديع الإحسان بليغ القلم واللسان، وقد أتاه الله مقاليد هذا الشأن ~~وملك بنان فضله أعنة المعاني، وأزمة البيان، وأقام من اليراعة على منابر ~~أنامله إظهارا لمعجز البلاغة خطيبا مشقوق اللسان، فهو ذو الفضل والكرم، ~~والسيف والقلم والعلم الذي يخفق لنشره العلم، وتحلى المسامع بما تمنحه من ~~لآلئ كلمه، وتنقل إلى رياض الآمال الظامية ما شهدته من دوام ديمه فلا برحت ~~مكارم الأخلاق وأخلاق المكارم، تشام من برق شيمه وأحرار المحامد ومحامد ~~الأحرار تعد إمائه وخدمه، بمن الله تعالى وفضله وكرمه، لقيته بمنزله ~~المبارك من حضرة تونس فقرأت وسمعت عليه به وبالجامع الأعظم المشهور بجامع ~~الزيتونة تصانيف وأجزاء، فإنه لما خيرته المحاسن في أنفسها، فاختص بأنفعها ~~وأنفسها، وحكمته السيادة في معالمها، فحكم من الأوامر والأمور أعاليها، كان ~~مما أقام به من الدين متونه إقامة الفرائض المكتوبة إماما بجامع الزيتونة ~~إلى غير ذلك من الخطابة بالحضرة العلية، والمراتب السامية السنية، فكنت ~~كثيرا ما أقرأ عليه بالدويرة التي يخرج منها الخطيب وهي بأزاء المحراب، من ~~جهة اليسار، ومما قرأت عليه بها بلفظي جميع ثلاثيات الإمام أبي عبد الله ~~البخاري رضي الله عنه، وحدثني بها بسنده في برنامج روايتي وجميع المجالس ~~الخمسة التي أملاها الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد ابن أحمد السلفي ~~الأصبهاني. # وحدثني بها عن جده أبي القاسم المذكور إجازة قال قرأت جميعها على الشيخ ~~الإمام المحدث الزاهد أبي الفضل جعفر بن أبي الحسن الهمداني بمسجده ~~بالإسكندرية، وحدثني بها سماعا عن الحافظ ممليها أبي الطاهر السلفي المذكور ~~وقرأت عليه جملة من برنامجه الذي جمع فيه أشياخه وأسانيده، وتناولته من يده ~~المباركة، وأجازني جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة وكتب لي ~~بخطه حدثني رضي ms205 الله عنه قال: حدثني جدي أبو القاسم المذكور، قال أنشدني ~~بالقدس الشريف عند محراب سيدنا زكرياء النبي عليه السلام الشيخ الصالح أبو ~~علي حسن ابن أحمد الأوقي قال أنشدنا الفقيه الإمام العالم أبو الجيوش عساكر ~~بن علي بن نصر المقري، قال: أنشدني الشيخ أبو الحسين عبد الكريم )التككي( ~~قال: أنشدني الصقلي بالإسكندرية من شعره لنفسه: # مزرفي الصدغ يسطو لحظه عبثا ... بالخلق جذلان أن يشكو الهوى ضحكا # لا تعبثن بورد فوق وجنته ... فإنما نصبته عينه شركا # وحدثني أيضا قال وحدثني جدي المذكور عنه عن الحافظ أبي طاهر السلفي ~~أنشدهم محمد بن علي السجلماسي المجاور بمكة شرفها الله تعالى بدار العجلة ~~قال: أنشدني إبراهيم النحوي بسجلماسة لنفسه: # زعموا أن من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا # أن وجدي بكم وإن طال عهدي ... وجد يعقوب حين أصبح فردا # وحدثني قال وحدثني جدي الشيخ المقري الصوفي الواعظ أبي عبد الله بن ~~الجنان قال كنت مع جماعة من أهل التصوف بأصبهان في رباط هنالك، واجتمع ~~أصحابنا ليلة في سماع فلما كان في أثناء ذلك بعد مضي جزء من الليل والوقت ~~قد طاب إذ ضرب الباب ضارب فخرج إليه من سكع ذلك فوجد شيخا طويل لقامة، عظيم ~~الهامة على رأسه كرزية وعليه فرجية وبيده إبريق وعكازة، فقال ما هذا قلنا ~~سماع اجتمع فيه الأصحاب فقال ندخل فدخل فوجد القائل يقول: # خليلي لا والله ما القلب سالم ... وإن ظهرت مني شمائل صاح # وإلا فما بالي ولم أشهد الوغى ... أبيت كأني مثخن بجراح # فرمى للمنشد ما كان على رأسه ثم قال له قل فقال: # يا بانة الجزع لولا رنة الحادي ... لما تنقلت من واد إلى وادي # ولا سألت بنعمان الأراك ولا ... شربت ماء به يا نهلة الصادي # وقال: كرر على حديثهم يا حادي ... فحديثهم يطفي لهيب فؤادي # كرر على حديثهم فلربما ... لأن الحديد لضربة الحداد # فنزع فرجيته وبقي الشيخ عريانا وقال قل فقال: # غرام ووجد واشتياق ولوعة ... وما ذاق إنسان من الحب ما ذقت PageV01P124 ~~نحلت فلو علقت في ms206 جفن ذرة ... لطارت ولم شعر بأني علقت # ولو نمت في جفن الذباب معرضا ... من السقم لم تشعر بأني قد نمت # ولو نفس من أنفها قد أصابني ... من الشوق أو من حر أنفاسها ذبت # قال الشيخ أبو عبد الله بن الجنان فصاح الشيخ صيحة عظيمة وشهق شهقة قوية ~~وخرجت روحه رحمة الله عليه، ولما أصبح الصباح وطلع النهار غسلناه وجهرناه ~~إلى حفرت، وتركناه في عظيم رتبته، وحدثني قال وحدثني جدي عن الشيخ أبي ~~الفضل الهمداني عن الشيخ الشريف القاضي أبي محمد العثماني قال أنشدني الشيخ ~~أبو بكر المبارك ابن كامل بمكة حرسها الله تعالى قال أنشدني أحمد بن عبد ~~السلام لمدني قال أنشدني أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: ~~أنشدنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي: # قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقا # كم ذا وقفت بها أسائل مخبرا ... عن أهلها أو صادقا أو مشفقا # فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى فعز الملتقى # وليكن خاتم علماء الحضرة الإفريقية وآخر المشائخ في الحلبة المشرقية من ~~ختمت بجده حلبة الرسالة والنبوءة، وظهرت عليه بركة السلالة الطاهرة ~~والنبوة، الشيخ الفقيه الراوية أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن ~~محمد بن يوسف بن إبراهيم بن يحيى ابن موسى بن هاشم بن مجير بن أبي فليتة بن ~~جواد بن محمد بن إدريس الأصغر بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى ~~بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حسب طاهر، ونسب ظاهر ووجه زاهر وفضل كامل باهر، فهو في الأرومة ~~السنية، والدوحة الحسنية، ولدته الرسالة فيا شرف هذه الولادة وشهدت لجده ~~أكبر السبطين بالسيادة وناهيك من منصب هذه الشهادة فلله دره من راضع در ~~متواضع من شرف الأبوة أيسامي بشرف أو يداني بمفخر، من له هذا الشرف الأطهر، ~~أو يفاخر في محضر، من ينتمي إلى السبط الأكبر بخ بخ، هذا المجد الأظهر، ~~والسؤدد الأتلد النور. . . # نسب ms207 كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا # كل خطة، عند ذا الشرف محطة، وكل مرتبة، مع هذا الحسب مثلبة، هذا إلى ما ~~له من البشر الرائق المحيا، والنشر العاطر الريا، والذات الفاضلة التي متعت ~~بالدين والدنيا، وقد زين الله له حسن الوجه والأخلاق، وطيب المحتد ~~والأعراق، بكرم عظيم، وفضل عميم وقلب شفيق رحيم، فلا يزال في مواساة وتفضل ~~وإيثار وتطول، وترق إلى المكرمات وتوصل، مهر في القراءات، وتبحر في الإسناد ~~والروايات وأبدى في ذلك الأعاجيب، بل العجائب والآيات، فأخذ عن خلائق لا ~~يحصرهم عدد وانفرد بما لم ينفرد به في ذلك القطر أحد، أفضل الفضلاء خلقا ~~وأسمحهم نفسا، وأحسنهم للإخوان مشاركة وأعظمهم للضعفاء مواساة وأكثرهم على ~~عباد الله شفقة: # مناقب شمخت في كل مكرمة ... كأنما هي في أنف العلى شمم PageV01P125 لقيته ~~بحضرة تونس قبل توجهي إلى الحجاز الشريف، وبعد قفولي منه فقرأت عليه أولا ~~القرآن العظيم، ختمة كاملة بقراءة الإمام أبي عبد الرحمن نافع المدني جمعا ~~بين روايتي ورش وقالون عنه وكتب لي بذلك بخط يده إجازة مؤرخة بتاريخ الخامس ~~عشر لشوال سنة ست وثلاثين وسبعمائة وخط فيها مولده بتونس في شهر رمضان سنة ~~ثلاث وسبعين ستمائة، وحدثني أنه قرأ بقراءة نافع ختمة كاملة جمعا على الشيخ ~~الفقيه الحاج أبي التقى صالح بن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن سليمان ~~بن وليد الطرطوشي الأصل البلنسي المولد الأنصاري النسب المشتهر بابن شوشن، ~~وأشهد له بذلك على نفسه في أواسط شهر رمضان المعظم سنة ست وثمانين وستمائة، ~~قال: وأنا آخر من أخذ عنه هذه القراءة، ولم يبق ببلد تونس ممن أخذها عنه ~~غيري وحدثني بها عن جماعة من شيوخه أعلاهم طريقا الإمام المقرئ القاضي أبو ~~عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة الشاطبي قراءة عليه بحرف نافع عن أبي ~~الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل وأبي عبد الله محمد بن الحسن بن سعيد ~~الداني قراءة عليهما، قالا: قرأنا على الإمام أبي داود سليمان بن نجاح ms208 عن ~~أبي عمرو الداني بسنده، وقرأ أيضا شيخي هذا بالقراءات السبع على غيره، ~~وقرأت عليه أيضا جميع كتاب التيسير للحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله ~~تعالى. وحدثني عن قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن محمد الغماز قراءة منه ~~عليه بجميعه حدثه به عن الفقيه الراوية أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن ~~سلمون البلنسي سماعا عليه عن أبي الحسين بن هذيل وعن أبي داود سليمان بن ~~نجاح عن مؤلفه أبي عمرو الداني سماعا متصلا، وحدثني به أيضا عن الأستاذ ~~المقرئ أبي العباس البطراني قراءة منه عليه بسنده فيه، وقرأت عليه ثانيا ~~جميع كتاب موطأ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وحدثني به قراءة وسماعا عن ~~جماعة أعلاهم طريقا الشيخ الراوية المسن أبو محمد عبد الله بن محمد بن ~~هارون الطائي قرأ عليه بلفظه جميعه وسمع كثيرا منه عليه وقد تقدم سنده فيه، ~~وقرأ جميعه أيضا على أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم بن احمد بن عقاب الجذامي، ~~وحدثه به عن القاضي بي الحسن علي بن عبد الله بن قطرال الأنصاري قراءة ~~لبعضه وسماعا لسائره عن أبي محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري ~~قراءة عليه قال: سمعته على أبي عمر أبي بحر سفيان بن العاص الأسدي قال ~~سمعته على أبي عمر بن عبد البر قال سمعته من أبي عثمان سعيد ابن نصر عن ~~قاسم بن أصبغ عن محمد ابن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك قال أبو الحسن بن ~~قطرال: وأحمله عن الحافظ أبي عبد الله محمد ابن سعيد بن زرقون الأنصاري ~~سماعا عليه لأبواب منه وإجازة لسائره عن أبي عبد الله أحمد بن محمد ~~الخولاني إجازة عن أبي عمرو عثمان ابن احمد بن محمد بن يوسف اللخمي ~~القيجطلي سماعا عليه عن أبي عيسى يحيى ابن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي ~~مروان عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن مالك، قال أبو ~~الحسن بن قطرال في برنامجه وهذا ms209 السند أعلى الأسانيد المعروفة بالأندلس، ~~وقرأت عليه أيضا جميع كتاب الشهاب للقاضي رحمه الله تعالى، وحدثني به عن ~~قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز قراءة عليه ثم سماعا عليه أيضا حدثه به ~~عن الخطيب أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد لله بن خيرة البلنسي سماعا عليه عن ~~أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحضرمي سماعا عليه عن أبي ~~عبد الله محمد بن أبي العباس الرازي سماعا عليه عن مؤلفه سماعا عليه، وقرأت ~~أيضا على غيره وقرأت عليه جميع القصيدة اللامية الشاطبية في القراءات ~~السبع، وهي المسماة بحرز الأماني وحدثني أنه عرضها من حفظه في مجلس واحد ~~على الأستاذ أبي العباس البطريني بعدما سمع جميعها عليه، وحدثه بها عن ~~جماعة من شيوخه، وقد استوفيت ذكرهم في برنامج روايتي، وحدثني أنه عرضها ~~أيضا على الإمام أبي جعفر اللبلي في مجلس قال سمعتها بمصر المحروسة على ~~الشيخ الإمام كمال الدين أبي الحسن بن علي بن شجاع العباسي، قال سمعتها ~~وقرأتها على ناظمها، وقد كمل لي عليه ما بين قراءة وسماع في المرة الأولى ~~وفي الثانية من الكتب والأجزاء نحو السبعين تأليفا انتقيتها من مسموعاته ~~واخترتها من عوالي مروياته ولخصت أسانيدها في برنامجه ومسنداته إلى غير ذلك ~~من غرر الفوائد ودرر الأناشد، ومما انتخبت PageV01P126 هنا منها ما أنشدنيه ~~بمنزله من الحضرة التونسية قال: أنشدني الشيخ الفقيه الأديب أبو عبد الله ~~محمد بن محمد بن أحمد بن مسعود العبدري الحاحي لنفسه وذلك في رجب الفرد سنة ~~تسعين وستمائة معارضا لأبيات القاضي أبي الفضل عياض التي في كتاب الشفاء ~~له: # يا ساكني دار الحبيب عليكم ... منى سلام طيب النفحات # يهنيكم قرب الأحبة فارحموا ... صبابكم قد صد بالنزلات # كم ذا أعلل بالوصول إليكم ... قلبا شجيا مضرم الجنبات # قد نلتم قرب الحبيب فانتم ... أبدا لذلك طيبو الأوقات # أن كنتم أهل اليسار فأنني ... أرجو نماء بضاعتي المزجاة # حسبي فخارا أن مصباح الهوى ... من قلبي المفئود في مشكاة # فلأنثرن على ثرى أثاره ... من عقد جفني ms210 لؤلؤ العبرات # حتى أروي القلب من ظمأ به ... قاسيته في البعد طول حياني # أعفر الخد المصون بتربة ... تزري بعرف المسك في النشقات # بدر الدجا بحر الندا فخر الورى ... وملاذهم في عرصة الحسرات # مالي سواه من المخاوف ملجأ ... أرجو خلاصي عنده ونجاة # صلى الالاه وخلقه طرا على ... من فاح منه معطر الروضات # يندي وينفح بالعبير نسيمه ... ما شق نجم حالك الظلمات # وأنشدني أيضا قال: أنشدني الشيخ الفقيه الفاضل أبو القاسم خلف بن عبد ~~العزيز بن خلف الغافقي القتبوري قال: أنشدني نجم الدين بم مهذب الدين: # دمعي المنهل بعدكم من عيني ... ما فيه لأجل بعدكم من عين # ما أغزره كأنه من عيني ... بالعين أصبت يا لها من عين # وأنشدني أيضا قال: أنشدني الشيخ أبو القاسم المذكور: # من بلل شعر قاتلي من سلسل ... من أودع ريقه رحيقا سلسل # من غللني من سلسل ... يا عادل أن جهلت ما بي سل سل # وأنشدني أيضا: # الورد من وجنتيك زاه زاهر ... والسحر من مقلتيك واق وافر # وللعاشق في هواك ساه ساهر ... يرجو ويخاف وهو شاك شاكر # ثم توفي الإمام الرئيس أديب الجماعة وجامع الآداب وكاتب العلماء وعالم ~~الكتاب. أبو عبد الله ابن عمر المذكور قتل رحمه الله تعالى في غرة المحرم ~~مفتتح عام أربعين وسبعمائة أثر وصولي واستقلالي في تلك الحضرة وحصولي، ~~فتعطل بعد ذلك الديوان. # وأرجف بأن ليس له غير فلان، فاستبعدت الأمر لما بيننا من بعد البون، ~~والإرجاف مقدمة الكون، فما راعاني إلا رسل أمير المؤمنين إلي وإقبال الدولة ~~الحفصية مع إعراضي علي، وولايتي خطة الإنشاء ومثول الكتاب بين يدي، فهناك ~~كم صارفة صرفت، وعاربة عربت وعقيلة عقلت، وكلمة رمقت فومقت ومقلت فنقلت وكم ~~مطايا ركبت وعطايا سكبت. وكسا كسيت وكبت، فيا لك من أيام غرر جلت غسقا. ~~وتوالت نسقا كم بثت من ذكر عطر، وأخلصت من ثناء ثمين وأحيت من أمل دفين، ~~وما برحت أتفيأ ظلال الخلافة العلية، التي أقامها الله تعالى ميزانا للحق، ~~وظلا على الخلق، فالتأم بها الصدع. واجتمع الأمان، وأمن الجمع، ms211 وكفت نوب ~~الزمان، وحسمت بحدها وجدها أدواء البغي والعدوان، واعتز بها الإسلام. وافتر ~~بها الدهر عن ثغر بسام. وانعقد على فضلها الإجماع. واستقرت بيدها قناة ~~الدين يحملها الأمر المطاع، خلافة مولانا أمير المؤمنين وناصر الدنيا ~~والدين الهمام المرتضى، والحسام المنتضى. حسنة الأيام، وقرة عين المسلمين ~~والإسلام. غمام الندى الهاطل. وحمام العداء العاجل. ناظم شمل الفريق ~~والفارج لباب الأزمة والضيق. جامع أشتات المعالي. ومحرز شروط الكمال، فلم ~~يك يصلح الإله الأمر العالي السلطان الملك المؤيد. المنصور المظفر الأمجد ~~الأسعد الأوحد العالم العادل، الفاضل الكامل. أبو يحيى أبو بكر بن أمير ~~المؤمنين أبي زكريا بن أمير المؤمنين أبي إسحاق بن أمير المؤمنين أبي زكريا ~~ابن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص: # هلال لياليها وإنسان عينها ... وبدر دياجيها وشمس ضحاها # مؤيدها منصورها وجوادها ... وجامع شملي مجدها وعلاها PageV01P127 أدام ~~الله بهجة الدنيا ببهجة سلطانه ووالي تمهيد ربوعه وتشييد أوطانه وضاعف ~~التأييد، والسعد الجديد في أمره وشأنه، وشكر عن الإسلام وأهله عميم طوله ~~وامتنانه. ولا زالت حوزة السمحة البيضاء مكنوفة برايته الحمراء وكتيبته ~~الخضراء. ما نفح إحسانه بالصفراء، ودمث عدله جوانب الغبراء: # هذا دعاء تسبق الدنيا إذا ... سمعته مسرعة إلى التأمين # فإنه من كل أنور من الشمس ضياء، وأكمل من البدر بهاء، وأندى من الغيث ~~كفا. وأحمى من الليث أنفا، وأسخى من البحر بنانا. وأمضى من النصل لسانا. ~~وأوسع من الدهر صدرا وأرفع من النجم قدرا، يقر الملك ويذل الشرك، ويرفع علم ~~الحق ويبسط العدل بين الخلق فهم يحتلون منه بدر الحلك، وقطب الفلك، ~~ويشاهدون من جلاله، وباهر كماله الطلعة الأنسية في صورة الملك، وقد احتوى ~~القصر المبارك منه على أسد ورد أو ملك جعد، مخلف أيعاد ومنجز وعد: # ذو عزمة كالتماع البرق واقدة ... تجيء من نصره بالعارض الهطل # لولا السعود التي نيطت بهمته ... لكنت أنسبها بعدا إلى زحل PageV01P128 ~~فانتهى من إشاعة الفضل، وبسط العدل، وبذل الصفح إلى الحد الذي فات الكمال ~~دفعة واستوفى الخصال جملة، حتى كان ملك الدولة في إسعاد مدتها واحتشاد ms212 مواد ~~النعم عندها، وارتفاع حوادث الغير عنها، نذر للدهر قضاه أو أسبوع لعرسه ~~وفاه، إشراق أيام وليال، في قضاء أوطار وآمال، في كنف ملك مقتبل السعد ~~ميمون الطائر، غافل عن الأيام، مظاهر للأنعام، مسرور بما تنافس فيه رعيته، ~~من زخرف دنياها، مقتصر لها من ذلك كله ما جانبها وعطاها آخذ عفوها، قابل ~~يسرها، فلا أمير بعد أبي يحيى ولا خليفة بعد أبي بكر تبنكا في المجد، ~~وانغماسا في النعم، اجتمع الناس على حبه، ولم يدهنوا في طاعته فصفا عيشه، ~~واستراح قلبه، وكان من فرط الشجاعة في غاية بعيدة أحد العجائب ذكاء لب، ~~وصرامة قلب، وتقدما إلى حرب عظيم الأناة، رفيع الهمة، على أخلاق حميدة، ~~ومكارم جميلة، ذكيا يقظا، أديبا لبيبا. حسن الكلام، جيد القريحة، مليح ~~البلاغة، يتصرف فيما يشاء من الخطابة، بديهة وروية ويصوغ قطعا من الشعر ~~مستجادة وقصائد طويلة، في فنون كثيرة، لم يقصر فيها عن الغاية فطمحت إليه ~~النفوس، وتعلقت به القلوب، ونزحت نحوه الهمم قصده الخلق من المغرب ولمشرق، ~~لسعه إحسانه، وعظيم تطوله، ووفور عطائه لمن نئا عنه وقرب منه، فهو في وقته ~~نسيج وحده به ختمت فضلاء أهل بيته فلم يعهد فيهم مثله، ولقد أنشدته رضي ~~الله عنه قصيدة لامية بعد أخرى زائية، كلتاهما من نظمي في مدحه، فلما فرغت ~~منهما قبلت يده وانصرفت إلى منزلي فما وصلت حتى وصل من نعمه، أرضاه الله، ~~من الملابس الحسان والمواهب والإحسان، ما أوجب الشكر بكل لسان، وأغناني مدة ~~عن شكوى الزمان وكذلك أنشدته رضي الله عنه من نظمي أيضا جملة قصائد، في روى ~~واحد على نحو ما كان ألقى إلي واقترح علي، فلما فرغت قال لي: قد أتيت بكل ~~جميل، ونفع فيك ماء زمزم، وماء النيل، ثم أومأ بحاجبه إلى الحاجب، وأمر ~~بإضافة الإحسان، وتنمية الراتب، فقبلت ما أمر به، وقبلت الأرض بين يديه، ~~وقمت أشكر نعمه، وأقمت أنشر الثناء عليه، وما برح قلمي يجول في إقليمه ~~وكلمي يجود بدره بين محاورته وتكليمه، وأنا أريش وأبري، وأقيم وأقعد ms213 بنهيي ~~وأمري وأدير المملكة بهزازي نظمي ونثري، حتى عبق الشكر، وطبق الذكر، وكمل ~~لي تصنيف لذة السمع والفكر، فيما أنشأته عن أمير المؤمنين أبي بكر، وهو ~~أدام الله أيامه، وشكر في الخافقين ألويته وأعلامه يعتمد على قلمي ويعتضد ~~بكلمي وينجد كتيبته بكتابتي، ويسعد رعيته برعايتي، ويعد غرائبي من رغائبه، ~~ومناقبي من مناقبه، حتى طمى الإيغال، في الاشتغال، وآل الإكرام إلى الإبرام ~~وعاد الجنى إلى العنى، فرمقت الدنيا بالعين الزاهدة، وآثرت القفول إلى ~~الوالدة، وسئمت من النوى والشتات وأزعجني الجنة تحت أقدام الأمهات. وهمت ~~بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن وحننت إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلاث ~~القاع وكلما أخذت في الإزماع صرفت عن تلك الأطماع، حتى فجئت بالوداع. وعزمت ~~عزما إذن للدموع بالانسكاب وللقلوب بالانصداع وقد تهجر نفائس الأعلاق، ~~وتبلى المليحة بالطلاق وحين علم مني أيده الله خلوص النية وتداركي هذا ~~الفرض المتعين قبل اخترام المنية، سلم لي في الوفاء بهذا النذر، ولم يكن ~~ليقبل مني غير ذلك العذر، فأكببت على تقبيل يده متودعا، وأنشدته متفجعا ~~لفراقه متوجعا: # وداع كما ودعت فصل ربيعي ... يفض ضلوعي أو يفيض دموعي # لئن قيل في بعض يفارق بعضه ... فإني قد فارقت منك جميعي # فأوسعت ملء عيابي حباء وأصبحت مركوبا وجنيبة وخباء، وأمطيت صهوة طرف من ~~عتاق الخيل. رائع رائق، قيد الأوابد، مما أنجب الوجيه ولاحق، أشهب كالصباح ~~يسابق الطرف، ويباري الرياح. ويمرح ما بين اختيال وارتياح. وارتجاج ~~وارتباح: # يستوقف اللحظات في خطوات ... بكمال خلقه ورقة حسنه # ذو نخوة شمخت به عن نده ... وشهامة طمحت به عن قرنه # وجعلت أخب وأخذ ولا ألوي على من أجد، وكلما لاح بارق، ارتحت إليه، أو در ~~شارق سلمت من البعد عليه، ذا بدت النجوم توهمت هممه، وإن هطلت الغيوم تذكرت ~~نعمه، لا أسمع الغريبة، إلا قلت من كلماته، ولا أرى العجيبة إلا قلت من ~~فعلاته، أحل الرياض فأحسبها شمائله، وأرد البحار فأظنها نوافله: ~~PageV01P129 وما شبهوا بالبحر كفيه في الندى ... ولكنها إحدى أنامله العشر # يدان إذا أومى بها اشتاق ms214 صارم ... وحن بسنان وانبرى مأرب يجري # أمنت بها من كل شر أخافه ... من الدهر حتى نمت في مقلة الدهر # خرجت من تونس المحروسة عند طلوع الشمس يوم الخميس السادس عشر لشهر رمضان ~~عن عام أربعين المذكور، ودخلت مدينة )باجة( المحروسة في عشى يوم الجمعة ~~السابع عشر من الشهر المعظم المذكور، وخرجت منها في صبيحة الأحد التاسع عشر ~~من الشهر المذكور ودخلت مدينة )العناب( في ضحوة يوم الخميس الثالث والعشين ~~منه، وخرجت منه في يوم الجمعة الرابع والعشرين ودخلت )قسطنطينية( في عشى ~~يوم الأحد السادس والعشرين من رمضان المعظم المذكور، فنزلت بمنزل صاحبنا ~~الفقيه الجليل الكاتب البارع الناظم الناثر الماجد الأكمل أبي إسحاق ~~إبراهيم بن الوزير الكبير الحسيب الأصيل أبي محمد عبد الله بن الحاج ~~النميري لغرناطي، ذو المعالي العلية، والفنون العلمية، والحكم الأدبية ~~والآداب الحكمية والكرم المفضل والفضائل الكريمة والبلاغة التي لها على ~~البلغاء مزية المزيد، ومزيد المزية، مع الحسب الأصيل. والكفاية في طلب ~~العلم والتحصيل والمعارف التي بها جيد الزمان حال على الجملة والتفصيل ~~شهادة قبل أداؤها من كل نفر، ويثبتها قول الفاروق رضي الله عنه الذي زكى ~~عنده رجلين، أكنت معهما في سفر، فهو صديقي المحق، ورفيقي المرفق، ومعاشري ~~ذاهبا وآئبا في بلاد المشرق، فتهادينا تحية الأصدقاء وتنادمنا بحديث ذلك ~~السفر وأولئك الرفقاء ولا تسأل عن حسن هذا الاجتماع وأنس هذا اللقاء: # حديث تخال الروح عند سماعه ... لما هز من أعطافه تتقصف # ونما الخبر إلى حفيد مولانا السلطان الأجل الأسنى الأسمى الأكمل، أبي زيد ~~عبد الرحمن بن السلطان الأجل الهمام الأوحد المرحوم أبي عبد الله محمد بن ~~مولانا أمير المؤمنين ابن يحيى أبي بكر أيد الله سلطانهم ومهد أوطانهم وهذا ~~الصاحب الفاضل هو كاتبه الذي تحلى بكتابته ملكه، وانتظم بدرر نظمه ونثره ~~سكه وملكه أبوه رحمه الله المماليك والأملاك، فحصل له ملكه فرأى أيده الله ~~أن ينوه بجانبي وأن لا يترك حظه من إكرامي لصاحبي وأمر بتجهيز منزل حافل ~~وانتقالي إليه. وإجراء كل ما احتاجه ويحتوي المنزل عليه، ms215 وأقمت أتطرق عوارف ~~أياديه وأحل كل بوم بناديه، وصاحبي يعرفني بما يجتنيه. من أنعامه ويجتبيه، ~~ويطرفني بغرائبه وغرائب أبيه ومنها ما أنشدنيه قال أنشدني لنفسه السلطان، ~~الأجل الفاضل الكامل، ولي عهد أمير المؤمنين قرة عين أبيه وأعين المسلمين ~~أبو عبد الله محمد بن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر رضي عنهم ~~أجمعين: # نكون ملوك الأرض ذاتا ومنصبا ... وأرثا عن الفاروق وهو عظيم # وتملكنا هيفاء خود غزالة ... مريضة طرف أن ذا لعظيم PageV01P130 وما أنسى ~~لا أنسى خروج هذا النجل السعيد، إلى المصلى صبيحة ذلك العيد الذي كان وجهه ~~في عيد، في مركب نبيل من وجوه عبيد، متنافس في فخورة الملابس محففين من ~~أداة الفوارس، يحفونه حف النجوم بالقمر الأضحيان، وقد ركب بين يديه صنوف من ~~العبيد، وألوف من أبطال الجنود، تضيق بهم الفجاج، وتزخر في بحر الحديد منهم ~~الأمواج، وقد أشرق ذلك اليوم بإشراق غرته، وتبلج صباحه من تبلج أسرته، ولاح ~~الصبحان فكان الفضل لنور جبينه، وغسق طرته، فبهر كماله وتجملت حاله، ورزق ~~من أعين الناس قبولا، واستبانوا منه على علو صيته ذكاء وتهذبا، في شخص حسن ~~الخلق، ساجى الطرف، لين العطف، يقظ الحس، تشهد مخايله بما تحتها من ذكاء ~~وفطنة، تحمل من نتائجها، من لدن صباه، نوادر شاهدة بنهاه، وقد كان الناس ~~انتشروا حفافي طريق السلطان مستبقين إلى لقائه، يسبق راكبهم راجلهم، إلى أن ~~أقبل في كتائبه، معبأة يروق منظرها وهم يستقدمون إلى المركب الذي هو فيه ~~فوجا بعد فوج، ركبانا ورجالا، وقد وكل طرفه بملاحظتهم، وسمعه بأسماعهم، ~~فقسم بين وجوههم من إمساك عنانه وطلاقة وجهه بل بشره وجميل رده ما ملأهم ~~مسرة، وبجلهم مبرة، ولم يسئموا من مسايرة كوكبه، وتكرير معاينته، وإعلان ~~الدعاء له ونثر الثناء عليه، إلى أن نزل منزله من المصلى، وذلك القطر قد ~~راق محضره، واجتمع باديته وحضره، وأبدع في الجمال مراءه ومنظره، والنهر قد ~~تدفق ماؤه، والزهر قد مدت ملاؤه، والربيع قد بدت كبرياؤه وخيلاؤه، والجميع ~~قد جمعتهم آلاء الله ونعماؤه، وشهدت بصدقهم إلى ms216 يومهم أرضه وسماؤه، فقضيت ~~الصلاة والخطبة وحانت الوقفة للبيعة والوثبة، وضربت الطبول فمادت الأرض ~~لرعودها وقفلت الجنود، فرجفت الجبال لحدورها وصعودها، وقيدت الجنائب من ~~كرام خيول القادة، وقالوا جميعا على اليمن والسعادة، وأقبل السلطان وقد ~~اجتلوا من غرته السعيدة البدر في الكمال، وعاينوا من هيبته في حال بنوته ~~ليثا أبا الأشبال: # أرق من الماء الذي في حسامه ... طباعا وأمضى من شباه وانجد # له سورة مكتنة في سكينه ... كما أكتن في الغمد الجراز المهند # ونهض والعيون إليه رامقة، والقلوب له وامقة، وعذبات الألوية على عذباته ~~خافقة، وكل علم منها بيد علم، ومن أشبه أباه فما ظلم، وصار الركاب لميمون، ~~والنصر يقدمه والأقدار تسعده والسعود تخدمه: # بعسكر تشرق الأرض الفضاء به ... كالليل أنجمه القضبان والأسل # لا يمكن الأرض منه أن يحيط به ... ما يأخذ السهل من عرضيه والجبل # وكان عيدا سعيدا، مبديا في الجمال والإجمال معيدا، لم نزل نميس في جديد ~~خلعه ونتأنس بحسن منزعه ونتبهنس بين مرتع ذلك القطر ومربعه، وركب السلطان ~~أثر صلاة العصر ثاني يوم عيد الفطر في جيشه اللهام، ذي العدد القمقام، ~~فركبت أنا وصاحبي في موكبه، وركنت إلى جميل مواخاته، وكريم مذهبه، وسرنا ~~وسار الركاب السعيد يحمل جواده الكريم عن المقام الكريم، طود حلم وأسجاح، ~~وليث بسالة وكفاح، وبحر جود وسماح، وبدر دجنة تسربل ثوب صباح، رأيه الرشيد ~~وعزمه المنصور وسيفه السفاح: # كأن الله خيره فسوى ... خلائقه الحسان كما اشتهاها # فبرز إلى الميدان على تعبية رائعة رائقه في إعداد تكاثر الحصا فائقة من ~~جرد مسومة، قب مطهمة، قد صففت على مخائل سبقها ورتبت على منازل عتقها من كل ~~أشهب بالمصباح مجلل، وأدهم بالظلام مسربل وأصفر كسى قميص ورس وأشقر خلع ~~عليه رداء شمس وأشعل، مزج ماؤه وأبلق خلط ليله بنهاره: # خيل مسومة غر محجلة ... من اللواتي تفوت الوهم والنظرا # كأنما هي في المضمار جائلة ... ريح الصبا قابلت من ريحه المطرا ~~PageV01P131 وفرسانها ممسكة بالأعنة وقائمة في سروجها كالأسنة قد اعتقلوا ~~عوالي المران، وتقلدوا من المرهفات كل هندواني، من ms217 الهند غيروان، وتنكبوا ~~محنيات القسى أهلة لا تفضى إلى المحاق، ولا تنى رجوم سمائها عن شياطين ~~المراق، بالإحراقن واستلئموا اليب الحسان، والجحف التي سوغها الأنعام ~~والإحسان، ما شئت من تراس تروق عيونا، وتفوق أنواعا وفنونا، ودرق ينفرد ~~الكمى بها كمينا، وتقيه الحتوف حصنا حصينا ويقدم بها على مقارعة الأبطال ~~واقتحام الأهوال فتبدي النصر مكينا، وتدني من عقائل المعاقل الفتح مبينا، ~~وتسربلوا من الزرد المضاعف نسجه سرابيل. وطاروا في ذلك الميدان عقبانا ~~كواسر وطيرا أبابيل: # جباهها فغدت آثارها غررا ... مخافة أن تبدده العيون # يسيل على البسيطة منه سيل ... عباباه الحوادث والسنون # به خدع المنى ورقي المنايا ... وصرف الدهر يخشى أو يلين # وما تدعو الرياح وما تلبي ... وما تخفي الصدور أو تبين # وما نمت المهارى أو المهاري ... وما احتبت القيول أو الفيون # سماء علا تلوح بها العوالي ... نجوما نوءها الحرب الزبون # وقد هبت عتاق الخيل فيها ... عواصف لا يتاح له سكون # وجال السلطان المؤيد في ميدان أشب الجوانب منسرب المذانب قد اخترقت ~~الجداول ساحاته، ودبجت الأزاهر مساحاته، وأدواحه تنعطف في أكف الرياح، ~~وتكاد تنقصف من الارتياح. قد نشرت ورقها نشر ذوائب الحسان وزهرت لمتأملها ~~كأنها زهرة نيسان. في أرض تروق، وروض كأنما خلع عليه الشروق: # وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لف ثيابه في رأسه # فلم أر مثله ميدانا حوي كل الفخر ما بين روض يانع: # وواد حكى الخنساء لا في شجونها ... لكن له عينان تجري على صخر # وجال بين يديه من أنجاد الأمجاد، وحماة الكماة أسود على عقبان، وجنود ~~كأنهم الكثبان قد أخذوا أرجاء الميدان وجوانبه، وملأوا مشارقه ومغاربه، وهم ~~يسمون صحفات صفحات البسيطة بحوافر الخيل ويثيرون قتاما كقطع الليل والأسنة ~~تبدو كأنجم سماء والسيوف تلوح كأنها جداول ماء، والقنا تخطر كأنها بروق ~~خواطف، وجياد يصم منها الصهيل كأنها رعود قواصف، والكتيبة قد كتبت المنايا ~~إليها كتبا تقع عليها وتسقط والبيض تشكلها والأسنة تنقط: # والسيف دامي المضربين كجدول ... في ضفتيه شقائق النعمان # فغدا حماها وهو مباح، وأرواح فوارسها تكاد تستباح، والأنابيب ms218 تتخلل كأنها ~~الأرماح والظهور توسم، والوجوه قد أثخنتها الجراح، ووجهه الصبيح والشمس قد ~~أومضا إيماضا وأفاض من سناهما أفاضا. وأعلام الدولة قد حفوا بلوائه. ~~وتألقوا في سمائه. كأنهم النجوم إشراقا. والدر انتظاما واتساقا، ولما فنى ~~اليوم أوهم. وكاد وجه النهار أن يدلهم، انعطافا للرجوع في صهوات الجهاد. ~~وانصرفنا نميس طربا كالغصن المياد، وسرنا ويمن الملك الأجل يهدينا. ونوره ~~يسعى بين أيدينا فلا زالت دولة مولانا أمير المؤمنين أيده الله بمثله من ~~أوليائه المستظلين بظل أفيائها، محمية الأقطار مقضية الأوطار، تتوالى عليها ~~الأعياد توالى العهاد على الروض. والوارد على الحوض، ولا زال أمرها المطاع ~~وجدها لصاعد وعزها الأقعس، وراياتها الظاهرة وحزبها الغالب وأيامها السعيدة ~~ولياليها البيض وعبيدها الأحرار وغنائمها الدول، ونوالها السفاح ولواؤها ~~المنصور ومنارها الهادي، ورأيها لرشيد، وغيبها الأمين، وسطوها المأمون ~~جارها المعتصم، ومؤملها الواثق، وخادمها الموفق، وهنا الله مولانا عيدا، ~~وهو عبده وموسما زانته سيماه، وفطرا بكرمه كرمت فطرته، ولقاه الروح ~~والريحان عن قيامه، كما اختصه بأجور من فطر من الصائمين: # آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا PageV01P132 وما ~~برحت مع صاحبي الفاضل ألقى من فوائده انتفاعا، وأرى من أخلاقه انطباعا واجد ~~من أكنافه رحبا واتساعا. وأرد من موارد كرمه مناهل أشيم برق الجنى من ~~سحائبها لماعا، وهو وإن كان أمامي الذي به اقتديت فقد روى عنى كما عنه رويت ~~فإنه لم يمهلني سوى ريثما نزلت عن ظهر الجواد، حتى طلبني بما حصلت بعده من ~~الفوائد والأناشيد في تلك البلاد، فأرسلت عليه سيلا عرما من الأنشاد، وهمت ~~معه من الأدب في كل واد، فكان مما أطربه من ذلك وأعجبه ولم يلبث أن قيده ~~ساعته تلك وكتبه من فلق فيه، وبديع قوافيه شيخنا الإمام عز الدين أبو إسحاق ~~بن حباسة المتقدم الذكر لشهاب الدين التلعفري مقدم شعراء الناصر وذلك قوله: # أي دمع من الجفون أسأله ... إذ أتته مع النسيم رسالة # حملته الرياح أنفس عطر ... أودعتها السحائب الهطالة # مر فيه والزهر زاه فأضحى ... ناشرا فوق نوره أذياله # نشر ms219 القلب نشره من غرام ... بات فيه مكابدا بلباله # عذبته من قلبه عذبات ... وفروع على اللوى مياله # يا خليلي وللخليل حقوق ... اجبات الأحوال في كل حاله # سل عقيق الحما وقل إذ تراه ... خاليا من ظبائه المختالة # أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العسالة # وليال قضيتها كلئال ... بغزال تغار منه الغزالة # بابلي الألحاظ والرمق والألفا ... ظ، كل مدامة سلساله # ونقى الجبين والخد والثغر ... فطوبى لمن حسا جريا له # وسقيم الجفون والعهد والخصر ... وكل أراه يشكو اعتلاله # وطويل الصدود والشعر والمطل ... فمن لي بأن يديم مطاله # ما كساني ثوب السقام دقيق ... النسج إلا جفونه الغزالة # وإعذابي بعذب تلك الثنايا ... وأغليلي بما حوته الغلالة # من بنى الترك كلما جذب القوس ... رأينا في قوسه بدر هالة # يقع السهم حين يرمي فما تدري ... يداه أم عينه النبالة # قلت لما استباح دين وصالي ... وهو مثر وقادر لا محالة # بيننا الشرع قال سر بي فعندي ... من جمالي لكل دعوى دلالة # شهودي من خل خدي قدي ... لي شهود معروفة بالعدالة # أنا وكلت مقلتي بدم الخلق ... فقالت قبلت هذي الوكالة # وقوله: # تولهي بك شيء عنك غير خفي ... فراقب الله في الهجران لي وخف # واعدل عن الظلم واعدل في النفوس ولا ... تجر على المستهام المغرم الدنف # يا راميا أسهما من لحظ ناظره ... فوق فغير فؤادي ليس من هدف # سبحان معطيك خصرا غير مختص ... من العذاب وعطفا غير منعطف # إذا شكوت لترثي لي وترحم ما ... ألقاه من وجدي المضني ومن كلف # يردني آيسا من ذاك عارضك اللا ... مي والمنثني من قدك الألف # وأنشدته مقطوعات كثيرة فكان مما أعجبه منها قول بعض المشارقة: # بهت العذول وقد رأى ألحاظها ... تركية تذر الحليم سفيها # فثنى الملام وقال دونك والأسى ... هذي مضائق لست أدخل فيها # وقول بعضهم: # همت في حبها وهامت بهجري ... أنصفتنا فكلنا مستهام # وادعت أن في فؤادي هواها ... صدقت فيه لوعة وغرام # وقول أبي الحسن علي بن طاهر بن مفوز: # أعرضت حين أبصرت شعرات في ... عاري كأنهن الثغام # قلت هذا تبسم الزهر قالت ms220 ... قد سعى في صدودك الابتسام # ورأيته معجبا بالرباعيات المشهورة بالدوبيتين، وهي التي أولع المشارقة ~~بها. فجلت معه في هذا الميدان مجالا، وقلت وخير الشعر أشرفه رجالا، وكان ~~مما أنشدته منها قول الملك المعز، بن طغدكين أيوب صاحب اليمن: # قم نشربها سلافة كالذهب ... من قبل حلول عائق أو سبب # لما برزت ولم تزل في حجب ... من خجلتها تبرقعت بالحجب # وقول الشهاب التلعفري المذكور: # قالت: وقد انتضت سيوف اللحظ ... والسحر ممازح لذاك اللفظ # ذا حظك ما ألقه قلت لها ... لو شئت لما كنت قليل الحظ # وقول الملك الأمجد ابن أيوب صاحب بعلبك: # كم حلفت بكل أم وأب ... أن تسمح لي فأعقبت بالكذب # حتى حلفت على التجني فوفت ... ما تصدق إلا في يمين الغضب # وقول مظفر الدين صاحب أربل: PageV01P133 لولا خبر يأتي به الطيف إلى ... ~~ما كنت وقد بعدت عن حبك حي # لما ظهرت أدلة العشق على ... موهت بحاجر وعرضت بمي # وقول الأمير حسام الدين الحاجري الأربلي: # أقسمت بعهدي لكم والذمم ... لولا إلمام طيفكم لم أنم # في اليقظة قد حرمت أن تنظركم ... عيني فعسى نراكم في الحلم # وقوله: # طيف لكم زائر جميل الوصف ... قد صار لكثرة التداني الفي # ما أسعدني وقد تمتعت به ... لو صب على نوم أهل الكهف # وقوله: # لما سلك الخيال سبل الغسق ... وألفاني يشتكي ظلام الطرق # بالرحب لقيته وفي رجعته ... ألقيت عليه جذوة من حدق # وقوله: # يا طيف خياله إذا عدت إليه ... أشرح قصصي وقبل الأرض لديه # أعلمه بما جنى به ناظره ... والحاجب ما أنكر في ذاك عليه # وقوله: # مذ صد عن عهد وصالي حالا ... لم يبرح دمع مقلتي هطالا # أدعو بلساني يفعل الله به ... مثلي وحشاشتي تنادي لا لا # وقوله: # لما نظر العذال حالي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت # لا تحسب إلا أنا نعذله ... من يسمع من يعقل من يلتفت # وقوله: # يا من خطراته لقلبي عنت ... هل ترجع في العتاب تلك النكت # قد قيل محاسن الظبا لفتتها ... يا ظبي فنى العمر متى تلتفت # وقوله: # بالذل رفعت قصة ms221 الدمع إليه ... والأرض لثمت خاضعا بين يديه # في الحال إلى حاجبه وقع لي ... هذا الشاكي يزاد في الجور عليه # وقوله: # يا من تجلى إلى المصلى غلسا ... أن جزت بشادن الحماقف نفسا # بالله وعرض بغرامي فعسى ... يستعطف قلبه فقد قيل قسا # وقوله: # أحبابي مالي بحياتي نفع ... مذ عز شملنا بشت جمع # في الليل إذا أرقني ذكركم ... أبكي أسفا جهد المقل الدمع # وقوله: # يا سعد أوامر الهوى لا تحصى ... قف نبك فبينهم بهذا أوصا # ناشدتك عج دمعي على ربعكم ... نبك بحقوق دارهم لا تحصا # وقوله: # يا خشف مها فدتك نفسي خشفا ... يا غصن نقا حرمت منه العطفا # يا من ألف الضنا بجسمي ألفا ... لا تسرف بعض ذا التجني يكفي # وقوله: # لما خطرت ريح صبا يبرين ... ليلا وتعطرت على النسرين # هاجت حرقى فقال صبحي دوني ... ما أشبهه بحالة المجنون # وقوله: # النوم لبعدكم على الطرف حرام ... والصب أسير لوعة حلف سقام # كانت بوصالكم تلذ الأيام ... غبتم فعلى لذاذة العيش سلام # وقوله: # لما رحلوا وصار رشدي غيا ... لم أبصر بعدهم لجسمي فيا # ويلاه بأي حجة ألقاهم ... أن بعد فراقهم رأوني حيا # وقول الملك الأشرف ابن أيوب صاحب دمشق في مملوك كان يهواه. وجعله على ~~خزائنه: # أهوى قمرا تحار فيه الصفة ... يسخو بدمعي وهو أمين ثقة # ماذا عجب يحفظ مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت # وقول ابن الفارض المكي رضي الله عنه وأرضاه: # أهوى قمرا له المعالي رق ... من ضوء جبينه أضاء الشرق # بالله تدري ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبيني فرق # وقول سعد لدين بن العربي الدمشقي: # أفدي قمرا لعاشقيه ظهرا ... إن واصلني فطالما قد هجرا # النمل على وجنته قد رقمت ... لا غرو إذا ما وصلتها الشعراء # وقول العماد الأصبهاني كاتب السلطان صلاح الدين بن أيوب: # الشوق إليكم شديد البرح ... والوجد يجل شرحه عن شرح # صبرا فعسى سماؤه أن تصح ... لابد لكل ليلة من صبح # وقوله: # هبت سحرا فنبهت وسواسي ... نشوى خطرت عليلة الأنفاس # أهدت أرج الرجاء بعد اليأس ... ما أحسن بعد وحشتي ms222 إيناس # وقوله: # بالله عرفت ما بقلبي صنعوا ... خلوه بنار شوقهم ينصدع # ما لم أر شملي بهم يجتمع ... ما أحسبني بعيشتي انتفع # وقوله: # ما كنت أظن أننا نفترق ... والقلب بنار شوقكم يحترق # بالله صلوا لعلنا نتفق ... من باقي العمر ساعة نسترق # وقوله: # ما أصعب فراقكم ما ألقى ... أبكي أسفا ودمعي ما ترقا # كم أتعب في هواكم كم أشقى ... ما آمل من بعدكم أن أبقا # وقوله: PageV01P134 ما أحوج صبكم إلى بغياه ... ما أشوق ميتكم إلى محياه # عودوا جودا وأدركوا لقياه ... ما أعطش غرسكم إلى سقياه # وقوله: # الروض نسيمه حليم سفه ... والنور على الغصون زاه نزه # والعيش كما تراه صاف رفه ... وماذا وقت الكرى ما تنتبه # وقوله: # البلبل قد غرد فوق الفن ... واهتز من النشاط عطف الغصن # هذا زمان الربيع والورد جنى ... قم فانتهز الفرصة فالعمر فنى # وقوله: # منشورك العذار من أرخه ... كافورك بالعنبر من ضمخه # بالمسك على الورد وقد لطخه ... خط حسن أريد أن أنسخه # وقوله: # من رصع حل وردك المحمر ... ياقوتك بالزمرد المخضر # جدلي برحيق درك المفتر ... فالخمرة قد تباح للمضطر # وقول الفخر بن قاضي دارا رضي الله عنه وأرضاه: # مولاي أما ترحم مأسور جفاك ... حاشاك بأن تظلم مثلي حاشاك # أن كنت تشك أن قلبي يهواك ... هاأنت به فهل نرى فيه سواك # وقول الملك المنصور بن أيوب صاحب حماة: # عيني دمعت مسرة بالجمع ... قالوا مهلا ما في البكا من نفع # دع عينك تستغنم منهم نظرا ... ماذا زمن تشغلها بالدمع # وقول العماد بن الزاهد بن أيوب صاحب البيرة: # ذي كاظمة والعلم الفرد يلوح ... والأجرع والغضا وبان وطلوح # هاتيك منازل بها كان لنا ... عيش ومضى فنح أن كنت تنوح # وقول باذكي صاحب البصرة: # زود نظري بنظرة قبل تسير ... من وجهك أن عمر ذا اليوم قصير # لا تأمن أن تذوق ما ذقت أنا ... أو تصبح في حبائل الحب أسير # وقول الفخر بن بصاقة: # البلبل كم يصيح في الدوح بليت ... والدوح يميل قائلا منك زهيت # لا يعلم ذا مقدار ما حل بذا ... حبى أبدا ينعم ms223 إذا قلت شقيت # وقول ابن نبهان الدمشقي: # من حبك في حشاشتي أوطان ... ما مر بها العذل ولا السلوان # تالله لقد حولت في القلب فلو ... بالهجر مزجت طاب لي الهجران # وقول الجمال بن مطروح: # لا تستر ما جرى فما يستتر ... عندي وحياة ناظريك الخبر # لا بأس عليك فالقنا منبسط ... في حبك كل هفوة تغتفر # وقول قمر الدول ابن دواس الفنا: # سكان قبا أفديكم من سكنى ... ما أطيب وقع ذكركم في أذني # لم أنس وقد قضيت معكم زمنا ... أبغي بدلا يا ليت شعري بمن # وقول الصلاح الاربلي نديم الملك الكامل صاحب الكامل: # لما عرف الدار بكا وانتحبا ... واستنجد أدمعا تحاكي السحبا # ما زال مرددا بها وأحرزنا ... حتى ذهب المسكن مع من ذهبا # وقوله: # بالله عليك أيها المرتحل ... بلغ عني أحبتي ما فعلوا # قل مات فان قالوا متى، قل لهم ... من يوم فراقكم أتاه الأجل # وقو أيدر التركي: # بالله أن جزت على نعمان ... أنشد قلبا قد ضاع عن جثمان # وأحذر يعطوك غير قلبي غلطا ... فالقوم لديهم كل قلب عاني # وقول الضياع بن ملهم المقدسي: # بالله لقد سمعت في الدوح أنين ... ورقاء تنادي بنحيب وحنين # الأفلف مجاوري وهذا كلفي ... ما حال قرين قد نأي عنه قرين # وقول العماد السلماسي: # يا من هجروا بالله ما نهجركم ... تنسون ونحن دائما نذكركم # العذر لكم في عيشنا بعدكم ... العذر لكم يا سادتي العذر لكم # وذكرت له ما ذكره أبو الحسن على بن سعيد رحمه الله قال: سمعت الملك ~~الناصر ينشد لنفسه وقد جاءه مملوك بباكورة ورد: # الورد قد أتى مبشرا بالأمل ... عجلان مبادرا وقوع الملل # لا تخجله ولا الذي جاء به ... في خدمهما ما قد كفى من خجل # ولما عدت من العراق، وأنشدته من محاسن الدوبيتيات ما أمر بكتبه ثم قال لي ~~هذا طرز لا تحسنه المغاربة فقله له يا خوند كما أن الموشحات والأزجال طراز ~~لا تحسنه المشارقة والمحاسن قد قسمها الله على البلاد والعباد. قال: صدقت، ~~فهات ما نظمت أنت في هذا الطراز فأنشدته: # مولاي أراك ms224 دائم الأعراض ... والعمر يمر ضائع الأغراض # كم أسألك الرضي وكم تمنعه ... الملك لمن أصبحت عنه راض PageV01P135 قال ~~ما قصرت ركبت الجادة، وما تحتاج بعد إلى دليل، انتهى. ولم نزل نثير لئالئ ~~الفوائد ونسحب أذيال المقطوعات والقصائد، ونرد من ذلك أحلى المصادر وأعذب ~~الموارد إلى أن أزفت النوى. وأثارت الجوي، ففرقتنا بعد تألف وأقصدتنا بسهم ~~تحيف فبالغ في الإكرام واعتذر، وزود حتى لم يذر، وودعته الجوانح ملتهبة ~~والدموع منسربة والشوق بقلوبنا لاعب، وغراب البين ببعد الأحبة ناعب وكم ~~سربلتني النوى سقما، وأصارت في عقلي لمما، فلوان ما بي منها بجفن ما ألف ~~هجوعا، أو بقلب لفاض نجيعا. ولكني خلقت جلدا بالحوادث حجرا صلدا: # يوم الفراق أقد خلقت طويلا ... لم تبق لي صبرا ولا معقولا # قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تزيد رحيلا # ومما أنشدني لنفسه في تلك الأيام البادية الأتضاح السائلة الغرر والأوضاح ~~قوله يخاطب السلطان الفاضل أبا عبد الله بن مولانا أمير المؤمنين عند قدومه ~~حضرة تونس وقد وردت عليه عربه من رياح: # يا قادما وافي فعم خصبنا ... لا تنكر العرب التي جاءت إليك # لو لم تواف رحمة ما أرسلت ... فينا رياح نشرت بين يديك # وأنشدني قوله وقد دخل السلطان الأجل صاحب مدينة فاس أبو الحسن المذكور ~~أولا مدينة تلمسان بعد أن حصرها مدة وهدمها بالمجانيق: # تلمسان كانت في البناء منيعة ... عليها من العدوان شر لباس # فلا غروان هدت لنا وتهدمت ... فقد جاءها للهدم صاحب فاس # وأنشدني قوله وهو بحضرة فاس: # أيا عجبا كيف تهوي الملوك ... محلي وموطن أهلي وناسي # وتحسدني وهي محسودة ... وما أنا إلا خديم بفاس # وأنشدني قوله: # لعمرك ما ثغر باسم ... ولكنه حبب لا عب # ولو لم يكن ريقه مسكرا ... لما دار من حوله الشارب # وأنشدني قوله مخاطبا بهما عند ورودي عليه بقسنطية المذكورة وقد لاح برق: # أنظر إلى البرق يجلو عنك أظلاما ... وشمه يا خير من البرق قد شاما # كأنه إذ قدمت أرتاح من فرح ... فظل يبدي إليك الثغر بساما # وأنشدني لنفسه وكتبها بخطه ms225 على ظاهر المبيضة من هذا الكتاب حين وقف عليه ~~هنالك: # أن الإمام أبا البقاء لأوحد ... عجب يعز بمغرب ومشرق # لو لم تكن دررا لنا كلماته ... ما نظمت حليا بتاج المفرق # وأنشدني للشيخ الإمام العلامة الفاضل أبي العباس أحمد بن شعيب أحد كتاب ~~السلطان أبي الحسن ملك المغرب: # يا رب ظبي شعاره النسك ... الحاظه في الورى لها فتك # يترك من هام فيه مكتئبا ... لا تعجبوا أن قومه الترك # أشكو له ما لقيت من حرق ... فينثني لاهيا إذا أشكو # وحين لم يقض من تعطفه ... أخذا ولا من صبابتي ترك # صبرت حتى أطل عارضه ... فكان صبري ختامه مسك # ثم خرجت منها صخوة يوم الخميس السادس لشوال من عام أربعين المذكورة في ~~لمة من فتيان الوفاء، وفرقة من أخوان الصفاء ترسل أولى الخيل على أخراها ~~وتعرض السوانح فيستحضرها أدجناها: # كان بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافها صدأ الدروع # وما زلت أساير السبيل السالك حيث سار، وأخذ اليمين تارة وتارة اليسار، ~~ومل ناحية تسفر لي عن روض أزهر، وعذار نبت أخضر، وتبسم عن ثغر حباب في نهر ~~كالحباب، وترفل من الربيع في ملا بس سندسيات، وتهدي نوامج مسكيات، وتزهي من ~~بهجتها بأحسن منظر وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب وانظر إلى أن دخلت ~~)بجاية( المحروسة في يوم الأحد السابع عشر لشوال المذكور، فنزلت بها في قصر ~~من الديار، ودار من القصور، دار تخجل منها الدور، وتقاصر عنها القصور، وتقر ~~لها بالقصور: # دار مشي الإتقان من تجنيدها ... حتى تناسب روضها وبناؤها # مرقومة الجنبات ذات قرارة ... يمتد قدام العيوم فضاؤها # ما زال يضحك دائما نوارها ... في وجه ساحته ويلعب ماؤها PageV01P136 ونحن ~~تحت ظلال ضيافة السلطان الأفضل الانجد الأمجد الأكمل سراج الدولة وريحانة ~~الملك وطليعة النجابة أبي زكرياء يحيى بن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى ~~أبي بكر أعلى الله أمرهم وأعز نصرهم، فهو أسد الحملة وفارس الجولة الذي جاء ~~بئاية أوضح وأجلى وطلع من قنية الملك ابن جلا، فأحكم الله بأخباره أخبار ~~الأول كما نسخ بهذه الدولة وملوكها الملوك ms226 والدولة، وجعلها مستولية على ~~جميع المآثر والأثر، مستوفية لكل المجد من عين وأثر، وأقمنا يطاف علينا ~~بالطيبات والطيب بين العود الرطب وجني الغصن الرطيب والنادي الذي احتوي ~~الشادي الشادي الشادن والأديب اللبيب وجمع مه الصادق، والحميم الحبيب، هو ~~الفقيه الأجل الفاضل أبو الحسن على بن محمد المشتهر بالحمى: # شقيق أخاء لا شقيق أخوة ... نسيب صفاء أن ذكرت نسيبا # أحلته هنالك الأقدار واطمأنت به في تلك المدينة الدار، ونزح في طلب العلم ~~عن الأوطان حتى صار كتابا لهذا السلطان فتمتعت بموانسته وتمنعت إلا عن ~~مجالسته. وتعاطينا أحاديث كأنها رضاب وفوائد لها بيننا اقتضاء واقتضاب: # أحاديث أحلى في النفوس من المنى ... وألطف من مر النسيم إذا سرى! # وتذكرنا أزماننا بغرناطة، سقى الله أرجاءها المشرقة. وأغصانها المورقة، ~~ولله أيامنا بها التي كانت موشية. وعكوفنا على العلم فيها غدوة وعيشة وقد ~~امتد ببغيتنا في ميدانها عنان. وجن بتسنى أمنيتنا فيها جنان، والزمان غلام، ~~والدنيا تحية وسلام. والغصن رطيب وبرد الشباب قشيب والشمل جامع، والدهر ~~مجيب وسامع، وأيامنا أعياد وللسعد في زماننا انقياد ولا هم إلا مباحثة ~~صحاب، أو مجاذبة آداب أو ائتلاف على تأليف درر الفوائد وانتداب، فبالغ ~~الزمان في تفريقنا حتى بلغ الغاية، وأبدى من تغريبنا وتشريقنا العجب ~~والآية، وذهب البين بنا كل مذهب وقدر لنا أن اجتمعنا ببجاية: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقينا # وحين تباثتنا الأسرار، وتناشدنا الأشعار، وأنشدني من المقطوعات ما لم ~~أرضه ولا أثبته وكنت قديما قد سمعته فنبذته، فقال لي: إنما الأعراب للأسماء ~~ولا يجوز التيمم مع وجود الماء إياك أردنا، وأنت فأنشدنا فأنشدته في المعنى ~~الذي أشار إليه والمورد الذي حام عليه لجمال الدين بن العطار: # إذا ما بدا مرخى الذؤابة وانثنى ... ضحوك الثنايا مرسل الصدغ في الخد # بدا البدر في الظلماء والغصن في النقا ... وزهر الربا في الروض والآس في ~~الورد # وأنشدته لبعض الفضلاء من أهل العصر: # تأمل ترى خضرة الشارب الذي ... على الشفة اللمياء والمورد العذب # زمردة خضراء فوق عقيقة ms227 ... وتحتهما سمطين من لؤلؤ رطب # وأنشدته لبعضهم: # لم يكفهم وهو روض حسن ... حراسة الأعين المراض # خافوا على زهره قطافا ... فشوكوا حائط الرياض # وأنشدني لأبي فراس الحمداني: # من أين للرشا الغرير الأحور ... في الخد مثل عذاره المتحير # رشا كان بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر # وأنشدته لابن المعتز: # يحيى النفوس إذا يشاء بقربه ... ويميتها بفتور طرف ساج # لاح السواد بخده فكأنه ... سبج أضيف إلى جوانب عاج # وأنشدته لأبي القاسم بن كامل: # وهويت سكران اللاحظ أغيدا ... يحيى فتور جفونه ويميت # للحسن كافور على وجناته ... ولصدغه مسك عليه فيت # وأنشدته لابن كامل أيضا: # نبت العذار بخده فكأنما ... نبتت بروضات الربا ريحانها # وكأن نارا للجمال بخده ... شبت فلفع عارضيه دخانها # وأنشدته للعماد الأصبهاني: # ومعذر لعب الدلال بطرفه ... وبعطفه فكلاهما نشوان # وتواقعت نار الصبا في خده ... مع مائه فعلا هناك دخان # وأنشدته لعز الدين ابن العجمي: # لهيب الخد حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش # فأحرقه وصار عليه حالا ... وهذا أثر الدخان على الحواشي # وأنشدته لأبي تمام غالب بن باح: # يا سالب البدر المنير جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه # أحرقت قلبي فارتمى بشرارة ... نزلت بخدك فانطفت في مائه # وأنشدته له أيضا: # يا حبيبا له الفؤاد محل ... كيف يجفو وأنت في سودائه PageV01P137 كتب ~~الحسن فوق خدك خالا ... فأمحى الخال غير نقطة خائه # وأنشدته لابن عبد ربه القرطبي: # يا ذا خط العذار بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا # ما كنت أقطع أن جفنك صارم ... حتى حملت من العذار حمائلا # وأنشدته لابن حصن الأشبيلي: # غزال كحيل له ريقة يخالطها المسك والقرقف # كأن العذار على خده ... نجاد ومقلته مرهف # وأنشدته للملك الناصر بن العز سلطان الشام: # سلوا قوام الغصن لم ذا غدا ... عنى لا لي في الهوى مائلا # وخده التبري ما باله ... عذاره قد جاءني سائلا # وأنشدته لعز الدين بن العجمي الحلبي: # قد كان من قبل ذا نهار ... فزيد ليلا من العذار # فأين منه وهل مفر ... لنا من الليل والنهار # وأنشدته لبعض المشارقة: # وأحزني من فرند خد ... لمع نسرينه ms228 بورد # وعرقت نون عارضيه ... على عقيق بلا زورد # يلعب بي والهوى مجد ... ورب هزل أتى بجد # وأنشدته للأمير حسام الدين بن بهرام الحاج الأيلي: # لم لا أحن إلى الحجاز صبابة ... ويفيض دمع العين بالهملان # ورضابه الخصر العذيب وخده ... النضر وعذاره العلمان # لم يعد ذاك الخد خال أسود ... إلا لنكث شقائق النعمان # وأنشدته لأبي الحسن رستم المعروف بابن الساعاتي: # ومشوب الوداد ساغ هواه ... في خفى الأحشاء أي مساغ # بلغت وحيه الذوائب قلبي ... ما على المرسلين غير البلاغ # قمر نور وجهه يكشف الشمس ... إذا حل عقدة الأصداغ # وأنشدته لأبي الحسين الهاشمي: # وشادن دينه التشيع بالك ... رخ يضاهي الغصون بالميل # واصلني ثم صد عن ملل ... فليته قبل ذلك لم يصل # تصيح ألحاظه إذا قتلت ... بسحرها العاشقين يا لعلي # وأنشدته لابن الرضى الفضل بن منصور الفارقي: # مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج # حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر حدث عنه بلا حرج # بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج # مد يديك الكريمتين معي ... ثم ادع لي من هواك بالفرج # فقام وقبل رأسي، وقال كيف يعارض من جال آفاق المغرب وهو ينفض الغبار من ~~خوض أحشاء المشرق، فلما أطنب فيما به أثنى، سلكت به في غير هذا المعنى، ~~وأقمت منها بين جداول كالسيوف المرهفة وبسط نبات كالبرود المفوفة وأيام ~~معلومات الذيول، عاطرات عرفي الصبا والقبول، نعمنا ببكرها وآصالها. وأمتعنا ~~بتواليها واتصالها. والسعد لنا خادم، وما غير السرور علينا قادم، ولما هصرت ~~من أنسى غصنا ميادا، وانصبت بميدانها للأنس جيادا، خرجت مودعا لذلك الأخ ~~الفاضل، وشاكرا لتلك الشيم والمخائل وسائر بين تلك الربى والخمائل، في يوم ~~الأحد الرابع والعشرين من شوال المذكور. ولم نزل نصعد أنف كل ثنية ونعقد ~~لجهاد كل مارق أفضل نية، ونجدد لعربان جبل الزاب. كماة ورماة، معتقلين ~~عوالي سمر ردينية، ومتنكبين أعطاف قسي محنية. قد صفوا متقدمين وحفوا عن ~~الشمال وعن اليمين. واستحثوا فلبوا مسرعين، وأسرعوا مهطعين. وأقبلوا ~~ينفضون، كأنهم إلى نصب يوفضون: # يتوددون الخطب وهو ms229 مهالك ... ويبادرون الحرب وهي فناء # ويخاطبون بألسن البيض التي ... من دونها تتلجلج الخطباء PageV01P138 وقد ~~تلاقت على أمحاض النية الأرواح في أجسادها، وكادت الأسنة تطير من عواليها. ~~والسيوف تنسل من أغمادها، وتهيأت طيور السهام في وكنات الكنائن كمينا، ومدت ~~من الاشتياق إلى مقاتل أهل الشقاق والنفاق يمينا، وأطالت حنينا، لما كان قو ~~تولى من بغيهم وفسادهم وقطعهم للطرق وعنادهم، وهذا الجبل المذكور هو من أجل ~~اعتمادهم وأتم مرادهم لاختلاف أهوائه، وائتلاف شعرائه، وعظم ساحته واتساع ~~مساحته، وتوعر أرضه، وانخراق طوله وعرضه، وثمراته الشامخات في عنان السماء، ~~التي تبهر في العلو والنماء، وتظهر في إشراق محيا النهار معتكر الظلماء، ~~وما أظن مثلها تحت أديم القرصة الدهماء فدخلناه صبيحة يوم الاثنين ثاني يوم ~~خروجنا في أزيد من مائة إنسان من مشاة وركبان. ورجال وفرسان. نخطر في القنا ~~والأعنة. ونمطر سحائب المنايا من بروق الأسنة فمن عوالي رماح تثير خطياتها ~~وهج الكفاح. من كل مثقف رحب الخط ضنك المدخل أزرق لا ينى عن ورود الأكحل، ~~يميس في اعتداله وإن لم يعدل، قد جرى الموت في عطفيه جرى القضاء المنزل، ~~ومن مواضي سيوف، قد طبعتها أيدي القيون، من شتى حتوف، من كل صارم ذكر، ~~محمود الخبر، يتيه بصدق الأنباء فخرا على الأقلام ويسبق الخطى إلى برى ~~الطلا وإلهام. وتعرف مواقعه بحيث تدور رحا الحرب الزبون بالجيش اللهام: # ذكر برونقه الدماء كأنما ... يعلو الرجال بإرجوان ناقع # وترى مضارب شفرتيه كأنها ... ملح تناثر من وراء الدارع # وكأنما خدر الحسام بهامه ... خدر المدامة أو نعاس الهاجع # ومن القسى شتى الحنايا، تهدى إلى الأرواح إرسال المنايا، من كل زوراء ~~تسبق العين وتدني من الحين، وتصدق الخبر بلا ريب ولا مين، تصمى وهي في ~~النزع مرنان، وتجنى ولها ترنم النشوان وانة الثكلان تشكو وهي ظالمة. وتهدي ~~السبيل وهي به على بعد المدى عالمة: # إذا نبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز # ومن غدران الماذي ما شئت من سابغات دروع، يغني عنها البطل الشجاع، ويفزع ~~إليها الجبان المروع قد قدر ms230 سردها، وأبدع من نسج داود بردها، ومن حسان ~~الدرق اللمطية التي تنبو عن صفحاتها بيض الصفاح وسمر القنا الخطية إعداد ~~تروق العيون، وتدفع عن مستلمها حادث المنون من كل فادية الكماة بنفسها، ~~واقية من كل محذور وبؤس بقوتها وبأسها: # وصليبة تلقى الصفاح بصفحة ... فتردها مفلولة الأغراب # تقسو على قرع السيوف كأنها ... وجه اللئيم قسى على الطلاب # وما شئت من مجن تروق عند النظر، ويعكس شعاعه ضوء البصر يحتوي من الحسن ~~على كل بديعة، ويزري بمجن أبن أبي ربيعة، ومن بيض الرؤوس أمثال حباب طاف أو ~~أنصاف بيض نعام لاحت كزرق نطاف، إلى غير من العدد التي بها تشهد الحرب ~~الزبون، ويهزم العرب الذين هم لاذاية المسلمين يتحزبون، وصحبنا من الصافنات ~~الجياد، التي لم يزل الخير منها في النواصي والأجياد. كرام الخيول وأمثال ~~السيول، من كل نهد يسبق الطرف ويستغرق الوصف: # ومن كل قلبي القميص مدثر ... يروقك كالقرطاس حبره الحبر # وورد كأن الخمر صرفا بجلده ... وأصفر فيه يمزج الماء والخمر # وأشقر حلاه اللجين حجوله ... وغرته ثم استبد به التبر # وأبلق أعطى الليل شطر أديمه ... فلما تمشي فيه ضايقه الفجر # وأدهم في أعطافه تعبس الوغى ... وأشهب في أرجائه يضحك النصر # وطفقنا نخبط في سهل هذا الجبل ووعره، ونخلط سير أترابه بصخره، ونشق ~~أعطافه شقا. وندق جنادله بالحوافر دقا إلى أن أتممنا سيرا عند سقوط الشمس ~~للغروب، وقد أنضيت الرواحل من الإعياء وضعفت النفس من اللغوب، وعندما ملنا ~~للنزول، وعطفنا من تلك الحزون إلى السهول، وتصارخت العرب واجتمع الابن منهم ~~والأب، ثم حملوا علينا حملة ظننا أن الجبال إلينا راجفة، وان الأرض بنا ~~واجفة، فصبرنا لحر طعانهم وتجرعنا مرارة مرانهم واقبلناهم أوجها تتهلل إذا ~~عبس الحمام، وأنفسا تتجلد كلما عضها الحسام، فتجرعنا الغصص وتجرعوا، ~~وأشرعنا إليهم مثل ما إلينا أشرعوا: # لقيناهم بأرماح طوال ... تبشرهم بأعمار قصار PageV01P139 وتوافقنا طويلا ~~وقد حميت الصدور، وكؤوس المنايا تدور، ثم صدقناهم الجلاد والطعان، وجملنا ~~عليهم كأننا الرعان. . . وازلناهم عن مركزهم، وبدلناهم بالذل من تعززهم، ~~ووالينا عليهم الكرة بعد ms231 الكرة وحوزنا عليهم في كلها أشد المعرة، فلوا ~~أمامنا مدبرين، وأضحوا كالنعام مجفلين، وحال بيننا الظلام المفكهر، فلم ندر ~~من فر منهم إلى أين يفر، وانحاز بعضنا من بعض وقد عضتهم نار الحرب أيما عض: # ورحنا بعد ذاك إلى مقام ... تحدث عنه ربات الحجال # كأن الخيل تعلم من عليها ... ففي بعض على بعض تعال # وبات الجمهور من أصحابنا متقلدين لصوارمهم مخلصين أصدق النيات في عزائمهم ~~باذلين في ذلك مشكور اعتمادهم واعتمالهم، مصدقين لقول من قال في أمثالهم: # نفسي فداء معاشر شادوا العلا ... بعزائهم وأسنة وصفاح # ما للرجال وللنعيم وإنما ... خلقوا ليوم كريهة وكفاح # ثم رحلنا ظافرين وأدلجا مسافرين، وأفضى بنا الركض إلى ملة بيضاء مفيضة ~~إلى قرارة خضراء تتفجر فيها عين ورقاء ماؤها صفاء إنسانها وأحدق بها النبت ~~مهدب اجفانها، فنهلها في نميرها وكرعنا في غديرها، وركزها رماح الخط فوق ~~رياض القصب وافترشنا مطارق الوشي فوق دارنك العشب، وجعلنا من اللجم أوتادا ~~مرفودة واتخذنا من الأعنة أسبابا ممدودة فقدم الخباء، واستوي البناء، ~~والماء يقهقه في خريره والقمري يقرقر في هديره، والنسيم يعبق من المسك ~~الذكي والجو مضمخ بزعفران العشي: # تشدو بعيد أن الأراك حمامة ... شدو القيان عزفن بالأعواد # مال النسيم بقضبه فتمايلت ... مهتزة الأعطاف والأجياد # هذي تدع تلك توديع التي ... قد أيقنت منها بوشك بعاد # واستعبرت لفراقها عين الندا ... فابتل مبرز غصنها المياد # فأنا لكذل إذ برقت السماء فسلت مذهب نصولها وأرعدت. فضربت منذر طبولها. ~~وجعل الغمال يهيئ مراكبه وأخذ الربان يرتب كتائبه، فبعد ما أعز السير وامتد ~~طلقه وغلبه البهر فتصبب عرقه خر هنالك ولقى، فعندها نادم الروض فغنى وسقى، ~~فتنفست الأرض عن نكهة العروس وتبرجت في حلية الطاووس: # وكان صوت الرعد خلف سحابه ... حاد إذا ونت الركائب صاحا # مرتجة الأرجاء يحبس سيرها ... ثقل فتعطيه الرياح سراحا # أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا # جادت على التلعات فاكتست الربى ... حللا أقام لها الربيع وشاحا # فساعة خمد ذلك البرق، وانقشع ذل الودق، واعتزمنا على الرحيل والتحول في ~~برد ms232 الأصيل: # وبدا لنا ترس من الذهب الذي ... لم ينتزع من معدن بتعمل # مراءة تبر لم تشن بصياغة ... كلا ولا جليت بكف الصيقل # تسمو إلى كبد السماء كأنما ... تبغي هناك دفاع خطب معضل # حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل # ثم انثنت تبغي الحدور كأنها ... طير أسف مخافة من أجدل # بين الأنهار والأزهار في العشايا والأبكار: # ورب عشية فيها طفقنا ... نرود الظل والماء القراحا # وقد ضرب الضيب بها قبابا ... على الأدواح أبهجت البطاحا # كان جنابها يخضر آسا ... فأصبح وهو مبيض أقاحا # كأن الخضر جربها يمينا ... ومد عليه جبيل جناحا PageV01P140 وما زلنا في ~~طريقنا ذلك نتجول على تلك المنازل، ونتحول في تلك الخمائل، ونضرب في الأرض ~~كالعقبان الكواسر والليوث الخوادر، إلى أن وصلنا إلى مدينة )الجزائر( ~~فدخلناها في يوم الأحد الثاني لذي قعدة من العام المذكور فأصلحنا بها ~~الأحوال وجددنا منها الترحال، وخرجنا ضحوة يوم السبت الثامن لذي قعدة ~~المذكور وسرنا بعزم غير مرتاب وسير يطوي البيد طي السجل للكتاب، إلى أن ~~وصلنا إلى مدينة )تلمسان( وقد انجلى ظلامها وأزيل عن يد الباطل زمامها، ~~وعوفيت من اختلالها، وشفيت من اعتلالها وأشرق منها الجو وأنار، ولاح للعدل ~~بها علم ونار، فدخلناها يوم الأربعاء التاسع عشر لذي قعدة من العام ~~المذكور، وخرجنا منها عشية يوم الجمعة الحادي والعشرين لذي قعدة المذكور ~~فنزلنا تلك الليلة على بعض قراها. واستعملنا ما كنا استصحبنا من قراها ثم ~~قمنا للرحيل وأدلجنا وما عجنا على غير المسير ولا عرجنا، إلى أن وصلنا ~~)هنين( والشمس مستوفية اللالاء، مرتقية درجة العلياء، لا إلى هؤلاء إلى ~~هؤلاء في يوم السبت الثاني والعشرين لذي قعدة المذكور فوافقت قرقورة كانت ~~هناك قد كملت وسقا، وخفقت بنودها للسفر خفقا، وقلدت القرية وعملت على ~~المرية فاستخرت الله تعالى في ركوبها، ودعوته في تيسير مرامها ومطلوبها، ~~وخرجت من هنين راكبا فيها يوم الأربعاء السادس والعشرين لذي القعدة المذكور ~~وحين فرغت من الأرض وصحوت من سراها وممساها قربت إلى الفلك باسم الله ~~مجراها ومرساها، ms233 وما زلت بين قوادمها وخوافيها إلا حظ المنايا حينا وحينا ~~أكاد أوافيها قد تبدلت من ظل علا ومفاخر، بقفر طامي اللجج زاخر وعوضت من ~~صهوات الخيل، بصهوات اللجج والليل حتى آليت ألا ودع الريح تحية، ولا يورثني ~~هبوبها أريحية، فهي التي أثارت من الموج حنقا، ومشت عليه خببا وعنقا، حتى ~~أعادته كالكثبان وأصارت المركب فوقه يتلاعب كقضيب الآن وأخرجته عن طريقه ~~وأزالت كل واحد منا عن مركزه وفريقه. ورقت غصصه وأغصته بريقه، حتى لكاد ~~يغوص في اللجاج ويخوض عليها بحر عجاج إلى أن حط بي في مرسى )مجاقر( الشراع ~~والسفين، وآويت من جزيرة الأندلس الكريمة إلى الكهف المنيع والمكان المكين. ~~واستقبلت مواطن ظلال السيوف فقلت ادخلوها بسلام آمنين )وقد جاء( عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم آثار في فضل الأندلس وفضل الجهاد فيها والرباط في ~~ثغورها، وعلى سواحل بحورها، في فضل العابرين في البحر برسم الرباط فيها ~~والجهاد وتكثير السواد، فمن ذلك ما حكاه ابن حبيب قال: روى عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم سينقطع الجهاد ~~والرباط من المشرق والمغرب إلا جزيرة بالمغرب يقال لها الأندلس الذي يرابط ~~بها على ساحل بحرها من وراء عورة المسلمين أفضل من شهيد يتشحط في دمه وحدث ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعظم رباط خلقه الله ~~على جديد الأرض جزيرة بالمغرب الأقصى شرقيها عدو وغربيها عدو وجوفيها عدو ~~وقبليها عدو وهي جزيرة يقال لها الأندلس، وروى عنه أيضا أنه قال خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما من المسجد فأشار بيده تلقاء المغرب مسلما، ~~فقيل له على من تسلم يا رسول الله قال على أناس من أمتي يكونون في هذا ~~المغرب بجزيرة يقال لها الأندلس إليها آخر ما ينتشر هذا الدين رباط يوم ~~فيها أفضل من رباط عامين في ثغور غيرها حيها مرابط وميتها شهيد، تحشرهم ~~السحاب يوم القيامة من وراء هذا البحر الكافر على ظهورها فتمطرهم على أرض ms234 ~~المحشر كما تمطر السحاب الماء وهم ممن استثنى الله تعالى في كتابه: [فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض إلا أن شاء الله] قيل يا رسول الله بم نال أهل ~~الأندلس هذه الفضيلة، قال بجهادهم ورباطهم فيها وبأخذهم مذهب أهل المدينة ~~خير أمتي في المحيا والممات وأني سألت الله ألا يبتليهم ببدعة حتى يلقونين ~~وقال صلى الله عليه وسلم ، طوبى لمن أدرك زمانا يدخل الإسلام الأندلس ~~ويرابطون في ثغورها في آخر الزمان فهم بمنزلة المرابطين من أهل بدر من ~~المهاجرين والأنصار ثم قال من رابط في ذلك الزمان ساعة واحدة كتب له من ~~الثواب عدد كل نفس في الدنيا، وروى عن شهر بن حوشب أنه قال ما من بقعة من ~~الأندلس إلا ولها ثواب لا يدركه إلا العاملون يبعث الله تبارك وتعالى أهل ~~الأندلس يوم القيامة على حدة لا يخالطهم أحد، قد جللهم النور PageV01P141 ~~والبهاء وهم رؤساء المجاهدين، وقال أبو جعفر الطبري: قال كعب الأحبار يعبر ~~البحر إلى الأندلس قوم يعرفون بنور وجوههم يوم القيامة وقال وهب بن منبه ~~يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ستفتح بعدي جزيرة يقال لها ~~الأندلس يأتي الصغير منهم والكبير يوم القيامة يمطرهم على بيت المقدس كما ~~تمطر السحاب الماء وهذه الأخبار إن صحت فيها ونعمت وإلا فالقاعدة تقتضي صحة ~~المعنى فيها إذا الأصل في الأجر والثواب في ذلك أن يكون على قدر تعب النفس ~~وتعنيها، وفضل الأندلس مبين ومكانها من القلوب مكين ولقد أنصفها حين وصفها ~~أبو عمارة البصري بقوله: # لله أندلس وما قد جمعت ... من كل ما جمعت له الأهواء # فكأنما تلك الديار كواكب ... وكأنما تلك البقاع سماء # وبكل قطر جدول في جنة ... ولعت بها الأفياء والأنواء # ثم رحلنا من ذلك المرسى وتبدلنا من تلك الوحشة أنسا، وأهل تلك الأقطار، ~~يطيرون إلينا كل مطار، في تلك الأودية والأنهار، بين سار بالليل وسار ~~بالنهار: # يا ساري الليل هل من رامة خبر ... فأنني لسواه ليس أنتظر # بالله ربك خبرني فها كبدي ms235 ... تكاد من ذكرهم بالوجد تنفطر # أحباب قلبي وجيرني وأهل مني ... روحي إذا طربت والسمع والبصر # أعندكم أنني من بعد فرقتكم ... لا أستلذ بما يهوى له النظر # ترى أراكم على بانات كاظمة ... والعذل قد غاب والأحباب قد حضروا # ويجمع الله شملا طالما لعبت ... به الليالي ولم يسعف له القدر # فدخلت مجاقر المذكور في يوم الأحد الموفى ثلاثين لذي القعدة المذكور: # كل المنازل والبلاد عزيزة ... عندي ولا كمنازلي وبلادي # فأنخنا بها من عطن، وقد أشرفنا بحمد الله على ثنايا الوطن: # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار # وبتنا بها نعالج آلام الأشواق، ونطارد ذوات الأطواق، ولما طرب طائر السحر ~~وأذهب الصبح ما بصدر الساهر من الوحر، فوقت سهم العزم وأطرت عن زنده شرار ~~الحزم، وأدخلت على معتل التواني حرف الجزم، وخرجت منها في صبيحة يوم ~~الاثنين أول يوم من ذي الحجة من عام أربعين المذكور، وسرنا في ظل ظليل وزهر ~~بليل وهواء صحيح ونسيم عليل: # وحدائق ينسيك وشى برودها ... حتى تشبهها سبائك عبقر # يجري النسيم خلالها وكأنها ... غمست فضول ردائه بالعنبر # في ضفتي نهر وادي المنشور الملتوي كالأيم الذاهب منظره بالسئام والأين، ~~من نهر يدوخه هبوب النسيم ويتراءى الشقائق كأنه العذار في وجه الوسيم، ونحن ~~نخف في سبيل دلالته، ونلتحف بظل جلالته ونغازل تلك الأغصان، ونعتد من ~~أوراقها بخرصان وننظر ذلك النهر السلسال، فنذكر دمع المهجور إذا سال: # أحن إلى الوادي ومن فيه نازل ... ومن أجل من فيها تحب المنازل # وأشتاق لمع البرق من نحو أرضكم ... ففي البرق من تلك الثغور رسائل # يرنحني مر النسيم لأنه ... بأعطاف ذاك الزند والبان مائل # وإن مال بان الدوح ملت صبابة ... فبين غصون البان منكم شمائل # ولي أرب أن ينزل الركب بالحما ... ليسأل دمعي وهو للركب سائل # بي أنه لا تنقضي أو أراكم ... ويصبح نجد وهو بالحي آهل # وما برحنا تلتحف من ظل أيكه أبردا، وكأنما دخلنا منه صرحا ممردا، وأوطأنا ~~المطى من أديمه زردا، والناس قد ثاروا إلى، وأطالوا التسليم على، وتفاوض ms236 في ~~ذلك سرهم ونجواهم، فما زالت تلك دعواهم حتى دخلت بلدي )قتورية( حرسها الله ~~تعالى: # هي الدار لا أصحوبها عن علاقة ... لأمر لنا بين الجوانح مضمر PageV01P142 ~~فجاد على أرجائها الغيث إنها ... منازل جيران كرام ومعشر # ودخلت عند أذان العصر من يوم الاثنين المذكور فاجتمع والحمد لله الشمل ~~وسر الأحباب والأهل: # وألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب مسافر # فاستوطناها قرار، ولم نشم بعد العشية من نجد عراران وذكرت عند ذلك مخاطبا ~~أهلا ودارا: # صب يحث مطاياه بذكركم ... فليس ينساكم إن حل أو سارا # لو يستطيع طوى الأيام نحوكم ... حتى يبيع بعمر القرب أعمارا # يرجو النجاة من البلوى يقربكم ... والقرب يلهب في أحشائه النارا # وحللتها حلول الحياة بالجسم، والأعراب في آخر الاسم، فاتقد سراج الأنس في ~~ليل ذلك التوهم، وأومض برق التبسم في وجه ذلك التجهم، ومضى لنا من ذهول ~~الألباب، ومحادثة الأحباب، ومجاذبة أهداب الآداب: # يوم كأن نسيمه من عنبر ... وتخال أن أديمه من جوهر # لو باعت الأيام آخر متله ... بالعمر أجمع كنت أول مشتري # وقد قيل ليس تعدل ساعة الفراق إلا ساعة اللقاء: # فلولا البعد ما حمد التداني ... ولولا البين ما طاب التلاقي # فجاءت هذه الغيبة المباركة خمسة أعوام إلا شهرين اثنين وثمانية عشر يوما. # ومن النادر أني لما أتممت هذه الرحلة المباركة وأصبحت بمنزلي أول صباح ~~أصبحته فيه صليت الصبح وجعلت أقرأ في مصحف كريم بين يدي إلى أن غلبتني ~~عيناي فسمعت هاتفا يهتف بي وأنا بين النائم والمستيقظ وهو ينشدني هذين ~~البيتين ولم أكن قط سمعتهما وهما: # تم للعشاق أمرهم ... وكذلك الأجر قد كملا # فاعذر العشاق أنهم ... قد جفاهم كل من عذلا # وها أنا أقف موقف الخجل والتقصير، وأسأل الله العلي الكبير، بجاه سيدنا ~~ومولانا محمد رسوله البشير النذير، أن يجعله حجا مبرورا سعيا مباركا مشكورا ~~وعملا صالحا متقبلا مذخورا وأرغب ممن وقف على التقييد من الأولياء أن يخلص ~~في التأمين على هذا الدعاء، وأن يتفضل بالسمح والصفح والأغضاء ويعلم أن ~~اللسان يقصر ومعاني الكلام ms237 لا تنصحر، وقديما قيل من ألف فقد استهدف ومن ركب ~~الأكثار، لم يسلم من العثار والمرء مستور ما لم يؤلف تأليفا أو يقل شعرا، ~~وهذا ما سنح مع الكد والاجتهاد، واجتهاد مقصر خير من تقصير ذي اجتهاد، ~~وأختم هذا المجموع بما أنشدني لنفسه بحرم القدس الشريف الشيخ الإمام الأوحد ~~جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن نباتة المتقدم الذكر وذلك: # دعوني في حلي من العيش مائسا ... ومرتقبا من بعده عفو راحم # أد إلى ذات الأساور مقلتي ... وأسأل للأعمال حسن الخواتم # اللهم اختم لنا بالحسنى وبوئنا من رضاك المحل الأشرف الأسنى، انك أكرم ~~الأكرمين وأرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا ومولانا خاتم النبيين ~~والمرسلين، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد ~~لله رب العالمين. # كملت الرحلة المباركة بفضل الله تعالى وحسن عونه الموالي والحمد لله ~~وسلام على عباده الذين اصطفى وحسبنا الله سبحانه مفوضا إليه وكفى. )وبخط ~~عبيد الله سبحانه الفقير الخائف المشفق الراجي المستغفر خالد بن أحمد بن ~~خالد المؤلف بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي ابن أبي خالد ~~البلوي تاب الله عليه، ورده ردا جميلا إليه، برحمته وفضله وأكملها في اليوم ~~الحادي والعشرين لصفر المبارك من عام تسعة عشر وثمانمائة، وذلك برشانة ~~المحروسة بفضل الله من خط جدي رحمه الله المؤلف والد والدي رحمة الله عليهم ~~أجمعين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ~~أثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما # قال خالد بن أحمد بن خالد المؤلف رحمه الله تعالى: نقلت من خط مولاي الجد ~~ما كان مكتوبا على ظهر نسخته التي انتسخت هذا منها ما هذا لفظه: ~~PageV01P143 كملت الرحلة المباركة التي هذه آخر نسخة منها بخطي وهي التي ~~اعتمدتها وعولت عيها بفضل الله تعالى وحسن عونه الموالي، والحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى، وحسبنا الله سبحانه مفوضا إليه وكفى، ms238 وبخط مؤلفها ~~ومنشئها عبيد الله الفقير الخائف المشفق الراجي المستغفر خالد بن عيسى بن ~~احمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن أبي خالد البلوي تاب الله تعالى عليه ~~ورده ردا جميلا إليه برحمته وفضله، وأكملها في اليوم الآخر من الشهر ~~المبارك السعيد شهر ربيع الأول من عام سبعة وستين وسبعمائة، وذلك برشانة من ~~وادي المنصورة حرسها الله مدة ولايتي للقضاء بها حسن الله فيه العاقبة ~~وأجمل الإنابة إليه سبحانه وتعالى، وختم بخير وسعادة أبدية برحمته وكرمه ~~وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وعلى جميع النبيين ~~والمرسلين والملائكة والمقربين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين انتهى ما ~~ألفيته بخط جدي رحمه الله تعالى وصلى على سيدنا محمد وآله، وبعد هذا بخطه ~~رحمه الله تعالى ما نصه قال خالد بن أبي خالد: وخط بيده لطف الله تعالى به ~~بفضله ورحمته لله سبحانه وتعالى وصلاته وسلامه الأكملان على سيدنا ومولانا ~~محمد وعلى آله وصحبه هؤلاء العلماء الفضلاء الذين أثبت أسماءهم هنا بعد هذا ~~القسم الثاني من الذين مدحوا هذا الكتاب المفروغ منه قبل هذه الكراسة ~~وكتبوا ما نظموه ونثروه من ذلك بخطوطهم في المبيضة الأولى من هذه الرحلة ~~المذكورة وهم الذين أشرت إليهم ونبهت عليهم في الوراق الأوائل من ظاهر هذا ~~الكتاب قبل ترجمتها فأولهم الشيخ الفقيه القاضي العالم المحدث القدوة أبو ~~القاسم بن سلمون بن علي بن سلمون الكناني أبقى الله بركته كتب بخطه من نظمه ~~على أول مبيضة منه بعدما طالعه واستوفاه نظرا واستحسنه غاية الاستحسان أدبا ~~ونثرا ما نصه: وقرأته عليه وسمعته من لفظه وذلك لفظه بالمرية المحروسة مدة ~~قضائه بها في وسط شهر ربيع الأول المبارك من عام ستة وخمسين وسبعمائة: # يا روضة من جنان الخلد يانعة ... أتى بها خالد تندى أزاهرها # تحوي غرائب من شعر ومن أدب ... ومن علوم بانت سرائرها # فيا لها رحلة أو حلية بهرت ... لأهل فضل بهم جلت مفاخرها # صيغت قلائد من بحر البيان لهم ... فيا لها حلية فاقت جوارها # وحق ms239 للشرق أن يزهى بطلعتها ... إذ هي شمس أنار الأفق باهرها # وللمعارف أن تسمو بمطلعها ... أبى البقا خالد إذ هو ماهرها # الشيخ الفقيه القاضي العدل الرضي المتفنن الفاضل أبو عبد لله محمد بن سعد ~~المعروف بابن النجار، كتب بخطه من نظمه على المبيضة الأولى من هذه الرحلة ~~المذكورة بعد أن طالعها واستوفى، واستحسن وأثنى ما نصه: وقد سمعته منه ~~وقرأته عليه، وذلك بالمرية في عقب شهر ربيع الأول المبارك من عام ستة ~~وخمسين وسبعمائة: # خلدت يا خالد فوق السماك ... بهذه الرحلة قدرا علاك # نزهت منها في رياض ندا ... أيادي كبرى اقتضاها نداك # سميتها اجا تحلت به ... مفارق الأعلام درا ثناك # الست صدرا في القضاة العدول ... اقتبست أنوارها من سناك # فأنت ما حليتهم إنما ... قسمت بالعدل عليهم حلاك # أريتنا مفترقا فيهم ... ما فيك بالإجماع مجموع ذاك # فبارك الله تعالى اسمه فيما به ... من ذي المعالي حباك # ودمت لا تمد للثم في ... أندية التعظيم الأيداك # الفقيه الأجل الكاتب البارع الناظم الناثر ذو الخط الفاتن الساحر والأدب ~~البارع الباهر والشمائل الزكية المفاخر العذبة الأوائل والأواخر أبو عبد ~~الله محمد بن إبراهيم بن سلمة الغرناطي وقف على المبيضة الأولى بمنزلي من ~~وطني قتورية مهنئا لي به بعد قدومي من الوجهة المشرقية المشروحة في هذه ~~الرحلة المذكورة فكتب عليها بخطه الرائق المعجب البديع ما نظمه على ~~البديهية بحضري وسمعته منه وقرأته عليه ونصه: # أيها الحبر الذي ... فاق علما وأدب # وسجاياك التي ... دونها ضوء الشهب # أن ما تكتبه ... لغريب المكتتب # تلقح الأذهان عنها ... نهى لا تستلب # إنها من درر ... وسواها من خشب # حق أن تكتبها ... أو نوفي ما يجب # بسواد العين ل ... يس بصفرة الذهب PageV01P144 الفقيه الأجل الأفضل ~~الأزكى العدل الرضي الأسدي، الأكمل أبو الحجاج ابن حصن وقف على النسخة ~~الأولى من هذه الرحلة ببلده بلش في وجهتي إلى )مالقة( وإلى غريبها برسم ~~لقاء العلماء الفضلاء وذلك في شهور ست وخمسين وسبعمائة فكتب عليها بخطه ما ~~نصه، وعليه قرأته ومنه سمعته، لما وقف العبد الفقير إلى مولاه ms240 الغني به عمن ~~سواه يوسف بن علي بن محمد بن علي بن محمد الخولاني ثم ابن حصن الشاطبي ~~المحتد البلشي المولد على هذه النسخة بل الرحلة المباركة المآثر الشريفة ~~الأوائل والأواخر، انشد بلسان المتلعثم مرتجلا وقريحة التقصير مستعجلا: # لاح من الشرق هلال سما ... فاق به مغربنا مشرقا # جاء من اليم بدر يضيء ... قلبا من الغم له مشرقا # رحلة الحج من حلا خالد ... حاز من المجد بها مفرقا # )الفقيه الوزير الكاتب( الماهر الناظم الناثر أبو جعفر احمد بن زرقالة ~~وقف عليها وكلف بها ونسخ بخطه البارع الرائق العجيب نسخا منها وقرأها علي ~~بلفظه وسمعها بلفظي وبلفظ غيري بالمرية المحروسة مرات كثيرة ونظم في مدحها ~~مقطوعات عديدة وقصائد جملة جميلة واعتني بها غاية الاعتناء وجمع كل من نظم ~~فيها شيئا من النظم أو النثر في مجموع رائق أنيق حافل منفرد بنفسه وعرف بهم ~~تعريفا حسنا نفعه الله بقصده، فمما نقلت هنا من نظمه الذي كتبه على النسخة ~~الأولى من هذه الرحلة، ما نصه مقترنا بما قبله وبعده، وذلك الحمد لله حق ~~حمده وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، يقول كاتب هذه بخطه عبد الله ~~الراجي رحمته أحمد بن محمد بن زرقالة ختم الله له تعالى بالسعادة لما وقفت ~~على هذه الرحلة البارعة من إنشاء شيخنا رئيس الأدباء وإمام الفصحاء البلغاء ~~أبي البقاء أطال الله بقاءه ووالى سموه وارتقاءه نظمت بديها بتاريخ اليوم ~~التاسع عشر لشهر ربيع الأول من سنة ست وخمسين وسبعمائة: # لله تاج وأي تاج ... حلى بالدرر والجواهر # نزهتني منه في رياض ... مختلف النور والأزاهر # جرت عليه الصبا ذيولا ... فنم عرف شذاه عاطر # ثم كتبت ونظمت بعد ذلك: # وشيت التاج يا تاج المعالي ... فجل على المفارق والرؤوس # رقمت جهاته ورشقت فيها ... بمسك الحبر كافور الطروس # فلم أر قبله في الطرس تاجا ... يرصع عاجه بالأبنوس # ومما كتبت هنا في قصائده التي نظمها في ذلك وكتبها هنالك قوله، وكتبتها ~~هنا بما قبلها وبعدها الحمد لله حق حمده، ومما نظمه كاتب الأبيات أسفل ms241 ~~الصفح يسرته أحمد بن محمد بن زرقالة وفقه الله وخاطب به مصنف هذه الرحلة ~~شيخه القاضي الجليل الحسيب الفاضل ذاتا وأداوة وخلقا وبيتا أبا البقاء ~~خالدا حفظ الله مجده وبتاريخ اليوم الثالث والعشرين لربيع الأول من سنة ست ~~وخمسين وسبعمائة ما نصه: # توجت أهل الشرق تاج جلالة ... أزرى بتيجان بني قحطان # ونظمت ذكرهم بأسلاك العلي ... نظما كنظم الدر والمرجان # ورفعت راية كجدهم وفخارهم ... وكسوتهم حللا من الإحسان # من دونها ما دبجته يد الندا ... في الروض غب العارض الهتان # خلدت خالد من حلى آثارهم ... كجدا تقر بمثله العينان # وأتيت من بدع البديع برحلة ... بل حلة موشية الأردان # أو روضة قد جادها صوب الحيا ... فتزينت بزخارف الألوان # تهديك من نفحاتها أرج الصبا ... مسكا يضوع شذاه كل أوان # شغفت بها مهج سمت لكنها ... حلت محل الروح من جثمان # لا سيما إذ أفحصت بحديث من ... حل الحما من ساكني نعمان # سحرت محاسنها النهى فكأنها ... وكأنه كالورد للظمئان # وترى القلوب تصيخ نحو حديثها ... آذانها سبقا إلى الآذان # قد أمحضت من لؤلؤ ألفاظها ... وصفت معانيها من لعقيان # مارئ قط بمثلها فيما مضى ... من سالف الأحقاب والأزمان # ظرفا وترتيبا وحسن عبارة ... لا يحتذى منها مزيد بيان # لم لا تكون بهذه الأثر التي ... قد أشرفت شرفا على كيوان # وحللت من رتب البراعة ذروة ... بوئت منها في أعز مكان # فيمد فكرتك البيان بديمة ... لسحابها سمو يدا سحبان # ومتى رقمت الطرس أو وشيته ... أنسيت وشى أزاهر البستان PageV01P145 فاهنأ ~~بما أحرزت من خصل ومن ... نوعي كمال بيان أو تبيان # وابق الزمان أبا البقاء مرفعا ... في ظل عيش أخضر ريان # وإليكهما من شاعر لم يحتكم ... في النثر حنكته وفي الأوزان # غر صغير السن مبتدئ أتى ... في حين سوق كاسد وأوان # لم يلف مسعده على طلب العلى ... والعلم فهو مبدد الأحيان # ولتسمحن إن كان جهلا أن لي ... عذرا مقال زيادة الذبيان # ثم كتب بعد هذا بخطه البارع ما نصه، خذها على حالها، وأنر بنورك أفق ~~هلالها، فهذا الشأن وإن كان لآبائي فيه سبق ms242 السبق ولا مفاخرة، فبضاعتي فيه ~~مزجاة قاصرة فأوف في سماحك الكيل، وأجد وإن وجدت خللا في القول فهي وإن ~~كانت أقرب لسبيل الوهن. ومبتاعها يرجع على بائعها بالغبن، فمثلي على حداثة ~~سنه، وتبلد حسه وذهنه، إن كان منه خطأ فواقع من محله وهو من ذويه وأهله، ~~والله تعالى يعلى قدركم، ويسمة ذكركم والسلام الكريم الكريم الطيب العاطر، ~~يخص به محلكم الطاهر كاتبها وناظمها عبد الله الراجي رحمته احمد بن محمد ~~ابم زرقالة وفقه الله تعالى بمنه وكرمه )انتهى( الفقيه الخطيب العالم ~~العامل الصالح لورع الفاضل نخبة العلماء صدر الفضلاء وزين الخطباء الصلحاء ~~رافع راية الفضائل وحامل اللواء أبو عبد الله محمد بن حسين أحسن الله إليه ~~برحمته، سمع هذه الرحلة من لفظي مررا وقرأها بلفظه على مرارا وكان أكلف ~~الناس بها وأحبهم فيها وأعرفهم بقدرها وأذكرهم لمحاسنها وأبر البارين ~~بمؤلفها وأحب المحبين فيه نفعه الله تعالى ونفع به وكان مما كتبه بخطه ~~العجيب البارع المغرب على أول نسخة منها ما نصه لما من الله تعالى على كاتب ~~هذا عبيد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن حسين الأموي بان أتحفه بقراءة ~~جميع كتاب تاج المفرق هذا على مؤلفه أعجوبه دهره، وفريد عصره، الإمام، ~~الأوحد جمال الأدباء وزين الحسبان، وسليل السادة الأدباء القاضي الخطيب ~~المحدث الرحالة الراوية المسند أبو البقاء خالد بن الشيخ الفقيه القاضي ~~الخطيب العلم الأعلم الأعرف المتفنن الأكمل المبرور المقدس الأطهر المرحوم ~~أبي الأصبغ عيسى بن خالد وصل الله سعده وحرس مجده ووالي آلاءه عنده كان مما ~~أنطقته به محاسنها التي تكاد تصير الجماد إنسانا وينقلب بأقل العي سحبان ~~بيانا ولسانا: قوله: # في تاجك المجد كله خالد ... لا ينقضي والسناء يا خالد # تاج إذا رءاه اللبيب رءا ... منك جميع النام في واحد # بالحسن إن شئت حده كأنما ... خلدته ضمنه بلا زائد # من ذا الذي شام منه برق سناه ... ثم أضحى لفضله جاحد # من لم يذق طعم ما حواه جنى ... فليطلبن غير آدم والد # أطلعته تاج مفرق فغدا ... شرقا ms243 وغربا بفضلكم شاهد # فالحافظ الله ربنا الواحد ... عليك من كل عائن وحاسد PageV01P146 وكتب ~~بأثر هذا مصلا به ما نصه وكان نظمي لهذه الأبيات في آخر إتمام القراءة ~~للكتاب المذكور قراءة السماع لبعضه وذلك في شهر ربيع الأول عام ستة وخمسين ~~وسبعمائة ثم قرأتها الآن كلها مرة أخرى على المؤلف أبقاه الله في مجالس ~~بعضها بحمة مرشانة وبعضها بحمة بجاية وبعضها )جزاء( وبه كمل جميعها بمدينة ~~المرية. قال هذا كله وكتبه بخطه محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن المذكور ~~بتاريخ وسط شوال اصطفى )الفقيه( الخطيب الأستاذ المتفنن القاضي العدل ~~الفاضل حامل أو فرحظ من العلم بالتقى والعقل والحكم أبو عبد الله بن الشيخ ~~الفقيه القاضي العارف الفاضل المرحوم أبي عبد الله محمد بن جعفر بن مشتمل ~~معرفة ويعرف أيضا )بالبلياني( نفع الله ببركاته سمعها بجملتها علي واغتبط ~~بها لما وقف على النسخة الأولى منها أعظم الاغتباط وكتب بخطه على ظاهر ~~النسخة التي يسمعها على من هذه الرحلة ما هذا نصه، بما قبل النظم وما بعده ~~ثم قرأ جميعها علي بلفظه بعد ذلك مرة أخرى الحمد لله كما يجب لجلاله وصلى ~~الله على سيدنا ومولانا محمد الكريم المصطفى وعلى آله، لما أظفر الله تعالى ~~بأسنى الآمال بعد لي من الزمان وطول مطال برؤية هذه الرحلة الواجب لها على ~~الخفة والثقل السفر والرحلة وروايتها عن مبتدعها الذي خلد بها المآثر ~~والمفاخر وفضح الأوائل من البلغاء الفصحاء والأواخر وسماعها عليه من أولها ~~إلى آخرها حملني على النظم فيها وإن لم أكن هنالك فمن أنصاف المرء أن يسلم ~~في كل فضيلة إلى أهلها الذين يحملونها حق حملها ولا يدخل في شيء ليس في يده ~~طرق سببه ويدع الهوى لأناس يعرفون به، لكنني حين عن النظر في ذلك غفلت ~~فتجرأت وقلت: # أبا البقاء لقد أبقيت للزمن ... تاجا بمفرقه يجل عن ثمن # رصعته من بدائع الربيع ... وأنواع البديع بكل رائق حسن # لقد بلغت مدى البلاغة لم ... يبلغه في لسن اللسان ذو لسن # شأوت من شئت في ms244 شأو الفصاحة ... فالبليغ أضحى لديك وهو ذو لكن # فئال أهتم اهتم مفوههم ... يفوه باللحن بعد الفوه باللحن # )فخالد النثر لم تخلد محاسنه ... وخالد إذ أتى بمعجز الفطن( # وعمر نظمهم إذ جاء ما عمرت ... به المجالس في سر وفي علن # جئت بها رحلة تقضي برحلتنا ... بكل ذي رحلة لها من البدن # جمال رونقها ودر منطقها ... مكحال العين أو مشنف الأذن # غدت صبا سحر على ربا زهر ... أو ظفر ذي سهر بشارد الوسن # نشيان نشوتها ميسان نسوتها ... فإنها الخمر تهمى بقوى حصن # ملنا من السكر من سماعها طربا ... من قاري يطرب القمري في الغصن # فخر السراة وعادل القضاة ومعرب ... النحاة وحبر الفرض والسنن # خلدت يا خالد فخرا لأندلس ... بمصر والشام والعراق واليمن # خلت بك الغر من أعلامهن فكم ... لها عليهن من حق ومن منن # فاسلم ودم في المعالي والجلال كما ... تحب في المال والأهلين والوطن ~~PageV01P147 قال ذلك وخطه بيده المعترف بتقصيره الناشئ عن قصوره الراغب إلى ~~مولاه الكريم وربه في العفو عن عظيم ذنبه، محمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن ~~جعفر بن يوسف بن مشتمل الأسلمي شملته الآلاء من الآهة سبحانه والنعم، ~~وسالمه بدعائه صلى الله عليه وسلم لمنتماه أسلم وذلك في السادس عشر لشهر ~~شوال عام سبعة وخمسين وسبعمائة، قال مؤلف هذه الرحلة خالد بن أبي خالد لطف ~~الله به، وهنا انتهى ما أوردناه، من إثبات ما قصدناه مما أشرنا في أول ~~الأوراق ظاهر هذا الكتاب إليه ونبهنا هنالك عليه، وقد بقي من لم أذكره هنا ~~من الفضلاء الذين اعتنوا بذلك، وسلكوا بنظمهم ونثرهم هذه المسالك، توغلوا ~~إكثارا فدعاني الإشفاق والخجل إلى أن حذفتهم اختصارا، واقتصرت على من ذكرت ~~هنا اقتصارا، والله عز وجل يجمل الستر وينعم بالسمح، ويمن بالتجاوز والعفو ~~والحمد لله عودا على بدء وشكرا له سبحانه على كل نعمة وصلاته وسلامه على ~~سيدنا محمد نبيه ورسوله الكريم المصطفى، وعلى آله وصحبه وجميع عباده الذين ~~اصطفى، وحسبنا الله تعالى مفوضا إليه وكفى قال خالد بن أحمد بن ms245 خالد المؤلف ~~انتهى ما وجدت بخط مولاي الجد رحمه الله والد والدي وما قيدت منه وكان ~~تمامه في اليوم الخامس عشر لربيع الأول المبارك عام تسعة عشر وثمانمائة عرف ~~الله خيره أمين. # انتهى والحمد لله رب العالمين. PageV01P148 ms246