######OpenITI# #META# ad: 728 #META# الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة، #META# ndata: [المجلد E1B54D52ة (1326) #META# تحقيق: محمد علي عجال #META# auth: الواحدي :: ابن تيمية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تلخيص كتاب الاستغاثة = الرد على البكري ¶ المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728ه) ¶ الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة، ¶ الطبعة: الأولى، 1417 ¶ تحقيق: محمد علي عجال ¶ عدد الأجزاء: 2 ¶ إعداد: عبد الحميد الأزهري [قمت بتصليح كثير من الأخطاء التي كانت موجودة في النسخة السابقة]. ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728ه) #META# إعداد: عبد الحميد الأزهري [قمت بتصليح كثير من الأخطاء التي كانت موجودة في النسخة السابقة]. #META# higrid: 728 #META# Lng: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 2 #META# الكتاب: تلخيص كتاب الاستغاثة = الرد على البكري #META# authno: 54 #META# cat: كتب ابن تيمية #META# authinf: الواحدي (000 - 468 ه) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: ابن تيمية، تقي الدين (661 - 728 ه، 1263 - 1328 م). ¶ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. ¶ • شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه، فقيه أصولي ومفتي الدين الحصيف وصاحب الآثار الكبرى في علوم الدين والفكر الإسلامي. ولد بحران بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق وظهرت عليه علامات النجابة منذ نعومة أظفاره، فكان قوي الذاكرة سريع الحفظ. نهل من منهج النبوة، حتى آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة 720 ه. ¶ • كان من أشد مفكري الإسلام نقدا للفلسفة وعلم الكلام، ودعا إلى وضع العقل بعد النقل وليس قبله. وقد صنف كتابا ضخما سماه درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول رد فيه على شطحات الفلاسفة، وفند فيه دعاوى أهل الفرق الضالة حسب رأيه واجتهاده، ودافع فيه عن المنطق الفطري، وهو المنطق السليم، منطق القرآن الكريم. وفي كتابه الرد على المنطقيين حمل على دعوى أتباع أرسطو من المنطقيين الذين ذهبوا إلى أن المفاهيم التي ليست بديهية لاتدرك إلا بالحد (الدليل) بحجة أنها لما كانت غير بديهية كان لابد لها من دليل، وإلا كانت دعوتهم باطلة، وبين ابن تيمية أن تحديد المفاهيم تكتنفه الصعاب، وحتى من دافع عن المنطق من أهل الفلسفة وعلم الكلام، اضطر إلى التسليم بصعوبة تحديد الجنس أو الفصل الخاص، الذي يقوم عليه التعريف، ونسبه ابن تيمية إلى اختلاف الناس في سرعة إدراك الحد الأوسط في القياس مثل حيوان يمشي على أربع، والكلب حيوان، الكلب يمشي على أربع، فالحد الأوسط هنا وهو الكلب حيوان لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه الغبي. والنتيجة تحصيل حاصل. وانتقد كذلك نظريات البرهان عند أرسطو باعتبار أن البرهان يتناول الكليات الذهنية، في حين أن الكائنات موجودات جزئية، ولذلك فالبرهان لايؤدي إلى معرفة إيجابيته بالكائنات بشكل عام وبالله بشكل خاص. ¶ • ذهب ابن تيمية إلى مصر فسجن بها، ورجع إلى دمشق، وجاهد ضد التتار وحبسه السلطان لفتواه عن طلاق الثلاث، وتحرش به علماء دمشق عند السلطات ليوقعوا به، فحبس ثانية في قلعة دمشق ومات فيها. وخرجت البلدة على بكرة أبيها تشيع جنازته. ¶ • كان ابن تيمية صالحا مصلحا، داعيا إلى الإصلاح والعودة إلى القرآن والسنة، وكان ذا باع طويل في اللغة العربية وعلومها، وفي مختلف العلوم. تربو مصنفاته على ثلاثمائة مجلد في علوم الإسلام المختلفة من أهمها: اقتضاء الصراط المستقيم في الرد على أهل الجحيم؛ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية؛ الصارم المسلول على شاتم الرسول؛ الواسطة بين الخلق والحق؛ العقيدة التدمرية؛ الكلام على حقيقة الإسلام والإيمان؛ العقيدة الواسطية؛ بيان الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن؛ تفسير سورة البقرة؛ درء تعارض العقل والنقل؛ منهاج السنة النبوية؛ مجموعة الفتاوى. ¶ • خالف بعض الأئمة والعلماء بعض آراء ابن تيمية وفتاويه وردوا عليه. ومن هؤلاء العلماء: صفي الدين الهندي وتقي الدين السبكي وشمس الدين الذهبي وابن حجر العسقلاني والعز بن جماعة وبدر الدين محمد بن إبرهيم بن جماعة وغيرهم. ¶ نقلا عن ¶ الموسوعة العربية العالمية http://www.mawsoah.net #META# bkid: 34352 #META# comp: 1 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 717 #META# bk: تلخيص كتاب الاستغاثة = الرد على البكري #META# bkord: 8519 #META# archive: 23 #META# iso: تلخيص كتاب الاستغاثه الرد علي البكري #META# الطبعة: الأولى، 1417 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# ### | AUTO [المجلد الأول] PageV01P001 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # هذا مما وجد في مجموع مخطوط فيه مسائل شتى لشيخ الإسلام تقي الدين بن ~~تيمية ومنه. ### || AUTO فصل في ذكر البكري # الذي رد على شيخ الإسلام في مسألة الاستغاثة أثبتنا هنا ما عثرنا عليه ~~بحروفه وبالله التوفيق وهذا نصه فصل في ذكر البكري # قال الشيخ عماد الدين بن كثير في تاريخه اسمه على بن يعقوب بن جبريل ~~البكري الشافعي المصري توفي يوم الاثنين سابع ربيع الآخر ودفن بالقرافة وقد ~~هم السلطان بقتله مرارا فتشفع فيه PageV01P049 ~~الأمراء وكان يقال له نور الدين أبا الحسن # له رد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين أضحك ~~فيها على نفسه العقلاء وشمت به فيها الأعداء لأن مثله مثل ساقية صغيرة كدرة ~~الماء لاطمت بحرا عظيما صافي الماء قد ملئ درا وجوهرا وحكمة وعلما أو كرملة ~~صغيرة أرادت زوال جبل شامخ عن محله حطما فكان كما قال عنه شيخ الإسلام إبن ~~تيمية إن كلامه لا يتكلم به أحد من أهل العلم والإيمان وإنما يتكلم به أعور ~~بين عميان يروج عليهم بسبب ضلالهم وإضلالهم ما يقوله من الهذيان # وكان شيخه شمس الدين الجزري قد رد عليه فيما دخل فيه في هذا المسألة من ~~التكفير وأعظم عليه في ذلك النكير وبين أن هذا الكلام الذي صدر منه لا ~~يقوله أحد ممن يعرف بالعلم والإيمان وإنما يقوله جاهل في غاية الجهل أو صبي ~~مع الصبيان وأخذ شيخه يندب على مصر وينوح إذ كان مثل هذا الكلام يظهر به ~~فيها شخص ويبوح # قال ابن تيمية رأيت أن مثل هذا لا يخاطب خطاب العلماء وإنما PageV01P050 ~~يستحق التأديب البليغ والنكال الوجيع الذي يليق بمثله من السفهاء إذا سلم ~~من التكفير فإنه لجهله ليس له خبرة بالأدلة الشرعية التي تتلقى منها ~~الأحكام ولا خبرة بأقوال أهل العلم الذين هم أئمة أهل الإسلام بل يريد أن ~~يتكلم بنوع مشاركة في فقه وأصول وتصوف ومسائل كبار بلا معرفة ولا تعرف ~~والله أعلم بسريرته هل ms01 هو طالب رياسة بالباطل أو ضال يشبه الحالي بالعاطل ~~أو اجتمع فيه الأمران وما هو من الظالمين ببعيد # قال وكلامه في الاستغاثة بغير الله أتى فيه من الجهالات بالعجب العجاب # قال فمجموع ما قاله ما علمت أنه سبقه إليه أحد من المسلمين ومع هذا إنه ~~لم يجترئ على أن يكتب فيها شيئا حتى نظر جوابي في الاستفتاء الذي كتبته ~~وأرسل به إلي فاستعان به على ما قاله وأعاره بعض الأمراء كما أخبرني كتابي ~~الذي كنت صنفته من مدة وسميته الصارم المسلول على شاتم الرسول فإني ذكرت ~~فيه ما يجب على من سب الرسول صلى الله عليه وسلم من العقوبات الشرعية وذكرت ~~فيه من أصول هذه المسألة وفروعها والدلائل الشرعية عليها وكلام أئمة ~~الإسلام فيه ما يعرفه من وقف عليه فأخذ هذا الكلام مما ذكرته في ذلك وجعلته ~~صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق والاعتداء ما استعمله ~~هذا الجاهل الظالم في حق أهل العلم والاهتداء # إلى أن قال شيخ الإسلام ثم إن الأصحاب تقاضوني تعليقا على PageV01P051 ~~كلام هذا الظالم الجاهل لئلا يضل بكلامه بعض الطغام حتى قال لي بعضهم إن ~~الكلام على هذه المسألة من أفضل الكلام إذ فيها بيان التوحيد ونفي الشرك عن ~~الصمد المجيد فإن أول ما نشأ الشرك وعبادة غير الله من القبور # وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الهياج الأسدي أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال له ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، فأمره بمحو ~~الشرك وأصله الذي ينشأ منه # والمقصود أن الشيخ رد على البكري ونقض قوله نقضا أجاد فيه وأفاد وبين ما ~~فيه من حق وباطل في مجلدة كبيرة أبطل فيها أنواع الشرك الاعتقادي والعملي ~~وما يتفرع منهما بالأدلة والبراهين القاطعة المقبولة التي تسر قلوب أهل ~~السنة وتقر أعينهم عند سماعها وتسود وجوه أهل الأهواء والبدع ويرهقها قتر ~~وذلة ms02 فرحم الله من قبل الحق ونصره ورد الباطل وخذله وأهله # ومما استدل به البكري الحديث الذي يروي أن آدم عليه السلام لما أكل من ~~الشجرة وجرى ما جرى استشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله يا آدم كيف ~~عرفت محمدا ولم أخلقه بعد قال له لما نفخت في الروح رفعت رأسي فرأيت على ~~قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا ~~أحب الخلق عليك فقال صدقت PageV01P052 ~~يا آدم إنه لأحب خلقي إلي وإذ سألتني به فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك ~~وهو آخر الأنبياء من ذريتك PageV01P053 ~~PageV01P054 # ذكره في رده مع نظائره من هذا الجنس الذي لا يستجيز الصبيان ذكره فضلا عن ~~الجهال فضلا عمن شم للعلم شمة أو نشق له رائحة PageV01P055 ~~قال وقد رواه بصيغ مختلفة من المفسرين والمحدثين من لا أحصيهم كثرة ولم ~~يروه من المرويات المنكرة # قال وقد جاء أن نوحا وإدريس وأيوب وموسى وجماعة من الأنبياء توسلوا به # قال شيخ الإسلام ابن تيمية في نقضه كلامه وحله إبرامه # فيقال أولا هذا الحديث وأمثاله لا يحتج به في إثبات حكم شرعي لم يسبقه ~~أحد من الأئمة إليه وإثبات عبادة لم يقلها أحد من الصحابة ولا التابعين ~~وتابعيهم إلا من هو أجهل الناس بطرق الأحكام الشرعية وأضلهم في المسالك ~~الدينية # فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد حسن ~~ولا صحيح بل ولا ضعيف يستأنس به ويعتضد به وإنما نقل هذا وأمثاله كما تنقل ~~الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب وتنقل عن مثل كعب ووهب وابن إسحاق ~~ونحوهم ممن أخذ ذلك عن مسلمة أهل PageV01P056 ~~الكتاب أو غير مسلمتهم أو عن كتبهم كما روى أن عبد الله بن عمرو وقعت له ~~صحف يوم اليرموك من الإسرائيليات فكان يحدث منها بأشياء # ويكفيك أن هذا الحديث ليس في شئ من دواوين الحديث التي يعتمد عليها لا في ~~الصحاح كالبخاري ومسلم وصحيح أبن خزيمة وأبي حاتم بن ms03 حبان وابن منده ~~والحاكم ولا في المستخرجة على PageV01P057 ~~الصحيح لأبي عوانة وأبي نعيم ومستخرج البرقاني والإسماعيلي ولا في السنن ك ~~سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ولا في الجوامع ك جامع الترمذي وغيره ولا ~~في المسانيد ك مسند أحمد ونحوه ولا في المصنفات ك موطأ مالك ومصنف عبد ~~الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شية ووكيع ومسلمة ولا في كتب التفسير ~~المروية بالأسانيد التي يميز فيها بين المقبول والمردود ك تفسير عبد الرزاق ~~وعبد بن حميد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ~~وابن أبي شيبة وبقي بن مخلد ونحوهم وتفسير ابن أبي حاتم وابن داود ومحمد بن ~~جرير وأبي بكر بن المنذر وابن مردويه # وقد جمع غير واحد من الحفاظ قصة آدم ومن أجمعهم أبو القاسم ابن عساكر في ~~تاريخه الكبير فإنه روى عامة ما رواه الناس ولم يذكر هذا وإنما ذكر هذا ~~وأمثاله من يجمع الموضوعات الكثيرة والأكاذيب العظيمة مثل مصنف كتاب وسيلة ~~المتعبدين الذي صنفه الشيخ عمر الموصلي ومثل تنقلات الأنوار للبكري الذي ~~فيه من الكذب والأكاذيب مما لا يخفى على فطن لبيب ومثل القاضي عياض بن موسى ~~البستي مع علمه وفضله ودينه أنكر العلماء عليه كثيرا مما ذكره في شفائه من ~~الأحاديث والتفاسير التي يعلمون أنها من الموضوعات والمناكير مع أنه قد ~~أحسن فيه وأجاد بما فيه من تعريف حقوق خير العباد وفيه من الأحاديث PageV01P058 ~~الصحيحة والحسان ما يفرح به كل من عنده إيمان # وإذا كان تفسير الثعلبي وصاحبه الواحدي ونحوهما فيها من الغريب الموضوع ~~في الفضائل والتفسير ما لم يجز معه الاعتماد على مجرد عزوه إليها فكيف ~~بغيره ك تفسير أبي القاسم القشيري وأبي الليث السمرقندي وحقائق التفسير ~~لأبي عبد الرحمن السلمي الذي ذكر فيه عن جعفر ونحوه ما يعلم أنه من أعظم الكذب # مع أن هؤلاء المصنفين أهل صلاح ودين وفضل وزهد وعبادة ولكنهم كما # قال مالك أدركت في هذا المسجد سبعين شيخا كل له فضل وصلاح ودين ولو ائتمن ms04 ~~أحدهم على بيت مال لأدى فيه الأمانة يقول أحدهم حدثني أبي عن جدي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما نأخذ عن أحد منهم شيئا وكان ابن شهاب يأتينا ~~وهو شاب فنزدحم على بابه لأنه كان يعرف هذا الشأن # وقال أيوب السختياني إن من جيراني لمن أرجو بركة دعائه في السحر ولو شهد ~~عندي على حزمة بقل لم أقبله # وسئل عن بعضهم فقال رجل صالح وللحديث رجال يعرفون به وللدواوين حساب وكتاب # وقد روى أبو بكر الآجري وابن الجوزي آثارا في أن اسم النبي PageV01P059 ~~صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا على ساق العرش وعلى أبواب الجنة وهذا ممكن ~~فإنه قد ثبت عن ميسرة قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا وفي رواية متى ~~كتبت نبيا قال: «وآدم بين الروح والجسد» PageV01P060 ~~وفي مسند أحمد وغيره بإسناد حسن عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ~~سأنبئكم بأول أمري دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي رأت حين ولدتني ~~كأنها خرج منها نور أضاءت له قصور الشام» PageV01P061 ~~PageV01P062 PageV01P063 ~~PageV01P064 # وفي حديث أبي هريرة سئل النبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة قال: ~~«بين خلق آدم ونفخ الروح فيه» رواه الترمذي وحسنه. # ففي هذه الأحاديث أن الله كتب اسمه بعد خلق آدم وقبل نفخ الروح فيه # وأما ما يرويه كثير من الجهال والاتحادية وغيرهم من أنه قال كنت نبيا ~~وآدم بين الماء والطين وآدم لا ماء ولا طين فهذا مما لا أصل له لا من نقل ~~ولا من عقل فإن أحدا من المحدثين لم يذكره ومعناه PageV01P065 ~~باطل فإن آدم عليه السلام لم يكن بين الماء والطين قط فإن الطين ماء وتراب ~~وإنما كان بين الروح والجسد # ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ موجودا ~~وأن ذاته خلقت قبل الذوات ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراه مثل حديث فيه ~~أنه كان نورا حول العرش ms05 فقال يا جبريل أنا كنت ذلك النور ويدعي أحدهم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل # والمقصود هنا أن الله سبحانه وتعالى كتبه نبيا بعد خلق آدم قبل نفخ الروح فيه # وهو موافق لما أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود إن خلق أحدكم يجمع ~~في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك PageV01P066 ~~ثم يكون مضغة مثل ذلك إلى آخره بين فيه خلق الجنين وتنقله من حال إلى حال ~~فناسب هذا أنه بين خلق آدم ونفخ الروح فيه تكتب أحواله ومن أعظمها كتابة ~~سيد ولده # وإذا كان هذا ثابتا أمكن أن يكتب اسمه كما رواه بالإسناد لكن الجزم ~~بثبوته يحتاج إلى دليل يثبت بمثله فما علمناه قلناه وما لم نعلمه أمسكنا عنه # والرب تعالى قد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة وعرشه ~~على الماء قد علمهم وما هم عاملون ثم أبرزهم في أحايين قدرها فكل يوم هو في ~~شؤون يبديها لا شؤون يبتديها وقد بسط الكلام على هذا في مواضع # فما ذكره البكري في قصة آدم من توسله فليس له أصل ولا نقله أحد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا يصلح للاعتماد ولا للاعتضاد ولا للاستشهاد فإن من ~~الأحاديث الضعيفة ما يستشهد به ويعتبر كأحاديث ابن لهيعة وإبراهيم PageV01P067 ~~الهجري بل ولا له إسناد معروف عن أحد من الصحابة ولا التابعين الذين يأثرون ~~ما يذكرونه من مثل هذا عن الصحابة ليقال مثل هذا لا يقولونه إلا توقيفا # ومما يبين كذب هذا أن الله سبحانه وتعالى قال {فتلقى آدم من ربه كلمات ~~فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قلنا اهبطوا منها جميعا} فأخبر أنه تاب ~~عليه بالكلمات التي تلقاها منه # وقد قال تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} الآية فأخبر أنه أمرهم بالهبوط ~~عقب هذه الكلمات # وأخبر أنه تاب عليه عقب الكلمات وأمره بالهبوط فكان أمره بالهبوط عقب ~~الكلمات التي تلقاها منه وهي قولهما {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ms06 لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين} أو كلمات تشبه هذه الكلمات ذكر ذلك طائفة ~~كثيرة من المفسرين # ومن ذكر أن الكلمات التي تلقاها من ربه غير هذه لم يكن معه حجة في خلاف ~~ظاهر القرآن # وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة في هذه الكلمات أشياء كثيرة كلها ~~تدور على ما ذكره الله في كتابه من قول آدم وحواء {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} PageV01P068 ~~وأيضا فإن قولهما {ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا} يتضمن الإقرار ~~والاستغفار # ومن هو دون آدم إذا أقر بذنبه واستغفر منه غفر له كما في الصحيحين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة «إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ~~وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه» # وقال تعالى: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} # وكذلك الآية التي في آل عمران {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون} PageV01P069 ~~وإذا حصلت مغفرة بالتوبة حصل المقصود بها لا بغيرها. # وقد ثبت في الصحيح عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ~~«يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها» # وأيضا فلو كان آدم قد قال هذا لكانت أمة محمد أحق به منه بل كان الأنبياء ~~من ذريته أحق به # وقد علم كل عالم بالآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أمته به ~~ولا نقل عن أحد من الصحابة الأخيار ولا نقله أحد من العلماء الأبرار فعلم ~~أنه من أكاذيب أهل الوضع والاختلاق الذين وضعوا من الكذب أكثر مما بأيدي ~~المسلمين من الصحيح لكن الله فرق بين الحق والباطل بأهل النقد العارفين ~~بالنقل علماء التعديل والتجريح # وهذا من جنس ما يرويه بعض العامة إذا سألتم الله فسألوه بجاهي فإن جاهي ~~عند ms07 الله عظيم وهو كذب موضوع من الأحاديث PageV01P070 ~~المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام # قال الإمام أحمد للناس أحاديث يتحدثون بها على أبواب دورهم ما سمعنا بشيء ~~منها وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لم نعلم والقول على رسوله صلى ~~الله عليه قول عليه لأن ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وسلم من أمر ~~فالله أمرنا به فلو كان قد قاله لكنا مأمورين به ولا يجوز أن نقول إن الله ~~أمرنا ما لم نعلم أن الله أمرنا به فكيف إذا لم يذكره عالم ولا عارف فكيف ~~إذا كان أهل المعرفة بالحديث يقطعون بأنه كذب موضوع والعلم بذلك علم مسلم ~~لأهله لهم فيه طرق ومعارف يختصون بها كما يختص علماء الأحكام بالعلم بطرقها # ولهذا كان أحمد بن حنبل يعطي كل ذي حق حقه كان يعرف ليحيى بن معين معرفته ~~بالفن الأول ويقدمه في معرفة الرجال ويكرمه ويعظمه وكان يحيى يتكلم في ~~الشافعي بكلام ليس بمستقيم حتى أنه أخذ كلامه في قتال البغاة فجاء به إلى ~~أحمد منكرا على الشافعي بعض ما فيه من ذكر قتال البغاة وإدخال ذكر قتال علي ~~وطلحة والزبير فيه فقال له وهل يمكنه أن يقول في هذا المقام إلا هذا وأظنه ~~قال له لا تتكلم فيما لا تحسن أو نحوه من الكلام الذي فيه إنكار على يحيى لأجل PageV01P071 ~~إنكاره على الشافعي في طرق الأحكام التي كان الشافعي أعلم بها منه وإن كان ~~يحيى أعلم بالرجال من الشافعي # وكلام يحيى بن معين والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة والنسائي وأبي ~~أحمد بن عدي والدارقطني وأمثالهم في الرجال وصحيح الحديث وضعيفه هو مثل ~~كلام مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأمثالهم في الأحكام ومعرفة الحلال ~~من الحرام وفي الأئمة من هو إمام مع هؤلاء وهؤلاء مشارك للطائفتين وإن كان ~~بأحد الصنفين # وأكثر أئمة الحديث والفقه كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبي ~~عبيد وكذلك الأوزاعي والثوري والليث هؤلاء وكذلك لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ~~ولأبي حنيفة أيضا ما ms08 له من ذلك ولكن لبعضهم في الإمامة في الصنفين ما ليس ~~للآخر وفي بعضهم من ضعف المعرفة بأحد الصنفين ما ليس في الآخر فرضي الله عن ~~جميع أهل العلم والإيمان # ونقول {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} PageV01P072 ~~وأما قوله إن هذا قد رواه بصيغ مختلفة من المفسرين والمحدثين إلى آخره فما ~~أدري من أيهما أعجب من تكثيره لمن رواه كأنهم من الحفاظ الكبار أو من سكوته ~~عن مقابلتهم بالرد والإنكار إذ مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن هو عارف ~~بطرق الحديث مميز بين الصحيح والضعيف # ومثل هذا لا يرويه إلا أحد الرجلين رجل لا يميز بين الصحيح والضعيف والغث ~~والسمين وهم جمهور مصنفي السير والأخبار وقصص الأنبياء كالثعالبي والواحدي ~~والمهدوي والزمخشري وعبدالجبار بن أحمد وعلي بي عيسى الرماني وأبي عبدالله ~~ابن الخطيب الرازي وأبي نصر ابن القشيري وأبي الليث السمرقندي وأبي عبد ~~الرحمن السلمي والكواشي الموصلي وأمثالهم من المصنفين في التفسير فهؤلاء لا ~~يعرفون الصحيح من السقيم ولا لهم خبرة بالمروي المنقول ولا لهم خبرة ~~بالرواة النقله بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف ولا يميزون بينهما ~~لكن منهم من يروي الجميع ويجعل العهدة على الناقل كالثعلبي ونحوه ومنهم من ~~ينصر قولا أو جملة إما في الأصول أو التصوف والفقه بما يوافقها من صحيح أو ~~ضعيف ويرد ما يخالفها من صحيح وضعيف # وأما باب فضائل الأعمال والأشخاص والأماكن والزمان والقبور فباب اتسع فيه ~~الكذب والبهتان PageV01P073 ~~وأما رجال التفسير القدماء فمنهم الإمام المتفق عليه كمجاهد الذي قال عرضت ~~المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها # وقال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به # وعلى تفسيره يعتمد البخاري والشافعي # وكذلك تفسير طاووس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ونحوهم من التابعين ~~فإنهم بهذا الشأن من أعلم الناس # وكذلك أصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود وعبيدة السلماني وغيرهم # ومنهم من إسناده في ms09 التفسير عن ابن عباس منقطع وهو في نفسه ثقة كالسدي ~~الكبير والضحاك فإن الضحاك لم يصح سماعه من ابن عباس والسدي جمع ما ذكره من ~~التفسير الذي ذكره عن التابعين كما جمع ابن إسحاق السيرة وعلي بن أبي طلحة ~~الوالبي لم يسمع من ابن عباس وقتادة ثقة حافظ في نفسه ورواية معمر عنه ~~صحيحة وإن كان مالك أنكر ذلك لأجل القدر # وأما الكلبي والسدي الصغير فمتروكان # وكذلك مقاتل بن سليمان بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة وأصحاب ابن عباس ~~الأخصاء الذين رووا عنه ما فسره من القرآن وما رواه من الحديث وما نقلوه ~~عنه في سائر العلوم الحديث والفقه والتفسير PageV01P074 ~~وشرح الغريب وغير ذلك سعيد بن جبير وطاووس بن كيسان ومجاهد ابن جبر وعكرمة ~~مولاه وعمرو بن دينار وجابر بن زيد أبو الشعثاء وعبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة فهؤلاء هم المخصوصون به وبطريقهم انتشر علمه # وأما التفاسير المضافة إليه كالتفسير الذي يرويه جويبر بن سعيد عن الضحاك ~~عن ابن عباس فجويبر ضعفه علي بن المديني ويحيى بن سعيد القطان وقال أحمد لا ~~يشتغل بحديثه وقال يحيى بن سعيد الخرساني البلخي لا يلتفت إليه وقال علي بن ~~الجنيد والدارقطني متروك والضحاك لم يسمع من ابن عباس حرفا واحدا # وتفسيرآخر يرويه عبيدالله بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس ويقال إن ~~عبيدالله هذا في الوهن والضعف أنزل من جويبر # وتفسير آخر يرويه محمد بن سعد العوفي عن آبائه عن عطية العوفي عن ابن ~~عباس وعطية بن سعد ضعيف تكلم الناس فيه # وتفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال أحمد علي بن أبي طلحة ضعيف ولم ~~يسمع من ابن عباس شيئا # وتفسير يرويه محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذام عن ابن عباس ~~والكلبي كذاب وباذام ضعيف ولم يسمع من ابن عباس شيئا # قال عبد الصمد بن الفضل سئل أحمد عن تفسير الكلبي فقال كذب فقيل له أفيحل ~~النظر فيه قال لا PageV01P075 ~~وقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي ms10 يقول ترك عبدالرحمن بن مهدي أبا صالح باذام ~~وكذلك ضعفه سفيان وغيره وكان الشعبي يمسك بأذنه ويقول ويلك أنت لا تحفظ ~~القرآن وتفسر القرآن وكان مجاهد ينهى عن تفسيره قاله البخاري # وقال حبيب بن أبي ثابت كنا نسمي أبا صالح دروع زن أي كذابا يكذب # وقال الإمام أحمد ثلاث علوم ليس لها أصول المغازي والملاحم والتفسير وفي ~~لفظ ليس لها أسانيد # ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة فإذا كان الشيء مشهورا عند ~~أهل الفن قد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره # وأما تفاسير تابع التابعين كقتادة ومعمر وسفيان الثوري وابن أبي عروبة ~~وابن جريج وغيرهم ممن صنف التفاسير فإنما يذكرون من أصولهم ما سمعوه من ~~شيوخهم عن الصحابة والتابعين # وقد صنف في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم كتب كثيرة يذكرون فيها ~~ألفاظهم بأسانيدها مثل تفسير وكيع وعبدالرزاق وعبد PageV01P076 ~~ابن حميد وآدم ابن أبي إياس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن ~~أبي شيبة وبقي بن مخلد وسنيد ودحيم وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن جرير ~~وأبي بكر بن داود ومن هؤلاء من لا يذكر شيئا عن مقاتل والكلبي # وعامة الكتب تحتاج إلى نقد وتمييز كالمصنفات في سائر العلوم من الأصول ~~والفروع وغير ذلك فإن الفقهاء قد وضعوا في الفقه أشياء كثيرة من الموضوعات ~~والضعاف # أما جمهور المصنفين في الأخبار والتواريخ والسير والفتن من رجال الجرح ~~والتعديل منهم من هو في نفسه متهم أو غير حافظ كأبي مخنف لوط بن يحيى وهشام ~~بن محمد السائب الكلبي وإسحاق بن بشر وأمثالهم من الكذابين بل الواقدي خير ~~من ملء الأرض مثل هؤلاء وقد علم ما قيل فيه ومحمد بن سعد كاتبة ثقة لكن ~~ينظر عمن نقل وكذلك أبو الحسن المدائني وأمثاله وإن سلموا من الطعن فيهم ~~فليسوا من علماء الجرح والتعديل حتى يكون ما رووه ولم ينكروا مقبولا # وإنما العالمون بالجرح والتعديل هم علماء الحديث وهم نوعان منهم من لم ~~يرو إلا عن ثقة عنده كمالك ms11 وشعبة ويحيى ين سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وأحمد ~~بن حنبل وكذلك البخاري وأمثاله ومنهم من يروي عن الثقة وغيره للمعرفة ولما ~~عنده من التمييز كالثوري وغيره PageV01P077 ~~والذين جمعوا المنقولات فيهم من يمكنه التمييز بين الصحيح والضعيف في ~~الغالب كالدارقطني وأبي نعيم والخطيب والبيهقي وابن ناصر وابن عساكر وأبي ~~موسى المديني وابن الجوزي وأمثالهم لكن قد يروون في كتبهم الغرائب المنكرات ~~والأحاديث الموضوعات للمعرفة بها # وكما يروى عن أحمد أنه قال إذا سمعت أهل الحديث يقولون هذا الحديث فائدة ~~فاعلم أنه غريب منكر يعني أنهم يستفيدون غرائب الحديث كما يستفيد الفقهاء ~~ونحوهم غرائب الأقوال والطرق والوجوه وإن كانت وجوها سودا # وأبو نعيم يروي في الحلية في فضائل الصحابة وفي الزهد أحاديث غرائب يعلم ~~أنها موضوعة وكذلك الخطيب وابن الجوزي وابن عساكر وابن ناصر وأمثالهم ~~والدارقطني صنف سننه ليذكر فيها غرائب السنن وهو في الغالب يبين حال ما ~~رواه وهو من أعلم الناس بذلك والبيهقي يعزو ما رواه إلى الصحيح في الغالب ~~وهو من أقلهم استدلالا بالموضوع لكن يروي في الجهة التي ينصرها من المراسيل ~~والآثار ما يصلح للاعتضاد ولا يصلح للاعتماد ويترك في الجهة التي يضعفها ما ~~هو أقوى من ذلك الإسناد PageV01P078 ~~وهم فيما يقولونه من أصدق الناس وأثبتهم لكن الشأن في من قبلهم من الإسناد ~~فإنهم كثيرا ما يتركون التمييز فيه بخلاف الأئمة الكبار الذين يعتمدون على ~~الحديث ويحتجون به فيما بينهم وبين الله تعالى كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق ~~وعبدالرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد والبخاري وأبي داود فإنهم يحررون الكلام ~~في المتن والإسناد والله الهادي إلى سبيل الرشاد # فإذا عرفت ذلك فلا يخلو ما رواه إما أن يكون من جنس ما رواه صاحب الفردوس ~~شهردار الديلمي أو الشيخ عمر الملا صاحب وسيلة المتعبدين أو البكري صاحب ~~تنقلات الأنوار وابن سبع الذي له مصنف كبير في فضائل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومصنف صغير في كرامات الأولياء وأمثال هؤلاء ممن في كتابه من الكذب ما ~~لا يحصيه إلا الله فهل ms12 يجوز الاعتماد على ما يرويه هؤلاء # أو يكون أرفع من هذا وإن كان فيها من الصدق ما لا يحصيه إلا الله ك تفسير ~~الثعلبي والواحدي والشفا للقاضي عياض وتفسير أبي الليث والقشيري مما فيه ~~ضعف كثير وإن كان الغالب عليه الصحيح # أو يكون من الحفاظ كأبي نعيم والخطيب وابن ناصر وأبي موسى وابن الجوزي ~~وعبد الغني وابن عساكر ونحوهم فهؤلاء سكوتهم عن الإنكار في كثير مما يروونه ~~لا يدل على الصحة عندهم باتفاق أهل الحديث # وأما الأولون فهم لا يعرفون الصحيح من السقيم فسكوتهم عن PageV01P079 ~~الإنكار سكوت عموم المؤمنين الذين لا يعرفون حقائق الدين لا يميزون بين ~~السنة والبدعة غير الإنكار على ما يرونه ويسمعونه من الأقوال والإعمال وإذا ~~كان الراوي لهذا وأمثاله لا يخرج عن أن يكون غير عالم بهذا بما ينكره أو ~~يكون عادته رواية هذا وأمثاله من غير بيان لعادة معروفة بينهم لم يكن لهذا ~~فيما ذكره حجة # وأيضا فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما ينقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة وأما ما ينقل من ~~الإسرائيليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها لأن أصلها غير ~~معلوم وغايتها أن تكون عن واحد من علماء أهل الكتاب أو من أخذه عن أهل ~~الكتاب لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حدثكم ~~أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن PageV01P080 ~~يحدثوكم بباطل فتصدقوهم وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوهم» # فإذا كنا قد نهينا عن تصديق هذا الخبر وأمثاله مما يؤخذ عن أهل الكتاب لم ~~يجز لنا أن نصدقه إلا أن يكون مما يجب علينا تصديقه مثل ما أخبرنا به نبينا ~~عن الأنبياء وعن أممهم فإن ذلك يجب تصديقه مع الاحتراز في نقله فهذا هذا # وأعجب من هذا قوله إن نوحا وإدريس وأيوب وجماعة من الأنبياء توسلوا به ~~فمثل هذا لا يجوز لمسلم أن يبني دينه الذي يكفر به من خالفه على مثل هذا ms13 ~~النقل الذي لا يعتمد عليه من يدري ما يقول # ومعلوم أن ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم أضبط وأتم وأكمل وهو علينا ~~أوجب وأمتنا به أعرف ولو قال قائل في زماننا قد جاء أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال كذا وفعل كذا محتجا به من غير أن يعرف ما يستند إليه من العزو ~~والإسناد لكان قائل ذلك من أجهل الناس وأبعدهم عن طريق الرشاد دع من يستدل ~~على تكفير غيره مما يرويه عن أولئك الأنبياء الذين قد أمرنا نبينا صلى الله ~~عليه وسلم إذا حدثنا أهل الكتاب عنهم أن لا نصدقهم ولا نكذبهم بل مثل هذا ~~إذا وجدناه في كتب أهل الكتاب أو في كتب المسلمين منقولا لم يجز لنا أن ~~نصدقه ومن صدقه فقد عصى الله ورسوله ولو صح فغايته أن يكون شرع من قبلنا # والناس لهم في هذه المسألة قولان مشهوران أحدهما أنه ليس PageV01P081 ~~شرعا لنا ما لم يرد به شرعنا فقد كان مشروعا لهم ما ليس مشروعا لنا من سجود ~~بعضهم لبعض فإن ما جاء به نبينا من كمال التوحيد لم يجئ به نبي غيره وكذلك ~~تحريم الإنسان على نفسه أشياء كما حرم إسرائيل على نفسه ما حرمه فإن الأمم ~~قبلنا كانوا إذا بدلوا التوحيد وغيروا الدين بعث الله لهم نبيا يبين ما ~~بدلوه وكتموه ونحن أخر الأمم فليس بعد نبينا نبي ينتظر # وفي المأثور عن الأنبياء المتقدمين ما يدل على أن ذلك لم يكن مشروعا لهم ~~مثل ما ذكره الحافظ أبو نعيم في كتاب الحلية في ترجمة أحمد بن أبي الحواري ~~قال حدثنا أبي حدثنا أحمد يعني محمد ابن عمر اللبناني حدثنا الحسين يعني ~~أبا علي الحسين بن عبدالله بن شاكر السمرقندي سمعت عبدالله بن الجلا يقول ~~قال يوسف عليه السلام اللهم إني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك ~~وإسحاق ذبيحك ويعقوب إسرائيلك فأوحى الله إليه يا يوسف تتوجه PageV01P082 ~~إلي بنعمة أنا أنعمت بها عليهم # قال أحمد فقلت لأبي سليمان الداراني كنت لبعض ms14 الأولياء قبل اليوم أشد حبا ~~فقال إنما يتقرب إليه بحب أوليائه أولى ثم بعد منزلة تسعد القلب # وقد ذكر بعض الناس في هذا الأثر أن الله قال له وأي حق لآبائك علي لأنه ~~سبحانه وتعالى هو الذي أنعم عليهم بالإيمان والنبوة كما قال تعالى بعد ذكره ~~لهم وثنائه عليهم {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ~~وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل} PageV01P083 ~~الآية # وكذلك الآية التي في النساء {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين} 2 الآية # وقال في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} 3 # وأما ما استحقوه عليه فكقوله {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} 4 {كذلك حقا ~~علينا ننج المؤمنين} 5 # فهو سبحانه أحقه على نفسه بحكم إحسانه وفضله ووعده لا هم أحقوه عليه ~~كالحق الذي لإنسان على من له عنده يد # ولهذا ليس لأحد أن يدل على الله بصلاح سلفه فإنه ليس صلاحهم من عمله الذي ~~يستحق به الجزاء كأهل الغار الثلاثة فإنهم لم يتوسلوا إلى الله بصلاح سلفهم ~~وإنما توسلوا إلى الله بأعمالهم لما علموا أن الله سبحانه وتعالى يثيب ~~العاملين على أعمالهم كما قال {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} 06) # وسعى غيره ليس له كما لا تزر وازرة وزر أخرى كما قال تعالى PageV01P084 ~~{أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى} # وإن كان المرء قد ينتفع بسعي غيره لكنه ليس له فلا يمت ويدل بما ليس له # قال الشيخ قال المعترض وقد روى أن أبا جعفر لما ناظر مالكا في مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا ~~المسجد فإن الله أدب قوما قال {لا ترفعوا أصواتكم} س الآية وذم الآخرين ~~فقال {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} الآية إن حرمته ميتا كحرمته حيا ~~فاستكان لها أبو جعفر وقال يا أبا ms15 عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة ~~أبيك آدم إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به PageV01P085 ~~قال الشيخ فيجاب الجواب عن هذا من وجهين # أحدهما المطالبة بصحة هذه الحكاية وليس معه ولا مع من ينقلها بها إسناد ~~صحيح ولا ضعيف وإنما غايته أن يعزوها إلى الشفا أو إلى من نقلها منه وكل ~~عالم بالحديث يعلم أن في هذا الكتاب من الأحاديث والآثار ما ليس له أصل ولا ~~يجوز الاعتماد عليه فإذا قال القاضي عياض ذكره فلان في كتابه فهو الصادق في ~~خطابه وإذا لم يذكره من أين PageV01P086 ~~نقله لم نتهمه ولكن نتهم من فوقه وقد رأيناه ينقل من كتب فيها كذب كثير وهو ~~صادق في نقله منها لكن ما فوقه لا يجوز الاعتماد عليهم # الوجه الثاني أن يقال هذه الحكاية كذب بلا ريب من وجوه # منها أنها مخالفة لمذهب مالك ومذهب سائر الأئمة فإنهم متفقون على أن من ~~سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء فإنه يستقبل القبلة كما ~~روى ذلك عن الصحابة # وتنازعوا وقت السلام عليه هل يستقبل القبلة أو القبر على قولين فقال أبو ~~حنيفة يستقبل القبلة أيضا وقال غيره يستقبل القبر وقت السلام عليه # وأما وقت الدعاء فما أعلم إماما خالف في أنه يستقبل القبلة بل الأئمة ~~متفقون على أن قبلة المسلمين التي يستقبلونها في جميع أدعيتهم وأمكنتهم هي ~~الكعبة ويستحب لكل من دعا الله أن يستقبل الكعبة حيث كان وأين كان كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يستقبلها فيستقبل وقت الذكر والدعاء بعرفة ~~ومزدلفة وبين الجمرات وعلى الصفا والمروة وعقب الصلاة في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيره # وما جعل أحد من الأئمة قبر أحد من الأنبياء قبلة للدعاء وإنما يستقبل ~~قبورهم أهل الجهل عند عباداتهم # ومن هؤلاء الغلاة من يستقبل قبورهم ويصلي إليها وقد ثبت في PageV01P087 ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «لا ms16 تجلسوا على القبور ولا ~~تصلوا إليها» # ومنهم من يستقبل قبر شيخه وقت الصلاة ويستدبر الكعبة ويقول هذا قبلة ~~الخاصة والكعبة قبلة العامة وهذا كفر صريح يوجب استتابة قائله مع أنه يفعله ~~طائفة من الزهاد والعباد وبعضهم يسجد لقبورهم # وكذلك قصد قبورهم للصلاة والدعاء بدعة وقد ثبت عن مالك وغيره من الأئمة ~~أنهم جعلوا ذلك من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين # فعلم أن هذا كذب على مالك مخالف لمذهبه كما كذبوا عليه أنه كان يأخذ ~~طنبورا يضرب به ويغني لما كان في المدينة من يغني حتى إن أكثر المصنفين في ~~إباحة السماع كأبي عبدالرحمن السلمي والقشيري وأبي حامد ومحمد بن طاهر ~~المقدسي وغيرهم يذكرون إباحته عن مالك وأهل المدينة وهو كذب فإنه قد علم ~~بالتواتر من مذهبه النهي عن ذلك حتى قال إسحاق بن الطباع سألت مالكا عما ~~يترخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق # ومنها أن مالكا من قوة متابعته للسنة كره أن يقال زرت قبر النبي PageV01P088 ~~صلى الله عليه وسلم وهذا مما لا يستريب أحد في ثبوته عنه مع أن لفظ زيارة ~~القبور في الجملة مما جاءت به السنة في غير قبره كما في الصحيحين من حديث ~~أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ~~فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها ~~فأذن فزوروا القبور فإنها تذكر الموت # والأحاديث في ذلك كثيرة ثم بسط الشيخ الكلام على ذلك # وأما ما ذكره من أن أهل المدينة شكوا إلى عائشة فأمرتهم أن يعملوا من ~~قبره كوة إلى السقف حتى لا يكون بينه وبين السماء حائل ففعلوا فمطروا حتى ~~نبت العشب وسمنت الإبل وتفتقت شحما فسمي عام الفتيق فقد ذكر هذا فيما أظن ~~محمد بن الحسن بن زبالة فيما صنفه في أخبار المدينة PageV01P089 ~~وجوابه من وجهين # أحدهما أن هذا محمد بن زبالة ضعيف لا يحتج به والثابت عن الصحابة باتفاق ms17 ~~أهل العلم أنهم كانوا إذا استسقوا دعوا الله إما في المسجد وإما في الصحراء ~~وهذا الاستسقاء المشروع باتفاق أهل العلم فإنهم اتفقوا على دعاء الله ~~واستغفاره # واختلفوا هل يصلى للاستسقاء على قولين وجمهورهم على أنه يصلى له وهو مذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وأما أبو حنيفة فلم يعرف الصلاة في الاستسقاء والجمهور ~~عرفوا ذلك بما ثبت في الصحاح PageV01P090 ~~والسنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الاستسقاء ركعتين ~~والصحابة في زمن عمر وغيره صلوا واستشفعوا بالعباس وغيره ولم يكشفوا عن ~~قبره ولو كان مشروعا لما عدلوا عنه # وهذا العلم العام المتفق عليه لا يعارض بما يرويه ابن زبالة وأمثاله ممن ~~لا يجوز الاحتجاج به # ولو قال عالم يستحب عند الاستسقاء أو غيره أن يكشف عن قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والصالحين لكان مبتدعا بدعة مخالفة للسنة ~~المشروعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه # ونحو هذا ما روى أن أهل القسطنطينية كانوا إذا أجدبوا يستسقون بقبر أبي ~~أيوب الأنصاري وقد روي أن أهل تستر كانوا يفعلون ذلك بقبر PageV01P091 ~~دانيال وأن أبا موسى كتب عمر في ذلك فكتب إليه عمر إذا كان النهار فاحفر ~~ثلاثة عشر قبرا ثم اجعله في أحدها ليخفى على الناس # وهذا قد رويناه في كتاب المغازي لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير إلى ~~أبي العالية وذكره البيهقي في كتاب شعب الإيمان وذكره غيره وهذا من فعل أهل ~~الكتاب لا من فعل PageV01P092 ~~المسلمين فليس فيه حجة فلا يحتج به محتج # وأيضا فحجرة عائشة كان منها ما هو مكشوف لا سقف له كما روي عنها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يصلى العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد ولم ~~تزل كذلك مدة حياة عائشة فكيف يحتاج أن يفتح في سقفها كوة إلى السماء # فإن قيل فتحت الكوة في قبل الحجرة محاذية للقبر فهذا كذب ظاهر فإن الحجرة ~~لم يكن لها هناك كوة ينزل منها من ينزل ms18 لكنس الحجرة وإنما كان هذا بعد موت ~~عائشة في أيام عمرت الحجرة # الثاني أن هذا الفعل ليس حجة على محل النزاع سواء أكان مشروعا أو لم يكن ~~فإن هذا استنزال للغيث على قبره والله تعالى ينزل رحمته على قبور أنبيائه ~~وعباده الصالحين وليس في ذلك سؤال لهم بعد موتهم ولا طلب ولا استغاثة بهم ~~والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيا أو وليا ليس مشروعا ولا هو من ~~صالح الأعمال إذ لو كان مشروعا أو حسنا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق ~~ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك فكلام هؤلاء يقتضي جواز سؤال الميت ~~والغائب # وقد وقع دعاء الأموات والغائبين لكثير من جهال الفقهاء والمفتين PageV01P093 ~~حتى لأقوام فيهم زهد وعبادة ودين ترى أحدهم يستغيث بمن يحسن به الظن حيا ~~كان أو ميتا وكثير منهم تتمثل له صورة المستغاث به وتخاطبه وتقضي بعض ~~حوائجه وتخبره ببعض الأمور الغائبة ويظن الغر أنه المستغاث به أو أن ملكا ~~جاء على صورته وإنما هي شياطين تمثلت له به وخيالات باطلة فتراه يأتي قبر ~~من يحسن به الظن إن كان ميتا فيقول يا سيدي فلان أنا في حسبك أنا في جوارك ~~أنا في جاهك قد أصابني كذا وجرى على كذا ومقصوده قضاء حاجته إما من الميت ~~أو به ومنهم من يقول للميت اقض ديني واغفر ذنبي وتب على ومنهم من يقول سل ~~لي ربك ومنهم من يذكر ذلك في نظمه ونثره ومنهم من يقول يا سيدي الشيخ فلان ~~أو يا سيدي رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو وما نزل بنا من المرض ~~وما حل بنا من البلاء ومنهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه ~~وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه ويقدر على ما يقدر عليه ~~الله ويعلم ما يعلمه الله # وهؤلاء قد رأيتهم وسمعت هذا منهم ومن شيوخ يقتدي بهم ومفتين وقضاة ~~ومدرسين # ومعلوم أن هذا لم يفعله أحد من السلف ولا شرع الله ms19 ذلك ولا رسوله ولا أحد ~~من الأئمة ولا مع من يفعل ذلك حجة شرعية أصلا بل من فعل ذلك كان شارعا من ~~الدين ما لم يأذن به الله فإن هذا الفعل منه PageV01P094 ~~ما هو كفر صريح ومنه ما هو منكر ظاهر سواء قدر أن الميت يسمع الخطاب كما ~~إذا خوطب من قريب أو قدر أنه لا يسمعه كما إذا خوطب من بعيد فإن مجرد سماع ~~الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يطلب الحي منه وكونه قادرا عليه لا ~~يستلزم أنه شرع لنا أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه فليس لنا في حياة ~~الرسل أن نسألهم كل ما يمكنهم فعله بل ولا نسأل الله تعالى كل ما يمكنه ~~فعله بل الدعاء عبادة شرعية فكيف يجوز أن نسألهم ذلك بعد مماتهم وليس لنا ~~أن نسألهم كل ما يقدر الله عليه من المفعولات ليسألوا ربهم إياه كما سأل ~~قوم موسى موسى أن يريهم الله جهرة وسألوا المسيح إنزال المائدة وسألوا ~~صالحا الناقة وسألوا الأنبياء الآيات # فلو قال قائل سؤال الغائب حيا وميتا كسؤال الشاهد فإن الأنبياء والأولياء ~~يسمعون خطاب الغائب البعيد ويسمع أحدهم خطاب الناس البعيدين له # قلنا هذا محال في العادة المعروفة وإذا وقع ذلك في بعض الصور كان من باب ~~خرق العادة والعادة قد تخرق بأن يسمع الأدنى PageV01P095 ~~خطاب الأعلى كما سمع سارية خطاب عمر يا سارية الجبل يا سارية الجبل # ويجوز خرق العادة بالعكس لكن إثبات هذا في حق معين لا يكون إلا بحجة تدل ~~على وقوع ذلك في حقه. PageV01P096 # فإن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع الخطاب البعيد والقريب # قيل ليس في هذا الحديث المعروف ما يدل على التسوية بين القريب والبعيد في ~~سمع خطابه بل الحديث يدل على نقيض ذلك # ففي السنن حديث أوس بن أوس الذي رواه أبو داود وغيره ورواه ابن حبان في ~~صحيحه والدارقطني في سننه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أفضل ~~أيامكم يوم الجمعة ms20 فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا ~~على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة على» # قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت # قال يقولون بليت قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» PageV01P097 ~~PageV01P098 # والحديث الذي رواه أحمد في مسنده وأبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا ~~على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» PageV01P099 ~~والحديث الذي رواه النسائي وابن حبان عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» PageV01P100 ~~وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن موسى بن محمد بن حبان عن أبي بكر الحنفي ~~حدثنا عبيدالله بن نافع حدثنا العلاء بن عبدالرحمن قال سمعت الحسين بن علي ~~يقول قال رسول الله PageV01P101 ~~صلى الله عليه وسلم «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتي ~~عيدا صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم يبلغني أينما كنتم» # وروى الروياني في مسنده والبزار وغيرهما عن نعيم بن ضمضم عن عمران بن ~~الحميري قال قال لي عمار بن ياسر قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا ~~عمار إن لله ملكا أعطاه الله إسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت إلى ~~يوم القيامة فلا يصلي علي أحد صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه فقال صلى عليك ~~فلان كذا وكذا فيصلي الرب على ذلك المصلي بكل واحدة عشرا». PageV01P102 # PageV01P103 # وقال أبو أحمد الزبيري حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال ~~ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يصلي عليه صلاة إلا وهي تبلغه يقول ~~له الملك فلا يصلي عليك كذا وكذا صلاة # وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحراث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن ~~عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال PageV01P104 ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكثروا علي الصلاة ms21 يوم الجمعة فإنه يوم ~~مشهود تشهده الملائكة وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ» # قال قلت وبعد الموت # قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» PageV01P105 ~~فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه وأن ذلك يصل حيثما ~~كنا وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«ما من أحد يسلم على إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» وهذا ~~الحديث هو الذي اعتمد عليه العلماء كأحمد وأبي داود وغيرهما في السلام عليه ~~عند قبره وزيارة قبره إذ لم يكن معهم سنة يستندون إليها في زيارة قبره إلا ~~هذا الحديث والأحاديث التي رويت في زيارة قبره ضعيفة بل موضوعة وأكثرها PageV01P106 ~~وضعت بعد الإمام أحمد وأمثاله # فهذه النصوص التي ذكرناها تدل على أنه يسمع سلام القريب ويبلغ سلام ~~البعيد وصلاته لا انه يسمع ذلك من المصلي والمسلم وإذا لم يسمع الصلاة ~~والسلام من البعيد إلا بواسطة فإنه لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق ~~الأولى والأحرى والنص إنما يدل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام ولم ~~يدل على أنه يبلغه غير ذلك والحديث الذي فيه ما من رجل يسلم علي إلا رد ~~الله علي روحي حتى أرد عليه السلام فهم العلماء منه السلام عند قبره خاصة ~~فلا يدل على البعيد فإن السنة إذا زار الرجل القبور مطلقا أن يسلم عليهم ~~ويدعو لهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم PageV01P107 ~~وقد بسط الشيخ الكلام في هذا الموضوع بسطا طويلا ومقصوده توحيد الله سبحانه ~~وطلب الحوائج منه والذب عن حومة الإخلاص وأن لا يسأل إلا الله # ثم قال والمقصود هنا أن المعترض المحتج لم يحرر أدلته تحريرا ينفي عنها ~~الإجمال والالتباس حتى يتبين ما فيها من الضلال والإضلال لجميع الناس بل ~~قال لم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص قديما وحديثا وأنه يصح ~~إسنادها إلى المخلوقين وهذا كلام صحيح لكن يقال له لم ms22 يزل الناس يفهمون ~~أنها طلب من المستغاث به أو طلب من غيره به والثاني لا سبيل إليه والأول لم ~~ينازع فيه أحد إذا طلب من المستغاث ما شرع طلبه منه مما يقدر عليه إذ لا ~~يقدر أحد على الأشياء كلها إلا الله وحده والمخلوق له حال يخصه ويليق به # ثم قال الشيخ فإن هنا أربعة معاني # أحدها أن يسأل الله تفريج الكربة بالمتوسل به ولا يسأل المتوسل به شيئا ~~كما يفعله كثير ممن يتوسل بالأموات # أو أن يسأل الله ويسأل المتوسل به أن يدعو كما كان الصحابة PageV01P108 ~~يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ثم من بعده بعمه العباس ~~وبيزيد بن الأسود الجرشي وغيرهما PageV01P109 ~~والثالث أن يسأل المتوسل به أن يسأل الله له تفريج الكربة ولا يسأل الله # والرابع أن يسأل المستغاث به أن يفرج الكربة ولا يسأل الله # فأما الأول فهو سائل لله وحده ومستغيث به وليس مستغيثا بالمتوسل به إلا ~~أن يريد بالاستغاثة السؤال به # وأما الثاني فهو استغاثة بالله في تفريج الكربة واستغاثة بالشفيع أن يسأل ~~الله هو توسل به أي بدعائه وشفاعته وهذا هو المشروع في الدنيا والآخرة في ~~حياة الشفيع وسؤاله أو في حال مشاركة الشفيع له في السؤال لا في حال ~~انفراده هو بالسؤال # وكذلك الثالث إذا سأل المتوسل به أن يسأل الله كما يسأله الناس يوم ~~القيامة فهذا لا ريب في جوازه وإن سمي استغاثة به # وأما الرابع وهو أن يسأل المستغاث به تفريج الكربة فهذا استغاثة به ليس ~~توسلا به بل المستغاث به مطلوب منه الفعل فإن لم يكن قادرا PageV01P110 ~~عليه لم يجز أن يطلب منه ما لا يقدر عليه # فالأول سؤال به وليس استغاثة أصلا وبعض الناس يسميه توسلا به # والثاني فيه استغاثة به وتوسل به # والثالث فيه استغاثة في سؤال الله وليس فيه سؤال به # والرابع استغاثة في تفريج الكربة لكن لا يجوز ذلك من ميت ولا غائب ولا من ~~حي حاضر إلا فيما يقدر عليه خاصة وليس هذا ms23 هو التوسل به # والتوجه المشروع الذي كانت الصحابة تفعله إنما كان بدعائه وشفاعته ولا ~~ريب أن من سأل الله تفريج الكربة بواسطة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وشفاعته فقد استغاث به وهذا جائز كما كان الناس يفعلونه في حياته وكما ~~يفعلونه في الآخرة في حياته أيضا ولكن هذا ليس مشروعا بعد موته ولم يفعله ~~أحد من الصحابة بعد موته بل عدلوا عن التوسل بدعائه وشفاعته إلى التوسل ~~بدعاء غيره من الأخيار كالعباس ويزيد بن الأسود وغيرهما فلا دين إلا ما ~~شرعه الله ورسوله كما أنه لا حرام إلا ما حرمه PageV01P111 ~~ومن ذهب إلى الاستغاثة بالموتى فقد شرع له دينا لم يؤذن له به وليس معه في ~~الاستغاثة بهم سوى فعل بعض المتأخرين وكلامهم ممن ليس هو معدود من أهل ~~الإجماع والاختلاف فليس معه تقليد المقلدين ولا اجتهاد المجتهدين ومن ابتدع ~~بدعة في الدين بدون اجتهاد أهل الاجتهاد أو التقليد لأهل الاجتهاد كان من ~~أهل الضلال والغي لا من أهل الهدى والرشاد # وأما السؤال بهم فغاية ما معه فيه قول بعض العلماء مع منازعة غيره له فيه ~~وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} # وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يجوز السؤال لله بالأنبياء ~~والصالحين فكيف بالاستغاثة بهم مع أن الاستغاثة بالميت والغائب مما لا نعلم ~~بين أئمة المسلمين نزاع في أن ذلك من أعظم المنكرات ومن كان عالما بآثار ~~السلف علم أن أحدا منهم لم يفعل هذا وإنما كانوا يستشفعون ويتوسلون بهم ~~بمعنى أنهم يسألون الله لهم مع سؤالهم هم لله فيدعو الشافع والمشفوع له كما ~~قال عمر بن الخطاب اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا PageV01P112 ~~فيسقون # وكما في صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا ~~أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فيما ينزل ms24 حتى يجيش له ~~ميزاب ** وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل ** # وكذلك قال معاوية بن أبي سفيان لما استسقى بيزيد بن الأسود فقال اللهم ~~إنا نستشفع أو نتوسل إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا ودعا ~~الناس حتى سقوا # ومنه قول الأعرابي إنا نستشفع بك على الله PageV01P113 ~~ومنه قول الأعمى اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا ~~محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي # ومنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي PageV01P114 ~~يستنصر بهم فقد تبين أن الاسترزاق والاستنصار يكون بالمؤمنين بدعائهم وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم ~~وصلاتهم واستغفارهم # ومن استنصر بشخص أو استفتح به أو استسقى به لا يجب أن يكون خيرا من غيره ~~ولا افضل منه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من صعاليك المهاجرين وكذلك ~~عمر ومن معه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أفضل من العباس لكن ~~ينبغي أن يكون المستنصر به والمسترزق به له مزية على غيره من الناس بصلاح ~~أو قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كقوله سبقك بها عكاشة وإن ~~من عباد الله من لو أقسم على الله PageV01P115 ~~لأبره منهم البراء بن مالك # وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~له قال اللهم اجب دعوته وسدد رميته وأبو بكر وعمر أفضل منه PageV01P116 ~~ولم يجيء فيهما نص خاص بذلك # ومثل هذه الفضائل التي للمفضول تارة تكون ثابتة للفاضل وتارة يكون له ما ~~هو أفضل منها مثل حديث أويس القرني وقوله لعمر إن استطعت أن يستغفر لك ~~فافعل وقد يكون الذي يستغفر له أويس أفضل من أويس وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعمر لما ودعه لا تنسنا من دعائك أو أشركنا في دعائك ومعلوم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر PageV01P117 ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ms25 وسلم أنه قال: «لا بأس بالرقى ما لم يكن ~~شركا» فنهى عن الرقى التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة بالجن كما قال ~~تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} # ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والأقسام التي يستعملها بعض الناس في حق ~~المصروع وغيره التي تتضمن الشرك بل نهوا عن كل مالا يعرف معناه من ذلك خشية ~~أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى PageV01P118 ~~وسؤال الله بمجرد ذوات الأنبياء والصالحين غير مشروع بخلاف الطلب من الله ~~بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة فإنه جائز لأن دعاء الصالحين سبب لحصول ~~مطلوبنا الذي دعوا به وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا فإذا ~~توسلنا إلى الله بالأعمال الصالحة وبدعائهم كنا متوسلين إليه بوسيلة كما ~~قال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} فالوسيلة هي ~~الأعمال الصالحة # وأما إذا توسلنا إليهم بنفس ذواتهم لم يكن في نفس ذواتهم سبب PageV01P119 ~~يقتضي إجابة دعائنا ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نقلا صحيحا ولا متواترا ولا مشهورا عن السلف ونحن إنما ننتفع باتباعنا لهم ~~ومحبتنا لهم وهم لهم عند الله من الدرجات والمنازل أمر يعود نفعه إليهم ~~فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبينا ومحبته وموالاته واتباع سنته فهو من ~~أعظم الوسائل فالتوسل به من غير متابعة له في الأعمال لا يجوز أن يكون ~~وسيلة فإن المتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل لا بما من المتوسل به ولا بما منه ~~فبأي شيء يتوسل ولا يجوز أن يقسم PageV01P120 ~~على الله بغيره من المخلوقات أصلا # وقوله تعالى {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} فعلى قراء الخفض فقط ~~قال طائفة من السلف هو قولهم أسألك بالله وبالرحم وهذا إخبار عن سؤالهم ~~بالرحم أي بسبب الرحم أي الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض فيكون سؤالهم PageV01P121 ~~بالرحم كسؤال الثلاثة بأعمالهم الصالحة وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وشفاعته # ومن هذا الباب ما روى أن عبدالله بن جعفر كان إذا سأل عليا ms26 سأله بحق جعفر ~~أعطاه وليس هذا من باب الإقسام فإن الإقسام بغير جعفر أعظم بل الباء هنا ~~باء السبب فحقه من باب حق الرحم لأن حق ابنه عبدالله إنما وجب بسبب جعفر ~~وحقه على علي رضي الله عنهما # ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين ~~عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ولكن ~~اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت PageV01P122 ~~هذا والحديث في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف فإن كان هذا كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين # أحدهما لأن فيه السؤال لله بحق السائلين وبحق الماشين في طاعته وحق ~~السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أوجبه هو سبحانه على ~~نفسه لا هم أوجبوه عليه فليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئا # ومنه قوله تعالى {كتب ربكم على نفسه الرحمة} PageV01P123 ~~وقوله {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} # {كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} # {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} # وفي حديث معاذ أتدري ما حق العباد على الله # وفي حديث أبي ذر إني حرمت الظلم على نفسي # وكل ذلك تفضلا منه ورحمة وإذا كان حق السائلين له هو الإجابة وحق ~~العابدين له هو الإثابة فذلك سؤال له بأفعاله PageV01P124 ~~كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم إني أعوذ برضاك من ~~سخطك» إلى آخره فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله كالسؤال بإثابته التي هي ~~فعله كما قال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا ~~عذاب النار} PageV01P125 ~~وقوله {فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار} # وقال {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين} # وقال تعالى عن الحواريين {ربنا آمنا بما أنزلت ms27 واتبعنا الرسول فاكتبنا مع ~~الشاهدين} # ونحو ذلك توسلوا إلى الله في دعائهم بالإيمان به PageV01P126 ~~وكان ابن مسعود يقول في السحر اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا ~~تسحر فاغفر لي # ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذي أصابهم المطر فأووا إلى الغار وانطبقت ~~عليهم الصخرة ثم دعوا الله بأعمالهم الصالحة ففرج الله عنهم وهو ما ثبت في ~~الصحيحين عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «انطلق ~~ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى إذا أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة ~~من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذا الصخرة إلا أن ~~تدعوا الله بصالح أعمالكم # فقال رجل منهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ~~ولا مالا فنأى بي طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما ~~فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي ~~أنظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ~~ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا ~~يستطيعون الخروج» # قال النبي صلى الله عليه وسلم «وقال الآخر اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب ~~الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من PageV01P127 ~~السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ~~ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ~~الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها ~~اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة ~~غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها # قال النبي صلى الله عليه وسلم «وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء ~~فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه ~~الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبدالله أد إلي أجري فقلت له كل ما ترى من ms28 ~~أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبدالله لا تستهزئ بي فقلت ~~إني لا أستهزئ بك فاخذ ذلك كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم فإن كنت ~~فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون» # فهؤلاء الثلاثة سألوا الله وتوسلوا إليه بأعمال البر فالأول أخبر عن PageV01P128 ~~بره بوالديه برا عاليا تاما أكمل البر وأحسنه والآخر أخبر عن عفته التامة ~~الكاملة وعن همته العالية والآخر أخبر عن أداء الأمانة على الوجه الأكمل الأتم # وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا خالد بن خداش بن العجلان وإسماعيل بن ~~إبراهيم قالا حدثنا صالح المري عن ثابت عن أنس قال دخلنا على رجل من ~~الأنصار وهو مريض ثقيل فلم نبرح حتى قبض فبسطنا عليه ثوبه وله أم عجوز ~~كبيرة عند رأسه فالتفت إليها بعضنا وقال يا هذه احتسبي مصيبتك عند الله ~~قالت وما ذاك مات ابني قلنا نعم قالت أحق ما تقولون قلنا نعم فمدت يدها إلى ~~الله فقالت اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تغيثني عند ~~كل شدة ورخاء فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم قال فكشف الثوب عن وجهه فما ~~برحنا حتى طعمنا معه # وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب سائر ما يقدر PageV01P129 ~~عليه وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء # يحقق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه به لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب ~~الاصطلاح فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون ~~متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند الله # وأما في لغة كثير من الناس فمعناه أن يسأل الله بذلك ويقسم عليه بذلك ~~والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات بلالا يقسم بها بحال فلا يقال ~~أقسمت عليك يا رب بملائكتك ولا بكعبتك ولا بأنبيائك ولا بعبادك الصالحين ~~كما لا يجوز أن يقسم الرجل بهذه الأشياء # وما يذكره بعض العامة من قوله ويروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم ms29 إذا ~~كانت لكم إلى الله حاجة فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم حديث باطل لم ~~يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث وإنما المشروع الصلاة ~~عليه في كل دعاء ومن دعا غيره كفر PageV01P130 ~~وقد روي في المسند والترمذي وغيرهما عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: «يا أيها ~~الناس اذكر والله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» قال قلت ~~يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال: «ما شئت» قلت ~~الربع قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» قلت النصف قال: «ما شئت وإن زدت ~~فهو خير لك» قلت الثلثين قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك» قلت أجعل لك ~~صلاتي كلها قال: «إذا يكفيك الله ما أهمك من دنياك وآخرتك» # وفي لفظ إذا تكفى همك ويغفر ذنبك PageV01P131 ~~وقوله أجعل لك من صلاتي يعني من دعائي فإن الصلاة في اللغة هي الدعاء قال ~~تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم صل على آل أبي أوفى» # وقالت امرأة صل علي يا رسول الله وعلى زوجي فقال: «صلى الله عليك وعلى زوجك» # فيكون مقصوده يا رسول الله إن لي دعاء أدعو به وأستجلب به الخير وأستدفع ~~به الشر فكم أجعل لك منه قال ما شئت فلما انتهى PageV01P132 ~~إلى قوله أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفي همك ويغفر ذنبك # وفي الرواية الأخرى إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك # وهذا غاية ما يدعو به الإنسان لنفسه من جلب الخيرات ودفع المضرات فإن ~~الدعاء فيه تحصيل المطلوب واندفاع المرهوب كما قد بسط ذلك في مواضعه # وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية المشروعة وأعرضوا عن الأدعية ~~البدعية # وفي المسند عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~قال حين ms30 ينادي المنادي اللهم رب هذه الدعوة القائمة والصلاة النافعة صل على ~~محمد وارض عنه رضى لا سخط بعده استجاب الله له دعوته» PageV01P133 ~~فالذين يتوسلون بذاته لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم وهو من ~~أنفع الأمور لهم إلى ما ليس كذلك فإن الصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل ~~عليه الكتاب والسنة والإجماع وقد أمر الله بها في كتابه # وعن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجل هذا ثم دعاه فقال له ~~أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه ثم يصلى على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بعد بما شاء PageV01P134 ~~رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه والنسائي والترمذي وقال حديث صحيح # وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدعاء لا يرد ~~بين الأذان والإقامة» # رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن PageV01P135 ~~وعن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ساعتان تفتح فيهما ~~أبواب السماء قلما يرد على داع دعوته عند حضور النداء والصف في سبيل الله ~~تعالى» رواه أبو داود PageV01P136 ~~وقد قال مالك لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها # ولا ريب أن الأمر كما قاله مالك فكثير من هؤلاء الذين يعظمون القبور ~~والمشايخ ويستغيثون بهم ويطلبون حوائجهم منهم يطيعهم الشياطين بسبب ذلك في ~~بعض الأمور وذلك من جنس السحر والشرك فمنهم من تطير به الشياطين في الهواء ~~حملا له من مكان إلى مكان فتارة تذهب به إلى مكة وتارة إلى بيت المقدس ~~وغيره من البلاد ويكون زنديقا فاجرا إباحيا تاركا للصلاة وغيرها مما أوجبه ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفرضه ويستحل المحارم التي حرمها الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم ويحلها لغيره وإنما تقترن به ms31 الشياطين وتخدمه ~~لما فيه من الكفر والزندقة ومن الفسوق والعصيان فإذا آمن بالله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم وتاب والتزم الطاعة لله ولرسوله فارقته تلك الشياطين وتلك ~~الأحوال الشيطانية من الإخبارات والتأثيرات # وأنا أعرف من هؤلاء عددا كثيرا بالشام ومصر والحجاز واليمن وأما الجزيرة ~~والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها وذلك ~~لأن ظهور هذه الأشياء من الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق ~~والعصيان في تلك البلاد أقوى وأظهر وظهور الإسلام والسنة وإحلاص الدين لله ~~في أرض الشام أقوى من سائر البلاد فلهذا PageV01P137 ~~ضعفت هذه الأحوال الشيطانية وأنكرت إذا ظهرت فيها وإذا ظهرت ولم تنكر ولم ~~تغير قويت واشتدت شوكتها فحيث قويت الأحوال الرحمانية الإيمانية المحمدية ~~والتوحيد ونور القرآن وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال ~~الشيطانية فإن سلطانها إنما يقوى وتعظم جنوده في بلاد أهل الكفر والفسوق ~~والعصيان كبلاد جنكر خان والهند والروم وغيرها من أهل الكفر والفسوق ~~والعصيان فبلادهم فيها مادتان مادة كفر ونفاق وفسوق وعصيان ومادة علم ~~وإحسان وإيمان فإذا غلبت إحدى المادتين على الأخرى أهلكتها # والمشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام مثل الحبشة والنجشية والطوينية ~~والتوى ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم ~~أكثر ويصعد أحدهم في الهواء ويخبرهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذي يغني لهم ~~به يمشي في الهواء ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحدا يضرب ~~به ويطوف الإناء عليهم ولا يرون من يحمله وإذا نزل بأحدهم مئة ضيف أتاهم ~~بطعام يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة مع كفرهم وذلك كله من الشياطين تأتيه ~~به من تلك المدينة أو من غير تسوقه # وهذه الأمور تكون كثيرة عند من يكون مشركا أو ناقص الإيمان وعند التتار ~~من هذا أنواع كثيرة ولا سيما دولة تمرخان وأتباعه فإنهم سحروا الناس سحرا ~~لم ير مثله وأظهروا أحوالا لا حقيقة لها فوافقت قدر PageV01P138 ~~الله فعملت أعمالها # وذلك لما ضعف الإيمان بالشام وقل نور النبوة فظهر تأثير ذلك الأحوال في ~~الناس لضعف ms32 الدين وامتلاء القلوب من حب الدنيا وظهور مناكير معروفة وكثرة ~~الخبث وقلة الطيب # ولما كان الطيب غالبا قويا والإسلام فاشيا ظاهرا والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر قائما به أهله منصورون معانون وأهل الفساد والفسوق مقهورون ~~ذليلون كان أولئك المذكورين بينهم وبين بلاد الشام خنادق وأسوار من قدر ~~العزيز الجبار فلا يصلون إليها وكم قد حاولوا دخولها من سنين وشهور وأيام ~~وقد ضرب الله بينهم وبينها بسد فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له ~~نقبا فالأحوال الشيطانية عندهم كثيرة جدا ولهذا الدجال إنما يخرج من قبلهم ~~وبلادهم وهم أتباعه ويظهر على يديه من الأحوال الشيطانية والأمور الزنديقية ~~ما يحار له الناظرون وهو كافر بالله العظيم # وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا الإيمان والتوحيد واتباع الرسول ~~فتجد غالبهم ممن يعتقد الشيوخ والبله وأصحاب الأحوال الشيطانية ويأتي أحدهم ~~إلى قبر الشيخ ويدعوه ويكشف رأسه عند قبره ويطلب حاجته منه ويستغيث به ~~ويستنصر به وكل ذلك من ضعف الإيمان PageV01P139 ~~واختلاط الشرك بالقلوب # ومن هؤلاء قوم فيهم عبادة ودين وزهد مع نوع جهل يحمل أحدهم فيوقف بعرفات ~~مع الحجاج من غير أن يحرم إذا حاذى المواقيت ولا يبيت بمزدلفة ولا يطوف ~~طواف الإفاضة ويظن أنه حصل له بذلك عمل صالح وكرامة عظيمة من كرامات ~~الأولياء ولا يعلم أن هذا من تلاعب الشيطان فإن مثل هذا الحج ليس مشروعا ~~ولا يجوز باتفاق علماء المسلمين ومن ظن أن مثل هذا عبادة وكرامة فهو ضال جاهل # ولهذا لم يكن أحد من الأنبياء ولا من الصحابة ولا من أولياء الله ~~المعروفين ذوي الكرامات يفعل بهم مثل هذا فإنهم أجل قدرا من ذلك وقد جرت ~~هذه القضية لبعض من حمل هو وطار معه من الإسكندرية إلى عرفة فرأى الملائكة ~~تنزل فتكتب أسماء الحجاج ولم يكتبوه فقال هل كتبتموني فأعرضوا عنه فقال لهم ~~ثانية فأعرضوا عنه فقال لهم ثالثا فقالوا له أنت لم تحج أنت لم تحج كما حج ~~المسلمون ولم تتعب ولم تحرم فلا ثواب لك فماذا نكتب # وكان ms33 بعض الشيوخ من أهل العلم قد طلب منه بعض هؤلاء الذين تحملهم ~~الشياطين أن يحج معهم في الهواء فقال لهم هذا الحج لا يسقط به الفرض عنكم ~~لأنكم لم تحجوا كما أمر الله ورسوله # فدين الإسلام مبني على أصلين من خرج عن واحد منهما فلا PageV01P140 ~~عمل له ولا دين أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وعلى أن نعبده بما شرع ~~لا بالحوادث والبدع وهو حقيقة قول لا إله إلا الله محمد رسول الله فإن ~~الإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء ~~وإجلالا وإكراما وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا ~~يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله والرسول هو المبلغ عن ~~الله طاعته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه فهو واسطة بين الله وبين خلقه في ~~تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده # وأما إجابة الدعاء وكشف البلاء والهداية والإغناء ونحو ذلك فالله تعالى ~~هو المتفرد بذلك الذي يسمع ويرى ويعلم السر والنجوى وهو القادر على إنزال ~~النعم وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو ~~يعينه على قضاء حوائجهم والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها فهو ~~مسبب الأسباب التي بها يحصل ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلي أن يقول في ~~صلاته {إياك نعبد وإياك نستعين} # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا قام أحدكم إلى صلاته فلا يبصقن قبل ~~وجهه فإن الله قبل وجهه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ولكن عن يساره أو ~~تحت قدمه» PageV01P141 ~~وهذا الحديث في الصحيحين من غير وجه وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن ~~من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل ~~الحامل بقدرته للعرش وحملته وقد جعل سبحانه العالم طبقات ولم يجعل أعلاه ~~مفتقرا إلى أسفله فالسماء لا تفتقر إلى الهواء والهواء لا يفتقر إلى الأرض ~~فالعلي الأعلى رب السماوات والأرض وما بينهما أجل وأعظم ms34 وأغنى وأعلى من أن ~~يفتقر إلى شيء بل هو الأحد الصمد وكل ما سواه مفتقر إليه وهو مستغن عن كل ~~ما سواه وهذه الأشياء مبسوطة في غير هذا الموضع قد بين فيها التوحيد الذي ~~بعث الله به رسله قولا وعملا # وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفين أحدكم ~~يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء ~~أو رقاع تخفق فيقول يا محمد أغثني فأقول لا أملك لك PageV01P142 ~~من الله شيئا قد أبلغتك» # فهؤلاء الذين بلغهم أخبر أنهم إذا استغاثوا به يوم القيامة وسألوه ~~الشفاعة يقول لهم لا أملك لكم من الله شيئا قد أبلغتكم والله سبحانه قد وعد ~~أهل التقوى بالتخليص من الكربات وبإحسانه إليهم برفع الدرجات قال تعالى: ~~{ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} # وقال تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم}. ### || AUTO فصل # الأحاديث التي رويت في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة # بل موضوعة وليس في السنن الأربعة منها حديث واحد فضلا عن الصحيحين ولا ~~احتج الأئمة بشيء منها ولا رووا شيئا منها ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد ~~ولا الثوري ولا الأوزاعي ولا الليث ولا أبو حنيفة ولا إسحاق بن راهويه ولا ~~أحد من أئمة المسلمين وذلك مثل PageV01P143 ~~قوله من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي # ومثل ما يروون عنه أنه قال من زارني بعد مماتي كنت له شفيعا يوم القيامة # ومثل ما يروون من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة # فهذا الأحاديث وما أشبهها كلها كذب موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يثبت عنه لفظ واحد في زيارة قبره ولكن روي الأولان من قد يروي الموضوعات ~~كالبزار والدارقطني كما قد بسط الكلام على ذلك في PageV01P144 ~~غير هذا الموضع كيف يكون زائر قبره كالمهاجر إليه في حياته فإن زيارته في ~~حياته ms35 إنما شرعت لمن يأتي ويبايعه على الإسلام والجهاد أو يهاجر إليه لطلب ~~الآخرة أو يطلب منه العلم أو نحو ذلك من المقاصد المأمور بها في حياته التي ~~لا يحصل شيء منها بزيارة قبره # وهذه الأمور المبتدعة من الأقوال هي مراتب # أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجة أو يستغيث به فيها كما يفعله كثير من ~~الناس بكثير من الأموات وهو من جنس عبادة الأصنام ولهذا تتمثل لهم الشياطين ~~على صورة الميت أو الغائب كما كانت تتمثل لعبادة الأصنام بل أصل عبادة ~~الأصنام إنما كانت من القبور كما قال ابن عباس وغيره وقد يرى أحدهم القبر ~~قد انشق وخرج منه الميت فعانقه أو PageV01P145 ~~صافحه أو كلمه ويكون ذلك شيطانا تمثل على صورتة ليضله وهذا يوجد كثيرا عند ~~قبور الصالحين وأما السجود للميت أو للقبر فهو أعظم وكذلك تقبيله # المرتبة الثانية أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء ~~في المساجد والبيوت فيقصد زيارتة لذلك أو للصلاة عنده أو لأجل طلب حوائجه ~~منه فهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين وهي محرمة وما ~~علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين # المرتبة الثالثة أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له وهذا بدعة باتفاق ~~أئمة المسلمين وقد أخبر الله عن إخوة يوسف أنهم خروا له سجدا وكذلك سجد له ~~أبواه وهذا السجود ليس مشروعا لنا فلا يجوز لأحد أن يسجد لأحد حتى قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد ~~لزوجها من عظم حقه عليها» وكذلك الذين PageV01P146 ~~اتخذوا مسجدا على أهل الكهف وهذه الأمة قد نهيت عن بناء المساجد على القبور # وقد كان اليهود يستفتحون على الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما ~~رأوا صفته في التوراة يقولون اللهم انصرنا على أعدائنا بالنبي المبعوث في ~~آخر الزمان {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} وهذا كقوله {إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح} # والاستفتاح طلب الفتح وهو النصر ومنه الحديث المأثور إن ms36 النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بهم أي بدعائهم كما قال ~~وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم PageV01P147 ~~بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم فالذي ذكره المفسرون في تفسير الآية أن اليهود ~~كانوا يقولون اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب ~~المشركين ونقتلهم # وقيل إ نهم كانوا يقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر ~~الزمان الذي نجد نعته في التوراة # وقيل إنهم كانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان PageV01P148 ~~نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم # قال ابن إسحاق في السيرة حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه ~~زعموا أن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله وهداه لنا أنا كنا نسمع من ~~يهود وكنا أصحاب أوثان وهم أهل كتاب وكان لا يزال بيننا وبينهم شرور فإذا ~~نلنا منهم قالوا إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ~~وكنا كثيرا ما نسع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه ~~حين دعانا وعرفنا ما كانوا يتواعدون به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا هم ~~به ففي ذلك نزل قوله {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} # فإن اليهود لهم يعرف أنهم غلبوا العرب بل كانوا مغلوبين معهم أو كانوا ~~يحالفون العرب فيحالف كل فريق فريقا كما كانت قريظة حلفاء الأوس وكانت ~~النضير حلفاؤهم عبدالله بن أبي حتى أجلاهم PageV01P149 ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حين ضربت عليهم الذلة والمسكنة لم يكونوا ~~بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا على غيرهم وإنما كانوا يقالون مع حلفائهم ~~كما حالفت النضير الخزرج وحالفت قريظة الأوس قبل الإسلام والذلة ضربت عليهم ~~من حين بعث المسيح عليهم فكذبوه كما قال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة} # وقال تعالى: {قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل ~~وكفرت ms37 طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} # وقال تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} # وكان اليهود قد قتلوا يحيى بن زكريا وغيره من الأنبياء صلوات الله PageV01P150 ~~وسلامه عليهم (استدرك 1) # وما يروونه من أن آدم دعا به أو تشفع به فهو من الأحاديث الموضوعة التي ~~لا يبني عليه حكما شرعيا إلا جاهل بأدلة الأحكام # وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره ~~وهذا أصل ضلال النصارى أيضا قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} # وأمثال هذا في القرآن كثير # فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله مثل أن يشفع ~~الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه كما يشفع عند الملك ابنه أو ~~أخوه أو أعوانه أو نظراؤه الذين يخافهم أو يرجوهم فيجب سؤالهم لأجل رجائه ~~وخوفه منهم فيمن يشفعون به عنده وإن كان الملك أو الأمير أو غيرهما يكره ~~الشفاعة فيمن شفعوا فيه فيشفعهم فيه على كراهة منه ويشفعون عنده أيضا بغير ~~إذنه فالله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ~~ولا يشفع PageV01P151 ~~أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع فيه فإذا أذن للشفيع شفع وإن ~~لم يسأله الشفيع ولو سأل الشفيع الشفاعة ولهم يأذن الله له لم تنفع شفاعته ~~كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا مراجعة لوط في قومه ~~ولا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنافقين واستغفاره لهم بل قيل له ~~{استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألت ربي ثلاثا ~~فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا ms38 يسلط على أمتي عدوا من غيرهم ~~فيجتاحهم فأعطانيها وسألته أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا ~~يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» # وفيه أنه قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد PageV01P152 ~~فمن قال من المغالين والجاهلين إن لله عبادا لو سألوه أن لا يقيم القيامة ~~لما أقامها فهو مفتر كذاب فإن أفضل الخلق عنده أجاب أكثر مسائلهم مما يوافق ~~قدره وأمره ورد بعضها فما حال من هو دونهم وما أخبر PageV01P153 ~~أنه سيفعله فلا بد من وقوعه فلا يقبل دعاء أحد في أن يدعه كقيام الساعة فإن ~~أفضل أهل السماوات وأفضل أهل الأرض لو سألوه أن لا يقيم القيامة لما أجاب ~~سؤالهم إذ قد قضى ذلك وقدره قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف سنة # وإنما تقع الشفاعة وتنفع ويظهر جاه الشفيع ووجاهته عند المشفوع إليه إذا ~~شفع فيمن أذن له أن يشفع فيه وفي إجابته سؤاله وقبول شفاعته لا أنه يقسم ~~على الله بأحد من خلقه ولا يتوسل إليه بمجرد ذات أحد من خلقه من غير دعاء ~~من المتوسل به ولا طاعة من المتوسل # والداعي إنما ينتفع من وجهين إما بدعاء الرسول وإما بإيمان الداعي به ~~وطاعته ومحبته # فأما إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع له وهو لم يؤمن به لم ~~ينتفع بالرسول صلى الله عليه وسلم فأبو طالب مع كفره لما كان يحوط الرسول ~~ويمنعه شفع فيه حتى خفف عنه العذاب وقد كان في غمرة من النار فلما شفع فيه ~~صار في ضحضاح من النار وفي رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ولولاه PageV01P154 ~~لكان في الدرك الأسفل من النار هكذا رواه مسلم في صحيحه فانتفع به مع كفره ~~في تخفيفه عذابه بأن شفع فيه والإيمان به نافع لمن آمن وإن لم تحصل معه شفاعة # فهذان السببان هما اللذان ينفعان العبد من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ~~وأما مجرد توسل العبد بذاته أو إقسامه به بدون هذين السببين فلا ينفعه أصلا ~~كما تجد أفسق ms39 الناس وأفجرهم يغالي في قبور الصالحين ويقول قبورهم هو ~~الترياق المجرب ولم يعمل ببعض عملهم ولا حام حول حماهم وكما ينتسب بعض ~~الناس إلى الأئمة وهم براء منه لم يتبعهم يوما من الدهر وأكثر هؤلاء قد غلب ~~عليهم نفاق القلوب وإيمانهم ليا بألسنتهم وطعنا في الدين # وقد ظن بعض من تكلم في الشفاعة على طريق الفلاسفة كابن PageV01P155 ~~سينا وأشباهه أن الشفاعة تنفع لتعلق الشفيع بالمشفوع وإن لم يكن هناك دعاء ~~من الشفيع وشبه ذلك بشعاع الشمس الذي يظهر في المرآة والمرآة تطرح شعاعها ~~على الماء والشعاع الذي على الماء يظهر فيه الحائط وأن العبد إذا تعلق ~~بالملائكة والأنبياء كان ما ينزل عليهم من الرحمة ينزل عليه من ذلك بتوسطهم ~~كما ينتفع أتباع المتبوع بما يحصل له من الجاه والمنزلة وهذا الذي قاله هو ~~شر من قول المشركين وهذه هي الشفاعة التي أبطلها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم # وابن سينا ذكر هذه الشفاعة جريا على منهاج سلفه المشركين الصابئين أهل ~~مقدونية كالإسكندر فيلبس المقدوني ووزيره أرسطو ونحوهم من المشركين الذين ~~كانوا يؤمنون بالجبت والطاغوت وكانوا أهل شرك وسحر كما هو متواتر عنهم ~~معروف من أخبارهم # والجهال يظنون أن هذا الإسكندر هو ذو القرنين المذكور في القرآن ويعظمون ~~أرسطو ويظنون أنه كان وزير ذي القرنين وهذا من جهلهم فإن الإسكندر الذي كان ~~وزيره أرسطو هو الإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي يؤرخ له اليهود والنصارى ~~وهذا كان قبل المسيح بنحو ثلاث مئة عام وهو الذي قهر الفرس ولم يصل إلى سد ~~يأجوج ومأجوج # وأما ذو القرنين المذكور في القرآن فهو من أهل الإيمان والتوحيد PageV01P156 ~~وقد اختلف في نبوته والصحيح أنه لم يكن نبيا وقد كان قبل هذا بمئين من ~~السنين وهو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج وكان الله تعالى قد مكن له في الأرض ~~وآتاه من كل شيء سببا فقهر الجبابرة وأذلهم وسار بالعدل فيما آتاه الله # وفي كلام أبي حامد في المضنون به على غير أهله ونحوه ما مشى فيه على ms40 ~~منهاج ابن سينا ولهذا اشتد نكير العلماء على أبي حامد لما في كلامه من أصول ~~الفلاسفة الملحدين وهم بنوا الشفاعة على PageV01P157 ~~أصلهم الفاسد وهو أن الله عندهم لا يحدث شيئا بمشيئته واختياره بل لا سبب ~~للحوادث إلا حركة الفلك فلهذا لم يثبتوا لله تعالى إجابة سائل ولا إحداث ~~أمر وقد بسط الكلام على مذاهب هؤلاء في غير هذا الموضع وأصولهم لا أفسد ~~منها فإن الله أمر العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا وأن يدعوه فهو ~~سبحانه وحده يثيبهم إذا أطاعوه ويجيبهم إذا دعوه # وقد بينا في غير هذا الموضع أنه لو كان شيء من العالم قديما للزم أن تكون ~~له علة تامة فإن العلة التامة القديمة لا يتأخر عنها شيء من معلولها فلا ~~يصدر عن العلة التامة حادث والعالم لا ينفك عن حادث فيمتنع صدور ما يستلزم ~~الحوادث عن علة تامة أزلية فيمتنع أن يكون قديما # وأيضا فكل ما سوى الله ممكن يقبل الوجود والعدم وكل ما يقبل الوجود ~~والعدم لا يكون إلا حادثا فأما ما كان قديما أزليا واجب الوجود ممتنع العدم ~~دائما فيمتنع أن يكون ممكنا يقبل الوجود والعدم سواء قيل هو واجب الوجوب ~~بنفسه أو بغيره # وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بالسلام عليه فهذا حق وهو يقتضي ~~أن حاله بعد موته أكمل من حاله قبل مولده وهذا لا ريب فيه وأما قول القائل ~~قد توسل به الأنبياء قبلنا فيقال PageV01P158 ~~مثل هذا ليس بحجة ولا يصح الاحتجاج به بإجماع المسلمين فإن الناس لهم في ~~شرع من قبلنا قولان # أحدهما أنه ليس بحجة # والثاني أنه حجة ما لم يأت شرعنا بخلافه بشرط أن يثبت ذلك بنقل معلوم ~~كأخبار النبي صلى الله عليه وسلم # فأما الاعتماد على نقل أهل الكتاب أو نقل من نقل عنهم فهذا لا يجوز ~~باتفاق المسلمين لأن في الصحيح عنه أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا ~~تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل ~~فتصدقوه» # وفي المسند ms41 وسنن النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ورقة من التوراة فقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ~~لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم» PageV01P159 ~~وهذه القصص التي يذكر فيها التوسل عن الأنبياء بنبينا ليست في شيء من كتب ~~الحديث المعتمدة ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة وإنما تذكر مرسلة ~~كما تذكر الإسرائيليات التي تروي عمن لا يعرف # وقد بسط الكلام في غير هذا الموضع على ما نقل في ذلك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتكلمنا عليه وبينا بطلان ذلك جميعه وإن كان ذلك قد نقل عن كعب ~~ووهب ومالك بن دينار ونحوهم ممن ينقل عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج به لأن ~~الواحد من هؤلاء وإن كان ثقة فغاية ما عنده أن ينقل عن كتاب من كتب أهل ~~الكتاب أو يسمعه من بعضهم فإن بينه وبين الأنبياء الذين يروي ذلك عنهم دهرا طويلا PageV01P160 ~~والحديث المرسل عن المجهول من الكتاب الذي لا يعرف علمه وصدقة لا يقبل ~~باتفاق المسلمين ومراسيل أهل ديننا عن نبينا صلى الله عليه وسلم لا تقبل ~~عند أئمة العلماء مع كون نبينا قريبا وديننا محفوظا محروسا فكيف بما يرسل ~~عن آدم وإدريس ونوح وغيرهم # والقرآن قد أخبر بأدعية الأنبياء وتوباتهم واستغفارهم وليس فيه شيء من ~~هذا الذي ذكروه # وقد نقل أبو نعيم في الحلية أن داود عليه السلام قال يا رب أسألك بحق ~~آبائي عليك إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال الله له يا داود وأي حق لآبائك علي ~~فإن كانت الإسرائيليات حجة فهذا فيه دليل على أنه لا يسأل الله بحق ~~الأنبياء وإن لم تكن حجة لم يجز الاحتجاج بتلك الإسرائيليات ثم إن توسل ~~النبي المتقدم بالنبي الذي بعده يقتضي أن يكون أفضل منه فيقتضي أن يتوسل ~~نوح بإبراهيم وداود بعيسى وإسرائيل بموسى ومثل هذا لو كان حقا لكان أصلا في ~~العلم الصحيح ولكن المتقدم من الأنبياء يبشر بمن يأتي ms42 بعده منهم وليس PageV01P161 ~~هو مأمورا بإتباع شريعة من يأتي بعده بل إما أن يكون مأمورا بإتباع شريعة ~~توحي إليه أو شريعة رسول قبله فهو مستغن عمن بعده متبع لمن قبله فكيف يتوسل ~~بالمتأخر ولا يتوسل بالمتقدم الذي يجب عليه إتباعه # وقد ثبت في الصحيحين حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبقت عليهم ~~الصخرة فتوسل أحدهم ببره بوالديه وتوسل الآخر بعفته عن الفاحشة مع التمكن ~~منها والمحبة وتوسل الآخر بأدائه الأمانة مع تثمير المال وطول المدة ففرج ~~الله عنهم فلو كان ما ذكر صحيحا لتوسلوا بالأنبياء وبصالح أعمال الأنبياء ~~فكيف يدعون التوسل بذلك ويتوسلون بما لم يذكر في كتاب ولا سنة # ولو كان هذا صحيحا لكان مشهورا بل مشروعا لنا وكنا نحن أحق بذلك لأن هذه ~~الأمة أفضل الأمم وأولى بكل خير كان ويكون ولأنه رسولها ونبيها فلما كان لم ~~يكن لهذا أصل عند أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان علم أن هذا من ~~أكاذيب المفترين # واستغاثة الصحابة به في القحط إنما استغاثوا به ليدعو لهم كما يستغيث ~~الناس به يوم القيامة ليشفع لهم والاستغاثة بالمخلوق ليدعو للعبد أو ليعينه ~~بما يقدر عليه ليس بممنوع منه وإنما الممنوع أن يستغاث به فيما لا يقدر ~~عليه وأن يقسم على الله به ولا سيما إذا كان المخلوق ميتا أو غائبا فلا ~~يجوز أن يستغاث به فيما يقدر عليه حيا ولا فيما لا يقدر PageV01P162 ~~عليه وأما استغاثة الجمل به ليجيره من ظلم أهله فهو أيضا طلب منه أن يشكيه ~~فأشكاه بمنع أهله من أذاه وهذا جائز # وما روي عن عائشة رضي الله عنها من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل ~~المطر فليس بصحيح ولا يثبت إسناده وإنما نقل ذلك من هو معروف بالكذب ومما ~~يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيا ~~كما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعضه مسقوف وبعضه مكشوف وكانت ~~الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ms43 أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد ولم تزل الحجرة كذلك ~~حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد ~~العزيز وكانت حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم شرقي المسجد وقبليه فأمره ~~أن يشتريها من ملاكها ورثة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاشتراها ~~وأدخلها في المسجد فزاد في قبلي المسجد وشرقيه ومن حينئذ دخلت الحجرة ~~النبوية في المسجد وإلا فهي قبل ذلك كانت خارجة PageV01P163 ~~عن المسجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد موته ثم إنه بنى حول حجرة ~~عائشة التي فيها القبر جدار عال وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل ~~إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف # وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين ولو صح ذلك لكان حجة ودليلا على ~~أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا ~~يسألون الله به وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه ولم يكن هناك دعاء ~~يقسمون به عليه فأين هذا من هذا # والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله فإن الله تعالى يحب أن نتوسل ~~إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم ومحبته ~~وطاعته وموالاته فهذه الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه وإن أريد أن ~~نتوسل إليه بما تحب ذاته وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من ~~الإيمان والعمل الصالح فهذا باطل PageV01P164 ~~عقلا وشرعا # أما عقلا فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبا له ما يوجب كون حاجتي ~~تقضي بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضي به حاجتي فإن كان منه ~~دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة وأما نفس ذاته ~~المحبوبة فأي وسيلة لي فيها إذا لم يحصل ms44 لي السبب الذي أمرت به فيها ولهذا ~~لو توسل به من كفر به مع محبته له لم ينفعه والمؤمن به ينفعه الإيمان به ~~وهو أعظم الوسائل # فتبين أن الوسيلة بين العباد وبين ربهم عز وجل الإيمان بالرسل وطاعتهم ~~{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} {ومن يعص الله ~~ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} # وأما الشرع فيقال العبادات كلها مبناها على الإتباع لا على PageV01P165 ~~الابتداع فلبس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله فليس لأحد أن يصلى ~~إلى قبره ويقول هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة # وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها» مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم ~~بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى إلى قبر الشيخ ويقولون هذه قبلة الخاصة ~~والكعبة قبلة العامة وطائفة أخرى يرون أن الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من ~~الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والأقصى وكثير من الناس يرى أن الدعاء ~~عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل منه في المساجد # ولأهل البدع عبادات كثيرة قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع وبينا ~~بطلانها وهذا كله مما قد علم جميع أهل العلم بدين الإسلام أنه مناف لشريعة ~~الإسلام وأنه لم ينقله أحد من علماء الأمة بل هم متفقون على أنه لا فضيلة ~~للصلاة عند القبور ولا في المساجد المبنية عليها التي تسمى المشاهد مع أن ~~طائفة من الغلاة من أهل الشيعة ومن المنتسبين إلى السنة يرون السفر إليها ~~حجا وقد صنف ابن النعمان المفيد شيخ الرافضة كتابا سماه مناسك حج المشاهدة ~~وذكر فيه من PageV01P166 ~~فضل العبادات فيها ما هو أعظم من العبادات المشروعة في المسجد الحرام # وقال بعض المتفلسفة إن الأرواح المفارقة قد حصل لها قوة وكمال فإذا اتصل ~~بها روح الزائر مع خشوعه فاض عليها من آثار تلك الروح ما تقوى به وتستنير ~~هذا من قول أهل الزور ومن لم يعتصم ms45 في هذا الباب وغيره بالكتاب والسنة إلا ~~ضل وأضل ووقع في مهواة من التلف # فعلى العبد أن يسلم للشريعة المحمدية الكاملة البيضاء الواضحة ويعلم أنها ~~جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا رأى من ~~العبادات والتقشفات وغيرها التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع علم أن ~~ضررها راجح على نفعها ومفسدتها راجحة على مصلحتها إذ الشارع الحكيم لا يهمل ~~المصالح # وقد كتبت في هذه المسألة نحو مجلد وذكرتها في مواضع أخر وبينت أسباب ~~الشرك وما فيه من الفوائد والمقاصد التي ضل بها المشركون وأنها معمورة ~~بالمفاسد ومعمورة بالمضار التي من أجلها حرمها الله PageV01P167 ~~فإن قال القائل أنا إذا توسلت بذاته إنما توسلت بعملي المتعلق به وذلك أنه ~~لحبي له وتعظيمي إياه توسلت به وهذا مما يحبه الله تعالى مني # قيل حبك له وتعظيمك له الذي هو من الإيمان به هو يدعوك إلى زيادة الإيمان ~~به وطاعته وهو الذي يحبه الله منك وأما حبك له وهو الذي لا تقصد به إلا ~~قضاء حاجتك الدنيوية فهذا لا يحبه الله منك كما أن حب أبي طالب إنما كان ~~قصده به تعظيم نسبه وإقامة حرمته لم يقبله الله منه وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «سيكون في هذه الأمة قوم PageV01P168 ~~يعتدون في الدعاء والطهور» # وكثير من الناس دعا بدعاء فأجيب وحصل له به ضرر أعظم من نفع ذلك الدعاء ~~وأعرف من يستغيث برجال أحياء فيتصورون له ويدفعون عنه ما كان يحذر ويحصل له ~~ما كان يطلب والأحياء الذين استغاث بهم لا يشعرون بشيء من ذلك وإنما هي ~~شياطين تمثلت على صورهم لتضل ذلك الداعي المشرك كما كانت الإنس تستعيذ ~~بالجن فكانت رؤساء الجن تعبدهم PageV01P169 ~~والذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب ويدعونها تتنزل عليهم أرواح من الجن ~~وتقضي لهم كثيرا من حوائجهم ويسمونها روحانية ذلك الكوكب وهو شيطان ومن ~~الشياطين من يطير بصاحبه من الإنس في الهواء ويضعه على رأس السنان ويدخل به ~~النار فيمنعه حرها فالسعادة والنجاة في الاعتصام بالكتاب والسنة ms46 واتباع ما ~~شرع كما شرع # والدعاء من أجل العبادات فينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها ~~معصومة كما يتحرى في سائر عباداته الصورة المشروعة فإن هذا هو الصراط ~~المستقيم والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين # وليحذر العبد مسالك أهل الظلم والجهل الذين يرون أنهم يسلكون مسالك ~~العلماء تسمع من أحدهم جعجعة ولا ترى طحنا فترى أحدهم أنه في أعلى درجات ~~العلم وهو إنما يعلم ظاهرا من الحياة الدنيا PageV01P170 ~~ولم يحم حول العلم الموروث عن سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم وقد تعدى على ~~الأعراض والأموال بكثرة القيل والقال فأحدهم ظالم جاهل لم يسلك مسلك في ~~كلامه مسلك أصاغر العلماء بل يتكلم بما هو من جنس كلام العامة الضلال ~~والقصاص والجهال ليس في كلام أحدهم تصوير للصواب ولا تحرير للجواب كأهل ~~العلم أولي الألباب ولا عنده خوض العلماء أهل الاستدلال والاجتهاد ولا يحسن ~~التقليد الذي يعرفه متوسطة الفقهاء لعدم معرفته بأقوال الأئمة ومآخذهم # والكلام في الأحكام الشرعية لا يقبل من الباطل والتدليس ما ينفق على أهل ~~الضلال والبدع الذي لم يأخذوا علومهم عن أنوار النبوة وإنما يتكلمون بحسب ~~آرائهم وأهوائهم فيتكلمون بالكذب والتحريف فيدخلون في دين الإسلام ما ليس ~~منه وإن كانوا لضلالهم يظنون أنه منه وهيهات هيهات فإن هذا الدين محفوظ ~~بحفظ الله له # ولما كانت ألفاظ القرآن محفوظة منقولة بالتواتر لم يطمع أحد في إبطال شيء ~~منه ولا في زيادة شيء فيه بخلاف الكتب قبله قال تعالى: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} بخلاف كثير من الحديث طمع الشيطان في تحريف كثير ~~منه وتغيير ألفاظه بالزيادة والنقصان والكذب في متونه وإسناده فأقام الله ~~له من يحفظه ويحميه وينفي عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل ~~الجاهلين فبينوا ما أدخل أهل الكذب فيه وأهل التحريف في معانيه كما قال صلى ~~الله عليه وسلم «لا يزال طائفة PageV01P171 ~~من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» # وقال صلى الله عليه وسلم «يحمل هذا العلم ms47 من كل خلف عدوله ينفون عنه ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» PageV01P172 ~~وقد وقع في هذا الباب كثير من الفقهاء والفقراء والعامة ونحوهم ممن فيه زهد ~~ودين وصلاح ولكن كل من لم يكن علمه وعمله يرجع إلى العلم الموروث عن الرسول ~~مقيدا بالشريعة النبوية لم يخلص من الأهواء والبدع بل كله أهواء وبدع وقد ~~ذكره الخطيب البغدادي # وقد قال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب اقتصاد في سنة خير من PageV01P173 ~~اجتهاد في بدعة فانظروا أعمالكم إن كانت اقتصادا أو اجتهادا أن تكون على ~~منهاج الأنبياء وسنتهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أخرجاه # وفي رواية «من عمل عملا ليس على أمرنا فهو رد» # وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله بما سنح له وأحبه ورآه ~~بل لا يعبده إلا بالعبادة الشرعية وقد قال فضيل بن عياض PageV01P174 ~~في قوله تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} قال أخلصه وأصوبه قيل ما أخلصه ~~وأصوبه قال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ~~ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب ~~أن يكون على السنة # وقال أبو بكر بن عياش لما قيل له إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس إليهم ~~الناس فقال من جلس للناس جلس إليه ولكن أهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم لأنهم ~~أحيوا بعض ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله تعالى {ورفعنا لك ذكرك} ~~وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم لأنهم شانوا بعض ما جاء به الرسول فبترهم ~~الله فكان لهم نصيب من قوله تعالى {إن شانئك هو الأبتر} # ولهذا كانت أصول الإسلام كما قال الإمام أحمد وغيره تدور على ثلاثة أحاديث # قوله الحلال بين والحرام بين # وقوله إنما الأعمال بالنيات PageV01P175 ~~وقوله من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد # وذلك أن الدين فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه والنهي ms48 عن ذكره ~~في حديث الحرام بين وذكر حكم ما يشتبه به وما لا يشتبه به # والمأمور به أمران عمل باطن وهو إخلاص الدين لله وعمل ظاهر وهو ما شرعه ~~الله لنا من واجب ومستحب # وخلق كثير يعبدون غير الله وخلق يبتدعون عبادة لم يأذن بها الله كما ذكر ~~تعالى ذلك في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما من السور المكية وقد ثبت في ~~الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا ~~بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا اليهود والنصارى ~~قال: «فمن» PageV01P176 ~~وفي الصحيح أيضا أنه قال: «لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع» قالوا فارس والروم قال: «ومن الناس إلا هؤلاء» # وقد أمرنا الله أن نقول في صلاتنا {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم} إلى آخرها # وكثير من الناس عملهم ليس خالصا لله ولا موافقا لشريعة الله مبتدعة ضلال ~~يشرعون دينا لم يأذن به الله وقد قال الله تعالى {وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} # وقال تعالى: {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} PageV01P177 ~~وقال {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} # فأخبر تعالى أنه ليس للمخلوق من دونه ولي يلي أمورهم ولا شفيع يعينهم من ~~دون الله # ويقال إن طائفة تسمى السوفسطائية أنكرت الحقائق ولم تقر بشيء مما تحسه أو ~~تعقله وهذا لا يمكن أن تعيش عليه أمة من الأمم مدة من الزمان فإن الناس إن ~~لم يعرف بعضهم بعضا ويميز الشخص منهم بين غيره وبين نفسه وبين يومه وأمسه ~~ومأكوله ومشروبه وبين زوجته وولده وغير زوجته وولده وبين ثوبه وثوب غيره ~~وكلامه وكلام غيره ونحو ذلك وإلا كان مجنونا بل أكثر المجانين لا بد لهم من ~~نوع تمييز كما للبهائم تمييز فكيف يتصور أن يكون في الوجود طائفة تنكر كل ~~شيء ولا تقر بثبوت شيء وإنما السفسطة ms49 حال تعرض لبعض الناس فيجد فيها بعض ~~الحقائق ويلبس الحق بالباطل PageV01P178 ~~وقيل إن السفسطة كلمة معربة من اليونانية وإن أصلها سوفسطا أي حكمة مموهة ~~وغيرت بالتعريب كسائر ما عربته العرب من ألفاظ العجم ولا ريب أن في الناس ~~من يسفسط في بعض الأمور فيجحد الحق بعدما تبين أو يجحد علمه به أو يقر ~~ببعضه دون بعض أو يجعل الحقائق تبعا للعقائد أي ما يعتقده هو # فيقال السوفسطائية أربعة أقسام # قسم يجحد الحقائق # وقسم يجحد العلم بها # وقسم متجاهل لا أدرية واقفة # وقسم جاعل الحقائق تبعا للعقائد # فهذه الأقسام الأربعة لا توجد في غالب في كثير من الأمور إما أن ينفي ~~الحق الثابت أو ينكر علمه به ويقول ما أعرفه أو يقف في وجوده وفي علمه به ~~أو يجعل الحقائق تبعا لما يعتقده # وفي الناس من هذا وغيره عجائب وإنما يخلص العبد من ذلك PageV01P179 ~~علمه ما الناس عليه وما بعث الله به رسوله فيعلم الوجود العيني والثبوت ~~العلمي كما قال تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ ~~وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} # وقال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} # فمن عرف أخبار الأمم المتبعين للرسل والمخالفين لهم وعاقبة هؤلاء وهؤلاء ~~كان في ذلك له عبرة وحجة توافق القرآن # ومعلوم أن معرفة مذاهب الناس ومقالاتهم ودياناتهم ومللهم ونحلهم وآرائهم ~~لا يخلو صاحبها من معرفة أن يكون فيها تابعا للرسل ومللهم أو لا يكون وقد ~~جعل بعض الناس معرفة التاريخ من المقالات ولعمري إنها لداخلة فيما يقص من ~~أحوال الناس وأفعالهم ولكن الشأن في تمييز الصدق منها من الكذب والاعتبار ~~بالصدق منها كما قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان ~~حديثا يفترى} فدل على أن فيما يقصه الناس في تواريخهم ومقالاتهم ومذاهبهم ~~ما هو مفترى لا PageV01P180 ~~حقيقة له فكتب المؤرخين الذين لا يقصدون الكلام على الآراء والديانات فيها ~~ما يشتمل على الصدق والكذب وهي أكثر التواريخ التي لم توزن ms50 بتمييز أهل ~~المعرفة بالمنقولات وكذلك الكتب التي يذكر فيها مقالات الناس وآراؤهم ~~ودياناتهم فيها ما يشتمل على الصدق والكذب وهي ما لم توزن بنقد من يخبر ~~المقالات وكذلك تعمد الكذب قليل في أهل العقول والديانات المصنفين لتواريخ السير # وفي الرد على البكري أن مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماته جائز مشروع ~~كما جاءت به الأحاديث وأما دعاء صفاته وكلماته فكفر باتفاق المسلمين فهل ~~يقول مسلم يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني أو يا علم الله أو ~~يا قدرة الله أو يا عزة الله أو يا عظمة الله ونحو ذلك أو سمع من مسلم أو ~~كافر أنه دعا لذلك من صفات الله وصفات غيره أو يطلب من الصفة جلب منفعة أو ~~دفع مضرة أو إعانة أو نصرا أو إغاثة أو غير ذلك # والنصارى وإن كانوا يقولون المسيح هو كلمة الله ويدعونه ويتخذونه إلها ~~فهو عندهم عين قائمة بنفسها حاملة للصفات ليس المسيح عندهم صفة قائمة ~~بموصوف ولكن مذهبهم متناقض حيث يجعلون الإله واحدا والأقانيم ثلاثة ويدعون ~~أن المتحد بالمسيح هو أقنوم الكلمة فإن فسروا الأقنوم بما يجري مجرى الصفة ~~لزم أن تكون الصفة خالقة وهم لا يقولون ذلك وإن فسروه بما يجري مجرى ~~الموصوف لزم أن تكون PageV01P181 ~~الذات الموصوفة وهي الأب هي المسيح وهم لا يقولون ذلك فقولهم متناقض في ~~نفسه باتفاق عقلاء بني آدم ولم يقولوا إن مجرى الصفة القائمة بغيرها تدعى وتسأل # قال وقوله من توسل إلى الله بنبيه في تفريج كربة أو استغاث به سواء كان ~~ذلك بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو غيرهما مما هو في معناهما فهذا القول لم ~~يقله أحد من الأمم بل هو مما اختلقه هذا المفتري وإلا فلينقل ذلك عن أحد من الناس # وما زلت أتعجب من هذا القول وكيف يقوله عاقل والفرق واضح بين السؤال ~~بالشخص والاستغاثة به وأريد أن أعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال فإن ~~معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه ومن لم يعرف أسباب المقالات ms51 وإن ~~كانت باطلة لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم فوقع لي أن سبب هذا ~~الضلال الاشتباه عليهم أنهم عرفوا أن يقال سألت الله بكذا كما في الحديث ~~«اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت المنان» PageV01P182 ~~ورأيي أن الاستغاثة تتعدى بنفسها كما يتعدى السؤال كقوله {إذ تستغيثون ربكم} PageV01P183 ~~وقوله {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} # فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله سألت بفلان والمتوسل إلى الله ~~بغائب أو ميت تارة يقول أتوسل إليك بفلان وتارة يقول أسألك بفلان فإذا قيل ~~ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان أو أستغيث إليك بفلان ~~ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب # وأصل الشبهة على هذا التقدير أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي ~~يكون المضاف بها مستغاثا مدعوا مسؤولا مطلوبا منه وبالاستغاثة المحضة من ~~الإغاثة التي يكون المضاف بها مطلوبا به لا مطلوبا منه فإذا قيل توسلت به ~~أو سألت به أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم وهم يقولون ~~أستغيثه واستغثت به من الإغاثة كما يقولون استغثت الله واستغثت به من الغوث # فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه وإذا قالوا لمخلوق استغثته ~~واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤولا مطلوبا منه وأما إذا قالوا استغث ~~به من الإغاثة فقد يكون مسؤولا وقد لا يكون مسؤولا PageV01P184 ~~وكذلك استنصرته واستنصرت به فإن المستنصر يكون مسؤولا مطلوبا وأما المستنصر ~~به فقد يكون مسؤولا وقد لا يكون مسؤولا # فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب ~~من المستغاث به # وقول القائل استغثت فلانا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى ~~توسلت به فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله # قال في الوجه الرابع إن التضمين المعروف في اللغة إنما هو ضم معنى لفظ ~~معروف إلى آخر مع بقاء معنى اللفظ الأول كما في قوله {واحذرهم أن يفتنوك عن ~~بعض ما أنزل الله إليك} فإنه ضمن ms52 معنى الإذاعة فعدى بحرف الغاية عن مع أنه فتنة # وكذلك قوله {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} فإنه ضمن معنى الضم والجمع ~~فعدي بحرف الغاية مع أن معنى السؤال موجود # وكذلك قوله {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا} ضمنه معنى نجيناه مع ~~بقاء معنى النصر PageV01P185 ~~وقوله {يشرب بها عباد الله} ضمن معنى يروي فعدي بحرف الباء مع بقاء معنى الشرب # وهكذا إذا قيل استغثت بالله من الغوث فإنه ضمن معنى الاستغاثة التي هي من ~~العون فعدي بالباء مع بقاء معنى الاستغاثة وهي طلب من المستغاث به # فأما إذا قيل استغثت بفلان من الغوث بمعنى سألت غيره به وتوسلت به فهذا ~~لا يجوز لأنه أحال معنى الاستغاثة فإن معناها طلب الإغاثة من المستغاث به ~~ومعلوم أن المسؤول به والمقسم به والمتوسل به ليس مسؤولا ولا مطلوبا منه ~~ففيه تبديل معنى اللفظ فلا يجوز ذلك # وقال في الوجه الخامس إنه لو قدر أن معنى ذلك معنى التوسل بالأنبياء ~~فالتوسل بهم الذي جاءت به الشريعة هو التوسل إلى الله بالإيمان بهم ~~وبطاعتهم أو بدعائهم وشفاعتهم كما كان الصحابة يتوسلون بدعاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الاستسقاء وغيره كما في حديث الأعمى وكما يتوسل الخلائق ~~يوم القيامة بشفاعته وأعظم وسائل الخلائق إلى الله PageV01P186 ~~تعالى الإيمان بهم وإتباعهم وطاعتهم فأما التوسل بذواتهم والسؤال بهم بدون ~~دعائهم وشفاعتهم وطاعتهم التي يثيب الله عليها فهذا باطل لا أصل له في شرع ~~ولا عقل # وقال أيضا فالمخلوق لا يفعل شفاعة ولا غيرها إلا لرجاء منفعة ما تأتيه من ~~خارج أو خوف مضرة تأتيه من خارج وإلا فلو قدر أن نفسه مستغنية بنفسه عن كل ~~ما سواه لم يفعل الأفعال التي جرت بها عادة المخلوق # والخالق سبحانه غني عن الخلق كلهم وكلهم مفتقر إليه وكل ما يكون فيهم مما ~~يحبه ويرضاه كالإيمان والعمل الصالح فذلك منه فهو الخالق لذلك تفضلا وكرما ~~فهو الخالق لكل مخلوق وما عمل وهو المتصف بكل صفة كمال فليس في الوجود ما ~~هو ms53 غيره إلا داخلا في مسمى أسمائه بحيث لا يكون ذلك الداخل في مسمى أسمائه ~~إلا وهو من مخلوقاته ومفعولاته ومصنوعاته PageV01P187 ~~ومعاملات بعضهم لبعض لا تخرج عن معاوضة كالمبايعة والمؤاجرة ولهذا قال ~~الفقهاء إن كلا من الشريكين يتصرف في حقه بحكم الملك وفي حق شريكه بحكم ~~الوكالة فأكثر معاملات الناس مشاركة والمشاركة فيها نوع من المعاوضة ~~والمعاوضة الظاهرة كالمبايعة والمؤاجرة فيها أيضا معنى المشاركة فإن التجار ~~والصناع هم مشاركون PageV01P188 ~~للناس في مصالح دنياهم متعاونون عليها إذ كان الإنسان مدنيا بالطبع لا تتم ~~مصلحته إلا ببني جنسه يعاونونه على جلب المنفعة ودفع المضرة والمعاوضة ~~بينهم هي التي تبعث على المعاونة أو كل منهم لا يفعل إلا ما يجلب إلى نفسه ~~به منفعة أو يدفع به مضرة # وإذا كان عامة ما بين الخلق من الأسباب الكسبية التي بها يتساءلون ويشفع ~~بعضهم إلى بعض هي من جنس المشاركة فالسبب الآخر هو الولادة # فالأسباب والصلات التي بين الناس لا تخرج عن سبب خلقي وهو الولادة أو سبب ~~كسبي من جنس المشاركة والمعاوضة ولهذا افتتح الله سورة النساء بقوله {يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} الآية فإن ~~هذه السورة ذكر فيها حكم الأسباب التي بين الناس من هذا وهذا فذكر ما يتعلق ~~بالولادة من القرابة والرحم وما يتعلق من المواريث والمناكح وكذلك ما يحصل ~~بينهم بالعقود من المناكح والمواريث والوصايا على اليتامى فالنسب من الأول ~~والصهر من الثاني كما قال {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} PageV01P189 ~~فافتتح السورة بقوله {الذي خلقكم من نفس واحدة} ثم قال {واتقوا الله الذي ~~تساءلون به} أي تتعاهدون به وتتعاقدون {والأرحام} فدخل في الأول ما بينهم ~~من التساؤل والتعاهد والتعاقد الذي يجمع المعاوضة والمشاركة ودخل في الثاني ~~الولادة وفروعها فالخلق إنما يتصل بعضهم ببعض من هذين الوجهين المشاركة ~~والولادة وقد نزه الله سبحانه نفسه المقدسة عنهما فقال {وقل الحمد لله الذي ~~لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ms54 يكن له ولي من الذل} # وقال {ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} # وقال {قل هو الله أحد} إلى آخر السورة PageV01P190 ~~ومن هنا ضل من ضل من المشركين وأشباههم من الصابئين والنصارى ومن ضاهاهم ~~فإنهم جعلوا المخلوق للخالق بمنزلة الشريك والولد وهذا أصل مادة كلام هؤلاء ~~الجهلة الضلال ونحوهم والقرآن قد حسم هذه المادة الفاسدة وجرد التوحيد وبين ~~أنه لا نسبة بين المخلوق والخالق إلا نسبة العبودية المحضة قال تعالى: ~~{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} # وقال {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} # وقال {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} PageV01P191 ### || AUTO فصل # قال وإثبات الأسباب مما نطق به الكتاب واتفق عليه أولو الألباب لكن الشأن ~~في تحقيق المناط وإدراج محل النزاع تحت هذه القاعدة وإلا فما قاله من أن ~~الأسباب والحكمة ليس له حاصل كلمة حق أريد بها باطل # فإن قوله وليس رجوع الأشياء إلى الباري من جهة القدرة بمبطل لما أثبته ~~الباري من الأسباب لم ينازع فيه لكن يقال لم قلت إن ما ادعيته هو من ~~الأسباب التي أثبتها الله تعالى فإنك لم تأت على هذا بحجة أصلا وأنت محتاج ~~إلى شيئين إلى أن تثبت أنه سبب في الواقع وأنه سبب غير مشروع غير محظور فإن ~~الأقسام ثلاثة لأن الشيء إما أن يكون سببا مباحا أو محرما أو لا يكون سببا ~~مع ظن كثير من الناس أنه سبب # فكثير من الأمور فيها ما يظن أنه سبب وليس بسبب كما يظن اليهود PageV01P192 ~~والنصارى أن اتباع دينهم سبب لنيل الجنة والثواب في الآخرة وهو ضالون في ~~اعتقادهم أن هذا سبب لذلك وكذلك ما يعتقده الجهال أن النذر سبب لحصول ~~الحاجات المطلوبة ودفع المكاره المرهوبة # وقد ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» # وعن أبي ms55 هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنذروا فإن النذر لا ~~يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل» # رواه البخاري ومسلم PageV01P193 ~~وكما يظهر المشركون أنهم إذا دعوا الأصنام أو من يعبدونه من دون الله أن ~~عبادتهم تنفعهم وتقربهم إلى الله زلفى وأنها سبب لنجاتهم وقضاء حوائجهم ~~وكما يظن من يدعو عند القبور أنه سبب لنيل طلبته وقضاء حاجته وكذلك ~~المستغيثون بالموتى والغائبين من الأنبياء والصالحين وغيرهم كل ذلك باطل ~~وليس بسبب # وأما السبب المحظور فكالقتل والزنا والسرقة فإنه سبب لنيل كثير من ~~الأغراض الفاسدة وكذلك الشرك والسحر قد يكون سببا لنيل بعض المطالب ~~والمقاصد # وأما السبب المباح المشروع فكالعبادات الشرعية في حصول الأجر والثواب ~~وكالدعاء لله والاستغاثة به والتوكل عليه في حصول ما يقدره الله بذلك من ~~المطالب وكالأكل والشرب والنكاح والازدراع وغير ذلك PageV01P194 ~~في حصول ما علقه الله بذلك من شبع وري وولد ونبات وغير ذلك وهذا التقسيم بين # وأما قوله إذا علمت أن الاستغاثة به صحيحة وأن كل متوسل به إلى الله ~~مستغيث به عرفت ان الأستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته فكلام لا ~~يقوله عاقل فضلا عن أن يقوله كتابي فضلا عن أن يقوله مسلم وهو كلام باطل ~~قطعا وذلك أنه صلى الله عليه وسلم في حياته يجوز أن يستغاث به فيطلب منه أن ~~ينصر المظلوم ويطعم الجائع ويسقي الظمآن ويخلص الأسرى ويقضي دين المدين ~~ويبين الدين ويزيح شبهات المعارضين ويجيب السائلين ونحو ذلك # ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الناس عملا وأعظمهم عل البر ~~والتقوى بل كل خير في الوجود فهو معين عليه بل له مثل أجر كل عامل خير من ~~أمته فإنه هو الذي دعا إلى ذلك ومن دعا إلى هدى كان PageV01P195 ~~له مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا # والاستغاثة طلب الإغاثة والتخليص من الكربة والشدة وأنواع الكرب في ~~الشدائد كثيرة لكثرة أسبابها كالأمراض والحاجات والأعداء فإن الأمراض فيها ~~من الشدة التي ms56 تلحق المريض وأهله وأصدقاءه ما الله به عليم والحاجة إلى ~~الرزق لنفسه وعياله وما ينال الإنسان بسبب الديون عليه كذلك وما يناله إذا ~~قل رزقه من أنواع الشدائد وكذلك حال العدو الظالم من الكفار والفجار في ~~عدوانهم على الناس من الكرب والشدائد ما لا يقدر قدره إلا الله # ومن هو دون الرسول من عموم المؤمنين يستغاث به ويطلب منه في حياته ~~الإغاثة على دفع هذه الشدائد كلها بحسب قدرته وذلك إما PageV01P196 ~~واجب وإما مستحب ومعلوم أن طلب المؤمنين ذلك من رسول الله في حال حياته ~~أعظم من طلبهم له من كل خليفة وعالم وشيخ وملك وهو أقوم بذلك من هؤلاء ~~وأقدر على إزالة ذلك منهم فكانوا عند الجدب يفزعون إليه حتى يستسقي الله ~~لهم وعند الحرب يفزعون إليه طلبا لأمره ودعائه بل قد روى البراء عن علي أنه ~~قال كنا إذا احمر البأس PageV01P197 ~~ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن أحد أقرب ~~إلى العدو منه # وفي الصحيح أن أهل المدينة فزعوا فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا ~~لأبي طلحة عري فكشف لهم ثم رجع فقال: «لن تراعوا وإن وجدناه لبحرا» # وعند قلة الطعام والماء فإليه يفزعون فيدعو لهم فيكثر الطعام كما فعل ذلك ~~غير مرة في عام الخندق وفي السفر وغير ذلك PageV01P198 ~~وعند قلة الماء فيكثره الله ببركته إما بنبغيه من بين أصابعه كما نبع غير ~~مرة بالمدينة وغيرها كيوم الحديبية وإما بدون النبع كما فعل بمزادتي المرأة ~~اللتين شرب منهما الجيش ولم ينقص منهما شيء وعند المخاوف يفزعون إليه فيرمي ~~الحصى في وجوه الكفار ونحو ذلك PageV01P199 ~~فقول القائل إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته لزم من ذلك أن ~~نطلب منه هذه الأشياء المذكورة وغيرها بعد موته ووجب أن يفعلها بعد موته ~~فيخرج في الغزوات ويقيم الحدود ويعود المريض فاعلا ذلك ببدنه بعد مماته كما ~~كان يفعل ذلك في حياته فهل يقول هذا إنسان أو يحتاج رد هذا إلى برهان ms57 # ولكن علينا بعد موته من الإيمان به وطاعته ما علينا في حياته أن نصدق ~~خبره ونطيع أمره ونشهد له أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ~~وجاهد في الله حق جهاده وعبدالله حتى أتاه اليقين # فليس عليه بعد موته أن يأمرنا ولا ينهانا ولا يعلمنا ولا يهدينا وليس ~~عليه بعد الموت فعل من الأفعال لا واجب ولا مستحب كما ليس ذلك على غيره من ~~الناس بل الموت ينتهي به التكليف الثابت في الحياة بإجماع الخلق فليس على ~~نبي ولا غيره بعد موته أن يفعل ما كان يؤمر به PageV01P200 ~~في حال الحياة من واجب ومستحب وإغاثة الأمة من جملة ما كان يفعله من ~~الواجبات والمستحبات باقيا لهم قد أدى وأبان ونصح # ولا يستطيع أحد أن ينقل عن أحد من الصحابة ولا من السلف أنهم بعد موته ~~طلبوا منه إغاثة ولا نصرا ولا إعانة ولا استسقوا بقبره ولا استنصروا به كما ~~كانوا يفعلون ذلك في حياته ولا فعل ذلك أحد من أهل العلم والإيمان # وإنما يحكى مثل ذلك عن أقوام جهال أتوا قبره فسألوه بعض الأطعمة أو ~~استنصروه على بعض الظلمة فحصل بعض ذلك وذلك لكرامته على ربه ولحفظ إيمان ~~أولئك الجهال فإنهم إذا لم تقض حاجتهم وقع في قلوبهم الشك وضعف إيمانهم أو ~~وقع منهم إساءة أدب ونفس طلبهم الحاجات من الأموات هو إساءة أدب فقضى الله ~~حاجتهم لئلا يضعف إيمانهم به وبما جاء به لئلا يرتدوا عن الإيمان فإنهم ~~كانوا قريبي عهد بإيمان # وعلى كل لا يقتضي أن يكون ما فعله أولئك الجهال حسنا مشروعا مأمورا به ~~فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في حياته يعطي المؤلفة قلوبهم الأموال ~~ولا يعطي PageV01P201 ~~خواص المهاجرين والأنصار الذين هم احب إليه من الذين يعطي ويقول «إني لأعطي ~~رجالا وأدع رجالا والذين أدع أحب إلي من الذين أعطي أعطي رجالا لما جعل ~~الله في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من ~~الغنى والخير» وقال: «إني لأعطي ms58 أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا» ~~قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم قال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي ~~البخل» وإعطاؤه لصناديد نجد وقريش عام حنين مع أنه لم يعط الأنصار مشهور ~~وقد بين PageV01P202 ~~للأنصار لما جمعهم في القبة ما في ذلك لهم من السعادة وما فيه من التأليف ~~لأولئك ليتقوى إيمانهم ويضعف نفاقهم فهل هذا العطاء منه لأجل هذه المصلحة ~~مع قوله يتأبطها نارا موجب لمدح من سأله واستحسان حاله # فإذا كان هو في حال حياته يعطيهم مع أن الذي سأله مذموم على سؤاله إياه ~~مذموم على ما أعطاه إياه معاقب على ذلك والرسول مأجور على ذلك الإعطاء ~~امتنع أن يحتج أحد بإعطائه على جواز سؤاله هذا وهو في الحياة فكيف بعد ~~الموت وإنما عليه ما حمل من التبليغ وعلينا ما حملنا من طاعته ومن طاعته ~~أنا نرغب إلى الله تعالى في جميع حوائجنا كما قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب ~~وإلى ربك فارغب} وقال لابن عباس «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» PageV01P203 ~~فأعالي الصحابة كالصديق وغيره لم يكونوا يسألونه شيئا من المال بل قد روي ~~امتناع بعضهم من الأخذ كعمر وغيره حتى قال له «ما أتاك من هذا المال وأنت ~~غير سائل ولا مستشرف فخذه وما لا فلا تتبعه PageV01P204 ~~نفسك» # وقد قال تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن ~~يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} # وقال تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} # وإن كان هذا السؤال نوعا آخر لكن المقصود أن سؤال الأنبياء حتى سؤال ~~العلم منهم فيه أنواع كثيرة محرمة وإن كانوا قد يعطون السائل فلا يدل ذلك ~~على أن السؤال مشروع هذا في حياتهم فكيف بعد مماتهم # ولم ينقل أحد من أهل العلم أن أحدا من السلف سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم شيئا بعد موته لا عند قبره ولا عند غير قبره وكذلك قو عيسى لما سألوا ~~المائدة قبل رفع عيسى إلى السماء لم ms59 يكونوا محمودين في مسألهم بل كان ~~نزولها ضررا عليهم وكذلك قوم موسى سألوا موسى أن يريهم الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة وقوم صالح سألوا صالحا آية فكانت سبب هلاكهم فالسؤال فتنة وشر ~~للسائل وهو للمسؤول أجر وخير ومعجزة PageV01P205 ~~للنبي صلى الله عليه وسلم # والاعتداء في الدعاء تارة يكون بأن يسأل ما لا يصلح له مثل منازل ~~الأنبياء أو يسأل أن يكون ملكا لا يحتاج إلى طعام وشراب أو أن يعلم الغيب ~~أو أن يكون عنده خزائن الله يعطي منها ما يشاء ويمنع ما يشاء فإذا سأل ما ~~هو من خصائص الربوبية أو خصائص النبوة كان هذا اعتداء وكذلك إذا سأل الله ~~جبلا من ذهب أو أن يجعل السماوات أرضا والأرض سماوات أو أن لا يقيم الساعة ~~كل هذا من الاعتداء # ومنه أن يسأل ما فيه ظلم لغيره ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~في دعائه المشهور الذي رواه أحمد وغيره والترمذي وصححه عن ابن عباس رب أعني ~~ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واهدني ويسر الهدى ~~لي وانصرني على من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا ~~لك مخبتا إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي ~~واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدري PageV01P206 ~~فقوله وانصرني على من بغى علي دعاء عادل لا دعاء معتد يقول انصرني على عدوي ~~مطلقا ومن الاعتداء قول الأعرابي اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «لقد تحجرت واسعا» يريد رحمة الله # وقد جعل الصحابة من الاعتداء ما هو دون هذا من تكثير الكلام الذي لا حاجة ~~إليه كما في سنن أبي داود وغيره عن ابن سعد قال PageV01P207 ~~سمعني أبي وأنا أقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا ~~وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا فقال يا بني إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «سيكون قوم ms60 يعتدون في الدعاء» فإياك أن تكون ~~منهم إنك إن اعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير وإن أعذت من النار أعذت ~~منها وما فيها من الشر وسعد هذا هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة وأهل الشورى # وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنا له يقول في دعائه اللهم إني أسألك ~~القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله الجنة وتعوذ به ~~من النار فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «يكون في هذه PageV01P208 ~~الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» PageV01P209 ~~ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان أن يدعى غير الله فإن ذلك من ~~الشرك والله لا يغفر أن يشرك به وإن الشرك لظلم عظيم فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # وسؤال المخلوق محرم لغير حاجة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأحاديث الصحيحة في تحريم المسألة له ولغيره كحديث حكيم وقبيصة وغيرهما ~~ففي حديث حكيم بن حزام قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم ~~سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ~~فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان ~~كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى» أخرجاه PageV01P210 ~~وعن عوف بن مالك الأشجعي قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ~~ثمانية فقال: «ألا تبايعون» فقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نيايعك يا ~~رسول الله قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس ~~وتطيعوا وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا قال فلقد رأيت بعض أولئك ~~النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناولها أياه» رواه مسلم # وعن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «من يكفل أن لا يسأل الناس شيئا وأنا أتكفل له الجنة» فقال ثوبان ~~أنا ms61 فكان لا يسأل أحدا شيئا PageV01P211 ~~رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة واللفظ لأبي داود # وعن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن المسألة كد ~~يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه» PageV01P212 ~~رواه الترمذي وصححه # وعن عائذ بن عمرو أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه ~~فلما وضع رجل على أسكفة الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو يعلمون ~~ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا» رواه النسائي # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ~~لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا يسأله أعطاه ~~أو منعه» # أخرجاه واللفظ للبخاري PageV01P213 ~~ولسلم «لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس خير ~~له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه» # وعن الزبير بن العوام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يأخذ أحدكم ~~حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره يبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل ~~الناس أعطوه أو منعوه» رواه البخاري # وعن قبيصة بن مخارق الهلالي أنه قال تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» ثم ~~قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة حلت له ~~المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة ~~حتى يصيب قواما من عيش ورجل PageV01P214 ~~أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة ~~فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا فما سواهن من المسألة ~~يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا» # رواه مسلم وأبو داود والنسائي # وترك السؤال للمخلوق اعتياضا بسؤال الخلق أفضل مطلقا كما قال تعالى: ~~{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} # وقال يعقوب {إنما ms62 أشكو بثي وحزني إلى الله} # وقال الخليل عليه الصلاة والسلام {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ~~واشكروا له} # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت PageV01P215 ~~فاستعن بالله # وفي المسند أن أبا بكر الصديق كان السوط يسقط من يده فلا يقول لأحد ~~ناولني إياه ويقول إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا # وفي الصحيحين حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين ~~لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون # وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال أصابتني فاقة فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فوجدته يخطب الناس وهو يقول أيها الناس والله مهما يكون عندنا من ~~خير فلن ندخره عنكم وإنه من يستغن يغنه الله ومن يستعف يعفه الله ومن يتصبر ~~يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا PageV01P216 ~~وأوسع من الصبر فقلت في نفسي والذي بعثك بالحق لا أسألك شيئا فرجعت فأغنى ~~الله وجاء بخير # فأبو سعيد فهم من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ترك سؤاله تعففا ~~واستغناء خير له من سؤاله # فإذا كان ترك سؤال الأنبياء في حياتهم أفضل مع الحاجة والفاقة ومع عدم ~~الحاجة يكون حراما فكيف سؤال الغائب والميت منهم ومن غيرهم هل يكون عملا ~~صالحا مشروعا مستحبا للناس # والله تعالى لم يأمر بسؤال الخلق قط لا أحياء ولا أمواتا ومن زعم أن سؤال ~~المخلوق حيا أو ميتا قد أمر الله به أو هو واجب أو PageV01P217 ~~مستحب فهو غالط وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا سمعوا المؤذن أن ~~يقولوا مثل ما يقول ثم يسألوا له الوسيلة ثم قال فمن سأل الله لي الوسيلة ~~حلت له شفاعتي يوم القيامة فأمرهم أن يسألوا له الوسيلة # والوسيلة تتضمن شفاعته لهم فقد أمرهم أن يطلبوا له من الله ما يتضمن قبول ~~شفاعته كما أمر الأعمى أن يقول في جملة دعائه اللهم شفعه في فإنه لم يأمرهم ~~بذلك سائلا لهم بل آمرا لهم بما ينفعهم فإنهم إذا سألوا له ms63 حصل لهم من ~~الثواب ما ذكر وإن كان هو ينتفع بإجابة الله سؤالهم فهو كما ينتفع بسائر ما ~~نعمله مما أمرنا الله به ورسوله إذ كان له مثل أجورنا ولله تعالى المنة ~~عليه بما أنعم عليه من أعماله وأعمال غيره التي ترتفع درجته بها ولله المنة ~~على الذين أنعم عليهم بطاعته حتى نالوا ما نالوا من ثواب الله بذلك # والمؤمن المحسن المتبع لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يأمر أحدا بأمر ~~لمجرد غرضه كما يأمر الملك والصديق والمالك ولا يسال أحدا شيئا بل إذا أمر ~~أحد بأمر كان مقصوده بذلك انتفاع المأمور وحصول مصلحته وله أجر الناصح ~~الدال على الخير الداعي إلى الهدى فيكون له مثل أجر PageV01P218 ~~العامل المأمور من غير أن ينقص من أجر العامل شيء # وكذلك إذا قال لغيره ادع لي فإنه يقصد بذلك أن الداعي يحصل له مثل دعائه ~~كما ثبت في الصحيح ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ~~ملكا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك آمين ولك بمثل فهو يقصد أن يحصل ~~للداعي ذلك ويقصد أيضا انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي له كما يقصد ~~إذا أمره بالمعروف أن ينتفع المأمور بعمله ويكون للآمر مثل أجره # فالمؤمن المتبع للسنة يحسن إلى الخلق ويطلب الأجر من الخالق فيكون قائما ~~بحق الله وحق عباده قد أتى بحقيقة الصلاة وهي أن يعبد الله وحده وحقيقة ~~الزكاة وهي الإحسان إلى الخلق فيجتمع له التعظيم لأمر الله والرحمة لعباد ~~الله فيصلي على جنازة المسلم بقصد انتفاع الميت بالدعاء له وما يحصل له من ~~الله من الأجر بإحسانه إلى الميت ويزور قبر أخيه المسلم من الصحابة ~~والتابعين وأهل البيت وغيرهم بل ومن الأنبياء والمرسلين كما يصلي على ~~جنازته فيسلم عليه PageV01P219 ~~ويدعو له فيرحم الله الميت باستجابة الدعاء ويثيب الله الساعي في وصول ~~النفع والرحمة إليه على هذا الإحسان # فهذا هو المشروع للمسلمين مع المسلمين فاستنزل الشيطان أهل البدعة ~~والضلال فصاروا يزورون قبر الأنبياء والصالحين ولا ms64 يقصدون بتلك الزيارة ~~الله والدار الآخرة ولا يخلصون لله الدين ولا ينال الميت رحمة وخيرا بدعاء ~~الحي له ولا يرجون من الله ثواب ذلك فلا توحيد لله ولا إحسان إلى خلق الله ~~بل يقصدون تكليف ذلك الميت حوائجهم يستعملونه ولا ينفعونه وهو أيضا لا ~~ينفعهم ويشركون بالله ولا يوحدونه قد تركوا القيام بحق الله من العبادة له ~~والتوكل عليه ورجاء رحمته وتركوا القيام بحقوق الأموات من الأنبياء ~~والصالحين وغيرهم لما في ذلك من زيادة رحمة الله لهم وإحسانه إليهم ورفع ~~درجاتهم مع ترك مسألة الحي القيوم العليم القدير وترك التوكل عليه كما قال ~~{وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} # وإنزال حاجة الإنسان بمخلوق ميت أو حي إما عاجز عنها وإما متكلف بها فإنه ~~لا يستريب عاقل أن المخلوق في حياته ومماته لا يستوي عنده من يحسن إليه ~~ويجلب له الخير والعافية ومن يكلفه ويؤذيه PageV01P220 ~~بالسؤال بطلب الحوائج منه مع علم المسؤول أنه ليس أهلا لما طلب منه بخلاف ~~الخالق تعالى فإنه سبحانه وتعالى عما يشركون يحب من يسأله ويفتقر إليه كما ~~في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج» PageV01P221 ~~وفي حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يسأل الله ~~يغضب عليه» رواه الترمذى وابن ماجه PageV01P222 ~~** الله يغضب إن تركت سؤاله ** وبني آدم حين يسأل يغضب ** # ورأى الفضيل رجلا يشتكي إلى آخر فقال يا هذا تشتكي من يرحمك إلى من لا ~~يرحمك كما قيل ** وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ** تشكو الرحيم إلى الذي لا ~~يرحم ** # وشكى إليه رجل مرة حاله فقال له يا أخي أمدبرا غير الله تريد # ومما يروى عن عمر بن الخطاب أو غيره ارج الله في الناس ولا ترج الناس في ~~الله وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله # وكما كتبت عائشة ms65 إلى معاوية أما بعد فإنه من أرضى الناس بسخط الله سخط ~~الله عليه وجعل حامده من الناس له ذاما ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله ~~عنه وجعل ذامه من الناس له حامدا وقال خالد بن معدان من اجترأ على الملاوم ~~في مراد الحق رد الله PageV01P223 ~~تلك الملاوم له محامد ومن ترك قول الحق في مراد الخلق خوف ملاوم الخلق ~~ورجاء محامدهم قلب الله تلك المحامد عليه ملاوما وذما # هذا تحقيق قوله تعالى {أليس الله بكاف عبده} # وقوله {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه} # وإنما يؤتى الإنسان من نقص متابعته للرسول والله تعالى أمره باتباعه لا ~~بالإشراك به فقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} # وسؤال الخلق هو في الأصل محرم لأنه فيه أنواع الظلم الثلاثة الظلم في حق ~~الله بالشرك والظلم للمسؤول فإن فيه إيذاء له وظلم الإنسان نفسه لما فيه من ~~تعبيدها لغير الله # وقد أبيح من ذلك من سؤال الحي ما دل الشرع على إباحته وأما سؤال الميت ~~والغائب فلم يأذن الله به قط ومن عدل عما أمر به الرسول من عبادة الله وحده ~~والتوكل عليه والرغبة إليه وطاعته فيما أمر به من الإحسان والخير الذي ~~ينتفع به هو وهم وغيره من المخلوقين فإن العبد كلما عمل بما أمرت به الرسل ~~كان لهم مثل أجره وحصل له هو من الخير PageV01P224 ~~من إجابة دعائه ونفعه وغير ذلك فمن عدل عن هذه الرحمة والخير وسعادة الدنيا ~~والآخرة إلى أن يفعل ما أمرته به الرسل بل اتخذهم أربابا يسألهم ويستغيث ~~بهم في مماتهم ومغيبهم وغير ذلك كان مثله مثل النصارى فإن المسيح قال لهم ~~{اعبدوا الله ربي وربكم} # وقال {إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة} # فلو امتثلوا أمره كانوا مطيعين لرسل الله موحدين لله ونالوا بذلك السعادة ~~من الله تعالى في الدنيا والآخرة فغلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله ~~يستغيثون ms66 به وبغيره من الأنبياء والصالحين ويطلبون منهم ويشركون بهم وكذبوا ~~بالرسول الذي بشر به وحرفوا التوراة التي صدق بها وظنوا في ذلك أنهم معظمون ~~للمسيح وكان هذا من جهلهم وضلالهم فإنهم كلما أطاعوه فيما دعاهم إليه كان ~~له مثل أجورهم وكانت طاعتهم له والإقرار بعبوديته وبما بشر به فيه وله ولهم ~~من الأجر ما لا يحصيه إلا الله ففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم وعليه وله ~~ولهم فيه الخير المستطاب واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة # وإذا بين لهم قدر المسيح فقيل لهم {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} PageV01P225 ~~قالوا إن هذا تنقص بالمسيح وسب له واستخفاف بدرجته وسوء أدب معه بل قالوا ~~هذا كفر وجحد لحقه وسلب لصفات الكمال الثابتة له ولعمري إن هذا إنما هو نقص ~~لما في نفوسهم من الغلو فيه لا نقص لنفس المسيح الموجود في نفس الأمر # وفي ذلك من الحمد له والمدح وإعظامه والإيمان به وإعطائه الدرجة العلية ~~ما ليس في الغلو فيه لأن في هذا تقرير كمال عبوديته التي هي كمال المخلوق ~~وهذا هو الكمال فأما الغلو فيه إلى حد الربوبية فذاك خيال باطل لا كمال ~~حاصل وفي إثبات العبودية له إيمان به وموافقة لخبره وأمره فيحصل له بذلك من ~~الخير والرحمة ما لا يحصل له بالغلو فيه الذي هو كذب فيه مكذوب عليه ومعصية ~~له وإشراك بالله وليس في ذلك ما ينفعه ولا ما يرفعه بل في ذلك ضرر على ~~المشركين المفترين # وكذلك الغالية في علي رضي الله عنه ونحوه إذا بين لهم قدره وما ثبت عنه ~~من أنه كان يقول خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر PageV01P226 ~~وقوله لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى قالوا ~~هذا شتم لعلى وتنقص له وهذا عين الكذب بل هذا PageV01P227 ~~فيه من إثبات درجته وفضله ومعرفته بالحق وأهله وأمره للناس بالمعروف ونهيه ~~لهم عن المنكر ما ليس ms67 في الكذب والغلو الذي ليس فيه منفعة له بل فيه ضرر ~~على أهل الإفك والعدوان # وهكذا الغالية في الشيوخ بهذه المنزلة ولا سيما القادرية والأحمدية وكذلك ~~كل غال كالذين يستغيثون بالموتى أو الغائبين والذين يطلبون حوائجهم من ~~المقبورين ويجعلونهم وسائط ووسائل وشفعاء في قضاء تلك الحوائج بلا علم يدل ~~على ذلك ويشرعون دينا لم يأذن به الله إذا ذكر لهم المشروع في حقهم من ~~الدعاء لهم عند زيارة قبورهم وغيرها والصلاة والسلام من أنواع الدعاء وأن ~~ذلك تضاعف لهم به الرحمة والبركة وتضاعف أيضا للداعي الرحمة والبركة وأن ~~سؤالهم شرك وغلو زعموا أن هذا تنقض بهم وسب لهم وإنما هو نقص لما في نفوس ~~من غلا فيهم وأنزلهم عن منازلهم وفيه من الحمد لهم والرحمة والبركة ما لا ~~يحصل لهم بما يفعلونه من الكذب والإشراك والله يقول PageV01P228 ~~الحق وهو يهدي السبيل # وأما كون موسى وعيسى وجيهين عند الله كما قال تعالى: {وكان عند الله ~~وجيها} وقال عن عيسى {إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ~~وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين} فذلك لا يوجب الغلو فيهما ولا في ~~غيرهما من الرسل والأنبياء والصالحين ولا يبيح أن تبتدع لهم عبادة ودعاء لم ~~يأذن الله فيه ولا أن ينقص من حقوقهم ومنازلهم التي أنزلهم بها والله تعالى ~~لم يأذن لنا أن نسأل ميتا حاجة لا نبيا ولا غيره ولا يطلب منه جلب منفعة ~~ولا دفع مضرة ولا أن نقصد بزيارة قبره إجابة دعائنا بل شرع لنا الإيمان بهم ~~وبما جاؤوا به والسلام عليهم # فالذي شرع لنا قي حق الرسل فيه تحقيق توحيد الله وحده وتحقيق طاعتهم وفيه ~~مزيد الرحمة لهم ورفعة الدرجة والرضوان لنا ولهم # والأنبياء لا ينقص عند الله جاههم بموتهم بل هم في مزيد من كرامة الله ~~وإحسانه إليهم ورفع الدرجات لهم عند الله وليس في هذا ما يوجب أن نطلب منهم ~~الحاجات بعد الموت كما كانت تطلب منهم في الحياة ولا أن يؤمروا وينهوا ذلك ~~إذ ms68 قد علم بالاضطرار انقطاع هذا PageV01P229 ~~الحكم عن جميع الأموات فيظن هؤلاء الجهال الضلال أن مسألتهم والطلب منهم هو ~~من باب رفع قدرهم وكذبوا ليس الأمر كذلك وإنما ذلك من باب التكليف لهم وهم ~~يثابون على ذلك والمكلف لهم المؤذي يتضرر بذلك ويعذب به وإذا طلب سائلهم ~~منهم حاجته لم يكن ذلك سبب جاههم فإن ذلك يطلب ممن لا جاه له عند الله بل ~~قد يطلب بعض المطالب من الكفار والفجار وكل من يرجون منه أن يقضي حاجتهم ~~سألوه واستغاثوا به سواء كان ذلك السؤال جائزا في الشرع أو لم يكن # وخواص أصحابه لم يكونوا يسألونه شيئا من ذلك والمؤمنون منهم يسألونه عند ~~الحاجة والضرورة # وأما من فيه جهل ونفاق فكانوا يسألونه ويلحون عليه ويؤذونه بالسؤال وهو ~~يصبر على أذاهم ويعطيهم لله تعالى إحسانا إليهم وتألفا لقلوبهم واستجلابا ~~لهم ليدخلوا في الإسلام أو يردهم بميسور من القول كما في حديث ابن أبي هالة ~~أنه كان إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول وذلك لأن ~~الله أمره بذلك فقال {وآت} PageV01P230 ~~PageV01P231 # ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إ ن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ~~ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا وقد عرف ما ورد في سبب نزول الآية من ~~إعطائه السائل ما سأل حتى لحقه الضرر وكل ذلك كان وهو حي # وبكل حال فالذي كان يسألهم ويطلب منهم سواء كان عاصيا لله أو غير عاص ~~إنما كان يسألهم لاعتقاده أنهم قادرون عليه وعلى إعطائه سؤله وكم ممن كان ~~يسأل الرسول ما ليس عنده ويؤذيه بذلك # فالسؤال إنما كان لأجل اعتقاده القدرة على المسؤول لا لأجل الجاه وهكذا ~~كل مسؤول من الخلق ومطلوب منه في دفع الضرر إنما يسأل ويطلب منه لاعتقاد ~~قدرته على فعل المسؤول وإلا فعاقل من العقلاء لا يسأل أحدا ما يعتقد أنه لا ~~يقدر عليه ولا يستعينه في أمر يعرف أنه لا يقدر ms69 على الإثابة فيه ولكن تارة ~~الاعتقاد يصيب ويخطىء # والأمور نوعان نوع يطلب له منا ويجب له علينا ونوع يطلب لنا PageV01P232 ~~منه سواء أوجب عليه أو لم يجب # فالواجب له علينا من الحقوق بعد الموت الإيمان به ومحبته ونصره وتعزيزه ~~وتوقيره وطاعة أمره واتباع سنته وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه # وتحقيق ذلك أن الله أمره بأشياء منها ما هو حق لله ومنها ما هو حق للناس ~~والأمر يكون تارة أمر إيجاب وتارة أمر استحباب وكل ما أمر به مما فيه نفع ~~للخلق ففيه حق لهم عليه كتبليغهم وتعليمهم والبيان لهم وأمرهم بكل معروف ~~ونهيهم عن كل منكر وحضهم على كل ما يقربهم إلى الجنة ونهيهم عن كل ما ~~يبعدهم عنها وتبيين كل ما يحتاجون إليه وأمثال ذلك # وقد فعل ذلك وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها وما طائر يقلب PageV01P233 ~~جناحيه إلا ذكر لهم منه علما بأخباره وأوامره ونواهيه وكذلك كان يقوم بأخذ ~~الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم وإنصاف مظلومهم من ظالمهم وإطعام ~~جائعهم وعيادة مريضهم والصلاة على ميتهم وأمثال ذلك من أنواع إحسانه إليهم ~~في جميع مصالح الدنيا والآخرة # فاجتمعت له صفات الكمال المتفرقة في غيره من الرسل والأنبياء وولاة الأمر ~~وغيرهم وكان له من خصائص النبوة والرسالة ما لم يشركه فيه PageV01P234 ~~أحد بعده وكان يقوم بالإمامة في الصلاة والإمارة في الغزو وإرسال البعوث ~~وعقد الألوية والشعائر في الحرب وإقامة الحدود وإيصال الحقوق وقسم المواريث ~~والمغانم والفيء والصدقات وتعليمهم ما يؤمرون به مما في القلوب من المعارف ~~والأحوال أو ما يقوم بالأبدان من الأقوال والأعمال وإفتاؤهم فيما ينوبهم من ~~المسائل والحكم بينهم فيما يتنازعون فيه من القضايا وتعبير الرؤيا وما كان ~~وما يكون من أمر الدنيا والآخرة وصفات الرب وملائكته وأمر الآخرة والجنة ~~والنار إلى غير ذلك # فهذه الأمور التي كان مأمورا بها أمر إيجاب أو أمر استحباب وكانت حقا ~~عليه للخلق انتهت بموته فلم يبق عليه منها شيء كما انتهى حق الله الذي أمره ~~به فلم يبق عليه شيء فجاهد في ms70 الله ونصح الأمة وعبد ربه حتى أتاه اليقين # وأما ما كان حقا له على الأمة ومنفعته في الحقيقة تعود عليهم والله تعالى ~~يثيبه بما يعملون به من طاعته مثل ثوابهم ويستجيب فيه صالح دعواهم فهو في ~~الحقيقة حق الله وإن كان فيه حق للرسول فإن الله هو الذي أمرهم بما أمرهم ~~به الرسول ومن يطع الرسول فقد أطاع الله فكل ما أمرهم به الرسول من واجب ~~ومستحب فالله أمرهم به وإذا أطاعوا PageV01P235 ~~الله ورسوله فأجرهم على الله وإذا عصوا الله ورسوله فحسابهم على الله قال ~~تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} # وقال {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله ~~العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} # وقال {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ ~~المبين} # ثم قال {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} # فأمر بطاعته وطاعة رسوله لأن طاعته طاعة لله وأمرهم بالتوكل عليه وحده ~~وطاعة الرسول هي عبادة الله وحده # والأمر والمعنى المتقدم من أن الرسول ليس عليه إلا ما أمر به من البلاغ ~~المبين والجهاد وليس عليه جزاء العباد ولا حسابهم ولا هدايتهم قد كرر في ~~القرآن في مواضع والحق الذي لله وللرسول باق بعد موت الرسول وكذلك ما كان ~~من حقوقه التي يمكن بقاؤها كالصلاة عليه والتسليم والتعزير والتوقير فهي لم ~~تنقص بعد موته بل توكدت PageV01P236 ~~وقويت بل حقوقه علينا بعد موته أكمل منها في حياته لم ينقص بموته كما ~~قررناه في كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول وبينا أن تنقصه في حياته أو ~~سبه فإنه كان له أن يعفو عن حقه فأما بعد موته فليس لأحد أن يعفو عن حقه ~~ولا يسقط وكذلك في مغيبه # فعلينا أن نقوم بحقوقه الواجبة علينا في حال مماته ومغيبه أكثر مما علينا ~~أن نقوم بها في محياه وحضوره وتلك حقوق علينا له وإذا فعلناها كانت عبادة ~~منا لله أجرنا فيها على الله وهي مما يزيده الله ms71 بها من فضله من جهة ~~امتثاله لما أمرنا به وهو داعينا وكلما أطعنا كان له مثل أجورنا ومن جهة ما ~~يصل إليه من الرحمة باستجابة الله دعاء الأمة مع ما يزيد الله إياه من فضله # وهذه الحقوق الثابتة بعد موته هي تبع لرسالته فإنه هو السفير والواسطة ~~بيننا وبين الله تعالى في تعليمنا وانتفاعنا بما علمنا من علم الله وخبره ~~وفي أمرنا وإرشادنا إلى ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبذلك حصل لمن آمن به ~~واتبعه سعادة الدنيا والآخرة بل أعظم نعمة أنعم الله بها على PageV01P237 ~~المؤمنين أن أرسله إليهم وأنزل عليه الكتاب ومن عليهم باتباعه فليس في ~~الدنيا خير أعظم من هذا # وقد سمى الله الشمس سراجا وهاجا وسماه سراجا منيرا ونعمة الله بالسراج ~~المنير أنعم من نعمته بالسراج الوهاج من وجوه منها أن السراح الوهاج لصلاح ~~بعض الأمور الدنيوية وهي فانية منقضية والسراج المنير لصلاح الدين والآخرة ~~مع صلاح الدنيا فإن وجود الشمس لا ينتفع به الآدميون في الدنيا إلا أن يكون ~~لهم اجتماع وتعاون في المصالح وذلك لا يتم إلا بشريعة تقيم بينهم قانون ~~العدل ولم يطرق الوجود شريعة أعظم من شريعته صلى الله عليه وسلم فما يحصل ~~بها من صلاح الناس في المعاد بعض نعمة منها خير من الدنيا وما فيها وأما ما ~~يحصل بها من صلاح القلوب والأرواح والأبدان بالعلوم النافعة والأعمال ~~الصالحة والهدى ودين الحق فهذا لا يحصل لا بشمس ولا بنحوها وكذلك ما يحصل ~~بها بعد الموت من السعادة الأبدية التي لا نسبة لخير الدنيا إليها كما قال ~~صلى الله عليه وسلم «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم PageV01P238 ~~فلينظر بم ترجع» وهذا باب يطول وصفه # فبالرسول عرفت أسماء الله وصفاته وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات ~~العلى تارة بما بينه من الأمثال التي هي مقاييس عقلية وتارة بما يخبر به من ~~الأنباء الصادقة النبوية وتارة بما يقصه عن الأنبياء الذين هم خير البرية # وبه عرفت الملائكة والنبيون والجنة ms72 والنار وقصص الأنبياء وأخبار الدنيا ~~وملاحمها وفتنها وأشراط الساعة وعلاماتها وأخبار القيامة وتفاصيلها وغير ذلك # وإذا قيس ما عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم من العلم والدين إلى ما عند ~~أهل الكتاب مع أنه في الأصل دون ما عند المسلمين في الصفة والمقدار وبينهما ~~تفاوت عظيم فقد دخله من التحريف والنسخ ما جعله كالريح العقيم والضلال فيه ~~راجح على الهدى والشر فيه أكثر من الخير فالمتمسك بما عليه اليوم أهل ~~الكتاب خاسر مستحق للخلود في النار كما PageV01P239 ~~قال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ~~ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بي وبما جئت به إلا دخل النار» # وأما من عدا أهل الكتاب فعندهم من الجهل البسيط والمركب في المقال ~~والفعال ما لا يكاد يخطر ببال وما عندهم من علم صحيح كالذي عند الفلاسفة من ~~الحساب وأكثر الطبيعة وكثير من الهيئة وقليل من الإلهي هو وبعض المنطق فإنه ~~لما صار إلى المسلمين هذبوه ونقحوه وتمموه وأوضحوه # ومن تأمل كلام المتفلسفة الأوائل وكلام متفلسفة الإسلام وجد متفلسفة ~~الإسلام أخبر وأدق وقلوبهم أعرف وألسنتهم أنطق وذلك لما عندهم من نور ~~الإسلام زادوا في فلسفة أولئك زيادات إلهية وتقريرات نبوية ومقامات ~~للعارفين وأمور من أحوال أولياء الله المتقين ليس لها في كتب أولئك الأوائل ~~ذكر بحال ولا خطرت منهم على بال # هذا مع أن هؤلاء المتفلسفة المتأخرون في الإسلام من أجهل PageV01P240 ~~الخلق عند أهل العلم والإيمان وفيهم من الضلال والتناقض ما لا يخفى على ~~أذكياء الصبيان لأنهم لما التزموا أن لا يسلكوا إلا سبيل سلفهم الضالين وأن ~~لا يقروا إلا بما يبنونه على تلك القوانين وقد جاءهم من النور والهدى ~~والبيان ما ملأ القلوب والألسنة والآذان صاروا بمنزلة من يريد أن يطفئ نور ~~الشمس بالنفخ في الهباء أو يغطي ضوءها بالعباء وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~«إنما أنا رحمة مهداة» PageV01P241 ~~ومنهم من يقول مهداة كالقاضي البرتي فليس لأحد أن يتكلم بما لا يعلم وإن ms73 ~~كان قد جاء في الآثار عن السلف أن الموتى يدعون للأحياء وأن أعمالهم إذا ~~عرضت دعوا لهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو PageV01P242 ~~للأمة فهذا كله هو فاعل له بأمر الله وأمره له في غير دار التكليف أمر ~~تكوين لا يتصور مخالفة المأمور كما أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما PageV01P243 ~~يلهمون النفس وليسوا مكلفين بذلك وكذلك استغفار الملائكة لبني آدم كما أخبر ~~به القرآن وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «والملائكة يصلون على أحدكم ما ~~دام في مصلاه الذي صلى فيه اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يؤذ فيه ما لم ~~يحدث فيه» # ومع هذا فلا يجوز لأحد أن يدعو الملائكة ولا يستغيث بهم ولا يطلب منهم ما ~~أخبر الله به أنهم يفعلونه فإنها ذريعة إلى دعائهم من دون الله والإشراك بهم # وكذلك دعاء الموتى من الأنبياء والصالحين ذريعة إلى ذلك بخلاف سؤال أحدهم ~~في حياته وحضوره فإن ذلك لا يفضي إلى عبادته من دون الله لأنه لو رأى أحدا ~~يفعل ذلك نهاه إذ الأنبياء والصالحون لا يقرون أحدا على الشرك مع قدرتهم ~~على نهيه وإنما يعبد أحدهم بعد موته وكذلك الصلاة خلف أحدهم من أفضل ~~العبادات في حال حياتهم وبعد موتهم لا يجوز أن يصلى خلف قبورهم ولا أن تتخذ ~~قبورهم مساجد ولا تستقبل في الصلاة كما في حديث أبي مرثد الغنوي لا تجلسوا ~~على القبور ولا تصلوا إليها رواه مسلم لأن ذلك ذريعة PageV01P244 ~~إلى الشرك واصل الشرك إنما نشأ من القبور كما في الصحيح عن ابن عباس ~~والملائكة لا يراهم الناس فلهذا لا يطلب منهم الحوائج # وأيضا فما تفعله الملائكة والأنبياء بعد الموت هو أمر محدود يفعلون منه ~~ما أمر الله به لا يزداد بسؤال السائلين فليس في سؤالهم إياه منفعة بل مضرة ~~فنهى عنه لأنه شر لا خير فيه فصار بمنزلة أن يطلب الرجل من الشمس أن تصحبه ~~ومن الريح أن تهب ونحو ذلك # وكذلك كل ما يؤمر بأمر تكوين لا يحتاج أن يطلب ms74 فإنه فاعله طلب أو لم يطلب ~~وما لم يأذن به الله فهو لا يفعله طلب منه أو لم يطلب بخلاف الشفاعة يوم ~~القيامة فإن الناس يسألونه وسؤال الحي الحاضر يجوز في الدنيا والقيامة وإن ~~كان الميت يسمع الكلام كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في أهل القليب «ما أنتم بأسمع PageV01P245 ~~لما أقول منهم» PageV01P246 ~~وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم حين ~~يتولون عنه مدبرين» # وقال صلى الله عليه وسلم «ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا ~~فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» رواه أبو عمر ابن ~~عبد البر وصححه PageV01P247 ~~PageV01P248 # والشيء الذي لم يشرع تارة لا يشرع لعدم المنفعة فيه وتارة لوجود المضرة فيه ~~وتارة لرجحان المضرة على المنفعة إذا اجتمعا # وأما ما ترجحت مصلحته على مفسدته ومنفعته على مضرته فإن الشارع لا يهمله ~~إذ الشارع مبعوث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها كما قد ~~بسط في غير هذا الموضع PageV01P249 ~~وقد كان السابقون الأولون لا يكفلونه هذه الأثقال ولا يلحفون عليه في ~~السؤال وهم أعظم قدرا وأعلى منزلة أفتراهم ما كانوا يعرفون ما له من الجاه ~~والمنزلة أم لم يعلموا أنه سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم وخير البرية حتى ~~نبغ نابغة من أهل الجهل والضلال المبتدعين فعكسوا الأمر كما عكسه من أشبهوه ~~من النصارى فجعلوا معصيته طاعته ومخالفته اتباعا وتكريما وجعلوا كل ما يعلو ~~به درجته خفضا ونقصا وجعلوا الشرك بالله دينا وقربة وجعلوا إخلاص الدين لله ~~وابتغاء الأجر والثواب منه والرغبة إليه دون غيره من فعل أهل الكفر ~~الملحدين والله تعالى هو الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد # فليتدبر العاقل فعل من بدل دين الله وسلك سبيل المرتدين المنافقين الذين ~~يجعلون الإيمان كفرا والسنة بدعة والكذب صدقا والباطل حقا وأولياء الله ~~أعداءه وجند الله جند الشيطان كل ذلك مضاهاة لأهل الشرك والبهتان # فإن ms75 قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع خطاب البعيد والقريب # قيل ليس في هذا الحديث المعروف ما يدل على التسوية بين PageV01P250 ~~القريب والبعيد في سمع خطابه بل الحديث يدل على نقيض ذلك المعروف في هذا ~~الباب من الأحاديث يبين ذلك ففي السنن حديث أوس بن أوس رضي الله عنه الذي ~~رواه أبو داود وغيره ورواه ابن حيان في صحيحه والدارقطني في سننه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه ~~قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة ~~علي» قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت قال: «يقولون بليت» ~~قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» # والحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي ~~حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» # والحديث الذي رواه النسائي وابن حيان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن ~~أمتي السلام» وروى أبو يعلى في مسنده عن موسى بن محمد بن حيان عن أبي PageV01P251 ~~بكر الحنفي حدثنا عبيد الله بن نافع حدثنا العلاء بن عبد الرحمن سمعت ~~الحسين بن علي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلوا في بيوتكم ولا ~~تتخذوها قبورا ولا تتخذوا بيتي عيدا صلوا علي وسلموا فإن صلاتكم وسلامكم ~~يبلغني أينما كنتم» # وروى الروياني في مسنده والبزار وغيرهما عن نعيم بن ضمضم عن عمران بن ~~الحميري قال قال لي عمار بن ياسر قال نبي الله صلى الله عليه وسلم «يا عمار ~~إن لله ملكا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت إلى يوم القيامة ~~فلا يصلي علي أحد صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه فقال صلى عليك فلان كذا ~~وكذا فيصلي الرب على ذلك المصلي ms76 بكل واحد عشرا» # وقال أبو أحمد الزبيري حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس ~~قال ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يصلي عليه صلاة إلا وهي تبلغه ~~يقول له الملك فلان يصلي عليك كذا وكذا صلاة PageV01P252 ~~وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحراث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن ~~عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أكثروا ~~على من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وإن أحدا لا يصلي ~~علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ» قال قلت وبعد الموت قال: «إن الله حرم ~~على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» # فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة والسلام يعرضان عليه وإن ذلك يصل حيثما كنا # وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ~~من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام» # وهذا الحديث هو الذي اعتمد عليه العلماء كأحمد وأبي داود وغيرهما في ~~السلام عليه عند قبره وهو الذي اعتمد في زيارة قبره إذ لم يكن معهم سنة ~~يستندون إليها في زيارة قبره إلا هذا الحديث وبقية الأحاديث التي رويت في ~~زيارة قبره ضعيفة بل موضوعة أكثرها وضعت بعد أحمد وأمثاله # فهذه النصوص تدل على أنه يسمع سلام القريب ويبلغ سلام البعيد وصلاته لا ~~أنه يسمع ذلك من المصلي المسلم وإذا لم يسمع سلام البعيد إلا بواسطة فإنه ~~لا يسمع دعاء الغائب واستغاثته بطريق الأولى PageV01P253 ~~والأحرى والنص إنما دل على أن الملائكة تبلغه الصلاة والسلام # والحديث الذي فيه ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه ~~السلام فهموا من هذا الحديث السلام عليه عند قبره خاصة فلا يدل على البعيد # ثم نقول لا يخلو إما أن يكون الحديث عاما في سلام البعيد والقريب وإما أن ~~يكون خاصا بالقريب فإن كان الثاني فلا حجة فيه ms77 على سماع خطاب البعيد بغير ~~واسطة تبليغ الملائكة وإن كان الأول فالحجة فيه أضعف من وجهين # أحدهما أنه حينئذ لا يبقى السلام عند قبره بخصوصه حديث ولا سنة أصلا بل ~~لا يبقى فرق بين السلام عليه من القريب والبعيد كما لم يفرق بين الصلاة من ~~القريب والبعيد # لكن هذا خلاف ما عرف من السنة وخلاف ما عليه الأئمة من استحباب السلام ~~عليه عند قبره فإنه قد سن إذا زار القبور زائر مطلقا أن يسلم عليهم وكان ~~صلى الله عليه وسلم يخرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم ويدعو لهم PageV01P254 ~~فكيف لا يسلم على الميت عند قبره PageV01P255 ~~وقد كان الصحابة يسلمون عليه عند قبره وقد كان ابن عمر يقول السلام عليك يا ~~رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت PageV01P256 ~~رواه مالك عن نافع عنه ورواه أحمد وغيره # الثاني إن الذي في الحديث أن الله يرد عليه روحه ليرد السلام وهذا قد ~~يكون بتوسط تبليغ الملائكة وقد يكون بمباشرته هو سماع المسلم وإذا احتمل ~~الأمرين فتعيين أحدهما مما يفتقر إلى دليل والأحاديث المتقدمة تدل على أن ~~صلاة البعيد وسلامه معروض عليه مبلغ إليه بواسطة الملائكة وذلك ينفي السماع ~~مباشرة من غير تبليغ فإن كان يسمع كلام المخاطب بنفسه لم يحتج إلى واسطة # والمقصود هنا أن هذا المحتج لم يحرر أدلته تحريرا ينفي عنها الإجمال ~~والالتباس حتى يتبين ما فيها من الضلال والإضلال لجميع الناس فإن قوله كل ~~من سأل كلام مجمل أيريد به على كل من PageV01P257 ~~سأل الله بالمتوسل به تفريج كربة أو على من سأل الله وسأل المتوسل به أن ~~يسأل الله أو على كل من سأل المستغاث به تفريج الكربة وإن لم يسأل الله فإن ~~هنا أربعة معاني # أحدها أن يسأل الله بالمتوسل به تفريج الكربة ولا يسأل المتوسل به شيئا ~~كما يفعله من يتوسل بالأموات والغائبين # أو أن يسأل الله ويسأل المتوسل به أن يدعو له كما كان الصحابة يتوسلون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في ms78 الاستسقاء ثم من بعده بعمه العباس وبيزيد ابن ~~الأسود الجرشي وغيرهما # والثالث أن يسأل المتوسل به أن يسأل الله له تفريج الكربة ولا يسأل الله هو # والرابع أن يسأل المستغاث به أن يفرج الكربة ولا يسأل الله # فأما الأول فهو سائل لله وحده ومستغيث به وليس مستغيثا بالمتوسل به إلا ~~أن يريد بالاستغاثة السؤال به وحينئذ فيكون هذا PageV01P258 ~~المعنى مطابقا لمعنى السؤال به لكن تسميته استغاثة ليس من اللغة المعروفة # وأما الثاني فهو استغاثة بالله واستغاثته بالشفيع أن يسأل الله هو توسل ~~به أي بدعائه وشفاعته وهذا هو المشروع في الدنيا والآخرة في حياة الشفيع ~~وسؤاله أو في مشاركة الشفيع له في السؤال لا في حال انفراده هو بالسؤال # وكذلك الثالث إذا سأل المتوسل به المستشفع به أن يسأل الله كما يسأله ~~الناس يوم القيامة فهذا لا ريب في جوازه وإن سمي استغاثة به # وأما الرابع وهو أن يسأل المستغاث به تفريج الكربة فهذا استغاثة به ليس ~~توسلا به بال المستغاث به مطلوب منه الفعل فإن لم ين قادرا على تفريج ~~الكربة لم يجز أن يطلب منه ما لا يقدر عليه # فالمعنى الأول سؤال به وليس استغاثة أصلا وبعض الناس يسميه توسلا به # والمعنى الثاني فيه استغاثة به وتوسل به # والمعنى الثالث فيه استغاثة في سؤال الله وليس فيه سؤال به # والمعنى الرابع استغاثة في تفريج الكربة لكن لا يجوز ذلك من PageV01P259 ~~ميت ولا غائب ولا من حي حاضر إلا فيما يقدر عليه خاصة وليس هذا هو التوسل ~~به والتوجه المشروع الذي كان الصحابة يفعلونه فإن ذلك إنما كان بدعائه ~~وشفاعته حيا # وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه لا يجوز سؤال الله بالأنبياء ~~والصالحين فكيف بالاستغاثة بهم # مع أن الاستغاثة بالميت والغائب مما لا يعلم بين أئمة المسلمين نزاع في ~~أن ذلك من أعظم المنكرات ومن كان عالما بآثار السلف علم أن أحدا منهم لم ~~يفعل هذا وإنما كانوا يتوسلون بدعائهم أحياء فيسألونهم أن يسألوا الله لهم ms79 ~~مع سؤالهم هم الله كما قال عمر بن الخطاب اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون # وكما في صحيح البخاري عن ابن عمر قال ربما قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش له ميزاب ** وأبيض ~~يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل ** # وكذلك قال معاوية بن أبي سفيان لما استسقى بيزيد بن الأسود PageV01P260 ~~الجرشي فقال اللهم إنا نستشفع أونتوسل إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك فرفع ~~يديه ودعا الناس حتى سقوا فكانوا يسألون الله ويسألون الصالحين الأحياء ~~منهم الحاضرين عندهم أن يسألوا الله لهم ولهم # ومنه قول الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نستشفع بك على الله # ومنه قول الأعمى اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا ~~محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» ~~بدعائهم وصلاتهم واستغفارهم # ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أى ~~يستنصر بهم # فالاستنصار والاسترزاق يكون بالمؤمنين بدعائهم مع أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أفضل منهم لكن دعاؤهم وصلاتهم من جملة الأسباب # وبذلك يتبين أنه من استسقى بشخص واستفتح به لا يجب أن PageV01P261 ~~يكون أفضل فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من صعاليك المهاجرين وكذلك ~~عمر ومن معه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أفضل من العباس لكن ~~يقتضي أن يكون للمستنصر به والمسترزق مزية على غيره من الناس كقرابته ~~بالرسول أو فضل ديانته على غيره من الناس في الجملة وهذا كقوله سبقك بها ~~عكاشة وقوله إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن ~~مالك وأهل الشورى وأمثالهم وإن لم يكن فيهم نص خاص بذلك # بل سعد بن أبي وقاص كان مجاب الدعوة كما دعا له بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ms80 «اللهم أجب دعوته وسدد رميته» وأبو بكر وعمر أفضل منه وإن ~~لم يجئ فيهما نص خاص بذلك # ومثل هذه الفضائل التي للمفضول تارة تكون ثابتة للأفضل وتارة يكون له ما ~~هو أفضل منها # مثل ما في حديث أويس فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل والمستغفر له أويس ~~أفضل من أويس وكذلك في التابعين PageV01P262 ~~للصحابة بإحسان إلى يوم الدين من هو أفضل من أويس # وكذلك قصة موسى والخضر وموسى أفضل من الخضر وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعمر بن الخطاب لما ودعه للعمرة لا تنسنا من دعائك # فمن ادعى دعوى وأطلق فيها عنان الجهل مخالفا فيها لجميع أهل العلم ثم مع ~~مخالفتهم يريد أن يكفر ويضلل من لم يوافقه عليها فهذا من أعظم ما يفعله كل ~~جهول مغياق # وما زال أهل العلم إذا انتهى النزاع بينهم إلى الألفاظ مع اتفاقهم على ~~المعاني يقولون هذا نزاع لفظي والنزاع اللفظي لا اعتبار به يستهينون ~~بالنزاع في الألفاظ إذا وقع الاتفاق على المعاني التي يعلقها الأيقاظ ولكن ~~من كان نزاعه لفظيا وأوهم الناس أن النزاع فيما يتعلق بالأصول ويجعل ذلك من ~~مسائل سب الرسول علم أنه ظلوم جهول وإن كان مصيبا في الإطلاق فكيف إذا كان ~~ضالا مفتريا في اللفظ والمعنى جميعا # والخوارج الذين كفروا عليا وعثمان رضي الله عنهما وجمهور أهل الإيمان ~~متمسكون بظواهر من القرآن مع أنهم من أعظم الناس جهلا وابتداعا وهم مع هذا ~~أظهر حجة وأبين محجة من مثل هذا الضال وأمثاله PageV01P263 ~~الذين ليس لهم فيما يبتدعونه من الشرك سوى محض البهتان والافتراء والاعتداء ~~فلو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى به من ~~توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل ~~به والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره وهل كانوا وقت النوازل والجدب ~~يدعونه ويأتون العباس أم هل يفعل هذا مؤمن # فلو كان التوسل به في مماته كما كان في حياته لزم أن يكون المهاجرون ~~والأنصار ms81 إما جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق أو أنهم سلكوا في مطلوبهم ~~أبعد طريق وكلاهما لا يصفهم به إلا من كان من جنس الرافضة الأراذل القادحين ~~في أولئك الأفاضل # ثم سلف الأمة وأئمتها وعلماؤها إلى هذا التاريخ سلكوا سبيل الصحابة في ~~التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين ولم يذكر أحد منهم في ذلك ~~التوسل بالأموات لا من الرسل ولا من الأنبياء ولا من الصالحين فمن ادعى أنه ~~علم هذه التسوية التي جهلها علماء الإسلام وسلف الأمة وخيار الأمم وكفر من ~~أنكرها وضلله فالله تعالى هو الذي يجازيه على ما قاله وفعله # وألفاظ حديث الأعمى تدل على أن ذلك المشروع إذا كان الرسول PageV01P264 ~~حيا مسؤولا سائلا لله فإن في أول الحديث أن الأعمى طلب من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يدعو الله له ليرد عليه بصره ولم يطلب منه غير ذلك ثم إن ~~النبي مع دعائه له أمره أن يتوضأ ويصلي ويقول اللهم إني أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيك محمد وفي رواية بنبيي محمد نبي الرحمة وهذا سؤال PageV01P265 ~~محض لله # وحديث الأعمى رواه الترمذي والنسائي والإمام أحمد وصححه الترمذي ولفظه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا فيقول «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ~~ليقضيها لي اللهم فشفعه في» # وروى النسائي نحوه # وفي الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال ادع الله أن يعافيني فقال: «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت ~~فهو خير لك» فقال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء فذكر نحوه # قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح # ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه أن رجلا أعمى قال يا رسول الله ادع ~~الله أن يكشف لي عن بصري قال فانطلق فتوضأ PageV01P266 ~~ثم صلى ركعتين ثم قال اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة ~~يا محمد إني أتوجه بك ms82 إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم فشفعه في قال فرجع وقد ~~كشف الله بصره # وقال أحمد في مسنده حدثنا روح حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد الخطمي المديني ~~قال سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ادع الله أن يعافيني فقال إن ~~شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك وإن شئت دعوت لك قال بل ادع الله لي فأمره أن ~~يتوضأ وأن يدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي ~~الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضي لي الله فشفعني ~~فيه وشفعه في قال ففعل الرجل فبرأ # فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء فمن الناس من يقول هذا ~~يقتضي جواز التوسل به مطلقا حيا وميتا وهذا يستدل به من يتوسل بذاته بعد ~~موته وفي مغيبه ويظنون أن توسل الأعمى والصحابة به في حياته كان بمعنى ~~الإقسام به على ربه أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته ولا يحتاج هو أن يدعو ~~لهم ولا إلى أن يطيعوه ويظنون أن كل من توسل بالرسول كما توسل به ذلك ~~الأعمى مشروع له وقول هؤلاء باطل شرعا وقدرا فلا هم موافقون لشرع الله ولا ~~ما يقولونه مطابق لخلق الله PageV01P267 # ومنهم من يقول هذه قضية عين فيثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط ~~الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها والفرق ثابت شرعا ~~وقدرا بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يدع له فلا يجوز ~~أن يجعل أحدهما كالآخر وهذا الأعمى شفع له النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا ~~قال في دعائه الله فشفعه في فعلم أنه شفع فيه وكذلك قوله إن شئت صبرت وإن ~~شئت دعوت لك قال ادع لي فدعا له وقد أمره أن يصلي ويدعو هو لنفسه أيضا فحصل ~~الدعاء من الجهتين # وكذلك قول ms83 عمر في استسقائه بالعباس فالنبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا ~~أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم ~~إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلا عنه فلو كان التوسل به حيا ~~وميتا سواء والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له لم يعدلوا عن ~~التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم وسيلة إليه # وكذلك لو كان كل أعمى يتوسل به وإن لم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى ~~لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى ولو أن كل أعمى دعا ~~بدعاء ذلك الأعمى وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى # فعدول عمر والصحابة عن هذا إلى هذا وما يشرع من الدعاء وينفع PageV01P268 ~~عما لا يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب ~~يطلبون تفريج الكربات وتيسير الخير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن دليل على أن ~~المشروع ما سلكوه دون ما تركوه ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما ~~فعلوه دون ما تركوه # وحديث الأعمى إنما ظهر للناس بسبب كلامنا ومن جهة أصحابنا اتصل علمه إلى ~~هؤلاء المبتدعة فإن الفقيه أبا محمد بن عبد السلام لم يقف على هذا الحديث ~~ولم يعرف صحته فإنه علق الجواب بجواز التوسل به صلى الله عليه وسلم على ~~صحته فكأنه لم يصح عنده إما لعدم علمه بتصحيح الترمذي له أو أنه أطلع فيه ~~على قادح معارض # ولولا الإطالة لتكلمنا على ذلك فنحن لا حاجة بنا إلى شيء من ذلك فإنا ~~بالحديث عاملون وله موافقون وبه عالمون والحديث ليس فيه إلا أنه طلب حاجته ~~من الله عز وجل ولم يطلبها من مخلوق ونحن إلى الله تعالى نرغب وإياه نسأل ~~فهو المدعو المسؤول كما أنه المعبود المستعان لا نشرك به شيئا {فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه قل إن الخاسرين ms84 الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ~~ذلك هو الخسران المبين} PageV01P269 ~~ولو قال العبد أنا أقول في دعائي يا رب يا رب كما قالت الأنبياء ولا أقول ~~يا سيدي وإن كان الله هو السيد إذ قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول ~~العبد هذا وأمروا أن يقول كما قالت الأنبياء. ### || AUTO فصل # من شك في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فهو مبتدع ضال بعد ~~البيان والبرهان وهذا وأمثاله قد ظهر عنهم من الكذب والافتراء ما قد تواتر ~~عند المشايخ والعلماء والملوك والأمراء فلم يبق الكذب والبهتان منهم أمرا ~~غريبا ولا فعلا عجيبا وهم في الكذب تارة يتعمدونه وتارة لجهلهم يخطئون ~~لأنهم لا يحققون ما ينقلونه كنقلهم الأحاديث والآثار واللغة والأحكام ~~فتراهم يكذبون فيها ضلالا وجهلا لقلة العلم والتثبت وعدم التحقيق واتباع ~~الأهواء والخروج عن الطريق والخبر الذي لا يطابق مخبره إذا كان صاحبه غير ~~مجتهد يسمى كذبا ويذم على ذلك وإن اعتقد صدق نفسه كما في الصحيح أن سبيعة ~~الأسلمية لما ذكرت PageV01P270 ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن أبا السنابل بن بعكك قال لها لما مات زوجها ~~وهي حامل فولدت ما أنت بناكحة حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم كذب أبو السنابل # ومنه ما جاء في الصحيح أن سعد بن عبادة قال يوم فتح مكة اليوم يوم ~~الملحمة اليوم تستحل الكعبة فقال ذلك أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «كذب سعد بل اليوم يوم يعظم فيه الكعبة» PageV01P271 # ومنه قول عبادة بن الصامت لما قيل له إن أبا محمد زعم أن الوتر واجب فقال ~~كذب أبو محمد PageV01P272 # وكذلك قول ابن عباس لما قيل له إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ~~ليس هو صاحب الخضر فقال كذب نوف # فما زعمه هذا وأمثاله من أنا شككنا الناس في شفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم كذب منه فإنا لم نشكك أحدا في شفاعته في الدنيا ولا في الآخرة ولا ~~شككوا ms85 في شيء من دين المسلمين ولا في مسألة واحدة مما دلت عليها الأدلة ~~الشرعية وإنما شككوا بل توبوا مما عليه أهل الشرك والكذب والافتراء PageV01P273 ~~والبدع والضلال من العبادات والأدعية المبتدعة التي لم يفعلها أحد من سلف ~~الأمة وهي ليست مما شرع الله لعباده بل فيها من الإشراك بالله واتخاذ ~~الأنداد والشركاء من دونه والغلو في الدين وإيذاء أنبيائه وأوليائه وتضييع ~~حقوقهم ومخالفة طريقهم وعصيان أمرهم ومفارقة هديهم والابتداع في دينهم ما ~~ليس من دين المسلمين دع ما يستلزم ذلك من فعل الفواحش المنكرات والعدوان ~~على الخلق وأكل أموالهم بالباطل وعمى القلوب بالضلال والغي فإن البدع في ~~الدين سبب الفواحش وغيرها من المنكرات كما أن إخلاص الدين سبب التقوى وفعل ~~الحسنات قال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون} # وقوله {لعلكم تتقون} متعلق بقوله {اعبدوا ربكم} لعل التقوى تحصل لكم ~~بعبادته كما قال تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون} # ومن قال إن هذا مثل قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وأن ~~المعنى خلقكم لعلكم تتقون فقوله ضعيف لأن PageV01P274 ~~الله أمرهم بالعبادة التي خلقوا لها كما ذكره في تلك الآية ولو أراد هذا ~~المعنى لقال ليتقوا كما قال هنا ليعبدون وقد قال {لعلكم تتقون} # لا تفعل الشيء مترجيا لعاقبته فإنه عالم بالعواقب ولكن يأمر العباد بفعل ~~الشيء لما يرجون من عاقبته كما قال تعالى: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر ~~أو يخشى} فهما قالا ذلك راجيين منه التذكرة والخشية لا أن الله يرجو ذلك مع ~~علمه تعالى بأنه لا يتذكر ولا يخشى # وقال {الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} ولا يجوز أن تكون تقواهم ~~هي الغاية المطلوبة من خلق الأولين والآخرين بل كل إنسان مطلوب منه أن ~~يعبده وإن لم يعبده غيره وكان تعليله أن يقال لعلكم الذي خلقكم والذين من قبلكم # وقوله {اعبدوا ربكم} أي أخلصوا له العبادة فإن ذلك سبب التقوى كما قال عن ~~يوسف ms86 عليه السلام {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} PageV01P275 # وقال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} # وقال تعالى: {إلا عبادك منهم المخلصين} # فتبين بذلك أن عباد الله المخلصين لا يغويهم الشيطان وإنما يغوي من أشرك ~~بالله كما قال تعالى: {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} # وقال تعالى: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا ~~فاحشة} الآية # فالتوحيد أصل كل خير وجماعة والشرك أصل كل شر وجماعة والموجبتان من مات ~~وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار ~~ولهذا لما جمع سبحانه وتعالى بين PageV01P276 ~~ما أمر به وبين ما حرمه في قوله تعالى {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} # ثم قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون}. ### || AUTO فصل # وأما ما ذكره بأنه استباح نفي صفة من صفات الكمال عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكذب باطل لم ينف شيئا من صفات الكمال عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ صفات الكمال قائمة به من العلم والإيمان والنبوة والرسالة وختمها ~~ولوازم ذلك بل وسائر ما خصه الله به من الخصائص التي فضله بط على إخوانه من ~~المرسلين قد علم أن أهل العلم والإيمان والتوحيد أعلم بها وأعظم إثباتا لها ~~من أهل الشرك والجهل والضلال بل وهم يعجزون في كثير من المواضع أن يردوا ~~على النصارى ما هم فيه من PageV01P277 ~~الشرك والجهل لمشاركتهم لهم في ذلك بل قد يزيدون أشياء لا تستجيزها النصارى # ومن أظهر الإسلام وكان منافقا فهو شر من النصارى كما كان المنافقون من ~~الملاحدة والقرامطة الباطنية ونحوهم ممن هو في الباطن لا يقر بما يقر به ~~اليهود والنصارى من أصل التوحيد والرسالة والمعاد والأعمال الصالحة وإن كان ~~أهل الكتاب قد كفروا ms87 من ذلك بما صاروا به كافرين كما قال تعالى: {إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} الآية # فالمنافقون الذين لم يقروا في الباطن بأصل ذلك شر من أهل الكتاب كما قال ~~تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} # ومن كان مشاركا لهم فيما ذمهم الله عليه فهو شر منهم أو في بعضه ففيه من ~~الشبه بهم الذي يستحق به الذم بقدر ذلك ومن قال ما يعلم من دين الإسلام ~~خلافة فإنه يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل باتفاق الأئمة رضي الله عنهم # وأصل الكفر والشرك مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الجهال فيهم ~~من الشرك ومخالفة الرسول ما لا خفاء به على المؤمن العليم وهم فيه على PageV01P278 ~~درجات # منهم من يأتي بالشرك البين والإنكار البين لما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فهذا يستتاب باتفاق الأئمة # ومنهم من هو مخطئ في دقيق ذلك # ومنهم من هو بين هذا وهذا إما فاسق وإما عاص # فكيف يقاس هؤلاء بخلفاء الرسل وورثة الأنبياء المتبعين ملة إبراهيم المحضة # قال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} وقال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} # وإذا قال هذا الرجل عنهم إنهم نفوا الاستغاثة به مطلقا فهو كذب عليهم ~~وإنما نفوا الاستغاثة به وبسائر الموتى في حال موتهم أو حال مغيبهم وإذا ~~قدر أن سائلا سأل عالما هل يستغاث بالرسول صلى الله عليه وسلم في حال موته ~~فقال لا يستغاث به كان جوابه المطلق مقيدا بسؤال السائل له وإذا ذكر كلام ~~من استغاث به بعد موته أو نظم شعرا في الاستغاثة به PageV01P279 ~~في حال موته فأنكره أهل الإيمان على هذا المستغيث به بعد موته كانوا منكرين ~~لهذه الاستغاثة المقيدة لا المطلقة # وقال في الرد إذا كنت قد جعلت الاستغاثة هي طلب الغوث كالاستعانة ~~والاستنصار وأنه يجوز إسنادها إلى المخلوق مطلقا ms88 فيستغاث بالمسلم والكافر ~~والبر والفاجر كما يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم ويستنصر به كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» لم تكن ~~الإغاثة من خصائص المؤمنين فضلا عن أن تكون من خصائص النبيين أو المرسلين ~~وحينئذ فإذا قدر أن أحدا نفاها كما افتريته فإنما نفى وصفا مشتركا بين جميع ~~الآدميين ونافيها عنه لا يتصور أن يخصه بالنفي والحالة هذه فإن هذا لا ~~يقوله مؤمن ولا كافر فإن الكافر به لا ينازع أنه من الآدميين فإذا كان ~~المنفي عنه لا يختص به كان نفيه عنه نفيا له عن سائر الآدميين وصار ذلك ~~بمنزلة أن يقال لا يستغاث أحد من الآدميين ولا يستنصر به ولا يستعان # وقائل هذه العبارة إما أن يريد بها ما يريده الناس من هذه العبارة PageV01P280 ~~عند الإطلاق من تحقيق التوكل والتوحيد بأن العبد لا يسأل إلا الله ولا يطلب ~~النصر المطلق والغوث المطلق والإعانة إلا من الله تعالى فهذا معنى صحيح # وأما الأول فهو صحيح إذ المقصود أن المخلوق لا يسأل فإن الله لم يأمر ~~أحدا بسؤال المخلوق شيئا وإن كان المخلوق يجب عليه أن ينصر أخاه ويعينه ~~ويغيثه فذلك يطلب منه من حيث أمره الله به كما يؤمر بسائر ما أمر الله به ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يجب أن يطلب منه على جهة السؤال له والذل ~~والخضوع والتضرع له كما يسأل الله تبارك وتعالى بل مسألة المخلوق هي في ~~الأصل محرمة وتباح عند الحاجة والأفضل الاستعفاف عنها مطلقا # وأما السؤال عن العلم فلا ريب أن السائل قد وجب عليه أن يطيع العالم فيما ~~يخبره به من أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما وجب على العالم أن ~~يخبره بأمر الله ورسوله والسؤال هنا من باب التعاون على البر والتقوى كصلاة ~~الجمعة والجماعة والجهاد والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فالسائل للعالم في الحقيقة يذكر له ما يوجب عليه بيان العلم كما يذكر له ~~العالم ما ms89 يوجب عليه قبول ما يقوله العالم بخلاف سؤال ما يختص به السائل من ~~مال ونفع # فكلامه يقتضي أن الاستغاثة بالمخلوق ليست واجبة ولا مستحبة ولا PageV01P281 ~~مباحة فإن قوله تعالى {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} لا يقتضي ~~أنه شرع لنا وجوبا ولا استحبابا مثل هذه الاستغاثة بل ولا يقتضي الإباحة ~~فإن هذا الإسرائيلى ليس ممن يحتج بأفعاله بل ولا في الآية ما يقتضي أن هذا ~~المستغيث بموسى كان مظلوما بل لعله كان ظالما وموسى لما أغاثه فقتل عدوه ~~ندم على ذلك وقال {هذا من عمل الشيطان} # ثم قال {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له} # ثم قال {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين} ~~فشهد فيه موسى بأنه غوي # وكذلك قول الشيطان لإتباعه {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي} أي بمغيثكم ~~وما أنتم بمغيثي فهذا ينفي وجود الإغاثة ولو كانت واقعة لم يكن فعل الشيطان ~~وأتباعه دليلا على جواز ذلك في الشرع وإن سمي ذلك في اللغة استغاثة PageV01P282 # وقول هاجر أغث إن كان عندك خير أو غواث إن جعل قولها حجة في الشرع فإنما ~~يدل على الجواز وإن لم يجعل حجة في الشرع وهو الصواب فإنها ليست نبية فلا ~~يدل على جوازه # وأما قوله اسقنا غيثا مغيثا فإنه إنما يدل على تسمية المطر غيثا وهذا أمر ~~لغوي فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستغث بالمطر وإنما استغاث بالله ~~فقال: «اللهم أغثنا» حتى نزل المطر الذي يسمى مغيثا لما فيه من PageV01P283 ~~إزالة الشدة والأفعال تضاف إلى المخلوق بجهة وتضاف إلى الخالق بجهة أتم منها # وأما فعل البهيمة فهو كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزة أكرمه ~~الله بها وإلا فأفعال البهائم لا تصلح بمجردها شريعة لبني آدم لكن يقع PageV01P284 ~~الاستدلال بها من باب التنبيه كما في قوله صلى الله عليه وسلم «العائد في ~~هبته كالكلب يعود في قيئه وليس لنا مثل السوء» # فإذا كان فعل الآدمي مما يذم من فعل البهائم نهي ms90 عنه وكذلك إذا صدر من ~~البهيمة ما تحمد عليه يقال فالآدمي أحق بذلك وإذا كانت البهائم والجمادات ~~تعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق بتعظيمه كما قال الحسن البصري ~~في حنين الجذع إذا كان الجذع يحن إليه فأنتم أولى PageV01P285 ~~بالحنين إليه # وهذا حسن لكن تعظيمه إنما يكون بطاعته ومتابعته ومعاونته وما فيه زيادة ~~لثوابه ورفع لمنزلته وهو مراد الحسن وغيره لا بأمور مبتدعة لا سيما إذا ~~كانت من باب الشرك وفيها تكليف له فإن سؤاله في حياته وإن كان جائزا في ~~الجملة فليس من باب التعظيم له والا التوقير ولا من فعل خيار أصحابه وإنما ~~كان ذلك أهل الجفاء كالأعراب ومن هو حديث عهد بالإسلام دون أكابر المؤمنين ~~وإن وقع ذلك منهم وقع قليلا # ولو قدر أن الاستغاثة بالمخلوق وسؤاله والطلب منه واجب أو مستحب أو مباح ~~فالكمال ليس في استغاثة المستغيث وطلب الطالب بل هو في فعل المستغاث به ~~فإذا فعل المطلوب وأغاث المكروب كان ذلك من كماله فمن نفى عن شيء من ~~المخلوقين خصائص الخالق لا يقال إنه نفى عن المخلوق صفة من صفات كماله فإذا ~~قال ليس أحد من المخلوقين لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لا ربا ولا خالقا ~~للخلق ولا مالكا للملك ولا هو بكل شيء عليم ولا على كل شيء قدير ونحو ذلك ~~لم يكن نفى عن المخلوق شيئا من صفات كماله بل نفى عنه ما ليس إلا لله وحده ~~وهذا من تحقيق التوحيد لله وهو أن ينفي عن خلقه كلهم ما لا يكون إلا له ~~فيقول لا إله إلا الله فلا تصلح الإلهية إلا له بل الخلق كلهم عباده PageV01P286 ### || AUTO فصل # وقوله لقد خشيت على كثير من أهل الإقليم بسبب تقاعدهم عن نصرة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بإهلاكه وإهلاك أمثاله خصوصا أهل الدولة وأصحاب الحكم إلى ~~آخره فيقال # كنت قد أجبت عن كلامه إلى هذا الموضع واتفقت أمور شغلت عن تمام ذلك حتى ~~أنزل الله بأسه بهذا الجاهل الظالم وحزبه ms91 الجاهلين الظالمين وكانوا في ذلك ~~نظير المستفتحين من المشركين # وهذا الوعيد الذي ذكره في كلامه به وبأحزابه أليق وهم به أحق وهكذا فعل ~~الله تعالى بهم حيث عاقبه وحزبه عقوبة المعتدين الظالمين عقوبة لم يعاقب ~~بها أحدا من أشكالهم وهؤلاء مضاهون للمشركين الذين ناظروا إمام الحنفاء ~~إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كما قال تعالى: {فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون} إلى قوله {إن ربك حكيم عليم} فإنهم خوفوا إبراهيم بمن ~~عبدوه من دون الله فقال لهم {ولا أخاف ما تشركون به} فإنه ليس للمؤمن أن ~~يخاف إلا الله فلا يستحق ملك مقرب ولا نبي مرسل أن يخشى ويتقى كما لا يستحق PageV01P287 ~~أن يصلي له ويصام بل هذا كله لا يصلح إلا لله وحده لا إله إلا هو # ثم قال الخليل {إلا أن يشاء ربي شيئا} وهذا استثناء مقطع أي لكن إن شاء ~~ربي شيئا كان فأنا أخاف ربي # ثم قال {وكيف أخاف ما أشركتم} من المخلوقات وأنتم لا تخافون إشراككم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا يقول فكيف لا تخافون أنكم عبدتم غير الله ~~بغير سلطان من الله وهكذا يقول أتباع إبراهيم الخليل الذين هم على ملته لمن ~~خرج عنها من أشباه النصارى وغيرهم كيف نخاف ما أشركتموه ودعوتموه من دون ~~الله كائنا من كان سواء كان ملكا أو نبيا أو شيخا أو غيره وأنتم لا تخافون ~~الله حيث دعوتم غيره بغير سلطان من الله فإن هذا الذي تفعلونه بدعة لم ~~يأمركم الله بها ولا رسوله وفيها من الشرك ما فيها ولو لم يكن فيها شرك ~~فكيف يسوغ لكم أن تشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله # ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله ويجعلها وسيلة له إلى الله ~~يرجو عليها ثواب الله إما واجبة أو مستحبة فلا بد أن يكون من الدين الذي ~~شرعه الله وأمر به وإلا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد ولهذا قال الفقهاء ~~العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا ms92 على الهوى والابتداع وقد قال الله ~~لنبيه {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه} فهو داع ~~إلى الله بإذن الله لا من تلقاء نفسه بل أمر PageV01P288 ~~الله له وهؤلاء داعون إلى غير الله بغير إذن الله فيقال لهم ائتماما بإمام ~~الحنفاء إبراهيم الذي يجب على كل مسلم أن يأتم به وكيف نخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون # قال الله تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ~~وهم مهتدون} والظلم هنا هو الشرك كما في الصحيح من حديث ابن مسعود فتبين أن ~~أهل الإخلاص أحق بالأمن من أهل الإشراك به قال تعالى: {سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} PageV01P289 # فغاية الأمر ما قد أقر به هذا الرجل على نفسه وعلى أصحابه لما خاطبه بعض ~~أصحابنا فقال أنتم نسبتمونا إلى الشرك ونحن ننسبكم إلى التنقص بالرسول # فغاية الأمر أن ما يدعيه على منازعيه تنقص بالرسل وهم يقولون عنه وعن ~~أمثاله إنهم مشركون ومعلوم أن الشرك أعظم الذنوب كما أن التوحيد أعظم ~~الحسنات كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين قال قلت يا رسول الله إي الذنب ~~أعظم قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» إلى آخره وقد قال الله تعالى {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به} الآية والأية الأخرى فأخبر أنه لا يغفر الشرك وما ~~دونه موقوف على المشيئة # وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت الرسل هو التوحيد PageV01P290 ~~وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو أصل دعوة الرسل وأساسها ورأسها وأكمل ما فيها ~~وبه بعث الله جميع الرسل كما قد صرح به القرآن في أكثره فهو مملوء به # وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أول ما دعا المشركين إلى كلمة ~~التوحيد وأن بالإقرار بها يصير الرجل مسلما وبالامتناع عنها يصير كافرا ~~وأنه قال صلى الله عليه وسلم «أمرت أن ms93 أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله» فلا يصير الرجل مسلما حتى يشهد هذه الشهادة فإنها رأس الإسلام فهي ~~واجبة في كل خطابة فكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذمى ولهذا وجبت في ~~التحيات وسميت التحيات تشهدا باسم التشهد الذي فيها وبها ختمت التحيات # وروى الترمذي وأبو حاتم والحاكم في المستدرك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» PageV01P291 # وفي الموطأ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل ما قلت أنا والنبيون ~~من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير» PageV01P292 ~~وعليها شرع الجهاد الذي هو سنام العمل كما قال تعالى: {الأولين وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} # وفي الآية الأخرى {ويكون الدين كله لله} # وأهل هذه الكلمة هم السعداء فمن مات عليها دخل الجنة كما ثبت في صحيح ~~مسلم عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات وهو ~~يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» PageV01P293 ~~وفي السنن عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان آخر كلامه ~~لا إله إلا الله دخل الجنة» # وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأعلم كلمة لا يقولها ~~عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا» وهي الكلمة التي عرضها PageV01P294 ~~على عمه أبي طالب قال: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند ~~الله» قال عمر وأي كلمة أفضل من كلمة ألاص بها النبي PageV01P295 ~~صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب # وهذا باب واسع فلا يعرف في دين الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأولين ~~والآخرين ولا كتب رب العالمين أمرا أعظم من التوحيد وهو أول الكلمات العشر ~~التي في التوراة ونظيرها الوصايا العشر التي في آخر الأنعام # وأهل التوحيد هم المستحقون للشفاعة يوم القيامة كما ثبت في الصحيح أن أبا ms94 ~~هريرة رضي الله عنه قال يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ~~فقال صلى الله عليه وسلم «يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا ~~الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي من قال ~~لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه» PageV01P296 # وقد ثبت أن الشرك جنس تحته أنواع وكله مذموم وإن كان بعضه أكبر من بعض ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «من حلف بغير الله فقد أشرك» PageV01P297 # وقد روى ابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشرك ~~في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» فقال أبو بكر الصديق فما المخرج منه يا ~~رسول الله فقال: «قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما ~~لا أعلم» PageV01P298 ~~PageV01P299 # والشرك له شعب تكبره وتنميه كما أن الإيمان له شعب تكبره وتنميه وإذا كان ~~كذلك فإذا تقابلت الدعوتان فمن قيل إنه مشرك أولى بالوعيد ممن قيل فيه إنه ~~ينتقص الرسول فإن هذا إن كان مشركا الشرك الأكبر كان مخلدا في النار وكان ~~شرا من اليهود والنصارى وإن كان مشركا PageV01P300 ~~الشرك الأصغر فهو أيضا مذموم ممقوت مستحق للذم والعقاب # وقد يقال الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى عموم القرآن ~~وإن كان صاحب الشرك الأصغر يموت مسلما لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه ~~وإن دخل بعد ذلك الجنة # وبالجملة فالشرك أعظم من التكذيب بالرسالة ولهذا كان المشركون أكفر من ~~اليهود والنصارى المكذبين برسالته فكيف بما يقال إنه تنقص والنبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقتل المشركين ولا يقتل المتنقصين وقد قال له ذو الخويصرة ~~اعدل فإنك لم تعدل وقال له بعض الناس إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ~~ونحو ذلك فلم يقتل أحدا ممن تنقصه وآذاه ممن دخل في الإسلام وإن كان يجب ~~قتل من يقول هذا اليوم لكون الحق في حياته كان له فأسقطه كما ms95 قد بسطناه في ~~كتاب الصارم المسلول PageV01P301 # والمقصود أن ما يجب قتل صاحبه بكل حال أعظم ممن ليس كذلك وسيئته أعظم من ~~سيئة المنتقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم # ويقال أيضا منازعوه يقولون قول هذا القائل قول يتضمن تكذيب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والطعن في دينه وأمره وأذى الله ورسوله وذلك أعظم من التنقص ~~باتفاق المسلمين ولهذا يقال كل مشرك مكذب برسول الله متنقص به وليس كل من ~~كذب الرسول صلى الله عليه وسلم أو تنقصه يكون مشركا فصار قوله متضمنا لتنقص ~~الرسول مع الشرك عند منازعيه وقولهم لم يتضمن عنده إلا مجرد التنقص فكان ما ~~يذكرونه من الوعيد لحزبه أعظم مما يذكر هو من الوعيد # والناس متنازعون في أهل الكتاب هل يدخلون في المشركين أم لا كما في قوله ~~تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} وهل هم مشركون أم لا والتحقيق أن أصل ~~دينهم ليس فيه شرك لكن ابتدعوا نوعا من الشرك ولهذا قال تعالى: {لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} فجعل المشركين غير أهل الكتاب PageV01P302 # وقد قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~فأخبرهم أنهم أشركوا # فإن قيل هؤلاء لم يتعمدوا الكذب والطعن في دينه بل هم متأولون ظانون أن ~~ذلك تعظيم له فلا يكونون كفارا # قيل وكذلك قاله من قصد الإيمان به وما جاء به من التوحيد وقصدوا متابعته ~~وطاعته لم يقصدوا التنقص به لو كان لازم ما قالوه تنقصا في نفس الأمر لهم ~~أولى بالعذر منهم فقوله مع الشرك يتضمن أذى الله ورسوله والمؤمنين وقولهم ~~فيه تعظيم لله ورسوله # أما أذى الله فإنه قد ثبت في الصحيح لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ~~يجعلون له ولدا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم # وقوله يتضمن من إثبات الأنداد لله ما يوجب ذلك # وأما أذى الرسول فإن سؤاله ما لا يقدر عليه أذى له وعدوان عليه PageV01P303 ~~وأيضا ms96 ترك العمل بسنته وشرعته ينقص الثواب الواصل إليه فإن الأمة إذا عملت ~~بسنته كان له مثل أجورهم فمن عمل بما قرره من التوحيد والسنة أثابه الله ~~على ذلك ثوابا عظيما وكان للرسول مثل ذلك الثواب ومن صد الناس عن هذا منع ~~هذا الأجر أن يصل إلى الرسول فهؤلاء المشركون مؤذون للرسول من جهة جلب ما ~~يضره إليه ومنع ما ينفعه عنه # وأما أذاهم للمؤمنين فنهيهم لهم عن توحيد الله وطاعة رسوله وذمهم على ذلك ~~وشتمهم فهم ممن قال الله تعالى فيهم {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} # وأما أهل التوحيد فإذا فعلوا ما جاءت به السنة وحدوا الله بإيمانهم ~~وطاعتهم وسؤالهم له وحده لا شريك له حصل للرسول مثل ثوابهم وكانوا متبعين ~~لأمره مريحين له من أذاه بسؤاله وفي هذا من جلب ما يسره إليه ودفع ما يضره ~~عنه ما هو من تمام تعزيزه وتوقيره الواجب على أمته له ومن المعلوم أن تصديق ~~الرسل وطاعتهم خير من الغلو فيهم بلا تصديق ولا طاعة # وقد وقف هذا الرجل على الكتاب الذي صنفه المجيب في ساب PageV01P304 ~~الرسول واعترف أنه ما رأى في هذا الباب مثله فكيف يسوغ له مع هذا أن ينسبه ~~إلى نقيض ذلك # ولو قدر أن هذا في نفس الأمر تنقص فهو مما تكلم فيه صاحبه بالاجتهاد وقد ~~أجمع المسلمون على أن مسائل الاجتهاد لا تدخل في السب الذي يستحق صاحبه ~~الوعيد والقاضي عياض من أعظم الناس قولا بالعصمة وأشدهم على الساب وقد ذكر ~~أن نفاة العصمة ونحوهم لا يدخلون في السب الموجب للحد وإن قدر أن قولهم ~~يتضمن تنقصا # ونظائر هذا كثيرة مثل تنازع الناس هل يصلى عليه عند الذبيحة فأكثرهم لا ~~يستحبون ذلك بل مذهب مالك واحمد المنصوص عنه كراهته ومنهم من يستحبه كقول ~~الشافعي وبعض أصحاب أحمد # وكذلك تنازعهم في وجوب الصلاة عليه في التشهد الأخير هل هو ركن أو واجب ~~أو مستحب فيه نزاع مشهور وأكثر العلماء لا يوجبونه ولا ms97 يقال إن من كره ~~الصلاة عليه في مواطن أو لم يوجبها إن هذا تنقص به # وكذلك تنازع العلماء هل كان يستحق الصفي في حياته وهل كانت أربعة أخماس ~~الغنيمة ملكا له وهل كان الفيء ملكا له ولا يقال إن من نفى ملكه لذلك فقد تنقصه PageV01P305 ~~وتنازعوا في بوله وغائطه فجمهور المسلمين من الأولين والآخرين على أن ذلك ~~نجس ولهذا صح عنه أنه كان يستنجي ويستجمر ولا يقال هذا تنقص له # والجمهور يفرقون بين شعره وبوله فشعره طاهر وبوله نجس وطائفة نجست شعره ~~وبوله ومن الناس من قال بطهارتهما ولا يقال لمن سوى في هذا الحكم بين شعره ~~وبوله إنه ساب له # وجمهور العلماء على جواز وقوع الصغائر من الأنبياء وإن كانوا لا يقرون ~~عليها ولم يقل أحد إن هذا سبب لهم يوجب الكفر والقتل والأنبياء يجوز عليهم ~~المرض والجوع والنسيان ونحو ذلك بالإجماع ولا يقال هذا تنقص لهم وكذلك يجوز ~~عليهم عند عامة أهل السنة أن يصابوا بالسحر وأنكر ذلك طائفة من أهل الكلام ~~وتنازع الناس هل في سنته ما يقوله باجتهاد وإذا اجتهد هل يجوز عليه الخطأ ~~لكن لا يقر عليه # وأكثر الفقهاء يقولون بالأمرين ولم يقل أحد إن هؤلاء سابون له وإلا فيكون ~~أكثر أصحاب مالك والشافعي وأحمد يسبون الرسول صلى الله عليه وسلم # وتنازع الناس إذا أراد أن يسلم عليه بعد وفاته هل يستقبل القبر ويستدبر ~~القبلة أو لا يستقبل القبلة على قولين PageV01P306 # ثم تنازعوا هل يستدبر القبر أو يجعله عن يساره على وجهين # والأول هو مذهب مالك والشافعي وأحمد والثاني مذهب أبي حنيفة ولم يقل أحد ~~إن هذا تنقص ومثل هذا كثير في الأحكام المتعلقة به صلى الله عليه وسلم مما ~~يجب له ويباح ويحرم ويكره ويستحب # قال البكري وأورد هذا الرجل حديثا أن منافقا كان يؤذي المؤمنين قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث ms98 بالله» # قال والكلام على استدلال هذا الكافر الضال من وجوه # الأول عدم تسليم صحة الحديث له إلى آخر كلامه # قال الشيخ والجواب عن هذا الكلام مع ما فيه من الجهل والإلحاد والحلول ~~والشرك في الدين والافتراء على الله والرسول وعباده المؤمنين أن يقال # هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن PageV01P307 ~~معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسنة كما أنه إذا ذكر حكم بدليل ~~معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ~~ذلك من الإعتضاد والمعاونة لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي ~~ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الإعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون ~~هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك وبآثار ~~الصحابة والتابعين بل بأقوال المشايخ والإسرائيليات والمنامات مما يصلح ~~للإعتضاد فما يصلح للإعتضاد نوع وما يصلح للإعتماد نوع # وهذا الخبر من النوع الأول فإنه رواه الطبراني في معجمه من حديث ابن ~~لهيعة وقد قال أحمد قد كتبت حديث الرجل لأعتبر وأستشهد به مثل حديث ابن ~~لهيعة فإن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر كان من أهل العلم والدين باتفاق ~~العلماء ولم يكن ممن يكذب باتفاقهم ولكن قيل إن كتبه احترقت فوقع في بعض ~~حديثة غلط ولهذا فرقوا بين من حدث عنه قديما وبين من حدث عنه حديثا وأهل ~~السنن يروون له # والسياق الذي ذكر فيه هذا الحديث في جواب الفتيا لفظه فأما ما PageV01P308 ~~لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله لا يطلب ذلك لا من ~~الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم إلى أن ذكر الحديث لأن فيه لفظ ~~الاستغاثة التي كان فيها النزاع وهو في كتاب مشهور وقد روى الناس هذا ~~الحديث من أكثر من خمس مئة سنة إن كان ضعيفا وإلا فهو مروي من زمان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وما زال العلماء يقرؤون ذلك ويسمعونه في المجالس الكبار ~~والصغار ms99 ولم يقل أحد من المسلمين إن إطلاق القول إنه لا يستغاث بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم كفر ولا حرام # وكان في إيراده بيان تقدم تكلم العلماء والسلف بهذا اللفظ ولو كان عبد ~~الله بن لهيعة ذاكرا لا آثرا ولم ينكره المسلمون عليه لكان في ذلك مستند ~~لهذا الإطلاق فإن الرجل قاضي مصر في ذلك الزمان وهو من أكبر العلماء ~~المفتين ونظير لليث بن سعد والغلط الذي وقع في حديثه لا يمنعه أن يكون من ~~أهل الاجتهاد والفتيا مثل محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وكان ~~زمانهما متقاربا فإنه من أعيان الفقهاء المفتين وإن كان في حديثه ضعف وكذلك ~~شريك بن عبد الله وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهم من المشهورين بالفتيا ~~إذا تكلم في حديثهم لم يمنع هذا أن يكونوا من المجتهدين المفتين إذا كان ~~النزاع في إطلاق لفظ وقد أطلقه أحد هؤلاء العلماء إما آثرا وإما ذاكرا ~~وسمعه الناس منه ونقلوه عنه ولم يعرف أن أحدا أنكره علم أن علماء المسلمين PageV01P309 ~~كانوا يتكلمون بمثل هذا اللفظ وأن المتكلم به ليس خارقا للإجماع ولا مبتدعا ~~لفظه لم يسبق عليه # بآخر الأصل المخطوط المطبوع عليه هذا الجزء ما خلاصته # بلغ معارضته على أصل مخطوط جيد في مكتبة الأفاضل بني شطي في دمشق الشام ~~وتمت المعارضة في 25 جماد الثانية سنة 1330 وكتبه جمال الدين القاسمي عفي ~~عنه يليه تتمته وأوله وأما ما ذكره من تأويل الحديث إلخ PageV01P310 ms100