######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007332 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعي، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 772 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نهاية السول شرح منهاج الوصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007332 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7332 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7332 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1420هـ- 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | خطبة الكتاب # الحمد لله الذي مهد أصول شريعته بكتابه القديم الأزلي، وأيد قواعدها بسنة ~~نبيه العربي، وشيد أركانها بالإجماع المعصوم من الشيطان القوي، وأعلى ~~منارها بالاقتباس من القياس الخفي والجلي وأوضح طرائقها بالاجتهاد في ~~الاعتماد على السبب القوي، وشرع للقاصر على مرتبتها استفتاء من هو بها قائم ~~ملي وصلواته وسلامه على سيدنا محمد المبعوث إلى القريب والبعيد والشريف ~~والدني وعلى آله وأصحابه أولي كل فضل سني وقدر علي. # "وبعد" فإن أصول الفقه علم عظيم قدره. وبين شرفه وفخره. إذ هو قاعدة ~~الأحكام الشرعية. وأساس الفتاوى الفرعية. التي بها صلاح المكلفين معاشا ~~ومعادا ثم إن أكثر المشتغلين به في هذا الزمان قد اقتصروا من كتبه على ~~المنهاج للإمام العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي رضي الله عنه ~~لكونه صغير الحجم كثير العلم مستعذب اللفظ، وكنت أيضا ممن لازمه درسا ~~وتدريسا فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليه موضح لمعانيه، مفصح عن مبانيه، ~~محرر لأدلته مقرر لأصوله، كاشف عن أستاره، باحث عن أسراره، منبها فيه على ~~أمور أخرى مهمة. "أحدها" ذكر ما يرد عليه من الأسئلة التي لا جواب عنها أو ~~عنها جواب ضعيف. "الثاني" التنبيه على ما وقع فيه من غلط في النقل. ~~"الثالث" تبيين مذهب الشافعي بخصوصه ليعرف الشافعي مذهب إمامه في الأصول، ~~فإن ظفرت بالمسألة فيما وقع لي من كتب الشافعي كالأم1 والأمالي2 والإملاء3 ~~ومختصر المزني4 PageV01P005 # ومختصر البويطي1 نقلتها منه بلفظها غالبا مبينا الكتاب الذي هي فيه، ثم ~~الباب، وإن لم أظفر بها في كلامه عزوتها إلى ناقلها عنه. "الرابع" ذكر ~~فائدة القاعدة من فروع مذهبنا في المسائل المحتاجة إلى ذلك. "الخامس" ~~التنبيه على المواضع التي خالف المصنف فيها كلام الإمام أو كلام الآمدي2 أو ~~كلام ابن الحاجب3 فإن كل واحد من هؤلاء قد صار عمدة التصحيح يأخذ به آخذون، ~~فإن اضطراب كلام أحد هؤلاء نبهت عليه أيضا. "السادس" ما ذكره الإمام وابن ~~الحاجب من الفروع الأصولية وأهمله المصنف فأذكره مجردا عن الدليل غالبا. ~~"السابع" ms001 التنبيه على كثير مما وقع فيه الشارحون من التقريرات التي ليست ~~مطابقة وقد كنت قصدت التصريح بكل ما ذكروه منها، فرأيت الاشتغال به يطول ~~لكثرته حتى رأيت في بعض شروحه المشهورة ثلاثة مواضع يلي بعضها بعضا؛ فلذلك ~~أضربت على كثير منها فلم أذكره البتة اكتفاء بتقرير الصواب وأشرت إلى كثير ~~منها إشارة لطيفة وصرحت بمواضع كثيرة منها. "الثامن" التنبيه على فوائد ~~أخرى مستحسنة كنقول غريبة وأبحاث نافعة وقواعد مهمة إلى غير ذلك فيما ستراه ~~إن شاء الله تعالى. # واعلم أن المصنف رحمه الله أخذ كتابه من الحاصل4 للفاضل تاج الدين ~~الأرموي، والحاصل أخذه مصنفه من المحصولات للإمام فخر الدين، والمحصول5 ~~استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالبا أحدهما PageV01P006 # المستصفى1 لحجة الإسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري2، ~~حتى رأيته ينقل منهما الصفة أو قريبا منها بلفظها وسببه على ما قيل أنه كان ~~يحفظهما، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول طلبا لإدراك وجه ~~الصواب في المنقول منه والمعقول، وحرصا على إيراد ما فيه على وفق مراد ~~قائله، فإنه ربما خفي المقصود أو تبادر غيره فيتضح بمراجعة أصل من هذه ~~الأصول المذكورة، ولم أترك جهدا في تنقيحه وتحريره، فإنني بحمد الله شعرت ~~فيه خليا من المواقع والعوائق منقطعا عن القواطع والعلائق، فصار هذا الشرح ~~عمدة في الفن عموما، وعمدة في معرفة مذهب الشافعي فيه خصوصا، وعمدة في شرح ~~هذا الكتاب وسعيت سعيي في إيضاح معانيه، وبذلت وسعي في تسهيله لمطالعيه ~~بحيث لا يتعذر فهمه على المبتدئ، ولا يبطئ إدراكه على المنتهي, وسميته: ~~"نهاية السول في شرح منهاج الأصول" وأسأل الله أن ينفع به مؤلفه وكاتبه ~~وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين بمنه وكرمه آمين. PageV01P007 ### | تعريفات # قال: "أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال ~~المستفيد" أقول: اعلم أنه لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك ~~العلم، والتصور مستفاد من التعريفات، فلذلك قدم المصنف تعريف أصول الفقه ~~على الكلام في مباحثه، ولا شك أن أصول ms002 الفقه لفظ مركب من مضاف ومضاف إليه، ~~فنقل عن معناه الإضافي وهو الأدلة المنسوبة إلى الفقه وجعل لقبا أي علما ~~على الفن الخاص. والفرق بين اللقبي والإضافي من وجهين: "أحدهما" أن اللقبي ~~هو العلم كما سيأتي والإضافي موصل إلى العلم، "الثاني" أن اللقبي لا بد فيه ~~من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل وكيفية الاستفادة وحال المستفيد، وأما ~~الإضافي فهو الدلائل خاصة، ولفظ أصول الفقه مركب على المعنى الإضافي دون ~~اللقبي؛ لأن جزأه لا يدل على جزء معناه، فإذا تقرر ما قلناه، وعلمت أن أصول ~~الفقه في الأصل مركب، فاعلم أن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته، ~~فكان ينبغي له أن يذكر تعريف الأصل وتعريف الفقه قبل تعريف أصول الفقه، ~~وكما فعل الإمام في المحصول1 والآمدي في الأحكام وغيرهما مستدلين بما ذكرته ~~من توقف معرفة المركب على معرفة المفردات، فلنذكر PageV01P007 # أول تعريفهما ثم نعود إلى شرح كلامه فنقول: الأصل له معنيان: معنى في ~~اللغة، ومعنى في الاصطلاح، فأما معناه اللغوي فاختلفوا فيه على عبارات: ~~"إحداها" ما يبنى عليه غيره، قاله أبو الحسين البصري في شرح العمدة، ~~"ثانيتها" المحتاج إليه قاله الإمام في المحصول والمنتخب وتبعه صاحب ~~التحصيل، "ثالثتها" ما يستند تحقق الشيء له، قاله الآمدي في الأحكام ومنتهى ~~السول، "رابعتها" ما منه الشيء, قاله صاحب الحاصل، "خامستها" منشأ الشيء، ~~قال بعضهم: وأقرب هذه الحدود هو الأول والأخير، وأما في الاصطلاح فله أربعة ~~معان: "أحدها" الدليل كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة أي: دليلهما، ~~ومنه أيضا أصول الفقه، أي: أدلته، "الثاني" الرجحان، كقولهم الأصل في ~~الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز، "الثالث" ~~القاعدة المستمرة كقولهم إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، "الرابع" ~~الصورة المقيس عليها على اختلاف مذكور في القياس في تفسير الأصل، وأما ~~الفقه فله أيضا معنيان: لغوي واصطلاحي، فالاصطلاحي سيأتي في كلام المصنف. ~~وأما اللغوي فقال الإمام في المحصول والمنتخب1: هو فهم غرض المتكلم من ~~كلامه، وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع: هو فهم الأشياء الدقيقة، ms003 فلا ~~يقال فقهت أن السماء فوقنا. وقال الآمدي: هو الفهم وهذا هو الصواب فقد قال ~~الجوهري2: الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع ~~أي فهمت أفهم. قال الله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ~~[النساء: 78] . وقال تعالى: {ما نفقه كثيرا مما تقول} [هود: 91] وقال ~~تعالى: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] إذا علمت ذلك فلنرجع إلى ~~شرح كلام المصنف، فنقول قول معركة كالجنس دخل فيه أصول الفقه وغيره، والفرق ~~بينه وبين العلم من وجهين: "أحدهما" أن العلم يتعلق بالنسب أي وضع لنسبة ~~شيء آخر، ولهذا تعدى إلى مفعولين، بخلاف عرف فإنها وضعت للمفردات، تقول: ~~عرفت زيدا، "الثاني" أن العلم يستدعي سبق جهل بخلاف المعرفة، ولهذا لا يقال ~~لله تعالى عارف ويقال له عالم، وقد نص جماعة من الأصوليين أيضا ومنهم ~~الآمدي في أبكار الأفكار على نحو، فقالوا: إن المعرفة لا تطلق على العلم ~~القديم. وقوله: "دلائل الفقه" هو جمع مضاف، وهو يفيد العموم فيعم الأدلة ~~كمعرفة الفقه ونحوه، "الثاني" معرفة أدلة غير الفقه كأدلة النحو والكلام. ~~"الثالث" معرفة بعض أدلة الفقه كالباب الواحد من أصول PageV01P008 # الفقه فإنه جزء من أصول الفقه ولا يكون أصول الفقه، ولا يسمى العارف به ~~أصوليا لأن بعض الشيء لا يكون نفس الشيء. والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها, وأن الأمر مثل للوجوب، وليس ~~المراد حفظ الأدلة ولا غيره من المعاني فافهمه. واعلم أن التعبير بالأدلة ~~مخرج لكثير من أصول الفقه كالعمومات وأخبار الآحاد والقياس والاستصحاب وغير ~~ذلك، فإن الأصوليين وإن سلموا العمل بها فليست عندهم أدلة للفقه بل أمارات ~~له، فإن الدليل عندهم لا يطلق إلا على المقطوع له، ولهذا قال في المحصول ~~أصول الفقه مجموع طرق الفقه، ثم قال: وقولنا طرق الفقه يتناول الأدلة ~~والأمارات. # قوله "إجمالا" أشار به إلى أن المعتبر في حق الأصولي إنما هو معرفة ~~الأدلة من حيث الإجمالي ككون الإجماع حجة وكون الأمر للوجوب كما بيناه، وفي ~~الحاصل ms004 أنه احتراز عن علم الفقه وعلم الخلاف، لأن الفقيه يبحث عن الدلائل ~~من جهة دلالتها على المسألة المعينة، والمناظر أن ينصب كل منهما الدليل على ~~مسألة معينة وفيما قاله نظر، ولم يصرح في المحصول بالمحترز عنه، فإن قيل: ~~إن إجمالا في كلام المصنف لا يجوز أن يكون مفعولا لأنه عرف لا يتعدى إلا ~~إلى واحد وقد جر بالإضافة، ولا تمييزا منقولا من المضاف، ويكون أصله معرفة ~~إجمالا أدلة الفقه لفساد المعنى ولا حالا من المعرفة أو من الدلائل لأنهما ~~مؤنثان، وإجمال مذكر، لا نعتا لمصدر محذوف، أي معرفة إجمالية. لتذكيره ~~أيضا: فالجواب أنه يجوز أن يكون في الأصل مجرورا بالإضافة إلى معرفة تقديره ~~معرفة دلائل الفقه: معرفة إجمالية. أي لا معرفة تفصيل فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه فانتصب كقوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أي أهل ~~القرية ويجوز أن يكون نعتا لمصدر مذكر محذوف تقديره عرفانا إجماليا، قال ~~الجوهري تقول عرفت معرفة وعرفانا، فهو على هذين الإعرابين يكون الإجمال ~~راجعا إلى المعرفة، وأما عوده إلى الدلائل فهو وإن كان صحيحا من جهة المعنى ~~لكن هذا الإعراب لا يساعده، ويجوز أن يكون حالا، واغتفر فيه التذكير لكنه ~~مصدر، وفي بعض الشروح أن إجمالا منصوب على المصدر أو على التمييز وهو خطأ ~~لما قلناه قوله: "وكيفية الاستفادة منها" هو مجرور بالعطف على دلائل، أي ~~معرفة دلائل الفقه، ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل أي استنباط ~~الأحكام الشرعية منها، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص ~~على الظاهرة والمتواتر على الآحاد ونحوه، كما سيأتي في كتاب التعادل ~~والترجيح، فلا بد من معرفة تعارض الأدلة ومعرفة الأسباب التي يترجح بها بعض ~~الأدلة على بعض، وإنما جعل ذلك من أصول الفقه لأن المقصود من معرفة أدلة ~~الفقه في استنباط الأحكام منها، ولا يمكن الاستنباط منها إلا بعد معرفة ~~التعارض والترجيح لأن دلائل الفقه مفيدة للظن غالبا والمظنونات قابلة ~~للتعارض محتاجة إلى الترجيح فصار من # PageV01P009 # معرفة ذلك من أصول الفقه وقوله: "وحال المستفيد" هو ms005 مجرور أيضا بالعطف ~~على دلائل أي ومعرفة حال المستفيد وهو طلب حكم الله تعالى فيدخل فيه المقلد ~~والمجتهد كما قال في الحاصل لأن المجتهد يستفيد الأحكام من الأدلة، والمقلد ~~يستفيدها من المجتهد، وإنما كان معرفة تلك الشروط من أصول الفقه، لأنا بينا ~~أن الأدلة قد تكون ظنية وليس من الظن ومدلوله ارتباط عقلي لجواز عدم دلالته ~~عليه، فاحتاج إلى رابط وهو الاجتهاد، فتلخص أن معرفة كل واحد مما ذكر أصل ~~من أصول الفقه، ومجموعها ثلاث فلذلك أتى بلفظ الجمع فقال أصول الفقه معرفة ~~كذا وكذا ولم يقل: أصل الفقه وهذا الحد ذكره صاحب الحاصل فقلده فيه المصنف، ~~وفيه نظر من وجوه: "أحدها" كيف يصح أن يكون أصول الفقه هو معرفة الأدلة مع ~~أن أصول الفقه شيء ثابت سواء وجد العارف به أم لا ولو كان هو المعرفة ~~بالأدلة لكان يلزم من فقدان العارف بأصول الفقه وليس كذلك، ولهذا قال ~~الإمام في المحصول: أصول الفقه مجموع طرق الفقه، ولم يقل معرفة مجموع طرق ~~الفقه، وذكر نحوه في المنتخب أيضا وكذلك صاحب الأحكام وصاحب التحصيل وخالف ~~ابن الحاجب فجعله العلم أيضا، وحاصله أن طائفة جعلوا الأصول هو العلم لا ~~المعلوم. "ثانيها" أن العلم بأصول الفقه ثابت لله تعالى لأنه تعالى عالم ~~بكل شيء، ومن ذلك هذا العلم الخاص، ولا بد من إدخاله في الحد وإلا لزم وجود ~~المحدود بدون الحد لكنه لا يمكن دخوله فيه لأنه حده بقوله: معرفة دلائل ~~الفقه والمعرفة لا تطلق على الله تعالى لأنها لا تستدعي سبق الجهل كما ~~تقدم. "ثالثها" أنه جمع دليلا على دلائل هنا وفي أوائل القياس حيث قال ~~لعموم الدلائل وفي أول الكتاب الخامس حيث قال في دلائل اختلف فيها، وإنما ~~صوابه أدلة قال ابن مالك في شرح الكافية والشافية لم يأت فعائل جمعا لاسم ~~جنس على وزن فعيل فيما أعلم لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم المؤنث ~~كسعائد جمع سعيد اسم امرأة، وقد ذكر النحاة لفظين وردا من ذلك ونصبوا على ~~أنهما في ms006 غاية القلة أنه لا يقاس عليهما. "رابعها" وهو مبني على مقدمة من ~~أن كل علم له موضوع ومسائل، فموضوعه هو ما يبحث في ذلك العلم عن الأحوال ~~العارضة له، ومسائله هي معرفة تلك الأحوال، فموضوع علم الطب مثلا هو بدون ~~الإنسان لأنه لا يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، ومسائله هي معرفة تلك ~~الأمراض، والعلم بالموضوع ليس داخلا في حقيقة ذلك العلم كما أوضحناه في بدن ~~الإنسان، وموضوع علم الأصول هو أدلة الفقه لأنه يبحث فيها عن العوارض ~~اللاحقة لها من كونها عامة وخاصة وأمرا ونهيا وهذه الأشياء هي المسائل، ~~وإذا كانت الأدلة هي موضوع هذا العلم فلا تكون من ماهيته، فإن قيل موضوع ~~هذا العلم هو الأدلة الكلية من حيث دلالتها على الأحكام، وأما مسائله فيه ~~معرفة الأدلة باعتبار ما يعرض لها كونها عامة وخاصة وغير ذلك وهذا هو ~~الواقع في الحد، قلنا لا # PageV01P010 # نسلم بل الأول أيضا مذكور فإنه المراد بقوله دلائل الفقه كما تقدم. ~~"خامسها" أن هذا الحد ليس بمانع، لأن تصور دلائل الفقه إلخ يصدق عليه أنه ~~معرفة بها أي علم لأن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، ومع ذلك ليس من علم ~~الأصول، فإن الأصول هو العلم التصديقي لا التصويري. # وقال: "والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها ~~التفصيلية" أقول لما كان لفظ الفقه جزءا من تعريف أصول الفقه ولا يمكن ~~معرفة شيء إلا بعد معرفة أجزائه احتاج إلى تعريفه، فقوله العلم جنس دخل فيه ~~سائر العلوم، ولقائل أن يقول: لم قال في حد الأصول معرفة وفي حد الفقه علم، ~~وقد استعمل ابن الحاجب لفظ العلم فيهما وابن برهان في الوجيز لفظ المعرفة ~~هنا، وقوله بالأحكام احترز به عن العلم بالذوات والصفات والأفعال، قاله من ~~الحاصل، ووجه ما قاله أن العلم لا بد له من معلوم، وذلك المعلوم إن لم يكن ~~محتاجا إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج فإن كان سببا للتأثير ~~في غيره فهو الفعل كالضرب والشتم، وإن لم يكن ms007 سببا فإن كان نسبة بين ~~الأفعال والذوات فهو الحكم، وإن لم يكن فهو الصفة كالحمرة والسواد، فلما ~~قيد العلم بالحكم كان مخرجا للثلاثة، لكن في إطلاق خروج الصفات إشكال، وذلك ~~أن الحكم الشرعي خطاب الله تعالى، وخطابه تعالى كلامه، وكلامه صفة من جملة ~~الصفات القائمة بذاته، فيلزم من إخراج الصفات إخراج الفقه وهو المقصود ~~بالحد والباء في قوله بالأحكام، يجوز أن تكون متعلقة بمحذوف أي العلم ~~المتعلق بالأحكام، والمراد بتعلق العلم بها التصديق بكيفية تعلقها بأفعال ~~المكلفين، كقولنا المساقاة جائزة لا العلم بتصورها، فإنه من مبادئ أصول ~~الفقه فإن الأصولي لا بد أن يتصور الأحكام كما سيأتي، ولا التصديق بثبوتها ~~في أنفسها، ولا التصديق بتعلقها فإنهما من علم الكلام، فإن قيل: الألف ~~واللام في الأحكام لا جائز أن تكون للعهد لأنه ليس لنا شيء معهود يشار ~~إليه، ولا الجنس لأن أقل جمع الجنس ثلاثة، فيلزم منه أن العامي يسمى فقيها ~~إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها لصدق اسم الفقه عليها وليس كذلك، ولا للعموم ~~لأنه يلزم خروج أكثر المجتهدين لأن مالكا من أكابرهم وقد ثبت أنه سئل عن ~~أربعين مسألة فأجاب في أربع، وقال في ست وثلاثين لا أدري، فالجواب التزام ~~كونها للجنس لأن الحد إنما وضع لحقيقة الفقه، ولا يلزم من إطلاق الفقه على ~~ثلاثة أحكام أن يصدق على العارف بها أنه فقه بكسر القاف أي فهم ولا من فقه ~~بفتحها أي سبق غيره إلى الفهم لما تقرر في علم العربية أن قياسه فاقه وظهر ~~أن الفقيه يدل على الفقه وزيادة كونه سجيه، وهذا أخص من مطلق الفقه ولا ~~يلزم من نفي الأعم، فلا يلزم نفي الفقه عند نفي المشتق الذي هو فقه، وهذا ~~من أحسن الأجوبة، وقد احترز الآمدي عن هذا السؤال فقال الفقه العلم بالجملة ~~غالبة من الأحكام وهو احتراز حسن وقوله الشرعية احتراز عن العلم بالأحكام ~~العقلية # PageV01P011 # كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وبأن الكل أعظم من الجزء وشبه ذلك كالطب ~~والهندسة وعن العلم بالأحكام اللغوية وهو نسبة ms008 أمر إلى الآخر بالإيجاب أن ~~السلب كعلمنا بقيام زيد أو بعدم قيامه، والشرعي هو ما تتوقف معرفته على ~~الشرع، وقوله العملية احترز به عن العلم بالأحكام الشرعية على العملية، وهو ~~أصول الدين كالعلم بكون الإله واحدا سميعا بصيرا، وكذلك أصول الفقه على ما ~~قاله الإمام في المحصول واقتصر عليه، قال لأن العلم يكون الإجماع حجة مثلا ~~ليس علما بكيفية عمل، وتبعه على ذلك صاحب الحاصل وصاحب التحصيل1، وفيه نظر ~~لأن حكم الشرع يكون الإجماع حجة مثلا، معناه أنه إذا وجد فقد وجب عليه ~~العمل بمقتضاه والإفتاء بموجبه، ولا معنى للعمل إلا هذا لأنه نظير العلم، ~~بأن الشخص متى زنى وجب على الإمام حده، وهو من الفقه، لقوله المكتسب احترز ~~به عن علم الله تعالى وعلم ملائكته بالأحكام الشرعية العلمية، وكذلك علم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم الحاصل من غير اجتهاد بل بالوحي، وكذلك علمنا ~~بالأمور التي علم بالضرورة كونها من الدين، كوجوب الصلوات الخمس وشبهها، ~~فجميع هذه الأشياء ليس بفقه لأنها غير مكتسبة، هكذا ذكره كثير من الشراح، ~~وما قالوه في غير الله تعالى فيه نظر متوقف على تفسير المراد بالمكتسب، ولا ~~ذكر لهذا القيد في المحصول بأنه للاحتراز عن نحو الخمس كما تقدم ذكره وفيه ~~نظر أيضا فإن أكثر علم الصحابة إنما حصل بسماعهم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيكون ضررويا، وحينئذ فيلزم أن يسمى علم الصحابة فقها وأن لا يسموا ~~فقهاء وهو باطل، والأولى أن يقال احترز بالمكتسب عن علم الله تعالى، وبقوله ~~من أدلتها عن علم الملائكة والرسول الحاصل بالوحي، والمكتسب في كلام المصنف ~~مرفوع على الصفة للعلم ولا يصلح جره على الصفة للأحكام، لأن الأحكام مؤنثة ~~والمكتسب مذكر، ولأن علم الله تعالى وعلم المقلد يردان على الحد على هذا ~~التقدير ولا يخرجان بما قالوه، وذلك لأن المعلوم للمقلد مثلا في نفسه مكتسب ~~من أدلة تفصيلية، فإن المصنف لم يشترط ذلك بالنسبة إلى العالم به بل عبر ~~عنه بقول مكتسب، وهو مبني للمفعول فإذا علم المجتهد ms009 أن الأخت لها النصف ~~للآية الكريمة أخر به المقلد صدق أن المقلد علم شيئا اكتسبه غيره من دليل ~~تفصيلي، وإذا صدق ذلك صدق بناؤه للمفعول، فيقال علم شيئا مكتسبا من دليل ~~تفصيلي، وهكذا يفعل في علم الله تعالى فإن الباري سبحانه وتعالى عالم بحكم ~~ذلك الحكم، موصوف بأنه مكتسب يعني أن شخصا قد اكتسبه. # وقوله من أدلتها التفصيلية احترز به عن العلم الحاصل للمقلد في المسائل ~~الفقهية، فإن المقلد إذا علم أن هذا الحكم أفتى به المفتي وعلم أن ما أفتى ~~به المفتي PageV01P012 # فهو حكم الله تعالى في حقه، علم بالضرورة أن ذلك حكم الله تعالى في حقه، ~~فهذا وأمثاله علم بأحكام شرعية عملية مكتسب لكن لا من أدلة تفصيلية بل من ~~دليل إجمالي، فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة بدليل مفصل يخصها بل بدليل ~~واحد يعم جميع المسائل هكذا قاله الإمام في المحصول وغيره وتابعه عليه صاحب ~~الحاصل وصاحب التحصيل، وفي الحد نظر من وجوه: أحدها: أن تعريف الفقه بأنه ~~العلم يقتضي أن يكون أصول الفقه هو أدلة العلم بالأحكام لا أدلة الأحكام ~~نفسها، وهو باطل لأنه قد تقدم أن الأصول معرفة دلائل الفقه لا معرفة دلائل ~~العلم بالفقه ولأن مدلول الدليل هو الحكم لا العلم بالحكم. والثاني أنه لا ~~يخلوا إما أن يريد بالعملية عمل الجوارح أو ما هو أعم منها ومن عمل القلوب. ~~فإن أراد الأول ورد عليه إيجاب النية وتحريم الرياء والحسد وغيرهما فإنها ~~من الفقه بالقلب، ولو قال الفرعية كما قاله الآمدي وابن الحاجب لكان يخلص ~~من الاعتراض. "الثالث أن العام يطلق ويراد به الاعتقاد الجازم المطابق ~~لدليل كما ستقف عليه وهذا هو المصطلح عليه، ويطلق ويراد به ما هو أعم من ~~هذا وهو الشعور فإن أراد الأول لم يحسن الاحتراز عن المقلد بقوله من أدلتها ~~التفصيلية لعدم دخوله في الحد لأن ما عند المقلد يسمى تقليدا لا علما، وإن ~~أراد الثاني لم يرد سؤال القاضي المذكور عقب هذا في قوله: "قيل الفقه من ms010 ~~باب الظنون"، الرابع: أن هذا الحديث ليس بمانع لأن تصور الأحكام الشرعية ~~إلخ يصدق عليه أنه علم بها إذ العلم منقسم إلى تصور وتصديق ومع ذلك فليس ~~بفقه بل الفقه العلم التصديقي لا العلم التصوري قال: "قيل الفقه من باب ~~الظنون". # قلنا: "المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه الفتوى، والعمل به الدليل القاطع ~~على وجوب اتباع الظن، فالحكم مقطوع به والظن في طريقه" أقول هذا اعتراف على ~~حد الفقه وأورده القاضي أبو بكر الباقلاني وتقريره موقوف على مقدمة، وهو أن ~~الحكم بأمر على أمر إن كان جازما مطابقا لدليل فهو العلم، كعلمنا بأن الإله ~~واحد، وإن كان جازما مطابقا لغير دليل فهو التقليد كاعتقاد العامي أن الضحى ~~سنة، وإن كان جازما غير مطابق فهو الجهل كاعتقاد الكفار ما كفرناهم به، وإن ~~لم يكن جازما نظر إن لم يترجح أحد الطرفين فهو الشك، وإن ترجح فالطرف ~~الراجح ظن المرجوح، وهم، إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تقرير السؤال فنقول الفقه ~~مستفاد من الأدلة السمعية فيكون مظنونا، وذلك لأن الأدلة السمعية إن كان ~~مختلفا فيها كالاستصحاب فهي لا تفيد إلا الظن عند القائل بها، والمتفق ~~عليها بين الأئمة هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فأما القياس فواضح ~~كونه لا يفيد إلا الظن، وأما الإجماع فإن وصل إلينا بالآحاد فكذلك، ووصوله ~~بالتواتر قليل جدا، وبتقديره فقد صحح الإمام في المحصول والآمدي في الأحكام ~~ومنتهى السول أنه ظني، وأما السنة فالآحاد منها لا تفيد إلا الظن، وأما ~~المتواتر فهو كالقرآن متنه قطعي ودلالته ظنية لتوقفه على نفي الاحتمالات # PageV01P013 # العشرة، ونفيها ما ثبت إلا بالأصل، والأصل يفيد الظن فقط، وبتقدير أن ~~يكون فيه شيء مقطوع الدلالة فيكون من ضروريات الدين وهو ليس بفقه على ما ~~تقدم في الحد، فالفقه إذا مظنون؛ لكونه مستفادا من الأدلة الظنية, وإذا كان ~~ظنيا فلا يصح أن يقال: الفقه: العلم بالأحكام بل الظن بالأحكام, وأجاب ~~المصنف بأنا لا نسلم أن الفقه ظني, بل هو قطعي لأن المجتهد إذا غلب على ظنه ~~مثلا ms011 الانتقاض بالمس، حصل له مقدمة قطعية وهي قولنا: انتقاض الوضوء مظنون، ~~وإلى هذه المقدمة أشار المصنف بقوله: إذا ظن الحكم ولنا مقدمة أخرى قطعية ~~وهي قولنا: كل مظنون يجب العمل به، وأشار إليها بقوله: وجب عليه الفتوى ~~والعمل به, فينتج انتقاض الوضوء يجب العمل به، وهذه النتيجة قطعية؛ لأن ~~المقدمتين قطعيتان: أما الأولى فلأنها وجدانية أي: يقطع بوجود الظن به كما ~~يقطع بجوعه وعطشه، وأما الثانية وهي قولنا: كل مظنون يجب العمل به فهي أيضا ~~قطعية لما قاله المصنف، وهو قوله: الدليل القاطع على وجوب اتباع الظن، ولم ~~يبين الإمام ولا مختصرو كلامه ما أرادوه بالدليل القاطع، وقد اختلف ~~الشارحون فيه فقال بعضهم: هو الإجماع, فإن الأئمة قد أجمعوا على أن كل ~~مجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه وفيه نظر، فإن الإجماع ظن كما تقدم، ~~وقال بعضهم: هو الدليل العقلي، وذلك أن الظن هو الظرف الراجح من الاحتمالات ~~كما قررناه، فيكون الطرف المقابل له مرجوحا، وحينئذ فإما أن يعمل بكل واحد ~~من الطرفين فيلزم اجتماع النقيضين، أو يترك العمل بكل منها فيلزم ارتفاع ~~النقيضين، أو يعمل بالطرف المرجوح وحده وهو خلاف صريح العقل, فتعين العمل ~~بالطرف الراجح وفيه نظر أيضا, فإنه إنما يجب العمل به أو بنقيضه إذا ثبت ~~بدليل قاطع أن كل فعل يجب أن يتعلق به حكم شرعي، وليس كذلك، فيجوز أن يكون ~~عدم وجوبه بسبب عدم الحكم الشرعي فيبقى الفعل على البراءة الأصلية كحاله ~~قبل الاجتهاد, وكحاله عند الشك. # قوله: "والظن في طريقه" أشار بذلك إلى الظن الواقع في المقدمتين, حيث ~~قلنا: هذا مظنون, وكل مظنون يجب العمل به، فإنه قد وقع التصريح بالظن في ~~محمول الصغرى وموضوع الكبرى, فكيف تكون المقدمتان قطعيتين مع التصريح ~~بالظن؟ فأجاب عن ذلك بأن المعتبر في كون المقدمة قطعية أو ظنية إنما هو ~~بالنسبة الحاصلة فيها، فإن كانت قطعية كانت المقدمة قطعية، وإن كانت ظنية ~~كانت المقدمة ظنية، سواء كان الطرفان قطعيين أو ظنيين، أو كان أحدهما قطعيا ~~والآخر ظنيا، ms012 ولا شك أن النسبة الحاصلة من الأول هو وجود الظن, وبالنسبة ~~الحاصلة من الثانية هو وجوب العمل به، وكلاهما قطعي كما بيناه، فلا يضر مع ~~ذلك وقوع الظن فيها؛ لأنه واقع في الطريق الموصل إلى النسبة التي توصل إلى ~~الحكم, فإن مقدمتي القياس وجميع أجزائها طريق موصل إلى الحكم، فتخلص حينئذ ~~أن الفقه كله مقطوع به بهذا العمل، وبهذا قال أكثر الأصوليين، كما قاله ~~القرافي في شرح المحصول، وفي التقرير المذكور # PageV01P014 # لكونه مقطوعا به, نظر من وجوه: "أحدها" أن المقدمات لا بد من بقاء ~~مدلولها حال الإنتاج ضرورة ومدلول الصغرى أنه غالب على ظن المجتهد فيسجل أن ~~يكون ذلك الحكم في ذلك الوقت معلوما أيضا لاستحالة اجتماع النقيضين. ~~"الثاني" أنه أقام الدليل على القطع بوجوب العمل بما غلب على ظن المجتهد, ~~وهو غير المطلوب؛ لأنه لا يلزم من القطع بوجوب العملي بما غلب على الظن ~~حصول القطع بالحكم الغالب على الظن والنزاع فيه لا في الأول، فإن قيل: ~~المراد وجوب العمل، قلنا: لا يستقيم؛ لأنه يؤدي إلى فساد الحد؛ لأنه قوله ~~في الحد وهو العلم بالأحكام, لا يدل على العلم بوجوب العمل بالأحكام, لا ~~مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما، ولأن العلم بوجوب العمل بالأحكام مستفاد من ~~الأدلة الإجمالية، والفقه مستفاد من الأدلة التفصيلية، ولأن تفسير الفقه ~~بالعلم بوجوب العمل يقتضي انحصار الفقه في الوجوب, وليس كذلك. "الثالث" أن ~~ما ذكره وإن دل على أن الحكم مقطوع به, لكن لا يدل على أنه معلوم؛ لأن ~~القطع أعم من العلم، إذ المقلد قطع وليس بعالم، وكل عالم قاطع ولا ينعكس، ~~والمدعي هو الثاني وهو كون الفقه معلوما, وما أقام الدلالة عليه بل على ~~القاطع. # قال: "ودليله المتفق عليه بين الأئمة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ~~ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها, ونفيها لا جرم ~~رتبناه على مقدمة, وسبعة كتب". # أما المقدمة, ففي الأحكام ومتعلقاتها "وفيها بابان" أقول: أدلة الفقه ~~تنقسم إلى متفق عليها بين الأئمة والأربعة وإلى مختلف فيها، ms013 فالمتفق عليها ~~أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما عدا ذلك كالاستصحاب والمصالح ~~المرسلة والاستحسان وقياس العكس والأخذ بالأقل وغيرها مما سيأتي فمختلف فيه ~~بينهم، ثم لما كان المقصود من هذه الأدلة هو استنباط الأحكام بالإثبات تارة ~~وبالنفي أخرى كحكمه على الأمر بأنه للوجوب لا للندب, وعلى النهي بأن ~~للتحريم لا للكراهة، والحكم على الشيء بالنفي والإثبات فرع عن تصوره, احتاج ~~الأصولي إلى تصور الأحكام الخمسة، وهي: الوجوب والندب والتحريم والكراهة ~~والإباحة، وتصورها بأن يعرفها بالحد أو بالرسم كما سيأتي، ثم إن المصنف رتب ~~هذا الكتاب على مقدمة وسبعة كتب, فأشار بقوله: "لا جرم رتبناه" إلى وجه ذلك ~~وتقريره: أن أصول الفقه -كما تقدم- عبارة عن المعارف الثلاث: معرفة دلائل ~~الفقه الإجمالية ومعرفة كيفية الاستفادة منها ومعرفة حال المستفيد؛ فأما ~~دلائل الفقه فعقد لها خمسة كتب منها أربعة للأربعة المتفق عليها بين ~~الأئمة, والخامس للمختلف فيها، وأما كيفية الاستفادة وهي الاستنباط فعقد ~~لها الكتاب السادس في التعادل والترجيح، وأما حال المستفيد فعقد له للكتاب ~~السابع في الاجتهاد، هذا بيان الاحتياج إلى الكتب السبعة، وقدم الكتب الستة ~~التي في الدلالة والترجيح على كتاب الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد يتوقف على ~~الأدلة وترجيح بعضها على # PageV01P015 # بعض، وقدم الكتب الخمسة المعقودة للأدلة على كتاب الترجيح؛ لأن الترجيح ~~من صفات الأدلة فهو متأخر عنها قطعا، وقدم الكتب الأربعة التي هي في الأدلة ~~المتفق عليها على الكتاب المعقود للأدلة المختلف فيها لقوة المتفق عليه، ~~وقدم الكتاب والسنة والإجماع على القياس؛ لأن القياس فرع عنها، وقدم الكتاب ~~والسنة على الإجماع لأنه فرع عنهما، وقدم الكتاب على السنة لأن الكتاب ~~أصلها، وأما وجه الاحتياج إلى المقدمة فهو ما تقدم من أن الحكم بالإثبات ~~والنفي موقوف على التصور، فلأجل ذلك احتاج قبل الخوض في أصول الفقه إلى ~~مقدمة معقودة للأحكام ولمتعلقات الأحكام وهي أفعال المكلفين، فإن الحكم ~~متعلق بفعل المكلف، وجعل المقدمة مشتملة على بابين: الأول في الحكم، ~~والثاني فيما لا بد للحكم منه, وذكر في الباب الأول ثلاثة فصول: الأول في ms014 ~~تعريف الحكم, والثاني في أقسامه, والثالث في أحكامه، وذكر في الباب الثاني ~~ثلاثة فصول: الأول في الحاكم، والثاني في المحكوم عليه، والثالث في المحكوم ~~به. واعلم أن حصر الكتاب فيما ذكره يلزم منه أن يكون تعريف الأصول والفقه، ~~وما ذكر بعدهما من السؤال والجواب ليس من هذا الكتاب؛ لأنه لم يدخل في ~~المقدمة ولا في الكتب، إلا أن يقال: الضمير في قوله: رتبناه, عائد إلى ~~العلم لا الكتاب وفيه بعد وقوله: "المتفق عليه بين الأئمة" أشار به إلى أن ~~المخالفين في هذه الأربعة ليسوا بأئمة يعتبر كلامهم، فلا عبرة بمخالفة ~~الروافض في الإجماع، ولا بمخالفة النظام في القياس, ولا بمخالفة الدهرية في ~~الكتاب والسنة على ما نقله عنهم ابن برهان في أول الوجيز وغيره، وقوله: "لا ~~جرم رتبناه" أي: لأجل أن الأصول عبارة عن المعارف الثلاث كما تقدم بسطه، ~~ولأجل أن التصور لا بد منه رتبناه على كذا وكذا، وهذا الترتيب فاسد، ~~وصوابه: أنا رتبناه بزيادة أن كما وقع في القرآن, وذلك أن جرم فعل قال ~~سيبويه: بمعنى حقا، والفراء وغيره بمعنى: ثبت، والذي بعدها هو فاعلها، ~~ورتبناه لا تصلح للفاعلية؛ لأنه فعل ليس معه حرف مصدري. وقوله: "على مقدمة" ~~المراد بالمقدمة ما تتوقف عليها المباحث الآتية، قال الجوهري في الصحاح: ~~مقدمة الجيش -بكسر الدال: أوله، ثم قال: وفي مؤخرة الرجل وقادمته لغات، ~~منها: مقدمة بفتح الدال شددة فيجوز هنا الوجهان؛ نظرا إلى هذين المعنيين. # PageV01P016 ### | الباب الأول في الحكم: ### | الفصل الأول: تعريفه # الحكم خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء, أو التخيير. # قال: "الباب الأول في الحكم وفيه فصول, الأول وفي تعريفه: الحكم خطاب ~~الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء, أو التخيير" أقول: يقال: ~~خاطب زيد عمرا يخاطبه خطابا ومخاطبة أي: وجه اللفظ المفيد إليه، وهو بحيث ~~يسمعه فالخطاب هو التوجيه, وخطاب الله تعالى توجيه ما أفاد إلى المستمع أو ~~من في حكمه, لكن مرادهم هنا بخطاب الله تعالى هو ما أفاد وهو الكلام ~~النفساني؛ لأنه الحكم الشرعي لا توجيه ms015 ما أفاد؛ لأن التوجيه ليس بحكم، ~~فأطلق المصدر وأريد ما خوطب به على سبيل المجاز، من باب إطلاق المصدر على ~~سم المفعول، فالخطاب جنس، وبإضافته إلى # PageV01P016 # الله تعالى خرج عنه الملائكة والجن والإنس، وهذا التقييد لا ذكر له في ~~المحصول ولا في المنتخب ولا في التحصيل، نعم ذكره صاحب الحاصل فتبعه عليه ~~المصنف وهو الصواب؛ لأن قول القائل لغيره: أفعل ليس بحكم شرعي مع أن الحد ~~صادق عليه، قيل: إن هذا الحد صحيح من هذا الوجه, لكن يرد عليه أحكام كثيرة ~~ثابتة بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وبفعله وبالإجماع وبالقياس، وقد ~~أخرجها بقوله: خطاب الله تعالى، فالجواب: أن الحكم هو خطاب الله تعالى ~~مطلقا وهذه الأربع المعرفات له لا مثبتات، واختلفوا: هل يصدق اسم الخطاب ~~على الكلام في الأزل؟ على مذهبين حكاهما ابن الحاجب من غير ترجيح. قال ~~الآمدي في مسألة أمر المعدوم الحق: إنه لا يسمى بذلك, ووجهه أن الخطاب ~~والمخاطبة في اللغة لا يكون إلا من مخاطب ومخاطب بخلاف الكلام، فإنه قد ~~يقوم بذاته طلب التعلم من ابن سيولد كما ستعرفه، وعلى هذا فلا يسمى خطابا ~~إلا إذا عبر عنه بالأصوات بحيث يقع خطابا لموجود قابل للفهم، وكلام المصنف ~~يوافق القائل بالإطلاق؛ لأنه فسر الحكم بالخطاب والحكم قديم فلو كان الخطاب ~~حادثا للزم تفسير القديم بالحادث وهو محال. وقوله: "المتعلق بأفعال ~~المكلفين" احترز به عن المتعلق بذاته الكريمة كقوله تعالى: {شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو} [آل عمران: 18] المتعلق بالجماعات كقوله تعالى: {وتسير ~~الجبال سيرا} [الطور: 10] فإنه خطاب من الله تعالى ومع ذلك ليس بحكم لعدم ~~الأحكام في الأزل أنها متعلقة مجازا؛ لأنها تئول إلى التعلق وقد قال ~~الغزالي في مقدمة المستصفى: إنه يجوز دخول المجاز والمشترك في الحد إذا كان ~~السياق مرشدا إلى المراد، فإن قيل: تقييده المتعلق بالفعل يخرج المتعلق ~~بالاعتقاد كأصول الدين وبالأقوال كتحريم الغيبة والنميمة، ويخرج أيضا وجوب ~~النية وشبهها مع أن الجميع أحكام شرعية، قلنا: يمكن حمل الفعل على ما يصدر ~~من ms016 المكلف وهو أعم، وأجاب بعضهم عن أصول الدين بأن المحدود هو الحكم الشرعي ~~الذي هو فقه لا مطلق الحكم الشرعي، فإن أصول الفقه لا يتكلم فيها إلا الحكم ~~الشرعي الذي هو فقه. وقوله: "بالاقتضاء أو التخيير" الاقتضاء هو الطلب، وهو ~~ينقسم إلى: طلب فعل وطلب ترك، وأما التخيير فهو الإباحة، فدخلت الأحكام ~~الخمسة في هذين اللفظين واحترز بذلك عن الخبر إن كان جازما فهو الإيجاب ~~وإلا فهو الندب، وطلب الترك إن كان جازما فهو التحريم، وإلا فهو الكراهة, ~~كقوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96] وقوله تعالى: {وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون} [الروم: 3] فإن القيود وجدت فيه مع أنه ليس بحكم شرعي ~~لعدم الطلب والتخيير، وهذا التعريف رسم لأحد. قال الأصفهاني في شرح ~~المحصول: لأن أو مذكورة فيه وليست للشك، بل المراد أن ما وقع على أحد هذه ~~الوجوه, فإنه يكون حكما كما سيأتي، والنوع الواحد يستحيل أن يكون له فصلان ~~على البدل بخلاف الخاصتين على البدل كما تقرر # PageV01P017 # في علم المنطق؛ ولهذا المعنى عبر المنصف بقوله الأول في تعريفه ولم يقل ~~في حده؛ لأن التعريف يصدق على الرسم فافهمه، وفي التعريف المذكور نظر من ~~وجوه: أحدها: ما أورده الأصفهاني في شرح المحصول وهو أن الكلام صفة حقيقية ~~من صفات الله تعالى والحكم الشرعي ليس من الصفات الحقيقية, بل من الصفات ~~الإضافية كما هو مقرر في علم الكلام, فامتنع أن يكون الحكم عبارة عن الكلام ~~القديم، فبطل قولهم: الحكم خطاب الله تعالى، الثاني: أن الحكم غير الخطاب ~~الموصوف بل هو دليله؛ لأن قوله تعالى: {أقم الصلاة} [الإسراء: 78] ليس نفس ~~وجوب الصلاة بل هو دال عليه. ألا ترى أنهم يقولون: الأمر المطلق يدل على ~~الجوب، والدال غير المدلول، الثالث من الأحكام الشرعية: ما هو متعلق بفعل ~~مكلف واحد كخصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- والحكم بشهادة خزيمة وحده، ~~وإجزاء الأضحية بالعتاق في حق أبي بردة وحده، وذلك كله خارج عن الحد ~~لتقييده بالمكلفين, فإنه جمع محلى بالألف واللام وأقله ثلاثة إن قلنا: ms017 لا ~~يعم فلو عبر بالمكلف لصح حمله على الجنس، وقد يجاب بأن الأفعال والمكلفين ~~متعددان، ومقابلة المتعدد بالمتعدد قد تكون باعتبار الجمع بالجمع، أو ~~الآحاد بالآحاد كقولنا: ركب القوم دوابهم، الرابع: أنه يخرج من هذا الحد ~~كثير من الأحكام الشرعية كالصلاة الصبي وصومه وحجه, فإنها صحيحة ويثاب ~~عليها، والصحة حكم شرعي، ومع ذلك فإنها متعلقة بفعل غير مكلف، الخامس: ~~أورده القشواني في التلخيص فقال: إن هذا الحد يلزم منه الدور, فإن المكلف ~~من تعلق به حكم الشرع ولا يعرف الحكم الشرعي إلا بعد معرفة المكلف؛ لأنه ~~الخطاب المتعلق بأفعال المكلف، ولا يعرف المكلف إلا بعد معرفة الحكم ~~الشرعي؛ لأنه من يطالب بحكم الشرع، وأجاب الأصفهاني في شرح المحصول بأن ~~المراد بالمكلف البالغ العاقل وهما لا يتوقفان على الخطاب فلا دور, وفيه ~~نظر لأنه عناية بالحد، ولأن المكلف من قام بالتكليف وهو الإلزام، ولأنه قد ~~يبلغ ويعقل ولا يكلف لعدم وصول الحكم إليه. قال: # "قالت المعتزلة: خطاب الله تعالى قديم عندكم، والحكم حادث لأنه يوصف به, ~~ويكون صفة العهد, ومعللا به كقولنا: حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق، وأيضا ~~فموجبية الدلوك ومانعية النجاسة وصحة البيع وفساده خارجة عنه، وأيضا فيه ~~الترديد وهو ينافي التحديد" قوله: أوردت المعتزلة على هذا الحد الذي ~~لأصحابنا ثلاثة أسئلة: "أحدها": أن خطاب الله تعالى قديم والحكم حادث وإذا ~~كان أحدهما قديما والآخر حادثا فكيف يصح أن تقولوا: الحكم خطاب الله تعالى؟ ~~فأما قدم الخطاب فلا حاجة إلى دليل عليه؛ لأنكم قائلون به، وذلك لأن خطاب ~~الله تعالى هو كلامه، ومذهبكم أن الكلام قديم، وإلى هذا أشار بقوله: عندكم، ~~وأما حدوث الحكم فالدليل عليه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يوصف بالحدوث كقولنا: ~~حلت المرأة بعدما لم تكن حلالا, فالحل من الأحكام الشرعية وقد وصف بأنه لم ~~يكن وكان, وكل ما لم يكن وكان فهو حادث، وإليه أشار # PageV01P018 # بقوله: لأنه يوصف به أي: لأن الحكم يوصف بالحدوث, الثاني: أن الحكم يكون ~~صفة فعل العبد كقولنا: هذا وطء حلال, فالحل حكم شرعي ms018 وجعلناه صفة للوطء ~~الذي هو فعل العبد وفعل العبد حادث، وصفه الحادث أولى بالحدوث لأنها إما ~~مقارنة للموصوف أو متأخرة عنه، وإليه أشار بقوله: ويكون صفة لفعل العبد, ~~الثالث: أن الحكم الشرعي يكون معللا بفعل العبد كقولنا: حلت المرأة بالنكاح ~~وحرمت بالطلاق, فالنكاح علة للإباحة الطلاق علة للتحريم، والنكاح والطلاق ~~حادثان؛ لأن النكاح هو الإيجاب والقبول والطلاق قول الزوج: طلقت، وإذا كانا ~~حادثين كان المعلول حادثا بطريق الأول؛ لأن المعلول إما مقارن لعلته أو ~~متأخر عنها، وإليه أشار بقوله: ومعللا به أي: ويكون الحكم معللا به أي: ~~بفعل العبد. "السؤال الثاني": أن هذا الحد غير جامع لأفراد المحدود كلها؛ ~~لأن خطاب الوضع وهو جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا, خارج عنه؛ لأنه لا ~~طلب فيه ولا تخيير، فمن ذلك موجبية الدلوك وهو كون دلوك الشمس موجبا للصلاة ~~فإنه حكم شرعي؛ لأنا لم نستفدها إلا من الشارع، وكونه موجبا لا طلب فيه ولا ~~تخيير، ودلوك الشمس: زوالها وقيل: غروبها، قاله الجوهري. وقال الآمدي في ~~القياس: إنه طلوعها، ومنها مانعية النجاسة للصلاة والبيع أي: كونها مانعة ~~من الصحة, فإنها حكم شرعي لأنا استنفدنا ذلك من الشارع، وكونها مانعة لا ~~طلب فيه ولا تخيير، ومنها الصحة والفساد أيضا لما قلناه. "السؤال الثالث" ~~وقد أسقطه صاحب التحصيل: أن الحد فيه أو وهي موضوعة للتردد أي: للشك، ~~والمقصود من الحد إنما هو التعريف فيكون الترديد منافيا للتحديد. قال: ~~"قلنا: الحادث التعلق والحكم يتعلق بفعل العبد لا صفته كالقول المتعلق ~~بالمعلومات، والنكاح والطلاق ونحوهما معرفات له كالعالم للصانع والموجبية ~~والمانعية أعلام الحكم لا هو, وإن سألتم فالمعنى بهما اقتضاء الفعل والترك ~~وبالصحة إباحة الانتفاع وبالبطلان حرمته والترديد في أقسام المحدود لا في ~~الحد" أقول: أجاب المصنف عن الاعتراض الأول وهو قولهم: كيف تقولون: إن ~~الحكم هو الخطاب مع أن الخطاب قديم والحكم حادث؟ فقال: لا نسلم أن الحكم ~~حادث بل هو قديم أيضا كالخطاب، وحينئذ فيصح قولنا: الحكم خطاب الله تعالى، ~~أما قولهم في الدليل ms019 الأول على حدثه: إن الحكم يوصف بالحدوث، كقولنا: حلت ~~المرأة بعد أن لم تكن فليس كذلك؛ لأن معنى قولنا: الحكم قديم كما قال في ~~المحصول، هو أن الله تعالى قال في الأزل: أذنت لفلان أن يطأ فلانة مثلا, ~~إذا جرى بينهما نكاح وإذا كان هذا معناه, فيكون الحل قديما لكنه لا يتعلق ~~به إلا بوجود القبول والإيجاب، وحينئذ فقولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن ~~معناه تعلق الحل بعد أن لم يكن, فالموصوف بالحدوث إنما هو التعلق وإلى هذا ~~أشار بقوله: قلنا: الحادث التعلق، وأما قولهم في الدليل الثاني على حدوثه: ~~إن الحكم يكون صفة لفعل العبد كقولنا: هذا وطء حلال, فلا نسلم أن هذا صفة. ~~قال في المحصول: لأنه لا معنى لكون الفعل # PageV01P019 # حلالا إلا قول الله تعالى: رفعت الحرج عن فاعله، فحكم الله تعالى هو هذا ~~القول وهو متعلق بفعل العبد, ولا يلزم من كون القول متعلقا بشيء أن يكون ~~صفة لذلك الشيء، فإنا إذا قلنا: شريك البارئ معدوم كان هذا القول الوجودي ~~متعلقا بشريك الإله وهو معدوم فلو كان صفة له لكان شريك الإله متصفا بصفة ~~وجودية وهو محال؛ لأن ثبوت الصفة فرع عن ثبوت الموصوف، وإلى هذا أشار ~~بقوله: والحكم متعلق ... إلخ. وأما قولهم في الدليل الثالث: إن الحكم ~~الشرعي يكون معللا بفعل العبد كقولنا: حلت بالنكاح ويلزم من حدوث العلة ~~حدوث المعلول، فلا نسلم أن النكاح والطلاق والبيع والإجارة وغير ذلك من ~~أفعال العباد علل للأحكام الشرعية بل معرفات لها, إذ المراد من العلة في ~~الشرعيات إنما هو المعرف للحكم، ويجوز أن يكون الحادث معرفا للقديم كما أن ~~العالم المعروف للصانع سبحانه وتعالى؛ لأنا نستدل على وجوده به، وللعالم ~~بفتح اللام وهو الخلق والجمع: العوالم قاله الجوهري, وإلى هذا أشار بقوله: ~~النكاح والطلاق. # قوله: "والموجبية والمانعية أعلام" جواب عن الاعتراض الثاني وهو قولهم: ~~إن هذا الحد غير جامع؛ لأنه قد خرج منه هذه الأحكام التي لا اقتضاء فيها ~~ولا تخيير، فقال: لا نسلم أن الموجبية ms020 والمانعية من الأحكام بل من العلامات ~~على الأحكام؛ لأن الله تعالى جعل زوال الشمس علامة على وجوب الظهر ووجود ~~النجاسة علامة على بطلان الصلاة وإن سلمنا أنهما من الأحكام فليسا خارجين ~~من الحد؛ لأنه لا معنى لكون الزوال موجبا إلا طلب فعل الصلاة، ولا معنى ~~لكون النجاسة مانعة إلا طلب الترك، ولا نسلم أيضا أن الصحة والبطلان خارجان ~~عن الحد، فإن المعنى بالصحة إباحة الانتفاع، والمعنى بالبطلان حرمته، ~~فاندرجا في قولنا: بالاقتضاء أو التخيير، وإنما عبر في السؤال بالفساد، وفي ~~الجواب بالبطلان إعلاما بالترادف. واعلم أن في موجبية الدلوك ثلاثة أمور, ~~أحدها: وجوب الظهر ولا إشكال في أنه من الأحكام، والثاني: نفس الدلوك وهو ~~زوال الشمس وليس حكما بلا نزاع بل علامة عليه، والثالث: كون الزوال موجبا ~~الشرع وأنه لا معنى للشرعي إلا ذلك، وإذا كان كذلك فكيف يحسن الجواب بأنه ~~علامة على الحكم؟ إنما العلامة هو نفس الزوال وكذلك القول في المانعية، ~~وأما دعواه أن المعنى بهما اقتضاء الفعل والترك فممنوع أيضا؛ لأن الموجبية ~~غير الوجوب والمانعية غير المنع قطعا كما بيناه، وأما دعواه أن الصحة هي ~~الإباحة فينتقض بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع فإنه صحيح ولا يباح ~~للمشتري الانتفاع به، وأيضا يقال له: صحة العبادات داخلة في أي الأحكام ~~الخمسة، فالصواب ما سلكه ابن الحاجب وهو زيادة قيد آخر في الحد وهو الوضع ~~فيقال: بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. قوله: "والترديد في أقسام المحدود ~~لا في الحد" جواب عن الاعتراض الثالث وهو قولهم: إن في الحد صيغة أو وهي ~~للشك، فقال: لا نسلم وقوع الشك في الحد # PageV01P020 # لأن أو ههنا ليست للشك بل هي لأقسام المحدود وهو الحكم، كما تقول: ~~الكلمة: اسم أو فعل أو حرف يدل عليه تعبيركم بالترديد ولا بالتردد, فإن ~~قولنا: تردد في الشيء ترددا يستدعي الشك فيه بخلاف ردد بين الشيئين ترديدا, ~~فإنه لا يستلزمه لصحة استعماله في التقسيم, وفي تعبير المصنف نظر لأنه إن ~~عنى بالترديد ما قلناه فهو واقع في أجزاء ms021 الحد ضرورة فكيف يقول: لا في ~~الحد، وإن عنى به الشك فهو منتف عن أقسامه قطعا، ولو اقتصر على قوله: ~~والتردد في أقسام المحدود لاستقام، وقد يجاب عن هذا بأن يقال: المراد ~~بالتردد التقسيم كمما قلناه ولا نسلم أنه واقع في الحد وذلك لأن الترديد ~~إنما هو في أحدهما معين وأحدهما معين أخص من أحدهما مطلقا, فيكون غيره ~~وأحدهما مطلقا هو المعتبر في الحد, ولم يقع فيه ترديد فلا ترديد في الحد, ~~إنما الترديد في الاقتضاء والتخيير اللذين هما من أقسام المحدود الذي هو ~~الحكم, وإلى هذا أشار في المحصول فإنه أجاب عن أصل السؤال بقولنا: قلنا: ~~مرادنا أن كل ما وقع على أحد الوجوه كان حكما. # PageV01P021 ### | الفصل الثاني: تقسيماته ### | التقسيم الأول # قال: "الفصل الثاني في تقسيماته، فالأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع ~~النقيض فوجوب, وإن لم يمنع لندب وإن اقتضى الترك بمنع النقيض فحرمة وإلا ~~فكراهة, وإن خير فإباحة" أقول: لما فرغ من تعريف الحكم شرع في تقسيماته وهو ~~ينقسم باعتبارات مختلفة إلى تقسيمات ستة، الأول: باعتبار الفصول التي صيرت ~~أقسامه أنواعا خمسة، فقول في تقسيمه أي: في تقسيم الحكم ثم إنه لما قدم أن ~~الحكم هو خطاب الله تعالى ... إلخ صح التقسيم في الخطاب وأن كلامه في تقسيم ~~الحكم وقرن الخطاب بالألف واللام لإفادة المعهود السابق وهو خطاب الله ~~تعالى, وحاصله: أن خطاب الله تعالى قد يكون فيه اقتضاء، وقد يكون فيه تخيير ~~كما تقدم، فإن اقتضى شيئا نظر إن اقتضى وجوب الفعل ومنع من نقيضه وهو ~~الترك، فإنه الوجوب وإن اقتضى الوجود ولم يمنع من الترك فهو الندب، وإن ~~اقتضى الفعل ومنع من نقيضه وهو الإتيان به فهو الحرمة, وإن اقتضى الترك لكن ~~لم يمنع من الإتيان به الكراهة، وإن كان الخطاب لا يقتضي شيئا بل خيرنا بين ~~الإتيان والترك فهو الإباحة، وهذا التقسيم يعلم منه الحدود, فالإيجاب مثلا ~~طلب الفعل مع المنع من الترك، وأمثلة الباقي لا تخفى وهو تقسيم محدد لا ~~إيراد عليه لكن تعبير ms022 المصنف بالوجوب والحرمة لا يستقيم بل الصواب الإيجاب ~~والتحريم؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى كما تقدم, والخطاب إنما ~~يصدق على الإيجاب والتحريم لا على الوجوب والحرمة؛ لأنهما مصدر وجب وحرم, ~~والإيجاب والتحريم مصدران لأوجب وحرم بتشديد الراء, فمدلول خاطبنا الله ~~تعالى بالصلاة مثلا هو أوجبها علينا وليس مدلوله وجبت، نعم إذا أوجبها فقد ~~وجبت وجوبا قال: "ويرسم الواجب بأنه الذي يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا, ~~ويرادفه الفرض وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت بقطعي والواجب بظني". # PageV01P021 # أقول: المعرفات للماهية خمسة: الحد التام, والحد الناقص، والرسم التام، ~~والرسم الناقص، وتبديل لفظ بلفظ أشهر منه، فالحد التام هو التعريف بالجنس، ~~والفصل، كقولنا في الإنسان: إنه الحيوان الناطق، والحد الناقص كالتعريف ~~بالفصل وحده كقولنا: الناطق, والرسم التام هو التعريف بالجنس والخاصة ~~كقولنا: الإنسان حيوان ضاحك، أو كاتب فالضحك معنى خاص بالإنسان والتبديل ~~باللفظ الأشهر كقولنا: البر هو القمح، إذا علمت ذلك فالأحكام الخمسة لها ~~حدود ورسوم فالتقسيم السابق، ذكره المصنف لمعرفة حدودها كما تقدمت الإشارة ~~إليه، ثم شرع الآن في التعريف بالخواص فلذلك قال: ويرسم ولكنه لم يرسم نفس ~~الأحكام، بل رسم الأفعال التي تعلقت بها هذه الأحكام، فإن الفعل الذي تعلق ~~به الوجوب هو الواجب، والذي تعلق به الندب هو المندوب، والذي تعلق به ~~التحريم هو الحرام، والذي تعلقت به الكراهة هو المكروه، والذي تعلقت به ~~الإباحة هو المباح، وهذا الرسم نقله في المحصول عن اختيار القاضي أبي بكر، ~~ولم يصرح باختياره, نعم صرح بذلك في المنتخب فقال: إنه الصحيح من الرسوم ~~لكن فيه تغيير ستعرفه، فقوله: الذي يذم أي: الفعل الذي يذم فالفعل جنس ~~للخمسة، وقوله: يذم احترز عن المندوب والمكروه والمباح لأنه لا ذم فيها، ~~قال في المحصول تبعا للغزالي في المستصفى: وهو خير من قولنا: يعاقب تاركه ~~لجواز العفو ومن قولنا: يتوعد بالعقاب على تركه؛ لأن الحلف في خبره محال ~~فيلزم أن لا يوجد العفو ومن قولنا: لا يخالف العقاب على تركه؛ لأن المشكوك ~~في وجوبه غير واجب ms023 مع وجوب الخوف والمراد بقولنا: يذم تاركه أن يرد في كتاب ~~الله تعالى، أو في سنة رسوله، أو إجماع الأمة ما يدل على أنه بحالة لو تركه ~~لكان مستنقصا وملوما بحيث ينتهي الاستنقاص واللوم إلى حد يصلح لترتب ~~العقاب، وقوله: شرعا قال في المحصول: هو إشارة إلى أن الذم عندنا لا يثبت ~~إلا بالشرع على خلاف ما قاله المعتزلة، وقوله: تاركه احتراز عن الحرام فإنه ~~يذم شرعا فاعله لا قوله قصدا، فيه تقريران موقوفان على مقدمة وهي أن هذا ~~التعريف إنما هو بالحيثية أي: هو الذي بحيث لو ترك للذم تاركه إذ لو لم يكن ~~قيد الحيثية لاقتضى أن كل واجب لا بد من حصول الذم على تركه وحصول الذم على ~~تركه موقوف على تركه, فيلزم من ذلك أن الترك لا بد منه وهو باطل. إذا عرفت ~~ذلك فأحد التقريرين أنه إنما أتى بالقصد؛ لأنه شرط لصدق هذه الحيثية إذ ~~التارك لا على سبيل القصد لا يذم, والثاني أنه احترز به عما إذا مضى من ~~الوقت مقدار يتمكن فيه من إيقاع الصلاة ثم تركها بنوم أو نسيان أو موت, فإن ~~هذه الصلاة واجبة لأن الصلاة تجب عندنا بأول الوقت وجوبا موسعا بشرط ~~الإمكان كما سيأتي في الواجب للوسع, وقد تمكن ومع ذلك لم يذم شرعا تاركها؛ ~~لأنه ما تركها قصدا فأتى بهذا القيد لإدخال هذا الواجب في الحد ويصير به ~~جامعا، ولا ذكر له في المحصول والمنتخب ولا في التحصيل # PageV01P022 # والحاصل، وقوله: مطلقا فيه أيضا تقريران موقوفان أيضا على مقدمة, وهي أن ~~الإيجاب باعتبار الفاعل قد يكون على الكفاية كالجنازة, وقد يكون على العين ~~كالصلوات الخمس, وباعتبار المفعول قد يكون مخيرا كخصال الكفارة, وقد يكون ~~محتما كالصلاة أيضا، وباعتبار الوقت المفعول فيه قد يكون موسعا كالصلاة، ~~وقد يكون مضيقا كالصوم، فإذا ترك الصلاة في أول وقتها صدق أنه ترك واجبا إذ ~~الصلاة تجب بأول الوقت، ومع ذلك لا يذم عليها إذ أتى بها في أثناء الوقت ~~ويذم إذا أخرجها عن ms024 جميع الوقت إذا ترك إحدى خصال الكفارة, فقد ترك ما يصدق ~~عليه أنه واجب، مع أنه لا ذم فيه إذا أتى بغيره، وإذا ترك صلاة الجنازة فقد ~~ترك ما هو واجب عليه؛ لأن فرض الكفاية يتعلق بالجميع ولا يذم عليه إذا فعله ~~غيره، بخلاف تارك إحدى الصلوات الخمس فإنه مذموم سواء وافقه غيره أم لا إذا ~~عرف بذلك, فنعود إلى ذكر التقريرين أحدهما: أن قوله: مطلقا عائد إلى الذم ~~وذلك لأنه قد تلخص أن الذم على الواجب الموسع، والواجب المخير، والواجب على ~~الكفاية من وجه دون وجه، والذم على الواجب المضيق والمحتم، والواجب على ~~العين من كل وجه؛ فلذلك قال: مطلقا أي: سواء كان الذم من بعض الوجوه أو من ~~كلها, فلو لم يذكر ذلك لقيل له: من ترك صلاة الجنازة مثلا لإتيان غيره بها, ~~فقد ترك واجبا عليه مع أنه لا يذم أو يقال له: الآتي بها آت بالواجب مع أنه ~~لو تركه لم يذم وأنت قد قلت: إن الواجب ما يذم تاركه, فلما ذكر هذا القيد ~~اندفع الاعتراض لأنه وإن كان لا يذم عليه من هذا الوجه فيذم عليه من وجه ~~آخر، وهو ما إذا تركه هو وغيره وبه صار الحد جامعا للواجب الموسع، والواجب ~~المخير، والواجب على الكفاية، وعبر عنه الإمام في المحصول والمنتخب بقوله: ~~على بعض الوجوه، وتبعه صاحب التحصيل، لكن صاحب الحاصل أبدله بقوله: مطلقا ~~فتبعه المصنف وهو أحسن من عبارة الإمام؛ لأن القيود لا بد أن تخرج أضدادها ~~فالتقييد بالبعض يخرج ما يذم تاركه من كل وجه, فيلزم أن يخرج من الحد أكثر ~~الواجبات وهي المضيقة والمحتمة وفروض الأعيان, لا جرم أن في بعض مقطوعا كان ~~أو مظنونا, فالتخصيص تحكم، قال الفنري: وفيه نظر, إذ المظنون لما لم يعلم ~~تقديره علينا، كيف يقال: إنه فرض أي: مقدر علينا؟ والمقطوع لما كان معلوم ~~التقدير كيف يقال: إنه ساقط؟ أقول: الحكم بأنه مقدر علينا لا يتوقف على ~~القطع بل يكتفي فيه الظن، وكون الشيء معلوم التقدير ms025 لا ينافي السقوط علينا ~~بمعنى النسخ، ولو على بعض الوجوه بزيادة: ولو. الثاني: أن مطلقا عائد إلى ~~الترك والتقدير: تركا مطلقا ليدخل المخير والموسع وفرض الكفاية, فإنه إذا ~~ترك فرض الكفاية لا يأثم وإن صدق أنه ترك واجبا وكذلك الآتي به آت بالواجب ~~مع أنه لو تركه لم يأثم وإنما يأثم إذا حصل الترك المطلق أي: منه ومن غيره، ~~وهكذا في الواجب المخير والموسع، ودخل فيه أيضا الواجب المحتم، والمضيق, ~~وفروض العين؛ لأن كل ما ذم الشخص عليه إذا تركه وحده ذم # PageV01P023 # عليه أيضا إذا تركه هو وغيره. # قوله: "ويرادفه الفرض" أي: الفرض والواجب عندنا مترادفان, وقالت الحنفية: ~~إن ثبت التكليف بدليل قطعي مثل الكتاب والسنة المتواترة فهو الفرض كالصلوات ~~الخمس، وإن ثبت بدليل ظني كخبر الواحد والقياس فهو الواجب, ومثلوه بالتواتر ~~على قاعدتهم، فإن ادعوا أن التفرقة شرعية أو لغوية فليس في اللغة ولا في ~~الشرع ما يقتضيه وإن كانت اصطلاحية فلا مشاحة في الاصطلاح, قال في الحاصل: ~~والنزاع لفظي. قال: "والمندوب ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه, ويسمى سنة ~~ونافلة". # أقول: المندوب في اللغة هو المدعو إليه، قال الجوهري: يقال: ندبه لأمر ~~فانتدب له أي: دعاه له فأجاب قال الشاعر: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال براهانا # فسمي النفل بذلك لدعاء الشرع إليه، وأصله المندوب إليه، ثم توسع فيه بحذف ~~حرف الجر فاستكن الضمير، وفي الاصطلاح ما قاله المصنف قوله: "ما يحمد ~~فاعله" أي: الفعل الذي يمدح فاعله, فالفعل جنس وقوله: يمدح خرج به المباح ~~فإنه لا مدح فيه "هو ولا ذم" وقوله: فاعله خرج به الحرام والمكروه فإنه ~~يمدح تاركهما والمارد بالفعل هنا هو الصادر من الشخص ليعم الفعل المعروف، ~~والقول نفسانيا كان أو لسانيا فتدخل الأذكار القلبية اللسانية وغيرها من ~~المندوبات وإلا يكون الحد غير جامع، وقوله: ولا يذم تاركه, خرج به الواجب ~~فإن تاركه يذم, فإن قيل: فرض الكفاية يمدح فاعله ولا يذم تاركه مع أنه فرض, ~~ولهذا احتجنا إلى إدخاله في ms026 حد الواجب كما تقدم, وكان ينبغي أن يقول مطلقا، ~~وكذلك أيضا خصال الكفارة والواجب الموسع. قلنا: قوله: ولا يذم كاف؛ لأنه ~~للعموم لكونه نكرة في سياق النفي, إذ الأفعال كلها نكرات تعم يدخل في الحد ~~فعل الله تعالى مع أنه ليس مندوبا إلا أن يقال: يحمل الفعل على فعل المكلف ~~وهو عناية في الحد ويسمى المندوب سنة ونافلة, قال في المحصول: ويسمى أيضا ~~مستحبا وتطوعا ومرغبا فيه وإحسانا ومنهم من يبدل هذا بقوله: حسنا قال: ~~"والحرام: ما يذم شرعا فاعله، والمكروه: ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله, ~~والمباح: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم". أقول: المراد بقوله: ما يذم ~~أي: الفعل الذي يذم فالفعل جنس للأحكام الخمسة وقوله: يذم احترز به عن ~~المكروه والمندوب والمباح, فإنه لا ذم فيها وقوله: شرعا إشارة إلى أن الذم ~~لا يكون إلا بالشرع على خلاف ما قاله المعتزلة. وقوله: فاعله احترز به عن ~~الواجب فإنه يذم تاركه والمراد بالفعل هو الشيء الصادر من الشخص, والفاعل ~~هو المصدر له ليعم الغيبة والنميمة وغيرهما من الأقوال المحرمة، وكذلك ~~الحقد والحسد وغيرهما من الأعمال القلبية ولك أن تقول: هذا الحد يرد عليه ~~الحرام المخير عند من يقول به, وهم الأشاعرة كما نقله عنهم الآمدي وغيره ~~فينبغي أن يقول: مطلقا كما قاله في حد الواجب, قال في المحصول: ويسمى # PageV01P024 # الحرام أيضا معصية وذنبا وقبيحا ومزجورا عنه ومتوعدا عليه من الشرع. ~~قوله: "والمكروه: ما يمدح تاركه" أي: فعل يمدح تاركه، فالفعل جنس للأحكام ~~الخمسة قوله: "يمدح" خرج به المباح فإنه لا مدح فيه قوله: "تاركه" خرج به ~~الواجب والمندوب قوله: "ولا يذم فاعله" خرج به الحرام، أما المباح فهو في ~~اللغة عبارة عن الموسع فيه، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف بقوله: ما أي فعل ~~وهو جنس للخمسة وقوله: لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم خرج به الأربعة, ~~فإن كلا منها تعلق بفعله أو تركه مدح أو ذم، فإن الواجب تعلق بفعله المدح، ~~وبتركه الذم, والحرام عكسه ms027 والندب تعلق بفعله المدح ولم يتعلق بتركه الذم، ~~والمكروه عكسه أي: تعلق بتركه المدح ولم يتعلق بفعله الذم، وهذه الألفاظ ~~الأربعة التي ذكرها المصنف وهي: الفعل والترك والمدح والذم، بد من كل واحد ~~منها إلا الذم؛ لأنه لو قال: ما لا يتعلق بفعله مدح ولا ذم لكان يرد عليه ~~المكروه, فإن فعله لا مدح فيه ولا ذم، ولو قال: ما يتعلق بتركه مدح ولا ذم ~~لكان يرد عليه المندوب ولو أتى بهما أيضا ولكنه حذف المدح فقال له: ما لا ~~يتعلق بفعله وتركه ذم لكان يرد عليه المكروه والمندوب، وأما الذم فإنه لو ~~حذفه فقال: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح لما كان يرد عليه شيء، فهي إذا ~~زيادة في الحد والحدود تصان عن الحشو والتطويل، وأيضا فقد تقدم أن هذه رسوم ~~للأفعال التي تعلقت بها الأحكام الشرعية وتقدم أن تلك الأفعال هي أفعال ~~المكلفين، فيكون المباح قسما من أفعال المكلفين، وعلى هذا فأفعال غير ~~المكلفين كالنائم والساهي، ليست من المباح مع أن الحد صادق عليها فالحد إذا ~~غير مانع، وأيضا فقد تعرض المصنف بقوله: شرعا في رسمي الواجب والحرام دون ~~رسم المندوب والمكروه والمباح, مع أن المدح على الفعل في المندوب وعلى ~~الترك في المكروه لا يثبت عندنا إلا بالشرع، وكذلك نفي المدح والذم عن ~~المباح، فالصواب ذكرها في الجميع كما فعله صاحب الحاصل والتحصيل، نعم في ~~المحصول كما في المنهاج إلا أنه أشار إليه في المندوب أيضا وقد وقعت هنا ~~أغلاط في عدة من الشروح المشهورة فاجتنبها، قال في المحصول: ويسمى المباح ~~أيضا طلاقا وحلالا. # PageV01P025 ### | التقسيم الثاني # قال: "الثاني: ما نهي عنه شرعا فقبيح وإلا فحسن, كالواجب والمندوب ~~والمباح وفعل غير المكلف، والمعتزلة قالوا: ما ليس للقادر عليه العالم ~~بحاله أن يفعله وما له أن يفعله, وربما قالوا: الواقع على صفة توجب الذم أو ~~المدح، فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص" أقول: هذا القسم ليس داخلا في المقسم ~~أو لأن المقسم في قوله: الفصل الثاني في تقسيمه إنما هو الحكم، ms028 والقبيح ~~والحسن من الأفعال لا من الأحكام, وهو رد التقسيم لا بد أن يكون مشتركا بين ~~أقسامه وأعم منها، وإن شئت قلت: لا بد أن يكون صادقا عليها ومغايرا لها، لا ~~جرم أن صاحب الحاصل قال: الفصل الثاني في تقسيم الأحكام ومتعلقاتها, لكن في ~~المحصول والتحصيل كما في المنهاج، ولعل العذر في # PageV01P025 # ذلك أن تقسيم الفعل الذي تعلق به الحكم يستلزم تقسيم الحكم إلى نهي ~~وغيره، وحاصل ما قاله المصنف: أن الفعل إن نهى الشارع عنه فهو القبيح ~~كالمحرم والمكروه, وإن لم ينه عنه فهو الحسن ويندرج فيه أفعال المكلفين ~~كالواجب والمندوب والمباح، وأفعال غيرهم كالساهي والصبي والنائم والبهائم، ~~وكذلك أفعال الله تعالى كما قال في المحصول ومختصراته، وليس في هذه الكتب ~~تصريح بأن المكروه من القبيح أو من الحسن, لكن إطلاقهم النهي يقتضي إلحاقه ~~بالقبيح، ويؤيده أنهم لما عدوا الأشياء التي تضمنها الحسن لم يعدوه منها، ~~وفي كلام المصنف نظر من وجهين، أحدهما: أنه قد تقرر أن هذا التقسيم إنما هو ~~في متعلقات الحكم الشرعي، ومتعلقاته هي أفعال الملكفين, كما علم في حد ~~الحكم وحينئذ فيكون قد قسم أفعال المكلفين إلى الحسن والقبيح، ثم قسم الحسن ~~إلى أشياء منها أفعال غير المكلفين, فيلزم أن تكون أفعال المكلفين تنقسم ~~إلى أفعال غير المكلفين وهو معلوم البطلان، الثاني: أن فعل غير المكلف لا ~~يخلو إما أن يكون عنده من قسم المباح أم لا، فإن كان فلا حاجة إلى قوله ~~والمباح وفعل غير المكلف، وإن لم يكن عنده من المباح وهو الذي صرح به غيره ~~فيكون الحد المتقدم للمباح فاسدا، فإنه قد حده بما لا يتعلق بفعله وتركه ~~مدح ولا ذم، وفعل غير المكلف يصدق عليه بذلك، والإشكالان كلاهما واردان هنا ~~على الإمام وأتباعه. "قوله: والمعتزلة قالوا" يعني أن المعتزلة خالفوا ~~فقالوا: القبيح هو الفعل الذي ليس للقادر عليه أن يفعله إذا كان عالما ~~بصفته من المفسدة الداعية إلى تركه كالكذب الضار, أو المصلحة الداعية إلى ~~فعله كالصدق النافع, وأما الحسن فهو ms029 الفعل الذي للقادر عليه العالم بصفته ~~أن يفعله, وإلى هذا أشار بقوله: "وما له" أي: وما للقادر عليه العالم بحاله ~~أن يفعله فهو الحسن ولكنه اختصر لدلالة ما تقدم عليه، فدخل في حد القبيح ~~الحرام فقط، وفي حد الحسن الواجب والمندوب والمكروه والمباح وفعل الله ~~تعالى، وقد علم من هذا أنه إذا لم يكن الفعل مقدورا عليه كالعاجز عن الشيء ~~والملجأ إليه فإنه لا يوصف عندهم بحسن ولا قبح، وكذلك ما لم يعلم حاله كفعل ~~الساهي والنائم والبهائم. قوله: "وربما قالوا" أي وربما ذكرت المعتزلة ~~عبارة أخرى في حد القبيح والحسن, فقالوا: القبيح هو الفعل الواقع على صفة ~~توجب الذم، والحسن هو الفعل الواقع على صفة توجب المدح، فدخل في حد القبيح ~~الحرام فقط، وفي حد الحسن الواجب والمندوب دون المكروه والمباح, إذ لا مدح ~~في فعلهما مع أنهما قد دخلا في حدهم الأول للحسن؛ لأن القادر عليهما له أن ~~يفعلهما فتلخص أن الحسن بتفسير المعتزلة ثانيا أخص منه بتفسيرهم أولا, وذلك ~~لأن كل ما كان واقعا على صفة توجب المدح فللقادر عليه العالم بحاله أن ~~يفعله, ولا ينعكس بدليل المكروه والمباح، وأما القبيح فحدهم الأول مساو ~~لحدهم الثاني، وهذا التقرير اعتمده فإن طائفة من الشارحين قد قررته على غير ~~الصواب. # PageV01P026 ### | التقسيم الثالث # قال: "الثالث قبل الحكم إما سبب أو مسبب, كجعل الزنا سببا لإيجاب الجلد ~~على الزاني, فإن أريد بالسببية الإعلام فحق وتسميتها حكما بحث لفظي, وإن ~~أريد التأثير فباطل لأن الحادث لا يؤثر في القديم، ولأنه مبني على أن للفعل ~~جهات توجب الحسن والقبح وهو باطل". أقول: هذا تقسيم ثالث للحكم باعتباره ~~صفة عارضة هو كونه علة ومعلولا، واختلف الناس في القائل بهذا التقسيم فنقله ~~الأصفهاني في شرح المحصول عن الأشاعرة، وهو مقتضى كلام صاحب الحاصل، فإن ~~عبارته: قال الأصحاب, ولعل القائل به منهم هو الغزالي وغيره ممن يرى أن ~~الأسباب الشرعية مؤثرات بجعل الشارع، وقال الأيجي شارح الكتاب: إن هذا ~~التقسيم للمعتزلة ولعله الأقرب, فإنه قد تقدم ms030 نقله عنهم في الاعتراضات على ~~حد الحكم، ولعل المصنف استشعر هذا الاختلاف فبناه للمفعول فقال قبل الحكم، ~~وعبارة المحصول والتحصيل قالوا: الحكم، وحاصله أن طائفة قالوا: إن الحكم ~~كما يرد بالاقتضاء أو التخيير قد يرد بجعل الشيء سببا وشرطا ومانعا، ومثلوه ~~بالزاني فقالوا: لله تعالى في الزاني حكمان, أحدهما: جعل الزنا سببا لإيجاب ~~الحد وهذا حكم شرعي لأنه مستفاد من الشرع من حيث إن الزنا لا يوجب الحد ~~لعينه, بل يجعل للشرع فهو حكم سببي، والثاني: إيجاب الحد عليه وهو الحكم ~~المسبب، إذا تقرر هذا فاعلم أن تقسيم المصنف لا يستقيم فإنه قسم الحكم إلى ~~سبب ومسبب، والسبب هو نفس الزنا، وقد صرح به هو حيث قال: كجعل الزنا سببا، ~~فإن ذلك تصريح بشيئين أحدهما: أن الزنا سبب، والثاني: أن جاعله كذلك هو ~~الله تعالى، وإذا كان السبب هو الزنا فلا يمكن جعله من الأحكام بل الذي ~~يمكن جعله منها وهو الذي ذكره صاحب هذا التقسيم إنما هو الجعل نفسه وصوابه ~~أن يقول: إما سببي أو مسبب، وقد صرح به صاحب الحاصل فقال: السببية من أحكام ~~الشرع. # قوله: "فإن أريد بالسببية" أي: يجعل الشرع الزنا سببا لإيجاب الحد هو ~~كونه إعلاما ومعرفا له فهو حق لا نزاع فيه، فإنه يجوز أن يقول الشارع: متى ~~رأيت إنسانا يزني فاعلم أني أوجبت عليه الحد، لكن تسمية السببية بالحكم من ~~باب الاصطلاح وهو بحث لفظي؛ لأنه مبني على تفسير الحكم، فمن زاد فيه الوضع ~~فقال بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع فقد جعله حكما شرعيا، ومن حذفه فليس ~~حكما شرعيا عنده، وقد تقدم إيضاحه في حد الحكم. قوله: "وإن أريد التأثير" ~~أي: وإن أريد بالسببية التأثير بمعنى: أن الله تعالى جعل الزنا مؤثرا في ~~إيجاب الحد, فهو باطل من وجهين, أحدهما: أن الزنا حادث وإيجاب الحد قديم ~~والحادث لا يؤثر في القديم؛ لأن تأثيره فيه يستدعي تأخر وجوده عنه أو ~~مقارنته له، الثاني: أن القول بالتأثير مبني على أن الأفعال مشتملة على ~~صفات تكون ms031 هي المؤثرة في الحكم وإلا كان تأثير الفعل في القبح دون الحسن ~~ترجيحا بلا مرجح، وهذا هو قول المعتزلة في الحسن والقبح وهو باطل، وفي ~~الأول نظر من وجهين: أحدهما: أن الاحتجاج بقدم الحكم لا يفيد إن كان هذا ~~التقسيم للمعتزلة؛ لأنهم قائلون بحدوث الأحكام، الثاني: ما ذكره في التحصيل ~~وهو أنهم قد يريدون التأثير ولكن يجعلون تأثير الزنا إنما هو في تعلق الحكم ~~لا في نفس الحكم، وهذا كما أجبنا عن قولهم: حلت المرأة بعد أن لم تكن، بأن ~~المراد حدث تعلق الحل والتعلق حادث, فأثر الحادث في أمر حادث. # PageV01P027 ### | التقسيم الرابع # قال "الرابع": "الصحة: استتباع الغاية وبإزائها البطلان والفساد, وغاية ~~العبادة موافقة الأمر عند المتكلمين وسقوط القضاء عند الفقهاء, فصلاة من ظن ~~أنه متطهر صحيحة على الأول لا على الثاني، وأبو حنيفة سمى ما لم يشرع بأصله ~~ووصفه كبيع الملاقيح باطلا، وما شرع بأصله دون وصفه كالربا فاسدا". # أقول: هذا تقسيم آخر للحكم باعتبار اجتماع الشروط المعتبرة في الفعل وعدم ~~اجتماعها فيه سواء كان عبادة أو معاملة، فنقول: غاية الشيء هو الأثر ~~المقصود منه كحمل الانتفاع بالمبيع مثلا، فإن ترتيب الغاية على الفعل ~~وتبعته في الوجود كان صحيحا، فاستتباع الغاية هو طلب الفعل لتبعية غايته ~~وترتيب وجودها على وجوده؛ لأن السين للطلب كاستعطى وكأنه جعل الفعل الصحيح ~~طالبا أو مقتضيا لترتب أثره عليه مجازا، ولقائل أن يقول: المبيع قبل القبض ~~صحيح مع أنه لم يترتب عليه حل الانتفاع، وأيضا فالخلع الفاسد والكتابة ~~الفاسدة يترتب عليهما أثرهما, وأيضا فالخلع الفاسد والكتابة الفاسدة يترتب ~~عليهما أثرهما من البينونة والعتق مع أنهما غير صحيحين. قوله: "وبإزائها ~~البطلان والفساد" يعني: أن الفساد والبطلان لفظان مترادفان معناهما كون ~~الشيء لم يستتبع غايته فعلى هذا يكون بإزاء الصحة أي: مقابلان لها يقال: ~~جلس فلان بإزاء فلان وبحذائه أي: مقابله, أشار إلى ذلك الجوهري في الصحاح، ~~واعلم أن دعوى الترادف مطلقا ممنوعة فإن ذلك خاص ببعض أبواب الفقه كالصلاة ~~والبيع، وأما الحج فقد فرقنا فيه ms032 بين الفاسد والباطل، وكذلك العارية ~~والكتابة والخلع وغيرها، وقد ذكرت تصوير هذه المسائل، وفائدة الفرق بين ~~الصيغتين مبسوطا في باب الكتابة من التنقيح فيراجع هناك قوله: "وغاية ~~العبادة ... إلخ" لما ذكر أن الصحة استتباع الغاية أراد أن يفسر الغاية, ~~وهي في المعاملات عبارة عن ترتب آثارها عليها. قاله في المحصول، ولم يذكره ~~المصنف هنا اكتفاء بما أشار إليه في أول الكتاب حيث قال: والمعنى بالصحة ~~إباحة الانتفاع وبالبطلان حرمته، وأما الغاية في العبادات يعني صحتها، فقال ~~المتكلمون: موافقة الأمر، وقال الفقهاء: سقوط القضاء، وفائدة الخلاف تظهر ~~فيمن صلى على ظن الطهارة أي: وتبين له أنه محدث فإن صلاته صحيحة على رأي ~~المتكلمين لموافقة الأمر إذ إن الشخص مأمور بأن يصلي بطهارة سواء كانت ~~معلومة أو مظنونة، وفاسدة عند الفقهاء لعدم سقوط القضاء، فإن قيل: إن لم ~~يتبين أنه محدث فواضح أنه لا قضاء عليه، وليس كلامكم فيه، وإن تبين وجب ~~القضاء عند الفقهاء، وعند المتكلمين القائلين بالصحة أيضا كما # PageV01P028 # قاله في المحصول فما وجه الخلاف؟ قلنا: الخلاف في إطلاق الاسم، وممن نبه ~~عليه القرافي ويتخرج على الخلاف صلاة فاقد الطهورين, إذ صلى الله عليه وسلم ~~أمرنا بها، وفي تسميتها صحيحة أو باطلة خلاف لأصحاب الشافعي, حكاه الإمام ~~في النهاية قولين والمتولي في كتاب الإيمان من التتمة وجهين، وبنى عليهما ~~لو حلف لا يصلي, لكن تفسير الفقهاء منتقض بصلاته المتيمم في الحضر لعدم ~~الماء والتيمم لشدة البرد وواضع الجبائر على غير طهر وغير ذلك, فإنها صحيحة ~~مع وجوب القضاء. وأيضا فالجمعة توصف بالصحة والإجزاء ولا قضاء لها. وقوله: ~~"وأبو حنيفة سمى ... إلخ" يعني أن الحنفية فرقوا بين الفاسد والباطل ~~فقالوا: إن الباطل هو ما لم يشرع بأصله ولا وصفه كبيع الملاقيح وهو ما في ~~بطون الأمهات, فإن بيع الحمل وحده غير مشروع البتة وليس امتناعه لأمر عارض، ~~والفاسد ما كان أصله مشروعا ولكن امتنع لوصف عارض كبيع الدرهم بالدرهمين ~~فإن الدراهم قابلة للبيع وإنما امتنع لاشتماله أحد الجانبين على الزيادة، ~~وفائدة ms033 هذا التفصيل عندهم أن المشتري يملك المبيع في الشراء والفاسد دون ~~الباطل. # "فائدة" قال الجوهري: الملاقيح: ما في بطون الأمهات الواحدة ملقوحة من ~~قولهم: لقحت بضم اللام كالمجنون من جن. # قال: "والإجزاء هو الأداء الكافي لسقوط التعبد به وقيل: سقوط القضاء ورد ~~بأن القضاء حينئذ لم يجب لعدم الموجب فكيف سقط, وبأنكم تعللون سقوط القضاء ~~به والعلة غير المعلول, وإنما يوصف به وبعدمه ما يحتمل الوجهين كالصلاة لا ~~المعرفة بالله تعالى ورد الوديعة". أقول: معنى الإجزاء وعدمه قريب من معنى ~~الصحة والبطلان كما قال في المحصول؛ فلذلك استغنى المصنف عن إفرادهما ~~بتقسيمهما وذكرهما عقب التقسيم المذكور للصحة والبطلان، وبين الإجزاء ~~والصحة فرق وهو أن الصحة أعم لأنها تكون صفة للعبادات والمعاملات وأما ~~الإجزاء فلا يوصف به إلا العبادات, فقوله: الأداء أي: الإتيان من قولهم: ~~أديت الدين أو آتيته, ومنه قوله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: ~~283] فيدخل فيه الأداء المصطلح عليه والقضاء والإعادة فرضا كان أو نفلا، ~~وادعى بعض الشارحين أن القضاء والإعادة لا يوصفان بالإجزاء لاعتقاده أن ~~المراد بالأداء هو الأداء المصطلح عليه وهو غلط وقد صرح في المحصول بلفظ ~~الإتيان عوضا عن لفظ الأداء فدل على ما قلناه، لكن المصنف تبع في هذه ~~العبارة صاحب الحاصل وقوله: "الكافي لسقوط التعبد به" أي: لسقوط طلبه وذلك ~~بأن تجتمع فيه الشرائط وتنتفي عنه الموانع, واحترز به عما ليس كذلك، وقال ~~في التحصيل إجزاء للفعل: هو أن يكفي الإتيان به في سقوط التعبد به فجعل ~~الإجزاء هو الاكتفاء بالمأتي لا الإتيان بما يكفي, وهو الصواب لأن الاكتفاء ~~هو مدلول الأجزاء. قال الجوهري في الصحاح: وأجزأني الشيء: كفاني. قوله: ~~"وقيل: سقوط القضاء" يعني أن الفقهاء قالوا # PageV01P029 # الإجزاء هو سقوط القضاء وقد سبق نقله في الصحة عنهم، والصواب على هذا ~~القول التعبير بالإسقاط لا بالسقوط, وهي عبارة الحاصل وابن الحاجب، ثم شرع ~~المصنف في إبطاله بوجهين مستغنيا بذلك عن إبطاله في الكلام على حد الصحة, ~~أحدهما وهو الذي أشار إليه بقوله، ورد بأن ms034 للقضاء حينئذ له يجب، وتقريره من ~~وجهين: الأول وعليه اقتصر في المحصول والحاصل والتحصيل وغيرها أن القضاء ~~إنما يجب بأمر جديد، فإذا أمر الشارع بعبادة ولم يأمر بقضائها فأتى بها ~~فإنها توصف بالإجزاء مع أن القضاء حينئذ لم يجب لعدم الموجب له وهو الأمر ~~الجديد، وإذا لم يجب لا يقال: سقط لأن السقوط فرع عن الثبوت، التقرير ~~الثاني أن الموجب للقضاء هو خروج الوقت من غير الإتيان بالفعل فإذا أتى ~~بالفعل في الوقت على وجهه, فقد وجد الإجزاء ولم يوجب وجوب القضاء لعدم ~~الموجب له وهو خروج الوقت، وإذا لم يصدق وجوب القضاء لا يقال: سقط؛ لأن ~~سقوط الشيء فرع عن ثبوته. قوله: "وبأنكم تعللون سقوط القضاء به" هذا هو ~~الوجه الثاني من الوجهين اللذين أبطل بهما تفسير الإجزاء بسقوط القضاء، ~~وتقريره أنكم أيها الفقهاء تعللون سقوط القضاء بالإجزاء فتقولون: هذا سقط ~~قضاؤه؛ لأنه أجزأ والعلة غير المعلول فيكون الإجزاء غير السقوط، فكيف ~~تقولون: إنه هو، ولقائل أن يقول: لا يلزم من كونه علة أن لا يصح التعريف ~~به؛ لأن هذا التعريف رسمي، والرسم يكون باللازم للماهية, واللازم غير ~~الملزوم, واعلم أن الإمام في المحصول والمنتخب استدل بهذا الدليل على العكس ~~مما قاله المصنف فقال: ولأنا نعلل وجوب القضاء بعدم الإجزاء والعلة غير ~~المعلول فيكون وجوب القضاء مغايرا لعدم الإجزاء، وتبعه على ذلك في التحصيل، ~~وما قاله المصنف أولى لأن دعوى الفقهاء اتحاد الإجزاء وسقوط القضاء وهو ~~إنما يثبت المغايرة بين القضاء وعدم الإجزاء, فأثبت المغايرة في غير موضع ~~دعوى الاتحاد لكن المقصود أيضا يحصل؛ لأن دعوى اتحاد الإجزاء وعدم القضاء ~~يلزمها اتحاد عدم الإجزاء والقضاء، وقد أبطل اللازم بإثبات المغايرة بين ~~عدم الإجزاء والقضاء، فيبطل الملزم الذي هو المدعى وهو اتحاد الإجزاء وعدم ~~القضاء، وفإن قلت: لم عدل المصنف عن قول الإمام: لأنا نعلل, إلى قوله: ~~لأنكم تعللون؟ قلنا: لمعنى لطيف وهو أنه لو قال: لأنا نعلل سقوط القضاء ~~بإجزاء لكان يرد عليه ما أورده هو عليهم، وهو أن ms035 سقوط القضاء يستدعي ثبوته ~~مع أنه غير ثابت فأسنده إلى الفقهاء لالتزامهم إطلاق هذه العبارة، وهذا لا ~~يرد على عبارة الإمام لأنه علل وجوب القضاء بعدم الإجزاء ولا شك في أنه متى ~~انتفى الإجزاء وجب القضاء, وهذا هو السبب في ارتكاب الإمام التكليف في ~~إبطال الدعوى باللازم، وقد وقع صاحب الحاصل في هذا الاعتراض فقال: لأنا ~~نعلل سقوط القضاء بالإجزاء، وكأنه استشعر أنه على غير محل النزاع فأتى به ~~مطابقا, فوقع في اعتراض آخر، والمصنف سلم من الاعتراضين فإنه أبطل الدعوى ~~بالمطابقة لا باللازم، كما # PageV01P030 # صنع الإمام وأسنده إلى الفقهاء فخلص من السؤال الوارد على صاحب الحاصل، ~~وهذا من محاسن الكتاب التي غفل عن مثلها الشارحون, وهو كثير جدا وستراه إن ~~شاء الله تعالى. قوله: "وإنما يوصف به وبعدمه" يعني: أن الذي يوصف بإلإجزاء ~~وعدم الإجزاء هو الفعل الذي يحتمل أن يقع على وجهين, أحدهما متعد به شرعا ~~لكونه مستجمعا الشرائط المعتبرة فيوصف بالإجزاء, والآخر غير متعد به ~~لانتفاء شرط من شروطه فيوصف بعدم الإجزاء, كالصلاة والصوم والحج، فأما الذي ~~لا يقع إلا على جهة واحدة فلا يوصف بالإجزاء وعدمه كمعرفة الله تعالى, فإنه ~~إن عرفه بطريق ما فلا كلام وإن لم يعرفه فلا يقال: عرفه معرفة غير مجزئة؛ ~~لأن الفرض أنه ما عرف، وكذلك أيضا رد الوديعة؛ لأنه إما أن يردها إلى ~~المودع أو لا، فإن ردها فلا كلام وإلا فلا رد البتة. هكذا قال الإمام في ~~المحصول وتبعه عليه صاحب التحصيل ثم المصنف وفي المعرفة صحيح، وأما في رد ~~الوديعة فلا لأن المودع إذا حجز عليه لسفه أو جنون فلا يجزئ عليه بخلاف ما ~~إذا لم يحجز عليه، فتخلص أن رد الوديعة يحتمل وقوعه على وجهين فالصواب حذفه ~~كما حذفه صاحب الحاصل. # PageV01P031 ### | التقسيم الخامس # قال: "الخامس: العبادة إن وقعت في وقتها المعين ولم تسبق بأداء مختل ~~فأداء وإلا فإعادة, وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء وجب أداؤه ~~كالظهر المتروكة قصدا, أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر ms036 والمريض, أو امتنع ~~عقلا كصلاة النائم, أو شرعا كصوم الحائض "فرع": ولو ظن المكلف أنه لا يعيش ~~إلى آخر الوقت تضيق عليه, فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي أبي بكر ~~أداء عند الحجة, إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه". أقول: هذا تقسيم آخر للحكم ~~باعتبار الوقت المضروب للعبادة وحاصله: أن العبادة إما أن يكون لها وقت ~~معين أي: مضبوط بنفسه محدود الطرفين أم لا فإن لم يكن لها وقت معين فلا ~~توصف بالأداء ولا بالقضاء سواء كان لها سبب كالتحية وسجود التلاوة وإنكار ~~المنكر وامتثال الأمر. إذا قلنا: إنه على الفور أو لم يكن كالصلاة المطلقة ~~والأذكار وقد توصف بالإعادة كمن أتى بذات السبب على نوع من الخلل فتداركها، ~~ولم يتعرض المصنف ولا الإمام لهذا القسم وإن كان لها وقت معين فا يخلو إما ~~أن تقع في وقتها أو قبله أو بعده فإن وقعت قبل وقتها حيث جوزه الشارع فيسمى ~~تعجيلا كإخراج زكاة الفطر ولم يتعرض المصنف أيضا ولا الإمام لهذا القسم, ~~وإن وقعت في وقتها فإن لم تسبق بأداء مختل أي بإتيان مشتمل على نوع من ~~الخلل فهو الأداء, فأراد المصنف بالأداء المذكور أولا العناء واللغو, ~~وبالأداء الثاني معناه الاصطلاحي, ويرد على المصنف قضاء الصوم, فإن الشارع ~~جعل له وقتا معينا لا يجوز تأخيره عنه وهو من حين الفوات إلى رمضان السنة ~~الثانية، فإذا فعله فيه كان قضاء مع أن حد الأداء منطبق عليه فينبغي أن ~~يزيد أو لا فيقول في وقتها المعين أولا, وحينئذ فلا يرد لأن هذا الوقت ~~المعين وقت ثان لا أول, وأيضا فإنه إذا وقع ركعة في الوقت كانت أداء مع أنه ~~صلاته # PageV01P031 # لم تقع فيها بل الواقع هو البعض، فإن قيل: إذا أفسد الحج بإجماع فتداركه, ~~فإنه يكون قضاء كما قاله الفقهاء مع أنه وقع في وقته, وهو العمر فالجواب: ~~أنه إنما يكون العمر كله وقتا إذا لم يحرم به إحراما صحيحا, فأما إذا أحرم ~~به فإنه يتضيق عليه ولا يجوز الخروج ms037 منه وتأخيره من عام إلى آخر يلزم من ~~ذلك فوات وقت الإحرام به, فإذا اقتضى الحال فعله بعد ذلك فيكون قضاء للفوات ~~بخلاف من أتى به غير منعقد, وقد سلكوا هذا المسلك بعينه في الصلاة، فقالوا: ~~إنه إذا أحرم بالصلاة وأفسدها ثم أتى بها في الوقت فإنه يكون قضاء يترتب ~~على جميع أحكام القضاء لفوات وقت الإحرام بها، ما قررناه من امتناع الخروج ~~نص على ذلك القاضي الحسين في تعليقه، والمتولي في التتمة، والروياني في ~~البحر، كلهم في باب صفة الصلاة في الكلام على النية وقد ذكرته مبسوطا في ~~التناقض الكبير المسمى بالمهمات وهو الكتاب الذي لا يستغنى عنه، وإذا تقرر ~~هذا وكلام الأصوليين لا ينافيه فليحمل عليه. قوله: "وإن وقعت بعده" أي: وإن ~~وقعت العبادة بعد وقتها المعين سواء كان الوقت مضيقا أو موسعا كما قال في ~~المحصول. "ووجد فيه" أي: في الوقت "سبب وجوبها" فإنه يكون قضاء ويدخل ما ~~إذا مات فحج عنه وليه، فإنه يكون قضاء كما صرحوا به لوقوعه بعد وقته الموسع ~~إذ الموسع قد يكون بالعمل، وقد يكون بغيره كما سيأتي قوله: "ووجد فيه سبب ~~وجوبها" مردود من وجهين أحدهما: أن النوافل تقتضي على مذهبه مع أنه أخرجها ~~باشتراط سبب الوجوب، ويدل عليه أيضا أنها توصف بالأداء والإعادة كما اقتضاه ~~كلامه، فإنه قسم العبادة وهي أعم من الفرض والنفل ولم يقسم العبادة بقيد ~~وجودها, ويرد عليه الصبي بعد وقتها فإنه مأمور بالقضاء، الثاني: أن دخول ~~الوقت هو السبب في الوجوب وقد ذكره عند قوله، والقضاء يتوقف على السبب لا ~~الوجوب فكيف يجعله مغايرا له حتى يشترطه أيضا مع مضي الوقت؟ فإن كان مراده ~~أنه لا يوصف بالقضاء إلا ما كان أداؤه واجبا فهو فاسد؛ لأنه سيصرح بعد هذا ~~بقليل بعكسه، وقد وقع صاحب التحصيل فيما وقع فيه المصنف فقال: وإن أديت ~~خارج وقتها المضيق أو الموسع سميت قضاء, إن قصد سلب وجود الأداء, والمحصول ~~والحاصل سالمان من هذا الاعتراض؛ وذلك لأن الإمام ذكر في أول ms038 التقسيم أن ~~الواجب إذا أدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع سمي قضاء، ولم يذكر غير ذلك ~~ثم قال بعد ذلك: وههنا بحثان فذكر الأول ثم قال: الثاني: أن الفعل لا يسمى ~~قضاء، إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء، ثم تارة يجب ~~الأداء، وتارة يمتنع عقلا، وتارة شرعا إلى آخر ما قال, فذكر أولا أن القضاء ~~هو ما فعل بعد خروج وقته وعبر عنه ثانيا بتقديم سبب الوجوب، ولكن عبر بذلك ~~ردا على ما قال: إن القضاء يتوقف على الوجوب، فضم المصنف الثاني إلى الأول ~~حالة الاختصار وعطفه عليه, وكذلك صاحب التحصيل ظنا منهما أنه قيد في ~~المسألة وهو غلط بلا شك، نعم كلام الإمام يوهم أن النوافل لا # PageV01P032 # تقتضي ولكنه لا يرد عليه, فإنه ذكر في أول التقسيم أن العبادة توصف ~~بالأداء والقضاء والإعادة، ولم يخصها بالواجب، ثم قال: فالواجب إذا أدي في ~~وقته سمي أداء إلى آخر ما قال, فسلمنا أن تذكر الواجب من باب التمثيل فقط, ~~وقد وقعت أغلاط عدة لكثير من الشراح في هذه المسألة فاجتنبها واعتمد ما ~~ذكرته. قوله: "وجب أداؤه ... إلخ" يعني أن القضاء على أقسام, تارة يكون ~~أداؤه واجبا كالظهر المتروكة قصدا بلا عذر, وتارة لا يجب أداؤه ولكنه كان ~~ممكنا كصوم المسافر والمريض, وتارة لا يجب لا يمكن أيضا, أما من وجهة العقل ~~كصلاة النائم والمغمى عليه في رمضان من أول الوقت إلى آخره؛ لأن القصد إلى ~~العبادة مستحيل عقلا مع الغفلة عنها لأنه جمع بين النقيضين، وأما من وجهة ~~الشرع كصوم الحائض, فإن المانع من صحة صومها هو الشرع لا العقل. قوله: "ولو ~~ظن المكلف ... إلخ" إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت الموسع تضيق ~~عليه الوقت اتفاقا, وحرم عليه التأخير اعتبارا بظنه, وصورة ذلك أن يطالب ~~أولياء الدم مثلا باستيفاء الدم من الجاني فيحضره الإمام أو نائبه، ويحضر ~~الجلاد ويأمر بقتله، ومثله أيضا ما إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد مضي ~~أربع ms039 ركعات بشرائطها من وقت الظهر، فإن الوقت يتضيق عليها، نص عليه إمام ~~الحرمين في النهاية في الكلام على مبادرة المستحاضة إذا تقرر ذلك, فإن عصى ~~ولم يفعل فاتفق أن أولياء الدم عفوا عنه أو لم يأت الحيض ففعله في وقته ~~الأصلي, لكن بعد الوقت المضيق بحسب ظنه فهو قضاء عند القاضي أبي بكر؛ لأنه ~~أوقعه بعد الوقت المضيق عليه شرعا، وأداء عند حجة الإسلام الغزالي لأنه وقع ~~في وقته المعين بحسب الشرع، وأما ظنه فقد تبين خطؤه فلا اعتبار به. # PageV01P033 ### | التقسيم السادس # "السادس: الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة, كحل الميتة للمضطر ~~والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا, وإلا فعزيمة" أقول: هذا تقسيم ~~آخر للحكم باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه، وحاصله: أن الحكم ينقسم ~~إلى رخصة وعزيمة، فالرخصة في اللغة التيسير والتسهيل، قال الجوهري: الرخصة ~~في الأمر خلاف التشديد فيه, ومن ذلك: رخص السعر إذا سهل وتيسر وهي بتسكين ~~الخاء وحكي أيضا ضمها، وأما الرخصة بفتح الخاء، فهو الشخص الآخذ بها كما ~~قاله الآمدي. وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وهو الحكم الثابت على خلاف ~~الدليل لعذر، فالحكم جنس وقول الثابت إشارة إلى أن الترخص لا بد له من ~~دليل، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض, فنبه عليه بقوله ~~الثابت؛ لأنه لو لم يكن لدليل لم يكن ثابتا بل الثابت غيره. قوله: "على ~~خلاف الدليل" احترز به عما أباحه الله تعالى من الأكل والشرب وغيرهما، فلا ~~يسمى رخصة لأنه لم يثبت على المنع منه دليل كما سيأتي في الأفعال ~~الاختيارية، وأطلق المصنف الدليل ليشمل ما إذا كان الترخيص بجواز الفعل ~~خلاف الدليل المقتضي للتحريم، كأكل الميتة، وما إذا كان بجواز الترك، # PageV01P033 # إما على خلاف الدليل المقتضي للوجوب، كجواز الفطر في السفر، وإما على ~~خلاف الدليل المقتضي للندب كترك الجماعة بعذر المطر والمرض ونحوهما، فإنه ~~رخصة بلا نزاع، وكالإيراد عند من يقول: إنه رخصة, وبهذا يعلم أن قول الآمدي ~~وابن الحاجب: هو المشروع لعذر مع قيام ms040 المحرم, غير جامع وقوله: لعذر يعني ~~المشقة والحاجة، واحترز به عن شيئين, أحدهما: الحكم الثابت بدليل راجح على ~~دليل آخر معارض له، والثاني: التكاليف كلها, فإنها أحكام ثابتة على خلاف ~~الدليل؛ لأن الأصل عدم التكاليف، والأصل من الأدلة الشرعية, وقد صرح ~~القرافي بذلك أعني بكون التكاليف على خلاف الدليل وأطال الاستدلال عليه في ~~شرحي المحصول والتنقيح، ولا ذكر لهذا القيد في المحصول أو المنتخب ولا في ~~التحصيل والحاصل، فإن قيل: الثابت بالناسخ لأجل المشقة كعدم وجوب ثبات ~~الواحد للعشرة في القتال, ونحوه ليس برخصة مع أن الحد منطبق عليه قلنا: لا ~~نسلم, فإن تسمية المنسوخ دليلا إنما هو على سبيل المجاز. قوله: "كحل الميتة ~~في المضطر ... إلخ" يعني: أن الرخصة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: واجبة ومندوبة ~~ومباحة، فالواجبة أكل الميتة للمضطر على الصحيح المشهور في مذهبنا، وأما ~~المندوبة فالقصر للمسافر بشرط المعروف وهو بلوغه ثلاثة أيام فصاعدا، وأما ~~المباح فمثل له المصنف بالفطر للمسافر فقوله: واجبا ومندوبا ومباحا من باب ~~اللف والنشر، فالأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، وهكذا ذكره ابن ~~الحاجب أيضا وتمثيل المباح بالفطر لا يستقيم؛ لأنه إذا تضرر بالصوم فالفطر ~~أفضل وإن لم يتضرر فالصوم أفضل، فليست للصوم حالة يستوي فيها الفطر وعدمه ~~وذلك هو حقيقة المباح, فإن قيل: مراده المباح في تفسير الأقدمين، وهو جواز ~~الفعل الشامل للواجب والمندوب والمكروه والمباح المصطلح عليه, ومن ذلك قوله ~~-صلى الله عليه وسلم: "أبغض المباح إلى الله الطلاق" 1 قلنا: لو أراد ذلك ~~لما جعله قسيما للواجب والمندوب وعطفه عليهما, فغفله ذلك دليل على إرادة ~~لمستوى الطرفين، وقد يقال: مراده بالمباح ما ليس فعله راجحا وهو غير الواجب ~~والمندوب, ولكنه أيضا خلافا للمصطلح والصواب تمثيله بالسلم والعرايا ~~والإجارة وشبه ذلك من العقود، فإنها رخصة بلا نزاع؛ لأن السلم والإجارة ~~عقدان على معدوم مجهول والعرايا بيع الرطب بالتمر، فجوزت للحاجة إليها، وقد ~~ثبت التصريح بذلك في الحديث الصحيح فقال: "وأرخص من العرايا" 2 مع كونها ~~رخصة فهي مباحة لا طلب ms041 في فعلها ولا في تركها، فيصدق عليها الحد، فيقال: ~~حكم ثابت على خلاف الدليل لعذر، ولا يصح تمثيل المباح بمسح الخف؛ لأن غسل ~~الرجل أفضل منه كما جزم به المتقدمون من أصحابنا والمتأخرون منهم ~~PageV01P034 # ابن الرفعة في الكفاية، والنووي في شرح المهذب، ولا نعلم فيه خلافا. ~~قوله: "وإلا فعزيمة" أي: وإن ثبت الحكم, لكن لا على خلاف الدليل لعذر فهو ~~العزيمة, فيعلم بذلك أن العزيمة في الاصطلاح هو الحكم الثابت، لا على خلاف ~~الدليل كإباحة الأكل والشرب، أو على خلاف الدليل لكن لا لعذر كالتكاليف، ~~وأما في اللغة فهو القصد المؤكد، ومنه: عزمت على فعل الشيء، قال الجوهري: ~~عزمت على كذا عزما وعزما -بالضم- وعزيمة وعزيما, إذا أردت فعله وقطعت عليه, ~~قال الله تعالى: {فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] جزما, وههنا بحثان, ~~أحدهما: أن المصنف قد تبع صاحب الحاصل في جعل الرخصة والعزيمة قسمين للحكم، ~~وذكر القرافي في كتبه أيضا مثله، وجعلهما غير هؤلاء من أقسام الفعل منهم ~~الآمدي وابن الحاجب، وأما الإمام فقال في المحصول: الذي يجوز للمكلف ~~الإتيان به، إما يكون عزيمة أو رخصة, هذا لفظه بحروفه، وذكر في المنتخب ~~أيضا مثله فإنه قسم المباح إلى الرخصة والعزيمة, وأراد بالمباح تفسير ~~الأقدمين، وهو ما يجوز فعله واجبا كان أو غيره, وكلام التحصيل أيضا قريب ~~منه، ونقل القرافي عن المحصول أنه فسر الرخصة بجواز الإقدام على الفعل مع ~~قيام المانع والعزيمة بجواز الإقدام مع عدم المانع, وهذا غلط على المحصول، ~~فإنه إنما فسره بالفعل. البحث الثاني: أن حد العزيمة في كلام المصنف يدخل ~~فيه الأحكام الخمسة، والإمام فخر الدين في المحصول وغيره جعلها تطلق على ~~الجميع ما عدا المحرم, فإنه جعل موردا لتقسيم الفعل الجائز كما تقدم ~~والقرافي خصها بالواجب والمندوب لا غير, فقال في حدها: طلب الفعل الذي لم ~~يشتهر فيه مانع شرعي, قال: ولا يمكن أن يكون المباح من العزائم, فإن العزم ~~هو الطلب المؤكد فيه، ومنهم من خصها بالواجب فقط وبه جزم الغزالي في ~~المستصفى والآمدي ms042 في الأحكام ومنتهى السول وابن الحاجب في المختصر الكبير, ~~ولم يصرح بشيء في المختصر الصغير فقالوا: العزيمة ما لزم العباد بإيجاب ~~الله تعالى وكأنهم احترزوا بإيجاب الله تعالى عن النذر, ولم يذكر ابن ~~الحاجب هذا القيد. # PageV01P035 ### | الفصل الثالث: في أحكام الحكم الشرعي ### | المسألة الأولى # ... # الفصل الثالث: # قال: "الفصل الثالث: في أحكامه وفيه مسائل: # المسألة الأولى: # الوجوب قد يتعلق بمعين وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة, كخصال الكفارة ~~ونصب أحد المستعدين للإمامة، وقالت المعتزلة: الكل واجب على أنه لا يجوز ~~الإخلال بالجميع، ولا يجب الإتيان به فلا خلاف في المعنى، وقيل: الواجب ~~معين عند الله تعالى دون الناس، ورد بأن التعيين يحيل ترك ذلك الواحد ~~والتخيير يجوزه, وثبت اتفاقا في الكفارة فانتفى الأول، قيل: يحتمل أن ~~المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو يسقط بفعل غيره، وأجيب عن الأول ~~بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه، وهو خلاف النص والإجماع, وعن الثاني بأن ~~الوجوب قبل اختياره, وعن الثالث بأن الآتي بأيها آت بالواجب إجماعا" أقول: ~~عقد المصنف هذا الفصل لأحكام الحكم الشرعي, وجعله مشتملا على سبع مسائل، ~~والإمام فخر الدين ذكر ذلك # PageV01P035 # في الأوامر والنواهي وجعل الأربع الأخيرة من هذه المسائل السبع في ~~الأحكام، كما ذكره المصنف، وأما الثلاث الأولى فجعلها في أقسامه لا في ~~أحكامه، فقال: النظر الأول في الوجوب، والبحث إما في أقسامه أو أحكامه، أما ~~أقسامه فاعلم أنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين ومخير، وبحسب وقته إلى ~~مضيق وموسع, وبحسب المأمور إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية هذا ~~كلامه, وذكر مثله صاحب الحاصل وصاحب التحصيل، والمصنف جعل الكل في أحكام ~~الحكم، وليس بجيد ثم إنه أطلق الحكم، وإنما هي أقسام للوجوب خاصة, المسألة ~~الأولى في انقسام المأمور به إلى معين ومخير، اعلم أن الوجوب قد يتعلق بشيء ~~معين كالصلاة والحج وغير ذلك, ويسمى واجبا معينا، وقد يتعلق بواحد منهم من ~~أمور معينة أي: بأحدها ويسمى واجبا ويسمى واجبا مخيرا، ثم هذا على قسمين ~~فقسم يجوز الجمع بين ms043 تلك الأمور وتكون أيضا أفرادها محصورة كخصال الكفارة، ~~فإن الوجوب تعلق بواحد من الإطعام والكسوة والعتق ومع ذلك يجوز إخراج ~~الجميع، وقسم لا يجوز الجمع ولا تكون أفراده محصورة كما إذا مات الإمام ~~الأعظم ووجدنا جماعة قد استعدوا للإمامة أي: اجتمعت فيهم الشرائط فإنه يجب ~~على الناس أن ينصبوا منهم واحدا، ولا يجوز نصب زيادة عليه وذكر المصنف هذين ~~المثالين لأجل هذا المعنى, ولا يتصور التكليف بواحد منهم من أمور مبهمة؛ ~~لأنه تكليف بما لا يعلمه الشخص، وكون الواجب واحدا منها من أمور، أي: أحدها ~~لا يعنيه نقله في المحصول المنتخب عن الفقهاء فقط, ولا ينقل عن الأصوليين ~~تصريحا بموافقتهم ولا مخالفتهم، بل ظاهر كلامه المخالفة لأنه أبطل ما ~~استدلوا به، وكذلك فعل صاحب الحاصل والتحصيل، نعم نقله الآمدي عن الفقهاء ~~والأشاعرة وارتضاه واختاره أيضا ابن الحاجب، ولك أن تقول أحد الأشياء قدر ~~مشترك بين الخصال كلها لصدقه على كل واحد منها, وحينئذ فلا تعدد فيه، وإنما ~~التعدد في محاله فإن المتواطئ موضوع لمعنى واحد صادق على أفراد كالإنسان, ~~وليس موضوعا لمعان متعددة وإذا كان إحدى الخصال هو متعلق الوجوب كما تقدم ~~استحال فيه التخيير، وإنما التخيير في الخصوصيات وهي خصوص الإطعام مثلا أو ~~الكسوة أو الإعتاق فالذي هو متعلق الوجوب لا تخيير فيه, والذي هو متعلق ~~التخيير لا وجوب فيه, وهذا نافع في كثير من المباحث الآتية فافهمه. # "واعلم" أن المصنف حكى في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها ما تقدم, ~~والثاني ما نقله عن المعتزلة أن الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب ~~الكل على التخيير, قالوا: والمراد من قولنا: إن الكل واجب على التخيير, هو ~~أنه لا يجوز للمكلف ترك جميع الأفراد ولا يلزم الجمع بينهما, وهذا بعينه هو ~~قول الفقهاء ولا خلاف في المعنى, وحينئذ فلا حاجة إلى دليل عليهم، فإن قيل: ~~بل الخلاف في المعنى وهو الثواب على الجميع والعقاب عليه قلنا: لا, فإن ~~الآمدي نقل عنهم في الأحكام أنه لا # PageV01P036 # ثواب ولا عقاب إلا على البعض. ms044 "واعلم" أن وصف الكل بالوجوب يلزمنا أيضا ~~القول به؛ لأن كل حكم ثبت للأعم ثبت للأخص بالضرورة؛ لاشتماله عليه وقد ~~تقدم أن الوجوب ثابت لمسمى إحدى الخصال, فيكون لكل واحد منها لاشتماله ~~عليه، نعم يصدق على كل واحد أنه ليس بواجب باعتبار خصوصه، والمذهب الثالث ~~أن الواجب معين عند الله تعالى غير معين عندنا، وهذا القول يسمى قول ~~التراجم؛ لأن الأشاعرة يروونه عن المعتزلة والمعتزلة يروونه عن الأشاعرة ~~كما قال في المحصول, ولما لم يعرف قائله عبر المصنف عنه بقوله, وقيل: هذا ~~المذهب باطل؛ لأن التكليف بمعين عند الله تعالى غير معين للعبد، ولا طريق ~~له إلى معرفته بعينه من التكليف بالمحال، وأبطله المصنف بأن مقتضى التعيين ~~أنه لا يجوز العدول عن ذلك الواحد المعين، ومقتضى التخيير جواز العدول عنه ~~إلى غيره، والجمع بينهما متناقض فإذا ثبت أحدهما بطل الآخر والتخيير ثابت ~~بالاتفاق منا ومنكم, فيبطل الأول الذي هو التعيين. قوله: "قيل: يحتمل ... ~~إلخ" أي: اعتراض الخصم على الرد المذكور من ثلاثة أوجه, أحدها: أنا لا نسلم ~~أن مقتضى التخيير تجويز ترك ذلك الواحد المعين لجواز أن الله تعالى يفهم كل ~~مكلف عند التخيير إلى اختيار ما عينه له. الثاني: أنه يحتمل أن الله تعالى ~~يعين ما يختاره الموجوب، الثالث: أنا لا نسلم أيضا أن التعيين يحيل ترك ذلك ~~الواحد المعين, فإن الواجب المعين قد يسقط بفعل غيره كما سقطت الجلسة ~~الفاصلة بين السجدتين بجلسة الاستراحة, وغسل الرجل بمسح الخف، والشاة ~~الواجبة قي خمس من الإبل بإخراج البعير وشبه ذلك، وأجاب المصنف عن الأول ~~بأنه لو كان الواجب واحدا معينا ويختاره المكلف لكان كل من اختار شيئا يكون ~~هو الواجب عليه دون غيره من الخصال، فيكون الواجب على هذا غير الواجب على ~~الآخر عند اختلافهم في الاختيار، ولكن التفاوت بين المكلفين في ذلك باطل ~~بالنص والإجماع, أما النص فلأن الآية الكريمة دالة على أن خصلة من الخصال ~~مجزئة لكل مكلف، وأما الإجماع فلأن العلماء متفقون على أن المكلفين في ذلك ms045 ~~سواء، وأنه الذي أخرج خصلة لو عدل إلى أخرى لأجزأه ووقعت واجبة, وهذا ~~الجواب لم يذكره الإمام ولا أتباعه بل تمسكوا بالتنافي فقط وأجاب على ~~الثاني وهو كونه تعين باختياره بأن الوجوب ثابت قبل اختيار المكلف إجماعا, ~~مع أن الواجب في تلك الحالة لا يستقيم أن يكون واحدا معينا؛ لأن الفرض أن ~~التعيين متوقف على اختياره، وقد فرضنا أن لا اختيار، وأجاب عن الثالث بأنه ~~لو كان الواجب واحدا معينا والمأتي به بدلا عنه يسقطه, لكان الآتي به ليس ~~آتيا بالواجب بل ببدله, لكن الإجماع منعقد على أن الشخص الآتي بأية واحدة ~~شاء من هذه الخصال آت بالواجب إجماعا. # قال: "قيل: إن أتى بالكل معا فالامتثال إما بالكل واجب أو بكل واحد ~~فتجتمع مؤثرات على أثر واحد أو بواحد غير معين ولم يوجد أو بواحد معين وهو ~~المطلوب # PageV01P037 # وأيضا الوجوب معين فيستدعي معينا, وليس الكل ولا كل واحد, وكذا الثواب ~~على الفعل والعقاب على الترك, فإذا الواجب واحد معين" أقول: احتج الذاهب ~~إلى أن الواجب واحد معين بأن فعل الواجب له صفات وهي إسقاط الفرض وكونه ~~واجبا واستحقاق ثواب الواجب وتركه أيضا له خاصة, وهي استحقاق العقاب, وهذه ~~الأربعة تدل على أنه واحد معين, ثم ذكر المصنف هذه الأوصاف على هذا الترتيب ~~فبدأ بإسقاط الفرض وعبر عنه بالامتثال فقال: إذا أتى المكلف بالخصال جميعها ~~في وقت واحد فلا شك في كونه ممتثلا، وهذا الامتثال لا جائز أن يكون معللا ~~بالكل من حيث هو كان على معنى أنه يكون المجموع هو العلة في إسقاط الواجب، ~~وكل واحد جزءا من أجزاء العلة، وهو المسمى بالكل المجموع؛ لأنه يلزم أن ~~يكون الكل واجبا، ولا جائز أن يكون معللا بكل واحد وهو المسمى بالكل ~~التفصيلي؛ لأنه يلزم اجتماع مؤثرات وهي الإعتاق والصيام والإطعام على أثر ~~واحد وهو الامتثال وذلك محال؛ لأن إسناده إلى هذا يستغنى به عن إسناده إلى ~~ذلك، وإسناده إلى ذلك يستغنى به عن إسناده إلى هذا، فيستغنى بكل منهما عن ~~الآخر ms046 ويفتقر لكل منهما بدلا عن الآخر, فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا ~~عنهما معا، ولا جائز أن يكون الامتثال معللا بواحد غير معين؛ لأنه لا وجود ~~إذ كل موجود فهو في نفسه متعين ولا إبهام البتة في الوجود الخارجي, إنما ~~الإبهام في الذهن فقط، فإذا انتفى ذلك كله تعين أن الامتثال حصل بواحد معين ~~عند الله تعالى مبهم عندنا وهو المطلوب. قوله: "وأيضا الوجوب معين ... إلخ" ~~هذا دليل ثان على أن الواجب واحد معين وهو الوصف الثاني من جملة الأوصاف ~~المتقدم ذكرها، وتقريره من وجهين أحدهما: أن الحكم الشرعي متعلق بفعل ~~المكلف، والوجوب حكم معين من بين الأحكام الخمسة وهي معنى من المعاني ~~فيستدعي محلا معينا يتعلق به، ويوصف ذلك المحل بأنه واجب؛ لأن غير المعين ~~لا يناسب المعين ولا وجود له أيضا في نفسه, فيمتنع وصفه بالوجوب لاستحالة ~~إنصاف المعدوم بالصفة الثبوتية فبطل أن يكون غير معين، ولا جائز أن يكون ~~المعين هو الكل ولا كل واحد لعدم وجوبه, فتعين أن يكون واحدا وهو المطلوب، ~~التقرير الثاني: أن الفعل المأمور به يسقط الحكم المتعلق بالشخص, والوجوب ~~حكم معين من بين الأحكام الخمسة, فيستدعي فعلا معينا يسقط به ويأتي ما ~~قلناه بعينه ... إلخ, والتقرير الأول: هو المذكور في المحصول والحاصل ~~وغيرهما, ولكن فيه بعض تغيير للمذكور, وصرح الإمام بأن ذلك فيما إذا أتى ~~بالكل معا، ويحتمل فرضه أيضا قبل الإخراج. قوله: "وكذا الثواب على الفعل ~~والعقاب على الترك" هذا هو الوصف الثالث. والرابع من الأوصاف المتقدمة ~~للواجب الدالة على أن الواجب واحد العين، وتقريره: أنه إذا أتى بالكل فلا ~~شك في أنه يثاب ثواب الواجب، وذلك لا جائز أن يكون على الكل، ولا على كل ~~واحد، ولا على واحد لا بعينه لما تقدم، فتعين أن يكون على واحد معين فيكون ~~الواجب واحدا معينا، وكذلك إذا ترك # PageV01P038 # الكل لا جائز أن يعاقب على الكل, ولا على كل واحد, ولا على واحد لا بعينه ~~لما قلناه, فلم يبق إلا المعين فثبت بهذه الأدلة ms047 الأربعة أن الواجب واحد ~~معين عند الله. واعلم أن لا كلام في أنه يثاب على الكل إذا أتى بذلك معا, ~~إنما الكلام في ثواب الواجب كما نص عليه المحصول والحاصل وغيرهما، فإطلاق ~~المصنف ليس بجيد وثواب الواجب يزيد على ثواب الغفل بسبعين درجة, قاله إمام ~~الحرمين وغيره, وأوردوا فيه حديثا. # قال: "وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك معرفات, وعن الثاني ~~بأنه يستدعي أحدها لا بعينه كالمعلول المعين يستدعي علة من غير تعيين, وعن ~~الأخيرين بأنه يستحق ثواب وعقاب أمور معينة, ولا يجوز ترك كلها, ولا يجب ~~فعلها" أقول: شرع في الجواب عن الأدلة الثلاثة التي ذكرها القائلون بأن ~~الواجب واحد معين, فأجاب عن الدليل الأول وهو قولهم: إنه إذا أتى بالكل معا ~~فلا جائز أن يكون الامتثال بالكل ولا بكل واحد، ولا بواحد غير معين، فقال: ~~نختار القسم الثاني وهو حصول الامتثال بكل واحد، ولا يلزم اجتماع مؤثرات ~~على أثر واحد؛ لأن هذه الأمور وغيرها من الأسباب الشرعية علامات لا مؤثرات، ~~واجتماع معرفات على معرف واحد جائز كالعالم المعرف للصانع، ولك أن تقول ما ~~تقدم من الدليل على امتناع التأثير بكل واحد جاز بعينه في امتناع التعريف ~~والامتثال به سلمنا, لكن هذا الجواب وإن أفاد الرد على الخصم لكنه يقتضي ~~إيجاب كل واحد لحصول الامتثال به، ومختاره أن الواجب واحد لا بعينه سلمنا ~~أنه لا يقتضي ذلك بل يمكن أن يدعى معه أن الواجب واحد لا بعينه، لكنه قد ~~سلم للخصم بطلانه، وأن غير المعين لا وجود له فإن كان باطلا كما سلم فلا ~~يصح أن يجيب به، وإن لم يكن باطلا بل تسليمه هو الباطل فلا فائدة في هذا ~~التطويل بل كان بحيث ابتدأ باختيار القسم الثالث, فإن الواجب على هذا ~~التقدير يؤدي إليه. واعلم أن تسليمه هو الباطل لثلاثة أمور أحدها: أن ذلك ~~غير مذهبه؛ لأن اختياره أن الواجب واحد لا بعينه، الثاني: أنه مناقض لقوله ~~بعد ذلك أن يستدعي أحدها لا بعينه، الثالث: أن غير ms048 المعين إنما لا يوجد إذا ~~كان مجردا عن المشخصات ويوجد إذا كان ضمن شخص بدليل الكلي الطبيعي كمطلق ~~الإنسان, فإنه هو موجود مع أن الماهيات الكلية لا وجود لها. قوله: "وعن ~~الثاني" أجاب عن الدليل الثاني وهو قولهم: إن الوجوب معين فيستدعي معينا, ~~بأنا لا نسلم ذلك بل يستدعي إحدى الخصال لا بعينه وإن كان لا يقع إلا في ~~معين, وأحدها لا بعينه موجود وله تعيين من وجه, وهو أنه أحد هذه الثلاثة, ~~ولك كالمعلول المعين مثل الحدث فإنه يستدعي علة من غير تعيين وهو إما البول ~~أو اللمس أو غير ذلك، وهو الجواب لا ذكر له في كتب الإمام ولا كتب أتباعه، ~~وقد تقدم أنه مخالف لما سلمه للخصم, لكنه صحيح في نفسه. قوله: "وعن ~~الآخرين" أي: وأجيب عن الآخرين وهما للثواب والعقاب, أنه إذا أتى بالكل ~~فيستحق # PageV01P039 # الثواب على مجموع أمور لا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها، والمصنف وعد بذكر ~~الجوابين، ولم يجب عن العقاب وقد وقع ذكره في بعض النسخ فقال: يستحق ثواب ~~وعقاب أمور, قال ابن التلمساني في شرح المعالم: والجواب الحق أن نقول: لا ~~يخلو إما أن يأتي بالجميع على الترتيب أو على المعية, فإن أتى بها على ~~الترتيب كان ثواب الواحد حاصلا على الأول, وإن أتى بها معا كان مرتبا على ~~الأعلى، وإن تفاوت لأنه لو اقتصر عليه لحصل له ذلك, فإضافة غيره إليه لا ~~تنقضه، وإن تساوت فإلى أحدها وإن ترك الجميع عوقب على أقلها؛ لأنه لو اقتصر ~~عليه لأجزأ. وهذا الجواب نقله الإمام في المحصول، والمنتخب عن بعضهم، وإن ~~كان المذكور هنا فيه زيادة ثم قال: ويمكن أن يقال كذا وكذا، وذكر جواب ~~المصنف وإنما لم يذكر المصنف الجواب الآخر؛ لأن صاحب الحاصل قال: إنه ضعيف؛ ~~لأنه يوجب تعيين الواجب, قال: بل الصواب الجواب الآخر، وما قاله باطل فإنه ~~لا يلزم من تعيينه بعد الإيقاع تعيينه في أصل التكليف، والمحذور إنما هو ~~التعيين في أصل التكليف, بدليل أن الآتي بأية الخصال ms049 شاء يكون آتيا بالواجب ~~اتفاقا، كا تقدم من كلام المصنف مع أنها معينة قال: "تذنيب: الحكم قد يتعلق ~~على الترتيب, فيحرم الجمع كأكل المذكى والميتة, أو يباح كالوضوء والتيمم, ~~أو يسن ككفارة الصوم" أقول: هذا الفرع شبيه بالواجب المخير، من حيث إن ~~الحكم فيه تعلق بأمور متعددة وإن كان تعلقه بالترتيب, فلما ذكر الواجب ~~المخير ذكره بعده لكونه كالفضلة منه والبقية، فلذلك عبر بالتذنيب وهو ~~بالذال المعجمة, قال الجوهري: ذنب عمامته بالتشديد: إذا أفضل منها شيئا ~~فأرخاه كالذنب، وحكى الجوهري أيضا أنه يقال: ذنبه يذنبه بالتخفيف أي: تبعه ~~يتبعه, فهو ذانب أي: تابع, فيجوز أن يكون التذنيب مأخوذا من الأول، وعلى ~~هذا فلا كلام، ويجوز أن يكون مأخوذا من الثاني تضعيفه ليصير متعديا إلى ~~اثنين كعرف وغيره، والمعنى: أنه ذنب هذا الفرع ذلك الأصل أي: أتبعه إياه, ~~والإمام وأتباعه عبروا عن هذا بقولهم: فرع وحاصل ما. # قال: إن الحكم قد يتعلق على الترتيب, وحينئذ فينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ~~يحرم الجمع كأكل المذكى والميتة وهذا واضح, وقسم يباح الجمع كالوضوء ~~والتيمم فإن التيمم عند العجز عن الماء واجب ولو استعمله أيضا مع الماء ~~لكان جائزا، وقسم يسن ككفارة المجامع في رمضان فإنه يجب عليه إعتاق رقبة, ~~فإن عجز فصيام شهرين, فإن عجز فإطعام ستين مسكينا, ويستحب له الإتيان ~~بالثلاثة. وهذه المثل ذكرها الإمام وأتباعه لكن التمثيل بالتيمم فاسد؛ لأن ~~التيمم مع وجود الماء لا يصح، والإتيان بالعبادة الفاسدة حرام إجماعا لكونه ~~تلاعبا كما صرحوا به في الصلاة الفاسدة، فإن فرض أنه استعمل التراب في وجهه ~~ويديه لا على قصد العبادة, فلا يكون تيمما وتمثيله أيضا بالكفارة فيه نظر؛ ~~لأن الكفارة سقطت الأول, فلا ينوي بالثاني الكفارة لعدم بقائها عليه # فلا تكون كفارة، لكن القرب من حيث هي مطلوبة، وفي المحصول ومختصراته أن ~~الأقسام الثلاثة أيضا تجري في الواجب المخير, فتحريم الجمع كنصب المستعدين ~~للإمامة، وتزويج المرأة من خاطبين، وإباحة الجمع كستر العورة بثوب بعد ثوب، ~~واستحبابه كخصال كفارة اليمين. # PageV01P040 ### | المسألة ms050 الثانية # قال: "المسألة الثانية: الوجوب, إن تعلق بوقت فإما أن يساوي الفعل كصوم ~~رمضان وهو المضيق, أو ينقص عنه فيمتعه من متع التكليف بالمحال إلا لغرض ~~القضاء كوجوب الظهر على الزائل عذره بقي قدر تكبيرة أو يزيد عليه, فيقتضي ~~إيقاع الفعل في أي جزء من أجزائه؛ لعدم أولوية البعض، وقال المتكلمون: يجوز ~~تركه في الأول بشرط العزم في الثاني, وإلا لجاز ترك الواجب بل بدل, ورد بأن ~~العزم لو صلح بدلا لتأدى الواجب به, وبأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني ~~لتعدد البدل، والمبدل واحد، ومنا من قال: يختص بالأول، وفي الأخير قضاء، ~~وقالت الحنفية: يختص بالأخير وفي الأول تعجيل، وقال الكرخي: الآتي في أول ~~الوقت إن بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبا وإلا نافلة احتجوا بأنه لو ~~وجب في أول الوقت لم يجز تركه قلنا: المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من ~~أجزائه" أقول: هذا تقسيم آخر للوجوب باعتبار وقته، حاصله: أن يفعل المتعلق ~~وقتا معينا، ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يكون وقته مساويا لا يزيد ~~عليه ولا ينقص كصوم رمضان، ويسمى هذا بالواجب المضيق، الثاني: أن يكون ~~الوقت ناقصا عن الفعل، فلا يجوز التكليف به عند من لا يجوز التكليف بالمحال ~~إلا أن يكون الغرض القضاء, فيجوز كوجوب الظهر مثلا على من زال عذره في آخر ~~الوقت, كالجنون والحيض والصبى، وقد بقي مقدار تكبيرة، وإطلاق المصنف لفظ ~~القضاء فيه نظر؛ لأن ذلك مخصوص بما إذا لم يكن فعل ركعة في الوقت فإن فعل, ~~كان أداء المشهور عندنا، فالأحسن أن يقول إلا لغرض التكميل خارج الوقت, ~~الثالث: أن يزيد الوقت على الفعل، وهو الذي نسميه بالواجب الموسع وفيه خمسة ~~مذاهب, أحدها: وهو اختيار الإمام وأتباعه وابن الحاجب أن الأمر بذلك يقتضي ~~إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت بلا بدل, سواء كان أول أو آخر؛ لأن ~~قوله -صلى الله عليه وسلم: "الوقت ما بين هذين" 1 متناول لجميع أجزائه, ~~وليس تعيين بعض الأجزاء للوجوب ms051 بأولى من تعيين البعض الآخر, وهذا معنى قول ~~الأصحاب: إن الصلاة تجب بأول الوقت موجبا موسعا، وأهمل المصنف التصريح ~~بوجوبه بأول الوقت، ولكنه يؤخذ من تعليل ما يليه، والمذهب الثاني, ونقله ~~المصنف عن المتكلمين يعني أصحاب أصول الدين: أن الحكم كذلك لكن لا يجوز ~~تركه في الجزء الأول بشرط العزم على الفعل في الجزء الثاني, ونقل الإمام في ~~آخر المسألة أن قول أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة، وكذلك في المنتخب، ~~واختاره PageV01P041 # الآمدي، ولأصحابنا فيها وجهان حكاهما الماوردي في الحاوي وغيره، والصحيح ~~هو الوجوب وصححه النووي في شرح المهذب وغيره, ونقل الأصفهاني في شرح ~~المحصول عن القاضي عبد الوهاب المالكي أنه قول أكثر الشافعية. قوله: "وإلا ~~لجاز" أي: احتج الذاهب إلى وجوب العزم أنه لو جاز الترك في أول الوقت بلا ~~عزم مع قولنا بوجوبه في أول الوقت, كان يجوز ترك الواجب من غير بدل وهو ~~محال، ورده المصنف بوجهين, أحدهما: أن العزم لا يصلح أن يكون بدلا عن ~~الفعل؛ لأنه لو صلح بدلا لتأدى الواجب به لأن بدل الشيء يقوم مقامه، وإذا ~~لم يصلح للبداية، فقد لزم جواز ترك الواجب بلا بدل، الثاني: أنه إذا عزم في ~~الجزء الأول من أجزاء الزمان على الفعل فلا يخلو إما أن يجب العزم في الجزء ~~الثاني أيضا أو لا يجب, فإن لم يجب فقد ترك فإن الواجب بلا بدل ويلزم أيضا ~~التخصيص من غير مخصص، وإن وجب فقد تعدد البدل وهو الإعزام مع أن المبدل ~~واحد فإن قيل: قد يكون صالحا للبدل في ذلك الوقت لا مطلقا, فإذا أتى بالبدل ~~في هذا الوقت سقط عنه الأمر بالأصل في هذا الوقت لا في كل الأوقات. قال في ~~المحصول: هذا ضعف؛ لأن الأمر لا يفيد التكرار بل لا يقتضي الفعل إلا مرة ~~واحدة، فإذا صار البدل قائما مقام الأصل في هذا الوقت فقد صار قائما مقامه ~~في المرة الواحدة فيلزم الاكتفاء به. قال في البرهان: والذي أراه أنهم لا ~~يوجبون تحديد العزم في الجزء الثاني، بل ms052 يحكمون بأن العزم الأول ينسحب على ~~جميع الأزمنة المستقبلة كانسحاب النية على العبادة الطويلة مع عزوبها، وهذا ~~الذي قاله فيه تبيين لمذهبهم وجواب عما قاله المصنف، وهذان المذهبان متفقان ~~على الاعتراف بالواجب الموسع، والثلاثة الآتية منكرة له. قوله: "ومنا من ~~قال ... إلخ" شرع في ذكر المذاهب الثلاثة المنكرة للواجب الموسع، أحدها: أن ~~الوجوب يختص بأول الوقت, فإن فعله في آخره كان قضاء لقوله -صلى الله عليه ~~وسلم: "الصلاة في أول الوقت رضوان الله, وفي آخره عفو الله" 1 والمراد ~~بقوله: ومنا أي: ومن الشافعية, صرح به الإمام في المعالم خاصة، فإن عبارة ~~المحصول والمنتخب ومن أصحابنا, وهذا القول لا يعرف في مذهبنا ولعله التبس ~~عليه بوجه الإصطخري حيث ذهب إلى أن وقت العصر والعشاء والصبح يخرج بخروج ~~وقت الاختيار، نعم نقله الشافعي في الأم عن المتكلمين فقال: وقال قوم من ~~أهل الكلام وغيرهم ممن يفتي ممن يقول: إن وجوب الحج على الفور أن وجوب ~~الصلاة يختص بأول الوقت حتى لو أخره عن أول وقت الإمكان عصى بالتأخير, وهذا ~~يحتمل أيضا أن يكون سبب هذا الغلط, والثاني: أن الوجوب يختص بآخر الوقت, ~~فإن فعل في أول الوقت كان تعجيلا ويصير كمن أخرج الزكاة قبل وقتها، ومقتضى ~~هذا الكلام أن تقع الصلاة نفسها واجبة ويكون التطوع إنما هو التعجيل كمن ~~عجل دينا أو PageV01P042 # زكاة, وقد ذكر في البرهان ما يقتضيه، لكن نقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما ~~عن هذا القائل أنه يقع نقلا, وهذا المذهب باطل؛ لأن التقديم لا يصح بنية ~~التعجيل إجماعا. كما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم فبطل كونه تعجيلا، ~~والثالث وهو رأي الكرخي من الحنفية: أن الآتي بالصلاة في أول الوقت إن أدرك ~~آخر الوقت وهو على صفة التكليف كان ما فعله واجبا، وإن لم يكن على صفته بأن ~~كان مجنونا أو حائضا أو غير ذلك كان ما فعله نفلا، هكذا في المحصول ~~والمنتخب وغيرهما، ومقتضى ذلك أن صفة التكليف لو زالت بعد الفعل وعادت في ~~الوقت يكون أيضا ms053 فرضا وكلام المصنف يأباه؛ لأنه شرط بقاءه على صفة الوجوب ~~إلى آخر الوقت، وسبقه الآمدي وصاحب الحاصل وابن الحاجب إلى هذه العبارة، ~~ونقل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع1 عن الكرخي أن الوجوب يتعلق بوقت غير ~~معين ويتعين بالفعل, ففي أي وقت فعل يقع الفعل واجبا، ونقل عنه القولين معا ~~الآمدي في الأحكام. قوله: "احتجوا" أي: احتجت الحنفية على اختصاص الوجوب ~~بآخر الوقت بأنه لو وجب في أوله لما جاز تركه, لكنه يجوز إجماعا, فانتفى أن ~~يكون واجبا, والجواب ما قاله في المحصول وأشار إليه المصنف أن الوجوب ~~الموسع في التحقيق يرجع إلى الواجب المخير؛ لأن الواجب الأداء في وقت ما، ~~أما أوله أو وسطه أو آخره فجرى مجرى قولنا في الواجب المخير: إن الواجب إما ~~هذا أو ذاك, فكما أنا نصفها بالوجوب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بجميعها ~~ولا يجب الإتيان به فكذلك هذا، فتلخص أن المكلف مخير بين أفراد الفعل في ~~المخير وبين أجزاء الوقت الموسع، ونحن لم نوجب الفعل في أول الوقت بخصوصه ~~حتى يورد علينا جواز إخراجه عنه، بل خيرناه بينه وبين ما بعده. # قال: "فرع: الموسع قد يسعه العمر كالحج وقضاء الفائت, فله التأخير ما لم ~~يتوقع فواته إن أخر لكبر أو مرض" أقول: هذا التقسيم في الواجب الموسع مبني ~~على ثبوته؛ فلذلك جعله فرعا، وحاصله أن الواجب الموسع قد يسعه العمر جميعه ~~كالحج وقضاء الفائت أي: إذا فات بعذر، فإن فات بتقصير فالمشهور وجوب فعله ~~على الفور، وحكم الموسع بالعمر أنه يجوز له التأخير من غير توقيت اللهم إلا ~~أن يتوقع فوات ذلك الواجب، أي: يغلب على ظنه فواته كما صرح به في المحصول، ~~قال: فإن توقع أي: ظن الفوات إما لكبر سن أو مرض شديد حرم التأخير عند ~~الشافعي، وما قاله في المرض مسلم وهو معنى قول الأصحاب في الفروع: إنه إذا ~~خشي الضعف يتضيق عليه الحج على الصحيح, وأما ما قاله في الشيخ فممنوع, بل ~~جوز أصحابنا التأخير مطلقا وجعلوا التفصيل ms054 بين الشيخ والشاب وجها ضعيفا في ~~العصيان بعد الموت, وصححوا أنه # يعصي مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل بهذا التفصيل والإمام اعتمد في هذه ~~المقالة على المستصفى للغزالي، فإنها مذكورة فيه، وقوله: لكبر أو مرض متعلق ~~بقوله: يتوقع فواته, ويؤخذ منه أنه لا يحرم عليه التأخير إذا لم يظن الفوات ~~أصلا أو ظنه, لكن لا لكبر أو مرض بل لغيرهما من الأسباب التي لا أثر لها ~~شرعا كالتنجيم والمنام. PageV01P043 ### | المسألة الثالثة # قال: "المسألة الثالثة: الوجوب إما أن يتناول كل واحد كالصلوات الخمس، أو ~~واحدا معينا كالتهجد، ويسمى فرض عين، أو غير معين كالجهاد، ويسمى فرض ~~كفاية، فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط عن الكل، وإن ظن أنه لم يفعل وجب" ~~أقول: هذا تقسيم آخر للوجوب باعتبار من يجب عليه, وحاصله: أن الوجوب ينقسم ~~إلى فرض عيني وفرض كفاية, ففرض العين قد يتناول كل واحد من المكلفين كالصوم ~~والصلاة واقتصر الإمام وأتباعه عليه, وقد يتناول واحدا معينا كالتهجد ~~والضحى والأضحى وغيرها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الأصح وهو ~~الذي نص عليه الشافعي أن وجوب التهجد نسخ في حقه، وأما فرض الكفاية فهو ~~الذي يتناول بعضا غير معين كالجهاد، وسمي بذلك لأن فعل البعض كاف في تحصيل ~~المقصود منه، والخروج عن عهدته بخلاف الأولى, فإنه لا بد من فعل كل عين أي: ~~ذات؛ فلذلك سمي فرض عين وهذا التقسيم أيضا يأتي في السنة، وقد أهمله المصنف ~~فسنة العين كصلاة الضحى وشبهها، وسنة الكفاية كتشميت العاطس والأضحية في حق ~~أهل البيت. قوله: "فإن ظن" يعني: أن التكليف بفرض الكفاية دائر مع الظن، ~~فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط الوجوب عن الجميع، وإن ظن كل طائفة أن ~~غيره لم يفعله وجب عليهم الإتيان به ويأثمون بتركه، وإن ظنت طائفة قيام ~~غيرها به وظنت أخرى عكسه، سقط عن الأولى ووجب على الثانية، ولك أن تقول: ~~هذا يشكل بالاجتهاد فإنه من فروض الكفاية, ولا إثم في تركه, وإلا لزم تأثيم ms055 ~~أهل الدنيا, فإن قيل: إنما انتفى الإثم لعدم القدرة قلنا: فيلزم أن لا يكون ~~فرضا. # "فائدة": جزم المصنف بأن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة, والمسألة ~~فيها مذهبان: أحدهما هذا وهو مقتضى كلام الإمام في المحصول, والثاني وهو ~~الصحيح عند ابن الحاجب، واقتضاء كلام الآمدي: أنه يتعلق بالجميع ولكن يسقط ~~بفعل البعض، وهذا هو مقتضى كلام المصنف في آخر المسألة؛ لأنه صرح بالسقوط, ~~فقال: سقط عن الكل وسقوطه عن الكل يتوقف على تكليفهم به، احتج الأول بأنه ~~لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل، واحتج الثاني بتأثيم الكل عند الترك ~~إجماعا ولو تعلق بالبعض لما أتم الكل, وأجابوا عن احتجاج الأول بأنا إنما ~~أسقطناه بفعل البعض لحصول المقصود، فإن بقاء طلب غسل الميت وتكفينه مثلا ~~عند القيام به من طائفة أخرى أمر بتحصيل الحاصل وهو محال. # PageV01P044 ### | المسألة الرابعة # قال: "المسألة الرابعة: وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به ~~وكان مقدورا قيل: يوجب السبب دون الشرط وقيل: لا, فيهما لنا أن التكليف ~~بالمشروط دون الشرط محال قيل: يختص بوقت وجود الشرط قلنا: خلاف الظاهر قيل: ~~إيجاب المقدمة أيضا كذلك قلنا: لا, فإن اللفظ لم يدفعه" أقول: الأمر بالشيء ~~هل يكون أمرا بما لا يتم ذلك الشيء إلا به, وهو المسمى بالمقدمة أم لا يكون ~~أمرا به، حكى المصنف فيه ثلاثة مذاهب, أصحها الإمام وأتباعه وكذلك الآمدي ~~أنه يجب مطلقا سواء كان سببا وهو الذي يلزم من جوده الوجود ومن عدمه العدم، ~~أو شرطا وهو الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ~~وسواء كان السبب شرعيا كالصيغة بالنسبة إلى العتق الواجب، أو عقليا كالنظر ~~المحصل للعمل الواجب, أو عاديا كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل الواجب، وسواء ~~كان الشرط أيضا شرعيا كالوضوء مثلا أو عقليا، وهو الذي يكون لازما للمأمور ~~به عقلا كترك أضداد المأمور به, أو عاديا أي لا ينفك عنه عادة كغسل جزء من ~~الرأس في الوضوء، وإلى هذا كله أشار بقوله: ms056 وجوب الشيء يوجب وجوب ما لا يتم ~~إلا به أي: التكليف بالشيء يقتضي التكليف بما لا يتم إلا به، فالوجوب الأول ~~والأخير بمعنى التكليف، والوجوب الثاني بمعنى الاقتضاء. مثال ذلك: إذا قال ~~السيد لعبده: ائتني بكذا من فوق السطح فلا يتأتى ذلك إلا بالمشي ونصب ~~السلم, فالمشي سبب والنصب شرط، والمذهب الثاني: أنه يكون أمرا بالسبب دون ~~الشرط؛ لأن وجود السبب يستلزم وجود المسبب بخلاف الشرط، والثالث: أنه لا ~~يكون أمرا لا بالسبب ولا بالشرط، وإليه أشار بقوله: وقيل: لا فيهما, وإنما ~~قيد بقوله: فيهما ولم يقل، وقيل: لا؛ لأن النفي المطلق يدخل فيه جزء ~~الماهية لأنها لا تتم إلا به أيضا, ومع ذلك فهو واجب بلا خلاف فافهمه، ولا ~~ذكر لهذا الثالث في كلام الآمدي، ولا كلام الإمام وأتباعه. نعم حكاه ابن ~~الحاجب في المختصر الكبير, وإن كلامه في الصغير في أثناء الاستدلال يقتضي ~~أن إيجاب السبب مجمع عليه، واختار -أعني ابن الحاجب- فيما عدا السبب أنه ~~إذا كان شرطا شرعيا وجب وإن كان شرعيا كالعقل والعادي فلا، فإن قلنا ~~بالوجوب فله شرطان ذكرهما المصنف، أحدهما: أن يكون الوجوب مطلقا أي: غير ~~معلق على حصول ما يتوقف عليه فإن كان معلقا على حصوله كقوله: إن صعدت السطح ~~ونصبت السلم فاسقني ماء, فإنه لا يكون مكلفا بالصعود ولا بالنصب بلا خلاف، ~~بل إن اتفق حصول ذلك صار مكلفا بالسقي وإلا فلا، والشرط الثاني: أن يكون ما ~~يتوقف عليه الواجب مقدورا للمكلف كما مثلناه, فإن لم يكن مقدورا له لم يجب ~~عليه تحصيله، كإرادة الله تعالى لوقوعه؛ لأن فعل العبد لا يقع إلا بها، ~~وكذلك أيضا الداعية على الفعل وهو العزم المصمم عليه, وبيانه: أن الفعل ~~يتوقف وقوعه على سبب يسمى بالداعية، وإلا لكان وقوعه في وقت دون وقت ترجيحا ~~من غير مرجح, وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى لا قدرة للعبد عليها, إذ لو ~~كانت من فعل العبد لانتقل الكلام إليها في وقوعه في وقت دون وقت فيلزم ~~التسلسل، وهذا الاحتراز # PageV01P045 # قد ms057 أشار إليه الإمام في الكلام على الفروع الآتية من بعد, وصرح به ابن ~~التلمساني في شرح المعالم ثم القرافي والأصفهاني في شرحيهما للمحصول، ولا ~~يصح أن يقال: احترز به عن غير ذلك من المعجوز عنه كسلامة الأعضاء ونصب ~~السلم ونحوهما, فإن العاجز عنه لا يكون مكلفا بالأصل بلا نزاع لفقدان شرطه ~~وفي ذلك إحالة لصورة المسألة, فإن الكلام فيما إذا كلف بفعل وكان متوقفا ~~على شيء لا قدرة له عليه بخلاف الداعية ونحوها, فإن عدم القدرة عليها لا ~~يمنع التكليف وإلا لم يتحقق تكليف البتة, فكل شرط للوجوب الناجز لا بد أن ~~يكون مقدورا للمكلف وإلا ما قلناه، قال الأصفهاني: وضابط المقدور أن يكون ~~ممكنا للبشر, لكن ذكر الآمدي في الأحكام أن المقدور احتراز عن حضور الإمام ~~والعدد في الجمعة. قوله: "لنا أن التكليف بالمشروط دون الشرط؛ لأنه محال" ~~هذا دليل لما اختاره المصنف من وجوب السبب والشرط، وإنما استدل على الشرط؛ ~~لأنه يلزم من وجوبه ووجوب السبب بطريق الأولى، وتقرير الدليل من وجوه، ~~أحدها: أنه إذا كان مكلفا بالمشروط لا يجوز تركه وإذا لم يكن مكلفا بالشرط ~~جاز له تركه، ويلزم من جواز ترك المشروط فيلزم الحكم بعدم جواز ترك المشروط ~~وبجواز تركه, وذلك جمع بين النقيضين وهو محال، الثاني, ما ذكره ابن الحاجب: ~~أنه إذا لم يكن مكلفا الشرط, فيكون الإتيان بالمشروط وحده صحيحا؛ لأنه أتى ~~بجميع ما أمر به فلا يكون الشرط شرطا وهو محال، والثالث, ما ذكره في ~~المحصول: أن الأمر بالشيء لو لم يقتض وجوب ما يتوقف عليه لكان مكلفا بالفعل ~~ولو في حال عدمه؛ لأنه لا مدخل له في التكليف من أن الفعل في تلك الحالة لا ~~يمكن وقوعه لأن المشروط يستحيل وجوده عند عدم شرطه, فيكون التكليف به إذ ~~ذاك تكليفا بالمحال, وهذه التقريرات صحيحة لا اعتراض عليها يصح وقد اعترض ~~الآمدي وصاحب التحصيل ومن تبعهما على تقرير الإمام باعتراض زعموا أنه لا ~~محيص عنه وهو ضعيف, سببه اشتباه الفرق بين التكليف في ms058 حال عدم الشرط بفعل ~~المشروط والتكليف بفعل المشروط في حال عمد الشرط، فإن الأول ممكن وطريقه أن ~~يأتي بالشرط ثم بالمشروط، وأما الثاني فيحتمل أمرين, وأحدهما هو المراد؛ ~~فلذلك صرحت به في التقرير ولولا خشية الإطالة لذكرت ذلك كله مبسوطا لكن في ~~هذا تنبيه لمن أحب الوقوف عليه. قوله: "قيل: يختص" أي: اعتراض الخصم على ~~الدليل المذكور فقال: لم لا يجوز أن يكون التكليف بالشروط مخصوصا بوقت وجود ~~الشرط ولا امتناع في ذلك، فإن غايته تقييد الأمر ببعض الأحوال الدليل ~~اقتضاء وهو الفرار من المحال الذي ألزمتمونا به، فأجاب المصنف بأن اللفظ ~~يقتضي إيجاب الفعل على كل خاص فتخصيص الإيجاب بزمان حصول الشرط خلاف الظاهر ~~اعتراض الخصم على ذلك فقال: إنه معارض بمثله فإنك أوجبت المقدمة بمجرد ~~الأمر مع أن اللفظ لا يقتضي وجوبها, وذلك خلاف الظاهر، فأجاب المصنف بأنا ~~لا نسلم أن إيجاب المقدمة خلاف # PageV01P046 # الظاهر، قال في المحصول: لأن مخالفة الظاهر هي إثبات ما يدفعه اللفظ أو ~~دفع ما يثبته اللفظ, فأما إثبات ما لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات ~~فليس خلاف الظاهر، إذا علم ذلك فالمقدمة لم يتعرض لها اللفظ بنفي ولا ~~إثبات, فإيجابها بدليل منفصل ليس خلاف الظاهر بخلاف تخصيص الوجوب بحالة ~~وجود الشرط دون حالة عدمه, فإنه يخالف ما يقتضيه اللفظ من وجوب الفعل على ~~كل حال. # قال: "تنبيه: مقدمة الواجب إما أن يتوقف عليها وجوده شرعا كالوضوء ~~للصلاة, أو عقلا كالمشي للحج, أو العلم به كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ~~ونسي, وستر شيء من الركبة لستر الفخذ" أقول: اعلم أن الإمام جعل هذا فرعا، ~~وجعله المصنف تنبيها، وجعله صاحب الحاصل تقسيما، ولكل واحد وجه, أما ~~التقسيم فلأن مدلوله إظهار الشيء الواحد على وجوه مختلفة, ووجوده هنا واضح, ~~وأما التنبيه فالمراد منه ما نبه عليه المذكور قبله بطريق الإجمال وهنا ~~كذلك؛ لأن توقف الشيء على مقدمته أعم من كونه يتوقف عليها من جهة الوجود أو ~~من جهة العلم بالوجود, إما شرعا أو عقلا، ms059 فلما لم يكن هذا منصوصا عليه ~~بخصوصه، وخيف أن يغفل عنه الظاهر قيل: تفطن وتنبه لذلك، وأما الفرع المراد ~~منه أن يكون مندرجا تحت أصل كلي وهو حاصل ههنا؛ لأن كل واحد من هذه الأقسام ~~المستفادة من هذا التقسيم قد اندرج تحت الأصل السابق، وحاصل ما قاله المصنف ~~أن مقدمة الواجب قسمان, أحدهما: أن يتوقف عليها وجوب الواجب, إما من جهة ~~الشرع كالوضوء للصلاة إذ العقل لا مدخل له في ذلك، وإما من جهة العقل ~~كالمشي للحج، هكذا ذكره المصنف والصواب للتعبير بالسير أو بقطع المسافة كما ~~قاله في المحصول لا بالمشي، والقسم الثاني: أن يتوقف عليها العلم بوجود ~~الواجب لا نفس وجوب الواجب, وذلك كمن ترك الصلاة من الخمس ونسي عينها, فإنه ~~يلزمه أن يصلي الخمس لأن العلم بالإتيان بالمتروك لا يحصل إلا بعد الإتيان ~~بالخمس، فالأربعة مقدمة للواجب لكن هذه المقدمة لا يتوقف عليها وجود الواجب ~~بل العلم به كما قدمناه؛ لأنه قد يصادف أن يكون المفعول أولا هو الواجب، ~~ومن ذلك أيضا وجوب ستر شيء من الركبة لتحقق ستر الفخذ, وإنما أتى المصنف ~~بهذين المثالين لما أشار إليه في المحصول, وهو أن الأول قد كان الواجب فيه ~~متميزا عن المقدمة، ولكن طرأ عليه الإبهام، والثاني لم يتميز الواجب عن ~~المقدمة أصلا لأجل ما بينهما من التقارب, ولك أن تفرق أيضا بأن الواجب في ~~الأول ملتبس بالمقدمة وأما الثاني فلا, غير أنه لا يمكن عادة إلا بفعله. # قال: "فروع: الأول: لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا على معنى أنه يجب ~~عليه الكف عنهما، الثاني: لو قال: إحداكما طالق حرمتا تغليبا للحرمة, والله ~~تعالى يعلم أنه سيعين إحداهما لكن لما لم يعين لم تتعين، الثالث: الزائد ~~على ما ينطلق عليه الاسم من المسح غير واجب, وإلا لم يجز تركه" أقول: جعل ~~المصنف هذه الثلاثة فروعا للأصل # PageV01P047 # المتقدم وهو وجوب المقدمة التي يتوقف عليها العلم بالإتيان بالواجب، ~~وتفريع الأول والثاني واضح, وأما الثالث ففيه كلام يأتي وستعرف الجميع. ~~الفرع الأول: إذا ms060 اشتبهت بأجنبية حرمتا جميعا على معنى أنه يجب عليه الكف ~~عن وطئهما جميعا، إحداهما لكونها أجنبية والأخرى لاشتباهها بالأجنبية، ووجه ~~تعريفه أن الكف عن الأجنبية واجب، ولا يحصل العلم به إلا بالكف عن الزوجة، ~~وإنما فسر المصنف تحريمهما بالكف عنهما؛ لأن تحريم الزوجة ليس بالذات بل ~~للاشتباه، وهذا الذي يشير إليه لا تحقيق فيه، فإن المراد بتحريم الأجنبية ~~أيضا إنما هو الكف لا تحريم ذاتها. "الفرع الثاني": إذا قال لزوجته إحداكما ~~طالق قال في المحصول: فيحتمل أن يقال ببقاء حل وطئها؛ لأن الطلاق شيء معين ~~فلا يحصل إلا في محل معين فإذا لم يعين لا يكون الطلاق واقعا، بل الواقع ~~أمر له صلاحية التأثير في الطلاق عند التعيين, ومنهم من قال: حرمتا جميعا ~~إلى وقت البيان تغليبا لجانب الحرمة هذا كلامه، وذكر في المنتخب مثله أيضا، ~~وقد جزم المصنف بالثاني مع أن صاحب الحاصل لم يذكر ترجيحا، ولا نقلا بل حكى ~~احتمالين على السواء, وتفريع هذا يعرف مما قبله والفرق بينهما أن إحدى ~~المرأتين في الصورة الأولى ليست محرمة بطريق الأصالة بل للاشتباه، بخلاف ~~الفرع الثاني فإنهما في ذلك سواء؛ ولهذا خيرناه، وأيضا فإنه ليس قادرا على ~~إزالة التحريم في الأول بخلاف الثاني. قوله: "والله يعلم ... إلخ" جواب عن ~~سؤال مقدر ذكره في المحصول, وتوجيهه أن الله تعالى يعلم المرأة التي ~~سيعينها الزوج بعينها فتكون هي المحرمة والمطلقة في علم الله تعالى, وإنما ~~هو مشتبه علينا هذا حاصل ما قاله الإمام وهو اعتراض على ما ذكره أولا من ~~حلهما جميعا، واقتضى كلامه الميل إليه، وذلك لأنه إذا تقرر بما قاله: إن ~~إحداهما مطلقة والأخرى مشتبهة بها فتحرمان جزءا كما تقدم في الفرع الذي ~~قبله، ولا يبقى للإباحة مع ذلك وجه لا يستقيم جعله اعتراضيا على القائل ~~الآخر، وهو الذاهب إلى التحريم؛ لأنه على وفقه لا على عكسه, وجوابه ما ذكره ~~المصنف وهو أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فيعلم ما ليس بمتعين ~~غير متعين لأنه الواقع، إذ ms061 لو علمه متعينا مع أنه غير متعين للزم الجهل وهو ~~محال على الله تعالى، إذا تقرر ذلك فنقول: لا شك أن الزوج ما لم يعين ~~المطلقة لم تتعين في نفسها، وإذا لم تتعين فيعلمها الله تعالى غير متعينة، ~~وإن كان يعلم أن هذه هي التي ستعين، وأما كونه يعلمها متعينة حتى تكون هي ~~المطلقة فلا، وإذا علمت توجيه الاعتراض وعلمت جوابه علمت أن الواقع في ~~المنهاج خطأ، فإن هذا اعتراض على الإباحة وهي غير مذكورة فيه، وكأن المصنف ~~توهم أنه اعتراض على التحريم لذكره عقبه في المحصول والحاصل: وهو غلط سببه ~~عدم التأمل، الفرع الثالث: القدر الزائد على الواجب الذي لا يتقدر بقدر ~~معين كمسح الرأس والطمأنينة وغيرهما لا يوصف بالوجوب على ما جزم به المصنف؛ ~~لأنه يجوز تركه، وفي المحصول والمنتخب أنه # PageV01P048 # الحق، وفي الحاصل أن مقابله خطأ، وهذه المسألة فيها اختلاف شهير عندنا ~~واضطراب في كلام من يغني بكلامه, وقد ذكرت نظائر المسألة والاضطراب الواقع ~~فيها وفوائد الخلاف في باب صفة الوضوء من كتاب الجواهر، ثم ذكرته أيضا أبسط ~~من ذلك التناقض الكبير المسمى بالمهمات وهو الكتاب الذي لا يستغنى عنه، ~~ووجه تفريع هذا على القاعدة المتقدمة هو أن الواجب لا ينفك غالبا عن حصول ~~زيادة فيه, فتكون هذه الزيادة مقدمة للعلم بحصوله, ولك أن تقول: إذا كان ~~هذا الزائد عنه المصنف مقدمة للواجب, فيلزم أن يكون واجبا كستر شيء من ~~الركبة وأنظاره على ما تقدم في القاعدة, وحينئذ فيكون وصفه بعدم الوجوب ~~مناقضا لما تقرر عنده فيما لا يتم الشيء إلا به, اللهم إلا أن يريد نفي ~~كونها مقدمة. # PageV01P049 ### | المسألة الخامسة # قال: "المسألة الخامسة: جوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه, فالدال ~~عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن ~~نقيضه قلنا: لا, فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال, وإن سلم فمنقوض ~~بوجوب المقدمة" أقول: هذه هي المسألة المعروفة بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ~~وفيها ثلاثة مذاهب مشهورة ممن حكاها إمام ms062 الحرمين في البرهان1, أحدها: أن ~~الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده، فإذا قال مثلا: تحرك فمعناه: لا تسكن ~~واتصافه بكونه أمرا ونهيا باعتبارين كاتصاف الذات الواحدة بالقرب والبعد ~~بالنسبة إلى شيئين, وهذا المذهب لم يذكره المصنف، والثاني: أنه غيره ولكنه ~~يدل عليه بالالتزام, وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده, بخلاف ~~النهي عن الشيء فإنه أمر بأحد أضداده, وشرط كونه نهيا عن ضده أن يكون ~~الواجب مضيقا كما نقله شراح المحصول على القاضي عبد الوهاب؛ لأنه لا بد أن ~~ينتهي الترك المنهي عنه حين ورود النهي، ولا يتصور الانتهاء عن الترك إلا ~~بالإتيان بالمأمور به، فاستحال النهي مع كونه موسعا, وهذا المذهب وهو كونه ~~يدل عليه بالتزام نقله صاحب الإفادة عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره الآمدي, ~~وكذا الإمام وأتباعه ومنهم المصنف، وعبروا كلهم بأن الأمر بالشيء نهي عن ~~ضده، فدخل في كلامهم كراهة ضد المندوب إلا المصنف، فإنه عبر بقوله: وجوب ~~بالشيء يستلزم حرمة نقيضه، وسبب تعبيره بهذا أن الوجوب قد يكون مأخوذا من ~~غير الأمر كفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، والقياس، وغير ذلك، فلما كان ~~الواجب أعم من هذا الوجه عبر به، وأما الكراهة ضد المندوب فإن المصنف قد لا ~~يراه؛ وذلك لأنا إذا قلنا: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده فهل يكون خاصا ~~بالواجب؟ فيه قولان شهيران حكاهما الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, ولكن الصحيح ~~أنه لا فرق كما صرح به الآمدي وغيره، والمذهب الثالث: أنه لا يدل عليه ~~البتة، واختاره ابن الحاجب ونقله المصنف PageV01P049 # عن المعتزلة, وأكثر الأصحاب تبع لصاحب الحاصل، وأما الإمام في المحصول ~~والمنتخب فنقله عن جمهور المعتزلة وكثير من أصحابنا, وفائدة الخلاف من ~~الفروع ما إذا قال: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت ففي ~~الطلاق خلاف، ومستند الوقوع في هذه القاعدة صرح به الرافعي في الشرح ~~الصغير, وفي المسألة اختلاف في الترجيح المذكور مبسوط في المهمات. قوله: ~~"لأنه جزؤه" أي: الدليل على أن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأن حرمة ms063 ~~النقيض جزء من ماهية الوجوب، إذ الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من ~~الترك كما تقدم في موضوعه، فاللفظ الدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض ~~بالتضمن, وهذا الدليل أخذه المصنف من الإمام، وإنما ادعى الالتزام وأقام ~~الدليل على التضمن لأن الكل يستلزم، وبالجملة فهو دليل باطل وممن نبه على ~~بطلانه صاحب التحصيل، وتقرير ذلك موقوف على مقدمة وهو أنه قال السيد مثلا ~~لعبده: اقعد, فمعنا أمران منافيان للمأمور به وهو وجود القيود, أحدهما: ~~مناف له بذاته أي بنفسه وهو عدم القعود؛ لأن المنافاة بين النقيضين بالذات، ~~فاللفظ الدال على القعود دال على النهي عن عدمه، أو على المنع منه بالذات، ~~والثاني: مناف له بالعرض أي: بالاستلزام وهو الضد كالقيام مثلا أو ~~الاضطجاع، وضابطه أن يكون معنى وجوديا يضاد المأمور به, ووجه منافاته ~~بالاستلزام أن القيام مثلا يستلزم عدم القعود هو نقيض القعود، فلو حصل ~~القعود لاجتمع النقيضان فامتناع اجتماع الضدين إنما هو لامتناع اجتماع ~~النقيضين لا لذاتهما، فاللفظ الدال على القعود يدل على النهي عن الأضداد ~~الوجودية كالقيام مثلا بالتزام، والذي يأمر قد يكون غافلا عنهما هكذا ذكره ~~الإمام في المحصول وغيره، وفي المسألة قول آخر: أن المنافاة بين الضدين ~~بالذات إذا علمت ذلك فقول المصنف: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنه ~~جزؤه" لقائل أن يقول: إذا أراد بذلك أنه يدل على المنع من أضداده الوجودية ~~فهذا مسلم، ولكن لا نسلم أنه جزء من ماهية الوجوب بل جزؤه المنع من الترك، ~~وإن أراد به أنه دال على المنع من الترك فليس محل النزاع, إذ لا خلاف أن ~~الدال على الوجوب دال على المنع من الترك لأنه جزؤه، وإلا خرج الواجب عن ~~كونه واجبا، بل النزاع في دلالته على المنع من أضداده الوجودية كما اقتضاه ~~كلام الإمام فيلزم إما فساد الدليل أو نصبه في غير محل النزاع، وإذا أردت ~~إصلاح هذا الدليل بحيث يكون مطابقا للمدعى فقل: الأمر دال عن المنع من ~~الترك, ومن لوازم المنع من الترك المنع ms064 من الأضداد فيكون الأمر دالا على ~~المنع من الأضداد بالالتزام وهو المدعى. قوله: "قالت المعتزلة" أي: واستدلت ~~المعتزلة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده بأن الموجب للشيء قد يكون ~~غافلا عن نقيضه, فلا يكون النقيض منهيا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروط ~~بتصوره، ويغفل بضم الفاء كما ضبطه الجوهري قال: ومصدرها غفلة وغفولا وأجاب ~~المصنف # PageV01P050 # بوجهين أحدهما: لا نسلم إمكان الإيجاب للشيء مع الغفلة عن نقيضه؛ لأن ~~المنع من النقيض جزء من ماهية الوجوب كما قررناه، فيستحيل وجوب الإيجاب ~~بدونه لاستحالة وجود الشيء بدون جزئه، وإذا استحال وجوده بدونه فالمتصور ~~للإيجاب متصور للمنع من الترك فيكون متصورا للترك لا محالة، وهذا الجواب ~~باطل؛ لكونه في غير محل النزاع كما تقدم، الثاني: سلمنا أن النقيض قد يكون ~~مغفولا عنه, لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون منهيا عنه, فإنه ينتقض بوجوب ~~مقدمة الواجب أي: ما لا يتم الواجب إلا به, فإنه واجب كما تقدم مع الموجب ~~قد يكون غافلا عنه فكذلك حرمة النقيض. # PageV01P051 ### | المسألة السادسة # قال: "المسألة السادسة: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز خلافا للغزالي؛ لأن ~~الدال على الوجوب يتضمن الجواز والناسخ لا ينافيه, فإنه يرتفع الوجوب ~~بارتفاع المنع من الترك قيل: الجنس يتقوم بالفصل فيرتفع بارتفاعه قلنا: لا ~~وإن سلم فتقوم بفصل عدم الحرج" أقول: إذا أوجب الشارع شيئا ثم نسخ وجوبه ~~فيجوز الإقدام عليه عملا بالبراءة الأصلية كما أشار إليه في المحصول في آخر ~~هذه المسألة، وصرح به غيره، ولكن الدليل على الإيجاب قد كان أيضا دالا على ~~الجواز كما سيأتي تقريره، فدلالته على الجواز هل هي باقية أم زالت بزوال ~~الوجوب؟ هذا محل الخلاف، فقال الغزالي: إنها لا تبقى بل يرجع الأمر إلى ما ~~كان قبل الوجوب من البراءة الأصلية أو الإباحة أو التحريم، وصار الوجوب ~~بالنسخ كأن لم يكن, هكذا جزم في المستصفى، وقال الإمام وأتباعه والجمهور: ~~إنها باقية ومراد هؤلاء بالجواز هو التخيير بين الفعل والترك كما سيأتي، ~~وقد صرح به المصنف في ms065 آخر المسألة وهو الذي صرح الغزالي أيضا بعدم بقائه، ~~وعلى هذا فيكون الخلاف بينهما معنويا على خلاف ما ادعاه ابن التلمساني، ~~وصورة المسألة أن يقول الشارع: نسخت الوجوب أو حرمة الترك أو رفعت ذلك، ~~فأما إذ نسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعت جميع ما دل عليه الأمر السابق ~~من جواز الفعل ومنع الترك, فيثبت التحريم قطعا. قوله: "لأن الدال" أي ~~الدليل على بقاء الجواز أن الجواز جزء من ماهية الوجوب لا الوجوب مركب من ~~جواز الفعل مع المنع من الترك، وإن شئت قلت: من رفع الحرج عن الفعل مع ~~إثبات الحرج على الترك, واللفظ الدال على الوجوب دال على الجواز بالتضمن، ~~والناسخ للوجوب لا ينافي الجواز، فإن الوجوب يرتفع بارتفاع المنع من الترك ~~إذ المركب يرتفع بارتفاع جزئه، وإذا تقرر أنه لا ينافيه فتبقى دلالته عليه، ~~ولك أن تقول: الدليل الرافع للمنع من الترك إن لم يرفع أيضا الجواز فلا ~~يكون ذلك نسخا بل تخصيصا؛ لأنه إخراج لبعض ما دل عليه اللفظ وهو غير ~~المدعى, وإن رفعه فلا كلام أيضا فالمدعى بقاؤه هو الجواز بمعنى التخيير، ~~والذي في ضمن الوجوب هو الجواز بمعنى رفع الحرج عن الفعل، ولا يتم المدعى ~~إلا بزيادة أخرى تأتي في الجواب عن اعتراض الغزالي, ومع ذلك أيضا فليس ~~مطابقا # PageV01P051 # للدعوى كما سيأتي إيضاحه. قوله: "قيل: الجنس ... إلخ" هذا يحتمل أن يكون ~~إبطالا للدليل السابق، ويحتمل أن يكون دليلا للغزالي، وتقرير الأول أن ~~يقال: لا نسلم أن الناسخ لا ينافي الجواز؛ لأن كل فصل فهو علة لوجود الحصة ~~التي فيه من الجنس كما نص عليه ابن سينا1؛ لأنه يستحيل وجود جنس مجرد عن ~~الفصول كالحيوانية مثلا, وإليه أشار بقوله: يتقوم بالفصل أي: يوجد به، ~~ولعله من قولهم فلأن قوام أهل بيته بكسر القاف أي: الذي يقيم شأنهم، حكاه ~~الجوهري، إذا تقرر ذلك فالجواز جنس للواجب والمندوب والمكروه والمباح، ~~والعلة في وجوه في الواجب، وهو فصل الواجب وهو الحرج على الترك، فإذا زال ~~الفصل زال الجواز؛ لأن ms066 المعلوم يزول بزوال علله، وفي ذلك يقوم بعضهم: # أيا من حياتي جنس فصل وصاله ... ومن عيشتي ملزوم لازم قربه # أيوجد ملزم ولا لازم له ... محال وجنس لم يقم فصله به # فثبت أن الناسخ ينافي الجواز. التقرير الثاني: أن يقال: الدليل على أن ~~الجواز لا يبقى، وذلك أن كل فصل فهو علة ... إلخ، ثم أجاب المصنف بوجهين, ~~أحدهما وإليه أشار بقوله: "قلنا: لا" أي: لا نسلم ما قاله ابن سينا من أن ~~الفصل علة للجنس فقد خالفه الإمام وقال: إنهما معلولان لعلة واحدة، وتقرير ~~ذلك مذكور في الكتب الحكمية ويحتمل أن يكون المراد أنا لا نسلم أن هذا ~~الفصل الخاص وهو الحرج على الترك, علة لهذا الجنس الخاص، وهو الجواز لأنهما ~~حكمان شرعيان، والأحكام القديمة فلا يكون أحدهما علة للآخر، الثاني: سلمنا ~~أنه علة له, لكن لا نسلم أنه لا يلزم من ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس؛ ~~لأن الجواز له قيدان أحدهما: الحرج على الترك, والثاني: عدم الحرج، فإذا ~~زال الأول خلفه الثاني، وهذا الثاني استفدناه من الناسخ؛ لأنه أثبت رفع ~~الحرج عن الترك، فالماهية الحاصلة بعد النسخ مركبة من قيدين أحدهما: زوال ~~الحرج عن الفعل وهو مستفاد من الأمر، والثاني: زوال الحرج عن الترك وهو ~~مستفاد من الناسخ، وهذه الماهية هي المندوب أو المباح، هكذا ذكره في ~~المحصول وهو معنى ما قاله المصنف، واستفدنا من كلامه أنه إذا نسخ الوجوب ~~بقي إما الإباحة أو الندب من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط، فينبغي أن تكون ~~الدعوى بهذه الصيغة، وهذا الكلام هو الذي سبق الوعيد بذكره. قال صاحب ~~الحاصل: وفي هذه المسألة بحث دقيق ولعله يشير إلى شيء من هذا أو إلى مقالة ~~ابن سينا السابقة PageV01P052 # فإنها غير مذكورة في المحصول ولا في مختصراته، وأما فائدة هذا الخلاف من ~~الفروع فهو كل موضع بطل فيه الخصوص، هل يبقى العموم من ذلك ما إذا وجد ~~المنافي للفرض دون النفل، ويندرج فيه صور كثيرة كالإحرام قبل الزوال ~~بالظهر، ومن ذلك ما أشار إليه ms067 الغزالي في الوسيط، وهو ما إذا أحال المشتري ~~البائع بالثمن على رجل ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فإن الحوالة تبطل على ~~الأصح، ولكن هل للمحتال قبضه للمالك؟ فيه خلاف: وجه أجاز أن الحوالة متضمنة ~~لجواز الأخذ والمنافي ورد على خصوص الحوالة فيبقى الجواز، وهذه المسألة قد ~~أشار إليها الآمدي وابن الحاجب بقولهما: المباح ليس بجنس للواجب. # PageV01P053 ### | المسألة السابعة # قال: "المسألة السابعة: الواجب به وبغيره, فكل واحد من الواجب والمندوب ~~لا يجوز تركه. قال الكعبي 1: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب قلنا: لا, بل ~~به يحصل وقالت الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر؛ لأنهم ~~شهدوا الشهر وهو موجب وأيضا عليهم القضاء بقدره قلنا: العذر مانع والقضاء ~~يتوقف على السبب لا الوجوب, وإلا لما وجب قضاء الظهر على من قام جميع ~~الوقت" أقول: قد عزمت فيما تقدم أن الوجوب هو اقتضاء الفعل مع المنع من ~~الترك فيستحيل كون الشيء واجبا مع كونه جائز الترك لاستحالة بقاء المركب ~~بدون جزئه، وذكر المصنف ذلك توطئة للرد على طائفتين, إحداهما: الكعبي ~~وأتباعه, والثانية: الفقهاء، فأما الكعبي فادعى أن المباح واجب كونه جائز ~~الترك، واستدل بأن فعل المباح ترك الحرام وترك الحرام واجب فينتج أن فعل ~~المباح واجب. قوله: "قلنا: لا" أي: لا نسلم أن فعل المباح هو نفس ترك ~~الحرام قال في الحاصل: لأن فعل المباح أخص من ترك الحرام، وتقريره أنه يلزم ~~من فعل المباح ترك الحرام, ولا يلزم من ترك الحرام فعل المباح لجواز تركه ~~بالواجب والمندوب، ففعل المباح أخص من ترك الحرام والأخص غير الأعم فلا ~~يكون المباح ترك الحرام، بل هو شيء يحصل به تركه لما بينا أنه قد يحصل ~~والمباح والمكروه وسيلة لترك الحرام، وإذا كان للواجب وسائل فيجب واحدة ~~منها لا بعينها, لا واحدة بخصوصها، فلا يتعين خصوص المباح للوجوب فيبطل ~~دعوى الكعبي، وهكذا أجاب به الإمام وهو ضعيف؛ لأنه يلزم منه أن يكون المباح ~~واجبا على التخيير, والواجب على التخيير واجبا على الجملة، وكل فرد يقع منه ms068 ~~يكون واجبا بلا خلاف كما تقدم في خصال الكفارة، لكن تخصيص الكعبي بالمباح ~~لا معنى له, بل يجري في غيره حتى في المكروه، ولأجل ضعف هذا الجواب قال ~~الآمدي وابن برهان وابن الحاجب: إنه لا مخلص مما قاله الكعبي مع التزام أن ~~ما لا يتم الواجب إلا به PageV01P053 # فهو واجب، وأما الفقهاء فقال كثير منهم: يجب الصوم على الحائض والمريض ~~والمسافر لوجهين أحدهما: أنهم شهدوا الشهر وشهود الشهر موجب للصوم لقوله ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] الثاني: أن القضاء يجب ~~عليهم بقدر ما فاتهم فوجب أن يكون بدلا عنه كغرامة المتلفات, والجواب عن ~~الأول: أن شهود الشهر إنما يكون موجبا عند انتفاء الأعذار المانعة من ~~الوجوب والعذر ههنا قائم؛ فلذلك امتنع القول بالوجوب, وعن الثاني: أن ~~القضاء يتوقف على سبب الوجوب، وهو دخول الوقت لا على وجود الوجوب إذ لو ~~توقف على نفس الوجوب لما كان قضاء الظهر مثلا واجبا على من نام جميع الوقت؛ ~~لأنه غير مكلف بالظهر في حال نومه لامتناع تكليف الغافل، والإمام وأتباعه ~~لم يجيبوا عن هذين الدليلين كما أجاب المصنف, بل انتقلوا إلى المعارضة بما ~~هو أقوى وهو جواز الترك كما قرره المصنف أولا وقوله: وقال الفقهاء: وهي ~~عبارة صاحب الحاصل، والصواب عبارة الإمام في المحصول والمنتخب, فإنه قال: ~~وقال كثير من الفقهاء، ثم قال بعد ذلك: وعندنا أنه لا يجب على الحائض ~~والمريض أصلا, وأما المسافر فيجب عليه صوم أحد الشهرين، إما رمضان أو شهر ~~غيره أيهما أتى به كان هو الواجب كما في خصال الكفارة, هكذا قال في المحصول ~~والمنتخب وفيه نظر، فإن المريض أيضا يجوز له الصوم فيكون مخيرا, وإذا كان ~~مخيرا فيكون كالمسافر إلا أن يفرض ذلك في مريض يقضي به الصوم لهلاك نفسه أو ~~عضوه, فإنه يحرم عليه الصوم، قال الغزالي في المستصفى: فلو صام والحالة هذه ~~فيحتمل أنه لا يجزئه؛ لأنه حرام ويحتمل تخريجه على الصلاة في الدار ~~المغصوبة. # PageV01P054 ### | الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو ms069 الحاكم والمحكوم عليه وبه ### | الفصل الأول: في الحكم ### | مدخل # ... # الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه # قال: "الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه, ~~وفيه ثلاثة فصول ": # الفصل الأول: في الحكم # وهو الشرع دون العقل لما بينا من فساد الحسن والقبح العقليين في كتاب ~~المصباح" أقول: أركان الحكم ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم به؛ ~~فلذلك ذكر المصنف في هذا الباب ثلاثة فصول لكل منها، الفصل الأول في الحاكم ~~وهو الشرع عند الأشاعرة, فلا تحسين ولا تقبيح إلا بالشرع، واعلم أن الحسن ~~والقبح قد يراد بهما ملاءمة الطبع ومنافرته كقولنا: إنقاذ الغرقى حسن، وأخذ ~~الأموال ظلما قبيح، وقد يراد بهما صفة الكمال وصفه النقص، كقولنا: العلم ~~حسن والجهل قبيح، ولا نزاع في كونهما عقليين, كما قال المصنف في المصباح ~~تبعا للإمام وغيره، وإنما النزاع في الحسن والقبح بمعنى ترتيب الثواب ~~والعقاب، فعندنا أنهما شرعيان، وذهبت المعتزلة إلى أنهما عقليان بمعنى أن ~~العقل له صلاحية الكشف عنهما وأنه لا يفتقر للوقوف على حكم الله تعالى إلى ~~ورود الشرائع لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح والمفاسد، وإنما الشرائع مؤكدة ~~الحكم للعقل فيما يعلمه العقل بالضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع أو بالنظر ~~كحسن الصدق الضار، # PageV01P054 # فأما ما لا يعلمه العقل بالضرورة ولا بالنظر كصوم آخر يوم رمضان وتحريم ~~أول يوم من شوال, فإن الشرائع مظهرة لحكمه لمعنى خفي علينا، فتلخص أن ~~الحاكم حقيقة هو الشرع إجماعا وإنما الخلاف في أن العقل هل هو كاف في ~~معرفته أم لا؟ وكلام الكتاب يوهم خلاف ذلك، وقد أحال المصنف إبطال مذهبهم ~~على ما قرره في كتاب المصباح، فإن اللائق بذلك هو أصول الدين، وحاصل ما ~~قاله فيه أن أفعال العباد منحصرة في الاضطرار والاتفاق, ومتى كان كذلك ~~استحال وصفها بالحسن والقبح. بيان الانحصار أن المكلف إن لم يكن قادرا على ~~الترك فهو الاضطراري، وإن كان قادرا على تركه فإن لم يكن صدوره عنه موقوفا ~~على المرجح فهو الاتفاق، وإن ms070 كان موقوفا على المرجح فذلك المرجح، إن كان من ~~الله تعالى لزم كون الفعل اضطراريا، وإن كان من العبد فإن لم يكن صدور ذلك ~~المرجح آخر لزم أن يكون الفعل اتفاقيا وإن كان لمرجح، فإن كان من العبد لزم ~~التسلسل، وإن كان من الله تعالى لزوم أن كونه اضطراريا فثبت أن أفعال العبد ~~منحصرة في الاضطرار والاتفاق، وحينئذ فلا يوصف بحسن ولا قبح للإجماع منا ~~ومنهم على أنه لا يوصف بذلك إلا الأفعال الاختيارية، وللفضلاء على هذه ~~النكتة أسئلة كثيرة مذكورة في المبسوطات. # PageV01P055 ### | الفرع الأول # قال: "فرعان على التنزل: "الأول" شكر المنعم ليس بواجب عقلا, إذ لا تعذيب ~~قبل الشرع لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ~~ولأنه لو وجب لوجب إما لفائدة المشكور وهو منزه, أو للشاكر في الدنيا وإنه ~~مشقة بلا حظ أو في الآخرة ولا استقلال للعقل بها، قيل: يدفع ظن الضرر الآجل ~~قلنا: قد يتضمنه؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وكالاستهزاء لحقارة ~~الدنيا بالقياس إلى كبريائه, ولأنه ربما لا يقع لائقا قيل: ينتقض بالوجوب ~~الشرعي قلنا: إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة" أقول: لما أبطل الأصحاب قاعدة ~~التحسين والتقبيح العقليين لزم من إبطالها إبطال وجوب شكر المنعم عقلا, ~~وإبطال حكم الأفعال الاختيارية قبل البعثة. قال في المحصول: لكن جرت عادة ~~الأصحاب بعد ذلك أن يتنزلوا ويسلموا لهم صحة القاعدة ويبطلوا مع ذلك كلامهم ~~في هذين الفرعين بخصوصهما لقيام الدليل على إبطال حكم العقل فيهما، وحاصله ~~يرجع إلى تخصيص قاعدة الحسن والقبح العقليين بإخراج بعض أفرادها لمانع، كما ~~وقع ذلك في القواعد السمعية، وقوله: على التنزيل أي: على الافتراض, وسمي ~~بذلك لأن فيه تكلف الانتقال من مذهبنا الحق الذي هو المرتبة العليا إلى ~~مذهبهم الباطل الذي هو في غاية الانخفاض. # "واعلم" أن المصنف قد أقام الدليل على إبطال حكم العقل في الفرع الأول، ~~وأما ### | الفرع الثاني # فإنه أبطل أدلته فقط كما ستراه، ولا يلزم من إبطال الدليل المعين إبطال ~~المدلول. "الفرع الأول": أن شكر ms071 المنعم لا يجب عقلا خلافا للمعتزلة والإمام ~~فخر الدين في بعض كتبه الكلامية، وليس المراد بالشكر هو قول القائل: الحمد ~~لله والشكر لله ونحوه, بل المراد به اجتناب المستخبثات العقلية، والإتيان ~~بالمستحسنات # PageV01P055 # العقلية، والمنعم هو البارئ سبحانه وتعالى، والدليل على عدم الوجوب النقل ~~والعقل، أما النقل فقوله سبحانه وتعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15] فانتفاء التعذيب قبل البعثة دليل على أنه لا وجوب قبلها؛ لأن ~~الواجب هو الذي يصح أن يعاقب تاركه، وإذا لم يكن الوجوب ثابتا قبلها لم يكن ~~الوجوب عقليا، فإن قيل: عدم العقاب لا يدل على عدم الوجوب لجواز العفو، ~~قلنا: المنفي هو صحة التعذيب؛ لأن قولنا: ما كان لزيد أن يفعل كذا فيه ~~إشعار بذلك، وأيضا فإن الخصم يقول بأنه يجب التعذيب قبل التوبة فألزمناه ~~به, وعلى هذا فالملازمة بين نفي التعذيب وعدم الوجوب إلزامية، وعلى الأول ~~حقيقة وبرهانية، ولك أن تقول: هذه الآية تدل على إبطال حكم العقل مطلقا؛ ~~لأنها نفت التعذيب قبل التوبة لا في شكر المنعم فقط، وهو خلاف المقصود؛ لأن ~~البحث على تقدير تسليم حكم العقل، وللمعتزلة أيضا هنا اعتراضات ضعيفة، ~~كقولهم: يحتمل أن يكون المنفي هو مباشرة التعذيب فإنه مدلول، وما كنا أو ~~المنفي وقوعه قبل البعثة لا وقوعه مطلقا، فقد يتأخر للقيامة، أو الرسول هو ~~العقل، وأما الدليل الثاني وهو الدليل العقلي فلأنه لو وجب لامتنع أن يجب ~~لا لفائدة لأنه عبث، والعقل لا يوجب العبث، ولأن المعقول من الوجوب ترتب ~~الثواب على الفعل والعقاب على الترك، فإذا لم يتحقق ذلك لم يتحقق الوجوب، ~~ويمتنع أيضا أن يجب لفائدة؛ لأن تلك الفائدة لا جائز أن تكون راجعة إلى ~~المشكور وهو البارئ سبحانه وتعالى؛ لأن الفائدة إما جلب منفعة أو دفع مضرة ~~والبارئ تعالى منزه عن ذلك، ولا إلى الشاكر في الدنيا؛ لأن الاشتغال بالشكر ~~كلفة عاجلة ومشقة على النفس لا حظ لها فيه، ولا في الآخرة أيضا؛ لأن العقل ~~لا يستقل بمعرفة الفائدة في الآخرة أو معرفة الآخرة ms072 نفسها دون إخبار الشارع ~~ولا ذكر لهذا التعليل المذكور في القسم الأخير في كلام الإمام ولا أتباعه, ~~ولقائل أن يقول: لا نسلم انحصار القسمة في عود الفائدة إلى الشاكر والمشكور ~~بل لا بد من إبطال عودها إلى غيرهما أيضا سلمنا, قال الآمدي في الأحكام: ~~فقد تكون الفائدة راجعة إلى الشاكر في الدنيا، وكون الشكر مشقة لا ينفي ~~حصول فائدة مترتبة عليه كاستمرار الصحة وسلامة الأعضاء الباطنة والظاهرة ~~وزيادة الرزق ودفع القحط, إلى غير ذلك مما لا ينحصر، بل الغالب أن الفوائد ~~لا تحصل إلا بالمشاق فقد يكون الشكر سببا لشيء من هذه الفوائد على معنى أن ~~يكون شرطا في حصوله، وأيضا فقد يكون الشيء ضررا، ويكون دفعا لضرر أزيد منه ~~كقطع اليد المتألمة. قوله: "قيل: يدفع ظن ضرر الأجل" هذا اعتراض للمعتزلة ~~على قولنا: لا فائدة فيه. قالوا: بل له فائدة وهو الخروج عن العهدة بيقين، ~~فإنه يجوز أن يكون خالقه طلب منه الشكر فيقول: إن أتيت به سلمت من العقوبة, ~~وإن تركته فقد يكون أوجبه علي فيعاقبني عليه فيكون الإتيان به يدفع احتمال ~~العقوبة، وتعبير المصنف بالظن فيه نظر؛ لأن الظن هو الغالب ولا غالب إنما ~~الحاصل هو العقوبة، # PageV01P056 # وتعبير المصنف بالظن فيه نظر؛ لأن الظن هو الغالب ولا غالب, إنما الحاصل ~~هو الاحتمال فقط، ويمكن جعل هذا الاعتراض دليلا للمعتزلة، فيقال: الإتيان ~~بالشكر يدفع ظن الضرر, ودفع الضرر والمظنون واجب، فالإتيان بالشكر واجب ~~والواجب أن الشكر قد يتضمن الضرر أيضا، فيكون الخوف حاصلا على فعله كما أنه ~~حاصل على تركه، وإذا حصل الخوف على الأمرين كان البقاء على الترك بحكم ~~الاستصحاب أولى، فإن لم يثبت أولوية الترك فلا أقل من أن لا يثبت القطع ~~بوجوب الفعل، وإنما قلنا: إنه قد يخاف منه الضرر لثلاثة أوجه, أحدها: أن ~~الشاكر ملك المشكور, فإقدامه على الشكر بغير إذنه تصرف في ملك الغير بغير ~~إذنه من غير ضرورة, والثاني: أن شكر الله تعالى على نعمه كأنه استهزاء ~~بالله تعالى؛ لأن من أعطاه ms073 الملك العظيم كسرة من الخبز أو قطرة من الماء ~~فاشتغل المنعم عليه في المحافل العظيمة بذكر تلك النعمة وشكرها كان ~~مستهزئا، ولا شك أن ما أنعم الله تعالى به على عباده بالنسبة إلى كبريائه ~~وخزائن ملكه أقل من نسبة اللقمة إلى خزائن الملك؛ لأن نسبة المتناهي إلى ~~المتناهي أكثر من المتناهي إلى غير المتناهي، والثالث: أنه ربما لا يهتدي ~~إلى الشكر اللائق بالله تعالى فيأتي به على وجه غير لائق, ونسق غير موافق. ~~قوله: "قيل: ينتقض بالوجوب الشرعي" يعني: أن المعتزلة قالوا: ما ذكرتموه من ~~الدليل يقتضي أن الشكر يستحيل إيجابه شرعا، فإنه يقال: إن الله تعالى لو ~~أوجبه إما لفائدة, أو لا لفائدة إلى آخر التقسيم، لكنه يجب إجماعا فما كان ~~جوابا لكم كان جوابا لنا، والجواب: أن مذهبنا أنه لا يجب تعليل أحكام الله ~~تعالى وأفعاله بالأغراض، فله بحكم المالكية أن يوجب ما شاء على من شاء, من ~~غير فائدة ومنفعة أصلا، وهذا مما لا يمكن الخصم دعواه في العقل. هكذا قال ~~في المحصول, فتبعه المصنف هنا وفي مواضع أخرى, لكنه نص في القياس على أن ~~الاستقراء دال على أن الله سبحانه وتعالى شرح أحكامه لمصالح العباد تفضلا ~~وإحسانا، وهذا يقتضي أن الله تعالى لا يفعل إلا الحكمة، وإن كان على سبيل ~~التفضل، وهو ينافي المذكور هنا، والجواب الصحيح: التزام كون الوجوب الشرعي ~~لفائدة في الآخرة؛ لأنا علمناها بأخبار الشارع، وهذا لا يأتي في الوجوب ~~العقلي كما تقدم. "فائدة": قال الآمدي: هذه المسألة ظنية؛ لأن المعقول فيها ~~ضعيف كما تقدم. # PageV01P057 ### | الفرع الثاني # قال: "الفرع الثاني: الأفعال الاختيارية قبل البعثة مباحة عند البصرية ~~وبعض الفقهاء، محرمة عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة، وتوقف ~~الشيخ والصيرفي، وفسره الإمام بعدم الحكم، والأولى أن يفسر بعدم العلم؛ لأن ~~الحكم قديم عنده، ولا يتوقف تعلقه على البعثة لتجويزه التكليف بالمحال" ~~أقول: هذا هو الفرع الثاني من الفرعين اللذين أشار إليهما بقوله: فرعان من ~~التنزل، وحاصله أن الأفعال الصادرة من الشخص قبل بعثة ms074 الرسول إن كانت ~~اضطرارية كالتنفس في الهواء وغيره, ففي المحصول والمنتخب أنها غير ممنوع ~~منها قطعا، قال في المحصول: إلا إذا جوزنا # PageV01P057 # التكليف مما لا يطاق, وعبر بعض الشارحين وصاحب التحصيل عن هذا بأنه مأذون ~~فيه وفيه نظر، فسيأتي في آخر هذه المسألة أن عدم المنع لا يستلزم الإذن ~~فيه؛ لأن الإذن هو الإباحة والإباحة حكم شرعي لا يثبت إلا بالشرع والفرض ~~عدم وروده، وأما الأفعال الاختيارية كأكل الفاكهة وغيرها فهي مباحة عند ~~المعتزلة البصرية وبعض الفقهاء أي: من الشافعية والحنفية كما قال في ~~المحصول والمنتخب، ومحرمة عند المعتزلة البغدادية وطائفة من الإمامية وأبي ~~علي بن أبي هريرة1 من الشافعية، وذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري2 وأبو بكر ~~الصيرفي من الشافعية إلى أنها على الوقف، واختاره الإمام فخر الدين ~~وأتباعه، فإن قيل: سيأتي في آخر الكتاب أن الأصل في المنافع الإباحة على ~~الصحيح، قلنا: الخلاف هناك فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، ولم يحرر المصنف ~~مذهب المعتزلة، وقد حرره الآمدي في الأحكام وتبعه عليه ابن الحاجب فقال: ~~محل هذا الخلاف عندهم في الأفعال التي لا دلالة للعقل فيها على حسن ولا ~~قبح، فإن اقتضى ذلك انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ لأن ما يقضي العقل بحسنه إن ~~لم يترجح فعله على تركه فهو المباح، وإن ترجح نظر, إن لحق تاركه الذم فهو ~~الواجب، وإلا فهو المندوب، وما يقضي العقل بقبحه إن لحق فاعله الذم فهو ~~الحرام، وإلا فهو المكروه. قوله: "وفسره الإمام" أي: فسر الإمام فخر الدين ~~هذا التوقف الذي ذهب إليه الشيخ بعدم الحكم أي: لا حكم في الأفعال ~~الاختيارية قبل الشرع، فبحث المصنف معه في هذا، فقال: الأولى أن يفسر بعد ~~العلم بالحكم أي: لها، ولكن لا تعلمه بعينه ولا يفسر بعدم الحكم؛ لأن الحكم ~~قديم عند الأشعري, ثابت قبل وجود الخلق، فكيف يستقيم نفيه بعد وجودهم وقبل ~~البعثة، والضمير في قوله: عنده يعود إلى الأشعري، وفي بعض الشروح أنه عائد ~~إلى الإمام وهو مردود؛ لأن تفسير القول راجع إلى مقتضى قاعدة ms075 قائلة لا ~~قاعدة مفسرة، ثم إن المصنف استشعر سؤالا على هذا البحث فأجاب عنه، وتقرير ~~السؤال يقال: تعلق الحكم بالأفعال الاختيارية حادث، فيجوز أن يكون مراد ~~الإمام بعد الحكم قبل البعثة عدم التعلق كما تقدم مثله في أول الكتاب في ~~قولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن, أن معناه: حدث تعلق الحل لا الحل نفسه، ~~والجواب: أن التعلق لا يتوقف على البعثة أيضا عند الأشعري؛ لجواز التعلق ~~قبل الشرع، وإن لم يعلم المكلف إذ غاية ما يلزم منه أنه تكليف بالمحال، وهو ~~جائز على PageV01P058 # رأيه كما سيأتي. هذا حاصل كلام المصنف, فأما قوله: وفسره الإمام بعد ~~الحكم فممنوع، فإن عبارته في أول هذه المسألة ثم هذا الوقف تارة يفسر بأنه ~~لا حكم، وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم، وتارة بأنا لا ندري هل هناك ~~حكم أم لا؟ وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر، هذه عبارته وليس ~~فيها ههنا اختيار شيء من هذه الاحتمالات التي نقلها، ثم إنه في آخر المسألة ~~اختار تفسيره بعد العلم, فقال: وعن الأخير, أن مرادنا بالوقف أنا لا نعلم ~~أن الحكم هو الحظر أو الإباحة، هذا لفظ الإمام في المحصول بحروفه، وذكر ~~مثله أيضا في المنتخب ولعل الذي أوقع المصنف في هذا اللغط، هو صاحب الحاصل ~~فإنه قال في اختصاره للمحصول: ثم التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم ومرة ~~بعدم الحكم وهو الحق، هذه عبارته، وأما قوله: والأولى أن يفسر بعدم العلم ~~فعبارة غير مفهمة للمراد؛ لأنها تحتمل ثلاثة أمور؛ أحدها: أنا لا نعلم هل ~~فيها حكم أم لا؟ الثاني: أنا نعلم أن هناك حكما ولكن لا نعلمه بعينه, ~~الثالث: أنا نعلم أيضا أن هناك حكما ولكن نعلم تعلقه بفعل المكلف، فاحتملت ~~العبارة أن يكون المراد إما عدم العلم به، أو بتعينه، أو بتعلقه فأما الأول ~~فلا يصح إرادته, وأما الثالث فكذلك أيضا؛ لأنه لو احتمل توقف التعلق على ~~البعثة لصح الاعتراض المتقدم الذي استشعره، فأجاب عنه وهو عنده ms076 باطل وحاصله ~~أن الذي حاول إرشاد الإمام إليه قد ذكره الإمام بعينه بعبارة هي أحسن من ~~عبارته، وأما قوله: ولا يتوقف تعلقه ... إلخ فضعيف؛ لأنه لا يلزم من تجويزه ~~التكليف بالمحال أن يكون التعلق سابقا على البعثة؛ لأنه لو لزم من ذلك لكان ~~يلزم أن يكون التكليف بالمحال واجبا عنده وهو باطل، بل قام الدليل على أن ~~هذه الصورة من المحال لم تقع وهو قوله تعالى: {وما كنا معذبين} [الإسراء: ~~15] الآية, ثم إن هذا من باب تكليف المحال لا من التكليف بالمحال, وستعرف ~~الفرق بينهما في تكليف الغافل. # قال: "احتج الأولون بأنها انتفاع خال عن أمارة المفسدة ومضرة المالك ~~فتباح كالاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره، وأيضا المآكل اللذيذة ~~خلقت لغرضنا لامتناع العبث واستغنائه وليس للإضرار اتفاقا, فهو للنفع وهو ~~إما التلذذ، أو الاغتذاء، أو الاجتناب مع الميل أو الاستدلال، ولا يحصل إلا ~~بالتفاؤل وأجيب عن الأول بمنع الأصل، وعليه الأوصاف والدوران ضعيف، وعن ~~الثاني أن أفعاله لا تعلل بالغرض, وإن سلم فالحصر ممنوع, وقال الآخرون: ~~تصرف بغير إذن المالك فيحرم كما في الشاهد، ورد بأن الشاهد يتضرر به دون ~~الغائب". قوله: احتجت المعتزلة البصرية على إباحة الأشياء قبل ورود الشرع ~~بوجهين، أحدهما: أن تناول الفاكهة مثلا انتفاع خال عن أمارات المفسدة؛ لأن ~~الفرض أنه كذلك، وخال عن مضرة المالك لأن مالكه هو الله تعالى، وهو لا ~~يتضرر بشيء فيكون مباحا قياسا على الاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره ~~بغير إذنه، فإنه أبيح لكونه انتفاعا خاليا عن أمارة المفسدة ومضرة المالك، ~~فلما وجدنا الإباحة # PageV01P059 # دائرة مع هذه الأوصاف وجودا وعندما دل على أنها علة لها؛ لأن الدوران يدل ~~على العلية، ثم إن هذه الأوصاف التي حكمنا بأنها علة للإباحة وجدناها في ~~مسألتنا فحكمنا بإباحتها، وإنما قال عن أمارة المفسدة ولم يقل عن المفسدة؛ ~~لأن العبرة في القبح إنما هو بالمفسدة المستندة إلى الأمارة، فأما المفسدة ~~الخالية من الأمارة فلا اعتبار بها، ألا ترى أنهم يلومون من جلس تحت حائط ~~مائل ms077 وإن سلم، دون الحائط المستقيم، وإن وقعت عليه والتمثيل باقتباس فاسد؛ ~~لأن الاقتباس هو أخذ جزء من النار وهو لا يجوز بغير الإذن قطعا، قال ~~الجوهري: القبس: شعلة من نار وكذلك المقباس يقال: قبست منه نارا أقبس قبسا ~~فأقبسني أي: أعطاني منه قبسا وكذلك اقتبست منه نارا، هذا لفظه بحروفه، فكان ~~الصواب أن يقول: والاستضاءة بناره وشبهه، ولذلك لم يذكر الإمام هذا المثال، ~~وإنما ذكره صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وأما التمثيل بالاستظلال فليس ~~مجمعا عليه بل فيه خلاف في مذهبنا حكاه الإمام في النهاية في كتاب الصلح في ~~الجدار لمالكين يقع فينفرد أحدهما ببنائه. الدليل الثاني: أن الله تعالى ~~خلق المآكل اللذيذة لغرضنا إذ لو كان لا لغرض البتة لكان عبثا وهو على الله ~~تعالى محال، ولو كان لغرض راجع إليه لكان مفتقرا إليه، والبارئ سبحانه ~~وتعالى مستغن عن كل شيء، فتعين أن يكون لغرضنا, وذلك الغرض ليس هو الإضرار ~~بالاتفاق من العقلاء، فتعين أن يكون خلقها للنفع، وذلك النفع إما أن يكون ~~دنيويا كالتلذذ والاغتذاء، أو دينيا عمليا، كالاجتناب مع الميل لكون ~~تناولها مفسدة, فيستحق الثواب باجتنابها كالخمر، أو دينيا عمليا كالاستدلال ~~بها، أي يشتهي طعومها على كمال قدرة الله تعالى، كما قال في الحاصل وذلك ~~كله لا يحصل إلا بالتناول، أما الأول والثاني والرابع فواضح، وأما الثالث؛ ~~فلأن ميل النفس إلى الشيء إنما يكون بعد تقدم إدراكه, فلزم من ذلك كله أن ~~يكون الغرض في خلقها هو التناول؛ لأنا قررنا أن الخلق لغرض، وأن الغرض هو ~~نفع، وأن النفع محصور في الأربعة، وأن الأربعة لا تحصل إلا بالتناول فينتج ~~أن الخلق لأجل التناول، وإذا كان كذلك كان التناول مباحا. "واعلم" أن ذكر ~~الاغتذاء في هذا التقسيم مفسد؛ لأن الاغتذاء لا يحرم قطعه لكونه مضطرا إلى ~~تناول ما يغذيه كما قدمناه في أول المسألة، فالصلح للاغتذاء ليس مما نحن ~~فيه، فلم يبق إلا الثلاثة الأخيرة. لا جرم أن الإمام لم يذكر هذا القسم في ~~المحصول ولا في المنتخب, ms078 نعم ذكره صاحب الحاصل فتابعه المصنف عليه. قوله: ~~"وأجيب عن الأول" أي: الجواب عن الدليل الأول، وهو القياس على الاستظلال ~~والاقتباس بجامع الانتفاع المذكور من وجهين, أحدهما: لا نسلم أن الأصل ~~المقيس عليه وهو الاستظلال والاقتباس مباح قبل الشرع؛ لأنه فرد من أفراد ~~المسألة, وإباحته الآن إنما ثبتت بالشرع, والكلام فيما قبل الشرع لا فيما ~~بعده. الثاني: سلمنا إباحة الأصل المقيس عليه، لكن لا نسلم أن العلة في ~~إباحته وهذه الأوصاف، وهو الانتفاع # PageV01P060 # الخالي عن أمارة المفسدة ومضرة المالك, والقياس إنما يصح عند اشتراكهما ~~في العلة, فإن قيل: وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودا أو عدما، أي: ~~متى وجدت هذه الأوصاف وجدت الإباحة, ومتى عدمت عدمت، فدل ذلك على أنها هي ~~العلة, فالجواب: أن دلالة الدوران على كون الوصف علة للشيء الذي دار معه ~~دلالة ضعيفة على ما سيأتي في القياس؛ لأن الراجح أنها لا تفيد القطع بل ~~الظن، وفي هذا نظر لأن الدوران يفيد القطع بالعلية عند المعتزلة كما نقله ~~صاحب الحاصل وغيره، فقوله: بمنع الأصل أي: المقيس عليه وقوله: وعليه ~~الأوصاف أي: وبمنع علية الأوصاف، وهي كونها علة، وقوله: والدوران ضعيف جواب ~~عن سؤال مقدر. قال التبريزي في مختصر المحصول المسمى بالتنقيح: القياس على ~~الاستظلال وشبهه فاسد، إذ لا تصرف فيه البتة، ولذلك يصح من المالك المنع ~~منها بخلاف ما نحن فيه، قال: ثم إنه معارض بأنه تصرف في ملك الغير بغير ~~إذنه، ولا ضرر فيه على الملك فكان حراما كنقل الحديد من موضع إلى موضع، ~~وشبهه مما لا ضرر فيه البته. قوله: "وعن الثاني" أي: الجواب عن الدليل ~~الثاني وهو قولهم: إن الله تعالى خلق المآكل اللذيذة لغرضنا من وجهين, ~~أحدهما: أن أفعال الله تعالى لا تعلل بالأغراض، وهذا الكلام من المصنف ~~يحتمل نفي التعليل مطلقا، ونفي التعليل بالغرض، أي: لا نسلم أن الله تعالى ~~يجب تعليل أحكامه بل له أن يفعل ما شاء من غير فائدة ومنفعة أصلا، كما ~~نقلناه عن المحصول في الفرع قبله ms079 أو معناه: لا نسلم صحة إطلاق الغرض في حق ~~الله تعالى، وإن كان فعله لا بد من مصلحة لنا. الثاني: سلمنا صحة تعليله ~~بالغرض لكن لا نسلم أن الغرض محصور في الأربعة التي ذكروها, فإنهم لم ~~يقيموا حجة على الحصر، ونحن ننازع فنقول: يجوز أن يكون الغرض في خلقها هو ~~التنزه بمشاهدتها، أو الاستنشاق بروائحها، أو الاستدلال على معرفة الصانع ~~باختلاف ألوانها، وأشكالها الغريبة، والجواب الأول فيه نظر؛ لأن الكلام في ~~هذين الشرعين إنما هو بعد تسليم أن العقل يحسن ويقبح، ومع تسليمه تجب ~~مراعاة المصالح والمفاسد ويمتنع الخلق لا المعنى، وهذان الجوابان ذكرهما ~~صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليهما، ولم يجب الإمام بشيء منهما, وإنما أجاب ~~بالنقض بخلق الطعوم المهلكة، وذلك يدل على أن الغرض ليس محصورا في النفع بل ~~قد يكون خلقها للإضرار، ولم يرتض صاحب التحصيل هذا الجواب الذي ذكره الإمام ~~قال: لأنه يمكن الانتفاع بالمؤذي بالتركيب مع ما يصحله, ثم أجاب بجوابين, ~~أحدهما: منع الحصر كما تقدم، والثاني: أنه يمكن معرفته بتناول واقع في غير ~~حال التكليف كالواقع في حال الصغر أو السهو، ونحن لا نسمي فعل غير المكلف ~~مباحا, فتخلص من هذه الأجوبة كلها، أن نقول: لا نسلم أنه خلقها لغرض سلمنا ~~ذلك لكن لا نسلم أنه خلقها للنفع, فقد يكون الغرض هو الإضرار كالسموم، ~~سلمنا أنه نفع فلا نسلم الحصر في الأربعة، سلمنا انحصاره لكن لا يدل # PageV01P061 # على الإباحة لجواز معرفته بفعل الصغير وشبهه. وقوله: "وقال الآخرون" يجوز ~~فيه خانه وهو ظاهر، وكسرها لأنه قسيم قوله: احتج الأولون وحاصله أن ~~القائلين بالتحريم احتجوا بأنه تصرف في ملك الله تعالى بغير إذنه, فيحرم ~~قياسا على الشاهد وهم المخلوقات, ورد هذا القياس بالفرق, وهو أن الشاهد ~~يتضرر بذلك دون الغائب سبحانه وتعالى، وهذا الجواب أخذه المصنف من الحاصل ~~وأجاب الإمام بمعارضة هذا الدليل بالدليل الدال على الإباحة, وهو القياس ~~على الاستظلال, والأول أحسن. # قال: "تنبيه: عدم الحرمة لا يوجب الإباحة؛ لأن عدم المنع أهم من الإذن" ~~أقول: ms080 هذا جواب عن سؤال مقدر أورده الفريقان على القائلين بالتوقف بمعنى ~~أنه لا حكم، فقالوا: هذه الأفعال إن كانت ممنوعا منها فتكون محرمة، وإلا ~~فتكون مباحة، ولا واسطة بين النفي والإثبات، وأجاب عنه في المحصول بوحهين, ~~الأول: وهو على تقدير أن يفسر الوقف بعد الحكم هو الحظر أو الإباحة, فسقط ~~السؤال والجواب. الثاني: وهو على تقدير أن يفسر الوقف بعد الحكم فنقول: أما ~~قولكم: إن كانت هذه التصرفات ممنوعا منها, فتكون محرمة فإنه مسلم، وأما ~~قولكم: إذا لم تكن ممنوعا منها فتكون مباحة فغير مسلم؛ لأنه قد يوجد عدم ~~المنع من الفعل، ولا توجد الإباحة بدليل فعل غير مكلف كالنائم فإنه ليس ~~ممنوعا منه، ومع ذلك لا يسمى مباحا؛ لأن المباح هو الذي أعلم فاعله، أو دل ~~بأنه لا حرج في فعله ولا في تركه. فإذا لم يوجد هذا الإذن لا توجد الإباحة ~~فتلخص أن عدم المنع من الفعل أعم من الإذن فيه؛ لأنه قد يوجد معه وقد لا ~~يوجد، والأعم لا يستلزم الأخص فيكون عدم الحرمة لا يستلزم الإباحة، فيصبح ~~تفسير الوقف بعدم الحكم, وفيما قاله نظر؛ لأن المراد من الإباحة في هذه ~~الصورة هي الإباحة العقلية، وهي عدم المنع لا الإباحة الشرعية حتى يقال: لا ~~بد فيها من الإذن. # "واعلم" أن المصنف لم يتعرض لمن يورد عليه السؤال ولا لكيفية إيراده، وقد ~~ظهر أنه لا يرد من أصله على المصنف لأمرين أحدهما: أنه لم يصرح باختيار ~~الوقف, الثاني: أنه فسر الوقف بعدم العلم, ولا يرد أيضا على الإمام في ~~الحقيقة لما تقدم لك من كونه يختار التفسير بعدم العلم أيضا، وحاصله: أنه ~~إيراد على تفسير لم يرتضه عن قائل غلط في نسبته إليه كما تقدم لمذهب لم ~~يختره، وقد التبس المقصود على كثير من شراح هذا الكتاب, فاجتنب ما وقعوا ~~فيه من الوهم. # PageV01P062 ### | الفصل الثاني: في المحكوم عليه ### | المسألة الأولى # قال: "الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل: الأولى: أن المعدوم يجوز ~~الحكم عليه, كما أنا مأمورون بحكم ms081 الرسول -عليه الصلاة والسلام- قيل: ~~الرسول قد أخبر أن من سيولد فإن الله تعالى سيأمره، قلنا: أمر الله تعالى ~~في الأول معناه أن فلانا إذا وجد فهو مأمور بكذا قيل: الأمر في الأزل ولا ~~سامع ولا مأمور عبث بخلاف أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- قلنا: مبني على ~~القبح العقلي، ومع هذا فلا سفه في أن يكون في النفس # PageV01P062 # طلب التعلم من ابن سيولد". أقول: لما فرغ من الكلام في الحاكم انتقل إلى ~~المحكوم عليه وذكر فيه أربع مسائل, الأولى: في جواز الحكم على المعدوم ~~ولنقدم عليه مقدمة فنقول: اختلفوا في معنى كونه تعالى متكلما فقالت ~~المعتزلة: معناه أنه خالق الكلام, فعلى هذا يكون الكلام عندهم من صفات ~~الأفعال يوجد فيما لا يزال، وقالت الحنابلة: كلامه تعالى عبارة عن الحروف ~~والأصوات وهي قديمة، وأنكروا كلام النفس، وقال الأشعري وأتباعه: إنه صفة ~~قديمة قائمة بذاته, لا أول لوجودها وهو صفة واحدة في نفسه لا تعدد فيه بحسب ~~ذاته، بل بحسب الإضافات وهو مع وحدته أمر ونهي وخبر ونداء, وانقسامه إلى ~~هذه الأشياء بحسب متعلقاته, فإنه إن تعلق بطلب الفعل كان أمرا، أو بطلب ~~الترك كان نهيا، فكونه أمرا أو نهيا أوصاف لا أنواع، كما أن الجوهر في نفسه ~~واحد وإن كان مشتملا على أوصاف كالتحيز والقيام بنفسه, والقبول للأعراض، ~~إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عند الأشاعرة هو خطاب الله بنفسه, ~~والقبول للأعراض، إذا عرف هذا فنقول: لما كان الحكم عن الأشاعرة هو خطاب ~~الله تعالى، كما تقدم، وخطاب الله تعالى هو كلامه الأزلي كما بيناه لزمهم ~~أن يقولوا: إن الأمر والنهي ثابتان في الأزل، وليس ثم مأمور ولا منهي فلذلك ~~قالوا: المعدوم يجوز الحكم عليه وهذه هي عبارة المصنف، وهي أحسن من قول ~~الإمام: المعدوم يجوز أن يكون مأمورا؛ لأن الحكم أعم, قال في المحصول: وليس ~~معنى كون المعدوم مأمورا أنه يكون مأمورا حال عدمه؛ لأنه معلوم البطلان بل ~~على معنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال، ثم إن الشخص ms082 الذي سيوجد ~~بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر هذا لفظه، وذكر الآمدي نحوه فقال: معناه ~~قيام الطلب القديم بذات الرب سبحانه وتعالى للفعل من المعدوم بتقديم وجوده, ~~وتهيئه لفهم الخطاب، فإذا وجدوا تهيؤا للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب، قال: ~~وأنكره سائر الفرق، لنا أن الواحد منا حال وجوده يصير مأمورا بأمر الرسول ~~-عليه الصلاة والسلام- مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حالة عدمنا فكذلك ~~في حق الله تعالى، اعترض الخصم على هذا الدليل فقال: إن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام مخبر ومبلغ عن الله تعالى أوامره, إما بالوحي، أو بالاجتهاد، وليس ~~هو بمنشئ الأوامر من عنده, فالأمر الوارد منه إخبار عن الله تعالى بأنه ~~سيأمرهم عند وجودهم, فلم يحصل الأمر عند عدم المأمور، بخلاف دعواكم في أمر ~~الله تعالى, والجواب: أن أمر الله تعالى في الأزل عبارة عن الإخبار أيضا؛ ~~لأن معناه أن فلانا إذا وجد بشروط التكليف, صار مكلفا بكذا. # واعلم أن كون الأمر معناه الإخبار, نقله في المحصول والمنتخب هنا عن بعض ~~الأصحاب, فجزم به صاحب الحاصل فتبعه المصنف عليه، وقد صرح بإبطاله الكتابين ~~المذكورين في أوائل الأوامر والنواهي في الكلام على أن الطلب غير الإرادة, ~~نعم جزم بعكس ذلك وموافقة كلام المصنف في المحصول في الكلام عن تكليف ما لا ~~يطاق, وفي الأربعين في المسألة السابعة عشرة, وفي معالم أصول الدين في ~~المسألة الثامنة # PageV01P063 # عشرة, قال في المحصول هنا: وهو مشكل من وجهين أحدهما: أنه لو كان خبرا ~~لتطرق إليه التصديق والتكذيب والأمر لا يتطرق إليه ذلك، الثاني: أنه لو ~~أخبر في الأزل لكان إما أن يخبر نفسه وهو سفه أو غيره, وهو محال لأنه ليس ~~هناك غيره، قال: ولصعوبة هذا المأخذ ذهب عبد الله بن سعيد1 من أصحابنا إلى ~~أن كلام الله تعالى في الأزل لم يكن أمرا ولا نهيا، ثم صار فيما لا يزال ~~كذلك, ولقائل أن يقول: إنا لا نعقل من الكلام إلا الأمر والنهي والخبر، ~~فإذا سلمت حدوثها فقد قلت بحدوث الكلام، فإن ms083 ادعيت قدم شيء آخر فعليك ~~بإفادة تصوره, ثم إقامة الدليل على أن الله تعالى موصوف به، ثم إقامة ~~الدليل على قدمه، ولابن سعيد أن يقول: أعني بالكلام القدر المشترك بين هذه ~~الأقسام كلام المحصول. # واعلم أن الإمام لما ذكرنا أن أمر الله تعالى معناه الإخبار, جعله عبارة ~~الإخبار بنزول العقاب على من يترك، ثم استشكله بالوجهين السابقين، وبأنه ~~يلزم أن لا يجوز العفو؛ لأن الخلف في خبر الله تعالى محال فعدل المصنف عن ~~كونه إخبارا بنزول العقاب إلى الإخبار بمصيره مأمورا تقليلا للإشكال؛ لأن ~~سؤال العفو لا يرد عليه، وإنما يرد عليه الأولان فقط، وهو من محاسن كلامه، ~~على أنا نجيب عن العفو بأن نقول: الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا ~~لم يحصل عفو. وقوله: "قيل: الأمر في الأزل ... إلخ" لما شبهنا أمر الله ~~تعالى في الأزل بأمر الرسل لنا قبل وجودنا، اعترضوا عليه بما سبق فأجبنا ~~عنه، فشرعوا في فرق آخر بينهما فقالوا: كيف يعقل الأمر في الأزل, سواء كان ~~بمعنى الإخبار أم بمعنى الإنشاء؛ لأن الأمر في الأزل مع أنه لا مأمور إذ ~~ذاك فيمتثل ولا سامع فينتقل, عبث وسفه كمن جلس في داره وأمر ونهى من غير ~~حضور مأمور ومنهي، بخلاف أمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- فإن هناك سامعا ~~مأمورا يعمل به وينقله إلى المأمورين المتأخرين، ويحتمل أن يريد بقوله: ولا ~~سامع أي: إن جعلناه خبرا، وبقوله: ولا مأمور أي: جعلناه أمرا حقيقة، ~~والجواب عنه: أن نقول: إن أردتم أنه قبيح شرعا فممنوع, وإن أردتم أنه قبيح ~~عقلا فمسلم، ولكنا قد بينا فساد الحسن والقبح العقليين, ومع هذا أي: ومع ~~تسليمنا القول بالتقبيح العقلي فلا سفه في مسألتنا، وذلك لأنه ليس المراد ~~بالأمر أن يكون في الأزل لفظ هو أمر أو نهي، بل المراد معنى قويم قائم بذات ~~الله تعالى وهو اقتضاء الطاعة من العباد وأن العباد إذا وجدوا يصيرون ~~مطالبين بذلك الطلب، وهذا لا سفه فيه كما لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلب ~~تعلم ms084 العلم من الولد الذي سيوجد، وما قاله المصنف ضعيف من وجهين: أما الأول ~~فلأن الحسن والقبح بمعنى الكمال، والنقص عقليان باتفاق، كما تقدم بسطه في ~~أول الفصل الذي قبل هذا, والقبح هنا بمعنى النقص لا بمعنى ترتب الثواب ~~والعقاب على الفعل، فإن وروده هنا مستحيل، وأما الثاني فلا نسلم أنه يقوم ~~بذات الأب حال عدم الولد أمر محقق بل مقدر، أي: لو كان لي ولد لكنت آمره. ~~PageV01P064 ### | المسألة الثانية # قال: "المسألة الثانية: لا يجوز تكليف الغافل من أحال تكليف المحال, فإن ~~الإتيان بالفعل امتثالا يعتمد الفعل ولا يكفي مجرد الفعل؛ لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات" 1 ونوقض بوجوب المعرفة، وأجيب بأنه ~~مستثنى" أقول: تكليف الغافل كالساهي والنائم والمجنون والسكران وغيرهم لا ~~يجوزه من منع التكليف بالمحال, هكذا قاله المصنف، وفيه نظر من وجهين, ~~أحدهما: أن مفهومه أن القائلين بجواز التكليف بالمحال جوزوا هذا، وهو أيضا ~~مفهوم كلام المحصول، وليس كذلك، بل إذا قلنا بجواز ذلك, فللأشعري هنا قولان ~~نقلهما ابن التلمساني2 وغيره, قال: والفرق أن هناك فائدة في التكليف، وهي ~~ابتلاء الشخص واختباره، والثاني: فرق ابن التلمساني وغيره بين التكليف ~~بالمحال وتكليف المحال فقالوا: الأول هو أن يكون المحال راجعا إلى المأمور ~~به, والثاني: أن يكون راجعا إلى المأمور، كتكليف الغافل, وعلى هذا فالصواب ~~أن يقول: من أحال التكليف بالمحال بزيادة الباء في المحال. واعلم أن ~~الشافعي -رحمه الله تعالى- قد نص في الأم على أن السكران مخاطب مكلف كذا ~~نقل عنه الروياني في البحر في كتاب الصلاة, وحينئذ فيكون تكليف الغافل عنه ~~جائزا؛ لأنه فرد من أفراد المسألة كما نص عليه الآمدي وابن الحاجب، ثم ~~استدل المصنف على امتناع تكليف الغافل بأن الإتيان بالفعل المعين لغرض ~~امتثال أمر الله سبحانه يعتمد العلم أي بالأمر, وكذا بالفعل المأتي به أيضا ~~وعليه اقتصر في المحال, وإنما قلنا: إنه يعتمد العلم أي: يتوقف عليه؛ لأن ~~الامتثال هو أن يقصد إيقاع الفعل المأمور به على سبيل الطاعة، ويلزم من ذلك ~~علمه بتوجه ms085 الأمر نحوه وبالفعل. قوله: "ولا يكفي مجرد الفعل" هو جواب عن ~~سؤال مقدر توجيهه أن الفعل المجرد عن قصد الامتثال والطاعة قد يقع من ~~الغافل على سبيل الاتفاق، وحينئذ فإذا علم الله تعالى وقوع الفعل من شخص ~~فلا استحالة في تكليفه به، فلم قلتم: إنه لا بد من قصد الامتثال حتى إنه ~~يلزم منه العلم بالفعل وبتوجه الطلب نحوه، وجوابه: أنا إنما قلنا بذلك ~~للحديث الصحيح المشهور وهو قوله -صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال ~~بالنيات". قوله: "ونوقض بوجوب المعرفة" أي: هذا الدليل ينتقض بوجوب معرفة ~~الله تعالى وتقريره من وجهين ذكرهما PageV01P065 # الإمام, أحدهما: أن التكليف بها حاصل بدون العلم بالأمر، وذلك بأن الأمر ~~بمعرفة الله تعالى وارد فلا جائز أن يكون واردا بعد حصولها لامتناع تحصيل ~~الحاصل, فيكون واردا قبله وحينئذ فيستحيل الاطلاع على هذا الأمر؛ لأن معرفة ~~أمر الله تعالى بدون معرفة الله تعالى مستحيل فقد كلف بشيء وهو غافل عنه. ~~التقرير الثاني: أنه يستحيل قصد الامتثال فيها؛ لأن المكلف لا يعرف وجوبها ~~عليه كما قررناه, فقد كانت بشيء لا يجب فيه قصد الامتثال، والجواب: أن هذا ~~مستثنى من القاعدة لقيام الدليل عليه، وعلى التقرير الثاني قال الإمام: ~~فيستثنى أيضا قصد الطاعة فإنه لو افتقر إلى قصد آخر للزم التسلسل. واعلم أن ~~الإمام لم يجب عن هذين الدليلين بل قال: إنهما يؤيدان القول بتكليف ما لا ~~يطاق، والذي أجاب به المصنف أخذه من الحاصل وفيه نظر، فإن النقض يحصل بصورة ~~واحدة، وأجاب ابن التلمساني ثم القرافي عن الأول بأن الأمر بالمعرفة ~~التفصيلية يرد بعد المعرفة الإجمالية، وحينئذ فلا يلزم شيء من المحذورين ~~المتقدمين. # PageV01P066 ### | المسألة الثالثة # قال: "المسألة الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف لزوال القدرة" أقول: ~~الإكراه قد ينتهي إلى حد الإلجاء وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا ~~اختيار كالإلقاء من شاهق، وقد لا ينتهي إليه كما لو قيل له: إن لم تقتل هذا ~~وإلا قتلتك، وعلم أنه إن لم يفعل وإلا قتله, فالأول يمنع التكليف أي: ms086 يفعل ~~المكروه عليه, وبنقيضه قال في المحصول: لأن المكره عليه واجب الوقوع وضده ~~ممتنع والتكليف بالواجب والممتنع محال, وهذا هو معنى قول المصنف: لزوال ~~القدرة؛ لأن القادر على الشيء هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا القسم ~~لا خلاف فيه كما قال ابن التلمساني، وأما الثاني وهو غير الملجئ فمفهوم ~~كلام المصنف أنه لا يمنع التكليف, قال ابن التلمساني: وهو مذهب أصحابنا لأن ~~الفعل ممكن والفاعل متمكن، قال: وذهبت المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف في ~~عين المكروه عليه دون نقيضه، فإنهم يشترطون في المأمور به أن يكون بحال ~~يثاب على فعله, وإذا أكره على عين المأمور به فالإتيان به لداعي الإكراه, ~~لا لداعي الشرع فلا يثاب عليه فلا يصح التكليف به بخلاف ما إذا أتى بنقيض ~~المكره عليه, فإنه أبلغ في إجابة داعي الشرع، وقال الغزالي: الآتي بالفعل ~~مع الإكراه كمن أكره على أداء الزكاة مثلا, إن أتى به لداعي الشرع فهو صحيح ~~أو لداعي الإكراه فلا, ورد القاضي على المعتزلة بالإجماع على تحريم القتل ~~عند الإكراه عليه. قال إمام الحرمين: وهذه هفوة من القاضي لما تقدم، وفيما ~~قال نظر؛ لأن القاضي إنما أورده عليهم من جهة أخرى وذلك أنهم منعوا أن ~~المكره قادر على عين الفعل والمكره عليه فبين القاضي أنه قادر؛ وذلك لأنهم ~~كلفوه بالضد. وعندهم أن الله تعالى لا يكلف العبد إلا بعد خلق القدرة له ~~والقدرة عندهم على الشيء له قدرة على ضده, فإن كان قادرا على ترك القتل كان ~~قادرا على القتل هذا كله كلام ابن التلمساني، وقد اختار الإمام الآمدي ~~وأتباعهما التفصيل بين الملجئ وغيره، كما اختاره المصنف لكنهما لم يبينا ~~محل الخلاف، وقد بينه ابن التلمساني كما تقدم. # PageV01P066 ### | المسألة الرابعة # قال: "المسألة الرابعة: التكليف يتوجه عند المباشرة وقالت المعتزلة: بل ~~قبلها. لنا أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال ~~قلنا: الإيقاع إن كان نفس الفعل فمحال في الحال، وإن كان غيره فيعود الكلام ~~إليه ويتسلسل, قالوا: عند ms087 المباشرة واجب الصدور قلنا: حال القدرة والداعية ~~كذلك" أقول: قال في المحصول: ذهب أصحابنا إلى الشخص إنما يصير مأمورا ~~بالفعل عند مباشرته له والموجود قبل ذلك ليس أمرا, بل هو إعلام له بأنه في ~~الزمان الثاني سيصير مأمورا، وقالت المعتزلة: إنه إنما يكون مأمورا قبل ~~وقوع الفعل، وهذا الذي قاله هو مراد المصنف وهو مشكل من وجوه: أنه يؤدي إلى ~~سلب التكليف، فإنه يقول: لا أفعل حتى أكلف، ولا أكلف حتى أفعل. الثاني: أن ~~جعلهم السابق إعلاما يلزم منه دخول الخلف في خبر الله تعالى على تقدير أن ~~الشخص لا يفعل؛ لأنه إذا لم يفعل يكون مأمورا لكونه يصير مأمورا عند مباشرة ~~الفعل, قد فرضنا أن لا فعل فلا أمر وحينئذ فيكون الإخبار بحصول الأمر غير ~~مطابق، الثالث: أن أصحابنا نصوا على أن المأمور يجب أن يعلم كونه مأمورا ~~قبل المباشرة، فهذا العلم إن كان مطابقا فهو مأمور قبلها، وإن لم يكن ~~مطابقا فيلزم أن يكون عالما بذلك, الرابع: أن إمام الحرمين وغيره صرحوا بأن ~~الأشعري لم ينص على جواز تكليف ما لا يطاق، وإنما أخذ من قاعدتين إحداهما: ~~أن القدرة مع الفعل كما سيأتي بيانه، والثانية: أن التكليف قبل الفعل، ~~فعلمنا أن المذكور هنا عكس مذهب الأشعري. الخامس: أن الإمام في المحصول لما ~~قرر جواز التكليف بما لا يطاق استدل عليه بوجوه منها: أن التكليف قبل الفعل ~~بدليل تكليف الكافر بالإيمان والقدرة غير موجودة قبل الفعل وذلك تكليف بما ~~لا يطاق، وذكر نحوه في المنتخب وهو مناقض لما ذكره هنا. قال القرافي: وهذه ~~المسألة أغمض مسألة في أصول الفقه, قال إمام الحرمين في البرهان: والذهاب ~~إلى أن التكليف عند الفعل مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل وقد سلك الآمدي ومن ~~تبعه طريقا آخر فقال: اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى ~~شذوذ من أصحابنا, وعلى امتناعه بعد صدور الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به ~~في أول زمان حدوثه فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة. قوله: "لنا أن القدرة ~~حينئذ" أي: ms088 حين الفعل ولا توجد قبله, فلو كان مكلفا قبل الفعل لكان مكلفا ~~بما لا قدرة له عليه وهو محال، والدليل على أن القدرة لا تكون إلا مع الفعل ~~من وجهين أحدهما: أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور كالضرب المتعلق بالمضروب، ~~ووجود المتعلق بدون المتعلق محال, هكذا قرره الإمام في المحصول والمنتخب في ~~أثناء الاستدلال على التكليف بما لا يطاق. الثاني, ما قاله إمام الحرمين في ~~البرهان والشامل: أن قدرة العبد عرض، والعرض لا يبقى زمنين، فلو تقدمت ~~القدرة لعدمت عند # PageV01P067 # حدوث المقدور, فلا يكون المقدور متعلقا بالقدرة, وذلك مستحيل. # "واعلم" أن الاحتجاج على المعتزلة بأن القدرة مع الفعل غير مستقيم, فإنهم ~~يقولون بأنها قبله كما نقله عنهم إمام الحرمين في الشامل والإمام فخر الدين ~~في معالم الأصول؛ ولهذا لم يستدل به الإمام ولا أتباعه، وأما الدليلان ~~المذكوران على ذلك فإن الأول منهما ينتقض بقدرة الله تعالى, فإنها ثابتة في ~~الأزل بدون المقدور، وإلا لزم قدم العالم، فالصواب أن يقال: القدرة صفة لها ~~صلاحية الإيجاد. قال إمام الحرمين: ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة هو ~~التمكن من الفعل, وهذا إنما يعقل قبل الفعل، وأما الثاني فيقال عليه: لا ~~نسلم أن العرض لا يبقى زمنين، سلمنا لكن الذي نقول به: لا نقول بزواله لا ~~إلى بدل يخلفه أمثاله. قوله: "قبل التكليف في الحال" أي: أجابت المعتزلة عن ~~هذا بأن التكليف الذي أثبتناه قبل المباشرة ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى ~~يلزم أن يكون تكليفا بما لا قدرة للمكلف عليه بل التكليف في الحال أي: قبل ~~المباشرة إنما هو بإيقاع الفعل في ثاني الحال أي: حال المباشرة. وأجاب ~~المصنف بأن إيقاع المكلف به إن كان هو نفس الفعل فالتكليف به محال في الحال ~~أي: قبل الفعل لأنه يلزم من امتناع التكليف بالفعل قبل التلبس به امتناع ~~التكليف بالإيقاع؛ لأن الفرض أنه هو، وإن كان الإيقاع قبل الفعل فيعود ~~الكلام إلى هذا الإيقاع فنقول: هذا الإيقاع المكلف به، هل وقع التكلف به في ms089 ~~حال وقوعه أو قبله؟ فإن كان في حال وقوعه فيلزم أن يكون التكليف حال ~~المباشرة وهو المدعى، وإن كان قبل فيلزم أن يكون مكلفا بما لا قدرة له ~~عليه؛ لأنا بينا أن القدرة مع الفعل، فإن قالوا: التكليف إنما هو بإيقاع ~~ينتقل الكلام إليه إلى التسلسل، أو ينتهي إلى إيقاع يكون التكليف به حالة ~~مباشرته وهو المدعى، والذي قاله ضعيف، فإن قول الخصم: إنه مكلف في الحال ~~بالإيقاع في ثاني الحال لا شك أن معناه أن التكليف في الحال والمكلف به هو ~~الإيقاع في ثاني الحال وهو زمان القدرة، فكيف يصح الاعتراض بما قال؟ وكأنه ~~توهم أن المراد أن الإيقاع مكلف به في الحال وليس كذلك، ويوضح هذه مسألة ~~ذكرها في المحصول عقب هذه المسألة فقال: إذا قال السيد لعبده: صم غدا ~~فالأمر متحقق في الحال بشرط بقاء المأمور قادرا على الفعل، قال: فأما إذا ~~علم الله سبحانه وتعالى أن زيدا سيموت غدا فهل يصح أن يقال: إن الله تعالى ~~أمره بالصوم غدا بشرط حياته؟ فيه خلاف؛ قطع القاضي أبو بكر والغزالي بجوازه ~~لفائدة الامتحان، وتبعه جمهور المعتزلة, فقد وضح بهذه المسألة أنه يصح أن ~~يؤمر الآن بالفعل في ثاني الحال. قوله: "قالوا: عند المباشرة واجب الصدور" ~~أي: احتجت المعتزلة علينا بأن الفعل عند المباشرة واجب الوقوع فلا يكون ~~مأمورا به لعدم القدرة عليه؛ لأن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، ~~ولأنه لو كان له قدرة على تحصيله لكانت محصلة للحاصل، وأجاب المصنف بقوله: ~~قلنا: حال القدرة والداعية كذلك, وتقريره متوقف على تفسير القدرة والداعية، ~~فأما # PageV01P068 # القدرة فالمراد بها هنا هو التمكن من الفعل كما تقدم نقله عن البرهان، ~~وأما الداعية فنقول: إذا علم الإنسان أو ظن أو اعتقد أن له في الفعل أو ~~الترك مصلحة راجحة حصل في قلبه ميل جازم إليه, فهذا العلم أو الظن أو ~~الاعتقاد هو المسمى بالداعية مجازا من قولهم: دعاه أي: طلبه، وكان علمه ~~بالمصلحة طلب منه الفعل وقد يسمى الداعي ms090 بالغرض والمجموع من القدرة ~~والداعية يسمى بالعلة التامة، فإذا وجدت يجب وقوع الفعل, وقيل: لا يجب لكن ~~يصير الفعل أولى، وإذا عدمت الداعية امتنع وقوعه على المختار الذي جزم به ~~الإمام، ونقل الأصبهاني شارح المحصول في الأوامر أن أكثر المتكلمين على أن ~~الفعل لا يتوقف عليها، إذا علمت ذلك فتقرير ما قاله المصنف من وجهين، ~~أحدهما ما قاله في المحصول: أن القدرة مع الداعي مؤثرة في وجوه الفعل, ولا ~~امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب ~~الوقوع, فانتفى قولكم: إن ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورا، الثاني وهو ~~الأقرب إلى كلام المصنف وأشار إليه صاحب الحاصل: أن الفعل يترتب وجوده على ~~وجود القدرة مع الداعية فيكون مأمورا حال القدرة والداعية عند المعتزلة ~~لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل مع أن الفعل واجب الوقوع في تلك ~~الحالة فينتفي ما قلتموه. "واعلم" أن العلة هل هي متقدمة على المعلول أو ~~مقارنة له؟ فيه قولان مشهوران, فإن التزم الخصم القول الأول فجوابه الثاني، ~~وإن التزم الثاني فجوابه الأول, فتلخص أنه لا بد منهما, ولك أن تقول: إذا ~~كان الفعل قبل المباشرة غير مقدور عليه، وعند المباشرة واجب الوقوع فيلزم ~~التكليف بالممتنع أو الواجب, وهو محال. # PageV01P069 ### | الفصل الثالث: في المحكوم به ### | المسألة الأولى # قال: "الفصل الثالث في المحكوم به وفيه مسائل: الأولى: التكليف بالمحال ~~جائز؛ لأن حكمه لا يستدعي عرضا قبل لا يتصور وجوده, فلا يطلب قلنا: إن لم ~~يتصور امتنع الحكم باستحالته غير واقع بالممتنع لذاته, كإقدام القديم, وقلب ~~الحقائق للاستقراء, ولقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] فقيل: أمر أبا لهب بالإيمان بما أنزل, ومنه أنه لا يؤمن فهو جمع بين ~~النقيضين قلنا: لا نسلم أنه أمر به بعد ما أنزل أنه لا يؤمن" أقول: ~~المستحيل على أقسام أحدها: أن يكون لذاته ويعبر عنه أيضا بالمستحيل عقلا، ~~وذلك كالجمع بين الضدين والنقيضين, والحصول في حيزين في وقت واحد، والثاني: ~~أن يكون للعادة ms091 كالطيران، وخلق الأجسام, وحمل الجبل العظيم, والثالث: أن ~~يكون لطيران مانع كتكليف المقيد العدو، والزمن المشي، والرابع: أن يكون ~~لانتفاء القدرة عليه حالة التكليف مع أنه مقدور عليه حالة الامتثال ~~كالتكاليف كلها؛ لأنها غير مقدورة قبل الفعل على رأي الأشعري, إذ القدرة ~~عنده لا تكون إلا مع الفعل كما قدمناه في المسألة السابقة, والخامس: أن ~~يكون لتعلق العلم به كالإيمان من الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن, ~~فإن الإيمان منه مستحيل إذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا، وهذا ~~التقسيم اعتمده فإن بعضهم قد زاد فيه ما ليس منه وغاير بين أشياء # PageV01P069 # وهي متحدة في المعنى إذا تقرر ذلك، فالقسم الخامس جائز واقع اتفاقا إذ لو ~~لم يكونوا مأمورين بذلك لما عصموا باستمرارهم على الكفر، ونقل الآمدي عن ~~بعض التنويه أنه منع جوازه، والرابع أيضا واقع عند الأشعري بمقتضى الأصل ~~الذي أصله, وأما الثلاثة الأوائل فهي محل النزاع، وممن صرح بذلك مع وضوحه ~~القرافي في شرح المحصول والتنقيح وحاصل ما فيها من الخلاف ثلاثة مذاهب ~~أصحها عند المصنف، أنه يجوز مطلقا وهو اختيار الإمام وأتباعه، والثاني: ~~المنع مطلقا ونقله في المحصول عن المعتزلة واختاره ابن الحاجب, ونص عليه ~~الشافعي كما نقله الأصفهاني في شرح المحصول عن صاحب التلخيص، والثالث: إن ~~كان ممتنعا لذاته فلا يجوز, وإلا فيجوز واختاره الآمدي، وإذا قلنا بالجواز ~~ففي وقوعه مذاهب أحدها: المنع مطلقا سواء كان ممتنعا لذاته أم لا، والثاني: ~~الوقوع فيهما واختاره في المحصول، والثالث: التفصيل وهو اختيار المصنف كما ~~سيأتي وقد تردد النقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري قال البرهان: وهذا سوء ~~معرفة بمذهبه، فإن التكاليف كلها عنده تكليف بما لا يطاق لأمرين أحدهما: أن ~~الفعل مخلوق لله تعالى فتكليفه به تكليف بفعل غيره، الثاني: أنه لا قدرة ~~عنده إلا حال الامتثال والتكليف سابق، وهذا التخريج لا يستلزم وقوع الممتنع ~~لذاته فافهمه، وهذا كله في التكليف بالمحال أما التكليف المحال بإسقاط ~~الباء ففي جوازه قولان للأشعري, وقد تقدم الفرق في ms092 تكليف الغافل, ثم استدل ~~المصنف على الجواز بقوله؛ لأن حكمه لا يستدعي غرضا أي: إنما يستحيل الأمر ~~بما لا يقدر المكلف عليه إذا كان غرض الآمر حصوله المأمور به, وحكمه تعالى ~~لا يستدعي غرضا البتة لاستثنائه، وورود الأمر بهذا ليس للطالب كما نقله ~~إمام الحرمين في الشامل عن أصحابنا، بل إن كان ممتنعا لذاته فالأمر به ~~للإعلام بأنه معاقب لا محالة؛ لأن له تعالى أن يعذب من يشاء، وإن كان ~~ممتنعا لغيره فالأمر به لفائدة الأخذ في المقدمات، وهذا الدليل لا يتوجه ~~على المعتزلة؛ لأنهم يمنعون هذه القاعدة. قوله: "قيل: لا يتصور وجوده فلا ~~يطلب" يمكن تقريره على وجهين أحدهما: أن المحال لا يمكن وجوده في الخارج من ~~المكلف وإذا كان كذلك فلا يطلب لأن طلبه عبث، وجواب هذا بمنع المقدمة ~~الثانية فإنها محل النزاع، التقرير الثاني: أن المحال لا يتصور العقل وجوده ~~وكل ما لا يتصور العقل وجوده لا يطلب، ينتج أن المحال لا يطلب، أما بيان ~~الصغرى فلأن كل ما يتصوره العقل فهو معلوم؛ لأن التصور قسم من أقسام العلم ~~وكل العلوم فهو متميز بالضرورة وكل متميز فهو ثابت؛ لأن التميز صفة وجودية ~~والصفة الوجودية لا بد لها من موصوف موجود وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم ~~وهو محال، فلو كان المحال متصورا لكان ثابتا, لكنه غير ثابت فلا يكون ~~متصورا، وأما بيان الكبرى فلأن ما لا يتصور العقل وجوده فهو مجهول، وطلب ~~الشيء مع الجهل به محال، وهذا التقرير قد صرح به الإمام والآمدي وأتباعهما ~~وهو مراد المصنف، # PageV01P070 # وجوابه منع المقدمة الأولى؛ لأنه لو كان غير متصور لامتنع الحكم عليه ~~بعين ما قالوه، ولكنهم حكموا عليه بالاستحالة، وقوله: غير واقع, هو خبر ثان ~~للتكليف بالمحال, جائز غير واقع بالممتنع لذاته، وحاصله أن المصنف اختار ~~التفصيل بين الممتنع بالذات وبين غيره، وقد تقدم التنبيه على ذلك وأنه على ~~خلاف رأي الإمام, ثم ذكر للممتنع بالذات مثالين أحدهما: إعدام القديم أي: ~~الذي لا أول لوجوده وهو البارئ سبحانه وتعالى, فإنه ms093 قد تقرر في علم الكلام ~~أن كل قديم وجودي يمتنع عليه العدم واحترزوا بالوجودي عن الأزلي فإنه قديم ~~ولا يمتنع عدمه؛ لأن مفهومه عدمي وهو سلب الابتداء. الثاني: قلب الحقائق ~~ومقتضى هذه العبارة أن قلب الحيوان جمادا والحجر ذهبا ونحوهما ممتنع لذاته ~~وليس كذلك بل امتناعه لعجز الفاعل كما قيل في خلق الأجسام؛ لأنا لو قدرنا ~~وقوعه لما كان يلزم منه محال، وقد صرح به مع وضوحه ابن الحاجب في أوائل ~~مختصره, فينبغي حمل ذلك على القلب مع بقاء حقيقة الأول وحينئذ فيكون جمعا ~~بين النقيضين وهو ممتنع لذاته, وبتقدير أولا يؤول كلامه فتستفيد منه أنه ~~منع وقوع ما وقع فيه الخلاف، ثم استدل المصنف على عدم الوقوع بأمرين ~~أحدهما: الاستقراء وعبر عنه المتكلمون بالسبر والتقسيم, والاستقراء هو ~~الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته للقاعدة الكلية، وهو مأخوذ من ~~قولهم: قرأت الشيء قرآنا أي: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، حكاه الجوهري ~~وغيره، والسبر فيه للطلب, فلما كان المجتهد طالبا للأفراد جامعا لها لينظر ~~هل هي متوافقة أم لا, عبر عن ذلك بالاستقراء، وحاصل الدليل أنا تتبعنا ~~التكاليف فلم نجد فيها ما هو ممتنع بالذات, الثاني: قوله تعالى: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ووجه الدلالة: أن الآية لم تنف الجواز، ~~وإنما نفت الوقوع عما ليس في الوسع. قوله: "قيل: أمر أبا لهب" يعني أن ~~التكليف بالمستحيل لذاته قد وقع؛ وذلك لأن أبا لهب قد أمر بالإيمان بكل ما ~~أنزل الله تعالى يعني بالتصديق به ومنه أي: ومما أنزل الله تعالى أنه لا ~~يؤمن فقد صار أبو لهب مأمورا بأن يصدقه في أنه لا يؤمن، وإنما يحصل التصديق ~~بذلك إذا لم يؤمن فصار مكلفا بأنه يؤمن وبأنه لا يؤمن, وهو جمع بين ~~النقيضين، وهذا يحتمل أن يكون دليلا للقائلين بالوقوع، ويحتمل أن يكون نقضا ~~منهم للدليل السابق وهو الاستقراء، وأجاب المصنف بأن ذلك إنما يلزم إذا كان ~~الأمر بالإيمان بكل ما أنزل الله تعالى واردا بعد إنزال الله تعالى ms094 أنه لا ~~يؤمن؛ لأنه إذا كان كذلك كان مأمورا بالإيمان به في الماضي، ومن جملته أنه ~~لا يؤمن فيلزم المحال، ونحن لا نسلم ذلك بل يجوز أن يكون قد كلفه أولا ~~بالإيمان بكل ما أنزل, ثم بعد ذلك أنزل أنه لا يؤمن، وعلى هذا التقدير فلا ~~يلزم المحال لأن إخباره بأنه لا يؤمن ليس هو من الأشياء التي كلف بتصديقها؛ ~~لكونه متأخرا عن الدليل الدال على الوجوب، وهذا الجواب باطل، بل هو مأمور ~~بتصديق ما نزل وما سينزل إجماعا، والصواب ما قاله # PageV01P071 # إمام الحرمين وارتضاه ابن الحاجب وغيره أن هذا من باب التكليف بالمستحيل ~~لغيره؛ وذلك لأن الله تعالى لما أخبر عنه بأنه لا يؤمن استحال إيمانه؛ لأن ~~خبر الله تعالى صدق قطعا, فلو آمن لوقع الخلف في خبره تعالى وهو محال, فإذا ~~أمر بالإيمان والحالة هذه فقد أمر بما هو ممكن في نفسه وإن كان مستحيلا ~~لغيره، كما قلنا فيمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن, وأما استدلالهم بكونه قد ~~صار مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو جمع بين النقيضين فجوابه من وجهين, ~~أحدهما: أن هذا التغيير قد وقع في المحصول وصوابه أن يقول بأن يؤمن, بأن لا ~~يؤمن بحذف الواو كما في المنتخب, فإنه مدلول الأمر بالإيمان بأنه لا يؤمن، ~~وقد صرح به في الحاصل فقال: فيكون مكلفا بتصديق الله تعالى في أن لا يصدقه، ~~وإذا كان كذلك فلا منافاة بينهما البتة؛ وذلك لأن التكاليف بالإيمان بأن لا ~~يؤمن تكليف بتصديق هذا الخبر الوارد من الله تعالى وهو كونه لا يؤمن، ~~والتكليف بتصديق الخبر ليس تكليفا بأن يجعل الخبر صدقا حتى يكون مأمورا ~~باستمراره على الكفر بل هو محرم عليه، فكيف يسوغ أن يقال: إنه مأمور بأن لا ~~يؤمن؟ أليس قد قال الله تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} [الأعراف: 28] ؟ ~~وإنما كلف بأن يصدق هذا المخبر وهو ممكن كما قلناه, أما تصييره صدقا فلا. ~~الثاني ما ذكره صاحب التحصيل وهو حسن أيضا: أن الجمع بين النقيضين إنما ms095 ~~يلزم أن لو كان مكلفا بالتصديق بجميع ما جاء به على التفصيل, ونحن لا نسلمه ~~بل هو مأمور بالتصديق الإجمالي أي: بأن يعتقد أن كل خبره صدق، وعلم هذا ~~فكيف يجيء التكليف بالمحال، وههنا أمران أحدهما: أن الإمام لما قرر هذا ~~الدليل في المحصول والمنتخب قال: إنه مكلف بالجمع بين الضدين, وصاحب الحاصل ~~جعلهما نقيضين فتابعه المصنف, والسبب في هذا أن صاحب الحاصل نظر إلى ~~الإيمان وعدمه وهما نقيضان، وأما الإمام فإنه نظر إلى أن العدم غير مقدور ~~عليه كما سيأتي, فلا يكون مكلفا به بل المكلف به هو كف النفس عن الإيمان ~~والكف فعل وجودي فلا يكون نقيضا للإيمان بل ضدا له وهذا أدق نظرا وأصوب. ~~الثاني: أن قول الإمام وأتباعه: إن الله تعالى أنزل في حق أبي لهب أنه لا ~~يؤمن فيه نظرا لأن قوله تعالى: {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1] لا يدل عليه ~~إلا الخسران, وإن كان موجودا حال تلبسه بالكفر فقد يزول, وأما قوله تعالى: ~~{سيصلى نارا} [المسد: 3] فكذلك لاحتمال أن يكون صلبه بسبب كبير أنه أتاها ~~بعد الإسلام, وقد ذكر في المحصول في هذه المسألة آية أخرى وهي قوله تعالى: ~~{إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم} [البقرة: 6] الآية, وهي لا تدل أيضا ~~على إدخال أبي لهب فيها. # PageV01P072 ### | المسألة الثانية # قال: "المسألة الثانية: الكافر مكلف بالفروع خلافا للمعتزلة, وفرق قوم ~~بين الأمر والنهي، لنا أن الآيات الآمرة بالعادة تتناولهم، والكفر غير مانع ~~لإمكان إزالته، وأيضا الآيات الموعدة على ترك الفروع كثيرة مثل: {وويل ~~للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6, 7] وأيضا وإنهم كلفوا بالنواهي ~~لوجوب حد الزنا عليهم, فيكونون مكلفين بالأمر قياسا قبل الانتهاء أبدا, ~~ممكن دون الامتثال, وأجيب بأن مجرد الفعل والترك لا يكفي فاستويا وفيه نظر، ~~قيل: لا يصح مع الكفر ولا قضاء بعده قلنا: الفائدة تضعيف العذاب" أقول: لا ~~خلاف أن الكفار مكلفون بالإيمان، وهل هم مكلفون بالفروع كالصلاة والزكاة؟ ~~فيه ثلاثة مذاهب أصحها نعم، ونقله في المحصول عن أكثر أصحابنا وأكثر ~~المعتزلة, وقال ms096 في البرهان: إنه ظاهر مذهب الشافعي. والثاني: لا، وهو مذهب ~~جمهور الحنفية والإسفرائيني من الشافعية، قال في المحصول: هو أبو حامد وقال ~~في المنتخب: هو أبو إسحاق وعزاه في المنهاج إلى المعتزلة أيضا تبعا لصاحب ~~الحاصل, فإنه نقله عنهم في أول المسألة وفي آخرها, وهو عكس ما في المحصول، ~~وقد وقع في بعض النسخ خلافا للحنفية، وهو من إصلاح الناس. والثالث: أنهم ~~مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وذكر الإمام في المحصول في أثناء الاستدلال ~~ما يقتضي أن الخلاف في غير المرتد، ونقل القرافي1 وغيره عن الملخص للقاضي ~~عبد الوهاب2 حكاية إجراء الخلاف فيه أيضا. قال: ومر بي في بعض الكتب التي ~~لا أستحضرها الآن أنهم مكلفون بما عدا الجهاد، وأما الجهاد فلا؛ لامتناع ~~قتالهم أنفسهم، ومقتضى كلام المصنف أن الخلاف إنما هو في الوجوب والتحريم ~~فقط؛ لأنه عبر أولا بالتكليف وقال: إن الفائدة هي العقاب وما عدا الواجب ~~والمحرم لا تكليف فيه ولا عقاب, وأما من عبر بأنهم مخاطبون فإن عبارته ~~شاملة للأحكام الخمسة. # واعلم أن تكليف الكافر بالفروع مسألة فرعية، وإنما فرضها الأصوليون مثالا ~~لقاعدة، وهي أن حصول الشرط الشرعي هل هو شرط في صحة التكليف أم لا؟ لا جرم ~~أن الآمدي وابن الحاجب وغيرهما قد صرحوا هنا بالمقصود. قوله: "لنا" إن ~~الدليل على أنهم مخاطبون مطلقا من ثلاثة أوجه الأول: أن الآيات الآمرة ~~بالعبادة متناولة لهم كقوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: ~~21] وقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ونحو ذلك, ~~والكفر لا يصلح أن يكون مانعا من دخولهم؛ لأنهم متمكنون من إزالته ~~بالإيمان، وبهذا الطريق قلنا: المحدث مأمور بالصلاة فثبت أن المقتضي ~~للتكليف قائم والمانع مفقود, فوجب القول بتكليفهم عملا بالمقتضي السالم ~~PageV01P073 # عن المعارض. الدليل الثاني: أنهم لو لم يكونوا مكلفين بالفروع ما أوعدهم ~~الله تعالى عليها, لكن الآيات الموعدة بتركها أي: بسبب تركها, كثيرة منها ~~قوله تعالى: {وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6, 7] وقوله ~~تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} ms097 [الفرقان: 68] إلى قوله تعالى: ~~{يضاعف له العذاب يوم القيامة} وقوله: {فلا صدق ولا صلى} [القيامة: 31] ~~وقوله تعالى: {ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين} [المدثرك 42, 43] ~~الآية, فثبت كونهم مكلفين ببعض الأوامر وبعض النواهي، فكذلك الباقي إما ~~قياسا، أو لأنه لا قائل بالفرق، وذكر في المحصول في هذه الآية الأخيرة ~~مباحث كثيرة منها أن هذا التعليل حكاية عن قول الكفار فلا يكون حجة، وأجاب ~~بأن ذلك يجب أن يكون صدقا؛ لأنه لو كان كذبا "مع أنه تعالى ما بين كذبهم" ~~لما كان في حكايته فائدة، وكلام الله تعالى متى أمكن حمله على ما هو أكثر ~~فائدة وجب المصير إليه، والذي ذكره مشتمل على قاعدتين نافعتين في مواضع، ~~والموعد المذكور في كلام المصنف اسم فاعل من: أوعد, قال الجوهري: أوعد عند ~~الإطلاق يكون للشر ووعد في الخير, وأنشد: # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # الدليل الثالث: أنهم مكلفون بالنواهي بدليل وجوب حد الزنا عليهم, فيكونون ~~مكلفين بالأمر قياسا عليها والجامع بينهما كما قال في المحصول والمنتخب هو ~~إحراز المصلحة الحاصلة في النهي بسبب ترك المنهي عنه, وفي الأمر بسبب فعل ~~المأمور به، ويمكن أن يقال: الجامع بينهما هو الطلب. قوله: "قيل: الانتهاء ~~ممكن" أي: اعترض القائلون بالفرق بين الأوامر والنواهي على القياس بأن ~~النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه، والانتهاء عنه مع الكفر ممكن، والأمر ~~يقتضي الامتثال، والامتثال مع الكفر غير ممكن؛ لأن النية في الامتثال لا بد ~~منها، ونية الكافر غير معتبرة، وأجاب في المحصول بأن الفعل والترك المجردين ~~عن النية لا يتوقفان على الإيمان، والإتيان بهما لغرض امتثال حكم الشرع ~~يتوقف على الإيمان، فاستوى الانتهاء والامتثال، وبطل الفرق فإن الترك بغير ~~نية الامتثال كاف في إسقاط التكليف فكذلك الفعل. قال المصنف: وفيه نظر ولم ~~يبينه، وتقريره أن الترك على ثلاثة أقسام, أحدها: أن يكون للعجز فقط, فهذا ~~غير مثاب بل معاقب على القصد. والثاني: أن يكون القصد الامتثال, فهذا خارج ~~عن العهدة ومثاب. والثالث: أن ms098 لا يقصد شيئا البتة كمن لم تطالبه نفسه بشرب ~~الخمر أو غيره من المنبهات, فلا يمكن القول بتأثيمه لحصول المطلوب منه وهو ~~إعدام المفسدة، وفي ثوابه نظر، ومثل هذا لا يكفي في الفعل فإن الواجب لا ~~يخرج عن عهدته إلا بالنية، واعتقاد وجوبه، وذلك فرع عن الإيمان، وإذا تقرر ~~هذا صح الفارق وهو كون الانتهاء ممكنا دون الامتثال، وحينئذ فيبطل احتجاجنا ~~على الخصم المفصل بالقياس، وإذا كان هذا الجواب عند المصنف لا يستقيم، ~~فجوابه من أوجه: # PageV01P074 # أحدها: ما ذكره من بعد, وهو أن فائدة التكليف ليست منحصرة في الأمثال حتى ~~ينتفي التكليف عند انتفاء إمكان الفعل, بل فائدته العقاب على تقدير أن لا ~~يسلم ويفعل. الثاني: ما ذكره من قبل وهو كونه قادرا على الامتثال بعد إزالة ~~المانع، وحاصله أن التجاء الفرق الذي ذكره الخصم دائر مع صحة السؤال الآتي ~~وسيأتي إبطاله. الثالث: أن دعواهم منتقضة بالنفقات وغيرها مما لا يشترط فيه ~~قصد التقريب. قوله: "قيل: لا يصح مع الكفر" أي: استدل من قال بتكليفهم ~~بالنواهي دون الأوامر بأن الصلاة مثلا لو كانت واجبة, لكانت مطلوبة منهم؛ ~~لأن الوجوب طلب الفعل مع المنع من الترك، ولكن لا يصح أن تكون مطلوبة منهم, ~~أما في حال الكفر فلعدم صحتها، ويستحيل من الشارع طلب تعاطي الفاسد، وأما ~~بعد الإسلام فلعدم وجوب قضائها عليهم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: "الإسلام ~~يجب ما قبله" 1 فإذا تعذر الوجوب، وأجاب المصنف تبعا للإمام بأنه لا فائدة ~~لهذا التكليف إلا تضعيف العذاب عليهم في الآخرة، فقولنا: إنهم مأمورون بها ~~لا معنى له إلا أنهم يعاقبون عليها كما يعاقبون على الإيمان، وهذا الجواب ~~مردود من وجهين, أحدهما: أنه غير مطابق لدليل الخصم أصلا فإن الخصم يقول لا ~~شك: إن التعذيب في الآخرة متوقف على تقدم التكليف, فلا بد أن تختار أحد ~~القسمين، إما حالة الكفر أو بعدها، ونجيب عما قاله الخصم فيه، والجواب ~~الصحيح أن نختار أنه مكلف لإيقاع ذلك في زمن الكفر, ونجيب بما تقدم من ms099 كونه ~~قادرا على إحالة المانع كالمحدث، ويكون زمن الكفر ظرفا للتكليف لا للإيقاع، ~~أي: يكلف في زمن الكفر بالإيقاع، وذلك بأن يسلم ويوقع، والحديث حجة لنا؛ ~~لأن قوله -صلى الله عليه وسلم: "يجب" يقتضي سبق التكليف به ولكن يسقط ~~ترغيبا في الإسلام. الاعتراض الثاني: أن دعواه أن لا فائدة لها في الدنيا ~~باطلة بل لها فوائد، منها تنفيذ طلاقة وعتقه وظهاره وإلزامه الكفارات وغير ~~ذلك، ومنها إذا قتل الحربي مسلما ففي وجوب القود أو الدية خلاف مبني على ~~هذه القاعدة كما صرح به الرافعي، ومنها أنه هل يجوز تمكن الكافر الجنب من ~~دخول المسجد؟ فيه خلاف مبني على هذه القاعدة أيضا، وإن كان المشهور في ~~الفرعين خلاف قضية البناء، ومنها إذا دخل الكافر الحرم وقتل صيدا فإن ~~المعروف لزوم الضمان, قال في المهذب: ويحتمل أن لا يلزمه، وهذا التردد ~~منشؤه هذه القاعدة، ومنها فروع كثيرة نقل المعالمي عن محمد بن الحسن عدم ~~الوجوب فيها معللا بذلك، ومذهبنا فيها الوجوب كوجوب دم الإساءة على الكافر ~~إذا جاوز الميقات, ثم أسلم وأحرم، ووجوب زكاة الفطر على الكافر في عبده ~~المسلم، ووجوب الاغتسال عن الحيض إذا كانت الكافرة تحت مسلم. PageV01P075 ### | المسألة الثالثة # قال: "المسألة الثالثة: امتثال الأمر يوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقا ~~به فيكون أمرا بتحصيل الحاصل أو بغيره، فلم يمتثل بالكلية. قال أبو هاشم 1: ~~"لا يوجب كما لا يوجب النهي الفساد, والجواب طلب الجامع ثم الفرق"" أقول: ~~هذا الكلام الذي ذكره المصنف هنا غير محرر فلنشرحه على ما هو عليه ثم نبين ~~وجه الصواب فنقول: امتثال الأمر وهو الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب ~~شرعا, يوجب الإجزاء، أي: سقوط الأمر كما صرح به في الحاصل، واقتضاء كلام ~~المحصول لأن الأمر لو لم يسقط فإن كان متعلقا بين ما أتى به أي: طالبا له ~~فيكون أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال، وإن كان متعلقا بغيره فيلزم أن لا يكون ~~المأتي به أولا كل المأمور به بل بعضه، وحينئذ فلا يكون ممثلا وقد فرضناه ms100 ~~ممثلا، وقال أبو هاشم وتابعه القاضي عبد الجبار2: إن امتثال الأمر لا يوجب ~~الإجزاء، كما أن النهي عن الشيء لا يوجب الفساد, بدليل صحة البيع وقت ~~النداء، والجواب طلب الجامع ثم الفرق أي: نطالبه أولا بالجامع بين الأمر ~~والنهي، فإذا ذكر الجامع ذكرنا الفرق، وهذا الكلام مجرد استرواج فإن الجامع ~~واضح بخلاف الفرق, فكان ينبغي له ذكر الفرق، والسكوت عن طلب الجمع كما فعل ~~الإمام وأتباعه، وتقرير الجامع: أن كلا منهما طلب جازم لا إشعار له بذلك، ~~وأيضا فالأمر ضد النهي، والنهي لا يدل على الفساد، فلا يدل على الأمر على ~~الإجزاء؛ لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على مثله, والفرق أن الأمر هو ~~اقتضاء الفعل فإذا أدى مرة فقد انتهى الاقتضاء, وأما النهي فمدلوله المنع ~~من الفعل، فإن خالف وأتى به فليس في اللفظ ما يقتضي للتعرض لحكمه، ولا ~~منافاة بين النهي عنه وبين أن يقول: فإن أتيت به جعلته سببا لحكم آخر مع ~~كونه ممنوعا منه، وهذا حاصل كلام الإمام وأتباعه في هذه المسألة. # واعلم أنه قد تقدم أن الإجزاء يطلق على الأداء الكافي لسقوط ما عليه، ~~ويطلق على إسقاط القضاء, فالجمهور يقولون: إنه يدل على أنه لا يجب قضاؤه، ~~وأبو هاشم وعبد الجبار وأتباعهما يقولون: إنه لا يمتنع الأمر بالقضاء أيضا ~~مع فعله، بدليل وجوب المضي في الحج الفاسد ووجوب قضائه، وحينئذ فيلزم من ~~ذلك أنه لا يدل على عدم وجوبه بل يكون عدم الوجوب مستفادا من الأصل هكذا ~~حرره الآمدي وغيره, ونقله صريحا عن الخلاصة، وصوبه ابن برهان أيضا كما نقله ~~عنه الأصفهاني في شرح المحصول، فقال: ذهب عبد الجبار إلى أنه لا يدل على ~~الإجزاء وإنما الإجزاء مستفاد PageV01P076 # من عدم الدليل يدل على الإعادة، وقد بسط القرافي ذلك على نحو ما قلناه ~~فقال في تعليقه على المنتخب: لا خلاف بين أبي هاشم وغيره في براءة الذمة ~~عند الإتيان بالمأمور به, ثم اختلفوا فقال الجمهور: الأمر كما دل على شغل ~~الذمة دل أيضا على البراءة ms101 بتقدير الإتيان، وقال أبو هاشم: الأمر يدل على ~~الشغل فقط والبراءة بعد الإتيان بالمأمور به مستفادة من الأصل, ومعناه أن ~~الإنسان خلق وذمته بريئة من الحقوق كلها، فلما ورد الأمر اقتضى شغلها، فإذا ~~امتثل كان الإجزاء، وهو براءة الذمة بعد ذلك مستفاد من الاستصحاب لا من ~~الإتيان بالمأمور به, قال: وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في مفهوم الشرط كما ~~قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالقائلون بأن الشرط لا مفهوم له يقولون: ~~عدم طلاقها مستفاد من العصمة السابقة، والقائلون بالمفهوم يقولون: عدم ~~الطلاق من ذلك، ومن مفهوم الشرط, وكذلك أيضا الخلاف الذي ههنا ا. ه كلامه، ~~وإذا علمت ما قلناه علمت فساد الدليل المذكور في الكتاب ردا على أبي هاشم؛ ~~لأن أبا هاشم لا يقول ببقاء الشغل, بل يقول: إن الأمر لا بد عليه، ودليل ~~أبي هاشم الذي نقله المصنف عنه وهو قوله: كما لا يوجب النهي الفساد, يدل ~~عليه أيضا, ثم إن الإمام والمصنف وجماعة جعلوا محل الخلاف في الإتيان ~~بالمأمور به، وفيه نظر لأن الأفعال لا دلالة لها على الشغل ولا على ~~البراءة, وإنما يدل على عدم الضد فينبغي أن يجعلوا محل الخلاف في الأمر وقد ~~نص عليه الأكثرون, كالغزالي وابن برهان والمعالي وابن فورك والقاضي عبد ~~الجبار وأبي الحسين والقاضي عبد الوهاب. # PageV01P077 ### | الكتاب الأول: في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة ### | مدخل # ... # الكتاب الأول: # قال: "الكتاب الأول في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة ~~ومعرفة أقسامها, وهو ينقسم إلى: أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ~~ومنسوخ, وبيان ذلك في أبواب" أقول: قد تقدم في أول الكتاب أنه مرتب على ~~مقدمة وسبعة كتب, وتقدم وجه الاحتياج إلى ذلك ومناسبة تقديم بعضها على بعض, ~~فلما فرغ من المقدمة ذكر الكتاب الأول المعقود للكتاب العزيز, ويعني به ~~الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه, فخرج بالمنزل الكلام النفساني وكلام ~~البشر، وبقولنا: للإعجاز, الأحاديث وسائر الكتب المنزلة كالإنجيل, وقولنا: ~~بسورة نريد به أن الإعجاز يقع بأقصر سورة كالكوثر، والإعجاز هو قصد ms102 إظهار ~~صدق النبي في دعوى الرسالة بفعل خارق للعادة، ولما كان الكتاب العزيز واردا ~~بلغة العرب كان الاستدلال به متوقعا على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها؛ فلذلك ~~ذكر مباحث اللغة وأقسامها في هذا الكتاب. ثم إن الكتاب العزيز ينقسم إلى ~~خبر وإنشاء لكن نظر الأصولي في الإنشاء دون الإخبار لعدم ثبوت الحكم بها ~~غالب؛ فلذلك قسمه إلى أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ فقوله: ~~وهو ينقسم أي: الكتاب العزيز فأطلقه وأراد به قسم الإنشاء منه، ولكن هذا ~~التقسيم ليس خاصا بالكتاب بل السنة أيضا كذلك، وكان المصنف استغنى عن # PageV01P077 # ذكره هناك بذكره هنا، ولأجل هذه الأقسام انحصرت أبواب هذا الكتاب على ~~خمسة أبواب, الأول: في اللغات، والثاني: في الأوامر والنواهي, والثالث: في ~~العموم والخصوص, والرابع: في المجمل والمبين, والخامس: في الناسخ والمنسوخ, ~~ثم ذكر الإمام في المحصول مناسبة تقديم بعض هذه الأبواب على بعض، وأخذه ~~رحمه الله من أبي الحسين البصري، فإني رأيته مذكورا في شرح العمد له, ~~وحاصله أنه إنما قدم باب اللغات؛ لأن التمسك بالأدلة القولية إنما يمكن ~~بواسطة معرفتها، وأنه قدم باب الأوامر والنواهي على الثلاثة الباقية؛ لأن ~~تقسيم الكلام إلى الأوامر والنواهي تقسيم له باعتبار ذاته إلى أنواعها، ~~وانقسامه إلى العام والخاص والمجمل والمبين تقسيم له باعتبار عوارضه كتقسيم ~~الحيوان إلى الأبيض والأسود، فإن البياض والسواد ليسا من الأجزاء الذاتية؛ ~~لأن ماهية الحيوان ليست مركبة منهما فهما عارضان بخلاف انقسامه إلى الإنسان ~~والفرس, فقدمنا ما هو بحسب الذات على ما هو بحسب العرض، وإنما قدم باب ~~العموم والخصوص على البابين الباقيين؛ لأن النظر في العموم والخصوص نظر في ~~متعلق الأمر والنهي، والنظر في المجمل والمبين نظر في كيفية دلالة الأمر ~~والنهي على ذلك المتعلق، ولا شك أن المتعلق بالشيء متقدم على النسبة ~~العارضة بين الشيء ومتعلقه، وإنما قدم باب المجمل والمبين على النسخ؛ لأن ~~النسخ يطرأ على ما هو ثابت بأحد الوجوه المذكورة، وذكر المصنف في الباب ~~الأول تسعة فصول. # PageV01P078 ### | الباب الأول: في اللغات ### | الفصل ms103 الأول # قال: "الباب الأول في اللغات وفيه فصول, الفصل الأول: في الوضع لما مست ~~الحاجة إلى التعاون والتعارف، وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال لعمومه ~~وأيسر؛ لأن الحروف كيفيات تعرض للناس الضروري وضع بإزاء المعاني الذهنية ~~لدورانه معها؛ ليفيد النسب والمركبات دون المعاني المفردة وإلا فيدور" ~~أقول: اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني, فلما كانت دلالة الألفاظ ~~على المعاني مستفادة من وضع الواضع, عقد المصنف هذا الفصل في الوضع وما ~~يتعلق به، فالوضع تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا علم الأول علم الثاني, والذي ~~يتعلق به ستة أشياء أحدها: سبب الوضع، والثاني: الموضوع, والثالث: الموضوع ~~له, والرابع: فائدة الوضع, والخامس: الواضع, والسادس: طريق معرفة الموضوع, ~~وذكرها المصنف في هذا الفصل على هذا الترتيب: الأول: سبب الوضع وأشار إليه ~~بقوله: لما مست الحاجة أي: اشتدت, وتقريره أن الله تعالى خلق الإنسان غير ~~مستقل بمصالح معاشه محتاجا إلى مشاركة غيره من أبناء جنسه لاحتياجه إلى ~~غذاء ولباس ومسكن وسلاح, والواحد لا يتمكن من تعلم هذه الأشياء فضلا من ~~استعمالها؛ لأن كلا منها موقوف على صنائع شتى فلا بد من جمع عظيم ليتعاون ~~بعضهم ببعض, وذلك لا يتم إلا بأن يعرفه ما في نفسه فاحتيج إلى وضع شيء يحصل ~~به التعريف، وعبر المصنف عنه بالتعارف تبعا للحاصل وفيه نظر. قوله: "وكان ~~اللفظ إلى قوله: وضع" شرع يتكلم في الموضوع وهو الثاني من الستة المتقدمة، ~~وحاصله أنه # PageV01P078 # قد تقرر أن الشخص محتاج إلى تعريف الغير ما في نفسه، والتعريف إما ~~باللفظ، أو بالإشارة كحركة اليد والحاجب، أو بالمثال وهو الجرم الموضوع على ~~شكل الشيء, وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال وأيسر, أما كونه أفيد؛ ~~فلعمومه من حيث إنه يمكن التعبير به عن الذات والمعنى الموجود والمعدوم ~~والحاضر والغائب والحادث والقديم كالبارئ سبحانه وتعالى ولا يمكن الإشارة ~~إلى المعنى، ولا إلى الغائب والمعدوم، ولا يمكن أيضا وضع مثال لدقائق ~~العلوم، ولا للبارئ سبحانه وتعالى وغير ذلك، قال الإمام: ولأن المثال قد ~~يبقى بعد الحاجة فيقف عليه ms104 من لا يريد الوقوف عليه، وأما كونه أيسر فلأنه ~~موافق للأمر الطبيعي؛ لأنه مركب من الحروف الحاصلة من الصوت وذلك إنما ~~يتولد من كيفيات مخصوصة تعرض للنفس عند إخراجه وإخراجه ضروري, فصرف ذلك ~~الأمر الضروري إلى وجه ينتفع به الشخص انتفاعا كليا، فلما كان اللفظ أفيد ~~وأيسر وضع, فقوله: وضع, جواب لما وقوله: يعرض بكسر الراء فقط, قاله الجوهري ~~قال: فإن كان من قولك: عرضت العود على الإناء وشبهه, كسرت أيضا وقد يضم. # واعلم أن الكتابة من جملة الطرق أيضا ولا يصح أن يريدها المصنف بقوله، ~~والمثال لأن تعليله بالعموم يبطله؛ لأن كل ما صح التعبير عنه أمكن كتابته, ~~فلا يكون اللفظ أعم منها فاعرف ذلك. # قوله: "بإزاء المعاني الذهنية" هذا هو الثالث من الأقسام الستة, وهو ~~الموضوع له, وحاصله أن الوضع للشيء فرع عن تصوره فلا بد من استحضار صورة ~~الإنسان مثلا في الذهن عند إرادة الوضع له, وهذه الصورة الذهنية هي التي ~~وضع لها لفظ الإنسان لا الماهية الخارجية، والدليل عليه أنا وجدنا إطلاق ~~اللفظ دائرا مع المعاني الذهنية دون الخارجية ببيانه أنا إذا شاهدنا شيئا ~~فظننا أنه حجر أطلقنا لفظ الحجر عليه، فإذا دنونا منه وظنناه شجرا أطلقنا ~~لفظ الشجر عليه، ثم إذا ظنناه بشرا أطلقنا لفظ البشر عليه, فالمعنى الخارجي ~~لم يتغير مع تغيير اللفظ فدل على أن الوضع ليس له بل للذهني. وأجاب التحصيل ~~عن هذا بأنه إنما دار مع المعاني الذهنية على اعتقاد أنها في الخارج كذلك ~~وهو جواب ظاهر, ويظهر أن يقال: إن اللفظ موضوع بإزاء المعنى من حيث هو، أي: ~~مع قطع النظر عن كونه ذهنيا أو خارجيا, فإن حصول المعنى في الخارج والذهن ~~مع الأوصاف الزائدة على المعنى، واللفظ إنما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف ~~زائد، ثم إن الموضوع له قد لا يوجد إلا في الذهن فقط كالعلم ونحوه، وهذه ~~المسألة قد أهملها الآمدي وابن الحاجب, قوله: "ليفيد النسب" شرع يتكلم في ~~فائدة الوضع، وهو الرابع من الأقسام، واللام متعلقة ms105 بقوله قبله: وضع، ~~وحاصله أن اللفظ وضع لإفادة النسب بين المفردات كالفاعلية والمفعولية ~~وغيرهما، ولإفادة معاني المركبات من قيام أو قعود، فلفظ زيد مثلا وضع ~~ليستفاد به الإخبار عن مدلوله بالقيام أو غيره، وليس الغرض من الوضع أن ~~يستفاد بالألفاظ معانيها المفردة، # PageV01P079 # أي: تصور تلك المعاني لأنه يلزم الدور؛ وذلك لأن إفادة الألفاظ المفردة ~~لمعانيها موقوفة على العلم بكونها موضوعة لتلك المسميات، والعلم بكونها ~~موضوعة لتلك المسميات يتوقف على العلم بتلك المسميات، فيكون العلم بالمعاني ~~متقدما على العلم بالوضع, فلو استفدنا العلم بالمعاني من الوضع لكان العلم ~~بها متأخرا عن العلم بالوضع، وهو دور, فإن قيل: هذا بعينه قائم في ~~المركبات؛ لأن المركب لا يفيد مدلوله إلا عند العلم لكونه موضوعا لذلك ~~المدلول, والعلم به يستدعي سبق العلم بذلك المدلول, فلو استفدنا العلم بذلك ~~المدلول من ذلك المركب لزم الدور, وأجاب في المحصول بأنا لا نسلم أن إفادة ~~المركب لمدلوله متوقفة على العلم بكون موضوعا له, بل على العلم بكون ~~الألفاظ المفردة موضوعة للمعاني المفردة, وعلى كون الحركات المخصوصة كالرفع ~~وغيره دالة على المعاني، والمخصوصة، وقد أهمل ابن الحاجب والآمدي هذه ~~المسألة أيضا. # قال: "ولم يثبت تعيين الواضع, والشيخ زعم أن الله تعالى وضعه, ووقف عباده ~~عليه لقوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] {ما أنزل الله بها ~~من سلطان} [النجم: 23] {واختلاف ألسنتكم وألوانكم} [الروم: 22] ولأنه لو ~~كانت اصطلاحية لاحتيج في تعليمها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل، ولجاز التغيير ~~فيرتفع الأمان عن الشرع. وأجيب بأن الأسماء سمات الأشياء وخصائصها أو ما ~~سبق وضعها والذم للاعتقاد والتوقيف يعارضه الإقدار، والتعليم بالترديد ~~والقرائن كما للأطفال, والتغير لو وقع لاشتهر" أقول: شرع في القسم الخامس, ~~وهو الواضع فنقول: ذهب عباد بن سليمان الصيمري المعتزلي إلى أن اللفظ يفيد ~~المعنى من غير وضع, بل بذاته لما بينهما من المناسبة الطبيعية، هكذا نقله ~~عنه في المحصول، ومقتضى كلام الآمدي في النقل عن القائلين بهذا المذهب أن ~~المناسبة وإن شرطناها لكن لا بد من الوضع، واحتج عباد ms106 بأن المناسبة لو ~~انتفت لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا من غير مرجح، والجواب ~~أنه يختص بإرادة الواضع أو بخطوره بالبال، ويدل على فسادها أنها لو كانت ~~ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي ولكان كل إنسان يهتدي إلى كل لغة، ولكان ~~الوضع لضدين محالا وليس بمحال, بدليل القرء للحيض والطهر، والجون للسواد ~~والبياض. وإذا تقرر إبطال مذهب عباد وأنه لا بد من واضع، فقد اختلفوا فيه ~~على مذاهب أحدها: الوقف؛ لأنه يحتمل أن تكون الجميع توقيفية, وأن تكون ~~اصطلاحية, وأن يكون البعض هكذا والبعض هكذا. فإن جميع ذلك ممكن والأدلة ~~متعارضة فوجب التوقف، وهذا مذهب القاضي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف، ~~ونقله في المنتخب عن الجمهور، وفي الحاصل عن المحققين، وفي المحصول ~~والتحصيل عن جمهور المحققين. والمذهب الثاني: أنها توقيفية ومعناه أن الله ~~تعالى وضعها ووقفنا عليها -بتشديد القاف- أي: علمنا إياها، وهذا مذهب الشيخ ~~أبي الحسن الأشعري واختاره ابن الحاجب # PageV01P080 # والإمام في المحصول في الكلام على القياس في اللغات كما ستعرفه، قال ~~الآمدي: إن كان المطلوب هو اليقين فالحق ما قاله القاضي، وإن كان المطلوب ~~هو الظن وهو الحق، فالحق ما قاله الأشعري لظهور أدلته، واستدل المصنف عليه ~~بالمنقول والمعقول؛ فأما المنقول فثلاثة، الأول: قوله تعالى: {وعلم آدم ~~الأسماء كلها} [البقرة: 31] إلى آخر الآية, على أن آدم لم يضعها ولا ~~الملائكة فتكون توقيفية، أما آدم فلأنه تعلم من الله تعالى، وأما الملائكة ~~فلأنهم تعلموا من المراد بالأسماء إنما هو الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني، ~~وذلك يشمل الأفعال والحروف والأسماء المصطلح عليها؛ لأن الاسم سمي بذلك ~~لأنه سمة أي: علامة على مسماه، والأفعال والحروف كذلك، وأما تخصيص الاسم ~~ببعض الأقسام فإنه عرف النحويين واللغويين، سلمنا أن الاسم بحسب اللغة يختص ~~بهذا القسم لكن التكلم بالأسماء وحدها متعذر، سلمنا أنه غير متعذر لكن ثبت ~~أن الأسماء توقيفية, فيثبت الباقي إذ لا قائل بالفرق. الثاني: أن الله ~~سبحانه وتعالى ذم أقواما على تسميتهم لبعض الأشياء من غير توقيف، فقال: {إن ~~هي إلا أسماء سميتموها} فثبت ms107 التوقيف في البعض المذموم عليه، ويلزم من ذلك ~~ثبوته في الباقي, وإلا يلزم فساد التعليل بكونه ما أنزله. الثالث: قوله ~~تعالى: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم} [الروم: 22] ووجه ~~الدلالة أن الله سبحانه وتعالى قد امتن علينا باختلاف الألسنة وجعله آية، ~~وليس المراد باللسان هو الجارحة اتفاقا؛ لأن الاختلاف فيها قليل, ثم إنه ~~غير ظاهر بخلاف الوجه ونحوه, فتعين أن يكون المراد باللسان هو اللغة مجازا, ~~كما في قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] ~~وحينئذ فنقول: لولا أنها توقيفية لما امتن عليها بها، وأما لمعقول فأمران ~~أحدهما: أنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج الواضع في تعليمها لغيره إلى اصطلاح ~~آخر بينهما، ثم إن ذلك الطريق أيضا لا يفيد لذاته، فلا بد له من اصطلاح ~~آخر، ويلزم التسلسل. واعلم أن هذا التقرير هو الصواب، وهو كما أتى به ~~المصنف، ومن الشارحين من يقرره بتقرير ذكره في المحصول على وجه آخر, فنقلوه ~~إلا ههنا فاجتنبه، نعم هذا الدليل لا يثبت به مذهب الأشعري، وإنما يبطل به ~~مذهب أبي هاشم وأتباعه خاصة فاعرف ذلك. والثاني من المعقول: أن اللغات لو ~~كانت اصطلاحية لجاز التغيير فيها, إذ لا حجر في الاصطلاح وجواز التغيير ~~يؤدي إلى عدم الأمان والوثوق بالأحكام التي في شريعتنا, فإن لفظ الزكاة ~~والإجازة وغيرهما يجوز أن تكون مستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمعان غير هذه المعاني المعهودة الآن, وقد علمنا من هذا أن فائدة الخلاف في ~~التغيير. قوله: "وأجيب" شرع في الجواب عن أدلة الشيخ الخمسة، فأجاب عن ~~الأول وهو قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] بوجهين, ~~أحدهما: لا نسلم أن المراد بالأسماء في الآية في اللغات, بل يجوز أن يكون ~~المراد بالأسماء سمات الأشياء وخصائصها كتعليم أن الخيل تصلح للكر والفر, ~~والجمال للحمل، والثيران للزراعة. # PageV01P081 # فأما تعليم الخواص فواضح، وأما تعليم السمات أي: العلامات فتقريره من ~~وجهين أحدهما: أن هذه الأشياء علامات دالة على تلك الحيوانات, فإنه يعرف ~~بمشاهدة الحرث مثلا كونه ms108 من البقر, فإذا علمه هذه الأشياء فقد علمه سمة على ~~الذوات أي: علامة عليها. الثاني: أن الله تعالى علم آدم علامات ما يصلح ~~للكر والفر، وعلامات ما يصلح للحمل، وغير ذلك حتى إذا شاهد صفة ما يصلح ~~للحمل في ذات استعملها في الحمل إذا تقرر هذا, فنقول: يصح إطلاق الاسم على ~~ما ذكرناه؛ لأن الاسم مشتق من السمة أو من السمو, وعلى كل تقدير فكل ما ~~يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة يكون اسما؛ لأنه اشتق من السمة, فواضح وإن اشتق ~~من السمو فالعلو أيضا موجود؛ لأن الدليل أعلى من المدلول، وأما تخصيص الاسم ~~باللفظ المصطلح عليه فعرف حادث, والضمير في عرضهم للمسميات لتغليب من يعقل، ~~أي: عرض المسميات على الملائكة وامتحنهم على أسمائها، أي: ألفاظها، كما قال ~~الأشعري: أو صفاتها كما أوله المصنف غيره، وعلى كل حال فليس في المضمر ~~دلالة على شيء مما نحن فيه. الثاني: سلمنا أن الأسماء هي اللغات, لكن يجوز ~~أن تكون تلك الأسماء التي علمها الله تعالى آدم قد وضعتها طائفة خلقهم الله ~~تعالى قبل آدم، فلم قلتم: إنه ليس كذلك؟ وفي المحصول جواب ثالث, وهو أنه ~~يجوز أن يكون المراد من التعليم إلهام الاحتياج إليها وإقدارا على الوضع ~~وفي الأحكام جواب رابع، وهو أن ما تعلمه آدم يجوز أن يكون نسيه ثم اصطلحت ~~أولاده من بعده على هذه اللغات والكلام إنما هو فيها، والجواب عن الثاني ~~وهو الذم في قوله تعالى: {ما أنزل الله بها من سلطان} [النجم: 23] : إنا لا ~~نسلم أن الذم على التسمية, بل على إطلاقهم لفظ الإله على الضم, مع اعتقادهم ~~أنها آلهة, إذ اللات والعزى ومناة أعلام على أصنام, فقرينة اختصاصها بالذم ~~دون سائر الأسماء دليل عليه, ولأن هذه أعلام منقولة وليست بمرتجلة, فلا ذم ~~في التسمية لها على القول بالتوقيف كالحارث وشبهه لعدم ارتجالها. والجواب ~~عن الثالث, وهو قوله تعالى: {واختلاف ألسنتكم} [الروم: 22] : أنه إذا انتفى ~~أن يكون المراد الجارحة كما تقدم، وأن المراد إنما هو اللغات مجازا, فليس ms109 ~~محل الامتنان على وضعها حتى يلزم التوقيف بأولى من حمله من الإقدار، إما ~~على ضعها أو على النطق بها فكل منهما آية، وحينئذ فالتوقف يعارضه الإقدار ~~فإن قيل: حمله على الوضع أولى؛ لأنه أقل إضمارا قلنا: لا إضمار هنا أصلا ~~فافهمه، بل حاصله أن الامتنان دل بل لازمه على أن البارئ تعالى له تأثير في ~~اللغات، إما بالوضع أو بالإقدار، والجواب عن الرابع: أنا لا نسلم أنها لو ~~كانت اصطلاحية لاحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر, بل يحصل التعليم بترديد ~~اللفظ، وهو تكراره مرة بعد مرة على القرائن كالإشارة إلى المسمى ونحوها, ~~وبهذا الطريق تعلمت الأطفال، والجواب عن الخامس: أنا لا نسلم ارتفاع الأمان ~~عن الشرع؛ لأن التعبير لو رفع لاشتهر ووصل إلينا؛ لكونه أمرا مهما فعدم # PageV01P082 # اشتهاره دليل على عدم وقوعه. # قال: "وقال أبو هاشم: الكل مصطلح وإلا فالتوقيف إما بالوحي فتقدم البعثة, ~~وهي متأخرة لقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] ~~أو يخلق علم ضروري في عاقل فيعرفه تعالى ضرورة, فلا يكون مكلفا أو في غيره ~~وهو بعيد، وأجيب بأنه ألهم العاقل بأن واضعا ما وضعها، وإن سلم لم يكن ~~مكلفا بالمعرفة فقط. وقال الأستاذ: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي, ~~والباقي مصطلح" أقول: هذا هو المذهب الثالث الذي ذهب إليه أبو هاشم، وهو أن ~~اللغات كلها اصطلاحية, إذ لو وضعها البارئ تعالى ووقفنا عليها -بتشديد ~~القاف- أي: أعلمنا بها فالتوقيف إما أن يكون بالوحي وهو باطل؛ لأنه يلزم ~~تقدم بعثة الرسل على معرفة اللغات لكن البعثة متأخرة؛ لقوله تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] أو يكون بخلق علم ضروري في ~~عاقل بأن الله تعالى وضعها لهذه المعاني وهو باطل؛ لأنه يلزم منه أن يعرف ~~الله تعالى بالضرورة لا بحصول العلم؛ لأن حصول العلم الضروري بوضع الله ~~تعالى يستلزم العلم الضروري بالله تعالى؛ لأن العلم بصفة الشيء إن كان ~~ضروريا يكون العلم بذاته أولى أن يكون ضروريا، وحينئذ فيلزم أن لا يكون ms110 ~~مكلفا بالمعرفة لحصولها، وإذا لم يكن مكلفا بها لم يكن مكلفا مطلقا؛ لأنه ~~لا قائل بالفرق أن يكون بخلق علم ضروري في إنسان غير عاقل, وهو بعيد جدا ~~فإنه يبعد أن يصير غير العاقل عالما بهذه الكيفيات العجيبة, وهذه التركيبات ~~النادرة اللطيفة, فإذا انتفت طرق التوقيف انتفى، وثبت التوقيف، وثبت ~~الاصطلاح، وهذا التقرير هو الصواب على خلاف ما قرره الإمام وأتباعه، فإنهم ~~جعلوه دليلين فلزمهم بطلان دعوى الحصر كما يعرف بالوقوف عليه, فجعله المصنف ~~دليلا واحدا مقسما, فجمع بين الاختصار في اللفظ والانحصار للأقسام، وأجاب ~~المصنف بوجهين, أحدهما: لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى ألهم العاقل أي: ~~خلق العلم فيه, بأن واضعا ما وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني, لا أن ~~الله تعالى هو الذي وضع حتى يلزم المحذور, وهو عدم التكليف. الثاني: سلمنا ~~هذا لكن يلزم أن لا يكون مكلفا بالمعرفة فقط؛ لكونه قد عرف وهذا لا استحالة ~~فيه، أما كونه غير مكلف مطلقا فإنه غير لازم, كمن أتى بعبارة دون عبارة. # واعلم أن الأحسن في الجواب ما أجاب به ابن الحاجب, وهو أن يقال: إن الله ~~تعالى علمها آدم ولا يرد عليه شيء مما قاله الخصم, ثم علمها آدم لبنيه, ثم ~~بعثه الله تعالى إليهم بلغتهم, وأحسن من هذا أيضا أن يقال: الوحي قد يكون ~~إلى نبي وهو الذي أوحي إليه لكن لا للتبليغ, وقد يكون إلى رسول وهو المبعوث ~~لغيره؛ ولهذا قالوا: كل رسول نبي ولا ينعكس, والآية إنما تنفي تعلمها ~~بالوحي إلى رسول فيجوز أن يكون حصل التعليم بالوحي إلى نبي. قوله: "وقال ~~الأستاذ" هذا هو المذهب الرابع اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني ~~الشافعي, وهو أن القدر الذي وقع به التنبيه إلى # PageV01P083 # الاصطلاح توقيفي, فإنه لو كان اصطلاحيا في تعليمه إلى اصطلاح آخر وتسلسل ~~كما قلناه, وأما الباقي فيكون اصطلاحيا، وهكذا قاله الإمام لما تكلم على ~~تفصيل المذاهب, فتابعه المصنف لكنه نقل عنه عند الاستدلال عليه أن الباقي ~~يحتمل أن يكون اصطلاحيا، وأن يكون توقيفيا ms111 وهو الذي نقله عنه ابن برهان ~~والآمدي وصاحب التحصيل وابن الحاجب وغيرهم, فعلى هذا يكون مذهبه مركبا من ~~الوقف والتوقيف، وفي المسألة قول خامس: أن ابتداء اللغات اصطلاحي والباقي ~~محتمل, كذا في المحصول والتحصيل، لكن في المنتخب والحاصل الجزم بأن الباقي ~~توقيفي. # قال: "وطريق معرفتها النقل المتواتر أو الآحاد واستنباط العقل من النقل ~~كما إذا نقل أن الجمع المعرف بالألف واللام يدخله الاستثناء، وأنه إخراج ~~بعض ما تناوله اللفظ فيحكم بعمومه، وأما العقل الصرف فلا يجدي" أقول: هذا ~~هو القسم السادس وهو الطريق إلى معرفة اللغات, ويعرف بثلاثة أمور, أحدها: ~~بالنقل المتواتر كالسماء والأرض والحر والبرد ونحوها مما لا يقبل التشكيك. ~~الثاني: الآحاد كالقرء ونحوه من الألفاظ العربية, قال في المحصول: وأكثر ~~ألفاظ القرآن من الأول وذكر الآمدي نحوه. الثالث, ولم يذكره الآمدي ولا ابن ~~الحاجب: استنباط العقل من النقل كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف يدخله ~~الاستثناء، ونقل إلينا الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ فيحكم العقل ~~بواسطة هاتين المقدمتين أن الجمع المعرف للعموم، وأما العقل الصرف بكسر ~~الصاد أي: الخالص, فلا يجدي أي: فلا ينفع, في معرفة اللغات؛ لأن العقل إنما ~~يستقل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وأما وقوع أحد ~~الجائزين فلا يهتدي إليه، واللغات من هذا القبيل لأنها متوقفة على الوضع. # PageV01P084 ### | الفصل الثاني # قال: "الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ: دلالة اللفظ على إتمام مسماه ~~مطابقة, وعلى جزئه تضمن, وعلى لازمه الذهني التزام" أقول: لما فرغ من ~~الكلام على وضع اللفظ وما يتعلق به, شرع في تقسيمه وذلك من وجوه, وقدم ~~تقسيم الألفاظ باعتبار دلالتها؛ لأن التقسيمات كلها متفرعة على الدلالة ~~وإنما قلنا: إن تقسيم الدلالة تقسيم للألفاظ؛ لأن كلامه في الدلالة اللفظية ~~ويلزم من تقسيم الدلالة اللفظية إلى الثلاثة تقسيم اللفظ الدال بالضرورة, ~~فاندفع سؤال من قال: كلام المصنف في تقسيم الألفاظ فكيف انتقل إلى تقسيم ~~الدلالة, ثم إن الدلالة معنى عارض للشيء بالقياس إلى غيره ومعناها كون ~~الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر وهي ms112 إما لفظية أو غير لفظية, فغير اللفظية ~~قد تكون وضعية كدلالة الذراع على المقدر المعين وغروب الشمس على وجوب ~~الصلاة وقد تكون عقلية كدلالة وجود المسبب على وجود سببه, وليس الكلام في ~~هذين القسمين بل في اللفظية؛ فلذلك احترز المصنف عنها بقوله: دلالة اللفظ، ~~ثم إن اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما عقلية كدلالة المقدمتين على ~~النتيجة ودلالة اللفظ على وجود اللافظ وحياته, وإما طبيعية كدلالة اللفظ ~~الخارج عند السعال على وجع الصدر, وإما # PageV01P084 # وضعية وهي المقصودة ههنا, فكان ينبغي أن يقول: دلالة اللفظ الوضعية على ~~أن الإمام قال: إن دلالة المطابقة وحدها وضعية, وأما التضمن والالتزام ~~فعقليتان, وتعريف هذه الدلالة التي يريدها المصنف هو كون اللفظ إذا أطلق ~~فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع, وإن شئت قلت: فهم السامع من الكلام ~~تمام المسمى أو جزأه أو لازمه, وقسمها المصنف إلى ثلاثة أقسام أحدها: ~~المطابقة وهي دلالة اللفظ على تمام مسماه كدلالة الإنسان على الحيوان ~~الناطق, وسمي بذلك؛ لأن اللفظ طابق معناه. الثاني: دلالة التضمن وهي دلالة ~~اللفظ على جزء المسمى كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو على الناطق فقط, ~~وسمي بذلك لتضمنه إياه. الثالث: دلالة الالتزام وهي دلالة اللفظ على لازمه ~~كدلالة الأسد على الشجاعة, وإنما يتصور ذلك في اللازم الذهني وهو الذي ~~ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ سواء كان لازما في الخارج أيضا كالسرير ~~والارتفاع أم كالعمى والبصر, وكدلالة زيد على عمر, وإذا كانا مجتمعين غالبا ~~ولا يأتي ذلك في اللازم الخارجي فقط, كالسرير مع الإمكان, فإنه إذا لم ~~ينتقل الذهن إليه لم تحصل الدلالة البتة، ومن هذا يعلم أن قوله: وعلى لازمه ~~الذهني التزام غير مستقيم؛ لأن هذا يوهم وجود الدلالة مع اللازم الخارجي ~~وهو باطل. قال في المحصول: وهذا اللزوم شرط لا موجب, يعني أن اللزوم بمجرده ~~ليس هو السبب في حصول دلالة الالتزام, بل السبب هو إطلاق اللفظ واللزوم ~~شرط، وهذا التقسيم يعرف منه حد كل واحد منها, وفيه من وجوه منها: أن ms113 اللفظ ~~جنس بعيد لإطلاقه على المستعمل والمهمل, وهو مجتنب في الحدود، فكان ينبغي ~~أن يقول: دلالة للقول، ومنها: أن التمام لا يكون إلا فيما له أجزاء، وحينئذ ~~فيرد عليه دلالة اللفظ الموضوع لمعنى لا جزء له كالجوهر الفرد، والآن ~~والنقطة، وكلفظ الله سبحانه وتعالى. ومنها: أنه ينبغي أن يقول من حيث هو ~~تمامه، وفي التضمن من حيث هو جزء، وفي الالتزام من حيث هو لازمه؛ ليحترز به ~~عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، كوضع الممكن العام والخاص ما ستعرفه في ~~الاشتراك, وكذلك وضع مصر للإقليم الخاص وللبلدة المعروفة، وعن المشترك بين ~~الشيء ولازمه كالشمس في الكوكب مع لازمه وهو الضوء، فإن دلالة مصر مثلا على ~~البلد المعروف إنما تكون بالمطابقة من حيث إنها تمام المسمى لا من حيث إنها ~~جزؤه، فإن دلالتها من هذه الحيثية دلالة التضمن وكذلك القول في دلالة ~~التضمن والالتزام على أن الإمام أتى بهذا القيد في التضمن والالتزام فقط، ~~ويلزمه ذلك في الباقي، وهكذا فعل صاحب التحصيل، لكن حذفها صاحب الحاصل ثم ~~المصنف من الجميع؛ اكتفاء بقرينة التمام والجزئية واللازمية, واتباعا ~~للمتقدمين, فإنه لم يذكره أحد قبل الإمام كما قاله القرافي، ومنها: أن ~~انحصار الدلالة الوضعية في الثلاثة يرد عليه سؤال قوي أورده بعضهم, وتقريره ~~موقوف على مقدمة وهي الفرق بين الكلي والكلية والكل، والجزئي والجزئية ~~والجزء، فأما الكلي فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون # PageV01P085 # كالإنسان, والجزئي مقابله كزيد وسيأتي ذلك، وأما الكلية فهو الحكم على كل ~~فرد بحيث لا يبقى فرد من الأفراد كقولنا: رجل يشبعه رغيفان غالبا، وتقابله ~~الجزئية وهو الحكم على بعض أفراد حقيقة من غير تعيين كقولنا: بعض الحيوان ~~إنسان، وأما الكلي فهو الحكم على المجموع من حيث هو مجموع كأسماء العدد ~~وكقولنا: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة, فهذا صادق باعتبار الكل دون الكلية، ~~ويقابله الجزء وهو ما تركب منه ومن غيره كل, كالخمسة مع العشرة إذا علمت ~~ذلك فنقول: صيغة العموم مسماها كلية ودلالتها على فرد منه كدلالة المشركين ~~على زيد ms114 المشرك مثلا خارجة عن الثلاثة, أما انتفاء المطابقة والالتزام ~~فواضح، وأما التضمن فلأنه دلالة اللفظ على جزء مسماه كما تقدم, والجزء إنما ~~يقابله الكل، ومسمى صيغة العموم ليس كلا كما قررناه، وإلا لتعذر الاستدلال ~~بها على ثبوت حكمها لفرد في النفي أو النهي, فإنه لا يلزم من نفي المجموع ~~نفي جزئه, ولا من النهي عن المجموع النهي عن جزئه. # "فائدة": جميع ما تقدم في دلالة اللفظ كما عبر عنه المصنف, وقد تقدم أنها ~~فهو السامع والفرق بينهما وبين الدلالة باللفظ بزيادة الباء, أن الدلالة ~~باللفظ استعمال اللفظ, أما في موضوعه وهي الحقيقة غير الموضوعة لعلاقة وهو ~~المجاز، والباء فيها للاستعانة والسببية؛ لأن الإنسان يدلنا على ما في نفسه ~~باطلا لفظه, فإطلاق اللفظ آلة الدلالة كالقلم للكتابة، والفرق بينهما من ~~وجوه أحدها: المحل فإن محل دلالة اللفظ القلب ومحل الدلالة باللفظ اللسان ~~وغيره من المخارج، وثانيها: من جهة الموصوف, فإن دلالة اللفظ صفة للسامع، ~~والدلالة بلفظ صفة للمتكلم, وثالثها: من جهة السببية, فإن الدلالة باللفظ ~~سبب، ودلالة اللفظ مسبب عنها، ورابعها: من جهة الوجود, فإنه كلما وجدت ~~دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ بخلاف العكس، وخامسها: من جهة الأنواع, ~~فدلالة اللفظ ثلاثة أنواع: المطابقة والتضمن والالتزام، وللدلالة باللفظ ~~نوعان: الحقيقة والمجاز. # قال: "واللفظ إن دل جزؤه على جزء معناه فمركب وإلا فمفرد, والمفرد إما أن ~~لا يستقل بمعناه وهو الحرف، أو يستقل، وهو فعل إن دل بهيئته على أحد ~~الأزمنة الثلاثة، وإلا فاسم كلي إن اشترك معناه، متواطئ، إن استوى، ومشكك ~~إن تفاوت، وجنس إن دل على ذات غير معينة كالفرس، ومشتق إن دل على ذي صفة ~~معينة كالفارس، وجزئي إن لم يشترك، وعلم إن استقل، ومضمر إن لم يستقل" ~~أقول: اللفظ ينقسم إلى: مركب ومفرد؛ وذلك لأنه إن دل جزؤه على جزء المعنى ~~المستفاد منه فهو المركب سواء كان تركيب إسناد كقولنا: قام زيد وزيد قائم، ~~أو تركيب مزج كخمسة عشر، أو تركيب إضافة كغلام زيد، وأورد القاضي أفضل ~~الدين الخونجي ms115 على هذا الحيوان ناطق علما على إنسان، فينبغي أن يزاد حين هو ~~جزؤه, كما ذكره الإمام في المحصول. وقوله: "إن دل جزؤه" أي: كل واحد من ~~أجزائه, واستغنى المصنف عن ذكره بإضافة اسم الجنس # PageV01P086 # لأنها للعموم، أو نقول: إذا دل جزء واحد منه على جزء من معناه يلزم دلالة ~~الجزء الآخر؛ لأن ضم الجزء المهمل إلى المستعمل غير مفيد، قال الأصفهاني في ~~شرح المحصول: ولا فرق بين المركب والمؤلف عند المحققين، وقال بعضهم: المركب ~~ما قلناه, وأما المؤلف فهو ما دل جزؤه لا على جزء المعنى كعبد الله. قوله: ~~"وإلا فمفرد" أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه فهو المفرد, وذلك بأن لا ~~يكون له جزء أصلا كباء الجر, أو له جزء ولكن لا يدل على جزء معناه, زيد: ~~ألا ترى أن الدال منه وإن كانت تدل على حرف الهجاء لكنه ليس جزءا من معناه ~~أي: من مدلولها وهو الذات المعينة، وكذلك عبد الله وتأبط شرا ونحوه غلاما، ~~ولك أن تقول: هذا التعريف يقتضي أن: قام زيد مفرد؛ لأن جزأيه وهو القاف من ~~قام والزاي من زيد لا يدلان على جزأي معناهما, فينبغي تقييد الجزء بالقريب. ~~قوله: "والمفرد ... إلخ" بدأ بالكلام على المفرد لتقدمه على المركب بالطبع, ~~ثم إن المفرد ينقسم من وجوه فقدم ما هو باعتبار أنواعه وهو تقسيمه إلى ~~الاسم والفعل والحرف، وحاصله أن المفرد إن كان لا يستقل بمعناه الحرف أي: ~~لا يفهم معناه الذي وضع باعتبار لفظ آخر دال على معنى هو متعلق معنى الحرف, ~~ألا ترى أي الدراهم من قولك: قبضت من الدراهم, دالة على معنى هو متعلق ~~مدلول من؛ لأن التبعيض تعلق به، وإن استقل نظر إن دل بهيئته أي: بحالته ~~التصريفية على أحد الأزمنة الثلاثة؛ أما الماضي كقام أو الحال كيقوم أو ~~المستقبل كقم فهو الفعل. "وإلا" أي: وإن لم يدل بهيئته على أحد الأزمنة فهو ~~الاسم، وذلك بأن لا يدل على زمان أصلا كزيد, أو يدل عليه لكن لا بهيئته بل ms116 ~~بذاته, كالصبوح والغبوق وأمس والحال والمستقبل والآن. قوله: "كلي" اعلم أن ~~الاسم قد يكون كليا وقد يكون جزئيا وتسميته بذلك مجاز، فإن الكلية والجزئية ~~من صفات المسمى، فالكلي هو الذي لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه سواء ~~وقعت الشركة كالحيوان والإنسان والكاتب, أو لم تقع مع إمكانها كالشمس, ~~واستحالتها كالإله وتعبير صدق عليها وهو الجزء الحقيقي، ويقال لما يدل على ~~أخص من آخر جزئي: إضافي أي: بالإضافة إلى الأعم ثم الجزئي. "وعلم إن استقل" ~~بالدلالة بمعنى أنه وضع لمدلوله بلا قرينة. "مضمر إن لم يستقل" قال المدقق ~~في إيضاح المفصل: المضمر ما وضع لمدلوله بقوله: إنه اشترك معناه غير مستقيم ~~لأن الكلي الذي لم يقع فيه شركة يخرج منه، فالأولى أن يقول: إن قبل معناه ~~الشركة، وقال الغزالي: الكلي هو ما يقبل الألف واللام وينتقض بقولنا: ابن ~~آدم وشبهه. ثم إن الكلي إن استوى معناه في أفراده فهو المتواطئ كالإنسان, ~~فإن كان فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الحيوانية والناطقية، وسمي ~~متواطئا لأنه متوافق يقال: تواطأ فلان وفلان أي: اتفقا، وإن اختلف فهو ~~المشكك سواء كان اختلافه بالوجوب والإمكان كالوجود, فإنه واجب في البارئ ~~ممكن في غيره أو بالاستغناء والافتقار كالوجود يطلق على الأجسام مع ~~استغنائها عن المحل، وعلى الأعراض مع # PageV01P087 # افتقارها إليه, أو بالزيادة والنقصان كالنور فإنه في الشمس أكثر منه في ~~السراج، والمفهوم من قول المصنف إن تفاوت اختصاصه بهذا الأخير وليس كذلك ~~وسمي مشككا؛ لأنه يشك الناظر فيه: هل هو متواطئ لكون الحقيقة واحدة، أو ~~مشترك لما بينها من اختلاف؟ # "فائدة": قال ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك؛ لأن ما حصل به الاختلاف إن ~~دخل في التسمية كان اللفظ مشتركا، وإن لم يدخل بل وضع القدر المشترك فهو ~~المتواطئ, وأجاب القرافي بأن كلا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، ~~ولكن الاختلاف إن كان بأمور من جنس المسمى فهو المصطلح على تسميته بالمشكك، ~~وإن كان بأمور خارجة عن مسماه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فهو المصطلح ms117 ~~على تسميته بالمتواطئ. قوله: "وجنس" يريد: أن الكلي إن دل على ذات غير ~~معينة كالفرس والإنسان والعلم والسواد وغير ذلك مما دل على نفس الماهية, ~~فهو الجنس أي: اسم الجنس كما قال في المحصول ومختصراته، وهذا التعريف ينتقض ~~بعلم الجنس كأسامة للأسد وثعالة للثعلب، فإنه يدل على ذات غير معينة تقول: ~~رأيت ثعالبة أي: ثعلبا مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس حتى يعامل في اللفظ ~~معاملة الأعلام كالابتداء به، ووقوع الحال منه في الفصيح ومنع صرفه إن ~~انضمت إليه علة أخرى, فهو وارد على هذا بخصوصه، وعلى أصل التقسيم لكونه ~~أهمله منه. والفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس أن الوضع فرع التصور فإذا ~~استحضر الواضع صورة الأسد ليضع لها تلك الصورة الكائنة في ذهنه في جزئية ~~بالنسبة إلى مطلق صورة الأسد, فإن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص في هذا ~~الزمان, ومثلها يقع في زمان آخر وفي ذهن شخص آخر والجميع يشترك في مطلق ~~صورة الأسد, فهذه الصورة جزئية من مطلق صورة الأسد، فإن وضع لها من حيث ~~خصوصها فهو علم الجنس، أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس, إذا تقرر هذا ~~فنقول: اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية من حيث هي هي، وعلم الجنس هو ~~الموضوع للحقيقة من حيث هي متشخصة من في الذهن، وعلم الشخص هو الموضوع ~~للحقيقة بقيد التشخص الخارجي. قوله: "مشتق" أي: وإن دل على ذي صفة معينة ~~أي: صاحب صفة معينة, فهو المشتق كالأسود والفارس. قال ابن السكيت: وهو من ~~كان على حافر سواء كان فرسا أو حمارا، وقال عمارة: لا أقول لصاحب الحمار: ~~فارس ولكن حمار, حكاه الجوهري قال: وأما الراكب فهو من كان على بعير خاصة، ~~ولقائل أن يقول: إذا كان الفارس يطلق عليها فلا يحسن تمثيل المصنف به للصفة ~~المعينة. قال في المحصول: والأسود ونحوه من المشتقات يدل على ذات إما متصفة ~~بالسواد، وإما خصوص تلك الذات من كونها جسما أو غير جسم فلا؛ لأنه يصح أن ~~تقول: الأسود جسم, فلو ms118 كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد, لكان كقولك: ~~الجسم ذو السواد جسم وهو فاسد، ولو كان # PageV01P088 # مفهومه أنه غير جسم لكان نقضا، نعم قد يعلم ذلك بطريق الالتزام. # "فائدة": الكلي على ثلاثة أقسام: طبيعي ومنطقي وعقلي؛ فالإنسان مثلا فيه ~~حصة من الحيوانية, فإذا أطلقنا عليه أنه كلي فههنا ثلاثة اعتبارات, أحدها: ~~أن يراد به الحصة التي شارك بها الإنسان غيره, فهذا هو الكلي الطبيعي وهو ~~موجود في الخارج فإنه جزء الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود، والثاني: أن ~~يرد به أنه غير مانع من الشركة فهو هذا الكلي المنطقي, وهذا لا وجود له ~~لعدم تناهيه، والثالث: أن يراد به الأمران معا, الحصة التي يشارك بها ~~الإنسان غيره مع كونه غير مانع من الشركة، وهذا أيضا لا وجود له لاشتماله ~~على ما لا يتناهى، وذهب أفلاطون إلى وجوده، وقد ذكر الإمام تقسيمات أخرى في ~~الكلي كانقسامه إلى: الجنس والنوع، وأهمله المصنف هنا لذكره إياه في ~~المصباح. قوله: "وجزئي, إن لم يشترك" أي: لم يشترك في معناه كثيرون، وهو ~~قسيم لقوله: أولا كلي, إن اشترك معناه، ثم إن الجزئي إن استقل بالدلالة أي: ~~كان لا يفتقر إلى شيء يفسرها فهو العلم كزيد، وإن لم يستقل فهو المضمر كأنا ~~وأنت؛ لأن المضمرات لا بد لها من شيء يفسرها، وفي كلامه نظر من وجوه أحدها: ~~أن عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة والأسماء الموصولة وغيرها مع أنها ~~ليست بمضمرات، الثاني: أن هذا التقسيم كله في الاسم، وقد تقدم أن الاسم هو ~~الذي يستقل بمعناه, فكيف يقسم إلى ما لا يستقل؟ الثالث: أن عدم الاستقلال ~~قد جعله أولا حدا للحرف، فإن أراد بالاستقلال الأول غير ما أراد بالاستقلال ~~الثاني فليبين. # "فائدة": ذهب الأكثرون إلى أن المضمر جزئي كما ذهب إليه المصنف, واحتجوا ~~بأن الكلي نكرة والمضمر أعرف المعارف فلا يكون كليا، وبأنه لو كان كليا لما ~~دل على الشخص المعين؛ لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص. ونقل القرافي ~~في شرح المحصول, وشرح التنقيح ms119 عن الأقلين أنه كلي، وقال: إنه الصحيح، وقال ~~الأصفهاني في شرح المحصول: إنه الأشبه وهذا القول هو الصواب؛ لأن أنا وأنت ~~وهو صادق على ما لا يتناهى فكيف يكون جزئيا؟ وأيضا فإن مدلولاتها لا تتعين ~~إلا بقرينة بخلاف الإعلام، وعلى هذا فأنا موضوع لمفهوم المتكلم، وأنت ~~لمفهوم المخاطب، وهو لمفهوم الغائب، وأما استدلالهم بالوجهين فعنهما جواب ~~واحد, وهو أن إفادة اللفظ للشخص المعين له سببان, أحدهما: وضع اللفظ له ~~بخصوصه كالإعلام، والثاني: أن يوضع لقدر مشترك ولكن ينحصر في شخص معين, ~~فيفهم الشخص لحصر المسمى فيه, لا لوضع اللفظ له بخصوصه, كفهم الكوكب المعين ~~من لفظ الشمس وإن كان كليا, وكذلك القول أيضا فيما عدا العلم من المعارف, ~~كاسم الإشارة والموصول والمعرف بأل؛ ولهذا قال شيخنا أبو حيان: الذي نختاره ~~أنها كليات وضعا، جزئيات استعمالا. قال: "تقسيم آخر: اللفظ والمعنى إما أن ~~يتحدا وهو المفرد, أو يتكثرا وهي المتباينة تفاصلت معانيها كالسواد ~~والبياض، أو تواصلت كالسيف والصارم # PageV01P089 # والناطق والفصيح، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى وهي المترادفة، أو بالعكس ~~فإن وضع للكل فمشترك إلا فإن نقل لعلاقة واشتهر في الثاني, سمي بالنسبة إلى ~~الأول منقولا عنه والثاني "منقولا" إليه، وإلا فحقيقة ومجاز، والثلاثة ~~الأول المتحدة المعنى نصوص, وأما الباقية فالمتساوي الدلالة مجمل، والراجح ~~ظاهر، والمرجوح مؤول، والمشترك بين النص والظاهر المحكم, وبين المجمل ~~والمؤول المتشابه" أقول: هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار وحدة تعدده ووحدة ~~المعنى وتعدده فيكون تقسيما له باعتبار ما يعرض له؛ ولهذا أخره عن التقسيم ~~الأول المعقود للتقسيم الذاتي كما تقدم بيانه. وحاصله أن اللفظ والمعنى على ~~أقسام أربعة؛ لأنهما إما أن يتحدا أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ مع اتحاد ~~المعنى أو عكسه, الأول: أن يتحد اللفظ، والمعنى كلفظ الله فإنه واحد ~~ومدلوله واحد، ويسمى هذا بالمنفرد؛ لانفراد لفظه بمعناه، وقال الإمام: وهذا ~~هو التقسيم إلى جزئي وكلي, الثاني: أن يتكثر اللفظ ويتكثر المعنى كالسواد ~~والبياض، ويسمى بالألفاظ المتباينة لأن كل واحد منها متباين لآخر أي: مخالف ~~له في ms120 معناه, ثم إن الألفاظ المتباينة قد تكون معانيها متفاصلة، أي: لا ~~تجتمع كما مثلناه وكالأسود للإنسان والفرس، وقد تكون متواصلة أي: يمكن ~~اجتماعها إما بأن يكون أحدهما اسما للذات والآخر صفة لها كالسيف والصارم، ~~فإن السيف اسم للذات المعروفة سواء كانت آلة أم لا والصارم مدلوله الشديد ~~القطع فهما متباينان، وقد يجتمعان في سيف قاطع، وأما أن يكون أحدهما صفة ~~والآخر صفة للصفة كالناطق والفصيح، فإن الناطق صفة للإنسان مع أن الناطق قد ~~يكون فصيحا، وقد لا يكون فالفصيح للناطق، وإذا قلت: زيد متكلم فصيح فقد ~~اجتمعت الثلاثة، وكذلك إذا كان مدلول أحدهما جزءا من مدلول الآخر كالحيوان ~~والإنسان، ولم يذكره المصنف, الثالث: أي: يتكثر اللفظ ويتحد المعنى, فنسمي ~~تلك الألفاظ مترادفة سواء كانا من لغة واحدة أو من لغتين كلغة العرب، ولغة ~~الفرس مثلا، والترادف مأخوذ من الرديف, وهو ركوب اثنين دابة واحدة، الرابع: ~~أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا فإن وضع لكل أي: لكل واحد من تلك ~~المعاني فهو المشترك كالقرء الموضوع للطهر والحيض، وفي كثير من النسخ، فإن ~~وضع للكل بأن المعرفة وهو منقوض بأسماء الأعداد فإن العشرة مثلا موضوعة لكل ~~الأفراد, ومع ذلك ليست مشتركة؛ لأنها ليست موضوعة لكل منها، وكذا لفظ ~~البلقة الموضوع للسواد والبياض إلا أن يقال: لا نسلم أن المعنى متعدد بل ~~واحد وهو المجموع أو يقال: أراد بالكل الكلي العددي كما تقدم بسطه في تقسيم ~~الدلالة، فيصبح على أن تعريف كل ممتنع من جهة اللغة، وإن لم يوضع لكل واحد ~~بل وضع لمعنى, ثم نقل إلى غيره نظر، فإن كان لا لعلاقة قال في المحصول: فهو ~~المرتجل واستشكله القرافي بأن المرتجل في الاصطلاح هو اللفظ المخترع أي: لم ~~يتقدم له وضع, قال: وأما تفسيره بما قاله الإمام فغير معروف، ولم يذكر ~~المصنف هذا التقسيم # PageV01P090 # ولعله لهذا السبب وإن نقل لعلاقة, فإن اشتهر في الثاني أي: بحيث صار فيه ~~أغلب من الأول كما في المحصول، وذلك كالصلاة سمي بالنسبة إلى المعنى الأول ~~منقولا ms121 عنه، وبالنسبة إلى الثاني منقولا إليه, إما شرعيا أو عرفيا أو عاما ~~أو خاصا بحسب الناقلين كما سيأتي إيضاحه وتمثيله في حد المجاز. واعلم أن ~~اشتراط المناسبة في المنقول مردود, فإن كثيرا من المنقولات لا مناسبة بينها ~~وبين المنقول عنها, ألا ترى أن الجوهر لغة هو الشيء النفيس ثم نقله ~~المتكلمون إلى تقسيم للعرض وهو القائم بنفسه، وإن كان في غاية الخسة؟ وأجاب ~~الأصفهاني في شرح المحصول بأن القيام بنفسه نفاسة وهو ضعيف، وإن لم يشتهر ~~في الثاني كالأسد فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول وهو الحيوان المفترس, مجاز ~~بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع، وعلم من هذا أن المجاز عند المصنف ~~غير موضوع، وسيأتي ما يخالفه وهذا التقسيم مردود؛ لأن المجاز أيضا قد يكون ~~أشهر من الحقيقة وهي المسألة المعروفة بالحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح ~~وسيأتي, وأيضا فالوضع على حدته لا يكفي في إطلاق لفظ الحقيقة على المعنى ~~الأول, بل لا بد من استعمال، وكذا في المجال أيضا. قوله: "والثلاث الأول" ~~أي: متحد اللفظ والمعنى, ومتكثر اللفظ والمعنى, ومتكثر اللفظ متحد المعنى, ~~فإنها نصوص لأن كلا منها يدل على معنى لا يحتمل غيره، وهذا هو معنى النص ~~وسمي بذلك؛ لأن النص في اللغة على ما حكاه الجوهري وغيره هو بلوغ الشيء ~~منتهاه وغايته، وهذه الألفاظ كذلك لأنها في الدرجة الغاية والمرتبة ~~النهائية من وجوه الدلالة، واحترز بقوله: المتحدة المعنى عن القرء والعين ~~والجون, فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأن كل لفظ منها مشترك بين معان، ~~وكذلك الألفاظ المترادفة قد تكون مشتركة أيضا كلفظ العين والذهب. قوله: ~~"وأما الباقية" أي: الأقسام الداخلة في كون اللفظ واحدا، والمعنى كثيرا وهو ~~المشترك، فالمنقول عنه والمنقول إليه, والحقيقة والمجاز, فإنها تنقسم إلى ~~مجمل وظاهر ومؤول وذلك لأن اللفظ إن كانت دلالته على تلك المعاني بالسوية ~~كالقرء والعين وغيرهما من الألفاظ المشتركة فهو المجمل مأخوذا من الجمل ~~-بفتح الجيم وإسكان الميم- وهو الاختلاط كما حكاه القرافي فسمي بذلك ~~لاختلاط المراد بغيره وسيأتي أن قوله تعالى: {إن ms122 الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة} [البقرة: 67] ، {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وغير ذلك من ~~المجملات, فلا يكون محصورا في المشترك، وإن كانت دلالته على بعض المعاني ~~أرجح من بعض, سمي بالنسبة إلى الراجح ظاهرا وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا؛ ~~لكونه يؤول إلى الظهور عند اقتران الدليل به المنقول لعلاقة, ولم يشتهر ~~كالأسد دلالته على الأول ظاهرة، وعلى الثاني مؤولة فإن اشتهر وهو المسمى ~~بالمنقول كالصلاة فهو على العكس. قوله: "والمشترك" يعني أن النص والظاهر ~~مشتركان في الرجحان إلا أن النص فيه رجحان بلا احتمال لغيره كأسماء ~~الأعداد, والظاهر فيه رجحان مع احتمال كدلالة اللفظ على المعنى الحقيقي, ~~فالقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم, فالمحكم # PageV01P091 # جنس لنوعين: النص والظاهر، ثم إن المجمل والمؤول مشتركان في أن كلا منهما ~~يفيد معناه إفادة غير راجحة, إلا أن المؤول مرجوح أيضا والمجمل ليس مرجوحا ~~بل مساويا, فالقدر المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه, فهو جنس ~~لنوعين: المجمل والمؤول, وهذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] . # قال: "تقسيم آخر: مدلول اللفظ إما معنى, أو لفظ مفرد, أو مركب مستعمل, أو ~~مهمل نحو الفرس والكلمة وأسماء الحروف والخبر والهذيان, والمركب صيغ ~~للإفهام, فإن أفاد بالذات طلبا فالطلب للماهية استفهام, والتخيل مع ~~الاستعلاء أمر، ومع التساوي التماس، ومع التسفل سؤال، وإلا فمحتمل التصديق ~~والتكذيب خبر وغيره تنبيه, ويندرج فيه والتمني والترجي والقسم والنداء" ~~أقول: مدلول اللفظ قد يكون معنى وقد يكون لفظا, فإن كان لفظا فقد يكون ~~مفردا وقد يكون مركبا, وكل منها قد يكون مستعملا وقد يكون مهملا، ومجموع ~~ذلك خمسة أقسام وقد ذكرها المصنف بأمثلتها من باب اللف والنشر, الأول: يكون ~~المدلول معنى أي: شيئا أي: بلفظ كالفرس وزيد, وهذا هو الذي تقدم انقسامه ~~إلى جزئي وكلي. الثاني: أن يكون المدلول لفظا مفردا مستعملا كالكلمة, فإن ~~مدلولها لفظ وضع لمعنى مفرد وهو الاسم والفعل والحرف. الثالث: أن يكون ~~المدلول لفظا مفردا مهملا كأسماء حروف الهجاء, ms123 ألا ترى أن حروف: ضرب وهى ضه ~~وره وبه, لم توضع لمعنى مع أن كلا منها قد وضع له اسم: للأول الضاد، ~~وللثاني الراء، وللثالث الباء، وهكذا ذكره سيبويه، ونقله عن الخليل فافهمه ~~واجتنب غيره من التقديرات والهاء اللاحقة لضه وره وبه وهي هاء السكت. ~~الرابع: أن يكون المدلول لفظا مركبا مستعملا نحو الخبر، فإن مدلوله لفظ ~~مركب موضوع كاقم زيد. الخامس: أن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا, قال ~~الإمام: والأشبه أنه غير موجود؛ لأن الغرض من التركيب هو الإفادة، وجزم به ~~في المنتخب وتبعه على ذلك صاحب الحاصل والتحصيل وهو ضعيف، فإن ما قالوه ~~دليل على أن المهمل غير موضوع لا على أنه لم يوضع له اسم لا جزم بأن المصنف ~~خالفهم، وزاد على ذلك فمثل له بالهذيان فإن لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل وهو ~~مصدر هذى بالذال المعجمة. قال الجوهري: هذى في منطقه يهذي ويهذو هذوا ~~وهذيانا. قوله: "والمركب صيغ للإفهام" لما فرغ من تقسيم المفرد شرع في ~~تقسيم المركب, ولا شك أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات وألفه منها ~~لإفهام الغير ما في ضميره، فتارة يفيد طلبا وتارة يفيد غير ذلك، فإن أفاد ~~طلبا بذاته نظر فإن كان الطلب للماهية أي: لذكرها كما قال في المحصول1 فهو ~~الاستفهام، كقولك: ما حقيقة الإنسان؟ وهل قام زيد؟ وهذا التقرير ~~PageV01P092 # الذي ذكره لا دليل عليه في كلام المصنف مع أنه لا بد منه، وإلا يرد الأمر ~~لكونه طلبا للماهية أيضا، والمصنف تبع في ذلك صاحب الحاصل وإنما سمي ~~بالاستفهام؛ لأنه طلب للفهم، كاستعطى إذا طلب أن يعطى له إذ السين دالة على ~~الطلب لكن الطلب في الحقيقة إنما هو بالأداة كهل ومتى، فإطلاق الاستفهام ~~والطلب على اللفظ المركب من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. وإن كان مع ~~التسفل أي التذلل، فهو السؤال كقول العبد: اللهم اغفر لي. وقوله: "بالذات" ~~يعني بالوضع، ومنهم من يعبر عنه بقوله: إفادة أولية, والكل بمعنى واحد, ~~واحترز به المصنف عما يفيد بالطلب باللازم ms124 كقولك: أنا طالب منك أن تذكر ~~حقيقة الإنسان، وأن تسقيني الماء، وأن لا تفعل كذا, فإنه لا يسمى الأول ~~استفهاما، ولا الثاني أمرا, لا الثالث نهيا, بل هي إخبارات وكذلك التمني ~~والترجي والقسم والنداء تفيد أيضا الطلب باللازم، وهذا الذي قرره فيه نظر ~~من وجوه، منها أنه مناقض للمذكور في الأوامر والنواهي حيث قال: ويفسدهما ~~أي: ويفسد اشتراط العلو والاستعلاء قول فرعون: ماذا تأمرونني؟ ومنها أنه ~~خلط مذهبا بمذهب, فإن التساوي ليس قسيما للاستعلاء والتسفل بل للعلو، وهو ~~أن يكون الطالب أعلى مرتبة كما سيأتي في باب الأوامر والنواهي، لكنه قلد ~~الإمام في ذلك، ومنها أنه أهمل الطلب للترك تبعا لصاحب الحاصل, وهو وارد ~~على التقسيم، وقد ذكره الإمام وغيره. وقالوا: فإنه ينقسم إلى الأقسام ~~الثلاثة المذكورة في طلب التحصيل, لكنه مع الاستعلاء يسمى نهيا. قوله: ~~"وإلا" أي: وإن لم يفد بالذات طلبا, وذلك بأن لا يدل على طلب أصلا كقام زيد ~~أو يدل عليه لكن لا بالذات كقولك: أنا طالب كذا، ومنه التمني وغيره مما ~~تقدم فينظر فيه, فإن كان محتملا للتصديق والتكذيب فهو الخبر كقولنا: قام ~~زيد، وإنما عدل المصنف عن الصدق والكذب إلى التصديق والتكذيب؛ لأن الصدق ~~مطابقة الواقع، والكذب عدم مطابقته. ونحن نجد من الأخبار ما لا يحتمل الكذب ~~كخبر الصادق وقولنا: محمد رسول الله وما لا يحتمل الصدق كقول القائل: ~~مسيلمة صادق، مع أن كل ذلك يحتمل التصديق والتكذيب؛ لأن التصديق هو كونه ~~يصح من جهة اللغة أن يقال لقائله: صدق, وكذلك التكذيب وقد وقع ذلك فالمؤمن ~~صدق خبر الله تعالى والكافر كذبه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف للخبر قد ~~ذكره الإمام في المحصول هنا وجزم به ثم أعاده في باب الأخبار وقال: إنه حد ~~رديء؛ لأن التصديق والتكذيب عبارة عن الأخبار عن كون الخبر صدقا أو كذبا ~~فتعريفه به دوري، ثم قال: والحق أن الخبر تصوره ضروري لا يحتاج إلى حد ولا ~~رسم. قوله: "وغيره تنبيه" أي: غير محتمل التصديق والتكذيب هو التنبيه أي: ms125 ~~نبهت به على مقصودك؛ وقال في المحصول: سمي به تمييزا له عن غيره، قال: ~~وأنواعه تعلم بالاستقراء لا بالحصر، وتندرج فيه الأربعة التي ذكرها المصنف, ~~والفرق بين التمني والترجي أن الترجي لا يكون إلا في الممكنات كقولك: لعل ~~زيدا يقدم، والتمني يكون فيهما كقولك: ليت الشباب يعود. واعلم أن قولنا: ~~أنا طالب كذا لم يصرح المصنف بكونه داخلا في قسم الخبر أو التنبيه, وفيه ~~نظر. # PageV01P093 ### | الفصل الثالث ### | مدخل # ... # الفصل الثالث: # قال: "الفصل الثالث: في الاشتقاق, وهو رد لفظ إلى آخر لموافقته له في ~~حروفه الأصلية ومناسبته له في المعنى ولا بد من تغيير بزيادة أو نقصان حرف ~~أو حركة أو كليهما أو بزيادة أحدهما ونقصانه, أو نقصان الآخر أو بزيادته أو ~~نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه أو بزيادتهما ونقصانهما نحو: كاذب ونصر وضارب ~~وخف وضرب على مذهب الكوفيين وعلي ومسلمات وحذر وعاد ونبت واضرب وخاف وعد ~~وكال وارم" أقول: ذكر المصنف في هذا الفصل حد الاشتقاق ثم أقسامه ثم ~~أحكامه، فالاشتقاق في اللغة هو الاقتطاع، وأما في الاصطلاح ففيه حدود ~~أشهرها حد الميداني ونقله الإمام عنه فقال: هو أن تجد بين اللفظين تناسبا ~~في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر، وارتضاه الإمام وأتباعه، ويعترض ~~عليه بأن الاشتقاق ليس هو نفس الوجدان حتى تقول هو أن تجد أي: وجدانك، بل ~~الاشتقاق هو الرد عند الوجدان، كما تفطن له المصنف؛ فلذلك أصلحه كما تراه ~~وهو من محاسن كلامه، لكنه يقتضي أن الاشتقاق فعل الشخص حتى يعدم بعدمه وفيه ~~نظر، وأيضا فإن المعدوم والتصغير ونحوهما قد يردان على الحد. وللاشتقاق ~~أربعة أركان تأتي في كلام المصنف, الأول: المشتق والثاني: المشتق منه ~~والثالث: الموافقة في الحروف الأصلية والمناسبة في المعنى, والرابع: ~~التغيير، فقوله: رد لفظ, دخل فيه الاسم والفعل وهذا هو الركن الأول وهو ~~المشتق، وقوله: إلى لفظ آخر أراد به المشتق منه وهو الركن الثاني، ويؤخذ ~~منه أيضا الركن الثالث، وهو التغيير؛ لأنه لو انتفى التغيير بينهما لم يصدق ~~عليه أنه لفظ آخر بل ms126 هو هو، ودخل فيه الاسم والفعل كما قلنا في الأول، ~~وإنما أتى بذلك -أعني باللفظ- فيهما لصدقه على كل فرد بحيث لا يخرج منه ~~شيء، وعلى كل مذهب أيضا، إذ لو قال: رد فعل إلى اسم لكان يرد عليه اشتقاق ~~الاسم من الاسم كضارب ومضروب وضراب وغيرها, فإنها مشتقات من الضرب الذي هو ~~المصدر، ويرد عليه أنه مختص بمذهب البصريين, فإن الكوفيين يخالفونهم ~~ويقولون بأن المصادر والصفات مشتقة من الأفعال, ولو عكس فقال: رد اسم إلى ~~فعل لما كان ينطبق على رأي البصريين، ولو قال: رد الاسم إلى الاسم لما كان ~~يصح على رأي الكوفيين، ويرد عليه الفعل على رأي البصريين، ولو قال: رد فعل ~~إلى فعل لكان باطلا بالإجماع. قوله: "لموافقته له في حروفه الأصلية" هو ~~الركن الرابع واحترز به عن الألفاظ المتوافقة في المعنى وهي المترادفة ~~كالبر والقمح، وإنما قيد الحروف بكونها أصلية للاحتراز عن الزوائد, فإن ~~الاختلاف فيها لا يضر كضرب وضارب، ولم يشترط في الحروف الأصلية أن تكون ~~موجودة؛ لأنه ربما حذف بعضها لمانع كخف من الخوف. وقوله: "ومناسبته في ~~المعنى" هو من تتمة الركن الرابع, واحترز به عن مثل اللحم والملح والحلم, ~~فإن كلا منها يوافق الآخر في حروفه الأصلية # PageV01P094 # ومع ذلك فلا اشتقاق بينهما لانتفاء المناسبة في المعنى لتباين مدلولاتها. ~~قوله: "ولا بد أي: من تغيير" بين اللفظين؛ لأنه فسره بقوله: بزيادة أو ~~نقصان والتغيير بذلك إنما هو من جهة اللفظ, نعم يحصل التغيير المعنوي بطريق ~~التبع لك أن تقول: هرب هربا لا تغيير فيه, وكذلك طلب وحلب وغيرهما إلا أن ~~يقال: إن حركة الإعراب ساقطة الاعتبار في الاشتقاق لعدم استقرارها, ولأنها ~~طارئة على الصيغة بخلاف حركة البناء، أو يقال: إن التغيير حاصل ولكن في ~~التقدير فيقدر حذف الفتحة التي في آخر المصدر والإتيان بفتحة أخرى في آخر ~~الفعل، فالفتحة غير الفتحة، ويدل على التغاير أن أحدهما لعامل والآخر لغير ~~عامل, وقد ذكر سيبويه نظير ذلك في جنب فإنه قدر زوال ضمة النون التي فيه ms127 في ~~حال إطلاقه على المفرد كقولك: رجل جنب، والإتيان بغيرها حال إطلاقه على ~~الجمع كقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا} [المائدة: 6] وحصر الإمام التغيير في ~~تسعة أقسام فقط "فقط" ولم يمثل لها فقال: التغيير إما بحرف أو بحركة أو ~~بهما معا، وكل واحد من الثلاثة إما أن يكون بالزيادة أو بالنقصان أو بهما, ~~صارت تسعة. ثم قال: وهذه هي الأقسام الممكنة منها، وعلى اللغوي طلب ما وجد ~~من أمثلتها، وأما المصنف فإنه زاد عليها ستة أقسام فجعلها خمسة عشر ومثل ~~لها لكن بأمثلة في كثير منها نظر، كما سيأتي وهذه الأقسام منها أربعة فيها ~~تغيير واحد، ثم ستة فيها تغييران، ثم أربعة تلي هذه الستة فيها ثلاثة ~~تغييرات، والقسم الخامس عشر فيه أربعة تغييرات وستقف عليه واضحا. قوله: ~~"بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما" دخل فيه ستة أقسام, أربعة تغييرها ~~فرادي، واثنان ثنائيان، فإن قوله: بزيادة ليس هو منونا بل مضافا إلى حرف ~~وحركة وكليهما، وكذلك نقصان مضاف إلى الثلاثة أيضا فتكون ستة أقسام الأول: ~~زيادة الحرف الثاني: زيادة الحركة الثالث: زيادتهما معا، وكذلك النقصان، ~~وقوله: أو بزيادة أحدهما ونقصانه، أو نقصان الآخر، وتقديره: أو بزيادة ~~أحدهما ونقصانه، أو بزيادة أحدهما ونقصان الآخر، فيدخل فيه أربعة أقسام ~~ثنائية أيضا، فإن زيادة أحدهما ونقصانه يدخل فيه زيادة الحرف ونقصانه ~~وزيادة الحركة ونقصانها، وزيادة الحركة ونقصان الحرف. وقوله: "أو بزيادته ~~أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه" تقديره: أو بزيادة أحدهما مع زيادة الآخر ~~ونقصانه, أو نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه, فيدخل فيه أربعة أقسام ~~ثلاثية التغيير، فإن وجود أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه يدخل فيه صورتان ~~إحداهما: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، والثانية: زيادة الحركة مع ~~زيادة الحرف ونقصانه، ويدخل في نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه صورتان ~~أيضا إحداهما: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، والثانية: نقصان ~~الحركة مع زيادة الحرف ونقصانها. قوله: "أو بزيادتهما ونقصانهما" أي: ~~بزيادة الحرف والحركة معا، ونقصان الحرف والحركة معا، وهو قسم واحد رباعي ms128 ~~التغيير, وبه تكمل الخمسة عشر. قوله: "نحو كاذب" شرع في مثل الأقسام ~~السالفة, ولنقدم عليه أن المراد # PageV01P095 # بزيادة الحرف مثلا ونقصانه إنما هو جنس الحرف سواء كان واحدا أو أكثر، ~~وكذلك الحركة فإن حركة الأعراف في الاعتداد بها نظر كما قدمناه، وكذلك همزة ~~الوصل لسقوطها في الدرج, إذا علمت ذلك فلنذكر هذه المثل كما ذكرها، فإن كان ~~المثال صحيحا فلا كلام, وإلا نبهت عليه ذكرت له مثالا صحيحا, الأول: زيادة ~~الحرف فقط نحو: كاذب من الكذب زيدت الألف بعد الكاف. الثاني: زيادة الحركة ~~نحو: نصر الماضي من النصر زيدت حركة الصاد. والثالث: زيادة الحرف والحركة ~~جميعا نحو: ضارب من الضرب زيدت الألف بعد الضاد وزيدت أيضا حركة الراء. ~~الرابع: نقصان الحرف نحو: خف فعل أمر للمذكر من الخوف، نقصت الواو، وأما ~~سكون الفاء إن كانت متحركة فلم يعتبره المصنف؛ لأنه نقصان لحركة الإعراب، ~~إذ لو اعتبره لكان نقصانا للحرف والحركة لكنه سيأتي ما يخالفه في القسم ~~العاشر، فالأولى تمثيله بصهل اسم فعل من الصهيل نقصت الياء فقط, الخامس: ~~نقصان الحركة ومثل له المصنف بضرب -ساكن الراء- مصدرا من ضرب الماضي, نقصت ~~حركة الراء, لكن هذا إنما يأتي على مذهب الكوفيين في اشتقاقهم الاسم من ~~الفعل كما نبه عليه المصنف, فالأولى تمثيله بقولك: سفر بسكون الفاء من ~~السفر, نقصت فتحة الفاء قال الجوهري: تقول: سفرت أسفر سفورا أي: خرجت إلى ~~السفر, فأنا سافر وجمعه سفر كصاحب وصحب وسفار كركاب. السادس: نقصان الحرف ~~والحركة جميعا نحو علي ماضيا من العليان نقصت الألف والنون ونقصت فتحة ~~الياء وفي الاعتداد بسكون الياء نظر، والأولى تمثيله بصب اسم فاعل من ~~الصبابة. السابع: زيادة الحرف ونقصانه ومثل له المصنف بمسلمات زيدت الألف ~~والتاء ونقصت تاء مسلمة في الوقف إذ تصبح هاء وفي كون هذا مما نحن فيه ففيه ~~نظر، فإن الجمع لا يصدق عليه أنه مشتق من مفرده فالأولى تمثيله بقولك: صاهل ~~من الصهيل. الثامن: زيادة الحركة ونقصانها نحو حذر بكسر الذال اسم فاعل من ~~الحذر, حذفت ms129 فتحة الذال وزيدة كسرتها. التاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة ~~مثل عاد بالتشديد اسم فاعل من العدد, زيدت الألف بعد العين ونقصت حركة ~~الدال الأولى للإدغام. العاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف ومثل له المصنف ~~بقوله: نبت وهو ماض من النبات, نقصت ألف وزيدت حركة وهي فتحة التاء, وهذا ~~جعل البناء الطارئ من سكون أو حركة كزيادة على ما كان في المصدر، وقد تقدم ~~ما يخالفه في القسم الرابع فالأولى تمثيله بقولك: رجع من الرجعى. الحادي ~~عشر: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها نحو: اضرب من الضرب, زيدت الألف ~~للوصل وحركة الراء ونقصت حركة الضاد وفي الاعتداد بهمزة الوصل نظر لسقوطها ~~في الدرج، والأولى تمثيله بموعد من الوعد زيدت فيه الميم وكسرة العين ونقصت ~~منه فتحة الواو. الثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه, ومثل له ~~المصنف بخاف وهو ماض من الخوف, زيدت الألف وحركة الفاء وحذفت الواو, وهذا ~~بناء على أن لزوم الفتحة كزيادة # PageV01P096 # حركة وفيه نظر كما قدمناه، وأيضا فليس في الحرف هنا لا زيادة ولا نقصان ~~بل الواو نفسها انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والأولى تمثيله ~~بمكمل اسم فاعل أو مفعول من الكمال, زيد فيه حرف وحركة وهما الميم الأولى ~~وضمتها, ونقصت الألف. الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها ~~ومثل له المصنف بقوله: عد فعل أمر من الوعد, نقصت الواو وحركة الدال وزيدت ~~كسرة العين, وفيه أيضا النظر المتقدم في حسبان حركة الإعراب, والأولى ~~تمثيله بقنط اسم فاعل من القنوط. الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ~~ونقصانه نحو: كال بتشديد اللام اسم فاعل من الكلال, نقصت حركة اللام الأولى ~~للإدغام، ونقصت الألف التي بين اللامين, وزيدت ألف قبل اللامين. الخامس ~~عشر: زيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا نحو: ارم من الرمي, زيدت ~~الهمزة للوصل وحركة الميم ونقصت الياء وحركة الراء، والأولى اجتناب همزة ~~الوصل لما تقدم والتمثيل بكامل من الكمال, ولم يتعرض الآمدي ولا ابن الحاجب ~~لتقسيم هذه المسألة ولا لتمثيلها. # PageV01P097 ### | المسألة الأولى # قال: ms130 "وأحكامه في مسائل: الأولى: شرط المشتق صدق أصله خلافا لأبي علي ~~وابنه, فإنهما قالا بعالمية الله تعالى دون علمه، وعللاها فينا به. لنا أن ~~الأصل جزؤه فلا يوجد دونه" أقول: لما ذكر تعريف الاشتقاق وأقسام المشتق ذكر ~~أحكامه في ثلاث مسائل؛ الأولى: شرط صدق المشتق أي: سواء كان اسما أو فعلا ~~صدق أصله وهو المشتق منه, فلا يصدق ضارب مثلا على ذات إلا إذا صدق الضرب ~~على تلك الذات, وسواء كان الصدق في الماضي أو في الحال أو في الاستقبال ~~كقوله تعالى: {إنك ميت} [الزمر: 30] لكنه هل يكون حقيقة أو مجازا؟ فيه ~~تفصيل يأتي في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى. ولقصد شمول الأقسام ~~الثلاثة غير المصنف بقول: صدق أصله إذ لو قال: وجود أصله لكان يرد عليه ~~إطلاقه باعتبار المستقبل, فإنه جائز قطعا مع أن الأصل لم يوجد, وهذه ~~المسألة وإن كانت واضحة لكن ذكرها الأصوليون للرد بها على المعتزلة، فإنهم ~~ذهبوا إلى مسألة خالفت هذه القاعدة كما ستعرفه فنقول: ذهب أبو علي الجبائي ~~وابنه أبو هاشم وغيرهما من المعتزلة إلى نفي العلم عن البارئ سبحانه ~~وتعالى، وكذلك الصفات التي أثبتها الأشعري كلها وهي ثمان, مجموعة في قول ~~بعضهم: # حياة وعلم قدرة وإرادة ... كلام وإبصار وسمع مع البقا # واعتمدوا في ذلك على شبهة سأذكرها في آخر المسألة, ومع ذلك قالوا بعالمية ~~الله تعالى أي: بكونه عالما والعالم مشتق من العلم, فأطلقوا العالم وغيره ~~من المشتقات على الله تعالى وأنكروا حصول المشتق منه, مع أن العلة في ~~العالمية هو حصول العلم، وكذلك كل مشتق فإن العلة في صحة إطلاقه وجود ~~المشتق منه، وقد عللوا العالمية التي فينا أي: في المخلوقات بالعلم, لكنهم ~~قالوا: إن ذاته تعالى اقتضت عالميته وليست معللة بالعلم؛ لأن عالميته واجبة ~~والواجب لا يعلل بالغير بخلاف عالميتنا. قوله: "لنا" # PageV01P097 # أي: دليلنا على امتناع إطلاق المشتق بدون المشتق منه أن الأصل وهو المشتق ~~منه, جزء من المشتق, فإن العالم مثلا مدلوله ذات قام بها العلم, فلا يصدق ~~المشتق ms131 بدونه؛ لأن صدق المركب بدون جزئه محال، وهذا الدليل إنما يستقيم على ~~رأي البصريين من كون المصدر هو المشتق منه, أما شبهتهم في إنكار الصفات ~~فقالوا: لو اتصف البارئ سبحانه وتعالى بها, فإن كانت حادثة لزم أن يكون ~~البارئ تعالى محلا للحوادث، وإن كانت قديمة لزم تعدد القدماء، وقد قال ~~تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 74] فمن أثبت ~~الذات مع الصفات الثماني فقد أثبت تسعة أشياء وكان كفره أعظم من كفر ~~النصارى ثلاث مرات، وأما والعالمية ونحوها فإنها من النسب التي لا ثبوت لها ~~في الخارج، وأجاب الإمام في الأربعين وغيرها بأنها قديمة ولا امتناع في ~~إثبات قدماء هن صفات لذات واحدة، والنصارى إنما كفروا بإثبات قدماء هن ~~ذوات، ثم قال في الأربعين أيضا: وهذه الصفات ممكنة لذاتها واجبة الوجود ~~لوجوب الذات, فتخلص مما قاله الإمام أن الصفات واجبة للذات لا بالذات أي: ~~واجبة لأجل الذات المقدسة, لا أن ذات الصفات اقتضت وجوب وجود نفسها. # PageV01P098 ### | المسألة الثانية # قال: "الثانية: شرط كونه حقيقة دوام أصله خلافا لابن سينا وأبي هاشم؛ ~~لأنه يصدق نفيه عند زواله فلا يصدق إيجابه قيل: مطلقتان فلا تتناقضان قلنا: ~~مؤقتتان بالحال؛ لأن أهل العرف يرفع أحدهما بالآخر". أقول: لما تقدم في ~~المسألة السابقة أن شرط المشتق صدق المشتق منه, شرع الآن في بيان الصدق ~~الحقيقي من المجاز, وحاصله أن المشتق إن أطلق باعتبار الحال أو كان المعنى ~~موجودا حال الإطلاق فهو حقيقة بالاتفاق، وإن كان باعتبار المستقبل كقوله ~~تعالى: {إنك ميت} [الزمر: 30] فهو مجاز اتفاقا كما صرح به المصنف في أثناء ~~استدلاله، وإن كان باعتبار الماضي ففيه ثلاثة مذاهب, أحدها: أنه مجاز مطلقا ~~سواء أمكن مقارنته كالضرب وغيره أو لم يمكن كالكلام، وطريق من أراد الإطلاق ~~الحقيقي في الكلام وشبهه أو يأتي به مقارنا لآخر حرف كما. والثاني: أنه ~~حقيقة مطلقا وهو مذهب ابن سينا وأبي هاشم وكذلك أبو علي كما قال في الحاصل. ~~والثالث: التفصيل بين الممكن وغيره وتوقف الآمدي في هذه ms132 المذاهب فلم يصحح ~~شيئا منها، وكذلك ابن الحاجب وصحح المصنف الأول، وقال في المحصول: إنه ~~الأقرب، فإن قيل: قد تقدم في المسألة السابقة أن أبا علي وابنه لا يشترطان ~~صدق الأصل فلا معنى للنقل عنهما؛ لأنهما إذا لم يشترطا الصدق فالاستمرار ~~بطريق الأولى، وأيضا فلأنه يوهم اشتراط وجود الأصل عندهما، وجوابه أنهما لم ~~يخالفا هناك إلا في صفات الله تعالى خاصة، وأما ما عداها كالضارب والمتكلم ~~وهو الذي يتكلم فيه الآن, فإنهما لم يخالفا فيه كما تقدم التنبيه عليه، ومن ~~فوائد الخلاف صحة الاحتجاج على جواز الرجوع للبائع إذا مات المشتري قبل ~~وفاء الثمن, من قوله -عليه الصلاة والسلام: "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب ~~المتاع أحق # PageV01P098 # بمتاعه" 1 فإن قلنا: إنه صاحب حقيقة باعتبار ما مضى رجع فيه؛ لاندراجه ~~تحته, وإن قلنا: إنه مجاز فلا ويتعين الحمل على المستعير وههنا أمور لا بد ~~من معرفتها أحدها: أن الفعل من المشتقات مع أن إطلاق الماضي منه اعتبار ما ~~مضى حقيقة بلا نزاع، وقد دخل في كلام المصنف حيث قال: شرط كونه حقيقة أي: ~~كون المشتق، وأما المضارع فينبني على الخلاف المشهور من كونه مشتركا أم لا، ~~فإن جعلناه مشتركا أو حقيقة في الاستقبال فيستثنى أيضا. الثاني: أن التعبير ~~بالدوام إنما يصح فيما يصح عليه البقاء وحينئذ فتخرج المشتقات من الأعراض ~~السيالة كالمتكلم ونحوه، فالصواب أن يقول: شرط المشتق وجود أصله حال ~~الإطلاق. الثالث: أن الإمام في المحصول والمنتخب قد رد على الخصوم في آخر ~~المسألة بأن لا يصح أن يقال لليقظان: إنه نائم اعتبارا بالنوم السابق، ~~وتابعه عليه صاحب الحاصل والتحصيل وغيرهما، وهو يقتضي أن ذلك محل اتفاق ~~وصرح به الآمدي في الأحكام في آخر المسألة فقال: لا يجوز تسمية القائم ~~قاعدا والقاعد قائما للقعود والقيام السابق بإجماع المسلمين وأهل اللسان، ~~وإذا تقرر هذا فينبغي استثناؤه من كلام المصنف, وضابطه كما قال التبريزي في ~~مختصر المحصول المسمى بالتنقيح أن يطرأ على المحل وصف وجودي يناقض المعنى ~~الأول أو يضاده كالسواد ms133 ونحوه بخلاف القتل والزنا. والرابع: أن ما قاله ~~المصنف وغيره محله إذا كان المشتق محكوما به كقولك: زيد مشرك أو زان أو ~~سارق فأما إذا كان متعلق الحكم كقولك: السارق تقطع يده, فإنه حقيقة مطلقا, ~~كما قال القرافي إذ لو كان مجازا لكان قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 51] {الزانية والزاني} [النور: 2] {والسارق والسارقة} [المائدة: ~~38] وشبهها مجازات باعتبار من اتصف بهذه الصفات في زماننا؛ لأنه مستقبل ~~باعتبار زمن الخطاب عند إنزال الآية, وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال بهذه ~~النصوص إذ الأصل عدم التجوز ولا قائل بهذا. قوله: "لأنه" أي: الدليل على ~~أنه ليس بحقيقة أنه يصدق نفي المشتق عند زوال المشتق منه فيقال مثلا: زيد ~~ليس بضارب، وإذا صدق ذلك فلا يصدق إيجابه وهو زيد ضارب، وإلا لزم اجتماع ~~النقيضين, فإن أطلق عليه كان مجازا لما سيأتي أن من علامة المجاز صحة ~~النفي، أما الدليل على أنه يصدق نفيه عند زواله, فلأنه بعد انقضاء الضرب ~~يصدق عليه أنه ليس بضارب في الحال، وإذا صدق هذا صدق ليس بضارب؛ لأنه جزؤه، ~~ومتى صدق الكل صدق الجزء، واعترض الخصم فقال: قولنا: ضارب وقولنا: ليس ~~بضارب قضيتان مطلقتان أي: لم يتحد وقت الحكم فيهما فلا تتناقضان؛ لجواز أن ~~يكون وقت السلب غير وقت الإثبات كما تقرر في علم المنطق، والجواب: أنهما ~~مؤقتتان بحال التكلم وأغنى عن هذا التقييد فهم أهل العرف له, إذ لو لم يكن ~~كذلك لما جاز استعمال كل PageV01P099 # واحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه، لكن أهل العرف يستعملون ذلك فتكونان ~~متناقضتين كما قلنا. هذا حاصل كلام المصنف وفيه نظر من وجوه, أحدها: أن هذا ~~الدليل ينقلب على المستدل, بيانه أنه يصدق قولنا: زيد ضارب في الماضي فيصدق ~~قولنا: إنه ضارب؛ لأن صدق المركب يستلزم صدق أجزائه, وإذا صدق أنه ضارب فلا ~~يصدق ليس بضارب وإلا لاجتمع النقيضان، وكذلك أيضا تفعل بالنسبة إلى ~~المستقبل فنقول: زيد ضارب غدا ... إلخ. الثاني: إذا كانت القضيتان مؤقتتين ~~بالحال على ما قاله، وفرضنا أيضا القضية السالفة ms134 صادقة فتكون الموجبة ~~المقيدة بالحال هي الكاذبة فلا يصدق قولنا: ضارب في الحال ولكن لا يلزم ~~كذبه كذب المطلق الذي هو قولنا: ضارب وهو محل النزاع. الثالث: لا يخلو إما ~~أن يكون المشتق المتنازع في صحة إطلاقه بعد الزوال المشتق منه هو المقيد ~~بالحال كقولنا: ضارب في الحال، أم النزاع في مجرد الإطلاق العاري عن ~~التقييد, فإن كان النزاع في الثاني, فبطلان الدليل المذكور واضح لكون ~~القضية مطلقة واعتراض الخصم باق على حاله، وأما استعماله في التكاذيب فنحن ~~نعلم ضرورة أن ذلك عند توافق المتخاطبين على إرادة زمان معين، وإن كان ~~النزاع في المقيد بالحال وهو الذي يوافق جواب المصنف, فالاستدلال بنفيه ~~باطل؛ لأنه مصادرة على المطلوب إذ هو محل النزاع. وبتقدير أن يكون المقصود ~~ذلك فيصرح به في الدليل فنقول: لما صح ليس بضارب في الحال لم يصح ضارب في ~~الحال, ولا نتكلف إقامته على الوجه الذي قرره حتى يورد عليه عن القضايا ~~مطلقة فلا تتناقض فتتكلف إلى الجواب عنها بجواب غير محقق. الرابع أورده ~~الآمدي في الأحكام وأخذه منه جماعة: أن الضارب في الحال أخص من مطلق ~~الضارب, فقولنا: ليس بضارب في الحال نفي للأخص، ولا يلزم من نفي الأخص نفي ~~الأعم, فلا يلزم من صدقه صدق ليس بضارب، كقولنا: الحمار ليس بحيوان ناطق ~~فإنه صادق مع أنه لا يصدق قولنا: إنه ليس بحيوان فإن قيل: إنما يكون ليس ~~بضارب في الحال أخص من ليس بضارب أن لو كان في الحال متعلقا بضارب، ولا ~~نسلم ذلك بل يجوز أن يكون متعلقا بليس ومعناه: ليس في الحال بضارب فيكون ~~السلب مقيدا بقوله: في الحال فيكون أخص من قولنا: ليس بضارب؛ لأن السلب ~~الأخص أخص من السلب المطلق والأخص يستلزم الأعم، والجواب: أنا لا نسلم أنه ~~بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس في الحال بضارب؛ لأنه عين المتنازع ~~فيه. وإلى هذا أشار في التحصيل بقوله: لا نسلم أن هذا سلب أخص أي: ~~بالتنوين, بل سلب أخص أي: بالإضافة. # قال: ms135 "وعورض بوجوه, الأول: أن الضارب من له الضرب وهو أعم من الماضي, ورد ~~بأنه أهم من المستقبل أيضا وهو مجاز اتفاقا. الثاني: أن النحاة منعوا عمل ~~النعت الماضي ونوقض بأنهم أعملوا المستقبل أيضا. الثالث: أنه لو شرط لم يكن ~~المتكلم ونحوه حقيقة, وأجيب بأنه لما تعذر اجتماع أجزائه اكتفى بآخر جزء. ~~الرابع: أن المؤمن # PageV01P100 # يطلق حالة الخلو عن مفهومه, وأجيب بأنه مجاز وإلا لأطلق الكافر على أكابر ~~الصحابة -رضي الله عنهم- حقيقة" أقول: اعترض الخصم فقال: هذا الدليل الذي ~~ذكرتم وإن دل على أن المشتق لا يصدق حقيقة عند زوال المشتق منه, لكنه معارض ~~بأدلة أربعة تدل على أن يصدق حقيقة، ولو قال المصنف بأوجه لكان أوجه من ~~الوجوه؛ لأنها جمع كثرة، الأول: أن الضارب مثلا عبارة عن ذات ثبت لها الضرب ~~أعم من أن يكون في الحال أو في الماضي بدليل صحة تقسيمه إليها, وهو في ~~الحال حقيقة بالاتفاق فكذلك في الماضي، ورد هذا الدليل بأن من ثبت له الضرب ~~كما أنه أعم من الماضي والحال فهو أعم من الاستقبال, فيلزم أن يكون حقيقة ~~في المستقبل وهو مجاز بالاتفاق، وفي الجواب نظر لأن من ثبت له الضرب أو حصل ~~له لا ينقسم إلى المستقبل. الثاني: أن النحاة أي: جمهورهم قالوا: إن النعت ~~يعني المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول إذا كان بمعنى الماضي أي: وليس معه ~~أن لا ينصب بل يتعين جره إليه بالإضافة كقولك: مررت برجل ضارب زيد أمس، ~~وهذا يدل على جواز استعماله بمعنى الماضي، والأصل في الاستعمال الحقيقة. ~~والجواب أن هذا الدليل منتقض بإجماعهم على إعماله إذا كان بمعنى الاستقبال، ~~فإن ما قلتموه في الماضي يأتي بعينه في المستقبل مع أنه مجاز اتفاقا، وأجاب ~~في التحصيل عن جوابنا بأنه يوجب تكثير المجاز وهو خلاف الأصل. الثالث: لو ~~شرط بقاء المشتق منه إلى حالة الإطلاق لم يكن المشتق من الألفاظ كالمتكلم ~~والمخبر والمحدث حقيقة البتة؛ لأن الكلام ونحوه اسم لمجموع الحروف ويستحيل ~~اجتماع تلك الحروف وفي وقت واحد؛ لأنها ms136 أعراض سيالة لا يوجد منها حروف إلا ~~بعد انقضاء الآخر، والجواب: أنه لما تعذر اجتماع أجزاء الكلام وشبهه ~~اكتفينا في الإطلاق الحقيقي بمقارنته لآخر جزء لصدق وجود المشتق منه مع ~~مقارنته لشيء منه، فمن قال: قام زيد مثلا إنما يصدق عليه متكلم حقيقة عند ~~مقارنة الدال فقط لا قبلها ولا بعدها. الرابع: أن لفظ المؤمن يطلق على ~~الشخص حالة خلوه عن مفهوم الإيمان، والأصل في الإطلاق الحقيقة, بيانه: أن ~~الواحد منا إذا نام يصدق عليه أنه مؤمن أو لا يصدق عليه الإيمان في تلك ~~الحالة؛ لأنه إما عبارة عن التصديق كما هو مذهب الأشعري, أي: عن العمل كما ~~هو مذهب المعتزلة، وكل منهما ليس بحاصل في حال نومه، وأجيب بأن هذا الإطلاق ~~مجاز؛ لأنه لو كان إطلاق المؤمن على الشخص باعتبار الإيمان السابق حقيقة, ~~لكان إطلاق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة باعتبار الكفر السابق وهو باطل ~~اتفاقيا فيبطل الأول، وأجاب صاحب التحصيل وغيره عن جوابنا بأن الحقيقة قد ~~تهجر لعارض شرعي, فلا يلزم من امتناع إطلاق اسم الذم لكونه مخلا بتعظيمهم ~~امتناع عكسه وهو المؤمن، وفي الجواب نظر؛ لأن القاعدة أن امتناع الشيء متى ~~دار إسناده بين عدم المقتضى ووجود المانع كان إسناده إلى عدم المقتضى أولى؛ ~~لأنا لو أسندناه إلى وجود المانع لكان المقتضى قد وجد وتخلف أثره والأصل ~~عدمه، وعلى هذه القاعدة لا يصح جوابهم؛ لأن المصنف يدعي أن امتناع إطلاق ~~الكافر لعدم المقتضى وهو وجود المشتق منه حالة الإطلاق، والمجيب يدعي أن ~~امتناعه لوجود المانع فكان الأول أولى، وهذه القاعدة تنفع في كثير من ~~المباحث. # PageV01P101 ### | المسألة الثالثة # قال: "المسألة الثالثة: اسم الفاعل لا يشتق لشيء والفعل لغيره للاستقراء, ~~قالت المعتزلة: الله تعالى متكلم بكلام يخلقه في الجسم كما أنه الخالق، ~~والخلق هو المخلوق فقلنا: الخالق هو التأثير قالوا: إن قدم العالم وإلا ~~لافتقر إلى خلق آخر وتسلسل, قلنا: هو نسبة, فلم يحتج إلى تأثير آخر" أقول: ~~لا يجوز إطلاق اسم الفاعل على شيء والفعل أي: المصدر والمشتق ms137 منه قائم بغير ~~ذلك الشيء, بل يجب بمقتضى اللغة إطلاق ذلك المشتق على الذي قام به؛ لأنا ~~استقرأنا اللغة فوجدنا الأمر كذلك، وخالفت المعتزلة في المسألتين فقالوا: ~~الله تبارك وتعالى يصدق عليه أنه متكلم والكلام المشتق منه لا يقوم به؛ لأن ~~الكلام النفساني باطل, ولا كلام إلا الحروف والأصوات وهي مخلوقة، فلو قامت ~~بذاته تعالى لكانت ذاته تعالى محلا للحوادث بل يخلق الله تعالى ذلك الكلام ~~في اللوح المحفوظ، أو في غيره من الأجسام كخلقه تعالى إياه في الشجرة حين ~~كلم موسى, وذلك الجسم لا يسمى متكلما وإن قام به الكلام، وذكر الأصوليون ~~هذه القاعدة ليردوا بها على المعتزلة في هذه المسألة، ثم استدلت المعتزلة ~~على مذهبهم بأن الخالق يطلق على الله تعالى وهو مشتق من الخلق والخلق هو ~~المخلوق؛ لقوله تعالى: {هذا خلق الله} المخلوق ليس قائما بذاته، والجواب: ~~أنه إنما أطلق المتكلم على الله تعالى باعتبار الكلام النفساني القائم ~~بذاته كما تقدم في الحكم على المعدوم واستدلالكم بالخلق باطل بأن الخلق ليس ~~هو المخلوق بل هو تأثير الله تعالى في المخلوق والتأثير قائم بذات الله ~~تعالى، وأما الإطلاق الواقع في الآية فهو مجاز من باب تسمية المتعلق باسم ~~المتعلق كما سيأتي في قول المصنف، والمتعلق كالخلق للمخلوق. قوله: قالوا: ~~إن قدم أي: قالت المعتزلة: لا جائز أن يكون الخلق هو التأثير؛ لأنه إن كان ~~قديما لزم قدم العالم، وإن كان حادثا لزم التسلسل وكلاهما محال. بيان الأول ~~من ثلاثة أوجه أحدها: أن المؤثر سبحانه وتعالى قديم والتأثير قد فرضناه ~~قديما, وإذا وجد المؤثر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم فيلزم من ~~وجودهما في الأزل وجود العلم. الثاني: أن العالم هو ما سوى الله تعالى ~~والتأثير غير الله تعالى، فلو كان قديما لكان العالم قديما. الثالث: أن ~~التأثير نسبة والنسبة متوقفة على المنتسبين، وهما الخالق والمخلوق, فلو ~~كانت قديمة مع أنها متوقفة على المخلوق لكان المخلوق قديما من طريق الأولى، ~~وأما بيان الثاني وهو التسلسل فلأن التأثير إذا كان ms138 حادثا فهو محتاج إلى ~~خلق آخر أي تأثير آخر؛ لأن كل حادث لا بد له من تأثير مؤثر فيعود الكلام ~~إلى ذلك التأثير، ويتسلسل وهذه الشبهة لا جواب عنها في المحصول ولا في ~~الحاصل، وقد أجاب المصنف بأن التأثير نسبة فلم يحتج إلى تأثير # PageV01P102 # آخر وتقريره من وجهين أحدهما: أن النسب والإضافات كالبنوة والأخوة أمور ~~عدمية لا جود لها في الخارج, وإنما هي أمور اعتبارية أي: يعتبرها العقل, ~~فلا تحتاج إلى مؤثر. الثاني: أن النسبة متوقفة على المنتسبين فقط فإذا حصلا ~~حصلت, وتحتاج إلى مؤثر آخر, وهذا الجواب فيه التزام لحدوث التأثير، والجواب ~~الأول مانع للحدوث والقدم معا؛ لأنهما من صفات الوجود، وقد فرضناه معدوما ~~وأجاب في التحصيل بجوابين, أحدهما: أن الممتنع إنما هو تقدم النسبة على ~~محلها وأما ثبوتها مع محلها عند عدم المنسوب إليه فلا استحالة فيه. ألا ترى ~~أن تقدم البارئ على العالم نسبة بينه وبين العالم, ويستحيل القول بتوقف ~~وجودها على المنتسبين. الثاني: أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في ~~المؤثرات والعلل، وأما التسلسل في الأثر فلا نسلم أنه ممتنع وهذا التسلسل ~~إنما هو في الآثار. قال الأصفهاني في شرح المحصول: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه ~~تجويز حوادث لا أول لها, وهو باطل على رأينا, وهذه المسألة لا ذكر لها في ~~المنتخب قال. # PageV01P103 ### | الفصل الرابع # قال: "الفصل الرابع في الترادف وهو توالي الألفاظ المفردة الدالة على ~~معنى واحد باعتبار واحد كالإنسان والبشر, وللتأكيد يقوى الأول والتابع لا ~~يفيد وحده" أقول: الترادف مأخوذ من الرديف وهو ركوب اثنين على دابة واحدة، ~~وفي الاصطلاح ما قاله المصنف. فقوله: توالي الألفاظ جنس دخل فيه الترادف ~~وغيره, وتوالي الألفاظ هو تتابعها لأن اللفظ الثاني تبع الأول في مدلوله ~~وإنما عبر بذلك ولم يعبر بالألفاظ المتوالية لأنه شرع في حد المعنى، وهو ~~الترادف لا في حد اللفظ وهو المترادف كما فعل الإمام وعبر بالألفاظ ليشمل ~~ترادف الأسماء كالبر والقمح, والأفعال كجلس وقعد, والحروف كفي والباء من ~~قوله تعالى: {مصبحين، وبالليل} ms139 لكن الترادف قد يكون بتوالي اللفظين فقط ~~وأيضا فاللفظ جنس بعيد لإطلاقه على المهمل والمستعمل وهو مجتنب في الحد أو ~~الحدود فالصواب أن يقول: توالي كلمتين فصاعدا، وقوله: المفردة احترز به عن ~~شيئين أحدهما: أن يكون البعض مركبا والبعض مفردا كالاسم مع الحد نحو ~~الإنسان والحيوان الناطق, فإنهما وإن دلا على ذات واحدة فليسا مترادفين على ~~الأصح؛ لأن الحد يدل على الأجزاء بالمطابقة والمحدود يدل عليها بالتضمن ~~والدالة بالمطابقة غير الدال بالتضمن. الثاني: أن يكون الكل مركبا كالحد ~~والرسم نحو قولنا: الحيوان الناطق والحيوان الضاحك، فليسا مترادفين أيضا، ~~وإن دلا على مسمى واحد وهو الإنسان؛ لأن دلالة أحدهما بواسطة الذاتيات، ~~والآخر بواسطة الخاصة, لكن التقييد بأفراد غير محتاج إليه؛ لأن ما ذكره ~~خارج بقوله باعتبار واحد. وأيضا فالتقييد به على تقدير الاحتياج إليه في ~~إخراج الحد وشبهه مما قلناه يخرج به بعض المترادفات كقولنا: خمسة ونصف ~~العشرة, وكذلك خمسة مع عشرة إلا خمسة على ما سيأتي في الاستثناء. وقوله: ~~الدال على مسمى واحد أي: الدال كل منها على مسمى # PageV01P103 # واحد واحترز به المتباينة كالإنسان والفرس. وقوله: باعتبار واحد قال في ~~المحصول: احترزنا به عن الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد, لكن ~~باعتبارين كالسيف والصارم فإن كلا منهما يدل على الذات المعروفة, لكن دلالة ~~السيف باعتبار الشكل سواء كان كالا أو قاطعا، والصارم باعتبار شدة القطع ~~وكذلك الصفة وصفة الصفة كالناطق والفصيح، وهذا القيد لا يحتاج إليه, فإن ~~هذه الأشياء لم تدل على مسمى واحد بل على معنيين مجتمعين في ذات واحدة, ~~وكيف لا وقد تقدم في كلامه في تقسيم الألفاظ أن هذه ألفاظ متباينة ~~والمتباين هو الذي تغاير لفظه ومعناه، ويمكن أن يقال: احترز به على الألفاظ ~~المفردة الدالة على معنى واحد لكن أحدهما يدل بطريق الحقيقة, والآخر بطريق ~~المجاز كالأسد والشجاع, وهذا الحد منطبق على تكرار اللفظ الواحد كقولنا: ~~قام زيد زيد وليس ذلك من الترادف, بل من التأكيد اللفظي كما سيأتي فلا بد ~~أن يقول: توالي الألفاظ المفردة ms140 المتغايرة. قوله: "كالإنسان والبشر" مثال ~~للمترادف من جهة اللغة, فإن الإنسان يطلق على الواحد, رجلا كان أو امرأة ~~كما قال الجوهري, وكذلك البشر يطلق أيضا على الواحد, قال الله تعالى: {ما ~~هذا بشرا} وقد يكون الترادف بحسب العرف كالأسد والسبع, أو بحسب لغتين كالله ~~وخداي بالفارسية. قوله: "والتأكيد يقوي الأول" لما كان التأكيد والتابع ~~فيهما شبه بالمترادف حتى ذهب بعضهم إلى أن التابع منه أي: من المترادف شرع ~~في الفرق بما قاله في المحصول, وحاصل ما قاله في الفرق بين المترادف ~~والمؤكد أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا, وأما المؤكد ~~فإنه لا يفيد عن فائدة المؤكد بل تفويته, والأولى للمصنف أن يقول: والتأكيد ~~تقوية الأول أو يقول: والمؤكد يقوي الأول قال: وأما الفرق بين المترادف ~~والتابع كقولنا: شيطان ليطان وحسن بسن وخراب يباب وجيعان نيعان وشبه ذلك, ~~فهو أن التابع وحده لا يفيد شيئا البتة, فإن تقدم المتبوع عليه أفاد تفويته ~~بخلاف المترادف فإنه يفيد وحده كالإنسان, ومقتضى كلام المصنف أن التابع لا ~~فائدة له أصلا، وبه صرح الآمدي في الأحكام ولم يتعرض ابن الحاجب لفائدته, ~~وقد عرفت مما قلناه أن التأكيد والتابع, كل منهما يفيد التقوية, ولكن ~~يفترقان من جهة أن التابع يشترط فيه أن يكون على زنة الأصل كشيطان ليطان ~~بخلاف التأكيد. # قال: "وأحكامه في مسائل: الأولى في سببه: المترادفان إما من واضعين ~~والتبسا أو واحد لتكثير الوسائل والتوسع في مجال البديع. الثانية: أنه خلاف ~~الأصل؛ لأنه تعريف المعرف ومحوج إلى حفظ الكل. الثالثة: اللفظ يقوم بدل ~~مرادفه من لغته إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ. الرابعة: التوكيد ~~تقوية مدلول ما ذكر بلفظ ثان، فإما أن يؤكد بنفسه مثل قوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "والله لأغزون قريشا" ثلاثا 1 أو بغيره للمفرد كالنفس والعين وكلا ~~وكلتا وكل وأجمعين وأخواته أو الجملة كإن, وجوازه ضروري ووقوعه في ~~PageV01P104 # اللغات معلوم" أقول: حصر المصنف أحكام الترادف في أربع مسائل؛ الأولى: في ~~سبب وقوعه, وهو أمران أحدهما: أن يكون من ms141 واضعين, قال الإمام: ويشبه أن ~~يكون هو السبب الأكثري, وذلك بأن تضع قبيلة لفظ القمح مثلا للحب المعروف، ~~وقبيلة أخرى لفظ البر له أيضا. ثم يشتهر الوضعان، ويخفى الواضعان أو يعلمان ~~ولكن متلبس وضع أحدهما بوضع الآخر، وهذا الشرط يقتضي أنا إذا علمنا ~~الواضعين بأعيانهما لا يكون اللفظ مترادفا بل ينسب كل لغة إلى قوم وفيه ~~نظر، ثم إن هذا إنما يتأتى إذا قلنا: اللغات اصطلاحية والمصنف لم يختره بل ~~اختار الوقف. والثاني: أن يكون من واضع وحد إما لتكثير الوسائل والإخبار ~~عما في النفس, فإنه ربما نسي أحد اللفظين أو عسر عليه النطق به كالألثغ ~~الذي يعسر عليه النطق بالراء فيعبر بالقمح, أو تعذرت القافية أو الوزن به ~~فيبقى الآخر وسيلة للمقصود، وإما للتوسع في مجال البديع، والبديع هو اسم ~~لمحاسن الكلام كالسجع والمجانسة والقلب، والواضع له بإزاء هذه المعاني هو ~~ابن المعتز1 كما قال ابن أبي الإصبع في تحرير التحبير2. قال السكاكي: ~~فالسجع يكون في النثر كالقافية في الشعر كقولك: ما أبعد ما فات, وما أقرب ~~ما هو آت, فلو عبرت بمضي ونحوه لما حصل هذا المعنى والمجانسة كقولك: اشتريت ~~البر وأنفقته في البر فلو عبرت بالقمح لفات المطلوب, والقلب كقوله تعالى: ~~{وربك فكبر} [المدثر: 3] فلو عبر بالله تعالى ونحوه لفات هذا المطلوب. ~~"المسألة الثانية": الترادف على خلاف الأصل أي: خلاف الراجح حتى إذا تردد ~~لفظ بين كونه مترادفا وكونه غير مترادف فحمله على عدم الترادف أولى، وإن ~~كان خلاف الأصل؛ لأنه تعريف لما سبق تعريفه, ولأنه محوج إلى ارتكاب مشقة ~~وهي حفظ الكل لاحتمال أن يكون الذي يقتصر على حفظه خلاف الذي يقتصر عليه ~~غيره، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر, وهذان الدليلان إنما ~~ينفيان الوضع من واحد، وهو السبب الأقلي كما تقدم فلا يحصل المدعى, لا جرم ~~أن الإمام في المحصول والمنتخب لم يحرم بكونه على خلاف الأصل بل نقله عن ~~بعضهم فقال في المنتخب: وقيل, وقال في المحصول: ومن الناس وكذلك في ms142 الحاصل ~~والتحصيل وأيضا فتعريف المعرف يستدلون به على استحالة الشيء, وقد صرح به ~~صاحب الحاصل وجعله ابن الحاجب دليلا للقائل باستحالته، وأشار إليه الآمدي ~~أيضا ولم يتعرض هو ولا ابن الحاجب لهذه المسألة. المسألة الثالثة: هل يجب ~~صحة إقامة كل واحد من PageV01P105 # المترادفين مقام الآخر؟ فيه ثلاثة مذاهب, أصحها عند ابن الحاجب: الوجوب؛ ~~لأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ, فإذا صح المعنى مع أحد ~~اللفظين وجب بالضرورة أن يصح مع اللفظ الآخر؛ لأن معناهما واحد. والثاني: ~~لا يجب مطلقا واختاره في الحاصل والتحصيل, وقال في المحصول: إنه الحق؛ لأن ~~صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ أيضا؛ لأنه يصح قولك: خرجت من الدار ولو ~~أبدلت لفظه من وحدها بمرادفها من الفارسية لم يجز قال: وإذا عقلنا ذلك في ~~لغتين فلم لا يجوز مثله في لغة؟ والثالث وصححه المصنف: التفصيل, فيجب إن ~~كانا من لغة واحدة لما قلناه أو لا بخلاف اللغتين، والفرق أن اختلاف ~~اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل, فإن لفظة إحدى اللغتين بالنسبة إلى ~~الأخرى مهملة. وقوله: "إذ التركيب يتعلق بالمعنى" إشارة إلى أن الخلاف إنما ~~هو في حال التركيب، وأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء من غير عامل ~~ملفوظ به، ولا مقدر فيجوز اتفاقا, ولم يذكر الإمام هذه المسألة في المنتخب ~~الآمدي في كتبه أيضا، ومن فوائدها نقل الحديث بالمعنى وسيأتي إيضاحها. ~~المسألة الرابعة: في التوكيد قال في المحصول والمنتخب: هو اللفظ الموضوع ~~لتقوية ما يفهم من لفظ آخر ويرد عليه أمور, أحدها: أن التأكيد ليس هو اللفظ ~~بل التقوية باللفظ, إنما اللفظ هو المؤكد. الثاني: أن التأكيد قد يكون بغير ~~لفظ موضوع له, بل بالتكرار كقولنا: قام زيد قام زيد, وكذلك بالحروف الزوائد ~~كما في قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم} [المائدة: 13] أي: فينقضهم, ~~والباء من قوله تعالى: {وكفى بالله شهيدا} [الفتح: 28] أي: كفى الله شهيدا, ~~قال ابن جني: كل حرف زيد في كلام العرب فهو التوكيد. الثالث: أن التعبير ~~آخر فيه ms143 إشعار بالمغايرة, فيخرج من الحد التأكيد بالتكرار نحو: جاء زيد كما ~~مثلنا، وقد تفطن صاحب الحاصل لما أوردناه, فعدل إلى قوله: تقوية مدلول ~~اللفظ المذكور أولا بلفظ مذكور ثانيا, والباء التي في اللفظ متعلقة ~~بالتقوية وقد تبعه المصنف على هذه الحدود ويرد عليه أمران, أحدهما: القسم ~~وإن واللام فإنها تؤكد الجملة، وليس ذلك بلفظ ثان بل بلفظ أول، فحقه أن ~~يقول بلفظ آخر, وهذا لا يرد على الإمام، وفي بعض الشروح أن الثاني هنا ~~بمعنى واحد كهو في قوله تعالى: {ثاني اثنين} [التوبة: 40] وعلى هذا فلا ~~إيراد وهو غلط، فإن شرط ذلك أن يضاف إلى مثله. الثاني: أن التابع يدخل في ~~هذا الحد, فإنه يعيد التأكيد كما تقدم, فينبغي أن يقول: بلفظ ثان مستقل ~~بالإفادة أو نحو ذلك, إذا علمت ذلك فاعلم أن اللفظ تارة يؤكد بنفسه أي: بأن ~~يكرر مثل قوله -عليه الصلاة والسلام: "والله لأغزون قريشا" بتكراره ثلاثا1، ~~وهذا الحديث رواه أبو داود عن عكرمة مرسلا وتارة يؤكد بغيره، وهو على ~~قسمين, أحدهما: أن يكون مؤكدا للمفرد. والثاني: أن يكون مؤكدا للجملة، ~~والمؤكد للمفرد إما أن يكون مؤكدا للواحد كقولك: جاء زيد نفسه أو عينه، ~~وإما للمثنى كقولك: جاء الزيدان كلاهما والمرأتان كلتاهما، وإما للجمع ~~كقوله تعالى: # PageV01P106 # {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر: 3] ومنه أخوات أجمعين كأكتعين ~~أبصعين أبتعين. والثاني: أن يكون مؤكدا للجملة كان, نحو قوله تعالى: {إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: 56] إذا علمت هذا علمت أن المصنف ~~أطلق المفرد على المثنى والمجموع وهو صحيح؛ لأن المفرد يطلق ويراد به ما ~~ليس بجملة، ومن الناس من منع الترادف والتوكيد قال في المحصول: فإن كان ~~نزاعه في الجواز العقلي فهو باطل بالضرورة؛ لأن العقل لا يحيل الاهتمام ولا ~~تعدد الوسائل، وإن كان الوقوع فكذلك أيضا؛ لأن من استقرأ لغة العرب علم أنه ~~واقع, لكن إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى كما في ~~الترادف. فقول المصنف: وجوازه ضروري يحتمل عوده إلى كل من الترادف ~~والتأكيد، أو ms144 إليهما معا، وتقدير كلامه: وجواز ما ذكر في هذا الفصل. واعلم ~~أن هذه المسألة ليست من الترادف معه أنه جعلها من أحكامه, حيث قال: وأحكامه ~~في مسائل يعني: أحكام الترادف, فلو قال أولا: الفصل الرابع في الترادف ~~والتأكيد كما قال الإمام وأتباعه, لاستقام. # PageV01P107 ### | الفصل الخامس ### | المسألة الأولى # قال: "الفصل الخامس: في الاشتراك, وفيه مسائل: الأولى: في إثباته, أوجبه ~~قوم لوجهين, الأول: أن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، فإذا وزع لزم ~~الاشتراك ورد بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناه. والثاني: أن ~~الوجود يطلق على الواجب والممكن, ووجود الشيء عينه, ورد بأن الوجود زائد ~~مشترك, وإن سلم فوقوعه لا يقتضي وجوبه, وأحاله آخرون؛ لأنه لا يفهم الغرض ~~فيكون مفسدة ونقص بأسماء الأجناس والمختار إمكانه لجواز أن يقع من واضعين ~~أو واحد لغرض الإبهام حيث جعل التصريح سببا للمفسدة, ووقوعه للتردد في ~~المراد من القرء ونحوه, ووقع في القرآن العظيم مثل ثلاثة قروء: {والليل إذا ~~عسعس} [التكوير: 17] " أقول: المشترك هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين ~~فأكثر, وزاد الإمام فيه قيودا لا حاجة إليها, وقد ذكر المصنف هذا الحد في ~~تقسيم الألفاظ حيث قال: فإن وضع لكل فمشترك؛ فلذلك لم يذكره هنا، فإن قيل: ~~فلم ذكر حد الترادف مع تقدمه في التقسيم؟ قلنا: ليفرق بينه وبين التأكيد ~~والتابع كما مر، وقد اختلف في الاشتراك على أربعة مذاهب حكاها المصنف, ~~أحدها: أنه واجب أي: يجب بحكم المصلحة العامة أن يكون في اللغات ألفاظ ~~مشتركة. والثاني: أنه مستحيل. والثالث: أنه ممكن غير واقع. والرابع: أنه ~~ممكن واقع واختاره المصنف، واستدل القائلون بالوجوب بوجهين الأول: أن ~~المعاني غير متناهية لأن الأعداد أحد أنواع المعاني وهي غير متناهية, إذ ما ~~من عدد إلا وفوقه عدد آخر، والألفاظ متناهية؛ لأنها مركبة من الحروف ~~المتناهية وهي ثمانية وعشرون حرفا، والمركب من المتناهي متناه فإذا وزعت ~~المعاني غير المتناهية على الألفاظ المتناهية, لزم أن تشترك المعاني ~~الكثيرة في اللفظ الواحد، وإلا يلزم خلو بعض المعاني عن لفظ يدل عليه ms145 وهو ~~محال، وأجاب المصنف بوجهين, أحدهما: منع المقدمتين ولم يذكر مستند المنع ~~تبعا # PageV01P107 # للإمام, وتقريره: أنا لا نسلم أن المعاني غير متناهية؛ لأن حصول ما لا ~~نهاية له في الوجود محال، وأما الأعداد فالداخل منها في الوجود متناه, ~~وأيضا فأصولها متناهية، وهي الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والوضع ~~للمفردات لا للمركبات، ولا نسلم أيضا أن الألفاظ متناهية. قولهم: لأن ~~المركب من المتناهي متناه, ممنوع لإمكان تركيب كل حرف مع آخر إلى ما لا ~~نهاية له, وأيضا فأسماء الأعداد غير متناهية على ما قالوه مع أنها مركبة من ~~الحروف المتناهية، وقد صرح في المحصول هنا بأن هاتين المقدمتين باطلتان، ~~وناقض كلامه فجزم بكون المعاني غير متناهية في النظر. الرابع: من باب ~~اللغات والجواب الثاني وهو بعد تسليم المقدمتين: أن المقصود بالوضع متناه، ~~وتقريره من وجهين, أحدهما وهو المذكور في المحصول ومختصراته: أن المعاني ~~التي يقصدها الواضع بالتسمية متناهية؛ لأن الوضع للمعاني فرع عن تصورها، ~~وتصور ما لا يتناهى محال، فإن قيل: لا استحالة فيه إذا قلنا: الواضع هو ~~الله تعالى وهو الراجح قلنا: الوضع لفائدة مخاطبة الناس بها، وهو موقوف على ~~تصورهم أيضا، والثاني وهو المذكور في المنتخب: أن المعاني على قسمين, منها ~~ما تشتد الحاجة إلى الوضع له، ومنها ما ليس كذلك كأنواع الروائح, فإنه لم ~~يوضع لكل رائحة منها اسم يخصه، فإذا تقرر خلو بعض المعاني عن الأسماء وأن ~~الوضع إنما يكون لما تشتد الحاجة إليه, فلا نسلم أن هذا المحتاج إليه غير ~~متناه، وأجاب ابن الحاجب بجواب آخر, وهو أن الاشتراك إنما يكون بين معان ~~متضادة أو مختلفة، وأما المتماثلة فلا اشتراك فيها, فإقامة الدليل على أن ~~المعاني من حيث هي غير متناهية, لا يلزم منه إثباته في المختلفة والمتضادة، ~~وهو المقصود، وأيضا فلو كانت الألفاظ مستوعبة للمعاني لكان بعض الألفاظ ~~موضوعا لمعان لا نهاية لها وهو باطل. الدليل الثاني: أن الوجود يطلق على ~~الواجب سبحانه وتعالى, وعلى الممكن كالمخلوقات ووجود كل شيء ليس زائدا على ~~ماهيته, بل هو ms146 عين ماهيته على مذهب الأشعري, فالوجود الذي يطلق على الذات ~~المقدسة هو عين الذات، والذي يطلق على المخلوق هو عين المخلوق، والذاتان ~~مختلفتان بالماهية فيكون الوجود أيضا مختلفا بالماهية، وقد أطلق عليه لفظ ~~واحد إطلاقا حقيقيا بدليل عدم صحة النفي فيكون مشتركا، وأجاب المصنف بوجهين ~~أحدهما: لا نسلم أن الوجود هو عين الماهية بل هو زائد عليها كما ذهب إليه ~~المعتزلة, وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه الواجب والممكن، فيكون متواطئا ~~لا مشتركا، وذهبت الفلاسفة إلى أن وجود الواجب عين ذاته، ووجود الممكن زائد ~~عليه. والثاني: سلمنا أنه مشترك لكن وقوع الاشتراك لا يدل على وجوبه وهو ~~المدعى. واعلم أن الإمام وأتباعه قد قرروا هذا الدليل على وفق الدعوى وهو ~~الوجوب فقالوا: إن الألفاظ العامة كالوجود والشيء, واجبة الوقوع في اللغات ~~لاشتداد الحاجة إليها, ثم ذكروا الدليل إلى آخره فغيره المصنف, ثم أورد ~~عليه: وجوابه على تقرير الإمام أنه لا يلزم # PageV01P108 # من وجوب الوضع أن يكون لفظا وحدا. قوله: "وأحال آخرون" هذا هو المذهب ~~الثاني, وهو استحالة الاشتراك، واحتج الذاهبون إليه بأن المشترك لا يفهم ~~منه غرض المتكلم الذي هو المقصود بالوضع, فيكون وضعه سببا للمفسدة, والواضع ~~حكيم فيستحيل أنه يضعه، والجواب: أن ما قالوه منتقض بأسماء الأجناس ~~كالحيوان والإنسان, ألا ترى أنه لو قال: اشتر لي عبدا لم يفهم منه مراده؟ ~~وكذلك الأسود وغيره من المشتقات فإنه لا يدل على خصوص تلك لذات كما تقدم في ~~تقسيم الألفاظ، وفي الجواب نظر؛ فإن اسم الجنس موضوع للقدر المشترك، وهو ~~معلوم من اللفظ بخلاف المشترك، فإن المقصود منه فرد معين وهو غير معلوم, ~~فالأولى أن يجيب بأنه لا ينفي وقوع الاشتراك من قبيلتين, وبأن ما قالوه من ~~المحذور ينتفي عند الحمل على المجموع. قوله: "والمختار إمكانه" هذا هو ~~المذهب الثالث، وهو إمكانه الاشتراك؛ وذلك لأنه يمكن أن يكون من واضعين لم ~~يعلم كل منهما بوضع الآخر, وهذا هو السبب الأكثري كما قال في المحصول1, ~~وعلى هذا فلا يقدح فيه ما قالوه ms147 من المفاسد؛ لأن اجتنابها متوقف على العلم ~~بوقوع الاشتراك، والغرض أن لا علم وأن يكون من واضع واحد لغرض الإبهام على ~~السامع حيث يكون التصريح سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر -رضي الله عنه- ~~أنه قال لكافر سأله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقت ذهابهما إلى ~~الغار: من هذا؟ فقال: "رجل يهديني السبيل". قوله: "ووقوعه" هو معطوف على ~~خبر المختار وهو الإمكان أي: والمختار إمكانه ووقوعه. وهذا هو المذهب ~~الرابع، وبانضمام هذا إلى ما قبله استفدنا الثالث وهو أنه ممكن غير واقع, ~~وبه صرح في المحصول فقال: وبعضهم سلم إمكانه وخالف في وقوعه وقال: وما يظن ~~أنه مشترك فهو إما متواطئ أو حقيقة ومجاز. ثم استدل المصنف على الوقوع بأنا ~~نتردد في المراد من القرء والعين والجواب ونحوها, فإنا إذا سمعنا القرء ~~مثلا ترددنا بين الطهر والحيض على السواء, فلو كان حقيقة في أحدهما فقط أو ~~في القدر المشترك لما كان كذلك وقد وقع في القرآن العظيم كقوله تعالى: ~~{ثلاثة قروء} {والليل إذا عسعس} أي: أقبل وأدبر, وإنما أورد المصنف هذين ~~المثالين؛ لأن أحدهما من الأسماء والآخر من الأفعال، وأيضا فأحدهما مجموع ~~والآخر مفرد فتبين بذلك وقوع النوعين في القرآن ومنهم من منع وقوعه في ~~القرآن والحديث, كما قال في المحصول؛ لأنه إن وقع مبينا طال من غير فائدة، ~~وإن كان غير مبين فلا يفيد، وجوابه: أن فائدته الاستعداد للامتثال بين ~~البيان, وأيضا فإنه كأسماء الأجناس. PageV01P109 ### | المسالة الثانية: # قال: "الثانية: أنه خلاف الأصل, وإلا لم يفهم ما لم يستفسر, ولامتنع ~~الاستدلال بالنصوص، ولأنه أقل بالاستقراء, ويتضمن مفسدة السامع؛ لأنه ربما ~~لم يفهم وهاب استفساره أو استنكف أو فهم غير مراده, وحكى لغيره فسيؤدي إلى ~~جهل عظيم واللافظ؛ لأنه قد يحوجه إلى العبث، أو يؤدي إلى الإضرار أيضا, أو ~~يعتمد فهمه فيضيع غرضه فيكون مرجوحا". أقول: الاشتراك وإن كان جائزا أو ~~واقعا لكنه خلاف الأصل, قال في المحصول: ونعني به أن اللفظ متى دار بين ~~احتمال الاشتراك والانفراد, كان الغالب ms148 على الظن هو الانفراد واحتمال ~~الاشتراك مرجوح، ثم استدل المصنف عليه بوجوه, أحدها: أنه لو لم يكن كذلك ~~لما حصل التفاهم حال التخاطب إلا بالاستفسار، ثم يحتاج البيان إلى استفسار ~~آخر، ويلزم التسلسل وليس كذلك, فإن الفهم يحصل بمجرد إطلاق اللفظ. الثاني: ~~لو تساوى الاحتمالان لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظنون, فضلا عن ~~تحصيل العلوم لجواز أن تكون ألفاظها موضوعة لمعان أخر, وتكون تلك المعاني ~~هي المرادة. الثالث: الاستقراء يدل على أن الكلمات المشتركة أقل من ~~المفردة، والكثرة تفيد ظن الرجحان. الرابع: الاشتراك يتضمن مفاسد السامع ~~واللافظ, فيقتضي أن لا يكون موضوعا، أما السامع فلأمرين أحدهما: أن الغرض ~~من الكلام وهو حصول الفهم, وربما فقدت القرائن فلم يفهم وهاب استفسار ~~المتكلم لعظمته، أو استنكف إما لحقارته وإما لكون الاستفسار يشعر بعدم ~~الفهم، والناس يستنكفون منه. الثاني: أنه قد يفهم غير مراد المتكلم فيقع في ~~الجهل ويحكيه لغيره, فيوقعهم فيه أيضا فيصير ذلك سببا لجهل جمع كثير وهو ~~جهل عظيم، وأما تضمنه لمفاسد اللافظ فلأن السامع قد لا يفهم فيحتاج المتكلم ~~إلى ذكره باسمه المفرد, فيكون تلفظه باللفظ المشترك عبثا لا فائدة فيه، ~~وأيضا فإنه يؤدي إلى إضراره لاحتياجه دائما إلى التفسير، وقد يشق عليه ~~التعبير لعارض وأيضا فلأنه ربما يعتمد فهم السامع أنه لا يفهم فيضع غرضه، ~~كمن قال لعبده: أعط الفقير عينا أو ائتني بعين على ظن أنه يفهم الماء فيفهم ~~هو الذهب. قوله: "فيكون مرجوحا" أي: لهذه الوجوه الأربعة وإذا كان مرجوحا ~~كان خلاف الأصل وهو المدعي، وقد وقع في كثير من الشروح هنا مخالفة لما ~~قررته فاجتنبه على أن نسخ الكتاب أيضا مختلفة هنا، واعلم أن أكثر هذه ~~الوجوه لا ينفي وقوع الاشتراك مطلقا بل من واضع واحد وهو السبب الأعلى. # PageV01P110 ### | المسألة الثالثة # قال: "الثالثة: مفهوما المشترك, إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض، أو ~~يتواصلا فيكون أحدهما جزءا للآخر كالممكن للعام والخاص، أو لازما له كالشمس ~~للكوكب وضوئه". أقول: المشترك لا بد له من مفهومين فصاعدا أي: ms149 معنيين, ~~فالمفهومان إما أن يتباينا أو يتواصلا، فإن تباينا أي: لم يصدق أحدها الآخر ~~فإن لم يصح اجتماعهما فهما متضادان كالقرء الموضوع للطهر والحيض، وإن صح ~~اجتماعهما فهما متخالفان ولم نظفر له بمثال، وإن تواصلا فقد يكون أحدهما ~~جزءا من الآخر وقد يكون لازما له, مثال الأول: لفظ الممكن, فإنه موضوع ~~للممكن بالإمكان العام والممكن بالإمكان الخاص، فالإمكان الخاص هو سلب ~~الضرورة عن طرفي الحكم, أعني الطرف الموافق له, والمخالف كقولنا: كل إنسان ~~كاتب بالإمكان الخاص, معناه: أن ثبوت الكتابة للإنسان # PageV01P110 # ليس بضروري ونفيها عنه أيضا ليس بضروري, فقد سلبنا الضرورة عن الطرف ~~الموافق وهو ثبوت الكتابة وعن المخالف وهو نفيها، وأما الإمكان العام فهو ~~سلب الضرورة عن الطرف المخالف للحكم أي: إن كانت موجبة فالسلب غير ضروري, ~~فإن كانت سالبة فالإيجاب غير ضروري, كقولنا: كل إنسان حيوان بالإمكان ~~العام, معناه: أن سلب الضرورة عن أحد الطرفين جزء من سلب الضرورة عن ~~الطرفين جميعا, فيكون الممكن العام جزءا من الممكن الخاص، ولفظ الممكن ~~موضوع لهما فيكون مشتركا بين الشيء وجزئه. قال في المحصول: وإطلاقه أيضا ~~على الخاص وحده من باب الاشتراك بالنظر إلى ما فيه من المفهومين المختلفين، ~~وإنما سمي الأول بالإمكان الخاص، والثاني بالعام؛ لأن الأول أخص, فإنه متى ~~وجد سلب الضرورة عن الطرفين وجد سلبها على الطرف المخالف بخلاف العكس، فصار ~~كالإنسان والحيوان. قوله: "كالشمس" تمثيل للمشترك بين الشيء ولازمه، فإن ~~الشمس تطلق على الكوكب المضيء، كما تقول: طلعت الشمس وعلى ضوئه كما تقول: ~~جلسنا في الشمس, مع أن الضوء لازم له، فإن توقف في هذا المثال متوقف فليمثل ~~له بالرحيم, فإن الجوهري نص على أن يكون تارة بمعنى المرحوم وتارة بمعنى ~~الراحم, وكل منهما يستلزم الآخر, فيكون مشتركا بين الشيء ولازمه، ويمثل له ~~أيضا بالكلام فإنه مشترك عند المحققين بين النفساني واللساني كما قاله في ~~المحصول1، مع أن اللسان دليل على النفساني والدليل يستلزم المدلول فيصدق ~~عليه أنه مشترك بين الشيء ولازمه على قول الإمام, ومختصرو كلامه ms150 لم يذكروا ~~هذا القسم بل ذكروا عوضا عنه الاشتراك بين الشيء وصفته, ومثلوه بما إذا ~~سمينا رجلا أسود اللون بالأسود, وفي التمثيل أيضا نظر لأن شرط المشترك أن ~~يكون حقيقة في معنييه بلا خوف؛ ولهذا استدل به من قال: إنه أولى من المجاز، ~~وإطلاق العلم عن مدلوله ليس بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي، وقد تلخص مما قالوه ~~أن الاشتراك قد يكون بين الشيء وجزئه، أو لازمه أو صفته, وهذه المسألة ليست ~~في المنتخب. "فرع": قال الإمام: لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركا بين ~~النقيضين؛ لأن الواقع لا يخلو عن أحدهما فلا يستفيد السامع بإطلاقه شيئا, ~~فيصير الوضع لذلك عبثا، واعترض عليه في التحصيل بأنه لا ينفي إلا وقوعه من ~~واضع واحد وهو السبب الأقلي، واعترض القرافي أيضا أنه بدون الإطلاق يحتاج ~~إلى دليل مستقل ومع الإطلاق لا يحتاج إلا إلى قرينة تعين المراد, ونقل ~~القيراوني في المستوعب عن جماعة أنهم منعوا الاشتراك بين الضدين أيضا, ~~والمشهور الجواز كما تقدم. PageV01P111 ### | المسالة الرابعة: # قال: "الرابعة: جوز الشافعي -رضي الله عنه- والقاضيان وأبو علي إعمال ~~المشترك في جميع مفهوماته غير المتضادة, ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري ~~والإمام. لنا: الوقوع في قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~[الأحزاب: 56] والصلاة من الله مغفرة ومن غيره استغفار, قيل: الضمير متعدد ~~فيتعدد الفعل, قلنا: يتمدد معنى لا لفظا وهو المدعى, وفي قوله تعالى: {ألم ~~تر أن الله يسجد له من في السماوات} [الحج: 18] الآية قيل: حرف العطف ~~بمثابة العامل قلنا: إن سلم فبمثابته بعينه قيل: يحتمل وضعه أيضا، فالإعمال ~~في البعض، قلنا: فيكون المجموع مسندا إلى كل واحد وهو باطل". أقول: ذهب ~~الشافعي -رضي الله عنه- إلى جواز استعمال المشترك في جميع معانيه وتبعه ~~القاضيان وهما القاضي أبو بكر الباقلاني1 والقاضي عبد الجبار بن أحمد ~~المعتزلي واختاره المصنف وابن الحاجب, ونقله القرافي عن مالك ونقله المصنف ~~عن أبي علي الجبائي2, ورأيت في الوجيز3 لابن برهان أن الجبائي منعه. قال: ~~إلا أن يتفق المعينات في حقيقة واحدة فيجوز ms151 كالقرء, فإنه حقيقة في ~~الانتقال، ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري أي: أبو الحسين كما قاله في ~~المحصول4، واختاره الإمام فخر الدين في كتبه كلها، ونقله الآمدي عن أبي عبد ~~الله البصري أيضا، والقرافي عن أبي حنيفة، ثم ذكر الإمام في المحصول أيضا ~~ما يخالف هذا، فإنه جزم في الكلام على أن الأصل عدم الاشتراك بأن المضارع ~~مشترك بين الحال والاستقبال، ثم جزم في الإجماع بأن المضارع يحمل عليهما، ~~فقال مجيبا عن سؤال: قلنا: لأن صيغة المضارع بالنسبة إلى الحال والاستقبال ~~كاللفظ العام, ذكر ذلك في الاستدلال بقوله تعالى: {كنتم خير أمة} [آل ~~عمران: 110] وتوقف الآمدي فلم يختر شيئا، فإن جوزنا قال الآمدي: فشرطه أن ~~لا يمتنع الجمع بينهما، أي: بأن يكون المعنى يصح إسناده إلى الأمرين, ~~فقولنا: العين جسم ونريد به العين الجارية والذهب، والعدة بثلاثة قروء ~~ونريد به الطهر والحيض، والجون ملبوس وزيد ونريد به الأبيض والأسود، أو ~~يكون المحكوم عليه بالمشترك متعددا كقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي} [الأحزاب: 56] فإن المغفرة والاستغفار يستحيل عودهما إلى الله ~~تعالى, كذلك إلى الملائكة، بل المغفرة عائدة إلى الله تعالى والاستغفار ~~للملائكة. قال: فإن امتنع الجمع بينهما كاستعمال صفة أفعل في الأمر بالشيء ~~والتهديد عليه، فإنه لا يجوز؛ لأن الأمر يقتضي التحصيل والتهديد يقتضي ~~الترك، وعبر المصنف عن هذا القيد بقوله: غير المتضادة فهو فاسد؛ لأن القرء ~~والجون من المتضادات وقد بينا أنه لا يمنع، PageV01P112 # وقد مثل الإمام في المحصول محل النزاع بلفظ القرء وذكره في أثناء ~~الاستدلال، وإنما قيده المصنف بالمتضادة دون المتناقضة؛ لأن الوضع للنقيضين ~~ممنوع على ما تقدم نقله عن الإمام وبتقدير جواز الوضع فإن التقييد ~~بالمتضادة يدل على منع المتناقضة بطريق الأولى، ولم يتعرض الإمام لهذا ~~القيد وقبل الخوض في الاحتجاج لا بد من التنبيه على أمور أحدها: أن محل هذا ~~الخلاف في اللفظة الواحدة من المتكلم الواحد في الوقت الواحد كما قاله ~~الآمدي, فإن تعددت الصيغة أو اختلف المتكلم أو الوقت جاز تعدد المعنى. ~~الثاني: ms152 أن هذا الخلاف المذكور في استعمال اللفظ في حقيقته يجري في ~~استعماله في حقيقته ومجازه، كما قاله الآمدي, وفي مجازيه كما قاله القرافي، ~~فالأول كقولك: والله لا أشتري وتريد الشراء الحقيقي والسوم. والثاني: كأن ~~تريد السوم وشراء الوكيل. الثالث: محل الخلاف بين الشافعي وغيره في استعمال ~~اللفظ في معانيه إنما هو في الكلي العددي كما قاله في التحصيل أي: في كل ~~فرد, وذلك بأن نجعله يدل على كل واحد منهما على حدة بالمطابقة في الحالة ~~التي تدل على المعنى الآخر بها، وليس المراد هو الكلي المجموعي أي: يجعل ~~مجموع المعنيين مدلولا مطابقيا كدلالة العشرة على آحادها، ولا الكلي البدلي ~~أن يجعل كل واحد منهما مدلولا مطابقيا على البدل, ونقل الأصفهاني في شرح ~~المحصول أنه رأى في تصنيف آخر لصاحب التحصيل أن الأظهر من كلام الأئمة وهو ~~الأشبه، أن الخلاف في الكلي المجموعي فإنهم صرحوا بأن المشترك عند الشافعي ~~كالعام. الرابع: اختلفوا في هذا الاستعمال هل هو حقيقة أم لا؟ فقال ~~القرافي: إنه مجاز, وصححه ابن الحاجب؛ لأن الذي يتبادر إلى الذهن إنما هو ~~أحدهما, والتبادر علامة الحقيقة فإذا أطلق عليهما كان مجازا، ونقل الآمدي ~~عن الشافعي القاضي أنه حقيقة, قال: وهو عندهما من باب العموم، ووافق على ~~كونه من باب العموم الغزالي في المستصفى والإمام في البرهان حتى إنهم لم ~~يذكروا المسألة إلا في باب العموم، وفي كونه من العموم إشكال؛ لأن مسمى ~~العموم واحد كما سيأتي، والمشترك مسمياته متعددة. وأيضا فالمشترك يجب أن ~~تكون أفراده متناهية بخلاف العام، وأيضا فالقاضي ينكر صيغ العموم فإنكاره ~~ههنا أولى. الخامس: الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل، فالوضع هو جعل ~~اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الولد زيدا وهذا أمر متعلق بالواضع، ~~والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة المعنى وهو من صفات المتكلم، والحمل اعتقاد ~~السامع مراد المتكلم أو ما اشتمل على مراده كحمل الشافعي المشترك على ~~معنييه؛ لكونه مشتملا على المراد وهذا من صفات السامع, وقد تقدم الكلام على ~~وضع المشترك والكلام الآن في استعماله، وسيأتي ms153 الكلام على حمله. قوله: "لنا ~~الوقوع" أي: الدليل على جواز الاستعمال أمران أحدهما: وقوعه في قوله تعالى: ~~{إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: 56] ووجه الدلالة: أن الصلاة ~~لفظ مشترك بين المغفرة والاستغفار، وإنما تعدت بعلى لا باللام لمعنى # PageV01P113 # التعطف والتحنن، وقد استعملت فيها دفعة واحدة فإنه أسندها إلى الله تعالى ~~وإلى الملائكة, ومن المعلوم أن الصادر من الله تعالى هو المغفرة لا ~~الاستغفار ومن الملائكة عكسه فثبت المدعي، وإنما فسر المصنف الصلاة من الله ~~تعالى بالمغفرة تبعا للحاصل, ولم يفسرها بالرحمة تبعا للإمام والآمدي ~~لأمرين أحدهما: أن إطلاق الرحمة على البارئ تعالى مجاز؛ لأنها رقة القلب ~~بخلاف المغفرة. الثاني: أن التفسير بذلك يكون جمعا بين الحقيقة والمجاز ~~وليس هو دعوى المصنف، وإنما دعواه الحقيقتين, ألا تراه قد عبر أولا ~~بالمشترك لكن الخلاف في الحقيقة والمجاز كالخلاف في الحقيقتين كما تقدم, ~~قوله: "قيل: الضمير" هذا الاعتراض لصاحب الحاصل ولم يذكره الإمام, وتقريره ~~أن قوله تعالى: {يصلون} فيه ضمير عائد إلى الله تعالى, وضمير يعود إلى ~~الملائكة وتعدد الضمائر بمثابة تعدد الأفعال, فكأنه قيل: إن الله يصلي ~~والملائكة تصلي، وقد عرفت من القواعد المتقدمة أن النزاع إنما هو استعمال ~~اللفظ الواحد في معنييه, وأجاب المصنف بأن الفعل لم يتعدد في اللفظ قطعا ~~وإنما تعدد في المعنى, فاللفظ واحد والمعنى متعدد وهو عين الدعوى, وفي ~~الاستدلال بالآية نظر من وجهين, أحدهما ما قاله الغزالي في المستصفى: أنه ~~يجوز أن تكون الصلاة قد استعملت في معنى مشترك بين المغفرة والاستغفار وهو ~~الاعتناء بإظهار الشرف. وجوابه: أن إطلاقها على الاعتناء مجاز لعدم التبادر ~~وقد ثبت أنها مشتركة بين المغفرة والاستغفار, فالحمل عليهما أولى مراعاة ~~للمعنى الحقيقي, ولك أن تقول: قد تقدم أن ابن الحاجب وجماعته ذهبوا إلى أن ~~الحمل على المجموع مجاز, فلم رجحتم أحد المجازين على الآخر بل المجاز ~~المجمع عليه أولى؟ الثاني: أنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر للقرينة، ويكون ~~أصله: إن الله يصلي وملائكته تصلي, وأجيب بأن الإضمار مثل المجاز ms154 فلم رجحتم ~~المجاز؟ قوله: "وفي قوله تعالى" هذا هو الدليل الثاني على جواز الاستعمال, ~~وهو عطف على ما تقدم وتقديره لنا الوقوع في قوله تعالى: {إن الله وملائكته} ~~[الأحزاب: 56] وفي قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ~~وكثير حق عليه العذاب} [الحج: 18] ووجه الدلالة: أن الله تعالى أراد ~~بالسجود ههنا الخشوع؛ لأنه هو المتصور من الدواب، وأراد به أيضا وضع الجبهة ~~على الأرض، وإلا لكان تخصيص كثير من الناس بالذكر لا معنى له لاستواء الكل ~~في السجود بمعنى الخشوع والخضوع للقدرة، فثبت إرادة المعنيين، وأجيب بأن ~~حرف العطف بمثابة تكرار العامل, فكأنه قيل: {يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض} إلى آخر الآية, فليس فيه إعمال للمشترك في مدلوليه، بل أعمل مرة في ~~معنى، ومرة في معنى آخر وهو جائز، وهذا الاعتراض لصاحب الحاصل ولم يذكره ~~الإمام وأجاب عنه المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أن العاطف كالعامل, بل هو ~~موجب لمساواة الثاني للأول في مقتضى العامل إعرابا وحكما، والعامل في ~~الثاني هو الأول بواسطة # PageV01P114 # العاطف, فإنه الصحيح عند النحويين وذهب جماعة منهم إلى أن العاطف هو ~~العامل, وآخرون إلى أن العامل مقدر بعد العطف. الثاني: أنا وإن سلمنا أن ~~العاطف بمثابة العامل لكنه على هذا التقدير يلزم أن يكون بمثابة العامل ~~الأول بعينه وهو هنا باطل؛ لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر ~~والجبال والشجر هو وضع الجبهة؛ لأنه مدلول الأول وهذا التقدير هو الصواب، ~~ويحتمل أن يكون المراد أنه إذا كان بمثابة الأول بعينه يكون اللفظ واحدا ~~والمعنى كثيرا وهو المدعى ويقع في بعض النسخ: فبمثابة في العمل أي: يقوم ~~مقامه في الإعراب لا في المعنى. قوله: "قيل: يحتمل وضعه للمجموع" يعني: أن ~~ما تقدم من الاستدلال بالآيتين لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون استعمال ~~السجود والصلاة في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وضع له أيضا كما وضع ms155 ~~للأفراد, بل لا بد من ذلك وإلا لكان اللفظ مستعملا في غير ما وضع له, ~~وحينئذ فيكون السجود مثلا موضوعا لثلاثة معان للخضوع على انفراده، ولوضع ~~الجبهة على انفراده، وللمجموع من حيث هو مجموع، وعلى هذا التقدير يكون ~~إعمال اللفظ في المجموع إعمالا له بعض ما وضع له لا في كلها وهو خلاف ~~المدعى, ولهذا الجواب اقتصر عليه الإمام في المحصول وفي غيره, وأجاب عند ~~المصنف بأنه يلزم أن يكون في المجموع من وضع الجبهة، والخضوع مسندا إلى كل ~~واحد من الشجر والدواب وغيره، فلما ذكر أن يكون المجموع من الرحمة ~~والاستغفار مسندا إلى كل واحد من الله تعالى والملائكة وهو باطل بالضرورة ~~وهذا الجواب ضعيف؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو أسند المجموع إلى واحد فقط, ~~أما إذا استعمل في بعض المعاني مع اتحاد المسند إليه كقولك: الدابة تسجد ~~أي: تخشع, أو في المجموع مع تعدد المسند إليه ليرجع كل واحد إلى واحد, فلا ~~يأتي فيه هذا المحذور، والدليلان المذكوران من هذا القبيل، وأيضا فالذي ~~قاله مشترك الإلزام فإنه قد تقرر أن اللفظ قد استعمل في الجميع, فيلزم ~~إسناده إلى كل واحد، فإن قيل: إنما حصل المحال من وضعه للمجموع، قلنا: لا ~~محذور في مجرد الوضع بل ولا في الاستعمال من حيث هو, فإن المتكلم قد لا ~~يستعمله في المجموع عند اتحاد المحكوم عليه، بل يستعمله فيه عند تعدده. ~~وإذا علمت ذلك فالجواب الصحيح عما قاله الإمام أن نقول: لا نسلم أنه وضع ~~للمجموع، فإن قيل: فكيف استعمل فيه؟ قلنا: سيأتي جوابه، وأيضا فالنزاع إنما ~~هو في الجميع لا في المجموع كما تقدم، وسيأتي أيضا بسطه. # قال: " احتج المانع بأنه إن لم يضع التواضع للمجموع لم يجز استعماله فيه. ~~قلنا: لم لا يكفي الوضع لكل واحد من الاستعمال في الجميع؟ ومن المانعين من ~~جوز في الجمع والسلب والفرق ضعيف, ونقل عن الشافعي -رضي الله عنه- والقاضي ~~الوجوب حيث لا قرينة احتياطا". أقول: استدل المانع من استعمال المشترك في ~~جميع معانيه ms156 بأن # PageV01P115 # المشترك إن لم يوضع للمجموع ولم يجز استعمال فيه؛ لأنه استعمال اللفظ في ~~غير مدلوله، وإن وضع له أيضا كان استعماله فيه استعمالا له في بعض معانيه ~~كما تقدم وهو غير المدعى، وسكت المصنف عن هذا القسم الثاني اكتفاء بذكره ~~فيما تقدم. واعلم أن المانعين اختلفوا فقيل: إن المنع لمعنى يرجع إلى الوضع ~~وهو كونه غير موضوع له، وقيل: لمعنى يرجع إلى الإرادة، أي: يستحيل أن يراد ~~باللفظ الواحد في وقت واحد أكثر من معنى واحد. قال في المحصول: والمختار ~~الأول وعليه اقتصر المصنف؛ فلذلك قال: احتج المانع، ولم يقل: المانعون ~~وأجاب المصنف بقوله: لم لا يكفي الوضع ... ؟ وتقريره من وجهين أحدهما: أن ~~يكون الوضع لكل واحد كافيا لاستعماله في الجميع, بمعنى أنه يستعمل في هذا ~~ليدل عليه بالمطابقة في الآخر كذلك، وحينئذ فيكون استعماله في الجميع ~~استعمالا له فيما وضع له؛ لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ، ~~وإنما يستقيم اشتراط الوضع للمجموع أنه لو كان المراد أن يكون مستعملا في ~~المجموع بحيث يكون المجموع مدلولا واحدا كدلالة العشرة على آحادها وليس هو ~~المدعى؛ ولهذا عبر المصنف بقوله: في الجميع، لكن سكوته على المجموع الواقع ~~في كلام الخصم موهم جدا، فكان من حقه أن ينبه أولا على هذا المنع، ثم يذكر ~~ما في الكتاب، وإلى جميع ما قلناه أشار صاحب التحصيل بقوله: ولقائل أن ~~يقول: النزاع في استعماله في كل واحد من المفهومات لا في كلها وبينهما فرق، ~~وهذا التقرير بناء على أن الخلاف في الكلي العددي, التقرير الثاني وهو بناء ~~على الكلي المجموعي: أنه لم لا يكون الوضع لكل واحد كافيا في الاستعمال في ~~المجموع, مجازا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل؟ قوله: "ومن المانعين" ~~يعني أن المانعين من الاستعمال اختلفوا؛ فمنهم من منع مطلقا كما تقدم، ~~ومنهم من فصل فجوز استعمال المشترك في معنييه في حال الجمع, سواء كان ~~إثباتا نحو: اعتدي بالأقراء، أو نفيا نحو: لا تعتدي بالأقراء؛ لأن الجمع ms157 ~~متعدد في التقدير, فجاز تعدد مدلولاته بخلاف المفرد، ومنهم من فصل أيضا ~~فأجاز استعماله في السلب وإن لم يكن جمعا نحو: لا تعتدي بقرء، ومنعه في ~~الإثبات؛ لأن السلب يفيد العموم فيتعدد بخلاف الإثبات، وهذا المذهب -أعني: ~~التفصيل بين النفي وغيره- لم يحكه الإمام ولا مختصر كلامه فاعلمه، فإن ~~كلامه يوهم ذلك, نعم حكاه الآمدي عن أبي الحسين البصري، وكلام المصنف يقتضي ~~أن التفصيل بين السلب والإثبات, وبين الجمع والإفراد لقائل واحد وليس كذلك, ~~وأيضا فالتثنية ملحقة بالجمع وكلامه يقتضي إلحاقها بالإفراد عند هذا ~~القائل؛ لأنه استثنى الجمع فقط. قوله: "والفرق ضعيف" أي: بين الجمع ~~والإفراد, وبين النفي والإثبات، فأما في النفي فقلد فيه الآمدي، فإنه قال ~~في الأحكام: الحق عدم الفرق؛ لأن النفي إنما هو للمعنى المستفاد عند ~~الإثبات، وأما في الجمع فقلد فيه الإمام, فإنه قال في المحصول: الحق عدم ~~الفرق؛ لأن الجمع لا يفيد التعدد إلا للمعنى المستفاد # PageV01P116 # من المفرد، فإن أفاد المفرد أفاد الجمع وإلا فلا، قال: فأما إذا قال: لا ~~تعتدى بالأقراء وأراد مسمى القرء فهو جائز؛ لأن مسمى القرء معنى صادق ~~عليهما فيكون متواطئا. واعلم أن الفرق قوي وقد تقدم ذكره، وللنحو بين أيضا ~~في تثنية المشترك وجمعه مذهبان, صحح ابن مالك أنه يجوز، وقال شيخنا أبو ~~حيان: المشهور المنع. قوله: "ونقل عن الشافعي والقاضي الوجوب" أي: وجوب حمل ~~المشترك على جميع معانيه عند عدم القرينة المخصصة احتياطا في تحصيل مراد ~~المتكلم, إذ لو لم يجب ذلك فإن لم يحمله على واحد منهما لزم التعطيل، أو ~~حمله على واحد منهما فيلزم الترجيح بلا مرجح، وضعف بعضهم هذه المقالة وليست ~~ضعيفة وقد تقدم من كلام الآمدي, والشافعي إنما يحمله على المجموع لكونه ~~عنده من باب العموم وهو ينافي التعليل بالاحتياط، فإن الاحتياط يقتضي ~~ارتكاب زيادة على مدلول اللفظ لأجل الضرورة، ومقتضى العموم خلافه، وكلام ~~المصنف يوهم أن هذه المسألة في الاستعمال فإن الحمل لم يتقدم له ذكر البتة, ~~وبه صرح بعض الشارحين وهو غلط، وفي البرهان ms158 أن الشافعي يوجب حمل اللفظ على ~~حقيقته ومجازه أيضا, قال: ولقد اشتد تكبر القاضي على القائل به. # PageV01P117 ### | المسألة الخامسة # قال: "الخامسة: المشترك إن تجرد عن القرينة فمجمل, وإن اقترن به ما يوجب ~~اعتبار واحد تعين, أو أكثر فكذا عند من يجوز الإعمال في معنيين وعند المانع ~~مجمل أو إلغاء البعض, فينحصر المراد في الباقي أو الكل فيحمل على المجاز, ~~فإن تعارضت حمل على الراجح هو أو أصله, وإن تساويا أو ترجح أحدهما وأصل ~~الآخر فمجمل". # أقول: اللفظ المشترك قد يقترن به قرينة مبينة للمراد وقد يتجرد عنها, فإن ~~تجرد عن القرائن فهو مجمل إلا عند الشافعي والقاضي, فإنه يحمله على الجميع ~~كما تقدم، وعن هذا يعلم أن المصنف اختار مذهب الشافعي في الاستعمال لا في ~~الحمل، وإن اقترنت به قرينة فقد يدل على الاعتبار أي: الإعمال إما للبعض أو ~~للكل, وقد يدل على الإلغاء إما للبعض أو للكل أيضا, فتحصلنا على أربعة ~~أقسام ذكرها المصنف على الترتيب: الأول: أن يقترن به ما يوجب إعماله في ~~واحد فيتعين الحمل عليه, وهذا إذا كان الواحد معينا فإن لم يكن فيبقى اللفظ ~~على إجماله وقد أهمله المصنف. الثاني: ما يجب إعماله في أكثر منه فيحمل على ~~الكل عند من يجوز الإعمال في المعنيين، ومن منع منه قال: إنه مجمل. الثالث: ~~أن يقترن به ما يوجب إلغاء البعض, فينحصر المراد في الباقي، فإن كان الباقي ~~واحدا حمل عليه، وإن تعدد فهو مجمل، إلا عند الشافعي والقاضي، وهذا إذا كان ~~البعض الملغى معينا وإلا فهو مجمل بين الجميع. الرابع: أن يقترن به ما يوجب ~~إلغاء الكل, فيحمل على المعنى المجازي لتعذر الحقيقي, فإن كان البعض فقط ذا ~~مجاز حملناه عليه، وإن كان لكل واحد منهما مجاز فقد تعارضت، وحينئذ فإن ~~ترجح بعض المجازات على بعض حمل عليه، ورجحانه إما بنفسه وذلك بأن تتساوى ~~الحقائق وتكون بعض المجازات أقرب إلى الحقيقة من الآخر، وإما بأصله وهو ~~الحقيقة، وذلك بأن تتساوى المجازات, ولكن تكون بعض الحقائق أرجح ms159 من بعض لو ~~عدمت القرينة الملغية، فإن تساويا أي: الحقائق والمجازات بقي الإجمال، ~~وكذلك إن ترجح بعض المجازات على البعض الآخر، ولكن رجح أصل ذاك وهو حقيقته ~~على أصل هذا, فيبقى الإجمال أيضا لتعادلهما، وهذه المسألة ليست في المنتخب ~~ولا في كتب الآمدي وابن الحاجب. # PageV01P117 ### | الفصل السادس ### | مدخل # ... # الفصل السادس: # قال: "الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز, الحقيقة فعيلة من الحق الثابت ~~أو المثبت, نقل إلى العقد المطابق ثم إلى القول المطابق، ثم اللفظ المستعمل ~~فيما وضع له في اصطلاح التخاطب والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، ~~والمجاز مفعل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان، نقل إلى الفاعل ~~ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح, وفيه مسائل". ~~أقول: ذكر في هذا الفصل مقدمة وثماني مسائل؛ أما المقدمة ففي الكلام على ~~لفظتي الحقيقة والمجاز على معناهما لغة واصطلاحا، ومقصوده الأعظم بيان أن ~~إطلاق لفظتي الحقيقة والمجاز على المعنى المعروف عند الأصوليين إنما هو على ~~سبيل المجاز، فأما الحقيقة فوزنها فعيلة وهي مشتقة من الحق، والحق لغة: ~~الثبوت، قال الله تعالى: {ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] ~~أي: ثبتت، ومن أسمائه تعالى الحق؛ لأنه الثابت، ثم إن فعيلا قد يكون بمعنى ~~فاعل الفاعل, فمعناها الثابتة من قولهم: حق الشيء يحق -بالضم والكسر- إذا ~~وجب وثبت، وإن كانت بمعنى المفعول فمعناها المثبتة بفتح الباء من قولهم: ~~حققت الشيء أحقه إذا أثبته، ثم نقلت الحقيقة من الثابت أو المثبت إلى ~~الاعتقاد المطابق للواقع مجازا كاعتقاد وحدانية الله تعالى، قال في ~~المحصول: لأنه أولى بالوجود من الاعتقاد الفاسد، وقد يقال: إنما كان مجازا ~~لاختصاصه ببعض أفراد الثابت فصار كإطلاق الدابة على ذوات الأربع، ثم نقل من ~~الاعتقاد المطابق إلى القول الدال على المعنى المطابق أي: الصدق لعين هذه ~~العلة كما قال في المحصول1, ثم نق من القول المطابق إلى المعنى المصطلح ~~عليه عند الأصوليين، وهو اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، ~~قال في المحصول: لأن استعماله فيما ms160 وضع له تحقيق لذلك الوضع. قال: فظهر أن ~~إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية بل مجاز واقع في ~~المرتبة الثالثة، لكنه حقيقة عرفية خاصة، ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون لفظ ~~الحق موضوعا للقدر المشترك بين الجمع وهو الثبوت، سلمنا لكن لا نسلم أن كل ~~مجاز مأخوذ مما قبله بل الجميع مأخوذ من الحقيقة، وأما معنى الحقيقة في ~~الاصطلاح فهو ما أشار إليه المصنف بقوله: اللفظ المستعمل ... إلخ فقوله: ~~اللفظ جنس, لكنه جنس بعيد فالتعبير بالقول أصوب, وقوله: المستعمل خرج ~~PageV01P118 # عنه المهمل واللفظ الموضوع قبل الاستعمال, فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز كما ~~سيأتي, وقوله: فيما وضع له يخرج به المجاز, وقوله: في اصطلاح التخاطب ~~يتناول اللغوية والشرعية والعرفية، فإن الصلاة مثلا في اصطلاح اللغة حقيقة ~~في الدعاء, مجاز في الأركان المخصوصة، وفي اصطلاح الشرع بالعكس. واعلم أن ~~المراد بالوضع في الحقيقة الشرعية والعرفية هو غلبة الاستعمال، وفي اللغوية ~~هو تخصيصه به وجعله دليلا عليه، وإرادة المصنف لهما لا تستقيم إلا باستعمال ~~المشترك في معنييه فافهمه. وهذا الحد يرد عليه الإعلام فإن الحد صادق عليها ~~مع أنها ليست بحقيقة ولا مجاز كما سيأتي, وأيضا فالمجاز موضوع عنده؛ لأن ~~المراد من وضعه هو اعتبار العرب لنوعه، وقد جزم باشتراط ذلك كما سيأتي فلا ~~بد فيه من قيد في الحد لإخراجه؛ لأن المذكور هنا صادق عليه. قوله: "والتاء ~~لنقل اللفظ" اعلم أن الفعيل إن كان بمعنى الفاعل فإنه يفرق بين مذكره ~~ومؤنثه بالتاء, فتقول: مررت برجل عليم وامرأة عليمة، وكريم وكريمة، وإن كان ~~بمعنى المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث فتقول: مررت برجل قتيل وامرأة ~~قتيل، ويستثنى من ذلك ما إذا سمي به أو استعمل استعمال الأسماء كما لو ~~استعمل بدون الموصوف, كقوله تعالى: {النطيحة} أي: والبهيمة النطيحة فإنه لا ~~بد من التاء للفرق، فالحقيقة إن كانت بمعنى الفاعل فتاؤها على الأصل, وإن ~~كانت بمعنى المفعول فهي إنما دخلت لانتقال الحقيقة من الوصفية إلى الاسمية؛ ~~لأنا بينا أنها نقلت إلى ms161 اللفظ المستعمل بالشروط وجعلت اسما له، ويجوز أن ~~يكون المراد أن دخولها للإعلال بالنقل. قوله: "المجاز مفعل ... إلخ" يريد ~~أن إطلاق لفظ المجاز على معناه المعروف عند العلماء بالمجاز اللغوي حقيقة ~~عرفية؛ وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز الذي هو التعدي والعبور تقول: جزت ~~المكان الفلاني أي: عبرته ووزن المجاز مفعل؛ لأن أصله: مجوز فقلبوا واوه ~~ألفا بعد نقل حركتها إلى الجيم؛ لأن المشتقات تتبع الماضي المجرد في الصحة ~~والإعلال, وهم قد أعلوا فعله الماضي وهو جاز لتحرك واوه وانفتاح ما قبلها ~~فلذلك أعلوا المجاز، والفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر تقول: ~~قعدت مقعد زيد وتريد: قعود زيد أو زمان قعوده أو مكان قعوده، فيكون لفظ ~~المجاز في الأصل حقيقة, إما في المصدر وهو الجواز وإما في مكان التجوز أو ~~زمانه، وأهمل المصنف الزمان لما ستعرفه، ثم إن لفظ المجاز نقل من ذلك إلى ~~الفاعل وهو الجائز أي: المنتقل لما بينهما من العلاقة؛ لأنه إن نقل من ~~المجاز المستعمل في المصدر فالعلاقة هي الجزئية؛ لأن المشتق منه جزء من ~~المشتق, فصار كإطلاقهم لفظ العدل وهو مصدر على فاعل العدالة فقالوا: رجل ~~عدل أي: عادل، وإن نقل من المجاز المستعمل في المكان فالعلاقة هي إطلاق اسم ~~المحل وإرادة الحال ويعبر عنه بالمجاوزة, وأما المجاز المستعمل في الزمان ~~فإنه ليس بينه وبين الجائز علاقة معتبرة, فلا يصح أن يكون مأخوذا منه فلذلك ~~أهمله المصنف فافهمه، فإنه # PageV01P119 # من محاسن كلامه، ثم إن الجائز يطلق حقيقة على الأجسام؛ لأن الجواز هو ~~الانتقال من حيز إلى حيز، وأما اللفظ فعرض يمتنع عليه الانتقال، فنقل لفظ ~~المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين، وهو اللفظ ~~المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح عليه، وإطلاقه على هذا المعنى ~~على سبيل التشبيه، فإن تعدية اللفظ من معنى إلى معنى كالجائز من مكان إلى ~~مكان آخر, فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح عليه مجازا لغويا في ~~المرتبة الثانية حقيقة عرفية, فأما قوله: اللفظ ms162 المستعمل فقد عرفت شرحه مما ~~تقدم، وأما قوله: في معنى غير موضوع له فاحترز به عن الحقيقة، ويؤخذ منه أن ~~المجاز عند المصنف لا يستلزم الحقيقة؛ لأنه شرط تقدم الوضع لا تقدم ~~الاستعمال، وهو اختيار الآمدي وجزم باستلزامه في المحصول في الكلام على ~~إطلاق اسم الفاعل بمعنى الماضي، ونقله في الكلام على الحقيقة اللغوية عن ~~الجمهور, ثم قال: وهو ضعيف على عكس ما جزم به أولا ولم يصحح ابن الحاجب ~~شيئا، وأما قوله: يناسب المصطلح فأتى به لثلاثة أمور, أحدها: للاحتراز عن ~~العلم المنقول كبكر وكلب, فإنه ليس بمجاز؛ لأنه لم ينقل لعلاقة. الثاني: ~~اشتراط العلاقة. الثالث: ليكون الحد شاملا للمجازات الأربعة: المجاز اللغوي ~~والشرعي والعرفي العام والعرفي الخاص, فأتى بالاصطلاح الذي هو أعم من كونه ~~لغويا أو شرعيا أو عرفيا، وهذا الحد يرد عليه المجاز المركب، وذلك لأن شرط ~~المجاز أن يكون موضوعا لشيء, ولكن يستعمل في غيره لعلاقة كما تقرر، والمركب ~~عن المصنف غير موضوع فإنه قد قال في التخصيص: قلنا: المركب لم يوضع وقد ~~وقعت للشارحين في هذا الفصل مواضيع ينبغي اجتنابها. واعلم أن هذه الأعمال ~~كلها ما عدا الحدين لم يتعرض لها الآمدي ومن تابعه كابن الحاجب. # قال: "الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة وكذا العامة كالدابة ونحوها, ~~والخاصة كالقلب والنقض والجمع والفرق, واختلف في الشرعية كالصلاة والزكاة ~~والحج؛ فمنع القاضي مطلقا واثبت المعتزلة مطلقا, والحق أنها مجازات لغوية ~~اشتهرت لا موضوعات مبتدأة وإلا لم تكن عربية, فلا يكون القرآن عربيا وهو ~~باطل لقوله تعالى: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} [طه: 113] ونحوه قليل ~~المراد بعضه، فإن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه قلنا: ~~معارض بما يقال: إنه بعضه قيل: تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيا ~~كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية, قلنا: تخرجه وإلا لما صح الاستثناء قيل: ~~كفى في عربيتها استعمالها في لغتهم، قلنا: تخصيص الألفاظ باللغات بحسب ~~الدلالة قيل: منقوض بالمشكاة والقسطاس والإستبرق وسجيل قلنا: وضع العرب ~~فيها وافق لغة أخرى". أقول: لما ms163 فرغ من الكلام على الحقيقة لغة واصطلاحا ~~شرع في بيان وجودها، والحقيقة تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها: اللغوية ولا شك ~~في وجودها؛ لأنا نقطع باستعمال بعض اللغات في موضوعاتها كالحر والبرد ~~والسماء والأرض، وبدأ المصنف # PageV01P120 # باللغوية؛ لأن ما عداها فرع عنها. الثاني: العرفية العامة وهي التي ~~انتقلت من مسماها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول, قال في ~~المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر ~~الأول, قال في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها ~~وضعت في اللغة لكل ما يدب كالإنسان, فخصصها العرف العام بما له حافر، وإما ~~باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافتهم الحرمة إلى الخمر ~~وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب. الثالث: العرفية الخاصة وهي ما لكل طائفة ~~من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كاصطلاح الفقهاء على القلب والنقص ~~والجمع والفرق الآتي بيانها في القياس، واصطلاح النحاة على الرفع والنصب ~~والجر. الرابع: الشرعية وهي اللفظة التي استفيد من الشارع وضعها كالصلاة ~~للأفعال المخصوصة، والزكاة للقدر المخرج. قال في المحصول: سواء كان اللفظ ~~والمعنى مجهولين عند أهل اللغة كأوائل السور عند من يجعلها اسما، أو كان ~~معلوما لهم لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى كلفظة الرحمن لله تعالى, ~~فإن كلا منهما كان معلوما لهم، ولم يضعوا اللفظ لله تعالى ولذلك قالوا حين ~~نزل قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] : إنا لا ~~نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما كالصوم ~~والصلاة، إذا علمت ذلك فقد اختلفوا في وقوعها, فمنعه القاضي أبو بكر وقال ~~ابن الشارع: لم يستعملها إلا في الحقائق اللغوية فالمراد بالصلاة المأمور ~~بها هو الدعاء، ولكن أقام الشارع أدلة أخرى على أن الدعاء لا يقبل إلا ~~بشرائط مضمومة إليه، وأثبته المعتزلة فقالوا: نقل الشارع هذه الألفاظ عن ~~مسمياتها اللغوية, وابتدأ وضعها لهذه المعاني لا للمناسبة فليست حقائق ~~لغوية ولا مجازات عنها. وقوله: مطلقا أي: سواء كان فيها مناسبة أم ms164 لا, ~~بخلاف مذهبنا كما سيأتي أو سواء كانت أسماء للفعل كالصوم والصلاة، أو ~~للفاعل كالصائم وهي المسماة عندهم بالدينية كما سيأتي في فروع النقل, ~~واختار إمام الحرمين والإمام المصنف أنها لم تستعمل في المعنى اللغوي، ولم ~~يقطع النظر عنه حالة الاستعمال بل استعملها الشارع في هذه المعاني لما ~~بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة، فالصلاة مثلا لما كانت في اللغة ~~موضوعة للدعاء والدعاء جزء من المعنى الشرعي أطلقت على المعنى الشرعي مجازا ~~تسمية للشيء باسم بعضه، ولا تكون هذه الألفاظ بذلك خارجة عن لغة العرب ~~لانقسام اللغة إلى حقيقة ومجاز، فتلخص أن هذه الألفاظ مجازات لغوية ثم ~~اشتهرت فصارت حقائق شرعية, وهذا هو اختيار ابن الحاجب أيضا، وتوقف الآمدي ~~فلم يختر شيئا, وأشار إلى أنه الحق وهذا الخلاف في الوقوع, وأما الإمكان ~~فقال في المحصول: إنه متفق عليه, وقال في الأحكام: لا شك فيه، وما قالاه ~~فممنوع، فقد نقل أبو الحسن في المعتمد عن قوم أنهم منعوا بإمكانه، ونقله ~~عنه الأصفهاني في شرح المحصول. قوله: "وإلا لم تكن عربية" # PageV01P121 # أي: لو لم تكن هذه الألفاظ مجازات عرفية ابتدأ الشارع وضعها لهذه ~~المعاني, لكانت غير عربية؛ لأن العرب لم تضعها لها لا حقيقة ولا مجازا، ~~وإذا لم تكن عربية فلا يكون القرآن عربيا, لكن القرآن عربي لقوله تعالى: ~~{وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} [طه: 113] وقوله تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي ~~عوج} [الزمر: 38] وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ~~[إبراهيم: 4] وهذا الدليل لا يثبت فيه المدعى؛ لأنه لا يبطل المذهبين ~~الآخرين بل مذهب المعتزلة فقط. قوله: "قيل: المراد بعضه ... إلخ" أي: ~~اعترضت المعتزلة على هذا الدليل بأربعة أوجه, أحدها: أن هذه الآية لا تدل ~~على أن القرآن كله عربي بل على أن بعضه عربي؛ لأن القرآن يطلق على مجموعه ~~وعلى كل جزء منه؛ ولهذا لو حلف: لا يقرأ القرآن حدث بقراءة بعضه، وجوابه: ~~أن استدلالكم بالحلف وإن دل على أن المراد بالقرآن البعض فهو معارض لقولنا ~~للسورة والآية: إنه بعض ms165 القرآن فإنه لو أطلق عليه بعض القرآن حقيقة لما كان ~~لإدخال البعض معنى، وأيضا فلأن بعض الشيء غير الشيء، وإذا تعارضا تساقطا، ~~وسلم ما قلناه أولا. واعلم أن ما ذكره من الحنث ممنوع, فقد نص الشافعي على ~~ما حكاه الرافعي في أبواب العتق أنه لو قال لعبده: إن قرأت القرآن فأنت حر, ~~لا يعتق إلا بقراءة الجميع. الثاني: أن هذه الألفاظ وإن كانت غير عربية, ~~لكنها قلائل فلا يخرج القرآن عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ ~~عربية, فإنها لا تخرج بذلك عن كونها فارسية، والجواب: أنا لا نسلم بل يخرج ~~عن كونه عربيا قطعا بدليل صحة الاستثناء فنقول: القرآن عربي إلا كذا وكذا، ~~ومثله القصيدة أيضا. الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال ~~العرب لها من حيث الجملة، وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي ~~لا يخرجه عن ذلك، وجوابه: أن تخصيص الألفاظ بكونها عربية أو فارسية ليس ~~حكما حاصلا بذات الألفاظ من حيث هي هي, بل بحسب دلالتها على تلك المعاني في ~~تلك اللغة، فلا يصير اللفظ عربيا إلا إذا دل على المعنى الذي وضعه العرب ~~له، وفيما قال نظر، بل الحق أن العربي لا يخرج عن عربيته باستعماله في معنى ~~آخر، ويدل على هذا أن الأعجمي كإبراهيم لا يخرج عن العجمة باستعمال العرب ~~له في معنى آخر كما صرح به النحاة، ولهذا منعوا صرفه، وهذا إذا قلنا: إن ~~اللغات اصطلاحية، فإن قلنا: توقيفية, ففي الحكم بتخصيص البعض بالعربي بحث ~~يتقوى به جواب المصنف. الرابع: أنه منقوض بألفاظ واقعة في القرآن ليست ~~عربية بل معربة, فإن المشكاة حبشية كما قال في المحصول، وهندية كما قال ~~الآمدي وابن الحاجب، وهي الكوة والقسطاس رومية, وهي الميزان والإستبرق ~~فارسية, وهي الديباج الغليظ وسجيل أيضا فارسية, وهي الحجر من الطين، وأجاب ~~المصنف بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ ليست عربية، بل غايته أن وضع العرب لها ~~وافق وضع غيرهم كالصابون والتنور, فإن اللغات متفقة فيهما. قال في المحصول: ~~ولئن ms166 سلمنا خروج # PageV01P122 # هذه الألفاظ عن مقتضى الدليل, فيبقى ما عداها على الأصل، وهذا الذي صححه ~~المصنف والإمام من كون المعرب لم يقع في القرآن, نقله ابن الحاجب عن ~~الأكثرين, ونص عليه الشافعي في أوائل الرسالة فقال ما نصه: وقد تكلم في ~~القرآن من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه, لكان الإمساك أولى به وأقرب من ~~السلامة إن شاء الله تعالى, فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيا وأعجميا, ~~هذا لفظه بحروفه، ومن الرسالة نقلته، ثم إنه أطال الاستدلال في الرد على ~~قائله، ثم قال: والله تعالى يغفر له ولهم ولم يصحح الآمدي شيئا, وصحح ابن ~~الحاجب وقوعه مستدلا بإجماع النحاة على أن إبراهيم ونحوه لا ينصرف للعلمية ~~والعجمية. واعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات على الوجه اللائق فإن ~~اللائق الابتداء بالثالث، ثم بالثاني، ثم بالأول، فيقول أولا: لا نسلم أنها ~~غير عربية بل يكفي فيها استعمالها عندهم, سلمنا لكن لا يخرج القرآن عن كونه ~~عربيا؛ لأنها قلائل سلمنا خروجه، فليس بممتنع لأن المراد من قوله تعالى: ~~{قرآنا عربيا} [طه: 113] هو البعض. # قال: "وعورض بأن الشارع اخترع معاني, فلا بد لها من ألفاظ, قلنا: كفى ~~التجوز بأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وفي الشرع فعل الواجبات لأنه ~~الإسلام، وإلا لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} ~~[آل عمران: 85] فلن يقبل منه, ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن وقد قال ~~الله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين} [الذاريات: 35، 36] والإسلام هو الدين لقوله تعالى: {إن الدين ~~عند الله الإسلام} والدين فعل الواجبات لقوله تعالى: {وذلك دين القيمة} ~~قلنا: الإيمان في الشرع تصديق خاص, وهو غير الإسلام والدين فإنهما الانقياد ~~والعمل الظاهر؛ ولهذا قال تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} وإنما ~~جاز الاستثناء لصدق المؤمن على المسلم بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام". ~~أقول: إن المعتزلة طعنوا أولا في مقدمات دليلنا فأجبناهم, فانتقلوا إلى ~~النقض بالمشكاة وشبهها، فأجبناهم فانتقلوا ms167 إلى المعارضة فقالوا: ما ذكرتم ~~وإن دل على أن الشارع ما ابتدأ وضع هذه الألفاظ لهذه المعاني لكنه معارض ~~بوجهين, أحدهما: إجمالي والآخر: تفصيلي, الأول وهو الإجمالي: أن الشارع ~~اخترع معاني لم تكن معقولة للعرب فلا بد لها من ألفاظ تدل عليها، ويستحيل ~~أن يكون الواضع لها هم العرب لأنهم لا يعقلونها فيكون الواضع لها وهو الله ~~تعالى, فيكون شرعية وجوبه أنا لا نسلم أنه يجب إحداث وضع لها, بل يكفي ~~التجوز بما وضعته العرب لحصول المقصود وهو الإفهام، وقد تقدم إيضاحه عند ~~حكاية المذاهب. الدليل الثاني وهو التفصيلي: أن الإيمان يستعمل في غير ~~معناه اللغوي فيكون شرعيا, بيانه أن الإيمان في اللغة هو التصديق, قال الله ~~تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} [يوسف: 17] وفي الشرع فعل ~~الواجبات؛ وذلك لأن الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الدين، والدين فعل ~~الواجبات، ينتج أن الإيمان # PageV01P123 # فعل الواجبات، وإنما قلنا: إن الإيمان هو الإسلام لوجهين, أحدهما: أنه لو ~~كان غيره لما كان مقبولا ممن ابتغاه لقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] الآية. الثاني: لو كان مغايرا له لامتنع ~~استثناؤه منه؛ لأن الاستثناء إخراج بعض الأول ولكنه لا يمتنع لقوله تعالى: ~~{فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ~~[الذاريات: 36، 36] ووجه الاستدلال أن غير هنا بمعنى إلا, إذ لو كانت على ~~ظاهرها لكان التقدير فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين, فيكون المنفي ~~هو بيوت الكفار وهو باطل, فتقرر أنه استثناء، ثم إن هذا الاستثناء مفرغ فلا ~~بد له من تقدير شيء عام منفي يكون هو المستثنى منه، وذلك العام لا بد من ~~تقييده بكونه من المؤمنين، وإلا لزم انتفاء بيوت الكفار وهو باطل لما ~~قلناه، فيكون التقدير: فما وجدنا فيها أحدا من المؤمنين إلا أهل بيت من ~~المسلمين أي: منهم وأوقع الظاهر موقع المضمر، وذلك استثناء المسلمين من ~~المؤمنين, فثبت أن الإيمان هو الإسلام، وإنما قلنا: إن الإسلام هو الدين ~~لقوله تعالى: ms168 {إن الدين عند الله الإسلام} وإنما قلنا: الدين فعل الواجبات ~~لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5] أي: دين الملة ~~المستقيمة, فقوله: وذلك إشارة إلى كل ما تقدم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~بتأويل المذكور فيكون دينا, ولك أن تقول في تقرير المصنف لهذا الدليل: ~~إشكال لأن من جملة مقدماته، أن الإسلام هو الدين, وأن الدين هو فعل ~~الواجبات وقد استدل عليهما بما ينتج العكس، والموجبة الكلية لا تنعكس ~~كنفسها وقد قرره غيره على الصواب, فقالوا: إن فعل الواجبات هو الدين والدين ~~هو الإسلام والإسلام هو الإيمان، واستدلوا عليه بما ذكره المصنف فينتج أن ~~فعل الواجب هو الإيمان، وهو المطلوب, وهكذا قرره الإمام وأتباعه كصاحب ~~الحاصل والآمدي ومن تبعه كابن الحاجب. قوله: "لنا: الإيمان في الشرع ... ~~إلخ" شرع رحمه الله في الجواب عن هذا الدليل فقال: الإيمان في الشرع أيضا ~~هو التصديق كما هو في اللغة، لكنه تصديق خاص وهو تصديق محمد -صلى الله عليه ~~وسلم- في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به فيكون مجازا لغويا من باب ~~تخصيص العام ببعض مفهوماته كالدابة, والإيمان بهذا التفسير غير الإسلام ~~وغير الدين، فإن الإسلام والدين في اللغة هما الانقياد، وفي الشرع هما ~~الأعمال الظاهرة كالصلاة والصوم؛ ولهذا قال تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا} فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان فدل على المغايرة، ~~وبهذا يظهر الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} فإن ~~مدلول الآية إن ابتغى دينا يغاير الإسلام فهو غير مقبول, فإذا لم يكن ~~الإيمان دينا كما بينا لم يلزم عدم قبوله، ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون ~~المراد في الآية هو المفهوم اللغوي, والمعنى أن الأعراب ما صدقوا محمدا، ~~ولكن انقادوا له ضرورة وحينئذ فلا يلزم تغاير المفهوم اللغوي أن يكون ~~المفهوم الشرعي متغايرا، # PageV01P124 # والنزاع فيه لا في الأول. قوله: "وإنما جاز الاستثناء ... إلخ" لما بين ~~المصنف أن الإيمان غير الإسلام, احتاج أن ms169 يجيب عن الآية التي فيها استثناء ~~المسلمين من المؤمنين, فقال: استثناؤه منه لا يدل على أنه هو، بل على أنه ~~يصدق عليه كقولنا: ملكت الحيوانات إلا العبيد, فالحيوان غير العبيد قطعا؛ ~~لأن الأعم غير الأخص، ومع ذلك فقد استثني منه لصدق الحيوان عليه، إذا علمت ~~ذلك فنقول: الصدق حاصل في المؤمن مع المسلم؛ لأن شرط صحة الإسلام وهو العمل ~~الظاهر كالصلاة وغيرها وجود الإيمان، وهو تصديق النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وكلما صدق المشروط صدق الشرط فكلما صدق المسلم صدق المؤمن، ولا ينعكس بدليل ~~من كان مصدقا تاركا للأفعال. فلما ثبت صدق المؤمن على المسلم صح الاستثناء، ~~ولا يلزم من كون المسلم مؤمنا أن يكون الإسلام هو الإيمان، فإن الكاتب ضاحك ~~والكتابة غير الضحك، والنزاع إنما هو في الثاني أي: في الإسلام مع الإيمان ~~لا في المسلم مع المؤمن وفي الجواب نظر؛ لأنه يلزم من كون التصديق شرطا ~~لصحة الإسلام أن ينتفي الإسلام عند انتفائه، وهو غير منتف لقوله تعالى: {قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] وأكثر هذه الأجوبة المذكورة في ~~الكتاب لا ذكر لها في المحصول ومختصراته. # PageV01P125 ### | الفرع الأول # قال: "فروع الأول: النقل خلاف الأصل, إذ الأصل بقاء الأول, ولأنه يتوقف ~~على الأول ونسخه ووضع ثان, فيكون مرجوحا. الثاني: الأسماء الشرعية الموجودة ~~المتواطئة كالحج والمشتركة كالصلاة الصادقة على ذات الأركان وصلاة المصلوب ~~والجنازة، والمعتزلة سموا أسماء الذوات دينية كالمؤمن والفاسق والحروف, ~~والفاسق والحروف لم توجد والفعل يوجد بالتبع. الثالث: صيغ العقود كبعت ~~إنشاء, إذ لو كانت أخبارا وكانت ماضيا أو حالا لم تقبل التعليق وإلا لم ~~تقع, وأيضا إن كذبت لم تعتبر وإن صدقت فصدقها إما بها, فيدور أو بغيرها وهو ~~باطل إجماعا. وأيضا لو قال المرجعية: طلقتك, لم يقع كما لو نوى الإخبار" ~~أقول: قد تقدم الاستدلال على إثبات الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية, وقد ~~تقدم أن العرفية والشرعية منقولان من اللغوية؛ فلذلك عقبه بفروع ثلاثة ~~مبنية على النقل, الأول: النقل خلاف الأصل على معنى أن اللفظ إذا احتمل ms170 ~~النقل من الحقيقة اللغوية إلى الشرعية أو العرفية وعدم النقل فالأصل عدم ~~النقل لوجهين أحدهما: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان كما سيأتي في ~~القياس، والنقل فيه انتقال عما كان فيكون خلاف الأصل. الثاني: أن النقل ~~يتوقف على الأول, أن الوضع اللغوي على نسخه، ثم الوضع الثاني، وأما الوضع ~~اللغوي فإنه يتم بشيء واحد وهو الوضع الأول، وما يتوقف على ثلاثة أمور ~~مرجوح بالنسبة إلى ما يتوقف على أمر واحد؛ لأن طرق عدمه أكثر. ### | الفرع الثاني # : أن الشارع هل نقل الأسماء والأفعال والحروف أم نقل بعضها دون بعض؟ ~~فنقول: أما الأسماء فقد وجدت، وكان قد تقدم لنا أن الأسماء # PageV01P125 # اللغوية تنقسم إلى المتباينة والمترادفة والمشتركة والمشككة والمتواطئة، ~~فشرع الآن يتكلم فيما وجد من تلك الأقسام في الحقيقة الشرعية، فنقول: أما ~~المتباينة فموجودة كالصلاة والصوم، وأهمله المصنف لوضوحه وكذا المتواطئة ~~كالحج فإنه يطلق على الإفراد والتمتع والقران، وهذه الثلاثة مشتركة في ~~الماهية وهو الإحرام والوقوف والطواف والسعي، واختلفوا في وقوع المشتركة. ~~قال في المحصول: والحق وقوعها؛ لأن اسم الصلاة صادق على المشتملة على ~~الأركان كالظهر وغيرها، وعلى الخالية عن الركوع والسجود كصلاة المصلوب ~~والجنازة، والخالية عن القيام كصلاة القاعد، وليس بين هذه الأشياء قدر ~~مشترك فتعين الاشتراك، ومثله أيضا الطهور الصادق على الماء والتراب وآلة ~~الدباغ، وأما المترادفة فأهملها المصنف وصاحب الحاصل, فإن الإمام في ~~المحصول ذكر أن الأظهر أنها لم توجد، وليس كما قال فإنه قد تقدم من كلامه ~~أن الفرض والواجب مترادفان وهما من الحقائق الشرعية، وقد تقدم أيضا أن ~~للحرام اسما وللمندوب اسما فتكون أيضا مترادفة. قوله: "والمعتزلة سموا" ~~يعني: أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قالوا: إنها تنقسم إلى أسماء ~~الأفعال كالصوم والصلاة، وإلى أسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال كاسم ~~الفاعل واسم المفعول والصفة وأفعل التفضيل، كقولنا: زيد مؤمن أو فاسق أو ~~محجوج عنه أو أفسق من عمرو, وسموا هذا الضرب بالدينية تفرقة بينها وبين ~~الأول، وإن كان الكل عندهم على السواء في أن ms171 شرعي, هكذا قاله في المحصول ~~فتبعه المصنف، وفيه نظر فإن المنقول عن المعتزلة أن الدينية هي الأسماء ~~المنقولة شرعا إلى أصل الدين كالإيمان والكفر, وأما الشرعية فكالصلاة ~~والصوم, ومما نص عليه إمام الحرمين في البرهان والغزالي في المنخول ~~والمستصفى، فقال: قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء: الأسماء لغوية ~~ودينية وشرعية، أما اللغوية فظاهرة، وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى ~~أصل الدين كالإيمان والكفر والفسق، أما الشرعية فكالصلاة انتهى لفظ ~~الغزالي، ولم يذكر الآمدي هذا القسم أعني: الدينية, وذكره ابن الحاجب في ~~المختصر ولم يبينه. قوله: "والحروف ... إلخ" يعني أن الحروف الشرعية لم ~~توجد لأنها لا تفيد وحدها، وقال في المحصول: إنه الأقرب للاستقراء، وأما ~~الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء, ووجد بالتبع لنقل الاسم الشرعي ~~نحو: صلى الظهر، فإن الفعل عبارة عن المصدر والزمان، فإن كان المصدر شرعيا ~~استحال أن يكون الفعل إلا شرعيا، وإن كان لغويا فكذلك. الفرع الثالث: صيغ ~~العقود كبعث وكذلك الفسوخ كفسخت، وأعتقت وطلقت إخبارات في أصل اللغة, وقد ~~تستعمل في الشرع أيضا كذلك، فإن استعملت لإحداث حكم كانت منقولة إلى ~~الإنشاء، وقالت الحنفية: إنها إخبارات عن ثبوت الأحكام وذلك بتقدير وجودها ~~قبل اللفظ، وغايته أن تكون مجازا وهو أولى من النقل كما سيأتي، والفرق بين ~~الإنشاء والخبر من وجود أحدها أن الإنشاء لا يتحمل التصديق والتكذيب بخلاف # PageV01P126 # الخبر. الثاني: أن الإنشاء لا يكون معناه إلا مقارنا للفظ بخلاف الخبر, ~~فقد يتقدم وقد يتأخر. الثالث: الإنشاء هو الكلام الذي ليس له متعلق خارجي ~~يتعلق الحكم النفساني به بالمطابقة وعدم المطابقة بخلاف الخبر. الرابع: ~~الإنشاء سبب لثبوت متعلقه، وأما الخبر فمظهر له، واستدل المصنف على كونه ~~إنشاء بثلاثة أدلة, أحدها: أنه لو كانت إخبارا فإن كان عن ماض أو حال فيلزم ~~أن لا يقبل الطلاق التعليق؛ لأن التعليق عبارة عن توقف وجود الشيء على شيء ~~آخر, والماضي والحال موجود فلا يقبله وليس كذلك, وإن كان خبرا عن مستقبل ~~يقع؛ لأن قوله: طلقتك في قوة قوله: سأطلقك على ms172 هذا التقدير والطلاق لا يقع ~~به. والدليل الثاني: لو كانت إخبارات فإن كانت كاذبة, فلا اعتبار بها، وإن ~~كانت صادقة فصدقها إن حصل بهذه الصيغ نفسها، أي: يتوقف حصوله على حصول ~~الصيغة فيلزم الدور؛ لأن كون الخبر صدقا، وهو قوله: طلقتك مثلا, موقوف على ~~وجود المخبر عنه وهو وقوع الطلاق، فلو توقف المخبر عنه وهو وقوع الطلاق على ~~الخبر وهو قوله: طلقتك لزم الدور، وإن حصل الصدق بغيرها فهو باطل إجماعا ~~للاتفاق منها ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة. الدليل الثالث: إذا ~~قال لمطلقته الرجعية في حال العدة: طلقتك ونوى الإخبار فإنه لا يقع عليه ~~شيء فإن لم ينو شيئا أو نوى الإنشاء فإنه يقع بالاتفاق، ولو كان إخبارا لم ~~يقع كما لو نوى به الإخبار، وفيه نظر لجواز أن يكون خبرا عن الحال؛ فلذلك ~~يقع. # PageV01P127 ### | الفرع الثاني # قال: " الثانية: المجاز إما في المفرد مثل: الأسد الشجاع, أو في المركب ~~مثل: # أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي # أو فيهما مثل: "أحياني اكتحالي بطلعتك" ومنعه ابن داود في القرآن ~~والحديث. لنا قوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] قال: فيه إلباس ~~قلنا: لا إلباس مع القرينة، قل: لا يقال لله تعالى: إنه متجوز, قلنا: لعدم ~~الإذن أو لإبهامه الاتساع فيما لا ينبغي". أقول: لما فرغ من مباحث الحقيقة ~~شرع في مباحث المجاز, فذكر أن المجاز على ثلاثة أقسام, أحدها: أن يكون في ~~مفردات الألفاظ فقط كقولك: رأيت أسدا تعني: الرجل الشجاع. الثاني: أن يقع ~~في التركيب فقط وذلك بأن يستعمل كل واحد من تلك الألفاظ في موضوعه ويكون ~~الإسناد غير مطابق كقول الشاعر وهو الصلتان العبدي: الله تعالى هو الفاعل ~~لهما, فإن قيل: هذا البيت من القسم الثالث؛ لأن المراد بالصغير أيضا من ~~تقدم له الصغر قلنا: الصغير لما وقع مفعولا لم يكن ركنا في الإسناد لكونه ~~فضلة, فلم يجتمع المجاز التركيبي والإفرادي. الثالث: أن يكون في الإفراد ~~والتركيب معا، كقولك: أحياني اكتحالي بطلعتك أي: سرتني رؤيتك, ms173 فاستعمل ~~الإحياء في السرور والاكتحال في الرؤية, وذلك مجاز ثم أسند الإحياء إلى ~~الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى، وههنا أمور أحدها: أن هذا التقسيم ~~نقله الإمام عن عبد القاهر الجرجاني وارتضاه هو وأتباعه، ومنهم المصنف وفي ~~متابعته إياهم إشكال تقدم في حد المجاز، # PageV01P127 # ومستنده أن المركبات عنده غير موضوعة, وقد منع ابن الحاجب وقوع المجاز في ~~التركيب، وحصره في الإقراء الثاني أن التعبير عن النسبة بالمركب غير مستقيم ~~والصواب التعبير بالتركيب، إذ لو قلت: هلك الأسد وأوردت أن الرجل الشجاع ~~مرض مرضا شديدا, فإنه مجاز واقع في المركب في النسبة، وكذا ورد أمير ~~المؤمنين أي: كتابه أوامره، فإنه مجاز واقع في مركب تركيب إضافة وليس هو ~~المراد بل كل مجاز في غير النسبة فهو مركب، فإن الأسد من قولنا: جاء الأسد ~~مركب لانضمام غيره إليه وإذا تقرر إيراد هذه الأشياء على التعبير بالمركب ~~لدخولها فيه فهي واردة على المفرد لخروجها منه. الثالث: التمثيل بالبيت ~~وشبهه إنما يصح أن لو علم اعتقاد المتكلم فقد يكون القائل دهريا فيكون قد ~~استعمل اللفظ فيما وضع له في اعتقاده. الرابع: المجاز في التركيب عقلي؛ لأن ~~نقل الإسناد عن متعلقه إلى غيره نقل لحكم عقلي لا للفظة لغوية, هكذا قال في ~~المحصول1 وهو بناء على أن المركبات غير موضوعة. قوله: "ومنعه ابن داود" ~~يعني: أن أبا بكر بن داود الأصفهاني الظاهري منع من دخول المجاز في القرآن ~~والحديث, دليلنا قوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] وشبهه عبر ~~عن الميل بإرادة السقوط المختصة بمن له شعور، وإذا جاز ذلك في القرآن جاز ~~في الحديث؛ لأنه أولى ولأن لا قائل بالفرق، والخلاف في الحديث ليس بمشهور؛ ~~ولهذا قال الأصفهاني في شرح المحصول: إنه لا يعرف في غير المحصول على أن ~~الإمام لم يصرح به بل كلامه محتمل، احتج ابن داود بوجهين, أحدهما: أن وقوعه ~~إن كان مع القرينة ففيه تطويل من غير فائدة، وإن كان بدونها ففيه التباس ~~المقصود بغيره، وجوابه: أن ذلك مع ms174 القرينة فلا التباس؛ ولذلك فوائد ستأتي، ~~وهذا الدليل يؤدي إلى منع المجاز مطلقا، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق ~~الإسفراييني وجماعة. الثاني: لو تكلم البارئ تعالى بالمجاز, لقيل: به متجوز ~~وهو لا يقال له اتفاقا, وجوابه أن أسماء الله تعالى توقيفية على المشهور ~~فلا يطلق عليه إلا بالإذن ولا إذن، سلمنا أنها دائرة مع المعنى وهو مذهب ~~القاضي أبي بكر لكن شرطه أن لا يوهم نقصا, وما نحن فيه ليس كذلك فإن ~~المتجوز يوهم تعاطي ما لا ينبغي لاشتقاقه من الجواز, وهو التعدي. ~~PageV01P128 ### | الفرع الثالث # قال: "الثالثة: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها نحو السببية القابلية ~~مثل: سال الوادي, والصورية كتسمية اليد قدرة، والفاعلية مثل نزل السحاب, ~~والغائية كتسمية العنب خمرا, والمسببية كتسمية المرض المهلك بالموت, ~~والأولى أولى لدلالتها على التعيين, وأولاها الغائية؛ لأنها علة في الذهن ~~ومعلولة في الخارج, والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش ويسمى الاستعارة ~~المضادة مثل: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] # PageV01P128 # والكلية كالقرآن لبعضه والجزئية كالأسود الزنجي والأول أقوى للاستلزام ~~والاستعداد كالمسكر على الخمر في الدن, وتسمية الشيء باعتبار ما كان عليه ~~كالبعد والمجاورة كالرواية والزيادة والنقصان مثل {ليس كمثله شيء} و {واسأل ~~القرية} والتعلق كالخلق المخلوق". أقول: يشترط في استعمال المجاز وجود ~~العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي وإلا لجاز إطلاق كل لفظ على كل ~~معنى وهو باطل, وهل يكفي وجود العلاقة أم لا بد من اعتبار العرب لها, أي ~~تستعملها؟ فيه مذهبان حكاهما الآمدي من غير ترجيح، ويعبر عنهما بأن المجاز ~~هل هو موضوع أم لا؟ أصحهما عند ابن الحاجب أنه لا يشترط؛ لأن أهل العربية ~~لا يتوقفون عليه وأصحها عند الإمام وأتباعه أنه يشترط لأن الأسد له صفات ~~وهي: الشجاعة والحمى والبخر والجذام، ومع ذلك لا يجوز إطلاقه لغير الشجاع، ~~ولو كانت المشابهة كافية من غير نقل لما امتنع، وللخصم أن يقول: المشابهة ~~كافية في صفة ظاهرة وهذه لا يتبادر الذهن إليها. قال القرافي: والخلاف إنما ~~هو في الأنواع لا في الجزئيات، النوع الوحد كالقائل بالاشتراك يقول: ms175 لا بد ~~أن تضع العرب نوع التجوز بالكل إلى الجزء مثلا, وبالسبب إلى المسبب، وإلى ~~هذا أشار المصنف بقوله: المعتبر نوعها. قال في المحصول: والذي يحضرنا من ~~أنواعها اثنا عشر قسما، وقد ذكر المصنف كما ذكرها إلا أنه أسقط العاشر ~~للاستغناء عنه بالثالث، وقال الشيخ صفي الدين الهندي: الذي يحضرنا من ~~أنواعها أحد وثلاثون نوعا وعددها، فلنقتصر على ما ذكره المصنف, فإن الزائد ~~عليه إما مداخل أو مذكور في غير هذا الموضوع, أحدها: علاقة السببية وإطلاق ~~اسم السبب على المسبب أي: العلة على المعلول، ثم إن السبب على أربعة أقسام: ~~قابلي ويعبر عنه بالمادي، وصوري، وفاعلي، وغائي، وكل موجود لا بد له من هذه ~~الأربعة كالسرير, فإن مادته الخشب وفاعله النجار وصورته الانسطاح وغايته ~~الاضطجاع عليه, وإنما سميت الثلاثة الأولى أسبابا لتأثيرها في الاضطجاع ~~وسمي الرابع وهو الغائي سببا لأنه الباعث على ذلك، فإنه إذا استحضر في ذهنه ~~الاضطجاع حمله ذلك على العمل وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل, ومعنى ~~العلة الغائية علة العلل الثلاث في الأذهان, ومعلولة العلل الثلاث في ~~الأعيان، أي: في الخارج مثل تسمية الشيء باسم سببه القابلي، وقولهم: سال ~~الوادي أي: الماء الذي في الوادي فعبر عن الماء السائل بالوادي؛ لأن الوادي ~~سبب قابل له، فأطلق السبب على المسبب وفيه نظر، فإن المادي في اصطلاحهم جنس ~~ماهية الشيء كما تقدم في الخشب مع السرير، وههنا ليس كذلك، ويظهر أن هذا من ~~باب تسمية الحال باسم المحل، أو من مجاز النقصان الآتي وتقديره: ماء ~~الوادي، ومثال تسمية الشيء باسم سببه الصوري إطلاق اليد على القدرة في قوله ~~تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] أي: قدرة الله تعالى فوق قدرتهم, ~~فاليد لها صورة خاصة يتأتى بها الاقتدار على الشيء وهو تجويف راحتها، وصغر ~~عظمها، وانفصال بعضها عن بعض # PageV01P129 # لتلتوي على الأشياء بقوة, فشكل اليد على الاقتدار كشكل السرير مع ~~الاضطجاع, وقد تقدم أنه سبب صوري فتكون اليد كذلك, فإطلاقها على القدرة من ~~باب إطلاق اسم السبب الصوري ms176 على المسبب، وقد انعكس المثال على الإمام ~~وأتباعه ومنهم المصنف فقالوا: كتسمية اليد قدرة والصواب: كتسمية القدرة يدا ~~كما قررناه فاعتمده، واجتنب غيره وقد ذكره الإمام في المنتخب على الصواب، ~~مثال تسمية الشيء باسم سببه الفاعلي قولهم: نزل السحاب يعنون المطر، فإن ~~السحاب سبب فاعلي في المطر عرفا, كما تقول: الشمس تنضج الثمار هكذا مثل ~~المصنف تبعا للحاصل، ومثل له الإمام بقولهم: نزل السماء، وأشار إلى قول ~~الشاعر: # إذا نزل الغمام بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # وفيه نظر؛ فإن المطر فوقنا فهو سماء، والظاهر أنه مراد المصنف أيضا، ~~وكأنه فهم أن المراد بالسماء المعبر بها عن المطر هو السحاب لا السماء ~~المعهودة؛ لعدم تأثيرها في المطر فصرح به، ومثال تسمية الشيء باسم سببه ~~الغائي قوله تعالى: {إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] أي: عنبا, فأطلق ~~الخمر على العنب؛ لأنها العلة الغائية عندهم. النوع الثاني: علاقة المسببية ~~وهو إطلاق اسم المسبب على السبب كتسمية المرض المهلك بالموت، وإذا تعارض ~~الأمر بين العلاقة الأولى وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، وبين الثانية ~~وهي إطلاق اسم المسبب على السبب, فالأول أولى؛ لأن السبب المعين يدل على ~~السبب المعين بخلاف العكس, ألا ترى أن البول مثلا يدل على انتقاض الوضوء, ~~وانتقاض الوضوء لا يدل على البول, فقد يكون عن لمس أو غيره، فلما كان فهم ~~المسبب عن السبب أقرب من عكسه كان أولى, وقد يقال: العكس أولى؛ لأن وجود ~~المسبب بدون السبب محال، فالسبب لازم للمسبب، ولا ينعكس لجواز تخلف المسبب ~~عن السبب، ثم إن العلة الأولى قد عرفت انقسامها إلى علل أربع، فإذا تعارضت ~~فأولاها العلة الغائية لاجتماع علامتي السببية والمسببية فيها؛ لأنها علة ~~في الذهن من جهة أن الخمر مثلا هو الداعي إلى عصير العنب، ومعلولة في ~~الخارج؛ لأنها لا توجد إلى آخر كما قدمناه. والنوع الثالث: المتشابهة، وهي ~~تسمية الشيء باسم ما يشابهه، إما في الصفة وهو ما أقصر عليه الإمام وأتباعه ~~كإطلاق الأسد على الشجاع، أو في الصورة كإطلاقه على ms177 الصورة المنقوشة على ~~الحائط، وهذا النوع يسمى المستعار لأنه لما أشبهه في المعنى أو الصورة ~~استعرنا له اسمه فكسوناه إياه، ومنهم من قال: كل مجاز مستعار, حكاه ~~القرافي. الرابع: المضادة, وهي تسمية الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] فأطلق على الجزاء سيئة مع أن الجزاء حسن, ~~ويمكن أن يكون من مجاز المشابهة كما قاله في المحصول1؛ لأن المماثلة شرط, ~~ويمكن أن يكون أيضا حقيقة؛ لأنه يسوء PageV01P130 # الجاني, فالأولى التمثيل بالمفازة للبرية المهلكة. الخامس: الكلية وهو ~~إطلاق اسم الكل على الجزء كإطلاق القرآن على بعضه، ومثله الإمام وأتباعه ~~بإطلاق العام على الخاص وفيه نظر، فإن العموم من باب الكلية لا من باب ~~الكل، والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء كما تقدم إيضاحه في تقسيم ~~الدلالة, لا جرم أن المصنف مثل بالقرآن وفيه نظر أيضا، فإن نزاعا تقدم في ~~الكلام على الحقيقة الشرعية, فالأولى التمثيل بقوله تعالى: {جعلوا أصابعهم ~~في آذانهم} [نوح: 7] أي: أناملهم. السادس: الجزئية, وهو إطلاق اسم الجزء ~~على الكل، كإطلاق الأسود على الزنجي, فإن بياض عينيه وأسنانه من كونه ~~حقيقة, واعلم أن هذا المثال ذكره الإمام وأتباعه فتابعهم المصنف وهو على ~~عكس المدعي فإنه من باب تسمية الجزء باسم الكل كالقسم الذي قبله، وأيضا ~~فالمفهوم من الأسود قيام السواد بظاهر جلده فقط، وأيضا فحمل المشتق على ~~الشيء أعم من كونه ثابتا لكله أو بعضه بدليل الأعرج المكسور إحدى الرجلين، ~~والصواب التمثيل بقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} والأول وهو إطلاق اسم ~~الكل على الجزء أقوى من إطلاق اسم الجزء على الكل؛ لأن الكل يستلزم الجزء ~~من غير عكس. السابع: الاستعداد وهو أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك ~~الأمر كتسمية الخمر وهو في الدن بالمسكر, فإن الخمر في تلك الحالة ليس ~~بمسكر بل مستعد له، وعبر الإمام عن هذا بتسمية إمكان الشيء باسم وجوده، ~~وعبر عنه ابن الحاجب بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. والثامن: تسمية الشيء ~~باعتبار ما كان عليه سواء كان ms178 جامدا كإطلاق العبد على العتيق، أو مشتقا ~~كالضارب على من فرغ من الضرب، وهذا النوع ساقط في كثير من النسخ اكتفاء بما ~~تقدم في الاشتقاق. التاسع: المجاورة وهو تسمية الشيء باسم ما يجاوره كإطلاق ~~الراوية على ظرف الماء وهو القربة, فإن الراوية لغة اسم للجمل أو البغل أو ~~الحمار الذي يستقى عليه، كما قاله الجوهري، وأطلق على القربة لمجاورتها له. ~~العاشر: الزيادة وهو أن ينتظم الكلام بإسقاط كلمة فيحكم بزيادتها كقوله ~~تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] قال: الكاف زائدة تقديره: ليس مثله ~~شيء إذ لو كانت أصلية لكان تقديره: ليس مثل مثله شيء؛ لأن الكاف بمعنى مثل ~~وحينئذ فيلزم إثبات مثل الله تعالى وهو محال، ولك أن تقول: ليست الكاف ~~زائدة وتجيب عما قالوه بوجهين، أحدهما: أن هذه قضية سالبة والسالبة تصدق ~~بانتفاء الذات وبانتفاء النسبة, فإذا قلنا: ليس زيد في الدار يصدق ذلك ~~بانتفاء زيد أو انتفاء الدار أو انتفاء حصوله فيها، فكذلك في الآية. ~~الثاني: أن المثل يلزم منه بالضرورة أن يكون له مثل, فإن زيدا إذا كان مثلا ~~لعمرو كان عمرو مثلا له أيضا وحينئذ فيلزم من نفي مثل المثل نفي المثل؛ ~~لأنه يلزم من نفي اللازم نفي اللزوم, فإن قيل: فيلزم انتفاء ذات البارئ ~~سبحانه وتعالى على هذا التقدير؛ لأنه من جملة الأمثال قلنا: لا يلزم فإن ~~المراد نفي المثل عن الله تعالى لا نفيه تعالى، أو نقول: خص بالعقل. الحادي ~~عشر: النقصان وهو # PageV01P131 # أن ينتظم الكلام بزيادة كلمة, فيعلم نقصانها كقوله تعالى: {واسأل القرية} ~~[يوسف: 82] أي: أهل القرية، فإن القرية هي الأبنية المجتمعة وهي لا تسأل ~~وهذا المجاز إنما هو من مجاز التركيب؛ لأن المجاز في الإفراد هو اللفظ ~~المستعمل في غير ما وضع له، والمحذوف لم يستعمل البتة، بل الحاصل هو إسناد ~~السؤال إلى القرية، وهو شأن المجاز الإسنادي، ويظهر أن يكون هذا النوع ~~المتقدم وهو المجاز بالزيادة كذلك أيضا؛ لأن الزائد لم يستعمل في شيء ~~البتة، ويقتضي كلام المحصول أن هذين القسمين من ms179 مجاز الإفراد. الثاني عشر: ~~لتعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول واسم الفاعل, فإن كلا منهما يطلق على ~~الآخر مجازا، فيدخل فيه ستة أقسام أحدها: إطلاق اسم الفاعل على اسم ~~المفعول، كقوله تعالى: {من ماء دافق} [الطارق: 6] أي: مدفوق ومنه قولهم: سر ~~كاتم أو مكتوم, الثاني: عكسه كقوله تعالى: {حجابا مستورا} [الإسراء: 45] ~~أي: ساترا وقوله تعالى: {إنه كان وعده مأتيا} [مريم: 61] أي: آتيا على بعض ~~الأقوال. الثالث: إطلاق المصدر على اسم الفاعل كقولهم: رجل صوم وعدل أي: ~~صائم وعادل. الرابع: عكسه كقولهم: قم قائما، واسكت ساكتا أي: قياما وسكوتا. ~~الخامس: إطلاق اسم المفعول على المصدر كقوله تعالى: {بأيكم المفتون} ~~[القلم: 6] أي: الفتنة. السادس: عكسه وعليه اقتصر المصنف كقوله تعالى: {هذا ~~خلق الله} [لقمان: 11] أي: مخلوق الله, وقوله تعالى: {لا يحيطون بشيء من ~~علمه} [البقرة: 255] أي من معلوماته, ولك أن تقول: هذا من باب إطلاق اسم ~~الجزء وإرادة الكل؛ لأن المشتق منه جزء من المشتق. واعلم أن ابن الحاجب ذكر ~~خمسة أقسام فقط وهي في الحقيقة أربعة, وحذف ما عداها مما ذكر في هذا الفصل ~~من الأقسام والتقارير. # PageV01P132 ### | الفرع الرابع # قال: "الرابعة: المجاز بالذات, لا يكون في الحرف لعدم الإعادة والفعل ~~والمشتق؛ لأنهما يتبعان الأصول والعلم؛ ولأنه لم ينقل لعلاقة". أقول: دخول ~~المجاز في الكلام قد يكون بالذات أي: بالأصالة وقد يكون بالتبعية فالذي لا ~~يدخل فيه المجاز بالذات أمور, أحدها: الحرف لأنه لا يفيد معناه وحده بل لا ~~يفيده إلا بذكر متعلق, فإذا لم يفد وحده فلا يدخله المجاز؛ لأن دخوله فرع ~~من كون الكلام مفيدا, وأما بيان دخوله فيه بالتبع فبأن تستعمل متعلقاتها ~~استعمالا مجازيا فيسري التجوز من المتعلقات إليها, كقوله تعالى: {فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8] فإن تعليل الالتقاط بصيرورته ~~عدوا لما كان مجازا, كان إدخال لام العلة أيضا مجازا، وهذا في الحقيقة يرجع ~~إلى مجاز التركيب لكون الحرف قد ضم إلى ما لا ينبغي ضمه إليه, هكذا قاله في ~~المحصول وفيه نظر, فإن هذا الضم ms180 قد يوجد في المجاز الإفرادي كقولنا: رأيت ~~أسدا يرمي بالنشاب، وأيضا فلو لم يدخل المجاز بالذات في الحرف لكونه غير ~~مفيد بنفسه لم تدخل فيه الحقيقة بالذات أيضا، لكنه سيأتي في الفصل الثامن ~~في تفسير الحروف أنها وضعت لمعان واستعملت فيها. الثاني: الفعل بأقسامه # PageV01P132 # والمشتق بأقسامه كضارب ونحوه؛ لأن كلا من الفعل والمشتق تابع لأصله وهو ~~المصدر في كونه حقيقة أو مجازا، فإطلاق ضارب مثلا بعد انقضاء الضرب أو قبله ~~إنما كان مجازا؛ لأن إطلاق الضرب والحالة هذه كقولنا: زيد ذو ضرب مجاز لا ~~حقيقة. الثالث: العلم؛ لأنه إن كان مرتجلا أو منقولا لغيره علاقة فلا إشكال ~~في كونه ليس بمجاز، وإن نقل لعلاقة كمن سمى ولده مباركا، لما اقترن بحمله ~~أو وضعه من البركة, فكذلك لأنه لو كان مجازا لامتنع إطلاقه عند زوال ~~العلاقة, وليس كذلك, وتعليل المصنف بكونه لم ينقل لعلاقة لا يستقيم بل ~~الصواب ما قلناه، نعم لو قارن الاستعمال وجود العلاقة فإن التزام كونه ~~مجازا فيرد عليه هنا وإلا ورد عليه في حد المجاز, وأيضا يرد عليهم قولهم: ~~هذا حاتم جودا أو زهير شعرا وقرأت سيبويه فإنها أعلام دخلها التجوز، إلا أن ~~يقال: الكلام إنما هو في استعمال العلم فيما جعل علم عليه, لكنه على هذا ~~التقدير لا بد من تخصيص الدعوى وأيضا فكلامه يوهم أن العلم قد يدخل فيه ~~المجاز بطريق التبع، وليس كذلك، وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن ما عداه يدخل ~~فيه المجاز بالذات، قال في المحصول: وهو اسم الجنس فقط نحو: أسد وفي ~~المستصفى للغزالي أن المجاز قد يدخل في الأعلام أيضا. # PageV01P133 ### | الفرع الخامس # قال: "الخامسة: المجاز خلاف الأصل لاحتياجه إلى الوضع الأول والمناسبة ~~والنقل, ولإخلاله بالفهم, فإن غلب كالطلاق تساويا, والأولى الحقيقة عند أبي ~~حنيفة, والمجاز عند أبي يوسف رضي الله عنهما". أقول: الأصل في الكلام هو ~~الحقيقة حتى إذا تعارض المعنى الحقيقي والمجازي فالحقيقي أولى؛ لأن المجاز ~~خلاف الأصل، والمراد بالأصل هنا إما الدليل، أو الغائب، والدليل عليه أمران ~~أحدهما: ms181 أن المجاز إنما يتحقق عند نقل اللفظ من شيء إلى شيء لعلاقة بينهما، ~~وذلك يستدعي أمورا ثلاثة: الوضع الأول والمناسبة والنقل، وأما الحقيقة فإنه ~~يكفي فيها أمر واحد وهو الوضع الأول, وما يتوقف على شيء واحد أغلب وجودا ~~مما يتوقف على ذلك الشيء مع شيئين آخرين, وقد أهمل المصنف الاستعمال ولا بد ~~منه فيهما. الثاني: أن المجاز يخلى بالفهم، وتقريره من وجهين أحدهما: أن ~~الحمل على المجاز يتوقف على القرينة الحالية أو المقالية، وقد تخفى هذه ~~القرينة على السامع, فيحمل اللفظ على المعنى الحقيقي مع أن المراد هو ~~المجازي, معاني أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يحمل على المجاز ~~لعدم القرينة ولا على الحقيقة؛ لأنه يلزم الترجيح بلا مرجح؛ لأن المجاز ~~والحقيقة متساويان على هذا التقدير، وقد نص عليه في المحصول كما سأذكره في ~~أثناء هذه المسألة، ولا عليهما معا للوقوع في الاشتراك فيلزم التوقف هو مخل ~~بالفهم. قوله: "فإن غلب" أي: هذا فيما إذا لم يكن المجاز غالبا على ~~الحقيقة, فإن غلب فقال أبو حنيفة: الحقيقة أولى لكونه حقيقة، وقال أبو ~~يوسف: المجاز أولى لكونه غالبا, وقال القرافي في شرح التنقيح: وهو الحق؛ ~~لأن الظهور هو المكلف به وفي المحصول # PageV01P133 # والمنتخب عن بعضهم أنهما يستويان فلا ينصرف لأحدهما إلا بالنية؛ لأن كل ~~واحد راجح من وجه ومرجوح من وجه، وأسقطه صاحب الحاصل وجزم به الإمام في ~~المعالم، ومثل له بالطلاق فقال: إنه حقيقة في اللغة في إزالة القيد سواء ~~كان عن نكاح أو ملك يمين أو غيرهما, ثم اختص في العرف بإزالة قيد النكاح ~~فلأجل ذلك إذا قال الرجل لأمته: أنت طالق لا تعتق إلا بالنية، ثم قال: فإن ~~قيل: فيلزم أن لا يصرف إلى المجاز الراجح وهو إزالة قيد النكاح إلا بالنية ~~وليس كذلك قال: فالجواب أنه إنما لم يحتج إلى النية؛ لأنا إن حملناه على ~~المجاز الراجح وهو إزالة قيد النكاح فلا كلام، وإن حمل على الحقيقة ~~المرجوحة وهو إزالة مسمى القيد من حيث ms182 هو فيلزم زوال قيد النكاح أيضا لحصول ~~مسمى القيد فيه، فلا جرم أن أحد الطرفين في هذا المثال بخصوصه لم يحتج إلى ~~النية بخلاف الطرف الآخر وقد تبع المصنف كلام المعالم في اختيار التساوي ~~والتمثيل بالطلاق، ولم يذكرهما في المحصول ولا المنتخب، وههنا أمور مهمة ~~أحدها: أنه لم يحرر محل النزاع وقد حرره الحنفية في كتبهم، فإن مرجع هذه ~~المسألة إليهم ونقله عنهم القرافي أيضا، فقالوا: المجاز له أقسام أحدها: أن ~~يكون مرجوحا لا يفهم إلا بقرينة كالأسد الشجاع, فلا إشكال في تقديم ~~الحقيقة، وهذا واضح. الثاني: أن يغلب استعماله حتى يساوي الحقيقة, فقد اتفق ~~أبو حنيفة وأبو يوسف على تقديم الحقيقة، ولا خلاف أيضا نحو النكاح فإنه ~~يطلق على العقد والوطء إطلاقا متساويا مع أنه حقيقة في أحدهما, مجاز في ~~الآخر, وجعل ابن التلمساني في شرح المعالم هذه الصورة محل النزاع قال: لأنه ~~إجمالي عارض, فلا يتعين إلا بقرينة، وقد ذكر في المحصول هذه الصورة في ~~المسألة السابعة من الباب التاسع وجزم بالمتساوي. الثالث: أن يكون راجحا ~~والحقيقة مماتة لا تراد في العرف, فقد اتفقا على تقديم المجاز؛ لأنه إما ~~حقيقة شرعية كالصلاة أو عرفية كالدابة ولا خلاف في تقديمها على الحقيقة ~~اللغوية, مثاله: حلف لا يأكل من هذه النخلة فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها وإن ~~كان هو الحقيقة لأنها قد أميتت. الرابع: أن يكون راجحا والحقيقة تتعاهد في ~~بعض الأوقات فهذا موضع الخلاف، كما قال: والله لأشربن من هذا النهر فهو ~~حقيقة في الكرع من النهر بفيه، وإذا اغترف بالكوز وشرب فهو مجاز لأنه شرب ~~من الكوز لا من النهر, لكنه المجاز الراجح المتبادر، والحقيقة قد تراد لأن ~~كثيرا من الرعاة وغيرهم يكرع بفيه, وقال الأصفهاني في شرح المحصول: محل ~~الخلاف أن يكون المجاز راجحا على الحقيقة بحيث يكون هو المتبادر إلى الذهن ~~عند الإطلاق كالمنقول الشرعي والعرفي, وورود اللفظ على غير الشرع وغير ~~العرف, فأما إذا ورد من أحدهما فإنه يحمل على ما وضعه له. الأمر الثاني: ms183 أن ~~الحكم بالتساوي الموجب للتوقف على القرينة مطلقا يستقيم إذا لم يكن المجاز ~~من بعض أفراد الحقيقة كالراوية فإن كان فردا فلا, فإنه إذا قال القائل ~~مثلا: ليس في الدار دابة فليس فيها حمار قطعا؛ لأنا إن حملنا # PageV01P134 # اللفظ على المجاز الراجح وهو الحمار وشبهه, فلا كلام أو على نفي الحقيقة ~~وهو مطلق ما دب فينتفي الحمار, وأيضا لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص, ~~فصار الكلام دالا على نفي المجاز على كل تقدير, فلا يتوقف على القرينة أما ~~الحقيقة المرجوحة فهي منتفية على تقدير دون تقدير, فحسن التوقف وإن كان ~~الكلام في سياق الثبوت كان دالا على ثبوت الحقيقة المرجوحة فإذا قال: في ~~الدار دابة, فإن حملناه على الحقيقة المرجوحة فلا كلام أو المجاز الراجح ~~ثبت أيضا؛ لأنه يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم, أما المجاز فثابت على تقدير ~~دون تقدير فيتوقف على القرينة فصارت الصور خمسا: ثلاث تتوقف على القرينة، ~~واثنتان لا تتوقفان. الأمر الثالث: أن التمثيل بالطلاق فيه نظر؛ لأنه صار ~~حقيقة عرفية عامة في حل قيد النكاح, وهي مقدمة على اللغوية كما سيأتي ولا ~~ذكر للمسألة في كتب الآمدي، ولا في كلام ابن الحاجب. # PageV01P135 ### | الفرع السادس # قال: "السادسة: يعدل إلى المجاز لثقل لفظ الحقيقة كالخنفقيق أو لحقارة ~~معناه، كقضاء الحاجة, أو لبلاغة لفظ المجاز, أو لعظمة في معناه كالمجلس, أو ~~لزيادة بيان كالأسد. السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا كما في ~~الوضع الأول والأعلام, وقد يكون حقيقة ومجازا باصطلاحين كالدابة. الثامنة: ~~علامة الحقيقة سباق الفهم والعراء عن القرينة, وعلامة المجاز الإطلاق على ~~المستحيل مثل: {واسأل القرية} [يوسف: 82] والإعمال في المنسى كالدابة ~~للحمار". أقول: المسألة السادسة في سبب العدول عن الحقيقة إلى المجاز, وهو ~~إما أن يكون بسبب لفظ الحقيقة أو معناها أو بسبب لفظ المجاز أو معناه ~~"فالأول": أن يكون لفظ الحقيقة ثقيلا على اللسان كالخنفقيق, قال الجوهري: ~~وهو الداهية ثم ذكر أعني الجوهري في الكلام على الداهية أن الداهية هو ما ~~يصيب الشخص ms184 من نوب الدهر العظيمة, قال: وهو أيضا الجيد الرأي, إذا تقرر هذا ~~فلك أن تعدل عن هذا اللفظ لثقله إلى لفظ آخر بينه وبين المصيبة علاقة ~~كالموت مثلا فيقال: وقع في الموت, وزعم كثير من الشارحين أن المجاز هنا في ~~الانتقال من الخنفقيق إلى الداهية وهو غلط, فإن موضوع الخنفقيق لغة هو ~~الداهية كما نقلناه عن الجوهري. "وأما الثاني" فهو أن يكون معناها حقيرا ~~كقول السائل لسلمان الفارسي: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة بكسر الخاء ~~المعجمة على وزن الرسالة؟ فقال له سلمان: أجل نهانا عن كذا وكذا, فلما كان ~~معناه حقيرا عدل عنه إلى التعبير بالغائط الذي اسم للمكان المطمئن أي: ~~المنخفض، وبقضاء الحاجة أيضا الذي هو عام في كل شيء، وظن جمع من الشارحين ~~أن الغائط هو الحقيقة, فعدل عنه إلى قضاء الحاجة وهو غلط فاحش أوقعهم فيه ~~صاحب الحاصل، فإنه قد غلط في اختصاره لكلام المحصول. "وأما الثالث" فهو أن ~~يحصل باستعمال لفظ المجاز شيء من أنواع البديع والبلاغة كالمجانسة ~~والمقابلة والسجع ووزن الشعر ولا يحصل بالحقيقة, وفسر بعض الشارحين البلاغة ~~بما يرجع حاصله إلى كونه أقوى وأبلغ في المعنى من الحقيقة، وليس كذلك # PageV01P135 # فإن القوة قسم آخر سيأتي. "وأما الرابع" فهو أن يكون في المجاز عظمة أي: ~~تعظيم كقولك: سلام على المجلس العالي، فإن فيه تعظيما بخلاف المخاطبة، ~~كقولك: سلام عليك أو يكون فيه زيادة بيان أي: يكون فيه تقوية لما يريده ~~المتكلم كما قاله في المحصول1 كقولك: رأيت أسدا يرمي فإن فيه من المبالغة ~~ما ليس في قولك: رأيت إنسانا يشبه الأسد في الشجاعة, ولا ذكر لهذه المسألة ~~في المنتخب ولا في كتب الآمدي وابن الحاجب. والمسألة السابعة: اللفظ قد لا ~~يكون حقيقة ولا مجازا وذلك في شيئين ذكرهما الإمام والآمدي, أحدهما وعليه ~~اقتصر ابن الحاجب: إذا وضع الواضع لفظا لمعنى ولم يستعمل فيه لما تقدم، لك ~~في حد الحقيقة والمجاز أن كلا منهما هو اللفظ المستعمل، فإذا لم يستعمل لا ~~يكون حقيقة ولا مجازا، ms185 وأهمل المصنف هذا القيد، ولا بد منه، وقيده تبعا ~~للإمام بالوضع الأول ليحترز عن المجاز، فإنه موضوع على الصحيح كما تقدم عند ~~ذكر العلاقة، لكن الوضع الحقيقي سابق على الوضع المجازي، ووجه الاحتراز أن ~~المراد من كون المجاز موضوعا أن استعماله يتوقف على اعتبار العرب لتلك ~~العلاقة الحاصلة في ذلك المجاز، إما باستعمالهم له أو لمثله, وإما بتنصيصهم ~~عليه، فلما كان وضعه قد يكون بالاستعمال لم يمكن إطلاق القول بأن الموضوع ~~ليس بحقيقة ولا مجاز، فإن هذا النوع من الوضع مجاز لوجود شرطه فيه. الثاني: ~~الأعلام كثور وأسد وغيرهما فلا يكون حقيقة؛ لأنها ليست بوضع واضع اللغة, ~~ولأنها مستعملة في غير موضوعها الأصلي, ولا مجازا لأنها مستعملة لغير ~~علاقة, وهذا الكلام ضعيف، أما الأول فلأن العرب قد وضعت أعلاما كثيرة وأما ~~الثاني فلأنه إنما يأتي إذا فرعنا على مذهب سيبويه، وهو أن الأعلام كلها ~~منقولة وقد خالفه الجمهور، وقالوا: إنها تنقسم إلى منقولة ومرتجلة، سلمنا ~~لكن ينبغي أن تكون حقيقة عرفية خاصة, وأما الثالث فقد تقدم منعه في المسألة ~~الرابعة. قوله: "وقد يكون" أي: قد يكون اللفظ الواحد بالنسبة إلى المعنى ~~الواحد حقيقة ومجازا, لكن باصطلاحين كإطلاق الدابة على الإنسان مثلا فإنه ~~حقيقة لغوية مجاز عرفي, وقد علمت من هذا ومما قبله أن اللفظ الواحد بالنسبة ~~إلى المعنى الواحد قد يكون حقيقة فقط، أو مجازا فقط, أو حقيقة ومجازا، أو ~~لا حقيقة ولا مجازا. المسألة الثامنة: في علاقة كون اللفظ حقيقة في المعنى ~~المستعمل فيه وهو أمران أحدهما: سبقه إلى أفهام جماعة من أهل اللغة بدون ~~قرينة؛ لأن السامع لو لم يعلم أن الواضع وضعه له لم يسبق فهمه إليه دون ~~غيره, وقد أهمل المصنف التقييد بالقرينة مع أن الإمام وأتباعه ذكروه ولا بد ~~منه ليخرج قولك: رأيت أسدا يرمي بالنشاب ونحوه، فإن قيل: المشترك إذا تجرد ~~عن القرينة لا يسبق إلى الفهم منه شيء مع أنه حقيقة في كل من أفراده، قلنا: ~~العلامة PageV01P136 # تستلزم الاطراد لا الانعكاس. الثاني: تعرية ms186 اللفظ عن القرينة، فإذا سمعنا ~~أهل اللغة يعبرون عن المعنى الواحد بلفظين لكن أحدهما لا يستعملونه إلا ~~بقرينة فيكون الآخر حقيقة؛ لأن حذف القرينة دليل على استحقاق اللفظ لذلك ~~المعنى عندهم، وأما المجازفة فلها أيضا علامتان إحداهما: إطلاق الشيء على ~~ما يستحيل منه؛ لأن الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له فيكون مجازا, كقوله ~~تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] . الثانية: إعمال اللفظ المنسي بأن يكون ~~اللفظ موضوعا لمعنى له أفراد, فتترك أهل العرف استعماله في بعض تلك الأفراد ~~بحيث يصير ذلك البعض منسيا، ثم تستعمل اللفظ في ذلك البعض المنسي فيكون ~~مجازا أي: عرفيا كما قاله الإمام, مثاله الدابة, فإنها موضوعة في اللغة لكل ~~ما دب كالفرس والحمار وغيرهما, فترك أهل بلاد العراق استعمالها في الحمار ~~بحيث صار منسيا فإطلاقها عليه مجاز عندهم، وأما إطلاقها على غير المنسي فقد ~~أطلقوا بأنه مجاز لغوي لأن قصرها على الحمار بأرض مصر وللفرس بأرض العراق ~~وضع آخر، ولقائل أن يقول: إن استعمالها المتكلم ملاحظة للوضع الأول كان ~~حقيقة، وإلا كان مجازا، فإن الوضع الثاني لا يخرج الأول هما وضعا له، وقد ~~نقل الإمام علامات أخرى للحقيقة والمجاز وضعفها؛ فلذلك تركها المصنف. # PageV01P137 ### | الفصل السابع # قال: "الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز ~~والإضمار والتخصيص, وذلك على عشرة أوجه, الأول: النقل أولى من الاشتراك ~~لإفراده في الحالتين كالزكاة. الثاني: المجاز خير منه لكثرته وإعمال اللفظ ~~مع القرينة ودونها كالنكاح. الثالث: الإضمار خير منه؛ لأن احتياجه إلى ~~القرينة في صورة، واحتياج الاشتراك إليها في صورتين مثل: {واسأل القرية} ~~[يوسف: 82] . الرابع: التخصيص خير منه؛ لأنه خير من المجاز كما سيأتي مثل: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] فإنه مشترك أو مختص ~~بالعقد وخص عنه الفاسد. الخامس: المجاز خير من النقل لعدم استلزامه نسخ ~~الأول كالصلاة. السادس: الإضمار خير منه؛ لأنه مثل المجاز كقوله تعالى: ~~{وحرم الربا} [البقرة: 275] فإن الأخذ مضمر، والربا نقل إلى العقد. السابع: ~~التخصيص أولى لما تقدم، مثل: {وأحل الله البيع} ms187 فإنه المبادلة مطلقا وخص ~~عنه الفاسد أو نقل إلى المستجمع لشرائط الصحة. الثامن: الإضمار مثل المجاز ~~لاستوائهما في القرينة مثل: "هذا ابني". التاسع: التخصيص خير من المجاز؛ ~~لأن الباقي متعين والمجاز ربما لا يتعين مثل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه} [الأنعام: 121] فإن المراد التلفظ وخص النسيان أو الذبح. ~~العاشر: التخصيص خير من الإضمار لما مر مثل: {ولكم في القصاص حياة} ~~[البقرة: 179] . تنبيه: الاشتراك خير من النسخ؛ لأنه لا يبطل والاشتراك بين ~~علمين خير منه بين علم ومعنى, وهو خير منه بين معنيين". أقول: الخلل الحاصل ~~في فهم مراد المتكلم يحصل من احتمالات خمسة, وهي: الاشتراك والنقل والمجاز ~~والإضمار والتخصيص؛ لأنه إذا انتفى احتمال الاشتراك كان اللفظ موضوعا لمعنى ~~واحد, وإذا انتفى احتمال # PageV01P137 # المجاز والإضمار كان المراد باللفظ ما وضع له, وإذا انتفى احتمال التخصيص ~~كان المراد باللفظ جميع ما وضع له فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم, هكذا ~~قاله الإمام. ولا شك أن هذه الاحتمالات إنما تحل باليقين لا بالظن, وقد نص ~~هو على أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بعد شروط عشرة وهي هذه ~~الخمسة, انتفاء النسخ والتقديم والتأخير وتغيير الإعراب والتصرف والمعارض ~~العقلي, فبطل كون الخلل منحصرا في الخمسة التي ذكرها وليس المراد بالمجاز ~~هنا مطلق المجاز وهو المقابل للحقيقة بل المراد به مجاز خاص وهو المجاز ~~الذي ليس بإضمار ولا تخصيص ولا نقل؛ لأن كل واحد من هذه الثلاثة مجاز أيضا؛ ~~ولهذا اقتصر بعض المحققين على ذكر التعارض بين الاشتراك والمجاز. وإنما ~~أفرد هذه الثلاثة لكثرة وقوعها أو لقوتها حتى اختلف في بعضها أو هو التخصيص ~~هل هو سالب الإطلاق الحقيقي أم لا؟ سيأتي. واعلم أن التعارض بين الاحتمالات ~~الخمسة المذكورة في الكتاب يقع على عشرة أوجه, وضابطه أن يؤخذ كل واحد مع ~~ما بعده فالاشتراك يعارض الأربعة الباقية, والنقل يعارض الثلاثة الباقية, ~~وأما معارضته للاشتراك والنقل تقدمت, فهذه سبعة أوجه, المجاز يعارض الإضمار ~~والتخصيص ومعارضته للاشتراك والنقل تقدمت فهذه تسعة, والإضمار ms188 يعارض ~~التخصيص ومعارضته للثلاثة المتقدمة تقدمت فهذه عشرة أوجه، ولم يتعرض الإمام ~~وأتباعه لمثلها وقد تعرض المصنف لذلك. وإذا أردت معرفة الأولى من هذه ~~الخمسة عند التعارض من غير تكلف البتة فاعلم أي كل واحد منها مرجوح بالنسبة ~~إلى كل ما بعده, راجح على ما قبله إلا الإضمار والمجاز فهما سيان، فإذا ~~استحضرت هذه الخمسة كما رتبها المصنف أتيت بالجواب سريعا، وهي دقيقة غفلوا ~~عنها؛ الأول: النقل أولى من الاشتراك؛ لأن المنقول مدلوله مفرد في الحالين، ~~أي: قبل النقل وبعده, أما قبل النقل فإن مدلوله المنقول عنه وهو المعنى ~~اللغوي, وأما بعده فالمنقول إليه وهو الشرعي أو العرفي. وإذا كان مدلوله ~~مفردا فلا يمتنع العمل به بخلاف المشترك, فإن مدلوله متعدد في الوقت الواحد ~~فيكون مجملا لا يعمل به إلا بقرينة عند من لا يحمله على المجموع, مثاله لفظ ~~الزكاة يحتمل أن يكون مشتركا بين النماء وبين القدر المخرج من النصاب, وأن ~~يكون موضوعا للنماء فقط، ثم نقل إلى القدر المخرج شرعا فالنقل أولى لما ~~قلناه. الثاني: المجاز أولى من الاشتراك لوجهين أحدهما: أن المجاز أكثر من ~~الاشتراك بالاستقراء، حتى بالغ ابن جني وقال: أكثر اللغات مجاز, والكثرة ~~تفيد الظن في محل الشك. الثاني: أن فيه إعمالا للفظ دائما؛ لأنه إن كان معه ~~قرينة تدل على إرادة المجاز أعملناه فيه, وإلا أعملناه في الحقيقة بخلاف ~~المشترك, فإنه لا بد في إعماله من القرينة مثاله النكاح يحتمل أن يكون ~~مشتركا بين العقد والوطء، وأن يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر, فيكون ~~المجاز أولى لما قلناه. الثالث: الإضمار أولى من الاشتراك؛ لأنه لا يحتاج ~~إلى القرينة إلا في # PageV01P138 # صورة واحدة وهي حيث لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره, فحينئذ لا بد من ~~قرينة تعين المراد. وأما إذا أجري على ظاهره فلا يحتاج إلى قرينة بخلاف ~~المشترك فإنه مفتقر إلى القرينة في جميع صوره, مثاله قوله تعالى: {واسأل ~~القرية} [يوسف: 82] فيحتمل أن يكون لفظ القرية مشتركا بين الأهل والأبنية، ~~وأن يكون حقيقة ms189 في الأبنية فقط ولكن أضمر الأهل والإضمار أولى لما قلناه. ~~الرابع: التخصيص أولى من الاشتراك؛ لأن التخصيص خير من المجاز كما سيأتي, ~~والمجاز خير من الاشتراك كما تقدم, والخبر من الخبر خير, مثاله استدلال ~~الحنفي عن أنه لا يحل له نكاح امرأة زنى بها أبوه بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم} {النساء: 23] بناء على أن المراد بالنكاح هنا هو الوطء, ~~فيقول الشافعي: يلزمك الاشتراك لأنه قد تقرر أن النكاح حقيقة في العقد كما ~~في قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] فينبغي حمله هنا عليه ~~فرارا من ذلك, فيقول الشافعي: وأنت أيضا يلزمك التخصيص؛ لأن العقد الفاسد ~~لا يقتضي التحريم فيقول الشافعي: التخصيص أولى؛ لما قلناه. الخامس: المجاز ~~أولى من النقل يستلزم نسخ المعنى الأول بخلاف المجاز, مثاله الصلاة, فإن ~~المعتزلة يدعون نقلها من الدعاء إلى الأفعال الخاصة, والإمام وأتباعه ~~يقولون: إن استعمالها فيها بطريق المجاز فيكون المجاز أولى لما قلناه. ~~السادس: الإضمار أولى من النقل؛ لأن الإضمار والمجاز متساويان كما سيأتي ~~والمجاز خير من النقل لما عرفت, والمساوي للخير خير, مثاله قوله تعالى: ~~{وحرم الربا} [البقرة: 275] فالآية لا بد فيها من تأويل لأن الربا هو ~~الزيادة ونفس الزيادة لا توصف بحل ولا حرمة, فقالت الحنفية: التقرير أخذ ~~الزيادة، فإذا توافقا على إسقاطها صح العقد. وقال الشافعي: الربا نقل إلى ~~العقد المستعمل على الزيادة لقرينة قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: ~~275] فيكون المنهي عنه هو نفس العقد فيفسد سواء اتفاقا على حط الزيادة أم ~~لا. السابع: التخصيص أولى من النقل؛ لأن التخصيص خير من المجاز كما سيأتي ~~والمجاز خير من النقل لما تقدم والخير من الخير خير, مثاله قوله تعالى: ~~{وأحل الله البيع} فإن الشافعي يقول: المراد بالبيع هو البيع اللغوي وهو ~~مبادلة الشيء بالشيء مطلقا, ولكن الآية خصت بأشياء ورد النهي عنها, فعلى ~~هذا يجوز بيع ابن الآدميات مثلا ما لم يثبت تخصيص, ويقول الحنفي: نقل ~~الشارع لفظ البيع من مدلوله اللغوي إلى المستجمع لشرائط الصحة, فليس باقيا ~~على ms190 عمومه حتى يستدل به على كل مبادلة فيقول له الشافعي: التخصيص أولى وهذه ~~الآية للشافعي فيها خمسة أقوال, وهذان الاحتمالان قولان من جملتها. الثامن: ~~الإضمار مثل المجاز أي: فيكون اللفظ مجملا حتى لا يترجح أحدهما إلا بدليل ~~لاستوائهما في الاحتياج إلى القرينة وفي احتمال خفائها؛ وذلك لأن كلا منها ~~يحتاج إلى قرينة تمنع المخاطب عن فهم الظاهر. وكما يحتمل وقوع الخفاء في ~~تعيين المضمر يحتمل وقوعه في تعيين المجاز، فاستويا هذا ما جزم # PageV01P139 # به الإمام في المحصول والمنتخب، وجزم في المعالم بأن المجاز أولى لكثرته ~~لكنه ذكر بعد ذلك في تعليل المسألة العاشرة أنهما سيان, مثاله: إذا قال ~~السيد لعبده الأصغر منه سنا: هذا ابني, فيحتمل أن يكون قد عبر بالبنوة عن ~~العتق فيحكم بعتقه, ويحتمل أن يكون فيه إضمار تقديره مثل هذا ابني أي: في ~~الحنو أو في غيره فلا يعتق. والمسألة فيها خلاف في مذهبنا, والمختار أنه لا ~~يعتق بمجرد هذا اللفظ. التاسع: التخصيص خير من المجاز؛ لأن الباقي بعد ~~التخصيص يتعين لأن العام يدل على جميع الأفراد, فإذا خرج البعض بدليل بقيت ~~دلالته على الباقي من غير تأمل. وأما المجاز فربما لا يتعين لأن اللفظ وضع ~~ليدل على المعنى الحقيقي, فإذا انتفى بقرينة اقتضى صرف اللفظ إلى المجاز ~~إلى نوع تأمل واستدلال لاحتمال تعدد المجازات, مثاله استدلال أبي حنيفة على ~~أن الذابح إذا ترك التسمية عمدا لا تحل ذبيحته بقوله تعالى: {ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] أي: لا تأكلوا مما لا يتلفظ ~~عليه اسم الله تعالى, فيلزمه التخصيص لأنه يسلم أن الناس تحل ذبيحته فيقول ~~الشافعي: المراد بذكر الله تعالى هو الذبح مجازا عن الذبح غالبا تقارنه ~~التسمية فيكون نهيا عن أكل غير المذبوح, أو يقول: هو مجاز عن ذبح عبدة ~~الأوثان, وما أحل لغير الله لملازمته ترك التسمية. والعاشر: التخصيص خير من ~~الإضمار؛ لأنه قد مر أن التخصيص خير من المجاز, وأن المجاز والإضمار ~~متساويان والخير من المساوي خير, مثاله قوله تعالى: ms191 {ولكم في القصاص حياة} ~~[البقرة: 179] فقال بعضهم: الخطاب مع الورثة؛ لأنهم إذا اقتضوا فقد سلموا ~~وحيوا بدفع شر هذا القاتل الذي صار عدوا لهم بالقتل، وقال بعضهم: الخطاب ~~للقائلين؛ لأن الجاني إذا اقتص منه فقد انمحى إثمه فيبقى حيا حياة معنوية. ~~فعلى هذين الوجهين لا إضمار ولا تخصيص، وقال بعضهم: الخطاب للناس كلهم ~~وحينئذ يحتمل أن يكون فيه إضمار وتقديره: ولكم في مشروعية القصاص حياة؛ لأن ~~الشخص إذا علم أنه يقتص منه فينكث عن القتل فتحصل الحياة، وعلى هذا فلا ~~تخصيص. ويحتمل أن لا يقدر شيء ويكون القصاص نفسه فيه الحياة, إما الحقيقة ~~ولكن لغير الجاني للمعنى الذي قلناه وهو الانكفاف, أو المعنوية ولكن للجاني ~~بخصوصه لأنه قد سلم من الإثم. وعلى هذا فلا إضمار فيه لكن فيه تخصيص، واعلم ~~أن الآمدي وابن الحاجب لم يتعرضا إلا للاشتراك مع المجاز فقط، وأهملا ~~التسعة الباقية. قوله: "تنبيه ... إلخ" اعلم أن التخصيص الذي سبق ترجيحه ~~على الاشتراك هو التخصيص في الأعيان. أما التخصيص في الأزمان وهو النسخ فإن ~~الاشتراك خير منه, وحينئذ فيكون الباقي خيرا منه بطريق الأولى؛ وذلك لأن ~~الاشتراك ليس فيه إبطال بل يقتضي التوقف إلى القرينة, والنسخ يكون مبطلا ~~والاشتراك بين علمين خير من الاشترك بين علم ومعنى؛ لأن العلم يطلق على شخص ~~مخصوص. قال: المراد إنما هو العلم الشخصي لا الجنسي, والمعنى يصدق على ~~أشخاص كثيرة، فكان اختلال الفهم بجعله مشتركا بين علمين # PageV01P140 # أقل فكان أولى, مثاله: أن يقول شخص: رأيت الأسودين, فحمله على شخصين كل ~~منهما اسمه الأسود, أولى من حمله على شخص اسمه الأسود وآخر لونه أسود. ~~والاشتراك بين علم ومعنى خير من الاشتراك بين معنيين لقلة الاشتراك فيه, ~~فقوله: "وهو" عائد على الاشتراك بين علم ومعنى ومثاله: الأسودان أيضا, ~~فحمله على العلم والمعنى أولى من شخصين لونهما أسود، ولقائل أن يقول: ~~المشترك لا بد أن يكون حقيقة في إفراده, والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز كما ~~سبق. # PageV01P141 ### | الفصل الثامن # قال: "الفصل الثامن: في تفسير حروف يحتاج ms192 إليها, وفيه مسائل: الأولى: ~~الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة, ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب مثل: ~~تقاتل زيد وعمرو, وجاء زيد وعمر وقبله ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا ~~واجبا الترتيب, قيل: أنكر عليه الصلاة والسلام ومن عصاهما ملقنا "ومن عصى ~~الله تعالى ورسوله" قلنا ذلك؛ لأن الإفراد بالذكر أشد تعظيما قيل: لو قال ~~لغير الممسوسة: أنت طالق وطالق, طلقت واحدة بخلاف ما لو قال: أنت طالق ~~طلقتين قلنا: الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ وقوله: طلقتين تفسير" لوقوعها ~~في أدلته, وذكر فيه ست مسائل, الأولى: في حكم الواو وفيها ثلاثة مذاهب ~~حكاها في البرهان أحدها: أنها للترتيب, قال: وهو الذي اشتهر عن أصحاب ~~الشافعي. والثاني: أنها للمعية قال: وإليه ذهب الحنفية. والمختار أنها ~~لمطلق الجمع أي: لا تدل على ترتيب ولا معية وقيدها الإمام بالواو العاطفة؛ ~~ليحترز عن واو بمعنى مع نحو: جاء للبرد والطيالسة وواو الحال نحو: جاء زيد ~~والشمس طالعة, فإنهما يدلان على المعية, وأهمله المصنف وأيضا فتعتبره ~~بالجمع المطلق غير مستقيم؛ لأن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق؛ ~~لأنا نفرق بالضرورة بين الماهية بلا قيد والماهية المقيدة ولو بقيد ولا ~~الجمع الموصوف بالإطلاق ليس له معنى هنا, بل المطلوب هو مطلق الجمع بمعنى: ~~أي جمع كان, سواء كان مرتبا أو غير مرتب كمطلق الماء، والماء المطلق. ~~واستدل المصنف على أنها لمطلق الجمع بأمور أحدها إجماع النحاة, وقال ~~السيرافي والسهيلي والفارسي: أجمع عليه نحاة البصرة والكوفة وليس الأمر كا ~~قالوا, فقد ذهب جماعة إلى أنها للترتيب منهم: ثعلب وقطرب وهشام وأبو جعفر ~~الدينوري وأبو عمر الزاهد. الثاني: أنها تستعمل فلا يستحيل فيه الترتيب وهو ~~شيئان أحدهما: المفاعلة كقولنا: تقاتل زيد وعمرو, فإن المفاعلة تقتضي وقوع ~~الفعلين معا؛ ولهذا لا يصح أن تقول: تقاتل زيد ثم عمرو, والأصل في ~~الاستعمال الحقيقة فتكون حقيقة في غير الترتيب, وحينئذ فلا تكون حقيقة في ~~الترتيب أيضا دفعا للاشتراك, وهذا الدليل لا يثبت به المدعى فإنه نفى ~~الترتيب فقط، ولم ينف المعية. الثاني: التصريح بالتقديم كقولنا: ms193 جاء زيد ~~وعمرو وقبله, ولك أن تقول: إنها مستعملة هنا في غير موضوعها مجازا جمعا بين ~~الأدلة. الدليل الثالث: قال أهل اللغة: والعطف في الأسماء المختلفة كواو ~~الجمع وألف التثنية في الأسماء المتماثلة, فإنهم لما لم يتمكنوا من جمع ~~المختلفة أتوا # PageV01P141 # بالواو، ولا شك أن التثنية والجمع لا يوجبان الترتيب, فكذلك الواو وهذا ~~الدليل ينفي المعية أيضا. قوله: "قيل: أنكر" أي: استدل على من قال: إنها ~~للترتيب بوجهين الأول: ما رواه مسلم أن خطيبا قام بين يدي النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعصهما فقد غوى, فقال ~~عليه الصلاة والسلام: "بئس الخطيب أنت, قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" ~~1, فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق. وجوابه أن ~~الإنكار إنما هو لأن إفراد اسم الله تعالى بالذكر أشد تعظيما له يدل عليه ~~أن الترتيب في معصية الله ورسوله لا يتصور لكونهما متلازمين, فاستعمال ~~الواو هنا مع انتفاء الترتيب دليل لنا عليكم, فإن قيل: قد قال عليه الصلاة ~~والسلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فقد ~~جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب, فما الفرق؟ قلنا: منصب الخطيب قابل ~~للزلل فيتوهم أنه جمع بينهما لتساويهما عنده بخلاف الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. وأيضا فكلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- جملة واحدة، فإيقاع الظاهر ~~فيه موقع المضمر قليل في اللغة، بخلاف كلام الخطيب فإنه جملتان. الثاني: ~~أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق, طلقت طلقة واحدة على الجديد ~~الصحيح, ولو كانت الواو للجمع لكان قوله: أنت طالق, طلقتين. وجوابه أن ~~قوله: وطالق معطوف على الإنشاء فيكون إنشاء آخر والإنشاءات تقع معانيها ~~مترتبة بترتب ألفاظها؛ لأن معانيها مقارنة لألفاظها، فيكون قوله: وطالق ~~إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في وقت لا يقبل الطلاق؛ لأنها بانت الأولى بخلاف ~~قوله: طلقتين, فإنه تفسير لطالق وليس بإنشاء. # قال: "الثانية: الفاء للتعقيب إجماعا؛ ولهذا ربط بها الجزاء إذا لم يكن ~~فعلا, وقوله تعالى: ms194 {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} [طه: 61] ~~مجاز. الثالثة: في الظرفية ولو تقديرا مثل: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: ~~71] ولم يثبت مجيئها للسببية. الرابعة: من تكون لابتداء الغاية وللتبعيض ~~وللتبيين وهي حقيقة في التبيين دفعا للاشتراك". أقول: المسألة الثانية: ~~الفاء للتعقيب أي: تدل على وقوع الثاني عقب الأول بغير مهلة, لكن في شكل ~~شيء يحبسه فلو قال: دخلت مصر فمكة أفادت التعقيب على ما يمكن، واستدل ~~المصنف عليه بالإجماع، وليس كذلك فقد ذهب الفراء إلى أن ما بعدها يجوز أن ~~يكون سابقا، وذهب الجرمي إلى أنها دخلت على الأماكن أو المطر فلا ترتب, ~~تقول: نزلنا نجدا فتهامة، ونزل المطر نجدا فتهامة, وإن كانت تهامة في هذا ~~سابقة. قوله: "ولهذا" أي: ولأجل كونها للتعقيب ربط بها الجزاء أي: وجوبا ~~إذا لم يكن فعلا، نحو: إن قام زيد فعمرو قائم فإن الجزاء يجب أن يوجد ةعقب ~~الشرط, فلو لم تكن الفاء مناسبة لهذا المعنى مفيدة للتعقيب لم يجب دخولها ~~عليه كالواو وثم, فإنه لم لا يجب بل يجوز, وإنما قيده بغير الفعل لأن الفعل ~~إن كان ماضيا فلا يجوز دخولها عليه نحو PageV01P142 # إن قام زيد قام عمرو, وإن كان مضارعا جاز لكنه لا يجب: إن قام زيد يقوم ~~عمرو وفيه تفصيل يطول ذكره, محله كتب النحو. وهذا الذي ذكره المصنف نقل ~~الإمام عن بعضهم أنه استدل به وفيه نظر ظاهر, فقد تكون الفائدة هي الدلالة ~~على أن الثاني جزاء عن الأول ومسبب عنه, وكونه جزاء دليل على التأخير ~~والتعقيب. ولأجل هذا لم يجعله المصنف دليلا كما جعله الإمام بل استدل ~~بالإجماع وجعل هذا من باب التحسين والتقوية وهو من محاسن كلامه. ثم شرع ~~المصنف في الجواب عن دليل القدر وهو استدلال الخصم على أنها ليست للتعقيب ~~بقوله تعالى: {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم} [طه: 61] فإن الافتراء في ~~الدنيا، والسحت وهو الاستئصال إنما هو في الآخرة, وهذا يحتمل أن يكون دليلا ~~مستقلا وأن يكون نقضا لما قررناه، وجوابه أن الاستئصال لما ms195 كان يقطع بوقوعه ~~جزاء للمفتري جعل كالواقع عقب الافتراء مجازا. ولا شك أن المجاز خير من ~~الاشتراك. المسألة الثالثة: في "تدل على الظرفية أي: يجعل ما دخلت عليه ~~ظرفا لما قبلها, وإما تحقيقا نحو: جلست في المسجد" أو تقديرا كقوله تعالى: ~~{ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] فإنه لما كان المصلوب متمكنا على الجذع ~~كتمكن الشيء في المكان عبر عنه بفي وهذا مذهب سيبويه والجمهوري, وذهب ~~الكوفيون والقتيبي وابن مالك إلى أنها تأتي بمعنى على فيكون التقدير: ~~"لأصلبنكم على جذوع النخل". وظاهر كلام المصنف تبعا للإمام أن في حقيقة ~~"في" الظرفية الحقيقية والتقديرية بأن تكون متواطئة أو مشككة أو مشتركة, ~~ومقتضى كلام النحويين والأصوليين أن استعمالها في الظرفية التقديرية على ~~سبيل المجاز. ومن الفقهاء من قال: إنها قد ترد للسببية واختاره من النحاة ~~ابن مالك فقط لقوله تعالى: {لمسكم في ما أفضتم} [النور: 14] أي: بسبب قوله ~~تعالى: "لمسكم فيما أخذتم" وقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن امرأة دخلت ~~النار في هرة" 1 وقوله: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" 2 ولم يثبته ~~المصنف. قال الإمام: لأن المرجع فيه إلى أهل اللغة ولم يذكره أحد منهم, ~~وأما ما استدلوا به فيمكن حمله على الظرفية التقديرية مجازا. المسألة ~~الرابعة: لفظة من تكون لابتداء الغاية, أي: في المكان اتفاقا كقولك: خرجت ~~من البيت إلى المسجد، وفي الزمان عند الكوفيين والمبرد وابن درستويه وصححه ~~ابن مالك واختاره شيخنا أبو حيان لكثرة وروده نظما ونثرا كقوله تعالى: {من ~~أول يوم} [التوبة: 108] وتكون أيضا لتبيين الجنس كقوله تعالى: {فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان} [الحج: 30] وتكون أيضا للتبعيض كقوله: أخذت من الدراهم. ~~وتعرف صلاحية إقامة البعض مقامها, وقال الإمام: والحق عندي أنها للتبيين ~~لوجوده في الجميع, ألا ترى أنها بينت في هذه الأمثلة مكان الخروج والمجتنب ~~والمأخوذ منه PageV01P143 # فتكون حقيقة في القدر المشترك؛ لأنها إن كانت حقيقة في كل واحد لزم ~~الاشتراك أو في البعض خاصة لزم المجاز، فتعين ما قلناه, ولو قال المصنف: ~~رفعا للاشتراك والمجاز لكان أولى. # قال: ms196 "الخامسة: الباء تعدي وتجزئ المتعدى لما يعلم من الفرق بين مسحت ~~المنديل ومسحت بالمنديل ونقل إنكاره عن ابن جني, ورد بأنه شهادة نفي. ~~السادسة: إنما للحصر؛ لأن إن للإثبات وما للنفي, فيجب الجمع على ما أمكن, ~~وقد قال الأعشى: ### | ....... # ... وإنما العزة للكاثر # والفرزدق: ### | ....... # وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # وعورض بقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال: 2] قلنا: المراد الكاملون". أقول: هذه المسألة تتضح بكلام ~~المحصول فلنقل كلامه ثم تنزل كلام المصنف عليه فنقول: قال في المحصول: ~~الباء إذا دخلت على فعل لازم فإنها تكون للإلصاق نحو: كتبت بالقلم ومررت ~~بزيد, وعبر المصنف عنه بالتعدية وليس كذلك فقد لا تكون كهذه الأمثلة وإنما ~~تكون للتعدية إذا كانت بمعنى الهمزة في نقل الاسم من الفاعلية إلى ~~المفعولية كقوله تعالى: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم} [البقرة: 20] أي: أذهب ~~سمعهم، والتعبير بالإلصاق هو الصواب. ولم يذكر سيبويه للباء معنى غيره, ~~ويدخل فيه ستة أقسام, منها ما هو حقيقة ومنها ما هو مجاز كما هو معروف في ~~كتب النحو. ثم قال: وإن دخلت على فعل متعد كقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} ~~[المائدة: 6] فتكون للتبعيض خلافا للسقية، وعبر المصنف عنه بقوله: وتجزئ ~~المتعدى قال في المعالم: لأنها لا بد أن تفيد فائدة زائدة صونا للكلام عن ~~العبث وهذا أيضا غير مستقيم, فقد تكون زائدة للتوكيد كقوله تعالى: {تنبت ~~بالدهن} [المؤمنون: 20] أي: تنبت الدهن وقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم} ~~[البقرة: 195] أي: أيديكم، وأيضا فإن مسح يتعدى إلى مفعول بنفسه وهو المزال ~~عنه, وإلى آخر بحرف الجر وهو المزيل. والباء فيه للاستعابة فيكون تقدير ~~الآية: "وامسحوا أيديكم برءوسكم" وحاصل ما فيه أن اليد جعلت ممسوحة والرأس ~~ماسحة وهو صحيح. وأيضا فجزم المصنف بأنها للتبعيض مناقض لما جزم به في ~~المجمل والمبين كما ستعرفه. ثم قال: لأنا نعلم بالضرورة الفرق بين مسحت ~~المنديل ومسحت يدي بالمنديل, فإنه يعم في الأول ويبعض في الثاني, وهو معنى ~~قول المصنف: لما يعلم من الفرق، وهذا أيضا مردود ms197 فإن الفرق بينهما كونهما ~~في الأول ممسوحة، وفي الثاني ماسحة لا ما قاله، ثم قال: وأنكر ابن جني ~~ورودها للتبعيض وقال: إنه شيء لا يعرفه أهل اللغة ثم رده بأنه شهادة على ~~نفي غير محصور فلا يسمع, وتابعه عليه المصنف. وهذا أيضا ممنوع فإن العالم ~~بفن إذا علم منه الفحص قبل منه النفي فيه. ثم إنه قد ذكر ما يناقض ذلك في ~~المسألة الثالثة, فإنه قد رد كونها للسببية بعدم ذكر أهل اللغة له الذي هو ~~دون تصريحهم بنفيه. نعم طريق الرد على ابن جني بوروده في كلامهم فإنه قد ~~اشتهر. قال الشاعر: # PageV01P144 # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج # أي: شربن من ماء البحر, وقال الآخر: # فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # أي: من برد وأثبته الكوفيون، ونص عليه أيضا جماعة غيرهم منهم: الأصمعي ~~والقتيبي والفارسي في التذكرة, وقال به من المتأخرين ابن مالك، وهذه ~~المسألة تكلم الأصوليون فيها اعتقادا منهم أن الشافعي إنما اكتفى بمسح بعض ~~الرأس لأجل الباء وليس كذلك, بل اكتفى به لصدق الاسم كما ستعرفه في المجمل ~~والمبين، والمسألة السادسة: تقييد الحكم فإنما نحو إنما الشفعة فيما لو ~~يقسم هل يفيد حصر الأول في الثاني على معنى أنه يفيد إثبات الشفعة في غير ~~المقسوم، ونفيها عن غيره؟ وفيه مذهبان صحح الإمام وأتباعه أنها تفيد, وعلى ~~هذا فهل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان, حكاهما ابن الحاجب, ومقتضى ~~كلام الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنه بالمنطوق؛ لأنه استدل بأن إن للإثبات ~~وما للنفي كما سيأتي فافهم ذلك، واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد ~~تأكيد الإثبات وهو الصحيح عند النحويين, ونقله شيخنا أبو حيان في شرح ~~التسهيل عن البصريين، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، استدل الأولون بأمرين ~~أحدهما وهو مركب من العقلي والنقلي: أن كلمة إن لإثبات الشيء وما لنفيه، ~~والأصل عدم التغيير بالتركيب فيجب الجمع بينهما بقدر الإمكان، وحينئذ نقول: ~~لا جائز أن يجتمع النفي والإثبات على شيء واحد ms198 للزوم التناقض, ولا أن يكون ~~النفي راجعا إلى المذكور والإثبات للسكوت عنه؛ لأنه باطل بالاتفاق، فتعين ~~العكس لأنه الممكن وهو المراد بالحصر، وهذا ضعيف لأن المعروف عند النحويين ~~أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل. الثاني: أن العرب ~~الفصحاء قد استعملوها في مواطن الحصر، قال الأعشى: # ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر # قال الجوهري: معناه أكثر عددا، قال: ومقصوده تفضيل عامر على علقمة وليست ~~بفتح التاء كما ضبطه الجوهري وغيره، وقال الفرزدق: # أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # قال الجوهري: يقال: ذمر الأسد أي: زأر وتذامر القوم أي: حث بعضهم بعضا ~~على الحرب, وقولهم: فلان حامي الذمار أي: إذا ذمر وغضب حمى، ثم قال: ويقال: ~~الذمار ما وراء الرجل مما يجب عليه أن يحميه أي: من أهله وغيرهم، ووجه ~~الاستدلال أن المقصود لا يحصل إلا بحصر العزة في الكاثر، وحصر الدفع فيه ~~على أنها للحصر. قوله: "وعورض" أي: عورض ما ذكرناه بقوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فإنه لو أفاد الحصر لكان من لم ~~يحصل له الوجل لا يكون مؤمنا وليس كذلك, وجوابه أن المراد بالمؤمنين هم ~~الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة. # "فائدة": من أدوات الحصر إلا على اختلاف فيها يأتي في بابه, ومنها حصر ~~المبتدأ في الخبر نحو: العالم زيد وصديقي زيد، وفيها المذاهب الثلاثة ~~المذكورة, ومنها تقديم المعمول على ما قاله الزمخشري وجماعة نحو: إياك ~~نعبد. # PageV01P145 ### | الفصل التاسع # قال: "الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ وفيه مسائل: الأولى: لا ~~يخاطبنا الله تعالى بالمهمل؛ لأنه هذيان، احتجت الحشوية بأوائل السور قلنا: ~~أسماؤها وبأن الوقف على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} واجب، وإلا ~~لاختص المعطوف بالحال قلنا: يجوز حيث لا لبس مثل: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~نافلة} [الأنبياء: 72] وبقوله تعالى: {كأنه رؤوس الشياطين} [الصافات: 65] ~~قلنا: مثل في الاستقباح الثانية لا يغني خلاف الظاهر من غير بيان؛ لأن ~~اللفظ بالنسبة إليه مهمل, قالت المرجئة: يفيد ms199 إحجاما قلنا: حينئذ يرتفع ~~الوثوق عن قوله تعالى". أقول: الاستدلال بالألفاظ يتوقف على معرفة كيفية ~~الاستدلال من كونه بطريق المنطوق أو المفهوم؛ فلذلك عقد المصنف هذا الفصل ~~لبيانه وذكر فيه سبع مسائل. ثم إن بيان ذلك يتوقف على أنه تعالى لا يجوز أن ~~يخاطبنا بالمهمل ولا بما يخالف الظاهر؛ لأنه لو كان جائزا لتعذر الاستدلال ~~بالألفاظ على الحكم فبدأ بهما لكونهما كالمقدمة, المسألة الأولى: لا يجوز ~~أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل؛ لأنه هذيان وهو نقص والنقص على الله تعالى ~~محال. وعبارة المحصول: لا يجوز أن يتكلم بشيء ولا يعني به شيئا وهو قريب من ~~عبارة المصنف وعبارة المنتخب والحاصل بما لا يفيد، وبينهما فرق لأن عدم ~~الفائدة قد لا يكون لإهماله بل لعدم فهمنا. وقد صرح ابن برهان بجواز هذا ~~فقال: يجوز أن يشتمل كلام الله تعالى على ما لا يفهم معناه إلا أن يتعلق به ~~تكليف فإنه لا يجوز. والصواب في التعبير ما ذكره في المحصول واقتضاه كلام ~~المصنف, وقد صرح به أيضا عبد الجبار في العمد وأبو الحسين في شرحه له، ~~واستدلا للخصم بأن فائدته التعبد بتلاوته, قال في المحصول: وحكم الرسول في ~~الامتناع كحكم الله تعالى، قال الأصفهاني في شرحه له: لا أعلم أحدا ذكر ذلك ~~ولا يلزم من كون الشيء نقصا في حق الله أن يكون نقصا في حق الرسول، فإن ~~السهو والنسيان جائزان على الأنبياء. قوله: "احتجت الحشوية" أي: على جوازه ~~بثلاثة أوجه, الأول: أوردوه في القرآن في أوائل كثير من السور نحو: {الم} و ~~{طه} وجوابه: أن لها معاني, ولكن اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة, ~~والحق فيها أنها أسماء للسور. الثاني: قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} الآية, ووجه الدلالة أنه يجب ~~الوقف على قوله: {إلا الله} وحينئذ فيكون الراسخون مبتدأ ويقولون خبرا عنه، ~~وإذا وجب الوقف عليه ثبت أن في القرآن شيئا لا يعلم تأويله إلا الله وقد ~~خاطبنا به وهذا هو المدعى، وإنما قلنا: ms200 يجب الوقف عليه لأنه لو لم يجب لكان ~~الراسخون معطوفا عليه حينئذ, فيتعين أن يكون قوله تعالى # PageV01P146 # {يقولون} جملة حالية بأن قائلين, ولا يجوز أن يكون حالا من المعطوف ~~والمعطوف عليه لامتناع أن يقول الله تعالى: آمنا به، فيكون حالا من المعطوف ~~فقط، وهو خلاف الأصل؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ~~المتعلقات، وإذا انتفى هذا تعين ما قلناه وهذا الدليل لا يطابق دعوى ~~المصنف؛ لأنه يقتضي أن الخلاف في الخطاب بلفظ له معنى لا نفهمه، ودعواه ~~أولا في المهمل، وأجاب المصنف بأنه إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم ~~تقم قرينة تدل عليه, أما إذا قدمت قرينة تدفع اللبس فلا بأس كقوله تعالى: ~~{ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} [الأنبياء: 72] فإن {نافلة} حال من يعقوب ~~خاصة لأن النافلة ولد الولد, وما نحن فيه كذلك؛ لأن العقل قاض بأن الله ~~تعالى لا يقول: آمنا به. الثالث: قوله تعالى: {كأنه رؤوس الشياطين} ~~[الصافات: 65] فإن هذا التشبيه إنما يفيد أن لو علمنا رءوس الشياطين ونحن ~~لا نعلمها، والجواب أنه معلوم للعرب فإنه مثل في الاستقباح متداول بينهم؛ ~~لأنهم يتخيلونه قبيحا. وهذا أيضا لا يطابق الدعوى لما تقدم. "فائدة": اختلف ~~في الحشوية فقيل بإسكان الشين؛ لأن منهم المجسمة، والجسم محشو، والمشهور ~~أنه بفتحها نسبة إلى الحشا؛ لأنهم كانوا يجلسون أمام الحسن البصري في ~~حلقته، فوجد كلامهم رديئا، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أي: جانبها, ~~والجانب يسمى حشا ومنه الأحشاء لجوانب البطن. المسألة الثانية: يجوز أن ~~يريد الله تعالى بكلامه خلاف ظاهره, إذا كان هناك قرينة يحصل بها البيان ~~كآيات التشبيه ولا يجوز، أو يعني خلاف الظاهر من غير بيان؛ لأن اللفظ ~~بالنسبة إلى ذلك المعنى المراد مهمل لعدم إشعاره به، والخلاف فيه مع ~~المرجئة فإنهم يقولون: إنه تعالى لا يعاقب أحدا من المسلمين، ولا يضر مع ~~الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، قالوا: وأما الآيات والأخبار ~~الدالة على العقاب فليس المراد ظاهرها, بل المراد بها التخويف, وفائدته ~~الإحجام عن المعاصي، ms201 وأجاب المصنف بالمعارضة وهو أن فتح هذا الباب يرفع ~~الوثوق عن أقوال الله تعالى وأقوال رسوله، إذ ما من خطاب إلا ويحتمل أن ~~يراد به غير ظاهره, وأيضا فالإحجام إنما يكون عند العقاب، ولا عقاب, وهذه ~~المسألة معرفتها تتوقف على معرفة مذهب المرجئة ومعرفة استدلالهم, وقد أشار ~~إليه المصنف إشارة بعيدة، وتفصيله ما قلناه، وأما الأوامر والنواهي فلا ~~خلاف فيها كما قال الأصفهاني في شرح المحصول ولم يذكر ابن الحاجب هذه ولا ~~التي قبلها, والمرجئة -كما قال الجوهري- مشتقة من الإرجاء وهو التأخير, قال ~~الله تعالى: {أرجه وأخاه} [الشعراء: 36] أي: أخره فسموه بذلك؛ لأنهم لم ~~يجعلوا الأعمال سببا لوقوع العذاب ولا لسقوطه, بل أرجوها أي: أخروها ~~وأدحضوها. # قال: "الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه فيحمل على الشرعي ثم ~~العرفي ثم اللغوي ثم المجاز أو بمفهومه, وهو إما أن يلزم عن مفرد يتوقف ~~عليه عقلا أو # PageV01P147 # شرعا، مثل: ارم وأعتق عبدك عني, ويسمى اقتضاء, أو مركب موافق وهو فحوى ~~الخطاب كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب وجواز المباشرة إلى الصبح على ~~جواز الصوم جنبا, أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور، ويسمى دليل ~~الخطاب". أقول: المسألة الثالثة: في كيفية دلالة الخطاب على الحكم وتقديم ~~بعض المدلولات على البعض، اعلم أن الدلالة قد تكون بالمنطوق، وقد تكون ~~بالمفهوم. قال ابن الحاجب: المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق، ~~والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق كما سيأتي بيانه، الأول: أن يدل ~~اللفظ بمنطوقه وهو المسمى بالدلالة اللفظية فيحمل أولا على الحقيقة ~~الشرعية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن ~~له حقيقة شرعية أو كان ولم يمكن الحمل عليها على الحقيقة العرفية الموجودة ~~في عهده -عليه الصلاة والسلام- لأنه المتبادر إلى الفهم، فإن تعذر حمل على ~~الحقيقة اللغوية. وهذا إذا كثر استعمال الشرعي والعرفي بحيث صار يسبق ~~أحدهما دون اللغوي، فإن لم يكن فإنه مشترك لا يترجح إلا بقرينة قاله في ~~المحصول, ولقائل أن ms202 يقول: من القواعد المشهورة عند الفقهاء أن ما ليس له ~~ضابط في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، وهذا يقتضي تأخير معرف عن ~~اللغة فهل هو مخالف لكلام الأصوليين أو ليسا متواردين على محل واحد؟ فيه ~~نظر يحتاج إلى تأمل. وذكر الآمدي في تعارض الحقيقة الشرعية واللغوية مذاهب ~~أحدها هذا, وصححه ابن الحاجب. والثاني: يكون مجملا. والثالث قاله الغزالي: ~~إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله -عليه الصلاة والسلام: "إني إذا ~~أصوم" 1 فإنه إذا حمل على الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار, وإن ورد ~~في النهي كان مجملا كنهيه -عليه الصلاة والسلام- عن صوم يوم النحر، فإنه لو ~~حمل على الشرعي دل على صحته لاستحالة النهي عما لا يتصور وقوعه، بخلاف ما ~~إذا حمل على اللغوي. قال الآمدي: والمختار أنه إن ورد في الإثبات حمل على ~~الشرعي؛ لأنه مبعوث لبيان الشرعيات, وإن ورد في النهي حمل على اللغوي لما ~~قلناه من أن حمله على الشرعي يستلزم صحة بيع الخمر ونحوه ولا قائل به، وما ~~ذكراه من أن النهي يستلزم الصحة قد أنكراه بعد ذلك وضعفا من قاله. فإن ~~تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المعنى المجازي صونا للكلام عن الإعمال, ~~ويكون الترتيب في مجازات هذه الحقائق كالترتيب المذكور في الحقائق. الثاني: ~~أن يدل الخطاب على الحكم بالمفهوم وهو المسمى بالدلالة المعنوية والدلالة ~~الالتزامية، فتارة يكون اللازم مستفادا من معاني الألفاظ المفردة، وذلك بأن ~~يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، وتارة لا يكون مستفادا من ~~التركيب وذلك بأن لا يكون شرطا للمعنى المطابق بل تابعا له، فاللازم عن ~~المفرد قد يكون العقل يقتضيه كقوله: ارم, فإنه يستلزم الأمر بتحصيل القوس ~~والمرمى لأن العقل يحيل PageV01P148 # الرمي بدونهما, وقد يكون هو الشرع كقوله: أعتق عبدك عني؛ فإنه يستلزم ~~سؤال تمليكه حتى إذا أعتقه نبينا دخلوه في ملكه؛ لأن العتق شرعا لا يكون ~~إلا في مملوك, وقد مثل في المحصول له بمثال فاسد فعدل عنه صاحب الحاصل ~~والمصنف. وهذا القسم ms203 هو اللازم عن المفرد يسمى الاقتضاء أي: الخطاب يقتضيه, ~~وأما اللازم عن المركب فهو قسمين أحدهما: أن يكون موافقا للمنطوق في ~~الإيجاب والسلب، ويسمى فحوى الخطاب، أو معناه كما قال الجوهري. قال: وهو ~~يمد ويقصر ويسمى أيضا تنبيه الخطاب ومفهوم الموافقة كقوله تعالى: {فلا تقل ~~لهما أف} فإنه يدل أيضا على تحريم الضرب من باب أولى, فتحريم الضرب ~~استفدناه من التركيب؛ لأن مجرد التأفيف لا يدل على تحريم الضرب ولا على ~~إباحته بخلاف مجرد الرمي, فإنه يتوقف على القوس. وكقوله تعالى: {أحل لكم ~~ليلة الصيام} [البقرة: 187] إلى آخر الآية, فإنه يدل منطوقه على جواز ~~المباشرة إلى الصبح، ويلزم منه صحة الصوم جنبا وهو ما بين الفجر إلى الغسل، ~~إذ لو لم يكن كذلك لكان مقدار الغسل مستثنى من جواز المباشرة, ومثل المصنف ~~بمثالين إشارة إلى معنيين, أحدهما: أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم ~~من المنطوق كالمثال الأول, وقد يكون مساويا كالمثال الثاني، خلافا لابن ~~الحاجب في اشتراطه الأولوية. الثاني ما قال الإمام في المحصول: وهو أن ~~اللازم قد يكون من مكملات المعنى المنطوق كما في المثال الأول، وقد لا يكون ~~كالثاني، ثم قال: والتمثيل بالتأفيف مبني على أن تحريم الضرب ليس من باب ~~القياس، وعلى هذا فتمثيل المصنف به مناقض لما صححه في كتاب القياس فافهمه، ~~وقد جعل ابن الحاجب دلالة الاقتضاء وجواز المباشرة إلى الصبح من دلالة ~~المنطوق، قال: ولكن منطوق غير صريح بل لازم اللفظ، وجعل المصنف ذلك من ~~المفهوم كما تقدم ولم يجعله الآمدي من المنطوق ولا من المفهوم، بل قسيما ~~لهما، وكلام الإمام هنا ليس فيه تصريح بشيء. القسم الثاني: أن يكون مخالفا ~~للمنطوق، ويسمى دليل الخطاب، ولحن الخطاب، ومفهوم المخالفة، وذلك كمفهوم ~~الصفة ومفهوم الشرط ومفهوم الغاية ومفهوم العدد, وقد ذكر المصنف جميع ذلك ~~عقب هذه المسألة إلا الغاية, فإنه أخرها إلى التخصيص وأهمل التصريح هنا ~~بأمور بعضها يأتي في كلامه, وبعضها أذكره إن شاء الله تعالى. # قال: "الرابعة: تعليق الحكم بالاسم يدل على ms204 نفيه عن غيره, وإلا لما جاز ~~القياس خلافا لأبي بكر الدقاق وبإحدى صفتي الذات مثل: "في سائمة الغنم ~~الزكاة" يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى، خلافا لأبي حنيفة وابن سريج ~~والقاضي وإمام الحرمين والغزالي. لنا أنه المتبادر من قوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "مطل الغني ظلم" 1 ومن ونحو قولهم: الميت PageV01P149 # اليهودي لا يبصر، وأن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة وتخصيص الحكم فائدة, ~~وغيرها منتف بالأصل فتعين, وأن الترتيب يشعر بالعلية كما ستعرفه. والأصل ~~ينفي علة أخرى فينتفي بانتفائها. قيل: لو دل لدل إما مطابقة أو التزاما, ~~قلنا: دل التزاما لما ثبت أن الترتيب يدل على العلية، وانتفاء العلة يستلزم ~~انتفاء مدلولها المساوي! قيل: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} [الإسراء: 31] ~~ليس كذلك قلنا: غير المدعي". أقول: شرع المصنف في ذكر مفاهيم المخالفة فبدأ ~~بمفهوم اللقب, فنقول: تعليق الحكم أي: طلبا كان أو خبرا, بالاسم أي: وما في ~~معناه كاللقب والكنية, لا يدل على نفيه عن غيره كقول القائل: زيد قائم فإنه ~~لا يدل على نفي القيام عن زيد وهذا هو الصحيح عند الإمام والآمدي ~~وأتباعهما, ونقله إمام الحرمين في البرهان عن نص الشافعي، واحتج المصنف ~~بأنه لو دل على نفيه عن غيره لانسد باب القياس, وبيانه أن تحريم الربا مثلا ~~في القمح يدل على هذا التقدير على إباحته في كل ما عداه, مطعوما كان أو ~~غيره, فلا يقاس الحمص عليه لأن القياس على خلاف الدليل باطل وهذا الدليل ~~ضعيف لأمرين, أحدهما: أن المفهوم على تقدير كونه حجة يدل على الإباحة في كل ~~ما عدا البر، والقياس إنما يدل على تحريم في الأفراد التي شاركت المنصوص ~~عليه في العلة وهي المطعومات دون غيرها كالنحاس والرصاص, فغاية ما يلزم من ~~الأخذ بالقياس أن يكون مخصصا للمفهوم، وتخصيص عموم المنطوق بالقياس جائز، ~~كما سيأتي, فتخصيص عموم المفهوم به أولى. الثاني ما ذكره الآمدي: وهو أنه ~~إنما يؤدي إلى إبطال القياس إن لو كان النص دالا عليه بمنطوقه وليس كذلك, ~~بل إنما دل عليه بمفهومه ms205 والقياس راجح على هذا النوع من المفهوم، وغاية ذلك ~~أنهما دليلان تعارضا لأن كلا منهما دل على عكس ما دل عليه الآخر كالحمص في ~~مثالنا إباحة المفهوم وحرمة القياس وحكم المتعارضين تقديم الراجح منهما، ~~وذهب أبو بكر الدقاق من الشافعية إلى أنه حجة وكذلك الحنابلة كما قاله في ~~الأحكام، واحتجوا بأن التخصيص لا بد له من فائدة، وجوابه أن غرض الإخبار ~~عنه دون غيره فائدة، ومر بي في بعض التعاليق أن الدقاق وقع له ذلك في مجلس ~~النظر ببغداد فألزم الكفر, إذا قال: محمد رسول الله لنفي رسالة عيسى وغيره ~~فوقف. وحكى ابن برهان في التعجيز قولا ثالثا أنه حجة في أسماء الأنواع ~~كالغنم دون أسماء الأشخاص كزيد. قوله: "وبإحدى صفتي الذات" أي: وتعليق ~~الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة ~~كقوله -صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم الزكاة" 1 فإن الغنم اسم ذات ~~ولها صفتان: السوم والعلف، وقد علق الوجوب على إحدى صفتيها وهو السوم, فيدل ~~ذلك على عدم الوجوب في المعلوفة لكن الصحيح في المحصول وغيره أنه يفي جميع ~~الأجناس نظرا إلى أن العلف مانع، PageV01P150 # والسوم مقتض. وقد وجد هذا كله إذا لم يظهر لتخصيص تلك الصفة بالذكر فائدة ~~أخرى غير نفي الحكم عما عدا الوصف المذكور. فإن ظهرت له فائدة فلا يدل على ~~النفي, فمن الفائدة أن يكون جوابا لمن سأل عن سائمة الغنم, فإن ذكر السوم ~~والحالة هذه يكون للمطابقة, أو يكون السوم هو الغالب، فإن ذكره إنما هو ~~لأجل غلبة حضوره في ذهنه هذا هو المعروف. ونقله إمام الحرمين في البرهان عن ~~الشافعي ثم خالفه وقال: إن الغلبة لا تدفع كونه حجة, وهذا الذي اختاره ~~المصنف نقله الإمام والآمدي وأتباعهما عن الشافعي والأشعري وجماعة, وذهب ~~أبو حنيفة والقاضي أبو بكر الباقلاني وابن شريح والغزالي إلى أنه ليس بحجة ~~واختاره الآمدي والإمام فخر الدين في المحصول والمنتخب وقال في المعالم: ~~المختار أنه يدل عرفا لا لغة، ولم ms206 يصحح ابن الحاجب شيئا. ونقل الإمام فخر ~~الدين عن إمام الحرمين أنه ليس بحجة وتبعه المصنف عليه وهو غلط, فقد نص في ~~البرهان على أنه حجة وجعله أقوى من مفهوم الشرط ومثل بالسائمة ومطل الغني ~~كما مثل المصنف, قال: إلا أن تكون الصفة لا مناسبة فيها كقولنا: الأبيض ~~يشبع إذا أكل, فإنه كاللقب في عدم الدلالة، ثم ذكر في آخر المسألة التي ~~بعدها مثله أيضا، فقال: اعتبر الشافعي الصفة ولم يفصل, واستقر رأيه على ~~إلحاق ما لا يناسب منها باللقب. لا جرم أن ابن الحاجب نقل عنه أنه يدل ولا ~~يمكن حمل كلام المصنف في النقل عن إمام الحرمين على ما لا يناسب؛ لأنه نقل ~~الخلاف عنه في مثل سائمة الغنم مع أنه مناسب. قوله: "لنا" أي: الدليل على ~~أنه حجة ثلاثة أوجه, الأول: أن المتبادر إلى الفهم من قوله -صلى الله عليه ~~وسلم: "مطل الغني ظلم" أن مطل الفقير ليس بظلم, وإذا ثبت ذلك في العرف ثبت ~~أيضا في اللغة؛ لأن الأصل عدم النقل لا سيما وقد صرح به في هذا الحديث أبو ~~عبيدة وهو من أئمة اللغة المرجوع إليهم. وكذلك أيضا يتبادر إلى الفهم من ~~قولهم: الميت اليهودي لا يبصر, أن غيره يبصر ولهذا يسخرون من هذا الكلام ~~ويضحكون منه. الثاني: أن تخصيص الوصف بالذكر يستدعي فائدة لأن تخصيص آحاد ~~البلغاء يستدعي ذلك الشارع أولى, وتخصيص الحكم به فائدة محققة، والأصل عدم ~~غيرها من الفوائد، فإن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى كما ~~تقدم, فتعين ما قلناه وهو تخصيص الحكم، فإن قيل: لو صح هذا الدليل لكان ~~مفهوم اللقب حجة لجريانه بعينه, قلنا: للقب فائدة أخرى وهي تصحيح الكلام؛ ~~لأن الكلام بدون غير مفيد بخلاف الصفة. الثالث: ترتيب الحكم على الوصف يشعر ~~بالعلية أي: يكون الوصف علة لذلك الحكم كما ستعرفه في القياس فيكون السوم ~~مثلا علة للوجوب، والأصل عدم علة أخرى، وحينئذ ينتفي الحكم بانتفاء تلك ~~الصفة؛ لأن المعلول يزول بزوال علته. قوله: "قيل: لو ms207 دل لدل" أي: استدل ~~الخصم بوجهين أحدهما: أن تعليق الحكم على صفة من الصفات لو دل على نفي ~~الحكم عما عدا تلك الصفة لدل إما مطابقة أو تضمنا أو التزاما؛ لأن الدلالة ~~منحصرة # PageV01P151 # في هذه الثلاثة لكنه لا يدل. أما المطابقة والتضمن فواضح لأن نفي الحكم ~~عما عدا المذكور ليس هو عين إثبات الحكم في المذكور حتى يكون مطابقة لا ~~جزأه حتى يكون تضمنا. وأما الالتزام فلأن شرطه سبق الذهن من المسمى إليه ~~وقد يتصور السامع إيجاب الزكاة في السائمة مع غفلته عن المعلوفة وعن عموم ~~وجوب زكاتها, وقد أهمل المصنف ذكر التضمن فقال: إما مطابقة أو التزاما ~~ولقائل أن يجيب بأن الالتزام صادق عليه؛ لأن تصور الكل مستلزم لتصور جزئه ~~كما أنه مستلزم لتصور لازمه، وأجاب المصنف بأنه يدل بالالتزام لما ثبت أن ~~ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية، أي: بكونه علة, يستلزم انتفاء المعلول ~~المساوي، والمراد بالمساوي أن لا يكون له علة أخرى غير هذه العلة، واحترز ~~بذلك عما يكون له علة أخرى كالحرارة المعلولة للنار تارة وللشمس أخرى, إذ ~~لو كان له علة أخرى لكان يثبت بالعلة الأولى، ويثبت بدونها فيكون أعم منها, ~~والعلة أخص والأعم لا ينتفي بانتفاء الأخص, وحينئذ فلا يلزم انتفاء هذه ~~العلة انتفاء المعلول لجواز ثبوته مع العلة الأخرى. الثاني: قوله تعالى: ~~{ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} [الإسراء: 31] فإنه لو كان كما قلنا لكان في ~~الآية دليل على جواز القتل عند انتفاء خشية الإملاق وهو الفقر, وليس كذلك ~~بل هو حرام, وجوابه أن هذا غير المدعى؛ لأن مدعانا أنه يدل حيث لا يظهر ~~للتخصيص فائدة أخرى كما تقدم هنا له فائدتان, إحداهما: أنه الغالب من ~~أحوالهم أو الدائم. والثاني: أنه يدل على المسكوت عنه بطريق الأولى. # قال: "الخامسة: التخصيص بالشرط مثل: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} ~~[الطلاق: 6] فينتفي المشروط بانتفائه قيل: تسمية إن حرف شرط اصطلاح قلنا: ~~الأصل عدم النقل، قيل: يلزم ذلك لو لم يكن للشرط بدل قلنا: حينئذ يكون ~~الشرط ms208 أحدهما وهو غير المدعى {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن ~~تحصنا} [النور: 33] ليس كذلك قلنا: لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع ~~الإكراه. السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد, والناقص". أقول: ~~تعليق الحكم على الشيء بكلمة إن أو غيرها من الشروط اللغوية كقوله تعالى: ~~{ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد} [الطلاق: 6] فيه أمور أربعة: ثبوت المشروط ~~عند ثبوت الشرط, ودلالة إن عليه, وعدم المشروط عند عدم الشرط, ودلالة إن ~~عليه؛ فالثلاثة الأول لا خلاف فيها, وأما الرابع وهو دلالة إن على العدم ~~فهو محل الخلاف. والصحيح عند المصنف أنها عليه وهو الصحيح عند الإمام ~~وأتباعه، وهو مقتضى اختيار ابن الحاجب ونقله ابن التلمساني عن الشافعي, ~~ودليله أن النحاة قد نصوا على أنها للشرط ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء ~~المشروط. وذهب القاضي أبو بكر وأكثر المعتزلة إلى أنها لا تدل عليه بل هو ~~منفي بالأصل, واختاره الآمدي ونقله ابن التلمساني عن مالك وأبي حنيفة, ~~واعترضوا على الدليل السابق بثلاثة أوجه أحدها: أن تسمية حرف شرط # PageV01P152 # إنما هو اصطلاح للنحاة كاصطلاحهم على النصب والرفع وغيرهما، وليس ذلك ~~مدلولا لغويا فلا يلزم من انتفائه انتفاء الحكم وجوابه إنما نستدل ~~باستعمالها الآن للشرط على أنها في اللغة كذلك؛ إذ لو لم تكن لكانت منقولة ~~عن مدلولها، والأصل عدم النقل, وهذا الجواب ينفع في كثير من المباحث. ~~الثاني: أنه شرط لغة لا نسلم أنه يلزم من انتفائه انتفاء المشروط فإنه يكون ~~له بدل يقوم مقامه وإنما يلزم ذلك أن لو لم يكن له بدل, والجواب أنه إذا ~~وجد ما يقوم مقامه لم يكن ذلك الشيء بعينه شرطا، بل الشرط أحدهما، وحينئذ ~~فيتوقف انتفاؤه على انتفائهما معا؛ لأن مسمى أحدهما لا يزول على أنه شرط ~~بعينه. الثالث: ولو كان المتعلق بأن ينتفي عند انتفاء ما دخلت عليه إن لكان ~~قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33] ~~دليلا على أن الإكراه لا ms209 يحرم إذا لم يردن التحصن وليس كذلك بل هو حرام ~~مطلقا قلنا: لا نسلم أنه ليس كذلك أي لا نسلم أن الحرمة غير منتفية عنه بل ~~هو غير حرام, ولكنه غير جائز, فإن عدم حرمته لا يستلزم جوازه؛ لأن زوالها ~~قد يكون لطرآن الحل وقد يكون لامتناع وجوده عقلا لأن السالبة تصدق بانتفاء ~~المحمول تارة والموضوع أخرى، وههنا قد انتفى الموضوع لأنهن إذا لم يردن ~~التحصن فقد أردن البغاء, وإذا أردن البغاء امتنع إكراههن عليه؛ لأن الإكراه ~~هو إلزام الشخص شيئا على خلاف مراده, وإذا كان ممتنعا فلا تتعلق به الحرمة؛ ~~لأن المستحيل لا يجوز للتكليف به. المسألة السادسة: الحكم المتعلق بعدد لا ~~يدل بمجرده على حكم الزائد والناقص عنه لا نفيا ولا إثباتا، ومنهم من قال: ~~يدل ونقله الغزالي في المنحول عن الشافعي فقال في كتاب المفهوم ما نصه: ~~وأما الشافعي فلم ير للتخصيص باللقب مفهوما ولكنه قال بمفهوم التخصيص ~~بالصفة والزمان والمكان والعدد, وأمثلته لا تخفى, هذا لفظه ونص عليه في ~~البرهان أيضا فقال: إن الشافعي والجمهور يقولون بهذه الأشياء وضم إلى ذلك ~~أيضا مفهوم الحد يعني الغاية. قال في المحصول: وقد يدل عليه لدليل منفصل ~~كما إذا كان العدد علة لعدم أمر فإنه يدل على امتناع ذلك الأمر في الزائد ~~أيضا لوجود العلة, وعلى ثبوته في الناقص لانتفائها كقوله -صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" 1 وكذلك إن لم يكن علة، ولكن أحد ~~العددين إما الزائد أو الناقص داخل في العدد المذكور على كل حال, كما إذا ~~كان الحكم حظرا أو كراهة, فإنه يدل على ثبوته في الزائد, فإن تحريم جلد ~~المائة مثلا أو كراهته يدل على ذلك في المائتين, ولا يدل على شيء في الناقص ~~عن المائة فإن كان الحكم وجوبا أو ندبا أو إباحة فإنه يدل على ثبوت ذلك ~~الحكم في الناقص ولا يدل في الزائد لا على نفيه ولا على إثباته. وهذه ~~المسألة لم يذكر ابن الحاجب حكمها وقد ms210 ذكره الآمدي موافقا لما قاله الإمام ~~والمصنف. PageV01P153 # قال: "السابعة: النص إما أن يستقل بإفادة الحكم أو لا, المقارن له إما نص ~~آخر مثل دلالة قوله تعالى: {أفعصيت أمري} [طه: 93] مع قوله تعالى: {ومن يعص ~~الله ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن: 23] على أن تارك الأمر يستحق العقاب ~~ودلالة قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] مع قوله: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] على أن أقل مدة ~~الحمل ستة أشهر أو إجماع كالدال على أن الخالة بمثابة الخال في إرثها إذا ~~دل نص عليه". أقول: قد تقدم أن الخطاب قد يدل على الحكم بمنطوقه, وقد يدل ~~بمفهومه. قال الإمام: والكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يدل بمنطوقه ولا ~~مفهومه، وحاصله أن النص المستدل به على حكم قد يستقل بإفادة ذلك الحكم أي: ~~لا يحتاج إلى أن يقارنه غيره كقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ~~ونحوه وقد يحتاج إليه, والمقارن له قد يكون نصا وقد يكون إجماعا, فإن كان ~~نصا فله صورتان إحداهما: أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين والنص الآخر ~~على المقدمة الأخرى, فيحصل المدعى منهما كدلالة قوله تعالى: {أفعصيت أمري} ~~مع قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله} الآية على أن تارك الأمر يستحق ~~العقاب فإن الآية الأولى دالة على أنه يسمى عاصيا, والثانية دالة على ~~استحقاق العاصي العقاب فينتج تارك الأمر يستحق العقاب. الصورة الثانية: أن ~~يدل أحد النصين على ثبوت حكم لشيئين ويدل النص الآخر على أن بعض ذلك ~~لأحدهما فوجب القطع بأن باقي الحكم ثابت. الثاني: كقوله تعالى: {وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا} فهذا يدل على أن مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا, وقوله ~~تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} الآية تدل على أن أكمل مدة ~~الرضاع سنتان, فيلزم أن يكون أقل مدة الحمل ستة أشهر. وأما الإجماع فكما ~~إذا دل نص على أن الخال يرث وأجمعوا على أن الخالة بمثابته فنستفيد إرثها ~~من ذلك النص بواسطة الإجماع، وذكر الإمام في المحصول أن المقارن قد يكون ~~أيضا قياسا ms211 كإثبات الربا في التفاح وقد يكون قرينة المتكلم كما إذا نطق ~~الشارع بلفظ متردد بين حكم شرعي وعقلي, فإنا نحمله على الشرعي لأن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- بعث لبيان الشرعيات مثال قوله: "الاثنان فما فوقهما ~~جماعة" 1 فنحمله على جماعة الصلاة لا على أقل الجمع "والله أعلم". ~~PageV01P154 ### | الباب الثاني: في الأوامر والنواهي ### | الفصل الأول: في لفظ الأمر # ... # الجزء الثاني: # بسم الله الرحمن الرحيم # الباب الثاني: في لفظ والنواهي # الفصل الأول: في لفظ الأمر # الباب الثاني: في الأوامر والنواهي: # وفيه فصول: # "الأول: في لفظ الأمر وفيه مسألتان, الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب ~~للفعل واعتبرت المعتزلة العلو وأبو الحسين الاستعلاء ويفسدهما قوله تعالى ~~حكاية عن فرعون: {فماذا تأمرون} [الشعراء: 35] فليس حقيقة في غيره دفعا ~~للاشتراك، وقال بعض الفقهاء: إنه مشترك بينه وبين الفعل؛ لأنه يطلق عليه ~~مثل: {وما أمرنا إلا واحدة} [القمر: 50] {وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] ~~والأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا: المراد الشأن مجازا. # البصري إذا قيل: أمر فلان ترددنا بين القول والفعل والشيء والصفة والشأن، ~~وهو آية الاشتراك قلنا: لا بل يتبادر القول". أقول: الأمر والنهي وزنهما ~~فعل والقياس في جمعه أفعل لا فواعل, سواء كان صحيحا أو متصلا بالواو أو ~~بالياء. قالوا: كلب وأكلب ودلو وأدل وظبي وأظب، وأصله: أدلو وأظبي, فقلبوا ~~الضمة كسرة والواو ياء فصار ذلك كقاض وغاز، فالقياس هنا أمر ونهي, لكنهم ~~قالوا: أوامر ونواه. قال الجوهري: وأمرته بكذا أمرا, والجمع الأوامر هذا ~~لفظه، وتخريجه من وجهين أحدهما: أن يكون الأمر قد جمع على قياسه وهو آمر ~~على وزن أفعل, ثم جمع آمر على أوامر ككلب وأكلب وأكالب فعلى هذا وزنه ~~أفاعل، وهذا لا يأتي في نواه فإن النون فاء الكلمة فنجعله من باب المجانسة ~~كقولهم: الغدايا والعشايا, فإن جمع العشية عليه مقيس كسرية وغزية، وأما ~~الغدو فللمجانسة. الثاني: أنه يصدق على الصيغة أنها طالبة وآمرة وناهية كما ~~سيأتي, فيكونان جمعا لها وهو مقيس كضاربة وضوارب ووزنها على هذا فواعل. ~~واعلم أن الأمر والنهي يطلقان ms212 عند الأشاعرة على اللساني، وعلى النفساني ~~أيضا وهو الطلب، وعبر الإمام عنه بالترجيح، واختلفوا: هل هو حقيقة فيهما أم ~~لا؟ فنقل الإمام في المحصول والمنتخب في أول اللغات عن المحققين هنا أن ~~الكلام بأنواعه مشترك بينهما, واقتصر عليه، وصحح هنا في الكتابين المذكورين ~~أيضا أنه حقيقة في اللساني فقط، ورأي الأشعري الظاهر كما قال في البرهان ~~أنه حقيقة في النفساني فقط، وقال في جواب المسائل البصرية: إنه حقيقة في ~~اللساني أيضا، وكلام المصنف إنما هو تعريف اللساني، فإن النفساني هو نفس ~~الطلب كما تقدم مبسوطا في آخر خطاب # PageV01P155 # المعدوم، ولأن أبا الحسين من المتكلمين في هذه المسألة كما سيأتي، وهو ~~منكر لكلام النفس وهذان الأمران يدلان على أن الكلام عند المصنف حقيقة في ~~اللساني فقط. وقوله: "في لفظ الأمر" أي: في لفظ ألف ميم راء لا في مدلولها, ~~وهو أفعل، وفي نفس الطلب، وهذا اللفظ يطلق مجازا على الفعل والشأن وغيرهما ~~مما سيأتي, وحقيقة على ما ذكره المصنف لتبادر الفهم إليه، فعلى هذا مسمى ~~الأمر لفظ وهو صيغة أفعل، ومسمى صيغة أفعل هو الوجوب أو الندب أو غيرهما ~~مما سيأتي. فقوله: القول يدخل فيه الأمر وغيره سواء كان بلغة العرب أم لا, ~~وسواء كان نفسانيا أم لا كما صرح به الأصفهاني شارح المحصول قيل: الكلام ~~على الحدود المربعة وهو أولى من اللفظ لأنه جنس بعيد لإطلاقه على المهمل, ~~والمستعمل بخلاف القول؛ لأن الكلام أخص من القول أيضا لإطلاقه على المفرد ~~والمركب، وبخلاف الكلام. فالصواب التعبير به؛ لأن لفظ الأمر وإن كان مفردا ~~فمدلوله لفظ مركب مفيد فائدة خاصة, واستفدنا من التعبير بالقول أن الطلب ~~بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرا حقيقة. وقوله: "الطالب" احترز به ~~عن الخبر وشبهه، وعن الأمر النفساني فإنه هو الطلب لا الطالب، وهذا التقرير ~~هو الصواب فاعتمده, لكن الطالب حقيقة إنما هو المتكلم وإطلاقه على الصيغة ~~مجازا من باب تسمية المسبب باسم سببه الفاعلي. وقوله: للفعل احترز به عن ~~النهي, فإنه قول طالب للترك، ولقائل أن ms213 يقول: النهي قول طالب للفعل أيضا ~~ولكن فعل الضد، وسيأتي في كلامه حيث قال: مقتضى النهي فعل الضد ولهذا قيده ~~ابن الحاجب بقوله: طلب فعل غير كف؛ لأن الفعل المطلوب بالنهي هو الكف عن ~~المنهي عنه, والكف فعل على الصحيح. وأيضا فيرد على الحد قول القائل: أنا ~~طالب منك كذا, أو أوجبته عليك، وإن تركته عاقبتك، فإن الحد صادق عليه مع ~~أنه خبر فلا بد أن يقول بالوضع أو بالذات كما ذكره في تقسيم الألفاظ، وقد ~~زاد في المحصول قيدا آخر فقال قبل المسألة الثالثة: إن الحق في حده أن ~~يقال: هو اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لما سيأتي أن الأمر حقيقة ~~في الوجوب, وتبعه عليه صاحب الحاصل وغيره، والصواب ما قاله المصنف؛ فإن ~~الذي سيأتي أنه حقيقة في الوجوب إنما هو صيغة أفعل. وكلامنا الآن في لفظ ~~الأمر فهما مسألتان وقد صرح بالفرق بينهما الآمدي وابن الحاجب، فأما ابن ~~الحاجب فإنه صحح في أوائل الكتاب أن المندوب مأمور به ولم يحك الخلاف إلا ~~عن الكرخي والرازي. ثم ذكر بعد ذلك في الأوامر أن الجمهور على أن صيغة أفعل ~~حقيقة في الوجوب وهذا هو عين كلام المصنف, ولا يمكن أن يكون مراد ابن ~~الحاجب بالكلام الأول الإطلاق المجازي, فإنه مما لا خلاف فيه كما نقله ~~الآمدي هنا. وأما الآمدي فإنه نقل في أوائل الكتاب عن القاضي أنه مأمور به ~~واقتضى كلامه ترجيحه، ونقل هنا عنه التوقف في صيغة أفعل وصححه فدل على ~~المغايرة قطعا. قوله: "واعتبر المعتزلة" أي: شرطوا في # PageV01P156 # حد الأمر العلو دون الاستعلاء، وتابعهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي1، ونقله ~~القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة وجمهور أهل العلم واختاره، ~~والعلو هو أن يكون الطالب أعلى مرتبة, فإن كان مساويا فهو التماس, فإن كان ~~دونه فهو سؤال, وشرط أبو الحسين الاستعلاء دون العلو, والاستعلاء هو الطلب ~~لا على وجه التذلل بل بغلظة ورفع صوت وقد تقدم إيضاح هذا في تقسيم الألفاظ. ~~وحاصله أن العلو هيئة ms214 في المتكلم، والاستعلاء هيئة في الكلام, واشتراط ~~الاستعلاء صححه الآمدي في الأحكام ومنتهى السول2 ثم ابن الحاجب، وقال في ~~المحصول قبيل المسألة الثالثة: إنه الصحيح وصححه أيضا في المنتخب وجزم به ~~في المعالم, لكنه ذكر في المحصول أيضا بعد ذلك بأوراق في أوائل المسألة ~~الخامسة ما حاصله: أن لا يشترط. واحتج أبو الحسين ومن تبعه بأن المتضرع لا ~~يصدق عليه أنه آمر بخلاف المستعلي؛ ولهذا يذمونه لكونه يأمر من هو أعلى ~~منه، ولقائل أن يقول: الذم لمجرد الاستعلاء, ثم إن الاستعلاء غير متحقق في ~~أمر الله تعالى فماذا يقولون فيه؟ وشرط القاضي عبد الوهاب العلو والاستعلاء ~~معا. # والعلم أن أبا الحسين قد نص في المعتمد على أن الشرط هو انتفاء التدليل ~~وهو غير ما في الكتاب. وقوله: "ويفسدهما" أي: يفسد اشتراط العلو والاستعلاء ~~قوله تعالى حكاية عن فرعون لقومه: {فماذا تأمرون} فأطلق الأمر على ما ~~يقولونه عند المشاورة ومن المعلوم انتفاء العلو والاستعلاء. أما العلو ~~فواضح، وأما الاستعلاء فلوقوعه في حال المشاورة ولاعتقادهم الإلهية في ~~فرعون. ولك أن تقول: هذا يدل على أن الأمر في تلك اللغة لا يشترط فيه علو ~~ولا استعلاء. أما في لغة العرب فلا وقد قدم المصنف في تقسيم الألفاظ ما ~~يناقض هذا حيث قال: ومع الاستعلاء أمر, فإن التقسيم في الموضعين في مدلولات ~~الألفاظ من جهة اللغة وقد تقدم التنبيه عليه. وقوله: "فليس حقيقة في غيره" ~~لما ثبت أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ذكر المصنف أنه لا يكون حقيقة ~~في غيره أيضا، إذ لو كان لكان مشتركا، والأصل عدمه, وقال بعض الفقهاء: إنه ~~مشترك بين القول المخصوص والفعل، ونقل الأصفهاني شارح المحصول عن ابن برهان ~~أنه قول كافة العلماء، ودليل هذا المذهب أنه يطلق عليه كقوله تعالى: {وما ~~أمرنا إلا واحدة} {القمر: 50] أي: فعلنا؛ لأن الأمر القولي مختلف صيغة ~~ومدلولا, ولقوله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] أي: فعله، والأصل ~~في الإطلاق PageV01P157 # الحقيقة، وجوابه أن المراد بالأمر هنا هو الشأن مجازا وهو أولى ms215 من ~~الاشتراك، ووجه المجاز أن الشأن أعم من القول والفعل، فالتعبير عنه بالقول ~~من باب إطلاق اسم الخاص وإرادة العام، وقال أبو الحسين البصري: إنه مشترك ~~بين خمسة أشياء, أحدها: القول المخصوص لما قلنا. الثاني: الشيء كقولنا: ~~تحرك هذا الجسم لأمر, أي لشيء. الثالث: وقد أبدله الإمام في بعض المواضع ~~بالعرض ودليله قول الشاعر: # عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود # أي: لصفة عظيمة من الصفات. الرابع: الشأن كقولنا: أمر فلان مستقيم أي: ~~شأنه. الخامس: الفعل وقد تقدم تمثيله، فإذا تجرد عن القرائن كقول القائل: ~~أمر فلان أو هذا أمر ترددنا بين هذه الخمسة، والتردد آية الاشتراك أي: ~~علامته, وجوابه أنا لا نسلم حصول التردد بل يتبادر القول، وههنا تنبيهان: # أحدهما: أن ما نقله المصنف عن أبي الحسين من كون الأمر موضوعا للفعل ~~بخصوصه حتى يكون مشتركا, غلط في المنتخب والتحصيل وبعض كتب القرافي, فقد نص ~~أبو الحسين في المعتمد وشرح العمد على أنه ليس موضوعا له، وإنما يدخل في ~~الشأن، فقال مجيبا عن احتجاج الخصم ما نصه: وجوابنا عن هذا أن اسم الأمر ~~ليس يقع على الفعل من حيث هو فعل لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز، ~~وإنما يقع على جملة الشأن حقيقة، هذا لفظه وممن نقله عنه الأصفهاني شارح ~~المحصول ووقع في المحصول والحاصل على الصواب, فإنهما حذفا القول. # الثاني: أن أبا الحسين في شرح العمد قد جعل الطريق والشأن شيئا واحدا كما ~~نقله عنه الأصفهاني المذكور؛ فلذلك لم يذكره المصنف اكتفاء بدخوله في ~~الشأن، وقد غاير بينهما صاحب التحصيل والقرافي لإبهام في كلام الإمام. قال: ~~"الثانية: الطب بديهي التصور، وهو غير العبارات المختلفة والإرادة خلافا ~~للمعتزلة. لنا أن الإيمان من الكافر مطلوب وليس بمراد لما عرفت، وأن الممهد ~~لعذره في ضرب عبده يأمره ولا يريد, واعترف أبو علي وابنه بالتغاير، وشرطا ~~الإرادة في الدلالة ليتميز عن التهديد، قلنا: كونه مجازا كاف". أقول: شرع ~~في الفرق بين الطلب والإرادة والصيغة لتعلق الأمر بها، ms216 ولأن الطلب مشتبه ~~بالباقين، وقد وقع في حد الأمر حيث قال: هو القول الطالب للفعل، فلذلك ذكر ~~الثلاثة, فأما الطلب فإن تصوره بديهي أي: لا يحتاج في معرفته إلى تعريف بحد ~~أو رسم كالجوع والعطش وسائر الوجدانيات, فإن من لم يمارس العلوم ولم يعرف ~~الحدود والرسوم يأمر وينهى ويدرك تفرقة ضرورية بينهما، ولك أن تقول: ~~التفرقة البديهية لا تتوقف على العلم البديهي بحقيقة كل واحد منهما، بل على ~~العلم البديهي بهما من وجه بدليل أنا نفرق بالبديهة بين الإنسان والملائكة. ~~وقوله: "وهو" أي: الطلب غير العبارات وغير الإرادة, أما مغايرته للعبارات ~~فلأن الطلب معناه واحد لا يختلف باختلاف الأمم، والعبارات مختلفة باختلاف ~~اللغات، وأشار المصنف # PageV01P158 # بقوله: المختلفة إلى هذا وليس لإخراج شيء، ولو قال: لاختلافهما لكان ~~أصرح، وأما مغايرته للإرادة فقد خالف فيه المعتزلة، وقالوا: إنه هو. ~~و"الحاصل" أن الأمر اللساني دال على الطلب بالاتفاق, لكن الطلب عندنا غير ~~الإرادة وعندهم عينها, أي: لا معنى لكونه طالبا إلا كونه مريدا، والتزموا ~~أن الله تعالى يريد الشيء ولا يقع، ويقع وهو لا يريده. قوله: "لنا" أي: ~~الدليل على أن الطلب غير الإرادة من وجهين: # أحدهما: أن الإيمان من الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن كأبي لهب, ~~مطلوب بالاتفاق، مع أنه ليس بمراد الله تعالى؛ لأن الإيمان والحالة هذه ~~ممتنع إذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا, وإذا كان ممتنعا فلا تصح ~~إرادته بالاتفاق منا ومنهم كما قال في المحصول1. قال: ولأن الإرادة صفة من ~~شأنها ترجيح أحد الجائزين على الآخر, وقد أشار المصنف إلى هذا الدليل ~~بقوله: لما عرفت ولم يتقدم له في المنهاج ذكر، وقد قرره كثير من الشراح على ~~غير هذا الوجه، فإنهم استدلوا على عدم إرادته بعدم وقوعه، وهذا مصادرة على ~~المطلوب كما تقدم. الثاني: أن السلطان إذا أنكر على السيد ضرب عبده فاعتذر ~~إليه بأنه يأمره فلا يمتثل، ثم يأمره بين يديه إظهارا لتمرده فإن هذا الأمر ~~لا إرادة معه؛ لأن العاقل لا يريد ms217 تكذيب نفسه، ولقائل أن يقول: العاقل أيضا ~~لا يطلب تكذيب نفسه، فلو كان هذا الدليل صحيحا لكان الأمر ينفك عن الطلب، ~~وليس كذلك عند المصنف, فالموجود من السيد إنما هو صيغة الأمر لا حقيقة ~~الأمر, واستدل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع بأن الدين الحال مأمور بقضائه ~~ولو حلف ليقضينه غدا إن شاء الله تعالى فإنه لا يحنث، فدل على أن الله ~~تعالى ما شاءه فثبت الأمر بدون المشيئة. وقوله: "واعترف أبو علي وابنه" أي: ~~أبو هاشم بأن الطلب غير الإرادة ولكن شرطا في دلالة الصيغة على الطلب إرادة ~~المأمور به فلا يوجد الأمر الذي هو الطلب إلا ومعه الإرادة، وتابعهما أبو ~~الحسين والقاضي عبد الجبار. قال ابن برهان: لنا ثلاث إرادات: إرادة إيجاد ~~الصيغة وهي شرط اتفاقا، وإرادة صرف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر ~~شرطها المتكلمون دون الفقهاء، وإرادة الامتثال وهي محل النزاع بيننا وبين ~~أبي علي وابنه وقد ذكر هذه الثلاث أيضا الإمام والغزالي وغيرهما، واحتج أبو ~~علي ومن تبعه على اشتراط الإرادة بأن الصيغة كما ترد للطلب فقد ترد للتهديد ~~كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] مع أن التهديد ليس فيه طلب فلا ~~بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة، والجواب أن الصيغة لو كانت مشتركة ~~لاحتيج إلى مميز لكنها حقيقة في الوجوب، مجاز في التهديد فإذا أوردت فيجب ~~الحمل على المعنى الحقيقي عند عدم القرينة الصارفة إلى غيره؛ لأن دلالة ~~الألفاظ على المعاني تابعة الموضع فحيث ثبت الوضع ثبتت الدلالة كسائر ~~الألفاظ، فهذا القدر وهو كونه حقيقة في الإيجاب, مجازا في التهديد كاف في ~~التمييز. قال: PageV01P159 ### | الفصل الثاني: في صيغته # "الفصل الثاني: في صيغته وفيه مسائل؛ الأولى: أن صيغة افعل ترد لستة عشر ~~معنى, الأول: الإيجاب مثل: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 110] الثاني: الندب ~~{فكاتبوهم} [النور: 33] ومنه التأديب: " كل مما يليك" الثالث: الإرشاد: ~~{واستشهدوا} [البقرة: 282] الرابع: الإباحة {وكلوا واشربوا} [البقرة: 187] ~~الخامس: التهديد {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] ومنه الإنذار {قل تمتعوا} ~~[إبراهيم: 30] السادس: الامتنان {وكلوا ms218 مما رزقكم الله} [المائدة: 88] ~~السابع: الإكرام {ادخلوها} [الحجر: 46] الثامن: التسخير {كونوا قردة} ~~[البقرة: 65] التاسع: التعجيز {فأتوا بسورة} [يونس: 38] العاشر: الإهانة ~~{ذق} [الدخان: 49] الحادي عشر: التسوية {فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور: 16] ~~الثاني عشر: الدعاء "اللهم اغفر لي" الثالث عشر: التمني: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... ### | ............................. # الرابع عشر: الاحتقار {بل ألقوا} [طه: 66] الخامس عشر: التكوين {كن ~~فيكون} [ياسين: 82] السادس عشر: الخبر "فاصنع ما شئت" وعكسه {الوالدات ~~يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] قال صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة ~~المرأة" "1. أقول: لما تقدم أن الأمر هو القول الطالب للفعل, شرع في ذكر ~~صيغته وهي افعل ويقوم مقامها اسم الفعل, والمضارع المقرون باللام والضمير ~~في صيغته إما عائد إلى الأمر أو إلى القول الطالب وهو الأقرب. وهذه الصيغة ~~ترد لستة عشر معنى يمتاز بعضها عن بعض بالقرائن, وقال في المحصول: لخمسة ~~عشر، وجعل السادس عشر مسألة مستقلة, وسيأتي أن إطلاقها على ما عدا الإيجاب ~~من هذه المعاني مجاز, والمجاز لا بد فيه من علاقة وسنذكر ذلك محررا في ~~موضعه فاعتمده فإن بعض شراح المحصول قد تعرض لذلك فغلط في كثير منه غلطا ~~إلا يظهر بالتأمل، الأول: الإيجاب كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: ~~110] والثاني: الندب كقوله تعالى: {فكاتبوهم} "ومنه" أي: ومن الندب ~~"التأديب" كقوله -عليه الصلاة والسلام: "كل مما يليك" 2 فإن الأدب مندوب ~~إليه وعبارة المحصول يقرب منه، وإنما نص على أنه منه؛ لأن الإمام قد نقل عن ~~بعضهم أنه جعله قسما آخر, والفرق بينهما هو الفرق ما بين العام والخاص؛ لأن ~~الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق والمندوب أعم, وقد نص الشافعي -رضي الله عنه- ~~على أن الأكل مما لا يليه حرام. ذكر ذلك في الربع الأخير من كتاب الأم في ~~باب صفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بعد باب من أبواب الصوم, وقيل: ~~باب من أبواب إبطال الاستحسان، فقال ما نصه: فإن أكل مما لا يليه، ومن رأس ~~الطعام، أو عرس على قارعة الطريق، أي: برك ليلا أثم بالفعل الذي فعله إذا ~~كان ms219 عالما بما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم. PageV01P160 # وهذا لفظ الشافعي بحروفه ومن الأم نقلته, ونص في البويطي في الباب ~~المذكور على نحوه أيضا، وكذلك في الرسالة قبيل باب أصل العلم. الثالث: ~~الإرشاد كقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين} وقوله تعالى: {فاكتبوه} والفرق ~~بين الندب والإرشاد على ما قاله في المحصول تبعا للمستصفى أن المندوب مطلوب ~~لثواب الآخرة, والإشارد لمنافع الدنيا إذ ليس في الإشهاد على البيع ولا في ~~تركه ثواب, والعلاقة التي بين الواجب وبين المندوب والإرشاد هي المشابهة ~~المعنوية لاشتراكها في الطلب. الرابع: الإباحة كقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين} هكذا قرره وفيه نظر، فإن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفس, ~~والصواب حمل كلام المصنف على إرادة قوله تعالى: {كلوا من الطيبات} ثم إنه ~~يجب أن تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لحمله على الإباحة ~~كما وقع العلم به هنا والعلاقة هي الإذن, وهي مشابهة معنوية أيضا. الخامس: ~~التهديد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} {واستفزز من استطعت منهم} [الإسراء: ~~64] "ومنه" أي: ومن التهديد "الإنذار" كقوله تعالى: {قل تمتعوا فإن مصيركم ~~إلى النار} وعبارة المحصول ويقرب منه, وإنما نص عليه لأن جماعة جعلوه قسما ~~آخر, والفرق بينهما ما قاله الجوهري في الصحاح, فإنه ذكر في باب الدال أن ~~التهديد هو التخويف، ثم ذكر في باب الراء أن الإنذار هو الإبلاغ ولا يكون ~~إلا في التخويف, هذا كلامه، فقوله تعالى: {قل تمتعوا} أمر بإبلاغ هذا ~~الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر وهو {تمتعوا} فيكون أمرا بالإنذار. وقد ~~فرق الشارحون بفروق أخرى لا أصل لها فاجتنبها، والعلاقة التي بينه وبين ~~الإيجاب هي المضادة؛ لأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه. السادس: الامتنان ~~كقوله تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله} والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة ~~هي الإذن المجرد والامتنان أن يقترن به ذكر احتياجنا إليه، أو عدم قدرتنا ~~عليه ونحوه, كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه، وفرق ~~بعضهم بأن الإباحة تكون في الشيء الذي سيوجد بخلاف الامتنان ms220 والعلاقة هي ~~مشابهة الإيجاب في الإذن؛ لأن الامتنان إنما يكون في مأذون فيه. السابع: ~~الإكرام كقوله تعالى: {ادخلوها بسلام آمنين} فإن قرينة قوله: {بسلام آمنين} ~~يدل عليه والعلاقة هي المشابهة في الإذن أيضا. الثامن: التسخير كقوله ~~تعالى: {كونوا قردة خاسئين} والفرق بينه وبين التكوين الآتي أن التكوين ~~سرعة الوجود عن العدم وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة, والتسخير هو ~~الانتقال إلى حالة ممتهنة إذ التسخير لغة هو الذلة والامتهان في العمل, ~~ومنه قوله تعالى: {سبحان الذي سخر لنا هذا} [الزخرف: 13] أي: ذلله لنا ~~لنركبه وقولهم: فلان سخره السلطان، والبارئ تعالى خاطبهم بذلك في معرض ~~التذليل، والعلاقة فيه وفي التكوين هي المشابهة المعنوية، وهي التحتم في ~~وقوع هذين، وفي فعل الواجب. وقد يقال: العلاقة فيهما هو الطلب # PageV01P161 # والتعبير بالتسخير صرح به القفال في كتاب الإشارة ثم الغزالي في المستصفى ~~ثم الإمام وأتباعه. وادعى بعض الشارحين أن الصواب السخرية وهي الاستهزاء, ~~ومنه قوله تعالى: {لا يسخر قوم من قوم} [الحجرات: 11] هذا عجيب, فإن فيه ~~ذهولا عن المدلول السابق الذي ذكرته وتغليظا لهؤلاء الأئمة، وتكرارا لما ~~يأتي, فإن الاستهزاء لا يخرج عن الإهانة أو الاحتقار وكلاهما سيأتي، ~~والتاسع: التعجيز كقوله تعالى: {فأتوا بسورة} والعلاقة بينه وبين الإيجاب ~~هي المضادة؛ لأن التعجيز إنما هي من الممتنعات، والإيجاب في الممكنات. ~~العاشر: الإهانة كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} والعلاقة فيه وفي ~~الاحتقار هو المضادة؛ لأن الإيجاب على العباد تشريف لهم لما فيه من تأهيلهم ~~لخدمته, إذ كل أحد لا يصلح لخدمة الملك ولما فيه من رفع درجاتهم, قال صلى ~~الله عليه وسلم: "وما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضته". الحادي ~~عشر: التسوية بين الشيئين كقوله تعالى: {فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم} ~~وعلاقته هي المضادة أيضا؛ لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة لوجوب الفعل. ~~الثاني عشر: الدعاء كقول القائل: اللهم اغفر لي, والعلاقة فيه وفيما بعده ~~ما عدا الأخير هو الطلب, وقد تقدم لبعضها علاقة أخرى. الثالث عشر: التمني ~~كقول امرئ القيس: ms221 # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح, وما الإصباح منك بأمثل # وإنما جعل المصنف هذا الشاعر متمنيا ولم يجعله مترجيا؛ لأن الترجي يكون ~~في الممكنات، والتمني في المستحيلات, وليل المحب لطوله كأنه مستحيل ~~الانجلاء؛ ولهذا قال الشاعر: # وليل المحب بلا آخر # فلذلك جعله متمنيا. الرابع عشر: الاحتقار كقوله تعالى حكاية عن موسى ~~يخاطب السحرة: {ألقوا ما أنتم ملقون} يعني: أن السحر في مقابلة المعجزة ~~حقير, والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة إنما تكون بقول أو فعل, أو ترك ~~قول أو ترك فعل, كترك إجابته, والقيام له عند سبق عادته, ولا يكون بمجرد ~~الاعتقاد, فإن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه لا يقال: إنه ~~احتقره ولا يقال: إنه أهانه, والحاصل أن الإهانة هي الإنكار كقوله تعالى: ~~{ذق} والاحتقار عدم المبالاة كقوله: بل ألقوا. الخامس عشر: التكوين كقوله ~~تعالى: {كن فيكون} . السادس عشر: الخبر كقوله -صلى الله عليه وسلم: "إذا لم ~~تستح فاصنع ما شئت" 1 أي صنعت ما شئت. وقيل: المعنى إذا لم تستح من شيء ~~لكونه جائزا فاصنعه, إذ الحرام يستحيا منه بخلاف الجائز. قوله: "وعكسه" أي: ~~إن الخبر قد يستعمل لإرادة الأمر كقوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} ~~أي: ليرضعن قال في المحصول: والسبب في جواز هذا المجاز أن الأمر والخبر ~~يدلان على وجود الفعل، وأراد أن بين المعنيين مشابهة في المعنى وهي ~~المدلولية فلهذا يجوز إطلاق اسم أحدهما على الآخر، وقوله -صلى الله عليه ~~وسلم: "ولا تنكح المرأة المرأة" PageV01P162 # يعني أن الخبر قد يقع موقع النهي أيضا, كما يقع موقع الأمر كقوله -صلى ~~الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة المرأة, ولا المرأة نفسها" فإن المراد منه ~~النهي وصيغته صيغة الخبر لوروده مضموم الحاء, إذ لو كان نهيا لكان مجزوما ~~مكسورا على أصل التقاء الساكنين. وأهمل المصنف عكس هذا القسم تبعا لصاحب ~~الحاصل وقد ذكره الإمام ومثل له, لكن بمثال فيه نظر. قال: ووجه المجاز أن ~~النهي وهذا الخبر النافي يدلان على عدم الفعل. قال: ms222 "الثانية: أنه حقيقة في ~~الوجوب مجاز في الباقي، وقال أبو هاشم: إنه للندب وقيل: للإباحة وقيل: ~~مشترك بين الوجوب والندب وقيل: للقدر المشترك بينهما وقيل: لأحدهما ولا ~~نعرفه وهو قول الحجة، وقيل: مشترك بين الثلاثة، وقيل: بين الخمسة". أقول: ~~اتفقوا على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع المعاني المتقدمة؛ لأن التسوية ~~مثلا ونحوها إنما استفدناها من القرائن لا من الصيغة. قال في المحصول: ~~وإنما وقع الخلاف في الأحكام الخمسة التي هي: الإيجاب والندب والإباحة ~~والكراهة والتحريم، ووجه دلالة افعل على الكراهة والتحريم أنها تستعمل في ~~التهديد كما تقدم، والتهديد يستدعي ترك الفعل فيكون إما حراما أو مكروها, ~~لكن دعوى الإمام حصر الاختلاف في الخمسة ممنوعة لما سيأتي في آخر المسألة, ~~والخلاف الناشئ من هذه الخمسة كبير. وحكى المصنف منه ثمانية مذاهب تبعا ~~للإمام، الأول: أنه حقيقة في الوجوب فقط, وصححه المصنف وابن الحاجب ونقله ~~في المحصول عن أكثر الفقهاء والمتكلمين. وفي شرح اللمع للشيخ أبي إسحاق ~~الشيرازي أنه الذي أملاه الأشعري على أصحاب أبي إسحاق الإسفرائيني ببغداد. ~~ولكن هل يدل على الوجوب بوضع اللغة أم بالشرع؟ فيه مذهبان محكيان في شرح ~~اللمع المذكور, والأول هو كونه بالوضع نقله في البرهان عن الشافعي. ثم ~~اختار هو أنه بالشرع، وفي المستوعب قول ثالث أنه بالعقل، ولقائل أن يقول: ~~قد جزم الإمام في المحصول والمنتخب في أثناء الاشتراك بأن الماضي مشترك بين ~~الخبر والدعاء نحو: غفر الله لزيد، فلم يجعل الماضي حقيقة في الدعاء ولم ~~يجعل الأمر حقيقة. الثاني: أنه حقيقة في الندب ونقله الغزالي في المستصفى ~~والآمدي في كتابيه قولا للشافعي. ونقله المصنف عن أبي هاشم وليس مخالفا لما ~~نقله عنه صاحب المعتمد كما ظنه بعض الشارحين فافهمه. الثالث: أنه حقيقة في ~~الإباحة؛ لأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب. الرابع: أنه مشترك بين الوجوب ~~والندب وجزم به الإمام في المنتخب وكذلك صاحب التحصيل, كلاهما في أثناء ~~الاشتراك. وهذا المذهب نقله الآمدي في منتهى السول عن الشيعة, ونقل في ~~الأحكام عنهم أنه ms223 مشترك بينهما وبين الإرشاد. الخامس: أنه حقيقة في القدر ~~المشترك بينهما وهو الطلب, وفي المستوعب للقيرواني والمستصفى للغزالي أن ~~الشافعي نص على أن الأمر متردد بين الوجوب والندب, وهذا محتمل لهذا المذهب ~~ولما قبله. السادس: أنه حقيقة في أحدها أي الوجوب أو الندب، ولكن لا يعرف ~~هل هو حقيقة في الوجوب, مجاز في الندب # PageV01P163 # أو بالعكس؟ ونقله المصنف عن حجة الإسلام الغزالي تبعا لصاحب الحاصل، وليس ~~كذلك فإن الغزالي نقل في المستصفى عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط، وعن قوم ~~أنه حقيقة في الندب فقط, وعن قوم أنه مشترك بينهما، قال: كلفظ العين، ثم ~~نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب الثلاثة, قال: وهو المختار، ونقله في ~~المحصول عنه على الصواب. وقال في المنخول: وظاهر الأمر الوجوب وما عداه ~~فالصيغة مستعارة فيه. هذا لفظه وهو مخالف لكلامه في المستصفى. السابع: أنه ~~مشترك بين الثلاثة وهي: الوجوب والندب والإباحة, وقيل: إنه مشترك بينهما ~~ولكن بالاشتراك المعنوي، وهو الإذن، حكاه ابن الحاجب. الثامن: أنه مشترك ~~بين الخمسة وهذا محتمل لأمرين أحدهما: أن يكون مراده الخمسة المذكورة في ~~كلامه أولا للقرينة إرادته في المذهب الذي قبله وهو الاشتراك بين الثلاثة؛ ~~لأنه صرح به في بعض النسخ فقال: بين الخمسة الأول، فإن أراده فهو صحيح صرح ~~به المعالمي والغزالي في المستصفى، قال ما نصه: فالوجوب والندب والإرشاد ~~والإباحة والتهديد خمسة وجوه محصلة. ثم قال: فقال قوم: هو مشترك بين هذه ~~الوجوه الخمسة كلفظ العين والقرء، هذا لفظه وترتيبه وهو ترتيب المصنف ~~بعينه. والثاني: أن يكون مراده الأحكام الخمسة وهي عبارة الحاصل يعني ~~الخمسة المعهودة وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، وقد تقدم ~~أن دلالتها على الكراهة والتحريم لكونها تستعمل في التهديد, والتهديد ~~يستدعي ترك الفعل المنقسم إلى الحرام والمكروه، فإن أراد هذه الخمسة فهو ~~صحيح أيضا صرح به الإمام في المحصول وذكره الآمدي في الأحكام بالمعنى ونقله ~~إمام الحرمين في البرهان عن الشيخ أبي الحسن الأشعري فقال: ذهب الشيخ إلى ~~التردد بين هذه ms224 الأمور، فقال قائلون: لكونه مشتركا، وقائلون: لكونه موضوعا ~~لواحد منها ولا ندريه، هذا معنى كلامه ونقل ابن برهان في الوجيز عن الأشعري ~~أنه مشترك بين الطلب والتهديد والتعجيز والإباحة والتكوين، وقد استفدنا من ~~كلام المعالمي والغزالي أنه حقيقة في الإرشاد، وحكاه في الأحكام أيضا، ~~واستفدنا من كلام ابن برهان أنه حقيقة في التعجيز والتكوين أيضا. والإمام ~~نفى الخلاف عن ذلك كله كما تقدم, وذهب الأبهري في أحد أقواله على ما حكاه ~~في المستوعب إلى أن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر رسوله -صلى الله عليه ~~وسلم- للندب. وصحح الآمدي التوقف لكن بين الوجوب والندب والإرشاد كما صرح ~~به في الأحكام لاشتمال الثلاثة على طلب الفعل ونفي ما عداها, وقد نقلت عن ~~الشيعة مذاهب أخرى غير ما تقدم وكذلك عن الأشعري لكن اتفق جمهورهم على أن ~~مذهبه التوقف بين أمور، ويعبر عنه أيضا بأن الأمر ليست له صيغة تخصه. وقال ~~في البرهان: والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباعه في الوقت ولم يساعد ~~الشافعي على الوجوب إلى الإسناد. قال: "لنا وجوه, الأول: قوله تعالى: {ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ثم على ترك المأمور فيكون واجبا. # PageV01P164 # الثاني: قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} [المرسلات: 48] ~~قيل: ذم على التكذيب قلنا: الظاهر أنه للترك والويل للتكذيب قيل: لعل هناك ~~قرينة أوجبت قلنا: رتب الذم على ترك مجرد افعل. الثالث: أن تارك الأمر ~~مخالف له كما أن الآتي به موافق والمخالف على صدد العذاب لقوله تعالى: ~~{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~[النور: 63] قبل الموافقة اعتقاد حقيقة الأمر, فالمخالفة اعتقاد فساده. ~~قلنا: ذلك لدليل الأمر لا له. قيل: الفاعل ضمير والذين مفعول، قلنا: ~~الإضمار خلاف الأصل, ومع هذا فلا بد له من مرجع قيل: الذين ينسلون قلنا: هم ~~المخالفون, فيكف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم؟ وإن سلم فيضيع. قوله تعالى: {أن ~~تصيبهم فتنة} قيل: فليحذر لا يوجب قلنا: يحسن وهو دليل مقام المقتضى، قيل: ~~عن أمره لا يعم قلنا: ms225 عام لجواز الاستثناء. الرابع: أن تارك الأمر عاص ~~لقوله تعالى: {أفعصيت أمري} [طه: 93] {ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] ~~والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا} [الجن: 23] قيل: لو كان العصيان ترك الأمر لتكرر في قوله ~~تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] قلنا: الأول ماض أو حال، والثاني: ~~مستقبل قيل: المراد الكفار لقرينة الخلود قلنا: الخلود المكث الطويل. ~~الخامس: أنه عليه الصلاة والسلام احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك ~~استجابته وهو يصلي بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم} ". أقول: استدل المصنف على أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب بخمسة ~~أوجه, الأول: أن الله سبحانه وتعالى ذم إبليس على مخالفته قوله: {اسجدوا} ~~فقال: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} لأن هذا الاستفهام ليس على حقيقته, فإنه ~~تعالى عالم بالمانع فتعين أن يكون للتوبيخ والذم وإذا ثبت الذم على ترك ~~المأمور ثبت أن الأمر للوجوب, إذ لو لم يكن لكان لإبليس أن يقول: إنك ما ~~ألزمتني ففيم الذم؟ وأيضا لو لم يكن لم يذم عليه؛ لأن غير الواجب لا يذم ~~تاركه. الدليل الثاني: قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ~~[المرسلات: 48] أي: صلوا وتقريره كما قبله اعترض الخصم بأمرين أحدهما: لا ~~نسلم أن الذم على ترك المأمور بل على تكذيب الرسل في التبليغ بدليل قوله ~~تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 19] قلنا: الظاهر أن الذم على ~~الترك؛ لأنه مرتب عليه والترتيب مشعر بالعلية، والويل على التكذيب لما ~~قلناه, وأيضا فلتكثير الفائدة في كلام الله تعالى وحينئذ فإن صدور الترك ~~والتكذيب من طائفتين عذبت كل منهما على ما فعلته، وإن صدرا من طائفة واحدة ~~عذبت عليهما معا، فإن الكافر عندنا يعاقب على الفروع كالأصول. الثاني: ~~سلمنا أن الذم على الترك, لكن الصيغة تفيد الوجوب إجماعا عند انضمام قرينة ~~إليها، فلعل الأمر بالركوع قد اقترن به ما يقتضي إيحاءه، وجوابه أن الله ~~تعالى رتب الذم على مجرد افعل فدل على أنه منشأ ms226 الذم لا القرينة. الدليل ~~الثالث: تارك الأمر أي: المأمور به مخالف لذلك الأمر؛ لأن الآتي بالمأمور ~~به موافق له، والمخالف ضد الموافق فإذا ثبت # PageV01P165 # أن الآتي موافق ثبت أن التارك مخالف، والمخالف ضد الموافق فإذا ثبت أن ~~الآتي موافق ثبت أن التارك مخالف، والمخالف للأمر على صدد العذاب لقوله ~~تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~[النور: 63] أمر الله مخالف أمره بالحذر عن العذاب بقوله: {فليحذر} والأمر ~~بالحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزوله وإذا ثبت المقدمتان ثبت أن ~~تارك الأمر على صدد العذاب ولا معنى للوجوب إلا هذا. واعترض الخصم بأربعة ~~أوجه مرتبة بالترتيب الجدلي, أحدها وهو اعتراض عن المقدمة الأولى: لا نسلم ~~أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه حتى ينتج ما قلتم, بل الموافقة ~~عبارة عن اعتقاد حقية الأمر أي: كونه حقا صدقا واجبا قبوله, وعلى هذا ~~فالمخالفة عبارة عن اعتقاد بطلانه وكذبه, لا ترك الأمر قلنا: فرق بين الأمر ~~وبين الدليل الدال على أن ذلك الأمر حق وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول, ~~فاعتقاد حقية الأمر موافقة الدليل الدال على أن ذلك الأمر حق يجب قبوله له ~~موافقة الأمر, فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه, فإن دل على ~~كون الشيء صدقا لدليل الأمر, فموافقته الشيء عبارة عما يستلزم تقرير ~~مقتضاه, فإن دل على كون الشيء صدقا لدليل الأمر فموافقته هي اعتقاد الحقية ~~وإن دل على إيقاع الفعل كالأمر فموافقته هي الإتيان بذلك الفعل. الثاني وهو ~~اعتراض على المقدمة الثانية: لا نسلم أن الآية تدل على أنه تعالى أمر ~~المخالفين بالحذر بل على أنه تعالى أمر بالحذر عن المخالفين فيكون فاعل ~~قوله: {فليحذر} ضميرا و {الذين يخالفون} مفعولا به وجوابه وجهين, أحدهما ~~ولم يذكره في المحصول: أن الإضمار على خلاف الأصل. الثاني: أنه لا بد ~~للضمير من اسم ظاهر يرجع إليه وهو مفقود هنا, فإن قيل: يعود على الذين ~~يتسللون قلنا: الذين يتسللون هم المخالفون لأن المنافقين كان ms227 يثقل عليهم ~~المقام في المسجد واستماع الخطبة, وكانوا يلوذون بمن يستأذن للخروج فإذا ~~أذن له انسلوا معه, فنزلت هذه الآية وقيل: نزلت في المتسللين عن حفر ~~الخندق, وإذا كنا سلمنا هذا لكن يلزم منه أن يصير التقدير: فليحذر الذين ~~يتسللون منكم لو إذا الذين يخالفون وحينئذ يكون لفظ الحذر قد استوفى فاعله ~~ومفعوله وليس هو مما يتعدى إلى مفعولين, فيصير قوله تعالى: {أن تصيبهم ~~فتنة} [النور: 63] ضائعا ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده, فإن قيل: يكون ~~مفعولا لأجله, فإن الحذر لأجل إصابة ذلك قلنا: أجاب بعضهم بأنه لو كان كذلك ~~لوجب الإتيان باللام؛ لأنه غير متحد به في الفاعل؛ لأن الحذر هو فعل ~~المتسللين والإصابة فعل الفتنة أو فعل الله تعالى. وهذا الجواب مردود, فإن ~~القاعدة النحوية أنه لا يجب الإتيان بالجار إذا كان المجرور أن أو أن نحو ~~عجبت من أنك قائم وعجبت من أن تقوم, فيجوز حذف من في الموضعين بل الجواب ~~أنه لو كان مفعولا لأجله لكان مجامعا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته ~~واجتماعهما مستحيل، ولقائل أن يجيب أيضا عن قولهم أولا أن الفاعل ضمير يعود ~~على # PageV01P166 # المتسللين بأنه لو كان كذلك لوجب إبرازه فيقال: فليحذر؛ لأنه عائد على ~~جمع. سلمنا لكن تحذير الناس عنهم لما وقعوا فيه أبلغ في الذم من تحذيرهم ~~أنفسهم, ويستلزمه أيضا بخلاف تحذير أنفسهم فإنه لا يستلزم تحذير الغير ~~منهم. الاعتراض الثالث: وهو اعتراض على المقدمة الثالثة أيضا وتقريره أن ~~يقال: سلمنا أن قوله: {فليحذر} أمر للمخالفين وأنه لا ضمير في الآية, ولكن ~~لم قلتم: إنه يوجب عليه الحذر؟ أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به وكون ~~الأمر للوجوب هو محل النزاع وقلنا: نحن لا ندعي أنه يدل على وجوب الحذر, ~~ولكن يدل على حسنه وحسن الحذر من العذاب دليل على قيام المقتضي للعذاب؛ ~~لأنه لو لم يوجد المقتضي لكان الحذر عنه سفها وعبثا وذلك محال على الله ~~تعالى. وإذا ثبت وجود المقتضي ثبت أن الأمر للوجوب؛ ms228 لأن المقتضى للعذاب هو ~~ترك الواجب دون المندوب. الرابع وهو أيضا اعتراض على المقدمة الثانية: أن ~~قوله عن أمره مفرد, فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب ونحن نسلمه، ولا يفيد كون ~~جميع الأوامر كذلك مع أن المدعي هو الثاني. وأجاب في المحصول بثلاثة أوجه ~~أحدها وعليه اقتصر المصنف: أنه عام بدليل جواز الاستثناء, فإنه يصح أن ~~يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني وسيأتي أن معيار ~~العموم جواز الاستثناء. الثاني: أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة ~~الأمر وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية. الثالث: أنه إنما استحق العقاب ~~في بعض الصور لعدم المبالاة وهو موجود في الباقي. الدليل الرابع: تارك ~~الأمر أي: المأمور به عاص لقوله تعالى حكاية عن قول موسى لأخيه هارون ~~-عليهما السلام: {أفعصيت أمري} [طه: 93] وقوله تعالى: {لا يعصون الله ما ~~أمرهم} [التحريم: 6] وكل عاص يستحق النار لقوله تعالى: {ومن يعص الله ~~ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} [الجن: 23] عبر بمن التي هي ~~للعموم, فدل على ما قلناه؛ فينتج أن تارك الأمر يستحق النار ولا معنى ~~للوجوب إلا ذلك. وقد جعل المصنف كبرى الشكل الأول مهملة فقال: والعاصي ~~يستحق النار مع أن شرطها أن تكون كلية، والصواب أن يقول: وكل عاص كما ~~قررته. اعترض الخصم بوجهين أحدهما: لا نسلم المقدمة الأولى؛ لأنه لو كان ~~العصيان عبارة عن ترك المأمور لكان قوله تعالى: {يعصون الله ما أمرهم} ~~معناه: لا يتركون أي: يفعلون فيكون قوله بعد ذلك: {ويفعلون ما يؤمرون} ~~تكرارا, وجوابه أن الأمر المذكور أولا للماضي أو الحال، والأمر المذكور ~~ثانيا للاستقبال فلا تكرار، وتقدير الآية: لا يعصون الله ما أمرهم به في ~~الماضي أو الحال, ويفعلون ما يؤمرون به في الاستقبال هذا هو الصواب في ~~تقريره على ما أراده المصنف فاعتمده، ولك أن تقول: النزاع في أن تارك الأمر ~~عاص أم لا، وأما العكس وهو أن العصيان بترك الأمر فليس النزاع فيه ودعواه ~~باطلة لأن العصيان قد يكون بترك الأمر وقد يكون بترك ms229 الفعل الواجب اتباعه، ~~وقد يكون بارتكاب النهي وغير ذلك، فالصواب أن يقول في تقرير الاعتراض: قيل: ~~لو كان تارك # PageV01P167 # الأمر عاصيا بدلا عن قوله: لو كان العصيان ترك الأمر، وأيضا فينبغي أن ~~يقول في الجواب قلنا: الأول ماض والثاني حال أو مستقبل؛ لأن الثاني مضارع ~~وهو يصلح للحال والاستقبال، والأول لا يصلح لكون ماضيا ولم يتعرض في ~~المحصول لذكر الحال. الاعتراض الثاني: لا نسلم المقدمة الثانية؛ لأن المراد ~~بالعصاة في الآية هم الكفار لا تارك الأمر لقرينة الخلو، فإن غير الكفار لا ~~يخلد في النار كما تقرر في علم الكلام، وجوابه أن الخلود لغة هو المكث ~~الطويل سواء كان دائما أو غير دائم، أي: يكون حقيقة في القدر المشترك حذرا ~~من الاشتراك والمجاز, ويدل على ما قلناه قولهم: خلد الله ملك الأمير. ~~الدليل الخامس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا أبا سعيد الخدري وهو في ~~الصلاة فلم يجبه فقال: "ما منعك أن تجيب وقد سمعت الله تعالى يقول: {يا ~~أيها الذين آمنوا استجيبوا} [الأنفال: 24] الآية؟ " 1 وهذا الاستفهام ليس ~~على حقيقته؛ لأنه عليه الصلاة والسلام علم أنه في الصلاة كما نقله ابن ~~برهان وغيره، فتعين أن يكون للتوبيخ والذم حينئذ، فالذم عند ورود الأمر ~~دليل على أنه للوجوب، واعلم أن المصنف ذكر أن أبا سعيد هذا هو الخدري وهو ~~غلط تبع فيه صاحب الحاصل وصاحب الحاصل تبع الإمام في المحصول والإمام تبع ~~الغزالي في المستصفى، والصواب أنه أبو سعيد بن المعلى, كذا وقع في صحيح ~~البخاري في أول كتاب التفسير، وفي سنن أبي داود في الصلاة وفي جامع الأصول ~~في كتاب الفضائل وفي غيرها أيضا، واسمه الحارث بن أوس بن المعلى الأنصاري ~~الخزرجي الرزقي، واسم الخدري: سعد بن مالك بن سنان من بني خدرة, أنصاري ~~خزرجي أيضا, وقد وقع على الصواب في بعض نسخ الكتاب وهو من إصلاح الناس. ~~قال: # "احتج أبو هاشم بأن الفارق بين الأمر والسؤال هو الرتبة والسؤال للندب، ~~فكذلك الأمر. قلنا: السؤال إيجاب وإن لم يتحقق, ms230 وبأن الصيغة لما استعملت ~~فيهما, والاشتراك والمجاز خلاف الأصل, فتكون حقيقة في القدر المشترك. قلنا: ~~يجب المصير إلى المجاز لما بينا من الدليل, وبأن تعرف مفهومها لا يمكن ~~بالعقل ولا بالفعل؛ لأنه لم يتواتر والآحاد لا تفيد القطع. قلنا: المسألة ~~وسيلة إلى العمل فيكفيها الظن وأيضا يتعرف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما ~~سبق". أقول: ذكر المصنف هنا أدلة ثلاثة, واختلف النسخ في التعبير عن المحتج ~~بها, ففي أكثرها احتج أبو هاشم كما ذكره وهو غير مستقيم؛ لأن الثالث لا ~~يطابق مذهبه ولا الثاني على أحد التقريرين الآتيين وفي بعضها احتج المخالف ~~وهو صحيح مطابق لتعبير الإمام, وفي بعضها احتجوا وهو قريب مما قبله وهما من ~~إصلاح الناس. الدليل الأول: وهو احتجاج أبي هاشم على أن افعل حقيقة في ~~الندب، وتقريره أن أهل اللغة قالوا: لا فارق بين السؤال والأمر إلا في ~~الرتبة فقط أي: إن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل، والسؤال إنما يدل على ~~الندب فكذلك الأمر PageV01P168 # لأن الأمر لو دل على الإيجاب لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقلوه, ~~وجوابه أن السؤال يدل على الإيجاب أيضا؛ لأن أهل اللغة وضعوا افعل لطلب ~~الفعل مع المنع مع الترك عند من يقول: الأمر للإيجاب، وقد استعملها السائل ~~لكنه لا يلزم منه الوجوب, إذ الوجوب لا يثبت إلا بالشرع فلذلك لا يلزم ~~المسئول القبول من السائل، ولقائل أن يقول على تقدير أن يدل السؤال على ~~الإيجاب، فيلزم أن يفترقا من وجه آخر؛ لأن إيجاب الأمر دال على الوجوب ~~بخلاف إيجاب السؤال, وقد يجاب بأن المعنى بالرتبة هو كون إيجاب الأمر يقتضي ~~الوجوب بخلاف السؤال وفيه نظر، فإنهما مدلولان متغايران, ولك أن تمنع ما ~~ذكره من تفريقه بالرتبة, فإنه مذهب المعتزلة كما تقدم، بل الفرق أن السؤال ~~أمر صادر بتذلل، والأمر أعم، وقد يترتب الوجوب على إيجاب السؤال كسؤال ~~العطشان، وقد لا يترتب على إيجاب الأمر كطلب السيد من عبده ما لا يقدر ~~عليه, فتخلص أنها سواء في الإيجاب والوجوب. ms231 قوله: "وبأن الصيغة" معطوف على ~~قوله: بأن الفارق, وتقريره من وجهين أحدهما: أن الصيغة قد استعملت في ~~الوجوب كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وفي الندب كقوله: {فكاتبوهم} [النور: ~~33] فإن كانت موضوعة لكل لزم الاشتراك أو لأحدهما فقط فيلزم المجاز، فتكون ~~حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الفعل دفعا للاشتراك والمجاز. وعلى هذا ~~التقرير يكون دليلا للقائل بأنها حقيقة في القدر المشترك وهو مدلول كلام ~~المصنف, لكن عطفه على دليل أبي هاشم فاسد. التقرير الثاني وهو تقرير الإمام ~~وأتباعه كلهم: أن نضم إلى التقرير الأول زيادة أخرى فنقول: والدال على ~~المعنى المشترك وهو الأعم غير دال على الأخص, فيكون لفظ الأمر غير دال على ~~الوجوب ولا على الندب بل على الطلب, وجواز الترك معلوم بالبراءة الأصلية, ~~فتحصلنا على طلب الفعل مع جواز الترك, ولا معنى للندب إلا ذلك، وعلى هذا ~~فيصح عطفه على دليل أبي هاشم لكنه بعيد من كلام المصنف, وجوابه: أن المجاز ~~وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إجماعا إذ دل عليه دليل، وههنا ~~كذلك للأدلة الخمسة التي أقمناها على أنه حقيقة في الوجوب فقط. وقوله: ~~"وبأن تعرف ... إلخ" هذا دليل الغزالي وموافقيه على التوقف, وقد تقدم أن ~~عطفه على دليل أبي هاشم لا يصح, وتقريره أن الطريق إلى معرفة مدلول افعل ~~إما أن يكون بالعقل وهو محال؛ لأنه لا مجال له في اللغات، وإما بالنقل ~~المتواتر وهو محال أيضا، وإلا لكان بديهيا حاصلا لكل أحد من هذه الطائفة ~~فلا يبقى بينهم نزاع, وإما بالآحاد وهو باطل لأن الآحاد إن أفادت فإنما ~~تفيد الظن, والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع دون ~~العلمية كقواعد أصول الدين وكذلك قواعد أصول الفقه, كما نقله الأنباري شارح ~~البرهان عن العلماء قاطبة؛ وذلك لفرط الاهتمام بالقواعد، وإذا انتفت طرق ~~المعرفة تعين الوقف، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أنها علمية؛ لأن ~~المقصود من كون الأمر للوجوب # PageV01P169 # إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاده, والعمليات مظنونة يكتفي فيها بالظن ~~فكذلك ما ms232 كان وسيلة إليها، هذا هو الصواب في تقريره وأما قول بعض الشارحين ~~أنه يكتفي فيها بالظن مع كونها علمية لكونها وسيلة للعمل فباطل؛ لأن ~~المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة، وقد منع في المحصول أيضا كونها علمية ~~ولم يذكر تعليل المصنف بل قال: لأنا بينا أنه لا تعين في المباحث اللغوية ~~وذلك لتوقفها على نفي الاحتمالات العشرة. ونفيها ما ثبت إلا بالأصل الثاني ~~لا نسلم الحصر؛ لأنا قد نتعرفه بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كقولنا: تارك ~~الأمر عاص, وكل عاص يستحق النار فإنه يدل على أن الأمر للوجوب وقد تقدم ~~ذكره في الدليل الرابع من هذه المسألة. وقولنا: إن الجمع المحلى بالألف ~~واللام يدخله الاستثناء وإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله, فإنه يدل ~~على أن الجمع المحلى للعموم كما تقدم في آخر الفصل الأول من باب اللغات، ~~وذلك بالطريق الذي قلناه؛ لأن نفس المقدمتين نقلية وتركيبهما تركيب عقلي ~~علم من العلوم العقلية, وعبر الإمام في المحصول والمنتخب عن هذا بقوله: إنه ~~يعرف بدليل مركب من العقل والنقل, فأورد عليه أن هذا الدليل نقل محض لأن ~~المقدمتين نقليتان وحظ العقل إنما هو تفطنه لاندراج الصغرى في الكبرى؛ ~~فلذلك عدل صاحب الحاصل إلى ما تقدم وتبعه عليه المصنف، وقول المصنف كما سبق ~~يحتمل كلا من المثالين المتقدمين، والأول أولى للتصريح به في الحاصل ~~والمحصول, ولكونه دليلا على نفس المسألة المتنازع فيها، ولأنه أقرب. وعن ~~هذا الدليل جواب ثالث لم يذكره المصنف ينفع في مواضع, وهو التزام حصوله ~~بالتواتر, ولا يلزم منه رفع الخلاف لأنه قد يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة ~~لأقضيتهم وتواريخهم, وغيره لم يشتغل بذلك فيقع الخلاف, ولقائل أن يقول: ~~ينبغي للمصنف على طريقة الجدليين تقديم جوابه الثاني على الأول كما فعل في ~~الحاصل والمحصول، فيقول: أولا لا نسلم الحصر, سلمنا لكن نختار تعرفه ~~بالآحاد، وذلك لأن الثاني فيه تسليم للحصر فلا يحسن منه منعه بعد ذلك فإن ~~قيل: دعواه أنه يعلم بتركيب عقلي من مقدمات نقلية لا يدفع السؤال؛ لأن ms233 هذه ~~المقدمات النقلية إما أن يكون نقلها بالتواتر أو بالآحاد، ويعود السؤال ~~بعينه وجوابه باختيار التواتر، ولا يلزم منه أن يعرف كل أحد أنه للوجوب, ~~وإنما يلزم ذلك أن لو كان التركيب العقلي ضروريا وهو ممنوع. قال: "الثالثة: ~~الأمر بعد التحريم للوجوب وقيل: للإباحة. لنا أن الأمر يفيده، ووروده بعد ~~الحرمة لا يدفعه. قيل: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] للإباحة قلنا: ~~معارض بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا} [التوبة: 5] واختلف ~~القائلون بالإباحة في النهي بعد الوجوب". أقول: إذا فرعنا على أن الأمر ~~للوجوب فورد بعد التحريم ففيه مذهبان, أصحهما عند الإمام وأتباعه، ومنهم ~~المصنف أن يكون أيضا للوجوب ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضي والآمدي ~~عن المعتزلة, والثاني أنه يكون للإباحة وهو الذي نص عليه الشافعي كما نقله # PageV01P170 # عنه القيرواني في كتاب المستوعب وابن التلمساني في شرح المعالم1 ~~والأصفهاني في شرح المحصول2 ونقله ابن برهان في الوجيز عن أكثر الفقهاء ~~والمتكلمين, ورجحه ابن الحاجب وتوقف إمام الحرمين وصرح أيضا به الآمدي في ~~الأحكام ومع ذلك فله ميل إلى الإباحة, قال عقبه: واحتمال الإباحة أرجح نظرا ~~لغلبته, قال في المحصول: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم وذلك بأن ~~استأذن على فعل شيء فقال له: افعله, واستدل المصنف على الوجوب بأن الأمر ~~يفيده إذ التفريع عليه ووروده بعد الحرمة ليس معارضا حتى يدفع ما ثبت له؛ ~~لأن الوجوب والإباحة منافيان للتحريم ومع ذلك لا يمتنع الانتقال من التحريم ~~إلى الإباحة فكذلك الوجوب احتج الخصم بورودها للإباحة كقوله تعالى: {وإذا ~~حللتم فاصطادوا} [المائدة: 42] ، {فإذا تطهرن فأتوهن} {فالآن باشروهن} . ~~وفي الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها, وكنت نهيتكم عن ادخار ~~لحوم الأضاحي فوق ثلاث, فكلوا وادخروا" 3 وجوابه أن هذه الأدلة معارضة ~~بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} فإن القتال فرض كفاية ~~بعد أن كان حراما, وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم: "فإذا أدبرت الحيضة, ~~فاغسلي عنك الدم وصلي" 4 فإذا تعارضا تساقطا وبقي دليلنا سالما عن المنبع ~~فيفيد الوجوب. قوله: "واختلف ms234 القائلون" يعني: إن القائلين بالإباحة في ~~الأمر الوارد بعد الحظر اختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب, فمنهم من طرد ~~القياس وحكم بالإباحة؛ لأن تقدم الوجوب قرينة, ومنهم من حكم بأنه للتحريم ~~كما لو ورد ابتداء بخلاف الأمر بعد التحريم, والفرق في وجهين أحدهما: أن ~~حمل النهي على التحريم يقتضي الترك وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل ~~وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل وهو خلاف الأصل. الثاني: أن النهي لدفع ~~المفسدة المتعلقة بالمنهي عنه والأمر لتحصيل المصلحة المتعلقة بالمأمور ~~واعتبار الشرع بدفع المفاسد أكثر من جلب المصالح, وأما القائلون: إن الأمر ~~بعد التحريم للوجوب فلا خلاف عندهم أن النهي بعد الوجوب للتحريم. قال: ~~"الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه وقيل: للتكرار، وقيل: ~~للمرة, وقيل: بالتوقف للاشتراك أو الجهل بالحقيقة. لنا تقييده بالمرة ~~والمرات من غير تكرار ولا نقض, وأنه ورد مع التكرار ومع عدمه فيجعل حقيقة ~~في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز. وأيضا لو كان ~~للتكرار لعم الأوقات, فيكون تكليفا بما لا يطاق ولنسخه كل تكليف بعده لا ~~يجامعه". أقول: إذا ورد الأمر مقيدا بالمرة أو بالتكرار حمل عليه, وإن ورد ~~مقيدا بصفة PageV01P171 # أو شرط فسيأتي أنه يتكرر قياسا لا لفظا، وإن كان مطلقا أي: عاريا من هذه ~~القيود ففيه مذاهب، أحدها: أنه لا يدل على التكرار ولا على المرة بل يفيد ~~طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية ~~في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور ~~به، لا جرم أنه يدل عليها من هذا الوجه، وهذا المذهب اختاره الإمام وأتباعه ~~ونقله عن الأقلين, واختاره أيضا الآمدي وابن الحاجب والمصنف وعبر عن المرة ~~بقوله: ولا يدفعه لأنه لو كان للمرة لكان دافعا للتكرار؛ لأنهما متقابلان. ~~الثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمل وهو رأي الأستاذ وجماعة ~~من الفقهاء والمتكلمين, لكن بشرط الإمكان كما قاله الآمدي. الثالث: يدل على ~~المرة وهو ms235 قول أكثر أصحابنا, كما حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح ~~اللمع، ونقل القيرواني في المستوعب عن الشيخ أبي حامد أنه مقتضى قول ~~الشافعي. الرابع: أنه مشترك بين التكرار والمرة فيتوقف أيضا, واختار إمام ~~الحرمين التوقف, ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الأول تبعا للآمدي وليس كذلك ~~فافهمه. قوله: "لنا" أي: الدليل على ما قلناه من ثلاثة أوجه, أحدها: أنه ~~يصح أن يقال: افعل ذلك مرة أو مرات وليس فيه تكرار ولا نقض إذ لو كان للمرة ~~لكان تقييده بالمرة تكرارا وبالمرات نقضا، ولو كان للتكرار لكان تقييده به ~~تكرارا وبالمرة نقضا, وهذا الدليل لا يثبت به المدعى؛ لأن عدم التكرار ~~والنقض قد لا يكون لكونه موضوعا للماهية من حيث هي, بل لكونه مشتركا أو ~~لأحدهما, ولا نعرفه كما قد قيل به, فيكون التقييد للدلالة على أحدهما. ~~الثاني: أن الأمر المطلق ورد تارة مع التكرار شرعا كآية الصلاة، وعرفا نحو: ~~احفظ دابتي، وورد تارة للمرة شرعا كآية الحج، وعرفا كقوله: ادخل الدار، ~~فيكون حقيقة في القدر المشترك بين التكرار والمرة وهو طلب الإتيان بالفعل، ~~مع قطع النظر عن التكرار والمرة؛ لأنه لو كان حقيقة في كل منهما لزم ~~الاشتراك، وإن كان في أحدهما فقط لزم المجاز وهما خلاف الأصل. وهذا الدليل ~~قد استعمله الإمام وأتباعه في مواضع كثيرة وفيه نظر؛ لأنه إذا كان موضوعا ~~لمطلق الطلب ثم استعمل في طلب خاص فقد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن الأعم ~~غير الأخص, ولكنه مشتمل على ما وضع له فيجوز على سبيل المجاز. وأيضا فلأن ~~الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني الذهنية كما تقدم، فإذا استعمل فيما تشخص ~~منها في الخارج فيكون مجازا؛ لأنه غير ما وضع له فاستعمال الأمر في المقيد ~~بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه، ففر من مجاز واحد فوقع في مجازين، وهذا ~~البحث يجري في سائر الألفاظ الموضوعة لمعنى كلي, وإن كان مستبعدا لكن ~~القواعد قد أدت إليه، وقد صرح الآمدي في الأحكام بموافقة ما ذكرته، فقال في ~~أوائل الكتاب في ms236 القسمة الثانية جوابا عن سؤال ما نصه: لأنه لا يخفى أن ~~حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك, فإذا كان لفظ الدابة ~~حقيقة في مطلق دابة فاستعماله في الدابة # PageV01P172 # المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له هذا لفظه. الثالث ~~وهو دليل على إبطال التكرار خاصة: أنه لو كان للتكرار لعم الأوقات كلها؛ ~~لعدم أولوية وقت دون وقت والتعميم باطل بوجهين أحدهما: أنه تكليف بما لا ~~يطاق. الثاني: أنه يلزم بنسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن أن يجامعه في ~~الوجود؛ لأن الاستغراق الثابت بالأول يزول بالاستغراق الثابت بالثاني، وليس ~~كذلك. واحترز بقوله: لا يجامعه عن نحو الصوم مع الصلاة، ولك أن تقول: قد ~~تقدم أن القائل بالتكرار يقول: إنه بشرط الإمكان فلا يرد ما قاله من ~~التكليف بما لا يطاق. قال: "قيل: تمسك الصديق على التكرار بقوله تعالى: ~~{وآتوا الزكاة} من غير نكير قلنا: لعله -عليه الصلاة والسلام- بين تكراره ~~وقيل: النهي يقتضي التكرار، فكذلك الأمر, قلنا: الانتهاء أبدا ممكن دون ~~الامتثال, قيل: لو لم يتكرر لم يرد النسخ, قلنا: وروده قرينة التكرار, قيل: ~~حسن الاستفسار دليل الاشتراك, قلنا: قد يستفسر عن أفراد المتواطئ". أقول: ~~احتج من قال بأن الأمر يفيد التكرار بثلاثة أوجه الأول: أن أهل الردة لما ~~منعوا الزكاة تمسك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في وجوب تكرارها بقوله ~~تعالى: {وآتوا الزكاة} ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. قال في المحصول: فكان ~~ذلك إجماعا منهم على أنها للتكرار والجواب أنه لعل النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بين للصحابة أن هذه الآية للتكرار, فإن قيل: الأصل عدمه قلنا: لما ~~أجمعوا على التكرار مع أن الصيغة المجردة لا تقتضي ذلك كما بيناه تعين ما ~~قلناه جمعا بين الأدلة, وهذا الدليل وجوابه يقتضيان أن الإمام يسلم أن ذلك ~~إجماع وهو مناقض لما سيأتي من كونه ليس بإجماع ولا حجة. الثاني: النهي ~~يقتضي التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع أن كلا منهما للطلب, وجوابه ~~أن الانتهاء عن ms237 الشيء أبدا ممكن؛ لأن فيه بقاء على العدم وأما الاشتغال به ~~أبدا فغير ممكن, وهذا الكلام من المصنف مناقض لقوله بعد ذلك: إن النهي ~~كالأمر في التكرار والفور. الثالث: لو لم يدل على التكرار بل دل على المرة, ~~لم يجز ورود النسخ؛ لأن وروده إن كان بعد فعلها فهو محال لأنه لا تكليف وإن ~~كان قبله فهو يدل على البداء وهو ظهور المصلحة بعد خفائها أو بالعكس, وهو ~~على الله تعالى محال. ولكن ورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار, وجوابه أن ~~النسخ لا يجوز وروده على الأمر الذي يقتضي مرة واحدة، ولكن إذا ورد على ~~الأمر المطلق صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار، وحمل الأمر على ~~التكرار لقرينة جائز، هكذا ذكره في المحصول فتبعه عليه المصنف. ولك أن ~~تقول: إن صح هذا الجواب فيلزم أن لا يكون جواز الاستثناء دليلا على العموم ~~البتة، لا مكان دعواه في كل استثناء وذلك مبطل؛ لقوله بعد ذلك: ومعيار ~~العموم جواز الاستثناء. وأيضا فهو مناقض لقولهم: إن النسخ قبل الفعل جائز ~~لا سيما أنهم استدلوا عليه بقصة إبراهيم مع أن الذبح يستحيل تكراره. وأيضا ~~فيلزم منه التكليف بما لا يعلمه الشخص. قوله: "قيل: حسن الاستفسار" أي: ~~استدل من قال بأن الأمر مشترك بين التكرار والمرة بأنه # PageV01P173 # يحسن الاستفسار فيه فيقال: أردت بالأمر واحدة أم دائما؛ ولذلك قال سراقة ~~للنبي -صلى الله عليه وسلم: أحجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ مع أنه من أهل ~~اللسان وأقره عليه، فلو كان الأمر موضوعا في لسان العرب للتكرار أو للمرة ~~لاستغنى عن الاستفسار، وجوابه أن ما قاله ممنوع فإنه قد يستفسر عن أفراد ~~المتواطئ كما إذا قال: أعتق رقبة فتقول: أمؤمنة أم كافرة؟ سليمة أم معيبة؟ ~~قال: "الخامسة: الأمر المعلق بشرط أو صفة، مثل {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ~~[المائدة: 6] {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] لا يقتضي ~~التكرار لفظا ويقتضيه قياسا، أما الأول فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط ~~يحتمل التكرار وعدمه, ولأنه لو قال: ms238 "إن دخلت الدار فأنت طالق" لم يتكرر، ~~وأما الثاني فلأن الترتيب يفيد العلية فيتكرر الحكم بتكررها، وإنما لم ~~يتكرر الطلاق لعدم اعتبار تعليله". أقول: الأمر المعلق بشرط كقوله تعالى: ~~{وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] أو بصفة كقوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] يقتضي تكرار المأمور به عند تكرر ~~شرطه أو صفته, إن قلنا: الأمر المطلق يقتضيه, فإن قلنا: إنه لا يقتضيه ولا ~~يدفعه فهل يقتضيه هنا؟ فيه ثلاثة مذاهب, أحدها: يقتضيه من جهة اللفظ أي: إن ~~هذا اللفظ قد وضع للتكرار. والثاني: لا يقتضيه أي: لا من جهة اللفظ ولا من ~~جهة القياس, وهذا هو القائل بأن ترتيب الحكم على الوصف لا يدل على العلية. ~~والثالث: أنه لا يقتضيه لفظا ويقتضيه من جهة ورود الأمر بالقياس, قال في ~~المحصول: وهذا هو المختار؛ فلذلك جزم به المصنف واختار الآمدي وابن الحاجب ~~أنه لا يدل عليه, قالا: ومحل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة كالإحصان, فإن ~~ثبت كالربا فإنه يتكرر بتكرر علته اتفاقا وهذا مناف لكلام الإمام حيث مثل ~~بالسرقة والجنابة مع أنه قد ثبت التعليل بهما. قوله: "أما الأول" أي: ~~الدليل على الأول وهو أنه لا يقتضي التكرار لفظا من وجهين, أحدهما: أن ثبوت ~~الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه, فإن اللفظ إنما دل على تعليق ~~شيء على شيء وهو أعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة بدليل ~~صحة تقسيمه إليهما والأعم لا يدل على الأخص فلزم من ذلك أن التعليق لا يدل ~~على التكرار. الثاني: أنه لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق, فإن ~~الطلاق لا يتكرر بتكرر الدخول ولو كان يدل عليه من جهة اللفظ لكان يتكرر ~~كما لو قال: كلما, لكن هذا الدليل من باب تعليق الإنشاء على الشرط وكلامنا ~~في تعليق الأمر فينبغي أن يقال: وإذا ثبت في هذا ثبت في ذلك القياس أو يمثل ~~بقوله لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار, نعم إن كان تعليق الخبر والإنشاء ~~كتعليق ms239 الأمر في ثبوت الخلاف حصل المقصود, لكن كلام الآمدي في الأحكام ~~يقتضي أن الإنشاء لا يتكرر اتفاقا وصرح به في الخبر كقولنا: إن جاء زيد, ~~جاء عمرو. وأما الدليل على الثاني وهو أنه يقتضي التكرار قياسا فلأن ترتيب ~~الحكم على الصفة أو الشرط يفيد علية الشرط أو الصفة لذلك الحكم, كما سيأتي ~~في القياس فيتكرر الحكم بتكرر ذلك؛ لأن # PageV01P174 # المعلول يتكرر بتكرر علته. قوله: "وإنما لم يتكرر الطلاق" جواب عن سؤال ~~مقدر وتوجيه السؤال أن يقال: لو كان تعليق الحكم بالشرط دالا على تكراره ~~بالقياس لكان يلزم تكرار الطلاق بتكرار القيام فيما إذا قال: إن قمت فأنت ~~طالق وليس كذلك. وجوابه أن تعبيره بذلك دال على أنه جعل القيام علة للطلاق ~~ولكن المعتبر تعليل الشارع؛ لأن وقوع الطلاق حكم شرعي وآحاد الناس لا عبرة ~~بتعليلهم في أحكام الله تعالى؛ لأن من نصب علة الحكم فإنما يتكرر حكمه ~~بتكرر علته لا حكم غيره؛ فلذلك لم يتكرر الطلاق منه؛ ألا ترى أنه لو صرح ~~بالتعليل فقال: طلقها لقيامها, لم تطلق امرأة أخرى له قامت. قال: "السادسة: ~~الأمر المطلق لا يفيد الفور خلافا للحنفية، ولا التراخي خلافا لقوم, وقيل: ~~مشترك لنا ما تقدم قيل: إنه تعالى ذم إبليس على الترك ولو لم يقتض الفور ~~لما استحق الذم قلنا: لعل هناك قرينة عينت الفورية قيل: {وسارعوا} [آل ~~عمران: 133] يوجب الفور, قلنا: فمنه لا من الأمر، قيل: لو جاز التأخير فإما ~~مع بدل فيسقط، أو لا معه فلا يكون واجبا. وأيضا إما أن يكون للتأخير أمد ~~وهو إذا ظن فواته وهو غير شامل؛ لأن كثيرا من الشبان يموتون فجأة، أو لا ~~فلا يكون واجبا، قلنا: منقوض بما إذا صرح به، قيل: النهي يفيد الفور فكذا ~~الأمر, قلنا: لأنه يفيد التكرار". أقول: الأمر المجرد عن القرائن إن قلنا: ~~إنه يدل على التكرار دل على الفور، وإن قلنا: لا يدل على التكرار فهل يدل ~~على الفور أم لا؟ حكى المصنف فيه أربعة مذاهب, أحدها: أنه لا يدل ms240 على الفور ~~ولا على التراخي بل يدل على طلب الفعل. قال في البرهان: وهذا ما ينسب إلى ~~الشافعي وأصحابه, وقال في المحصول: إنه الحق, واختاره الآمدي وابن الحاجب ~~والمصنف. والثاني: أنه يفيد الفور أي: وجوبا وهو مذهب الحنفية. والثالث: ~~أنه يفيد التراخي أي: جوازا. قال الشيخ أبو إسحاق: والتعبير بكونه يفيد ~~التراخي غلط، وقال في البرهان: إنه لفظ مدخول, فإن مقتضى إفادته التراخي ~~أنه لو فرض الامتثال على الفور لم يعتد به, وليس هذا معتقد أحد. نعم حكى ~~ابن برهان عن غلاة الواقفية أنا لا نقطع بامتثاله بل يتوقف فيه إلى ظهور ~~الدلائل لاحتمال إرادة التأخير, قال: وذهب المقتصدون منهم إلى القطع ~~بامتثاله، وحكاه في البرهان أيضا. والرابع هو مذهب الواقفية: أنه مشترك بين ~~الفور والتراخي, ومنشأ الخلاف في هذه المسألة كلامهم في الحج. قوله: "لنا ~~ما تقدم" أي: في الكلام على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وأشار إلى ~~أمرين أحدهما: أنه يصح تقييده بالفور وبالتراخي من غير تكرار ولا نقض. ~~والثاني: أنه ورد الأمر مع الفور ومع عدمه, فيجعل حقيقة في القدر المشترك ~~وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز, وقد تقدم الكلام في هذين ~~الدليلين وما فيهما مبسوطا, وقد تقدم هناك دليل ثالث لا يأتي هنا. قوله: ~~"قيل: إنه تعالى" أي: استدل القائلون بأن الأمر يفيد الفور بأربعة أوجه، ~~أحدها: أنه تعالى ذم إبليس -لعنه الله- على ترك السجود لآدم -عليه السلام- ~~بقوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} # PageV01P175 # [الأعراف: 12] كما تقدم بسطه في الكلام على أن الأمر للوجوب, فلو لم يكن ~~الأمر للفور لما استحق الذم ولكان لإبليس أو يقال: إنك ما أوجبته على الفور ~~ففيم الذم؟ وأجاب المصنف تبعا للإمام بأنه يحتمل أن يكون ذلك الأمر مقرونا ~~بما يدل على أنه للفور، وفي الجواب نظر لأن الأصل عدم القرينة وقد تمسك ~~المصنف بهذه الآية على أن الأمر للوجوب، مع أن ما قاله بعينه يمكن أن يقال ~~له: فما كان جوابا له كان جوابا لهم, بل الجواب أن ms241 يقول: ذلك الأمر الوارد ~~وهو قوله تعالى: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: ~~29] وفيه قرينتان دالتان على الفور, إحداهما: الفاء والثانية: أن فعل الأمر ~~"هو قوله تعالى: {فقعوا} " عامل في إذا؛ لأن إذا ظرف، والعامل فيها جوابها ~~على رأي البصريين، فصار التقدير: فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه. الدليل ~~الثاني: أن قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة} [آل عمران: 133] الآية يوجب ~~كون الأمر للفور؛ لأن الله تعالى أمر بالمسارعة والمسارعة هي التعجيل فيكون ~~التعجيل مأمورا به وقد تقدم أن الأمر للوجوب فتكون المسارعة واجبة، ولا ~~معنى للفور إلا ذلك، ثم إن حمل المغفرة على حقيقتها غير ممكن؛ لأنها فعل ~~الله تعالى فيستحيل مسارعة العبد إليها فحمل على المجاز, وهو فعل المأمورات ~~لكونها سببا للمغفرة، فأطلق اسم المسبب وأريد به السبب. والجواب: أنا لا ~~نسلم أن الفورية مستفادة من الأمر, بل إيجاب الفور مستفاد من قوله تعالى: ~~{وسارعوا} لا من لفظ الأمر وتقرير هذا الكلام من وجهين أحدهما: أن حصول ~~الفورية ليس من صيغة الأمر بل من جوهر اللفظ؛ لأن لفظ المسارعة دال عليه ~~كيفما تصرف. الثاني وهو تقرير صاحب الحاصل: أن ثبوت الفور في المأمورات ليس ~~مستفادا من مجرد الأمر بها بل من دليل منفصل وهو قوله تعالى: {وسارعوا} ، ~~ولك أن تقلب هذا الدليل فتقول: الآية معنى دال على عدم الفور؛ لأن المسارعة ~~مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به في غيره، وأيضا فالمقتضى أن المضمر ~~لصحة الكلام لا عموم له كما سنعرفه في العموم، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب ~~تعجيله ولا يعم كل مأمور. الدليل الثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان ~~التأخير جائزا، لكنه لا يجوز لأمرين, أحدهما: أن جوازه إن كان مشروطا ~~بالإتيان ببدل يقوم مقامه وهو العزم على رأي من شرطه فيلزم سقوطه لأن البدل ~~يقوم مقام المبدل، وإن كان جائزا بدون بدل فيلزم أن لا يكون واجبا؛ لأنه لا ~~معنى لغير الواجب إلا ما جاز تركه بلا بدل. الثاني: أن ms242 التأخير إما أن يكون ~~له أمد معين لا يجوز للمكلف إخراجه عنه أم لا، وكل من القسمين باطل. أما ~~الأول فلأن القائلين به اتفقوا على أن ذلك الأمد المعين هو ظن الفوات على ~~تقدير الترك, إما لكبر السن أو للمرض الشديد، وذلك الأمر غير شامل ~~للمكلفين؛ لأن كثيرا من الشبان يموتون فجأة ويقتلون غيلة, فيقتضي ذلك عدم ~~الوجوب عليهم في نفس الأمر؛ لأنه لو كان واجبا لامتنع تركه، والفرض أنا ~~جوزنا له الترك في كل الأزمان المتقدمة على # PageV01P176 # ذلك الظن. وأما الثاني فلأن تجويز التأخير أبدا تجويز للترك أبدا, وذلك ~~ينافي الوجوب، والجواب أن ذلك كله منقوض بما إذا صرح الآمر بجواز التأخير ~~فقال: أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت, فما كان جوابا لكم كان جوابا ~~لنا, قال في المحصول: وهو لازم لا محيص عنه. الدليل الرابع: النهي يفيد ~~الفور فيكون الأمر أيضا كذلك بالقياس عليه، والجامع بينهما هو الطلب، ~~وجوابه أن النهي لما كان مفيدا للتكرار في جميع الأوقات ومن جملتها وقت ~~الحال, لزم بالضرورة أن يفيد الفورية بخلاف الأمر, وهذا الجواب قد تقدم ~~مثله في أواخر المسألة الرابعة، وقد ناقضه بعد هذا بنحو سطر، ووقع أيضا ذلك ~~للإمام وأتباعه، والجواب الصحيح منع كون النهي يفيد الفور لما فيه من ~~الخلاف لا سيما وهو مختار المصنف, وعلى هذا فلا تناقض، "فروع" أحدها: الآمر ~~بالأمر بالشيء ليس آمرا بذلك الشيء على الصحيح عند الإمام والآمدي ~~وأتباعهما؛ لأن من قال: مر عبدك بكذا ثم قال للعبد: لا تفعل, لا يكون ~~بالأول متعديا ولا بالثاني مناقضا، مثاله قوله -صلى الله عليه وسلم: "مره ~~فليراجعها" 1. الثاني: الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من ~~جزئياتها كالأمر بالبيع، فإنه لا يدل على البيع بالعين أو بغيره، هكذا قاله ~~الإمام وخالفه الآمدي وابن الحاجب. الثالث: إذا كرر الأمر فقال: صل ركعتين ~~فقيل: يكون ذلك أمرا بتكرار الصلاة، ونقله في المستوعب على عامة أصحاب ~~الشافعي، وقال الصيرفي: الثاني تأكيد، وقال الآمدي بالوقف. PageV01P177 ### | الفصل ms243 الثالث: في النواهي # قال: "الفصل الثالث: في النواهي وفيه مسائل, الأولى: النهي يقتضي التحريم ~~لقوله تعالى: {وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وهو كالأمر في التكرار ~~والفور. الثانية: النهي يدل شرعا على الفساد في العبادات؛ لأن المنهي عنه ~~بعينه لا يكون مأمورا به، وفي المعاملات إذا رجع العقد أو أمر داخل فيه، أو ~~لازم له كبيع الحصاة والملاقيح، والربا لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا ~~بمجرد النهي من غير نكير، وإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع في وقت النداء فلا. ~~الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد؛ لأن العدم غير مقدور وقال أبو هاشم: من دعي ~~إلى زنا فلم يفعل مدح, قلنا: المدح على الكف. الرابعة: النهي عن الأشياء ~~إما عن الجمع كنكاح الأختين، أو عن الجميع كالربا والسرقة". أقول: النهي هو ~~القول الطالب للترك دلالة أولية، ولم يذكر المصنف حده لكونه معلوما من حد ~~الأمر السابق، وصيغته تستعمل في سبعة معان ذكرها الغزالي والآمدي وغيرهما, ~~أحدها: التحريم كقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس} [الإسراء: 33] والثاني: ~~الكراهة كقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول" ~~1. الثالث: الدعاء كقوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا} [آل عمران: 8] . ~~الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن ~~PageV01P177 # أشياء} [المائدة: 101] الآية. الخامس: التحقير كقوله تعالى: {لا تمدن ~~عينيك} [الحجر: 88] الآية. السادس: بيان العاقبة كقوله تعالى: {ولا تحسبن ~~الله غافلا} [إبراهيم: 42] الآية. السابع: اليأس كقوله تعالى: {لا تعتذروا ~~اليوم} [التحريم: 7] الآية, وقد اختلفوا في أن النهي هل من شرطه العلو ~~والاستعلاء وإرادة الترك أم لا؟ وأنه هل له صيغة تخصه أم لا؟ وأنه هل هو ~~حقيقة في الطلب وحده أم لا؟ وأن ذلك الطلب الذي هو حقيقة فيه هل هو التحريم ~~أو الكراهة، أو كل منهما بالاشتراك أو الوقف؟ كما اختلفوا في الأمر فعلى ~~هذا إذا ورد النهي مجردا عن القرائن فمقتضاه التحريم كما نبه عليه المصنف ~~ونص عليه الشافعي في الرسالة فقال في باب العلل في الأحاديث ما نصه: وما ~~نهي عنه ms244 فهو على التحريم حتى يأتي دلالة عنه على أنه أراد غير التحريم ~~انتهى. ونص عليه أيضا في مواضع أخرى، واستدل المصنف عليه بقوله تعالى: {وما ~~نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] أمر بالانتهاء عن المنهي عنه فيكون الانتهاء ~~واجبا؛ لأنه قد تقدم أن الأمر للوجوب ولك أن تقول: إنما يدل هذا على ~~التحريم في بعض النواهي بدليل منفصل أيضا لا من وضع اللفظ, وكلاهما غير ~~المدعى. قوله: "وهو كالأمر" يعني أن النهي حكمه حكم الأمر في أنه لا يدل ~~على التكرار ولا على الفور كما تقدم، وفي المحصول أن هذا هو المختار, وفي ~~الحاصل أنه الحق لأنه قد يرد للتكرار كقوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى} ~~[الإسراء: 32] ولخلافه كقول الطبيب: لا تشرب اللبن ولا تأكل اللحم ~~والاشتراك والمجاز خلاف الأصل, فيكون حقيقة في القدر المشترك, وصحح الآمدي ~~وابن الحاجب أنه للتكرار والفور, وجزم به المصنف قبل هذا بقليل كما تقدم ~~التنبيه عليه. وقال في المحصول: إنه المشهور وابن برهان: إنه مجمع عليه، ~~ودليل الإمام مردود بما تقدم في الكلام على أن الأمر ليس للتكرار ولأن عدم ~~التكرار في أمر المريض إنما هو لقرينة وهي المرض، والكلام عند عدم القرائن. ~~المسألة الثانية: في أن النهي هل يدل على الفساد أم لا؟ فقال بعضهم: لا يدل ~~عليه مطلقا ونقله في المحصول عن أكثر الفقهاء والآمدي عن المحققين، وقال ~~بعضهم: يدل مطلقا, وصححه ابن الحاجب لكن ذكر هذا الحكم مفرقا في مسألتين ~~فافهمه, وقال أبو الحسين البصري: يدل على الفساد في العبادات دون ~~المعاملات, واختاره الإمام في المحصول والمنتخب وكذلك أتباعه ومنهم صاحب ~~الحاصل، وخالفهم المصنف فاختار تفصيلا يأتي ذكره والكلام عليه، وحيث قلنا ~~يدل على الفساد، فقيل: يدل من جهة اللغة، والصحيح عند الآمدي وابن الحاجب ~~أنه لا يدل إلا من جهة الشرع، وقد تقدم دليله في الكلام على أن امتثال ~~الأمر يوجب الإجزاء، وإليه أشار المصنف بقوله: النهي يدل شرعا، ولم يذكر ~~الإمام ولا مختصر كلامه هذا القيد، وإذا قلنا: لا يدل على الفساد، ms245 فقال أبو ~~حنيفة: يدل على الصحة لاستحالة النهي عن المستحيل، وجزم به الغزالي في ~~المستصفى قبل الكلام على المبين، ثم ذكر بعد ذلك في هذا الباب أنه # PageV01P178 # فاسد، وقد تقدم معنى فساد العبادات والمعاملات في أول الكتاب فأغنى عن ~~ذكره، ولنرجع إلى كلام المصنف وحاصله أن النهي يدل من جهة الشرع على الفساد ~~في العبادات، أي: سواء نهى عنها لعينها أو لأمر قارنها؛ لأن الشيء الواحد ~~يستحيل أن يكون مأمورا به ومنهيا عنه، وحينئذ لا يكون الآتي بالفعل المنهي ~~آتيا بالمأمور به، فيبقى الأمر متعلقا به، ويكون الذي أتى به غير مجزئ، وهو ~~المراد من دعوى الفساد كما تقدم في الكلام على الصحة، هكذا قرره بعضهم، وهو ~~خاص بالعبادات الواجبة أو المسنونة، مع أن الدعوى عامة، فالأولى أن يقال: ~~الصلاة المنهي عنها مثلا لو صحت لوقعت مأمورا بها أمر ندب لعموم الأدلة ~~الطالبة للعبادات، ثم إن الأمر بها يقتضي طلب فعلها، والنهي عنها يقتضي طلب ~~تركها، وذلك جمع بين النقيضين. قوله: "بعينه" هو بالبناء ومعناه بنفسه, وهو ~~متعلق بيكون فافهمه. وهذا الدليل إنما يدل على الفساد من حيث هو وأما كونه ~~من جهة الشرع فلا يدل وهو مطلوبه، على أن الفقهاء قالوا: يجوز أن يكون ~~الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه بجهتين واعتبارين، كما لو قال لعبده: خط ~~هذا الثوب ولا تخطه في الدار خاطه. وأما النهي في المعاملات فعلى أربعة ~~أقسام؛ لأن النهي لا يخلو إما أن يكون راجعا إلى نفس العقد أم لا. والثاني: ~~لا يخلو إما أن يكون إلى جزئه أم لا. والثالث: لا يخلو إما أن يكون إلى ~~لازم غير مقارن أم لا. فالأول كالنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة ~~بالحصاة بيعا قائما مقام الصيغة وهو أحد التأويلين في الحديث. والثاني كبيع ~~الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات، فإن النهي راجع إلى نفس المبيع، والمبيع ~~ركن من أركان العقد؛ لأن الأركان ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة، ولا ~~شك أن الركن داخل في الماهية. والثالث: كالنهي ms246 عن الربا, أما الربا النسيئة ~~والتفرق قبل التقابض فواضح كون النهي عنه لمعنى خارج، وأما ربا الفضل فلأن ~~النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين مثلا إنما هو لأجل الزيادة, وذلك أمر خارج ~~عن نفس العقد لأن المعقود عليه من حيث هو قابل للبيع وكونه زائدا أو ناقصا ~~صفة من أوصافه لكنه لازم، والنهي في هذه الثلاثة يدل على الفساد؛ لأن ~~الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير فكان ذلك إجماعا، ~~وإنما استدل المصنف على الثالث فقط؛ لأنه إذا ثبت ذلك فيه ثبت فيما عداه ~~بالطريق الأولى. وأما الرابع فكالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، فإنه راجع ~~أيضا إلى أمر خارج عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة لا لخصوص البيع, إذ ~~الأعمال كلها كذلك، والتفويت أمر مقارن غير لازم لماهية البيع، وهذا القسم ~~لا يدل على الفساد بدليل صحة الوضوء بالماء المغصوب، وهذا التفصيل الذي ~~اختاره المصنف صرح به الإمام في المعالم لكن في أثناء الاستدلال فافهمه، ~~ونقله الآمدي بالمعنى عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره فتأمله، ونقله ابن ~~برهان في الوجيز عن الشافعي نفسه ونص في الرسالة قبيل باب أصل العلم على ~~أنه يدل # PageV01P179 # على الفساد، فإنه عدد بيوعا كثيرة وحكم بإبطالها لنهي الشارع، ثم قال ما ~~نصه: وذلك أن أصل مال كل امرئ محرم على غيره إلا بما أحل به، وما أحل به من ~~البيوع ما لم ينه عنه، فلا يكون ما نهي عنه من البيوع محلا ما كان أصله ~~محرما. ثم قال: وهذا يدخل في عامة العلم انتهى, ونص في البويطي في باب صفة ~~النهي عن مثله أيضا وهو كما نقله المصنف إلا في استثناء المقارن، وقد نقل ~~ابن برهان عن الشافعي أنه مستثنى كما تقدم. المسألة الثالثة: مقتضى النهي ~~أي: المطلوب بالنهي وهو الذي تعلق النهي به إنما هو فعل ضد المنهي عنه. ~~فإذا قال: لا تتحرك فمعناه اسكن، وعند أبي هاشم والغزالي هو نفس أن لا يفعل ~~وهو عدم الحركة في هذا المثال. لنا أن ms247 النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما ~~كان مقدورا للمكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا؛ لأن القدرة لا بد ~~لها من أثر وجودي، والعدم نفي محض فيمتنع إسناده إليها، إذ لا فرق في ~~المعنى بين قولنا: ما أثرت القدرة أو أثرت عدما صرفا، ولأن العدم الأصلي ~~-أي المستمر- حاصل والحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا، وإذا ثبت أن مقتضى النهي ~~ليس هو العدم ثبت أنه أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو الضد, ولقائل أن ~~يقول: ترك الزنا مثلا ليس عدما محضا بل هو عدم مضاف متجدد فيكون مقدورا، ~~واحتج أبو هاشم بأن من دعي إلى زنا فلم يفعله فإن العقلاء يمدحونه على أنه ~~لم يزن من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا. # قلنا: لا نسلم, فإن العدم ليس في وسعه كما قدمناه فلا يمدح عليه بل المدح ~~على الكف عن الزنا، والكف فعل الضد، ولك أن تقول: ما الفرق بين هذه المسألة ~~وبين قولهم: النهي عن الشيء أمر بضده, فإن هذا هو قولهم متعلق النهي ضد ~~المنهي عنه. المسألة الرابعة: النهي إن كان عن شيء واحد فلا كلام وإن كان ~~عن أشياء فعلى قسمين أحدهما: أن يكون عن الجمع أي: الهيئة الاجتماعية دون ~~المفردات على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخير عند ~~الأشاعرة كما تقدم في خصال الكفارة. الثاني: أن يكون عن الجميع أي: كل واحد ~~كالربا والسرقة, واعلم أن الأشياء جمع وأقلها ثلاثة، وحينئذ فالتمثيل غير ~~مطابق ولو عبر بالمتعدد لخلص من السؤال. # PageV01P180 ### | الباب الثالث: في العموم والخصوص ### | الفصل الأول: في العموم # ... # الباب الثالث: # الفصل الأول: في العموم # قال: "الباب الثالث: في العموم والخصوص، وفيه فصول، الفصل الأول: في ~~العموم، فالعام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد، وفيه مسائل". أقول: ~~اتفقوا على أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وفي المعنى أقول: أصحها عند ~~ابن الحاجب أنه حقيقة فيه أيضا؛ لأن العموم في اللغة هو شمول أمر لمتعدد ~~وذلك موجود بعينه في المعنى. ولهذا يقال: عم المطر، ms248 وعم الأمير بالعطاء، ~~ومنه نظر عام، وحاجة عامة، وعلة عامة، ومفهوم عام، وسائر المعاني الكلية ~~كالأجناس والأنواع وكذا الأمر والنهي النفسانيان. والثاني: أنه مجاز ونقله ~~في الأحكام عن الأكثرين ولم يرجح خلافه # PageV01P180 # واحتجوا بأنه لو كان حقيقة لكان مطردا، وليس كذلك بدليل معاني الأعلام ~~كلها, ولأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد كشمول معنى الإنسان وعموم المطر ~~حصل في جزء من أجزاء الأرض. والثالث: أنه لا يصدق عليه لا حقيقة ولا مجازا ~~حكاه ابن الحاجب، إذا علمت هذه المقدمة فليرجع إلى الحد فقوله: لفظ جنس، ~~وقد تقدم غير مرة أن الكلمة أولى منه لكونه جنسا بعيدا بدليل إطلاقه على ~~المهمل والمستعمل مركبا كان أو مفردا بخلاف الكلمة، ويؤخذ من التعبير ~~باللفظ أن العموم عند المصنف ليس من عوارض المعاني، لكنه قد نص بعد ذلك على ~~تخصيص العلة والمفهوم وغيرهما، والتخصيص فرع العموم، وأيضا فسيأتي قريبا أن ~~العموم قد يكون عقليا لا لفظيا، ولك أن تجيب بأنه يجوز أن يكون إطلاق ~~العموم هناك على سبيل المجاز كما رآه الجمهور، وكلامه هنا في المدلول ~~الحقيقي، أو تقول: العموم هناك بحسب اللغة وهنا بحسب الاصطلاح، وفي المعالم ~~أن العام ما يتناول الشيئين فصاعدا من غير حصر, فسلم من الاعتراضين وإن وقع ~~في غيرهما. وقوله: "يستغرق" خرج به المطلق، وإنه سيأتي أنه لا يدل على شيء ~~من الأفراد فضلا عن استغراقها، وخرج به النكرة في سياق الإثبات سواء كانت ~~مفردة كرجل أو مثناة كرجلين أو مجموعة كرجل أو عددا كعشرة، فإن العشرة مثلا ~~لا تستغرق جميع العشرات وكذلك البواقي، نعم هي عامة عموم البدل عند ~~الأكثرين إن كانت أمرا نحو: اضرب رجلا، فإن كانت خبرا نحو: جاءني رجل, فلا ~~تعم. ذكره في المحصول1 في الكلام على أن النكرة في سياق النفي تعم، ومعنى ~~عموم البدل أنها تصدق على كل واحد بدلا عن الآخر. وقوله: "جميع ما يصلح له" ~~احتراز عما لا يصلح, فإن عدم استغراق من لما لا يعقل وأولاده زيد لأولاد ~~غيره لا ms249 يمنع كونه عاما، لعدم صلاحيته له، والمراد بالصلاحية اللفظ لمعنى ~~دون معنى, سببها الوضع لا المناسبة الطبيعية كما تقدم، ويجوز أن يكون حالا ~~من ما أي جميع المعاني الصالحة له في حال كونها حاصلة بوضع واحد، # واحترز بذلك عن اللفظ المشترك كالعين وما له حقيقة ومجاز كالأسد، وتقريره ~~على وجهين, أحدهما: أن العين قد وضعت مرتين مرة للمبصرة ومرة للفوارة، فهي ~~صالحة لهما، فإذا قال: رأيت العيون وأراد بها العيون المبصرة دون الفوارة، ~~أو بالعكس فإنها لم تستغرق جميع ما يصلح لها مع أنها عامة؛ لأن الشرط إنما ~~هو استغراق الأفراد الحاصلة من وضع واحد وقد وجد ذلك، والذي لم يدخل فيها ~~هو أفراد وضع آخر فلا يضر. فلو لم يذكر هذا القيد لاقتضى أن لا تكون عامة، ~~وما كان له حقيقة ومجاز يعمل فيه هذا العمل المذكور بعينه فيكون المقصود ~~بهذا القيد إدخال بعض الأفراد لا الإخراج، وهذا التقرير قد أشار إليه في ~~المحصول إشارة لطيفة فقال: PageV01P181 # فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا وقل من قرره على وجهه, فاعتمد ~~ما ذكرته فإنه عزيز مهم، وإياك وما وقع للأصفهاني والقرافي في شرحيهما ~~للمحصول. التقرير الثاني: أنه قد تقدم أنه يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ~~كالعين وفي حقيقته ومجازه كالأسد, وحينئذ فيصدق أن يقال: إنه لفظ مستغرق ~~لجميع ما يصلح له وليس بعام أما الأسد ونحوه فلا خلاف, وأما العين ونحوها ~~فعلى الأصوب كما تقدم، فأخرجه بقوله: بوضع واحد, وفي الحد نظر من وجوه, ~~أحدها: أنه عرف العام بالمستغرق وهما لفظان مترادفان وليس هذا حدا لفظيا ~~حتى يصح التعريف به بل حقيقيا أو رسميا أورده الآمدي في الأحكام. الثاني: ~~أنه يدخل فيه الفعل الذي ذكر معه معمولاته من الفاعل والمفعول وغيرهما نحو ~~ضرب زيد عمرا، وأورده أيضا الآمدي وكذلك ابن الحاجب. الثالث: النقض بأسماء ~~الأعداد فإن لفظ العشرة مثلا صالح لعدد خاص وذلك العدد له أفراد وقد ~~استغرقها, وأورده ابن الحاجب. الرابع: أنه أخذ في تعريف العام لفظة جميع ms250 ~~وهو من جملة المعروف, وأخذ المعرف قيدا في المعرف باطل لما علم في علم ~~المنطق. # وأورده الأصبهاني شارح المحصول وهذه الأسئلة قد يجاب عن بعضها بجواب غير ~~مرض لكونه عناية في الحد، نعم قولنا: ضرب زيد عمرا لم يستغرق جميع ما يصلح ~~له؛ لأنه غير شامل لجميع أنواع الضرب. قال: "الأولى: أن لكل شيء حقيقة هو ~~بها هو, فالدال عليها المطلق, وعليها مع وحدة معينة المعرفة, وغير معينة ~~النكرة، ومع وحدات معدودة العدد، ومع كل جزئياتها العام". أقول: غرضه الفرق ~~بين المطلق والنكرة والمعرفة والعام والعدد، فإن بعضهم يرى أن المطلق هو ~~النكرة كما حكاه في المحصول1، وحاصله أن لكل شيء حقيقة أي: ماهية ذلك الشيء ~~بها، أي: بتلك الحقيقة يكون ذلك الشيء؛ فالجسم الإنساني مثلا له حقيقة وهي ~~الحيوان الناطق, وذلك الجسم بتلك الحقيقة إنسان، فإن الإنسان إنما يكون ~~إنسانا بالحقيقة وتلك الحقيقة مغايرة لما عداها سواء كان ما عداها ملازما ~~لها كالوحدة والكثرة, أو مفارقا كالحصول في الحيز المعين. فمفهوم الإنسان ~~من حيث هو إنسان لا واحد ولا كثير لكون الوحدة والكثرة مغايرة للمفهوم من ~~حقيقته، وإن كان لا يخلو عنه، إذا عرفت هذا فنقول: اللفظ الدال عليها أي: ~~على الحقيقة فقط هو المطلق كقولنا: الرجل خير من المرأة, والدال عليها مع ~~وحدة أي: مع الدلالة على كونه واحدا, إما بالشخص أو بالنوع أو بالجنس إن ~~كان معينا فهو المعرفة كزيد وإن كان غير معين فهو النكرة كقولك: مررت برجل، ~~وهذان القسمان لم يذكرهما الإمام, بل ذكرهما صاحب الحاصل وصاحب التحصيل ~~فتبعهما المصنف، والدال على الماهية مع وحدات أي: مع كثرة PageV01P182 # ينظر فيها إن كانت معدودة أي: محصورة لا تتناول ما عداها فهو العدد ~~كخمسة، وإن كانت غير معدودة بل مستوعبة لكل جزء من جزئيات تلك الحقيقة أي: ~~لكل فرد من أفرادها فهو العام كالمشركين، وهذه العبارة التي في العام أخذها ~~المصنف من الحاصل, فإنه عدل عن قول الإمام وعليها مع كثرة غير معينة إلى ما ~~قلناه؛ لأنه ms251 يرد عليه الجمع المنكر كقولنا: رجال, فتابعه المصنف عليه وهو ~~من محاسن الكلام, وما أورده بعضهم عليه فلا وجه له، ويؤخذ منه حد آخر للعام ~~غير المذكور أولا, ومنه أخذ القرافي حده حيث قال: هو اللفظ الموضوع لمعنى ~~كلي يفيد التتبع في محاله, وكلامه يقتضي أنه اخترعه. واعلم أن هذا التقسيم ~~ضعيف لوجوه, أحدها: أنه يقتضي أن العدد والمعرفة والعام متقابلات أي: لا ~~يصدق أحدها على الآخر؛ لأن هذا شأن التقسيم وليس كذلك، فإن العام والعدد قد ~~يكونان معرفتين كالرجال والخمسة, ونكرتين نحو: كل رجل وخمسة, فتداخلت ~~الأقسام. الثاني: أن اعتبار الوحدة في مدلول المعرفة والنكرة يوجب خروج نحو ~~الرجلين والرجال عن حد المعرفة, وخروج نحو رجلين ورجال عن حد النكرة وهو ~~باطل، ولم يذكر ذلك غير صاحب الحاصل والتحصيل. # الثالث: أن العدد في قولنا: خمسة رجال مثلا, إنما هو الخمسة وحدها بلا ~~نزاع، والرجال هو المعدود، وكلامه يقتضي أن العدد إما اسم للمجموع أو ~~للرجال فقط، وهو الأقرب لكلامه، فإن الرجال لفظ دال على الحقيقة وعلى وحدات ~~معدودة بالخمس، فإنا عددناها بها، وأيضا فإن المعدود مشتق من العدد فيتوقف ~~معرفته على معرفته, فكيف يؤخذ في التقسيم الذي يحصل منه تعريفه؟ وعبر ~~الإمام في المحصول والمعالم بقوله: معينة، ولكن أبدله في الحاصل بقوله: ~~معدودة فتبعه المصنف عليه. قال: "الثانية: العموم, إما لغة بنفسه كأي للكل ~~ومن للعالمين وما لغيرهم، وأين للمكان، ومتى للزمان, أو بقرينة في الإثبات ~~كالجمع المحلى بالألف واللام، والمضاف, وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في ~~سياقه أو عرفا مثل {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 34] فإنه يوجب حرمة ~~الاستمتاعات, أو عقلا كترتيب الحكم على الوصف, ومعيار العموم جواز ~~الاستثناء فإنه يخرج ما يجب اندراجه لولاه وإلا لجاز من الجمع المنكر, قيل: ~~لو تناول لامتنع الاستثناء لكون نقضا, قلنا: منقوض بالاستثناء من العدد، ~~وأيضا استدلال الصحابة -رضي الله عنهم- بعموم ذلك في مثل: {الزانية ~~والزاني} [النور: 2] {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] "وأمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا ms252 الله" 1 و "الأئمة من قريش" 2، "نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث" 3 "شائعا من غير نكير"". أقول: العموم إما أن يكون ~~لغة، أو عرفا، أو عقلا. القسم الأول وهو المستفاد من وضع اللغة له حالان, ~~أحدهما: أن يكون عاما PageV01P183 # بنفسه أي: من غير احتياج إلى قرينة، وحينئذ فإما أن يكون عاما في كل شيء ~~سواء كان من أولي العلم أو غيرهم كأن تقول: أي رجل جاء, وأي ثوب لبسته، ~~وكذا كل وجميع والذي والتي ونحوها وكذا سائرها إن كانت مأخوذة من سور ~~المدينة وهو المحيط به, وبه جزم الجوهري وغيره، فإن كانت مأخوذة من السؤر ~~بالهمزة وهو البقية فلا يعم وهو الصحيح، وفي الحديث "وفارق سائرهن" أي: ~~باقيهن وشرط أي أن تكون استفهامية أو شرطية، فإن كانت موصولة نحو: مررت ~~بأيهم قام أي: بالذي, أو صفة نحو: مررت برجل أي رجل بمعنى كامل, أو حالا ~~نحو: مررت بزيد أي رجل بفتح أي بمعنى كامل أيضا، أو منادى نحو: "يا أيها ~~الرجل" فإنها لا تعم، وإما أن يكون عاما في العالمين خاصة أي: أولي العلم, ~~كمن قال: الصحيح أنها تعم الذكور والإناث والأحرار والعبيد، وقيل: تعم شرعا ~~الذكور الأحرار فقط، وشرطها أن تكون شرطية أو استفهامية, فإن كانت نكرة ~~موصوفة نحو: مررت بمن معجب لك, بجر معجب أي: رجل معجب، أو كانت موصولة نحو: ~~مررت بمن قام أي: بالذي قام فإنها لا تعم. ونقل القرافي عن صاحب التلخيص أن ~~الموصولة تعم، وليس كذلك فقد صرح بعكسه، ونقله عنه الأصفهاني في شرح ~~المحصول والعالمين هنا بكسر اللام, وإنما عدل عن التعبير بمن يعقل وإن كانت ~~هي العبارة المشهورة، إلى التعبير بأولي العلم لمعنى حسن غفل عنه الشارحون, ~~ذكره ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، وهو أن من يطلق على الله تعالى كقوله ~~تعالى: {ومن لستم له برازقين} [الحجر: 20] وكذلك أي: كقوله تعالى: {قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله} [الأنعام: 19] والبارئ سبحانه وتعالى يوصف بالعلم ~~ولا يوصف بالعقل, فلو عبر به لكان ms253 تعبيرا غير شامل، وإما أن يكون عاما في ~~غير أولي العلم وهو ما، نحو: اشتر ما رأيت, فلا يدخل فيه العبيد والإماء، ~~وفيه خلاف يأتي ذكره بدليله في تأخير البيان إن شاء الله تعالى, لكن إذا ~~كانت ما نكرة موصوفة نحو: مررت بما معجب لك أي بشيء، أو كانت غير موصوفة ~~نحو: ما أحسن زيدا, فإنها لا تعم، وإما أن يكون عاما في الأمكنة خاصة نحو: ~~أين تجلس أجلس، وإما في الأزمنة نحو: متى تجلس أجلس، وقيد ابن الحاجب ذلك ~~بالزمان المبهم كما مثلناه، حتى لا يصح أن تقول: متى زالت الشمس فأتمنى، ~~ولم أر هذا الشرط في الكتب المعتمدة، ولقائل أن يقول: لو كانت هذه الصيغ ~~للعموم لكان إذا قال لامرأته: متى قمت أو حيث قمت أو أين قمت فأنت طالق يقع ~~عليه الثلاث كما لو قال: كلما وليس كذلك. وقوله: "أو بقرينة" هذا هو الحال ~~الثاني، وهو أن يكون عمومه مستفادا من اللغة لكن بقرينة وتلك القرينة قد ~~تكون في الإثبات، وهي أل والإضافة الداخلان على الجمع كالعبيد وعبيدي، وعلى ~~المفرد، وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس، كقوله تعالى: {ولا تقربوا ~~الزنى} [الإسراء: 32] {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] لكن إن ~~كانت أل عهدية فإن تعميمها لأفراد المعهودين خاصة، # PageV01P184 # قال في المحصول: والضمير العائد على اسم حكمه حكم ذلك الاسم في العموم ~~وعدمه، وهنا أمور, أحدها: أن هذه القرينة قد تفيد العموم في النفي أيضا ~~نحو: {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] الثاني: أن العموم فيما تقدم ~~يختلف, فالداخل على اسم الجنس يعم المفردات، وعلى الجمع يعم الجموع؛ لأن أل ~~تعم أفراد ما دخلت عليه، وقد دخلت على جمع، وكذلك الإضافة. وفائدة هذا أنه ~~يتعذر الاستدلال به في حالة النفي أو النهي على ثبوت حكمه لمفرداته، إنما ~~حصل النفي أو النهي عن أفراد المجموع، والواحد ليس بجمع، وهو معنى قولهم: ~~لا يلزم من نفي المجموع نفي كل فرد، ولا من النهي عنه النهي عن كل فرد, فإن ~~قيل: يعارض ms254 هذا إطلاقهم أن العموم من باب الكلية فإن معناه ثبوته لكل فرد, ~~سواء كان نفيا أم لا كما تقدم بسطه في تقسيم الدلالة. قلنا: لا تنافي ~~بينهما, فإنا قد أثبتناه لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهو المجموع. ~~الثالث: لم يصرح الإمام وأتباعه بحكم المفرد المضاف هنا, نعم صرحوا بعمومه ~~في الكلام على أن الأمر للوجوب فإنهم قد استدلوا عليه بقوله تعالى: ~~{فليحذر} الآية, فأورد الخصم أن أمره لا يعم فأجابوا بأنه عام لجواز ~~الاستثناء كما تقدم، ونقله القرافي هنا عن صاحب الروضة، وأما المفرد المعرف ~~بأل فذكره الإمام في كتبه وصحح هو وأتباعه أنه لا يعم، وصحح المصنف وابن ~~الحاجب عكسه, وصححه ابن برهان في الوجيز, ونقله الإمام عن الفقهاء والمبرد ~~والجبائي, ونقله الآمدي عن الشافعي -رحمه الله- والأكثرين، ورأيت في نصه في ~~الرسالة نحوه أيضا، فإنه نص على أن الأرض من قوله تعالى: {خلق السماوات ~~والأرض} [الزمر: 5] من الألفاظ العامة التي أريد بها العموم، ثم نص على أن ~~قوله تعالى: {الزانية والزاني} و {والسارق والسارقة} ونحوهما من العام الذي ~~خص ورأيت في البويطي نحوه أيضا فإنه جعل قوله تعالى: {النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] من العام المخصوص، ولك أن تقول: لم لا؟ قال الشافعي رحمه ~~الله بوقوع الثلاث على من حلف بالطلاق المعرف، وقد يجاب بأن هذا يمين ~~فيراعى فيه العرف لا اللغة. قوله: "أو النفي" تقديره أو بقرينة في النفي، ~~وهو معطوف على قوله في الإثبات وحاصله أن النكرة في سياق النفي تعم سواء ~~باشرها النفي نحو: ما أحد قائم أو باشر عاملها نحو: ما قام أحد، وسواء كان ~~النافي ما أو لم أو لن أو ليس أو غيرها، ثم إن كانت النكرة صادقة على ~~القليل والكثير كشيء، أو ملازمة للنفي نحو: أحد، أو داخلا عليها من نحو: ما ~~جاء من رجل، أو واقعة بعد لا العاملة عمل إن وهي لا التي لنفي الجنس, فواضح ~~كونها للعموم، وما عدا ذلك نحو: لا رجل قائما، وما في الدار رجل، ففيه ms255 ~~مذهبان للنحاة, الصحيح أنها للعموم أيضا كما اقتضاه إطلاق المصنف وهو مذهب ~~سيبويه, وممن نقله عنه شيخنا أبو حيان في حروف الجر، ونقله من الأصوليين ~~إمام الحرمين في البرهان في الكلام على معاني الحروف لكنها ظاهرة في العموم ~~لا نص، قال إمام الحرمين: # PageV01P185 # ولهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول: ما فيها رجل بل رجلان، كما يعدل ~~عن الظاهر في نحو: جاء الرجال إلا زيدا، وذهب المبرد إلى أنها ليست للعموم ~~وتبعه عليه الجرجاني في أول شرح الإيضاح والزمخشري عند قوله تعالى: {ما لكم ~~من إله غيره} [الأعراف: 59] وعند قوله تعالى: {وما تأتيهم من آية} ~~[الأنعام: 4] نعم يستثنى من إطلاق المصنف سلب الحكم عن العموم كقولنا: ما ~~كل عدد زوجا، فإن هذا ليس من باب عموم السلب أي: ليس حكما بالسلب على كل ~~فرد, وإلا لم يكن فيه زوج وذلك باطل، بل المقصود إبطال قول من قال: إن كل ~~عدد زوج وذلك سلب الحكم عن العموم، وقد تفطن لذلك السهروردي صاحب التلقيحات ~~فاستدرجه وإذا وقعت النكرة في سياق الشرط كانت للعموم, أيضا صرح به في ~~البرهان هنا وارتضاه الإبياري في شرحه له, واقتضاه كلام الآمدي وابن الحاجب ~~في مسألة لا آكل. وقوله: "أو عرفا" هذا هو القسم الثاني من أصل التقسيم وهو ~~عطف على قوله: لغة، أي: العموم إما أن يكون لغة أو عرفا كقوله تعالى: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] فإن أهل العرف نقلوا هذا المركب من تحريم ~~العين إلى تحريم جميع وجوه الاستمتاعات؛ لأنه المقصود من النسوة دون ~~الاستخدام ونحوه. ومثله قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] فإن ~~حملناه على الأكل للعرف, وفيه قول مذكور في باب المجمل والمبين أن هذا كله ~~مجمل. قوله: "أو عقلا" هذا هو القسم الثالث, وضابطه ترتيب الحكم على الوصف، ~~نحو: حرمت الخمر للإسكار, فإن ترتيبه عليه يشعر بأنه علة له والعقل يحكم ~~بأنه كلما وجدت العلة يوجد المعلول، وكلما انتفت فإنه ينتفي، وأما في اللغة ~~فإنها لم تدل على هذا العموم، أما في ms256 المفهوم فواضح, وأما في المنطوق فلما ~~مر من أن تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار من جهة اللفظ، وههنا أمران ~~أحدهما: أن صيغ العموم وإن كانت عامة في الأشخاص فهي مطلقة في الأحوال ~~والأزمان والبقاع, فلا يثبت العموم فيها لأجل ثبوته في الأشخاص, بل لا بد ~~من دليل عليه مثاله قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] يقتضي قتل ~~كل مشرك لكن لا في كل حال بحيث يعم حال الهدنة والحرابة وعقد الذمة بل ~~يقتضي ذلك في حال ما, وما من مشرك إلا ويقتل في حال ما كحال الردة وحال ~~الحرب, وهذه القاعدة ارتضاها القرافي والأصفهاني في شرحي المحصول وقرراها ~~بهذا التقرير في الكلام على التخصيص وهي صحيحة نافعة، ونازع الشيخ تفي ~~الدين في شرح العمدة1 في صحتها، وكذلك الإمام في المحصول فإنه قال في كتاب ~~القياس جوابا عن سؤال: قلنا: لما كان أمر الجميع الأقيسة كان متناولا لا ~~محالة لجميع الأوقات, وإلا قدح ذلك في كونه متناولا لكل الأقيسة, ويظهر أن ~~يتوسط فيقال: معنى الإطلاق إنه إذا عمل به في شخص ما في حال ما في زمان ما ~~فلا يعمل به في ذلك الشخص مرة أخرى، أما في PageV01P186 # أشخاص أخر فيعمل به, فالتوفية بعموم الأشخاص أن لا يبقى شخص إلا ويدخل، ~~والتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر الحكم في الشخص الواحد، ولقائل أن يقول: عدم ~~التكرار معلوم من كون الأمر لا يقتضي التكرار. الثاني: دلالة العموم قطعية ~~عند الشافعي -رحمه الله- والمعتزلة أيضا، وظنية عند أكثر الفقهاء, هكذا ~~نقله الإبياري شارح البرهان وهي فائدة حسنة، وممن نقله عنه الأصفهاني شارح ~~المحصول، وذكر الماوردي نحوه أيضا، فقال: واختلف المعممون في أن ما زاد على ~~أقل الجمع هل هو من باب النصوص أو من باب الظواهر؟ وذكر في البرهان في أول ~~العموم عن الشافعي نحوه أيضا. وقوله: "ومعيار العموم ... إلخ" اعلم أن ~~الشافعي رضي الله عنه وكثيرا من العلماء ذهبوا إلى أن ما سبق ذكره من الصيغ ~~حقيقة في العموم مجاز في الخصوص, واختاره ms257 ابن الحاجب وذهب جماعة إلى العكس, ~~وقال جماعة: إنها مشتركة بينهما, وآخرون بالوقف وهو عدم الحكم بشيء، ~~واختاره الآمدي وقيل بالوقف في الأخبار والوعد والوعيد دون الأمر والنهي, ~~واختار المصنف مذهب الشافعي، واستدل عليه بوجهين أحدهما: جواز الاستثناء؛ ~~وذلك لأن هذه الصيغ يجوز أن يستثنى منها ما شئناه من الأفراد، والاستثناء ~~إخراج ما لولاه لوجب اندراجه في المستثنى منه، فلزم من ذلك أن تكون الأفراد ~~كلها واجبة الدخول ولا معنى للعموم إلا ذلك، أما المقدمة الأولى فبالاتفاق، ~~وأما الثانية فلأن الدخول لو لم يكن واجبا بل جائزا لكان يجوز الاستثناء من ~~الجمع المنكر، فتقول: جاء رجال إلا زيدا, وقد نص النحاة على منعه، نعم ~~قالوا: إن كان المستثنى منه مختصا جاز نحو: جاء رجال كانوا في دارك إلا ~~زيدا منهم أو رجلا منهم، والتعليل الذي ذكره المصنف يدفع إيراد هذه الصورة, ~~ولم يصرح الإمام ولا أتباعه كصاحب الحاصل بامتناع الاستثناء من النكرة، بل ~~صرحوا بجوازه في غير موضع من هذه المسألة, وما قاله المصنف هو الصواب، لكن ~~في هذا الدليل كلام تقدم في أدلة من قال: إن الأمر للتكرار، ولقائل أن ~~يقول: لو كان جواز الاستثناء معيار العموم لكان العدد عاما وليس كذلك، ~~واعترض الخصم عليه بأنه لو وجب أن يتناوله لامتنع الاستثناء؛ لأن المتكلم ~~دل بأول كلامه على أن المستثنى داخل فيه، ودل بالاستثناء على عدم دخوله ~~وذلك نقض للأول, وأجاب المصنف بأن ما ذكرتموه من الدليل ينتقض بالاستثناء ~~من العدد، فإن المستثنى داخل في المستثنى منه قطعا، وللخصم أن يقول: لا ~~أسلم جواز الاستثناء من العدد، فإن مذهب البصريين المنع لكونه نصا كما حكاه ~~عنهم ابن عصفور في شرح المقرب وغيره، قال: إلا أن يكون العدد مما يستعمل في ~~المبالغة كالألف والسبعين فيجوز، نعم الاعتراض نفسه ضعيف أو باطل, فإن ~~المصنف لم يدع وجوب الاندراج مع كونه مستثنى بل ادعاه عند عدمه، ولهذا قال: ~~ما يجب اندراجه لولاه، وأيضا فإن المستثنى داخل في المستثنى منه لغة لا منه ms258 ~~فلا تناقض؛ لأن الصحيح أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج ~~المستثنى. قوله: "وأيضا" أي: الدليل الثاني: استدلال الصحابة بعموم هذه ~~الصيغة # PageV01P187 # استدلال شائع من غير نكير فكان إجماعا، وبيانه أنهم قد استدلوا بعموم اسم ~~الجنس المحلى بأل كقوله تعالى: {الزانية والزاني} [النور: 2] وبعموم الجمع ~~المضاف، فإن فاطمة احتجت على أبي بكر -رضي الله عنهما- في توريثها من النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- الأرض المعروفة وهي فدك والعوالي بقوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] الآية, واستدل أيضا أبو بكر بعمومه ~~فإنه رد على فاطمة بقوله -صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث, ما تركناه صدقة" وهذا الحديث معزو إلى الترمذي في غير جامعه, والثابت ~~في الصحيحين: "لا نورث, ما تركناه صدقة" واستدل عمر -رضي الله عنه- بعموم ~~الجمع المحلى، فإنه قال لأبي بكر حين عزم على قتال مانعي الزكاة: كيف ~~تقاتلهم وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله"؟! فقال أبو بكر: أليس أنه قال: "إلا بحقها"؟ ~~وتمسك أيضا أبو بكر فإن الأنصار لما قالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير ~~رد عليهم أبو بكر بقوله -صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش" رواه ~~النسائي. قال: "الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم؛ لأنه يحتمل كل ~~أنواع العدد، قال الجبائي: حقيقة في كل أنواع العدد, فيحمل على جميع ~~حقائقه, قلنا: لا, بل في القدر المشترك". أقول: الجمع المنكر أي: إذا لم ~~يكن مضافا لا يقتضي العموم خلافا لأبي علي الجبائي, لنا أن رجالا مثلا ~~يحتمل كل نوع من أنواع العدد بدليل صحة تقسيمه إليه، وتفسير الإقرار به ~~وإطلاقه عليه ووصفه به، كرجال ثلاثة وعشرة، ومورد التقسيم وهو الجمع أعم من ~~أقسامه ضرورة، فيكون الجمع أعم، وكل فرد أخص, والأعم لا يدل على الأخص، ولا ~~يستلزمه فلا يحمل عليه، وقوله في كل أنواع العدد أي: من الثلاثة فصاعدا ~~وإلا فيرد الاثنان، وأما الواحد فلا يرد لأنه لا يسمى عددا عند أهل الحساب ms259 ~~بل العدد ينشأ عنه، واحتج الجبائي بأنه لما ثبت أنه يطلق على كل نوع كان ~~مشتركا؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وحينئذ فيحمل على جميع حقائقه ~~احتياطا كما ذكرناه في باب الاشتراك, وقد تقدم هناك من كلام المصنف أن أبا ~~علي الجبائي ممن جوز استعمال المشترك في معنييه، لكنه لا يلزم منه الحمل ~~كما تقدم، فاستفدنا من هنا أنه يقول بالحمل أيضا، والجواب: أنا لا نسلم أنه ~~حقيقة في كل نوع بخصوصه حتى يكون مشتركا، بل حقيقة في القدر المشترك بين ~~الكل وهو الثلاثة مع قطع النظر عن الزائد عليها كما قاله في المحصول؛ لأنا ~~بينا أنه لا يدل على الأنواع فكيف يكون حقيقة فيها، وأيضا للفرار من ~~الاشتراك، ولك أن تقول: هذا الكلام يقتضي أن رجالا أقلهم ثلاثة, وليس كذلك؛ ~~لأنه جمع كثرة، والأصل في مدلوله وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها إنما هو ~~أحد عشر باتفاق النحاة. قال: "الرابعة: قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] يحتمل نفي الاستواء من كل وجه, ومن بعضه فلا ~~ينفي الاستواء من كل وجه؛ لأن الأعم لا يستلزم الأخص، وقوله: لا آكل, عام ~~في كل مأكول فيحمل على التخصيص، كما لو قيل: لا آكل أكلا، وفرق أبو حنيفة ~~بأن أكلا يدل # PageV01P188 # على التوحيد وهو ضعيف, فإنه للتوكيد فيستوي فيه الواحد والجمع". أقول: ~~نفي المساواة بين الشيئين كقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة} [الحشر: 20] هل هو عام في الأمور التي يمكن نفيها أم لا؟ وفيه ~~مذهبان أحدهما: أن مقتضاها في الإثبات هل هو المساواة من كل وجه أو من بعض ~~الوجوه؟ فإن قلنا: من كل وجه, فلا يستوي ليس بعام بل نفي للبعض؛ لأن نقيض ~~الموجبة الكلية سالبة جزئية، وإن قلنا: من بعض الوجوه فلا يستوي عام؛ لأن ~~نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية، والصحيح عند أصحابنا القائلين بأن العموم ~~له صيغة، أن هذه أيضا للعموم، وممن صححه الآمدي وابن برهان وابن الحاجب ~~وتمسك بها جماعة على أن المسلم لا ms260 يقتل بالكافر؛ لأن القصاص مبني على ~~المساواة، وخالف الإمام وأتباعه ومنهم المصنف، واحتجوا بأن نفي الاستواء ~~أعم من كونه من كل الوجوه أو من بعضها بدليل صحة تقسيمه إليهما. والأعم لا ~~يستلزم الأخص فحينئذ نفي الاستواء المطلق لا يستلزم نفي الاستواء من كل ~~وجه. وهذا الدليل ضعيف؛ لأن الأعم إنما يدل على الأخص في طرف الإثبات، أما ~~في طرف النفي فيدل؛ لأنه نفي الحقيقة، ويلزم من انتفاء الحقيقة والماهية ~~انتفاء كل فرد؛ لأنه لو وجد منها فرد لكانت الماهية موجودة؛ ولهذا لو قال: ~~ما رأيت حيوانا وقد رأى إنسانا, عد كاذبا أيضا؛ فلأن الأفعال نكرات والنكرة ~~في سياق النفي تعم. قوله: "بخلاف لا آكل" اعلم أنه إذا حلف على الأكل وتلفظ ~~بشيء معين كقوله مثلا: والله لا آكل التمر، أو لم يتلفظ به لكن أتى بمصدر ~~ونوى به شيئا معينا كقوله: والله لا آكل فلا خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة ~~أنه لا يحنث بغيره، فإن لم يتلفظ بالمأكول ولم يأت بالمصدر ولكن خصصه ~~بنيته، كما إذا نوى التمر بقوله: والله لا آكل، أو إن أكلت فعبدي حر، ففي ~~تخصيص الحنث به مذهبان, منشؤهما أن هذا الكلام هل هو علم أم لا؟ وقد علمت ~~بما ذكرناه أن صورة المسألة المختلفة فيها أن يكون فعلا متعديا لم يقيد ~~بشيء كما صوره الغزالي في المستصفى، وأن يكون واقعا بعد النفي أو الشرط كما ~~صوره ابن الحاجب واقتضاه كلام الآمدي، إذا علمت هذا فأحد المذهبين وهو مذهب ~~أبي حنيفة أنه ليس بعام، وحينئذ فلا يقبل التخصيص بل يحنث به وبغيره؛ لأن ~~التخصيص فرع العموم. والثاني وهو مذهب الشافعي: أنه عام؛ لأنه نكرة في سياق ~~النفي أو الشرط فيعم؛ ولأن لا آكل يدل على نفي حقيقة الأكل الذي تضمنه ~~الفعل، فلو لم ينتف بالنسبة إلى بعض المأكولات لم تكن حقيقته منتفية ولا ~~معنى للعموم إلا ذلك، فإذا ثبت أنه عام فيقبل التخصيص واستدل المصنف عليه ~~بالقياس على ما لو قال: لا آكل أكلا, فإن أبا ms261 حنيفة يسلم أنه قابل التخصيص ~~بالنية كما تقدم، فكذلك لا آكل؛ لأن المصدر موجود فيه أيضا لكونه مشتقا ~~منه, ومال في المحصول لمقالة أبي حنيفة فقال: إن نظره فيه دقيق، وفي ~~المنتخب والحاصل: إنه الحق، وفرق أعني الإمام بأن لا آكل يتضمن المصدر, ~~والمصدر إنما يدل على الماهية # PageV01P189 # من حيث هي والماهية من حيث هي لا تتعدد فيها فليست بعامة، وإذا انتفى ~~العموم انتفى التخصيص فيحنث بالجميع. وأما أكل فليس بمصدر؛ لأنه يدل على ~~التوحيد أي: على المرة الواحدة وحينئذ فيصح تفسير ذلك الواحد بالنية, فلهذا ~~لا يحنث بغيره وهو ضعيف كما قاله المصنف, بل باطل لأن هذا مصدر مؤكد بلا ~~نزاع والمصدر المؤكد يطلق على الواحد والجمع ولا يفيد فائدة زائدة على ~~فائدة المؤكد, فلا فرق حينئذ بين الأول والثاني، ولو سلمنا أن لا آكل ليس ~~بعام لكنه مطلق والمطلق يصح تقييدا اتفاقا, وقد انتصر الإمام لأبي حنيفة ~~بشيء في غاية الفساد, فإنه بناه على أن أكلا ليس بمصدر وأنه للمرة الواحدة, ~~وأن لا آكل ليس بعام، وأنه إذا لم يكن عاما لا يقبل التقييد. وقد تقدم ~~بطلان الكل وبناء أيضا على أن تخصيصه ببعض الأزمنة أو الأمكنة لا يصح ~~بالاتفاق، وهو باطل أيضا، فإن المعروف عندنا أنه إذا قال: والله لا آكل ~~ونوى في مكان معين أو زمان معين أنه يصح وقد نص الشافعي على أنه لو قال: إن ~~كلمت زيدا فأنت طالق ثم أردت التكليم شهرا أنه يصح. "فروع" حكاها الإمام ~~أحدها: أن خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كقوله تعالى: {يا أيها النبي} ~~[الأحزاب: 45] لا يتناول أمته على الصحيح، وظاهر كلام الشافعي في البويطي ~~أنه يتناولهم. والثاني: أن خطاب الذكور الذي يمتاز عن خطاب الإناث بعلامة ~~المسلمين وفعلوا لا يدخل فيه الإناث على الصحيح، ونقله القفال في الإشارة ~~عن الشافعي، وكذلك ابن برهان في الوجيز. الثالث: لفظ كان لا يقتضي التكرار ~~وقيل: يقتضيه. الرابع: إذا أمر جمعا بصيغة جمع كقوله: أكرموا زيدا أفاد ~~الاستغراق. الخامس: خطاب المشافهة ms262 كقوله: {يا أيها الناس} [الحجرات: 13] لا ~~يتناول من يحدث بعدهم إلا بدليل منفصل. السادس: إذا لم يكن إجراء الكلام ~~على ظاهره إلا بإضمار شيء وكان هناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإضمار كل ~~منهما, لم يجز إضمار جميعها؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل, وهذا هو المراد ~~من قول الفقهاء: المقتضي لا عموم له, مثاله قوله -عليه الصلاة والسلام: ~~"رفع عن أمتي الخطأ" 1 والتقدير: حكم الخطأ وذلك الحكم قد يكون في الدنيا ~~كإيجاب الضمان، وقد يكون في الآخرة كرفع التأثيم، قال: وللخصم أن يقول: ليس ~~أحدهما بأولى من الآخر فيضمونها جميعا. السابع: قول الصحابي مثلا: نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر2 وقضى بالشاهد واليمين، لا يفيد ~~العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي قد يكون خاصا، وكذا ~~قوله: سمعته يقول: "قضيت بالشفعة للجار" لاحتمال كون الألف واللام للعهد ~~قال: أما إذا كان منونا كقوله -عليه الصلاة والسلام: "قضيت بالشفعة لجار" ~~وقول الراوي: "مضى بالشفعة لجار" فجانب العموم أرجح، واختار ابن الحاجب ~~PageV01P190 # أن الجميع للعموم. ونقل في الأحكام عن الجمهور موافقة الإمام ثم مال إلى ~~أنه يعم. الثامن: قال الشافعي رحمه الله: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع ~~قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم, المقال مثاله أن ابن غيلان أسلم على عشر ~~نسوة فقال عليه الصلاة والسلام: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" 1 ولم يسأله هل ~~ورد العقد عليهن معا أو مرتبا؟ فدل ذلك على أنه لا فرق، على خلاف ما يقوله ~~أبو حنيفة, قال الإمام: وفيه نظر لاحتمال أنه أجاب بعد أن عرف الحال. واعلم ~~أنه قد روي عن الشافعي أيضا أنه قال: حكاية الأحوال إذا تطرق إليها ~~الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال. وقد جمع القرافي بينهما ~~بأن قال: لا شك أن الإجمال المرجوح لا يؤثر، إنما يؤثر المساوي أو الراجح، ~~وحينئذ نقول: الاحتمال مؤثر إن كان في محل الحكم وليس في دليله، فلا يقدح ~~كحديث ابن غيلان وهو مراد الشافعي بالكلام الأول، وإن كان ms263 في دليله قدح وهو ~~المراد بالكلام الثاني. التاسع: مثل يا أيها الناس ويا عبادي, يشمل الرسول ~~وقال الحليمي: إن كان معه قل فلا، وقيل: لا يدخل مطلقا. العاشر: المتكلم ~~داخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين كقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} ~~[الحديد: 3] وقولك: من أحسن إليك فأكرمه، قال: ويشبه أن يكون كونه أمرا ~~قرينة مخصصة. قال في الحاصل: وهو الظاهر. الحادي عشر: المدح أو الذم لا ~~يخرج الصيغة عن كونها عامة على الصحيح، وصححه أيضا الآمدي وابن الحاجب ~~ونقلا مقابله عن الشافعي كذلك ابن برهان أيضا, ومثاله قوله تعالى: {إن ~~الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار: 13, 14] {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة} [التوبة: 34] . "فرع": قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} ~~[التوبة: 103] ونحوه يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من المال, نص عليه الشافعي ~~في الرسالة في باب الزكاة فقال عقب ذكره لهذه الآية: ولولا دلالة السنة ~~لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها لا في بعضها ~~دون بعض هذا لفظه بحروفه، ورأيت في البويطي نحوه أيضا ونقله ابن برهان عن ~~الأكثرين وكذلك الآمدي وابن الحاجب ثم اختار خلافه. PageV01P191 ### | الفصل الثاني: في الخصوص # قال: "الفصل الثاني: في الخصوص وفيه مسائل، الأولى: التخصيص إخراج بعض ما ~~يتناوله اللفظ والفرق بينه وبين النسخ أنه يكون للبعض، والنسخ قد يكون عن ~~الكل والمخصص المخرج عنه، والمخصص المخرج وهو إرادة اللافظ ويقال للدال ~~عليها مجازا. الثانية: القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدده لفظا كقوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] أو معنى وهو ثلاثة الأول: العلة وجوز ~~تخصيصها كما في العرايا. الثاني: مفهوم الموافقة فيخصص بشرط بقاء الملفوظ ~~مثل جواز حبس الوالد لحق الولد. الثالث: مفهوم المخالفة فيخصص بدليل راجح ~~كتخصيص مفهوم $"إذا بلغ الماء قلتين" بالراكد، # PageV01P191 # قل: يوهم البداء أو الكذب, قلنا: يندفع بالمخصص". أقول: لما فرغ من ~~العموم شرع يتكلم في الخصوص؛ فلذلك تكلم عن التخصيص والمخصص فذكر في هذا ~~الفصل تعريف الثلاثة، وكذلك أحكام المخصص بفتح الصاد، وأخر أحكام المخصص ms264 ~~بكسرها إلى الفصل الثالث. فأما التخصيص فقال أبو الحسين: إنه إخراج بعض ما ~~يتناوله الخطاب، واختاره المصنف ولكنه أبدل الخطاب باللفظ، فقوله: إخراج ~~أي: عما يقتضيه ظاهر اللفظ من الإرادة، والحكم لا عن الحكم نفسه، ولا عن ~~الإرادة نفسها فإن ذلك الفرد ما يدخل فيهما حتى يخرج، ولا عن الدلالة فإن ~~الدلالة هي كون اللفظ بحيث إذا طلق فهم منه المعنى، وهذا حاصل من التخصيص ~~فافهمه، وقوله: اللفظ دخل فيه العام وغيره كالاستثناء من العدد، فسيأتي أنه ~~من المخصصات وكذا بدل البعض كما صرح به ابن الحاجب نحو: أكرم الناس قريشا، ~~وذلك أن تقول: يدخل في هذا إخراج بعض العام بعد العمل به، وسيأتي أنه نسخ ~~لا تخصيص حيث قال: خصنا في حقنا قبل الفعل ونسخ عنا بعده، وأيضا فالتخصيص ~~قد لا يكون من ملفوظ بل من مفهوم كما سيأتي بعد هذه المسألة، ولما كان ~~النسخ شبيها بالتخصيص لكونه مخرجا لبعض الأزمان، فرق بينهما بأن التخصيص ~~إخراج للبعض والنسخ إخراج عن الكل وفيه نظر، لما تقدم من أن إخراج البعض ~~بعد العمل نسخ لا تخصيص. لا جرام أن في بعض النسخ، والنسخ قد يكون عن الكل ~~بزيادة قد وعلى هذا فلا إيراد، والمخصص بفتح الصاد هو العام الذي أخرج عنه ~~البعض لا البعض المخرج عن العام على ما زعمه بعضهم، فإن المخصوص هو الذي ~~تعلق به التخصيص أو دخله التخصيص وهو العام، ويقال: عام مخصص ومخصوص، ~~والمخصص بكسرها هو المخرج بكسر الراء, والمخرج حقيقة هو إرادة المتكلم؛ ~~لأنه لما جاز أن يرد الخطاب خاصا وعاما لم يترجح أحدهما على الآخر إلا ~~بالإرادة. قوله: "ويقال" أي: ويطلق المخصص أيضا على الدال على الإرادة ~~مجازا، والدال يحتمل أن يكون صفة للشيء أي: للشيء الدال على الإرادة وهو ~~دليل التخصيص لفظيا كان أو عقليا أو حسيا تسمية للدليل باسم المدلول، ~~ويحتمل أن يكون صفة للشخص أي: الشخص الدال على الإرادة وهو المريد نفسه، أو ~~المجتهد أو المقلد تسمية للمحل باسم الحال. والثاني: هو ms265 الذي ذكره الإمام ~~لا غير فإنه قال: ويقال بالمجاز على شيئين أحدهما: من أقام الدلالة على كون ~~العام مخصوصا في ذاته. وثانيهما: من اعتقد ذلك أو وصفه به، سواء كان ~~الاعتقاد حقا أو باطلا، وأما صاحب الحاصل فإنه قال: ويقال بالمجاز على ~~الدلالة على تلك الإرادة وهذا مخالف للجميع. المسألة الثانية: الشيء القابل ~~للتخصيص هو الحكم الثالث لأمر متعدد؛ لأن التخصيص إخراج البعض والأمر ~~الواحد لا يتصور فيه ذلك، ثم إن المتعدد قد يكون تعدده من جهة اللفظ كقوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين} فإنه يدل بلفظه على قتل كل مشرك, وخص عنه أهل ~~الذمة وغيرهم، وقد يكون من جهة المعنى # PageV01P192 # أي: الاستنباط وهو ثلاثة الأول: العلة وقد جوز تخصيصها أي: جوزه بعضهم ~~ومنعه الشافعي وجمهور المحققين كما قاله في المحصول في الكلام على ~~الاستحسان، وإنما عبر بهذه العبارة لأن المسألة فيها مذاهب تأتي في القياس ~~وهو المسمى هناك بالنقض مثاله العرايا "فإن الشارع نهى عن بيع الرطب بالتمر ~~وعلله بالنقصان عند الجفاف" وهذه العلة موجودة في العرايا "هو بيع الرطب ~~على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض" مع أن الشارع قد جوزه. الثاني: مفهوم ~~الموافقة فيجوز تخصيصه بما عدا الملفوظ كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} ~~[الإسراء: 23] فإنه يدل على تحريم التأفيف، وبالمفهوم على تحريم الضرب ~~وسائر أنواع الأذى، وخص منه الحبس في حق دين الولد فإنه جائز على ما صححه ~~الغزالي وطائفة, منهم المصنف في الغاية القصوى. فأما إذا أخرج الملفوظ به ~~وهو التأفيف في مثالنا فإنه لا يكون تخصيصا بل نسخا للمفهوم، وهو معنى قوله ~~بعد ذلك: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس. فإن قيل: حكمه هنا بأي ~~إخراج الفحوى تخصيص لا نسخ للمنطوق معارض لما حكيناه عنه في النسخ. قلنا: ~~إن كان الإخراج المعارض راجحا كردة الأب المقتضية لقتله ومطله المقتضي كان ~~لحبسه تخصيصا لا ناسخا للمنطوق لأنه لا ينافي ما دل عليه من الحرمة وهذا هو ~~المراد هنا، وإن لم يكن بل أورد ابتداء كان نسخا له ms266 لمنافاته إياه، وهذا هو ~~المراد هناك. الثالث: مفهوم المخالفة فيجوز تخصيصه بدليل راجح على المفهوم؛ ~~لأنه إن كان مساويا كان ترجيحا من غير مرجح، وإن كان مرجحا كان العمل به ~~ممتنعا, هذا الشرط ذكره صاحب الحاصل والمصنف وأهمله الإمام وهو الصواب؛ لأن ~~المخصص لا يشترط فيه الرجحان كما سيأتي أن فيه جمعا بين الدليلين مثاله ~~قوله -عليه الصلاة والسلام: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" 1 فإن ~~مفهومه يدل على أنه يحمل الخبث فإذا لم يبلغ قلتين, وهذا المفهوم قد خص منه ~~الجاري فإن القول القديم أنه لا ينجس إلا بالتغير، واختاره الغزالي وجماعة ~~ومنهم المصنف في الغاية القصوى لقوله -صلى الله عليه وسلم: "خلق الماء ~~طهورا لا ينجسه شيء" 2 الحديث, فإنه يدل بمنطوقه على عدم التنجيس والمنطوق ~~أرجح من المفهوم. قوله: "قيل: يوهم البداء" اعلم أن من الناس من قال: إن ~~التخصيص لا يجوز لأنه إن كان في الأوامر فإنه يوهم البداء، وإن كان في ~~الأخبار فإنه يوهم الكذب, وهم محالان على الله تعالى، وإيهام المحال لا ~~يجوز، والبداء بالدال المهملة والمد هو ظهور المصلحة بعد خفائها, قال ~~الجوهري: وبدا له في هذا الأمر بداء, ممدود أي: نشأ له فيه رأي، والجواب ~~أنه يندفع بالمخصص أي بالإرادة، أو بالدليل الدال على الإرادة، وذلك لأنا ~~إذا علمنا أن اللفظ في الأصل يحتمل التخصيص فيقام الدليل على وقوعه مبينا ~~للمراد، وإنما يلزم البداء PageV01P193 # أو الكذب إن لو كان المخرج مرادا وكلام الإمام وأتباعه وابن الحاجب يقتضي ~~أن الخلاف في الأمر والخبر وليس كذلك، بل في الخبر خاصة كما صرح به الآمدي ~~وهو مقتضى كلام أبي الحسين في المعتمد والشيخ أبي إسحاق في شرح اللمع ~~وغيرهم. قال: "الثالثة: يجوز التخصيص ما بقي غير محصور لسماجة "أكلت كل ~~رمان" ولم يأكل غير واحدة، وجوز القفال إلى أقل المراتب، فيجوز في الجمع ما ~~بقي ثلاثة، فإنه الأقل عند الشافعي وأبي حنيفة بدليل تفاوت الضمائر وتفصيل ~~أهل اللغة، واثنان عند القاضي والأستاذ بدليل ms267 قوله تعالى: {وكنا لحكمهم ~~شاهدين} [الأنبياء: 78] فقيل: أضاف إلى المعمولين وقوله تعالى: {فقد صغت ~~قلوبكما} [التحريم: 4] فقيل: المراد به الميول وقوله عليه الصلاة والسلام: ~~"الاثنان فما فوقهما جماعة" 1 فقيل: أراد جواز السفر وفي غيره إلى الواحد ~~وقوم إلى الواحد مطلقا". أقول: اختلفوا في الضابط المقداري الذي لا بد من ~~بقائه بعد التخصيص، فذهب أبو الحسين إلى أنه لا بد من بقاء جمع كثير سواء ~~كان العام جمعا كالرجال أو غير جمع كمن وما إلى أن يستعمل ذلك العام في ~~الواحد تعظيما له وإعلاما بأنه يجري مجرى الكثير كقوله تعالى: {فقدرنا فنعم ~~القادرون} [المرسلات: 23] وهذا المذهب نقله الآمدي وابن الحاجب عن ~~الأكثرين, واختاره الإمام وأتباعه, واختلفوا في تفسير هذا الكثير ففسره ابن ~~الحاجب بأنه الذي يقرب من مدلوله قبل التخصيص، ومقتضى هذا أن يكون أكثر من ~~مصنف وفسره المصنف بأن يكون غير محصور فقال: ما بقي غير محصور أي: ما بقي ~~من المخرج عنه عدد غير محصور، وما ههنا مصدرية تقديرية يجوز التخصيص مدة ~~بقاء عدد غير محصور من المخرج عنه، فإن كان محصورا فلا، والدليل عليه أنه ~~لو قال: أكلت كل رمان في البيت ولم يأكل غير واحدة لكان ذلك مستهجنا في ~~اللغة سمجا أي: قبيحا, قال الجوهري: سمج الشيء بالضم سماجة أي: قبح فهو سمج ~~بإسكان الميم, كصعب فهو صعب وبكسرها كخشن بالشين المعجمة، فهو خشن وبزيادة ~~الياء كقبح فهو قبيح، ولك أن تقول: قد جوز المصنف له على عشرة إلا تسعة كما ~~سيأتي والاستثناء عنده من المخصصات المتصلة، فهذا التخصيص وأمثاله لم يبق ~~فيه عدد غير محصور، وأيضا فهذا الدليل لا يحصل به المدعي؛ لأنه إنما ينفي ~~الواحد فقط. والمذهب الثاني وهو رأي القفال الشاشي: أنه يجوز التخصيص إلى ~~أن ينتهي إلى أقل المراتب التي ينطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص مراعاة ~~لمدلول الصيغة, وعلى هذا فيجوز التخصيص في الجمع كالرجال ونحوه إلى ثلاثة؛ ~~لأنها أقل مراتب الجمع على الصحيح، كما سيأتي، وفي غير الجمع كمن ومال وإلى ms268 ~~الواحد لأنه أقل مراتبه نحو: من يكرمني أكرمه، ويريد به شخصا واحدا وقد ~~استطرد المصنف فأدخل بين هذا التفصيل مسألة مستقلة طويلة PageV01P194 # وهي الكلام على أقل الجمع، وقد ذكرها في المحصول في أثناء العموم. ~~والمذهب الثالث: أنه يجوز التخصيص إلى الواحد مطلقا أي: سواء كان جمعا أم ~~لا كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: ~~173] والقائل نعيم بن مسعود الأشجعي، هكذا قال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, ~~لكن رأيت في الرسالة للشافعي أن القائل هم الأربعة الذين تخلفوا عن أحد، ~~وتوقف الآمدي في المسألة واختار ابن الحاجب تفصيلا لا يعرف لغيره, فقال: ~~التخصيص إن كان بالمتصل نظرت فإن كان بالاستثناء نحو: أكرم الناس العلماء, ~~أو الشرط نحو: أكرم الناس إن كانوا عالمين فيجوز إلى اثنين، وإن كان ~~التخصيص بالمنفصل فإن كان في العام المحصور القليل فيجوز إلى اثنين, كما ~~تقول: قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة، وقد قتلت اثنين، وإن كان غير محصور مثل: ~~قتلت كل من في المدينة, أو محصورا كثيرا مثل: أكلت كل رمانة وقد كان ألفا ~~فيجوز إذا كان الباقي قريبا من مدلول العام. قوله: "فإنه الأقل" هذه هي ~~المسألة التي ذكرها استطرادا فنعود إلى شرحها فنقول: ذهب الشافعي وأبو ~~حنيفة رضي الله عنهما إلى أن أقل الجمع ثلاثة, فإن أطلق على الاثنين أو على ~~الواحد كان مجازا، واختاره الإمام والمصنف، وقال القاضي والأستاذ: أقله ~~اثنان واختار ابن الحاجب في المختصر الكبير الأول، وأما في المختصر الصغير ~~فكلامه أولا يقتضي اختيار الثاني، وفي الاستدلال يقتضي الأول، وهذان ~~المذهبان حكاهما المصنف, وقيل: ينطبق أيضا على الواحد حقيقة، وقيل: لا ~~ينطبق على الاثنين لا حقيقة ولا مجازا، حكاهما ابن الحاجب وتوقف الآمدي في ~~المسألة، واستدل المصنف بوجهين, أحدهما: أن الضمائر متفاوتة أي: متخالفة؛ ~~لأن ضمير المفرد غير بارز، وضمير المثنى ألف، وضمير الجمع واو نحو: افعل ~~وافعلا وافعلوا، وحينئذ فنقول: اختلاف الضمير في التثنية والجمع يدل على ~~اختلاف حقيقتهما, كما يدل على الاختلاف بين الواحد ms269 والجمع، وأيضا فلأنه لا ~~يجوز وضع شيء منها مكان الآخر فلو كان أقل الجمع اثنين لجاز التعبير عنه ~~بضمير الجمع وليس كذلك. الثاني: أن أهل اللغة فصلوا بينهما فقالوا: الاسم ~~قد يكون مفردا، وقد يكون مثنى، وقد يكون مجموعا، وبين صفتيهما أيضا فقالوا: ~~رجلان عاقلان، ورجال عاقلون, فدل على المغيرة. واعلم أن القائل بأن أقل ~~الجمع اثنان يقول بالضرورة: إن الجمع أعم من المثنى؛ لأن كل مثنى جمع ولا ~~ينعكس، ولا شك أن حقيقة الأعم غير حقيقة الأخص، فإن حقيقة الحيوان غير ~~حقيقة الإنسان, فيكون حقيقة المثنى غير حقيقة الجمع عند الخصم، وهذا جواب ~~واضح عن الدليل الثاني، وعن التقرير الأول من الدليل الأول، وأما على ~~التقرير الثاني فيؤخذ منه أيضا؛ لأنا نقول: لما كان مغايرا جعلوا لكل واحد ~~منهما شيئا يميزه. قوله: "بدليل قوله تعالى: {شرع} في أدلة الخصم القائل ~~بأن أقله اثنان وهي ثلاثة, الأول: قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث} # PageV01P195 # [الأنبياء: 78] إلى قوله: {لحكمهم} فلو لم يكن أقل الجمع اثنين لوجب أن ~~يقال: لحكمهما، وجوابه أن الحكم مصدر, والمصدر يصح إضافته إلى معموليه أي ~~الفاعل والمفعول وهما الحاكم والمحكوم عليه هنا، وحينئذ فيكون المراد داود ~~وسليمان والخصمين هكذا أجاب الإمام، وهو جواب عجيب، فإن المصدر إنما يضاف ~~إليهما على البدل، ولا يجوز أن يضاف إليهما معا، سمعت شيخنا أبا حيان يقول: ~~سمعت شيخنا أبا جعفر بن الزبير يقول في هذا الجواب: إنه كلام من لم يعرف ~~شيئا من علم العربية، وقد ذكر ابن الحاجب في المختصر الكبير هذا الاعتراض ~~أيضا وتكلف تصحيحه بإخراج الحكم عن المصدرية إلى معنى الأمر، والمصنف كأنه ~~استشعر ضعفه وضعف ما بعده من الأجوبه فعزاها إلى غيره, فإنه عبر عنها ~~بقوله: فقيل على خلاف عادته. الثاني: قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد ~~صغت قلوبكما} [التحريم: 4] أطلق لفظ القلوب وأراد قلب عائشة وحفصة -رضي ~~الله تعالى عنهما- وأجيب بأن اسم القلب يطلق حقيقة على الجرم الموضوع في ~~الجانب الأيسر, ومجازا على الميل ms270 الموجود فيه كقولهم: ما لي إلى هذا قلب من ~~باب إطلاق اسم المحل على الحال وهو المراد هنا، والتقدير: صغت ميولكما ~~بدليل أن الجرم لا يوصف بالصغر حقيقة. واعلم أن هذا الدليل خارج عن محل ~~النزاع فإن القاعدة النحوية أنك إذا أضفت الشيئين إلى ما يتضمنها نحو قطعت ~~رءوس الكبشين، ويجوز فيه ثلاثة أوجه: الإفراد والتثنية والجمع بلا خلاف، ~~ومحل الخلاف فيما عداه، وقد نبه عليه ابن الحاجب في المختصر الكبير. ~~الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعة" رواه ابن ~~ماجه عن أبي موسى الأشعري والدارقطني عن عمرو بن شعيب، وأجاب في المحصول ~~بأنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان ~~الشرعيات لا لبيان اللغة، ثم قال: وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ~~السفر إلا في جماعة ثم بين بهذا الحديث أن الاثنين فما فوقهما جماعة في ~~جواز السفر, واقتصر المصنف على الثاني وهو ضعيف؛ لأن السفر منفردا ليس ~~بحرام بل هو جائز لكنه مكروه, وسلمنا أن مراده بالجواز عدم الكراهة لكنه لا ~~يحصل بالاثنين، بل الجواب أن هذا استدلال على غير محل النزاع؛ لأن الخلاف ~~ليس في لفظ الجمع ولا في لفظ الجماعة كما سيأتي عقبه. "فائدة": محل الخلاف ~~مشكل؛ لأنه لا جائز أن يكون في صيغة الجمع التي هي الجيم والميم والعين، ~~فإنه لا خلاف فيها كما قاله الآمدي وابن الحاجب في المختصر الكبير, قال: ~~وإنما الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة كرجال ومسلمين وهم، وأما ~~الجمع نفسه فهو ضم شيء إلى شيء وهو يطلق على الاثنين بلا خلاف، ولأنه لو ~~كان كذلك لما أمكن إثبات الحكم لغيرها من الصيغ، وقد اتفقوا على ذلك ولا ~~جائز أن يكون محل الخلاف صيغ الجمع؛ لأنها إن اقترنت بالألف واللام أو ~~بالإضافة كانت للعموم كما تقدم، وإن لم تقترن به فإن كانت من # PageV01P196 # جموع الكثرة فأقلها أحد عشر فلا نزاع عند النحاة، وإن استعملت في الأقل ~~كانت مجازا ولم يبق إلا جموع ms271 القلة وهي خمسة أشياء، أربعة منها من جموع ~~التكسير يجمعها قول الشاعر: # بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد # والخامس: هو جمع السلامة سواء كان مذكرا كمسلمين, أو مؤنثا كمعلمات فإن ~~كانت -أعني جموع القلة- هي محل الخلاف فالأمر قريب, لكنهم لما مثلوا لم ~~يقتصروا عليه بل مثلوا برجال مع أنه من جموع الكثرة. هكذا صرح به الإمام في ~~المحصول في الكلام على أن الجمع المنكر هل يعم أم لا؟ وكذلك الآمدي وابن ~~الحاجب كما تقدم نقله عنهما. قوله: وفي غيره إلى الواحد أي: في غير الجمع ~~وقد تقدم شرحه وشرح ما بعده. قال: "الرابعة: العام المخصص مجاز وإلا لزم ~~الاشتراك, وقال بعض الفقهاء: إنه حقيقة، وفرق الإمام بين المخصص المتصل ~~والمنفصل؛ لأن المقيد بالصفة لم يتناول غيرا، قلنا: المركب لم يوضع, ~~والمفرد متناول". أقول: اختلفوا في العام إذا خص: هل يكون حقيقة في الباقي ~~أم لا؟ على ثمانية مذاهب حكاها الآمدي وذكر المصنف منها ثلاثة, أصحها عنده ~~وعند ابن الحاجب أنه مجاز مطلقا؛ لأنه قد تقدم أنه حقيقة في الاستغراق، فلو ~~كان حقيقة في البعض أيضا لكان مشتركا والمجاز خير من الاشتراك. والثاني: ~~أنه حقيقة مطلقا ونقله إمام الحرمين عن جماهير الفقهاء وابن برهان عن ~~جماهير العلماء؛ لأن تناوله للباقي قبل التخصيص كان حقيقة وذلك التناول ~~باق، والجواب أنه إنما كان حقيقة لدلالته عليه وعلى سائر الأفراد لا عليه ~~وحده. والثالث قاله الإمام تبعا لأبي الحسين البصري: إن خص بمتصل أي: بما ~~لا يستقل كان حقيقة سواء كان صفة أو شرطا أو استثناء أو غاية نحو: أكرم ~~الرجال العلماء أو أكرمهم إن دخلوا أو أكرمهم إلا زيدا, أو أكرمهم إلى ~~المساء, وإن خص بمنفصل أي: بما يستقل كان مجازا كالنهي عن قتل العبيد بعد ~~الأمر بقتل المشركين, فإنه قلنا: إنه مجاز, ففي الاحتجاج به مذهبان حكاهما ~~ابن برهان. قوله: "لأن المقيد بالصفة" هذا دليل الإمام، ويمكن تقريره على ~~وجهين أحدهما: أن العام المقيد بالصفة مثلا لم يتناول غير الموصوف, ms272 إذ لو ~~تناوله لضاعت فائدة الصفة, وإذا كان متناولا له فقط، وقد استعمل فيه فيكون ~~حقيقة بخلاف العام المخصوص بدليل متصل فإن لفظه متناول للمخرج عنه بحسب ~~اللغة مع أنه لم يستعمل فيه فيكون مجازا, وإلا لزم الاشتراك كما تقدم وهذا ~~التقرير ذكره في الحاصل وهو الذي يظهر من كلام المصنف والتعبير بالصفة ~~للتمثيل لا للتقيد. التقرير الثاني وهو ما ذكره في المحصول: أن لفظ العموم ~~حال انضمام الصفة مثلا إليه ليس هو المقيد لذلك البعض المنطوق به؛ لأن ~~الرجال وحده من قولنا: الرجال العلماء، أو أفاد العالمين لما أفادت الصفة ~~شيئا، وإذا لم يكن مقيدا لذلك البعض استحال أن يقال: إنه مجاز فيه بل ~~المجموع الحاصل من لفظ العموم ولفظ الصفة هو # PageV01P197 # المقيد له وإفادته له حقيقة، وهذا التقرير مصرح بأن البعض الموصوف لا ~~يفيد المنطوق، وتقرير الحاصل مصرح بأنه يفيده، وكلام الإمام محتمل للأمرين، ~~أما الأول فواضح, وأما الثاني فيكون المراد بقوله: لأن المقيد بالصفة هو أن ~~المجموع من العام والصفة تناول الموصوف ولم يتناول غيره. وأجاب المصنف بأن ~~المركب من الموصوف مع الصفة مثلا غير موضوع للباقي؛ لأن المركبات ليست ~~بموضوعة على المشهور وحينئذ فلا يكون حقيقة فيه؛ لأن الحقيقة هو اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له فلم يبق إلا المفردات، ولا شك أن المفرد الذي هو ~~العام متناول في اللغة لكل فرد, وقد استعمل في البعض فيكون مجازا، وقد تقدم ~~أن هذا الجواب يعكر على ما ذكره في مجاز التركيب، فالأولى في الجواب أن ~~يقال: كلامنا في العام المخصص وهو الموصوف وحده، لا في المجموع من المخصص ~~والمخصص أيضا لو لم يكن الموصوف ونحوه متناولا لم يكن المتصل به مخصصا، لأن ~~التخصيص إخراج بعض ما يتناوله اللفظ ولا شك أن هذه الأشياء من المخصصات ~~عنده, والتحقيق أن اللفظ متناول بحسب وضع اللغة ولكن الصفة قرينة في إخراج ~~البعض فيكون مجازا كما قاله المصنف. قال: "الخامسة: المخصص بمعين حجة ~~ومنعها عيسى بن أبان وأبو ثور وفصل الكرخي. لنا ms273 أن دلالته على فرد لا تتوقف ~~على دلالته على الآخر لاستحالة الدور, فلا يلزم من زوالها زوالها". أقول: ~~العام إن خص بمبهم فلا يحتج به على شيء من الأفراد بلا خلاف، كما قاله ~~الآمدي وغيره؛ لأنه ما من فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج, مثاله قوله ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] وإن خص ~~بمعين كما لو "قيل: اقتلوا المشركين" إلا أهل الذمة, فالصحيح عند الآمدي ~~والإمام وابن الحاجب والمصنف أنه حجة في الباقي مطلقا، وقال ابن أبان وأبو ~~ثور: ليس بحجة مطلقا، وهو المراد بقوله: ومنعها أي: ومنع حجيته وفصل ~~الكرخي، أي: فقال: إن خص بمتصل كان حجة وإلا فلا, وهذا التفصيل يعرف هو ~~ودليله من المسألة السابقة؛ فلذلك أهمله المصنف. # والجمهور على أن أبان لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل, وأصله: أبين على وزن ~~أفعل فقلبت الياء ألفا لانقلابها في الماضي المجرد، وهو بان، ومن قال: إنه ~~منصرف قال: وزنه فعال, حكاه ابن يونس في شرح المفصل وغيره. قوله: "لنا" أي: ~~الدليل على أنه حجة، أن دلالة العام على فرد من الأفراد لا تتوقف على ~~دلالته على الفرد الآخر؛ لأن دلالته على الباقي مثلا لو كانت متوقفة على ~~البعض المخرج، فإن لم تتوقف دلالته على المخرج على الباقي كان تحكما؛ لأن ~~دلالة العام على جميع أفراده متساوية, وإن توقفت عليه لزم الدور, وهو ~~مستحيل فثبت أن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته على غيره من الأفراد، ~~وحينئذ فلا يلزم من زوال الدلالة عن بعض الأفراد زوالها على البعض الآخر ~~فيكون حجة, وهذا الدليل ضعيف كما نبه عليه # PageV01P198 # صاحب التحصيل، وتقرير ذلك موقوف على مقدمة وهي أن الشيئين إذا توقف كل ~~منهما على الآخر فإن كان التوقف بالبعدية والقبلية، وهو المسمى بالدور ~~السبقي فالوقوع مستحيل، كما إذا قال زيد: لا أدخل الدار حتى يدخل قبلي عمرو ~~وقال عمرو كذلك، وإن لم يكن سبقيا كما إذا قال كل منهما: لا أدخل الدار حتى ~~يدخل الآخر ms274 فلا استحالة فيه لإمكان دخولهما معا، ويسمى بالدور المعي، إذا ~~عرفت هذا فتقول: قول المصنف لنا: إن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته ~~على الآخر إن أراد به التوقف السبقي فلا يلزم من عدمه جواز وجود الدلالة ~~بعد إخراج البعض, فإنه يجوز أن تكون دلالته على البعض مستلزمة لدلالته على ~~البعض الآخر, وبالعكس لجواز التلازم من الجانبين كالبنوة والأبوة وغيرهما ~~من المتضايفين, وإن أراد به التوقف المعي فلا استحالة فيه كما بيناه، هذا ~~معنى كلام التحصيل فافهمه, والصواب التمسك بعمل الصحابة رضي الله عنهم ~~فإنهم قد استدلوا بالعمومات المخصوصة من غير نكير فكان إجماعا. قال: ~~"السادسة: يستدل بالعام ما لم يظهر المخصص, وابن سريج أوجب طلبه أولا. لنا ~~لو وجب لوجب طلب المجاز للتحرز عن الخطأ واللازم منتف، قال: عارض دلالته ~~احتمال المخصص، قلنا: الأصل يدفعه". أقول: هل يجوز التمسك بالعام قبل البحث ~~عن المخصص؟ فيه مذهبان جوزه الصيرفي، ومنعه ابن سريج هكذا حكاه الإمام ~~وأتباعه، ولم يرجح شيئا منهما في كتابيه المحصول والمنتخب هنا, لكنه أجاب ~~عن دليل ابن سريج1 وفيه إشعار بميله إلى الجواز؛ ولهذا صرح صاحب الحاصل ~~بأنه المختار فتابعه المصنف عليه لكنه جزم بالمنع فيه, أعني في المحصول في ~~أواخر الكلام على تأخير البيان عن وقت الخطاب. واعلم أن إثبات الخلاف على ~~هذا الوجه غير معروف ولا مستقيم، فإن الذي قاله الغزالي والآمدي وابن ~~الحاجب وغيرهم أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص بالإجماع، ثم ~~اختلفوا فقيل: يبحث إلى أن يغلب على الظن عدم المخصص، ونقله الآمدي عن ~~الأكثرين وابن سريج قال: وذهب القاضي وجماعة إلى أنه لا بد من القطع بعدمه ~~ويحصل ذلك بتكرر النظر والبحث واشتهار كلام العلماء فيها من غير أن يذكر ~~أحد منهم مخصصا, وحكى الغزالي قولا ثالثا: أنه لا يكفي الظن، ولا يشترط ~~القطع بل لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بانتفائه، إذا تقرر هذا فاعلم أن ~~خلاف الصيرفي إنما هو في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت ms275 العمل به، فإنه قال: ~~إذا ورد لفظ عام ولم يدخل وقت العمل به فيجب اعتقاد عمومه، ثم إن ظهر مخصص ~~فيتغير ذلك الاعتقاد، هكذا نقله عنه إمام الحرمين والآمدي وغيرهما وخطئوه. ~~قوله: "لنا ... إلخ" شرع في نصب الدليل على الطريق التي PageV01P199 # انفرد بها الإمام وتبعه عليها، فقال: لو وجب طلب المخصص في التمسك بالعام ~~لوجب طلب المجاز في التمسك بالحقيقة، بيان الملازمة أن إيجاب طلب المخصص ~~إنما هو للتحرز عن الخطأ، وهذا المعنى بعينه موجود في المجاز لكن اللازم ~~منتف وهو طلب المجاز فإنه لا يجب اتفاقا فكذلك الملزوم وهو طلب المخصص، ~~وللخصم أن يفرق بأن احتمال وجود المخصص أقوى من احتمال وقوع المجاز، فإن ~~أكثر المعلومات مخصوصة واحتج ابن سريج بأن احتمال وجود المخصص عارض دلالة ~~العام. إذ العام يحتمل التخصيص وعدمه احتمالا على السواء، فحمله على العموم ~~ترجيح من غير مرجح. وقوله: "احتمال" هو فاعل عارض والمفعول هو الدلالة، ولا ~~يجوز فيه غير ذلك، وأجاب المصنف بأن الأصل يدفع ذلك الاحتمال؛ لأن الأصل ~~عدم التخصيص، والتعارض إنما يكون عند انتفاء الرجحان، ولك أن تقول: ~~الاستقراء يدل على أن الغالب في العمومات الخصوص والعام المخصوص مجاز, ~~وحينئذ فيدور الأمر بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، وقد تقدم من كلام ~~المصنف أنهما سيان فيكون العموم مساويا للخصوص, فيلزم من ذلك التوقف كما ~~قاله ابن سريج. # PageV01P200 ### | الفصل الثالث: في المخصص # وهو متصل ومنفصل. # قال: "الفصل الثالث: في المخصص وهو متصل ومنفصل, فالمتصل أربعة: الأول, ~~والاستثناء وهو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها والمنقطع مجاز، وفيه مسائل". ~~أقول: قد عرفت فيما تقدم أن المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم, وأنه يطلق ~~أيضا مجازا على الدال على التخصيص، وهذا هو المراد هنا، وهو متصل ومنفصل، ~~فالمتصل ما لا يستقل بنفسه بل يكون متعلقا باللفظ الذي ذكر فيه العام، ~~والمنفصل عكسه، وقسم المصنف المتصل إلى أربعة أقسام, وهي: الاستثناء والشرط ~~والصفة والغاية وأهمل خامسا ذكره ابن الحاجب وهو بدل البعض كقولك: أكرمت ~~الناس قريشا. الأول: الاستثناء, ms276 وتعريفه ما ذكره المصنف فقوله: الإخراج جنس ~~شامل للمخصصات كلها, وقوله: بالإ مخرج لما عدا الاستثناء، وقوله: غير الصفة ~~احتراز عن إلا إذا كانت للصفة بمعنى غير وهي التي تكون تابعة لجمع منكور ~~غير محصور، كقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: ~~22] أي: غير الله فإنها ليست للاستثناء. وقوله: "ونحوها" أي: كحاشا وخلا ~~وعدا وسوى وفي الحد نظر من وجوه أحدها: أنه أخذ في التعريف لفظة إلا وهي من ~~جملة أدوات الاستثناء فيكون تعريفا للشيء بنفسه. الثاني: أن الإتيان بالواو ~~في قوله: ونحو, لا يستقيم بل صوابه الإتيان بأو. الثالث: إن كان المراد ~~بقوله: ونحوها أي في الإخراج, فينتقض الحد بمثل قولنا: أكرم العلماء ولا ~~تكرم زيدا، فإنه مخرج وليس باستثناء, وكذلك سائر المخصصات أيضا, وإن كان ~~المراد أنه يقوم مقامه في الاستثناء فهو دور. الرابع: أن تقييد إلا بغير ~~الصفة زيادة في الحد غير محتاج إليها؛ لأن إلا والحالة هذه لا تخرج شيئا ~~فهي مستغنى عنها بقوله الإخراج؛ ولهذا لم يذكره الإمام ولا أتباعه إلا أن ~~يقال: # PageV01P200 # قد تقرر أن الوصف من جملة المخصصات، والتخصيص هو الإخراج كما تقدم، فإذا ~~كانت إلا صفة كانت مخرجة أي: مما يجوز أن يدخل في الأول لا مما يجب دخوله ~~فيه وفيه نظر، بل الأولى أن يقال: احترز بقوله غير الصفة عن مثل: قام القوم ~~إلا زيد فإنه يجوز فيه وفي أمثاله من المعارف جعل إلا للصفة ورفع ما بعدها ~~كما نص عليه ابن عصفور وغيره، وإن كان قليلا. قوله: "والمنقطع مجاز" هو ~~جواب عن سؤال مقدر وهو أن الاستثناء قد يكون متصلا كقام القوم إلا زيدا أو ~~منقطعا كقام القوم إلا حمارا والمنقطع لا إخراج فيه فيكون واردا على الحد, ~~فأجاب بأن الحد للاستثناء الحقيقي وإطلاق الاستثناء على المنقطع وإن كان ~~جائزا بلا خلاف كما قاله ابن الحاجب في المختصر الكبير, لكنه مجاز عند ~~الأكثرين كما نقله الآمدي بدليل عدم تبادره، قال ابن الحاجب: وإذا قلنا: ~~إنه حقيقة فقيل: ms277 إنه مشترك، وقيل: متواطئ على أن الشيخ أبا إسحاق نقل عن ~~بعضهم أنه لا يسمى استثناء لا حقيقة ولا مجازا. قال: "الأولى شرطه الاتصال ~~عادة بإجماع الأدباء وعن ابن عباس خلافه قياسا على التخصيص بغيره، والجواب ~~النقص بالصفة والغاية وعدم الاستغراق، وشرط الحنابلة أن لا يزيد على النصف ~~والقاضي أن ينقص عنه, كما لو قال: علي عشرة إلا تسعة, لزمه واحد إجماعا ~~وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين, وبالعكس قال: الأقل ينسى فيستدرك ~~ونوقض بما ذكرناه". أقول: الاستثناء له شرطان أحدهما: اتصاله بالمستثنى منه ~~اتصالا عاديا لا حسيا، ودليله إجماع الأدباء أي: أهل اللغة ولا يضر القطع ~~بتنفس أو سعال وكذلك البعد لطول الكلام المستثنى منه فإنه يعد في العادة ~~متصلا, ونقل عن ابن عباس جواز الاستثناء المنفصل، ثم اختلفوا فنقل عنه ~~الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز إلى شهر، ونقل عنه المازني قولا أنه يجوز إلى ~~سنة, وقولا آخر أنه يجوز أبدا, وهو ما يقتضيه كلام الأكثرين في النقل عنه ~~كالشيخ أبي إسحاق وإمام الحرمين والغزالي وصاحب المعتمد وغيرهم، وصرح به ~~أبو الخطاب الحنبلي، ومع ذلك منهم الجميع قد توقفوا في إثبات أصل هذا ~~المذهب عنه، وشرعوا في تأويله، إلا صاحب المعتمد فنقله من غير إنكار ولا ~~تأويل، ولما توقفت النقلة في إثبات هذا المذهب عبر المصنف بقوله: ونقل، ~~ولما اختلفوا أيضا في كيفيته على المذاهب الثلاثة المتقدمة عبر بقوله: ~~خلافه فافهم ذلك, فإنه من محاسن كلامه، واستدل ابن عباس بالقياس على ~~التخصيص بغير الاستثناء من المخصصات المنفصلة، والجامع أن كلا منهما مخصص، ~~وجوابه النقض بالصفة والغاية، وكذلك الشرط فإن دليله يقتضي جواز انفصالها ~~وهو باطل اتفاقا, وأيضا فالفرق أن المخصص المنفصل مستقل فلذلك دليله يقتضي ~~جواز انفصالها وهو باطل اتفاقا، وأيضا فالفرق أن المخصص المنفصل مستقل ~~فلذلك جاز انفصاله بخلاف الاستثناء. قوله: "وعدم الاستغراق" هذا هو الشرط ~~الثاني من شروط الاستثناء، وهو معطوف على الاتصال أي: شرطه الاتصال وعدم ~~الاستغراق، فلا يضر استثناء المساوي # PageV01P201 # ولا الأكثر، فإن كان مستغرقا ms278 نحو: له علي عشرة إلا عشرة كان باطلا ~~بالاتفاق كما نقله الإمام والآمدي وأتباعهما لإفضائه إلى اللغو، ونقل ~~القرافي عن المدخل لابن طلحة أن في صحته قولين, وشرط الحنابلة أن لا يزيد ~~المستثنى على نصف المستثنى منه بل يكون إما مساويا أو ناقصا، وشرط القاضي ~~أي: في القول الأخير من أقواله كما قاله الآمدي وغيره أن يكون ناقصا عن ~~النصف. واعلم أن الآمدي وابن الحاجب نقلا عن الحنابلة امتناع المساوي أيضا ~~على عكس ما قاله المصنف، ولم يتعرض الإمام ولا مختصرو كلامه النقل عنهم، ~~واستدل المصنف بأمرين أحدهما وهو دليل على القاضي والحنابلة معا: أنه لو ~~قال قائل: علي عشرة إلا تسعة لكان يلزمه واحد بإجماع الفقهاء فدل على صحته، ~~قال الآمدي: وهذا الاستدلال خطأ فإن هذا الاستثناء عند الخصم بمثابة ~~الاستثناء المستغرق، وإنما يقول بلزوم الواحد من يقول بصحة الاستثناء ~~الأكثر. الثاني وهو دليل على القاضي خاصة استثناء {الغاوين} من المخلصين في ~~قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} ~~[الحجر: 42] وبالعكس أي: استثناء {المخلصين} من الغاوين في قوله تعالى ~~حكاية عن إبليس: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين} ~~[الحجر: 39, 40] ووجه الاستدلال أن الفريقين إن استويا فإنه يدل على جواز ~~استثناء النصف وإن كان أحدهما أكثر فكذلك أيضا؛ لأنه لما استثنى كلا منهما ~~فقد استثنى الأكثر فدل على جواز النصف بطريق الأولى. وهذا لا يرد على ~~الحنابلة لاحتمال أن يكونا متساويين وهم يجوزون استثناء المساوي على مقتضى ~~نقل المصنف، وفي هذا الاستدلال نظر من ثلاثة أوجه أحدها: أن للخصم أن يقول: ~~إن قوله تعالى: {إن عبادي} الآية يدل على أن الغاوين أقل من غير الغاوين ~~أي: أقل من العباد الذين لا سلطان عليهم لإبليس وليس فيها تعرض لكونهم أقل ~~من المخلصين حتى يكون على العكس من الآية الثانية, وإنما يلزم ذلك إذا كان ~~المخلصون هم غير الغاوين أي: الذين لا سلطان عليهم ولم يقيموا عليه دليلا، ~~ونحن لا نسلمه لجواز أن يكون ms279 غير الغاوين أعم من المخلصين، بل تنازع فنقول: ~~هذا هو الظاهر؛ لأنه لا يلزم من انتفاء سلطنة إبليس التي هي القهر والغلبة ~~عن شخص أن يرتقي إلى درجة الإخلاص, ويدل عليه أحوال كثير من الناس وحينئذ ~~فيكون قوله تعالى: {قال فبعزتك} الآية دليلا على أن المخلصين أقل من ~~الغاوين, وقوله تعالى: {إن عبادي} الآية دليلا على أن الغاوين أقل من غير ~~الغاوين وهم الذين ليس عليهم سلطان, وعلى هذا فكل من الآيتين ليس فيها إلا ~~استثناء الأقل وقد تمسك ابن الحاجب بقوله تعالى: {إلا من اتبعك من الغاوين} ~~الآية ثم استدل على أن الغاوين أكثر بقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين} [يوسف: 103] ولم يذكر الآية الثانية فسلم من هذا الاعتراض لكنه لا ~~يتم من وجه آخر, فقد يقال: إن قوله تعالى: {إلا من اتبعك من الغاوين} يدل ~~على أن الغاوين من بني آدم مطلقا أقل من غيرهم # PageV01P202 # فإن الكلام مع إبليس كان في نسل بني آدم جميعهم, وقوله تعالى: {وما أكثر ~~الناس} الآية إنما يدل على الأكثرين من الذين بعث إليهم النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- وهم الموجودون من حيث بعثه إلى قيام الساعة, والألف واللام في ~~{الناس} للعهد وحينئذ فلا يلزم كون الغاوين أكثر من هذه الطائفة أن يكونوا ~~أكثر بالنسبة إلى كل الطوائف من لدن آدم إلى قيام الساعة. الثاني: سلمنا أن ~~قوله تعالى: {إن عبادي} يدل على استثناء "الغاوين من المخلصين" لكن قوله ~~تعالى: {فبعزتك} الآية إنما يدل على استثناء المخلصين من الذين أقسم إبليس ~~على أن يغويهم لا من الغاوين وهم الذين حصلت لهم الغواية، وعلى هذا يكون ~~الغاوون أقل من المخلصين كما دلت عليه الآية الأولى والمخلصون أقل من ~~المقسم على إغوائهم كما دلت عليه الآية الثانية، فيكون المستثنى في الآيتين ~~إنما هو الأقل الثالث: قال الآمدي للخصم أن يقول إنما يمتنع استثناء الأكثر ~~إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا بهما فإن لم يكن نحو: جاء بنو ~~تميم إلا الأرذال منهم فإنه يصح ms280 من غير استقباح، وإن كانت الأرذال أكثر، ~~وهذه الآية كذلك. قوله: "قال: الأقل" أي: قال القاضي: لا شك أن الاستثناء ~~خلاف الأصل فإنه بمنزلة الإنكار لقلة الإقرار، ولكن خالفنا هذا الأصل في ~~الأقل وجوزنا استدراكه بالاستثناء؛ لأنه قد يستثنى لقلة التفات النفس إليه، ~~وهذا المعنى مفقود في المساوي والأكثر، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأنه ~~منقوض بما ذكرنا، أي: من استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس أو من ~~الإجماع المتقدم في المقر فإن الحكم موجود مع انتفاء العلة وهي القلة والذي ~~أجاب به في المحصول أن الاستثناء والمستثنى منه كاللفظ الواحد الدال على ~~ذلك القدر فلا يرد ما قالوه، وهذا الذي أشار إليه فيه ثلاثة مذاهب أحدها ما ~~يقتضيه كلامه وهو مذهب القاضي: أن عشرة إلا ثلاثة مثلا اسم مركب مرادف ~~لسبعة. والثاني ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين: أن المراد أيضا سبعة كما قال ~~الأول ولكن لا يقول: إن المجموع اسم لها بل إلا قرينة مبينة لذلك كسائر ~~المخصصات. الثالث وهو الصحيح عند ابن الحاجب: أن المراد بالعشرة جميع ~~أفرادها من غير حكم عليها ثم حكم بالإسناد بعد إخراج الثلاثة فيكون الإسناد ~~إلى سبعة, ولم يتعرض المصنف لشبهة الحنابلة لأنها كشبهة القاضي. قال: ~~"الثانية: الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس خلافا لأبي حنيفة. لنا لو لم ~~يكن كذلك لم يكف لا إله إلا الله احتج بقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا ~~صلاة إلا بطهور" 1 قلنا للمبالغة. الثالثة: المتعددة إن تعاطفت أو استغرق ~~الأخير الأول عادت إلى المتقدم عليها وإلا يعود الثاني إلى الأول لأنه ~~أقرب". أقول: الاستثناء من الإثبات نفي نحو: قام القوم إلا زيدا يكون نفيا ~~للقيام من زيد بالاتفاق كما قاله الإمام في المعالم وصاحب الحاصل, وأما ~~الاستثناء من النفي نحو: ما قام أحد إلا PageV01P203 # زيد فقال الشافعي: يكون إثباتا لقيام زيد، وقال أبو حنيفة: لا يكون ~~إثباتا له بل دليلا على إخراجه عن المحكوم عليهم وحينئذ فلا يلزم منه الحكم ~~بالقيام، أما من جهة اللفظ فلأنه ليس فيه على هذا ms281 التقدير ما يدل على ~~إثباته كما قلنا، وأما من جهة المعنى فلأن الأصل عدمه، قالوا بخلاف ~~الاستثناء من الإثبات فإنه يكون نفيا؛ لأنه لما كان مسكوتا عنه، وكان الأصل ~~هو النفي حكمنا به فعلى هذا لا فرق عندهم في دلالة اللفظ بين الاستثناء من ~~النفي والاستثناء من الإثبات، واختار الإمام في المعالم الاقتران بالطهور ~~في الجملة كذا قال الفاضل, وهذا معنى ما قيل أن التقدير لا صحة لصلاة بشيء ~~إلا بطهور في بعض الصور وهي صورة استجماع الشرائط والأركان وما قال الخنجي ~~من أن عدم الصلاة في بعض الصور لا ينفي أن يكون الاستثناء من النفي إثباتا ~~بل هو إثبات في صورة الاستجماع، وما يقال من أنا إذا قلنا بصحة الصلاة ~~الملصقة بالطهور لزم عموم الحكم في كل صلاة كذلك لعموم النكرة الموصوفة ~~بصفة عامة في: لا أجالس إلا رجلا عالما، ولدلالة الكلام على أن علة الصحة ~~هي الوصف المذكور فضعيف؛ لأن الأول ممنوع إذ هو مبني على الثاني، والثاني ~~مختص بما إذا كان الوصف صالحا للاستقلال بالعلية ولم يعارضه قاطع. كذا ذكره ~~الفاضل لكن بقي ما ذكره الفنري وهو أنه لو كان المعنى صحة صلاة بطهور أو ~~ثبوتها عند الاقتران به في الجملة يفيد المبالغة المقصودة بهذا الاستثناء؛ ~~لأن سائر الشروط كذلك، اللهم إلا أن يلتزم عدم وروده للمبالغة. المسألة ~~"الثالثة": الاستثناءات "المتعددة إن تعاطفت" كقولنا: زيد على عشرة إلا ~~أربعة وإلا ثلاثة "أو استغرق" الاستثناء "الأخير الأول" بأن لا يكون الأخير ~~ناقصا عنه كقوله: علي عشرة إلا أربعة إلا خمسة "عادت" الاستثناءات المتعددة ~~بأسرعها في الصورتين "إلى المتقدم عليها" وهو المستثنى منه. أما في الأول ~~فلوجوب تساوي المعطوف مذهب أبي حنيفة وفي المحصول والمنتخب مذهب الشافعي. ~~دليلنا أنه لو لم يكن إثباتا لم يكف لا إله إلا الله في التوحيد؛ لأن ~~التوحيد هو نفي الإلهية عن غير الله تعالى وإثباتها له، فإذا لم يدل هذا ~~اللفظ على إثبات الإلهية له تعالى بل كان ساكتا عنه فقد فات أحد ms282 شرطي ~~التوحيد، وأجاب في المعالم بأن إثبات الإلهية له سبحانه مقرر في بداءة ~~العقول والمقصود نفي الشريك. احتج أبو حنيفة بمثل قوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "لا صلاة إلا بطهور" وتقديره: لا صحة للصلاة إلا بطهور فلو كان ~~الاستثناء من النفي إثباتا لكان كلما وجد الطهور توجد الصحة وليس كذلك, ~~فإنها قد لا تصح لفوات شرط آخر، ولم يجب الإمام على هذا الدليل لا في ~~المحصول ولا في المنتخب وهو حديث غير معروف، وبتقدير صحته فجوابه من ثلاثة ~~أوجه, أحدها: وهو ما ذكره المصنف أن الحصر قد يؤتى به للمبالغة لا للنفي عن ~~الغير كقوله: "الحج عرفة" وههنا كذلك؛ لأن الطهارة لما كان أمرها متأكدا ~~صارت كأنه لا شرط الصحة غيرها حتى إذا وجدت توجد الصحة. الثاني ما قاله ~~صاحب التحصيل # PageV01P204 # وهو حسن: أن قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات يصدق بإثبات صورة واحدة ~~من كل استثناء؛ لأن دعوى الإثبات لا عموم فيها بل هي مطلقة، وحينئذ فيقتضي ~~صحة الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم، أي: لا يقتضى ~~ثبوت صحة الصلاة في جميع صور الطهارة بل يصدق ذلك بالمرة الواحدة. الثالث ~~ما قاله الآمدي: أن هذا استثناء من غير الجنس؛ لأنه لا يصدق عليه اسم ~~الأول, ولكن إنما سبق هذا البيان اشتراط الطهارة في الصلاة والاستعمال يدل ~~عليه كما يقال: لا قضاء إلا بورع أو بعلم وليس المراد إثبات القضاء لكل ~~عالم أو ورع بل المراد الشرطية, وقد تقرر أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود ~~الجواز المشروط عدمه لوجود مانع أو انتفاء شرط، وما قاله حسن إلا دعواه أنه ~~منقطع، قال ابن الحاجب: فإنه بعيد؛ لأن هذا استثناء مفرغ والمفرغ من تمام ~~الكلام بخلاف المنقطع. "المسألة الثالثة": في حكم الاستثناءات المتعددة، ~~وقد أهملها ابن الحاجب وحكمها أنها إن تعاطفت أي: عطف بعضها على بعض عادت ~~كلها إلى المستثنى منه، نحو: له علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين فيلزمه ~~خمسة، وكذلك إن لم تكن معطوفة ولكن كان الثاني ms283 مستغرقا للأول قال في ~~المحصول: سواء كان مساويا نحو: له عشرة إلا اثنين إلا اثنين بالتكرار أو ~~أزيد نحو: له علي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة فيلزمه في المثال الأول ستة، ~~وفي الثاني خمسة، ولك أن تقول: الاستثناء خلاف الأصل لكونه إنكارا بعد ~~اعتراف كما سيأتي، والتأكيد أيضا خلاف الأصل والمساوي محتمل لكل منهما، فلم ~~رجحنا الاستثناء على التأكيد؟ وللنحويين في هذا القسم وهو المستغرق مذهبان، ~~أحدهما: ما اقتضاه كلام المصنف. والثاني: وهو مذهب الفراء1 أو الثاني يكون ~~مقرا به فيلزمه في المثال الأول عشرة وفي الثاني أحد عشر. قوله: "وإلا" أي: ~~وإن لم يكن الثاني معطوفا ولا مستغرقا فيعود الاستثناء الثاني لا الاستثناء ~~الأول أي: يكون مستثنى منه، وحينئذ فلا بد من مراعاة ما تقدم لك، وهو أن ~~الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس، فإذا قال: له علي عشرة إلا ثمانية إلا ~~سبعة إلا ستة فتكون السبعة مستثناة من الثمانية وعلى هذا فتكون لازمة؛ ~~لأنها مستثناة مما يلزم والستة مستثناة من السبعة فتكون غير لازمة؛ لأنها ~~مستثناة مما يلزم وحينئذ فيلزمه في هذا الإقرار ثلاثة لأنه لما قال: علي ~~عشرة إلا ثمانية أي: لا يلزمني فيبقى درهمان ثم قال: إلا سبعة أي: تلزمني, ~~فتضمها إلى الدرهمين تصير تسعة ثم قال: إلا ستة أي تلزمني فيبقى ثلاثة، ~~وهذا الذي جزم به من كون كل واحد يعود إلى ما PageV01P205 # قبله هو مذهب البصريين والكسائي1، واستدل له المصنف بأنه أقرب، وقال بعض ~~النحويين: تعود المستثنيات بها إلى المذكور أولا وقال بعضهم: يحتمل ~~الأمرين. قال: "الرابعة: قال الشافعي: المتعقب للجمل كقوله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا} [البقرة: 160] يعود إليها وخص أبو حنيفة بالأخيرة، وتوقف ~~القاضي والمرتضى وقيل: إن كان بينهما تعلق فللجميع مثل: أكرم الفقهاء ~~والزهاد أو أنفق عليهم إلا المبتدعة وإلا فللأخيرة، لنا ما تقدم أن الأصل ~~اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما, فكذلك ~~الاستثناء قيل خلاف الدليل حولف في الأخيرة للضرورة, قبقيت الأولى على ~~عمومها, قلنا: منقوض بالصفة والشرط". أقول: ms284 شرع في حكم الاستثناء المذكور ~~عقب الجمل كقوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون، إلا ~~الذين تابوا} [النور: 4، 5] فإن هذا الاستثناء وقع بعد ثلاث جمل, الجملة ~~الأولى آمرة بجلدهم، والثانية ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة مخبرة ~~بفسقهم، وفي حكم ذلك مذاهب، الأول مذهب الشافعي: أن الاستثناء يعود إلى ~~الجمع إذا لم يدل الدليل على إخراج البعض لكن بشرطين، أحدهما: أن تكون ~~الجمل معطوفة، كما صرح به الآمدي وابن الحاجب وغيرهما واستدلال الإمام ~~والمصنف وغيرهما يقتضيه, الثاني: أن يكون العطف بالواو خاصة كما صرح به ~~الآمدي وابن الحاجب وإمام الحرمين في النهاية. الثاني مذهب أبي حنيفة: أنه ~~يعود إلى الجملة الأخيرة خاصة قال في المعالم: وهو المختار، وفائدة هذا ~~الخلاف في قبول شهادة القاذف بعد التوبة فعندهما تقبل؛ لأن الاستثناء يعود ~~إليها أيضا، وعنده لا تقبل، وأما الجملة الأولى الآمرة بالجلد فوافقناه على ~~أن الاستثناء هنا لا يعود إليها لكونه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة. الثالث: ~~التوقف وهو مذهب القاضي والشريف المرتضى2 من الشيعة، قال في المحصول: إلا ~~أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله في اللغة، والمرتضى توقف للاشتراك أي: ~~لكونه مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة؛ لأنه قد ورد عوده للكل ~~في قوله تعالى: {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ~~خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون، إلا الذين تابوا} [آل ~~عمران: 87-89] . وورد عوده أيضا إلى PageV01P206 # الأخيرة في قوله تعالى: {إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن ~~لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} [البقرة: 249] والأصل في ~~الاستعمال الحقيقة فيكون مشتركا, قال في المنتخب: وما ذهب إليه القاضي هو ~~المختار، وصرح به في المحصول1 في الكلام على التخصيص بالشرط، وذكر فيه وفي ~~الحاصل هنا نحوه أيضا. الرابع ما ذهب إليه أبو الحسين البصري وقال في ~~المحصول: إنه حق مع كونه قد اختار التوقف ms285 كما تقدم: إن كان بين الجمل تعلق ~~عاد الاستثناء إليها وإلا يعود إلى الأخيرة خاصة، والمراد بالتعليق كما قال ~~في المحصول هو أنه يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرا في الثانية، فالحكم ~~كقولنا: أكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة، وتقديره: وأكرم الزهاد وأما ~~الاسم فكقولنا: أكرم الفقهاء أو أنفق عليهم إلا المبتدعة فقوله: عليهم أي ~~على الفقهاء، وقد أشار المصنف إلى المثالين بذكر أو فقال: أو أنفق عليهم ~~فافهمه، واجتنب غيره، وإنما أعيد الاستثناء هنا إلى الكل لأن الثانية لا ~~تستقل إلا مع الأولى بخلاف ما إذا لم يكن بين الجمل تعلق؛ لأن الظاهر أنه ~~لم ينتقل عن الجملة المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من ~~الأولى، فلو كان الاستثناء راجعا إلى الجميع لم يكن مقصوده من الأولى قد ~~تم. قوله: "لنا" أي الدليل على المذهب المختار وهو مذهب الشافعي: أن الأصل ~~اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما، ~~أي: كالصفة والظرف والمجرور، فيجب أن يكون الاستثناء كذلك، والجامع عدم ~~الاستقلال مثاله: أكرم بني مضر وأطعم بني ربيعة محتاجين، أو إن كانوا ~~محتاجين، أو المحتاجين, أو عند زيد أو يوم الجمعة. واعلم أن الإمام نقل عن ~~الحنفية هنا أنهم وافقونا على عود الشرط إلى الكل كما نقله المصنف, قال: ~~وكذلك الاستثناء بالمشيئة ونقل في الكلام على التخصيص بالشرط عن بعض ~~الأدباء أن الشرط يختص بالجملة التي تليه، فإن تقدم اختص بالأولى, وإن تأخر ~~اختص بالثانية, قال: والمختار التوقف كما في الاستثناء، وسوى ابن الحاجب ~~بينه وبين الاستثناء، فعلى هذا يأتي فيه التفصيل الذي سبق نقله عنه، وأما ~~الحال والظرف والمجرور فقال -أعني الإمام: إنا نخصهما بالأخيرة على قول أبي ~~حنيفة، وحينئذ فاستدلال المصنف بهما على أبي حنيفة باطل, وأما الصفة فلم ~~يصرح الإمام بحكمها لكنها شبيهة بالحال، وقد علمت أن الحال يختص بالأخيرة ~~عند الخصم. قوله: "قيل: خلاف الدليل" أي: احتج أبو حنيفة بأن الاستثناء ~~خلاف الدليل لكونه إنكارا بعد الإقرار، لكن خولف مقتضى الدليل ms286 في الجملة ~~الأخيرة للضرورة؛ وذلك لأنه لا يمكن إلغاء الاستثناء، وتعلقه بالجملة ~~الواحدة كاف في تصحيح الكلام، والأخيرة لا شك أنها أقرب فخصصناه بها، فبقي ~~ما عداها من الأصل، وأجاب PageV01P207 # المصنف بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط, فإنهما عائدان إلى الكل ~~عندكم، مع أن المعنى الذي قلتموه موجود بعينه فيهما، وفيما قاله المصنف في ~~الصفة نظر لما قدمناه من عوده إلى الأخيرة عندهم، وقد اختلف النحاة أيضا في ~~هذه المسألة فجزم ابن مالك بعوده إلى الجميع، وخصه أبو علي الفارسي1 ~~بالأخيرة كما نقله عنه ابن برهان في الوجيز، قال: لأن العامل في المستثنى ~~هو الفعل المتقدم فلو عاد الاستثناء إلى الجميع لاجتمع عاملان على معمول ~~واحد وهو محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد مرفوعا ومنصوبا كما في ~~الآية المذكورة. قال: "الثاني: الشرط وهو ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا ~~وجوده كالإحصان، وفيه مسألتان" أقول: هذا هو القسم الثاني من أقسام ~~المخصصات المتصلة، والشرط في اللغة هو العلامة ومنه أشراط الساعة أي: ~~علاماتها، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف ولا شك أن توقف المؤثر على الغير ~~يكون على قسمين، أحدهما: أن يكون في وجوده, وذلك بأن يكون ذلك الغير علة ~~للمؤثر, أو جزءا من علته، أو شرطا لعلته، أو يكون جزءا من نفس المؤثر؛ لأن ~~الشيء أيضا يتوقف في وجوده على جزئه، وهذا القسم يتوقف عليه تأثير المؤثر ~~أيضا؛ لأن التأثير متوقف على وجود المؤثر, وكل ما توقف عليه المؤثر توقف ~~عليه التأثير بطرق الأولى. الثاني: أن يتوقف على الغير في تأثيره فقط، وذلك ~~الغير هو المعبر عنه بالشرط، فقوله: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر يدخل فيه ~~جميع ما تقدم من الشرط وغيره، وقوله: لا وجوده, معطوف على تأثير المؤثر، ~~أي: لا يتوقف وجوده يعني وجود المؤثر، وخرج بهذا القيد علة المؤثر وجزؤه ~~وغير ذلك مما عدا الشرط، فإن التأثير متوقف على هذه الأشياء بالضرورة كما ~~قدمنا، لكن ليس هو التأثير فقط بل التأثير والوجود بخلاف الشرط، فإن وجود ~~المؤثر ms287 لا يتوقف، بل إنما يتوقف عليه تأثير كالإحصان، فإن تأثير الزنا في ~~الرجم متوقف عليه، وأما نفس الزنا فلا؛ لأن البكر قد تزني، وهذا التعريف ~~إنما يستقيم على رأي المعتزلة والغزالي، فإنهم يقولون: إن العلل الشرعية ~~مؤثرات، لكن المعتزلة يقولون: إنها مؤثرة بذاتها، والغزالي يقول: بجعل ~~الشارع، وأما المصنف وغيره من الأشاعرة فإنهم يقولون: إنها أمارات على ~~الحكم وعلامات عليه كما سيأتي في القياس فلا تأثير ولا مؤثر عندهم، فإن ~~قيل: ينتقض بذات المؤثر، فإن التأثير متوقف عليها بالضرورة، ويصدق عليها أن ~~المؤثر لا يتوقف وجوده عليها لاستحالة توقف الشيء على نفسه، قلنا: إنما ~~ينتقض أن لو قلنا بمذهب الأشعري وهو أن الوجود عين الماهية، والمصنف لا ~~يراه، بل يختار أن الوجود من الأوصاف الزائدة العارضة للماهية كما تقدم في ~~الاشتراك، فعلى هذا PageV01P208 # يصدق أن وجود المؤثر يتوقف على ذات المؤثر، وللفرار من هذا السؤال عبر ~~المصنف بقوله: لا وجوده ولم يقل: لا ذاته كما قال في المحصول1. واعلم أن ~~الشرط عندما يكون شرعيا كما مثلناه، وقد يكون عقليا كما تقول: الحياة شرط ~~في العلم, والجوهر شرط لوجود العرض، وقد يكون لغويا نحو: إن دخلت الدار ~~فأنت طالق، وكلام الإمام يقتضي أن المحدود هو الشرط الشرعي. قال: "الأولى: ~~الشرط إن وجد دفعة فذاك, وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه أو ارتفاع ~~جزء منه إن شرط عدمه. الثانية: إن كان زانيا ومحصنا يحتاج إليهما, وإن كان ~~سارقا أو نباشا فالقطع يكفي أحدهما، وإن شفيت فسالم وغانم حر فشفي عتق، وإن ~~قال: أو، فيعتق أحدهما ويعين". أقول: ذكر في الشرط مسألتين, إحداهما: أن ~~المشروط متى يوجد؟ وحاصله أن الشرط قد يوجد دفعة وقد يوجد على التدريج؛ فإن ~~وجد دفعة كالتعليق على وقوع طلاق وحصول بيع وغيرهما مما يدخل في الوجود ~~دفعة واحدة, فيوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود إن علق على الوجود، وعند ~~أول أزمنة العدم إن علق على العدم، وإن وجد على التدريج كقراءة الفاتحة ~~مثلا, فإن كان التعليق على وجوده ms288 كقوله: إن قرأت الفاتحة فأنت حر, فيوجد ~~المشروط وهو الحرية عند تكامل أجزاء الفاتحة، وإن كان على العدم كقوله ~~لزوجته: إن لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق، فيوجد المشروط وهو الطلاق عند ~~ارتفاع جزء من الفاتحة كما لو قرأت الجميع إلا حرفا واحدا؛ لأن المركب ~~ينتفي بانتفاء جزئه. المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط, وهو تسعة ~~أقسام؛ لأن الشرط قد يكون متحدا نحو: إن قمت فأنت طالق، وقد يكون متعددا ~~إما على سبيل الجمع نحو: إن كان زانيا ومحصنا ارجمه, فيحتاج إليهما للرجم، ~~وإما على سبيل البدل نحو: إن كان سارقا أو نباشا فاقطعه, فيكفي واحد منهما ~~في وجوب القطع، والمشروط أيضا على ثلاثة أقسام, فمثال الأول قد عرفته ومثال ~~الثاني: إن شفيت فسالم وغانم حر فإذا شفي عتق، ومثال الثالث: أن يأتي بأو ~~فيقول: إن شفيت فسالم أو غانم حر فإذا شفي عتق واحد منهما ويعينه السيد, ~~وإذا ضربت ثلاثة في ثلاثة صارت تسعة، وقد أهمل المصنف اتحاد الشرط والمشروط ~~اكتفاء بما تقدم، وذكر تعددهما على الجمع والبدل, ومجموع ذلك أربعة أقسام؛ ~~لأنه الحاصل من ضرب اثنين في اثنين. قال في المحصول: واتفقوا على أنه يحسن ~~التقييد بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي، وقد تقدم في الاستثناء حكم ~~الشرط الداخل على الجمل. قال: "الثالث: الصفة مثل: {فتحرير رقبة مؤمنة} ~~[النساء: 92] وهو كالاستثناء". أقول: هذا هو القسم الثالث من أقسام ~~المخصصات المتصلة, وهو التخصيص بالصفة نحو: أكرم الرجال العلماء، فإن ~~التقييد بالعلماء مخرج لغيرهم، ومثل له المصنف بقوله تعالى: PageV01P209 # {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] وهو تمثيل غير مطابق, فإن هذا من باب ~~تقييد المطلق لا من باب تخصيص العموم؛ لأن رقبة غير عامة لكونها نكرة في ~~سياق الإثبات، ولم يزد الإمام على قوله، كقولنا: رقبة مؤمنة، وهو محتمل لما ~~أراده المصنف ولغيره من الأمثلة الصحيحة، فأن تكون واقعة في نفي أو شرط كما ~~تقدم. قوله: "وهي" أي: والصفة كالاستثناء يعني في وجوب الاتصال وعودها إلى ~~الجمل، وفضل في المحصول ومختصراته كالحاصل ms289 وغيره، فقال: هذا إن كانت الجملة ~~الثانية متعلقة بالأولى نحو: أكرم العرب والعجم المؤمنين، فإن لم تكن فإنها ~~تعود إلى الأخيرة فقط، وقد عرفت ضابط التعلق في المسألة السابقة، وكلام ~~المصنف مشعر بأن أبا حنيفة يقول بعودها إلى الأخيرة مطلقا كما قال به في ~~الاستثناء، وليس كذلك: أكرم العرب والعجم المؤمنين فهي إما عائدة إليهما، ~~وإما أن لا تكون. أرى هذا الصحيح يكون كذلك كقولك: أكرم الحكماء وجالس ~~الفقهاء الزهاد فالصفة عائدة إلى الأخير، وإن كان للبحث فيه مجال كما في ~~الاستثناء فظاهر هذ العبارة يدل على التشبيه بحسب البحث، والتفصيل لا بحسب ~~تحقق المذاهب. "الرابع" من المخصصات المتصلة "الغاية وهي" أي: غاية الشيء ~~"طرفه" ونهايته "وحكم ما بعدها مخالف لها قبلها" من الحكم، أو مخالف لحكم ~~ما ذكر قبلها، إذ لو تبقى فيما وراء الغاية شيء منه لم تكن الغاية غاية ~~"مثل" قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] فإن {الليل} ~~عائد للصوم لدخول {إلى} فيه، وحكم الليل في الإمساك عن المفطرات خلاف حكم ~~ما قبله، "ووجوب" هذا جواب سؤال تقديره: لو كان حكم ما بعد الغاية خلاف ما ~~الحرف نفسه، وهو الصواب والتمثيل بالليل والمرافق يدل عليه، فيكون أراد ~~بالغاية ثانيا خلاف ما أراد بها أولا وهو غير ممتنع، وأطلق على الحرف اسم ~~الغاية، وهو مستعمل في عرف النحاة، وحاصل المسألة أن ما بعد الحرف مخالف في ~~الحكم لما قبله، أي: ليس داخلا فيه بل محكوم عليه بنقض حكمه؛ لأن ذلك الحكم ~~لو كان ثابتا فيه أيضا لم يكن الحكم منتهيا ومنقطعا فلا تكون الغاية غاية ~~وهو محال، مثاله قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ~~فإن {إلى} دال على أن الليل ليس محلا للصوم، وهذه المسألة فيها مذاهب ~~أحدها: ما اختاره المصنف وهو مذهب الشافعي كما تقدم نقله عنه في مفهوم ~~العدد. والثاني: أنه داخل فيما قبله. والثالث: إن كان من الجنس دخل وإلا ~~فلا، نحو: بعتك الرمان إلا هذه الشجرة, فينظر هل هي من ms290 الرمان أم لا؟ ~~والرابع: إن لم يكن معه من دخل مثلناه وإلا فلا، نحو: بعتك من كذا إلى كذا. ~~والخامس: إن كان منفصلا عما قبله بمفصل معلوم بالحس بقوله تعالى: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} فإنه لا يدخل, وإلا فيدخل كقوله تعالى: {وأيديكم إلى ~~المرافق} [المائدة: 6] فإن {المرافق} ليس منفصلا عن اليد بمفصل معلوم غير ~~مشتبه بما قبله وما بعده، كفصل الليل من النهار، بل بجزء مشتبه فلما كان ~~كذلك لم يكن تعيين بعض # PageV01P210 # الأجزاء بأولى من الآخر, فوجب الحكم بالدخول، وفي المحصول والمنتخب أن ~~هذا التفصيل هو الأولى، ومذهب سيبويه أنه إن اقترن بمن فلا يدخل، وإلا ~~فيحتمل الأمرين وقد نقله عنه في البرهان، واختار الآمدي أن التقييد بالغاية ~~لا يدل على شيء، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، وفي دخول غاية الابتداء أيضا ~~مذهبان، وفائدة الخلاف ما إذا قال له: علي من درهم إلى عشرة، أو قال: بعتك ~~من هذا الجدار إلى هذا الجدار، والمفتى به عندنا أنه لا يدخل الجدار في ~~البيع ولا الدراهم. العاشر: في الإقرار، وفي الفرق نظر، فإن قيل: هذا ~~الخلاف ينبغي أن يكون إلى خاصة، وأما حتى فقد نص أهل العربية على أن ما ~~بعدها يجب أن يكون من جنسه وداخلا في حكمه, قلنا: الخلاف عام وكلام أهل ~~العربية فيما إذا كانت عاطفة, أما إذا كانت غاية بمعنى إلى فلا، ومنه قوله ~~تعالى: {سلام هي حتى مطلع الفجر} [القدر: 5] . قوله: "ووجوب غسل المرفق ~~للاحتياط" جواب عن سؤال مقدر توجيهه أنه لو كان ما بعد الغاية غير داخل ~~فيما قبله لكان غسل المرفق غير واجب وليس كذلك، وجوابه ما في الكتاب, ~~وتقريره من وجهين، أحدهما: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ فأدار ~~الماء على مرفقيه" فاحتمل أن يكون غسله واجبا وتكون إلى بمعنى كما قد قيل ~~في قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] واحتمل أن لا ~~يكون واجبا فأوجبناه للاحتياط. الثاني: أن المرفق لما لم يكن متميزا عن ~~اليد امتيازا حسيا وجب غسله ms291 احتياطا حتى يحصل العلم بغسل اليد, وعلى هذا ~~التقدير يكون فيه إشعار باختيار التفصيل الذي نقلناه عن اختيار الإمام. قال ~~ابن الحاجب: وحكم الغاية في عودها إلى الجمل كحكم الصفة. قال: "والمنفصل ~~ثلاثة, الأول: العقل كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] الثاني: ~~الحس مثل: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] . الثالث: الدليل السمعي وفيه ~~مسائل الأولى: الخاص إذا عارض العام يخصصه علم تأخره أم لا، وأبو حنيفة ~~يجعل المتقدم منسوخا توقف حيث جهل، لنا إعمال الدليلين أولى". أقول: لما ~~فرغ من المخصصات المتصلة, شرع في المنفصلة، والمنفصل هو الذي يستقل بنفسه ~~أي: لا يحتاج في ثبوته إلى ذكر العام بخلاف المتصل كالشرط وغيره, وقسمه ~~المصنف إلى ثلاثة أقسام وهي: العقل، والحس، والدليل السمعي، وللقائل أن ~~يقول: يرد عليه التخصيص بالقياس والعادة وقرائن الأحوال، إلا أن يقال: إن ~~القياس من الأدلة السمعية؛ ولهذا أدرجه في مسائل، ودلالة القرينة والعادة ~~عقلية وفيه نظر؛ لأن العادة قد ذكرها في قسم الدليل السمعي وحينئذ فيلزم ~~فساده أو فساد الجواب، الأول: العقل, والتخصيص به على قسمين، أحدهما: أن ~~يكون بالضرورة كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] فإنا نعلم ~~بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه، والتمثيل بهذه الآية ينبني على أن المتكلم ~~يدخل في عموم كلامه وهو الصحيح كما تقدم، وعلى أن الشيء يطلق على الله وفيه ~~مذهبان للمتكلمين، والصحيح إطلاقه عليه لقوله تعالى: {قل أي شيء أكبر # PageV01P211 # شهادة قل الله شهيد} [الأنعام: 19] الآية. والثاني: أن يكون بالنظر كقوله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] فإن العقل قاض بإخراج ~~الصبي والمجنون للدليل الدال على امتناع تكليف الغافل. الثاني: الحس أي ~~المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات أيضا، وقد جعله المصنف قسيمه، ~~ومثاله قوله تعالى إخبارا عن بلقيس: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] فإنها ~~لم تؤت شيئا من الملائكة ولا من العرش، وقد اعترض على هذا التمثيل بأن ~~العرش والكرسي ونحو ذلك، وإن كنا نقطع بعدم دخوله، لكنه لا يشاهد بالحس حتى ~~يقال المخرج له، ms292 والأولى التمثيل بقوله تعالى: {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] ~~فإنا نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها كالسموات والجبال. الثالث: الدليل ~~السمعي وجعله المصنف مشتملا على تسع مسائل, الأولى: في بيان ضابط كلي على ~~سبيل الإجمال عند تعارض الدليلين السمعيين، والمسائل الباقية في بيان ~~التخصيص بالأدلة السمعية مفصل فنقول: الخاص إذا عارض العام أي: دل على خلاف ~~ما دل عليه فيؤخذ بالخاص سواء علم تأخيره عن العام أو تقديمه أو لم يعلم ~~شيء منها، ونقله الإمام عن الشافعي واختاره هو وأتباعه وابن الحاجب، وذهب ~~أبو حنيفة وإمام الحرمين إلى الأخذ بالمتأخر سواء كان هو الخاص أو العام ~~لقول ابن عباس: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" فعلى هذا إن تأخر العام نسخ ~~الخاص وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما دل عليه، فإن جهل التاريخ وجب ~~التوقف إلا أن يترجح أحدهما عن الآخر بمرجح ما كتضمنه حكما شرعيا، أو ~~اشتهار روايته, أو عمل الأكثر به, أو يكون أحدهما محرما والآخر غير محرم, ~~فإنه لا توقف بل يقدر المحرم متأخرا ويعم به احتياطا، ومنهم من بالغ فقال: ~~إن الخاص وإن تأخر عن العام، ولكنه ورد عقبه من غير تراخ, فإنه لا يقدم على ~~العام بل لا بد من مرجح حكاه في المحصول1. حجة الشافعي أنا إذا جعلنا الخاص ~~المتقدم مخصوصا للعام المتأخر فقد أعملنا الدليلين, أما الخاص فواضح, وأما ~~العام ففي بعض ما دل عليه. وإذا لم نجعله مخصصا له بل جعلناه منسوخا فقد ~~ألغينا أحدهما, ولا شك أن إعمال الدليلين أولى. واعلم أن ما قاله المصنف من ~~الأخذ بالخاص الوارد بعد العام محله إذا كان وروده قبل حضور وقت العمل ~~بالعام؛ لأنه إذا كان كذلك كان بيانا لتخصيص سابق، يعني دالا على أن ~~المتكلم كان قد أراد به البعض، وتأخير البيان جائز على الصحيح. فأما إذا ~~ورد بعد حضور وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم الآن ~~دون ما قبل؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة, هكذا قاله في المحصول, ms293 ~~وحينئذ فلا نأخذ به مطلقا، وإنما نأخذ به حيث لا يؤدي إلى نسخ المتواتر ~~بالآحاد كما سيأتي. قال: "الثانية: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة ~~PageV01P212 # المتواترة والإجماع, كتخصيص: {المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن} [الطلاق: 4] وقوله ~~تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] الآية بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "القاتل لا يرث" و {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] برجمه ~~للمحصن, وتنصيف حد القذف على العبد". أقول: شرع في بيان تخصيص المقطوع ~~بالمقطوع، فذكر أنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة المتواترة قولا كانت ~~أو فعلا، وبالإجماع. ثم ذكر أمثلتها بطريق اللفظ والنشر، وأهمل تخصيص السنة ~~المتواترة بهذه الثلاثة أيضا وهو جائز، وفي المحصول عن بعض الظاهرية أن ~~الكتاب لا يكون مخصصا أصلا لا لكتاب ولا لسنة، واحتج بقوله لتبين ففوض أمر ~~البيان إلى رسوله فلا يحصل إلا بقوله، ومثل المصنف تخصيص الكتاب بالكتاب ~~بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] فإنه مخصص ~~لعموم قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . ~~وللخصم أن يقول: لا أسلم أن تخصيص المطلقات بهذه الآية فقد يكون بالسنة، ~~وجوابه أن الأصل عدم دليل آخر، ومثال تخصيص الكتاب بالسنة القولية قوله ~~-صلى الله عليه وسلم: "القاتل لا يرث" فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: {يوصيكم ~~الله في أولادكم} [النساء: 11] وهذا التمثيل غير صحيح فإن الحديث المذكور ~~غير متواتر اتفاقا، بل غير ثابت. فإن الترمذي نص على أنه لم يصح، وقد ذكره ~~ابن الحاجب مثالا لتخصيص الكتاب بالآحاد، نعم إذا جاز التخصيص بالآحاد ~~فالمتواتر أولى، وأما تخصيص الكتاب بالسنة الفعلية؛ فلأن النبي -صلى الله ~~عليه سلم- رجم المحصن فكان فعله مخصصا لعموم قوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وفي هذا نظر أيضا لجواز أن ~~يكون إخراج المحصن إنما هو بالآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهو قوله ~~تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم" فإن هذا كان قرآنا ولكن نسخت تلاوته فقط كما سيأتي في ms294 كلام المصنف. ~~فيجوز أن يكون التخصيص به لا بالسنة، فإن المراد بالشيخ والشيخة إنما هو ~~الثيب والثيبة, ثم إن المصنف أيضا قد ذكر هذا بعينه مثالا لنسخ الكتاب ~~بالسنة كما سيأتي، ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع تنصيف حد القذف على العبد ~~فإنه ثابت بالإجماع مخصص لعموم قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] فإن قيل: الكتاب ~~والسنة المتواترة موجودان في عصره -عليه الصلاة والسلام- مشهوران وانعقاد ~~الإجماع بعد ذلك على خلافهما خطأ، وفي عصره لا ينعقد قلنا: لا نسلم أن ~~التخصيص بالإجماع، بل ذلك إجماع على التخصيص ومعناه: أن العلماء لم يخصوا ~~العام بنفس الإجماع، وإنما أجمعوا على تخصيصه بدليل آخر, ثم إن الآتي بعدهم ~~يلزمه متابعتهم وإن لم يعرف المخصص. قال: "الثالثة: يجوز تخصيص الكتاب ~~والسنة المتواترة بخبر الواحد, ومنع قوم وابن حبان فيما لم يخصص بمقطوع # PageV01P213 # والكرخي بمنفصل, لنا إعمال الدليلين ولو من جه أولى. قيل: قال عليه ~~الصلاة والسلام: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه ~~فاقبلوه، وإن خالفه فردوه" 1. قلنا: منقوض بالمتواتر قيل: الظن لا يعارض ~~القطع, قلنا: العام مقطوع المتن مظنون الدلالة, والخاص بالعكس فتعادلا. ~~قيل: لو خصص فنسخ قلنا: التخصيص أهون". أقول: أخذ المصنف يتكلم على تخصيص ~~المقطوع بالمظنون, فذكر في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد ~~أربعة مذاهب، أصحها الجواز، ونقله الآمدي عن الأئمة الأربعة، وقال قوم: لا ~~يجوز مطلقا, وقال عيسى بن أبان2: إن خص قبل ذلك بدليل قطعي جاز؛ لأنه يصير ~~مجازا بالتخصيص فتضعف دلالته، وأما إذا لم يخص أصلا فإنه لا يجوز لكونه ~~قطعيا، وقال الكرخي: إن خص بدليل منفصل جاز، وإن خص بمتصل أو لم يخص أصلا ~~فلا يجوز، وتعليله كتعليل مذهب ابن أبان؛ لأن الكرخي يرى أن المخصوص بمتصل ~~يكون حقيقة دون المخصوص بمنفصل. قوله: "والكرخي بمنفصل" أي: ومنع الكرخي ~~فيما لم يخصص بمنفصل سواء خص بمتصل أو لم يخص أصلا، فإذا خص بمنفصل جاز. ~~واعلم أن الإمام وصاحب الحاصل ms295 وابن الحاجب وغيرهم إنما حكوا هذه المذاهب في ~~تخصيص الكتاب بخبر الواحد ولم يحكوها في تخصيص السنة المتواترة به، فهل ذكر ~~المصنف ذلك قياسا أم نقلا؟ فلينظر، وأيضا فقد تقدم من كلامه أن ابن أبان ~~يرى أن العلم المخصوص ليس بحجة أصلا، فكيف يستقيم مع ذلك ما حكاه عنه، ~~قوله: "لنا" أي: الدليل على الجواز مطلقا أن فيه إعمالا للدليلين، أما ~~الخاص فمن جميع وجوهه أي في جميع ما دل عليه، وأما العام فمن وجه دون وجه ~~أي: في الأفراد التي سكت عنها الخاص دون ما نفاها، وفي منع التخصيص إلغاء ~~لأحد الدليلين وهو الخاص، ولا شك أن إعمال الدليلين ولو من وجه أولى من ~~إلغاء أحدهما. احتج الخصم بثلاثة أوجه, أحدها: الحديث الذي ذكره المصنف وهو ~~حديث غير معروف ثم إن هذا الدليل خاص بالكتاب والدعوى المنع فيه وفي السنة ~~المتواترة، وهو يقوي الاعتراض السابق في نقل الخلاف في تخصيص السنة، وأجاب ~~المصنف بأن الاستدلال به منقوض بالسنة المتواترة, فإنها تخصص بالكتاب ~~اتفاقا، مع أنها مخالفة له، وهذا الجواب ضعيف، فإن غاية ما يلزم منه تخصيص ~~دليله والعام المخصص حجة في الباقي. الثاني: أن الكتاب والسنة المتواترة ~~قطعيان وخبر الواحد ظني، والظن لا يعارض القطع لعدم مقاومته لقطعيته، ~~وجوابه أن العام الذي هو الكتاب أو السنة المتواترة متنه مقطوع به أي: يقطع ~~بكونه من القرآن PageV01P214 # أو السنة؛ لأنا قد علمنا استنادا إلى الرسول قطعا، ودلالته مظنونة ~~لاحتمال التخصيص, والخاص بالعكس أي: متنه مظنون لكونه من رواية الآحاد ~~ودلالته مقطوع بها؛ لأنه لا يحتمل الأفراد الباقية، بل لا يحتمل إلا ما ~~تعرض له، فكل واحد منهما مقطوع به من وجه ومظنون من وجه فتعادلا، فإن قيل: ~~إذا كانا متساويين فلا يقدم أحدهما على الآخر بل يجب التوقف وهو مذهب ~~القاضي قلنا: يرجح تقديم الخاص بأن فيه إعمالا للدليلين، وما قاله المصنف ~~ضعيف لأن خبر الواحد مظنون الدلالة أيضا؛ لأنه يحتمل المجاز والنقل وغيرهما ~~مما يمنع القطع غايته أنه لا يحتمل ms296 التخصيص، نعم يمكنه أن يدعي أن دلالة ~~الخاص على مدلوله الخاص أقوى من دلالة العام عليه، فلذلك قدم. الثالث: لو ~~جاز تخصيصهما بخبر الواحد لجاز نسخهما به؛ لأن النسخ أيضا في الأزمان لكن ~~النسخ باطل بالاتفاق فكذلك التخصيص، وجوابه أن التخصيص أهون من النسخ؛ لأن ~~النسخ يرفع الحكم بخلاف التخصيص، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف تأثيره ~~في الأقوى. قال: "وبالقياس ومنع أبو علي وشرط ابن أبان التخصيص والكرخي ~~بمنفصل، وابن شريح الجلأ في المقياس واعتبره حجة الإسلام أرجح الظنين، ~~وتوقف القاضي وإمام الحرمين. لنا ما تقدم قيل: القياس فرع فلا يقدم قلنا: ~~على أصله قيل: مقدماته أكثر، قلنا: قد يكون بالعكس ومع هذا فإعمال الكل ~~أحرى". أقول: هذا معطوف على قوله: بخبر الواحد أي: يجوز تخصيص الكتاب ~~والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس أيضا، واعلم أن القياس إن كان قطعيا ~~فيجوز التخصيص به بلا خلاف كما أشار إليه الأنباري شارح البرهان وغيره، وإن ~~كان ظنيا ففيه مذاهب, حكى المصنف منها سبعة والصحيح الجواز مطلقا، ونقله ~~الإمام عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأشعري ونقله الآمدي وابن الحاجب عن ~~أحمد أيضا. والثاني قاله أبو علي الجبائي: لا يجوز مطلقا، واختاره الإمام ~~في المعالم وبالغ في إنكار مقابله مع كونه قد صححه في المحصول والمنتخب ~~وموضعها في المعالم هو آخر القياس. والثالث قاله عيسى بن أبان: إن خص قبل ~~ذلك بدليل آخر غير القياس جاز, سواء كان التخصيص متصلا أو منفصلا، وإن لم ~~يخصص فلا يجوز لكن يشترط في الدليل المخصص على هذا المذهب أن يكون مقطوعا ~~به؛ لأن تخصيص المقطوع بالمظنون عنده لا يجوز كما تقدم في أول المسألة ~~فافهم ذلك، وحذفه المصنف للاستغناء عنه بما تقدم. والرابع قاله الكرخي: إن ~~كان قد خصص بدليل منفصل جاز وإلا فلا. الخامس قاله ابن شريح: إن كان القياس ~~جليا جاز، وإن كان خفيا فلا، وفي الجلي مذاهب حكاها في المحصول1 ولم يرجح ~~شيئا منها، ورجح في المنتخب أنه قياس المعنى والخفي قياس الشبه، ms297 وقال ابن ~~الحاجب: الجلي هو ما قطع بنفي تأثير الفارق فيه. وستعرف PageV01P215 # ذلك في القياس إن شاء الله تعالى. والسادس قاله حجة الإسلام الغزالي: أن ~~هذا العام وإن كان مقطوع المتن لكن دلالته ظنية كما تقدم, والقياس أيضا ~~دلالته ظنية وحينئذ فإن تفاوتا في الظن فالعبرة بأرجح الظنين، وإن تساويا ~~فالوقف. والسابع: التوقف وهو مذهب القاضي أبي بكر وإمام الحرمين، والمختار ~~عند الآمدي أن علة القياس إن كانت ثابتة بنص أو إجماع جاز التخصيص وإلا فلا ~~وقال ابن الحاجب: المختار أنه يجوز إذا ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان أصل ~~القياس من الصور التي خصت عن العموم. قال: فإن لم يكن شيء من ذلك نظر، إن ~~ظهر في القياس رجحان خاص أخذنا به وإلا فنأخذ بالعموم. قوله: "لنا ما تقدم" ~~أي: في خبر الواحد وهو أن إعمال الدليلين ولو من جهة أولى. قوله: "قيل: ~~القياس فرع أي: احتج أبو علي على أنه يجوز مطلقا" بوجهين، أحدهما: أن ~~القياس فرع عن النص؛ لأن الحكم المقاس عليه لا بد وأن يكون ثابتا بالنص؛ ~~لأنه لو كان ثابتا بالقياس لزم الدور أو التسلسل، وإذا كان فرعا عنه فلا ~~يجوز تخصيصه به، وإلا يلزم تقديم الفرع على الأصل، وأجاب المصنف بقوله: ~~قلنا على أصله، يعني: سلمنا أن القياس لا يقدم على الأصل الذي له, لكنا إذا ~~خصصنا العموم به لم نقدمه على أصله، وإنما قدمناه على أصل آخر. الثاني: أنه ~~لما ثبت أن القياس فرع عن النص لزم أن تكون مقدماته أكثر مقدمات النص، فإن ~~كانت مقدمة يتوقف عليها النص في إفادة الحكم كعدالة الراوي، ودلالة اللفظ ~~على المعنى فإن القياس يتوقف عليها أيضا، ويختص القياس بتفوقه على مقدمات ~~أخرى، كبيان العلة وثبوتها في الفرع وانتفاء المعارض عنه، وإذا كانت ~~مقدماته المحتملة أكثر, كان احتمال الخطأ إليه أقرب، فيكون الظن الحاصل منه ~~أضعف، فلو قدمنا القياس على العام لقدمنا الأضعف على الأقوى وهو ممتنع، ~~وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: أن مقدمات العام الذي يريد ms298 تخصيصه قد تكون ~~أكثر من مقدمات القياس، وذلك بأن يكون العام لمخصوص كثير الوسائط أي: بيننا ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم، أو كثير الاحتمالات المخلة بالفهم، ويكون ~~العام الذي هو أصل القياس قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم، قليل ~~الاحتمالات بحيث تكون مقدماته المعتبرة في القياس أقل من مقدمات العام ~~المخصوص، قال في المحصول: وعند هذا يظهر أن الحق ما قاله الغزالي. الثاني: ~~سلمنا أن مقدمات القياس أكثر من مقدمات العام، وأن الظن مع ذلك يضعف, لكن ~~مع هذا يجب التخصيص لأن إعمال الدليلين أحرى أي: أولى. قال: "الرابعة: يجوز ~~تخصيص المنطوق بالمفهوم لأنه دليل, كتخصيص "خلق الله الماء طهورا, لا ينجسه ~~شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" بمفهوم "وإذا بلغ الماء قلتين لم ~~يحمل خبثا" ". أقول: إذا فرغنا إلى أن المفهوم حجة, جاز عند المصنف تخصيص ~~المنطوق به، وبه جزم الآمدي وابن الحاجب وقال الآمدي: لا نعرف فيه خلافا ~~سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة، وقد توقف في المحصول فلم يصرح بشيء إلا ~~أنه ذكر دليلا يقتضي المنع على لسان # PageV01P216 # غيره، فقال ما معناه: ولقائل أن يقول: المفهوم أضعف دلالة من المنطوق, ~~فيكون التخصيص به تقديما للأضعف على الأقوى. وذكر صاحب التحصيل نحوه أيضا ~~فقال: في جوازه نظر. نعم جزم في المنتخب هنا بالمنع، وصرح به في المحصول في ~~الكلام على تخصيص العام بذكر بعضه، وقال في الحاصل: إنه الأشبه, واستدل ~~المصنف على الجواز بأن المفهوم دليل شرعي, فجاز تخصيص العموم به جمعا بين ~~الدليلين كسائر الأدلة, مثاله: قوله -عليه الصلاة والسلام: "خلق الله الماء ~~طهورا, لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" مع قوله -صلى الله ~~عليه وسلم: "وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" فإن الأول يدل بمنطوقه على ~~أن الماء لا ينجس عند عدم التغير سواء كان قلتين أم لا. والثاني: يدل ~~بمفهومه على أن الماء القليل ينجس وإن لم يتغير, فيكون هذا المفهوم مخصصا ~~لمنطوق الأول ms299 ولم يمثل المصنف لمفهوم الموافقة, ومثاله ما إذا قال: من دخل ~~داري فاضربه ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له: أف. قال: "الخامسة: العادة ~~التي قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم تخصص، وتقريره عليه الصلاة ~~والسلام على مخالفة العام تخصيص له، فإن ثبت "حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة" يرتفع الحرج عن الباقين" " 1. أقول: لا إشكال في أن العادة ~~القولية تخصص العموم نص عليه الغزالي وصاحب المعتمد والآمدي ومن تبعه كما ~~إذا كان من عادتهم إطلاق الطعام على المقتات خاصة، ثم ورد النهي عن بيع ~~الطعام بجنسه متفاضلا، فإن النهي يكون خاصا بالمقتات؛ لأن الحقيقة العرفية ~~مقدمة على اللغوية، وأما العادة الفعلية وهي مسألة الكتاب ففيها مذهبان، ~~وذلك كما إذا كان من عادتهم أن يأكلوا طعاما مخصوصا وهو البر مثلا, فورد ~~النهي المذكور وهو بيع الطعام بجنسه, فقال أبو حنيفة: يختص النهي بالبر ~~لأنه المعتاد، وخلافه الجمهور فقالوا بإجراء العموم على عمومه. هكذا نقله ~~الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، وقال في المحصول: اختلفوا في التخصيص ~~بالعادات, والحق أنها إن كانت موجودة في عصره -عليه الصلاة والسلام- وعلم ~~بها وأقرها، كما إذا اعتادوا مع الموز بالموز متفاضلا بعد ورود النهي ~~وأقره, فإنها تكون مخصصة، ولكن المخصص في الحقيقة هو التقرير، وإن لم تكن ~~بهذه الشروط فإنها لا تخصص؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع، نعم إن ~~أجمعوا على التخصيص لدليل آخر فلا كلام، وتابع المصنف على هذا التفصيل وهو ~~في الحقيقة موافق لما نقله الآمدي عن الجمهور, فإنهم يقولون: إن العادة ~~بمجردها لا تخصص وإن التقرير يخصص، وعلى هذا فالمراد من قول الجمهور: إن ~~العادة لا تخصص أن غير المعتاد يكون ملحقا بالمعتاد في الدخول, والمراد من ~~قول الإمام: إن العادة التي قررها الرسول تخصص, أن المعتاد يكون خارجا عن ~~غير المعتاد, فهما مسألتان في الحقيقة فافهم ذلك. قوله: "وتقريره" يعني أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى شخصا يفعل فعلا مخالفا للدليل ~~PageV01P217 # العام فأقره عليه فيكون إقراره تخصيصا ms300 للفاعل، بمعنى أن حكم العام لا ~~يثبت في حقه؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يقر على باطل. نعم إن ثبت هذا ~~الحديث المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو: "حكمي على الواحد حكمي ~~على الجماعة" يرتفع حكم العام على الباقين أيضا ويكون ذلك نسخا لا تخصيصا، ~~قال ابن الحاجب: كذلك إن لم يثبت، ولكن ظهر معنى يقتضي جواز ذلك فإنا نلحق ~~بالمخالف من وافقه في ذلك المعنى، وهذا الحديث سئل عنه الحافظ جمال الدين ~~المزي فقال: إنه غير معروف, فلذلك توقف فيه المصنف. قال الآمدي قبيل ~~الإجماع: ولا فرق في دلالة التقرير على الجواز بين أن يكون الشخص عالما ~~يسبق التحريم أم لا، وإلا كان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثم قال هو ~~وابن الحاجب: إنه يشترط أن يكون عليه الصلاة والسلام قادرا على الإمكان وأن ~~لا يعلم من الفاعل الإصرار على ذلك الفعل, واعتقاده الإباحة كتردد اليهود ~~إلى كنائسهم. قال: "السادسة: خصوص السبب لا يخصص؛ لأنه لا يعارضه, وكذا ~~مذهب الراوي كحديث أبي هريرة رضي الله عنه, وعمله في الولوغ لأنه ليس ~~بدليل. قيل: خالف الدليل وإلا لانقدحت روايته, قلنا: ربما ظنه دليلا ولم ~~يكن". أقول: هذه المسألة وما بعدها إلى آخر الباب فيما جعله بعضهم مخصصا مع ~~أن الصحيح خلافه, وفي هذه المسألة منه أمران, إذا تقرر هذا فاعلم أنه إذا ~~ورد الخطاب جوابا عن سؤال فإن كان لا يستقل بنفسه كان تابعا للسؤال في ~~عمومه وخصوصه فأما العموم فكقوله -عليه الصلاة والسلام- وقد سئل عن بيع ~~الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم فقال: "فلا إذا" 1 فإنه ~~يعم كل بيع وارد على الرطب وأما الخصوص فكما لو قال قائل: توضأت بماء البحر ~~فقال: يجزئك قال الآمدي: وهذا لا يدل على جوازه في حق غيره؛ لأنه سأله عن ~~وضوئه خاصة فأجابه عنه ولا عموم في اللفظ لعل الحكم على ذلك الشخص لمعنى ~~يخصه كتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده وأبي بردة بإجزاء العناق في الأضحية ~~ومن هذا القسم ms301 على ما قاله هو والإمام قول القائل: والله لا آكل جوابا لمن ~~سأله فقال: كل عندي فإن العرف يقتضي عود السؤال في الجواب كقوله: من أفطر ~~في رمضان بجماع فعليه الكفارة جوابا لمن سأل عن مطلق الإفطار في رمضان قال ~~في المحصول: فلا يجوز إلا بثلاثة شروط أحدها: أن يكون في المذكور تنبيه على ~~ما لم يذكر. والثاني: أن يكون السائل مجتهدا. والثالث: أن لا تفوت المصلحة ~~باشتغال السائل بالاجتهاد وإن كان أعلم كقوله -عليه الصلاة والسلام: ~~"والخراج بالضمان" حين سئل عمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فرده ~~وكقوله وقد سئل عن بشر بضاعة: "خلق الله الماء طهورا" 2 فهل العبرة بعموم ~~اللفظ أو بخصوص السبب؟ فيه مذهبان PageV01P218 # وهذه هي مسألة الكتاب أصحهما عن ابن برهان, والآمدي والإمام وأتباعهما ~~كالمصنف وابن الحاجب أن العبرة بعموم اللفظ؛ ولهذا قال: خصوص السبب لا ~~يخصصه أي: لا يخصص العام الوارد على ذلك السبب بل يكون باقيا على مدلوله من ~~العموم سواء كان السبب هو السؤال كما مثلناه ولم يكن كما روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام مر على شاة ميمونة وهي متية فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ~~1 هكذا قال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, وكأنهم جعلوا الشاة سببا لذكر ~~العموم ثم استدل المصنف على ما اختار بأن اللفظ العام مقتضاه شمول الألفاظ ~~وخصوص السبب لا يعارضه؛ لأنه لا منافاة بينهما بدليل أن الشارع لو قال: يجب ~~عليكم حمل اللفظ على سببه لكان جائزا، ولو كان معارضا له لكان ذلك متناقضا، ~~وإذا لم يعارضه فيجب حمله على العموم عملا بالمقتضى السالم عن المعارض. ~~هكذا استدل الإمام على عدم المنافاة والمعارضة، واعترض عليه صاحب التنقيح ~~فقال: إن الشارع لو تعبدنا بترك التخصيص بكل ما دل الدليل على كونه مخصصا ~~لكان جائزا ولا يوجب ذلك خروجه عن أن يكون مخصصا قبل التعبد بتركه, فكذلك ~~هذا، والأولى الاستدلال على عدم المعارضة بإمكان إعمال العام في صاحب السبب ~~وغيره، وذهب مالك وأبو ثور والمزني إلى أن ms302 العبرة بخصوص السبب، ونقله بعض ~~الشارحين للمحصول عن القفال والدقاق أيضا، واستدلوا بأمور منها: أن السبب ~~لو لم يكن مخصصا لما نقله الراوي لعدم فائدته، وجوابه: أن فائدته هي معرفة ~~السبب وامتناع إخراجه عن العموم بالاجتهاد، أي: بالقياس, فإنه لا يجوز ~~بالإجماع، كما نقله الآمدي وغيره؛ لأن دخوله مقطوع به لأن الحكم ورد بيانا ~~له بخلاف غيره, فإن دخوله مظنون. ونقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن ~~الشافعي أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب معتمدين على قول إمام الحرمين في ~~البرهان: إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي, ونقله عنه في المحصول, وما ~~قاله الإمام مردود, فإن الشافعي رحمه الله قد نص على أن السبب لا أثر له، ~~فقال في باب ما يقع في الطلاق وهو بعد باب طلاق المريض ما نصه: وما يصنع ~~السبب شيئا إنما يصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير ~~السبب ولا يكون مبتدأ الكلام الذي حكم, فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئا لم ~~يصنعه لما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم، إذا قيل هذا لفظه ~~بحروفه, ومن الأم نقلته فهذا نص بين دافع لما قاله ولا سيما قوله: ولا يمنع ~~ما بعده ... إلخ, وذكر ابن برهان في الوجيز نحوه أيضا، فقال: قالوا: فإن ~~كان اللفظ على عمومه فلماذا قدم الشافعي العموم العري عن السبب على العموم ~~الوارد على سبب؟ قلنا: ما أورده من السبب وإن لم يكن مانعا من الاستدلال ~~ومانعا من التعلق به، فإنه يوجب ضعفا, فقدم العري عن السبب لذلك أهمل ~~كلامه. وهذه الفائدة التي حصلت بطريق العرض PageV01P219 # فائدة حسنة؛ وذلك لأن الشافعي -رحمه الله- يقول: إن الأمة تصير فراشا ~~بالوطء، حتى إذا أتت بولد يمكن أن يكون من الوطء سواء اعترف به أم لا، لقصة ~~عبد بن زمعة اختصم هو وسعد بن أبي وقاص في المولود فقال سعد: هو ابن أخي ~~عهد إلي أنه منه، وقال عبد بن زمعة: هو أخي, ولد على فراش أبي من وليدته، ms303 ~~فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" 1، وذهب أبو ~~حنيفة إلى أن الأمة لا تصير فراشا بالوطء ولا يلحقه الوالد إلا إذا اعترف ~~به، وحمل الحديث المتقدم على الزوجة وأخرج الأمة من عمومه فقال الشافع: إن ~~هذا قد ورد على سبب خاص وهي الأمة لا الزوجة. قال الإمام فخر الدين: فتوهم ~~الواقف على هذا الكلام، أن الشافعي يقول: إن العبرة بخصوص السبب, ومراده أن ~~خصوص السبب لا يجوز إخراجه عن العموم بالإجماع كما تقدم، والأمة هي السبب ~~في ورود العموم فلا يجوز إخراجها، ومن تفاريع هذه القاعدة اختلاف أصحابنا ~~في أن العري هل يختص بالفقراء أم لا؟ فإن اللفظ الوارد في جوازه عام، وقد ~~قالوا: إنه ورد على سبب وهو الحاجة، ولما كان الراجح هو الأخذ بعموم اللفظ ~~كان الراجح عدم الاختصاص. وقوله: "وكذا مذهب الراوي" أي: لا يكون أيضا ~~مخصصا للعموم على الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما، ونقله في المحصول ~~عن الشافعي قال بخلاف حمل الخبر على أحد محمليه، فإن الشافعي يأخذ فيه ~~بمذهب الراوي. قال القرافي: وقد أطلقوا المسألة، والذي أعتقده أن الخلاف ~~مخصوص بالصحابي ثم مثل المصنف بقوله -صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب ~~في الإناء, فاغسلوه سبعا" 2 "الحديث" فإن أبا هريرة رواه مع أنه كان يغسل ~~ثلاثا فلا نأخذ بمذهبه؛ لأن قول الصحابي ليس بدليل كما ستعرفه إن شاء الله ~~تعالى, وهذا المثال غير مطابق؛ لأن التخصيص فرع العموم, والثلاث والسبع ~~وغيرهما من أسماء الأعداد نصوص مدلولاتها لا عامة. وقد ظفرت بمثال صحيح ~~ذكره ابن برهان في الوجيز, وهو قوله -صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه ~~فاقتلوه" 3 فإن راويه هو ابن عباس ومذهبه أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل؛ ~~فلذلك منع أبو حنيفة قتل المرتدة، احتج الخصم بأن الراوي إنما خالف العام ~~لدليل لو خالفه لغير دليل, لكان ذلك فسقا قادحا في قبول روايته، وإذا ثبت ~~أنه خالف دليلا كان ذلك الدليل هو المخصص، والجواب أنه ربما خالف لشيء ms304 ظنه ~~دليلا وليس هو بدليل في نفس الأمر فلا يلزم القدح لظنه، ولا التخصيص لعدم ~~مطابقته، وهذا الجواب يتجه إذا كان الراوي مجتهدا فإن كان مقلدا فلا. قال: ~~"السابعة: إفراد فرد لا يخصص، مثل قوله -عليه الصلاة والسلام: "أيما إهاب ~~دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" لأنه غير مناف قيل: ~~المفهوم مناف, قلنا: مفهوم اللقب PageV01P220 # مردود" أقول: إذا أفرد الشارع فردا من أفراد العام أي: نص على واحد مما ~~تضمنه وحكم عليه بالحكم الذي حكم به على العلم فإنه لا يكون مخصصا له كقوله ~~-عليه الصلاة والسلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: ~~"دباغها طهورها" والدليل عليه أن الحكم على الواحد لا ينافي الحكم على ~~الكل؛ لأنه لا منافاة بين بعض الشيء وكله، بل الكل محتاج إلى البعض، وإذا ~~لم يكن منافيا لم يكن مخصصا؛ لأن المخصص لا بد أن يكون منافيا للعام، واعلم ~~أن الواقع في الصحيحين من رواية ابن عباس أن الشاة كانت لمولاة ميمونة تصدق ~~بها عليها, وقد تقدم تمثيل خصوص السبب بقصة ميمونة أيضا وهو صحيح لكونه ~~بلفظ آخر غير هذا, واحتج الخصم وهو أبو ثور1 بأن تخصيص الشاة بالذكر يدل ~~بمفهومه على نفي الحكم عما عداه، وقد تقدم أنه يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم ~~وجوابه أن هذا مفهوم لقب وقد تقدم أنه مردود أي: ليس بحجة، وهذا الجواب ~~ذكره ابن الحاجب بلفظه وهو أحسن من جواب الإمام، فإنه أجاب هو وصاحب الحاصل ~~بأنا لا نقول بدليل الخطاب أي: بمفهوم المخالفة، وهذا الإطلاق مخالف لما ~~قرره في مفهوم الصفة والشرط وغيرهما. واعلم أن مقتضى جواب المصنف وابن ~~الحاجب تسليم التخصيص إذا كان المفهوم معمولا به، كما لو قيل: "اقتلوا ~~المشركين" ثم قيل: اقتلوا المشركين المجوس، وبه صرح أبو الخطاب الحنبلي على ~~ما نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول في المطلق والمقيد، وحينئذ فيكون ~~الكلام هنا في التخصيص بمجرد ذكر البعض من حيث هو بعض، مع قطع النظر عما ~~يعرض له ms305 مما هو معمول به فافهمه، لكن ذكر الآمدي وابن الحاجب فيما إذا كان ~~المطلق والمقيد منفيين ما حاصله أن ذكر البعض لا أثر له وإن اقترن بما هو ~~حجة وسأذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. وصرح به أيضا هناك أبو الحسين ~~البصري في كتابه المعتمد على ما نقله عنه الأصفهاني المذكور، وحينئذ فيكون ~~الجواب غير مستقيم، وقد اختلفوا في تحرير مذهب أبي ثور فنقل عنه الإمام في ~~المحصول أن المفهوم مخرج لما عدا الشاة ونقل عنه ابن برهان في الوجيز وإمام ~~الحرمين في باب الآنية عن النهاية أن المفهوم مخرج لما يؤكل لحمه. قال: ~~"الثامنة: عطف العام على الخاص لا يخصص مثل "ألا لا يقتل مسلم بكافر, ولا ~~ذو عهد في عهده "2 وقال بعض الحنفية بالتخصيص تسوية بين المعطوفين، فلنا ~~التسوية في جميع الأحكام غير واجبة". أقول: إذا كان المعطوف عليه مشتملا ~~على اسم عام، واشتمل المعطوف على ذلك الاسم بعنيه، لكن على وجه يكون مخصوصا ~~بوصف أو بغيره PageV01P221 # فلا يقتضي ذلك تخصيص المعطوف عليه عندنا، وقال الحنفية على ما نقله في ~~المحصول أو بعضهم على ما نقله المصنف أنه يقتضيه تسوية بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، وجوابه أن التسوية بينهما في جميع الأحكام غير واجبة بل ~~الواجب إنما هو التسوية في مقتضى العامل، مثال ذلك أن أصحابنا قد استدلوا ~~على أن المسلم لا يقتل بالكافر سواء كان حربيا أو ذميا بقوله عليه الصلاة ~~السلام: "ألا لا يقتل مسلم بكافر, ولا ذو عهد في عهده" فإن الكافر هنا وقع ~~بلفظ التنكير في سياق النفي فيعم، فقالت الحنفية: الحديث يدل على أن المسلم ~~لا يقتل بالكافر الحربي ونحن نقول به، وبيانه أن قوله: "ولا ذو عهد في ~~عهده" معطوف على "مسلم" فيكون معناه: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده ~~بكافر، ومما يقوي أن المراد عدم قتله بالكافر أن تحريم قتل المعاهد معلوم ~~ولا يحتاج إلى بيان وإلا لم يكن للعهد فائدة ثم إن الكافر الذي لا يقتل به ms306 ~~المعاهد هو الحربي؛ لأن الإجماع قائم على قتله بمثله وبالذمي, وحينئذ فيجب ~~أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم أيضا هو الحربي تسوية بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، وجوابه ما تقدم، وهذا الجواب الذي ذكره المصنف باطل؛ لأن ~~الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام، بل ~~باشتراكهما في المتعلقات، والاشتراك فيها واجب عند المصنف كما نص عليه في ~~الاستثناء عقب الجمل فقال: لنا الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ~~المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما هذا كلامه, وهو مخالف للمذكور هنا لا سيما ~~وقد صرح بالحال وهو غير المتنازع فيه هنا, أعني الصفة, بل الجواب أن قوله: ~~"ولا ذو عهد في عهده" كلام مفيد لا يحتاج إلى إضمار الكافر؛ لأنه ربما يوهم ~~أن المعاهد لا يقتل مطلقا فذكر ذلك دفعا لهذا التوهم. واعلم أن من الناس من ~~يعبر عن هذه المسألة بأن العطف على العام لا يوجب العموم في المعطوف خلافا ~~للحنفية, وهو أيضا صحيح فإن الحنفية قالوا: لو أن الكافر المذكور في الحديث ~~عام للحربي والذمي, لكان المعطوف أيضا كذلك لكنه ليس كذلك, فإن الكافر الذي ~~لا يقتل به المعاهد إنما هو الحربي دون الذمي, وممن عبر بهذه العبارة ~~الغزالي في المستصفى وابن الحاجب في مختصره إلا أن الغزالي قال: إن مذهبهم ~~غلط وابن الحاجب قال: إنه الصحيح قال: إلا إذا دل دليل منفصل على التخصيص ~~بهذا المثال بخصوصه. قال: "التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص مثل: {والمطلقات ~~يتربصن} مع قوله تعالى: {وبعولتهن} لأنه لا يزيد على إعادته". أقول: إذا ~~ورد بعد العام ضمير عائد على بعض أفراده فلا يخصصه عند المصنف, واختاره ~~الآمدي وابن الحاجب، وقيل: يخصص وهو رأي الشافعي على ما نقله عنه القرافي، ~~وقيل بالوقف وهو المختار في المحصول ومختصراته كالحاصل وغيره, ونقله الآمدي ~~عن الإمام وأبي الحسين ونقل ابن الحاجب عنهما التخصيص، # PageV01P222 # مثله قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ~~ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: 228] فإن المطلقات يشملن البوائن ~~والرجعيات، والضمير في ms307 قوله: {وبعولتهن} عائد على الرجعيات فقط؛ لأن البائن ~~لا يملك الزوج ردها، ولو ورد بعد العام حكم لا يتأتى إلا في بعض أفراده كان ~~حكمه كحكم الضمير كما صرح به في المحصول، ومثل له بقوله تعالى: {يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ثم قال: {لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] يعني الرغبة في مراجعتهن والمراجعة لا ~~تتأتى في البائن، واستدل المصنف على بقاء العموم بقوله؛ لأنه لا يزيد على ~~إعادته، وفيه ضميران ملفوظ بهما، فالأول يعود على لفظ الضمير من قوله: عود ~~الضمير خاص أي: لأن الضمير الخاص لا يزيد, وأما الثاني فيحتمل أن يكون ~~عائدا على العام، ومعناه أن الضمير لا يزيد على إعادة العام المتقدم، ولو ~~أعيد فقيل: وبعولة المطلقات أحق بردهن لم يكن مخصصا اتفاقا، وإن كان المراد ~~به الرجعيات فبطريق الأولى إعادة ما قام مقامه، ويحتمل أن يكون عائدا على ~~بعض الخاص وهو ما فهمه كثير من الشراح، ويعني بذلك أنه لو قيل: وبعولة ~~الرجعيات أحق بردهن لم يكن مخصصا لما قبله, فبالأولى ما قام مقامه الأول، ~~أصوب لتعبيره بالإعادة دون الإظهار, ولأنه أبلغ في الحجة لكون الأول بعينه ~~قد أعيد، ولم يلزم منه التخصيص، وعلى كل حال فللخصم أن يقول: إن الضمير ~~يزيد على إعادة الظاهر؛ لأن الظاهر مستقل بنفسه فينقطع معه الالتفات عن ~~الأول بخلاف الضمير، واستدل المتوقف بأن العموم مقتضاه ثبوت الحكم لكل فرد، ~~والضمير مقتضاه عوده لكل ما تقدم فليست مراعاة ظاهر العموم أولى من مراعاة ~~ظاهر الضمير، فوجب التوقف ولا ذكر لهذه المسألة في المنتخب. قال: "تذنيب: ~~المطلق والمقيد إن اتحد سببهما حمل المطلق عليه عملا بالدليلين, وإلا فإن ~~اقتضى القياس تقييده قيدا وإلا فلا". أقول: لما كان المطلق عاما عموما ~~بدليا، والمقيد أخص منه كان تعارضهما من باب تعارض العام والخاص فلذلك ذكره ~~في بابه وترجم له بالتذنيب, وقد سبق الكلام على هذه اللفظة في أوائل ~~الكتاب، وحاصل المسألة أنه إذا ورد لفظ مطلق ms308 ولفظ مقيد نظر إن اختلف حكمهما ~~نحو: اكس ثوبا هرويا وأطعم طعاما, فلا يحمل أحدهما على الآخر باتفاق, أي: ~~لا يقيد الطعام أيضا بالهروي لعدم المنافاة، واستثنى الآمدي وابن الحاجب ~~صورة واحدة وهو ما إذا قال: أعتق رقبة ثم قال: لا تملك كافرة ولا تعتقها، ~~وهذا القسم تركه المصنف لوضوحه، وصرح الآمدي بأنه لا فرق فيه بين أن يتحد ~~سببهما أم لا، لكن نقل القرافي عن أكثر الشافعية أنه يحمل عليه عند اتحاد ~~السبب، ومثل له بالوضوء والتيمم، فإن سببهما واحد وهو الحدث، وقد وردت اليد ~~في التيمم مطلقة، وفي الوضوء مقيدة بالمرافق, وإن اتحد حكمهما نظر, إن اتحد ~~سببهما كما لو قيل في الظهار: أعتق رقبة وقيل فيه أيضا: أعتق رقبة مؤمنة, ~~فلا خلاف كما قال الآمدي: إنا نحمل # PageV01P223 # المطلق على المقيد حتى يتعين إعتاق المؤمنة، لا المقيد على المطلق حتى ~~يجزئ إعتاق الكافرة، وإنما حملنا المطلق على المقيد عملا بالدليلين؛ وذلك ~~لأن المطلق جزء من المقيد فإذا عملنا بالمقيد عملنا بهما، وإن لم نعمل به ~~فقد ألغينا أحدهما، ثم اختلفوا فصحح ابن الحاجب وغيره أن هذا الحمل بيان ~~للمطلوب أي: دال على أنه كان المراد من المطلق هو المقيد، وقيل: يكون نسخا ~~أي: دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد الطارئ، واعلم أن مقتضى ~~إطلاق المصنف أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأمر والنهي، فإذا ~~قال: لا تعتق مكاتبا وقال أيضا: لا تعتق مكاتبا كافرا, فإن نحمل الأول على ~~الثاني ويكون المنهي عنه هو إعتاق المكاتب الكافر, وصرح به الإمام في ~~المنتخب وذكر في المحصول والحاصل نحوه أيضا، لكن ذكر الآمدي في الأحكام أنه ~~لا خلاف في العمل بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي إذ لا تعذر فيه، هذا ~~لفظه وهو يريد أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد فيمكن العمل بهما، ولا ~~يلزم من ثبوت المطلق ثبوت المقيد، وتابعه ابن الحاجب وأوضحه فقال: فإن اتحد ~~موجبهما مثبتين فيحمل المطلق على المقيد، ثم قال: فإن ms309 كانا منفيين عمل ~~بهما، وحاصله أنه لا يعتق مكاتبا مؤمنا أيضا، إذ لو أعتقه لم يعمل به، وصرح ~~به أبو الحسين البصري في المعتمد وعلله بأن قوله: لا تعتق مكاتبا عام، ~~والمكاتب الذمي فرد من أفراده، وذكره لا يقتضي التخصيص، هكذا نقله عنه ~~الأصفهاني شارح المحصول، ونقل عن أبي الخطاب الحنبلي بناؤها على أن مفهوم ~~الصفة هل هو حجة أم لا؟ وقد غلط الأصفهاني المذكور في فهم كلام الآمدي وابن ~~الحاجب, فادعى أن المراد منه حمل المطلق على المقيد. قوله: "وإلا" أي: وإن ~~لم يتحد سببهما كقوله تعالى في كفارة الظهار: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] وقوله تعالى في كفارة القتل: ~~{ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ففيه ثلاثة مذاهب ~~حكاها في المحصول, أحدها: أن تقييد أحدها يدل بلفظه على تقييد الآخر؛ لأن ~~القرآن كالكلمة الواحدة، ولهذا فإن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة احدة ~~وأطلقت في سائر الصور حملنا المطلق على المقيد. الثاني قول الحنفية: أنه لا ~~يجوز تقييده بطريق ما لا باللفظ ولا بالقياس. الثالث وهو الأظهر من مذهب ~~الشافعي كما قاله الآمدي وصححه هو والإمام وأتباعهما وجزم به المصنف: أنه ~~إن حصل قياس صحيح مقتض لتقييده قيد كاشتراك الظهار والقتل في خلاص الرقبة ~~المؤمنة عن قيد الرق لتشوف الشارع إليه، وإن لم يحصل ذلك فلا. "فرع": إذا ~~أطلق الحكم في موضع ثم قيد في موضعين بقيدين متنافيين, فإن قلنا: إن ~~التقييد بالقياس فلا كلام وتحمله على المقيد المشارك له في المعنى، وإن ~~قلنا: إنه باللفظ تساقطا وترك المطلق على إطلاقه؛ لأنه ليس تقييده بأحدهما ~~أولى من الآخر, # PageV01P224 # هكذا في المحصول1، ومثال ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في الولوغ: ~~"إحداهن بالتراب" وفي رواية: "أولاهن" وفي رواية: "أخراهن" فإنه لما لم يكن ~~الترجيح بلا مرجح، وتعذر القياس؛ لعدم ظهور المعنى تساقطا، ورجعنا إلى أصل ~~الإطلاق، وجوزنا التعفير في إحدى الغسلات عملا بقوله: "إحداهن بالتراب" ~~هكذا قالوه, ولك أن تقول: ينبغي في هذا ms310 المثال أن يبقى التخيير في الأولى ~~والأخرى فقط للمعنى الذي قالوه، وأما عداهما فلا يجوز فيه التعفير لاتفاق ~~القيدين على نفيه من غير معارض، وقد ظفرت بنص للشافعي موافق لهذا البحث ~~موافقة صريحة، فقال في البويطي في أثناء باب غسل الجمعة ما نصه: قال -يعني ~~الشافعي: وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل أولاهن أو أخراهن بالتراب ولا يطهره ~~غير ذلك, وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لفظه بحروفه, ومن ~~البويطي نقلته وهو نص غريب لم ينقله أحد من الأصحاب، وأورد في الأم حديثا ~~يعضد ذلك ذكره في باب ما ينجس الماء مما خالطه، وهو قبل كتاب الأقضية وبعد ~~باب الأشربة. PageV01P225 ### | الباب الرابع: في المجمل والمبين ### | الفصل الأول: في المجمل # قال: "الباب الرابع: في المجمل والمبين, وفيه فصول الأول: في المجمل, ~~وفيه مسائل, الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه كقوله تعالى: ~~{ثلاثة قروء} [البقرة: 228] أو إفراد حقيقة واحدة مثل: {أن تذبحوا بقرة} ~~[البقرة: 67] أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت، فإن ترجح واحد لأنه ~~أقرب إلى الحقيقة كنفي الصحة من قوله: "لا صلاة" و "لا صيام" أو لأنه أظهر ~~عرفا أو أعظم مقصودا كرفع الحرج، وتحريم الأكل من "رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان" و {حرمت عليكم الميتة} حمل عليه". أقول: سبق في تقسيم الألفاظ ~~تعريف المجمل لغة واصطلاحا, والإجمال لا يتصور إلا في معان متعددة، وحينئذ ~~فالمجمل على أقسام أحدها: أن يكون مجملا بين حقائقه أي: بين معان وضع اللفظ ~~لكل منها, كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: ~~228] فإن القرء موضوع بإزاء حقيقتين وهما الحيض والطهر. الثاني: أن يكون ~~مجملا بين أفراد حقيقة واحدة كقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ~~[البقرة: 67] فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، ~~والمراد: واحدة معينة منها كما سيأتي في الفصل الثاني. الثالث: أن يكون ~~مجملا بين مجازاته، وذلك إذا انتفت الحقيقة أي: ثبت عدم إرادتها وتكافأت ~~المجازات أي: لم يترجح بعضها على بعض، فإن ms311 لم يدل دليل على عدم إرادة ~~الحقيقة تعين الحمل عليها، ولا إهمال إلا إذا عارضها مجاز راجح, فإن فيه ~~الخلاف المعروف وقد ذكره المصنف قبيل الحقيقة والمجاز واختار التساوي. فعلى ~~اختياره هو قسم آخر من المجمل، ولم يتعرض له هناك اكتفاء بما ذكره هناك، ثم ~~إن المجمل قد يكون بواسطة الإعلان كالمختار، فإنه صالح لاسم الفاعل، واسم ~~المفعول، وبواسطة التركيب كقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} ~~[البقرة: 237] # PageV01P225 # فإن الذي بيده العقدة محتمل الزوج والولي، وبواسطة مرجع الصفة نحو: زيد ~~طبيب ماهر، فإن الماهر يحتمل أن يرجع إلى زيد وإلى الطبيب، والمعنى يختلف، ~~وبواسطة تعدد مرجع الضمير نحو: ضرب زيد عمر أو أكرمني، وبواسطة استثناء ~~المجهول كقوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} وهذه الأقسام قد ذكرها ابن ~~الحاجب ما عدا الأخير، وكلام المصنف صالح لها. نعم المجمل قد يكون فعلا ~~أيضا كما إذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من الركعة الثانية، فإنه ~~يحتمل أن يكون عن تعمد فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن ~~سهو فلا يدل عليه، وهذا القسم ذكره ابن الحاجب وغيره، وهو يرد على المصنف ~~فإنه جعل مورد التقسيم هو اللفظ، فقال: اللفظ إما أن يكون ... إلخ، ~~واختلفوا في جواز بقاء الإجمال بعد وفاة الرسول -عليه الصلاة والسلام- قاله ~~في البرهان بعد حكاية هذا الخلاف. والمختار أنه إن تعلق به حكم تكليفي فلا ~~يجوز، وإلا فيجوز. قوله: "فإن ترجع" أي: بعض المجازات, وجواب هذا الشرط هو ~~قوله بعد ذلك: حمل عليه، ثم ذكر للرجحان ثلاثة أسباب, أحدها: أن يكون أقرب ~~إلى الحقيقة من المجاز، والآخر كقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب" 1، وقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 2 فإن ~~حقيقة هذا اللفظ إنما هو الإخبار عن نفي ذات الصوم والصلاة عند انتفاء ~~الفاتحة والتبييت، وهذه الحقيقة غير مرادة للشارع؛ لأنا نشاهد الذات قد تقع ~~بدون ذلك فتعين الحمل على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، وإضمار الصحة ~~أرجح ms312 لكونه أقرب إلى الحقيقة، فحملنا اللفظ عليه، وبيان القرب أن الحقيقة ~~هو نفي الذات كما تقدم ونفي الذات يستلزم انتفاء جميع الصفات, ونفي الصحة ~~أقرب إليه في هذا المعنى من نفي الكمال؛ لأنه لا يبقى مع نفي الصحة وصف ~~بخلاف نفي الكمال, فإن الصحة تبقى معه, ولك أن تقول: إن هذا التقرير معارض ~~بأن نفي الكمال متيقن دون نفي الصحة, وبأن فيه تقليلا للإضمار والتجوز ~~المخالف للأصل. واعلم أن ما قاله المصنف هنا غير مستقيم، ولم يذكره الإمام ~~ولا أحد من أتباعه؛ وذلك لأن المذكور في المحصول مذهبان, أحدهما ما قاله ~~أبو عبد الله البصري: أن المنفي الداخل مطلقا مجمل، سواء كان شرعيا نحو: لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أو لغويا نحو: لا عمل إلا بالنية؛ لأن الذات غير ~~منتفية وليس بعض المجازات بأولى من بعض. والثاني ونقله عن الأكثرين: أن ~~النفي إن كان اسما شرعيا كالصوم والصلاة فلا إجمال؛ لأن انتفاء المشروع ~~ممكن بفوات شرطه أو جزئه, وقد أخبر الشارع به, وإن كان لغويا فإن كان له ~~حكم واحد فلا إجمال أيضا وينصرف النفي إليه كقولنا: لا إقرار لمن أقر ~~بالزنا مكرها، فإن هذا النفي لا يمكن صرفه إلى نفس الإقرار لوجوده، ولا ~~صرفه إلى الاستحباب لأنه لا PageV01P226 # مدخل له في الإقرار بالزنا، فإن الشخص يستحب له أن يستر على نفسه ولا ~~يقر, فتعين صرفه إلى الصحة, وإن كان له حكمان: الفضيلة والجواز, فليس ~~أحدهما أولى من الآخر فتعين الإجمال، ثم مثل له الإمام بقولنا: لا عمل إلا ~~بنية، وقال: لقائل أن يقول: صرفه إلى الصحة أولى لأنه أقرب إلى الحقيقة، ~~هذا حاصل كلام المحصول, وعبر في الحاصل عن قول الإمام, ولقائل أن يقول ~~بقوله وعندي، واستفدنا من هذا الكلام كله أن ما ليس بشرعي كالعمل يكون ~~مجملا خلافا لما مال إليه الإمام من حمله على الصحة وقد تبعه عليه الآمدي ~~وابن الحاجب، وصححاه أعني الحمل على الصحة، واستفدنا منه أيضا أن الشرعي ~~فيه مذهبان أحدهما: الإجمال, والثاني: حمله ms313 على الحقيقة وهو رأي الأكثرين ~~واختاره أيضا الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، فأما ما قاله المصنف من كونه ليس ~~مجملا ولا محمولا على الحقيقة الشرعية بل على المجاز الأقرب إلى نفي الذات ~~فخارج عن القولين معا، ولا شك أنه توهم أن بحث الإمام عائد إلى الكل لكونه ~~ذكره في آخر المسألة، وإنما ذكره في الاسم اللغوي فقط، نعم يستقيم ما قاله ~~المصنف إذا أنكرنا الحقائق الشرعية كما قاله الآمدي وابن الحاجب. السبب ~~الثاني من الأسباب المرجحة لأحد المجازات: أن يكون أظهر عرفا كقوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإن حقيقة ~~اللفظ ارتفاع نفس الخطأ وهو باطل لاستحالة رفع الشيء بعد صدوره، فتعين حمله ~~على المجاز بإضمار الحكم، أو الحرج يعني الإثم ويرجح. الثاني يعني الإثم ~~لكونه أظهر عرفا؛ لأن السيد لو قال لعبده: رفعت عنك الخطأ, لتبادر إلى ~~الفهم منه نفي المؤاخذة. الثالث: أن يكون أعظم مقصودا كقوله تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة} [المائدة: 3] فإن حقيقة اللفظ تحريم نفس العين كما قال به ~~بعضهم لكنه باطل قطعا، فإن الأحكام الشرعية لا تتعلق إلا بالأفعال المقدورة ~~للمكلفين، والعين ليست من أفعالهم فتعين الصرف إلى المجاز بإضمار الأكل أو ~~البيع أو اللمس أو غيرها، ويرجح الأكل بكونه أعظم مقصودا عرفا فحمل اللفظ ~~عليه، والمثالان الأخيران ذكرهما المصنف بطريق اللف والنشر، وحكى الإمام عن ~~بعضهم أنهما مجملان أيضا. قال: "الثانية: قالت الحنفية: {وامسحوا برؤوسكم} ~~مجمل، وقالت المالكية: يقتضي الكل، والحق أنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم ~~دفعا للاشتراك والمجاز. الثالثة: قيل: آية السرقة مجملة؛ لأن اليد تحتمل ~~الكل والبعض، والقطع الشق والإبانة, والحق أن اليد للكل وتذكر للبعض مجازا، ~~والقطع للإبانة، والشق إبانة". أقول: اختلفوا في إجمال قوله تعالى: ~~{وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] فقالت الحنفية: إنه مجمل؛ لأنه يحتمل مسح ~~الجميع ومسح البعض احتمالا على السواء, وقد بينه عليه الصلاة والسلام فمسح ~~بناصيته ومقدارها الربع فكان الربع واجبا، وقال غيرهم: لا إجمال فيها، ثم ~~اختلفوا فقالت المالكية: إنها تقتضي مسح ms314 الجميع؛ لأن الرأس حقيقة في الكل ~~قال المصنف: الحق أن # PageV01P227 # مسح الرأس حقيقة فيما ينطلق عليه اسم المسح, وهو القدر المشترك بين الكل ~~والبعض؛ لأن هذا التركيب تارة يأتي لمسح الكل وهو واضح, وتارة يأتي لمسح ~~البعض كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم، وإن لم يمسح منها إلا البعض، فإن ~~جعلناه حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، وإن جعلناه حقيقة في أحدهما فقد ~~لزم المجاز في الآخر، فجعله حقيقة في القدر المشترك دفعا للمحذورين، قال في ~~المحصول: وهذا هو قول الشافعي ثم نقل عن بعض الشافعية أن الباء تدل على ~~التبعيض، فلذلك اكتفينا بالبعض، ولم يذكر المصنف هذا المذهب هنا مع أنه قد ~~جزم به في الفصل المعقود للحروف، والإمام إن كان قد جزم به هناك لكنه لم ~~يصرح بعكسه هنا كما صرح به المصنف بل نقله عن الشافعي فقط. المسألة ~~الثالثة: ذهب بعضهم إلى أن آية السرقة وهي قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] مجملة في اليد والقطع؛ لأن اليد تحتمل ~~العضو كله أي: من المنكب إلى رءوس الأصابع, وتحتمل بعضه أيضا لأنها تطلق ~~على كل منهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة، والقطع يحتمل الشق يعني الجرح ~~كقولنا: فلان برى القلم فقطع يده أي: جرحها ويحتمل أيضا الإبانة وهو فصل ~~العضو كقولنا: سرق فقطعت يده. قوله: "القطع الشق" أي: يحتمل الشق, قال ~~المصنف: والحق أنه ليس فيها إجمال لا من جهة اليد ولا من جهة القطع أما ~~اليد فنقول: إنها حقيقة في الكل وتذكر للبعض بطريق المجاز بدليل قولنا في ~~البعض: إنه ليس كل اليد، وأما القطع فهو حقيقة في الإبانة، ولا شك أن الشق ~~أي: الجرح إبانة أيضا؛ لأن فيه إبانة بعض أجزاء اللحم عن بعض فيكون ~~متواطئا. # PageV01P228 ### | الفصل الثاني: في المبين # قال: "الفصل الثاني: في المبين وهو الواضح بنفسه أو بغيره مثل: {والله ~~بكل شيء عليم} [النساء: 176] {واسأل القرية} [يوسف: 82] وذلك الغير يسمى ~~مبينا وفيه مسألتان". أقول: المبين بفتح الياء: اسم مفعول من قولك: بينت ~~الشيء تبيينا ms315 أي: وضحته توضيحا، وهو أي المبين يطلق على شيئين أحدهما: ~~الواضح بنفسه وهو ما يكون كافيا في إفادة معناه، قال في المحصول: أما الأمر ~~الراجع إلى اللغة كقوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} [المائدة: 176] فإن ~~إفادة هذا اللفظ لهذا المعنى يوضح اللغة, وقد يكون بالعقل كقوله تعالى: ~~{واسأل القرية} [يوسف: 82] فإن حقيقة هذا اللفظ من جهة اللغة إنما هو طلب ~~السؤال من الجدران، ولكن العقل قد صرفنا عن ذلك، وبين أن المراد به الأهل، ~~وقد أشار المصنف إلى هذين القسمين بذكر المثالين، وإنما جعل هذا القسم ~~واضحا بنفسه وإن استفيد تعين معناه من العقل لكونه حاصلا من غير توقف. ~~واعلم أن إطلاق لفظ المبين بفتح الياء على الواضح بنفسه, لم يذكره الإمام ~~ولا صاحب الحاصل وهو إن كان غير متبادر إلى الفهم فهو صحيح لغة ومعنى، أما ~~معنى فلأن المتكلم قد أوضحه حيث لم يأت بلفظ مجمل، وأما لغة فقد قال ~~الجوهري في الصحاح ما نصه: والتبيين: الإيضاح، والتبيين أيضا # PageV01P228 # الوضوح، وفي المثل: "قد بين الصبح لذي عينين" أي: تبين، هذا لفظه، فأطلق ~~التبيين على الوضوح وهو مصدر وضح لا أوضح, تقول: وضح الشيء وضوحا فهو واضح، ~~فيكون اسم المفعول منه وهو المبين يطلق أيضا على ما قد وضح بنفسه وإن لم ~~يوضحه غيره. القسم الثاني: الواضح بغيره وهو ما يتوقف فهم المعنى منه على ~~انضمام غيره إليه وذلك الغير وهو الدليل الذي حصل به الإيضاح يسمى مبينا ~~بكسر الياء، وله أقسام ذكرها المصنف بمثلها في المسألة الآتية، وهذا ~~التقرير هو الصواب فاعتمده، ووقع في كثير من الشروح هنا أغلاط منها أن قوله ~~تعالى: {واسأل القرية} تمثيل الواضح بغيره وهو خلاف ما في المحصول كما ~~تقدم, وباطل أيضا لأنه قسم ذلك الغير في المسألة الآتية إلى القول والفعل ~~فقط, فلو كان مثالا له لكان انحصاره في القسمين باطلا؛ لأن المبين فيه ليس ~~هو الفعل ولا القول بل العقل، والذي حملهم على ذلك إيهام تقديم قوله: أو ~~بغيره أنه من باب ms316 اللف والنشر، والظاهر أن كان مؤخرا عن المثالين، ولكن ~~غيرته الشراح فتأمله. قال: "الأولى أن يكون قولا من الله والرسول, وفعلا ~~منه كقوله تعالى: {صفراء فاقع لونها} [البقرة: 69] وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: "فيما سقت السماء العشر" 1 وصلاته وحجه, فإنه أدل فإن اجتمعا ~~وتوافقا فالسابق, وإن اختلفا فالقول؛ لأنه يدل بنفسه". أقول: المبين -بكسر ~~الياء- قد يكون قولا من الله كقوله تعالى: {صفراء فاقع لونها} إلى آخر ~~الآيات, فإنه بيان لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: ~~67] وقد يكون قولا من الرسول كقوله: "فيما سقت السماء العشر" فإنه بيان ~~للحق المذكور في قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وقد ~~يكون فعلا منه أي من الرسول كصلاته، فإنها بيان لقوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة} [الأنعام: 72] ولهذا قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وكحجه فإنه ~~بيان لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ولهذا قال: ~~"خذوا عني مناسككم" 2 وحكى في المحصول عن قوم أنهم منعوا البيان بالفعل؛ ~~لأنه يطول فيتأخر, وأجاب بأن القول قد يكون أطول, واحتج المصنف بأن الفعل ~~أدل أي: أقوى في الدلالة على المقصود وتوضيحه من القول, فإن الخبر ليس ~~كالمعاينة والمشاهدة، فإذا جاز البيان بالقول فبالفعل أولى. قال في ~~المحصول: وإنما يعلم كون الفعل بيانا للمجمل بأحد أمور ثلاثة, أحدها: أن ~~يعلم ذلك بالضرورة من قصده. وثانيها: أن يقول: هذا الفعل بيان للمجمل. ~~وثالثها بالدليل العقلي: وهو أن يذكر المجمل في وقت الحاجة إلى العمل به, ~~ثم يفعل فعلا يصلح أن يكون بيانا له ولا يفعل شيئا آخر، فيعلم أن ذلك الفعل ~~بيان له، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قيل: أهمل PageV01P229 # المصنف قسمين آخرين للبيان، ذكرهما في المحصول أحدهما: الفعل من الله ~~تعالى وهو خلق الكتابة في اللوح المحفوظ، والثاني: الترك من الرسول كتركه ~~التشهد الأول, فإنه بيان لعدم وجوبه قلت: أما الترك فهو داخل في قسم الفعل ~~على الراجح عند الأصوليين وقد صرح به ابن الحاجب في حد الوجوب، وأما الكتاب ms317 ~~فتستحيل على الله تعالى في ذاته ولا يستحيل أن يخلقها في جسم, فصار كالبيان ~~بالإشارة وعقد الأصابع، وقد ادعى الإمام انتفاءهما في حق الله تعالى, ~~فنقول: لما ظهر استواء الكل لكان المقتضي لنفيهما مقتضيا لنفي الكتابة. ~~قوله: "إن اجتمعا" أي: القول أو الفعل وتوافقا أي: في الدلالة على حكم واحد ~~فالمبين هو السابق منهما، قولا كان أو فعلا لحصول البيان به, والثاني تأكيد ~~له، ولا فرق في ذلك بين أن نعلم السابق أو نجهله كما قاله في المحصول1 ~~وصححه ابن الحاجب, لكنا إذا جهلنا نحكم على السابق منهما من حيث الجملة. ~~وقال الآمدي: الأشبه فيما إذا جهلنا، واختلفا في الترجيح, أن المرجوح يقدر ~~متقدما حتى يكون هذا المبين، والراجح المتأخر تأكيد له؛ إذ لو انعكس الحال ~~لكان المرجوح مؤكدا للراجح وهو ممتنع، وإن اختلفا كقوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "من قرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا" 2 مع ما روي أنه ~~عليه الصلاة والسلام "قرن, فطاف لهما طوافين وسعى لها سعيين" فالأصح عند ~~الإمام وأتباعه وابن الحاجب أن المأخوذ به هو القول سواء تقدم أو تأخر، أو ~~لم يعلم شيء منهما لأنه يدل بنفسه, والفعل لا يدل إلا بواسطة أحد الأمور ~~الثلاثة المتقدمة. فعلى هذا إن تأخر الفعل فيكون دالا على استحباب الطواف، ~~الثاني: وإن تأخر القول كان ناسخا لإيجاب الطواف. الثاني: المستفاد من ~~الفعل, وقال الآمدي: الأشبه أنه إن تقدم القول فهو المبين، وإن تأخر فيكون ~~الفعل المتقدم مبينا في حقه حتى يجب عليه الطوافان, والقول المتأخر مبينا ~~في حقنا حتى يكون الواجب طوافا واحدا عملا بالدليلين. وقال أبو الحسين ~~البصري: المتقدم هو المبين دائما. قال: "الثانية: لا يجوز تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق, ويجوز عن وقت الخطاب عدا المشترك. لنا ~~مطلقا قوله تعالى: {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19] قيل: البيان التفصيلي ~~قلنا: تقييد بلا دليل، وخصوصا أن المراد من قوله تعالى: {أن تذبحوا بقرة} ~~[البقرة: 67] معينة بدليل ما هي وما لونها، والبيان ms318 تأخر. قيل: يوجب ~~التأخير عن وقت الحاجة، قلنا: الأمر لا يوجب الفور قيل: لو كان معينة لما ~~عنفهم, قلنا: للتواني بعد البيان وأنه تعالى أنزل: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله} [الأنبياء: 98] فنقض ابن الزبعرى بالملائكة والمسيح, فنزلت: {إن ~~الذين سبقت لهم منا} [الأنبياء: 101] الآية PageV01P230 # قيل: ما لا تتناولهم وإن سلم لكنهم خصوا بالعقل وأجيب بقوله تعالى: ~~{والسماء وما بناها} [الشمس: 5] وإن عدم رضاهم لا يعرف إلا بالنقل، قيل: ~~تأخير البيان إغراء, قلنا: كذلك ما يوجب الظنون الكاذبة، قيل: كالخطاب بلغة ~~لا تفهم, قلنا: هذا يفيد غرضا إجماليا بخلاف الأول". أقول: لا يجوز تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة أي: وقت العمل بذلك المجمل إن منعنا التكليف بما لا ~~يطاق؛ لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به محال. وكلام المصنف هنا مخالف ~~لما أسلفه من جواز التكليف به فالصواب بناؤه عليه كما ذكرته وهو المذكور في ~~المحصول والحاصل، وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فالصحيح ~~عند الإمام وأتباعه وابن الحاجب أنه يجوز ونقله في المحصول عن مذهبنا، ~~ومنعت المعتزلة ذلك. قال في المحصول: إلا في النسخ فإنهم وافقونا على جواز ~~تأخيره, وأهمل المصنف استثناءه وفصل أبو الحسن البصري من المعتزلة، ومن ~~الشافعية القفال والدقاق وأبو إسحاق المروزي، فقالوا: المجمل إن لم يكن له ~~ظاهر يعمل به كالمشترك فيجوز تأخير بيانه؛ لأن تأخيره لا يوقع في محذور, ~~وإن كان له ظاهر يعمل به فيجوز تأخير البيان التفصيلي بشرط وجود البيان ~~الإجمالي وقت الخطاب مانعا من الوقوع في الخطأ مثل أن يقول: المراد بهذا ~~العام هو المخصوص وبهذا المطلق هو المقيد وبالنكرة فرد معين, بهذا اللفظ ~~معنى مجازي أو شرعي وهذا الحكم سينسخ. وأما البيان التفصيلي وهو كونه ~~مخصوصا بكذا فغير شرط، وحاصله أن الشرط عند هؤلاء أحد البيانين فقوله ~~بالبيان أي مع البيان وفي النقل عن القفال نظر. فقد رأيت في كتاب الإشارة ~~له أنه يجوز تأخير البيان, وقوله: فيما عدا المشترك متعلق باشتراط البيان ~~لا بقوله: جوز فيكون ms319 عامله محذوفا أي: كانئا فيما عدا المشترك, ونقل في ~~المحصول عن أبي الحسين استثناء المتواطئ أيضا مع المشترك وهو فاسد معنى؛ ~~لأن له ظاهرا وهو ما شاء المكلف من الأفراد، ونقلا لأن أبا الحسين لم يذكر ~~سوى المشترك على ما نقله الأصفهاني شارح المحصول، ولأجل هذين المعنيين لم ~~يذكره المصنف فافهمه، ولم يصرح الآمدي باختيار شيء من المذاهب بل مال إلى ~~التوقف، ثم استدل المصنف على مذهبه بثلاثة أدلة، الأول: يدل على جوازه ~~مطلقا أي: في التخصيص وغيره مما له ظاهر أو ليس له ولهذا قال: لنا مطلقا، ~~والثاني: خاص بالنكرة، والثالث: خاص بالعموم؛ ولهذا قال: وخصوصا كذا وكذا. ~~والدليل الأول قوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه} ~~[القيامة: 18، 19] ذكر البيان بلفظ {ثم} وهي للتراخي فدل على أنه يجوز ~~تراخيه عن اتباع الرسول واتباع الرسول متأخر عن الإنزال وهو المراد بقوله ~~تعالى: {قرأناه} أي: {أنزلناه} إنما قلنا: إن المراد بقوله مطلقا أي: عاما ~~مطلق الدلالة؛ لأن المطلق يصدق بصوره فلا يكون فيه حجة على أبي الحسين في ~~اشتراطه أحد البيانين، إما التفصيلي أو الإجمالي، والمصنف قد استدل به ~~عليه, فإن قيل: فأين # PageV01P231 # العموم في الآية قلنا: لأن بيانه مضاف وقد تقدم أنه للعموم، ولك أن تقول: ~~حمله على العموم يقتضي أن لا يوجد بيان مقارن, وأن يفتقر كل القرآن إلى ~~البيان بالمعنى الذي قالوه وليس كذلك. فالوجه حمل البيان على الإظهار ~~كقولهم بأن لنا سور المدينة أي: ظهر اعتراض أبي الحسين ومن معه من الشافعية ~~بأن المراد هو البيان التفصيلي دون الإجمالي، وأجاب المصنف بأنه تقييد بلا ~~دليل. قوله: "وخصوصا" هو معطوف على قوله مطلقا, تقديره لنا مطلقا كذا، ~~وخصوصا كذا، وهذا هو الدليل الثاني المخصوص بالنكرة, وتقديره أن المراد من ~~قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] إنما هي بقرة ~~معينة بدليل سؤالهم عن صفتها، وجواب الباري لهم حيث قال: {ادع لنا ربك يبين ~~لنا} [البقرة: 70] إلخ الآيات, فلو كانت غير معينة لكان السؤال ms320 باطلا لا ~~يستحقون عليه جوابا, لكن الباري أجاب بأوصاف خاصة، ثم إن البيان تأخر عن ~~الخطاب حتى سألوه سؤالا بعد سؤال فدل على الجواز، واعترض الخصم على هذا ~~الاستدلال بوجهين أحدهما: أن بني إسرائيل كانوا مأمورين وقت الخطاب بالذبح ~~فيكونون محتاجين إلى البيان في ذلك الزمان، وتأخيره عنه تأخير عن وقت ~~الحاجة وهو لا يجوز, فما تقتضيه الآية لا يقولون به، وما يقولون به لا ~~تقتضيه الآية، وجوابه ما تقدم من كون الأمر لا يوجب الفور، ولك أن تقول: ~~الأمر بذلك إنما هو لأجل الفصل بين الخصمين المتنازعين في القتل, كما هو ~~معروف في التفسير والفصل واجب على الفور. الاعتراض الثاني: لا نسلم أن ~~البقرة كانت معينة، فإن ابن عباس رضي الله عنهما نقل عنه أنه قال: "شددوا ~~على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم" ويدل عليه أنها لو كانت معينة لما عنفهم ~~الله تعالى وذمهم على سؤالهم لكنه عنفهم بقوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ~~وجوابه أنا نمنع كون التعنيف على السؤال، فإنه يجوز أن يكون على التواني ~~أي: التقصير بعد البيان فإن كلا منهما محتمل، وأيضا فإيجاب المعينة بعد ~~إيجاب خلافها نسخ قبل الفعل وهو ممتنع عند الخصم، وكان الصواب تقديم ~~الاعتراض الثاني على الأول. قوله: "وأنه تعالى" هو معطوف على قوله: إن ~~المراد تقديره ولنا خصوصا أن المراد كذا, وأنه تعالى أنزل كذا، وهذا هو ~~الدليل الثالث المختص بجواز إطلاق العام وإرادة الخاص من غير بيان مقترن به ~~لا تفصيلي ولا إجمالي، وتوجيهه أنه تعالى أنزل: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] وهو عام في كل معبود فقال ابن الزبعرى: ~~لأخصمن محمدا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أليس قد عبدت ~~الملائكة؟ أليس قد عبد المسيح؟ فيلزم أن يكون هؤلاء حصب نار جهنم فتوقف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب حتى نزل التخصيص بقوله تعالى: {إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] فدل ذلك على ~~الجواز قال الجوهري: الحصب ms321 هو ما يحصب به في النار أن يرمى به والزبعرى ~~بكسر الزاي وفتح الباء قال: وهو السيئ الخلق على ما نقله الفراء، # PageV01P232 # وقال أبو عبدة وأبو عمرو: وإنه كثير شعر الوجه وأما أخصم فإنه من باب ~~المغالبة فنقول: خاصمته فخصمته بكسر الصاد أي: غلبته في الخصومة، قال ~~الجوهري: وهو شاذ فإن قياسه الضم إذا لم تكن عينه حرف حلق تقول: صارعته ~~فصرعته أصرعه بضم الراء. واعترض ما لا يعقل خاصة؛ لهذا نقل الآمدي أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- قال له: "ما أجهلك بلغة قومك, ما لما لا يعقل" ~~وحينئذ فلا يكون إنزال قوله تعالى: {إن الذين سبقت} الآية للتخصيص بل ~~لزيادة بيان جهل المعترض. الثاني: سلمنا أنها تتناولهم لكنهم مخصوصون ~~بالعقل فإن العقل قاض بأنه لا يجوز تعذيب أحد بجريمة صادرة من غيره لم يدع ~~إليها، وهذا الدليل كان حاضرا في عقولهم حالة الخطاب، ثم نزلت الآية تأكيدا ~~له، وأجاب المصنف عن الأول بما أجاب به الإمام وهو أن ما تعم العقلاء ~~وغيرهم بدليل إطلاقها على الله تعالى في قوله: {والسماء وما بناها} [الشمس: ~~4] وهذا الجواب باطل؛ لأنه إن أراد الإطلاق بالمجازي فمسلم، لكن لا بد في ~~الحمل عليه من قرينة ترشد إليه كالقرينة في قوله: {والسماء وما بناها} وأما ~~تكلف الحمل على المجاز بلا قرينة ليستدل به على الخصم كما صنع في قوله: ~~{إنكم وما تعبدون} فباطل بالاتفاق، وإن أراد الإطلاق الحقيقي فهو مذهب ~~مشهور ذهب إليه أبو عبيدة1 وابن درستويه2 ومكي بن أبي طالب3 وكذا ابن خروف4 ~~ونقله عن سيبويه5 لكنه مناقض لما ذكره في أوائل العموم، ومخالف لمذهب ~~الجمهور على أن في قوله تعالى: {وما بناها} تخاريج معروفة عند أهل العربية، ~~وأجاب على الثاني بأن العقل إنما يخيل ترك تعذيبهم لعبادة الكفرة لهم, إذا ~~علم بالعقل أيضا عدم رضاهم PageV01P233 # بالعبادة، وليس كذلك فإن العقل لا مجال له في هذا، وإنما علمنا عدم رضاهم ~~بالنقل وهو قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101] ~~الآية, وذلك متأخر وهذا الجواب ms322 من المصنف بناء على أن عصمة الأنبياء ثابتة ~~بالسمع, والمعتزلة يقولون: إنها ثابتة بالعقل كما سيأتي فلا يستقيم الرد ~~عليهم بذلك. قوله: "قيل: تأخير البيان إغواء" هذه حجة أبي الحسين البصري ~~علىاشتراط البيان الإجمالي فيما له ظاهر، كما قال في المحصول، وتقريره أن ~~الشارع إذا خاطبنا بذلك فإن لم يقصد إفهام المعنى كان عبثا وهو نقص، وإن ~~قصده فإن كان هو المعنى الباطن كان تكليفا بما لا يطاق، وإن كان هو الظاهر ~~كان إغواء أي إضلالا كما قاله الجوهري، ويقع في كثير له عليه وهو إيقاع في ~~الجهل وقرره في المحصول بتقرير الراء، وفي الحاصل بتقرير الواو، وكلام ~~المصنف يقتضي بأنه دليل للمانع مطلقا، وليس كذلك فإن المشترك ليس فيه إيقاع ~~في الجهل، وأجاب المصنف بالنقض الإجمالي وهو جواز الخطاب بما يوجب الظنون ~~الكاذبة كالتجسيم وغيره مثل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ~~{يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] مع أنه ليس بإغواء إجماعا فكذلك هذا, ~~وللخصم أن يفرق بأن هذه الأشياء قد قارنها دليل عقلي مرشد للصواب بخلاف ~~تأخير البيان، وهذا الجواب لم يذكره الإمام بل ذكر شيئا آخر فيه ضعف. قوله: ~~"قبل الخطاب" أي: استدل من منع تأخير البيان عن الخطاب الذي ليس له ظاهر ~~أيضا كالمشترك، والذي له ظاهر ولكن امتنع الأخذ به لاقترانه بالدليل ~~الإجمالي بأن الخطاب بذلك لا يحصل المقصود، فامتنع وروده كالخطاب بلغة لا ~~يفهمها السامع، وأجاب المصنف بالفرق وهو أن الخطاب بما لا يفهمه السامع لا ~~يفيد غرضا لا إجماليا ولا تفصيليا بخلاف الأول وهو الخطاب بالمشترك ونحوه ~~فإنه يفيد غرضا إجماليا، فإذا قال: ائتني بعين أفاد الأمر بواحدة من ~~العيون, فيتهيأ للعمل بعد البيان، وتظهر طاعته بالبشر وعصيانه بالكراهة ~~وكذلك إذا قال: اقتلوا المشركين وقال: إن هذا العام مخصوص. قال: "تنبه: ~~يجوز تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، وقوله تعالى: {بلغ} لا يوجب الفور". ~~أقول: المراد بالتنبيه ما نبه عليه المذكور قبله بطريق الإجمالي وهو ههنا ~~كذلك, وحاصله أنه يجوز للرسول صلى الله ms323 عليه وسلم تأخير تبليغ ما أوحي إليه ~~من الأحكام إلى وقت الحاجة إليها؛ لأنا نقطع بأنه لا استحالة فيه، ولأنه ~~يجوز أن يكون في التأخير مصلحة يعلمها الله تعالى. وقال قوم: لا يجوز لقوله ~~تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك} [المائدة: 67] وأجاب المصنف بأن ~~الأمر لا يوجب الفور كما تقدم. قال في المحصول: وإن سلمنا لكن المراد هو ~~تبليغ القرآن لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل، وذكره أيضا ابن ~~الحاجب، ولك أن تقول: أي فرق بين تبليغ القرآن وبين غيره، وأيضا فالقرآن أن ~~يشتمل على آيات تتضمن الأحكام فإذا وجب تبليغه على الفور وجب تبليغ ~~أحكامها, وإذا وجب ذلك وجب تبليغ الأحكام مطلقا إذ لا قائل بالفرق # PageV01P234 ### | الفصل الثالث: في المبين له # قال: "الفصل الثالث: في المبين له. إنما يجب البيان لمن أريد فهمه للعمل ~~كالصلاة، أو الفتوى كأحكام الحيض". أقول: يجب بيان المجمل لمن أراد الله ~~تعالى فهمه؛ لأن تكليفه بالفهم بدون البيان تكليف المحال، ولا يجب بيانه ~~لغيره؛ لأنه لا تعلق به, وقد أشار المصنف إلى هذين القسمين بإنما الدالة ~~على الحصر، ثم إن إرادة الفهم قد تكون للعمل به تضمنه المجمل, كآية الصلاة، ~~فإن المجتهدين أريدوا بالفهم ليعلموا بها، وقد تكون للفتوى به كأحكام ~~الحيض, فإن تفهيم المجتهدين ذلك إنما هو لإفتاء النساء به، لا للعمل، وهذا ~~الكلام ذكره أبو الحسين وتابعه الإمام وأتباعه عليه. وهو يدل على أنه لا ~~يجب على النساء تحصيل العلم بما كلفن به وليس كذلك، بل الرجال والنساء سواء ~~في وجوب ذلك على المستعد منهم دون غيره، إلا أن الغالب صدور الاستعداد من ~~الرجال. "فروع" حكاها الآمدي وابن الحاجب: الأول: اللفظ الوارد إذا أمكن ~~حمله على ما يفيد معنى واحدا، وعلى ما يفيد معنيين ولم يظهر كونه حقيقة في ~~كل منهما أو في أحدهما فقط. فقال ابن الحاجب: المختار أنه مجمل لتردده بين ~~هذين الاحتمالين من غير ترجيح، وقال الآمدي: المختار وهو رأي الأكثرين أنه ~~ليس بمجمل بل ms324 نحمله على ما يفيد معنيين ولم يظهر كونه حقيقة في كل منهما أو ~~في أحدهما فقط، فقال ابن الحاجب: المختار أنه مجمل لتردده بين هذين ~~الاحتمالين من غير ترجيح، وقال الآمدي: المختار وهو رأي الأكثرين أنه ليس ~~بمجمل, بل نحمله على ما يفيد معنيين تكثيرا للفائدة في كلام الشارع. ~~الثاني: إذا ورد لفظ من الشارع له مسمى لغوي ومسمى شرعي فقد تقدم الكلام في ~~بعضه في الفصل التاسع من الباب الأول. ويبقى النظر ههنا فيما إذا لم يكن ~~حمل الكلام على مدلوله الشرعي، ولكن أمكن حمله على حكم آخر شرعي وعلى ~~موضوعه اللغوي, فقال الغزالي: يكون مجملا وقال الآمدي وابن الحاجب: المختار ~~أنه ليس بمجمل بل يحمل على الحقيقة الشرعية. ومثاله قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "الطواف بالبيت صلاة" 1 فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه كالصلاة ~~حكما في الافتقار للطهارة، أو أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة. ~~الثالث: إذا قلنا: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب فالصحيح جوازه على ~~التدريج, وقيل: يمتنع لأن إخراج البعض يوهم استعماله في الباقي. الرابع: ~~إذا قلنا: لا بد من مقارنة المخصص للعام وإنه لا يجوز تراخي إنزاله عنه، ~~فإذا نزل فهل يجوز إسماعه للمكلف بدون إسماعه, أي إسماع العام بدون إسماع ~~الخاص, فيه مذهبان الصحيح الجواز، وصححه أيضا في المحصول؛ لأن فاطمة سمعت: ~~{يوصيكم الله} الآية ولم تسمع: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" وأمثاله كثرة. ~~الخامس: ذهب الكرخي إلى أنه لا بد أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، ~~وذهب PageV01P235 # أبو الحسين البصري إلى أنه يجوز أن يكون أدنى منه، قال في المحصول: وهو ~~الحق، واختار ابن الحاجب أنه لا بد أن يكون أقوى، وهذا الذي اختاره لم ~~يذكره الآمدي, بل اختار تفصيلا لم يذكره أيضا ابن الحاجب، وهو أنه إن كان ~~المبين مجملا كفى في تعيين أحد احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن كان ~~عاما أو مطلقا فلا بد أن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من دلالة ~~العام على ms325 صورة التخصيص, ومن دلالة المقيد على صورة التقييد؛ لأنه إن كان ~~مساويا لزم الوقف، وإن كان مرجوحا امتنع تقديمه على الراجح، وأما مساواة ~~البيان في الحكم فتأتي إن شاء الله تعالى في الكتاب الثاني في السنة. # PageV01P236 ### | الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ ### | الفصل الأول: في النسخ # قال: "الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ وفيه فصلان, الأول: في النسخ وهو ~~بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه, وقال القاضي: رفع الحكم ورد ~~بأن الحادث ضد السابق فليس رفعه بأولى من دفعه". أقول: النسخ لغة يطلق على ~~الإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، وعلى النقل والتحويل، ومنه: نسخت الكتاب ~~أي: نقلته، والمناسخات لانتقال المال من وارث إلى وارث. وهل هو حقيقة في ~~الإزالة مجاز في النقل أو بالعكس أو مشترك بينهما؟ فيه مذاهب حكاها ابن ~~الحاجب من غير ترجيح، ورجح الإمام الأول، وقال: لأن النقل أخص من الزوال, ~~فإن النقل إعدام صفة وإحداث أخرى. وأما الزوال فمطلق الإعدام، وكون اللفظ ~~حقيقة في العام مجازا في الخاص أولى من العكس لتكثير الفائدة، واختلفوا في ~~معناه الاصطلاحي ففسره القاضي برفع الحكم, واختاره الآمدي وابن الحاجب. ~~ومعناه أن خطاب الله تعالى تعلق بالفعل, بحيث لولا سريان الناسخ لكان ~~باقيا، لكن الناسخ رفعه، وفسره الأستاذ ببيان انتهاء حكم آخر, لكن الحصول ~~والانتهاء في الحقيقة راجعان إلى التعلق. والتفسير بالبيان اختاره المصنف, ~~وهو مقتضى اختياره في المحصول، فإنه ذكر في المسألة الثانية أن مقابله خطأ, ~~لكنه اختار في المعالم أن النسخ عبارة عن الانتهاء وحذف لفظة البيان، ~~فقوله: بيان كالجنس، وقوله: انتهاء خرج به بيان المجمل، وقوله: حكم شرعي ~~دخل فيه الأمر وغيره، ودخل فيه أيضا نسخ التلاوة دون الحكم؛ لأن في نسخها ~~بيانا لانتهاء تجويز قراءتها, وخرج به بيان انتهاء الحكم العقلي وهو ~~البراءة الأصلية، فإن بيان انتهائها بابتداء شرعية العبادات ليس بنسخ لأنه ~~ليس بيانا لحكم شرعي، إذ الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى كما تقدم، ~~والبراءة الأصلية ليست كذلك، وقوله: بطريق شرعي خرج به بيان انتهاء ms326 حكم ~~شرعي بطريق عقلي كالموت والغفلة والعجز فلا يكون نسخا كما صرح به الإمام ~~هنا، وصرح في الكلام على التخصيص بالأدلة المنفصلة بعكس ذلك، فقال: إن ~~النسخ قد يكون بالعقل ومثل له بسقوط فرض الغسل بسقوط الرجلين، وإنما قال ~~بطريق شرعي ولم يقل بحكم شرعي؛ لأن النسخ قد يكون بغير بدل، ودخل في الطريق ~~للفعل والتقرير والقول سواء كان من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. قوله: "متراخ عنه" خرج به # PageV01P236 # البيان المتصل بالحكم سواء كان مستقلا كقوله: "لا تقتلوا أهل الذمة" عقب ~~قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] أو غير مستقل كالاستثناء والشرط ~~وغيرهما، وأيضا لو لم يكن الناسخ متراخيا لكان الكلام متهافتا، وفي الحد ~~نظر من وجوه أحدها: أن المنسوخ قد لا يكون حكما شرعيا خبرا كما سياتي. ~~الثاني: أن هذا الحد منطبق على قول العدل: نسخ حكم كذا، مع أنه ليس بنسخ. ~~الثالث: إذا اختلفت الأمة على قولين, فإن المكلف مخير بينهما، ثم إذا ~~أجمعوا على أحدهما فإنه يتعين الأخذ به، وحينئذ فيصدق الحد المذكور عليه، ~~مع أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به كما سيأتي. ثم إن النسخ قبل وقت الفعل ~~داخل في حد الرفع, وفي دخوله في حد المصنف نظر، وكذلك التخصيص بالأدلة ~~السمعية المتراخية. قوله: "وقال القاضي: رفع الحكم" أي: رفع حكم شرعي بطريق ~~شرعي متراخ، وقد تقدم معنى الرفع، ورده الإمام بوجوه كثيرة اختار المصنف ~~منها وجها واحدا، وهو أن الحكم الحادث ضد السابق، وليس رفع الحادث السابق ~~بأولى من دفع السابق للحادث, ورفعه ودفعه مصدران مضافان إلى الفاعل، ~~والضميران عائدان على الاسمين المتقدمين وهما الحادث والسابق, الأول للأول ~~والثاني للثاني، ويجوز في الضميرين غير ذلك لكن بمراعاة إضافة المصدر إلى ~~المفعول فإن قيل: بل الحادث أقوى من السابق لأجل حدوثه، قلنا: قال في ~~المحصول: لا نسلم فكما أن الشيء حال حدوثه يمتنع عدمه فالسابق حال بقائه ~~أيضا كذلك؛ لأن كلا من الحادث والسابق لكونه ممكنا يحتاج إلى سبب, ومع ~~السبب يمتنع ms327 عدمه, فإذا امتنع العدم عليهما استويا في القوة فيمتنع ~~الرجحان، ولك أن تقول: الحادث أولى بالرفع ولولا ذلك لامتنع تأثير العلة ~~التامة في معلولها، وأيضا فإن القاضي لم يصرح بأن الرافع هو الحكم الحادث, ~~فقد يكون الرافع عنده هو الإرادة. قال: "وفيه مسائل؛ الأولى: أنه واقع ~~وأحاله اليهود. لنا أن حكمه إن تبع المصالح فيتغير بتغيرها وإلا فله أن ~~يفعل كيف شاء, وأن نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ثبتت بالدليل القاطع، ~~وقد نقل قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] وأن آدم عليه ~~السلام كان يزوج بناته من بنيه والآن محرم اتفاقا قيل: الفصل الواحد لا ~~يحسن ويقبح قلنا: منبي على فاسد ومع هذا فيحتمل أن يحسن لواحد أو في وقت, ~~ويقبح لآخر أو وقت آخر". أقول: النسخ جائز عقلا، وواقع سمعا خلافا لبعض ~~المسلمين, وافترقت اليهود على ثلاث فرق كما قال ابن برهان والآمدي وغيرهما، ~~فالشمعونية منعوه عقلا وسمعا، والعناية منعوه سمعا فقط، والعيسوية قالوا ~~بجوازه ووقوعه، وأن محمدا لم ينسخ شريعة موسى بل بعث إلى بني إسماعيل دون ~~بني إسرائيل، وفي الكتاب والمعالم أن اليهود مطلقا أحالته، وليس كذلك. ~~قوله: "لنا" أي: الدليل على ما قلناه من ثلاثة أوجه, الأول وهو دليل على ~~الجواز فقط: أن حكم الله تعالى إن تبع المصالح كما هو مذهب المعتزلة فيلزم ~~أن يتغير بتغيرها, فإنها تقطع بأن المصلحة قد تتغير بحسب الأوقات كما تتغير ~~بحسب # PageV01P237 # الأشخاص، وإن يتبعها فله تعالى أن يفعل كيف يشاء ويحكم كيف يريد. الثاني: ~~أن نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ثبتت بالدليل القاطع وهو المعجزة, وقد ~~نقل لنا عن الله تعالى أنه قال: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] ~~أي: نؤخرها {نأت بخير منها أو مثلها} ووجه الدلالة أن الاستدلال بالقرآن ~~متوقف على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, وفي كون نبوته ناسخة لما ~~قبلها، أو مخصصة قولان للعلماء، وحينئذ فنقول: نبوته -عليه الصلاة والسلام- ~~إن توقفت على النسخ فقد حصل المدعي، وإن لم تتوقف ms328 عليه فالآية التي نقلها ~~تدل على جواز النسخ. قال الإمام في تفسيره: وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن قوله ~~تعالى: {ما ننسخ من آية} جملة شرطية معناها: إن ننسخ نأت وصدق الملازمة بين ~~الشيئين لا يقتضي وقوع أحدهما, ولا صحة وقوعه. ومنه قوله تعالى: {لو كان ~~فيهما آلهة} [الأنبياء: 22] الآية, واستدرك صاحب التحصيل على كلامه في ~~المحصول بكلامه في التفسير. وقد يقال: سبب النزول يدل على الوقوع، فإن سببه ~~على ما نقله الزمخشري وغيره أن الكفار طعنوا فقالوا: إن محمدا يأمر بالشيء ~~ثم ينهى عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فإن قيل: صحة الآية والاستدلال ~~بها يتوقفان على صحة النسخ, فلو أثبتنا صحة النسخ بالآية لكان يلزم الدور, ~~قلنا: لا نسلم بل الاستدلال بها متوقف على صحة النبوة. الدليل الثالث ولم ~~يذكره في الحاصل: أن آدم -عليه السلام- كان يزوج الأخت من الأخ اتفاقا وهو ~~الآن محرم اتفاقا. هكذا قرره الإمام وفيه نظر من وجهين أحدهما: لا نسلم أن ~~التزويج كان بوحي من الله تعالى بل يجوز أن يكون يقتضي الإباحة الأصلية، ~~ورفعها ليس بنسخ كما قدمناه. الثاني ما ذكره في المحصول: وهو أنه يجوز أن ~~يكون قد شرع ذلك لآدم وبنيه إلى غاية معلومة وهي ظهور شريعة أخرى أو كثرة ~~النسل أو غير ذلك، وقد تقدم أن هذا لا يكون نسخا. ونقل الآمدي وابن الحاجب ~~وغيرهما عن التوراة أن فيها الأمر بالتزويج, فعلى هذا يسقط الاعتراض الأول. ~~قوله: "قيل: الفعل الواحد" أي: استدل المانع بأن الأمر بالشيء يقتضي أن ~~يكون حسنا والنهي عنه يقتضي أن يكون قبيحا, والفعل الواحد لا يكون حسنا ~~وقبيحا لاستحالة اجتماع الضدين, فلا يكون مأمورا به منهيا عنه. وأجاب ~~المصنف بأن هذا مبني على فاسد، وهو التحسين والتقبيح العقلي فيكون أيضا ~~فاسدا، ومع هذا أي: ومع تسليم هذه القاعدة فلا استحالة، إذ يحتمل أن يحسن ~~الفعل لشخص ويقبح لشخص آخر, أو يحسن الفعل في وقت ويقبح في وقت آخر كما ~~تقدم. قال: "الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن ببعض, ms329 ومنع أبو مسلم الأصفهاني. ~~لنا أن قوله تعالى: {متاعا إلى الحول} [البقرة: 240] نسخت بقوله تعالى: ~~{يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] قال: قد تعتد الحامل به, ~~قلنا: لا بل بالحمل وخصوصية السنة لاغ. وأيضا تقديم الصدقة على نجوى الرسول ~~وجب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] ثم نسخ قال: زال لزوال سببه وهو التمييز بين # PageV01P238 # المنافق وغيره, وقلنا: زال كيف كان. احتج المانع بقوله تعالى: {لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42] قلنا: "الضمير للمجموع". أقول: ~~لا يجوز نسخ جميع القرآن اتفاقا كما قاله في الحاصل وأشار إليه المصنف في ~~آخر المسألة, ويجوز نسخ بعضه خلافا لأبي مسلم الأصفهاني كما نقله عنه ~~الإمام وأتباعه، ونقل عنه الآمدي وأتباعه كابن الحاجب أنه منع وقوع النسخ ~~مطلقا, وأبو مسلم هذا هو الملقب بالجاحظ كما قاله ابن التلمساني في شرح ~~المعالم, واسم أبيه على ما قاله في المحصول: بحر وفي المنتخب: عمر واللمع: ~~يحيى, واستدل المصنف بوجهين، أحدهما: أن الله تعالى أمر التي توفي عنها ~~زوجها بالاعتداد بحول, فقال تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول} [البقرة: 240] ثم نسخ ذلك بقوله: {والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] . ~~اعترض أبو مسلم فقال: الاعتداد بالحول لم ينسخ بل خصص؛ وذلك لأن الحمل قد ~~يمكث حولا فتعتد الحامل به، والجواب عنه أنا لا نسلم أن الحامل تعتد بالسنة ~~بل إنما تعتد بوضع الحمل سواء حصل لسنة أو أقل أو أكثر, وخصوصية السنة لاغ ~~ولا اعتبارية. الثاني: أنه تعالى أوجب على من أراد أن يناجي الرسول تقديم ~~صدقة فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] وبقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله ~~عليكم} [المجادلة: 13] الآية, قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سبب ~~الإيجاب وهو التمييز بين المنافق وغيره، إذ المؤمن يمتثل والمنافق يخالف، ~~فلما حصل التمييز سقط ms330 الوجوب، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن المدعي زوال ~~الوجوب بعد ثبوته سواء كان لزوال سببه أو لم يكن؛ لأنه معنى النسخ وقد ثبت ~~ذلك هنا، وهذا الجواب مردود لأمور، منها أنه متناقض لما ذكره بعد ذلك فإنه ~~استدل على أن الإجماع لا ينسخ القياس بقوله، وأما القياس فلزواله بزوال ~~شرطه فاقتضى أن هذا ليس بنسخ. الثاني: أن ما زال بزوال علة يمكن عودها لا ~~يقال فيه: إنه منسوخ بل مشروعيته باقية حتى يعود عند عود العلة, الثابت أنه ~~إن أراد التمييز للنبي -صلى الله عليه وسلم- فهو باطل؛ لأنه كان يعلم ~~أعيانهم حتى سماهم لصاحب سره حذيفة بن اليمان كما دلت عليه الأحاديث. وإن ~~أراد التمييز للصحابة فدعوى زواله عنهم ممنوع بل استمر إلى وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم, وأجاب الإمام بأنه لو نسخ كما قال لكان من لم يتصدق ~~منافقا وهو باطل؛ فقد روي أنه لم يتصدق غير علي -رضي الله عنه- وفيه نظر, ~~فإن عدم الصدقة قد يكون لعدم النجوى. قوله: احتج أبو مسلم على المنع بقوله ~~تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42] فلو نسخ بعضه ~~لتطرف إليه البطلان, وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن الضمير لمجموع القرآن, ~~ومجموع القرآن لا ينسخ اتفاقا، وأجاب في المحصول بأن المراد أن هذا الكتاب ~~لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده ما يبطله, وأجاب غيرهما ~~بأن النسخ إبطال لا باطل فإن # PageV01P239 # الباطل ضد الحق. قال: "الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافا ~~للمعتزلة. لنا أن إبراهيم -عليه السلام- أمر بذبح ولده بدليل قوله تعالى: ~~{افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] {إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات: 106] ~~{وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107] فنسخ قبله قيل: تلك بناء على ظنه, ~~قلنا: لا يخطئ ظنه، قلنا: إنه امتثل وإنه قطع فوصل, قلنا: لو كان كذلك لم ~~يحتج إلى الفداء قيل: الواحد بالواحد لا يؤمر وينهى, قلنا: يجوز للابتلاء". ~~أقول: نسخ الوجوب قبل العمل جائز عندنا كما إذا قال الشارع: صل ms331 بعد الغروب ~~ركعتين ثم قال صحوة لا تصل. وخالف فيه المعتزلة وبعض الفقهاء، وتعبير ~~المصنف بقوله: قبل العمل يقتضي أنه لا فرق في الخلاف بين الوقت وما قبله ~~وما بعده، فأما قبل الوقت أو بعد دخوله، ولكن قبل مضي زمن يسعه فمسلم، وفي ~~معناه أيضا ما إذا لم يكن له وقت معين ولكن أمر به على الفور ثم نسخ قبل ~~التمكين، نعم في جريان الخلاف بعد الشروع نظر يحتاج إلى نقل، وأما الصورة ~~الثانية وهي ما بعد خروج الوقت فليس يحل الخلاف بل جزم ابن الحاجب بأنه لا ~~يجوز، واقتضى كلامه الاتفاق عليه، وصرح في الأحكام في أول المسألة بالجواز، ~~وأنه لا خلاف فيه، وهذا إنما يأتي إذا صرح بوجوب القضاء أوقلنا: الأمر ~~بالأداء يستلزمه، وأما الصورة الثالثة وهي ما إذا وقع النسخ في الوقت لكن ~~بعد التمكن من فعله فمقتضى كلام المصنف جريان الخلاف أيضا, وهو مقتضى كلام ~~ابن الحاجب في أثناء الاستدلال وليس كذلك؛ فقد صرح الآمدي في الأحكام في ~~أثناء الاستدلال بأن هذا جائز بلا خلاف وإنما الخلاف قبل التمكن. وصرح به ~~أيضا ابن برهان في الوجيز وإمام الحرمين في البرهان فقال: والغرض من ~~المسألة أنه إذا فرض ورود الأمر بشيء, فهل يجوز أن ينسخ قبل أن يمضي وقت ~~اتصال الأمر به زمن يسع الفعل المأمور به؟ وعبارة المحصول والحاصل هل يجوز ~~نسخ الشيء قبل مجئ الوقت؟ وعبارة التحصيل والأحكام وابن الحاجب قبل الوقت، ~~ثم إن المسألة ليست خاصة بالوجوب بل غيره كذلك أيضا. لا جرم عبر في المحصول ~~بالشيء كما تقدم نقله عنه. قوله: "لنا" أي الدليل على الجواز أن إبراهيم ~~عليه السلام أمره الله تعالى أن يذبح ولده ثم نسخ ذلك قبل الفعل وهذا الولد ~~قال في المحصول: إنه إسماعيل وقال جماعة: إنه إسحاق، وصححه القرافي فأما ~~كونه أمر بالذبح فلثلاثة أوجه أحدها: قوله تعالى حكاية عن ولده: {يا أبت ~~افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] الآية جوابا لقوله: {يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك} ms332 [الصافات: 102] . الثاني: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ~~{إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات: 106] . الثالث: قوله تعالى: {وفديناه ~~بذبح عظيم} [الصافات: 107] فلو لم يكن الذبح مأمورا به لما كان فيه بلاء ~~ولم يحتج إلى الفداء، وأما كونه نسخ قبله فلأنه لو لم ينسخ لذبح، لكنه لم ~~يذبح، ولم يستدل عليه المصنف لوضوحه. اعترض الخصم بأمرين أحدهما وهو اعتراض ~~على المقدمة # PageV01P240 # الأولى: أنا لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح، وإنما كان مأمورا بالمقدمات، ~~فظن أنه مأمور بالذبح، وتلك الأمور تمسكتم بها من قوله: {افعل ما تؤمر} ~~وقوله: {إن هذا لهو البلاء} وحصول الفداء إنما هو بناء على ظنه أنه مأمور، ~~وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأن ظنون الأنبياء مطابقة يستحيل فيها الخطأ لا ~~سيما في ارتكاب هذا الأمر العظيم. الثاني وهو اعتراض على المقدمة الثانية: ~~لا نسلم أن الوجوب نسخ قبل الفعل, فإن إبراهيم قد امتثل، ولكنه كان كلما ~~قطع شيئا وصله الله تعالى، والجواب أنه لو كان كما ذكرتم لم يحتج إلى ~~الفداء, فإن الفداء بدل والبدل إنما يحتاج إليه إذا لم يوجد المبدول. ~~وقوله: "قيل الواحد" أي عارضنا الخصم فاستدل بأنه لو جاز أن يرد الأمر بشيء ~~في وقت، ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت لكان الشخص الواحد بالفعل ~~الواحد في الوقت مأمورا به منهيا عنه وهو محال. وأجاب المصنف بانه إنما ~~يكون محالا إذا كان الغرض حصول الفعل، وأما إذا كان المقصود هو ابتلاء ~~المأمور أي: اختباره وامتحانه فيجوز, فإن السيد قد يقول لعبده: اذهب غدا ~~إلى موضع كذا راجلا, وهو لا يريد الفعل بل يريد امتحانه ورياضته، ثم يقول ~~له: لا تذهب، وأجاب ابن الحاجب أيضا بأن الأمر والنهي لم يجتمعا في وقت ~~واحد, بل بورود النهي انقطع تعلق الأمر كانقطاعه بالموت. قال: "الرابعة: ~~يجوز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل منه كنسخ وجوب تقديم الصدقة على النجوى، ~~والكف عن الكفار بالقتال, استدل بقوله تعالى: {نأت بخير منها} [البقرة: ~~106] قلنا: ربما يكون عدم الحكم الأثقل خيرا. الخامسة: ms333 ينسخ الحكم دون ~~التلاوة مثل قوله تعالى: {متاعا إلى الحول} [البقرة: 240] الآية وبالعكس ~~مثل ما نقل: "الشيخ الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وينسخان معا كما روي ~~عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان فيما أنزل الله عشر رضعات محرمات ~~فنسخن بخمس" 1. السادسة: يجوز نسخ الخبر المستقبل خلافا لأبي هاشم. لنا أنه ~~يحتمل أن يقال: لأعاقبن الزاني أبدا, ثم يقال: أردت سنة قيل: يوهم الكذب, ~~قلنا: ونسخ الأمر يوهم البداء". أقول: ذهب الشافعي إلى أن النسخ لا بد له ~~من بدل فقال في الرسالة ما نصه: وليس بنسخ فرض أبدا، إلا إذا أثبت مكانه ~~فرض, هذا لفظه بحروفه. وذهب أيضا على ما حكاه عنه ابن برهان في الوجيز ~~والأوسط إلى أنه لا يجوز النسخ إلى بدل هو أثقل إلى المنسوخ، وذهب الجمهور ~~ومنهم الإمام والآمدي وأتباعهما إلى جواز الأمرين, أما الأول فلأن تقديم ~~الصدقة على نجوى الرسول كان واجبا ثم نسخ بلا بدل. وأما الثاني فلأن الكف ~~عن الكفار كان واجبا أي: كان قتالهم حراما لقوله تعالى: {دع أذاهم} ~~[الأحزاب: 48] ونحوه ثم نسخ بإيجاب القتل مع التشديد فيه كثبات الواحد ~~للعشرة وذلك أثقل من الكف. واستدل الخصم على منعهما بقوله PageV01P241 # تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] ~~ودلت الآية على أنه لا بد من الإتيان بحكم هو خير من المنسوخ أو مثله، فدل ~~على المدعي؛ أما الأول فواضح وأما الثاني فلأن الأثقل والأشق لا يكون خيرا ~~للمكلف، وجوابه أن عدم الحكم قد يكون خيرا للمكلف من إثباته للمكلف في ذلك ~~الوقت لمصلحة، وقد يكون الأثقل أيضا خيرا له باعتبار زيادة الثواب وأجاب في ~~المحصول أيضا بأن نسخ الآية معناه نسخ لفظها؛ ولهذا قال: {نأت بخير منها} . ~~وقال ابن الحاجب: ولئن سلمنا فمدلول الآية لم يقع, فأين نفي الجواز؟ ~~المسألة الخامسة: يجوز نسخ الحكم دون التلاوة كنسخ الاعتداد بالحول من قوله ~~تعالى: {متاعا إلى الحول} وبالعكس كما روى الشافعي والترمذي وغيرهما عن عمر ~~أنه قال: ms334 ومما أنزل الله تعالى في كتابه: "الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة" وذكر البخاري ومسلم قريبا منه أيضا، والمراد بالشيخ ~~والشيخة المحصن والمحصنة، ويجوز نسخهما معا لما روى مسلم عن عائشة -رضي ~~الله عنها- قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن ~~بخمس، ولا يتم بما نقله المصنف عن عائشة وهو مطلق الإنزال، بل لا بد أن ~~ينضم إليه كونه من القرآن كما قررناه لأن السنة أيضا منزلة. المسألة ~~السادسة: لا نزاع في نسخ تلاوة الخبر ونسخ تكليفنا بالإخبار به. قال ~~الآمدي: إلا إذا كان نسخه يوجب الإخبار بنقيضه وهو مما لا يحتمل التغير, ~~كحدوث العالم "فإن المعتزلة تمنعه؛ لأن التكليف بالكذب قبيح، وعقلا عندنا ~~أنه يجوز". وأما نسخ مدلول الخبر أي: إخراج بعض الأزمنة الداخلة فيه لا ~~رفعه بالكلية كما نبه عليه في المحصول, فهو مسألة الكتاب، وحاصلها أنه إن ~~كان مما لا يتغير فلا يجوز اتفاقا كما قاله الإمام والآمدي ولم يستثنه ~~المصنف، وأما الذي يتغير فقال الإمام والآمدي: يجوز نسخه مطلقا، قالا: سواء ~~كان ماضيا أو مستقبلا، أو وعدا أو وعيدا، وقال ابن الحاجب: لا يجوز مطلقا ~~ونقله في المحصول عن أكثر المتقدمين، وفي الكتاب والحاصل عن أبي هاشم فقط، ~~وقال المصنف: إن كان مدلوله مستقبلا جاز وإلا فلا، وهذا المذهب نقله الآمدي ~~ولم ينقله الإمام ولا ابن الحاجب. ثم محل الخلاف كما قال ابن برهان في ~~الوجيز إذا لم يكن الخبر معناه الأمر, فإن كان كقوله تعالى: {لا يمسه إلا ~~المطهرون} [الواقعة: 79] جاز بلا خلاف وتبعه عليه ابن الحاجب, وصرح في ~~المحصول وغيره بأن الخلاف يجري فيه وإن تضمن حكما شرعيا، ثم استدل المصنف ~~على مذهبه بأنه يصح عقلا أن يقال: لأعاقبن الزاني أبدا، ثم يقال: أردت سنة ~~واحدة، ولا معنى للنسخ إلا ذلك، فإن النسخ إخراج بعض الزمان وهو موجود هنا، ~~واستدل المانع بأن نسخه يوهم الكذب؛ لأن المتبادر منه إلى فهم السامع إنما ~~هو استيعاب المدة المخبر بها وإيهام القبيح قبيح، وجوابه ms335 أن نسخ الأمر أيضا ~~يوهم البداء، وهو ظهور الشيء بعد خفائه، فلو امتنع نسخ ذلك الإيهام لامتنع ~~ذلك أيضا. # PageV01P242 ### | الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ # قال: " الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ, وفيه مسائل, الأولى: الأكثر ~~على جواز نسخ الكتاب بالسنة كنسخ الجلد في حق المحصن وبالعكس كنسخ القبلة, ~~وللشافعي -رضي الله عنه- قول بخلافهما، دليله في الأول قوله تعالى: {نأت ~~بخير منها} ورد بأن السنة وحي أيضا. وفيهما قوله تعالى: {لتبين للناس} ~~[النحل: 44] وأجيب في الأول بأن النسخ بيان, وعورض في الثاني بقوله: ~~{تبيانا} ". أقول: المراد بالناسخ والمنسوخ بيان ما ينسخ وما ينسخ به من ~~الأدلة, واعلم أنه يجوز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة المتواترة بمثلها ~~والآحاد بمثلها، وأما نسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب فالأكثرون على ~~الجواز، ونص الشافعي في الرسالة على امتناعهما وهو مقتضى ما في المحصول في ~~النقل عنه، فإنه نقل عدم الجواز في نسخ السنة بالقرآن, فيؤخذ منه العكس ~~بطريق الأولى ونقل عنه إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب قولين في نسخ ~~السنة بالكتاب، والجزمبامتناع العكس، وكلام المصنف مشعر بأن له في ~~المسألتين قولين وهو غير معروف، فإن جوزنا فيشترط في السنة إذا كانت ناسخة ~~أن تكون متواترة، وقد أوضحه المصنف في المسألة الآتية. فلذلك أهمله هنا ثم ~~استدل المصنف على كون السنة المتواترة ناسخة للكتاب، بأن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- رجم المحصن مع أن آية الرجم شاملة له, وفيه نظر من وجوه أحدها: ~~لا نسلم أنه متواتر. وثانيها: أن هذا تخصيص لا نسخ، وقد ذكره المصنف بعينه ~~مثالا لتخصيص الكتاب بالسنة. وثالثها: أن الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة، ~~وهو الشيخ والشيخة المتقدم ذكره، واستدل أيضا على كون الكتاب ناسخا للسنة ~~بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة، إذ ليس في القرآن ما يدل ~~عليه، ثم إنه نسخ بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] ~~ولك أن تقول: القاعدة أن بيان المجمل يعد أنه مراد منه وإلا لم يكن بيانا ~~لمدلوله، فيكون توجه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت ms336 المقدس مرادا من ~~قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} لكونه بيانا له, فيكون ثابتا بالكتاب. قوله: ~~"دليله في الأول" أي: استدل الشافعي على امتناع نسخ الكتاب بالسنة من قوله ~~تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] ~~فإنه يدل على أن الآتي بالخير أو المثل هو الله تعالى لرجوع الضمير إليه، ~~وذلك لا يكون إلا إذا كان الناسخ هو القرآن ولهذا قال تعالى: {ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] فأشعر بأنه الآتي بالخير أو المثل أو ~~المختص بكمال القدرة فلا يكون النسخ بالسنة، فإن الآتي بها هو الرسول، ~~وأيضا فإنه يقتضي أن البدل يكون خيرا من الآية المنسوخة أو مثلا لها والسنة ~~ليست كذلك، وجوابه أن السنة حاصلة بالوحي أيضا لقوله تعالى: {وما ينطق عن ~~الهوى} [النجم: 3] الآية, فالآتي بها هو الله تعالى، وأما الخير أو المثل ~~فالمراد بهما هو الأصلح في التكليف, والأنفع في الثواب. قوله: "وفيهما" أي ~~ودليل الشافعي في كل من المسألتين وهما نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قوله ~~تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين # PageV01P243 # للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] فأما نسخ الكتاب بالسنة فلأن الآية دالة ~~على أن السنة تبين جميع القرآن؛ لأن {ما} من قوله تعالى: {ما نزل إليهم} ~~عامة, فلو كانت السنة ناسخة له تكن مبينة بل رافعة، وأما العكس فلأنه قد ~~تقرر أن السنة مبينة للكتاب فلو جاز نسخها بالكتاب لكان مبينا لها؛ لأن ~~النسخ بيان انتهاء الحكم وذلك دور فتلخص أن الآية دالة على الحكمين. ثم ~~أجاب المصنف عن الأول بأنا لا نسلم أن النسخ مناف للبيان بل هو عينه, فإنه ~~بيان انتهاء الحكم. وأجاب عن الثاني بقوله تعالى في صفة القرآن: {تبيانا ~~لكل شيء} [النحل: 89] فإنه يقتضي أن يكون الكتاب بيانا للسنة كما أن قوله ~~تعالى: {لتبين للناس} يقتضي أن تكون السنة مبينة للكتاب, فلما تعارضا سقط ~~الاستدلال بهما، والأولى في الجواب أن يقال: الاستدلال بقوله تعالى: {لتبين ~~للناس} على الحكمين امتناع نسخ الكتاب بالسنة، وإن كان ms337 منافيا فلا يتجه ~~الاستدلال على العكس. قال: "الثانية: لا ينسخ المتواتر بالآحاد؛ لأن القاطع ~~لا يدفع بالظن قيل: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] منسوخ ~~بما روي أنه -عليه الصلاة والسلام "نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع"1 قلنا: ~~لا أجد للحال فلا نسخ". أقول: نسخ المتواتر بالآحاد جائز قطعا، واختلفوا في ~~وقوعه على مذهبين، كذا صرح به الآمدي في الأحكام ومنتهى السول، وعبر بقوله: ~~اتفقوا، وفي المحصول ومختصراته نحوه أيضا, فإنهم جزموا بالجواز وترددوا في ~~الوقوع، وعبارة المصنف وابن الحاجب توهم أن الخلاف في الجواز. واستدل على ~~المنع بأن المتواتر مقطوع به وخبر الواحد مظنون والقطعي لا يدفع بالظن, وهو ~~إنما يستقيم ما فهمناه، ولذلك لم يذكره الإمام ولا مختصرو كلامه. نعم صرح ~~ابن برهان في الوجيز بما أفهمه كلامهما فقال: وقال قوم: هو مستحيل من جهة ~~العقل ثم استدل عليه بعين ما استدل به, فإما أن يكونا قد اطلعا على هذا ثم ~~اختاراه وفيه بعد، وإما أن يحمل كلامهما على أنا لا نحكم بالنسخ عند ~~التعارض، بل يعمل بالمتواتر وإن تقدم لقوته. ودليل المصنف ضعيف لوجهين ~~أحدهما ما قاله ابن برهان: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم لا دوامه، ~~والنسخ يرد على الثاني لا على الأول. الثاني: أنه لا يطرد لأن إخراج بعض ~~أفراد العام بعد العمل به نسخ لا تخصيص كما تقرر ودلالة العام على أفراده ~~ظنية، وإن كان مقطوعا به، والخاص بالعكس فتعادلا. واستدل الخصم بأن قوله ~~تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} ~~[الأنعام: 145] إلى آخرها يقتضي حصر التحريم في المذكور في الآية, وقد نسخ ~~ذلك بما روي بالآحاد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع ومخلب من الطير، وإذا ثبت نسخ الكتاب بالآحاد فنسخ السنة المتواترة ~~به أولى، وأجاب المصنف PageV01P244 # بأن الآية ليست منسوخة؛ وذلك لأنها دلت على أن الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام- كان ms338 مأمورا بأن يقول لهم: لا أجد في الوحي الحاصل غير المحرمات ~~المذكورة؛ ولهذا قال: {أوحي} بلفظ الماضي فيبقى ما عدا الأشياء المذكورة في ~~الآية على الإباحة الأصلية، وحينئذ فيكون النهي عن أكل ذي الناب والمخلب ~~رافعا لها، وهو ليس بنسخ، وبتقدير أن تكون الآية متناولة للاستقبال أيضا ~~فالحديث مخصص لا ناسخ. قال: "الثالثة: الإجماع لا ينسخ؛ لأن النص يتقدمه ~~ولا ينعقد الإجماع بخلافه ولا القياس بخلاف الإجماع, ولا ينسخ به, أما النص ~~والإجماع فظاهران, وأما القياس فلزواله بزوال شرطه والقياس إنما ينسخ بقياس ~~أجلى منه". أقول: اختلفوا في نسخ الإجماع، والنسخ به على مذهبين حكاهما ~~الآمدي وغيره, والمختار عنده وعند الإمام وأتباعهما كابن الحاجب والمصنف ~~المنع، فأما كونه لا ينسخ فلأن النسخ إنما يكون بنص من الكتاب والسنة أو ~~بإجماع أو قياس والكل باطل، أما الأول وهو النص فلأنه متقدم على الإجماع إذ ~~جميع النصوص متلقاة من النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع لا ينعقد في ~~زمنه -عليه الصلاة والسلام- لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد وإن وافقهم كان ~~قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم, فثبت أن النص متقدم على الإجماع، ~~وحينئذ فيستحيل أن يكون ناسخا له، وأما الثاني وهو الإجماع فلاستحالة ~~انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأن ~~الأول إن لم يكن عن دليل فهو خطأ, وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ لوقوعه ~~على خلاف الدليل، وإلى هذا أشار بقوله: ولا ينعقد الإجماع, وهو بالواو لا ~~بالفاء فاتهمه. وأما الثالث وهو القياس فلأنه لا ينعقد على خلاف الإجماع ~~كما ستعرفه في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: "ولا ينسخ به" يعني: أن ~~الإجماع أيضا لا يكون ناسخا لغيره؛ لأن المنسوخ به إما النص أو الإجماع أو ~~القياس والكل باطل. أما النص فلاستحالة انعقاد الإجماع على خلافه كما ~~ذكرناه، وأما الإجماع فلما مر أيضا من امتناع انعقاده على خلاف إجماع آخر. ~~ولما كان السبب في امتناعه معلوما مما تقدم عبر بقوله: أما النص والإجماع ms339 ~~فظاهران، وأما القياس فلأن شرط صحته أن لا يخالف الإجماع, فإذا انعقد ~~الإجماع على خلافه زال القياس لزوال شرطه, وزوال المشروط لزوال الشرط لا ~~يسمى نسخا، وفي هذا الجواب شيء يقدم في الرد على أبي مسلم. فإن قيل: هذا ~~بعينه يلزمكم في النصوص فإن من شرط اقتضائها الأحكام أن لا يطرأ عليها ~~الناسخ فإذا طرأ زالت لزوال شرطها, وحينئذ فلا نسخ، وجوابه أن النص في نفسه ~~صحيح سواء طرأ الناسخ أم لا بخلاف القياس. قوله: "والقياس وإنما ينسخ بقياس ~~أجلى منه" أي: أوضح وأظهر كما إذا نص الشارع مثلا على تحريم بيع البر بالبر ~~متفاضلا فعديناه إلى السفرجل مثلا لمعنى. ثم نص أيضا على إباحة التفاضل في ~~الموز وكان مشتملا على معنى أقوى من المعنى الأول فيقتضي إلحاق السفرجل به، ~~فإن القياس الثاني يكون ناسخا للقياس الأول، ويعرف الأقوى بوجوه كثيرة # PageV01P245 # مذكورة في الكتاب في تراجيح الأقيسة وهذا التقرير اعتمده، وإنما حصر ~~المصنف ناسخ القياس في القياس الأجلى؛ لأن غيره إما نص وإما إجماع وإما ~~قياس مساو للأول وإما قياس أخفى منه ويمتنع نسخه بالكل. أما الأول والثاني ~~فزوال القياس بزوال شرطه كا تقدم. وأما الثالث فلامتناع الترجيح من غير ~~مرجح. وأما الرابع فلاستلزامه تقديم المرجوح على الراجح، وقد تحرر من كلام ~~المصنف أن القياس قد يكون ناسخا، وقد يكون منسوخا لكنه لا ينسخ به إلا قياس ~~آخر أخفى منه كما لا ينسخه إلا قياس أجلى. والذي قاله هو الصواب، وقال في ~~المحصول: يجوز نسخه في زمن الرسول بسائر الأدلة من النص والإجماع والقياس ~~الأقوى. قال: وأما بعد وفاته فهو وإن ارتفع في المعنى فليس بنسخ كما ~~قدمناه، وهذا الذي قاله سهو؛ فإنه قد نص قبل ذلك بقليل على أن الإجماع لا ~~ينعقد في زمن الرسول، وعلى أنه يمتنع نسخ القياس به. لا جرم أنه لم يذكر ~~المسألة في المنتخب، وقال صاحب الحاصل: إن هذا الكلام مشكل, وصاحب التحصيل: ~~إن فيه نظرا ولم يبينا وجه الإشكال، وقد تفطن المصنف للمشكل ms340 منه فحذفه. ~~وحكى الآمدي في نسخ القياس عن بعضهم المنع مطلقا، وعن بعضهم الجواز مطلقا, ~~لكن في حياته -عليه الصلاة والسلام- ثم اختار تفصيلا فقال: إن كانت العلة ~~منصوصة فهي في معنى النص فيمكن نسخ حكمه بنص أو قياس في معناه، وإن كانت ~~مستنبطة فإن الدليل المعارض لها وإن كان مقدما لكنه ليس بنسخ, وأما النسخ ~~به فحكى فيه أقوالا، ثالثها: الفرق بين الجلي والخفي. ثم قال: والمختار أن ~~العلة إن كانت منصوصة فهي في معنى النص جواز في النسخ بالقياس المشتمل ~~عليها، وإن لم تكن منصوصة فإن كان القياس قطعيا كقياس الأمة على العبد في ~~التقويم فإنه يكون أيضا رافعا لما قبله من الأدلة لكنه لا يكون نسخا، وإن ~~كان ظنيا فلا يكون نسخا أيضا. وذكر ابن الحاجب في المسألتين نحوا مما ذكره. ~~قال: "الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس؛ لأن اللازم يستلزم ~~نفي ملزومه والفحوى يكون ناسخا". أقول: فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما ~~تقدم. فإذا نسخ أصل الفحوى كتحريم التأفيف فهل يستلزم ذلك نسخ الفحوى كتحري ~~الضرب وكذلك العكس؟ اختلفوا فيهما على مذاهب حكاها ابن الحاجب, ثالثها وهو ~~المختار عنده: أن نسخ الأصل لا يستلزم نسخ الفحوى بخلاف العكس. وقال الآمدي ~~في الأحكام: المختار أنه إن جعلنا الفحوى من باب القياس فيكون رفع الأصل ~~مستلزما لرفع الفحوى بخلاف العكس, وإن جعلناه من باب النص فقال أعني الآمدي ~~لكن في منتهى السول أن المختار أنه لا يلزم من رفع أحدهما رفع الآخر، وذكر ~~في الأحكام نحوه أيضا وجزم في المحصول بأن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، ~~وأما عكسه فنقله من أبي الحسين ولم يرده وجزم المصنف بالأشمرين، واستدل على ~~الثاني وهو أن نسخ الفحوى يستلزم نسخ الأصل بأن الفحوى لازم للأصل، ونفي ~~اللازم يستلزم # PageV01P246 # نفي الملزوم، وأما الأول فلم يستدل عليه، وقد استدل عليه الإمام بأن ~~الفحوى تابع الأصل, ورفع المتبوع مستلزم لرفع التابع، وأجاب الآمدي وابن ~~الحاجب بأن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه وليست تابعة ms341 لحكمه، ~~ودلالة المنطوق باقية بعد النسخ أيضا فما هو أصل ليس بمرتفع, وما هو مرتفع ~~ليس بأصل. قوله: "الفحوى يكون ناسخا" أي: بالاتفاق كما قاله في المحصول ~~قال: لأن دلالته إن كانت لفظية فلا كلام, وإن كانت عقلية فهي يقينية فتقتضي ~~النسخ لا محالة, وفيما قاله نظر لأن الناسخ يجب أن يكون طريقا شرعيا لا ~~عقليا كما تقدم. واعلم أن الراجح عند المصنف أن دلالة الفحوى من باب القياس ~~كما ستعرفه، وقد تقدم قريبا من كلامه أن القياس إنما يكون ناسخا لقياس آخر ~~أخفى منه، فيكون الفحوى كذلك فافهمه. قال: "الخامسة: زيادة صلاة ليست بنسخ ~~قيل: تغير الوسط، قلنا: وكذا زيادة العبادة، أما زيادة ركعة ونحوها فكذلك ~~عند الشافعي ونسخ عند الحنفية. وفرق قوم بين ما نفاه المفهوم وبين ما لم ~~ينفه، والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الأصل وما لم ينفه، وقال ~~المصري: إن نفى ما ثبت كان نسخا وإلا فلا, فزيادة ركعة على ركعتين نسخ ~~لاستعقابهما التشهد, وزيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ". أقول: زيادة صلاة ~~أي: على الصلوات الخمس ليست بنسخ لشيء وقال بعض أهل العراق: زيادتها تغير ~~الوسط أي: تجعل ما كان وسطا غير وسط فيكون نسخا للأمر بالمحافظة على الوسطى ~~في قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] وأجيب ~~عنه بأن كون الشيء وسطا أو آخر أمر حقيقي لا حكم شرعي فلا يكون رفعه نسخا ~~وإلا لزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة نسخا أيضا لأنها تجعل العبادة ~~الأخيرة غير أخيرة, وليس كذلك بالاتفاق كما قاله في المحصول1 وفي الجواب ~~نظر؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو أمرنا بالمحافظة على الأخيرة فإن قيل: فما ~~الفائدة في كونه يسمى نسخا أم لا؟ قلنا: فائدته إثبات الزيادة بخبر الواحد ~~إذا كان الأصل متواترا أما زيادة شيء لا يستقل كركعة أو سجود أو شرط أو صفة ~~فاختلفوا فيه, فقالت الشافعية: ليس بنسخ واختاره في المعالم وقالت الحنفية: ~~يكون نسخا وقال قوم: ينظر في الزائد, فإن نفاه مفهوم ms342 الأول كان نسخا كما لو ~~قال: في الغنم المعلوفة الزكاة بعد أن قال: في الغنم السائمة الزكاة, وإن ~~لم يكن ينفيه فلا يكون نسخا كزيادة التغريب على الجلد وعشرين سوطا على حد ~~القذف, ووصف الرقبة موجب لاستثنائه لو فعل وحده كما كان يفعل أو لا فإنه ~~يكون نسخا كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود وإن لم يكن كذلك بل فعله معتد به ~~دون الزائد وإنما يلزم ضمه إليه فلا يكون نسخا كزيادة التغريب على الجلد ~~والعشرين على الحد. كذا نقله الإمام الآمدي عن عبد الجبار حكما وتمثيلا إلا ~~أن الآمدي زاد على هذا أنه يقول: PageV01P247 # إن التخيير في ثلاث خصال بعد التخيير في خصلتين يكون نسخا أيضا، وهو وارد ~~على المصنف والإمام, ونقل ابن الحاجب عنه أن زيادة الأسواط على حد القذف ~~يكون نسخا وهو سهو وقال أبو الحسين البصري: إن كان الزائد رافعا لحكم ثابت ~~بدليل شرعي كان نسخا، سواء كان ثبوته بالمنطوق أو بالمفهوم وجعلناه حجة كما ~~صرح به الآمدي والإمام في أثناء المسألة، وإن كان رافعا لما ثبت بدليل عقلي ~~أي: البراءة الأصلية فلا. قال في المحصول: وهذا التفصيل أحسن من غيره، وقال ~~الآمدي وابن الحاجب: إنه المختار وما قاله في المفهوم مبني على أن تقرير ~~النفي الأصلي حكم شرعي، وفيه بحث. ثم مثل المصنف لهذا المذهب بمثالين الأول ~~منه، والثاني للقسم الثاني، فقال: إن زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخا؛ ~~لأنها رفعت حكما شرعيا وهو وجوب التشهد عقب الركعتين، وزيادة التغريب على ~~الجلد ليس بنسخ لأن عدم التغريب كان ثابتا بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل في ~~الأحكام عن صاحب هذا التفصيل وهو أبو الحسين البصري أن المثالين جميعا ليسا ~~بنسخ. أما الثاني فواضح، وأما الأول فلأن التشهد إنما محله آخر الصلاة لا ~~بعد الركعتين بخصوصهما، وكلام المصنف يوهم أن التمثيل من تتمة كلام أبي ~~الحسين وليس كذلك فاجتنبه، وخالف ابن الحاجب فجعلهما معا من باب النسخ, ~~قال: لأن الزيادة فيها كانت حراما ثم زالت، والمذكور في المحصول ms343 والأحكام ~~هو ما ذكره المصنف تفصيلا وتعليلا، وأجابا عن التحريم بأنه مستند إلى ~~البراءة الأصلية، ولو خيرنا الله تعالى بين المسح والغسل بعد إيجاب الغسل، ~~أو في خصال ثلاث بعد التخيير في خصلتين. فقال الإمام: لا يكون نسخا، واختلف ~~كلام الآمدي فقال في الأحكام: إن هذا هو الحق، وقال في منتهى السول: الحق ~~أن الأول نسخ دون الثاني, وصرح ابن الحاجب أيضا بأن الأول نسخ ولم يصرح ~~بحكم الثاني. # PageV01P248 ### | خاتمة في النسخ # قال: "خاتمة: النسخ يعرف بالتاريخ, فلو قال الراوي: هذا سابق قبل بخلاف ~~ما لو قال: هذا منسوخ؛ لجواز أن يقوله عنه اجتهاد ولا نراه". أقول: مقصود ~~المصنف من هذا بيان الطرق التي يعرف بها كون الشيء ناسخا ومنسوخا. ولما كان ~~ذلك متعلقا بجميع أنواع النسخ ذكره آخرا وسماه خاتمة. وحاصله أن النسخ قد ~~يعرف بتنصيص الشارع عليه، ولم يتعرض له المصنف لوضوحه، وقد يعرف بالتاريخ. ~~فإذا علمنا بطريق ما أن أحد الدليلين المتنافيين متأخر عن الآخر كان ناسخا ~~له، فلو قال الراوي: هذه الآية نزلت قبل تلك أو هذا الحديث سابق على ذلك ~~قبلناه، وإن كان قبوله يقتضي نسخ المتواتر بالآحاد، وسببه أن النسخ حصل ~~بطريق التبع, أما لو قال: هذا منسوخ, فإنه لا يقبل لاحتمال أن يقوله عن ~~اجتهاد, ونحن لا نرى ما يراه، وفي المحصول عن الكرخي أن الراوي إذا لم يعين ~~الناسخ وجب الأخذ بقوله؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه لم يطلقه. "فروع" حكاها ~~ابن الحاجب, أحدها: إذا قال: افعلوا هذا أبدا جاز نسخه عند الجمهور. ~~الثاني: نقصان جزء العبادة كالركعة أو شرطها كالوضوء, ونسخ لذلك الجزء أو ~~الشرط اتفاقا، وليس بنسخ للعبادة لأن وجوبها باق بالإجماع، وقيل: نسخ لها؛ ~~لأنه ثبت تحريمها بغير طهارة وبغير ركعة, ثم ثبت جوازها أو وجوبها بغيرهما، ~~وقيل: إن كان جزءا نسخها, وإن كان شرطا فلا. الثالث: إذا نسخ حكم المقيس ~~عليه كان ذلك نسخا لحكم المقيس على المختار. الرابع: اتفقوا على أن الناسخ ~~لا يثبت حكمه قبل أن ms344 يبلغه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في ~~ثبوت حكمه بعد وصوله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبل تبليغه إلينا، ~~والمختار أنه لا يثبت. الخامس: المختار جواز نسخ وجوب معرفة الله تعالى ~~وتحريم الكفر وغيره خلافا للمعتزلة, والمختار أيضا جواز نسخ جميع التكاليف ~~خلافا للغزالي قال: لأن المنسوخ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ ومعرفة ~~الناسخ، وهو الله تعالى. وجوابه أن نقول على تقدير تسليم اللزوم, فيجوز أن ~~نعلمهما، وينقطع التكليف بعد معرفتهما بهما وبغيرهما، والفرعان الأولان ~~مذكوران في المحصول أيضا. # PageV01P248 ### | الكتاب الثاني: في السنة ### | الباب الأول: الكلام في أفعاله # قال: "الكتاب الثاني: في السنة, وهو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو ~~فعله وقد سبق مباحث القول, والكلام الآن في الأفعال وطرق ثبوتها وذلك في ~~بابين, الباب الأول: في الكلام في أفعاله, وفيه مسائل الأولى: أن الأنبياء ~~-صلوات الله وسلامه عليهم- معصومون لا يصدر عنهم ذنب إلا الصغائر, والتقرير ~~مذكور في كتابي المصباح". أقول: السنة لغة هي العادة والطريقة قال الله ~~تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض} [آل عمران: 137] أي: طرق, ~~وفي الاصطلاح تطلق على ما يقابل الفرض من العبادات وعلى ما صدر من النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الأفعال أو الأقوال التي ليست للإعجاز وهذا هو ~~المراد هنا. ولما كان التقرير عبارة عن الكف عن الإنكار, والكف فعل كما ~~تقدم, استغنى المصنف عنه به أي: عن التقرير بالفعل, وإنما أتى ب"أو" الدالة ~~على التقسيم للإعلام بأن كلا من القول والفعل يطلق عليه اسم السنة، وقد سبق ~~مباحث القول بأنواعها من الأمر, والنهي، والعام, والخاص, وغيرها. والكلام ~~الآن في الأفعال وفي الطرق التي ثبتت الأفعال بها وهي الأخبار, وجعل المصنف ~~ذلك فيما بين الأول في الأفعال والثاني في الأخبار، وقدم الكلام في الأخبار ~~على الكلام في الإجماع وإن كان مخالفا لأصلية الحاصل والمحصول؛ لئلا يتخلل ~~بين أفعاله عليه الصلاة والسلام وبين طرق ثبوتها مباحث أجنبية، وذكر في ~~الباب الأول خمس مسائل, الأولى: في عصمة الأنبياء -عليهم ms345 السلام- وهي مقدمة ~~لما بعدها؛ لأن الاستدلال بأفعالهم متوقف على عصمتهم, فنقول: اختلفوا في ~~عصمتهم قبل النبوة فقال الآمدي: الحق وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر وأكثر ~~أصحابنا أنه لا يمتنع عليهم ذنب سواء كان كفرا أو غيره، وأما بعد النبوة ~~فقد أجمعوا كما قال الآمدي على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام. قال: فإن ~~كان غلطا فالأشبه الجواز، وأجمعوا أيضا إلا بعض المبتدعة على عصمتهم من ~~تعمد الكبائر, وتعمد الصغائر الدالة على الخسة كسرقة كسرة, وما عدا ذلك فقد ~~اختلفوا فيه # PageV01P249 # على أقوال أحدها: أنهم معصومون من الكبائر عمدا وسهوا، ومن الصغائر عمدا ~~لا سهوا وبه جزم المصنف واختاره صاحب الحاصل. والثاني: أنهم معصومون عن ~~تعمد الذنب مطلقا دون سهوه, سواء كان صغيرة أو كبيرة لكن بشرط أن يتذكروه ~~وينبهوا غيرهم عليه، وهو مقتضى كلام المحصول والمنتخب. والثالث وهو طريقة ~~الآمدي: أنهم معصومون عن تعمد الكبائر فقط. قال: فأما صدور الكبيرة لنسيان ~~أو تأويل خطأ, فقد اتفق الكل على عدم جوازه سوى الرافضة، وأما الصغيرة فقد ~~اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا أو سهوا. هذا كلامه في ~~الأحكام ومنتهى السول، وهو معنى كلام ابن الحاجب أيضا، قالا: والعصمة ثابتة ~~بالسمع عند الأكثرين خلافا للمعتزلة حيث قالوا: إنها ثابتة بالعقل أيضا. ~~وهذه المسألة من علم الكلام؛ فلذلك أحال المصنف تقريرها على كتابه المسمى ~~بالمصباح. قال: "الثانية: فعله المجرد يدل على الإباحة عند مالك، والندب ~~عند الشافعي, والوجوب عند ابن سريج وأبي سعيد الإصطخري وابن خيران, وتوقف ~~الصيرفي وهو المختار؛ لاحتمالها واحتمال أن يكون من خصائصه". أقول: فعل ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- إن كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود ~~والأكل والشرب ونحوها فلا نزاع في كونها على الإباحة أي: بالنسبة إليه وإلى ~~أمته كما قاله الآمدي وتركه المصنف لوضوحه، وما سوى ذلك إن ثبت كونه من ~~خصائصه فواضح أيضا، وإن لم يثبت ذلك وكان بيانا لمجمل فحكمه في الإيجاب، ~~وغيره حكم الذي بينه, كما سيأتي في كلام المصنف؛ ولذلك ms346 أهمله هنا, وإن لم ~~يكن بيانا وعلمنا صفته بالنسبة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من الوجوب ~~والندب والإباحة إما ببيانه, أو بقرينة الامتثال, أو غير ذلك, فحكم أمته ~~كحكمه كما نقله الإمام عن جمهور الفقهاء والمعتزلة، ونقله الآمدي عن جمهور ~~الفقهاء والمتكلمين, واختاره ويعبر عن هذا المذهب بأن التأسي واجب أي: يجب ~~علينا فعله إن كان واجبا, فاعتقاد ندبيته أو إباحته إن كان مندوبا أو ~~مباحا، وقيل: لا يكون حكمنا كحكمه مطلقا، وقيل: إن عبادة وجب التأسي به ~~وإلا فلا, وإن لم تعلم صفته نظر فيه إن قصد القربة فإنه يدل على الندب عند ~~الإمام وأتباعه، ومنهم المصنف. وقد صرحوا به في المسألة الثالثة وعبر عنه ~~المصنف هناك بقوله: والندب بقصد القربة مجردا، وقيل بأنه للوجوب ونقله ~~القرافي عن مالك وقيل بالتوقف. وأما إذا لم يظهر فيه قصد القربة ففيه أربعة ~~مذاهب, وهذا القسم هو الذي تكلم فيه المصنف واحترز عن جميع ما تقدم بقوله: ~~فعله المجرد. فقال مالك: يدل على إباحة ذلك الشيء وجزم به الإمام في الكلام ~~على جهة الفعل, وستقف عليه بعد هذه المسألة إن شاء الله تعالى. وقال ~~الشافعي: يدل على الندب، وقال ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري1 وابن ~~PageV01P250 # خيران1 الشافعيون: يدل على الوجوب واختاره الإمام في المعالم، وقال أبو ~~بكر الصيرفي: لا يدل على شيء من الأحكام بالتعيين؛ لاحتمال هذه الأمور ~~الثلاثة, واحتمال أن لا يكون من خصائصه فيتوقف إلى ظهور البيان, واختاره في ~~المحصول هنا وتبعه عليه المصنف، وهذه المذاهب الأربعة حكاها الآمدي أيضا في ~~الفعل الذي ظهر فيه قصد القربة. ثم قال: والمختار أنه إن ظهر فيه قصد ~~القربة فهو دليل في حقه وحق أمته على القدر المشترك بين الواجب والمندوب, ~~وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأما ما اختص به كل واحد منهما فمشكوك ~~فيه، وإن يظهر فيه قصد القربة فهو دليل على القدر المشترك بين الواجب ~~والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير، والذي يمتاز به كل واحد ms347 ~~منهما مشكوك فيه أيضا، هذا حاصل كلامه. وقال ابن الحاجب: المختار أنه إن ~~ظهر قصد القربة فهو الندب، وإلا فللإباحة. واعلم أن إثبات قول بإباحته مع ~~ظهور قصد القربة فيه إشكال ظاهر. قال: "احتج القائل بالإباحة بأن فعله لا ~~يكره ولا يحرم, والأصل عدم الوجوب والندب فبقي الإباحة. ورد بأن الغالب على ~~فعله الوجوب أو الندب, وبالندب بأن قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] يدل على الرجحان, والأصل عدم الوجوب, وبالوجوب ~~بقوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] ، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} ~~[آل عمران: 31] ، {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] . وإجماع الصحابة ~~على وجوب الفعل بالتقاء الختانين لقول عائشة: "فعلته أنا ورسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- فاغتسلنا"2 وأجيب بأن المتابعة هي الإتيان بمثل ما فعلوه ~~على وجهه, {وما آتاكم} معناه: أمركم بدليل {وما نهاكم} , واستدلال الصحابة ~~بقوله -صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم" ". أقول: استدل القائلون ~~بأن فعله المجرد يدل على الإباحة، بأن فعله لا يكون حراما ولا مكروها لأن ~~الأصل عدمه, ولأن الظاهر خلافه، فإن وقوع ذلك من آحاد عدول المسلمين نادر ~~فكيف من أشراف المسلمين؟ وحينئذ فإما أن يكون واجبا أو مندوبا أو مباحا ~~والأصل عدم الوجوب والندب؛ لأن رفع الحرج عن الفعل والترك ثابت وزيادة ~~الوجوب والندب لا تثبت إلا بدليل ولم يتحقق فتبقى الإباحة. وأجيب بأن ~~الغالب على فعله الوجوب أو الندب, فيكون الحمل على الإباحة حملا على ~~المرجوح وهو ممتنع, ولك أن تقول: يلزم من عدم الحمل على الإباحة لمرجوحيتها ~~عدم إدخالها في التوقف بالضرورة، والمصنف قد خالف بينهما. لا جرم أن الإمام ~~لم يحجب بهذا, وإنما أجاب به في الحاصل فتبعه PageV01P251 # المصنف عليه. قوله: "وبالندب" أي: واحتج القائل بالندب بقوله تعالى: {لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 41] فإن وصف الأسوة بالحسنة يدل ~~على الرجحان، والوجوب منتف لكونه خلاف الأصل, ولقوله: {لكم} لم يقل عليكم ~~فتعين الندب ولم يجب المصنف هنا عن هذا بل جمع بينه وبين دليل ms348 الإيجاب، ~~وأجاب عنهما بجواب واحد, وهو أن الأسوة والمتابعة شرطهما العلم بصفة الفعل ~~كما سيأتي. قوله: "وبالجوب" أي: واحتج القائل بالوجوب بالنص والإجماع. أما ~~النص فلأمور منها قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن ~~بالله وكلماته واتبعوه} والأمر للوجوب. ومنها قوله تعالى: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني} [آل عمران: 31] فإنه يدل على أن محبة الله تعالى ~~مستلزمة للمتابعة، ومحبة الله تعالى واجبة إجماعا، ولازم الواجب واجب، ~~فتكون المتابعة واجبة. ومنها قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: ~~7] ووجه الدلالة على أن الأخذ هنا معناه الامتثال، ولا شك أن الفعل الصادر ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آتانا إياه فيكون امتثاله واجبا للآية، ~~وأما الإجماع فلأن الصحابة اختلفوا في وجوب الغسل من الجماع بغير إنزال, ~~فسأل عمر عائشة -رضي الله عنها- فقالت: "فعلته أنا ورسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فاغتسلنا" فأجمعوا على الوجوب, وأجيب عن الدليلين الأولين ~~بوجهين أحدها: أن المتابعة المأمور بها مطلقة لا عموم لها. الثاني وعليه ~~اقتصر المصنف: أن المتابعة هي الإتيان بمثل فعله على الوجه الذي أتى به من ~~الوجوب، أو غيره حتى لو فعله الرسول على قصد الندب مثلا ففعلناه على قصد ~~الإباحة أو الوجوب، لم تحصل المتابعة؛ وحينئذ فيلزم أن يكون الأمر ~~بالمتابعة موقوفا على معرفة الجهة، فإذا لم تعلم لم نكن مأمورين بها. وفي ~~المحصول والأحكام وغيرهما أن التأسي والمتابعة معناهما واحد؛ فلذلك جعل ~~المصنف جواب المتابعة جوابا عن التأسي الذي استدل به القائل بالندب كما ~~تقدم. وذكر الآمدي للمتابعة والتأسي شرطا ثالثا فقال: هو الإتيان بمثل ما ~~فعل الغير على الوجه الذي أتى به لكونه أتى به، إذ لا يقال في أقوام صلوا ~~الظهر مثلا: إن أحدهم تأسى بالآخر، وهذا الشرط ذكره أيضا الإمام في الكلام ~~على حجية الإجماع. والجواب عن الآية الثالثة أن قوله تعالى: {وما آتاكم} ~~معناه وما أمركم، ويدل عليه أنه ذكر في مقابلته قوله: {وما نهاكم} ، وأما ~~الإجماع على وجوب الغسل فأجاب عنه صاحب الحاصل ms349 بأن الصحابة لم يرجعوا إلى ~~مجرد الفعل. قال: بل لأنه فعل في باب المناسك، وقد كانوا مأمورين بأخذ ~~المناسك عنه لقوله: "خذوا عني مناسككم" هذا لفظه فتبعه عليه المصنف وهو ~~جواب صحيح، فإنه وإن كان سبب وروده إنما هو الحج لكن اللفظ عام. قال ~~الجوهري: والنسك العبادة، والناسك العابد. قال: "الثالثة: جهة فعله تعلم ~~إما بتنصيصه أو بتسويته بما علم جهته أو بما علم أنه امتثال آية دلت على ~~أحدها أو بيانها، وخصوصا الوجوب بأماراته كالصلاة بأذان وإقامة، وكونه ~~موافقة نذر، أو ممنوعا لو لم يجب # PageV01P252 # كالركوعين في الخسوف, والندب بقصد القربة مجردا, وكونه قضاء لمندوب". ~~أقول: لما تقدم أن المتابعة مأمور بها وأن شرط المتابعة العلم بجهة الفعل ~~وأن فعله المجرد لا يدل على حكم معين, شرع المصنف في بيان الطرق التي تعلم ~~بها الجهة. وقد تقدم أن فعله منحصر في الوجوب والندب والإباحة، وحينئذ ~~فالطريق قد تعم الثلاثة، وقد تخص بعضها فالعام أربعة أشياء، أحدها: التنصيص ~~بأن يقول: هذا الفعل واجب أو مندوب أو مباح. الثاني: التسوية ومعناه أن ~~يفعل فعلا ثم يقول: هذا الفعل مثل الفعل الفلاني, وذلك الفعل علمت جهته, ~~ولم يصرح الإمام ولا مختصرو كلامه بالتسوية. نعم ذكروا أنه يعلم أيضا ~~بالتخيير بينه وبين فعل ثبتت جهته, قالوا: لأن التخيير لا يكون إلا بين ~~حكمين مختلفين أي بين واجب ومندوب، أو مندوب ومباح. ولما كان التخيير بين ~~الفعلين على هذا التقرير تسوية بينهما عبر المصنف بالتسوية؛ لأنها أعم وهو ~~من محاسن كلامه. الثالث: أن يعلم بطريق من الطرق أن ذلك الفعل امتثال لآية ~~دلت على أحد الأحكام الثلاثة بالتعيين, وإليه أشار بقوله: أو بما علم أنه ~~امتثال آية، وهو معطوف على قوله: بتنصيصه وما فيه مصدرية تقديره: أو يعلمنا ~~أنه. الرابع: أن يعلم أن ذلك الفعل بيان لآية مجملة دلت على أحد الأحكام ~~حتى إذا دلت الآية على إباحة شيء مثلا، وذلك الشيء مجمل، وبينه بفعله فإن ~~ذلك الفعل يكون مباحا؛ لأن البيان كالمبين, وإليه ms350 أشار بقوله: أو بيانها, ~~وهو مرفوع عطفا على قوله: امتثال، وهكذا ذكره الإمام هنا، فتابعوه عليه. ~~وفيه نظر لأن البيان واجب عليه، فيكون الفعل المبين يقع واجبا، غير أن فعله ~~لا يجب علينا, وقد صرح الإمام بذلك في باب المجمل والمبين. قوله: "وخصوصا" ~~أي: ويعلم خصوصا الوجوب بثلاثة أشياء, أحدها: بالأمارات الدالة على كون ~~الشيء واجبا كالأذان والإقامة في الصلاة. الثاني: أن يكون موافقا لفعل ~~نذكره كما إذا قال: إن هزم العدو, فلله علي صوم الغد فصام الغد بعد ~~الهزيمة. الثالث: أن يكون الفعل ممنوعا لو لم يكن واجبا كالركوع الثاني في ~~الخسوف، وبهذا الطريق يستدل على وجوب الختان لكنه ينتقض بسجود السهو وسجود ~~التلاوة في الصلاة وغيرها، وبرفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد وفي ~~المحصول ومختصراته أنه يعلم أيضا بكونه قضاء الواجب والعجب من ترك المصنف ~~له مع ذكره إياه في المندوب. قوله: "والندب" أي: ويعلم خصوصا الندب بأمرين ~~أحدهما: أن يعلم أنه قصد القربة وتجرد ذلك عن أمارة تدل على خصوص الوجوب أو ~~الندب, فإنه يدل على أنه مندوب لأن الأصل عدم الوجوب. الثاني: كون الفعل ~~قضاء لمندوب فإنه يكون مندوبا أيضا، وفي المحصول ومختصراته أنه يعلم أيضا ~~بأن يداوم على الفعل ثم يتركه من غير نسخ، وأنه يعلم المباح بخصوصه بأن ~~يفعل فعلا ليس عليه أمارة على شيء لأنه لا يفعل محرما ولا مكروها، والأصل ~~عدم الوجوب والندب. وهذا مخالف لما ذكره قبيل ذلك من ترجيح الوقف فلذلك ~~حذفه # PageV01P253 # المصنف. قال: "الرابعة: الفعلان لا يتعارضان, فإن عارض فعله الواجب ~~اتباعه قولا متقدما نسخه. وإن عارض متأخرا عاما فبالعكس، وإن اختص به نسخه ~~في حقه, وإن اختص بنا خصنا في حقنا قبل الفعل, ونسخ عنا بعده, وإن جهل ~~التاريخ فالأخذ بالقول في حقنا؛ لاستبداده". أقول: التعارض بين الأمر هو ~~تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه, ولا يتصور التعارض بين ~~الفعلين بحيث يكون أحدهما ناسخا للآخر أو مخصصا له؛ لأنه إذا لم تتناقض ~~أحكامهما فلا ms351 تعارض وإن تناقضت فكذلك أيضا؛ لأنه يجوز أن يكون الفعل في وقت ~~واجبا وفي مثل ذلك الوقت بخلافه من أن يكون مبطلا لحكم الأول؛ لأنه لا عموم ~~للأفعال بخلاف الأقوال، نعم إذا كان مع الفعل الأول قول مقتض لوجوب تكراره, ~~فإن الفعل الثاني قد يكون ناسخا أو مخصصا لذلك القول كما سيأتي, لا للفعل ~~فلا يتصور التعارض بين الفعلين أصلا، بل إما أن تقع بين القولين، وقد ذكر ~~المصنف حكمه في الكتاب السادس، أو بين القول والفعل وقد ذكره المصنف ههنا, ~~وله ثلاثة أحوال أحدها: أن يكون القول متقدما. والثاني: عكسه، والثالث: أن ~~يجهل الحال. قوله: "فإن عارض فعله الواجب ... إلخ" هذا هو الحال الأول، ~~وحاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلا وقام الدليل على أنه يجب ~~علينا اتباعه فيه فإنه يكون ناسخا للقول المتقدم عليه, المخالف له، سواء ~~كان ذلك القول عاما كما إذا قال: صوم يوم كذا واجب علينا ثم أفطر ذلك اليوم ~~وقام الدليل على اتباعه، كما فرضنا أو كان خاصا به أو خاصا بنا، واحترز ~~بقوله: الواجب اتباعه عما إذا لم يدل دليل على أنه يجب علينا أن نتبعه في ~~ذلك الفعل، فإنه يستثنى منه صورة واحدة لا يكون فيها ناسخا بل مخصصا، وهو ~~ما إذا كان القول المتقدم عاما ولم يصل بمقتضاه؛ لأنه إذا عمل بمقتضاه أو ~~كان خاصا به عليه الصلاة والسلام كان ناسخا, وإن كان خاصا به عليه الصلاة ~~والسلام كان ناسخا, وإن كان خاصا بنا فلا تعارض أصلا، ولم يذكر المصنف حكم ~~الفعل الذي لم يقم الدليل على وجوب اتباعه فيه في شيء من الأقسام؛ لعدم ~~الفائدة بالنسبة إلينا. قوله: "وإن عارض متأخرا" هذا هو الحال الثاني وهو ~~أن يكون القول متأخرا عن الفعل المذكور، وهو الذي دل الدليل على أنه يجب ~~علينا اتباعه فيه فنقول: إن لم يدل الدليل على وجوب تكرار الفعل فلا تعارض ~~أصلا بينه وبين القول المتأخر أصلا، وتركه المصنف لظهوره, وإن دل الدليل ~~على ms352 وجوب تكراره عليه وعلى أمته, فالقول المتأخر قد يكون عاما أي: متناولا ~~له صلى الله عليه وسلم ولأمته, وقد يكون خاصا به, وقد يكون خاصا بنا, فإن ~~كان عاما فإنه يكون ناسخا للفعل المتقدم، كما إذا صام عاشوراء مثلا وقال: ~~الدليل على وجوب تكراره وعلى تكليفنا به، وقال: لا يجب علينا صيامه، وإليه ~~أشار بقوله: "وإن عارض متأخرا عاما فالعكس" أي: وإن عارض فعله الواجب ~~اتباعه قولا متأخرا عاما فإنه يكون القول ناسخا للفعل، وإن كان خاصا به صلى ~~الله عليه وسلم, كما إذا قال في المثال المذكور: لا يجب علي # PageV01P254 # صيامه فليس فيه تعارض بالنسبة إلى الأمة لعدم تعلق القول بهم فيستمر ~~تكليفهم به، وأما في حقه -صلى الله عليه وسلم- فإن القول يكون ناسخا للفعل, ~~وإليه أشار بقوله: وإن اختص به نسخه في حقه، وإن كان خاصا بنا، كما إذا قال ~~في المثال المذكور: لا يجب عليكم أن تصوموا, فلا تعارض فيه بالنسبة إلى ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فيستمر تكليفه به، وأما في حقنا فإنه يدل على ~~عدم التكليف بذلك الفعل, ثم إن ورد قبل صدور الفعل منا كان مخصصا أي: مبينا ~~لعدم الوجوب، وإن ورد بعد صدور الفعل فلا يمكن حمله على التخصيص؛ لاستلزامه ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة فيكون ناسخا لفعله المتقدم، والتفصيل المذكور ~~إنما يأتي إذا كانت دلالة الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل بطريق الظهور، ~~كما إذا قال: هذا الفعل واجب علينا أو على المكلفين، وأما إذا كان بطريق ~~القطع كما إذا قال: إنه واجب علي وعليكم, فلا يمكن حمل القول المتأخر على ~~التخصيص بل يكون ناسخا مطلقا. ثم إن هذا كله فيما إذا كان الفعل المتقدم ~~مما يجب اتباعه كما تكلم فيه المصنف, فإن لم يكن كذلك فلا تعارض فيه ~~بالنسبة إلى الأمة؛ لأن الفعل لم يتعلق بهم. وأما بالنسبة إليه فإن كان ~~الفعل مما دل الدليل على وجوب تكراره عليه وكان القول المتأخر خاصا به صلى ~~الله عليه وسلم, أو متناولا له وللأمة ms353 بطريق النص، كقوله: لا يجب علي ~~وعليكم فيكون القول ناسخا للفعل، وإن كان متناولا ولا بطريق الظهور كقوله: ~~لا يجب علينا فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم؛ لأن المخصص لا يشترط ~~تأخره عن العام عندنا، وأهمل المصنف ذلك كله؛ لأنه لا يخفى. قوله: "فإن ~~جهل" هذا هو الحال الثالث، وهو أن يكون المتأخر من القول والفعل مجهولا, ~~فإن أمكن الجمع بينهما بالتخصيص أو غيره فلا كلام، وإن لم يكن الجمع ففيه ~~ثلاثة مذاهب جارية فينا لفائدة العمل. وفيه عليه الصلاة والسلام لمعرفة ما ~~كان يجب عليه مثلا أو يحرم، أحدها وهو المختار في الأحكام والمحصول ~~ومختصراته: أنه يقدم القول لكونه مستقلا بالدلالة موضوعا لها، بخلاف الفعل ~~فإنه لم يوضع للدلالة وإن دل فإنما يدل بواسطة القول. والثاني: أنه يقدم ~~الفعل لأنه أبين وأوضح في الدلالة ولهذا يبين به القول كخطوط الهندسة. ~~والثالث: أنا نتوقف إلى الظهور لتساويهما في وجوب العمل، واختار ابن الحاجب ~~التوقف بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والأخذ بالقول بالنسبة إلى ~~الأمة، وفرق بينهما بأننا متعبدون بالعمل فأخذ بالقول لظهوره، ولا ضرورة ~~بنا إلى الحكم بأحدهما بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام، ووافق المصنف ~~مختار الجمهور بالنسبة إلى الأمة، وسكت عن القسم الآخر، وإليه أشار بقوله: ~~"فالأخذ بالقول في حقنا لاستبداده" أي: لاستقلاله وهو ظاهر في اختيار ما ~~اختاره ابن الحاجب. قال: "الخامسة: أنه -عليه الصلاة والسلام- قبل النبوة ~~تعبد بشرع وقيل: لا وبعدها, فالأكثر على المنع قيل: أمر بالاقتباس و"يكذبه ~~انتظاره" الوحي وعدم مراجعته ومراجعتنا، قيل: راجع في الرجم قلنا: للإلزام، ~~استدل بآيات أمر فيها باقتفاء # PageV01P255 # الأنبياء السالفة -عليهم الصلاة والسلام- قلنا: في أصول الشريعة ~~وكلياتها". أقول: اختلفوا في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هل كلف قبل ~~النبوة بشرع أحد من الأنبياء؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها الإمام وأتباعه كصاحب ~~الحاصل من غير ترجيح أحدها. نعم واختاره ابن الحاجب ثم المصنف وعبر بقوله: ~~تعبد وهو بضم التاء والعين أي: كلف، ولم يستدل عليه لعدم فائدته الآن، ~~واستدل له في ms354 المحصول بكونه داخلا في دعوة من قبله، وعلى هذا فقيل: كلف ~~بشرع نوح، وقيل: إبراهيم وقيل: موسى، وقيل: عيسى، حكاها الآمدي، وقيل: بشرع ~~آدم كما نقل عن حكاية ابن برهان، وقيل: جميع الشرائع شرع له، حكاه بعض شراح ~~المحصول عن المالكية. والثاني: لا، إذ لو كان مكلفا بشريعة لوجب عليه ~~الرجوع إلى علمائها وكتبها, ولو راجع لنقل. والثالث: الوقف واختاره الآمدي، ~~وأما بعد النبوة فالأكثرون على أنه ليس متعبدا بشرع أصلا، واختاره الآمدي ~~والإمام والمصنف، وقيل: بل كان متعبدا بذلك، أي: مأمورا بأخذ الأحكام من ~~كتبهم كما صرح به الإمام؛ فلذلك عبر عنه المصنف بقوله: وقيل أمر بالاقتباس ~~فافهمه، وهذا المذهب يعبر عنه بأن شرع من قبلنا شرع لنا، واختاره ابن ~~الحاجب، وللشافعي في المسألة قولان وبنى عليهما أصلا من أصوله في كتاب ~~الأطعمة أصحهما الأول، واختاره الجمهور، وأبطل المصنف الثاني بثلاثة أوجه، ~~أحدها: أنه كان ينتظر الوحي مع وجود تلك الأحكام في شرع من تقدمه، والثاني: ~~أنه كان لا يراجع كتبهم ولا أخبارهم في الوقائع. الثالث: أن أمته لا يجب ~~عليها المراجعة أيضا وهذه الوجوه ذكرها الإمام وهي ضعيفة؛ لأن الإيجاب محله ~~إذا علم ثبوت الحكم بطريق صحيح ولم يرد عليه ناسخ، كما في قوله تعالى: ~~{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] وليس المراد أخذ ذلك ~~منهم؛ لأن التبديل قد وقع والتبس المبدل بغيره، واعترض الخصم بأنه عليه ~~الصلاة والسلام رجع إلى التوراة لما ترافع إليه اليهود في زنا المحصن. ~~والجواب أن الرجوع إليها لم يكن لإنشاء شرع بل لإلزام اليهود، فإنهم أنكروا ~~أن يكون في التوراة أيضا وجوب الرجم. قوله: "واستدل" أي استدل الخصم بآيات ~~دالة على أنه -عليه الصلاة والسلام- مأمور باقتفاء الأنبياء السالفة -عليهم ~~الصلاة والسلام- أي باتباعهم. منها قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى ~~به نوحا} [الشورى: 13] وقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا} [النحل: 23] وقوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~[الأنعام: 90] وشرعهم من جملة الهدى، وقوله تعالى: {إنا ms355 أنزلنا التوراة ~~فيها هدى ونور يحكم بها النبيون} [المائدة: 44] الآية, وهو عليه الصلاة ~~والسلام سيد المرسلين، وأجاب المصنف بأن المراد وجوب المتابعة في الأشياء ~~التي لم تختلف باختلاف الشرائع، وهي أصول الديانات، والكليات الخمس أي: حفظ ~~النفوس، والعقول, والأموال، والأنساب، والأعراض، # PageV01P256 ### | الباب الثاني: في الأخبار ### | الفصل الأول: فيما علم صدقه # قال: "الباب الثاني: في الأخبار وفيه فصول, الأول: فيما علم صدقة، وهو ~~سبعة, الأول: ما علم وجود مخبره بالضرورة أو بالاستدلال. الثاني: خبر الله ~~تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات أكمل منه تعالى. الثالث: خبر رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- والمعتمد دعواه الصدق وظهور المعجزة على وفقه. ~~الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة. الخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم. ~~السادس: الخبر المحفوف بالقرائن. السابع: المتواتر وهو خبر بلغت رواته في ~~الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، وفيه مسائل". أقول: الخبر ~~قسم من أقسام الكلام، وهو يطلق على اللساني والنفساني، والخلاف في أنه هل ~~هو مشترك بينهما، أو حقيقة في الأول مجاز في الثاني, أو عكسه؟ كالخلاف في ~~الكلام وقد عرفه المصنف في تقسيم الألفاظ بأنه الذي يحتمل التصديق أو ~~التكذيب، وتقديم الكلام هناك عليه؛ فلذلك استغنى عن ذكره هنا. ثم إن الخبر ~~من حيث هو خبر محتمل للصدق والكذب مطلقا، لكنه قد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور ~~خارجة، وقد لا يقطع بواحد منها لعدم عروض موجب للقطع به, فصار الخبر على ~~ثلاثة أقسام؛ فلذلك ذكر في الباب ثلاثة فصول، لكل قسم منها فصل, وهذا إذا ~~قلنا: إن الخبر منحصر في الصدق والكذب، وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال: ~~الصدق هو المطابق مع اعتقاد كونه مطابقا، والكذب هو الذي لا يكون مطابقا مع ~~اعتقاد عدم المطابقة، فأما الذي ليس معه اعتقاد سواء كان مطابقا أو غير ~~مطابق فإنه ليس بصدق ولا كذب، والأكثرون قالوا: الصدق هو المطابق للواقع ~~مطلقا، والكذب ما ليس بمطابق مطلقا. الفصل الأول: فيما علم صدقه, وهو سبعة ~~أقسام الأول: الخبر الذي علم وجود مخبره أي: المخبر ms356 به وهو بفتح الباء، ~~والعلم به إما بالضرورة كقولنا: الواحد نصف الاثنين، وإما بالاستدلال ~~كقولنا: العالم حادث، وكالخبر الموافق لخبر المعصوم. الثاني: خبر الله ~~تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه أكمل منه تعالى؛ لكون ~~الصدق صفة كمال والكذب صفة نقص، وهذا القسم وما بعده علمنا فيه أولا صدق ~~الخبر، ثم استدللنا بوقوعه على صدق الخبر. الثالث: خبر الرسول -صلى الله ~~عليه وسلم- والمعتمد في حصول العلم به وهو دعواه الصدق في كل الأمور، وظهور ~~المعجزة عقب هذه الدعوى, إلا بإثبات وقوع هذا كله. قال: وكيف؟ وقد جوز ~~بعضهم وقوع الذنب منهم عمدا واتفقوا على جوازه في حال السهو والنسيان، وقد ~~لاح مما قاله الإمام إشكال على المصنف في تجويزه الصغائر سهوا, ودعواه ~~العلم بالصدق مطلقا. نعم إن أراد الصدق في الأحكام وهو الذي يقتضيه كلام ~~الإمام في المعالم, فلا تعارض؛ لأنهم معصومون عن الخطأ فيه عند طائفة كما ~~تقدم. الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة كما سيأتي, هكذا استدل عليه ~~الإمام فتبعه المصنف وغيره؛ فإن أراد بالحجة ما هو مقطوع به، وهو الذي صرح ~~به الآمدي هنا فالإجماع ليس كذلك عندهما كما ستعرفه، وإن أراد بالحجة ما ~~يجب العمل به فمسلم, لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون مقطوعا به؛ لأن أخبار ~~الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع # PageV01P257 # أنها ظنية. الخامس: أن يخبر جمع عظيم يستحيل تواطؤهم على الكذب عن شيء من ~~أحوالهم كالشهوة والنفرة, فإنه لا يجوز أن يكون كلها كذبا كما قال في ~~المحصول أي: بل لا بد أن يكون منها ما هو صدق قطعا، وليس المراد أنا نقطع ~~بصدق الجميع فإنه باطل قطعا. قال: وكذلك إذا أخبر كل واحد منهم عن شيء لم ~~يخبر به صاحبه. السادس: الخبر المحفوف بالقرائن كخبر ملك عن موت ولده، ولا ~~مريض عنده سواه، مع خروج النساء على هيئة منكرة من البكاء ونشر الشعر, ~~وخروج الملك وراء الجنازة على نحو هذه الهيئة، فإنه يفيد العلم كما جزم ms357 به ~~المصنف، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب، ونقلوا عن الأكثرين خلافه. ~~السابع: الخبر المتواتر والتواتر لغة هو التتابع يقال: تواتر القوم إذا جاء ~~الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، وفي الاصطلاح كل خبر بلغت رواته في الكثرة ~~مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب. فروع جعلها بعضهم من المقطوع بها ~~كما قاله في المحصول1، أحدها: إذا أخبر شخص عن أمر بحضرة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ولم ينكره فقال بعضهم: يكون تصديقا له مطلقا، والحق أنه ~~يكون تصديقا إن كان في أمر ديني لم يتقدم بيانه, أو تقدم وكان مما يجوز ~~نسخه، وكذلك إذا كان في أمر دنيوي وعلمنا أنه عليه الصلاة والسلام علم بذلك ~~أو ادعى المخبر علمه به مع استشهاده به. الثاني: إذا أخبر شخص عن أمر بحضرة ~~جمع عظيم بحيث لو كان كاذبا لما سكتوا عن تكذيبه فأمسكوا عن ذلك, فإنه يفيد ~~ظن صدقه، وقال جماعة: يفيد القين لامتناع جهلهم به في العادة، ومع عدم ~~الجهل يمتنع عادة أن لا يكذبوه. الثالث: قالت جماعة من المعتزلة: الإجماع ~~على العمل بموجب الخبر يدل على صحته قطعا؛ لأن المادة في المفلتين أن يقبله ~~بعضهم ويرده بعضهم، وما قالوه باطل. الرابع: قال بعض الزيدية: بقاء النقل ~~مع توفر الدواعي على إبطاله يدل على القطع بصحته, وما قالوه ليس بشيء. ~~الخامس: تمسك جماعة في القطع بالخبر, بأن العلماء ما بين محتج به ومؤول له، ~~وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله وهو ضعيف؛ لاحتمال أن يكون قبوله كقبول خبر ~~الواحد. قال: "الأولى أنه يفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية، وقيل: يفيد عن ~~الموجود لا عن الماضي. لنا أن نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية والأشخاص ~~الماضية. قيل: نجد التفاوت بينه وبين قولنا: الواحد نصف الاثنين, قلنا: ~~للاستئناس. الثانية: إذا تواتر الخبر أفاد العلم فلا حاجة إلى النظر، خلافا ~~لإمام الحرمين وللحجة والكعبي والبصري وتوقف المرتضى. لنا لو كان نظريا لم ~~يحصل لمن لا يتأتى له كالبله والصبيان. قيل: يتوقف على العلم بامتناع ~~تواطئهم، وأن لا داعي لهم ms358 إلى الكذب قلنا: حاصل بقوة قريبة من الفعل فلا ~~حاجة إلى النظر". أقول: الأكثرون على أن المتواتر يفيد العلم مطلقا، وقالت ~~السمنية: لا يفيد مطلقا، وقيل: إن كان خبرا عن PageV01P258 # موجود أفاد، وإن كان عن ماض فلا، والسمنية بضم السين وفتح الميم: فرقة من ~~عبدة الأوثان كذا قاله الجوهري. والدليل على ما قلناه أنا نعلم بالضرورة ~~وجود البلاد البعيدة كمكة وقسطنطينية والأشخاص الماضية كالشافعي وجالينوس. ~~واعترض الخصم بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وبين غيره من المحسوسات ~~والبديهيات كقولنا: الواحد نصف الاثنين وحصول التفاوت دليل احتمال النقيض, ~~واحتمال النقيض مناف للعلم. وأجاب المصنف بأن التفاوت الحاصل سببه أن بعض ~~القضايا يكثر استعمالها وتصور طرفيها وبعضها لا يكثر؛ فلذلك يستأنس العقل ~~ببعضها دون بعض فإذا وردت القضية الأولى جزم العقل بها بسرعة بخلاف القضية ~~الثانية مع اشتراكهما في العملية، وهذا الجواب ذكره في الحاصل ولكن بعد أن ~~منع أن العلوم لا تتفاوت, واقتصار المصنف عليه يوهم اختيار عدم تفاوتها، ~~والمشهور خلافه ويحتمل أن يكون مراد المصنف إنما هو منع التفاوت وأسند ~~بالاستئناس، ولم يذكر الإمام شيئا من هذين الجوابين بل أجاب بأنه تشكيك في ~~الضروريات فلا يسمع. المسألة الثانية: ذهب الجمهور إلى أن العلم الحاصل عقب ~~التواتر ضروري أي: لا يحتاج إلى نظر وكسب, واختاره الإمام وأتباعه وابن ~~الحاجب, وذهب إمام الحرمين والكعبي وأبو الحسين البصري إلى أنه نظري ونقله ~~المصنف تبعا للإمام عن حجة الإسلام الغزالي وفيه نظر؛ فإن كلامه في ~~المستصفى مقتضاه موافقة الجمهور فتأمله, وتوقف المرتضى من الشيعة واختاره ~~الآمدي في الأحكام ومنتهى السول. ثم استدل المصنف على مذهبه بأنه لو كان ~~نظريا لكان غير حاصل لمن لا يتأتى منه النظر كالبله والصبيان وليس كذلك. ~~واحتج الخصم بأن العلم بمقتضى الخبر متوقف على العلم بامتناع تواطؤ ~~المخبرين على الكذب في العادة، وعلى العلم بأن لا داعي لهم إلى الكذب من ~~حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذه المقدمات نظرية والموقوف عن النظري أولى أن ~~يكون نظريا، وأجاب المصنف تبعا ms359 للحاصل بأن هذه المقدمات حاصلة بقوة قريبة ~~من الفعل, أي: إذا حصل طرفا المطلوب في الذهن حصلت عقبه من غير نظر وتعب. ~~قال: "الثالثة: ضابطه إفادة العلم, وشرطه أن لا يفعله السامع ضرورة وأن لا ~~يعتقد خلافه لشبهة دليل أو تقليد, وأن يكون سند المخبرين إحساسا به، وعددهم ~~مبلغا يمتنع تواطؤهم على الكذب. وقال القاضي: لا يكفي الأربعة وإلا لأفاد ~~قول كل أربعة، فلا يجب تزكية شهود الزنا لحصول العلم بالصدق أو الكذب. ~~وتوقف في الخمسة ورد بأن حصول العلم بفعل الله تعالى فلا يجب الاطراد، ~~وبالفرق بين الرواية والشهادة، وشرط اثنا عشر كنقباء موسى عليه السلام, ~~وعشرون لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون} [الأنفال: 65] , وأربعون لقوله ~~تعالى: {ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] وكانوا أربعة وسبعين لقوله ~~تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} [الأعراف: 155] وثلاثمائة وبضعة عشر ~~عدد أهل بدر والكل ضعيف، ثم إن أخبروا عن عيان فذاك, وإلا فيشترط ذلك في كل ~~الطبقات، الرابعة: # PageV01P259 # مثلا لو أخبر واحد بأن حاتما أعطى دينارا وآخر أنه أعطى جملا وهلم جرا, ~~تواتر القدر المشترك لوجوده في الكل". أقول: ضابط الخبر المتواتر هو حصول ~~العلم, فمتى أفاد الخبر بمجرده العلم تحققنا أنه متواتر وأن جميع شرائطه ~~موجودة، وإن لم يفده تبينا عدم تواتره أو فقدان شرط من شروطه، وهي أربعة ~~كما حكاها المصنف تبعا للإمام والآمدي، فالأولان راجعان إلى السامعين ولم ~~يذكرهما الإمام في المعالم ولا ابن الحاجب في مختصره، والأخيران راجعان إلى ~~الخبرين؛ أحدها: أن لا يكون السامع للخبر المتواتر عالما بمدلوله بالضرورة, ~~فإنه إن كان كذلك لم يفده المتواتر علما لامتناع تحصيل الحاصل. الثاني: أن ~~لا يكون معتقدا لخلاف مدلوله، إما لشبهة دليل إن كان من العلماء، أو لتقليد ~~إن كان من العوام، فإن ارتسام ذلك في ذهنه واعتقاده له مانع من قبول غيره ~~والإصغاء إليه، ومن هذا ما ورد في الحديث: "حبك الشيء يعمي ويصم" 1 وهذا ~~الشرط نقله في المحصول عن الشريف المرتضى، ولم يصرح فيه بموافقته ولا ~~مخالفته. ms360 قال: وإنما اعتبره؛ لأنه يرى أن الخبر المتواتر دال على إمامة علي ~~رضي الله عنه، وأن المانع من إفادته العلم عند الخصم هو اعتقاد خلافه. ~~الثالث: أن يكون سند المخبرين أي: مستندهم في الأخبار هو الإحساس بالمخبر ~~عنه أي: إدراكه بإحدى الحواس الخمس. فإن أخبروا عما يستند إلى الدليل ~~العقلي كحدوث العالم لم يفد العلم؛ لأن التباس الدليل عليهم محتمل. قال في ~~البرهان: ولا معنى لتقييد المستند بالمحسوس؛ فإن المطلوب صدور الخبر عن ~~العلم الضروري، فالوجه التقييد به لتدخل قرائن الأحوال، وتبعه على ما قاله ~~صاحب المحصول والمختصرون لكلامه فقيدوه بذلك, وفيه نظر؛ فإن قرائن الأحوال ~~لها استناد إلى الحس وليست عقلية محضة؛ فلذلك عدل المصنف إلى العبارة ~~المشهورة. الرابع: أن يبلغ عدد المخبرين مبلغا يمتنع بحسب العادة أن ~~يتواطئوا على الكذب ويختلف ذلك باختلاف المخبرين والوقائع والقرائن. هذا ~~حاصل ما ذكره المصنف من الشروط, وقد علم منه أنه لا يشترط عنده في المخبرين ~~الإسلام ولا العدالة ولا اختلاف الدين, والبلد, والوطن، والنسب، ولا وجود ~~الإمام المعصوم، ولا دخول أهل الذمة فيهم، ولأكثرتهم بحيث لا يحصرهم عدد ~~ولا يحويهم بلد، وفي كل ذلك خلاف حكاه الآمدي وابن الحاجب والإمام. قوله: ~~"وقال القاضي" أي: أبو بكر: لا يكفي الأربعة في إفادة العلم، إذ لو أفاده ~~قول الأربعة الصادقين لأفاده قول كل أربعة صادقين؛ لأن الحكم على الشيء حكم ~~على مماثله، ولو كان كذلك لم يجب تزكية شهود الزنا لأنه إن حصل علم القاضي ~~بقولهم فقد علم صدقهم, فيستغني عن التزكية، وإن لم يحصل العلم بذلك فيلزم ~~أن يعلم كذبهم؛ لأن الفرض أن حصول العلم بالصدق ومن لوازم قول PageV01P260 # أربعة صادقين, فمتى لم يحصل العلم بالصدق فقد انتفى اللازم، وإذا انتفى ~~اللازم انتفى الملزوم، وهو قول كل أربعة صادقين، وانتفاء قول الأربعة ~~الصادقين لا يجوز أن يكون لانتفاء القول ولا لانتفاء الأربعة؛ لأنه خلاف ~~الفرض فتعين أن يكون لانتفاء الصدق، وإذا انتفى الصدق تعين الكذب؛ لأنه لا ~~واسطة بينهما، وحينئذ فنقول: إذا ms361 علم كذبهم لم يحتج أيضا إلى التزكية ~~لخلوها عن الفائدة، فثبت أنه لو أفادت الأربعة العلم لم يجب تزكية شهود ~~الزنا, وتزكيتهم واجبة اتفاقا فبطل الأول، وهذا التقرير اعتمده. قوله: ~~"وتوقف" يعني: أن القاضي توقف في أن الخمسة هل تفيد العلم أم لا؟ ووجه ~~توقفه أنه يحتمل أن يقال: إنها لا تفيد العلم إذ لو أفادته لأفادت قول كل ~~خمسة، ويلزم من ذلك أن لا يجب تزكيتها إذا شهدت بالزنا بعين ما قلناه في ~~الأربعة، ويحتمل أن يقال: إنها تفيده، ولا يلزم منه عدم التزكية بخلاف ~~الأربعة؛ وذلك لأنا نسلم لهم أن كل خمسة صادقة تفيد العلم, وأنه إذا شهد ~~خمسة بالزنا ولم يحصل العلم بقولها لا تكون صادقة, وأنه إذا انتفى الصدق ~~تعين الكذب، وأما قولهم: إذا تعين الكذب فلا حاجة إلى التزكية فممنوع؛ لأن ~~الكذب قد يكون واحدا من الخمسة وقد يكون من اثنين فصاعدا، فإن كان من واحد ~~لم تبطل الحجة لبقاء النصاب المعتبر وهو الأربعة، وإن كان من اثنين فصاعدا ~~بطلت, فأوجبنا التزكية حتى نعلم هل بقي النصاب أم لا بخلاف الأربعة؟ فإن ~~كذب أحدهم مسقط للحجة. قوله: "ورد" أي: ورد قول القاضي بأنه لا يكفي ~~الأربعة بوجهين أحدهما: أن حصول العلم عقب الخبر المتواتر بفعل الله تعالى ~~عنده وعند غيره من الأشاعرة, فلا يجب حينئذ اطراده لجواز أن يخلق الله ~~تعالى العلم عند قول أربعة دون أربعة. الثاني: أن الفرق بين الرواية ~~والشهادة ثابت, فإن الأربعة في الرواية زائدة على القدر المشروط بخلاف ~~الأربعة في الشهادة, فلا يلزم من ترتيب العلم على الأول ترتبه على الثاني، ~~وأيضا الشهادة تقتضي شرطا خاصا فلا يبعد فيها الاتفاق على المشهود عليه ~~لعداوة، بخلاف الرواية. قوله: "وشروط" أي: وشرط بعضهم في عدد التواتر اثني ~~عشر؛ لأن موسى عليه السلام نصبهم ليعرفوه أحوال بني إسرائيل, كما قال ~~تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] فلو لم يحصل العلم ~~بقولهم لم ينصبهم، وشرط بعضهم عشرين لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون ms362 ~~صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] فإن مثل هذا الكلام في العادة يستدعي ~~الجواب بأن ذلك العدد موجود فيهم, فدل على حصول العلم بقولهم، ومنهم من شرط ~~أربعين لقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} ~~[الأنفال: 64] وكانوا أربعين، ووجه الدلالة: من إن كانت مجرورة عطفا على ~~الكاف كما قاله بعضهم، فإن كان الله تعالى كافيهم فإنه يقتضي حراسته لهم ~~دينا ودنيا، ويستحيل مع ذلك تواطؤهم على الكذب, وإن كانت مرفوعة عطفا على ~~الاسم المعظم فكذلك؛ لأن الذين رضيهم الله لأن يكون النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أموره ويتولوها, لا يتفقون # PageV01P261 # على كذب وشرط بعضهم سبعين لقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا} [الأعراف: 155] وإنما اختارهم ليخبروا قومهم. وشرط بعضهم ~~ثلاثمائة وبضعة عشر بعدد أهل بدر؛ لأن الغزوة تواترت عنهم والبضع بكسر ~~الباء، ومن العرب من يفتحها, وهو ما بين الثلاثة إلى التسعة، قاله الجوهري, ~~وفي المحصول أن بعضهم شرط عدد أهل بيعة الرضوان وهم ألف وسبعمائة كما قاله ~~في البرهان، وهذه الأقول كلها ضعيفة كما قاله المصنف؛ لأنها تقييدات لا ~~دليل عليها, وما ذكروه فإنه بتقدير تسليمه لا يدل على كون العدد شرطا لتلك ~~الوقائع، ولا على كونه مفيدا للعلم؛ لجواز أن يكون حصوله في تلك الصور من ~~خواص المعدودين. قوله: "ثم إن أخبروا" يعني أن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم ~~على الكذب إن أخبروا عن عيان أي: مشاهدة فلا كلام, وإن نقلوا عن غيرهم ~~فيشترط حصول هذا العدد أيضا في كل الطبقات, وهو معنى قولهم: لا بد من ~~استواء الطرفين والواسطة، وتعبير المصنف بالعيان غير واف بالمراد, فإن ~~العيان بكسر العين هو الرؤية كما قاله الجوهري, والخبر قد لا يكون مستندا ~~إليها. المسألة الرابعة: التواتر قد يكون لفظيا وهو ما تقدم، وقد يكون ~~معنويا وهو أن ينقل العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة ~~مشتملة على قدر مشترك, كما إذا أخبر واحد بأن حاتما أعطى دينارا, وأخبر آخر ~~أنه أعطى جملا وأخبر آخر أنه أعطى شاة وهلم ms363 جرا, حتى بلغ المخبرون عدد ~~التواتر, فيقطع بثبوت القدر المشترك لوجوده في كل خبر من هذه الأخبار، ~~والقدر المشترك هنا هو مجرد الإعطاء, لا الكرم أو الجود لعدم وجوده في كل ~~واحد فافهمه. وقوله: جرا منون, قال صاحب المطالع: قال ابن الأنباري: معنى ~~هلم جرا: سيروا وتمهلوا في سيركم, مأخوذا من الجر وهو ترك النعم في سيرها ~~ثم استعمل فيما حصل الدوام عليه من الأعمال. قال ابن الأنباري: فانتصب جرا ~~على المصدر أي: جروا جرا, أو على الحال, أو على التمييز. إذا علمت هذا علمت ~~أن معنى هلم جرا في مثل هذا أنه استدعى الصور فانجرت إليه جرا، فعبر به ~~مجازا عن ورود أمثال للأول. # PageV01P262 ### | الفصل الثاني: فيما علم كذبه # قال: "الفصل الثاني: فيما علم كذبه، وهو قسمان, الأول: ما علم خلافه ~~ضرورة أو استدلالا. الثاني: ما لو صح لتوفرت الدواعي على نقله كما يعلم أن ~~لا بلدة بين مكة والمدينة أكبر منهما, إذ لو كان لنقل وادعت الشيعة أن النص ~~دل على إمامة علي رضي الله عنه, ولم يتواتر كما لم تتواتر الإقامة والتسمية ~~ومعجزات الرسول -عليه الصلاة والسلام- قلنا: الأولان من الفروع، ولا كفر ~~ولا بدعة في مخالفتهما بخلاف الإمامة. وأما تلك المعجزات فلقلة المشاهدين. ~~مسألة: بعض ما نسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذب؛ لقوله: "سيكذب ~~علي" , ولأن منها ما لا يقبل التأويل فيمتنع صدوره عنه, وسببه نسيان الراوي ~~أو غلطه أو افتراء الملاحدة لتنفير العقلاء". أقول: الخبر الذي يقطع بكذبه ~~قسمان الأول: الخبر الذي علمنا خلافه إما بالضرورة كقول القائل: النار ~~باردة, أو بالاستدلال كالخبر المخالف لما علم صدقه من خبر الله # PageV01P262 # تعالى أو غيره، وكقوله القائل: العالم قديم. الثاني: الخبر الذي لو صح ~~التواتر لكون الدواعي على نقله متوفرة, إما لغرابته كسقوط الخطيب عن المنبر ~~يوم الجمعة أو لتعلقه بأصل من أصول الدين كالنص على الإمامة, فعدم تواتره ~~دليل على عدم صحته؛ ولهذا نعلم أن لا بلدة بين مكة والمدينة أكبر منهما, ~~ولا مستند لهذا ms364 العلم إلا عدم النقل المتواتر. وفي المحصول ومختصراته قسم ~~ثالث للخبر الذي يقطع بكذبه, وهو ما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ~~استقرار الأخبار ثم بحث عنه, فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة، ~~وخالفت الشيعة في القسم الثاني, فادعت أن النص الجلي دل على إمامة علي رضي ~~الله عنه، ولم يتواتر غيره من الأمور المهمة كالإقامة والتسمية في الصلاة ~~ومعجزات الرسول -صلى الله عليه وسلم- كحنين الجذع وتسبيح الحصى ونحوهما، ~~ولهذا اختلفوا في إفراد الإقامة وفي إثبات التسمية والجواب عن الأولين، ~~وهما الإقامة والتسمية بأنهما من الفروع والمخطئ فيهما ليس بكافر ولا ~~مبتدع؛ فلذلك لم تتوفر الدواعي على نقلهما بخلاف الإمامة, فإنها من أصول ~~الدين ومخالفتها فتنة وبدعة. وأما المعجزات فعدم تواترها لقلة المشاهدين ~~لها، وللشيعة أن يجيبوا بهذا الجواب فيقولوا: إنما لم يتواتر النص الدال ~~على إمامة علي؛ لقلة سامعيه. قوله: "مسألة ... إلخ" هذه المسألة لم يذكرها ~~ابن الحاجب وحاصلها أن بعض الأخبار المنسوبة إلى النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- كذب قطعا لأمرين أحدهما: أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ~~"سيكذب علي" فإن كان هذا الحديث كذبا فقد كذب عليه، وإن كان صدقا فيلزم أن ~~يقع الكذب؛ لأن أخباره حق وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كونه صحيحا ~~وقوع الكذب في الماضي لجواز وقوعه في المستقبل. نعم لو قال بعض ما ينسب ~~بصيغة المضارع لتم المدعي. الثاني: أن من الأخبار المنسوبة إليه ما هو ~~معارض للدليل العقلي بحيث لا يقبل التأويل, فيعلم بذلك امتناع صدوره عنه. ~~قوله: "وسببه" أي: وسبب وقوع الكذب أمور الأول: نسيان الراوي بأن سمع خبرا ~~وطال عهده به فنسي فزاد فيه أو نقص، أو عزاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وليس من كلامه. الثاني: غلطه, بأن أراد أن ينطق بلفظ فسبق لسانه إلى غيره ~~ولم يشعر أو كان ممن يرى نقل الخبر بالمعنى, فأبدل مكان اللفظ المسموع لفظا ~~آخر لا يطابقه؛ ظنا أنه يطابقه. الثالث: افتراء الملاحدة أي الزنادقة ms365 ~~وغيرهم من الكفار, فإنهم وضعوا أحاديث مخالفة لمقتضى العقل ونسبوها إلى ~~الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنفيرا للعقلاء عن شريعته. قال: # PageV01P263 ### | الفصل الثالث: فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد # الفصل الثالث: فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد, والنظر في طرفين في ~~وجوب الأول العمل به دل عليه السمع وقال ابن سريج والقفال والبصري: دل ~~العقل أيضا وأنكره قوم لعدم الدليل أو للدليل على عدمه شرعا أو عقلا وأحاله ~~آخرون, واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية". أقول: ~~شرع في القسم الثالث من أقسام الخبر, وهو الذي لا يعلم صدقه ولا كذبه, وله ~~ثلاثة أحوال أحدها: أن يترجح احتمال صدقه كخبر العدل. والثاني: عكسه كخبر ~~الفاسق. # والثالث: أن يتساوى الأمران كخبر المجهول ولم يتعرض للقسمين الآخرين لعدم ~~وجوب العمل بهما كما سيأتي وأشار إلى الأول بقوله: فيما ظن صدقه, فإن ظن ~~الصدق من لوازم رجحان احتماله. وعرفه بقوله: وهو خبر العدل الواحد, واحترز ~~بالعدل عن القسمين الأخيرين، وبالواحد عن المتواتر، فإن خبر الواحد في ~~اصطلاحهم عبارة عما ليس بمتواتر، سواء كان مستفيضا وهو الذي زادت رواته على ~~ثلاثة كما جزم به الآمدي وابن الحاجب, أو غير مستفيض وهو ما رواه الثلاثة ~~أو أقل، ومقصود الفصل منحصر في طرفين, الأول: في وجوب العمل به وقد اختلفوا ~~فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنه واجب, لكن قال أكثرهم: وجوبه الدليل السمعي فقط. ~~وقال ابن سريج والقفال الشاشي وأبو الحسين البصري: دل على وجوبه العقل ~~والنقل، وأنكر قوم وجوب العمل به. ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: ذلك الدليل ~~المانع له شرعي، وقال بعضهم: عقلي, وإلى هذين المذهبين أشار بقوله: شرعا أو ~~عقلا, وذهب آخرون إلى أن ورود العمل به مستحيل عقلا. واعلم أن كلام المحصول ~~يوهم المغايرة بين هذا المذهب وما قبله فتابعه المصنف، والذي يظهر أنه متحد ~~به فتأمله، ويقوي الاتحاد أن صاحب الحاصل والتحصيل وغيرهما من المختصرين ~~لكلام الإمام لم يغايروا بينهما، واقتصروا على الأول إلا أن يفرق بينهما, ~~بأن الأول في ms366 الإيجاب والثاني في الجواز. قوله: "واتفقوا" أي: اتفق الكل ~~على وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية؛ كإخبار ~~طبيب أو غيره بمضرة شيء مثلا، وإخبار شخص عن المالك أنه منع من التصرف في ~~ثماره بعد أن أباحها، وشبه ذلك من الآراء والحروب ونحوها، وهذه العبارة ~~التي ذكرها المصنف ذكرها صاحب الحاصل، وعبر في المحصول بقوله: ثم إن الخصوم ~~بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا يعلم صحته كما في الفتوى ~~والشهادة والأمور الدنيوية. هذا لفظه وبين العبارتين فرق لا يخفى. قال: ~~"لنا وجوه, الأول: أنه تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من الفرقة، والإنذار ~~الخبر المخوف، والفرقة ثلاثة, والطائفة واحد أو اثنان، قيل: لعل للترجي ~~قلنا: تعذر فيحمل على الإيجاب لمشاركته في التوقع, قيل: الإنذار الفتوى ~~قلنا: يلزم تخصيص الإنذار, والقوم بغير المجتهدين والرواية ينتفع بها ~~المجتهد وغيره، قيل: فيلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد, قلنا: خص النص فيه. ~~الثاني: أنه لو لم يقبل لما علل بالفسق؛ لأن ما بالذات لا يكون بالغير, ~~والتالي باطل لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] . ~~الثالث: القياس على الفتوى والشهادة. قيل: يقتضيان شرعا خاصا والرواية ~~عاما، ورد بأصل الفتوى قيل: لو جاز لجاز اتباع الأنبياء والاعتقاد بالظن، ~~قلنا: ما الجامع؟ قيل: الشرع يتبع المصلحة, والظن لا يجعل ما ليس بمصلحة ~~مصلحة, قلنا: منقوض بالفتوى والأمور الدنيوية". أقول: احتج المصنف على وجوب ~~العمل بخبر الواحد بثلاثة أوجه, الأول: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين # PageV01P264 # ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] ووجه الاستدلال أن الله ~~تعالى أوجب الحذر، أي: الانكفاف عن الشيء, بإنذار طائفة من الفرقة, ويلزم ~~منه وجوب العمل بخبر الواحد. أما كونه تعالى أوجب الحذر فلقوله تعالى: ~~{لعلهم يحذرون} ولعل الترجي ممتنع في حق الله تعالى؛ لأنه عبارة عن توقع ~~حصول الشيء الذي لا يكون المتوقع عالما بحصوله ولا قادرا على إيجاده. وإذا ~~كان الترجي ممتنعا فتعين حمل اللفظ على لازم الترجي وهو ms367 الطلب أي: الإيجاب ~~إطلاقا للملزوم وإرادة للازم، فإنه مجاز محقق والأصل عدم غيره, فإن قيل: ~~يكون الترجي باقيا على حقيقته ولكنه مصروف عن الله تعالى إلى الفرقة ~~المتفقهة أي: تنذر قومها إنذار من يرجو حذرهم, وحينئذ فلا إيجاب. سلمنا لكن ~~لا نسلم أن طالب المحمول عليه وهو الطالب المتحتم فقد يكون على سبل الندب ~~قلنا: الحذر إنما يتحقق عند المقتضي للعقاب، وهو من خصائص الوجوب, وأما كون ~~الإنذار بقول طائفة من الفرقة, فبناه المصنف على أن المتفقهين هم الطائفة ~~النافرة حتى يكون الضمير في قوله تعالى: {ليتفقهوا} , {ولينذروا} راجعا ~~إليه, وهو قول لبعض المفسرين، وفيه قول آخر حكاه الزمخشري ورجحه غيره: أن ~~المتفقهين هم المقيمون لينذروا النافرين إن عادوا إليهم. ووجه ذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد إنزال الوعيد الشديد في حق المتخلفين عن غزوة ~~تبوك, كان إذا بعث جيشا أسرع المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعا ~~عن استماع الوحي والتفقه في الدين, فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ويقعد الباقون؛ ليتفقهوا، وينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم. وعلى هذا فلا ~~حجة؛ لأن الباقين كثيرون, وأما كونه يلزم منه وجوب العمل بخبر الواحد فلأن ~~الإنذار هو الخبر الذي يكون فيه تخويف, والفرقة ثلاثة فتعين أن تكون ~~الطائفة النافرة منها واحدا أو اثنين؛ لأنها بعضها، وحينئذ فيكون الإنذار ~~حصل بقول واحد أو اثنين فينتج ذلك كله وجوب الحذر بقول واحد أو اثنين، وهو ~~المدعى، وفيما قاله في الفرقة والطائفة نظر. فقد قال الجوهري: والفرقة ~~طائفة من الناس, هذا لفظه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى في صلاة الخوف وهو ~~من أهل هذا الشأن: إن الطائفة أقلها ثلاثة. ونقله أيضا عنه القفال في ~~الإشارة، نعم في صحاح الجوهري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: ~~{وليشهد عذابهما طائفة} أي: واحد فصاعدا. قوله: "قبل ... إلخ" أي: اعتراض ~~القائل بأنه لا يجب العمل بخبر الواحد على استدلالنا بهذه الآية بثلاثة ~~أوجه, أحدها: أن لعل مدلولها الترجي لا الوجوب، والجواب أنه ms368 لما تعذر الحمل ~~على الترجي حملناه على الإيجاب لمشاركته للترجي في الطلب كما تقدم إيضاحه ~~مع ما يرد عليه, لكن تعليل المصنف بقوله: لمشاركته في التوقع لا يستقيم؛ ~~لأنهما لو اشتركا في التوقع لكان المانع من حمل لعل على حقيقتها موجودا ~~بعينه في الإيجاب. الثاني: لا نسلم أن المراد بالإنذار في الآية هو الخبر ~~المخوف مطلقا بل المرد به الفتوى، وقول الواحد فيها مقبول اتفاقا كما تقدم، ~~وإنما # PageV01P265 # قلنا: إن المراد الفتوى؛ وذلك لأن الإنذار هنا متوقف على التفقه، إذ ~~الأمر بالتفقه إنما هو لأجله، والمتوقف على التفقه إنما هو الفتوى لا أحد, ~~وأجاب المصنف بأنه يلزم من حمل الإنذار على الفتوى تخصيص الآية من وجهين ~~أحدهما: تخصيص الإنذار بالفتوى مع أنها عامة فيه وفي الرواية. الثاني: ~~تخصيص القوم من قوله تعالى: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} بالمقلدين؛ ~~لأن المجتهد لا يقلد مجتهدا في فتواه، بخلاف ما إذا حمل الإنذار على ~~الرواية أو على ما هو أعم، فإنه ينتفي التخصيصات, أما تخصيص الإنذار فواضح، ~~وأما القوم فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد في الأحكام، وينتفع بها المقلد ~~في الانزجار, وحصول الثواب في نقلها لغيره وغير ذلك. الثالث: لو كان المراد ~~بالفرقة ثلاثة لكان يجب أن يخرج من كل ثلاثة واحد؛ لأن لولا للتخصيص ~~تقديره: هلا خرج وليس كذلك إجماعا. وأجاب المصنف بأن هذا النص الذي في لزوم ~~خروج واحد من كل ثلاثة قد خص بالإجماع، ولا يلزم من تخصيص النص فيه تخصيصه ~~في قبول رواية الواحد. قوله: "الثاني" أي: الدليل الثاني على وجوب العمل ~~بخبر الواحد, وتقريره من وجهين ذكر أصلهما في المحصول أحدهما ولم يذكر ~~المصنف سواه: أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما كان عدم قبوله معللا بالفسق؛ ~~وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر ~~واحد فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره؛ لأن الحكم المعلل بالذات لا يكون معللا ~~بالغير، إذ لو كان معللا بالغير لاقتضى حصوله به، مع كونه حاصلا قبل ذلك ms369 ~~أيضا لكونه معللا بالذات، وذلك تحصيل للحاصل وهو محال. والثاني: وهو امتناع ~~تعليله بالفسق باطل لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: ~~6] فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يغلب على الظن أنه علة له، والظن كاف ~~هنا لأن المقصود هو العمل, فثبت أن خبر الواحد ليس مردودا. وإذا ثبت ذلك ~~ثبت أنه مقبول واجب العمل به؛ لأن القائل قائلان. التقرير الثاني: أن الأمر ~~بالتبيين مشروط بمجيء الفاسق ومفهوم الشرط حجة, فيجب العمل به إذا لم يكن ~~فاسقا؛ لأن الظن يعمل به هنا، والقول بالواسطة منتف كما تقدم. قوله: ~~"الثالث" أي: الدليل الثالث على وجوب العمل بخبر الواحد القياس على الفتوى ~~والشهادة، والجامع تحصيل المصلحة المظنونة أو دفع المفسدة المظنونة. وفرق ~~الخصم بأن الفتوى والشهادة تقتضيان شرعا خاصا ببعض الناس، والرواية تقتضي ~~شرعا عاما للكل ولا يلزم من تجويزنا للواحد أن يعمل بالظن الذي قد يخطئ ~~ويصيب، أن يجوز ذلك للناس كافة، ورده المصنف بشرعية أصل الفتوى، فإن اتباع ~~الظن فيها لا يختص بمسألة ولا بشخص، وقد يقال: الرواية أكثر عموما؛ لأنها ~~تقتضي الحكم على المجتهدين والمقلدين، وأما الفتوى فخاصة بالمقلدين، وقد ~~استدل في المحصول أيضا على التمسك بخبر الواحد, بأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~كان يبعث الرسل بتبليغ الأحكام، وبإجماع الصحابة على # PageV01P266 # العمل به عند اطلاعهم عليه. قوله: "قيل: لو جاز" أي: استدل من منع العمل ~~بخبر الواحد عقلا بأمرين أحدهما: أنه لو جاز قبوله في الرواية لجاز اتباع ~~مدعي النبوة بدون المعجزة, بل بمجرد الظن, ولجاز الاعتقاد كمعرفة الله ~~تعالى بالظن أيضا, قياسا على الرواية وليس كذلك اتفاقا. وأجاب المصنف بطلب ~~الجامع، فإن عجزوا عنه فلا كلام وإن أبدوا جامعا كدفع الضرر المظنون أو ~~غيره فرقنا بأن الخطأ في النبوات وفي الاعتقاد كفر؛ فلذلك شرطنا العلم ~~بخلاف الفروع، وأيضا فلأن القطع في كل مسألة شرعية متعذر بخلاف اتباع ~~الأنبياء, والاعتقاد الثاني: أن الاستقراء دل على أن الشرع يتبع مصالح ~~العباد تفضلا وإحسانا. والظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ms370 ليس بمصلحة ~~مصلحة، لأنه يخطئ ويصيب فلا يعول عليه. والجواب أن ما قاله بعينه جار في ~~الفتوى والأمور الدنيوية، مع أن قول الواحد فيهما مقبول اتفاقا كما تقدم. ~~قال: "الطرف الثاني: في شروط العمل به وهو إما في المخبر أو المخبر عنه، أو ~~الخبر. أما الأول فصفات تغلب على الظن، وهي خمس: الأول: التكليف فإن عبر ~~المكلف لا يمنعه خشية الله تعالى قيل: يصح الاقتداء بالصبي اعتمادا على ~~خبره بطهر. قلنا: لعدم توقف صحة صلاة المأموم على طهره, فإن تحمل ثم بلغ ~~وأدى قبل قياسا على الشهادة, وللإجماع على إحضار الصبيان الحديث. الثاني: ~~كونه من أهل القبلة فتقبل رواية الكافر الموافق كالمجسمة إن اعتقدوا حرمة ~~الكذب, فإنه يمنعه عنه, وقاسمه القاضيان بالفاسق والمخالف, ورد بالفرق". ~~أقول: العمل بخبر الواحد له شروط بعضها في المخبر -بكسر الباء- وهو الراوي, ~~وبعضها في المخبر عنه وهو مدلول الخبر، وبعضها في الخبر نفسه وهو اللفظ. ~~أما الأول وهي شروط المخبر فضابطها الإجمالي عبارة عن صفات تغلب على الظن ~~أن المخبر صادق وعند التفصيل ترجع إلى خمس صفات كما ذكرها المصنف, إلا أن ~~الخامسة منها إنما هي شرط على قول مرجوح، الوصف الأول: التكليف، فلا تقبل ~~رواية المجنون والصبي الذي لم يميز بالإجماع وكذا المميز عند الجمهور, فإن ~~غير المكلف لا يمنعه خشية من الله تعالى عن تعاطي الكذب لعلمه بأنه غير ~~معاقب، وهو في الحقيقة أكثر جراءة من الفاسق. واستدل الخصم بأنه لو لم يقبل ~~خبره لم يصح الاقتداء به في الصلاة اعتمادا على إخباره بأنه متطهر, لكنه ~~يصح فدل على قبول خبره. وأجاب المصنف بأن صحة الاقتداء ليست مستندة إلى ~~قبول إخباره بطهره، بل لكونها غير متوقفة على طهارة الإمام؛ لأن المأموم ~~متى لم يظن حدث الإمام صحت صلاته وإن تبين حدث الإمام، وأما الرواية فشرط ~~صحتها السماع. قوله: "فإن تحمل" يعني أن الصبي إذا تحمل ثم بلغ وأدى بعد ~~البلوغ ما تحمله قبله, فإنه يقبل لأمرين أحدهما: القياس على الشهادة. ~~الثاني: إجماع السلف ms371 على إحضار الصبيان مجالس الحديث، ولك أن تجيب عن الأول ~~بأن الرواية تقتضي شرعا عاما فاحتيط فيها بخلاف الشهادة، وعن الثاني بأن ~~الإحضار قد يكون للتبرك أو سهولة # PageV01P267 # الحفظ أو لاعتياد ملازمة الخبر. قوله: "الثاني" أي: الشرط الثاني من شروط ~~المخبر: أن يكون من أهل قبلتنا, فلا تقبل رواية الكافر المخالف عن القبلة، ~~وهو المخالف في الملة الإسلامية كاليهودي والنصراني إجماعا، فإن كان الكافر ~~يصلي لقبلتنا فكالمجسم وغيره, وإن قلنا بتكفيره ففيه خلاف. قال في المحصول: ~~الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته، وإلا فلا, وتبعه عليه المصنف، ~~واستدل عليه بأن اعتقاده حرمة الكذب يمنع من الإقدام عليه, فيغلب على الظن ~~صدقه؛ لأن المقتضى قد وجد، والأصل عدم المعارض، وقال القاضي أبو بكر ~~والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايته مطلقا قياسا على المسلم الفاسق والكافر ~~المخالف بجامع الفسق والكفر, ونقله الآمدي عن الأكثرين وجزم به ابن الحاجب، ~~والجواب أن الفرق بين هذا وبين الفاسق أن هذا لا يعلم فسق نفسه ويجتنب ~~الكذب لتدينه وخشيته بخلاف الفاسق، والفرق بينه وبين الكافر المخالف أن ~~الكافر المخالف خارج عن ملة الإسلام فلا تقبل روايته؛ لأن ذلك منصب شريف ~~يقتضي الإعزاز والإكرام. قال: "الثالث: العدالة وهي ملكة في النفس تمنعها ~~من اقتراف الكبائر والرذائل والمباحة، فلا تقبل رواية من أقدم على الفسق ~~عالما، وإن جهل قبل، قال القاضي أبو بكر: ضم جهل إلى فسق. قلنا: الفرق عدم ~~الجراءة، ومن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته؛ لأن الفسق مانع فلا بد من ~~تحقق عدمه كالصبى والكفر، والعدالة تعرف بالتزكية وفيها مسائل الأولى: شرط ~~العدد في الرواية والشهادة، ومنع القاضي فيهما، والحق الفرق كالأصل، ~~الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه: يذكر سبب الجرح، وقيل: سبب التعديل ~~وقيل: سببهما، وقال القاضي: لا فيهما. الثالثة: الجرح مقدم على التعديل؛ ~~لأن فيه زيادة. الرابعة: التزكية أن يحكم بشهادته، أو يثني عليه، أو يروي ~~عنه من لا يروي عن غير العدل أو يعمل بخبره". أقول: شرع في الوصف الثالث ms372 من ~~الأوصاف في المخبر وهو العدالة, والعدالة في اللغة عبارة عن التوسط في ~~الأمر من غير إفراط إلى طرفي الزيادة والنقصان، وفي الاصطلاح ملكة في النفس ~~أي: هيئة راسخة فيها تمنعها من ارتكاب الكبائر والرذائل المباحة. فأما ~~تمييز الكبائر من الصغائر ففيه كلام منتشر، ومحله كتب الفروع. وأما الرذائل ~~فأشار بها إلى المحافظة على المروءة، وهي أن يسير سيرة أمثاله في زمانه ~~ومكانه، فلو لبس الفقيه القباء أو الجندي الجبة والطيلسان ردت روايته ~~وشهادته، فأما إذا قيل: تعاطي الكبيرة الواحدة والرذيلة الواحدة قادح, ~~وتعبيره بالرذائل والكبائر يدفعه، وأيضا فإن الإصرار على الصغائر كذلك، ولا ~~ذكر له في الحد، وكذلك المرة من صغائر الخسة كالتطفيف بالحبة كما ذكره في ~~المحصول. قلنا: أما الأول فجوابه أن الملكة إذا قويت على دفع الجملة فلأن ~~تقوى على بعضها أولى، وأما الثاني فجوابه ما قاله الغزالي في الإحياء في ~~كتاب التوبة أن الصغيرة بالإصرار تصير كبيرة، وأما الثالث فلأن القول ~~بتأثير المرة من الرذائل المباحة يؤخذ منه تأثير المرة من الرذائل المحرمة ~~بطريق الأولى، نعم يرد # PageV01P268 # عليه أن المروءة ليست وصفا معتبرا في العدالة بل في قبول الشهادة ~~والرواية. فإن العدالة ضد الفسق. قوله: "فلا تقبل" يعني أنه لما تقرر أن ~~عدالة الراوي شرط فلا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالما بكونه فسقا ~~للإجماع، ولقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق} [الحجرات: 6] الآية, فإن كان ~~الفاسق قد جهل أن ما أتى به فسق, نفى قبول قوله. مذهبان حكاهما ابن الحاجب ~~من غير ترجيح والتفسيق بالشيء مع الجهل بكونه فسقا يتصور في المخالفين في ~~الأصول كالخوارج ونفاة الصفات. فإن الجهل في ذلك ليس عذرا، وإلا لزم ذلك في ~~حق اليهود والنصارى, وأما من وطئ أجنبية جاهلا بالحال ونحوه فليس ما نحن ~~فيه, وكذلك من شرب النبيذ مثلا لاعتقاده الإباحة؛ لأنه ليس فاسقا قطعا كما ~~قاله ابن الحاجب, وإن كان بعض الشافعية خالف في قبول قوله, إذا علمت ذلك ~~فأحد المذهبين وهو رأي القاضي، واختاره الآمدي أنه لا ms373 يقبل قوله. والثاني: ~~يقبل ونص عليه الشافعي فقال: وأقبل رواية أهل الأهواء الخطابية من الرافضة؛ ~~لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، واختاره الإمام وأتباعه، قال: إلا أن ~~يكون قد ظهر عناده فلا يقبل قوله؛ لأن العناد كذب، ولم يستدل المصنف على ما ~~اختاره هنا؛ لأن الدليل الذي قدمه في الكافر الموافق وهو رجحان الصدق بعينه ~~دليل في الفاسق, لكن اشتراط العدالة مع قبول الفاسق متنافيان، ولهذا فإن ~~المصنف لما كان من مذهبه قبول رواية الكافر الموافق، لم يشترط الإسلام بل ~~اشترط كونه من أهل القبلة. قوله: "قال القاضي" أي: احتج القاضي على عدم ~~القبول بأن المانع من قبول الفاسق العالم بفسق نفسه إنما هو الفسق, وهو ~~محقق هنا مع زيادة أخرى قبيحة وهي الجهل، وفرق المصنف بأن الإقدام على ~~الفسق مع العلم به يدل على الجراءة وقلة المبالاة بالمعصية، فيغلب على الظن ~~عدم صدقه بخلاف الجاهل. قال ابن الحاجب: ولا يصير الراوي مجروحا بالحد في ~~شهادة الزنا لعدم النصاب ولا بالتدليس على الأصح كقول من لحق الزهري, قال ~~الزهري موهما أنه سمع منه. قوله: "ومن لا تعرف" يعني أن الشخص إذا علمنا ~~بلوغه وإسلامه وجهلنا عدالته فإن روايته لا تقبل, كما نقله الإمام وغيره عن ~~الشافعي، واختاره هو والآمدي وأتباعهما، وقال أبو حنيفة: تقبل, وإلى هذه ~~المسألة أشار المصنف بقوله: ومن لا تعرف عدالته, لكن فيه حذف, فإن الفاسق ~~داخل في هذه العبارة لكونه غير معروف العدالة أيضا، والتقدير: ومن لا تعرف ~~عدالته ولا فسقه وإنما حذفه لتقديم ذكره، ودليلنا أن الفسق مانع من القبول ~~إجماعا, فلا بد من تحقق عدمه أي: تحقق ظن عدمه قياسا على الكفر والصبى ~~والجامع دفع احتمال المفسدة. قوله: "العدالة تعرف بالتزكية" كما تقدم أن من ~~لا تعرف عدالته لا تقبل روايته، وشرع في بيان طريق معرفة العدالة وهو أمران ~~أحدهما: الاختبار والثاني: التزكية، قال في المحصول: والمقصود الآن إنما هو ~~بيان الثاني وهو التزكية؛ فلذلك اقتصر المصنف عليه، وذكر فيه أربع مسائل ~~الأولى: في بيان ms374 اشتراط # PageV01P269 # العدد في التزكية. والثاني وهو رأي القاضي: أنه يشترط مطلقا بل يكتفي ~~واحد لأنها خبر، والثالث: الفرق, فيشترط العدد في تزكية الشاهد دون الراوي ~~ورجحه الإمام وأتباعه، وكذا الآمدي ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين؛ لأن ~~الشهادة لا تثبت بواحد فكذلك ما هو شرط فيها بخلاف الرواية، وإليه أشار ~~بقوله: كالأصل، ويؤخذ من هذا التعليل قبول تزكية المرأة والعبد في الرواية ~~دون الشهادة، وصح به الإمام وغيره، وهذه المذاهب تجري أيضا في الجرح كما ~~أشار إليه الإمام وصرح به ابن الحاجب وغيره. المسألة الثانية: قال الشافعي ~~-رضي الله عنه: يجب ذكر سبب الجرح دون سبب التعديل؛ لأن الجرح يحصل بخصلة ~~واحدة فيسهل ذكرها بخلاف التعديل، ولأنه قد يظن ما ليس بجارح جارحا، وقال ~~قوم بالعكس؛ لأن العدالة يكثر التصنع فيها فيتسارع الناس إلى الثناء على ~~الظاهر بخلاف الجرح، وقال قوم: لا بد من بيان سببهما للمعنيين المتقدمين، ~~وقال قوم: لا يجب فيهما؛ لأن المزكي إن كان بصيرا قبل جرحه وتعديله وإلا ~~فلا، واختاره الآمدي ونقله هو والإمام وأتباعهما عن القاضي أبي بكر وتبعهما ~~المصنف، ونقل إمام الحرمين عنه في البرهان أنه يجب ذكر سبب التعديل دون ~~الجرح كالمذهب الثاني، وكذلك نقله الغزالي في المنخول، ولكنه خالفه في ~~المستصفى ولعله اشتبه عليه فقلده فيه هؤلاء، وقال إمام الحرمين: الحق أنه ~~إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا، وهذا ~~المذهب اختاره الغزالي والإمام وأتباعه إلا المصنف ولم يرجح ابن الحاجب ~~شيئا. المسألة الثالثة: إذا عدله قوم وجرحه قوم, فإنه يقدم الجرح لأن فيه ~~زيادة لم يطلع عليها المعدل، وقيل: يتعارضان فلا يرجح أحدهما إلا بمرجح, ~~حكاه ابن الحاجب، وقيل: يقدم التعديل إذا زاد المعدلون على الجارحين حكاه ~~في المحصول. وعلى الأول إذا عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق متغير كما ~~إذا قال: قتل فلانا ظلما وقت كذا فقال المعدل: رأيته حيا بعد ذلك أو كان ~~القاتل في ذلك الوقت عندي، فإنهما يتعارضان ويعرف ذلك من تعليل المصنف؛ ms375 ~~فلهذا لم يستثنه. المسألة الرابعة: فيما يحصل به التزكية، وهو أربعة أمور, ~~أحدها وهو أعلاها كما قال في المحصول: أن يحكم بشهادته، إلا أن يكون الحاكم ~~ممن يرى قبول الفاسق الذي عرف منه أنه لا يكذب. الثاني: أنه يثني عليه بأن ~~يقول: هو عدل أو مقبول الشهادة أو الرواية. الثالث: أن يروي عنه من لا يروي ~~إلا عن العدل، وقيل: الرواية تعديل مطلقا, وقيل: ليست بتعديل مطلقا كما أن ~~ترك العمل بروايته ليس بجرح, والأول هو المختار عند ابن الحاجب والآمدي ~~وغيرهما. الرابع: أن يعمل بخبره فإن أمكن حمله على الاحتياط أو على العمل ~~بمقابل آخر وافق الخبر, فليس بتعديل كما قاله في المحصول1 والشرط في الذي ~~يزكي أن يكون عدلا وتركه PageV01P270 # المصنف لوضوحه. قال: "الرابع: الضبط وعدم المساهلة في الحديث, وشرط أبو ~~علي العدد, ورد بقبول الصحابة خبر الواحد, قال: طلبوا العدد قلنا: عند ~~التهمة. الخامس: شرط أبو حنيفة -رضي الله عنه- فقه الراوي إن خالف القياس, ~~ورد بأن العدالة تقلب ظن الصدق فيكفي". أقول: لما فرغ من المسائل الأربع ~~الواقعة في الوصف الثالث من الأوصاف المعتبرة في المخبر، رجع إلى الوصف ~~الرابع وهو الأمن من الخطأ, ويحصل بشيئين أحدهما: الضبط فإن كان الشخص لا ~~يقدر على الحفظ أو يقدر عليه ولكن يعرض له السهو غالبا فلا تقبل روايته, ~~وإن كان عدلا؛ لأنه قدم على الرواية ظانا أنه ضبطها وماسها، والأمر بخلافه. ~~الثاني: عدم التساهل, فإن تساهل فيه بأن كان يروي وهو غير واثق به مثلا ~~رددناه, وهذا الشرط ذكره في المحصول بعد هذه المسألة ثم قال: فإن تساهل في ~~غير الحديث واحتاط في الحديث قبلنا روايته على الرأي الأظهر؛ فلذلك قيده ~~المصنف بقوله: في الحديث. قوله: "وشرط أبو علي العدد" أي: فلم يقبل في ~~الزنا إلا خبر أربعة ولم يقبل في غيره إلا خبر اثنين، ثم لا يقبل خبر كل ~~واحد منهما إلا برجلين آخرين, إلى أن ينتهي إلى زماننا كما نقله عنه ~~الغزالي في المستصفى ومنع خبر العدل ms376 الواحد. قال في المحصول: إلا إذا عضده ~~ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو اجتهاد, أو يكون منتشرا, ورده المصنف بقبول ~~الصحابة خبر الواحد من غير إنكار كقبولهم خبر عائشة في التقاء الختانين ~~وخبر الصديق في قوله -عليه الصلاة والسلام: "الأنبياء يدفنون حيث يموتون"، ~~وفي قوله: "الأئمة من قريش" وفي قوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ~~ورجوعهم إلى كتابه في معرفة نصب الزكوات, وكقبول عمر من عبد الرحمن بن عوف ~~-رضي الله عنهما- في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب, ونظائره كثيرة واستدل ~~الجبائي بأن الصحابة طلبوا العدد في وقائع كثيرة ولم يقتصروا على خبر ~~الواحد, فمنها أن أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة في توريث الجدة إلى أن ~~أخبره بذلك محمد بن مسلمة, ومنها أن أبا بكر وعمر لم يقبلا خبر عثمان -رضي ~~الله عنهم- فيما رواه من إذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رد الحكم ~~بن أبي العاص وطالباه بمن يشهد معه، ومنها أن عمر رد خبر أبي موسى في ~~الاستئذان وهو قوله: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا ~~استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له, فلينصرف" 1 حتى رواه معه أبو ~~سعيد الخدري، إلى غير ذلك من الوقائع، والجواب أنهم إنما طلبوا العدد عند ~~التهمة والريبة في صحة الرواية؛ لنسيان أو غيره، وهذا هو الجمع بين قبولهم ~~تارة وردهم أخرى. قوله: "الخامس" أي: الوصف الخامس فقه الراوي، وهذا الوصف ~~شرطه أبو حنيفة إذا كان الخبر مخالفا للقياس؛ لأن العمل بخبر الواحد على ~~خلاف الدليل، خالفناه إذا كان الراوي فقيها لحصول الوثوق بقوله, فيبقى فيما ~~عداه PageV01P271 # على الأصل، ورد ذلك بأن عدالة الراوي تغلب على الظن صدقه، والعمل بالظن ~~واجب. "فروع" من المحصول أحدها: لا يتوقف الأخذ بالحديث على انتفاء الغرابة ~~المقتضية لرد الشهادة، ولا على معرفة نسب الراوي، وعلمه بالعربية أو كونه ~~عربيا أو ذكرا أو بصيرا. الثاني: إذا أكثر من الروايات قلة مخالطته لأهل ~~الحديث، فإن أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان قبلت، وإلا ms377 فلا. الثالث: ~~إذا لم يعرف نسبه وكان له اسمان وهو بأحدهما أشهر، جازت الرواية عنه، فإن ~~كنت مترددا بينهما وهو بأحدهما مجروح والآخر معدل فلا. الرابع: زعم أكثر ~~الحنفية أن الأصل إذا رد الحديث سقط الاستدلال به مطلقا، والمختار أنه إن ~~كان قول الفرع أقوى في الإثبات من قول الأصل، كما إذا كان الفرع جازما، ~~والأصل غير جازم, فإنه يقبل سواء استوى الاحتمالان اللذان عند الأصل أم لا، ~~وإن كان الأقوى هو كلام الأصل، أو كانا سواء فالأمر كما قالوا. قال: "وأما ~~الثاني فإن لا يخالفه قاطع ولا يقبل التأويل، ولا يضره مخالفة القياس، وما ~~لم يكن قطعي المقدمات، بل يقدم لقلة مقدماته, وحمل الأكثر والراوي". أقول: ~~لما تقدم في أول الفصل أن العمل بخبر الواحد له شروط بعضها في المخبر ~~وبعضها في المخبر عنه وبعضها في الخبر، وذكر شرط الأول وهو المعتبر, شرع ~~الآن في شرط الثاني وهو المخبر عنه، وحاصله أن خبر الواحد لا يجوز التمسك ~~به إذا عارضه دليل قاطع أي: دليل لا يحتمل التأويل بوجه, سواء كان نقليا أو ~~عقليا لانعقاد الإجماع على تقديم المقطوع به على المظنون، اللهم إلا إذا ~~كان الخبر قابلا للتأويل, فإنا نؤوله جمعا بين الأدلة وإليه أشار بقوله: ~~ولا يقبل التأويل وهو جملة خالية من المفعول، وهو الهاء في: يخالفه ويقع في ~~بعض النسخ إسقاط الواو، ومع ذلك فالجملة عائدة إلى المفعول أيضا، فإنه ~~الصواب الموافق لتقرير أصليه وهما: الحاصل والمحصول. قوله: "ولا يضره" أي: ~~لا يضر خبر الواحد مخالفته لثلاثة أمور، الأول: القياس وتقريره أنه إذا ~~تعارض القياس وخبر الواحد فإن أمكن تخصيص الخبر بالقياس فقد تقدم في العموم ~~أنه يجوز، وإن أمكن العكس فسيأتي في القياس أنه يجوز أيضا، وإن تنافيا من ~~كل وجه نظرنا في مقدمات القياس، وهي ثبوت حكم الأصل, وكونه معللا بالعلة ~~الفلانية، وحصول تلك العلة في الفرع وانتفاء المانع، فإن كانت ثابتة بدليل ~~قطعي قدمنا القياس على خبر الواحد، ولم يستدل عليه المصنف لوضوحه, وإن ms378 لم ~~تكن قطعية بأن كانت هي أو بعضها ظنية فإنه يقدم خبر الواحد على الصحيح, ونص ~~عليه الشافعي في مواضع ونقله عنه الإمام, وقال مالك: يقدم القياس، وقال ~~القاضي بالوقف وهذا الخلاف خصصه في المحصول بما إذا كان البعض قطعيا والبعض ~~ظنيا وعممه بعضهم, ثم استدل المصنف على تقديم الخبر بأن مقدماته أقل من ~~مقدمات القياس؛ لأن الخبر يجتهد فيه في العدالة وكيفية الرواية، وأما ~~القياس ففي الأمور المتقدمة كلها وإذا كانت مقدماته أقل, كأن تطرق الخلل ~~إليه أقل # PageV01P272 # فقدم لامتيازه عليه بهذا، ومساواته له في الظن. قوله: "وعمل الأكثر" أشار ~~به إلى الأمر الثاني من الأمور الثلاثة المتقدمة، وهو مجرور عطفا على ~~القياس، أي: لا يضره مخالفة القياس ولا مخالفة عمل الأكثرين؛ لأن الأكثرين ~~ليسوا بحجة لكونهم بعض الأمة. قوله: "والراوي" أشار به إلى الأمر الثالث، ~~وهو أيضا مجرور عطفا على القياس أيضا، وحاصله: أن عمل الراوي على خلاف ما ~~رواه لا يكون قدحا في ذلك الحديث، كما نقله الإمام وغيره عن الشافعي ~~واختاره هو وأتباعه والآمدي، ونقل في المعالم عن الأكثرين أنه يقدح، وقد ~~تقدمت المسألة مبسوطة والاستدلال عليها في أثناء الخصوص. "فروع" حكاها في ~~المحصول أحدها: خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول, خلافا للحنفية. لنا ~~قبول الصحابة خبر عائشة -رضي الله عنها- في التقاء الختانين، ولأن الخصم قد ~~قبل أخبار الآحاد في القيء والرعاف والقهقهة في الصلاة ووجوب الوتر مع عموم ~~البلوى فيها. الثاني: قال الشافعي رضي الله عنه: لا يجب عرض خبر الواحد على ~~الكتاب، وقال عيسى بن أبان: يجب. الثالث مذهبنا: أن الأصل في الصحابة ~~العدالة إلا عند ظهور المعارض، وهذا الذي صححه نقله ابن الحاجب عن ~~الأكثرين، وأراد بالمعارض وقوع أحدهم في كبيرة, كما وقع لماعز من الزنا, ~~ولسارق رداء صفوان, وغيرهما. "فرعان" حكاهما ابن الحاجب: الصحابي من رآه ~~صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو عنه ولم تطل مدته, ولو قال عدل معاصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أنا صحابي, احتمل الخلاف. قال: ms379 "وأما الثالث ففيه ~~مسائل, الأولى: لألفاظ الصحابي سبع درجات, الأولى: حدثني ونحوه. الثانية: ~~قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لاحتمال التوسط. الثالثة: أمر لاحتمال ~~اعتقاد ما ليس بأمر أمرا والعموم والخصوص والدوام واللا دوام. الرابعة: ~~أمرنا وهو حجة عند الشافعي -رضي الله عنه؛ لأن من طاوع أميرا، إذا قاله فهم ~~منه أمره, ولأن غرضه بيان الشرع. الخامسة: من السنة. السادسة: عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- وقيل: للتوسط. السابعة: كنا نفعل في عهده". أقول: لما ~~تقدم في أول الفصل أن خبر الواحد له شروط, بعضها في المخبر وبعضها في ~~المخبر عنه وبعضها في الخبر، وتقدم ذكر القسمين الأولين، شرع في الثالث وهو ~~الخبر, فذكر فيه خمس مسائل, الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتبها، وإلى ~~النوعين أشار بقوله: سبع درجات, الدرجة الأولى: أن يقول: حدثني رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أو شافهني، أو أنبأني، أو أخبرني, أو سمعته يقول، ~~ونحو ذلك. الثانية: أن يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما ~~كانت دون الأولى لاحتمال أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~واسطة، لكنه لما كان الظاهر إنما هو المشافهة قلنا: إنه حجة. فقوله: ~~لاحتمال التوسط تعليل لكونه أحط درجة مما قبله. واعتبر القاضي أبو بكر هذا ~~الاحتمال فقال: إن الصحابة كلهم عدول قلنا: إنه حجة وإلا فلا. الثانية: أن ~~يقول: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عن كذا، وإنما كانت دون ~~الثانية لاشتراكها معها في احتمال التوسط، واختصاصها باحتمال اعتقاد ما ليس ~~بأمر أمرا، وأيضا فليس فيه لفظ يدل على أنه أمر الكل، أو البعض دائما, أو ~~غير دائم, # PageV01P273 # فربما اعتقد شيئا ليس مطابقا, فقوله: لاحتمال كذا تعليل لكونه دون ~~الثانية في الدرجة. ولأجل هذا الاحتمال توقف الإمام في المسألة وضعف صاحب ~~الحاصل كونه حجة، ولما كان الظاهر من حال الراوي أنه لا يطلق هذا اللفظ إلا ~~إذا تيقن المراد، ذهب الأكثرون إلى أنه حجة كما نقله الآمدي واختاره. قال ~~الإمام: ولا بد أن يضم إليه قوله ms380 -عليه الصلاة والسلام: "حكمي على الواحد ~~حكمي على الجماعة". الرابعة: أن يبني الصيغة للمفعول: أمرنا بكذا أو نهينا ~~عن كذا أو أوجب أو حرم, وهي حجة عند الشافعي والأكثرين واختاره الآمدي ~~وأتباعه لأمرين, أحدهما: أن من طاوع أميرا إذا قال: أمرنا بكذا فهم منه أمر ~~ذلك الأمير. الثاني: أن غرض الصحابي بيان الشرع فيحمل على من تصدر منه ~~الشرع دون الخلفاء, ولولاه حينئذ فلا يجوز أن يكون صادرا من الله تعالى؛ ~~لأن أمره ظاهر لكل أحد لا يتوقف على أخبار الصحابي, ولا صادرا عن الإجماع؛ ~~لأن الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه فتعين كونه من الأخبار وهو المدعي، ~~وإنما كانت هذه الدرجة دون ما قبلها لمساواتها لها في الاحتمالات السابقة ~~مع زيادة ما قلناه. الخامسة: أن يقول من السنة فيجب حمله على سنة الرسول ~~-صلى الله عليه وسلم- ويحتج به كما اختاره الإمام والآمدي وأتباعهما ~~للدليلين السابقين وهما: المطاوعة وتبيين الشرع. وقد نص عليه الشافعي في ~~الأم فقال: باب في عدد كفن الميت بعد ذكر ابن عباس والضحاك ما نصه، قال ~~الشافعي: وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يقولان السنة إلا لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، هذا لفظه ~~بحروفه, وذكر بعده بقليل مثله, ورأيت في شرح مختصر المزني للداودي في كتاب ~~الجنايات عكس ذلك فقال في باب أسنان إبل: الخطأ أن الشافعي في القديم كان ~~يرى أن ذلك مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي, ثم رجع عنه؛ لأنهم قد ~~يطلقونه، يريدون به سنة البلد والنقل. والأول أرجح لكونه منصوصا عليه في ~~القديم والجديد معا, وهذه الدرجة دون ما قبلها لكثرة استعمالالسنة في ~~الطريقة. الدرجة السادسة ولم يذكرها الآمدي ولا ابن الحاجب: أن يقول عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي حمله على التوسط مذهبان في المحصول والحاصل ~~من غير ترجيح, أصحهما عند المصنف: حمله على السماع وصححه ابن الصلاح وغيره ~~من المحدثين. وهذه المرتبة دون ما قبلهالكثرة استعمالها في التوسط. ms381 ~~السابعة: أن يقول: كنا نفعل في عهده -عليه الصلاة والسلام- فهوحجة على ~~الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما. ثم اختلفوا في المدرك فعلله الإمام ~~وأتباعه بأن غرض الراوي بيان الشرع وذلك يتوقف على علم النبي صلى الله عليه ~~وسلم به وعدم إنكاره، وعلله الآمدي ومن تبعه بأن ذلك ظاهر في قول كل الأمة, ~~فألحقه الأولون بالسنة, والثاني بالإجماع، وينبني على المدركين ما أشار ~~إليه الغزالي في المستصفى وهو الاحتجاج به إذا كان القائل تابعيا. وكلام ~~المصنف يقتضي أن الاحتجاج به متوقف على تقييده بعهد الرسول # PageV01P274 # فيقول: كنا نفعل في عهده, وهو الذي جزم به ابن الصلاح1, لكنه خلاف طريقة ~~الإمام والآمدي, ولهذا مثلوه بقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه، ~~وهذه الدرجة دون ما قبلها للاحتمالات السابقة. قال في المحصول: وإذا قال ~~الصحابي قولا ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع تحسبا للظن به ~~وقد قدم الكلام على الصحابي. قال: "الثانية: لغير الصحابي أن يروي إذا سمع ~~من الشيخ أو قرأ عليه ويقول له: هل سمعت؟ فقال: نعم, أو أشار أو سكت وظن ~~إجابته عند المحدثين أو كتب الشيخ أو قال: سمعت ما في هذا الكتاب، أو يجيز ~~له". أقول: هذه المسألة معقودة لرواية غير الصحابي، وقد جعلها في المحصول ~~مشتملة على بيان مستندها وذكر مراتبها وكيفية ألفاظها. فأما المستند فقد ~~ذكره المصنف وهو سبعة أمور, أما بيان المراتب فقد أشار إليه بالترتيب, فقدم ~~في اللفظ ما صرح الإمام بتقديمه في المرتبة إلا الخامس, فإن الإمام جعله في ~~المرتبة الثالثة, وأما كيفية اللفظ فلم يتعرض له وسنذكره إن شاء الله تعالى ~~على ما ذكره في المحصول. المستند الأول من مستندات الرواية: أن يسمع الحديث ~~من لفظ الشيخ, ثم إن قصد إسماعه وحده أو مع غيره فله أن يقول: حدثني ~~وأخبرني, أو حدثنا وأخبرنا وإلا فلا يقولهما بل يقول: قال فلان كذا أو أخبر ~~أو أحدث أو سمعته يقول أو يحدث أو يخبر. الثاني: أن يقرأ على الشيخ ويقول ~~له بعد ms382 القراءة أو قبلها: هل سمعته؟ فيقول: نعم, أو الأمر كما قرئ علي ونحو ~~ذلك, فحينئذ فيجوز للراوي أن يقول هنا أيضا: حدثني أو أخبرني أو سمعته كما ~~قال في المحصول2. وإنما كان هذا النوع دون الأول لاحتمال الذهول والغفلة. ~~الثالث: أن يقرأ على الشيخ ويقول له: هل سمعته؟ فيشير الشيخ إما برأسه أو ~~بإصبعه إلى أنه قرأه, فيقوم ذلك مقام التصريح في الرواية ووجوب العمل إلا ~~أنه لا يقول: حدثني ولا أخبرني ولا سمعت كذا, قال في المحصول: وفيه نزاع ~~يأتي. الرابع: أن يقرأ عليه ويقول له: هل سمعته؟ فيسكت, وغلب على ظن القارئ ~~أن سكوته إجابة, واتفقوا إلا بعض أهل الظاهر على وجوب العمل بهذا, وعلى ~~جواز روايته بقوله: أخبرنا وحدثنا قراءة عليه. وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا ~~ونحو ذلك كسمعت فهي محل الخلاف الذي أشار إليه المصنف، تبعا للإمام كما ~~حرره الآمدي في الأحكام فافهمه. فقال المحدثون والفقهاء: يجوز وصححه ابن ~~الحاجب ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة. وقال المتكلمون: ~~لا يجوز, وصححه الآمدي تبعا للغزالي وإذا كان PageV01P275 # مذهب الشافعي الجواز في هذه الصورة, لزم منه الجواز فيما قبلها بطريق ~~الأولى. قال في المحصول: وهذا الخلاف يجري فيما لو قال القارئ للشيخ بعد ~~القراءة: أرويه عنك؟ فقال: نعم, وحكم قراءة غيره عليه كحكم قراءته في ~~الأحوال المذكورة كما قاله ابن الحاجب وغيره, واعلم أن تصوير هذه المسألة ~~مع الاستفهام مخالف لتصوير المحصول والحاصل, فإنهما صوراها بما إذا جزم ~~القارئ فقال: حدثك ولا شك أن السكوت على هذا لو لم يكن صحيحا لكان تقريرا ~~على الكذب, بخلاف السكوت عند الاستفهام, فلا يلزم من جواز الرواية هنا ~~جوازها هنا مع الاستفهام. الخامس, وقد تقدم أن الإمام جعله في المرتبة ~~الثالثة: أن يكتب الشيخ فيقول: حدثنا فلان ويذكر الحديث إلى آخره, فحكمه ~~الخطاب في العمل والرواية، إذا علم أو ظن أنه الخط؛ لأنه لا يقول: سمعته ~~ولا حدثني بل أخبرني قال الآمدي، ولا يرويه إلا بتسليط من الشيخ كقوله: ms383 ~~فاروه عني أو أجزت روايته. السادس: أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول: سمعت ما ~~في هذا الكتاب من فلان أو هذا مسموعي منه أو قرأته عليه, فيجوز للسامع أن ~~يرويه عنه سواء ناوله الكتاب أم لا, خلافا لبعض المحدثين, وسواء قال: اروه ~~عني أم لا, كما له أن يشهد على شهادته إذا سمعه يؤديها عند الحاكم، ويؤخذ ~~ذلك كله من إطلاق المصنف، ومقتضى كلام الآمدي اشتراط الإذن في الرواية. ~~وهذا الطريق يعرف بالمناولة فيقول الراوي: ناولني أو أخبرني أو حدثني ~~مناولة, وفي إطلاقها مذهبان, ولا يجوز له أن يروي عن غير تلك النسخة إلا ~~إذا أمن الاختلاف. السابع: أن يجيز الشيخ فيقول: أجزت لك أن تروي عني ما صح ~~من مسموعاتي أو مؤلفاتي أو كتاب كذا قال الآمدي: وقد اختلفوا في جواز ~~الرواية بالإجازة, فمنعه أبو حنيفة وأبو يوسف، وجوزه أصحاب الشافعي وأكثر ~~المحدثين، فعلى هذا يقول: أجاز لي فلان كذا وحدثني وأخبرني إجازة. قال: وفي ~~إطلاق حدثني وأخبرني مذهبان، الأظهر وعليه الأكثر أنه لا يجوز, وصححه ابن ~~الصلاح أيضا. ونقل عن الشافعي قولان في جواز الرواية بالإجازة, ومقتضى كلام ~~المصنف صحة الإجازة لجميع الأئمة الموجودين, أو لمن يوجد من نسل فلان، ~~وفيهما خلاف, رجح ابن الحاجب في الأولى أنه يجوز، ولم يرجح في الثانية شيئا ~~وصحح ابن الصلاح في الثانية أنه لا يجوز, ولم يصحح في الأولى شيئا، قال: ~~واختلفوا في جواز الإجازة للصبي الذي لم يميز وجواز الإجازة بما لم يتحمله ~~المجيز ليرويه المجاز, إن اتفق أن المجيز تحمل ثم صحح الجواز في الأولى ~~والمنع في الثانية. قال الآمدي: وإذا غلب على ظنه الرواية فيجوز له روايته ~~والعمل به عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد خلافا لأبي حنيفة. فإن قيل: أهمل ~~المصنف الوجادة, وهي أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها، فإنه يجب على ~~الواقف عليها أن يعمل بها إذا حصلت الثقة بقوله, وإن لم يكن له من الكاتب ~~رواية كما نقله ابن الصلاح عن الشافعي -رضي الله ms384 عنه- وصححه, قلنا: إنما ~~أهملها # PageV01P276 # لأنه تكلم في أسباب الرواية لا في أسباب العمل, وليس له أن يروي: هذا ~~حدثنا ولا أخبرنا مطلقا ولا مقيدا، قال ابن الصلاح: لكن يقول: وجدت أو قرأت ~~بخط فلان: حدثنا فلان، ويسوق السند والمتن. قال: "الثالثة: لا تقبل ~~المراسيل خلافا لأبي حنيفة ومالك -رضي الله عنهما، لنا أن عدالة الأصل لم ~~تعلم فلا تقبل, قيل: الرواية تعديل قلنا: قد يروي عن غير العدل قيل: إسناده ~~إلى الرسول يقتضي الصدق, قلنا: بل السماع قيل: الصحابة أرسلوا وقبلت, قلنا: ~~لظن السماع". أقول: لم يتعرض الإمام ولا أتباعه لتفسير المرسل، وهو في ~~اصطلاح جمهور المحدثين عبارة عن أن يترك التابعي ذكر الواسطة بينه وبين ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وسمي بذلك لكونه أرسل الحديث أي: أطلقه ولم يذكر من سمعه منه، فإن سقط قبل ~~الصحابي واحد فيسمى منقطعا, وإن كان أكثر فيسمى معضلا ومنقطعا، وأما في ~~اصطلاح الأصوليين فهو قول العدل الذي لم يلق النبي -صلى الله عليه وسلم: ~~قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هكذا فسره الآمدي، وذكر ابن الحاجب ~~وغيره نحوه أيضا وهو أعم من تفسير المحدثين، وقد اختلفوا في قبوله؛ فذهب ~~الشافعي -رضي الله عنه- إلى المنع منه إلا مسائل ستعرفها، واختاره الإمام ~~والمصنف ونقله ابن الصلاح عن جمهور المحدثين وذهب الجمهور من المعتزلة كما ~~قاله في المحصول إلى قبوله ونقله الآمدي عن الأئمة الثلاثة، واختاره حتى ~~بالغ بعضهم فجعله أقوى من المسند؛ لأنه إذا أسنده فقد وكل أمره إلى الناظر ~~ولم يلتزم صحته. وذهب ابن الحاجب إلى قبوله من أئمة النقل دون غيرهم, وذهب ~~عيسى بن أبان إلى قبول مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وأئمة ~~النقل مطلقا. قوله: "لنا" أي: الدليل على ردها: أن قبول الخبر مشروط بمعرفة ~~عدالة الراوي، كما تقدم بيانه وعدالة الأصل في المرسل لم تعلم؛ لأن معرفتها ~~فرع من معرفة اسمه, فإذا لم نعلمه تعين رده. تمسك الخصم بثلاثة أوجه؛ ~~الأولان اعتراض على ما قلناه، ms385 والثالث دليل على مدعاه, أحدها: أن رواية ~~العدل عن الأصل المسكوت عنه تعديل له؛ لأنه لو روى عمن ليس بعدل ولم يبين ~~حالهلكان ملبسا غاشا, قلنا: لا نسلم, فإن العدل قد يروي عن غير العدل أيضا؛ ~~ولهذا لو سئل الراوي عن عدالة الأصل لجاز أن يتوقف, قال في المحصول: وقد ~~يظن عدالته فيروي عنه وليس بعدل عند غيره. الثاني: أن إسناد الحديث المرسل ~~إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقتضي صدقه؛ لأن إسناد الكذب ينافي ~~العدالة, وإذا ثبت صدقه تعين قبوله. قلنا: لا نسلم أن إسناده يقتضي صدقه بل ~~إنما يقتضي أن يكون قد سمع غيره يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم, وذلك ~~الغير لا يعلم كذبه بل يعلم صدقه أو يجهل حاله. الثالث: أن الصحابة أرسلوا ~~أحاديث كثيرة أي: لم يصرحوا فيها بسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم, بل ~~قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأجمع الناس على قبولها. قلنا: إنما ~~قبلت لأنه يغلب على الظن أن الصحابي سمعها من النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~والعمل بالظن واجب. قال في المحصول: فإذا بين الصحابي بعد ذلك أنه كان ~~مرسلا وسمى الأصل الذي رواه عنه # PageV01P277 # وجب قبوله أيضا. قال: وليس في الحالتين دليل على العمل بالمرسل, وحاصل ~~هذا الجواب منع كون ذلك من المرسل, وأنه لا يقبل إذا تيقنا أن الصحابي لم ~~يسمعه كما أن مرسل غير الصحابي لا يقبل أيضا. وهذا موافق لكلامه أولا؛ فإنه ~~أطلق عدم قبول المرسل، ولم يفصل بين الصحابي وغيره فافهم ذلك كله واجتنب ~~غيره. واختلف المانعون من قبول مراسيل الصحابة، مع أن المروي عنه صحابي ~~مثله والصحابة عدول فقال بعضهم: لاحتمال روايته له عن التابعين، وقال ~~القرافي: لاحتمال روايته عن صحابي قام به مانع, كماعز وسارق رداء صفوان. ~~قال: "فرعان: الأول: المرسل، يقبل إذا تأكد بقول الصحابي أو فتوى أكثر أهل ~~العلم. الثاني: إن أرسل ثم أسند قبل, وقيل: لا؛ لأن إهماله يدل على الضعف". ~~أقول: المرسل إذا تأكد بشيء بحيث يغلب على الظن ms386 صدقه فإنه يقبل، ويحصل ذلك ~~بأمور، منها أن يكون من مراسيل الصحابة أو أسنده غير مرسله، وإن لم تقم ~~الحجة بإسناده لكونه ضعيفا كما صرح به في المحصول, أو أرسله راو آخر يروي ~~من غير شيوخ الأول, أو عضده قولصحابي, أو قول أكثر أهل العلم أو عرف من حال ~~الذي أرسله أنه لا يرسله إلا عمن يقبل قوله كمراسيل سعيد، وهذه الستة نص ~~عليها الشافعي، وممن نقلها عنه الآمدي وكذا الإمام، ما عدا الأول، وزاد ~~غيرهما على هذه الستة القياس أيضا. واقتصار المصنف على شيئين فقط لا معنى ~~له، ومخالف لأصليه: الحاصل والمحصول, فإن قيل: ما فائدة قبوله والأخذ به ~~إذا تأكد بقياس أو بمسند آخر صحيح, مع أن القياس والمسند كافيان في إثبات ~~الحكم؟ قلنا: فائدته في الترجيح عند تعارض الأحاديث, فإن أحد الحديثين ~~المقبولين يرجح على الآخر، إذا عضده قياس أو حديث آخر مقبول, وقد اعتقد ابن ~~الحاجب أن هذا السؤال لا جواب له وليس كذلك لما قلناه. قوله: "الثاني ... ~~إلخ" اعلم أن الراوي إذا أرسل حديثا مرة ثم أسند أخرى، أو وقفه على الصحابي ~~ثم رفعه, فلا إشكال في قبوله، وبه جزم الإمام وأتباعه. وأما إذا كان الراوي ~~من شأنه إرسال الأحاديث إذا رواها, فاتفق أن روى حديثا مسندا, ففي قبوله ~~مذهبان في المحصول والحاصل من غير ترجيح، وهذه هي مسألة الكتاب فافهم ذلك, ~~وأرجحهما عند المصنف قبوله لوجود شرطه, وعلى هذا قال الشافعي كما قال في ~~المحصول1: لا أقبل شيئا من حديثه إلا إذا قال فيه: حدثني أو سمعت, دون ~~غيرهما من الألفاظ الموهمة. وقال بعض المحدثين: لا يقبل إلا إذا قال: سمعت ~~خاصة. والمذهب الثاني: لا يقبل؛ لأن إهماله لاسم الرواة يدل على علمه ~~بضعفهم, إذ لو علم عدالتهم لصرح بهم، ولا شك أن تركه للراوي مع علمه بضعفه ~~خيانة وغش، فإنه إيقاع في العمل بما ليس صحيحا, وإذا كان خائنا لم تقبل ~~روايتهمطلقا، هذا حاصل ما قاله PageV01P278 # الإمام, وجوابه أن ترك الراوي قد يكون ms387 لنسيان اسمه أو لإيثار الاختصار، ~~وذكر في المحصول بعد هذه المسألة أن الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به ~~فهو كالمرسل، وذكر إمام الحرمين مثله فإنه قال: وقول الراوي: أخبرني رجل أو ~~عدل موثوق به من المرسل أيضا. قال: وكذلك كتب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- التي لم يسم حاملها. قال: "الرابعة: يجوز نقل الحديث بالمعنى خلافا ~~لابن سيرين, لنا أن الترجمة بالفارسية جائزة فبالعربية أولى. قيل: يؤدي إلى ~~طمس الحديث، قلنا: لما تطابقا لم يكن ذلك". أقول: اختلفوا في جواز نقل حديث ~~الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمعنى أي: بلفظ آخر غير لفظه, فجوزه ~~الأكثرون واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما ونص عليه الشافعي وممن نقله عنه ~~صاحب المحصول, وقال ابن سيرين وجماعة: لا يجوز، وغلط صاحب التحصيل في ~~اختصاره للمحصول, فعزاه للشافعي وحكى الآمدي وابن الحاجب قولا: إنه إن كان ~~اللفظ مرادفا جاز وإلا فلا, فإن جوزناه فشرطه أن يكون الفرع مساويا للأصل ~~في إفادة المعنى من غير زيادة ولا نقصان، وأن يكون مساويا في الجلاء ~~والخفاء؛ لأنه لو أبدل الجلي بالخفي أو عكسه لأحدث حكما لم يكن وهو التقديم ~~أو التأخير عند التعارض، لما ستعرفه في القياس أن الجلاء من جملة المرجحات، ~~وعلله في المحصول بأن الخطاب يقع بالمتشابه وبالمحكم لأسرار استأثر الله ~~تعالى بعلها فلا يجوز تغييرها, ومراعاة هذه الشروط موقوفة على العلم ~~بمدلولات الألفاظ, فإذا كان الشخص غير عالم بها فلا يجوز أن يروي بالمعنى، ~~وكلام الآمدي يقتضي إثبات خلاف فيه, فإنه نقل المنع عن الأكثرين. قوله: ~~"لنا" أي: الدليل على جواز الرواية بالمعنى أنه يجوز أن يترجم الأحاديث أي: ~~يشرحها بالفارسية أو غيرها لتعلم الأحكام فلأن يجوز بالعربية أولى؛ لأن ذلك ~~أقرب وأقل تفاوتا وفيه نظر؛ لأن الترجمة جوزت للضرورة وليس ذلك مما يتعلق ~~به اجتهاد واستنباط أحكام, بل هو من قبيل الإفتاء بخلاف الرواية بالمعنى, ~~والأولى الاستدلال بأن الصحابة كانوا ينقلون الواقعة الواحدة بألفاظ ~~مختلفة, وبأنهم ما كانوا يكتبون الأحاديث ولا يكررون عليها بل يروونها ms388 بعد ~~أزمان طويلة على حسب الحاجة وذلك موجب لنسيان اللفظ قطعا. احتج الخصم بأن ~~نقل الحديث بالمعنى يؤدي إلى طمسه أي: محو معناه واندراسه كما قال الجوهري ~~فيلزم أن لا يجوز, وبيانه: أن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى فغايته أن ~~يجتهد في طلب ألفاظ توافق ألفاظ الحديث في المعنى, والعلماء مختلفون في ~~معاني الألفاظ وفهم دقائقها, فيجوز أن يغفل عن بعض الدقائق وينقله بلفظ آخر ~~لا يدل على تلك الدقيقة, ثم يفرض ذلك في الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا, ~~وحينئذ فيكون التفاوت الأخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بينه وبين الأول ~~مناسبة. وأجاب المصنف بأن الكلام في نقله بلفظ مطابق له وعند تطابقاللفظين ~~لا يقع التفاوت قطعا. قال: "الخامسة: إذا زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت ~~الزيادة. وكذا إن اتحد وجاز الذهول على الآخرين ولم # PageV01P279 # بغير إعراب الباقي، وإن لم يجز الذهول لم تقبل, وإن غير الإعراب مثل: "في ~~كل أربعين شاة شاة" أو " نصف شاة" طلب الترجيح, فإن زاد مرة وحذف أخرى ~~فالاعتبار بكثرة المرات". أقول: إذا روى اثنان فصاعدا حديثا وانفرد أحدهم ~~بزيادة لم يروها الآخر، نظر فإن كان مجلس راوي الزيادة غير مجلس الممسك ~~عنها فلا إشكال في قبولها, وإن كان المجلس واحدا نظرنا في الذين لا يرون ~~الزيادة فإن كانوا عددا كثيرا لا يجوز في العادة ذهولهم عما ضبطه الواحد ~~رددناها, وإن جاز عليهم الذهول, فإن كانت الزيادة تغير إعراب الباقي كما ~~إذا روى: "في أربعين شاة شاة" وروى الآخر: "نصف شاة" فيتعارضان ويقدم ~~الراجح منهما؛ لأن أحدهما يروي ضد ما يرويه الآخر إذ الرفع ضد الجر, وإن لم ~~يتغير الإعراب قبلت خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الراوي عدل ثقة جازم بالرواية ~~فوجب قبولها كما لو انفرد بنقل حديث, ويحمل الحال على أن يكون الممسك عن ~~الزيادة قد دخل في أثناء المجلس, أو على أنه ممن يرى نقل بعض الحديث, أو ~~على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر ذلك الحديث في ذلك المجلس مرتين ولم ~~يحضر في ms389 مرة الزيادة، ومثال ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في: "زكاة الفطر ~~على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" 1 فإن التقييد بالمسلمين انفرد ~~به مالك؛ ولذلك لم يشترط أبو حنيفة الإسلام في العبد المخرج عنه, وسكت ~~المصنف عما إذا لم يعلم هل تعدد المجلس أواتخذ؟ قال في الأحكام: الحكم فيه ~~على ما ذكرناه عند الاتحاد وأولى بالقبول؛ نظرا إلى احتمال التعدد وهذا ~~التفصيل الذي ذكره في الكتاب اختاره الآمدي فقط, فإن ابن الحاجب لم يذكر ~~تغير الإعراب وصرح بعدم اشتراطه أبو عبد الله البصري كما نقله عنه الإمام ~~وغيره، وأما الإمام فشرط في القبول مع ما قلناه أن لا يكون الممسك عن ~~الزيادة أضبط من الراوي لها, وأن لا يصرح بنفيها, فإن صرح بنفيها فقال: إنه ~~-عليه الصلاة والسلام- وقف على قوله: "ذكر أو أنثى" ولم يأت بعده بكلام آخر ~~مع انتظاري له فإنهما يتعارضان. ونص الشافعي -رحمه الله- على قبول الزيادة ~~من غير تعرض لهذا الشرط, وممن نقله عنه كذلك إمام الحرمين في البرهان وفصل ~~بعضهم فقال: إن كان راوي الزيادة واحدا والساكت عنها أيضا واحدا قبلت، وإن ~~كان الساكت جماعة فلا. واختار الأنباري شارح البرهان أن الراوي إن اشتهر ~~بنقل الزيادات في وقائع فلا تقبل روايته؛ لأنه متهم وإن كان على سبيل ~~الشذوذ قبلت. قال ابن الحاجب: وإذا أسند الحديث وأرسلوه أو رفعه, ووقفوه أو ~~وصله وقطعوه, فحكمه حكم الزيادة في التفصيل السابق. قوله: "فإن زاد" يعني: ~~أن الراوي الواحد إذا زاد في الحديث مرة وحذف أخرى أي: والحال كما تقدم من ~~اتحاد المجلس والإعراب كما صرح به في المحصول, فالاعتبار بكثرة المرات؛ لأن ~~الأكثر أبعد عن السهو، إلا أن PageV01P280 # يقول الراوي: سهوت فيها ثم تذكرت, فتأخذ بالأقل, فإن تساويا أخذنا ~~بالزيادة كما قاله في المحصول؛ لأن السهو في نسيان ما سمع أكثر من إثبات ما ~~لم يسمع. "فرعان" أحدهما: إذا سمع خبرا فأراد نقل بعضه وحذف البعض, فإن لم ~~يكن المحذوف متعلقا بالمذكور كقوله -عليه الصلاة ms390 والسلام: "المؤمنون تتكافأ ~~دماؤهم, ويسعى بذمتهم أدناهم" 1 جاز الحذف كما نقله ابن الحاجب عن ~~الأكثرين. وقال الآمدي: إنه لا يعرف فيه خلاف، وإن كان متعلقا به بأن وقع ~~غاية أو سببا أو شرطا فلا يجوز, وذلك كنهيه عن بيع الطعام حتى يجوزه التجار ~~إلى رحالهم. ونقل إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي كلاما صريحا في منع ~~القسم الثاني وظاهرا في جواز الأول. الثاني: اختلفوا في الاحتجاج بالقراءة ~~الشاذة وهي التي لم تنقل بالتواتر؛ فاختار الآمدي وابن الحاجب أنه لا يحتج ~~بها، ونقله الآمدي عن الشافعي, وقال في البرهان: إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ ~~لأن الراوي لم ينقلها خبرا، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وخالف أبو حنيفة ~~فذهب إلى الاحتجاج بها وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن ~~مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". PageV01P281 ### | الكتاب الثالث: في الإجماع ### | الباب الأول: في بيان كونه حجة # قال: "الكتاب الثالث: في الإجماع, وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد ~~-صلى الله عليه وسلم- على أمر من الأمور، وفيه ثلاثة أبواب: الباب الأول: ~~في بيان كونه حجة, وفيه مسائل: الأولى: قيل: محال كاجتماع الناس في وقت ~~واحد على مأكول واحد, وأجيب بأن الدواعي مختلفة ثمة، وقيل: يتعذر عليه ~~لانتشارهم, وجواز خفاء واحد منهم وخموله وكذبه خوفا، أو رجوعه قبل فتوى ~~الآخر. وأجيب بأنه لا يتعذر في أيام الصحابة, فإنهم كانوا محصورين قليلين". ~~أقول: الإجماع يطلق في اللغة على العزم, قال الله تعالى: {فأجمعوا أمركم ~~وشركاءكم} [يونس:71] أي: أعزموا وعلى الاتفاق يقال: أجمعوا على كذا أي: ~~اتفقوا عليه, مأخوذا مما حكاه أبو علي الفارسي في الإيضاح أنه يقال: أجمعوا ~~بمعنى صاروا إذا جمع كقولهم: أبقل المكان وأثمر أي: صار ذا بقل وثمر, وفي ~~الاصطلاح ما ذكره المصنف، وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم على أمر من الأمور. فقوله: اتفاق جنس والمراد به الاشتراك في ~~الاعتقاد والقول أو الفعل أو ما في معناهما من التقرير والسكوت عند من ~~يقول: إن ms391 ذلك كاف في الإجماع. وقوله: أهل الحل والعقد أي: المجتهدين, فخرج ~~بذلك اتفاق العوام واتفاق بعض المجتهدين, فإنه ليس بإجماع. وقوله: من أمة ~~محمد, احترز به عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة فإنه ليس بإجماع أيضا ~~كما اقتضاه كلام الإمام وصرح به الآمدي هنا ونقله في اللمع عن الأكثرين. ~~وذهب أبو إسحاق الإسفرائيني وجماعة إلى أن إجماعهم قبل نسخ ملتهم حجة, وحكى ~~الآمدي هذا الخلاف في آخر الإجماع، واختار التوقف، وقوله: على أمر من ~~الأمور, شامل الشرعيات كحل البيع "واللغويات # PageV01P281 # ككون" الشرعيات كحله البيع، واللغويات ككون الفاء للتعقيب، وللعقليات ~~كحدوث العالم وللدنيويات كالآراء والحروب وتدبير أمور الرعية. فالأولان لا ~~نزاع فيهما، وأما الثالث فنازع فيه إمام الحرمين في البرهان فقال: ولا أثر ~~للإجماع في العقليات, فإن المتبع فيها الأدلة القاطعة, فإذا انتصبت لم ~~يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق, والمعروف الأول وبه جزم الإمام والآمدي. ~~وأما الرابع ففيه مذهبان شهيران أصحهما عند الإمام والآمدي وأتباعهما كابن ~~الحاجب: وجوب العمل فيه بالإجماع, ولقصد شمول الأربعة أردف المصنف الأمر ~~بالأمور, فإن الأمر المجموع على الأوامر مختص بالقول بخلاف المجموع على ~~الأمور, وذا وإن كان مجازا في الحد لكنه جائز عند فهم المراد كما نص عليه ~~الغزالي في مقدمة المستصفى وهذا الحد فيه نظر من وجوه أحدها: ما أورده ~~الآمدي وابن الحاجب وهو عدم تقييده بكون أهل الحل والعقد من عصر واحد ولا ~~بد منه. الثاني: أن هذا الحد منطبق على اتفاق الأمة في حياة النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- بدونه مع أنه قد تقدم من كلام المصنف في النسخ في الكلام ~~على أن الإجماع لا ينسخ, ولا ينسخ به أن الإجماع لا ينعقد في حياة النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- لأنه إن لم يوافقهم لم ينعقد؛ لكونه بعض الأمة وإن ~~وافقهم كان قوله هو الحجة لاستقلاله بإفادة الحكم. نعم الصواب انعقاد ~~الإجماع في الصورة التي ذكرناها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد شهد لأمته ~~بالعصمة كما سيأتي في الأدلة, بل لو شهد بذلك الواحد من أمته ms392 لكان قوله ~~وحده حجة قطعا ولم يتعرض الآمدي ولا ابن الحاجب لهذه المسألة. الثالث: ~~المحدود إنما هو الإجماع الاصطلاحي المتناول لقول المجتهد الواحد, إذا لم ~~يكن في العصر غيره, فإن الإمام وأتباعه صرحوا بكونه حجة وتعبير المصنف ~~بالاتفاق ينفيه, فإن الاتفاق إنما يكون من اثنين فصاعدا. نعم حكى الآمدي ~~وابن الحاجب في الاحتجاج به قولين من غير ترجيح, وإذا قلنا بالأول فتغير ~~اجتهاده, ففي الأخذ بالثاني نظر يحتاج إلى تأمل وكذلك لو حدث مجتهد آخر ~~وأداه اجتهاده إلى خلافه. واعلم أن البحث في الإجماع يقع في ثلاثة أمور في: ~~حجيته وأنواعه وشرائطه, فلذلك جعل المصنف هذا الكتاب مشتملا على ثلاثة ~~أبواب لبيان الأمور الثلاثة, وبدأ بالكلام على كونه حجة لكن الاحتجاج به ~~متوقف على بيان إمكانه وإمكان الاطلاع عليه, فلذلك قدم الكلام فيهما, ~~فقوله: قيل محال ... إلخ يعني أن بعضهم ذهب إلى أن الإجماع محال؛ لأن ~~اجتماع الجم الغفير والخلق الكثير على حكم واحد مع اختلاف قرائحهم, يمتنع ~~عادة كما يمتنع اجتماعهم في وقت واحد على مأكول واحد, وجوابه أن دواعي ~~الناس مختلفة ثمة أي: في المأكول لاختلافهم في الشهوة والمزاج والطبع؛ ~~فلذلك يمتنع اجتماعهم عليه بخلاف الحكم, فإنه تابع للدليل فلا يمتنع ~~اجتماعهم عليه لوجود دليل قاطع أو ظاهر. قوله: "وقيل: يتعذر" أي: ذهب بعضهم ~~إلى أن الإجماع ليس محالا, ولكنه يتعذر الوقوف عليه؛ لأن الوقوف عليه إنما ~~يمكن بعد معرفة أعيانهم, ومعرفة ما غلب على # PageV01P282 # ظنهم ومعرفة اجتماعهم عليه في وقت واحد, والوقوف على الثلاثة معتذر. أما ~~الأول فلانتشارهم شرقا وغربا, ولجواز خفاء واحد منهم بأن يكون أسيرا أو ~~محبوسا أو مطمورا أو منقطعا في جبل؛ ولأنه يجوز أن يكون فيهم من هو خامل ~~الذكر لا يعرف أنه من المجتهدين, وأما الثاني فلاحتمال أن بعضهم يكذب فيفتي ~~على خلاف اعتقاده؛ خوفا من سلطان جائر أو مجتهد ذي منصب أفتى بخلافه، وأما ~~الثالث فلاحتمال رجوع أحدهم قبل فتوى الآخر. ولأجل هذه الاحتمالات قال ~~الإمام أحمد -رضي الله عنه: من ms393 ادعى الإجماع فهو كاذب. وأجاب المصنف -رحمه ~~الله- بأن الوقوف عليه يتعذر في أيام الصحابة -رضوان الله عليهم- فإنهم ~~كانوا قليلين محصورين ومجتمعين في الحجاز، ومن خرج منهم بعد فتح البلاد ~~وكان معروفا في موضعه، وهذا الجواب ذكره الإمام فقال: والإنصاف أنه لا طريق ~~لنا إلى معرفته إلا في زمان الصحابة، وعلل بما قلناه. نعم ولو فرضنا حصول ~~الإجماع من غير الصحابة، فالأصح عند الإمام والآمدي وغيرهما أنه يكون حجة, ~~وقال أهل الظاهر: لا يحتج إلا بإجماع الصحابة وهو رواية لأحمد. قال: ~~"الثانية: أنه حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج, لنا وجوه: الأول: أنه ~~تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد, حيث قال: ~~{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} [النساء: 115] الآية فيكون ~~محرما فيجب اتباع سبيلهم, إذ لا مخرج عنهما. قيل: رتب الوعيد على الكل ~~قلنا: بل على كل واحد وإلا لما ذكر المخالفة قيل: الشرط في المعطوف عليه ~~شرط في المعطوف, قلنا: لا وإن سلم لم يضر؛ لأن الهدى دليل التوحيد والنبوة ~~قيل: لا يوجب تحريم كل ما غاير قلنا: يقتضي لجواز الاستثناء، قيل: السبيل ~~دليل المجمعين قلنا: حمله على الإجماع أولى لعمومه قيل: يجب اتباعهم فيما ~~ساروا به مؤمنين قلنا: حينئذ تكون المخالفة المشاقة قيل: يترك الاتباع ~~رأسا، قلنا: الترك غير سبيلهم, قيل: لا يجب اتباعهم في فعل المباح قلنا: ~~كاتباع الرسول -عليه الصلاة والسلام- قيل: المجمعون أثبتوا بالدليل قلنا: ~~خص النص فيه قيل: كل المؤمنين الموجودين إلى يوم القيامة قلنا: بل في كل ~~عصر؛ لأن المقصود العمل ولا عمل في القيامة". أقول: ذهب الجمهور إلى أن ~~الإجماع حجة يجب العمل به, خلافا للنظام والشيعة والخوارج, فإنه وإن نقل ~~عنهم ما يقتضي الموافقة لكنهم عند التحقيق مخالفون. أما النظام فإنه لم ~~يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين كما قلنا, بل قال كما نقله عنه الآمدي: إن ~~الإجماع هو كل قول يحتج به. وأما الشيعة فإنهم يقولون: إن الإجماع حجة لا ~~لكونه إجماعا بل لاشتماله على قول الإمام ms394 المعصوم وقوله: بانفراده عندهم ~~حجة كما سيأتي في كلام المصنف. وأما الخوارج فقالوا كما نقله القرافي في ~~الملخص: إن إجماع الصحابة حجة قبل حدوث الفرقة, وأما بعدها فقالوا: الحجة ~~في إجماع طائفتهم لا غير؛ لأن العبرة بقول المؤمنين ولا مؤمن عندهم إلا من ~~كان على مذهبهم. وكلام المصنف تبعا للإمام يقتضي أن النظام يسلم إمكان ~~الإجماع # PageV01P283 # وإنما يخالف في حجيته, والمذكور في الأوسط لابن برهان ومختصر ابن الحاجب ~~وغيرهما أنه يقول باستحالته. قوله: "لنا" أي: الدليل على كونه حجة من ثلاثة ~~أوجه, الأول وقد تمسك به الشافعي في الرسالة: قوله تعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ووجه الدلالة أن الله تعالى جمع بين ~~مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال: {نوله ما تولى ~~ونصله جهنم} فيلزم أنيكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما؛ لأنه لو لم يكن ~~حراما لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو المشاقة في الوعيد, فإنه لا يحسن ~~الجمع بين حرام وحلال في وعيد بأن تقول مثلا: إن زنيت وشربت الماء عاقبتك، ~~وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم؛ لأنه لا مخرج عنهما أي: لا ~~واسطة بينهما، ويلزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع حجة؛ لأن سبيل الشخص ~~هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد. قوله: "قيل: رتب الوعيد ... ~~إلخ" أي: اعترض الخصم بتسعة أوجه, أحدها: أن الله تعالى رتب الوعيد على ~~الكل أي: على المجموع المركب من المشاقة, واتباع غير سبيل المؤمنين, فيكون ~~المجموع هو المحرم، ولا يلزم من تحريم المجموع تحريم كل واحد من أجزائه ~~كتحريم الأختين. والجواب: أنا لا نسلم أنه رتب الوعيد على الكل بل على كل ~~واحد, إذ لو لم يكن مرتبا على كل واحد لكان ذكر مخالفة المؤمنين يعني: ~~اتباع غير سبيلهم لغوا لا فائدة له؛ لأن المشاقة مستقلة في ترتب الوعيد ~~وكلام الله سبحانه وتعالى يصان عن اللغو، وهذا ms395 الجواب ليس في المحصول، ولا ~~في الحاصل وهو أولى مما قالاه. الثاني: سلمنا أن الوعيد مرتب على كل واحد ~~منهما, لكن لانسلم تحريم اتباع غير سبيلهم مطلقا بل بشرط تبين الهدى، فإن ~~تبين الهدى شرط في المعطوف عليه، لقوله تعالى: {من بعد ما تبين له الهدى} ~~والشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف؛ لكونه في حكمه، والهدى عام ~~لاقترانه بال فيكون حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين متوقفة على تبين جميع ~~أنواع الهدى، ومن جملة أنواع الهدى دليل الحكم الذي أجمعوا عليه وإذا تبين ~~استغني به عن الإجماع، فلا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة. وأجاب المصنف -رحمه ~~الله- بوجهين أحدهما: لا نسلم أن كل ما كان شرطا في المعطوف عليه يكون شرطا ~~في المعطوف, بل العطف إنما يقتضي التشريك في مقتضى العامل إعرابا ومدلولا ~~كما تقدم غير مرة. الثاني: سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف ~~لكن لا يضرنا ذلك, فإنه لا نزاع في أن الهدى المشروط في تحريم المشاقة إنما ~~هو دليل التوحيد والنبوة لا أدلة الأحكام الفرعية، فيكون هذا الهدى شرطا في ~~اتباع غير سبيل المؤمنين, ونحن نسلمه. الاعتراض الثالث: سلمنا أن قوله ~~تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} يوجب تحريم المخالفة، لكن لفظ {غير} و ~~{سبيل} مفردان, والمفرد لا عموم له فلا يوجب ذلك تحريم كل ما غاير سبيلهم، ~~بل يصدق # PageV01P284 # بصورة وهو الكفر ونحوه مما لا خلاف فيه. والجواب: أنه يقتضي العموم لما ~~فيه من الإضافة ويدل عليه أنه يصح الاستثناء منه فيقال: إلا سبيل كذا ~~والاستثناء معيار العموم. واعلم أن إضافة {غير} ليست للتعريف على المشهور, ~~وفي التعميم بمثلها نظر يحتاج إلى تأمل، فقد يقال: إن هذه الإضافة لا ~~تقتضيه، ويكون العموم تابعا للتعريف كما كان الإطلاق تابعا للتنكير، وكما ~~لو زيدت لام التعريف في الجمع من الجموع, فإنها لا تقتضي التعميم لعدم ~~التعريف. الرابع: لا نسلم أن السبيل هو قول أهل الإجماع بل دليل الإجماع، ~~وبيانه: أن السبيل لغة هو الطريق الذي يمشى فيه, وقد تعذرت ms396 إرادته هنا ~~فتعين الحمل على المجاز، وهو إما قول أهل الإجماع, أو الدليل الذي لأجله ~~أجمعوا، والثاني أولى لقدم العلاقة بينه وبين الطريق، وهو كون كل واحد ~~منهما موصلا إلى المقصد. وأجاب المصنف بأن السبيل أيضا يطلق على الإجماع؛ ~~لأن أهل اللغة يطلقونه على ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل, ومنه ~~قوله تعالى: {قل هذه سبيلي} [يوسف: 108] وإذا كان كذلك فحمله على الإجماع ~~أولى لعموم فائدته, فإن الإجماع يعمل به المجتهد والمقلد، وأما الدليل فلا ~~يعمل به سوى المجتهد، وهذا الجواب ذكره صاحب الحاصل فتبعه المصنف، وهو أحسن ~~مما قاله الإمام. وفي كثير من النسخ التي اعتمد عليها جمع من الشارحين, ~~جواب غير هذا وهو أنه يلزم منه أن تكون مخالفة سبيل المؤمنين هي المشاقة؛ ~~لأن دليل الإجماع هو الكتاب والسنة, وهذا الجواب سيأتي في كلام المصنف ~~جوابا عن سؤال آخر, لكن على تقدير آخر, فسقط ذلك السؤال مع جواب السؤال ~~الذي نحن الآن فيه. الخامس: لا نسلم أنه يجب اتباع سبيل المؤمنين في كل ~~شيء, بل في السبيل الذي صاروا به مؤمنين، ويدل عليه أن الآية الكريمة نزلت ~~في رجل ارتد ولأنه إذا قيل: لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من ~~ترك الأسباب التي بها صاروا صالحين دون غيرها، كالأكل والشرب، وأجاب المصنف ~~بأنه يلزم حينئذ أن تكون مخالفة سبيل المؤمنين هي المشاقة فإنه لا معنى ~~لمشاقة الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلا ترك الإيمان، وسمي بذلك لأنه في ~~شق أي: في جانب، والرسول صلى الله عليه وسلم في جانب آخر. فلو حمل على هذا ~~للزم التكرار. السادس: سلمنا تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين, لكن لا نسلم ~~وجوب اتباع سبيلهم، وقولهم: إنه لا مخرج عنها ممنوع, فإن بينهما واسطة وهي ~~أن يترك الاتباع أصلا ورأسا، فلا يتبع سبيل المؤمنين ولا سبيل غيرهم، ~~والجواب: أن ترك الاتباع بالكلية غير سبيلهم أيضا فمن اختاره لنفسه قفد ~~اتبع غير سبيلهم، وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل وفيه نظر؛ ms397 ~~فإن اتباع الغير هو إثباته بمثل فعله لكونه أتى به, فمن ترك اتباع سبيل ~~المؤمنين لأجل أن غير المؤمنين تركوه كان متبعا غير سبيل المؤمنين, وأما عن ~~تركه لعدم الدليل على اتباع المؤمنين فلا يكون متبعا لأحد، وحينئذ فلا يدخل ~~تحت الوعيد، وأجاب الإمام بجواب آخر وهو # PageV01P285 # أن قول القائل: لا تتبع غير سبيل الصالحين لا يفهم منه في العرف سوى ~~الأمر باتباع سبيل الصالحين حتى لو قال: لا تتبع غير سبيلهم ولا تتبع ~~سبيلهم أيضا, لكان ركيكا, نعلم لو أخر لفظة الغير فقال: لا تتبع سبيل غير ~~الصالحين, فإنه لا يفهم منه الأمر باتباع سبيلهم؛ ولهذا يصح النهي عنه ~~أيضا. السابع: سلمنا وجوب الاتباع, لكنه لا يجب في كل الأمور؛ لأنهم لو ~~أجمعوا على فعل مباح لا يجب متابعتهم على فعله, وإلا لكان المباح واجبا ~~وإذا لم يجب اتباعهم في الكل لم يلزم اتباعهم فيما أجمعوا عليه؛ لجواز أن ~~يكون المراد هو الإيمان أو غيره مما اتفقنا عليه. وأجاب المصنف بقوله: ~~قلنا: كاتباع الرسول -عليه الصلاة والسلام- ولم يذكره الإمام ولا صاحب ~~الحاصل وتقريره من وجهين, أحدهما: أن اتباعهم في المباح أيضا واجب, ومعنى ~~وجوبه هو ما قلناه في وجوب اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في المباح، ~~وهو اعتقاد إباحته وأن يفعله على جهة الإباحة لا على جهة أخرى. الثاني: أن ~~قيام الدليل على وجوب اتباعهم في كل الأمور كقيام الدليل على وجوب اتباع ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها, فكما أن المباح قد أخرج من عموم التأسي ~~لدليل ولم يقدح في الدلالة على الباقي, فكذلك الأول. والثامن: لا نسلم أيضا ~~أن المتابعة تجب في كل الأمور؛ وذلك لأن المجتمعين إنما أثبتوا الحكم ~~المجمع عليه بالدليل لا بإجماعهم، لما ستعرفه من أن الإجماع موقوف على ~~الدليل، وحينئذ فنقول: إن وجب علينا إثبات ذلك الحكم بإجماعهم لا بالدليل, ~~كان ذلك اتباعا لغير سبيلهم وهو لا يجوز، وإن وجب إثباته بالدليل لم يكن ~~الإجماع بنفسه دليلا مستقلا وهو خلاف المدعي، وأيضا فإنكم لا ms398 تقولون بوجوب ~~إثباته بالدليل، وأجاب المصنف بأن اتباعهم واجب في كل شيء إلا ما خص بدليل، ~~وهذه الصورة قد خصت بالاتفاق؛ لأن الحكم قد ثبت بإجماعهم، وإذا ثبت فلا ~~يحتاج في إثباته إلى دليل آخر. التاسع: سلمنا ما قلتم, لكن الآية تدل على ~~وجوب اتباع سبيل كل المؤمنين؛ لأن لفظ {المؤمنين} جمع محلى بالألف واللام, ~~فيفيد العموم وكل المؤمنين هم الموجودون إلى يوم القيامة، فلا يكون إجماع ~~أهل العصر الواحد حجة لكونهم بعض الأمة. وأجاب المصنف بأن المراد بالمؤمنين ~~هم الموجودون في كل عصر, فإن الله تعالى لما علق العقاب على مخالفتهم زجرا ~~عنها وترغيبا في الأخذ بقولهم, علمنا أن المقصود هو العمل, فانتفى أن يكون ~~المراد جميع المؤمنين الموجودين إلى يوم القيامة؛ لأنه لا عمل في يوم ~~القيامة. قال: "الثاني: قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: ~~143] عدلهم فتجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا, كبيرة وصغيرة, بخلاف تعديلنا ~~قيل: العدالة فعل العبد والوسط فعل الله تعالى. قلنا: فعل العبد فعل الله ~~تعالى على مذهبنا قيل: عدول وقت أداء الشهادة. قلنا: حينئذ لا مزية لهم فإن ~~الكل يكونون كذلك. الثالث: قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي ~~على خطأ" ونظائره, فإنها وإن لم تتواتر آحادها لكن المشترك بينها متواتر, ~~والشيعة عدلوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم". أقول: الدليل الثاني ~~على أن # PageV01P286 # الإجماع حجة قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس} [البقرة: 143] وتقريره أن الله تعالى عدل هذه الأمة؛ لأنه تعالى ~~جعلهم وسطا وقد قال الجوهري: والوسط من كل شيء أعدله، قال الله تعالى: ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي: عدولا هذا لفظه, ولأنه تعالى علل ذلك بكونهم ~~شهداء والشاهد لا بد وأن يكون عدلا. وهذا التعديل الحاصل للأمة وإن لزم منه ~~تعديل كل فرد منها بالضرورة لكون نفيه عن واحد مستلزما لنفيه عن المجموع, ~~لكنه ليس المراد تعديلهم فيما ينفرد به كل واحد منهم؛ لأنا نسلم بالضرورة ~~خلافه فتعين تعديلهم فيما يجتمعون عليه, وحينئذ فتجب ms399 عصمتهم عن الخطأ قولا ~~وفعلا, صغيرة وكبيرة؛ لأن الله تعالى يعلم السر والعلانية، فلا يعدلهم من ~~ارتكابهم بعض المعاصي، بخلاف تعديلنا فإنه قد لا يكون كذلك لعدم اطلاعنا عن ~~الباطن. واعترض الخصم بوجهين أحدهما: أن العدالة فعل العبد؛ لأنها عبارة عن ~~أداء الواجبات واجتناب المنهيات, والوسط فعل الله تعالى لقوله: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] فيكون الوسط غير العدالة, فلا يكون جعلهم ~~وسطا عبارة عن تعديلهم, وكيف والمعدل لا يجعل الرجل عدلا ولكن يخبر عن ~~عدالته، وجوابه أن فعل العبد من أفعال الله تعالى على مذهب أهل الحق لما ~~تقرر في علم الكلام أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. الثاني: سلمنا أن ~~الله تعالى عدلهم, لكن تعديلهم ليشهدوا على الناس يوم القيامة بأن الأنبياء ~~بلغوهم الرسالة, وعدالة الشهود إنما تعتبر وقت أداء الشهادة لا قبلها, ~~فتكون الأمة عدولا في الآخرة لا في الدنيا ونحن نسلمه, والجواب أن سياق ~~الآية يدل على تخصيص هذه الأمة بالتعديل وتفضيلهم على غيرها، فيتعين حمله ~~على الدنيا؛ لأنا لو حملناه على الآخرة لم يكن لهم مزية لأن كل الأمم إذ ~~ذاك عدول، وفي الجواب نظر لأن الله تعالى قد أخبر عن بعض أهل الموقف بإنكار ~~المعاصي وإنكار التبليغ إليهم, بل الجواب أن يقول: العدالة لا تتحقق إلا مع ~~التكليف، ولا تكليف في الدار الآخرة, ويؤيده قوله تعالى: {جعلناكم} ولم ~~يقل: سنجعلكم. نعم لقائل أن يقول: إن الآية لا تدل على المدعي؛ لأن العدالة ~~لا تنافي صدور الباطل غلطا ونسيانا، سلمنا أن كل ما أجمعوا عليه حق لكن لا ~~يلزم المجتهد أن يتبع كل ما كان حقا في نفسه بدليل أن المجتهد لا يتبع ~~مجتهدا آخر وإن قلنا: كل مجتهد مصيب. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث على ~~أن الإجماع حجة: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" ~~ونظيره من الأحاديث كقوله: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" 1 وكقوله: "سألت ~~الله تعالى أن لا تجتمع أمتي على الضلالة, فأعطانيها" 2 وكقوله: "لم يكن ~~الله ms400 ليجمع أمتي على ضلال" وروي: "ولا على خطأ" وكقوله: "يد الله مع ~~الجماعة" 3 إلى غير ذلك, فإن هذه الأحاديث وإن لم PageV01P287 # يتواتر كل واحد منهما, لكن القدر المشترك بينهما وهو عصمة الأمة متواتر ~~لوجوده في هذه الأخبار الكثيرة. وهذا الدليل ساقط في كثير من النسخ، وادعى ~~الآمدي أنه أقرب الطرق في إثبات كونه حجة قاطعة، وقال ابن الحاجب: ~~الاستدلال به حسن, وضعفه الإمام فقال: دعوى التواتر المعنوي بعيد؛ لأنا لا ~~نسلم أن مجموع هذه الأخبار بلغ حد التواتر فما الدليل عليه؟ وبتقديره فهو ~~إنما يفيد الظهور؛ لأن القدر المشترك الثابت بالقطع إنما هو الثناء على ~~الأمة, ولم يلزم منه امتناع الخطأ عليهم, فإن التصريح بامتناعه لم يرد في ~~كل الأحاديث، وقد تلخص أن الأدلة التي قالها المصنف إنما يحسن الاستدلال ~~بها إذا قلنا: إن الإجماع ظني كما صححه الإمام وأتباعه، واقتضاه كلام ~~الآمدي, ولكن الأكثرون على أنه قطعي. قوله: "والشيعة عولوا عليه" يعني: أن ~~الشيعة ذهبوا إلى أنه يجب أن يكون في كل زمان إمام يأمر الناس بالطاعات ~~ويردعهم عن المعاصي, وذلك الإمام لا بد أن يكون معصوما وإلا لافتقر إلى ~~إمام آخر ولزم التسلسل، وإذا كان الإمام معصوما كان الإجماع حجة لاشتماله ~~على قوله؛ لأنه رأس الأمة ورئيسها لا لكونه إجماعا, وجوابه: أن ذلك مبني ~~على وجوب مراعاة المصالح سلمنا لكن الردع إنما يحصل بنصب إمام ظاهر قاهر, ~~وهم يجوزون أن يكون خفيا خاملا ويجوزون عليه الكذب أيضا خوفا وتقية, وذلك ~~كله ينافي المطلوب وهذه المسألة محلها علم الكلام؛ فلذلك لم يشتغل المصنف ~~بالجواب عنها. قال: "الثالثة: قال مالك -رضي الله عنه: إجماع أهل المدينة ~~حجة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن المدينة لتنفي خبثها" 1 وهو ضعيف. ~~الرابعة: قال الشيعة: إجماع العترة حجة لقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 32] وهم: علي وفاطمة ~~وابناهما رضوان الله عليهم؛ لأنها لما نزلت لف عليه الصلاة والسلام عليهم ~~كساء وقال: "هؤلاء أهل بيتي" 2 ولقوله ms401 -عليه الصلاة والسلام: "إني تارك ~~فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله, وعترتي" 3. أقول: ذهب الإمام ~~مالك إلى أن إجماع أهل المدينة حجة أي: إذا كانوا من الصحابة أو التابعين ~~دون غيرهم, كما نبه عليه ابن الحاجب، قال: واختلفوا في المراد من كونه حجة؛ ~~فمنهم من قال: المراد أن روايتهم راجحة على رواية غيرهم؛ لكونهم أخبر ~~بأحوال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومنهم من قال: المراد أن إجماعهم حجة ~~في المنقولات المشتهرة خاصة، كالأذان والإقامة والصاع والمد دون غيرها، ~~ورجحه القرافي في تنقيحه قال: والصحيح التعميم في هذا وفي غيره؛ لأن العادة ~~تقضي بأن PageV01P288 # مثل هؤلاء لا يجتمعون إلا على دليل راجح, واستدل عليه الإمام وأتباعه ~~بقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن المدينة لتنفي خبثها" "ووجه الاستدلال" أن ~~الحديث قد دل على انتفاء الخبث عن المدينة والخطأ خبث, فيجب أن يكون منفيا ~~عن أهلها فإنه لو كان في أهلها لكان فيها، وإذا انتفى عنهم الخطأ كان ~~إجماعهم حجة. قوله: "وهو ضعيف" أي: الاستدلال بالحديث لا الحديث نفسه, فإنه ~~ثابت في الصحيحين وإن كان بغير هذا اللفظ, وأقرب لفظ إليه ما رواه البخاري: ~~"إنما المدينة كالكير, تنفي خبثها وينصع طيبها" وقد ضعف ابن الحاجب ~~الاستدلال بهذا الحديث أيضا ولم يبين ما ضعفه, ووجهه أن الحمل على الخطأ ~~متعذر لمشاهدة وقوعه من أهلها. قال إمام الحرمين: ولو اطلع مطلع على ما ~~يجري بين لابتيها من المخازي لقضى العجب، وأيضا فلا نسلم أن الخطأ خبث لأن ~~الخطأ معفو عنه والخبث منهي عنه, ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام: "الكلب ~~خبيث, وخبيث ثمنه" وكقوله: "مهر البغي خبيث" ونحوه, فيكون أحدهما غير ~~الآخر. وقد انتصر في المحصول لمالك وقوى هذا الدليل وقال: إن مذهبه فيه ليس ~~ببعيد، وذهب بعضهم كما حكاه الآمدي وغيره إلى أن إجماع أهل الحرمين مكة ~~والمدينة, والمصرين البصرة والكوفة حجة على غيرهم, وقيل: بل إجماع الكوفة ~~والبصرة فقط حكاه الشيخ أبو إسحاق في اللمع، وقيل: إجماع الكوفة وحدها كما ~~نقل حكاية عن ms402 ابن حزم، وقيل: إجماع الكوفة وحدها أو البصرة وحدها كما نقله ~~بعض شراح المحصول. المسألة الرابعة: ذهبت الشيعة كالإمامية والزيدية إلى أن ~~إجماع العترة حجة وأرادوا بالعترة عليا وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين وهي ~~بالتاء المثناة واحتجوا بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] ووجه ~~الاستدلال أن الله تعالى أخبر عن نفي الرجس عن أهل البيت والخطأ رجس، فيكون ~~منفيا عنهم، وإذا كان الخطأ منفيا عنهم كان إجماعهم حجة، وأهل البيت هم: ~~علي وفاطمة وابناهما -رضي الله عنهم- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لف ~~عليهم كساء لما نزلت هذه الآية وقال: "هؤلاء أهل بيتي" وأيضا فقد نقله ابن ~~عطية في تفسيره1 عن الجمهور. وأما السنة فقوله -عليه الصلاة والسلام: "إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله, وعترتي" فإنه كما دل على ~~أن الكتاب حجة, دل على أن قول العترة حجة, ولم يشتغل المصنف بالجواب عما ~~ذكروه، فنقول: الجواب عن الآية أنا لا نسلم انتفاء الرجس في الدنيا لجواز ~~أن يكون المراد به نفي العذاب في الآخرة, سلمنا لكن لا نسلم أن الخطأ رجس, ~~سلمنا لكن المراد بأهل البيت هؤلاء مع أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~فإن ما قبل الآية وما PageV01P289 # بعدها يدل عليه. وأما ما قبلها فقوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من ~~النساء إن اتقيتن} [الأحزاب: 32] إلى قوله: {وأطعن الله ورسوله} وأما ما ~~بعدها فقوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن} الآية, وحينئذ فليس في ~~الآية دليل على أن إجماع العترة وحدهم حجة. والجواب عن الحديث ما قاله في ~~المحصول: إنه من باب الآحاد والعمل بها عندهم ممتنع. قال: "الخامسة: قال ~~القاضي أبو حازم: إجماع الخلفاء الأربعة حجة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام: ~~"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" 1 وقيل: إجماع الشيخين لقوله ~~-صلى الله عليه وسلم: " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" 2 والسادسة: ~~يستدل بالإجماع فيما لا يتوقف عليه كحدوث العالم ووحدة ms403 الصانع لا كإثباته". ~~أقول: ذهب القاضي أبو حازم والإمام أحمد كما نقله عنه ابن الحاجب إلى أن ~~إجماع الخلفاء الأربعة, يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا -رضي الله عنهم- ~~حجة مع خلاف غيرهم؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ" رواه أبو داود وكذا الترمذي وصححه ~~هو والحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين, لكن الرواية: "فعليكم" وهو من جملة ~~حديث طويل. ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة الخلفاء ~~الراشدين كما أمر باتباع سنته, والخلفاء الراشدون هم الخلفاء الأربعة ~~المذكورون لقوله -عليه الصلاة والسلام: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة, ثم تصير ~~ملكا عضوضا " 3 وكانت مدة خلافتهم ثلاثين سنة, فثبت المدعي وأبو خازم ~~-بالخاء المعجمة والزاي- من الحنفية, تولى القضاء في خلافة المعتضد, ولأجل ~~مذهبه لم يعتد بخلاف زيد في توريث ذوي الأرحام وحكم برد أموال حصلت في بيت ~~المعتضد وقبل المعتضد فتياه, وأنفذ قضاءه, وكتب إلى الآفاق وذهب بعضهم إلى ~~أن إجماع الشيخين أبي بكر وعمر حجة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "اقتدوا ~~باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" رواه الترمذي وقال: حديث حسن. والجواب عن ~~الحديثين أن المراد منهما بيان أهليتهم لاتباع المقلدين لهم لا أن إجماعهم ~~حجة، وبأنهما معارضان بنحو قوله عليه الصلاة والسلام: "خذوا شطر دينكم عن ~~الحميراء" 4 يعني عائشة -رضي الله عنها- مع أن قولها ليس بحجة. المسألة ~~السادسة: في بيان ما يثبت بالإجماع وما لا يثبت به، فنقول: كل شيء لا يتوقف ~~العلم بكون الإجماع حجة على العلم به, يجوز أن PageV01P290 # يستدل عليه بالإجماع, سواء كان عقليا أو شرعيا أو لغويا أو دنيويا، وفي ~~العقلي والدنيوي خلاف، وكل شيء يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به ~~لا يصح أن يستدل عليه بالإجماع, فعلى هذا يستدل بالإجماع على حدوث العالم، ~~وعلى كون الصانع -سبحانه وتعالى- واحدا؛ لأن العلم بكون الإجماع حجة لا ~~يتوقف على العلم بهما؛ وذلك لأنا قبل العلم بهما يمكننا أن نعلم أن الإجماع ~~حجة, بأن نعلم ms404 إثبات الصانع بإمكان العالم، وبحدوث الأعراض، ثم نعلم بإثبات ~~الصانع صحة النبوة، ثم نعلم بصحة النبوة كون الإجماع حجة, ثم نعلم بالإجماع ~~حدوث العالم ووحدة الصانع. قوله: "لا كإثباته" أي: لا يستدل بالإجماع على ~~إثبات الصانع ولا على كونه متكلما ولا على إثبات النبوة, فإن العلم بكون ~~الإجماع حجة مستفاد من الكتب والسنة, وصحة الاستدلال بهما موقوفة على وجود ~~الصانع وعلى كونه متكلما وعلى النبوة، فلو أثبتنا هذه الأشياء بالإجماع لزم ~~الدور؛ لأن ثبوت المدلول متوقف على ثبوت الدليل، ولقائل أن يقول: ثبوت ~~الإجماع متوقف على العلم بوحدة الصانع بخلاف ما ذكره المصنف؛ لأن كون ~~الإجماع حجة متوقف على وجوه المجمعين الذين هم من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يصير الشخص منهم إلا بعد اعترافه بالشهادتين، وقال الشيخ أبو ~~إسحاق في اللمع: إنه لا يعتد بالإجماع في حدوث العالم أيضا. # PageV01P291 ### | الباب الثاني: في أنواع الإجماع # قال: "الباب الثاني: في أنواع الإجماع وفيه مسائل: الأولى: إذا اختلفوا ~~على قولين فهل لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟ والحق أن الثالث إن لم يرفع مجمعا ~~عليه جاز وإلا فلا, مثاله ما قيل في الجد مع الأخ: الميراث للجد وقيل: لهما ~~فلا سبيل إلى حرمانه قيل: اتفقوا على عدم الثالث. قلنا: كان مشروطا بقدمه ~~فزال بزواله قيل: وارد على الوجداني قلنا: لم يعتبر فيه إجماعا قبل إظهاره ~~يستلزم تخطئة الأولين. وأجيب بأن المحذور هو التخطئة في واحد وفيه نظر". ~~أقول: إذا تكلم المجتهدون جميعهم في مسألة واختلفوا فيها على قولين فهل لمن ~~يأتي بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث في تلك المسألة؟ فيه ثلاثة مذاهب ~~كما أشار إليه المصنف, فالأكثرون على ما قاله الإمام, والآمدي منعه مطلقا, ~~وجزم به في المعالم وأهل الظاهر جوزوه مطلقا, والحق عند الإمام وأتباعه, ~~واختاره الآمدي وابن الحاجب أن الثالث إن لم يرفع شيئا مما أجمع عليه ~~القائلان الأولان، وجاز "أحدثه" لأنه لا محذور فيه وإن رفعه, فلا يجوز ~~لامتناع مخالفة الإجماع. مثال الأول: اختلافهم في جواز أكل ms405 المذبوح بلا ~~تسمية فقال بعضهم: يحل مطلقا سواء كان الترك عمدا أو سهوا, وقال بعضهم: لا ~~يحل مطلقا, فالتفصيل بين العمد والسهو ليس رافعا لشيء, وأجمع عليه القائلان ~~الأولان بل هو موافق كل قسم منه لقائل، وأما الثاني فمثل له المصنف تبعا ~~للإمام بالجد مع الإخوة فإن الأئمة اختلفوا فيه فقال بعضهم: المال كله ~~للجد، وقال بعضهم: المال بينهما, فقد اتفق القولان على أن للجد شيئا من ~~المال, فالقول بحرمانه وإعطاء المال كله للأخ قول ثالث رافع لما أجمع عليه ~~الأولان فلا # PageV01P291 # يجوز، وهذا المثال فيه نظر، فإنه قد نقل عن ابن حزم في المحلى أنه حكى ~~قولا: أن المال كله للأخ. قوله: "قيل: اتفقوا" أي: احتج المانعون مطلقا ~~بوجهين أحدهما: أن أهل العصر الأول قد اتفقوا على عدم القول الثالث وعلى ~~امتناع الأخذ به, فإنهم لما اختلفوا على قولين فقد أوجب كلا من الفريقين ~~الأخذ إما بقوله أو بقول الآخر, وتجويز القول الثالث يرفع ذلك كله فكان ~~باطلا. وأجاب المصنف بأن ذلك الاتفاق كان مشروطا بعدم القول الثالث, فإذا ~~ظهر ذلك القول فقد زال الإجماع بزوال شرطه. واعترض الخصم على هذا الجواب ~~فقال: لو صح ما ذكرتم لكان الإجماع على القول الواحد ليس بحجة؛ لأنه يمكن ~~أن يقال فيه أيضا: وجوب الأخذ بالقول الذي أجمعوا عليه مشروط بعدم القول ~~الثاني, فإذا وجد القول الثاني فقد زال ذلك الإجماع بزوال شرطه. وأجاب ~~المصنف بأن هذا الاشتراط وإن كان ممكنا أيضا في الإجماع الوجداني أي: ~~الإجماع على القول الواحد، لكنهم أجمعوا على عدم اعتباره فيه, فليس لنا أن ~~نتحكم عليه بوجوب التسوية بين الإجماع الوجداني والإجماع على القولين. وهذا ~~الجواب ذكره الإمام وأتباعه, واعترض عليه صاحب التلخيص بأن الاستدلال ~~بإجماعهم على عدم اعتبار هذا الشرط إنما يعتبر بعد اعتبار الإجماع، فلو ~~اعتبرنا الإجماع به للزم الدور. قوله: "قيل: إظهاره ... إلخ" هذا هو ~~الاعتراض الثاني، وتقريره أن إظهار القول الثالث إنما يجوز إذا كان حقا؛ ~~لأن الباطل لا يجوز القول به, والقول ms406 بكونه حقا يستلزم تخطئة الفريقين ~~الأولين وتخطئتهما تخطئة لجميع الأمة وهو غير جائز. وأجاب المصنف بأن ~~المحذور إنما هو تخطئتهم فيما أجمعوا فيه على قول واحد، وأما فيما اختلفوا ~~فيه فلا؛ لأن غاية ذلك تخطئة بعضهم في أمر وتخطئة البعض الآخر في غير ذلك ~~الأمر. قال المصنف: وفيه نظر، ولم ينبه على وجه النظر، وتوجيهه أن الأدلة ~~المقتضية لعصمة الأمم عن الخطأ شاملة للصورتين والتخصيص لا دليل عليه، وهذا ~~الجواب لم يذكره الإمام ولا مختصرو كلامه, بل أجابوا بأنا لا نسلم أن إظهار ~~القول الثالث يستلزم تخطئة الفريقين الأولين، بناء على أن كل مجتهد مصيب، ~~سلمنا أن المصيب واحد، لكن التمكن من إظهار الثالث لا يستلزم كونه حقا؛ ~~لأنه يجوز للمجتهد أن يعمل بما ظنه حقا, وإن كان خطأ في نفس الأمر. وهذا ~~الجواب فيه نظر؛ لإمكان جريانه في الإجماع الوجداني، وصورة هذه المسألة أن ~~يتكلم المجتهدون جميعهم في المسألة، ويختلفوا فيها على قولين كما أشرنا ~~إليه أولا، وصرح به الغزالي في المستصفى، وأما مجرد نقل القولين عن عصر من ~~الأعصار فإنه لا يكون مانعا من إحداث الثالث؛ لأنا لا نعلم هل تكلم الجميع ~~فيها أم لا؟ فافهمه ينحل به إشكالات أوردت على الشافعي في مسائل. قال: ~~"الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم الفصل؟ والحق: إن نصوا ~~بعدم الفرق، أو اتحد الجامع كتوريث العمة والخالة, لم يجز لأنه رفع، فجمع ~~عليه, وإلا جاز، وإلا يجب # PageV01P292 # على من ساعد مجتهدا في حكم مساعدته في جميع الأحكام. قيل: أجمعوا على ~~الاتحاد قلنا: عين الدعوى. قيل: قال الثوري: الجماع ناسيا يفطر والأكل لا. ~~قلنا: ليس بدليل". أقول: إذا لم يفصل المجتهدون بين مسألتين بل أجاب بعضهم ~~فيها بالنفي وبعضهم بالإثبات, فهل لمن يأتي بعدهم من المجتهدين الفصل؟ فيه ~~تفصيل سنذكره، وهذه المسألة قريبة في المعنى من التي قبلها, فإن التفصيل ~~بينهما بعد إطلاق الفريقين إحداث لقول ثالث فيهما, ولأجل ذلك لم يفردها ~~الآمدي ولا ابن الحاجب بل جعلاهما مسألة واحدة، ms407 وحكما عليها بالحكم السابق، ~~ولكن الفرق بينهما أن هذه المسألة مفروضة فيما إذا كان محل الحكم متعددا، ~~وأما تلك ففيما إذا كان متحدا. وحاصل التفصيل الذي في هذه المسألة أنهم إن ~~نصوا على أنه لا فرق بين المسألتين فلا يجوز الفصل، وإليه أشار بقوله: إن ~~نصوا بعدم الفرق وعداه بالباء لتضمنه معنى: صرحوا، وهذا القسم لا نزاع فيه؛ ~~ولهذا جزم به الإمام في المحصول، وقال في الحاصل: إنه لا سبيل إلى الخلاف ~~فيه, وكلام الكتاب والمنتخب يقتضي إجراء الخلاف فيه، والقول به غير ممكن. ~~وأما إذا لم ينصوا على عدم الفرق, ففيه ثلاثة مذاهب أشار إليها المصنف، ~~أحدها: الجواز مطلقا، والثاني: المنع مطلقا، والثالث وهو المرجح في المنتخب ~~والحاصل واختاره المصنف: أنه إن اتحد الجامع بين المسألتين فلا يجوز، ~~كتوريث العمة والخالة فإن علة توريثهما أو عدم توريثهما كونهما من ذوي ~~الأرحام, وكل من ورث واحدة أو منعها قال في الأخرى كذلك, فصار ذلك بمثابة ~~قولهم: لا تفصلوا بينهما، وإن لم يتحد الجامع بينهما فيجوز كما إذا قال ~~بعضهم: لا زكاة في مال الصبي ولا في الحلي المباح، وقال بعضهم بالوجوب ~~فيهما فيجوز الفصل، واستدل المصنف عليه بقوله: وإلا وجب، أي: لو لم يجز ~~الفصل لكان كل من ساعد مجتهدا في حكم أي: وافقه عليه, يجب عليه أن يساعده ~~في جميع الأحكام وهو باطل اتفاقا، ووجه الملازمة أن امتناع التفصيل يقتضي ~~موجبا، لا موجب سوى موافقة بعض المجتهدين في حكم إحدى المسألتين، واستدل ~~المانعون مطلقا بأن فتوى بعضهم بالتحليل فيهما وبعضهم بالتحريم فيهما، ~~إجماع على اتحاد الحكم فلا يجوز خلافه، وأجاب المصنف بقوله: قلنا: عين ~~الدعوى أي: لا نسلم أن عدم التفصيل إجماع على اتحاد الحكم, فإنه عين النزاع ~~بل نتبرع ونقول: لا يدل عليه؛ لأن عدم القول بالتفصيل غير القول بعدم ~~التفصيل، أو معناه أنه لا محذور في مخالفة هذا الإجماع، فإن الواقع منهم ~~ليس هو التنصيص على الاتحاد بل الاتحاد في فتواهم، ونحن لا نسلم أنه يمنع ~~من ms408 الفصل, فإن ذلك أوان المسألة، وهذا الثاني هو جواب المحصول ولم يجب عنه ~~في المنتخب بشيء، واحتج المجوزون مطلقا بأن الناس اختلفوا في تعاطي ~~المفطرات نسيانا، ثم إن الثوري فصل بينهما مع اتحادهما في العلة، فقال: ~~الجماع ناسيا يفطر بخلاف الأكل ناسيا، وأجاب المصنف بأن مذهب # PageV01P293 # الثوري1 ليس بحجة حتى يجوز التمسك به، بل يجوز أن يكون هو من المخالفين ~~في هذه المسألة، ولم يجب الإمام ولا أتباعه عن هذا وكأنهم تركوه لوضوحه. ~~قال: "الثالثة: يجوز الاتفاق بعد الاختلاف خلافا للصيرفي. لنا الإجماع على ~~الخلافة بعد الاختلاف، وله ما سبق. الرابعة: الاتفاق على أحد قولي الأولين، ~~كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد، والمتعة إجماع خلافا لبعض الفقهاء ~~والمتكلمين، لنا أنه سبيل المؤمنين, قيل: فإن تنازعتم أوجب الرد إلى الله ~~تعالى قلنا: زال الشرط قيل: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" 2 ~~قلنا: الخطاب مع العوام الذين في عصره, قيل: اختلافهم إجماع على التخيير, ~~قلنا: ممنوع". أقول: هل يجوز اتفاق أهل العصر على الحكم بعد اختلافهم فيه, ~~ينبني على أن انقراض العصر أي: موت المجمعين هل هو شرط في اعتبار الاجماع؟ ~~فيه خلاف يأتي؛ فإن قلنا باعتبار موتهم فلا إشكال في جواز اتفاقهم بعد ~~الاختلاف. وإن قلنا: إن موتهم لا يعتبر ففي جواز اتفاقهم مذاهب, أحدها: أنه ~~ممتنع ونقله في البرهان عن القاضي ونقله المصنف تبعا للإمام عن الصيرفي. ~~والثاني: يجوز, واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب. والثالث: إن لم يستقر ~~الخلاف جاز وإلا فلا، وهذا التفصيل هو مختار إمام الحرمين, فإنه قال بعد ~~حكاية القولين الأولين: والرأي الحق عندنا كذا وكذا، واختاره أيضا الآمدي، ~~وإذا قلنا بالجواز ففي الاحتجاج به مذهبان، اختار ابن الحاجب أنه يحتج به ~~ونقله في البرهان عن معظم الأصوليين, واستدلال المصنف يقتضيه. "قولنا" أي: ~~الدليل على الجواز إجماع الصحابة على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، ولك ~~أن تقول: لا نسلم أن هذا الإجماع كان بعد استقرار الخلافة، وحينئذ فلا ~~يطابق الدعوى؛ لأنهم أعم, سلمنا لكن الخلافة لا ms409 تتوقف على الإجماع، بل يجب ~~الانتباه إليها بمجرد البيعة. قوله: "وله ما سبق" أي: وللصيرفي من الأدلة ~~ما سبق في المسألة الأولى، وهو أن اختلاف الأمة على قولين إجماع على جواز ~~الأخذ بكل منهما اجتهادا وتقليدا. فلو جاز الاتفاق بعد ذلك لكان يجب الأخذ ~~بالقول الذي اتفقوا عليه، ويلزم من ذلك رفع الإجماع بالإجماع وهو باطل, ~~وجوابه ما تقدم أيضا، وهو أن الإجماع على التغيير مشروط بعدم الاتفاق، فإذا ~~اتفقوا فيزول بزوال شرطه. المسألة الرابعة: إذا اختلف أهل العصر على قولين ~~ثم حدث بعدهم مجتهدون آخرون, فقال الإمام أحمد والأشعري وغيرهما: يستحيل ~~اتفاقهم على أحد PageV01P294 # قولين، واختاره الآمدي. والصحيح عند الإمام وابن الحاجب وغيرهما إمكانه، ~~ومثل له المصنف تبعا لابن الحاجب باتفاق العلماء على تحريم بيع أم الولد, ~~مع أن عليا وابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن الزبير وابن عباس في رواية ~~عنه وعمر بن عبد العزيز، كانوا يقولون بالجواز, وباتفاقهم أيضا على تحريم ~~المتعة، يعني: تحريم نكاح المرأة إلى مدة, مع أن ابن عباس كان يفتي ~~بالجواز، وفي المثالين نظر. وأما الأول فقال الآمدي: لا نسلم حصول الإجماع ~~فيه؛ لأن الشيعة يقولون بالجواز, وأما الثاني فنقل الماوردي وغيره أن ابن ~~عباس رجع فأفتى بالتحريم، فعلى هذا لا يكون مطابقا لهذه المسألة بل يكون ~~مثالا للمسألة السابقة، وإذا قلنا بجواز الاتفاق بعد الاختلاف، فقال الإمام ~~وأتباعه: يكون إجماعا محتجا به، واستدل عليه المصنف بأنه سبيل المؤمنين ~~فيجب اتباعه لقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] الآية ~~وقال بعض المتكلمين وبعض الفقهاء: لا أثر لهذا الإجماع، وهو مذهب الشافعي ~~-رضي الله عنه- كما قال الغزالي في المنخول وابن برهان في الأوسط، وقال في ~~البرهان: إن ميل الشافعي إليه قال: ومن عباراته الرشيقة في ذلك قوله: إنها ~~المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولم يرجع ابن الحاجب شيئا مع ترجيحه أن ~~الاتفاق إذا صدر من المختلفين يكون حجة كما قلناه عنه في المسألة السابقة، ~~وسببه أن تلك المسألة ليس لغير المجتمعين فيها قول ms410 يخالف المجتمعين بخلاف ~~هذه، ومن ثمرة الخلاف في هذه المسألة تنفيذ قضاء من حكم بصحة بيع أم الولد ~~وسقوط الحد عن الواطئ في نكاح المتعة، وأخبرني بعض من أثق به أن قاضي ~~المدينة أخبره أن بالمدينة مكانا موقوفا على نكاح المتعة ومستحما موقوفا ~~على الاغتسال من وطئها. قوله: "قيل ... إلخ" أي: استدل القائلون بأنه ليس ~~بإجماع بثلاثة أوجه الأول: قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} [النساء: 59] والنزاع قد حصل, فوجب رده إلى كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله, لا إلى الإجماع. وأجاب الإمام بوجهين أحدهما: أن الرد إلى الإجماع ~~رد إلى الله ورسوله. الثاني: أن وجوب الرد إلى الله ورسوله مشروط بالتنازع ~~وقد زال التنازع في العصر الثاني, فيزول وجوب الرد، واقتصر المصنف على هذا ~~وفيه نظر، فإن الشرط إنما هو وجود التنازع، وقد وجد حصول الاتفاق بعد ذلك، ~~ولا ينافي حصوله كما إذا قال لعبده: إن خالفتني فأنت حر, فخالفه ثم وافقه. ~~الدليل الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" دل الحديث على حصول الاهتداء بالاقتداء بقول كل واحد منهم, سواء ~~حصل بعد ذلك اتفاق أم لا، فلو أوجبنا الأخذ بما اتفق عليه أهل العصر الثاني ~~للزم التقييد بحالة عدم الاتفاق، وهو خلاف الظاهر، وجوابه أن الخطاب مع ~~العوام أي: المقلدين دون المجتهدين؛ لأن المجتهد لا يقلد المجتهد، ولأن قول ~~الصحابي بحجة كما سيأتي، وهؤلاء العوام الذين خوطبوا هم الموجودون في عصر ~~الصحابة خاصة؛ لأن خطاب المشافهة لا يتناول من يحدث بعدهم، وحينئذ # PageV01P295 # فلا يكون الخطاب متناولا لخواص أهل العصر الثاني، لما قلناه أولا, ولا ~~لعوامهم لما قلناه ثانيا. وإذا لم يكونوا مخاطبين به لم تبق فيه دلالة على ~~هذه المسألة؛ لأن الكلام في اتفاق العصر الثاني، وفي الجواب نظر؛ لأن خطاب ~~المشافهة يعم بأدلة خارجية وإلا لم يكونوا مأمورين الآن وهو باطل. وأيضا ~~فالمسألة باقية بحالها في العوام المخاطبين. وذلك فيما إذا بلغوا رتبة ~~الاجتهاد واتفقوا بعد انقراض أولئك, ولأجل ما ms411 قلناه لم يذكر الإمام ولا ~~صاحب الحاصل هذا الجواب، بل أجابا بتخصيص الحديث. الثالث: أن اختلاف أهل ~~العصر الأول على قولين مثلا إجماع منهم على التخيير، أي: جواز الأخذ بكل ~~منها, فلو كان الاتفاق على أحدهما إجماعا مانعا من الأخذ بخلافه للزم تعارض ~~الإجماعين. وأجاب المصنف بقوله: قلنا: ممنوع أي لا نسلم أن اختلافهم إجماع ~~على التغيير, فإن كل واحد من الفريقين يعتقد خطأ الآخر, أو معناه: لا نسلم ~~أن هذا الإجماع الذي على التخيير يعارضه الإجماع الآخر, وإنما يلزم ذلك أن ~~لو لم يكن الإجماع الأول مشروطا بعدم الإجماع الثاني وليس كذلك بل هو مشروط ~~بعدمه. فإذا وجد زال الأول لزوال شرطه، وهذا الجواب هو المذكور في المحصول ~~والحاصل، وقد وقع التصريح به في بعض النسخ فقال: قلنا: زال بزوال شرطه. ~~قال: "الخامسة: إذا اختلفوا فماتت إحدى الطائفتين يصير قول الباقين حجة؛ ~~لكونه قول كل الأمة. السادسة: إذا قال البعض وسكت الباقون, فليس بإجماع ولا ~~حجة. وقال أبو علي: إجماع بعضهم، وقال ابنه: هو حجة. لنا أنه ربما سكت ~~لتوقف أو خوف أو تصويب كل مجتهد قيل: يتمسك بالقول المنتشر ما لم يعرف له ~~مخالف, وجوابه المنع وأنه إثبات الشيء بنفسه. فرع: قول البعض فيما تعم به ~~البلوى, ولم يسمع خلافه, كقول البعض وسكوت الباقين". أقول: إذا اختلف أهل ~~العصر على قولين ثم ماتت إحدى الطائفتين أو ارتدت كما قاله في المحصول1, ~~فإنه يصير قول الباقين حجة لكونه قول كل الأمة, وهذا هو الذي جزم به الإمام ~~وأتباعه, وصرحوا بكونه إجماعا أيضا، وهو يؤخذ من تعليل المصنف. وذكر ابن ~~الحاجب هذه المسألة في أثناء اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر ~~الأول، وحكى عن الأكثرين أنه لا يكون إجماعا، وذكر الآمدي نحوه أيضا. ~~المسألة السادسة: إذا قال بعض المجتهدين قولا وعرف به الباقون, فسكتوا عنه ~~ولم ينكروا عليه, ففيه مذاهب أصحها عند الإمام: أنه لا يكون إجماعا ولا حجة ~~لما سيأتي، ثم قال هو والآمدي: إنه مذهب الشافعي، ms412 وقال في البرهان: إنه ~~ظاهر مذهب الشافعي، وقال الغزالي في المنخول: نص عليه الشافعي في الحديث, ~~والثاني وهو مذهب أبي علي الجبائي: أنه إجماع بعد انقراض عصرهم؛ لأن ~~استمرارهم على السكوت إلى الموت يضعف الاحتمال. والثالث: قال أبو هاشم بن ~~أبي علي: إنه PageV01P296 # ليس بإجماع، لكنه حجة، وحكى في المحصول عن ابن أبي هريرة أنه إن كان ~~القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة ولا فتعم. وحكى الآمدي عن الإمام أحمد ~~وأكثر الحنفية أنه إجماع وحجة, واختار الآمدي أنه إجماع ظني يحتج به, وهو ~~قريب من مذهب أبي هاشم، ووافقه ابن الحاجب في المختصر الكبير, وأما في ~~المختصر الصغير فإنه جعل اختياره محصورا في أحد المذهبين، وهما القول بكونه ~~إجماعا، والقول بكونه حجة، والذي ذكره الآمدي هنا محله قبل انقراض العصر, ~~وأما بعد انقراضه فإنه يكون إجماعا على ما نبه عليه في مسألة انقراض العصر. ~~واعلم أن الشافعي قد استدل على إثبات القياس وخبر الواحد بأن بعض الصحابة ~~عمل به ولم يظهر من الباقين إنكار، فكان ذلك إجماعا. قال في المعالم: وهذا ~~يناقض ما تقدم نقله عنه, وأجاب ابن التلمساني بأن السكوت الذي تمسك به ~~الشافعي في القياس وخبر الواحد هو السكوت المتكرر في وقائع كثيرة, وهو ينفي ~~جميع الاحتمالات الآتية. قوله: "لنا" أي: الدليل على أنه ليس بإجماع ولا ~~حجة، أن السكوت يحتمل أن يكون لأجل التوقف في الحكم، إما لكونه لم يجتهد ~~فيه، أو لكونه اجتهد فلم يظهر له شيء, ويحتمل أن يكون الخوف من القائل أو ~~المقول له كقول ابن عباس وقد أظهر مخالفة عمر في العول بعد موته وكان رجلا ~~مهيبا فهبته، ويحتمل أن يكون سكت عن الإنكار لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، ~~إلى غير ذلك من الاحتمالات, ولما احتمل السكوت هذه الوجوه لم يكن فيه دلالة ~~على الرضا، وهو معنى قول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول. قوله: "قيل: ~~يتمسك" أي: احتج أبو هاشم على كونه حجة بأن العلماء لم يزالوا يتمسكون في ~~كل عصر ms413 بالقول المنتشر بين الصحابة إذا لم يعرفوا له مخالفا, فدل على جواز ~~الأخذ بقول البعض وسكوت الباقين. والجواب المنع، أي: لا نسلم أنهم كانوا ~~يتمسكون به, فإن وقع منهم شيء فلعله وقع ممن يعتقد حجيته، أي على وجه ~~الإلزام أو على وجه الاستئناس به، وأيضا فالاستدلال به إثبات للشيء بنفسه, ~~فإن القول المنتشر مع عدم الإنكار هو قول البعض وسكوت الباقين. قوله: "فرع ~~... إلخ" اعلم أنه إذا قال بعض المجتهدين قولا ولم ينتشر ذلك القول بحيث ~~يعلم أنه بلغ الجميع ولم يسمع من أحد ما يخالفه, فهل يكون كما إذا قال ~~البعض وسكت الباقون عن إنكاره أم لا؟ اختلفوا فيه كما قاله في المحصول1 ~~فمنهم من قال: يلحق به؛ لأن الظاهر وصوله إليهم، ومنهم من قال: لا يلحق به؛ ~~لأنا لا نعلم هل بلغهم أم لا؟ واختاره الآمدي، ومنهم من قال: إن كان ذلك ~~القول فيما تعم به البلوى بما تمس به الحاجة إليه كمس الذكر, فيكون كقول ~~البعض وسكوت الباقين؛ لأن عموم البلوى يقتضي حصول التعلم به, وإن لم يكن ~~كذلك فلا؛ لاحتمال الذهول عنه قال الإمام: وهذا التفصيل هو الحق؛ ولهذا جزم ~~به في الكتاب. PageV01P297 ### | الباب الثالث: في شرائطه # قال: "الباب الثالث: في شرائطه وفيه مسائل: الأولى: أن يكون فيه قول كل ~~على ذلك الفن، فإن قول غيرهم بلا دليل، فيكون خطأ، فلو خالف واحد لم يكن ~~سبيل الكل. قال الخياط وابن جرير وأبو بكر الرازي: المؤمنون يصدق على ~~الأكثر. قلنا: مجازا. قالوا: "عليكم بالسواد الأعظم" قلنا: يوجب عدم ~~الالتفات إلى مخالفة الثلث". أقول: عقد المصنف هذا الباب لبيان ما يكون ~~شرطا في الإجماع، وما لا يكون شرطا فيه مما يظن أنه شرط، وذكر فيه خمس ~~مسائل, الأولى: أن الإجماع في كل فن من الفنون يشترط أن يكون فيه قول جميع ~~علماء ذلك الفن في ذلك العصر, فلا عبرة بقول العوام ولا بقول علماء فن في ~~غير فنهم؛ لأن قولهم فيه يكون بلا دليل؛ لكونهم غير عالمين بأدلته. ms414 والقول ~~بلا دليل خطأ لا يعتد به، ومنهم من اعتبر قول الأصولي في الفقه إذا كان ~~متمكنا من الاجتهاد فيه, واختاره الإمام ومنهم من عكس, ومنهم من قال: لا بد ~~من موافقة العوام أيضا, واختاره الآمدي. قوله: "فلو خالفه" أي: يتفرع على ~~اشتراط قول جميع المجتهدين: إنه إذا خالف واحد فلا يكون قول غيره إجماعا ~~ولا حجة؛ لأن أدلة الإجماع كقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} لا ~~تتناول ذلك؛ لأن قول البعض ليس هو سبيل الكل، وها هو اختيار الإمام ~~والآمدي، وقال ابن الحاجب: إنه إذا ندر المخالف لا يكون إجماعا قطعيا. قال: ~~لكن الظاهر أنه حجة؛ لأنه يبعد أن يكون الراجح من الأقلين وقال أبو الحسين ~~الخياط ومحمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي: ينعقد الإجماع مع مخالفة ~~الواحد والاثنين كما نقله عنهم الإمام، وعبر المصنف عنه بالأكثر, واستدلوا ~~بأمرين أحدهما: أن لفظ المؤمنين الوارد في قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} [النساء: 115] وفي غيره من الأدلة, يصدق على أكثر المؤمنين كما ~~يقال للبقرة: إنها سوداء وإن كانت فيها شعرات بيض، وإذا صدق على الأكثر كان ~~قولهم حجة؛ لأنه سبيل المؤمنين, وجوابه أن لفظ المؤمنين إنما يصدق على ~~الأكثر مجازا, فإن الجمع المعرف بال حقيقة في الاستغراق؛ ولهذا يصح أن ~~يقال: إنهم ليسوا كل المؤمنين. الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام: "عليكم ~~بالسواد الأعظم" 1 ووجه الدلالة أنه أمر باتباع السواد الأعظم والسواد ~~الأعظم هم الأكثرون, فيكون قولهم حجة. وأجاب في المحصول بأن السواد الأعظم ~~هم كل الأمة؛ لأن كل ما عدا الكل، فالكل أعظم منه، ولولا ما ذكرناه لكان ~~نصف الأمة إذا زاد على النصف الآخر بواحد, يكون قولهم حجة وليس كذلك، وإليه ~~أشار المصنف بقوله: مخالفة الثلث, وهو بضم الثاء أي: ثلث الأمة، ويحتمل أن ~~تكون الثاء مفتوحة وأن يكون المراد الثلاثة التي هي اسم العدد، فإن الجماعة ~~الذين نقل المصنف عنهم الخلاف في هذه المسألة، يسلمون أن PageV01P298 # مخالفة الثلاثة قادحة كما اقتضاه كلام الإمام، ونقل الآمدي عن ms415 قوم أن ~~العدد الأقل إن بلغ عدد التواتر قدح في الإجماع, وإلا فلا. قال: "الثانية: ~~لا بد له من سند؛ لأن الفتوى بدون خطأ قيل: لو كان فهو الحجة قلنا: يكونان ~~دليلين, قيل: صححوا بيع المراضاة بلا دليل, قلنا: لا, بل ترك اكتفاء ~~بالإجماع". أقول: ذهب الجمهور إلى أن الإجماع لا بد له من شيء يستند إليه ~~من نص أو قياس؛ لأن الفتوى بدون المستند خطأ؛ لكونه قولا في الدين بغير ~~علم، والأمة معصومة عن الخطأ. ولقائل أن يقول: إنما يكون خطأ عند عدم ~~الإجماع عليه, أما بعد الإجماع فلا؛ لأن الإجماع حق, وحكى الآمدي وغيره عن ~~بعضهم أنه لا يشترط المستند, بل يجوز صدوره عند توفيق, بأن يوفقهم الله ~~تعالى لاختيار الصواب. ولما حكى الإمام هذا المذهب عبر عن التوفيق بالتبخيت ~~تبعا لصاحب المعتمد وهو بالخاء المعجمة, وظن صاحب التحصيل أن المراد ~~بالتبخيت هو الشبهة فصرح به وهو مردود فإنه غير مطابق للأدلة؛ ولأن الإمام ~~قد نص في المسألة التي تلي هذه على جواز الإجماع عن الشبهة، واقتضى كلامه ~~أن لا خلاف فيها, والمراد بالشبهة هو الدليل الظني كأخبار الآحاد ~~والعمومات. قوله: "قيل: لو كان" أي: احتج الخصم بوجهين أحدهما: أن الإجماع ~~لو كان له سند, لكان ذلك السند هو الحجة, وحينئذ فلا يكون للإجماع فائدة. ~~وأجاب المصنف بأن الإجماع والسند يكونان دليلين, واجتماع الدليلين على ~~الحكم جائز ومفيد، وأجاب ابن الحاجب أيضا بأن فائدته سقوط البحث عن الدليل، ~~وحرمة المخالفة الجائزة قبل انعقاد الإجماع لكونه مقطوعا به, وبأن ما ذكروه ~~يقتضي أن لا يجوز انعقاده عن دليل ولا قائل به. الوجه الثاني: أنه لو توقف ~~الإجماع على السند لم يقع بدونه, لكنه قد وقع فإنهم أجمعوا على صحة بيع ~~المراضاة بلا دليل, وجوابه: أنا لا نسلم أنهم أجمعوا عليه من غير دليل, فإن ~~غاية ذلك أنهم لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع فإنه أقوى, وعدم نقل الدليل لا ~~يدل على عدمه. واعلم أن دعوى الإجماع على بيع المراضاة, ذكره أبو ms416 الحسين في ~~المعتمد فقلده فيه الإمام ومن تبعه, فإن أرادوا به المعاطاة وهو الذي فسره ~~به القرافي فهو باطل عند الشافعي، وإن أرادوا غيره فلا بد من بيانه وبيان ~~انعقاد الإجماع فيه من غير سند. قال: "فرعان: الأول: يجوز الإجماع عن ~~الأمارة؛ لأنها مبدأ الحكم قبل الإجماع على جواز مخالفتها, قلنا: قبل ~~الإجماع، قيل: اختلف فيها قلنا: منقوض بالعموم، وخبر الواحد. الثاني: ~~الموافق لحديث لا يجب أن يكون معه خلافا لأبي عبد الله البصري؛ لجواز ~~اجتماع دليلين". أقول: إذا فرعنا على أن الإجماع لا بد له من سند فذلك ~~السند يجوز أن يكون نصا, ويجوز أن يكون ظاهرا، وهل يجوز أن يكون أمارة يعني ~~قياسا؟ فيه مذاهب حكاها الإمام, أصحها عنده وعند الآمدي وأتباعهما كابن ~~الحاجب: أنه جائز وواقع واستدل عليه الآمدي وابن الحاجب بإجماعهم على تحريم ~~شحم الخنزير قياسا على لحمه, وعلى إراقة الشيرج ونحوه إذا ماتت فيه الفأرة، ~~قياسا على السمن، وعلى # PageV01P299 # إمامة أبي بكر قياسا على تقديمه في الصلاة. والثاني: أنه جائز ولكنه غير ~~واقع. والثالث: إن كان القياس جليا جاز وإلا فلا. والرابع: ممتنع مطلقا, ~~واقتصر المصنف على ذكر الخلاف في الجواز واختاره أنه يجوز مطلقا, واستدل ~~عليه بأن الأمارة مبدأ الحكم الشرعي, أي: طريق إليه فجاز أن تكون سندا ~~للإجماع بالقياس على الدليل, واستدل المانعون بوجهين أحدهما: أن الإجماع ~~منعقد على أنه يجوز للمجتهد مخالفة الأمارة, فلو صدر الإجماع عنها لكان ~~يلزم جواز مخالفته؛ لأن مخالفة الأصل تقتضي مخالفة الفرع, لكن مخالفة ~~الإجماع ممتنعة اتفاقا كما مر. وأجاب المصنف بأنه إنما يجوز مخالفة الأمارة ~~قبل الإجماع على حكمها, وأما إذا اقترن بها الإجماع فلا لاعتضادها به. ~~الثاني: أن العلماء مختلفون في الاحتجاج بالقياس, وذلك مانع من انعقاد ~~الإجماع عنها؛ لأن من لا يعتقد حجيتها من المجتهدين لا يوافق القائل ~~بحجيتها، وجوابه أن ذلك منقوض بالعموم وخبر الواحد, فإن الخلاف قد وقع في ~~حجيتها كما تقدم في موضعه مع جواز صدور الإجماع عن كل منهما اتفاقا. ms417 الفرع ~~الثاني: الإجماع الموافق لمقتضى حديث لا يجب أن يكون صادرا عنه؛ لأنه يجوز ~~اجتماع دليلين على المدلول الواحد. وحينئذ فيجوز أن يكون سند الإجماع دليلا ~~غير ذلك الحديث. وقال أبو عبد الله البصري: يجب استناده إليه، ونقله ابن ~~برهان في الأوسط عن الشافعي؛ لأنه لا بد له من سند كما تقدم, وقد تيقنا ~~صلاحية هذا له, والأصل عدم غيره. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في ملخصه: ~~إن كان الخبر متواترا, فلا خلاف في وجوب استناده إليه، وإن كان الآحاد, فإن ~~علمنا ظهور الخبر بينهم وأنهم عملوا بموجبه لأجله فلا كلام، وإن علمنا ~~ظهوره بينهم وأنهم عملوا بموجبه ولكن لم نعلم أنهم عملوا لأجله, ففيه ثلاثة ~~مذاهب ثالثها: إن كان على خلاف القياس فهو مستندهم وإلا فلا, وإن لم يكن ~~ظاهرا بينهم لكن عملوا بما يتضمنه فلا يدل على أنهم عملوا من أجله, وهل ~~يكون إجماعهم على موجبه دليلا على صحته؟ فيه خلاف, منهم من قال: لا يدل كما ~~أن حكم الحاكم لا يدل على صدق الشهود، والصحيح دلالته عليه لأن السمع دل ~~على عصمتهم، بخلاف الشهود. قال: "الثالثة: لا يشترط انقراض المجتمعين؛ لأن ~~الدليل قام بدونه قيل: وافق علي الصحابة -رضي الله عنهم- في منع بيع أم ~~الولد ثم رجع, ورد بالمنع. الرابعة: لا يشترط التواتر في نقله كالسنة. ~~الخامسة: إذا عارضه نص, أول القابل له وإلا تساقطا". أقول: هل يشترط في ~~انعقاد الإجماع موت المجتمعين أم لا؟ اختلفوا فيه فقال الإمام وأتباعه وابن ~~الحاجب: لا يشترط وقال الإمام أحمد وابن فورك: يشترط، وفصل الآمدي بين ~~الإجماع السكوتي وغيره على ما تقدم إيضاحه هناك. وقال إمام الحرمين: إن ~~قطعوا بالحكم فلا اشتراط, وإن لم يقطعوا به بل أسندوه إلى الظن فلا بد من ~~تطاول الزمان، سواء ماتوا أم لا. واستدل المصنف على عدم الاشتراط بأن ~~الدليل الدال على كون الإجماع حجة ليس فيه تعرض للتقييد بانقراضهم فيبقى ~~على إطلاقهم، # PageV01P300 # إذ الأصل عدم التقييد, واستدل الخصم بأنه لو لم يشترط لم ms418 يصح رجوع بعضهم ~~لاستلزام الرجوع مخالفة الإجماع, لكن الرجوع ثابت فإن عليا وافق الصحابة ~~-رضي الله عنهم أجمعين- في منع بيع المستولدة, ثم رجع عنه, فإن قال: كان ~~رأيي ورأي عمر أن لا يبعن, وقد رأيت الآن بيعهن فقال عبيدة السلماني: رأيك ~~مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، وأجاب المصنف بالمنع أي: لا نسلم ثبوت ~~الرجوع، أو معناه: لا نسلم ثبوت الإجماع قبل الرجوع، وهو الذي ذكره في ~~المحصول. قال: لأن كلام علي وعبيدة إنما يدل على اتفاق جماعة لا على أنه ~~قول كل الأمة, ويؤيده أن جماعة من الصحابة قالوا بالجواز أيضا, كما بيناه ~~في اتفاق العصر الأول. المسألة الرابعة: ذهب الإمام والآمدي وأتباعهما كابن ~~الحاجب إلى أن الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة؛ لأن الإجماع دليل يجب ~~العمل به فلا يشترط التواتر في نقله قياسا على السنة, وذهب الأكثرون كما ~~قال الإمام إلى أنه ليس بحجة. قال الآمدي: والخلاف على أن دليل أصل ~~الإجماع, هل هو مقطوع به أو مظنون؟ المسألة الخامسة: إذا عارض الإجماع نص ~~من الكتاب أو السنة, فإن كان أحدهما قابلا للتأويل بوجه ما أول القابل له ~~سواء كان هو الإجماع أو النص جمعا بين الدليلين, وإن لم يكن أحدهما قابلا ~~للتأويل تساقطا؛ لأن العمل بهما غير ممكن والعمل بأحدهما دون الآخر ترجيح ~~من غير مرجح، وهذا كله إذا كانا ظنين. فإنا كانا قطعيين أو كان أحدهما ~~قطعيا والآخر ظنيا, فلا تعارض كما ستعرفه في القياس. "فروع" حكاها في ~~المحصول أحدها: إذ استدل أهل العصر بدليل أو ذكروا للحديث تأويلا فذكر أهل ~~العصر الثاني دليلا آخر أو تأويلا آخر من غير قدح في الأول جاز على الصحيح، ~~ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين لأن الناس لم يزالوا على ذلك في كل عصر من ~~غير إنكار، فكان ذلك إجماعا وقيل: لا؛ لأن الدليل الثاني والتأويل الثاني ~~غير سبيل المؤمنين. الثاني: إجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ~~ليس بحجة خلافا لبعضهم؛ لأن الصحابة رجعوا إليهم في وقائع ms419 كثيرة, فدل على ~~اعتبار قولهم معهم. قال ابن الحاجب: فإن نشأ التابعي بعد إجماعهم, ففي ~~اعتبار موافقته خلاف مبني على انقراض العصر. "الثالث: المبتدع" إن كفرناه ~~فلا عتبار بقوله, لكن لا يجوز التمسك باجتماعنا على كفره في تلك المسائل؛ ~~لأنه إنما ثبت خروجهم عن الإجماع بعد ثبوت كفرهم, فلو أثبتنا كفرهم فيها ~~بإجماعنا للزم الدور، وإن لم نكفره اعتبرنا قوله؛ لأنه من المؤمنين. وحكى ~~ابن الحاجب قولا ثانيا أنه لا يعتبر لفسقه، وثالثا: أن قوله معتبر في حق ~~نفسه لا في حق غيره, بمعنى أنه يجوز له مخالفا الإجماع المنعقد دونه، ولا ~~يجوز لغيره ذلك. الرابع: ارتداد الأمة ممتنع للأدلة على عصمتهم. وقال قوم: ~~لا يمتنع؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك لم يكونوا مؤمنين, فلا يكون سبيلهم سبيل ~~المؤمنين. وأجاب ابن الحاجب بأنه يصدق أن الأمة ارتدت. الخامس: جاحد الحكم ~~المجمع عليه لا يكفر خلافا # PageV01P301 # لبعض الفقهاء، وقال ابن الحاجب: إن إنكار الإجماع الظني ليس بكفر، وفي ~~القطعي ثلاثة مذاهب, المختار إن كان مشهورا للعوام كالعبادات الخمس كفر، ~~وإلا فلا. السادس: الأكثرون أنه لا يجوز أن تنقسم الأمة على قسمين, أحد ~~القسمين مخطئون في مسألة، والقسم الآخر مخطئون في مسألة أخرى؛ لأن خطأهم في ~~مسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا اتفقوا على الخطأ. السابع: يجوز اشتراك ~~الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به؛ لأنه لا محذور فيه, وحجة المخالف أنه ~~لو جاز ذلك لكان عدم العلم به هو سبيل المؤمنين, وحينئذ فيحرم تحصيل العلم ~~به. والفرعان الأخيران لم يذكرهما ابن الحاجب، إلا أنه ذكر فرعا قريبا من ~~الآخير فقال: اختلفوا في جواز عدم علم الأمة بخبر أو دليل راجح, إذا عمل ~~على وفقه. وغير الآمدي بعبارة أخرى فقال: هل يمكن وجود خبر أو دليل لا ~~معارض له, وتشترك الأمة في عدم العلم به؟ اختلفوا فيه فمنهم من جوزه مصيرا ~~منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر ولم يبلغهم, فاشتراكهم في عدم ~~العلم به لا يكون خطأ؛ لأن عدم ms420 العلم ليس فعلهم، وخطأ مكلف من أوصاف فعله، ~~ومنهم من أحاله؛ لأنه يلزم منه امتناع تحصيل العلم به. # PageV01P302 ### | الكتاب الرابع: في القياس ### | مدخل # ... # الجزء الثالث: # بسم الله الرحمن الرحيم # الكتاب الرابع في القياس: # الكتاب الرابع في القياس: وهو "إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر ~~لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت". أقول: القياس والقيس مصدران لقاس ~~بمعنى قدر، يقال: قاس الثوب بالذراع يقيسه قيسا وقياسا إذا قدره به، وهو ~~يتعدى بالباء كما مثلناه بخلاف المستعمل في الشرع فإنه يتعدى بعلى لتضمنه ~~معنى البناء والحل، ثم إن التقدير يستدعي التسوية, فإن التقدير يستلزم ~~شيئين ينسب أحدهما إلى الآخر بالمساواة، وبالنظر إلى هذا أعني المساواة، ~~عبر الأصوليون عن مطلوبهم بالقياس، وقد عرفوه بتعريفات كثيرة، والمختار ~~منها عند الآمدي وابن الحاجب أنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه، والمختار ~~عند الإمام وأتباعه ما ذكره المصنف، ثم إن القياس له أربعة أركان، وهي: ~~الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وقد تضمنها الحد المذكور. فقوله: إثبات ~~كالجنس دخل فيه المحدود وغيره, والقيود التي بعده كالفصل، والمراد بالإثبات ~~هو القدر المشترك بين العلم والاعتقاد والظن، وسواء تعلقت هذه الثلاثة ~~بثبوت الحكم أو بعدمه, والقدر المشترك بينهما هو حكم الذهن بأمر على أمر. ~~وقوله: مثل احترز به عن إثبات خلاف حكم معلوم, فإنه لا يكون قياسا، وأشار ~~به أيضا إلى أن الحكم الثابت في الفرع ليس هو عين الثابت في الأصل، فإن كل ~~عاقل يعلم بالضرورة كون الحار مثلا للحال ومخالفا للبارد، فلو لم يكن تصور ~~المثل والمخالف بدهيا لكان الخالي عن التصور خاليا عن التصديق، وقوله: حكم, ~~هو غير منون على الإضافة لما بعده، وأشار به إلى الركن الأول وهو حكم ~~الأصل، والمراد به ههنا نسبة أمر إلى آخر ليكون شاملا للشرعي والعقلي ~~واللغوي إيجابا كان أو سلبا، فإن القياس يجري فيها كلها على ما ستعرفه. ~~وقوله: معلوم وأشار به إلى الركن الثاني وهو الأصل، قوله: في معلوم آخر ~~أشار به إلى الركن الثالث وهو الفرع، والمراد ms421 بالمعلوم هو المتصور، فدخل ~~فيه العلم المصطلح عليه والاعتقاد والظن، فإن الفقهاء يطلقون لفظ العلم على ~~هذه الأمور، وإنما عبر به ولم يعبر بالشيء؛ لأن القياس يجري في الموجود ~~والمعدوم سواء كان ممتنعا أو ممكنا، والشيء لا يشمل المعدوم إن كان ممتنعا ~~اتفاقا، وكذا إن كان ممكنا عند الأشاعرة، وإنما رجح التعبير به على التعبير ~~بالأصل والفرع لئلا يقال: تصورهما فرع عن تصور # PageV01P303 # القياس فتعريفه بهما دور، وقوله: لاشتراكهما في علة الحكم أشار به إلى ~~الركن الرابع، وهو العلة وسيأتي تعريفها، واحترز بذلك عن إثبات مثل حكم ~~معلوم في معلوم آخر لا للاشتراك في العلة, بل لدلالة نص أو إجماع فإنه لا ~~يكون قياسا. وقوله: عند المثبت ذكره ليتناول الصحيح والفاسد في نفس الأمر، ~~وعبر بالمثبت وهو القائس ليعمم المجتهد والمقلد، كما يقع الآن في ~~المناظرات، قال الآمدي: وهذا الحد يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن ~~إثبات الحكم هو نتيجة القياس، فجعله ركنا في الحد يقتضي توقف القياس عليه ~~وهو دور، وقد يقال: إنما يلزم ذلك أن لو كان التعريف المذكور حدا، ونحن لا ~~نسلمه بل ندعي أنه رسم, وقد أشار إليه إمام الحرمين في البرهان. قال: قيل: ~~"الحكمان غير متماثلين في قولنا لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب ~~بالنذر كالصلاة قلنا: تلازم، والقياس لبيان الملازمة والتماثل حاصل على ~~التقدير، والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا. وفيه بابان: # PageV01P304 # الباب الأول: في بيانه أنه حجة: ### | الباب الأول: في بيان أنه حجة # ، وفيه مسائل". أقول: اعترض بعضهم على هذا الحد، فقال: إنه غير جامع؛ لأن ~~اشتراط تماثل الحكمين مخرج لقياس العكس وهو إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم ~~آخر لوجود نقيض عليه فيه، ومثاله ما قاله المصنف, وتقريره أنه إذا نذر أن ~~يعتكف صائما، فإنه يشترط الصوم في صحة الاعتكاف اتفاقا، ولو نذر أن يعتكف ~~مصليا لم يشترط الجمع اتفاقا، بل يجوز التفريق، واختلفوا في اشتراط الصوم ~~في الاعتكاف بدون نذره معه، فشرطه أبو حنيفة ولم يشترطه ms422 الشافعي، فيقول أبو ~~حنيفة: لو لم يكن الصوم شرطا لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له ~~بالنذر، قياسا على الصلاة, فإنها لما لم تكن لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم ~~تصر شرطا له بالنذر, والجامع بينهما عدم كونهما شرطين حالة الإطلاق، فالحكم ~~الثابت في الأصل أعني: الصلاة عدم كونها شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه ~~كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطا في صحة ~~الاعتكاف، والعلة فيه كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون ~~الصوم شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه وجوبه بالنذر فافترقا حكما وعلة، ~~وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنه غير جامع، فإن الذي سميتموه قياس العكس إنما ~~هو تلازم، فإن المستدل يقوم لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لم يكن ~~واجبا بالنذر، لكنه وجب بالنذر فيكون الصوم شرطا، فهذا في الحقيقة تمسك ~~بنظم التلازم، وإلى هذا أشار بقوله: قلنا تلازم، ثم إن دعوى ملازمة أمر ~~لأمر لا بد من بيانها بالدليل، فبينها المستدل بالقياس المستعمل عند ~~الفقهاء، وهو أن ما ليس بشرط لصحة الاعتكاف لا يجب بالنذر قياسا على ~~الصلاة، وإليه أشاربقوله: والقياس لبيان الملازمة، يعني أن القياس المحدود ~~وهو القياس المستعمل عند الفقهاء قد استعمل ههنا لبيان الملازمة، فتخلص أن ~~قياس العكس مشتمل على تلازم, وعلى القياس المحدود الذي لبيان الملازمة، ثم ~~شرع المصنف يجيب عن كل منهما لاحتمال أن يكون هو المقصود بالإيراد، فأجاب ~~عن الثاني ثم # PageV01P304 # عن الأول، وحاصله: أن الخصم إن اعتمد في إيراد قياس العكس على القياس ~~الذي لبيان الملازمة فهو غير وارد؛ لأن الأصل والفرع فيه متماثلان، لكن ~~التماثل حاصل على التقدير، فإنه على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة ~~الاعتكاف يلزم أن لا يشترط أيضا حالة النذر، كما أن الصلاة لا تشترط في ~~الاعتكاف حالة النذر، فأثبت عدم وجوب الصوم بالنذر بالقياس عدم وجوب الصلاة ~~بالنذر، على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف، والجامع كون كل من ~~الصلاة والصوم غير شرط في ms423 صحة الاعتكاف، فإن قولنا: إثبات مثل حكم معلوم في ~~معلوم آخر أعم من أن يكون حقيقة أو تقديرا، وإلى هذا أشار بقوله: والتماثل ~~حاصل على التقدير، وإن اعتمد الخصم في الإيراد على التلازم فنحن نسلم أنه ~~خارج عن حد القياس، لكن لا يضرنا ذلك فإنه ليس بقياس عندنا؛ لأن أصول الفقه ~~إنما يتكلم فيها على القياس المستعمل في الفقه, والفقهاء إنما يستعملون ~~قياس العلة، وأما ما عداه كالتلازم والاقتراني فإن الذي يسميهما قياسا إنما ~~هم المنطقيون، إذ القياس عندهم قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عند لذاته ~~قولي آخر، والذي يسميه الأصوليون قياسا يسميه المنطقيون تمثيلا، فالتلازم ~~قد عرفته ويعبر عنه بالاستثنائي سواء كان بان أو لا. وأما الاقتراني ~~فكقولهم: كل وضوء عبادة لا بد فيها من النية, ينتج أن كل وضوء فلا بد فيه ~~من النية، وإلى هذا أشار بقوله: والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا، ~~والتقرير المذكور في السؤال والجواب اعتمده واجتنب غيره. قال: "الأولى في ~~الدليل عليه يجب العمل به شرعا، وقال القفال والبصري عقلا، والقاشاني ~~والنهرواني حيث العلة منصوصة أو الفرع بالحكم أولى, كتحريم الضرب على تحريم ~~التأفيف، وداود أنكر التعبد به، وأحاله الشيعة والنظام، واستدل أصحابنا ~~بوجوه, الأول: أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار وهو مأمور ~~به, في قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2] قيل: المراد الاتعاظ، فإن القياس ~~الشرعي لا يناسب صدر الآية، قلنا: المراد القدر المشترك، قيل: الدال على ~~الكلي لا يدل على الجزئي، قلنا: بلى, ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل ~~العموم. قيل: الدلالة ظنية، قلنا: المقصود العمل فيكفي الظن". أقول: اتفق ~~العلماء كما قاله في المحصول قبيل هذه المسألة, على أن القياس حجة في ~~الأمور الدنيوية، واختلفوا في الشرعية، فذهب الجمهور إلى وجوب العمل ~~بالقياس شرعا، وذهب القفال الشاشي من الشافعية وأبو الحسين البصري من ~~المعتزلة إلى أن العقل قد دل على ذلك يعني مع السمع أيضا، كما صرح به في ~~المحصول، وقال القاشاني والنهرواني: يجب العمل به في صورتين, إحداهما: أن ms424 ~~تكون علة الأصل منصوصة إما بصريح اللفظ أو بإيمائه، والثانية: أن يكون ~~الفرع بالحكم أولى من الأصل، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، واعترفا ~~بأنه ليس للعقل هنا مدخل، لا في الوجوب ولا في عدمه، كما قاله في المحصول1 ~~أيضا، وهذه الثانية أبدلها في المستصفى بالحكم الوارد على PageV01P305 # سبب كرجم ماعز، وأبدلها في البرهان بالحكم الذي هو في معنى المنصوص عليه, ~~كقياس صب البول في الماء بالبول فيه، لكنه جعل الثاني من كلام المصنف داخلا ~~في القسم الأول، وأنكر داود الظاهري وأتباعه التعبد به شرعا، أي: قالوا: لم ~~يرد في الشرع ما يدل على العمل بالقياس، وإن كان جائزا عقلا، وهذا الذي ~~ذكره المصنف مخالف لما في المحصول والحاصل، فإن المذكور فيهما أن داود ~~وأصحابه قالوا: يستحيل عقلا التعبد بالقياس كالمذهب الذي ذكره المصنف بعد ~~هذا، لكنه موافق لما نقله عنه الغزالي وإمام الحرمين، وهو مقتضى كلام ~~الآمدي وابن الحاجب أيضا، وذهب جماعة إلى أنه يستحيل عقلا التعبد بالقياس، ~~ونقله المصنف عن النظام والشيعة، وفيه نظر من وجوه، منها أن صاحبي المحصول ~~والحاصل وغيرهما نقلوا عن النظام أنه يقول بذلك في شريعتنا خاصة, قال: لأن ~~مبناها على الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات كما سيأتي. ~~"ومنها" أن المصنف قد ذكر بعد هذا أن القياس الجلي لم ينكره أحد, وأن ~~النظام يقول: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس، فلزم من ذلك أن يكون مذهب ~~النظام كمذهب القاشاني والنهرواني من غير فرق, وقد غاير بينهما وأن يكون ~~مذهب داود والشيعة مخصوصا أيضا، ومنها أن الشيعة منقسمة إلى إمامية وزيدية، ~~والزيدية قائلون بأنه حجة كما سيأتي في كلامه. قوله: استدل أي: استدل ~~أصحابنا على كونه حجة بالكتاب, والسنة، والإجماع، والدليل العقلي، الأول: ~~الكتاب وهو قوله تعالى: {فاعتبروا} ووجه الدلالة أن القياس مجاوزة بالحكم ~~عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار؛ لأن الاعتبار معناه العبور وهو ~~المجاوزة، تقول: جزت على فلان أي: عبرت عليه، والاعتبار مأمور به لقوله ~~تعالى: {فاعتبروا} وإلى الاعتبار أشار المصنف بقوله: ms425 وهو، فينتج أن القياس ~~مأمور به. قوله: "قيل: المراد" أي: اعترض الخصم بثلاثة أوجه, أحدها: لا ~~نسلم أن المراد بالاعتبار هنا هو القياس بل الاتعاظ، فإن القياس الشرعي لا ~~يناسب صدر الآية؛ لأنه حينئذ يكون معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين، فقاسوا الذرة على البر، وهو في غاية الركاكة فيصان كلام البارئ ~~تعالى عنه، وأجاب المصنف بأن المرد بالاعتبار هو القدر المشترك بين القياس ~~والاتعاظ، والمشترك بينهما هو المجاوزة، فإن القياس مجاوزة عن الأصل إلى ~~الفرع كما تقدم، والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه، وكون صدر ~~الآية غير مناسب للقياس بخصوصه لا يستلزم عدم مناسبته للقدر المشترك بينه ~~وبين الاتعاظ، فإن من سئل عن مسألة فأجاب بما لا يتناولها فإنه يكون باطلا، ~~ولو أجاب بما يتناولها ويتناول غيرها فإنه يكون حسنا، والاعتراض الثاني: ~~أنه لا يلزم من الأمر باعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس، فإن ~~القدر المشترك معنى كلي والقياس جزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل ~~على الجزئي, وأجاب في المحصول بوجهين, أحدهما وعليه اقتصر المصنف: أن ما ~~قاله الخصم من كون الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها ~~على التعيين، # PageV01P306 # مسلم لكن ههنا قرينة دالة على العموم وهي جواز الاستثناء، فإنه يصح أن ~~يقال: "اعتبروا" إلا في الشيء الفلاني، وقد تقدم غير مرة أن الاستثناء ~~معيار العموم، وهذا الجواب ضعيف؛ لأن الاستثناء إنما يكون معيار العموم إذا ~~كان عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله إما قطعا أو ظنا، ونحن لا نسلم أن ~~الاستثناء بهذا التفسير يصح هنا، فإن الفعل في سياق الإثبات لا يعم، وأيضا ~~فإن هذا الجواب لو صح لأمكن اطراده في سائر الكليات فلا يوجد كلي إلا وهو ~~يدل على سائر الجزئيات وهو باطل. والجواب الثاني: أن ترتيب الحكم على الشيء ~~يقتضي العلية، وذلك يقتضي أن علة الأمر بالاعتبار هو كونه اعتبارا، فلزم أن ~~يكون كل اعتبار مأمورا به وهو أيضا ضعيف، لما قاله صاحب التحصيل من كونه ms426 ~~إثباتا للقياس بالقياس, وقد يجاب آخر وهو أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم ~~يدل على وجوب الجزئيات لكنه يقتضي التخيير بينهما عند عدم القرينة، ~~والتخيير يقتضي جواز العمل بالقياس، وجواز العمل به يستلزم وجوب الفعل به؛ ~~لأن كل من قال بالجواز قال بالوجوب. الاعتراض الثالث: سلمنا أن الآية تدل ~~على الأمر بالقياس، لكن لا يجوز التمسك بها لأن التمسك بالعموم واشتقاق ~~الكلمة كما تقدم إنما يفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل ~~العملية وهي الفروع بخلاف الأصول؛ لفرط الاهتمام بها، وأجاب المصنف بأنا لا ~~نسلم أنها عملية؛ لأن المقصود من كون القياس حجة إنما هو العمل به لا مجرد ~~اعتقاده كأصول الدين، والعمليات يكتفى فيها بالظن فكذلك ما كان وسيلة ~~إليها، هذا هو الصواب في تقديره، وقد صرح به في الحاصل وهو رأي أبي الحسين، ~~وإن كان الأكثرون كما نقله الإمام والآمدي, قالوا: إنه قطعي، وأما قول بعض ~~الشارحين: إنه يكتفى فيها بالظن مع كونها علمية لكنها وسيلة, فباطل قطعا؛ ~~لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة، وقد التزم في المحصول هذا السؤال ~~ولم يجب عنه. قال: "الثاني: قصة معاذ وأبي موسى قيل: كان ذلك قبل نزول ~~{اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] قلنا: المراد الأصول لعدم النص على ~~جميع الفروع. الثالث: أن أبا بكر قال في الكلالة: أقول برأيي: للكلالة ما ~~عدا الوالد والولد، والرأي هو القياس إجماعا، وعمر أمر أبا موسى في عهده ~~بالقياس وقال في الجد: أقضي فيه برأيي، وقال عثمان: إن اتبعت رأيك فسديد، ~~وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد، وقاس ابن عباس الجد على ابن ~~الابن في الحجب, ولم ينكر عليهم وإلا لاشتهر. قيل: ذموه أيضا، قلنا: حيث ~~فقد شرطه توفيقا. الرابع: أن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع, ~~يوجب ظن الحكم في الفرع والنقصان ولا يمكن العمل بهما ولا الترك لهما, ~~والعمل بالمرجوح ممنوع فتعين العمل بالراجح". # أقول: الدليل الثاني على حجية القياس: السنة, فإنه روي "أن النبي -صلى ms427 ~~الله عليه وسلم- بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قاضيين, كل واحد منهما في ~~ناحية فقال لهما: "بم تقضيان؟ " فقالا: # PageV01P307 # إذا لم نجد الحكم في السنة نقيس الأمر بالأمر, فما كان أقرب إلى الحق ~~عملنا به, فقال عليه الصلاة والسلام: "أصبتما" 1 واعترض الخصم بأن تصويب ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قبل نزول قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} فيكون القياس حجة في ذلك الزمان؛ لكون النصوص غير وافية بجميع ~~الأحكام, وأما بعد إكمال الدين والتنصيص على الأحكام فلا يكون حجة؛ لأن شرط ~~القياس فقدان النص. والجواب أن التصويب دال على كونه حجة مطلقا، والأصل عدم ~~التخصيص بوقت دون وقت، المراد من الإكمال المذكور في الآية إنما هو إكمال ~~الأصول؛ لأنا نعلم أن النصوص لم تشتمل على أحكام الفروع كلها مفصلة, فيكون ~~القياس حجة في زماننا لإثبات تلك الفروع. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث ~~على حجية القياس: الإجماع، فإن الصحابة قد تكرر منهم القول به من غير إنكار ~~فكان ذلك إجماعا, بيانه أن أبا بكر -رضي الله عنه- سئل عن الكلالة فقال: ~~أقول فيها برأيي, فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن حطأ فمني ومن الشيطان, ~~الكلالة: ما عدا الوالد والوالدة والرأي هو القياس إجماعا كما قاله المصنف، ~~وأيضا فإن عمر رضي الله عنه لما ولى أبا موسى الأشعري البصرة وكتب له العهد ~~أمره فيه بالقياس، فقال: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك، وقال عمر ~~أيضا في الجد: أقضي فيه برأيي, وقال عثمان لعمر: إن اتبعت رأيك فسديد وإن ~~تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي, وقال علي رضي الله عنه: اجتمع رأيي ورأي عمر ~~في أمهات الأولاد أن لا يبعن وقد رأيت الآن بيعهن، وقال ابن عباس -رضي الله ~~عنهما: الجد على ابن الابن في حجب الإخوة، وقال: ألا لا يتقي الله زيد بن ~~ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا؟! فثبت صدور القياس بما ~~قلناه وبغيره من الوقائع الكثيرة المشهورة الصادرة عن أكابر الصحابة التي ~~لا ينكرها إلا ms428 معاند، ولم ينكر أحد ذلك عليهم وإلا لاشتهر إنكاره أيضا، ~~فكان ذلك إجماعا، فإن قيل: الإجماع السكوتي ليس بحجة، قلنا: قد تقدم أن محل ~~ذلك عند عدم التكرار فراجعه، وهذا الدليل هو الذي ارتضاه ابن الحاجب وادعى ~~ثبوته بالتواتر، ضعف الاستدلال بما عداه. قوله: قيل: ذموه أيضا أي: لا نسلم ~~أن الباقين لم ينكروا, فقد نقل عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنه قال: أي سماء ~~تظلني وأي أرض تقلني, إذا قلت في كتاب الله برأيي، ونقل عن عمر أنه قال: ~~إياكم وأصحاب الرأي, فإنهم أعداء السنن, أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا ~~بالرأي, فضلوا وأضلوا. وعنه أيضا: إياكم والمكايلة قيل: وما المكايلة؟ قال: ~~المقايسة. وقال علي -كرم الله وجهه: لو كان الدين يؤخذ قياسا, لكان باطن ~~الخف أولى بالمسح من ظاهره. وعن ابن عباس أنه قال: "يذهب قراؤكم وصلحاؤكم, ~~ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيمون الأمور برأيهم". وأجاب PageV01P308 # المصنف بأن الذين نقل لهم أو عنهم إنكاره هم الذين نقل عنهم القول به, ~~فلا بد من التوفيق بين النقلين، فيحمل الأول على القياس الصحيح، والثاني ~~على الفاسد توفيقا بين النقلين وجمعا بين الروايتين. "قوله تعالى" أي: ~~الدليل الرابع وهو الدليل, أن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل ~~معللا بالعلة الفلانية ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع, يحصل له بالضرورة ~~ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم لحصول الوهم بنقيضه، ~~وحينئذ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين, ولا أن ~~يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن؛ ~~لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعا وعقلا، فتعين العلم بالظن، ~~ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك، وهذا الدليل قد تقدم الكلام عليه في ~~تعريف الفقه. قال: "احتجوا بوجوه, الأول: قوله تعالى: {لا تقدموا} {وأن ~~تقولوا} {ولا تقف} [الإسراء: 36] {ولا رطب} [الأنعام: 59] {وإن الظن} ~~[النجم: 28] قلنا: إن الحكم مقطوع والظن في طريقه. الثاني: قوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "تعمل هذه الأمة برهة ms429 بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس, ~~فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" 1 الثالث: ذم بعض الصحابة له من غير نكير، قلنا: ~~معارضان بمثلهما فيجب التوفيق. الرابع: نقل الإمامية إنكاره عن العترة ~~قلنا: معارض بنقل الزيدية. الخامس: أنه يؤدي إلى الخلاف والمنازعة, وقد قال ~~الله تعالى: {ولا تنازعوا} [الأنفال: 46] قلنا: الآية في الآراء والحروب ~~لقوله -عليه الصلاة والسلام: "اختلاف أمتي رحمة" 2 السادس: الشارع فصل بين ~~الأزمنة والأمكنة في الشرف، والصلوات في القصر، وجمع بين الماء والتراب في ~~التطهير، وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء دون الأمة الحسناء، وقطع سارق ~~القليل دون غاصب الكثير, وجلد بقذف الزنا, وشرط فيه شهادة أربعة دون الكفر، ~~وذلك ينافي القياس، قلنا: القياس حيث عرف المعنى". أقول: احتج المنكرون ~~للقياس بستة أوجه من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول, الأول: الكتاب وهو ~~آيات, فمنها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله} [الحجرات: 1] والقول بمقتضى القياس تقديم {بين يدي الله ورسوله} ~~لكونه قولا بغير الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: {أن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} [البقرة: 169] قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] ووجه الدلالة أن الحكم الثابت بالقياس غير معلوم لكونه ~~متوقفا على أمور لا يقطع بوجودها, فلا يجوز العمل به للآية، ومنها قوله ~~تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] فإنه يدل على ~~اشتمال الكتاب على الأحكام كلها، وحينئذ فلا يجوز العمل بالقياس؛ لأن شرطه ~~فقدان النص، ومنها قوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] ~~PageV01P309 # والقياس ظني فلا يغني شيئا, وأجاب المصنف بأن الحكم بمقتضى القياس مقطوع ~~به، والظن وقع في الطريق الموصلة إليه، كما تقدم تقديره في حد الفقه، وهذا ~~الجواب ليس شاملا للآية الأولى، ولا للآية الرابعة، بل الجواب عن الأولى ~~أنه لما أمرنا الله تعالى ورسوله بالقياس، لم يكن القول به تقديما بين يدي ~~الله ورسوله، والجواب عن الرابعة أنه يستحيل أن يكون المراد منها اشتمال ~~الكتاب على جميع الأحكام الشرعية ms430 من غير واسطة, فإنه خلاف الواقع بل المراد ~~دلالتها من حيث الجملة سواء كان بوسط أو بغير وسط، وحينئذ فلا يلزم من ذلك ~~عدم الاحتياج إلى القياس؛ لأن الكتاب على هذا التقدير لا يدل على بعضها إلا ~~بواسطة القياس, فيكون القياس محتاجا إليه. قوله: الثاني أي: الدليل الثاني ~~على إبطال القياس: السنة وهو الحديث الذي ذكره المصنف ودلالته ظاهرة. قوله: ~~"الثالث" أي: الدليل الثالث: الإجماع، فإن بعض الصحابة قد ذمه كما تقدم ~~إيضاحه في أدلة الجمهور، وسكت الباقون عنه فكان إجماعا, وأجاب المصنف عن ~~السنة والإجماع بأنهما معارضان بمثلهما، إذا سبق أيضا فيجب التوفيق بينهما ~~بأن يحمل العمل به على القياس الصحيح وإنكاره على القياس الفاسد. قوله: ~~"الرابع" أي: الدليل الرابع: أن الإمامية من الشيعة قد نقلوا عن العترة ~~يعني: أهل البيت إنكارا للعمل بالقياس وإجماع العترة حجة، وجوابه أن نقل ~~الإمامية معارض بنقل الزيدية، فإنهم من الشيعة أيضا، وقد نقلوا إجماع ~~العترة على العمل بالقياس على أنه تقدم أن إجماعهم ليس بحجة. قوله: ~~"الخامس" أي: الدليل الخامس: المعقول، وهو أن القياس يؤدي إلى الخلاف ~~والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء، ولأنه تابع للأمارات والأمارات مختلفة، ~~وحينئذ فيكون ممنوعا لقوله تعالى: {ولا تنازعوا} [الأنفال: 46] . وأجاب في ~~المحصول بأن هذا الدليل بعينه قائم في الأدلة العقلية، فما كان جوابا لهم ~~كان جوابا لنا، وأجاب المصنف بأن الآية إنما وردت في الآراء والحروب لقرينة ~~قوله تعالى: {فتفشلوا وتذهب ريحكم} ، فأما التنازع في الأحكام فجائز لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام: "اختلاف أمتي رحمة" وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا ~~صاحب الحاصل. قوله: "السادس" أي: الدليل السادس وهو من المعقول أيضا, وعليه ~~اعتمد النظام: أن الشارع فرق بين المتماثلات وجمع بين المختلفات، وأثبت ~~أحكاما لا مجال للعقل فيها، وذلك كله ينافي القياس لأن مدار القياس على ~~إبداء المعنى، وعلى إلحاق صورة بصورة أخرى تماثلها في ذلك المعنى, وعلى ~~التفريق بين المختلفات كما ستعرفه من قبول الفرق عند إبداء الجامع، أما ~~بيان التفريق بين المتماثلات فإن الشارع قد ms431 فرق بين الأزمنة في الشرف, ففضل ~~ليلة القدر والأشهر الحرم على غيرهما، وكذلك الأمكنة كتفضيل مكة والمدينة ~~مع استواء الزمان والمكان في الحقيقة، وفرق أيضا بين الصلوات في القصر فرخص ~~في قصر الرباعية دون غيرها، وأما بيان الجمع بين المختلفات؛ فلأنه جمع بين ~~الماء والتراب في جواز الطهارة بهما في أن الماء ينظف # PageV01P310 # والتراب يشوه، وأما بيان الأحكام التي لا مجال للعقل فيها فلأنه تعالى ~~أوجب للتعفيف أي: غض البصر بالنسبة إلى الحرة الشوهاء شعرها وبشرتها مع أن ~~الطبع لا يميل إليها، دون الأمة الحسناء التي يميل إليها الطبع. ويحتمل أن ~~يريد المصنف بالتعفف وجوب الستر، أو يريد به كون الواطئ للحرة يصير محصنا ~~دون واطئ الأمة، وأيضا فلأنه تعالى أوجب القطع في سرقة القليل دون غصب ~~الكثير, وأوجب الجلد على القاذف بالزنا دون الكفر، أي: بخلاف القاذف الكفر ~~كما قاله في المحصول1، وشرط في شهادة الزنا شهادة أربعة رجال واكتفى في ~~الشهادة على القتل باثنين مع كونه أغلظ من الزنا، وأجاب المصنف بأنا إنما ~~ندعي وجوب العمل بالقياس حيث عرف المعنى أي: العلة الجامعة مع انتفاء ~~المعارض. وغالب الأحكام من هذا القبيل، وما ذكرتم من الصور فإنها نادرة لا ~~تقدح في حصول الظن الغالب, لا سيما والفرق بين المتماثلات يجوز أن يكون ~~لانتفاء صلاحية ما يوهم أنه جامع، أو لوجود معارض، وكذلك المختلفات يجوز ~~اشتراكها في معنى جامع، وقد ذكر الفقهاء معاني هذه الأشياء. قال: "الثانية: ~~قال النظام والبصري وبعض الفقهاء: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس، وفرق ~~أبو عبد الله بين الفعل والترك. لنا أنه إذا قال: حرمت الخمر لكونها مسكرة, ~~يحتمل عليه الإسكار مطلقا، وعلية إسكارها، قيل: الأغلب عدم التقييد، قلنا: ~~فالتنصيص وحده لا يفيد, قيل: لو قال: علة الحرمة الإسكار لاندفع الاحتمال, ~~قلنا: فيثبت الحكم في كل الصور بالنص". أقول: ذهب النظام وأبو الحسين ~~البصري وجماعة من الفقهاء وكذا الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب إلى أن ~~التنصيص على علة الحكم أمر بالقياس مطلقا, سواء كان ms432 في طرف الفعل كقوله: ~~تصدقوا على هذا لفقره أو الترك كقوله: حرمت الخمر لإسكارها. وقال أبو عبد ~~الله البصري: التنصيص على علة الفعل لا يكون أمرا بالقياس بخلاف علة الترك, ~~والصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما أنه لا يكون أمرا به مطلقا, بل لا بد ~~في القياس من دليل يدل عليه ونقله الآمدي عن أكثر الشافعية ولم يصرح المصنف ~~بالمذهب المختار لإشعار الدليل به, والذي نقله هنا عن النظام هو المشهور ~~عنه وعلى هذا فيكون النقل المتقدم عنه وهو استحالة القياس إنما محله عند ~~عدم التنصيص على العلة, ونقل عنه الغزالي في المستصفى أن التنصيص على العلة ~~يقتضي تعميم الحكم في جميع مواردها بطريق عموم اللفظ لا بالقياس. قوله: ~~"لنا" أي: الدليل على ما قلناه أن الشارع إذا قال مثلا: حرمت الخمر لكونها ~~مسكرة, فإنه يحتمل أن يكون علة الحرمة هو الإسكار مطلقا, ويحتمل أن يكون ~~إسكار الخمر بحيث يكون قيد الإضافة إلى الخمر معتبرا في العلة؛ لجواز ~~اختصاص إسكارها بترتب مفسدة عليه دون إسكار النبيذ، وإذا احتمل الأمران ~~PageV01P311 # فلا يتعدى التحريم إلى غيرها إلا عند ورود الأمر بالقياس، وإذا ثبت ذلك ~~في جانب الترك ثبت في الفعل بطريق الأولى لما تقدم، ولقائل أن يقول: هذا ~~الدليل بعينه يقتضي امتناع القياس عند التنصيص على العلة مع ورود الأمر به ~~أيضا. قوله: "قيل: الأغلب" أي: اعترض الخصم من وجهين، أحدهما: أن الأغلب ~~على الظن في هذا المثال كون الإسكار علة للتحريم مطلقا؛ لأنه وصف مناسب ~~للحكم، وأما كونه من خمر أو غيره فلا أثر له، وحينئذ فيجب ترتب الحكم عليه ~~حيث وجد، ويحتمل أن يريد أن الأغلب في العلل تعديتها دون تقييدها بمحل ~~الحكم بالاستقراء، وأجاب المصنف بأن النزاع إنما هو في أن التنصيص على ~~العلة هل يستقل بإفادة وجوب القياس أم لا؟ وما ذكرتم يقتضي أنه لا بد أن ~~يضم إليه كون العلة مناسبة أو أن الغالب عدم تقييدها بالمحل, ويحتمل أن ~~يريد ما ذكره في المحصول وهو أن مجرد التنصيص ms433 على العلة لا يلزم منه الأمر ~~بالقياس ما لم يدل دليل على وجوب إلحاق الفرع بالأصل للاشتراك في العلة، ~~أعني: الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس. الاعتراض الثاني: أن الاحتمال ~~الذي ذكرتموه وهو كون العلة إسكار الخمر, مخصوص بالمثال المذكور فلا يتمشى ~~دليلكم في غيره، كما إذا قال الشارع: علة حرمة الخمر هو الإسكار، فإن ~~احتمال التقييد بالمحل ينقطع ههنا وتثبت الحرمة في كل الصور، وأجاب المصنف ~~بأنا نسلم ثبوت الحكم ههنا في كل الصور, لكنه يكون بالنص لا بالقياس، قال ~~في المحصول: لأن العلم بأن الإسكار من حيث هو إسكار يقتضي الحرمة, موجب ~~العمل بثبوت هذا الحكم في كل مسكر، من غير أن يكون العلم ببعض الأفراد ~~متأخرا عن العلم بالبعض الآخر، وحينئذ فلا يكون هذا قياسا لأنه ليس جعل ~~البعض أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس, وإنما يكون قياسا إذا قال: حرمت ~~الخمر لكونه مسكرا. واعلم أن الذهاب إلى أن الشارع إذا قال: علة حرمة الخمر ~~وهو الإسكار أن الحكم يكون ثابتا في النبيذ وغيره من المسكرات بالنص جزم به ~~في المحصول وهو مشكل، فإن اللفظ لم يتناول، ولعل هذا هو المقتضى لكون ~~المصنف عبر بقوله علة الحرمة هو الإسكار, لكنه لا يستقيم من وجه آخر، وهو ~~أن السائل لم يورد السوائل هكذا، فتعبيره بهذا حجر على السائل، وأيضا فلأنه ~~يقتضي حصر التحريم في الإسكار وهو باطل قطعا، واستدل أبو عبد الله البصري ~~على مذهبه بأن من ترك أكل شيء لكونه مؤذيا, فإنه يدل على تركه لكل مؤذ، ~~بخلاف من ارتكب أمرا لمصلحة كالتصدق على فقير فإنه لا يدل على تصدقه على كل ~~فقير. والجوب أنا لا نسلم أنه يدل على تركه لكل مؤذ، سلمناه لكنه لقرينة ~~التأذي لا لمجرد التنصيص على العلة. قال: "الثالثة: القياس إما قطعي أو ~~ظني, فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف, أو مساويا ~~كقياس الأمة على العبد في السراية, أو أدون كقياس البطيخ على البر في ~~الربا, قيل: تحريم التأفيف ms434 يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول ~~الملك للجلاد: اقتله ولا تستخف # PageV01P312 # به، قيل: لو ثبت قياسا لما قال به منكره، قلنا: القطعي لم ينكر, قيل: نفي ~~الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقوله: فلان لا يمتلك الحبة ولا النقير ولا ~~القطمير، قلنا: أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل، وأما الثاني ~~فلأن النقل فيه ضرورة ولا ضرورة ههنا". أقول: هذه المسألة قررها الشارحون ~~على غير وجهها وقد يسر الله الكريم وجه الصواب فيها، فنقول: الكلام هنا في ~~أمرين أحدهما: القياس، والثاني: الحكم الذي في الأصل، فأما القياس نفسه وهو ~~الإلحاق والتسوية، فقد يكون قطعيا، وقد يكون ظنيا، فالقطعي كما قاله في ~~المحصول يتوقف على مقدمتين فقط، إحداهما: العلم بعلة الحكم، والثانية: ~~العلم بحصول مثل تلك العلة في الفرع، فإذا علمهما المجتهد علم ثبوت الحكم ~~في الفرع، سواء كان ذلك الحكم مقطوعا به أو مظنونا، ثم مثل له أعني: الإمام ~~بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، فإنه قياس قطعي؛ لأنا نعلم أن العلة ~~هي الأذى ونعلم وجودها فيالضرب، ولكن الحكم ههنا ظني؛ لأنه دلالة الألفاظ ~~عنده لا تفيد إلا الظن كما تقدم نقله عنه، فتلخص أن القياس في هذا المثال ~~قطعي والحكم المستفاد منه ظني، وحاصله أنا قطعنا بإلحاق هذا الفرع في ذلك ~~الأصل في حكمه المظنون، وأما القياس الظني فهو أن تكون إحدى المقدمتين أو ~~كلتاهما مظنونة كقياس السفرجل على البر في الربا، بأن الحكم بأن العلة هي ~~الطعم ليس مقطوعا به لجواز أن تكون هي الكيل أو القوت كما قاله الخصم، وإلى ~~هذا كله أشار المصنف بقوله: القياس إما قطعي أو ظني، الأمر الثاني: الحكم ~~الذي في الأصل، قال في المحصول: فينظر فيه, فإن كان قطعيا فيستحيل أن يكون ~~الحكم في الفرع أولى منه, قال: لأنه ليس فوق اليقين مرتبة، والذي قال مبني ~~على أن العلوم لا تتفاوت, وقد تقدم الكلام عليه في الخبر المتواتر, قال: ~~فإن لم يكن قطعيا أي: سواء كان القياس قطعيا أم لم ms435 يكن، فثبوت الحكم في ~~الفرع قد يكون أولى من ثبوته في الأصل، وقد يكون مساويا له، وقد يكون دونه، ~~فالأولى كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، فإن الأذى فيه أكثر, أما ~~المساوي فكقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل, فإنه قد ~~ثبت في العبد بقوله -عليه الصلاة والسلام: $"من أعتق شركا له في عبد, قدم ~~عليه" ثم قسنا عليه الأمة وهما متساويان في هذا الحكم لتساويهما في علته، ~~وهي تشوف الشارع إلى العتق، ويسمى هذان القسمان بالقياس في معنى الأصل, ~~ويسميان أيضا بالقياس الجلي وهو ما يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل ~~والفرع، فإنا نقطع بأن الفارق بين العبد والأمة وهو الذكورة والأنوثة لا ~~تأثير لهما في أحكام العتق، وأما الأدون فهي الأقيسة التي تستعملها الفقهاء ~~في مباحثهم، كقياس البطيخ على البر في الربا بجامع الطعم، فإنه يحتمل أن ~~تكون العلة إنما هو القوت أو الكيل، هكذا علله بعض الشارحين وعلله بعضهم ~~بأن الطعم في المقتات أكثر مما هو في البطيخ، وإلى هذا كله أشار المصنف ~~بقوله: فيكون الفرع إلى آخره، # PageV01P313 # وهو متفرع على القياس من حيث هو، وليس مفرعا عن القياس الظني، وإن أوهمه ~~كلام المصنف وصرح به الشارحون أيضا؛ ولهذا فإن الإمام جعلهما مسألتين ~~مستقلتين وقررهما بمعنى الذي قررته من أوله إلى آخره، والذي ذكره الشارحون ~~هنا سببه ذهولهم عن تقرير كلام الإمام على وجهه، فلزمهم أن يكون المنهاج ~~مخالفا لأصلية الحاصل والمحصول من وجوه، وأن يكونا قد ناقضا كلاميهما بعد ~~أسطر قلائل مناقضة فظيعة حتى صرح بعضهم بها بناء على زعمه, ويعرف ذلك ~~بمراجعة المحصول, ومنشأ الغلط توهمهم أن القياس إنما يكون قطعيا إذا كان ~~حكم الأصل قطعيا وهو عجيب، فإنه مع كونه مخالفا للمحصول واضح البطلان؛ لأن ~~القياس هو التسوية وقد يقطع بتسوية الشيء بالشيء في حكمه المظنون كما تقدم ~~إيضاحه، ومثال ذلك من خارج أن الإجماع منعقد على تسوية الخالة بالخال في ~~الإرث أي: توريثها أيضا، كما ورثناه بمقتضى قوله ms436 -صلى الله عليه وسلم: ~~"الخال وارث من لا وارث له" 1 وعلى تقدير ثبوته، فالإرث مظنون والتسوية ~~مقطوع بها، نعم الحكم الثابت بالقياس المظنون لا يكون إلا مظنونا. واعلم أن ~~في كلام المصنف نظرا من وجهين, أحدهما: أن تقسيم القياس إلى أدون أراد به ~~ضعف العلة، يعني: أن ما فيها من المصلحة أو المفسدة دون ما في الأصل، فهذا ~~يقتضي أن لا يجوز القياس؛ لأن شرطه وجود العلة بكمالها في الفرع كما سيأتي، ~~وإن أراد به شيئا آخر فلا بد من بيانه. الثاني: أن الحكم على تحريم الضرب ~~وغيره من أمثلة فحوى الخطاب بأنه من باب القياس, يقتضي أن اللفظ لا يدل ~~عليه؛ لأن القياس إلحاق مسكوت عنه بملفوظ به، لكنه قد ذكر قبيل الأوامر ~~والنواهي أن اللفظ يدل عليه بالالتزام، وسماه مفهوم موافقة، وهذا وارد أيضا ~~على كلام الإمام وأتباعه، وتقدم التنبيه عليه واضحا، ومنهم من قال: المنع ~~من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي وهو التلفظ بأف إلى المنع من ~~أنواع الأذى كما سيأتي ذكره والاستدلال عليه, فعلى هذا يكون الضرب ثابتا ~~بالمنطوق لا بالمفهوم كما زعمه بعض الشارحين, فتحصلنا على ثلاثة مذاهب ~~ذكرها من تكلم على المحصول، والذي اختاره المصنف هنا وهو كونه قياسا نقله ~~في البرهان عن معظم الأصوليين, ونص عليه الشافعي في الرسالة في أواخر باب ~~تثبيت خبر الواحد. ثم قال: وقد يمتنع بعض أهل العلم أن يسمي هذا قياسا، ~~واعلم أنا إذا قلنا: إنه يكون قياسا فيكون قطعيا بلا نزاع إلا على الوهم ~~السابق فاعرفه. "قوله: قيل: تحريم" أي: استدل القائل بأن التأفيف يدل على ~~تحريم أنواع الأذى بثلاثة أوجه، أحدها: ما فهم أهل العرف له، وجوابه أنه لو ~~كان كذلك لم يحسن من الملك إذا استولى على عدوه أن يأمر الجلاد بقتله ~~وينهاه عن الاستخفاف به، لكون النهي عن الاستخفاف على هذا التقدير يدل ~~بالالتزام على PageV01P314 # القتل لكنه يصح، هكذا أجاب به الإمام فقلده فيه المصنف، وفيه نظر من ~~وجهين، أحدهما: أنه لا ms437 يطابق المدعي أصلا؛ لأن الكلام في نقل التأفيف لا في ~~نقل الاستخفاف، ولا يلزم من عدم النقل في لفظه عدم النقل في أخرى، فلو قال: ~~ولا نقل له: أف, لاستقام. الثاني: أن النهي عن الاستخفاف أو التأفيف لا يدل ~~على تحريم القتل نصا بل ظاهرا، فغاية ذلك أنه صرح بمخالفة الظاهر، وأمر ~~ببعض أنواع الاستخفاف، ونهى عن الباقي لغرض، فالأولى في الجواب منع النقل, ~~وقد أجاب به الإمام أيضا. الدليل الثاني: أن تحريم الضرب لو ثبت بالقياس ~~لخالف فيه من يخالف في القياس، وأجيب أن هذا هو القياس الجلي كما تقدم، ~~والمنكرون للقياس لم ينكروه بل إنما أنكروا القياس الخفي فقط. الثالث: أن ~~نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى, كقولهم: فلان لا يملك الحبة، فإنه يدل على ~~نفي الدرهم والدينار وغيرهما، وكقولهم: لا يملك النقير ولا القطمير فإنه ~~يدل على أنه لا يملك شيئا البتة من غير نظر إلى القياس, فكذلك نفي التأفيف ~~مع الضرب، والنقير هو النقرة التي على ظهر النواة, والقطمير هو ما في شقها، ~~هكذا قال في المحصول1، ولكن المعروف وهو المذكور في الصحاح أن الذي في شقها ~~هو الفتيل، وأما القطمير فهو القشرة الرقيقة أي: الثوب، وأجاب المصنف بأن ~~المثال الأول إنما دل فيه نفي الأدنى على نفي الأعلى لكون الأدنى وهو ~~الحبة, جزءا للأعلى ونفي الجزء مستلزم لنفي الكل، وأما الثاني وهو النقير ~~والقطمير، فنحن نعلم بالضرورة من هذا المثال أنه ليس المراد نفيهما، بل نفي ~~ما يساوي شيئا، فدعوى النقل فيهما ضرورية بخلاف صورة النزاع فإنه لا ضرورة ~~فيها إلى دعوى النقل؛ لجواز الحمل على المعنى اللغوي، ولك أن تقول: الحبة ~~اسم للواحد مما يزرع, فلا يلزم من نفيها نفي غيرها, فإن ادعى المجيب أن ~~التقدير ليس عنده زنة حبة، قلنا: الأصل عدم الحذف. فإن ادعى اشتهاره في ~~العرف فيلزم أن تكون اللفظة منقولة أيضا وتستوي الأمثلة. قال: "الرابعة: ~~القياس يجري في الشرعيات حتى الحدود والكفارات لعموم الدلائل، وفي العقليات ~~عند أكثر المتكلمين, وفي ms438 اللغات عند أكثر الأدباء دون الأسباب والعادات أقل ~~الحيض وأكثره". أقول: الصحيح وهو مذهب الشافعي كما قاله الإمام أن القياس ~~يجري في الشرعيات كلها، أي: يجوز التمسك به في إثبات كل حكم حتى الحدود ~~والكفارات والرخص والتقديرات إذا وجدت شرائط القياس فيها، وقالت الحنفية: ~~لا يجوز القياس في هذه الأربعة، ورأيت في باب الرسالة من كتاب البويطي ~~الجزم به في الرخص، ولأجل ذلك اختلف جواب الشافعي في جواز العرايا في غير ~~الرطب والعنب قياسا، وذهب الجبائي والكرخي إلى أن القياس لا يجري في أصول ~~العبادات كإيجاب الصلاة PageV01P315 # بالإيماء في حق العاجز عن الإتيان بها بالقياس على إيجاب الصلاة قاعدا في ~~حق العاجر عن القيام، والجامع بينهما هو العجز عن الإتيان بها على الوجه ~~الأكمل، وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه لا يجري في جميع الأحكام؛ لأنه ثبت ~~فيها ما لا يعقل معناه كالدية, ثم استدل المصنف على الجواز بأن الأدلة ~~الدالة على حجية القياس عامة غير مختصة بنوع دون نوع، فمثال الحدود إيجاب ~~قطع النباش قياسا على السارق والجامع أخذ مال الغير خفية. قال الشافعي: وقد ~~كثرت أقيستهم فيها حتى عدوها إلى الاستحسان، فإنهم زعموا فيما إذا شهد ~~أربعة على شخص بأنه زنى بامرأة وعين كل شاهد منهم زاوية أنه يحد استحسانا، ~~مع أنه على خلاف العقل فلأن يعمل به فيما يوافق العقل أولى، ومثال الكفارات ~~إيجابها على قاتل النفس عمدا بالقياس على المخطئ، قال الشافعي: ولأنهم ~~أوجبوا الكفارة في الإفطار بالأكل قياسا على الإفطار بالجماع، وفي قتل ~~الصيد خطأ قياسا على قتله عمدا، والحنفية حاولوا الاعتذار عما وقعوا فيه، ~~فقالوا: إن هذا ليس بقياس، وإنما هو استدلال على موضع الحكم لحذف الفوارق ~~الملغاة، وهذا لا ينفعهم فإنه قياس من حيث المعنى لوجود شرائط القياس فيه، ~~ولا عبرة بالتسمية, وأما الرخص فقد قاسوا فيها وبالغوا كما قال الشافعي, ~~فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص، وهم قد عدوه إلى كل ~~النجاسات، قال: وأما المقدرات فقد قاسوا فيها حتى ذهبوا ms439 إلى تقديراتهم في ~~الدلو والبئر، يعني: أنهم فرقوا في سقوط الدواب إذا ماتت في الآبار، فقالوا ~~في الدجاجة ينزح كذا وكذا، وفي الفأرة أقل من ذلك، وليس هذا التقدير عن نص ~~ولا إجماع فيكون قياسا، واحتجت الحنفية على الحدود بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، والقياس شبهة لا دليل قاطع، وعلى ~~المقدرات بأن العقول لا تهتدي إليها، وعلى الرخص بأنها منح من الله تعالى, ~~فلا تتعدى فيها مواردها، وعلى الكفارات بأنها على خلاف الأصل؛ لأنها ضرر ~~والدليل ينفي الضرر، والجواب أنه منقوض بما قلناه. قوله: "وفي العقليات" ~~أي: ذهب أكثر المتكلمين إلى جواز القياس في العقليات إذا تحقق فيها جامع ~~عقلي، إما بالعلة أو الحد أو الشرط أو الدليل. قال في المحصول1: ومنه نوع ~~يسمى إلحاق الغائب بالشاهد بجامع من الأربعة، فالجمع بالعلة وهو أقوى ~~الوجوه, كقول أصحابنا: العالمية في الشاهد يعني المخلوقات معللة بالعلم، ~~فكذلك في الغالب سبحانه وتعالى, وأما الجمع بالدليل فكقولنا: حد العالم ~~شاهدا من له العلم فكذلك في الغائب، وأما الجمع بالدليل فكقولنا: التخصيص ~~والإتقان يدلان على الإرادة، والعلم شاهد فكذلك في الغالب، وأما الجمع ~~بالدليل فكقولنا: شرط العلم، والإرادة في الشاهد وجود الحياة فكذلك في ~~PageV01P316 # الغائب. قوله: "وفي اللغات" أي: ذهب أكثر أهل الأدب إلى جواز القياس في ~~اللغات كما نقله عنهم ابن جني في الخصائص، وقال الإمام هنا: إنه الحق، قال: ~~وذهب أصحابنا وأكثر الحنفية إلى المنع، واختاره الآمدي وابن الحاجب, وبه ~~جزم الإمام في المحصول في كتاب الأوامر والنواهي في آخر المسألة، وقد حرر ~~ابن الحاجب محل الخلاف، وحاصله أن الخلاف لا يأتي في الحكم الذي ثبت بالنقل ~~تعميمه لجميع أفراده بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، ولا في الاسم ~~الذي ثبت تعميمه لأفراد نوع سواء كان جامدا كرجل وأسامة، أو مشتقا كضارب ~~ومضروب، ولا في أعلام الأشخاص كزيد وعمرو فإنها لم توضع لها لمناسبة بينها ~~وبين غيرها وإنما محل الخلاف في الأسماء التي وضعت على الذوات لأجل ~~اشتمالها على معان مناسبة للتسمية ms440 يدور معها الإطلاق وجودا وعدما, وتلك ~~المعاني مشتركة بين تلك الذوات وبين غيرها، فحينئذ يجوز على رأي إطلاق تلك ~~الأسماء على غير مسمياتها لاشتراكها معها في تلك المعاني، وذلك كتسمية ~~النبيذ خمرا لاشتراكه مع عصير العنب في الإسكار، وكذلك تسمية اللائط زانيا، ~~والنباش سارقا، وفائدة الخلاف في هذه المسألة ما ذكره في المحصول وهو صحة ~~الاستدلال بالنصوص الواردة في الخمر والسرقة والزنا على شارب النبيذ ~~واللائط والنباش، واحتج المجوزون بعموم قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2] ~~وبأن اسم الخمر مثلا دائر مع صفة الإسكار في المعتصر من ماء العنب وجودا ~~وعدما، فدل على أن الإسكار هو العلة في إطلاق الاسم حيث وجد الإسكار وجاز ~~الإطلاق, وإلا تخلف المعلول عن علة، واعتراض الخصم بأنه إنما يلزم من وجود ~~علة التسمية وجود الاسم إذا كان تعليل التسمية من الشارع؛ لأن صدور التعليل ~~من آحاد الناس لا اعتبار به، ولهذا لو قال: أعتقت غانما لسواده لم يعتق ~~غيره من السود، وحينئذ فيتوقف المدعي على أن الواضع هو الله تعالى، وأجاب ~~في المحصول بأنا بينا أن اللغات توقيفية، هذا كلامه وهو مخالف لما قدمه في ~~اللغات فإنه اختار الوقف لا التوقيف، واحتج المانعون بالنقض بالقارورة ~~وشبهها، فإن القارورة مثلا إنما سميت بهذا الاسم لأجل استقرار الماء فيها، ~~ثم إن ذلك المعنى حاصل في الحياض والأنهار مع أنها لا تسمى بذلك، وأجاب ~~الإمام بأن أقصى ما في الباب أنهم ذكروا صورا لا يجري فيها بالقياس. وهو ~~غير قادح كما تقدم مثله عن النظام في القياس الشرعي، وهذا الذي ذكره في ~~القارورة من كونهم لم يستعملوا فيها القياس اللغوي صريح في أنها وضعت ~~للزجاجة فقط، وهو مخالف لما ذكره في الحقيقة العرفية؛ فإنه قال في المحصول ~~هناك في الكلام على ما وضع عاما ثم تخصص بالعرف ما نصه: والخابية والقارورة ~~موضوعان لما يستقر فيه الشيء، ويخبأ فيه, ثم تخصصا بشيء معين. قوله: "دون ~~الأسباب" يعني أن القياس لا يجري في أسباب الأحكام على المشهور، كما قاله ~~في المحصول ms441 وصححه الآمدي وابن # PageV01P317 # الحاجب، وذهب أكثر الشافعية كما قاله الآمدي إلى الجواز، وقال: إن هذا ~~الخلاف يجري في الشروط. وقال ابن برهان في الأوسط: يجري فيها وفي المحال ~~أيضا، فقال: يجوز القياس في الأسباب والشروط والمحال عندنا خلافا لأبي ~~حنيفة, مثال المسألة أن يقال: الزنا سبب لإيجاب الحد لعلة كذا فكذلك اللواط ~~بالقياس عليه، واستدل المانعون بأن قياس اللواط على الزنا مثلا في كونه ~~موجبا للحد، إن لم يكن لمعنى مشترك بينهما فلا يصح القياس، وإن كان لمعنى ~~مشترك كان الموجب للحد هو ذلك المشترك، وحينئذ يخرج كل من الزنا واللواط عن ~~كونه موجبا؛ لأن الحكم لما أسند إلى القدر المشترك استحال مع ذلك إسناده ~~إلى خصوصية كل واحد منهما، وحينئذ فلا يصح القياس لأن من شرطه بقاء حكم ~~الأصل وهو غير باق هنا, وفي هذا الدليل بحث يطول ذكره. قوله: "العادات" أي: ~~لا يجري القياس أيضا في الأمور العادية كأقل الحيض وأكثره وأقل الحمل ~~وأكثره؛ لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمزجة, ولا يعرف أسبابها ~~وهذا الحكم منقول في المحصول ومختصراته عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي فقط, ~~ولم يذكر الآمدي وابن الحاجب. # PageV01P318 ### | الباب الثاني: في أركانه ### | الفصل الأول: في العلة # "الباب الثاني: في أركانه إذا ثبت الحكم في صورة المشترك بينها وبين ~~غيرها، تسمى الأولى أصلا والثانية فرعا، والمشترك علة وجامعا، وجعل ~~المتكلمون دليل الحكم في الأصل أصلا، والإمام الحكم في الأولى أصلا والعلة ~~فرعا، وفي الثانية بالعكس. وبيان ذلك في فصلين: الفصل الأول: في العلة وهي ~~المعرف الحكم, قيل: المستنبطة عرفت به, فيدور قلنا: تعريفه في الأصل ~~وتعريفها في الفرع فلا دور". أقول: شرع المصنف في بيان أركان القياس وهي ~~أربعة: الأصل, والفرع، والوصف الجامع بينهما، وحكم الأصل؛ فإن قيل: أهملتم ~~خامسا وهو حكم الفرع قلنا: أجاب الآمدي بأن حكم الفرع ثمرة القياس، فلو كان ~~من أركانه لتوقف القياس عليه وهو دور, وفيه نظر؛ فإن ثمرة القياس إنما هو ~~العلم بالحكم لا نفس الحكم. فالأولى أن يجاب بأن حكم ms442 الفرع في الحقيقة هو ~~حكم الأصل، وإن كان غيره باعتبار المحل كما تقدم في تعريف القياس، ثم إن ~~المصنف لما بين الحكم في أول الكتاب لم يتعرض هنا إلى بيانه، واقتصر على ~~بيان الأركان الثلاثة، فقال: إنه إذا ثبت حكم في صورة الأمر مشترك بينها ~~وبين صورة أخرى كثبوت الحرمة في الخمر للإسكار المشترك بينها وبين النبيذ، ~~فإن الصورة الأولى وهي الخمر تسمى أصلا, والصورة الثانية وهي النبيذ تسمى ~~فرعا، والمشترك وهو الإسكار يسمى علة وجامعا، وهذا هو رأي الفقهاء, ونقله ~~ابن الحاجب عن الأكثرين. وقال الآمدي: إنه الأشبه لافتقار النص والحكم إلى ~~المحل بالضرورة من غير عكس, وجعل المتكلمون الأصل هو دليل الحكم في الذي ~~سميناه أصلا كالدليل الدال على تحريم الخمر في مثالنا, وقياسه أن يكون فرعه ~~المقابل له هو حكم المحل المشبه كتحريم الخمر، وفي بعض الشروح أن فرعه ~~المقابل له هو حكم المحل المشبه كتحريم النبيذ، قال: وهو صحيح # PageV01P318 # أيضا؛ لأن فرع الفرع فرع, فعلى هذا يتفق الاصطلاحان. ولعل المصنف إنما ~~أهمل بيان فرعه لذلك، وما قاله في الاتفاق ممنوع؛ لأن الفرع في الأول هو ~~المحل المشبه لا حكمه، وقال الإمام: القياس مشتمل على أصلين وفرعين, فالحكم ~~الذي في الصورة الأولى كتحريم الخمر أصل العلة التي فيها، والعلة فرع منه، ~~وأما في الصورة الثانية وهو النبيذ، فإن الأمر بالعكس، أي تكون العلة التي ~~فيه أصلا للحكم والحكم فرعا منها، وهذه الاصطلاحات راجعة إلى قولنا: الأصل ~~ما يبنى عليه غيره، فأما رجوع الأولين إليه فظاهر، وأما الثالث فلأن إثبات ~~علة الحكم في الخمر متوقف على الحكم؛ لأنا ما لم نعلم ثبوت الحكم لا نطلب ~~علته، بخلاف النبيذ فإن إثبات الحكم فيه متوقف على العلة، لكن هذا إنما ~~يظهر في العلة المستنبطة خاصة. وقوله: "وبيان ذلك ... إلخ" لما بين الأركان ~~الثلاثة تبيينا إجماليا شرع في تبيينها مفصلة، فعقد لذلك فصلين، الأول: في ~~تعريف العلة وبيان انقسامها وأحكامها، والثاني: في شرائط الأصل والفرع, ~~وقدم الكلام على العلة لأنها الركن ms443 الأعظم، وقد اختلفوا في تفسيرها؛ فقال ~~الغزالي: العلة هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الشارع لا لذاته. وقد تقدم ~~إبطاله في تقسيم الحكم، وقالت المعتزلة: هي المؤثر لذاته في الحكم، وهو ~~مبني على التحسين والتقبيح، وقد تقدم إبطاله أيضا. وقال الآمدي وابن ~~الحاجب: هي الباعث على الحكم، أي: المشتمل على حكمه, صالحة لأن تكون مقصود ~~الشارع من شرع الحكم، وقال الإمام: إنها المعرف للحكم واختاره المصنف, فإن ~~قيل: العلة المستنبطة إنما عرفت بالحكم؛ لأن معرفة كونها علة للحكم متوقف ~~على معرفة الحكم بالضرورة, فلو عرف الحكم بها لكان العلم بالحكم متوقفا ~~عليها وهو دور، واحترزنا في السؤال بالمستنبطة عن المنصوصة، فإن معرفتها ~~غير متوقفة على الحكم لكونها ثابتة بالنص، وأجاب المصنف بأن تعريف الحكم ~~بالعلة إنما هو بالنسبة إلى الأصل، وتعريف العلة للحكم بالنسبة إلى الفرع ~~فلا دور لاختلاف الجهة، وهذا الجواب يلزم منه زيادة قيد في التعريف، فيقال: ~~إن العلة هي المعرف لحكم الفرع، أي: الذي من شأنه أنه إذا وجد فيه كان ~~معرفا لحكمه، وقد أورد بعضهم على التقييد بهذه الزيادة إيرادات ضعيفة ~~فاحذرها. قال: "النظر في أطراف, الطرف الأول في الطرق الدالة على العلية, ~~الأولى: النص القاطع كقوله تعالى في الفيء: {كي لا يكون دولة} [الحشر: 7] ~~وقوله -عليه الصلاة والسلام: "إنما جعل الاستئذان لأجل البصر" 1 وقوله: ~~"إنما نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة" 2 والظاهر اللام كقوله تعالى: ~~{لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] PageV01P319 # فإن أئمة اللغة قالوا: السلام للتعليل، وفي قوله تعالى: {ولقد ذرأنا ~~لجهنم} [الأعراف: 179] وقول الشاعر: ### | ..................... # ... لدوا للموت وابنوا للخراب # للعاقبة مجازا, وإن مثل: "لا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا" ~~1 وقوله -عليه السلام: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" 2 والباء مثل: ~~{فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] ". أقول: النظر المتعلق ~~بالعلة منحصر في ثلاثة أطراف؛ لأن الكلام إما في الطرق الدالة على العلية، ~~أو في الطرق الدالة على إبطال العلية، أو في أقسام العلية، فأما الطرق ~~الدالة على العلية فهي تسع؛ ms444 الأولى النص، قال الآمدي: وهو ما يدل بالوضع من ~~الكتاب والسنة على علية وصف الحكم، وقسمه المصنف تبعا للإمام والآمدي إلى ~~قاطع، وهو الذي لا يحتمل غير العلية، وظاهر وهو الذي يحتمل غيرها احتمالا ~~مرجوحا, وفي التقسيم نظر؛ فإن دلالات الألفاظ لا تفيد اليقين عند الإمام ~~كما تقدم غير مرة، وأيضا فقد ذكر المصنف وغيره في تقسيم الألفاظ أن الظاهر ~~قسيم النص لا قسم منه، ثم إن القاطع له ألفاظ منها كي، كقوله تعالى في ~~الفيء: {كي لا يكون دولة} [الحشر: 7] ، أي: إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله ~~الأغنياء بينهم، فلا يحصل للفقراء منه شيء، ومنها لأجل كذا أو من أجل كذا ~~كقوله -صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الاستئذان لأجل البصر" وكقوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة" أي: لأجل ~~التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة في أيام التشريق, والدافة بالدال ~~المهملة مشتقة من الدفيف وهو السير اللين، ومنه قولهم: دفت علينا من بني ~~فلان دافة, قال الجوهري: ومنها ما ذكره في المحصول، وهو قولنا: لعلة كذا، ~~أو لسبب، أو لمؤثر، أو لموجب، وأهمله المصنف لأنه في معنى لأجل, ومنها إذن، ~~وقد ذكرها ابن الحاجب. وأما الظاهر فثلاثة ألفاظ أحدها: اللام كقوله تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] , فإن أهل اللغة قد نصوا على أنه ~~للتعليل، وقولهم: في الألفاظ حجة، وإنما لم يكن قاطعا لاحتماله الملك ~~والاختصاص وغير ذلك من المعاني المذكورة في علم النحو، فإن قيل: لو كانت ~~اللام للتعليل لم يستعمل فيما يصح فيه التعليل، كقوله تعالى: {ولقد ذرأنا ~~لجهنم} فإن جهنم ليست علة في الخلق, وكقول الشاعر: # له ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب # قال: الموت ليس علة للولادة، كذلك الخراب ليس علة للبناء، بل اللام هنا ~~للعاقبة، يعني أن عاقبة البناء الخراب، وعاقبة الولادة الموت، وعاقبة كثير ~~من المخلوقات جنهم، وأجاب المصنف بأنه لما ثبت كونها للتعليل وتعذر الحمل ~~عليه PageV01P320 # ههنا كان حملها على العاقبة مجازا، فإنه خير ms445 من الاشتراك. ووجه العلاقة ~~أن عاقبة الشيء مترتبة عليه في المحصول كترتيب العلة الغائبة على معلولها, ~~فقوله: "والظاهر" معطوف على القاطع، وقوله: "اللام" إما بدل منه أو مبتدأ ~~وخبره محذوف تقديره: فمنه اللام، وإن الباء وقوله أيضا، وفي قوله: أي: ~~واللام في قوله تعالى وقول الشاعر للعاقبة مجازا. الثاني من أقسام الظاهر: ~~إن, كقوله عليه الصلاة والسلام في حق المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تقربوه ~~طيبا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" , فإن قيل: هذا الكلام مخالف لما سيأتي ~~في النوع الأول من أنواع الإيماء، فإنه قد مثل له هو والإمام بهذا المثال ~~بعينه على عكس ما قرراه هنا, فالجواب أن المثال فيه جهتان: "جهة تدل على ~~التعليل بالصريح "وهي أن", وجهة تدل عليه بالإيماء وهي ترتب الحكم على ~~الوصف بالفاء" فصح التمثيل به للنص تارة وللإيماء أخرى. قال التبريزي في ~~التنقيح: والحق أن "إن" لتأكيد مضمون الجملة ولا إشعار لها بالتعليل؛ ولهذا ~~يحسن استعمالها ابتداء من غير سبق, حكم الثالث البقاء، كقوله تعالى: {فبما ~~رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] أي: بسبب الرحمة لنت لهم، قال في ~~المحصول: وأصلها الإلصاق، ولكن العلة لما اقتضت وجود المعلول حصل فيها معنى ~~الإلصاق، فحسن استعمالها فيه مجازا، وهذا الكلام صريح في أنها لا تحمل عند ~~الإطلاق على التعليل وحينئذ لا تكون ظاهرة فيه وهذا هو الصواب، وزاد ابن ~~الحاجب على الثلاثة قولنا: إن كان كذا، وكذلك ترتيب الحكم على الوصف. قال: ~~"الثاني: الإيماء, وهو خمسة أنواع، الأول: ترتيب الحكم على الوصف بالفاء ~~وتكون في الوصف أو الحكم وفي لفظ الشارع أو الراوي, مثاله: {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] " لا تقربوه طيبا" "زنى ماعز فرجم". فرع: ترتيب ~~الحكم على الوصف يقتضي العلية، وقيل: إذا كان مناسبا. لنا أنه قيل: أكرم ~~الجاهل وأهن العالم قبح وليس لمجرد الأمر, فإنه قد يحسن فهو نسيق التعليل, ~~قيل: الدلالة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في الكل, قلنا: يجب دفعا ~~للاشتراك". أقول: الإيماء, قال ابن الحاجب: هو أن يقترن ms446 وصف بحكم لو لم يكن ~~هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا وقال غيره: هو ما يدل على علية وصف بحكم ~~بواسطة قرينة من القرائن, ويسمى بالتنبيه أيضا وهو على خمسة أنواع, الأول: ~~ترتيب الحكم على الوصف بواسطة الفاء, وهو أن يذكر حكم ووصف وتدخل الفاء على ~~الثاني منهما, سواء كان هو الوصف أو الحكم, وسواء كان من كلام الشارع أو ~~الراوي, فحصل منه أربعة أقسام, الأول: أن تدخل الفاء على الوصف في كلام ~~الشارع كقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا تقربوه طيبا؛ فإنه يبعث يوم ~~القيامة ملبيا". الثاني: أن يدخل عليه في كلام الراوي ولم يظفروا له بمثال. ~~الثالث: أن يدخل على الحكم في كلام الشارع كقوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا} . الرابع: أن يدخل عليه في كلام الراوي, كقول الراوي: زنى ماعز ~~فرجم, ولا فرق في الراوي بين الفقيه وغيره كما قاله ابن الحاجب. قال ~~الإمام: ولا شك أن الوارد # PageV01P321 # في كلام الشارع أقوى في العلية من الوارد في كلام الراوي, قال: ويشبه أن ~~يكون تقديم العلة أقوى من عكسه ثم علله بعلة فيها نظر, وهذا الذي ذكر ~~المصنف من كون هذه الأقسام من باب الإيماء نص عليه الآمدي أيضا وجزم ابن ~~الحاجب بأن الجميع من باب الصريح. قوله: "فرع ... إلخ" اعلم أن هذا تفريع ~~على شيء غير مذكور, فإن كلامه الآن في أن ترتيب الحكم على الوصف بدون الفاء ~~هل يكون علة مطلقا أم لا بد من المناسبة؟ والكلام فيه متوقف على أن الترتيب ~~المذكور يقتضي العلية ولم يتقدم له ذكر هنا ولا في المحصول, بل تقدم فيهما ~~ما يقتضي عكسه فإن اشتراطه للفاء دليل على أنه دونها لا يفيد، فإن قيل: ~~إنما لم يذكره أولا لكونه يعلم من هذا الفرع, قلنا: حينئذ يكون الفرع أصلا ~~لما قبله لا فرعا عليه، وأقرب ما في تصحيح كلامه أن يقال: معناه إذا ثبت أن ~~الترتيب السابق يقتضي العلية, فهل يكون نفس الترتيب المجرد عن الفاء مقتضيا ~~لها أيضا أم لا؟ وإذا قدرنا ms447 اقتضاءه إياها فهل يشترط في الوصف أن يكون ~~مناسبا أم لا؟ والحاصل أن المختار عنده أن الترتيب بدون الفاء يقتضي العلية ~~وإن لم يكن مناسبا، وقيل: لا بد من المناسبة، واختاره الآمدي وابن الحاجب ~~مع ترجيحهما أن ما عدا هذا النوع من أنواع الإيماء وهو ترتيب الحكم على ~~الوصف لا يشترط فيه المناسبة، ولم يتعرض له المصنف، ثم استدل المصنف على ~~مذهبه بأنه لو قال قائل: أكرم الجاهل وأهن العالم, لكان ذلك قبيحا عرفا ~~وليس قبحه لمجرد الأمر بإكرام الجاهل وإهانة العالم, فإن الأمر بإكرام ~~الجاهل قد يحسن لدينه أو شجاعته أو نسبه أو سوابق نعمه, كذلك الأمر بإهانة ~~العالم قد يحسن أيضا لفسقه، أو بدعته، أو سوء خلقه، وإذا لم يكن القبح ~~لمجرد الأمر فهو لسبق التعليل، أي: لكونه يسبق إلى الأفهام تعليل هذا الحكم ~~بهذا الوصف؛ لأن الأصل عدم علة أخرى، وإذا سبق إلى الأفهام التعليل مع عدم ~~المناسبة لزم أن يكون حقيقة. اعترض الخصم بأن دلالة الترتيب الذي لا يناسب ~~على العلية في هذه الصورة لا يستلزم دلالته عليها في جميع الصورة؛ لأن ~~المثال الجزئي لا يصحح القاعدة الكلية، لجواز اختلاف الجزئيات في الأحكام، ~~وأجاب المصنف بأن هذا الترتيب لو لم يدل عليها في باقي الصورة لكان مشتركا؛ ~~لكونه يدل على العلية تارة وعلى عدمها أخرى, فإن قيل: لا نسلم دلالته على ~~عدم العلية إذ لا يلزم من عدم الدلالة وجود الدلالة على العدم، فالجواب أن ~~هذا الترتيب قد وقع على مقتضى اللغة فلا بد أن يدل على شيء, فمدلوله في غير ~~هذه الصورة إن كان هو التعليل فلا كلام، وإن كان غيره فقد دل على العلية، ~~ولقائل أن يقول: الترتيب فرد من أفراد المركبات، والمركبات عند الإمام ~~والمصنف غير موضوعة كما تقدم غير مرة، ووصف اللفظ بالاشتراك والمجاز فرع عن ~~وضعه, قال الآمدي: واستنباط العلة من الحكم الملفوظ به كتعليل تحريم الخمر ~~بالإسكار ليس من قبيل الإيماء، قال بخلاف العكس يعني: استنباط الحكم من ~~الوصف كاستنباط ms448 الصحة من # PageV01P322 # الحل في قوله تعالى: {وأحل الله البيع} فإن الحق الذي عليه المحققون أنه ~~من قبيل الإيماء، وحكى ابن الحاجب في المسألتين ثلاثة مذاهب. قال: "الثاني: ~~أن يحكم عقب علمه بصفة المحكوم, كقول الأعرابي: أفطرت يا رسول الله؟ فقال: ~~"أعتق رقبة" 1؛ لأن صلاحية جوابه تغلب كونه جوابا. والسؤال معاد فيه تقديرا ~~فالتحق بالأول. الثالث: أن يذكر وصفا لو لم يؤثر لم يفد مثل: " إنها من ~~الطوافين عليكم" "ثمرة طيبة وماء طهور" وقوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ " 2 ~~قيل: نعم, قال: "فلا إذا" 3 وقوله لعمر وقد سأله عن قبلة الصائم: "أرأيت لو ~~تمضمضت بماء ثم مججته؟ " 4 الرابع: أن يفرق في الحكم بين شيئين بذكر وصف ~~مثل: "القاتل لا يرث"، وقوله عليه السلام: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف ~~شئتم, يدا بيد" 5 قيد الخامس: النهي عن مفوت الواجب مثل {وذروا البيع} ~~[الجمعة: 9] ". أقول: النوع الثاني من أنواع الإيماء: أن يحكم الشارع على ~~شخص بحكم عقب علمه بصفة صدرت منه، كقول الأعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان ~~يا رسول الله, فقال عليه الصلاة والسلام: "أعتق رقبة" فإنه يدل على أن ~~الجماع علة في الإعتاق؛ لأنه قوله -عليه الصلاة والسلام: "أعتق" صالح لجواب ~~ذلك السؤال, والكلام صالح لأن يكون جواب السؤال إذا ذكر عقب السؤال يغلب ~~على الظن كونه جوابا له، وإذا كان جوابا يكون السؤال معادا فيه تقديرا، ~~فكأنه قيل: واقعت فأعتق، وحينئذ فيلتحق بالنوع الأول وهو الترتيب, وتمثيل ~~المصنف هنا بالإفطار غير مستقيم، والصواب التمثيل بالجماع كما قلنا. النوع ~~الثالث من أنواع الإيماء: أن يذكر الشارع وصفا لو لم يؤثر في الحكم أي: لو ~~لم يكن علة فيه لم يكن ذكره مفيدا، ثم مثل له المصنف بأربعة أمثلة إشارة ~~إلى ما قاله في المحصول من كونه ينقسم إلى أربعة أقسام, الأول: أن يكون ~~ذكره دافعا لسؤال أورده من توهم الاشتراك بين صورتين، كما روي أنه عليه ~~الصلاة والسلام امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك دخلت ms449 على ~~قوم عندهم هرة، فقال -عليه الصلاة والسلام: "إنها ليست بنجسة, إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات" فلو لم يكن طوافها علة لعدم النجاسة كان ذكره ~~هنا عبثا، لا سيما وهو من الواضحات، فإن قيل: كيف جمع الهرة بالياء والنون ~~مع أنها لا تعقل؟ قلنا: المراد أنها من جنس الطوافين والطوافات، ~~PageV01P323 # الثاني: أن يذكر الشارع وصفا في محل الحكم لو لم يكن علة, لم يحتج إلى ~~ذكره، كحديث ابن مسعود المشهور على ضعفه أنه أحضر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ماء نبذ فيه تمر أي: طرح فيه، فتوضأ به وقال: "ثمرة طيبة وماء طهور" ~~فإن وصف المحل وهو النبيذ بطيب ثمرته وطهورية مائه دليل على بقاء طهورية ~~الماء. الثالث: أن يسأل الشارع عن وصف، فإذا أجاب عنه المسئول أقره عليه، ~~ثم يذكر بعده الحكم كقوله -عليه الصلاة والسلام- حين سئل عن جواز بيع الرطب ~~بالتمر متساويا: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقيل: نعم فقال: "فلا إذا". ~~الرابع: أن يقر الرسول -عليه الصلاة والسلام- السائل على حكم ما يشبه ~~المسئول عنه مع تنبهه على وجه الشبه، فيعلم أن وجه الشبه هو العلة، كقوله ~~-عليه الصلاة والسلام- لعمر وقد سأله عن إفساد الصوم بالقبلة من غير إنزال: ~~"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ " يعني: لفظته أكنت شاربه؟ فنبه الرسول ~~بهذا على أن حكم القبلة في عدم إفسادها الصوم كحكم ما يشبهها وهي المضمضة، ~~ووجه الشبه أن كلا منهما مقدمة لم يترتب عليه المقصود وهو الشرب والإنزال. ~~النوع الرابع من الإيماء: أن يفرق الشارع في الحكم بين شيئين بذكر وصف ~~لأحدهما, فيعلم أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم وإلا لم يكن لتخصيصه بالذكر ~~فائدة، ومثل له المصنف بمثالين إشارة إلى ما قاله في المحصول من كونه على ~~نوعين، أحدهما: أن لا يكون حكم الشيء الآخر وهو قسيم الموصوف, مذكورا معه، ~~كقوله -عليه الصلاة والسلام: "القاتل لا يرث" فإن هذا الحديث ليس فيه ~~التنصيص على توريث غير القاتل. والثاني: أن يكون مذكورا معه، وهو على خمسة ~~أقسام ذكرها في المحصول1، ms450 أحدها وعليه اقتصر المصنف تبعا للحاصل: أن تكون ~~التفرقة بالشرط, كقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا تبيعوا البر بالبر، ولا ~~الشعير بالشعير" إلى أن قال: "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم, ~~يدا بيد". الثاني: أن تكون التفرقة بالغاية، كقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن} [البقرة: 222] . الثالث: أن يكون بالاستثناء كقوله تعالى: {فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة: 23] . الرابع: أن يكون بالاستدراك كقوله ~~تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان} [المائدة: 89] . الخامس: أن يكون باستئناف ذكرهما, كقوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "للراجل سهم, وللفارس سهمان". النوع الخامس: النهي عن فعل ~~يكون مانعا لما تقدم وجوبه علينا، كقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9] , فإنه تعالى لما أوجب علينا السعي ونهانا عن البيع ~~علمنا أن العلة فيه تفويت الواجب. قال: "الثالث: الإجماع كتعليل تقديم الأخ ~~من الأبوين على الأخ من الأب في الإرث، بامتزاج النسبين. الرابع: المناسبة، ~~المناسب: ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررا، وهو حقيقي PageV01P324 # دنيوي ضروري كحفظ النفس بالقصاص، والدين بالقتال، والعقل بالزجر عن ~~المنكرات، والمال بالضمان، والنسب بالحد على الزنا، ومصلحي كنصب الولي ~~للصغير، وتحسيني كتحريم القاذورات، وأخروي كتزكية النفس، وإقناعي يظن ~~مناسبا فيزول بالتأمل فيه". # أقول: لما تقدم أن الطرق الدالة على العلية تسعة، وتقدم منها شيئان هما: ~~النص والإيماء بأقسامهما، شرع في الثالث وهو الإجماع، فإذا أجمعت الأمة على ~~كون الوصف الفلاني علة للحكم الفلاني ثبتت عليته له، كإجماعهم على أن العلة ~~في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الإرث هو امتزاج النسبين، ~~أي: كونه من الأبوين, وحينئذ فيقاس عليه تقديمه في ولاية النكاح والصلاة ~~عليه, وتحمل النقل بجامع امتزاج النسبين. قوله: "الرابع" أي: الطريق الرابع ~~من الطرق الدالة على العلية المناسبة، ثم إن المصنف شرع في تعريف المناسب؛ ~~لأنه المقصود هنا، ويعرف منه تعريف المناسبة، والمناسب في اللغة هو ~~الملائم، واختلفوا في معناه الشرعي، فقال ابن الحاجب: المناسب وصف ظاهر ~~منضبط يحصل عقلا من ms451 ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من جلب منفعة ~~أو دفع مضرة، وذكر الآمدي نحوه أيضا، وذلك كالقتل العمد العدوان فإنه وصف ~~ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم عليه وهو إيجاب القصاص على القاتل حصول ~~منفعة، وهو بقاء الحياة، وإن شئت قلت: دفع مضرة وهي التعدي، فإن الشخص إذا ~~علم وجوب القصاص امتنع عن القتل، وفي التعريف نظر؛ لأن المناسب قد يكون ~~ظاهرا منضبطا وقد لا يكون بدليل صحة انقسامه إليهما، حيث قالوا: إن كان ~~ظاهرا منضبطا اعتبر في نفسه، وإن كان خفيا أو غير منضبط اعتبرت مظنته، وقال ~~الإمام: من لا يعلل أحكام الله تعالى يقول: إن المناسب هو الملائم لأفعال ~~العقلاء في العادات، ومن يعللها يقول: إنه الوصف المقتضي إلى ما يجلب ~~للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررا، وفيه نظر أيضا، فإنهم نصوا على أن القتل ~~العمد العدوان مناسب لمشروعية القصاص مع أن هذا الفعل الصادر من الجاني لا ~~يصدق عليه أنه وصف ملائم لأفعال العقلاء عادة، ولا أنه وصف جالب للنفع أو ~~دافع للضرر، بل الجالب أو الدافع إنما هو المشروعية وكذلك الردة والإسكار ~~والسرقة والغصب والزنا، وقال المصنف: المناسب هو ما يجلب للإنسان نفعا أو ~~يدفع عنه ضررا، فجعل المقاصد أنفسها أوصافا مناسبة على خلاف اختيار الإمام ~~وهو فاسد، ألا ترى أن مشروعية القصاص مثلا جالبة أو دافعة كما بيناه، وليست ~~هي الوصف المناسب؛ لأن المناسب من أقسام العلل فيكون هو القتل في مثالنا لا ~~المشروعية؛ لأنها معلولة لا علة، وكذلك الردة وغيرها مما قلناه. قوله: "وهو ~~حقيقي ... إلى آخره" يعني: أن المناسب إما حقيقي أو إقناعي؛ لأن مناسبته إن ~~كانت بحيث لا يزول بالتأمل فيه فهو الحقيقي وإلا فهو إقناعي؛ والحقيقي إما ~~دنيوي بأن يكون لمصلحة تتعلق بالدنيا, أو أخروي بأن يكون لمصلحة تتعلق ~~بالآخرة, والدنيوي إما ضروري أو مصلحي أو # PageV01P325 # تحسيني؛ لأن الوصف المشتمل على المصلحة إن انتهت مصلحته إلى حد الضرورة ~~فهو الضروري، وإلا فإن كانت في محل الحاجة فهو المصلحي، ms452 وإن كانت مستحسنة ~~في العادات فهو التحسيني، فالضروري هو المتضمن لحفظ النفس، أو الدين, أو ~~العقل, أو المال، أو النسب، فأما النفس فمحفوظة بمشروعية القصاص، فإن القتل ~~العمد العدوان مناسب لوجوب القصاص؛ لأنه مقرر للحياة التي هي أجل المنافع، ~~وأما الدين فمحفوظ بمشروعية القتال مع الحربيين والمرتدين، فإن الحرية ~~والردة مناسبة له، وأما العقل فمحفوظ بمشروعية الزجر عن المنكرات، فإنه ~~مناسب له. # وأما المال فمحفوظ بمشروعية الضمان عند أخذه بالباطل. وأما النسب فمحفوظ ~~بمشروعية وجوب الحد على الزنا، وهذه الأشياء مناسبتها ظاهرة وهي المعروفة ~~بالكليات الخمس التي لم تبح في ملة من الملل، وأما المصلحي فكنصب الولي على ~~الصغيرة أي: تمكينه من تزويجها، كما قال في المحصول1 فإن مصالح النكاح غير ~~ضرورية في الحال، إلا أن الحاجة إليه حاصلة وهو تحصيل الكفؤ الذي لو فات ~~لربما فات لا إلى بدل، وأما التحسيني فكتحريم القاذورات, فإن نفرة الطباع ~~منها لخساستها مناسب لحرمة تناولها؛ حثا للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن ~~الشيم. ومن هذا القبيل كما قاله في المحصول سلب أهلية الشهادة الولاية عن ~~العبد؛ لأن شرفهما لا يناسب العبد الذي هو نازل المقدار، وأما الأخروي فهو ~~المعالي المذكورة في علم الحكمة في باب تزكية النفس وهي تهذيب الأخلاق، ~~ورياضة النفوس المقتضية لشرعية العبادات فإن الصلاة مثلا وضعت للخضوع ~~والتذلل، والصوم لإنكسار النفس بحسب القوى الشهوانية والعصبية، فإذا كانت ~~النفس زكية تؤدي المأمورات وتجتنب المنهيات حصلت لها السعادات الأخروية, ~~وأما الإقناعي فمثل له من المحصول بتعليل الشافعي رضي الله عنه تحريم بيع ~~الخمر والميتة بالنجاسة. ثم يقيس عليه الكلب والخنزير، والمناسبة أن كونه ~~نجسا يناسب إذلاله، ومقابلته بالمال في البيع إعزاز والجمع بينها متناقض, ~~فهذا وإن كان يظن به في الظاهر أنه مناسب لكنه في الحقيقة ليس كذلك؛ لأن ~~كونه نجسا معناه أنه لا يجوز الصلاة معه وليس بينه وبين امتناع البيع ~~مناسبة. قال: "والمناسبة تفيد العلية, إذا اعتبرها الشارع فيه كالسكر في ~~الحرمة، أو في جنسه كامتزاج النسبين في التقديم، أو بالعكس ms453 كالمشقة ~~المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط الصلاة، أو جنسه في جنسه كإيجاب حد ~~القذف على الشارب؛ لكون الشرب مظنة القذف, والمظنة قد أقيمت مقام المظنون؛ ~~لأن الاستقراء دل على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلا ~~وإحسانا, فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يوجد غيره ظن كونه علة, وإن لم تعتبر ~~وهو المناسب المرسل اعتبره مالك". PageV01P326 # أقول: الوصف المناسب على ثلاثة أقسام, أحدها: أن يلغيه الشارع أي: يورد ~~الفروع على عكسه فلا إشكال في أنه لا يجوز التعليل به؛ ولهذا أهمله المصنف، ~~وذلك كإيجاب صوم شهرين في كفارة الجماع في نهار رمضان على المالك, فإنه وإن ~~كان أبلغ في ردعه من العتق، لكن الشارع ألغاه بإيجابه الإعتاق ابتداء، فلا ~~يجوز اعتباره كما قلنا، وقد أنكروا على يحيى بن يحيى تلميذ مالك حيث أفتى ~~بعض ملوك المغاربة بذلك. الثاني: أن يعتبره الشارع أي: يورد الفروع على ~~وفقه، وليس المراد باعتباره أن ينص على العلة أو يومئ إليها، وإلا لم تكن ~~العلة مستفادة من المناسبة, وهذا النوع على أربعة أقسام ذكرها المصنف, ~~أحدها: أن يعتبر الشارع نوع المناسبة في نوع الحكم, كالسكر مع الحرمة, فإن ~~السكر نوع من الوصف, والتحريم نوع من الحكم، وقد اعتبره الشارع فيه حيث حرم ~~الخمر فيلحق به النبيذ، وإلى هذا أشار بقوله: إذا اعتبرها الشارع فيه اعتبر ~~النوع في النوع، وإنما أهمل التصريح به لكونه يعلم مما بعده. واعلم أن ~~المصنف في التقسيم السابق قد جعل الوصف المناسب لتحريم المسكر هو حفظ ~~العقل, ثم جعله هنا نفس السكر. وهذا الثاني لا يوافق تفسيره للمناسب؛ لأن ~~نفس السكر لا يصدق عليه أنه جلب نفعا ولا دفع ضررا. الثاني: أن يعتبر ~~الشارع نوع الوصف في جنس الحكم، وإليه أشار بقوله: أو في جنسه، وتقريره أن ~~يعتبر الشارع النوع في الجنس، وذلك كامتزاج النسبين مع التقديم, فإن امتزاج ~~النسبين وهو كونه أخا من الأبوين نوع من الوصف. وقد اعتبره الشارع في ~~التقديم على الأخ من الأب فإنه قدمه ms454 في التراث، وقسنا عليه التقديم في ~~ولاية النكاح والصلاة عليه وتحمل الدية لمشاركتها له في الجنسية, وإن خالفه ~~في النوعية؛ إذ التقديم في ولاية النكاح نوع مغاير للتقديم في الإرث، بخلاف ~~الحكم المتقدم وهو تحريم النبيذ والخمر, فإن الاختلاف هناك بالمحل خاصة ولا ~~أثر له, فيكون تحريمها نوعا واحدا. الثالث: أن يعتبر الشارع جنس المناسبة ~~في نوع الحكم, وإليه أشار بقوله: أو بالعكس، وذلك كالمشقة المشتركة بين ~~الحائض والمسافر في سقوط القضاء, فإن الشارع اعتبر جنس المشقة في نوع سقوط ~~قضاء الركعتين، وإنما جعلنا الأول جنسا، والثاني نوعا؛ لأن مشقة السفر نوع ~~مخالف لمشقة الحيض، وأما سقوط قضاء الركعتين بالنسبة إلى المسافر والحائض ~~فهو نوع واحد. الرابع: أن يعتبر الشارع جنس الوصف في جنس الحكم، أي: قال ~~-رضي الله عنه- في شارب الخمر: أرى أنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى, فيكون ~~عليه حد المفتري يعني القاذف، ووافقه الصحابة على ذلك فقد أوجبوا حد القذف ~~على الشرب، لا لكونه شربا بل أقاموا مظنة القذف وهو الشرب مقام القذف، ~~قياسا على إقامة الخلوة بالأجنبية مقام الوطء في التحريم؛ لكون الخلوة مظنة ~~له, فقد ظهر أن الشارع اعتبر المظنة التي هي جنس لمظنة الوطء ولمظنة القذف ~~في الحكم الذي هو جنس لإيجاب حد القذف ولحرمة الوطء، والمراد بالجنس هنا هو # PageV01P327 # القريب؛ لأن اعتبار الجنس البعيد في الجنس البعيد هو المناسب المرسل كما ~~ستعرفه، ثم اعلم أن للجنسية مراتب، قال في المحصول: فأعم أوصاف الأحكام ~~كونه حكما، ثم الحكم ينقسم إلى وجوب وغيره، والوجوب إلى عبادة وغيرها، ~~والعبادة إلى صلاة وغيرها، والصلاة إلى نافلة وغيرها، فما ظهر تأثيره في ~~الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة, قال: وكذا في جانب الوصف، فأعم ~~الأوصاف كونه يناط به الحكم، ثم المناسب، ثم الضروري. قوله: "لأن ~~الاستقراء" هو متعلق بقوله: يفيد العلية، وتقديره أن المناسبة في هذه ~~الأقسام الأربعة تفيد العلية؛ لأنا استقرينا أحكام الشرع فوجدنا كل حكم ~~منها مشتملا على مصلحة عائدة إلى العباد، ويعلم منه ms455 أن الله تعالى شرع ~~أحكامه لرعاية مصالح عباده على سبيل التفضل والإحسان لا على سبيل الحتم ~~والوجوب خلافا للمعتزلة، وحينئذ فحيث ثبت حكم في الصورة وهناك وصف مناسب له ~~متضمن لمصلحة العبد ولم يوجد غيره من الأوصاف الصالحة للعلية غلب على الظن ~~أنه علة لكون الأصل عدم غيره، وإذا ثبت أنه علة ثبت أن المناسبة تفيد ~~العلية وهو المدعي، وقال الإمام في المعالم: إنه لا يجوز تعليل الأحكام ~~بالمصالح والمفاسد. قوله: "وإن لم تعتبر" هي بالتاء بنقطتين من فوق؛ لأنه ~~قسيم لقوله: والمناسبة تفيد العلية، إذا اعتبرها الشارع فيه، وأشار بهذا ~~إلى القسم الثالث وهو المناسب الذي لا يعلم هل اعتبره الشارع أو ألغاه وهو ~~المسمى بالمناسب المرسل، وفي اعتباره خلاف يأتي مبسوطا في الكتاب الخامس إن ~~شاء الله تعالى. قال الإمام: وذلك إنما يكون بحسب أوصاف هي أخص من كونه ~~وصفا مصلحيا، وإلا فعموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له بالاعتبار, ولأجل ما ~~ذكره أعني الإمام عبر عن المناسب المرسل بأنه المناسب الذي اعتبر جنسه في ~~جنسه، ولم يوجد له أصل يدل على اعتبار نوعه، وهذا التفسير الذي فسر بأنه ~~كلام المصنف للمرسل وهو أن لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه صرح به الآمدي, ~~وكذلك المصنف في الغاية القصوى، وقال ابن الحاجب: المرسل هو الذي لم يعتبره ~~الشارع سواء علم أنه ألغاه أم لم يعلم الاعتبار ولا إلغاء, وإنما حملنا ~~كلام المصنف على الأول لكونه مطابقا لكلامه في الغاية, وموافقا لما نقله عن ~~مالك, فإن مالكا لم يخالف في القسم الذي ألغاه الشارع. قال: "والغريب ما ~~أثر هو فيه ولم يؤثر جنسه في جنسه، كالطعم في الربا, والملائم ما أثر جنسه ~~في جنسه أيضا, والمؤثر ما أثر جنسه فيه. مسألة: المناسبة تبطل بالمعارضة؛ ~~لأن الفعل وإن تضمن ضررا أزيد من نفعه، ولا يصير نفعه غير نفع لكن يندفع ~~مقتضاه". أقول: هذا تقسيم للقسم الأول وهو المناسب الذي علم اعتباره، ~~وحاصله أنه ينقسم باعتبار تأثير نوعه وجنسه في نوع الحكم وجنسه إلى ms456 الغريب ~~الملائم والمؤثر, والمناسب الغريب هو الذي أثر نوعه من نوع الحكم، ولم يؤثر # PageV01P328 # جنسه في جنسه، وسمي به لكونه لم يشهد غير أصله المعين باعتباره، ومثاله: ~~الطعم في الربا، فإن نوع الطعم مؤثر في حرمة الربا، وليس جنسه مؤثرا في ~~جنسه, وقد سبق له مثال آخر ذكره المصنف, وهو السكر مع المحرمة، والملائم هو ~~ما أثر جنسه في جنسه كما أثر نوعه في نوعه، كالقتل العمد العدوان مع وجوب ~~القصاص، فإن نوعه مؤثر في وجوب القصاص، وكذا جنسه وهو الجناية مؤثر في جنس ~~القصاص وهو العقوبة، قال الآمدي: وهذا القسم متفق على قبوله بين القياسين ~~وما عداه فمختلف فيه, والمؤثر هو ما أثر جنسه في نوع الحكم لا غير كالمشقة ~~مع سقوط الصلاة مع ما مر. هكذا ذكره المصنف, وهو خلاف ما في أصليه الحاصل ~~والمحصول، فأما المحصول ففيه قبيل الكلام على المشبه أن المؤثر هو ما أثر ~~نوعه في بعض لحكم، قال: كامتزاج النسبين مع التقديم كما تقدم إيضاحه، وهذا ~~عكس ما ذكره المصنف، وأما الحاصل ففيه في الموضع المذكور أيضا أن المؤثر هو ~~ما أثر جنس في جنس الحكم، والظاهر أنه اشتبه عليه كلام الإمام فغلط في ~~اختصاره له، وقد خالف ابن الحاجب أيضا هذا التقسيم، فقال: الوصف المناسب ~~الذي اعتبره الشارع إن كان اعتباره بتنصيص الشارع على كونه علة أو بقيام ~~الإجماع عليه فهو المؤثر, وإن كان اعتباره بترتيب الحكم على وفقه نظر, إن ~~اعتبر عينه في جنس للحكم, أو بالعكس، أو جنسه في جنسه، فهو الملائم, وإن ~~اعتبر نوعه في نوعه فهو الغريب، وإذا علمت هذا علمت أنه مخالف لكلام المصنف ~~في المؤثر والملائم, وموافق له في الغريب. وأما الآمدي فتفسيره للملائم ~~والغريب موافق لتفسير المصنف، وتفسيره للمؤثرات موافق لتفسير ابن الحاجب. ~~واعلم أن أقسام المناسب على ما تقتضيه القسمة العقلية تسعة؛ لأنه إما أن ~~يؤثر نوعه أو جنسه أو كلاهما في نوع الحكم، أو جنسه، أو كليهما، قال ~~الآمدي: والواقع من هذه الأقسام خمسة, ms457 ذكر في الكتاب ألقابا ثلاثة منها, ~~وبقي منها قسمان سبق مثالهما لم يتعرض للقبهما, أحدهما: أن يكون جنس الوصف ~~مؤثرا في جنس الحكم دون النوع في النوع, كتأثير المظنة في مظنونها على ما ~~سبق إيضاحه، وتمثيله بشرب الخمر، قال في الأحكام: وهو من جنس المناسب ~~الغريب, والثاني: أن يكون نوع الوصف, نقله عنه. قوله: "مسألة ... إلخ" اعلم ~~أن الوصف إذا كان مشتملا على مصلحة لمشروعية الحكم، وعلى مفسدة تقتضي عدم ~~مشروعيته، فهل يكون تضمنه للمفسدة موجبا لبطلان مناسبته للحكم أم لا؟ فيه ~~مذهبان حكاهما في الأحكام من غير ترجيح، أحدهما وهو المختار عند ابن ~~الحاجب: أنها تبطل إذا كانت المفسدة مساوية أو راجحة. والثاني: لا تبطل, ~~وهو اختيار الإمام وأتباعه، واستدل المصنف عليه بأن الفعل وإن تضمن ضررا ~~أزيد من نفعه لا يصير نفعه غير نفع لاستحالة انقلاب الحقائق, وإذا بقي نفعه ~~بقيت مناسبته وهو المطلوب، غاية ما في الباب أنه لا يترتب عليه مقتضاه ~~لكونه مرجوحا. قال: "الخامس: الشبه, قال القاضي # PageV01P329 # المقارن للحكم إن ناسبه بالذات كالسكر للحرمة فهو المناسب، أو بالتبع ~~كالطهارة لاشتراط النية فهو الشبه، وإن لم يناسب فهو الطرد كبناء القنطرة ~~للتطهير، وقيل: ما لم يناسب إن علم اعتبار جنسه القريب فهو الشبه وإلا ~~الطرد، واعتبر الشافعي المشابهة في الحكم، وابن علية في الصورة, والإمام ما ~~يظن استلزامه ولم يعتبره القاضي مطلقا. لنا أنه يفيد ظن وجود العلة فيثبت ~~الحكم, قال: ما ليس بمناسب فهو مردود بالإجماع، قلنا: ممنوع". أقول: هذا هو ~~الطريق الخامس من الطرق الدالة على العلية وهو الشبه، واختلفوا في تعريفه, ~~فقال بعضهم: وهو الوصف الذي لا تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام، ولكن ~~ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام، فهو دون المناسب، وفرق ~~الطردي، ولأجل شبهه بكل منهما سمي الشبه, ومثاله قول الشافعي في إزالة ~~النجاسة: طهارة تراد لأجل الصلاة, فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن ~~الجامع هو الطهارة ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة، ~~وبالنظر ms458 إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمس المصحف والصلاة ~~والطواف، يوهم اشتمالها على المناسب، وهذا القول نقله الآمدي عن أكثر ~~المحققين. قال: وهو الأقرب إلى قواعد الأصول ولم يذكره المصنف، قال القاضي ~~أبو بكر الباقلاني: الوصف المقارن للحكم إن ناسبه بالذات، فهو المسمى ~~المناسب، كالسكر مع التحريم، وإن لم يناسبه بالذات بل بالتبع أي: ~~بالاستلزام فهو الشبه, كتعليل وجوب النية في التيمم بكونه طهارة حتى يقاس ~~عليه الوضوء، فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النية، وإلا اشترطت في ~~الطهارة عن النجس، لكن تناسبه من حيث إنها عبادة، والعبادة مناسبة لاشتراط ~~النية, وإن لم تناسبه بالذات ولا بالتبع فهو الطرد، كاستدلال المالكي مثلا ~~على جواز الوضوء بالماء المستعمل بقوله: إنه مائع, تبنى القنطرة على جنسه، ~~فيجوز الوضوء به قياسا على الماء في النهر. فإن بناء القنطرة على الماء ليس ~~مناسبا لكونه طهورا أو مستلزما له، وقال بعضهم: الوصف الذي لم يناسب الحكم ~~إن علم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو الشبه, وإن لم ~~يعلم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب فهو الطرد، ومثله بعضهم بإيجاب ~~المهر بالخلوة بالزوجة على القول القديم. فإن الخلوة لا تناسب وجوب المهر؛ ~~لأن وجوبه في مقابلة الوطء, إلا أن جنس هذا الوصف وهو كون الخلوة مظنة ~~للوطء قد اعتبر في جنس الوجوب وهو الحكم، ووجه اعتباره فيه أنه قد اعتبر في ~~التحريم، والحكم جنس له, فعلينا من التقسيم الأول أن الشبه هو الوصف ~~المقارن للحكم المناسب له بالتبع، وهذا هو المعبر عنه بقياس الدلالة, وقد ~~فسروه بأنه الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم ~~المناسب, وعلمنا من التقسيم الثاني أنه الوصف الذي ليس مناسبا وعلم اعتبار ~~جنسه القريب في جنس الحكم القريب, ولم يرجح الإمام ولا أتباعه شيئا من هذا ~~الخلاف وكذلك ابن الحاجب أيضا، واعلم # PageV01P330 # أن التعبير عما ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد ذكره جماعة، ~~والتعبير المشهور فيه هو الطردي بزيادة الياء، وأما الطرد فمن ms459 جملة الطرق ~~الدالة على العلية كما سيأتي في القسم الثاني. قوله: "واعتبر الشافعي ... ~~إلخ" هو فرع آخر سماه الشافعي: قياس الأشياء، وأدخله المصنف في مسألة قياس ~~الشبه؛ لأن فيه مناسبة له، وحاصله أنه إذا تردد فرع بين أصلين قد أشبه ~~أحدهما في الحكم والآخر في الصورة، قال الشافعي -رحمه الله: يعتبر المشابهة ~~في الحكم؛ ولهذا ألحق العبد المقتول بسائر المملوكات في لزوم قيمته على ~~القاتل, وإن زادت على الدية، والجامع أن كلا منهما يباع ويشترى، واعتبر ابن ~~علية المشابهة في الصورة حتى لا يزاد على الدية، ونقله إمام الحرمين في ~~البرهان عن أبي حنيفة وأحمد؛ ولهذا أوجب أحمد التشهد الأول كالثاني, ولم ~~يوجب أبو حنيفة الثاني كالأول. وقال الإمام فخر الدين: متى حصلت المشابهة ~~فيما يظن أنه علة للحكم أو مستلزم لما هو علة له, صح القياس مطلقا سواء كان ~~في الصورة أو الحكم، وقال القاضي أبو بكر: لا اعتبار بعلية ما ذكر هنا ~~مطلقا، ومقتضى كلام المصنف أن القاضي خالف في الشبه وفي قياس الأشياء، وقد ~~أخذ الشارحون ظاهره فصرحوا به, وليس كذلك؛ فقد صرح الغزالي في المستصفى بأن ~~قياس الأشياء ليس فيه خلاف؛ لأنه متردد بين قياسين مناسبين, ولكن وقع ~~التردد في تعيين أحدهما, ذكر ذلك في الطرف الثالث قبيل باب أركان القياس, ~~وذكر في البرهان قريبا منه أيضا وكلام المحصول لا يرد عليه شيء, فإنه نقل ~~خلاف القاضي في الشبه خاصة، ولكن الذي أوقع المصنف في الوهم أن الإمام بعد ~~فراغه من تفسير المشبه قال: واعلم أن الشافعي رحمه الله يسمي هذا قياس غلبة ~~الأشياء، وهو أن يكون الفرع واقعا بين أصلين إلى آخر ما قال، فتوهم المصنف ~~أنه أشار بقوله هذا إلى ما تقدم من تفسير قياس الشبه وليس كذلك, بل إشارة ~~إلى وقوع الفرع بين أصلين. قوله: "لنا" أي: الدليل على أن قياس الشبه معتبر ~~وذلك أن الشبه يفيد ظن كون الوصف علة, أما على التفسير الأول من تفسيري ~~المصنف فلأنه مستلزم للعلة، وأما على ms460 التفسير الثاني فلأنه لما ثبت أن ~~الحكم لا بد له من علة، ورأينا تأثير جنس الوصف في جنس الحكم دون غيره من ~~الأوصاف، كأن ظن إسناد الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى غيره, وإذا ثبت ~~إفادته للظن وجب العمل به لما تقدم غير مرة، واحتج القاضي بأن الشبه ليس ~~بمناسب، وما ليس بمناسب فهو مردود, فإن كان مستلزما له فليس مردودا ~~بالاتفاق بل هو حجة عندنا وهو أول المسألة. قال: "السادس: الدوران, وهو أن ~~يحدث الحكم بحدوث وصف, وينعدم بعدمه، وهو يفيد ظنا، وقيل: قطعا، وقيل: لا ~~قطعا، وقيل: ولا ظنا. لنا أن الحادث له علة, وغير المدار ليس بعلة؛ لأنه إن ~~وجد قبله فليس بعلة التخلف، وإلا فالأصل عدمه, وأيضا علية بعض المدارات مع ~~التخلف في شيء من الصور، لا تجتمع مع عدم علية بعضها؛ لأن ماهية الدوران ~~إما أن تدل على علية المدار # PageV01P331 # فيلزم علية هذه المدارات, أو لا تدل فيلزم عدم علية تلك؛ للتخلف السالم ~~عن المعارض. والأول ثابت فانتفى الثاني وعورض بمثله، وأجيب بأن المدلول قد ~~لا يثبت لمعارض، قيل: الطرد لا يؤثر والعكس لم يعتبر, قلنا: يكون للمجموع ~~ما ليس لأجزائه". أقول: الطريق السادس من الطرق الدالة على العلية: ~~الدوران, وسماه الآمدي وابن الحاجب الطرد والعكس. وهو كما قال المصنف عبارة ~~عن حدوث الحكم بحدوث الوصف وانعدامه بعدمه, وذلك الوصف يسمى مدارا, والحكم ~~يسمى دائرا, ثم إن الدوران قد يكون في محل واحد كالسكر مع عصير العنب فإنه ~~قبل أن يحدث فيه وصف الإسكار كان مباحا، وعند حدوثه حدثت الحرمة. وقد يكون ~~في محلين كالطعم في تحريم الربا, فإنه لما وجد الطعم في التفاح كان ربويا، ~~ولما لم يوجد في الحرير لم يكن ربويا, وأراد المصنف بحدوث الأحكام حدوث ~~تعلقاتها, وأما ذواتها فهي قديمة, كما تقدم تعبيره بقوله: بحدوث, وبقوله: ~~بعدمه، يقتضي أنه لا بد أن يكون الوصف علة للحدوث والعدم, فإن الياء دالة ~~على التعليل. وقد صرح الغزالي في المستصفى وفي شفاء العليل ms461 بذلك، فقال: ~~والمؤثر من الدوران هو أن يكون الثبوت بالثبوت والعدم بالعدم، وأما الدوران ~~بمعنى الثبوت مع الثبوت، والعدم مع العدم فليس بعلة, واعترض عليه الإمام ~~فخر الدين في الرسالة النهائية بأن قال: الثبوت بالثبوت هو كونه علة له, ~~فكيف يستدل به على علية الوصف لثبوت الحكم؟ وهذا الاعتراض بعينه وارد على ~~عبارة المصنف, لا جرم أن الإمام في المحصول عبر بالثبوت عند الثبوت ~~وبالانتفاء عند الانتفاء، لكنه ينتقض بالمتضايقين كالنبوة والأبوة, فإن ~~الحد صادق على ذلك مع أنه ليس من الدوران؛ لأن الدوران يفيد العلية كما ~~سيأتي، وأحد المتضايقين ليس علة للآخر؛ لأن العلة متقدمة على المعلول, ~~والمضافان معا، واختلفوا في أن الدوران هل يفيد العلية أم لا؟ فقال الإمام ~~والمصنف: إنه يفيد التعليل ظنا، وقال بعض المعتزلة: يفيد العلية قطعا، وقال ~~بعضهم: لا يفيدنا أصلا ولا قطعا ولا ظنا, واختاره الآمدي وابن الحاجب, ~~وكلام المحصول في الأفعال الاختيارية قبل البعثة يقتضيه. قوله: "لنا" أي: ~~الدليل على ما قلنا من وجهين أحدهما: أن الحكم لم يكن ثم كان فيكون حدثا، ~~وكل حادث لا بد له من علة بالضرورة, فعلته إما الوصف المدار أو غيره، لا ~~جائز أن يكون غير المدار وهو العلة؛ لأن ذلك الغير إن كان موجودا قبل صدور ~~ذلك الحكم فليس بعلة له، وإلا لزم تخلف الحكم عن العلة وهو خلاف الأصل، وإن ~~لم يكن موجودا فالأصل بقاؤه على العدم، وإذا حصل ظن أن غير المدار ليس بعلة ~~حصل ظن أن المدار هو العلة وهو المدعى. والثاني ولم يذكره الإمام ولا صاحب ~~الحاصل: أن عليه بعض المدارات للحكم الدائر مع تخلف ذلك الدائر عن ذلك ~~المدار في شيء من صورة لا تجتمع مع عدم علية بعض المدارات للدائر؛ لأن ~~ماهية الدوران من حيث هي, إما أن تدل على # PageV01P332 # علية المدار للدائر أولا، فإن دلت فيلزم علية هذه المدارات التي هي فرضنا ~~عدم عليتها؛ لأنه حيث وجه الدوران وجد عليه المدار للدائر، فلا تجتمع علية ~~المدارات مع عدم ms462 علية بعضها، وإن لم تدل ماهية الدوران على علية المدار ~~للدائر، فيلزم عدم علية تلك المدارات أي: التي فرضنا عليتها، وتخلف عنها ~~الدائرة في شيء من صورها لوجود المقتضي لعدم العلية، وهو تخلف الدائر عن ~~المدار مع سلامته عن المعارض، وهو دلالة ماهية الدوران على العلية, فإن ~~دلالة ماهية الدوران على العلية تقتضي علية الدوران والتخلف يقتضي عدم ~~عليته، فبينهما تعارض, فثبت أن علية بعض المدارات مع التخلف لا تجتمع مع ~~عدم علية بعضها, والأول وهو علية بعض المدارات مع التخلف ثابت بالاتفاق؛ ~~لأن شرب السقمونيا علة الإسهال مع تخلف الإسهال في بعض الأمكنة بالنسبة إلى ~~بعض الأشخاص. وإذا ثبت الأول انتفى الثاني وهو عدم علية بعض المدارات ~~للدائر، ويلزم من انتفائه علية جميع المدارات وهو المدعى, وإنما قيد علية ~~بعض المدارات بالتخلف المذكور ليستدل به على عدم علية تلك على تقدير عدم ~~دلالة ماهية الدوران على العلة. وقوله: "وعورض" أي: عارض الخصم هذا الدليل ~~بمثله، وتقدير المعارضة أن يعاد الدليل السابق بعينه فيقال: علية بعض ~~المدارات مع التخلف ... إلخ, إلا أنا نبدل قولهم: والأول ثابت فينتفي ~~الثاني بقولنا، والثاني ثابت كالمتضايفين فينتفي الأول هذا هو الصواب في ~~تقريره فاعتمده. وأجاب المصنف أن جواب المعارضة هو الترجيح وهو حاصل معنا؛ ~~وذلك لأنه يلزم مما قلناه، وهو كون جميع المدارات علة للدائر مع التخلف في ~~بعض الصور, أن يوجد الدليل بدون المدلول وهو أمر معقول, فإنه يجوز أن يتخلف ~~المدلول المانع، ويلزم مما قالوه وهو كون المدارات ليست بعلة مع علية ~~بعضها, أن يوجد المدلول بدون الدليل وهو غير معقول. قوله: "قيل: الطرد" أي: ~~احتج من قال: إن الدوران لا يفيد العلية مطلقا بأن الدوران مركب من الطرد، ~~وهو ترتب وجود الشيء على جوده غيره، والعكس وهو ترتب عدم الشيء على عدم ~~غيره، والطرد لا يؤثر في إفادة العلية؛ لأن الطرد معناه سلامته مع ~~الانتقاض, وسلامة المعنى من مبطل واحد من مبطلات العلية، لا توجب انتفاء كل ~~مبطل, والعكس غير معتبر ms463 في العلل الشرعية على الصحيح؛ لأن عدم العلة مع ~~وجود المعلول لعلة أخرى لا يقدح في علية العلة المعدومة لجواز أن يكون ~~للمعلول علتان على التعاقب, كالبول والمس بالنسبة إلى الحدث. وأجاب المصنف ~~بأنه لا يلزم من عدم دلالة كل واحد منهما على الانفراد عدم دلالة مجموعهما, ~~فإنه يجوز أن يكون للهيئة الاجتماعية تأثير لا يكون لكل واحد من الأجزاء، ~~كأجزاء العلة, فإن كلا منها منفردا غير مؤثر, ومجموعهما مؤثر. قال: ~~"السابع: التقسيم الحاضر كقولنا: ولاية الإجبار، إما أن لا تعلل بالبكارة، ~~أو الصغر, أو غيرهما والكل باطل سوى الثاني, فالأول والرابع للإجماع, ~~والثالث لقوله عليه الصلاة # PageV01P333 # والسلام: "الثيب أحق بنفسها" 1 , والسبر غير الحاصر مثل أن تقول: علة ~~حرمة الربا إما الطعم أو الكيل أو القوت, فإن قيل: لا علة لها أو العلة ~~غيرها, قلنا: قد بينا أن الغالب على الأحكام تعليلها، والأصل عدم غيرها". ~~أقول: الطريق السابع من الطرق الدالة على العلية: التقسيم الحاصر، والتقسيم ~~الذي ليس بحاصر، ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم، ومعناه: أن الباحث على العلة ~~يقسم الصفات التي يتوهم عليتها، بأن يقول: علة هذا الحكم إما هذه الصفة ~~وإما هذه, يسبر كل واحدة منهما، أي يختبره ويلغي بعضها بطريقة، فيتعين ~~الباقي للعلية، فالسبر هو أن يختبر الوصف هل يصلح للعلية أم لا؟ والتقسيم, ~~وقولنا: العلة إما كذا وإما كذا، فكان الأولى أن يقدم التقسيم في اللفظ ~~فيقال: التقسيم والسبر لكونه متقدما في الخارج، فالتقسيم الحاصر هو الذي ~~يكون دائرا بين النفي والإثبات كقول الشافعي مثلا: ولاية الإجبار على ~~النكاح إما أن لا تعلل بعلة أصلا أو تعلل، وعلى التقدير الثاني فإما أن ~~تكون معللة بالبكارة أو الصغر أو بغيرهما, والأقسام الأربعة باطلة سوى ~~القسم الثاني, وهو التعليل بالبكارة, فأما الأول وهو أن تكون معللة, ~~والرابع وهو أن تكون معللة بغير البكارة والصغر فباطلان بالإجماع، وأما ~~الثالث فلأنها لو كانت معللة بالصغر لثبتت الولاية على الثيب الصغيرة لوجود ~~العلة وهو باطل، لقوله -عليه الصلاة والسلام: "الثيب أحق ms464 بنفسها"، وهذا ~~القسم يفيد القطع إن كان الحصر في الأقسام وإبطال غير المطلوب قطعيا، وذلك ~~قليل في الشرعيات، وإن لم يكن كذلك فإنه يفيد الظن. وأما التقسيم الذي ليس ~~بحاصر فهو الذي لا يكون دائرا بين النفي والإثبات, ويسمى بالتقسيم المنتشر ~~وعبر عنه المصنف بالسبر غير الحاصر، وعبر عن الأول بالتقسيم الحاصر تنبيها ~~على جواز إطلاق كل واحد من السبر، والتقسيم على كل واحد من القسمين، وهذا ~~القسم لا يفيد إلا الظن، فلا يكون حجة في العقليات بل الشرعيات فقط، ~~كقولنا: علة حرمة الربا إما الطعم أو الكيل أو القوت, والثاني والثالث ~~باطلان بالنقض أو بغيره، فتعين الطعم وهو المطلوب، قال في المحصول2: وهذا ~~إذا لم يتعرض الإجماع على تعليل حكمه وعلى حصر العلة في الأقسام، فإن تعرض ~~لذلك كان قطعيا. قوله: "فإن قيل" أي: أورد على الاستدلال بالسبر غير ~~الحاصر، فقيل: لا نسلم أن تحريم الربا معلن، فإن من الأحكام ما لا علة له ~~بدليل أن علية العلة غير معللة، وإلا لزم التسلسل، سلمنا فلم لا يجوز أن ~~تكون العلة غير هذه الثلاث فإنكم لم تقيموا دليلا على الحصر فيها، وأجاب ~~المصنف عن الأول بأنا بينا في باب المناسبة أن الغالب على الأحكام الشرعية ~~تعليلها بالصالح, فيكون ظن التعليل أغلب من ظن عدم التعليل، وعن الثاني بأن ~~الأصل عدمه علة أخرى غير الأمور المذكورة، وذلك كاف في حصول الظن بعلية ~~PageV01P334 # أحدهما. قال: "الثامن: الطرد, وهو أن يثبت معه الحكم فيما عدا المسارع ~~فيه, فيثبت فيه إلحاقا للمفرد المتنازع بالأعم الأغلب، وقيل: تكفي مقارنته ~~في صورة, وهو ضعيف". أول الطريق الثامن من الطرق الدالة على العلية الطرد, ~~والطرد مصدر بمعنى الاطراد، وهو أن يثبت الحكم مع الوصف الذي لم يعلم كونه ~~مناسبا ولا مستلزما للمناسب في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، وقد ~~اختلفوا فيه فمن لا يقول بحجة الدوران كالآمدي وابن الحاجب لا يقول بهذا ~~بطريق الأولى، ومن يقول بحجته اختلفوا هنا، فذهب الغزالي في شفاء العليل، ~~والإمام فخر الدين ms465 في الرسالة النهائية إلى أنه حجة، ومال إليه في المحصول، ~~وصرح به صاحب الحاصل، وقطع به المصنف، وذهب جماعة منهم الغزالي في المستصفى ~~إلى أنه ليس بحجة، واستدل الأولون بأن الحكم إذا كان ثابتا مع الوصف في ~~الصور المغايرة لمحل النزاع، ثم وجد ذلك الوصف بعينه في محل النزاع، لزم أن ~~يثبت الحكم فيه إلحاقا للمفرد بالأعم الأغلب، فإن كان استقراء الشرع يدل ~~على أن النادر في كل باب ملحق بالغالب، وذهب بعضهم إلى أنه يكفي في التعليل ~~بالوصف مقارنته للحكم في صورة واحدة؛ لأنا إذا سلمنا أن الحكم لا بد له من ~~علة، وعلمنا حصول هذا الوصف ولم نعلم غيره ظننا أنه علة، إذ الأصل عدم ما ~~سواه، قال المصنف: وهو ضعيف؛ لأن الظن لا يحصل إلا بالتكرار. قال: "التاسع: ~~تنقيح المناط، بأن يبين إلغاء الفارق، وقد يقال: العلة، إما المشترك أو ~~المميز، ولا يكفي أن يقال: محل الحكم، إما المشترك أو مميز الأصل؛ لأنه لا ~~يلزم من ثبوت المحل ثبوت الحكم". أقول: الطريق التاسع, وهو آخر الطرق ~~الدالة على العلية: تنقيح المناط، أي: تلخيص ما أناط الشارع الحكم به أي: ~~ربطه به وعقله عليه، وهو العلة، والمناط اسم مكان من الإناطة، والإناطة ~~للتعليق والإلصاق، قال حبيب الطائي: # بلاد بها نيطت علي تماتمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها1 # أي: علقت على الحروز بها، فلما ربط الحكم بالعلم وعلق عليها سميت مناطا، ~~وتنقيح مناطي العلة هو أن يبين المستدل إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، ~~وحينئذ فيلزم اشتراكهما في الحكم، مثاله أن يقول الشافعي للحنفي: لا فارق ~~بين القتل بالمثقل والمحدد، لا كونه محددا، وكونه محددا لا مدخل له في ~~العلية؛ لكون المقصود من القصاص هو حفظ النفوس، فيكون القتل هو العلة وقد ~~وجد في المثقل، فيجب فيه القصاص. وهذا النوع عند الحنفية يسمونه ~~بالاستدلال، وليس عندهم من باب القياس كما تقدم بسطه. قوله: "قد يقال" أي: ~~قد يقرر بعبارة أخرى، فيقال: علة الحكم إما المشترك بين الأصل والفرع, وهو ~~القتل ms466 العمد في مثالنا، أو المميز للأصل عن الفرع، PageV01P335 # أي: الذي اختص به الأصل، وهو كونه قتلا بالمحدد. والثاني باطل لكذا، فثبت ~~الأول، ويلزم من ذلك ثبوت الحكم في الفرع، قال في المحصول: وهذا طريق جيد، ~~إلا أنه هو بعينه طريقة السبر والتقسيم من غير تفاوت. قوله: "ولا يكفي" أي: ~~لا يكفي أن يقال في تقريره: إن هذا الحكم لا بد له من محل، وهو إما المشترك ~~بين الأصل والفرع أو المميز، والثاني باطل لكذا، فتعين الأول، وإنما قلنا: ~~لا يكفي؛ لأنه لا يلزم منه ثبوت الحكم في الفرع؛ لأنه لا يلزم من ثبوت ~~المحل ثبوت الحال، والفرق بين تنقيح وتخريج المناط، وتحقيق المناط, على ما ~~نقله الإمام الغزالي, أن تنقيح المناط هو إلغاء الفارق كما بيناه, وأما ~~تخريج المناط فهو استخراج علة معينة للحكم ببعض الطرق المتقدمة كالمناسبة، ~~وذلك كاستخراج الطعم أو القوت أو الكيل بالنسبة إلى تحريم الربا، وأما ~~تحقيق المناط فهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، أي إقامة الدليل على ~~وجودها فيه، كما إذا اتفقا على أن العلة في الربا هي القوت، ثم يختلفان في ~~أن التين هل هو مقتات حتى يجري فيه الربا أم لا؟ قال: "تنبيه: قيل: لا دليل ~~على عدم عليته فهو علة، قلنا: لا دليل على عليته فليس بعلة، قيل: لو كان ~~علة لتأتى القياس المأمور به، قلنا: هو دور". أقول: نبه المصنف بهذا على ~~فساد طريقين, ظن بعض الأصوليين أنهما مفيدان للعلية، أحدهما: أن يقال: هذا ~~الوصف علة لأنه لا دليل على عدم عليته، وإذا انتفى الدليل على عدم عليته ~~انتفى عدم عليته لأنه يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول، وإذا انتفى ~~عدم عليته ثبتت عليته لامتناع ارتفاع النقيضين. والجواب أنا نعارضه بمثله ~~فنقول: هذا الوصف ليس بعلة؛ لأنه لا دليل على عليته، وإذا انتفى الدليل ~~عليها لزم انتفاؤها، وإذا انتفت ثبت عدم عليته بعين ما قالوه. الطريق ~~الثاني: أن يقال: إن الوصف على تقدير عليته يتأتى معه العمل بالقياس، وعلى ~~تقدير ms467 عدم عليته لا يتأتى معه ذلك والقياس مأمور به، ولا شك أن العمل بما ~~يستلزم المأمور به أولى من غيره، وأجاب المصنف بأن هذا الطريق يلزم منه ~~الدور؛ لأن تأتي القياس متوقف على كون الصفة علة، فلو أثبتنا كونه علة ~~يتأتى القياس لزم الدور، وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا مختصر كلامه. ~~واعلم أن تقرير الطريق الثاني على الوجه الذي ذكره المصنف فاسد, فإن قوله: ~~لو كان علة لتأتى القياس المأمور به، إنما يكون محصلا للمدعي، وهو كونه علة ~~لو كان القياس الاستثنائي منتجا لعين المقدم عند الاستثناء عين التالي، ~~كقولنا لكنه يتأتى معه القياس المأمور به فيكون علة، وليس كذلك، فإن المنتج ~~في القياس الاستثنائي أمران, أحدهما: استثناء عين المقدم لإنتاج عين ~~التالي، والثاني: استثناء نقيض التالي لإنتاج نقيض المقدم، أما استثناء عين ~~التالي أو نقيض المقدم فإنهما لا ينتجان, والطريق في إصلاح هذا أن يجعل ~~قياسا اقترانيا، فيقال: علية الوصف توجب تأتي القياس، وكل ما يوجب تأتي ~~القياس فهو أولى، فينتج أن علية الوصف أولى، قال: " الطرف الثاني: فيما ~~يبطل العلة وهو ستة, الأول: # PageV01P336 # النقض وهو إبداء أو صنف بدون الحكم، مثل أن نقول لمن لم يبيت: تعرى أول ~~صومه عن النية، فلا يصح, فينتقض بالتطوع، قيل: يقدح, وقيل: لا مطلقا، وقيل: ~~في المنصوصة، وقيل: حيث مانع، وهو المختار، وقياسا على التخصيص، والجامع ~~جمع الدليلين، ولأن الظن باق بخلاف ما إذا لم يكن مانع، قيل: العلة ما ~~يستلزم الحكم، وقيل: انتفاء المانع لم يستلزمه، قلنا: بل إما يغلب على ظنه ~~وإن لم يخطر المانع وجودا أو عدما, والوارد استثناء لا يقدح كمسألة ~~العرايا؛ لأن الإجماع أدل على النقض". لما فرغ المصنف من الطرق الدالة على ~~كون الوصف علة, شرع في الطرق الدالة على كونه ليس بعلة وهي ستة: النقض، ~~وعدم التأثير، والكسر، والقلب بالموجب، والفرق الأول النقض، وهو إبداء ~~الوصف المدعى عليته بدون وجود الحكم في صورة يعبر عنه بتخصيص الوصف، كقول ~~الشافعي في حق من لم يبيت ms468 النية: تعرى أول صومه عنها, فلا يصح فيجعل عراء ~~أول الصوم عن النية علة لبطلانه، فيقول الحنفي: هذا ينتقض بصوم التطوع, ~~فإنه يصح بدون التبييت فقد وجدت العلة وهو العراء بدون الحكم وهو عدم ~~الصحة، إذا علمت هذا فنقول: النقض إن كان واردا على سبيل الاستثناء ~~كالعرايا فسيأتي أنه لا يقدح، وإن لم يكن كذلك ففيه أربعة أقوال, أحدها: ~~يقدح مطلقا سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة وسواء كان تخلف الحكم عن ~~الوصف لمانع أم لا, واختاره الإمام فخر الدين، وقال الآمدي: إنه الذي ذهب ~~إليه أكثر أصحاب الشافعي في العلة المستنبطة، قال: وقيل: إنه منقول عن ~~الشافعي نفسه، وتوجيه كون النقض قادحا في العلة المنصوصة ما قاله الغزالي، ~~وهو أنا نتبين بعد وروده أن ما ذكر لم يكن تمام العلة بل جزءا منها، ~~كقولنا: خارج, فينقض الطهر أخذا من قوله -عليه الصلاة والسلام: "الوضوء بما ~~خرج" 1 ثم إنه لم يتوضأ من الحجامة، فنعلم أن العلة هو الخروج من المخرج ~~المعتاد لا مطلق الخروج، والثاني: لا يقدح مطلقا، والثالث: لا يقدح في ~~العلة المنصوصة سواء حصل مانع أم لا، ويقدح في العلة المستنبطة مطلقا، ~~والرابع, اختاره المصنف: لا يقدح حيث وجد مانع مطلقا، سواء كانت العلة ~~منصوصة أو مستنبطة، فإن لم يكن مانع قدح مطلقا، وإلى المذهبين الأخيرين ~~أشار بقوله: وقيل في المنصوصة وقيل: حيث مانع، وتقديره وقيل: لا يقدح في ~~المنصوصة، وقيل: لا يقدح حيث مانع، وإنما لم يصرح بالنفي لكونه معطوفا على ~~منفي، واختار ابن الحاجب أنه إن كانت مستنبطة فلا يجوز تخصيصها إلا لمانع، ~~أو انتفاء شرط، وإن كانت منصوصة فإنها تختص بالنص المنافي لحكمها، وحينئذ ~~فيقدر المانع في صورة التخلف، وذكر الآمدي نحوه أيضا. قوله: "قياسا" أي: ~~الدليل على ما قلناه من وجهين أحدهما: قياس النقض على التخصيص، فكما أن ~~التخصيص PageV01P337 # لا يقدح في كون العام حجة، فكذا النقض لا يقدح في كون الوصف علة، والجامع ~~بينهما هو الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن مقتضى العلة ms469 ثبوت الحكم في ~~جميع مجالها، ومقتضى المانع عدم ثبوته في بعض تلك الصور، فيجمع بينهما بأن ~~ترتيب الحكم على العلية فيما عدا صورة وجود المانع، كما أن مقتضى العام ~~ثبوت حكمه في جميع أفراده، ومقتضى المخصوص عدم ثبوته في بعضها، وقد جمعنا ~~بينهما فالنقض للمانع المعارض العلة كالتخصيص للمخصص والمعارض للعام. ~~الدليل الثاني: أن ظن العلة باق إذا كان التخلف المانع؛ لأن التخلف والحالة ~~هذه يسنده العقل إلى المانع لا العدم المقتضي، بخلاف التخلف لا المانع، فإن ~~العقل يسنده إلى العدم المقتضي؛ لأن انتفاء الحكم إما لانتفاء العلة أو ~~لوجود المانع. والثاني: منتف فتعين الأول، وحينئذ فيزول ظن العلية، وإذا ~~بقي الظن بعلية الوصف مع النقض لمانع لم يكن قادحا بخلاف ما إذا انتفى لأن ~~المراد بالعلية هو الظن بها. قوله: "قيل: العلة" أي: احتج القائلون بأن ~~النقض يقدح مطلقا بأن العلة هو ما يستلزم الحكم، والوصف مع وجود المانع لا ~~يستلزمه فلا يكون علة، وحينئذ فيكون النقض مع المانع قادحا، وإذا قدح مع ~~المانع قدح مع عدمه بطريق الأول، وعبر المصنف عن حالة وجود المانع بقوله: ~~وقيل: انتفاء المانع، وهي عبارة ركيكة، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن العلة ~~هو ما يستلزم الحكم، بل العلة عندنا هو ما يغلب على الظن وجود الحكم بمجرد ~~النظر إليه، وإن لم يخطر بالبال وجود المانع أو عدمه. قوله: "والوارد ... ~~إلخ" يعني: أن ما تقدم جميعا فمحله فيما إذا لم يكن النقض الوارد بطريق ~~الاستثناء، فإن كان مستثنى أي: ناقضا لجميع العلل, واردا على خلاف القياس, ~~لازما لجميع المذاهب فإنه لا يقدح، كما جزم به المصنف، وقال في الحاصل: إنه ~~الأصح ونقله في المحصول عن قوم, ولم يصرح بمخالفتهم ولا موافقتهم، ومثال ~~ذلك العرايا وهو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر فإنها ناقضة لعلة تحريم ~~الربا قطعا؛ لأن الإجماع منعقد على أن العلة في تحريمه، إما الطعم أو الكيل ~~أو القوت أو المال، وكل منها موجود في العرايا، ثم استدل المصنف على كونه ms470 ~~لا يقدح بأن النقض وإن دل على الوصف المنقوض بعلة, لكن الإجماع منعقد على ~~كونه علة، ودلالة الإجماع على العلية أقوى من دلالة النقض على عدم العلية؛ ~~لكون الإجماع قطعيا, فلذلك لم يقدح له الإمام أيضا بضرب الدية على العاقبة ~~فإنه ناقض لعلة عدم المؤاخذة وهو عدم الجناية وفيه نظر، فإن هذا من باب ~~العكس، وهو إبداء الحكم بدون العلة لأن الجناية علة لوجوب الضمان؛ فلذلك ~~اختار المصنف التمثيل بالعراة وادعى إمام الحرمين في البرهان أن الصورة ~~المستثناة لا تكون معقولة المعنى، وخالفه، واختلف الأصوليون في أنه هل يجب ~~على المستدل أن يتحرز في دليله على النقض في المستثنى؟ على مذهبين حكاهما ~~في المحصول من غير ترجيح، وحكى ابن الحاجب في الاحتراز عن النقض # PageV01P338 # مطلقا مذاهب, ثالثها: أنه يجب في الصورة المستثناة دون غيرها، واختار أنه ~~لا يجب مطلقا. قال: "وجوابه منع العلة لعدم قيد، وليس الدليل على وجوده؛ ~~لأنه نقل، ولو قال: ما دللت به على وجوده هنا دل عليه ثمة، فهو نقل إلى نقض ~~الدليل، أو دعوى الحكم مثل أن يقول: السلم: عقد معاوضة فلا يشترط فيه ~~التأجيل كالبيع، فينتقض بالإجارة، قلنا: هناك لاستقرار المعقود عليه، لا ~~لصحة العقد ولو تقديرا، كقولنا: رق الأم علة رق الولد، ويثبت في ولد ~~المغرور تقديرا, وإلا لم تجب قيمته أو إظهار المانع". # أقول: لما تقدم أن النقض عبارة عن إبداء الوصف بدون الحكم, وأنه إنما ~~يقدح إذا تخلف لغير مانع لزم أو يكون جوابه بأحد أمور ثلاثة, وهو إما منع ~~وجود العلة في صورة النقض أو دعوى وجود الحكم فيها أو إظهار المانع؛ فلذلك ~~أردفه المصنف به وأهمله رابعا, وهو بيان كونه واردا على سبيل الاستثناء. ~~الأول من الأمور الثلاثة: منع وجود العلة في صورة النقض لعدم قيد من القيود ~~المعتبرة في علية الوصف, مثاله ما قاله المصنف في أول هذه المسألة وهو أن ~~يقول الشافعي فيمن لم يبيت النية في رمضان: يعرى أول صومه عنها, فلا يصح ~~فينقضه الحنفي بالتطوع ms471 فيجيبه الشافعي: أن العلة في البطلان هو عراء أول ~~الصوم بقيد كونه واجبا لا مطلق الصوم, وهذا القيد مفقود في التطوع فلم توجد ~~العلة فيه, ثم إذا منع المعلل وجود العلة في صورة النقض لعدم القيد كما ~~فرضنا, فهل للمعترض أن يقيم الدليل على وجود الوصف بتمامه في صورة النقض؟ ~~فيه مذاهب حكاها ابن الحاجب من غير ترجيح أحدها, وبه جزم الإمام والمصنف ~~أنه ليس له ذلك لأنه نقل من مرتبة المنع إلى مرتبة الاستدلال وعلله الإمام ~~بأنه نقل من مسألة إلى مسألة, يعني أن الانتقال إلى وجود العلة في صورة ~~النقض انتقال من مسألة إلى أخرى في غير التي كانا فيها وكلام المصنف يحتمل ~~الأمرين, والثاني: له ذلك مطلقا: لأن النقض مركب من مقدمتين, إحداهما إثبات ~~العلة, والثانية تخلف الحكم وإثبات مقدمة من مقدمات المطلوب ليس نقلا من ~~بحث إلى آخر, والثالث وهو رأي الآمدي: أنه إن تعين ذلك طريقا للمعترض في ~~دفع كلام المستدل وجب قبوله, وإن أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى ~~المقصود. قوله: "ولو قال ... إلخ" يعني: إذا منع المعلل وجود العلة في محل ~~النقض ولم يمكن المعترض من إقامة الدليل على وجودها كما بينا, وكان المعلل ~~قد استدل على وجود العلة في محل التعليل بدليل موجود في محل النقض كما ~~ستعرفه, فتمسك به المعترض فقال: ما ذكرت من الدليل على وجود العلة في محل ~~التعليل فهو بعينه يدل على وجودها في محل النقض, فجزم الآمدي بأنه لا يكون ~~مسموعا أيضا قال: لكونه انتقالا من نقض العلة إلى نقض دليلها, وذكر ابن ~~الحاجب مثله أيضا ثم قال: وفيه نظر وظاهر كلام المحصول أو صريحه يدل على ~~أنه مقبول, وكلام المصنف محتمل الأمرين وهو إلى عدم القبول أقرب, ومثال ذلك ~~أن يقول الحنفي: من نوى صوم رمضان قبل الزوال فصومه صحيح، قياسا على من نوى # PageV01P339 # ليلا والجامع هو الإتيان بمسمى الصوم في الصورتين؛ لأن الصوم عبارة عن ~~الإمساك مع النية؛ فيقول الشافعي: فهو منقوض بما إذا ms472 نوى بعد الزوال، فإن ~~العلة وهي الإتيان بمسمى الصوم موجودة هناك مع عدم الصحة، فيقول الحنفي: لا ~~نسلم أن العلة موجودة هناك، فيقول الشافعي له: ما ذكرته من الدليل على وجود ~~العلة في صورة الخلاف، دل بعينه على وجودها في صورة النقض، ثم قال الآمدي ~~وابن الحاجب وغيرهما: إن طريق المعترض والحالة هذه أن يقول ابتداء: يلزمك ~~إما انتقاض دليلك أو انتقاض علتك؛ لأن العلة إن كانت موجودة في صورة النقض ~~فقد انتقضت، وإن لم تكن موجودة فقد انتقض الدليل. قوله: "أو دعوى الحكم" ~~هذا هو الطريق الثاني في دفع النقض، وهو أن يدعي المعلل ثبوت الحكم في تلك ~~الصورة التي نقض بها المعترض ثبوته, وقد يكون تحقيقيا وقد يكون تقديريا، ~~فالتحقيق مثل أن يقول الشافعي: السلم عقد معاوضة, فلا يشترط فيه التأجيل ~~قياسا على البيع فينقضه الحنفي بالإجارة، فإنها عقد معاوضة مع أن التأجيل ~~يشترط فيها، فيقول الشافعي: ليس الأجل شرطا لصحة عقد الإجارة أيضا, بل ~~التأجيل الذي هو فيها إنما هو الاستقرار المعقود عليه وهو الانتفاع بالعين، ~~إذ لا يتصور استقرار المنفعة المعدومة في الحال، ولا يلزم من كون الشيء ~~شرطا في الاستقرار، أن يكون في الصحة ومثال التقدير أن يقول المستدل: رق ~~الأم علة لرق الولد، فينقضه المعترض بولد المغرور بحرية الجارية، فإن رق ~~الأم موجود مع انتفاء رق الولد، فيقول المعلل: رق الولد موجود تقديرا؛ لأنا ~~لو لم نقدر رقه لم نوجب قيمته؛ لأن القيمة للرقيق لا للحر. الأول وهو ~~التحقيق يدفع النقض إن كان ثبوت الحكم فيه مذهبا للمعلل سواء كان مذهبا ~~للمعترض أم لا، كما قاله في المحصول1 وفي تمكن المعترض من الاستدلال على ~~عدمه الأقول التي تقدمت في العلة كما قاله ابن الحاجب وغيره، وأما الثاني ~~وهو التقديري فتوقف فيه الإمام ومختصرو كلامه وجزم المصنف بأنه يدفع ولم ~~يتعرض له الآمدي ولا ابن الحاجب. قوله: "أو إظهار المانع" هذا هو الطريق ~~الثالث في دفع النقض، ومثاله أن يقول الشافعي: القتل العمد العدوان علة ms473 في ~~وجوب القصاص، وحينئذ فيجب في المثقل فينقضه الحنفي بقتل الوالد ولده, فيقول ~~الشافعي: إنما لم أوجبه على الولد لوجود المانع، وهو كون الوالد سببا لوجود ~~الولد، فلا يكون الولد سببا لعدمه. قال: "تنبيه: دعوى ثبوت الحكم أو نفيه ~~عن صورة معينة، أو مبهمة ينتقض بالإثبات، أو النفي العامين بالعكس". أقول: ~~لما تقدم الكلام في حد النقض ومحل قدحه وطريق دفعه، شرع في بيان ما يكون ~~نقضا مما لا يكون؛ فنقول: دعوى الحكم قد تكون في بعض الصور, وقد تكون في ~~كلها, فإن كانت في البعض ففيه أربعة أقسام؛ لأنه إن ادعى ثبوت الحكم فقد ~~يكون في صورة معينة أو مبهمة, وإن ادعى نفيه فقد يكون في صورة معينة ~~PageV01P340 # أو مبهمة، فدعوى ثبوت الحكم في صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالنفي العام، ~~أي: بنفي ذلك الحكم عن كل صورة؛ لأن الموجبة الجزئية تناقضها السالبة ~~الكلية، لا بالنفي عن بعض الصور؛ لأنه لا مناقضة بين القضيتين الجزئيتين، ~~ودعوى نفي الحكم عن صورة معينة أو مبهمة تنتقض بالإثبات العام أي: بإثباته ~~في كل صورة لأن السالبة الجزئية تناقضها الموجبة الكلية, لا بإثباته في بعض ~~الصور لما قلناه من عدم التناقض بين الجزئيتين. نعم دعوى الثبوت في صورة ~~معينة تنتقض بالنفي عن تلك الصورة وكذلك بالعكس، ولم يصرح به المصنف. وإلى ~~هذه الأقسام أشار بقوله: دعوى ثبوت الحكم إلى العامين, وتقرير كلامه دعوى ~~ثبوت الحكم في صورة معينة أو مبهمة تنتقض بالنفي العام، ودعوى نفي الحكم عن ~~صورة معينة أو مبهمة تنتقض بالإثبات العام وهو من باب اللف والنشر, على جعل ~~الأول للثاني والثاني للأول، وإن كان الأحسن عكسه كما قاله الشلوبين1 ليكون ~~على وفق الترتيب. قوله: "بالعكس" أشار به إلى القسم الآخر وهو أن يكون دعوى ~~الحكم عاما، ويدخل فيه أيضا أربعة أقسام, وتقديره دعوى ثبوت الحكم العام ~~تنتقض بنفيه عن صورة معينة أو مبهمة, ودعوى النفي العام تنتقض بإثباته في ~~صورة معينة أو مبهمة؛ لأن الكلية تناقضها الجزئية، ولا ينتقض الإثبات ms474 العام ~~بالنفي العام وعكسه؛ لأنه لا تناقض بين كليتين. قال: "الثاني: عدم التأثير ~~بأن يبقى الحكم بعده, وعدم العكس بأن يثبت الحكم في صورة أخرى بعلة أخرى. ~~فالأول كما لو قيل: "مبيع لم يره" فلا يصح كالطير في الهواء. والثاني: ~~الصبح لا يقصر، لا يقدم أذانه كالمغرب, ومنع التقديم ثابت فيما قصر، والأول ~~يقدح إن منعنا تعليل الواحد بالشخص بعلتين، والثاني: حيث يمتنع تعليل ~~الواحد بالنوع بعلتين, وذلك جائز في المنصوصة كالإيلاء واللعان، والقتل ~~والردة، لا في المستنبطة لأن ظن ثبوت الحكم لأحدهما يصرفه عن الآخر وعن ~~المجموع". أقول: الثاني من الطرق الدالة على كون الوصف ليس بعلة عدم ~~التأثير وعدم العكس, وإنما جمع المصنف بينهما لتفاوت معنييهما, فعدم ~~التأثير هو أن يبقى الحكم بعد زوال الوصف الذي فرض أنه علة، وعدم العكس هو ~~أن يثبت الحكم في صورة بعلة أخرى غير العلة الأولى وسماه الإمام العكس، ~~والصواب عدم العكس كما قاله المصنف؛ لأن العكس هو انتفاء الحكم لانتفاء ~~العلة، فمثال الأول قول الشافعي في الدليل على بطلان بيع الغائب: مبيع غير ~~مرئي, فلا يصح كالطير في الهواء، والجامع بينهما هو عدم الرؤية فيه, فيقول ~~المعترض: هذه الرؤية ليست مؤثرا في عدم الصحة لبقاء هذا الحكم في هذه ~~الصورة بعينها بعد زوال هذا الوصف، فإنه ولو رآه لا يصح بيعه لعدم ~~PageV01P341 # القدرة على تسليمه، ومثال الثاني استدلال الحنفية على منع تقديم أذان ~~الصبح بقولهم: صلاة الصبح صلاة لا تقصر, فلا يجوز تقديم أذانها على وقتها ~~قياسا على صلاة المغرب، والجامع بينهما هو عدم جواز القصر. فيقول الشافعي: ~~هذا الوصف غير منعكس؛ لأن هذا الحكم وهو منع التقديم ثابت بعد زوال هذا ~~الوصف في صورة أخرى غير محل النزاع, كالظهر مثلا فإنها تقصر مع امتناع ~~تقديم أذانها، وهذا المنع لعلة أخرى غير عدم القصر بالضرورة لزوال عدم ~~القصر مع بقاء المنع. وقد اختلفوا في عدم التأثير وعدم العكس هل يقدحان أم ~~لا؟ وبنى المصنف الأول على أن الحكم الواحد بالشخص هل ms475 يجوز تعليله بعلتين ~~مستقلتين؟ فعند من ذهب إلى امتناعه يكون قادحا؛ لأن عدم الوصف المفروض علة ~~مع بقاء الحكم كما كان من غير أن يكون ثابتا بعلة أخرى, يحصل العلم بأن ذلك ~~الوصف غير علة, وعند من جوزه لا يكون قادحا؛ لجواز أن يكون بقاء الحكم لوصف ~~آخر غير ذلك الوصف المفروض لعلة. وأما الثاني وهو العكس، فبناه على أن ~~الحكم الواحد بالنوع هل يجوز تعليله لعلتين أم لا؟ وبناؤه ظاهر مما تقدر, ~~فإن من يجوز ذلك لا يجعل هذا قادحا لجواز ثبوت حكم في صورة العلة، وثبوت ~~مثله في صورة أخرى لعة أخرى. وقد علمت من هذا الحكم الواحد، إن بقي شخصه ~~بعد زوال العلة فهو عدم التأثير، وإن بقي نوعه فهو عدم العكس، ووجه كون ~~الأول واحدا بالشخص أن امتناع بيع الطير في الهواء قد بقي بعينه بعد الرؤية ~~كما كان قبلها بخلاف منع تقديم الأذان, فإن الباقي منه بعد زوال العلة وهو ~~كون الصلاة لا تقصر إنما هو المنع في الرباعية، والذي كان ثابتا مع العلة ~~إنما هو منع غيرها لكنهما مشتركان في النوعية، وهو منع تقديم الأذان، وبناء ~~عدم التأثير على تعليل الواحد بالشخص يلزم منه أن يكون المراد ببقاء الحكم ~~فيه إنما هو البقاء في تلك الصورة بعينها فافهمه. إذ علمت ذلك فقد اختلفوا ~~في جواز تعليل الحكم لواحد بعلتين على مذاهب, أحدها: يجوز مطلقا واختاره ~~ابن الحاجب. والثاني: لا يجوز مطلقا واختاره الآمدي. والثالث: يجوز في ~~المنصوصة دون المستنبطة، واختاره الإمام كما نص عليه بعد هذه المسألة في ~~الكلام على الفرق، وتابعه المصنف هنا، ثم إن مقتضى كلام المصنف أن الخلاف ~~جار في الواحد بالشخص الواحد بالنوع، وقال الآمدي: محل الخلاف في الواحد ~~بالشخص، وأما الواحد بالنوع فيجوز بلا خلاف، وهذا الخلاف هو المعبر عنه بأن ~~العكس هل هو معتبر في العلل أم لا, لكن الإمام لما حكاه هنا ذكر أن العلل ~~الشرعية لا يشترط فيها العكس. قال: وفي العقلية خلاف بين أصحابنا ~~والمعتزلة، ms476 ثم اختار مذهب المعتزلة, وهو أنه لا يشترط. وقد اختصر صاحب ~~التحصيل كلامه على وجهه، وأما صاحب الحاصل فإنه نقل عن الأشاعرة أنهم ~~خالفوا في العقليات والشرعيات، وليس مطابقا لما في المحصول، وإذا جمعت بين ~~ما قاله الإمام هنا وبين قوله: إنه لا يجوز # PageV01P342 # تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين، علمت أن حكمه بجواز العكس في العلل ~~الشرعيات إنما هو في المنصوصة دون المستنبطة، ثم استدل المصنف على أن الحكم ~~الواحد بالشخص يجوز تعليله بعلتين منصوصتين بالوقوع، فإن اللعان والإيلاء ~~علتان مستقلتان في تحريم وطء المرأة وكذلك من ارتد والعياذ بالله وجنى على ~~شخص فقتله, كل منهما علة مستقلة في إراقة دمه. وإذا ثبت ذلك الواحد بالشخص ~~ثبت في الواحد بالنوع بطريق الأولى؛ لأن كل من قال بالأول قال بالثاني ~~بخلاف العكس كما تقدم وهو من محاسن كلام المصنف فاعلمه, واجتنب ما قاله ~~الشارحون فيه. نعم التمثيل بالإيلاء فاسد, فإن الزوجة لا تحرم به أصلا، ~~وليس فيه الحنث على تقدير الوطء، وهذا المثال لم يذكره الإمام هنا، غير أنه ~~ذكر في موضع آخر ما يوافقه، وتبعه فيه المصنف، وكأنه توهم أن الحلف على ~~الشيء يكون محرما له, ولو مثل بالظهار لاستقام، وأما المنع في المستنبطة ~~فاستدل عليه بأن الحكم فيها، وإنما هو مستبد إلى ما ظن المجتهد أنه علة له. ~~وعلى هذا التقدير يمتنع التعليل بعلتين؛ لأن ظن ثبوت الحكم لأجل أحد ~~الوصفين يصرفه عن ثبوته لأجل الوصف الآخر أو لأجل مجموع الوصفين, وحينئذ ~~فلا يحصل الظن بعلية كل منهما. ومثال ذلك إذا أعطى شيئا لفقيه, فإنه يحتمل ~~أن يكون الإعطاء للفقه، وأن يكون للفقر فلا يجوز إسناده إليهما لما قلنا، ~~وهذا الدليل منقوض بالعلل المنصوصة. واختلف القائلون بالجواز إذا اجتمعت, ~~فقيل: كل واحدة علة مستقلة ورجحه ابن الحاجب، وقيل: المجموع علة واحدة، ~~وقيل: العلة واحدة لا بعينها. إذا علمت جميع ما قاله المصنف وهو أن عدم ~~التأثير وعدم العكس إنما يقدحان إذا منعنا تعليل الحكم الواحد بعلتين، وأن ~~الراجح في ms477 التعليل بعلتين منه في المستنبطة دون المنصوصة، علمت أن الراجح ~~عنده أنهما يقدحان في المستنبطة دون المنصوصة، وهو خلاف ما في المحصول, فإن ~~حاصل ما فيه أنهما لا يقدحان. قال: "الثالث: الكسر وهو عدم تأثير أحد ~~الجزأين ونقض الآخر، كقولهم: صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها، فيجب أداؤها قبل ~~خصوصية الصلاة, ملغى؛ لأن الحج كذلك فيبقى كونه عبادة، وهو منقوض بصوم ~~الحائض". أقول: الثالث من الطرق الدالة على إبطال العلة: الكسر، وهو أن ~~تكون العلة مركبة، فيبين أن المعترض عدم تأثير أحد جزأيها, ثم ينقض الجزء ~~الآخر كما إذا استدل الشافعي على وجوب فعل الصلاة في حال الخوف بقوله: صلاة ~~الخوف صلاة يجب قضاؤها, فيجب أداؤها قياسا على صلاة الأمن، فالعلة كونها ~~صلاة يجب قضاؤها وهو مركب من قيدين فيقول الحنفي: خصوصية القيد الأول وهو ~~كونه صلاة, ملغى لا أثر له؛ لأن الحج كذلك أي: يجب قضاؤها، فيجب أداؤه, مع ~~أنه ليس بصلاة فبقي كونها عبادة يجب قضاؤها, وهو منقوض بصوم الحائض فإنه ~~عبادة يجب قضاؤها مع أنه لا يجب أداؤها. وهذا الذي قرره المصنف من كون وجوب ~~قضاء الحج علة لوجوب أدئه غير مستقيم؛ فإن # PageV01P343 # التطوع يجب قضاؤه ولا يجب أداؤه، وقد اختار الآمدي أن الكسر يقدح كما ~~اختاره المصنف، ولكنه عبر عنه بالنقض المكسور، وفسر الكسر بتخلف الحكم عن ~~الحكمة المقصودة منه، ونقل عن الأكثرين أنه لا يقدح واختاره, ومثل له بأن ~~يقول الحنفي في مسألة العاصي بسفره: مسافر فيترخص كالمطيع في سفره, ويبين ~~مناسبة السفر للترخيص بما فيه من المشقة، فيقال: ما ذكرته من الحكمة قد ~~وجدت في الحضر في حق أرباب الصنائع الشاقة مع عدم الترخيص، واختار ابن ~~الحاجب في جميع ذلك ما اختاره الآمدي. قال: "الرابع: القلب, وهو أن يربط، ~~خلاف قول المستدل على علته إلحاقا بأصله، وهو إما نفي مذهبه صريحا كقولهم: ~~المسح ركن من الوضوء فلا يكتفى فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم، كالوجه فيقول: ~~ركن منه, فلا يقدر بالربع كأوجه, أو ضمنا كقولهم: ms478 بيع الغائب عقد معاوضة ~~فيصح كالنكاح، فيقول: فلا يثبت فيه خيار الرؤية، ومنه قلب المساواة، ~~كقولهم: المكره مالك مكلف, فيقع طلاقه كالمختار, فيقول: فنسوي بين إقراره ~~وإيقاعه، أو إثبات مذهب المعترض كقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص، فلا يكون ~~بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فيقول: فلا يشترط الصوم فيه كالوقوف بعرفة. ~~قيل: المتنافيان لا يجتمعان. قلنا: التنافي حصل في الفرع بعرض الإجماع، ~~تنبيه: القلب معارضة، إلا أن علة المعارضة وأصلها يكون مغايرا لعلة ~~المستدل". أقول: الطريق الرابع من الطرق المبطلات العلية: القلب, وهو أن ~~يربط المعترض خلاف قول المستدل على العلة التي استدل بها، إلحاقا بالأصل ~~الذي جعله مقيسا عليه، وعبر في المحصول بقوله: نقيض قول المستدل وهو لا ~~يستقيم, فإن الحكم الذي يثبته القالب يشترط أن يكون مغايرا له لا نقيضا كما ~~سيأتي؛ فلذلك أبدله المصنف بالخلاف، والقلب ثلاثة أقسام الأول: أن يكون ~~لنفي مذهب المستدل صريحا، كقوله الحنفية: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، ~~فلا يكفي فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم قياسا على الوجه, فيقول الشافعي: مسح ~~الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يقدر بالربع قياسا على الوجه. فهذا القلب ~~قد نفى مذهب المستدل صريحا، ولم يثبت مذهب المعترض لجواز أن يكون الحق هو ~~الاستيعاب كما قاله مالك. الثاني: أن يكون لنفي مذهب المستدل ضمنا، أي: يدل ~~على بطلان لازم من لوازمه، كقول الحنفية: بيع الغائب عقد معاوضة، فيصح مع ~~عدم رؤية المعقود عليه قياسا للنكاح، فيقول الشافعي: بيع الغائب عقد معاوضة ~~فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح، وقبول خيار الرؤية لازم لصحة بيع الغائب ~~عندهم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. قوله: "ومنه" أي: ومن القلب الذي ~~ذكره المعترض لنفي مذهب المستدل ضمنا قلب المساواة، وهو أن يكون في الأصل ~~حكمان, أحدهما: منتف عن الفرع بالاتفاق بينهما والآخر مختلف فيه، فإذا أراد ~~المستدل إثبات المختلف فيه بالقياس على الأصل, فيقول المعترض: تجب التسوية ~~بين الحكمين في الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجوب التسوية بينهما # PageV01P344 # في الفرع انتفاء مذهبه، مثاله ms479 استدلال الحنفية على وقوع طلاق المكره ~~بقولهم: المكره مالك للطلاق, مكلف فيقع طلاقه بالقياس على المختار، فيقول ~~الشافعي: المكره مالك مكلف فنسوي بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه، قياسا ~~على المختار، ويلزم من هذا أن لا يقع طلاقه ضمنا؛ لأنه إذا ثبتت المساواة ~~بين إقراره وإيقاعه، مع أن إقراره معتبر بالاتفاق، لزم أن يكون الإيقاع ~~أيضا غير معتبر. الثالث: أن يكون لإثبات مذهب المعترض، كاستدلال الحنفية ~~على اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف، بقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون ~~بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فإنما صار قربة بانضمام عبادة أخرى إليه وهو ~~الإحرام، فيقول الشافعي: لبث مخصوص فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة, ~~وقوله: قيل: المتنافيان ... إلخ, أشار به إلى ما ذكره في المحصول1، وهو أن ~~من الناس من أنكر إمكان القلب, محتجا عليه بأنه لما اشترط فيه اتحاد الأصل ~~المقيس عليه مع الاختلاف في الحكم لزم منه اجتماع الحكمين المتنافيين في ~~أصل واحد وهو محال. وجوابه أن التنافي بين الحكمين إنما حصل في الفرع فقط ~~لأمر عارض، وهو إجماع الخصمين على أن الثابت فيه إنما هو أحد الحكمين فقط، ~~وأما اجتماعها في الأصل فغير مستحيل؛ لأن ذات الحكمين غير متنافيين, ألا ~~ترى أن الأصل في المثال الأول وهو غسل الوجه قد اجتمع فيه الحكمان وهما عدم ~~الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم، وعدم تقديره بالربع، وهذان الحكمان يمتنع ~~اجتماعهما في الفرع، وهو مسح الرأس؛ لأن الإمامين قد اتفقا على أن الثابت ~~فيه هو أحدهما. وكذلك الأصل في المثال الثاني وهو النكاح فإن الحكمين ~~مجتمعان فيه, وهما صحته بدون الرؤية وعدم ثبوت الخيار فيه، ولكن الثابت في ~~الفرع وهو بيع الغائب إنما هو أحدهما، وكذلك الأصل في المثال الثالث وهو ~~الوقوف بعرفة, فإن الحكمين مجتمعان فيه وهما أن الصوم لا يشترط, وأنه ~~بمجرده ليس بقربة. قوله: "تنبيه ... إلخ" لما بين القلب وأقسامه، شرع في ~~الفرق بينه وبين المعارضة، فقال: القلب في الحقيقة معارضة، فإن المعارضة ~~تسليم دليل الخصم وإقامة دليل آخر على خلاف مقتضاه, ms480 وهذا بعينه صادق عن ~~القلب، إلا أن الفرق بينهما أن العلة المذكورة في المعارضة والأصل المذكور ~~فيها يكونان مغايرين للعلة والأصل اللذين ذكرهما المستدل بخلاف القلب, فإن ~~علته وأصله علة المستدل وأصله, قال الإمام: وليس للمستدل الاعتراض على ~~القلب لاستلزامه القدح في علة نفسه أو أصله، بخلاف المعارضة فإن للمستدل أن ~~يعترض عليها بكل ما للمعترض أن يعترض به على دليل المستدل من المنع ~~والمعارضة، وله أن يقلب قلبه، وحينئذ فيسلم أصل القياس. قال: "الخامس: ~~القول بالموجب, وهو تسليم مقتضى قول المستدل مع بقاء PageV01P345 # الخلاف، مثاله في النفي أن تقول: التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ~~فيقول مسلم: ولكن لا يمنعه عن غيره، ثم لو بينا أن الموجب قائم ولا مانع ~~غيره، لم يكن ما ذكرناه تمام الدليل. وفي الثبوت قولهم: الخيل يسابق عليها ~~فتجب الزكاة بها كالإبل. فنقول: مسلم في زكاة التجارة". أقول: الطريق ~~الخامس من مبطلات العلية: القول بالموجب أي: القول بموجب دليل المستدل، وهو ~~عبارة عن تسليم مقتضى ما جعله المستدل دليلا لحكم مع بقاء الخلاف بينهما ~~فيه, وذلك بأن يتخيل أن ما ذكره من النص أو القياس مستلزم لحكم المسألة ~~المتنازع فيها، من أنه غير مستلزم له, فلا ينقطع النزاع بتسليمه. وهذا الحد ~~أولى من قول المحصول: إنه تسليم ما جعل المستدل موجب العلة مع استيفاء ~~الخلاف؛ لخروج القول بالموجب الذي يقع في غير القياس، وكأنه أراد تعريف ما ~~يقع في القياس خاصة؛ لأن الكلام في مبطلات العلية، والقول بالموجب قسمان ~~أحدهما: أن يقع في النفي، وذلك إذا كان مطلوب المستدل نفي الحكم، واللازم ~~من دليله كون شيء معين غير موجب لذلك، فيتمسك به لتوهمه أنه ما أخذ الخصم، ~~مثاله أن يقول الشافعي في القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب ~~القصاص، كالتفاوت في التوسل إليه، يعني: أن المحدد والمثقل وسيلتان إلى ~~القتل والتفاوت الذي بينهما لا يمنع الوجوب، كما لا يمنعه التفاوت في ~~المتوسل إليه، وهو التفاوت في المقتولين من الصغر والكبر والخساسة والشرف, ms481 ~~فيقول الحنفي: كون التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص مسلم، ونحن نقول ~~بموجب, ولكن لم يجز أن يمنع من وجوبه أمر موجود في المثقل غير التفاوت، ~~وأنه لا يلزم من إبطال هذا المانع إبطال جميع الموانع، ثم إن الشافعي ~~المستدل لو ادعى بعد ذلك أنه يلزم من تسليم ذلك الحكم تسليم محل النزاع، ~~وبينه بأن الموجب للقصاص وهو القتل العمد العدوان, قائم في صورة القتل ~~بالمثقل, وأنه لا مانع فيه غير التفاوت في الوسيلة بالأصل، أو بغيره من ~~الطرق لكان منقطعا أيضا، أي: حتى لا يسمع ذلك منه؛ لأنه ظهر أن المذكور ~~أولا ليس هو دليلا تاما بل جزءا من الدليل. هكذا قاله الإمام وتبعه المصنف ~~وفيه نظر ظاهر، ولم يتعرض ابن الحاجب لذلك. القسم الثاني: أن يقع الإثبات، ~~وذلك إذا كان مطلوب المستدل إثبات الحكم في الفرع، واللازم من دليله ثبوته ~~في صورة ما من الجنس كاستدلال الحنفية على وجوب الزكاة في الخيل، بقولهم: ~~الخيل حيوان يسابق عليه, فتجب الزكاة فيه قياسا على الإبل، فنقول لهم: ~~مقتضى دليلكم وجوب مطلق الزكاة، ونحن نقول بموجبه، فإنا نوجب فيه زكاة ~~التجارة، ومحل النزاع إنما هو في زكاة معين، ولا يلزم من إثبات المطلق ~~إثبات جميع أنواعه. قال: "السادس: الفرق، وهو جعل تعين الأصل علة، أو الفرع ~~مانعا، والأول يؤثر حيث لم يجز التعليل بعلتين، والثاني عند من جعل النقض ~~مع المانع قادحا". أقول: الطريق السادس وهو آخر الطرق المبطلات للعلية: ~~الفرق، وهو # PageV01P346 # ضربان الأول: أن يجعل المعترض تعين أصل القياس، أي: الخصوصية التي فيه ~~علة لحكمه، كقول الحنفي: الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء, بالقياس على ~~ما خرج منهما، والجامع هو خروج النجاسة، فيقول المعترض: الفرق بينهما أن ~~الخصوصية التي في الأصل وهي خروج النجاسة من السبيلين, هي العلة في انتقاض ~~الوضوء لا مطلق خروجها. الثاني: أن يجعل تعين الفرع أي: خصوصيته, مانعا من ~~ثبوت حكم الأصل فيه، كقول الحنفية: يجب القصاص على المسلم بقتل الذمي قياسا ~~على غير المسلم, ms482 والجامع هو القتل العمد العدوان، فيقول المعترض: الفرق ~~بينهما أن تعين الفرع وهو كونه مسلما, مانع من وجوب القصاص عليه لشرفه. ~~قوله: "الأول" يعني أن الفرق بالطريق الأول، وهو جعل تعين الأصل علة، هل ~~يؤثر أي: يفيد غرض المعترض يقدح في العلية أم لا؟ فيه خلاف ينبني على جواز ~~تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين، فإن جوزناه لم يقدح هذا الفرق؛ لأن ~~الحكم في الأصل إذا علل بالمعنى المشترك بينه وبين الفرع، ثم علل بعد ذلك ~~بتعينه لم يكن التعليل الثاني مانعا من التعليل الأول, إذ لا يلزم منه إلا ~~التعليل بعلتين. والغرض من جوازه وإن منعناه قدح هذا الفرق؛ لأن تعين الأصل ~~غير موجود في الفرع، والحكم مضاف إليه أعني: إلى التعين, فلا يكون أيضا ~~مضافا إلى المشترك وإلا لزم التعليل بعلتين، وأما الثاني وهو الفرق بتعين ~~الفرع، فإنه يؤثر عند من جعل النقض مع المانع قادحا في كون الوصف علة؛ لأن ~~الوصف الذي جعله المستدل علة إذا وجد في الفرع، ولم يترتب الحكم على وجوده ~~لمانع وهو تعين الفرع, فقد تحقق النقض مع المانع، والنقض مع المانع قادح، ~~وأما من لا يجعله قادحا يقول: الفرق بتعين الفرع لا يؤثر؛ لأن تخلف الحكم ~~عنه إنما هو المانع، هذا حاصل كلام المصنف، وقد استفدنا منه أن الفرق بتعين ~~الأصل إنما يؤثر عنده في المستنبطة دون المنصوصة؛ لأنه اختار التفصيل كما ~~تقدم، وأن الفرق بتعين الفرع لا يؤثر مطلقا؛ لأنه اختار أن النقض مع المانع ~~غير قادح، واعلم أن بناء تأثير الفرق الأول على التعليل بعلتين صحيح. وأما ~~الثاني فلا, بل يؤثر مطلقا في دفع كلام المستدل، وبيانه أن الشافعي في ~~مثالنا لما فرق بتعين الفرع وهو كونه مسلما فإن قلنا: إن النقض مع المانع ~~قادح في العلية, فقد فسد دليل المستدل لفساد علته، وهي القتل العمد ~~العدوان، فإنها وجدت في حق المسلم مع تخلف الحكم عنها، وحينئذ فيحصل مقصود ~~الشافعي المعترض، وإن قلنا: إنه غير قادح كانت العلة صحيحة, لكن قام ms483 بالفرع ~~وهو المسلم مانع يمنع من ترتب مقتضاها عليها؛ لأن الغرض أن ذلك من باب ~~التخلف المانع، ويستحيل وجود الشيء مع مقارنة المانع منه، وحينئذ فيحصل ~~للشافعي أيضا مقصوده، وهو عدم إيجاب القصاص، فثبت أن بناءه عليه فاسد؛ ~~ولذلك لم يتعرض الإمام وأتباعه ولا ابن الحاجب لهذا البناء أصلا، نعم أطلق ~~الإمام أن قبول الفرق مبني على تعليل الحكم # PageV01P347 # الواحد بعلتين، وإذا حملنا كلامه على الفرق بتعين الأصل لم يرد شيء. قال: ~~"الطرف الثالث في أقسام العلة: علة الحكم، إما محله أو جزؤه، أو خارج عنه، ~~عقلي حقيقي، أو إضافي, أو سلبي، أو شرعي، أو لغوي، متعدية أو قاصرة، وعلى ~~التقديرات إما بسيطة، أو مركبة". أقول: هذا الطرف معقود لبيان أقسام العلة، ~~وبيان ما يصح به التعليل منها، وما لا يصح؛ فنقول: كل حكم ثبت في محل فعله ~~ذلك الحكم على ثلاثة أقسام, وهي إما ذلك المحل كتعليل حرمة الربا في ~~النقدين بكونهما جوهري الأثمان، وإما جزء ذلك المحل، كتعليل خيار الرؤية في ~~بيع الغائب بكونه عقد معاوضة، وإما خارج عنه، والخارج على ثلاثة أقسام: ~~عقلي وشرعي ولغوي، فزاد في المحصول على هذه الثلاثة العرفي، فأما الأمر ~~العقلي فثلاثة أقسام: حقيقي كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، وإضافي كتعليل ~~ولاية الإجبار بالأبوة، وسلبي كتعليل عدم وقوع طلاق المكره بعدم الرضا، ~~والمراد بالحقيقي ما يمكن تعلقه باعتبار نفسه، والإضافي ما يتعلق باعتبار ~~غيره. وأما الأمر الشرعي فكتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه، وأما الأمر ~~اللغوي فكقولنا في النبيذ: إنه سمي خمرا فيحرم كالمعتصر من العنب، والتعليل ~~بهذا جائز على المشهور, وقيل: لا, وقيل: إن كان مشتقا جاز وإلا فلا، هكذا ~~حكاه القرافي وغيره، والقائل بالصحة هو الذي يجوز القياس في اللغات كما ~~تقدم ذكره هناك، وادعى الإمام هنا أنه لا يصح اتفاقا، وليس كذلك فإنه ممن ~~حكى الخلاف هناك، وأما العرفي الذي زاده الإمام فمثل له بقولنا في بيع ~~الغائب: إنه مشتمل على جهالة مجتنبة في العرف، ثم أعاده بعد ذلك ومثل له ms484 ~~بالشرف والخسة، والكمال والنقصان. قال: ولكن إنما يعلل به بشرط أن يكون ~~مضبوطا متميزا عن غيره، وأن يكون مطردا لا يختلف باختلاف الأوقات، فإنه لو ~~لم يكن كذلك لجاز أن يكون ذلك العرف حاصلا في زمان الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام- وحينئذ لا يجوز التعليل به، وحاصل هذا التقسيم الذي ذكره المصنف ~~سبعة أقسام: منها خمسة في تقسيم الخارج، وهذا على تقدير أن يكون ما بعد ~~الخارج من الأقسام إنما هو أقسام للخارج فقط، وبه صرح في المحصول، ثم العلة ~~إما متعدية أو قاصرة، فالمتعدية هي التي توجد في غير المحل المنصوص عليه ~~كالسكر, والقاصرة بخلاف ذلك، كتعليل حرمة الربا بجوهري الثمنية، وعلى كل ~~واحد من التقديرات المذكورة، فأما أن تكون العلة بسيطة كالأمثلة المذكورة، ~~أو مركبة، وحينئذ فقد تكون مركبة من الصفة الحقيقية والإضافية، كقولنا: قتل ~~صدر من الأب فلا يجب به القصاص، فالقتل حقيقي والأبوة إضافية, أو من ~~الحقيقية والسلبية كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد الذي ليس بحق. قال: ~~"قيل: لا يعلل بالمحل؛ لأن القابل لا يفعل، قلنا: لا نسلم، ومع هذا فالعلة ~~المعرف". أقول: لما ذكر المصنف أقسام العلة, شرع في بيان ما وقع فيه الخلاف ~~منها, وبيان شبه المخالف مع الجواب عنها، وحاصل ما حكي فيه # PageV01P348 # الخلاف منها ست مسائل, منها تعليل الحكم بمحله، وقد اختلفوا فيه على ~~ثلاثة مذاهب، أصحها عند الإمام الآمدي وابن الحاجب: أنه إن كانت العلة ~~متعدية فإنه لا يجوز؛ لأنه يستحيل حصول مورد النص بخصوصه في غيره، وإن كانت ~~قاصرة فيجوز، سواء كانت العلة مستنبطة أو منصوصة، فإنه لا استبعاد في أن ~~يقول الشارع: حرمت الخمر لكونه خمرا، ولا في أن يعرف كون الخمر مناسبا ~~لحرمة استعماله. والثاني: لا يجوز مطلقا ونقله الآمدي عن الأكثرين. ~~والثالث: يجوز مطلقا وهو مقتضى إطلاق المصنف، واحتج المانعون بأن محل الحكم ~~قابل للحكم, فإنه لو لم يقبله لم يصح قيامه به، وكذلك كل معنى مع محله، ~~وحينئذ فلو كان المحل علة لكان فاعلا في الحكم؛ لأن العلة ms485 تؤثر في المعلول ~~وتفعل فيه، ويستحيل كون الشيء قابلا للشيء وفاعلا فيه كما تقرر في علم ~~الكلام؛ لأن نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان، ونسبة الفاعل إلى المفعول ~~بالوجوب، وبين الوجوب والإمكان تناف، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم ~~أن القابل لا يفعل، وقولكم في الاستدلال عليه: إن الوجوب والإمكان متنافيان ~~ممنوع، فإنه إنما يعزم ذلك أن لو كان المراد في الإمكان هو الإمكان الخاص ~~وليس كذلك، بل المراد به الإمكان العام، وقد تقدم أيضا ذلك في الكلام على ~~الاشتراك. الثاني: سلمنا أن القابل لا يفعل, لكن لا نسلم أنه لو كان علة له ~~لكان فاعلا، وإنما يكون كذلك أن لو كان المراد من العلة هو المؤثر ونحن لا ~~نقول به، بل العلة عندنا هو المعرف. واعلم أن الأقول المذكورة في التعليل ~~بالمحل جارية أيضا في التعليل بجزئه, ولكن الصحيح هنا عند الآمدي الجواز ~~مطلقا، وبه جزم المصنف في التقسيم السابق, ونقل أعني الآمدي عن الأكثرين ~~المنع مطلقا, وقال ابن الحاجب: إن كانت العلة قاصرة جاز، وإن كانت متعدية ~~فلا. قال: "قيل: لا يعلل بالحكم غير المضبوطة كالمصالح والمفاسد؛ لأنه لا ~~يعلم وجود القدر الحاصل في الأصل في الفرع، قلنا: لو لم يجز لما جاز بالوصف ~~المشتمل عليها، فإذا حصل الظن بأن الحكم لمصلحة وجدت في الفرع يحصل ظن ~~الحكم فيه". أقول: التعليل قد يكون بالضابط المشتمل على الحكمة، كتعليل ~~جواز القصر بالسفر؛ لاشتماله على الحكمة المناسبة له، وهي اختلاط الأنساب، ~~وقد يكون بنفس الحكمة أي: بمجرد المصالح والمفاسد، كتعليل القصر بالمشقة, ~~ووجوب الحد باختلاط الأنساب، فالأول لا خلاف في جوازه، وأما الثاني ففيه ~~ثلاثة مذاهب حكاها الآمدي, أحدها: الجواز مطلقا، ورجحه الإمام والمصنف ~~وكلام ابن الحاجب يقتضي رجحانه أيضا. والثاني: المنع مطلقا، ونقله الآمدي ~~عن الأكثرين، وأشار إليه المصنف بقوله: قيل: لا يعلل بالحكم, وهو بكسر ~~الحاء وفتح الكاف جمع لحكمة. والثالث واختاره الآمدي: إن كانت الحكمة ظاهرة ~~منضبطة بنفسها جاز، وإن لم تكن كذلك فلا، كالمشقة فإنها # PageV01P349 # خفية غير ms486 منضبطة، بدليل أنها قد تحصل للحاضر وتنعدم في حق المسافر. قوله: ~~"لأنه لا يعلم" أي: استدل المانع بأن القدر الحاصل من المصلحة في الأصل، ~~وهو الذي رتب الشارع علة الحكم فيه لا يعلم وجوده في الفرع؛ لكون المصالح ~~والمفاسد من الأمور الباطنة التي لا يمكن الوقوف على مقاديرها، ولا امتياز ~~كل واحدة من مراتبها التي لا نهاية لها من الرتبة الأخرى، وحينئذ فلا يجوز ~~للمستدل إثبات حكم الفرع بها، وأجاب المصنف بأنه لو لم يجز التعليل بها ~~لكونها غير معلومة لما جاز بالوصف المشتمل عليها؛ لأن العلم باشتمال الوصف ~~عليها من غير العلم بها ممتنع، لكنه يصبح التعليل بالوصف المشتمل عليها ~~بالاتفاق، كالسفر مثلا فإنه علة لجواز القصر لاشتماله على المشقة لا لكونه ~~سفرا، وحينئذ فإذا حصل الظن بأن الحكم في الأصل لتلك المصلحة أو المفسدة ~~المقدرة وحصل الظن أيضا بأن قدر تلك المصلحة أو المفسدة حاصل في الفرع, لزم ~~بالضرورة حصول الظن بأن الحكم قد وجد في الفرع، والعمل بالظن واجب. قال: ~~"قيل: العدم لا يعلل به؛ لأن الأعدام لا تتميز وأيضا ليس على المجتهد ~~سبرها, قلنا: لا يسلم, فإن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، إنما سقط عن ~~المجتهد لعدم تناهيها، قيل: إنما يجوز التعليل بالحكم المقارن، وهو أخذ ~~التقادير الثلاثة, فيكون مرجوحا، قلنا: ويجوز بالمتأخر لأنه معرف". أقول: ~~يجوز تعليل الحكم العدمي بالعلة العدمية, وفي تعليل الحكم الوجودي بها ~~مذهبان, أصحها عند المصنف أنه يجوز واختاره الإمام هنا؛ لأن دوران الحكم قد ~~يحصل مع بعض العدميات والدوران يفيد العلية كما تقدم، وأصحهما عند الآمدي ~~وابن الحاجب أنه لا يجوز، واختاره الإمام في الكلام على الدوران لوجهين، ~~أحدهما: أن الأعدام لا تتميز عن غيرها وما لا يتميز عن غيره لا يجوز أن ~~يكون علة، أما الصغرى فلأن المتميز عن غيره لا بد أن يكون موصوفا بصفة ~~التميز، والموصوف بصفة التميز ثابت، والعدم نفي محض, وأما الكبرى فلأن ~~الشيء الذي يكون علة لا بد أن يتميز عما لا يكون ms487 علة، وإلا لم يعرف كونه ~~علة. الثاني: أن المجتهد يجب عليه سبر الأوصاف الصالحة العلية، أي: ~~اختبارها لتميز العلة عن غيرها، فلو كانت الأعدام صالحة للعلية لكان يجب ~~عليه أن يسبرها لكنه لا يجب، وأجاب المصنف عن الأول بأنا لا نسلم أن ~~الأعدام لا تتميز بل تقبل التمييز، بل إذا كانت من الأعدام المضافة، بدليل ~~أن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، فإنا نحكم بأن عدم اللازم يستلزم عدم ~~الملزوم ولا ينعكس، وأما استدلالهم عليه فجوابه أن الموصوف بالتميز إنما ~~يستدعي الثبوت في الذهن فقط، والعدم له ثبوت فيه، نعم الأعدام المطلقة ليس ~~لها تميز، ونحن نسلم امتناع التعليل بها، والجواب عن الثاني أن سبر الأعدام ~~إنما سقط عن المجتهد لعدم قدرته عليها لا تنتهي، لا لكونها غير صالحة ~~للعلية. قوله: "قيل: إنما يجوز ... إلخ" اختلفوا في تعليل الحكم الشرعي ~~بالحكم, فجوزه الإمام والمصنف مطلقا؛ لأن الحكم # PageV01P350 # قد يدور مع حكم آخر، والدوران يفيد العلية، ومنعه قوم مطلقا، واحتجوا بأن ~~الحكم الذي يفرض كونه علة إنما يجوز التعليل به إذا كان مقارنا للحكم الذي ~~هو معلول له؛ لأنه إن كان متقدما عليه فلا يجوز تعليله به، وإلا لزم تخلف ~~المعلول عن علته، وإن كان متأخرا فلا يجوز أيضا وإلا لزم تقدم المعلول على ~~علته، فثبت أنه يصح التعليل على تقدير واحد، ولا يصح على تقديرين، فيكون ~~التعليل به مرجوحا، وعدم صحة التعليل به راجحا، فإن التقدير الواحد مرجوح ~~بالنسبة إلى التقديرين، ولا شك أن العبرة في الشرع بالراجح لا بالمرجوح، ~~وأجاب المصنف بأنه يجوز التعليل أيضا بالمتأخر؛ لأن المراد من العلة هو ~~المعرف لا المؤثر، والمعرف يجوز أن يكون متأخرا كالعالم مع الصانع سبحانه ~~تعالى، وحينئذ فيصح التعليل به على تقديرين من ثلاثة, ويلزم منه أن يكون ~~راجحا بعين ما قلتم، ولقائل أن يقول: إن كان المراد من التقدم والتأخر إنما ~~هو الزماني فهو مستحيل في الحكم الشرعي، ولكونه قديما، وإن كان المراد به ~~الذاتي فهو ثابت لكل علة ومعلول، ms488 فإن العلة متقدمة بذاتها على معلولها، ~~وأيضا فلا نسلم أن المتقدم بالزمان لا يصح للعلية، وإنما يكون كذلك لو كان ~~التخلف لغيره مانعا، قلتم: إنه ليس كذلك، واختار ابن الحاجب أنه يجوز إن ~~كان التعليل به باعثا على تحصيل مصلحة، كما مثلنا من تعليل رهن المشاع ~~بجواز بيعه، ولا يجوز إن كان لدفع مفسدة, كتعليل بطلان البيع بالنجاسة، ~~وللآمدي في هذه المسألة تفصيل يطول ذكره وهو مبني على قواعد مخالفة لاختيار ~~الإمام وغيره. واعلم أن هذا الذي ذكره الإمام والمصنف من جواز تعليل حكم ~~الأصل بعلة متأخرة الوجود عنه خالف فيه الآمدي، وقال: الصحيح أنه لا يجوز، ~~وإن جعلنا العلة بمعنى العرف، لأن تعريف المعرف محال، وتبعه ابن الحاجب ~~عليه. قال: "قالت الحنفية: لا يعلل بالقاصرة لعدم الفائدة. قلنا: معرفة ~~كونه على وجه المصلحة فائدة, ولنا أن التعدية توقفت على العلية، فلو توقفت ~~هي عليها للزم الدور". أقول: العلة القاصرة كتعليل حرمة الربا في النقدين، ~~وإن كانت ثابتة بنص أو إجماع فيجوز التعليل بها بالاتفاق، كما قاله الآمدي ~~وابن الحاجب وغيرهما، وهو مقتضى كلام الإمام، وإن كانت ثابتة بالاجتهاد ~~والاستنباط فكذلك عند الإمام والآمدي وأتباعهما، ونقله إمام الحرمين ومن ~~بعده عن الشافعي، ونقله الآمدي وابن الحاجب عن الأكثر أيضا، وقالت الحنفية: ~~لا يجوز لعدم فائدته؛ لأن فائدة التعليل إنما هو إثبات الحكم وهو غير حاصل، ~~أما في الأصل فلثبوته بالنص، وأما في غيره فلعدم وجود العلة فيه؛ لأن الغرض ~~أنها قاصرة، وإذا انتفت الفائدة في التعليل بها استحال وروده من الشارع؛ ~~لأن الحكيم لا يفعل العبث، وأجاب الإمام بثلاثة أجوبة, أحدها وعليه اقتصر ~~المصنف: أنا لا نسلم انحصار الفائدة في إثبات الحكم، بل لها فائدة أخرى وهي ~~معرفة كون الحكم على وجه المصلحة، ووفق الحكمة لتكون النفس إلى قبوله أميل. ~~الثاني: أن ما قالوه بعينه # PageV01P351 # وارد في المنصوصة. الثالث: أن معرفة اقتصار الحكم على محل النص وانتفائه ~~عن غيره من أعظم الفوائد، وهي حاصلة هنا فإنا إذا لم نجوز التعليل ms489 بالعلة ~~القاصرة، ووجدنا في الأصل وصفا متعديا يناسب ذلك الحكم، فإنه يجب التعليل ~~به لخلوه عن المعارض، وحينئذ يلزم إثبات الحكم في الفرع بخلاف ما إذا جوزنا ~~التعليل به، ونقل إمام الحرمين في البرهان عن بعضهم أن فائدة تعليل تحريم ~~التفاضل في النقدين بكونهما نقدين, هو تحريم التفاضل في الفلوس إذا راجت ~~رواج النقود, قال: وهذا خطأ؛ لأن النقدية في الشرع مختصة بالنوعين, ولأن ~~النص إن تناولها بقي الأمر على ما هو عليه من عدم حصول الفائدة من التعليل، ~~وإن لم يتناولها كانت العلة متعدية وكلامنا في القاصرة. واعلم أن هذا ~~الدليل المنقول عن الحنفية إنما يستقيم إذا قلنا: إن الحكم في مورد النص لا ~~يمكن ثبوته بالعلة، وقد نقله عنهم في المحصول، وعللوه بأن الحكم معلوم ~~والعلة مظنونة، المظنون لا يكون طريقا إلى المعلوم, ثم نقل هو والآمدي وابن ~~الحاجب عن أصحابنا أنهم جوزوا ثبوته بها، وحينئذ فيندفع الدليل من أصله. ~~قوله: "لنا" أي: استدل أصحابنا على الجواز بأن تعدية العلة إلى الفرع ~~متوقفة على كونها علة، فلو توقف كونها علة على تعديتها للزم الدور، وأجاب ~~ابن الحاجب بأن هذا الدور غير محال لكونه دور معية، وأجاب غيره بأن كل ~~واحدة من التعدية والعلية مستلزمة للأخرى، كالنبوة مثلا لا متوقفة عليها، ~~فلا يلزم الدور؛ لأن الدور إنما هو على تقدير التوقف, وأيضا إن كان المراد ~~من التعدية وجود الوصف في صورة أخرى فلا نسلم توقفه على العلية وهو واضح، ~~وإن كان المراد بها كون الوصف علة في صورة أخرى فنسلم توقفها على العلية، ~~لكن لا نسلم توقف العلة على التعدية بهذا المعنى، بل إنما تتوقف على وجود ~~الوصف في صورة أخرى، وحينئذ فلا دور. قال: "قيل: لو علل بالمركب، فإذا ~~انتفى جزء تنتفي العلية، ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف، أو تحصيل ~~الحاصل، وإن قلنا: علية عدمية فلا يلزم ذلك". أقول: ذهب الأكثرون ومنهم ~~الإمام والآمدي وأتباعهما إلى جواز تعليل الحكم بالوصف المركب، كتعليل وجوب ~~القصاص بالقتل العمد ms490 العدوان؛ لأنه مناسب له ودائر معه، وهما يفيدان العلية ~~كما تقدم، وعلى هذا قال بعضهم: يشترط أن لا تزيد الأجزاء على سبعة، قال ~~الإمام: ولا أعرف لهذا الحصر حجة، واحتج المانع بأنه لو صح التعليل به لكان ~~عدم كل واحد من أجزائه علة تامة لعدم عليته؛ لأن عدم كل واحد منها علة لعدم ~~ذاته، وإذا ارتفعت الذات ارتفعت الصفات بالضرورة، وحينئذ فنقول: إذا انتفى ~~جزء من المركب تنتفي العلية لما قلناه، ثم إذا انتفى جزء آخر منه فإن لم ~~تنتف عليه يلزم تخلف المعلول عن علية التامة، وإن انتفت يلزم تحصيل الحاصل، ~~وكلاهما محال، فالتعليل بالمركب محال، وأجاب المصنف بأن العلية صفة عدمية، ~~فإنها من النسب والإضافات التي هي أمور يعتبرها العقل لا وجود لها في ~~الخارج، وإذا كانت # PageV01P352 # العلية عدمية كان انتفاؤها وجوديا، فإن أحد النقيضين لا بد أن يكون ~~وجوديا، وإذا كان انتفاؤها وجوديا امتنع أن يكون عدم كل جزء علة له؛ لأن ~~الأمور العدمية لا تكون علة للأمر الوجودي، هذا غاية ما يقرر به جواب ~~المصنف وفيه تكلف وضعف ومخالفة، أما التكلف فواضح، وأما الضعف فلأن هذه ~~الطريقة تنعكس فيقال: العلة من الأمور الوجودية؛ لأن نقيضها عدمي وهو عدم ~~العلية، وأما المخالفة فقد سبق أنه يجوز تعليل الوجودي بالعدم عند المصنف, ~~ولم يجب الإمام به عن هذه الشبهة، وإنما أجاب به عن شبهة أخرى, وذلك أنهم ~~قالوا: كون الشيء علة لغيره صفة لذلك الشيء، فإذا كان الموصوف بالعلية أمرا ~~مركبا، فإن قامت تلك الصفة بتمامها بكل واحد من أجزاء المركب فيلزم أن يكون ~~كل واحد منها علة مستقلة، وإن قام بكل واحد من تلك الأجزاء جزء من تلك ~~الصفة فيلزم انقسام الصفة العقلية، ويكون حينئذ للعلية نصف وثلث وهو محال، ~~هذا هو السؤال الذي أجاب عنه الإمام بكون العلية عدمية، وهو مطلق فترك صاحب ~~الحاصل ذكر هذه الشبهة، ونقل جوابها إلى الشبهة الأولى، وتبعه المصنف، ~~والظاهر أنه إنما حصل عن سهو، وأجاب ابن الحاجب بجوابين أحدهما: لا ms491 نسلم أن ~~عدم الجزء علة لعدم العلية, بل وجود كل جزء شرط للعلية فعدمه يكون عدما ~~لشرط العلية. الثاني: أن هذه علامات على عدم العلية واجتماع العلامات على ~~الشيء الواحد جائز, سواء كانت مترتبة، أو في وقت واحد، كالنوم واللمس ~~بالنسبة إلى الحدث. قال: "وهنا مسائل: الأولى: يستدل بوجود العلة عن الحكم ~~لا بعليتها؛ لأنها نسبة تتوقف عليه، الثانية: التعليل بالمانع لا يتوقف على ~~المقتضى؛ لأنه إذا أثر معه فبدونه أولى، قيل: لا يسند العدم المستمر، قلنا: ~~الحادث يعرف الأزلي كالعالم للصانع. الثالثة: لا يشترط الاتفاق على وجود ~~العلة في الأصل, بل يكفي انتهاض الدليل عليه. الرابعة: الشيء يدفع الحكم ~~كالعدة، أو يرفعه كالطلاق، أو يدفع ويرفع كالرضاع. الخامسة: العلة قد يعلل ~~بها ضدان، ولكن بشرطين متضادين". أقول: لما فرغ من شرائط العلة شرع في ذكر ~~مسائل تتعلق بها الأولى: الإشكال في أنه يصح الاستدلال على الحكم بوجود ~~العلة، كما يقال: وجد في صورة القتل بالمثقل علة وجوب القصاص، وهو القتل ~~العمد العدوان فيجب فيها القصاص؛ لأن وجود العلة يستلزم وجود المعلول، ولا ~~يجوز أن يستدل بعلية العلة على وجود الحكم، كما يقال: علية القتل العمد ~~العدوان لوجوب القصاص ثابتة في القتل بالمثقل فيجب فيه القصاص، وإنما قلنا: ~~إنه لا يجوز لأن العلية نسبة بين العلة والحكم، والنسبة متوقفة على ~~المنتسبين, فتكون العلة متوقفة في وجودها على ثبوت الحكم، فلو أثبتنا الحكم ~~بها لزم الدور، وهذا الجواب ضعيف بوجهين ذكرهما صاحب التحصيل, أحدهما: أن ~~النسبة إنما تتوقف على المنتسبين في الذهن لا في الخارج. والثاني: أن ~~المراد بالعلة هو المعرف كما سبق, وحينئذ فلا يلزم الدور. المسألة # PageV01P353 # الثانية: تعليل عدم الحكم بالمانع هل يتوقف على وجود المقتضى له؟ فيه ~~مذهبان أرجحهما عند الإمام والمصنف وابن الحاجب أنه لا يتوقف؛ لأن المقتضى ~~والمانع بينهما معاندة ومضادة، والشيء لا يتقوى بضده بل يضعف به، فإذا جاز ~~التعليل بالمانع حال ضعفه وهو وجود المقتضى فجوازه عند قوته وهو حال عدم ~~المقتضى أولى، لكن ms492 إذا قلنا بهذا فانتفاء الحكم لانتفاء المقتضى أظهر في ~~العقل من انتفائه لحصول المانع, هكذا قاله في المحصول1، وعلى هذا فمدعي ~~الأول أرجح من مدعي الثاني فاعلمه، فإنه كثير الوقوع في المباحث. والمذهب ~~الثاني: أن التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضى، واختاره الآمدي لأن ~~المعلول إن كان هو العدم المستمر فباطل؛ لأن المانع حادث والعدم المستمر ~~أولى، واستناد الأزلي إلى الحادث ممتنع، وإن كان هو العدم المتجدد فهو ~~المطلوب؛ لأن العدم المتجدد إنما يتصور بعد قيام المقتضى, وأجاب المصنف بأن ~~المعلل هو العدم المستمر ولا استحالة فيه، لأن العلل الشرعية معرفات، ~~والحادث يجوز أن يكون معرفا للأزلي كما أن العالم معرف للصانع، واعلم أن ~~هذه المسألة من تفاريع تخصيص العلة، بأنه يمتنع الجمع بين المقتضى والمانع ~~عند من يمنع التخصيص، ولا يمتنع ذلك عند من يجوزه. المسألة الثالثة: الوصف ~~الذي جعل علة في الأصل المقيس عليه لا يشترط الاتفاق على وجوده فيه على ~~الصحيح، بل يكفي قيام الدليل عليه سواء كان ذلك الدليل قطعيا أو ظنيا لحصول ~~المقصود به، وقياسا على سائر المقدمات، وسيأتي الكلام على وجوده في الفرع. ~~المسألة الرابعة: الوصف المانع قد يكون دافعا للحكم فقط، أي: إذا قارن ~~ابتداء دفعه وإن وجد في الأثناء لم يقدح, وقد يكون رافعا فقط أي بالعكس مما ~~تقدم، وقد يكون دافعا ورافعا، فالأول كالعدة فإنها تمنع ابتداء النكاح لا ~~دوامه, فإن المرأة لو اعتدت عن وطء الشبهة لم ينفسخ نكاحها، وأما الثاني ~~فكالطلاق فإنه يرفع النكاح ولكن لا يدفعه، فإن الطلاق لا يمنع وقوع نكاح ~~جديد، وأما الثالث فكالرضاع وهو واضح. المسألة الخامسة: العلة الواحدة قد ~~يعلل بها معلول واحد وهو ظاهر، وقد يعلل بها معلولان متماثلان أي: في ~~ذاتين، كالقتل الصادر من زيد وعمر، فإنه يوجب القصاص على كل واحد منهما، ~~ولا يتأتى ذلك في الذات الواحدة لاستحالة اجتماع المثلين, وقد يعلل بها ~~معلولان مختلفان بجواز اجتماعهما، كالحيض فإنه علة لتحريم القراءة، ومس ~~المصحف، والصوم، والصلاة، وقد يعلل بها معلولان ms493 متضادان لكن بشرطين متضادين ~~كالجسم يكون علة للسكون بشرط البقاء في الحين، وللحركة بشرط الانتقال عنه، ~~وقد اقتصر المصنف على هذا الأخير, وإنما اشترطنا فيه حصول الشرطين ~~المتضادين؛ لأنه إن لم يكن للمعلومين PageV01P354 # المتضادين شرط أصلا، أو كان لهما شرط واحد, أو شرطان مختلفان، فإنه يلزم ~~منهما اجتماع الضدين وهو محال، واعلم أنه يشترط في العلة أيضا شرطان ~~أحدهما: أن لا يكون دليلها متناولا ولا لحكم الفرع، كما لو قال قائل: ~~السفرجل مطعوم, فيجري فيه الربا قياسا على البر، ثم يستدل على كون الطعم ~~علة لتحريم الربا في البر بقوله -عليه الصلاة والسلام: "لا تبيعوا الطعام" ~~1 وسيأتي مثله في الحكم أيضا، وهذا الشرط اختاره ابن الحاجب ونقله الآمدي ~~عن بعضهم، وتوقف فيه. الثاني, ما ذكره الآمدي وابن الحاجب: أن لا تكون ~~العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما يرجح على الحكم الذي استنبطت منه ~~بالإبطال، وذلك كتعليل وجوب الشاة في الأربعين بدفع حاجة الفقراء، فإنها ~~تقتضي جواز إخراج القيمة ويلزم من جواز إخراج القيمة عدم وجوب الشاة، وإنما ~~قلنا: لا يجوز؛ لأن ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة ~~لتوقف عليتها على اعتباره. قال: PageV01P355 ### | الفصل الثاني: في الأصل والفرع # "الفصل الثاني: في الأصل والفرع، أما الأصل فشرطه ثبوت الحكم فيه بدليل ~~غير القياس؛ لأنهما إن اتحدا في العلة فالقياس على الأصل الأول، وإن اختلفا ~~لم ينعقد الثاني، وإن لم يتناول دليل الأصل الفرع وإلا لضاع القياس، وأن ~~يكون حكم الأصل معللا بوصف معين وغير متأخر عن حكم الفرع، وإذ لم يكن لحكم ~~الفرع دليل سواه". أقول: لما فرغ من الكلام على العلة التي هي أحد أركان ~~القياس, شرع في الكلام على الركنين الباقيين، وهما الأصل والفرع، فأما ~~الأصل فذكر له خمسة شروط, الأول: ثبوت حكمه وهو واضح، الثاني: أن يكون ذلك ~~الحكم ثابتا بدليل من الكتاب أو السنة أو اتفاق الأمة، فإن كان متفقا عليه ~~بينهما فقط، ويعبر عنه بالقياس المركب, ففي صحة القياس عليه مذهبان حكاهما ~~في ms494 الأحكام واختار ابن الحاجب أنه لا يصح، قال: ومحله عند اختلافهما في ~~العلة أو في وصف الحكم المستدل عليه هل له وجود في الأصل أم لا؟ فلو سلم ~~الخصم أنها العلة وأنها موجودة، أو أثبت المستدل أنها موجودة انتهض الدليل ~~على الخصم، وإن كان مذهبا لأحدهما فقط فهو على قسمين أحدهما: أن يكون مذهبا ~~للمستدل دون المعترض, وذلك بأن يكون المستدل قد أثبت حكمه بالقياس على شيء، ~~فإن كان كذلك فإنه لا يصح القياس عليه عند الجمهور خلافا للحنابلة وأبي عبد ~~الله البصري، وإليه أشار بقوله: بدليل غير القياس، مثاله قول القائل: ~~السفرجل مطعوم، فيكون ربويا بالقياس على التفاح، ثم يقيس التحرير في التفاح ~~عند توجه منعه على البر بجامع الطعم أيضا، وكذلك قول القائل: الجذام عيب ~~يفسخ به البيع، فيفسخ به النكاح قياسا على الرتق، وهو استداد محل الجماع، ~~والجامع هو الفسخ بالعيب، ثم يقاس الرتق عند توجه منعه على الجب بجامع فوات ~~الاستمتاع، وإنما قلنا: لا يجوز لأن القياسين # PageV01P355 # إن اتحدا في العلة كما في المثال الأول فيكون قياس الفرع الثاني إنما هو ~~الأصل الأول, دون الأصل الثاني، وحينئذ فيكون ذكر الأصل الثاني لغوا، وإن ~~اختلفا في العلة كما في المثال الثاني لزم أن لا ينعقد القياس الثاني؛ لأنه ~~علة ثبوت الحكم في الفرع الأول الذي هو أصل للقياس الثاني وهو الوصف الجامع ~~بين الأول وفرعه وهي غير موجودة في الفرع الثاني، وأيضا فالحكم في الفرع ~~المتنازع فيه أولا وهو فسخ النكاح بالجذام إنما يثبت بما يثبت به حكم أصله، ~~فإذا كان حكم أصله وهو الرتق ثابتا بعلة أخرى، وهي العلة التي استنبطت من ~~الأصل الآخر, فيمتنع تعدية الحكم بغيرها، وإن جوزنا تعليل الحكم بعلتين ~~مستنبطتين لأن ذلك الغير لم يثبت اعتبار الشارع له، لكون الحكم الثابت معه ~~ثابتا بغيره بالاتفاق، وإذا كان غير معتبر امتنع ترتب الحكم عليه. القسم ~~الثاني: أن يكون مقبولا عند المعترض، ممنوعا عند المستدل بأن القياس باطل، ~~كما قاله الآمدي وابن الحاجب؛ لأن ms495 هذا القياس يتضمن اعتراف المستدل بالخطأ ~~في الأصل لوجود العلة فيه مع عدم الحكم، فلا يصح منه بناء الفرع عليه، فإن ~~جعله إلزاما للمعترض، فقال: هذا هو عندك علة للحكم في الأصل، وهو موجود في ~~محل النزاع فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلا فيلزم إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف ~~الحكم عنه من غير مانع، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به ~~في الأصل، فهو أيضا فاسد؛ لأن الخصم له أن يقول: الحكم في الأصل ليس عندي ~~ثابتا بهذا الوصف، وبتقريره فليس تصويبه في الأصل لتخطئة في الفرع بأولى من ~~العكس, قاله الآمدي. الشرط الثالث: أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل ~~متناولا للفرع؛ لأنه لو تناوله لكان إثبات الحكم في الفرع بذلك الدليل لا ~~بالقياس، وحينئذ فيضيع القياس. هكذا علله المصنف تبعا للحاصل، وعلله الإمام ~~والآمدي بأنه لو تناوله لم يكن جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا بأولى من ~~العكس. الشرط الرابع: أن يكون حكم الأصل معللا بعلة معينة غير مبهمة؛ لأن ~~إلحاق الفرع بالأصل لأجل وجود العلة يستدعي العلم بحصول العلة، والعلم ~~بحصول العلة يتوقف على تعليل حكم الأصل، وعن تعيين علته. الشرط الخامس: أن ~~يكون حكم الأصل غير حكم الفرع إذا لم يكن لحكم الفرع دليل سوى القياس؛ لأنه ~~لو كان كذلك لكان يلزم أن يكون حكم الفرع قبل مشروعية الأصل حاصلا من غير ~~دليل وهو تكليف ما لا يطاق، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الإلزام للخصم لا ~~بطريق إنشاء الحكم فإنه يقبل، كما قاله الآمدي وابن الحاجب. أما إذا كان ~~للفرع دليل آخر غير القياس فإنه لا يشترط تقدم حكم الأصل عليه؛ لأن حكم ~~الفرع قبل حكم الأصل يكون ثابتا بذلك الدليل، وبعده يكون ثابتا به ~~وبالقياس، وغاية ما يلزم أن تتوارد أدلة على مدلول واحد وهو غير ممتنع، ~~ومثاله قياس الشافعي إيجاب النية في الوضوء على إيجابها في التيمم، فإن ~~التيمم متأخر عن الوضوء، إذ مشروعيته بعد الهجرة ومشروعية الوضوء # PageV01P356 # قبلها، ومع ذلك فالقياس صحيح، فإن ms496 وجوب النية في الوضوء دليل آخر وهو ~~قوله -عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات" نعم إنما يتم ذلك. ~~مثالنا إذا ورد الحديث قبل مشروعية الوضوء فإن كان بعدها فلا؛ لأن المحذور ~~باق، وإلى هذا أشار بقوله: وغير متأخر، وهو منصوب عطفا على خبر كان، وهذا ~~التفصيل قاله الإمام والمصنف وأشار إليه الغزالي في المستصفى ولم يتعرض له ~~الآمدي ولا ابن الحاجب, بل أطلقا المنع. قال: "وشرط الكرخي عدم مخالفة ~~الأصل أو أحد أمور ثلاثة: التنصيص على العلة، والإجماع على التعليل مطلقا، ~~ومرافقة أصول أخر، والحق أنه يطلب الترجيح بينه وبين غيره، وزعم عثمان ~~البتي قيام ما يدل على جواز القياس عليه، وبشر المريسي 1 الإجماع عليه، أو ~~التنصيص على العلة، وضعفهما ظاهر". أقول: لما ذكر المصنف الشروط المعتبرة ~~في الأصل أردفها بشروط اعتبرها فيه بعضهم، فمنها هل يجوز القياس على ما ~~يكون حكمه مخالفا للأصول والقواعد الواردة من جهة الشرع كالعرايا أم لا؟ ~~فيه خلاف، فذهب جماعة من الشافعية والحنفية إلى جواز القياس عليه مطلقا إذا ~~عقل معناه، وجزم الآمدي بأنه كما يجوز مطلقا، وهو مقتضى كلام ابن الحاجب، ~~وقال الكرخي: لا يجوز إلا بأحد أمور ثلاثة, الأول: تنصيص الشارع على علة ~~حكمه؛ لأن تنصيصه على العلة كالتصريح بالقياس عليه. الثاني: أن تجمع الأمة ~~على تعليله فلا يكون من الأحكام التعبدية التي لا تعلل بالاتفاق، ولا من ~~الأحكام التي اختلفت في تعليلها كالتطهير بالماء، ثم إذا أجمعوا على ~~التعليل فلا فرق بين أن يتفقوا على تعين العلة أو يختلفوا فيها، وإليه أشار ~~بقوله: مطلقا. والثالث: أن يكون القياس عليه موافقا لأصول أخر، والحق عند ~~الإمام وأتباعه، ومنهم المصنف، أنه يجب على المجتهد أن يطلب التراجيح بين ~~القياس على هذا الأصل الذي خالف باقي الأصول، وبين القياس على أصول أخر لما ~~يمكن الترجيح به من الطرق المذكورة في ترجيح الأقيسة، فعلى هذا قال الإمام: ~~هذا الأصل الذي ورد على خلاف قياس سائر الأصول إذا كان دليلا مقطوعا به كان ~~أصلا بنفسه، ms497 فيكون القياس عليه كالقياس على غيره، فيرجح المجتهد بينهما، ~~وإن لم يكن مقطوعا, فإن كانت علة منصوصة فيجب الترجيح بينهما أيضا؛ لأن ~~القياس على الأصول بأن طريق حكمه معلوم، وإن كان طريق علته غير معلومة وهذا ~~القياس بالعكس فتعادلا، وإن لم تكن علته منصوصة فالقياس على باقي الأصول ~~أولى، وهذه الصورة الأخيرة واردة على المصنف والشافعي, وفي هذه المسألة ~~اختلاف تقدم ذكره في أوائل القياس، وزعم عثمان البتي أنه لا يقاس على أصل ~~حتى يقوم دليل على جواز القياس عليه بخصوصه، عبر PageV01P357 # صاحب الحاصل عن هذا بقوله: وزعم عثمان البتي اشتراط قيام ما يدل على جواز ~~القياس، فتبعه المصنف على عبارته ولكنه نسي لفظة اشتراط، ولا بد منها. قال ~~القرافي: والمراد من ورود الدليل إنما هو على الباب من حيث هو لا على ~~المسألة المقاس عليها بخصوصها, فإن كانت المسألة من مسائل النكاح فلا بد من ~~ورود دليل يدل على جواز القياس في النكاح, وإن كانت مسائل الطلاق فلا بد من ~~دليل يدل على جواز القياس فيه. قوله: "وبشر المريسي" أي: وزعم بشر المريسي ~~أن شرط الأصل انعقاد الإجماع على كون حكمه معللا، وثبوت النص على غير تلك ~~العلة، هذا لفظ المحصول، وكلام المصنف يخالفه من وجهين أحدهما: في اشتراك ~~الإجماع على الأصل، والموقع له فيه إنما هو صاحب الحاصل، فإنه قال: زعم بشر ~~المريسي أن شرط القياس أن يكون حكم الأصل مجمعا عليه، والعلة منصوصة, هذا ~~لفظه. والثاني: في اشتراطه أحد الأمرين, والموقع له فيه هو صاحب التحصيل. ~~قوله: "وضعفهما ظاهر" يعني: مذهب البتي ومذهب المريسي، فإن عموم قوله ~~تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2] ينفي هذه الشروط، كذلك عمل الصحابة، وذهب قوم ~~إلى أن المحصول بالعدد لا يجوز القياس عليه، حتى قالوا في قوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "خمس يقتلن في الحل والحرم" 1: إنه لا يقاس عليه، قال في ~~المحصول: والحق جوازه لما قلناه، وقد قدم المصنف في أوائل القياس مذاهب ~~أخرى تناسب هذين المذهبين، فلو جمع الكل في موضع واحد لكان ms498 أولى. قال: ~~"وأما الفرع فشرطه وجود العلة فيه بلا تفاوت، وشرط العلم به والدليل على ~~حكمه إجمالا، ورد بأن الظن يحصل دونهما". أقول: يشترط في الفرع أن يوجد فيه ~~علة مماثلة لعلة الأصل، إما في عينها كقياس النبيذ في الخمر بجامع الشدة ~~المطربة، أو في جنسها كقياس وجوب القياس في الأطراف على القصاص في النفس ~~بجامع الجنابة، وشرط المصنف أيضا أن لا تتفاوت العلتان أي: لا في الماهية ~~ولا في الزيادة ولا في النقصان، كما صرح به في المحصول2، وهو مخالف لما ~~تقدم عن كون القياس قد يكون مساويا، وقد يكون أولى, وقد يكون أخفى. وإنما ~~شرطنا المماثلة؛ لأن القياس كما تقدم عبارة عن إثبات مثل حكم الأصل في ~~الفرع، وإنما يتصور ذلك عند مماثلة الوصف الموجود في الفرع للوصف الموجود ~~في الأصل، وإلا لم يحصل بين الحكمين تماثل، وإذا وجب تماثل الوصفين وجب عدم ~~التفاوت بينهما، وهو المطلوب وشرط بعضهم حصول العلم بوجود العلة في الفرع، ~~وزعم أن ظن وجوده لا يكفي، وشرط أبو هاشم أن يكون الحكم في الفرع قد دل ~~عليه الدليل إجمالا، حتى يدل القياس على تفصيله. قال: ولولا أن الشرع ورد ~~بميراث الجد جملة وإلا لم تستعمل الصحابة القياس في PageV01P358 # توريثه مع الإخوة، وإلى هذين الشرطين الضعيفين أشار بقوله: وشرط كذا ~~وكذا، وهو مبني للمفعول، ثم رد المصنف هذين الشرطين, بأن ظن وجود الحكم في ~~الفرع حاصل عند ظن وجود العلة فيه من غير وجود الشرطين المذكورين، والعمل ~~بالظن واجب، وشرط الآمدي وابن الحاجب أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه، ~~وادعى الآمدي أنه لا خلاف فيه, قال: لأن كلا منهما إذا كان منصوصا عليه ~~فليس قياس أحدهما على الآخر بأولى من العكس, وهذا الشرط نقله الإمام عن ~~بعضهم، ثم نقل عن الأكثرين أنه لا يشترط. قال: لأن ترادف الأدلة على ~~المدلول الواحد جائز. قال: "تنبيه: يستعمل القياس على وجه التلازم، ففي ~~الثبوت يجعل حكم الأصل ملزوما، وفي النفي نقيضه لازما، مثل: لما وجبت ~~الزكاة ms499 في مال البالغ للمشترك بينه وبين مال الصبي وجبت في ماله، ولو وجبت ~~في الحلي لوجبت في اللآلئ قياسا عليه، واللازم منتف فالملزوم مثله". أقول: ~~اعلم أن أهل الزمان يستعملون القياس الشرعي على وجه التلازم، أي: على النوع ~~المسمى عند المنطقيين بالقياس الاستثنائي، فيثبتون به الحكم تارة وينفونه ~~أخرى، وأراد المصنف التنبيه عليه في آخر القياس فلذلك سماه تنبيها، فطريق ~~استعماله أنه إن كان المقصود إثبات الحكم فيجعل حكم الأصل ملزوما لحكم ~~الفرع، وتجعله العلة المشتركة بين الأصل والفرع دليلا على الملازمة؛ وحينئذ ~~فيلزم من ثبوت حكم الأصل ثبوت حكم الفرع؛ لأنه يلزم من وجود الملزوم وجود ~~اللازم، وإن كان المقصود نفي الحكم فيجعل حكم الفرع ملزوما، ونقيض حكم ~~الأصل لازما، وتجعل العلة المشتركة دليلا على الملازمة أيضا، وحينئذ فيلزم ~~من نفي اللازم نفي الملزوم. مثال الأول أن يعدل عن قول القائل: تجب الزكاة ~~على الصبي قياسا على البالغ بجامع ملك النصاب، أو دفع حاجة الفقير، إلى ~~قولك: لما وجبت الزكاة في مال البالغ للعلة المشتركة بينه وبين مال الصبي، ~~وهي ملك النصاب أو دفع حاجة الفقير, لزم أن تجب في مال الصبي، فقد جعلنا ما ~~كان أصلا ملزوما لما كان فرعا، وجعلنا العلة الجامعة دليلا على التلازم. ~~ومثال الثاني: أن يعدل عن قول القائل: لا زكاة في الحلي قياسا على اللآلئ ~~بجامع الزينة، إلى قولنا: لو وجبت الزكاة في الحلي لوجبت في اللآلئ، ~~واللازم منتف لأنها لا تجب في اللآلئ فالملزوم مثله، ووجه الملازمة ~~اشتراكهما في الزينة، ولما كانت المقدمة المنتجة في المثال الأول إنما هو ~~إثبات الملزوم, استعمل المصنف فيه لفظ لما، لإعادتها ذلك، ولما كانت ~~المقدمة المنتجة في المثال الثاني إنما هو نفي اللازم، استعمل المصنف فيه ~~لفظ لو؛ لكونها دالة على امتناع الشيء لامتناع غيره. قال: # PageV01P359 ### | الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها ### | الباب الأول: في المقبولة # " الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها, وفيه بابان, الباب الأول: في ~~المقبول وهي ستة الأول: الأصل في المنافع الإباحة لقوله ms500 تعالى: {الذي خلق ~~لكم ما في الأرض} [البقرة: 29] {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} ~~[الأعراف: 32] {أحل لكم الطيبات} [المائدة: 5] وفي المضار التحريم لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" 1 قيل: على الأول ~~اللام تجيء لغير النفع، كقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] وقوله: ~~{ولله ما في السماوات} [البقرة: 284] قلنا: مجاز؛ لاتفاق أئمة اللغة على ~~أنها للملك، ومعناه الاختصاص النافع بدليل قولهم: الجل للفرس. قيل: المراد ~~الاستدلال. قلنا: هو حاصل من نفسه فيحمل على غيره". أقول: لما فرغ من الكتب ~~الأربعة المعقودة للأدلة الأربعة المتفق عليها شرع في كتاب آخر لبيان ~~الأدلة المختلف فيها، وجعله مشتملا على بابين, الأول: في المقبول منها، ~~والثاني: في المردود، فأما المقبول فستة، الأول: الأصل في الأشياء النافعة ~~هو الإباحة، وفي الأشياء الضارة أي: مؤلمات القلوب هو الحرمة، وهذا إنما هو ~~بعد ورود الشرع بمقتضى الأدلة الشرعية، وأما قبل وروده فالمختار الوقوف كما ~~تقدم، ثم استدل المصنف على إباحة المنافع بثلاث آيات: الآية الأولى: "قوله ~~تعالى": {خلق لكم ما في الأرض جميعا} ووجه الدلالة أن البارئ تعالى أخبر ~~بأن جميع المخلوقات الأرضية للعباد؛ لأن موضوعه للعموم، لا سيما وقد أكدت ~~بقوله: {جميعا} واللام في {لكم} تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: الثوب لزيد فإن معناه أنه مختص بنفعه, وحينئذ فيلزم ~~من ذلك أن يكون الانتفاع بجميع المخلوقات مأذونا فيه شرعا وهو المدعي. ~~الثانية: "قوله تعالى": {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق} ووجه الدلالة أن هذا الاستفهام ليس على حقيقته بل هو للإنكار، ~~وحينئذ فيكون البارئ تعالى قد أنكر تحريم الزينة التي يختص بنا الانتفاع ~~بها لمقتضى اللام كما تقدم، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم، وإلا لم ~~يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة، وفيه نظر, فقد تقدم في ~~أوائل الكتاب أن انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة. الآية الثالثة: قوله ~~تعالى: {أحل لكم الطيبات} ووجه الدلالة أن اللام في {لكم} تدل ms501 على الطيبات ~~مخصوصة بناء على جهة الانتفاع كما تقدم، وليس المراد بالطيبات هو المباحات، ~~وإلا يلزم التكرار بل المراد بها ما تستطيعه النفس؛ لأن الأصل عدم معنى ~~ثالث، وأما المضار فاستدل المصنف على تحريمها بقوله -عليه الصلاة والسلام: ~~"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ووجه الدلالة أن الحديث يدل على نفي الضرر ~~مطلقا؛ لأن النكرة المنفية تعم، وهذا النفي ليس واردا على الإمكان ولا ~~الوقوع قطعا، بل على الجواز، وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم وهو المدعى. ~~قوله: "قيل: على الأول" أي: اعترض الخصم على بيان الأصل وهو إباحة المنافع ~~بوجهين أحدهما: لا نسلم أن اللام في اللغة للاختصاص النافع, فإنها قد تجيء ~~لغير النفع كقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها} وقوله تعالى: {ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض} أما في الآية الأولى؛ فلأنها لاختصاص الضرر لا ~~لاختصاص النفع، وأما في PageV01P360 # الآية الثانية فلتنزيهه تعالى عن الانتفاع به، وأجاب المصنف بأن استعمال ~~اللام في غير النفع مجاز، لاتفاق أئمة اللغة على أن اللام موضوعة للملك، ~~ومعنى للملك هو الاختصاص النافع لا حقيقته المعروفة، وإلا يصح قولهم: الجل ~~للفرس، فيلزم منه أن تكون اللام حقيقة في الاختصاص النافع، وحينئذ فيكون ~~استعمالها في غيره مجازا؛ لأنه خير من الاشتراك، ولقائل أن يقول: هذا ينافي ~~ما ذكره في القياس، من كون اللام حقيقة في التعليل، وأيضا فإن أهل اللغة ~~يخصونها بالملك ولا بالاختصاص النافع، بل قالوا: إنها للملك وما يشبه الملك ~~وهو الاختصاص، ولم يقيدوا الاختصاص بكونه نافعا، وأما قولهم: الجل للفرس ~~فهو إنما يدل على صحة استعمالها فيه، لا على نفي استعمالها في الاختصاص ~~الذي لا ينفع، فإنه يحتمل أن تكون موضوعة لمطلق الاختصاص، ودعواه أولى لما ~~فيه من عدم الاشتراك والمجاز. الاعتراض الثاني: سلمنا أن اللام للاختصاص ~~النافع، ولكن ذلك الاختصاص الذي أفادته ليس بعام بل هو مطلق، والمطلق يصدق ~~بصورة، وتلك الصورة حاصلة هنا، فإن الاستدلال بالمخلوقات على وجود الصانع ~~نفع عظيم، وأجاب المصنف بأن الاستدلال على الصانع حاصل لكل عاقل ms502 من نفسه، ~~فإنه يصح أن يستدل من نفسه على خالقه، فينبغي حمل الانتفاع الوارد في ~~الآيات على غير الاستدلال تكثيرا للفائدة، وفرارا من تحصيل الحاصل. قال: ~~"الثاني: الاستصحاب حجة خلافا للحنفية والمتكلمين، لنا أن ما ثبت ولم يظهر ~~زواله ظن بقاؤه، ولولا ذلك لما تقررت المعجزة لتوقفها على استمرار العادة ~~ولم تثبت الأحكام الثابتة في عبده -عليه الصلاة والسلام- لجواز النسخ ولكان ~~الشك في الطلاق كالشك في النكاح, ولأن الباقي يستغني عن سبب أو شرط جديد، ~~بل يكفيه دوامهما دون الحادث, ونقل عدمه، الصدق عدم الحادث على ما لا نهاية ~~له فيكون راجحا". # أقول: الدليل الثاني من الأدلة المقبولة: استصحاب الحال, وهو عبارة عن ~~الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول, والسين ~~فيه للطلب على القاعدة, ومعناه أن المناظر يطلب الآن صحة ما مضى كاستدلال ~~الشافعية على أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء بأن ذلك الشخص كان ~~على الوضوء قبل خروجه إجماعا, فيبقى على ما كان عليه وهو حجة عند الإمام ~~والآمدي وأتباعهما خلافا لجمهور الحنفية والمتكلمين. قوله: "لنا" أي: ~~الدليل على أنه حجة وجهان أحدهما: أن ما ثبت في الزمان الأول من وجود أمر ~~أو عدمه ولم يظهر زواله لا قطعا ولا ظنا, فإنه يلزم بالضرورة أن يحصل الظن ~~ببقائه كما كان والعمل بالظن واجب, قال المصنف: ولولا ذلك أي: ولولا أن ما ~~ثبت في الزمان الأول على وجه المذكور يكون مظنون البقاء في الزمان الثاني ~~لكان يلزم منه ثلاثة أمور باطلة بالاتفاق, أحدها: أن لا تقرر معجزة أصلا؛ ~~لأن المعجزة أمر خارق للعادة متوقف على استمرار العادة فإنه لو # PageV01P361 # لم يتوقف على استمرارها لجاز تغيرها فلا تكون المعجزة خارقة للعادة, ~~واستمرار العادة متوقف على أن الأصل بقاء ما كان على ما كان فإنه لا معنى ~~للعادة إلا أن تكرر وقوع الشيء على وجه مخصوص يقتضي اعتقاد أنه لو وقع لم ~~يقع إلا على ذلك الوجه, فلو كان اعتقاد وقوعه على الوجه المخصوص ms503 يساوي ~~اعتقاد وقوعه على خلاف ذلك الوجه لم تكن المعجزة خارجة للعادة. الثاني: أن ~~لا تثبت الأحكام الثابتة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة إلينا ~~لجواز النسخ, فإنه إذا لم يحصل الظن من الاستصحاب يكون بقاؤها مساويا لجواز ~~نسخها وحينئذ فلا يمكن الجزم بثبوتها وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح. ~~الثالث: أن يكون الشك في الطلاق كالشك في النكاح؛ لتساويهما في عدم حصول ~~الظن بما مضى, وحينئذ فيلزم أن يباح الوطء فيهما أو يحرم فيهما وهو باطل ~~اتفاقا, بل يباح للشك في الطلاق دون الشك في النكاح. الدليل الثاني: أن ~~بقاء الباقي راجح على عدمه, وإذا كان راجحا وجب العمل به اتفاقا وهو ~~المدعى، ووجه رجحانه من وجهين, أحدهما: أن الباقي يستغني عن السبب والشرط ~~الجديدين؛ لأن الاحتياج إليهما إنما هو لأجل الوجود، والوجود قد حصل لهذا ~~الباقي، فلا يحتاج حينئذ إليهما, وإلا يلزم تحصيل الحاصل، بل يكفيه دوامها ~~بخلاف الأمر الذي يحدث، فإنه لا بد له من سبب وشرط جديدين فيكون عدم الباقي ~~كذلك؛ لأنه من الأمور الحادثة، وما لا يفتقر أرجح من المفتقر، فيكون البقاء ~~أرجح من العدم وهو المدعى، وإنما قيد السبب والشرط بكونهما جديدين؛ لأن ~~الباقي يحتاج في استمرار وجوده إلى دوام سببه وشرطه. والثاني: أن عدم ~~الباقي يقل بالنسبة إلى عدم الحادث؛ لأن عدم الحادث يصدق على ما لا نهاية ~~له، وأما عدم الباقي مشروط فمتناه؛ لأن عدم الباقي مشروط بوجود الباقي, ~~والباقي متناه، وإذا كان عدم الباقي أقل من عدم الحادث كان وجوده أكثر من ~~وجوده فيكون راجحا. "فرع" مذكور في المحصول هنا لتعلقه بالاستصحاب، وهو أن ~~نافي الحكم هو عليه دليل أم لا, فقال بعضهم: هو مطالب به، واختاره ابن ~~الحاجب, وقيل: لا وقيل: إن كان في العقليات فهو مطالب، وإن كان في الشرعيات ~~فلا. وفصل الإمام فقال: إن أرادوا بقولهم: لا دليل عليه، هو أن العلم بذلك ~~العدم الأصلي يوجب ظن دوامه في المستقبل، فهذا حق، وإن أرادوا به غيره فهو ms504 ~~باطل؛ لأن العلم بالنفي أو الظن لا يحصل إلا بمؤثر، وللآمدي تفصيل يطول ~~ذكره. قال: "الثالث: الاستقراء، مثاله الوتر يؤدى على الراحلة فلا يكون ~~واجبا لاستقراء الواجبات، وهو يفيد الظن، والعمل به لازم، لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "نحن نحكم بالظاهر" 1. # أقول: قد تقدم الكلام على لفظ الاستقراء في الكلام على التكليف بالمحال، ~~PageV01P362 # وهو ينقسم إلى تام وناقص، فالتام إثبات حكم كلي في ماهية لأجل ثبوته في ~~جميع جزئياتها, والناقص وهو مقصود المصنف, وهو إثبات حكم كلي في ماهية ~~لثبوته في بعض أفرادها، هذا لا يفيد القطع لجواز أن يكون حكم ما لم يستقرأ ~~من الجزئيات، على خلاف ما استقرئ منها، قال في المحصول: وكذا لا يفيد أيضا ~~الظن على الأظهر، وخالفه صاحب الحاصل فجزم بأنه يفيد وتبعه عليه المصنف، ~~وعلى هذا فيختلف الظن باختلاف كثرة الجزئيات المستقرأة وقلتها، ويجب العمل ~~به لقوله -عليه الصلاة والسلام: "نحن نحكم بالظاهر" ومثال ذلك استدلال بعض ~~الشافعية على عدم وجوب الوتر، بأن الوتر يؤدى على الراحلة وكل ما يؤدى على ~~الراحلة لا يكون واجبا، أما المقدمة الأولى فبالإجماع، وأما الثانية ~~فباستقراء وظائف اليوم والليلة أداء وقضاء، فإن قيل: الوتر كان واجبا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم, ومع ذلك فإنه كان يصليه على الراحلة، فالجواب ما ~~قاله القرافي وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في السفر, والوتر لم ~~يكن واجبا عليه إلا في الحضر. قال: "الرابع: أخذ الشافعي رضي الله عنه بأقل ~~ما قيل, إذا لم يجد دليلا، كما قيل: دية الكتابي الثلث وقيل: النصف وقيل: ~~الكل بناء على الإجماع والبراءة الأصلية، قيل: يجب الأكثر ليتيقن الخلاص، ~~قلنا: حيث يتيقن الشغل والزائد لم يتيقن". أقول: الدليل الرابع من الأدلة ~~المقبولة: الأخذ بأقل ما قيل، وقد اعتمد عليه الشافعي -رضي الله عنه- في ~~إثبات الحكم إذا كان الأقل جزءا من الأكثر، ولم يجد دليلا غيره، كما في دية ~~الكتابي, فإن العلماء اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، فقال بعضهم: إنها ثلث ~~دية المسلم، وقالت ms505 المالكية: نصف ديته، وقالت الحنفية: مثل ديته، فاختار ~~الشافعي المذهب الأول وهو أنها الثلث، بناء على أن المجموع من الإجماع ~~البراءة الأصلية، أما الإجماع فإن كل واحد من المخالفين يوجبه، فإن الإيجاب ~~الأكثر يستلزم إيجاب الأقل، حتى لو فرضنا أن بعضهم قال: لا يجب فيه شيء ~~أصلا لم يكن إيجاب الثلث مجمعا عليه، لكونه قول بعض الأمة، وأما البراءة ~~الأصلية فإنها تقتضي عدم وجوب الزيادة إذ هي دالة على عدم الوجوب مطلقا، ~~لكن ترك العمل بها في الثلث للإجماع فبقي ما عداه على الأصل، فتلخص أن ~~الحكم بالاقتصار على الأقل مبني على مجموع هذين الشيئين كما قرره الإمام ~~والآمدي، لا على الإجماع وحده كما ظنه ابن الحاجب، بل الإجماع وحده إنما هو ~~دليل على إيجاب الثلث خاصة، فقول المصنف: بناء الإجماع والبراءة، تعليل ~~لقوله: أخذ الشافعي, وقوله إذا لم يجد دليلا سواه أي: فإن وجده الشافعي لم ~~يتمسك بالأقل؛ لأن ذلك الدليل إن دل على إيجاب الأكثر فواضح، ولذلك لم يأخذ ~~الشافعي بالثلاثة في انعقاد الجمعة وفي الغسل من ولوغ الكلب لقيام الدليل ~~على الأكثر, وإن دل على الأقل كان الحكم بإيجابه لأجل هذا الدليل، لا لأجل ~~الرجوع إلى أقل ما قيل، هكذا # PageV01P363 # قاله في المحصول؛ فلذلك أطلق المصنف هذا الشرط. وفي القسم الثاني منه ~~نظر؛ لأنه يقتضي امتناع اجتماع الدليلين وليس كذلك. قوله: "قيل: يجب ~~الأكثر" أي: اعترض بعضهم على الشافعي في أخذه بالأقل فقال: ينبغي إيجاب ~~الأكثر ليتيقن المكلف الخلاص عما وجب عليه، وأجاب المصنف بأنه إنما يجب ذلك ~~حيث تيقنا شغل الذمة به، والزائد على الأقل لم يتيقن فيه؛ ذلك لأنه لم يثبت ~~عليه دليل. قال: "الخامس: المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضرورية قطعية ~~كلية, كتترس الكفار الصائلين بأسارى المسلمين, اعتبر وإلا فلا. وأما مالك ~~فقد اعتبره مطلقا؛ لأن اعتبار جنس المصالح يوجب ظن اعتباره، ولأن الصحابة ~~-رضي الله عنهم- قنعوا بمعرفة المصالح". # أقول: سبق في الباب الثاني من كتاب القياس أن المناسب قد يعتبره الشارع ~~وقد يلغيه ms506 وقد لا يعلم حاله, وهذا الثالث هو المسمى بالمصالح المرسلة، ~~ويعبر عنه بالمناسب المرسل، وسبق هناك حكم القسمين الأولين، وأما الثالث ~~فسبق تعريفه دون تفصيل حكمه، وفيه ثلاثة مذاهب، أحدها: أنه غير معتبر ~~مطلقا، قال ابن الحاجب: وهو المختار، وقال الآمدي: إنه الحق الذي اتفق عليه ~~الفقهاء، والثاني: أنه حجة مطلقا وهو مشهور عن مالك، واختاره إمام الحرمين، ~~وقال ابن الحاجب: وقد نقل أيضا عن المعتبرة، والثالث وهو رأي الغزالي، ~~واختاره المصنف: أنه إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية اعتبرت وإلا فلا، ~~فالضرورية هي التي تكون من إحدى الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين والنفس ~~والعقل والمال والنسب، وأما القطعية فهي التي يجزم بحصول المصلحة فيها، ~~والكلية هي التي تكون موجبة لفائدة بأننا لو امتنعنا عن التترس لصدمونا، ~~واستولوا على ديارنا وقتلوا المسلمين كافة حتى التترس، ولو رمينا التترس ~~لقتلنا مسلما من غير ذنب صدر منه، فإن قتل التترس والحالة هذه مصلحة مرسلة؛ ~~لكونه لم يعهد في الشرع جواز قتل مسلم بلا ذنب، ولم يقم أيضا دليل على عدم ~~جواز قتله عند اشتماله على مصلحة عامة للمسلمين، لكنها مصلحة ضرورية قطعية ~~كلية؛ فلذلك يصح اعتباره أي: يجوز أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى أن يقول: هذا ~~الأسير مقتول بكل حال، فحفظ كل المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ مسلم ~~واحد، فإن لم تكن المصلحة ضرورية بل كانت من المصلحيات أو التتمات فلا ~~اعتبار بها، كما إذا تترس الكفار في قلعة بمسلم فإنه لا يحل رميه إذ لا ~~ضرورة فيه، فإن حفظ ديننا غير متوقف على استيلائنا على تلك القاعدة، وكذلك ~~إن لم تكن قطعية كما إذا لم تقطع بتسليط الكفار علينا عند عدم رمي الترس، ~~أو لم تكن كلية كما لو أشرفت السفينة على الغرق، وقطعنا بنجاة الذين فيها ~~لو رمينا واحدا منهم بالبحر، فإنه لا يجوز الرمي لأن نجاة أهل السفينة ليست ~~مصلحة كلية، وكذلك لا يجوز لجماعة وقعوا في مخمصة أكل واحد منهم بالقرعة ~~لكون المصلحة جزئية. قوله: "لأن ms507 اعتبار" أي: احتج مالك بوجهين, أحدهما: أن ~~الشارع اعتبر جنس # PageV01P364 # المصالح في جنس الأحكام كما مر في القياس، واعتبار جنس المصالح يوجب ظن ~~اعتبار هذه المصلحة لكونها فردا من أفرادها. الثاني: أن من تتبع أحوال ~~الصحابة -رضي الله عنهم- قطع بأنهم كانوا يقنعون في الوقائع بمجرد المصالح، ~~ولا يبحثون عن أمر آخر، فكان ذلك إجماعا منهم على قبولها، والمصنف قد تبع ~~الإمام في عدم الجواب على هذين الدليلين، وقد يجاب عن الأول بأنه لو وجب ~~اعتبار المصالح المرسلة لاشتراكها للمصالح المعتبرة في كونها مصالح لوجب ~~إلغاؤها أيضا، لاشتراكها مع المصالح الملغاة في ذلك، فيلزم اعتبارها ~~وإلغاؤها وهو محال، وعن الثاني أنا لا نسلم بإجماع الصحابة عليه بل إنما ~~اعتبروا من المصالح ما اطلعوا على اعتبار الشارع لنوعه أو جنسه القريب ولم ~~يصرح الإمام مختاره في المسألة. قال: "السادس: فقد الدليل بعد التفحص ~~البليغ يغلب ظن عدمه وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل". أقول: ~~الدليل السادس من الأدلة المقبولة عند المصنف: الاستدلال على عدم الحكم ~~بعدم ما يدل عليه, وتقريره أن يقال: فقدان الدليل بعد التفحص البليغ يغلب ~~ظن عدمه يعني: عدم الدليل وظن عدمه يوجب ظن عدم الحكم, أما المقدمة الأولى ~~فواضحة، وأما الثاني فلأن عدم الدليل يستلزم عدم الحكم إذ لو ثبت حكم شرعي ~~ولم يكن عليه دليل لكان يلزم منه تكليف الغافل وهو ممتنع، فينتج فقدان ~~الدليل بعد التفحص البليغ يوجب ظن عدم الحكم، والعمل بالظن واجب، والمراد ~~بعدم الحكم هنا عدم تعلقه، لا عدم ذاته. فإن الأحكام قديمة عنده، وهذه ~~الطريقة التي قررها المصنف نقلها في المحصول عند بعض القفهاء، ولم يصرح ~~بموافقته. # PageV01P365 ### | الباب الثاني: في المردودة # قال: "الباب الثاني: في المردودة الأول: الاستحسان, قال به أبو حنيفة, ~~وفسر بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، وتقصر عنه عبارته، ورد بأنه لا بد من ~~ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده وفسره الكرخي بأنه قطع المسألة عن نظائرها لما ~~هو أقوى، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة بالزكوي لقوله ms508 تعالى: {خذ ~~من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] وعلى هذا فالاستحسان تخصيص، وأبو الحسين ~~بأنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الأقوى, يكون كالطارئ، فخرج ~~التخصيص، ويكون حاصله تخصيص العلة". أقول: شرح المصنف في بيان الأدلة ~~المردودة فذكر منها شيئين أحدهما: الاستحسان، وقد قال به أبو حنيفة وكذا ~~الحنابلة كما قاله الآمدي وابن الحاجب، وأنكره الجمهور لظنهم أنهم يريدون ~~به الحكم بغير دليل، حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع، أي: وضع شرعا ~~جديدا، قال في المحصول: وليس الخلاف في جواز استعمال لفظ الاستحسان لوروده ~~في الكتاب، كقوله تعالى: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف: 145] وفي ~~السنة كقوله -صلى الله عليه وسلم: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" ~~1 وفي ألفاظ المجتهدين كقول الشافعي في المتعة: أستحسن أن PageV01P365 # تكون ثلاثين درهما، فثبت أن الخلاف إنما هو في المعنى، وحينئذ فلا بد من ~~تفسيره ليمكن قبوله أو رده، وهو استفعال من الحسن، يطلق على ما يميل إليه ~~الإنسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا عند غيره، وليس هذا محل ~~الخلاف لاتفاق الأمة قبل ظهور المخالفين على امتناع القول في الدين بالتشهي ~~فيكون محل الخلاف فيما عدا ذلك، وقد اختلف المتأخرون في التعبير عنه على ~~عبارات كثيرة، ذكر المصنف منها ثلاثا، أحدها ولم يذكره الإمام ولا صاحب ~~الحاصل، بل الآمدي وابن الحاجب: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، وتقاصر عنه ~~عبارته، فلا يقدر على إظهاره، وأبطله المصنف بأن الذي يقوم قد يكون صحيحا ~~وقد لا يكون, فلا بد من ظهوره، أي: بيانه لتمييز صحيحه عن فاسده. ولقائل أن ~~يقول: إن أراد المصنف بوجوب إظهاره أنه لا يكون قبل ذلك حجة على المناظر، ~~فهذا واضح لكنه ليس محل الخلاف، وإن أراد أن المجتهد لا يثبت به الأحكام ~~فهو ممنوع، اللهم إلا أن يشك المجتهد في كونه دليلا فإنه لا يجوز العمل به. ~~التفسير الثاني قاله الكرخي: أنه قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى، أي: ~~هو أن يعدل الإنسان عن أن ms509 يحكم في مسألة بمثل ما حكم به في نظائرها، إلى ~~الحكم بخلافه لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول، وذلك حيث دل دليل خاص على ~~إخراج صورة ما دل عليه العام، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة ~~بالمال الزكوي دون غيره، فإن الدليل الدال على وجوب الدفاع بالنذر يقتضي ~~وجوب التصدق بجميع أمواله عملا بلفظه، لكن ههنا دليل خاص يقتضي العدول عن ~~هذا الحكم بالنسبة إلى غير الزكوي، وهو قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} ~~[التوبة: 103] فإن المراد بالمال في الآية هو الزكوي، فليكن كذلك في قول ~~القائل: مالي صدقة، والجامع هو قرينة إضافة الصدقة في المال في الصورتين، ~~واعترض المصنف على هذا التفسير بأنه أن يكون التخصيص استحسانا لانطباقه ~~عليه، ولا نزاع في التخصيص، ولو عبر المصنف بالعكس، فقال: وعلى هذا ~~فالتخصيص استحسانا كما عبرت به لكان أظهر. التفسير الثالث قاله أبو الحسين: ~~أنه ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ، لوجه أقوى منه، يكون ~~كالطارئ على الأول، فأشار بقوله: ترك وجه من وجه الاجتهاد، إلى أن الواقعة ~~التي اجتهد فيها المجتهدون لها وجوه كثيرة واحتمالات متعددة، فيأخذ ~~المجتهدون بواحد منها، ثم إنه يترك ذلك الوجه لما هو أقوى، واحترز بقوله: ~~غير شامل شمول الألفاظ, عن تخصيص العموم, فإن الوجه الأول شامل شمول ~~الألفاظ، احترز بقوله: يكون الطارئ على الأول، عن ترك أضعف القياسين لأجل ~~الأقوى، فإن أقواهما ليس في حكم الطارئ، قال: فإن كان طارئا عليه فهو ~~الاستحسان، ومثال ذلك العنب، فإنه قد ثبت تحريم بيعه الزبيب سواء كان على ~~رأس الشجر أو لا، قياسا على الرطب، ثم إن الشارع أرخص في جواز بيع الرطب ~~على رءوس النخل بالتمر, فقسنا # PageV01P366 # عليه العنب، وتركنا القياس الأول؛ لكون الثاني أقوى، فإن احتمل الثاني ~~القوة والطرآن كان استحسانا، وهذا التفسير يقتضي أن يكون العدول عن حكم ~~القياس إلى النص الطارئ عليه استحسانا, وليس كذلك عند القائلين به، واعترض ~~عليه المصنف بأن حاصله يرجع إلى أن الاستحسان هو تخصيص العلة ms510 وهو المعبر ~~عنه بالنقض، وليس ذلك مما انفرد به الحنفية، كما سبق إيضاحه في القياس، وفي ~~قول المصنف: إن حاصله تخصيص العلة نظر, بل حاصله كما قاله الآمدي الرجوع عن ~~حكم دليل لطرآن دليل آخر أقوى منه، وهذا أعم من تخصيص العلة، وقد تلخص من ~~هذه المسألة أن الحق ما قاله ابن الحاجب، وأشار إليه الآمدي أنه لا يتحقق ~~استحسان مختلف فيه. قال: "الثاني: قيل: قول الصحابي حجة، وقيل: إن خالف ~~القياس، وقال الشافعي في القديم: إن انتشر ولم يخالف, لنا قوله تعالى: ~~{فاعتبروا} [الحشر: 2] يمنع التقليد وإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم ~~بعضا وقياس الفروع على الأصول, قيل: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" 1 قلنا: المراد عوام الصحابة. قيل: إذا خالف القياس فقد اتبع ~~الخبر، قلنا: ربما خالف لما ظنه دليلا ولم يكن". أقول: اتفق العلماء كما ~~قاله الآمدي وابن الحاجب على قول الصحابي ليس بحجة على أحد من الصحابة ~~المجتهدين, وهل هو حجة على غيرهم؟ حكى المصنف فيه أربعة أقوال, أحدها: أنه ~~حجة مطلقا، وهو مذهب مالك وأحد قولي الشافعي كما نقله الآمدي، وعلى هذا فهل ~~يخص به عموم كتاب أو سنة؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي حكاه الماوردي. والثاني: ~~أنه إن خالف القياس كان حجة وإلا فلا. والثالث: أن يكون حجة بشرط أن ينتشر ~~ولم يخالفه أحد، ونقله المصنف عن القديم. والرابع, وهو المشهور عن الشافعي ~~وأصحابه: أنه لا يكون حجة مطلقا، واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما كابن ~~الحاجب والمصنف، وقد سبق في الإجماع قول: إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة، ~~وقول آخر: إن إجماع الشيخين حجة؛ فلذلك لم يذكرهما المصنف هنا. واعلم أن ~~حكاية هذه الأقول على الوجه الذي ذكره المصنف غلط لم ينتبه له أحد ~~الشارحين، وسببه اشتباه مسألة بمسألة, وذلك أن الكلام هنا في أمرين أحدهما: ~~أن قول الصحابي هل هو حجة أو لا؟ وفيه ثلاثة مذاهب، ثالثها: إن خالف القياس ~~كان حجة وإلا فلا. الأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابة ليس بحجة, فهل ~~يجوز للمجتهد ms511 تقليده فيه؟ ثلاثة أقوال, الشافعي في الجديد: أنه لا يجوز ~~مطلقا، والثالث وهو قول قديم: أنه إن انتشر جاز وإلا فلا. هكذا صرح به ~~الغزالي في المستصفى، والآمدي في الأحكام, وغيرهما، وأفردوا لكل حكم مسألة، ~~وذكر الإمام في المحصول نحو ذلك أيضا، فتوهم صاحب الحاصل أن المسألة ~~الثانية أيضا من كونه حجة، ولكن PageV01P367 # المحصول في الصراحة ليس كالأحكام، فصرح بما توهمه، فرأى المصنف حالة ~~اختصاره أن تفريق أقوال الحكم الواحد لا معنى له, فأخذ حاصل المسألتين من ~~الأقوال وجمعه في هذا الموضع، فلزم منه أن القول المفصل بين الانتشار وعدمه ~~تفصيل في الاحتجاج به, وليس كذلك, بل إنما هو تفصيل في جواز التقليد مع ~~تسليم عدم الاحتجاج به فافهمه، والعجب إنما هو من فهم صاحب الحاصل؛ فإنه ~~كيف يترجم مصنف مسألة واحدة مرتين متواليتين بترجمتين مستقلتين؟ واعلم أن ~~القول بجواز التقليد نص عليه في الأم في مواضع متعددة, فهو إذا جديد لا ~~قديم. قوله: "لنا" أي: الدليل على كونه ليس بحجة مطلقا النص والإجماع ~~والقياس؛ وأما النص فقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أمر تعالى ~~أولي الأبصار بالاعتبار يعني الاجتهاد, وذلك ينافي التقليد؛ لأن الاجتهاد ~~هو البحث عن الدليل، والتقليد هو الأخذ بقول غيره من غير دليل، وفيه نظر؛ ~~لأن القائلين بكونه حجة يمنعون كونه تقليدا ويجعلونه كسائر الأدلة، على أن ~~صاحب الحاوي وجماعة حكوا خلافا في أن الأخذ بقول النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- هل يسمى تقليدا أم لا؟ وأما الإجماع فهو أن الصحابة أجمعوا على جواز ~~مخالفة بعضهم بعضا، فلو كان قول الواحد منهم حجة لوقع الإنكار على من خالفه ~~منهم، وهذا الدليل على محل النزاع، فإن الخلاف في غير الصحابة كما تقدم، ~~وقد يجاب عنه بأنه إذا كان مذهبهم جواز مخالفة بعضهم بعضا، بأن لم يكن ~~مذهبهم حجة على غيرهم جاز لغيرهم مخالفة كل واحد منهم، وإن كان حجة جاز ~~لغيرهم ذلك أيضا، أعني: مخالفة كل واحد منهم؛ لأن مذهبهم جواز مخالفة كل ~~واحد منهم، والفرض أن مذهبهم ms512 حجة، وأما القياس فهو أن قول الصحابي ليس بحجة ~~على غيره من المجتهدين في أصول الدين، فلا يكون أيضا حجة في فروعها، ~~والجامع بينهما تمكن المجتهد في الموضعين من الوقوف على الحكم بطريقة, هذا ~~أيضا ضعيف؛ لأن المطلوب في الأصول هو العلم بخلاف الفروع, فإن المطلوب فيها ~~هو الظن، وقد يحصل الظن بقول الصحابي، ولا يحصل العلم، وحينئذ فيكون قوله ~~حجة في الفروع دون الأصول، واحتج غير المصنف بأن الأصل في الأدلة أن لا تخص ~~قوما دون قوم، وبأن قولهم لم يكن حجة في زمانهم, فكذلك بعدهم عملا ~~بالاستصحاب. قوله: "قيل ... إلخ" أي: احتج من قال: إنه حجة مطلقا بقوله ~~-عليه الصلاة والسلام: "أصحابي كالنجوم, بأيهم اقتديتم اهتديتم" جعل ~~الاهتداء لازما للاقتداء بأي واحد منهم كان، فدل على كونه حجة، وإلا لم يكن ~~المقتدي به مهتديا، وأجاب المصنف بأن الخطاب هنا إنما هو مع الصحابة لكونه ~~خطاب مشافهة فانتفى دخول غيرهم. ثم إن الصحابة المخاطبين بذلك لا يجوز أن ~~يكونوا مجتهدين، لكونه ليس محل الخلاف كما تقدم، فتعين أن يكون المراد منه ~~أن العامي منهم إذا اقتدى بأي مجتهد كان منهم اهتدى، وهو صحيح مسلم، وأجاب # PageV01P368 # الآمدي بأن الخبر وإن كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم ~~الاهتداء في كل ما يقتدى به، وعند ذلك فنقول: يمكن حمله على الاقتداء بهم ~~فيما يروونه وهذه القاعدة التي أشار إليها قد تقدم الكلام عليها لكن ههنا ~~جهة تقتضي العموم المعنوي وهي ترتب الحكم على الوصف, فإن الاقتداء مرتب على ~~كونهم صحابة، وأما من ذهب إلى أنه إذا خالف القياس كان حجة وإلا فلا, فاحتج ~~بأنه إذا خالف القياس فلا محل له إلا أنه اطلع على خبر فاتبعه وإلا فيكون ~~قد ترك القياس المأمور به، وانقدحت عدالته وذلك باطل، وحينئذ فيكون قوله ~~حجة لاستلزامه الحجة لا لذاته، وأجاب المصنف بأنه ربما خالف القياس لشيء ~~ظنه دليلا ولم يكن كذلك في نفس الأمر، وأجاب غيره بأنه يلزم منه أن يكون ~~مذهب ms513 الصحابي حجة على المجتهدين من الصحابة أيضا، ما قالوه، ولم يتعرض ~~المصنف للقول المفصل بين أن ينشر أم لا؛ لكونه قد سبق الكلام عليه في ~~الإجماع. قال: "مسألة: منعت المعتزلة تفويض الحكم إلى رأي النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- والعالم؛ لأن الحكم يتتبع المصلحة، وما ليس بمصلحة لا يصير ~~بجعله إليه مصلحة. قلنا: الأصل ممنوع، وإن سلم فلم لا يجوز أن يكون اختياره ~~أمارة المصلحة؟ وجزم بوقوعه موسى بن عمران، لقوله -عليه السلام- بعدما ~~أنشدت ابنة النضر بن الحارث: "لو سمعت ما قتلت" وسؤال الأقرع في الحج: أكل ~~عام يا رسول الله؟ فقال: "لو قلت ذلك لوجب" ونحوه. قلنا: لعلها ثبتت بنصوص ~~محتملة الاستثناء، وتوقف الشافعي رضي الله عنه". أقول: اختلفوا في أنه يجوز ~~أن يفوض الله تعالى الحكم إلى نبي أو عالم، أن يقول له: احكم بما شئت فإنك ~~لا تحكم إلا بالصواب، فقالت المعتزلة: لا يجوز، وقال موسى بن عمران بجوازه ~~ووقوعه، وتوقف الشافعي -رحمه الله- في الجواز، كما قاله الإمام وأتباعه ~~واختاروه، وهو مقتضى اختيار المصنف أيضا، فإنه قال: أجاب عن أدلة الفريقين، ~~ومقتضى كلام ابن برهان في الأوسط أنه مذهب الشافعي, فإنه قال كما حكاه ~~القرافي عنه: مذهبنا جواز هذه المسألة ووقوعها، واختار الآمدي وابن الحاجب ~~أنه جائز غير واقع، وقال أبو علي الجبائي في أحد قوليه كما قال الآمدي: إنه ~~يجوز للنبي دون غيره، وهذه المسألة قد جعلها الإمام وأتباعه عقب الأدلة كما ~~جعلها المصنف، وجعلها الآمدي وابن الحاجب في كتاب الاجتهاد، ووجه مناسبتها ~~الأول أنه إذا وقع تفويض الحكم إلى النبي أو العالم فتكون الأحكام بالنسبة ~~إليه غير متوقفة على الدليل، ويكون حكمه من جملة المدارك الشرعية، ووجه ~~مناسبتها الاجتهاد أن الحكم قد تعين فيها من جهة العبد لا بطريق الوحي. إذا ~~علمت ذلك فقد احتجت المعتزلة على المنع بأن أحكام الله تعالى تابعة لمصالح ~~العباد على ما سبق في القياس، فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد لأدى إلى تخلف ~~الحكم عن المصلحة؛ لجواز أن يصادف اختياره ms514 ما ليس بمصلحة في نفس الأمر، وما ~~ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بجعله # PageV01P369 # إلى المجتهد أي: بتفويضه إليه؛ لاستحالة انقلاب الحقائق، وأجاب المصنف ~~بوجهين أحدهما: أنه مبني على أصل ممنوع وهو وجوب رعاية المصالح. الثاني: ~~وسلمنا ما ذكرتم لكن لم لا يجوز أن يكون اختيار العبد للحكم أمارة على وجود ~~المصلحة فيه؟ وذلك بأن يلهمه الله تعالى إلى اختيار ما فيه المصلحة، وإن لم ~~يعلم بها فإن الله تعالى لما أخبره بأنه لا يحكم إلا بالصواب، وتوقف الحكم ~~بالصواب على المصلحة، لزم أن لا يحكم إلا بالمصلحة. قوله: "لقوله عليه ~~السلام" أي: استدل موسى بن عمران على الوقوع بأمرين أحدهما: قضية النضر بن ~~الحارث وهي على ما حكاه ابن هشام في السيرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~حين فرغ من بدر الكبرى توجه إلى المدينة ومعه الأسرى, فلما كان بالصفراء ~~أمر عليا فقتل النضر بن الحارث ثم أنشد بعد ذلك ما قيل في القتلى فقال ~~وقالت قتيلة بنت الحارث أخت النضر بن الحارث: # يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق # أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزل بها النجائب تخفق # مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بوابلها وأخرى تحنق # هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق # أمحمد يا خير ضنء كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق # فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق # صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو فان موثق # قال ابن هشام فقال: الله أعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما ~~بلغه هذا الشعر قال: "لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه" هذا آخر كلام ابن ~~هشام. وتخفق بضم الفاء وكسرها معناه تضطرب, والضنء بكسر الضاد المعجمة ~~معناه: الذي يضن به ms515 أي يبخل به لعظم قدره، ويقال: أعرق فهو معرق على البناء ~~للمفعول فيهما أي: له عرق في الكرم، وعلى البناء للفاعل بمعنى أنج، ورسف ~~المقيد بالراء والسين المهملة هو مشي المقيد. قاله الجوهري، ومعنى قولها: ~~من صبح خامسة أي: صبح ليلة خامسة؛ لأنها كانت بمكة وبينها وبين الأثيل الذي ~~بالصفراء وهو مكان قبر أخيها هذه المسافة، ووجه الدلالة أن قوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "لو بلغني لمننت عليه" يدل على أن الحكم كان مفوضا إلى ~~رأيه، إذ لو كان مأمورا لقتله سمع شعرها أو لم يسمعه، المصنف رحمه الله لم ~~يذكر الشعر وذكر أن الذي أنشدته هو بنت النضر, وكذلك ذكره الإمام والآمدي ~~وأتباعهما. وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن هشام أنها أخته لا بنته, وصرحوا ~~أيضا بأنها أنشدته للنبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف مقتضى كلام ابن هشام. ~~الدليل # PageV01P370 # الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب الناس فقال: "أيها الناس, إن ~~الله كتب عليكم الحج" 1 فقال الأقرع بن حابس: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى قالها ثلاثا فقال: "لو قلت نعم, لوجب ولما ~~استطعتم" فهذا أيضا يدل على أن الأمر فيه كان مفوضا إلى اختياره. قوله: ~~"ونحوه" أي: ونحو هذين الدليلين كقوله -عليه الصلاة والسلام: "لولا أن أشق ~~على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 2 وكقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور, فزوروها" 3 وكقوله: "إلا الأذخر" في حديث العباس المشهور وهو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرم عليكم مكة يوم خلق السموات ~~والأرض, لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها" فقال العباس: إلا الأذخر يا رسول ~~الله؟ فقال: "إلا الأذخر" 4 وأجاب المصنف بأن هذه الصور كلها لا تدل على ~~تفويض الحكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن تكون ثابتة بنصوص ~~محتملة الاستثناء، أي: مجوزة على وفق إرادة بعض الناس، كأن أوحي إليه بأن ~~يقتل الأسارى إلا أن يسأل سائل في أحدهم، والأحسن في الجواب أن ms516 يقال: أما ~~قضية النضر فقد يكون عليه السلام مخيرا فيه وفي غيره من الأسارى، والتخيير ~~ليس بممتنع اتفاقا، بل هو التخيير الثابت في حق كل إمام، وأما قوله للأقرع: ~~"لو قلت: نعم, لوجب" فمدلوله الوجوب على تقدير قول نعم، وهذا صحيح معلوم ~~بالضرورة، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يقول: نعم إلا إذا كان الحكم كذلك, ~~ولكن من أين لنا أن الحكم كذلك فقد يكون ممتنعا، وقوله: "لو قلت نعم" لا ~~يدل على جواز قولها؛ لأن القضية الشرطية لا تدل على جواز الشرط الذي فيها، ~~وأما قوله: "لولا أن أشق على أمتي" فيحتمل أن البارئ تعالى أمره أن يأمرهم ~~عند عدم المشقة فلو وجد المشقة لم يأمرهم، وأما قوله: "إلا الأذخر" فيحتمل ~~أن يكون بوحي سريع، أو أطلق العام والمراد به الخصوص, وكان على عزم البيان، ~~وجواب الباقي ظاهر، ولما ثبت القدح في أدلة القاطعين لزم منه صحة التوقف, ~~فلأجل ذلك كان هو المختار. قال: PageV01P371 ### | الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح ### | الباب الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر # "الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح, وفيه أبواب: الباب الأول: في ~~تعادل الأمارتين في نفس الأمر, منعه الكرخي وجوزه قوم, وحينئذ فالتخيير عند ~~القاضي وأبي علي وابنه, والتساقط عند بعض الفقهاء، فلو حكم القاضي بإحداهما ~~مرة لم يحكم بالأخرى، أي: لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر الصديق -رضي ~~الله عنه: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين". أقول: لما فرغ المصنف من ~~تقرير الأدلة، شرع في بيان حكمها عند تعارضها، فتكلم في التعادل والتراجيح؛ ~~وذلك لأنها إذا تعارضت فإن لم يكن لبعضها مزية على البعض الآخر فهو ~~التعادل, وإن كان فهو الترجيح، ثم إنه جعل الكتاب مشتملا على أربعة أبواب, ~~الأول منها في التعادل والثلاثة الباقية في التراجيح؛ وذلك لأن الكلام في ~~التراجيح، إن لم يختص بدليل معين فهو البحث عن الأحكام الكلية كما سيأتي، ~~وإن اختص فالدليل الذي يرجح على معارضه، إما كتاب، أو إجماع، أو خبر، أو ~~قياس، فالكتاب والإجماع لا يجري ms517 فيهما الترجيح, أما الكتاب فلأنه لا ترجيح ~~لإحدى الآيتين على الأخرى عند تعارضهما، إلا بأن تكون إحداهما مخصصة ~~للأخرى، أو ناسخة لها، وقد سبق الكلام فيهما فلا حاجة إلى إعادته، مع أنه ~~قد أشار إليه في الحكم الرابع من الأحكام الكلية للترجيح، وأما الإجماع ~~فلأنه لا تعارض فيه كما تقدم في موضعه. فتلخص أن الترجيح إنما يكون لأحد ~~الخبرين على الآخر أو لأحد القياسين على الآخر؛ فلذلك انحصرت مباحث الترجيح ~~في الأبواب الثلاثة. إذا علمت ذلك فنقول: التعادل بين الدليلين القطعيين ~~ممتنع لما ستعرفه، وكذلك بين القطعي والظني, لكن القطعي مقدم، وأما التعادل ~~بين الأمارتين أي: الدليلين الظنيين فاتفقوا على جوازه بالنسبة إلى نفس ~~المجتهد، واختلفوا في جوازه في نفس الأمر, فمنعه الكرخي وكذلك الإمام أحمد ~~كما نقله ابن الحاجب؛ لأنهما لو تعادلا فإن عمل المجتهد بكل واحد منهما لزم ~~اجتماع المتنافيين, وإن لم يعمل بواحد منهما لزم أن يكون نصبهما عبثا، وهو ~~على الله تعالى محال، وإن عمل بأحدهما نظر إن عيناه له كان تحكما وقولا في ~~الدين التشهي، وإن خيرناه كان ترجيحا، لأمارة الإباحة على أمارة الحرمة، ~~وقد ثبت بطلانه أيضا وذهب الجمهور إلى جواز التعادل كما حكاه عنهم الإمام، ~~وكذلك الآمدي وابن الحاجب واختاراه، لأنه لا يمتنع أن يخبر أحد العدلين عن ~~وجود شيء والآخر عن عدمه، وأجابوا عن دليل المانعين بأنا لا نسلم الحصر ~~فيما ذكروه من الأقسام، فإنه قد بقي قسم رابع وهو العمل بمجموعهما، وذلك ~~بأن يجعلا كالدليل الواحد وحينئذ فيقف المجتهد أو يتخير, سلمنا لكن لا نسلم ~~امتناع ترك العمل بهما والرجوع إلى غيرهما، والقول بلزوم العبث مبني على ~~قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، واختار الآمدي ومن تبعه كصاحب الحاصل، ~~طريقة لم يذكرها المصنف، فقالوا: إن كانت الأمارتان على حكم واحد في فعلين ~~متنافيين فهو جائز وواقع، ومقتضاه التخيير، والدليل على الوقوع أن من دخل ~~الكعبة فله أن يستقبل شيئا من الجدران، وكذلك من ملك مائتين من الإبل فله ~~أن يخرج أربعة حقاق أو ms518 خمس بنات لبون، وإن كانتا على حكمين متنافيين لفعل ~~واحد كإباحة وحرمة فهو جائز عقلا وممتنع شرعا، هذا معنى ما قاله وكلامه في ~~الاستدلال يدل عليه فافهمه. قوله: "حينئذ" أي: وإذا جوزنا تعادل الأمارتين ~~في نفس الأمر, فقد اختلفوا في حكمه عند # PageV01P372 # وقوعه، فذهب القاضي أبو بكر وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أن ~~المجتهد يتخير بينهما، وجزم به الإمام والمصنف في الكلام على تعارض النصين ~~كما سيأتي. وقال بعض الفقهاء: يتساقطان ويرجع المجتهد إلى البراءة الأصلية، ~~ثم إذا قلنا بالتخيير فوقع هذا التعادل للمجتهد، فإن كان في أمر يتعلق به ~~عمل بما شاء، وإن تعلق بغيره، فإن كان في استفتاء خير المستفتي، وإن كان في ~~حكم فلا يخير الخصمين بل يجب عليه الحكم بإحدى الأمارتين على التعيين؛ لأنه ~~منصوب لدفع الخصومات، فلو خير الخصمين لم تنقطع الخصومة بينهما؛ لأن كل ~~واحد منهما يختار ما هو أوفق لهواه، وعلى هذا فلو حكم بإحدى الأمارتين لم ~~يجز له بعد ذلك أن يحكم بالأمارة الأخرى، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- ~~قال لأبي بكر -رضي الله عنه: "لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين". قال: ~~"مسألة: إذا نقل عن مجتهد قولان في موضوع واحد يدل على توقفه، ويحتمل أن ~~يكونا احتمالين أو مذهبين، وإن نقل في مجلسين وعلم المتأخر منهما فهو ~~مذهبه، وإلا حكي القولان، وأقوال الشافعي رضي الله عنه كذلك, وهو دليل على ~~علو شأنه في العلم والدين". # أقول: هذه المسألة في حكم تعارض القولين المنقولين عن مجتهد واحد، ولا شك ~~أن تعارضهما بالنسبة إلى المقلدين له كتعارض الأمارتين بالنسبة إلى ~~المجتهدين، فلذلك ذكرها في بابه, وحاصله أنه إذا نقل عن مجتهد واحد في حكم ~~واحد قولان متنافيان فله حالان، أحدهما: أن يكون ذلك في موضع واحد، بأن ~~يقول مثلا: هذه المسألة فيها قولان، فيستحيل أن يكون المراد أنهما له في ~~ذلك الوقت لاستحالة اجتماع النقيضين، وحينئذ فينظر فيه ذكر عقب ذلك ما يدل ~~على تقوية أحدهما، مثل أن يقول: ms519 هذا أشبه، أو يفرع عليه فيكون ذلك مذهبه، ~~وإن لم يذكر شيئا من ذلك فإنه يدل على توقفه في المسألة لفقدان الرجحان ~~عنده، وحينئذ فقوله: إن فيها قولين، يحتمل أن يريد بذلك احتمالين على سبيل ~~التجوز, أن في المسألة احتمال قولين لوجود دليلين متساويين، ويحتمل أن يريد ~~أن فيها مذهبين لمجتهدين، وإنما نص عليهما لئلا يتوهم من أراد من المجتهدين ~~الذهاب إلى أحدهما أنه خارق للإجماع، هذا هو حاصل كلام المصنف، وأما جعل ~~بعض الشارحين التوقف احتمال آخر قسما للاحتمالين الآخرين فليس موافقا لما ~~قاله الإمام وغيره، ولا مطلقا لعبارة الكتاب، ولا صحيحا من جهة المعنى؛ لأن ~~معنى توقفه بين الشيئين هو أن يكون كل منهما محتملا عنده، وبتقدير ~~المغايرة، فلم رجحنا التوقف على كونهما احتمالين؟ نعم إن أراد المصنف صدور ~~الاحتمالين عن غيره، أو إمكان صدورهما عنه أي: عن ذلك الغير، مع أنه لا يرد ~~بذلك فهو قريب، ونقل في المحصول عن بعضهم أن إطلاق القولين يقتضي التخيير، ~~ثم ضعفه الحال. الثاني: أن يكون نقل القولين عن المجتهد في مجلسين بأن ينص ~~مثلا في كتاب على إباحة شيء وينص في الآخر على تحريمه، فإن # PageV01P373 # علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول منسوخا، وإلا حكي عنه القولان ~~من غير أن نحكم على أحدهما بالرجوع. قوله: "وأقوال الشافعي كذلك" هي إشارة ~~إلى الحالين المتقدمين؛ أي: وقع منه التنصيص عليهما في موضع واحد من غير ~~ترجيح البتة، منحصر في سبع عشرة مسألة، على ما نقله الشيخ أبو إسحاق ~~الشيرازي عن الشيخ أبي حامد. وقوله: "وهو دليل" أي: وقوع القولين من ~~الشافعي على الوجهين المتقدمين دليل على علو شأنه في العلم والدين، فأما ~~الحال الأول، وهو وقوع القولين في موضع واحد، فوجه دلالته على علو شأنه في ~~العلم أن كل من كان أغوص نظرا وأتم وقوفا على شرائط الأدلة، كانت الإشكالات ~~الموجبة للتوقف عنده أكثر، وأما في الدين فلأنه لما لم يظهر له وجه الرجحان ~~صرح بعجزه عما هو عاجز فيه، ولم يستنكف ms520 من الاعتراف بعدم العلم به، وقد نقل ~~الاعتراف بذلك عن عمر أيضا وعده المسلمون من مناقبه، وأما النوع الثاني وهو ~~تنصيصه على القولين في موضعين، فوجه دلالته على علو شأنه في العلم أنه يعرف ~~به أنه كان طول عمره مشتغلا بالطلب والبحث، وأما في الدين فلأنه لا يدل على ~~أنه متى لاح له في الدين شيء أظهره، وأنه لم يكن يتعصب لترويج مذهبه. "فرع" ~~قال في المحصول: إذا لم نعرف القول المنسوب إلى الشافعي في القولين ~~المطلقين، وعرفنا قوله في نظير تلك المسألة، فإن كان بين المسألتين فرق ~~يجوز أن يذهب إليه ذاهب لم نحكم بأن قوله في المسألة كقوله في نظيرها؛ ~~لجواز أن يكون قد ذهب إلى الفرق، وإن لم يكن بينهما فرق البتة، فالظاهر أن ~~يكون قوله في إحدى المسألتين قولا له في الأخرى، وهذه المسألة هي المعروفة ~~بأن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ . # PageV01P374 ### | الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح # قال: "الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح، والترجيح: تقوية إحدى ~~الأمارتين على الأخرى ليعمل بها، كما رجحت الصحابة خبر عائشة -رضي الله ~~عنها- في التقاء الختانين، على قوله -صلى الله عليه وسلم: "إنما الماء من ~~الماء" 1. مسألة: لا ترجيح في القطعيات؛ إذ لا تعارض بينها، وإلا ارتفع ~~النقيضان أو اجتمعا". أقول: عقد المصنف هذا الباب للأحكام الكلية للتراجيح، ~~وهي الأمور العامة لأنواعها، بحيث لا تخص فردا من أفراد الأدلة، وجعله ~~مشتملا على مقدمة مبينة لماهية الترجيح ولمشروعيته، وعلى أربع مسائل. إذا ~~علمت ذلك فنقول: الترجيح في اللغة هو التمييل والتغليب، من قولهم: رجح ~~الميزان، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وإنما خص الترجيح بالأمارتين أي: ~~بالدليلين الظنيين؛ لأن الترجيح لا يجري بين القطعيات، ولا بين القطعي ~~والظني كما ستعرفه. وقوله: ليعمل بها, احتراز عن تقوية إحدى الأمارتين على ~~الأخرى لا ليعمل بها، بل لبيان إحداهما أفصح من الأخرى، فإنه ليس من ~~الترجيح المصطلح عليه، وقال ابن الحاجب: هو PageV01P374 # اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضتها، وذكر الآمدي نحوه ms521 أيضا، وفيه ~~نظر؛ فإن هذا حد للرجحان أو الترجيح، لا للترجيح من أفعال الشخص بخلاف ~~الاقتران، ثم استدل المصنف على اعتبار الترجيح ووجوب العمل بالراجح بإجماع ~~الصحابة -رضي الله عنهم- على ذلك, فإنهم رجحوا خبر عائشة في التقاء ~~الختانين، وهو قولها: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل, فعلته أنا ورسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فاغتسلنا، على خبر أبي هريرة وهو قوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "إنما الماء من الماء" وذلك لأن أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم وخصوصا عائشة أعلم بفعله في هذه الأمور من الرجال الأجانب، وذهب قوم ~~كما قاله في المحصول1 إلى إنكار الترجيح في الأدلة قياسا على البينات، ~~وقالوا عند التعارض: يلزم التخيير أو الوقف. قوله: "مسألة: لا ترجيح في ~~القطعيات" يعني: أن الترجيح يختص بالدلائل الظنية ولا يقع في القطعيات، ~~سواء كانت عقلية أو نقلية؛ لأن الترجيح متوقف على وقوع التعارض فيها، ~~ووقوعه فيها محال؛ لأنه لو وقع لكان يلزم منه اجتماع النقيضين أو ~~ارتفاعهما؛ وذلك لأنه لا جائز أن يعمل بأحدهما دون الآخر، لأنه تحكم, فتعين ~~إما إثبات مقتضاهما وهو جمع بين النقيضين، أو رفع مقتضاهما وهو رفع ~~النقيضين، وكلاهما محال وهذا ضعيف، فلقائل أن يقول: نعمل بأحدهما ولكن ~~لمرجح وهو المدعى، ولم يستدل الإمام به، بل استدل بأن الترجيح تقوية، فلا ~~يتأتى في القطعيات؛ لأنها تفيد العلم، والعلوم لا تتفاوت، وهذه الدعوى أيضا ~~سبق منعها. ولو استدلوا بأنه يلزم منه اجتماع النقيضين ويقتصرون عليها لكان ~~أظهر. واعلم أن إطلاق هذه المسألة وهو عدم الترجيح في القطعيات فيه نظر، ~~لما ستعرفه في تعارض النصين، وسكت المصنف هنا عن التعارض بين القطعي ~~والظني, وهو ممتنع لكون القطعي مقدما دائما. قال: "مسألة: إذا تعارض نصان ~~فالعمل بهما من وجه أولى، بأن يتبعض الحكم فيثبت البعض، أو يتعدد فيثبت ~~بعضها، أو يعم فيوزع، كقوله عليه السلام: "ألا أخبركم بخير الشهود؟ " فقيل: ~~نعم: فقال: "أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد" 2 وقوله: "ثم يفشو الكذب حتى ~~يشهد الرجل قبل أن يستشهد" ms522 فيجعل الأول على حق الله تعالى، والثاني على ~~حقنا". أقول: وجه مناسبة هذه المسألة للكلام على الترجيح من حيث كونها ~~معقودة لبيان شرط الترجيح كما ستعرفه, أو لأنا إذا أعملنا الدليلين من وجه، ~~فقد رجحنا كلا منهما على الآخر من ذلك الوجه الذي أعمل فيه. وحاصل المسألة ~~أنه إذا تعارض فإنما ترجيح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد ~~منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح؛ لأن إعمال ~~الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية؛ لكون الأصل في الدليل هو الإعمال ~~PageV01P375 # لا الإهمال، ثم إن العمل بكل واحد منهما من وجه دون وجه، ويكون على ثلاثة ~~أنواع، أحدها: أن يتبعض حكم كل واحد من الدليلين المتعارضين, أي: يكون ~~قابلا للتبعيض فيثبت بعضه دون بعض، وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك ~~والتوزيع، ولم يذكر له مثالا، ومثله التبريزي في التنقيح بقسمة الملك, وذلك ~~كما إذا كان في يد اثنين دار فادعى كل واحد منهما أنها ملكه، فإنها تقسم ~~بينهما نصفين؛ لأن يد كل منهما دليل ظاهر على ثبوت الملك، وثبوت الملك قابل ~~للتبعيض فتبعض، ونحكم لكل واحد بعض الملك جمعا بين الدليلين من وجه, وكذلك ~~إذا تعارضت البينتان فيه على قول القسمة بخلاف ما إذا تعارضنا في نحو القتل ~~والقذف مما لا يتبعض. النوع الثاني: أن يتعدد كل حكم واحد من الدليلين، أي: ~~يحتمل أحكاما فيثبت بكل واحد بعض تلك الأحكام، ولم يمثل له الإمام أيضا، ~~ومثله بعضهم بقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لجار المسجد إلا في ~~المسجد" 1 فإنه معارض لتقريره -صلى الله عليه وسلم- الصلاة في غير المسجد، ~~ومقتضى كل واحد منهما متعدد فإن الخبر يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي ~~الفضيلة, وكذا التقرير يحتمل ذلك أيضا، فيحمل الخبر على نفي الكمال، ويحمل ~~التقرير على الصحة. "الثالث" أن يكون كل واحد من الدليلين عاما أي: مثبتا ~~لحكم في الموارد المتعددة فيوزع الدليلان عليها، ويحمل كل منهما على بعض ~~تلك الموارد، كما مثله ms523 المصنف بقوله: "خير الشهود" إلى آخره, وإلى ذلك كله ~~أشار المصنف بقوله: بأن تبعض إلى آخره, وهو متعلق بقوله: فالعمل. قال: ~~"مسألة: إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم، وعلم المتأخر فهو ناسخ، ~~وإن جهل فالتساقط أو الترجيح وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلقا عمل به, ~~وإن تخصص بوجه طلب الترجيح". أقول: هذه المسألة عقدها المصنف لبيان محل ~~ترجيح النصين المتعارضين على الآخر, وحاصلها أن النصين المتعارضين على ~~قسمين, أحدهما: أن يكونا متساويين في القوة والعموم، الثاني: أن لا يكونا ~~كذلك، والمراد بتساويهما في القوة أن يكونا معا معلومين أو مظنونين, ~~وبتساويهما في العموم أن يصدق كل منهما على كل ما صدق عليه الآخر، وأما قول ~~كثير من الشارحين: إن التساوي في القوة لا يدخل فيه ما كان معلوم السند ~~والدلالة لاستحالة التعارض في القطعيات فباطل؛ لأن المراد من التعارض هنا ~~ما هو أعم من النسخ، ولهذا قسموه إليه، وقد صرح في المحصول بذلك في مواضع ~~من المسألة, أعني بدخول المقطوع فيه في هذه الأقسام، وصرح أيضا بأن التعارض ~~والترجيح قد يقع في القطعيات على وجه خاص يأتي ذكره, فدل على أن إطلاق ~~المنع مردود، فأما القسم الأول وهو أن يكونا متساويين في القوة والعموم ~~ففيه ثلاثة أحوال، أحدها: أن يعلم أن أحدهما متأخر الورود عن PageV01P376 # الآخر ويعلم أيضا بعينه فحينئذ يكون ناسخا للمتقدم، سواء كانا معلومين أو ~~مظنونين، وسواء كانا من الكتاب والسنة، أو أحدهما من الكتاب والآخر من ~~السنة، إلا أن من يقول: إن الكتاب لا يكون ناسخا للسنة وبالعكس فإنه يمنع ~~ورود هذا القسم. قال في المحصول: وإنما يكون الأول منسوخا إذا كان مدلوله ~~قابلا للنسخ، فإن لم يكن أي كصفات الله تعالى كما قاله النقسواني, فإنهما ~~يتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر, ولو كان الدليلان خاصين فحكمهما حكم ~~المتساويين في القوة والعموم، وسوء كانا قطعيين أو ظنيين, ولعل المصنف إنما ~~لم يذكر ذلك لوضوحه. الثاني: أن يجهل المتأخر منهما فلم يعلم عينه فينظر، ~~فإن كانا ms524 معلومين فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى غيرهما؛ لأن كلا منهما يحتمل ~~أن يكون هو المنسوخ -احتمالان على السواء- وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى ~~الترجيح فيعمل بالأقوى، فإن تساويا يخير المجتهد. هكذا صرح به في المحصول1، ~~وإليه أشار المصنف بقوله: وإن جهل فالتساقط أو الترجيح, يعني: فالتساقط إن ~~كانا معلومين أو الترجيح إن كانا مظنونين. وقد قرره الشارحون على غير هذا ~~الوجه، وهو غير مطابق لما في المحصول. الحال الثالث: أن يعلم تقاربهما ولم ~~يذكره المصنف، وقد ذكره في المحصول فقال: إن كانا معلومين وأمكن التخيير ~~فيهما تعين القول به, فإنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير. قال: ولا ~~يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد؛ لما عرف أن المعلوم لا يقبل ~~الترجيح ولا أن يرجح أيضا بما يرجع إلى الحكم لكون أحدهما للحظر مثلا؛ لأنه ~~يقتضي طرح المعلوم بالكلية، وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح، ~~فيعمل بالأقوى، فإن تساويا فالتخيير. قوله: "وإن كان أحدهما قطعيا" شرع ~~يتكلم في القسم الثاني، وهو أن لا يتساويا في القوة والعموم، فحينئذ إما أن ~~لا يتساويا في القوة بأن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، وإما أن لا ~~يتساويا في العموم بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا، أو أخص منه من وجه، ~~فتلخص أن هذا القسم أيضا ثلاثة أحوال، والأعم مطلقا هو الذي يوجد مع كل ~~أفراد الآخر وبدونه، كالحيوان والناطق، وكذا كل جنس مع نوعه، وكل لازم مع ~~ملزومه كالزوجية مع العشرة، ومقابله هو الأخص مطلقا، وأما الأخص من وجه ~~والأعم من وجه, فهما اللذان يجتمعان في صورة وينفرد كل منهما عن الآخر في ~~صورة، كالحيوان والأبيض. الحال الأول: أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، ~~فحينئذ يرجح القطعي ويعمل به سواء كانا عامين أو خاصين، أو كان المقطوع به ~~خاصا والمظنون عاما، فإن كان بالعكس قدم الظني كما سيأتي في القسم الذي ~~بعده. الحال الثاني: أن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا فحينئذ يرجح الخاص ~~على العام ويعمل به جمعا بين ms525 الدليلين سواء علم تأخره PageV01P377 # عن العام أم لا, على خلاف فيه مذكور في موضعه، ولا فرق في ذلك بين أن ~~يكون الخاص مظنونا والعام مقطوعا به أم لا، كما قال في المحصول؛ لأن ~~التخصيص المعلوم بالمظنون جائز على الصحيح، وهذه الصورة لا تؤخذ من كلام ~~المصنف في هذه المسألة؛ لأن كلامه هذا وإن اقتضى إدخالها، فكلامه في القسم ~~الذي قبله يقتضي إخراجها، لكنها تؤخذ من كلامه في التخصيص, ولعل المصنف ~~أهملها لذلك، نعم إن عملنا بالعام المقطوع به ثم ورد الخاص بعد ذلك فلا ~~نأخذ به إذا كان مظنونا؛ لأن الأخذ به في هذه المسألة نسخ لا تخصيص كما سبق ~~غير مرة، ونسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز. # والحال الثالث: أن يكون العموم والخصوص بينهما من وجه دون وجه، فحينئذ ~~يطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح؛ لأن الخصوص يقتضي الرجحان ~~كما تقدم، وقد ثبت ههنا لكل واحد منها خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر, ~~فيكون لكل منهما رجحان على الآخر، ومثاله قوله -عليه الصلاة والسلام: "من ~~نام عن صلاة أو نسيها, فليصلها إذا ذكرها" 1 فإن بينه وبين نهيه -عليه ~~الصلاة والسلام- عن الصلوات في الأوقات المكروهة عموما وخصوصا من وجه، لأن ~~الخبر الأول عام في الأوقات, خاص ببعض الصلوات وهي القضاء, والثاني عام في ~~الصلاة, مخصوص ببعض الأوقات وهو وقت الكراهية، فيصار إلى الترجيح كما ~~قلناه, ولا فرق في ذلك بين أن يكونا قطعيين أو ظنيين, لكن في الظنيين يمكن ~~الترجيح بقوة الإسناد، وبالحكم ككون أحدهما للخطر مثلا أن يأتي على ما ~~سيأتي، وأما في القطعيين فلا يمكن الترجيح بقوة الإسناد كما نبه عليه في ~~المحصول, بل يرجح بالحكم كالتحريم مثلا؛ لأن الحكم بذلك يعني بالتقديم بهذا ~~الوجه طريقة الاجتهاد, وليس في ترجيح أحدهما على الآخر بالاجتهاد اطراح ~~الآخر. قال بخلاف ما إذا تعارضا من كل وجه, ومراده بالتعارض من كل وجه، ما ~~إذا علمنا أنهما تقارنا, فإنه لا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر أصلا كما ~~تقدم ذكره، ms526 وحيث قلنا بالترجيح فلم يترجح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير ~~كما قاله في المحصول, وقد جزم المصنف أيضا بذلك في الأقسام السابقة. ~~واستفدنا من كلامه هنا أن الصحيح عنده في تعادل الأمارتين إنما هو التخيير, ~~فإنه لم يصحح هناك شيئا. قال: "مسألة: قد يرجح بكثرة الأدلة؛ لأن الظنين ~~أقوى، قيل: يقدم الخبر على الأقيسة، قلنا: إن اتحد أصلها فمتحدة، وإلا ~~فممنوع". أقول: مذهب الشافعي كما قاله الإمام وغيره، أنه يجوز الترجيح ~~بكثرة الأدلة؛ لأن كل واحد من الدليلين يفيد ظنا، وإلا لم يكن دليلا، والظن ~~الحاصل من أحدهما غير الظن الحاصل من الآخر؛ لاستحالة اجتماع المؤثرين على ~~أثر واحد، ولا شك أن الظنين أقوى من الظن PageV01P378 # الواحد، والعمل بالأقوى واجب لكنه أقرب إلى القطع، واستدل المخالفون بأنه ~~لو جاز الترجيح بكثرة الأدلة لكانت الأقيسة المعارضة الخبر مقدمة عليه وليس ~~كذلك, بل يقدم الخبر عليها اتفاقا، وأجاب المصنف بأن تلك الأقيسة إن اتحد ~~أصلها أي: المقيس عليه فيها, كانت تلك الأقيسة كلها في الحقيقة قياسا واحدا ~~لا أقيسة متعددة؛ لأنها لا تتغاير حينئذ، إلا إذا علل حكم الأصل في كل قياس ~~منها بعلة أخرى، وتعليل الحكم بعلتين مختلفتين ممنوع على ما مر، وإذا كان ~~ممنوعا كان الحق من تلك الأقيسة إنما هو قياس واحد، فإذا قدمنا الخبر عليها ~~لم نقدمه إلا على دليل واحد، وإن لم يكن أصلها متحدا متعددا فلا نسلم أن ~~الخبر الواحد مقدم عليها, بل تقدم الأقيسة عليه. # PageV01P379 ### | الباب الثالث: في ترجيح الأخبار # قال: "الباب الثالث: في ترجيح الأخبار, وهو على وجوه، الأول: بحال الراوي ~~فيرجح بكثرة الرواة، وقلة الوسائط، وفقه الراوي, وعلمه بالعربية وأفضليته، ~~وحسن اعتقاده، وكونه صاحب الواقعة، وجليس المحدثين، ومختبرا، ثم معدلا ~~بالعمل على روايته، وبكثرة المزكين وبحثهم وعلمهم، وحفظهم وزيادة ضبطهم، ~~وله لألفاظه -عليه السلام- ودوام عقله وشهرته، وشهرة نسبه وعدم التباس اسمه ~~وتأخر إسلامه". أقول: لما فرغ المصنف من الأحكام الكلية للتراجيح، شرع في ~~ذكر الأسباب المرجحة, فعقد لها بابين، بابا في ترجيح الأخبار، ms527 وبابا في ~~ترجيح الأقيسة، فأما الأخبار فيرجح بعضها على بعض بسبعة أوجه، الأول: ما ~~يتعلق بحال الراوي وهو عشرون حالا، والحال الأول: كثرة الرواة فيرجح بها ~~عند الإمام والآمدي وأتباعهما؛ لأن احتمال الغلط والكذب على الأكثر أبعد من ~~احتمالهما على الأقل, فيكون الظن الحاصل من الخبر الذي رووه أكثر من الخبر ~~الآخر, والعمل بالأقوى واجب. وقال الكرخي: لا أثر للكثرة في الرواة، كما لا ~~أثر لها في الشهادة, الثاني: قلة الوسائط وهو علو الإسناد، فإذا كان أحد ~~الحديثين المتعارضين أقل وسائط كان مقدما على الآخر؛ لأن احتمال الغلط ~~والكذب فيه أقل، الثالث: فقه الراوي, فالخبر الذي يكون راويه فقيها مقدم ~~على ما ليس كذلك مطلقا، خلافا لمن خص ذلك بالخبرين المرويين بالمعنى، قال ~~في المحصول: والحق الأول؛ لأن الفقيه يميز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، ~~فإذا حضر المجلس وسمع ما لا يجوز أن يحمل على ظاهره بحث عنه؛ وسأل عن ~~مقدماته وسبب نزوله، فيطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي، الرابع: ~~علم الراوي بالعربية, فالخبر الذي يكون راويه عالما بالعربية راجح على ~~خلافه، لما ذكرناه في الفقه، الخامس: الأفضلية أي: في العربية أو في الفقه ~~كما قاله الإمام، فالخبر الذي يكون راويه أفقه أو أنحى مقدم على الآخر؛ لأن ~~الوثوق بقول الأعلم أتم، السادس: حسن اعتقاد الراوي, فالخبر الذي يكون ~~راويه سنيا مقدم على ما رواه المعتزلي والرافضي وغيرهما من المبتدعة, ~~السابع: كون الراوي صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقضية كترجيح الصحابة خبر ~~عائشة في التقاء الختانين على خبر ابن عباس، وهو # PageV01P379 # "إنما الماء من الماء" ومنه أيضا كما قال في المحصول ترجيح الشافعي خبر ~~أبي رافع في تزويج ميمونة حلالا على خبر ابن عباس في تزويجها محرما؛ لكون ~~أبي رافع هو السفير في ذلك، الثامن: كون الراوي جليس المحدثين؛ لأنه أعرف ~~بطريق الرواية وشرائطها، وكذلك لو كان جليس غير المحدثين من العلماء كما ~~قاله الإمام وغيره، بل لو اشترك الراويان في أصل المجالسة, ولكن كان ~~أجهدهما أكثر, ms528 فإنه يقدم ما قاله في المحصول أيضا. ولم يفرض المسألة إلا في ~~ذلك، والاقتصار على مجالسة المحدثين، ذكره أيضا صاحب التحصيل، التاسع: كون ~~الراوي مختبرا، فخبر العدل الذي عرفت عدالته بالممارسة والاختبار راجح على ~~خبر الذي عرفت عدالته بالتزكية، أو بالعمل على روايته, أو بأن روي عنه من ~~شرط أن لا يروى إلا عن العدل, فإنه قد سبق في باب الإخبار أن التعديل يحصل ~~بهذه الطرق كلها, العاشر: كون الراوي معدلا بالعمل على روايته أي: تثبت ~~عدالته بعمل من روى عنه بما رواه عنه، فالخبر الذي يكون راويه معدلا بهذا ~~الطريق راجح على الذي يكون راويه معدلا بغيره، وإنما عبر المصنف بقوله: ثم ~~معدلا، ليعلم أن التعديل بالاختبار مقدم على هذا الطريق فتلخص أن أعلى ~~المراتب هو التعديل باختبار ثم التعديل بالعمل, ثم التعديل بغير ذلك، ولم ~~يبين المصنف ذلك الغير الذي يقدم عليه التعديل بالعمل، فإن أراد به التلفظ ~~بالتزكية, فقد جزم الآمدي وابن الحاجب وغيرهما بعكسه وقالوا: إن التعديل ~~بصريح القول راجح على التعديل بالعمل بالرواية، أو الحكم على الشهادة؛ لأن ~~التعديل بالقول لا احتمال فيه، بخلاف الحكم أو العمل فإنه يحتمل استنادها ~~إلى شيء آخر موافق للشهادة أو الرواية، وإن أراد به الرواية عنه وهو الذي ~~صرح به صاحب الحاصل، فالرواية لا تكون تعديلا إلا إذا شرط أن لا يروى إلا ~~عن العدل، ومع التصريح بهذا الشرط لا تتقاعد الرواية عن التعديل باللفظ، ~~وحينئذ فيأتي فيه ما تقدم بل هو أولى منه، ولم يذكر الإمام هاتين ~~المسألتين، بل ذكر أن الاختبار مقدم كما ذكره المصنف، ثم ذكر أن المزكي إذا ~~زكى الراوي فإن عمل بخبره كانت روايته راجحة على ما إذا زكاه وروى خبره, ~~وهذا غير ما ذكره المصنف, إلا أن نجعل الباء في كلامه أعني كلام المصنف ~~بمعنى المصاحبة, فيكون تقدير قوله: ثم معدلا أي: مزكى مع العمل، فحينئذ لا ~~يخالف كلام أحد ممن تقدم، وليس في كلام الإمام وأتباعه تعرض إلى التعديل ~~بالحكم مع التعديل ms529 بالعمل، وقال الآمدي: إن الحكم أولى؛ لأن الاحتياط فيه ~~أبلغ، الحادي عشر: كثرة المزكين وهو واضح، الثاني عشر: بحث المزكين عن ~~أحوال الناس، وإليه أشار بقوله: وبحثهم تقديره: وكثرة بحثهم، وكذلك زيادة ~~عدالتهم والوثوق بهم، كما قاله ابن الحاجب. الثالث عشر: كثرة علم المزكين ~~يعني بالعلوم الشرعية, كما اقتضاه كلام المحصول لكون الثقة بقولهم أكثر, لا ~~بأحوال الراوي كما قاله الشارحون، فإنه قد تقدم ما يدل عليه, الرابع عشر: ~~حفظ # PageV01P380 # الراوي, وهذا الكلام يحتمل أمرين صرح باعتبارهما في المحصول، أحدهما: أن ~~يكون أحدهما قد حفظ لفظ الحديث، واعتمد الآخر على المكتوب، فالحافظ أولى ~~لأنه أبعد عن الشبهة, قال: وفيه احتمال. الثاني: أن يكون أحدهما أكثر حفظا، ~~أي: أقل نسيانا، فإن روايته راجحة على من كان نسيانه أكثر، فإن حملنا كلام ~~المصنف على الثاني فيكون معطوفا على لفظ الكثرة من قوله: وبكثرة المزكين ~~وتقديره: ولكثرة حفظه، الخامس عشر: زيادة ضبط الراوي, والضبط هو شدة ~~الاعتناء بالحديث والاهتمام بأمره، فإذا كان أحدهما أشد اعتناء به واهتماما ~~يرجح خبره, ولو كان ذلك يعني زيادة الضبط لألفاظ الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام- بأن يكون أكثر حرصا على مراعاة كلماته وحروفه، قال في المحصول: ~~فلو كان أحدهما أكثر ضبطا لكنه أكثر نسيانا، وكان الآخر بالعكس، ولم يكن ~~قلة الضبط وكثرة النسيان بحيث يمتنع من قبول خبره فالأقرب التعارض، وهذا ~~الذي قاله يدل على تفسير الضبط بما قلناه, لا بعدم النسيان كما قاله ~~الشارحون، السادس عشر: دوام عقل الراوي، فيرجح الخبر الذي يكون راويه سليم ~~العقل دائما على الخبر الذي اختلط عقل راويه في بعض الأوقات. هكذا أطلقه ~~المصنف تبعا للحاصل والتحصيل, وشرط في المحصول مع ذلك أن لا يعلم هل رواه ~~في حال سلامة عقله أم في حال اختلاطه. السابع عشر: شهرة الراوي؛ لأن الشهرة ~~بالمنصب أو بغيره مانعة من الكذب، ومانعة أيضا من التدليس عليه, الثامن ~~عشر: نسبه، التاسع عشر: عدم التباس اسمه، فإن التبس اسمه باسم غيره أي: من ~~الضعفاء، وصعب التمييز كما قاله في ms530 المحصول كانت رواية غيره راجحة على ~~روايته. قال: وكذلك صاحب الاسمين مرجوح بالنسبة إلى الاسم الواحد, وهذا قد ~~يدخل أيضا في كلام المصنف, وسبب مرجوحيته أن صاحب الاسمين بكثرة اشتباهه ~~بغيره مما ليس بعدل، بأن يكون هناك غير عدل يسمى بأحد اسميه, فإذا روى عنه ~~راو وظن سامعه أنه يروي عن العدل، فإذا كان اسمه واحدا قل احتمال اللبس, ~~العشرون: تأخر إسلام الراوي, فالخبر الذي يكون راويه متأخر الإسلام عن راوي ~~الخبر الآخر راجح؛ لأن تأخر الإسلام دليل على تأخر روايته. هكذا ذكر صاحب ~~الحاصل وابن الحاجب حكما وتعليلا، فتبعه المصنف، وجزم الآمدي بعكسه؛ لقوة ~~أصالة المتقدم في الإسلام ومعرفته، وأما الإمام فإنه ذكر أيضا كما قاله ~~المصنف لكن شرط فيه أن يعلم أن سماعه وقع بعد إسلامه، ثم قال: والأولى أن ~~يفصل, فيقال: المتقدم إذا كان موجودا في زمان المتأخر، لم يمتنع أن تكون ~~روايته متأخرة عن رواية المتأخر، فأما إذا علمنا أن المتقدم مات قبل إسلام ~~المتأخر، أو علمنا أن روايات المتقدم أكثرها متقدم على روايات المتأخر، ~~فههنا نحكم بالرجحان؛ لأن النادر ملحق بالغائب. قال: "الثاني: بوقت ~~الرواية, فيرجح الراوي في البلوغ على الراوي في الصبى، وفي البلوغ، ~~والمتحمل وقت البلوغ على المتحمل في الصبى، أو فيه أيضا". # PageV01P381 # أقول: الوجه الثاني: الترجيح بوقت الرواية، وقد ذكر المصنف لذلك أمرين ~~أشار إليهما بقوله: فيرجح الراوي في البلوغ ... إلخ، لكن الثاني منهما أنه ~~هو ترجيح بوقت المتحمل لا بوقت الرواية كما سيأتي، والوجهان المذكوران يمكن ~~تقريرهما على وجهين، التقرير الأول: أن يكون المراد أن الراوي لحديث في ~~زمان البلوغ قط راجح على من روى ذلك الحديث مرتين, مرة في بلوغه ومرة في ~~صباه؛ لأن الراوي في هاتين الحالتين يكون متحملا في وقت الصبى بالضرورة، ~~ولا شك أن الاعتماد على ضبط البالغ أكثر. قوله: "والمتحمل" يعني أن المتحمل ~~لحديث في زمان البلوغ راجح الرواية أيضا، على من تحمله مرتين, مرة في صباه ~~ومرة في بلوغه؛ لجواز أن تكون روايته بواسطة تحمله ms531 الواقع في حال الصبى دون ~~الواقع في حال البلوغ، وإلى الوقتين أشار بقوله: وفيه أيضا أي في البلوغ ~~منضما إلى ما ذكرناه، وهو الصبى. التقرير الثاني: أن يكون المراد أن الخبر ~~الذي يكون راويه لا يروي في الأحاديث إلا في وقت بلوغه راجح على خبر الذي ~~لم يروها إلا في صباه، أو روى بعضها في صباه وبعضها في بلوغه، لاحتمال أن ~~يكون هذا الخبر من مروياته في حال الصغر، ولم يعلم سامعه بذلك، وكذلك القول ~~في التحمل أيضا, فيرجح الخبر الذي لم يتحمل رواية الأحاديث إلا في زمان ~~بلوغه على من لم يتحمل إلا في زمان صباه، أو تحمل بعضها في صباه وبعضها في ~~بلوغه, لاحتمال أن يكون هذا الخبر من الأحاديث المتحملة في حالة الصغر هذا ~~حاصل التقريرين المشار إليهما، فمن الشارحين من قرره بالأول ومنهم من قرره ~~بالثاني، وكلام الإمام يحتمل كلا منهما. قال: أراد المصنف الثاني وهو ~~الأقرب إلى كلام الإمام فهو صحيح، وإن أراد الأول فهو بعيد في المعنى لا ~~يكاد يوجد التصريح به لأحد، وأيضا ما ذكره في الرواية فهو داخل على هذا ~~التقرير فيما ذكره في التحمل؛ لأن الراوي في البلوغ الذي قدم على الراوي في ~~البلوغ وفي الصبى إن تحمل في البلوغ فتقديمه إنما هو تقديم لمن تحمل في ~~البلوغ على من تحمل في الصبى؛ لأن الرواية في الصبا والبلوغ تستلزم التحمل ~~في الصبى قطعا، وقد ذكره من بعد، وإن كان قد تحمل في الصبى ولكنه روى في ~~البلوغ فقط فكيف يقدم على من شاركه في هذا بعينه، وزاد عليه بأن روى مرة ~~أخرى في البلوغ. لا جرم أن الآمدي وابن الحاجب وصاحب التحصيل لم يذكروا سوى ~~التحمل، وقد وقع كذلك في نسخة بعض الشارحين، فشرحه ثم استدل عليه بأن هذا ~~ترجيح وقت التحمل، وكلامه في الترجيح بوقت الرواية، والنسخة التي وقعت لهذا ~~الشارح غلط. قال: "الثالث: بكيفية الرواية, فيرجح المتفق على رفعه، والمحكي ~~بسبب نزوله وبلفظه، وما لم ينكره راوي الأصل". أقول: ms532 الوجه الثالث: بكيفية ~~الرواية، وهو أربعة أمور, الأول: ترجيح الخبر المتفق على رفعه إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- على الخبر الذي اختلف في كونه مرفوعا إليه أو موقوفا ~~على الصحابي. الثاني: الخبر المحكي مع سبب نزوله راجح على # PageV01P382 # الخبر الذي لم يذكر معه ذلك، لأن ذكر الراوي لسبب النزول يدل على اهتمامه ~~بمعرفة ذلك الحكم، وهذا إذا كانا خاصين، فإن كانا عامين فالأمر بالعكس كما ~~نقله الإمام هنا، ونص عليه الشافعي كا تقدم نقله عنه في الكلام على أن خصوص ~~السبب لا يخصص، قال بن الحاجب: اللهم إلا إذا تعارض في صحاب السبب فإنه ~~أولى، لان ترك الجواب مع الحاجة مما يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثم ~~إن المصنف لو عبر بالورود عوضا عن النزول لكان صريحا في تناول الأخبار. ~~الثالث يرجح الخبر المحكي بلفظ الرسول عليه السلام على الخبر المروي ~~بالمعنى، وكذلك على الخبر الذي يحتمل أن يكون قد روي بالمعنى كما قاله في ~~المحصول1، لأن المحكي باللفظ مجمع على قبوله بخلاف المحكي بالمعنى، الرابع: ~~إذ أنكر الأصل رواية الفرع عنه، فإن جزم بالإنكار لم تقبل رواية الفرع، وإن ~~تردد قبلت كما سبق في الأخبار، فإن قبلناها فيكون الخبر الذي لم ينكره ~~الأصل راجحا عليه، وتعبير المصنف بقوله: راوي الأصل هو عبارة الإمام أيضا. ~~ولكن ليس له هنا مدلول مستقيم بل الصواب زيادة أل في راوي، أو حذفه ~~بالكلية، قال: "الرابع: بوقت وروده فترجح المدنيات، والمشعر بعلوا شأن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام، والمتمضن للتخفيف والمطلقن على متقدم التاريخ ~~والمؤرخ، بتاريخ مضيق، والمتحمل في الإسلام". أقول: الوجه الرابع: الترجيح ~~بوقت ورود الخبر وهو ستة أقسام، ذكره الإمام وضعفها فافهم ذلك. أحدها: ~~الآيات والآخبار والمدنيات راجحة على المكيات. واعلم أن المصطلح عليه بين ~~أهل العلم، أن المكي ما ورد قبل الهجرة سواء كان في مكة أو غيرها، والمدني ~~هو ما ورد بعدها سواء كان في المدينة أو في مكة أو في غيرها، وهذا الاصطلاح ~~ليس هو المراد هنا لأنه لو ms533 كان كذلك لكان المدني ناسخا للمكي بلا نزاع. وقد ~~تقدمت هذه المسألة في تعارض النصين. وأيضا فلأن تقديم المنسوخ على الناسخ ~~ليس من باب الترجيح. كم نص عليه الإمام في الكلام على الترجيح بالحكم، بل ~~المراد أن الخبر الوارد في المدينة مقدم على الوارد في مكة، سواء علمنا أنه ~~كان قد ورد في مكة قبل الهجرة أو لم نعلم الحال. والعلة فيه ما قاله الإمام ~~أن الغالب في المكيات ورودها قبل الهجرة، والوارد منها بعد الهجرة. قيل ~~والقليل ملحق بالكثر. فيحصل الظن بأن هذا الحديث الوارد في مكة إنما ورد ~~قبل الهجرة. وحينئذ فيجب تقديم المدني عليه لكونه متأخر، الثاني: الخبر ~~المشعر بعلو شأن الرسول عليه السلام راجح على ما لا يكون كذلك، لأن ~~ظهورأمره وعلو شأنه كان في آخر عمره. فدل على التأخير هكذا أطلقه المصنف ~~تبعا للحاصلن وقال في المحصول. الأولى أن يفصل فيقال: إن دل أحدهما على ~~العلو والآخر على الضعف، قدم الدال على العلو. PageV01P383 # وأما إذا لم يدل الآخر لا على القوة ولا على الضعف، فمن أين يقدم الأول ~~عليه؟ وقد يجاب عما قاله: أنه إذا كان التأخير سببا للرجحان فالدال على ~~العلو معلوم التأخير أو مظنونه، بخلاف ما لم يدل على شيء، وما يقطع برجحانه ~~أو يظن راجح على ما لا يكون كذلك، وأيضا فإنه قد ذكر في السادس من هذا ~~القسم ما يعكر عليه فتأمله. الثالث: الخبر المتضمن للتخفيف متقدم على ~~المتضمن للتغليظ؛ لأنه أظهر تأخرا، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ~~يغلظ في ابتداء أمره زجرا لهم عن العادات الجاهلية, ثم مال إلى التخفيف ~~هكذا ذكره صاحب الحاصل وتبعه المصنف، وإطلاق هذه الدعوى مع ما سيأتي من كون ~~المحرم مقدما على المبيح لا يستقيم, وقد جزم الآمدي بتقديم الدال على ~~التشديد قال: لأن احتمال تأخره أظهر؛ لأن الغالب منه عليه السلام أنه ما ~~كان شدد إلا بحسب علو شأنه؛ ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا وحرم المحرمات ~~شيئا فشيئا, وتبعه ابن الحاجب على ذلك. ms534 واعلم أن الإمام ذكر هذا الحكم في ~~حادثة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يغلظ فيها زجرا للعرب عن عاداتها، ثم ~~خفف فيها نوع تخفيف، ولا يلزم من تقديم المتضمن للتخفيف في هذه المسألة ~~لقرينة العدول إلى التخفيف في نوع، أن يقدم المتضمن للتخفيف مطلقا كما ظنه ~~صاحب الحاصل والمصنف, وحينئذ فليس بين الإمام والآمدي اختلاف، وسيأتي في ~~الفروع الزائدة كلام آخر متعلق بهذا. الرابع: الخبر المروي مطلقا أي: من ~~غير تاريخ, يكون راجحا على الخبر المؤرخ بتاريخ متقدم؛ لأن المطلق أشبه ~~بالمتأخر، وإنما قيد بقوله: بتاريخ متقدم؛ لأن التاريخ لو كان مضيقا لكان ~~الحكم بخلافه كما سيأتي. الخامس: يرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق أي: وارد ~~في آخر عمره عليه الصلاة والسلام على الخبر المطلق؛ لأنه أظهر تأخرا، ومثله ~~الإمام بأنه صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه صلى بالناس قاعدا ~~والناس قيام، وهو يقتضي اقتداء القائم بالقاعد, وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"وإذا صلى جالسا" يعني: الإمام "فصلوا جلوسا أجمعين" وهو يقتضي عدم وجوب ~~ذلك فرجحنا الأول لما قلناه. السادس: إذا أسلم الراويان في وقت واحد كإسلام ~~خالد وعمرو بن العاص، وعلم أن أحدهما تحمل الحديث بعد إسلامه, فإن خبره ~~راجح على الخبر الذي لا يعلم هل تحمله الآخر في حال إسلامه أم في حال كفره، ~~كما قاله في المحصول1، قال: لأنه أظهر تأخرا. قال: "الخامس: باللفظ, فيرجح ~~الفصيح لا الأفصح، والخاص وغير المخصص, والحقيقة والأشبه بها، فالشرعية ثم ~~العرفية، والمستغني عن الإضمار، والدال على المراد من وجهين، وبغير وسط، ~~والمومئ إلى علة الحكم، والمذكور معارضه معه, والمقرون بالتهديد" أقول: ~~الوجه الخامس: الترجيح باللفظ وهو بأمور, الأول: أن يكون لفظ أحد الخبرين ~~فصيحا ولفظ الآخر ركيكا بعيدا عن الاستعمال، PageV01P384 # فإن الفصيح مقدم إجماعا للاتفاق على قبوله، وقال الإمام بخلاف الركيك، ~~فإن منهم من رده؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أفصح العرب فلا يكون ~~ذلك كلاما له، ومنهم من قبله وحمله على أن الراوي رواه بلفظ نفسه، وأما ms535 ~~أفصح العرب فلا يكون ذلك كلاما له، ومنهم من قبله وحمله على أن الراوي رواه ~~بلفظ نفسه، وأما الأفصح فلا يرجح على الفصيح خلافا لبعضهم؛ لأن الرجل ~~الفصيح لا يجب أن يكون كل كلامه أفصح. الثاني: يرجح الخاص على العام لما ~~تقدم في موضعه. الثالث: العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ ~~للاختلاف في حجيته، وهذا القسم يستغنى عنه بما سيأتي من تقديم الحقيقة على ~~المجاز؛ لأن العام المخصص مجاز مطلقا عند المصنف. الرابع: ترجيح اللفظ ~~المستعمل بطريق الحقيقة على المستعمل بطريق المجاز؛ لأن دلالة الحقيقة أظهر ~~وهذا فيما إذا لم يكن المجاز غالبا، فإن غلب ففيه خلاف سبق في موضعه. ~~الخامس: إذا تعارض خبران ولا يمكن العمل بأحدهما إلا بارتكاب المجاز، وكان ~~مجاز أحدهما أشبه بالحقيقة من مجاز الآخر, فإنه يرجح عليه لقربه، وقد مر ~~تمثيل ذلك في المجمل والمبين. السادس: الخبر المشتمل على الحقيقة الشرعية ~~ويرجح على الخبر المشتمل على الحقيقة العرفية أو اللغوية؛ لأن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- بعث لبيان الشرعيات، فالظاهر من حاله أنه يخاطب بها، ثم إن ~~المشتمل على الحقيقة العرفية يرجح على المشتمل على الحقيقة اللغوية، ~~لاشتهار العرفية وتبادر معناها. السابع: يرجح الخبر المستغني عن الإضمار ~~على الخبر المفتقر إليه؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل، وهذا القسم أيضا داخل ~~في تقديم الحقيقة على المجاز؛ لأن الإضمار نوع من المجاز. الثامن: يرجح ~~الخبر الدال على المراد من وجهين على الدال عليه من وجه واحد؛ لأن الظن ~~الحاصل من الأول أقوى لتعدد جهة الدلالة. التاسع: يرجح الخبر الدال على ~~المراد بغير واسطة على الدال عليه بواسطة؛ لأن قلة الوسائط تقتضي كثرة ~~الظن، ومثاله قوله -عليه الصلاة والسلام: "الأيم أحق بنفسها من وليها" 1 مع ~~قوله -عليه الصلاة والسلام: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها, ~~فنكاحها باطل" 2 فإن الأول يدل على صحة نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها ~~كما يقول أبو حنيفة، والثاني يدل على بطلانه كما يقول الشافعي, ولكن ~~بواسطة؛ وذلك لأنه يدل ms536 على البطلان عند عدم الإذن، وإذا بطل ذلك بطل أيضا ~~مع الإذن للاتفاق بين الإمامين على عدم الفصل. العاشر: يرجح الخبر المومئ ~~إلى علة الحكم على الخبر الذي لا يكون كذلك؛ لأن انقياد الطباع إلى الحكم ~~المعلل أسرع. الحادي عشر: PageV01P385 # الخبر الذي ذكر معه معارضه كقوله -عليه الصلاة والسلام: "كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور, فزوروها" 1 يرجح على ما ليس كذلك؛ لأن ترجيحه إنما يكون ~~باعتقاد تأخره عن الخبر الدال على النهي، وتأخره عنه يقتضي النسخ مرة واحدة ~~بخلاف ترجيح الدال على النهي، فإنه يقتضي النسخ مرتين؛ لأنه لا بد من ~~اعتقاد وروده بعده، وحينئذ فيكون ناسخا للإباحة التي فيه، والإباحة التي ~~فيه ناسخة للنبي، المخبر عنه، وهو المشار إليه بقوله: "كنت نهيتكم" وهذا ~~التقرير صحيح واضح خلافا لما توهمه بعض شارحي المحصول. الثاني عشر: الخبر ~~المقرون بالتهديد، كقوله -عليه الصلاة والسلام: "من صام يوم الشك, فقد عصى ~~أبا القاسم "2 راجح على ما ليس كذلك؛ لأن اقترانه بالتهديد يدل على تأكد ~~الحكم الذي تضمنه، وكذلك لو كان التهديد في أحدهما أكثر كما قال في ~~المحصول، وأهمله المصنف تبعا للحاصل. قال: "السادس: بالحكم, فيرجح المبقي ~~الحكم الأصل؛ لأنه لو لم يتأخر عن الناقل لم يفد, والمحرم على المبيح لقوله ~~عليه الصلاة والسلام: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال" 3 ~~وللاحتياط ويعادل الموجب، ومثبت الطلاق والعتاق؛ لأن الأصل عدم القيد، ~~ونافي الحد؛ لأنه ضرر لقوله -عليه الصلاة والسلام: "ادرءوا الحدود ~~بالشبهات" 4. # أقول: الوجه السادس: الترجيح بالحكم، وهو بأمور, الأول: يرجح الخبر ~~المبقي لحكم الأصل أي: المقرر لمقتضى البراءة الأصلية، على الخبر الناقل ~~لذلك الحكم أي: الرافع، كقوله -عليه الصلاة والسلام: "من مس ذكره فليتوضأ" ~~5 مع قوله: "إن هو إلا بضعة منك" لأن المبقي متأخر عن الناقل، إذ لو لم ~~يتأخر عنه لم يكن له فائدة؛ لأنه حينئذ يكون واردا حيث لا يحتاج إليه؛ لأن ~~في ذلك الوقت نعرف الحكم بدليل آخر, وهو البراءة الأصلية والاستصحاب، وإذا ~~كان متأخرا ms537 عن الناقل كان أرجح منه، وهذا الذي اختاره المصنف ذكر الإمام ~~أنه الحل، ونقل عن الجمهور أنهم رجحوا الناقل؛ لأن الناقل يستفاد منه ما لا ~~يعلم عن غيره بخلاف المبقي؛ ولأن الأخذ بالمبقي يستدعي تأخر وروده عن ~~الناقل، وفي ذلك تكثير النسخ؛ لأن الناقل حينئذ يزيل حكم العقل، ثم المبقي ~~يزيل حكم الناقل, فيلزم النسخ مرتين. وأما إذا قدرنا تأخر الناقل وأخذ بابه ~~ففيه تقليل النسخ؛ لأن المبقي حينئذ يكون واردا أولا لتأكيد حكم النقل، ~~PageV01P386 # ثم يرد الناقل بعده لإزالة حكمه فيلزم النسخ مرة واحدة. والجواب عن الأول ~~ما قلناه في الدليل السابق وهو عدم الفائدة، وعن الثاني أن رفع حكم الأصل ~~ليس بنسخ كما تقدم في حد النسخ، فلا يلزم من تقديم المبقي تكثير للنسخ، ~~وأيضا فلو اعتقدنا تأخر الناقل لكان ناسخا لحكم ثابت بدليلين وهما البراءة ~~الأصلية والخبر المؤكد لها، بخلاف ما قلناه، فإنه لا يكون المنسوخ إلا ~~دليلا واحدا. الثاني: الخبر الدال على التحريم راجح على الخبر الدال على ~~الإباحة، كما جزم به المصنف واختاره ابن الحاجب وكذلك الآمدي ونقله عن ~~أصحابنا وعن الأكثرين، وقيل: بترجيح الإباحة لاعتضادها بالأصل حكاه ابن ~~الحاجب. وقيل: يستويان، واختاره الغزالي ولم يرجح الإمام شيئا، والمراد ~~بالإباحة هنا جواز فعل الترك، ليدخل فيه المكروه والمندوب والمباح المصطلح ~~عليه؛ لأن التحريم مرجح على الكل كما ذكره ابن الحاجب؛ ولأن الدليلين ~~المذكورين في الكتاب يقتضيان ذلك أيضا، واحتج القائلون بالتحريم بأمرين، ~~أحدهما: قوله -عليه الصلاة والسلام: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب ~~الحرام الحلال". الثاني: أن الاحتياط يقتضي الأخذ بالتحريم؛ لأن ذلك الفعل ~~إن كان حراما ففي ارتكابه ضرورة، وإن كان مباحا فلا ضرر في تركه. قوله: ~~"ويعادل الموجب" يعني أن الخبر المحرم يعادله الخبر الموجب، فإن ورد دليلان ~~أحدهما يقتضي تحريم شيء والآخر يقتضي إيجابه، فيتعادلان أي: يتساويان حتى ~~لا يعمل بأحدهما إلا بمرجح؛ لأن الخبر المحرم يتضمن استحقاق العقاب على ~~الفعل، والخبر الموجب يتضمن استحقاق العقاب على الترك، فيتساويان أي: وإذا ~~تساويا ms538 فيقدم الموجب على المبيح؛ لأن المحرم مقدم على المبيح كما تقدم، ~~والمساوي المقدم مقدم، والحكم بالتساوي هو رأي الإمام وأتباعه، وجزم الآمدي ~~بترجيح المحرم لأن اعتناء الشرع بدفع المفاسد آكد من اعتنائه بجلب المصالح، ~~وذكر ابن الحاجب نحوه أيضا. الثالث: يرجح الخبر المثبت للطلاق أو العتاق ~~على الخبر النافي له، خلافا لبعضهم؛ لأن الأصل عدم القيد، فالخبر الدال على ~~ثبوت الطلاق أو العتاق دال على زوال قيد النكاح أو ملك اليمين، فيكون ~~موافقا للأصل، وحينئذ يكون أرجح، وهذا الذي جزم به المصنف جزم به الآمدي ~~حكما وتعليلا، ثم قال: ويمكن أن يقال: بل النافي أول؛ لأنه على وفق الدليل ~~المقتضي لصحة النكاح، وإثبات ملك اليمين، والدليل المقتضي لصحتها راجح على ~~النافي له، وذكر ابن الحاجب نحو ذلك أيضا، ولم يرجح الإمام شيئا، بل نقل ~~ترجيح المثبت عن الكرخي فقط، ونقل عن قوم آخرين أنهما يستويان. الرابع: ~~يرجح الخبر النافي للحد على الخبر الموجب له خلافا لبعضهم، والدليل عليه ~~أمران أحدهما: أن الحد ضرر, والضرر النفي عن الإسلام لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام". الثاني: قوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "ادرءوا الحدود بالشبهات" فإن ورد الخبر في نفي الحد إن لم يوجب ~~الجزم بذلك فلا أقل # PageV01P387 # من حصول الشبهة والشبهة تدفع الحد للحديث, وهذا الذي جزم به المصنف جزم ~~به أيضا الآمدي وابن الحاجب، ولم يرجح الإمام شيئا، بل نقل المذكور هنا عن ~~بعض الفقهاء فقط، ثم قال: وأنكره المتكلمون، نعم كلامه في هذا القسم وفي ~~الذي قبله يميل إلى ما اختاره المصنف؛ لأنه استدل له، وكذلك فعل أتباعه ~~كصاحب الحاصل. قال: "السابع: يعمل أكثر السلف". أقول: الوجه السابع: ~~الترجيح بالأمر الخارجي كما قاله الإمام، فيرجح أحد الخبرين على الآخر بعمل ~~أكثر السلف خلافا لبعضهم؛ لأن الأكثر يوافق الصواب ما لا يوافق له الأقل، ~~ولم يرجح الإمام شيئا بل نقل الترجيح عن عيسى بن أبان فقط، ثم نقل عن آخرين ~~أنه لا يفيد ترجيحا لكونه ليس بحجة، وذكر ms539 صاحب الحاصل نحوه أيضا، والتعبير ~~بأكثر السلف عبر به الإمام أيضا، وهو يقتضي أن ما دون ذلك لا يحصل به ~~الترجيح، وهو مخالف لما جزم به الآمدي واقتضاه كلام ابن الحاجب، وهذا في ~~غير الصحابة، أما الصحابة فإن قول بعضهم كاف في الرجحان كما جزم به الإمام. ~~"فصل: في أمور أخرى يحصل بها الترجيح" ذكرها الإمام وأهملها المصنف، الأول: ~~أن يكون طريق إحدى الروايتين يقل فيها اللبس، كما إذا أخبر أنه شاهد زيدا ~~بالبصرة قبل الظهر، فإنه يرجح على من أخبر أنه شاهده ببغداد وقت السحر. ~~الثاني: أن يذكر المزكي سبب العدالة. الثالث: أن يجزم أحدهما ويقول الآخر: ~~كذا فيما أظن. الرابع: يرجح الحديث القولي على الفعلي؛ لأن القول أدل، وهذا ~~قد سبق من كلام المصنف. الخامس: يرجح المسند على المرسل إن قلنا بقبوله، ~~وقال عيسى بن أبان: يقدم المرسل, وقال القاضي عبد الجبار: يستويان. السادس: ~~رجح قوم الحرية والذكورة قياسا على الشهادة، قال: وفيه احتمال. السابع: ~~يرجح اللفظ المتفق على وضعه المسمى عن اللفظ المختلف فيه. الثامن: أن يكون ~~أحدهما قد نص على الحكم مع تشبيهه بمحل آخر، والآخر ليس كذلك، فإنه يقدم ~~الأول في المشبه والمشبه به جميعا؛ لأن تشبيه محل بمحل فيه إشارة إلى وجود ~~علة جامعة، مثاله قول الحنفية في قوله -عليه الصلاة والسلام: "أيما إهاب ~~دبغ فقد طهر "1 كالخمر تخلل فتحل: إن هذا رجح في المشبه على قوله -عليه ~~الصلاة والسلام: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" 2 وفي المشبه به على ~~قوله -عليه الصلاة والسلام: "في الخمر أرقها". التاسع: التأكيد كالتكرار في ~~قوله: "فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل". فصل في مرجحات أخرى ~~ذكرها ابن الحاجب تبعا للآمدي، فيروح بتفسير الراوي قولا وفعلا، ويقربه عند ~~السماع, وبقراءة الشيخ وعمل أهل PageV01P388 # المدينة، والخلفاء الأربعة ويرجح الأخف على الأثقل، وجزم الاقتضاء على ~~المفهوم وعلى الإيماء، ومفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة؛ لأنه متفق ~~عليه. وقيل بالعكس؛ لأن فائدة مفهوم الموافقة هو التأكيد، وفائدة مفهوم ~~المخالفة ms540 هو التأسيس، والتأسيس خير، ولم يرجح الآمدي في الأحكام شيئا، نعم ~~جزم في منتهى السول بما صححه ابن الحاجب، ويرجح مخصص العام على تأويل الخاص ~~لكثرة الأول، والعموم المستفاد من قبيل الشرط، والجزاء على العموم المستفاد ~~من قبيل النكرة المنفية أو غيرها؛ لأن الشرط كالعلة والحكم لمعلل أولى، ~~والخطاب التكليفي على الخطاب الوضعي؛ لاشتمال التكليفي على زيادة الثواب، ~~وإذا ورد الخطاب على سبيل الإخبار كقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} ~~[المجادلة: 58] أو في معرض الشرط كقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل ~~عمران: 97] ورد الخطاب الآخر شفاها كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ~~فالخطاب الشفاهي أولى من المطلق في حق من ورد الخطاب عليه والآخر أولى من ~~حق الغائبين؛ لأنهم إنما يعمهم بدليل منفصل، وإذا كان أحد الخبرين أمس من ~~الآخر في الحاجة، بأن يكون قد قصد به الحكم المختلف فيه فهو أولى من الذي ~~لم يقصد به ذلك, كقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] ورد ~~لبيان تحريم الجمع بين الأختين فهو أولى من قوله: {أو ما ملكت أيمانهم} ~~[المعارج: 30] فإنه لم يقصد به ذلك، ويرجح الخبر المسند على الخبر المعزو ~~إلى كتاب معروف على الخبر المشهور, وبمثل البخاري ومسلم على غيره, وقد ذكر ~~ابن الحاجب وغيره مرجحات أخرى سبقت في كلام المصنف في مواضعها. # PageV01P389 ### | الباب الرابع: في ترجيح الأقيسة # قال: " الباب الرابع: في ترجيح الأقيسة, وهي بوجوه، الأول: بحسب العلة، ~~فترجح المظنة, ثم الحكمة, ثم الوصف العدمي، ثم الحكم الشرعي والبسيط، ثم ~~الوجودي للوجودي, ثم العدمي للعدمي". أقول: لما فرع المصنف من تراجيح ~~الأخبار، شرع في تراجيح بعض الأقيسة على بعض، وهي على خمسة أوجه، الأول: ~~الترجيح بحسب العلة، وهو أمور الأول: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي ~~الذي هو مظنة للحكمة كالسفر مثلا, على القياس المعلل بنفس الحكمة كالمشقة ~~ونحوها؛ لأن التعليل بالمظنة مجمع عليه بخلاف التعليل بالحكمة، كما سبق في ~~موضعه. الثاني: ترجيح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي، قال: قال ~~الإمام: لأن العلم بالعدم لا يدعو ms541 إلى شرع الحكم إلا إذا حصل العلم باشتمال ~~ذلك العدم على نوع مصلحة، فيكون الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة هو ~~المصلحة لا العدم، وحينئذ فيكون التعليل بالمصلحة أولى قال: وهذا المعنى, ~~وإن كان يقتضي ترجيح الحكمة على الوصف الحقيقي، لكن عارضه كون الحقيقي ~~أضبط؛ فلذلك قدم عليها، وقد علم من هذا رجحان التعليل بالحكمة على التعليل ~~بالأوصاف الإضافية، والأوصاف التقديرية لكونها عدمية أيضا، وهذه النسخة ~~مخالفة لأكثر النسخ التي اعتمد # PageV01P389 # عليها الشارحون، ومخالفة لما في المحصول، فإن المذكور فيه ما ذكرنا أولا. ~~الثالث: يرجح التعليل بالعدم على التعليل بالحكم الشرعي، هكذا جزم به ~~المصنف، وحكى في المحصول فيه احتمالين من غير ترجيح، فقال: يحتمل أن يقال: ~~التعليل بالحكم الشرعي أولى؛ لأنه أشبه بالوجود، وأن يقال بالعكس؛ لأن ~~العدم أشبه بالأمور الحقيقية أي: من حيث إن اتصاف الشيء به لا يحتاج إلى ~~شرع، بخلاف الحكم الشرعي، وتبعه صاحب الحاصل على ذلك. نعم رجح صاحب التحصيل ~~العدمي كما رجحه المصنف, ومقتضى إطلاق المصنف أن التعليل بالوصف التقديري ~~أولى من الحكم الشرعي؛ لكون التقديري من العدميات أيضا, لكن المجزوم به في ~~المحصول إنما هو العكس؛ لأن التعليل بالحكم الشرعي تعليل بأمر محقق فهو ~~واقع على وفق الأصول. قوله: "والبسيط" يعني: أن التعليل بالوصف البسيط راجح ~~على التعليل بالوصف المركب؛ لأن البسيط متفق عليه، ولأن الاجتهاد فيه أقل ~~فيبعد عن الخطأ بخلاف المركب، وحكى القاضي عبد الوهاب في الملخص قولا أن ~~العلة الكثيرة الأوصاف أولى. قال: وعندي أنهما سيان, كذا حكاه عند القرافي، ~~وهذا الثالث هو مقتضى كلام إمام الحرمين في البرهان، وهذا القسم ليس بينه ~~وبين ما قبله من الأقسام ترتيب لكونه نوعا آخر من التقسيم؛ فلذلك أتى ~~المصنف فيه بالواو ومثله أيضا القسم الذي يليه. قوله: "والوجودي ... إلخ" ~~اعلم أن الوصف والحكم قد يكونان وجوديين وقد يكونان عدميين، وقد يكون الحكم ~~وجوديا والوصف عدميا، وقد يكون بالعكس، فتعليل الحكم الوجودي بالوصف ~~الوجودي أرجح من تعليل الحكم الوجودي بالعلة العدمية ومن العكس ms542 للمشابهة. ~~هذا حاصل كلام المصنف وبه صرح في المحصول حكما وتعليلا، فقوله: والوجودي ~~للوجودي أي: يرجح الوصف الوجودي لتعليل الحكم الوجودي على الأقسام الثلاثة. ~~وقوله: ثم العدمي للعدمي أي: يرجح على القسمين الباقيين، وتوقف الإمام في ~~الترجيح بين تعليل الحكم العدمي بالوجودية وعكسه، وتابعه عليه صاحب ~~التحصيل؛ فلذلك سكت المصنف، لكن جزم صاحب الحاصل بأن تعليل العدمي بالوجودي ~~أولى من عكسه، وقد وقع في بعض نسخ الكتاب هنا تغيير من النسخ. واعلم أن قول ~~الإمام: إن العلية والمعلولية يترتبان ممنوع، فإنهما عدميات كما صرح هو به ~~في غير موضع؛ لكونهما من النسب والإضافات. قال: "الثاني: بحسب دليل العلية ~~فيرجح الثابت بالنص القاطع، ثم الظاهر للام، ثم إن والباء، ثم بالمناسبة ~~الضرورية الدينية، ثم الدنيوية, ثم التي في حيز الحاجة الأقرب اعتبارا، ~~فالأقرب, ثم الدوران في محل، ثم في محلين، ثم السبر، ثم الشبه, ثم الإيماء، ~~ثم الطرد". أقول: الوجه الثاني: الترجيح بحسب الدليل الذي يدل على علية ~~الوصف لحكم الأصل، كالنص، والمناسبة, والدوران، والسير, والشبه, والإيماء, ~~والطرد, وغيرها، وهو على أقسام الأول: يرجح القياس الذي يثبت عليه # PageV01P390 # وصفه بالنص القاطع على الذي يثبت عليته بالنص الظاهر؛ لأن القاطع لا ~~يحتمل غير العلية بخلاف الظاهر كما تقدم بسطه في أوائل القياس، والإجماع في ~~ذلك ملحق بالنص القاطع, وقد أهمله المصنف لكن هل يقدم على الإجماع أم لا؟ ~~فيه كلام يأتي في الترجيح بدليل الحكم. الثاني: يرجح القياس الذي يثبت عليه ~~وصفه بألفاظ ظاهرة على ما ثبت بغيره كالمناسبة ونحوها؛ لكونه منصوصا عليه ~~من الشارع، وأما الباقية فثابتة بالاجتهاد، ثم إن الألفاظ الظاهرة هي اللام ~~وإن والباء، فأقواها اللام لأنها أظهر. قال الإمام: وأما الباء، وإن ففي ~~المقدم منهما احتمال، وكلام المصنف يقتضي أنهما متساويان وقد تقدم إيضاح ~~ذلك كله أيضا في أوائل القياس. الثالث: يرجح القياس الذي يثبت عليه وصفه ~~بالمناسبة على الدوران وغيره مما بقي؛ لأن المناسبة لا تنفك على العلية، ~~وأما الدوران فقد لا يدل عليها كالمتضايفين ونحوه مما ms543 تقدم ذكره، ثم إن ~~المناسبة قد تكون من الضروريات الخمس المتقدم ذكرها في القياس, وقد تكون من ~~الحاجيات، ويعبر عنه بالمصلحيات، وقد تكون من التحسينيات، يعبر عنه ~~بالتتمات كما تقدم إيضاحه. فترجح الضروريات ثم الحاجيات ثم التتمات والمكمل ~~لكل قسم ملحق به كما قاله ابن الحاجب، فالمكمل للضروري مقدم على الحاجي, ~~والمكمل للحاجي مقدم على التحسيني؛ ولهذا وجب في قليل الخمر ما وجب في ~~الكثير المسكر، وترجح الضرورة الدينية على الضرورة الدنيوية؛ لأن ثمرة ~~الدين هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء، ولم يتعرض الإمام وصاحب ~~التحصيل إلى المرجح من أقسام الضروريات, وقد تعرض له الآمدي وابن الحاجب ~~وغيرهما فقالوا: ترجح مصلحة الدين، ثم النفس, ثم النسب، ثم العقل, ثم المال ~~وتعرض صاحب الحاصل إلى القسم الأول فقط وهو ترجيح الدين على غيره؛ فلذلك ~~ذكره المصنف دون ما عداه، وحكى ابن الحاجب مذهبا: أن مصلحة الدين مؤخرة على ~~الكل؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، ولم يذكر ذلك الآمدي قولا بل ~~ذكره سؤالا. واعلم أن الوصف المناسب قد يناسب نوعه نوع الحكم، وقد يناسب ~~نوعه جنس الحكم، وقد يكون بالعكس، وقد يناسب جنس جنسه الحكم. قال الإمام: ~~فالأول مقدم على الأقسام الباقية، والثاني والثالث كالمتعارضين وهما مقدمان ~~على الرابع. قال: وترجيح المناسبة الجلية على الخفية، وما ثبت اعتبار جنسه ~~القريب على ما ثبت اعتبار جنسه البعيد، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: الأقرب ~~اعتبارا فالأقرب. الرابع: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالدوران، على ~~الذي ثبتت عليته بالسبر أو غيره من الطرق الباقية؛ لأن العلية المستفادة من ~~الدوران مطردة منعكسة بخلاف غيره من الطرق، ومنهم من قدمه على المناسبة كما ~~قال الإمام لهذا المعنى أيضا، ثم إن الدوران قد يكون في محل واحد وهو أن ~~يحدث حكم في محل الحدوث صفة فيه وينعدم ذلك الحكم عن ذلك المحل بزوال ذلك ~~الوصف عنه، # PageV01P391 # كدوران الحرمة مع الإسكار في ماء العنب وجودا وعدما، وقد يكون في محلين ~~كاستدلال الحنفي على وجوب الزكاة في ms544 الحلي بدوران وجوب الزكاة مع الذهب ~~وجودا في المضروب وعدما في النبات، فالدوران في محل أرجح في العلية من ~~الدوران في محلين؛ لأن احتمال الخطأ فيه أقل، ألا ترى أنا نقطع في مثالنا ~~بأن ما عدا السكر من الصفات ليس بعلة إلا لزم تخلف المعلول عن علته، بخلاف ~~ما ثبت في محلين؛ فإنه لا يفيد القطع بأن غير الذهب ليس علة للوجوب، ~~لاحتمال أن تكون العلة فيه هو المجموع المركب من كونه ذهبا وكونه غير معد ~~للاستعمال. الخامس: يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالسبر، على الذي ثبتت ~~عليته بالشبه وغيره مما بقي كالإيماء والطرد؛ لأن منه ما هو علة اتفاقا في ~~العقليات والشرعيات، وهو السبر الحاصل بخلاف البواقي, فإن فيها خلافا ~~مشهورا، ومنهم من رجحه على المناسبة أيضا، واختاره الآمدي وابن الحاجب لأنه ~~يفيد ظن علية الوصف، ونفي المعارض له بخلاف المناسبة، فإنه دلالة لها على ~~نفي المعارض. قال في المحصول: وهذا إذا كان السبر مظنونا، فإن كان مقطوعا ~~به فإن العمل به متعين, وليس هو من قبيل الترجيح. السادس: يرجح القياس الذي ~~ثبتت علية وصفه بالشبه على الذي ثبتت عليته بالإيماء؛ لأن الشبه يقتضي وصفا ~~مناسبا، والإيماء ليس كذلك؛ لأن ترتيب الحكم يشعر بالعلية سواء كان مناسبا ~~أم لا، وبالضرورة أن الوصف المناسب أولى من غيره، وهذا الذي جزم به المصنف ~~من كون الإيماء مؤخرا عما قبله، وذكره الإمام بحثا بعد أن نقل أن الجمهور ~~اتفقوا على تقديم الإيماء على جميع الطرق العقلية حتى المناسب. السابع: ~~يرجح القياس الذي ثبتت علية وصفه بالإيماء على الذي ثبتت عليته بالطرد؛ لأن ~~الطرد غير مناسب أصلا كما عرف في موضعه، وأما الإيماء فقد يكون مناسبا، وما ~~كان مناسبا في بعض الأحوال راجح على ما يكون كذلك. الثامن: يرجح القياس ~~الذي ثبتت علية وصفه بالطرد على ما بقي من الطرق الدالة على العلية، ولم ~~يبين المصنف ذلك، والذي بقي هو تنقيح المناط، وفي تأخره عن الطرد نظر، ولم ~~يصرح الإمام وابن الحاجب ms545 وغيرهما بالترجيح بين الدوران والسبر والشبه، ~~وإنما ذكره صاحب الحاصل على الوجه الذي ذكره المصنف, فتابعه عليه لكونه قد ~~يؤخذ بعضها من تعليل الإمام. قال: "الثالث: بحسب دليل الحكم, فيرجع النص ثم ~~الإجماع؛ لأنه فرعه. الرابع: بحسب كيفية الحكم وقد سبق. الخامس: موافقة ~~الأصول في العلة والحكم والاطراد في الفروع". أقول: الوجه الثالث: الترجيح ~~بحسب دليل حكم الأصل، فيرجح من القياسين المتعارضين ما ترجح دليل حكم أصله ~~على دليل حكم الأصل الآخر بأحد المرجحات المذكورة في الباب قبله، أو بغيره ~~من المرجحات ككونه مجمعا عليه، أو خاصا، أو غير ذلك، وهذا إنما يمكن في ~~الدلالة الظنية لما علمت أنه لا ترجيح بين القطعيات ولا بين القطعي والظني، ~~ثم إن كانت تلك الأدلة الظنية من باب الآحاد # PageV01P392 # أمكن ترجيح بعضها على بعض بالمتن والسند، وإن كانت متواترة لم يكن ~~الترجيح إلا بالمتن خاصة، كما قاله في المحصول1 وهو ظاهر. ثم ذكر المصنف أن ~~يرجح القياس الذي ثبت حكم أصله بالنص كتابا كان أو سنة, على القياس الذي ~~ثبت حكم أصله بالإجماع، ويرجح الإجماع على غيره كالقياس إن جوزنا حكم الأصل ~~به، وتوجيه الثاني ظاهر؛ ولذلك سكت عنه المصنف. وأما الأول فتوجيهه أن ~~الإجماع فرع عن النص؛ لأن حجيته بالأدلة اللفظية، ولا شك أن الأصل مقدم على ~~الفرع وهذا الذي جزم به أبداه الإمام احتمالا فقط، فإنه نقل عن الأصوليين ~~تقديم الإجماع على النص، محتجين بأن الأدلة اللفظية قابلة للتخصيص ~~والتأويلات بخلاف الإجماع، ثم قال: وهذا مشكل وعلله لما قلناه من كونه فرعا ~~له يعم، وصرح صاحب الحاصل باختياره فتبعه عليه المصنف. الوجه الرابع: ~~الترجيح بحسب كيفية الحكم, وقد سبق بيانه في ترجيح الأخبار في الوجه السادس ~~منه، وحينئذ فيرجح القياس المحرم على القياس المبيح، والمثبت للطلاق ~~والعتاق على النافي لهما، والمبقى بحكم الأصل على الناقل، وهذا الأخير قد ~~عكسه المحصول سهوا منه، فإنه أحال على ما تقدم، والذي تقدم هو العكس ويستوي ~~القياس الموجب والمحرم، كما تقدم أيضا. الوجه الخامس: الترجيح ms546 بأمور أخرى ~~وهي ثلاثة أولها وثالثها من قسم العلة، وثانيها من قسم الحكم فكان ينبغي ~~ذكر كل واحد منها في موضعه الأول: موافقة الأصول في العلة، وهو أن يشهد ~~لعلة أحد القياسين أصول كثيرة، كما قاله الإمام؛ لأن شهادة كل واحد من تلك ~~الأصول دليل على اعتبار تلك العلة، ولا شك في الترجيح بكثرة الأدلة. ~~الثاني: موافقة الأصول في الحكم لما تقدم في العلة كما قال الإمام, وشهادة ~~الأصول بذلك قد يراد بها أن يكون جنس ذلك الحكم ثابتا في الأصول، وقد يراد ~~بها دلالة الأدلة على ذلك الحكم. الثالث: الاطراد في كل الفرع فيرجح القياس ~~الذي تكون العلة فيه مطردة أي: مثبتة للحكم في كل الفرع على القياس الذي لا ~~تكون المنقوصة, وعلله الإمام بأن الدال على الحكم في كل الفرع يجري مجرى ~~الأدلة الكثيرة؛ لأن العلة تدل على كل واحد منها، ويوجد في هذا الدليل ~~ترجيح العلة التي فروعها أكثر من العلة الأخرى، وهو الذي جزم به الآمدي ~~وابن الحاجب وصححه صاحب الحاصل, وحكى الإمام قولين من غير ترجيح، وعلل ~~مقابلة بأنه لو كان أعم العلتين أولى من أخصهما لكان العمل بأعم الخطابين ~~أولى من أخصهما، وأجاب الإمام بجواب فيه نظر، ومن تراجيح العلة ما قاله في ~~المحصول, وهو أن يرد بها الفرع إلى ما هو جنسه، فإنها أولى مما يرد بها ~~الفرع إلى خلاف جنسه كقياس الحنفية الحلي على التبر, فإنه أولى من قياسه ~~على سائر الأمور. قال: كذلك العلة المتعدية فإنها راجحة على القاصرة، ~~PageV01P393 # عند الأكثرين، وقال في البرهان: فيه مذاهب، المشهور ترجيح المتعدية، ~~وعكسه الأستاذ أبو إسحاق، وسوى بينهما القاضي. واعلم أن ذكرهم لهذه المسألة ~~ترجيح الأقيسة إنما وقع استطرادا, فإن القاصرة لا قياس فيها. فصل في مرجحات ~~نص عليها الآمدي وابن الحاجب، فيرجح أحد القياسين بقيام دليل خاص على تعليل ~~حكمه، وجواز القياس عليه لحصول إلا من معه من احتمال التعبد، والقصور على ~~الأصل، وبوقوع الاتفاق على كونه معللا، وترجيح العلة المطردة فقط على ms547 ~~المنعكسة فقط؛ لاشتراط الاطراد في العلل دون الانعكاس في العلة التي ليس ~~لها مزاحم، أو كان رجحانها على مزاحمتها أكثر من الأخرى, والعلة المقتضية ~~للنفي على العلة المقتضية للإثبات؛ لأن مقتضاها يتم على تقدير رجحانها، ~~وعلى تقدير مساواتها مقتضى المثبتة لا يتم على تقدير رجحانها، وما يتم على ~~تقديرين أكثر وجودا مما يتم على تقدير واحد. # PageV01P394 ### | الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء ### | الباب الأول: في الاجتهاد ### | مدخل # ... # الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء ### | الفصل الأول: في الاجتهاد # قال: "الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء وفيه بابان، الأول: في ~~الاجتهاد، وهو استفراغ الجهد في درك الأحكام الشرعية، وفيه فصلان". أقول: ~~الاجتهاد في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الشيء، ولا يستعمل إلا ~~فيما فيه كلفة ومشقة, تقول: اجتهد في حمل الصخرة ولا تقول: اجتهدت في حمل ~~النواة، وهو مأخوذ من الجهد -بفتح الجيم وضمها- وهو الطاقة، وفي الاصطلاح ~~ما ذكره المصنف وسبقه إليه صاحب الحاصل. فقوله: استفراغ الجهد جنس, وقوله: ~~في درك الأحكام به استفراغ في فعل من الأفعال، ودركها أعم من أن يكون على ~~سبيل القطع أو الظن, وقوله: الشرعية خرج به اللغوية، والعقلية، والحسية، ~~ودخل فيه الأصولية والفروعية، إلا أن يكون المراد بالأحكام الشرعية ما تقدم ~~في أول الكتاب، وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو ~~التخيير، فإنه لا يدخل فيه الاجتهاد في المسائل الأصولية، وقال بعضهم: ~~الاجتهاد -اصطلاحا- هو استفراغ الجهد في طلب شيء من الأحكام على وجه يحس من ~~النفس العجز عن المزيد فيه. وهذا أعم من تعريف المصنف؛ لأنه يدخل فيه ~~الاجتهاد في العلوم اللغوية وغيرها، لكن فيه تكرار، فإن استفراغ الجهد مغن ~~عن ذكر العجز عن الزيادة. وقال ابن الحاجب: هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ~~ظن بحكم شرعي وفيه نظر؛ لما سيأتي من عدم اشتراط الفقه للمجتهد، وقال في ~~المحصول: الاجتهاد في عرف الفقهاء هو استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه ~~فيه لوم مع استفراغ الوسع فيه، وهذا الحد فاسد لاشتماله على التكرار، ولأنه ~~يدخل فيه ms548 ما ليس باجتهاد في عرف الفقهاء كالاجتهاد في العلوم اللغوية ~~والعقلية والحسية، وفي الأمور العرفية, وفي الاجتهاد في قيم المتلفات وأروش ~~الجنايات، وجهة القبلة، وطهارة الأواني والثياب. واعلم أن تعريف الاجتهاد ~~يعرف منه تعريف المجتهد، والمجتهد فيه، فالمجتهد هو المستفرغ وسعه في درك ~~الأحكام الشرعية، والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، كذا قاله # الآمدي هنا, والإمام بعد الكلام على شروط الاجتهاد. # PageV01P394 ### | الفصل الأول: في الاجتهاد # ... # الفصل الأول: في المجتهدين # "الفصل الأول: في المجتهدين, وفيه مسائل الأول: يجوز عليه الصلاة والسلام ~~أن يجتهد لعموم {فاعتبروا} وجوب العمل بالراجح، ولأنه أشق وأدل على ~~الفطانة، فلا يتركه. ومنعه أبو علي وابنه، لقوله تعالى: {وما ينطق عن ~~الهوى} [النجم: 3] قلنا: مأمور به فليس بهوى؛ ولأنه ينتظر الوحي، قلنا: ~~ليحصل الناس على النص، أو لأنه لم يجد أصلا يقيس عليه. فرع: لا يخطئ ~~اجتهاده وإلا وجب اتباعه". أقول: اختلفوا في جواز الاجتهاد للنبي -صلى الله ~~عليه وسلم- فذهب الجمهور إلى جوازه ونقله الإمام عن الشافعي، واختاره ~~المصنف وهو مقتضى اختيار الإمام أيضا؛ لأنه استدل له، وأجاب عن مقابله، ~~وذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى المنع، وحكى في المحصول قولا ~~ثالثا: أنه يجوز فيما يتعلق بالحروب دون غيرها، ورابعا نقله عن أكثر ~~المحققين وهو التوقف في هذه الثلاثة وإذا قلنا بالجواز، فقال الغزالي: قيل: ~~وقع وقيل: لا، وقيل بالوقوف، والأول هو الوقوع واختاره الآمدي وابن الحاجب، ~~وهو مقتضى اختيار الإمام وأتباعه، فإن الأدلة التي ذكروها تدل عليه ومحل ~~الخلاف على ما قاله القرافي في شرح المحصول في الفتاوى. أما الأقضية فيجوز ~~الاجتهاد فيها بالإجماع، قال الغزالي: وإذا اجتهد النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- فقاس فرعا على أصل فيجوز القياس على هذا الفرع؛ لأنه صار أصلا بالنص. ~~قال: وكذلك لو أجمعت الأمة عليه، ثم استدل المصنف على الجواز بأربعة أوجه, ~~الأول: أن الله تعالى أمر أولي الأبصار به، وكان صلى الله عليه وسلم أعظم ~~الناس بصيرة وأكثرهم خبرة بشرائط القياس، وذلك يقتضي اندراجه في ms549 عموم ~~الآية، فيكون مأمورا بالقياس، وحينئذ فيكون فاعلا له صيانة لعصمته عن ترك ~~المأمور به. الثاني: إذا غلب على ظنه -صلى الله عليه وسلم- أن الحكم في ~~صورة معلل بوصف، ثم علم أو ظن حصول ذلك الوصف في صورة أخرى، فإنه يلزم أن ~~يحصل له الظن بأن حكم الله تعالى في تلك الصورة كحكمه في الصورة الأولى، ~~وحينئذ فيجب عليه أن يعمل بمقتضاه؛ لأن الأصل وهو المقرر في بداية العقول ~~وجوب العمل بالراجح. الثالث: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بالنص؛ لأنه ~~يحتاج إلى إتعاب النفس في بذل الوسع فيكون أكثر ثوابا، لقوله -صلى الله ~~عليه وسلم- لعائشة: "أجرك على قدر نصبك" 1 فلو لم يعمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم به مع أن بعض أمته قد عمل به، لكان يلزم اختصاص بعض أمته بفضيلة لم ~~توجد فيه وهو ممتنع. الرابع وهو قريب مما قبله أو هو معه دليل واحد: أن ~~العمل بالاجتهاد أدل على الفطانة وجودة القريحة من العمل بالنص قطعا، فيكون ~~العمل به نوعا من الفضل, فلا يجوز خلو الرسول عليه الصلاة والسلام منه ~~لكونه جامعا لأنواع الفضائل. ثم ذكر المصنف للمانعين دليلين أحدهما: قوله ~~تعالى: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} PageV01P395 # [النجم: 3، 4] فإنه يدل على أن الأحكام الصادرة عنه -عليه الصلاة ~~والسلام- كانت بالوحي، والجواب أنه لما أمر بالاجتهاد وتبليغ مقتضاه لم يكن ~~ذلك نطقا بغير الوحي، وأجاب صاحب الحاصل بأن الاجتهاد إذا كان مأمورا به لم ~~يكن النطق به هوى، واقتصر عليه، وتبعه المصنف على ذلك، وهو يشعر بأن الخصم ~~قد استدل بصدر الآية وهو باطل؛ فإنه لا يقول بأن القول بالاجتهاد قول ~~بالهوى، فإن الهوى هو القول لمحض غرض النفس، بل الذي يناسب التمسك به إنما ~~هو قوله تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى} على ما قررناه، ثم لو سلمنا أن ~~الاجتهاد قول بالهوى على تقدير تفسير الهوى المذكور في الآية بما تميل إليه ~~النفس وتسكن له، فلا يستقيم أن يجاب عنه بأنه ليس بهوى، ms550 بل الجواب المطابق ~~أن يقول: هذا الهوى مأمور به. الدليل الثاني: لو جاز له -صلى الله عليه ~~وسلم- أن يجتهد في الأحكام الشرعية لكان يمتنع عليه تأخير فصل الخصومات ~~والمحاكمات إلى نزول الوحي؛ لأن القضاء على الفور، وقد تمكن منه بالاجتهاد, ~~لكنه أخر في الظهار واللعان وأجاب المصنف بأن العمل بالقياس مشروط بفقدان ~~النص, ولوجود أصل يقاس عليه، وحينئذ فنقول: ربما كان انتظاره الوحي لكي ~~يحصل له اليأس عن النص، وذلك بأن يصير مقدار يعرف به أن الله تعالى لا ينزل ~~فيه وحيا, أو انتظارا لأنه لم يجد أصلا يقيس عليه وهذا اليأس أخذه المصنف ~~من الحاصل ولم يذكره الإمام ولا الآمدي. قوله: "فرع ... إلخ" هذا البحث ~~مبني على جواز الاجتهاد للرسول -عليه الصلاة والسلام- فلذلك عبر عنه ~~بالفرع، والذي جزم به المصنف من كونه لا يخطئ اجتهاده قال الإمام: إنه الحق ~~واختاره الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز عليه الخطأ بشرط أن لا يقر عليه، ~~ونقله الآمدي عن أكثر أصحابنا والحنابلة، وأصحاب الحديث، واحتج المانعون ~~بأنا مأمورون باتباعه -صلى الله عليه وسلم- فلو جاز عليه الخطأ لوجب علينا ~~اتباعه فيه، وهذا ضعيف؛ لأن الخصم يمنع أن يقر على الخطأ حتى يمضي زمان ~~يمكن اتباعه فيه، ويوجب التنبيه عليه قبل ذلك فلا يتصور وجوب اتباعه فيه، ~~سلمنا لكنه منقوض بوجوب اتباع العامي للمفتي، واحتج الآمدي بأشياء منها ~~قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] وقوله تعالى في حق ~~أسارى بدر: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] فإن عمر كان قد ~~أشار بقتلهم فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبقوله -عليه الصلاة ~~والسلام: "إنما أحكم بالظاهر". قال: "الثانية: يجوز للغائبين عن الرسول ~~وفاقا، وللحاضرين أيضا إذ لا يمتنع أمرهم به، قيل: عرضة للخطأ، قلنا: لا ~~نسلم بعد الإذن، ولم يثبت وقوعه". أقول: اختلفوا في جواز الاجتهاد لأمة ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- في زمنه على مذاهب حكاها الآمدي، وأحدها: يجوز ~~مطلقا, والثاني: يمتنع مطلقا, والثالث: يجوز للغائبين من القضاة والولاة ~~دون ms551 الحاضرين, والرابع: إن ورد فيه إذن خاص جاز وإلا فلا، والخامس: أنه لا ~~يشترط الإذن بل يكفي السكوت مع العلم بوقوعه. قال: واختلف القائلون بالجواز ~~في وقوع التعبد به، فمنهم من # PageV01P396 # قال: وقع التعبد به، ومنهم من توقف فيه مطلقا، ومنهم من توقف في الحاضر ~~دون الغائب. قال: والمختار جوازه مطلقا، وأن ذلك مما وقع حضوره وغيبته ظنا ~~لا قطعا، وذكر الغزالي وابن الحاجب نحوه أيضا، واختار الإمام جوازه مطلقا، ~~وأما الوقوع فنقل عن الأكثرين أنهم قالوا به في حق الغائب لقضية معاذ، ~~وأنهم توقفوا فيه في حق الحاضر, ومال إلى اختياره، وكلام المصنف أيضا مطابق ~~له كما ستعرفه. إذا علمت ما قلناه علمت أن ما نقله المصنف من الاتفاق على ~~جوازه للغائب ممنوع، وعبارة الإمام أنه جائز بلا شك، ثم استدل المصنف على ~~جوازه في حق الحاضرين بأنه لا يمتنع أمرهم به أي: لا يمتنع عقلا ولا شرعا، ~~أن يقول الرسول للحاضرين عنده: قد أوحي إلي أنكم مأمورون بالاجتهاد والعمل ~~به، فإن ذلك لا يلزم منه محال لا لذاته وهو ظاهر، ولا لغيره إذ الأصل عدمه، ~~فمن يدعيه فعليه البيان. قوله: "قيل: عرضة ... إلخ" أي: استدل المانعون بأن ~~الاجتهاد عرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن من سلوك السبيل المخوف مع القدرة ~~على سلوك الآمن قبيح عقلا، والجواب لا نسلم أن الاجتهاد تعرض للخطأ بعد إذن ~~الشارع فيه، فإنه لما قال للمكلف: أنت مأمور بالاجتهاد وبالعمل به، صار ~~آمنا من الخطأ؛ لأنه حينئذ يكون آتيا بما أمر به، هكذا أجاب به الإمام ~~وأتباعه فتبعهم المصنف وهو ضعيف؛ لأن الإذن في الاجتهاد لا يمنع من وقوع ~~الخطأ فيه كما ستعرفه, بل إنما يمنع من التأثيم، والأولى الجواب أن يقال: ~~لا نسلم أنه قادر على تحصيل النص، فإنه قد يسأل عن الواقعة فلا يرد فيها ~~شيء، بل يؤمر فيها بالاجتهاد، سلمناه، لكن لا نسلم أن ترك العمل بمقتضى ~~الاحتياط قبيح، سلمنا لكنه فرع عن قاعدتي التحسين والتقبيح العقليين. قوله: ~~"ولم يثبت وقوعه" ms552 هو عائد إلى المسألة التي قبله وهو اجتهاد الحاضر، ولا ~~ينبغي إعادته إلى الغائب أيضا، فإنه مع كونه مخالفا الظاهر فإنه مخالف لرأي ~~الأكثرين، والذي مال إليه الإمام كما تقدم إيضاحه. إذا علمت هذا فنقول: أما ~~الوقوع للغائب فدليله قصة معاذ لما بعثه إلى اليمن، وأما التوقف في حق ~~الحاضر فيظهر بذكر أدلة الفريقين، وذكر جوابها كما فعله الإمام فلنذكر ما ~~ذكره، فنقول: احتج المانعون بوجهين، أحدهما: أن الصحابة لو اجتهدوا في عصره ~~-عليه الصلاة والسلام- لنقل، وجوابه أن عدم النقل قد يكون لقلته، ثم إنه ~~معارض بقصة سعد وغيره كما سيأتي. الثاني: أنهم كانوا يرفعون الحوادث إليه، ~~ولو كانوا مأمورين بالاجتهاد لم يرفعوها له، وجوابه أن الرفع قد يكون ~~لسهولة النص, أو لأنه لم يظهر لهم في الاجتهاد شيء، واحتج القائلون بالوقوع ~~بأمرين، أحدهما: تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة, وعمرو بن العاص وعقبة بن ~~عامر ليحكما بين رجلين، وجوابه أن ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز التمسك به ~~إلا في مسألة عملية، وهذه المسألة لا تعلق لها بالعمل. الثاني: قوله تعالى: ~~{وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 109] وجوابه: أن ذلك كان في الحروب ومصالح ~~الدنيا, لا في أحكام الشرع. قال: # PageV01P397 # "الثالثة: لا بد له أن يعرف من الكتاب, والسنة, وما يتعلق بالأحكام, ~~والإجماع, وشرائط القياس، وكيفية النظر, وعلم العربية, والناسخ والمنسوخ، ~~وحال الرواة, ولا حاجة إلى الكلام والفقه؛ لأنه نتيجته". أقول: شرط ~~الاجتهاد كون المكلف متمكنا من استنباط الأحكام الشرعية، ولا يحصل هذا ~~التمكن إلا بمعرفة أمور أحدها: كتاب الله تعالى، ولا يشترط معرفة جميعه كما ~~جزم به الإمام وغيره، بل يشترط أن يعرف منه ما يتعلق بالأحكام وهو خمسمائة ~~آية كما قاله الإمام. قال: ولا يشترط حفظه عن ظهر قلب, بل يكفي أن يكون ~~عارفا بمواقعه، حتى يرجع إليه في وقت الحاجة، والاقتصار على بعض القرآن ~~مشكل؛ لأن تمييز آيات الأحكام من غيرها متوقف على معرفة الجميع بالضرورة، ~~وتقليد الغير في ذلك ممتنع؛ لأن المجتهدين متفاوتون في استنباط ms553 الأحكام من ~~الآيات. لا جرم أن القيرواني في المستوعب نقل عن الشافعي أنه يشترط حفظ ~~جميع القرآن وهو مخالف لكلام الإمام من وجهين. الثاني: سنة رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- ولا يشترط أيضا فيها الحفظ ولا معرفة الجميع كما تقدم. ~~الثالث: الإجماع، فينبغي أن يعرف المسائل المجمع عليها حتى لا يفتي بخلاف ~~الإجماع, وليس المراد حفظ تلك المسائل كما نبه عليه الغزالي، بل طريقه كما ~~قاله الإمام أن لا يفتي إلا بشيء يوافق بعض المجتهد، أو يغلب على ظنه أنها ~~واقعة متولدة في هذا العصر، لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض. الرابع: القياس ~~فلا بد أن يعرفه ويعرف شرائطه المعتبرة وقاعدة الاجتهاد والموصل إلى تفاصيل ~~الأحكام التي لا حصر لها. الخامس: كيفية النظر, فيشترط أن يعرف شرائط ~~الحدود والبراهين، وكيفية تركيب مقدماتها، واستنتاج المطلوب منها ليأمن من ~~الخطأ في نظره. السادس: علم العربية من اللغة والنحو والتصريف؛ لأن الأدلة ~~من الكتاب والسنة عربية الدلالة، فلا يمكن استنباط الأحكام منها إلا بفهم ~~كلام العرب إفرادا وتركيبا, ومن هذه الجهة يعرف العموم والخصوص، والحقيقة ~~والمجاز, والإطلاق والتقييد، وغيره مما سبق, ولقائل أن يقول: هذا الشرط ~~يستغنى عنه باشتراطه معرفة الكتاب والسنة، فإن معرفتهما مستلزمة لمعرفة ~~العربية بالضرورة. السابع: معرفة الناسخ والمنسوخ لئلا يحكم بالمنسوخ ~~المتروك. الثامن: حال الرواة فلا بد من معرفة حالهم في القوة والضعف، ~~ومعرفة طرق الجرح والتعديل؛ لأن الأدلة لا اطلاع لنا عليها إلا بالنقل, فلا ~~بد من معرفة النقلة وأحوالهم، ليعرف المنقول الصحيح من الفاسد. قال الإمام: ~~والبحث عن أحوال الرواة في زماننا مع طول المدة وكثرة الوسائط كالمتعذر, ~~فالأولى الاكتفاء بتعديل الأئمة كالبخاري ونحوه، قال: فظهر بما ذكرناه أن ~~أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه. قوله: "ولا حاجة" أي: لا يحتاج المجتهد ~~"إلى علم الكلام" لإمكان استفادة الأحكام الشرعية من دلائلها لمن جزم ~~بأحقية الإسلام على سبيل التقليد، ولا إلى التفاريع الفقهية أي: مما ولده ~~المجتهدون بعد اتصافهم بالاجتهاد، كما قاله الإمام لأنه نتيجة الاجتهاد, ~~فلا يكون ms554 شرطا وإلا لزم توقف الأصل على الفرع وهو دور، وشرط الإمام أن يكون ~~عارفا بالدليل العقلي كالاستصحاب، وعارفا بأننا مكلفون به، وأهمله المصنف. ~~قال في المحصول: والحق أن صفة الاجتهاد قد تحصل في فن دون فن، بل في مسألة ~~دون مسألة، خلافا لبعضهم. # PageV01P398 ### | الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد # قال: "الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد, واختلف في تصويب المجتهدين، بناء ~~على الخلاف في أن لكل صورة حكما معينا, وعليه دليل قطعي أو ظني، والمختار ~~ما صح عن الشافعي رضي الله عنه أن في الحادثة حكما معينا عليه أمارة، ومن ~~وجدها أصاب، ومن فقدها أخطأ ولم يأثم؛ لأن الاجتهاد مسبوق بالدلالة لأنه ~~طلبها، والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهادان لاجتمع النقيضان، ~~ولأنه قال عليه الصلاة والسلام: "من أصاب فله أجران, ومن أخطأ فله أجر" 1 ~~قيل: لو تعين الحكم فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله ففسق ويكفر؛ لقوله ~~تعالى: {ومن لم يحكم} [المائدة: 44] قلنا: لما أمر بالحكم بما ظنه وإن أخطأ ~~حكم بما أنزل الله, قيل: لو لم يصوب الجمع لما جاز نصب المخالف، وقد نصب ~~أبو بكر زيدا -رضي الله عنهما- لم يجز تولية المبطل والمخطئ ليس بمبطل". ~~أقول: المعروف أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، بل الحق فيها واحد, فمن ~~أصابه أصاب، ومن فقده أخطأ وأثم، وقال العبري والجاحظ: مجتهد فيها مصيب أي: ~~لا إثم عليه، وهما محجوجان بالإجماع كما نقله الآمدي، وأما المجتهدون في ~~المسائل الفقهية وهو الذي تكلم فيه المصنف فهو المصيب منهم واحد، أو الكل ~~مصيبون. وفيه خلاف مبني كما ذكره المصنف وغيره على أن كل صورة هل لها حكم ~~معين أم لا؟ وفيه أقوال كثيرة ذكرها الإمام، واقتصر المصنف على بعضها، ~~فلنذكر ما ذكره منها, أعني الإمام فنقول: اختلف العلماء في الواقعة التي لا ~~نص فيها على قولين, أحدهما: أنه ليس لله تعالى فيها قبل الاجتهاد حكم معين، ~~بل حكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهدين وهؤلاء هم القائلون بأن كل ~~مجتهد مصيب، وهم ms555 الأشعري والقاضي وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة، ~~واختلف هؤلاء فقال بعضهم: لا بد أن يوجد في الواقعة ما لو حكم الله فيها ~~بحكم لم يحكم إلا به، وهذا هو القول بالأشبه، وقال بعضهم: لا يشترط ذلك, ~~والقول الثاني: أن له تعالى في كل واقعة حكما معينا, وعلى هذا فثلاثة أقوال ~~أحدها وهو قول طائفة من الفقهاء والمتكلمين: حصل الحكم من غير دلالة أو ~~أمارة، بل هو كدفين يعثر عليه الطالب اتفاقا، فمن وجده فله أجران ومن أخطأه ~~فله أجر. والقول الثاني: عليه أمارة أي: دليل ظني، والقائلون به اختلفوا ~~فقال بعضهم: لم يكلف المجتهد بإصابته لخفائه وغموضه؛ فلذلك كان المخطئ فيه ~~معذورا مأجورا، وهو قول كافة الفقهاء، وينسب إلى الشافعي وأبي حنيفة، وقال ~~بعضهم: إنه PageV01P399 # مأمور بطلبه أولا, فإن أخطأ وغلب على ظنه شيء آخر تغير التكليف وصار ~~مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه. والقول الثالث: أن عليه دليلا قطعيا، والقائلون ~~به اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه لكن اختلفوا, فقال الجمهور: إن ~~المخطئ فيه لا يأثم ولا ينقض قضاؤه، وقال بشر المريسي بالتأثيم، والأصم ~~بالنقض، والذي نذهب إليه أن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا عليه دليل ~~ظني, وأن المخطئ فيه معذور، وأن القاضي لا ينقض قضاؤه، هذا حاصل كلام ~~الإمام وقد تابعه المصنف على اختياره، وزاد عليه فادعى أنه الذي صح عن ~~الشافعي علمنا بهذا أنه أراد القول الأول المفرع على القول الثاني الذي هو ~~مفرع على الثاني من القولين الأولين, لكنه أهمل منه كون المخطئ فيه مأجورا, ~~وأن المجتهد لم يضف بإصابته، وإنما عبر عن هذا القول بأنه الذي صح عن ~~الشافعي؛ لأن له قولا آخر أن كل مجتهد مصيب، وحكاه ابن الحاجب وغيره، فقال: ~~ونقل عن الأئمة الأربعة للتخطئة والتصويب, واعلم أن كلام الأشعري المتقدم ~~لا يستقيم مع ما ذهب إليه من كون الأحكام قديمة. قوله: "لأن الاجتهاد" أي: ~~الدليل على أن المصيب واحد, دليلان: عقلي ثم نقلي، الأول: أن الاجتهاد ~~مسبوق بالدلالة؛ لأن الاجتهاد هو طلب ms556 دلالة الدليل على الحكم وطلب الدلالة ~~متأخر عن الدلالة؛ لأن طلب الوقوف على الشيء يستدعي تقدم ذلك الشيء في ~~الوجود، فثبت أن الاجتهاد مسبوق بالدلالة، والدلالة متأخرة عن الحكم لأنها ~~نسبة بين الدليل والمدلول الذي هو الحكم، والنسبة بين الأمرين متأخرة ~~عنهما، وإذا ثبت أن الدلالة متأخرة عن الحكم لزم أن يكون الاجتهاد متأخرا ~~عن الحكم بمرتبتين؛ لأنه متأخر عن الدلالة المتأخرة عن الحكم, وحينئذ فلو ~~تحقق الاجتهادان، أي: كان مدلول كل واحد منهما حقا صوابا لاجتمع النقيضان؛ ~~لاستلزامه حكمين متناقضين في نفس الأمر بالنسبة إلى مسألة واحدة. الثاني: ~~قوله -عليه الصلاة والسلام: "من اجتهد فأصاب فله أجران, ومن أخطأ فله أجر" ~~دل الحديث على أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب وهو المدعى وفي الدليل نظر, أما ~~الأصول فلم نسلم أن طلب الشيء يتوقف على ثبوته في الخارج بل على تصوره، ألا ~~ترى أن المتيمم إذا طلب الماء في برية فإنه ليس متحققا لوجوده بل مقصوده، ~~إنما هو التحصيل على تقدير الوجود، سلمنا لكن لا نسلم أن النسبة تتوقف على ~~المنتسبين كما تقدم غير مرة، فإن تقدم البارئ تعالى على العالم نسبة بينه ~~وبين العالم، مع أن هذه النسبة ليست متوقفة على العالم، سلمنا لكنه لا يثبت ~~به المدعى بتمامه, فإنه لا يدل على سقوط الإثم عن المخطئ وحصول الأجر له، ~~وأيضا فدعواه أن الاجتهاد هو طلب الدلالة ممنوعة بل هو طلب الحكم نفسه لكن ~~بوساطة الدلالة، فكان ينبغي له الاقتصار في الدليل عليه؛ لأن مقصوده يحصل ~~به، ولا يتكلف ارتكاب أمر ممنوع ومستغنى عنه، وأما الحديث فلا دلالة فيه ~~أيضا؛ لأن القضية الشرطية لا تدل على وقوع شرطها بل ولا على جواز وقوعه، ~~فإن # PageV01P400 # قيل: لا دلالة فيه أيضا؛ لأن الخطأ متصور عند القائلين بأن كل مجتهد ~~مصيب, وذلك عند عدم استفراغ الوسع، فإنه إن كان ذلك مع العلم بالتقصير فهو ~~مخطئ آثم، وإن كان بدون العلم به فهو مخطئ غير آثم. فلعل هذه الصورة هي ~~المراد من الحديث, ms557 أو لعل المراد منه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع أو ~~قياس جلي، ولكن طلبه المجتهد واستفرغ فيه وسعه فلم يجده، فإن الخطأ في هذه ~~الصورة متصور أيضا عندهم. قلنا: إن وقع الاجتهاد المعتبر فيما ذكرتموه فقد ~~ثبت المدعي وهو خطأ بعض المجتهدين في الجملة, وإن لم يقع فلا يجوز حمل ~~الحديث عليه لما تقرر من وجوب حمل اللفظ على الشرعي، ثم العرفي, ثم اللغوي. ~~فإن قيل: الدليل على أنه ليس كل مجتهد مصيبا قولهم: ليس كل مجتهد مصيبا؛ ~~لأن اجتهاده في هذه المسألة إذا كان صوابا فقد حصل المدعى، وإن كان خطأ فقد ~~وقع الخطأ لهذا المجتهد، وحينئذ فلا يكون كل مجتهد مصيبا. قلنا: هذه ~~المسألة أصولية وكلامنا في المجتهدين في الفروع. قوله: "قيل: لو تعين" أي: ~~احتج من قال بأنه ليس لله في الواقعة حكم معين بل حكمها تابع لظن المجتهدين ~~بأمرين, وأحدهما: أنه لو تعين الحكم لكان المخالف له حاكما بغير ما أنزل ~~الله، وحينئذ فيفسق لقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون} [المائدة: 47] أو يكفر لقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] واللازم باطل اتفاقا فالملزوم مثله، ~~والجواب أن المجتهد لما كان مأمورا بالحكم بما ظنه، وإن أخطأ فيه كان حاكما ~~بما أنزل الله تعالى. الثاني: لو لم يكن كل مجتهد مصيبا لما جاز للمجتهد أن ~~ينصب حاكما مخالفا له في الاجتهاد لكونه تمكينا من الحكم بغير الحق, لكن ~~يجوز لأن أبا بكر -رضي الله عنه- نصب زيد بن ثابت مع أنه كان مخالفة في ~~الجد وغيره، وشاع ذلك بين الصحابة ولم ينكروه، والجواب أن الممتنع إنما هو ~~تولية المبطل أي: من يحكم بالباطل والمخطئ في الاجتهاد ليس بمبطل؛ لأنه آت ~~بالمأمور به. قال: "فرعان: الأول: لو رأى الزوج لفظه كناية، ورأته الزوجة ~~صريحا فله الطلب، ولها الامتناع فيراجعان غيرهما، الثاني: إذا تغير ~~الاجتهاد كما لو ظن أن الخلع فسخ، ثم ظن أنه طلاق فلا ينقض ms558 الأول بعد ~~اقتران الحكم، وينقض قبله". أقول: الفرع الأول: في طريق فصل الحادثة التي ~~لا يمكن الصلح فيها, إذا نزلت بالمجتهدين المختلفين المقلدين لهما سواء، ~~قلنا: المصيب واحد أم لا، كما إذا كان الزوجان مجتهدين، فقال لها: أنت بائن ~~مثلا من غير نية للطلاق، ورأى الزوج أن اللفظ صادر منه كناية فيكون النكاح ~~باقيا، ورأت المرأة أنه صريح فيكون الطلاق واقعا, فللزوج طلب الاستمتاع ~~بها، ولها الامتناع منه، وطريق قطع المنازعة بينهما أن يرجعا إلى حاكم أو ~~يحكما رجلا، وحينئذ فإذا كان حكم الحاكم أو المحكم بشيء وجب عليهما ~~الانقياد إليه، فإن كانت الحادثة مما يجوز فيها الصلح كالحقوق المالية ~~فيجوز فصلها به أيضا # PageV01P401 # وهو واضح. الفرع الثاني: في نقض الاجتهاد، فنقول: إذا أداه اجتهاده إلى ~~أن الخلع فسخ فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثا ثم تغير اجتهاده إلى أن الخلع ~~طلاق, نظر إلى تغير بعد قضاء القاضي بمقتضى الاجتهاد الأول, وهو صحة النكاح ~~فلا يجوز نقضه بالاجتهاد الثاني، بل يستمر على نكاحه لتأكده بالحكم، وإن ~~تغير حكم الحاكم بالصحة وجب عليه مفارقتها؛ لأنه يظن الآن أن اجتهاده خطأ ~~والعمل بالظن واجب، وإليه أشار المصنف بقوله: وينقض قبله، وكأنه أراد ~~بالنقض ترك العمل بالاجتهاد الأول، وإلا فالاتفاق على أن الاجتهاد لا ينقض ~~بالاجتهاد، وهذا التفصيل بعينه يجري في زوجة المقلد لهذا المجتهد، وكلام ~~المصنف يحتمل كلا من المسألتين، وحكى الإمام قولا: أنه لا يجب على المقلد ~~المفارقة مطلقا. # PageV01P402 ### | الباب الثاني: في الإفتاء # قال: "الباب الثاني: في الإفتاء, وفيه مسائل، الأولى: يجوز الإفتاء ~~للمجتهد ومقلد الحي، واختلف في تقليد الميت لأنه لا قول له؛ لانعقاد ~~الإجماع على خلافه، والمختار جوازه للإجماع عليه في زماننا". أقول: مقصود ~~هذا الباب منحصر في المفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء، فلذلك ذكر المصنف ~~فيه ثلاث مسائل لهذه الأمور الثلاثة, المسألة الأولى: في المفتي, فيجوز ~~للمجتهد أن يفتي إذا اتصف بالشروط المعتبرة في الراوي, وهل يجوز للمقلد أن ~~يفتي بما صح عنده من مذهب إمامه، سواء كان ms559 سماعا منه أو رواية عنه أو ~~مسطورا في كتاب معتمد عليه، ينظر فيه. فإن كان إمامه حيا ففيه أربعة مذاهب ~~حكاها ابن الحاجب، يجوز مطلقا وهو مقتضى اختيار الإمام والمصنف لأنه ناقل ~~فجاز كنقل الأحاديث. والثاني: يمتنع مطلقا؛ لأنه إنما يسأل عما عنده لا عما ~~عند مقلده، وأما القياس على نقل الأحاديث فممنوع، قال ابن الحاجب: لأن ~~الخلاف ليس في مجرد النقل, أي: إنما الخلاف في أن غير المجتهد هل له الجزم ~~بالحكم؟ وذكره لغيره ليعلم بمقتضاه. والثالث: لا يجوز عند وجود المجتهد، ~~ويجوز عند عدمه للضرورة. ورابعها: أنه إن كان مطلعا على المآخذ أهلا للنظر ~~جاز لوقوع ذلك على ممر الأعصار من غير إنكار. وإن لم يكن كذلك فلا يجوز ~~لأنه يفتي بغير علم، وهذا هو المختار عند الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, وإن ~~كان إمامه ميتا ففي الإفتاء بقوله خلاف ينبني على جواز تقليده؛ فلذلك عدل ~~المصنف عما ساق الكلام له وهو الإفتاء بقوله: إلى حكاية الخلاف في تقليده ~~وهو حسن, لكن حكايته الخلاف في هذا دون مقلد الحي يوهم الاتفاق على الجواز ~~فيه, وليس كذلك لما عرفت. قوله: "لأنه" أي: الدليل على أنه لا يجوز إفتاء ~~المقلد للميت، أن الميت لا قول له بدليل انعقاد الإجماع على خلافه، ولو كان ~~له قول لم ينعقد على خلاف قول الحي، وإذا لم يكن له قول لم يجز تقليده ولا ~~الإفتاء بما كان ينسب إليه. قالوا: وإنما صنفت كتب الفقه لاستفادة طريق ~~الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث وكيفية بناء بعضها على بعض، ومعرفة المتفق ~~عليه من المختلف فيه. هذا ما نقله الإمام في تقليد الميت حكما وتعليلا ثم # PageV01P402 # مال إلى الجواز فقال: ولقائل أن يقول: قد انعقد الإجماع في زماننا على ~~جواز العمل بهذا النوع من الفتوى؛ لأنه ليس في هذا الزمان مجتهد، والإجماع ~~حجة، وهذا الذي مال إليه قد صرح المصنف باختياره واستدل له مما ذكرناه، وهو ~~دليل ضعيف فإن الإجماع إنما يعتبر من المجتهدين, فإذا لم يوجد مجتهد في ms560 هذا ~~الزمان لم يعتبر إجماع أهله، والأولى في الاستدلال أن يقال: لو لم يجز ذلك ~~لأدى إلى فساد أحوال الناس وتضررهم، ولو بطل قول القائل بموته لم يعتبر شيء ~~من أقواله لروايته وشهادته ووصاياه, وما استدل به الخصم من انعقاد الإجماع ~~على خلافه فممنوع، لما سبق فيه من الخلاف, وإن سلم فهو معارض بحجية الإجماع ~~بعد موت المجمعين. قال: "الثانية: يجوز الاستفتاء العامي لعدم تكليفهم في ~~شيء من الأعصار بالاجتهاد وتفويت معاشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه دون ~~المجتهد لأنه مأمور بالاعتبار. قيل: معارض بعموم: {فاسألوا} [الأنبياء: 7] ~~{وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم} [النساء: 59] وقول عبد ~~الرحمن لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ~~وسيرة الشيخين، قلنا: الأول مخصوص وإلا لوجب بعد الاجتهاد، والثاني: في ~~الأقضية، والمراد من السيرة لزوم العدل". أقول: المسألة الثانية: في ~~المستفتي، أي: فيمن يجوز له الاستفتاء ومن لا يجوز, فنقول: اختلفوا في أن ~~من لم يبلغ رتبة الاجتهاد هل يجوز له الاستفتاء في الفروع؟ فيه ثلاثة مذاهب ~~حكاها الإمام أصحها عنده وعند الإمام وأتباعهما يجوز مطلقا، بل يجوز. ~~والثاني: لا، بل يجب عليه أن يقف على الحكم بطريقة, وإليه ذهب المعتزلة ~~البغدادية. وثالثها: قال به الجبائي: يجوز ذلك في المسائل الاجتهادية ~~كإزالة النجاسة بالخل ونحوه، دون المسائل المنصوصة كتحريم الربا في الأشياء ~~الستة مثلا، والخلاف كما قال ابن الحاجب جار في غير المجتهد، سواء كان ~~عاميا محضا "عاما" ثم استدل المصنف على الجواز بأمرين أحدهما: إجماع السلف ~~عليه؛ لأن العوام لم يكلفوا في شيء من الأعصار باجتهاد, فلو كانوا مأمورين ~~بذلك لكلفوهم به، وأنكروا عليهم العمل بفتاويهم، مع أنه لم يقع شيء من ذلك. ~~الثاني: أن تكليفهم بالاجتهاد يؤدي إلى تفويت معايشهم واستضرارهم بالاشتغال ~~لتحصيل أسبابه، وذلك سبب لفساد الأحوال فيكون القول باطلا. قوله: "دون ~~المجتهد" أي: فإنه لا يجوز له الاستفتاء، أي: لا بعد الاجتهاد اتفاقا كما ~~قاله الآمدي وابن الحاجب، ولا قبله على المختار عندهما وعند الإمام ~~وأتباعه؛ لأنه مأمور بالاعتبار ms561 أي: الاجتهاد لقوله تعالى: {فاعتبروا} فإنه ~~عام شامل للعامي وللمجتهد، وترك العمل به بالنسبة إلى العامي تعجزه عن ~~الاجتهاد, فيبقى معمولا به في حق المجتهد، وحينئذ فلو جاز له الاستفتاء ~~لكان تاركا الاعتبار المأمور به، وتركه لا يجوز، وقد حكى الآمدي وابن ~~الحاجب في المسألة سبعة مذاهب تعرض الإمام لأكثرها، وأصحها ما قاله المصنف, ~~والثاني: يجوز مطلقا وهو مذهب أحمد، # PageV01P403 # والثالث, قاله بعض أهل العراق: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به, والرابع: ~~يجوز فيما يفوت وقته أي: مما يخصه أيضا كما نبه عليه الآمدي، ولا يجوز فيما ~~لا يفوت وقته، والخامس وهو مذهب محمد بن الحسن: يجوز تقليد الأعلم لا تقليد ~~المساوي والأدون، والسادس: يجوز تقليد الصحابي بشرط أن يكون أرجح في نظره ~~من غيره وما عداه لا يجوز, وقد تقدم نقله عن الشافعي، والسابع: يجوز تقليد ~~الصحابي والتابعي دون غيرهما، وحكى الآمدي ثامنا عن ابن سريج لم يذكره ابن ~~الحاجب: أنه يجوز تقليد الأعلم بشرط تعذر الاجتهاد، وهذا الخلاف إنما هو في ~~الجواز لا في الوجوب، كما نبه عليه الإمام في أثناء هذه المسألة. قوله: ~~"قيل: معارض" يعني: أن الاستدلال على المنع بقوله تعالى: {فاعتبروا} ~~[الحشر: 2] معارض بثلاثة أدلة، أحدها: قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7] فإنه يدل على جواز السؤال لمن لا يعلم كان ~~مجتهدا أو غير مجتهد، والمجتهد قبل اجتهاده غير عالم، فوجب أن يجوز له ذلك. ~~الثاني: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] فإنه يدل على قبول قول أولي الأمر على كل ~~أحد مجتهدا كان أو غيره، والعلماء من أولي الأمر لأن أمرهم ينفذ على ~~الأمراء والولاة، فيكون قولهم معمولا به في حق المجتهد والمقلد. الثالث: ~~الإجماع, فإن عبد الرحمن بن عوف قال لعثمان -رضي الله عنهما- حين عزم على ~~مبايعته: أبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيره ~~الشيخين, فالتزمه عثمان, وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد، ms562 ~~فكان ذلك إجماعا على جواز أخذ المجتهد بقول المجتهد الميت. وإذا جاز ذلك ~~جاز الأخذ بقول الحي بطريقة الأولى، وأجاب المصنف عن الأول وهو قوله: ~~{فاسألوا} بأنه مخصوص بالعوام، ولو كان شاملا للمجتهدين غير العاملين لكان ~~يجوز للمجتهد ذلك بعد الاجتهاد أيضا؛ لكونه ظانا بالحكم لا عالما به, لكنه ~~لا يجوز اتفاقا كما تقدم. قال الإمام: ومقتضاه وجوب السؤال وهو غير واجب ~~بالإجماع، ولأنه أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول عنه، وهو مطلق يصدق ~~بصورة، وقد قلنا بهذا السؤال عند الأدلة عن الثاني، وهو قوله تعالى: ~~{أطيعوا الله} الآية بأن ذلك إنما ورد في الأقضية دون المسائل الاجتهادية، ~~أو نقول: إنه مطلق ولا عموم فيه فيكفي حمله على الأقضية, وعن الثالث وهو ~~الإجماع أن المراد بالسيرة إنما هو لزوم العدل والإنصاف بين الناس، والبعد ~~عن حب الدنيا لا الأخذ بالاجتهاد. قال: "الثالثة: إنما يجوز في الفروع، وقد ~~اختلف في الأصول. ولنا فيه نظر، وليكن هذا آخر كلامنا, والله الموفق ~~والهادي للرشاد". أقول: المسألة الثالثة: فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا ~~يجوز، فنقول: يجوز للعامي الاستفتاء في الفروع على ما فيه من الخلاف ~~المذكور في المسألة السابقة, واختلفوا في الأصول كوجود الصانع ووحدته، ~~وإثبات الصفات ودلائل النبوة، فالأكثرون على ما نقله الآمدي واختاره هو ~~والإمام # PageV01P404 # وابن الحاجب أنه لا يجوز لا للمجتهد ولا للعامي؛ لأن تحصيل العلم في ~~الأصول واجب على الرسول لقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: ~~19] , وإذا وجب عليه وجب علينا لقوله تعالى: {فاتبعوه} [الأعراف: 158] . # واعترض عليه بأن الدليل خاص بالتوحيد، والدعوى عامة فلا يفيد المطلوب، ~~واستدل المجوز بالقياس على جواز التقليد في المسائل الفروعية، وأجاب ~~الأولون بأن المسائل الفروعية غير متناهية، فيعسر على العامي الوقوف عليها ~~بخلاف المسائل الأصولية فإنه لا عسر فيها لقلتها. وتوقف المصنف في هذه ~~المسألة لتعارض الأدلة من الجانبين عنده من غير ترجيح؛ فلهذا قال: ولنا فيه ~~نظر، ونقل الآمدي وابن الحاجب عن بعضهم أن النظر فيه حرام وهو ظاهر كلام ms563 ~~الشافعي، وهذه المسألة محلها علم الكلام؛ فلذلك اختصر فيه المصنف. "فرعان" ~~حكاهما الإمام, الأول: إذا وقعت للمجتهد حادثة فاجتهد فيها وأفتى ثم وقعت ~~له ثانيا, فإن كان ذاكرا لما مضى من طريق الاجتهاد فهو مجتهد، ويجوز له ~~الإفتاء به، وإن نسيه لزمه استئناف الاجتهاد، وحينئذ فإذا تغير اجتهاده ~~لزمه العمل بالثاني، والأحسن تعريف المستفتي بالتغير لئلا يعمل به, قال: ~~ولقائل أن يقول: لما كان الغالب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به أولا كان ~~طريقا قويا، لزم بالضرورة أن يحصل له الظن بأن تلك الفتوى حق، وحينئذ فيجوز ~~له الفتوى به؛ لأن العمل بالظني واجب، وقد صحح ابن الحاجب أن تجديد ~~الاجتهاد لا يجب، ولم يفصل بين الذاكر وغيره، مع أن الآمدي حكى فيه أقوالا ~~ثلاثة, وصحح التفصيل. "الثاني": اتفقوا على أن العامي لا يجوز له أن يستفتي ~~إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع، وذلك بأن يراه منتصبا ~~للفتوى بمشهد الخلق، ويرى إجماع المسلمين على سؤاله, فإن سأل جماعة فاختلفت ~~فتاويهم, فقال قوم: يجب عليه الاجتهاد في أورعهم وأعلمهم، وقال آخرون: لا ~~يجب ذلك, ثم إذا اجتهد فإن ترجح أحدهما مطلقا في ظنه تعين العمل بقوله, وإن ~~ترجح أحدهما في الدين واستويا في العلم وجب القول بأخذ الأدين، وإن ترجح في ~~العلم واستويا في الدين فمنهم من خيره، ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم ~~وهو الأقرب، وإن ترجح أحدهما في الدين وترجح الآخر في العلم فقيل بقول ~~الأدين، والأقرب الأخذ بقول الأعلم، وإن استويا مطلقا فقد يقال: لا يجوز ~~وقوعه, كما قد قيل في استواء الأمارتين، وقد يقال بجوازه وحينئذ فإذا وقع ~~ذلك يخير، ورجح ابن الحاجب جواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل، وحكى خلافا ~~في استفتاء المفضول سبقه إليه الغزالي ثم الآمدي، وهو وارد على الإمام في ~~دعواه الاتفاق على المنع كما تقدم. "فرعان" حكاهما ابن الحاجب، أحدهما: ~~يجوز خلو الزمان عن المجتهد خلافا للحنابة، لنا قوله -عليه الصلاة والسلام: ~~"إن الله لا يقبض العلم ms564 انتزاعا ينتزعه, ولكن يقبض # PageV01P405 # العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الله رؤساء جهالا, فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم, فضلوا وأضلوا" 1 "الثاني": إذا قلد مجتهدا في مسألة فليس له تقليد ~~غيره فيها اتفاقا، ويجوز ذلك في حكم آخر على المختار, فلو التزم مذهبا ~~معينا كالطائفة الشافعية والحنفية، ففي الرجوع إلى غيره من المذاهب ثلاثة ~~أقوال، ثالثها: يجوز الرجوع فيما لم يعمل به ولا يجوز في غيره. "فائدتان" ~~إحداهما: ذكر القرافي في شرح المحصول أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه فشرطه ~~أن لا يكون موقعا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، ~~والإمام الذي انتقل إليه. فمن قلد مالكا مثلا في عدم النقض باللمس الخالي ~~عن الشهوة فصلى, فلا بد أن يدلك بدنه ويمسح جميع رأسه، وإلا فتكون صلاته ~~باطلة عند الإمامين. "الفائدة الثانية": تقليد الصحابة -رضي الله عنهم- ~~ينبني على جواز الانتقال في المذاهب، كما حكي عن ابن برهان في الأوساط؛ لأن ~~مذاهبهم غير مدونة ولا مضبوطة حتى يمكن المقلد الاقتداء بها فيؤديه ذلك إلى ~~الانتقال، وقال إمام الحرمين في البرهان: أجمع المحققون على أن العوام ليس ~~لهم أن يتعلقوا بمذهب أعيان الصحابة -رضي الله عنهم- بل عليهم أن يتبعوا ~~مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل ~~لأنهم أوضحوا طرق النظر وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها، وذكر ابن الصلاح ~~أيضا ما حاصله: أنه يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب ~~الأربعة قد انتشرت وعلم تقييد مطلقها وتخصيص عامها، ونشرت فروعها بخلاف ~~مذهب غيرهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وحشرنا في زمرتهم، والله رحيم ودود. # تم الكتاب والله الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب، وله الحمد ~~ظاهرا وباطنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قال مؤلفه العبد الفقير إلى عفو الله ~~وغفرانه، عبد الرحيم بن الحسن القرشي الإسنوي الشافعي, عامله الله بلطفه: ~~فرغت من هذا الكتاب المبارك عند فراغ السنة المباركة سنة إحدى وأربعين ~~وسبعمائة، أحسن الله تعالى خاتمتها وعقباها بمنه وكرمه، وابتدأت فيه في شهر ~~صفر سنة أربعين وسبعمائة، ms565 وكان تأليفه في المدرسة المباركة الشريفة، رحم ~~الله واقفها, من القاهرة المعزية حماها الله وسائر بلاد الإسلام، اللهم ~~فكما أرشدت إلى ابتدائه، وأعنت على انتهائه، فاجعله خالصا لوجهك، موجبا ~~للفوز لديك، وأنفع به مؤلفه، وكاتبه، والناظر فيه، وجميع المسلمين، وصلواته ~~وسلامه على سيدنا محمد, وآله أجمعين، والحمد لله رب العالمين. PageV01P406 ms566