######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008363 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن القيم #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008363 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8363 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8363 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سيد إبراهيم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1422هـ - 2001م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الحديث، القاهرة - مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ به من ~~شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي ~~له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا فتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأقام به الملة العوجاء ~~بأن قالوا: لا إله إلا الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا. # أما بعد، فهذا استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، انتخبته من ~~كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام ناصر السنة (شمس الدين أبي عبد الله محمد بن ~~قيم الجوزية) رحمه الله تعالى. # اعلم أن الله بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض أحوج إلى ~~رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس الظلماء، ~~فضرورتهم إليها أعظم الضرورات وحاجتهم إليها مقدمة على جميع الحاجات، فإنه ~~لا حياة للقلوب ولا سرور ولا لذة ولا نعيم ولا أمان إلا بأن تعرف ربها ~~ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون ذلك أحب إليها مما سواه، ~~ويكون سعيها فيما يقربها إليه، ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بإدراك ~~ذلك على التفصيل فاقتضت حكمة العزيز العليم بأن بعث الرسل به معرفين وإليه ~~داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة ~~رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى هذه المعرفة ~~تنبني مطال الرسالة جميعها، فإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية ~~تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود. # ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه ~~لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن: " «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ~~ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا عرفوا ~~الله فأخبرهم أن الله ms001 فرض عليهم خمس صلوات في # PageV01P015 # اليوم والليلة. . .» " الحديث، وهو في الصحيحين واللفظ لمسلم، وقد نزه ~~سبحانه نفسه عن غير ما يصفه به المرسلون فقال: {سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون - وسلام على المرسلين - والحمد لله رب العالمين} [الصافات: 180 - ~~182] فنزه نفسه عما يصفه به الخلق، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به ~~من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال ~~الحمد. # ومن هنا أخذ إمام السنة محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله خطبة كتابه حيث ~~قال: " الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه خلقه " فأثبت بهذه ~~الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق، وأن أوصافه فوق ما يصفه ~~به الخلق، وقد شهد الله سبحانه بالعلم لمن يرى أن ما جاء به الرسول من عند ~~الله هو الحق لا آراء الرجال، فقال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6] وقال ~~تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد: 19] ~~فمن تعارض عنده ما جاء به الرسول وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو ~~قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق. # وقد أخبر الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {قل هذه سبيلي ~~أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108] وأخبر تعالى عنه أنه ~~سراج منير وأنه هاد إلى صراط مستقيم وبأن من اتبع النور الذي أنزل معه هو ~~المفلح لا غيره، وأن من لم يحكمه في كل ما تنازع فيه المتنازعون وينقد ~~لحكمه، ولا يكون عنده حرج منه فليس بمؤمن، فكيف يجوز على من أخبر الله ~~تعالى عنه بما ذكر أن يكون قد أخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما ~~الهدى في خلاف ظاهره، والحق في إخراجه عن حقائقه وحمله على وحشي اللغات ~~ومستكرهات التأويلات، وأن حقائقه ضلال وتشبيه وإلحاد، وأن الهدى والعلم في ~~مجازه وإخراجه عن حقائقه؟ ms002 وأحال الأمة فيه على آراء الرجال المتحيرين وعقول ~~المتهوكين (المتحيرين) فيقول: إذا أخبرتكم عن الله وصفاته العلى # PageV01P016 # بشيء فلا تعتقدوا حقيقته وخذوا معرفة مرادي به من آراء الرجال ومعقولها، ~~فإن الهدى والعلم فيه. # معاذ الله، فإنه لو خرج عن ظاهره بتأويل المتأولين انتقضت عرى الإيمان ~~كلها، وكان لا تشاء طائفة من طوائف أهل الضلال أن تتأول النصوص على مذهبها ~~إلا وجدت السبيل إليه. # والمقصود: أن الله تعالى كمل للرسول ولأمته به دينهم وأتم عليهم به ~~نعمته، ومحال مع هذا أن يدع ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل وأنزلت به ~~الكتب ونصبت عليه القبلة وأسست عليه الملة، وهو باب الإيمان به ومعرفته ~~ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ملتبسا مشتبها حقه بباطله، لم يتكلم فيه بما ~~هو الحق بل تكلم بما هو الباطل، والحق في إخراجه عن ظاهره، فكيف يكون أفضل ~~الرسل وأجل الكتب غير واف بتعريف ذلك على أتم الوجوه، مبين له بأكمل ~~البيان، موضح له غاية الإيضاح، مع شدة حاجة النفوس إلى معرفته، وهو أفضل ما ~~اكتسبته النفوس وأجل ما حصلته القلوب. # ومن المحال أن يكون صلى الله عليه وسلم قد علمهم آداب الغائط، قبله وبعده ~~ومعه، وآداب الوطء والطعام والشراب، ويترك أن يعلمهم ما يقولونه بألسنتهم ~~ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف والوصول إليه ~~أتم المطالب، وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل، ويخبرهم بما ظاهره ~~ضلال وإلحاد، ويحيلهم في فهم ما أخبره به عن الله تعالى وأسمائه وصفاته ~~وأفعاله على مستكرهات التأويل وما تحكم به عقولهم، هذا هو القائل: " ~~«تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك» "، وهو ~~القائل: " «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما ~~يعلمه لهم» "، وقال أبو ذر: " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~طائر # PageV01P017 # يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما "، «وقال عمر بن الخطاب: ~~(قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فذكر ms003 بدء الخلق حتى دخل أهل ~~الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» ) ذكره ~~البخاري. # فكيف يتوهم من لله ورسوله في قلبه وقار أن يعتقد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلم فيه بالصواب؟ معاذ ~~الله، بل لا يتم الإيمان إلا بأن يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~بين ذلك أتم البيان وأوضحه غاية الإيضاح، ولم يدع بعده لقائل مقالا ولا ~~لمتأول تأويلا. # ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأسبقها إلى كل خير قصروا في هذا ~~الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه، وإنما ابتلي من خرج عن منهاجهم ~~بهذين الداءين. # وقال شيخنا قدس الله روحه: والحال في هؤلاء المبتدعة الذين فضلوا طريقة ~~الخلف على طريقة السلف حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ ~~القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أنهم ~~بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني} [البقرة: 78] وأن طريقة المتأخرين هي استخراج معاني النصوص، وصرفها ~~عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستكرهات التأويلات، فهذا الظن ~~الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ~~والتابعين وراء ظهورهم، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين ~~الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر ~~صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا التعطيل وانتفاء الصفات في نفس ~~الأمر ورأوا أنه لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ ~~وتفويض المعنى، وهذا الذي هو طريقة السلف # PageV01P018 # عندهم وبين صرف اللفظ عن حقيقته وما وضع له إلى ما لم يوضع له ولا دل ~~عليه، بأنواع من المجازات وبالتكلفات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها ~~بالبيان والهدى، فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والجهل بالسمع، فلا ~~عقل ولا سمع، فإن النفي والتعطيل إنما اعتمدوا فيه على شبهات فاسدة ظنوها ~~معقولات، وحرفوا ms004 لها النصوص السمعية عن مواضعها. # فلما ابتني أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال ~~السابقين الذين هم أعلم الأمة بالله وصفاته، واعتقاد أنهم كانوا أميين ~~بمنزلة الصالحين البله الذين لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، وأن الخلف ~~هم العلماء الذين أحرزوا قصبات السبق، واستولوا على الغاية وظفروا من ~~الغنيمة بما فات السابقين الأولين، فكيف يتوهم من له أدنى مسكة من عقل ~~وإيمان أن هؤلاء المتحيرين الذين كثر في باب العلم بالله اضطرابهم، وغلظ عن ~~معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من ~~مرامهم، وأنه الشك والحيرة حيث يقول: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسايرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # ويقول الآخر: # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وقال الآخر: " لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في ~~الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي، وها أنا ذا ~~أموت على عقيدة أمي "، وقال الآخر: " أكثر الناس شكا عند الموت أرباب ~~الكلام "، وقال آخر: # PageV01P019 # منهم: " اشهدوا علي أني أموت وما عرفت شيئا إلا أن الممكن مفتقر إلى واجب ~~"، ثم قال: " الافتقار أمر عدمي فلم أعرف شيئا "، وقال آخر وقد نزلت به ~~نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث، قال: فاستغثت برب الجهمية ~~فلم يغثني، ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني، ثم استغثت برب المعتزلة فلم ~~يغثني، قال: فاستغثت برب العامة فأغاثني. ### | [فصل في بيان حقيقة التأويل لغة واصطلاحا] # فصل # في بيان حقيقة التأويل لغة واصطلاحا # هو تفعيل من آل يئول إلى كذا إذا صار إليه، فالتأويل التصيير، وأولته ~~تأويلا إذا صيرته إليه، قال: وتأول وهو مطاوع أولته، وقال الجوهري: التأويل ~~تفسير ما يئول إليه الشيء، وقد أولته وتأولته بمعنى، قال الأعشى: # على أنها كانت تأول حبها ms005 ... تأول ربعي السقاب فأصحبا # قال أبو عبيدة: تأول حبها أي: تفسيره ومرجعه، أي إن حبها كان صغيرا في ~~قلبه فلم يزل يشب حتى أصحب فصار قديما، كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى ~~صار كبيرا مثل أمه وصار له ابن يصحبه، والسقب (بفتح السين) ولد الناقة أو ~~ساعة يولد أو خاص بالذكر. # ثم تسمى العاقبة تأويلا لأن الأمر يصير إليها، قال الله تعالى: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] ، وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلا ~~لأن الأمر ينتهي إليه، ومنه قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي ~~تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] ~~فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر # PageV01P020 # والمعاد وتفاصيله والجنة والنار، ويسمى تعبير الرؤيا تأويلها ~~بالاعتبارين، فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تئول إليه، وقال يوسف لأبيه: ~~{ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل} [يوسف: 100] . أي حقيقتها ومصيرها إلى ~~هاهنا. انتهى. # وتسمى العلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلا لأنها بيان لمقصود ~~الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضه به، ومنه قول الخضر ~~لموسى بعد أن ذكر له الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل ~~الغلام وإقامة الجدار بلا عوض: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} ~~[الكهف: 78] فلما أخبره بالعلة الغائية التي انتهى إليها فعله قال: {ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 82] ، فالتأويل في كتاب الله تعالى ~~المراد منه حقيقة المعنى الذي يئول اللفظ إليه، وهي الحقيقة الموجودة في ~~الخارج، فإن الكلام نوعان: خبر وطلب، فتأويل الخبر هو الحقيقة، وتأويل ~~الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به، وتأويل ما أخبر الله به من ~~صفاته العلى وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه، وما هو موصوف به من الصفات ~~العلى، وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها، قالت عائشة رضي الله ~~عنها: " «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ms006 في ركوعه وسجوده: سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك» " يتأول القرآن. فهذا التأويل هو فعل نفس المأمور به. # فهذا هو التأويل في كلام الله ورسوله. # وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم ~~به معنى التفسير والبيان، ومنه قول ابن جرير وغيره: القول في تأويل قوله ~~تعالى كذا وكذا، ومنه قول الإمام أحمد في الرد على الجهمية " فيما تأولته ~~من القرآن على غير تأويله " فأبطل تلك التأويلات التي ذكرها وهو تفسيرها ~~المراد بها وهو تأويلها عنده، فهذا التأويل يرجع إلى فهم المؤمن ويحصل في ~~الذهن والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج. # وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ ~~عن ظاهره، وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه. # PageV01P021 # ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل. والتأويل يحتاج إلى دليل، وهذا ~~التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فمن صنف في إبطال ~~التأويل على رأي المتكلمين القاضي أبو يعلى والشيخ موفق الدين ابن قدامة، ~~وقد حكى غير واحد إجماع السلف على عدم القول به. # ومن التأويل الباطل تأويل أهل الشام «قوله صلى الله عليه وسلم لعمار: " ~~تقتلك الفئة الباغية» "، فقالوا: نحن لم نقتله إنما قتله من جاء به حتى ~~أوقعه بين رماحنا، وهذا التأويل مخالف لحقيقة اللفظ وظاهره فإن الذي قتله ~~هو الذي باشر قتله لا من استنصر به، ولهذا رد عليهم من هو أولى بالحق ~~والحقيقة منهم فقالوا: أفيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم ~~الذين قتلوا حمزة والشهداء معه لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف ~~المشركين؟ # ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة: " «فرضت الصلاة ركعتين ~~ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر " فقيل له: فما بال عائشة ~~أتمت في السفر؟ قال: تأولت كما تأول عثمان» ، وليس مراده أن عائشة وعثمان ~~تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها وإنما مراده أنهما تأولا دليلا قام عندهما ~~اقتضى جواز الإتمام فعملا به، فكان عملهما به هو ms007 تأويله، فإن العمل بدليل ~~الأمر هو تأويله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى: ~~{فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر: 3] بامتثاله بقوله " «سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك اللهم اغفر لي» "، فكأن عائشة وعثمان تأولا # PageV01P022 # قوله تعالى: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] فإن إتمامها ~~من إقامتها، وقيل: تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها ~~مقيمة بينهم، وأن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله، أو أنه كان ~~قد عزم على الاستيطان بمنى أو أنه كان قد تأهل بها، ومن تأهل ببلد لم يثبت ~~له حكم المسافر، أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن ~~يعلمهم فرض الصلاة وأنها أربع أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة ~~مقيدة لمطلق القصر أو مخصصة لعمومه وإن كانت كلها ضعيفة، والصواب هدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إمام المسلمين وعائشة أم المؤمنين في ~~حياته ومماته، وقد قصرت معه ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما رخص في الإقامة به للمهاجرين بعد قضاء نسكهم ~~ثلاثا، والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت به حكم الإقامة بمجرد التزوج ما ~~لم يزمع الإقامة. # وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو ~~التأويل الصحيح وغيره هو الفاسد. # والتأويل الباطل أنواع: # أحدها: ما لم يحتمله اللفظ بوضعه الأول مثل تأويل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " «حتى يضع رب العزة فيها رجله» " بأن الرجل جماعة من الناس، فإن هذا ~~الشيء لا يعرف في شيء من لغة العرب البتة. # الثاني: ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله ~~مفردا كتأويل قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] بالقدرة. # الثالث: ما لم يحتمله سياقه وتركيبه وإن احتمله في غير ذلك السياق كتأويل ~~قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك} [الأنعام: 158] بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته التي هي ms008 أمره، وهذا ~~يأباه السياق كل الإباء، فإنه يمتنع حمله # PageV01P023 # على ذلك مع التقسيم والتنويع والترديد، وكتأويل قوله: " «إنكم ترون ربكم ~~عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ليس دونه سحاب، وكما ترون الشمس في ~~الظهيرة ليس دونها سحاب» " فتأويل الرؤية في هذا السياق بما يخالف حقيقتها ~~وظاهرها في غاية الامتناع وهو رد وتكذيب يستتر صاحبه بالتأويل. # الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في ~~الاصطلاح الحادث، وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس حيث تأولوا كثيرا ~~من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة وإن كان ~~معهودا في اصطلاح المتأخرين وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من ~~الكذب على الله ورسوله ما حصل، كما تأولت طائفة قوله تعالى: {فلما أفل} ~~[الأنعام: 76] بالحركة وقالوا: استدل بحركته على بطلان ربوبيته، ولا يعرف ~~في لغة العرب التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة في موضع واحد البتة، ~~وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه عن شيء البتة، ثم قالوا: لو كان ~~فوق العرش لم يكن أحدا ; فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من ~~العرب ولا أهل اللغة إنما هو اصطلاح الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن ~~رافقهم، وكتأويل قوله: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] بأن المعنى أقبل ~~على خلق العرش، فإن هذا لا يعرف في لغة العرب ولا غيرها من الأمم، لا يقال ~~لمن أقبل على الرحل: استوى عليه ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة ~~أو دراسة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها، وهذا التأويل باطل من وجوه ~~كثيرة سنذكرها بعد إن شاء الله تعالى، لو لم يكن منه إلا تكذيب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لصاحب هذا التأويل لكفاه، فإنه ثبت في الصحيح " «إن ~~الله قدر مقادير الخلائق قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على ~~الماء» " فكان العرش موجودا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فكيف ~~يقال: إنه خلق ms009 السماوات والأرض في # PageV01P024 # ستة أيام ثم أقبل على خلق العرش، والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فحسبه ذلك بطلانا. # الخامس: ما ألف استعماله في غير ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد ~~النص، فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب ~~آخر يحتمله كتأويل اليدين في قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ~~[ص: 75] بالنعمة، ولا ريب أن العرب تقول: لفلان عندي يد، وقال عروة بن ~~مسعود للصديق رضي الله عنه: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. # ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف سبحانه فيه الفعل إلى نفسه ثم ~~تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم، وجعل ذلك خاصة خص ~~بها صفيه آدم دون البشر، كما خص المسيح بأنه نفخ فيه من روحه، وخص موسى بأن ~~كلمه بلا واسطة. # فهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة، وإن كانت في تركيب آخر تصلح ~~لذلك، فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب صلاحيته له في كل تركيب. ~~وكذلك قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة - إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22 - 23] ~~يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب، فإنه أضاف النظر إلى الوجوه ~~بالنظرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع التنغيص بانتظاره، ~~ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤيا وأن كل النظر بمعنى ~~الانتظار في قوله تعالى: {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] ، وقوله: ~~{فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] . # ومثل هذا قول الجهمي الملبس: إذا قال لك المشبه: {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه: 5] فقل له: العرش له عدة معان، والاستواء له خمس معان، فأي ذلك ~~المراد؟ فإن المشبه يتحير ولا يدري ما يقول. # فيقال لهذا الجاهل: ويلك، ما ذنب الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها ~~وقد قال لك نفس ما قال الله تعالى، فوالله لو كان مشبها كما تزعم لكان أولى ~~بالله ورسوله منك لأنه لم يتعد النص. # PageV01P025 # وأما قولك: العرش ms010 له سبعة معان ونحوه، والاستواء له خمسة معان فتلبيس منك ~~على الجهال وكذب ظاهر، فإنه ليس لعرش الرحمن الذي استوى عليه إلا معنى واحد ~~وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد قد صار بها في العرش ~~معينا وهو عرش الرب تعالى، الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل وأقرت ~~به الأمم إلا من نابذ الرسل. # وقولك: الاستواء له عدة معان تلبيس آخر منك، فإن الاستواء المعدى بأداة " ~~على " ليس له إلا معنى واحد، وأما الاستواء المطلق فله عدة معان، فإن العرب ~~تقول: استوى كذا: انتهى وكمل، ومنه قوله تعالى: {ولما بلغ أشده واستوى} ~~[القصص: 14] وتقول: استوى وكذا إذا ساواه نحو قولهم: استوى الماء والخشبة ~~واستوى الليل والنهار، وتقول: استوى إلى كذا إذا قصد إليه علوا وارتفاعا ~~نحو استوى إلى السطح والجبل واستوى على كذا أي ارتفع عليه وعلا عليه، ولا ~~تعرف العرب غير هذا، فالاستواء في هذا التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما ~~هو نص في قوله تعالى: {ولما بلغ أشده واستوى} [القصص: 14] لا يحتمل غير ~~معناه، ونص في قولهم: استوى الليل والنهار في معناه ولا تحتمل غيره. # السادس: اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله ~~في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا، فحمله على خلاف المعهود من ~~استعماله باطل، فإنه يكون تلبيسا يناقض البيان والهداية بل إذا أرادوا ~~استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من القرائن ما يبين للسامع ~~مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف، ومن تأمل كمال هذه اللغة ~~وحكمة واضعها تبين له صحة ذلك. # السابع: كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل كتأويل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» " ~~فيحمله على الأمة، فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر النص يرجع على أصل ~~النص بالإبطال وهو قوله: " «فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» "، ~~ومهر الأمة إنما هو للسيد ms011 فقالوا: # PageV01P026 # نحمله على المكاتبة، وهذا يرجع على النص بالإبطال من وجه آخر، فإنه أتى ~~فيه بأي الشرطية التي هي من أدوات العموم وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي ~~تقتضي العموم، وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضي لوجود الحكم ~~بوجوده وهو إنكاحها نفسها، فرتبه على العلة المقتضية للبطلان وهو افتئاتها ~~على وليها، وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات، فحمله على صورة لا ~~تقع في العالم إلا نادرا يرجع إلى مقصود النص بالإبطال، وأنت إذا تأملت ~~عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس، بل أشنع. # الثامن: تأويل اللفظ الذي له ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه إلا ~~بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا فرادى من أهل النظر والكلام، كتأويل ~~لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا ~~يكون فيها معنيان بوجه، فإن هذا لو أمكن ثبوته في الخارج لم يعرف إلا بعد ~~مقدمات طويلة صعبة جدا فكيف وهو محال في الخارج وإنما يفرضه الذهن فرضا، ثم ~~استدل على وجود الخارجي فيستحيل وضع اللفظ المشهود عند كل أحد لهذا المعنى ~~الذي هو في غاية الخفاء. # التاسع: التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو غاية العلو والشرف ~~ويحمله إلى معنى دونه بمراتب، مثاله تأويل الجهمية: {وهو القاهر فوق عباده} ~~[الأنعام: 18] ونظائره بأنها فوقية الشرف، كقولهم: الدراهم فوق المفلس، ~~فعطلوا حقيقة الفوقية المطلقة التي هي من خصائص الربوبية المستلزمة لعظمة ~~الرب تعالى وحطوها إلى كون قدره فوق قدر بني آدم، وكذلك تأويلهم استواءه ~~على عرشه بقدرته عليه وأنه غالب عليه. # فيالله العجب، هل شك عاقل في كونه غالبا لعرشه قادرا عليه حتى يخبر به ~~سبحانه في سبعة مواضع من كتابه مطردة بلفظ واحد ليس فيها موضع واحد يراد به ~~المعنى الذي أبداه المتأولون؟ وهذا التمدح والتعظيم كله لأجل أن يعرفنا أنه ~~غلب على عرشه وقدر عليه بعد خلق السماوات والأرض؟ أفترى لم يكن غالبا للعرش ~~قادرا عليه في مدة تزيد عن خمسين ألف سنة ثم تجدد ms012 له ذلك بعد خلق هذا ~~العالم؟ # العاشر: تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا قرينة تقتضيه، ~~فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل ~~على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس، فإن الله تعالى ~~أنزل كلامه بيانا # PageV01P027 # وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي ~~يتبادر غيره إلى كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى. ### | [فصل تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات] # فصل # تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في ~~موضع واحد بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها ~~وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها ~~أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها ~~الله سبحانه وتعالى ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس يوقع الراسخين في ~~العلم. # وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات ~~الصفات فيشترك في فهم معناها الخاص والعام، أعني فهم أصل المعنى لا فهم ~~الكنه والكيفية، ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله تعالى: {حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [البقرة: 187] حتى يبين لهم بقوله: {من ~~الفجر} [البقرة: 187] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: {وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب} [البقرة: 186] وغيرها من آيات الصفات، وأيضا فإن آيات ~~الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك} [البقرة: 196] فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام، فبينته السنة بأنه ~~صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة، ونظائره كثيرة كآية ~~السرقة وآية الصلاة والزكاة والحج، وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل ~~يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان ~~والتفصيل. # PageV01P028 ### | [فصل تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وما لا يسوغ] # فصل # في ms013 تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات ~~وأحاديثها وما لا يسوغ # لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء وأخبر عن نفسه بأفعال، ~~وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويرضى ويغضب ويسخط ويجيء ويأتي إلى سماء الدنيا ~~وأنه المستوي على عرشه وأن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا ووجها ~~وأن له يدين وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه وتتنزل بالأمر من عنده ~~وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين وأن السماوات مطويات ~~بيمينه، ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك وأن قلوب العباد بين أصابعه، وغير ~~ذلك. # فيقال للمتأول: تتأول هذا كله على خلاف ظاهره، أم تفسر الجميع على ظاهره ~~وحقيقته، أم تفرق بين بعض ذلك وبعضه، فإن تأولت الجميع وحملته على خلاف ~~حقيقته كان ذلك عنادا ظاهرا وكفرا صراحا وجحدا لربوبيته، وهذا مذهب الدهرية ~~الذين لا يثبتون للعالم صانعا، فإن قلت: أثبت للعالم صانعا ولكن لا أصفه ~~بصفة تقع على خلقه وحيث وصف بما يقع على المخلوق تأولته، قيل له: فهذه ~~الأسماء الحسنى والصفات التي وصف بها نفسه هل تدل على معان ثابتة هي حق في ~~نفسها أو لا تدل؟ فإن نفيت دلالتها على معنى ثابت كان ذلك غاية التعطيل، ~~وإن أثبت دلالتها على معنى هي حق في نفسها ثابت، قيل لك: فما الذي سوغ لك ~~تأويل بعضها دون بعض؟ وما الفرق بين ما أثبتها ونفيتها من جهة السمع أو ~~العقل ودلالة النصوص أن له سمعا وبصرا وعلما وقدرة وإرادة وحياة وكلاما ~~كدلالتها على أن له محبة ورحمة وغضبا ورضا وفرحا وضحكا ووجها ويدين، فدلالة ~~النصوص على ذلك سواء، فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه ~~وضحكه، وأولتها نفس الإرادة؟ # فإن قلت: إن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيها وتجسيما، وإثبات ~~حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم فإنها لا تعقل إلا في الأجسام، ~~فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها، ~~والغضب غل بالقلب لورود ما ms014 يرد عليه. # PageV01P029 # قيل لك: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، ~~وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أغراض قائمة بالأجسام في الشاهد، ~~فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم، أو صفة عرضية قائمة به، ~~وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف، فكيف لزم التشبيه ~~والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه؟ # فإن قلت: أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشبهها. # قيل لك: فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؟ # فإن قلت: هذا لا يعقل، قيل لك: فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ~~ومشيئة، ليست من جنس صفات المخلوقين؟ # فإن قلت: أنا أفرق بين ما يتأول وما لا يتأول بأن ما دل العقل على ثبوته ~~يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر، وما لا يدل عليه العقل ~~يجب أو يسوغ تأويله كاليد والوجه والضحك والفرح والغضب والرضى، فإن الفعل ~~المحكم دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل. # قيل لك: وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة ~~كدلالة التخصيص على الإرادة سواء، والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاختيار ~~دال على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة، والإهانة والطرد والإبعاد ~~والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الرضى والحب، والعقوبة ~~والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى. # ونقول ثانيا: هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه ~~لا ينفيها، والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم ~~من الطمأنينة إلى مجرد العقل، فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله؟ # ويقال ثالثا: إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها وتجسيما فهو يقتضيه في ~~الجميع، فأول الجميع، وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه، وإن زعمت ~~أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين الأمرين. # ولما تفطن بعضهم لتعذر الفراق قال: ما دل عليه الإجماع كصفات السمع لا ~~يتأول، وما لم يدل عليه الإجماع ms015 فإنه يتأول، وهذا كما تراه من أفسد الفروق، ~~فإن مضمونه أن الإجماع أثبت ما يدل رأي التجسيم والتشبيه، وهذا قدح في ~~الإجماع، فإنه لا ينعقد على باطل. # PageV01P030 # ثم يقال: إن كان الإجماع دل على هذه الصفات وظاهرها يقتضي التشبيه ~~والتجسيم بطل نفيكم لذلك، وإن لم ينعقد عليها بطل التفريق به. # ثم يقال: خصومكم من المعتزلة لم تجمع على ثبوت هذه الصفات. # فإن قلتم: انعقد الإجماع قبلهم، قيل: صدقتم والله، والذين أجمعوا قبلهم ~~على إثبات هذه الصفات أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع، بل ~~تخصيصها بالسبع خلاف قول السلف، وقول الجهمية والمعتزلة، فالناس كانوا ~~طائفتين: سلفية وجهمية، فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين قولين، فلا ~~للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا. # وقالت طائفة أخرى: ما لم يكن ظاهره جوارح وأبعاضا، كالعلم والحياة ~~والقدرة والإرادة والكلام لا يتأول، وما كان ظاهره جوارح وأبعاضا كالوجه ~~واليدين والقدم فإنه يتعين تأويله لاستلزام إثباته التركيب والتجسيم. # قال المثبتون: جوابنا لكم هو عين الذي تجيبون به خصومكم من الجهمية ~~والمعتزلة نفاة الصفات، فهم قالوا لكم: لو قام به سبحانه صفة وجودية كالسمع ~~والبصر والعلم والقدرة والحياة لكان محلا للأعراض ولزم التركيب والتجسيم ~~والانقسام، كما قلتم: لو كان له وجه ويد وإصبع لزم التركيب والانقسام ~~وحينئذ فما هو جوابكم لهؤلاء نجيبكم به؟ # فإن قلتم: نحن نثبت هذه الصفات على وجه لا تكون أعراضا ولا نسميها أعراضا ~~فلا يستلزم تركيبا ولا تجسيما. # قيل لكم: ونحن نثبت الصفات التي أثبتها الله لنفسه ونفيتموها أنتم عنه ~~على وجه لا يستلزم الأبعاض والجوارح ولا يسمى المتصف بها مركبا ولا جسما ~~ولا منقسما. # فإن قلتم: هذا لا يعقل منها إلا الأجزاء والأبعاض، قلنا لكم: وتلك لا ~~يعقل منها إلا الأعراض. # فإن قلتم: العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب تعالى باقية دائما أبدية ~~فليست أعراضا، قلنا: وكذلك الأبعاض هي ما جاز مفارقتها وانفصالها، وذلك في ~~حق الرب تعالى محال، فليست أبعاضا ولا جوارح، فمفارقة الصفات الإلهية ~~للموصوف بها مستحيل مطلقا في ms016 نوعين، والمخلوق يجوز أن تفارقه أبعاضه ~~وأعراضه. # PageV01P031 # فإن قلتم: إن كان الوجه عين اليد وعين الساق والإصبع فهو محال، وإن كان ~~غيره يلزم التميز ويلزم التركيب، قلنا لكم: وإن كان السمع هو عين البصر ~~وهما نفس العلم وهي نفس الحياة والقدرة فهو محال، وإن تميز لزم التركيب، ~~فما هو جوابكم؟ فالجواب مشترك. # فإن قلتم: نحن نعقل صفات ليست أعراضا تقوم بغير جسم وإن لم يكن له في ~~الشاهد نظير، ونحن لا ننكر الفرق بين النوعين في الجملة، ولكن فرق غير نافع ~~لكم في التفريق بين النوعين، وإن أحدهما يستلزم التجسيم والتركيب والآخر لا ~~يستلزمه. # ولما أخذ هذا الإلزام بخناق الجهمية قالوا: الباب كله عندنا واحد ونحن ~~ننفي الجميع. # فتبين أنه لا بد لكم من واحد من أمرين: إما هذا النفي والتعطيل، وإما أن ~~تصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله وتتبعوا في ذلك سبيل السلف ~~الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفيا وإثباتا، وأشد تعظيما لله وتنزيها له ~~عما لا يليق بجلاله، فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد ~~بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يترك تدبرها ~~ومعرفتها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل هي آيات ~~بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا ~~العلم والإيمان، إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قالت حقائق سائر ~~صفات الكمال في قلوبهم كذلك، فكان الباب عندهم بابا واحدا، وعلموا أن ~~الصفات حكمها حكم الذات، فكما ذاته لا تشبه الذوات فكذا صفاته لا تشبه ~~الصفات. # قال الإمام أحمد: (التشبيه أن تقول: يد كيد أو وجه كوجه، فأما إثبات يد ~~ليست كالأيدي ووجه ليس كالوجوه فهو إثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست ~~كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار، وليس إلا هذا المسلك، ~~ومسلك التعطيل المحض والتناقض الذي لا يثبت لصاحبه قدم في النفي ولا في ~~الإثبات، وبالله التوفيق) وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول كل ما ms017 يخالف ~~نحلتها وأصلها، فالعيار عندهم فيما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت ~~إليه، ما وافقها أقروه ولم يتأولوه وما خالفها تأولوه. # PageV01P032 ### | [فصل إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأولا نظير ما فروا منه] # فصل # في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأولا نظير ما فروا منه # وهو فصل بديع يعلم منه أن المتأولين لم يستفيدوا بتأويلهم إلا تعطيل ~~حقائق النصوص، وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا بل هو لازم لهم فيما فروا ~~إليه كلزومه فيما فروا منه، بل قد ينفون ما هو أعظم محذورا، كحال الذين ~~تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر، ثم قالوا: ~~هو في كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه على عرشه ومباينته لخلقه وجعلوه في ~~أجواف البيوت والآبار والأواني والأماكن التي يرغب عن ذكرها. # ولما علم متأخرو الجهمية فساد ذلك قالوا: ليس وراء العالم ولا فوق العرش ~~إلا العدم المحض، وليس هناك رب يعبد ولا إله يصلى له ويسجد، ولا هو أيضا في ~~العالم، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان. # فإذا تأول المتأول المحبة والرحمة والرضى والغضب بالإرادة، قيل له: يلزمك ~~في الإرادة ما لزمك في هذه الصفات، كما تقدم تقريره، وإذا تأول الوجه ~~بالذات لزمه في الذات ما يلزمه في الوجه، فإن لفظ الذات يقع على القديم ~~والمحدث، وإذا تأول لفظ اليد بالقدرة، يوصف بها الخالق والمخلوق، وإذا تأول ~~السمع والبصر بالعلم لزمه ما فر منه في العلم، وإذا تأول الفوقية بفوقية ~~القهر لزمه فيها ما فر منه من فوقية الذات، فإن القاهر من اتصف بالقوة ~~والغلبة، ولا يعقل هذا إلا جسما، فإن أثبته العقل غير جسم لم يعجز عن إثبات ~~فوقية الذات لغير جسم، وكذلك من تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة ~~قائمة بالموصوف وعرض من أعراضه، ففر من صفة إلى صفة، وكذلك من تأول الضحك ~~بالرضى بالإرادة إنما فر من صفة إلى صفة، فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ~~ولم ينتهك حرمتها؟ فإن المتأول إما أن يذكر ms018 معنى ثبوتيا أو يتأول اللفظ بما ~~هو عدم محض، فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائن لزمه فيه نظير ما فر منه. ### | [فصل شبهات الجهمي في الوجه والعين والجنب والساق والجواب عليها] # فصل # قال الجهمي: ورد في القرآن ذكر الوجه والأعين والعين الواحدة، فلو أخذنا ~~بالظاهر لزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد، # PageV01P033 # وعليه أيد كثيرة، وله ساق واحد، ولا نرى في الدنيا شخصا أقبح صورة من هذه ~~الصورة المتخيلة. # قال السني المعظم حرمات الله تعالى: قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن ~~الذي هو حجة الله على عباده، والذي هو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وأفصحه وهو ~~الذي هدى الله به عباده وجعله شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، ~~ولم ينزل كتابا من السماء أهدى منه ولا أحسن ولا أكمل، فانتهكت حرمته ~~وعظمته ونسبته إلى أقبح النقص والعيب، وادعيت أن ظاهره ومدلوله إثبات شخص ~~له وجه وله أعين كثيرة، وله ساق واحد، وادعيت أن ظاهر ما وصف الله به نفسه ~~في كتابه يدل على هذه الصفة الشنيعة، فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأقبح ~~الصفات في ظاهر كلامه، فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا ظاهره؟ ~~ولم يدع أحد من أعداء الرسول الذين ظاهروه بالمحاربة أن ظاهر كلامه أبطل ~~الباطل، فلو كان ذلك ظاهر القرآن لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن ~~فيه، وقالوا: كيف تدعونا إلى عبادة رب صورته هذه الصورة الشنيعة؟ وهم ~~يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير، كما أوردوا عليه المسيح لما قال: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] فتعلقوا بظاهر ما ~~لم يدل عليه ما أورده، وهو دخول المسيح فيما عبد من دون الله، إما بعموم ~~لفظ (ما) وإما بعموم المعنى، وأورد أهل الكتاب على قوله: {ياأخت هارون ما ~~كان أبوك امرأ سوء} [مريم: 28] أن بين هارون وعيسى ما بينهما، وليس ظاهر ~~القرآن أنه هارون بن عمران بوجه، وكانوا يتعنتون فيما يوردونه على ms019 القرآن ~~بهذا ودونه، فكيف يجدون ظاهره إثبات رب شأنه هذا ولا ينكرونه؟ # والجواب أن قوله تعالى: {تجري بأعيننا} [القمر: 14] ودعوى الجهمي أن ظاهر ~~هذا إثبات أعين كثيرة كذب ظاهر، فإنه إن دل ظاهره على أعين كثيرة وأيد ~~كثيرة، دل على خلقين كثيرين، فإن لفظ الأيدي مضاف إلى ضمير الجمع، فادع ~~أيها الجهمي: ظاهره إثبات أيد كثيرة لآلهة متعددة، وإلا فدعواك أن ظاهره ~~أيد كثيرة لذات واحدة بخلاف الظاهر، وكذلك قوله تعالى: {تجري بأعيننا} ~~[القمر: 14] وإنما ظاهره بزعمك أعين على ذوات متعددة لا على ذات واحدة. # PageV01P034 # الثاني: أن دعواك أن ظاهر القرآن إثبات أيد كثيرة في جنب واحد كذب آخر، ~~فأين في ظاهر القرآن أن الأيدي في الجنب؟ وكذلك إنما أخذت هذا من القياس ~~على بني آدم فشبهت أولا، وعطلت ثانيا، وكذلك جعلك الأعين الكثيرة في الوجه ~~الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا، وإنما أخذته من التشبيه ~~بالآدمي، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن كل معطل مشبه، ولا يستقيم لك التعطيل ~~إلا بعد التشبيه. # الثالث: أين في القرآن إثبات ساق واحد لله تعالى وجنب واحد؟ فإنه سبحانه ~~وتعالى قال: {يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] وقال: {أن تقول نفس ياحسرتا على ~~ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] فعلى تقدير أن يكون الساق والجنب من ~~الصفات فليس في ظاهر القرآن ما يوجب ألا يكون له إلا جنب واحد وساق واحد، ~~ولو دل على ما ذكرت لم يدل على نفي ما أراد على ذلك لا بمنطوقه ولا ~~بمفهومه، حتى القائلين بمفهوم اللقب لا يدل ذلك عندهم على نفي ما عدا ~~المذكور، لأنه متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن ~~المفهوم مرادا بالاتفاق، وليس المراد بالآيتين إثبات الصفة حتى يكون تخصيص ~~أحد الأمرين بالذكر مرادا، بل المقصود حكم آخر، وهو إثبات تفريط العبد في ~~حق الله تعالى، وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ساق، وهذا حكم قد يختص ~~بالمذكور دون غيره، فلا يكون له مفهوم. # الرابع: هب أنه سبحانه ms020 أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة، فمن أين في ~~ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة، وأنت لو سمعت قائلا ~~يقول: كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي، هل يفهم منه أنه ليس له إلا ~~ذلك الواحد فقط، فلو قال لك أحد: لم يكن هذا ظاهر كلامه، فكيف يكون ظاهر ~~أفصح الكلام وأبينه ذلك. # الخامس: أن المفرد المضاف يراد به أكثر من واحد، كقوله تعالى: {وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] وقوله: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} ~~[التحريم: 12] وقوله {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] ~~فلو كان الجنب والساق صفة لكان بمنزلة قوله: {بيده الملك} [الملك: 1] {بيدك ~~الخير} [آل عمران: 26] {ولتصنع على عيني} [طه: 39] . # PageV01P035 # السادس: أن يقال: من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد هو صفة لله؟ ومن ~~المعلوم أن هذا لا يثبته أحد من بني آدم، وأعظم الناس إثباتا للصفات هم أهل ~~السنة والحديث، لا يثبتون أن لله تعالى جنبا واحدا ولا ساقا واحدا. # قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي: # وادعاء المعارض زورا على قوم أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: {ياحسرتا ~~على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] أنهم يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو ~~وليس ذلك على ما يتوهمونه، قال الدارمي: فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب ~~عندك وأخفه على لسانك: فإن كنت صادقا في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني ~~آدم، قال: وإلا فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، إنما ~~تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو ~~إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من ~~الجنوب؟ فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلا عن علمائهم، ~~وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: " الكذب مجانب للإيمان " وقال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: " لا يجوز الكذب جدا ولا هزلا " وقال الشعبي: " من كان ~~كاذبا فهو منافق ". # والتفريط ms021 فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائما بذات الله لا بجنب ولا ~~غيره، بل لا يكون منفصلا عن الله تعالى، وهو معلوم بالحس والمشاهدة. # السابع: هب أن القرآن دل على إثبات جنب هو صفة، فمن أين لك ظاهره أو ~~باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد؟ ومعلوم أن إطلاق مثال هذا لا يدل على أنه ~~شق واحد كما «قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: " صل قائما فإن ~~لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» "، وهذا لا يدل على أنه ليس للمرء ~~إلا جنب واحد. # PageV01P036 # فإن قيل: المراد على جنب من جنبك، قلنا: فقد علم أن ذكر الجنب مفردا لا ~~يدل على نفي أن يكون له جنب آخر، ونظير هذا القدم إذا ذكر مفردا لا يدل على ~~نفي قدم آخر، كما في الحديث الصحيح: " «حتى يضع رب العزة عليها قدمه» ". # الثامن: من أين في ظاهر القرآن أن لله ساقا وليس معك إلا قوله تعالى: ~~{يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] والصحابة متنازعون في تفسير الآية على ~~المراد بها: أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين ~~نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر ~~القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله تعالى لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه ~~وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين لم ~~يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، إنما أثبتوه بحديث أبى سعيد الخدري المتفق على ~~صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: " «فيكشف الرب عن ساقه» . . . " ~~الحديث. ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} [القلم: ~~42] مطابقا لقوله صلى الله عليه وسلم: " «يكشف عن ساقه» " وتنكيره للتعظيم ~~والتفخيم كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة، قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح ~~بوجه، فإن لغة القوم أن يقال: كشف الشدة عن القوم لا كشف عنها، كقوله ~~تعالى: {فلما كشفنا عنهم العذاب} [الزخرف: 50] فالعذاب هو المكشوف لا ms022 ~~المكشوف عنه، وأيضا فهناك تحدث شدة لا تزول إلا بدخول الجنة، وهنا لا يدعون ~~إلى السجود، دائما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. # التاسع: أن يقال: ذكر العين المفردة مضافة إلى الضمير المفرد، والأعين ~~مجموعة مضاف إلى ضمير الجمع، وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة ~~ليس إلا كقولك: أفعل هذا على عيني وأحبك على عيني، ولا يريد أن له عينا ~~واحدة، وإنما إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهرا ومضمرا، فالأحسن جمعه ~~مشاكلة للفظ، كقوله: {تجري بأعيننا} [القمر: 14] وقوله: {واصنع الفلك ~~بأعيننا} [هود: 37] وهذا نظير # PageV01P037 # المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد: {بيده الملك} [الملك: 1] {بيدك ~~الخير} [آل عمران: 26] وإن أضيفت إلى ضمير جمع جمعت: كقوله: {أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} [يس: 71] وكذلك إضافة اليد والعين إلى ~~اسم الجمع الظاهر كقوله: {بما كسبت أيدي الناس} [الروم: 41] وقوله: {فأتوا ~~به على أعين الناس} [الأنبياء: 61] . # وقد نطق الكتاب والسنة بذكر اليد مضافة إليه بلفظ مفردة، مجموعة ومثناة، ~~وبلفظ العين مضافة إليه مفردة ومجموعة، ونطقت السنة بإضافتها إليه مثناة ~~كما قال عطاء عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن العبد إذا ~~قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن، فإذا التفت قال له ربه: إلى من تلفت، ~~إلى خير لك مني» "، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن ربكم ليس بأعور» ~~" صريح بأنه ليس المراد إثبات عين واحدة، فإن ذلك عور ظاهر، تعالى الله ~~عنه، وهل يفهم من قول الداعي: " اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام " أنها ~~عين واحدة ليس إلا إلا ذهن أقلف وقلب أغلف. # قال ابن تميم: حدثنا عبد الجبار بن كثير قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: هذا ~~السبع، فنادى يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء وإلا بعيني فاذهب، فضرب بذنبه ~~وولى مدبرا، فنظر إبراهيم إلى أصحابه وقال: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي ~~لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك وأنت ~~الرجاء. وقال عثمان الدارمي: الأعور ms023 ضد البصير بالعينين. # PageV01P038 # وقد استدل السلف على إثبات العينين له تعالى بقوله: {تجري بأعيننا} ~~[القمر: 14] ، وممن صرح بذلك إثباتا واستدلالا أبو الحسن الأشعري في كتبه ~~كلها، فقال في كتاب المقالات والإبانة، والموجز، وهذا لفظه فيها: وأن له ~~عينين بلا كيف كما قال: {تجري بأعيننا} [القمر: 14] فهذا الأشعري وغيره لم ~~يفهموا من الأعين أعينا كثيرة، ولا من الأيدي أياد كثيرة على شق واحد. # ولما رد أهل السنة تأويل الجاهلين لم يقدر الجهمية على أخذ الثأر منهم ~~إلا بأن سموهم مشبهة، ممثلة، مجسمة، حشوية، ولو كان لهؤلاء عقول لعلموا أن ~~التلقيب بهذه الألقاب ليس لهم، وإنما هو لمن جاء بهذه النصوص وتكلم بها، ~~ودعا الأمة إلى الإيمان بها، ونهاهم عن تحريفها وتبديلها، ولو كان خصومكم ~~كما زعمتم وحاشاهم مشبهة ممثلة مجسمة لكانوا أقل تنقصا لرب العالمين منكم ~~وكتابه وأسمائه وصفاته بكثير، لو كان قولهم يقتضي التنقيص، فكيف وهو لا ~~يقتضيه لو صرحوا به فإنهم يقولون: نحن أثبتنا له غاية الكمال ونعوت الجلال ~~ووصفناه بكل صفة كمال، فإن لزم من هذا تجسيم وتشبيه لم يكن هذا نقضا ولا ~~عيبا بوجه من الوجوه، فإن لازم الحق حق، وما لزم من إثبات كمال الرب ليس ~~بنقص. # وأما أنتم فنفيتم عنه صفات الكمال، ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه ~~بأضدادها من العيوب والنقائص، فما سوى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين ~~من نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم، وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته ~~العلى بلوازم ذلك، كائنة ما كانت. # فلو فرضنا في هذه الأمة من يقول: له سمع كسمع المخلوق وبصر كبصره ويد ~~كيده، لكان أدنى إلى الحق ممن يقول: لا سمع ولا بصر ولا يد، ولو فرضنا ~~قائلا يقول: إنه متحيز على عرشه، تحيط به الحدود والجهات لكان أقرب إلى ~~الصواب من قول من يقول: ليس فوق العرش إله يعبد ولا ترفع إليه الأيدي ولا ~~يصعد إليه شيء، ولا هو فوق خلقه ولا محايثهم ولا مباينهم، فإن هذا معطل ~~مكذب لله راد ms024 على الله ورسوله، وذلك المشبه غالط مخطئ في فهمه، فالمشبه على ~~زعمكم الكاذب لم يشبهه تنقصا له وجحدا لكماله، بل ظنا أن إثبات الكمال لا ~~يمكن إلا بذلك، فقابلتموه بتعطيل كماله، وذلك غاية التنقيص. # PageV01P039 # العاشر: أن لغة العرب متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال ~~المضاف إليه، فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرد أفردوه، وإن أضافوا إلى ~~اسم جمع كقوله: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وإنما هما قلبان، وكقوله: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وتقول العرب: اضرب ~~أعناقهما، وهذا أفصح استعمالهم، وتارة يفردون المضاف فيقولون: لسانهما ~~وقلبهما، وتارة يثنون كقوله: " ظهراهما مثل ظهور الترسين " القرآن إنما نزل ~~بلغة العرب لا بلغة العجم والطماطم والأنباط الذين أفسدوا الدين وتلاعبوا ~~بالنصوص فجعلوها عرضة لتأويل الجاهلين. # وإذا كان من لغتهم وضع الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في لفظ واحد بين ~~تثنيتين، فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف إليه تثنية ~~أولى بالجواز، يدل على أنك لا تجد في كلامهم عينان ويدان ونحو ذلك، ولا ~~يلتبس على السمع قول المتكلم: نراك بأعيننا ونأخذ بأيدينا، ولا يفهم منه ~~بشر على وجه الأرض عيونا كثيرة على وجه واحد. # الحادي عشر: أن لفظ اليد جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردا ومثنى ~~ومجموعا، فالمفرد كقوله: {بيده الملك} [الملك: 1] والمثنى كقوله: {خلقت ~~بيدي} [ص: 75] والمجموع {عملت أيدينا} [يس: 71] فحيث ذكر اليد مثناة أضاف ~~الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء إليها فقال {خلقت بيدي} ~~[ص: 75] وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعد الفعل بالباء، فهذه ~~ثلاثة فروق فلا يحتمل {خلقت بيدي} [ص: 75] من المجاز ما يحتمله {عملت ~~أيدينا} [يس: 71] فإن كل أحد يفهم من قوله: {عملت أيدينا} [يس: 71] ما # PageV01P040 # يفهمه من قوله: عملنا وخلقنا، كما يفهم ذلك من قوله: {فبما كسبت أيديكم} ~~[الشورى: 30] ، وأما قوله: {خلقت بيدي} [ص: 75] فلو كان المراد منه مجرد ~~الفعل لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت ~~عليها الباء؟ فكيف إذا ثنيت؟ # وسر الفرق ms025 أن الفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد المراد الإضافة إليه كقوله: ~~{بما قدمت يداك} [الحج: 10] {فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] وأما إذا أضيف ~~إليه الفعل ثم عدي بالباء إلى يده مفردة أو مثناة فهو مما باشرته به، ولهذا ~~قال عبد الله بن عمرو: (إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، ~~وغرس جنة الفردوس بيده، وكتب التوراة بيده) . فلو كانت اليد هي القدرة لم ~~يكن لها اختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على كل شيء مما خلق بالقدرة) ~~. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الموقف يأتونه يوم القيامة ~~فيقولون: " «يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده» " وكذلك قال آدم لموسى ~~في محاجته له: " «اصطفاك الله بكلامه وخط لك الألواح بيده» "، وفي لفظ آخر: ~~" كتب لك التوراة بيده " وهو من أصح الأحاديث، وكذلك الحديث المشهور " «أن ~~الملائكة قالوا: يا رب خلقت بني آدم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل ~~لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله تعالى: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ~~ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن # PageV01P041 # فكان» " وهذا التخصيص إنما فهم من قوله: {خلقت بيدي} [ص: 75] فلو كان مثل ~~قوله: {مما عملت أيدينا} [يس: 71] لكان هو والأنعام في ذلك سواء. # فلما فهم المسلمون أن قوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] ~~يوجب له تخصيصا وتفضيلا بكونه مخلوقا باليدين على من أمر أن يسجد له، وفهم ~~ذلك أهل الموقف حين جعلوه من خصائصه، كانت التسوية بينه وبين قوله: {أولم ~~يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} [يس: 71] خطأ محضا، كذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " «يقبض الله سماواته بيده والأرض ~~باليد الأخرى» " وقوله صلى الله عليه وسلم: " «يمين الله ملأى لا يغيضها ~~نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق؟ فإنه لم يغض ما في ~~يمينه، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع» " وقال تعالى: {وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ms026 يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ~~وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، في أعلى أهل الجنة منزلة: " «أولئك ~~الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها» ". # وقال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «خلق الله جنة ~~عدن وغرس أشجارها بيده فقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون» "، وقال ~~عبد الله بن الحارث: # PageV01P042 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق ~~آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها ~~مدمن خمر ولا ديوث» "، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: " «تكون الأرض ~~يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في ~~السفر نزلا لأهل الجنة» ". # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في استفتاح الصلاة: " «لبيك ~~وسعديك والخير كله بيدك» " وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: " «إن ~~الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء ~~الليل» " وقال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل ~~السفلى» " وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: " «المقسطون عند الله ~~يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» ". # وفي المسند وغيره من حديث أبى هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~«لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذن ~~الله، فقال له ربه: يرحمك ربك يا آدم، وقال له: اذهب إلى أولئك الملائكة ~~إلى نفر جلوس فقل: السلام عليكم، فذهب فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته، ثم رجع إلى ربه، فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم، فقال الله ~~تعالى، ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ~~ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم # PageV01P043 # وذريته. . .» الحديث "، وقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " «خلق الله آدم ثم مسح ظهره بيمينه ms027 فاستخرج منه ذريته، ~~فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ~~ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون» ". # وقال هشام بن حكيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله أخذ ذرية ~~بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم، ثم فاض بهم في كفيه، ثم قال: هؤلاء ~~للجنة وهؤلاء للنار» "، وقال عبد الله بن عمرو: " «لما خلق الله آدم نفضه ~~نفض المزود فقبض قبضتين، فقال لما في اليمين: في الجنة، وقال لما في ~~الأخرى: في النار» " وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~«إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، ~~فمنهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن والطيب والخبيث» ". # PageV01P044 # وقال سلمان الفارسي " «إن الله خمر طينة آدم أربعين ليلة وأربعين يوما، ~~ثم ضرب بيديه فيها فخرج كل طيب بيمينه وخرج كل خبيث بيده الأخرى» " وقال ~~أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ما تصدق أحد بصدقة من ~~طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت ثمرة ~~فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل» " متفق عليه. # وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وعدني أن يدخل ~~الجنة من أمتي أربعمائة ألف " فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله قال " وهكذا ~~" وجمع يديه، قال: زدنا يا رسول الله قال: " وهكذا " قال: زدنا يا رسول ~~الله، فقال عمر: حسبك، فقال أبو بكر: دعني يا عمر، وما عليك أن يدخلنا الله ~~الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحدة، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " صدق عمر» " وقال نافع عن ابن عمر: سألت ابن أبي ~~مليكة عن يد الله واحدة أو اثنتان؟ فقال: لا، بل اثنتان. وقال ابن عباس رضي ~~الله عنه: " ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في كف الرحمن إلا ~~كخردلة في كف أحدكم ms028 "، وقال ابن عمر وابن عباس: " أول شيء خلقه الله القلم، ~~فيأخذه بيمينه، وكلتا يديه يمين، فكتب الدنيا وما فيها من عامل ومعمول في ~~بر وبحر ورطب ويابس فأحصاه عنده ". # وقال ابن عباس في قوله تعالى: {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] " ~~يقبض الله عليهما فما يرى طرفها في يده " وقال ابن عمر رضي الله عنه: " ~~«رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر فقال: إن الله تعالى ~~إذا كان يوم القيامة جمع السماوات والأرض في قبضته، ثم قال هكذا: ومد يده ~~وبسطها، ثم يقول: أنا الله أنا الرحمن. . .» " الحديث، وقال # PageV01P045 # ابن وهب عن أسامة عن نافع عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~على المنبر: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} ~~[الزمر: 67] قال: " مطوية بيمينه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة» " وقال ~~عبيد الله بن مقسم: نظرت إلى عبد الله بن عمر كيف صنع، يحكي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: " «يأخذ الله سماواته وأرضيه بيده، فيقول: أنا الله ~~"، ويقبض أصابعه ويبسطها " ويقول: أنا الرحمن أنا الملك " حتى إني أنظر إلى ~~المنبر يتحرك من أسفل منه حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟» وقال زيد بن أسلم: لما كتب الله التوراة بيده قال: " باسم الله، هذا ~~كتاب الله بيده لعبده موسى يسبحني ويقدسني ولا يحلف باسمي آثما، فإني لا ~~أزكي من حلف باسمي آثما ". # وإنما ذكرنا هذه النصوص التي هي غيض من فيض ليعلم الواقف عليها أنها لا ~~يفهم أحد من عقلاء بني آدم منها شخصا له شق واحد وعليه أيد كثيرة، وله ساق ~~واحدة، وله أعين كثيرة. ### | [فصل في الوظائف الواجبة على المتأول] # فصل # في الوظائف الواجبة على المتأول # لما كان الأصل في اللفظ هو الحقيقة والظاهر كان العدول به عن حقيقته ~~مخرجا له عن الأصل، فاحتاج مدعي ذلك إلى دليل يسوغ له إخراجه عن أصله فعليه ~~أربعة أمور لا تتم دعواه إلا بها: # الأمر الأول: بيان احتمال اللفظ ms029 للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي ~~وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة، فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة، ~~وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص، وكثير من المتأولين لا ~~يبالي إذا تهيأ له حمل اللفظ على ذلك المعنى بأي طريق أمكنه إلى مقصوده دفع ~~الصائل، فبأي طريق تهيأ له دفعه دفعه، فإن النصوص قد صالت على قواعده ~~الباطلة، وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على كل ما ساغ في اللغة ~~والاصطلاح لبعض الشعراء أو الخطباء والكتاب والعامة إلا إذا كان ذلك غير ~~مخالف لما علم من وصف الرب سبحانه وأسمائه وما تضافرت به صفاته لنفسه وصفات ~~رسوله، وكانت إرادة ذلك المعنى بذلك اللفظ مما # PageV01P046 # يجوز ويصلح لنسبتها إلى الله تعالى لا سيما والمتأول يخبر عن مراد الله ~~ورسوله، فإن تأويل كلام المتكلم بما يوافق ظاهره أو يخالفه إنما هو بيان ~~لمراده. # فإذا علم المتكلم لم يرد هذا المعنى، وأنه يمتنع أن يريده وأن في صفات ~~كماله ونعوت جلاله ما يمنع من إرادته، استحال الحكم عليه إرادته. # فهذا أصل عظيم يجب معرفته، ومن أحاط به فعرفه تبين له أن كثيرا مما يدعيه ~~المخرفون للتأويلات، مما يعلم قطعا أن المتكلم لم يرده. # وإنما كان ذلك مما يسوغ لبعض الشعراء أو الكتاب القاصدين التعمية، لغرض ~~من الأغراض، فلا بد أن يكون المعنى الذي تأوله المتأول مما يسوغ استعمال ~~اللفظ فيه في تلك اللغة التي وقع بها التخاطب، وأن يكون ذلك مما يجوز نسبته ~~إلى الله تعالى، وألا يعود على شيء من صفات كماله بالإبطال والتعطيل، وأن ~~يكون معه قرائن تحتف به تبين أنه مراد باللفظ، وإلا كانت دعوى إرادته كذبا ~~على المتكلم، ونحن نذكر لك أمثلة: # المثال الأول: تأول قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش} [الفرقان: 59] بأنه أقبل على خلقه، فهذا إنشاء ~~منهم لوضع لفظ (استوى) على (أقبل) وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة، فإنهم ~~ذكروا معاني ms030 استوى ولم يذكر أحد منهم في معانيه الإقبال على الخلق، فهذه ~~كتب اللغة طبقت الأرض لا تجد أحدا منهم يحكي ذلك عن اللغة، وأيضا فإن ~~استواء الشيء والاستواء إلى والاستواء عليه يستلزم وجوده ووجود ما نسب إليه ~~الاستواء بإلى أو بعلى، فلا يقال: استوى إلى أمر معدوم ولا استوى عليه، ~~فهذا التأويل إنشاء محض لا إخبار صادق عن استعمال أهل اللغة. # وكذلك تأويلهم الاستواء بالاستيلاء فإن هذا لا تعرفه العرب من لغتها ولم ~~يقله أحد من أئمة اللغة، وقد صرح أئمة اللغة كابن الأعرابي وغيره بأنه لا ~~يعرف في اللغة، ولو احتمل ذلك لم يحتمله هذا التركيب، فإن استيلاءه سبحانه ~~وغلبته للعرش لم يتأخر عن خلق السماوات والأرض، فالعرش مخلوق قبل خلقهما ~~بأكثر من خمسين ألف سنة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~فيما صح عنه، وبطلان هذا التأويل من أربعين وجها سنذكرها إن شاء الله في ~~موضعها من هذا الكتاب. # PageV01P047 # فعلى المتأول أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي ذكره أولا ويبين تعيين ~~المعنى ثانيا، فإنه إذا خرج عن حقيقته قد يكون له عدة معان، فتعيين ذلك ~~يحتاج إلى دليل. # الثاني: إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره، فإن دليل المدعي ~~للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه. # الثالث: الجواب عن المعارض، فإن مدعي الحقيقة قد قام الدليل العقلي عنده ~~على إرادة الحقيقة: أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه، وأما العقلي ~~فمن وجهين: عام، وخاص، فالعام: الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال ~~بيانه وكمال نصحه، والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي ~~يستدل بها النفاة بكثير، فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك ~~الشبه الخيالية أولى بالجواز، وإن لم يجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة ~~الدليل القاطع أولى، وأما الخاص فكل صفة وصف الله تعالى بها نفسه ووصفه بها ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة كمال قطعا، فلا يجوز تعطيل صفات كماله ~~وتأويلها بما يبطل ms031 حقائقها. # فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع ~~والبصر، دل نظيره على ثبوت الحكمة والرضى والرحمة والغضب والفرح والضحك، ~~والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به، وذلك عين ~~الكمال، وكل صفة دل عليها الكتاب والسنة فهي صفة كمال، والعقل جازم بإثبات ~~صفات الكمال لله تعالى، ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا ~~وهذا دليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة. # يوضحه أن أدلة مباينة الرب لخلقه وعلوه على جميع مخلوقاته أدلة عقلية ~~فطرية توجب العلم الضروري بمدلولها. # وأما السمعية فتقارب ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله، وهيهات ~~له بجواب صحيح عن بعض ذلك، فنحن نطالبه بجواب صحيح عن دليل واحد وهو: أن ~~الرب تعالى إما أن يكون له وجود خارج عن الذهن ثابت في الأعيان، أو لا؟ فإن ~~لم يكن له وجود خارجي كان خيالا قائما بالذهن لا حقيقة له، وهذا حقيقة قول ~~المعطلة وإن تستروا بزخرف من القول، وإن كان وجوده خارج الذهن فهو مباين ~~له، أو هو منفصل عنه، إذ لو كان قائما به لكان عرضا من أعراضه، وحينئذ فإما ~~أن يكون # PageV01P048 # هو هذا العالم، أو غيره، فإن كان هذا العالم فهذا تصريح بقول أصحاب وحدة ~~الوجود، وأنه ليس لهذا العالم إله مباين له، منفصل عنه، وهذا أكفر أقوال ~~أهل الأرض، فإن كان غيره، فإما أن يكون قائما بنفسه، أو قائما بالعالم؟ فإن ~~كان قائما بالعالم فهو جزء من أجزائه أو صفة من صفاته، وليس هذا بقيوم ~~السماوات والأرض، وإن كان قائما بنفسه، وقد علم أن العالم قائم بنفسه، ~~فذاتان قائمتان بأنفسهما ليست إحداهما داخلة في الأخرى، ولا خارجة عنها ولا ~~متصلة بها ولا منفصلة عنها ولا محايثة ولا مباينة ولا فوقها ولا تحتها ولا ~~خلفها ولا أمامها ولا عن يمينها ولا عن شمالها، كلام له خبء لا يخفى على ~~عاقل منصف، والبديهة الضرورية حاكمة باستحالة هذا بل باستحالة تصوره فضلا ~~عن التصديق ms032 به. # قالوا: فنحن نطالبكم بجواب صحيح عن هذا الدليل الواحد من جملة ألف دليل، ~~ونعلم قبل المطالبة أن كل الجهميين على وجه الأرض لو اجتمعوا لما أجابوا ~~عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والسب، هذه وظيفة كل ~~مبطل قامت عليه حجة الله تعالى. ### | [فصل بيان أن التأويل شر من التعطيل] # فصل # في بيان أن التأويل شر من التعطيل # فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها، فإن ~~المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات، وامتاز المئول ~~بتلاعبه بالنصوص وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال ~~والإضلال، فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله ~~محال باطل، ففهموا التشبيه أولا، ثم انتقلوا منه إلى المحذور الثاني، وهو ~~التعطيل، فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بهم ولا ~~يليق بالرب سبحانه. المحذور الثالث: نسبة المتكلم الكامل العلم، الكامل ~~البيان التام النصح، إلى ضد البيان والهدى والإرشاد، وأن المتحيرين ~~المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب، وعبروا بعبارة لا توهم من الباطل ~~ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص، ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن ~~أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح للناس. المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص ~~وانتهاك حرماتها. . فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات، ~~وتلاعب بها أمواج التأويلات، ونادى عليها أهل التأويل في سوق: من يزيد، # PageV01P049 # فبذل كل واحد في ثمنها من التأويل ما يريد، فلو رأيتها وقد عزلت عن سلطنة ~~اليقين، وجعلت تحت تحكم تأويل الجاهلين، هذا وقد قعد النفاة على صراطها ~~المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا: لا طريق لك علينا، وإن كان ولا ~~بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين، وأنت أدلة ~~لفظية، وظواهر سمعية، لا تفيد العلم ولا اليقين، فسندك آحاد وهو عرضة للطعن ~~في الناقلين، وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منها موقوف على انتفاء عشرة ~~أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين. # فلا إله إلا الله والله ms033 أكبر! ! كم هدمت هذه المعاول من معاقل الإيمان، ~~وتثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن، فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم من ~~أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ~~ثابت: " «إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله» ". # واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله ~~لله، وأن الهدى هدى، وأن الحق دائر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجودا ~~وعدما، وأنه لا مطاع سواه ولا متبوع غيره، وأن كلام غيره يعرض على كلامه ~~فإن وافقه قبلناه، لا لأنه قاله بل لأنه أخبر به عن الله تعالى ورسوله، وإن ~~خالفه رددناه، ولا يعرض كلامه صلى الله عليه وسلم على آراء القياسيين ولا ~~على عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا أذواق المتزهدين، بل تعرض هذه كلها على ~~ما جاء به، عرض الدراهم المجهولة على أخبر الناقدين، فما حكم بصحته فهو منه ~~المقبول، وما حكم برده فهو المردود. ### | [فصل قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي قصد البيان] # فصل # في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي ~~قصد البيان والإرشاد، وأن القصدين يتنافيان، وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير ~~له وأقرب إلى الهدى. # لما كان المقصود بالخطاب دلالة السامع وإفهامه مراد المتكلم من كلامه وأن ~~يبين # PageV01P050 # له ما في نفسه من المعاني وأن يدله على ذلك بأقرب الطرق كان ذلك موقوفا ~~على أمرين: بيان المتكلم، وتمكن السامع من الفهم، فإذا لم يحصل البيان من ~~المتكلم، أو حصل ولم يتمكن السامع من الفهم، لم يحصل مراد المتكلم، فإذا ~~بين المتكلم مراده بالألفاظ الدالة على مراده ولم يعلم السامع معاني تلك ~~الألفاظ، لم يحصل له البيان، فلا بد من تمكن السامع من الفهم وحصول الإفهام ~~من المتكلم، وحينئذ فلو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي ~~يفهمه المخاطب لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل ms034 على ~~نقيض مراده وأراد منه فهم النفي لما يدل على غاية الإثبات، وفهم الشيء بما ~~يدل على ضده، وأراد منه أن يفهم أنه ليس فوق العرش إله يعبد، وأنه لا داخل ~~العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه، بقوله: {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] وقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] وأراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم إفهام أمته هذا المعنى بقوله: " «لا تفضلوني على يونس ~~بن متى» " وأراد إفهام كونه خلق آدم بقدرته ومشيئته بقوله: {ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] وأراد إفهام تخريب السماوات والأرض وإعادتهما ~~إلى العدم بقوله: " «يقبض الله السماوات بيده اليمنى والأرض باليد الأخرى، ~~ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك» " وأراد إفهام معنى: من ربك ومن تعبد، ~~بقوله: " أين الله؟ " وأشار بإصبعه إلى السماء مستشهدا بربه، وليس هناك رب ~~وإله، وإنما أراد إفهام السامعين أن الله قد سمع قوله وقولهم، فأراد ~~بالإشارة بأصبعه بيان كونه قد سمع قولهم، وأمثال ذلك من التأويلات الباطلة ~~التي يعلم السامع قطعا أنها لم ترد بالخطاب، ولا تجامع قصد البيان. # قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يجدون ما # PageV01P051 # يقولونه في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة، بل يجدونها على خلاف الحق ~~عندهم إما نصا وإما ظاهرا، بل دلت عندهم على الكفر والضلال، لزم من ذلك ~~لوازم باطلة: منها أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه ~~والتمثيل، ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به، بل رمز ~~إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه إلا بعد الجهد الجهيد، ومنها أن يكون ~~قد كلف عباده ألا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن ~~يفهموا منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك، ومنها أن يكون ~~دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، ~~تارة بأنه ms035 استوى على عرشه، وتارة بأنه فوق عباده، وتارة بأنه العلي الأعلى، ~~وتارة بأن الملائكة تعرج إليه، وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه، وتارة ~~بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنه رفيع ~~الدرجات، وتارة بأنه في السماء، وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، ~~وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأن الكتاب نزل من عنده، وتارة ~~بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنه يرى بالأبصار عيانا يراه ~~المؤمنون فوق رءوسهم، إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك، ولا يتكلم فيه ~~بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد ما هو الصواب فيه ~~لا نصا ولا ظاهرا ولا بينة. # ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن ~~قول الحق في هذا النبأ العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إما جهل ~~ينافي العلم، وإما كتمان، ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ~~ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق تولد بينهما جهل ~~الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من ~~العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصا وظاهرا ولا يتكلمون بما يدل على ~~حقيقة الإثبات لا نصا ولا ظاهرا، وإذا ورد عليهم من النصوص ما هو صريح أو ~~ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات، وطلبوا له مستكره التأويلات، ومنهم ~~أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد ~~والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولم تكن الحقائق من شأنهم، ومنها أن ~~ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب، فإنهم ما ~~استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقينا ولا # PageV01P052 # علما لما يجب لله ويمتنع عليه، إذ ذاك إنما يستفاد من عقول الرجال، فإن ~~قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها وانعقاد الصلاة بها، قيل: هذا تابع ~~للمقصود بها بالقصد الأول وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ~~ومعانيها ms036 والإيمان بها، فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة، ~~بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهتدى به علما وعملا، ويبصر من العمى ويرشد من الغي، ~~ويعلم من الجهل ويشفي من العي، ويهدي إلى صراط مستقيم، وهذا القصد ينافي ~~قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز ~~والأحاجي فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبدا. # ومما يبين ذلك أن الله تعالى وصف كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير فقال ~~تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} ~~[النحل: 89] فأين بيان المختلف فيه الهدى والرحمة في ألفاظ ظاهرها باطل، ~~والمراد منها تطلب أنواع التأويلات المستكرهة المستنكرة لها التي لا يفهم ~~منها بل يفهم منها ضدها، وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم} [النحل: 44] فأين بين الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله ~~النفاة والمتأولون؟ وقال تعالى: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} ~~[الأحزاب: 4] وعند النفاة إنما حصلت الهداية بأبكار أفكارهم ونتائج آرائهم، ~~وقال تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185] وعند النفاة المخرجين ~~لنصوص الوحي عن إفادة اليقين إنما حصل اليقين بالحديث الذي أسسه الفلاسفة ~~والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فبه اهتدوا، وبه آمنوا، وبه عرفوا الحق من ~~الباطل، وبه صحت عقولهم ومعارفهم، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] وأنت لا تجد ~~الخلاف في شيء أكثر منه في آراء المتأولين التي يسمونها قواطع عقلية، وهي ~~عند التحقيق خيالات وهمية نبذوا بها القرآن والسنة وراء ظهورهم كأنهم لا ~~يعلمون، واتبعوا ما # PageV01P053 # {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما ~~هم مقترفون - أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~- وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - وإن تطع ~~أكثر من في ms037 الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ~~- إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [الأنعام: 112 - ~~117] . ### | [فصل في بيانه أنه مع كمال علم المتكلم يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته] # فصل # في بيانه أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن ~~يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته # ويكتفى من هذا الفصل بذكر مناظرة جرت بين جهمي وسني حدثني بمضمونها شيخنا ~~عبد الله بن تيمية أنه جمعه وبعض الجهمية مجلس فقال الشيخ: قد تطابقت نصوص ~~الكتاب والسنة والآثار على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها أنواعا توجب ~~العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه، والقرآن مملوء ~~من ذكر الصفات، والسنة ناطقة بما نطق به القرآن، ومقررة له، مصدقة له، ~~مشتملة على زيادة في الإثبات، فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع ~~البصير العليم القدير العزيز الحكيم، وتارة يذكر المصدر، وهو الوصف الذي ~~اشتقت منه تلك الصفة كقوله: {أنزله بعلمه} [النساء: 166] وقوله: {إن الله ~~هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 58] وقوله: {إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] وقوله: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] ~~وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " «حجابه النور لو كشفه لأحرقت ~~سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» " وقوله في دعاء الاستخارة: " ~~«اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» " وقوله: " «أسألك # PageV01P054 # بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» "، وقول عائشة رضي الله عنها: " سبحان ~~الذي وسع سمعه الأصوات " ونحوه، وتارة يذكر حكم تلك الصفة كقوله: {قد سمع ~~الله} [المجادلة: 1] {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وقوله: {فقدرنا فنعم ~~القادرون} [المرسلات: 23] وقوله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} ~~[البقرة: 187] ونظائر ذلك كثيرة. # ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص، وبلفظ العلو والاستواء، وأنه (في السماء) ~~وأنه (ذو المعارج) وأنه (رفيع الدرجات) وأنه (تعرج إليه الملائكة) وتنزل من ~~عنده، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من ~~فوقهم، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار ms038 فيه لم تنقص عن نصوص ~~الأحكام وآثارها، ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف ~~حقيقته وظاهره، ودعوى المجاز فيه والاستعارة، وأن الحق في أقوال النفاة ~~المعطلين، وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص، إذ يلزم من ذلك محاذير ~~ثلاثة لا بد منها، وهي: القدح في علم المتكلم بها أو في بيانه أو في نصحه. # وتقرير ذلك أن يقال: إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في ~~تأويلات النفاة المعطلين أو لا يعلم ذلك، فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحا في ~~علمه، وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو إما أن يكون قادرا على التعبير ~~بعبارتهم التي هي تنزيه لله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وأنه لا ~~يعرف الله من لم ينزه الله بها، أو لا يكون قادرا على تلك العبارة، فإن لم ~~يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحته، وكان ورثة الصابئة وأفراخ ~~الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا ~~وتعبيرا عن الحق، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه وموافقوه ~~ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكوا أنه أفصح الخلق، وأقدرهم على حسن التعبير ~~بما يطابق المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال # PageV01P055 # وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائنا بخلافه كان ذلك قدحا في ~~نصحه، وقد وصف الله رسله بأنهم أنصح الخلق لأممهم، فمع النصح والبيان ~~والمعرفة التامة كيف يكون مذهب النفاة المعطلة أصحاب التحريف هو الصواب، ~~وقول أهل الإثبات أتباع القرآن والسنة باطلا؟ # قال المصنف: وقريب من هذه المناظرة ما جرى لي مع بعض علماء أهل الكتاب، ~~وأفضى بنا الكلام إلى مسبة النصارى لرب العالمين مسبة ما سبه إياها أحد من ~~البشر، فقلت له: وأنتم بإنكاركم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قد سببتم ~~الرب تعالى أعظم مسبة، قال: وكيف ذلك قلت: لأنكم تزعمون أن محمدا ملك ظالم ~~ليس برسول صادق، وأنه خرج يستعرض الناس بسيفه فيستبيح أموالهم ونساءهم ~~وذراريهم، ولا يقتصر على ذلك حتى يكذب ms039 على الله ويقول: الله أمرني بهذا ~~وأباحه لي، ولم يأمره الله ولا أباح له ذلك، ويقول: أوحي إلي ولم يوح إليه ~~شيء، وينسخ شرائع الأنبياء من عنده، ويبطل منها ما شاء ويبقي منها ما شاء، ~~وينسب ذلك كله إلى الله، ويقتل أولياءه وأتباع رسله، ويسترق نساءهم ~~وذريتهم، فإما أن يكون الله تعالى رائيا لذلك كله عالما به أو لا، فإن ~~قلتم: إن ذلك بغير علمه واطلاعه نسبتموه إلى الجهل والغباوة، وذلك من أقبح ~~السب، وإن كان عالما به، فإما أن يقدر على الأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو ~~لا، فإن قلتم: إنه غير قادر على منعه نسبتموه إلى العجز، وإن قلتم: بل هو ~~قادر على منعه ولم يفعل نسبتموه إلى السفه والظلم، هذا هو أمره من حين ظهر ~~إلى أن توفاه ربه يجيب دعاءه ويقضي حوائجه، ولا يقوم له عدو إلا أظفره به، ~~وأمره من حين ظهر إلى أن توفاه الله تعالى يزداد على الليالي والأيام ظهورة ~~وعلوا ورفعة، وأمر مخالفيه لا يزداد إلا سفولا واضمحلالا، ومحبته في قلوب ~~الخلق تزيد على ممر الأوقات، وربه تعالى يؤيده بأنواع التأييدات، هذا هو ~~عندكم من أعظم أعدائه وأشدهم ضررا على الناس، فأي قدح في رب العالمين، وأي ~~مسبة أعظم من ذلك؟ فأخذ الكلام منه ما أخذ، وقال: حاشا لله أن نقول فيه هذه ~~المقالة بل هو نبي صادق، كل من اتبعه فهو سعيد، وكل منصف منا يقر بذلك ~~ويقول: أتباعه سعداء في الدارين، قلت: فما يمنعك من الظفر بهذه السعادة؟ ~~فقال: وأتباع كل نبي من الأنبياء، فأتباع موسى أيضا سعداء، قلت: فإذا أقررت ~~أنه نبي صادق، وقد كفر من لم يتبعه، فإن صدقته في هذا وجب عليك اتباعه، وإن ~~كذبته فيه لم يكن نبيا، فكيف يكون أتباعه سعداء فلم يحر جوابا، وقال: حدثنا ~~في غير هذا. # PageV01P056 ### | [فصل بيان أن تيسر القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالفات لحقيقته وظاهره] # فصل # في بيان أن تيسر القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل # المخالفات ms040 لحقيقته وظاهره # أنزل الله الكتاب شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، ولذلك كانت ~~معانيه أشرف المعاني وألفاظه أفصح الألفاظ وأبينها وأعظمها مطابقة لمعانيها ~~المرادة منها، كما وصفه الله تعالى بقوله: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33] فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه ~~الكتاب، والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق، فهو تفسيره ~~وبيانه، والتفسير أصله من البيان والظهور، ويلاقيه في الاشتقاق الأكبر ~~الإسفار، ومنه: أسفر الفجر إذا أضاء ووضح، ومنه السفر لبروز المسافر من ~~البيوت، ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيها من العلم، فلا بد أن يكون ~~التفسير مطابقا للمفسر مفهما له. # ولا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام الله سبحانه، ولهذا ~~سماه الله بيانا، وأخبر أنه يسره للذكر ويسر ألفاظه للحفظ ومعانيه للفهم، ~~وأوامره ونواهيه للامتثال، ومعلوم أنه لو كان بالألفاظ لا يفهمها المخاطب ~~لم يكن ميسرا له بل كان معسرا عليه، وإذا أريد من المخاطب أن يفهم من ~~ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني، أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير، ~~فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا ~~داخلا في العالم ولا خارجه، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه، ولا مباينا له، ~~ولا محايثا له، ولا يرى بالأبصار عيانا، ولا له يد ولا وجه من قوله: {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] ومن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «لا ~~تفضلوني على يونس بن متى» " ومن قوله: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به} [غافر: 7] وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة ~~في تطلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشي اللغات، ليحملوا عليها آيات ~~الصفات وأخبارها ويقول: يا عبادي اعلموا أنى أردت منكم أن تعلموا أني لست ~~فوق العالم، # PageV01P057 # ولا تحته، ولا فوق العرش ولا ترفع الأيدي إلي ولا يعرج إلي شيء ولا ينزل ~~من عندي شيء من قولي: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ومن قولي: {يخافون ~~ربهم ms041 من فوقهم} [النحل: 50] ومن قولي: {تعرج الملائكة والروح إليه} ~~[المعارج: 4] ومن قولي: {بل رفعه الله إليه} [النساء: 158] ومن قولي: {رفيع ~~الدرجات ذو العرش} [غافر: 15] ومن قولي: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] ~~وأن تفهموا أنه ليس لي يدان من قولي: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] ولا عين من ~~قولي: {ولتصنع على عيني} [طه: 39] فإنكم متى فهمتم من هذه الألفاظ حقائقها ~~وظواهرها فهمتم خلاف مرادي منكم أن تفهموا منها ما يدل على خلاف حقائقها ~~وظواهرها. # فأي تيسير يكون هناك، وأي تعقيد وتعسير لم يحصل بذلك؟ ومعلوم أن خطاب ~~الرجل بما لا يفهمه إلا بترجمة أيسر عليه من خطابه بما كلف أن يفهم منه ~~خلاف موضوعه، فتيسير القرآن مناف لطريقة النفاة المحرفين أعظم منافاة، ~~ولهذا لما عسر عليهم أن يفهموا منه النفي عولوا على الشبه الخيالية. ### | [فصل اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه] # فصل # اشتمال الكتب الإلهية على الأسماء والصفات أكثر من اشتمالها على ما عداه # وذلك لشرف متعلقها وعظمته، وشدة الحاجة إلى معرفته، فكانت الطرق إلى ~~تحصيل معرفته أكثر وأسهل وأبين من غيره، وهذا من كمال حكمة الرب تبارك ~~وتعالى وتمام نعمته وإحسانه أنه كلما كانت حاجة العباد إلى الشيء أقوى كان ~~بذله لهم أكثر وأسهل، وهذا في الخلق والأمر، فإن حاجتهم لما كانت إلى ~~الهواء أكثر من الماء في القوت كان موجودا معهم في كل مكان وزمان، وهو أكثر ~~من غيره، وكذلك لما كانت حاجتهم إلى الماء شديدة، إذ هو مادة أقواتهم ~~وفواكههم وشرابهم كان مبذولا لهم أكثر من غيره، وهكذا الأمر في مراتب ~~الحاجات، ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات ~~كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا # PageV01P058 # نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه ~~قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام ~~أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. # وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه ms042 فوق كل ضرورة كانت العناية ~~ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها، وإذا سلط التأويل على النصوص المشتملة ~~عليها فتسليطه على النصوص التي ذكرت فيها الملائكة أقرب بكثير، فإن الله ~~تعالى لم يذكر لعباده من صفة الملائكة وشأنهم وأفعالهم عشر معشار ما ذكر ~~لهم من نعوت جلاله وصفات كماله، فإذا كانت هذه قابلة للتأويل فالآيات التي ~~ذكر فيها الملائكة أولى بذلك، ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص ~~المعاد واليوم الآخر، وأبدوا لها تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص ~~الصفات، وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية، وقالوا ~~للجهمية: بيننا وبينكم حاكم العقل، فإن القرآن، بل الكتب المنزلة مملوءة ~~بذكر الفوقية وعلو الله على عرشه، وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف بالصفات وأن ~~له أفعالا تقوم به وهو بها فاعل وأنه يرى بالأبصار، إلى غير ذلك من نصوص ~~آيات الصفات وأخبارها التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد وخراب هذا ~~العالم وإعدامه لإنشاء عالم آخر، وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها، حتى قيل: ~~إن الآيات والأخبار الدالة على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه تقارب ~~الألوف، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم، فما الذي سوغ لكم ~~تأويلها وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم؟ # فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به، فلا يمكن تأويله، قيل: وقد أجمعوا ~~أنه استوى فوق عرشه وأنه تكلم ومتكلم وأنه فاعل حقيقة موصوف بالصفات، فإن ~~منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هنا. # فإن قلتم: أوجب تأويل نصوص آيات الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد، ~~قلنا: هاتوا أدلة العقول التي بها الصفات، ونحضر أدلة العقول التي بها ~~المعاد وحشر الأجساد، ونوازن بينها ليتبين أيها أقوى. # فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيب لما علم من الإسلام بالضرورة، قلنا: أيضا ~~إنكار صفات الرب وأنه يتكلم، وأنه فوق سماواته، وأن الأمر ينزل من عنده ~~تكذيب لما علم أنهم جاءوا به ضرورة. # PageV01P059 # فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم، قلنا: فمن ~~أين صار تأويلنا للنصوص ms043 التي جاءوا بها في الميعاد يستلزم تكذيبهم دون ~~تأويلكم: ألمجرد التشهي؟ # فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالوا: ما الذي سوغ لكم تأويل ~~الأخبار وحرم علينا تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب، ومورد الجميع عن ~~مشكاة واحدة؟ قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر؟ قالوا: ~~وكثير منكم قد فتحوا لنا باب التأويل في الأمر، فأولوا أوامر ونواهي كثيرة ~~صريحة الدلالة أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها، فهلم ~~نضعها في كفة ونضع تأويلاتنا في كفة ونوازن بينها، ونحن لا ننكر أنا أكثر ~~تأويلا منهم، ولكنا وجدنا بابا مفتوحا فدخلناه. # فهذه من شؤم جناية التأويل على الإيمان والإسلام، وقد قيل: إن طرد إبليس ~~ولعنه إنما كان بسبب التأويل، فإنه عارض النص بالقياس وقدمه عليه، وتأول ~~لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على نص الأمر بالسجود، فإنه قال: {أنا خير ~~منه} [الأعراف: 12] وهذا دليل قد حذفت إحدى مقدمتيه، وهي: أن الفاضل لا ~~يخضع للمفضول، وطوى ذكر هذه المقدمة كأنها صورة معلومة، وقرر المقدمة ~~الأولى بقوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فكان نتيجة ~~المقدمتين امتناعه من السجود، وظن أن هذه الشبهة العقلية تنفعه بتأويله ~~فجرى عليه ما جرى، وصار إماما لكل من عارض نصوص الوحي بتأويله إلى يوم ~~القيامة. # فلا إله إلا الله والله أكبر، كم لهذا الإمام اللعين من أتباع من ~~العالمين، وأنت إذا تأملت عامة شبه المتأولين رأيتها من جنس شبهته، ~~والقائل: إذا تعارض العقل والنقل # PageV01P060 # قدمنا العقل، من هنا اشتق هذه القاعدة وجعلها أصلا لرد نصوص الوحي التي ~~يزعم أن العقل يخالفها، وعرضت هذه الشبهة لعدو الله من جهة كبره الذي منعه ~~من الانقياد المحض لنصوص الوحي، وهكذا إلحاده في نصوص الوحي إنما يحمله على ~~ذلك كبر في صدره ما هو ببالغه، قال الله تعالى: {إن الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله ~~إنه هو السميع البصير} [غافر: 56] وكذلك خروج آدم من الجنة إنما كان ~~بالتأويل، ms044 وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لم يقصد بالأكل معصية الرب، ثم ~~اختلف الناس في وجه تأويله، فقالت طائفة: تأول بحمله النهي المطلق على ~~الشجرة المعينة، وغره عدو الله بأن جنس تلك الشجرة هي شجرة الخلد وأطمعه في ~~أنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، وفي هذا نظر ظاهر، فإن الله تعالى أخبر ~~أن إبليس قال له: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20] فذكر لهما عدو الله الشجرة التي نهيا ~~عنها، إما بعينها أو بجنسها، وصرح لهما بأنها هي المنهي عنها، ولو كان عند ~~آدم أن المنهي عنه تلك الشجرة المعينة دون سائر النوع لم يكن عاصيا بأكله ~~من غيره، ولا أخرجه الله من الجنة ونزع عنه لباسه. # وقالت فرقة أخرى: تأول آدم أن النهي نهي تنزيه لا نهي تحريم فأقدم، وأيضا ~~فحيث نهى الله تعالى عن فعل الشيء بقربانه لم يكن أصلا لتحريم كقوله: {ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] {ولا ~~تقربوا مال اليتيم} [الأنعام: 152] وأيضا لو كان للتنزيه لما أخرجه الله من ~~الجنة، وأخبر أنه عصى ربه. # وقالت طائفة: بل كان تأويله أن النهي إنما كان عن قربانهما وأكلهما معا، ~~لا عن أكل كل منهما على انفراده، لأن قوله: {ولا تقربا} [البقرة: 35] نهي ~~لهما عن الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد، ~~وهذا التأويل ذكره ابن الخطيب في تفسيره، وهو كما ترى في البطلان والفساد، ~~ونحن نقطع أن هذا # PageV01P061 # التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء ألبتة، وهما كانا أعلم بالله من ذلك وأصح ~~أفهاما، أفترى فهم أحد من قول الله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: ~~32] {ولا تقربوا مال اليتيم} [الأنعام: 152] ونظائره، أي إنما نهيتكم عن ~~اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به؟ فيا للعجب من أوراق وقلوب ~~تسود على هذه الهذيانات. # والصواب أن يقول: إن آدم لما قاسمه عدو الله أنه ناصح له، وأخرج الكلام ~~على أنواع متعددة من ms045 التأكد: أحدها: القسم، الثاني: الإتيان بجملة اسمية لا ~~فعلية، والثالث: تصديرها بأداة التأكد، الرابع: الإتيان بلام التشديد في ~~الخبر، الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحديث، والسادس: ~~تقديم المعمول فيه، ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا غموسا يتجرأ ~~فيها هذه الجرأة، فغره عدو الله بهذا التأكد، فظن آدم صدقه، وأنه إن أكل ~~منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود ~~أرجح، ولعله يتهيأ له استدراك مفسدة النهي في أثناء ذلك، إما باعتذار وإما ~~بتوبة، كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل مؤمن أقدم على المعصية. ### | [فصل في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله] # فصل # في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله # لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا ~~بكلامه، انقسم كلامه ثلاثة أقسام: أحدها: ما هو نص في مراده لا يقبل محتملا ~~غيره، والثاني: ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره، الثالث: ما ~~ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو محتمل محتاج إلى البيان، فالأول يستحيل ~~دخول التأويل فيه، إذ تأويله كذب ظاهر على المتكلم، وهذا شأن عامة نصوص ~~القرآن الصريحة في معناها، خصوصا آيات الصفات والتوحيد، وإن الله مكلم، ~~متكلم، آمر، ناه، قائل، مخبر، موجد، حاكم، واعد، وموعد، مبين، هاد، داع إلى ~~دار السلام، وأنه تعالى فوق عباده عال على كل شيء، مستو على عرشه، ينزل ~~الأمر من عنده، ويعرج إليه، وأنه # PageV01P062 # فعال حقيقة، وأنه كل يوم في شأن، فعال لما يريد، وأنه ليس للخلق من دونه ~~ولي ولا شفيع يطاع ولا ظهير، وأنه المتفرد بالربوبية والتدبير والقيومية ~~{فإنه يعلم السر وأخفى} [طه: 7] {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} [الأنعام: ~~59] وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض، ~~ولا تخفى عليه منها ذرة واحدة، وأنه على كل شيء قدير، ولا يخرج مقدور واحد ~~عن قدرته البتة، ms046 كما لا يخرج عن علمه وتكوينه، وأن له ملائكة مدبرة بأمره ~~للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتتنقل من مكان إلى مكان، وأنه يذهب بالدنيا ~~ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة، ويبعث من في القبور، إلى أمثال ذلك من ~~النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على ~~مدلولها، وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والبغال ~~والإبل والبقر والذكر والأنثى على مدلولها، لا فرق بين ذلك البتة. # فهذا القسم إن سلط التأويل عليه عاد الشرع كله مؤولا، لأنه أظهر أقسام ~~القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة، ودلالة القرآن عليه متنوعة غاية ~~التنوع، فقبول ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير. # القسم الثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل، فهذا ينظر ~~في وروده فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن ~~التأويل إنما يكون لموضع جاء خارجا عن نظائره، متفردا عنها فيؤول حتى يرد ~~إلى نظائره، وتأويل هذا غير ممتنع إذا عرف من عادة المتكلم اطراد كلامه في ~~توارد استعماله معنى ألفه المخاطب، فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع إلى ما ~~عهد من عرف المخاطب إلى عادته المطردة. # وهذا هو المعقول في الأذهان والفطر وعند كافة العقلاء. # وقد صرح أئمة العربية بأن الشيء إنما يجوز حذفه إذا كان الموضع الذي ادعى ~~فيه حذفه قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه، فلا بد أن يكون موضع ادعاء ~~الحذف قد استعمل فيه ثبوته أكثر من حذفه، حتى إذا جاء ذلك محذوفا في موضع ~~علم بكثرة ذكره في نظائره أنه قد أزيل في هذا الموضع فحمل عليه، فهذا شأن ~~من يقصد البيان، وأما من يقصد التلبيس والتعمية فله شأن آخر. # PageV01P063 # مثال ذلك قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] {ثم استوى على العرش} ~~[الأعراف: 54] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ، فتأويله ~~باستولى باطل، وإنما كان يصح أن لو كان كثر مجيئه بلفظ استولى، ثم يخرج ~~موضع عن نظائره ويرد بلفظ استولى، فهذا كان يصح ms047 تأويله باستولى، فتفطن لهذا ~~الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم ويجوز تأويله. # ونظير هذا اطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى هكذا " «ترون ربكم» " " ~~«تنظرون إلى ربكم» " {إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ولم يجئ في موضع واحد: ~~ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. # ونظير ذلك اطراد قوله: {وناديناه} [مريم: 52] {يناديهم} [القصص: 62] ~~{وناداهما ربهما} [الأعراف: 22] {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا} [القصص: ~~46] {إذ ناداه ربه} [النازعات: 16] ونظائرها، ولم يجئ في موضع واحد: أمرنا ~~من يناديهم، ولا: ناداه ملك، فتأويله بذلك عين المحال. # ونظير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا فيقول. . .» " في نحو ثلاثين حديثا، كلها مصرحة بإضافة النزول إلى ~~الرب تعالى: ولم يجئ موضع واحد بقوله: ينزل ملك ربنا، حتى يحمل ما خرج عن ~~نظائره عليه. # وإذا تأملت نصوص الصفات التي لا تسمح الجهمية بتسميتها نصوصا وإذا ~~احترموها قالوا: ظواهر سمعية، وقد عارضها القواطع العقلية، وجدتها كلها من ~~هذا الباب. # ومما يقتضي منه العجب أن كلام شيوخهم وتصنيفهم عندهم نص في مرادهم لا ~~يحتمل التأويل، وكلام الموافقين عندهم نص لا يجوز تأويله، حتى إذا جاءوا ~~إلى كلام الله ورسوله وقفوه على التأويل. # PageV01P064 # القسم الثالث: الخطاب بالمجمل الذي أحيل بيانه على خطاب آخر، فهذا أيضا ~~لا يجوز تأويله إلا بالخطاب الذي يبينه، وقد يكون بيانه معه، وقد يكون ~~بيانه منفصلا عنه. # والمقصود أن الكلام الذي هو عرضة التأويل أن يكون له عدة معان، وليس معه ~~ما يبين مراد المتكلم، فهذا التأويل فيه مجال واسع، وليس في كلام الله ~~ورسوله منه شيء من الجمل المركبة، وإن وقع في الحروف المفتتح بها السور، بل ~~إذا تأمل من بصره الله تعالى طريقة القرآن والسنة وجدها متضمنة لدفع ما ~~يوهمه الكلام من خلاف ظاهره، وهذا موضع لطيف جدا في فهم القرآن نشير إلى ~~بعضه. # فمن ذلك قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] رفع سبحانه ~~توهم المجاز في تكليمه لكليمه بالمصدر المؤكد الذي لا يشك ms048 عربي القلب ~~واللسان أن المراد به إثبات تلك الحقيقة كما تقول العرب: مات موتا ونزل ~~نزولا، ونظائره. # ونظيره التأكيد بالنفس والعين و " كل " وأجمع، والتأكيد بقوله: حقا ~~ونظائره، ومن ذلك قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] فلا ~~يشك صحيح الفهم ألبتة في هذا الخطاب أنه نص صريح لا يحتمل التأويل بوجه في ~~إثبات صفة السمع للرب تعالى حقيقة وأنه بنفسه يسمع. # ومن ذلك قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [الأعراف: 42] فرفع توهم السامع ~~أن المكلف به عمل جميع الصالحات المقدورة والتجوز عنها يجوزه أصحاب تكليف ~~ما لا يطاق، رفع هذا التوهم بجملة اعترض بها بين المبتدأ وخبره تزيل ~~الإشكال. # ونظيره: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} ~~[الأنعام: 152] ومن ذلك قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ~~وحرض المؤمنين} [النساء: 84] فلما أمره بالقتال وأخبره أنه لا يكلف بغيره، ~~بل وإنما يكلف بنفسه أتبعه بقوله: {وحرض المؤمنين} [النساء: 84] لئلا يتوهم ~~سامع أنه وإن لم يكلف بهم فإنه يهملهم ويتركهم. # PageV01P065 # ومن ذلك قوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21] ~~فتأمل كم في هذا الكلام من رفع إيهام، منها قوله: {واتبعتهم ذريتهم بإيمان} ~~[الطور: 21] لئلا يتوهم أن الاتباع في نسب أو تربية أو حرية أو رق أو غير ~~ذلك، ومنها قوله: {وما ألتناهم من عملهم من شيء} [الطور: 21] لرفع توهم أن ~~الآباء تحط إلى درجة الأبناء ليحصل الإلحاق والتبعية، فأزال هذا الوهم ~~بقوله: {وما ألتناهم من عملهم} [الطور: 21] أي: ما نقصنا الآباء بهذا ~~الاتباع شيئا من عملهم، بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم ~~أعمال يستحقون بها تلك الدرجة. # ومنها قوله: {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21] فلا يتوهم متوهم أن هذا ~~الاتباع حاصل ms049 في أهل الجنة وأهل النار، بل هو للمؤمنين دون الكفار، فإن ~~الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسبه. # ومنها قوله: {يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} [الأحزاب: 32] فلما أمرهن ~~بالتقوى التي شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع ~~فيهن ذو المرض، ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف دفعا لتوهم الإذن في ~~الكلام المنكر، لما نهين عن الخضوع بالقول. # ومنه قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} [البقرة: 187] فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله: ~~{من الفجر} [البقرة: 187] . # ومن ذلك قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} [التكوير: 28] فلما أثبت ~~لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلالهم بها فأزال سبحانه ذلك بقوله: {وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله} [الإنسان: 30] ونظير ذلك قوله تعالى: {كلا إنه ~~تذكرة - فمن شاء ذكره - وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة} [المدثر: 54 - 56] . # ومن ذلك قوله تعالى: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} ~~[التوبة: 111] فلعل # PageV01P066 # متوهما أن يتوهم أن الله يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ذلك ~~بقوله: {ومن أوفى بعهده من الله} [التوبة: 111] . # ومن ذلك قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو ~~يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم أن ~~المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ورفعه بقوله: {أو يأتي بعض آيات ~~ربك} [الأنعام: 158] فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في ~~معناه لا يحتمل غيره. # وإذا تأملت أحاديث الصفات رأيت هذا لائحا على صفحاتها بادئا على ألفاظها، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: " «إنكم ترون ربكم عيانا كما ترى الشمس في ~~الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب، وكما نرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» " ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: " «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه ~~وبينه ترجمان ms050 يترجم له ولا حاجب يحجبه» " فلما كان كلام الملوك قد يقع ~~بواسطة الترجمان ومن وراء الحجاب أزال هذا الوهم من الأفهام. # وكذلك لما قرأ صلى الله عليه وسلم: {وكان الله سميعا بصيرا} [النساء: ~~134] وضع إبهامه على أذنه وعينه رفعا لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير ~~العينين المعلومتين، وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة، كما في الحديث ~~الصحيح أنه قال: " «يقبض الله سماواته بيده والأرض بيده الأخرى، ثم جعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها» "، تحقيقا لإثبات اليد ~~وإثبات صفة القبض. # ومن هذا إشارته إلى السماء حين استشهد ربه تبارك وتعالى على الصحابة أنه # PageV01P067 # بلغهم تحقيقا لإثبات صفة العلو، وأن الرب الذي استشهده فوق العالم مستو ~~على عرشه. ### | [فصل لا يأتي المعطل للتوحيد العلمي بتأويل إلا أمكن المعطل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويل من جنسه] # فصل # في بيان أنه لا يأتي المعطل للتوحيد العلمي الخبري بتأويل إلا أمكن ~~المشرك المعطل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويل من جنسه # وقد اعترف حذاق الفلاسفة وفضلاؤهم فقال أبو الوليد بن رشد في كتاب (الكشف ~~عن مناهج الأدلة) القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة ~~يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة، ثم اتبعهم على نفيها ~~متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كله تقتضي ~~إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ومثل قوله: ~~{وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] ومثل قوله تعالى: {ويحمل عرش ~~ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17] ومثل قوله: {تعرج الملائكة والروح ~~إليه} [المعارج: 4] ومثل قوله: {أأمنتم من في السماء} [الملك: 16] إلى غير ~~ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عاد الشرع كله متأولا، وإن قيل فيها: ~~إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابها ; لأن الشرائع كلها مبينة أن ~~الله في السماء، ومنه تنزل الملائكة إلى النبيين بالوحي، وأن من السماء ~~نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة ~~المنتهى، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الملائكة ms051 في السماء كما اتفقت ~~جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نفاة الجهمية إلى نفيها هي أنهم ~~اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات ~~الجهة، ونحن نقول: إن إثبات هذا كله غير لازم، فالجهة غير المكان، وذلك أن ~~الجهة إما سطوح الجسم نفسه المحيط به، وهي ستة، وبهذا نقول: إن للحيوان فوق ~~وأسفل ويمينا وشمالا وأماما وخلفا، وإما # PageV01P068 # سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست، فأما الجهات التي هي سطوح ~~الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا، وأما سطوح الأجسام المحيطة فهي له ~~مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان، وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي ~~أيضا مكان هواء، وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له، وأما سطح الفلك ~~الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ~~ذلك الجسم جسم آخر، ويمر إلى غير نهاية، فإذن سطح آخر أجسام العالم ليس ~~مكانا أصلا، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم، فإذن إن قام البرهان على وجود ~~موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، والذي يمنع وجوده هناك هو عكس ~~ما ظنه القوم، وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم. # وليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء، وذلك أن الخلاء قد تبين في ~~العلوم النظرية امتناعه ; لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا كثر من ~~أبعاد ليس فيها جسم، أعني طولا وعرضا وعمقا، لأنه إن رفعت الأبصار عنه عاد ~~عدما، وإن فرضت الخلاء موجودا لزم أن يكون أعراضا موجودة في غير جسم، وذلك ~~أن الأبعاد هي أعراض في باب الكمية ولا بد، ولكنه قيل في الآراء السالفة ~~القديمة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان، وكذلك ~~إن كان كل ما يحويه المكان والزمان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير ~~فاسد ولا كائن، وقد بين هذا المعنى ما أقوله، وذلك أنه لما لم يكن هاهنا ~~شيء إلا هذا الموجود المحسوس ms052 أو العدم، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود ~~شيء إنما ينسب إلى الوجود، أعني أنه يقال: موجودا أي في الوجود، إذ لا يمكن ~~أن يقال: إنه موجود في العدم، فإن كان موجود هو أشرف الموجودات فواجب أن ~~ينتسب من الموجود المحسوس إلى الحيز الأشرف وهي السماوات، ولشرف هذا الحيز ~~قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} [غافر: 57] وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم. # فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به ~~الشرع وابتني عليه، فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، وإن وجه العسر في ~~تفهم هذا المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ليس في المشاهد مثال له، فهو بعينه ~~السبب في # PageV01P069 # أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه وتعالى ; لأن الجمهور ~~إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد، مثل ~~العلم بالصانع، فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود ~~الصانع الغائب، وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في ~~الشاهد عند الأكثر ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون كان الشرع يزجر عن طلب ~~معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس لم يضرب له ~~مثال في الشاهد، إذ لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم. # والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها، ~~لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم، فيجب أن يتمثل في هذا كله فعل ~~الشرع، وأن لا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأويله. # والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب: صنف لا يشعرون بالشكوك ~~العارضة في هذا المعنى خاصة، متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، ~~وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور، وصنف عرفوا حقيقة الأشياء وهم العلماء ~~الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس، وصنف عرضت لهم في هذه ~~الأشياء شكوك ولم ms053 يقدروا على حلها، وهؤلاء فوق العامة دون العلماء، وهذا ~~الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع، وهم الذين ذمهم الله، وأما ~~عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم ~~التشابه. # ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع ما يعرض في خبز البر مثلا الذي هو ~~الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو نافع للأكثر، ~~وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما ضر للأقل، وإلى هذا الإشارة ~~بقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26] لكن هذا إنما يعرض في ~~آيات الكتاب العزيز في الأقل منه وللأقل من الناس، وأكثر ذلك هي الآيات ~~التي تتضمن الإعلام في أنه الغائب ليس لها مثال في الشاهد، فيعبر عنه ~~بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات إليها وأكثرها شبها بها، فيعرض لبعض الناس ~~أن يأخذ الممثل به هو المثال نفسه، فيلزمه الحيرة والشك، وهو الذي سمي ~~متشابها في الشرع، وهذا ليس يعرض للعلماء ولا للجمهور، وهم صنفا الناس في ~~الحقيقة، لأن هؤلاء هم الأصحاء، وأما أولئك فمرضى، والمرضى # PageV01P070 # هم الأقل، ولذلك قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} [آل عمران: 7] وهؤلاء أهل الكلام. # وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس ~~على ظاهره، فقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به إنما أتى الله به في صورة ~~المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم، فنعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل ~~نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان، فإذا ما ~~أبعده عن مقصد الشرع من قال فيما ليس بمتشابه: إنه متشابه، ثم أول ذلك ~~المتشابه بزعمه، وقال لجميع الناس: إن فرضكم اعتقاد هذا التأويل مثل ما ~~قالوه في آيات الاستواء على العرش وغير ذلك، مما قالوا إن ظاهره متشابه. # وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع ~~إذا تؤملت وجدت ليس يقوم عليها برهان ولا يعقل فعل الظاهر في قبول ms054 الجمهور ~~لها، وعملهم بها، فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل، ~~فما كان أنفع في العمل كان أجدر، وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو ~~الأمران جميعا، أعني العلم والعمل. # مثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن الذي أوله هو الذي قصده الشرع وصرح ~~بذلك التأويل للجمهور مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة ~~جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب الأعظم، ~~لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس، فزعم أن بعض الأدوية الذي ~~صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب، لم يرد به ذلك ~~الدواء الذي جرت العادة في اللسان أن يدل ذلك الاسم عليه، وإنما أراد به ~~دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه ذلك باستعارة بعيدة، فأزال الدواء الأول من ~~ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب، وقال ~~للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على ~~الوجه الذي تأوله عليه ذلك المتأول، ففسدت به أمزجة كثيرة من الناس، فجاء ~~آخرون فشعروا بإفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن ~~أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض للناس نوع من المرض ~~غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك # PageV01P071 # المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض للناس نوع ثالث من المرض غير ~~النوعين المتقدمين، فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة ~~فعرض للناس نوع رابع من الأمراض غير الأمراض المتقدمة، فلما طال الزمان ~~بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته وغيرها وبدلوها ~~عرض للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق ~~أكثر الناس. # وهذه هي حال الفرقة الحادثة في الشريعة مع الشريعة، وذلك أن كل فرقة منهم ~~تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه ~~الذي قصده صاحب الشرع، حتى تمزق الشرع كل ممزق ms055 وبعد هذا عن موضوعه الأول. ~~ولما علم صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أن هذا سيعرض في شريعته قال: " ~~«ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» " يعني ~~بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله، وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه ~~الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها قبل تبينت أن هذا المثال صحيح. # وأول من غير هذا الدواء الأعظم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ~~ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى، وذكر كلاما بعد متعلقا ~~يكتب ليس لنا غرض في حكايته. اه. ### | [فصل في انقسام الناس في نصوص الوحي] # فصل # في انقسام الناس في نصوص الوحي إلى أصحاب تأويل وأصحاب تخييل، وأصحاب ~~تمثيل، وأصحاب تجهيل، وأصحاب سواء السبيل # الصنف الأول: أصحاب التأويل، وهم أشد الناس اضطرابا إذ لم يثبت لهم قدم ~~في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، ولا ضابط مطرد منعكس يجب مراعاته ~~وتمتنع مخالفته، بخلاف سائر الفرق فإنهم جروا على ضابط واحد، وإن كان فيهم ~~من هو أشد من أصحاب التأويل. # الصنف الثاني: أصحاب التخيل، وهم الذين اعتقدوا أن الرسل لم يفصحوا للخلق ~~بالحقائق، إذ ليس في قواهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المقصود في صورة # PageV01P072 # المحسوس، قالوا: ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم، ~~ولا خارجه، ولا محايثه، ولا مباينا له، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه، ولا ~~فوقه، ولا تحته، ولا عن يمينه، ولا عن يساره لنفرت عقولهم من ذلك، ولم تصدق ~~بإمكان هذا الموجود، فضلا عن وجوب وجوده، وكذلك لو أخبرهم بحقيقة كلامه، ~~وأنه فيض فاض من المبدأ الأول على العقل الفعال، ثم فاض من ذلك العقل على ~~النفس الناطقة الزكية المستعدة لم يفهموا ذلك، ولو أخبروهم عن المعاد ~~الروحاني بما هو عليه لم يفهموه، فقربوا له الحقائق بإبرازها في الصور ~~المحسوسة، وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض ~~والنشور ومصيرها إلى جنة فيها أكل وشرب ولحم وخمر وجوار ms056 حسان، أو نار فيها ~~أنواع العذاب، تفهيما للذات الروحانية بهذه الصورة وللألم الروحاني بهذه ~~الصورة. # وهكذا فعلوا في وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله، ضربوا لهم الأمثال ~~بموجود عظيم جدا أكبر من كل موجود، وله سرير عظيم وهو مستو على سريره، يسمع ~~ويبصر ويتكلم ويأمر وينهى ويرضى ويغضب، ويأتي ويجيء وينزل، وله يدان ووجه، ~~ويفعل بمشيئة، وإذا تكلم العباد سمع كلامهم، وإذا تحركوا رأى حركاتهم، وإذا ~~هجس في قلب أحد منهم هاجس علمه، وأنه ينزل كل ليلة إليهم إلى سمائهم هذه ~~فيقول: " «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» " إلى غير ذلك مما نطقت ~~به الكتب الإلهية، قالوا: ولا يحل لأحد أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره ~~للجمهور لأنه يفسد ما وضعت له الشرائع والكتب الإلهية، وأما الخاصة فإنهم ~~يعلمون أن هذه أمثال مضروبة لأمور عقلية تعجز عن إدراكها عقول الجمهور، ~~فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة. # وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة أن الذي أخبرت به الرسل عن الله وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له تطابق ما أخبروا به، ولكنه ~~أمثال وتخييل وتفهيم بضرب الأمثال، وقد ساعدهم أرباب التأويل على هذا ~~المقصد في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وصرحوا في ذلك بمعنى ما صرح به ~~هؤلاء في باب المعاد وحشر الأجساد بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص ~~الاستواء والفوقية، ونصوص الصفات الخبرية، لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا ~~تأويلها بما يخرجها عن حقائقها وظواهرها، # PageV01P073 # وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضا لهم إلى الثواب الجزيل ببذل ~~الجهد في تأويلها واستخراج معان تليق بها، وأولئك حرموا التأويل ورأوه ~~عائدا على الشريعة بالإبطال، والطائفتان متفقتان على إبطال حقائقها ~~المفهومة منها في نفس الأمر. # والصنف الثالث: أصحاب التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل ~~معانيها ولا يدرى ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرؤها ألفاظا لا معاني ~~لها، ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهي عندنا بمنزلة: (كهيعص) و ~~(حم عسق) و (المص) فلو ورد علينا منها ما ورد ms057 لم نعتقد فيه تمثيلا ولا ~~تشبيها، ولم نعرف معناه، وننكر على من تأوله، ونكل علمه إلى الله تعالى، ~~وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء ~~والصفات، ولا يفهمون معنى قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] وقوله: {والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] وقوله: {الرحمن على العرش استوى} ~~[طه: 5] وأمثال ذلك من نصوص الصفات. # وبنوا هذا المذهب على أصلين: أحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه، ~~والثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله، فنتج من هذين الأصلين ~~استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات المتعلقة بالصفات ولا يعرفون ~~معنى ذلك ولا ما أريد به، ولازم قولهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، ثم تناقضوا أقبح تناقض فقالوا: تجرى على ~~ظواهرها، وتأويلها بما يخالف الظواهر باطل، ومع ذلك فلها تأويل لا يعلمه ~~إلا الله، فكيف يثبتون لها تأويلا ويقولون: تجرى على ظواهرها، ويقولون: ~~الظاهر منها مراد، والرب منفرد بعلم تأويلها، وهل في التناقض أقبح من هذا؟ # وهؤلاء غلطوا في المتشابه وفي جعل هذه النصوص من المتشابه، وفي كون ~~المتشابه لا يعلم معناه إلا الله، فأخطئوا في المقدمات الثلاث واضطرهم إلى ~~هذا: التخلص من تأويلات المبطلين وتحريفات المعطلين، وسدوا على نفوسهم ~~الباب، وقالوا: لا نرضى بالخطأ، ولا وصول لنا إلى الصواب، فتركوا التدبير ~~المأمور به والتعقل لمعاني النصوص، وتعبدوا بالألفاظ المجردة التي أنزلت في ~~ذلك، وظنوا أنها # PageV01P074 # أنزلت للتلاوة والتعبد بها دون تعقل معانيها وتدبرها والتفكر فيها، ~~وأولئك جعلوها عرضة للتأول والتحريف كما جعلها أصحاب التخييل أمثالا لا ~~حقيقة لها. # وقابلهم الصنف الرابع وهم صنف التشبيه والتمثيل، ففهموا منها مثل ما ~~للمخلوقين وظنوا أن لا حقيقة لها إلا ذلك، وقالوا: محال أن يخاطبنا الله ~~بما لا نعقله، ثم يقول: {لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] {لعلكم تتفكرون} ~~[البقرة: 219] {ليدبروا آياته} [ص: 29] فهذه الفرق لا يزال يبدع بعضهم بعضا ~~ويضلله ويجهله، وقد تصادمت كما ترى، فهم كزمرة ms058 من العميان تلاقوا فتصادموا، ~~كما قال أعمى البصيرة منهم: # ونظيري في العلم مثلي أعمى ... فكلانا في حندس نتصادم # وهدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى، فأثبتوا حقائق الأسماء ~~والصفات، ونفوا عنها مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين، وهدى ~~بين ضلالتين، يثبتون له الأسماء الحسنى والصفات العليا بحقائقها، ولا ~~يكيفون شيئا منها، فكان الله تعالى أثبتها لنفسه، وإن كان لا سبيل لنا إلى ~~معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله تعالى لم يكلف كل عباده بذلك ولا أراده ~~منهم ولا جعل لهم إليه سبيلا، بل كثير من مخلوقاته أو أكثرها لم يجعل لهم ~~سبيلا إلى معرفة كنهه وكيفيته، وهذه أرواحهم التي هي أدنى إليهم من كل دان، ~~قد حجبت عنهم معرفة كنهها وكيفيتها. # وقد أخبرنا سبحانه عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت ~~حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم، ولم يعرفوا كنهه، فلا يشك ~~المسلمون أن في الجنة أنهارا من خمر، وأنهارا من عسل، وأنهارا من لبن، ولكن ~~لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته، إذ كانوا لا يعرفون في الدنيا الخمر إلا ~~ما اعتصر من الأعناب، والعسل إلا ما قذفت به النحل في بيوتها، واللبن إلا ~~ما خرج من الضروع، والحرير إلا ما خرج من دود القز، وقد فهموا معاني ذلك في ~~الجنة من غير أن يكون مماثلا لما في الدنيا، كما قال ابن عباس: " ليس في ~~الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء والصفات "، ولم يمنعهم عدم النظير في ~~الدنيا من فهم ما أخبروا به من ذلك. فهكذا الأسماء والصفات لم يمنعهم ~~انتفاء نظيرها ومثالها من فهم حقائقها # PageV01P075 # ومعانيها، بل قام بقلوبهم معرفة حقائقها، وانتفاء التمثيل والتشبيه عنها ~~وهذا هو المثل الأعلى الذي أثبته الله تعالى لنفسه في ثلاثة مواضع من ~~القرآن: أحدها: قوله تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم} [النحل: 60] ، الثاني: قوله تعالى: {وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز ms059 الحكيم} [الروم: 27] ، الثالث: قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير} [الشورى: 11] فنفى سبحانه وتعالى المثل عن هذا المثل ~~الأعلى، وهو ما في قلوب أهل سماواته وأرضه من معرفته والإقرار بربوبيته ~~وأسمائه وصفاته وذاته. # فهذا المثل الأعلى هو الذي آمن به المؤمنون، وأنس به العارفون ; وقامت ~~شواهده في قلوبهم بالتعريفات الفطرية المكملة بالكتب الإلهية المضبوطة ~~بالبراهين العقلية، فاتفق على الشهادة بثبوته العقل والسمع والفطرة، فإذا ~~قال المثبت: يا لله، قام بقلبه رب قيوم قائم بنفسه، مستو على عرشه، مكلم، ~~متكلم، سامع، قدير، مريد، فعال لما يريد، يسمع دعاء الداعين، ويقضي حاجات ~~السائلين، ويفرج عن المكروبين، ترضيه الطاعات، وتغضبه المعاصي، تعرج ~~الملائكة بالأمر إليه، وتنزل بالأمر من عنده. وإذا شئت زيادة تعريف بهذا ~~المثل الأعلى فعد قوى جميع المخلوقات اجتمعت لواحد منهم، ثم كان جميعهم على ~~قوة ذلك الواحد، فإذا نسبت قوتهم إلى قوة الرب تعالى لم تجد نسبة إليها ~~البتة كما لا تجد نسبة بين قوة البعوضة وقوة الأسد، وإذا قدرت علوم الخلائق ~~اجتمعت لواحد ثم قدرت جميعهم بهذه المثابة كانت علومهم بالنسبة إلى علمه ~~تعالى كنقرة عصفور في بحر، وكذا في حكمته وكماله، وقد نبهنا سبحانه وتعالى ~~على هذا المعنى بقوله: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان: 27] فقدر ~~البحر المحيط بالعالم مدادا ووراءه سبعة أبحر تحيط به كلها مدادا يكتب به ~~كلمات الله نفدت البحار ونفدت الأقلام التي لو قدرت جميع أشجار الأرض من ~~حين خلقت إلى آخر الدنيا لم تنفد كلمات الله. # PageV01P076 # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم " «أن السماوات السبع في الكرسي كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة، والعرش لا ~~يقدر قدره إلا الله» " وهو سبحانه فوق عرشه يعلم ويرى ما عباده عليه. # فهذا هو الذي قام بقلوب المؤمنين المصدقين العارفين به سبحانه المثل ~~الأعلى فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به، فأحبوه وخافوه ورجوه، ms060 وتوكلوا عليه ~~وأنابوا إليه، واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف، فلم يصعب ~~عليهم بعد ذلك معنى استوائه على عرشه، وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله، ~~إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثيل له ولم يخطر بقلوبهم مماثلة ~~شيء من المخلوقين، وقد أعلمهم الله سبحانه على لسان رسوله " «أنه يقبض ~~سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن» " و " «أن السماوات السبع ~~والأرضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدكم» " و " «أنه يضع السماوات على ~~إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر ~~المخلوقات على إصبع» " فأي يد للخلق وأي إصبع تشبه هذه اليد وهذه الإصبع ~~حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا؟ # فقاتل الله أصحاب التحريف والتبديل، ماذا حرموه من الحقائق الإيمانية ~~والمعارف الإلهية، وماذا تعرضوا به من زبالة الأذهان، ونخالة الأفكار، وما ~~أشبههم بمن كان # PageV01P077 # غذاؤهم المن والسلوى بلا تعب فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل، وقد جرت ~~عادة الله سبحانه أن يذل من آثر على الأعلى، ويجعله عبرة للعقلاء. # فأول هذا الصنف إبليس، لعنه الله، ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه الله ~~تعالى بالقيادة لفساق ذريته، وعباد الأصنام الذين لم يقروا بنبي من البشر ~~ورضوا بآلهة من الحجر، والجهمية نزهوا الله عن عرشه لئلا يحويه مكان ثم ~~قالوا: هو في الآبار والأنجاس، وفي كل مكان، وهكذا طوائف الباطل لم يرضوا ~~بنصوص الوحي فابتلوه بزبالة أذهان المتحيرين، وورثة الصابئين وأفراخ ~~الفلاسفة الملحدين. ### | [فصل أسباب قبول التأويل] # فصل # قبول التأويل له أسباب: منها: أن يأتي به صاحبه مموها بزخرف من القول، ~~مكسوا حلة الفصاحة والعبارة الرشيقة فتسرع العقول الضعيفة إلى قبوله ~~واستحسانه، قال الله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون} [الأنعام: 112] فذكر سبحانه أنهم يستعينون على مخالفة أمر الأنبياء ~~بما يزخرفه بعضهم لبعض من القول، ويفتريه الأغمار وضعفاء العقول، فذكر ~~السبب الفاعل وهو ما يغر السامع من زخرف ms061 القول، فلما أصغت إليه ورضيته ~~اقترفت ما تدعو إليه من الباطل قولا وعملا. # فتأمل هذه الآيات وما تحتها من هذا المعنى العظيم القدر الذي فيه بيان ~~أصول الباطل والتنبيه على مواقع الحذر منها، وإذا تأملت مقالات أهل الباطل ~~رأيتهم قد كسوها من العبارات المستحسنة ما يسرع إلى قبوله كل من ليس له ~~بصيرة نافذة، فيسمون أم الخبائث أم الأفراح، ويسمون اللقمة الملعونة التي ~~هي الحشيشة: لقيمة الذكر والفكر التي تثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، ~~ويسمون مجالس الفجور: المجالس الطبية، حتى إن بعضهم لما عدل عن شيء من ذلك ~~قالوا: ترك المعاصي والتخوف منها إساءة ظن برحمة الله وجراءة على سعة عفوه ~~ومغفرته، فانظر ما تفعل هذه الكلمة في قلب ممتلئ بالشهوات، ضعيف العلم ~~والبصيرة. # السبب الثاني: أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله في صورة مستهجنة تنفر ~~عنها القلوب، وتنبو عنها الأسماع، فيسمى عدم الانبساط إلى الفساق: سوء خلق، ~~والأمر # PageV01P078 # بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة وشرا وفضولا، ويسمون إثبات الصفات لكمال ~~الله تعالى تجسيما وتشبيها وتمثيلا، ويسمون العرش حيزا وجهة، ويسمون الصفات ~~أعراضا والأفعال حوادث، والوجه واليدين أبعاضا، والحكم والغايات التي يفعل ~~لأجلها أعراضا، فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة تلك الألفاظ المستكرهة تم ~~لهم تعطيلها ونفيها على ما أرادوا. # فقالوا لضعفاء العقول: اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض والأبعاض والجهات ~~والتركيب والتجسيم والتشبيه، ولم يشك أحد لله في قلبه وقار وعظمة في تنزيه ~~الرب تعالى عن ذلك، وقد اصطلحوا على تسمية سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته ~~وحياته أعراضا، وعلى تسمية وجهه الكريم ويديه المبسوطتين أبعاضا، وعلى ~~تسمية استوائه على عرشه وعلوه على خلقه تحيزا، وعلى تسمية نزوله إلى سماء ~~الدنيا وتكليمه بقدرته ومشيئته إذا شاء، وغضبه بعد رضاه، ورضاه بعد غضبه: ~~حوادث، وعلى تسمية الغاية التي يتكلم ويفعل لأجلها: غرضا، واستقر ذلك في ~~قلوب المبلغين عنهم، فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة ~~بين نفي هذه الحقائق التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف ~~الأمة ms062 بعدهم، وبين إثباتها، وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم. # فأهل السنة هم الذين كشفوا زيف هذه الألفاظ وبينوا زخرفها وزغلها، وأنها ~~ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون والشكل، ولكن ~~الطعام مسموم، فقالوا ما قاله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله: " لا ~~نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين ". # ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا لأهل السنة ألقابا ~~قبيحة، وسموهم حشوية، ومحيزة، ومجسمة، ومشبهة، ونحو ذلك، فتولد من تسميتهم ~~لصفات الرب ; وأفعاله، ووجهه، ويديه بتلك الأسماء، وتلقيب من أثبتها له ~~بهذه الألقاب، ولعن أهل الإثبات من أهل السنة، وتبديعهم، وتضليلهم، ~~وتكفيرهم، وعقولهم، ولقوا منهم ما لقي الأنبياء وأتباعهم، وهذا الأمر لا ~~يزال حتى يرث الله الأرض ومن عليها. # السبب الثالث: أن يعزو المتأول تأويله إلى جليل القدر نبيل الذكر من ~~العقلاء أو من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو من حصل له من الأمة ثناء ~~جميل ولسان صدق ; ليحليه # PageV01P079 # بذلك في قلوب الجهال، فإنه من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في ~~نفوسهم، حتى إنهم ليقدمون كلامه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلم ~~بالله منا، وبهذا الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية ~~إلى ترويج باطلهم وتأويلاتهم حتى أضافوها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم، فانتموا إليهم ~~وأظهروا من محبتهم وإجلالهم وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم، ~~ثم نفقوا باطلهم بنسبته إليهم، فلا إله إلا الله، كم من زندقة وإلحاد وبدعة ~~قد نفقت في الوجود بسبب ذلك، وهم برآء منها. # وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس، فليس معهم سوى ~~إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله قادهم إلى ذلك، وهذا ميراث بالتعصيب ~~من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، وهذا شأن كل مقلد ~~لمن يعظمه فيما خالف فيه الحق إلى يوم القيامة. ### | [فصل أهل التأويل لا يمكنهم ms063 إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا وهذا من أعظم الآفات] # فصل # في بيان أن أهل التأويل لا يمكنهم إقامة الدليل السمعي على مبطل أبدا ~~وهذا من أعظم آفات التأويل # من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئا من الباطل قد شاركه في بعضه أو ~~نظيره، فإنه لا يتمكن من دحض حجته لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما تسلط هو به ~~عليه. # مثاله: أن يحتج من يتأول الصفات الخبرية وآيات الفوقية والعلو على من ~~ينكر ثبوت صفة السمع والبصر والعلم بالآيات والأحاديث الدالة على ثبوتها، ~~فيقول له خصمه: هذه عندي مؤولة كما أولت نصوص الاستواء والفوقية والوجه ~~واليدين والنزول والضحك والفرح والغضب والرضى ونحوها، فما الذي جعلك أولى ~~بالصواب في تأويلك مني؟ فلا يذكر سببا على التأويل إلا أتاه خصمه بسبب من ~~جنسه أو أقوى منه أو دونه، وإذا استدل المتأول على منكري المعاد وحشر ~~الأجسام بنصوص الوحي أبدوا لها تأويلات تخالف ظاهرها وحقائقها، وقالوا لمن ~~استدل بها عليهم: تأويلنا لهذه الظواهر كتأويلك لنصوص الصفات، ولا سيما ~~فإنها أكثر وأصرح، فإذا تطرق التأويل إليها فهو إلى ما دونها أقرب تطرقا، ~~وإذا استدل بالنصوص الدالة على # PageV01P080 # فضل الشيخين وسائر الصحابة تأولوها بما هو من جنس تأويلات الجهمي، وإذا ~~احتج الجهمي على الخارجي بالنصوص الدالة على إيمان مرتكب الكبائر، وأنه لا ~~يكفر ولا يخلد في النار، واحتج بها على الوعيديين القائلين بنفوذ الوعيد ~~والتخليد، قالوا: هذه متأولة، وتأويلها أقرب من تأويل نصوص الصفات، وإذا ~~احتج على المرجئة بالنصوص الدالة على أن الإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص، ~~قالوا هذه النصوص قابلة للتأويل كما قبلته نصوص الاستواء والفوقية والصفات ~~الخبرية، فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص. # فقد بان لا يمكن أهل التأويل أن يقيموا على مبطل حجة من كتاب ولا سنة، ~~ولم يبق لهم إلا نتائج الأفكار وتصادم الآراء، لا سيما وقد أعطى الجهمي من ~~نفسه أن أكثر اللغة مجاز، وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، وأن العقل ~~إذا عارض السمع ms064 وجب تقديم العقل، بل نقول: إنه لا يمكن أرباب التأويل أن ~~يقيموا على مبطل حجة عقلية أبدا. # وهذا أعجب من الأول، وبيانه: أن الحجج السمعية مطابقة للمعقول، والسمع ~~الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح، بل هما أخوان وصل الله تعالى بينهما فقال ~~تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ~~فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 26] فذكر ما يتناول به ~~العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل، وقال تعالى: {وقالوا ~~لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] فأخبروا أنهم ~~خرجوا عن موجب السمع والعقل، وقال تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} ~~[يونس: 67] {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} [الرعد: 4] وقال تعالى: {أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] فدعاهم إلى استماعه ~~بأسماعهم وتدبره بعقولهم، ومثله قوله: {أفلم يدبروا القول} [المؤمنون: 68] ~~وقال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: ~~37] فجمع بين السمع والعقل، وأقام بهما حجته على # PageV01P081 # عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا، فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة ~~الله خلقه، وكتابه هو الحجة العظمى، فهو الذي عرفناه، لم يكن لعقولنا سبيل ~~إلى استقلالها بإدراكه أبدا، وليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في ~~مجهول يعلمه ومشكل يستبينه، فمن ذهب عنه فإليه يرجع، ومن دفع حكمة فيه يحاج ~~خصمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية والمعارف اليقينية، فمن ~~رد من مدعي البحث والنظر حكومته ودفع قضيته، فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد ~~سبيل إلى إفهامه. # وليس لأحد أن يقول: إني غير راض حكمه بل بحكم العقل، فإنه متى رد حكمه ~~فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل، والذين زعموا من قاصري العقل ~~والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما إنما أتوا من جهلهم ~~بحكم العقل، ومقتضى السمع، فظنوا ما ms065 ليس بمعقول معقولا، فهو في الحقيقة ~~شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك، أو من جهلهم بالسمع إما بنسبهم إلى ~~الرسول ما لم يقله، أو نسبتهم إليه ما لم يرده بقوله، وإما لعدم تفريقهم ~~بين ما لا يدرك بالعقول، فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع ~~والعقل، والله سبحانه حاج عباده على ألسنة رسله فيما أراد تقريرهم به ~~وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا، وأقلها تكلفا وأعظمها ~~غنى ونفعا. ### | [حججه سبحانه العقلية والسمعية على توحيده وأسمائه وصفاته] # فحججه سبحانه العقلية التي في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة ~~واضحة قليلة المقدمات، مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد ~~وبطلان الشرك وقطع أسبابه وحسن مواده كلها {قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 22 - ~~23] فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها ~~إلى الشرك وسد بها عليهم أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود ~~لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ ~~فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينفع بها عابده، أو شريكا ~~لمالكها، أو ظهيرا أو وزيرا أو معاونا له أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده، ~~فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، ~~فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض، فقد يقول ~~المشرك: هي # PageV01P082 # شريكة المالك الحق، فنفى شركها له، فيقول المشرك: قد يكون ظهيرا أو وزيرا ~~أو معاونا فقال: {وما له منهم من ظهير} [سبأ: 22] ولم يبق إلا الشفاعة ~~فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فإن لم يأذن ~~للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين، فإن المشفوع ~~عنده يحتاج ms066 إلى الشافع ومعاونته له، فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، ~~وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فكيف ~~يشفع عنده أحد بغير إذنه؟ # وكذلك قوله سبحانه مقررا برهان التوحيد أحسن التقرير وأبلغه وأوجزه {قل ~~لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42] ~~فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ~~ومحتاجة إليه، فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون ~~غيره ; فكيف يعبدونهم دونه، وقد أفصح سبحانه بهذا بعينه في قوله تعالى: ~~{أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه} [الإسراء: 57] أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبيدي ~~كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ; فلماذا تعبدونهم من دوني؟ # وقال تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} [المؤمنون: 91] . # فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق لا بد ~~أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه ~~سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه، بل إن ~~قدر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه ~~وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر ~~المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب ~~كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وأما أن يكونوا كلهم ~~تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون ~~من حكمه فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون، وانتظام أمر ~~العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ~~ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله # PageV01P083 # غيره كما ms067 دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره، فذاك تمانع في ~~الفعل والإيجاد وهذا تمانع في الغاية والألوهية، فكما يستحيل أن يكون ~~للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان. # ومن ذلك قوله تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ~~[لقمان: 11] فلله ما أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك، فإنهم ~~إن زعموا أن آلهتهم خلقت من شيء مع الله طولبوا بأن يروه إياه، وإن اعترفت ~~أنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت آلهتها باطلا ومحالا. # ومن ذلك قوله تعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم ~~إن كنتم صادقين} [الأحقاف: 4] فطالبهم بالدليل السمعي والعقلي. # وقال تعالى: {قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل ~~تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ~~قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} [الرعد: 16] فاحتج على تفرده ~~بالإلهية بتفرده بالخلق، وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن الخلق، وعلى ~~أنه واحد بأنه قهار، والقهر التام يستلزم الوحدة، فإن الشركة تنافي تمام ~~القهر. # وقال تعالى: {ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} ~~[الحج: 73 - 74] فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه، فمن لم ~~يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأوضح برهان في أوجز ~~عبارة وأحسنها وأحلاها، وسجل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم ~~في صعيد واحد، وعاون بعضهم بعضا بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد، ~~ثم بين عجزهم وضعفهم على استنقاذ ما يسلبهم الذباب # PageV01P084 # إياه حين يسقط عليهم، ms068 فأي شيء أضعف من هذا الإله المطلوب، ومن عابده ~~الطالب نفعه وحده؟ فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا ~~شأنها. # فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين ذلك بأعذب ألفاظ وأحسنها لم يشبها غموض، ~~ولم يشنها تطويل، ولم يعبها تقصير، ولم يزر بها زيادة ولا نقص، بل بلغت في ~~الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز ما لا يتوهمه متوهم، ولا يظن ظان أن يكون ~~أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشأن البالغ في ~~النفع ما هو أجل من الألفاظ. # ومن ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء ~~به من الكتاب، وأنه من عنده وكلامه الذي تكلم به، وأنه ليس من صنع البشر ~~بقوله: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23] فأمر من ارتاب ~~في هذا القرآن الذي أنزله على عبده، وأنه كلام الله أن يأتي بسورة واحدة ~~مثله، وهذا يتناول أقصر سورة، ثم فسخ له إن عجز عن ذلك أن يستعين بمن أمكنه ~~الاستعانة به من المخلوقين. # وقال تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين} [يونس: 38] وقال تعالى: {أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين} [هود: 13] وقال تعالى: {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون - فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين} [الطور: 33 - 34] ثم سجل عليهم تسجيلا عاما في ~~كل مكان وزمان بعجزهم، ولو تظاهر عليه الثقلان فقال تعالى: {قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] . # فانظر إلى أي موقع يقع من الأسماع والقلوب هذا الحجاج الجليل القاطع ~~الواضح الذي لا يجد طالب الحق ومؤثره ومريده عنه محيدا ولا فوقه مزيدا ولا ~~وراءه غاية ولا أظهر منه آية ولا أوضح منه برهانا ولا أبلغ منه بيانا. # وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار المتأمل لأحواله ودعوته ms069 وما جاء به: ~~{أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين - أم لم يعرفوا ~~رسولهم فهم له منكرون - أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق ~~كارهون} [المؤمنون: 68 - 70] . # PageV01P085 # فدعا سبحانه إلى تدبر القول وتأمل حال القائل، فإن القول كذبا وزورا يعرف ~~من نفس القول تارة، وتارة من تناقضه واضطرابه ظهور شواهد الكذب عليه، ويعرف ~~من حال القائل تارة، فإن المعروف بالكذب والفجور والمنكر والخداع والمكر، ~~لا تكون أقواله إلا مناسبة لأفعاله، ولا يأتي منه من القول والفعل ما يتأتى ~~من البار الصادق من كل فاحشة وغدر وفجر وكذب، بل قلب هذا وقصده وعمله وقوله ~~يشبه بعضه بعضا، وقلب ذلك وعمله وقصده يشبه بعضه بعضا، فدعاهم سبحانه إلى ~~تدبر القول وتأمل سيرة القائل وأحواله، وحينئذ يتحقق لهم ويتبين حقيقة ~~الأمر وأن ما جاء به أعلى مراتب الصدق. # قال تعالى: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله أفلا تعقلون} [يونس: 16] فتأمل هاتين الحجتين القاطعتين بهذا ~~اللفظ الوجيز: # إحداهما: أن هذا من الله لا من قبلي، ولا هو مقدور لي، ولا من جنس مقدور ~~البشر وأن الله لو شاء لأمسك عنه قلبي ولساني وأسماعكم وأفهامكم فلم أتمكن ~~من تلاوته عليكم، ولم تتمكنوا من درايته وفهمه. # الحجة الثانية: أنى قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به وأنتم تشاهدوني ~~وتعرفوني وتصحبوني حضرا وسفرا، وتعرفون دقيق أمري وجليله وتحققون سيرتي، هل ~~كانت سيرة من جاهر ربه بالكذب والفرية عليه، وطلب إفساد العالم وظلم النفوس ~~والبغي في الأرض بغير الحق. # هذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أحفظ كتابا ولا أخطه بيميني، ولا صاحبت من ~~أتعلم منه، بل صاحبتم أنتم في أسفاركم من تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار ~~الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه، ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم، ~~الذي فيه علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل، فأي ~~برهان أوضح من هذا، وأي عبارة أفصح وأوجز من هذه ms070 العبارة المتضمنة له. # وقال تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] ولما ~~كان للإنسان الذي يطلب معرفة الحق حالتان: إحداهما: أن يكون مناظرا مع ~~نفسه، والثانية: أن # PageV01P086 # يكون مناظرا مع غيره فأمرهم بخصلة واحدة وهي: أن يقوموا لله اثنين اثنين، ~~فيتناظران ويتساءلان بينهما واحدا واحدا، يقوم كل واحد مع نفسه، فيتفكر في ~~أمر هذا الداعي وما يدعو إليه ويستدعي أدلة الصدق والكذب، ويعرض ما جاء به ~~عليها ليتبين له حقيقة الحال، فهذا هو الحجاج الجليل والإنصاف البين، ~~والنصح التام. # وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم - قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: ~~78 - 79] إلى آخر السورة، فلو رام أفصح البشر وأعلمهم وأقدرهم على البيان ~~أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو مثلها، في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في ~~الإيجاز والاختصار، ووصف حينئذ الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه العجز عن ~~ذلك، فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا، وكان في ~~قوله سبحانه: {ونسي خلقه} [يس: 78] ما وفى بالجواب وأقام الحجة وأزال ~~الشبهة، لولا ما أراد الله تعالى من تأكيد حجته وزيادة تقريرها، وذلك أنه ~~تعالى أخبر أن هذا السائل الملحد لو تبين خلق نفسه وبدء كونه لكانت فكرته ~~فيه كافية، ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله: {ونسي خلقه} [يس: 78] وصرح جوابا ~~له عن مسألة بقوله: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79] فاحتج ~~بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأخرى، إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من ~~قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزا عن الثانية عجز عن الأولى، بل ~~كان أعجز وأعجز. # ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه، وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ~~ذلك بقوله: {وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله ~~وموارده وصورته، وكذلك هو عليم ms071 بالخلق الثاني، فإذا كان تام العلم كامل ~~القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ # أكد الأمر بحجة تتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت ~~رميما عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة في الأبدان تكون مادتها طبيعة ~~حارة، فقال: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} ~~[يس: 80] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة ~~من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده هو ~~الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم. # PageV01P087 # ثم أكد الدلالة بالتنبيه على أن من قدر على الشيء الأعظم الأكبر فهو على ~~ما دونه أقدر فقال تعالى: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم} [يس: 81] فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على ~~جلالتهما وعظم شأنهما، وكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقهما، أقدر على أن ~~يخلق عظاما صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال تعالى في موضع ~~آخر: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~[غافر: 57] وقال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم ~~يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: ~~33] . # ثم بين ذلك بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبه كل ملحد وجاحد، وهو ~~أنه سبحانه ليس في فعله بمنزلة غيره يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ~~ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين، بل يكفي في ~~خلق ما يريد خلقه {كن فيكون} [البقرة: 117] فأخبر أن نفوذ إرادته ومشيئته، ~~وسرعة تكوينه وانقياد الكون له، ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء ~~بيده فيتصرف فيه بفعله وقوله: {وإليه ترجعون} [البقرة: 245] . # سبحان المتكلم بهذا الكلام الذي جمع مع وجازته وفصاحته وصحة برهانه كل ما ~~تدعو إليه الحاجة من تقرير الدليل وجواب الشبهة بألفاظ لا أعذب منها للسمع، ~~ولا أحلى من معانيها للقلب، ولا أنفع من ثمراتها للعبد. ms072 # ومن هذا قوله تعالى: {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا - ~~قل كونوا حجارة أو حديدا - أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا ~~قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا - يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: ~~49 - 52] فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنهم قالوا: {أئذا ~~كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} [الإسراء: 49] فقيل له في جواب ~~هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أن لا خالق لكم ولا رب، فهلا كنتم خلقا لا ~~يصيبه التعب كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ فإن قلتم: لنا ~~رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء، ولم ~~يجعلنا # PageV01P088 # حجارة ولا حديدا، فقد قامت عليكم الحجة بقراركم، فما الذي يحول بين ~~خالقكم ومنشئكم وإعادتكم خلقا جديدا؟ . # وللحجة تقرير آخر وهو: أنكم لو كنتم من حجارة أو من حديد أو خلق مميز ~~منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال، ومن ~~قدر على التصرف في هذه الأجسام مع صلابتها وشدتها بالإفناء والإحالة، فما ~~يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال، ~~فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا ~~وفنيت؟ فأجابهم بقوله: {قل الذي فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] وهذا الجواب ~~نظير جواب قول السائل: {من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] فلما أخذتهم ~~الحجة ولزمهم حكمها انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به كما يتعلق المقطوع ~~بالحجاج بذلك وهو قولهم: {متى هو} [الإسراء: 51] فأجيبوا بقوله: {عسى أن ~~يكون قريبا - يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} ~~[الإسراء: 51 - 52] . # ومن هذا قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى - ألم يك نطفة من مني ~~يمنى - ثم كان علقة فخلق فسوى - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى - أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى} [القيامة: 36 - 40] ؟ . # فاحتج سبحانه على ms073 أنه لا يترك الإنسان مهملا معطلا عن الأمر والنهي، ~~والثواب والعقاب، وإن حكمته وقدرته تأبى ذلك، فإن من نقله من نطفة مني ومن ~~المني إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم خلقه وشق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس ~~والقوى والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أشد، وأتقن خلقه ~~وأحكمه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أشم الصور ~~وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته ~~وعنايته أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته ولا تعجز عنه قدرته. # فانظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز، والبيان الجليل الذي لا ~~يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقطع الظنون على أقرب منه. # وكذلك ما احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح كقوله: ~~{لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 17] ~~فأخبر تعالى أن هذا الذي # PageV01P089 # أضافه من نسب الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغ في العقول ~~إذا تأمله المتأمل، ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه، ويجعل هذا ~~الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض ~~البشر، والمجبول على الثبات والبقاء، لا من جواهر هذا العالم الفاني الكثير ~~الأدناس والأوساخ والأقذار. # ولما كان هذا الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقوله: {بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 18] . # ونظير هذا قوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} [الزمر: 4] وقال تعالى: {ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر ~~كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} [المائدة: 75] ، وقد تضمنت هذه ~~الحجة دليلين ببطلان إلهية المسيح وأمه: أحدهما: حاجتهما إلى الطعام ~~والشراب وضعف بنيتهما عن القيام بنفسها، بل هي محتاجة فيما يعينهما إلى ~~الغذاء والشراب، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها، إذ من لوازم الإله أن ~~يكون ms074 غنيا. # الثاني: أن الذي يأكل الطعام يكون منه ما يكون من الإنسان من الفضلات ~~القذرة التي يستحى من التصريح بذكرها، ولهذا والله أعلم عبر الله سبحانه ~~عنها بلازمها من أكل الطعام الذي ينتقل الذهن منه إلى ما يلزمه من هذه ~~الفضلة، فكيف يليق بالرب سبحانه أن يتخذ صاحبة وولدا من هذا الجنس، ولو كان ~~يليق به ذلك أو يمكن لكان الأولى به أن يكون من جنس لا يأكل ولا يشرب، ولا ~~يكون منه الفضلات المستقذرة. ومن ذلك قوله تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب ~~للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم - أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام ~~غير مبين} [الزخرف: 17 - 18] سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن ~~أحدهم لا يرضى بالبنات، وإذا بشر أحدهم بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ~~ظهر منه السواد على وجهه، فإذا كان أحدكم لا يرضى بالإناث بناتا فكيف ~~تجعلونها لي؟ كما قال تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} [النحل: 62] . # PageV01P090 # ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه لله، وأنه أنقص الجنسين، ولهذا ~~يحتاج في كماله إلى الحلية، وهو أضعف الجنسين بيانا فقال تعالى: {أومن ينشأ ~~في الحلية وهو في الخصام غير مبين} [الزخرف: 18] فأشار بنشأتهن في الحلية ~~إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى الحلية يكملن بها، وأنهن عييات فلا يبن حجتهن ~~وقت الخصومة مع أنه في قوله: {أومن ينشأ في الحلية} [الزخرف: 18] تعريضا ~~بما وضعت له الحلية من التزين لمن يفترشهن ويطأهن، وتعريضا بأنهن لا يثبتن ~~في الحرب، فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز. # ومن هذا ما حكاه سبحانه من محاجة إبراهيم عليه السلام قومه بقوله: {وحاجه ~~قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي ~~شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون - وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن ~~كنتم تعلمون - الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ms075 وهم ~~مهتدون} [الأنعام: 80 - 82] فهذا الكلام لم يخرج في ظاهره مخرج كلام البشر ~~الذي يتكلفه أهل النظر والجدال والمقايسة والمعارضة، بل خرج في صورة كلام ~~خبري يشتمل على مبادئ الحجاج، ويشير إلى مقدمات الدليل ونتائجه بأوضح عبارة ~~وأفصحها، والغرض منه أن إبراهيم قال لقومه متعجبا مما دعوه إليه من الشرك ~~{أتحاجوني في الله} [الأنعام: 80] وتطمعون أن تستزلوني عن توحيده بعد أن ~~هداني، وتأكدت بصيرتي واستحكمت معرفتي بتوحيده بالهداية التي رزقنيها، وقد ~~علمتم أن من كانت هذه حاله في اعتقاده أمرا من الأمور عن بصيرة لا يعارضه ~~فيها ريب فلا سبيل إلى استزلاله عنها. # وأيضا فإن المحاجة بعد وضوح الشيء وظهوره نوع من العبث بمنزلة المحاجة في ~~طلوع الشمس وقد رآها من يحاجه بعينه، فكيف يؤثر حجاجكم له أنها لم تطلع، ثم ~~قال {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} [الأنعام: 80] فكأنه صلى ~~الله عليه وسلم يذكر أنهم خوفوه آلهتهم أن يناله منها مضرة كما قاله قوم ~~هود: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] فقال إبراهيم: إن ~~أصابني مكروه فليس ذلك من قبل هذه الأصنام التي # PageV01P091 # عبدتموها من دون الله، وهي أقل من ذلك، فإنها ليست ممن يرجى أو يخاف، بل ~~يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء، بيده الضر ~~والنفع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. # ثم ذكر سعة علمه سبحانه في هذا المقام، منها على موقع احتراز لطيف، وهو ~~أن لله تعالى علما في وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي، فإذا شاء ~~أمرا من الأمور فهو أعلم بما يشاؤه، فإنه وسع كل شيء علما، فإن أراد أن ~~يصيبني بمكروه لا علم لي من أي جهة أتاني، فعلمه محيط بما لا أعلمه، وهذا ~~غاية التفويض والتبري من الحول والقوة وأسباب النجاة، وأنها بيد الله لا ~~بيدي. # وهكذا قول شعيب صلى الله عليه وسلم لقومه: {قد افترينا على الله كذبا إن ~~عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ms076 وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ~~يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89] فردت الرسل بما يفعله الله ~~وأنه إذا شاء فهو أعلم بما يشاؤه ولا علم لنا بامتناعه. # ثم رجع الخليل إليهم مقررا للحجة فقال: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله} [الأنعام: 81] يعني في إلهيته {ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون - الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 81 - 82] يقول لقومه: ~~كيف يسوغ في عقل أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست موضع ~~نفع ولا ضر، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في الإلهية أشياء لم ينزل ~~بها حجة عليكم، والذي أشرك بخالقه وفاطره، فاطر السماوات والأرض، ورب كل ~~شيء ومليكه آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ~~ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وجعلها ندا له ومثلا في ~~الإلهية، أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر، وحده وأفرده بالإلهية ~~والربوبية والقهر والسلطان والحب والخوف والرجاء {فأي الفريقين أحق بالأمن ~~إن كنتم تعلمون} [الأنعام: 81] فحكم الله تعالى بينهما بأحسن حكم خضعت له ~~القلوب وأقرت به الفطر فقال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] . # PageV01P092 # فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم، وإحاطته بكل ما وجب في ~~العقل أن يرد به ما دعوه إليه، بحيث لم يبق لطاعن مطعن ولا سؤال، ولما كانت ~~بهذه المثابة عظمها بإضافتها إلى نفسه الكريمة، فقال تعالى: {وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} [الأنعام: 83] وكفى بحجة أن ~~يكون الله تعالى ملقيها لخليله أن تكون قاطعة لموارد العناد، وقامعة لأهل ~~الشك والإلحاد. # وشبيه بهذه القصة قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن ~~آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ms077 ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ~~قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي ~~كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] لما أجاب إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم المحاج له في الله بأن الذي يحيي ويميت هو الله، أخذ عدو ~~الله في المغالطة والمعارضة بأنه يحيي ويميت، بأنه يقتل من يريد ويستبقي من ~~يريد، فقد أحيا هذا وأمات هذا، فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن ~~يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله منها بزعمه، فإذا ادعى ~~أنه يساوي الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا ~~تصح به دعواه، وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض ~~النظار، وإنما هو إلزام للمدعي في طرد حجته إن كانت صحيحة. # ومن ذلك احتجاجه سبحانه على إثبات علمه بالجهات كلها بأحسن دليل وأوضحه ~~وأصحه، حيث يقول: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} ~~[الملك: 13] ثم قرر علمه بذلك بقوله: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ~~[الملك: 14] وهذا من أبلغ التقرير، فإن الخالق لا بد أن يعلم مخلوقه، وإذا ~~كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته، فكيف تختفي عليه وهي ~~خلقه؟ # وهذا التقرير مما يصعب على القدرية فهمه، فإنه لم يخلق عندهم ما في ~~الصدور، فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها، ولهذا طرد غلاة ~~القوم ذلك ونفوا علمه، فكفرهم السلف قاطبة، وهذا التقرير من الآية صحيح على ~~التقديرين، أعني تقدير أن يكون (من) في محل رفع على الفاعلية، أو في محل ~~نصب على المفعولية، # PageV01P093 # على التقدير الأول: ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه؟ ثم ختم الحجة باسمين ~~مقتضيين لثبوتها وهما: اللطيف الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه ~~الأفهام، والخبير الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما ~~أحاط بظواهرها، فكيف يخفى على اللطيف الخبير ما تخفيه الضمائر وتجنه ~~الصدور. # ومن هذا احتجاجه سبحانه على المشركين ms078 بقوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء ~~أم هم الخالقون - أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35 - 36] ~~فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأوضح عبارة. # يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خلقوا من غير خالق ~~خلقهم؟ فهذا من المحال الممتنع عند كل عاقل، ثم قال تعالى: {أم هم ~~الخالقون} [الطور: 35] وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد خالقا لنفسه، ~~فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة ~~واحدة، كيف يكون خالقا لنفسه؟ وإذا بطل القسمان تبين أن لهم خالقا خلقهم، ~~فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون إلها غيره ~~وهو وحده الخالق لهم؟ فإن قيل: فما موقع قوله تعالى: {أم خلقوا السماوات ~~والأرض} [الطور: 36] من هذه الحجة؟ قيل: أحسن موقع، فإنه بين بالقسمين ~~الأولين أن لهم خالقا فاطرا، وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا ~~فهم عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض، ~~وإن الواحد القهار الذي لا إله غيره، ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق ~~السماوات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن. # ومن هذا ما حكاه الله سبحانه من محاجة صاحب يس لقومه، بقوله: {قال ياقوم ~~اتبعوا المرسلين - اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} [يس: 20 - 21] ~~فنبه على وجوب الاتباع، وهو كون المتبوع رسولا لمن ينبغي أن لا يخالف ولا ~~يعصى، وأنه على هداية، ونبه على انتفاء المانع، وهو عدم سؤال الأجر فلا ~~يريد منكم دنيا ولا رئاسة، فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف، ~~وهو طلب العلو والفساد وطلب الأجر، ثم قال: {وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون} [يس: 22] أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا ~~لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، # PageV01P094 # فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، وأنعامه كلها تابعة لإيجاده وخلقه، وقد ~~جبل الله العقول والفطر والشرائع على شكر المنعم ومحبة المحسن. # ولا ms079 يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك، فإنه من أفسد ~~الأحوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع، ثم أقبل عليهم مخوفا تخويف ~~الناصح فقال: {وإليه ترجعون} [البقرة: 245] ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من ~~دون الله أنها باطلة فقال: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن ~~عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} [يس: 23] فإن العبد يريد من معبوده أن ينفعه ~~وقت حاجته إليه، وأنه إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة ~~من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر، ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع ~~لي إليه، ولا يخلص من ذلك الضر، فبأي وجهة تستحق العبادة؟ {إني إذا لفي ~~ضلال مبين} [يس: 24] إن عبدت من دون الله من هذا شأنه. # وهذا الذي ذكرناه من حجاج القرآن يسير من كثير. # والمقصود أنه يتضمن الأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمع في ~~التشكيك فيها أو الأسئلة عليها إلا لمعاند مكابر، والمتأول لا يمكنه أن ~~يقيم على مبطل حجة نقلية ولا عقلية، أما النقل فإنه عنده قابل للتأويل، وهو ~~لا يفيد اليقين، وأما العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي ~~قادته إلى تأويل النصوص وإخراجها عن ظواهرها وحقائقها، فصارت تلك القواعد ~~الباطلة حجابا بينه وبين العقل والسمع، فإذا احتج على خصمه بحجة عقلية ~~نازعه خصمه في مقدمتها بما سلم له من القواعد التي تخالفها. ### | موافقة صريح العقل لصحيح النقل # فالمقصود الصريح هو ما دلت عليه النصوص، فإذا أبطله بالتأويل فلم يبق معه ~~صحيح يحتج به على خصمه كما لم يبق معه منقول صريح، فإنه قد عرض المنقول ~~للتأويل، والمعقول الصريح خرج عنه بالذي ظن أنه معقول. # ومثال هذا أن العقل الصحيح الذي لا يكذب ولا يغلط قد حكم حكما لا يقبل ~~الغلط أن كل ذاتين قائمتين بأنفسهما إما أن تكون كل منهما مباينة للأخرى أو ~~محايثة لها، وأنه يمتنع أن تكون هذه الذات قائمة بنفسها، وإحداهما ليست فوق ~~الأخرى، ولا تحتها، ولا عن يمينها ms080 ولا عن يسارها ولا محايثة ولا داخلة فيها ~~ولا خارجة عنها، فإذا خولف مقتضى هذا المعقول الصريح ودفع موجبه، فأي دليل ~~عقلي احتج به المخالف بعد هذا على مبطل أمكنه دفعه هو به حكم هذا العقل. # PageV01P095 # الوجه الأربعون: أن الأدلة القاطعة قد قامت على صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فيما يخبر به، ودلالتها على صدقه أبين وأظهر من دلالة الشبه العقلية ~~على نقيض ما أخبر به عند كافة العقلاء، ولا يستريب في ذلك إلا مصاب في عقله ~~وفطرته، فأين الشبه النافية لعلو الله على خلقه، وتكلمه بمشيئته، وتكليمه ~~لخلقه، ولصفات كماله، ولرؤيته بالأبصار في الآخرة ولقيام أفعاله به، إلى ~~براهين نبوته التي زادت على الألف وتنوعت كل التنوع، فكيف يقدح في البراهين ~~العقلية الضرورية بالشبه الخالية المتناقضة؟ وهل ذلك إلا من جنس الشبه التي ~~أوردوها في التشكيك في الحسيات والبدهيات، فإنها وإن عجز كثير من الناس عن ~~حلها فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس والاضطرار، فمن قدر على حلها ~~وإلا لم يتوقف حزمه بما علمه بحسه واضطراره على حلها. # وكذلك الحال في الشبه التي عارضت ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~سواء، فإن المصدق به وبما جاء به يعلم أنها لا تقدح في صدقه ولا في الإيمان ~~به، فإن عجز عن حلها فإن تصديقه بما جاء به الرسول ضروري، وهذه الشبهة عنده ~~لا تزيل ما علمه بالضرورة، فكيف إذا تبين بطلانها على التفصيل؟ يوضحه: # الوجه الحادي والأربعون: وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين مراده، ~~وقد تبين أكثر مما تبين لنا كثير من دقائق المعقولات الصحيحة، ومعرفتنا ~~بمراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه فوق معرفتنا بتلك الدقائق إذا ~~كانت صحيحة المقدمات في نفسها صادقة النتيجة غير كاذبة، فكيف إذا كان الأمر ~~فيها بخلاف ذلك ; فتلك التي تسمى معقولات قد تكون خطأ ولكن لم يتفطن ~~لخطئها، وأما كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم فقد قام البرهان القاطع على ~~صدقه، ولكن قد يحصل الغلط في ms081 فهمه فيفهم منه ما يخالف صريح العقل، فيقع ~~التعارض بين ما فهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل، فهذا لا يدفع، ~~ولكن إذا تأمله من وهبه الله حسن القصد وصحة التصور تبين له أن المعارضة ~~واقعة بين ما فهمه النفاة من النصوص وبين العقل الصريح، وأنها غير واقعة ~~بين ما دل عليه النقل وبين العقل. # ومن أراد معرفة هذا فليوازن بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليتبين ~~له مطابقة أحدهما للآخر، ثم يوازن بين أقوال النفاة وبين العقل الصريح، ~~فإنه يتبين له حينئذ أن النفاة أخطأوا خطأين: خطأ على السمع، فإنهم فهموا ~~منه خلاف مراد المتكلم، وخطأ على العقل بخروجهم عن حكمه. # PageV01P096 # الثاني والأربعون: أن المعارضين بين العقل والنقل الذي أخبر به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قد اعترفوا بأن العلم بانتفاء المعارض مطلقا لا سبيل ~~إليه، إذ ما من معارض نفسه إلا ويحتمل أن يكون له معارض آخر، وهذا مما ~~اعتمد صاحب نهاية العقول وجعل السمعيات لا يحتج بها على العلم بحال، وحاصل ~~هذا أنا لا نعلم ثبوت ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نعلم ~~انتفاء ما يعارضه، ولا سبيل إلى العلم بانتفاء المعارض مطلقا لما تقدم، ~~وأيضا فلا يلزم من انتفاء العلم بالمعارض، ولا ريب أن هذا القول أفسد أقوال ~~العالم، وهو من أعظم أصول أهل الإلحاد والزندقة، وليس في عزل الوحي عن ~~رتبته أبلغ من هذا. # الثالث والأربعون: أن الله سبحانه قد أخبر في كتابه أن ما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين فقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: 54] ~~وقال تعالى: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] وقال ~~تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وقد شهد ~~الله له وكفى بالله شهيدا بالبلاغ الذي أمر به فقال: {فتول عنهم فما أنت ~~بملوم} [الذاريات: 54] وشهد له أعقل الخلق وأعلمهم وأفضلهم بأنه قد بلغ، ~~فأشهد الله عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله، فقال في خطبته في عرفات ms082 في حجة ~~الوداع: " «إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ~~وأديت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السماء مستشهدا بربه الذي فوق سماواته، وقال: ~~" اللهم اشهد» " فلو لم يكن عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به وحصل لهم منه ~~العلم واليقين، لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين، ولما رفع عنه اللوم، ~~وغاية ما عند النفاة أنه يفهمهم ألفاظا لا تفيدهم علما ولا يقينا، وأحالهم ~~في طلب العلم واليقين على عقولهم وفطرهم وآرائهم، لا على ما أوحي إليه، هذا ~~معلوم البطلان بالضرورة. # الرابع والأربعون: أن عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل عقول أهل ~~الأرض على # PageV01P097 # الإطلاق فلو وزن عقله بعقولهم لرجحها، وقد أخبر الله أنه قبل الوحي لم ~~يكن يدري ما الإيمان، كما لم يكن يدري ما الكتاب، فقال الله تعالى: {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] ~~وقال تعالى: {ألم يجدك يتيما فآوى - ووجدك ضالا فهدى - ووجدك عائلا فأغنى} ~~[الضحى: 6 - 8] وتفسير هذه الآية بالآية التي في آخر سورة الشورى، فإذا كان ~~أعقل الخلق على الإطلاق إنما حصل له الهدى بالوحي كما قال تعالى: {قل إن ~~ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} ~~[سبأ: 50] فكيف يحصل لسفهاء العقول وأخفاء الأحلام الاهتداء إلى حقائق ~~الإيمان بمجرد عقولهم دون نصوص الوحي، حتى اهتدوا بتلك الهداية إلى ~~المعارضة بين العقل ونصوص الأنبياء {لقد جئتم شيئا إدا - تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} [مريم: 89 - 90] . # الخامس والأربعون: أن الله سبحانه إنما أقام الحجة على خلقه بكتابه ~~ورسله، فقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا} [الفرقان: 1] وقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن ~~بلغ} [الأنعام: 19] فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة ~~الله، وقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ms083 به ومن بلغ} [الأنعام: ~~19] وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وقال ~~تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير - قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير - ~~وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 8 - 10] فلو ~~كان كلام الله ورسوله لا يفيد اليقين والعلم، والعقل معارض له، فأي حجة ~~تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسل، وهل هذا القول إلا مناقض لإقامة ~~حجة الله بكتابه من كل وجه؟ # الوجه السادس والأربعون: أنه سبحانه بين لعباده بأنه يبين لهم غاية ~~البيان، وأمر رسوله بالبيان، وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبين للناس، ولهذا ~~قال الزهري: (من الله # PageV01P098 # البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) فهذا البيان الذي تكفل به ~~سبحانه وأمر به رسوله إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى ~~وحده، أو اللفظ والمعنى جميعا، ولا يجوز أن يكون المراد بيان اللفظ دون ~~المعنى، فإن هذا لا فائدة فيه، ولا يحصل به مقصود الرسالة، وبيان المعنى ~~وحده بدون دليله، وهو اللفظ الدال عليه، ممتنع، فعلم أن المراد بيان اللفظ ~~والمعنى، فكما نقطع أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين اللفظ فكذلك نتيقن ~~أنه بين المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ، ~~وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه، فكيف ~~تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود، وكيف يتيقن بيانه للوسيلة ~~ولا يتيقن بيانه للمقصود؟ وهل هذا إلا من أبين المحال؟ فإن جاز عليه أن لا ~~يبين المراد من ألفاظ القرآن جاز عليه أن لا يبين بعض ألفاظه، فلو كان ~~المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها دون مدلولاتها، وقد كتمه عن الأمة ولم ~~يبينه لها، كان ذلك قدحا في رسالته وعصمته، وفتحا للزنادقة من الرافضة ~~وغيرهم باب كتمان بعض ما أنزل الله، وهذا مناف للإيمان به وبرسالته، يوضحه: # الوجه السابع والأربعون: أن القائل ms084 بأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، ~~إما أن يقول: إنها تفيد ظنا أو لا تفيد علما ولا ظنا، فإن قال: لا تفيد ~~علما ولا ظنا فهو مع مكابرته للعقل والسمع والفطرة الإنسانية من أعظم الناس ~~كفرا وإلحادا، وإن قال: بل تفيد ظنا غالبا وإن لم تفد يقينا، قيل له: فالله ~~تعالى قد ذم الظن المجرد وأهله فقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن ~~لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] فأخبر أن الظن لا يوافق الحق ولا ~~يطابقه، وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ~~ربهم الهدى} [النجم: 23] وقال أهل النار: {إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين} [الجاثية: 32] فلو كان ما أخبر الله به عن أسمائه وصفاته واليوم ~~الآخر، وأحوال الأمم وعقوباتهم، لا تفيد إلا ظنا لكان المؤمنون إن يظنون ~~إلا ظنا وما هم بمستيقنين، ولكان قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} ~~[البقرة: 4] خبرا غير مطابق، فإن علمهم بالآخرة إنما استفادوه من الأدلة ~~اللفظية، لا سيما وجمهور المتكلمين يصرحون بأن المعاد إنما علم بالنقل، ~~فإذا # PageV01P099 # كان النقل لا يفيد يقينا لم يكن في الأمة من يوقن بالآخرة، إذ الأدلة ~~العقلية لا مدخل لها فيها، وكفى بهذا بطلانا وفسادا. # والله تعالى لم يكتف من عباده بالظن بل أمرهم بالعلم كقوله: {فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله} [محمد: 19] وقوله: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله ~~غفور رحيم} [المائدة: 98] وقوله: {واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} ~~[البقرة: 223] ونظائر ذلك، وإنما يجوز اتباع الظن في بعض المواضع للحاجة، ~~كحادثة يخفى على المجتهد حكمها، أو في الأمور الجزئية كتقويم السلع ونحوه، ~~وأما ما بينه الله في كتابه على لسان رسوله فمن لم يتيقنه بل ظنه ظنا، فهو ~~من أهل الوعيد ليس من أهل الإيمان، فلو كانت الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ~~لكان ما بينه الله ورسوله بالكتاب والسنة لم يتيقنه أحد من الأمة. # الثامن والأربعون: قوله: إن العلم بمدلول الأدلة اللفظية موقوف على نقل ~~اللغة، كلام ظاهر البطلان، فإن دلالة ms085 القرآن والسنة على معانيها من جنس ~~دلالة لغة كل قوم على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة، وهذا لا يختص ~~بالعرب، بل هو أمر ضروري لجميع بني آدم، إنما يتوقف العلم بمدلول ألفاظهم ~~على كونهم من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطب، ولهذا لم يرسل ~~الله رسولا إلا بلسان قومه ليبين لهم، فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من ~~خطابه لهم، فدلالة اللفظ هي العلم بقصد المتكلم به. ويراد بالدلالة أمران: ~~فعل الدال، وكون اللفظ بحيث يفهم معنى، ولهذا يقول دله بكلامه دلالة، ودل ~~الكلام على هذا دلالة، فالمتكلم دال بكلامه، وكلامه دال بنظامه، وذلك يعرف ~~من عادة المتكلم في ألفاظه، فإذا كانت عادته أنه يعني بهذا اللفظ هذا ~~المعنى، علمنا متى خاطبنا به أنه أراده من وجهين: أحدهما: أن دلالة اللفظ ~~مبناها على عادة المتكلم التي يقصدها بألفاظه، وكذا على مراده بلغته التي ~~عادته أن يتكلم بها، فإذا عرف السامع ذلك المعنى وعرف أن عادة المتكلم إذا ~~تكلم بذلك اللفظ أن يقصده، علم أنه مراده قطعا، وإلا لم يعلم مراد متكلم ~~أبدا، وهو محال. # الثاني: أن المتكلم إذا كان قصده إفهام المخاطبين كلامه وعلم المخاطب ~~السامع اليقين بمراده، ولم يشك فيه، ولو تخلف عنه العلم لكان ذلك قادحا في ~~أحد # PageV01P100 # العلمين، إما قادحا في علمه في موضوع ذلك اللفظ، وإما في علمه بعبارة ~~المتكلم به وصفاته وقصده، فمتى عرف موضوعه عادة المتكلم به أفاده ذلك ~~القطع، يوضحه: # التاسع والأربعون: أن السامع متى سمع المتكلم يقول: لبست ثوبا، وركبت ~~فرسا، وأكلت لحما، وهو عالم بمدلول هذه الألفاظ من عرف المتكلم، وعالم أن ~~المتكلم لا يقصد بقوله: لبست ثوبا معنى ذبحت شاة، ولا من قوله: ركبت فرسا ~~معنى لبست ثوبا، علم مراده قطعا، فإنه يعلم أن قصد خلاف ذلك عد ملبسا مدلسا ~~لا مبينا مفهما، وهذا مستحيل على الله ورسوله أعظم استحالة وإن جاز على أهل ~~التخاطب فيما بينهم. # فإذا إفادة كلام الله ورسوله اليقين فوق استفادة ذلك من كلام ms086 كل متكلم، ~~وهذا أدل على كلام الله ورسوله من دلالة كلام غيره على مراده، وكلما كان ~~السامع أعرف بالمتكلم وقصده وبيانه وعادته، كانت استفادته للعلم بمراده ~~أكمل وأتم. # الخمسون: أن قوله: " إن فهم الدلالة اللفظية موقوف على نقل النحو ~~والتصريف " جوابه أن القرآن قد نقل إعرابه كما نقلت ألفاظه ومعانيه، لا فرق ~~في ذلك كله، فألفاظه متوافرة وإعرابه متواتر، ونقل معانيه أظهر من نقل ~~ألفاظه وإعرابه، كما تقدم بيانه، ونقل جميع ذلك بالتواتر أصح من نقل كل لغة ~~نقلها ناقل على وجه الأرض، وقواعد الإعراب والتصريف الصحيحة مستفادة منه، ~~مأخوذة عن إعرابه وتصريفه، وهو الشاهد على صحة غيرها مما يحتج له بها، فهو ~~الحجة لها والشاهد، وشواهد الإعراب والمعاني منه أقوى وأصح من الشواهد من ~~غيره، حتى إن فيه من قواعد الإعراب وقواعد المعاني والبيان ما لم يشتمل ~~عليه ضوابط النحاة وأهل علم المعاني، فبطل قول هؤلاء: إن الأدلة اللفظية ~~تتوقف دلالتها على عصمة رواة مفردات تلك الألفاظ، يوضحه: # الحادي والخمسون: هب أنه يحتاج إلى نقل ذلك، لكن عامة ألفاظ القرآن منقول ~~معناها وإعرابها بالتواتر، لا يحتاج الناس فيه إلى نقل عن أهل العربية ~~كالخليل، وسيبويه، والأصمعي، وأبى عبيدة، والكسائي، والفراء، حتى الألفاظ ~~الغريبة في القرآن مثل " ابتلوا " و " {قسمة ضيزى} [النجم: 22] " و " ~~{عسعس} [التكوير: 17] " ونحوها، معانيها # PageV01P101 # منقولة في اللغة بالتواتر لا يختص بنقلها الواحد والاثنان، فلم تتوقف ~~دلالتها على عصمة رواة معانيها، فكيف في الألفاظ الشهيرة كالشمس، والقمر، ~~والليل، والنهار، والبر، والبحر، والجبال، فهذه الدعوى باطلة في الألفاظ ~~الغريبة والشهيرة، يوضحه: # الوجه الثاني والخمسون: أن أصحاب هذا القانون قالوا: أظهر الألفاظ لفظ ~~(الله) وقد اختلف الناس فيه أعظم اختلاف، هل هو مشتق أم لا؟ وهل هو مشتق من ~~التأليه أو من الوله أو من لاه إذا احتجب، وكذلك اسم الصلاة وفيه من ~~الاختلاف ما فيه، هل مشتق من الدعاء أو من الاتباع، أو من تحريك الصلوين، ~~فإذا كان هذا في أظهر الأسماء فما الظن بغيره. # فتأمل هذا الوهم والإيهام ms087 واللبس والتلبيس، فإن جميع أهل الأرض علمائهم ~~وجهلائهم، ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه، وعربهم وعجمهم يعلمون أن (الله) ~~اسم لرب العالمين، خالق السماوات والأرض، الذي يحيي ويميت، وهو رب كل شيء ~~ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى، وهو أظهر ~~عندهم وأعرف وأشهر من كل اسم وضع لكل مسمى، وإن كان الناس متنازعين في ~~اشتقاقه فليس ذلك بنزاع منهم في معناه. # وكذلك الصلاة لم يتنازعوا في معناها الذي أراده الله ورسوله وإن اختلفوا ~~في اشتقاقها، وليس هذا نزاعا في وجه الدلالة عليه، وكذلك قوله تعالى: {يبين ~~الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] يقدره البصريون كراهة أن تضلوا، ~~والكوفيون لئلا تضلوا، وكذلك اختلافهم في التنازع، وأمثال ذلك، إنما هو ~~نزاع في وجه دلالة اللفظ على ذات المعنى، مع اتفاقهم على أن المعنى واحد، ~~وهذا اللفظ لا يخرج اللفظ عن إفادته السامع اليقين بمسماه. # الثالث والخمسون: أن يقول: هذه الوجوه العشرة مدارها على حرف واحد، وهو: ~~أن الدليل اللفظي يحتمل أزيد من معنى واحد، فلا يقطع بإرادة المعنى الواحد. ~~فنقول: من المعلوم أن أهل اللغة لم يشرعوا للمتكلم أن يتكلم بما يريد به ~~خلاف # PageV01P102 # ظاهره إلا مع قرينة تبين المراد، والمجاز إنما يدل مع القرينة بخلاف ~~الحقيقة، فإنها تدل مع التجرد، وكذلك الحذف والإضمار لا يجوز إلا إذا كان ~~في الكلام ما يدل عليه، وكذلك التخصيص ليس لأحد أن يدعيه إلا مع قرينة تدل ~~عليه، فلا يسوغ العقلاء لأحد أن يقول: جاءني زيد، وهو يريد ابن زيد إلا مع ~~قرينة، كما في قوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] ، {والعير} [يوسف: ~~82] عند من يقول: إنه من هذا الباب، فإنه يقول: القرية والعير لا يسألان، ~~فعلم أنه أراد أهلها، ومن جعل القرية للسكان والمسكن، والعير اسما للركبان ~~والمركوب، لم يحتج إلى هذا التقدير. # وإذا كانت هذه الأنواع لا تجوز مع تجريد الكلام عن القرائن المبينة ~~للمراد، فحيث تجرد علمنا قطعنا أنه لم يرد بها ذلك، وليس لقائل أن يقول: قد ms088 ~~تكون القرائن موجودة ولا علم لنا بها ; لأن من القرائن ما يجب أن يكون ~~لفظيا كمخصصات الأعداد وغيرها، ومنها ما يكون معنويا كالقرائن الحالية ~~والعقلية، والنوعان لا بد أن يكونا ظاهرين للمخاطب ليفهم مع تلك القرائن ~~مراد المتكلم، فإذا تجرد الكلام عن القرائن فإن معناه المراد عند التجرد، ~~وإذا اقترنا بتلك القرائن فهم معناه المراد عند الاقتران، فلم يقع لبس في ~~الكلام المجرد ولا في الكلام المقيد، إذ كل من النوعين مفهم لمعناه المختص ~~به، وقد اتفقت اللغة والشرع أن اللفظ المجرد إنما يراد به ما ظهر منه، ~~وإنما يقدر مع احتمال مجاز أو اشتراك أو حذف أو إضمار ونحوه وإنما يقع مع ~~القرينة، أما مع عدمها فلا، والمراد على التقديرين، يوضحه: # الرابع والخمسون: أن غاية ما يقال: إن في القرآن ألفاظا استعملت في معان ~~لم تكن العرب تعرفها، وهي الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة والاعتكاف ~~ونحوها، والأسماء الدينية كالإيمان والإسلام والكفر والنفاق ونحوها، وأسماء ~~مجملة لم يرد ظاهرها كالسارق والسارقة والزاني والزانية ونحوها، وأسماء ~~مشتركة كالقرء وعسعس ونحوها، فهذه الأسماء لا تفيد اليقين بالمراد منها. # فيقال: هذه الأسماء جارية في القرآن على ثلاثة أنواع: نوع بيانه معه، فهو ~~مع # PageV01P103 # بيانه يفيد اليقين بالمراد منه، ونوع بيانه في آيات أخرى، فيستفاد اليقين ~~من مجموع الآيتين، ونوع بيانه موكل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيستفاد ~~اليقين من المراد منه ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم ولم نقل نحن ولا أحد ~~من العقلاء: إن كل لفظ هو مفيد اليقين بالمراد منه بمجرده من غير احتياج ~~إلى لفظ آخر متصلا به أو منفصلا عنه، بل نقول: إن مراد المتكلم يعلم من ~~لفظه المجرد منه والمقرون تارة، ومنه من لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده ~~تارة، ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة، وليس في ~~القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام، فالبيان ~~المقترن كقوله: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ~~[البقرة: ms089 187] وكقوله: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} [النساء: 95] وقوله: {فلبث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] ونظائر ذلك، والبيان المنفصل ~~كقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: 233] وقوله: ~~{وفصاله في عامين} [لقمان: 14] مع قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~[الأحقاف: 15] فأفاد مجموع اللفظين البيان بأن مدة أقل الحمل ستة أشهر. # وكذلك قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس} [النساء: 12] ومع قوله: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ~~[النساء: 176] وأنه من لا ولد له وإن سفل، ولا والد له وإن علا، وكذلك ~~قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] مع قوله: {فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] أفاد مجموع الخطابين ~~في الرجعيات دون البوائن، ومنه قوله تعالى: {والليل إذا عسعس - والصبح إذا ~~تنفس} [التكوير: 17 - 18] مع قوله: {كلا والقمر - والليل إذ أدبر - والصبح ~~إذا أسفر} [المدثر: 32 - 34] فإن مجموع الخطابين يفيد أن العلم بأن الرب ~~سبحانه أقسم بإدبار هذا وإقبال هذا، أو إقبال كل منهما على قول من فسر: ~~أدبر النهار # PageV01P104 # أي جاء في دبره، وعسعس بأقبل، فعلى هذا القول يكون القسم بإقبال الليل ~~وإقبال النهار، وقد يقال: وقع الإقسام في الآيتين بالنوعين. # وأما البيان الذي يحيل المتكلم عليه، فكلما أحال الله سبحانه على رسوله ~~في بيان ما أمرهم به من الصلاة والزكاة والحج، وفرائض الإسلام التي إنما ~~علمت مقاديرها وصفاتها وهيئاتها من بيان الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ~~يخرج خطاب القرآن عن هذه الوجوه الأربعة، فصار الخطاب مع بيانه مفيدا ~~لليقين بالمراد منه، كأن لم يكن بيانه متصلا به. # الخامس والخمسون: أن هذا القول الذي قاله أصحاب هذا القانون لم يعرف عن ~~طائفة من طوائف بني آدم، ولا طوائف المسلمين، ولا طوائف اليهود والنصارى، ~~ولا عن أحد من أهل الملل قبل هؤلاء، وذلك لظهور العلم بفساده، فإنه يقدح ~~فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق، فإن بني آدم ms090 يتكلمون ويخاطب ~~بعضهم بعضا مخاطبة ومكاتبة، وقد أنطق الله تعالى بعض الجمادات وبعض ~~الحيوانات بمثل ما أنطق بني آدم، فلم يسترب سامع النطق في حصول العلم ~~واليقين به، بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية، فقالت النملة لأمة ~~النمل: {ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون} [النمل: 18] فلم يشك النمل ولا سليمان في مرادها وفهموه يقينا، ~~ولما علم سليمان مرادها يقينا تبسم ضاحكا من قولها، وخطابه الهدهد فحصل ~~للهدهد العلم واليقين بمراد سليمان من كلامه. # وأرسل سليمان الهدية والكتاب، وفعل ما حكى الله لما حصل له اليقين بمراد ~~الهدهد من كلامه، وأنطق سبحانه الجبال مع داود بالتسبيح وعلم سليمان منطق ~~الطير، وأسمع الصحابة تسبيح الطعام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسمع ~~رسوله تسليم الحجر عليه، أفيقول مؤمن أو عاقل: إن اليقين لم يحصل للسامع ~~بشيء من مدلول هذا الكلام. # PageV01P105 # السادس والخمسون: أن أرباب هذا القانون الذين منعوا استفادة اليقين من ~~كلام الله ورسوله مضطربين في العقل الذي يعارض النقل أشد الاضطراب، ~~فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم بالمعقولات أشد الناس اضطرابا في هذا الباب من ~~طوائف أهل الملل، ومن أراد معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في كتب أهل ~~المقالات، كالمقالات الكبرى للأشعري والآراء والديانات للنوبختي، وغير ذلك، ~~وأما المتكلمون فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب. # فتأمل اضطراب فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام، وكل منهم ~~يدعي أن صريح العقل معه، وأن مخالفه قد خرج عن صريح العقل، ونحن نصدق ~~جميعهم، ونبطل عقل كل فرقهم بعقل الأخرى ثم نقول للجميع: بعقل من منكم يوزن ~~كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فما وافقه قبل وأقر عليه، وما خالفه ~~أول أو فوض إلى عقولكم: أعقل أرسطو وشيعته، أم عقل أفلاطون أم فيثاغورس، أم ~~بقراط، أم الفارابي، أم ابن سينا، أم محمد بن زكريا، أم ثابت بن قرة، أم ~~جهم بن صفوان، أم النظام، أو العلاف، أم الجبائي، أم بشر المريسي، أم ~~الإسكافي؟ . # أم توصون بعقول ms091 المتأخرين الذين هذبوا العقليات، ومخضوا زبدتها واختاروا ~~لأنفسهم، ولم توصوا بعقول سائر من تقدم؟ فهذا أفضلهم عندكم محمد بن عمر ~~الرازي، فبأي معقولاته تزنون نصوص الوحي وأنتم ترون اضطرابه فيها في كتبه ~~أشد اضطراب ولا يثبت على قول؟ # أم ترضون عقول القرامطة والباطنية والإسماعيلية، أم عقول الاتحادية؟ فكل ~~هؤلاء وأضعاف أضعافهم يدعي أن العقل الصريح معه، وأن مخالفيه خرجوا عن صحيح # PageV01P106 # المعقول، وهذه عقولهم تنادي عليهم، ولولا الإطالة لعرضناها على السامع ~~عقلا، وقد عرضها المعتنون بذكر المقالات، وهذه العقول إنما تفيد الريب ~~والشك والحيرة والجهل المركب. # فإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذ بالنقل الصحيح، ورمي بهذه العقول تحت ~~الأقدام، وحطت حيث حطها الله وأصحابها. # السابع والخمسون: أن أدلة القرآن والسنة نوعان: # أحدهما: يدل بمجرد الخبر. # والثاني: يدل بطريق التنبيه على الدليل العقلي. # والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله الدالة على ~~ربوبيته ووحدانيته، وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته، فآياته العيانية المشهودة ~~في خلقه تدل على صدق النوع الأول وهو مجرد الخبر، ولم تتجرد أخباره سبحانه ~~عن آية تدل على صدقها، بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على ~~صدقه وصدق رسوله ما فيه هدى وشفاء. # فقول القائل: إن تلك الأدلة لا يفيد اليقين، إن أراد به النوع المتضمن ~~لذكر الأدلة العقلية فهذا من أعظم البهت والوقاحة، فإن آيات الله التي ~~جعلها أدلة وحججا على وجوده ووحدانيته وصفات كماله إن لم تفد يقينا بمدلول ~~أبدا، وإن أراد به النوع الأول بمجرد الخبر فقد أقام الله سبحانه الأدلة ~~القطعية على ثبوته فلم يحل عباده فيه على خبر مجرد لا يستفيدون ثبوته إلا ~~من الخبر المجرد نفسه دون الدليل الدال على صدق الخبر، وهذا غير الدليل ~~العام الدال على صدقه فيما أخبر به، بل هو الأدلة على التوحيد وإثبات ~~الصفات والنبوات والمعاد وأصول الإيمان، فلا تجد كتابا قد تضمن من البراهين ~~والأدلة العقلية على هذه المطالب ما تضمنه القرآن، فأدلته القطعية عقلية ~~وإن لم تفد اليقين {فبأي حديث بعد ms092 الله وآياته يؤمنون} [الجاثية: 6] . # ففي هذا كسر الطاغوت الأول، وهو قولهم: إن الأدلة اللفظية لا تفيد ~~اليقين. # PageV01P107 ### | [كسر الطاغوت الثاني وهو قولهم إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل] # كسر الطاغوت الثاني # وهو قولهم: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل، لأنه لا يمكن الجمع ~~بينهما ولا إبطالهما، ولا يقدم النقل، لأن العقل أصل النقل، فلو قدمنا عليه ~~النقل لبطل العقل، وهو أصل النقل، فلزم بطلان النقل، فيلزم من تقديم النقل ~~بطلان العقل والنقل، فتعين القسم الرابع وهو تقديم العقل. # فهذا الطاغوت أخو ذلك القانون، فهو مبني على ثلاث مقدمات: # الأولى: ثبوت التعارض بين العقل والنقل، والثانية: انحصار التقسيم في ~~الأقسام الأربعة التي ذكرت فيه، الثالثة: بطلان الأقسام الثلاثة ليتعين ~~ثبوت الرابع. # وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه، وبين بطلان هذه ~~الشبهة وكسر هذا الطاغوت في كتابه الكبير فنحن نشير إلى كلمات يسيرة هي ~~قطرة من بحره تتضمن كسره، وذلك يظهر من وجوه: # الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطل من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا ~~تعارض دليلان سمعيان أو عقليان، أو سمعي وعقلي، فإما أن يكونا قطعيين، وإما ~~أن يكونا ظنيين، وإما أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، فأما القطعيان فلا ~~يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة، لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم ~~مدلوله قطعيا، ولو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وهذا لا يشك فيه أحد من ~~العقلاء، وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا تعين تقديم القطعي، سواء كان ~~عقليا أو سمعيا، وإن كانا ظنيين صرنا إلى الترجيح ووجب تقديم الراجح منهما، ~~وهذا تقسيم راجح متفق على مضمونه بين العقلاء، فأما إثبات التعارض بين ~~الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقا فخطأ واضح معلوم الفساد. # الوجه الثاني: أن قوله: إذا تعارض العقل والنقل فإما أن يريد به القطعيين ~~فلا نسلم إمكان التعارض، وإما أن يريد به الظنيين فالتقديم الراجح مطلقا، ~~وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم أن ms093 ~~تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ، وأن جعل سبب ~~التأخير والاطراد كونه نقليا خطأ. # الوجه الثالث: قوله: إن قدمنا النقل لزم الطعن في أصله ممنوع فإن قوله: # PageV01P109 # العقل أصل النقل، إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، وأصل في ~~علمنا بصحته، فالأول لا يقوله عاقل، فإنما هو ثابت في نفس الأمر، ليس ~~موقوفا على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينافي ثبوتها في نفس الأمر، ~~فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أم لم ~~نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أنه رسول الله حقا وإن كذبه من ~~كذبه، كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، سواء علمناه بعقولنا ~~أو لم نعلمه، فلا يتوقف ذلك على وجودنا، فضلا عن علومنا وعقولنا، فالشرع ~~المنزل من عند الله مستغن في علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه أن ~~نعلمه، فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن له قبل ذلك، وإذا فقده كان ~~ناقصا جاهلا. # وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته، وهذا هو ~~مراده، فيقال له: أتعني بالعقل القوة الغريزية التي فينا، أم العلوم ~~المستفادة بتلك الغريزة؟ فالأول لم يرده، ويمتنع إرادته ; لأن تلك الغريزة ~~ليست علما يمكن معارضته للنقل، وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي، وما ~~كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له، وإن أردت العلم والمعرفة ~~الحاصلة بالعقل، قيل لك: ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على ~~صحته، فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر، والعلم بصحة السمع غايته يتوقف ~~على ما به يعلم صدق الرسول من العقليات، وليس كل العلوم العقلية يعلم بها ~~صدق الرسول، بل ذلك بالآيات والبراهين الدالة على صدقه، فعلم أن جميع ~~المعقولات ليست أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ; لا سيما ~~وأكثر متكلمي أهل الإثبات كالأشعري في أحد قوليه، وأكثر أصحابه يقولون: ms094 إن ~~العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم عند ظهور المعجزات الحادثة ضروري، ~~فما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير، مع أن العلم ~~بصدقه له طرق كثيرة متنوعة، وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما ~~لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه، لم يكن القدح فيه قدحا في أصل السمع، وهذا ~~بحمد الله بين واضح، وليس القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها، كما أنه ~~ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في جميعها، فلا يلزم من صحة المنقولات التي ~~تبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد ~~تلك، فلا يلزم من تقديم السمع على ما يقال: إنه معقول في الجملة القدح في ~~أصله. # PageV01P110 # الرابع: أن يقال: إما أن يكون عالما بصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس ~~الأمر، وإما أن لا يكون عالما بذلك، فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده ; ~~لأن المعقول إن كان معلوما لم يتعارض معلوم ومجهول، وإن لم يكن معلوما لم ~~يتعارض مجهولان، وإن كان عالما بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع ألا ~~يعلم بثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، إذا علم أنه أخبر به وهو عالم بصدقه ~~لزم ضرورة أن يكون عالما بثبوت مخبره، وإذا كان كذلك استحال أن يقع عنده ~~دليل يعارض ما أخبر به، ويكون ذلك المعارض واجب التقديم، إذ مضمون ذلك أن ~~يقال: لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به ; لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت ~~من أن المخبر صادق، وحقيقة ذلك، لا تصدقه في هذا الخبر ; لأن تصديقه يستلزم ~~عدم تصديقه، فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور، فإذا قيل ~~لي: لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه كان كما لو قيل: كذبه لئلا يلزم تكذيبه، ~~فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علمه لأنه أخبر به بعد ~~علمهم أنه رسول لئلا يفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه، يوضحه: # الوجه الخامس: وهو أن المنهي عنه ms095 من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين ~~المحذور، فيكون واقعا في المنهي عنه سواء أطاع أو عصى، ويكون تاركا ~~للمأمورية سواء أطاع أو عصى، ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير ~~الطاعة أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية، والمنهي عنه على هذا التقدير هو ~~التصديق، والمأمور به هو التكذيب، وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان ~~محذورا أو لم يكن، فإن لم يكن محذورا لم يجز أن ينهى عنه، وإذا كان محذورا ~~فلا بد منه على التقديرين. # الوجه السادس: أنه إذا قيل له: لا تصدقه في هذا كان آمرا له بما يناقض ما ~~علم به صدقه، فكان آمرا بما يوجب أن لا يثق بشيء من غيره، فإنه متى جوز ~~كذبه أو غلطه في خبر جوز ذلك في غيره، ولهذا أفضى الأمر بمن سلك هذا الطريق ~~إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا من الأمور ~~الخبرية المتعلقة بصفات الرب سبحانه وتعالى وأفعاله، بل ولا باليوم الآخر ~~عند بعضهم، لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أنواع: نوع يجب رده ~~وتكذيبه، ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته، ونوع يقر، وليس لهم في ذلك ~~أصل يرجعون إليه، بل يقول: ما أثبته عقلك فأثبته وما نفاه عقلك فانفه، وهذا ~~يقول: ما أثبته كشفك فأثبته وما لا فلا، ووجود الرسول عندهم كعدمه في ~~المطالب الإلهية ومعرفة الربوبية، بل على قولهم وأصولهم وجوده # PageV01P111 # أضر من عدمه، لأنهم لا يستفيدون من جهته علما بهذا الشأن، واحتاجوا إلى ~~دفع ما جاء به، إما بتكذيب، وإما بتأويل، وإما بإعراض وتفويض. # فإذا قيل: لا يمكن أنه يعلم أنه أخبر بما ينافي العقل فإنه منزه عن ذلك ~~وممتنع عليه ذلك، قيل: فهذا إقرار باستحالة معارضة العقل للسمع واستحالة ~~المسألة، وعلم أن جميع أخباره لا تناقض العقل. # قعد النقل سالما من مناف ... واسترحنا من الصداع جميعا # فإن قيل: بل المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهمه ظاهر اللفظ، وليست ~~ثابتة بين العقل وبين نفس ما أخبر به ms096 الرسول صلى الله عليه وسلم فالمعارضة ~~ثابتة بين العقل وبين ما يظن أنه دليل وليس بدليل، أو يكون دليلا ظنيا ~~لتطرق الظن إلى بعض مقدمات إسناده أو امتناعا؟ # قيل: وهذا رفع صورة المسألة ويحيلها بالكلية، ويصير صورتها هكذا: إذا ~~تعارض الدليل القولي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقل، وهو كلام لا ~~فائدة فيه ولا حاصل له، وكل عاقل يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل. # ثم يقال: إذا فسرتم الدليل السمعي بما ليس بدليل في نفس الأمر، بل اعتقاد ~~دلالته جهل، أو بما يظن أنه دليل وليس دليلا، فإن كان السمع في نفس الأمر ~~كذلك لكونه خبرا مكذوبا أو صحيحا، ولكن ليس فيه ما يدل على معارضته العقل ~~بوجه، وأبيتم التعارض والتقديم بين هذين النوعين فساعدناكم عليه، وكلنا ~~أسعد بذلك منكم، فأنا أشد منكم نفيا للأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأشد إبطالا لما تحمله من المعاني الباطلة، وإن كان الدليل ~~السمعي صحيحا في نفسه ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من ~~العقليات إلا خياليات فاسدة. # السابع: أن يقال: لو قد عارض العقل للشرع لوجب تقديم الشرع ; لأن العقل ~~قد صدق الشرع، ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، والشرع لم يصدق العقل في كل ~~ما أخبر به، ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر به العقل، ومعلوم ~~أن هذا المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم، كما قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من ~~العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه، وقال آخر: ~~العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه ; ولأن العقل دل على أن الرسول يجب ~~تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ; ولأن العقل يدل على صدق الرسول دلالة ~~عامة مطلقة، ولا يدل على # PageV01P112 # صدق قضايا نفسه دلالة عامة ; ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس، وأكثر من ~~غلطه بكثير، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما ~~يعرض، فما الظن بالعقل. # الثامن: أن ms097 الدليل الدال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو قبول قوله ~~لا يجب أن يكون أصلا له، بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول عليه على ~~قوله يلزم إبطاله، وهذا لا يقوله من يدري ما يقول، غايته أن العلم بالدليل ~~أصل العلم بالمدلول، فإذا حصل العلم بالمدلول لم يلزم من ذلك تقديم الدليل ~~عليه في كل شيء، فإذا شهد الناس لرجل بأنه خبير بالطب أو التقويم أو ~~القيافة دونهم، ثم نازع الشهود المشهود له في ذلك وجب تقديم قول المشهود ~~له، فلو قالوا: نحن شهدنا لك وزكيناك وبشهادتنا ثبتت أهليتك، فتقديم قولك ~~علينا والرجوع إليك دوننا يقدح في أصل الذي ثبت به قولك، قال لهم: أنتم ~~شهدتم بما علمتم أني أهل لذلك دونكم، وأن قولي فيه مقبول دونكم، فلو قدمت ~~أقوالكم على قولي فيما اختلفنا فيه لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم بأني ~~أعلم منكم. ### | [تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع] # وحينئذ فهذا وجه تاسع مستقل بكسر هذا الطاغوت، وهو أن تقديم العقل على ~~الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع ; لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه ~~أعلم منه، وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من ~~خردلة بالإضافة إلى جبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته، ~~وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه ~~وفي الشرع، وهذا ظاهر لا خفاء به، يوضحه: # الوجه العاشر: وهو أن الشرع مأخوذ عن الله بواسطة الرسولين والبشر بينه ~~وبين عباده، مؤيدا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ~~ويقتضيه تارة ويستحسنه تارة ويجوزه تارة ويضعف عن دركه تارة، فلا سبيل له ~~إلى الإحاطة به، ولا بد له من التسليم له والانقياد لحكمه والإذعان والقبول ~~وهناك يسقط (لم) ويبطل (كيف) وتزول (هلا) وتذهب (لو، وليت) في الريح، لأن ~~اعتراض المعترض عليه مردود، واقتراح المقترح ما ظن أنه أولى منه سفه، وجملة ~~الشريعة مشتملة على أنواع ms098 الحكمة علما وعملا، حتى لو جمعت حكم جميع الأمم ~~ونسبت إليها لم تكن لها إليها نسبة، وهي متضمنة لأعلى المطالب بأقرب الطرق ~~وأتم البيان فهي متكفلة بتعريف # PageV01P113 # الخليقة ربها وفاطرهم المحسن إليها بأنواع الإحسان بأسمائه وصفاته ~~وأفعاله، وتعريف الطريق الموصل إلى رضاه. # ويقابل ذلك تعريف حال الداعي إلى الباطل والطرق الموصلة إليه، وحال ~~السالكين تلك الطريق وإلى أين تنتهي بهم، ولهذا تقبلها العقول الكاملة أحسن ~~تقبل بالتسليم والإذعان، وتستدير حولها بحماية حوزتها والذب عن سلطانها، ~~فمن ناصر باللغة الشايعة، وحام بالعقل الصريح، وذاب عنه بالبرهان، ومجاهد ~~بالسيف والرمح والسنان ومتفقه في الحلال والحرام، ومعتن بتفسير القرآن ~~وحافظ المتون والسنة وأسانيدها ومفتش عن أحوال رواتها وناقد لصحيحها من ~~سقيمها ومعلولها من سليمها. # فهذه الشريعة ابتداؤها من الله وانتهاؤها إليه ليس فيها حديث المنجم في ~~تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك وهيئاتها ومقادير الأجرام ولا حديث التربيع ~~والتثليث والتسديس والمقارنة، ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر في آثارها، ~~واشتباك الاستفاضات وامتزاجها وقوامها، وما يتعلق بالحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة، وما الفاعل منها وما المنفعل، ولا فيها حديث لمهندس ولا ~~لباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها، وسطوحها وأجسامها وأضلاعها ~~وزواياها ومعاطفها، وما الكرة وما الدائرة والخط المستقيم والمنحنى، ولا ~~فيها هذيان المنطقيين ونحوهم في النوع والجنس والفصل والخاصة والعرض العام، ~~والمقولات العشر، والمختلطات والموجهات الصادر عن رجل مشرك من يونان كان ~~يعبد الأوثان ولا يعرف الرحمن، ولا يصدق بمعاد الأبدان، ولا أن الله يرسل ~~رسولا بكلامه إلى نوع الإنسان. # فجعل هؤلاء المعارضون بين العقل والنقل، عقل هذا الرجل معيارا على كتب ~~الله المنزلة وما أرسل به رسله، فما زكاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه ~~بعقله قبلوه، وما لم يزكه تركوه. # ولو كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء صحيحة لكان صاحب الشريعة يقوم ~~شريعته بها ويكملها باستعوالها، وكان الله تعالى ينبه عليها ويحض على ~~التمسك بها. # فيا للعقول أين الدين من الفلسفة؟ وأين كلام رب العالمين من آراء اليونان ~~والمجوس وعباد الأصنام والصابئين؟ والوحي حاكم والعقل محكوم ms099 عليه. # PageV01P114 # فإن قالوا: إنما نقدم العقل الصريح الذي لم يختلف فيه اثنان على نصوص ~~الأنبياء، فقد رموا الأنبياء بما هم أبعد الخلق منه، وهو أنهم جاءوا بما ~~يخالف العقل الصريح، هذا وقد شهد الله وكفى بالله شهيدا بشهادته والملائكة ~~وأولو العلم أن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الطريقة البرهانية ~~للحكمة، كما قال تعالى: {ياأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} [النساء: ~~174] ، وقال تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم} ~~[النساء: 113] فالطريقة البرهانية هي الواردة بالوحي الناظمة للرشد، ~~الداعية إلى الخير، الواعدة لحسن المآب المبينة لحقائق الأنباء، المعرفة ~~بصفات رب الأرض والسماء، وأن الطريقة التقليدية التخمينية هي المأخوذة من ~~المقدمتين والنتيجة والدعوى التي ليس مع أصحابها إلا الرجوع إلى رجل من ~~يونان وضع بعقله قانونا يصحح بزعمه علوم الخلائق وعقولهم، فلم يستفد به ~~عاقل تصحيح مسألة واحدة في شيء من علوم بني آدم، بل ما وزن به علم إلا ~~أفسده، وما برع فيه أحد إلا انسلخ من حقائق الإيمان كانسلاخ القميص عن ~~الإنسان. ### | إتمام الله لدينه لا يحوجنا إلى العقل # الحادي عشر: أن الله تعالى قد تمم الدين بنبيه صلى الله عليه وسلم وكمله ~~به، ولم يحوجه هو ولا أمته إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشف. ~~قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} [المائدة: 3] وأنكر على من لم يكتف بالوحي فقال: {أولم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} ~~[العنكبوت: 51] ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه، فأخبر أنه يكفيهم ~~من كل آية، فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم ~~الآخر يناقض العقل لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا، وسيأتي في ~~الوجه الذي بعد هذا بيان أن تقديم العقل على النقل يبطل كون القرآن آية ~~وبرهانا على صحة النبوة. # والمقصود أن الله سبحانه تمم الدين وأكمله بنبيه ms100 صلى الله عليه وسلم وما ~~بعثه به فلم يحوج أمته إلى سواه، فلو عارضه العقل وكان أولى بالتقديم منه ~~لم يكن كافيا للأمة ولا تاما في نفسه، وفي مراسيل أبي داود أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «رأى بيد عمر ورقة فيها شيء من # PageV01P115 # التوراة فقال: " كفى بقوم ضلالة أن تبعوا كتابا غير كتابهم، أنزل على نبي ~~غير نبيهم» " فأنزل الله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51] وقال تعالى: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . # فأقسم سبحانه أنا لا نؤمن حتى نحكم رسوله في جميع ما شجر بيننا وتتسع ~~صدورنا لحكمه، فلا يبقى فيها حرج، ونسلم لحكمه تسليما فلا نعارضه بعقل ولا ~~رأي، فقد أقسم الله سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون ~~العقل على ما جاء به الرسول، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين ~~بمعناه وإن آمنوا بلفظه. # وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] وهذا ~~نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده، فهو الحاكم ~~فيه على لسان رسوله، فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بكتابه، ~~وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عما ~~خالفه، وأخبر أن كتابه بينة وهدى وشفاء ورحمة ونور مفصلا وبرهانا وحجة ~~وبيانا، فلو كان في العقل ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء ~~من ذلك، بل كانت هذه الصفات للعقل دونه. ### | اتفاق العقل والنقل # الثاني عشر: أن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور ~~أن يعارضه الشرع البتة، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل ~~الكبار وجد ما خلف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل ms101 بطلانها، بل ~~يعلم بالعقل ثبوت نقيضها، فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر ~~والنبوات والمعاد، تجد ما يدل عليه صريح العقل لم يخالفه لما دل عليه ~~العقل، ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول وإن أخبروا ~~بمجازات العقول، فلا يخبرون بما يحيله العقل. # PageV01P116 # الثالث عشر: أن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد ~~الأبدان التي يسميها أربابها حججا عقلية في كل معارضة للنقل، وهي أقوى من ~~الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل ومن جنسها أو قريب ~~منها، كما قيل: # دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاه مغنيا عن مكانها # فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها # قد أورد على القدح في النبوات ثمانين شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية، وأورد ~~على إثبات وجود الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة، وأورد على المعاد مثل ذلك، ~~والله يعلم أن هذه الشبه من جنس شبه نفاة الصفات وعلو الله على خلقه ~~وتكليمه وتكلمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة، لكن نفقت هذه الشبهة بجاه ~~نسبة أربابها إلى الإسلام وأن القوم يذبون على دين الله وينزهون الرب عما ~~لا يليق به، وإلا فعند التحقيق القاع عرفج، ولا فرق بين الشبه المعارضة ~~لأصل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الشبه المعارضة لما أخبر به، ومن ~~تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال، وربما وجد الشبه القادحة في أصل النبوة ~~أكثر من الشبه المعارضة لما أخبرت به الرسل. # فنقول لمن قدم المعقول على ما أخبر به الرسول: هل تقدم المعقول المعارض ~~لأصل الرسالة والنبوة وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما تعلم أن صدرك لم ينثلج ~~له، فإن تلك الأجوبة مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك، فمرة تثبتها ومرة ~~تنفيها ومرة تقف فيها، أن تطرح تلك المقولات وتشهد بفسادها، فهلا سلكت في ~~المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك، فكانت السبيل واحدة؟ ~~يوضحه: # الوجه الرابع عشر: وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على النفاة ~~الجهمية ms102 بما ساعدوا عليه من تلك الشبه، وقالوا: كيف يكون رسولا صادقا من ~~يخبر بما يخالف صريح العقل، ولا يتكلم ولا يرى ; ولا يشار إليه ولا ينتقل ~~من مكان إلى مكان ولا تحله الحوادث ولا له وجه ولا يد ولا أصبع ولا سمع ولا ~~بصر ولا علم ولا حياة ولا قدرة زايدة على مجرد ذاته، ومن أصولنا وأصولكم ~~أنه لم يقم بذاته فعل ولا وصف ولا حركة ولا استواء ولا نزول ولا غضب ولا ~~رضى فضلا عن الفرح والضحك، ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر أنه لم يتكلم ~~بهذا القرآن ولا بالتوراة ولا # PageV01P117 # بالإنجيل وإنما ذلك كلام شيء عنه بإذنه عندكم وبواسطة العقل الفعال ~~عندنا، ونحن وأنتم متفقون على أنه لم يره أحد، ولا رآه، ولا يسمع كلامه ~~أحد، وأن هذا محال، فهو عندنا وعندكم بمنزلة كونه يأكل ويشرب وينام، فعند ~~التحقيق نحن وأنتم متفقون على الأصول والقواعد التي نفت هذه الأمور وهي ~~بعينها تنفي صحة نبوة من أخبر بها، فكيف يمكن أن يصدق من جاء بها، وقد ~~اعترفتم معنا بأن العقل يدفع خبره ويرده، فما للحرب بيننا وبينكم وجه، فكما ~~تساعدنا نحن وإياكم على إبطال هذه الأخبار التي عارضت صريح العقل، فساعدونا ~~على إبطال الأصل بنفس ما اتفقنا جميعا على إبطال الأدلة النقلية به. # فانظر هذا الإخاء ما ألصقه، والنسب ما أقربه، وإذا أردت أن تعرف حقيقة ~~الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردهم عليهم وبحوثهم معهم وخضوعهم ~~لهم فيها. # الخامس عشر: أن الرجل إما أن يكون مقرا بالرسل أو لا، فإن كان منكرا، ~~فالكلام معه في إثبات النبوة، فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل، ~~فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد عن المعارض، وإن كان ~~مقرا بالرسالة فالكلام معه في مقامات: أحدها: صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخبر به، فإن أنكر ذلك أنكر الرسالة والنبوة، وإن زعم أنه مقر ~~بها وأن الرسل خاطبوا الجمهور بخلاف الحق تقريبا لأفهامهم، ومضمون هذا أنهم ms103 ~~كذبوا للمصلحة وهذه حقيقة قول هؤلاء، وهو عندهم كذب حسن، وإن أقر بأنه صادق ~~فيما أخبر به، فالكلام معه في المقام الثاني: وهو أنه هل يقر بأنه أخبر به ~~أو لا يقر به؟ فإن لم يقر به جهلا عرف ذلك بما يعرف به أنه دعا إلى الله ~~وحارب أعداءه، فإن أصر على إنكار ذلك فقد أنكر الأمور الضرورية كوجود بغداد ~~ومكة. # وإن أقر أنه أخبر بذلك فالكلام معه في المقام الثالث: وهو أنه هل أراد ما ~~دل عليه كلامه ولفظه أو أراد خلافه؟ فإن ادعى أنه أراده فالكلام معه في ~~المقام الرابع: وهو أن هذا المراد هل هو حقيقة في نفسه أو باطل ; فإن كان ~~حقا لا يتصور أن يعارضه دليل عقلي ألبتة، وإن كان باطلا انتقلنا معه إلى ~~مقام خامس، وهو أنه هل يعلم الحق في نفس الأمر أو لا يعلمه؟ فإن قال: لم ~~يكن عالما به، فقد نسبه إلى جهل، وإن قال: كان عالما به، انتقلنا معه إلى ~~مقام سادس وهو أنه هل يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق كما فعلتم أنتم ~~بزعمكم، أم لم يكن ذلك ممكنا له؟ فإن لم يكن ذلك ممكنا له كان # PageV01P118 # تعجيزا له عن أمر قدر عليه أفراخ الفلاسفة وتلامذة اليهود، وأوقاح ~~المعتزلة والجهمية، وإن كان ممكنا له ولم يفعل ذلك غشا لأمته، وتوريطا لهم ~~في الجهل بالله وأسمائه وصفاته، واعتقاد ما لا يليق بعظمته فيه ; وأن ~~الجهمية وأفراخ الصابئة واليونان نزهوا الله عما لا يليق به، وتكلموا بالحق ~~الذي كتمه الرسول، وهذا أمر لا محيد لكم عنه، فاختاروا أي قسم شئتم من هذه ~~الأقسام، والظاهر أنكم متنازعون في الاختيار، وأن عقلاءكم يختارون أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف الحق في خلاف ما أخبر به، وأنه كان ~~قادرا على التعبير عنه ولكن ترك ذلك خشية التنفير، فخاطب الناس خطابا ~~جمهوريا بما يناسب عقولهم بما الأمر بخلافه، وهذا أحسن أقوالكم إذا آمنتم ~~بالرسول وأقررتم بما جاء به. # السادس عشر: أن طرق العلم ثلاثة: ms104 الحس، والعقل، والمركب منهما، ~~فالمعلومات ثلاثة أقسام: أحدها: ما يعلم بالعقل، والثاني: ما يعلم بالسمع، ~~والثالث: ما يعلم بالعقل والسمع، وكل منها ينقسم إلى ضروري ونظري، وإلى ~~معلوم ومظنون وموهوم، فليس كل ما يحكم به العقل يكون علما، بل قد يكون ظنا ~~أو وهما كاذبا، كما أن ما يدركه السمع والبصر كذلك، فلا بد من حاكم يفصل ~~بين هذه الأنواع، فإذا اتفق العقل والسمع أو العقل والحس على قضية كانت ~~معلومة يقينية، وإذا انفرد بها الحس عن العقل كانت وهمية، كما ذكر من أغلاط ~~الحس في رؤية المتحرك أشد الحركة وأسرعها ساكنا، والساكن متحركا، والواحد ~~اثنين والاثنين واحدا، والعظيم الجرم صغيرا والصغير كبيرا، والنقطة دائرة، ~~وأمثال ذلك، وهذه الأمور يجزم بغلطها لتفرد الحس بها عن العقل. # وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبا، وقد يكون صادقا، ضرورة ونظرا، وقد يكون ~~ظنيا، فإذا قارنه العقل كان حكمه علما ضروريا ونظريا، كالعلم بمخبر الأخبار ~~المتواترة فإنه حصل بواسطة السمع والعقل، فإن السمع أدى إلى العقل ما سمعه ~~من ذلك، والعقل حكم بأن المخبرين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فأفاده علما ~~ضروريا أو نظريا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبر به، والنزاع في كونه ~~ضروريا أو نظريا لا فائدة فيه، وكذلك الوهم يدرك أمورا، لا يدرى صحيحة هي ~~أم باطلة فيردها إلى العقل الصريح، فما صححه منها قبله وما حكم ببطلانه ~~رده، فهذا أصل يجب الاعتبار به وبه يعرف الصحيح من الفاسد. # PageV01P119 # إذا عرف هذا فمعلوم أن السمع الذي دل العقل على صحته من السمع الذي لم ~~يشهد له عقل، ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد، وما ذاك ~~إلا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطئون على الكذب، وإن ~~كان الذي أخبروا به مخالفا لما اعتاده المخبر وألفه وعرفه فلا نجد محيدا عن ~~تصديقهم، والدلالة العقلية البرهانية على صدق الرسل أضعاف الأدلة الدالة ~~على صدق المخبرين خبر التواتر، فإن أولئك لم يقم على صدق كل واحد منهم ~~دليل، ms105 ولكن اجتماعهم على الخبر دليل على صدقهم، والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فرد منهم، فقد اتفقت كلمتهم ~~وتواطأت أخبارهم على إثبات العلو والفوقية لله تعالى، وأنه تعالى فوق عرشه ~~فوق سماواته بائن من خلقه، وأنه مكلم متكلم آمر ناه يرضى ويغضب، ويثيب ~~ويعاقب ويحب ويبغض، فأفاد خبرهم العلم بالمخبر عنه أعظم من الأخبار ~~المتواترة لمخبرها، ويجب فإن الأخبار المتواترة مستندة إلى حس قد يغلط، ~~وأخبار الأنبياء مستندة إلى وحي لا يغلط، فالقدح فيها بالعقل من جنس شبه ~~السوفسطائية القادحة في الحس والعقل، ولو التفتنا إلى كل شبهة يعارض بها ~~الدليل القطعي لم يبق لنا وثوق بشيء نعلمه بحس أو عقل بهما، يوضحه: # الوجه السابع عشر: أن المعلومات المعانية التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف ~~المعلومات التي تدرك بالحس والعقل، بل لا نسبة بينهما بوجه من الوجوه، ~~ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر، فإنه يدرك الأمور ~~المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة والمعلومات التي تدرك بالحس، وهذا ~~حجة من فضل السمع على البصر، ورجح آخرون البصر لقوة إدراكه، وجزم بأنه ~~يدركه، وبعده من الغلط، وفصل النزاع بينهما أن ما يدرك بالسمع أعم وأشمل، ~~وما يدرك بالبصر أتم وأكمل. # والمقصود أن الأمور الغائبة عن الحس نسبة المحسوس إليها كقطرة بحر، ولا ~~سبيل إلى العلم بها إلا الخبر الصادق، وقد اصطفى الله من خلقه أنبياء ~~أنبأهم من أنباء الغيب بما يشاء، وأطلعهم منها على ما لم يطلع عليه غيرهم، ~~كما قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله ~~من يشاء} [آل عمران: 179] # PageV01P120 # وقال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا - إلا من ارتضى من رسول ~~فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} [الجن: 26 - 27] وقال تعالى: {الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير} [الحج: 75] فهو ~~سبحانه يصطفي من يطلعه من أنباء ms106 الغيب على ما لم يطلع عليه غيره، وكذلك سمي ~~(نبيا) من الإنباء، وهو الإخبار، لأنه مخبر من جهة الله ومخبر عنه فهو ~~منبأ، ومنبئ، وليس كل ما أخبر به الأنبياء يمكن معرفته بدون خبرهم بل ولا ~~أكثره، ولهذا كان أكمل الأمم علما أتباع الرسل وإن كان غيرهم أحذق منهم في ~~علم النجوم والهندسة، وعلم الكم المتصل والمنفصل، وعلم النبض والقارورة ~~والأبوال ومعرفة قوامها، ونحوها من العلوم التي لما جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم بها وآثروها على علوم الرسل، وهي كما قال الواقف ~~على نهايتها: " ظنون كاذبة، وإن بعض الظن إثم "، وهي علوم غير نافعة، فنعوذ ~~بالله من علم لا ينفع، وإن نفعت فنفعها بالنسبة إلى علوم الأنبياء كنفع ~~العيش العاجل بالنسبة إلى الآخرة ودوامها. # فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل طلبا وخبرا، ~~فهو العلم المزكي للنفوس المكمل للفطر المصحح للعقول الذي خصه الله باسم ~~العلم، وسمى ما عارضه ظنا لا يغني من الحق شيئا وخرصا وكذبا، فقال تعالى: ~~{فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران: 61] وشهد لأهله أنهم ~~أولو العلم فقال سبحانه وتعالى: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد ~~لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} [الروم: 56] وقال تعالى: ~~{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 18] والمراد بهم أولو العلم بما أنزله ~~على رسله ليس المراد بهم أولي العلم بالمنطق والفلسفة وفروعها، وقال تعالى: ~~{ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} [طه: 114] ~~فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي لا علم الكلام والفلسفة، وقال ~~تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه} [النساء: 166] أي أنزله ~~وفيه علمه الذي لا يعلمه البشر، فالباء للمصاحبة، مثل قوله: # PageV01P121 # {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} [هود: 14] أي أنزل ~~وفيه علم الله، وذلك من أعظم ms107 البراهين على صدق نبوة من جاء به. # ولم يصنع شيئا من قال: إن المعنى: أنزله وهو يعلمه، وهذا وإن كان حقا فإن ~~الله يعلم كل شيء، فليس في ذلك دليل وبرهان على صحة الدعوة، فإن الله يعلم ~~الحق والباطل، بخلاف ما إذا كان المعنى أنزله متضمنا لعلمه الذي لا يعلمه ~~غيره إلا من أطلعه الله وأعلمه به فإن هذا من أعظم أعلام النبوة والرسالة، ~~وقال فيما عارضه من الشبه الفاسدة التي يسميها أربابها: قواطع عقلية: {إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] وقال تعالى: ~~{إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام: 116] وقال لمن أنكر ~~المعاد بعقله: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] والظن الذي ~~أثبته سبحانه للمعارضين نصوص الوحي بعقولهم ليس هو الاعتقاد الراجح، بل هو ~~كذب الحديث، وقال: {قتل الخراصون - الذين هم في غمرة ساهون} [الذاريات: 10 ~~- 11] . # وأنت إذا تأملت ما عند هؤلاء المعارضين لنصوص الأنبياء بعقولهم رأيت كله ~~خرصا، وعلمت أنهم هم الخراصون، وأن العلم في الحقيقة ما نزل به الوحي على ~~الأنبياء والمرسلين وهو الذي أقام الله به حجته، وهدى به أنبياءه ورسله ~~وأتباعهم وأثنى عليهم فقال: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: ~~151] وقال تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما} [النساء: 113] وقال تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة} [آل عمران: 164] فهذه النعمة والتزكية إنما هي لمن عرف زعم ~~أن ذلك مخالف لصريح العقل، وأن العقول مقدمة عليه، والله المستعان. # الثامن عشر: أن العقل تحت حجر الشرع فيما يطلبه ويأمر به، وفيما يحكم به # PageV01P122 # ويخبر عنه، فهو محجور عليه في الطلب والخبر، وكما أن من عارض أمر الرسل ~~بعقله لم ms108 يؤمن لهم وبما جاءوا به، فكذلك من عارض خبرهم بعقله، ولا فرق بين ~~الأمرين أصلا، يوضحه: # أن الله سبحانه حكى عن الكفار معارضة أمره بعقولهم كما حكى عنهم معارضة ~~خبره بعقولهم، أما الأول ففي قوله: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ~~وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] فعارضوا تحريمه للربا بعقولهم ~~التي سوت بين الربا والبيع، فهذا معارضة النص بالرأي، ونظير ما عارضوا به ~~تحريم الميتة من قياسها على المذكاة وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما ~~قتل الله، وفي ذلك أنزل الله: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ~~وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] وعارضوا أمره بتحويل القبلة ~~وقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركت الحق، وإن كانت باطلا فقد كنت ~~على باطل، وإمام هؤلاء شيخ الطريقة إبليس عدو الله، فإنه أول من عارض أمر ~~الله بعقله، وزعم أن العقل يقتضي خلافه. # وأما الثاني وهو معارضة خبره بالعقل فكما حكى الله سبحانه عن منكري ~~المعاد: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] ~~وأخبر سبحانه أنهم عارضوا ما أخبر به من التوحيد بعقولهم، وعارضوا أخباره ~~عن النبوات بعقولهم وعارضوا بعض الأمثال التي ضربها بعقولهم، وعارضوا أدلة ~~نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم بعقولهم فقالوا: {وقالوا لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] وأنت إذا صغت هذه المعارضة ~~صوغا مزخرفا وجدتها من جنس معارضة المعقول للمنقول. # وكذلك قولهم: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا - أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها} [الفرقان: 7 - 8] أي لو كان رسولا لخالق السماوات والأرض لما أحوجه ~~أن يمشي بيننا في الأسواق في المعيشة ولأغناه عن أكل الطعام ولأرسل معه ~~ملكا من الملائكة أو ألقى إليه كنزا يغنيه عن طلب الكسب. # PageV01P123 # وعارضوا شرعه ودينه الذي شرعه لهم على لسان رسوله وتوحيده ms109 بمعارضة عقلية، ~~واستندوا فيها إلى القدر، فقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا ~~بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون - قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 148 - ~~149] وحكى مثل هذه المعارضة في سورة النحل وفي سورة الزخرف، وإذا تأملتها ~~حق التأمل رأيتها أقوى بكثير من معارضة آيات الصفات بعقولهم، فإن إخوانهم ~~عارضوا بمشيئة الله للكائنات والمشيئة ثابتة في نفس الأمر، والنفاة عارضوا ~~بأصول فاسدة هم وضعوها من تلقاء أنفسهم، أو تلقوه عن أعداء الرسل من ~~الصابئة والمجوس والفلاسفة، وهي خيالات فاسدة. ### | معارضة العقل للشرع من عادة الكفار # وبالجملة فمعارضة أمر الرسل أو خبرهم بالمعقولات إنما هي طريقة الكفار، ~~فهم سلف الخلق بعدهم، فبئس السلف والخلف، ومن تأمل معارضة المشركين للرسل ~~بالعقول وجدها أقوى من معارضة الجهمية والنفاة لخبرهم عن الله وصفاته وعلوه ~~على خلقه، وتكليمه لملائكته ورسله بعقولهم، فإن كانت تلك المعارضة باطلة ~~فهذه أبطل وأبطل، وإن صحت هذه المعارضة فتلك أولى بالصحة منها وهذا لا محيد ~~لهم عنه، يوضحه: # التاسع عشر: أن القرآن مملوء من ذكر الصفات والعلو على الخلق والاستواء ~~على العرش، وتكلم الله وتكليمه للرسل واثبات الوجه واليدين والسمع والبصر ~~والحياة والمحبة والغضب والرضا للرب سبحانه، وهذا عند النفاة مثل وصفه ~~بالأكل والشرب والجوع والعطش والنوم، كل ذلك مستحيل عليه تعالى من أعظم ~~المنفرات عنه، ومعارضته فيه أسهل من معارضته فيما عداه، ولم يعارضه أعداؤه ~~في حرف واحد من هذا الباب مع حرصهم على معارضته بكل ما يقدرون عليه، فهلا ~~عارضوه بما عارضته به الجهمية والنفاة، وقالوا: قد أخبرتنا بما يخالف العقل ~~الصريح، فكيف يمكننا تصديقك؟ بل كان القوم على شركهم وضلالهم أعرف بالله ~~وبصفاته من النفاة والجهمية، وأقرب إلى إثبات الأسماء والصفات والقدر ~~والمشيئة والفعل من شيوخ هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم من السيناوية والفارابية ~~والطوسية. # PageV01P124 # العشرون: أن دلالة السمع ms110 على مدلوله متفق عليها بين العقلاء، وإن اختلفوا ~~في جهتها، هل هي ظنية أو قطعية وأرادت الرسل إفهام مدلولها واعتقاد ثبوته ~~أم أرادت الرسل إفهام غيره وتأويل تلك الأدلة وصرفها عن ظاهرها؟ فلا نزاع ~~بين العقلاء في دلالتها على مدلولها، ثم قال أتباع الرسل: مدلولها ثابت في ~~الأمر وفي الإرادة، وقالت النفاة أصحاب التأويل: مدلولها منتف في الأمر وفي ~~بعض الإرادة، وقال أصحاب التخييل: مدلولها ثابت في الإرادة منتف في الأمر، ~~وأما دلالة ما عارضها من العقليات على مدلوله فلم يتفق أربابها على دليل ~~واحد منها، بل كل طائفة منهم تقول في أدلة خصومها: إن العقل يدل على فسادها ~~لا على صحتها، وأهل السمع مع كل طائفة في دلالة العقل على فساد قول تلك ~~الطائفة الأخرى المخالفة للسمع، فكل طائفة تدعي فساد قول خصومها بالعقل، ~~يصدقهم أهل السمع على ذلك، ولكن يكذبونهم في دعواهم صحة قولهم بالعقل. # وقد تضمنت دعوى الطوائف فساد ما يفهم العقل بشهادة بعضهم على بعض، وشهادة ~~أهل الوحي والسمع معهم، ولا يقال: هذا ينقلب عليكم باتفاق شهادة الفرق كلها ~~على بطلان ما دل عليه السمع، وإن اختلفوا في أنفسهم ; لأن المطلوب أنهم ~~كلهم متفقون على أن السمع دل على الإثبات، ولم يتفقوا على أن العقل دل على ~~نقيضه، فيمتنع تقديم الدلالة التي لم يتفق عليها على الدلالة المتفق عليها، ~~وهو المطلوب. # الحادي والعشرون: أن الأمور السمعية التي يقال: إن العقل عارضها كإثبات ~~علو الله على خلقه واستوائه على عرشه وتكلمه ورؤية العباد له في الآخرة ~~وإثبات الصفات له، هي مما علم بالاضطرار أن الرسول جاء بها، وعلم بالاضطرار ~~صحة نبوته ورسالته، وما علم بالاضطرار امتنع أن يقوم على بطلانه دليل، ~~وامتنع أن يكون له معارض صحيح، لأنه لو قام على بطلانه دليل لم يبق لنا ~~وثوق بمعلوم أصلا لا حس ولا عقل، وهذا يبطل حقيقة الإنسانية بل حقيقة ~~الحيوانية المشتركة بين الحيوانات، فإن لها تمييزا وإدراكا لحقائق بحسبها، ~~وهذا الوجه في غاية الظهور غني بنفسه عن ms111 التأمل، وهو مبني على مقدمتين ~~قطعيتين: إحداهما: أن الرسول أخبر عن الله بذلك، والثانية: أنه صادق، ففي ~~أي المقدمتين يقدح المعارض بين العقل والنقل؟ # الثاني والعشرون: أن دليل العقل هو إخباره عن الذي خلقه وفطره أنه وضع ~~فيه ذلك وعلمه إياه وأرشده إليه، وذلك السمع هو الخبر عن الله أنه قال ذلك ~~وتكلم به # PageV01P125 # وأوحاه وعرف به الرسول، فأمره أن يعرف الأمر ويخبرهم به، ولا يكون أحدهما ~~صحيحا حتى يكون الآخر مطابقا لمخبره وأن الأمر ما أخبر به، وحينئذ فقد شهد ~~العقل لخبر الرسول بأنه صدق وحق، فعلمنا مطابقته لمخبره بمجموع الأمرين، ~~بخبر الرسول به وشهادة العقل الصريح بأنه لا يكذب في خبره، وأما خبر العقل ~~عن الله بما يضاد ذلك بأن الله وضع فيه ذلك وعلمه إياه فلم يشهد له الرسول ~~بصحة هذا الخبر، بل شهد ببطلانه فليس معه إلا شهادته لنفسه بأنه صادق فيما ~~أخبره به، فكيف تقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرسول، فكيف مع تكذيبه ~~لله؟ فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيد بنور الوحي؟ فكيف مع اختلاف سائر ~~أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم؟ يزيده إيضاحا: ### | الاحتجاج بشهادة العقل وحده باطلة # الثالث والعشرون: وهو أن الأدلة السمعية نوعان: نوع دل بطريق التنبيه ~~والإرشاد على الدليل العقلي، فهو عقلي سمعي، فمن هذا غالب أدلة النبوة ~~والمعاد والصفات والتوحيد، وما لا يقوم التنبيه على الدليل العقلي منه فهو ~~يسير جدا، وإذا تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه، وهذا النوع يمتنع ~~أن يقوم دليل صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله وانتقال الذهن فيه من ~~الدليل إلى المدلول ضرورة وهو أصل النوع الثاني الدال بمجرد الخبر، والقدح ~~في النوعين بالعقل ممتنع بالضرورة: أما الأول فلما تقدم، وأما الثاني ~~فلاستلزام القدح فيه: القدح في العقل الذي أثبته، وإذا بطل العقل الذي أثبت ~~السمع بطل ما عارضه من العقليات، كما تقدم تقريره، يوضحه: # الوجه الرابع والعشرون: أنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح ~~على إثباتها لله تعالى، فقد تواطأ عليها دليل العقل ms112 والسمع، فلا يمكن أن ~~يعارض ثبوتها دليل صحيح البتة، لا عقلي ولا سمعي، بل إن كان المعارض سمعيا ~~كان كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض به في فهمه، وإن كان عقليا فهي شبهة ~~خيالية. # واعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف وفيلسوف، ويعرفها من نور ~~الله قلبه بالإيمان وباشر قلبه معرفة الذي دعت إليه الرسل وأقرت به الفطر، ~~وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة لا المنكوسة المركوسة، وقد نبه سبحانه ~~في كتابه على ذلك في غير موضع، وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا ~~يستحقه سواه، فجاحده جاحد لكمال الرب تعالى، فإنه تمدح بكل صفة وصف بها ~~نفسه وأثنى بها على نفسه، ومجد بها نفسه، وحمد بها نفسه، فذكرها سبحانه على ~~وجه المدحة له # PageV01P126 # والتعظيم والتمجيد، وتعرف بها إلى عباده ليعرفوا كماله ومجده وعظمته ~~وجماله، وكثيرا ما يذكرها عند ذكر آلهتهم التي عبدوها من دونه. # فذكر سبحانه من صفات كماله وعلوه على عرشه وتكلمه وتكليمه وإحاطة علمه ~~ونفوذ مشيئته ما هو منتف عن آلهتهم، فيكون ذلك من أدل دليل على بطلان ~~إلهيتها وفساد عبادتها، ويذكر ذلك عند دعوته عباده إلى ذكره وشكره وعبادته، ~~فيذكر لهم من أوصاف كماله ونعوت جلاله ما يجدون قلوبهم إلى المبادرة إلى ~~دعوته والمسارعة إلى طاعته، ويذكر صفاته لهم عند ترغيبهم وترهيبهم لتعرف ~~القلوب من تخافه وترجوه، ويذكر صفاته أيضا عند أحكامه وأوامره ونواهيه، فقل ~~أن تجد آية حكم من أحكام المكلفين إلا وهي مختتمة بصفة من صفاته أو صفتين، ~~وقد يذكر الصفة في أول الآية ووسطها وآخرها كقوله: {قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} ~~[المجادلة: 1] ويذكر صفاته عند سؤال عباده لرسوله صلى الله عليه وسلم عنه، ~~ويذكرها عند سؤالهم له عن أحكامه، حتى إن الصلاة لا تنعقد إلا بذكر أسمائه ~~وصفاته، فذكر أسمائه روحها وسرها، يصحبها من أولها إلى آخرها، وإنما أمر ~~بإقامتها ليذكر بأسمائه وصفاته، وأمر عباده أن ms113 يسألوه بأسمائه وصفاته، ففتح ~~لهم باب الدعاء رغبا ورهبا ليذكره الداعي بأسمائه وصفاته فيتوسل إليه بها، ~~ولهذا كان أفضل الدعاء ما توصل فيه الداعي إليه بأسمائه وصفاته. # قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف: 180] وكان ~~اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: آية الكرسي، وفاتحة آل عمران لاشتمالهما ~~على صفة الحياة المصححة لجميع الصفات، وصفة القيومية المتضمنة لجميع ~~الأفعال، ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ~~ثلث القرآن لأنها أخلصت الإخبار عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه ~~وثوابه وعقابه، «وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو: " اللهم إني ~~أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت # PageV01P127 # المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم "، ~~وسمع آخر يقول: " اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا ~~أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " فقال لأحدهما: ~~" لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ". ~~وقال للآخر: " سل تعطه» " وذلك لما تضمنه هذا الدعاء من أسماء الرب وصفاته. # وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «ما أصاب عبد قط هم ~~ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في ~~حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في ~~كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل ~~القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب ~~الله همه وأبدله مكانه فرحا " قالوا: أفلا نتعلمهن يا رسول الله؟ قال: " ~~بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» ". # وقد نبه سبحانه على إثبات صفاته وأفعاله بطريق المعقول، فاستيقظت للتنبيه ~~العقول الحية، واستمرت على رقادها العقول الميتة ; فقال في صفة العلم: {ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] فتأمل صحة هذا الدليل مع غاية ~~إيجاز ms114 لفظه باختصار، وقال: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: ~~17] فما أصح هذا الدليل وما أوجزه، وقال تعالى في صفة الكلام: # PageV01P128 # {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} [الأعراف: 148] نبه بهذا الدليل على أن من لا ~~يكلم ولا يهدي لا يصلح أن يكون إلها، وكذلك قوله في الآية الأخرى عن العجل: ~~{أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} [طه: 89] فجعل ~~امتناع صفة الكلام والتكليم وعدم ملك الضر والنفع دليلا على عدم الإلهية ~~وهذا دليل عقلي سمعي على أن الإله لا بد أن يكلم ويتكلم ويملك لعباده الضر ~~والنفع، وإلا لم يكن إلها. # وقال تعالى: {ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين - وهديناه النجدين} ~~[البلد: 8 - 10] نبه بهذا الدليل العقلي القاطع أن الذي جعلك تتصرف وتتكلم ~~وتعلم أولى أن يكون بصيرا متكلما عالما، وأي دليل عقلي قطعي أقوى من هذا ~~وأبين وأقرب إلى العقول؟ # وقال تعالى في آلهة المشركين المعطلين: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها} [الأعراف: 195] ~~فجعل سبحانه عدم البطش والسمع والمشي والبصر لهم دليلا على عدم إلهية من ~~عدمت منه هذه الصفات، وقد وصف الله سبحانه نفسه بضد صفة أوثانهم، وبضد ما ~~وصفه به المعطلة والجهمية، فوصف نفسه بالسمع والبصر والفعل باليدين والمجيء ~~والإتيان، وذكر ضد صفات الأصنام التي جعل امتناع هذه الصفات فيها دليلا على ~~عدم إلهيتها. # فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها ~~وتنوعها، تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المنفرد بذلك ~~الكمال، فليس له فيه شبيه ولا مثيل، وأي دليل في العقل أوضح من إثبات ~~الكمال المطلق لخالق هذا العالم ومدبره وملك السماوات والأرض وقيومهما؟ ~~فإذا لم يكن في العقل إثبات جميع الكمال له فأي قضية تصح في العقل بعد هذا؟ ~~ومن شك في أن صفة السمع والبصر والكلام والحياة والإرادة ms115 والقدر والغضب ~~والرضى والفرح والرحمة كمال فهو ممن سلب خاصة الإنسانية وانسلخ من العقل، ~~بل من شك أن إثبات الوجه واليدين وما أثبته لنفسه معهما كمال فهو مصاب في ~~عقله. # ومن شك أن كونه يفعل باختياره ما شاء ويتكلم إذا شاء، وينزل إلى حيث شاء، ~~ويجيء إلى حيث شاء غير كمال فهو جاهل بالكمال، والجماد عنده أكمل من الحي # PageV01P129 # الذي تقوم به الأفعال الاختيارية، كما أن عند الجهمي أن الفاقد لصفات ~~الكمال أكمل من الموصوف بهما، كما أن عند أستاذهما وشيخهما الفيلسوف أن من ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا له حياة ولا قدرة، ولا إرادة، ولا فعل ولا ~~كلام، ولا يرسل رسولا، ولا ينزل كتابا، ولا يتصرف في هذا العالم بتحويل ~~وتغيير وإزالة ونقل وإماتة وإحياء، أكمل ممن يتصرف بذلك، فهؤلاء كلهم قد ~~خالفوا صريح المعقول، وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه، ولم ~~يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا. # فتأمل نسبتهم الباطلة التي عارضوا بها الوحي، هل تصادم هذا الدليل الدال ~~على إثبات الصفات والأفعال للرب سبحانه، ثم اختر لنفسك بعد ما شئت، وهذا ~~قطرة من بحر نبهنا عليه تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه، وإلا فلو أعطينا ~~هذا الموضع حقه، وهيهات أن نصل إلى ذلك، لكتبنا عدة أسفار، وكذا كل وجه من ~~هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا وأكثر، والله المستعان وبه ~~التوفيق. ### | غاية ما ينتهي إليه من عارض الشرع بالعقل # الخامس والعشرون: أن غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد ~~أمور أربعة لا بد له منها: إما تكذيبها وجحدها، وإما اعتقاد أن الرسل ~~خاطبوا الخلق خطابا جمهوريا لا حقيقة له، وإنما أرادوا منهم التخيل وضرب ~~الأمثال، وإما اعتقاد أن المراد تأولها وصرفها عن حقائقها بالمجازات ~~والاستعارات، وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها، واعتقاد أنه لا يعلم ما ~~أريد بها إلا الله، فهذه أربع مقامات، وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من ~~بني آدم. # والمقام الأول: مقام ms116 التكذيب، وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص والوقوع في ~~التشبيه والتجسيم، وخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم. # المقام الثاني: مقام أهل التخييل، قالوا: إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة ~~الخلق بالحق في نفس الأمر، فخاطبوهم بما يخيل إليهم، وضربوا لهم الأمثال، ~~وعبروا عن المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس، وسلكوا ذلك في باب ~~الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر، وأقروا باب الطلب على ~~حقيقته، ومنهم من سلك هذه المسلك في الطلب أيضا، وجعل الأمر والنهي إشارات ~~وأمثالا، فهم ثلاث فرق؟ هذه إحداها، والثانية سلكت ذلك في الخبر دون الأمر، ~~والثالثة سلكت ذلك في الخبر عن الله وعن صفاته دون المعاد والجنة، وذلك كله ~~إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الآخر، والملحد لا يتمكن من الرد ~~على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن # PageV01P130 # خالفه في فروعه، ولهذا استطال على هؤلاء الملاحدة ابن سينا وأتباعه غاية ~~الاستطالة، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات، قالوا: بل ~~الأمر فيها أسهل من نصوص الصفات، لكثرتها وتنوعها وتعدد طرقها، وإثباتها ~~على وجه يتعذر معه التأويل، فإذا كان الخطاب بها خطابا جمهوريا فنصوص ~~المعاد أولى. # قال: فإن قلتم: نصوص الصفات قد عارضها ما يدل على انتفائها من العقل، ~~قلنا: ونصوص المعاد قد عارضها من العقل ما يدل على انتفائها، ثم ذكر ~~العقليات المعارضة للمعاد ما يعلم به العاقل أن العقليات المعارضة للصفات ~~من جنسها أو أضعف منها. # المقام الثالث: مقام أهل التأويل، قالوا: لم يرد منا اعتقاد حقائقها، ~~وإنما أريد منا تأويلها بما يخرجها عن ظاهرها وحقائقها، فتكلفوا لها وجوه ~~التأويلات المستكرهة، والمجازات المستنكرة التي يعلم العقلاء أنها أبعد شيء ~~عن احتمال ألفاظ النصوص لها، وأنها بالتحريف أشبه منها بالتفسير. # والطائفتان اتفقتا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق للأمة ~~في خطابه لهم ولا أوضحه، بل خاطبهم بما ظاهره باطل ومحال، ثم اختلفوا، فقال ~~أصحاب التخييل: أراد منهم اعتقاد خلاف الحق والصواب، وإن كان في ذلك مفسدة ~~فالمصلحة المترتبة عليه أعظم من ms117 المفسدة التي فيه، فقال أصحاب التأويل: بل ~~أراد منا أن نعتقد خلاف ظاهره وحقيقته، ولم يبين لنا المراد تعويضا إلى ~~حصول الثواب بالاجتهاد والبحث والنظر وإعمال الفكرة في معرفة الحق بعقولنا، ~~وصرف تلك الألفاظ عن حقائقها وظواهرها، لننال ثواب الاجتهاد والسعي في ذلك، ~~فالطائفتان متفقتان أن ظاهر خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلال وباطل، ~~وأنه لم يبين الحق، ولا هدى إليه الخلق. # المقام الرابع: مقام اللاإرادية الذين يقولون: لا ندري معاني هذه ~~الألفاظ، وينسبون طريقهم إلى السلف، وهي التي يقول المتأولون: إنها أسلم، ~~ويحتجون بقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] ويقولون: ~~هذا هو الوقف التام عند جمهور السلف، وهو قول أبي بن كعب وعبد الله بن ~~مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة وعروة بن الزبير، وغيرهم من السلف والخلف، ~~ثم وعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله ~~عليهم من هذه النصوص ولا أصحابهم ولا التابعون لهم بإحسان، بل يقرءون كلاما ~~لا يعقلون معناه. # PageV01P131 # ثم هم متناقضون أفحش تناقض، فإنهم يقولون: تجرى على ظاهرها، وتأويلها ~~باطل، ثم يقولون: لها تأويل لا يعلمه إلا الله، وقول هؤلاء باطل، فإن الله ~~سبحانه أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في ~~الصدور، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في ~~باب الصفات والقدر والأفعال، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا ~~يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان. # وهؤلاء طرقوا لأهل الإلحاد والزندقة والبدع أن يستنبطوا الحق من عقولهم، ~~فإن النفوس طالبة لمعرفة هذا الأمر أعظم طلب، والمقتضى التام لذلك فيها ~~موجود، فإذا قيل لها: إن ألفاظ القرآن والسنة في ذلك لها تأويل لا يعلمه ~~إلا الله، ولا يعلم أحد معناها، فرت إليه عقولهم وفطرهم وآراؤهم، فسد هؤلاء ~~باب الهدى والرشاد، وفتح أولئك باب الزندقة والبدعة والإلحاد وقالوا: قد ~~أقررتم بأن ما جاءت به الرسل في هذا الباب لا يحصل منه علم بالحق ms118 ولا يهدي ~~إليه، فهو في طريقتنا لا في طريقة الأنبياء، فإنا نحن نعلم ما نقول ونثبته ~~بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا تأويل ما قالوه ولا بينوا مراد ~~المتكلم به، وأصاب هؤلاء من الغلط على السمع ما أصاب أولئك من الخطأ في ~~العقل. ### | كذب من زعم أن السلف لا يدرون معاني ألفاظ الصفات # وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف بقولهم: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، ~~فالتأويل في مثل قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] ، وقوله تعالى: ~~{ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] ، وقول يوسف: {ياأبت هذا تأويل رؤياي ~~من قبل قد جعلها ربي حقا} [يوسف: 100] ، وقول يعقوب: {ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث} [يوسف: 6] ، وقال تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون} [يوسف: 45] ، وقال يوسف: {لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] ، فتأويل الكلام الطلبي هو ~~نفس فعل المأمور به، وترك المنهي عنه كما قال ابن عيينة: السنة تأويل الأمر ~~والنهي، وقالت عائشة رضي الله عنه: «كان # PageV01P132 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: " سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك، اللهم اغفر لي " يتأول القرآن» ". # وأما تأويل ما أخبر به الله تعالى عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس ~~الحقيقة التي أخبر الله عنها، ذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا ~~يعلمها غيره، ولهذا قال مالك وربيعة: الاستواء معلوم والكيف مجهول، وكذلك ~~قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهم من السلف: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر ~~الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه. # وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه وقال: ~~إنهم تأولوها على غير تأويلها، وبين معناها، وكذلك الصحابة والتابعون فسروا ~~القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، ~~وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار، ~~وإن لم يعلموا ms119 حقيقة كنهه وكيفيته. # فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، بهذا المعنى، ~~فهو حق، وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه ~~إلا الله فهو غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه، قال مجاهد: ~~عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية وأسأله ~~عنها، وقال عبد الله بن مسعود: ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيم ~~أنزلت، وقال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد ~~بها، وقال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن شيء إلا وعلمه ~~في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه، وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي ~~كتاب الله بيانها. # والمقصود أن معارضة العقل للسمع لا بد لصاحبها أن يسلك أحد هذه المسالك ~~الأربعة الباطلة، أسلمها هذا المسلك الرابع، وقد علمت بطلانه، وإنما كان ~~أقلها بطلانا لأنه يتضمن الخبر الكاذب على الله ورسوله، فإن صاحبه يقول: لا ~~أفهم من هذه النصوص شيئا ولا أعرف المراد بها، وأصحاب تلك المسالك تتضمن ~~أقوالهم تكذيب الله ورسوله والإخبار عن النصوص بالكذب. # السادس والعشرون: أن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم التي هي في # PageV01P133 # الحقيقة جهليات إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال متشابهة مجملة تحتمل ~~معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى والإجمالي في اللفظ ~~يوجب تأويلها بحق وباطل فيما فيها من الحق يقبل من لم يحط بها علما بما ~~فيها من الباطل لأجل الالتباس والاشتباه، ثم يعارضون بما فيها من الباطل ~~نصوص الأنبياء. # وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع كلها، فإن البدع لو ~~كانت باطلا محضا لما قبلت، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها، ولو كانت حقا ~~محضا لم تكن بدعة وكانت موافقة للسنة، ولكنها تشتمل على الحق والباطل، ~~ويلتبس فيها الحق والباطل، كما قال الله تعالى: {لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: ms120 71] فنهى عن لبس الحق بالباطل، ~~ولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، ومنه التدليس، وهو التدليس ~~والغش الذي باطنه خلاف ظاهره، فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد ~~أظهر الباطل في صورة الحق وتكلم بلفظ له معنيان، معنى صحيح ومعنى باطل، ~~فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في ~~اللفظ. # وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان، وهو حق من أحدهما، وباطل من ~~الآخر، فيوهم إرادة الوجه الصحيح، ويكون غرضه الباطل، فأضل ضلال بني آدم من ~~الألفاظ المجملة والمعاني المشيبة، ولا سيما إذا صادفت أذهانا سقيمة، فكيف ~~إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب؟ فنسأل الله مثبت القلوب أن يثبت قلوبنا على ~~دينه. # قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في الرد على الجهمية: الحمد لله الذي جعل ~~في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ~~ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بكتاب الله أهل ~~العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن ~~أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف ~~الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، ~~وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على ~~مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون ~~بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من ~~فتن المضلين. # PageV01P134 # وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد ~~ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه في الحوادث والبدع، فقال: حدثنا أسد حدثنا ~~رجل يقال له: يوسف، ثقة، عن أبي عبد الله الواسطي، رفعه إلى عمر بن الخطاب ~~أنه قال: الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل ~~بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون ~~بكتاب الله الموتى، ويبصرون ms121 بكتاب الله أهل العمى، وكم من قتيل لإبليس قد ~~أحيوه، وتائه ضال قد هدوه، بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد، فما ~~أحسن أثرهم على الناس عليهم، وما نسيهم ربك، ولا كان ربك نسيا، جعل قصصهم ~~هدى، وأخبر عن حسن مقالاتهم، فلا تقتصر عنهم، فإنهم في منزلة رفيعة وإن ~~أصابتهم الوضيعة. # فالمتشابه ما كان له وجهان يخدعون به جهال الناس، فيا لله كم قد ضل بذلك ~~طوائف من بني آدم، واعتبر ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة، ~~وهو التوحيد الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن أضدادها، فاصطلح ~~أهل الباطل على وضعه، ثم دعوا الناس إلى التوحيد فخدعوا به من لم يعرف ~~معناه في اصطلاحهم، وظن أن ذلك التوحيد هو الذي دعت إليه الرسل. ### | أنواع التوحيد الصحيحة والباطلة # والتوحيد اسم لستة معان: توحيد الفلاسفة، وتوحيد الجهمية، وتوحيد القدرية ~~الجبرية، وتوحيد الاتحادية، فهذه الأربعة أنواع من التوحيد جاءت الرسل ~~بإبطالها، ودل على بطلانها العقل والنقل، فأما توحيد الفلاسفة فهو إنكار ~~ماهية الرب الزائدة على وجوده، وإنكار صفات كماله، وأنه لا سمع له ولا بصر، ~~ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يدين، وليس فيه معينان ~~يتميز أحدهما عن الآخر البتة، قالوا: لأنه لو كان كذلك لكان مركبا وكان ~~جسيما مؤلفا، ولم يكن واحدا من كل وجه، فجعلوه من جنس الجوهر الفرد الذي لا ~~يحس ولا يرى ولا يتميز منه جانب عن جانب، بل الجوهر الفرد يمكن وجوده، وهذا ~~الواحد الذي جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده. # فلما اصطلحوا على هذا المعنى في التوحيد وسمعوا قوله: {وإلهكم إله واحد} ~~[البقرة: 163] ، وقوله: {وما من إله إلا الله} [آل عمران: 62] نزلوا لفظ ~~القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي، وقالوا: لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة، ~~أو علم، أو حياة # PageV01P135 # وقدرة، أو سمع أو بصر، لم يكن واحدا، وكان مركبا مؤلفا، فسموا أعظم ~~التعطيل بأحسن الأسماء، وهو التوحيد، وسموا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت، ~~وهو صفات الرب، بأقبح الأسماء، وهو ms122 التركيب والتأليف، فتولد من بين هذه ~~التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد حقائق أسماء الرب وصفاته، بل وجحد ~~ماهيته وذاته وتكذيب رسله، ونشأ من نشأ على اصطلاحه مع إعراضه عن استفادة ~~الهدى والحق من الوحي، فلم يعرف سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه فجعلوه أصلا ~~لدينه، فلما رأى أن ما جاءت به الرسل يعارضه قال: إذا تعارض العقل والنقل ~~قدم العقل. # التوحيد الثاني توحيد الجهمية: وهو مشتق من توحيد الفلاسفة، وهو نفي صفات ~~الرب كعلمه، وكلامه، وسمعه، وبصره وحياته، وعلوه على عرشه ونفي وجهه، ~~ويديه، وقطب رحى هذا التوحيد جحد حقائق أسمائه وصفاته. # التوحيد الثالث: توحيد القدرية والجبرية، وهو إخراج أفعال العباد أن تكون ~~فعلا لهم، وأن تكون واقعة بإرادتهم وكسبهم، بل هي نفس فعل الله تعالى، فهو ~~الفاعل لها دونهم، ونسبتها إليهم، فعلها ينافي التوحيد عندهم. # الرابع: توحيد القائلين بوحدة الوجود، وأن الوجود عندهم واحد، ليس عندهم ~~وجودان: قديم وحادث، وخالق ومخلوق، وواجب وممكن، بل الوجود عندهم واحد ~~بالعين، والذي يقال له: الخلق المنزه والكل من عين واحدة، بل هو العين ~~الواحدة. # فهذه الأنواع الأربعة سماها أهل الباطل توحيدا واعتصموا بالاسم من إنكار ~~المسلمين عليهم، وقالوا: نحن الموحدون؟ وسموا التوحيد الذي بعث الله به ~~رسله: تركيبا وتجسيما وتشبيها، وجعلوا هذه الألقاب لهم سهاما وسلاحا ~~يقاتلون بها أهله، فتترسوا بما عند أهل الحق من الأسماء الصحيحة وقابلوهم ~~بالأسماء الباطلة، وقد قال جابر في الحديث الصحيح في حجة الوداع: «فأهل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك ~~لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» ، فهذا توحيد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم المتضمن لإثبات صفات الكمال التي يستحق عليها الحمد، ~~ولإثبات الأفعال التي يستحق بها أن يكون منعما، ولإثبات القدرة والمشيئة ~~والإرادة والتصرف والغضب والرضى والغنى والجود الذي هو حقيقة ملكه، وعند ~~الجهمية والمعطلة والفلاسفة لا حمد له في الحقيقة ولا نعمة ولا ملك، والله # PageV01P136 # يعلم أنه لا نجازف في نسبة ذلك إليهم، بل هو ms123 حقيقة قولهم، فأي حمد لمن لا ~~يسمع ولا يبصر، ولا يعلم ولا يتكلم ولا يفعل، ولا هو في العالم ولا خارج ~~عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن ~~يساره؟ وأي نعمة لمن لا يقوم به فعل البتة؟ وأي مالك لمن لا وصف له ولا ~~فعل؟ فانظر إلى توحيد الرسل وتوحيد من خالفهم. ### | تسمية أهل الزيغ توحيد الرسل شركا وتجسيما # ومن العجب أنهم سموا توحيد الرسل شركا وتجسيما وتشبيها مع أنه غاية ~~الكمال، وسموا تعطيلهم وإلحادهم وبغيهم توحيدا، وهو غاية النقص ; ونسبوا ~~أتباع الرسل إلى تنقيص الرب، وقد سلبوه كل كمال، وزعموا أنهم أثبتوا له ~~الكمال قد نزهوه عنه، فهذا توحيد الجهمية والمعطلة. # وأما توحيد الرسل فهو إثبات صفات الكمال له وإثبات كونه فاعلا بمشيئته ~~وقدرته واختياره، وأن له فعلا حقيقة، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويخاف ~~ويرجى ويتوكل عليه، فهو المستحق لغاية الحب بغاية الحب بغاية الذل، وليس ~~لخلقه من دونه وكيل، ولا ولي، ولا شفيع، ولا واسطة بينه وبينهم في رفع ~~حوائجهم إليه، وفي تفريج كرباتهم وإجابة دعواتهم. # بينه وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وإخباره، فلا يعرفون ما يحبه ~~ويرضاه ويبغضه ويسخطه، ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يجب له ويمتنع عليه ~~ويوصف به إلا من جهة هذه الواسطة، فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر وقلبوا ~~الحقائق ; فنفوا كون الرسل وسائط في ذلك وقالوا: يكفي توسط العقل، ونفوا ~~حقائق أسمائه وصفاته وقالوا: هذا التوحيد، ويقولون: نحن ننزه الله عن ~~الأعراض والأبعاض والحدود والجهات، وحلول الحوادث، فيسمع الغر المخدوع هذه ~~الألفاظ فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيهما عند الإطلاق ~~والنقائص والحاجة، فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه، ويكشف النافذ البصير ما ~~تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل، وتعطيل الرب تعالى عما ~~يستحقه من كماله، فتنزيههم عن الأعراض هو من أحد صفاته كسمعه وبصره وحياته، ~~وعلمه وكماله وإرادته، فإن هذه أعراض لا تقوم إلا بجسم، فلو كان متصفا ms124 بها ~~لكان جسم وكانت أعراضا له وهو منزه عن الأعراض، وأما الأعراض فهي الغاية ~~والحكمة التي لأجلها يخلق ويفعل، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، وهي الغايات ~~المحمودة المطلوبة له من أمره ونهيه وفعله، فيسمونها أعراضا وعللا ينزهونه ~~عنها. # PageV01P137 # وأما الأبعاض فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس له وجه ولا يدان؟ ولا يمسك ~~السماوات على إصبع، والأرض على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، ~~فإن ذلك كله أبعاض، والله منزه عن الأبعاض. # وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السماوات رب، ولا ~~على العرش إله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق ~~به، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ~~ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إليه، إذ ~~لو كان كذلك لزم إثبات الحدود والجهات له، وهو منزه عن ذلك. # وأما حلول الحوادث فيريدون به أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان ~~راضيا، ولا يرضى بعد أن كان غضبان، ولا يقوم به فعل البتة، ولا أمر مجدد ~~بعد أن لم يكن، ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدا له، فلا له كن حقيقة، ~~ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم ~~يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن ~~لم يكن مناديا، ولا يقول للمصلي إذا قال: {الحمد لله رب العالمين} ~~[الفاتحة: 2] حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] قال: ~~أثنى علي عبدي، فإذا قال: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال: مجدني عبدي ~~فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث. # وقالت الجهمية: نحن نثبت قديما واحدا، ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء، ~~قال: والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله تعالى فكفرهم، فكيف من أثبت سبعة ~~قدماء أو أكثر؟ # فانظر إلى هذا التدليس والتلبيس ms125 الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا قدماء مع ~~الله تعالى إنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته، وصفاته داخلة في اسمه، كما ~~أنهم إنما أثبتوا إلها واحدا، ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله ~~الواحد بجميع أسمائه وصفاته، وهذا بعينه متلقى من عباد الأصنام من المشركين ~~بالله تعالى المكذبين لرسوله حيث قالوا: يدعو محمد إلى إله واحد، ثم يقول: ~~يا الله يا سميع يا بصير، فيدعو آلهة # PageV01P138 # متعددة، فأنزل الله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110] فأي اسم دعوتموه به فإنما دعوتم المسمى ~~بذلك الاسم، فأخبر سبحانه أنه إله واحد، وإن تعددت أسماؤه الحسنى المشتقة ~~من صفاته، ولهذا كانت حسنى، وإلا فلو كانت كما يقول الجاحدون لكماله: أسماء ~~محضة فارغة من المعاني ليس لها حقائق لم تكن حسنى، ولو كانت أسماء ~~الموصوفين بالصفات والأفعال أحسن منها، فدلت الآية على توحيد الذات وكثرة ~~النعوت والصفات. # ومن ذلك قول هؤلاء: أخص صفات الإله: القديم، فإذا أثبتم له صفات قديمة ~~لزم أن تكون آلهة قديمة، ولا يكون الإله واحدا. # فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم من أشباه الأنعام: المحذور ~~الذي نفاه العقل والشرع والفطرة، وأجمعت الأنبياء على بطلانه: أن يكون مع ~~الله آلهة أخرى، إلا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا ~~بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فلم ~~ينف العقل والشرع والفطرة أن يكون للإله الواحد صفات كمال يختص بها لذاته. ### | لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا لا نفيا # واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فيكون له الإثبات، ولا نفيا ~~فيكون له النفي، فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به، فإن قال: أردت ~~بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم ~~سواه، فلا يقال للهوى جسم لغة ولا للنار ولا للماء، فهذه اللغة وكتبها بين ~~أظهرنا، فهذا المعنى منفي عن الله عقلا وسمعا، وإن أردتم به ms126 المركب من ~~المادة والصورة، والمركب من الجواهر المفردة، فهذا منفي عن الله قطعا، ~~والصواب نفيه عن الممكنات أيضا، فليس المخلوق مركبا من هذا ولا من هذا، وإن ~~أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ~~ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة لله تعالى وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه ~~بتسميتكم للموصوف بها جسما، كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن ~~يحبهم ويواليهم نواصب، ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن ~~أثبته جبريا، ولا برد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته لتسمية ~~أعداء الحديث لنا حشوية، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على ~~عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها: # PageV01P139 # فإن كان تجسيما ثبوت استوائه ... على عرشه إني إذا لمجسم # وإن كان تشبيها ثبوت صفاته ... فمن ذلك التشبيه لا أتكتم # وإن كان تنزيها جحود استوائه ... وأوصافه أو كونه يتكلم # فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا ... بتوفيقه والله أعلى وأعظم # ورحمة الله على الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب في قوله: # يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد خيفها والناهض # إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي # وهذا كله كأنه مأخوذ من قول الشاعر الأول: # وعيرني الواشون أني أحبها ... وذلك ذنب لست منه أتوب # وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار أعرف الخلق به بأصبعه ~~رافعا بها إلى السماء بمشهد الجمع الأعظم مستشهدا له، لا للقبلة، وإن أردتم ~~بالجسم ما يقال: أين هو؟ فقد سأل أعلم الخلق به بأين، منبها على علوه على ~~عرشه، وسمع السؤال بأين، وأجاب عنه، ولم يقل: هذا السؤال إنما يكون عن ~~الجسم، وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من، وإلى، فقد نزل جبريل من عنده، وعرج ~~برسوله إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب، وعبده المسيح رفع إليه. # وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر غير أمر، فهو سبحانه موصوف بصفات ~~الكمال، جميعا، من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة، وهذه صفات ms127 متميزة ~~متغايرة، ومن قال: إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء، وقد ~~قال أعلم الخلق به: " «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك ~~منك» " والمستعاذ به غير المستعاذ منه، وأما استعاذته صلى الله عليه وسلم ~~به منه فباعتبارين مختلفين، فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها ~~صفتان لموصوف واحد ورب واحد، فالمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذا ~~بالموصوف بهما منه. # وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره، فهو سبحانه فوق ~~عباده مستو على عرشه، كذلك إن أردتم من التشبيه والتركيب هذه المعاني التي ~~دل عليها الوحي والعقل، فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ ~~والمعنى، وجناية على # PageV01P140 # ألفاظ الوحي، أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا ~~مشبها بغيره، وتسميتكم هذه الصفات تركيبا وتجسيما وتشبيها، فكذبتم على ~~القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة، ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدئت وإليكم ~~تعود، وأما خطؤكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه ~~التسمية والألقاب، فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر، وكنتم في ~~ذلك بمنزلة من سمع أن العسل شفاء ولم يره فسأل عنه، فقيل له: مائع رقيق ~~أصفر يشبه العذرة، تتقيؤه الزنابير، ومن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا ~~التعريف، ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة فيه، ~~ولله در القائل: تقول هذا جناء النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير ~~مدحا وذما وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير وأشد ما جادل أعداء ~~الرسول في التنفير عنه سوء التعبير عما جاء به، وضرب الأمثال القبيحة له، ~~والتعبير عن تلك المعاني التي أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع ~~المغترين المخدوعين، فوصلت إلى قلوبهم فنفرت عنه، وأكثر العقول كما عهدت ~~يقبل القول بعبارة ويرده بعبارة أخرى. # وكذلك إذا قال الفرعوني: لو كان فوق السماوات رب أو على العرش إله لكان ~~مركبا، قيل له: لفظ المركب في اللغة هو الذي ركبه غيره في محله، كقوله ~~تعالى: {في أي ms128 صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] وقولهم: ركب الخشبة والباب، ~~وما يركب من أخلاط وأجزاء بحيث كانت أجزاؤه مفرقة فاجتمعت وركب حتى صار ~~شيئا واحدا، كقولهم ركبت الدواء من كذا وكذا. # وإن أردتم بقولكم: لو كان فوق العرش كان مركبا هذا التركيب المعهود، أو ~~أنه كان متفرقا فاجتمع، فهو كذب وفرية وبهت على الله وعلى الشرع وعلى ~~العقل. # وإن أردتم أنه لو كان فوق العرش لكان عاليا على خلقه بائنا منهم مستويا ~~على عرشه ليس فوقه شيء، فهذا المعنى حق، فكأنك قلت: لو كان فوق العرش لكان ~~فوق العرش، فنفيت الشيء بتغيير العبارة بقولك وقلبها إلى عبارة أخرى، وهذا ~~شأنكم في أكثر مطالبكم. # وإن أردت بقولك: كان مركبا أنه يتميز منه شيء عن شيء فقد وصفته أنت بصفات ~~يتميز بعضها من بعض، فهل كان عندك هذا تركيبا؟ # PageV01P141 # فإن قلت: هذا يقال لي، وإنما يقال لمن أثبت شيئا من الصفات، فأما أنا فلا ~~أثبت له صفة واحدة فرارا من التركيب، قيل لك: العقل لم يدل على نفي المعنى ~~الذي سميته أنت مركبا، وقد دل الوحي والعقل والفطرة على ثبوته، أفتنفيه ~~لمجرد تسميتك الباطلة؟ فإن التركيب يطلق ويراد به خمسة معان: تركيب الذات ~~من الوجود والماهية عند من يجعل وجودها زائدا على ماهيتها، فإذا نفيت هذا ~~التركيب جعلته وجودا مطلقا، إنما هو في الأذهان لا وجود له في الأعيان، ~~الثاني: تركيب الماهية من الذات والصفات، فإذا نفيت هذا التركيب جعلته ذاتا ~~مجردة عن كل وصف، لا يبصر ولا يسمع ولا يعلم ولا يقدر ولا يريد ولا حياة له ~~ولا مشيئة ولا وصفة أصلا، فكل ذات في المخلوقات خير من هذه الذات، فاستفدت ~~بهذا التركيب كفرك بالله وجحدك لذاته ولصفاته وأفعاله، الثالث: تركيب ~~الماهية الجسمية من الهيولى والصورة كما يقوله الفلاسفة، الرابع: التركيب ~~من الجواهر الفردة كما يقوله كثير من أهل الكلام، الخامس: تركيب الماهية من ~~أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت وتركبت. # فإن أردت بقولك: لو كان فوق العرش لكان مركبا، كما يدعيه الفلاسفة ~~والمتكلمون، ms129 قيل لك: جمهور العقلاء عندهم أن الأجساد المحدثة المخلوقة ليست ~~مركبة، لا من هذا ولا من هذا، فلو كان فوق العرش جسم مخلوق أو حدث لم يلزم ~~أن يكون مركبا بهذا الاعتبار، فكيف يلزم ذلك في حق خالق الفرد والمركب، ~~الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع، ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاء ; ~~والعقل لما دل على إثبات إله واحد ورب واحد لا شريك له، ولا شبيه له، لم ~~يلد ولم يولد، ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له ولا صفة، ولا وجه، ~~ولا يدين، ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، فدعوى ~~ذلك على العقل كذب صريح على الوحي. ### | الجهة والفوقية والعلو نفيها عنه سبحانه تعطيل # وكذلك قولهم: ننزهه عن الجهة، وإن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به ~~وتحويه وتحصره إحاطة الظروف بالمظروف فنعم، هو أعظم من ذلك وأكثر وأعلى، ~~ولكن لا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى، وإن أردتم بالجهة أمرا يوجب ~~مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه فنفيكم لهذا ~~المعنى باطل، وتسميته جهة اصطلاح منكم توسلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل ~~والنقل والفطرة، وسميتم ما فوق العالم جهة وقلتم: منزه عن الجهات، وسميتم ~~العرش حيزا وقلتم: ليس بمتحيز. # PageV01P142 # وسميتم الصفات أعراضا وقلتم: الرب منزه عن قيام الأعراض به، وسميتم حكمته ~~غرضا وقلتم: منزه عن الأغراض، وسميتم كلامه بمشيئته، ونزوله إلى سماء ~~الدنيا ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء ومشيئته وإرادته المقارنة لمرادها ~~وإدراكه المقارنة لوجود المدرك، وغضبه إذا عصي، ورضاه إذا أطيع، وفرحه إذا ~~تاب إليه العباد، ونداه لموسى حين أتى الشجرة، ونداه للأبوين حين أكلا من ~~الشجرة، ونداه لعباده يوم القيامة، ومحبته لمن كان يبغضه حال كفره ثم صار ~~يحبه بعد إيمانه، وربوبيته التي هو بها كل يوم في شأن حوادث، وقلتم: هو ~~منزه عن حلول الحوادث، وحقيقة هذا التنزيه أنه منزه عن الوجود وعن الربوبية ~~وعن الملك وعن كونه فعالا لما يريد، ms130 بل عن الحياة والقيومية. # فانظر ماذا تحت تنزيه المعطلة النفاة بقولهم: ليس بجسم ولا جوهر ولا ~~مركب، ولا تقوم به الأعراض، ولا يوصف بالأبعاض، ولا يفعل بالأغراض ولا تحله ~~الحوادث، ولا تحيط به الجهات، ولا يقال في حقه: أين، وليس بمتحيز، كيف كسوا ~~حقائق أسمائه وصفاته وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه وتكليمه لخلقه ~~ورؤيتهم له بالأبصار في دار كرامته، هذه الألفاظ، ثم توسلوا إلى نفيها ~~بواسطتها، وكفروا وضللوا من أثبتها، واستحلوا منه ما لم يستحلوه من أعداء ~~الله من اليهود والنصارى، فإلى الله الموعد وإليه الملتجأ، وإليه التحاكم، ~~وبين يديه التخاصم. # نحن وإياهم نموت ... ولا أفلح يوم الحساب من ندما ### | فصل إنكار القدرية خلق أفعال العباد وتسميتهم بذلك بالعدل # فصل # ومن ذلك لفظ العدل، جعلته القدرية اسما لإنكار قدرة الرب على أفعال ~~العباد وخلقه لها ومشيئته، فجعلوا إخراجها عن قدرته ومشيئته هو العدل، وجعل ~~سلفهم إخراجها عن تقدم علمه وكتابته من العدل، وسموا أنفسهم بالعدلية، ~~وعمدوا إلى إثبات عموم قدرته على كل شيء من الأعيان والأفعال وخلقه لكل شيء ~~وشمول مشيئته، فسموه جبرا، ثم نفوا هذا المعنى الصحيح وعبروا عنه بهذا ~~الاسم، ثم سموا أنفسهم أهل العدل وسموا من أثبت صفات الرب وأثبت قدره ~~وقضاءه أهل التشبيه والحيز. # وكذلك قول الرافضة سموا موالاة الصحابة نصبا، ومعاداتهم موالاة لأهل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك المرجئة سموا من قال في الإيمان بقول ~~الصحابة والتابعين واستثنى فيه فقال: أنا مؤمن إن شاء الله شاكا. # PageV01P143 # وهذا شأن كل مبطل ومبتدع، يلقب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفردة، ~~فإذا أطلقوا لفظ الجسم صوروا في ذهن السامع خشبة من الخشب الكثيف، أو بدنا ~~له حامل يحمله، وإذا قالوا: مركب صوروا في ذهنه أجزاء متفرقة فركبها، وهذا ~~حقيقة المركب لغة وعرفا، وإذا قالوا: يلزم أن تحله الحوادث صوروا في ذهنه ~~ذاتا تنزل به الأعراض النازلة بالمخلوقين كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ~~لابن آدم أمله وأجله والأعراض جانبه إن أخطأه هذا أصابه هذا، ms131 وإذا قالوا ~~يقولون بالحيز والجهة صوروا في الذهن موجودا بالأحياز، وإذا قالوا لزم ~~الحيز صوروا في الذهن قادرا ظالما يجبر الخلق على ما لا يريدون ويعاقبهم ~~على ما لا يفعلون، وإذا قالوا: حشوية، صوروا في ذهن السامع أنهم حشوا في ~~الدين ما ليس منه، فتنفر القلوب من هذه الألقاب. # ولو ذكروا حقيقة قولهم لما قبلت القلوب السليمة والفطر المستقيمة سواه، ~~فكيف يترك الحق لأسماء سموها هم وأسلافهم ما أنزل الله بها من سلطان، ~~وألقاب وضعوها من تلقاء أنفسهم لم يأت بها سنة ولا قرآن، وشبهات قذفت بها ~~القلوب ما استنارت بنور الوحي ولا خالطها بشاشة الإيمان، وخيالات هي ~~بتخيلات الممردين وأصحاب الهوس أشبه منها بقضايا العقل والبرهان، ووهميات ~~نسبتها إلى العقل الصحيح كنسبة السراب في الأبصار في القيعان، وألفاظ مجملة ~~ومعان مشتبهة قد لبس فيها الحق بالباطل فصار ذا خفاء وكتمان. # فدعونا من هذه الدعاوى الباطلة التي لا تفيد إلا إتعاب الإنسان، وكثرة ~~الهذيان وحاكمنا إلى الوحي والقرآن، لا إلى منطق يونان، ولا إلى قول فلان ~~ورأي فلان، كتاب الله ليس فوق بيانه مرتبة في البيان، وهذه سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مطابقة له أعظم من مطابقة البيان للسان، وهذه أقوال ~~أعقل الأمم بعده والتابعين لهم بإحسان، لا يختلف منهم في هذا الباب اثنان، ~~ولا يوجد عنهم فيه قولان متنافيان، بل قد تتابعوا كلهم على إثبات الصفات ~~وعلو الله على خلقه واستوائه على عرشه، وإثبات تكلمه # PageV01P144 # وتكليمه وسائر ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~كتتابع الأسنان، وقالوا للأمة: هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم وإلى من ~~بعدكم إلى آخر الزمان، وهذا هو الذي نادى به المنادي وأذن على رءوس الملأ ~~في السر والإعلان، فحي على الصلاة وراء هذا الإمام يا أهل الإيمان، وحي على ~~الفلاح بمتابعته يا أهل القرآن، والصلاة خير من النوم في ظلمة ليل الشكوك ~~والإفك والكفران، فلا تصح القدوة بمن أقر على نفسه وصدقه المؤمنون بأنه ~~تائه في بيداء الآراء ms132 والمذاهب حيران، وأنه لم يصل إلى اليقين بشيء منها، ~~لا هو ولا من قبله على تطاول الزمان، وإن غاية ما وصلوا إليه الشك والتشكيك ~~ولقلقة اللسان. # فالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وخصهم بكمال العقول وصحة الفطرة ~~ونور البرهان، وجعلهم هداة مهتدين، مستبصرين مبصرين، أئمة للمتقين يهدون ~~بأمره، ويبصرون بنوره، ويدعون إلى داره، ويجادلون كل مفتتن فتان، فحي على ~~خير العمل بمتابعة المبعوث بالفرقان، وتحكيمه وتلقي حكمه بالتسليم والقبول ~~والإذعان، ومقابلة ما خالف حكمه بالإنكار والرد والهوان، ومطاعنة المعارضين ~~له بقولهم بالسيف والسنان، وإلا بالعلم واللسان، فالعقول السليمة والفطر ~~المستقيمة لنصوص الوحي يسجدان، ويصدقان بما شهدت به ولا يكذبان، ويقران أن ~~لها عليهما أعظم سلطان، وأنهما إن خرجا عنها غلبا ولا ينتصران، والله ~~المستعان، وعليه التكلان. # السابع والعشرون: أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد ~~المسلمين المؤمنين بالنبوة حقا، ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين ~~بحقيقة النبوة، ليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى ~~هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم، وأن ~~الإيمان بالنبوة عندهم، والاعتراف بموجود حليم له طالع مخصوص يقتضي طالعه ~~أن يكون متبوعا، فإذا أخبرهم بما لا تدركه عقولهم عارضوا خبره بعقولهم ~~وقدموها على خبره. # فهؤلاء الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء، فعارضوا الأنبياء في باب ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر في هذه الأصول الخمسة ~~بعقولهم، فلم يصدقوا بشيء منها على طريقة الرسل، ثم سرت معارضتهم في ~~المنتسبين إلى الرسل، فتقاسموها تقاسم الوارث لتركة مورثهم، فكل طائفة كانت ~~نصوص الوحي # PageV01P145 # على خلاف مذهبهم لجئوا إلى هذه المعارضة، ومعلوم أن هذا يناقض الإيمان ~~بالنبوة، وإن تناقض القائل به فغلبته أن يثبت كون النبي رسولا في العمليات ~~ولا في العلميات، أو في بعض العلميات التي أخبر بها دون البعض، وهذا أسوأ ~~حالا ممن جعله رسولا إلى بعض الناس دون بعض، فإن القائل بهذا يجعله رسولا ~~في العلميات والعمليات، ولا يعارض بين خبره وبين العقل، ms133 وإن تناقض جحده ~~عموم رسالته بالنسبة إلى كل مكلف، فهذا جحد عموم رسالته إلى المدعوين، وذاك ~~جحد عموم رسالته في المدعو إليه المخبر به، ولم يؤمن في الحقيقة برسالته، ~~لا هذا ولا هذا، فإنه يقال لهذا: إن كان رسول الله إلى هؤلاء حقا فهو رسوله ~~إلى الآخرين قطعا، لأنه أخبر بذلك، ومن ضرورة تصديقه الإيمان بعموم رسالته، ~~ويقال للآخر: إن كان رسول الله في العمليات وأنها حق من عند الله، فهو ~~رسوله في العلميات، فإنه أخبر عنه بهذا وهذا. ### | العقل يصدق ما جاء الوحي أشد مما يصدق كثير من المحسوسات # الثامن والعشرون: وهو أنك إذا جعلت العقل ميزانا، ووضعت في إحدى كفتيه ~~كثيرا من الأمور المشاهدة المحسوسة التي ينالها العيان، ووضعت في الكفة ~~الأخرى الأمور التي أخبرت بها الرسل عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجدت ترجيحه لهذه الكفة فوق ترجيحه للتي قبلها ~~وتصديقه بها أقوى، ولولا الحس والمشاهدة يمنعه من إنكار ذلك لأنكره، هذه ~~دعوى نعلم أنك تتعجب ممن يدعيها وتنسبه إلى المجازفة وقلة التحصيل، ولعمر ~~الله إن مدعيها ليعجب من إنكارك لها وتوقفك فيها بعد البيان. # فنقول وبالله التوفيق: أنسب إلى العقل، حيوان يرى ويحس ويتكلم ويعمل، ~~فغشيه أمر ألفاه كأنه خشبة لا روح فيها، وزال إحساسه وإدراكه، وتوارى عنه ~~سمعه وبصره وعقله، بحيث لا يعلم شيئا، فأدرك في هذه الحالة من العلوم ~~العجيبة والأمور الغائبة ما لم يدركه حال حضور ذهنه، واجتماع حواسه ووفور ~~عقله، وعلم من أمور الغيب المستقبلة ما لم يكن له دليل ولا طريق إلى العلم ~~به. # وأنسب إليه أيضا حيوان خرج من إحليله مجة ماء مستحيلة عن حصول الطعام ~~والشراب كالمخطة، فامتزجت بمثلها في مكان ضيق فأقامت برهة من الدهر، ~~فانقلبت دما قد تغير لونها وشكلها وصفاتها، فأقامت كذلك مدة، ثم انقلبت بعد ~~ذلك قطعة لحم، فأقامت كذلك مدة، ثم انقلبت عظاما وأعصابا وعروقا وأظفارا ~~مختلفة الأشكال والأوضاع، وهي جماد لا إحساس بها، ثم عادت حيوانا يتحرك ~~ويتغذى ويتقلب، ms134 ثم # PageV01P146 # أقام ذلك الحيوان في مكان لا يجد فيه منفسا وهو داخل أوعية بعضها فوق ~~بعض، ثم انفتح له باب يضيق عنه مسلك الذكر لا يسلكه إلا بضغطه، فوسع له ذلك ~~الباب حتى خرج منه. # وأنسب إليه أيضا: بقدر الحبة ترسله في مدينة عظيمة من أعظم المدن فيأكل ~~المدينة وكل من فيها ثم يقبل على نفسه فيأكلها، وهو النار. # وأنسب إليه شيئا بقدر بذر الخشخاش يحمله الإنسان بين ثيابه مدة فينقلب ~~حيوانا يتغذى بورق الشجر برهة، ثم إنه يبني على نفسه قبابا مختلفة الألوان ~~من أبيض وأصفر وأحمر بناء محكما متفقا، فيقيم في ذلك البناء مدة من الزمان ~~لا يتغذى بشيء البتة، فينقلب في القبة طائرا له أجنحة يطير بها بعد أن كان ~~دودا يمشي على بطنه فيفتح عن نفسه باب القبة، وذلك دود القز. # إلى أضعاف أضعاف ما ذكرناه، مما يشاهد بالعيان، مما لو حكي لمن لم يره ~~لعجب من عقل من حكاه له وقال: وهل يصدق بهذا عاقل، وضرورة العقل تدفع هذا، ~~وأقام الأدلة العقلية على استحالته فقال في النائم مثلا: القوى الحساسة سبب ~~الإدراك للأمور الوجودية وآلة لها، فمن لم يدرك الأشياء مع وجودها ~~واستجماعها ووفورها، فلأن يتعذر عليه عدم إدراكها مع عدمها وبطلان أفعالها ~~أولى وأحرى، وهذا قياس أنت تجده أقوى من الأقيسة التي يعارض بها خبر ~~الأنبياء، والحس والعيان يدفعه، ومن له خبرة بمواد الأدلة وترتيب مقدماتها، ~~وله أدنى بيان يمكنه أن ينظم أدلة عقلية على استحالة كثير من الأمور ~~المشاهدة المحسوسة، وتكون مقدمات تلك الأدلة من جنس مقدمات الأدلة التي ~~تعارض بها النصوص أو أصح منها. # وأنسب إلى العقل: وجود ما أخبرت به الرسل عن الله وصفاته وأفعاله ~~وملائكته واليوم الآخر، وثبوت هذه الأمور التي ذكرنا اليسير منها، وما لم ~~نذكره ولم يخطر لنا ببال أعجب من ذلك بكثير، تجد تصديق العقل بما أخبرت به ~~الرسل أقرب إليه من تصديقه بهذه الأمور، ولولا المشاهدة لكذب بها، فيا لله ~~العجب، كيف يستجيز العقل تكذيب ما ms135 أخبرت به الرسل بعد أن سمع ورأى وعاين ما ~~لولا الحس لأنكره غاية الإنكار؟ ومن هاهنا قال من صح عقله وإيمانه: إن نسبة ~~العقل إلى الوحي أقل وأدق بكثير من نسبة مبادئ التمييز إلى العقل. # التاسع والعشرون: أن هؤلاء المعارضين بين العقل والوحي لا يمكنهم إثبات # PageV01P147 # الصانع، بل يلزم من قولهم نفيه بالكلية لزوما بينا، ولأن العالم مخلوق ~~له، ولا يمكنهم إقامة دليل على استحالة الهين، ولا إقامة دليل واحد على ~~استحالة كون الصانع جسما، ولا إثبات كونه عالما ولا قادرا ولا ربا، ونقتصر ~~من هذه الجملة على بيان عجزهم عن إثبات وجوده سبحانه وتعالى، فضلا عن ~~تنزيهه عن صفات كماله فنقول: المعارض بين العقل والنقل في الأصل هم ~~الزنادقة المنكرون للنبوة وحدوث العالم والمعاد، ووافقهم في هذا الأصل ~~الجهمية المعطلة لصفات الرب تعالى وأفعاله، والطائفتان لم تثبت للعالم ~~صانعا البتة، فإن الصانع الذي أثبتوا وجوده مستحيل فضلا عن كونه واجب ~~الوجود قديما، أما الزنادقة الفلاسفة فإنهم أثبتوا للعالم صانعا لفظا لا ~~معنى، ثم لبسوا على الناس، وقالوا: إن العالم صنعه وفعله وخلقه، ثم هو في ~~الحقيقة عندهم غير مصنوع ولا مخلوق ولا مفعول، ولا يمكن على أصلهم أن يكون ~~العالم مخلوقا ولا مفعولا. # قال أبو حامد: وذلك لثلاثة أوجه: وجه في الفاعل، ووجه في الفعل، ووجه في ~~نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل، وأما الذي في الفاعل فهو أنه لا بد أن يكون ~~مريدا مختارا عالما بما يريده حين يكون فاعلا لما يريده، والله تعالى عندهم ~~ليس مريدا، بل لا صنعة له أصلا، وما يصدر عنه فيلزم لزوما ضروريا، والثاني: ~~أن العالم قديم عندهم والفعل هو الحادث، والثالث: أن الله تعالى واحد من كل ~~وجه، والواحد عندهم لا يصدر عنه إلا واحد، والعالم مركب من خلفات، فكيف ~~يصدر عنه؟ # قال: ولنحقق وجه كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مع حالهم في دفعه فنقول: ~~الفاعل عبارة عما صدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار، مع ~~العلم بالمراد، وعندهم أن ms136 العالم مع الله كالمعلوم مع العلة، يلزم لزوما ~~ضروريا لا يتصور مع الله تعالى دفعه، لزوم الظل للشخص والنور للشمس، وليس ~~هذا من الفعل في شيء، بل من قال: إن السراج يفعل الضوء، والشخص يفعل الظل ~~فقد جاوز وتوسع في التجاوز توسعا خارجا عن الحد، واستعار اللفظ واكتفى ~~بوقوع المشاركة بين المستعار منه في وصف واحد، وهو أن الفاعل سبب على ~~الجملة، والسراج سبب للضوء، والشمس سبب للنور، والفاعل لم يسم فاعلا صانعا ~~بمجرد كونه سببا، بل لكونه سببا على وجه الإرادة والاختيار، حتى لو قال ~~قائل: الجدار ليس بفاعل، والحجر ليس بفاعل، والجماد ليس بفاعل، وإنما الفعل ~~للحيوان، لم ينكر ذلك عليه، # PageV01P148 # ولم يكن قوله كذبا، وللحجر فعل عندهم، وهو الهوي إلى أسفل والميل إلى ~~المركز، كما أن للنار فعلا، وهو التسخين، وللحائط فعلا وهو الميل إلى ~~المركز ووقوع الظل، لأن ذلك صادر عنه، وهذا محال. # قال: فإن قيل: كل موجود ليس بواجب الوجود لذاته بل هو موجود بغيره، فإنا ~~نسمي ذلك الشيء مفعولا، ونسمي سببه فعلا ولا نبالي، كان المسبب فاعلا ~~بالطبع أو بالإرادة، كما أنكم لا تبالون إن كان فاعلا بآلة أو غير آلة، بل ~~الفعل جنس ينقسم إلى ما يقع بآلة وإلى ما يقع بغير آلة، كذلك هو جنس ينقسم ~~إلى ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار، بدليل أنا لو قلنا: فعل بالطبع ~~لم يكن قولنا فعل بالطبع ضدا لقولنا فعلا، ولا رفعا له، ولا نقصا له، بل ~~بيانا لنوع الفعل، كما إذا قلنا: فعل مباشر بغير آلة لم يكن نقضا، بل ~~تنويعا وبيانا، وإذا قلنا: فعل بالاختيار لم يكن تكرارا، بل كان بيانا لنوع ~~الفعل، كقولنا: فعل بآلة، ولو كان قولنا فعل يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ~~ثابتة للفعل من حيث إنه فعل لكان قولنا فعل وما فعل. # قلنا: هذه التسمية فاسدة، فلا يجوز أن يسمى كل سبب بأي فعل كان فاعلا ولا ~~كل سبب مفعولا، ولو كان ذلك ما صح أن يقال: الجماد لا ms137 فعل له وإنما الفعل ~~للحيوان، وهذه من الكلمات المشهورة الصادقة، فإن سمي الجماد فاعلا ~~فبالاستعارة كما يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز، ويقال: الحجر يهوي، ~~لأنه يريد المركز ويطلبه، والطلب والإرادة هنا حقيقة، لأنه لا يتصور إلا مع ~~العلم المراد المطلوب، فلا يتصور إلا من الحيوان، وأما قولكم: إن قولنا: ~~فعل عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو بالإرادة غير مسلم، وهو كقول ~~القائل: قولنا: أراد عام، وينقسم إلى من يريد مع العلم بالمراد، وإلى من ~~يريد ولا يعلم ما يريد، وهو فاسد، إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة، وكذلك ~~الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة. # وأما قولكم: إن قولنا: فعل بالطبع ليس بنقص للأول فليس كذلك، فإنه نقض له ~~من حيث الحقيقة، ولكنه لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه، ~~فإنه لما أن كان سببا موجبا والفاعل أيضا سببا سمي فعلا مجازا، وإذا قال: ~~فعل بالاختيار فهو تكوين على التحقيق، كقوله: أراد، وهو عالم بما أراد، إلا ~~أنه لما تصور أن يقال: فعل وهو مجاز، ويقال: فعل وهو حقيقة لن تنفر النفس ~~عن قوله: فعل بالاختيار، وكان معناه فعل حقيقيا لا مجازيا، كقول القائل: ~~تكلم بلسانه، ونظر بعينه، فإنه لما # PageV01P149 # جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا، والكلام في تحريك الرأس واليد ~~مجازا، لم يستقبح أن يقال: قال بلسانه ونظر بعينه، ويكون معناه نفي احتمال ~~المجاز، فهذه مزلة القدم. # فإن قيل: فتسمية الفاعل فاعلا إنما يعرف من اللغة، وإلا فقد ظهر في العقل ~~أن ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى ما لا يكون، فوقع ~~النزاع في أن اسم الفاعل يقع على كل من القسمين حقيقة أم لا، إذ العرب ~~تقول: النار تحرق، والثلج يبرد، والسيف يقطع، والخبز يشبع، والماء يروي، ~~وقولنا: يقطع معناه يفعل القطع، وقولنا: يحرق معناه يفعل الإحراق، فإن ~~قلتم: إن ذلك مجاز، فأنتم متحكمون، قال: والجواب: أن ذلك طريق، وإنما الفعل ~~الحقيقي ما يكون بالإرادة، والدليل عليه أنا لو فرضنا ms138 حادثا توقف حصوله على ~~أمرين: أحدهما إرادي والآخر غير إرادي، أضاف العقل الفعل إلى الإرادي، فكذا ~~اللغة، فإن من ألقى إنسانا في نار فمات يقال: هو القاتل دون النار، حتى إذا ~~قيل: ما قتله إلا فلان كان صدقا، وإذا كان اسم الفاعل المريد وغير المريد ~~على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما أصلا والآخر مستعارا، فلم يضف القتل إلى ~~المريد لغة وعرفا وعقلا، مع أن النار هي العلة القريبة في العقل، وكان ~~الملقي لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين النار، ولكن لما كان الجمع بالإرادة ~~وتأثير النار بغير إرادة سمي قاتلا ولم تسم النار قاتلة إلا بمعنى ~~الاستعارة، فعلم أن الفاعل من يصدر الفعل عن إرادته، وإذا لم يكن الله ~~مريدا عندهم ولا مختارا للفعل لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا. # فإن قيل: نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجد سواه، وأن ~~العالم قوامه به، ولولا وجود الباري لما تصور وجود العالم، ولو قدر عدم ~~الباري لانعدم العالم كما لو قدر عدم الشمس لانعدم الضوء، فهذا ما نعنيه ~~بكونه فاعلا، فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا المعنى فعلا فلا مشاحة في ~~الأسامي بعد ظهور المعنى. # قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا، وإنما المعنى ~~بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقة، وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل، ~~ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلام، ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ دون المعاني، ~~فصرحوا بأن الله لا فعل له حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لمذهب المسلمين، ولا ~~تلبسوا بقولكم: إن الله صانع العالم، فإن هذه لفظة أطلقتموها ونفيتم ~~حقيقتها، ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط ثم ساق الكلام إلى ~~أن قال: # PageV01P150 ### | أصول المعارضين للشرع بالعقل تنفي وجود الصانع لا صفاته فحسب # إن أصولهم التي عارضوا بها الوحي تنفي وجود الصانع فضلا عن كونه صانعا ~~للعالم، بل تجعله ممتنع الوجود فضلا عن كونه واجبا، لأن الصفات التي وصفوه ~~بها صفات معدوم ممتنعة في العقل والخارج، فالعقل ms139 لا يتصوره إلا على سبيل ~~الفرض الممتنع كما تفرض المستحيلات، ولا يمكن في الخارج وجوده، فإن ذاتا هي ~~وجود مطلق لا ماهية لها سوى الوجود المطلق المجرد عن كل ماهية، ولا صفة لها ~~البتة، ولا فيها معنيان متغايران في المفهوم، ولا هي هذا العالم، ولا صفة ~~من صفاته، ولا داخلة فيه، ولا خارجة عنه، ولا متصلة به، ولا منفصلة عنه، ~~ولا محايثة له، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا ترى، ~~ولا يمكن أن ترى، ولا تدرك شيئا، ولا تدرك هي بشيء من الحواس، ولا متحركة ~~ولا ساكنة، ولا توصف بغير السلوب والإضافات العدمية، ولا تنعت بشيء من ~~الأمور الثبوتية، هي بامتناع الوجود أحق منها بإمكان الوجود، فضلا عن ~~وجوبه، وتكلف العقل الاعتراف بوجود هذه الذات ووجوبها كتكليفه الجمع بين ~~النقيضين. # ومعلوم أن مثل هذه الذات لا تصلح لفعل ولا ربوبية ولا إلهية، فأي ذات ~~فرضت في الوجود فهي أكمل منها، فالذي جعلوه واجب الوجود هو أعظم استحالة من ~~كل ما يقدر مستحيلا، فلا يكثر بعد هذا عليهم إنكارهم لصفاته كعلمه وقدرته ~~وحياته وسمعه وبصره، ولا إنكارهم لكلامه وتكليمه، فضلا عن استوائه على عرشه ~~ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه، وإتيانه، وفرحه، وحبه، وغضبه، ورضاه، ~~فمن هدم قواعد البيت من أصلها كان عليهم هدم السقف والجدران أهون. # ولهذا كان حقيقة قول هؤلاء القول بالدهر وإنكار الخالق بالكلية وقولهم: ~~{ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] ~~وإنما صانعوا المسلمين ألفاظا لا حقيقة لها، واشتق إخوانهم الجهمية النفي ~~والتعطيل من أصولهم، فسدوا على أنفسهم طريق العلم بإثبات الخالق وتوحيده ~~بمشاركتهم لهم في الأصل المذكور، وإن باينوهم في بعض لوازمهم، كإثباتهم كون ~~الرب تعالى قادرا مريدا فاعلا بالاختيار وإثباتهم معاد الأبدان، والنبوة ~~ولكن لم يثبتوا ذلك على الوجه الذي جاءت به الرسل، ولا نفوه نفي إخوانهم ~~الملاحدة، بل اشتقوا مذهبا بين المذهبين، وسلكوا طريقا بين الطريقين، لا ~~للملاحدة فيه وافقوا، ولا للرسل اتبعوا. # PageV01P151 # ولهذا عظمت ms140 بهم البلية على الإسلام وأهله بانتسابهم إليه، وظهورهم في ~~مظهر ينصرون به الإسلام، فلا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، فمرة ~~يقولون: هي دلالة لفظية معزولة عن إفادة العلم واليقين، ومرة يقولون: هي ~~مجازات واستعارات لا حقيقة لها عند العارفين، ومرة يقولون: لا سبيل إلى ~~تحكيمها، ولا التفات إليها، وقد عارضها العقل وقواطع البراهين، ومرة ~~يقولون: أخبار آحاد فلا يحتج بها في المسائل القطعية التي يطلب منها ~~اليقين، فأرضيتم بذلك إخوانكم من الملاحدة أعداء الدين، فهذه ثمرة عقولكم ~~وحاصل معقولكم. # فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... عاديتم المعقول والمنقولا # وطلبتم أمرا محالا، وهو إد ... راك الهدى لا تتبعون رسولا # وزعمتم أن العقول كفيلة ... بالحق، أين العقل كان كفيلا # وهو الذي يقضي فينقض حكمه ... عقل، ترون كليهما معلولا # وتراه يجزم بالقضاء وبعد ذا ... يلقى لديه باطلا معقولا # لا يستقل العقل دون هداية ... بالوحي تأصيلا ولا تفصيلا # كالطرف دون النور ليس بمدرك ... حتى تراه بكرة وأصيلا # فإذا الظلام تلاطمت أمواجه ... وطمعت بالإبصار كنت محيلا # وإذا النبوة لم ينلك ضياؤها ... فالعقل لا يهديك قط سبيلا # نور النبوة مثل نور الشمس لل ... عين البصيرة فاتخذه دليلا # طرق الهدى مسدودة إلا على ... من أم هذا الوحي والتنزيلا # فإذا عدلت عن الطريق تعمدا ... فاعلم بأنك ما أردت وصولا # يا طالبا درك الهدى بالعقل دو ... ن النقل، لن تلقى لذاك دليلا # كم رام قبلك ذاك من متلدد ... حيران عاش مدى الزمان جهولا # مازالت الشبهات تغزو قلبه ... حتى تشحط بينهن قتيلا # فتراه بالكلي والجزئي والذ ... ذاتي طول زمانه مشغولا # فإذا أتاه الوحي لم يأبه له ... ويقوم بين يدي عداه مثيلا # ويقول تلك أدلة لفظية ... معزولة عن أن تكون دليلا # وإذا تمر عليه قال لها اذهبي ... نحو المجسم أو خذي التأويلا # PageV01P152 # وإذا أبت إلا النزول عليه كا # ن لها القرى التحريف والتبديلا ... فيحل بالأعداء ما تلقاه من # كيد يكون لحقها تعطيلا ... واضرب لهم مثلا بعميان خلوا # في ظلمة لا يهتدون سبيلا ... فتصادموا بأكفهم وعصيهم # ضربا يدير رحى القتال طويلا ... حتى إذا ملوا ms141 القتال رأيتهم # مشجوج أو مبعوج أو مقتولا ... وتسامع العميان حتى أقبلوا # للصلح فازداد الصياح عويلا # يوضحه: الوجه الثلاثون، وهو أن الطرق التي سلكها هؤلاء المعارضون بين ~~الوحي والعقل في إثبات الصانع هي بعينها تنفي وجوده لزوما، فإن المعارضين ~~صنفان: الفلاسفة والجهمية، أما الفلاسفة فأثبتوا الصانع بطريق التركيب، وهو ~~أن الأجسام مركبة، والمركب يفتقر إلى أجزائه، وكل مفتقر ممكن، والممكن لا ~~بد له من وجود واجب، ويستحيل الكثرة في ذات الواجب بوجه من الوجوه، إذ يلزم ~~تركيبه وافتقاره، وذلك ينافي وجوبه، وهذا هو غاية توحيدهم، وبه أثبتوا ~~الخالق على زعمهم. # ومعلوم أن هذا من أعظم الأدلة على نفي الخالق، فإنه ينفي قدرته ومشيئته ~~وعلمه وحياته، إذ لو ثبت له هذه الصفات بزعمهم لكان مركبا، والمركب مفتقر ~~إلى غيره، فلا يكون واجبا بنفسه، وفي هذه الشبهة من التلبيس والتدليس ~~والألفاظ المجملة والمعاني المشتبهة ما يطول وصفه، وقد انتدب لإفسادها جنود ~~الإسلام على اختلاف مذاهبهم، فإن المركب لفظ مجمل يراد به ما ركبه غيره، ~~وما كان متفرقا فاجتمعت أجزاؤه، وما يمكن تفريق بعضه عن بعض، والله تعالى ~~منزه عن هذه التراكيب، ويراد به في اصطلاح هؤلاء ما له ماهية خاصة يتميز ~~بها عن سائر الماهيات، وما له ذات وصفات بحيث يتميز بعض صفاته عن بعض، وهذا ~~ثابت للرب تعالى، وإنما سماه هؤلاء تركيبا على ما تقدم، وكذلك لفظ الافتقار ~~لفظ مجمل يراد به فقر الماهية إلى موجود غيرها يتحقق وجودها به، وإنه ~~سبحانه غني عن هذا الافتقار، ويراد به أن الماهية مفتقرة في ذاتها ولا قوام ~~لذاتها إلا بذاتها، وأن الصفة لا تقوم وإنما تقوم # PageV01P153 # بالموصوف، وهذا المعنى حق وإن سماه هؤلاء الملبسون فقرا، وكذلك لفظ الغير ~~فيه إجمال، ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر، وهذا المعنى حق ~~في ذاته سبحانه وصفاته وإن سماه هؤلاء أغيارا، فإن المخلوق يعلم من الخالق ~~صفة دون صفة، وقد قال أعلم الخلق به: " «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك» " وهذا لكثرة أسمائه ms142 وصفات كماله ونعوت جلاله، وقال: " «أعوذ ~~برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك» " والمستعاذ به غير المستعاذ منه، ~~والمقصود أن تسمية هذا تركيبا وافتقارا وغيرا وضع وضعه هؤلاء، وليس الشأن ~~في الألفاظ إنما الشأن في المعاني. # وقولهم: إنه مفتقر إلى جزئه تلبيس، فإن القديم الموصوف بالصفات اللازمة ~~له يمتنع أن تفارقه صفاته، وليست له حقيقة غير الذات الموصوفة حتى يقال: إن ~~تلك الحقيقة مفتقرة إلى غيرها، وإن سميت تلك الصفة غيرا، فالذات والصفات ~~متلازمان لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر، وهذا الالتزام يقتضي حاجة الذات ~~والصفات إلى موجود أوجدها وفاعل فعلها، والواجب بنفسه يمتنع أن يكون مفتقرا ~~إلى ما هو خارج عن نفسه، فأما أن لا يكون له صفة ولا ذات ولا يتميز فيه أمر ~~عن أمر فلا يلزم من وجوبه وكونه غنيا بنفسه عن كل ما سواه، فقول الملبس: ~~إنه مفتقر إلى ذلك كقوله: لو كان له ماهية لكان مفتقرا إلى ماهيته، والله ~~تعالى اسم للذات المتصفة بكمال العلم والقدرة والحياة والمشيئة وسائر صفات ~~الكمال، ليس اسما لذات مجردة عن الأوصاف والنعوت، فكل ذات أكمل من هذا ~~الذات، تعالى الله عن قول الملحدين في أسمائه وصفاته علوا كبيرا. # والمقصود أن الطريق التي سلكها هؤلاء في إثبات الصانع هي أعظم الطرق في ~~نفيه وإنكار وجوده، ولذلك كان سالكوها لا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا ~~كتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر، وإن صانع من صانع منهم أهل الملل بألفاظ ~~لا حاصل لها. ### | فصل مذهب أهل الكلام في الصفات # فصل # وأما المتكلمون فلما رأوا بطلان هذه الطريق عدلوا عنها إلى طريق الحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق وتماثل الأجسام وتركبها من الجواهر الفردة، ~~وأنها قابلة # PageV01P154 # للحوادث، وما يقبل الحوادث فهو حادث، فالأجسام كلها حادثة، فإذن يجب أن ~~يكون لها محدث ليس بجسم، فبنوا العلم بإثبات الصانع على حدوث الأجسام، ~~واستدلوا على حدوثها بأنها مستلزمة للحركة والسكون والاجتماع والافتراق، ثم ~~قالوا: إن تلك أعراض، والأعراض حادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، ~~واحتاجوا في ms143 هذه الطريق إلى إثبات الأعراض أولا، ثم إثبات لزومها للجسم ~~ثانيا، ثم إبطال حوادث لا أول لها ثالثا، ثم إلزام بطلان حوادث لا نهاية ~~لها رابعا عند فريق منهم، وإلزام الفرق عند فريق آخر، ثم إثبات الجوهر ~~الفرد خامسا، ثم إلزام كون العرض لا يبقى زمانين سادسا، فيلزم حدوثه والجسم ~~لا يخلو منه وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ثم إثبات الخالق سبحانه مبني ~~على هذه الأمور السبعة فلزمهم من سلوك هذه الطريق إنكار كون الرب فاعلا في ~~الحقيقة، وإن سموه فاعلا بألسنتهم، فإنه لا يقوم به عندهم فعل، وفاعل بلا ~~فعل كقائم بلا قيام، وضارب بلا ضرب، وعالم بلا علم. # وضم الجهمية إلى ذلك أنه لو قام به صفة لكان جسما، ولو كان جسما لكان ~~حادثا، فيلزم من إثبات صفاته إنكار ذاته، فعطلوا صفاته وأفعاله بالطريق ~~التي أثبتوا بها وجوده، فكانت أبلغ الطرق في تعطيل صفاته وأفعاله، وعن هذا ~~الطريق أنكروا علوه على عرشه وتكلمه بالقرآن وتكليمه لموسى، ورؤيته ~~بالأبصار في الآخرة، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، ومجيئه لفصل القضاء ~~بين الخلائق، وغضبه ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب مثله بعده، ~~وجميع ما وصف به نفسه من وصف ذاتي أو معنوي أو فعلي، فأنكروا وجهه الأعلى، ~~وأنكروا أن له يدين، وأن له سمعا وبصرا وحياة، وأنه يفعل ما يشاء حقيقة، ~~وإن سمي فاعلا فلم يستحق ذلك لفعل قام به، بل فعله هو عين مفعوله. # وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا أنها نبوة في ~~الحقيقة، فإنهم بنوها على مجرد طريق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره، ~~وحاروا في الفرق فلم يأتوا فيه بما تثلج له الصدور، مع أن النبوة التي ~~أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي بالنبي، والتعلق ~~عندهم أمر عدمي، فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي، وقد صرحوا بأنها لا ترجع ~~إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي صلى الله عليه وسلم. # وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة إنباء الله ms144 لرسوله وأمره تبليغ كلامه إلى ~~عباده، وعندهم أن الله يتكلم ولا يقوم به كلام. # PageV01P155 # وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، قالوا: لا ~~ينافي التصديق بالمعاد إلا بإثباته، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له، ~~والمثبتون له يعترفون أن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة، وكثير ~~منهم له قولان في إثباته ونفيه، وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه ~~جمهور العقلاء، ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء، فقالوا: لو أن الله تعالى ~~يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدما محضا، ثم يعيد المعدوم ويقلبه موجودا ~~حتى إنه يعيد زمنه بعينه وينشئه، لا من مادة، كما قالوا في المبدأ، فجنوا ~~على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به، وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل. # وأما المبدأ فإنهم قالوا: إن الله تعالى كان معطلا في الأول، والفعل غير ~~ممكن، مع قولهم: كان قادرا عليه، ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا، من غير ~~تجدد أمر أصلا، وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وذات ~~الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة. # فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها الوحي، وهذه طرقهم العقلية التي لم ~~يثبتوا بها ربا ولا رسالة، ولا مبدأ ولا معادا. ### | معارضة الوحي بالعقل # الوجه الحادي والثلاثون: أن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة، ~~فهو أمل من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه، فإنه سبحانه لما أمره بالسجود ~~لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين جملتين: إحداهما: قوله: {أنا ~~خير منه} [الأعراف: 12] فهذه هي الصغرى، والكبرى محذوفة تقديرها: والفاضل ~~لا يسجد للمفضول، وذلك سند المقدمة الأولى، وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى ~~مقدمتيه فقال: {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] المقدمة ~~الثانية كلها معلومة، أي: ومن خلق من نار خير ممن خلق من طين، فهما قياسان ~~متداخلان، وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة، فالقياس الأول هكذا: ~~أنا خير منه، وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه، وهذا من الشكل الأول، ~~والقياس الثاني هكذا: خلقتني ms145 من نار وخلقته من طين، والمخلوق من النار خير ~~من المخلوق من الطين، فنتيجة هذا القياس العقلي: أنا خير منه، ونتيجة ~~الأول: فلا ينبغي أن أسجد له، وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته ~~أقوى من كثير من قياساتهم التي عارضوا بها الوحي، والكل باطل. # PageV01P156 # وقد اعتذر أتباع الشيخ أبي مرة بأعذار: منها: أنه لما تعارض عنده العقل ~~والنقل قدم العقل، ومنها: أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله: {اسجدوا} ~~[البقرة: 34] لا عموم له، فإن الضمائر ليست من صيغ العموم، ومنها: أنه وإن ~~كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس المذكور، ومنها: أنه لم يعتقد أن الأمر ~~للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه المتيقن، أو على الرجحان دفعا للاشتراك ~~والمجاز، ومنها: أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور، ومنها: أنه صان ~~جناب الرب أن يسجد لغيره، ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه. # وبالله تأمل هذه التأويلات، وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي ~~يذكرها كثير من الناس، وفي بني آدم من يصوب رأي إبليس وقياسه، ولهم في ذلك ~~تصانيف، وكان بشار ابن الشاعر الأعمى على هذا المذهب، ولهذا يقول في ~~قصيدته: # الأرض مظلمة سوداء معتمة ... والنار معبودة مذ كانت النار # ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل، وعلم أنه لا شيء ~~أبلغ في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضاته بالمعقول أوحى إلى ~~تلاميذه وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارضون بها الوحي، وأوهم أصحابه ~~أنها قواطع عقلية، وقال: إن قدمتم النقل عليها فسدت عقولكم: {وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] ~~، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون - ~~أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين - وتمت كلمة ms146 ~~ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - وإن تطع أكثر من في ~~الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - إن ربك ~~هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [الأنعام: 112 - 117] # PageV01P157 # الوجه الثاني والثلاثون: في بيان فساد معقول الشيخ الذي عارض به بالوحي ~~وذلك من وجوه: # أحدها: أنه قياس في مقابلة النص، والقياس إذا صادم النص وقابله كان قياسا ~~باطلا، ويسمى قياسا إبليسيا، فإنه يتضمن معارضة الحق بالباطل، ولهذا كانت ~~عقوبته أن أفسد عليه عقله ودنياه وآخرته، وقد بينا فيما تقدم أنه ما عارض ~~أحد الوحي بعقله إلا أفسد الله عليه عقله حتى يقول: ما يضحك العقلاء. # الثاني: أن قوله: {أنا خير منه} [الأعراف: 12] كذب، ومستنده في ذلك باطل، ~~فإنه لا يلزم من تفضيل مادة على مادة تفضيل المخلوق منها على المخلوق من ~~الأخرى، فإن الله سبحانه يخلق من المادة المفضولة ما هو أفضل من المخلوق من ~~غيرها، وهذا من كمال قدرته، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ونوحا والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أفضل من الملائكة، ~~ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة، وإن كانت مادتهم نورا ~~ومادة البشر ترابا، فالتفضيل ليس بالمواد والأصول، ولهذا كان العبيد ~~والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من ~~قريش وبني هاشم. # وهذه المعارضة الإبليسية صارت ميراثا في أتباعه في التقديم بالأصول ~~والأنساب على الإيمان والتقوى، وهي التي أبطلها الله تعالى بقوله: {ياأيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13] وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " «إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس مؤمن ~~تقي، وفاجر شقي» . # وقال صلى الله عليه وسلم: " «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ~~ولا لأبيض # PageV01P158 # على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب» ~~فانظر ms147 إلى سريان هذه النكتة الإبليسية في نفوس أكثر الناس من تفضيلهم بمجرد ~~الأنساب والأصول. # الثالث: أن ظنه أن النار خير من التراب باطل، مستنده ما فيها من الإضاءة ~~والخفة، وما في التراب من الثقل والظلمة، ونسي الشيخ ما في النار من الطيش ~~والخفة، وطلب العلو، والإفساد بالطبع، حتى لو وقع منها شواظ بقدر الحبة في ~~مدينة عظيمة لأفسدها كلها ومن فيها، بل التراب خير من النار وأفضل من وجوه ~~متعددة: منها: أن طبعه السكون والرزانة، والنار بخلافه، ومنها: أنه مادة ~~الحيوان والنبات والأقوات، والنار بخلافه، ومنها: أنه لا يمكن لأحد أن يعيش ~~بدونه ودون ما خلق منه البتة، ويمكنه أن يعيش برهة بلا نار، قالت عائشة: " ~~«كان يمر بنا الشهر والشهران ما يوقد في بيوتنا نار ولا نرى نارا " قال لها ~~عروة: فما عيشكم؟ قالت: " الأسودان: التمر والماء» " ومنها: أن الأرض تؤدي ~~إليك بما فيها من البركة أضعاف أضعاف ما تودعه من الحب والنوى، وتربيه لك ~~وتغذيه وتنميه، والنار تفسده عليك وتمحق بركته، ومنها: أن الأرض مهبط وحي ~~الله ومسكن رسله وأنبيائه وأوليائه، وكفاتهم أحياء وأمواتا، والنار مسكن ~~أعدائه ومأواهم، ومنها: أن في الأرض بيته الذي جعله إماما للناس وقياما ~~لهم، وجعل حجه محطا لأوزارهم، ومكفرا لسيئاتهم، وجالبا لهم مصالح معاشهم ~~ومعادهم، ومنها: أن النار طبعها العلو والفساد، والله لا يحب المستكبرين ~~ولا يحب المفسدين، والأرض طبعها الخشوع والإخبات، والله يحب المخبتين ~~الخاشعين. # وقد ظهر بخلق إبراهيم ومحمد وموسى وعيسى والرسل من المادة الأرضية، وخلق ~~إبليس وجنوده من المادة النارية، نعم وخلق من المادة الأرضية الكفار ~~والمشركين، ومن المادة النارية صالحو الجن، ولكن ليس في هؤلاء مثل إبليس، ~~وليس في أولئك مثل الرسل، فعلم الخير من المادة الأرضية، وعلم الشر من ~~المادة النارية. # PageV01P159 # ومنها: أن النار لا تقوم بنفسها بل لا بد لها من محل تقوم به لا تستغني ~~عنه، وهي محتاجة إلى المادة الترابية في قوامها وتأثيرها، والأرض قائمة ~~بنفسها لا تحتاج إلى محل تقوم به، ولا تفتقر في ms148 قوامها ونفعها إلى النار، ~~ومنها: أن التراب يفسد صورة النار ويبطلها ويقهرها، وإن علت عليه، ومنها: ~~أن الرحمة تنزل على الأرض فتقبلها وتحيا بها وتخرج زينتها وأقواتها وتشكر ~~ربها، وتنزل على النار فتأباها وتطفئها وتمحوها وتذهب بها، فبينها وبين ~~الرحمة معاداة، وبين الأرض وبين الرحمة موالاة، ومنها: أن النار تطفأ عند ~~التكبير وتضمحل عند ذكر كبرياء الرب، ولهذا يهرب المخلوق منها عند الأذان ~~حتى لا يسمعه، والأرض تبتهج بذلك وتفرح به وتشهد به لصاحبه يوم القيامة، ~~ويكفي في فضل المخلوق من الأرض أن الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، ~~وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فهل حصل للمخلوق من النار واحدة من ~~هذه؟ . # فقد تبين لك حال هذه المعارضة العقلية للسمع وفسادها من هذه الوجوه، ~~وأكثر منها، وهي من شيخ القوم ورئيسهم ومعلمهم الأول، فما الظن بمعارضة ~~التلامذة؟ # ونحن نقول قولا نقدم بين يديه مشيئة الله وحوله والاعتراف بمنته علينا ~~وفضله لدينا، وإنه محض منته وجوده وفضله، فهو المحمود أولا وآخرا على ~~توفيقنا له وتعليمنا إياه: # إن كل شبهة من شبه أرباب المعقولات عارضوا بها الوحي فعندنا ما يبطلها ~~بأكثر من الوجوه التي أبطلنا بها معارضة شيخ القوم، وإن مد الله في الأجل ~~أفردنا في ذلك كتابا كبيرا، ولو نعلم أن في الأرض من يقول ذلك، ويقوم به ~~تبلغ إليه كباد الإبل اقتدينا في السير إليه بموسى عليه السلام في سفره إلى ~~الخضر، وبجابر بن عبد الله في سفره إلى عبد الله بن أنيس لسماع حديث واحد، ~~ولكن زهد الناس في عالم قومه ; وقد قام قبلنا بهذا الأمر من برز على أهل ~~الأرض في عصره وفي أعصار قبله فأدرك من قبله وحيدا ; وسبق من بعده سبقا ~~بعيدا. # الوجه الثالث والثلاثون: أنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء وأنه لا ~~سمي له ولا كفء له، وهذا يستلزم وصفه بصفات الكمال التي فات بها شبه # PageV01P160 # المخلوقين، واستحق بقيامها أن يكون {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] وهكذا ~~كونه ليس له ms149 سمي، أي: مثيل يساميه في صفاته وأفعاله، ولا من يكافيه فيها، ~~ولو كان مسلوب الصفات والأفعال والكلام والاستواء والوجه واليدين، ومنفيا ~~عنه مباينة العالم ومحايثته واتصاله به وانفصاله عنه وعلوه عليه، وكونه ~~يمنته أو يسرته، أو أمامه أو وراءه، لكان كل عدم مثلا له في ذلك، فيكون قد ~~نفى عن نفسه مماثلة الموجودات، وأثبت لها مماثلة المعدومات، فهذا النفي ~~واقع على أكمل الموجودات وعلى العدم المحض، فإن المحض لا مثل له ولا كفء ~~ولا سمي، فلو كان المراد نفي صفاته وأفعاله واستوائه على عرشه وتكلمه ~~بالوحي وتكليمه لمن يشاء من خلقه، لكان ذلك وصفا له بغاية العدم، فهذا ~~النفي واقع على العدم المحض، وعلى من كثرت أوصاف كماله حتى تفرد بذلك ~~الكمال، فلم يكن له شبيه في كماله ولا سمي ولا كفء. # فإذا أبطلتم هذا المعنى الصحيح تعين ذلك المعنى الباطل قطعا، وصار المعنى ~~أنه لا يوصف بصفة أصلا فلا يفعل فعلا، ولا وجه له، ولا يد، ولا يسمع، ولا ~~يبصر، ولا يعلم، ولا يقدر، تحقيقا لمعنى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ~~وقال إخوانكم من الملاحدة: ليس له ذات أصلا، تحقيقا لهذا النفي، وقال ~~غلاتهم: لا وجود له، تحقيقا لهذا النفي، وأما الرسل وأتباعهم فإنهم قالوا: ~~إن الله حي وله حياة، وليس كمثله شيء في حياته، وهو قوي وله القوة وليس ~~كمثله شيء في قوته {وهو السميع البصير} [الشورى: 11] يسمع ويبصر، وليس ~~كمثله شيء في سمعه وبصره، ومتكلم، وله يدان، ومستو على عرشه، وليس له في ~~هذه الصفات مثل، فهذا النفي لا يتحقق إلا بإثبات صفات الكمال، فإنه مدح له ~~وثناء أثنى به على نفسه، والعدم المحض لا يمدح به أحد ولا يكون كمالا له، ~~بل هو أنقص النقص، وإنما يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى: {لا ~~تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] لكمال حياته وقيوميته، وقوله: {من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] لكمال غناه وملكه وربوبيته، ~~وقوله: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] ، {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: ~~49] لكمال ms150 غناه وعدله ورحمته، وقوله: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38] لكمال ~~قدرته، وقوله: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء} ~~[يونس: 61] # PageV01P161 # لكمال علمه، وقوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] لعظمته وإحاطته ~~بما سواه، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه واسع ; فيرى ولكن لا يحاط ربه إدراكا ~~; كما يعلم ولا يحاط به علما، فيرى ولا يحاط به رؤية، وهكذا {ليس كمثله ~~شيء} [الشورى: 11] هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجمال. ### | الفطرة والمعقول يثبتان صفات الله # وهذا هو المعقول في فطر الناس، فإذا قالوا: فلان عديم المثل، أو قد أصبح ~~ولا مثل له في الناس، أو ما له شبيه ولا من يكافيه، فإنما يريدون بذلك أنه ~~تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لا يلحقه فيه غيره، فصار واحدا في ~~الجنس لا مثيل له، ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده ~~لكان ذلك عندهم غاية الذم والنقص له، فإذا أطلقوا ذلك في سياق المدح ~~والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي ~~لها حقائق تحمل عليها، فهل يقول عاقل لمن لا قدرة له ولا علم ولا بصر ولا ~~يتصرف بنفسه، ولا يفعل شيئا ولا يتكلم، ولا له وجه، ولا يد ولا قوة، ولا ~~فضيلة من الفضائل: إنه لا شبه له ولا مثل له ; وأنه وحيد دهره وفريد عصره ~~ونسيج وحده؟ وهل فطر الله الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك؟ وهل ~~كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله ~~وأسمائه الحسنى؟ وإلا فماذا يثني عليه المثنون؟ ولأي شيء يقول أعرف الخلق ~~به: " «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» "؟ ومعلوم أن هذا ~~الثناء الذي أخبر أنه لا يحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد ~~إحصاء له، فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيا مفصلا، وذلك يحصيه ~~المحصي بلا كلفة ولا تعب، وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه، يوضحه: # الوجه الرابع والثلاثون: أن ms151 الله سبحانه لما نفى عن نفسه ما يناقض ~~الإثبات ويضاد ثبوت الصفات والأفعال فلم يبق الأمر عدميا أو ما يستلزم ~~العدم، كنفي السنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية، ونفي ~~العزوب والخفاء المستلزم لنفي كمال القدرة، ونفي الظلم المستلزم لعدم كمال ~~الغنى والعدل، ونفي الشريك والظهير والشفيع المتقدم بالشفاعة المستلزم لعدم ~~كمال الغنى والقهر والملك، ونفي الشبيه والمثيل والكفء المستلزم لعدم ~~الكمال المطلق، ونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم ~~كمال عظمته وكبريائه وسعته وإحاطته، وكذلك نفي الحاجة والأكل # PageV01P162 # والشرب عنه سبحانه ; لاستلزام ذلك عدم كمال غناه، وإذا كان نفى عن نفسه ~~العدم أو ما يستلزم العدم علم أنه أحق بكل وجود وثبوت لا يستلزم عدما ولا ~~نقصا. # وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل، فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم ~~الواجب بنفسه الذي لم يستفده من غيره، ووجود كل موجود مفتقر إليه، ومتوقف ~~في تحقيقه عليه، والوجود كمال كله، والعدم نقص كله، فإن العدم كاسمه لا ~~شيء، فعاد النفي الصحيح إلى نفي المماثلة في الكمال، وعاد الأمران إلى نفي ~~النقص، وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم نفي العدم، فتأمل هل نفى القرآن ~~والسنة عنه سبحانه سوى ذلك؟ وتأمل هل ينفي العقل الصحيح غير ذلك؟ وهو ~~سبحانه قد وصف نفسه بأنه لم يكن له كفوا أحد بعد وصفه نفسه بأنه الصمد، ~~والصمد: السيد الذي كمل في سؤدده، ولهذا كانت العرب تسمي أشرافها بهذا ~~الاسم لكثرة الأوصاف المحمودة للمسمى به، قال شاعرهم: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # فإن الصمد من تصمد نحوه القلوب بالرغبة والرهبة، وذلك لكثرة خصال الخير ~~فيه، لهذا قال جمهور السلف، منهم: ابن عباس: الصمد: الذي كمل سؤدده، وهو ~~العالم الذي كمل علمه، القادر الذي كملت قدرته، الحليم الذي كمل حلمه، ~~الرحيم الذي كملت رحمته، الجواد الذي كمل جوده، ومن قال: إنه الذي لا جوف ~~له فقوله لا يناقض هذا التفسير، فإن ما لم يكن أحد كفوا له لما كان ms152 صمدا ~~كاملا في صمدانيته، فلو لم يكن له صفات كمال ونعوت جلال، ولم يكن له علم ~~ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا يقوم به فعل، ولا يفعل شيئا البتة، ولا حياة ~~له ولا إرادة ولا كلام ولا وجه ولا يد، ولا هو فوق عرشه ولا يرضى ولا يغضب ~~ولا يحب ولا يبغض، ولا هو فاعل لما يريد، ولا يرى ولا يمكن أن يرى، ولا ~~يشار إليه ولا يمكن أن يشار إليه، لكان العدم المحض كفوا له، فإن هذه الصفة ~~منطبقة على المعدوم، فلو كان ما يقوله المعطلون هو الحق لم يكن صمدا وكان ~~العدم كفوا له. # وكذلك قوله: {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل ~~تعلم له سميا} [مريم: 65] فأخبر أنه لا سمي له عقب قول العارفين به: {وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك ~~نسيا - رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له ~~سميا} [مريم: 64 - 65] . # PageV01P163 # فهذا الرب الذي له هذا الجند العظيم ولا يتنزلون إلا بأمره، وهو المالك ~~ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك، وهو الذي كملت قدرته وسلطانه وملكه ~~وكمل علمه، فلا ينسى شيئا أبدا، وهو القائم بتدبير السماوات والأرض وما ~~بينهما، كما هو الخالق لذلك كله، وهو ربه ومليكه، فهذا الرب هو الذي لا سمي ~~له لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال، فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق ~~لأسمائه، إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني، فالعدم سمي له. # وكذلك قوله سبحانه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] فإنه ~~سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر كمال أوصافه فقال: {حم - عسق - كذلك يوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك الله العزيز الحكيم - له ما في السماوات وما في الأرض وهو ~~العلي العظيم - تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم - والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء الله حفيظ ms153 عليهم وما أنت عليهم بوكيل} [الشورى: 1 - 6] إلى ~~قوله: {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] . # فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة ~~والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية، وإحياء الموتى ~~والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده، وكونه فاطر السماوات والأرض وهو ~~السميع البصير، فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه ~~وأفعاله، وثبوتها على وجه الكمال لا يماثله فيه شيء، فالمثبت لصفات كماله ~~هو الذي يصفه أنه ليس كمثله شيء، وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه ~~فإن وصفه بأنه كمثله شيء مجاز لا حقيقة له، كما يقول في سائر أوصافه ~~وأسمائه. ### | أحسن ما قيل في المثل الأعلى # والوجه الخامس والثلاثون: أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى فقال ~~تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز ~~الحكيم} [النحل: 60] وقال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الروم: 27] ~~فجعل مثل السوء المتضمن للنقائص وسلب الكمال # PageV01P164 # للمشركين، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده، ~~وبهذا كان المثل الأعلى، وهو أفعل تفضيل، أي أعلى من غيره، فكيف يكون أعلى ~~عدم محض منفي صرف، وأي مثل أدنى من هذا، تعالى الله عن قول المعطلين علوا ~~كبيرا، السوء العادم صفات الكمال، ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه ~~وحكمته، لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملا، وهي: الإيمان ~~والعلم والمعرفة واليقين والإخلاص والعبادة لله، والإقبال عليه والإنابة ~~إليه، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، والصبر والرضى والشكر، وغير ذلك ~~من الصفات التي من اتصف بها كان ممن آمن بالآخرة، فلما سلبت تلك الصفات ~~عنهم، وهي صفات كمال كان لهم مثل السوء، فمن سلب صفات الكمال عن الله ~~تعالى، وعلوه على خلقه وكلامه وعلمه وقدرته وسائر ما وصف به نفسه، فقد جعل ~~لله تعالى مثل ms154 السوء، ونزهه عن المثل الأعلى، وأن مثل السوء هو أول ما ~~يستلزمه، وضده المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية ~~والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان أعلى من غيره. # ولما كان الرب هو الأعلى، ووجهه الأعلى، وكلامه الأعلى، وسمعه الأعلى، ~~وسائر صفاته عليا، كان له المثل الأعلى، وهو أحق به من كل ما سواه، بل ~~يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان، لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما ~~أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، فيستحيل ~~أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل، أي: نظير، وهذا برهان قاطع من إثبات صفات ~~الكمال على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة. # ونظير هذا القهر المطلق مع الوحدة فإنهما متلازمان، فلا يكون القهار إلا ~~واحدا، إذ لو كان معه كفء، فإن لم يقهره لم يكن قهارا على الإطلاق، وإن ~~قهره لم يكن كفؤا وكان القهار واحدا، فتأمل كيف كان قوله: {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11] ، وقوله: {وله المثل الأعلى} [الروم: 27] من أعظم الأدلة على ~~ثبوت صفات كماله سبحانه وتعالى. # فإن قلت: فما حقيقة المثل الأعلى؟ قلت: قد أشكل هذا على جماعة من ~~المفسرين، واستشكلوا أقوال السلف فيه، فإن ابن عباس وغيره قالوا: مثل السوء ~~العذاب والنار، ولله المثل الأعلى: شهادة (أن لا إله إلا الله) ، قال ~~قتادة: هو الإخلاص والتوحيد، وقال الواحدي: هذا قول المفسرين في هذه الآية، ~~ولا أدري لم قيل # PageV01P165 # للعذاب مثل السوء والإخلاص المثل الأعلى؟ قال: وقال قوم: المثل السوء: ~~الصفة السوء من احتياجهم للولد وكراهتهم للإناث خوف العيلة والعار، ولله ~~المثل الأعلى: الصفة العليا وتنزهه وبراءته من الولد، قال: وهذا قول صحيح، ~~والمثل كثيرا يرد بمعنى الصفة، وقاله جماعة من المتقدمين. # وقال ابن كيسان: مثل السوء ما ضرب الله للأصنام وعبدتها من الأمثال، ~~والمثل الأعلى نحو قوله: {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] ) ، وقال ~~ابن جرير: {وله المثل الأعلى} [الروم: 27] هو الأطيب والأفضل والأحسن ~~والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له ms155 بأنه لا إله إلا هو. # قلت: المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها ~~العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة ~~القائمة بقلوب عابديه وذاكريه، فها هنا أربعة أمور: ثبوت الصفات العليا لله ~~سبحانه في نفس الأمر، علمها العباد أو جهلوها، وهذا قول من فسره بالصفة، ~~الثاني: وجودها في العلم والتصور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: ~~إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه، ~~وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه، بل يختص به في ~~قلوبهم كما اختص به في ذاته، وهذا معنى قول من قال من المفسرين: أهل السماء ~~يحبونه ويعظمونه، وأهل الأرض يجلونه ويعظمونه، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه ~~من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له خاضعون ~~لعظمته، قال تعالى: {وله من في السماوات والأرض كل له قانتون} [الروم: 26] ~~فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأعظم من كل ما ~~سواه، الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والمثيل، ~~الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه، وكلما كان ~~الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى. # فعبارة السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها، وقد ضرب الله ~~مثل السوء للأصنام بأنها لا تخلق شيئا وهي مخلوقة، ولا تملك لنفسها ولا ~~لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. # وقال الله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه ~~منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون - وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على ~~مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم} [النحل: 75 - 76] # PageV01P166 # فهذان مثلان ضربهما الله لنفسه وللأصنام: للأصنام مثل بالسوء وله المثل ~~الأعلى. # وقال تعالى: {ياأيها ms156 الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} ~~[الحج: 73 - 74] فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه، والأول مثل السوء للصنم ~~وعابديه. # وقد ضرب الله سبحانه للمعارضين بين الوحي وعقولهم بمثل السوء بالكلب ~~تارة، وبالحمر تارة، بالأنعام تارة، وبأهل القبور تارة، وبالعمي الصم، وغير ~~ذلك من أمثال السوء التي ضربها لهم ولأوثانهم، وأخبر عن مثله الأعلى بما ~~ذكره من أسمائه وصفاته وأفعاله، وضرب لأوليائه وعابديه أحسن الأمثال، ومن ~~تدبر القرآن فهم المراد بالمثل الأعلى ومثل السوء. # السادس والثلاثون: قوله تعالى: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا} [الأنعام: 114] فهذا يبين أن الحكم بين الناس هو الله ~~وحده بما أنزل من الكتاب المفصل، كما قال في الآية الأخرى: {وما اختلفتم ~~فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، وقال تعالى: {كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه} [البقرة: 213] ، وقال تعالى {إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] ، ~~وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . # فقوله: {أفغير الله أبتغي حكما} [الأنعام: 114] استفهام إنكار، يقول: كيف ~~أبتغي حكما غير الله # PageV01P167 # وقد أنزل كتابا مفصلا، فإن قوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} ~~[الأنعام: 114] جملة في موضع الحال، وقوله: (مفصلا) يبين أن الكتاب الحاكم ~~مفصل مبين ضد ما يصفه به من يزعم أن عقول الرجال تعارض بعض نصوصه، أو أن ~~نصوصه خليت أو أفهمت خلاف الحق لمصلحة المخاطب، أو أن لها معاني لا تفهم ~~ولا يعلم المراد منها، أو أن لها تأويلات باطلة، خلاف ما دلت عليه ظواهرها، ~~فهؤلاء كلهم ليس الكتاب عندهم مفصلا، بل مجمل مؤول، ولا يعلم المراد ms157 منه، ~~والمراد منه خلاف ظاهره أو إفهام خلاف الحق، ثم قال: {والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين} [الأنعام: ~~114] وذلك أن الكتاب الأول مصدق للقرآن، فمن نظر فيه علم علما يقينا أن هذا ~~وهذا من مشكاة واحدة، لا سيما في باب التوحيد والأسماء، فإن التوراة من ذلك ~~ليس هو المبدل المحرف الذي أنكره الله عليهم، بل هو من الحق الذي شهد له ~~القرآن وصدقه، ولهذا لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ما في التوراة ~~من الصفات ; ولا عابهم به ; ولا جعله تشبيها وتجسيما وتمثيلا، كما فعل كثير ~~من النفاة، وقال: اليهود أئمة التشبيه والتجسيم، ولا ذنب لهم في ذلك ; ~~فإنهم قرءوا ما في التوراة، فالذي عابهم الله به من تأويل التحريف والتبديل ~~لم يعبهم به المعطلة بل شاركوهم فيه، والذي استشهد الله على نبوة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم به من موافقة ما عندهم من التوحيد والصفات عابوهم ونسبوهم ~~إلى التشبيه والتجسيم، وهذا ضد ما عليه الرسول وأصحابه، فإنهم كانوا إذا ~~ذكروا له شيئا من هذا الذي تسميه المعطلة تجسيما وتشبيها صدقهم عليه وأقرهم ~~ولم ينكره، كما صدقهم في خبر الخبر الذي ثبت من حديث ابن مسعود وضحك تعجبا ~~وتصديقا له ; وفي غير ذلك. # ثم قال {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115] فما ~~أخبر به فهو صدق وما أمر به فهو عدل. # وهذا يبين أن ما في النصوص من الخبر فهو صدق، علينا أن نصدق به لا نعارضه ~~ولا نعرض عنه، ومن عارضه بعقله لم يصدق به، ولو صدقه تصديقا مجملا، ولم ~~يصدقه تصديقا مفصلا في أعيان ما أخبر به لم يكن مؤمنا، ولو أقر بلفظه مع ~~جحد # PageV01P168 # معناه أو صرفه إلى معان أخر غير ما أريد به لم يكن مصدقا، بل هو إلى ~~التكذيب أقرب. ### | الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ببعضها لا بمعقولات # السابع والثلاثون: أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ويوردون ~~استشكالاتهم على النبي صلى الله عليه ms158 وسلم فيجيبهم عنها، وكانوا يسألونه عن ~~الجمع بين النصوص، ويوردون التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم ~~يورد عليه معقولا يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد، وهم أكمل الأمة ~~عقولا، عارض نصا بعقل، وإنما حكى الله تعالى ذلك عن الكفار، كما تقدم. # وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «من نوقش ~~الحساب عذب "، فقالت عائشة: يا رسول الله أليس الله يقول: {فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه - فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 7 - 8] فقال: " بلى، ~~ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب» " فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى ~~بين لها النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تعارض بينهما، وأن الحساب اليسير ~~هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: ~~{يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18] حتى إذا ظن أنه لا ينجو ~~نجاه الله بعفوه ومغفرته ورحمته، فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد، ولما قال: ~~" «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة " قالت له حفصة: أليس الله تعالى ~~يقول {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] قال: أولم تسمعي قوله: {ثم ننجي ~~الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] » فأشكل عليها الجمع بين ~~النصين وظنت الورود هو دخولها، كما يقال: ورد المدينة إذا دخلها، فأجابها ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين ~~يردونها ورودا ينجون به من عذابها ; والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا ~~فيها به. # «وقال له عمر: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: " هل قلت: ~~إنك # PageV01P169 # تدخله العام؟ " قال: لا، قال: " فإنك آتيه ومطوف به» "، فأشكل على عمر ~~رجوعهم عام الحديبية ولم يدخلوا المسجد الحرام، ولا طافوا بالبيت، فبين لهم ~~أن اللفظ مطلق لا دليل فيه على ذلك العام بعينه، فتنزيله على ذلك العام ~~غلط، فرجع عمر وعلم أنه غلط في فهمه. # ولما نزل قوله تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا ~~يجز به} [النساء: 123] «قال ms159 أبو بكر: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر، ~~فأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: " يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست يصيبك الأذى؟ " ~~قال: بلى، قال: " فذلك مما تجزون به» "، فأشكل على الصديق أمر النجاة مع ~~هذه الآية وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بد، فأخبره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن جزاءه وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا ما يصيبهم من ~~النصب والحزن والمشقة، فيكون ذلك كفارة لسيئاتهم فلا يعاقبون عليها في ~~الآخرة هذا مثل قوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] ~~. # «ولما نزل قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] قال الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله، ~~وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: " ذاك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد ~~الصالح: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] » ) ؟ "، فلما أشكل عليهم المراد ~~بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان، لم يكن ~~آمنا ولا مهتديا، أجابهم صلى الله عليه وسلم: " «إن الظلم الرافع للأمن ~~والهداية على الإطلاق هو الشرك» ". # وهذا والله هو الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق ~~التام # PageV01P170 # هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها، والأمن والهدى المطلق هو ~~الأمن في الدنيا والآخرة، والهدى إلى الصراط المستقيم. # ولما نزل قوله تعالى: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] أشكل ذلك على بعض الصحابة، ~~وظنوا أن ذلك من تكليفهم بما لا يطيقونه، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن ~~يقابلوا النص بالقبول، فبين الله سبحانه بعد ذلك أنه لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها، وأنه لا يؤاخذهم بما نسوا أو أخطئوا فيه، وأنه لا يحمل عليهم إصرا ~~كما حمله على الذين من قبلهم ; وأنه لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، وأنهم إن ~~قصروا في بعض ما أمروا به أو نهوا عنه ثم استغفروا عفا الله عنهم وغفر لهم ~~ورحمهم، فانظر ms160 ماذا أعطاهم الله تعالى لما قابلوا خبره بالرضى والتسليم ~~والقبول والانقياد دون المعارضة والرد. # ومن ذلك أن عائشة لما سمعت قوله صلى الله عليه وسلم: " «إن الميت يعذب ~~ببكاء أهله عليه» عارضته بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: ~~164] ولم تعارضه بالعقل ; بل غلطت الرواة، والصواب عدم المعارضة وتصويب ~~الرواة، فإنهم ممن لا يتهم، وهم عمر وابنه، والمغيرة بن شعبة وغيرهم، ~~والعذاب الحاصل للميت بسبب بكاء أهله تألمه وتأذيه ببكائهم عليه ; والوزر ~~المنفي حمل غير صاحبه له هو عقوبة البريء وأخذه بجريرة غيره، وهذا لا ينافي ~~تأذي البريء السليم بمصيبة غيره، فالقوم لم يكونوا يعارضون النصوص بعقولهم ~~وآرائهم، وإن كانوا يطلبون الجمع بين النصين يوهم ظاهرهما التعارض. ### | إنكار الصحابة على من عارض النصوص بآراء الرجال # ولهذا لما عارض بلال بن عبد الله قوله صلى الله عليه وسلم: " «لا تمنعوا ~~إماء الله مساجد الله " برأيه وعقله وقال: والله لنمنعهن، أقبل عليه أبوه ~~عبد الله فسبه سبا ما سبه مثله، وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتقول: والله لنمنعهن» . # PageV01P171 # ولما حدث عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " «إن ~~الحياء خير كله " فعارضه معارض بقوله: إن منه وقارا ومنه ضعفا، فاشتد غضب ~~عمران بن حصين وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: إن منه ~~كذا ومنه كذا» ؟ وظن أن المعارض زنديق، فقيل له: يا أبا نجيد، إنه لا بأس ~~به. # ولما «حدث عبادة بن الصامت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " الفضة ~~بالفضة ربا إلا هاء وهاء. . " الحديث، قال معاوية: ما أرى بهذا بأسا، يعني ~~بيع آنية الفضة بالفضة متفاضلا، غضب عبادة وقال: أقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتقول: ما أرى بهذا بأسا؟ قال: لا أساكنك بأرض أنت بها ~~أبدا» ، ومعاوية لم يعارض النص بالرأي، وكان أتقى لله من ذلك، وإنما خص ~~عمومه وقيد مطلقه بهذه الصورة وما يشابهها، ورأى أن التفاضل في مقابلة أثر ~~الصنعة فلم يدخل ms161 في الحديث، وهذا مما يسوغ فيه الاجتهاد، وإنما أنكر عليه ~~عبادة مقابلته لما رواه بهذا الرأي، ولو قال له: نعم، حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الرأس والعين ولا يجوز مخالفته، ولكن هذه الصورة لا ~~تدخل في لفظه، فإنه إنما قال: " «الفضة بالفضة مثلا بمثل وزنا بوزن» "، ~~وهذه الزيادة ليست في مقابلة الفضة، وإنما هي في مقابلة الصنعة، ولا تذهب ~~الصنعة هدرا، لما أنكر عليه عبادة، فإن هذا من تمام فهم النصوص وبيان ما ~~أريد بها، كما أنه هو ومعاذ بن جبل وغيرهما من الصحابة لما ورثوا المسلم من ~~الكافر ولم يورثوا الكافر من المسلم لم يعارضوا قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~«لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» " بعقولهم وآرائهم، بل قيدوا ~~مطلق هذا اللفظ وخصصوا عمومه وظنوا أن المراد به الحربي، كما فعل ذلك بعض ~~الفقهاء في قوله صلى الله عليه وسلم: " «لا يقتل مسلم بكافر» " حيث حملوه ~~على الحربي # PageV01P172 # دون الذمي والمعاهد، والصحابة في هذا التقييد والتخصيص أعذر من هؤلاء من ~~وجوه كثيرة، ليس هذا موضعها. # وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ~~ذلك، وكان ابن عباس يحتج في متعة الحج بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمره لأصحابه بها، فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، ~~فلما أكثروا عليه قال: " «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء "، أقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر فرحم الله ابن ~~عباس» ، كيف لو رأى قوما يعارضون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول ~~أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي ~~الهذيل العلاف وأضرابهم؟ . # ولقد «سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إن أباك ينهى ~~عنها، فقال: إن أبي لم يرد ما تقولون، فلما أكثروا عليه قال: أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم أمر عمر» ؟ . # ولما حدث حميد ms162 بن ثابت «عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير ~~قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل} [الأعراف: 143] قال: " وضع أصبعه على ~~طرف خنصره فساخ الجبل " أنكر عليه بعض الحاضرين وقال: أتحدث بها؟ فضرب حميد ~~في صدره وقال: أحدثك عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: ~~أتحدث بهذا» ؟ فكانت نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم ~~وأعظم في قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس، ولا تثبت قدم أحد على ~~الإيمان إلا على ذلك. # الثامن والثلاثون: أن المعقولات ليس لها ضابط، ولا هي محصورة في نوع ~~معين، فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصمون إليها ويختصون بها، ~~فللفرس عقليات، وللهند عقليات، وللمجوس عقليات، وللصائبة عقليات، وكل طائفة ~~من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات، بل فيها من الاختلاف ما هو ~~معروف عند المعتنين به، ونحن نعفيكم من هذه المعقولات واضطرابها ونحاكمكم ~~إلى # PageV01P173 # المعقولات التي في هذه الأمة، فإنه ما من مدة من المدد إلا وقد ابتدعت ~~فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها، ونحن نسوق إليك الأمر من أوله ~~إلى أن يصل إليك بعون الله فنقول: لما أظلمت الأرض وبعد عهدها بنور الوحي ~~فكانوا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه ~~قال: " «إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ~~وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن ~~الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» " ~~فكان أهل العقل كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي، فلم يستفيدوا ~~بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان والصلبان والنيران والكواكب ~~والشمس والقمر والحيرة والشك، أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به، فأطلع ~~الله شمس الرسالة في تلك الظلمة سراجا منيرا، وأنعم بها على أهل الأرض في ~~عقولهم وقلوبهم، ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكورا، فأبصروا بنور ms163 ~~الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه، ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا ~~يرونه، فكانوا كما قال الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 257] ، وقال تعالى: ~~{الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد} [إبراهيم: 1] ، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشاء من عبادنا} [الشورى: 52] وقال: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122] ~~فمضى الرعيل الأول وضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ; وليس يلتبس ~~بظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم ألا يفارقوا ذلك النور الذي اقتبسوه منهم، ~~فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة، فبعدوا ~~عن النور # PageV01P174 # الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا ~~للنصوص معظمين وبها مستدلين، ولها على الآراء والعقول مقدمين، ولم يدع أحد ~~منهم أن عنده عقليات تعارض الوحي والنصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، ~~فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، ~~وتبرءوا منهم وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ~~ومجالستهم. ### | الجهمية أول من عارض الوحي بالرأي # ولما كثرت الجهمية في آخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي ~~بالرأي، ومع هذا فكانوا قليلين أذلاء مذمومين، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم ~~وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا يسمى مروان ~~الجعد، وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة، وشتتهم في البلاد، ~~ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة. # ولما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد الله القسري وكان أميرا ~~على العراق حتى ظفر به فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في ms164 ~~خطبته: أيها الناس، ضحوا، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم ~~يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، وكان ضحيته، ثم طفئت تلك البدعة، ~~والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، موصوف ~~بصفات الكمال ونعوت الجلالة، وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما، وتجلى ~~للجبل فجعله دكا هشيما، إلى أن جاء أول المائة الثالثة وولي على الناس عبد ~~الله المأمور، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرا بأنواع بالمتكلمين ~~في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب يونان، وأقدم لها ~~المترجمين من البلاد، فترجمت له وعبرت، # PageV01P175 # فاشتغل بها الناس، والملك سوق ما ينفق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه من ~~الجهمية ممن كان أخوه الأمين قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل، فحشوا بدعة ~~التجهم في أذنه وقلبه فقبلها واستحسنها ودعا الناس إليها وعاقبهم عليها، ~~فلم تطل مدته، فصار الأمر بعده إلى المعتصم، وهو الذي ضرب أحمد بن حنبل، ~~فقام بالدعوة بعده، والجهمية تصوب فعله وتدعو إليه، وتخبره أن ذلك هو تنزيه ~~الرب عن التشبيه والتجسيم، وهم الذين غلبوا على مجلسه وقربه، والقضاة ~~والولاة منهم، فإنهم تبع لملوكهم، ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء ~~النصوص وتقديم العقول والآراء عليها، فإن الإسلام كان في ظهور وقوة، وسوق ~~الحديث نافقة، وأعلام السنة على ظهر الأرض، ولكن كانوا على ذلك يحومون حوله ~~يدندنون، وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة ; فمن بين أعمى مستجيب ; ومن بين ~~مكره مفتد بنفسه منهم بإعطاء ما سألوه، وقلبه مطمئن بالإيمان، وثبت الله ~~أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد، فأقامهم ~~بنصرة دينه، وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته ~~يوقنون، فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، قال تعالى {وجعلنا ~~منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] ~~فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد، ولم يتركوا سنة رسول الله ms165 صلى الله ~~عليه وسلم لما رغبوهم به من الوعد، ولا لما أرعبوهم به من الوعيد، ثم أطفأ ~~الله برحمته تلك الفتنة وأخمد تلك الكلمة، ونصر السنة نصرا عزيزا، وفتح ~~لأهلها فتحا مبينا،. حتى صرخ بها على رءوس المنابر، ودعي إليها في كل باد ~~وحاضر، وصنف في ذلك الزمان في السنة ما لا يحصيه إلا الله. # ثم انقرض ذلك العصر وأهله، وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله على بصيرة، إلى أن جاء ما لا قبل لأحد به، وهم جنود إبليس حقا، ~~المعارضون لما جاءت به الرسل بعقولهم وآرائهم، وهم القرامطة والباطنية ~~والملاحدة، ودعوهم إلى العقل المجرد، وأن أمور الرسل تعارض العقول، فهم ~~القائمون بهذه الطريقة حتى القيام بالقول والفعل، فجرى على الإسلام وأهله ~~منهم ما جرى، وكسروا عسكر الخليفة مرارا عديدة، وقتلوا الحاج قتلا ذريعا، ~~وانتهوا إلى مكة فقتلوا بها من وصل من الحاج إليها، وقلعوا الحجر الأسود من ~~مكانه، وقويت شوكتهم واستفحل أمرهم وعظمت بهم الرزية واشتدت بهم البلية. # PageV01P176 # وأصل طريقهم أن الذي أخبرت به الرسل قد عارضه العقل، وإذا تعارض العقل ~~والنقل قدمنا العقل، وفي زمانهم استولى الكفار على كثير من بلاد الإسلام ~~بالمشرق والمغرب، وكاد الإسلام أن ينهدم ركنه، لولا دفاع الذي ضمن حفظه إلى ~~أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم خمدت دعوة هؤلاء في المشرق وظهرت في ~~المغرب قليلا، حتى استفحلت وتمكنت واستولى أهلها على كثير من بلاد المغرب، ~~ثم أخذوا يطئون البلاد حتى وصلوا إلى بلاد مصر فملكوها وبنوا بها القاهرة، ~~وأقاموا على هذه الدعوة مصرحين بها هم وولاتهم وقضاتهم، وفي زمانهم صنفت ~~رسائل إخوان الصفا والإرشادات والشفا وكتب ابن سينا، فإنه قال: كان أبي من ~~أهل الدعوة الحاكمية، وعطلت في زمانهم السنة وكتبها والآثار جملة إلا في ~~الخفية، وشعار هذه الدعوة تقديم العقل على الوحي، واستولوا على بلاد المغرب ~~ومصر والشام والحجاز، واستولوا على العراق سنة وأهل السنة فيهم كأهل الذمة ~~بين المسلمين، بل كان لأهل الذمة من الأمان والجاه والعز ms166 عندهم ما ليس لأهل ~~السنة، فكم أغمد من سيوفهم في أعناق العلماء، وكم مات في سجونهم من ورثة ~~الأنبياء، حتى استنقذ الله الإسلام والمسلمين من أيديهم في أيام نور الدين ~~وابن أخيه صلاح الدين، فأبل الإسلام من علته، بعدما وطن نفسه على العزاء، ~~وانتعش بعد طول الخمول حتى استبشر أهل الأرض والسماء، وأبدر هلاله بعد أن ~~دخل في المحاق، وثابت إليه روحه بعد أن بلغت التراقي، وقيل: من راق، ~~واستنقذ الله بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب، وأخذ كل من ~~أنصار الله ورسوله من نصرة دينه بنصيب، وعلت كلمة السنة وأذن بها على رءوس ~~الأشهاد ونادى المنادي: يا أنصار الله لا تنكلوا عن الجهاد فإنه أبلغ الزاد ~~ليوم المعاد. # فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد الشرق، فقدموا ~~الآراء والعقول والسياسة والأذواق على الوحي، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق ~~وتوابعهما، فبعث الله عليهم عبادا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، ~~وعاثوا في القرى والأمصار، وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه، وكان ~~مثار هذه الفئة وعالمها الذي يرجع إليه وزعيمها المعول فيها عليه، شيخ شيوخ ~~المعارضين بين الوحي والعقل، وإمامهم في وقته نصير الشرك والكفر (الطوسي) ~~فلم يعلم في # PageV01P177 # عصره أحد عارض بين العقل والنقل معارضة رام بها إبطال النقل بالكلية ~~مثله، فإنه أقام الدعوة الفلسفية، واتخذ الإشارات عوضا عن السور والآيات، ~~وقال: هذه عقليات قطعية برهانية قد قابلت تلك النقليات الخطابية ; واستعرض ~~أهل الإسلام وعلماء أهل الإيمان والقرآن والسنة على السيف، فلم يبق منهم ~~إلا من قد أعجزه، قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية، وجعل مدارس المسلمين ~~وأوقافهم للنجسية السحرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين، ورأى ~~إبطال الأذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي، فحال بينه وبين ذلك من تكفل ~~بحفظ الإسلام ونصره، وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل. # ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت، فإنه أول من عارض بين ~~العقل والنقل، وقدم العقل، فكان من أمره ما قص الله، وورث الشيخ ms167 تلامذته ~~هذه المعارضة، فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل محنة وبلية، ~~وأصل كل بلية في العالم، كما قال محمد الشهرستاني: من معارضة النص بالرأي ~~وتقديم الهوى على الشرع، والناس إلى اليوم في شرور هذه المعارضة، ثم ظهر مع ~~هذا الشيخ المتأخر المعارض أشياء لم تكن تعرف قبله: حسيات العميدي، وحقائق ~~ابن عربي، وتشكيكات الرازي، وقام سوق الفلسفة والمنطق وعلوم أعداء الرسل. ### | قيام ابن تيمية بالحجة واليد على غزو أهل الضلال # ثم نظر الله إلى عباده وانتصر لكتابه ودينه، وأقام جندا يغزو ملوك هؤلاء ~~بالسيف والسنان، وجندا يغزو علماءهم بالحجة والبرهان، ثم نبغت نابغة منهم ~~في رأس القرن السابع، فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن ~~تيمية، قدس الله روحه، فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان ; ~~وكشف للناس باطلهم وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح ~~المنقول، وشفى واشتفى، وبين تناقضهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون ~~وإليه يدعون، وأنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم ~~في حفرهم، ورشقهم بسهامهم، وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء، ~~فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرا. # الوجه التاسع والثلاثون: أنه قد ثبت بالعقل الصريح والنقل الصحيح ثبوت ~~صفات الكمال للرب سبحانه، وأنه أحق بالكمال من كل ما سواه، وأنه يجب أن ~~تكون القوة كلها لله، وكذا العزة والقدرة والكلام، وسائر صفات الكمال التام ~~اثنان، وأن الكمال # PageV01P178 # التام لا يكون إلا لواحد، وهاتان مقدمتان يقينيتان معلومتان بصريح العقل، ~~وجاءت نصوص الأنبياء مفصلة بما في صريح العقل إدراكه قطعا، فاتفق على ذلك ~~العقل والنقل، قال الله تعالى: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا} [البقرة: 165] ، وقد اختلف في تعلق قوله: {أن القوة لله ~~جميعا} [البقرة: 165] بماذا؟ فقالت طائفة: هو مفعول يرى، أي فلو يرون أن ~~القوة لله جميعا لما عصوه ولما كذبوا رسله وقدموا عقولهم على وحيه، وقالت ~~طائفة: بل المعنى: لأن القوة لله جميعا، وجواب لو محذوف على التقدير، أي ~~ولو يرى ms168 هؤلاء حالهم وما أعد الله لهم إذ يرون العذاب لرأوا أمرا عظيما، ثم ~~قال: {أن القوة لله جميعا} [البقرة: 165] ، وقال: {إن الأمر كله لله} [آل ~~عمران: 154] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: " «لبيك ~~وسعديك والخير في يديك» "، وفي الأثر الآخر: " «اللهم لك الحمد كله، ولك ~~الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله» . ### | إثبات الصفات لا يلزم منه التشبيه # فلله سبحانه كل صفة كمال، وهو موصوف بتلك الصفات كلها، ونذكر من ذلك صفة ~~واحدة يعتبر بها في سائر الصفات: وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم ~~إلى آخرهم لشخص واحد منهم، ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص لكان ~~نسبته إلى جمال الرب تبارك وتعالى دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس، وكذلك ~~قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته ووجوده، وسائر ~~صفاته، وهذا مما دلت عليه آياته الكونىة السمعية، وأخبرت به رسله عنه، كما ~~في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: " «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ~~ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار ~~قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ~~من خلقه» ". # فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب ~~النور عن تلك السبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي، فما الظن بجلال ذلك ~~الوجه # PageV01P179 # الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله وجماله؟ وإذا كانت السماوات مع ~~سعتها وعظمتها يجعلها على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والبحار على ~~إصبع، والجبال على إصبع، فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته؟ ~~وإذا كان يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات بأقطار الأرض ~~والسماوات، فلا تشتبه عليه ولا تختلط عليه ولا يغلطه سمع عن سمع، ويرى دبيب ~~النملة السوداء على الصخرة الصماء تحت أطباق الأرض في الليلة الظلماء، ~~ويعلم ما تسره القلوب وأخفى منه، وهو ما لم يخطر لها أنه ms169 سيخطر لها، ولو ~~كان البحر المحيط بالعالم مدادا ويحيط به من بعده سبعة أبحر كلها مداد، ~~وجميع أشجار الأرض، وهو كل نبت قام على ساقه مما يحصد ومما لا يحصد، أقلام ~~يكتب بها، لنفدت الأقلام والبحار ولم ينفد كلامه. # وهذا وغيره بعض ما تعرف به إلى عباده من كماله، وإلا فلا يمكن لأحد قط أن ~~يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، فكل الثناء وكل الحمد وكل المجد، ~~وكل الكمال له سبحانه، هو الذي وصلت إليه عقول أهل الإثبات وتلقوه عن الرسل ~~ولا يحتاجون في ثبوت علمهم وجزمهم بذلك إلى الجواب عن الشبه القادحة في ~~ذلك، وإذا وردت عليهم لم تقدح فيما علموه وعرفوه ضرورة من كون ربهم تبارك ~~وتعالى كذلك وفوق ذلك. ### | إفحام من ينكر الصفات # فلو قال قائل: هذا الذي علمتموه لا يثبت لا بالجواب عما عارضه من ~~العقليات، قالوا لقائل هذه المقالة: هذا كذب وبهت، فإن الأمور الحسية ~~والعقلية واليقينية قد وقع فيها شبهات كثيرة تعارض ما علم بالحس والعقل، ~~فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها وحلها لم يثبت لنا ولا لأحد علم بشيء ~~من الأشياء، ولا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه الخيالية، وهي من جنس ~~الوساوس والخطرات والخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا، بل ~~إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته، ولم يكن ما يقدر من ~~الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به، ولو كانت الشبهة ما كانت، فما ~~من موجود يدركه الحس إلا ويمكن كثير من الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة ~~يعجز السامع عن حلها، ولو شئنا لذكرنا لك طرفا منها تعلم أنه أقوى من شبه ~~الجهمية النفاة لعلو الرب على خلقه وكلامه وصفاته. # وقد رأيت أو سمعت ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان ~~تتبدل # PageV01P180 # نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف مرة، وكل لحظة تذهب روحه ~~وتفارقه وتحدث له روح أخرى غيرها أبدا، وما أقاموا من ms170 الشبه على أن ~~السماوات والأرض والجبال والبحار تتبدل كل لحظة ويخلفها غيرها، وما أقاموا ~~من الشبه على أن روح الإنسان ليست فيه ولا خارجة عنه، وزعموا أن هذا أصح ~~المذاهب في الروح، وما أقاموا من الشبه أن الإنسان إذا انتقل من مكان إلى ~~مكان لم يمر على تلك الأمكنة الأخرى التي من مبدأ حركتها ونهايتها ولا ~~قطعها ولا حاذاها، وهي مسألة طفرة النظام؟ وأضعاف أضعاف ذلك. # وهؤلاء طائفة الملاحدة من الاتحادية كلهم يقولون: إن ذات الخالق هي عين ~~ذات المخلوق، ولا فرق بينهما البتة، دهان الاثنين واحد، وإنما الحس والوهم ~~يغلط في التعدد ويقيمون على ذلك شبها كثيرة قد نظمها ابن الفارض في قصيدته، ~~وذكرها صاحب الفتوحات في فصوصه وغيرها، وهذه الشبه كلها من واد واحد، وهي ~~خزنة الوساوس، ولو لم نجزم بما علمناه إلا بعد العلم برد تلك الشبهات لم ~~يثبت لنا علم أبدا، فالعاقل إذا علم أن هذا الخبر صادق علم أن كل ما عارضه ~~فهو كذب، ولم يحتج لأن يعرف أعيان الأخبار المعارضة له ولا وجوهها، والله ~~المستعان. # الوجه الأربعون: أن الطريق التي سلكها نفاة الصفات والعلو والتكلم من ~~معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هي بعينها الطريق التي سلكها إخوانهم من ~~الملاحدة في معارضة نصوص المعاد بآرائهم وعقولهم ومقدماتها، ثم نقلوها ~~بعينها إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصيام، ~~فجعلوها للعامة دون الخاصة، فآل الأمر بهم إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة ~~التي اتفق عليها جميع الملل وجاءت بها جميع الرسل، وهي: الإيمان بالله، ~~واليوم الآخر، والأعمال الصالحة، قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] . # فهؤلاء الملاحدة يحتجون على نفاة الصفات بما وافقهم عليه من الإعراض عن ~~نصوص الوحي ونفي الصفات، كما ذكر ابن سينا في رسالته الأضحوية، فإنه قال ~~فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن، وأن الداعي لهم إلى ذلك ما ms171 ورد به ~~الشرع من بعث الأموات، فقال: وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون ~~واحد، وهو أن # PageV01P181 # الملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة، ثم ~~من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من ~~الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين ومتى والوضع والتغيير، ~~حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع، أو ~~يكون جزء وجودي كمي أو معنوي، ولا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا داخلة ~~فيه، ولا حيث تصح الإشارة إليها بأنها هنا أو هناك، وهذا ممتنع إلقاؤه إلى ~~الجمهور، ولو ألقى هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة والعبرانيين ~~الأجلاف لسارعوا إلى العناد، واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان ~~بمعدوم لا وجود له أصلا، ولهذا ورد ما في التوراة تشبيها كله، ثم إنه لم ~~يرد في الفرقان من الإشارات إلى هذا الأمر الأهم شيء، ولا إلى تصريح ما ~~يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل، بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر، ~~وبعضه جاء تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له، وأما الآحاد ~~التشبيهية فأكثر من أن تحصى ولكن أبى القوم إلا أن يقبلوها. # فإذا كان الأمر في التوحيد هذا فكيف بما بعده من الأمور الاعتقادية؟ . # ولبعض الناس أن يقول: إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا، وإن الألفاظ ~~التشبيهية مثل الوجه واليد والإتيان في ظل الغمام، والمجيء والذهاب والضحك ~~والحياء صحيحة، ولكن مستعملة استعارة ومجازا، قال: ويدل على استعمالها غير ~~مجازية ولا مستعارة أن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه ~~المعاني بالاستعارات والمجاز على غير معانيها الظاهرة مواضع مثلها يصلح أن ~~تستعمل على غير هذا الوجه، ولا يقع فيه تلبيس. # وأما قوله في: {في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ، وقوله: {هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ~~ربك} [الأنعام: 158] على القسمة ms172 المذكورة وما جرى مجراه فليس تذهب الأوهام ~~فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية، فإن كان أريد فيها ذلك إضمارا ~~فقد رضي بوقوع الغلط والتشبيه والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهره تصريحا. # وقوله: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] ، وقوله: {ما فرطت في جنب الله} ~~[الزمر: 56] # PageV01P182 # فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام، ولا يشك في ذلك اثنان من ~~فصحاء العرب، ولا تلبيس على ذي معرفة في لغتهم، كما تلتبس في تلك الأمثلة، ~~فإن هذه الأمثلة لا يقع شبهة أنها مستعارة مجازية، كذلك في تلك لا يقع شبهة ~~في أنها ليست استعارية ولا مجازية، ولا يراد فيها شيء غير الظاهر. # ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة، فأين التوكيد والعبارة المشيرة ~~بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي يدعو إليه حقيقة هذا الدين المعترف ~~بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة؟ . # ثم قال في ضمن كلامه: إن الشريعة الجائية على لسان نبينا جاءت أفضل ما ~~يمكن أن تجيء بمثله الشرائع وأكمله، ولهذا صلحت أن تكون خاتمة الشرائع وآخر ~~الملل، قال: وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني الميسرة إلى علم التوحيد، ~~مثل إنه عالم بالذات، أو عالم بعلم، قادر بالذات، أو قادر بقدرة، واحد ~~بالذات على كثرة الأوصاف أو قابل للكثرة، تعالى عنها بوجه من الوجوه، متحيز ~~الذات أو منزه عن الجهات، فإنه لا يخلو إما أن تكون هذه المعاني واجبا ~~تحققها، وإتقان المذهب بالحق فيها، أو يسع الصدوف عنها وإغفال البحث ~~والروية فيها، فإن كان البحث فيها معفوا عنه وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير ~~مأخوذ به، فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف وعنه غنية، وإن ~~كان فرضا محكما فواجب أن يكون بما صرح به في الشريعة، وليس التصريح المعمى ~~أو الملبس أو المقتصر بالإشارة والإيماء، بل التصريح المستقصى فيه والمنبه ~~عليه والموفى حق البيان والإيضاح والتعريف على معانيه، فإن المبرزين ~~المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتذكية أفهامهم ~~وترشيح نفوسهم لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة يحتاجون في تفهم هذه ~~المعاني ms173 إلى فضل وشرح عبادة فكيف وغتم العبرانيين وأهل الوبر من العرب؟ ~~لعمري لو كلف الله رسولا من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من ~~العامة الغليظة طباعهم، المنغلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم، ثم سامه أن ~~يستنجز منهم الإيمان والإجابة غير متمهل فيه، وسامه أن يتولى رياضة نفوس ~~الناس قاطبة حتى تستعد للوقوف عليها، لكلفه شططا، وأن يفعل ما ليس في قوة ~~البشر، اللهم إلا أن تدركهم حالة إلهية، وقوة علوية، وإلهام سماوي، فتكون ~~حينئذ وساطة الرسول مستغنى عنها وتبليغه غير محتاج إليه. # PageV01P183 # وهب أن الكتاب العزيز جاء على لغة العرب وعادة لسانهم في الاستعارة ~~والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، كله من أوله إلى آخره تشبيه صرف؟ ~~وليس لقائل أن يقول ذلك الكتاب محرف، وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في الأمم ~~لا يطاق تعدادهم؟ وبلادهم متباينة وأوهامهم متباينة، منهم يهودي ونصراني، ~~وهم أمتان متعاديتان، فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما ~~يفهمون، مقربة ما لا يفهمون بالتمثيل والتشبيه، ولو كان غير ذلك لما أغنت ~~الشرائع البتة، قال: فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب، يعني أمر ~~المعاد؟ ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة كان بعيدا عن إدراك ~~بدائه الأذهان تحقيقها، ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير ~~عنها إلا بالتعبير عنه بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الأفهام فكيف يكون ~~وجود شيء آخر لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول ~~على حالته؟ فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاما ~~أن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب. # فتأمل هذا الملحد، بل رأي ملاحدة الملة، ودخوله في الإلحاد من باب نفي ~~الصفات، وتسلطه في إلحاده على المعطلة النفاة بما وافقوا عليه من النفي ~~وإلزامه لهم أن يكون الخطاب بالمعاد جمهوريا أو مجازا أو استعارة، كما ~~قالوا في نصوص الصفات التي اشترك هو وهم في تسميتها تشبيها وتجسيما، مع ~~أنها أكثر تنوعا وأظهر ms174 معنى وأبين دلالة من نصوص المعاد، فإذا ساغ لكم أن ~~تصرفوها عن ظاهرها بما لا تحتمله اللغة فصرف هذه عن ظواهرها أسهل. # ثم زاد هذا الملحد عليهم باعترافه بأن نصوص الصفات لا يمكن حملها كلها ~~على الاستعارة والمجاز، وأن يقال: إن ظاهرها غير مراد، وأن لذلك الاستعمال ~~مواضع، تليق به حيث يكون دعوى ذلك في غيرها غلطا محضا، كما في مثل قوله: ~~{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} ~~[الأنعام: 158] فمع هذا التقسيم والتنويع يمتنع المجاز، فإنما أريد ما دل ~~اللفظ عليه ظاهرا، ومع هذا فقد ساعدتم على امتناعه لقيام الدليل العقلي ~~عليه، فهكذا نفعل نحن في نصوص المعاد سواء، فهذا حاصل كلامه وإلزامه ودخوله ~~إلى الإلحاد من باب نفي الصفات والتجهم. # وطريق الرد المستقيم في إبطال قوله وقول المعطلة جميعا أن يقال: لا يخلو ~~إما # PageV01P184 # يكون الرسول يعرف بما دل عليه العقل بزعمكم من إنكار علو الله على خلقه ~~واستوائه على عرشه، وتكليمه لرسله وملائكته، أو لم يعرف ذلك؟ فإن قلتم: لم ~~يكن يعرفه، كانت الجهمية المعطلة والملاحدة والمعتزلة والقرامطة والباطنية ~~والنصيرية والإسماعيلية وأمثالهم أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وما يجب له ~~ويمتنع عليه من رسله وأتباعهم، وإن كان يعرفه امتنع أن لا يتكلم به يوما من ~~الدهر مع أحد من خاصته وأهل سره. # ومن المعلوم قطعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم مع أحد بما ~~يناقض ما أظهر للناس، ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهر للناس، ~~بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له وتصديقا له على ما ~~أظهره وبينه وأخبر به، فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره لزم أحد ~~الأمرين: إما أن يكون جاهلا به، أو كاتما له عن الخاصة والعامة ومظهرا ~~خلافه للخاصة والعامة، وهذا من أعظم الأمور امتناعا، ومدعيه في غاية ~~الوقاحة والبهت، ولهذا لما علم هؤلاء أنه يستحيل كتمان ذلك عن خواصه وضعوا ~~أحاديث بينوا فيها ms175 أنه كان له خطاب مع خاصته غير الخطاب العامي، مثل الحديث ~~المختلق المفترى «عن عمر أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث ~~مع أبي بكر وكنت كالزنجي بينهما» ومثل ما يدعيه الرافضة أنه كان عند علي ~~علم خاص يخالف هذا الظاهر. # ولما علم الله تعالى أن ذلك يدعى في علي وفق من سأله: «هل عندكم من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شيء خصكم به دون الناس؟ فقال لا والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة، ما أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا شيئا كتمه عن غيرنا ~~إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول ~~والديات وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر وهذا الحديث في الصحيحين» . # وما ذكره ابن سينا من أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيده شيء، ~~فكلام غير صحيح، وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له، وأن من وافقهم عليه ~~فهو جاهل ضال، وكذلك ما ذكره من أن من المواضع التي ذكرت فيها الصفات ما لا ~~يحتمل اللفظ فيه إلا معنى واحدا كما ذكره في قوله: {هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} [الأنعام: 158] # PageV01P185 # فهو حجة على من نفى حقيقة ذلك ومدلوله من المعطلة نفاة الصفات، وهو حجة ~~عليه وعليهم جميعا، وموافقتهم له على التعطيل لا تنفعه، فإن ذلك حجة جدلية ~~لا علمية، إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له، فإذا تبين ~~بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعا. # وكذلك قوله: هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد، ~~والدلالة، والتصريح على التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين ~~القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة؟ كلام صحيح لو كان ما ~~قاله النفاة حقا، فإنه على قولهم لا يكون هذا الدين القيم قد بين التوحيد ~~الحق أصلا، وحينئذ فنقول: إن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة هو من ~~أعظم ms176 الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، وهو حقيقة الكفر وتعطيل العالم ~~عن صانعه، وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله، فشرك عباد الأصنام ~~والأوثان والشمس والقمر والكواكب خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شرك في ~~الإلهية مع إثبات صانع العالم وصفاته وأفعاله وقدرته ومشيئته وعلمه ~~بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل لربوبيته وإلهيته وسائر صفاته، ~~وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك، ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلا ~~كان أعظم شركا. ### | توحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل # وتوحيد الجهمية والفلاسفة مناقض لتوحيد الرسل من كل وجه، فإن مضمونه ~~إنكار حياة الرب وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستوائه على عرشه، ورؤية ~~المؤمنين له بأبصارهم عيانا من فوقهم يوم القيامة، وإنكار وجهه الأعلى، ~~ويديه ومجيئه وإتيانه ومحبته ورضاه وغضبه وضحكه، وسائر ما أخبر به الرسول ~~عنه، ومعلوم أن هذا التوحيد هو نفس تكذيب الرسول بما أخبر به عن الله، ~~فاستعار له أصحابه اسم التوحيد. # ثم يقال: لو كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة المعطلون لكان قبول الفطر ~~له أعظم من قبولها للإثبات الذي هو ضلال وباطل عندهم، فإن الله تعالى نصب ~~على الحق الأدلة والأعلام الفارقة بين الحق والباطل وجعل فطر عباده مستعدة ~~لإدراك الحقائق، ولولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لم يمكن ~~النظر والاستدلال والخطاب والكلام والفهم والإفهام، كما أنه سبحانه جعل ~~الأبدان مستعدة للاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا ذلك لما أمكن تغذيتها ~~وتربيتها، فكما أن في الأبدان قوة تفرق # PageV01P186 # بين الغذاء الملائم والمنافي، ففي القلوب قوة تفرق بين الحق والباطل ~~وأعظم من ذلك، وخاصة العقل التفريق بين الحق والباطل، كما أن خاصة السمع ~~التفريق بين الأصوات حسنها وقبيحها، وخاصة البصر التمييز بين المرئيات ~~وأشكالها وألوانها ومقاديرها، فإذا ادعيتم على العقول أنها لا تقبل الحق، ~~وأنها لو صرح لها به لأنكرت ولم تذعن إلى الإيمان، فقد سلبتم العقول خاصتها ~~وقلبتم الحقيقة التي خلقها الله وفطرها عليها، وكان نفس ما ذكرتم أن الرسل ~~لو خاطبت به الناس لنفروا عن الإيمان من أعظم الحجج ms177 عليكم، وأنه مخالف ~~للعقل والفطرة، كما هو مخالف للسمع والوحي. # فتأمل هذا الوجه فإنه كاف في إبطال قولهم، ولهذا إذا أراد أهله أن يدعوا ~~الناس إليه ويقبلوه منهم وطئوا إليه توطيئات، وقدموا له مقدمات يثبتونها في ~~القلب درجة بعد درجة، ولا يصرحون به أولا ; حتى إذا أحكموا ذلك البناء ~~استعاروا له ألفاظا مزخرفة، واستعاروا المخالفة ألفاظا شنيعة، فتجتمع تلك ~~المقدمات التي قدموها، وتلك الألفاظ التي زخرفوها ; وتلك الشناعات التي على ~~من خالفهم شنعوها، فهنالك إن لم يمسك الإيمان من يمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا، وإلا ترحل عن القلب ترحل الغيث استدبرته الريح. # الوجه الحادي والأربعون: إن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من ~~دين الإسلام، وهي من أعظم الكفر، وبطلان الإلزام يستلزم بطلان ملزومه ; فإن ~~من لوازمه أنه لا يستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علم ولا هدى، ~~ولا بيان الحق في نفسه، ومن لوازمه أن يكون كلامه متضمنا لضد ذلك في ظاهره ~~وحقيقته، ومن لوازمه القدح في معرفته وعلمه، أو في فصاحته وبيانه أو في ~~فصحه وإرادته، كما تقدم تقريره مرارا، ومن لوازمه أن يكون المعطلة النفاة ~~أعلم بالله منه أو أنصح، ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرسل قد قصر ~~في هذا الباب غاية التقصير ; وأفرط في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط، ~~وتنوع في غاية التنوع، فمرة يقول: " أين الله "؟ ومرة يقر عليها من سأله ~~ولا ينكرها، ومرة يشير بأصبعه، ومرة يضع يده على عينه وأذنه حين يخبر عن ~~سمع الرب وبصره، ومرة يصفه بالمجيء والنزول والإتيان والانطلاق والمشي ~~والهرولة، ومرة يثبت له الوجه والعين واليد والأصبع والقدم والرجل، والضحك ~~والفرح والرضا والغضب، والكلام والتكليم والنداء بالصوت والمناجاة، ورؤيته ~~مواجهة عيانا بالأبصار من فوقهم، ومحاضرته لهم محاضرة، ورفع الحجاب بينه ~~وبينهم وتجليه لهم # PageV01P187 # واستدعاءهم لزيارته، وسلامه عليهم سلاما حقيقيا {قولا من رب رحيم} [يس: ~~58] واستماعه وأذنه لحسن الصوت إذا تلا كلامه، وخلقه ما يشاء بيده، وكتابته ~~كلامه بيده، ويصفه بالإرادة والمشيئة والقدرة والقوة والحياء، وقبض ms178 ~~السماوات وطيها بيده والأرض بيده الأخرى، ووضعه السماوات على أصبع والأرض ~~على أصبع والجبال على أصبع والشجر على أصبع، إلى أضعاف ذلك مما إذا سمعه ~~المعطلة سبحوا الله ونزهوه جحودا وإنكارا، لا إيمانا وتصديقا، كما ضحك منه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقائله وما شهد لقائله ~~بالإيمان شهد له هؤلاء بالكفر والضلال، وما أوصى بتبليغه إلى الأمة ~~وإظهاره، يوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه، وما أطلقه على ربه لئلا يطلق عليه ~~ضده ونقيضه، يطلق عليه هؤلاء ضده ونقيضه، وما نزه ربه عنه من العيوب ~~والنقائص، يمسكون عن تنزيهه عنه، وإن اعتقدوا أنه منزه عنه، ويبالغون في ~~تنزيهه عما وصف به نفسه، فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن ~~استوائه على عرشه وبعلوه على خلقه، وتكلمه بالقرآن حقيقة، وإثبات الوجه ~~واليد والعين له، ما لا يبالغون مثله ولا قريبا منه في تنزيهه عن الظلم ~~والعبث ; والفعل لا لحكمة، والتكلم بما ظاهره ضلال ومحال، وتراهم إذا ~~أثبتوا مجملا لا تعرفه القلوب ولا تميز بينه وبين العدم ; وإذا نفوا نفوا ~~نفيا مفصلا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة. # فهذا وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة، ومن لوازمه أن القلوب لا تحبه ~~ولا تريده ولا تبتهج له ولا تشتاق إليه، ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم ~~في دار النعيم، صرحوا بذلك كله، وقالوا: هذا كله إنما يصح تعلقه بالمحدث لا ~~بالقديم، قالوا: وإرادته ومحبته محال، لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا ~~بالموجود، والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب ولا مناسبة بين ~~القديم والمحدث. # ومن لوازمه أعظم العقوق لأبيهم آدم، فإن من خصائصه أن الله لم يخلقه ~~بيده، فقالوا: إنما خلقه بقدرته، فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه، ~~ومن لوازمه بل صرحوا به جحدهم خلة إبراهيم الخليل، وقالوا: هي حاجته وفقره ~~وفاقته إلى الله، فلم يثبتوا له بذلك مزية على أحد من الخلق، إذ كل أحد ~~فقير إلى الله بالذات وإن غاب شعوره بفقره عن قلبه أحيانا، فهو يعلم أنه ~~فقير ms179 إليه في كل نفس وطرفة عين، ومن لوازمه بل صرحوا به أن الله تعالى لم ~~يكلم موسى تكليما، وإنما خلق كلاما # PageV01P188 # في الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من ~~صفاته قائم بذاته، لا يصدق الجهمي بهذا أبدا. # ومن لوازمه بل صرحوا به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى ~~الله حقيقة، ولم يدن من ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، ولم يرفع من ~~عند موسى إلى عند ربه مرارا يسأله التخفيف لأمته، فإن: من وإلى عندهم في حق ~~الله تعالى محال، فإنها تستلزم المكان ابتداء وانتهاء. # ومن لوازمه أن الله تعالى لن يفعل شيئا ولا يفعل شيئا، فإن الفعل عندهم ~~عين المفعول، وهو غير قائم بالرب، فلم يقم به عندهم فعل أصلا، وسموه فاعلا ~~من غير فعل يقوم به، كما سموه مريدا من غير إرادة تقوم به، وسموه متكلما من ~~غير كلام يقوم به، وسماه زعيمهم المتأخر عند الله وعند عباده عالما من غير ~~علم يقوم به حيث قال: العلم هو المعلوم، كما قالوا: الفعل هو المفعول. # ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يحب ولا يبغض، ~~فإذا ذلك من مقولة: أن ينفك، وهذه المقولة لا تتعلق به وهي في حقه محال، ~~كما نفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه بكون ذلك من مقولة الأين وهي ~~ممتنعة عليه، كما نفوا استواءه على عرشه، لأن ذلك من مقولة الوضع المستحيل ~~ثبوتها له، ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه. # الوجه الثاني والأربعون: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم جعلوا كلام ~~الله ورسوله من الطرق الضعيفة المزيفة التي لا يتمسك بها في العلم واليقين. # قال الرازي في نهايته: الفصل السابع في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع: ~~نذكر نفي الشيء انتفاء دليله، وذكر القياس، وذكر الإلزامات، ثم قال: ~~الرابع: هو التمسك بالسمعيات، وهذا تصريح بأن التمسك بكلام الله ورسوله من ~~الطرق الضعيفة المزيفة، وأخذ في تقرير ذلك ms180 فقال: المطالب على أقسام ثلاثة: ~~منها ما يستحيل العلم بها بواسطة السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا ~~السمع، ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى. # قال: أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته ~~استحال تصحيحه بالسمع من قبل العلم بوجود الصانع، وكونه مختارا وعاليا بكل ~~المعلومات وصدق الرسول، قال: وأما القسم الثاني فهو ترجيح أحد طرفي الممكن # PageV01P189 # على الآخر إذا لم يجده الإنسان من نفسه ولا يدركه شيء من حواسه، فإن حصول ~~غراب على قمة جبل قاف إذا كان جائز الوجود والعدل مطلقا، وليس هناك ما ~~يقتفى وجوب أحد طرفيه أصلا، وهو غائب عن الحس والنفس استحال العلم بوجوده ~~إلا من قول الصادق. # وأما القسم الثالث فهو معرفة وجوب الواجبات وإمكان الممكنات، واستحالة ~~المستحيلات الذي يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها ~~واستحالتها، مثل مسألة الرؤية والصفات، الوحدانية وغيرها، ثم عدد أمثلة. # ثم قال: إذا عرفت ذلك فنقول، أما إن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في ~~الأصول في القسم الأول فهو ظاهر، وإلا وقع الدور، وإما أنه يجب استعمالها ~~في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف، وأما الثالث فنفي جواز استعمال الأدلة ~~السمعية فيه إشكال، وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ~~ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل ~~الدليل السمعي، لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر النقل وبين مقتضى الدليل ~~العقلي ; فإما أن يؤول النقل، فإن كذبنا العقل مع أن النقل لا يمكن إثباته ~~إلا بالعقل فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل، ~~فحينئذ تكون صحة النقل متفرقة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذا لا يكون ~~العقل مقطوع الصحة، فإذا تصحيح النقل يرد العقل ويتضمن القدح في النقل، وما ~~أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلا، وتعين تأويل النقل، فإذا الدليل السمعي ~~لا يفيد اليقين بوجود مدلوله إلا بشرط أم لا يوجد دليل عقلي ms181 على خلاف ~~ظاهره؟ فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيدا للمطلوب إلا إذا تبين أنه ليس ~~في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره، ولا سبيل لنا إلى إثبات ذلك إلا من وجهين: ~~إما أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي، وحينئذ ~~يصير الاستدلال بالنقل فضلة غير محتاج إليه، وإما بأن نتزيف أدلة المنكرين ~~لما دل عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيف، لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ~~ذكروه إلا أن يكون هنالك معارض أصلا، إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه ~~المعارضات، فوجب نفيه، لكنا زيفنا هذه الطريقة، يعني انتقاء الشيء لانتفاء ~~دليله، أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص ~~ولا المقدمة الأخرى، وحينئذ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن له كل واحدة من ~~هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر. # PageV01P190 # فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن ~~الدليل النقلي تتوقف إفادته لليقين على مقدمة غير يقينية، وهي عدم دليل ~~عقلي، وكل ما تنبئ صحته على ما لا يكون يقينا لا يكون هو أيضا يقينا، فثبت ~~أن الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيدا لليقين. # قال: وهذا بخلاف الأدلة العقلية فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفى منها بأن ~~لا يعلم فسادها، بل لا بد وأن يعلم بالبديهة صحتها، إذ يعلم بالبديهة ~~لزومها مما علم صحته بالبديهة، ومتى كان ذلك استحال أن يوجد ما يعارضه ~~لاستحالة التعارض في العلوم البديهية. # ثم قال: فإن قيل: إن الله سبحانه لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره ~~بشيء، فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك شيء وجب عليه سبحانه أن يخطر ~~ببال المكلف ذلك الدليل، وإلا كان ذلك تلبيسا من الله تعالى وأنه غير جائز، ~~قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح، وأنه يجب على الله سبحانه شيء، ~~ونحن لا نقول بذلك سلمنا ذلك، فلم قلتم إنه يجب على الله ms182 أن يخطر ببال ~~المكلف ذلك الدليل العقلي ; وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبسا على ~~المكلف لو أسمعه كلاما يمتنع عقلا أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره وليس ~~الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فتقدير أن يكون الأمر كذلك، لم ~~يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله ~~المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ~~ذكرناه كان ذلك التقصير واقعا من المكلف، لا من قبل الله تعالى، حيث قطع لا ~~في موضع القطع، فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك ~~الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون مكلفا ملبسا، قال: فخرج بما ~~ذكرنا أن الدلالة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية، نعم ~~يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسألة ~~الإجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية. اه كلامه. # فليتدبر المؤمن هذا الكلام أوله على آخره وآخره على أوله، ليتبين له ما ~~ذكرناه عنهم من العزل التام للقرآن والسنة من أن يستفاد منهما علم أو يقين ~~في باب معرفة الله، وما يجب له وما يمتنع عليه، وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام ~~الله ورسوله في شيء من هذه المسائل، وإن الله تعالى يجوز عليه التدليس على ~~الخلق وتوريطهم في طرق # PageV01P191 # الضلال، وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال، وإن العباد مقصرون غاية ~~التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته، ونطقوا بمضمون ما أخبر به ~~حيث لم يشكوا في ذلك، أو قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه، وإن غاية ما ~~يمكن بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة ~~جبل قاف غرابا صفته كيت وكيت، أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد، وإن ~~مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة، ومقدمات أدلة ~~أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة الصحة، وإنه ~~لا ms183 طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ~~البتة، لتوقفها على انتفاء ما لا طريق لنا إلى العلم بانتفائه، وأن ~~الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فضلة لا يحتاج إليها، بل هي مستغنى ~~عنها إذا كان موافقا للعقل. # فتأمل على البناء الذي بنوه، هل في قواعد الإلحاد أعظم هدما منه لقواعد ~~الدين، وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين؟ وبطلان هذا الأصل معلوم ~~بالاضطرار من دين جميع الرسل ; وعند جميع أهل الملل. # وهذه الوجوه المتقدمة التي ذكرناها هي قليل من كثير مما يدل على بطلانه، ~~ومقصودنا من ذكره اعترافهم به بألسنتهم لا بإلزامنا لهم به وتمام إبطاله أن ~~نبين فساد كل مقدمة من مقدمات الدليل الذي عارضوا به النقل أنها مخالفة ~~للعقل كما هي مناقضة للوحي. # الوجه الثالث والأربعون: أن السمع حجة الله على خلقه ; وكذلك العقل، فهو ~~سبحانه أقام عليهم حجته بما ركبه فيهم من العقل، وأن ما أنزل إليهم من ~~السمع ما لا يدفعه العقل، فإن العقل الصريح لا يتناقض في نفيه، كما أن ~~السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه، وكذلك العقل مع السمع، فحجج الله وبينته ~~لا تتناقض ولا تتعارض ولكن تتوافق وتتعاضد، وأنت لا تجد سمعا صحيحا عارضه ~~معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم، بل العقل الصريح يدفع المعقول ~~المعارض للسمع الصحيح، وهذا يظهر بالامتحان في كل مسألة عورض فيها السمع ~~بالمعقول، ونحن نذكر من ذلك مثالا واحدا يعلم به ما عداه فنقول: قالت ~~الفرقة الجامعة بين التجهم ونفي القدر، معطلة الصفات: صدق الرسول موقوف على ~~قيام المعجزة الدالة على صدقه، وقيام المعجزة الدالة على صدقه # PageV01P192 # موقوف على العلم بأن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة الدالة على صدقه، ~~والعلم بذلك موقوف على العلم بقبحه، وعلى أن الله تعالى لا يفعل القبيح ; ~~وتنزيهه عن فعل القبيح موقوف على العلم بأنه غني عنه عالم بقبحه، والغني عن ~~القبيح العالم بقبحه لا يفعله ; وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم ; وكونه ~~ليس بجسم موقوف على ms184 عدم قيام الأعراض والحوادث به ; وهي الصفات والأفعال، ~~ونفي ذلك موقوف على ما دل عليه حدوث الأجسام ; والذي دلنا على حدوث الأجسام ~~أنها لا تخلو عن الحوادث، وما لا تخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق ~~الحوادث فهو حادث، وأيضا فإنها لا تخلو عن الأعراض، والأعراض لا تبقى ~~زمانين، فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام عنها لزم حدوثها، وأيضا فإن ~~الأجسام مركبة من الجواهر الفردة ; والمركب مفتقر إلى جزئه، وجزؤه غيره، ~~وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا مخلوقا، فالأجسام متماثلة، كل ما صح ~~على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضه التحليل والتركيب والاجتماع ~~والافتراق فيجب أن يصح على جميعها. # قالوا: وبهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسما وإمكان ~~المعاد، فلو بطل الدليل الدال على حدوث الجسم بطل الدليل الدال على ثبوت ~~الصانع وصدق الرسول، فصار العلم بثبوت الصانع وصدق الرسول وحدوث العالم ~~وإمكان المعاد موقوفا على نفي الصفات، فإذا جاء السمع ما يدل على إثبات ~~الصفات والأفعال لم يكن القول بموجبه ; ويعلم أن الرسول لم يرد إثبات ذلك، ~~لأن إرادته للإثبات تنافي تصديقه، ثم إما إن كان يكذب الناقل، وإما أن ~~يتأول المنقول، وإما أن يعرض عن ذلك جملة ويقول لا يعلم المراد. # فهذا أصل ما بنى عليه القوم دينهم وإيمانهم، ولم يقيض لهم من يبين لهم ~~فساد هذا الأصل ومخالفته لصريح العقل، بل قيض لهم من المنتسبين إلى السفه ~~من وافقهم عليه، ثم أخذ يشنع عليهم القول بنفي الصفات والأفعال وتكليم الرب ~~لخلقه ورؤيتهم له في الدار الآخرة، وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه ~~ونزوله إلى سماء الدنيا، فأضحكهم عليه وأغراهم به، ونسبوه إلى ضعف العقل ~~والحشو والبله، والمصيبة مركبة من عدوان هؤلاء ونفيهم، وتقصير أولئك ~~وموافقتهم لهم في الأصل ثم تكفيرهم وتبديعهم. # وهذا الطريق، من الناس من يظنها من لوازم الإيمان، وأن الإيمان لا يتم ~~إلا بها، # PageV01P193 # ومن لم يعرف ربه بهذه الطريق لم يكن مؤمنا به ولا بما جاء به ms185 رسوله، وهذا ~~يقوله الجهمية والمعتزلة ومتأخرو الأشعرية بل أكثرهم، وكثير من المنتسبين ~~إلى الأئمة الأربعة، وكثير من أهل الحديث والصوفية، ومن الناس من يقول: ليس ~~الإيمان موقوفا عليها ولا هي من لوازمه، وليست طريق الرسل، ويحرم سلوكها ~~لما فيها من الخطر والتطويل وإن لم يعتقد بطلانها، وهذا قول أبي الحسن ~~الأشعري نفسه، فإنه صرح بذلك في رسالته إلى أهل الثغر، وبين أنها طريق خطرة ~~مذمومة محرمة وإن كانت غير باطلة، ووافقه على هذا جماعة من أصحابه من أتباع ~~الأئمة. # وقالت طائفة أخرى: بل هي طريق في نفسها متناقضة مستلزمة لتكذيب الرسول لا ~~يتم سلوكها إلا بنفي ما أثبته، وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، كما هي ~~مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله، وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد، فإن هذه ~~الطريق لا تتم لا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه، فضلا ~~عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، ولا تتم ~~إلا بنفي أفعاله جملة وأنه لا يفعل شيئا البتة، إذ لم يقم به فعل فاعل، ~~وفاعل بلا فعل محال في بدائه العقول، فلو صحت هذه الطريق نفت الصانع ~~وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه ~~الطريق من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، فأنتم تثبتون ذلك ~~وتصرخون بنفي لوازمه البينة التي لا عيب فيها وفي لزومها، وتثبتون ما لا ~~حقيقة له، بل يخالف العقول، كما تنفون ما يدل العقل الصريح على إثباته، ~~ولوازمه الباطلة أكثر من مائة لازم، بل لا يحصى بكلفة. # فأول لوازم هذه الطريقة نفي الصفات والأفعال، ونفي العلو والكلام، ونفي ~~الرؤية، ومن لوازمها القول بخلق القرآن، وبهذه الطريق استجازوا ضرب الإمام ~~أحمد لما قال بما يخالفها من إثبات الصفات وتكلم الله بالقرآن ورؤيته في ~~الدار الآخرة، وكان أرباب هذه الطريق هم المستولين على الخليفة، فقالوا له: ~~اضرب عنقه، فإنه كافر مشبه مجسم، فقيل له: إنك إن قتلته ثارت عليك العامة، ~~فأمسك عن قتله بعد الضرب ms186 الشديد. # ومن لوازمه أن الرب كان معطلا عن الفعل من الأزل والفعل ممتنع عليه، ثم ~~انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بدون موجب في ذلك الوقت دون ~~ما قبله، وهذا مما أغرى الفلاسفة بالقول بقدم العالم ورأوا أنه خير من ~~القول بذلك، بل حقيقة هذا # PageV01P194 # القول أن الفعل لم يزل ممتنعا منه أزلا وأبدا، إذ يستحيل قيامه به، وعن ~~هذه الطريق قال جهم ومن وافقه بفناء الجنة وفناء أهلها وعدمهم عدما محضا، ~~وعنها قال أبو الهذيل العلاف بفناء حركاتهم دون ذاتهم، فإذا رفع اللقمة إلى ~~فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك ويبقى كذلك أبد الآبدين، وعن ~~هذه الطريق قالت الجهمية: إن الله في كل مكان بذاته، وقال إخوانهم: إنه ليس ~~في العالم، ولا خارج العالم، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ~~ولا محايثا له، ولا فوقه ولا خلفه، ولا أمامه، ولا وراءه، وعنها قال من ~~قال: إن ما نشاهده عن الأعراض الثابتة كالألوان والمقادير والأشكال تتبدل ~~في كل نفس ولحظة ويخلفها غيرها، حتى قال من قال: إن الروح عرض وإن الإنسان ~~يستحدث في كل ساعة عدة أرواح، تذهب له روح ويجيء غيرها، وعنها قال من قال: ~~إن جسم أنتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب في الحد والحقيقة، لا فرق ~~بينهما إلا بأمر عرضي، وأن جسم النار مساو لجسم الماء في الحد والحقيقة، ~~وعنها قالوا: إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم تؤكل وتشرب وترى وتسمع ~~وتلمس، وأن الحواس الخمس تتعلق بكل موجود، وعنها نفوا عنه تعالى الرضى ~~والغضب والمحبة والرحمة، والرأفة والضحك والفرح، بل ذلك كله إرادة محضة أو ~~ثواب منفصل مخلوق، وعنها قالوا: إن الكلام معنى واحد بالعين، لا ينقسم ولا ~~يتبعض، ولا له جزء ولا كل، وهو الأمر بكل شيء مأمور، والنهي عن كل مخبر ~~عنه، وكذلك قالوا في العلم: إنه أمر واحد، فالعالم بوجود الشيء هو عين ~~العالم بعدمه لا فرق بينهما البتة بالتعلق، وكذلك قالوا: إن إرادة إيجاد ~~الشيء هي نفس إرادة ms187 إعدامه ليس هنا إرادة، كذلك رؤية زيد هي نفس رؤية عمرو، ~~ومعلوم أن هذا لا يعقل، بل هو مخالف لصريح العقل. # ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعا ولا صفة من صفاته ولا ~~فعلا من أفعاله ولا نبوة ولا مبدأ ولا معادا ولا حكمة، بل هي مستلزمة لنفي ~~ذلك كله صريحا ولزوما بينا. # وجاء آخرون فراموا إثبات الصفات والأفعال وموافقتهم في هذه الطريق، ~~فتجشموا أمرا ممتنعا واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها، فجاءوا بطريق بين ~~النفي والإثبات لم يوافقهم فيها المعطلة النفاة، ولم يسلكوا فيها مسلك أهل ~~الإثبات، وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين المعقول والمنقول، ويصلون في هذه ~~الطريق إلى تصديق الرسول، وصار # PageV01P195 # كثير من الناس يحب النظر والبحث والمعقول، وهو مع ذلك يريد أن لا يخرج ~~عما جاء به الرسول، ثم أصلوا تأصيلا مستلزما لبطلان التفصيل، ثم فصلوا ~~تفصيلا على بطلان الأصل فصاروا حارثين بين التأصيل والتفصيل، وصار من فرد ~~منهم هذا الأصل خارجا عن العقل والسمع بالكلية، ومن لم يطرده متناقضا مضطرب ~~الأقوال، وقد سلك الناس في إثبات الصانع وحدوث العالم طرقا متعددة سهلة ~~قريبة إلى المقصود، لم يتعرضوا فيها لطريق هؤلاء بوجه. # قال الخطابي: وإنما سلك المتكلمون هذه الطريقة في الاستدلال بالأعراض ~~مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم، وفي الأعراض اختلاف كثير، منهم من ينكرها ولا ~~يثبتها رأسا، ومنهم من لا يفرق بينها وبين الجواهر في أنها قائمة بنفسها ~~كالجواهر. # قلت: ومنهم من يقول بكمونها وظهورها، ومنهم من يقول بعدم بقائها، ثم سلك ~~طرقا في إثبات الصانع منها الاستدلال بأحوال الإنسان من مبدئه إلى غايته، ~~والاستدلال بأحوال الحيوان والنبات والأجرام العلوية وغير ذلك، ثم قال: ~~والاستدلال بطريق الأعراض لا يصح إلا بعد استبراء هذه الشبهة، وطريقنا الذي ~~سلكناه بريء من هذه الآفات سليم من هذه الريب. # قال: وقد سلك بعض مشايخنا في هذه الطرق الاستدلال بمقدماتها النبوة ~~ومعجزات الرسالة التي دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق ~~استفاضة الخير لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة ms188 صارت أصلا في وجوب قبول ما ~~دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: وهذا النوع مقنع في الاستدلال ~~لمن لم يتسع فهمه لإدراك وجوه الأدلة، ولم يتبين معاني تعلق الأدلة ~~بمدلولاتها، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ### | أقوى الطرق وأدلها على الصانع # قلت: وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته ~~وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة ~~العقلىة الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل ودلالتها ~~ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله تعالى آيات بينات، وليس في طرق الأدلة ~~أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر ~~به ثم يعود عصا كما كانت من أدل دليل على وجود الصانع، وحياته وقدرته ~~ومشيئته وإرادته، وعلمه بالكليات والجزئيات ; وعلى رسالة الرسول، وعلى ~~المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا وكذلك # PageV01P196 # اليد ; وفلق البحر طرقا، والماء قائم بينهما كالحيطان، ونتق الجبل من ~~موضعه ورفعه على قدر العسكر العظيم فوق رءوسهم، وضرب حجر مربع بعصا فتسيل ~~منه اثنتا عشرة عينا تكفي أمة عظيمة. # وكذلك سائر آيات الأنبياء كإخراج ناقة عظيمة من صخرة تمخضت بها ثم انصدعت ~~عنها والناس حولها ينظرون، وكذلك تصوير طائر من طين ثم ينفخ فيه النبي، ~~فينقلب طائرا ذا لحم ودم وريش وأجنحة يطير بمشهد من الناس، وكذلك إيماء ~~الرسول إلى القمر فينشق نصفين بحيث يراه الحاضر والغائب ويخبر به كما رآه ~~الحاضرون، وأمثال ذلك مما هو أعظم الأدلة على الصانع وصفاته وأفعاله وصدق ~~رسله واليوم الآخر، وهذه من طرق القرآن التي أرشد إليها عباده ودلهم بها، ~~كما دلهم بما يشاهدونه من أحوال الحيوان والنبات والمطر والسحاب والحوادث ~~التي في الجو وأحوال العلويات من السماء والشمس والقمر والنجوم، وأحوال ~~النطفة وتقلبها طبقا بعد طبق، حتى صارت إنسانا سميعا حيا متكلما عالما ~~قادرا يفعل الأفعال العجيبة ويعلم العلوم العظيمة، وكل طريق من هذه الطرق ~~أصح وأقرب وأوصل من طرق المتكلمين، التي لو صحت لكان فيها من التطويل ~~والتعقيد ms189 والتعسير ما يمنع الحكمة الإلهية والرحمة الربانية، أن يدل بها ~~عباده عليه وعلى صدق رسله وعلى اليوم الآخر، فأين هذه الطريق العسرة ~~الباطلة المستلزمة لتعطيل الرب عن صفاته وأفعاله وكلامه وعلوه على خلقه ~~وسائر ما أخبر به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى طرق ~~القرآن التي هي ضد هذه الطريق من كل وجه، وكل طريق منها كافية شافية هادية. # هذا ; وإن القرآن وحده لمن جعل الله نورا أعظم آية ودليل على هذه ~~المطالب، وليس في الأدلة أقوى ولا أظهر ولا أصح دلالة منه من وجوه متعددة، ~~فأدلته مثل ضوء الشمس للبصر، لا يلحقها إشكال، ولا يغير في وجه دلالتها ~~إجمال، ولا يعارضها تجويز واحتمال، تلج الأسماع بلا استئذان، وتحل من ~~المعقول محل الماء الزلال، ومن الصادي الظمآن لا يمكن أحد أن يقدح فيها ~~قدحا يوقع في اللبس، إلا إن أمكنه أن يقدح بالظهيرة صحوا في طلوع الشمس، ~~ومن عجيب شأنها أنها تستلزم المدلول استلزاما بينا وتنبه على جواب المعترض ~~تنبيها لطيفا، وهذا الأمر إنما هو لمن نور الله بصيرته وفتح على قلبه لأدلة ~~القرآن، فلا تعجب من منكر أو معترض أو معارض. # وقل للعيون العمي للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع # وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي # PageV01P197 # فأي دليل على الله أصح من الأدلة التي تضمنها كتابه؟ كقوله تعالى: {أفي ~~الله شك فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10] ، وقوله: {كيف تكفرون بالله ~~وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] ، ~~وقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] ، وما لا يحصى من الآيات ~~الكريمات. # الوجه الرابع والأربعون: أنك إذا أخذت لوازم المشترك المطلق والمقيد ~~والمميز، وميزت هذا من هذا صح نظرك ms190 ومناظرتك، وذلك أن الصفة تلزمها لوازم ~~من حيث هي، فهذه اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها، إذ نفيها ملزوم لنفي ~~الصفة، مثاله: الفعل والإدراك للحياة، فإن كل حي فاعل مدرك، وإدراك ~~المسموعات بصفة السمع، وإدراك المبصرات بصفة البصر، وكشف المعلومات بصفة ~~العلم، والتمييز لهذه الصفات، فهذه اللوازم يمتنع رفعها عن الصفة، فإنها ~~ذاتية لها، ولا ترتفع إلا برفع الصفة، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة ~~القديم، مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلق، فإن صفة العلم واجبة لله قديمة ~~غير حادثة، متعلقة بكل معلوم على التفصيل، وهذه اللوازم منتفية عن العلم ~~الذي هو صفة للمخلوقين، ويلزمها لوازم من حيث كونها ممكنة حادثة بعد أن لم ~~تكن مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له، فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى ~~القديم، واجعل هذا التفضيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال، واعتصم به ~~في نفي التشبيه والتمثيل، وفي بطلان النفي والتعطيل، واعتبره في العلو ~~والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث، ~~فهذا الإلزام حق لا يجوز نفيه، ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به ~~حاملا له، والأعلى مفتقرا إليه، وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها، بل ~~بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى أسفل، ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا ~~يحمله، كالسماء مع الأرض، فالرب تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه من ~~خصائصه، وهي حمله السافل وفقر السافل إليه، وغناه سبحانه عنه وإحاطته عز ~~وجل به ; فهو فوق العرش، وعدم إحاطة العرش به ; وحصره للعرش وعدم حصر العرش ~~له، وهذه # PageV01P198 # اللوازم منتفية عن المخلوقين، ولو ميز أهل التعطيل هذا التمييز لهدوا إلى ~~سواء السبيل، ولما فارقوا الدليل. ### | الأصل الذي قاد إلى القول بالتعطيل # الوجه الخامس والأربعون: أن الأصل الذي قادهم إلى التعطيل، واعتقاد ~~المعارضة بين الوحي والعقل أصل واحد، وهو منشأ ضلال بني آدم، وهو الفرار من ~~تعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه الدالة على صفاته، وقيام الأمور المتجددة ~~به، وهذا لا محذور فيه، بل هو الحق لا ms191 يثبت كونه سبحانه ربا وإلها وخالقا ~~إلا به، ونفيه جحد للصانع بالكلىة، وهذا القدر اللازم لجميع طوائف أهل ~~الأرض على اختلاف مللهم وعلومهم، حتى لمن أنكر الصانع بالكلية وأنكره رأسا، ~~فإنه يضطر إلى الإقرار بذلك، وإن قام عنده ألف شبهة أو أكثر على خلافه، ~~وأما من أقر بالصانع فهو مضطر إلى أن يقر بكونه حيا عالما قادرا مريدا ~~حكيما فعالا، ومع إقراره بذلك فقد اضطر إلى القول بتعدد صفات الواحد، وتكثر ~~أسمائه وأفعاله، فلو تكثرت لم يلزم من تكثرها وتعددها محذور بوجه من ~~الوجوه. # وإن قال: أنا أنفيها بالجملة ولا أثبت تعددها بوجه قيل له: فهو هذه ~~الموجودات أو غيرها؟ فإن قال: غيرها قيل: هو خالقها أم لا؟ فإن قال: هو ~~خالقها قيل له: قبل هو قادر عليها عالم بها مريد لها أم لا؟ فإن قال: نعم ~~هو كذلك، اضطر إلى تعدد صفاته وتكثرها، وإن نفى ذلك كان جاحدا للصانع ~~بالكلية، ويستدل عليه بما يستدل على الزنادقة الدهرية، ويقال لهم ما قالت ~~الرسل لأممهم: {أفي الله شك} [إبراهيم: 10] وهل يستدل عليه بدليل هو أظهر ~~للعقول من إقرارها به وبربوبيته. # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # فإن قال: أنا أثبته موجودا واجب الوجود لا صفة له قيل له: فكل موجود على ~~قولك أكمل منه، وضلال اليهود والنصارى وعباد الأصنام أعرف به منك، وأقرب ~~إلى الحق والصواب منك، وأما فرارك من قيام الأمور المتجدة به ففررت من أمر ~~لا يثبت كونه إلها وربا وخالقا إلا به، ولا يتقرر كونه صانعا لهذا العالم ~~مع نفيه أبدا ; وهو لازم لجميع طوائف أهل الأرض، حتى الفلاسفة الذين هم ~~أبعد الخلق من إثبات الصفات، ولهذا قال بعض عقلاء الفلاسفة: إنه لا يتقرر ~~كونه رب العالمين إلا بإثبات ذلك، قال: والإجلال من هذا الإجلال واجب، ~~والتنزيه من هذا التنزيه متعين، قال بعض العلماء: وهذه المسألة يقوم عليها ~~قريب من ألف دليل عقلي وسمعي والكتب # PageV01P199 # الإلهية والنصوص النبوية ناطقة بذلك، وإنكار لما علم بالضرورة ms192 من دين ~~الرسل أنهم جاءوا به. # ونحن نقول: إن كل سورة من القرآن تتضمن إثبات هذه المسألة، وفيها أنواع ~~من الأدلة عليها، فأدلتها تزيد على عشرة آلاف دليل، فأول سورة في القرآن ~~تدل عليها من وجوه كثيرة، وهي سورة أم الكتاب، فإن قوله: {الحمد لله} ~~[الفاتحة: 2] يدل عليها، فإنه سبحانه يحمد على أفعاله كما حمد نفسه في ~~كتابه، وحمده عليها رسله وملائكته والمؤمنون من عباده، فمن لا فعل له البتة ~~كيف يحمد على ذلك؟ فالأفعال هي المقتضية للحمد، ولهذا تجده مقرونا بها ~~كقوله: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 1] ، {الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43] ، {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} ~~[الكهف: 1] . # الثاني: قوله: {رب العالمين} [الفاتحة: 2] وربوبيته للعالم تتضمن تصرفه ~~فيه وتدبيره له وإنفاذ أمر كل وقت فيه، وكونه معه كل ساعة في شأن: يخلق ~~ويرزق، ويحيي ويميت، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويصرف الأمور ~~بمشيئته وإرادته، وإنكار ذلك إنكار لربوبيته وإلهيته وملكه. # الثالث: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] هو الذي يرحم بقدرته ومشيئته من لم ~~يكن له راحما قبل ذلك. # الرابع: قوله: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] والملك هو المتصرف فيما هو ~~ملك عليه ومالك له، ومن لا تصرف له ولا يقوم به فعل البتة لا يعقل له ثبوت ~~ملك. # الخامس: قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] فهذا سؤال الفعل ~~يفعله لهم لم يكن موجودا قبل ذلك، وهي الهداية التي هي فعله. # السادس: قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] وفعله القائم به ~~وهو الإنعام، فلو لم يقم به فعل الإنعام لم يكن للنعمة وجود البتة. # السابع: قوله: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] وهم الذين غضب الله ~~عليهم بعدما أوجدهم وقام بهم سبب الغضب، إذ الغضب على المعدوم محال، وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «أن العبد إذا قال: {الحمد لله رب ~~العالمين} [الفاتحة: 2] يقول الله تعالى: حمدني # PageV01P200 # عبدي، وإذا قال {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] قال الله تعالى: أثنى علي ~~عبدي، فإذا قال: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال الله تعالى: ms193 مجدني ~~عبدي، وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قال الله تعالى: ~~هذا بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» "، فهذه ~~أدلة من الفاتحة وحدها. # فتأمل أدلة الكتاب العزيز على هذا الأصل تجدها فوق عد العادين، حتى إنك ~~تجد في الآية الواحدة على اختصار لفظها عدة أدلة كقوله تعالى: {إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، ففي هذه الآية عدة أدلة: ~~أحدها: قوله: {إنما أمره} [يس: 82] وهذا أمر التكوين الذي لا يتأخر عنه أمر ~~المكون بل يعقبه الثاني: {إذا أراد شيئا} [يس: 82] (وإذا) تخلص الفعل ~~للاستقبال الثالث: {أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، (وأن) تخلص المضارع ~~للاستقبال الرابع: {أن يقول} [يس: 82] فعل مضارع إما للحال عاما للاستقبال، ~~الخامس: قوله: (كن) وهما حرفان يسبق أحدهما الآخر يعقبه الثاني، السادس: ~~قوله: (فيكون) ، والفاء للتعقيب يدل على أنه يكون عقب قوله: (كن) سواء لا ~~يتأخر عنه. # وقوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143] فهو ~~سبحانه إنما كلمه ذلك الوقت، وقوله تعالى: {وناديناه} [مريم: 52] ، {ويوم ~~يناديهم فيقول} [القصص: 62] ، وقوله: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة} [الأعراف: 22] ، فالنداء إنما حصل ذلك الوقت، وقوله: {هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله} [البقرة: 210] ، {وجاء ربك} [الفجر: 22] ، {ثم استوى ~~على العرش} [الأعراف: 54] ، {وإذا أردنا أن نهلك قرية} [الإسراء: 16] ، ~~{فعال لما يريد} [هود: 107] ، {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~[البقرة: 185] ، {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28] ، {والله يريد أن ~~يتوب عليكم} [النساء: 27] ، {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 5 - 6] # PageV01P201 # ، {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] ، {قد سمع الله قول ~~التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} [المجادلة: 1] ~~، {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29] وهذا عند النفاة لا حقيقة له، بل الشئون ~~للمفعولات، وأما هو فله شأن واحد قديم، فهذه الأدلة السمعية وأضعاف أضعافها ~~مما ms194 يشهد به صريح العقل، فإنكار ذلك وإنكار تكثر الصفات وتعدد الأسماء هو ~~أفسد للعقل والنقل وأفتح باب للمعارضة. # الوجه السادس والأربعون: أن يقال لهؤلاء المعارضين للوحي بعقولهم: إن من ~~أئمتكم من يقول: إنه ليس في العقل ما يوجب تنزيه الرب سبحانه عن النقائص، ~~ولم يقم على ذلك دليل عقلي أصلا، صرح به الرازي ; وتلقاه عن الجوني ~~وأمثاله، قالوا وإنما نسيا عنه النقائص بالإجماع ; وقد قدح الرازي وغيره من ~~النفاة في دلالة الإجماع، وبينوا أنها ظنية لا قطعية، فالقوم ليسوا قاطعين ~~بتنزيه الله عن النقائص بل غاية ما عندهم في ذلك الظن. # فيا أولي الألباب، كيف تقوم الأدلة القطعية على نفي صفات الله ونعوت ~~جلاله وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه، وتكلمه بالقرآن حقيقة وتكلمه ~~لموسى، حتى يدعى أن الأدلة السمعية على ذلك قد عارضها صريح العقل؟ وأما ~~تنزيهه عن العيوب والنقائص فلم يقم عليه دليل عقلي ولكن علمناه بالإجماع، ~~وقلتم: إن دلالته ظنية، ويكفيك في فساد عقل معارض الوحي أنه لم يقم عنده ~~دليل عقلي على تنزيه ربه عن العيوب والنقائص. # الوجه السابع والأربعون: إن الله تعالى جعل بعض مخلوقاته عاليا على بعض ~~ولم يلزم من ذلك مماثلة العالي ومشابهته له، فهذا الماء فوق الأرض، والهواء ~~فوق الماء، والنار فوق الهواء، والأفلاك فوق ذلك، وليس عاليها مماثلا ~~لسافلها، والتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين ~~المخلوقات، فكيف يلزم من علوه تشبيهه بخلقه. # فإن قلتم: وإن لم يلزم التشبيه لكن يلزم التجسيم قيل: انفصلوا أولا عن ~~قول المعطلة للصفات: لو كان له سمع أو بصر أو حياة أو علم أو قدرة أو كلام ~~لزم التجسيم، فإذا انفصلتم منهم، فإن أبيتم إلا الجواب قيل لكم، ما تعنون ~~بالتجسيم؟ # PageV01P202 # أتعنون به العلو على العالم والاستواء على العرش، وهذا حاصل قولكم؟ ~~وحينئذ فما زدتم على إبطال ذلك بمجرد الدعوى التي اتحد فيها اللازم ~~والملزوم بتقرير العبارة، وكأنكم قلتم: لو كان فوق العالم مستويا على عرشه ~~لكان فوق العالم، ولكنكم لبستم وأوهمتم. ms195 # وإن عنيتم بالجسم المركب من الجواهر الفردة، فجمهور العقلاء ينازعونكم في ~~إثبات الجواهر الفردة فضلا عن تركيب الأجسام من ذلك، فأنتم أبطلتم هذا ~~التركيب الذي تدعيه الفلاسفة، وهم أبطلوا التركيب الذي تدعونه من الجواهر ~~الفردة، وجمهور العقلاء أبطلوا هذا وهذا، فإن كان هذا غير لازم في الأجسام ~~المحسوسة المشاهدة، بل هو باطل فكيف يدعى لزومه فيمن ليس كمثله شيء، وإن ~~عنيتم بالتجسيم تميز شيء منه عن شيء قيل لكم: انفصلوا أولا عن قول نفاة ~~الصفات: لو كان له سمع وبصر وحياة وقدرة لزم أن يتمىز منه شيء عن شيء، وذلك ~~عين التجسيم، فإذا انفصلتم عنه أجبناكم بما تجيبونهم به، فإن أبيتم إلا ~~الجواب منا، قلنا لكم: إنما قام الدليل على إثبات إله قديم عني بنفيه عن كل ~~ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وكل أحد محتاج إليه، وليس محتاجا إلى أحد، ~~ووجود كل أحد يستفاد منه، ووجوده ليس مستفادا من غيره، ولم يقم الدليل على ~~استحالة تكثر أوصاف كماله وتعدد أسمائه الدالة على صفاته وأفعاله، بل هو ~~إله واحد ورب واحد، وإن تكثرت أوصافه وتعددت أسماؤه. ### | فصل اتفاق الحكماء مع السلف على علو الله # فصل # أخبر الناس بمقالات الفلاسفة قد حكى اتفاق الحكماء على أن الله والملائكة ~~في السماء كما اتفقت على ذلك الشرائع، وورد ذلك بطريق عقلي من جنس تقرير ~~ابن كلاب، والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري، ~~والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي الحسن بن الزاغوني، وغيرهم ممن يقول بأن ~~الله فوق العرش وليس مجسم، قال هؤلاء: وإثبات صفة العلو والفوقية له سبحانه ~~لا يوجب الجسمية، بل ولا إثبات المكان، وبنى الفلاسفة ذلك على ما ذكره ابن ~~رشد أن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من ~~جسم المحوي، فكان الإنسان عندهم هو باطن الهواء المحيط به، وكل سطح باطن ~~فهو مكان للسطح الظاهر مما يلاقيه، ومعلوم أنه ليس وراء الأجسام سطح جسم ~~باطن يحوي شيئا ; فلا مكان # PageV01P203 # هناك، إذ لو كان هناك ms196 مكان حاو لسطح الجسم لكان الحاوي جسما، ولهذا قال: ~~فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، ~~فالذي يمتنع وجوده هناك هو وجود جسم لا وجود ما ليس بجسم، وقرر إمكان ذلك ~~كما قرر إثباته بما ذكر من أنه لا بد من نسبة بينه وبين العالم المحسوس، ~~فيجب أن يكون في جهة العلو والذي يمكن منازعوه من الفلاسفة والجهمية ~~والمعتزلة أن يقولوا: لا يمكن أن يوجد هناك شيء لا جسم ولا غير جسم، أما ~~غير الجسم فلما ذكر، وأما الجسم فلأن كونه مشارا إليه بأنه هناك يستلزم أن ~~يكون جسما، وحينئذ فيقول هؤلاء المثبتون لمن ينازعهم في ذلك: وجود موجود ~~قائم بنفسه ليس وراء أجسام العالم، ولا داخلا في العالم إما أن يكون ممكنا ~~أو لا يكون، فإن لم يكن ممكنا بطل قولكم، وإن كان ممكنا فوجود موجود وراء ~~أجسام للعالم وليس بجسم أولى بالجواز، ثم إذا عرضنا على العقل وجود موجود ~~قائم بنفسه لا في العالم ولا خارجا عنه ولا يشار إليه، وعرضنا عليه وجود ~~موجود يشار إليه فوق العالم ليس بجسم كان إنكار العقل للأول القبول وجب ~~قبول الثاني، وإن كان الثاني مردودا وجب رد الأول، ولا يمكن العقل الصريح ~~أن يقبل الأول ويرد الثاني أبدا. ### | فصل مناقشة من يمنعون الإشارة الحسية إليه تعالى # فصل: ثم إنه سبحانه لو لم تقبل الإشارة الحسية إليه كما أشار إليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم حسا بأصبعه بمشهد الجمع الأعظم، وقبل ممن شهد لها ~~بالإيمان الإشارة الحسية إليه، فإما أن يقال: إنه يقبل الإشارة المعنوية ~~فقط أو لا يقبلها أيضا كما لا يقبل الحسية، فإن لم يقبل لا هذه ولا هذه فهو ~~عدم محض، بل العدم المقيد المضاف يقبل الإشارة المعنوية دون الحسية، وإن ~~قبل الإشارة الحسية لزم أن يكون معنى من المعاني، لا ذاتا خارجية، وهذا مما ~~لا حيلة في دفعه، فمن أنكر جواز الإشارة الحسية إليه فلا بد له من أحد ~~أمرين: إما ms197 أن يجعله معدوما أو معنى من المعاني، لا ذاتا قائمة بنفسها. ### | مناقشة نفاة الصفات وإفحامهم # الوجه الثامن والأربعون: إن من أعجب العجب أن هؤلاء الذين فروا من القول ~~بعلو الله واستوائه على عرشه خشية التشبيه والتجسيم قد اعترفوا بأنه لا ~~يمكنهم إثبات # PageV01P204 # الصانع إلا بنوع من التشبيه والتمثيل، كما قال الآمدي في مسألة حدوث ~~الأجسام، لما ذكر شبه القائلين بالقدم، قال: الوجه العاشر: لو كان حدثا ~~فمحدثه إما أن يكون مساويا له من كل وجه، أو مخالفا له من كل وجه، أو ~~مماثلا له من وجه مخالفا له من وجه، فإن كان الأول فهو حادث، والكلام فيه ~~كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل الممتنع، وإن كان الثاني فالمحدث له ليس ~~بموجود، وإلا لما كان مخالفا له من كل وجه، وهو خلاف الفرض، وإذا لم يكن ~~موجودا امتنع أن يكون مفيدا للوجود، وإن كان الثالث فمن جهة ما هو مماثل ~~للحادث يجب أن يكون حادثا، والكلام فيه كالأول، وهو التسلسل المحال، وهذه ~~المجالات إنما نشأت من القول بكونه محدثا للعالم. # قال: والجواب عن هذه الشبهة أن المختار من أقسامها إنما هو القسم الثالث، ~~ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحادث من وجه أن يكون مماثلا للحادث من جهة ~~كونه حادثا، بل لا مانع من الاختلاف بينهما في صفة القدم والحدوث، وإنما ~~تماثلا بأمر آخر، وهذا كالسواد والبياض يختلفان من وجه دون وجه لاستحالة ~~اختلافهما من كل وجه، وإلا لما اشتركا في العرضية والكونية والحدوث، ~~ولاستحالة تماثلهما من كل وجه ; وإلا كان السواد بياضا ; ومع ذلك فما لزم ~~من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلا له في صفة البياضية. # فيقال: يا لله العجب: هلا قبلتم هذا الجواب في إثبات علو الله على خلقه ~~واستوائه على عرشه وإثبات صفات كماله كلها، وأجبتم بهذا الجواب من قال لكم ~~من المعطلة والنفاة: لو كان له صفات لزم مماثلته للمخلوقات؟ ولم لا تقنعون ~~من أهل السنة المثبتين لصفات كماله بمثل هذا الجواب الذي أجبتم به ms198 من أنكر ~~حدوث العالم؟ بل إذا أجابوكم به قلبتم لهم ظهر المجن وصرحتم بتكفيرهم ~~وتبديعهم، وإذا أجبتم أنتم به بعينه كنتم موحدين. # يقال: هل للرب ماهية متميزة عن سائر الماهيات يختص بها لذاته، أم تقولون ~~لا ماهية له؟ فإن قلتم بالثاني كان هذا إنكارا له وجحودا ; أو جعله وجودا ~~مطلقا لا ملكية له، وإن قلتم: بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر ~~الذوات والماهيات، قيل # PageV01P205 # لكم: فماهيته وذاته غير متناهية بل ذاهبة في الأبعاد إلى غير نهاية أم ~~متناهية؟ فإن قلتم بالأول لزم منه محالات غير واحدة، وإن قلتم بالثاني بطل ~~المباينة والجهة، وهذا لا محيد عنه، وإن قلتم: لا نقول له ماهية ولا ليست ~~له ماهية قيل: لا يليق بالعقول المخالفة لما جاءت به الرسل إلا هذا المحال ~~والباطل، وإن قلتم: بل له ذات مخصوصة وماهية متميزة عن سائر الماهيات ولا ~~غير متناهية، لأنها لا تقبل واحدا من الأمرين، وقيل: يتقابلان تقابل السلب ~~والإيجاب، فلا واسطة بينهما، كما لا واسطة بين الوجود والعدم، والقدم ~~والحدوث، والسبق والمقارنة، والقيام بالنفس والقيام بالغير، وتقدير قسم آخر ~~لا يقبل واحدا من الأمرين تقدير ذهني يفرضه الذهن كما يفرض سائر المحالات، ~~ولا يدل ذلك على وجوده في الخارج ولا إمكانه، قال: التقسيم يقتضي أن ~~المعلوم إما قديم وإما حادث، وإما لا قديم ولا حادث، كان التقسيم ذهنيا لا ~~خارجيا، وإن سلب النقيض في ذلك كله في الإحالة كإثبات النقيضين؟ # فصل: يقال: ذاته سبحانه ; إما أن تكون قابلة العلو على العالم، أو لا ~~تكون قابلة، فإن كانت قابلة وجب وجود القبول لأنه صفة كمال، لأن قبولها ~~لذلك هو من لوازمها، كقبول الذات للعلم والحياة والقدرة والسمع، فوجدوا هذا ~~إلزاما للذات ضرورة، ولأنها إذ قبلته فلو لم تتصف به لاتصفت بضده، وهو نقص ~~يتعالى الله ويتقدس عنه، وإن لم تكن قابلة للعلو لزم أن يكون قابل العلو ~~أكمل منها، لأن ما يقبل أن يكون عاليا، وإن لم يكن عاليا أكمل ممن لا يقبل ~~العلو ms199 وما قبله وكان عاليا أكمل ممن قبله ولم يكن عاليا، فالمراتب ثلاثة: ~~أدناها ما لا يقبل العلو وأعلاها ما قبله واتصف به، والذي يوضح ذلك: أن ما ~~لا يقبل أن يكون فوق غيره ولا عاليا عليه إما أن يكون عرضا من الأعراض لا ~~يقوم بنفسه، ولا يقبل أن يكون عاليا على غيره، وإما أن يكون أمرا عدميا لا ~~يقبل ذلك، وأما إثبات ذات قائمة بنفسها متصفة بالسمع والبصر والقدرة ~~والحياة والإرادة والعلم والفعل، ومع ذلك لا تقبل أن تكون عالية على غيرها، ~~فهذا بإمكان تصوره قبل التصديق بوجوده وليس مع من ادعى إمكانه إلا الكليات، ~~وكلاهما وجوده ذهني لا وجود له في الخارج وإلا فما له وجود # PageV01P206 # خارجي، وهو قائم بنفسه له ذات يختص بها عن سائر الذوات موصوف بصفات الحي ~~الفعال لا يمكن إلحاقه بالكليات والمجردات التي هي خيالات ذهنية لا أمور ~~خارجية، وقد اعترف المتكلمون بأن وجود الكليات والمجردات إنما هو في ~~الأذهان لا في الأعيان. ### | [فصل الجهمية المعطلة معترفون بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو القدر] # ، وأن ذلك كمال لا نقص، وأنه من لوازم ذاته، فيقال: ما أثبتم به هذين ~~النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة خصومكم عليكم في إثبات علو الذات ~~له سبحانه، وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا به ذينك الوجهين من ~~العلوم، فأحد الأمرين لازم لكم ولا بد، إما أن تثبتوا له سبحانه العلو ~~المطلق من كل وجه ذاتا وقهرا وقدرا، وإما أن تنفوا ذلك كله، فإنكم إنما ~~نفيتم علو ذاته سبحانه بناء على لزوم التجسيم، وهو لازم فيما أثبتموه من ~~وجهي العلو، فإن الذات القاهرة لغيرها التي هي أعلى قدرا من غيرها، إن لم ~~يعقل كونه غير جسم لزمكم التجسيم، وإن عقل كونها غير جسم فكيف لا يعقل أن ~~تكون الذات العالية على سائر الذوات غير جسم؟ وكيف لزم التجسيم من هذا ~~العلو ولم يلزم من ذلك العلو؟ # فإن قلتم: لأن هذا العلو يستلزم تميز شيء عن شيء منه قيل لكم: ms200 في الذهن ~~أو في الخارج ; فإن قلتم: في الخارج، كذبتم وافتريتم وأضحكتم عليكم ~~العقلاء، وإن قلتم في الذهن، فهو للإلزام لكل من أثبت للعالم ربا خالقا، ~~ولا خلاص من ذلك إلا بإنكار وجوده رأسا. # يوضحه أن الفلاسفة لما أوردوا عليكم هذه الحجة بعينها في نفس الصفات ~~أجبتم عنها بأن قلتم: واللفظ للرازي في نهايته، فقال: قوله: يلزم من إثبات ~~الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية، فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا: إن ~~عنيتم به احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم احتياج تلك الصفات إلى ~~الذات الواجبة لذاتها، وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات ~~المخصوصة بذلك مما يلزمه، فأين المحال؟ قال: وأيضا فعندكم الإضافات صفات ~~وجودية في الخارج، فيلزمكم ما ألزمتمونا في الصفات في الصور المرتسمة في ~~ذاته من المعقولات، قال: ومما يحقق فساد قول الفلاسفة أنهم قالوا: إن الله ~~عالم بالكليات، وقالوا: إن العلم بالشيء عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم ~~في العالم، وقالوا: إن صورة المعلومات موجودة # PageV01P207 # في ذات الله ; حتى ابن سينا قال: إن تلك الصفة إذا كانت غير داخلة في ~~الذات كانت من لوازم الذات، ومن كان هذا مذهبا له، كيف يمكنه أن ينكر ~~الصفات؟ قال: وفي الجملة فلا فرق بين الصفاتية وبين الفلاسفة، لأن الصفاتية ~~يقولون: إن الصفات قائمة بالذات، والفلاسفة يقولون: هذه الصفات صور عقلية ~~عوارض متقومة بالذات، والذي يسميه الصفاتي صفة يسميه الفلسفي عارضا، والذي ~~يسميه الصفاتي قياما يسميه الفيلسوف قواما ومقوما، ولا فرق إلا في ~~العبارات، وإلا فلا فرق في المعنى، هذا لفظه. # فيقول له مثبتو العلو: هلا قنعت منا بهذا الجواب بعينه حتى قلت: يلزم من ~~علوه أن يتميز منه شيء عن شيء، ويلزم وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية، ~~وتكون قد وافقت السمع ونصوص الأنبياء وكتب الله كلها وأدلة العقول والفطر ~~الصحيحة وإجماع أهل السنة قاطبة؟ # فصل: هذه الحجة العقلية القطعية وهي الاحتجاج بكون الرب قائما بنفسه كونه ~~مباينا للعالم، وذلك ملزوم لكونه فوقه عاليا عليه بالذات، ms201 لما كانت حجة ~~صحيحة لا يمكن مدافعتها، وكانت مما ناظر بها الكرامية أبا إسحاق ~~الإسفرائيني أبو إسحاق إلى كون الرب قائما بنفسه بالمعنى المعقول، وقال: لا ~~نسلم أنه قائم بنفسه إلا بمعنى أنه غني من المحل، فجعل قيامه بنفسه وصفا ~~عدميا لا ثبوتيا، وهذا لازم لسائر المعطلة النفاة لعلوه، ومن المعلوم أن ~~كون الشيء قائما بنفسه أبلغ من كونه قائما بغيره، وإذا كان قيام العرض ~~بغيره يمتنع أن يكون أمرا عدميا بل وجوديا، فقيام الشيء بنفسه أحق ألا يكون ~~أمرا عدميا بل وجوديا، وإذا كان قيام المخلوق بنفسه صفة كمال وهو مفتقر ~~بالذات إلى غيره فقيام الغني بذاته بنفسه أحق وأولى. # PageV01P208 # فصل: القيام بالنفس صفة كمال، فالقائم بنفسه أكمل ممن لا يقوم بنفسه، ومن ~~كان غناه من لوازم ذاته فقيامه بنفسه من لوازم ذاته، وهذه حقيقة قيوميته ~~سبحانه، وهو الحي القيوم، والقيوم القيوم بنفسه المقيم لغيره، فمن أنكر ~~قيامه بنفسه بالمعنى المعقول فقد أنكر قيوميته وأثبت له قياما بالنفس ~~يشاركه فيه العدم المحض، بل جعل قيوميته أمرا عدميا لا وصفا ثبوتيا، وهي ~~عدم الحاجة إلى المحل، ومعلوم أن المحل لا يحتاج إلى محل. # وأيضا فإنه يقال له: ما تعني بعدم الحاجة إلى المحل؟ أتعني به الأمر ~~المعقول من قيام الشيء بنفسه الذي يفارق به العرض القائم بغيره، أم تعني به ~~أمرا آخر؟ فإن عنيت به الأول فهو المعنى المعقول، والدليل قائم والإلزام ~~صحيح ; وإن عنيت به أمرا آخر فإما أن يكون وجوديا ; وإما أن يكون عدميا، ~~فإن كان عدميا والعدم لا شيء كاسمه، فتعود قيوميته سبحانه إلى لا شيء؟ وإن ~~عنيت به أمرا وجوديا غير المعقول الذي تعقله الخاصة والعامة فلا بد من ~~بيانه لينظر فيه، هل يستلزم المباينة أم لا؟ # فصل: كل من أقر بوجوب رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه ~~وعلوه عليهم، وكل من أنكر مباينته وعلوه لزمه إنكاره وتعطله، فهاتان دعويان ~~في جانب النفي والإثبات ; أما الدعوى الأولى فإنه أولا أقر بالرب، فإما أن ~~يقر ms202 بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا؟ فإن لم يقر بذلك لم يقر بالرب، فإن ~~ربا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتا مخصوصة ~~وماهية، فإما أن يقر بتعيينها أو يقول إنها غير معينة؟ فإن قال: إنها غير ~~معينة كانت خيالا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معين، ~~لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين، فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها ~~وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب، وإذا أقر بأنها معينة لا ~~كلية، والعالم المشهود معين لا كلي، لزم قطعا مباينة أحد المتعينين للآخر، ~~فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه. # فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلا فيه ولا خارجا عنه، قيل: هذا والله ~~حقيقة قولكم ; وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية ~~تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، ~~وأنتم إنما جعلتم تعينه بأمر عدمي محض ونفي صرف، وهو كونه لا داخل العالم ~~ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض، ~~وأيضا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته ~~المخصوصة وصفاته، فلزم قطعا من إثبات # PageV01P209 # ذاته تعين تلك الذات ; ومن تعينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة ~~العلو عليها لما تقدم من تقريره وصح مقتضى العقل وبالنقل والفطرة، ولزم من ~~صحة هذه الدعوى صحة الدعوى الثانية، وهي أن من أمكن مباينته للعالم وعلوه ~~عليه لزمه إمكان ربوبيته وكونه إلها للعالم. ### | فصل رؤية الرب إمكانها بالعقل وإثباتها بالشرع # فصل: ثبت بالفعل إمكان رؤيته تعالى، وبالشرع وقوعها في الآخرة، فاتفق ~~الشرع والعقل على إمكان الرؤية ووقوعها، فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا ~~بموجود، وما كان أكمل وجودا كان أحق أن يرى، فالباري سبحانه أحق أن يرى من ~~كل ما سواه، لأن وجوده أكمل من كل موجود سواه. # يوضحه: أن تعذر الرؤية إما لخفاء ms203 المرئي، وإما لآفة وضعف في الرائي ; ~~والرب سبحانه أشهر من كل موجود، وإنما تعذرت رؤيته في الدنيا لضعف القوة ~~الباصرة عن النظر إليه، فإذا كان الرائي في دار البقاء كانت قوة البصر في ~~غاية القوة لأنها دائمة، فقويت على رؤيته تعالى، وإذا جاز أن يرى، فالرؤية ~~المعقولة له عند جميع بني آدم، عربهم وعجمهم وتركهم وسائر طوائفهم، أن يكون ~~المرئي مقابلا للرائي مواجها له بائنا عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك، ~~وإذا كانت الرؤية مستلزمة لمواجهة الرائي ومباينة المرئي لزم ضرورة أن يكون ~~مرئيا له من فوقه أو من تحته أو عن يمينه أو عن شماله أو خلفه أو أمامه، ~~وقد دل النقل الصريح على أنهم إنما يرونه سبحانه من فوقهم، لا من تحتهم، ~~كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع ~~لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، ~~وقال: يا أهل الجنة. سلام عليكم، ثم قرأ: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] ~~ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم» " فلا يجتمع للإقرار ~~بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة، ولهذا فإن الجهمية المغول تنكر علوه على ~~خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة ; ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون ~~العلو، وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة ~~المرئي ومباينته، وهذا رد لما هو مركوز في الفطر والعقول. # PageV01P210 # قال المنكرون: الإنسان يرى صورته في المرآة وليست صورته في جهة منها. # قال العقلاء: هذا هو التلبيس، فإنه إنما يرى خيال صورته، وهو عرض منطبع ~~في الجسم الصقيل، هو في جهة منه، ولا يرى حقيقة صورته القائمة به، والذين ~~قالوا: يرى من غير مقابلة ولا يرى حقيقة صورته القائمة به، والذين قالوا: ~~يرى من غير مقابلة ولا مباينة قالوا: الصحيح الرؤية في الوجود، وكل موجود ~~يصح أن يرى، فالتزموا رؤية الأصوات والروائح والعلوم والإرادات والمعاني ~~كلها، وجواز أكلها وشربها وشمها ولمسها، فهذا منتهى عقولهم. # الوجه التاسع والأربعون: ms204 إن من ادعى معارضة الوحي بعقله لم يقدر الله حق ~~قدره، وقد ذم الله سبحانه وتعالى من لم يقدر الله حق قدره في ثلاثة مواضع ~~من كتابه: أحدها قوله: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء} [الأنعام: 91] ، الثاني قوله تعالى: {ياأيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب - ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 73 - 74] ، الثالث قوله تعالى: ~~{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] ~~فأخبر أنه لم يقدره حق قدره من أنكر إرساله للرسل، وإنزاله الكتب عليهم ; ~~فهذا حقيقة قول من قال: إنه لا يتكلم ولا ينزل منه إلى الأرض كلام، ومعلوم ~~أن هذا إنكار لكمال ربوبيته وحقيقة إلهيته وحكمته، ولم يقدره حق قدره من ~~عبد إلها غيره، ولم يقدره من جحد صفات كماله. # وقد وصف نفسه سبحانه بأنه العلي العظيم، فحقيقة قول النفاة المعطلة أنه ~~ليس علي ولا عظيم ; فإنهم يردون علوه وعظمته إلى مجرد أمر معنوي، كما يقال: ~~الذهب أعلى وأعظم من الفضة، وقد صرحوا بذلك وقالوا: معناه علي القدر عظيم ~~القدر. # قال شيخنا: فيقال لهم: أتريدون أنه في نفسه علي الذات عظيم القدر، وأن له ~~في نفسه قدرا عظيما، أم تريدون أن عظمته وقدره في النفوس فقط؟ فإن أردتم ~~الأول فهو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل، وإذا كان في نفسه عظيم ~~القدر فهو في # PageV01P211 # قلوب الخلق كذلك، فلا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، ولا ~~يقدر أحد قدره ولا يعلم عظم قدره إلا هو، وتلك صفة يمتاز بها ويختص بها عن ~~خلقه، كما قال الإمام أحمد لما قالت الجهمية: إنه في المخلوقات نحن نعلم ~~مخلوقات كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء وإن أضفتم ذلك إلى مجرد تعظيم ~~القلوب له من غير أن يكون هناك ms205 صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به، فذاك اعتقاد ~~لا حقيقة له، وصاحبه قد عظمه بأن اعتقد فيه عظمة لا حقيقة لها، وذلك اعتقاد ~~يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم، وإن قالوا: بل نريد معنى ثالثا لا هذا ~~ولا هذا، وهو أن له في نفسه قدرا يستحقه، لكنه قدر معنوي، قيل لهم: أتريدون ~~أن له حقيقة عظيمة يختص بها عن غيره وصفات عظيمة يتميز بها، وذاتا عظيمة ~~يمتاز بها عن الذوات وماهية أعظم من كل ماهية ونحو ذلك من المعاني ~~المعقولة؟ فذلك أمر وجودي محقق، وإذا أضيف ذلك إلى الرب كان بحسب ما يليق ~~به ولا يشركه فيه المخلوق، فهو في حق الخالق قدر يليق بعظمته وجلاله، وفي ~~حق المخلوق قدر يناسبه كما قال تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدرا} [الطلاق: ~~3] فما من مخلوق إلا وقد جعل الله له قدرا يخصه، والقدر يكون علميا ويكون ~~عينيا، فالأول هو التقدير العلمي، وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ ~~والكتاب، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله فيجعل له ~~قدرا، ومن هذا تقدير الله سبحانه وتعالى لمقادير الخلق في علمه وكتابه قبل ~~تكوينها، ثم كونها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه، والقدر الإلهي نوعان: ~~أحدهما في العلم والكتابة، والثاني خلقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي يخلق ~~بها الأشياء، والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعا، والعباد لا يقدرون ~~الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حق قدره، ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه ~~إلا في حقهم كما قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ، وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع ~~كتبه المنزلة، من المشركين واليهود وغيرهم، وقال تعالى: {وما قدروا الله حق ~~قدره} [الأنعام: 91] ولم يقل قدروا الله قدره، فإن حق قدره هو الحق الذي ~~لقدره، فهو حق عليهم لقدره سبحانه وتعالى، فجحدوا ذلك الحق وأنكروه، وما ~~قاموا بذلك الحق معرفة ولا إقرارا ولا عبودية، وذلك إنكار لبعض قدره من ~~صفات كماله وأفعاله ms206 # PageV01P212 # كجحودهم أنه يتكلم أو يعلم الجزيئات أو يقدر على إحداث فعل، فشبهات منكري ~~الرسالة ترجع إلى ذلك، فمن أقر بما أرسل به رسله، وأنه عالم متكلم بكتبه ~~التي أنزلها عليهم، قادر على الإرسال فقد قدره حق قدره من هذا الوجه، وإن ~~لم يقدره حق قدره مطلقا. # ولما كان أهل العلم والإيمان قد قاموا في ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي ~~أعانهم بها، ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه، ولم يتناولهم هذا الوصف، ~~فإن التعظيم له سبحانه بالمعرفة والعبادة، ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به ~~عباده، وأعانهم عليه ورضي منهم بما قدروه من ذلك، وإن كانوا لا يقدرونه حق ~~قدره، ولا يقدر أحد من العباد قدره، فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده ~~كالخردلة في يد أحدنا، والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك، فكيف يقدره حق ~~قدره من عبد معه غيره وجعل له ندا، وأنكر صفاته وأفعاله؟ بل كيف يقدره حق ~~قدره من أنكر أن يكون له يدان فضلا عن أن يقبض بهما شيئا؟ فلا يد عند ~~المعطلة ولا قبض في الحقيقة، وإنما ذلك مجاز. # وقد شرح تعالى لعباده ذكر هذين الاسمين: العلي، العظيم، في الركوع ~~والسجود كما ثبت في الصحيح، «لما نزلت: {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: ~~74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في ركوعكم "، فلما نزلت: {سبح ~~اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] قال: " اجعلوها في سجودكم» " فهو سبحانه كثيرا ~~ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين، كقوله: {وهو العلي العظيم} [البقرة: ~~255] ، وقوله: {وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] ، وقوله: {عالم الغيب والشهادة ~~الكبير المتعال} [الرعد: 9] ثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته، والعلو ~~رفعته، والعظمة قدره ذاتا ووصفا. ### | نفي الشبيه ليس في نفسه مدح # الخمسون: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل إنما يدللون بنفي التشبيه ~~والتمثيل ويجعلونه جنة لتعطيلهم، فأنكروا علوه وكلامه وتكليمه وغير ذلك مما ~~أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم حتى آل ذلك ~~ببعضهم إلى نفي ذاته وماهيته # PageV01P213 # خشية التشبيه، وقالوا: هو وجود محض ms207 لا ماهية له، ونفى آخرون وجوده ~~بالكلية خشية التشبيه، وقالوا: يلزم في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات ~~والكلام والعلو، فنحن نسد الباب بالكلية. # فينبغي أن يعلم في هذا قاعدة عظيمة نافعة جدا هي: أن نفي الشبيه والمثل ~~والنظير ليس في نفسه صفة مدح ولا كمال، ولا يمدح به المنفي عنه ذلك بمجرده، ~~فإن العدم المحض الذي هو أخس المعلومات وأنقصها ينفى عن الشبه والمثل ~~والنظير، ولا يكون ذلك كمالا ولا مدحا، إلا إذا تضمن كون من نفى عنه ذلك قد ~~اختص من صفات الكمال بصفات باين بها غيره، وخرج بها عن أن يكون له فيها ~~نظير أو مثل، فهو لتفرده بها عن غيره صح أن ينفي عنه الشبه والمثيل، ولا ~~يقال لمن لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا علم ولا كلام ولا فعل: ليس له مثل ~~ولا شبه ولا نظير، إلا في باب الذم والعيب، هذا الذي عليه فطر الناس ~~وعقولهم واستعمالهم في المدح والذم كما قيل: # ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يساويه في الفضائل # وقال الفرزدق () : # فما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أخوه يقاربه # أي فما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا هو أخوه، فعكس المعطلة المعنى ~~فجعلوا {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] جنة يتترسون بها لنفي علو الله سبحانه ~~على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله. # ومما ينبغي أن يعلم أن كل سلب ونفي لا يتضمن إثباتا فإن الله لا يوصف به، ~~لأنه عدم محض ونفي صرف لا يقتضي مدحا ولا كمالا، ولهذا كان تسبيحه وتقديسه ~~مستلزمين لعظمته ومتضمنين لصفات كماله، وإلا فالمدح بالعدم المحض كلا مدح، ~~ولهذا كان عدم السنة والنوم مدحا وكمالا في حقه لتضمنه أو استلزامه كمال ~~حياته وقيوميته، ونفي اللغوب عنه كمال لاستلزامه كمال قدرته وقوته، ونفي ~~النسيان عنه كمال لتضمنه كمال علمه، وكذلك نفي عزوب شيء عنه ونفي الصاحبة ~~والولد كمال # PageV01P214 # لتضمنه كمال غناه وتفرده بالربوبية، وأن من في السماوات والأرض عبيد له، ~~وكذلك نفي الكفء والسمي والمثل ms208 عنه كمال، لأنه مستلزم ثبوت جميع أوصاف ~~الكمال له على أكمل الوجوه واستحالة مشارك له فيها. # فالذين يصفونه بالسلوب من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي ~~عرفته به الرسل وعرفوه به إلى الخلق، وهو الوجه الذي يحمد به ويعرف به ~~عظمته وجلاله، وإنما عرفوه من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة ~~والإيمان به لعدم اعتقادهم الحق، وحقيقة أمرهم أنهم لم يثبتوا لله عظمة إلا ~~ما تخيلوه في نفوسهم من السلوب والنفي الذي لا عظمة فيه ولا مدح فضلا عن أن ~~يكون كمالا، بل ما أثبتوه مستلزم لنفي ذاته رأسا. # وأما الصفاتية الذين يؤمنون ببعض ويجحدون بعضا، فإذا أثبتوا علما، وقدرة ~~وإرادة، وغيرها تضمن ذلك إثبات ذات تقوم بهذه الصفات، وتتميز بحقيقتها ~~وماهيتها: سواء سموه قدرا أو لم يسموه، فإن لم يثبتوا ذاتا متميزة بحقيقتها ~~وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفات بلا ذات كما أثبت إخوانهم ذاتا بغير صفات، ~~وأثبتوا أسماء بلا معان، وذلك كله مخالف لصريح العقول، فلا بد من إثبات ذات ~~محققة لها الأسماء الحسنى، وإلا فأسماء فارغة لا معنى لها لا توصف بحسن ~~فضلا عن كونها أحسن من غيرها يوضحه: الوجه الحادي والخمسون: أن الله سبحانه ~~قرن بين هذين الاسمين الدالين على علوه وعظمته في آخر آية الكرسي، وفي سورة ~~الشورى، وفي سورة الرعد، وفي سورة سبأ في قوله: {ماذا قال ربكم قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع ~~الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه، وانتفاء الآفات جميعها ~~عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر ~~وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه ~~وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد ~~مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته ~~وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه ~~للعالم العلوي ms209 # PageV01P215 # والسفلي، من غير اكتراث ولا مشقة وتعب، ثم ختم الآية بهذين الاسمين ~~الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه. # وقال في سورة طه: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} ~~[طه: 110] وقد اختلف في مفسر الضمير في (به) فقيل هو الله سبحانه، أي: ولا ~~يحيطون بالله علما، وقيل هو: {ما بين أيديهم وما خلفهم} [طه: 110] فعلى ~~الثاني يرجع إلى المعلوم، وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس، لأنهم إذا ~~لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم، فإن لا يحيطون علما به سبحانه من ~~باب أولى. # كذلك الضمير في قوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة: 255] يجوز أن ~~يرجع إلى الله، ويجوز أن يرجع إلى {ما بين أيديهم وما خلفهم} [طه: 110] ولا ~~يحيطون بشيء من علم ذلك إلا ما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى ~~الفاعل، وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول. # والمقصود أنه لو كان العلي العظيم إنما يريد به اتصافه بالعلم والقدرة ~~والملك، ومواضع ذلك كان تكريرا، فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه ~~بما لا يفهم إلا بكلفة، وكذلك إذا قيل: إن علوه مجرد كونه أعظم من مخلوقات ~~وأفضل منها، فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين، وهذا لا يليق ولا ~~يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن ساوى بينه وبين غيره في ~~العبادة والتأله، كقوله تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ~~آلله خير أما يشركون} [النمل: 59] وقول يوسف الصديق: {أأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] فهذا السياق يقال في مثله: إن الله خير ~~مما سواه، وأما بعد أن يذكر مالك الكائنات ويقال مع ذلك إنه أفضل من ~~مخلوقاته، وأعظم من مصنوعاته، فهذا ينزه عنه كلامه، وإنما يليق بهؤلاء ~~الذين يجعلون لله مثل السوء في كلامه، ويجعلون ظاهره كفرا تارة، وضلالة ~~أخرى، وتارة تجسيما وتشبيها، ويقولون فيه ما لا يرضى أحدنا أن يقوله في ~~كلامه. # PageV01P216 ### | [فصل حجة الجهمي أنه سبحانه لا يرضى ولا يغضب ولا ms210 يحب ولا يسخط والجواب عنها] # فصل # في ذكر حجة الجهمي على أنه سبحانه لا يرضى ولا يغضب، ولا يحب ولا يسخط ~~ولا يفرح، والجواب عنها # احتج الجهمي على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتأثير عن العبد ~~والمخلوق لا يؤثر في الخالق، فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المحدث قد ~~أثر في القديم تلك الكيفيات، وهذا محال، هذه الشبهة من جنس شبههم التي تدهش ~~السامع أول ما تطرق سمعه، وتأخذ منه تروعه، كالسحر الذي يدهش الناظر أول ما ~~يراه. # والجواب من وجوه: أحدها: أن الله تعالى خالق كل شيء، وربه ومليكه، وكل ما ~~في الكون من أعيان وأفعال وحوادث فهي بمشيئته وتكوينه، فما شاء كان، وما لم ~~يشأ لم يكن، فصفتان لا تخصيص فيهما بوجه من الوجوه، وكل ما يشاؤه إنما ~~يشاؤه لحكمة اقتضاها حمده ومجده، فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من ~~الأسباب والمسببات، فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه وتسخطه ~~وتفرحه، والأشياء التي يحبها ويكرهها الله سبحانه خالق ذلك كله، فالمخلوق ~~أضعف وأعجز أن يؤثر فيه، بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه، فإنه يحب هذا ~~ويرضى هذا، ويبغض هذا ويسخط هذا، ويفرح بهذا فما أثر فيه غيره بوجه من ~~الوجوه. # الثاني: أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال، أتريد به أن غيره لا يعطيه ~~كمالا لم يكن له، ويوجد فيه صفة كان فاقدها؟ فهذا معلوم بالضرورة أم تريد ~~أن غيره لا يسخطه ولا يغضبه، ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه، ونحو ~~ذلك، فهذا غير ممتنع، وهو أول المسألة، وليس معك في نفيه إلا مجرد الدعوى ~~بتسمية ذلك تأثيرا في الخالق، وليس الشأن في الأسماء، إنما الشأن في ~~المعاني والحقائق، وقد قال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه} [محمد: 28] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في أهل الصفة: ~~" «لإن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» ". # الثالث: أن هذا يبطل محبته لطاعة المؤمنين، وبغضه لمعاصي المخالفين، فهذا # PageV01P217 # وهذا ms211 معلوم البطلان بالضرورة والعقل والفطر الإنسانية واتفاق أهل الأديان ~~كلهم، بل هذا حقيقة دعوة الرسل بعد التوحيد. # الرابع: أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم وسماع أصواتهم، ورؤية أفعالهم ~~وحركاتهم، فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم، فما كان جوابك عنها في محل ~~الإلزام. # الخامس: أنه سبحانه إذا كان يحب أمورا، وتلك الأمور محبوبة لها لوازم ~~يمتنع وجودها بدونها، كان وجود تلك الأمور مستلزما للوازمها التي لا توجد ~~بدونها، مثاله محبته للعفو والمغفرة والتوبة، فهذه المحبوبات تستلزم وجود ~~ما يعفو عنه ويغفره ويتوب إليه العبد منه، ووجود الملزوم بدون لازمه محال، ~~فلا يمكن حصول محبوباته سبحانه من التوبة والعفو والمغفرة، بدون الذي يتاب ~~منه ويغفره ويعفو عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» " وهذا هو ~~الذي وردت الأحاديث الصحيحة بالفرح به، وهذا المفروح به يمتنع وجوده قبل ~~الذنب فضلا من أن يكون، فهذا المفروح به يحب تأخره قطعا، ومثل هذا ما روي ~~«أن آدم لما رأى بنيه ورأى تفاوتهم، قال: يا رب، هلا سويت بين عبادك؟ قال: ~~إني أحب أن أشكر» ، ومعلوم أن محبته للشكر على ما فضل به بعضهم على بعض، ~~ولا يحصل ذلك بالتسوية بينهم، فإن الجمع بين التسوية والتفضيل جمع بين ~~النقيضين، وذلك محال. # الوجه الثاني والخمسون: أن هذه المعارضة بين العقل والنقل هي أصل كل فساد ~~في العالم، وهي ضد دعوة الرسل من كل وجه، فإنهم دعوا إلى تقديم الوحي على ~~الآراء والعقول، وصار خصومهم إلى ذلك، فأتباع الرسل قدموا الوحي على الرأي ~~والمعقول، وأتباع إبليس أو نائب من نوابه قدموا العقل على النقل. # وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: اعلم أن أول ~~شبهة وقعت في الخلق شبهة إبليس، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، ~~واختياره الهوى في معارضة الرأي، واستكباره بالمادة التي خلق منها، وهي ~~النار على مادة آدم، وهي الطين، وتشعبت عن هذه الشبهة سبع شبهات صارت هي ~~مذاهب بدعة ms212 # PageV01P218 # وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة ومذكورة في التوراة ~~متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع ~~منه، قال: كما نقل عنه: إني سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق عالم قادر، ولا ~~يسأل عن قدرته ومشيئته، وإذا أراد شيئا قال له {كن فيكون} [البقرة: 117] ~~وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة سبعة: أولها: قد علم قبل ~~خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل، فلم خلقني أولا وما الحكمة في خلقه إياي؟ . # الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ ~~وما الحكمة في التكليف بعد ألا ينتفع بطاعته ولا يتضرر بمعصيته؟ # الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت، ~~فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد ~~أن لا يزيد ذلك في طاعتي ومعرفتي؟ # الرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق، وكلفني هذا التكليف على الخصوص، ~~فإذا لم أسجد لعنني وأخرجني من الجنة، ما الحكمة في ذلك بعد إذ لم أرتكب ~~قبيحا إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟ # الخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا ولم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني ~~إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا، وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها، ~~وأخرجه من الجنة معي، وما الحكمة في ذلك، بعد أن لو منعني من دخول الجنة ~~لاستراح مني وبقي خالدا في الجنة؟ # السادس: إذ خلقني كلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت ~~الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يروني، ~~وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم، وما ~~الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يجتالهم عنها فيعيشوا ~~طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى وأليق بالحكمة؟ # السابع: سلمت هذا كله، خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا، وحيث لم أطع لعنني ~~وطردني، ومكنني من دخول الجنة وطرقني وإذ عملت عملا أخرجني، ثم سلطني على # PageV01P219 # بني آدم، فلم إذ استمهلته أمهلني فقلت {فأنظرني ms213 إلى يوم يبعثون} [الحجر: ~~36] فقال {فإنك من المنظرين - إلى يوم الوقت المعلوم} [الحجر: 37 - 38] وما ~~الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني، وما بقي شر في ~~العالم؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خير من امتزاجه بالشر؟ قال: فهذه ~~حجتي على ما ادعيته في كل مسألة. # قال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة، قالوا له: إنك في ~~مسألتك الأولى: إني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني رب ~~العالمين ما احتكمت علي بلم، فأنا الله الذي لا إله إلا أنا، لا أسأل عما ~~أفعل، والخلق مسئولون، قال: هذا مذكور في التوراة والزبور، مسطور في ~~الإنجيل على الوجه الذي ذكرته، وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول: من ~~المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل شبهة وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال ~~الشيطان ووساوسه، ونشأت من شبهاته، وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت ~~كبار البدع والضلال إلى سبع، ولا يجوز أن تعدوها شبهة أهل الزيغ والكفر، ~~وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات ~~كالبذر ترجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى ~~الهوى والرأي في مقابلة النص، والذين جادلوا هودا، ونوحا، وصالحا، ~~وإبراهيم، ولوطا، وشعيبا، وموسى، وعيسى، ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم، ~~كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاتهم، وحاصلها يرجع إلى رفع ~~التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب التكاليف والشرائع عن هذه الشبهة نشأ، فإنه ~~لا فرق بين قولهم: {أبشر يهدوننا} [التغابن: 6] وبين قوله: {أأسجد لمن خلقت ~~طينا} [الإسراء: 61] ، ومن هذا قوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء: 94] ، فبين أن ~~المانع من الإيمان هو هذا المعنى، كما قال المتقدم: {أم أنا خير من هذا ~~الذي هو مهين ولا يكاد يبين} [الزخرف: 52] ، وكذلك لو تعقبنا أقوال ~~المتأخرين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتقدمين: {كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشابهت قلوبهم} [البقرة: ms214 118] {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من ~~قبل} [الأعراف: 101] ، فاللعين الأول لما حكم العقل # PageV01P220 # على من لا يحتكم عليه العقل أجرى حكم الخالق في الخلق وحكم الخلق في ~~الخالق، والأول غلو، والثاني تقصير فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية ~~والتناسخية والمشبهة والغلاة من الرافضة من حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص ~~حتى وصفوه بأوصاف الجلال، وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية ~~والمجسمة حيث قصروا في وصفه تعالى بصفات المخلوقين والمعتزلة مشبهة الأفعال ~~ومشبهة الصفات وكل منهما أعور، فإن من قال: يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ~~ما يقبح منا، فقد شبه الخالق بالخلق، ومن قال: يوصف الباري بما يوصف به ~~الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الباري، فقد اعتزل عن الحق، وشيخ القدرية ~~طلب العلة في كل شيء، وذلك الشيخ اللعين الأول، إذ طلب العلة في الخلق ~~أولا، والحكمة في التكليف ثانيا، والمعاندة في تكليف السجود لآدم ثالثا. # ثم ذكر الخوارج والمعتزلة والروافض وقال: رأيت شبهاتهم كلها نشأت من ~~شبهات اللعين الأول، وإليه أشار التنزيل بقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 168] وقال صلى الله عليه وسلم: " «لتسلكن سبل ~~الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» ~~". # فهذه القصة في المناظرة هي نقل أهل الكتاب، ونحن لا نصدقها ولا نكذبها، ~~وكأنها والله أعلم مناظرة وضعت على لسان إبليس، وعلى كل حال فلا بد من ~~الجواب عنها سواء صدرت عنه أو قيلت على لسانه، فلا ريب أنها من كيده، وقد ~~أخبر تعالى {إن كيد الشيطان كان ضعيفا.} [النساء: 76] # فهذه الأسئلة والشبهات من أضعف الأسئلة عند أهل العلم والإيمان، وإن صعب ~~موقعها عند من أصل أصولا فاسدة كانت سدا بينه وبين ردها، وقد اختلفت طرق # PageV01P221 # الناس في الأجوبة عنها، فقال المنجمون وزنادقة الطبائعيين والفلاسفة: لا ~~حقيقة لآدم ولا لإبليس ولا لشيء من ذلك، بل لم يزل الوجود هكذا، ولا يزال ~~نسلا بعد نسل، وأمة بعد أمة، وإنما أمثال مضروبة لانفعال القوى ms215 النفسانية ~~الصالحة لهذا البشر، وهذه القوى هي المسماة في الشرائع بالملائكة، واستعصت ~~القوى الغضبية والشهوانية، وهي المسماة بالشياطين، فعبروا عن خضوع القوى ~~الخيرية الفاضلة بالسجود، وعبر عن إباء القوى الشريرة بالإباء والاستكبار ~~وترك السجود، قالوا: والحكمة الإلهية اقتضت تركيب الإنسان على هذا الوجه، ~~وإسكان هذه القوى فيه وانقياد بعضها له وإباء بعضها، فهذا شأن الإنسان، ولو ~~كان على غير هذا التركيب لم يكن إنسانا، قالوا: وبهذا تندفع الأسئلة كلها، ~~وإنها بمنزلة أن يقال: لم أحوج الإنسان إلى الأكل والشرب واللباس، ولما ~~أحوجه إليها، فلم جعله يبول ويتغوط ويمخط؟ ولم جعله يهرم ويمرض ويموت؟ فإن ~~هذه الأمور من لوازم النشأة الإنسانية، فهذه الطائفة رفعت القواعد من أصلها ~~وأبطلت آدم وإبليس والملائكة، وردت الأمر إلى مجرد قوى نفسانية وأمور ~~معنوية. # وقالت الجبرية، ومنكرو العلل والحكم: هذه الأسئلة إنما ترد على من يفعل ~~لعلة أو غرض أو لغاية، فأما من لا علة لفعله ولا غاية ولا غرض، بل يفعل بلا ~~سبب فإنما مصدر مفعولاته محض مشيئته وغايتها مطابقتها بعلمه وإرادته، فيجيء ~~فعله على وفق إرادته وعلمه، وعلى هذا فهذه الأسئلة فاسدة كلها، إذ مبناها ~~على أصل واحد، وهو تعليل أفعال من لا تعلل أفعاله ولا يوصف بحسن ولا قبح ~~عقليين، بل الحسن ما فعله أو ما يفعله فكله حسن {لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون} [الأنبياء: 23] ، قالوا: والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في غير ~~ملكه، فأما تصرف الملك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر ~~آمر أو نهي ناه، فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا، فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها ~~والتزموا لوازم هذا الأول بأنه لا يجب على الله شيء، ولا يحرم عليه شيء، ~~ولا يقبح منه ممكن. # وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا، وإنما يرد على أصول الجبرية ~~القائلين بأن الله تعالى خالق أفعال العباد، وطاعتهم ومعاصيهم وإيمانهم ~~وكفرهم، وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له، فخلق أهل ~~الكفر للكفر، وأهل الفسوق ms216 للفسوق، قدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم، ~~فهذه الأسئلة واردة # PageV01P222 # عليهم، وأما نحن فعندنا أن الله تعالى عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم ~~عليه ومكنهم منه ورضيه لهم وأحبه، ولكنهم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان، ~~والله تعالى لم يكرههم على ذلك ولم يجبلهم عليه ولا شاءه منهم ولا كتبه ~~عليهم ولا قدره، ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم، ولكنها أعمال هم لها عاملون ~~وشرور هم لها فاعلون، فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته، ولم يخلق لمعصيته ~~والكفر به، وصرح قدماء هذه الفرقة بأن الله سبحانه لم يكن يعلم من إبليس ~~حين خلقه أنه يصدر منه ما صدر، ولو علم ذلك منه لم يخلقه، وأبى متأخرون ~~ذلك، وقالوا: بل كان سبحانه عالما به وخلقه امتحانا لعباده ليظهر المطيع له ~~من العاصي، والمؤمن من الكافر، وليثيب عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته ~~أفضل الثواب، قالوا: وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتى تنقضي الدنيا وأهلها، ~~قالوا: وأمره بالسجود ليطيعه فيثيبه، فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير ~~إكراه من الرب ولا إلجاء له إلى ذلك، ولا حال بينه وبين السجود، ولا سلط ~~على آدم وذريته قهرا، وقد اعترف عدو الله بذلك حيث يقول: {وما كان لي عليكم ~~من سلطان} [إبراهيم: 22] ، وقال تعالى: {وما كان له عليهم من سلطان} [سبأ: ~~21] قالوا: فاندفعت تلك الأسئلة وظهر أنها ترد على أصول الجبرية لا على ~~أصولنا. # وقالت الفرقة الناجية، حزب الله ورسوله: كيف يطمع في الرد على عدو الله ~~من قد شاركه في أصله وفي بعض شبهه، فإن عدو الله أصل معارضة النص بالرأي، ~~فيترتب على تأصيله هذه الأسئلة وأمثالها، فمن عارض النقل بالعقل فهو شريكه ~~من هذا الوجه فلا يمكن من الرد التام عليه، ولهذا لما شاركه زنادقة ~~الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين في هذا الأصل أنكروا وجوده ووجود آدم ~~والملائكة، فضلا عن قصة أمره بالسجود وإبائه وما ترتب عليه، ولما أنكرت ~~الجبرية الحكم والتعليل والأسباب عجزوا عن جواب أسئلة وسدوا على نفوسهم باب ~~استماعها والجواب عنها، وفتحوا باب مكابرة العقول الصحيحة في إنكار ms217 تحسين ~~العقل وتقبيحه، وإنكار الأسباب والقوى والطبائع والحكم والغايات المحمودة ~~التي لأجلها يفعل الرب ما يفعله، وجوزوا عليه أن يفعل كل شيء وأن يأمر ~~بجميع ما نهى عنه وينهى عن كل ما أمر به، ولا فرق عندهم البتة بين المأمور ~~والمحظور، والكل سواء في نفس الأمر، ولكن هذا صار حسنا بأمره لأنه في نفسه ~~وذاته حسن، وهذا صار قبيحا بنهيه لأنه في نفسه وذاته قبيح. # PageV01P223 # ولما وصلت القدرية إنكار عموم قدرة الرب سبحانه ومشيئته لجميع الكائنات، ~~وأخرجت أفعال عبده خيرها وشرها عن قدرته ومشيئته لخلقه، وأثبتت لله تعالى ~~شريعة بعقولهم حكمت عليه بها، واستحسنت منه ما استحسنت من أنفسها، واستقبحت ~~منه ما استقبحته من أنفسها، وعارضت بين الأدلة السمعية الدالة على خلاف ما ~~أصلوه وبين العقل، ثم راموا الرد على عدو الله فعجزوا عن الرد التام عليه، ~~وإنما يتمكن من الرد عليه كل الرد من تلقى أصوله عن مشكاة الوحي ونور ~~النبوة، ولم يؤصل أصلا برأيه. # فأول ذلك أنه علم أن هذه الأسئلة ليست من كلام الله الذي أنزله على موسى ~~وعيسى مخبرا بها عن عدوه كما أخبر عنه في القرآن بكثير من قوله وأفعاله، ~~وإدخال بعض أهل الكتاب لها في تفسير التوراة والإنجيل، كما نجد بالمسلمين ~~من يدخل في تفسير القرآن كثيرا من الأحاديث والأخبار والقصص التي لا أصل ~~لها، وإذا كان هذا في هذه الأمة التي هي أكمل الأمم علوما وعقولا، فما الظن ~~بأهل الكتاب؟ # الوجه الثاني: أن يقال لعدو الله: قد ناقضت في أسئلتك ما اعترفت به غاية ~~المناقضة، وجعلت ما أسلفت من التسليم والاعتراف مبطلا لجميع أسئلتك متضمنا ~~للجواب عنها قبل ذكرها، وذلك أنك قلت: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين - إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 39 - 40] فاعترفت ~~بأنه ربك وخالقك ومالكك، وأنك مخلوق له مربوب تحت أوامره ونواهيه، وإنما ~~شأنك أن تتصرف في نفسك تصرف العبد المأمور المنهي المستعذب لأوامر سيده ~~ونواهيه، وهذه الغاية التي خلقت لها، وهي غاية الخلق وكمال سعادتهم، ms218 وهذا ~~الاعتراف منك بربوبيته وقدرته وعزته يتضمن إقرارك بكمال علمه وحكمته وغناه، ~~وأنه في كل ما أقر عليم حكيم لم يأمر عبده لحاجة منه إلى ما أمر به عبده، ~~ولا نهاه بخلا عليه بما نهاه، بل أمره رحمة منه به وإحسانا إليه بما فيه ~~صلاحه في معاشه ومعاده وما لا صلاح له إلا به، ونهاه عما في ارتكابه فساده ~~في معاشه ومعاده، فكانت نعمته عليه بأمره ونهيه أعظم من نعمته عليه بمأكله ~~ومشربه ولباسه وصحة بدنه بما لا نسبة بينهما، كما قال سبحانه في آخر فصل مع ~~الأبوين: {يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26] فأخبر سبحانه ~~أن لباس التقوى وزينتها خير من المال والريش والجمال الظاهر. # PageV01P224 # فالله تعالى خلق عبده وجمل ظواهرهم بأحسن تقويم، وجمل بواطنهم بهدايتهم ~~إلى الصراط المستقيم، ولهذا كانت صورتك قبل معصية ربك من أحسن الصور، وأنت ~~مع ملائكته الأكبرين، فلما وقع ما وقع جعل صورتك وشناعة منظرك مثلا يضرب ~~لكل قبيح، كما قال تعالى: {طلعها كأنه رءوس الشياطين} [الصافات: 65] فهذه ~~أول نقدة تعجلتها من معصيته، ولا ريب أنك تعلم أنه أحكم الحاكمين وأعلم ~~العالمين وأغنى الأغنياء وأرحم الراحمين، وأنه لم يأمر العباد إلا بما فعله ~~خير لهم وأصلح وأنفع لهم من تركه فأمرهم بما أمرهم لمصلحة عائدة عليهم، كما ~~رزقهم الطعام والشراب وغيرهما من النعم، فالسعداء استعملوا أمره وشرعه لحفظ ~~صحة قلوبهم وكماله وصلاحها بمنزلة استعمالهم رزقه لحفظ صحة أجسامهم ~~وصلاحها، وتيقنوا أنه كما لا بقاء للبدن ولا صحة ولا صلاح إلا بتناول غذائه ~~الذي جعل له، فكذلك لا صلاح للقلب والروح، ولا فلاح ولا نعيم إلا بتناول ~~غذائه الذي جعل له. # هذا وإن ألقيت إلى طائفة من الناس أنه لا مصلحة للمكلفين فيما أمروا به ~~ونهوا عنه، ولا منفعة لهم فيه ولا خير، ولا فرق في نفس الأمر بين فعل هذا ~~وترك هذا، ولكن أمروا ونهوا لمجرد الامتحان والاختيار ولا فرق، ms219 فلم يؤمروا ~~بحسن ولم ينهوا عن قبيح، بل ليس في نفس الأمر لا حسن ولا قبيح، ومن عجيب ~~أمرك وأمرهم أنك أوحيت إليهم هذا فردوا به عليك فجعلوه جواب أسئلتك فدفعوها ~~كلها، وقالوا: إنما تتوجه هذه الأسئلة في حق من يفعل لعلة أو غرض، وأما من ~~فعله بريء من العلل والأغراض فلا يتوجه عليه سؤال واحد من هذه الأسئلة، فإن ~~كانت هذه القاعدة حقا فقد اندفعت أسئلتك كلها، وإن كانت باطلا والحق في ~~خلافها فقد بطلت أسئلتك أيضا كما تقدم، يوضحه: # الوجه الثالث: أن تقول لعدو الله: إما أن تسلم حكم الله في خلقه وأمره، ~~وإما أن تجحده وتنكره، فإن سلمتها وأنه سبحانه حكيم في خلقك حكيم في أمرك ~~بالسجود، بطلت الأسئلة وكنت معترفا بأنك أوردتها على من تبهر حكمته العقول، ~~فبتسليمك هذه الحكمة التي لا سبيل للمخلوقين إلى المشاركة فيها يعود على ~~أسئلتك الفاسدة بالنقض، وإن رجعت عن الإقرار له بالحكمة، وقلت: لا يفعل ~~لحكمة البتة بل {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] فما وجه ~~إيراد هذه الأسئلة على من لم # PageV01P225 # يفعل لحكمة؟ فقد أوردت الأسئلة على من لا يسأل عما يفعل، وطعنت في حكمة ~~من كل أفعاله حكمة ومصلحة وعدل وخير بمعقولك الفاسد. # الوجه الرابع: أن الله فطر عباده، حتى الحيوان، على استحسان وضع الشيء في ~~موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه المطلوب منه، وعلى استقباح ضد ~~ذلك وخلافه، وأن الأول دال على كمال فاعله وعلمه وقدرته، وضده دال على ~~نقصه، وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها، فهو سبحانه يضع الأشياء في ~~مواضعها التي لا يليق بها سواها، ويخصها من الصفات والأشكال والهيئات ~~والمقادير بما هو أنسب لها من غيره، وأبرزها في أوقاتها المناسبة لها، ومن ~~له نظر صحيح وأعطى التأمل حقه شهد ذلك فيما رآه وعلمه، واستدل بما شاهده ~~على ما خفي عنه، وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال {وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون} [الذاريات: 21] . ### | إدراك حكمة الله في خلقه # ومن نظر في ms220 هذا العالم وتأمله حق تأمل وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع ~~عتاده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة ~~كالمصابيح، والمنافع مخزونة كالذخائر، كل شيء منها لأمر يصلح له، والإنسان ~~المخول فيه، وضروب النبات مهيئات لمآربه، وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه، ~~فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط، ومنها ما هو لمركوب والحملة فقط، ~~ومنها ما هو للجمال والزينة، ومنها ما يجمع ذلك كله بالإبل، وجعل أجوافها ~~خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء، ففيها عبرة للناظرين وآيات ~~للمتوسمين، وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ~~ومنافعها وأصواتها صافات وقابضات، وغاديات ورائحات، ومقيمات وظاعنات، أعظم ~~عبرة وأعظم دلالة على حكمة الخلاق العليم، وكل ما أخذه الناس وأدركوه ~~بالأفكار الطويلة والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا ~~فكر فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة، ومستنبطة من الصنع الإلهي. # مثال ذلك أن القبان مستنبط من خلقه البعير، فإنهم لما رأوه ينهض بحمله ~~وينوء به ويمد عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك، وجعلوا طول ~~حديدته في مقابلة طول العنق، ورمان القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما ~~استنبطوه، كذلك استنبطوا بناء الأقبية من ظهره، فإنهم وجدوه يحمل ما لا ~~يحمل غيره فتأملوا ظهره فإذا # PageV01P226 # هو كالقبو، فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمل السطح، وكذلك ما استنبطه ~~الحذاق لكل من كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة خضراء مملوءة ماء استنباطا ~~من حكمة الخلاق العليم في لون السماء، فإن لونها أشد الألوان موافقة للبصر، ~~فجعل أديمها بهذا اللون ليمسك الأبصار ولا ينكأ فيها بطول مباشرته لها، ~~وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها ~~لبطل أمر هذا العالم، فكم في طلوعها من الحكم والمصالح، وكيف يكون حال ~~الحيوان لو أمسكت عنه وجعل الليل عليه سرمدا والدنيا مظلمة عليه؟ فبأي نور ~~كانوا يتصرفون؟ وكيف كانت تنضج ثمارهم، وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم، فالحكم ~~في طلوعها أعظم من أن تختفي أو تحصى، ولكن تأمل الحكمة في غروبها، ms221 فلولا ~~غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار، مع شدة حاجتهم إلى الهدوء والراحة، ~~وأيضا لو دامت على الأرض لاشتد حرها بدوام طلوعها عليها، فاحترق كل ما ~~عليها من حيوان ونبات، فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها ~~تطلع عليهم في وقت دون وقت، بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليا ليقضوا ~~مأربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا، وصار ضياء النهار وحرارته، ~~وظلام الليل وبرده، على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه ~~صلاح العالم وقوامه. # ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعا وانحطاطا لإقامة هذه الفصول الأربعة ~~من السنة، وما فيها من قيام الحيوان والنبات، ففي زمن الشتاء تفور الحرارة ~~في الشجر والنبات، فيتولد فيها مواد النار ويغلظ الهواء بسبب الرد فيصير ~~مادة للسحاب، فيرسل العزيز الحكيم الريح المثيرة فتنشره قزعا ثم يرسل عليه ~~المؤلفة فتؤلف بينه حتى يصير طبقا واحدا، ثم يرسل عليه الريح اللاقحة التي ~~فيها مادة الماء فتلقحه كما يلقح الذكر الأنثى فيحمل الماء من وقته، فإذا ~~كان بروز الحمل وانفصاله أرسل عليه الريح الذارية فتذروه وتفرقه في الهواء ~~لئلا يقع صبة واحدة فيهلك ما على الأرض وما أصابه ويقل الانتفاع به، فإذا ~~أسقى ما أمر بسقيه وفرغت حاجتهم منه أرسل عليه الرياح السائقة فتسوقه ~~وتزجيه إلى قوم آخرين، وأرض أخرى محتاجة إليه، فإذا جاء الربيع # PageV01P227 # تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء فخرج النبات، وأخذت الأرض ~~زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج كريم، فإذا جاء الصيف سخن الهواء وتحللت ~~فضلات الأبدان، فإذا جاء الخريف كسر ذلك السموم والحرور، وبرد الهواء ~~واعتدل وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل الآخر. # واقتضت حكمته سبحانه أن أنزل الشمس والقمر في البروج وقدر لهما المنازل ~~ليعلم العباد عدد السنين والحساب من الشهور والأعوام، فتتم بذلك مصالحهم ~~وتعلم بذلك آجال معاملاتهم ومواقيت حجهم وعباداتهم ومدد أعمارهم، وغير ذلك ~~من مصالح حسابهم، فالزمن مقدار الحركة ألا ترى أن السنة الشمسية مسير الشمس ~~من الحمل إلى الحمل، واليوم ms222 مقدار مسيرها من المشرق إلى المغرب، وتحرك ~~الشمس والقمر لكمال الزمان من يوم خلقا إلى أن يجمع الله بينهما ويعزلهما ~~عن سلطانهما، ويرى عابديهما أنهم عبدوا الباطل من دونه، قال تعالى: {هو ~~الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ~~ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون} [يونس: 5] ، وقال ~~تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار ~~مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه ~~تفصيلا} [الإسراء: 12] . # واقتضت حكمته سبحانه في تدبيره أن فاوت بين مقادير الليل والنهار ولم ~~يجعلهما دائما على حد سواء ولا أطول مما هما عليه وأقصر، بل جاء استواؤهما ~~وأخذ أحدهما من الآخر على وفق الحكمة، حتى إن المكان الذي يقصر أحدهما فيه ~~جدا لا يتكون فيه حيوان ونبات، كالمكان الذي لا تطلع عليه الشمس أو لا تغرب ~~عنه، فلو كان النهار مقدار مائة ساعة أو أكثر، أو كان الليل كذلك لتعطلت ~~المصالح التي نظمها الله بهذا المقدار في الليل والنهار. # ثم تأمل الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل، فإنه مع الحاجة ~~إلى الظلمة لهدوء الحيوان وبرد الهواء لم تقتض المصلحة أن يكون الليل ظلمة ~~داجية لا ضياء فيها، فلا يمكن فيها شيء من العمل، وربما احتاج الناس إلى ~~العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولإفراط الحر فيه، فاحتاجوا إلى ~~العمل في الليل في نور # PageV01P228 # القمر من حرث الأرض وقطع الزرع وغير ذلك، فجعل ضوء القمر في الليل معونة ~~للناس على هذه الأعمال، وجعل في الكواكب جزءا يسيرا من النور ليسد مسد ~~القمر إذا لم يكن، وجعلت زينة السماء معالم يهتدى بها في ظلمات البر ~~والبحر، ودلالات واضحات على الخلاق العليم، وغير ذلك من الحكم التي بها ~~انتظام هذا العالم، وجعلت الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان ~~لئلا تتعطل الحكم المقصودة منها، وجعل القمر يقبل الزيادة والنقصان لئلا ~~تتعطل الحكم المقصودة من جعله كذلك، وإن كان نوره ms223 من التبريد والتصلب ما ~~يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، فتنضم المصلحة وتتم الحكمة من ~~هذا التسخين والتبريد. # ثم تأمل اللطف والحكمة الإلهية في جعل الكواكب السيارات ومنازلها تظهر في ~~بعض السنة وتحتجب في بعضها، لأنها لو ظهرت دائما أو اختفت دائما لفاتت ~~الحكمة المطلوبة منها، كما اقتضت الحكمة أن يظهر بعضها ويحتجب بعضها، فلا ~~تظهر كلها دفعة واحدة، ولا تحتجب دفعة واحدة، بل ينوب ظاهرها عن خفيها في ~~الدلالة، وجعل بعضها ظاهرا لا يحتجب أصلا بمنزلة الأعلام المنصوبة التي ~~يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر، فهم ينظرون إليها متى ~~أرادوا ويهتدون بها حيث شاءوا. # ثم تأمل حال النجوم واختلاف مسيرها، ففرقة منها لا تريم مراكزها من الفلك ~~ولا تسير إلا مجتمعة كالجيش الواحد، وفرقة منها مطلقة تنتقل في البروج ~~وتتفرق في مسيرها، وكل واحد منها يسير سيرين مختلفين، أحدهما عام مع الفلك ~~نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، وذلك من أعظم الدلالات على ~~الفاعل المختار العليم الحكيم وعلى كمال علمه وحكمته. # وتأمل كيف صار هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه يدور على هذا العالم ~~هذا الدوران العظيم السريع المستمر بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص ولا يختل ~~نظامه، بل هو تقدير العزيز العليم، كما أشار تعالى إلى أن ذلك التقدير صادر ~~عن كمال عزته وعلمه، قال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . # وتأمل الحكمة في تعاقب الحر والبرد على هذا العالم وتعاورهما عليهما في # PageV01P229 # الزيادة والنقصان والاعتدال، وما فيهما من المصالح والحكم للأبدان والشجر ~~والحيوان والنبات، ولولا تعاقبهما لفسدت الأبدان والأشجار وانتكست. # ثم تأمل دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل، فإنك ترى أحدهما ~~ينقص شيئا بعد شيء، والآخر يزيد مثل ذلك، حتى ينتهي كل واحد منتهاه في ~~الزيادة والنقصان، ولو دخل أحدهما على الآخر فجأة لأضر ذلك بالأبدان ~~وأسقمها، كما لو خرج الرجل من مكان شديد الحر إلى مكان مفرط في البرد وهلة، ~~فإن ms224 ذلك يضر به جدا، ولولا الحر لما نضجت هذه الثمار المرة العفنة القاسية، ~~ولا كانت تلين وتطيب وتحسن وتصلح لأن يتفكه بها الناس رطبة ويابسة. # وتأمل الحكمة في خلق النار على ما هي عليه، فإنها لو كانت ظاهرة كالماء ~~والهواء لكانت محرقة للعالم وما فيه، ولو كانت كامنة لا سبيل إلى ظهورها ~~لفاتت المصلحة المطلوبة منها، فاقتضت الحكمة أن جعلت كامنة قابلة للظهور ~~عند الحاجة إليها ولبطلانها عند الاستغناء عنها، فجعلت مخزونة في محلها ~~تخرج عند الحاجة، وتمسك بالمادة من الحطب وغيره ما احتيج إلى بقائها، تخبأ ~~إذا استغني عنها، وخلقت على وضع وتقدير اجتمع فيه الانتفاع بها والسلامة من ~~ضررها، قال الله تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون - أأنتم أنشأتم شجرتها ~~أم نحن المنشئون - نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 71 - 73] . # الوجه الرابع: أن الرب سبحانه له الكمال المطلق الذي يستحق عليه الحمد ~~سبحانه، لا يصدر منه إلا ما يحمد عليه، وحمد الله على نوعين، حمدا يستحقه ~~لذاته وصفاته وأسمائه الحسنى، وحمدا يستحقه على أفعاله كلها لم يكن فيها ~~مناف للحكمة، إذ لو كان فيها ما هو كذلك لم يكن محمودا عليه، وهو سبحانه له ~~الملك وله الحمد، فحمده شامل لما شمله ملكه، ولا يخرج شيء عن حمده كما لا ~~يخرج شيء عن ملكه، يوضحه: الوجه الخامس: أن أدلة حكمته وحمده، وأدلة ملكه ~~وقدرته متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، وكل ما دل على عموم قدرته ~~ومشيئته وملكه وتصرفه المطلق، فهو دال على عموم حمده وحكمته، إذ إثبات قدرة ~~وملك بلا حكمة ولا حمد ليس كمالا، وكل ما دل على عموم حكمته وحمده فهو دال ~~على ملكه وقدرته، فإن الحمد والحكمة إن لم يستلزما كمال القدرة لم يكن ~~فيهما كمال مطلق، وهذا برهان قطعي. # PageV01P230 # ثم يقال: إن جاز القدح في حكمته وحمده جاز القدح في ملكه وربوبيته بل هو ~~عين القدح في الملك والربوبية، كما أن القدح في ملكه وربوبيته قدح في حمده ~~وحكمته، وهذا ظاهر جدا، وهذا شأن كل ms225 مثلين حين لا ينفك أحدهما عن الآخر. ### | معنى قضاء الله في عباده وتنزيهه عن الظلم # الوجه السادس: أن هذه الأسئلة لا يتوجه إيرادها على العلم ولا على ~~القدرة، وغاية ما تورد على العدل والحكمة، وأنها كيف تجامع عدله وحكمته، ~~فنقول: قد اتفق أهل الأرض والسماوات على أن الله تعالى عدل لا يظلم أحدا، ~~حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرون له بالعدل ومنزهون ~~له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم معترفون بعدله، كما قال تعالى: ~~{فاعترفوا بذنبهم} [الملك: 11] ، وقال تعالى: {يامعشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا ~~على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} ~~[الأنعام: 130] فهو سبحانه قد حرم الظلم على نفسه، وأخبر أنه لا يهلك القرى ~~بظلم وأهلها غافلون، فلا يصح إيراد هذه الأسئلة مع اعترافهم بعدله، يوضحه: # الوجه السابع: أن طرق الناس اختلفت في حقيقة الظلم الذي ينزه عنه الرب ~~سبحانه وتعالى، فقالت الجبرية: هو المحال الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين، ~~وكون الشيء موجودا معدوما، قالوا: لأن الظلم إما التصرف في ملك الغير بغير ~~إذنه، وإما مخالفة الأمر، وكلاهما في حق الله تعالى محال، فإن الله مالك كل ~~شيء، وليس فوقه أمر تجب طاعته، قالوا: وأما تصور وجوده وقدر وجوده فهو عدل ~~كائنا ما كان، وهذا قول جهم ومن اتبعه، وهو قول كثير من الفقهاء أصحاب ~~الأئمة الأربعة وغيرهم من المتكلمين. # وقال القدرية: الظلم إضرار غير مستحق، أو عقوبة العبد على ما ليس من ~~فعله، أو عقوبته على ما هو مفعول منه ونحو ذلك، قالوا: فلو كان سبحانه ~~خالقا لأفعال العبيد مريدا لها قد شاءها وقدرها عليهم، ثم عاقبهم عليها كان ~~ظالما، ولا يمكن إثبات كونه سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول، فإنه لم يرد ~~وجود الكفر والفسوق والعصيان، ولا شاءها، بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته ~~وإرادته، كما فعلوه بغير إذنه # PageV01P231 # وأمره، وهو سبحانه لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيرها ms226 ولا شرها، بل ~~هم أحدثوا أعمالهم بأنفسهم ولذلك استحقوا العقوبة عليها، فإذا عاقبهم لم ~~يكن ظالما لهم، وعندهم أنه يكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون، فإن المشيئة ~~عندهم بمعنى الأمر، وهاتان الطائفتان متقابلتان غاية التقابل، كل منهما تذم ~~الأخرى، وقد تكفرها وتسميها قدرية. # وقال أهل السنة والحديث ومن وافقهم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو ~~سبحانه حكم عدل، لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل ~~والحكمة والمصلحة، وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين، ~~ولا يعاقب إلا من يستحق العقوبة، ويضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة، ولا ~~يعاقب أهل البر والتقوى، وهذا قول أهل اللغة قاطبة، وتفسير الظلم بذينك ~~التفسيرين اصطلاح حادث ووضع جديد. # قال ابن الأنباري: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم الرجل سقاءه ~~إذا سقى منه قبل أن يخرج منه زبده، وقال الشاعر: # وصاحب صدق لم ينلني شكاية ... ظلمت وفي ظلمتي له عامدا أجر # أراد بالصاحب: وطب اللبن، وظلمه إياه أن يستقيه قبل أن يخرج زبده، قال: ~~والعرب تقول: هو أظلم من حية، لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه، ~~ويقال: قد ظلم الماء الوادي إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما ~~مضى، وقال الحسن بن مسعود والفراء: أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، قال: ~~ومنه قولهم من أشبه أباه فما ظلم، وقوله: من استرعى الذئب فقد ظلم، يعنون ~~من أشبه أباه فما وضع لشبه في غير موضعه، وهذا القول هو الصواب المعروف في ~~لغة العرب والقرآن والسنة، وإنما تحمل ألفاظهما على لغة القوم لا على ~~الاصطلاحات الحادثة، فإن هذا أصل كل فساد وتحريف وبدعة، وهذا شأن أهل البدع ~~دائما، يصطلحون على معان يضعون لها ألفاظا من ألفاظ العرب ثم يحملون ألفاظ ~~القرآن والسنة على تلك الاصطلاحات الحادثة. # فأما الجبرية فعندهم لا حقيقة للظلم الذي نزه الرب نفسه عنه البتة، بل هو ~~المحال لذاته الذي لا يتصور وجوده، وكل ممكن عندهم فليس ms227 بظلم حتى إنه لو ~~عذب رسله وأنبياءه وأولياءه أبد الآبدين، وأبطل جميع حسناتهم وحملهم أوزار ~~غيرهم # PageV01P232 # وعاقبهم عليها، وأثاب أولئك على طاعات غيرهم وحرم ثوابها فاعلها، لكان ~~ذلك عدلا محضا، فإن الظلم من الأمور الممتنعة لذاتها في حقه وهو غير مقدور ~~له، بل هو كقلب المحدث قديما محدثا، واحتج هؤلاء بأن الظلم التصرف في غير ~~الملك أو مخالفة الأمر، قالوا: ويدل على هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد ~~في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~«ما أصاب العبد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ~~ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته ~~في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل ~~القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب ~~الله همه وغمه وأبدله مكانا فرحا "، قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلمهن؟ ~~قال: " بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» " فأخبر أن جميع أقضيته في عبده ~~عدل منه، وهذا يعم قضاء المصائب وقضاء المعائب وقضاء العقوبات على الجرائم، ~~ولهذا قال العارفون بالله: كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. # وقال عمران بن حصين لأبي الأسود الدؤلي: أرأيت ما يكدح الناس اليوم ~~ويعملون فيه؟ أشيء قضي عليهم، ومضى من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون فيما ~~أتاهم به نبيهم فأخذت عليهم به الحجة؟ قال: فهلا يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت ~~من ذلك فزعا شديدا، وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلق لله وملك يده، ولا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون، فقال: سددك الله، إني والله ما سألتك إلا لأحرز عقلك، ~~قالوا: ويكفي في هذا قوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: ~~23] وقالوا: ونحن نرى في الشاهد أن السيد إذا أمكن عبيده من الفساد وهو ~~قادر على منعهم وكفهم عن ذلك فلم يفعل، بل خلى بينهم وبين ms228 ذلك ومكنهم منه ~~وأعانهم عليه، وأعطاهم أسبابه ثم عاقبهم على ذلك كان ظالما لهم، والله ~~تعالى قد فعل ذلك # PageV01P233 # بعبيده وهو أعدل العادلين وليس بظلام للعبيد، فعلمنا أن الظلم المنزه عنه ~~هو المحال بذاته وأنه غير مقدور. # وأصحاب هذا القول إنما نزهوا الله عن المستحيل لذاته الذي لا يتصور ~~وجوده، ومعلوم أن هذا التنزيه يشترك فيه كل أحد، ولا يمدح به أحد أصلا فإنه ~~لا مدح في كون الممدوح منزها عن الجمع بين النقيضين، والله تعالى قد تمدح ~~الظلم، وأنه لا يريده ومحال أن يتمدح بكونه لا يريد الجمع بين النقيضين، ~~وأنه لا يريد قلب الحادث قديما، ولا قلب القدم حادثا، ولا جعل الشيء موجودا ~~معدوما في آن واحد. # وأيضا فإنه سبحانه قال: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما} [طه: 112] قال المفسرون من السلف والخلف قاطبة: الظلم أن يحمل ~~عليه سيئات غيره، والهضم أن ينقص من حسنات ما عمل، وعند الجبرية أن هذا لو ~~وقع لم يكن ظلما، ومن المعلوم أن الآية لم ترفع عنه خوف المحال لذاته، وأنه ~~لا يخاف الجمع بين النقيضين، فإنه لا يخاف ذلك، ولو أتى بكل كفر وإساءة، ~~فلا يجوز تحريف كلام الله بحمله على هذا، فإن الخوف من الشيء يستلزم تصور ~~وجوده وإمكانه، وما لا يمكن وجوده يستحيل خوفه، وأيضا فإنه لا يحسن أن ينفى ~~الجمع بين الضدين في السياق الذي نفى الله فيه الظلم كقوله تعالى: {من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] فلا يحسن ~~بوجه أن يقال عقيب هذه الجملة: وما ربك بجامع للعبيد بين الوجود والعدم في ~~آن واحد، وإنما الظلم المنفي هو خلاف ما اقتضاه قوله: {من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] ، وكذلك قوله: {ولا تظلمون فتيلا} [النساء: ~~77] ، {ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 124] ، {ولا يظلمون شيئا} [مريم: 60] أي ~~لا يترك من أعمالهم ما هو بقدر الفتيل والنقير، فيكون ظلما، وعند الجبرية ~~تجوز أن يترك ثواب جميع أعمالهم من أولها ms229 إلى آخرها بغير سبب يقتضي تركها ~~إلا مجرد المشيئة والقدرة، ولا يكون ذلك ظلما، وكذلك قوله: {وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف: 76] ، {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} ~~[هود: 101] بين أنه لم يعاقبهم بغير جرم فيكون ظالما لهم بل عاقبهم بظلمهم ~~أنفسهم. # PageV01P234 # والمعنى عند الجبرية أنا تصرفنا بقدرتنا ومشيئتنا وملكنا فلم نظلمهم وإن ~~كانوا مؤمنين محسنين، وليست الأعمال والسيئات والكفر عندهم أسبابا للهلاك ~~ولا مقتضية له، وإنما هو محض المشيئة، والقرآن يكذب هذا القول ويرده كقوله: ~~{فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] ، وقوله: ~~{فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} [النساء: 155] ~~، وقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم} [آل عمران: 11] ، {مما خطيئاتهم أغرقوا ~~فأدخلوا نارا} [نوح: 25] ، {ووقع القول عليهم بما ظلموا} [النمل: 85] ، ~~{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] ~~والقرآن مملوء من هذا. # فالظلم الذي أثبت الله لهم وجعله نفس فعلهم وسبب هلاكهم نفوه، وقالوا: ~~ليس من فعلهم ولا سبب إهلاكهم، والظلم الذي نفاه عن نفسه وهو عقوبتهم بلا ~~سبب أثبتوه له، وقالوا: ليس بظلم، فإنه مقدور ممكن، فنزهوه عما عابهم به ~~ووصفوه بما نزه نفسه عنه، واعتقدوا بذلك أنهم به عارفون ولأهل السنة ~~ناصرون، ولا يليق به سبحانه أن ينفى عنه الجمع بين النقيضين، فإن ما لا ~~يمكن تعلق القدرة به لا يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك ~~ما يقدر الممدوح على فعله وتركه تنزيها عما فعله، وإلا فكيف يمدح الموتى ~~بترك الأفعال القبيحة؟ وكيف يمدح الزمن بترك طيرانه إلى السماء؟ وأيضا فإنه ~~سبحانه يمدح نفسه بتحريمه الظلم على نفسه كما في الحديث الإلهي: " «يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» " أن أخلق مثلي، أو أجمع بين النقيضين، أو ~~أقلب القديم حادثا والحادث قديما ونحو ذلك من الممتنع لذاته، وهذا لا يجوز ~~أن ينسب التكلم به إلى آحاد العقلاء فضلا عن رب العالمين. # وغاية ما يقال في ms230 تأويل ذلك على هذا القول بعد تحسين العبارة وزخرفتها ~~إني أخبرت عن نفسي أن ما لا يكون مقدورا أو يكون مستحيلا لا يقع مني، وهذا ~~مما يقطع من له فهم عن الله ورسوله أنه غير مراد وأنه يجب تنزيه الله تعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم عن إرادة هذا المعنى الذي لا يليق التمدح ~~والتعرف إلى عباده بمثله. # PageV01P235 # فإن قيل: حاصل هذا أنه لا يعقل التمدح بترك ما يستحيل وقوعه، وهذا فاسد، ~~فقد حمد سبحانه نفسه وتمدح بعدم اتخاذ الولد وعدم الشريك والولي من الذل، ~~وهذه الأشياء مستحيلة في حقه، فهكذا حمد نفسه على تنزهه من الظلم وإن كان ~~مستحيلا غير مقدور. # قيل: الفرق بين ما هو محال لذاته في نفسه الأمر وبين ما هو ممكن أو واقع ~~لكن يستحيل وصف الرب به ونسبته إليه، فالأول لا يتمدح به، بل العبد لا يرضى ~~أن يمدح به نفسه، فلا يتمدح عاقل بأنه لا يجمع بين النقيضين ولا يجعل الشيء ~~متحركا ساكنا، وأما الثاني فإنه ممكن واقع لكن يستحيل اتصاف من له الكمال ~~المطلق به كالولد والصاحبة والشريك، فإن نفي هذا من خصائص الربوبية، فنفى ~~سبحانه عن نفسه ما هو ثابت لخلقه، وهم متصفون به لمنافاته لكماله، كما نزه ~~نفسه عن السنة والنوم واللغوب والنسيان والعجز والأكل والموت، وغير ذلك مما ~~هو مستحيل عليه ممتنع في حقه، ولكنه واقع من العباد، فكان في تنزيهه عنه ما ~~يبين انفراده بالكمال وعدم مشابهته لخلقه، بخلاف ما لا يتصور وقوعه في نفس ~~الأمر وهو مستحيل في نفسه، كجعل المخلوق خالقا، وجعل الخالق مخلوقا، فإن ~~هذا لا يتمدح سبحانه بنفيه، ولهذا لا يتمدح به مخلوق عن الخالق. # قيل: إن ما تمدح به سبحانه فهو من خصائصه التي لا يشركه فيها أحد، وسلب ~~فعله المستحيل الذي لا يدخل تحت القدرة ولا يتصور وقوعه ليس من خصائصه ولا ~~هو كمال في نفسه ولا يستلزم كمالا، فإذا مدح نفسه بكونه لا يجمع بين ~~النقيضين كان كل أحد مشاركا له ms231 في هذا المدح، بخلاف ما إذا مدح نفسه بكونه ~~لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يموت ولا ينسى ولا تخفى عليه شيء ولا يظلم ~~أحدا، وهو سبحانه يثني على نفسه بفعل ما لو ترك كان تركه نقصا، وبترك ما لو ~~فعله كان فعله نقصا، وهذا لا حقيقة له عند الجبرية، والاعتبار عندهم بكون ~~المفعول والمتروك ممكنا، فقابلتهم القدرية فجعلوا الظلم الذي تنزه سبحانه ~~عنه مثل الظلم الذي يكون من العباد، وشبهوا فعله بفعل عبيده فتسلط عليهم ~~الجبرية بأنواع المناقضات والمعارضات وكان غاية ما عند كل واحد من الفريقين ~~مناقضة الآخر وإفساد قوله، فكفوا أهل السنة مئونتهم. # PageV01P236 ### | [فصل استدلال الجبرية بقوله تعالى لا يسأل عما يفعل] # فصل # أما ما احتج به الجبرية من قوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل} [الأنبياء: ~~23] فدليل حق استدل به على باطل، فإن الآية إنما سيقت لبيان توحيده سبحانه ~~وبطلان إلهية ما سواه، وأن كل من عداه مربوب مأمور منهي مسئول عن فعله، وهو ~~سبحانه ليس فوقه من يسأله عما يفعله، قال تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض ~~هم ينشرون - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 21 - 23] فلم تكن الآية ~~مسوقة لبيان أنه لا يفعل بحكمة ولا لغاية محمودة مطلوبة بالفعل، وأنه يفعل ~~ما يفعله بلا حكمة ولا سبب ولا غاية، بل الآية دلت على نقيض ذلك، وأنه لا ~~يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده وأن أفعاله صادرة عن تمام الحكمة والرحمة ~~والمصلحة، فكمال علمه وحكمته وربوبيته ينافي اعتراض المعترضين عليه وسؤال ~~السائلين له، وهم حملوا الآية على أنه يسأل عما يفعله لقهره وسلطانه، ~~ومعلوم أن هذا ليس بمدح من كل وجه وإن تضمن مدحا من جهة القدرة والسلطان، ~~وإنما المدح التام أن يتضمن ذلك حكمته حمده ووقوع أفعاله على أتم المصالح، ~~ومطابقته للحكمة والغايات المحمودة، فلا يسأل عما يفعله لكمال ملكه وكمال ~~حمده، فله الملك وله الحمد وهو على كل شيء ms232 قدير، فاستدلال نفاة الحكمة بهذه ~~الآية كاستدلال نفاة الصفات بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ~~والآيتان دالتان على ضد قول الطائفتين، فليس كمثله شيء لكمال صفاته التي ~~بكمالها وقيامها به لم يكن كمثله شيء ولا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وحمده. # فصل # وأما قوله في حديث ابن مسعود: " «ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» " فعند أهل ~~السنة الجميع قضاؤه والجميع عدل منه في عبده، لا بمعنى كونه متصرفا فيه ~~بمجرد القدرة والمشيئة، بل بوضع القضاء في موضعه وإصابة محله، فكل ما قضاه ~~على عبده فقد وضعه موضعه اللائق به وأصاب به محله الذي هو أولى به من غيره ~~فلم يظلمه به، أما العقوبات والمصائب فالأمر فيها ظاهر، إذ هي عدل محض كما ~~قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] . # PageV01P237 # وأما الآلام التي تصيب العبد بغير ذنب، كالآلام التي تنال غير المكلفين ~~كالأطفال والمجانين والبهائم، فقد خاض الناس في أسبابها وحكمها قديما، ~~وحديثا وتباينت طرقهم فيها بعد اتفاقهم على أنها عدل، وإن اختلفوا في وجه ~~كونها عدلا فالجبرية تثبت على أصولها في أن كل واقع أو ممكن عدل، والقدرية ~~جعلت وجه كونه عدلا، وقوعها بسبب جرم سابق أو عوض لاحق، ثم منهم من يعتبر ~~مع ذلك أن يشتمل على غيره، قالوا فوقوعها على وجه العقوبة بالجرم والتعويض ~~بخروجها عن كونها ظلما، وبقصد العبرة تخرج كونها سفها، وأما الفلاسفة فإنهم ~~جعلوا ذلك من لازم الخلقة فيه ومقتضيات النشأة الحيوانية، وقالوا: ليس في ~~الإمكان إلا ذلك، ولو فرض غير ذلك لكان غير هذا العالم، فإن تركيب الحيوان ~~الذي يكون ويفسد يقتضي أن تعرض له الآلام كما يعرض له الجوع والعطش والضجر ~~ونحوها، وقالوا: رفع هذا بالكلية إنما يكون برفع أسبابه، والخبر الذي في ~~أسبابه أضعاف أضعاف الشر الحاصل بها، فاحتمال الشر القليل الجزئي في جنب ~~المصلحة العامة الكلية أولى من تعطيل الخير الكثير لما يستلزمه من المفسدة ~~اليسيرة الجزئية، قالوا: ومن تأمل أسباب الآلام وجد ما في ضمنها من الملذات ms233 ~~والخيرات والمصالح أضعاف أضعاف ما في ضمنها من الشرور، كالحر والبرد والمطر ~~والثلج والريح وتناول الأغذية والفواكه وأنواع الأطعمة، وصنوف المناكح، ~~وأنواع الأعمال والحركات، فإن الآلام إنما تتولد غالبها عن هذه الأمور ~~مصالحها ولذتها وخيراتها أكثر من مفاسدها وشرورها وآلامها. # وهذه الطرق الثلاثة سلكها طوائف من المسلمين، وفي كل طريق منها حق وباطل، ~~فإذا أخذت من طريق حقها ورميت باطلها كنت أسعد الناس بالحق، وأصحاب المشيئة ~~المحضة أصابوا في إثبات عموم المشيئة والقدرة، وأنه لا يقع في الكون شيء ~~إلا بمشيئته، فخذ من قولهم هذا القدر وألق منه إبطال الأسباب والحكم ~~والتعليل ومراعاة مصالح الخلق، والقدرية أصابوا في إثبات ذلك وأخطئوا في ~~مواضع: أحدها: إخراج أفعال عباده عن ملكه وقدرته ومشيئته، الثاني: تعطيلهم ~~عود الحكمة والغاية المطلوبة إلى الفاعل، وإنما أثبتوا أنواع حكمة تعود إلى ~~المفعول لا إلى الفاعل، الثالث: أنهم شبهوا الله بخلقه فيما يحسن منهم وما ~~يقبح فقاسوه في أفعاله على خلقه، واعتبروا حكمته بالحكمة التي لعباده، فخذ ~~من قولهم إنه حكيم لا يفعل إلا لمصلحة وحكمة، وأنه لا يفعل الظلم مع قدرته ~~عليه، بل تنزه عنه لغناه وكماله، وأنه لا يعاقب # PageV01P238 # أحدا بغير ذنب ولا يعاقبه بما لا يفعله، فضلا عن أن يعاقبه بفعل هو فعله ~~فيه أو فعل غيره فيه، وأنه جعل الأسباب مقتضيات لغاياتها، وألق من قولهم ~~إنكارهم خلقه لأفعال عباده، وإنكار عود الحكمة إليه وقياس أفعاله على أفعال ~~عباده. # والفلاسفة فيما أصلوه من أن تعطيل أسباب الخيرات والمصالح العظيمة لما في ~~ضمنها من الشرور والآلام الجزئية مناف للحكمة، فهذا أصل في غاية الصحة لكن ~~أخطئوا في ذلك أعظم خطأ، وهو جعلهم ذلك من لوازم الطبيعة المجردة من غير أن ~~تكون متعلقة بفاعل مختار قدر ذلك بمشيئته وقدرته واختياره، ولو شاء لكان ~~الأمر على خلاف ذلك كما يكون في الجنة، فإنها مشتملة على الخيرات المحضة ~~البريئة من هذه العوارض من كل وجه، فاقتضت حكمته أن تكون هذه الدار على ما ~~هي عليه، ممزوجا خيرها بشرها، ms234 ولذاتها بآلامها، وأن تكون دار القرار خالصة ~~من شوائب الآلام والشرور خلاصا تاما، وأن تكون دار الشقاء خالصة للآلام ~~والشرور، وإذا جمعت حق هذه الطائفة وأثبت تعالي صفات الكمال، وأنه يحب ~~ويحب، ويفرح بتوبة عباده وطاعتهم ويرضى بها ويضحك ويثني عليهم بها، ويحب أن ~~يثنى عليه ويحمد ويشكر، ويفعل ما له في فعله غاية وحكمة يحبها ويرضاها، ~~فيفعل لأجلها، كنت أسعد بالحق من هؤلاء. ### | [فصل ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أصناف] # فصل # ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أصناف: الإنس والجن ~~والبهائم والملائكة، عند من يقول: إن فيهم من يعصي ويعاقب # فأما الإنس والجن فالمكلفون منهم يحصل لهم بالطاعات والمعاصي لذات وآلام ~~تناسبها، وأما الأطفال والمجانين فنوعان: نوع يدخلون الجنة إما بطريق ~~التبعية أو بعد التكليف يوم القيامة، كما جاءت به الآثار، فهؤلاء إذا حصل ~~لهم آلام يسيرة منقطعة كانت مصلحة لهم ورحمة ونعمة في جنب ما ينالهم من ~~السعادة العظيمة والنعيم المقيم، فما ينالهم من الآلام يجري مجرى إيلام ~~الأب الشفيق لولده الطفل، بكى أو بط أو قطع سلعة يعقبه كمال عافية وانتفاعه ~~بنفسه وحياته، فهذا الإيلام محض الإحسان إليه وما يقدر من حصول النعيم ~~واللذة في الجنة بدون هذه الآلام فهو نوع آخر غير النوع الحاصل بعد الآلام، ~~ولهذه كانت اللذة الحاصلة بالأكل والشرب بعد # PageV01P239 # شدة الجوع والظمأ أضعاف اللذة الحاصلة بدون ذلك، وكذلك لذة الوصل بعد ~~الهجران والبعاد المؤلم والشوق الشديد أعظم من اللذة الحاصلة بدونه، ووجود ~~الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن لذة آدم بعده إلى الجنة بعد أن خرج ~~منها إلى دار التعب أعظم من اللذة التي كانت حاصلة له أولا. # وأما غير المكلفين من الحيوانات فقد يقال: إنه ما من حيوان إلا ويحصل له ~~من اللذة والخير والنعيم ما هو أعظم مما يحصل له من الألم بأضعاف مضاعفة ~~فإنه يلتذ بأكله وشربه ونومه وحركته وراحته وجماعه الأنثى، وغير ذلك، ~~فنعيمه ولذته أضعاف ألمه، وحينئذ فالأقسام الأربعة: إما أن يعطل الجميع ms235 ~~بترك خلق الحيوان لئلا يحصل له الألم، أو يخلق على نشأة لا يلحقه بها ألم، ~~أو على صفة لا ينال بها لذة، أو على هذه الصفة والنشأة التي هو عليها. # فالقسم الأول ممتنع لمنافاته للحكمة، فإنه يستلزم تعطيل الكثير والنفع ~~العظيم لما يستلزمه من مفسدة قليلة كتعطيل الأمطار والثلوج والرياح والحر ~~والبرد لما يتضمنه من الآلام، ولا ريب أن الحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك ~~فترك الخير الكثير لأجل ما فيه من الشر القليل شر كثير. # وأما القسم الثاني فكما أنه ممتنع في نفسه إذ من لوازم إنشائه في هذا ~~العالم أن يكون عرضة للحر والبرد والجوع والعطش والكلال والتعب وغيرها، ~~فإنه منشأ من هذا العالم الذي مزج خيره بشره، والمنشأ خير منه كذلك، ~~فالحكمة تأبى إنشاءه لذلك في هذا العالم الذي مزج رخاؤه بشدته، وبلاؤه ~~بعافيته، وألمه بلذته، وسروره بغمه وهمه، فلو اقتضت الحكمة تخليص نوع ~~الحيوان من ألمه لكان الإنسان الذي هو خلاصته وأفضله أولى بذلك، ولو فعل ~~ذلك سبحانه لفاته مصلحة العبرة والدلالة على الآلام العظيمة الدائمة في ~~الدار الآخرة، فإن الله تعالى أشهد عباده بما أعد لهم من أنواع اللذات ~~والآلام في الدار الآخرة بما أذاقهم إياه في هذه الدار، فاستدلوا بالشاهد ~~على الغائب واشتاقوا بما باشروه من اللذات إلى ما وصف لهم هناك منها ~~واحتموا بما ذاقوا من الآلام هاهنا عما وصف لهم منها هناك، ولا ريب أن هذه ~~المصلحة العظيمة أرجح من تفويتها بما فيها من المفسدة اليسيرة. # وأما القسم الثالث فلا ريب أنه مفسدة خالصة أو راجحة فلا تقتضيه حكمة ~~الرب سبحانه، ولا يكون إيجاده مصلحة، فلم يبق إلا القسم الرابع وهو خلقه ~~على هذه النشأة. # PageV01P240 # فإن قيل: فقد ظهرت الحكمة في إيلام غير المكلفين، فتعذيب المكلفين على ~~ذنوبهم كيف تستقيم الحكمة فيه على قولكم بأن الله تعالى خلقها فيهم فأين ~~العدل في تعذيبهم على ما هو فاعله وخالقه فيهم؟ وإنما يستقيم ذلك على قول ~~القدرية وأصولهم، فإن العدل في ذلك ظاهر، فإنه إنما ms236 يعذبهم على ما أحدثوه ~~وكان بمشيئتهم وقدرتهم. # قيل: هذا السؤال لم يزل مطرقا بين العالم، واختلف الناس فيه، فطائفة ~~أخرجت أفعالهم عن ملك الرب وقدرته، وطائفة أنكرت الحكمة والتعليل وسدت باب ~~السؤال، وطائفة أثبتت كسبا لا يعقل، جعلت الثواب والعقاب عليه، وطائفة ~~التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرين، ومفعول بين فاعلين، وطائفة التزمت ~~الجبر وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه. # والجواب الصحيح عنه أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، ~~وإن كانت خلقا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ~~ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب والأمراض التي يورث بعضها بعضا، ~~يبقى أن يقال في الكلام: فالذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ فيقال: ~~هو عقوبة أيضا على عدم ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته ~~وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " «ما من مولود يولد إلا على الفطرة» "، وقال: «يقول الله ~~تعالى: " إني خلقت عبادي حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت ~~عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» "، وقد ~~قال الله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} ~~[الروم: 30] ، فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته ~~والإنابة إليه، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك ~~والمعاصي، فلأنه # PageV01P241 # صادف قلبا فارغا خاليا قابلا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ~~ضده لم يتمكن من الشر، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه ~~من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] ، وقال إبليس لعنه الله: {قال فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين - إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82 - 83] ، وقال تعالى: ~~{هذا صراط علي مستقيم - إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 41 - 42] ~~والإخلاص خلوص القلب من تأله من سوى الله وإرادته ومحبته، فخلص لله، فلم ~~يتمكن الشيطان من إغوائه، وأما إذا صادفه ms237 فارغا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه ~~وخلوه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة على عدم الإخلاص وهذا ~~محض العدل. # فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قلت: هذا سؤال فاسد، فإن العدم كاسمه ~~لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى ~~يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الرب تبارك وتعالى، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الاستفتاح: " «لبيك وسعديك والخير في ~~يديك، والشر ليس إليك» "، وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الشفاعة يوم القيامة: " «يقول الله تعالى: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك ~~والخير في يديك، والشر ليس إليك» ". # وقد أخبر تعالى أن تسلط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون، فلما تولوه دون الله وأشركوه معه عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم، ~~وكانت هذه الأولوية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص والإنابة ~~العاصمة من ضدها، فقد بين أن إخلاص الدين يمنع من سلطان الشيطان، لأن فعل ~~السيئات التي توجب العذاب، فإخلاص القلب لله مانع له من فعل ما يضاده، ~~وإلهامه البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته، وإلهام الفجور عقوبة خلوه ~~من الإخلاص. # فإن قلت: هذا الترك إن كان أمرا وجوديا عاد السؤال: وإن كان أمرا عدميا ~~فكيف يعاقب على العدم؟ قلت: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده ~~وتحبه فهذا # PageV01P242 # قد يقال: إنه أمر وجودي، وإنما هنا عدم وخلو عن أسباب الخير، وهذا العدم ~~ليس بكف للنفس ومنع لها عما تريده وتحبه، بل هو محض خلوها مما هو أنفع شيء ~~لها، والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات لا بالعقوبات التي تناله ~~بعد إقامة الحجة عليه بالرسل، فلله سبحانه عقوبتان: إحداهما جعله خاطئا ~~مذنبا لا يحس بألمها ومضرتها لموافقتها شهوته وإدارته، وهي في الحقيقة من ~~أعظم العقوبات، والثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله السيئات، وقد قرن الله ~~تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله: {فلما نسوا ما ذكروا ms238 به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] فهذه العقوبة الأولى، ثم قال: {حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة} [الأنعام: 44] فهذه العقوبة الثانية. # وأعط هذا الموضع حقه من التأمل، وانظر كيف ترتبت هاتان العقوبتان إحداهما ~~على الأخرى، لكن العقوبة الأولى عقوبة موافقة لهواه وإرادته، والثانية ~~مخالفة لما يحبه ويتلذذ به، وتأمل عدل الرب تعالى في هذه وهذه، وأنه سبحانه ~~إنما وضع العقوبة في محلها الأولى بها الذي لا يليق بها غيره، وهذا أمر لو ~~لم تشهده القلوب وتعرفه لما جاز أن ينسب إلى الله تعالى سواه، ولا يظن به ~~غيره، فإنه من ظن السوء بمن يتعالى ويتقدس عن كل سوء وعيب. # فإن قلت: هل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده من ~~غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له، أو ذلك محض جعله في قلوبهم؟ ~~قلت: لا، بل هو محض منته وفعله، وهو من أعظم الخير الذي هو في يده، فالخير ~~كله في يديه، ولا يقدر أحدنا أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه، ولا يتقي من ~~الشر إلا ما وقاه. # فإن قلت: فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له ولا سبيل لهم إليه ~~بأنفسهم عاد السؤال، وكان منعهم منه ظلما، ولزمك القول بأن العدل هو تصرف ~~الملك في ملكه؟ قيل: لا يكون بمنعه سبحانه لهم من ذلك ظالما، وإنما يكون ~~المانع ظالما إذا منع غيره حقا لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب ~~على نفسه، وأما منع غيره ما ليس حقا محض فضله ومنته عليه لم يكن ظالما ~~بمنعه. # فإن قلت: فإذا كان العطاء والبذل والتوفيق إحسانا ورحمة وفضلا، فهلا كانت # PageV01P243 # الغلبة له، كما أن " رحمته تغلب غضبه " قيل: المقصود من هذا المقام بيان ~~أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع، والمنع المستلزم للعقوبة ليس بظلم، ~~وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض المحال، وهلا ~~ساوى بين العباد في الفضل، وهذا السؤال حاصله: لم تفضل على هذا ms239 ولم يتفضل ~~على هذا؟ وقد تولى سبحانه الجواب عنه بقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21] ، وقوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم} [الحديد: 29] ، وليس في الحكمة إطلاع فرد من أفراد الناس على ~~كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفا ~~يسيرا من حكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وتأمل أحوال محال ذلك، واستدل ~~بما علمه على ما لم يعلمه، وتيقن أن مصدر ما علم وما لم يعلمه لحكمة بالغة ~~لا توزن بعقول المخلوقين، فقد وفق للصواب. # ولما استشكل المشركون هذا التخصيص قالوا: {أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا} [الأنعام: 53] فقال لهم الله مجيبا لهم: {أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} [الأنعام: 53] ، وهذا جواب شاف كاف، وفي ضمنه أنه سبحانه أعلم ~~بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر من المحل الذي لا يصلح ~~لغرسها، فلو كرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة كما ~~قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] ### | فصل العدل الإلهي في الثواب والعقاب # فصل # فلنرجع إلى تمام المقصود فنقول: اختلف الناس في العقوبة على الأمور ~~العدمية فمنكرو الحكم والتعليل لا ضابط للعقوبة عندهم إلا محض المشيئة، ~~وأما مثبتو الحكم والتعليل فالأكثرون منهم يقولون لا يعاقب على عدم المأمور ~~لأنه عدم محض، وإنما يعاقب على تركه، والترك أمر وجودي، وطائفة منهم أبو ~~هاشم وغيره يقولون: يعاقب # PageV01P244 # على الأمور الوجودية، فيكون عقابه بالآلام، وهذا القول الذي ذكرناه قول ~~وسط بين القولين، وهو أن العقوبة نوعان، فيعاقب على هذا العدم بفعل السيئات ~~لا بالعقوبة المؤلمة، ثم يعاقب على فعل السيئات بالآلام، ولا يعاقب عليها ~~حتى تقوم الحجة عليه بالرسالة، فإذا عصى الرسول استحق العقوبة التامة، وهو ~~أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره بعد قيام الحجة عليه، أو التوبة ~~بعد قيام الحجة عليه فإذا لم تقم ms240 عليه الحجة كان الصبي الذي يشتغل بما لا ~~ينفعه، بل بما هو من أسباب ضرره، ولا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ، فإذا ~~بلغ عوقب، ثم يكون ما اعتاده من فعل القبائح قبل البلوغ وإن لم يعاقب عليها ~~سبب لمعصيته بعد البلوغ، فتكون تلك المعاصي الحادثة منه قبل البلوغ، فلم ~~يعاقب العقوبة المؤلمة إلا على معصية، وأما العقوبة الأولى فلا يلزم أن ~~تكون على ذنب بل هي جارية مجرى تولد الآلام عما يأكله ويشربه ويمتنع به، ~~فتولدت تلك الذنوب بعد البلوغ عن تلك الأسباب المتقدمة قبله، وهذا القول ~~الوسط في العقوبة على العدم، وهو الذي دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ~~{ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون} [الأنعام: 110] ، فأخبر سبحانه عن عقوبتهم على عدم الإيمان بتقليب ~~أفئدتهم وأبصارهم. # فإن قلت: هذه عقوبة على أمر وجودي، وهو تركهم الإيمان بعد إرسال الرسول ~~ودعائه لهم، قلت: الموجب لهذه العقوبة الخاصة هو عدم الإيمان، ولكن إرسال ~~الرسول وترك طاعته شرط في وقوع العذاب، فالمقتضى قائم وهو عدم الإيمان، ~~لكنه مشروط وقوعه بشرط وهو إرسال الرسول، ففرق بين انتفاء الشيء لانتفاء ~~موجبه ومقتضيه، وانتفائه لانتفاء شرطه بعد قيام المقتضى. # فصل # وكذلك قوله في الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل ~~أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم» ~~"، وهو ما يحتج به # PageV01P245 # الجبرية، وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق وتلقوه ~~بالقبول، وعلموا من عظمة الله وجلاله وقدر نعمه على خلقه عدم قيام الخلق ~~بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإما إضاعة وإما تقصيرا ~~في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه، فإن حقه على أهل السماوات والأرض ~~أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وتكون قوة القلب كلها، ~~وقوة الإنابة والتوكل، والخشية والمراقبة والخوف والرجاء، ms241 جميعها متوجهة ~~إليه ومتعلقة به، بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتألهه، بل على إفراده ~~بذلك اللسان محبوسا على ذكره، والجوارح وقفا على طاعته، قد استسلمت له ~~القلوب أتم استسلام، وذلت له أكمل ذل، وخضعت له أعظم خضوع، وقد فنيت بمراده ~~ومحابه عن مرادها ومحابها، فلم يكن لها مراد محبوب غير مراده ومحبوبه ~~البتة. # ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة، ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على ~~مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى، وأكثر المطيعين يشح به من وجه كان أتى به ~~من وجه، ولعل ما لا تسمح به نفسه أكثر مما تسمح به مع فضل زهده وعبادته ~~وعلمه وورعه، فأين الذي لا يقع منه إرادة تزاحم إرادة الله وما يحبه منه، ~~فلا يعثر به غفلة واسترسال مع حكم الطبيعة والميل إلى داعيها، وتقصير في حق ~~الله تعالى معرفة ومراعاة وقياما به؟ ومن الذي ينظر في كل نعمة من النعم ~~دقيقها وجليلها إلى أنها منة ربه وفضله وإحسانه، فيذكره بها ويحبه عليها، ~~ويشكره عليها، ويستعين بها على طاعته، ويعترف مع ذلك بقصوره وتقصيره، وأن ~~حق الله تعالى عليه أعظم مما أتى به، ومن الذي يوفي حقا واحدا من الحقوق ~~وعبودية واحدة حقها من الإجلال والتعظيم والنصح لله تعالى فيها، وبذل الجهد ~~في وقوعها على ما ينبغي لوجهه الكريم مما يدخله على قدره العبد ظاهرا ~~وباطنا؟ ومع هذا فيراها محض منة الله عليه وفضله عليه، وأن ربه هو المستحق ~~عليها الحمد، وأنه لا وسيلة توسل بها إلى ربه حتى نالها، وأنه يقابلها بما ~~تستحق أن تقابل به من كمال الذل والخضوع، والمحبة والبراءة من حوله وقوته، ~~ويمحو نفسه من البين، وأن يكون فيها بالله لا بنفسه ولله لا لنفسه؟ ومن ~~الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له، ولو في وقت من الأوقات، من حركة نفسه ~~وجوارحه، أو يترك بعض ما خلق له، أو يؤثر بعض حظوظه ومراده على مراد الله ~~ومرضاته ويزاحمه به؟ # PageV01P246 # ومن المعلوم عقلا وشرعا وفطرة ms242 أن الله تعالى يستحق على عبده غاية التعظيم ~~والإجلال والعبودية التي تصل إليها قدرته، وكل ما ينافي التعظيم والإجلال ~~يستحق عليه من العقوبة ما يناسبه، والشرك والمعصية والغفلة واتباع الهوى ~~وترك بذل الجهد والنصيحة في القيام بحق الله باطنا وظاهرا، وتعلق القلب ~~بغيره، والتفاته إلى ما سواه، ومنازعة ما هو من خصائص ربوبيته، ورؤية النفس ~~والمشاركة في الحول والقوة، ورؤية الملة في شيء من الأشياء فلا ينسلخ منها ~~بالكلية، كل ذلك ينافي التعظيم والإجلال، فلو وضع سبحانه العدل على العباد ~~لعذبهم بعدله فيهم ولم يكن ظالما، وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك ~~واعترافه به، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، وإلا فلو عذب عبده على جنايته ~~لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها، لكن أوجب على نفسه بمقتضى فضله ورحمته ~~ألا يعذب من تاب من ذنبه واعترف به رحمة وإحسانا، وقد كتب سبحانه على نفسه ~~الرحمة، فلا يسع الخالق إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به ~~من النار أو يدخل به الجنة، كما قال أطوع الخلق لربه، وأفضلهم عملا وأشدهم ~~تعظيما له: " «لن ينجي أحدا منكم عمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ~~" ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» ". # وكان صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق استغفارا، وكانوا يعدون عليه في ~~المجلس الواحد مائة مرة: " «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» "، ~~وكان يقول: " «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالله إني لأتوب إليه وفي ~~لفظ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة» ، وكان «إذا سلم ~~في صلاته استغفر ثلاثا» ، وكان «يقول بين السجدتين: " رب اغفر لي» "، وكان ~~«يقول في سجوده: " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري وما أنت ~~أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، # PageV01P247 # وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت ~~وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله ms243 إلا أنت» ~~". # وكان يستغفر في استفتاح الصلاة وفي خاتمة الصلاة، وعلم أفضل الأمة أن ~~يستغفر في صلاته ويعترف على نفسه بظلم كثير، وقد قال تعالى: {واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] ، وقال: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر} [الفتح: 2] فأهل السماوات والأرض محتاجون إلى مغفرته كما هم ~~محتاجون إلى رحمته، ومن ظن أنه يستغني عن مغفرة الله فهو كمن ظن أنه مستغن ~~عن رحمته فلا يستغني أحد عن مغفرته ورحمته، كما لا يستغني عن نعمته ومنته، ~~فلو أمسك عنهم فضله ومنته ورحمته لهلكوا وعذبوا، ولم يكن ظالما، وحينئذ ~~فتصيبهم النقمات بإمساك فضله، وكل نقمة منه عدل. # ومما يوضح هذا أن الظلم يقدس عنه، أن يعاقبهم بما لم يعلموا ويمنعهم ثواب ~~ما يستحقون ثوابه، وهو سبحانه لا يعذب إلا بسبب كما إذا أراد تعذيب الأطفال ~~والمجانين ومن لم تقم عليه حجته في الدنيا امتحنهم في الآخرة، فعذب من عصاه ~~منهم بأسباب أظهرها بالامتحان كما أظهر امتحان إبليس سبب عقوبته، فلو أراد ~~تعذيب أهل سماواته وأرضه كلهم لامتحنهم امتحانا يظهر أسباب تعذيبهم فيكون ~~عدلا منه، فإنه يعلم من العبد ما لا يعلمه العبد من نفسه. # قال الحسن البصري: لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه ~~سبيلا، ومما يوضح ذلك أن مذهب أهل السنة أن الأنبياء والمرسلين أفضل من ~~الملائكة، وقد طلبوا كلهم منه المغفرة والرحمة، فقال أول الأنبياء وأبو ~~البشر: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~[الأعراف: 23] فهو صلى الله عليه وسلم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ~~وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته وعلمه أسماء كل شيء، وإنما انتفع في المحنة ~~باعترافه وإقراره على نفسه بالظلم وسؤاله المغفرة والرحمة، وهذا نوح # PageV01P248 # أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض يسأله المغفرة ويقول: {وإلا تغفر ~~لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] ، وهذا يونس يقول: {لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] ، وإبراهيم الخليل يقول: ~~{والذي أطمع أن يغفر لي ms244 خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] ويقول: {ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك} [البقرة: 128] الآية، وكليم الرحمن موسى يقول: {رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي} [القصص: 16] ويقول: {أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الغافرين} [الأعراف: 155] ، ومحمد صلى الله عليه وسلم، أفضلهم وأكملهم، ~~وقد تقدم بعض ما كان يستغفر ربه، وسأله الصديق أن يعلمه دعاء يدعو به في ~~صلاته فقال: " «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا ~~أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» "، وإذا كان ~~هذا حال الصديق الذي هو أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، وأفضل من ~~الملائكة عند أهل السنة وهو يخبر بما هو صادق فيه من ظلم نفسه ظلما كثيرا، ~~فما الظن بسواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه الذي يتضمن ~~معرفة ربه وحقه وعظمته وجلاله، وما ينبغي له وما يستحقه على عبده، ومعرفة ~~تقصيره في ذلك، وأنه لم يقم به كما ينبغي، فأقر على نفسه إقرارا هو صادق ~~فيه أنه ظلم نفسه ظلما كثيرا وسأل ربه أن يغفر له ويرحمه. # سحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة ~~إليها، وليس وراء هذا الجهل بالله وعظمته وحقه غاية. # فصل # فإن كثف علمك عن هذا ولم يتسع له عقلك، فاذكر النعم وما عليها من الحقوق ~~ووازن بين شكرها وكفرها، فحينئذ تعلم أنه لو عذب أهل السماوات والأرض ~~لعذبهم وهو غير ظالم لهم، قال أنس بن مالك: ينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة ~~دواوين: ديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم، وديوان فيه العمل الصالح، ~~فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم تستوعب عمله فيه، ثم تقول: أي ~~ربي، وعزتك وجلالك ما استوعبت # PageV01P249 # ثمني، وقد بقيت الذنوب والنعم، فإذا أراد الله بعبده خيرا قال: ابن آدم، ~~ضعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك، ووهبت لك نعمتي فيما بيني وبينك. # ومما يوضح الأمر أن من حق الله على عبده أن يرضى به ربه وبالإسلام دينا ~~وبمحمد رسولا، وهذا الرضى يقتضي رضاه ms245 بربوبيته له في كل ما يقضيه ويقدره ~~عليه في عطائه له ومنعه، وفي قبضه وبسطه، ورضاه بالإسلام دينا يوجب عليه ~~رضاه به وعنه في كل ما يأمره به وينهاه عنه، ويحبه منه ويكرهه له، فلا يكون ~~في صدره من ذلك حرج بوجه ما، ورضاه بمحمد رسولا يوجب أن يرضى بحكمه له ~~وعليه، وأن يسلم لذلك وينقاد له ولا يقدم عليه غيره، وهذا يوجب أن يكون حبه ~~كله لله، وبغضه كله لله، وعطاؤه لله ومنعه لله، وفعله لله وتركه لله، وإذا ~~قام بذلك كانت نعم الله عليه أكثر من عمله، بل فعله ذلك من أعظم نعم الله ~~عليه، حيث وفقه له ويسره له وأعانه عليه وجعله من أهله وحضه به، فهو يستوجب ~~شكرا آخرا عليه، فلا سبيل له إلى القيام فيما يجب لله تعالى عليه من الشكر ~~أبدا، فنعم الله تطالبه بالشكر، وأعماله لا يقبلها وذنوبه وغفلته وتقصيره ~~قد يستنفد عمله، فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفدان طاعاته كلها، هذا، ~~وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتض كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمر به ~~سيده، فنفسه مملوكة وأعماله مستحقه عليه بموجب العبودية فلا يستحق ثوابا ~~ولا جزاء، فلو أمسك الثواب والجزاء الذي يتنعم به لم يكن ظالما، فإنه يكون ~~قد فعل ما وجب عليه بحق كونه عبدا، ومن لم يحكم هذا الموضع فإنه عند الذنوب ~~وعقوباتها يصدر منه من الأقوال ما يكون فيها أو في بعضها خصما لله متظلما ~~منه شاكيا له، وقد وقع في هذا من شاء الله من الناس، ولو حركت النفوس لرأيت ~~العجب. # ومما يوضح ذلك أنه سبحانه عادل، لو عم أهل السماوات والأرض بالعذاب لكان ~~عادلا، فهو إنما ينزل العذاب بسبب من يستحقه منهم ثم يعم العذاب من لا ~~يستحقه، # PageV01P250 # كما أهلك سبحانه الأمم المكذبين بعذاب الاستئصال، وأصاب العذاب الأطفال ~~والبهائم ومن لم يذنب، وكذلك إذا عصاه أهل الأرض أمسك عنهم قطر السماء، ~~فيصيب ذلك العذاب البهائم والوحوش في الفلوات، فتموت الحبارى في وكورها ~~هزلا بخطايا بني آدم، ويموت الضب ms246 في جحره جوعا، وقد أغرق الله أهل الأرض ~~كلهم بخطايا قوم نوح، وفيهم الأطفال والبهائم، ولم يكن ذلك ظلما منه ~~سبحانه، فالعقوبة الإلهية التي اشترك الناس في أسبابها تأتي عامة، وقد كسر ~~الصحابة رضي الله عنهم يوم أحد بذنوب أولئك الذين عصوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأخلوا مركزهم، وانهزموا يوم حنين لما حصل لبعضهم من الإعجاب ~~بكثرتهم، فعمت عقوبة ذلك الإعجاب، وهذا عين العدل والحكمة، لما في ذلك من ~~المصالح التي لا يعلمها إلا الله تعالى. # وغاية ما يقال: فهلا خصت العقوبة صاحب الجريمة؟ فيقال: العقوبة العامة ~~التي تبقى آية وعبرة وموعظة، لو وقعت خاصة لارتفعت الحكمة المقصودة منها، ~~وفاتت العبرة، ولم يظهر للناس أنها بذلك السبيل، بل لعل قائلا يقول: قدرا ~~اتفق، وإذا أصاب العذاب من لا يستحقه، فمن يثاب في الآخرة معجل له الراحة ~~في الدنيا بالموت الذي لا بد منه، ويتداخل الثواب في الآخرة، ومن لا يثاب ~~كالبهائم التي لا بد من موتها فإنها لا تتعجل الراحة وما يصيبها من ألم ~~الجوع والعطش، فهو من لوازم العدل والحكمة مثل الذي يصيبها من ألم الحر ~~والبرد والحبس في بيوتها التي مصلحتها أرجح من مفسدة ما ينالها، وهكذا ~~مصلحة هذه العقوبة العامة وجعلها عبرة للأمم أرجح من مفسدة تألم تلك ~~الحيوانات. ### | فصل حكمة الله تعالى في خلق الضدين # فصل # اعلم أن من أعظم حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته خلق الضدين، إذ بذلك تعرف ~~ربوبيته وقدرته وملكه، كالليل والنهار، والحر والبرد، والعلو والسفل، ~~والسماء والأرض، والطيب والخبيث، والداء والدواء، والألم واللذة، والحسن ~~والقبيح، فمن كمال قدرته وحكمته خلقال جبريل وخلقك، فخلق أطيب الأرواح ~~وأزكاها وأطهرها وأفضلها، وأجرى على يديه كل خير، وخلق أنجس الأرواح ~~وأخبثها وأرداها وأجرى على يديه كل شر وكفر وفسوق ومعصية، وجعل الطيب ~~منحازا إلى تلك الروح، والخبيث منحازا إلى هذه الروح، فتلك مغناطيس كل طيب ~~وهذه مغناطيس كل خبيث، وأي حكمة أبلغ من هذا؟ # PageV01P251 # يوضحه: أن المادة الأرضية مشتملة على الطيب والخبيث، وقد اقتضت ms247 الحكمة أن ~~خلق منها آدم وذريته، فلا بد أن يأتي بنو آدم كذلك مشاكلتهم لمادتهم، ~~والمادة النارية فيها الخير والشر، فلا بد أن يأتي المخلوق منها كذلك، ~~والله تعالى يريد تخليص الطيب من المادة الأرضية من الخبيث ليجعل الطيب ~~مجاورا له في دار كرامته مختصا برؤيته والقرب منه، ويجعل الخبيث في دار ~~الخبث، حظه البعد منه والهوان والطرد والإبعاد، إذ لا يليق بحمده وحكمته ~~وكماله أن يكون مجاورا له في داره مع الطيبين، فأخرج من المادة النارية من ~~جعله محركا للنفوس داعيا لها إلى محل الخبث لتنجذب إليه النفوس الخبيثة ~~بالطبع، وتميل إليه بالمناسبة، فتتحيز إلى ما يناسبها وما هو أولى بها حكمة ~~ومصلحة وعدلا، لا يظلمها في ذلك بارئها وخالقها، بل أقام داعيا يظهر بدعوته ~~إياها واستجابتها له ما كان معلوما لبارئها وخالقها من أحوالها، وكان خفيا ~~على العباد فلما استجابت لأمره، ولبت دعوته، وآثرت طاعته على طاعة ربها ~~ووليها الحق الذي تتقلب في نعمه وإحسانه ظهر لملائكته ورسله وأوليائه حكمته ~~وعدله في تعذيب هذه النفوس وطردها عنه وإبعادها عن رحمته، وأقام للنفوس ~~الطيبة داعيا يدعوها إليه إلى مرضاته وكرامته، فظهر لهم حمده التام وحكمته ~~البالغة في الأمرين، وعلموا أن خلق عدو الله إبليس وجنوده وحزبه، وخلق وليه ~~وعبده جبريل وجنوده وحزبه، هو عين الحكمة والمصلحة، وأن تعطيل ذلك مناف ~~لمقتضى حكمته وحمده. # يوضحه: أن من لوازم ربوبيته تعالى وإلهيته إخراج الخبأ في السماوات ~~والأرض من النبات والأقوات والحيوان والمعادن وغيرها، وخبأ في السماوات ما ~~أودعها من أمره الذي يخرجه كل وقت بفعله وأمره، وهذا من تدبيره لملائكته ~~وتصرفه في العالم العلوي والسفلي، فبإخراج هذا الخبأ تظهر قدرته ومشيئته ~~وعلمه وحكمته، وكذلك النفوس فيها خبأ كامن يعلمه سبحانه منها، فلا بد أن ~~يقيم أسبابا يظهر بها خبأ النفوس الذي كان كامنا فيها، فإذا صار ظاهرا ~~عيانا ترتب عليه أثره، إذ لم يكن يترتب على نفس العلم به دون أن يكون ~~معلوما واقعا في الوجود، قال تعالى: {ما كان الله ms248 ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] ، وقال تعالى: {وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} [هود: 7] فأخبر أنه خلق العالم العلوي والسفلي ليبلو عباده، ~~فيظهر من يطيعه ويحبه ويجله # PageV01P252 # ويعظمه ممن يعصيه ويخالفه، وهذا الابتلاء والامتحان يستلزم أسبابا يحصل ~~بها، فلا بد من خلق أسبابه، ولهذا لما كان من أسبابه خلق الشهوات وما يدعو ~~إليها وتزيينها فعل ذلك وقال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا} [الكهف: 7] . # فهذه ثلاث مواضع في القرآن تبين حكمته في خلق أسباب الابتلاء والاختبار، ~~فظهر أن من بعض الحكم في خلق عدو الله إخراج خبأ النفوس الخبيثة التي شرها ~~وخبيثها كامن فيها، فأخرج خبأها بزناد دعوته كما يخرج خبأ النار بقدح ~~الزناد، وكما يخرج خبأ الأرض بإنزال الماء عليها وكما يخرج خبأ الأنثى ~~بلقاح الذكر لها، وكما يخرج خبأ القلوب الذاكية بإنزال وحيه وكلامه عليها. # فكم له سبحانه من حكمة بالغة، وآية ظاهرة في خلق عدوه إبليس، فإن من كمال ~~الحكمة والقدرة إظهار شرف الأشياء الفاضلة بأضدادها، فلولا الليل لم يظهر ~~فضل النهار ونوره وقدره، ولولا الألم لم يعرف فضل اللذة وشرفها وقدرها، ~~ولولا المرض لم يعرف فضل العافية، ولولا وجود قبح الصورة لم يظهر فضل الحسن ~~وجمالها، ولهذا كان خلق النار وعذاب أهلها فيها أعظم لنعيم أهل الجنة وأبلغ ~~في معرفة قدرها وخطرها، فكان خلق هذا القبيح الشنيع المنظر الذي صورته أشنع ~~من باطنه، وباطنه أقبح من صورته مكملا لحسن تلك الروح الزكية الفاضلة، التي ~~كمل الله تعالى بصورتها جمال الظاهر والباطن، فلو كان الخلق كلهم على حسن ~~يوسف مثلا، فأي فضيلة وتمييز يكون له؟ ولو كانت الكواكب كلها شموسا ~~وأقمارا، فأي مزية كانت تكون للنيرين؟ ### | فصل العبودية إنما تظهر عند الامتحان بالشهوات # فصل # إن كمال العبودية والمحبة والطاعة إنما يظهر عند المعارضة والدواعي إلى ~~الشهوات والإرادات المخالفة للعبودية، وكذلك الإيمان تتبين حقيقته ms249 عند ~~المعارضة والامتحان وحينئذ يتبين الصادق من الكاذب، قال الله تعالى: {الم - ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 1 - 3] ، ~~وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ، وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} ~~[البقرة: 214] # PageV01P253 # ، فالجنة لا ينالها المكلفون إلا بالجهاد والصبر، فخلق الشياطين ~~وأوليائهم وجندهم من أعظم النعم في حق المؤمنين، فإنهم بسبب وجودهم صاروا ~~مجاهدين في سبيل الله يحبون لله ويبغضون لله، يوالون فيه ويعادون فيه، ولا ~~تكمل نفس العبد ولا يصلح لها الزكاة والفلاح إلا بذلك، وفي التوراة: إن ~~الله تعالى قال لموسى: اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه لتظهر آياتي ~~وعجائبي، ويتحدث بها جيلا بعد جيل بتكذيب المشركين لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وسعيهم في إبطال دعوته ومحاربته كانت من أعظم النعم عليه وعلى أمته، ~~وإن كان من أعظم النقم على الكافرين، فكم حصل في ضمن هذه المعاداة ~~والمحاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه ولأمته من نعمة، وكم ~~رفعت بها درجة، وكم قامت بها لدعوته عن حجة وكم أعقب ذلك من نعيم مقيم ~~وسرور دائم، ولله كم من فرحة وقرة عين في مغايظة العدو وكتبه، فما طاب ~~العيش إلا بذلك، فمعظم اللذة في غيظ عدوك، فمن أعظم نعم الله على عباده ~~المؤمنين أن خلق لهم مثل هذا العدو، وأن القلوب المشرقة بنور الإيمان ~~والمعرفة لتعلم أن النعمة بخلق هذا العدو ليست بدون النعمة بخلق أسباب ~~اللذة والنعمة، فليست بأدنى النعمتين عليهم، وإن كانت مقصورة لغيرها، فإن ~~الذي يترتب من الخير المقصود لذاته أنفع وأفضل وأجل من فواته. ### | حكمة الله تعالى في خلق إبليس # فإن قيل: إذا كان خلق إبليس وجنوده من أعظم النعم على المؤمنين، فأي حكمة ~~ومصلحة حصلت لهؤلاء بخلقهم؟ فكيف اقتضت الحكمة أن خلقهم لضررهم المحض ms250 لأجل ~~منفعة أولئك؟ وإذا أثبتم اقتضاء الحكمة لذلك طولبتم بأمر هو أشكل عليكم من ~~هذا، وهو ما جعل من المضار وسيلة إلى حصول غيره إن لم تكن الغاية حاصلة منه ~~وإلا كان في تفويته أولى لما في تفويته من عدم الشر والفساد، وهذه الوسيلة ~~قد ترتب عليها دخول واحد من الألف إلى الجنة وتسعمائة وتسعة وتسعين إلى ~~النار، فأين الحكمة والمصلحة التي حصلت للمكلفين في خلق الشياطين؟ فهذان ~~سؤلان في هذا المقام لا يتم مقصودكم إلا بالجواب عنهما. # قيل: حاصل السؤالين أنه أي مصلحة في خلق الشياطين والكفرة لأنفسهم، وأن ~~مفسدة من خلقوا لمصلحته بهم أضعاف ما حصل لهم من المصلحة، والجواب عنها من ~~عدة مسالك: # PageV01P254 # المسلك الأول: إنا وإن عللنا أفعال الرب بالحكم فإنا لا نوجب عليه رعاية ~~المصالح، بل نقول: إن له في كل خلقه حكمة تعجز العقول عن الإحاطة بها، ~~وحكمته أعلى وأعظم أن توزن بعقولنا، وقد بينا بعض الحكم في خلقهم وما يترتب ~~عليها مما هو أحب إليه من فواته، وهذا المحبوب له إن استلزم وجوده مفسدة في ~~حق ذلك المخلوق، فالحكمة الحاصلة بخلقه أعظم من تلك المفسدة، وهذا كما أن ~~المصلحة والمفسدة الحاصلة من ذبح القرابين والهدي والأنساك والضحايا وغيرها ~~أعظم من المفسدة الحاصلة للحيوان بالذبح، والكفار قرابين أهل الإيمان. # المسلك الثاني: أنا نعلل أفعاله سبحانه بالمصالح، لكن لا على الوجه الذي ~~سلكه أهل القدر والاعتزال من رعاية المصالح التي اقترحتها عقولهم وحكمت ~~بأنه هو أصلح، وهذا مسلك باطل يقابل في البطلان مسلك خصومهم من الجبرية ~~الذين ينكرون أن يفعل لغاية أو أن يكون بفعله علة البتة، فنقول: نعم في ~~خلقهم أعظم المصالح التي هي فعل من ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا ~~في أفعاله، بل هو منزه عن مشابهة خلقه في شيء من ذلك، ثم لنا في هذا المسلك ~~طريقان: أحدهما: أن نقول: خلقوا لمصلحتهم، من معرفته سبحانه وعبادته ~~وطاعته، وفطروا على ذلك وهيئوا له ومكنوا منه، وجعل فيهم الاستعداد ~~والقبول، ms251 وبهذا قامت حجة الله عليهم وظهر عدله فيهم، فلما أبوا واستكبروا ~~أن ينقادوا لطاعته وتوحيده ومحبته كانوا هم الظالمين المعتدين المستحقين ~~للعذاب، فجعل تعذيبهم من تمام نعيم أوليائه، ومصلحة محضة في حقهم، فإنهم ~~لما فوتوا المصالح التي خلقوا لأجلها واستحقوا عليها العقوبة صارت تلك ~~العقوبة مصالح لأوليائه، وهذا بمنزلة ملك له عبيد، هيأ كل واحد منهم لخدمته ~~والقرب منه والحظوة بكرامته، فأبى بعضهم ذلك ولم يرض به، فسلط الملك عبيده ~~المطيعين له عليهم، وقال: أبحتكم دماءهم وأموالهم ونساءهم ومساكنهم شكرا ~~لكم على طاعتي، وعقوبة لهم على استكبارهم عنها، وأريتكم عظيم نعمتي عليكم ~~بما أنزلت بهم من نقمتي، فإنكم لو عملتم مثل عملهم جعلتكم بمنزلتهم، فكلما ~~شاهدوا عقوبتهم ازدادوا محبة ورغبة وذكرا وشكرا للملك واجتهادا في طاعته ~~وبلوغ مرضاته، وتلك العقوبة التي نالتهم إنما هي بسبب أعماله، لم يظلمهم ~~الملك شيئا، ولله المثل الأعلى والنعمة السابغة والحجة البالغة، قال الله ~~تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما} ~~[النساء: 147] . # PageV01P255 # فتأمل ما تحت هذا الخطاب من العدل واللطف والرحمة، وأنه سبحانه ليس له ~~غرض في تعذيبكم، ولا يعذبكم تشفيا ولا لحاجة به إلى ذلك، ولا هو ممن يعذب ~~سدى باطلا بلا موجب ولا سبب، ولكن لما تركتم الشكر والإيمان واستبدلتم به ~~الكفر والشرك وجحود حقه عليكم وإنكار كماله، وأبدلتم نعمته كفرا، أحللتم ~~بأنفسكم جزاء ذلك وعقوبته وسعيتم بجهدكم إلى دار العقوبة ساعين في أسبابها، ~~بل دعاته ورسله تمسك بأيديكم، وحجزكم عن الطريق الموصلة إلى محل عذابه، ~~وأنتم تجاذبونهم أشد المجاذبة وتتهافتون فيها، ولم يكفكم ذلك حتى بغيتم ~~طريق رضاه ورحمته عوجا، وصددتم عنها ونفرتم عباده عنها بجهدكم، وآثرتم ~~موالاة عدوه على موالاته وطاعته، فتحيزتم إلى أعدائه متظاهرين عليه، ساعين ~~في إبطال دعوته الحق، فما يفعل سبحانه بعذابكم لولا أنكم أوقعتم أنفسكم فيه ~~بما ارتكبتم. # وهذا المسلك ظاهر المصلحة والحكمة والعدل في حقهم وإن كانوا هم الذين ~~فوتوا على أنفسهم المصلحة، قال الله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم ms252 ~~يظلمون} [النحل: 118] ، وهذا الأمر لا بد أن يشهدوه إذا بعثر ما في القبور ~~وحصل ما في الصدور، ويقروا به ولا يبقى عندهم ريب ولا شك، وتأمل قوله الحق: ~~{نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] ، وقوله: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19] كيف عدل فيهم كل العدل بأن نسيهم كما نسوه، ~~وأنساهم حظوظ أنفسهم ونعيمها وكمالها، وأسباب لذاتها وفرحها، عقوبة لهم على ~~نسيان المحسن إليهم بصنوف النعم، المتحبب إليهم بآلائه، فقابلوا ذلك بنسيان ~~ذكره والإعراض عن شكره، فعدل فيهم بأن أنساهم مصالح أنفسهم فعطلوها، وليس ~~بعد تعطيل مصلحة النفس إلا الوقوع فيما تفسد به وتتألم بفوته غاية الألم. # ونحن في هذا المسلك في غنية عن أن نقول: إن تعذيبهم غير مصلحتهم كما قاله ~~غير واحد من أرباب المقالات، كما حكاه عنهم الأشعري وغيره، فإن هؤلاء لم ~~يثبتوا وجه المصلحة لهم في تعذيبهم، بل أرسلوا القول بذلك إرسالا، وكأنهم ~~حاموا حول أمر لم يمكنهم وروده، وهو أن هؤلاء وإن كانوا به مشركين ولحقه ~~جاحدين، فإنهم إنما خلقوا على الفطرة السليمة التي هي دين الله، ولكن عرض ~~لهم ما نقلهم عنها # PageV01P256 # حتى فسدت وبطل حكمها، وصار الناقل لهم عنها هو الحاكم العامل فيهم، وهذا ~~أمر خارج عن مقتضى الخلقة وأصل الفطرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ( «إني خلقت عبادي ~~حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» ) . # وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~«ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» " ~~فأخبر أن أصل ولادتهم ونشأتهم على الفطرة، وأن التهويد والتنصير والتمجيس ~~طارئ طرأ على الفطرة وعارض عرض لها، واقتضى هذا العارض الذي عرض للفطرة ~~أمورا استلزمت ms253 ترتيب آثارها عليها بحسب قوتها وضعفها، فالآلام المترتبة على ~~ذلك من جنس الآلام والعقوبات المترتبة على خروج البدن عن صحته، وهو إنما ~~خلق على الصحة والاعتدال، فإذا استمر على ذلك لم يعرض له ألم، وكذلك القلب ~~فطر على الفطرة الصحيحة، فلما عرض له الفساد ترتب على ذلك العارض أثره من ~~الآلام والعقوبات، ولا ريب أن ذلك العارض ليس في أصل الفطرة بحيث يستحيل ~~زواله، بل هو ممكن الزوال، والناس في زواله، فحين عاد إلى موجب الفطرة أجاب ~~الداعي من غير توقف، ومنهم من توقف لقوة العارض فاحتاج مع الدعوة إلى موعظة ~~تتضمن ترهيبه وترغيبه، ومنهم من غلبت عليه المادة الفاسدة فاحتاج مع ذلك ~~إلى المجادلة، ومنهم من كان العارض أشد من ذلك فعدل معه إلى الجلاد ~~والمحاربة ونوع من العقوبة، فأزال ذلك تلك المادة وأعاد الفطر إلى صحتها، ~~ومنهم من كان فساد فطرته قد استحكم وتمكن، فصار له بمنزلة الصفة الثابتة، ~~ولم يكن بد من أن يحتمي عنه ليزول ذلك الخبث ويتخلص منه، ويعود على ما خلق ~~عليه أولا. # ولهذا لما خرج خبث الموحدين من أهل الكبائر بسرعة؛ تعجل خروجهم من النار، ~~وعاد إلى ما خلقوا عليه أولا من كمال النشأة وزوال موجب هذا العذاب، فلم ~~يبق لهم مصلحة في التعذيب بعد ذلك، وأما المشركون: فلما كان العارض استحكم ~~فيهم وصار كالهيئة والصفة استمروا في النار، تحمى عليهم أشد الحمو لقوة ذلك ~~الخبث # PageV01P257 # ولزومه لهم، ومعلوم أنه لو فارقهم في الدنيا وانسلخوا منه لم يعذبوا، ~~فإذا فارقهم في النار وانسلخوا منه زال موجب العذاب، فعمل مقتضى الفطرة ~~علمه، وأبدلوا ذلك بوجوه، هذا أحدها. # الوجه الثاني: أن الله تعالى لم يخلق شيئا يكون شرا محضا من كل وجه، لا ~~خير فيه بوجه من الوجوه، فإن هذا ليس في الحكمة، بل ذلك لا يكون إلا عدما ~~محضا، والعدم ليس بشيء، والوجود إما محض، إما أن يكون فيه خير من وجه وشر ~~من وجه، فأما أن يكون شرا من كل وجه، فهذا ممتنع، ms254 ولكن قد يظهر ما فيه من ~~الشر ويخفى ما في خلقه من الخير، ولهذا قال تعالى للملائكة وقد سألوا عن ~~خلق هذا القسم فقالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] فإذا كانت ~~الملائكة، مع قربهم من الله وعلمهم بأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه، ~~لم يعلم حكمته سبحانه في خلق من يفسد كما يعلمها الله، بل هو سبحانه متفرد ~~بالعلم الذي لا يعلمونه، فالبشر أولى بأن لا يعلموا ذلك، فالخير كله في يدي ~~الرب، والشر ليس إليه، فلا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإن ~~دخل في مفعولاته بالعرض لا بالذات، وبالقصد الثاني لا الأول دخولا إضافيا، ~~وأما الخير فهو داخل في أسمائه وصفاته وأفعاله ومفعولاته بالذات والقصد ~~الأول، فالشر إنما يضاف له مفعول لا فعله، وفعله خير محض، وهذا من معاني ~~أسمائه المقدسة، كالقدوس والسلام والمتكبر، فالقدوس الذي تقدس عن كل عيب، ~~وكذلك السلام، وكذلك المتكبر، قال ميمون بن مهران: تكبر عن السوء والسيئات، ~~فلا يصدر منه إلا الخيرات، والخيرات كلها منه، فهو الذي يأتي بالحسنات ~~ويذهب بالسيئات، ويصلح الفاسد ولا يفسد الصالح، بل ما أفسد إلا فاسدا، وإن ~~كان الظاهر الذي يبدو للناس صالحا فهو يعلم منه ما لا يعلم عباده. # والمقصود أنها الإعدام ولوازمها: فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وسيئات ~~الأعمال وسيئات الجزاء، وهي مترتبة على عدم الإيمان والطاعة وموجباتها، ~~فإذا أراد الله بعبده الخير أراد من نفسه سبحانه أن يوفقه له ويعينه عليه، ~~فيوجد منه فيترتب عليه من الأمور الوجودية ما فيه صلاحه وسعادته، فإذا لم ~~يرد به خيرا لم يرد من نفسه أن يعينه ويوفقه، فيبقى مستمرا على عدم الخير ~~الذي هو الأصل، فيترتب على هذا العدم # PageV01P258 # فقد الخير وأسبابه، وذلك هو الشر والألم، فإذا بقيت النفس على عدم كمالها ~~الأصلي وهي متحركة بالذات لم تخلق ساكنة؛ تحركت في أسباب مضارتها وألمها، ~~فتعاقب بخلق أمور وجودية، يريد الله ms255 سبحانه تكوينها عدلا منه في هذه النفس ~~وعقوبة لها، وذلك خير من جهة كونه عدلا وحكمة وعبرة وإن كان شرا بالإضافة ~~إلى المعذب والمعاقب، فلم يخلق الله سبحانه شرا مطلقا بل الذي خلقه من ذلك ~~خير في نفسه وحكمة وعدل، وهو شر نسبي إضافي في حق من أصابه، كما إذا أنزل ~~المطر والثلج والرياح وأطلع الشمس كانت هذه خيرات في نفسها وحكم ومصالح، ~~وإن كانت شرا نسبيا إضافيا في حق من تضرر بها. # وبالجملة فالكلمة الجامعة لهذا هي الكلمة التي أثنى بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ربه حيث يقول: " «والشر ليس إليك» " فالشر لا يضاف إلى ~~من الخير بيديه، وإنما ينسب إلى المخلوق، كقوله تعالى: {قل أعوذ برب الفلق ~~- من شر ما خلق} [الفلق: 1 - 2] فأمره أن يستعيذ به من الشر الذي في ~~المخلوق، فهو الذي يعيذ منه وينجي منه، وإذا أخلى العبد قلبه من محبته ~~والإنابة إليه، وطلب مرضاته، وأخلى لسانه من ذكره والثناء عليه، وجوارحه من ~~شكره وطاعته، فلم يرد من نفسه ذلك ونسي ربه، لم يرد الله سبحانه أن يعيذه ~~من ذلك ونسيه كما نسيه، وقطع الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد ~~العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده، قال تعالى: {لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] فإذا أمسك العبد عما ~~ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه، وقد صرح سبحانه بهذا ~~المعنى بعينه في قوله تعالى: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] أي ~~نخلي بينهم وبين نفوسهم التي ليس لهم منها إلا الظلم والجهل، وقال تعالى: ~~{ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19] وقال تعالى: ~~{أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} [المائدة: 41] فعدم إرادته ~~تطهيرهم، وتخليته بينهم وبين نفوسهم أوجب لهم من الشر ما أوجبه. # فالذي إلى الرب وبيديه ومنه هو الخير، والشر كان منهم مصدره وإليهم كان ~~منتهاه، فمنهم ابتدأت أسبابه بخذلان الله تعالى لهم تارة وبعقوبته لهم به ~~تارة، وإليهم ms256 انتهت غايته ووقوعه، فتأمل هذا الموضع كما # PageV01P259 # ينبغي، فإنه يحل عنك إشكالات حار فيها أكثر الناس ولم يهتدوا إلى الجمع ~~بين الملك والحمد والعدل والحكمة. ### | رحمة الله سبقت غضبة # المسلك الثالث: مسلك الرحمة فإنها هي المسئولية الشاملة العامة للموجودات ~~كلها وبها قامت الموجودات، فهي التي وسعت كل شيء، والرب وسع كل شيء رحمة ~~وعلما، فوصلت رحمته إلى حيث وصل علمه، فليس موجود سوى الله تعالى إلا وقد ~~وسعته رحمته وشملته وناله منها حظ ونصيب، ولكن المؤمنون اكتسبوا أسبابا ~~استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها، والكفار اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها ~~صرف الرحمة إلى غيرهم. # فأسباب الرحمة متصلة دائمة لا انقطاع لها لأنها من صفة الرحمة، والأسباب ~~التي عارضتها مضمحلة زائلة لأنها عارضة على أسباب الرحمة طارئة عليها، وإذا ~~كان كل مخلوق قد انتهت إليه الرحمة ووسعته فلا بد أن يظهر أثرها فيه آخرا ~~كما ظهر أثرها فيه أولا، فإن أثر الرحمة ظهر فيه أول النشأة ثم اكتسب ما ~~يقتضي آثار الغضب، فإذا ترتب على الغضب أثره عادت الرحمة فاقتضت أثرها ~~آخرها كما اقتضته أولا لزوال المانع وحصول المقتضى في الموضعين. # ومما يوضح هذا المعنى أن الجنة مقتضى رحمته ومغفرته، والنار من عذابه، ~~وهو مخلوق منفصل عنه، ولهذا قال تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم - ~~وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49 - 50] وقال: {اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] وقال تعالى: {إن ربك لسريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167] فالنعم موجب أسمائه وصفاته، وأما ~~العذاب فإنه من مخلوقاته المقصودة لغيرها بالقصد الثاني، فهو سبحانه إذا ~~ذكر الرحمة والإحسان والعفو نسبه إلى ذاته، وأخبر أنه من صفاته، وإذا ذكر ~~العقاب نسبه إلى أفعاله ولم يتصف به، فرحمته من لوازم ذاته، وليس غضبه ~~وعقابه من لوازم ذاته، فهو سبحانه لا يكون إلا رحيما، كما أنه لا يكون إلا ~~حيا عليما قديرا سميعا، وأما كونه لا يكون إلا غضبانا معذبا فليس ذلك من ~~كماله المقدس، ولا هو مما أثنى به على ms257 نفسه وتمدح به. # يوضح هذا المعنى أنه كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتب عليها الغضب، وسبقت ~~رحمته غضبه وغلبته، ولم يسبقها الغضب ولا غلبها، ووسعت رحمته كل شيء، ولم ~~يسع غضبه وعقابه كل شيء، وخلق الخلق ليرحمهم لا ليعاقبهم، والعفو # PageV01P260 # أحب إليه من الانتقام، والفضل أحب إليه من العدل، والرحمة آثر عنده من ~~العقوبة، لهذا لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من خير، وجعل جانب ~~الفضل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وجانب العدل ~~السيئة فيه بمثلها وهي معرضة للزوال بأيسر شيء، وكل هذا ينفي أن يخلق خلقا ~~لمجرد عذابه السرمدي الذي لا انتهاء له ولا انقضاء، لا لحكمة مطلوبة إلا ~~لمجرد التعذيب والألم الزائد على الحد، فما قدر الله حق قدره من نسب إليه ~~ذلك، بخلاف ما إذا خلقهم ليرحمهم ويحسن إليهم وينعم عليهم، فاكتسبوا ما ~~أغضبه وأسخطه فأصابهم من عذابه وعقوبته بحسب ذلك العارض الذي اكتسبوا ثم ~~اضمحل سبب العقوبة وزال وعاد مقتضى الرحمة، فهذا هو الذي يليق برحمة أرحم ~~الراحمين وحكمة أحكم الحاكمين. # ومما يبين هذا أن الجنة لا يدخلها من لم يعمل خيرا قط، ويدخلها من ينشئه ~~الله تعالى فيها، ويدخلها من دخل النار أولا، ويدخلها الأبناء بعمل الآباء، ~~وأما النار فذلك كله منتف فيها، ولا يدخلها من لم يعمل شرا قط، ولا ينشئ ~~الله تعالى فيها خلقا يعذبهم من غير جرم، ولا يدخلها من يدخل الجنة أولا، ~~ولا يدخلها الذرية بكفر الآباء وعملهم، وهذا يدل على أنها خلقت لمصلحة من ~~دخلها الذيب. . . فضلاته وأوساخه وأدرانه، وتطهره من خبثه ونجاسته، كالكير ~~الذي يخرج خبث الجواهر المنتفع بها، ولمصلحة من يدخلها ليردعه ذكرها، ~~والخبر عنها عن ظلمه وغيه، فليست الداران عند الله سواء في الأسباب ~~والغايات والحكم والمصالح. # يوضح ذلك أن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا لحكمة، ولا يضع عذابه إلا في ~~المحل الذي يليق به، كما اقتضى شرعه العقوبات الدنيوية بالحدود التي أمر ~~بإقامتها لما فيها من المصالح والحكم ms258 في حق صاحبها وغيره، وكذلك ما يقدره ~~من المصائب والآلام فيها من الحكم ما لا يحصيه إلا الله، من تزكية النفوس ~~وتطهيرها، والردع والزجر، وتعريف قدر العاقبة، وامتحان الخلق، ليظهر من ~~يعبده على السراء والضراء ممن يعبده على حرف إلى أضعاف ذلك من الحكم. # وكيف يخلو أعظم العقوبات عن حكمة ومصلحة ورحمة، إن مصدرها عن تقدير أحكم ~~الحاكمين وأرحم الراحمين، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب، ولهذا يدخل النار ~~من أهل التوحيد من فيه خبث وشر حتى يتطهر فيها ويطيب، ومن كان فيه دون ذلك ~~حبس على قنطرة بين الجنة والنار، # PageV01P261 # حتى إذا هذب ونقي أذن له بالدخول، ومعلوم أن النفوس الشريرة الظالمة ~~المظلمة الأثيمة لا تصلح لتلك الدار التي هي دار الطيبين، ولو ردت إلى ~~الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه، فلا تصلح لدار السلام التي سلمت من ~~كل عيب وآفة، فاقتضت الحكمة تعذيب هذه النفوس عذابا يطهر نفوسهم من ذلك ~~الشر والخبث، ويكون مصلحة لهم، ورحمة بهم ذلك العذاب، وهذا معقول في ~~الحكمة، أما خلق النفوس لمجرد العذاب السرمدي لا لحكمة ولا لمصلحة فتأباه ~~حكمة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. # يوضحه: أن الله تعالى قيد دار العذاب ووقتها بما لم يقيد به دار النعيم ~~وبوقتها، فقال تعالى في دار العذاب: {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: 23] ~~وقال: {النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} ~~[الأنعام: 128] فقيدها بالمشيئة، وأخبر أن ذلك صادر عن حكمته وعلمه، وقال ~~تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: 106 - ~~107] وأما الجنة فإنه أخبر ببقاء نعيمها ودوامه وأنه لا نفاد له ولا ~~انقطاع، فقال: {أكلها دائم وظلها} [الرعد: 35] وقال {إن هذا لرزقنا ما له ~~من نفاد} [ص: 54] وأما النار فغاية ما أخبر به عنها أن أهلها لا يخرجون ~~منها، وأنهم خالدين فيها وما هم منها بمخرجين، وهذا مجمع عليه بين أئمة ~~الإسلام، وهو ms259 معلوم بالضرورة أن الرسول جاء به، ولكن الكلام في مقام آخر أن ~~النار أبدية لا تفنى أصلا، كما أن الجنة كذلك، فهذا الذي تكلم فيه الصحابة ~~والتابعون ومن بعدهم. # قال حرب في مسألة: سألت إسحاق عن قول الله تعالى: {خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: 107] قال: أتت هذه الآية على كل ~~وعيد في القرآن، قال إسحاق: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا معتمر بن سليمان ~~قال: قال أبي: حدثني أبو نضرة عن جابر وأبي سعيد، أو بعض أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله {إلا ما شاء ربك إن ربك ~~فعال لما يريد} [هود: 107] قال المعتمر قال # PageV01P262 # أبي: كل وعيد في القرآن، وقال ابن جرير في تفسيره: حدثنا الحسن بن يحيى ~~حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن التميمي عن أبيه عن أبي نضرة عن جابر وأبي ~~سعيد، وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إلا ما ~~شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] قال: " هذه الآية تأتي على ~~القرآن كله حيث يقول في القرآن: {خالدين فيها} [البقرة: 162] تأتي عليه ". # قال ابن جرير: حدثت عن ابن المسيب عمن ذكره عن ابن عباس قال: {خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: ~~107] قال (أمر النار تأكلهم) قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنم زمان ~~تخفق أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا. # وقال أحمد: حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن ساق عن الشعبي قال: جهنم أسرع ~~الدارين عمرانا وأسرعها خرابا. # وقال حرب عن إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي، حدثنا ~~شعبة عن أبي بلج، سمع عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: " ~~ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون ~~فيها أحقابا ". # وقال إسحاق: حدثنا عبيد بن معاذ حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن يحيى ms260 بن أيوب ~~عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال " ما أنا بالذي أقول إنه سيأتي على جهنم يوم ~~لا يبقى فيها أحد، وقرأ: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} ~~[هود: 106 - 107] ### | فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه # فصل # ومن عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه، وهذا ~~يشهده أهل النار في النار، ومدة الكفر والشرك منقطعة، فكيف يكون العذاب على # PageV01P263 # المنقطع سرمدا أبد الآبدين لا انقطاع له البتة؟ بخلاف النعمة، فإنه محض ~~فضله، فدوامه لا ينافي الحكمة. # فإن قيل: لما كان من نيته أن يستمر على الشرك والكفر، ولو عاش أبدا كان ~~عقابه موافقا لهذه النية والإصرار، فالجواب: أن العقوبة الدائمة إما أن ~~تكون مصالحة للمعاقب، أو للمعاقب، أو لهما، أو غيرهما، أو لا مصلحة فيها ~~البتة، والأقسام كلها باطلة. # أما المعاقب فإنه إنما تكون العقوبة مصلحة في حقه إذا كان محتاجا إليها ~~لشفاء غيظه وإطفاء نار غضبه التي يتأذى ببقائها، والله تعالى منزه عن ذلك ~~كله، فلم يبلغ العباد ضره فيضروه، ولا نفعه فينفعوه، ولو أن أول خلقه ~~وآخرهم، وإنسهم وجنهم، كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما ضره ذلك شيئا، ولا ~~نقصه من ملكه شيئا، وأما أنه لا مصلحة للمعاقب ولا لغيره في ذلك فظاهر، ~~فتعين القسم الأخير وهو أنه مصلحة فيها، ودون كذلك فهو عبث يتعالى الله ~~عنه، سبحانه أن يخلق باطلا أو سدى أو عبثا أو خاليا عن مصلحة وحكمة، وهذا ~~بخلاف ما إذا قيل: وضعت العقوبة لمصلحة، وتقدرت بقدرها، فإذا حصلت الحكمة ~~والغاية المطلوبة منها وترتب المصلحة التي قصدت بها عاد الأمر إلى الرحمة ~~والجود. # ثم إن هذه النفوس الظالمة الكافرة لها بداية وتوسط ونهاية، فهي في ~~بدايتها قابلة للحق والعدل، ولهذا لم يعذبها الله في هذه الحال، وإن علم ~~منها أنها تختار الكفر، ms261 وأما في حال توسطها من حيث عقلت وقامت عليها الحجة ~~فإنها استحقت العذاب حينئذ لأن العقوبة مع الجناية، فاقتضت الحكمة تأخيرها ~~إلى دار الجزاء لعلها أن تراجع الحق، فضرب لها مدة الحياة أجلا وأمدا تتمكن ~~فيه من الرجوع إلى الحق واستدراك الفارض، فلما لم تفعل ذلك ختم عليها ~~العقوبة، ومعلوم أنها إنما استمرت في مدة الحياة على غيها وكفرها لقيام ~~الأسباب التي زينت لها ذلك، ولولا تلك الأسباب لآثرت رشدها، فإنه مقتضى ~~فطرتها، ولا ريب أن تلك الأسباب تبطل وتضمحل في الآخرة ولا سيما في دار ~~العذاب، بل إنما وضعت تلك الدار لإزالة تلك الشرور، وكيف تدوم تلك الأسباب ~~وقد ذاقوا عقوبتها وألمها الشديد، وتيقنوا أنها كانت أضر شيء عليهم وندموا ~~عليها أعظم الندم، وليس في الطبيعة الإنسانية الإصرار على تلك الأسباب ~~وإيثارها بعد طول التألم الشديد بها، نعم العذاب باق ما بقيت، فإذا قدر ~~زوالها وتبدلها وإقرار أصحابها على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين وأن الله ~~تعالى إنما # PageV01P264 # عذبهم بعدله، وشهدوا على أنفسهم أنهم لا يصلح لهم غير ما هم فيه من ~~العقوبة وأن حمده سبحانه أنزلهم تلك الدار، فقام بقلوبهم حمده وشكره ~~والثناء عليه بموجب أسمائه وصفاته التي كانت في فطرهم أولا، وحمدوه حمد محب ~~معترف بالجناية، وآثروا رضاه على كل شيء، فلو قام هذا بقلوبهم حقيقة وعلمه ~~الله منهم لصارت النار بردا وسلاما عليهم. # كما في الأثر المرفوع الذي ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب " حسن الظن بالله ~~" «أن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما، فقال تعالى: أخرجوهما فأخرجا، ~~فقال: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا، قال: رحمتي بكما أن ~~تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، قال: فينطلقان فيلقي أحدهما ~~نفسه فيها فيجعلها الله بردا وسلاما عليه، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه، ~~فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجو ~~ألا تعيدني فيها بعدما أخرجتني، فيقول الرب: لك رجاؤك، فيدخلان جميعا ~~الجنة» . # وذكر ابن أبي الدنيا أيضا حديثا ms262 آخر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: ( «يؤمر بإخراج رجلين من النار، فإذا أخرجا وقفا، قال الله لهما: كيف ~~وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما؟ فيقولان: شر مقيل وأسوأ مصير سار إليه ~~العباد، فيقول لهما: بما قدمت أيديكما وما أنا بظلام للعبيد، قال: فيأمر ~~بصرفهما إلى النار، قال: فأما أحدهما فيعدو في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها، ~~وأما الآخر فتلكأ، فيؤمر بردهما، فيقول للذي عدا في أغلاله وسلاسله حتى ~~اقتحمها: ما حملك على ما صنعت وقد خبرتها؟ فيقول: إني قد خبرت من وبال ~~المعصية ما لم أكن لأتعرض لسخطك ثانية، فيقول الله للثاني: ما حملك على ما ~~صنعت؟ قال: حسن ظني بك حين أخرجتني أن لا تردني إليها، فرحمهما الله تعالى ~~وأمر بهما إلى الجنة» ". # وفي رواية: " إنه يقول للأول: «لو حذرتني مثل حذرك في الآخرة لم أدخلك ~~النار» ، ويقول للآخر: «لو أحسنت ظنك بي في الدنيا مثل حسن ظنك بي اليوم ما ~~أدخلتك النار» ". # PageV01P265 # وفي المسند وغيره من حديث «الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة: ~~المعتوه، والأصم والمتوفى في الفترة، وأن الله تعالى يؤجج لهم نارا ويقول: ~~اقتحموها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن امتنع جر إليها» . # فهؤلاء لما آثروا مرضاته بالعذاب على مرضاة أنفسهم وقام بقلوبهم أن رضاه ~~في تعذيبهم أحب إليه من رضاهم في خلافه استحالت النار في حقهم وانقلبت بردا ~~وسلاما وهذا أمر مشاهد في الواقع بين الناس، وهو في اقتضاء التوبة بدفعها ~~فإن المذنب لو بلغت ذنوبه عنان السماء إذ ألقى نفسه بفناء من أساء إليه ~~وتوسد عتبة بابه فوضع خده عليها مستسلما مسلما نفسه إليه ليقضي فيها ما ~~أراد راضيا بما يقضيه فيه حامدا له عليه عالما أن الحق له، وقد سلم إليه ~~محل الحق يستوفيه منه فإنه متى فعل ذلك أذهب ما في قلب من أساء إليه من ~~الحنق والغيظ، وعاد مكان الغضب عليه رقة ورحمة، هذا مع حاجته وبلوغ أذاه، ~~ووصوله إليه، وقلة صبره، وضعف احتماله، فكيف بالغني الحميد الذي لن ms263 يبلغ ~~العباد ضره ولا نفعه، فلا تزيد عقوبتهم في ملكه شيئا وهو أرحم الراحمين. # فهذا القدر من وجده في قلبه في الدنيا لم يدخل دار الشقاء إلا تحلة القسم ~~ومن لم يظهر له هذا في الدنيا سيعلمه في الآخرة كما قال تعالى: {فاعترفوا ~~بذنبهم} [الملك: 11] وقال: {فعلموا أن الحق لله} [القصص: 75] وقال تعالى: ~~{قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل} [غافر: 11] . # فلا شيء أنفع لهم في عذابه من حمده والثناء عليه، ومحبته على كمال عدله ~~فيهم، وقولهم: إن كان هذا رضاك فلا نطلب غيره، ويشتد غضبهم على نفوسهم ~~ومقتهم لها موافقة لغضب ربهم ومولاهم، ولكن هذا القدر لا تسمح به النفوس ~~اللئيمة الجاهلة الظالمة اختيارا فإذا عوقبت بما تستحق وبلغ منها العذاب ~~مبلغه وكسرها وأذلها، فإن أراد بها خيرا أشهدها ذلك وجعله حاضرا # PageV01P266 # عندها، فالرحمة حينئذ أدنى إليها من العقوبة، والعفو أقرب إليها من ~~الانتقام، فإذا أراد بها بارئها وفاطرها أن يرحمها ألهمها فانتقلت به من ~~حال إلى حال فإن شاء أنشأها بعد ذلك نشأة أخرى، وطبعها على غير طبيعتها ~~الأولى، فهو على كل شيء قدير، وهو الحكيم العليم، فلا يظن به من ساء فهمه ~~أن هذا يناقض ما أخبر الله ورسوله به، واتفق عليه سلف الأمة أنهم مخلدون في ~~النار، وما هم منها بمخرجين، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها، فمن ~~رد كذلك وكذبه فهو كافر جاحد لما علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أخبر به، فليس في هذا نظر ولا شك، وإنما الشأن في كون النار أبدية ~~كالجنة لا تفنى أبدا وإلا فمتى دامت نارا فهم فيها خالدون. # فصل # ولنرجع إلى المقصود، وهو أن الذين قالوا: عذاب الكفار مصلحة لهم ورحمة ~~لهم حاموا حول هذا المعنى، ولم يقتحموا لجته، وإلا فأي مصلحة لهم في عذاب ~~لا ينقطع، وهو دائم بدون الرب تعالى، فتأمل هذا الوجه حق التأمل وأعطه حقه ~~من النظر، واجمع بين ذلك وبين معاني أسمائه وصفاته، وما ms264 دل عليه كلام الله ~~وكلام رسوله، وما قاله الصحابة ومن بعدهم، ولا تبادر إلى القول بلا علم ولا ~~إلى الإنكار، فإن أسفر لك صبح الصواب، وإلا فرد الحكم إلى ما رده الله إليه ~~بقوله: {إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] وتمسك بقول علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه، وقد ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ووصف حالهم ثم ~~قال: " ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء ". # الوجه الرابع: أن الذي يخلقه الله سبحانه ويقدره من الأمور نوعان: غايات ~~ووسائل، وقد اقتضت حكمته أن الوسائل تضمحل وتبطل إذا حصلت غايتها كما يبطل ~~السفر عند بلوغ المنزل، ويزول الأكل والشرب عند حصول الشبع والري، والخيرات ~~والمنافع هي الغايات المقصودة لنفسها. # والشرور والآلام إنما تقصد قصد الوسائل، لإفضائها إلى الخيرات والمنافع، ~~وما كان مقصودا لنفسه فإن بقاءه ودوامه هو مقتضى الحكمة، وأما إذا كان ~~مقصودا لغيره، فإذا حصل ذلك المقصود به لم يكن في دوامه وبقائه حكمة ولا ~~مصلحة، والله تعالى خلق النار سوطا يسوق بها عباده إلى رحمته وجنته، ~~ويخوفهم بها من معصيته ويطهر بها من اكتسب من عباده خبثا ونجاسة، ولا # PageV01P267 # يصلح إلا بها لمساكنته في جنته، وعقوبته يعاقب بها أعداءه على مقادير ~~جرائمهم، وهذه كلها أمور مقصودة لغيرها مفضية إلى مصالح مقصودة لنفسها. # يوضحه الوجه الخامس: أن الله سبحانه جعل الشدائد والآلام والشرور في هذه ~~الدار بتراء لا دوام لها، وجعل الشدة بين فرجين، فرج قبلها وفرج بعدها، ~~والعسر بين يسرين، والبلاء بين عافيتين، فليس عنده شدة دائمة ولا بلاء دائم ~~ولا كرب دائم في هذه الدار التي هي دار ظلم وبلاء وخيراتها ممزوجة بشرورها، ~~وذلك أن الآلام والشدائد شرور، والشر ليس إلى الله بخلاف الخيرات والنعم، ~~فإنها من مقتضى صفاته، فهي دائمة بدوامه، ومعلوم أن الدار التي هي حق من كل ~~وجه أولى أن يكون الدوام لخيراتها ولذاتها ومسراتها، وأن تكون شرورها إلى ~~اضمحلال وزوال. # يوضحه الوجه السادس: أن القضاء الإلهي خير كله، فإن مصدره علم الله ms265 ~~وحكمته وكماله المقدس، فهو خير كله ومصلحة وحكمة وعدل ورحمة، ودخول الشر ~~فيه بالعرض لا بالذات كالشر العارض في الحر والبرد والمطر، والأكل والشرب ~~والأعمال النافعة، وما العرض لا يقصد لذاته فلا يجب دوامه كدوام ما يقصد ~~لذاته من الخيرات والمنافع. # الوجه السابع: أنك إذا اعتبرت هذه الآلام والشدائد، والنعمة والرحمة ~~حشوها فظاهرها نقمة وباطنها نعمة فكم نقمة جلبت نعمة، وكم من بلاء جلب ~~عافية، وكم من ذل جلب عزا، وكسر جلب جبرا، إذا اعتبرت أكثر الخيرات ~~والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتبت على الآلام والمشاق، وأعظم اللذة ~~وأجلها ما كان سببه أعظمه ألما ومشقة، وهذه مشاهد في هذه الدار بالعيان، ~~ولما كانت أعلى الدرجات أهل الجهاد كان أشق شيء على النفوس وأكرهه إليها، ~~قال الله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ~~[البقرة: 216] ولهذا قيل: # وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب # فلا يوصل إلى الراحة واللذة إلا على جسر التعب والألم، وهذا يريك أن ~~المصائب والآلام حشوها نعم ولذات ومسرات، وهذا لأن الرحمة لها السبق ~~والغلبة فما في طي النقم والعقوبات من الرحمة أسبق من العقوبة، وهي الغاية ~~للغضب، فلا بد أن يغلب أثرها أثر الغضب، كما غلبت الصفة للصفة. # PageV01P268 # يوضحه الوجه الثامن: أن الرحمة سبقت إلى هذا المعاقب وظهر أثرها فيه فوجد ~~بها وعاش وسمع وأبصر بها، وبطش بها ومشى وتحرك بها، وإلا لولا أنها سبقت ~~إليه لم يكن له قيام ولا حياة، بل إنما استظهر على معاصي الرب ومخالفته ~~بالرحمة التي سبقت إليه ووسعته فغلبت أسباب هلاكه وتلفه، فلما تمكنت أسباب ~~التلف والهلاك واقتضت الرحمة أن جعل لها أسباب في مقابلتها، من موجبها ~~ومقتضاها تنزيلها ومحو أثرها؛ ليخلص موجب الرحمة فيظهر أثره، ودوام العذاب ~~بدوام تلك الأسباب، فلو زالت لزال العذاب. # يوضحه الوجه التاسع: أن هذه النفوس فيها ما يقتضي الرحمة من إقرارها ~~بفاطرها وربوبيته، ms266 وعلمه وقدرته، وسمعه وبصره ومحبته، وتعظيمه وإجلاله ~~وسؤاله، وفيها ما يقتضي الغضب والعقوبة كالشرك به وإيثار هواها على طاعته ~~ومرضاته، ولما كان مقتضى العقوبة فيها أقوى كان الحكم له، ومعلوم أن ~~العقوبة إن لم تذهب الأسباب المقتضية لها ولم تزلها بالكلية فإنها تخففها ~~وتضعفها، فإما أن تقاوم أسبابا وإما أن تترجح عليها وعلى التقديرين يبطل ~~أثرها، قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~[لقمان: 25] وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون ~~لله} [المؤمنون: 84 - 85] إلى آخر الآيات. # فهم يعلمون أن الأرض ومن فيها له، وأنه رب السماوات والأرض ورب العرش ~~العظيم، وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وإذا مسهم الضر في ~~البر والبحر تضرعوا إليه وفزعوا إليه، وقالوا: إنما نعبد من دونه هذه ~~الآلهة لتقربنا إليه وتشفع لنا عنده، وهو يملكها، ونواصيها بيده، ويحبونه ~~ويقصدون التقرب إليه، وهذا مما وضعه فيهم برحمته ونعمته، فعلم فيهم ما ~~يقتضي رحمته ونعمته ولكن لما غلبت أسباب النقمة كان الحكم للغالب، ذلك لا ~~يمنع اقتضاء المغلوب أثره وترتبه عليه. # وقد ثبت في الصحيح أن الله يقول للملائكة: أخرجوا من النار من في قلبه من ~~الخير ما يزن ذرة أو برة، وأنها تخرج منها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من ~~إيمان، # PageV01P269 # فانظر هذا الجزء اللطيف جدا كيف غلب تلك الأسباب الكثيرة القوية وأبطلها ~~وعاد الحكم له، وثبت في الصحيحين " «أنه يخرج منها من لم يعمل خيرا قط» ". # ولكن هذا إخراج منها وهي باقية على حقيقتها وناريتها، فأخرج منها بهذا ~~الجزء اليسير، ومعلوم أن أعداءه المشركين لن تخلو قلوبهم من الإيمان به، ~~قال الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] فأثبت ~~لهم إيمانا مع الشرك، وهذا الإيمان وإن لم يؤثر في إخراجهم من النار، كما ~~أثر إيمان أهل التوحيد، بل كانوا معه خالدين فيها بشركهم وكفرهم، فإن النار ~~إنما سعرها عليهم الشرك والظلم، فلا يمتنع في الرحمة والعدل أن يطفئها ms267 ~~ويذهبها بعد أخذ الحق منهم، فيجتمع ضعف أسباب تسعيرها وقوة أسباب زوالها، ~~فهذا غير ممتنع في الحكمة الإلهية، ولم يخبر الرسول بامتناعه، وأنه لا يكون ~~في موضع واحد. # ولا دل على ذلك نقل ولا عقل، بل الذي دل عليه النقل والإجماع أنهم خالدون ~~فيها أبدا، وأنهم ليسوا بخارجين منها، ولا يموتون فيها ولا يحيون، وهذا ~~متفق عليه بين المسلمين، وإنما الشأن في أمر آخر. # الوجه العاشر: أن أسباب العذاب من النفس وغاياتها اتباع أهوائها، وأما ~~أسباب الخير فمن ربها وفاطرها، وهو الغاية والمقصود بها، فهي به وله، قال ~~الله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] فالحسنات مصدرها من الله وغايتها منتهية إليه، والسيئات من ~~النفس وهي غايتها، قال الله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] ~~فليس للحسنات سبب إلا مجرد فضل الله ومنته، والأعمال الصالحة وإن كانت ~~أسباب النعم والخيرات فمن وفقه لها وأعانه عليها وشاءها له سواه؟ فالنعم ~~وأسبابها من الله، وأما السيئات التي أسلفها العبد فمن نفسه، وسببها جهله ~~وظلمه، فإذا ترتبت عليها سيئات الجزاء كان السبب والمسبب من نفسه، # PageV01P270 # فليس للجزاء السيئ في الدنيا والآخرة سبب إلا ذنوب العبد التي من نفسه، ~~فالشر كله والخير كله من ربه، فإن أكثره ليس للعبد فيه مدخل، فإن الله هو ~~الذي أنعم عليه به، ولهذا قال بعض السلف: " لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن ~~إلا ذنبه " ولهذا قال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك} [النساء: 79] فخص بالخطاب تنبيها على الأدنى، ولم يخرجه في صورة ~~العموم لئلا يتوهم أنه عام مخصوص، فكان ذكر الخاص أبلغ في العموم وقصده من ~~ذكر العام، فتأوله فإنه عجيب في القرآن. # والمقصود أن سبب الحسنات كلها هو الحي القيوم الذي لم يزل ولا يزال، وهو ~~الغاية المقصودة من فعلها بدوام سببها، وأما السيئات فسببها وغايتها منقطع ~~هالك فلا يجب دوامها، فتأمل هذا الوجه فإنه من ألطف الوجوه، فإن ms268 الأسباب ~~تضمحل باضمحلال غاياتها وتبطل ببطلانها، ولهذا كان كل عمل باطلا إلا ما ~~أريد به وجه الله، فإن جزاءه وثوابه يدوم بدوامه، ما لم يرد به وجه الله ~~وأريد به ما يضمحل ويفنى، فإنه يفنى بفنائه، قال الله تعالى: {وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] ، وهذه هي الأعمال ~~التي كانت لغيره، فكما أن ما لا يكون به لا يكون، فما كان لغيره لا يدوم، ~~ولهذا كان لبعض حكم الله تعالى في تخريب هذا العالم أن يشهد من عبد شيئا ~~غيره أنه لا يصلح للعبادة والألوهية ويشهد العابد حال معبوده، والمقصود أن ~~النعم تدوم بدوام سببها وغايتها، وأن الشرور والآلام تبطل وتضمحل باضمحلال ~~سببها. # فهذه الوجوه وغيرها تبين أن الحكمة والمصلحة في خلق النار تقتضي بقاءها ~~ببقاء السبب والحكمة التي خلقت له، فإذا زال السبب وحصلت الحكمة عاد الأمر ~~إلى السابقة الغالبة الواسعة. # يزيد وضوحا الوجه الحادي عشر: أن الرب يستحيل أن يكون إلا رحيما، فرحمته ~~من لوازم ذاته، ولهذا كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتب على نفسه الغضب، فهو ~~لم يزل ولا يزال رحيما، ولا يجوز أن يقال: إنه لم يزل ولا يزال غضبان، ولا ~~أن غضبه من لوازم ذاته، ولا أنه كتب على نفسه العقوبة والغضب، ولا أن غضبه ~~يغلب رحمته ويسبقها # PageV01P271 # وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: " «إن ربي قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» " فإذا كان ذات الغضب الشديد ~~لا يدوم ولا يستمر بل يزول، وهو الذي سعر النار، فإنها إنما سعرت بغضب ~~الجبار تبارك وتعالى، فإذا زال السبب الذي سعرها، فكيف لا تطفأ، وقد طفئ ~~غضب الرب وزال. # وهذا بخلاف رضاه فإنه من لوازم ذاته دائم بدوامها، ولهذا دام نعيم أهل ~~الجنة والرضا، كما يقول لهم في الجنة: " «إني أحل عليكم رضواني فلا أسخط ~~عليكم أبدا» " فكيف يساوى بين موجب رضاه وموجب سخطه في الدوام، ولم يستو ~~الموجبان. # الوجه الثاني عشر: أنه كما ms269 قيد الغضب الشديد بذلك اليوم قيد العذاب ~~المرتب عليه به كما في قوله: {فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من ~~عذاب يوم أليم} [الزخرف: 65] وقوله: {ويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} ~~[مريم: 37] فجعل العذاب والمشهد واقعين في ذلك اليوم العظيم، بل جعل العذاب ~~يوم العذاب أبدا. # ولا يقال في الشيء الأبدي الذي لا يفنى ولا يبيد: إنه عمل يوم، وطعام ~~يوم، وعذاب يوم، ولم ينتقص هذا بقوله سبحانه: {ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر} ~~[القمر: 38] ولا بقوله: {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر} ~~[القمر: 19] فإن استقراره واستمراره لا يقتضي أبديته لغة ولا عرفا ولا ~~عقلا، وقد أخبر سبحانه عن بطن الأم أنه مستقر الجنين بقوله: {ونقر في ~~الأرحام ما نشاء} [الحج: 5] وقال تعالى: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ~~فمستقر ومستودع} [الأنعام: 98] سواء كان المستقر صلب الأب والمستودع بطن ~~الأم أو عكس ذلك، أو دار الدنيا ودار البرزخ، كما هي أقوال المفسرين في ~~الآية، فالمستقر لا يدل على أنه أبدي، وكذلك المستمر لا يدل على الأبدية. # فاستقرار كل شيء واستمراره ودوامه وخلوده وثباته بحسب ما يليق به من ~~البقاء والإقامة، وقال تعالى: {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: 23] وهذا لا ~~يقال في لبث لا انتهاء له، وتأويل الآية عند من # PageV01P272 # تأولها أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، أي لا ~~يذوقون في تلك الأحقاب بردا ولا شرابا: لا يفيدهم شيئا، فإنه يلزم على ~~تأويله أنهم يذوقون البرد والشراب بعد مضي تلك الأحقاب، ومتى ذاقوا البرد ~~والشراب انقطع عنهم العذاب. # الوجه الثالث عشر: أنه سبحانه وتعالى يذكر نعيم أهل الجنة فيصفه بأنه غير ~~منقطع، وأنه ما من نفاد، يذكر عقاب أهل النار ثم يخبر معه أنه فعال لما ~~يريد أو يطلقه، فالأول كقوله: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق - خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال ~~لما يريد - وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ms270 السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} [هود: 106 - 108] وأما الثاني ~~فقوله: {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب - جنات عدن مفتحة لهم الأبواب - ~~متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب - وعندهم قاصرات الطرف أتراب - ~~هذا ما توعدون ليوم الحساب - إن هذا لرزقنا ما له من نفاد - هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب - جهنم يصلونها فبئس المهاد} [ص: 49 - 56] إلى قوله تعالى ~~{إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} [ص: 64] ولم يقل فيه ما قاله في النعيم. # وقريب من هذا أنه سبحانه وتعالى يذكر خلود أهل النعيم فيه، فيقيده ~~بالتأبيد، ويذكر معه خلود أهل العذاب، فلا يقيده بالتأبيد، بل يطلقه، وهذا ~~كقوله تعالى: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية - جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} [البينة: 6 - 8] . # ولا ينتقض هذا بقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا} [الجن: 23] فإن تأبيد الخلود فيها لا يستلزم أبديتها ودوام بقائها، ~~بل يدل على أنهم خالدون فيها أبدا ما دامت كذلك، فالأبد استمرارهم فيها ما ~~دامت موجودة، وهو سبحانه لم يقل: إنها باقية أبدا، وفرق بين الأمرين ~~فتأمله. # على أن التأبيد قد جاء في القرآن فيما هو منقطع، كقوله عن اليهود: {ولن ~~يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] # PageV01P273 # وهذا إنما هو أبد مدة حياتهم في الدنيا، وإلا فهم في النار يتمنون الموت ~~حين يقولون {يامالك ليقض علينا ربك} [الزخرف: 77] وقول العرب: لا أفعل هذا ~~أبدا، ولا أتزوج أبدا، أشهر من أن تذكر شواهده، وإنما يريدون مدة منقطعة، ~~وهي أبد الحياة ومدة عمرهم، فهكذا الأبد في العذاب هو أبد مدة بقاء النار ~~ودوامها. # الوجه الرابع عشر: أنه لو كانت دار الشقاء دائمة دوام دار النعيم، وعذاب ~~أهلها فيها مساويا لنعيم أهل الجنة بدوامه لم تكن الرحمة غالبة ms271 للغضب بل ~~يكون الغضب قد غلب الرحمة، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ملزومه، والشأن ~~في بيان الملازمة، وأما انتفاء اللازم فظاهر، وقد دل عليه الحديث المتفق ~~على صحته من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «لما ~~قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب» " وبيان ~~الملازمة أن المعذبين في دار الشقاء أضعاف أهل النعيم، كما ثبت في الصحيح " ~~«إن الله تعالى يقول: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: ~~إن الله يأمرك أن تبعث من ذريتك بعث النار، فيقول: ربي، وما بعث النار؟ ~~فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة " فقال ~~الصحابة: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد؟ فقال: " إن معكم خليقتين ما كانتا ~~مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج» . # فعلى هذا أهل الجنة عشر عشر أهل النار، وإنما دخلوها بالغضب، فلو دام هذا ~~العذاب دوام النعيم وساواه في وجوده لكانت الغلبة للغضب، وهذا بخلاف ما إذا ~~كانت الرحمة هي الغالبة فإن غلبتها تقتضي نقصان عدد المعذبين أو مدتهم. # يوضحه الوجه الخامس عشر: أن الله تعالى جعل الدنيا مثالا وأنموذجا وعبرة ~~لما أخبر به في الآخرة، فجعل آلامها ولذاتها وما فيها من النعيم والعذاب ~~وما فيها من الثمار والحرير، والذهب والفضة والنار تذكرة ومثالا وعبرة، ~~ليستدل العباد بما شاهدوه على ما أخبروا به، وقد أنزل في هذه الدار رحمته ~~وغضبه، وأجرى عليهم آثار الرحمة والغضب، ويسر لأهل الرحمة أسباب الرحمة، ~~ولأهل الغضب أسباب الغضب، ثم # PageV01P274 # جعل سبحانه الغلبة والعافية لما كان عن رحمته، وجعل الاضمحلال والزوال ~~لما كان عن غضبه فلا بد من حين قامت الدنيا إلى أن يرثها الله ومن عليها أن ~~تغلب آثار غضبه ولو في العاقبة، فلا بد أن يغلب الرخاء الشدة، والعافية ~~البلاء، والخير وأهله الشر وأهله، وإن أديلوا أحيانا فإن الغلبة المستقرة ~~الثابتة للحق وأهله، وآخر أمر المبطلين الظالمين إلى زوال وهلاك، فما قام ~~للشر والباطل جيش إلا ms272 أقام الله سبحانه للحق جيشا يظفر به ويكون له العلو ~~والغلبة، قال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين - إنهم لهم ~~المنصورون - وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 171 - 173] فكما غلبت ~~الرحمة غلبت جنودنا، وإذا كان هذا مقتضى حمده وحكمته في هذه الدار، فهكذا ~~في دار الحق المحض تكون الغلبة لما خلق بالرحمة والبقاء لها. # وسر هذا الوجه وما يتصل به أن الخير هو الغالب للشر، وهو المهيمن عليه، ~~الذي لو دخل جحر ضب لدخل خلفه حتى يخرجه ويغيره، وإذا كانت للشر دولة وصولة ~~لحكمة مقصودة لغيرها قصد الوسائل، فالخير مقصود مطلوب لنفسه قصد الغايات. # الوجه السادس عشر: أنه قد ثبت في الصحيح أن الجنة يبقى فيها فضل، فينشئ ~~الله لها خلقا يسكنهم إياها بغير عمل كان منهم، محبة منه للجود والإحسان ~~والرحمة، فإذا كان وجوده ورحمته قد اقتضيا أن يدخل هؤلاء الجنة بغير تقدم ~~عمل منهم ولا معرفة ولا إقرار، فما المانع أن تدرك رحمته من قد أقر به في ~~دار الدنيا، واعترف بالله ربه ومالكه، واكتسب ما أوجب غضبه عليه، فعاقبه ~~بما اكتسبه، وعرفه حقيقة ما اجترحه وأشهده أنه كان كاذبا مبطلا، وأن رسله ~~هم الصادقون المحقون، فشهد ذلك وأقر على نفسه وتقطعت نفسه حسرة وندما، ~~وأخرجت النار منه خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد. # ولا يقال: الخبث لا يفارقهم والإصرار لا يزول عنهم، كما قال تعالى: {ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] فإن هذا ليس في حكم الطبيعة ~~الحيوانية، ولهذا في الدنيا لما يمسهم العذاب تجد عقدة الإصرار قد انحلت ~~عنهم وانكسرت نخوة الباطل ولكن لم تظهر قلوبهم بذلك وحده. # PageV01P275 # وأما قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] فذلك قبل ~~دخول النار فقالوا: {ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين - ~~بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون} [الأنعام: 27 - 28] ، وهذا إخبار عن حالهم قبل أن يدخلوا النار، ~~وقبل أن تذيب لحومهم ونفوسهم التي نشأت على ms273 الكفر، فالخبث بعد كامن فيها، ~~فلو ردوا والحالة هذه لعادوا لما نهوا عنه، والحكمة والرحمة تقتضي أن النار ~~تأكل تلك اللحوم التي نشأت من أكل الحرام، وتنضج تلك الجلود التي باشرت ~~محارم الله تعالى وتطلع على الأفئدة التي أشركت به وعبدت معه غيره، فتسليط ~~النار على هذه القلوب والأبدان من غاية الحكمة، حتى إذا أخذت المسألة حقها ~~وأخذت العقوبة منهم مأخذها وعادوا إلى ما فطروا عليه، وزال ذلك الخبث والشر ~~الطارئ على الفطرة، والعزيز الحكيم حينئذ حكم هو أعلم به، وهو الفعال لما ~~يريد. # الوجه السابع عشر: أن أبدية النار كأبدية الجنة، إما أن يتلقى القول بذلك ~~من القرآن أو من السنة أو من إجماع الأمة، أو أدلة العقول أو من القياس على ~~الجنة، والجميع منتف، أما القرآن فإنما يدل على أنهم غير خارجين منها، فمن ~~أين يدل على دوامها وبقاء أبديتها؟ فهذا كتاب الله وسنة رسوله أرونا ذلك ~~منهما، وهذا بخلاف الجنة، فإن القرآن والسنة قد دلا على أنها لا تبيد ولا ~~تفنى، وأما الإجماع فلا إجماع في المسألة وإن كان قد حكاه غير واحد، وجعلوا ~~القول بفنائها من أقوال أهل البدع، فقد رأيت بعض ما في هذا الباب عن ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما من حكى الإجماع فإما أن يكون قد حكاه ~~بموجب علمه كما يحكى الإجماع كثيرا على ما الخلاف فيه مشهور غير خفي، وأبلغ ~~من هذه حكاية الإجماع كثيرا على ما الإجماع القديم على خلافه، وهذا كثير ~~جدا وإنما يعلمه أهل العلم، ولو تتبعناه لزاد على مائتي موضع، وأما أن يكون ~~من حكى الإجماع أراد أن الأمة اجتمعت على بطلان قول الجهمية بفناء الجنة ~~والنار، وأنهما يشتركان في ذلك، فنعم اجتمعت الأمة على خلاف هذا القول، ~~فلما قال السلف: إن الأمة مجتمعة على خلاف ذلك ظن من تلقى منهم ذلك أن ~~الإجماع على خلافه في الموضعين، وأيضا فإن الأمة مجتمعة على خلاف قولهم في ~~الدارين، فإنهم يقولون: إن الله تعالى لا يقدر على إبقائهما أبدا، إذ ms274 يلزم ~~من ذلك وجود حوادث لا نهاية لها، قالوا: وهذا ممتنع كما أن وجود حوادث لا ~~بداية لها # PageV01P276 # ممتنع، فيفنيان بأنفسهما من غير أن يفنيهما الله تعالى، وهذا قول لم يقل ~~به أحد من أهل الإسلام سوى هذه الفرقة الضالة، أو يكون حكايتهم الإجماع، ~~على أن أهل النار لا يخرجون منها أبدا، فهو مما أجمع عليه سلف الأمة، فهذه ~~ثلاث محال للإجماع، ولكن أين الإجماع على أن النار باقية ببقاء الجنة؟ وأن ~~كليهما في البقاء سواء؟ وأما أدلة العقول فلا مدخل لها في ذلك، وإن كان لا ~~بد من دخولها فهي في هذا الجانب كما ذكرناه، وأما قياس النار على الجنة فقد ~~تقدم الفرق بينهما من وجوه عديدة، وكيف يقاس الغضب على الرحمة، والعدل على ~~الفضل، والمقصود لغيره على المقصود لنفسه. # الوجه الثامن عشر: أنه لو لم يكن من الأدلة على عدم أبدية النار إلا ~~استثناؤه سبحانه بمشيئته في موضعين من كتابه، أحدهما قوله: {قال النار ~~مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] ف " ~~ما " هاهنا مصدرية وقتية، وهو استثناء ما دل عليه الأول، وهو كونها مثواهم ~~بوصف الخلود، فلا بد أن يكون المستثنى مخرجا لما دخل فيه المستثنى منه وهو ~~خلودهم فيها، فلا بد أن يكون المستثنى مخالفا لذلك، إذ يمتنع تماثلهما ~~وتساويهما، وغاية ما يقال: إن المستثنى واقع على ما قبل الدخول لا على ما ~~بعده، وهو مدة لبثهم في البرزخ، وفي البررخ، وفي مواقف القيامة، وهذا لا ~~يتأتى هاهنا، فإن هذا قد علم انتفاء الدخول في وقته قطعا، فليس في الإخبار ~~به فائدة، وهو بمنزلة أن يقال: أنتم خالدون فيها أبدا إلا المدة التي كنتم ~~فيها في الدنيا، وهذا ينزه عنه كلام الفصحاء البلغاء، فضلا عن كلام رب ~~العالمين. # وهو بمنزلة أن يقال للميت: أنت مقيم في البرزخ إلا مدة بقائك في الدنيا، ~~وليس هذا مثل قوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] ~~فإن هذا استثناء منقطع قصد به تقرير ms275 المستثنى منه، وأنه عام محفوظ لا تخصيص ~~فيه، إذ من الممتنع أن يكون تخصيصا باستثناء فيعدل عن ذكره إلى غير جنسه. # ونظيره قولهم: ما زاد إلا نقصا فإنه يفيد القطع بعدم زيادته، وأنه كان ثم ~~تغير فبالنقصان، وليس هذا مخرج قوله: {خالدين فيها إلا ما شاء الله} ~~[الأنعام: 128] ولو أريد هذا لقيل: لا يخرجون منها أبدا مقامهم في الدنيا ~~فهذا يكون وزان قوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: ~~56] # PageV01P277 # وكان يفيد ذلك تقرير عدم خروجهم منها، وأما إذا قيل: خالدين فيها إلا ما ~~شاء الله لا يخلدون، فإن ذلك يفيد أن لهم حالين، فإن قيل: هذا ينتقض عليكم ~~بالاستثناء في أهل الجنة، فإن هذا وارد فيهم بعينه، قيل: قد اقترن ~~بالاستثناء في أهل الجنة ما ينافي ذلك وهو قوله: {عطاء غير مجذوذ} [هود: ~~108] ولهذا، والله أعلم، عقب الاستثناء بهذا رفعا لهذا التوهم، وعقب ~~الاستثناء في أهل النار بالإخبار بأنه يفعل ما يريد، ولا حجر عليه سبحانه ~~فيما يريد بهم من عذاب أو إخراج منه، فإن الأمر راجع إلى مشيئته وإرادته ~~التي لا تخرج عن علمه وحكمته، كما عقب الاستثناء في سورة الأنعام بقوله: ~~{إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83] فدل ذلك على أنه أدخلهم النار بحكمته ~~وعلمه بأنه لا يصلح لهم سواها وله حكمة وعلم فيهم لا يبلغه العباد، فإن ~~اقتضت حكمته وعلمه فيهم غير ذلك لم تقصر عنه مشيئته النافذة وقدرته التامة. # ومما يوضح الأمر في ذلك أنه في آية الأنعام خاطبهم بذلك، إما في النار ~~وإما في موقف القيامة، ولم يقيد مدة الخلود بدوام السماوات والأرض فقال: ~~{ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] فأمكن أن ~~يكون هذا الاستثناء هو مدة مقامهم في البرزخ وفي مدة القيامة، وأما أن يقول ~~لهم وهم في النار: {النار مثواكم خالدين ms276 فيها إلا ما شاء الله} [الأنعام: ~~128] وهو يريد مدة لبثهم في البرزخ وفي الموقف، فهذا أمر قد علموه وشاهدوه، ~~فأي فائدة حصلت في الإخبار به؟ # PageV01P278 # الوجه التاسع عشر: قوله: وإذ خلقني فلم كلفني السجود لآدم وقد علم أني ~~أعصيه؟ فيقال له: كفى بك جهلا ولؤما أن سميت أمره وطاعته التي هي قرة ~~العيون وحياة النفوس تكليفا، والتكليف إلزام الغير بما يشق عليه ويكرهه ولا ~~يحبه: كما يقول القائل: لا أفعل هذا إلا تكلفا، ولا ريب أن هذا لما كان ~~كامنا في قلبك ظهر أثره في امتناعك من الطاعة. # ولو علمت أن أمره سبحانه هو غاية مصلحة العبد وسعادته، وفلاحه وكماله لم ~~تقل: إنه كلفك بالسجود، ولعلمت أنه أراد به مصلحتك ورحمتك وسعادتك الأبدية، ~~وقد سمى الله تعالى أوامره عهودا ووصايا، ورحمة وشفاء ونورا وهدى وحياة، ~~قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم} [الأنفال: 24] فتأمل الفرق بين هذا الخطاب وبين قول القائل إنه ~~دعاهم بأمره إلى تكليف ما لا يطيقونه ولا يقدرون عليه لا لحكمة ولا لمصلحة ~~ولا لصفة حسنة في الأمر تقتضي دعاءهم إليه، ولم يأمرك حاجة منه إليك، ولا ~~عبثا ولا سدى، وكأنك لم تعرف أن أوامره رحمة ونعمة ومصلحة، ونواهيه حماية ~~وصيانة وحفظ، وهل وفق للصواب من أمره سيده بأمر ينفذه فقال له: لم أمرتني ~~بذلك، وهلا تركتني ولم تأمرني؟ فمن أضل من هذا العبد سبيلا؟ . # الوجه العشرون: أنه سبحانه لما كان يعلم منك من الخبث والشر الكامن في ~~نفسك ما لا يعلمه غيره، وكان موجبا لمقته لك ولم يكن يجري عليك ما تستحقه ~~بمجرد علمه السابق قبل، من غير أن تظهر الملائكة ما يحمد به ويثنى عليه ~~ويعذر به إذا طردك عن قربه، وأخرجك من جنته، فأمرك بأمره، فخرج منك الداء ~~الدفين # PageV01P279 # بمقابلته بالمعصية ومنازعته سبحانه رداء الكبرياء، فاستخرج أمره منك ~~الكفر الخفي والداء الدوي، وقام عذره في نفوس أوليائه وملائكته بما أصابك ~~من لعنته وجرى عليك من نكاله وعقوبته، وصرت في ms277 ذلك إماما لمن كان حاله ~~حالك، فهذا من بعض حكمه: في أمره لمن علم أنه لا يطيعه، فإنه لو عذبه وطرده ~~بما يعلمه منه من غير أن يظهر غيره، لوجد هو وغيره للقول سبيلا، لو أمرتني ~~لأطعتك، ولكن عذبتني قبل أن تجربني، ولو جربتني لوجدتني سامعا مطيعا، بل من ~~تمام حكمته ورحمته أنه لا يعذبه بمعصيته حتى يدعوه إلى الرجوع إليه مرة بعد ~~مرة، حتى إذا استحكم إباؤه ومعصيته، ولم يبق للقول فيه مطمع، ولا للموعظة ~~فيه تأثير، وأيس منه، حق عليه القول، وظهر عذر من عذبه للخليقة، وحمده ~~وكماله المقدس. # قال مختصره محمد بن الموصلي، عفا الله عنه، وهذا الوجه أحسن من الوجه ~~الأول وأصوب، والله تعالى أعلم. # الوجه الحادي والعشرون: قوله: وإذ أبيت السجود له فلم طردتني وذنبي أني ~~لم أر السجود لغيره. # فيقال لعدو الله: هذا تلبيس إنما يروج على أشباه الأنعام من أتباعك، حيث ~~أوهمتهم أنك تركت السجود لآدم تعظيما لله، وتوحيدا له، وصيانة لعزته أن ~~تسجد لغيره، فجازاك على هذا الإجلال والتعظيم بغاية الإهانة والطرد، وهذا ~~أمر لم يخطر ببالك، ولم تعتذر به إلى ربك، إنما كان الحامل لك على ترك ~~السجود الكبر والكفر والنخوة الإبليسية، ولو كان في نفسك التعظيم والإجلال ~~لله وحفظ جانب التوحيد لحملك على المبادرة إلى طاعته. # وهل التعظيم والإجلال إلا في امتثال أمره؟ وقد قام لك من إخوانك أصحاب ~~يحامون عنك ويخاصمون ربهم فيك، وينوحون عليك اعتذارا عنك وتظليما من ربك، ~~كما فعل صاحب تفليس إبليس في كتابه، فإنه يقول فيه ما ترعد منه قلوب أهل ~~الإيمان فرقا وتعظيما لله من الاعتذار عنك، وأن ما فعلته هو وجه الصواب، إذ ~~غرت على التوحيد أن يحملك على السجود لغيره، وإنك لم تزل رأس المحبين قائد ~~المطيعين ولكن: # إذ كان المحب قليل حظ فما حسناته إلا ذنوب ويا لله، لقد قال هذا الخليفة ~~منك والولي لك ما لم تستحسن أن تقوله لربك ولا تظنه فيه. # الوجه الثاني والعشرون: قوله: وإذ قد أبعدني ms278 وطردني فلم سلطني على آدم ~~حتى # PageV01P280 # دخلت إليه وأغويته فيها؟ فيقال له: هذا تلبيس منك على من لا علم له ~~بكيفية قصتك، خلق الله تعالى آدم وقد علم سبحانه أنه خلقه ليجعله خليفة في ~~الأرض ويستخلف أولاده إلى أن يرثها ومن عليها، ولم يكن سبحانه لينزله إلى ~~الأرض بغير سبب، فإنه الحكيم في كل ما يأمر به ويقدره ويقضيه، فأباح لآدم ~~جميع ما في الجنة، وحمى عنه شجرة واحدة، وقد وكل الله تعالى بكل واحد من ~~البشر قرينا من الشياطين لتمام حكمته التي لأجلها خلق الجن والإنس، وكنت ~~أنت قرين الأب لتمام الابتلاء، فاقتضت حكمته وحمده سبحانه أن يبتلي بك ~~الأبوين لسعادتهما وتمام شقوتك، فخلى بينك وبين الوسوسة لهما لنفذ قضائه ~~وقدره السابق فيك وفيهما وفي الذرية، وإذا كان أجرى ذريتك من ذريته مجرى ~~الدم امتحانا لهم، فهكذا امتحن بك الأبوين فلم تكن لتفارقهما إلا بالموت ~~كحال ذريتك مع ذريتهما. # PageV01P281 ### | فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات # الجزء الثاني # PageV01P283 # فصل # في كسر الطاغوت الثالث # الذي وضعته الجهمية، لتعطيل حقائق الأسماء والصفات، # وهو طاغوت المجاز # هذا الطاغوت لهج به المتأخرون، والتجأ إليه المعطلون، وجعلوه جنة يترسون ~~بها من سهام الراشقين ويصدرون عن حقائق الوحي المبين، فمنهم من يقول: ~~الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا. # ومنهم من يقول: الحقيقة هي المعنى الذي وضع له اللفظ أولا، والمجاز ~~استعمال اللفظ فيما وضع له ثانيا. # فهاهنا ثلاثة أمور: لفظ ومعنى واستعمال، فمنهم من جعل مورد التقسيم هو ~~الأول، ومنهم من جعله الثاني، ومنهم من جعله الثالث، والقائلون حقيقة اللفظ ~~كذا ومجازه كذا يجعلون الحقيقة والمجاز من عوارض المعاني. # فإنهم إذا قالوا مثلا: حقيقة الأسد هو الحيوان المفترس، ومجازه الرجل ~~الشجاع، جعلوا الحقيقة والمجاز للمعنى لا للألفاظ، وإذا قالوا: هذا ~~الاستعمال حقيقة، وهذا الاستعمال مجاز جعلوا ذلك من توابع الاستعمال، وإذا ~~قالوا هذا اللفظ حقيقة في كذا، مجاز في كذا جعلوا ذلك من عوارض الألفاظ، ~~وكثير منهم في ms279 كلامه هذا وهذا وهذا. # والمقصود أنهم سواء قسموا اللفظ ومدلوله أو استعماله في مدلوله طولبوا ~~بثلاثة أمور: أحدها: تعيين ورود التقسيم، الثاني: صحته بذكر ما تشترك فيه ~~الأقسام وما ينفصل وما يتميز به، فلا بد من ذلك المشترك والمميز ضرورة صحة ~~التقسيم الثالث: التزام الطرد والعكس، فإن التقسيم من جنس التحديد، إذ هو ~~مشتمل على القدر المشترك والقدر المميز الفارق فإن لم يطرد التقسيم وينعكس ~~كان تقسيما فاسدا. # فنقول: تقسيمكم الألفاظ ومعانيها واستعمالها فيها إلى حقيقة ومجاز، إما ~~أن يكون عقليا أو شرعيا، أو لغويا أو اصطلاحيا، والأقسام الثلاثة الأول ~~باطلة، فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه ~~حقيقة كان أو مجازا، فإن دلالة اللفظ على معناه وليست كدلالة الانكسار على ~~الكسر والانفعال على الفعل لو كانت عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم ولما ~~جهل أحد معنى لفظ، والشرع لم يرد # PageV01P285 # بهذا التقسيم ولا دل عليه، ولا أشار إليه، وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم ~~بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ ~~حقيقة وهذا مجاز، ولا وجد فى كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ~~ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء ~~والأصمعي وأمثالهم، كما لم يوجد ذلك في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من ~~التابعين ولا تابع التابعين، ولا فى كلام أحد من الأئمة الأربعة. # وهذا الشافعي وكثرة مصنفاته ومباحثه مع محمد بن الحسن وغيره لا يوجد فيها ~~ذكر المجاز البتة، وهذه رسالته التي هي كأصول الفقه لم ينطق فيها بالمجاز ~~في موضع واحد، وكلام الأئمة مدون بحروفه لم يحفظ عن أحد منهم تقسيم اللغة ~~إلى حقيقة ومجاز، بل أول من عرف عنه في الإسلام أنه نطق بلفظ المجاز أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى، فإنه صنف في تفسير القرآن كتابا مختصرا سماه مجاز ~~القرآن، وليس مراده به تقسيم الحقيقة، فإنه تفسير لألفاظه بما هي موضوعة ~~له، وإنما عنى بالمجاز ms280 ما يعبر به من اللفظ ويفسر به، كما سمى غيره كتابه ~~معاني القرآن، أي: ما يعنى بألفاظه ويراد بها، كما يسمي ابن جرير الطبري ~~وغيره ذلك تأويلا، وقد وقع في كلام أحمد شيء من ذلك، فإنه قال في (الرد على ~~الجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وأما قوله: {إني معكم} [المائدة: ~~12] فهذا من مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: سيجري عليك رزقك، أنا مشتغل به، ~~وفي نسخة، وأما قوله: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] فهو جائز في اللغة، ~~يقول الرجل للرجل: سأجري عليك رزقك وسأفعل بك خيرا. # قلت: مراد أحمد أن هذا الاستعمال مما يجوز في اللغة، أي هو من جائز اللغة ~~لا من ممتنعاتها، ولم يرد بالمجاز أنه ليس بحقيقة وأنه يصح نفيه، وهذا كما ~~قال أبو عبيدة في تفسيره إنه مجاز القرآن، ومراد أحمد أنه يجوز في اللغة أن ~~يقول الواحد # PageV01P286 # المعظم نفسه، نحن فعلنا كذا، فهو مما يجوز في اللغة، ولم يرد أن في ~~القرآن ألفاظا استعملت في غير ما وضعت له، وأنها يفهم منها خلاف حقائقها، ~~وقد تمسك بكلام أحمد هذا من ينسب إلى مذهبه أن في القرآن مجازا كالقاضي أبي ~~يعلى وابن عقيل وابن الخطاب وغيرهم، ومنع آخرون من أصحابه ذلك، كأبي عبد ~~الله بن حامد، وأبي الحسن الجزري وأبي الفضل التميمي. # وكذلك أصحاب مالك مختلفون، فكثير من متأخريهم يثبت في القرآن مجازا، وأما ~~المتقدمون كابن وهب وأشهب وابن القاسم فلا يعرف عنهم في ذلك لفظة واحدة. # وقد صرح بنفي المجاز في القرآن محمد بن خواز منداد البصري المالكي وغيره ~~من المالكية، وصرح بنفيه داود بن علي الأصبهاني وابنه أبو بكر، ومنذر بن ~~سعيد البلوطي، وصنف في نفيه مصنفا، وبعض الناس يحكي في ذلك عن أحمد ~~روايتين. # وقد أنكرت طائفة أن يكون في اللغة مجاز بالكلية، كأبي إسحاق الإسفرائيني ~~وغيره، وقوله: له غور لم يفهمه كثير من المتأخرين، وظنوا أن النزاع لفظي، ~~وسنذكر أن مذهبه أسد وأصح عقلا ولغة من مذهب أصحاب المجاز، وطائفة أخرى ms281 غلت ~~في ذلك الجانب وادعت أن أكثر اللغة مجاز، بل كلها، وهؤلاء أقبح قولا وأبعد ~~عن الصواب من قول من نفى المجاز بالكلية، بل من نفاه أسعد بالصواب. ### | فصل القول بالمجاز قول مبتدع # فصل # إذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ~~ولا لغويا فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة ~~بالنص، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين. # وأشهر ضوابطهم قولهم: إن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا، ~~والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا، ثم زاد بعضهم: في العرف ~~الذي وقع به التخاطب لتدخل الحقائق الثلاث وهي اللغوية والشرعية والعرفية. # والكلام على ذلك من وجوه: أحدها: ما تعنون باللفظ سواء كانت اللغات ~~توقيفية كما هو قول جمهور الناس، أو اصطلاحية، كما هو قول أبي هاشم الجبائي ~~ومن تبعه، أتعنون به جعل اللفظ دليلا على المعنى، أم تعنون به غلبة استعمال ~~اللفظ في المعنى حتى يصير فيه أشهر من غيره، أم تعنون به مطلق الاستعمال ~~ولو مرة واحدة في صورة واحدة، كما قلتم من # PageV01P287 # شرط المجاز الوضع، فإن الوضع في كلامكم ما يدور على هذه المعاني الثلاثة، ~~وهذا كله إنما يصح إذا علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم استعملت ~~فيها، ثم وضع لمعان أخر بعد الوضع الأول والاستعمال بعده والوضع الثاني ~~والاستعمال بعده، ولا تتم لكم دعوى المجاز إلا بهذه المقامات الأربع، وليس ~~معكم ولا مع غيركم سوى استعمال اللفظ في المعنى. # وأما إنهم وضعوه لمعنى ثم استعملوه فيه وضعوه بعد ذلك لمعنى آخر غير ~~معناه الأول ثم استعملوه فيه، فدعوى ذلك قول بلا علم، وهو حرام في حق ~~المخلوق، فكيف في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن يمكنه من بني ~~آدم أن يثبت ذلك، وهذا لو أمكن العلم به لم يكن له طريق إلا الوحي وخبر ~~الصادق المعلوم بالضرورة صدقه. # الوجه الثاني: أن هذا إنما يمكن دعواه ms282 إذا ثبت أن قوما من العقلاء ~~اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا، ثم استعملوا تلك ~~الألفاظ من تلك المعاني، ثم بعد ذلك اجتمعوا وتواطئوا على أن يستعملوا تلك ~~الألفاظ بعينها في معان أخر غير المعاني الأول، لعلاقة بينها وبينها، ~~وقالوا: هذه الألفاظ حقيقة تلك المعاني مجاز في هذه وهذه، ولا نعرف أحدا من ~~العقلاء قاله قبل أبي هاشم الجبائي فإنه زعم أن اللغات اصطلاحية، وأن أهل ~~اللغة اصطلحوا على ذلك، وهذا مجاهرة بالكذب، وقول بلا علم، والذي يعرفه ~~الناس استعمال هذه الألفاظ في معانيها المفهومة منها. # الوجه الثالث: أن قولكم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضوعه، فلزم منه ~~انتفاء كونه حقيقة قبل الاستعمال وليس بمجاز، فتكون الألفاظ قبل استعمالها ~~لا حقيقة ولا مجازا، هذا وإن استلزموه فإنه يستلزم أصلا فاسدا، ومستلزم ~~لأمر فاسد، أما الأصل الفاسد فهو أن هاهنا وضعا سابقا على الاستعمال ثم ~~اطرد عليه الاستعمال فصار باعتباره حقيقة ومجازا، وهذا مما لا سبيل إلى ~~العلم به كما تقدم، ولا يعرف تجرد هذه الألفاظ عن الاستعمال بل تجردها عن ~~الاستعمال محال، وهو كتجرد الحركة عن المتحرك، نعم إنما تتجرد في الذهن وهي ~~حينئذ ليست ألفاظا وإنما هي تقدر ألفاظا لا حكم لها، وثبوتها في الرسم ~~مسبوق بالنطق بها، فإن الخط يستلزم اللفظ من غير عكس. # وأما استلزامه الأمر الفاسد فإنه إذا تجرد الوضع عن استعمال جاز أن يوضع # PageV01P288 # للمعنى الثاني من غير أن يستعمل في معناه الأول، وحينئذ فيكون مجازا لا ~~حقيقة له، فإذا الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضوعه، وقد نقل عنه إلى ~~مجازه، وهل هذا إلا نوع من الكهانة الباطلة، اللهم إلا أن يأتي وحي بذلك ~~فيجب المصير إليه. # الوجه الرابع: أن هذا يستلزم تعطيل الألفاظ عن دلالتها على المعاني وذلك ~~ممتنع، لأن الدليل يستلزم مدلوله من غير عكس. # فإن قيل: لا يلزم من عدم الاستعمال عدم الدلالة فإنهما غير متلازمين، ~~قيل: بل يلزم لزوما بينا، فإن دلالته عليه إنما تتحقق باستعماله، فإن ~~الدلالة ms283 هي فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه، فلا تحقق لها بدون الاستعمال ~~البتة، والاستعمال إما أن يكون هو معنى الحقيقة والمجاز، وهذا إنما يقوله ~~من يقول: إن الحقيقة استعمال اللفظ في موضعه، أو جزء مسمى الحقيقة، كما ~~يقول من يقول: إنها اللفظ المستعمل في موضعه، وعلى التقديرين فيلزم تجرد ~~اللفظ عن حقيقته ومجازه قبل الاستعمال مع وجود دلالته على أحدهما، وهذا جمع ~~بين النقيضين فتأمله. # الوجه الخامس: أن القائلين بالمجاز مختلفون، هل يستلزم المجاز الحقيقة أم ~~لا؟ على قولين، ولم يختلفوا أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، فإنه لا يجب أن ~~يكون لكل حقيقة مجاز، والذين قالوا باللزوم احتجوا بأنه لو لم يكن المجاز ~~مستلزما للحقيقة لعري وضع اللفظ للمعنى عن الفائدة، وكان وضعه عبثا، ~~والحقيقة عندهم إما استعمال اللفظ وإما وضع اللفظ المستعمل في موضوعه، فلا ~~يتصور عندهم مجاز حتى يسبقه استعمال في الحقيقة، وهذا السبق مما لا سبيل ~~لهم العلم به بوجه من الوجوه، فيستحيل على أصلهم التمييز بين الحقيقة ~~والمجاز. # فإن قالوا: نحن نختار القول الأول وأن المجاز لا يستلزم الحقيقة، فإن ~~العرب تقول: شابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وهذه مجازات لم يسبق لها ~~استعمال في حقائقها ولم تستعمل في غير مدلولاتها المجازية. # قيل لهم: الجواب من وجهين: أحدهما: أن المجاز وإن لم يستلزم استعمال ~~اللفظ في حقيقته فلا بد أن يستلزم وضع اللفظ لمعناه الحقيقي، فلو لم يتقدم ~~وضع هذه الألفاظ لحقائقها لكانت قد وضعت لهذه المعاني وضعا أوليا، فتكون ~~حقيقة لا مجازا، فإذا لم يكن لهذه الألفاظ موضوع سوى معناها لم تكن مجازا، ~~وإن كان لها موضوع سواه بطل الدليل. # PageV01P289 # الثاني: أنكم إنما تعنون بقولكم: لو استلزم المجاز الحقيقة لكان كنحو ~~قامت الحرب على ساق، وشابت لمة الليل، حقيقة أنه لا بد لمفرداتها من حقيقة، ~~أو لا بد للتركيب من حقيقة، فإن أردتم الأول فمسلم. # وهذه المفردات لها حقائق فبطل الدليل، وإن أردتم الثاني فهو بناء على أن ~~دلالة المركب تنقسم إلى حقيقية ومجازية، ms284 وهذا ينازع فيه جمهور القائلين ~~بالمجاز، ويقولون: إن المجاز في المفردات لا في التركيب، إذ لا يعقل وقوعه ~~في التركيب، لأنه لا يتصور أن يكون للإسناد جهتان: إحداهما جهة حقيقة، ~~والأخرى جهة مجاز، بخلاف المفردات، والفرق بينهما أن الإسناد لم يوضع أولا ~~لمعنى ثم نقل عنه إلى غيره ولا يتصور فيه ذلك وإن تصور في المفرد. ### | تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم فاسد # الوجه السادس: أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز لا يدل على وجود المجاز، ~~بل ولا على مكانه، فإن التقسيم لا يدل على ثبوت كل واحد من الأقسام في ~~الخارج، ولا على إمكانها، فإن التقسيم يتضمن حصر المقسوم في تلك الأقسام، ~~هي أعم من أن تكون موجودة أو معدومة، ممكنة أو ممتنعة، فهاهنا أمران: ~~أحدهما: انحصار المقسوم في أقسامه، وهذا يعرف بطرق: # منها أن يكون التقسيم دائرا بين النفي والإثبات، ومنها أن يجزم العقل ~~بنفي قسم آخر غيرها، ومنها أن يحصل الاستقراء التام المفيد للعلم، أو ~~الاستقراء المفيد للظن. # والثاني: ثبوت تلك الأقسام أو بعضها في الخارج، وهذا لا يستفاد من ~~التقسيم، بل يحتاج إلى الدليل منفصل يدل عليه، وكثير من أهل النظر يغلط في ~~هذا الموضع، ويستدل بصحة التقسيم على الوجود الخارجية وإمكانه، وهذا غلط ~~محض، كما يغلط كثير منهم في حصر ما ليس بمحصور، فإن الذهن يقسم المعلوم إلى ~~موجود ومعدوم،. وما ليس بموجود ولا معدوم، والموجود إما قائم بنفسه وإما ~~قائم بغيره، وإما لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، وإما قائم بنفسه وغيره، ~~وإما داخل العالم أو خارجه، أو داخله، أو داخله وخارجه، أو لا داخله ولا ~~خارجه، وأمثال ذلك من التقسيمات الذهنية التي يستحيل ثبوت بعض أقسامها في ~~الخارج. # إذا عرف ذلك فالذين قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز إن أرادوا بذلك التقسيم ~~الذهني لم يفدهم ذلك شيئا، وإن أرادوا التقسيم الخارجي لم يكن معهم دليل ~~يدل على وجود الجميع في الخارج سوى مجرد التقسيم، وهو لا يفيد الثبوت ~~الخارجي، # PageV01P290 # فحينئذ لا يتم لهم مطلوبهم ms285 حتى يثبتوا أن هاهنا ألفاظا وضعت لمعان حتى ~~تقلب عنها به بوضع ثان على معان أخر غيرها، وهذا مما لا سبيل لأحد إلى ~~العلم به. # الوجه السابع: أن تقسيم الألفاظ إلى ألفاظ مستعملة فيما وضعت له، وألفاظ ~~مستعملة في غير ما وضعت له تقسيم فاسد يتضمن إثبات الشيء ونفيه، فإن وضع ~~اللفظ للمعنى هو تخصيصه به بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى، ولا يعرف ~~للوضع معنى غير ذلك، ففهم المعنى الذي سميتموه أو سميتم اللفظ الدال عليه ~~أو استعماله على حسب اصطلاحكم مجازا مع نفي الوضع جمع بين النقيضين، وهو ~~يتضمن أن يكون اللفظ موضوعا غير موضع. # فإن قلتم: لا تناقض في ذلك فإنا نفينا الوضع الأول وأثبتنا الوضع الثاني. # قيل لكم: هذا دور ممتنع، فإن معرفة كونه مجازا متوقف على معرفة الوضع ~~الثاني ومستفاد منه، فلو استفيد معرفة الوضع من كونه مجازا لزم الدور ~~الممتنع، فمن أين علمتم أن هذا وضع ثان للفظ، وليس معكم إلا أن ادعيتم أنه ~~مجاز، ثم قلتم: فيلزم أن يكون موضوعا وضعا ثانيا، فإنكم إنما استفدتم كونه ~~مجازا من كونه مستعملا في غير موضوعه فكيف يستفاد كونه مستعملا في غير ~~موضوعه من كونه مجازا. # يوضحه الوجه الثامن: أنه ليس معكم إلا استعمال، وقد استعمل في هذا وهذا، ~~فمن أين لكم أن وضعه لأحدهما سابق على وضعه للآخر، ولو ادعى آخر أن الأمر ~~بالعكس كانت دعواه من جنس دعواكم، وسيأتي الكلام على الإطلاق والتقييد الذي ~~هو حقيقة ما تعرفونه به، وأنه لا يفيدكم شيئا البتة. # الوجه التاسع: أن هذا يتضمن التفريق بين المتماثلين، فإن اللفظ إذا أفهم ~~هذا المعنى تارة وهذا تارة فدعوى المدعي أنه موضوع لأحدهما دون الآخر، وأنه ~~عند فهم أحدهما يكون مستعملا في غير ما وضع له تحكم محض، وتفريق بين ~~المتماثلين. # الوجه العاشر: أن هذا تقسيم فاسد لا ينضبط بضابط صحيح، ولهذا عامة ما ~~يسميه بعضكم مجازا يسميه غيره حقيقة، وهذا يدعي أنه استعمل فيما لم يوضع ~~له، وذلك يدعي ms286 أن هذا موضوعه، وذلك أنه ليس في نفس الأمر فرق يتميز به أحد ~~النوعين عن الآخر، فإن الفرق إما في نفس اللفظ وإما في المعنى، وكلاهما ~~منتف قطعا، أما انتفاء الفرق في اللفظ فظاهر، فإن اللفظ بما سميتموه حقيقة ~~وما سميتموه مجازا واحد، وأما الفرق المعنوي فمنتف أيضا، إذ ليس بين ~~المعنيين من الفرق ما # PageV01P291 # يدل على أنه وضع لهذا ولم يوضع لهذا بوجه من وجوه الدلالة، ولهذا لما ~~تفطن بعض الفضلاء لذلك قال: إنما يعرف الفرق بين الحقيقة والمجاز بنص أهل ~~اللغة على أن هذا حقيقة وهذا مجاز، فإن أراد بأهل اللغة العرب العاربة ~~الذين نقلت عنهم الألفاظ ومعانيها، فلم ينص أحد منهم البتة على ذلك، وإن ~~أراد من نقل عنهم الألفاظ ومعانيها مشافهة من أئمة اللغة كالأصمعي والخليل ~~والفراء وأمثالهم فكذلك، وإن أراد المتأخرين منهم الذين قسموا اللفظ إلى ~~حقيقة ومجاز كابن جني والزمخشري وأبي علي وأمثالهم فهذا اصطلاح منهم لا ~~إخبار عن العرب، ولا عن نقلة اللغة أنهم نقلوه عن العرب، وحينئذ فتعود ~~المطالبة لهم بالفرق المطرد المنعكس بين ما سموه حقيقة وما سموه مجازا، ~~وسنذكر إن شاء تعالى فرقهم ونبطلها، يوضحه: # الوجه الحادي عشر: أن تمييز الألفاظ والتفريق بينها تابع لتمييز المعاني ~~والتفريق بين بعضها وبعض، فإذا لم يكن المعنى الذي سموه حقيقيا منفصلا ~~متميزا من المعنى الذي سموه مجازيا بفصل يعلم به أن استعماله في هذا حقيقة، ~~واستعماله في الآخر مجاز، لم يصح التفريق في اللفظ، وكان تسميته لبعض ~~الدلالة حقيقة ولبعضها مجازا تحكما محضا. # الوجه الثاني عشر: أنهم اختلفوا هل تفتقر صحة الاستعمال المجازي إلى ~~النقل في كل صورة، كما تفتقر إلى ذلك الحقيقة أم لا على قولين، والصحيح ~~عندهم أنه لا يشترط، قالوا: وليس مورد النزاع في الأشخاص كزيد وأسد وبحر ~~وغيث، إذ لا تتوقف صحة هذا الإطلاق على كل شخص على النقل. # فنقول: لا يتحقق ذلك في الأشخاص ولا في الأنواع، أما الأشخاص فظاهر، فإنه ~~لا يشترط في استعمال اللفظ في كل ms287 واحد منها النقل عن أهل اللغة، إذا كانت ~~العلاقة موجودة في الأفراد، وأما الأنواع فلا يكفي في استعمال اللفظ في كل ~~صورة ظهور نوع من العلاقة المعتبرة، فإن من العلاقات عندهم علاقة اللزوم، ~~بحيث يتجوز عن الملزوم إلى لازمه وعكسه، وعلاقة التضاد بأن يتجوز من أحد ~~الضدين إلى الآخر، وعلاقة المشابهة وعلاقة الجوار والقرب، وعلاقة تقدم ثبوت ~~الصفة للحمل، وعلاقة كونه آيلا إليها، فبعضهم جعل أنواع العلاقات أربعة، ~~وبعضهم أوصلها إلى اثني عشر علاقة، وبعضهم أوصلها إلى خمسة وعشرين، ولو ~~أوصلها آخر إلى خمسة وسبعين لقبلوا منه. # PageV01P292 # ومن المعلوم أنه ما من شيئين إلا وبينهما علاقة من هذه العلاقات، فإذا لم ~~يشترط النقل في آحاد الصور واكتفي بنوع العلاقة لزم من ذلك صحة التجوز ~~بإطلاق كل لازم على لازمه، وكل لازم على ملزومه، وكل ضد على ضده، وكل مجاور ~~على مجاوره، وكل شيء كان على صفة، ثم فاقها على ما اتصف بها، وكل مشبه على ~~مشبهه، وفي ذلك من الخبط وفساد اللغات وبطلان التفاهم ووقوع اللبس والتلبيس ~~ما يمنع منه العقل والنقل ومصالح الآدميين، فيجوز تسمية الليل نهارا ~~والنهار ليلا، والمؤمن كافرا والكافر مؤمنا، والصادق كاذبا والكاذب صادقا، ~~والمسك نتنا والنتن مسكا، والبول طعاما والطعام بولا، وتسمية كل شيء باسم ~~ضده ومجاوره ومشابهه ولازمه، فهل يقول هذا أحد من عقلاء بني آدم؟ وهل في ~~العالم قول أفسد من قول هذا لازمه؟ . # ولما ورد عليهم وعرفوا أنه وارد لا محالة قالوا: المانع يمنع من ذلك، ~~ولولا المانع لقلنا به، فيقال: يا لله العجب، ما أسهل الدعوى التي لا حقيقة ~~لها عليكم، أليس من المعلوم أن إضافة الحكم إلى المانع يستلزم أمرين: ~~أحدهما قيام المقتضي والآخر إثبات المانع، فقد سلمتم حينئذ أن المقتضي ~~للتجوز المذكور موجود، وادعيتم على العرب وأهل اللغة أن هذه العلاقات عندهم ~~مقتضية لإطلاق اسم الضد على ضده، واللازم على ملزومه والمجاور على مجاوره، ~~ثم ادعيتم أنهم منعوكم من هذا التجوز فيما لا يحصيه إلا الله تعالى، فمن ~~أين ms288 لكم الشهادة عليهم بهذا المقتضى وهذا المانع، وأين قالوا لكم: أبحنا ~~لكم إطلاق هذه الأضداد الخاصة على أضدادها، وهذه اللوازم على ملزوماتها ~~وحرمنا عليكم ما عداها، وهل معكم غير الاستعمال الثابت عنهم، وذلك ~~الاستعمال لا يفيد أن ذلك بوضعهم وعرفهم من خطابهم، فما لم يستعملوه وما لم ~~يتفاهموه من مخاطباتهم علمنا أنه ليس من لغتهم، وما فهموه واستعملوه هو من ~~لغتهم، وإذا دار الأمر بين إضافة الحكم إلى عدم مقتضيه وإضافته إلى وجود ~~مانعه تعينت حوالته على عدم مقتضيه تخلصا من دعوى التعارض والتناقض، فإن ~~الصورة الممنوع منها إذا كانت مثل الصورة المستعملة كان التفريق بينهما ~~تفريقا بين المتماثلين، والعقل يأباه ويمنع منه. # وهذه المحاولات إنما لزمت من تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وفساد اللازم ~~يدل على فساد الملزوم، يوضحه: الوجه الثالث عشر: أن الذين اشترطوا النقل ~~قالوا: لو جاز الإطلاق من غير فعل # PageV01P293 # لكان ذلك إما قياسا، إن كان مستندا إلى وصف ثبوتي مشترك بين صورة ~~الاستعمال وصورة الإلحاق، وإما اختراعا، إن لم يستند إلى ذلك، فأجابهم من ~~لم يشترط النقل بأن قالوا: العلاقة مصححة للتجوز، كرفع الفاعل ونصب ~~المفعول، فإنا لما استقرأنا لغتهم وجدناهم يرفعون ما نطقوا به من أسماء ~~المفعولين علمنا أن سبب الرفع هو الفاعلية وسبب النصب هو المفعولية، فهكذا ~~استقراء علاقات المجاز، وليس كذلك إطلاقهم كل ضد على ضده، وكل لازم على ~~لازمه. # وهذا الجواب من أفسد الأجوبة، فإنا نعلم بالضرورة من لغتهم رفع كل فاعل ~~ونصب كل مفعول، وجر كل مضاف، ولا يختلف في ذلك صورة من الصور، فإنا لم نجد ~~ذلك بنقل تواتر ولا آحاد ولا استقراء يفيد علما ولا ظنا ولا اطراد استعمال، ~~فقياس التجوز بكل ضد على ضده، وبكل ملزوم على ملزومه على رفع الفاعل ونصب ~~المفعول من أفسد القياس. # الوجه الرابع عشر: أنهم قالوا: يعرف المجاز بصحة نفيه، أي إذا صح نفيه ~~عما أطلق عليه كان مجازا، كما يقال لمن قال: فلان بحر وأسد وشمس، وحمار ~~وكلب وميت ليس كذلك، ms289 وهذا بخلاف الحقيقة، فإنه لا يصح أن ينفى عما أطلق ~~عليه لفظا، فلا يقال للحمار والأسد والبحر والشمس ليس كذلك، فإنه يكون ~~كذبا، وقد اعترفوا هم ببطلانه فقالوا: هذا فرق يلزم منه الدور، وذلك أن صحة ~~النفي وامتناعه يتوقف على معرفة الحقيقة والمجاز، فلو عرفناهما بصحة النفي ~~وامتناعه لزم الدور. # الوجه الخامس عشر: أن كثيرا من الحقائق يصح إطلاق النفي عليها باعتبار ~~عدم فائدتهما، وليست مجازا كقوله صلى الله عليه وسلم عن الكهان " «ليسوا ~~بشيء» "، ومن هذا سلب الحياة والسمع والبصر والعقل عن الكفار، ومن هذا سلب ~~الإيمان عمن لا أمانة له، وسلبه عن الزاني والسارق والشارب الخمر والمنتهب، ~~وسلب الصلاة عن الفذ خلف الصف، وسلب الصلاة عمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ~~ولم يطمئن في صلاته عند كثير من هؤلاء، فإن هذه الحقائق ثابتة عندهم، وقد ~~أطلق عليها السلب، وليس من هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " «ليس المسكين ~~بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان» " و " «ليس # PageV01P294 # الشديد بالصرعة» " ونحو ذلك، فإن هذا لم ينف فيه صحة إطلاق الاسم، وإنما ~~نفي اختصاص الاسم بهذا الاسم وحده، وإن غيره أولى بهذا الاسم منه، فتأمله ~~فإن بعض الناس نقض به عليهم قولهم: إن المجاز ما صح نفيه، وهو نقض باطل، ~~وأما النقض الصحيح فما صح لنقضه وعدم حصول المطلوب منه مع إطلاق الاسم عليه ~~حقيقة، والله تعالى أعلم. # الوجه السادس عشر: أن يقال: ما تعنون بصحة النفي، نفي المسمى عند الإطلاق ~~أم المسمى عند التقييد أم القدر المشترك أم أمرا رابعا، فإن أردتم الأول ~~كان حاصله أن اللفظ له دلالتان: # دلالة عند الإطلاق ودلالة عند التقييد، بل المقيد مستعمل في موضوعه، وكل ~~منهما منفي عن الآخر، وإن أردتم الثاني لم يصح نفيه فإن المفهوم منه هو ~~المعنى المقيد فكيف يصح نفيه؟ وإن أردتم القدر المشترك بين ما سميتموه ~~حقيقة ومجازا لم يصح نفيه أيضا، فإن أردتم أمرا رابعا فبينوه لنحكم عليه ~~بصحة النفي أو عدمها، وهذا ظاهر جدا لا جواب عنه كما ms290 ترى. # الوجه السابع عشر: أن هذا النفي الذي جعلتم صحته عيارا على المجاز، وفرقا ~~بينه وبين الحقيقة، هو الصحة عند أهل اللسان أو عند أهل الإصلاح على ~~التقسيم إلى الحقيقة والمجاز، أو عند أهل العرف، فمن هم الذين يستدل بصحة ~~نفيهم، ويجعل عيارا على كلام الله ورسوله، بل كلام كل متكلم؟ فإن كان ~~المعتبر نفي أهل اللسان، طولبتم بصحة النقل عنهم بأن هذا يصح نفيه وهذا لا ~~يصح نفيه، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا. # وإن كان المعتبر نفي أهل الاصطلاح لم يفد ذلك شيئا، لأنهم اصطلحوا على أن ~~هذا مجاز، فيصح لهم نفيه، وهذا حقيقة فلا يصح لهم نفيه، فكان ماذا؟ وهل ~~استفدنا بذلك شيئا، وإن كان الاعتبار بصحة نفي أهل العرف فنفيهم تابع ~~لعرفهم وفهمهم، فلا يكون عيارا على أصل اللغة. # الوجه الثامن عشر: أن صحة النفي مدلول عليه بالمجاز فلا يكون دليلا عليه ~~إذ يلزم منه أن يكون الشيء دليلا على نفسه ومدلولا لنفسه، وهذا عين لزوم ~~الدور. # الوجه التاسع عشر: أنكم فرقتم أيضا بينهما أن المجاز ما يتبادر غيره إلى ~~الذهن، # PageV01P295 # فالمدلول إن تبادر إلى الذهن عند الإطلاق كان حقيقة، وكان غير المتبادر ~~مجازا، فإن الأسد إذا أطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع، ~~فهذا الفرق مبني على دعوى باطلة وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية والنطق ~~به وحده، وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد، وهذا الفرض هو الذي ~~أوقعكم في الوهم، فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق ~~بها لا تفيد فائدة، وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيبا إسناديا يصح السكوت ~~عليه، وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ما قيد به، فيتبادر منه في ~~هذا التركيب ما لا يتبادر منه في هذا التركيب الأخير. # فإذا قلت: هذا الثوب خطته لك بيدي، تبادر من هذا أن اليد آلة الخياطة لا ~~غير، وإذا قلت: لك عندي يد الله يجزيك بها، تبادر من هذا النعمة والإحسان، ~~ولما كان أصله الإعطاء وهو باليد عبر عنه ms291 بها، لأنها آلة، وهي حقيقة في هذا ~~التركيب، وهذا التركيب، فما الذي صيرها حقيقة في هذا، مجازا في الآخر؟ . # فإن قلت: لأنا إذا أطلقنا لفظة يد تبادر منها العضو المخصوص، قيل: لفظة ~~يد بمنزلة صوت ينعق به لا يفيد شيئا البتة حتى تقيده بما يدل على المراد ~~منه، ومع التقييد بما يدل على المراد لا يتبادر سواه، فتكون الحقيقة حيث ~~استعملت في معنى يتبادر إلى الفهم، كذلك أسد لا تفيد شيئا ولا يعلم مراد ~~المتكلم به حتى إذا قال زيد أسد، أو رأيت أسدا يصلى، أو فلان افترسه الأسد ~~فأكله، أو الأسد ملك الوحوش ونحو ذلك، علم المراد به من كلام المتكلم، ~~وتبادر في كل موضع إلى ذهن السامع بحسب ذلك التقييد والتركيب، فلا يتبادر ~~من قولك: رأيت أسدا يصلي، إلا رجلا شجاعا، فلزم أن يكون حقيقة. # فإن قلتم: نعم ذلك هو المتبادر، ولكن لا يتبادر إلا بقرينة، بخلاف ~~الحقيقة، فإنها يتبادر معناها بغير قرينة، بل لمجرد الإطلاق، قيل لكم: عاد ~~البحث جذعا، وهو أن اللفظ بغير قرينة ولا تركيب لا يفيد شيئا ولا يستعمل في ~~كلامنا في الألفاظ المقيدة المستعملة في التخاطب. # فإن قلتم: ومع ذلك فإنها عند التركيب تحتمل معنيين، أحدهما أسبق إلى ~~الذهن من الآخر، وهذا الذي نعني بالحقيقة، مثاله أن القائل إذا قال: رأيت ~~اليوم أسدا، تبادر إلى ذهن السامع الحيوان المخصوص، دون الرجل الشجاع، هذا ~~غاية ما تقدرون عليه من الفرق وهو أقوى ما عندكم، ونحن لا ننكره، ولكن ~~نقول: اللفظ الواحد تختلف # PageV01P296 # دلالته عند الإطلاق والتقييد، ويكون حقيقة في المطلق والمقيد، مثاله لفظ ~~العمل، إنه عند الإطلاق إنما يفهم منه عمل الجوارح، فإذا قيد بعمل القلب ~~كانت دلالته عليه أيضا حقيقة، اختلفت دلالته بالإطلاق والتقييد، ولم يخرج ~~بذلك عن كونه حقيقة، وكذلك لفظ الإيمان عند الإطلاق يدخل فيه الأعمال، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: " «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله ~~إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» " فإذا ms292 ~~قرن بالأعمال كانت دلالته على التصديق بالقلب، وكقوله: {آمنوا وعملوا ~~الصالحات} [البقرة: 25] فاختلفت دلالته بالإطلاق والتقيد وهو حقيقة في ~~الموضعين. # وكذلك لفظ الفقير والمسكين يدخل فيه الآخر عند الإطلاق، فإذا جمع بينهما ~~لم يدخل مسمى أحدهما في مسمى الآخر، وكذلك لفظ التقوى والقول السديد إذا ~~أطلق لفظ التقوى تناول تقوى القلب والجوارح واللسان فإذا جمع بينهما تقيدت ~~دلالته كقوله تعالى: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] وكذلك ~~لفظ التقوى عند الإطلاق يدخل فيه الصبر، فإذا قرن بالصبر لم يدخل فيه كقوله ~~تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا} [آل عمران: 125] وقوله: {وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر. # وأخص من هذا أن يكون اللفظ لا يستعمل إلا مقيدا كالرأس والجوارح واليد ~~وغير ذلك، فإن العرب لم تستعمل هذه الألفاظ مطلقة بل لا تنطق بها إلا مقيدة ~~كرأس الإنسان ورأس الطائر ورأس الدابة ورأس الماء ورأس الأمر ورأس المال ~~ورأس القوم، فهاهنا المضاف والمضاف إليه جميعا حقيقة وهما موضوعان، ومن ~~توهم أن الأصل في الرأس للإنسان وأنه نقل منه إلى هذه الأمور فقد غلط أقبح ~~غلط، وقال ما لا علم له به بوجه من الوجوه، ولو عارضه آخر بضد ما قاله كان ~~قوله من جنس قوله، لا فرق بينهما، فالمفيد موضع النزاع والمطلق غير مستعمل ~~ولا يفيد فتأمله. # وكذلك الجناح # PageV01P297 # لجناح الطائر حقيقة، وجناح السفر حقيقة فيه، وجناح الذل حقيقة فيه، فإن ~~قيل: ليس للذل جناح، قلنا: ليس له جناح ريش، وله جناح معنوي يناسبه، كما أن ~~الأمر والمال والماء ليس له رأس الحيوان ولها رأس بحسبها، وهذا حكم عام في ~~جميع الألفاظ المضافة كاليد والعين وغيرهما. # فيد البعوضة حقيقة ويد الفيل حقيقة وليست مجازا في أحد الموضعين حقيقة في ~~الآخر، وليست اليد مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا، وكذلك إرادة البعوض ~~وحياتها وقوتها حقيقة، وإرادة الملك وقوته وحياته حقيقة، ومعلوم أن القدر ~~المشترك بين الأسد والرجل الشجاع وبين البليد والحمار أعظم من القدر ~~المشترك الذي ms293 بين البعوضة والفيل وبين البعوضة والملك، فإذا جعلتم اللفظ ~~حقيقة هناك لاعتبار القدر المشترك فهلا جعلتموه حقيقة باعتبار القدر ~~المشترك فيما هو أظهر وأبين، وهذا يدل على تناقضكم وتفريقكم بين المتماثلين ~~وسلبكم الحقيقة عما هو أولى بها. # يوضحه الوجه العشرون: وهو أنكم فرقتم بقولكم: إن المجاز يتوقف على ~~القرينة، والحقيقة لا تتوقف على القرينة، ومرادكم أن إفادة الحقيقة لمعناها ~~الإفرادي غير مشروط بالقرينة، وإفادة المجاز لمعناه الإفرادي مشروط ~~بالقرينة. # فيقال لكم: اللفظ عند تجرده عن جميع القرائن التي تدل على مراد المتكلم ~~بمنزلة الأصوات التي ينعق بها، فقولك: تراب ماء حجر رجل بمنزلة قولك: طق ~~غاق ونحوها من الأصوات، فلا يفيد اللفظ ويصير كلاما إلا إذا اقترن به ما ~~يبين المراد، ولا فرق بين ما يسمى حقيقة في ذلك وما يسمى مجازا، وهذا لا ~~نزاع فيه بين منكري المجاز ومثبتيه، فإن أردتم بالمجاز احتياج اللفظ المفرد ~~في إقامة المعنى إلى قرينة لزم أن تكون اللغات كلها مجازا، وإن فرقتم بين ~~بعض القرائن وبعض كان ذلك تحكما محضا لا معنى له. # وإن قلتم القرائن نوعان: لفظية وعقلية، فما توقف فهم المراد منه على ~~القرائن العقلية فهو المجاز، وما توقف على اللفظية فهو الحقيقة. # قيل: هذا لا يصح، فإن العقل المجرد لا مدخل له في إفادة اللفظ لمعناه ~~سواء كان حقيقة أو مجازا وإنما يفهم معناه بالنقل والاستعمال، وحينئذ فيفهم ~~العقل المراد بواسطة أمرين: أحدهما: أن هذا اللفظ اطرد استعماله في عرف ~~الخطاب في هذا المعنى، الثاني: علمه بأن المخاطب له أراد إفهامه ذلك ~~المعنى، فإن تخلف واحد من الأمرين لم يحصل الفهم المراد المتكلم، وأما ~~القرينة المجردة بدون اللفظ فإنها لا تدل على حقيقة ولا مجاز، وإن دلت على ~~مراد الحي فتلك دلالة عقلية بمنزلة الإشارة # PageV01P298 # والحركة والأمارات الظاهرة. # وإن أردتم أن المعنى الإفرادي تقيده الحقيقة بمجرد لفظها ولا يقيده ~~المجاز إلا بقرينة تقترن بلفظه، قيل لكم: المعنى الإفرادي نوعان مطلق ~~ومقيد، فالمطلق يفيده اللفظ المطلق، والمقيد يفيده اللفظ المقيد، وكلاهما ms294 ~~حقيقة فيما دل عليه، فمعنى الأسد المطلق يفيده لفظه المطلق، والأسد المشبه ~~وهو المقيد يفيده لفظه المقيد، وليس المراد هنا بالمطلق الكلي الذهني، بل ~~المراد به المجرد عن القرينة، وإن كان شخصا، وهذا الأمر معقول مضبوط يطرد ~~وينعكس. # فإن قيل: فلم تشاححونا فإنا اصطلحنا على تسمية المطلق بالاعتبار الذي ~~ذكرتموه حقيقة وعلى تسمية المقيد مجازا. # قيل: لم نشاححكم في مجرد الاصطلاح والتعبير، بل بينا أن هذا الاصطلاح غير ~~منضبط ولا مطرد ولا منعكس، بل هو متضمن للتفريق بين المتماثلين من كل وجه، ~~فإنكم لا تقولون إن كل ما تختلف دلالته بالإطلاق والتقييد فهو مجاز، إذ ~~عامة الألفاظ كذلك، ولهذا لما تفطن بعضكم لذلك التزمه وقال: أكثر اللغة ~~مجاز، وكذلك الذين صنفوا في مجاز القرآن هم بين خطتين، إحداهما التناقض ~~البين، إذ يحكمون على اللفظ بأنه مجاز، وعلى نظيره بأنه حقيقة، أو يجعلون ~~الجميع مجازا، فيكون القرآن كله إلا القليل منه مجازا لا حقيقة له، وهذا من ~~أبطل الباطل. # والمقصود أنه إن كان كل ما دل بالقرينة دلالته غير دلالته عند التجرد ~~منها مجازا لزم أن تكون اللغة كلها مجازا فإن كل لفظ يدل عند الاقتران ~~دلالة خاصة غير دلالته عند الإطلاق، وإن فرقتم بين بعض القرائن اللفظية ~~وبعض لم يمكنكم أن تذكروا أنواعا منها إلا عرف به بطلان قولكم، إذ ليس في ~~القرائن التي تعينوها ما يدل على أن هذا اللفظ مستعمل في موضعه ولا فيها ما ~~يدل على أنه غير مستعمل في غير موضوعه، فإن طردتم ذلك وقلتم: نقول: إن ~~الجميع مجاز، كان هذا معلوما كذبه وبطلانه بالضرورة واتفاق العقلاء، إذ من ~~المعلوم بالاضطراب أن أكثر الألفاظ المستعملة فيما وضعت له لم تخرج عن أصل ~~وضعها، وجمهور القائلين بالمجاز معترفون بأن كل مجاز لا بد له من حقيقة، ~~فالحقيقة عندهم أسبق وأعم وأكثر استعمالا، وقد اعترفوا بأنها الأصل والمجاز ~~على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا عند تعذر الحمل على الحقيقة، ولو كانت ~~اللغة أو أكثرها مجازا كان المجاز ms295 هو الأصل، وكان الحمل عليه # PageV01P299 # متعينا، ولا يحمل اللفظ على حقيقة ما وجد إلى المجاز سبيلا، وفي هذا من ~~إفساد اللغات والتفاهم ما لا يخفى. ### | تفريقهم بين الحقيقة والمجاز لاضطراد وفساده # الوجه الحادي والعشرون: أنكم فرقتم بين الحقيقة والمجاز بالاطراد وعدمه، ~~فقلتم: يعرف المجاز بعدم اطراده دون العكس، أي لا يكون الاطراد دليل ~~الحقيقة، أو لا يلزم من وجود المجاز عدم الاطراد، وعلى التقديرين فالعلامة ~~يجب طردها ولا يجب عكسها، وهذا الفرق غير مطرد ولا منعكس، ونطالبكم قبل ~~البيان بفساد الفرق بمعنى الاطراد الثابت للحقيقة، والمنفي عن المجاز ما ~~تعنون به أولا فالاطراد نوعان: اطراد سماعي، واطراد قياسي، فإن عنيتم الأول ~~كان معناه ما اطرد السماع باستعماله في معناه فهو حقيقة، وما لم يطرد ~~السماع باستعماله فهو مجاز، وهذا لا يفيد فرقا البتة، فإن كل مسموع فهو ~~مطرد في موارد استعماله، وما لم يسمع فهو مطرد الترك، فليس في السماع مطرد ~~الاستمال وغير مطرده، وإن عنيتم الاضطراد القياسي فاللغات لا تثبت قياسا إذ ~~يكون ذلك إنشاء واختراعا، ولو جاز المتكلم أن يقيس على المسموع ألفاظا ~~يستعملها في خطابه نظما ونثرا لم يجز له أن يحمل كلام الله ورسوله وكلام ~~العرب على ما قاسه على لغتهم، فإن هذا كذب ظاهر على المتكلم بتلك الألفاظ ~~أولا، فإنه ينشئ من عنده قياسا يضع به ألفاظا لمعان بينها وبين تلك ~~المعاني، وهذا كثيرا ما تجده في كلام من يدعي التحقيق والنظر، وهذا من أبطل ~~الباطل، القول به حرام، وهو قول على الله ورسوله بلا علم. # وإن أردتم بالاطراد وعدمه اطراد الاشتقاق فيصدق اللفظ حيث وجد المعنى ~~المشتق منه، قيل لكم: الاشتقاق نوعان: وصفي لفظي، وحكمي معنوي (فالأول) ~~كاشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، وأمثاله المبالغة من ~~مصادرها (والثاني) كاشتقاق الخابية من الخبء، والقارورة من الاستقرار، ~~والنكاح من الضم، ونظائر ذلك، فإن أردتم بالاطراد النوع الأول فوجوده لا ~~يدل على الحقيقة، وعدمه لا يدل على المجاز. # أما الأول فلأنه يجري مجرى الألفاظ المجازية عندكم، ms296 ولا سيما من قال: إن ~~ضربت زيدا أو رأيته وأكلت وشربت مجاز، فإنها مستعملة في غير ما وضعت له، ~~فإنها وضعت للمصادر المطلقة العامة، فإذا استعملت في فرد من أفرادها فقد ~~استعملت في غير موضعها، كما قال ابن جني وغيره، ومعلوم أن هذه # PageV01P300 # الألفاظ مطردة في مجاري استقاماتها، فقد طرد المجاز فأين عدم الاطراد ~~الذي هو فرق بين الحقيقة والمجاز. # وكذلك حقائق كثيرة من الأفعال لا تطرد ولا يشتق منها اسم فعل ولا مفعول، ~~ولا تدل على مصدر، كالأفعال التي لا تتصرف، مثل نعم وبئس، وليس وحبذا وفعل ~~التعجب. # وإن أردتم بالاطراد الاشتقاق الحكمي المعنوي، فلا يدل عدم اطراده على ~~المجاز إذ يلزم منه أن تكون الألفاظ المستعملة في موضوعاتها الأول مجازا ~~كالخابئة والقارورة والبركة والنجم والمعدن وغيرها، فإنها لم يطرد ~~استعمالها فيما شاركها في أصل معناها. # فإن قلتم: منع المانع من الاطراد كما منع من اطراد الفاضل والسخي والعارف ~~في حق الله تعالى، قيل لكم: هذا دور ممتنع، لأن عدم الاطراد حينئذ إنما ~~يكون علامة المجاز إذا علم أنه المانع، ولا يعلم أنه لمانع إلا بعد العلم ~~بالمجاز، وتقرير الدور أن يقال: عدم الطرد له موجب وليس موجبه الشرع ولا ~~اللغة، إذ التقدير بخلافه، ولا العقل قطعا، فتعين أن يكون موجب عدم الطرد ~~كون اللفظ مجازا، فيلزم الدور ضرورة. # الوجه الثاني والعشرون: تفريقكم بين الحقيقة والمجاز بجمع مفرديهما، فإذا ~~جمع الحقيقة على صفة ثم جمع ذلك اللفظ على صفة أخرى كان مجازا، مثله لفظ ~~الأمر فإنه يجمع إذا استعمل في القول المخصوص على أوامر، ويجمع إذا استعمل ~~في الفعل على أمور، وهذا التفريق من أفسد شيء وأبطله، فإن اللفظ يكون له ~~عدة جموع باعتبار مفهوم واحد كشيخ مثلا، فإنه يجمع على عدة جموع أنشدناها ~~شيخنا أبو عبد الله محمد ابن أبي الفتح البعلي، قال: أنشدنا شيخنا أبو عبد ~~الله محمد بن مالك لنفسه: # شيخ شيوخ ومشيوخاء مشيخة ... شيخة شيخة شيخان أشياخ # وكذلك عبد فإنه يجمع على عبيد وعباد وعبدان ms297 وعبد، وهذا أكثر من أن يذكر، ~~فإذا اختلفت صيغة الجمع باعتبار المدلول الواحد لم يدل اختلافها على خروج ~~الفرد عن حقيقته، فكيف يدل اختلافه مع تعدد المدلول على المجاز. # وأيضا فإن المشترك قد يختلف جمعه باختلاف مفهوماته ولا يدل ذلك على ~~المجاز وأيضا فإنه ليس ادعاء كون أحدهما مجازا لمخالفة جمعه الآخر أولى من ~~العكس. # PageV01P301 # فإن قلتم: بل إن علمنا أن أحدهما حقيقة علمنا أن الآخر الذي خالفه في صفة ~~جمعه مجاز، فحينئذ يكون اعتبار مخالفة الجمع لا فائدة فيه، فإنا متى علمنا ~~كون أحدهما حقيقة، وأنه ليس مشتركا بينه وبين الآخر كان استعماله فيه ~~مجازا، فالحاصل أنه إن توقف ذلك على اختلاف الجمع لم يكن معرفا، وإن لم ~~يتوقف عليه لم يكن معرفا، فلا يحصل به التفريق على التقديرين. # وأيضا فإن رأس مالكم في هذا التعريف هو لفظ أوامر، وأمور، فادعيتم أن ~~أوامر جمع أمر القول، وأمور جمع أمر الفعل، وغركم في ذلك قول الجوهري في ~~الصحاح: تقول: أمرته أمرا وجمعه أوامر، وهذا من إحدى غلطاته، فإن هذا لا ~~يعرف عند أهل العربية واللغة، وفعل له جموع عديدة ليس منها فواعل البتة. # وقد اختلف طرق المتكلمين لتصحيح ذلك، فقالت طائفة منهم: جمعوا أمرا على ~~أأمر كأفلس، ثم جمعوا هذا الجمع على أفاعل لا فواعل، فكان أصلها أأمر ~~فقلبوا الهمزة الثانية واوا كراهية النطق بالهمزتين، فصار في هذا أوامر، ~~وفي هذا من التكلف ودعوى ما لم تنطق به العرب عليهم ما فيه، فإن العرب لم ~~يسمع منهم أأمر على أفعل البتة، ولا أوامر أيضا فلم ينطقوا بهذا ولا هذا. # ولما علم هؤلاء أن هذا لا يتم في النواهي تكلفوا لها تكلفا آخر، فقالوا: ~~حملوها على نقيضها، كما قالوا: الغدايا والعشايا، وقالوا: قدم وحدث، فضموا ~~الدال من حدث حملا على قدم. # وقالت طائفة أخرى: بل أوامر ونواه جمع آمر وناه، فسمي القول آمرا وناهيا ~~توسعا ثم جمعوها على فواعل، كما قالوا: فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وهذا ~~أيضا متكلف، فإن فاعلا نوعان: ms298 صفة واسم، فإن كان صفة لا يجمع على فواعل فلا ~~يقال: قائم وقوائم، وآكل وأواكل، وضارب وضوارب، وعابد وعوابد، وإن كان اسما ~~فإنه يجمع على فواعل نحو خاتم وخواتم، وقد شذ فارس وفوارس، وهالك وهوالك، ~~فجمعا على فواعل مع كونهما صفتين، أما فارس فلعدم اللبس لأنه لا يتصف به ~~المؤنث، وأما هالك فقصدوا النفس وهي مؤنثة، فهو في الحقيقة جمع هالكة، فإنه ~~فاعلة يجمع على فواعل بالأسماء والصفات كفاطمة وفواطم، وعابدة وعوابد، ~~فسمعت هذا طائفة أخرى قالت: أوامر ونواه جمع آمرة وناهية، أي كلمة أو وصية ~~آمرة وناهية. # والتحقيق أن العرب سكتت عن جمع الأمر والنهي فلم ينطقوا لهما بجمع لأنها ~~في # PageV01P302 # الأصل مصدر، فالمصادر لا حظ لها في التثنية والجمع (إلا إذا تعددت ~~أنواعها) والأمر والنهي وإن تعددت متعلقاتهما ومحالهما فحقيقتهما غير ~~متعددة، فتعدد المحال لا يوجب تعدد الصفة، وقد منع سيبويه جمع العلم ولم ~~يعتبر تعدد المعلومات فتبين بطلان هذا الفرق الذي اعتمدتم عليه من جميع ~~الوجوه. # الوجه الثالث والعشرون: تفريقكم بين الحقيقة والمجاز بالتزام التقييد في ~~أحد اللفظين كجناح الذل ونار الحرب ونحوهما فإن العرب لم تستعملهما إلا ~~مقيدة، وهذا الفرق من أفسد الفروق، فإن كثيرا من الألفاظ التي لم تستعمل ~~إلا في موضوعها قد التزموا تقييدها كالرأس والجناح واليد والساق والقدم، ~~فإنهم لم يستعملوا هذه الألفاظ وأمثالها إلا مقيدة بمحالها وما تضاف إليه، ~~كرأس الحيوان ورأس الماء ورأس المال ورأس الأمر. # وكذلك الجناح لم يستعملوه إلا مقيدا بما يضاف إليه، كجناح الطائر وجناح ~~الذل، فإن أخذتم الجناح مطلقا مجردا عن الإضافة لم يكن مقيدا لمعناه ~~الإفرادي أصلا فضلا عن أن يكون حقيقة أو مجازا، وإن اعتبرتموه مضافا مقيدا ~~فهو حقيقة فيما أضيف إليه، فكيف يجعل حقيقة في مضاف، مجازا في مضاف آخر، ~~ونسبته إلى هذا المضاف كنسبة الآخر إلى المضاف الآخر، فجناح الملك حقيقة ~~فيه، قال الله تعالى: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} ~~[فاطر: 1] فمن قال: ليس للملك جناح حقيقة فهو كاذب مفتر ms299 ناف لما أثبته الله ~~تعالى وإن قال: ليس له جناح من ريش، قيل له: من جهلك اعتقادك أن الجناح ~~الحقيقي هو ذو الريش وما عداه مجاز، لأنك لم تألف إلا الجناح الريش. # وطرد هذا الجهل العظيم أن يكون كل لفظ أطلق على الملك وعلى البشر أن يكون ~~مجازا في حق الملك كحياته وسمعه وبصره وكلامه، فكيف بما أطلق على الرب ~~سبحانه من الوجه واليدين والسمع والبصر والكلام والغضب والرضى والإرادة، ~~فإنها لا تماثل المعهود في المخلوق، ولهذا قالت الجهمية المعطلة إنها ~~مجازات في حق الرب لا حقائق لها وهذا هو الذي حدانا على تحقيق القول في ~~المجاز، فإن أربابه ليس لهم فيه ضابط مطرد ولا منعكس، وهم متناقضون غاية ~~التناقض، خارجون عن اللغة والشرع وحكم العقل إلى اصطلاح فاسد يفرقون به بين ~~المتماثلين، ويجمعون بين المختلفين، فهذه فروقهم قد رأيت حالها وتبينت ~~محالها، يوضحه: # PageV01P303 ### | أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من موضعه إلى غيره # الوجه الرابع والعشرون: أن العرب لم تضع جناح الذل لمعنى ثم نقلته من ~~موضعه إلى غيره، ومن زعم ذلك فهو غالط، فليس لجناح الذل مفهومان وهو حقيقة ~~في أحدهما مجاز في الآخر، كما يمكن ذلك في لفظ أسد وبحر وشمس ونحوها، وإنما ~~ينشأ الغلط في ظن الظان أنهم وضعوا لفظ جناح مطلقا هكذا غير مقيد، ثم خصصوه ~~في أول وضعه بذوات الريش ثم نقلوه إلى الملك والذل فهذه ثلاث مقدمات لا ~~يمكن لبشر على وجه الأرض إثباتها، ولا سبيل إلى العلم بها إلا بوحي من الله ~~تعالى. # الوجه الخامس والعشرون: قولكم: نفرق بين الحقيقة والمجاز يتوقف المجاز ~~على المسمى الآخر بخلاف الحقيقة؟ ومعنى ذلك أن اللفظ إذا كان إطلاقه على ~~أحد مدلوليه متوقفا على استعماله في المدلول الآخر كان بالنسبة إلى مدلوله ~~الذي يتوقف على المدلول الآخر مجازا. # وهذا مثل قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} [آل عمران: 54] فإن إطلاق المكر ~~على المعنى المتصور من الرب سبحانه يتوقف على استعماله في المعنى المتصور ~~من ms300 الخلق، فهو حينئذ مجازي بالنسبة إليه، حقيقة بالنسبة إليهم، وهذا أيضا ~~من النمط الأول في الفساد، أما (أولا) فإن دعواكم أن إطلاقه على أحد ~~مدلوليه متوقف على استعماله في الآخر دعوى باطلة مخالفة لصريح الاستعمال، ~~ومنشأ الغلط فيها أنكم نظرتم إلى قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} [آل ~~عمران: 54] وقوله {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} [النمل: 50] وذهلتم عن قوله ~~تعالى: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: ~~99] فأين المسمى الآخر، وكذلك قوله تعالى: {وهو شديد المحال} [الرعد: 13] ~~فسر بالكيد والمكر، وكذلك قوله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون - وأملي لهم ~~إن كيدي متين} [القلم: 44 - 45] . # فإن قلتم: يتعين تقدير المسمى الآخر ليكون إطلاق المكر عليه سبحانه من ~~باب المقابلة، كقوله تعالى: {إنهم يكيدون كيدا - وأكيد كيدا} [الطارق: 15 - ~~16] وقوله: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] وقوله: ~~{نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] فهذا كله إنما يحسن على وجه المقابلة، ولا ~~يحسن أن يضاف إلى الله تعالى ابتداء فيقال: إنه # PageV01P304 # يمكر ويكيد، ويخادع وينسى، ولو كان حقيقة لصلح إطلاقه مفردا عن مقابلة، ~~كما يصح أن يقال: يسمع يرى، ويعلم ويقدر. # فالجواب: أن هذا الذي ذكرتموه مبني على أمرين: أحدهما معنوي، والآخر ~~لفظي، فأما المعنوي فهو أن مسمى هذه الألفاظ ومعانيها مذمومة فلا يجوز ~~اتصاف الرب تعالى بها، وأما اللفظي فإنه لا تطلق عليه إلا على سبيل ~~المقابلة فتكون مجازا، ونحن نتكلم معكم في الأمرين جميعا، فأما الأمر ~~المعنوي فيقال: لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرا، فيقال: فلان صاحب مكر ~~وخداع وكيد واستهزاء، ولا تكاد تطلق على سبيل المدح بخلاف أضدادها، وهذا هو ~~الذي غر من جعلها مجازا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيب وذم. # والصواب أن معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى ~~الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنا للكذب أو الظلم أو لهما ~~جميعا، وهذا هو الذي ذمه الله تعالى لأهله كما في قوله تعالى: {يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون ms301 إلا أنفسهم} [البقرة: 9] فإذا ذكر هذا عقيب ~~قوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} ~~[البقرة: 8] فكان هذا القول منهم كذبا وظلما في حق التوحيد والإيمان ~~بالرسول واتباعه، وكذلك قوله: {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم ~~الأرض} [النحل: 45] الآية. # وقوله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [فاطر: 43] وقوله: {ومكروا مكرا ~~ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون - فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم} ~~[النمل: 50 - 51] فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ~~ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا، والحق ~~خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب ~~والظلم فهو مذموم؟ وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن ~~محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق ~~وعدل، وذلك إذا مكر واستهزأ ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا ~~حسنا، كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق وأبي رافع وغيرهم ~~ممن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخادعوه حتى كفوا شره وأذاه ~~بالقتل، وكان هذا الخداع والمكر نصرة لله ورسوله. # PageV01P305 # وكذلك ما خدع به نعيم بن مسعود المشركين عام الخندق حتى انصرفوا، وكذلك ~~خداع الحجاج بن علاط لامرأته وأهل مكة حتى أخذ ماله، وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم " «الحرب خدعة» " وجزاء المسيء بمثل إساءته في جميع الملل، ~~مستحسن في جميع العقول، ولهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخوته ما أبطن ~~خلافه، جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه، حيث أظهروا له أمرا وأبطنوا خلافه، ~~فكان هذا من أعدل الكيد، فإن إخوته فعلوا به ذلك حتى فرقوا بينه وبين أبيه، ~~وادعوا أن الذئب أكله، ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع ولم ~~يكن ظالما لهم بذلك الكيد، حيث كان مقابلة ومجازاة، ولم يكن أيضا ظالما ~~لأخيه الذي لم يكده، بل كان إحسانا إليه وإكراما له في الباطن، وإن كانت ms302 ~~طريق ذلك مستهجنة، لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذفه به، وكان ~~ذلك سببا في اتصاله بيوسف واختصاصه به، لم يكن في ذلك ضرر عليه. # يبقى أن يقال: وقد تضمن هذا الكيد إيذاء أبيه وتعريضه لألم الحزن على ~~حزنه السابق، فأي مصلحة كانت ليعقوب في ذلك؟ فيقال: هذا من امتحان الله ~~تعالى له، ويوسف إنما فعل ذلك بالوحي، والله تعالى لما أراد كرامته كمل له ~~مرتبة المحنة والبلوى ليصبر فينال الدرجة التي لا يصل إليها إلا على حسب ~~الابتلاء، ولو لم يكن في ذلك إلا تكميل فرحه وسروره باجتماع شمله بحبيبه ~~بعد الفراق، وهذا من كمال إحسان الرب تعالى أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل ~~حلاوة الجبر، ويعرفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها، كما أن سبحانه ~~وتعالى لما أراد أن يكمل لآدم نعيم الجنة أذاقه مرارة خروجه منها، ومقاساة ~~هذه الدار الممزوج رخاؤها بشدتها، فما كسر عبده المؤمن إلا ليجبره، ولا ~~منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا نغص ~~عليه الدنيا إلا ليرغبه في الآخرة، ولا ابتلاه بجفاء الناس إلا ليرده إليه. # فعلم أنه لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق، كما لا تمدح على الإطلاق، ~~والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة، فإن العلم ~~والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم ذلك من جهة سوء القصد وفساد الإرادة، ~~وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه ~~فعله. # إذ عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع ~~والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال ~~المصنفين # PageV01P306 # في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر المخادع المستهزئ الكائد فقد ~~فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغر هذا ~~الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء، ~~وأسماؤه كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها ms303 بالرحيم ~~الودود الحكيم الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، ~~بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقا، فلا ~~يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد. # فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها، بل إذا كان لم يأت ~~في أسمائه الحسنى المريد ولا المتكلم ولا الفاعل ولا الصانع، لأن مسمياتها ~~تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها، كالحليم ~~والحكيم، والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر المخادع ~~المستهزئ، ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي والآتي، ~~والجائي والذاهب والقادم والرائد، والناسي والقاسم، والساخط والغضبان ~~واللاعن، إلى أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه أفعالها في القرآن، ~~وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد ~~والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن ~~المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه، وهذا إذا نزلنا ~~ذلك على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه ~~مما لا يليق بكماله، ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه، وإن نزلنا ذلك على ~~نفي التحسين والتقبيح عقلا، وأنه يجوز عليه كل ممكن ولا يكون قبيحا، فلا ~~يكون الاستهزاء والمكر والخداع منه قبيحا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداء ~~لا على سبيل المقابلة على هذا التقرير، وعلى التقديرين فإطلاق ذلك عليه ~~سبحانه على حقيقته دون مجازه، إذ الموجب للمجاز منتف على التقديرين، فتأمله ~~فإنه قاطع، فهذا ما يتعلق بالأمر المعنوي. # أما الأمر اللفظي فإطلاق هذه الألفاظ عليه سبحانه لا يتوقف على إطلاقها ~~على المخلوق ليعلم أنها مجاز لتوقفها على المسمى الآخر كما قدمنا من قوله: ~~{وهو شديد المحال} [الرعد: 13] وقوله: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: 99] فظهر أن هذا الفرق الذي اعتبروه فاسد ~~لفظا ومعنى، يوضحه: # PageV01P307 # الوجه السادس والعشرون: أن هاهنا ألفاظا تطلق على الخالق والمخلوق، ~~أفعالها ms304 ومصادرها وأسماء الفاعلين والصفات المشتقة منها، فإن كانت حقائقها ~~ما يفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم، وذلك منتف في حق الله تعالى قطعا لزم ~~أن تكون مجازا في حقه لا حقيقة، فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة وتكون ~~أسماؤه الحسنى كلها مجازات، فتكون حقيقة للمخلوق مجازا للخالق، وهذا من ~~أبطل الأقوال وأعظمها تعطيلا، وقد التزمه معطلو الجهمية وعمومهم، فلا يكون ~~رب العالمين موجودا حقيقة، ولا حيا حقيقة، ولا مريدا حقيقة، ولا قادرا ~~حقيقة، ولا ملكا حقيقة، ولا ربا حقيقة، وكفى أصحاب هذه المقالة بها كفرا، ~~فهذا القول لازم لكل من ادعى المجاز في شيء من أسماء الرب وأفعاله لزوما لا ~~يحصى له عنه، فإنه إنما فر إلى المجاز لظنه أن حقائق ذلك مما يختص ~~بالمخلوقين ولا فرق بين صفة وصفة، وفعل وفعل، فإما أن يقول الجميع مجاز أو ~~الجميع حقيقة. # وأما التفريق بين البعض وجعله حقيقة وبين البعض وجعله مجازا فتحكم محض ~~باطل، فإن زعم هذا المتحكم أن ما جعله مجازا ما يفهم من خصائص المخلوقين ~~وما جعله حقيقة ليس مفهومه مما يختص بالمخلوقين طولب بالتفريق بين النفي ~~والإثبات وقيل له: بأي طريق اهتديت إلى هذا التفريق؟ بالشرع أم العقل أم ~~باللغة؟ فأي شرع أو عقل أو لغة أو فطرة على أن الاستواء والوجه واليدين ~~والفرح والضحك والغضب والنزول حقيقة فيما يفهم من خصائص المخلوقين، والعلم ~~والقدرة والسمع والبصر والإرادة حقيقة فيما لا يختص به المخلوق. # فإن قال: أنا لا أفهم من الوجه واليدين والقدم إلا خصائص المخلوق، وأفهم ~~من السمع والبصر والعلم والقدرة ما لا يختص به المخلوق، قيل له: فبم تنفصل ~~عن شريكك في التعطيل إذا ادعى في السمع والبصر والعلم مثل ما ادعيته أنت في ~~الاستواء والوجه واليدين؟ ثم يقال لك: هل تفهم مما جعلته حقيقة خصائص ~~المخلوق تارة وخصائص الخالق تارة، أو القدر المشترك، أو لا تفهم منها إلا ~~خصائص الخالق. # فإن قال بالأول كان مكابرا جاهلا، وإن قال بالثاني قيل له: فهلا جعلت ~~الباب كله ms305 بابا واحدا وفهمت ما جعلته مجازا خصائص المخلوق تارة والقدر ~~المشترك تارة، فظهر للعقل أنكم متناقضون، يوضحه: ### | الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاث اعتبارت # الوجه السابع والعشرون: أن هذه الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق ~~والمخلوق # PageV01P308 # لها ثلاث اعتبارات أحدها: أن تكون مقيدة بالخالق، كسمع الله وبصره ووجهه ~~ويديه واستوائه، ونزوله وعلمه وقدرته وحياته، الثاني: أن تكون مقيدة ~~بالمخلوق كيد الإنسان ووجهه ويديه واستوائه، الثالث: أن تجرد عن كلا ~~الإضافتين وتوجد مطلقة، فإثباتكم لها حقيقة، إما أن يكون بالاعتبار الأول ~~أو الثاني أو الثالث، إذ لا رابع هناك، فإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها ~~بالخالق لزم أن تكون في المخلوق مجازا، وهذا مذهب قد صار إليه أبو العباس ~~الناشي ووافقه عليه جماعة، وإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالمخلوق لزم ~~أن تكون في الخالق مجازا، وهذا مذهب قد صار إليه إمام المعطلة جهم بن ~~صفوان، ودرج أصحابه على أثره، وإن جعلتم جهة كونها حقيقة القدر المشترك، ~~ولم يدخل القدر المميز في موضعها لزم أن يكون حقيقة في الخالق، وهذا قول ~~عامة العقلاء، وهو الصواب، وإن فرقتم بين بعض الألفاظ وبعض، وقعتم في ~~التناقض والتحكم المحض، يوضحه: # الوجه الثامن والعشرون: أن خصائص الإضافات لا تخرج اللفظ عن حقيقته وتوجب ~~جعله مجازا عند إضافته إلى محل الحقيقة، وهذا من مثار أغلاط القوم، مثاله ~~لفظ الرأس، فإنه يستعمل مضافا إلى الإنسان والطائر والسمك والماء والطريق ~~والإسلام والمال، وغير ذلك، فإن قيد بمضاف إليه تعين، ولم يتناول غير ~~الأمور المضاف إليها، بل هذا القيد غير هذا القيد، ومجموع اللفظ الدال في ~~هذا التقييد غير مجموع اللفظ الدال في هذا التقييد الآخر، وإن اشتركا في ~~جزء اللفظ كما اشتركت الأسماء المعرفة باللام فيها، فلم تضع العرب لفظ ~~الرأس لرأس الإنسان مثلا وحده، ثم إنهم وضعوه لرأس الطائر والماء والمال ~~وغيرها، فهذا لا يمكن أحد أن يدعيه إلا أن يكون مباهتا، وكذلك لفظ البطن ~~والظهر والخطم والفم، فإنه يقال: ظهر الإنسان وبطنه، وظهر ms306 الأرض وبطنها، ~~وظهر الطريق، وظهر الجبل، وخطم الجبل، وفم الوادي، وبطن الوادي، وذلك حقيقة ~~في الكل، فالظاهر لما ظهر فتبين، والباطن لما بطن فخفي، فالحسي للحسي ~~والمعنوي للمعنوي ونسبة كل منهما إلى ما يضاف إليه كنسبة الآخر إلى ما يضاف ~~إليه، والعرب لم تضع فم الوادي وخطم الجبل وظهر الطريق لغير # PageV01P309 # مفهومه، حتى يكون استعماله في ذلك استعمالا له في غير موضوعه، ولم تتكلم ~~بلفظ فم وظهر ورأس مفردا مجردا عن جميع الإضافات، فتكون إضافته مجازا في ~~جميع موادها، ولم تضعه لمضاف إليه معين يكون حقيقة فيه ثم وضعته لغيره وضعا ~~ثانيا، فأين محل الحقيقة والمجاز من هذه الألفاظ المقيدة؟ . # الوجه التاسع والعشرون: أن من الأسماء ما تكلمت به العرب مفردا مجردا عن ~~الإضافة، وتكلمت به مقيدا بالإضافة كالإنسان مثلا والإبرة، فإنهم يقولون: ~~إنسان العين وإبرة الذراع، وقد ادعى أرباب المجاز أن هذا مجاز، وهنا لم ~~يستعمل اللفظ المجرد في غير ما وضع له، بل ركب مع لفظ آخر، فهو وضع أولا ~~بالإضافة، ولو أنه استعمل مضافا في معنى ثم استعمل بتلك الإضافة بعينها في ~~موضع آخر أمكن أن يكون مجازا، بل إذا كان بعلبك وحضرموت ونحوهما من المركب ~~تركيب مزج بعد أن كان أصله الإفراد وعدم الإضافة، لا يقال فيه: إنه مجاز، ~~فما لم تنطق به إلا مضافا أولى أن لا يكون مجازا فتأمله. # الوجه الثلاثون: أن مثبت المجاز والاستعارة قد ادعى أن المتكلم وضع هذه ~~اللفظة في غير موضوعها، ولا سيما الاستعارة، فإن المستعير هو آخذ ما ليس له ~~في الحقيقة، فإذا قال: هذه اللفظة مجاز أو استعارة فقد ادعى أنها وضعت في ~~غير موضوعها، فيقال له: فهما أمران: مستعار ومستعار منه، فلا تخلو الكلمة ~~التي جعلت الأخرى مستعارة منها وهي أصلية غير مستعارة أن تكون قد جعلت كذلك ~~لخاصة فيها، اقتضت أن تكون هي الأصل المستعار منه، أو تكون كذلك لأن لغة ~~العرب جاءت بها وثبت استعمالهم لها. # فإن قلتم: إنما كانت مستعارا منها وهي أصل لعلة ms307 أوجبت لها ذلك في نفس ~~لفظها، قيل لكم: ما هي تلك العلة وما حقيقتها؟ ولن تجدوا إلى تصحيح ذلك ~~سبيلا: فإن قلتم: إنما كانت مستعارا منها لأن العرب تكلمت بها واستعملتها ~~في خطابها، قيل لكم: فهذه العلة بعينها موجودة في الكلمة التي ادعيتم أنها ~~مستعارة وأنها مجاز، والعرب تكلمت بهذا وهذا، فإما أن تكونا مستعارتين أو ~~تكونا أصليتين وإما أن تجعل إحداهما أصلا للأخرى ومعيرة لها الاستعمال، ~~فهذه تحكم بارد. # فإن قلتم: إنما جعلنا هذه أصلا لكثرتها في كلامهم، وهذه مستعارة لقلتها ~~في كلامهم، قيل: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن كثيرا من الحقائق نادرة ~~الاستعمال في # PageV01P310 # كلامهم، وهي الألفاظ الغريبة جدا التي لا يعرف معناها إلا الأفراد من أهل ~~اللغة مع كونها حقائق. # وثانيها: أن كثيرا من المجازات عندكم قد غلب على الحقيقة بحيث صارت ~~مهجورة أو مغمورة؟ ولم يدل على أن الغالب هو الحقيقة والمغلوب هو المجاز، ~~وثالثها: أن هذا لا يمكن ضبطه، فإن الكثرة والغلبة أمر نسبي يختلف باختلاف ~~الأزمنة والأمكنة والأشخاص، ويكثر عند هؤلاء ما يقل، بل يعدم عند غيرهم، ~~فما الذي تضبط به الكثرة الدالة على الحقيقة والقلة الدالة على المجاز؟ ولن ~~تجدوا لذلك ضابطا أصلا. # الوجه الحادي والثلاثون: إن حكمكم على بعض الألفاظ أنه مستعمل في موضوعه؟ ~~وعلى بعضها أنه مستعمل في غير موضوعه تحكم بارد، فإنا إنما نعلم أن هذا ~~المفهوم موضوع اللفظ باستعماله فيه فإذا رأيناهم في نظمهم ونثرهم وقديم ~~كلامهم وحديثه قد استعملوا هذا اللفظ في هذا المعنى وفي هذا المعنى كان ~~دعوى أنه مستعمل في موضوعه في هذا دون الآخر دعوى باطلة متضمنة للتحكم ~~والخرص والكذب. # فإن قلتم: لما رأيناه إذا أطلق فهم منه معنى، وإذا قيد يفهم منه معنى آخر ~~علمنا أن موضوعه هو الذي يدل عليه إطلاقه. # قيل لكم: هذا خطأ، فإن اللفظ المفرد لا يفيد بإطلاقه وتجرده شيئا البتة، ~~فلا يكون كلاما ولا جزء كلام، فضلا عن أن يكون حقيقة أو مجازا، ومعلوم أن ~~تركيبه التركيب الإسنادي ms308 تقييد له وإذا ركب فهم المراد منه بتركيبه، فالذي ~~يسمونه مجازا عند تركيبه لا يفهم منه غير معناه وذلك موضوعه في لغتهم فدعوى ~~انتقاله عن موضوعه إلى موضوع آخر وهم إنما استعملوه هكذا دعوى باطلة، ~~ولنذكر لك مثالا. # ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: «كان فزع بالمدينة فاستعار النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له: مندوب، فركبه، فقال: ما رأينا ~~من فزع وإن وجدناه لبحرا» ، فادعى المدعي أن هذا مجاز، وكان ظن أن العرب ~~وضعت البحر لهذا الماء المستبحر ثم نقلته إلى الفرس لسعة جريه فشبهته به ~~فأعطته اسمه، وهذا إن كان محتملا فلا # PageV01P311 # يتعين ولا يصار إلى القبول به لمجرد الاحتمال، فإنه من الممكن أن يكون ~~البحر اسما لكل واسع، فلما كان خطو الفرس واسعا سمي بحرا، وقد تقيد الكلام ~~بما عين مراد قائله بحيث لا يحتمل غيره، فهذا التركيب والتقييد معين ~~لمقصوده، وأنه بحر في جريه لا أنه بحر ماء نقل إلى الفرس. # يوضحه: أنهم قصدوا تسمية الخيل بذلك فقالوا للفرس: جواد وسابح وطرف، ولو ~~عري الكلام من سياق يوضح الحال لم يكن من كلامهم، وكان فيه من الإلباس ما ~~تأباه لغتهم. # ألا ترى أنك لو قلت رأيت بحرا وأنت تريد الفرس، أو رأيت أسدا وأنت تريد ~~الرجل الشجاع لم يكن ذلك جاريا على طريق البيان، فكان بالألغاز والتلبيس ~~أشبه منه بالمائدة، وهؤلاء المتكلفون والمتكلمون بلا علم يقدرون كلاما ~~يحكمون عليه بحكم ثم ينقلون ذلك الحكم إلى الكلام المستعمل، وهذا غلط، فإن ~~الكلام المستعمل لا بد أن يقترن به من البيان والسياق ما يدل على مراد ~~المتكلم، وذلك الكلام المقدر مجرد عن ذلك، ولا ريب أن الكلام يلزم في تجرده ~~لوازم لا تكون له عند اقترانه وكذلك بالعكس، ونظير هذا اللغط أيضا أنهم ~~يجردون اللفظ المفرد عن كل قيد ثم يحكمون عليه بحكم ثم ينقلون ذلك الحكم ~~إليه عند تركيبه مع غيره، فيقولون: الأسد من حيث يقطع النظر عن كل قرينة هو ~~الحيوان ms309 المخصوص، والبحر بقطع النظر عن كل تركيب هو الماء الكثير، وهذا ~~غلط، فإن الأسد والبحر وغيرهما بالاعتبار المذكور ليس بكلام ولا جزء كلام ~~ولا يفيد فائدة أصلا، وهو صوت ينعق به ; يوضحه: # الوجه الثاني والثلاثون: أنكم إما أن تعتبروا تحقيق الوضع الأول الذي ~~يكون اللفظ بالخروج عنه مجازا أو تعتبروا تقديره، فإن اشترطتم تحقيقه بطل ~~التقسيم إلى الحقيقة والمجاز، لأن الحكم المشروط بشرط لا يتحقق إلا عند ~~تحقق شرطه، ولا سبيل لبشر إلى العلم بتحقيق هذين الأمرين، وهما الوضع الأول ~~والنقل عنه، وإن اعتبرتم تقديره وإمكانه فهو ممتنع أيضا، إذ مجرد التقدير ~~والاحتمال لا يوجب تقسيم الكلام إلى مستعمل في موضوعه الأول ومستعمل في ~~موضوعه الثاني، فهب أن هذا الحكم ممكن أفيجوز هذا الحكم والتقسيم بمجرد ~~الاحتمال والإمكان؟ يوضحه: # الوجه الثالث والثلاثون: أن هذا التقسيم إما أن تخصوه بلغة العرب خاصة أو ~~تدعوا عمومه لجميع لغات بني آدم، فإن ادعيتم خصوصه بلغة بالعرب كان ذلك ~~تحكما فاسدا، فإن التشبيه والمبالغة والاستعارة التي هي جهات التجوز عندكم ~~مستعملة # PageV01P312 # في سائر اللغات، وإن كانت لغة العرب في ذلك أوسع وتصورهم المعاني أتم ~~فإذا قلت: زيد أسد أمكن التعبير عن هذا المعنى بكل لغة، وإن ادعيتم عموم ~~ذلك لجميع اللغات فقد حكمتم على لغات الأمم على أن كلها أو أكثرها مجازات ~~لا حقيقة لها، وأنها قد نقلت عن موضوعاتها الأصلية إلى موضوعات غيرها، وهذا ~~أمر ينكره أهل كل لغة ولا يعرفونه، بل يجزمون بأن لغاتهم باقية على ~~موضوعاتهما لم تخرج عنها، وأنهم نقلوا لغتهم عمن قبلهم، ومن قبلهم كذلك على ~~هذا الوضع، لم ينقل إليهم أحد أن لغتهم كلها أو أكثرها خرجت عن موضوعاتها ~~إلى غيرها. # الوجه الرابع والثلاثون: أنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن الله تعالى متكلم حقيقة، وأنه تكلم بالكتب التي أنزلها على ~~رسله، كالتوراة والإنجيل والقرآن وغيرها، وكلامه لا ابتداء له ولا انتهاء، ~~فهذه الألفاظ التي تكلم الله بها، وفهم عباده مراده منه لم ms310 يضعها سبحانه ~~لمعان ثم نقلها عنها إلى غيرها، ولا كان تكلمه سبحانه بتلك الألفاظ تابعا ~~لأوضاع المخلوقين، فكيف يتصور دعوى المجاز في كلامه سبحانه إلا على أصول ~~الجهمية المعطلة، الذين يقولون: كلامه مخلوق من جملة المخلوقات ولم يقم به ~~سبحانه كلام، وهؤلاء اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتكفيرهم. # وأما من أقر أن الله تعالى تكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغيرها حقيقة، ~~وأن موسى سمع كلامه منه إليه بلا واسطة، وأنه يكلم عباده يوم القيامة، ~~ويكلم ملائكته، فإنه لا يتصور على أصله دخول المجاز في كلامه، ولو كان ~~ثابتا، ولا سيما على أصول من يجعل كلام الله معنى واحدا لا تعدد فيه، وهذه ~~العبارات دالة على ذلك المعنى؟ فليس بعضها أسبق من بعض تلك المفهومات له ~~بالوضع الأول وبعضها بالوضع الثاني، وكذلك من يجعل الألفاظ الدالة على ~~المعاني قديمة لا يسبق بعضها بعضا ; فكيف يعقل عند هؤلاء وضع أول يكون ~~حقيقة، ووضع ثان يكون مجازا ; وسنذكر إن شاء الله تعالى فساد دعواهم في ~~الألفاظ والقرآن أنها مجاز لو كان مجاز حقا. # فإن قيل: الرب سبحانه خاطبهم بما ألفوه من لغاتهم واعتادوا من التفاهم ~~منها، فلما كان من خطابهم فيما بينهم الحقيقة والمجاز، جاء الله لهم بذلك ~~ليحصل لهم الفهم والبيان، قيل: خطاب الله تعالى سابق على مخاطبة بعضهم ~~بعضا، فهل كان في # PageV01P313 # كلامه سبحانه ألفاظ وضعت لمعان ثم نقلها سبحانه عنها إلى معان أخر؟ فهل ~~يتصور هذا القدر في كلامه؟ وإن كان ذلك في مخاطبة بعضهم بعضا؟ يوضحه: ### | أن الله تعالى هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما في أنفسهم # الوجه الخامس والثلاثون: وهو أن الله هو الذي علمهم البيان بألفاظهم عما ~~في أنفسهم، فعلمهم المعاني وصورها في نفوسهم، وعلمهم التعبير عنها بتلك ~~الألفاظ. كما قال تعالى: {الرحمن - علم القرآن - خلق الإنسان - علمه ~~البيان} [الرحمن: 1 - 4] فهو سبحانه علم الإنسان أن يبين عما في نفسه، ~~وأقدره على ذلك، وجعل بيانه تابعا لتصوره واحتياجه إلى التعبير عما في ~~نفسه، وذلك من لوازم نشأته وتمام ms311 مصلحته، والمعاني التي يدعى أن اللفظ ~~حقيقة فيها أو يكون معها، وحاجتهم إلى التعبير عن الجميع سواء، فكيف يدعى ~~أن اللفظ وضع لبعضها دون بعض مع شدة الحاجة إلى التعبير عن الجميع ; هذا ما ~~يأباه العقل والعادة، ولا سيما على قول الغلاة الذين يدعون أن أكثر اللغة ~~مجاز، وأن الأفعال كلها مجاز، فهل كانت الطبيعة والاستعمال والألسن معطلة ~~عن استعمال تلك المجازات حتى أحدث لها وضع ثان، ولا ريب أن الذين قسموا ~~الكلام إلى حقيقة ومجاز لم يتصوروا لوازم قولهم، ولو تصوروه حق التصور لما ~~تكلموا به. # الوجه السادس والثلاثون: مما يبين بطلان هذا التقسيم أن أصحابه متنازعون ~~في أشهر الكلام وأظهره استعمالا، نزاعا كثيرا لا يمكن معه الحكم لطائفة على ~~طائفة، فلو كان الفرق الذي ادعيتموه ثابتا في نفس الأمر أمكن الحكم بينكم. # مثال ذلك، أن العام المخصوص إما أن يقال: كله حقيقة، وإما أن يقال: كله ~~مجاز، وإما أن يقال: بعضه حقيقة وبعضه مجاز، سواء قيل إن التخصيص المفصل ~~حقيقة والمنفصل مجاز والباقي حقيقة، أو قيل: الاستثناء وحده حقيقة دون سائر ~~المنفصلات، فأي قول من هذه الأقوال قبل على تقدير التقسيم إلى الحقيقة ~~والمجاز فهو باطل إلا قول من جعل الجميع حقيقة، فيلزم بطلان التقسيم على ~~التقديرين. # بيان ذلك أن الذين قالوا: العام المخصوص كله حقيقة، وهم أكثر العلماء من ~~أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، بل أكثرهم أصحاب مالك والشافعي وأحمد ولم ~~يذكروا في ذلك نزاعا، واحتجوا بحجج تستلزم نفي المجاز. # قال الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني: (مسألة) في العموم إذا خص هل يكون ~~حقيقة في الباقي أو مجازا؟ فاختلف الناس في ذلك فذهبت طائفة إلى أنه يكون ~~حقيقة فيما # PageV01P314 # بقي، سواء خص بدليل متصل كالاستثناء، أو بدليل منفصل كدليل العقل والقياس ~~وغير ذلك، قال: وهذا مذهب الشافعي وأصحابه، وهو قول مالك وجماعة من أصحاب ~~أبي حنيفة، قال: وذهبت طائفة إلى أنه يكون مجازا في الثاني، سواء خص بدليل ~~متصل أو منفصل، وهذا مذهب المعتزلة بأسرها، وهو قول عيسى بن ms312 أبان وأكثر ~~أصحاب أبي حنيفة، وحكى بعض الأشعرية أنه مذهب الأشعري أيضا، وذهبت طائفة ~~إلى أنه إن خص بدليل متصل كان حقيقة في الباقي، وإن خص بدليل منفصل كان ~~مجازا، ذهب إلى هذا الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة. # قال: وفائدة الخلاف في هذه المسألة أن يقول: إن ذلك حقيقة في الثاني يحتج ~~بلفظ العموم فيما يخص منه بمجرده من غير دليل عليه، ومن يقول: إنه يكون ~~مجازا لا يمكنه الاحتجاج بالعموم المخصوص فيما بقي إلا بدليل يدل على أنه ~~محمول على ذلك، قال: وهذا الذي حكي عن الأشعري لا يجيء على قوله من وجهين: ~~أحدهما: أن اللفظ المشترك عنده بين العموم والخصوص، إذا دل الدليل على ~~العموم كان حقيقة فيه، وإذا دل الدليل على الخصوص وكان حقيقة فكيف يصح على ~~قوله أن يقال: إنه لا حقيقة فيما بقي بعد التخصيص. # والثاني: أنه يقول: إن اللفظ المستعمل فيما بقي يحتج فيه بمجرده من غير ~~دلالة، وهذا معنى قولنا: إنه حقيقة في الثاني، فإذا سلم هذا لم يكن تحت ~~قولنا إنه مجاز فيما بقي معنى فإن من قال: إن ذلك يكون مجازا فيما بقي ~~استدل بنكتة واحدة، وهي أن لفظ العموم موضوع للاستغراق بتجريده، فإذا دل ~~الدليل على تخصيصه فإنه يحمل على الخصوص ويعدل بعده عن موضوعه بالقرينة ~~التي دلت على خصوصية اللفظ وإذا عدل به عن موضوعه إلى غيره كان استعماله ~~فيه مجازا لا حقيقة. # ألا ترى أن اسم الأسد موضوع في الحقيقة للبهيمة، وإذا استعمل بقرينة في ~~الرجل الشجاع كان مجازا، وكذلك الحمار اسم في الحقيقة للبهيمة، وإذا استعمل ~~بقرينة في الرجل البليد كان مجازا، وكذلك لفظ العموم إذا استعمل في الخصوص ~~بقرينة كان مجازا، قال: ودليلنا أن لفظ العموم إذا ورد مطلقا فإنه يقتضي ~~استغراق الجنس، فإذا ورد دليل التخصيص فإن ذلك الدليل يبين ما ليس بمراد ~~باللفظ ويخرجه عنه ليكون هذا الدليل قد أثر فيما يخرجه عنه ويبين أنه ليس ~~بمراد به يؤثر فيما بقي، بل يكون ما ms313 بقي الحكم ثابتا فيه باللفظ حسب، والذي ~~يدل على هذا أن الدليل التخصيص مناف لحكم ما بقي من اللفظ مضاد له فلا يجوز ~~أن يؤثر فيه يثبت # PageV01P315 # الحكم مع مضادته له ومنافاته، فإنما يؤثر في إسقاط الحكم عما أخرجه وخصه، ~~إذا كان كذلك كان الحكم ثابتا فيما لم يدخله التخصيص بنفس اللفظ من غير ~~قرينة، وكان حقيقة فيه لا مجازا فيصير لأهل الحرب عندنا اسمان كل واحد ~~منهما حقيقة فيهم، أحدهما حقيقة فيهم بمجرده وهو قوله: اقتلوا أهل الحرب، ~~والآخر حقيقة فيهم عند وجود قرينة، وهو أن يقولوا: اقتلوا المشركين إلا أهل ~~الذمة، وليس يمتنع مثل هذا. # ألا ترى إذا قال: أعطوا فلانا ثوبا أصفر، كان ذلك حقيقة في الثوب الأصفر ~~بهذا اللفظ، فإذا قال: أعطه ثوبا ولا تعطه غير الأصفر كان ذلك حقيقة فيه ~~عند وجود القرينة، فكذلك هذا مثله، ويخالف هذا إذا استعمل اسم الحمار في ~~الرجل البليد واسم الأسد في الرجل الشجاع، لأن ذلك اللفظ يحمل عليه ~~بالقرينة الدالة عليه لا بمجرد اللفظ، فإن القرينة تدل على المراد باللفظ ~~وهي مماثلة له في الحكم، فهي دالة على ما أريد به، فكان اللفظ مستعملا ~~بالقرينة فكان مجازا، وليس كذلك استعمال لفظ العموم في الخصوص، فإن ما بينت ~~المراد باللفظ وإنما بينت ما ليس بمراد، فكان استعمال اللفظ في المراد ~~بنفسه لا بالقرينة، فإنه لا يجوز أن يكون مستعملا بالقرينة مضادة له، فكان ~~ذلك حقيقة فيما استعمل فيه لا مجازا. # قال: ودلالة على من ساوى بين القرينة المتصلة والمنفصلة يعني فجعل الجميع ~~مجازا وهو أنا نقول: لا فرق عند أهل اللغة بين قول القائل: لفلان خمسة ~~دراهم وبين قوله عشرة إلا خمسة، في أن كل واحد من اللفظين يعبر به عن ~~الخمسة ويدل عليها، فلما كان لفظ الخمسة فيها كذلك قالوا عشرة إلا خمسة يجب ~~أن يكون حقيقة فيها، وهكذا يجب حكم كل دليل على تخصيص اللفظ بما يتصل به، ~~فأما من فرق بين الدليل المتصل والمنفصل فإنه فصل ms314 بين الموضوعين بأن قال: ~~الكلام إذا اتصل بعضه ببعض بني بعضه على بعض، فكان ذلك حقيقة فيما بقي، ~~وإذا انفصل بعضه عن بعض لم يبين فكان مجازا فيه، قال: وهذا غلط لأنه فرق ~~بين القرينة المتصلة والمنفصلة، في أن اللفظ مبني عليها ودلالة على ما ليس ~~بمراد منه وما بقي يكون ثابتا فيها باللفظ لا بقرينة، فيجب أن لا يفترق ~~حالهما بوجه، وقد وافق أبا حامد على ذلك أئمة أصحاب الشافعي، كالقاضي أبي ~~الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ، قال أبو الطيب: # فصل: وإذا خص من العموم شيء لم تبطل دلالته في الثاني، وقال عيسى بن # PageV01P316 # أبان: يصير مجازا وتبطل دلالته، واحتج من نصر قوله بأن اللفظ صار مستعملا ~~في غير ما وضع له، فاحتاج إلى دليل يدل على المراد به، فإن لفظه لا يدل ~~عليه، وصار بمنزلة المجمل الذي لا يدل على المراد بلفظه ويحتاج إلى قرينة ~~تفسره وتدل على المراد به، قال: وهذا عندنا غير صحيح لأن فاطمة احتجت بقوله ~~تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] فلم ~~ينكر أحد احتجاجها بهذه الآية، وإن كان قد خص منها الولد القاتل والرقيق ~~والكافر، وإنما خصوا ميراث رسول صلى الله عليه وسلم بسنة خاصة، فدل هذا على ~~أن تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج به فيما لم يختص منه. # قال: وأيضا فإن دلالة اللفظ سقطت فيما عارضه الخاص لأنه أقوى منه، وفيما ~~عداه باقية لأنه لا معارض له فجاز الاحتجاج به فيما لم يخص منه. # فإن قال: هذا منتقض على أصلك بالعلة إذا خصت فإنه لا يجوز الاحتجاج بها ~~فيما لم يخص منها، فالجواب: أن العلة إذا خصت كانت منتقضة فلم تكن علة لذلك ~~الحكم، وليس كذلك العموم فإنه إذا خص منه شيئا كانت دلالته باقية فيما لم ~~يخص منه، لأنه إنما كان دليلا في جميع ما تناوله من الجنس، لكونه قولا ~~لصاحب الشريعة لا معارض له، وهذا المعنى يوجد فيما لم يخص منه، ms315 لأن التخصيص ~~يحصل بافتراض الشرط أو الصفة أو الغاية ولا يمنع الاحتجاج به، فكذلك ~~التخصيص باللفظ المنفصل. # قال: وأما الجواب عن قول المخالف: إنه مستعمل في غير ما وضع له وأنه غير ~~دال على المراد به ويحتاج إلى قرينة، فلا نسلم أنه غير مستعمل في غير ما ~~وضع له، لأن هذا اللفظ موضوع للعموم بمجرده وللخصوص بقرينة، وهذا غير ممتنع ~~في اللغة لأنا أجمعنا على أنه موضوع بمجرده للعموم والخصوص بقرينة متصلة به ~~مثل الاستثناء، فإن قوله: اقتلوا المشركين إلا أهل الكتاب، ليس مجازا، وهو ~~مستعمل فيما وضع له، والقرينة المنفصلة في معنى القرينة المتصلة، والخاص مع ~~العام بمنزلة الاستثناء مع المستثنى منه، وكذلك قول القائل: خرج زيد يكون ~~إخبارا عن خروجه وتضم إليه لفظة ما فيكون إخبارا عن ضده، وتضيف إليه الهمزة ~~فيكون استفهاما، وكل ذلك حقيقة، فكذلك في مسألتنا، قال: هذا يؤدي إلى ألا ~~يكون في اللغة مجاز، إذ # PageV01P317 # قولنا: بحر موضوع للماء الكثير بمجرده، وللعالم أو الجواد بقرينة، والأسد ~~موضوع للبهيمة بمجرده والرجل الشديد بقرينة، والحمار للبهيمة وللرجل البليد ~~بقرينة، وإذا كان كذلك بطل هذا الجواب. # قيل: لو لزمني هذا في التخصيص لزمه في الاستثناء فإن المخالف يقول في ~~الاستثناء مثل ما نقول نحن في التخصيص ولا فرق بينهما. # وجواب آخر: وهو أن هذه المواضع إثباتها مجازا إما بالتوقف من جهة أهل ~~اللغة وليس في تخصيص العموم أنه مجاز توقيف فلم يجعله مجازا إلا ظاهر ~~استعمال الحقيقة، وجواب آخر: وهو أن هذا كلام في العبارة لا يجدي شيئا ~~وإنما المقصود هل يبطل التخصيص دلالة اللفظ ويمنع الاحتجاج به أم لا؟ وعند ~~المخالف تبطل دلالة اللفظ ويمنع الاحتجاج به، وهذا ظاهر الفساد. # وقوله: إن اللفظ لا ينبئ عن المراد وهو بمنزلة المجمل خطأ، لأن المجمل ~~غير دال بلفظه على شيء، والعموم دال على ما تناوله، وإنما أخرج بعضه بدليل ~~أقوى منه وبقي الباقي على موجب اللفظ وبيانه، وقال الشيخ أبو إسحاق في ~~اللمع: # فصل: وإذا خص من العموم ms316 شيء لم يصر اللفظ مجازا فيما بقي، وقالت ~~المعتزلة: يصير مجازا، وكذلك الشيخ أبو نصر بن الصباغ، صرح بذلك في كتاب ~~العمدة في أصول الفقه ولا نزاع بين المتقدمين من أصحاب الشافعي وأحمد أن ~~العام المخصوص حقيقة، وكذلك أصحاب مالك، وإن كان بين المتأخرين منهم نزاع ~~في ذلك، كما لا نزاع بين الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة أنه حجة، ومن ~~نقل عن أحد منهم أنه لا يحتج بالعام المخصوص فهو غلط أقبح غلط وأفحشه، وإذا ~~لم يحتج بالعام المخصوص ذهبت أكثر الشريعة وبطلت أعظم أصول الفقه. # وهاهنا مسألتان: إحداهما: أنه هل يصير مجازا بعد التخصيص أم هو حقيقة؟ ~~والثانية: هل يحتج به بعد التخصيص أم لا؟ وبعض المصنفين الغالطين يجعلها ~~واحدة ويبني إحداهما على الأخرى فنقول: إذا بقي مجازا صار مجملا فلا يحتج ~~به، وهذا غلط يتركب منه أن العام المخصوص بالاستثناء والشرط والغاية والصفة ~~وبدل البعض من الكل لا يحتج به عند من يجعل ذلك مجازا، ومن نسب إلى الأئمة ~~هذا وهذا فقد كذب عليهم، ويلزم هؤلاء أن يكون أفضل الكلام وأعلاه الذي لا ~~يدخل في الإسلام إلا به وهو كلمة لا إله إلا الله مجازا وأن يكون: {ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] # PageV01P318 # مجازا وأن يكون قوله: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] مجازا، ~~وأن يكون قوله: {ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] مجازا، وفساد هذا معلوم بالضرورة لغة وشرعا ~~وعقلا، وقبح الله قولا يتضمن أن يكون: لا إله إلا الله مجازا فلا كان ~~المجاز ولا يكون ولا هو كائن. # وسيأتي بيان أن أرباب المجاز يلزمهم أن يكون قولنا: محمد رسول الله ~~مجازا، بل ذلك صريح قولهم، فإنهم صرحوا أن الإضافة تقييد، وأصابوا في ذلك، ~~وصرحوا بأن اللفظ وضع مطلقا لا مقيدا، فاستعماله في المقيد استعمال في غير ~~ما وضع له كاستعمال العام في الخاص، وذلك المجاز بعد التخصيص كهذا المجاز ~~بعد التقييد، فإن الإضافة تفيد المطلق ms317 كما أن الاستثناء والشرط والغاية ~~والبدل والصفة تخص العموم، وقد صرح ابن جني أن أكثر اللغة مجاز، قال: وكذلك ~~عامة الأفعال كقام وقعد وانطلق وجاء، قال: لأن الفعل يستفاد منه الجنس، ~~ومعلوم أن الفاعل لم يكن منه جميع القيام، وسيأتي تمام كلامه والبيان ~~الواضح في فساده. # والمقصود أن على هذا القول الفاسد يكون قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق} [التوبة: 33] وقوله: {وأرسلناك للناس رسولا} [النساء: ~~79] وقوله: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} [البقرة: 213] كل ذلك مجاز ~~لا حقيقة له، بل كل فعل أضافه الرب إلى نفسه وإلى خلقه مجاز لا حقيقة له ~~على قول هذا المبتدع الضال، فإن الفعل جنس، والجنس يطلق على جميع الماضي ~~وجميع الحاضر وجميع الأمور والكائنات عن كل من وجد منه القيام، ومعلوم أنه ~~لا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله ~~بالداخل تحت الوهم، هذا محال، وإذا كان كذلك علمت أن قام زيد مجاز لا ~~حقيقة. # فانظر كيف أقر واستدل وقرر أن أفعال الله كلها مجاز، فخلق السماوات ~~والأرض عنده مجاز، وقد صرح بأن المجاز يصح نفيه، وأرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق مجاز عنده، فقبح الله هذا القول ولا بارك الله في أصل يتضمن هذا الكفر ~~والجنون، وقد صرح مغل الجهمية بأن خلق واستوى مجاز فلا خلق في الحقيقة ولا ~~استوى على # PageV01P319 # عرشه، فإن الخلق فعل، فلا يصح قيامه به عندهم لأنه حادث فلم يقم به خلق ~~البتة، وإنما يقال: خلق على سبيل المجاز للتعلق العدمي بين المخلوق وبينه ~~سبحانه. # وابن جني وذووه لو اعترفوا بأن له سبحانه أفعالا حقيقة لكانت كلها مجازا ~~عندهم لما قرره من دلالة الفعل على جميع الأفراد والجنس، وأما أن يستحيوا ~~من العقلاء ويقولوا: إن ذلك حقيقة فيلزمهم التناقض، وهو أيسر الإلزامين، ~~فالأفعال دالة على المصادر المطلقة لا العامة، فإذا التزم هؤلاء أنها ~~مجازات لتقييدها بفاعليها كان ذلك كالتزام أولئك أن الألفاظ العامة إذا خصت ~~صارت مجازات، فكما لزم أولئك أن ms318 تكون لا إله إلا الله مجازا، لزم هؤلاء أن ~~يكون محمد رسول الله مجازا، إذ تقييد هذا المطلق قد أخرجه عندهم عن موضوعه، ~~كما أن تخصيص ذلك العام قد أخرجه عند أولئك عن موضوعه، والطائفتان مخطئتان ~~أقبح خطأ، فاللفظ لم يخرج عن موضوعه بالتخصيص ولا التقييد، ويزيده إيضاحا: # الوجه السابع والثلاثون: أن اللفظ لو كان يخرج بالتخصيص والتقييد عن ~~موضوعه لكان عدة موضوعات بحسب تعدد قيوده، فإما أن يدعى أنه مجاز في ذلك ~~كله أو حقيقة في الجميع، أو يفرق بين بعض المحال وبعض، فالأول والثالث ~~باطلان فيتعين الثاني. # مثال ذلك في الأفعال أنهم يقولون: قام، فيفيد إثبات القيام، ويقولون: ما ~~قام فيفيد انتفاء القيام، ويقولون: أقام، فيفيد معنى آخر وهو الاستفهام عن ~~وجود القيام، ويقولون: متى قام فيفيد السؤال عن زمن قيامه، ويقولون: أين ~~قام فيفيد السؤال عن مكان قيامه، ويقولون: يقوم فيفيد عن معنى قام، ~~ويقولون: قم، فيفيد عن المعنيين. # وقد اختلفت دلالة اللفظ باختلاف هذه القيود، وهي حقيقة في الجميع، وكذلك ~~إذا قلت: المسلمون كلهم في الجنة كان حقيقة، وإذا قلت: الناس كلهم في النار ~~إلا المسلمين كان حقيقة، وإذا قلت: أعتق رقبة كان حقيقة، وإذا قلت: مؤمنة ~~كان حقيقة، وكذلك إن زدت في تقييدها: بالغة عاقلة عربية ناطقة، ونحو ذلك، ~~نقضت دلالة اللفظ المطلق ولم يخرج عن حقيقته، ومن زعم أنه قد خرج عن حقيقته ~~وموضوعه فقد أخطأ، فهكذا إذا قلت: ركبنا البحر فهاج بنا كان حقيقة، فإذا ~~قلت: أتينا البحر فاقتبسنا منه علما كان حقيقة، وكذلك إذا قلت: خرجنا في ~~السفر، فعرض لنا الأسد، فقطع علينا الطريق، كان كلاما بينا بنفسه في المراد ~~منه، فإذا قلت: نزلنا على # PageV01P320 # الأسد فحمانا وأقرأنا كان بينا بنفسه، وكان حقيقة، وهو موضوع لكلا ~~المعنيين، مستعمل في موضوعه، كالمطلق والمقيد وسواء، فأي فرق بين ذلك حتى ~~يدعى المجاز في بعض الاستعمالات والحقيقة في بعضها. # ولهذا لما تفطن لهذا من تفطن له من الأذكياء صاروا فريقين: فرقة أنكرت ~~المجاز بالكلية، وفرقة ms319 ادعت أن اللغة كلها إلا النادر منها مجاز، فإنهم ~~رأوا فساد تلك الفروق وتناقضها فلم يرضوا لأنفسهم بالتناقض والتحكم البارد، ~~يوضحه: ### | اللغة كلها حقيقة أو كلها مجاز # الوجه الثامن والثلاثون: أنه إن كان في اللغة مجاز على الوجه الذي ~~يذكرونه لزم أن يكون كلها مجازا، وإن كانت مشتملة على الحقيقة فكلها حقيقة. # بيان ذلك أن المفردات ثلاثة أنواع: أسماء وأفعال وحروف، وهي روابط بين ~~الأسماء والأفعال، وهذه الروابط دلالتها على معناها الإفرادي مشروط بذكر ~~متعلقها، وهو القرينة المبينة لمعناها؟ فدلالتها الموقوفة على القرينة لا ~~تدل بمطلقها، وذلك أمارة المجاز عندهم، بل هذا أبلغ في ثبوت المجاز حيث ~~كانت القرينة شرطا في إفادته، فهم بين أمرين: إما أن يدعوا أن الحروف كلها ~~مجاز، فهذا غلط، لو كان المجاز ثابتا فإنها لم يسبق لها موضوع غير موضوعها ~~الذي هي مستعملة فيه، بل استعمالها في موضوعاتها. # وإما أن يقول: إن توقف فهم معناها على القرينة لا يوجب لها أن تكون مجازا ~~فيقال لهم: وهكذا الأسماء والأفعال التي لها دلالة عند الاقتران ودلالة عند ~~التجرد لا يؤدي توقف فهم معناها عند الاقتران على القرينة أن تكون مجازا، ~~وهل الفرق إلا محض؟ . # فإن قلتم: الأسماء والأفعال لها دلالتان: دلالة عند التجرد ودلالة عند ~~الاقتران، فأمكن أن يكون لها جهتان، وأما الحروف فلا تدل إلا مع الاقتران، ~~فليس لها جهة حقيقة ومجاز، قيل لكم: دلالة الأسماء والأفعال عند التجرد عن ~~كل قيد كدلالة الحروف سواء، لا فرق بينهما لغة ولا عقلا، فإن قولك: رجل ~~وماء وتراب، كقولك: في وعلى وثم وقام وقعد وضرب، فالجميع أصوات ينعق بها لا ~~تفيد شيئا، وشرط إفادتها تركيبها، فكما أن شرط إفادة الحرف تركيبه مع غيره ~~فشرط إفادة الاسم والفعل تركيبهما. # فإن قلت: أنا أفهم من رجل وماء وتراب مسمى هذه الألفاظ بمجرد ذكرها، قيل: ~~فإنه يفهم من قولك: في وعلى وثم مسمى تلك الحروف بمجرد ذكرها، وهي الظرفية ~~والاستعلاء والترتيب والتراخي. # PageV01P321 # فإن قلت: لا يعقل معنى الظرفية إلا بالمظروف والظرف، ms320 ولا معنى الاستعلاء ~~إلا بالمستعلي والمستعلى عليه، ولا معنى الترتيب إلا بالمرتب والمرتب عليه، ~~وهذه هي متعلقات الحروف، قيل: لا فرق بينهما، فإنه يفهم من (في) ظرفية ~~مطلقة، ومن (على) استعلاء مطلق، ومن (ثم) ترتيب مطلق، كما يفهم من رجل وماء ~~وتراب معان مطلقة، وهي صور ذهنية مجردة لا يقارنها علم بوجودها في الخارج ~~ولا عدمها ولا وجود شيء لها ولا سلب شيء عنها، بل هي تخيلات ساذجة، وفهم ~~معانيها المخصوصة المفيدة متوقف على ترتيبها. # فإذا قلت: جاءني رجل فأكرمته، كانت دلالته على المعنى المقيد، كدلالة ~~الحرف على معناه المقيد عند تركيبه، كقولك: علمت على السطح، وتقول (على) ~~للاستعلاء و (في) للوعاء فتفيد الحكم على معناها المطلق، كما تقول: الذكر ~~أشرف من الأنثى، والرجل أنفع من المرأة، فيفيد الحكم على المعنى المطلق. # فهاهنا ثلاثة أمور، وهي معتبرة في الحروف وتسميتها، فإنك تقول (على) ~~مجردة وتقول (على) للاستعلاء، وتقول: زيد على السطح، كما تقول: رجل، والرجل ~~خير من المرأة، فدعوى المجاز في بعض ذلك دون بعض تحكم لا وجه له. # ودلالة الاسم والفعل على المعنى المطبق من غير تقييد إن كانت هي حقيقة ~~اللفظ كان كل مقيد مجازا، وإن كانت دلالتها عند التقييد لم توجب لهما ~~مفارقة الحقيقة، فكل مقيد حقيقة، ألا ترى أنك تقول: عندي رجل فيكون له ~~دلالة، فإذا قلت: الرجل عندي تغيرت دلالته وانتقلت من التنكير إلى التعريف، ~~فإذا قلت: عندي رجل عالم تقيد بقيد منع دلالته على غيره، فإذا قلت: عندي ~~رجلان كان له دلالة أخرى، فإذا قلت: رجال تغيرت الدلالة ولم يخرج بذلك عن ~~حقيقته وموضوعه، بل اختلفت دلالته بحسب القرائن التي تكون في أوله تارة، ~~وفي أوسطه تارة، وفي آخره تارة، وهي متصلة به وتكون منفصلة عنه تارة، إما ~~لفظية وإما عرفية وإما عقلية، فهذا أمر معلوم عند الناس في مخاطبات بعضهم ~~مع بعض، وهو من ضرورة الفهم والتفهيم لا يختص بلغة دون لغة. . # فالفرق بين المعاني المطلقة والمقيدة أمر ضروري، والحاجة في التمييز ~~بينهما ms321 في العبارة من لوازم النطق، فمن ادعى أن بعضها هو الأصل، وأن اللفظ ~~وضع له أولا، ثم نقل عنه بعد ذلك إلى المعاني الأخر فهو مكابر، إذ تصور تلك ~~المعاني والتعبير # PageV01P322 # عنها أمر لازم للناطق ونطقه، بل نقول: إن لزوم المقيد له وحاجته إلى ~~التعبير عنه وإفهامه فوق حاجته إلى المطلق، فإن القصد من الخطاب قيام مصالح ~~النوع الإنساني بالفهم والتفهيم والمطلق صورة ذهنية لا وجود لها في الخارج، ~~وكذلك اللفظ المطلق المجرد لا يفيد فائدة وإنما محل الإفادة والاستفادة هو ~~طلب المعاني المقيدة والألفاظ المقيدة، فهي التي تشتد الحاجة إلى طلبها ~~والخبر عنها، فهؤلاء عكسوا الأمر فجعلوا ما لا غنى للناطق عنه مجازا وما لا ~~يحتاج إليه، ولا تشتد حاجته إلى فهمه وتفهيمه حقيقة. # والمقصود أنه إن كان المجاز حقا ثابتا فاللغة كلها مجاز، فإن الألفاظ لا ~~تستعمل إلا مقيدة تخالف دلالتها عند الإطلاق، وإن كانت الحقيقة موجودة فإن ~~اللغة كلها حقيقة ما دلت على المراد بتركيبها، وهذا شأن جميع الألفاظ: ~~يوضحه: # الوجه التاسع والثلاثون: أن هؤلاء أوتوا من تقدير في الذهن لا حقيقة له ~~فإنهم أصابهم في تجريد الألفاظ عن قيودها وتركيبها ثم الحكم عليها مجردة ~~بحكم وعليها عند تقييدها بحكم غيره ما أصاب المنطقيين ومن سلك سبيلهم من ~~الملاحدة في تجريد المعاني وأخذها مطلقة عن كل قيد، ثم حكموا عليها في تلك ~~الحال بأحكام، ورأوا وجودها الخارجي مع قيودها يستلزم ضد تلك الأحكام، ~~فبقوا حائرين بين إنكار الوجود الخارجي وبين إبطال تلك الحقائق التي ~~اعتبروها مجردة مطلقة، فصاروا تارة يثبتون تلك المجردات في الخارج مجردة ~~مطلقة ويسمونها المثل، أي المثالات التي تشبه الحقائق الخارجية، وتارة ~~يثبتونها مقارنة للمشخصات لا تفارقها، وتارة يجعلونها جزءا من المعينات، ~~وتارة يرجعون إلى حكم العقل ويقولون: إن وجودها ذهني لا وجود لها في ~~الخارج، ولا يوجد في الخارج إلا مشخص معين مختص بأحكام ولوازم لا تكون ~~المطلوب. # وهؤلاء الذين جردوا الحقائق عن قيودها وأخذوها مطلقة أخرجوا عن مسمياتها ~~وماهياتها جميع القيود الحرجة ms322 فلم يجعلوها داخلة في حقيقتها، فأثبتوا ~~إنسانا لا طويلا ولا قصيرا، ولا أسود ولا أبيض، ولا في زمان ولا مكان، ولا ~~ساكنا ولا متحركا، ولا هو في العالم ولا خارجه ولا له لحم ولا عظم، ولا عصب ~~ولا ظفر، ولا له شخص ولا ظل ولا يوصف بصفة ولا يتقيد بقيد، ثم رأوا الإنسان ~~الخارجي بخلاف ذلك كله، فقالوا: هذه عوارض خارجة عن حقيقته، وجعلوا حقيقة ~~تلك الصورة الخيالية التي جردوها، فهي المعنى والحقيقة عند هؤلاء الذين ~~اعتبروها # PageV01P323 # مجردة عن سائر القيود، وجعلهم تلك الأمور التي لا تكون إنسانا في الخارج ~~لأنها خارجة عن حقيقته، كجعل هؤلاء القيود التي لا يكون اللفظ مفيدا إلا ~~بها مقتضية لمجازه. # فتأمل هذا التشابه والتناسب بين الفريقين، هؤلاء في تجريد المعاني وهؤلاء ~~في تجريد الألفاظ، وتأمل ما دخل على هؤلاء من الفساد في اللفظ والمعنى، ~~وبسبب هذا الغلط دخل من الفساد في العلوم ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ### | أنواع القرائن # الوجه الأربعون: أن اللفظ لا بد أن يقترن به ما يدل على المراد به، ~~والقرائن ضربان: لفظية ومعنوية، واللفظية نوعان: متصلة ومنفصلة، والمتصلة ~~ضربان: مستقلة وغير مستقلة، والمعنوية إما عقلية وإما عرفية، والعرفية إما ~~عامة وإما خاصة، وتارة يكون عرف المتكلم وعادته، وتارة عرف المخاطب وعادته، ~~فما الذي تعتبرون في المجاز من تلك القرائن، هل هو الجميع؟ فكل ما اقترن به ~~شيء من ذلك كان مجازا، فجميع لغات بني آدم مجاز، أو اللفظية دون المعنوية ~~أو العكس، أو بعض اللفظ دون بعض، فلا يذكرون نوعا من ذلك إلا طولبوا بالفرق ~~بينه وبين بقية الأنواع لغة أو عقلا أو شرعا، وكانوا في ذلك متحكمين مفرقين ~~بين ما لا يسوغ التفريق بينه. # الوجه الحادي والأربعون: أن جمهور الأمة على أن العام المخصوص حقيقة، ~~سواء خص بمتصل أو منفصل، بعقلي أو لفظي كما تقدم، وأنه حجة بإجماع الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم، وإنما حدث الخلاف في ذلك بعد انقراض العصور المفضلة ~~التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه ms323 وسلم بأنها خير القرون، وقالوا: إنه ~~يصير بعد التخصيص مجازا، وقال بعضهم يبقى مجملا لا يحتج به، فقال لهم ~~الجمهور: هو بعد التخصيص مستعمل فيما وضع له، قالوا: فإنه موضوع للعموم ~~بمجرده وللخصوص بقرينة متصلة به مثل الاستثناء، فإن قوله: اقتلوا المشركين ~~إلا أهل الكتاب ليس مجازا، وهو مستعمل فيما وضع له، والقرينة المنفصلة في ~~معنى القرينة المتصلة، والخاص مع العام بمنزلة المستثنى مع المستثنى منه، ~~ولذلك يقول القائل: خرج زيد، فيكون إخبارا عن خروجه، ويضم إليه " ما " ~~فيكون إخبارا عن ضده، وتضيف إليه الهمزة فيكون استفهاما، وكل ذلك حقيقة، ~~فكذلك في مسألتنا. # هذه ألفاظ القاضي أبي الطيب، فتأمل كيف هي صريحة في نفي المجاز، وأن ~~اللفظ موضوع لمطلق المعنى وبالقرينة لغيره، وأن ذلك كله حقيقة، وهذا هو ~~التحقيق # PageV01P324 # دون التحكم والتناقض، ولهذا لما فهم القائلون بأنه يصير مجازا بعد ~~التحقيق عن ذلك ألزموا الجمهور بنفي المجاز، فقالوا: هذا يودي إلى أن يكون ~~في اللغة مجاز، قالوا: لأن قولنا (بحر) موضوع للماء الكثير بمجرده، والعالم ~~والجواد بقرينة، والأسد موضوع للحيوان المفترس بمجرده، وللرجل الشجاع ~~بقرينة، وإذا كان كذلك ارتفع المجاز في اللغة، وهذا سؤال صحيح، ولهذا لم ~~يجبهم عنه منازعون إلا بأنه مشترك الإلزام، فقالوا في جوابهم: إن هذا لزمنا ~~في التخصيص لزمكم في الاستثناء، فإنكم تقولون في الاستثناء ما نقوله نحن في ~~التخصيص. # هذا لفظ جوابهم، فقد اعترف الفريقان بأن القول بكون العام المخصوص حقيقة ~~ينفي المجاز بالكلية، ولم يكن عند القائلين جواب سوى أن هذا يلزمنا ويلزمكم ~~جميعا، فثبت باعتراف الفريقين لزوم نفي المجاز لكون العام المخصوص حقيقة، ~~وجمهور أهل الأرض على أنه حقيقة، بل لا يعرف في ذلك خلاف متقدم البتة، فإذا ~~كان الحق أنه حقيقة ولزمه نفي المجاز ولازم الحق حق، فنفي المجاز هو الحق، ~~فهذا تقرير نفي المجاز من نفس قولهم تقريرا لا حيلة لهم في دفعه. # الوجه الثاني والأربعون: أن القائلين بالمجاز قالوا واللفظ لأبي الحسين ~~يعرف المجاز بالاستدلال، وذلك بأن يسبق إلى أذهان ms324 أهل اللغة عند سماع اللفظ ~~من غير قرينة معنى من المعاني دون آخر، فعلموا بذلك أنه حقيقة فيما سبق إلى ~~الفهم، لأنه لولا أنه قد اضطر السامع من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ ~~لذلك المعنى ما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره. # فهذا الكلام يتضمن أمرين: أحدهما: أن يكون السابق يسبق إلى أفهام أهل ~~اللغة دون غيرهم، فمن لم يكن من أهل اللغة العربية التي بها نزل القرآن، لم ~~يكن من أهل هذه اللغة كالنبط الذين أكثر عاداتهم استعمال كثير من الألفاظ ~~في غير ما كانت العرب تستعمله فيها، وحينئذ فلا عبرة بالسبق إلى أفهام ~~النبط الذين ليسوا من هؤلاء العرب العرباء، فأكثر القائلين بالمجاز أو كلهم ~~ليسوا من أولئك العرب، بل من النبط الذين لا يحتج بفهمهم باتفاق العقلاء، ~~وأما العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ففهمهم هو الحجة. # فقولكم أمارة الحقيقة السبق إلى الفهم، أفهم هؤلاء تريدون أم فهم النبط؟ ~~. # وإذا كانت العبرة بفهم العرب فالله يعلم وملائكته وكتبه ورسله والعقلاء ~~أن أحدا # PageV01P325 # منهم لم يقل قط: إن هذا اللفظ مستعمل فيما وضع له، وهذا غير مستعمل فيما ~~وضع له، ولا قال عربي واحد منهم: إن هذا حقيقة وهذا مجاز، ولا قال أحد ~~منهم: إن هذا المعنى هو السابق إلى الفهم من هذا اللفظ دون هذا المعنى، بل ~~هم متفقون من أولهم إلى آخرهم على أن كل لفظ معه قرينة يسبق إلى الفهم ما ~~يدل عليه مع تلك القرينة، وذلك بالاضطراب لهم، لم يوقفهم عليه موقف، بلى هو ~~معهم من أصل النشأة، وهم أكمل عقولا وأصح أذهانا أن يجردوا الألفاظ عن جميع ~~القرائن وينعقوا بها كالأصوات الغفل التي لا تفيد شيئا. # الأمر الثاني: قولكم أن يسبق إلى أفهام أهل اللغة عند سماع اللفظة من غير ~~قرينة معنى، فهذا نكرة في سياق النفي يعم كل قرينة، وليس شيء من الكلام ~~المؤلف المقيد يفيد بغير قرينة، بل إما أن يكون مؤلفا من اسمين أو من اسم ~~وفعل، أو من ms325 اسم وحرف، على رأي، ولا بد أن تعرف عادة المتكلم في خطابه ولا ~~بد من سياق يدل على المراد، ولا بد من قيد يعين المراد، فإن أردتم السبق ~~إلى الفهم بدون كل قرينة فهذا غير موجود في الكلام المؤلف المنظوم، يوضحه: # الوجه الثالث والأربعون: أن القائلين بالمجاز قالوا: الحقيقة هي اللفظ ~~المستعمل فيما وضع له أولا، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا ~~بقرينة، ومنهم من قال: القرينة استعمال الحقيقة في موضوعه، والمجاز ~~استعماله في غير موضوعه. # وعلى التقديرين فالاستعمال عندكم داخل في حد الحقيقة والمجاز، إما ~~بالتضمن على الرأي الأول وإما بالمطابقة على الرأي الثاني، وإذا كان كذلك ~~فاللفظ المجرد عن جميع القرائن لا يستعمله العقلاء، لا من العرب ولا من ~~غيرهم، ولا يستعمل إلا مقيدا، والاستعمال يقيده قطعا ولا يجتمع قولكم: إن ~~الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، وقولكم: هي ما يسبق إلى الفهم من ~~اللفظ عند تجرده عن كل قرينة فتأمله، يوضحه: # الوجه الرابع والأربعون: وهو مما يرفع المجاز بالكلية أنهم قالوا: إن من ~~علامة الحقيقة السبق إلى الفهم، وشرطوا في كونها حقيقة الاستعمال، كما ~~تقدم، وعند الاستعمال لا يسبق إلى الفهم غير المعنى الذي استعمل اللفظ فيه ~~فيجب أن يكون حقيقة، فلا يسبق إلى فهم أحد من قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الفرس الذي ركبه: " إن وجدناه لبحرا " بالماء الكثير المستبحر، فإن في " ~~وجدناه " ضميرا يعود على الفرس # PageV01P326 # يمنع أن يراد به الماء الكثير، ولا يسبق إلى فهم أحد من قوله صلى الله ~~عليه وسلم " «إن خالدا سيف سله الله على المشركين» " أن خالدا حديدة طويلة ~~لها شفرتان، بل السابق إلى الأفهام من هذا التركيب نظير السابق من قولهم: " ~~«يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء» "، ونظير ~~السابق إلى الفهم من قوله: إنه قال: لا إله إلا الله بعدما علوته بالسيف، ~~فكيف كان هذا حقيقة وذاك مجازا، والسبق إلى الفهم في الموضعين واحد؟ . # وكذلك قوله صلى الله عليه ms326 وسلم في حمزة " «إنه أسد الله وأسد رسوله» " ~~وقول أبي بكر رضي الله عنه في أبي قتادة: لا يعمد إلى أسد من أسد الله ~~يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، لم يسبق فهمه أنه الحيوان الذي يمشي على ~~أربع، بل يسبق من قوله أن ثلاثة حفروا زبية أسد فوقعوا فيها فقتلهم الأسد، ~~معناه. # ولا يفهم أحد من قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [النحل: ~~112] أن الجوع والخوف طعام يؤكل بالفهم، بل هذا التركيب لهذا المفعول! مع ~~هذا الفعل حقيقة في معناه كالتركيب في قوله: {أطعمهم من جوع} [قريش: 4] ~~ونسبة هذا إلى معناه المراد به كنسبة الآخر إلى معناه، وفهم أحد المعنيين ~~من هذا العقد والتركيب كفهم المعنى الآخر والسبق كالسبق، والتجريد عن كل ~~قرينة ممتنع، # PageV01P327 # وكذلك من سمع قوله: " «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» " فمن صافحه ~~وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه، لم يسبق إلى فهمه من هذا اللفظ غير ~~معناه الذي سبق له وقصد به وأن تقبيل الحجر الأسود ومصافحته منزل منزلة ~~تقبيل يمين الله ومصافحته، فهذا حقيقة هذا اللفظ، فإن المتبادر السابق إلى ~~الفهم منه لا يفهم الناس منه غير ذلك، ولا يفهم أحد منه أن الحجر الأسود هو ~~صفة الله القديمة القائمة به، فهذا لا يخطر ببال أحد عند سماع هذا اللفظ ~~أصلا، فدعوى أن هذا حقيقة وأنه خرج إلى مجازه بهذا التركيب خطأ، ونكتة هذا ~~الوجه أن المجرد لا يستعمل ولا يكون حقيقة ولا مجازا، والمستعمل معه من ~~القرائن ما يدل على المراد منه ويكون هو السابق إلى الفهم، والمقدمتان لا ~~ينكرهما المنازع ولا أحد من العقلاء، وذلك مما رفع المجاز بالكلية. # الوجه الخامس والأربعون: أن القائلين بالمجاز قد أبطل بعضهم ضوابط بعض، ~~قال أبو الحسين: وقد قيل: إن الشيء إذا سمي باسم ما هو جزاء عنه كان حقيقة ~~كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ، أو باسم ما يؤدي إليه ~~كالنكاح، أو باسم ما يشبهه كتسمية البليد حمارا، قال أبو الحسين: ولقائل أن ms327 ~~يقول: لا يمتنع أن يستعمل في الشيء فيما يشبهه وفيما هو جزاء عنه وفيما ~~يؤدي إليه في أصل الوضع. # قال شيخنا: قول هؤلاء باطل بل هو بالضد أحق، فإن الشيء يسمى باسم ما هو ~~جزاء عنه فيكون كقوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] ~~وقوله صلى الله عليه وسلم " «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله ~~عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا ~~والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة» ". # قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86] ~~وقال تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} [التوبة: 7] وقال تعالى: {إن ~~تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] # PageV01P328 # {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40] وكذلك سمي الشيء باسم ما يشبهه ويكون ~~حقيقة بل عامة أسماء الحقائق وأسماء الأجناس معلقة على الشيء وعلى ما ~~يشبهه، فكون الشيء يشبه المعنى يقتضي كون اللفظ حقيقة فيهما متواطئا أو ~~مشككا، ولا يقتضي أن يكون مجازا في أحد المتشابهين، كما سيأتي تقريره إن ~~شاء الله تعالى. # وكذلك لفظ النكاح، فلم يقع في القرآن إلا والمراد به العقد والوطء، ~~فيتناولها جميعا، وأما اختصاصه بالوطء وحده فليس في القرآن ولا في موضع ~~واحد، لكن اللفظ العام لشيئين في النهي يتناول النهي عن كل منهما بخلاف ~~الأمر فإنه يتناولهما جميعا، فلا يكون ممتثلا للنهي حتى يتركهما جميعا، ولا ~~للأمر حتى يفعلهما جميعا، فقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء} [النساء: 22] يقتضي المنع من نكاح من عقد عليها الآباء ولم يدخلوا ~~بهن وتحريم من وطئهن الآباء ولم يعقدوا عليهن، وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء} [النساء: 3] ، {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ، {فانكحوهن ~~بإذن أهلهن} [النساء: 25] ليس المراد به عقدا مجردا عن وطء، ولا وطئا مجردا ~~عن عقد، بل هما جميعا، وقد تقدم ذكر فروقهم وإبطالها، وإنما أعدنا هذا ~~الفرق لبيان أن القائلين بالمجاز قد أبطلوه وأنه باقتضاء ضد قولهم أولى. ### | تقسيم معاني الكلام إلى خبر وطلب ms328 واستفهام # الوجه السادس والأربعون: أن معاني الكلام إما خبر وإما طلب وإما استفهام، ~~والطلب أمر ونهي وإنشاء، وهذه حقائق ثابتة في أنفسها معقولة متميزة يميز ~~العقل بينها ويحكم بصحة أقسامها، وكذلك كان تقسيم الكلام إليها صحيحا، لأنه ~~لما صح تقسيم معناه صح تقسيم لفظه. # فإذا قيل: الطلب ينقسم إلى أمر ونهي كان كل من المنقسمين متميزا بحقيقته ~~عن الآخر لفظا ومعنى، وهذا بخلاف تقسيم المعنى المدلول عليه إلى حقيقة ~~ومجاز، فإنه أمر لا يعقل ولا ينفصل فيه أحد القسمين عن الآخر، فإن المعاني ~~المتصورة إما أن تكون مفردة كتصور الماهيات تصورا ساذجا من غير أن يحكم ~~عليها بنفي أو إثبات، فهذه لا يتصور فيها التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فإنها ~~مجرد صورة ذهنية تنتقش في النفس الناطقة، وإما أن ينسب الذهن بعضها إلى بعض ~~نسبة خبرية أو طلبية، وهذه حقيقة الكلام المركب، وهذه النسبة إما من باب ~~العلوم إن كان خبرية وإما من باب # PageV01P329 # الإرادات إن كانت طلبية، والنسبة الخبرية إما صادقة إن طابقت متعلقها، ~~وإما كاذبة إن لم تطابقه، والنسبة الطلبية إما إن يكون المطلوب بها معدوما ~~فيطلب إيجاده، وهو الأمر، أو موجودا فيطلب إعدامه، أو معدوما فيطلب إبقاؤه ~~على العدم وكف النفس عنه، وهو النهي، وهذه المعاني لا يتصور انقسامها في ~~أنفسها إلى حقيقة ومجاز انقساما معقولا، فلا يصح انقسام اللفظ الدال عليها، ~~وهذا عكس انقسام اللفظ إلى خبر وطلب، والطلب إلى أمر ونهي وإنشاء، فإن صحة ~~هذا التقسيم اللفظي تابع لصحة انقسام المدلول المعنوي، وحينئذ فنقول في: # الوجه السابع والأربعين: أنه لو صح تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز لكان ~~ذلك إما باعتبار لفظه فقط أو باعتبار معناه فقط أو باعتبارهما معا، ~~فالتقسيم إما في الدليل وفي المدلول! وإما في الدلالة والكل باطل، فالتقسيم ~~باطل، أما بطلانه باعتبار لفظه فقط فظاهر، فإنه لم يقل عاقل: إن اللفظ بقطع ~~النظر عن معناه ومدلوله ينقسم إلى حقيقة ومجاز، وأما بطلانه باعتبار المعنى ~~فقط فلما قررناه من المعاني لا يتصور فيها الحقيقة ms329 فإنها ثابتة وإما ~~منتفية، فإذا بطل التقسيم باعتبار كل من اللفظ والمعنى بطل باعتبارهما معا. # فإن قيل: بل التقسيم باعتبار الدلالة فإنها إما حقيقة وإما مجازية. # قيل: هذا أيضا لا يصح فإن الدلالة يراد بها أمران: أحدهما: فعل الدال وهو ~~دلالته بلفظه يقال له دلالة، والثاني: فهم السامع ذلك المعنى من اللفظ، كما ~~يقال: حصلت له الدلالة، والأشهر أن الأول بكسر الدال والثاني بفتحها، وعلى ~~التقديرين فالمعنى المقصود من اللفظ هو حقيقة، وإن اختلفت وجوه دلالته بحسب ~~غموض المعنى وخفائه، واقتدار المتكلم على البيان وعجزه، ومعرفة السامع ~~بلغته وعادة خطابه وتقصيره في ذلك. # فإذا فهم السامع مقصود المتكلم فقد فهم حقيقة كلامه، لهذا يقال علمت ~~حقيقة مقصودي، وفهمت حقيقة كلامي، فإذا قال اقطع عني لسان فلان الشاعر، ~~وإذا دخلت بلد كذا فإن فيه بحرا فاقتبس منه العلم، ونحو ذلك، ففعل ما أمر ~~به صح أن يقال فيه: فهمت حقيقة قولي، فالدلالة هي الفهم، والإفهام ينقسم ~~إليهما، فتقسيم الدلالة إلى حقيقة ومجاز لا يعقل البتة. # الوجه الثامن والأربعون: وهو أيضا يجتث المجاز من أصله ويبين أنه لا ~~حقيقة له # PageV01P330 # وهو أن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز فرع لثبوت الوضع المغاير للاستعمال، ~~فكأن أصحابه أوهموا أن جماعة من العقلاء اجتمعوا ووضعوا ألفاظا لمعان، ثم ~~نقلوا هم أو غيرهم تلك الألفاظ أو أكثرها عند من يقول أكثر اللغة مجاز أو ~~بعضها إلى معان أخر فوضعوها لتلك المعاني أولا، ولهذه المعاني ثانيا. # وهذا غير معلوم وجوده، بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة ~~متقدمة، وإن سمي توقيعا، فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس ~~فقد قال ما لا علم له به، وإنما المعلوم الاستعمال، والقول بالمجاز إنما ~~يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية، وأن العقلاء أجمعوا واصطلحوا على أن ~~يسموا هذا بكذا وهذا بكذا، وهذا مما لا يمكن بشرا على وجه الأرض لو عمر عمر ~~نوح أن يثبت أن جماعة من العرب اجتمعوا ووضعوا جميع هذه الأسماء المستعملة ~~في اللغة، ms330 ثم استعملوها بعد الوضع، ثم نقلوها بعد الاستعمال، وإنما المعروف ~~المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني. # فإن قيل: نحن نثبت الوضع بالدليل العقلي، فإن الاستعمال يستلزم سابقة ~~الوضع، ووجود الملزوم بدون لازمه محال، قيل: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن دعوى اللزوم دعوى لا دليل عليها، ولا تكون مقبولة، فمن أين ~~لكم أن الاستعمال مستلزم سابقة الوضع والاصطلاح: أبالعقل علم هذا اللزوم أو ~~بالشرع وبالضرورة عرف أم بالنظر. # الثاني: أنا نعلم بالمشاهدة ما يدل على خلاف ذلك، فإن الله سبحانه يلهم ~~الحيوانات والطير ما يعرف به بعضها مراد بعض، والإنسان أشد قبولا للإلهام ~~من الحيوانات، وقد سمى الله ذلك منطقا في قوله عن نبيه سليمان عليه الصلاة ~~والسلام: {علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين} ~~[النمل: 16] وحكى عن النملة قولها: {ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} [النمل: 18] وأوحى إلى الجبال والطير ~~أن تسبح مع نبيه داود، وكذلك الآدمي، فإن المولود إذا ظهر منه التمييز سمع ~~أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى، فيفهم أن اللفظ متى أطلق ~~أريد به ذلك المعنى، ثم لا يزال يسمع لفظا بعد لفظ، ويعقل معنى دون معنى ~~على التدريج حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد ~~اصطلحوا معه على وضع متقدم، ولا وقفوه على معاني # PageV01P331 # الأسماء، وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأسماء فيوقف عليها، كما ~~يترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معانيها، لا أنه يصطلح معه على ~~وضع ألفاظها لمعانيها. # ولا ننكر أن يحدث في كل زمان أوضاع لما يحدث من المعاني التي لم تكن قبل، ~~ولا سيما أرباب كل صناعة، فإنهم يضعون لآلات صناعتهم من الأسماء ما يحتاجون ~~إليه في تفهيم بعضهم مراد بعض عند التخاطب، ولا تتم مصلحتهم إلا بذلك، وهذا ~~أمر عام لأهل كل صناعة مقترحة أو غير مقترحة، بل أهل كل علم من العلوم قد ~~اصطلحوا ms331 على ألفاظ يستعملونها في علومهم تدعو حاجتهم إليها للفهم والتفهيم، ~~فهذه الاصطلاحات الحادثة والتي يعرف فيها الوضع السابق على الاستعمال، وليس ~~الكلام فيها. # والظاهر، والله أعلم، أن أرباب المجاز قاسوا أصول اللغة عليها، وظنوا أن ~~التخاطب العام بأصل اللغة جار هذا المجرى، وإدخال المجاز في كلام الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلام العرب بهذا الطريق باطل قطعا. # وكأني ببعض أصحاب القلوب الغلف يقول: وهل لأحد أن يحمل قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " «اقطعوا عني لسانه» " لمن امتدحه، وقوله " «إن خالدا سيف ~~من سيوف الله» " وقوله في الفرس: " «إن وجدناه لبحرا» " وقوله عن حمزة: " ~~«إنه أسد الله وأسد رسوله» " وقوله عن الحجر الأسود: " «إنه يمين الله في ~~الأرض» " وقوله: " «الآن حمي الوطيس» " وقوله: " «اللهم اغسلني من خطاياي ~~بالماء والثلج والبرد» " ونحو ذلك، على حقيقته. # فيقال له: وما حقيقة ذلك عندك؟ فإنك أخطأت كل خطأ إذ ظننت أن حقيقته غير ~~المعنى المراد به، والمفهوم منه هو إسكات المادح عنه بالعطاء فيقطع لسان ~~مقاله، وكون خالدا يقتل المشركين كما يقتل السيف المسلول الذي لا يحتاج إلى ~~أن ينتضى، بل هو مسلول مستعد للقتل، وكون حمزة مفترسا لأعداء الله إذا رأى ~~المشرك لم يلبث أن يفترسه، كما أن الأسد إذا رأى الغير لم يدعه حتى يفترسه، ~~وكون مقبل الحجر # PageV01P332 # الأسود بمنزلة مقبل يمين الرحمن، لا أنه نفس صفته القديمة وعين يده التي ~~خلق بها آدم ويطوي بها السماوات والأرض، وكون الحرب منزلة التنور الذي يسجر ~~قليلا قليلا حتى يشتد حموه، فيحرق ما يلقى فيه، وكون الخطايا بمنزلة الوسخ ~~والدرن يوسخ البدن ويوهنه يضعف قواه، والثلج والبرد والماء البارد يزيل ~~درنه ويعيد قوته ويزيده صلابة وشدة، فهل لهذه الألفاظ حقيقة إلا ذلك وما ~~استعملت إلا في حقائقها. # فهذا التقييد والتركيب عين المراد منها بحيث لا تحتمل غيره، كما أن ~~التقييد والتركيب في قولك: جاء الثلج حتى عم الأرض وأصاب البرد الزرع، ~~والماء البارد يروي الظمآن، والأسد ملك الوحوش، والسيف ملك السلاح، وفي ms332 قطع ~~اللسان الدية، وإذا حمي الوطيس فضع فيه العجين، لا يحتمل غير المراد منه في ~~هذا التركيب، فهذا مقيد وهذا مقيد، وهذا موضوع وهذا موضوع، وهذا مستعمل ~~وهذا مستعمل، وهذا لا يحتمل غير معناه وهذا لا يحتمل غير معناه، فأي كتاب ~~أو سنة، أو عقل أو نظير، أو قياس صحيح، أو مناسبة معتبرة، أو قول من يحتج ~~بقوله جعل هذا حقيقة وهذا مجاز، وهذا يتبين ويظهر جدا. # الوجه التاسع والأربعون: وهو أن الخائضين في المجاز تارة يخوضون فيه ~~إخبارا وحملا لكلام المتكلم عليه، وتارة يخوضون فيه استعمالا في الخطب ~~والرسائل والنظم والنثر، فينقلون ألفاظا لها معان في اللغة إلى معان أخر ~~تشابهها، ويقولون: استعرنا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا يخرج كلامهم في ~~المجاز عن هذين الأصلين البتة، فيجب التمييز بين الحمل والاستعمال، فإذا ~~قالوا: نحمل هذا اللفظ في كلام المتكلم على مجازه، إما أن يريدوا به ~~الإخبار عنه بأنه صرفه عن معناه المفهوم منه في أصل التخاطب إلى غيره، فهذا ~~خبر، وهو إما صدق إن طابق الواقع، وإما كذب إن لم يطابق، فمن أين لكم أنه ~~لم يرد به معناه المفهوم منه عند الخطاب. # وإن عنيتم بالحمل أنا ننشئ له من عندنا وضعا لمعنى أن يستعمل فيه ثم ~~نعتقد أن المتكلم أراد ذلك المعنى، كان هذا خطأ من وجهين: أحدهما: إنشاء ~~وضع جديد لذلك اللفظ والثاني: اعتقاد إرادة المتكلم لذلك المعنى وتنزيل ~~كلامه على ذلك الوضع، فإذا قال قائل: اليد مجاز في القدرة، والاستواء مجاز ~~في الاستيلاء، والرحمة مجاز في الإنعام، والغضب مجاز في الانتقام، والتكلم ~~مجاز في الإنعام، في الإكرام، قيل: تعنون بكونها مجازا في ذلك أن لكم أن ~~تستعملوها في هذه المعاني وتعبرون عنها # PageV01P333 # بهذه العبارات، أم تعنون أنها إذا وردت في كلام الله ورسوله كان المفهوم ~~منها هذه المعاني، وهي مجازات فيها. # فإن أردتم الأول فأنتم وذاك، فاستعملوها فيما أردتم، وسموا ذلك الاستعمال ~~ما شئتم، وإن أردتم الثاني كنتم مخطئين من وجهين: أحدهما: حكمكم على الله ~~ورسوله ms333 أنه أراد بهذه الألفاظ خلاف معانيها المفهومة منها عند التخاطب، فإن ~~هذا ضد البيان والتفهيم، وهو بالتلبيس أشبه منه بالتبيين، فتعالى عنه أحكم ~~الحاكمين وأرحم الراحمين، وقد صرح الناس قديما وحديثا بأن الله لا يجوز أن ~~يتكلم بشيء ويعني به خلاف ظاهره. # قال الشافعي: وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ظاهره، وقال صاحب ~~المحصل في الباب التاسع من أحكام اللغات (المسألة الثانية) لا يجوز أن يعني ~~الله سبحانه بكلامه خلاف ظاهره، والخلاف فيه مع المرجئة، قال: لنا أن اللفظ ~~بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل، والتكلم به غير جائز على الله تعالى. # ثم أجاب عن شبه المنازعين بأن قال: لو صح ما ذكرتموه لم يبق لنا اعتماد ~~على شيء من أخبار الله تعالى، لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المراد به ~~غير ظاهره، وذلك ينفي الوثوق. اه. # وعلى هذا فنقول: إذا كان ظاهر كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~والأصل فيه الحقيقة لم يجز أن يحمل على مجازه، وخلاف ظاهره البتة لما ذكره ~~من الدليل، فإن المجاز لو صح كان خلاف الأصل والظاهر، ولا يجوز الشهادة على ~~الله سبحانه ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم أنه أراد بكلامه خلاف ظاهره ~~وحقيقته، ولا في موضع واحد البتة، بل كل موضع ظهر فيه المراد بذلك التركيب ~~والاقتران فهو ظاهره وحقيقته لا ظاهر له غيره، ولا حقيقة له سواه، فقوله ~~تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} [النحل: 112] حقيقته وظاهره أنه ~~أجاعها بعد شبعها، وأخافها بعد أمنها، وألبس بواطنها ذل الجوع وذل الخوف، ~~فصار ذلك لباسا لبواطنهم تذوقه وتباشره، ولباس كل شيء بحسبه، ولباس الظاهر ~~ظاهر، ولباس الباطن باطن، فذوق كل شيء بحسبه، فذوق الطعام والشراب بالفم، ~~وذوق الجوع والخوف بالقلب، وذوق الإيمان بالقلب أيضا، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم " «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا» ، ~~فهذا الذوق # PageV01P334 # الباطن بالحاسة الباطنة، وذوق الظاهر بالحاسة الظاهرة، وهذا حقيقة في ~~مورده، وهذا حقيقة في مورده. # وكذلك الحلاوة ms334 والطعم هي بحسب المضاف إليه، فحلاوة الإيمان وطعمه ~~معنويان، وحلاوة العسل وطعمه حسيان، كل منهما حقيقة فيما أضيف إليه. # والمقصود بهذا الوجه أنه إن ظهر مراد المتكلم لم يجز أن يحمل على خلاف ~~ظاهره ويدعى أنه مجاز بالنسبة إلى ذلك المحمل، إذ حقيقته هو المفهوم منه، ~~فدعوى المجاز باطلة وإن ادعي صرفه عن ظاهره إلى خلافه وأن ذلك مجاز فهو ~~باطل أيضا، فبطلت دعوى المجاز على التقديرين، فإن ظاهر اللفظ ومفهومه ~~وحقيقته لا يكون مجازا البتة، وهؤلاء تارة يجعلونه مجازا فيما لا ظاهر له ~~غير معناه، فيكون خطؤهم في اللفظ والتسمية، وتارة يجعلونه مجازا في خلاف ~~ظاهره والمفهوم منه ويعدون أنه المراد، فيكونون مخطئين من وجهين: من جهة ~~اللفظ والمعنى. # الوجه الخمسون: أن القائلين بالمجاز، منهم من أسرف فيه وغلا حتى ادعى أن ~~أكثر ألفاظ القرآن بل أكثر اللغة مجاز، واختار هذا جماعة ممن ينتسب إلى ~~التحقيق والتدقيق، ولا تحقيق ولا تدقيق، وإنما هو خروج عن سواء الطريق ~~ومفارقة للتوفيق، وهؤلاء إذا ادعوا أن المجاز هو الغالب صار هو الأصل، ولا ~~يصح قولهم: الأصل الحقيقة، وإذا تعارض المجاز والحقيقة تعينت الحقيقة، إذ ~~الإلحاق بالغالب الكثير أولى منه بالنادر الأقل. # فإن الأصل يطلق على معان أربعة أحدها: ما منه الشيء، وهذا أولى معانيه ~~باللغة، كالخشب أصل السرير، والحديد أصل السيف، الثاني: دليل الشيء كأصول ~~الفقه، أي أدلته، الثالث: الصور المقيس عليها، والمقيسة هي الفرع، الرابع: ~~الأكثر أصل الأقل، والغالب أصل المغلوب، ومنه أصل الحقيقة، فإذا كان المجاز ~~هو الأكثر الغالب بقي هو الأصل، وحينئذ فطرد قول هؤلاء إنه إذا ورد اللفظ ~~يحتمل الحقيقة والمجاز يحمل على مجازه لأنه الأكثر والغالب، وفي هذا من ~~فساد العلوم والأديان وفساد البيان الذي علمه الرحمن الإنسان، وعده عليه من ~~جملة الإحسان والامتنان ما لا يخفى، إذ قد انتهى الأمر إلى هذا فلا بد من ~~ذكر قول هذا القائل وبيان فساده فنقول في: ### | نقل كلام ابن جني في المجاز والرد عليه # الوجه الحادي والخمسين: قال ابن ms335 جني: باب في المجاز إذا كثر ألحق ~~بالحقيقة: # اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة، وذلك عامة الأفعال، نحو: قام ~~زيد وقعد # PageV01P335 # عمر وانطلق بشر وجاء الصيف وانهزم الشتاء، ألا ترى أن الفعل يفاد منه ~~معنى الجنسية، فقولك: قام زيد، أي: الجنس من الفعل، ومعلوم أنه لم يكن منه ~~جميع القيام، وكيف يكون ذلك وهو جنس، والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الحاضر ~~وجميع الآتي الكائنات من كل من وجد منه القيام، فمعلوم أنه لا يجتمع لإنسان ~~واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم، ~~هذا محال عند كل ذي لب. # فإذا كان كذلك علمت أن قام زيد مجاز لا حقيقة، وإنما هو على وضع الكل ~~موضع البعض للاتباع والمبالغة، ونسبة القليل بالكثير، ويدل على انتظام ذلك ~~بجميع جنسه أنك تعلمه في جميع أجزاء ذلك الفعل، فتقول: قومة وقومتين وقياما ~~حسنا وقياما قبيحا، فإعمالك إياه في جميع أجزائه ; يدل على أنه موضوع عندهم ~~على صلاحه لتناول جميعها، وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل، ~~ألا تراك لا تقول قمت جلوسا ولا ذهبت مجيئا، ولا يجوز ذلك لما لم يكن فيه ~~دليل عليه، ألا ترى إلى قوله: لعمري لقد أحببتك الحب كله، فانتظامه لجميعه ~~يدل على وضعه على اعترافه واستيعابه، وكذلك قول الآخر: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # فقوله كل الظن يدل على صحة ما ذهبنا إليه، قال أبو علي: قولنا زيد بمنزلة ~~قولنا: خرجت فإذا الأسد، تعريفه هنا تعريف الجنس، كقولك: الأسد أشد من ~~الذئب، وأنت لا تريد خرجت وجميع الأسد التي يتناولها الوهم على الباب، هذا ~~محال واعتقاده اختلال، وإنما أردت خرجت فإذا واحد من الجنس بالباب، فوضعت ~~لفظ الجماعة على الواحد مجازا لما فيه من الاتساع والتوكيد. # أما الاتساع فبأن وضعت اللفظ المعتاد للجماعة على الواحد، وأما التوكيد ~~فلأنك عظمت قدر ذلك الواحد بالجماعة، لأن كل واحد منها مثله في كونه أسدا، ms336 ~~وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد وجاء الليل وانصرم النهار. # وكذلك أفعال القديم سبحانه نحو: خلق السماوات والأرض، وما كان مثله، ألا ~~ترى أنه عز اسمه لم يكن بذلك خلق أفعالنا، ولو كان خالقا حقيقية لا محالة ~~لكان خالق الكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا، وكذلك علم الله قيام زيد ~~مجاز أيضا لأنه ليست الحال التي علم الله عليها قيام زيد هي التي علم الله ~~عليها قيام عمر، ولسنا # PageV01P336 # نثبت له سبحانه علما لأنه عالم لنفسه إلا أنا مع ذلك نعلم أنه ليس حال ~~علمه بقعود زيد هي حال علمه بجلوس عمرو، ونحو ذلك. # وكذلك قولك ضربت عمرا مجاز أيضا من غير جهة التجوز في الفعل وأنك إنما ~~فعلت بعض الضرب لا جميعه، ولكن من جهة أخرى وهي أنك إنما فعلت بعضه لا ~~جميعه. # ألا تراك تقول ضربت زيدا، ولعلك إنما ضربت يده أو إصبعه أو ناحية من ~~نواحي جسده، ولهذا إذا احتاط الإنسان أو استظهر جاء ببدل البعض فقال ضربت ~~زيدا رأسه أو وجهه، نعم، ثم إنه مع ذلك متجوز ألا تراه يقول ضربت زيدا رأسه ~~فيبدل للاحتياط، وهو إنما ضرب ناحية من نواحي رأسه لا رأسه كله، ولهذا ~~يحتاط بعضهم في نحو هذا فيقول ضربت زيدا جانب وجهه الأيمن، أو ضربه على ~~رأسه. # وإذا عرفت التوكيد ولم وقع في الكلام نحو نفسه وعينه وأجمع وكله وكلهم ~~وكليهما وما أشبه ذلك، عرفت منه حال سعة المجاز في هذا الكلام، ألا تراك ~~تقول قطع الأمير اللص، ويكون القطع بأمره لا بيده، فإذا قلت قطع الأمير ~~لصا، رفعت المجاز من جهة الفعل، وصرت إلى الحقيقة، لكن بقي عليك التجويز في ~~مكان آخر وهو قطع اللص، وإنما فعله قطع يده أو رجله، فإذا احتطت قلت: قطع ~~الأمير يد اللص أو رجله. # قلت: وبقي عليه أن يقول: وذلك مجاز أيضا من جهة أخرى وهو أن اليد رسم ~~للعضو إلى المناكب، وهو لم يقطعها كلها إنما قطع بعضها، فإذا احتاط ينبغي ~~له أن ms337 يقول: قطع الأمير نفسه من يد اللص ما بين الكوع والأصابع، وذلك مجاز ~~أيضا من وجه آخر وهو أنه سماه لصا وذلك يقتضي أنه وجد جميع أفراد اللصوصية ~~كما قرره في أول كلامه، وذلك محال فقد أوقع البعض موقع الكل وذلك مجاز، ~~فإذا احتاط قال قطع الأمير نفسه من يد ومن وجد منه بعض اللصوصية ما بين ~~الكوع والأصابع، ويبقى عليه مجاز آخر عنده من جهة أخرى وهو أن القطع عنده ~~دال على جميع أفراد الجنس ولم يوجد ذلك فأوقع القطع على فرد من أفراد القطع ~~لمن وجد منه بعض أفراد اللصوصية أوقعه في جزء من أجزاء يده. # فيا ضحكة العقلاء ويا شماتة الأعداء بهذه العقول السخيفة التي كادها ~~عدوها ويأبى الله أن يوفق عقل من أنكر علمه وقدرته ويكذب عليه حيث يزعم أن ~~غالب كلامه مجاز لا حقيقة له لشهود هذا الذي هو بأقبح الهذيان أشبه منه ~~بالفصاحة والبيان. # PageV01P337 # قال وكذلك قولك جاء الجيش أجمع، ولولا أنه قد كان يمكن أن يكون إنما جاء ~~بعضهم إن أطلقت المجيء على جميعهم لما كان لقولك أجمع معنى، فوقوع التوكيد ~~في هذه اللغة أقوى دليل على شياع المجاز فيها واشتماله عليها حتى إن أهل ~~العربية أفردوا لذلك بابا لعنايتهم به، وكونه مما لا يضاع ولا يهمل مثله، ~~كما أفردوا لكل معنى أهمهم بابا كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة ~~والقسم وغير ذلك. # قال ابن جني: وكذلك أيضا حذف المضاف مجاز لا حقيقة وقد كثر حتى إن في ~~القرآن وهو أفصح الكلام منه أكثر من مائة موضع بل ثلاثمائة موضع، وفي الشعر ~~منه ما لا أحصيه، قال: وهذا يدفع دفع أبي الحسن القياس عن حذف المضاف وإن ~~لم يكن حقيقة، أو لا يعلم أبو الحسن كثرة المجاز عليه وسعة استعماله ~~وانتشار مواقعه، كقام أخوك، وجاء الجيش، وضربت زيدا، ونحو ذلك، كل ذلك ~~مجاز، وهو على غاية الانقياد والاطراد فكذلك حذف المضاف. # فإن قيل: يجيء من هذا أن تقول ضربت زيدا وإنما ضربت غلامه وولده، ms338 قيل: ~~هذا الذي شنعت به بعينه جائز، ألا تراك تقول: إنما ضربت زيدا لضربك لغلامه، ~~وأهنته بإهانتك ولده، وهذا باب إنما يصلحه ويفسده المعرفة به، فإن فهم عنك ~~في قولك ضربت زيدا أنك إنما أردت بذلك ضربت غلامه أو أخاه أو نحو ذلك جاز، ~~وإن لم يفهم عنك لم يجز، كما أنك إن فهم بقولك أكلت الطعام أكلت بعضه لم ~~يحتج إلى البدل. # وإن لم يفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه لم تجد بدا من البيان وأن تقول ~~بعضه أو نصفه أو نحو ذلك، ألا ترى أن الشاعر لما فهم عنه ما أراد بقوله: # صبحن من كاظمة الحصن الخرب ... يحملن عباس بن عبد المطلب # وإنما أراد عبد الله بن عباس، ولو لم يكن من الثقة يفهم ذلك لم يجد بدا ~~من البيان، وعلى ذلك قول الآخر: # عليم بما أعيا النطاسي حذيما # إنما أراد ابن حذيم. # PageV01P338 # قال: ويدل على إلحاق المجاز بالحقيقة عندهم وسلوكه طريقتهم في نفوسهم أن ~~العرب قد وكدته كما وكدت الحقيقة، وذلك قول الفرزدق: # عشية سال المربدان كلاهما ... سحابة موت بالسيوف الصوارم # وإنما هو مريد واحد فثناه مجازا لما يتصل به من مجاوره، ثم إنه رفع ذلك ~~ووكده وإن كان مجازا، وقد يجوز أن يكون سمي كل واحد من جانبيه مربدا. # وقال الآخر: # إذا البيضة الصماء عضت صفيحة ... بحرباتها صاحت صياحا وصلت # فأكد صاحت وهو مجاز بقوله (صياحا) وأما قول الله عز وجل {وكلم الله موسى ~~تكليما} [النساء: 164] فليس هو من باب المجاز، بل هو حقيقة، قال أبو الحسن: ~~خلق الله كلاما في الشجرة فكلم به موسى، وإذا أحدثه كان متكلما به، وأما أن ~~يحدثه في فم أو شجرة أو غيرهما فهو شيء آخر، ولكن الكلام واقع، ألا ترى أن ~~المتكلم منا إنما يستحق هذه الصفة لكونه متكلما لا غير، لا لأنه أحدثه من ~~آلة نطقه، وإن كان لا يكون متكلما حتى يحرك به آلة نطقه. # فإن قلت: أرأيت لو أن أحدنا عمل له مصوتة وحركها واجتزأ بأصواتها ms339 عن ~~أصوات الحروف المتقطعة المسموعة في كلامنا، أكنت تسميه متكلما وتسمي تلك ~~الأصوات كلاما، وذلك المصوت به متكلما، وذلك أنه ليس في قوة البشر أن ~~يوردوا الكلام بالآلات التي يصنعوها على سمت الحروف المنطوق بها وصورتها ~~لعجزهم عن ذلك، وإنما يأتون بأصوات فيها الشبه اليسير من حروفها، فلا يستحق ~~لذلك أن تكون كلاما، ولا يكون الناطق بها متكلما، كما أن الذي يصور الحيوان ~~تجسيما وتزويقا لا يقال خالق للحيوان، وإنما يقال مصور وحا ومشبه، وأما ~~القديم سبحانه فإنه قادر على إحداث الكلام على صورته الحقيقية وأصواته ~~الحيوانية في الشجرة والهواء وما شاء، وهذا فرق. # فإن قلت: فقد أحال سيبوبه قولنا اشرب ماء البحر، وهذا منه حظر للمجاز ~~الذي أنت مدع شياعه وانتشاره. # قيل: إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة، وهذا مستقيم، إذ ~~الإنسان # PageV01P339 # الواحد لا يشرب ماء البحر كله، فأما إن أراد بعضه ثم أطلق اللفظ ولا يريد ~~به جمعه فلا محالة في جوازه، ألا ترى إلى قوله: # نزلوا بالعزة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء في أطواد # إنه لم يرد جميعه لأنه قد يمكن أن يكون بعض مائه مختلجا قبل وصوله إلى ~~أرضه بشرب أو سقي زرع ونحوه، فسيبويه إنما وضع اللفظ في هذا الموضع على أصل ~~وضعه في اللغة من العموم، واجتنب المستعمل فيه من الخصوص، ومثل توكيده ~~المجاز فيما مضى قولنا قام زيد قياما وجلس جلوسا، فقد قدمنا الدليل على أن ~~قام وقعد مجاز، وهو مع ذلك يؤكد بالمصدر، وكذلك يكون قوله: {وكلم الله موسى ~~تكليما} [النساء: 164] من هذا الوجه مجازا على ما مضى. # ومن التوكيد في المجاز قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] ولم ~~تؤت لحية رجل ولا ذكره، قال: ووجه هذا عندي أن يكون مما حذفت صفته، حتى ~~كأنه قال: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] تؤتاه المرأة الملكة، ألا ترى ~~أنها لو أوتيت لحية وذكرا لم تكن امرأة أصلا، ولما قيل فيها (وأوتيت) وقيل ~~فيها (وأوتي) ومنه قوله تعالى: {الله خالق كل ms340 شيء} [الرعد: 16] وهو سبحانه ~~شيء، وهو ما يستثنيه العقل ببديهته ولا يحوج إلى التشاغل باستثنائه، فإن ~~الشيء كائنا ما كان لا يخلق نفسه. # فأما قوله تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] فحقيقة لا مجاز، وذلك ~~أنه سبحانه ليس عالما بعلم، فهو إذا العليم الذي فوق ذوي العلوم أجمعين، ~~ولذلك لم يقل وفوق كل عالم عليم، لأنه سبحانه عالم ولا عالم فوقه. # فإن قلت: ليس قوله {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] ، {وفوق كل ذي علم ~~عليم} [يوسف: 76] اللفظ المعتاد للتوكيد قيل: هو إن لم يأت نابعا على سمة ~~التوكيد فإنه بمعنى التوكيد، ألا ترى أنك إذا قلت: عممت بالضرب جميع القوم، ~~ففائدته فائدة قولك ضربت القوم كلهم، فإذا كان المعنيان واحدا كان ما وراء ~~ذلك لغوا غير معتد به " هذا آخر كلامه ". # والكلام عليه من وجوه: أحدها: أن تعلم أن هذا الرجل وشيخه أبا علي من ~~كبار أهل البدع والاعتزال المنكرين لكلام الله تعالى وتكليمه، فلا يكلم ~~أحدا البتة، ولا يحاسب عباده يوم القيامة بنفسه وكلامه، وأن القرآن والكتب ~~السماوية مخلوق من # PageV01P340 # بعض مخلوقاته، وليس له صفة تقوم له، فلا علم له عندهم ولا قدرة ولا حياة ~~ولا إرادة ولا سمع ولا بصر، وأنه لا يقدر على خلق أفعال العباد، وأنها ~~واقعة منهم بغير اختياره ومشيئته، وأنه شاء منهم خلافها، وشاءوا هم خلاف ما ~~شاء، فغلبت مشيئتهم، وكان ما شاءوه هم دون ما شاء هو، فيكون ما لا يشاء، ~~ويشاء ما لا يكون، وهو خالق عند هذا الضال المضل وعالم مجازا لا حقيقة، ~~والمجاز يصح نفيه، فهو إذا عنده لا خالق ولا عالم إلا على وجه المجاز. # فمن هذا خطؤه وضلاله في أصل دينه ومعتقده في ربه وإلهه، فما الظن بخطئه ~~وضلاله في ألفاظ القرآن ولغة العرب، فحقيق بمن هذا مبلغ علمه ونهاية فهمه ~~أن يدعي أن أكثر اللغة مجاز ويأتي بذلك الهذيان، ولكن سنة الله جارية أن ~~يفضح من استهزأ بحزبه وجنده، وكان الرجل وشيخه في زمن قوة شوكة ms341 المعتزلة، ~~وكانت الدولة دولة رفض واعتزال، وكان السلطان عضد الدولة ابن بويه، وله صنف ~~أبو علي (الإيضاح) ، وكان الوزير إسماعيل بن عباد معتزليا، وقاضي القضاة ~~عبد الجبار بن أحمد معتزليا، (وأول) من عرف منه تقسيم الكلام إلى حقيقة ~~ومجاز هم المعتزلة والجهمية. # وهذا الوجه مقدمة بين يدي رد ما في كلامه من باطل، فإنه يشتمل على حق ~~وباطل. # الوجه الثاني: أن ما ادعى فيه أنه مجاز دل على المراد منه مطلقا من غير ~~توقفه على قرينة، وهذا حد الحقيقة عندهم، فإن المعنى يسبق إلى الفهم من هذا ~~اللفظ بمجرده، ولا يصح نفيه، ولا يتوقف على قرينة، فكيف يكون مجازا، فإن ~~قال: بل تركيبه مع المسند إليه واتصاله بالمفعول والحال والتمييز والتوابع ~~والاستثناء ونحوها من القرائن التي تدل على المعنى، قيل له: فلا يخلو كلام ~~مفيد من هذا التركيب البتة، أفنقول إن الجميع مجاز، أو النصف مجاز والنصف ~~حقيقة، فإن قلت في الجميع مجاز، كنت مبطلا، رافعا للحقيقة بالكلية، ومدع ~~على خطاب الله ورسوله وخطاب الأمم أنه كله مجاز لا حقيقة، ويكفيك هذا جهلا ~~وكذبا، وإن قلت: بل البعض حقيقة والبعض مجاز قيل لك: فما ضابط ذلك؟ ولا ~~يمكنك أن تأتي بضابط أبدا، وقد أغلقت على نفسك باب الحقيقة بالكلية، فإن كل ~~لفظ تقر بأنه حقيقة يلزمك فيه نظير ما ادعيت أنه مجاز، ولا شيء أبلغ من خلق ~~الله تعالى وعلم الله، والله خالق كل شيء، وقد ادعيت أنه مجاز لا حقيقة، ~~ولا شيء أظهر من طلوع الشمس على الخلائق عيانا جهرة، فإذا # PageV01P341 # رآها الناس وقالوا: طلعت الشمس، وكان هذا عندك مجازا على أن الشمس لم ~~يحصل منها جميع أفراد طلوع الماضي والحاضر والآتي في آن واحد، وذلك عندك هو ~~الحقيقة، فإذا كان هذا كله مجازا عندك فما الظن بغير ذلك من الألفاظ. # الوجه الثالث: أن الفعل لا عموم له ولا دلالة له على وحدة ولا كثرة ولا ~~عموم ولا خصوص، بل هو دال على القدر المشترك من ذلك كله وهو ms342 مطلق الحقيقة، ~~فإذا أرادوا تقييده بشيء من ذلك أتوا بما يدل على مرادهم. # فيأتون في المرأة بتاء التأنيث نحو ضربت، وفي المرأتين بلفظ التثنية، وفي ~~الجمع بما يدل على ذلك، والجمع حقيقة، فدعواك إن ضربت موضوع لجميع أفراد ~~الضرب الموهومة التي لا تدخل تحت الحصر كذب على اللغة، فإن العرب لم تضع ~~الفعل كذلك البتة ولا أفادته به ولا دلت عليه، وإنما وضعت الفعل بالإخبار ~~عن فعل صدر عن الفاعل ويصدر منه أو يطلبه، يوضحه: # الوجه الرابع: أن دلالة الماضي والمضارع والأمر على المصدر واحدة، فلو ~~كان (ضربت) موضوعا لجميع أفراد الضرب كلها من أولها إلى آخرها لكان الضرب ~~كذلك، فيكون موضوعة لفظة اضرب أوقع كل فرد من أفراد الضرب كلها من أولها ~~إلى آخرها الموهومة في جميع الماضي والحاضر والمستقبل إلى ما لا نهاية له، ~~وأي قرينة على اللغة وأوضاعها أعظم من ذلك؟ وهذا أمر يقطع العاقل بأن هذا ~~لم يخطر على بال المتكلم ولا السامع، ولا قصده الواضع أصلا، ومن نسب الأمر ~~به إلى ذلك فقد نسبه إلى أعظم الجهل والى العجز عن التكلم بالحقيقة، فإنه ~~لا سبيل له عند هذا القائل إلى التخلص من المجاز والتكلم بالحقيقة البتة، ~~فإن غاية ما يقدر أن يقال: أوقع فردا من أفراد الضرب على جزء من المضروب، ~~ومع هذا فلم يخلص عنده لأن أوقع فعل وهو دال عنده على جميع أنواع الإيقاع ~~في الماضي والحاضر والأمر، يوضحه: # الوجه الخامس: أن هذا يستلزم تعجيز الخالق عن التكلم بالحقيقة أمرا أو ~~خبرا، فإن أوامره سبحانه كلها بالأفعال وإخباره عن نفسه وخلقه عامة ~~بالأفعال، وقد صرح هذا بأنها مجاز، وقد عجز الله بأن يأمر بلفظ الحقيقة أو ~~يخبر عن نفسه أو عن أحد من خلقه بلفظ حقيقة، فإن قوله: {وأقيموا الصلاة} ~~[البقرة: 43] ، و {اتقوا الله} [البقرة: 278] و {آمنوا} [البقرة: 9] و ~~{واسمعوا} [البقرة: 93] و {وجاهدوا} [البقرة: 218] و {اصبروا} [آل عمران: ~~200] و {واذكروا الله} [البقرة: 203] و {فارهبون} [البقرة: 40] # PageV01P342 # و {واخشون} [المائدة: 3] و {ادعوني} [غافر: 60] وأمثال ذلك ms343 عندهم مجاز ~~فلو أراد أن يأمر بلفظ الحقيقة أو يخبر عن نفسه أو عن فعله أو عن فعل خلقه ~~بها، ماذا يقول سبحانه حتى يكون متكلما بالحقيقة، وكذلك قوله لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] و {قل ياأيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] و {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1] وأضعاف ذلك كله مجاز، ~~وكذلك في جانب الخبر نحوه {وإذ قال ربك للملائكة} [البقرة: 30] و {قالت ~~الملائكة} [آل عمران: 42] و {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] وقوله ~~{إلا إبليس أبى واستكبر} [البقرة: 34] وأكثر من مائة ألف فعل ومائة ألف ~~خبر، فإذا كانت هذه مجازا عندك فكيف يصنع من أراد من يتكلم بالحقيقة. # الوجه السادس: قوله: ويدل على انتظامه لجميع جنس المصدر أنك تعلمه في ~~جميع أجزاء ذلك الفعل نحو قمت قومة وقومتين ومائة قومة، وقياما حسنا ~~وقبيحا. # وهذا من أعظم ما يبطل قوله، فإن العرب وضعته مطلقا غير عام بل صالحا ~~للعمل في الواحد والاثنين، والكثير والقليل، وهو في كل ذلك حقيقة لم يخرج ~~عن موضوعه ويستعمل في غيره، والعجب أنك صرحت في آخر كلامك بأنه موضوع ~~لصلاحيته لذلك كله، فدل على أنه ليس بموضوع للعموم، فبطل قولك: إنه موضوع ~~لجميع الجنس، بقولك: إنه موضوع لأن يكون صالحا للواحد والاثنين والقليل ~~والكثير، وهذا هو الحق وهو ينفي المجاز ويبين أنه حقيقة في الجميع، وهذا ~~الذي يعقله بنو آدم. # وأما استدلالك على ذلك بأعمال الفعل فيه فمن أعجب العجب فإنه يعمل في ~~المرة الواحدة والمرتين والمرات والمطلق والعام، فإن كان إعماله في العام، ~~نحو: يظنان كل الظن، وبابه دليل على أنه موضوع له، فهل كان إعماله في الخاص ~~دليلا على أنه موضوع له، فما خرج عن موضوعه حيث أعمل، وهذا ظاهر بحمد الله. # الوجه السابع: قول أبي علي: إن قام زيد، بمنزلة: خرجت فإذا الأسد، تعريفه ~~هنا تعريف جنس، كقولك الأسد أشد من الذئب، وأنك لا تريد خرجت وجميع الأسد ~~التي يتناولها الوهم على الباب، وإنما تريد فإذا واحد من هذا الجنس ms344 بالباب، ~~فوضعت لفظ الجماعة على الواحد مجازا خطأ منه ووهم ظاهر ينقض آخر كلامه فيه ~~أوله، فإنه صرح أولا بأن التعريف المذكور هنا تعريف الجنس، وهذا حق. # فإن التعريف ثلاثة أنواع تعريف الشخص، وتعريف الجنس، وتعريف العموم، وليس ~~المراد تعريف الشخص ولا تعريف العام قطعا، وكل واحد من هذه الأنواع حقيقة ~~فيما استعمل فيه، وليس # PageV01P343 # لفظ الأسد في قولك خرجت فإذا الأسد لفظ جماعة وضع على الواحد حتى يكون ~~مجازا فإن اسم الجنس المعرف باللام لم يوضع للجماعة حتى يكون استعماله في ~~الواحد المطلق مجازا، ولو كان استعماله في التعريف المطلق مجازا لكان ~~استعماله في التعريف الشخصي أولى بالمجاز لأنه أبعد عن العموم من تعريف ~~الجنس، فيكون كل اسم معرف باللام التي للعهد وللجنس مجازا وهذا لا يقوله من ~~يدري ما يقول يوضحه: # الوجه الثامن: أن هذا قلب للحقائق، فإن الأصل في اللام أن تفيد تعريف ~~الماهية، فالعهد بها أولى من الجنس لكمال التعريف به، والجنس أولى بها من ~~العموم لأنها تفيد الماهية الذهنية. # فهي في الحقيقة للعهد الذهني، فإنه نوعان: شخصي وجنسي، فالقائل: اشتر ~~اللحم واستق الماء، يريد باللام تعريف الجنس المعهود بينه وبين المخاطب، ~~كما أن القائل إذا قال: قال الرجل، ودخلت البيت، يريد تعريف الشخص المعهود ~~بينه وبين المخاطب، فمن ادعى أنهم نقلوا هذا اللفظ من الجمع إلى الواحد فهو ~~مخطئ، يوضحه: # الوجه التاسع: وهو أن أكثر الناس لا يرون المفرد المعرف باللام من ألفاظ ~~العموم بحال، وإنما يثبتون العموم للجمع المعرف باللام، سواء كان جمع قلة ~~نحو المسلمين والمسلمات، أو جمع كثرة نحو الرجال والعباد، فالأسد بمنزلة ~~الرجل، وإذا كان ليس من ألفاظ العموم فلم يوضع في غير موضعه، ولا استعمل ~~إلا في موضوعه، ومن يجعله للعموم من أهل الأصول والفقهاء يقولون: إنما يكون ~~للعموم حيث يصلح أن تخلف اللام فيه كل، نحو قوله تعالى: {إن الإنسان لفي ~~خسر} [العصر: 2] ونحو قوله: {إن الإنسان خلق هلوعا} [المعارج: 19] ولهذا صح ~~الاستثناء منه، وذلك حيث لا يكون عهد ms345 القرينة والسياق دالا على إرادة جميع ~~أفراد الجنس. # وهذا منتف في قوله (خرجت فإذا الأسد) فهو إنما يدل على العموم بقرينة، ~~كما يدل على العهد بقرينة، فدعوى المجاز في بعض موارده دون بعض، تحكم بارد ~~لا معنى له، ودعوى المجاز في جميعها باطل، فلم يبق إلا أنه حقيقة حيث ~~استعمل، وهو الصواب. # الوجه العاشر: قوله: (خرجت فإذا الأسد) اتساع وتوكيد وتشبيه، أما الاتساع ~~فإنه وضع اللفظة المعتادة للجماعة على الواحد، وأما التوكيد فلأنه عظم قدر ~~ذلك الواحد بأن جاء باللفظة على اللفظ المعتاد للجماعة، وأما التشبيه فلأنه ~~شبه الواحد بالجماعة. # PageV01P344 # ثم قال: وإذا كان كذلك فمثله قعد جعفر وانطلق محمد، وجاء الليل وانصرم ~~النهار خطأ من وجهين: أحدهما: أنه مبني على أن الأسد دل على الجمع، وأنه ~~تجوز فاستعمله في الواحد، وقد عرفت ما فيه، الثاني: أنه لو صح له ذلك لم ~~يكن قعد جعفر، وانطلق محمد، وجاء الليل مثله، فإن هذه الأفعال لا تدل على ~~قعود وانطلاق ومجيء عام لكل فرد البتة، بحيث يكون استعمالها فيمن وجد منه ~~بعض ذلك الجنس مجازا، فليس ثم دلالتان عامة وخاصة بخلاف الأسد، فإنه يمكن ~~تقدير دلالته عامة وخاصة له، فإذا استعمل في أحدهما يكون استعماله له في ~~غير مدلوله الآخر، فكيف يمكن مثل ذلك في الأفعال؟ فهل يعقل ذو تحصيل لقام ~~وقعد وانطلق دلالتين قط عامة وخاصة، وليس العجب من تسويد الورق بهذا ~~الهذيان، وإنما العجب من أذهان تقبله وتستحسنه. # الوجه الحادي عشر: قوله: وكذلك أفعال القديم نحو: خلق الله السماوات ~~والأرض وما كان مثله. # فيقال: الله أكبر كبيرا، وسبحان الله عما يقوله الجاحدون لخلقه وربوبيته، ~~وتعالى علوا كبيرا، وقبح الله قولا يتضمن أن يكون خالقا مجازا لا حقيقة، ~~وأن يكون خلق الله السماوات والأرض مجازا لا حقيقة، ومن هنا قال السلف ~~الذين بلغتهم مقالة هؤلاء إنهم شر قولا من اليهود والنصارى، وقالوا: إنا ~~لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام هؤلاء، وقالوا: إنهم ~~مليشون معطلون نافون للمعبود عز وجل ms346 " مليشون " أي: يصفونه بصفة لا شيء. # الوجه الثاني عشر: أن المجاز لا بد أن يكون له استعمال في الحقيقة أو وضع ~~سابق، وإن لم يستعمل عند القائلين به، فيكون للفظ جهتان: جهة حقيقة، وجهة ~~مجاز، كالأسد والحمار ونحو ذلك، يتجوز به من حقيقته التي وضع لها أولا إلى ~~مجازه الذي استعمل فيه ثانيا لعلاقة بينهما، فأين سبق لقولنا خلق الله ~~السماوات والأرض، وعلم الله ما تكسب كل نفس استعماله في غير هذا المفهوم ~~ليكون إطلاقه عليه بطريق المجاز، فلم يستعمل خلق إلا في موضوعه الأصلي ولا ~~اسم الله إلا في موضوعه، ولا السماوات والأرض إلا في موضوعهما، فإما أن ~~يكون هذا القائل يرى المجاز في النسبة كما يختاره جماعة من الناس، أو ليس ~~ممن يرى المجاز في النسبة، فإن لم ير في النسبة مجازا، فالمفردات مستعملة ~~في موضوعاتها، ولا مجاز في النسبة فكيف # PageV01P345 # يكون خلق الله مجازا، أو إن كان ممن يرى المجاز في النسبة، كأنبت الماء ~~البقل، فأضاف الإنبات إلى الماء وليس له في الحقيقة، فهذه النسبة في قولنا ~~خلق الله أصدق النسب الحقيقية التي إن كانت مجازا لم يتصور أن يكون في ~~الكلام نسبة حقيقة البتة، لا في القديم ولا في الحديث، وهذا من أعظم ~~الضلال. # الوجه الثالث عشر: أنه ليس في المعلومات أظهر من كون الله خالقا، ولهذا ~~أقرت به جميع الأمم، مؤمنهم وكافرهم، ولظهور ذلك، وكون العلم به بديهيا ~~فطريا، احتج الله به على من أشرك به في عبادته، فقال: {ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت: 61] في غير ~~موضع من كتابه، فعلم أن كونه سبحانه خالقا من أظهر شيء عند العقول، فكيف ~~يكون الخبر عنه بذلك مجازا، وهو أصل كل حقيقة، فجميع الحقائق تنتهي إلى ~~خلقه وإيجاده، فهو الذي خلق وهو الذي علم، كما قال تعالى: {اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم - الذي علم بالقلم - علم ~~الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1 - 5] فجميع الموجودات ms347 انتهت إلى خلقه ~~وتعليمه، فكيف يكون كونه خالقا عالما مجازا؟ وإذا كان كونه خالقا عالما ~~مجازا لم يبق له فعل حقيقة ولا اسم حقيقة، فصارت أفعاله كلها مجازات، ~~وأسماؤه الحسنى كلها مجازات. # الوجه الخامس عشر: ألا ترى أنه لم يكن منه بذلك خلق أفعالنا، ولو كان ~~خالقا حقيقة لا محالة لكان خالقا للكفر والعدوان وغيرهما من أفعالنا. # كلام باطل على أصل أصحابه القدرية وعلى أصل أهل السنة، بل على أصول جميع ~~الطوائف، فإن جميع أهل الإسلام متفقون على أن الله الخالق حقيقة لا مجازا، ~~بل وعباد الأصنام وجميع الملل. # وأما إخوانه القدرية فإنهم قالوا إنه غير خالق لأفعال الحيوان ~~الاختيارية، فإنه لا يقول أحد منهم إنه خالق السماوات والأرض وما بينهما ~~مجازا لكونه غير خالق لأفعال الحيوان، فإنها لم تدخل تحت قوله: {خلق الله ~~السماوات والأرض} [العنكبوت: 44] بل لم تدخل عندهم تحت قوله: {الله خالق كل ~~شيء} [الرعد: 16] وإن دخلت تحت هذا اللفظ فهو عندهم عام مخصوص بالعقل نحو ~~قوله: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] ، {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] فإن ~~ادعوا المجاز فهم يدعونه في مثل هذا # PageV01P346 # لكونه عالما مخصوصا، وأما نحو قوله: {خلق الله السماوات والأرض} ~~[العنكبوت: 44] فلم يقل أحد قط إنه مجاز قبل ابن جني بناء على ما أصله من ~~الأصل الفاسد: أن الفعل موضوع لجميع أفراد المصدر، فإذا استعمل في بعضها ~~كان مجازا. # الوجه السادس عشر: أنه أثبت المجاز بإنكار عموم قدرة الله تعالى ومشيئته ~~للكائنات، وإثبات عدة خالقين معه فكان دليله أخبث من الحكم المستدل عليه، ~~وقد اتفقت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجميع كتب الله المنزلة ~~على إثبات القدرة، وأن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه خالق كل شيء، وأنه ~~بكل شيء عليم، وأنه كتب في الذكر كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن، وأنه لا يكون في ملكه ما لا يشاء، وأنه لو شاء لما عصاه أحد، ولو شاء ~~لآمن من في الأرض كلهم، وأنه أعان أهل طاعته ms348 بما لم يعن به أهل معصيته، ~~ووفق أهل الإيمان لما لم يوفق له أهل الكفر، وأنه هو الذي جعل المسلم ~~مسلما، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء. # وبالجملة فلا يخرج حادث من الأعيان والأفعال عن قدرته وخلقه كما لا يخرج ~~عن علمه ومشيئته، هذا دين جميع المرسلين، فاستدل هذا القائل على أن خلق ~~الله السماوات والأرض مجاز بإنكار ذلك ودفعه وإخراج أشرف ما في ملكه عن ~~قدرته وهو طاعات أنبيائه ورسله وأوليائه وملائكته، فلم يجعله قادرا عليها ~~ولا خالقا لها، وكان سلفه الأولون يقولون لا يعلمها قبل كونها، فانظر إلى ~~إثبات المجاز ماذا جنى على أهله والى أين ساقهم وماذا قدم من معاقل ~~الإيمان، وأعجب من هذا الحكم ودليله. # الوجه السابع عشر: قوله: وكذلك علم الله قيام زيد مجاز أيضا لأنه ليست ~~الحال التي علم الله عليها قيام زيد هي الحالة التي علم عليها قعود عمر. # يريد أنه ليس لله علم في الحقيقة كما صرح به بقوله: ولسنا نثبت لله ~~سبحانه علما لأنه عالم بنفسه، وهذه مسألة إنكار صفات الرب سبحانه وأنه لا ~~علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا إرادة فلا يقولون: عالم بعلم ~~ولا قادر بقدرة ولا سميع بسمع، ويقولون: يعلم ويسمع ويقدر بلا علم ولا قدرة ~~ولا سمع، وإذا كان كذلك فكان قولنا علم الله قيام زيد مجازا عندهم، إذ لا ~~علم له، وعلمه فعل يدل على المصدر والصفة وليس في نفس الأمر عندهم لله علم ~~ولا قدرة فجاء المجاز وانتفت الحقيقة. # فيقال لهم: قولكم إن الحال التي علم الله عليها قيام زيد ليست هي الحال ~~التي # PageV01P347 # علم عليها قيام عمر، هذه الحال أمر وجودي أم عدمي؟ فإن كانت عدمية فهي لا ~~شيء، كاسمها، وإن كانت وجودية فإما أن تقوم بالعلم أو بالمعلوم أو بنفسها، ~~وقيامها بنفسها محال لأنها معنى، وقيامها أيضا بالمعلوم محال، لأنها لو ~~قامت منه لكان هو العالم المدرك، فتعين قيامها بالعالم، وهذه هي صفة العلم ~~التي أنكرتموها، وهذا ms349 مما لا سبيل لكم إلى دفعه. # ولهذا لما أقر به ابن سينا ألزمه ابن الخطيب بثبوت الصفات إلزاما لا محيد ~~له عنه، فجاء ثور طوس، وعلم أن ذلك يلزمه، ففر إلى ما أضحك منه العقلاء، ~~وقال: أقول: إن العلم هو نفس المعلوم، أعجب من ضلال هؤلاء القوم، وفساد ~~عقولهم أيكون الضارب هو نفس المضروب، والشاتم نفس المشتوم، والذابح هو نفس ~~المذبح، والناكح هو نفس المنكوح؟ # هذا أشد مناقضة للعقول من قول من قال الخلق نفس المخلوق، فهؤلاء جعلوا ~~الفعل هو عين المفعول، ولم يثبتوا للفاعل فعلا يقوم به، وهذا جعل العلم نفس ~~المعلوم، لم يجعل للعالم علما يقوم به. # الوجه الثامن عشر: قولك: وكذلك أيضا ضربت عمر مجاز من غير جهة التجوز في ~~الفعل وأنك إنما فعلت بعض الضرب لا جميعه ولكن من جهة أخرى وهي أنك إنما ~~ضربت بعضه لا جميعه. # فيقال: الأمر إن كان كذلك فإن العرب لم تضع لفظة ضربت زيدا لغير هذا ~~المعنى ثم نقلته إلى غيره حتى يكون مجازا فيه، بل لم تضعه ولم تستعمله قط ~~إلا فيما يفهم منه كل أحد، فدعوى أن ذلك مجاز كذب ظاهر على اللغة، فلو أنهم ~~وضعوا ضربت زيدا لوقوع الضرب على جميع أجزائه الظاهرة والباطنة، ثم نقلوه ~~إلى استعماله في إيقاعه على جزء من أجزاء بدنه أمكن أن يكون مجازا فيه، بل ~~استعماله في هذا المفهوم لا يختص باللغة العربية، بل جميع الأمم على اختلاف ~~لغاتها لا يريدون غير هذا المفهوم، فدعوى أن الحقيقة التي وضع لها اللفظ ~~تخالف ذلك دعوى كاذبة، بل حقيقة هذا اللفظ التي وضع واستعمل في كل لسان هي ~~إمساس بعض المضروب بآلة الضرب، لا يعرف له حقيقة غير ذلك البتة. # الوجه التاسع عشر: أن الأفعال تختلف محالها ومتعلقاتها، فمنها ما يكون ~~الفعل فيه شاملا لجميع أجزاء المفعول ظاهره وباطنه كقولك خلق الله زيدا ~~وأوجده وكونه وأحدثه، ومنها ما يقع الفعل فيه على ظاهر المحل دون باطنه ~~كقولك اغتسل زيد، ومنها ما يقع على ms350 باطنه دون ظاهره نحو فرح زيد ورضي وغضب ~~وأحب وأبغض، # PageV01P348 # ومنها ما يقع على بعض جوارحه نحو قام وتكلم وأحدث وأبصر وجامع وقبل وخالط ~~وكتب، فينسب الفعل في ذلك كله إلى جملته، وهو حاصل ببعض أعضائه، ومن قال: ~~إن كل ذلك مجاز جاهر بالبهت والكذب، فإن العرب لم تضع هذه الألفاظ قط لغير ~~معانيها المفهومة منها ولم تنقلها عن موضعها إلى غيره. # ونظير هذا أن الصفات تجري على موصوفاتها حقيقة، فمنها ما يكون لباطنه دون ~~ظاهره كعالم وعاقل ومحب ومبغض وحسود ونحو ذلك، ومنها ما يكون صفة للظاهر ~~دون الباطن كأسود وأبيض وأحمر وطويل وقصير، ومنها ما يعم الظاهر كله لهذه ~~الصفات، ومنها ما يخص بعضه كأعرج وأحدب وأشهل وأقرع وأخرس وأعمى وأصم، ~~وكذلك أسماء الفاعلين، منها ما يعم جميع الذات، كالمسافر ومنتقل، ومنها ما ~~يخص بعض الذات ككاتب وصانع، والفعل صادق في ذلك كله، واسم الفعل حقيقة لا ~~مجاز باتفاق العقلاء، ولم يشترط أحد من النسبة حقيقة أن يصدر الفعل عن اليد ~~والرجل وجميع الأجزاء الظاهرة والباطنة، وهذا كما أنه لا يشترط في الفاعل، ~~فلا يشترط في المفعول أن يعم الفعل أجزاءه جميعا، بل من الأفعال ما يعم ~~جميع المفعول نحو أكلت الرغيف، ومنها ما يختص بجزء من أجزائه نحو قطعت ~~الخشب والعمامة، إذا أوقعت القطع في وسطها أو جزء منها، ولو حاول إنسان في ~~ذلك لكونه مجازا وقال: ما قطع الخشبة ولا العمامة لعد كاذبا. # ولما قال الله تعالى لموسى: {اضرب بعصاك البحر} [الشعراء: 63] لم يفهم ~~موسى أن حقيقة ذلك ضرب جميع أجزاء البحر بعصاه، بل الذي امتثله هو حقيقة ~~الضرب المأمور به، وعندهم أن هذا مجاز من جهة الضرب ومن جهة العصا ومن جهة ~~المضروب، وطريق التخلص إلى الحقيقة عندهم في مثل هذا أن يأتي بكلام في غاية ~~الغي والاستكراه، تعالى الله عنه علوا كبيرا، فيقول: أوقع فردا من أفراد ~~الضرب بجزء من أجزاء عصاك على جزء من أجزاء البحر، فهذه السماجة والغثاثة ~~عندهم هي الحقيقة وتلك ms351 الفصاحة والبلاغة عندهم هي المجاز. # وقد زعم بعض المتحذلقين أن قولك: جاء زيد، وكلمت زيدا، ونحوه مجاز من وجه ~~آخر وهو أن زيدا اسم لهذا الموجود، وهو من وقت الولادة إلى الآن قد ذهبت ~~أجزاؤه واستخلف غيرها، فإنه لا يزال في تحلل واستخلاف فليس زيد الآن هو ~~الموجود وقت التسمية، فقد أطلق الاسم على غير ما وضع له اللفظ أولا، وأثبت ~~هذا # PageV01P349 # المتحذلق المجاز في الإعلام بهذه الطريق، وعلى هذا التقدير فيكون محمد ~~رسول الله مجازا أيضا من هذا الوجه، ويكون اسم لمسمى من بني آدم مجازا ولا ~~يتصور أن يكون حقيقة البتة، وكفى بهذا القول سخفا وحمقا. # وتكايس بعضهم وأجاب عنه بأن قال: زيد اسم للنفس الناطقة وهي لا تتحلل ولا ~~تتغير، بل هي ثابتة من حين الولادة إلى حين الموت، فلزمه ما هو أطعم من ~~ذلك، وهو أن يكون رأيت زيدا وضربت زيدا، أو مرض زيد وأكل وشرب وركب وقام ~~وقعد كله مجاز، فإن الرؤية إنما وقعت على البدن لا على النفس وكذلك الضرب ~~وبقية الأفعال. # والمقصود أن جعل ذلك كله مجازا خبط محض فإنه لا حقيقة للفظ سوى ذلك، ولا ~~يعرف له حقيقة خرج عنها إلى هذا الاستعمال حتى تصح دعوى المجاز فيه، بل ~~هكذا وضع، وهكذا استعملته العرب، وجميع الأمم على اختلاف لغاتها، وليس لها ~~عندهم مفهوم حقيقي ومفهوم مجازي، وأما كون البدن في التحلل والاستخلاف فذاك ~~أمر طبيعي لا تعلق له بالحقيقة والمجاز، وإنما فسدت العلوم لما دخل فيها ~~مثل هذه الهذيانات. # الوجه العشرون: قوله: إذا عرفت التوكيد ولم وقع في الكلام نحو نفسه وعينه ~~وأجمع وكله وكليهما عرفت منه حال سعة المجاز في الكلام. # فيقال له: ليس ذلك من أجل المجاز، كما أن التوليد الذي يلحق الكلام من ~~أوله بأن وبالقسم بلام، والابتداء ليس لرفع المجاز نحو: {إن الله غفور ~~رحيم} [البقرة: 173] ولأنت تفري ما خلقت: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك} [النحل: 63] وإنما هو الاعتناء به، وتقويته في قلب السامع، وتثبيت ~~مضمونه، ms352 وكذلك ما يلحقه في آخره من التأكيد بالنفس والعين وكل وأجمع، كقوله ~~تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [الحجر: 30] فإن اللفظ بمجموعه دال على ~~نسبة الفعل إلى كل فرد من أفراد الملائكة، هذا حقيقته، وتكون دلالته على ~~المجموع كدلالة المقيد ببعض على ما قيد به، نحو قوله: {قم الليل إلا قليلا ~~- نصفه} [المزمل: 2 - 3] فهذا حقيقة في الجميع، وهذا حقيقة في النصف، فإن ~~أطلق # PageV01P350 # حمل على ما يدل عليه اللفظ من عموم أو إطلاق أو عهد فالأول كقوله: {يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين} [المطففين: 6] وقوله: {قل أعوذ برب الناس} ~~[الناس: 1] والثاني كقوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} ~~[آل عمران: 173] وقوله: {تنزل الملائكة والروح فيها} [القدر: 4] وقوله: ~~{يوم يرون الملائكة} [الفرقان: 22] ، {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} ~~[الأنعام: 8] والثالث كقوله: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا} [الأنفال: 12] فهؤلاء ملائكة معينون، وهم الذين أنزلهم الله ~~تعالى يوم بدر للقتال مع المؤمنين، واللفظ حقيقة في كل موضع من هذه المواضع ~~مؤكدها ومجردها، وعامها ومطلقها، فيأتي المتكلم باللفظ المطابق للمعنى الذي ~~يريده، ولو أتى بغيره لم يكن قاصدا لكمال البيان، فقد ظهر لك أن وقوع ~~التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على الحقيقة وقصدها عند الإتيان به وعند ~~حذفه بحسب غرض المتكلم. # الوجه الحادي والعشرون: قوله: وكذلك أيضا حذف المضاف مجاز، وقد كثر، حتى ~~إن في القرآن الذي هو أفصح الكلام منه أكثر من ثلاثمائة موضع، جوابه من ~~وجهين أحدهما: أن أكثر المواضع التي ادعي فيها الحذف في القرآن لا يلزم ~~فيها الحذف ولا دليل على صحة دعواه كقوله: {وكم من قرية أهلكناها} ~~[الأعراف: 4] ، {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} [الطلاق: 8] إلى ~~أمثال ذلك، فادعى أهل المجاز أن ذلك كله من مجاز الحذف، وأن التقدير في ذلك ~~كله أهل القرية، وهذا غير لازم، فإن القرية اسم للقوم المجتمعين في مكان ~~واحد، فإذا نسب إلى القرية فعل أو حكم عليها بحكم أو أخبر عنها بخبر كان في ms353 ~~الكلام ما يدل على إرادة المتكلم من نسبة ذلك إلى الساكن أو المسكن، أو هو ~~حقيقة في هذا وهذا، وليس ذلك من باب الاشتراك اللفظي، بل القرية موضوعة ~~للجماعة الساكنين بمكان واحد، فإذا أطلقت تناولت الساكن والمسكن، وإذا قيدت ~~بتركيب خاص واستعمال خاص كانت فيما قيدت به، فقوله تعالى: {وضرب الله مثلا ~~قرية كانت آمنة مطمئنة} [النحل: 112] حقيقة في الساكن. # PageV01P351 # وكذلك لفظة القرية في عامة القرآن إنما يراد بها الساكن فتأمله، وقد يراد ~~بها المسكن خاصة، فيكون في السياق ما يعينه كقوله تعالى: {أو كالذي مر على ~~قرية وهي خاوية على عروشها} [البقرة: 259] أي ساقطة على سقوفها، وهذا ~~التركيب يعطي المراد، فدعوى أن هذا حقيقة القرية، وأن قوله: {وكأين من قرية ~~عتت عن أمر ربها ورسله} [الطلاق: 8] ونحوه مجاز، تحكم بارد لا معنى له، وهو ~~بالضد أولى، إذ قد اطرد استعمال القرية إلى الساكن، وحقيقة الأمر أن اللفظة ~~موضوعة للساكن باعتبار المسكن، ثم قد يقصد هذا دون هذا، وقد يرادان معا فلا ~~مجاز هاهنا ولا حذف، وتخلصت بهذا من ادعاء الحذف فيما شاء الله من المواضع ~~التي زعم أنها تزيد على ثلاثمائة. # الوجه الثاني: أن هذا الحذف الذي يزعمه هؤلاء ليس بحذف في الحقيقة فإن ~~قوة الكلام تعطيه، ولو صرح المتكلم بذكره كان عيا وتطويلا مخلا بالفصاحة ~~كقوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] قالوا: هذا مجاز ~~تقديره: ما أفاء الله من أموال القرى، وهذا غلط وليس بمجاز، ولا يحتاج إلى ~~هذا التقدير، والمعنى مفهوم بدون هذا التقدير، فالقائل اتصل إلي من فلان ~~ألف، يصح كلامه لفظا ومعنى بدون تقدير، فإن (من) للابتداء في الغاية، ~~فابتداء الحصول من المجرور بمن، وكذلك في الآية. # يوضحه أن التقدير إنما يتعين حيث لا يصح الكلام بدونه، فأما إذا استقام ~~الكلام بدون التقدير من غير استكراه ولا إخلال بالفصاحة كان التقدير غير ~~مفيد ولا يحتاج إليه، وهو على خلاف الأصل، فالحذف المتعين تقديره كقوله: ~~{ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ms354 تواب حكيم} [النور: 10] وقوله: {ولو ~~أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] ~~ونحو ذلك. # وأما نحو قوله: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق} [الشعراء: ~~63] فليس هناك تقدير أصلا إذ الكلام مستغن بنفسه غير محتاج إلى تقدير، فإن ~~الذي يدعي تقديره قد دل اللفظ عليه باللزوم، فكأنه مذكور، لأن اللفظ يدل ~~بلازمه كما يدل بحروفه، ولا # PageV01P352 # يقال لما دل عليه دلالة التزام إنه محذوف، فتأمله فإنه منشأ غلط هؤلاء في ~~كثير مما يدعون فيه الحذف. # نعم هاهنا قسم آخر مما يدعى فيه حذف المضاف وتقديره كقوله: {وجاء ربك} ~~[الفجر: 22] أي أمره {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ~~[البقرة: 210] أي أمره، وقوله: {فأتى الله بنيانهم} [النحل: 26] أي أمره، ~~وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: " «ينزل ربنا كل ليلة» "، وأمثال ذلك، فهذا ~~قد ادعى تقدير المضاف فيه، ولكن دعوة مجردة مستندة إلى قاعدة من قواعد ~~التعطيل، وهي إنكار أفعال الرب تعالى، وأنه لا يقوم به فعل البتة، بل هو ~~فاعل بلا فعل. # وأما من أثبت أن الرب فاعل حقيقة، وأنه يستحيل أن يكون فاعلا بلا فعل، ~~ويستحيل أن يكون الفعل عين المفعول، بل هي حقائق معتبرة فاعل وفعل ومفعول، ~~هذا هو المفعول في فطر بني آدم، فإنه لا يحتاج إلى هذا التقدير ولا يجوزه، ~~فإن حذفه يكون من باب التلبيس ويرفع الوثوق بكلام المتكلم، ويوقع التحريف، ~~فإنه لا يشاء أحد أن يقدر مضافا يخرج به الكلام عن مقتضاه إلا فعل، وارتفع ~~الوثوق والفهم والتفهيم. # فيقدر الملحد في قوله تعالى: {وأن الله يبعث من في القبور} [الحج: 7] ~~مضافا تقديره أرواح من في القبور، وفي قوله تعالى: {يحيي الموتى} [الحج: 6] ~~أي أرواح الموتى، وقوله: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] وأمثال ~~ذلك مما يقدر فيه مضاف يخرج الكلام عن ظاهره. # فهذا مما ينبغي التنبه له، وأنه ليس كل موضع يقبل تقدير المضاف، ولا كل ~~ما قبله جاز تقديره حتى يكون في ms355 الكلام ما يدل على التقدير دلالة ظاهرة، ~~ولا توقع اللبس بحيث لا يجد السامع بدا من التقدير، كما يقول القائل: ~~سافرنا في الثريا أي في نوئها، وجلسنا في الشمس، أي في حرها، وهذا مما يعلم ~~بالسياق، فكأنه مذكور لم يفت إلا التلفظ به، ومثل هذا لا يقال إنه مجاز، ~~فإن اللفظ بمجموعه دال على المراد، والمتكلم قد يختصر ليحفظ كلامه، وقد ~~يبسط ويطيل ليزيد في الإيضاح والبيان، والإيجار والاختصار، والإسهاب ~~والإطناب طريقان للمتكلم، يسلك هذه مرة وهذه # PageV01P353 # مرة، وهذا في كل لغة، فإذا اختصر ودل على المراد لا يقال تكلم بالمجاز، ~~يوضحه: # الوجه الثاني والعشرون: أن أكثر ما يدعى فيه الحذف لا يحتاج فيه إليه ولا ~~على صحة دعواه دليل سوى الدعوى المجردة، فمن أشهر ما يدعى فيه الحذف ~~التحريم والتحليل والمضاف إلى الأعيان نحو: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: ~~3] ، {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ، {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ~~[المائدة: 1] ونظائره، قالوا: لأن التحريم والإباحة والكراهة والإيجاب طلب ~~لا يتصور تعلقه بالأعيان لاستحالة إيجاد المكلف لهما، وإنما يتعلق بالأفعال ~~الواقعة فيها، فهي التي توصف بالحل والحرمة والكراهة. # وأما الأعيان فلا توصف بذلك إلا مجازا، فإذا قال: حرمت الميتة كان ~~التقدير أكلها، كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم " «إنما حرم عليكم من ~~الميتة أكلها» " وحرمت الخمر، أي شربها، والحرير أي لبسه، وأمهاتكم، أي ~~نكاحهن، ولما كان في الكلام محذوف، قالت طائفة: لا يمكن إضمار كل فعل، إذ ~~العموم من عوارض الألفاظ، ودلالة الحذف والإضمار لا عموم لها، فيكون مجملا. # وقالت طائفة: بل المقدر كالملفوظ، فتارة يكون عاما وتارة يكون خاصا، وهذا ~~بحسب الفعل المطلوب من تلك العين، فتحريم ما يشرب تحريم شربه، وما يؤكل ~~تحريم أكله، وما يلبس تحريم لبسه، وما يركب تحريم ركوبه من غير أن توصف ~~الأعيان بالحل والحرمة. # وقالت طائفة: هذا ثابت من جهة اللزوم وإلا فالتحريم والإباحة واقع على ~~نفس الأعيان ويصح وصف الأعيان بذلك حقيقة باعتبار الألفاظ المطلوب منها، ~~قالوا: وهذا كما توصف بأنها محبوبة أو ms356 مكروهة في نفسها، وإنما الحب ~~والكراهة والبغض متعلق بأفعالنا فيها. # قيل: هذا مكابرة ظاهرة، فإنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا محبة بعض ~~الأعيان وبغض بعضها، ويعلم كل عاقل صحة قول القائل: هذا الشيء محبوب، وهذا ~~مكروه، وذلك حقيقة لا مجاز، فأي عقل وشرع ولغة يمنع من اتصاف الأعيان ~~أنفسها بكونها مباحة أو محرمة كما توصف بكونها محبوبة أو مكروهة. # PageV01P354 # وقول القائل: إن الأعيان لا تدخل تحت الطلب، يقال له: هذا من وهمك حيث ~~ظننت أن تحريمها وتحليلها طلب لإيجادها وعدمها، فإن هذا لا يفهمه أحد ولا ~~يخطر ببال السامع أصلا، وإنما يفهم كونها حلالا أو حراما الإذن في تناوله ~~والمنع منه، هذا حقيقة اللفظ وموضوعه وعرف استعماله، والتركيب مرشد إلى فهم ~~المعنى، ولم يوضع لفظ التحريم والتحليل لإحداث الأعيان ولا إعدامها ولا ~~استعمل في ذلك ولا فهمه أحد أصلا، وإنما حقيقته ما يفهم المخاطب منه فله ~~وضع، وفيه استعمل، ومنه فهم، فإذا سمع المخاطب: هذه المرأة حرام عليك، لم ~~يشك في المعنى ولم يتوقف فهمه له على تقدير محذوف وإضمار مضاف، ولم يخطر ~~بباله أن هذا الكلام مجاز لا حقيقة. # ولما سمع المؤمنون قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] إلى ~~آخرها، لم يقع في قلوبهم أن هذا مجاز ولا خطر ببالهم غير حقيقته ومفهومه، ~~وهذا كله إنما نشأ من قبل المتولجين المتكلفين، ألا ترى أن الذين نزل ~~القرآن بلغتهم لم يختلفوا في ذلك ولم يتكلفوا هذه التقادير، بل كانوا أفقه ~~من ذلك وأصح أفهاما وأعلى طلبا، وإنما لهج المتأخرون بذلك لما نزلت مرتبتهم ~~وتقاصرت أفهامهم وعلومهم من علوم أولئك. # وهل سمع عربي قط ولو من أجلاف العرب قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} ~~[النساء: 23] ، {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] ، {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ، ونظائره، فأصابهم ما أصاب هؤلاء من البحث ~~عن كون ذلك حقيقة أو مجازا أو مجملا لا يدري المراد منه؟ وهل توقف في فهم ~~المراد على إضمار وحذف، ثم فكر وقدر في تعيينه؟ # ولما ms357 قال سبحانه: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} [القصص: 12] فهم السامع ~~المراد من غير أن يخطر بباله حذف ولا إضمار، وكذلك قوله تعالى: {فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة} [المائدة: 26] فإذا ظهر مراد المتكلم وفهم السامع ~~فأي حاجة إلى دعوى محذوف يحكم على المتكلم أنه أراده، وأنه لا يصح الكلام ~~بدونه، ويوضحه: # الوجه الثالث والعشرون: أن الأعيان توصف بكونها طيبة وخبيثة ونافعة وضارة ~~فكذلك توصف بكونها حلالا وحراما، إذ الحل والحرمة تبع طيبها وخبيثها وكونها # PageV01P355 # ضارة ونافعة، كما قال تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ~~[الأعراف: 157] ولا بد أن يكون الحلال طيبا في نفسه، والحرام خبيثا في ~~نفسه، فوصفه بكونه حلالا أو حراما جار مجرى وصفه بكونه طيبا أو خبيثا، ~~ودلالة تحريم العين وتحليلها على الفعل المتعلق بها من باب دلالة الالتزام. # وقد علمت أن ما يدل بالالتزام لا يقال فيه: إنه محذوف مقدر، فالقائل ~~لغيره: اصعد السطح، قد دله بالالتزام على الصعود في السلم، ولا يقال في ~~الكلام مضمرا محذوفا، وهو بدون ذكره مجازا، ولو كان كذلك، لكان كل كلام له ~~لازم يذكر معه لازمه مجازا، وهذا لا يقوله إلا من لا يدري ما يقول، فإن ~~الرجل إذا قال (تعال) فله لازم وهو قطع المسافات، وإذا قال (كل) فله لازم ~~وهو تناول المأكول، وكذلك كل خطاب في الدنيا له لازم يدل عليه باللزوم، ~~فافتحوا باب الحذف والإضمار في ذلك كله وقولوا: إن الكلام بدون ذكره مجاز، ~~وإلا فما الفرق بين ما ادعيتم إضماره وبين ما ذكرناه، فأي فرق بين اصعد ~~السطح وبين اطبخ اللحم واخبز العجين وابن الحائط، فهذا له لوازم وهذا له ~~لوازم، والمتكلم لا يجب عليه ذكر اللزوم، بل ذكرها عي وتطويل. # الوجه الرابع والعشرون: قوله: وأما قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى ~~تكليما} [النساء: 164] فليس هو من باب المجاز بل هو حقيقة. # فيقال له: ما أسرع ما هدمت جميع ما بنيته، ونقضت كل ما أصلته، فإنك قدمت ~~في أول الباب أن الفعل يقتضي جميع أفراد المصدر، ms358 وهذا محال، فالأفعال ~~عامتها مجاز، وقدمت أن خلق السماوات والأرض مجاز، وعلم الله مجاز، فما بال ~~{وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] وحده حقيقة من بين سائر الأفعال، ~~ومن العجب أن يكون خلق الله السماوات والأرض وعلم الله عندك مجازا وهو أظهر ~~للأمم من كل ظاهر، و {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] حقيقة، وفيه من ~~أظهر الخلاف والخفاء ما لا يخفى، ونحن لا نشك أن الجميع حقيقة، ومن قال إن ~~ذلك أو بعضه مجاز فهو ضال، ولكن القائلون بأن " كلم الله موسى " مجاز، ~~يقولون: إن خلق الله وعلم الله حقيقة، وهم الجهمية والكلابية، وأما ~~القائلون بخلق القرآن فلهم قولان: أكثرهم يقول: إنه مجاز، وبعضهم # PageV01P356 # يقول: إنه حقيقة، وكلم الله ويكلم حقيقة في خلق حروف وأصوات يكون متكلما ~~مكلما، والمتكلم عندهم حقيقة من فعل الكلام وحقيقة الكلام عندهم هي الحروف ~~والأصوات، وأصابوا في ذلك لكن أخطئوا في اعتقادهم أن المتكلم من فعل الكلام ~~في غيره ولم يقم به، فالكلام عندهم مخلوق، والرب لم يقم به عندهم كلام ولا ~~أمر ولا نهي، وهؤلاء الذين اتفق السلف وأئمة الإسلام على تكفيرهم. # الوجه الخامس والعشرون: أنهم إذا قالوا: المتكلم من فعل الكلام في غيره ~~فصار بذلك متكلما دون المحل الذي قام به الكلام، فقد قلبوا أوضاع اللغات، ~~وخرجوا عن المعقول وعن لغات الأمم قاطبة، فإن الله تعالى لو اتصف بما يحدثه ~~في غيره من الأعراض والصفات لكان اسود بالسواد الذي يخلقه في المحل، وكذلك ~~إذا خلق في محل بياضا أو حمرة أو طولا أو قصرا أو حركة كان المحل الذي قامت ~~به هذه الصفات والأعراض هو الموصوف بها حقيقة لا الخالق لها، فالصفة إذا ~~قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك لا إلى غيره، واشتق له منها اسم لم يشتق ~~لغيره، وأخطأ القائلون بخلق القرآن في هذه المسائل الأربع وأخلوا المحل عن ~~حكم الصفة وأعادوه إلى غيره من قامت به، واشتقوا الاسم لمن لم تقم به دون ~~من قامت به فقلبوا الحقائق. ### | فصل ذكر ما ادعوا ms359 فيه المجاز من القرآن ### | المثال الأول قوله وجاء ربك والملك صفا صفا # فصل # فهذا الكلام في المجاز على وجه كلي، ونحن نذكر ما ادعوا فيه المجاز من ~~كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التفصيل، وذلك إنما ~~يتبين بذكر أمثلة ادعوا فيها المجاز: # المثال الأول: قوله: {وجاء ربك} [الفجر: 22] ، {هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210] ونظائره، قيل: هو من مجاز الحذف ~~تقديره وجاء أمر ربك، وهذا باطل من وجوه: # أحدها: أنه إضمار ما لا يدل عليه بمطابقة ولا تضمن ولا لزوم، وادعاء حذف ~~ما لا دليل عليه يرجع لوثوقه من الخطاب، ويطرق كل مبطل على ادعاء إضمار ما ~~يصح باطله. # الثاني: أن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف، بل ~~الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار، فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا ~~يجوز. # PageV01P357 # الثالث: أنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين المحذوف كان تعيينه قولا ~~على المتكلم بلا علم، وإخبارا عنه بإرادة ما لم يقم به دليل على إرادته، ~~وكذلك كذب عليه. # الرابع: أن في السياق ما يبطل هذا التقدير، وهو قوله: {وجاء ربك والملك} ~~[الفجر: 22] فعطف مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين، وأن ~~مجيئه سبحانه حقيقة، كما أن مجيء الملك حقيقة، بل مجيء الرب سبحانه أولى أن ~~يكون حقيقة من مجيء الملك، وكذلك قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] ففرق بين إتيان الملائكة ~~وإتيان الرب وإتيان بعض آيات ربك، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن ~~يكون القسمان واحدا فتأمله. # ولهذا منع عقلاء الفلاسفة حمل مثل هذا اللفظ على مجازه، وقالوا: هذا ~~يأباه التقسيم والترديد والاطراد. # الخامس: أنه لو صرح بهذا المحذوف المقدر لم يحسن وكان كلاما ركيكا، ~~فادعاء صديق ما يكون النطق به مشتركا باطل، فإنه لو قال: هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ملك ربك أو أمر ربك أو ms360 يأتي بعض آيات ربك كان ~~مستهجنا. # السادس: أن اطراد نسبة المجيء والإتيان إليه سبحانه دليل الحقيقة، وقد ~~صرحتم بأن من علامات الحقيقة الاطراد، فكيف كان هذا المطرد مجازا. # السابع: أنه لو كان المجيء والإتيان مستحيلا عليه لكان كالأكل والشرب ~~والنوم والغفلة، وهكذا هو عندكم سواء، فمتى عهدتم إطلاق الأكل والشرب ~~والنوم والغفلة عليه ونسبتها إليه نسبة مجازية، وهي متعلقة بغيره؟ وهل في ~~ذلك شيء من الكمال البتة؟ فإن قوله: {وجاء ربك} [الفجر: 22] وأتى ويأتي ~~عندكم في الاستحالة، مثل نام وأكل وشرب، والله سبحانه لا يطلق على نفسه هذه ~~الأفعال ولا رسوله صلى الله عليه وسلم لا بقرينة ولا مطلقة فضلا عن تطرد ~~نسبتها إليه، وقد اطرد نسبة المجيء والإتيان، والنزول والاستواء إليه مطلقا ~~من غير قرينة تدل على أن الذي نسب إليه ذلك غيره من مخلوقاته، فكيف تسوغ ~~دعوى المجاز فيه. # الثامن: أن المجاز لو كان ثابتا فإنما يصار إليه عند تعذر الحمل على ~~الحقيقة إذ هي الأصل، فما الذي أحال حمل ذلك على حقيقته من عقل أو نقل أو ~~اتفاق من # PageV01P358 # اتفاقهم حجة؟ فأما النقل والاتفاق فهو من جانب الحقيقة بلا ريب، وأما ~~العقل فإنكم تزعمون أنكم أولى به منهم، وهم قد أبطلوا جميع عقلياتكم التي ~~لأجلها ادعيتم أن نسبة المجيء والإتيان والنزول والاستواء إلى الله مجاز من ~~أكثر من ثلاثمائة وجه، وقد ذكرناها فيما تقدم فسلم لهم النقل واتفاق السلف، ~~فكيف والعقل الصريح من جانبهم، كما تقدم تقريره، فإن من لا يفعل شيئا ولا ~~يتمكن من فعل يقوم به بمنزلة الجماد. # التاسع: أن هذا الذي ادعوا حذفه وإضماره يلزمهم فيه كما لزمهم فيما ~~أنكروه، فإنهم إذا قدروا وجاء أمر ربك ويأتي أمره ويجيء أمره وينزل أمره، ~~فأمره هو كلامه وهو حقيقة، فكيف تجيء الصفة وتأتي وتنزل دون موصوفها، وكيف ~~ينزل الأمر ممن ليس هو فوق سماواته على عرشه. # ولما تفطن بعضهم لذلك قال: أمره بمعنى مأموره، فالخلق والرزق بمعنى ~~المخلوق والمرزوق فركب مجازا على مجاز بزعمه ولم يصنع ms361 شيئا، فإن مأموره هو ~~الذي يكون ويخلق بأمره وليس له عندهم أمر يقوم به، فلا كلام يقوم به، وإنما ~~ذلك مجاز الكناية عن سرعة الانفعال بمشيئته تشبيها بمن يقول: كن، فيكون ~~الشيء عقيب تكوينه، فركبوا مجازا على مجاز ولم يصنعوا شيئا، فإن هذا ~~المأمور الذي يأتي إن كان ملكا فهو داخل في قوله: {إلا أن تأتيهم الملائكة} ~~[الأنعام: 158] وإن كان شيئا غير الملك فهو آية من آياته فيكون داخلا في ~~قوله: {أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] . # العاشر: أن ما ادعوا من الحذف والإضمار إما أن يكون في اللفظ ما يقتضيه ~~ويدل عليه أولا، فإن كان الثاني لم يجز ادعاؤه، وإن كان الأول كان كالملفوظ ~~به، وعلى التقديرين فلا يكون مجازا، فإن المدلول عليه يمتنع تقديره. ### | المثال الثاني اسم الرحمن ورحمة الله # المثال الثاني: مما ادعوا أنه مجاز اسمه سبحانه (الرحمن) وقالوا وصفه ~~بالرحمة مجاز، قالوا: لأن الرأفة والرحمة هي رقة تعتري القلب، وهي من ~~الكيفيات النفسية، والله منزه عنها، وهذا باطل من وجوه: # أحدها: أنهم جحدوا حقيقة الرحمة فقالوا إن نسبتها إلى الله تعالى محال، ~~وأنه ليس برحيم بعباده على الحقيقة، وقد سبقهم إلى هذا النفي مشركو العرب ~~الذين قال الله فيهم {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} ~~[الفرقان: 60] فأنكروا حقيقة اسم الرحمن أن يسمى بذلك، ولم يكونوا ينكرون ~~ذاته # PageV01P359 # وربوبيته، ولا ما يجعله المعطلة معنى اسم الرحمن من الإحسان، فإن أحدا لم ~~ينكروا إحسان الله إلى خلقه. # فإن قيل: فلو كان هذا كما ذكرتم لأنكروا اسم الرحيم لأن المعنى واحد. # قيل: إنما لم ينكروا الرحيم لأن ورود الرحمن في أسمائه أكثر من ورود ~~الرحيم. # ولهذا قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، {ثم استوى على العرش ~~الرحمن} [الفرقان: 59] ، {إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} [مريم: 45] ، ~~{رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن} [النبأ: 37] {الرحمن - علم القرآن} ~~[الرحمن: 1 - 2] وإنما جاء الرحيم مقيدا كقوله: {وكان بالمؤمنين رحيما} ~~[الأحزاب: 43] وقوله: {إنه بهم رءوف رحيم} [التوبة: 117] ، ومقرونا ms362 باسم ~~الرحمن كما في الفاتحة، أو باسم آخر نحو: {العزيز الرحيم} [الشعراء: 9] ~~وأيضا فالرحمن جاء على بناء فعلان الدال على الصفة الثابتة اللازمة الكاملة ~~كما يشعر به هذا البناء نحو غضبان وندمان وحيران، فالرحمن من صفته الرحمة، ~~والرحيم من يرحم بالفعل. # وأيضا فلا يخلو إنكارهم لهذا الاسم إما أن تكون دلالته على حقيقة الرحمة ~~أو لا، فإن كان الأول فمن أنكر أن يكون حقيقة فقد وافقهم، وإن لم يكن كذلك ~~فمن المعلوم أن موضوع الاسم وحقيقته صفة الرحمة القائمة بموصوفها، فلو كانت ~~حقيقة الاسم منتفية في نفس الأمر لكان طعنهم أقوى، وكان ذلك بمنزلة وصفه ~~بالأكل والشرب والنوم والجور ونحوها مما يليق به وبالجملة فالذي أنكر أن ~~يكون الله رحمانا على الحقيقة هو (جهم بن صفوان) وشيعته، قال الله تعالى: ~~{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: ~~180] . # ومن أعظم الإلحاد في أسمائه إنكار حقائقها ومعانيها والتصريح بأنها ~~مجازات وهو أنواع هذا أحدها، الثاني: جحدها وإنكارها بالكلية، الثالث: ~~تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه، وأن الثابت له منها مماثل ~~للثابت لخلقه، وهذا يذكره المتكلمون في كتبهم ويجعلونها مقالة لبعض الناس، ~~وهذه كتب المقالات بين أظهرنا لا نعلم ذلك مقالة لطائفة من الطوائف البتة، ~~وإنما المعطلة الجهمية يسمون كل من # PageV01P360 # أثبت صفات الكمال لله تعالى مشبها وممثلا، ويجعلون التشبيه لازم قولهم، ~~ويجعلون لازم المذهب مذهبا، ويسرعون في الرد عليهم وتكفيرهم. # والمقصود أن هؤلاء المعطلة الملحدين في أسماء الرب تعالى هم المشبهون في ~~الحقيقة، لا من أثبت ألفاظها وحقائقها من غير تمثيل ولا تشبيه، ولهذا لا ~~يأتي الرد في القرآن على هذه الفرقة التي انتصب لها هؤلاء، فإنها فرقة ~~مقدرة في الأذهان ولا موجود لها في الأعيان، وإنما القرآن مملوء من الرد ~~على من شبه المخلوق بالخالق في صفات الإلهية حتى عبده من دونه، لأنه هو ~~الواقع من بني آدم يشبهون أوثانهم ومعبودهم بالخالق في الإلهية، قال تعالى: ~~{هل تعلم له سميا} [مريم: 65] أي من يساميه ويماثله، وقال تعالى: ms363 {ولم يكن ~~له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] وقال: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فنفى عن ~~المخلوق مماثلته ومكافأته ومشابهته ومساماته الذي هو أصل شرك بني آدم فضرب ~~المتكلمون عن ذلك صفحا وأخذوا في المبالغة في الرد على من شبه الله بخلقه، ~~ولا نعلم فرقة من فرق بني آدم استقلت بهذه النحلة، وجعلتها مذهبا تذهب إليه ~~حتى ولا المجسمة المحضة الذين حكى أرباب المقالات مذاهبهم كالهاشمية ~~والكرامية الذين قالوا: إن الله جسم لم يقولوا: إنه مماثل للأجسام بل صرحوا ~~بأن معنى كونه جسما أنه قائم بنفسه موصوف بالصفات، ومثبتو الصفات لا ~~ينازعونهم في المعنى وإن نازعوهم في بعض المواضع. # الوجه الثاني: أن الإلحاد إما أن يكون بإنكار لفظ الاسم أو بإنكار معناه، ~~فإن كان إنكار لفظه إلحادا فمن ادعى أن الرحمن مجاز لا حقيقة فإنه يجوز ~~إطلاق القول بنفيها فلا يستنكف أن يقول: ليس بالرحمن ولا الرحيم، كما يصح ~~أن يقال للرجل الشجاع ليس بأسد على الحقيقة. # وإن قالوا: نتأدب في إطلاق هذا النفي فالأدب لا يمنع صحة الإطلاق وإن كان ~~الإلحاد هو إنكار معاني أسمائه وحقائقها فقد أنكرتم معانيها التي تدل عليها ~~بإطلاقها، وما صرفتموه إليه من المجاز فنقيض معناها أو لازم من لوازم ~~معناها، وليس هو الحقيقة، ولهذا يصرح غلاتهم بإنكار معانيها بالكلية، ~~ويقولون: هي ألفاظ لا معاني لها. # الوجه الثالث: أن هذا الحامل لكم على دعوى المجاز في اسم (الرحمن) هو ~~بعينه # PageV01P361 # موجود في اسم العليم والقدير، والسميع والبصير، وسائر الأسماء، فإن ~~المعقول من العلم صفة عرضية تقوم بالقلب، إما ضرورية وأما نظرية، والمعقول ~~من الإرادة حركة النفس الناطقة لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها أو ينفع غيرها ~~أو يضره، والمعقول من القدرة القوة القائمة بجسم تتأتى به الأفعال ~~الاختيارية فهل تجعلون إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله حقيقة أم مجازا؟ ~~فإن قلتم: حقيقة تناقضتم أقبح التناقض إذ عمدتم إلى صفاته سبحانه فجعلتم ~~بعضها حقيقة وبعضها مجازا مع وجود المحذور فيما جعلتموه حقيقة، وإن قلتم: ~~لا يستلزم ذلك محذورا فمن ms364 أين استلزم اسم الرحمن المحذور، وإن قلتم الكل ~~مجاز لم تتمكنوا بعد ذلك من إثبات حقيقة الله البتة، لا في أسمائه ولا في ~~الإخبار عنه بأفعاله وصفاته، وهذا انسلاخ من العقل والإنسانية. # الوجه الرابع: أن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى، فإن ~~العليم والقدير والسميع والبصير، أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن ~~وصف بها، فاستعمالها لغير ممن وصف بها استعمال للاسم في غير ما وضع له، ~~فكما انتفت عنه حقائقها فإنه تنتفي عنه أسماؤها، فإن الاسم المشتق تابع ~~للمشتق منه في النفي والإثبات، فإذا انتفت حقيقة الرحمة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر، انتفت الأسماء المشتقة منها عقلا ولغة، فيلزم من نفي ~~الحقيقة أن تنفي الصفات والاسم جميعا، فالمعتزلة لا تقر بأن الأسماء ~~الحقيقية تستلزم الصفات، ثم ينفون الصفات، ويثبتون الأسماء بطريق الحقيقة ~~كما قالوا في المتكلم والمريد. # وبعض الجهمية يساعد على أن الاسم يستلزم الصفة، ثم ينفي الصفة وينفي ~~حقيقة الاسم ويقول: هذا مجاز، فهو شر من المعتزلة من هذا الوجه، وهم خير ~~منهم من وجه آخر، وهو أنه يتناقض فيثبت بعض الصفات وحقائق الأسماء وينفي ~~نظيرها وما يدل عليها من حقيقة الاسم. # وأهل السنة يثبتون الصفات وحقائق الأسماء، فالأسماء عندهم حقائق وهي ~~متضمنة للصفات. # الوجه الخامس: أنه كيف يكون أظهر الأسماء التي افتتح الله بها كتابه في ~~أم القرآن وهي من أظهر شعار التوحيد، والكلمة الجارية على ألسنة أهل ~~الإسلام وهي (بسم الله الرحمن الرحيم) التي هي مفتاح الطهور والصلاة وجميع ~~الأفعال، كيف يكون مجازا؟ هذا من أشنع الأقوال، فهذان الاسمان اللذان افتتح ~~الله بهما أم القرآن، # PageV01P362 # وجعلهما عنوان ما أنزله من الهدى والبيان، وضمنهما الكلمة التي لا يثبت ~~لها شيطان، وافتتح بها كتابه نبي الله سليمان، وكان جبرائيل ينزل بها على ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند افتتاح كل سورة من القرآن. # الوجه السادس: قولهم: (الرحمة رقة القلب) تريدون رحمة المخلوق، أم رحمة ~~الخالق، أم كل ما سمي رحمة، شاهدا أو غائبا، فإن قلتم بالأول صدقتم ms365 ولم ~~ينفعكم ذلك شيئا، وإن قلتم بالثاني والثالث كنتم قائلين غير الحق، فإن ~~الرحمة صفة الرحيم وهي في كل موصوف بحسبه، فإن كان الموصوف حيوانا له قلب ~~فرحمته من جنسه رقة قائمة بقلبه، وإن كان ملكا فرحمته تناسب ذاته، فإذا ~~اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة، لم يلزم أن تكون رحمته من جنس المخلوق ~~لمخلوق، وهذا يطرد في سائر الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة ~~والإرادة إلزاما وجوابا، فكيف يكون رحمة أرحم الراحمين مجازا دون السميع ~~العليم؟ . # الوجه السابع: أن اسم الرحمة استعمل في صفة الخالق وصفة المخلوق، فإما أن ~~يكون حقيقة في الموصوفين، أو حقيقة في الخالق مجازا في المخلوق، أو عكسه، ~~فإذا كانت حقيقة فيهما، فإما حقيقة واحدة، وهو التواطؤ، أو حقيقتان، وهو ~~الاشتراك، ومحال أن تكون مشتركة لأن معناها يفهم عند الإطلاق ويجمعهما معنى ~~واحد ويصح تقسيمها، وخواص المشترك منفية عنها، ولأنها لم يشتق لها وضع في ~~حق المخلوق، ثم استعيرت من المخلوق للخالق، تعالى الله عما يقول أهل الزيغ ~~والضلال، فبقي قسمان: # أحدهما: أن تكون حقيقة في الخالق مجازا في المخلوق، الثاني: أن تكون ~~حقيقة متواطئة أو مشتركة، وعلى التقديرين فبطل أن يكون إطلاقها على الله ~~سبحانه مجازا. # الوجه الثامن: أنه من أعظم المحال أن تكون رحمة أرحم الراحمين التي وسعت ~~كل شيء مجازا، ورحمة العبد الضعيفة القاصرة المخلوقة المستعارة من ربه التي ~~هي من آثار رحمته حقيقة، وهل في قلب الحقائق أكثر من هذا؟ فالعباد إنما ~~حصلت لهم هذه الصفات التي هي كمال في حقهم، من آثار صفات الرب تعالى، فكيف ~~تكون لهم حقيقة، وله مجاز، يوضحه: # الوجه التاسع: وهو ما رواه أهل السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~«قال: يقول الله تعالى: " أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، ~~فمن وصلها وصلته، ومن # PageV01P363 # قطعها قطعته» " فهذا صريح في أن اسم الرحمة مشتق من اسمه الرحمن تعالى، ~~فدل على أن رحمته لما كانت هي الأصل في المعنى كانت هي الأصل في اللفظ، ms366 ~~ومثل هذا قول حسان رضي الله عنه في النبي صلى الله عليه وسلم: # فشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد # فإذا كانت أسماء الخلق المحمودة مشتقة من أسماء الله الحسنى كانت أسماؤه ~~يقينا سابقة، فيجب أن تكون حقيقة، لأنها لو كانت مجازا لكانت الحقيقة سابقة ~~لها، فإن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، فيكون اللفظ قد سمي ~~به المخلوق ثم نقل إلى الخالق، وهذا باطل قطعا. # الوجه العاشر: ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش: إن ~~رحمتي سبقت غضبي» " وفي لفظ (غلبت) وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} ~~[الأنعام: 54] فوصف نفسه سبحانه بالرحمة وتسمى بالرحمن قبل أن يكون بنو ~~آدم، فادعاء المدعي أن وصفه بالرحمن مجاز من أبطل الباطل. # الوجه الحادي عشر: أن أسماء الرب قديمة لم يستحدثها من جهة خلقه، بل لم ~~يزل موصوفا بها، مسمى بها، والمجاز مسبوق بالحقيقة وضعا واستعمالا ومرتبة، ~~وذلك كله ممتنع بالنسبة إلى أسماء الله تعالى. # فإن قيل: بعضها مستعار من بعض، وفيها الحقيقة وفيها المجاز، ومجازها ~~مستعار من حقائقها، كالرحمن مستعار من اسم المحسن، وذلك لا محذور فيه. # قيل: هذا لا يصح، لأن الحقيقة والمجاز من عوارض الوضع والاستعمال، وهما ~~معا وأيا ما كان لم تصح دعوى المجاز فيه بوجه من الوجوه. # الوجه الثاني عشر: أنه من المعلوم أن المعنى المستعار يكون في المستعار ~~منه أكمل منه في المستعار له، وأن المعنى الذي دل عليه اللفظ بالحقيقة أكمل ~~من المعنى # PageV01P364 # الذي دل عليه بالمجاز، وإنما يستعار لتكميل المعنى المجازي تشبيهه ~~بالحقيقي كما يستعار الشمس والقمر والبحر للرجل الشجاع والجميل والجواد، ~~فإذا جعل الرحمن والرحيم والودود وغيرها من أسمائه سبحانه حقيقة في العبد ~~مجازا في الرب لزم أن تكون هذه الصفات في العبد أكمل منها في الرب تعالى. # الوجه الثالث عشر: أن وصفه تعالى بكونه رحمانا رحيما حقيقة أولى ms367 من وصفه ~~بالإرادة، وذلك أن من أسمائه الحسنى الرحمن الرحيم، وليس في أسمائه الحسنى ~~المريد، والمتكلمون يقولون مريد لبيان إثبات الصفة، وإلا فليس ذلك من ~~أسمائه الحسنى، لأن الإرادة تناول ما يحسن إرادته وما لا يحسن، فلم يوصف ~~بالاسم المطلق منها، كما ليس في أسمائه الحسنى الفاعل ولا المتكلم، وإنما ~~كان فعالا مريدا متكلما بالصدق والعدل، فليس الوصف بمطلق الكلام ومطلق ~~الإرادة ومطلق الفعل يقتضي مدحا وحمدا حتى يكون ذلك متعلقا بما يحسن تعلقه ~~به، بخلاف العليم القدير والعدل والمحسن والرحمن الرحيم، فإن هذه كمالات في ~~أنفسها لا تكون نقصا ولا مستلزمة لنقص البتة. # فإذا قيل: إنه مريد حقيقة وله إرادة حقيقية، وليس من أسمائه الحسنى ~~المريد، فلأن يكون رحمانا رحيما حقيقة، وهو موصوف بالرحمة حقيقة، ومن ~~أسمائه الرحمن الرحيم أولى وأحرى. # الوجه الرابع عشر: أن الرحمة مقرونة في حق العبد بلوازم المخلوق من ~~الحدوث والنقص والضعف وغيره، وهذه اللوازم ممتنعة على الله تعالى، فإما أن ~~تكون الرحمة اسما للقدر الممدوح فقط، أو الممدوح وما يلزمه من النقص، فإن ~~كانت اسما للقدر الكامل الذي لا يستلزم نقصا، وذلك ثابت للرب تعالى كانت ~~حقيقة في حقه قطعا، وإن كانت اسما للمجموع فالثابت للرب تعالى هو القدر ~~الذي لا نقص فيه، وغاية ذلك أن يكون قد استعمل لفظها في بعض مدلوله كالعام ~~إذا استعمل في الخصوص، والأمر إذا استعمل في الندب وذلك لا يخرج اللفظ عن ~~حقيقته عند جمهور الناس. # قيل: هذا حقيقة عندهم، فإن اللفظ يستعمل في المجموع عند إطلاقه، وفي ~~البعض عند تقييده، والمطلق موضوع والمقيد موضوع، كما تقدم، لا سيما أكثر ~~الناس يقولون: إن بعض الشيء وصفته ليس غيرا له، كما أجاب مثبتو الصفات ~~لنفاتها وحينئذ فلا يكون اللفظ مستعملا في غير موضوعه، فلا يكون مجازا. # الوجه الخامس عشر: أن هذا النقض اللازم للصفة ليس هو من موضوعها ولا # PageV01P365 # مسمى لفظها، وإنما هو من خصوص الإضافة، فالقدر الممدوح الذي هو موضوع ~~الصفة والنقص اللازم غير داخل في موضوعها، وكذلك ms368 لا دلالة في لفظها على ~~العدم، والوجود غاية الكمال الذي لا كمال فوقه، وإنما ذلك من لوازم إضافتها ~~ونسبتها إلى الرب سبحانه، فإذا موضوع لفظها مطلق المعنى الممدوح، وخصوص ~~الإضافة غير داخل في اللفظ، وعلى هذا فإذا استعملت في حق الرب تعالى كانت ~~حقيقة، وإذا استعملت للعبد كانت حقيقة. # فتدبر هذا فإنه فصل الخطاب فيما يطلق على الرب والعبد، واعتبر هذا فيما ~~يطلق على المخلوق نفسه فإنه حقيقة مع دلالته على غاية المدح في المحل، ~~وغاية الذم في محل آخر. # مثاله: قولك: هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وسمته، وهذا ~~كلام الصديق، وهذا كلام المفتري، فهذا حقيقة وهذا حقيقة، وهما في غاية ~~التضاد والاختلاف، وهذا التعريف بالإضافة نظير التعريف باللام ينصرف إلى كل ~~محل بحسبه {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16] هو موسى، و {لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم} [النور: 63] هو محمد صلى الله عليه وسلم، فرسول دال على ~~القدر المشترك، واللام تدل على تعريفه وتعيينه، وكل من الموضعين حقيقة، هذا ~~مع أن اللفظ يستعمل مجردا عن التعريف كثيرا. # وأما لفظ الرحمة والسمع والبصر واليد والوجه والكلام فلا تكاد تستعمل إلا ~~مضافة إلى محلها، فلزوم الإضافة فيها نحو لزومها في الأسماء والأعلام، ولا ~~سيما المضافة إلى الرب كقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] ، {إن ~~رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] ، {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} [الرحمن: 27] ، {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] ، {بل ~~يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ، {خلقت بيدي} [ص: 75] فهذه الإضافة تمنع أن ~~يدخل في اسم الصفة شيء من خصائص المخلوقين بوجه من الوجوه، فالمحذوف الذي ~~أوجب لهم دعوى المجاز فيها منتف بالإضافة قطعا فلا وجه لدعوى المجاز فيها ~~البتة، وهذا ظاهر جدا، فإنها بإضافتها الخاصة دلت على ما لا تسعه العبارة ~~من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. # PageV01P366 # الوجه السادس عشر: أن يقال لمن أثبت شيئا من الصفات بالعقل فلا بد أن ~~يأتي في الدلالة على ذلك بقياس شمولي أو قياس تخييلي، فتقول في الشمولي: ms369 كل ~~فعل منقل محكم فإنه يدل على علم فاعله وقدرته وإرادته، وهذه المخلوقات كذلك ~~فهي. دالة على علم الرب تعالى وقدرته ومشيئته، وتقول في التمثيل: الفعل ~~المتقن يدل على علم فاعله وقدرته في الشاهد، فكان دليلا في الغائب، ~~والدلالة العقلية لا تختلف شاهدا وغائبا، فلا يمكنك أن تثبت له سبحانه ~~بالعقل صفة أو فعلا إلا بالقياس المتضمن قضية كلية، إما لفظا كما في قياس ~~الشمول، وإما معنى كما في قياس التمثيل. # فإذا كنت لا يمكنك ثبات الصانع ولا صفاته إلا بالقياس الذي لا بد فيه من ~~إثبات قدر مشترك بين المقيس والمقيس عليه، وبين أفراد القضية الكلية ولم ~~يكن هذا عندك تشبيها ممتنعا، فكيف تنكر معاني ما وصف الله به نفسه ووصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وحقائقه بزعمك أنه يتضمن تشبيها، وهذا من أنفع ~~الأشياء لمن له فهم، فإن الله أخبر في كتابه بما هو عليه من أسمائه وصفاته ~~ولا بد في الأسماء المشتقة المتواطئة من معنى مشترك بين أفرادها، فجحد ~~المعطلة حقائقها لما زعموا فيها من التشبيه، وهم لا يمكنهم إثبات شيء ~~يعتقدونه إلا بنوع من القياس المتضمن التشبيه الذي فروا منه، لا في جانب ~~النفي ولا في جانب الإثبات، فهم منكرون ما جاءت به الرسل بما هو من نوعه أو ~~دونه، وهذا غاية الضلال، فليتأمل ذلك. # الوجه السابع عشر: أن من ادعى أن رحمة الله مجاز أو اسمه الرحمن الرحيم، ~~إما أن يثبت لهذا اللفظ معنى أو لا، والثاني يقر المنازع ببطلانه، وإذا كان ~~لا بد من إثبات معنى لهذا اللفظ، فإما أن يتضمن محذورا أو لا، فإن تضمن ~~محذورا لم يجز إثباته، وإن لم يتضمن محذورا لم يمكن إثباته لإخراج اللفظ عن ~~حقيقته أولى من بقاء اللفظ على حقيقته، وإثبات معناه الأصلي، إذ انتفاء ~~المحذور عن الحقيقة والمجاز واحد، وتسلم الحقيقة وهي الأصل، فأما إخراج ~~اللفظ عن حقيقته لأمر لا يتخلص به في المجاز ولا محذور منه في الحقيقة ولا ~~في المجاز معنى له بل ms370 هو خطأ محض. # الوجه الثامن عشر: أن الله سبحانه وتعالى فرق بين رحمته والرضوان وثوابه ~~المنفصل فقال تعالى: {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم} [التوبة: 21] فالرحمة والرضوان صفته والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول من ~~جعل الرحمة # PageV01P367 # والرضوان ثوابا منفصلا مخلوقا، وقول من قال: هي إرادته الإحسان، فإن ~~إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة، فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان ~~إلى المرحوم، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها، وهو إرادة الإحسان، ~~وكذلك لفظ اللعنة والغضب والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقائق ~~تلك الصفات انتفى لازمها، فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع، ~~فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها. # الوجه التاسع عشر: أن ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة ~~الربوبية والملك والقدرة، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد ~~برحمة تامة وسعت كل شيء، كما أن الموجودات كلها شاهدة له بالربوبية التامة ~~الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه ~~سبحانه، فجعل صفة الرحمة واسم الرحمة مجازا كجعل صفة الملك والربوبية ~~مجازا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة. # وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته ~~الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل علينا ~~كتابه وعصمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من ~~الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ~~ومولانا، وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم، وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا، ~~وبرحمته أطلع الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض، وجعلها مهادا ~~وفراشا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر، ~~وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى، ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام ~~وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر، وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ~~ليتراحموا بها، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان. # فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق ~~لنفسه منها ms371 اسم الرحمن الرحيم، وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته، وبصرهم ~~ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته، وأوسع المخلوقات عرشه، وأوسع الصفات رحمته، ~~فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء، ولما ~~استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه، كتب ~~بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابا، فهو عنده وضعه # PageV01P368 # على عرشه أن رحمته سبقت غضبه، وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه ~~سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم، والمغفرة والتجاوز والستر ~~والإمهال والحلم والأناة، فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا ~~الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر، وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها ~~وأعمالها، فبرحمته خلقت، وبرحمته عمرت بأهلها، وبرحمته وصلوا إليها، ~~وبرحمته طاب عيشهم فيها، وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور، ولو كشف ذلك الحجاب ~~لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. # ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه، ومن عقوبته بعفوه، ومن نفسه بنفسه، ~~ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه، وألقى بينهما المحبة ~~والرحمة، ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل، وانتفاع الزوجين، ~~ويمتع كل واحد منهما بصاحبه، ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم ~~مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم وانحل نظامها، وكان من تمام ~~رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، ~~والراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه، ثم عم الجميع برحمته. # ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، ~~فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة، نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها، فبها ~~تعطف الوالدة على ولدها، والطير والوحش والبهائم، وبهذه الرحمة قوام العالم ~~ونظامه. # وتأمل قوله تعالى {الرحمن - علم القرآن - خلق الإنسان - علمه البيان} ~~[الرحمن: 1 - 4] كيف جعل الخلق والتعليم ناشئا عن صفة الرحمة متعلقا باسم ~~الرحمن، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله: {تبارك اسم ربك ~~ذي الجلال والإكرام} [الرحمن: 78] فالاسم الذي ms372 تبارك هو الاسم الذي افتتح ~~به السورة، إذ مجيء البركة كلها منه، وبه وضعت البركة في كل مبارك، فكل ما ~~ذكر عليه بورك فيه وكل ما خلي منه نزعت منه البركة، فإن كان مذكى وخلي منه ~~اسمه كان ميتة، وإن كان طعاما شارك صاحبه فيه الشيطان، وإن كان مدخلا دخل ~~معه فيه، وإن كان حدثا لم يرفع عند كثير من العلماء، وإن كان صلاة لم تصح ~~عند كثير منهم. # PageV01P369 # ولما خلق سبحانه الرحم واشتق لها اسما من اسمه، فأراد إنزالها إلى الأرض ~~تعلقت به سبحانه فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ~~ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك؟ وهي متعلقة بالعرش لها حنحنة ~~كحنحنة المغزل، وكان تعلقها بالعرش رحمة منه بها، وإنزالها إلى الأرض رحمة ~~منه بخلقه، ولما علم سبحانه ما تلقاه من نزولها إلى الأرض ومفارقتها لما ~~اشتقت منه رحمها بتعلقها بالعرش واتصالها به، وقوله: " «ألا ترضين أن أصل ~~من وصلك وأقطع من قطعك» ". # ولذلك كان من وصل رحمه لقربه من الرحمن، ورعاية حرمة الرحم، قد عمر ~~دنياه، واتسعت له معيشته، وبورك له في عمره، ونسئ له في أثره، فإن وصل ما ~~بينه وبين الرحمن جل جلاله مع ذلك وما بينه وبين الخلق بالرحمة والإحسان تم ~~له أمر دنياه وأخراه، وإن قطع ما بينه وبين الرحم وما بينه وبين الرحمن ~~أفسد عليه أمر دنياه وآخرته، ومحق بركة رحمته ورزقه وأثره، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: " «ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ~~يدخر له من العقوبة يوم القيامة من البغي وقطيعة الرحم» "، فالبغي معاملة ~~الخلق بضد الرحمة، وكذلك قطيعة الرحم، وإن القوم ليتواصلون وهم فجرة فتكثر ~~أموالهم ويكثر عددهم، وإن القوم ليتقاطعون فتقل أموالهم ويقل عددهم، وذلك ~~لكثرة نصيب هؤلاء من الرحمة وقلة نصيب هؤلاء منها. # وفي الحديث: " «إن صلة الرحم تزيد في العمر» " وإذا أراد الله بأهل الأرض ~~خيرا نشر عليهم أثرا من آثار اسمه الرحمن ms373 فعمر به البلاد وأحيا به العباد، ~~فإذا أراد بهم ضرا أمسك عنهم ذلك الأثر، فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك ~~عنهم من آثار اسمه الرحمن، ولهذا إذا أراد الله سبحانه أن يخرب هذه الدار ~~ويقيم القيامة أمسك عن أهلها # PageV01P370 # أثر هذا الاسم وقبضه شيئا فشيئا، حتى إذا جاء وعده قبض الرحمة التي ~~أنزلها إلى الأرض، فتضع لذلك الحوامل ما في بطونها، وتذهل المراضع عن ~~أولادها، فيضيف سبحانه تلك الرحمة التي رفعها وقبضها من الأرض إلى ما عنده ~~من الرحمة فيكمل بها مائة رحمة فيرحم بها أهل طاعته وتوحيده وتصديق رسله ~~وتابعهم. # وأنت لو تأملت العالم بعين البصيرة لرأيته ممتلئا بهذه الرحمة الواحدة ~~كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه، وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى قوله: ~~" «سبقت رحمتي غضبي» " فالمسبوق لا بد لاحق وإن أبطأ، وفيه حكمة لا تناقضها ~~الرحمة، فهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، فسبحان من أعمى بصيرة من زعم أن ~~رحمة الله مجاز. # الوجه العشرون: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقسم صادقا بارا " «إن ~~الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها» "، وفي هذا إثبات كمال الرحمة، وأنها ~~حقيقة لا مجازية، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة أصيبت في السبي، ~~وكانت كلما مرت بطفل أرضعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " «أترون هذه ~~طارحة ولدها في النار؟ " قالوا لا يا رسول الله، وهي قادرة على أن لا ~~تطرحه، فقال: " الله أرحم بعباده من هذه بولدها» " فإن كانت رحمة الوالدة ~~حقيقة فرحمة الله أولى بأن تكون حقيقة منها، وإن كانت رحمة الله مجازا ~~فرحمة الوالدة لا حقيقة لها. ### | المثال الثالث استواء الله على عرشه # المثال الثالث: في قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] في سبع آيات ~~من القرآن حقيقة عند جميع فرق الأمة إلا الجهمية ومن وافقهم، فإنهم قالوا: ~~هو مجاز، ثم اختلفوا في مجازه، والمشهور عنهم ما حكاه الأشعري عنهم وبدعهم ~~وضللهم فيه بمعنى استولى، أي ملك وقهر، وقالت فرقة منهم: بل معنى قصد وأقبل ms374 ~~على خلق العرش، وقالت فرقة أخرى: بل هو مجمل في مجازاته يحتمل خمسة عشر ~~وجها كلها لا يعلم أيها المراد إلا أنا نعلم انتفاء الحقيقة عنه بالعقل، ~~هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجها: # PageV01P371 # أحدها: أن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم ~~وأنزل بها كلامه نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل ~~قوله: {ولما بلغ أشده واستوى} [القصص: 14] وهذا معناه كمل وتم، يقال: استوى ~~النبات واستوى الطعام، وأما المقيد فثلاثة أضراب: أحدها: مقيد بإلى كقوله: ~~{ثم استوى إلى السماء} [البقرة: 29] واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، ~~وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بإلى في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله ~~تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء} [البقرة: ~~29] والثاني في سورة فصلت: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11] وهذا ~~بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف، كما سنذكره ونذكر ألفاظهم بعد إن شاء ~~الله. # والثاني: مقيد بعلى كقوله: {واستوت على الجودي} [هود: 44] وقوله: {فاستوى ~~على سوقه} [الفتح: 29] وهذا أيضا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع ~~أهل اللغة، الثالث: المقرون بواو (مع) التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، ~~نحو: استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها، وهذه معاني الاستواء المعقولة في ~~كلامهم، ليس فيها معنى استولى البتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين ~~يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية، ~~يوضحه: # الوجه الثاني: أن الذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلا، فإنه مجاهرة بالكذب ~~وإنما قالوه استنباطا وحملا منهم للفظة استوى على استولى، واستدلوا بقول ~~الشاعر: # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق # وهذا البيت ليس من شعر العرب كما سيأتي بيانه. # الوجه الثالث: أن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار، ولم ~~يجعلوه من لغة العرب، قال ابن الأعرابي وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى ~~بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك، وهذا هو من أكابر أئمة اللغة. # PageV01P372 # الوجه الرابع: ms375 ما قاله الخطابي في كتابه (شعار الدين) قال: القول في أن ~~الله مستو على عرشه، ثم ذكر الأدلة في القرآن ثم قال: فدل ما تلوته من هذه ~~الآي أن الله تعالى في السماء مستو على العرش، وقد جرت عادة المسلمين خاصهم ~~وعامهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى ~~السماء، وذلكم لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه. # إلى أن قال: وزعم بعضهم أن الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء، ونزع فيه إلى ~~بيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله، ولو كان الاستواء هاهنا ~~بمعنى الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة، لأن الله تعالى قد أحاط علمه ~~وقدرته بكل شيء وكل قطر وبقعة من السماوات والأرضين وتحت العرش، فما معنى ~~تخصيصه العرش بالذكر، ثم إن الاستيلاء إنما يتحقق معناه عند المنع من ~~الشيء، فإذا وقع الظفر به قيل استولى عليه، فأي منع كان هناك حتى يوصف ~~بالاستيلاء بعده؟ هذا لفظه وهو من أئمة اللغة. # الوجه الخامس: أن هذا تفسير لكلام الله بالرأي المجرد الذي لم يذهب إليه ~~صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير ~~الذين يحكون أقوال السلف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " «من قال في ~~القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» ". # الوجه السادس: أن إحداث القول في تفسير كتاب الله الذي كان السلف والأئمة ~~على خلافه يستلزم أحد أمرين: إما أن يكون خطأ في نفسه، أو تكون أقوال السلف ~~المخالفة له خطأ، ولا يشك عاقل أنه أولى بالغلط والخطأ من قول السلف. # الوجه السابع: أن هذا اللفظ قد اطرد في القرآن والسنة حيث ورد بلفظ ~~الاستواء دون الاستيلاء، ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر مورده ~~كذلك، فإذا جاء موضع أو موضعان بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه ~~المألوف المعهود، وأما أن يأتي إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده ~~على معنى واحد، فيدعي صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه ففي ms376 ~~غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما ~~يأتي حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ~~ذلك. # PageV01P373 # الوجه الثامن: أنه أتى بلفظة (ثم) التي حقيقتها الترتيب والمهلة، ولو كان ~~معناه معنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق ~~السماوات والأرض، فإن العرش كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~عام، كما ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «إن الله ~~تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وعرشه على الماء» "، وقال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه على الماء} [هود: 7] فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستول ~~على العرش إلى أن خلق السماوات والأرض. # فإن قيل: نحمل " ثم " على معنى الواو ونجردها على معنى الترتيب. # قيل: هذا بخلاف الأصل والحقيقة، فأخرجتم ثم عن حقيقتها والاستواء عن ~~حقيقته ولفظ الرحمن عن حقيقته، وركبتم مجازات بعضها فوق بعض. # فإن قيل: فقد يأتي " ثم " لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر، فيجوز أن يكون ~~ما بعدها سابقا على ما قبلها في الوجود وإن تأخر عنه في الإخبار. # قيل: هذا لا يثبت أولا ولا يصح به نقل، ولم يأت في كلام فصيح، ولو قدر ~~وروده فهو نادر لا يكون قياسا مطردا تترك الحقيقة لأجله. # فإن قيل: فقد ورد في القرآن، وهو أفصح الكلام، قال الله تعالى: {ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] والأمر ~~بالسجود لآدم كان قبل خلقنا وتصويرنا، قال تعالى: {وإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون} [يونس: 46] ~~وشهادته تعالى على أفعالهم سابقة على رجوعهم. # قيل: لا يدل ذلك على ما تقدم ما بعد (ثم) على ما قبلها، أما قوله: {ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] فهو خلق أصل البشر وأبيهم، وجعله سبحانه ~~خلقا لهم وتصويرا إذ هو أصلهم وهم فرعه، ms377 وبهذا فسرها السلف، قالوا خلقنا ~~أباكم، وخلق أبي البشر خلق لهم. # PageV01P374 # وأما قوله: {فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون} [يونس: 46] فليس ~~ترتيبا لإطلاعه على أفعالهم، وإنما ترتيب لمجازاتهم عليها، وذكر الشهادة ~~التي هي علمه ولإطلاعه تقريرا للجزاء على طريقة القرآن في وضع القدرة ~~والعلم موضع الجزاء لأنه يكون بهما كما قال تعالى: {إلينا مرجعهم فننبئهم ~~بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور} [لقمان: 23] وكقوله تعالى: {أولما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله ~~على كل شيء قدير} [آل عمران: 165] وقوله: {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان ~~بعباده بصيرا} [فاطر: 45] وهو كثير في القرآن، وهو كما يقول السيد لعبده: ~~اعمل ما شئت فإني أعلم ما تفعله، وأنا قادر عليك، وهذا أبلغ من ذكر العقاب ~~وأعم فائدة. # فإن قيل: كيف تصنعون بقول الشاعر؟ # قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده # قلنا: أي شاعر هذا حتى يحتج بقوله، وأين صحة الإسناد إليه لو كان ممن ~~يحتج بشعره؟ وأنتم لا تقبلون الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكيف تقبلون شعرا لا تعلمون قائله ولا تسندون إليه البتة. # الوجه التاسع: أن فاضلكم المتأخر لما تفطن لهذا ادعى الإجماع أن العرش ~~مخلوق بعد خلق السماوات والأرض، فيكون المعنى أنه خلق السماوات والأرض ثم ~~استوى على العرش، وهذا لم يقله أحد من أهل العلم أصلا، وهو مناقض لما دل ~~عليه القرآن والسنة وإجماع المسلمين أظهر مناقضة، فإنه تعالى أخبر أنه خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وعرشه حينئذ على الماء، وهذه واو الحال، أي ~~خلقها في هذه الحال، فدل على سبق العرش والماء للسماوات والأرض. # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم " «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن ~~يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء» "، وأصح القولين أن ~~العرش مخلوق قبل القلم، لما في السنن من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال ~~رسول الله صلى الله ms378 عليه وسلم: «أول ما خلق الله القلم، قال اكتب، قال: ما ~~أكتب؟ قال اكتب القدر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة وقد أخبر أنه قدر ~~المقادير وعرشه على الماء» ، وأخبر في هذا # PageV01P375 # الحديث أنه قدرها في أول أوقات خلق القلم، فعلم أن العرش سابق على القلم، ~~والقلم سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فادعى هذا الجهمي أن ~~العرش مخلوق بعد خلق السماوات والأرض، ولم يكفه هذا الكذب حتى ادعى الإجماع ~~عليه، ليتأتى له إخراج الاستواء عن حقيقته. # الوجه العاشر: أن الاستيلاء والاستواء لفظان متغايران، ومعنيان مختلفان ~~فحمل أحدهما على الآخر إن ادعي أنه بطريق الوضع فكذب ظاهر، فإن العرب لم ~~تضع لفظ الاستواء للاستيلاء البتة، وإن كان بطريق الاستعمال في لغتهم فكذب ~~أيضا، فهذا نظمهم ونثرهم شاهد بخلاف ما قالوه، فتتبع لفظ استوى ومواردها في ~~القرآن والسنة وكلام العرب هل تجدها في موضع واحد بمعنى الاستيلاء؟ اللهم ~~إلا أن يكون ذلك البيت المصنوع المختلق، وإن كان بطريق المجاز القياسي فهو ~~إنشاء من المتكلم بهذا الاستعمال فلا يجوز أن يحمل عليه كلام غيره من الناس ~~فضلا عن كلام الله وكلام رسول صلى الله عليه وسلم، يوضحه: # الوجه الحادي عشر: أن القائل بأن معنى استوى بمعنى استولى شاهد على الله ~~أنه أراد بكلامه هذا المعنى، وهذه شهادة لا علم لقائلها بمضمونها، بل هي ~~قول على الله بلا علم، فلو كان اللفظ محتملا لها في اللغة وهيهات، لم يجز ~~أن يشهد على الله أنه أراد هذا المعنى بخلاف من أخبر عن الله تعالى أنه ~~أراد الحقيقة والظاهر، فإنه شاهد بما أجرى الله سبحانه عادته من خطاب خلقه ~~بحقائق لغاتهم وظواهرها كما قال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ~~[إبراهيم: 4] فإذا كان الاستواء في لغة العرب معلوما كان هو المراد لكون ~~الخطاب بلسانهم، وهو المقتضي لقيام الحجة عليهم، فإذا خاطبهم بغير ما ~~يعرفونه كان بمنزلة خطاب العربي بالعجمية. # الوجه الثاني عشر: أن الإجماع منعقد على أن الله سبحانه استوى على ms379 عرشه ~~حقيقة لا مجازا، قال الإمام أبو عمر الطلمنكي، أحد أئمة المالكية، وهو شيخ ~~أبي عمر ابن عبد البر في كتابه الكبير الذي سماه (الوصول إلى معرفة الأصول) ~~فذكر فيه من أقوال الصحابة والتابعين وتابعهم، وأقوال مالك وأئمة أصحابه ما ~~إذا وقف عليه الواقف، علم حقيقة مذهب السلف، وقال في هذا الكتاب: أجمع أهل ~~السنة على أن الله تعالى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز. # PageV01P376 # الوجه الثالث عشر: قال الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتاب (التمهيد) في ~~شرح حديث النزول: وفيه دليل على أن الله تعالى في السماء على العرش من فوق ~~سبع سماوات كما قالت الجماعة، وقرر ذلك، إلى أن قال: وأهل السنة مجمعون على ~~الإقرار بالصفات الواردة في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على ~~الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة ~~مخصوصة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل ~~شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها ~~نافون للمعبود. # قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره المشهور في قوله: {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه: 5] هذه المسألة للفقهاء فيها كلام، ثم ذكر قول المتكلمين، ثم ~~قال: وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا ~~هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق في كتابه، وأخبرت به رسله، ولم ينكر ~~أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية ~~الاستواء، كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول. # الوجه الرابع عشر: أن الجهمية لما قالوا إن الاستواء مجاز صرح أهل السنة ~~بأنه مستو بذاته على عرشه، وأكثر من صرح بذلك أئمة المالكية، فصرح به ~~الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه أشهرها الرسالة، وفي ~~كتاب جامع النوادر، وفي كتاب الآداب، فمن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه. # وصرح بذلك القاضي عبد الوهاب وقال: إنه استوى بالذات على العرش، وصرح ms380 به ~~القاضي أبو بكر الباقلاني، وكان مالكيا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب أيضا، ~~وصرح به عبد الله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو ~~بكر الحضرمي من قول الطبري، يعني محمد بن جرير، وأبي محمد بن أبي زيد ~~وجماعة من شيوخ الفقه والحديث، وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهاب عن القاضي ~~أبي بكر، وأبي الحسن الأشعري، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر ~~نصا، وهو أنه سبحانه مستو على عرشه بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق ~~خلقه، قال: وهذا قول القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل له، وهو قول أبي عمر ~~بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين، وقول الخطابي في شعار الدين. # PageV01P377 # وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد قوله: إنه ~~فوق عرشه المجيد بذاته، معنى فوق وعلى، عند جميع العرب واحد. # وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك، ثم ذكر ~~النصوص من الكتاب والسنة، واحتج بحديث الجارية «وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أين الله؟» " وقولها في السماء، وحكمه بإيمانها، وذكر حديث ~~الإسراء، ثم قال: وهذا قول مالك فيما فهمه عن جماعة ممن أدرك من التابعين ~~فيما فهموا من الصحابة فيما فهموا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله في ~~السماء بمعنى فوقها وعليها، قال الشيخ أبو محمد: إنه بذاته فوق عرشه ~~المجيد. # فتبين أن علوه على عرشه وفوقه إنما هو بذاته إلا أنه باين من جميع خلقه ~~بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه ~~الأماكن لأنه أعظم منها. . . إلى أن قال: قوله {على العرش استوى} [طه: 5] ~~إنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك، الذي ~~ظنت المعتزلة ومن قال بقولهم أنه معنى الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على ~~المجاز لا على الحقيقة. # قال: ويبين سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من ~~الاستيلاء وغيره ما قد علمه أهل ms381 المعقول أنه لم يزل مستوليا على جميع ~~مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواه، فلا معنى تأويلهم ~~بأفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء، وملك وقهر ~~وغلبة، قال: وذلك أيضا يبين أنه على الحقيقة بقوله: {ومن أصدق من الله ~~قيلا} [النساء: 122] فلما رأى المصنفون إفراد ذكره بالاستواء على العرش بعد ~~خلق السماوات وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء غير الاستيلاء ~~فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه وأنه على الحقيقة لا على المجاز، لأنه ~~الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله إذ {ليس كمثله شيء} [الشورى: ~~11] هذا لفظه في شرحه. # الوجه الخامس عشر: أن الأشعري حكى إجماع أهل السنة على بطلان تفسير ~~الاستواء بالاستيلاء، ونحن نذكر لفظه بعينه الذي حكاه عنه أبو القاسم بن ~~عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري) وحكاه يقبله أبو بكر بن فورك وهو موجود ~~في كتبه. # قال في كتاب الإبانة، وهي آخر كتبه، قال: # PageV01P378 # (باب ذكر الاستواء) إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول له: ~~إن الله تعالى مستو على عرشه كما قال تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: ~~5] وساق الأدلة على ذلك، ثم قال: وقال قائلون من المعتزلة والجهمية ~~والحرورية إن معنى قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] أنه استولى وملك ~~وقهر، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء ~~إلى القدرة، ولو كان هذا كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة ~~السفلى، لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض والسماوات وكل شيء في ~~العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء والقدرة لكان ~~مستويا على الأرض والحشوش والأنتان والأقذار لأنه قادر على الأشياء كلها، ~~ولم نجد أحدا من المسلمين يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، فلا ~~يجوز أن يكون معنى الاستواء على العرش على معنى هو عام في الأشياء كلها، ~~ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون سائر الأشياء، وهكذا قال في ~~كتابه الموجز وغيره من ms382 كتبه. # الوجه السادس عشر: أن هذا البيت محرف وإنما هو هكذا: # بشر قد استولى على العراق # هكذا لو كان معروفا من قائل معروف، فكيف وهو غير معروف في شيء من دواوين ~~العرب وأشعارهم التي يرجع إليها. # الوجه السابع عشر: أنه لو صح هذا البيت وصح أنه غير محرف لم يكن فيه حجة ~~بل هو حجة عليهم، وهو على حقيقة الاستواء، فإن بشرا هذا كان أخا عبد الملك ~~بن مروان، وكان أميرا على العراق، فاستوى على سريرها كما هي عادة الملوك ~~ونوابها أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه ~~اللفظة في اللغة كقوله تعالى: {لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 13] وقوله: ~~{واستوت على الجودي} [هود: 44] وقوله: {فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] وفي ~~الصحيح " «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى ~~سفر كبر ملبيا» " وقال علي: «أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بدابة # PageV01P379 # ليركبها فلما وضع رجله في الغرز قال باسم الله، فلما استوى على ظهرها ~~قال: الحمد لله» ، فهل نجد في هذه المواضع موضعا واحدا أنه بمعنى الاستيلاء ~~والقهر. # الوجه الثامن عشر: أن استواء الشيء على غيره يتضمن استقراره وثباته ~~وتمكنه عليه كما قال تعالى في السفينة: {واستوت على الجودي} [هود: 44] أي ~~رست عليه واستقرت على ظهره، وقال تعالى: {لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 13] ~~وقال في الزرع: {فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] ، فإنه قبل ذلك يكون فيه ميل ~~واعوجاج لأجل ضعف سوقه، وإذا استغلظ الساق واشتدت السنبلة استقرت، ومنه: # قد استوى بشر على العراق # فإنه يتضمن استقراره وثباته عليها ودخوله دخول مستقر ثابت غير مزلزل، ~~وهذا يستلزم الاستيلاء أو يتضمنه، فالاستيلاء لازم معنى الاستواء لا في كل ~~موضع، بل في الموضع الذي يقتضيه، ولا يصلح الاستيلاء في كل موضع يصلح فيه ~~الاستواء، بل هذا له موضع، وهذا له موضع، ولهذا لا يصلح أن يقال: استولت ~~السنبلة على ساقها، ولا استولت السفينة على الجبل، ولا استولى الرجل على ~~السطح إذا ارتفع فوقه. # الوجه التاسع عشر: ms383 أنه لو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والملك لكان ~~المستوي على العراق عبد الملك بن مروان، لا أخوه بشر، فإن بشرا لم يكن ~~ينازع أخاه الملك ولم يكن ملكا مثله، وإنما كان نائبا له عليها وواليا من ~~جهته، فالمستولي عليها هو عبد الملك لا بشر، بخلاف الاستواء الحقيقي وهو ~~الاستقرار فيها والجلوس على سريرها، فإن نواب الملوك تفعل هذا بإذن الملوك. # الوجه العشرون: أنه لا يقال لمن استولى على بلدة ولم يدخلها ولم يستقر ~~فيها بل بينه وبينها بعد كثير: أنه قد استوى عليها، فلا يقال: استوى أبو ~~بكر على الشام، ولا استوى عمر على مصر والعراق، ولا قال أحد قط: استوى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، مع أنه استولى عليها خلفاؤه على هذه ~~البلاد، ولم يزل الشعراء يمدحون الملوك والخلفاء بالفتوحات، ويتوسعون في ~~نظمهم واستعاراتهم، فلم يسمع عن قديم منهم، # PageV01P380 # جاهلي ولا إسلامي ولا محدث أنه مدح أحدا قط أنه استوى على البلد الفلاني ~~الذي فتحه واستولى عليه، فهذه دواوينهم وأشعارهم موجودة. # الوجه الحادي والعشرون: أنه إذا دار الأمر بين تحريف لغة العرب وحمل ~~لفظها على معنى لم يعهد استعماله فيه البتة، وبين حمل المضاف المألوف حذفه ~~كثيرا إيجارا واختصارا، فالحمل على حذف المضاف أولى، وهذا البيت كذلك، فإنا ~~إن حملنا لفظ استوى فيه على استولى حملناه على معنى لم يعهد استعماله فيه ~~البتة، وإن حملناها على حذف المضاف وتقديره قد استوى على سرير العراق ~~حملناه على معهود مألوف، فيقولون: قعد فلان على سرير الملك، فيذكرون المضاف ~~إيضاحا وبيانا، ويحذفون تارة إيجازا واختصارا، إذ قد علم المخاطب أن القعود ~~والاستواء والجلوس الذي يضاف ويقصد به الملك يستلزم سرير الملك، فحذف ~~المضاف أقرب إلى لغة القوم من تحريف كلامهم، وحمل لفظ على معنى لفظ آخر لم ~~يعهد استعماله فيه. # الوجه الثاني والعشرون: أنه كيف يجوز أن ينزل الله بآيات متعددات في ~~كتابه الذي أنزله بلسان العرب، ويكون معنى ذلك الخطاب مشهورا على لغتهم ~~معروفا في عادة نظامهم، ms384 فلا يريد ذلك المعنى ويأتي بلفظ يدل على خلافه ~~ويطرد استعماله في موارده كلها بذلك اللفظ الذي لم يرد معناه، ولا يذكر في ~~موضع واحد باللفظ الذي يريد معناه، فمن تصور هذا جزم ببطلانه وإحالة نسبته ~~إلى من قصده البيان والهدى. # الوجه الثالث والعشرون: أنه لو أريد ذلك المعنى المجازي لذكر في اللفظ ~~قرينة تدل عليه، فإن المجاز إن لم يقترن به قرينة وإلا كانت دعواه باطلة ~~لأنه خلاف الأصل ولا قرينة معه، ومعلوم أنه ليس في موارد الاستواء في ~~القرآن والسنة موضع واحد قد اقترنت به قرينة تدل على المجاز، فكيف إذا كان ~~السياق يقتضي بطلان ما ذكر من المجاز، وأن المراد هو الحقيقة. # الوجه الرابع والعشرون: أن تجريد الاستواء من اللام واقترانه بحرف على ~~وعطف فعله بثم على خلق السماوات والأرض، وكونه بعد أيام التحليق وكونه ~~سابقا في الخلق على السماوات والأرض، وذكر تدبير أمر الخليقة معه الدال على ~~كمال الملك، فإن العرش سرير المملكة، فأخبر أن له سريرا، كما قال أمية: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبنا الأعلى الذي سبق الخل ... ق وسوى فوق السماء سريرا # PageV01P381 # وصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنشده الأسود بن سريع، فقد استوى ~~على سرير ملكه يدبر أمر الممالك، وهذا حقيقة الملك، فمن أنكر عرشه وأنكر ~~استواءه عليه، أو أنكر تدبيره، فقد قدح في ملكه، فهذه القرائن تفيد القطع ~~بأن الاستواء على حقيقته كما قال أئمة الهدى. # الوجه الخامس والعشرون: أنه لو كان الاستواء بمعنى الملك والقهر لجاز أن ~~يقال: استوى على ابن آدم وعلى الجبل وعلى الشمس وعلى القمر وعلى البحر ~~والشجر والدواب، وهذا لا يطلقه مسلم. # فإن قيل: هذا جائز، وإنما خصص العرش بالذكر لأنه أجل المخلوقات وأرفعها ~~وأوسعها، فتخصيصه بالذكر تنبيه على ما دونه، قيل: لو كان هذا صحيحا لم يكن ~~ذكر الخاص منافيا لذكر العام، ألا ترى أن ربوبيته لما كانت عامة للأشياء لم ~~يكن تخصيص العرش بذكره منها كقوله: {رب العرش ms385 العظيم} [التوبة: 129] مانعا ~~من تعميم إضافتها كقوله: {رب كل شيء} [الأنعام: 164] فلو كان الاستواء ~~بمعنى الملك والقهر لكان لم يمنع إضافته إلى العرش إضافته إلى كل ما سواه، ~~وهذا في غاية الظهور. # الوجه السادس والعشرون: أنه إذ فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى هذه ~~الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السماوات والأرض ثم غلب ~~العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه، أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار ~~لله بكلامه أن ينسب ذلك إليه، وأنه أراده بقوله: {الرحمن على العرش استوى} ~~[طه: 5] أي: اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السماوات والأرض غلبت ~~عرشي وقهرته واستوليت عليه. # الوجه السابع والعشرون: أن أعلم الخلق به قد أطلق عليه أنه فوق عرشه كما ~~في حديث ابن عباس " «والله فوق العرش» " وفي حديث عبد الله بن رواحة الذي ~~صححه ابن عبد البر وغيره: # وإن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين # PageV01P382 # وهذه الفوقية هي تفسير الاستواء المذكور في القرآن والسنة، والجهمية ~~يجعلون كونه فوق العرش بمعنى أنه خير من العرش وأفضل منه، كما يقال: الأمير ~~فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم، والمعنى عندهم: أنه أعلم الأمة بأن الله ~~خير وأفضل من العرش. # فياللعقول: أين في لغة العرب حقيقة أو مجازا أو كناية واستعارة بعيدة أن ~~يقال: استوى على كذا إذا كان أعظم منه قدرا وأفضل، هذا من لغة الطماطم لا ~~من لغة القوم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله لا ~~يحتمل هذا التأويل الباطل الذي تنفر عنه العقول، يوضحه: # الوجه الثامن والعشرون: أن تفضيل الرب تعالى على شيء من خلقه لا يذكر في ~~شيء من القرآن إلا ردا على من اتخذ ذلك الشيء ندا لله تعالى فبين سبحانه ~~أنه خير من ذلك الند، كقوله تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى آلله خير أم ما يشركون} [النمل: 59] وقوله تعالى حاكيا عن السحرة: ~~{لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ms386 فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي ~~هذه الحياة الدنيا - إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من ~~السحر والله خير وأبقى} [طه: 72 - 73] وقوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق ~~أفلا تذكرون} [النحل: 17] فأما أن يفضل نفسه على شيء معين من خلقه ابتداء ~~فهذا لم يقع في كلام الله ولا هو مما يقصد بالإخبار، لأن قول القائل ~~ابتداء، الله خير من ابن آدم وخير من السماء وخير من العرش، من جنس قول: ~~السماء فوق الأرض والثلج بارد والنار حارة، وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ~~ولا مدح، ولهذا لم يجئ هذا اللفظ في القرآن، ولا في كلام الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، ولا مما جرت عادة الناس بمدح الرب تعالى به، مع تفنن مدحهم ~~ومحامدهم، بل هو أرك كلام وأسمجه، وأهجنه، فكيف يليق بهذا الكلام الذي يأخذ ~~بمجامع القلوب عظمة وجلالة، ومعانيه أشرف المعاني وأعظمها فائدة أن يكون ~~معناه أن الله أفضل من العرش والسماء، ومن المثل السائر نظما: # ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا # وهذا بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك احتجاجا على مبطل وإبطالا لقول # PageV01P383 # مشرك، كما إذا رأيت رجلا يعبد حجرا فقلت له: الله خير أم الحجر، فيحسن ~~هذا الكلام في هذا المقام ما لا يحسن في قول الخطيب ابتداء: الحمد لله الذي ~~هو خير من الحجارة، ولهذا قال يوسف الصديق، عليه السلام، في احتجاجه على ~~الكفار: {ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: ~~39] وقال تعالى: {آلله خير أم ما يشركون} [النمل: 59] يوضحه: # الوجه التاسع والعشرون: أن الرجل إذا تكلم بمثل هذا الكلام في حق المخلوق ~~لكان مستهجنا جدها، فلو قال: الشمس أضوأ من السراج، والسماء أكبر من الرغيف ~~وأعلى من سقف الدار، ونحو ذلك لكان مستهجنا مستقبحا مع قرب النسبة بين ~~المخلوق والمخلوق، فكيف إذا قيل ذلك بين الخالق تعالى والمخلوق، مع تفاوت ~~الذي بين الله وخلقه. # الوجه الثلاثون: أن الاستيلاء الذي ms387 فسروا به الاستواء، إما أن يراد به ~~الخلق أو القهر، أو الغلبة، أو الملك، أو القدرة عليه، ولا يصح أن يكون شيء ~~منها مرادا، أما الخلق فلأنه يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السماوات والأرض، ~~وهذا بخلاف إجماع الأمة وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض ~~الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السماوات والأرض، وادعى الإجماع على ~~ذلك، وليس العجب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله ~~مسلم، ولا يصح أن يراد بقية المعاني للوجوه التي ذكرناها وغيرها، فلا يجور ~~تفسير الآية به. # ولهذا لم يقله عالم من علماء السلف بل صرحوا بخلافه، كما قال أبو ~~العالية: علا وارتفع، وقال مجاهد: استقر، وقال مالك: الاستواء معلوم، وقال ~~يزيد بن هارون: من زعم أن الرحمن فوق العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب ~~العامة فهو جهمي، وقد تقدم حكاية قول من قال: استوى بذاته واستوى حقيقة، ~~فأوجدوا عمن يقتدى بقوله في تفسير أو عن رجل واحد من الصحابة أو التابعين ~~أو تابعيهم أو عن إمام له في الأمة لسان صدق أنه فسر اللفظ باستولى، ولن ~~تجدوا ذلك سبيلا. # الوجه الحادي والثلاثون: إما أن يحيل العقل حمل الاستواء على حقيقته أو ~~لا يحيله، فإن أحاله العقل ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين وأئمة ~~الإسلام في تفسيره بخلاف ما يحيله العقل، بل تفاسيرهم كلها مما يحيلها ~~العقل لزم القدح في # PageV01P384 # علم الأمة ونسبتها إلى أعظم الجهل لسكوتهم عن بيان الحق وتكلمهم بالباطل، ~~وهذا شر من قول الرافضة، وإن لم يحله العقل وجب حمله على حقيقته لأنها ~~الأصل والعقل لا يمنع منها. # الوجه الثاني والثلاثون: أن أئمة السنة متفقون على أن تفسير الاستواء ~~بالاستيلاء إنما هو متلقى عن الجهمية والمعتزلة والخوارج، وممن حكى ذلك أبو ~~الحسن الأشعري في كتبه، وحكاه ابن عبد البر والطلمنكي عنهم خاصة، وهؤلاء ~~ليسوا ممن يحكى أقوالهم في التفسير ولا يعتمد عليها، كما قال الأشعري في ~~تفسير الجبائي: كان القرآن قد نزل ms388 بلغة أهل جباء، وقد علم أن هؤلاء يحرفون ~~الكلم ويفسرون القرآن بآرائهم، فلا يجوز العدول عن تفسير الصحابة والتابعين ~~إلى تفسيرهم. # الوجه الثالث والثلاثون: أن الاستيلاء يكون مع مزايلة المستوي للمستولى ~~عليه ومفارقته، كما يقال: استولى عثمان بن عفان على خراسان، واستولى عبد ~~الملك بن مروان على بلاد المغرب، واستولى الجواد على الأمد، قال الشاعر: # ألا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد # فجعله مستوليا عليه بعد مفارقته له وقطع مسافته، والاستواء لا يكون إلا ~~مع مجاورة الشيء الذي يستوي عليه كما استوت على الجودي {لتستووا على ظهوره} ~~[الزخرف: 13] {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} [المؤمنون: 28] وهكذا في ~~جميع موارده في اللغة التي خوطبنا بها، ولا يصح أن يقال: استوى على الدابة ~~والسطح إذ نزل عنها وفارقها، كما يقال: استولى عليها، هذا عكس اللغة وقلب ~~الحقائق، وهذا قطعي بحمد الله. # الوجه الرابع والثلاثون: أن نقل معنى الاستواء وحقيقته كنقل لفظه بل ~~أبلغ، فإن الأمة كلها تعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن ~~ربه بأنه استوى على عرشه، من يحفظ القران منهم ومن لا يحفظه، وهذا المعنى ~~عندهم كما قال مالك وأئمة السنة: الاستواء معلوم غير مجهول، كما أن معنى ~~السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة وسائر ما أخبر به عن نفسه معلوم، ~~وإن كانت كيفيته غير معلومة للبشر، فإنهم لم يخاطبوا بالكيفية ولم يرد منهم ~~العلم بها، فإخراج الاستواء عن حقيقته المعلومة كإنكار ورود لفظه بل أبلغ، ~~وهذا مما يعلم أنه مناقض لما أخبر الله به ورسوله، يوضحه: # PageV01P385 # الوجه الخامس والثلاثون: أن اللفظ إنما يراد لمعناه ومفهومه فهو المقصود ~~بالذات واللفظ مقصود قصد الوسائل والتعريف بالمراد، فإذا انتفى المعنى ~~وكانت إرادته محالا لم يبق في ذكر اللفظ فائدة، بل كان تركه أنفع من ~~الإتيان به، فإن الإتيان به إنما حصل منه إيهام المحال والتشبيه وأوقع ~~الأمة في اعتقاد الباطل، ولا ريب أن هذا إذا نسب إلى آحاد الناس كان ذمه ~~أقرب من مدحه ms389 فكيف يليق نسبته إلى من كلامه هدى وشفاء وبيان ورحمة، هذا من ~~أمحل المحال. # الوجه السادس والثلاثون: أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع ~~كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول، وقد صرح المنكرون ~~للاستواء بأن الله لا يجوز أن يتكلم بشيء ويعني به خلاف ظاهره، كما قال ~~صاحب المحصول وغيره، وهذا لفظه " لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ويعني به خلاف ~~ظاهره " والخلاف مع المرجئة، ثم احتج على ذلك بأنه عبث وهو على الله محال، ~~والذي احتج به على المرجئة يحتج به عليه أهل السنة بعينه، وهذا الذي قاله ~~هو الحق وهو ما اتفق عليه العقلاء، فلا يجوز أن يتكلم الله بشيء ويريد به ~~خلاف ظاهره إلا وفي السياق ما يدل على ذلك بخلاف المجمل، فإنه يجوز عندهم ~~أن يتكلم به لأنه لم يرد به خلاف ظاهره، والفرق بينهما إيقاع الأول في ~~اللبس واعتقاد الخطأ بخلاف المجمل، فكيف إذا كان مع ظاهره من القرآن ما ~~ينفي إرادة غيره، فدعوى إرادة غير الظاهر حينئذ ممتنع من الوجهين. # الوجه السابع والثلاثون: أن حقيقة هذا المجاز أنه ليس فوق السماوات رب، ~~ولا على العرش إلا العدم المحض، وليس هناك من ترفع إليه الأيدي ويصعد إليه ~~الكلم الطيب، وتعرج الملائكة والروح إليه، وينزل الوحي من عنده ويقف العباد ~~بين يديه، ولا عرج برسوله إليه حقيقة، ولا رفع المسيح إليه حقيقة ولا يجوز ~~أن يشير إليه أحدنا بإصبعه إلى فوق كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~يجوز أن يقال: أين هو كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يسمع ~~من يقول: أين ويقره عليه، كما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من السائل ~~وأقره عليه، ولا يراه المؤمنون بأبصارهم عيانا فوقهم ولا له حجاب حقيقة ~~يحتجب به عن خلقه، ولا يقرب منه شيء، ولا يبعد منه شيء، ونسبته من فوق ~~السماوات كلها إلى القرب منه كنسبة من في أسفل سافلين، كلها في القرب من ~~ذاته سواء، ms390 فهذا حقيقة هذا المجاز وحاصله، ومعلوم أن هذا أشد مناقضة لما ~~جاءت به الرسل منه للمعقول الصريح، فيكون من أبطل الباطل. # PageV01P386 # الوجه الثامن والثلاثون: أن الله سبحانه ذم المحرفين للكلم، والتحريف ~~نوعان: تحريف اللفظ، وتحريف المعنى، فتحريف اللفظ: العدول به عن جهته إلى ~~غيرها، إما بزيادة وإما بنقصان وإما بتغيير حركة إعرابية، وإما غير ~~إعرابية، فهذه أربعة أنواع، وقد سلك فيها الجهمية والرافضة، فإنهم حرفوا ~~نصوص الحديث ولم يتمكنوا من ذلك في ألفاظ القرآن، وإن كان الرافضة حرفوا ~~كثيرا من لفظه، وادعوا أن أهل السنة غيروه عن وجهه. # وأما تحريف المعنى فهذا الذي جالوا وصالوا وتوسعوا وسموه تأويلا، وهو ~~اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة، وهو العدول بالمعنى عن وجهه ~~وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما، وأصحاب تحريف ~~الألفاظ شر من هؤلاء من وجه وهؤلاء شر من وجه، فإن أولئك عدلوا باللفظ ~~والمعنى جميعا عما هما عليه أفسدوا اللفظ والمعنى، وهؤلاء أفسدوا المعنى ~~وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرا من أولئك من هذا الوجه، ولكن أولئك لما ~~أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، ~~بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن ~~العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، ~~فبدءوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا. # الوجه التاسع والثلاثون: أن استواء الرب المعدى بأداة " على " المعلق ~~بعرشه المعرف باللام المعطوف بثم على خلق السماوات والأرض المطرد في موارده ~~على أسلوب واحد ونمط واحد، لا يحتمل إلا معنى واحدا لا يحتمل معنيين البتة، ~~فضلا عن ثلاثة أو خمسة عشر كما قال صاحب (القواصم والعواصم) إذا قال لك ~~المجسم: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] فقل: استوى على العرش يستعمل على ~~خمسة عشر وجها فأيها تريد؟ # فيقال له: كلا والذي استوى على العرش لا يحتمل هذا اللفظ معنيين البتة، ~~والمدعي الاحتمال عليه بيان الدليل، إذ الأصل ms391 عدم الاشتراك والمجاز، ولم ~~يذكر على دعواه دليلا ولا بين الوجوه المحتملة حتى يصلح قوله " فأيها ~~تريدون وأيها تعنون " وكان ينبغي له أن يبين كل احتمال ويذكر الدليل على ~~ثبوته، ثم يطالب حزب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بتعيين أحد ~~الاحتمالات، وإلا فهم يقولون: لا نسلم احتماله لغير معنى # PageV01P387 # واحد، فإن الأصل في الكلام الإفراد والحقيقة، دون الاشتراك والمجاز فهم ~~في منعهم أولى بالصواب منك في تعدد الاحتمال، فدعواك أن هذا اللفظ يحتمل ~~خمسة عشر معنى دعوى مجردة ليست معلومة بضرورة ولا نص ولا إجماع، يوضحه: # الوجه الأربعون: وهو أن يقال: الاحتمالات التي ادعيتها تتطرق إلى لفظ ~~الاستواء وحده المجرد عن اتصاله بأداة أم إلى المقترن بواو المصاحبة أم إلى ~~المقترن بإلى أم إلى المقترن بعلى، أم إلى كل واحد من ذلك، وكذلك العرش ~~الذي ادعيت أنه يحتمل عدة معان هو العرش المنكر غير المعرف بأداة تعريف ولا ~~إضافة أم المضاف إلى العبد كقول عمر: # كاد عرشي أن يهد ... ، أم إلى عرش الدار # وهو سقفها في قوله: {خاوية على عروشها} [البقرة: 259] أم إلى عرش الرب ~~تبارك وتعالى الذي هو فوق سماواته؟ أم إلى كل واحد من ذلك، فأين مواد ~~الاحتمال حتى يعلم هل صحيحة أم باطلة، فلا يمكنك أن تدعي ذلك في موضع معين ~~من هذه المواضع، ودعواه بهت صريح، وغاية ما تقدر عليه أنك تدعي مجموع ~~الاحتمالات في مجموع المواضع بحيث يكون كل موضع له معنى، فأي شيء ينفعك هذا ~~في الموضع المعين، فسبحان الله! أين هذا من القول السديد الذي أوصانا الله ~~به في كتابه حيث يقول: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} ~~[الأحزاب: 70] والسديد هو الذي يسد موضعه ويطابقه فلا يزيد عليه ولا ينقص ~~منه، وسداد السهم هو مطابقته وإصابته الغرض من غير علو ولا انحطاط ولا ~~تيامن ولا تياسر. # والمقصود: أن استواء الرب على عرشه المختص به الموصول بأداة على نص في ~~معناه لا يحتمل سواه. # الوجه الحادي والأربعون: أنا نمنع الاحتمال في ms392 نفس الاستواء مع قطع النظر ~~عن صلاته المقرون بها وأنه ليس له إلا معنى واحد وإن تنوع بتنوع صلاته، ~~كنظائره من الأفعال التي تنوع معانيها بتنوع صلاتها كملت عنه وملت إليه ~~ورغبت عنه ورغبت فيه، وعدلت عنه وعدلت إليه، وفررت منه وفررت إليه، فهذا لا ~~يقال له مشترك ولا مجاز، بل حقيقة واحدة تنوعت دلالتها بتنوع صلاتها، وهكذا ~~لفظ الاستواء هو بمعنى الاعتدال حيث استعمل مجردا أو مقرونا، تقول: سويته ~~فاستوى، كما يقال: عدلته # PageV01P388 # فاعتدل، فهو مطاوع الفعل المتعدي، وهذا المعنى عام في جميع موارد ~~استعماله في اللغة، ومنه استوى إلى السطح أي ارتفع في اعتدال، ومنه استوى ~~على ظهر الدابة أي اعتدل عليها، قال تعالى: {لتستووا على ظهوره} [الزخرف: ~~13] وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استوى على راحلته فهو يتضمن ~~اعتدالا واستقرارا عند تجرده ويتضمن المقرون مع ذلك معنى العلو والارتفاع، ~~وهذا حقيقة واحدة تتنوع بتنوع قيودها كما تتنوع دلالة الفعل بحسب مفعولاته ~~وصلاته، وما يصاحبه من أداة نفي أو استفهام أو نهي أو إغراء فيكون له عند ~~كل أمر من هذه الأمور دلالة خاصة والحقيقة واحدة. # فهذا هو التحقيق لا الترويج والتزويق، وادعاء خمسة عشر معنى لما ليس له ~~إلا معنى واحد، وهذا شأن جميع الألفاظ المطلقة إذا قيدت فإنها تتنوع ~~دلالتها بحسب قيودها ولا يخرجها ذلك من حقائقها (فضرب) مع المثل له معنى ~~وفي الأرض له معنى والبحر له معنى والدابة لها معنى، إذ هو إمساس بإيلام، ~~فإن صاحبته أداة النفي صار له معنى آخر، وإن كانت أداة استفهام أو نهي أو ~~تمن أو تخصيص اختلفت دلالته، وحقيقته واحدة في كل وضع يقترن به ما يبين ~~المراد. # فإذا قال قائل في قوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء: ~~34] أن الضرب له عدة معان فأيها المراد كان كالنظائر قول هذا القائل: إن ~~الرحمن على العرش استوى له خمسة عشر وجها، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله ~~أن في الوجه الأول يتبين أن مجموع اللفظ وصلته يدلان ms393 على غير ما دل عليه ~~اللفظ مع الصلة الأخرى، وفي هذا الوجه يتبين أن مطلق اللفظ يدل على المعنى ~~المشترك وأن اختصاصه في محاله هو من اقترانه بتلك الصلة ولا منافاة بينهما، ~~فالتركيب يحدث للمركب حالة أخرى سواء كان المركب من المعاني أو من الألفاظ ~~أو الأعيان أو الصفات مخلوقها ومصنوعها. # فعلى هذا إذا اقترن استوى بحرف الاستعلاء دل على الاعتدال بلفظ الفعل ~~وعلى العلو بالحرف الذي وصل به، فإن اقترن بالواو دل على الاعتدال بنفسه ~~وعلى معادلته بعد الواو بواسطتها، وإذا اقترن بحرف الغاية دل على الاعتدال ~~بلفظه وعلى الارتفاع قاصدا لما بعد حرف الغاية بواسطتها، وزال بحمد الله ~~الاشتراك والمجاز ووضح المعنى وأسفر صبحه وليس الفاضل من يأتي إلى الواضح ~~فيعقده ويعميه، بل من # PageV01P389 # يأتي إلى المشكل فيوضحه ويبينه، ومن الله سبحانه وتعالى البيان وعلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ وعلينا التسليم. # ونحن نشهد أن الله قد بين غاية البيان الذي لا بيان فوقه، وبلغ رسوله صلى ~~الله عليه وسلم البلاغ المبين فبلغ المعاني كما بلغ الألفاظ والصحابة بلغوا ~~عنه الأمرين جميعا، وكان تبليغه للمعاني أهم من تبليغه للألفاظ ولهذا اشترك ~~الصحابة في فهمها، وأما حفظ القرآن فكان في بعضهم، قال أبو عبد الرحمن ~~السلمي: حدثنا «الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان وعبد الله بن مسعود ~~أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها ~~حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل جميعا» . # وهذه الآثار المحفوظة عن الصحابة والتابعين كلها متفقة على أن الله نفسه ~~فوق عرشه، وقال أئمة السنة: بذاته فوق عرشه وأن ذلك حقيقة لا مجاز وأكثر من ~~صرح أئمة المالكية كما تقدم حكاية ألفاظهم. # الوجه الثاني والأربعون: أنا لو فرضنا احتمال اللفظ في اللغة لمعنى ~~الاستيلاء والخمسة عشر معنى، فالله ورسوله صلى الله عليه وسلم قد عين ~~بكلامه منها معنى واحدا ونوع الدلالة عليه أعظم تنويع حتى يقال بذلك ألف ~~دليل، فالصحابة كلهم متفقون لا يختلفون في ذلك المعنى ولا ms394 التابعون وأئمة ~~الإسلام، ولم يقل أحد منهم إنه بمعنى استولى وأنه مجاز، فلا يضر الاحتمال ~~بعد ذلك في اللغة لو كان حقا، ولما سئل مالك وسفيان بن عيينة وقبلهما ربيعة ~~بن عبد الرحمن عن الاستواء فقالوا: الاستواء معلوم، تلقى ذلك عنهم جميع ~~أئمة الإسلام ولم يقل أحد منهم إنه يحتاج إلى صرفه عن حقيقته إلى مجازه ولا ~~أنه مجمل له مع العرش خمسة عشر معنى، وقد حرف بعضهم كلام هؤلاء الأئمة على ~~عادته فقال معناه الاستواء معلوم لله، فنسبوا السائل إلى أنه كان يشك هل ~~يعلم الله استواء نفسه أو لا يعلمه، ولما رأى بعضهم فساد هذا التأويل قال: ~~إنما أراد به أن ورود لفظه في القرآن معلوم، فنسبوا السائل والمجيب إلى ~~اللغة فكأن السائل لم يكن يعلم أن هذا اللفظ في القرآن، وقد قال يا أبا عبد ~~الله {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] كيف استوى؟ فلم يقل هل هذا اللفظ في ~~القرآن أو لا؟ ونسبوا المجيب إلى أنه أجابه بما يعلمه الصبيان في المكاتب ~~ولا يجهله أحد، ولا هو مما يحتاج إلى السؤال عنه ولا استشكله السائل، ولا ~~خطر بقلب المجيب أنه يسأل عنه، والله تعالى أعلم. # PageV01P390 ### | المثال الرابع إثبات اليدين حقيقة لله تعالى # المثال الرابع: قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] {بل ~~يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] قالت الجهمية: مجاز في النعمة أو القدرة، ~~وهذا باطل من وجوه: أحدها: أن الأصل الحقيقة فدعوى المجاز مخالفة للأصل، ~~الثاني: أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى، ~~الثاني: أن مدعي المجاز المعين يلزمه أمور: أحدها: إقامة الدليل الصارف عن ~~الحقيقة، إذ مدعيها معه الأصل والظاهر ومخالفها مخالف لهما جميعا، ثانيها: ~~بيان احتمال اللفظ لما ذكره من المجاز لغة وإلا كان منشئا من عنده وضعا ~~جديدا، ثالثها: احتمال ذلك المعنى في هذا السياق المعين، فليس كل ما احتمله ~~اللفظ من حيث الجملة يحتمله هذا السياق الخاص، وهذا موضع غلط فيه من شاء ~~الله ولم يبين ms395 أو يميز بين ما يحتمله اللفظ بأصل اللغة وإن لم يحتمله في ~~هذا التركيب الخاص وبين ما يحتمله فيه، رابعها: بيان القرائن الدالة على ~~المجاز الذي عينه بأنه المراد إذ يستحيل أن يكون هذا هو المراد من غير ~~قرينة في اللفظ تدل عليه ألبتة، وإذا طولبوا بهذه الأمور الأربعة تبين ~~عجزهم. # الوجه الرابع: أن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف ~~استعماله يمنع المجاز، ألا ترى إلى قوله: {خلقت بيدي} [ص: 75] وقوله: {بل ~~يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] وقوله: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} ~~[الزمر: 67] فلو كان مجازا في القدرة والنعمة لم يستعمل منه لفظ يمين، ~~وقوله في الحديث الصحيح: " «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن، وكلتا يديه يمين» " فلا يقال هذا يد النعمة والقدرة، وقوله: " ~~«يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك» ~~"، فهنا هز وقبض وذكر يدين، ولما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ~~يقبض يديه ويبسطها تحقيقا للصفة لا تشبيها لها كما قرأ: {وكان الله سميعا ~~بصيرا} [النساء: 134] ووضع يديه # PageV01P391 # على عينيه وأذنيه تحقيقا لصفة السمع والبصر، وأنهما حقيقة لا مجازا، ~~وقوله: " «ولما خلق الله آدم قبض بيديه قبضتين وقال: اختر، فقال: اخترت ~~يمين ربي، وكلتا يديه يمين، ففتحها فإذا فيها أهل اليمين من ذريته» ". # وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في ثبوت الصفة، كقوله في ~~الحديث الصحيح: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده ~~بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» "، وقوله في الحديث ~~المتفق على صحته: " «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا ~~الطيب، تقبلها بيمينه» "، وقوله: " «وما السماوات السبع في كف الرحمن إلا ~~كخردلة في كف أحدكم» "، وقوله في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من ~~حديث أبي رزين: " «فيأخذ ربك غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فلا يخطئ وجه ~~أحدكم» ms396 "، يعني في الموقف، فهل يمكن أن يكون هذا من أوله إلى آخره وأضعاف ~~أضعافه مجازا لا حقيقة، وليس معه قرينة واحدة تبطل الحقيقة وتبين المجاز. # الوجه الخامس: أن اقتران لفظ الطي والقبض والإمساك باليد يصير المجموع ~~حقيقة، هذا في الفعل، وهذا في الصفة، بخلاف اليد المجازية، فإنها إذا أريدت ~~لم يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة، بل ما يدل على المجاز كقوله: «له عندي ~~يد، وأنا قمت يدهم» ونحو ذلك، وأما إذا قيل: قبض بيده وأمسك بيده أو قبض ~~بإحدى يديه كذا وبالأخرى كذا، وجلس عن يمينه، أو كتب كذا وعمله بيمينه أو ~~بيديه، فهذا لا يكون إلا حقيقة، وإنما أتي هؤلاء من جهة أنهم رأوا اليد ~~تطلق على النعمة والقدرة في بعض المواضع، فظنوا أن كل تركيب وسياق صالح ~~لذلك، فوهموا وأوهموا، فهب أن # PageV01P392 # هذا يصلح في قوله: «لولا يد لك لم أجزك بها» ، أفيصلح في قوله: {وما كنت ~~تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] وفي قول عبد الله بن ~~عمر: وإن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، ~~وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، أفيصح في عقل أو نقل أو فطرة أن ~~يقال: لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاثا. # الوجه السادس: أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية، ولا يستعمل إلا ~~مفردا أو مجموعا كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها وله عندي أياد، وأما إذا ~~جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقية، وهذه موارد ~~الاستعمال أكبر شاهد فعليك بتتبعها. # الوجه السابع: أنه ليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة ~~والنعمة بلفظ التثنية بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة، كقوله {أن ~~القوة لله جميعا} [البقرة: 165] : وكقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} ~~[إبراهيم: 34] وقد يجمع النعم كقوله: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} ~~[لقمان: 20] وأما أن يقول: خلقتك بقدرتين أو بنعمتين، فهذا لم يقع في كلامه ~~ولا كلام رسوله ms397 صلى الله عليه وسلم. # الوجه الثامن: أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون ~~المراد به هاهنا القدرة، فإنه يبطل فائدة تخصيص آدم، فإنه وجميع المخلوقات ~~حتى إبليس مخلوق بقدرته سبحانه، فأي مزية لآدم على إبليس في قوله: {ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] يوضحه: # الوجه التاسع: أن الله جعل ذلك خاصة خص بها آدم دون غيره، ولهذا قال له ~~موسى وقت المحاجة: أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك # PageV01P393 # ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، وكذلك يقول له أهل الموقف إذا سألوه ~~الشفاعة، فهذه أربع خصائص له، فلو كان المراد باليد القدرة لكان بمنزلة أن ~~يقال له: خلقك الله بقدرته، فأي فائدة في ذلك، يوضحه: # الوجه العاشر: أنك لو وضعت الحقيقة التي يدعي هؤلاء أن اليد مجاز فيها ~~موضع اليد لم يكن في الكلام فائدة ولم يصح وضعها هناك، فإنه سبحانه لو قال: ~~ما منعك أن تسجد لما خلقت بقدرتي، وقال له موسى: أنت أو البشر الذي خلقك ~~الله بقدرته، وقالت له أهل الموقف ذلك، لم يحسن ذلك الكلام ولم يكن فيه من ~~الفائدة شيء وتعالى الله أن ينسب إليه مثل ذلك، فإن مثل هذا التخصيص إنما ~~خرج مخرج الفضل له على غيره وإن ذلك أمر اختص به لم يشاركه فيه غيره، فلا ~~يجوز حمل الكلام على ما يبطل ذلك. # الوجه الحادي عشر: أن نفس هذا التركيب المذكور في قوله: {خلقت بيدي} [ص: ~~75] يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى ~~الفعل إلى اليد ثم ثناها ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قوله: كتبت ~~بالقلم، ومثل هذا النص صريح لا يحتمل المجاز بوجه، بخلاف ما لو قال: عملت، ~~كما قال تعالى: {فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] {بما قدمت يداك} [الحج: ~~10] فإن نسب الفعل إلى اليد ابتداء، وخصها بالذكر لأنها آلة الفعل في ~~الغالب، ولهذا لما لم يكن خلق الأنعام مساويا لخلق أبي الأنام قال تعالى: ~~{أولم ms398 يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} [يس: 71] فأضاف الفعل ~~إلى الأيدي وجمعها ولم يدخل عليها الباء، فهذه ثلاثة فروق تبطل إلحاق أحد ~~الموضعين بالآخر، ويتضمن التسوية بينهما عدم مزية أبينا آدم على الأنعام، ~~وهذا من أبطل الباطل وأعظم العقوق للأب، إذ ساوى المعطل بينه وبين إبليس ~~والأنعام في الخلق باليدين. # الوجه الثاني عشر: أن يد النعمة والقدرة لا يتجاوز بها لفظ اليد فلا ~~يتصرف فيها بما يتصرف في اليد الحقيقية، فلا يقال: كف لا للنعمة ولا ~~للقدرة، ولا إصبع وإصبعان ولا يمين ولا شمال، وهذا كله ينفي أن يكون اليد ~~نعمة أو يد قدرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «يد ~~الله ملأى لا يغيضها نفقة» وقال: # PageV01P394 # " «المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن» "، وفي حديث الشفاعة: " ~~«فأقوم عن يمين الرحمن مقاما لا يقومه غيري» " وإذا ضممت قوله تعالى: ~~{والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} [الزمر: 67] إلى قوله صلى الله عليه وسلم ~~" «يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده ثم يهزهن " وجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقبض يده ويبسطها» . # وفي صحيح مسلم يحكى عن ربه بهذا اللفظ وقال: " «ما من قلب إلا وهو بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه» "، ~~ولفظة " بين " لا تقتضي المخالطة ولا المماسة والملاصقة لغة ولا عقلا ولا ~~عرفا، قال تعالى: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض} [البقرة: 164] وهو لا ~~يلاصق السماء ولا الأرض، وقال في حديث الشفاعة: " «وعدني ربي أن يدخل الجنة ~~من أمتي أربعمائة ألف، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله، قال وثلاث حثيات ~~من حثيات ربي، فقال عمر، حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر، دعني يا عمر، وما ~~عليك أن يدخلنا الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف ~~واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق عمر» "، فصدقه في إثبات الكف ~~لله وسعتها وعظمتها. # فهذا القبض والبسط والطي واليمين والأخذ والوقوف عن يمين الرحمن ms399 والكف ~~وتقليب القلوب بأصابعه ووضع السماوات على إصبع والجبال على إصبع، فذكر إحدى ~~اليدين، ثم قوله وبيده الأخرى ممتنع فيه اليد المجازية سواء كانت بمعنى ~~القدرة أو بمعنى النعمة، فإنها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب، ~~نظمهم ونثرهم، هل تجدون فيها ذلك أصلا. # PageV01P395 # الوجه الثالث عشر: أن الله تعالى أنكر على اليهود نسبة يده إلى النقص ~~والعيب ولم ينكر عليهم إثبات اليد له تعالى فقال: {وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] ~~فلعنهم على وصف يده بالعيب دون إثبات يده وقدر إثباتها به زيادة على ما ~~قالوه بأنهما يدان مبسوطتان، وبهذا يعلم تلبيس الجهمية المعطلة على أشباه ~~الأنعام حيث قالوا إن الله لعن اليهود على إثبات اليد له سبحانه، وأنهم ~~مشبهة وهم أئمة المشبهة، فتأمل هذا الكذب من هذا القائل والتلبيس، وأن ~~الآية صريحة بخلاف قوله. # الوجه الرابع عشر: أن يد القدرة لا يعرف في الاستعمال أن يقال فيها: يد ~~فلان كذا هكذا، فضلا عن أن يقال: فعل هذا بيمينه، فضلا عن أن يقال: فعله ~~بيديه، فضلا عن أن يقال: فعله بيمينه، وإنما المستعمل في يد القدرة والنعمة ~~أن تكون مجردة عن الإضافة وعن التثنية وعن نسبة الفعل إليها، فيقال: لفلان ~~عندي يد، ولولا يد له عندي، ولا يكادون يقولون يده أو يداه عندي، وله عندي ~~يده ويداه، يوضحه: # الوجه الخامس عشر: أن اليد حيث أريد بها النعمة أو القدرة فلا بد أن ~~يقترن باللفظ ما يدل على ذلك ليحصل المراد، فأما أن تطلق ويراد بها ذلك ~~فهذا لا يجوز كما إذا أطلق البحر والأسد وادعى بذلك أنه أريد به الرجل ~~الجواد والشجاع، فهذا لا يجيزه عاقل، ولا يتكلم به إلا من قصده التلبيس ~~والتعمية، وحيث أراد تلك المعاني فإنه يأتي من القرائن بما يدل على مراده، ~~فأين معكم في قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] و {بل يداه مبسوطتان} ~~[المائدة: 64] وقوله: " «يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى "، " ~~فأقوم عن يمين ms400 ربي» "، وقوله: " «فيوقف بين يدي الرحمن» " ما يدل على إرادة ~~المجاز. # الوجه السادس عشر: أن يد القدرة والنعمة لا يعرف استعمالها البتة إلا في ~~حق من له يد حقيقة، فهذه موارد استعمالها من أولها إلى آخرها مطردة في ذلك، ~~فلا يعرف العربي خلاف ذلك، فاليد المضافة إلى الحي إما أن تكون يدا حقيقة ~~أو مستلزمة للحقيقة، وإما أن تضاف إلى من ليس له يد حقيقة، وهو حي متصف ~~بصفات الأحياء فهذا لا يعرف البتة. # وسر هذا أن الأعمال والأخذ والعطاء والتصرف لما كان باليد وهي التي ~~تباشره عبروا بها عن الغاية الحاصلة بها، وهذا يستلزم ثبوت أصل اليد حتى ~~يصح استعمالها # PageV01P396 # في مجرد القوة والنعمة والإعطاء، فإذا انتفت حقيقة اليد امتنع استعمالها ~~فيها فيما يكون باليد فثبوت هذا الاستعمال المجازي من أدل الأشياء على ثبوت ~~الحقيقة، فقوله تعالى في حق اليهود {غلت أيديهم} [المائدة: 64] هو دعاء ~~عليهم بغل اليد المتضمن للجبن والبخل، وذلك لا ينفي ثبوت أيديهم حقيقة، ~~وكذلك قوله في المنافقين {ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] كناية عن البخل ولا ~~ينفي أن يكون لهم أيد حقيقة، وكذلك قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] المراد به النهي عن البخل والتقتير ~~والإسراف، وذلك مستلزم لحقيقة اليد، وكذلك قوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} [البقرة: 237] أي يتولى عقدها، وهو إنما يعقدها بلسانه، ولكن ~~لا يقال ذلك إلا لمن له يد حقيقة، وكذلك قوله: {ولما سقط في أيديهم} ~~[الأعراف: 149] هو كناية عن الندم وتيقن التفريط والإضاعة بمنزلة من سقط ~~منه الشيء فيحيل بينه وبينه، وأتى في هذا بلفظ (في) دون (من) لأن الندم سقط ~~في أيديهم وثبت فيها واستقر، ولو قيل: سقط من أيديهم لم يدل على هذا ~~المعنى، وعين لفظ اليد لهذا المعنى لوجهين: أحدهما: أنه يقال لمن حصل له ~~شيء وإن لم يقع في نفس يده حصل في يده كذا وكذا من الخير والشر، كما يقال: ~~كسبت يده وفعلت يده، وإن كان لغيرها من الجوارح. ms401 # الوجه الثاني: أن الندم حدث يحصل في القلب وأثره يظهر في اليد، لأن ~~النادم يعض يديه تارة، ويضرب إحداهما بالأخرى تارة، قال تعالى: {فأصبح يقلب ~~كفيه على ما أنفق فيها} [الكهف: 42] وقال تعالى: {ويوم يعض الظالم على ~~يديه} [الفرقان: 27] فلما كان أكثر الندم يظهر على اليد أضيف سقوط الندم ~~إليها ; لأن الذي يظهر للعيان من فعل الندم هو تقليب الكف وعض الأنامل، ~~وأتى بهذا الفعل على بناء ما لم يسم فاعله إيهاما لشأن الفعل كقولهم: دهي ~~فلان وأصيب بأمر عظيم. # والمقصود أن مثل ذلك لا يقال إلا لمن له يد حقيقة، فإذا قيل: وسقط في يده ~~عرف السائل أن هذا الكلام مستلزم لحقيقة اليد، ومن هذا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # PageV01P397 # " «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا» " فكن يخرجن أيديهن ليعلمن أيتهن أطول ~~يدا، فلما سبقتهن زينب إلى اللحاق به ولم تك يدها الذاتية أطول من أيديهن ~~علمن أنه أراد طولها بالصدقة، وكانت تسمى أم المساكين لكثرة صدقتها، ومثل ~~هذا اللفظ يحتمل المعنيين، ولهذا فهم نساؤه منه وهن أفصح نساء العرب اليد ~~الحقيقية، حتى تبين لهن أخيرا أنه طولها بالصدقة، وهذا من التعريض المباح ~~بأن يذكر لفظا محتملا لمعنيين ومراده أحدهما، كقوله: " «نحن من ماء» "، ~~وقوله: " «ذاك الذي في عينيه بياض» "، وقوله: " «الجنة لا يدخلها العجزة» ~~"، وقول الصديق: هذا هاد يهديني السبيل، ولكن لا يستعمل طول اليد بالصدقة ~~إلا في حق من له يد ذاتية، فسواء كان المراد بقوله: " «أطولكن يدا» " اليد ~~الذاتية أو اليد المعنوية فهو مستلزم لثبوت يد الذات وإن أطلق على ما ~~تباشره ويكون بها من الصدقة والإحسان، فإن كان في اللفظ ما يعين ذلك فهو ~~حقيقة في المراد، وإن لم يكن في اللفظ ما يعينه فهو للكناية المستعملة في ~~المصلحة، فليس في ذلك ما ينفي حقيقة اليد لله بوجه من الوجوه. # فإن قيل: كيف تصنعون بيد الحائط في قولة لبيد: # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # وقول المتنبي: # وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية ms402 تكذب # وقد استعملت اليد في ذلك كله في مواضع حقيقة. # قيل: لا يلزمنا هذا السؤال لأنا قلنا: متى أضيفت يد القدرة والنعمة إلى ~~الحي استلزمت اليد الحقيقية، وهذا استعمال مطرد غير منتقض وهذا يتعين: ~~بالوجه السابع عشر: وهو أن الإضافة في يد الشمال ويد الحائط ويد الليل بينت ~~أن المضاف من # PageV01P398 # جنس المضاف إليه، والإضافة في البعير والفرس وغيرهما من الحيوان كذلك، ~~والإضافة في يد الملك والجن تبين أيضا أن يديهما من جنسيهما، وكذلك الإضافة ~~في يد الإنسان وكل ذلك حقيقة، كذلك إضافة اليدين إلى الرحمة في قوله: {بين ~~يدي رحمته} [الأعراف: 57] وإلى النجوى في قوله: {بين يدي نجواكم صدقة} ~~[المجادلة: 12] فإن بين يدي الشيء أمامه وقدامه، وهذا مما يتنوع فيه المضاف ~~إليه وإن اختلفت ماهية الحقيقة وصفتها، وتنوعت بتنوع المضاف إليه. # فإذا قيل: يد الله ووجهه، وسمعه وبصره، وحياته وعلمه، وقدرته ومشيئته، ~~وإتيانه واستواؤه، كان ذلك حقيقة والمضاف فيه بحسب المضاف إليه، فإذا لم ~~يكن المضاف إليه مماثلا لغيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة، فدعوى لزوم ~~التشبيه والتمثيل في إثبات المضاف حقيقة زعم كاذب، فإن لزم من إثبات اليد ~~حقيقة لله التمثيل والتشبيه لزم ذلك في إثبات سائر الصفات له حقيقة، ويلزم ~~ذلك في إثبات صفاته، فإن الصفة القديمة متى أشبهت صفات المخلوقين لزم وقوع ~~التشبيه بين الذاتين. # الوجه الثامن عشر: أن يقال: ما الذي يضركم من إثبات اليد حقيقة، وليس ~~معكم ما ينفي ذلك من أنواع الأدلة لا نقليها ولا عقليها ولا ضروريها ولا ~~نظريها، فإن فررتم من الحقيقة خشية التشبيه والتمثيل، ففروا من إثبات السمع ~~والبصر والحياة والعلم والإرادة والكلام خشية هذا المحذور. # ثم يقال لكم: توهمكم لزوم التشبيه والتمثيل من إثبات هذه الصفة وغيرها ~~وهم باطل، وليس في المخلوقات يد تمسك السماوات والأرض وتطويها، ويد تقبض ~~الأرضين السبع، ولا إصبع توضع عليها الأرض، وإصبع توضع عليها الجبال، فلو ~~كان في المخلوقات يد وإصبع يد هذا شأنها لكان لكم عذر ما في توهم التشبيه ~~والتمثيل من ms403 إثبات اليد والإصبع لله حقيقة، وإنما هذا تلبيس منكم على ضعفاء ~~العقول. # وإن فررتم خشية التجسيم والتركيب ففروا من سائر الصفات من أولها إلى ~~آخرها لأجل هذا المحذور، فإن ادعيتم أن التجسيم والتركيب يلزم مما فررتم ~~منه دون ما لم تفروا منه ظهر بطلان دعواكم للعقلاء قاطبة، فإن الصفات أعراض ~~لا تقوم بنفسها، وقيامها بمحلها مستلزم لما تدعون أنه تجسيم وتركيب. # PageV01P399 # ثم يقال لكم: ما تريدون بالتجسيم والتركيب اللازم؟ أتريدون به ما تقوم به ~~الصفات فكأنكم قلتم: لا تقوم به لأنها لو قامت به لزم قيامها به، هذا حقيقة ~~قولكم عند العقلاء، فسويتم بين اللازم والملزوم ونفيتم الشيء بنفسه، أم ~~تريدون به التركيب من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة فالملازمة ~~ممنوعة، وأكثر العقلاء على أن الأجسام المحدوثة غير مركبة لا من هذا ولا من ~~هذا، فكيف يلزم هذا من ثبوت الصفات للرب تعالى، وإن أردتم مماثلته لسائر ~~الأجسام فهذا بناء منكم على أصلكم الفاسد عند كافة العقلاء أن الأجسام ~~متماثلة، فادعيتم دعويين كاذبتين: لزوم التجسيم من إثبات صفاته، ولزوم ~~تماثل الأجسام. # والمقصود أن ما فررتم منه، إن كان محذورا، فهو غير لازم لإثبات الوجه ~~واليد والسمع والبصر والعلو وسائر الصفات، وإن لم يكن محذورا فلا وجه ~~للفرار، بل هو لازم إثبات الصفات الذي هو حق، ولازم الحق حق، فأنتم بين ~~دعويين كاذبتين إحداهما دعوى ملازمة كاذبة، أو دعوى انتفاء لازم الحق في ~~ثبوته، فإما أن تحيطوا به في المقدمة اللزومية أو في الاستثنائية أو فيهما، ~~وهذا مطرد في كل ما ادعيتم نفيه. # الوجه التاسع عشر: أن هذه الألفاظ كلفظ اليدين والوجه إما أن يكون لها ~~معنى أو تكون ألفاظا مهملة لا معنى لها، والثاني ظاهر الاستحالة وإذا لم ~~يكن بد من إثبات معنى لها فلا ريب أن ذلك المعنى قدر زائد على الذات وله ~~مفهوم غير مفهوم الصفة الأخرى، فأي محذور لزم في إثبات حقيقة اليد لزم مثله ~~في مجازها، ولا خلاص لكم من ذلك إلا بإنكار أن يكون ms404 لها معنى أصلا، وتكون ~~ألفاظا مجردة، فإن المعنى المجازي إما القدرة وإما الإحسان، وهما صفتان ~~قائمتان بالموصوف، فإن كانتا حقيقيتين غير مستلزمين لمحذور فهلا حملتم اليد ~~على حقيقتها وجعلتم الباب بابا واحدا، وإن كانت مجازا وهو حقيقة قولكم فلا ~~يد ولا قدرة ولا إحسان في الحقيقة وإنما ذلك مجاز محض، والفرق بين هذا ~~الوجه والذي قبله أن ذلك إلزام المجاز في الصفات التي وافقوا على أنها ~~حقيقة وهذا إلزام نفي ما ادعوا أنه مجاز اليد، فيلزمهم نفي ذلك كله إن ~~استلزم تشبيها أو تجسيما، أو إثبات الجميع إن لم يستلزم ذلك، وأما كون بعض ~~الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم، وبعضها لا يستلزمه، فهذا غير معقول ولا ~~معلوم بصورة ولا نظر ولا نص ولا قياس. # الوجه العشرون: أن إبطال حقيقة اليد ونفيها وجعلها مجازا هو في الأصل قول # PageV01P400 # الجهمية المعطلة وتبعهم عليه المعتزلة وبعض المستأخرين ممن ينسب إلى ~~الأشعري، والأشعري وقدماء أصحابه يردون على هؤلاء ويبدعونهم ويثبتون اليد ~~حقيقة، قال عبد العزيز بن يحيى المالكي الكناني جليس الشافعي والخصيص به ~~مات قبل الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية والزنادقة، قال: يقال ~~للجهمي: أتقول إن لله وجها وله نفس وله يد؟ فيقول: نعم، ولكن معنى وجه الله ~~هو الله، ومعنى نفسه عينه، ومعنى يده نعمته، قال: والجواب أن يقال له (فذكر ~~كلاما يتعلق بالوجه والنفس) ، ثم قال: # أما قوله في اليد: إنها يد نعمة، كما تقول العرب: لك عندي يد، فقد قال ~~الله تعالى: {بيدك الخير} [آل عمران: 26] وقال: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل ~~شيء} [يس: 83] وقال: {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] وقال: {يد الله ~~فوق أيديهم} [الفتح: 10] وقال: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] قال: فزعم ~~الجهمي أن يد الله نعمته، فبدل قولا غير الذي قيل له فأراد الجهمي أن يبدل ~~كلام الله، إذ أخبر أن له يدا بها ملكوت كل شيء فبدل مكان اليد نعمة، وقال: ~~العرب تسمي اليد نعمة، قلنا له: العرب تسمي النعمة يدا، وتسمي يد الإنسان ~~يدا، فإذا أرادت ms405 يد الذات جعلت على قولها علما ودليلا يعقل به السامع أنها ~~أرادت الذات، وإذا أرادت يد النعمة جعلت على قولها دليلا يعقل السامع ~~كلامها أنها تريد باليد النعمة، ولا تجعل كلامها مشتبها على سامعه، ومن ذلك ~~قول الشاعر: # ناولت زيدا بيدي عطية # فدل بهذا القول على يد الذات بالمناولة والياء حين قال: بيدي، فجعل الياء ~~استقصاء للعدد حين لم يكن له غير يدين، وقال الآخر حين أراد يد النعمة: # اشكر يدين لنا عليك وأنعما ... شكرا يكون مكافئا للمنعم # فدل على يد النعمة بقوله: لنا عليك، ثم قال: وأنعما، ثم قال: يدين، فجعل ~~النون مكان الياء لم يستقص بهما العدد، فهذا قول العرب ومذهبها في لغاتها، ~~والله تعالى لم يسم في كتابه يدا بنعمة ولم يسم نعمة يدا، سمى الله سبحانه ~~اليد يدا والنعمة نعمة في جميع القرآن. # PageV01P401 # فأما ما ذكره سبحانه من يديه ويده فقد ذكرت ذلك في صدر هذا الكلام، وأما ~~النعمة التي هي غير اليد فمن ذلك قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم} [البقرة: ~~231] وقوله: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] وقوله: {وأتممت عليكم ~~نعمتي} [المائدة: 3] وقوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} ~~[الأحزاب: 37] فسمى الله تعالى النعم باسم النعمة ولم يسمها بغير أسمائها، ~~ومثل هذا في القرآن كثير وذكر تعالى أيدي المخلوقين فسماها بالأيدي، فقال ~~تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] وقال تعالى: {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وقال: {والملائكة باسطو أيديهم} ~~[الأنعام: 93] فهذه أيد لا نعمة وذكر نعمته على زيد ونعمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم عليه فسماها نعمة ولم يسمها يدا، ثم أخبر سبحانه عن يديه أنهما ~~يدان لا ثلاثة، وجعل الياء استقصاء للعدد حين قال: {ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي} [ص: 75] فدل على أنهما يدا الذات، لا يتعارف العرب في لغاتها ~~ولا أشعارها إلا أن هاتين اليدين يدا الذات لاستقصاء العدد بالياء، وأما ~~نعم الله فهي أكثر وأعظم من أن تحصر أو تعد، قال الله تعالى: {وإن تعدوا ms406 ~~نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] . # واعلم رحمك الله أن قائل هذه المقالة جاهل بلغة القرآن وبلغة العرب ~~ومعانيها وكلامها، وذلك أن الله إذا افتتح الخبر عن نفسه بلفظ الجمع ختم ~~الكلام بلفظ الجمع، وإذا افتتح الكلام بلفظ الواحد ختم الكلام بلفظ الواحد، ~~وإنما يعني الخبر عن نفسه وإن كان اللفظ جمعا، فأما ما كان من لفظ الواحد ~~فهو قوله تعالى: {وقضى ربك} [الإسراء: 23] فافتتح الخبر عن نفسه بلفظ ~~الواحد، وبمثله ختم الكلام فقال: {ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] ~~وقال: {وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] وقال: {ربكم أعلم ~~بكم} [الإسراء: 54] أما ما افتتحه بلفظ الجمع فهو قوله: {وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب} [الإسراء: 4] فافتتحه بلفظ الجمع ثم ختمه بمثل ما ~~افتتحه به فقال: # PageV01P402 # {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا} [الإسراء: 5] وإنما عنى ~~بذلك نفسه لأنها كلمة ملوكية تقولها العرب. # وروي أن ابن عباس لقي أعرابيا ومعه ناقة فقال: لمن هذه؟ فقال الأعرابي: ~~لنا، فقال له ابن عباس: كم أنتم؟ فقال: أنا واحد، فقال ابن عباس: هكذا قول ~~الله تعالى: نحن وخلقنا وقضينا، إنما يعني نفسه، والمبهم يرد إلى المحكم ~~فكل كلمة في القرآن من لفظ جمع قبلها محكم من التوحيد ترد إليه فمن ذلك ~~قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] يرد إلى قوله: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] وقوله: {وخلقناكم أزواجا} [النبأ: 8] يرد ~~إلى قوله: {إنما أمره} [يس: 82] وقوله: {لما جاء أمر ربك} [هود: 101] كذلك ~~قوله: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما} [يس: 71] يرد إلى ~~قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] فلما افتتح الكلام بلفظ الجمع فقال: {أولم ~~يروا أنا خلقنا لهم} [يس: 71] قال: {أيدينا} [يس: 71] ولما افتتح بقوله: ~~{ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] ختم الكلام على ما افتتحه به، ~~فهذا بيان لقوم يفقهون. # وقد كان أكثر قسم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقسم أن يقول: «لا والذي ~~نفس محمد بيده» وهذا لا يليق به النعمة وهذا قول ms407 النبي صلى الله عليه وسلم ~~«يصدق كتاب الله» . انتهى كلامه. # ولو ذكرنا كلام السلف في ذلك لطال جدا، والأشعري في كتبه يصرح بإثبات ~~الصفات الخبرية في كتبه كلها، ومعلوم أن أحدا لا ينكر لفظها وإنما أنكروا ~~حقائقها ومعانيها الظاهرة، وكلام الأشعري موجود في الإبانة والموجز ~~والمقالات وموجود في تصانيف أئمة أصحابه وأجلهم على الإطلاق القاضي أبو بكر ~~بن أبي الطيب، وقد ذكر ذلك في كتاب الإبانة والتمهيد وغيرهما وذكره ابن ~~فورك فيما جمعه من كلام ابن كلاب وكلام الأشعري، وذكره البيهقي في الأسماء ~~والصفات والاعتقاد، وذكره القشيري في كتاب الشكاية له، وذكره ابن عساكر في ~~كتابه تبيين كذب المفتري، حتى ابن الخطيب والسيف الآمدي حكوا ذلك عن ~~الأشعري، وأنه أثبت اليدين صفة لله، ولكن غلطوا حيث ظنوا أن له قولين في ~~ذلك، وهذه كتبه كلها ليس فيها إلا الإثبات، فهو الذي يحكيه عن أهل السنة ~~وينصره، ويحكي خلافه عن الجهمية والمعتزلة. # نعم كان قبل ذلك يقول بقول المعتزلة ثم رجع عنه وصرح بخلافهم واستمر على ~~ذلك حتى مات. # PageV01P403 # قال الأشعري في كتابه الذي ذكر ابن عساكر أنه آخر كتبه وعليه اعتمد في ~~ذكره مناقبه واعتقاده، قال: فإن سألنا سائل فقال: ما تقولون إن لله يدين؟ ~~قيل: نعم، نقول ذلك لقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] ولقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " «خلق الله آدم بيده وغرس جنة طوبى بيده» "، وقال ~~تعالى: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] وفي الحديث: " «كلتا يديه يمين» " ~~وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقولوا لقائل: عملت كذا ~~وكذا بيدي، هو بمعنى النعمة، إذا كان الله خاطب العرب بلغاتها، وما تجده ~~مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها، وإذ لا يجوز في خطابها أن يقول ~~القائل: فعلت بيدي ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى بيدي النعمة وساق الكلام ~~في إنكار هذا التأويل وأطاله جدا وقرر أن لفظ اليدين على حقيقته وظاهره، ~~وبين أن اللغة التي أنزل بها القرآن لا تحتمل ما تأولت الجهمية. # وقال ms408 لسان أصحابه وأجلهم ابن الطيب في كتاب التمهيد وهو أشهر كتبه: فإن ~~قال القائل: فما الحجة في أن لله وجها ويدين قيل له: قوله تعالى: {ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] وقوله: {ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي} [ص: 75] فأثبت لنفسه وجها ويدين، فإن قالوا: بم أنكرتم أن يكون ~~المعنى خلقت بيدي أنه خلقه بقدرته أو بنعمته لأن اليدين في اللغة تكون ~~بمعنى النعمة وبمعنى القدرة كما يقال: لفلان عندي يد بيضاء، وهذا شيء في يد ~~فلان، وتحت يده، ويقال رجل أيد إذا كان قادرا، كما قال تعالى: {خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما} [يس: 71] يريد عملنا بقدرتنا، وقال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # وكذلك قوله: {خلقت بيدي} [ص: 75] يعني بقدرته ونعمته، قال: فيقال له: هذا ~~باطل، إذ قوله بيدي يقتضي إثبات يدين هما صفة له، فلو كان المراد بهما ~~القدرة لوجب أن يكون له قدرتان، وأنتم تزعمون أن لله تعالى قدرة واحدة فكيف ~~يجور أن تثبتوا قدرتين وقد أجمع المسلمون المثبتون للصفات والنافون لها على ~~أنه لا يجور أن يكون لله تعالى قدرتان فبطل ما قلتم. # وكذلك لا يجوز أن يكون خلق الله آدم بنعمتين ; لأن نعم الله تعالى على ~~آدم وغيره لا تحصى ; ولأن القائل لا يجور أن يقول: رفعت الشيء أو وضعته ~~بيدي أو توليته بيدي وهو يريد نعمته، وكذلك لا يجور أن يقال لي: عند فلان ~~يدان يعني # PageV01P404 # نعمتين، وإنما يقال: لي عنده يداه بيضاوان ; ولأن فعلته بيدي لا يستعمل ~~إلا في اليد التي هي صفة الذات. # ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ~~ذلك إبليس وأن يقول: وأي فضل لآدم علي يقتضي له وأنا أيضا بيدك خلقتني، وفي ~~العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه دليل على فساد ما قالوه. # فإن قال القائل: فما أنكرتم أن تكون يده ووجهه جارحة إذ كنتم لا تعقلون ~~يدا ووجها هما صفة غير ms409 الجارحة؟ قلنا: لا يجب ذلك كما لا يجب إذا لم نعقل ~~حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم ذلك على الله، وكما لا يجب إذا ~~كان قائما بذاته أن يكون جوهرا لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا ~~إلا كذلك، الجواب لهم أن قالوا: فيجب أن يكون علمه وكلامه وحياته وسائر ~~صفات ذاته أعراضا وأجساما وأجناسا أو حوادث أو أغيارا له تعالى ومحتاجة إلى ~~قلب، ولو تتبعنا القول عن أهل السنة لزادت على المائتين. # خاتمة لهذا الفصل # ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة ~~موضع ورودا متنوعا متصرفا فيه مقرونا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك ~~والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات والنضح باليد، والخلق باليدين ~~والمباشرة بهما وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده وتخمير طينة آدم بيده ~~ووقوف العبد بين يديه، وكون المقسطين عن يمينه، وقيام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم القيامة عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه، فقال: «اخترت ~~يمين ربي» ، وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها، وكتابه بيده على نفسه أن ~~رحمته تغلب غضبه، وأنه مسح ظهر آدم بيده ثم قال له ويداه مفتوحتان: اختر، ~~فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة، وأن يمينه ملأى لا يغيضها ~~نفقة سحاء الليل والنهار، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض، وأنه خلق آدم من ~~قبضة قبضها من جميع الأرض، وأنه يطوي السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده ~~اليمنى ثم يطوي الأرض باليد الأخرى، وأنه خط الألواح التي كتبها لموسى ~~بيده. # وذكر عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~«أن الملائكة قالت: يا رب قد أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ~~ويلبسون، # PageV01P405 # فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا؟ فقال: لا أفعل، فأعادوا ذلك، ~~فقال: لا أفعل، فأعادوا ذلك عليه فقال: " وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي ~~كمن قلت له كن فكان» " ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب ms410 السنة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرسلا. # وقوله: «الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها، ويد ~~السائل السفلى» فهل يصح في عقل أو لغة أو عرف أن يقال: قدرة الله أو نعمته ~~العليا ويد المعطي التي تليها، فهل يحتمل هذا التركيب غير يد الذات بوجه ~~ما؟ وهل يصح أن يراد به غير ذلك؟ وكذلك قوله: اليد العليا خير من اليد ~~السفلى، واليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة، فضم هذا إلى ~~قوله: الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي هي التي تليها، وإلى ~~قوله: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} [المائدة: 64] تقطع بالضرورة أن ~~المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة، فإن التركيب والقصد والسياق لا ~~يحتمله البتة. # وتأمل قوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} ~~[الفتح: 10] فلما كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم ~~ويضرب بيده على أيديهم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السفير بينه ~~وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته ~~وعلى عرشه فوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم، فهل ~~يصح هذا لمن ليس له يد حقيقة؟ فكيف يستقيم أن يكون المعنى قدرة الله ونعمته ~~فوق قدرهم ونعمهم، أم تقتضي المقابلة أن يكون المعنى هو الذي يسبق إلى ~~الأفهام من هذا الكلام؟ # وكذلك قوله " «ما تصدق أحد صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا ~~أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من ~~الجبل» "، فهل يحتمل هذا الكلام غير الحقيقة؟ # PageV01P406 # وهب أن اليد تستعمل في النعمة، أفسمعتم أن اليمين والكف يستعملان في ~~النعمة في غير الوضع الجديد الذي اخترعتموه وحملتم عليه كلام الله وكلام ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. # وكذلك " وبيده الأخرى القسط " هل يصح أن يكون المعنى وبقدرته الأخرى؟ وهل ~~يصح في قوله: " «إن المقسطين عن يمين الرحمن» " أنه عن قدرته في لغة من ~~اللغات؟ وهل سمعتم ms411 باستعمال اليمين في النعمة والكف في النعمة؟ وكيف يحتمل ~~قوله: " «إن الله أخذ ذرية آدم من ظهره، ثم أفاض بهم في كفه» " كف النعمة ~~والقدرة؟ وهذا لم تعهدوا أنتم ولا أسلافكم به استعمالا البتة سوى الوضع ~~الجديد الذي اخترعتموه. # وكذلك قوله: «خمر الله طينة آدم ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل ~~خبيث بيده الأخرى ثم خلط بينهما» " فهل يصح في هذا السياق غير الحقيقة؟ فضع ~~لفظ النعمة والقدرة هاهنا، ثم انظر هل يستقيم ذلك، وهل يصح في قوله: " ~~«والخير كله في يديك» " أن يكون في نعمتيك أو في قدرتيك. # وقال عبد الله بن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم ~~بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده» ، أفيصح أن يخص الثلاث بقدرته، ~~ولا سيما لفظ الحديث " «إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء» " أفيصح أن ~~توضع النعمة والقدرة موضع اليد هاهنا؟ ### | المثال الخامس إثبات الوجه لله تعالى حقيقة # المثال الخامس: وجه الرب جل جلاله حيث ورد في الكتاب والسنة فليس بمجاز ~~بل على حقيقته، واختلف المعطلون في جهة التجوز في هذا، فقالت طائفة: لفظ ~~الوجه زائد، والتقدير ويبقى ربك، إلا ابتغاء ربه الأعلى، ويريدون ربهم. # وقالت فرقة أخرى منهم: الوجه بمعنى الذات، وهذا قول أولئك وإن اختلفوا في ~~التعبير عنه، وقالت فرقة: ثوابه وجزاؤه، فجعله هؤلاء مخلوقا منفصلا، قالوا: ~~لأن الذي يراد هو الثواب، وهذه أقوال نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا ~~من أهلها، قال عثمان بن سعيد الدارمي، وقد حكى قول بشر المريسي أنه قال في ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: " «إذا قام العبد يصلي أقبل الله عليه ~~بوجهه» " يحتمل أن يقبل الله عليه بنعمته وإحسانه وأفعاله وما أوجب للمصلي ~~من الثواب، فقوله {ويبقى وجه ربك} [الرحمن: 27] أي ما # PageV01P407 # توجه به إلى ربك من الأعمال الصالحة، وقوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة: 115] أي قبلة الله. # قال الدارمي: لما فرغ المريسي من إنكار اليدين ونفيهما عن الله أقبل ms412 على ~~وجه الله ذي الجلال والإكرام لينفيه عنه كما نفى عنه اليدين فلم يدع غاية ~~في إنكار وجه الله، ذي الجلال والإكرام والجحود به حتى ادعى أن وجه الله ~~الذي وصفه بأنه ذو الجلال والإكرام مخلوق ; لأنه ادعى أنه أعمال مخلوقة ~~يتوجه بها إليه، وثواب وإنعام مخلوق يثبت به العامل، وزعم أنه قبلة الله، ~~وقبلة الله لا شك مخلوقة. # ثم ساق الكلام في الرد عليه. # والقول بأن لفظ الوجه مجاز باطل من وجوه: # أحدها: أن المجاز لا يمتنع نفيه، فعلى هذا ألا يمتنع أن يقال: ليس لله ~~وجه ولا حقيقة لوجهه، وهذا تكذيب صريح لما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # الثاني: أنه خروج عن الأصل والظاهر بلا موجب. # الثالث: أن ذلك يستلزم كون حياته وسمعه وبصره وقدرته وكلامه وإرادته ~~وسائر صفاته مجازا لا حقيقة، كما تقدم تقريره. # الرابع: أن دعوى المعطل أن الوجه صلة كذب على الله وعلى رسوله وعلى اللغة ~~فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها. # الخامس: أنه لو ساغ ذلك لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في قوله: أعوذ ~~بعزة الله وقدرته، ويكون التقدير أعوذ بالله، ويدعي معطل آخر الزيادة في ~~سمعه وبصره وغير ذلك. # السادس: أن هذا يتضمن إلغاء وجهه لفظا ومعنى، وأن لفظه زائد ومعناه منتف. # السابع: ما ذكره الخطابي والبيهقي وغيرهما، قالوا: لما أضاف الوجه إلى ~~الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ~~[الرحمن: 27] دل على أن ذكر الوجه ليس بصلة وأن قوله: {ذو الجلال والإكرام} ~~[الرحمن: 27] صفة للوجه وأن الوجه صفة للذات. # PageV01P408 # قلت: فتأمل رفع قوله {ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] عند ذكره الوجه، ~~وجره في قوله {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} [الرحمن: 78] فذو الوجه ~~المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه، وذي المضاف إليه ~~بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم ~~فتأمله. # الثامن: أنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء ms413 بمعنى ذاته ونفسه، ~~وغاية ما شبه به المعطل وجه الرب أن قال: هو كقوله: وجه الحائط، ووجه ~~الثوب، ووجه النهار، ووجه الأمر (فيقال) لهذا المعطل المشبه: ليس الوجه في ~~ذلك بمعنى الذات بل هذا مبطل لقولك فإن وجه الحائط أحد جانبيه فهو مقابل ~~لدبره، وكمثل هذا وجه الكعبة ودبرها، فهو وجه حقيقة ولكنه بحسب المضاف ~~إليه، فلما كان المضاف إليه بناء كان وجهه من جنسه وكذلك وجه الثوب أحد ~~جانبيه وهو من جنسه وكذلك وجه النهار أوله ولا يقال لجميع النهار، وقال ابن ~~عباس: وجه النهار أوله ومنه قولهم: صدر النهار، قال ابن الأعرابي: أتيته ~~بوجه نهار وصدر نهار، وأنشد للربيع بن زياد: # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # والوجه في اللغة مستقبل كل شيء لأنه أول ما يواجه منه، ووجه الرأي والأمر ~~ما يظهر أنه صوابه وهو في كل محل بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى زمن كان ~~الوجه زمنا، وإن أضيف إلى حيوان كان بحسبه، وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان ~~بحسبه، وإن أضيف إلى من {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] كان وجهه تعالى كذلك. # التاسع: أن حمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فإن اللغة لا تحتمل ~~ذلك ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجها للمجازي. # العاشر: أن الثواب مخلوق، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ ~~بوجه الله فقال " «أعوذ بوجهك الكريم أن تضلني، لا إله إلا أنت الحي الذي ~~لا يموت، والجن والإنس يموتون» " رواه أبو داود وغيره. # ومن دعائه يوم الطائف: " «أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات، وصلح # PageV01P409 # عليه أمر الدنيا والآخرة» " ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يستعيذ بمخلوق، وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل ~~عليه: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] قال: ~~أعوذ بوجهك {أو من تحت أرجلكم} [الأنعام: 65] . # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أمرني رسول الله صلى ms414 الله عليه وسلم ~~فقال: إذا أخذت مضجعك فقل: " أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر ما ~~أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم لا يهزم جندك، ولا ~~يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك» " وإسناده كلهم ~~ثقات. # في الموطأ: «أنه كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن وفي يده شعلة من نار ~~فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فلا يزداد إلا قربا، فقال له ~~جبرائيل عليه السلام: (ألا أعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفأ شعلته؟ ~~قل: " أعوذ بوجه الله الكريم، وكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في ~~الأرض، وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل، ومن ~~شر كل طارق يطرق بخير يا رحمن " فقالها فانكب لفيه، وطفئت شعلته» ، أرسله ~~مالك ووصله غيره. # الحادي عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دعائه: " «أسألك ~~لذة النظر إلى وجهك # PageV01P410 # والشوق إلى لقائك» " ولم يكن ليسأل لذة النظر إلى الثواب ولا يعرف تسمية ~~ذلك وجها لغة ولا شرعا ولا عرفا. # الثاني عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «من استعاذ بالله ~~فأعيذوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه» " وفي السنن من حديث جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: " «لا ينبغي لأحد أن يسأل بوجه الله إلا الجنة» "، ~~فكان طاوس يكره أن يسأل الإنسان بوجه الله، وجاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز ~~فرفع إليه حاجته ثم قال: أسألك بوجه الله، فقال عمر: لقد سألت بوجه الله، ~~فلم يسأل شيئا إلا أعطاه إياه، ثم قال عمر: ويحك ألا سألت بوجه الله الجنة، ~~ولو كان المراد بوجهه مخلوقا من مخلوقاته لما جاز أن يقسم عليه ويسأل به ~~ولا كان ذلك أعظم من السؤال به سبحانه. # وهذه الآثار صريحة في أن السؤال بوجهه أبلغ وأعظم من السؤال به، فقد قال ~~رسول ms415 الله صلى الله عليه وسلم " «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة» " فدل على ~~بطلان قول من قال هو ذاته. # الثالث عشر: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ~~يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل ~~الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ~~" فإضافة السبحات التي هي الجلال والنور إلى الوجه وإضافة البصر إليه تبطل ~~كل مجاز وتبين أن المراد وجهه. # الرابع عشر: ما قاله عبد الله بن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور ~~السماوات والأرض من نور وجهه، فهل يصح أن يحمل الوجه في هذا على # PageV01P411 # مخلوق أو يكون صلة لا معنى له، أو يكون بمعنى القبلة والجهة، وهذا مطابق ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: " «وأعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» " ~~فأضاف النور إلى الوجه والوجه إلى الذات واستعاذ بنور الوجه الكريم، فعلم ~~أن نوره صفة له كما أن الوجه صفة ذاتية، وهو الذي قاله ابن مسعود هو تفسير ~~قوله: {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] فلا تشغل بأقوال المتأخرين ~~الذين غشت بصائرهم عن معرفة ذلك، فخذ العلم عن أهله، فهذا تفسير الصحابة ~~رضي الله عنهم. # الخامس عشر: أن من تدبر سياق الآيات والأحاديث والآثار التي فيها ذكر وجه ~~الله الأعلى ذي الجلال والإكرام قطع ببطلان قول من حملها على المجاز، وأنه ~~الثواب والجزاء، لو كان اللفظ صالحا في ذلك لغة، فكيف واللفظ لا يصلح لذلك ~~لغة، فمنها قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] وقوله: ~~{وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 19 - ~~20] . # الوجه السادس عشر: أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وجميع أهل السنة ~~والحديث والأئمة الأربعة، وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن ~~المؤمنين يرون وجه ربهم في الجنة، وهي الزيادة التي فسر بها النبي صلى ms416 الله ~~عليه وسلم والصحابة {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] فروى مسلم في ~~صحيحه بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة} [يونس: 26] قال: النظر إلى وجه الله تعالى، فمن أنكر حقيقة الوجه ~~لم يكن للنظر عنده حقيقة ولا سيما إذا أنكر الوجه والعلو، فيعود النظر عنده ~~إلى خيال مجرد، كان أحسن العبارة قال: هو معنى يقوم بالقلب نسبته إليه ~~كنسبة النظر إلى العين، وليس في الحقيقة عنده نظر ولا وجه ولا لذة تحصل ~~للناظر. # الوجه السابع عشر: أن الوجه حيث ورد فإنما ورد مضافا إلى الذات في جميع ~~موارده، والمضاف إلى الرب تعالى نوعان: أعيان قائمة بنفسها كبيت الله وناقة ~~الله وروح الله وعبد الله ورسول الله فهذا إضافة تشريف وتخصيص، وهي إضافة ~~مملوك إلى مالكه (الثاني) صفات لا تقوم بنفسها كعلم الله وحياته وقدرته ~~وعزته وسمعه وبصره ونوره وكلامه، فهذا إذا وردت مضافة إليه فهي إضافة صفة ~~إلى الموصوف بها. # PageV01P412 # إذا عرف ذلك بوجهه الكريم وسمعه وبصره إذا أضيف إليه وجب أن تكون إضافته ~~إضافة وصف لا إضافة خلق، وهذه الإضافة تنفي أن يكون الوجه مخلوقا وأن يكون ~~حشوا في الكلام، وفي سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل ~~المسجد قال " «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان ~~الرجيم» "، فتأمل كيف قرن في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته ~~بالوجه الكريم وهذا صريح في إبطال قول من قال: إنه الذات نفسها، وقول من ~~قال: إنه مخلوق. # الوجه الثامن عشر: أن تفسير وجه الله بقبلة الله وإن قاله بعض السلف ~~كمجاهد وتبعه الشافعي، فإنما قالوه في موضع واحد لا غير، وهو قوله تعالى: ~~{ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] فهب أن هذا ~~كذلك في هذا الموضع، فهل يصح أن يقال ذلك في غيره في المواضع التي ذكر الله ~~تعالى فيها الوجه، فما يفيدكم هذا في قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} [الرحمن: 27] وقوله {إلا ms417 ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل: 20] ~~وقوله {إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9] على أن الصحيح في قوله: {فثم ~~وجه الله} [البقرة: 115] أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه، ~~فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ~~ومعنى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر ~~في سورة البقرة وهو قوله: {فثم وجه الله} [البقرة: 115] وهذا لا يتعين حمله ~~على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على غير ~~القبلة كنظائره كلها أولى، يوضحه: الوجه التاسع عشر: أنه لا يعرف إطلاق وجه ~~الله على القبلة لغة ولا شرعا ولا عرفا بل القبلة لها اسم يخصها، والوجه له ~~اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا يستعار اسمه له، نعم، القبلة تسمى ~~وجهة، كما قال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا} ~~[البقرة: 148] وقد تسمى جهة وأصلها وجهة لكن أعلت بحذف فائها كزنة وعدة، ~~وإنما سميت قبلة ووجهة لأن الرجل يقابلها ويواجهها # PageV01P413 # بوجهه، وأما تسميتها وجها فلا عهد به، فكيف إذا أضيف إلى الله تعالى مع ~~أنه لا يعرف تسمية القبلة (وجهة الله) في شيء من الكلام مع أنها تسمى وجهه، ~~فكيف يطلق عليها وجه الله ولا يعرف تسميتها وجها؟ ! # وأيضا فمن المعلوم أن قبلة الله التي نصبها لعباده هي قبلة واحدة، وهي ~~القبلة التي أمر الله عباده أن يتوجهوا إليها حيث كانوا، لا كل جهة يولي ~~الرجل وجهه إليها فإنه يولي وجهه إلى المشرق والمغرب والشمال وما بين ذلك، ~~وليست تلك الجهات قبلة الله فكيف يقال: أي وجهة وجهتموها واستقبلتموها فهي ~~قبلة الله؟ # فإن قيل: هذا عند اشتباه القبلة على المصلي، وعند صلاته النافلة في ~~السفر، قيل: اللفظ لا إشعار له بذلك البتة، بل هو عام مطلق في الحضر والسفر ~~وحال العلم والاشتباه والقدرة والعجز، يوضحه: أن إخراج الاستقبال المفروض ~~والاستقبال في الحضر وعند العلم والقدرة وهو أكثر أحوال المستقبل، وحمل ~~الآية على استقبال ms418 المسافر في التنفل على الراحلة على حال الغيم ونحوه بعيد ~~جدا عن ظاهر الآية وإطلاقها وعمومها وما قصد بها، فإن " أين " من أدوات ~~العموم، وقد أكد عمومها ب " ما " إرادة لتحقيق العموم كقوله: {وحيثما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] والآية صريحة في أنه أينما ولى العبد فثم ~~وجه الله من حضر أو سفر في صلاة أو غير صلاة، وذلك أن الآية لا تعرض فيها ~~للقبلة ولا لحكم الاستقبال، بل سياقها لمعنى آخر وهو بيان عظمة الرب تعالى ~~وسعته، وأنه أكبر من كل شيء، وأعظم منه، وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي، ~~فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله: {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: ~~115] فنبهنا بذلك على ملكه لما بينهما، ثم ذكر عظمته سبحانه وأنه أكبر ~~وأعظم من كل شيء، فأين ما ولى العبد وجهه فثم وجه الله، ثم ختم باسمين ~~دالين على السعة والإحاطة فقال: {إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] فذكر ~~اسم الواسع عقيب قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] كالتفسير ~~والبيان والتقرير له فتأمله، فهذا السياق لم يقصد به الاستقبال في الصلاة ~~بخصوصه، وإن دخل في عموم الخطاب، حضرا أو سفرا بالنسبة إلى الفرض والنفل، ~~والقدرة والعجز. # وعلى هذا فالآية باقية على عمومها وأحكامها ليست منسوخة ولا مخصوصة، بل # PageV01P414 # لا يصح دخول النسخ فيها، لأنها خبر عن ملكه للمشرق والمغرب وأنه أين ما ~~ولى الرجل وجهه فثم وجه الله، وعن سعته وعلمه، فكيف يمكن دخول النسخ ~~والتخصيص في ذلك. # وأيضا هذه الآية ذكرت مع ما بعدها لبيان عظمة الرب والرد على من جعل لله ~~عدلا من خلقه أشركه معه في العبادة، ولهذا ذكر بعدها الرد على من جعل له ~~ولدا فقال تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات} ~~[البقرة: 116] إلى قوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] فهذا السياق لا تعرض فيه ~~للقبلة، ولا سيق الكلام لأجلها، وإنما سيق لذكر عظمة الرب وبيان سعة علمه ~~وملكه وحلمه، والواسع من أسمائه، فكيف تجعلون له شريكا بسننه وتمنعون بيوته ~~ومساجده ms419 أن يذكر فيها اسمه وتسعون في خرابها، فهذا للمشركين، ثم ذكر ما ~~نسبه إليه النصارى من اتخاذ الولد ووسط بين كفر هؤلاء، وقوله تعالى: {ولله ~~المشرق والمغرب} [البقرة: 115] فالمقام مقام تقرير لأصول التوحيد والإيمان ~~والرد على المشركين، لا بيان فرع معين جزئي. # يوضحه: أن الله تعالى لما ذكر قبلته التي شرعها عينها دون سائر الجهات ~~بأنها شطر المسجد الحرام، وأكد ذكرها مرة بعد مرة تعيينها لها دون غيرها من ~~الجهات بأنها القبلة التي رضيها، وشرعها وأحبها لعباده، ولم يذكر أنها كل ~~جهة بل أخبر أنها قبلة يرضاها رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل استقبالها من ~~أعلام نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم} [البقرة: 144] أي ذلك الاستقبال، وأكد أمر هذه ~~القبلة تأكيدا أزال به استقبال غيرها وأن تكون قبلة شرعها. # الوجه العشرون: أنه سبحانه أخبر عن الجهات التي تستقبلها الأمم منكرة ~~مطلقة غير مضافة إليه، وأن المستقبل لها هو موليها وجهه لا أن الله شرعها ~~له وأمره بها، ثم أمر أهل قبلته المبادرة والمسابقة إلى الخير الذي ادخره ~~لهم وخصهم به ومن جملته هذه القبلة التي خصهم دون سائر الأمم فقال تعالى: ~~{ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] إلى قوله: {قدير} ~~[البقرة: 148] . # فتأمل هذا السياق في ذكر الجهات المختلفة التي توليها الأمم وجوههم، ونزل ~~عليه قوله: {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] إلى قوله: {واسع عليم} ~~[البقرة: 115] وانظر هل يلائم # PageV01P415 # السياق السياق والمعنى المعنى ويطابقه، أم هما سياقان دل كل منهما على ~~معنى غير المعنى الآخر، فالألفاظ غير الألفاظ، والمعنى غير المعنى. # الوجه الحادي والعشرون: أنه لو كان المراد بوجه الله قبلة الله لكان قد ~~أضاف إلى نفسه القبل كلها، ومعلوم أن هذه إضافة تخصيص وتشريف إلى إلهيته ~~ومحبته لا إضافة عامة إلى ربوبيته ومشيئته، وما هذا شأنها لا يكون المضاف ~~الخاص إلا كبيت الله وناقة الله وروح الله، فإن البيوت والنوق والأرواح ~~كلها لله، ولكن المضاف إليه بعضها، فقبلة الله ms420 منها هي قبلة بيته لا كل ~~قبلة، كما أن بيته هو البيت المخصوص لا كل بيت. # الوجه الثاني والعشرون: أن يقال: حمل الوجه في الآية على الجهة والقبلة، ~~إما أن يكون هو ظاهر الآية أو يكون خلاف ظاهرها، ويكون المراد بالوجه وجه ~~الله حقيقة ; لأن الوجه إنما يراد به الجهة والقبلة إذا جاء مطلقا غير مضاف ~~إلى الله تعالى كما في حديث الاستسقاء، فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا ~~أخبر بالجود، أم يكون ظاهر الآية الأمرين كليهما ولا تنافي بينهما، فأينما ~~ولى العبد وجهه في صلاة تولية مأمور بها فهو قبلة الله، وثم وجه الله، فهو ~~مستقبل قبلته ووجهه، أو تكون الآية مجملة محتملة للأمرين، فإن كان الأول هو ~~ظاهرها لم يكن حملها عليه مجازا، وكان ذلك حقيقتها، ومن يقول هذا يقول وجه ~~الله في هذه الآية قبلته وجهته التي أمر باستقبالها بخلاف وجهه في قوله: ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] وتلك النصوص التي ذكرناها ~~وغاية ذلك أن يكون الوجه لفظا مشتركا قد استعمل في هذا تارة وفي هذا تارة، ~~فمن أين يلزم من ذلك أن يكون وجه الرب ذو الجلال والإكرام مجازا وأن لا ~~يكون له وجه حقيقة؟ لولا التلبيس والترويج بالباطل. # وإن كان الثاني فالأمر ظاهر، وإن كان الثالث فلا تنافي بين الأمرين، ~~فأينما ولى المصلي فهي قبلة الله وهو مستقبل وجه ربه ; لأنه واسع والعبد ~~إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه تعالى والله مقبل على كل مصل إلى وجهه ~~من الجهات المأمور بها بوجهه، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مثل قوله: ( «إذا قام # PageV01P416 # أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه» ) وفي لفظ: " ~~«فإن ربه بينه وبين القبلة» ". # وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله، فإنه قد دل العقل ~~والفطرة وجميع كتب الله السماوية على أن الله تعالى عال على خلقه فوق جميع ~~المخلوقات، وهو مستو على عرشه، وعرشه فوق ms421 السماوات كلها، فهو سبحانه محيط ~~بالعوالم كلها، فأينما ولى العبد فإن الله مستقبله، بل هذا شأن مخلوقه ~~المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط فإنه يستقبل وجه ~~المحيط ويواجهه، والمركز يستقبل وجه المحيط، وإذا كان عالي المخلوقات ~~المحيط يستقبل سافلها المحاط به بوجهه من جميع الجهات والجوانب، فكيف بشأن ~~من هو بشكل شيء محيط وهو محيط ولا يحاط به، كيف يمتنع أن يستقبل العبد وجهه ~~تعالى حيث كان وأين كان، وقوله: {فثم وجه الله} [البقرة: 115] إشارة إلى ~~مكان موجود، والله تعالى فوق الأمكنة كلها ليس في جوفها، وإن كانت الآية ~~مجملة محتملة لأمرين لم يصح دعوى المجاز فيها ولا في وجه الله حيث ورد، ~~فبطلت دعواهم أن وجه الله على المجاز لا على الحقيقة، يوضحه: # الوجه الثالث والعشرون: أنه لو أريد بالوجه في الآية الجهة والقبلة لكان ~~وجه الكلام أن يقال: " فأينما تولوا فهو وجه الله " ; لأنه إذا كان المراد ~~بالوجه الجهة فهي التي تولى نفسها، وإنما يقال: ثم كذا إذا كان هناك أمران، ~~كقوله تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} [الإنسان: 20] فالنعيم ~~والملك ثم لا أنه نفس الظرف لنفسه، فإن الشيء لا يكون ظرفا لنفسه، فتأمله. # ألا ترى أنك إذا أشرت إلى جهة الشرق والغرب لا يصح أن تقول: ثم جهة الشرق ~~وثم جهة الغرب، بل تقول: هذه جهة الشرق وهذه جهة الغرب، ولو قلت: هناك جهة ~~الشرق والغرب لكان ذكر اللفظ لغوا، وذلك لأن ثم إشارة إلى المكان البعيد ~~فلا يشار بها إلى القريب، والجهة والوجهة مما يحاذيك إلى آخرها، فجهة الشرق ~~والغرب وجهة القبلة مما يتصل لك إلى حيث ينتهي، فكيف يقال فيها ثم إشارة ~~إلى البعيد بخلاف # PageV01P417 # الإشارة إلى وجه الرب تبارك وتعالى، فإنه يشار إلى حيث يشار إلى ذاته، ~~لهذا قال غير واحد من السلف: فثم وجه الله تحقيقا ; لأن المراد وجهه الذي ~~هو من صفات ذاته والإشارة إليه بأنه ثم كالإشارة إليه بأنه فوق سماواته، ~~وعلى العرش، وفوق ms422 العالم. # الوجه الرابع العشرون: أن تفسير القرآن بعضه ببعض أولى التفاسير ما وجد ~~إليه السبيل، ولهذا كان يعتمده الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم، والله ~~تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجهة، وذكر وجهه الكريم باسم ~~الوجه المضاف إليه، فتفسيره في هذه الآية بنظائره هو المتعين. # الوجه الخامس والعشرون: أن الآية لو احتملت كل واحد من الأمرين لكان ~~الأولى بها إرادة وجهه الكريم ذي الجلال والإكرام ; لأن المصلي مقصوده ~~التوجه إلى ربه، فكان من المناسب أن يذكر أنه إلى أي الجهات صليت فأنت ~~متوجه إلى ربك، ليس في اختلاف الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك، فجاءت الآية ~~وافية بالمقصود فقال: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة: 115] فأخبر أن الجميع ملكه وقد خلقه، وقد علم بالفطرة والشرع أن ~~الله تعالى فوق العالم محيط بالمخلوقات عال عليها بكل اعتبار، فمن استقبل ~~وجهة من الشرق إلى الغرب أو الشمال أو الجنوب أو بين ذلك فإنه متوجه إلى ~~ربه حقيقة، والله تعالى قبل وجهه إلى أي جهة صلى، وهو مع ذلك فوق سماواته ~~عال على عرشه، ولا يتوهم تنافي هذين الأمرين بل اجتماعهما هو الواقع، ولهذا ~~عامة أهل الإثبات جعل الآية من آيات الصفات وذكرها مع الوجه، مع قولهم: إن ~~الله تعالى فوق سماواته على عرشه. # الوجه السادس والعشرون: أنك إذا تأملت الأحاديث الصحيحة وجدتها مفسرة ~~للآية، مشتقة منه كقوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا قام أحدكم إلى الصلاة ~~فإنما يستقبل ربه» "، وقوله: " «فالله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه ~~عنه» "، وقوله: " «إن الله يأمركم بالصلاة فإذا صليتم قبل وجهه» "، وقوله: ~~" «إن الله يأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه ~~لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» " رواه ابن حبان # PageV01P418 # في صحيحه والترمذي، وقال: " «إن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى ~~الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء» ". # وقال جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ms423 " «إذا قام العبد ~~يصلي أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت أعرض الله عنه وقال: يا ابن آدم أنا ~~خير ممن تلتفت إليه، فإذا أقبل على صلاته أقبل الله عليه، فإذا التفت أعرض ~~الله عنه» " وقال ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «إذا صلى أحدكم ~~فلا يتنخمن تجاه وجه الرحمن» "، وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " «إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن، فإذا التفت ~~قال له: ابن آدم إلى من تلتفت؟ إلى خير لك مني تلتفت» ؟ ". ### | المثال السادس اسم الله النور وقوله تعالى الله نور السماوات والأرض # المثال السادس: قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] ومن ~~أسمائه النور، وقالت المعطلة: ذلك مجاز، معناه منور السماوات والأرض بالنور ~~المخلوق، قالوا: ويتعين المجاز لأن كل عاقل يعلم بالضرورة أن الله تعالى ~~ليس هو هذا النور المنبسط على الجدران، ولا هو النور الفائض من جرم الشمس ~~والقمر والنار، فإما أن يكون مجازه منور السماوات، أو هادي أهلها. # وبطلان هذا يتبين بوجوه: الأول: أن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا ~~الاسم مما تلقته الأمة بالقبول وأثبتوه في أسمائه الحسنى، وهو في حديث أبي ~~هريرة والذي رواه الوليد بن مسلم ومن طريقه رواه الترمذي والنسائي ولم ~~ينكره أحد من السلف ولا أحد من أئمة أهل السنة، ومحال أن يسمي نفسه نورا، ~~وليس له نور، ولا صفة النور ثابتة له، كما أن من المستحيل أن يكون عليما ~~قديرا سميعا بصيرا، ولا علم له ولا قدرة، بل صحة هذه الأسماء عليه مستلزمة ~~لثبوت معانيها له، وانتفاء حقائقها عنه مستلزم لنفيها عنه، والثاني باطل ~~قطعا فتعين الأول. # الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو ذر: «هل رأيت ~~ربك؟ قال " نور أنى # PageV01P419 # أراه» " رواه مسلم في صحيحه، وفي الحديث قولان: أحدهما: أن معناه ثم نور، ~~أي فهناك نور منعني رؤيته، ويدل على هذا المعنى شيئان (أحدهما) قوله في ~~اللفظ الآخر في الحديث: " «رأيت نورا» " فهذا النور ms424 الذي رآه هو الذي حال ~~بينه وبين رؤية الذات، الثاني: قوله في حديث أبي موسى ( «إن الله لا ينام ~~ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات ~~وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» " رواه مسلم في صحيحه، وقال عثمان بن ~~سعيد الدارمي: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن عبيد المكتب عن مجاهد ~~عن ابن عمر قال: " «احتجب الله عنه خلقه بأربع: بنار وظلمة ونور وظلمة» " ~~وقال: حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن زرارة ~~بن أوفى «أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل: " هل رأيت ربك؟ " فانتفض ~~جبريل وقال: يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور، لو دنوت من أدناها ~~لاحترقت» ". # المعنى الثاني في الحديث أنه سبحانه نور فلا يمكن رؤيته ; لأن نوره الذي ~~لو كشف الحجاب عنه لاحترقت السماوات والأرض وما بينهما مانع من رؤيته، فإن ~~كان المراد هو المعنى الثاني فظاهر، وإن كان الأول فلا ريب أنه إذا كان نور ~~الحجاب مانعا من رؤية ذاته فنور ذاته سبحانه أعظم من نور الحجاب، بل الحجاب ~~إنما استنار بنوره، فإن نور السماوات إذا كان من نور وجهه، كما قال عبد ~~الله بن مسعود، فنور الحجاب الذي فوق السماوات أولى أن يكون من نوره، وهل ~~يعقل أن يكون النور حجاب من ليس له نور؟ هذا أبين المحال، وعلى هذا فلا ~~تناقض بين قوله صلى الله عليه وسلم: " «رأيت نورا» " وبين قوله: " «نور أنى ~~أراه» " فإن المنفي مكافحة الرؤية للذات المقدسة، والمثبت رؤية ما ظهر من ~~نور الذات، يوضحه: # الوجه الثالث: وهو أن ابن عباس جمع بين الأمرين فقال: رأى محمد ربه عز # PageV01P420 # وجل فقيل له: أليس الله تعالى يقول: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] ~~فقال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره لم يقم له شيء، فأخبر أن ~~الأبصار لا تدرك نفس ms425 ذاته إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، فهذا موافق لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم " «نور أنى أراه» " ولقوله: «رأيت نورا» . # الوجه الرابع: أن الرب سبحانه أخبر أنه لما تجلى للجبل وظهر له أمر ما من ~~نور ذاته المقدسة صار الجبل دكا، فروى حميد عن ثابت «عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل} [الأعراف: 143] أشار أنس ~~بطرف إصبعه على طرف خنصره، وكذلك أشار ثابت فقال له حميد الطويل: ما تريد ~~يا أبا محمد؟ فرفع ثابت يده فضرب صدره ضربة شديدة وقال: من أنت يا حميد، ~~يحدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول أنت: ما تريد بهذا؟ ومعلوم ~~أن الذي أصار الجبل إلى هذا الحال ظهور هذا القدر من نور الذات له بلا ~~واسطة، بل تجلى ربه له سبحانه» . # الوجه الخامس: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول إذا قام من الليل: " «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات ~~والأرض» " الحديث، وهو يقتضي أن كونه نور السماوات والأرض مغاير لكونه رب ~~السماوات والأرض، ومعلوم أن إصلاحه السماوات والأرض بالأنوار وهدايته لمن ~~فيهما هي ربوبيته، فدل على أن معنى كونه نور السماوات والأرض أمر وراء ~~ربوبيتها، يوضحه: # الوجه السادس: وهو أن الحديث تضمن ثلاثة أمور شاملة عامة للسماوات والأرض ~~وهو: ربوبيتها وقيوميتها ونورهما، فكونه سبحانه ربا لهما وقيوما لهما ونورا ~~لهما أوصاف له، فآثار ربوبيته وقيوميته ونوره قائمة بهما، وصفة الربوبية ~~ومقتضاها هو المخلوق المنفصل، وهذا كما أن صفة الرحمة والقدرة والإرادة ~~والرضى والغضب قائمة به سبحانه، والرحمة الموجودة في العالم، والإحسان ~~والخير، والنعمة والعقوبة آثار تلك الصفات، وهي منفصلة عنه، وهكذا علمه ~~القائم به هو صفته، وأما علوم عباده فمن آثار علمه، وقدرتهم من آثار قدرته، ~~فالتبس هذا الموضع على منكري نوره سبحانه، ولبسوا من جرم الشمس والقمر ~~والنار، فلا بد من حمل قوله: {نور السماوات والأرض} [النور: 35] # PageV01P421 # على معنى أنه منور السماوات والأرض، وهاد لأهل ms426 السماوات والأرض، وحينئذ ~~فنقول في: الوجه السابع: أسأتم الظن بكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~حيث فهمتم أن حقيقة مدلوله أنه سبحانه هو هذا النور الواقع على الحيطان ~~والجدران، وهذا الفهم الفاسد هو الذي أوجب لكم إنكار حقيقة نوره وجحده، ~~وجمعتم بين الفهم الفاسد وإنكار المعنى الحق، وليس ما ذكرتم من النور هو ~~نور الرب القائم به الذي هو صفته، وإنما هو مخلوق له منفصل عنه، فإن هذه ~~الأنوار المخلوقة إنما تكون في محل دون محل، فالنور الفائض عن النار أو ~~الشمس أو القمر إنما هو نور لبعض الأرض دون بعض، فإنا نعلم أن نور الشمس ~~الذي هو أعظم من نور القمر والكواكب والنار، ليس هو نور جميع السماوات ~~والأرض ومن فيهن، فمن ادعى أن ظاهر القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن نور الرب سبحانه هو هذا النور الفائض فقد كذب على الله ورسوله، فلو كان ~~لفظ النص: الله هو النور الذي تعاينونه وترونه في السماوات والأرض لكان ~~لفهم هؤلاء وتحريفهم مستندا ما، أما ولفظ النص: {الله نور السماوات والأرض} ~~[النور: 35] فمن أين يدل هذا بوجه ما أنه النور الفائض عن جرم الشمس والقمر ~~والنار، فإخراج نور الرب تعالى عن حقيقته وحمل لفظه على مجازه إنما استند ~~إلى هذا الفهم الباطل الذي لم يدل عليه اللفظ بوجه. # الوجه الثامن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر هذه الآية بقوله: " ~~«أنت نور السماوات والأرض» " ولم يفهم منه أنه هو النور المنبسط على ~~الحيطان والجدران، ولا فهمه الصحابة عنه بل علموا أن لنور الرب تعالى شأنا ~~آخر هو أعظم من أن يكون له مثال، قال عبد الله بن مسعود: ليس عند ربكم ليل ~~ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه، فهل أراد ابن مسعود أن هذا ~~النور الذي على الحيطان ووجه الأرض هو عين نور الوجه الكريم، أو فهم هذا ~~عنهم ذو فهم مستقيم؟ ! فالقرآن والسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم ~~متطابقة يوافق بعضها بعضا، وتصرح بالفرق ms427 الذي بين النور الذي هو صفته، ~~والنور الذي هو خلق من خلقه، كما تفرق بين الرحمة التي هي صفته، والرحمة ~~التي هي مخلوقة، ولكن لما وجدت في رحمته سميت برحمته، وكما أنه لا يماثل في ~~صفة من صفات خلقه، فكذلك نوره سبحانه، فأي نور من الأنوار المخلوقة إذا ظهر ~~للعالم وواجهه أحرقه؟ وأي نور إذا ظهر منه للجبال الشامخة قدرا ما جعلها ~~دكا، وإذا كانت أنوار الحجب لو دنا جبرائيل من أدناها لاحترق، فما الظن ~~بنور الذات. # PageV01P422 # الوجه التاسع: أنه تعالى قال: {وأشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر: 69] ~~فأخبر أن الأرض يوم القيامة تشرق بنوره، وهو نوره الذي هو نوره، فإنه ~~سبحانه يأتي لفصل القضاء بين عباده وينصب كرسيه بالأرض، فإذا جاء الله ~~تعالى أشرقت الأرض وحق لها أن تشرق بنوره، وعند المعطلة لا يأتي ولا يجيء ~~ولا له نور تشرق به الأرض. # الوجه العاشر: ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا ~~رءوسهم فإذا الجبار جل جلاله وقد أشرق عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة، ~~السلام عليكم، فذلك قوله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] قال: ثم ~~يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم» ، رواه الحاكم في صحيحه ~~وابن ماجه في سننه، فهذا نور مشاهد قد سطع لهم حتى حركهم واستفزهم إلى رفع ~~رءوسهم إلى فوق. # الوجه الحادي عشر: أن النص قد ورد بتسمية الرب نورا، وبأن له نورا مضافا ~~إليه، وبأنه نور السماوات والأرض، وبأن حجابه نور، هذه أربعة أنواع، فالأول ~~يقال عليه سبحانه بالإطلاق، فإنه النور الهادي، والثاني يضاف إليه كما يضاف ~~إليه حياته وسمعه وبصره وعزته وقدرته وعلمه، وتارة يضاف إلى وجهه، وتارة ~~يضاف إلى ذاته، فالأول إضافته كقوله: " أعوذ بنور وجهك " وقوله: " نور ~~السماوات والأرض من نور وجهه "، والثاني إضافته إلى ذاته كقوله {وأشرقت ~~الأرض بنور ربها} [الزمر: 69] وقول ابن عباس: " ذلك نوره الذي ms428 إذا تجلى به ~~"، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو " «إن الله خلق خلقه ~~في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره» " الحديث. الثالث وهو إضافة نوره إلى ~~السماوات والأرض، كقوله: {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] والرابع ~~كقوله: " حجابه النور " فهذا النور المضاف إليه يجيء على أحد الوجوه ~~الأربعة، والنور الذي احتجب به سمي نورا ونارا، كما وقع التردد في لفظه في ~~الحديث الصحيح، حديث # PageV01P423 # أبي موسى الأشعري وهو قوله: " حجابه النور أو النار "، فإن هذه النار هي ~~نور، وهي التي كلم الله كليمه موسى فيها، وهي نار صافية لها إشراق بلا ~~إحراق. # فالأقسام ثلاثة: إشراق بلا إحراق كنور القمر، وإحراق بلا إشراق وهي نار ~~جهنم فإنها سوداء محرقة لا تضيء، وإشراق بإحراق وهي هذه النار المضيئة ~~وكذلك نور الشمس له الإشراق والإحراق، فهذا في الأنوار المشهودة المخلوقة، ~~وحجاب الرب تبارك وتعالى نور وهو نار، وهذه الأنواع كلها حقيقة بحسب ~~مراتبها، فنور وجهه حقيقة لا مجاز، وإذا كان نور مخلوقاته كالشمس والقمر ~~والنار حقيقة فكيف يكون نوره الذي نسبة الأنوار المخلوقة إليه أقل من نسبة ~~سراج ضعيف إلى قرص الشمس، فكيف لا يكون هذا النور حقيقة. # الوجه الثاني عشر: أن إضافة النور إليه سبحانه لو كان إضافة ملك وخلق ~~لكانت الأنوار كلها نوره، فكان نور الشمس والقمر والمصباح نوره، فإن كانت ~~حقيقة هذه الإضافة إضافة مخلوق إلى خالقه كان نوره حقيقة، فيا عجبا لكم: ~~أنكرتم أن يكون الله سبحانه نور السماوات والأرض حقيقة، وأن يكون لوجهه نور ~~حقيقة، ثم جعلتم نور الشمس والقمر والمصابيح نوره حقيقة، وقد علم الناس ~~بالضرورة فساد هذا، وأن نوره المضاف إليه يختص به لا يقوم بغيره، فإن نور ~~المصباح قام بالفتيلة منبسطا على السقوف والجدران، وليس ذلك هو نور الرب ~~تعالى الذي هو نور ذاته ووجهه الأعلى، بل ذلك هو المضاف إليه حقيقة، كما أن ~~نور الشمس والقمر والمصابيح مضاف إليها حقيقة، قال تعالى: {هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: ms429 5] وقال تعالى: {وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا} [الفرقان: 61] وقال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ~~وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] فهذا نور مخلوق قائم بجرم مخلوق لا يسمى ~~به الرب تعالى ولا يوصف به ولا يضاف إليه إلا على جهة أنه مخلوق له مجهول ~~لا على أنه وصف له قائم به، فالتسوية بين هذا وبين نور وجهه الذي أشرقت له ~~الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة واستعاذ به العائذون من أبطل ~~الباطل. # الوجه الثالث عشر: أن مثبتي الصفات كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب ~~وأبي الحسن الأشعري وأئمة أتباعهما لم يذكروا الخلاف في ذلك إلا عن ~~المعتزلة، # PageV01P424 # فإنكار كونه نورا هو قول المبتدعة، قال ابن فورك في كتابه الذي سماه ~~مقالات أبي محمد بن كلاب وأبي الحسن الأشعري وذكر اتفاقهما إلا فيما ندر من ~~الأمور اللفظية إلى أن قال: إن المشهور من مذهبه بأن الله سبحانه نور لا ~~كأنوار حقيقة لا بمعنى أنه هاد، وعلى ذلك نص في كتاب التوحيد في باب مفرد ~~لذلك تكلم فيه على المعتزلة إذ تأولوا ذلك على معنى أنه هاد، فقال: إن سأل ~~سائل عن الله عز وجل أنور هو؟ قيل له: كلامك يحتمل وجهين: إن كنت تريد أنه ~~نور يتجزأ تجوز عليه الزيادة والنقصان فلا، وهذه صفة النور المخلوق، وإن ~~كنت تريد معنى ما قاله الله سبحانه {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] ~~فالله سبحانه نور السماوات والأرض على ما قال. # فإن قال: فما معنى قولك نور؟ قيل له: قد أخبرناك ما معنى النور المخلوق ~~وما معنى النور الخالق، وهو الله سبحانه الذي ليس كمثله شيء، ومن تعدى أن ~~يقول الله نور فقد تعدى إلى غير سبيل المؤمنين ; لأن الله لم يكن يسمي نفسه ~~لعباده بما ليس هو به، فإن قال: لا أعرف النور إلا هذا النور المضيء ~~المتجزئ، قيل له: فإن كان لا يكون نور إلا كذلك، فكذلك لا يكون شيئا إلا ~~وحكمه حكم ذلك الشيء. # ثم قال ابن فورك: فإذا قال ms430 الله عز وجل: إني نور، قلت أنا: هو نور على ما ~~قال سبحانه وتعالى، وقلت أنت: ليس هو نور، فمن المثبت له على الحقيقة أنا ~~أو أنت؟ وكيف يتبين الحق فيه إلا من جهة ما أخبر الله سبحانه، والدافع لما ~~قال الله كافر بالله، وإن لزمنا أن لا نقول: إن الله نور لأن ذلك موجود في ~~الخلق؛ لزمنا أن لا نقول إن الله حي سميع بصير موجود، لأن ذلك موجود في ~~الخلق، ومعنانا في هذا الباب خلاف معناكم ; لأن معناكم في ذلك التعطيل، ~~ومعنانا في قولنا: الله نور نثبت الله تعالى على ما ورد به في كتابه بما ~~يسمى به عندنا، فنحن متبعون ما أخبرنا به في كتابه، فإن جاز لكم أن تقولوا ~~شيئا لا كالأشياء جاز لنا أن نقول نور لا كالأنوار، وأنتم ظلمة فيما سألتم، ~~جحدة لما أخبر به عن نفسه في كتابه، ونحن وأنتم متفقون إن أقررتم بالكتاب ~~أن لله نور السماوات والأرض، ومختلفون في أن نقول: نور فقلنا نحن: نور، ~~وقلتم أنتم: لا نقول نور، فإن زعمتم أن معنى نور معنى هاد قلنا لكم: فيجوز ~~أن يكون غير نور بمعنى أنه هاد، فإن قلتم: لا، كذبتم القياس واللغة، وإن ~~قلتم: نعم، قلنا لكم: سويتم بين النور والهادي الذي هو غير الله وبينه إن ~~كان هو النور الهادي ومعنى هذا نور، معنى كون هذا فقد استويا في معنيهما ~~وأسمائهما فدخلتم فيما عبتم على مخالفيكم. # PageV01P425 # فإن قلتم: فالنور لا يكون إلا جسدا مجسدا أو ضياء ساطعا، قلنا: ولا يكون ~~عالم بصير إلا لحما ودما متجزئا متبعضا، فإن جاز قياسكم على مخالفيكم جاز ~~قياسه عليكم، فإن قلتم: يجوز أن يكون عالم لا لحم ولا دم، قيل لكم: كذلك ~~يجوز أن يكون نور لا جسد ولا ضوء ساطع، وليس لكم إلا التعطيل والنفي لله ~~سبحانه. # قال ابن فورك: وإنما استوفيت هذا الفصل من كتابه رحمه الله بألفاظه ~~لتحقيقه هذا الوصف لله تمسكا بحكم الكتاب وإنه لا يرى أن يعدل عن ms431 الكتاب ما ~~وجد السبيل إلى التمسك به لرأي وهوى لا يوجبه أصل صحيح، قال: فقد كشف عن ~~ذلك بغاية البيان وأزال اللبس فيه وأن السمع هو الحجة في تسمية الله ~~سبحانه، ولا يجب أن يحمل على المجاز، لأنه يوجب أن يحمل ما ورد به السمع من ~~أسمائه تعالى على المجاز. # وقال أبو بكر بن العربي: قد اختلف الناس بعد معرفتهم بالنور على ستة ~~أقوال: الأولى: معناه هاد، قاله ابن عباس، والثاني: معناه منور، قاله ابن ~~مسعود، وروي أن في مصحفه منور السماوات والأرض، والثالث: مزين، وهو يرجع ~~إلى معنى منور، قاله أبي بن كعب، الرابع: أنه ظاهر، الخامس: ذو النور، ~~السادس أنه نور لا كالأنوار، قاله أبو الحسن الأشعري. # قال: وقالت المعتزلة: لا يقال له: نور إلا بإضافة، قال: والصحيح عندنا ~~أنه نور لا كالأنوار، لأنه حقيقة والعدول عن الحقيقة إلى أنه هاد ومنور وما ~~أشبه ذلك هو مجاز من غير دليل لا يصح. # قلت: أما حكايته عن ابن عباس أنه بمعنى هاد فعمدته على التفسير الذي رواه ~~الناس عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي ~~عن ابن عباس، وفي ثبوت ألفاظه عن ابن عباس نظر ; لأن الوالبي لم يسمعها من ~~ابن عباس فهو منقطع، وأحسن أحواله أن يكون منقولا عن ابن عباس بالمعنى، ولو ~~صح ذلك عن ابن عباس فليس مقصوده به نفي حقيقة النور عن الله، وأنه ليس بنور ~~ولا نور له، كيف وابن عباس هو الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قوله ~~في صلاة الليل: " «اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن» "، ~~وهو الذي قال لعكرمة لما سأله عن قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] ~~قال: ويحك ذاك نور، إذا تجلى بنوره لم # PageV01P426 # يدركه شيء، كيف ولفظ الآية والحديث ينبو عن تفسير النور بالهادي ; لأن ~~الهداية تختص بالحيوان وأما الأرض نفسها والسماء فلا توصف بهدى، والقرآن ~~والحديث وأقوال الصحابة صريح بأنه سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، ms432 ولكن ~~عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير اللفظة بعض معانيها ولازما من لوازمها ~~أو الغاية المقصودة منها أو مثالا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثير في ~~كلامهم لمن تأمله، فكونه سبحانه هاديا لا ينافي كونه نورا. # وأما ما ذكره عن ابن مسعود أنه بمعنى منور وأنها في مصحفه كذلك، فهذا لا ~~ينافي كونه في نفسه نورا وأن يكون النور من أسمائه وصفاته بل يؤكد ذلك، فإن ~~الموجودات النورانية نوعان (منها) ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره ~~كالجمرة مثلا، فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنير في نفسه وهو منير ~~لغيره كالشمس والقمر والنار، وليس في الموجودات ما هو منور لغيره وهو في ~~نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورا في نفسه، فقراءة ابن مسعود ~~منور تحقيق لمعنى كونه نورا، وهذا مثل كونه متكلما معلما مرشدا مقدرا ~~لغيره، فإن ذلك فرع كونه في نفسه متكلما عالما رشيدا قادرا، قد صرح ابن ~~مسعود بأن نور السماوات والأرض من نور وجهه تبارك وتعالى. # وأما ما حكاه عن أبي بن كعب أنه بمعنى مزين فلا أصل له عن أبي، وهو ~~بالكذب عليه أشبه، فإن تفسير أبي لهذه الآية معروف، رواه عنه أهل الحديث من ~~طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي، ذكره ابن جريج ومعمر ووكيع ~~وهشيم، وابن المبارك وعبد الرزاق والإمام أحمد وإسحاق وخلائق غيرهم. # وذكر ابن جرير وسعيد وعبد بن حميد وابن المنذر في تفاسيرهم من طريق عبد ~~الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي ~~بن كعب في قول الله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] قال: ~~فبدأ بنور نمسه فذكره، ثم ذكر نور المؤمن فقال {مثل نوره} [النور: 35] يقول ~~مثل نور المؤمن، قال: وكان أبي بن كعب يقرؤها كذلك (مثل نور المؤمن) قال ~~فهو عبد جعل الإيمان والقرآن في صدره {كمشكاة} [النور: 35] قال المشكاة ~~صدره {فيها مصباح} [النور: 35] قال: المصباح القرآن والإيمان الذي ms433 جعل في ~~صدره {المصباح في زجاجة} [النور: 35] قال {الزجاجة} [النور: 35] قلبه، ~~{كأنها كوكب دري} [النور: 35] # PageV01P427 # قال قلبه لما استنار فيه الإيمان والقرآن كأنه كوكب دري، يقول: مضيء ~~{يوقد من شجرة مباركة} [النور: 35] قال فالشجرة المباركة الإخلاص لله وحده ~~لا شريك له {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال فمثله كمثل شجرة التف بها ~~الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا ~~إذا غربت، قال فذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يضله شيء من الفتن وقد ابتلي ~~بها فثبته الله، فها هو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن ~~قال صدق، وإن حكم عدل، فهو في الناس كرجل يمشي في قبور الأموات، {نور على ~~نور} [النور: 35] فهو يتقلب في خمسة من النور، فكلامه نور، وعلمه نور، ~~ومدخله نور، ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. # قال: ثم ضرب مثلا آخر للكافر: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} ~~[النور: 39] الآية، قال: فكذلك الكافر في يوم القيامة، وهو يحسب أن له عند ~~الله خيرا فلا يجده فيدخله النار. # قال: وضرب مثلا آخر للكافر فقال: {أو كظلمات في بحر لجي} [النور: 40] ~~الآية، فهو ينقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ~~ظلمة، ومصيره إلى الظلمات إلى النار. # فهذا التفسير المعروف عن أبي لا ما ذكره. # وأما قوله يصح أن يكون النور صفة فعل على معنى أنه ظاهر، فما أبعده عن ~~الصواب، وكونه ظاهرا ليس بصفة فعل، فإنه الأول والآخر، والظاهر والباطن، ~~وتلك صفات ذاته المقدسة لا أنها أفعال. # قال الأشعري في الإبانة: قال الله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل ~~نوره} [النور: 35] فسمى نفسه نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أحد ~~معنيين: إما أن يكون نورا يسمع أو نورا يرى، فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى ~~كان مخطئا في نفيه رؤية ربه وتكذيبه بكتابه عز وجل وقول نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، هذا لفظه. # وقال القاضي أبو يعلى: فأما ms434 قوله في حديث جابر: ( «بينا أهل الجنة في ~~نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق رءوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم ~~قال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: {سلام قولا من رب ~~رحيم} [يس: 58] قال: فينظر # PageV01P428 # إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون ~~إليه» ، قال: فلا يمتنع حمله على ظاهره وأنه نور ذاته، لأنه إذا جاز أن ~~تظهر لهم ذاته فيرونها جاز أن يظهر لهم نورها فيرونه، لأن النور من صفات ~~ذاته وهو قوله: {وأشرقت الأرض بنور ربها} [الزمر: 69] وذكر في موضع آخر ~~قولين في ذلك، ورجح هذا القول، قال: وهو أشبه بكلام أحمد. # الوجه الرابع عشر: أن النور صفة الكمال، وضده صفة نقص، ولهذا سمى الله ~~نفسه نورا، وسمى كتابه نورا وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة فقال: ~~{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] ويجيء الأنبياء يوم ~~القيامة وأممهم لكل نبي نوران، ولكل واحد من أتباعهم نور وتجيء هذه الأمة ~~لكل منهم نوران ولنبيهم صلى الله عليه وسلم في كل شعرة نور، ولما كانت مادة ~~الملائكة التي خلقوا منها نورا، كانوا بالمحل الذي أحلهم الله به وكانوا ~~خيرا محضا، وللنور ظاهر وباطن فمتى حل ظاهره بجسم كساه من الجمال والجلال ~~والمهابة والضياء والحسن والبهجة والسناء بحسب ما كسي من النور وزالت عنه ~~الوحشة والثقل، وكان مفرحا لرائيه سارا لناظريه، وإذا حل باطنه بالباطن ~~اكتسى من الخير والعلم والرحمة والهداية والعفو والجود والصبر والحلم ~~والتواضع والنصيحة بحسب ذلك النور، فالنور في الحقيقة هو كمال العبد في ~~الظاهر والباطن. # ولما كان ليوسف الصديق من هذا النور النصيب الوافر ظهر في جماله الظاهر ~~والباطن، فكان على الصفة التي ذكرها الله في كتابه، وكذلك رسول الله لما ~~كان نصيبه من هذا النور أكمل نصيب كان أجمل الخلق ظاهرا وباطنا، فكان وجهه ~~يتلألأ تلألأ القمر ليلة البدر، وكان كلامه كله نورا ومدخله ms435 ومخرجه نورا، ~~فإذا تكلم رؤي النور يخرج من بين ثناياه، فكان أكمل الخلق في نور الظاهر ~~والباطن وكان نوره من أكبر آيات نبوته. # قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المدينة انجفل الناس إليه فجئت # PageV01P429 # حتى رأيته، فلما وقع بصري عليه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما ~~سمعته يقول: " «يا أيها الناس أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا ~~الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» "، فاستدل على ~~نبوته بنور وجهه ونور كلامه بنوره المرئي ونوره المسموع، كما قال حسان بن ~~ثابت: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تأتيك بالخبر # أي ما يبدهك من وجهه ومنظره ونوره وبهائه، وأخذه الصرصري فقال: # لو لم يقل إني رسول أما ... شاهده في وجهه ينطق # فإذا كان هذا نور عبده فكيف بنوره سبحانه، والرب تعالى هو الخالق للنور ~~والظلمة كما استفتح سبحانه سورة الأنعام بقوله: {الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ~~[الأنعام: 1] فاستفتح السورة بإبطال قول أهل الشرك أجمعين، من الثنوية ~~المجوس القائلين بأن للعالم نورين: نور وظلمة، فأخبر أنه وحده رب النور ~~والظلمة وخالقهما، كما أنه وحده خالق السماوات والأرض، والله تعالى جعل ~~الموجودات عاليا وسافلا ومتوسطا بينهما، وجعل لسافلها الظلمة، وهي مسكن أهل ~~الظلمات من خلقه، وجعل لعاليها النور، وهو مسكن أهل النور منهم، وجعل هذه ~~الأرض وما فوقها إلى العلو متوسطا بينهما، فكلما كان أقرب إلى العرش ~~والكرسي كان أعظم نورا، ولذا كان فضل نور العرش والكرسي على ما تحته كفضل ~~نور الشمس والقمر على أخفى الكواكب، وكلما كان أقرب إلى السفلي المطلق كان ~~أشد ظلمة، ولهذا لما كان محبس أهل الظلمات سجين كانت سوداء مظلمة لا نور ~~فيها بوجه، فكلما كان أقرب إلى الرب تعالى كان أعظم نورا ظاهرا وباطنا، ~~وكلما بعد عنه كان أشد ظلمة بحسب بعده عنه. # وذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن موسى أقام أياما لا يحدث ms436 بني إسرائيل ~~إلا متبرقعا من النور الذي غشي وجهه حين كلمه ربه، فلم يكن أحد ينظر إليه، ~~فنسبة الأنوار كلها إلى نور الرب كنسبة العلوم إلى علمه، والقوى إلى قوته، ~~والغنى إلى # PageV01P430 # غناه، والعزة إلى عزته، وكذلك باقي الصفات، والعبد إذا سما بصره صعودا ~~إلى نور الشمس غشي دون إدراكه وتعذر عليه غاية التعذر، وأي نسبة لنور الشمس ~~إلى نور خالقها ومبدعها، وإذا كان نور البرق يكاد يلتمع البصر ويخطفه ولا ~~يقدر العبد على إدراكه، فكيف بنور الحجاب فكيف بما فوقه، والأمر أعظم من أن ~~يصفه واصف أو يتصوره عاقل، فتبارك الله رب العالمين الذي أشرقت الظلمات ~~بنور وجهه وعجزت الأفكار عن إدراك كنهه ودلت الآيات وشهدت الفطر باستحالة ~~شبهه، فلولا وصف نفسه لعباده لما أقدموا على وصفه، فهو كما وصف نفسه وأثنى ~~على نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون. ### | المثال السابع إثبات فوقية الله تعالى على الحقيقة # المثال السابع: مما ادعى المعطلة مجازه (الفوقية) وقد ورد به القرآن ~~مطلقا بدون حرف ومقترنا بحرف (فالأول) كقوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} ~~[الأنعام: 18] في موضعين (والثاني) كقوله: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: ~~50] وفي حديث الأول لما ذكر السماوات السبع وذكر البحر الذي فوقها والعرش ~~فوق ذلك كله والله فوق ذلك لا يخفى عليه أعمالكم، وحقيقة الفوقية علو ذات ~~الشيء على غيره، فادعى الجهمي أنها مجاز في فوقية الرتبة والقهر، كما يقال ~~الذهب فوق الفضة والأمير فوق نائبه، وهذا وإن كان ثابتا للرب تعالى، لكن ~~إنكار حقيقة فوقيته سبحانه وحملها على المجاز باطل من وجوه عديدة: # أحدها: أن الأصل الحقيقة، والمجاز على خلاف الأصل. # الثاني: أن الظاهر خلاف ذلك. # الثالث: أن هذا الاستعمال المجازي لا بد فيه من قرينة تخرجه عن حقيقته، ~~فأين القرينة في فوقية الرب تعالى؟ # الرابع: أن القائل إذا قال: الذهب فوق الفضة قد أحال المخاطب على ما يفهم ~~من هذا السياق، والمعتد بأمرين عهد تساويهما في المكان وتفاوتها في المكانة ~~فانصرف الخطاب إلى ما يعرفه السامع، ولا يلتبس عليه، ms437 فهل لأحد من أهل ~~الإسلام وغيرهم عهد بمثل ذلك في فوقية الرب تعالى حتى ينصرف فهم السامع ~~إليها. # الخامس: أن العهد والفطر والعقول والشرائع وجميع كتب الله المنزلة على ~~خلاف ذلك وأنه سبحانه فوق العالم بذاته، فالخطاب بفوقيته ينصرف إلى ما ~~استقر في الفطر والعقول والكتب السماوية. # PageV01P431 # السادس: أن هذا المجاز لو صرح به في حق الله كان قبيحا، فإن ذلك إنما ~~يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدهما أفضل من الآخر، وأما إذا لم يتقاربا ~~بوجه فإنه لا يصح فيهما ذلك، وإذا كان يقبح كل القبح أن تقول: الجوهر فوق ~~قشر البصل وإذا قلت ذلك ضحكت منك العقلاء للتفاوت العظيم الذي بينهما، ~~فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم وفي مثل هذا قيل شعرا: # ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا # السابع: أن الرب سبحانه لم يمتدح في كتابه ولا على لسان رسوله بأنه أفضل ~~من العرش، وأن رتبته فوق رتبة العرش، وأنه خير من السماوات والعرش والكرسي، ~~وحيث ورد ذلك في الكتاب فإنما هو في سياق الرد على من عبد معه غيره وأشرك ~~في إلهيته، فبين سبحانه أنه خير من تلك الآلهة كقوله: {آلله خير أم ما ~~يشركون} [النمل: 59] وقوله: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} ~~[يوسف: 39] وقول السحرة: {وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [طه: ~~73] ولكن أين في القرآن مدحه نفسه وثناؤه على نفسه بأنه أفضل من السماوات ~~والعرش والكرسي ابتداء، ولا يصح إلحاق هذا بذلك، إذ يحسن في الاحتجاج على ~~المنكر وإلزامه من الخطاب الداحض لحجته ما لا يحسن في سياق غيره، ولا ينكر ~~هذا إلا غبي. # الثامن: أن هذا المجاز وإن احتمل في قوله: {وإنا فوقهم قاهرون} [الأعراف: ~~127] فذلك لأنه قد علم أنهم جميعا مستقرون على الأرض، فهي فوقية قهر وغلبة، ~~لم يلزم مثله في قوله: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] إذ قد علم ~~بالضرورة أنه وعباده ليسوا مستوين في مكان واحد حتى تكون فوقية قهر وغلبة. ms438 # التاسع: هب أن هذا يحتمل في مثل قوله: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] ~~لدلالة السياق والقرائن المقترنة باللفظ على فوقية الرتبة، ولكن هذا إنما ~~يأتي مجردا عن (من) ولا يستعمل مقرونا بمن فلا يعرف في اللغة البتة أن ~~يقال: الذهب من فوق الفضة ولا العالم من فوق الجاهل، وقد جاءت فوقية الرب ~~مقرونة بمن كقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] فهذا صريح في ~~فوقية الذات، ولا يصح حمله على فوقية الرتبة لعدم استعمال أهل اللغة له. # PageV01P432 # العاشر: أن لفظ الحديث صريح في فوقية الذات، وهذا لفظه. # قال العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنا بالبطحاء فمرت سحابة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ ~~قالوا: لا، قال: إما واحد وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم عد سبع ~~سماوات ثم قال: وبين السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى ~~سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهم وركبهم كما بين سماء إلى ~~سماء، على ظهورهم العرش، ثم الله فوق ذلك، وهو يعلم ما أنتم عليه» " رواه ~~أبو داود بإسناد جيد. # فتأمل الفوقية في ألفاظ هذا الحديث هل أريد بها فوقية الرتبة في لفظ واحد ~~من ألفاظها؟ # الحادي عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنشده عبد الله بن رواحة ~~قوله: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا # لم ينكر عليه ذلك، بل ضحك حتى بدت نواجذه، ومعلوم قطعا أن ابن رواحة لم ~~يرد بقوله: " وفوق العرش رب العالمينا " أنه أفضل من العرش وخير منه، وهو ~~كان أعلم بالله وصفاته وكماله من أن يقول ذلك، إنما أراد فوقية الذات التي ~~هي حقيقة اللفظ وليس فيه ما يعين المجاز بوجه من الوجوه، فكيف يجوز إطلاق ~~الحقيقة الباطلة عند الجهمية ويقره الرسول عليها، ولا ينكر ذلك عليه؟ ! # الثاني عشر: ما ms439 رويناه بالإسناد الصحيح عن ثابت عن حبيب بن أبي ثابت أن ~~حسان بن ثابت أنشد النبي صلى الله عليه وسلم: # شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل # وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه متقبل # وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يقوم بذات الله فيهم ويعدل # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " وأنا أشهد " وقوله: بإذن الله، أي ~~بأمره ومرضاته، فهل # PageV01P433 # شهد حسان وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادته إلا على فوقية ~~ذاته؟ وهل أراد أنه رسول الذي خير من السماوات وأفضل منها؟ ! # الثالث عشر: ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال " «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش ~~أن رحمتي سبقت غضبي " وفي لفظ: " فهو عنده موضوع على العرش» "، فتأمل قوله: ~~" «فهو عنده فوق العرش» " هل يصح حمل الفوقية على المجاز وفوقية الرتبة ~~والفضيلة بوجه من الوجوه؟ # وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله: {هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] بقوله: " «أنت الأول فليس قبلك شيء، ~~وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس ~~دونك شيء» " فجعل كمال الظهور موجبا لكمال الفوقية، ولا ريب أنه ظاهر بذاته ~~فوق كل شيء، والظهور هنا العلو، ومنه قوله: {فما اسطاعوا أن يظهروه} ~~[الكهف: 97] أي: يعلوه، وقرر هذا المعنى بقوله: " فليس فوقك شيء " أي أنت ~~فوق الأشياء كلها ليس لهذا اللفظ معنى غير ذلك، ولا يصح أن يحمل الظهور على ~~الغلبة لأنه قابله بقوله: وأنت الباطن. # فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان لأزل الرب تعالى وأبده، واسمان ~~لعلوه وقربه، وروى أبو داود بإسناد حسن عنده عن جبير بن محمد بن جبير بن ~~مطعم عن أبيه عن جده قال: " «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي ~~فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت المواشي ~~فاستق لنا ربك ms440 فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فما زال يسبح ~~حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من ~~خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه ~~فوق سماواته، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» ". # PageV01P434 # فتأمل هذا السياق هل يحتمل غير الحقيقة بوجه من الوجوه، وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لسعد بن معاذ رضي الله عنه: " «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من ~~فوق سبع سماوات» "، وقول زينب رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" «زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات» " لا يصح فيه فوقية ~~المجاز أصلا إذ يصير المعنى: زوجني الله حال كونه أفضل من سبع سماوات. # وثبت «عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها ~~فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس على هذه العجوز، فقال: ويحك، ~~أتدري من هذه؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات» ، هذه خولة ~~التي أنزل الله فيها {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله} [المجادلة: 1] أخرجه الدارمي وغيره. # فسل المعطل هل يصح أن يكون المعنى سمع الله قولها حال كونه خيرا وأفضل من ~~سبع سماوات؟ # وروى أبو القاسم اللالكائي والبيهقي وغيرهما بالإسناد الصحيح عن عبد الله ~~بن مسعود قال: " ما «بين السماء القصوى والدنيا خمسمائة عام، وبين الكرسي ~~والماء كذلك، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالكم» " رواه الطبراني وابن المنذر، وعبد الله بن أحمد وابن عبد البر، ~~وأبو عمر الطلمنكي وأبو أحمد العسال، وهذا تفسير قوله {وهو القاهر فوق ~~عباده} [الأنعام: 18] وروى # PageV01P435 # أبو القاسم الطبراني عن ابن مسعود أيضا قال: " «إن العبد ليهم بالأمر من ~~التجارة والإمارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول ~~للملائكة: اصرفوا عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار» " وإسناده صحيح. # ولم يزل السلف الصالح يطلقون مثل ms441 هذه العبارة إطلاقا لا يحتمل غير ~~الحقيقة، فثبت عن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها يقول: ~~«حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات، ~~وروى يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال: قال الله تعالى ~~في التوراة: " أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي ~~أدبر أمر عبادي، ولا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض» " ورواه ابن بطة ~~وأبو الشيخ وغيرهما بإسناد صحيح. # وهب أن المعطل يكذب كعبا ويرميه بالتجسيم، فكيف حدث به عنه هؤلاء الأعلام ~~مثبتين له غير منكرين؟ وذكر أبو نعيم بإسناد صحيح عن مالك بن دينار أنه كان ~~يقول خذوا، ويقرأ ويقول: اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه إيمانا بكلامه ~~وعلوه على عرشه، وصح عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] الآية، قال: هو فوق العرش وعلمه معهم ~~أينما كانوا، وصح عن جرير أنه لما قصد عبد الملك ليمدحه قال له: ما جاء بك ~~جرير؟ قال: # أتى بي لك الله الذي فوق عرشه ... ونور وإسلام عليك دليل # وفي كتاب العرش لابن أبي شيبة أن داود عليه السلام كان يقول في دعائه: " ~~اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض " ~~وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن علي الجوهري، ~~حدثنا إبراهيم ابن الهيثم حدثنا محمد بن كثير المصيصي قال: سمعت الأوزاعي ~~يقول: كنا والتابعين متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به ~~السنة من صفاته ورواته كلهم أئمة ثقات. # PageV01P436 # وذكر البيهقي عن مقاتل في قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ~~[الحديد: 3] هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء ~~والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه {وهو ~~بكل شيء عليم} [الحديد: 3] وصح عن عبد الله بن المبارك أنه ms442 قيل له: بم نعرف ~~ربنا؟ قال بأنه فوق سماواته على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنا ~~هاهنا، يعني في الأرض. # وصح عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: من لم يؤمن بأن الله ~~فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه ~~وطرح على مزبلة. رواه الحاكم عنه في علوم الحديث والتاريخ. # وقال الإمام محمد بن يسار: بعث الله ملكا من الملائكة إلى نمرود فقال: هل ~~تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض؟ قال لا، قال إن بين الأرض إلى ~~السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مثل ذلك، إلى أن ذكر حملة العرش ~~(إلى أن قال) وفوقهم يبدو العرش عليه ملك الملوك تبارك وتعالى، أي عدو الله ~~فأنت تطلع إلى ذلك؟ ! ثم بعث عليه البعوضة فقتلته، رواه أبو الشيخ في كتاب ~~العظمة. # وقصة أبي يوسف مشهورة في استتابته لبشر المريسي لما أنكر أن يكون الله ~~فوق العرش (رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره) وبشر لم ينكر أن الله أفضل ~~من العرش وإنما أنكر ما أنكرته المعطلة أن ذاته تعالى فوق العرش، وروى ~~الدارقطني في الصفات وعبد الله بن أحمد في السنة بإسناد صحيح عن أبي الحسن ~~بن العطار قال: سمعت محمد بن مصعب العابد يقول: من زعم أنك لا تتكلم ولا ~~ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك، أشهد أنك فوق العرش فوق سبع سماوات، ليس كما ~~يقول أعداؤك الزنادقة. # وفي وصية الشافعي: أنه أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك ~~له، فذكر الوصية (إلى أن قال فيها) والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه يرى ~~في الآخرة عيانا، ينظر إليه المؤمنون وشك ويسمعون كلامه، وأنه تعالى فوق ~~عرشه، ذكره الحاكم والبيهقي في مناقب الشافعي. # وقال الشافعي: السنة التي أنا عليها ورأيت أهل الحديث عليها، مثل سفيان ~~ومالك وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~إلى أن قال: وإن الله # PageV01P437 # فوق ms443 عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل على سماء الدنيا كيف شاء، ~~ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب اعتقاد الشافعي. # وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله تعالى: {وهو معكم} [الحديد: ~~4] {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] قال: بعلمه محيط ~~بالكل وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية ~~والتشبيه، وبنفي الحد نفي حد يدركه العباد ويحدونه، وقال أبو مطيع الحكم بن ~~عبد الله البلخي: سألت أبا حنفية عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في ~~الأرض، قال قد كفر، لأن الله تعالى يقول {على العرش استوى} [طه: 5] ولكن لا ~~يدرى العرش في السماء أم في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر، ~~وقال مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان، ذكره الطلمنكي وابن عبد البر ~~وعبد الله بن أحمد وغيرهم. # الرابع عشر: أن هذا اتفاق من أهل الإسلام حكاه غير واحد، منهم الإمام ~~عثمان ابن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي (قال في هذا الكتاب) قال أهل ~~السنة: إن الله بكماله فوق عرشه، يعلم ويسمع من فوق العرش، لا يخفى عليه ~~خافية من خلقه، وقال سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة على رأس ~~المائتين، وذكر عنده الجهمية فقال: هم شر قولا من اليهود والنصارى، قد ~~اجتمع أهل الأديان من المسلمين وغيرهم على أن الله فوق السماوات على العرش، ~~وقالوا هم: ليس على العرش شيء. # وقال الإمام الحافظ الزاهد أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة له: باب ~~الإيمان: بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه: أجمع المسلمون ~~من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، وقال أبو ~~نصر السجزي الحافظ في كتاب الإبانة: وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة ~~وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وابن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد وإسحاق ~~متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان. # وقال أبو ms444 نعيم الحافظ صاحب الحلية في الاعتقاد الذي ذكر أنه اعتقاد السلف ~~وإجماع الأمة، قال فيه: وإن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في العرش واستواء الله تعالى عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ~~ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج ~~بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه. # PageV01P438 # وقال الإمام أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة: الذي يذهب إليه أهل العلم ~~أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، وقد أحاط بجميع ~~ما خلق في السماوات العلى، وبجميع ما في سبع أرضين. # وكذلك أبو الحسن الأشعري نقل الإجماع على أن الله استوى على عرشه. # الخامس عشر: أنه سبحانه لو لم يتصف بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير ~~مخالط للعالم لكان متصفا بضدها، لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، ~~وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الإطلاق، وهو إبليس وجنوده. # فإن قيل: لا نسلم أنه قابل الفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، قيل لو ~~لم يكن قابلا للفوقية والعلو لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم ~~بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ~~ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان، فقد علم العقلاء بالضرورة أن ما كان ~~وجوده خارج الأذهان، فهو إما في هذا العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك ~~إنكار لما هو من أجلى البديهيات، فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم ~~بالمباينة أوضح منه، وإذا كان العلو والفوقية صفة كمال لا نقص فيه ولا ~~يستلزم نقصا ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي ~~حقيقتها عين الباطل، فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجود الصانع وتصديق ~~رسله والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم إلا بذلك، فكيف ~~إذا شهدت بذلك العقول السليمة والفطر المستقيمة، وحكمت به القضايا ~~البديهيات والمقدمات اليقينيات، فلو لم يقبل العلو ms445 والفوقية لكان كل عال ~~على غيره أكمل منه، فإن ما يقبل العلو أكمل مما لا يقبله. # الوجه السادس عشر: إنه لو كانت فوقيته سبحانه مجازا لا حقيقة لها لم ~~يتصرف في أنواعها وأقسامها ولوازمها، ولم يتوسع فيها غاية التوسع، فإن ~~فوقية الرتبة والفضيلة لا يتصرف في تنويعها إلا بما شاكل معناها، نحو ~~قولنا: هذا خير من هذا وأفضل وأجل وأعلى قيمة ونحو ذلك، وأما فوقية الذات ~~فإنها تتنوع بحسب معناها، فيقال فيها استوى وعلا وارتفع، وصعد ويعرج إليه ~~كذا ويصعد إليه وينزل من عنده، وهو عال على كذا ورفيع الدرجات، وترفع إليه ~~الأيدي، ويجلس على كرسيه، وأنه يطلع على عباده من فوق سبع سماواته وأن ~~عباده يخافونه من فوقهم، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا وأنه يبرم القضاء من ~~فوق عرشه، وأنه دنا من رسوله وعبده لما عرج به إلى فوق # PageV01P439 # السماوات حتى صار قاب قوسين أو أدنى، وأن عباده المؤمنين إذا نظروا إليه ~~في الجنة رفعوا رءوسهم، فهذه لوازم الأنواع كلها، أنواع فوقية الذات ~~ولوازمها لا أنواع فوقية الفضيلة والمرتبة، فتأمل هذا الوجه حق التأمل تعلم ~~أن القوم أفسدوا اللغة والفطرة والعقل والشرع. # الوجه السابع عشر: إنه لو كانت فوقية الرب تبارك وتعالى مجازا لا حقيقة ~~لها لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن ~~الرجل الشجاع، واسم البحر عن الجواد، واسم الجبل عن الرجل الثابت ونحو ذلك، ~~أظهر وأصدق من إطلاق تلك الأسماء، فلو كانت فوقيته واستواؤه وكلامه وسمعه ~~وبصره ووجهه ومحبته ورضاه وغضبه مجازا لكان إطلاق القول بأنه ليس فوق العرش ~~ولا استوى عليه، ولا هو العلي ولا الرفيع، ولا هو في السماء ولا ينزل من ~~عنده شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا تكلم ولا أمر ولا نهى، ولا يسمع ولا يبصر، ~~ولا له وجه ولا رحمة، ولا يرضى ولا يغضب أصح من إطلاق ذلك، وأدنى الأحوال ~~أن يصح النفي كما يصح الإطلاق المجازي ومعلوم قطعا أن إطلاق هذا النفي ~~تكذيب ms446 صريح لله ولرسوله، ولو كانت هذه الإطلاقات إنما هي على سبيل المجاز ~~لم يكن في نفيها محذور، لا سيما ونفيها عن التنزيه والتعظيم، وسوغ إطلاق ~~المجاز للوهم الباطل، بل الكفر والتشبيه والتجسيم، فهل في الظن السعي بكتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأئمة فوق هذا. # فإن قيل: نحن لا نطلق هذا أدبا مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. # قيل: الأدب لا يمنع صحة الإطلاق وإن ترك أدبا، كما إذا قيل: إنا لا نطلق ~~على هذا القاضي المعروف أنه معزول أدبا معه ولا من السلطان إذا مرض أنه ~~مريض أدبا معه ولا على الأمير إنه قد عمي أدبا معه، فهذا الأدب إنما هو عن ~~إمساك التكلم بهذا اللفظ لا عن صحة إطلاقه فنسألكم هل يصح إطلاق هذا النفي ~~عندكم لغة أو عقلا أم لا، فإن قلتم إطلاقه يوهم نفي المعنى المجازي فيكون ~~ممتنعا، قيل فلا يمتنع حينئذ أن تقولوا ليس بمستو على عرشه حقيقة، ولا هو ~~فوق العالم حقيقة، ولا القرآن كلامه حقيقة، ولا هو آمر ولا ناه حقيقة، ولا ~~هو عالم حي حقيقة، كما يصح أن يقال: ليس هذا الرجل بأسد حقيقة، ولا ريب ~~أنكم لا تتحاشون من هذا النفي عن الله، لكن تمسكون عنه خوف الشناعة، وهيهات ~~الخلاص لكم منها، وقد أنكرتم حقائق أسمائه وصفاته. # PageV01P440 ### | المثال الثامن إثبات نزوله حقيقة # المثال الثامن: مما ادعي فيه أنه مجاز وهو حقيقة لفظ (النزول) والتنزيل ~~والإنزال حقيقة مجيء الشيء أو الإتيان به من علو إلى أسفل، هذا هو المفهوم ~~منه لغة وشرعا، كقوله: {ونزلنا من السماء ماء مباركا} [ق: 9] وقوله: {تنزل ~~الملائكة والروح فيها} [القدر: 4] وقوله: {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: ~~193] وقد أخبر الله تعالى أن جبريل نزل بالقرآن من الله وأنه {تنزيل من ~~حكيم حميد} [فصلت: 42] وتواترت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بنزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، فادعى المعطل أن كل ~~ذلك مجاز، وأن المراد بالتنزيل مجرد إيصال ms447 الكتاب وبالنزول الإحسان ~~والرحمة، وأسند دعواه بقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد} [الحديد: 25] وبقوله: ~~{وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] قال معلوم أن الحديد ~~والأنعام لم تنزل من السماء إلى الأرض. # والجواب من وجوه: أحدها: أن ما ذكره من مجاز النزول، وأنه مطلق الوصول لا ~~يعرف في كتاب، ولا سنة، ولا لغة، ولا شرع، ولا عرف، ولا استعمال، فلا يقال ~~لمن صعد إليك في سلم إنه نزل إليك ولا لمن جاءك من مكان مستو نزول، ولا ~~يقال نزل الليل والنهار إذا جاء، وذلك وضع جديد ولغة غير معروفة. # الوجه الثاني: إنه لو عرف استعمال ذلك بقرينة لم يكن موجبا لإخراج اللفظ ~~عن حقيقته حيث لا قرينة. # الثالث: إن هذا يرفع الأمان والثقة باللغات، ويبطل فائدة التخاطب، إذ لا ~~يشاء السامع أن يخرج اللفظ عن حقيقته إلا وجد إلى ذلك سبيلا. # الرابع: إن قوله معلوم أن الحديد لم ينزل جرمه من السماء إلى الأرض، ~~وكذلك الأنعام، يقال له: هذا معلوم لك بالضرورة أم بالاستدلال، ولا ضرورة ~~يعلم بها ذلك، وأين الدليل. # الخامس: إنه قد عهد نزول أصل الإنسان وهو آدم من علو إلى أسفل، كما قال ~~تعالى: {قال اهبطا منها جميعا} [طه: 123] فما المانع أن ينزل أصل الأنعام ~~من أصل # PageV01P441 # الأنام، وقد روي في نزول الكبش الذي فدى الله به إسماعيل ما هو معروف، ~~وقد روي في نزول الحديد ما ذكره كثير من أرباب النقل، كنزول السندان ~~والمطرقة، ونحن وإن لم نجزم بذلك فالمدعى أن الحديد لم ينزل من السماء ليس ~~معه ما يبطل ذلك. # السادس: إن الله سبحانه لم يقل أنزلنا الحديد من السماء، ولا قال وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج من السماء، فقوله معلوم أن الحديد والأنعام لم ~~ينزل من السماء إلى الأرض لا يخرج لفظة النزول عن حقيقتها، إذ عدم النزول ~~من مكان معين لا يستلزم عدمه مطلقا. # السابع: إن الحديد إنما يكون في المعادن التي في الجبال وهي عالية على ~~الأرض، وقد قيل إن كل ما كان ms448 معدنه أعلى كان حديده أجود، وأما قوله: {وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] ، فإن الأنعام تخلق بالتوالد ~~المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال أنزل ~~ولم ينزل، ثم إن الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم ~~أن الأنعام تعلو فحولها إناثها بالوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم ~~الأنثى وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل، وعلى هذا فيحتمل قوله: ~~{وأنزل لكم من الأنعام} [الزمر: 6] وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد الجنس كما هو الظاهر، ويكون كقوله: {وأنزلنا ~~الحديد} [الحديد: 25] فتكون (من) لبيان الجنس. # الثاني: أن يكون من لابتداء الغاية كقوله: {وخلق منها زوجها} [النساء: 1] ~~فيكون قد ذكر المحل الذي أنزلت منه وهو أصلاب الفحول، وهذان الوجهان ~~يحتملان في قوله: {جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا} [الشورى: ~~11] هل المراد جعل لكم من جنسكم أزواجا أو المراد جعل أزواجكم من أنفسكم ~~وذواتكم، كما جعلت حواء من نفس آدم، وكذلك تكون أزواج الأنعام مخلوقة من ~~ذوات الذكور والأول أظهر لأنه لم يوجد الزوج من نفس الذكر إلا من آدم وحده، ~~وأما سائر النوع فالزوج مأخوذ من الذكر والأنثى. # الوجه الثامن: إن الله سبحانه ذكر الإنزال على ثلاث درجات: أحدها: إنزال ~~مطلق كقوله: {وأنزلنا الحديد} [الحديد: 25] فأطلق الإنزال ولم يذكر مبدأه، ~~كقوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] . # PageV01P442 # الثانية: الإنزال من السماء، كقوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48] . # الثالثة: إنزال منه، كقوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} ~~[الزمر: 1] وقوله: {تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] وقوله: {تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز الحكيم} [الزمر: 1] وقوله: {قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق} [النحل: 102] وقال: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق} [الأنعام: 114] فأخبر أن القرآن منزل منه، والمطر منزل من السماء، ~~والحديد والأنعام منزلان نزولا مطلقا، وبهذا يظهر تلبيس المعطلة والجهمية ~~والمعتزلة حيث قالوا إن كون القرآن منزلا لا يمنع أن يكون مخلوقا، كالماء ~~والحديد والأنعام، حتى علا بعضهم ms449 فاحتج على كونه مخلوقا بكونه منزلا، ~~والإنزال بمعنى الخلق. # الله سبحانه فرق بين النزول منه والنزول من السماء، فجعل القرآن منزلا ~~منه، والمطر منزلا من السماء، وحكم المجرور بمن في هذا الباب حكم المضاف ~~والمضاف إليه سبحانه نوعان: # أحدهما: أعيان قائمة بنفسها، كبيت الله وناقة الله وروح الله وعبده، فهذا ~~إضافة مخلوق إلى خالقه، وهي إضافة اختصاص وتشريف. # الثاني: إضافة صفة إلى موصوفها كسمعه وبصره وعلمه وحياته وقدرته وكلامه ~~ووجهه ويديه ومشيئته ورضاه وغضبه، فهذا يمتنع أن يكون المضاف فيه مخلوقا ~~منفصلا، بل هو صفة قائمة به سبحانه. # إذا عرف هذا فهكذا حكم المجرور بمن، فقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما ~~في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] لا يقتضي أن تكون أوصافا له قائمة به، ~~وقوله: {ولكن حق القول مني} [السجدة: 13] وقوله: {تنزيل من حكيم حميد} ~~[فصلت: 42] يقتضي أن يكون هو المتكلم به، وأنه منه بدأ وإليه يعود، ولبست ~~المعتزلة ولم يهتدوا إلى هذا الفرقان، وجعلوا الجميع بابا واحدا، وقابلهم ~~طائفة الاتحادية وجعلوا الجميع منه بعض التبعيض والجزئية ولم يهتد ~~الطائفتان للفرق. # PageV01P443 # الوجه التاسع: إن الله سبحانه قال: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] فالكتاب كلامه ~~والميزان عدله، فأخبر أنه أنزلهما مع رسله، ثم قال: {وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد} [الحديد: 25] ولم يقل وأنزلنا معهم الحديد، فلما ذكر كلامه وعدله ~~أخبر أنه أنزلهما مع رسله، ولما ذكر مخلوقه الناصر لكتابه وعدله أطلق ~~إنزاله ولم يقيد به إنزال كلامه، فالمسوي بين الإنزالين مخطئ في اللفظ ~~والمعنى. # الوجه العاشر: إن نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا قد تواترت ~~الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه عنه نحو ثمانية وعشرين ~~نفسا من الصحابة، وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، فكيف تكون ~~حقيقته محالا وباطلا وهو صلى الله عليه وسلم يتكلم بها دائما ويعيدها ~~ويبديها مرة بعد مرة، ولا يقرن باللفظ ما يدل على مجازه بوجه ما، بل يأتي ~~بما ms450 يدل على إرادة الحقيقة؟ كقوله: " «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~فيقول: وعزتي وجلالي لا أسأل عن عبادي غيري» " وقوله: " «من ذا الذي يسألني ~~فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له» "، ~~وقوله: " «فيكون كذلك حتى يطلع الفجر ثم يعلو على كرسيه» " فهذا كله بيان ~~الإرادة الحقيقة، ومانع من حمله على المجاز، وقد صرح نعيم بن حماد وجماعة ~~من أهل الحديث آخرهم أبو الفرج ابن الجوزي أنه سبحانه ينزل إلى السماء ~~الدنيا بذاته، ونظم أبو الفرج ذلك في قوله: # أدعوك للوصل تأبى ... أبعث رسولي في الطلب # أنزل إليك بنفسي ... ألقاك في النوام # وقال الحافظ أبو موسى المديني في مناقب الإمام أبي القاسم إسماعيل بن ~~محمد التيمي الذي جعله الله مجددا للدين في رأس المائة الخامسة قال: وكان ~~من اعتقاد الإمام إسماعيل بن محمد أن نزول الله بالذات وهو مشهور في مذهبه ~~وقد كتبه في فتاو عديدة، وأملى فيه إملاء إلا أنه كان يقول: إسناد حديث ~~نعيم # PageV01P444 # ابن حماد إسناد مدخول وفيه مقال، مراده بحديث نعيم بن حماد عن جرير بن ~~عبد الحميد عن بشر عن أنس يرفعه قال " «إذا أراد الله أن ينزل عن عرشه نزل ~~بذاته» ". # قلت: وهذا اللفظ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتاج إثبات هذا ~~المعنى إليه، فالأحاديث الصحيحة صريحة وإن لم يذكر فيها لفظ الذات. # الحادي عشر: إن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره فإنه قال: " ~~«إن الله ينزل إلى سماء الدنيا» " فهذا خبر عن معنى لا عن لفظ، والمخبر عنه ~~هو مسمى هذا الاسم العظيم فإن الخبر يكون عن اللفظ تارة وهو قليل ويكون ~~مسماه ومعناه وهو الأكثر، فإذا قلت زيد عندكم وعمرو قائم، فإنما أخبرت عن ~~الذات لا عن الاسم فقوله: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] هو خبر عن ذات ~~الرب تعالى فلا يحتاج المخبر أن يقول خالق كل شيء بذاته، وقوله: {الله ~~ربكم} [الأنعام: 102] قد علم أن الخبر عن ms451 نفس ذاته، وقوله: {الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه إنما هو ~~خبر عن ذاته لا يجوز أن يخص من ذلك إخبار واحد البتة. # فالسامع قد أحاط علما بأن الخبر إنما هو عن ذات المخبر عنه، ويعلم ~~المتكلم بذلك لم يحتج أن يقول أنه بذاته فعل وخلق واستوى، فإن الخبر عن ~~مسمى اسمه وذاته هذا حقيقة الكلام، ولا ينصرف إلى غير ذلك إلا بقرينة ظاهرة ~~تزيل اللبس وتعين المراد، فلا حاجة بنا أن نقول: استوى على عرشه بذاته، ~~وينزل إلى السماء بذاته، كما لا يحتاج أن نقول خلق بذاته وقدر بذاته وسمع ~~وتكلم بذاته، وإنما قال أئمة السنة ذلك إبطالا لقول المعطلة. # الثاني عشر: إن قوله " «من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» " إذا ~~ضممت هذا إلى قوله " «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» " وإلى قوله " فيقول " ~~وإلى قوله: " «لا أسأل عن عبادي غيري» " علمت أن هذا مقتضى الحقيقة لا ~~المجاز، وأن هذا السياق نص في معناه لا يحتمل غيره بوجه، خصوصا إذا أضيف ~~إلى قوله " «ثم يعلو على كرسيه» " وقوله في حديث المزيد في الجنة الذي قال ~~فيه: «إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة ~~نزل عن كرسيه» ، ثم ذكر الحديث وفي آخره، ثم يرتفع معه النبيون والصديقون. # PageV01P445 # الوجه الثالث عشر: إن أعلم الخلق بالله وأنصحهم للأمة وأقدرهم على ~~العبارة التي لا توقع لبسا قد صرح بالنزول مضافا إلى الرب في جميع ~~الأحاديث، ولم يذكر في موضع واحد ما ينفي الحقيقة بل يؤكدها فلو كانت إرادة ~~الحقيقة باطلة، وهي منفية لزم القدح في علمه أو نصحه أو بيانه كما تقدم ~~تقريره. # الرابع عشر: أنه لم يقتصر على لفظ النزول العاري عن قرينة المجاز المذكور ~~معه ما يؤكد إرادة الحقيقة حتى نوع هذا المعنى، وعبر عنه بعبارات متنوعة ~~كالهبوط والدنو والمجيء والإتيان والطواف في الأرض قبل يوم القيامة، قال ~~تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] وقال: ms452 {هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] ففرق ~~بين إتيان أمره وبين إتيان نفسه. # وقال محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~في ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] وقد ورد في هذا حديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو أحق ما اعتمد عليه في ذلك، ثم ساق الحديث ولفظه " ~~«إذا كان يوم القيامة تقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ~~ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دما وتعرقون حتى يبلغ ~~منكم العرق الأذقان ويلجمكم، فتضجون وتقولون: من يشفع لنا عند ربنا فيقضي ~~بيننا فتقولون من أحق بهذا من أبيكم آدم، جبل الله تربته وخلقه بيده ونفخ ~~فيه من روحه وكلمه الله قبلا، فيؤتى آدم فيطلب ذلك إليه فيأبى، ثم يستقرئون ~~الأنبياء، كلما جاءوا نبيا يأبى، حتى يأتوني فيسألوني، فآتي الفحص قدام ~~العرش فأخر ساجدا، فلا أزال ساجدا حتى يبعث الله عز وجل إلي ملكا فيأخذ ~~بعضدي فيرفعني، ثم يقول الله: محمد، فأقول نعم، وهو أعلم فأقول، يا رب ~~وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، فيقول قد شفعتك، أنا آتيهم ~~فأقضي بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصرف فأقف مع الناس، ~~فبينا نحن وقوف سمعنا حسا من السماء شديدا فهالنا، فينزل أهل السماء الدنيا ~~بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض ~~بنورهم فأخذوا مصافهم، فقال أهل الأرض: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا وهو آت، ثم ~~ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من في الأرض من ~~الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت لنورهم # PageV01P446 # وأخذوا مصافهم، قال الناس: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، هو آت، ثم ينزل أهل ~~السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من في الأرض من الجن ~~والإنس، ثم نزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، فيأمر الله بعرشه ~~فيوضع حيث شاء، ويحمل عرشه ms453 يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم ~~الأرض السفلى والسماوات إلى حجزهم والعرش على كواهلهم، والملائكة حول العرش ~~لهم زجل بالتسبيح، ثم ينادى نداء يسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجن والإنس ~~إني أنصت لكم منذ يوم خلقتكم فأنصتوا إلي اليوم فإنما هي صحفكم وأعمالكم ~~تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلم إلا نفسه، ~~فيقضي الله بين خلقه من الجن والإنس والبهائم، فإنه ليقيد يومئذ للجماء من ~~ذات القرن، وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور» ". # وقال رزين بن معاوية صاحب تجريد الصحاح، وهو من أعلم أهل زمانه بالسنن ~~والآثار، وهو من المالكية، اختصر تفسير ابن جرير الطبري، وعلى كتابه " ~~التجريد " اعتمد صاحب كتاب جامع الأصول وهذبه، قال في قوله: {هل ينظرون إلا ~~أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} [الأنعام: 158] قال مجاهد {إلا أن تأتيهم ~~الملائكة} [الأنعام: 158] عند الموت حين توفاهم {أو يأتي ربك} [الأنعام: ~~158] يوم القيامة لفصل القضاء {أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] طلوع ~~الشمس من مغربها أو ما شاء الله، وعن قتادة مثله. # وقال محمد بن جرير الطبري: حيث ذكر في القرآن إتيان الملائكة فهو محتمل ~~لإتيانهم لقبض الأرواح، ويحتمل أن يكون نزولهم بعذاب الكفار وإهلاكهم. # وأما إتيان الرب عز وجل فهو يوم القيامة لفصل القضاء لقوله: {هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] وقوله: ~~{وجاء ربك والملك} [الفجر: 22] قال رزين: قال بعض المتبعين لأهوائهم ~~المقدمين بين يدي كتاب الله لآرائهم من المعتزلة # PageV01P447 # والجهمية ومن نحا نحوهم من أشياعهم، فيمتنعون من وصف الله تعالى بما وصف ~~به نفسه من قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة} [البقرة: 210] وقوله: {أأمنتم من في السماء} [الملك: 16] وقوله: ~~{الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] إلى أن قال: وأهل العلم بالكتاب والآثار ~~من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم، ويرون ~~الأحاديث الصحيحة كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. # والإتيان ms454 والمجيء من الله تعالى نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته ~~أو عذابه كان مقيدا كما في الحديث حتى جاء الله بالرحمة والخير ومنه قوله ~~تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} [الأعراف: 52] وقوله: {بل ~~أتيناهم بذكرهم} [المؤمنون: 71] وفي الأثر: لا يأتي بالحسنات إلا الله. # النوع الثاني: المجيء والإتيان المطلق كقوله: {وجاء ربك والملك} [الفجر: ~~22] وقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} ~~[البقرة: 210] وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه، هذا إذا كان مطلقا، فكيف إذا ~~قيد بما يجعله صريحا في مجيئه نفسه كقوله: {إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك أو يأتي بعض آيات ربك} [الأنعام: 158] فعطف مجيئه على مجيء الملائكة، ~~ثم عطف مجيء آياته على مجيئه، ومن المجيء المقيد قوله: {فأتى الله بنيانهم ~~من القواعد} [النحل: 26] فلما قيده بالمفعول وهو البنيان وبالمجرور وهو ~~القواعد، دل ذلك على مجيء ما بينه، إذ من المعلوم أن الله سبحانه إذا جاء ~~بنفسه لا يجيء من أساس الحيطان وأسفلها، وهذا يشبه قوله تعالى: {هو الذي ~~أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} [الحشر: ~~2] فهذا مجيء مقيد لقوم مخصوصين قد أوقع بهم بأسه، وعلم السامعون أن جنوده ~~من الملائكة والمسلمين أتوهم، فكان في هذا السياق ما يدل على المراد على ~~أنه لا يمتنع في الآيتين أن يكون الإتيان على حقيقة، ويكون ذلك دنوا ممن ~~يريد إهلاكهم بغضبه وانتقامه كما يدنو عشية عرفة من الحجاج برحمته # PageV01P448 # ومغفرته، ولا يلزم من هذا الدنو والإتيان الملاصقة والمخالطة، بل يأتي ~~هؤلاء برحمته وفضله، وهؤلاء بانتقامه وعقوبته، وهو فوق عرشه إذ لا يكون ~~الرب إلا فوق كل شيء، ففوقيته وعلوه من لوازم ذاته، ولا تناقض بين نزوله ~~ودنوه، وهبوطه ومجيئه، وإتيانه وعلوه، لإحاطته وسعته وعظمته وأن السماوات ~~والأرض في قبضته، وأنه مع كونه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، فهو الباطن الذي ~~ليس دونه شيء، فظهوره ms455 بالمعنى الذي فسره به أعلم الخلق لا يناقض بطونه ~~بالمعنى الذي فسره به أيضا، فهو سبحانه يدنو ويقرب ممن يريد الدنو والقرب ~~منه مع كونه فوق عرشه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " «أقرب ما يكون ~~العبد من ربه وهو ساجد» " فهذا قرب الساجد من ربه وهو فوق عرشه. # وكذلك قوله في الحديث الصحيح " «إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى ~~أحدكم من عنق راحلته» "، فهذا قربه من داعيه والأول قربه من عابديه، ولم ~~يناقض ذلك كونه فوق سماواته على عرشه. # وإن عسر على فهمك اجتماع الأمرين فإنه يوضح ذلك معرفة إحاطة الرب وسعته، ~~وأنه أكبر من كل شيء، وأن السماوات السبع والأرضين في يده كخردلة في كف ~~العبد، وأنه يقبض سماواته السبع بيده والأرضين باليد الأخرى ثم يهزهن، فمن ~~هذا شأنه كيف يعسر عليه الدنو ممن يريد الدنو منه وهو على عرشه، وهو يوجب ~~لك فهم اسمه الظاهر والباطن، وتعلم أن التفسير الذي فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم به هذين الاسمين هو تفسير الحق المطابق لكونه بكل شيء محيط، ~~وكونه فوق كل شيء. # ومما يوضح لك ذلك أن النزول والمجيء والإتيان، والاستواء، والصعود ~~والارتفاع كلها أنواع أفعال، وهو الفعال لما يريد، وأفعاله كصفاته قائمة ~~به، ولولا ذلك لم يكن فعالا ولا موصوفا بصفات كماله، فنزوله ومجيئه ~~واستواؤه وارتفاعه وصعوده ونحو ذلك، كلها أفعال من أفعاله، التي إن كانت ~~مجازا فأفعاله كلها مجاز ولا فعل له في الحقيقة، بل هو بمنزلة الجمادات، ~~وهذا حقيقة من عطل أفعاله، وإن كان فاعلا حقيقة فأفعاله نوعان: لازمة ~~ومتعدية، كما دلت النصوص التي هي أكثر من أن تحصر على النوعين. # PageV01P449 # وبإثبات أفعاله وقيامها به تزول عنك جميع الإشكالات، وتصدق النصوص بعضها ~~بعضا وتعلم مطابقتها للعقل الصريح، وإن أنكرت حقيقة الأفعال وقيامها به ~~سبحانه اضطرب عليك هذا الباب أعظم اضطراب، وبقيت حائرا في التوفيق بين ~~النصوص وبين أصول النفاة، وهيهات لك بالتوفيق بين النقيضين والجمع بين ~~الضدين، يوضحه: إن الأوهام الباطلة والعقول ms456 الفاسدة لما فهمت من نزول الرب ~~ومجيئه، وإتيانه وهبوطه ودنوه ما يفهم من مجيء المخلوق وإتيانه وهبوطه ~~ودنوه وهو أن يفرغ مكانا ويشغل مكانا نفت حقيقة ذلك فوقعت في محذورين: ~~محذور التشبيه ومحذور التعطيل، ولو علمت هذه العقول الضعيفة أن نزوله ~~سبحانه ومجيئه وإتيانه لا يشبه نزول المخلوق وإتيانه ومجيئه، كما أن سمعه ~~وبصره وعلمه وحياته كذلك، بل يده الكريمة ووجهه الكريم كذلك، وإذا كان ~~نزولا ليس كمثله نزول، فكيف تنفى حقيقته، فإن لم تنف المعطلة حقيقة ذاته ~~وصفاته وأفعاله بالكلية وإلا تناقضوا، فإنهم أي معنى أثبتوه لزمهم في نفيه ~~ما ألزموا به أهل السنة المثبتين لله ما أثبت لنفسه، ولا يجدون إلى الفرق ~~سبيلا. # فلو كان الرب سبحانه مماثلا لخلقه لزم من نزوله خصائص نزولهم ضرورة ثبوت ~~أحد المثلين للآخر، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~«إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد ~~كان يعبد غير الله من الأنصاب والأصنام إلا تساقطوا في النار، حتى إذا لم ~~يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وأتاهم رب العالمين، قال فماذا ~~تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا ~~أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، وإنا سمعنا مناديا ينادي: ليلحق كل أمة ~~بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا، فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي ~~رأوه فيها أول مرة، فيقول أنا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك، هذا مكاننا ~~حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، قال فيأتيهم في صورته التي رأوه ~~فيها أول مرة، فيقول: " أنا ربكم، فيقولون أنت ربنا» "، وفي لفظ فيقول: " ~~«هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها، فيقولون الساق، فيكشف عن ساقه فيسجد له ~~كل مؤمن ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة، ويذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا» ~~". # PageV01P450 # وحديث النزول رواه أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة وجبير بن ~~مطعم، وجابر بن عبد الله، وعبد الله ms457 بن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن ~~عبسة، ورفاعة بن عرابة الجهني، وعثمان بن أبي العاص الثقفي، وعبد الحميد بن ~~سلمة، عن أبيه عن جده، وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وأبو ثعلبة الخشني، ~~وعائشة أم المؤمنين، وأبو موسى الأشعري، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وحذيفة بن ~~اليمان، ولقيط بن عامر العقيلي، وعبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، ~~وأسماء بنت يزيد وأبو الخطاب، وعوف بن مالك، وأبو أمامة الباهلي، وثوبان: ~~وأبو حارثة، وخولة بنت حكيم رضي الله عنهم. # فأما حديث أبي بكر الصديق فقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد ~~الملك بن عبد الملك حدثه عن مصعب بن أبي ذؤيب عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~الصديق عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ~~«ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل نفس إلا إنسانا في قلبه شحناء أو ~~مشرك» " رواه جماعة عن ابن وهب. # وأما حديث علي بن أبي طالب فقال محمد بن إسحاق عن عمه موسى بن يسار عن ~~عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء الأخيرة إلى ثلث الليل، ~~فإنه إذا مضى ثلث الليل هبط الله تعالى إلى سماء الدنيا فلم يزل بها حتى ~~يطلع الفجر فيقول: ألا سائل يعطى، ألا داع فيجاب، ألا مذنب يستغفر له، ألا ~~سقيم يستشفى» " رواه الطبراني في السنة. # وأما حديث أبي هريرة في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث ~~الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفر فأغفر له» ~~" وعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما # PageV01P451 # شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " «إن الله يمهل حتى إذا ~~كان ثلث الليل هبط إلى السماء الدنيا فنادى: هل ms458 من مذنب يتوب، هل من ~~مستغفر، هل من سائل» ". # وفي مسند الإمام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم " «ينزل الله كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا ~~الملك من ذا الذي يستغفرني فأغفر له» ". # فهذه خمسة ألفاظ تنفي المجاز بنسبة النزول إليه سبحانه ونسبة القول إليه، ~~وقوله: " «أنا الملك» " وقوله: " «يستغفرني» " وقوله " «فأغفر له» " وفي ~~رواية عن أبي هريرة يرفعه، " «إذا مضى ثلث الليل هبط الله إلى السماء ~~الدنيا» . . . " فذكره، وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بحمد الله، فإنها قد ~~اتفقت على دوام النزول الإلهي إلى طلوع الفجر، واتفقت على حصوله في الشطر ~~الثاني من الليل، واختلفت في أوله على ثلاثة أوجه أحدها: أنه أول الثلث ~~الثاني، والثاني: أنه أول الشطر الثاني، والثالث: أنه أول الثلث الأخير، ~~وإذا تأملت هاتين الروايتين لم تجد بينهما تعارضا. # بقيت رواية: «إذا مضى ثلث الليل الأول» ، وهي تحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن ~~لا تكون محفوظة وتكون من قبل حفظ الراوي، فإن أكثر الأحاديث على الثلث ~~الأخير، الثاني: أن يكون الثلث الأول والشطر والثلث الأخير على حسب اختلاف ~~بلاد الإسلام في ذلك، ويكون النزول في وقت واحد، وهو ثلث الليل الأخير عند ~~قوم ووسطه عند الآخرين، وثلثه الأول عند غيرهم، فيصح نسبته إلى أوقات ~~الثلاثة، وهو حاصل في وقت واحد، وعلى هذا فالشبهة العقلية التي عارض بها ~~النفاة حديث النزول تكون هذه الألفاظ قد تضمنت الجواب عنها، فإن هذا النزول ~~لا ينافي كونه في الثلث الأخير كونه في الثلث الأول أو في الشطر الثاني ~~بالنسبة إلى المطالع. # ولما كانت رقعة الإسلام ما بين طرفي المشرق والمغرب من المعمور في الأرض ~~كان التفاوت قريبا من هذا القدر، وسيأتي مزيد تقرير لهذا. # الثالث: إن للنزول الإلهي شأنا عظيما، ليس شأنه كشأن غيره، فإنه قدوم ملك # PageV01P452 # السماوات والأرض إلى هذه السماء التي تلينا، ولا ريب أن للسماوات ~~وأملاكها عند هبوط الرب تعالى ونزوله إلى سماء الدنيا شأنا وحالا. ms459 # وفي بعض الآثار: إن السماوات تأخذها رجفة ويسجد أهلها جميعا. # قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ~~حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه، أخبرني عبيد بن السباق أنه بلغه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " «ينزل ربنا من آخر الليل فينادي مناد في ~~السماء العليا، ألا نزل الخالق العليم، فيسجد أهل السماء، وينادي فيهم مناد ~~ذلك، فلا يمر بأهل سماء إلا وهم سجود» ، ومن عوائد الملوك، ولله المثل ~~الأعلى، أنهم إذا أرادوا القدوم إلى بلد أو مكان غير مكانهم المعروف بهم أن ~~يقدموا بين يدي موافاتهم إليه ما ينبغي تقديمه، وهذا من تمام مصالح ملكهم، ~~وهكذا شأن الرب تبارك وتعالى أن يقدم بين يدي ما يريد فعله من الأمور ~~العظام كتابة ذلك أو إعلام ملائكته أو إعلام رسله، كما قال: {وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] وقوله لنوح: {ولا تخاطبني ~~في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37] وقال لإبراهيم: {ياإبراهيم أعرض عن ~~هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} [هود: 76] . # وإذا كان الله تعالى يتقدم إلى ملائكته ورسله بإعلامهم بما يريد فعله من ~~الأمور العظام، فلا ينكر أن يتقدم إلى أهل سماواته بنزوله ويحدث للسماوات ~~وللملائكة من عظمة ذلك الأمر قبل وقوعه ما يناسب ذلك الأمر، وهكذا يفعل ~~سبحانه إذا جاء يوم القيامة، فتتأثر السماوات والملائكة قبل النزول " فسمى ~~ذلك نزولا لأنه من مقدماته ومتصلا به، كما أطلق سبحانه على وقت الزلزلة ~~والرجفة المتصلة بالساعة أنها يوم القيامة والساعة، وذلك موجود في القرآن، ~~فمقدمات الشيء ومباديه كثيرا ما يدخل في مسمى اسمه، وهذا الوجه أقوى ~~الوجوه. # PageV01P453 # وذكر عبد الرازق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، له في كل ~~سماء كرسي، فإذا نزل إلى السماء الدنيا جلس على كرسيه ثم مد ساعديه فيقول: ~~من ذا الذي يقرض ms460 غير عادم ولا ظلوم، من ذا الذي يستغفر فأغفر له، من ذا ~~الذي يتوب فأتوب عليه، فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه» " رواه ~~أبو عبد الله بن منده، قال ابن منده: وله أصل مرسل، وأما حديث جبير بن مطعم ~~فرواه أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «ينزل الله إلى سماء الدنيا كل ~~ليلة فيقول جل جلاله: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له» " هذا ~~حديث صحيح رواه النسائي عن خشيش بن أصرم عن يحيى بن حسان عن حماد بن سلمة ~~به. # وأما حديث جابر بن عبد الله فرواه الدارقطني من رواية عبد الرحمن بن كعب ~~بن مالك عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا لثلث الليل فيقول: ألا عبد من عبيدي يدعوني فأستجيب ~~له، أو ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له، ألا مقتر عليه رزقه، ألا مظلوم ~~يستنصرني فأنصره، ألا عان يدعوني فأفك عنه، فيكون ذاك مكانه حتى يضيء الفجر ~~ثم يعلو ربنا عز وجل إلى السماء العليا على كرسيه» ". # وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي الزبير عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " ~~«إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة ~~فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا، أشهدكم أني قد غفرت لهم» " ورواه ~~الخلال في السنة من حديث أبي النضر عن أيوب عن أبي الزبير عنه يرفعه " ~~«أفضل أيام الدنيا أيام العشر " قالوا يا رسول الله ولا مثلهن في سبيل ~~الله؟ قال: إلا من عفر وجهه في التراب، إن عشية عرفة ينزل الله إلى # PageV01P454 # سماء الدنيا فيقول للملائكة: انظروا إلى عبادي هؤلاء، شعثا غبرا، جاءوا ~~من كل فج عميق ضاحين يسألوني رحمتي، فلا يرى يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة» . # فأما حديث عبد الله بن مسعود ففي المسند من حديث يزيد بن هارون ms461 عن شريك ~~عن أبي إسحاق الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " «إن الله إذا كان ثلث الليل الآخر نزل إلى سماء الدنيا ثم ~~بسط يده فقال: من يسألني فأعطيه حتى يطلع الفجر» " وهذا حديث حسن رجاله ~~أئمة، ورواه أبو معاوية عن زائدة عن إبراهيم به، وقال «إن الله يفتح أبواب ~~السماء ثم يهبط إلى السماء الدنيا ثم يبسط يده فيقول ألا عبد يسألني ~~فأعطيه، حتى يطلع الفجر» . # وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد تقدم اشتراكه مع أبي هريرة في الحديث، ~~وروى سليم بن أخضر عن التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال " «ينادي مناد بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، ~~ومد بها صوته، فيسمعه الأحياء والأموات، ثم ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ ~~لله الواحد القهار» " وسليم هذا صدوق خرج له مسلم. # وأما حديث عمرو بن عبسة فروى أبو اليمان ويحيى بن أبي بكر وعبد الصمد بن ~~النعمان ويزيد بن هارون، وهذا سياق حديثه: أخبرنا جرير بن عثمان حدثنا ~~سليمان ابن عامر «عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ~~يا رسول الله، جعلني الله فداك، شيء تعلمه وأجهله، ينفعني ولا يضرك، ما ~~ساعة أقرب من ساعة، وما ساعة تبقى فيها، يعني الصلاة، فقال: " يا عمرو بن ~~عبسة، لقد سألت عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، إن الرب تعالى يتدلى من جوف ~~الليل فيغفر، إلا ما كان من الشرك والبغي، والصلاة مشهودة حتى تطلع الشمس، ~~فإنها تطلع على قرن الشيطان، وهي صلاة الكفار، فأقصر عن الصلاة حتى ترتفع ~~الشمس، فإذا استعلت الشمس فالصلاة مشهودة حتى يعتدل النهار فأخر الصلاة ~~فإنها حينئذ تسجر جهنم، فإذا فاء الفيء # PageV01P455 # فالصلاة مشهودة حتى تدلى للغروب، فإنها تغيب بين قرني شيطان، فأقصر عن ~~الصلاة حتى تغرب الشمس» ". # وأما حديث رفاعة بن عرابة الجهني فرواه ابن المبارك، فقال حدثنا هشام عن ~~يحيى بن ms462 أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " «إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل ~~نزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا فقال: لا أسأل عن عبادي غيري من ذا الذي ~~يستغفرني فأكفر له، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني ~~فأعطيه، حتى ينفجر الفجر» " هذا حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده، وفيه ~~رد على من زعم أن الذي ينزل ملك من الملائكة، فإن الملك لا يقول: لا أسأل ~~عن عبادي غيري، ولا يقول: من يسألني أعطه. # وأما حديث عثمان بن العاص الثقفي فرواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ~~الحسن عن عثمان بن أبي العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: " «ينزل الله ~~إلى سماء الدنيا كل ليلة فيقول: هل من داع فأستجيب له، هل من سائل فأعطيه، ~~هل من مستغفر فأغفر له» "، وأن داود خرج ذات ليلة فقال: لا يسأل الله شيئا ~~إلا أعطاه إياه، إلا أن يكون ساحرا أو عشارا " رواه الإمام أحمد بنحوه. # وأما حديث أبي الدرداء فرواه الليث بن سعد، حدثني محمد بن زيادة الأنصاري ~~عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " «ينزل الله في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في ~~الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت، ~~ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن وهي مسكنه الذي يسكنه لا يكون معه ~~فيها إلا الأنبياء والشهداء # PageV01P456 # والصديقون، وفيها ما لم ير أحد ولم يخطر على قلب بشر، ثم يهبط في آخر ~~ساعة من الليل يقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا سائل فأعطيه، ألا داع ~~فأستجيب له» رواه عثمان بن سعيد الدارمي. ### | حديث الجمعة وهو شجي في حلوق المعطلة # وأما حديث أنس بن مالك فهو الحديث العظيم الشأن الذي هو قرة لعيون أهل ms463 ~~الإيمان وشجى في حلوق أهل التعطيل والبهتان، رواه الشافعي في مسنده مجملا ~~به كتابه راجيا بروايته وتبليغه عن الرسول من الله ثوابه، ورواه أئمة السنة ~~له مقرين، وعلى من أنكره منكرين. # قال عثمان بن سعيد: حدثنا هشام بن خالد الدمشقي وكان ثقة حدثنا محمد بن ~~شعيب بن شابور، أخبرنا عمر بن عبد الله مولى عفرة قال: سمعت أنس بن مالك ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «جاءني جبرائيل وفي كفه مرآة ~~فيها نكتة سوداء، فقلت ما هذه يا جبرائيل؟ قال هذه الجمعة أرسل بها إليك ~~ربك فتكون هدى لك ولأمتك من بعدك، فقلت وما لنا فيها؟ قال لكم فيها خير ~~كثير أنتم الأولون والآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها ~~عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا آتاه الله إياه، ولا خيرا له ~~لم يقسم إلا ادخر له أفضل منه، ولا يستعذ بالله من شر ما هو مكتوب عليه إلا ~~رفع عنه أكبر منه، قلت ما هذه النكتة السوداء؟ قال هذه الساعة يوم تقوم ~~فيها القيامة وهو سيد الأيام، ونحن نسميه عندنا يوم المزيد، قلت: ولم ~~تسمونه يوم المزيد يا جبرائيل؟ قال: إن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من ~~مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار جل جلاله عن عرشه ~~إلى كرسيه إلى ذلك الوادي، وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها ~~الصديقون والشهداء، ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثيب، ثم يتبدى لهم ذو ~~الجلال والإكرام فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي، وأحللتكم ~~دار كرامتي فسلوني، فيقولون بأجمعهم: نسألك الرضى عنا، فيشهد لهم على ~~الرضى، ثم يقول لهم سلوني، فيسألونه حتى تنتهي تهمة كل عبد منهم، ثم يقول ~~سلوني، فيقولون حسبنا ربنا رضينا، # PageV01P457 # فيرجع الجبار تعالى إلى عرشه فيفتح لهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي ~~غرفة من ms464 لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزمردة خضراء ليس فيها فصم ولا قصم، ~~مطردة فيها أنهارها متدلية فيها أثمارها، فيها أزواجها وخدمها ومساكنها ~~فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا تفضلا من ربهم ورضوانا» ~~. # ورواه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن ليث عن عثمان بن عمير عن أنس، ~~ورواه ابن أبي حاتم، حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا ~~أبو اليمان عن شريك عن عثمان به، ورواه مكي بن إبراهيم عن موسى بن عبيدة عن ~~أبي الأزهر عن عثمان فذكره، ورواه أبو زرعة شيبان بن فروخ، حدثنا الصعق بن ~~حزن، حدثنا علي بن الحكيم عن أنس، ورواه الحكم بن أسلم عن الصعق عن علي بن ~~الحكم عن عبد الملك بن عمير، ورواه الحسن بن سفيان في مسنده، حدثنا شيبان ~~بن أبي شيبة، حدثنا الصعق بن حزن، حدثنا علي بن الحكم، ورواه أسعد بن موسى ~~حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا صالح بن حيان عن عبد الله بن بريدة عن أنس، ~~رواه الشافعي في مسنده عن إبراهيم بن محمد، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني أبو ~~الأزهر عن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك فذكر نحوه، وقال في أخرى: وهو ~~اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة، وقد ~~جمع أبو داود طرق هذا الحديث. # وقد روى من حديث حذيفة بن اليمان قال ابن منده أخبرنا أبو عمر بن حكيم ~~حدثنا يزيد بن جهور، حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير، حدثنا أبي عن القاسم بن ~~مطيب عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ~~بطوله، ورواه أبو نعيم وأبو النضر وجماعة قالوا حدثنا المسعودي عن المنهال ~~بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: «سارعوا إلى الجمعة فإن الله ينزل ~~لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب على قدر ~~تسارعهم إلى الجمعة» . # PageV01P458 ### | حديث لقيط بن عامر الجهني ms465 وفيه فوائد # وأما حديث لقيط بن عامر، فقال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: كتب إلى ~~الإبراهيم بن حمزة بن مصعب بن الزبير: كتبت إليه بهذا الحديث فحدث به عني، ~~قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزمي عن عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن ~~الأسود عن عبد الله بن حاطب بن عاصم بن المنتفق عن جده عن عمه لقيط بن عامر ~~العقيلي ح قال دلهم وحدثنيه أبي عن عاصم بن لقيط «أن لقيطا وفد إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق ~~قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس ألا إني قد ~~خبوت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا ~~له: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا ثم لعله أن يلهيه ~~حديث نفسه أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضلال، ألا إني مسئول هل بلغت، ألا ~~اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي، ~~حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلنا يا رسول الله، ما عندك علم الغيب؟ فضحك ~~لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي سقطة، فقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من ~~الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى، وأشار بيده قلت: وما هن؟ قال: علم المنية، ~~قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم ما في الغد ما أنت طاعم غدا ولا ~~تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم آزلين مشفقين فيظل يضحك، قد علم أن غوثكم ~~إلى قريب، قال لقيط: لن نعدم من رب يضحك خيرا، وعلم يوم الساعة، قال قلت: ~~يا رسول الله، علمنا مما تعلم الناس ومما تعلم، فأنا في قبيل لا يصدق ~~تصديقنا أحد من مذحج التي تربو علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن ~~منها: قال تلبثون ما لبثتم ثم ms466 يتوفى نبيكم صلى الله عليه وسلم ثم تلبثون ما ~~لبثتم ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها شيئا إلا مات، ~~والملائكة الذين مع ربك عز وجل، فأصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض، وخلت عليه ~~البلاد، فأرسل ربك السماء بهضب من عند العرش، ولعمر إلهك لا تدع على ظهرها ~~مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من عند رأسه فيستوي ~~جالسا، فيقول ربك مهيم لما كان فيه يقول: يا رب أمس اليوم ولعهده بالحياة ~~يحسبه حديثا بأهله، فقلت يا رسول الله كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح ~~والبلى والسباع؟ قال أنبئك بمثل ذلك في آلاء الأرض أشرفت عليها وهي مدرة ~~بالية، فقلت لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عنك إلا ~~أياما حتى أشرفت عليها # PageV01P459 # وهي مشربة واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع ~~نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم " قلت ~~يا رسول الله: ونحن ملؤ الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: " ~~أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ~~في ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم ~~وترونه منهما، على أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما "، قلت يا ~~رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: " تعرضون عليه بادية له ~~صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح ~~بها قبلكم، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه ~~مثل الربطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحميم الأسود، ألا ثم ينصرف ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم ويفرق على أثره الصالحون فيسلكون جسرا من النار، ~~فيطأ أحدكم الجمر ويقول حس، فيقول الله عز وجل: أوانه، فتطلعون على حوض ~~الرسول صلى الله عليه وسلم على ظمأ والله ناهله قط رأيتها، ولعمر إلهك ما ~~يبسط واحد منكم يده ms467 إلا وقع عليها قدح يطهره من الطرف والبول والأذى، وتحبس ~~الشمس والقمر فلا ترون واحدا منهما "، قال قلت: يا رسول الله فبم نبصر؟ ~~قال: " بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض ثم ~~واجهته الجبال "، قال قلت يا رسول الله: فيم نجزى من سيئاتنا؟ قال: " ~~الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها إلا أن يغفر "، قال قلت يا رسول الله، ~~إما الجنة وإما النار قال: " لعمر إلهك وإن للنار سبعة أبواب، ما منها ~~بابان إلا يسير الراكب بينهما مسيرة سبعين عاما "، قلت يا رسول الله، فعلى ~~ما نطلع في الجنة؟ قال: " على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من ~~صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة كثيرة، ~~لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة "، قلت يا رسول الله ~~ولنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: " الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في ~~الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد "، قال لقيط: قلت أقصى ما نحن بالغون ~~ومنتهون إليه، قلت يا رسول الله علام نبايعك؟ قال فبسط النبي صلى الله عليه ~~وسلم يده وقال: " على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك وأن لا تشرك ~~بالله إلى غيره، قال قلت وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض النبي صلى ~~الله عليه وسلم يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه، قال قلت: ~~نحل منها حيث شئنا ولا يجني على امرئ إلا نفسه؟ فبسط يده وقال: " ذلك لك ~~تحل # PageV01P460 # حيث شئت ولا يجني عليك إلا نفسك "، فانصرفنا وقال: " ها إن ذين ها إن ~~ذين، لعمر إلهك إن حدثت، ألا إنهم إن اتقى الله في الأولى والآخرة "، فقال ~~له كعب بن الحدادية أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله، قال: " بني ~~المنتفق أهل ذلك، قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت: يا رسول الله، هل لأحد ~~مما مضى من خير في جاهليتهم، قال فقال رجل من عرض قريش: والله إن أباك ~~المنتفق ms468 لفي النار، فلكأنه وقع حر بين جلدي ووجهي مما قال لأبي على رءوس ~~الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ فإذا الأخرى أجمل، فقلت وأهلك ~~يا رسول الله؟ قال: " وأهلي لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي ~~من مشرك فقل أرسلني إليك محمد يبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار ~~"، قال قلت يا رسول الله: ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا ~~إياه، وكانوا يحسبونهم مصلحين، قال: " ذلك بأن الله عز وجل بعث في آخر سبع ~~أمم نبيا، فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين» ". # هذا حديث كبير مشهور، جلالة النبوة بادية على صفحاته تنادي عليه بالصدق، ~~صححه بعض الحفاظ، حكاه شيخ الإسلام الأنصاري، ولا يعرف إلا من حديث أبي ~~القاسم عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، ثم من رواية إبراهيم ~~بن حمزة الزبيري المدني عنه، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما ~~في الصحيح، احتج بهما البخاري في مواضع من صحيحه وروى هذا الحديث أئمة ~~الحديث في كتبهم، منهم عبد الله بن الإمام أحمد، وأبو بكر بن عمرو بن أبي ~~عاصم وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن ~~جعفر أبو الشيخ الأصبهاني الحافظ، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، ~~وأبو بكر أحمد بن موسى ابن مردويه، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ~~وخلق سواهم، رووه في السنة وقابلوه بالقبول وتلقوه بالتصديق والتسليم. # PageV01P461 # قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني ~~وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقرؤه بالعراق بجمع العلماء وأهل ~~الدين، ولم ينكره أحد منهم، ولم يتكلم في إسناده، وكذلك رواه أبو زرعة وأبو ~~حاتم على سبيل القبول. # وقال أبو الخير عبد الرحيم محمد بن الحسن بن محمد بن حمدان بعد أن أخرجه ~~في فوائد أبي الفرج الثقفي: هذا حديث كبير ثابت حسن مشهور، ms469 وقد روى منه ~~الإمام أحمد في مسنده فصل: الضحك، وروى منه فصل: الرؤية، وروى منه فصل: ~~فأين من مضى من أهلك، وروى منه: قلت يا رسول الله كيف يحمل الموتى، لكن ~~بغير هذا الإسناد، وابنه ساقه بكماله في مسند أبيه وفي السنة. # وأما حديث ابن عمر فرواه خلاد بن يحيى، حدثنا عبد الوهاب عن مجاهد عن عمر ~~قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجلان أحدهما أنصاري ~~والآخر ثقفي، فذكر الحديث وفيه: " «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول ~~للملائكة هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق، اشهدوا أني قد غفرت ~~لهم ذنوبهم» " ورواه طلحة بن مصرف عن مجاهد به. # وأما حديث عبد الله بن عباس: فروى عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة ~~عن طارق عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس يقول: «إن الله تعالى ينزل في ~~شهر رمضان إذا ذهب الثلث الأول من الليل هبط إلى السماء الدنيا ثم قال: هل ~~من سائل يعطى، هل من مستغفر يغفر له، هل من تائب يتاب عليه» ، رواه علي بن ~~معبد عن عبيد الله وروى عبيد الله بن موسى، قال ابن أبي ليلى عن المنهال عن ~~سعيد بن جبير «عن ابن عباس في قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا} [إبراهيم: 27] قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا ~~في شهر رمضان يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء غير الشقاوة والسعادة، والموت ~~والحياة» ، وإسناده حسن، وقال أبو الزبير عن طاوس: «سئل ابن عباس عن ليلة ~~الحصبة فقال: إن الله يهبط ليلة الحصبة على حراء» ، وذكر عبيد الله ابن ~~موسى، حدثنا إسرائيل عن السدي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن جبير «عن ابن # PageV01P462 # عباس قال: " كان النداء من السماء، وكان الرب تعالى في السماء الدنيا حين ~~كلم موسى» " ذكره الخلال في السنة. # وفي كتاب السنة للخلال عن الوليد بن عبد الله بن أبي رباح عن زياد ~~البهزي: بينما هو يحدث ms470 إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان فقال عطاء، من هذا ~~المحدث؟ قلت هو زياد البهزي، قال سبحان الله، لقد طول هذا على الناس ليلة ~~واحدة في السنة، أحسبه قال «حدثنا ابن عباس قال: ينزل الله كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا ثلث الليل الأوسط، فيقول من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني ~~فأعطيه، ويترك أهل الحقد لحقدهم» . # وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة ~~بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وينزل الله كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: " ألا عبد يدعوني فأستجيب له، ~~ألا ظالم لنفسه يدعوني فأقبله، فيكون كذلك إلى مطلع الصبح ويعلو على كرسيه» ~~"، وإسحاق هذا هو إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة. # وأما حديث أسماء بنت يزيد فرواه أبو أحمد العسال في كتاب السنة من حديث ~~أبان بن أبي عياش عن شهر بن حوشب عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " «يهبط الرب تعالى من السماء السابعة إلى المقام الذي هو ~~قائمة، ثم يخرج عنق من النار، فيظل الخلائق كلهم، فيقول أمرت، كل جبار ~~عنيد، ومن زعم أنه عزيز كريم، ومن دعا مع الله إلها آخر» ". # وأما حديث أبي الخطاب فقال محمد بن سعد في الطبقات: حدثنا أبو نعيم حدثنا # PageV01P463 # إسرائيل حدثني ثوير قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقال له أبو الخطاب وسئل عن الوتر فقال: «أحب الوتر نصف الليل، فإن الله ~~يهبط من السماء السابعة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب، هل من ~~مستغفر، هل من داع، حتى إذا طلع الفجر ارتفع» . # وأما حديث عمر بن عامر السلمي فرواه محمد بن منده من حديث عثمان التيمي ~~عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن عمر بن عامر السلمي قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " «إذا ذهب ثلث الليل، أو قال نصف الليل، ينزل الله إلى ~~سماء الدنيا فيقول: ms471 هل من عان فأفكه، هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب ~~له، هل من مستغفر فأغفر له، حتى يصلى الصبح» ". # وأما حديث عوف بن مالك فرواه حميد بن زنجويه من حديث عبادة بن نسي عن ~~كثير بن مرة عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن ~~الله يطلع إلى خلقه ليلة النصف فيغفر للمؤمنين» . . . " الحديث، وضمن يطلع ~~معنى يدنو وينزل فعداه بإلى. # وأما حديث أبي أمامة: جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا كان ليلة النصف من شعبان هبط الله ~~إلى سماء الدنيا فيغفر لأهل الأرض إلا لكافر ومشاحن» " رواه محمد بن الفضل ~~البخاري عن مكي بن إبراهيم عن جعفر، وقال الفريابي حدثنا ابن عمار، ثنا ~~صدقة بن خالد، ثنا عثمان بن أبي عاتكة، حدثنا «سليمان بن حبيب المجازي قال: ~~دخلنا على أبي أمامة بحمص فقال: إن هذا المجلس من بلاغ الله إياكم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما أرسل به، وأنتم فبلغوا عنا، إياكم ~~والظلم، فإن الله يجلس يوم القيامة على القنطرة الوسطى بين الجنة والنار، ~~ثم يعزل فيقول: وعزتي وجلالي، لا يجاورني اليوم ظلم ظالم» . # PageV01P464 # وأما حديث ثوبان فقال الطبراني في معجمه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن ~~حمزة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النصر حدثنا يزيد بن ربيعة حدثنا أبو ~~الأشعث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «يقبل الجبار تبارك ~~وتعالى يوم القيامة فيثني رجله على الجسر فيقول: وعزتي وجلالي لا يجاورني ~~اليوم ظلم ظالم، فينصف الخلق بعضهم من بعض، حتى إنه لينصف الشاة الجماء من ~~القرناء تنطحها نطحة» " وقد جاء المعنى تفسيرا لقوله تعالى: {إن ربك ~~لبالمرصاد} [الفجر: 14] فروى البيهقي من حديث الأعمش عن سالم بن أبي الجعد ~~عن عبد الله بن مسعود {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] وقال: من وراء الصراط ~~ثلاثة جسور: جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب ms472 تبارك ~~وتعالى. # وذكر ابن جرير في تفسيره عن جويبر عن الضحاك في هذه الآية، قال: «إذا كان ~~يوم القيامة يأمر الله بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ثم يقول: وعزتي ~~لا يجاورني اليوم ذو مظلمة» ، وذكر عمر بن قيس قال: بلغني أن على جهنم ثلاث ~~قناطر: قنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: يا رب هذا واصل يا رب هذا ~~قاطع، وقنطرة عليها الرب تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14] وذكر عن ~~سفيان في هذه الآية: على جهنم ثلاث قناطر: قنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها ~~الرب تعالى. # وأما حديث أبي موسى الأشعري فرواه ابن لهيعة عن الزبير بن سليم عن الضحاك ~~ابن عبد الرحمن يعني ابن عزب عن أبيه قال: سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في النصف من ~~شعبان فيغفر لأهل الأرض إلا مشركا أو مشاحنا» ". # PageV01P465 ### | النزول إلى الأرض يوم القيامة تواترت به الأحاديث وجاء به القرآن # فصل وهذا النزول إلى الأرض يوم القيامة قد تواترت به الأحاديث والآثار ~~ودل عليه القرآن صريحا في قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك} [الأنعام: 158] وقال عبد الله بن المبارك حدثنا حيوة بن شريح حدثني ~~الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدني أن عقبة بن مسلم حدثه عن شفي بن ~~ماتع الأصبحي قال: قدمت المدينة فدخلت المسجد فإذا الناس قد اجتمعوا على ~~أبي هريرة فلما تفرقوا دنوت فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «إذا كان يوم ~~القيامة نزل الله إلى العباد ليقضى بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعى رجل ~~جمع القرآن» . . . " وذكر الحديث بطوله وأصله في صحيح مسلم، وفي صحيح ~~البخاري من حديث أنس بن مالك، وفيها " «ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان ~~قاب قوسين أو أدنى» " وقد تقدم ذكر نزوله إلى الجنة يوم المزيد: ونزوله إلى ~~الأرض قبل يوم القيامة حين يخلو ms473 أهلها، ونزوله يوم عرفة إلى سماء الدنيا. # وقال سعيد بن منصور حدثنا إبراهيم بن ميسرة عن ابن أبي سويد عن عمر بن ~~عبد العزيز رحمه الله قال: زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم امرأة عثمان ~~بن مظعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «خرج وهو محتضن أحد ابني بنته ~~وهو يقول: " والله إنكم لتجبنون وتجهلون وتبخلون وإنكم لمن رياحين الله وإن ~~آخر وطأة وطئها رب العالمين بوج» " وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو ~~بن دينار عن عمرو بن أوس # PageV01P466 # قال إن آخر وطأة الله لبوج، قال سفيان وكان سعد بن جبير يقول: قال أبو ~~هريرة: تسألوني وفيكم عمرو بن أوس. # وفي الباب عن الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ويعلى بن مرة. # فهذه عشرة أنواع من النزول والمجيء والإتيان ونظائرها، تضمنها كلام أعلم ~~الخلق بالله وأقدرهم على اللفظ المطابق لما قصده من وصف الرب تعالى وأنصحهم ~~للأمة والمجاز وإن أمكن في فرد من أفراد هذه الأنواع أو أكثر فإنه من ~~المحال عادة أن يطرد في جميعها اطرادا واحدا، بحيث يكون الجميع من أوله إلى ~~آخره مجازا. # وقال أبو العباس بن شريح، وقد صح عند جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا ~~أن جميع الآثار والأخبار الصادقة عن رسول الله نص في الصفات يجب على المسلم ~~الإيمان بها، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وذندقة، مثل قوله: ~~{الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] ~~ونظائرها مما نطق به القرآن، كالفوقية والنفس واليدين، والسمع والبصر، ~~وصعود الكلام الطيب إليه، والضحك والتعجب، والنزول كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا. # إلى أن قال: واعتقادنا في الآي المتشابهة في القرآن نقلها ولا نردها، ولا ~~نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترحم عن ~~صفاته بلغة غير العربية ونسلم الخبر لظاهر تنزيلها. # قال إمام عصره محمد بن جرير في كتاب التبيين في معالم الدين: القول فيما ~~أدرك علمه من الصفات خبرا، وذلك مثل إخباره سبحانه أنه سميع بصير، ms474 وأن له ~~يدين، وأن له وجها، وأن له قدما، وأنه يضحك، وأنه يهبط إلى سماء الدنيا، ~~وذكر أولها. # وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل وإسحاق: «ينزل ربنا كل ليلة» . . ~~. الحديث، أليس يقول لهذا الحديث، قال أحمد وإسحاق: صحيح، وزاد إسحاق: لا ~~يدعه إلا مبتدع، وقال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: قيل لأبي ~~عبد الله: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة؟ قال: نعم، قيل له في ~~شعبان كما جاء في الأثر؟ قال: نعم. # وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم، ~~قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال اسكت عن هذا، وغضب غضبا شديدا. # PageV01P467 # وقال مالك: ولهذا أمض الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد إلا بما جاءت به ~~الآثار، وبما جاء به الكتاب، قال الله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} ~~[النحل: 74] ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته، أحاط بكل شيء. # وقال بشر بن السري لحماد بن زيد: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا يتحول من ~~مكان إلى مكان؟ فسكت حماد ثم قال: هو مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، وقال أبو ~~عمر بن عبد البر أجمع العلماء من الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل ~~يعني تفسير القرآن قالوا في تأويل قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا ~~هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} [المجادلة: 7] هو على عرشه وعلمه بكل ~~مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله. # وقال: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن ~~والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، لأنهم لا يكيفون ~~شيئا من ذلك. # وقال أبو عبد الله الحاكم: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن ~~أبي طالب يقول، سمعت أحمد بن سعيد الرابطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله ~~بن طاهر ذات يوم وحضر إسحاق يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول أصحيح هو؟ ~~قال نعم، فقال له بعض قواد الأمير عبد الله، يا أبا يعقوب أتزعم ms475 أن الله ~~ينزل كل ليلة؟ قال نعم، قال كيف ينزل؟ قال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك ~~النزول، فقال له الرجل: أثبته فوق؟ فقال له إسحاق: قال الله جل شأنه {وجاء ~~ربك والملك صفا} [الفجر: 22] فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب ~~هذا يوم القيامة، قال إسحاق أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه ~~اليوم؟ . # وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: قال الفضيل بن عياض: إذا قال لك ~~الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنت: أؤمن برب يفعل ما يشاء؟ وقد ~~ذكر الأثرم هذه الحكاية أطول من هذا. # وقال الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله # PageV01P468 # عن الأحاديث التي تروى " «أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا» «وأن ~~الله يرى» «وأن الله يضع قدمه» " وما أشبه ذلك، فقال أبو عبد الله: نؤمن ~~بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به ~~الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله، ولا نصف الله ~~بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء، وهذا الكلام وكلام ~~الشافعي من مشكاة واحدة. ### | فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال # فصل # واختلف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ينزل بذاته، وهو قول الإمام أبي القاسم التيمي وهو من أجل ~~الشافعية له التصانيف المشهورة كالحجة في بيان المحجة، وكتاب الترغيب ~~والترهيب وغيرهما، وهو متفق على إمامته وجلالته، قال شيخنا: وهذا قول طوائف ~~من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين، وروي في ذلك حديث مرفوع لا يثبت ~~رفعه. # قال أبو موسى المديني: إسناده مدخول وفيه يقال: وعلى بعضهم مطعن لا تقوم ~~بمثله الحجة، ولا يجوز نسبة قوله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كنا ~~نعتقد صحته إلا أن يرد بإسناد صحيح. # وقالت طائفة منهم: لا ينزل بذاته، وقالت ms476 فرقة أخرى: نقول ينزل ولا نقول ~~بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونسكت عما سكت عنه. # واختلفوا أيضا هل يخلو العرش منه؟ فقالت طائفة ينزل ويخلو منه العرش، ~~وقالت طائفة لا يخلو منه العرش، قال القاضي أبو يعلى في كتاب الوجهين ~~والروايتين: لا تختلف أصحابنا أن الله ينزل إلى سماء الدنيا في كل ليلة حين ~~يبقى ثلث الليل الآخر، كما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث ~~أبي هريرة وابن مسعود وعبادة بن الصامت ثم قال: واختلفوا في صفته، فذهب ~~شيخنا أبو عبد الله إلى أنه نزول انتقال، قال: لأن هذا حقيقة النزول عند ~~العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد، قال: وهذا على ظاهر حديث ~~عبادة بن الصامت. # (قلت) يريد قوله ثم يعلو تبارك وتعالى على كرسيه، قال لأن أكثر ما في هذا ~~أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثا كالاستواء على ~~العرش هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن ~~موصوفا # PageV01P469 # به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت وإن كان هذا يوجب الحدث في حقنا ~~ولم يوجبه في حقه، وكذلك النزول. # قال: وحكى شيخنا عن طائفة من أصحابنا أنهم قالوا: ينزل، معناه قدرته ولعل ~~هذا القائل ذاهب إلى ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل أنه قال يوم احتجوا على: ~~يومئذ، تجيء البقرة يوم القيامة ويجيء تبارك وتعالى، قلت لهم: هذا الثواب، ~~قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] إنما يأتي قدرته، ~~وإنما القرآن أمثال ومواعظ وزجر. # وذكر أحمد أيضا فيما خرجه في الحبس: كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال ~~إلى حال، ووجه هذا أن النزول هو الزوال والانتقال: ولهذا قلنا في الاستواء ~~إنه لا بمعنى المماسة والمباينة، لأن ذلك من صفات الحدث والانتقال وهذا من ~~صفات الحدث. # قال: وحكى شيخنا عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا نثبت نزولا ms477 ولا ~~نعقل معناه: هل هو بزوال أو بغير زوال كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس بممتنع ~~في صفاته، كما نثبت ذاتا لا تعقل، قال وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص ~~عليها أحمد في مواضع، فقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء ~~الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا وغضب ~~غضبا شديدا، وقال أمض الحديث على ما روي. # قلت: أما قول ابن حامد إنه نزول انتقال فهو موافق قول من يقول يخلو منه ~~العرش، والذي حمله على هذا إثبات حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال ~~ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء ~~والإتيان والذهاب والهبوط، هذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق ~~والرزق والإماتة والإحياء والقبض والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه ~~موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش} [الأعراف: 54] والانتقال جنس لأنواع المجيء والإتيان، ~~والنزول والهبوط، والصعود. والدنو والتدلي ونحوها، وإثبات النوع مع نفي ~~جنسه جمع بين النقيضين. # قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود ~~محذور # PageV01P470 # البتة، ولا يستلزم ذلك نقصا ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه ~~الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل، ولازم الحق حق كما أن العقل ~~والنقل قد اتفقا على أنه سبحانه حي متكلم، قدير عليم مريد، وما لزم من ذلك ~~تعين القول به، فإنه لازم الحق، وكذلك رؤيته تعالى بالأبصار عيانا في ~~الآخرة هو حق، فلازمه حق كائنا ما كان، والعجب أن هؤلاء يدعون أنهم أرباب ~~المعقولات، وهم يجمعون بين إثبات الشيء ونفي لازمه، ويصرحون بإثباته، ~~ويثبتون لوازمه بإثباته، ويصرحون بنفيه، ولهذا عقلاؤهم لا يسمحون بإثبات ~~شيء من ذلك، فلا يثبتون لله نزولا ولا مجيئا، ولا إتيانا ولا دنوا، ولا ~~استواء ولا صعودا البتة، وإثبات هذه الحقائق عندهم في الامتناع كإثبات ~~الأكل والشرب والنوم ونحوها، والفرق بين هذا وهذا ثابت عقلا ونقلا ms478 وفطرة ~~وقياسا واعتبارا، فالتسوية بينهما في غاية البطلان. # قالوا وقولنا إنه نزول لاعتبار لا محذور فيه، فإنه ليس كانتقال الأجسام ~~من مكان إلى مكان، كما قلتم إن سمعه وبصره وحياته وقدرته وإرادته ليست ~~كصفات الأجسام، فليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. # قالوا ونحن لم نتقدم بين يدي الله ورسوله، بل أثبتنا لله ما أثبته لنفسه ~~وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فألزمتم أنتم من أثبت ذلك القول ~~بالانتقال، ومعلوم أن هذا الإلزام إنما هو إلزام لله ورسوله، فإنا لم نتعد ~~ما وصف به نفسه، فكأنكم قلتم من أثبت له نزولا ومجيئا وإتيانا ودنوا لزمه ~~وصفه بالانتقال، والله ورسوله هو الذي أثبت ذلك لنفسه فهو حق بلا ريب، فكان ~~جوابنا إن الانتقال إن لزم من إثبات ما أثبته الله تعالى ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم وتصديقه في ذلك والإيمان به، فلا بد من إثباته ضرورة، وإن لم ~~يلزم، بطل إلزامكم ونظير هذا مناظرة جرت بين جهمي وسني. # قال الجهمي: أنت تزعم أن الله يرى في الآخرة عيانا بالأبصر؟ قال السني: ~~نعم، فقال له الجهمي: هذا يلزم منه إثبات الجهة والحد وكون المرئي مقابلا ~~للرائي مواجها له، وهذا تشبيه وتجسيم، قال له السني: قد دل القرآن والسنة ~~المتواترة واتفاق الصحابة وجميع أهل السنة وأئمة الإسلام على أن الله يرى ~~في الآخرة، وقد شهد بذلك الرسول وبلغه الأمة، وأعاده وأبداه، فذلك حق لا ~~ريب فيه، فإن لزم ما ذكرت فلازم الحق حق، وإن لم يلزم بطل سؤالك. # وقال بعض الجهمية لبعض أصحابنا: أتقول إن الله ينزل إلى سماء الدنيا؟ ~~فقال # PageV01P471 # ومن أنا حتى أقول ذلك، فقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه ~~الأمة، فقال له الجهمي: هذا يلزم منه الحركة والانتقال، فقال له السني: أنا ~~لم أقل من عندي شيئا، وهذا الإلزام لمن قال ذلك وهو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وتصديقه واجب علينا، فإن كان تصديقه على ذلك بطل الإلزام به، فبهت ~~الجهمي. # قالوا ms479 وقد دل العقل والشرع على أن الله سبحانه حي فعال، ولا فرق بين الحي ~~والميت إلا بالفعل، فالفعل الاختياري من لوازم الحياة فالإرادة والمشيئة من ~~لوازم الفعل، وللفعل لوازم لا يجوز نفيها، إذ نفيها يستلزم نفي الفعل ~~الاختياري، ولهذا لما نفاها الدهرية والفلاسفة نفوا الفعل الاختياري من ~~أصله. # قالوا: ومن لوازم الفعل والترك، الحب والبغض وانتقال الفاعل من شأن إلى ~~شأن، والرب تبارك وتعالى كل يوم هو في شأن، ومن كان على حال واحد قبل الفعل ~~وحال الفعل وبعد الفعل لم يعقل كونه فاعلا باختياره، بل ولا فاعلا البتة، ~~فليس مع نفاة لوازم الأفعال إلا إثبات ألفاظ لا حقائق لها. # والمقصود أن هؤلاء قالوا: نحن لم نصرح بالانتقال من عند أنفسنا، ولكن ~~الله ورسوله قالاه. ### | فصل ثبوت الانتقال والحركة لله تعالى # فصل # أما الذين نفوا الحركة والانتقال، فإن نفوا ما هو من خصائص المخلوق فقد ~~أصابوا ولكن أخطئوا في ظنهم أن ذلك لازم ما أثبته لنفسه، فأصابوا في نفي ~~خصائص المخلوقين وأخطئوا في ظنهم أنه لازم ما أثبته لنفسه، وفي نفيهم للازم ~~الذي يستحيل اتصاف المخلوق بنظيره، وقد بينا فيما تقدم أن الصفة يلزمها ~~لوازم لنفسها وذاتها، فلا يجوز نفي هذه اللوازم عنها لا في حق الرب ولا في ~~حق العبد، ويلزمها لوازم من جهة اختصاصها بالعبد، فلا يجوز إثبات تلك ~~اللوازم للرب، ويلزمها لوازم من حيث اختصاصها بالرب فلا يجوز سلبها عنه ولا ~~إثباتها للعبد، فعليك بمراعاة هذا الأصل والاعتصام به في كل ما يطلق على ~~الرب تعالى، وعلى العبد. # وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ~~ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا ~~عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهورا تاما فيما إذا كانت الألفاظ التي ~~سكت النص عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، كلفظ الحركة والانتقال ~~والجسم والحيز # PageV01P472 # والجهة والأعراض والحوادث والعلة والتغير والتركيب، ونحو ذلك من الألفاظ ~~التي تحتها حق وباطل، فهذه لا تقبل ms480 مطلقا ولا ترد مطلقا، فإن الله سبحانه ~~لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه، فمن أثبتها مطلقا فقد أخطأ ومن ~~نفاها مطلقا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما ~~يجب إثباته له، فإن الانتقال يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج ~~إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرب تعالى، وكذلك الحركة ~~إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى، ويراد بالحركة والانتقال ~~حركة الفاعل من كونه فاعلا، وانتقاله أيضا من كونه غير فاعل إلى كونه ~~فاعلا. # فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل إلا به، فنفيه عن الفاعل نفي ~~لحقيقة الفعل وتعطيل له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو ~~فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه ~~فيه، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، ~~وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، ~~وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز ~~نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم ~~أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من ~~خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي ~~والميت إلا بالحركة والشعور فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة ~~عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة. # ونظير ذلك قول الجهمية: لو قامت به الصفات لقامت به الأعراض، قيام ~~الأعراض به يستلزم كونه جسما، فقالت الصفاتية: قد دل الدليل على قيام ~~الصفات به، فلا يجوز نفيها عنه بتسميتها أعراضا، فإن أردتم بالأعراض الصفات ~~فإثبات الصفات حق، وإن أردتم به ما هو من خصائص المخلوق فلا يلزم ذلك من ~~إثباتها للرب تعالى. # PageV01P473 # وكذلك قولهم: لو كان فوق سماواته ms481 على عرشه يصعد إليه الكلم الطيب لكان ~~جسما وجوابهم بأنه قد ثبت بالعقل والنقل والفطرة أنه سبحانه فوق سماواته ~~عال على خلقه، فلا يجوز نفيه بتسميته تجسيما، فإن كان التجسيم اللازم من ~~ذلك كونه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، فهذا اللازم حق فسموها ما ~~شئتم، وإن كان المدعى لزوم تركيبه من الجواهر الفردة والمادة والصورة أو ~~كونه مماثلا للأجسام المخلوقة فدعوى هذه الملازمة كذب، فلا يجوز أن ينفى عن ~~الله ما دل عليه العقل والنقل والفطرة بألفاظ مجملة تنقسم معانيها إلى حق ~~وباطل. # وأما قول من قال يأتي أمره وينزل رحمته، فإن أراد أنه سبحانه إذا نزل ~~وأتى حلت رحمته وأمره فهذا حق، وإن أراد أن النزول والمجيء والإتيان للرحمة ~~والأمر ليس إلا، فهو باطل من وجوه عديدة قد تقدمت ونزيدها وجوها أخر منها ~~أن يقال: أتريدون رحمته وأمره صفته القائمة بذاته؟ أم مخلوقا منفصلا ~~سميتموه رحمة وأمرا؟ فإن أردتم الأول فنزوله يستلزم نزول الذات ومجيئها ~~قطعا، وإن أردتم الثاني كان الذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقا محدثا لا ~~رب العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعا وهو تكذيب صريح للخبر، فإنه يصح معه ~~أن يقال: لا ينزل إلى سماء الدنيا، ولا يأتي لفصل القضاء، وإنما الذي ينزل ~~ويأتي غيره. # ومنها: كيف يصح أن يقول ذلك المخلوق: لا أسأل عن عبادي غيري، ويقول: من ~~يستغفرني فأغفر له؟ ونزول رحمته وأمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه، وإثبات ~~ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الذي لا يجوز نسبته إليه سبحانه مع رد خبره ~~صريحا. # ومنها: أن نزول رحمته وأمره لا يختص بالثلث الأخير ولا بوقت دون وقت ينزل ~~أمره ورحمته فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلوي والسفلي طرفة عين. # وأما الرواية المنقولة عن الإمام أحمد فاختلف فيها أصحابه على ثلاث طرق: ~~أحدها: إنها غلط عليه، فإن حنبلا تفرد به عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة ~~للمشهور من مذهبه وإذا تفرد بما خالف المشهور عنه، فالخلال وصاحبه عبد ~~العزيز لا يثبتون ذلك رواية وأبو عبد ms482 الله بن حامد وغيره يثبتون ذلك رواية، ~~والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه، هذا إذا كان ذلك من مسائل ~~الفروع فكيف في هذه المسألة؟ . # وقالت طائفة أخرى: بل ضبط حنبل ما نقل وحفظه، ثم اختلفوا في تخريج هذا # PageV01P474 # النص، فقالت طائفة منهم: إنما قاله أحمد على سبيل المعارضة لهم فإن القوم ~~كانوا يتأولون في القرآن من الإتيان والمجيء بمجيء أمره سبحانه، ولم يكن في ~~ذلك ما يدل على أن من نسب إليه المجيء والإتيان مخلوق فكذلك وصف الله ~~سبحانه كلامه بالإتيان والمجيء هو مثل وصفه بذلك فلا يدل على أن كلامه ~~مخلوق يحمل مجيء القرآن على مجيء ثوابه، كما حملهم مجيئه سبحانه وإتيانه ~~على مجيء أمره وبأسه. # فأحمد ذكر على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما ~~احتجوا به عليه لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ~~ما عارض به. # وقالت طائفة أخرى: بل ثبت عن أحمد بمثل هذا رواية في تأويل المجيء ~~والإتيان ونظائر ذلك من أنواع الحركة، ثم اختلفوا في ذلك، فمنهم من قصد ~~التأويل. # على هذا النوع خاصة، وجعل فيه روايتين، ومنهم من حكى روايتين في باب ~~الصفات الخبرية بالنقل والتخريج، والرواية المشهورة من مذهبه ترك التأويل ~~في الجميع، حتى أن حنبلا نفسه ممن نقل عنه ترك التأويل صريحا فإنه لما سأله ~~عن تفسير النزول هل هو أمره أم ماذا؟ نهاه عنه. # وطريقة القاضي وابن الزاغوني تخصيص الروايتين بتأويل النزول ونوعه، ~~وطريقة ابن عقيل تعميم الروايتين لكل ما يمنع عندهم إرادة ظاهرة، وطريقة ~~الخلال وقدماء الأصحاب امتناع التأويل في الكل، وهذه رواية إما شاذة أو أنه ~~رجع عنها، كما هو صريح عنه في أكثر الروايات، وإما أنها إلزام منه ومعارضة ~~لا مذهب، وهذا الاختلاف وقع نظيره في مذهب مالك، فإن المشهور عنه وعن أئمة ~~السلف إقرار نصوص الصفات والمنع من تأويلها، وقد روي عنه أنه تأول قوله: " ~~«ينزل ربنا» " بمعنى نزول أمره وهذه الرواية لها إسنادان (أحدهما) من طريق ~~حبيب كاتبه، ms483 وحبيب هذا غير حبيب، بل هو كذاب وضاع باتفاق أهل الجرح ~~والتعديل ولم يعتمد أحد من العلماء على نقله، والإسناد (الثاني) فيه مجهول ~~لا يعرف حاله، فمن أصحابه من أثبت هذه الرواية، ومنهم من لم يثبتها ; لأن ~~المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئا من ذلك. # فصل # وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما ~~تأويل شيء في موارد النزاع لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى ~~الآية أو الحديث وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات وأحاديث، مثل تنازع ابن ~~عباس وعائشة # PageV01P475 # في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} [النجم: 13] ) فقال ابن عباس رأى ~~ربه، وقالت عائشة بل رأى جبرائيل، وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله ~~تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} [الدخان: 10] فقال ابن مسعود: ~~هو ما أصاب قريشا من الجوع حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة ~~الدخان، وقال ابن عباس: هو دخان قبل يوم القيامة وهذا هو الصحيح ونظائر ~~ذلك، فالحجة هي التي تفصل بين الناس. ### | المثال التاسع معية الله تعالى وقربه من عباده # المثال التاسع: مما ادعي فيه المجاز قوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} ~~[الحديد: 4] وقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا} [النحل: 128] وقوله ~~تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وقوله: {إنا معكم مستمعون} ~~[الشعراء: 15] وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] وقوله: {فإني ~~قريب} [البقرة: 186] وقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} ~~[المجادلة: 7] الآية ونحو ذلك، قالت المجازية: هذا كله مجاز يمتنع حمله على ~~الحقيقة، إذ حقيقته المخالطة والمجاورة وهي منتفية قطعا، فإذا معناها معية ~~العلم والقدرة والإحاطة، ومعية النصر والتأييد والمعونة، وكذلك القرب. # قال أصحاب الحقيقة: والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: لا تخلو هذه الألفاظ إما أن يكون ظاهرها أن ذاته تعالى في كل ~~مكان، أو لا يكون ذلك ظاهرها، فإن كان ذلك ظاهرها فهو قول طوائف من إخوان ~~هؤلاء، وهم الجهمية الأولى، الذين كانوا يقولون: ms484 إن الله بذاته في كل مكان، ~~ويحتجون بهذه الآيات وما أشبهها. # وهؤلاء الجهمية المستأخرون الذين يقولون: ليس فوق السماوات رب، ولا على ~~العرش إله، عاجزون عن الرد على سلفهم الأول، وسلفهم خير منهم فإنهم أثبتوا ~~له وجودا بكل مكان، وهؤلاء نفوا أن يكون داخل العالم أو خارجه، والرسل ~~وأتباعهم أثبتوا أنه خارج العالم، فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ~~فنفاة النقيضين لا يمكنهم الرد على من أثبت النقيضين، فإنهم إن قالوا إثبات ~~النقيضين محال، قالوا لهم ونفيهما محال، وإن قالوا كونه داخل العالم ينافي ~~كونه خارجا عنه، قالوا لهم: وكونه # PageV01P476 # غير داخل العالم ينافي كونه غير خارج عنه، فإن قالوا وصفه بدخوله في ~~العالم وخروجه منه يستلزم التجسيم، قالوا: وصفه بكونه ليس في العالم ولا ~~خارجا عنه يستلزم التعطيل والحكم بعدمه، والتجسيم خير من التعطيل، ونفي ~~حقيقة الرب لو كان لازما، كيف ولزومه من جانبكم أقوى، فإنكم تصفونه بالصفات ~~التي هي أعراض لا تقوم إلا بالأجسام، وقد ألزمكم النفاة التجسيم بإثباتها ~~فما كان جوابكم لهم فهو بعينه جوابنا لكم. # وإن قالوا إثبات دخوله في العالم يقتضي مجاورته ومخالطته لما ينزه عنه، ~~قالوا لهم: ونفي دخوله في العالم وخروجه عنه يقتضي امتناع وجوده وهو أنقص ~~من مجاورته للعالم، فإن كان نقصا فالحكم عليه بما يمنع وجوده أدخل في ~~النقص، وإن لم يكن ذلك النفي نقصا ولا مستلزما للنقص لم يكن في الإثبات ~~نقص. # فإن قلتم دخوله وخروجه يقتضي انحصاره في الأمكنة، قال سلفكم بل يقتضي عدم ~~انحصاره فإنا لم نخصه بمكان دون مكان، ولو اقتضى حصره لكان ذلك أقرب إلى ~~المعقول من الحكم عليه بما يقتضي امتناع وجوده. # فظهر أنه لا يمكن خلف الجهمية أن يرد على سلفهم البتة إلا أن يتركوا ~~تعطيلهم ويتحيزوا إلى أهل الإثبات، فإذا قال هؤلاء: حقيقة هذه الألفاظ ~~تقتضي المجاورة والمخالطة ونحن نقول بذلك لم يمكنهم إبطال قولهم، وهل ~~الإثبات براء من الفريقين؟ هذا إن كان ظاهر القرآن يدل على المخالطة ~~والمجاورة، وإن لم يدل ms485 على ذلك ولم يكن حقيقة فيه لم يكن خارجا عن حقيقته. # الوجه الثاني: إن الله سبحانه قد بين في القرآن غاية البيان أنه فوق ~~سماواته وأنه مستو على عرشه، وأنه بائن عن خلقه، وأن الملائكة تعرج إليه، ~~وتنزل من عنده، وأنه رفع المسيح إليه، وأنه يصعد إليه الكلم الطيب، إلى ~~سائر ما دلت عليه النصوص من مباينته لخلقه وعلوه على عرشه، هذه نصوص محكمة ~~فيجب رد المتشابه إليها، فتمسكهم بالمتشابه ورد المحكم متشابها وجعلتم الكل ~~مجازا. # الوجه الثالث: إن الله تعالى قد بين في غير موضع أنه خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما، وأن له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وأن الأرض قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه وأن كرسيه وسع السماوات والأرض وأنه يمسك ~~السماوات والأرض، وهذه نصوص صريحة في أن الرب تعالى ليس هو عين هذه ~~المخلوقات، # PageV01P477 # ولا صفة ولا جزء منها، فإن الخالق غير المخلوق، وليس بداخل فيها محصور بل ~~هي صريحة في أنه مباين لها وأنه ليس حالا فيها ولا محلا لها، فهي هادية ~~للقلوب عاصمة لها أن يفهم من قوله {وهو معكم} [الحديد: 4] أن الله سبحانه ~~عين المخلوقات أو حال فيها أو محل لها. # الوجه الرابع: إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط ~~بالمخلوقات ممتزج بها، ولا تدل لفظة (مع) على هذا بوجه من الوجوه فضلا أن ~~يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه، فإن (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة وهي تختلف ~~باختلاف متعلقاتها ومصحوبها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكون علمه وقدرته ~~وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله ~~معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها، فيصح أن يقال: ~~زوجته معه وبينهما شقة بعيدة وكذلك يقال مع فلان دار كذا وضيعته كذا، فتأمل ~~نصوص المعية في القرآن كقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار} [الفتح: 29] وقوله: {ينادونهم ألم نكن معكم} [الحديد: 14] وقوله: ~~{لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: 83] وقوله: ms486 {وكونوا مع ~~الصادقين} [التوبة: 119] {واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] {فلما جاوزه ~~هو والذين آمنوا معه} [البقرة: 249] {والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ~~أيديهم} [التحريم: 8] {فاكتبنا مع الشاهدين} [آل عمران: 53] {فلتقم طائفة ~~منهم معك} [النساء: 102] {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} ~~[المائدة: 84] وأضعاف ذلك، هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات ~~التصاقا وامتزاجا، فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب تعالى ذلك حتى يدعى ~~أنها مجاز لا حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته تعالى فيهم ولا ملاصقة ~~لهم، ولا مخالطة ولا مجاورة بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه (مع) ~~المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور، وذا الاقتران في كل موضع ~~بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقه. # فإن قيل: الله مع خلقه بطريق العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره ~~لهم # PageV01P478 # وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصا كقوله: {إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون} [النحل: 128] كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة والتأييد ~~والمعونة، فمعية الله تعالى مع عبده نوعان: عامة وخاصة، وقد اشتمل القرآن ~~على النوعين، وليس ذلك بطريق الاشتراك اللفظي بل حقيقتها ما تقدم من الصحبة ~~اللائقة، وقد أخبر الله تعالى أنه مع خلقه مع كونه مستويا على عرشه وقرن ~~بين الأمرين كما قال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد: 4] ~~فأخبر أنه خلق السماوات والأرض، وأنه استوى على عرشه، وأنه مع خلقه يبصر ~~أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال " «والله فوق عرشه يرى ما أنتم ~~عليه» " فعلوه لا يناقض معيته ومعيته لا تبطل علوه، بل كلاهما حق، فمن ~~المعية الخاصة قوله: {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] {وإن الله لمع ~~المحسنين} [العنكبوت: 69] {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} ~~[النحل: 128] {واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] {لا تحزن ms487 إن الله ~~معنا} [التوبة: 40] ومن العامة {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] وقوله: ~~{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} [المجادلة: 7] الآية. # فنبه سبحانه بالثلاثة على العدد الذي يجمع الشفع والوتر، ولا يمكن أهله ~~أن ينقسموا في النجوى قسمين، ونبه بالخمسة على العدد الذي يجمعهما، ويمكن ~~أهله أن ينقسموا فيها قسمين فيكون مع كل العددين، فالمشتركون في النجوى إما ~~شفع فقط أو وتر فقط، أو كلا القسمين، وأقل أقسام الوتر المتناجين ثلاثة ~~وأقل أنواع الشفع اثنان، وأقل أقسام النوعين إذا اجتمعا خمسة، فذكر أدنى ~~مراتب طائفة الوتر وأدنى مراتب النوعين إذا اجتمعا، ثم ذكر معيته العامة ~~لما هو أدنى من ذلك أو أكثر. # وتأمل كيف جعل نفسه رابع الثلاثة وسادس الخمسة، إذ هو غيرهم سبحانه ~~بالحقيقة لا يجتمعون معه في جنس ولا فصل، وقال: {لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] # PageV01P479 # فإنهم ساووا بينه وبين الاثنين في الإلهية، والعرب تقول: رابع أربعة، ~~وخامس خمسة وثالث ثلاثة، لما يكون فيه المضاف إليه من جنس المضاف كما قال ~~تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار} [التوبة: 40] رسول الله وصديقه، فإن ~~كان من غير جنس قالوا رابع ثلاثة وخامس أربعة وسادس خمسة، وقال تعالى في ~~المعية الخاصة لموسى وأخيه {إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] وقال في العامة ~~{فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15] فتأمل كيف أفرد ضمير نفسه ~~حيث أفرد موسى وأخاه عن فرعون، وكيف جمع الضمير لما أدخل فرعون معهما في ~~الذكر، فجعل الخاص مع المعية الخاصة والعام مع المعية العامة، وأما قوله ~~تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} [ق: 16] فهذه الآية لها شأن وقد اختلف فيها السلف والخلف على ~~قولين، فقالت طائفة: نحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة وعلى هذا فيكون ~~المراد قربه سبحانه بنفسه، وهو نفوذ قدرته ومشيئته فيه وإحاطة علمه به، ~~والقول الثاني: أن المراد قرب ملائكته منه، وأضاف ذلك إلى نفسه بصيغة ضمير ~~الجمع على عادة ms488 العظماء في إضافة أفعال عبيدها إليها بأوامرهم ومراسيمهم، ~~فيقول الملك نحن قتلناهم وهزمناهم، قال تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ~~[القيامة: 18] وجبرائيل هو الذي يقرؤه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} [الأنفال: 17] فأضاف قتل المشركين يوم ~~بدر إليه، وملائكته هم الذين باشروه إذ هو بأمره، وهذا القول أصح من الأول ~~لوجوه: أحدها: أنه سبحانه قيد القرب في الآية بالظرف وهو قوله: {إذ يتلقى ~~المتلقيان} [ق: 17] كالعامل في الظرف ما في قوله: {ونحن أقرب إليه} [ق: 16] ~~من معنى الفعل، ولو كان المراد قربه سبحانه بنفسه لم يتقيد ذلك بوقت تلقي ~~الملكين، ولا كان في ذكر التقييد به فائدة، فإن علمه سبحانه وقدرته ومشيئته ~~عامة التعلق. # الثاني: أن الآية تكون قد تضمنت علمه وكتابة ملائكته لعمل العبد، وهذا ~~نظير قوله: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} ~~[الزخرف: 80] وقريب # PageV01P480 # منه قوله تعالى في أول السورة {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ} [ق: 4] ونحو قوله: {قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} ~~[طه: 52] . # الثالث: إن قرب الرب تعالى إنما ورد خاصا ولا عاما، وهو نوعان: قربه من ~~داعيه بالإجابة ومن مطيعه بالإثابة، ولم يجئ القرب كما جاءت المعية خاصة ~~وعامة، فليس في القرآن ولا في السنة أن الله قريب من كل أحد وأنه قريب في ~~الكافر والفاجر، وإنما جاء خاصا كقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب} [البقرة: 186] فهذا قربه من داعيه وسائله به، وقال تعالى: {إن رحمة ~~الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] ولم يقل قريبة، وإنما كان الخبر عنها ~~مذكورا، إما لأن فعيلا بينه وبين فعول اشتراك من وجوه، منها الوزن والعدد ~~والزيادة والمبالغة، وكون كل منهما يكون معدولا عن فاعل استوى مذكره ومؤنثه ~~في عدم إلحاق التاء، كامرأة نئوم وضحوك فحملوا فعيلا عليه في بعض المواضع ~~لعقد الأخوة التي بينهما، وإما لأن قريبا معدول عن مفعول في المعنى كأنها ~~قربت منهم وأدنيت، وهم ms489 يراعون اللفظ تارة والمعنى أخرى، وأما ذهابهم ~~بالرحمة إلى الإحسان واللطف والبر، وهو كثير في لغتهم حتى يكثر أنهم ~~يستعملون ضد ذلك، فيقولون جاءت فلانا كتابي تذهبون به إلى الصحيفة، وإما ~~على حذف مضاف يكون قريب خبرا عنه تقديره مكان رحمة الله أو تناولها ونحو ~~ذلك قريب، وإما على تقدير موصوف محذوف يكون قريب صفة له تقديره أمر أو شيء ~~قريب كقول الشاعر: # قامت تبكيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر # تركتني في الدار ذا غربة قد ... ذل من ليس له ناصر # أي شخصا ذا غربة، وعلى هذا حمل سيبويه حائضا وطالقا وطامثا ونحوها، وإما ~~على اكتساب المضاف إليه، نحو ذهبت بعض أصابعه، وتواضعت سور المدينة وبابه، ~~إما من الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، والدلالة بالمذكور على المحذوف، ~~والأصل إن الله قريب من المحسنين، ورحمته قريبة منهم، فيكون قد أخبر # PageV01P481 # عن قرب ذاته وقرب ثوابه من المحسنين، واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الآخر، ~~وقريب منه {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] ، {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] ومثله على أحد ~~الوجوه {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية} [الشعراء: 4] الآية، أي فذلوا ~~لها خاضعين {فظلت أعناقهم} [الشعراء: 4] لها خاضعة. وإما لأن القريب يراد ~~به شيئان: # أحدهما: النسب والقربة فهذا يؤنث، تقول: هذه قريبة لي وقرابة. # والثاني: قرب المكان والمنزلة، وهذا يجرد عن التاء، تقول جلست فلانة ~~قريبا مني، هذا في الظرف، ثم أجروا الصفة مجراه للأخوة التي بينهما، حيث لم ~~يرد بكل واحد منهما نسب ولا قرابة وإنما أريد قرب المكانة والمنزلة، وإما ~~لأن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ حذف التاء من صفته وخبره كما ساغ ~~حذفها من الفعل، نحو طلع الشمس، إما لأن قريبا مصدر لا وصف، كالنقيض ~~والعويل والوجيب مجرد عن التاء، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه ~~التاء، كما تقول امرأة عدل وصوم ونوم. # والذي عندي أن الرحمة لما كانت من صفات الله تعالى، وصفاته قائمة بذاته، ms490 ~~فإذا كانت قريبة من المحسنين، فهو قريب سبحانه منهم قطعا، وقد بينا أنه ~~سبحانه قريب من أهل الإحسان، ومن أهل سؤاله بإجابته. # ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه، فيقرب ربه منه إليه، ~~بإحسانه تقرب تعالى إليه، فإنه «من تقرب منه شبرا يتقرب منه ذراعا، ومن ~~تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا» ، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ~~ليس له نظير، وهو مع ذلك فوق سماواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من ~~عباده في آخر الليل وهو فوق عرشه، فإن علوه سبحانه على سماواته من لوازم ~~ذاته، فلا يكون قط إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء ألبتة، كما قال أعلم الخلق ~~" «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» " وهو سبحانه قريب في علوه عال في قربه، كما ~~في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال " أيها الناس أربعوا على ~~أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع # PageV01P482 # قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» فأخبر صلى الله عليه وسلم وهو أعلم ~~الخلق به أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على ~~عرشه مطلع على خلقه يرى أعمالهم ويعلم ما في بطونهم، وهذا حق لا يناقض ~~أحدهما الآخر. # والذي يسهل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه وأن السماوات ~~السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض ~~بيده الأخرى ثم يهزهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته. أن يكون فوق ~~عرشه ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش. # وبهذا يزول الإشكال عن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث الحسن عن أبي ~~هريرة قال: " «بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ أتى ~~عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما هذا؟ قالوا ~~الله ورسوله أعلم، قال: هذا العنان، هذه روايا الأرض يسوقها ms491 الله إلى قوم ~~لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال: هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا الله ورسوله ~~أعلم، قال: فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف، ثم قال: هل تدرون كم بينكم ~~وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال: ~~هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك سماءين ما ~~بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين ~~السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: فإن فوق ذلك العرش، بينه وبين السماء السابعة بعد ما بين السماءين، ثم ~~قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الأرض ~~ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض ~~الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة ~~خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض ~~السفلى لهبطتم على الله ثم قرأ {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل ~~شيء عليم} [الحديد: 3] » قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى ~~عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ~~وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث وقالوا: إنما يهبط على علم الله وقدرته ~~وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في ~~كتابه، هذا آخر كلامه. # PageV01P483 # وقد اختلف الناس في هذا الحديث في سنده ومعناه، فطائفة قبلته لأن إسناده ~~ثابت إلى الحسن. # قال الترمذي: حدثنا ابن حميد وغير واحد، قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ~~شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة حدثنا الحسن عن أبي هريرة، فهؤلاء كلهم أئمة، ~~وقد صرح قتادة بتحديث الحسن له، وقد صح عن الحسن في غير هذا الحديث أنه ~~قال: حدثنا أبو هريرة ولا ريب أنه عاصره، وقد قال مسلم بن إبراهيم حدثنا ~~ربيعة بن كلثوم قال سمعت ms492 الحسن قال: سمعت أبا هريرة، وطائفة أخرى ردت ~~الحديث وأعلته بأنه منقطع، قالوا والحسن لم ير أبا هريرة فضلا أن يسمع منه، ~~قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: الحسن لقي ابن عباس؟ قال لا ~~ولم يلق أبا هريرة. # وقال ابن أبي حاتم حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا علي بن المديني قال سمعت ~~سلم ابن قتيبة قال حدثني شعبة، قال قلت ليونس بن عبيد: الحسن سمع من أبي ~~هريرة؟ قال: ما رآه قط، حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن ~~الحسن يحدثنا أبو هريرة، قال ابن أبي حاتم إنكارا عليه إنه لم يسمع من أبي ~~هريرة. # حدثنا محمد بن أحمد البر قال: قال علي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ثم ~~ذكره عن أيوب وعلي بن زيد: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وقال عبد الرحمن بن ~~مهدي سمع من ابن عمر ولم يسمع من أبي هريرة ولم يره. # وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: لم يسمع من أبي هريرة، وسمعت أبا زرعة ~~يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره، فقيل له: فمن قال حدثنا أبو ~~هريرة؟ قال يخطئ، وسمعت أبي يقول: وذكر حدثنا أبو هريرة وأوصاني خليلي، قال ~~لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا، قلت لأبي ~~إن سالم الخياط روى عن الحسن قال سمعت أبا هريرة. قال هذا مما بين ضعف ~~سالم. # وسمعت أبا الحجاج المزي يقول: قوله حدثنا أبو هريرة، أي حدث أهل بلدنا، ~~كما في حديث الدجال قول الشاب الذي يقتله له: أنت الدجال الذي حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حديثه، قال أبو حاتم: والحسن لم يسمع من ابن عباس، ~~وقوله خطبنا ابن عباس، يعني خطب أهل البصرة، قالوا وللحديث علة أخرى وهي أن ~~عبد الرزاق في تفسيره رواه عن معمر عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرسلا، فاختلفوا هو وشيبان فيه، هل حدث به عن الحسن. # PageV01P484 # والذين ms493 قبلوا اختلفوا في معناه، فحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن المعنى ~~يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، ومراده على معلوم الله ومقدوره وملكه، ~~أي انتهى علمه وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت، فلا يعزب عنه شيء. # وقالت طائفة أخرى: بل هذا معنى اسمه المحيط واسمه الباطن، فإنه سبحانه ~~محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته كما قال تعالى: ~~{والله من ورائهم محيط} [البروج: 20] فإذا كان محيطا بالعالم فهو فوقه ~~بالذات عال عليه من كل وجه وبكل معنى، فالإحاطة تتضمن العلو والسعة ~~والعظمة، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في قبضته فلو وقعت حصاة ~~أو دلي بحبل لسقط في قبضته سبحانه، والحديث لم يقل فيه إنه يهبط على جميع ~~ذاته، فهذا لا يقوله ولا يفهمه عاقل، ولا هو مذهب أحد من أهل الأرض ألبتة، ~~لا الحلولية ولا الاتحادية ولا الفرعونية ولا القائلون بأنه في كل مكان ~~بذاته، وطوائف بني آدم كلهم متفقون على أن الله تعالى ليس تحت العالم. # فقوله " «ولو دليتم بحبل لهبط على الله» " إذا هبط في قبضته المحيطة ~~بالعالم هبط عليه والعالم في قبضته وهو فوق عرشه، ولو أن أحدنا أمسك بيده ~~أو برجله كرة قبضتها يده من جميع جوانبها ثم وقعت حصاة من أعلى الكرة إلى ~~أسفلها لوقعت في يده وهبطت عليه، ولم يلزم أن تكون الكرة والحصاة فوقه وهو ~~تحتها، ولله المثل الأعلى وإنما يؤتى الرجل من سوء فهمه أو من سوء قصده من ~~كليهما، فإذا هما اجتمعا كمل نصيبه من الضلال. # وأما تأويل الترمذي وغيره بالعلم فقال شيخنا: هو ظاهر الفساد من جنس ~~تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته، فإنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة ~~عقلا ونقلا وفطرة كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه فإن ~~الله قبل وجهه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكا ولكن ليبصق عن يساره أو ~~تحت رجله» ". # وفي حديث ms494 أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~رؤية الرب تعالى، فقال له أبو رزين كيف يسعنا وهو شخص واحد ونحن جميع فقال ~~" «سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله، كلكم يراه ~~مخليا به، فالله أكبر من ذلك» " # PageV01P485 # ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له فإنه لا يتوجه إليه ~~إلا بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده ~~له، وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه ~~لا عن يمينه ولا عن يساره، ويدعوه من العلو لا من السفل. # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «لينتهين ~~أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم» " ~~واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه، وروى أحمد عن ~~محمد بن سيرين «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى ~~السماء حتى أنزل الله {قد أفلح المؤمنون - الذين هم في صلاتهم خاشعون} ~~[المؤمنون: 1 - 2] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده» . # فهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة، لأن الداعي السائل الذي أمر ~~بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ~~ويسأله، بل يناسبه الإطراق وخفض بصره أمامه، فليس في هذا النهي ما ينفي ~~كونه فوق سماواته على عرشه كما زعم بعض جهال الجهمية، فإنه لا فرق عندهم ~~بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه، ولو كان كذلك لم ينه عن رفع بصره إلى ~~جهة، ويؤمر برده إلى غيرها، لأن الجهتين عند الجهمية سواء بالنسبة إليه. # وأيضا فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها وقد قال ~~تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] فليس العبد منهيا عن ~~رفع بصره إلى السماء مطلقا،، إنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع ; ~~لأن خفض البصر من تمام الخشوع ms495 كما قال تعالى: {خشعا أبصارهم} [القمر: 7] ~~وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء لكون الرب ليس في السماء لكان ~~لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهى ~~الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، ~~لبين لهم ذلك بيانا شافيا، ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلي، وهو ~~إطراقه بين يدي ربه # PageV01P486 # وخشوعه ورمي بصره إلى الأرض كما يفعل بين يدي الملوك، فهذا إنما يدل على ~~نقيض قولهم. # فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز التوجه إلى الله تعالى إلا من جهة ~~العلو، وإن ذلك لا ينافي إحاطته، وكونه في قبضته، وأنه الباطن الذي ليس ~~دونه شيء، كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وأن أحد الأمرين لا ينفي ~~الآخر، وإن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم ولا علوه على مخلوقاته، بل هو ~~فوق خلقه محيط بهم مباين لهم. إنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين ~~فاسدين: # أحدهما: أن يظن أنه إذا كان العرش كريا والله فوقه، لزم أن يكون كريا. # الاعتقاد الثاني: أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات، وهذان ~~الاعتقادان خطأ وضلال فإن الله سبحانه مع كونه فوق العرش ومع القول بأن ~~العرش كري لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها كما لا يجور أن يظن ~~به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها، فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل ~~شيء، وأن السماوات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا، وهذا يزيل كل إشكال ~~ويبطل كل خيال. ### | المثال العاشر نداء الله ومناجاته وكلامه بحرف وصوت # المثال العاشر: مما يظن أنه مجاز وليس بمجاز لفظ (النداء الإلهي) وقد ~~تكرر في الكتاب والسنة تكرارا مطردا في محاله متنوعا يمنع حمله على المجاز، ~~فأخبر تعالى أنه نادى الأبوين في الجنة ونادى كليمه، وأنه ينادي عباده يوم ~~القيامة، وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن أخبر فيها عن ms496 ~~ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت، فإنه بمعناه وحقيقته ~~باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعا، ولهذا جاء إيضاحه ~~في الحديث الصحيح الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم وسائر الأمة ~~تلقته بالقبول وتقييده بالصوت إيضاحا وتأكيدا كما قيد التكليم بالمصدر في ~~قوله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] . # قال البخاري في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش ~~حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله تعالى: " «يا آدم، فيقول لبيك وسعديك، فينادى بصوت: إن الله ~~يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار» " # PageV01P487 # وقال البخاري: حدثنا الحميدي وعلي بن المديني قالا: حدثنا سفيان حدثنا ~~عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول سمعت أبا هريرة يحدث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها ~~خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير» " الحديث رواه النسائي في التفسير وابن ~~ماجه وأبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح. # وروى أبو داود من حديث علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا أبو معاوية الضرير ~~عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبيد الله، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة ~~على الصفا فيضعون، ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرائيل، فإذا جاءهم جبرائيل ~~فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل: ماذا قال ربكم؟ قال الحق، فينادون الحق ~~الحق» " وهذا الإسناد كلهم أئمة ثقات. # وقد فسر الصحابة هذه الآية بما يوافق هذا الحديث الصحيح، فقال أبو بكر بن ~~مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن كامل بن خلف حدثنا محمد بن كامل بن خلف ~~حدثنا محمد بن سعد حدثنا أبي حدثنا عمي حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في ~~قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ms497 قال ربكم قالوا الحق وهو ~~العلي الكبير} [سبأ: 23] قال لما أوحى الجبار جل جلاله إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي فسمعت الملائكة صوت الجبار ~~يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم فسألوه عما قال الله تعالى قالوا: الحق، ~~علموا أن الله تعالى لا يقول إلا حقا، وأنه منجز ما وعد، قال ابن عباس: ~~وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خروا سجدا، فلما رفعوا ~~رءوسهم قالوا ماذا قال ربكم، قالوا الحق هو العلي الكبير. # PageV01P488 # وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهم ~~التفسير وغيره عن ابن عباس، وهو إسناد متداول بين أهل العلم وهم ثقات. # وقال عبد الله بن المبارك، حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " «لما نزل جبرائيل بالوحي على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فزع أهل السماوات لانحطاطه، وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون ~~من صوت الحديد على الصفا فكلما مروا بأهل سماء فزع عن قلوبهم، فيقولون يا ~~جبرائيل بم أمرت؟ فيقول كلام الله بلسان عربي» . # وقد روينا في مسند أبي يعلى الموصلي، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا همام ~~حدثنا القاسم بن عبد الواحد، قال حدثني عبد الله بن عقيل بن أبي طالب أن ~~جابر بن عبد الله حدثه، قال «بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم أسمعه منه " قال فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي فسرت إليه شهرا ~~حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأرسلت إليه أن جابرا ~~على الباب، قال فرجع إلى الرسول، فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، قال ~~فرجع الرسول فخرج إلي فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثا بلغني أنك سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت ~~قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يحشر الله ~~العباد أو قال ms498 يحشر الله الناس قال وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلا بهما، ~~قلت ما بهما؟ قال ليس معهم شيء، قال: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه ~~من قرب أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ~~وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل ~~النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا كيف هذا وإنما ~~نأتي الله غرلا بهما؟ قال بالحسنات والسيئات» " هذا حديث حسن جليل، وعبد ~~الله بن محمد بن عقيل صدوق حسن الحديث، وقد احتج به غير واحد من الأئمة، ~~وتكلم فيه من قبل حفظه، وهذا الضرب ينتفي من # PageV01P489 # حديثهم ما خالفوا فيه الثقات، ورووا ما يخالف روايات الحفاظ وشذوا عنهم، ~~وأما إذا روى أحدهم ما شواهده أكثر من أن تحصر مثل هذا الحديث، فلا ريب في ~~قبول حديثه، أما القاسم بن عبد الواحد بن أيمن المكي فحسن الحديث أيضا، وقد ~~احتج به النسائي مع تشدده في الرجال وأن له فيهم شرطا أشد من شرط مسلم، ~~وحسن الترمذي حديثه وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. # وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن همام بن يحيى ~~بإسناده بطوله محتجا به على من رده، وروى البخاري أوله في الصحيح مستشهدا ~~به تعليقا، ورواه في كتاب الأدب بطوله من حديث همام بن يحيى وقال في حديث ~~واحد، ورواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في كتابه في ~~الأحاديث المختارة، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هي ~~أصح من صحيح الحاكم، وقال الصريفيني: شرطه فيها خير من شرط الحاكم ورواه ~~عبد الله بن أحمد في السنة والطبراني في المعجم والسنة وأبو بكر بن أبي ~~عاصم في السنة محتجين به، فمن الناس سوى هؤلاء الأعلام سادات الإسلام ولا ~~التفات إلى ما أعله به بعض الجهمية ظلما منه وهضما للحق، حيث ذكر كلام ~~المضعفين لعبد الله بن عقيل والقاسم بن ms499 محمد دون من وثقهما وأثنى عليهما، ~~فيوهم الغر أنهما مجمع على ضعفهما لا يحتج بحديثهما، ثم أعله بأن البخاري ~~لم يجزم به، وإنما علقه تعليقا فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، وليس هذا ~~تعليلا من البخاري له فقد جزم به في أول الكتاب حيث قال: ورحل جابر بن عبد ~~الله في طلب حديث واحد شهرا، ورواه كما ذكرنا في الأدب بإسناده وأعله بأن ~~البخاري ومسلما يحتجا بابن عقيل، وهذه علة باردة باطلة، كل أهل الحديث على ~~بطلانها، وأعله باضطراب ألفاظه، ففي بعضها يقول: " فقدمت الشام "، وفي ~~بعضها " فينادي " بكسر الدال، وفي بعضها " فينادى " بفتحها، وفي بعضها " ~~حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه "، وفي ~~بعضها " فما أحد يحفظه غيرك، فأحببت أن تذاكرنيه "، قال: وهذا يشعر أنه ~~سمعه أيضا وأحب مذاكرة عبد الله بن أنيس له به، قال: وفي بعضها رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها يسميه بعبد الله بن أنيس. # ومن تأمل هذه العلل الباردة علم أنها من باب التعنت، فهب أن هذا الحديث ~~معلول أفيلزم من ذلك بطلان سائر الآثار الموقوفة والأحاديث المرفوعة، ونصوص ~~القرآن وكلام أئمة الإسلام كما ستراه إن شاء الله تعالى، وقد رواه الحافظ ~~أبو عبد الله # PageV01P490 # محمد بن عبد الواحد المقدسي من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال: بلغني ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث من القصاص فذكر القصة إلى أن قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «فإن الله يبعثكم يوم القيامة من ~~قبوركم حفاة عراة غرلا بهما، ثم ينادى بصوت رفيع غير فظيع يسمعه من بعد كما ~~يسمعه من قرب، فيقول: أنا الديان لا تظالم اليوم، أما وعزتي لا يجاورني ~~اليوم ظلم ظالم، ولو لطمة كف بكف أو يد على يد، ألا وإن أشد ما أتخوف على ~~أمتي من بعدي عمل قوم لوط، فلترتقب أمتي العذاب إذا تكافأ النساء بالنساء ~~والرجال بالرجال» " ورواه تمام في فوائده. # ويكفي رواية ms500 البخاري في صحيحه مستشهدا به، واحتج به في خلق أفعال العباد، ~~ورواه أئمة الإسلام في كتب السنة وما زال السلف يروونه، ولم يسمع عن أحد من ~~أئمة السنة أنه أنكره حتى جاءت الجهمية فأنكروه، ومضى على آثارهم من اتبعهم ~~في ذلك. # وقال قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: قلت لأبي يا أبت إنهم يقولون ~~إن الله لم يتكلم بصوت، فقال بلى تكلم بصوت. # وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: ويذكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم «أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيا من الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت» ~~أو " «أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب» "، وليس هذا لغير ~~الله عز وجل، قال: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ; لأن صوت ~~الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، ثم ساق ~~حديث جابر أنه سمع عبد الله بن أنيس يقوله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " «يحشر العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا ~~الملك أنا الديان. . .» " الحديث. # ثم احتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم " «يقول الله يوم ~~القيامة: يا آدم، فيقول لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن ~~تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. . .» " الحديث. # PageV01P492 # ثم احتج بحديث عبد الله بن مسعود " «إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت ~~الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان» ". # فهذان إماما أهل السنة على الإطلاق: أحمد بن حنبل والبخاري، وكل أهل ~~السنة والحديث على قولهما، وقد صرح بذلك وحكاه إجماعا حرب بن إسماعيل صاحب ~~أحمد وإسحاق، وصرح به خشيش بن أصرم النسائي، ومحمد بن حاتم المصيصي، وعبد ~~الله بن الإمام أحمد وأبو داود السجستاني وابنه أبو بكر. # وقد احتج الإمام أحمد بحديث ابن مسعود وغيره، وأخبر أن المنكرين لذلك هم ~~الجهمية، فقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يقولون: " لما ms501 كلم الله ~~موسى لم يتكلم بصوت "، فقال أبي: تكلم الله بصوت، وروى إمام الأمة محمد بن ~~إسحاق بن خزيمة من حديث الشعبي قال: أرواه عن جابر حديثا طويلا وفيه " ~~«فبينا هم على ذلك إذ أتاهم نداء من قبل الرحمن عز وجل: عبادي ما كنتم ~~تعبدون في الدنيا؟ فيقول: أنت أعلم إياك نعبد، فيأتيهم صوت لم يسمع الخلائق ~~بمثله: عبادي صدقتم فقد رضيت عنكم، فتقول الملائكة عند ذلك بالشفاعة، فيقول ~~المشركون: ما لنا من شافعين» ". وروى ابن خزيمة من حديث محمد بن كعب القرظي ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يقبض الله تعالى ~~الأرض يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ثم يهتف بصوته: من كان لي شريكا ~~فليأت، لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول: لله الواحد القهار، ثم يزجر ~~الخلائق زجرة أخرى فإذا هم بالساهرة. . .» " الحديث، وقطعة من حديث الصور ~~الطويل، ولم يزل الأئمة يروونه ويحتجون به حتى حدثت الجهمية. # وروى ابن خزيمة من حديث نعيم بن حماد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد ~~الرحمن بن زيد بن جابر، عن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر ~~فتكلم بالوحي. . .» " الحديث، قال ابن خزيمة: ابن أبي زكريا هو عبد الله. # وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن مسلم ~~عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء ~~فيخرون سجدا حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء ~~أهل # PageV01P492 # السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق، قال كذا وكذا، رواه عبد الله بن أحمد ~~في كتاب السنة عن أبيه وفي تفسير شيبان عن قتادة في تفسير قوله: {فلما ~~جاءها نودي أن بورك من في النار} [النمل: 8] قال صوت رب العالمين، وذكره ~~ابن خزيمة، وروى عبد الله بن أحمد عن نوف قال: نودي موسى من شاطئ الوادي، ~~قال: من ms502 أنت الذي تناديني؟ قال: أنا ربك الأعلى، وقال الإمام أحمد: حدثنا ~~إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه حدثنا عبد الصمد قال: سمعت وهب بن ~~منبه قال: لما رأى موسى النار انطلق يسير حتى وقف منها قريبا، فذكر الحديث ~~إلى أن قال: فنودي من الشجرة، فقيل له يا موسى فأجاب سريعا ولا يدري من ~~دعاه، وما كان سرعة جوابه إلا استئناسا بالإنس، فقال لبيك مرارا، إني أسمع ~~صوتك وأحس وجسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب ~~إليك منك، فلما سمع موسى هذا علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه تبارك وتعالى ~~فأيقن به، فقال كذلك أنت إلهي أسمع أم بكلام رسولك؟ فقال: بل أنا الذي ~~أكلمك فادن مني، الحديث قد رواه عبد الرحمن بن حميد في تفسيره ويعقوب بن ~~سفيان الفسوي. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «إذا أحب ~~الله عبدا نادى جبرائيل إن الله قد أحب فلانا فأحبه. . .» " الحديث، والذي ~~تعقله الأمم من النداء إنما هو الصوت المسموع كما قال الله تعالى: {واستمع ~~يوم ينادي المنادي من مكان قريب} [ق: 41] وقال: {إن الذين ينادونك من وراء ~~الحجرات} [الحجرات: 4] وهذا النداء هو رفع أصواتهم الذي نهى الله عنه ~~المؤمنين وأثنى عليهم بغضها بقوله: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله} ~~[الحجرات: 3] الآية. # وكل ما في القرآن العظيم من ذكر كلامه وتكليمه وأمره ونهيه دال على أنه ~~تكلم # PageV01P493 # حقيقة لا مجازا، وكذلك نصوص الوحي الخاص كقوله تعالى: {إنا أوحينا إليك ~~كما أوحينا إلى نوح} [النساء: 163] . # قال الجارودي: سمعت الشافعي يقول: أنا مخالف ابن علية في كل شيء حتى في ~~قوله لا إله إلا الله، أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء ~~حجاب، وهو يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى. # وقد نوع الله تعالى هذه الصفة في إطلاقها عليه تنويعا يستحيل معه نفي ~~حقائقها، بل ليس في الصفات الإلهية أظهر من صفة ms503 الكلام والعلو والفعل ~~والقدرة، بل حقيقة الإرسال تبليغ كلام الرب تبارك وتعالى، وإذا انتفت عنه ~~حقيقة الكلام انتفت حقيقة الرسالة والنبوة، والرب تبارك وتعالى يخلق بقوله ~~وكلامه كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: ~~82] فإذا انتفت حقيقة الكلام عنه انتفى الخلق، وقد عاب الله آلهة المشركين ~~بأنها لا تكلم ولا تكلم عابديها ولا ترجع إليهم قولا، والجهمية وصفوا الرب ~~تبارك وتعالى بصفة هذه الآلهة، وقد ضرب الله تعالى لكلامه واستمراره ودوامه ~~المثل بالبحر يمده من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام، فيفنى ~~المداد والأقلام ولا تنفد كلماته، أفهذا صفة من لا يتكلم ولا يقوم به كلام؟ ~~فإذا كان كلامه وتكليمه، وخطابه ونداؤه، وقوله وأمره، ونهيه ووصيته، وعهده ~~وإذنه، وحكمه وأنباؤه، وأخباره وشهادته كل ذلك مجاز لا حقيقة له بطلت ~~الحقائق كلها، فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينه {ويحق الله الحق بكلماته ~~ولو كره المجرمون} [يونس: 82] فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله. ### | فصل مذاهب الناس في كلام الله ### | مذهب الاتحادية # فصل # اختلف أهل الأرض في كلام الله تعالى، فذهب الاتحادية القائلون بوحدة ~~الوجود أن كل كلام في الوجود كلام الله: نظمه ونثره وحقه وباطله سحره وكفره ~~والسب والشتم والهجر والفحش، وأضداده كله غير كلام الله تعالى القائم به ~~كما قال عارفهم: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # وهذا المذهب مبني على أصلهم الذي أصلوه، وهو أن الله سبحانه هو عين هذا # PageV01P494 # الوجود، فصفاته هي صفات الله، وكلامه هو كلام الله، وأصل هذا المذهب ~~إنكار مسألة المباينة والعلو، فإنهم لما أصلوا أن الله تعالى غير مباين ~~لهذا العالم المحسوس صاروا بين أمرين لا ثالث لهما إلا المكابرة. # أحدهما: إنه معدوم لا وجود له، إذ لو كان موجودا لكان إما داخل العالم ~~وإما خارجا عنه، وهذا معلوم بالضرورة، فإنه إذا كان قائما بنفسه، فإما أن ~~يكون مباينا للعالم أو محايثا له، إما داخلا فيه وإما خارجا عنه. # الأمر الثاني: أن يكون هو ms504 عين هذا العالم، فإنه يصح أن يقال فيه حينئذ ~~أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينا له ولا حالا فيه، إذ هو عينه، ~~والشيء لا ينافي نفسه ولا يحايثها، فرأوا أن هذا خير من إنكار وجوده ~~وبالحكم عليه بأنه معدوم، ورأوا أن الفرار من هذا إلى إثبات موجود قائم ~~بنفسه، لا داخل العالم ولا خارجا، ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا مباين له ~~ولا محايث ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه، فرارا ~~إلى ما لا يسيغه عقل ولا تقبله فطرة ولا تأتي به شريعة. ولا يمكن أن يقر ~~برب هذا شأنه إلا على أحد وجهين لا ثالث لهما. # أحدهما: أن يكون ساريا فيه حالا فيه، فهو في كل مكان بذاته، وهو قول جميع ~~الجهمية الأقدمين. # الوجه الثاني: أن يكون وجوده في الذهن لا في الخارج، فيكون وجوده سبحانه ~~وجودا عقليا، إذ لو كان موجودا في الأعيان لكان إما عين هذا العالم أو ~~غيره، ولو كان غيره لكان إما بائنا عنه أو حالا فيه، كلاهما باطل، فثبت أنه ~~عين هذا العالم، فله حينئذ كل اسم حسن قبيح، وكل صفة كمال ونقص، وكل كلام ~~حق وباطل، نعوذ بالله من ذلك. ### | مذهب الفلاسفة المتأخرين # المذهب الثاني: مذهب الفلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو، وهم الذين يحكي ابن ~~سينا والفارابي والطوسي قولهم: إن كلام الله فيض فاض من العقل الفعال على ~~النفوس الفاضلة الزكية بحسب استعدادها، فأوجب لها ذلك الفيض تصورات ~~وتصديقات بحسب ما قبلته منه، لهذه النفوس عندهم ثلاث قوى: قوة التصور وقوة ~~التخييل وقوة التعبير، فتدرك بقوة تصورها من المعاني ما يعجز عنه غيرها، ~~وتدرك بقوة تخيلها شكل المعقول في صورة المحسوس، فتتصور المعقول صورا ~~نورانية تخاطبها وتكلمها بكلام تسمعه الآذان، وهو عندهم كلام الله ولا ~~حقيقة له في الخارج، وإنما ذلك كله من # PageV01P495 # القوة الخيالية الوهمية، قالوا وربما قويت هذه القوة على إسماع ذلك ~~الخطاب لغيرها، وتشكيل تلك الصور العقلية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع ms505 ~~خطابهم، وكل ذلك من الوهم والخيال لا في الخارج. # فهذا أصل هؤلاء في إثبات كلام الرب وملائكته وأنبيائه ورسله، والأصل الذي ~~قادهم إلى هذا عدم الإقرار بالرب الذي عرفت به الرسل ودعت إليه، وهو القائم ~~بنفسه المباين العالي فوق سماواته فوق عرشه الفعال لما يريد بقدرته ~~ومشيئته، العالم بجميع المعلومات، القادر على كل شيء، فهم أنكروا ذلك كله. ### | مذهب المعتزلة # المذهب الثالث: مذهب الجهمية لصفات الرب تعالى أن كلامه مخلوق ومن بعض ~~مخلوقاته، فلم يقم بذاته سبحانه، فاتفقوا على هذا الأصل واختلفوا في فروعه، ~~قال الأشعري في كتاب المقالات: اختلفت المعتزلة في كلام الله، هل هو جسم أو ~~ليس بجسم، وفي خلقه على ستة أقاويل: # فالفرقة الأولى: منهم يزعمون أن كلام الله جسم، وأنه مخلوق، وأنه لا شيء ~~إلا جسم. # والفرقة الثانية: زعموا أن كلام الخلق عرض وهو حركة ; لأنه لا عرض عندهم ~~إلا الحركة وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت متقطع مؤلف مسموع، وهو ~~فعل الله وخلقه، وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه، وأحال النظام أن يكون كلام ~~الله في أماكن كثيرة أو مكانين في وقت واحد، وزعم أنه في المكان الذي خلق ~~فيه. # والفرقة الثالثة: من المعتزلة تزعم أن القرآن مخلوق لله وأنه عرض وأنه ~~يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذا تلاه قال فهو يوجد مع تلاوته، وإذا ~~كتبه وجد مع كتابته، وإذا حفظه وجد مع حفظه، وهو يوجد في الأماكن بالتلاوة ~~والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال. # والفرقة الرابعة: يزعمون أن كلام الله عز وجل عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن ~~يوجد في مكانين في وقت واحد، وزعموا أن المكان الذي خلقه الله تعالى فيه ~~محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره، وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر ~~البغداديين. # والفرقة الخامسة: أصحاب معمر يزعمون أن القرآن عرض، والأعراض عندهم ~~قسمان: قسم منهما يفعله الأحياء وقسم منهما يفعله الأموات، ومحال أن يكون ~~ما يفعله الأموات فعلا للأحياء، والقرآن مفعول وهو عرض، ومحال أن يكون الله ms506 ~~فعله في # PageV01P496 # الحقيقة، لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله، وزعموا أن القرآن فعل ~~للمحل الذي يسمع منه، إذ سمع من الشجرة، فهو فعل لها حيث سمع، فهو فعل ~~المحل الذي حل فيه. # والفرقة السادسة: يزعمون أن كلام الله عرض مخلوق، وأنه يوجد في أماكن ~~كثيرة في وقت واحد، وهذا قول الإسكافي. # واختلفت المعتزلة في كلام الله هل يبقى؟ فقالت فرقة منهم: يبقى بعد خلقه، ~~وقالت فرقة أخرى: لا يبقى إنما يوجد في الوقت الذي خلقه الله ثم يعدم بعد ~~ذلك، وهذا المذهب هو من فروع الأصل الباطل المخالف لجميع كتب الله ورسله، ~~ولصريح المعقول والفطر، من جحد صفات الرب وتعطيل حقائق أسمائه ونفي قيام ~~الأفعال به، فلما أصلوا أنه لا يقوم به وصف ولا فعل كان من فروع هذا الأصل ~~أنه لم يتكلم بالقرآن ولا بغيره، وأن القرآن مخلوق، وطرد ذلك إنكار ربوبيته ~~وإلهيته، فإن ربوبيته سبحانه إنما تتحقق بكونه فعالا مدبرا متصرفا في خلقه، ~~يعلم ويقدر ويريد ويسمع ويبصر، فإذا انتفت أفعاله وصفاته انتفت ربوبيته، ~~إذا انتفت عنه صفة الكلام انتفى الأمر والنهي ولوازمها وذلك ينفي حقيقة ~~الإلهية، فطرد ما أصلوه أن الله سبحانه ليس برب العالم ولا إله، فضلا عن أن ~~يكون لا رب غيره ولا إله سواه. ### | مذهب الكلابية # المذهب الرابع: مذهب الكلابية، أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، أن ~~القرآن معنى قائم بالنفس لا يتعلق بالقدرة والمشيئة، وأنه لازم لذات الرب ~~كلزوم الحياة والعلم، وأنه لا يسمع على الحقيقة، والحروف والأصوات حكاية له ~~دالة عليه وهي مخلوقة، وهو أربع معان في نفسه: الأمر والنهي والخبر ~~والاستفهام، فهي أنواع لذلك المعنى القديم الذي لا يسمع، وذلك المعنى هو ~~المتلو المقروء، وهو غير مخلوق، والأصوات والحروف هي تلاوة العباد وهي ~~مخلوقة، وهذا المذهب أول من يعرف أنه قال به ابن كلاب، وبناه على أن الكلام ~~لا بد أن يقوم بالمتكلم، والحروف والأصوات حادثة فلا يمكن أن تقوم بذات ~~الرب تعالى لأنه ليس محلا للحوادث، فهي مخلوقة ms507 منفصلة عن الرب، والقرآن اسم ~~ذلك المعنى وهو غير مخلوق. ### | مذهب الأشعري # المذهب الخامس: مذهب الأشعري ومن وافقه أنه معنى واحد قائم بذات الرب، ~~وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم ولا له أبعاض ولا له ~~أجزاء ولا عين الأمر وعين النهي وعين الخبر وعين الاستخبار، الكل من واحد ~~وهو عين # PageV01P497 # التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، وكونه أمرا ونهيا، وخبرا واستخبارا ~~صفات لذلك المعنى الواحد، وأنواع له، فإنه لا ينقسم بنوع ولا جزء، وكونه ~~قرآنا وتوراة وإنجيلا تقسيم للعبارات عنه لا لذاته، بل إذا عبر عن ذلك ~~المعنى بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه ~~بالسريانية كان اسمه إنجيلا، والمعنى واحد، وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا ~~يسميها حكاية، وهي خلق من المخلوقات، وعنه لم يتكلم الله بهذا الكلام ~~العربي، ولا سمع من الله وعنده ذلك المعنى سمع من الله حقيقة، ويجوز أن يرى ~~ويشم، ويذاق ويلمس، ويدرك بالحواس الخمس، إذ المصحح عنده لإدراك الحواس هو ~~الوجود، فكل وجود يصح تعلق الإدراكات كلها به كما قرره في مسألة رؤية من ~~ليس في جهة من الرائي، وأنه يرى حقيقة وليس مقابلا للرائي. # هذا قولهم في الرؤية وذلك قولهم في الكلام. # والبلية العظمى نسبة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بهذا ~~ودعا إليه الأمة، وأنهم أهل الحق، ومن عداهم أهل الباطل، وجمهور العقلاء ~~يقولون: إن تصور هذا المذهب كاف في الجزم في بطلانه، وهو لا يتصور إلا كما ~~تتصور المستحيلات الممتنعات، وهذا المذهب مبني على مسألة إنكار قيام ~~الأفعال والأمور الاختيارية بالرب تعالى ويسمونها مسألة حلول الحوادث، ~~وحقيقتها إنكار أفعاله وربوبيته إرادته ومشيئته. ### | مذهب الكرامية # المذهب السادس: مذهب الكرامية، وهو أنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات ~~الرب تعالى، وهو حروف وأصوات مسموعة، وهو حادث بعد أن لم يكن، فهو عندهم ~~متكلم بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن متكلما، كما يقوله سائر فرق المتكلمين ~~أنه فعل بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن فاعلا، كما ms508 ألزموا به الكرامية في ~~مسألة الكلام، فهو لازم لهم في مسألة الفعل، والكرامية أقرب إلى الصواب ~~منهم، فإنهم أثبتوا كلاما وفعلا حقيقة قائمين بذات المتكلم الفاعل، وجعلوا ~~لهما أولا، فرارا من القول بحوادث لا أول لها، ومنازعون أبطلوا حقيقة ~~الكلام والفعل، وقالوا لم يقم به فعل ولا كلام البتة، وأما من أثبت منهم ~~معنى قائما بنفسه سبحانه، فلو كان ما أثبته مفعولا لكان من جنس الإرادة ~~والعلم لم يكن شيئا خارجا عنهما، فهم لم يثبتوا له كلاما ولا فعلا وأما ~~الكرامية فإنهم جعلوه متكلما بعد أن لم يكن متكلما، كما جعله خصومهم فاعلا ~~بعد أن لم يكن فاعلا. ### | مذهب السالمية # المذهب السابع: مذهب السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وأهل # PageV01P498 # الحديث أنه صفة قائمة بذات الرب تعالى لم يزل ولا يزال، لا يتعلق بقدرته ~~ومشيئته، ومع ذلك هو حروف وأصوات، وسور وآيات سمعه جبرائيل منه، وسمعه موسى ~~بلا واسطة، ويسمعه سبحانه من يشاء، وإسماعه نوعان: بواسطة وبغير واسطة ومع ~~ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضا، بل هي مقترنة الباء مع السين مع ~~الميم في آن واحد، لم تكن معدومة في وقت من الأوقات ولا تعدم، بل لم تزل ~~قائمة بذاته سبحانه قيام صفة الحياة والسمع والبصر، وجمهور العقلاء قالوا: ~~تصور هذا المذهب كاف في الجزم ببطلانه. # والبراهين العقلية والأدلة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلها، وأنها ~~مخالفة لصريح العقل والنقل، والعجب أنها هي الدائرة بين فضلاء العالم لا ~~يكادون يعرفون غيرها. ### | فصل مذهب أتباع الرسل # فصل # قوله أتباع الرسل الذين تلقوا هذا الباب عنهم أثبتوا لله صفة الكلام كما ~~أثبتوا له سائر الصفات، ومحال قيام هذه الصفة بنفسها كما يقوله بعض ~~المكابرين أنه خلق الكلام لا في محل، ومحال قيامها بغير الموصوف بها كما ~~يقوله المكابر الآخر أنه خلق في محل فكان هو المتكلم به دون المحل، قالوا ~~والكلام الحقيقي هو الذي يوجد بقدرة المتكلم وإرادته قائما به، لا يعقل غير ~~هذا، وأما ما كان موجودا بدون قدرته ms509 ومشيئته وإن سمع منه فإنه ليس بكلام ~~له، وإنما هو مخلوق خلقه الله فيه، فلو كان ما قام بالرب تعالى من الكلام ~~غير متعلق بمشيئته بل يتكلم بغير اختياره لم يكن هذا هو الكلام المعهود، بل ~~هذا شيء آخر غير ما يعرفه العقل ويشهد به الشرع، قالوا: ولو لم يكن هناك ~~ألفاظ مسموعة حقيقة السمع لم يكن ثم صفة كلام البتة، ولو كان عاجزا عن ~~الكلام في الأزل لم يصر قادرا عليه فيما لم يزل، فإنه إذا كانت حاله قبل ~~وبعد سواء وهو لم يستفد صفة الكلام من غيره، فمن المستحيل أن تجدد له هذه ~~الصفة بعد أن كان فاقدا لها بالكلية. # وكذلك إثبات قدم عين كل فرد من أنواع الكلام وبقائه أزلا وأبدا واقتران ~~حروفه بعضها ببعض بحيث لا يسبق شيء منها لغيره، لا يسيغه عقل ولا تقبله ~~فطرة وقد دلت النصوص النبوية أنه متكلم إذا شاء بما شاء، وأن كلامه يسمع، ~~وأن القرآن العزيز الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات عين كلامه حقا، لا تأليف ~~ملك ولا # PageV01P499 # بشر، وأنه سبحانه الذي قاله بنفسه: {المص} [الأعراف: 1] ، {حم عسق} ~~[الشورى: 1] ، {كهيعص} [مريم: 1] وأن القرآن جميعه، حروفه ومعانيه نفس ~~كلامه الذي تكلم به، وليس بمخلوق ولا بعضه قديما، وهو المعنى وبعضه مخلوق، ~~وهو الكلمات والحروف، ولا بعضه كلامه وبعضه كلام غيره، ولا ألفاظ القرآن ~~وحروفه ترجمة ترجم بها جبرائيل أو محمد عليهما السلام عما قام بالرب من ~~المعنى من غير أن يتكلم الله بها، بل القرآن جميعه كلام الله، حروفه ~~ومعانيه، تكلم الله به حقيقة، والقرآن اسم لهذا النظم العربي الذي بلغه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عن رب العالمين. # فللرسولين منه مجرد التبليغ والأداء، لا الوضع والإنشاء، كما يقول أهل ~~الزيغ والاعتداء، فكتاب الله عندهم غير كلامه، كتابه مخلوق وكلامه غير ~~مخلوق، والقرآن إن أريد به الكتاب كان مخلوقا، وإن أريد به الكلام كان غير ~~مخلوق، وعندهم أن الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس ms510 وأما ~~ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق، وهو عبارة عن ذلك المعنى، وعندهم ~~أن الله تعالى لم يكلم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس ~~من غير أن يسمع منه كلمة واحدة، وما يقرؤه القارئون ويتلوه التالون فهو ~~عبارة عن ذلك المعنى، وفرعوا على هذا الأصل فروعا: منها: أن كلام الله لا ~~يتكلم به غيره، فإنه عين القائم بنفسه، ومحال قيامه بغيره فلم يتل أحد قط ~~كلام الله ولا قرأه. # ومنها: أن هذا الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كلام الله إلا ~~على سبيل المجاز. # ومنها: أنه لا يقال إن الله تكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا خاطب ~~ولا يخاطب، فإن هذه كلها أفعال إرادية تكون بالمشيئة، وذلك المعنى صفة ~~أزلية لا يتعلق بالمشيئة. # ومنها: أنهم قالوا لا يجوز أن ينزل القرآن إلى الأرض، فألفاظ النزول ~~والتنزيل لا حقيقة لشيء منها عندهم. # ومنها: أن القرآن القديم لا نصف له ولا ربع ولا خمس ولا عشر ولا جزء له ~~البتة. # ومنها: أن معنى الأمر هو معنى النهي، ومعنى الخبر والاستخبار، وكل ذلك ~~معنى واحد بالعين. # PageV01P500 # ومنها: أن نفس التوراة هي نفس القرآن ونفس الإنجيل والزبور، والاختلاف في ~~التأويلات فقط. # ومنها: أن هذا القرآن العربي تأليف جبرائيل أو محمد أو مخلوق خلقه الله ~~تعالى في اللوح المحفوظ، فنزل به جبرائيل من اللوح لا من الله على الحقيقة ~~كما هو معروف من أقوالهم. # ومنها: أن ذلك العين القديم يجور أن تتعلق به الإدراكات الخمس فيسمع ويرى ~~ويشم ويذاق ويلمس إلى غير ذلك من الفروع الباطلة سمعا وعقلا وفطرة. # وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه ~~يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل قال ~~الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] ~~، وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] فإذا: ~~تخلص الفعل للاستقبال (وأن) ms511 كذلك (ونقول) فعل دال على الحال والاستقبال ~~(وكن) حرفان يسبق أحدهما الآخر، فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح ~~العقول والفطر. # وكذلك قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية} [الإسراء: 16] الآية، سواء كان ~~الأمر هاهنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن، وكذلك قوله: ~~{ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] ~~وإنما قال لهم اسجدوا بعد خلق آدم وتصويره. # وكذلك قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر ~~إليك قال لن تراني} [الأعراف: 143] الآيات كلها، فكم من برهان يدل على أن ~~التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت. # وكذلك قوله: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} [القصص: 30] والذي ~~ناداه هو الذي قال له: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [طه: 14] ~~وكذلك قوله: {ويوم يناديهم فيقول} [القصص: 62] # PageV01P501 # وقوله: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ~~[سبأ: 40] وقوله: {يوم نقول لجهنم} [ق: 30] الآية، ومحال أن يقول سبحانه ~~لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد قبل خلقها ووجودها. # وتأمل نصوص القرآن من أوله إلى آخره ونصوص السنة، ولا سيما أحاديث ~~الشفاعة وحديث المعراج وغيرها، كقوله: " «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة» "، ~~وقوله: " «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في ~~الصلاة» "، وقوله: " «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ~~ولا حاجب» ". # وقد أخبر الصادق المصدوق أنه يكلم ملائكته في الدنيا فيسألهم وهو أعلم ~~بهم: كيف تركتم عبادي، ويكلمهم يوم القيامة، ويكلم أنبياءه ورسله وعباده ~~المؤمنين يومئذ ويكلم أهل الجنة في الجنة ويسلم عليهم في منازلهم، وأنه كل ~~ليلة يقول: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، من يقرض غير عديم ولا ~~ظلوم» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحا» ~~" ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلمه وقال له: تمن علي. # إلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي إن دفعت دفعت الرسالة ~~بأجمعها، ms512 وإن كانت مجازا كان الوحي كله مجازا، وإن كانت من المتشابه كان ~~الوحي كله من المتشابه، وإن وجب أو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل ~~جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره، فإن مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور ~~معانيها وتعدد أنواعها واختلاف مراتبها أظهر من كل ظاهر، وأوضح من كل واضح، ~~فكم جهد ما يبلغ التأويل والتحريف والحمل على المجاز. # PageV01P502 # هب أن ذلك يمكن في موضع واثنين وثلاثة وعشرة، أفيسوغ حمل أكثر من ثلاثة ~~آلاف وأربعة آلاف موضع كلها على المجاز وتأويل الجميع بما يخالف الظاهر؟ ~~ولا تستبعد قولنا أكثر من ثلاث آلاف، فكل آية وكل حديث إلهي وكل حديث فيه ~~الإخبار عما قال الله تعالى أو يقول، وكل أثر فيه ذلك، إذا استقرئت زادت ~~على هذا العدد، ويكفي أحاديث الشفاعة وأحاديث الرؤية وأحاديث الحساب، ~~وأحاديث تكليم الله لملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة، وأحاديث تكليم ~~الله لموسى، وأحاديث تكلمه عند النزول الإلهي، وأحاديث تكلمه بالوحي، ~~وأحاديث تكليمه للشهداء، وأحاديث تكليم كافة عباده يوم القيامة بلا ترجمان ~~ولا واسطة، وأحاديث تكليمه للشفعاء يوم القيامة حين يأذن لهم في الشفاعة، ~~إلى غير ذلك، إذ كل هذا وأمثاله وأضعافه مجاز لا حقيقة له، سبحانك هذا ~~بهتان عظيم، بل نشهدك ونشهد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أنك أحق بهذه ~~الصفة وأولى من كل أحد، وأن البحر لو أمده من بعده سبعة أبحر، وكانت أشجار ~~الأرض أقلاما يكتب بها ما تتكلم به، لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد ~~كلماتك، وأنك لك الخلق والأمر، فأنت الخالق حقيقة. ### | مسألة تكلم العباد بالقرآن # وأما مسألة تكلم العباد بالقرآن فقد اشتبهت على كثير من الناس، فقالت ~~طائفة: إن الله يخلق كلامه عند تلاوة كل تال، فيجري كلامه المخلوق على لسان ~~التالي، وفعل التالي هو حركة اللسان فقط وهي القراءة: فالقراءة صنع العبد ~~عندهم، والمقروء صنع الله وخلقه، فالمسموع عندهم مخلوق بين صنعين: صنع الرب ~~وصنع العبد، وهذا قول أبي هذيل والإسكافي وأصحابه. # وقالت فرقة أخرى: إن العبد هو المحدث ms513 لأفعاله وتلاوته، والله تعالى خلقه ~~في مكان واحد لا ينتقل عنه ولا يفارقه إلى غيره، فهذا المسموع هو صنع ~~التالي ألفاظه وتلاوته، وهذا قول أكثر البغداديين من المعتزلة، وقول جعفر ~~بن حرب. # وقالت فرقة: إن القرآن لم يخلقه الله تعالى في الحقيقة ولا هو فعله، فإنه ~~عرض وهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله، قالوا فهو فعل المحل الذي قام ~~به، وهذا قول معمر وأصحابه من المعتزلة. # وقالت فرقة: إن الله سبحانه خلق كلامه في اللوح المحفوظ ثم مكن جبرائيل ~~أن يأخذه منه نقلا ويعلمه رسوله صلى الله عليه وسلم، فجبرائيل إذا نطق به ~~كان نطقه بمنزلة من يقرأ كتاب غيره، لكن الحروف والأصوات في الحقيقة ~~لجبرائيل لم تقم بذات الرب حروف # PageV01P503 # القرآن ولا ألفاظه، ولا سمعه جبرائيل من الله تعالى، وإنما نزل به من ~~المحل الذي خلق فيه، وهذا قول كثير من الكلابية، فعندهم أن المسموع قول ~~الرسول الملكي حقيقة سمعه منه الرسول البشري فأداه كما سمعه، فالرسول ~~الملكي ناقل لما في اللوح المحفوظ غير سامع له من الله، والرسول البشري ~~ناقل له عن جبرائيل قوله وألفاظه. # ومن هؤلاء من يقول: بل الله تعالى ألهم جبرائيل معانيه، فعبر عنها ~~جبرائيل بعبارته، فهذه الألفاظ كلام جبرائيل في الحقيقة لا كلام الله. # ومنهم من يقول: جبرائيل علم رسول الله نص معانيه وألقاها في روعه، ومحمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشأ ألفاظها وعبر بها من عنده دلالة على ذلك ~~المعنى الذي ألقاه إليه الملك، فالقرآن العربي على قولهم قول محمد صلى الله ~~عليه وسلم أو قول جبرائيل عليه السلام، وهذا قول من لا نسميهم لشهرتهم، وإن ~~حرفوا العبارة وزينوا له الألفاظ، فهو قولهم الذي يناظرون عليه ويكفرون من ~~خالفهم فيه يقولون فيه: قال أهل الحق كذا، وقالت سائر فرق أهل الزيغ ~~بخلافه. # وقالت فرقة أخرى: بل لسان التالي مظهر للكلام القديم، فيسمع منه عند ~~التلاوة كما سمع موسى كلام الله من الشجرة، فلسان التالي كالشجرة محل ومظهر ~~للكلام، فإذا قال ms514 التالي {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] كان المسموع ~~كله حروفه وأصواته غير كلام الله القائم به من غير حلول في القارئ ولا ~~اتحاد به، كما أن الله سبحانه لم يحل في الشجرة ولا اتحد بها، وسمع موسى ~~كلامه منها. # واختلفت هذه الفرقة في الصوت الذي يسمع من القارئ على قولين أحدهما: إنه ~~عين صوت الله بالقرآن ظهر عند تلاوة التالي، فكانت التلاوة مظهرة له، وقالت ~~فرقة أخرى منهم، ما لا بد منه من الصوت في الأداء ولا يتأدى الكلام بدونه، ~~فهو الصوت القديم، وما زاد عليه من قوة الاعتماد والرفع فمحدث. # قالوا: وقد اقترن القديم بالمحدث على وجه معسر التمييز بينهما جدا، فلما ~~ورد عليهم أن الحس شاهد بأن هذا الصوت موجود بعد أن كان معدوما ومعدوما بعد ~~وجوده وهذا مستحيل على القديم، أجابوا بأن الذي وجد بعد عدمه ثم عدم بعد ~~وجوده هو ظهور الصوت القديم لا نفسه، فالمحدث وقع على الإدراك لا على ~~المدرك، كما إذا سمع كلامه سبحانه منه بعد أن لم يسمع، ثم عدم السمع ~~فالحدوث واقع على السمع لا على المسموع، وهذا قول جماعة ممن ينسب إلى ~~الإمام أحمد. # PageV01P504 # وأصحابه المتقدمون بريئون من هذا المذهب المخالف للحس والعقل والفطرة، ~~ونصوص أحمد إنما تدل على خلافه، فقد نص في رواية جماعة من أصحابه على أن ~~الصوت صوت العبد، فقال في قول النبي صلى الله عليه وسلم " «ليس منا من لم ~~يتغن بالقرآن» "، قال يجهر به ويحسنه بصوته ما استطاع، وقد نص على ذلك ~~الأئمة كالبخاري وغيره. # قال البخاري في صحيحه: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " «الماهر ~~بالقرآن مع الكرام البررة» ، «وزينوا القرآن بأصواتكم» ثم احتج بحديث أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن ~~الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» " فأضاف الصوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم ساق حديث «البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين ~~والزيتون، ما سمعت صوتا أحسن ms515 منه» ، فأضاف الصوت إليه ثم ذكر حديث ابن عباس ~~«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متواريا بمكة وكان يرفع صوته بالقرآن، ~~فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: {ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] » ثم قال: # باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز تراقيهم، وذكر في ~~الباب حديث أبي سعيد الخدري " «يخرج أناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا ~~يجاوز تراقيهم» "، ومعلوم أن المراد التلاوة والأداء وما قام بهم من ~~الأصوات، وأنها لم تجاوز حناجرهم، وكان البخاري قد امتحن بهذه الفرقة، ~~فتجرد للرد عليهم وبالغ في # PageV01P505 # ذلك في كتاب (خلق أفعال العباد) فإنه بناه على ذلك وأن أصوات العباد من ~~أفعالهم أو متولدة عن أفعالهم فهي من أفعالهم، فالصوت صوت العبد حقيقة، ~~والكلام كلام الله حقيقة، أداه العبد بصوته كما يؤدي كلام الرسول وغيره ~~بصوته، فالعبد مخلوق وصفاته مخلوقة وأفعاله مخلوقة وصوته وتلاوته مخلوقة، ~~والمتلو المؤدى بالصوت غير مخلوق. # واحتج البخاري في الصحيح في (خلق أفعال العباد) على ذلك بنصوص التبليغ، ~~كقوله تعالى: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] ~~وقوله: {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48] وقوله: {لقد أبلغتكم رسالة ربي} ~~[الأعراف: 79] وهذا من رسوخه في العلم، فإن ذلك يتضمن أصلين ضل فيهما أهل ~~الزيغ: # أحدهما: أن الرسول ليس له من الكلام إلا مجرد تبليغه، فلو كان هو قد أنشأ ~~ألفاظه لم يكن مبلغا بل منشئا مبتدئا، ولا تعقل الأمم كلها من التبليغ سوى ~~تأدية كلام الغير بألفاظه ومعانيه ولهذا يضاف الكلام إلى المبلغ عنه لا إلى ~~المبلغ. # وأيضا فالتبليغ والبلاغ هو الإيصال، وهو معدى من بلغ إذا وصل، والإيصال ~~حقيقة أن يورد إلى الموصل إليه ما حمله إياه غيره، فله مجرد إيصاله. # الأصل الثاني: أن التبليغ فعل المبلغ وهو مأمور به مقدور له، وتبليغه هو ~~تلاوته بصوت نفسه، فلو كان الصوت والتلاوة وصوت المتكلم به أزليا وتلاوته ~~لم يكن فعلا مأمورا به مضافا إلى المأمور، وبالجملة فالتبليغ هو صوت المبلغ ms516 ~~القائم به. # قال البخاري: باب ما جاء في قوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~«بلغوا عني ولو آية وليبلغ الشاهد الغائب وأن الوحي قد انقطع» "، فتأمل ~~مقصوده بقوله: وإن الوحي قد انقطع فلو كانت أصواتنا بالقرآن هي نفس الصوت ~~القديم الذي تكلم الله تعالى به لم يكن الوحي قد انقطع، بل هو متصل ما دامت ~~أصوات العباد مسموعة بالتلاوة، فالقائلون إن هذا الصوت القديم ظهر عند ~~تلاوة التالي، وهو الصوت الذي أوحى الله به الوحي إلى رسوله، وهو غير منقطع ~~لزمه لزوما بينا أن الوحي متصل غير منقطع. # PageV01P506 # قال البخاري: في كتاب (خلق أفعال العباد) ويذكر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يحب أن يكون الرجل خفت الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن ~~الله سبحانه ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله ~~تعالى. # قال أبو عبد الله: وفي الدليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ; لأن صوت ~~الله يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا نادى ~~جبرائيل الملائكة لم يصعقوا، ثم ساق في الباب أحاديث تكلم الله بالصوت ~~محتجا بها. # قال البخاري: وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا فيه (بسم الله ~~الرحمن الرحيم) فقرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه، ولا يشك في قراءة ~~الكفار أهل الكتاب أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام العليم المنان ليس ~~بخلق، فمن حلف بأصوات قيصر أو بنداء المشركين الذين يقرون بالله لم تكن ~~عليه يمين دون الحلف بالله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " «لا تحلفوا ~~بغير الله» " وليس للعبد أن يحلف بالخواتيم والدراهم البيض وألواح الصبيان ~~التي يكتبونها ثم يمحونها المرة بعد المرة، وإن حلف فلا يمين عليه لقوله ~~تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] . # قال البخاري: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " «بينا أنا في الجنة سمعت ~~صوت ms517 رجل بالقرآن» " فبين أن الصوت غير القرآن. # قلت: ونظيره إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن. # قال أبو عبد الله: ويقال له صفة الله وكلامه، وعلمه وأسمائه وعزه وقدرته ~~بائنة من الله أم لا، وقولك وكلامك بائن من الله أم لا. # قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه ~~سوف يرى} [النجم: 39] ، وقال تعالى: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر ~~قومك} [نوح: 1] والإنذار من نوح وهو نذير مبين يأمرهم بطاعة الله، وأما ~~الغفران فإنه من الله يقول # PageV01P507 # {يغفر لكم من ذنوبكم} [الأحقاف: 31] ، ثم قال: {رب إني دعوت قومي ليلا ~~ونهارا} [نوح: 5] فذكر الدعاء سرا وعلانية من نوح، وقال ابن مسعود «قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لقوم كانوا يقرءون القرآن فيجهرون به خلطتم علي ~~القرآن يقول علت أصواتكم صوتي» ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع ~~بعضهم على بعض صوته، ولم ينه عن القرآن ولا عن كلام الله. # قال البخاري: واعتل بعضهم فقال حتى يسمع كلام الله، قيل له إنما قال حتى ~~يسمع كلام الله لا كلامك ونغمتك وصوتك، إن الله فضل موسى بكلامه، ولو كان ~~يسمع الخلق كلهم كلام الله كما سمع موسى لم يكن لموسى عليك فضل، ومعنى هذا ~~أن هذا الصوت المسموع من القارئ لو كان هو الصوت الذي سمعه موسى لكان كل من ~~سمع القرآن بمنزلة موسى في ذلك. ### | فصل جواب السؤال هل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة # فصل # وإذا قيل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة، فجوابه أن الحرف حرفان: فالحرف ~~الواقع في كلام المخلوقين مخلوق، وحروف القرآن غير مخلوقة. # فإن قيل: كيف الحرف الواحد مخلوق وغير مخلوق. # قيل: ليس بواحد بالعين وإن كان واحدا بالنوع، كما أن الكلام ينقسم إلى ~~مخلوق وغير مخلوق، فهو واحد بالنوع لا بالعين. # وتحقيق ذلك أن الشيء له أربع مراتب: مرتبة في الأعيان، ومرتبة في ~~الأذهان، ومرتبة في اللسان، ومرتبة في الخط، فالمرتبة الأولى وجوده العيني، ~~والثانية وجوده الذهني، والثالثة وجوده اللفظي، ms518 والرابعة وجوده الرسمي، ~~وهذه المراتب الأربعة تظهر في الأعيان القائمة بنفسها، كالشمس مثلا وفي ~~أكثر الأعراض أيضا كالألوان وغيرها، ويعسر تمييزه في بعضها كالعلم والكلام، ~~أما العلم فلا يكاد يحصل الفرق بين مرتبته في الخارج ومرتبته في الذهن، بل ~~وجوده الخارجي مماثل لوجوده الذهني، وأما الكلام فإن وجوده الخارجي ما قام ~~باللسان، ووجوده الذهني ما قام بالقلب، ووجوده الرسمي ما أظهر الرسم، فأما ~~وجوده اللفظي فقد اتحدت فيه المرتبتان الخارجية # PageV01P508 # واللفظية، ومن مواقع الاشتباه أيضا أن الصوت الذي يحصل له إنشاء الكلام ~~مثل الصوت الذي يحصل به أداؤه وتبليغه، وكذلك الحرف، فصوت امرئ القيس ~~وحروفه من قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # كصوت المنشد لذلك حكاية عنه وحرفه، فإذا قال القائل: هذا كلامك أو كلام ~~امرئ القيس؟ كان السؤال مجملا تحتمل الإشارة فيه معنيين أحدهما: أن يراد ~~الإشارة إلى صوت المؤدي وحروفه، والثاني: أن يراد الإشارة إلى الكلام ~~المؤدى بصوت هذا وحروفه، والغالب إرادته هو الثاني، ولهذا يحمد القائل له ~~أولا أو يذم، وإنما يحمد الثاني أو يذم على كيفية الأداء وحسن الصوت وقبحه. # والكلام يضاف إلى من قاله مبتديا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا، فإذا قال ~~الواحد منا: «الأعمال بالنيات» ، مؤديا له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يقل أحد إن هذا قولك وكلامك. # وإن قيل إنك حسن الأداء له، حسن التلفظ به، وهذا الذي قام به وهو حسنه ~~وفعله وعليه يقع اسم الخلق، ولشدة ارتباطه بأصل الكلام عسر التمييز. # ومن هاهنا غلطت الطائفتان إحداهما: جعلت الكل مخلوقا منفصلا، والثانية: ~~جعلت الكل قديما، وهو عين صفة الرب نظرا إلى من تكلم به أولا. # والحق ما عليه أئمة الإسلام كالإمام أحمد والبخاري وأهل الحديث: أن الصوت ~~صوت القارئ والكلام كلام الباري. # وقد اختلف الناس هل التلاوة غير المتلو أم هي المتلو؟ على قولين، والذين ~~قالوا: التلاوة هي المتلو، فليست حركات الإنسان عندهم هي التلاوة، وإنما ~~أظهرت التلاوة وكانت سببا لظهورها، وإلا فالتلاوة عندهم هي نفس الحروف ms519 ~~والأصوات وهي قديمة، والذين قالوا التلاوة غير المتلو طائفتان: # إحداهما قالت: التلاوة هي هذه الحروف والأصوات المسموعة، وهي مخلوقة، ~~والمتلو هي المعنى القائم بالنفس وهو قديم، وهذا قول الأشعري. # والطائفة الثانية قالوا: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن، والمتلو هو ~~القرآن العزيز والمسموع بالآذان بالأداء من في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهي (المص) (حم) (عسق) (كهيعص) حروف وكلمات وسور وآيات تلاه عليه ~~جبرائيل كذلك وتلاه هو على الأمة كما تلاه عليه جبرائيل، وبلغه جبرائيل عن ~~الله تعالى كما سمعه، وهذا # PageV01P509 # قول السلف وأئمة السنة والحديث، فهم يميزون بين ما قام بالعبد وما قام ~~بالرب، والقرآن عندهم جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، وأصوات العباد ~~وحركاتهم، وأداؤهم وتلفظهم، كل ذلك مخلوق بائن عن الله. # فإن قيل: فإذا كان الأمر كما قررتم فكيف أنكر الإمام أحمد على من قال: ~~لفظي بالقرآن مخلوق. وبدعه ونسبه إلى التجهم، وهل كانت محنة أبي عبد الله ~~البخاري إلا على ذلك حتى هجره أهل الحديث ونسبوه إلى القول بخلق القرآن. # قيل: معاذ الله أن يظن بأئمة الإسلام هذا الظن الفاسد، فقد صرح البخاري ~~في كتابه (خلق أفعال العباد) وفي آخر (الجامع) بأن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق، وقال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة، منهم ~~عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. # قال البخاري: وقال أحمد بن الحسين حدثنا أبو نعيم حدثنا سليم القاري قال ~~سمعت سفيان الثوري يقول: قال حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا فلان المشرك أني ~~بريء من دينه، وكان يقول: القرآن مخلوق، ثم ساق قصة خالد بن عبد الله ~~القسري وأنه ضحى بالجعد بن درهم وقال إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه. # هذا مذهب الإمام البخاري ومذهب الإمام أحمد وأصحابهما من سائر أهل السنة، ~~فخفي تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث، ولم يفهم ~~بعضهم مراده وتعلقوا بالمنقول عن أحمد نقلا مستفيضا أنه قال: من قال ms520 لفظي ~~بالقرآن مخلوق فهو جهمي: ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع، وساعد ذلك نوع حسد ~~باطن للبخاري لما كان الله نشر له من الصيت والمحبة في قلوب الخلق واجتماع ~~الناس عليه حيث حل، حتى هضم كثير من رياسة أهل العلم وامتعضوا لذلك، فوافق ~~الهوى الباطن الشبهة الناشئة من القول المجمل، وتمسكوا بإطلاق الإمام أحمد ~~وإنكاره على من قال # PageV01P510 # لفظي بالقرآن مخلوق وأنه جهمي، فتركب من مجموع هذه الأمور فتنة وقعت بين ~~أهل الحديث. # قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت أبا القاسم طاهر بن أحمد الوراق يقول: ~~سمعت محمد بن شاذان الهاشمي يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى ومحمد بن ~~إسماعيل دخلت على محمد بن إسماعيل فقلت: يا أبا عبد الله إيش الحيلة لنا ~~فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد من منزله وليس لكم ~~منزل، قال: محمد بن يحيى كم يعتريه الحسد في العلم، والعلم رزق من الله ~~تعالى يعطيه من يشاء، فقلت: يا أبا عبد الله، هذه المسألة التي تحكى عندك، ~~فقال لي هذه مسألة مشئومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله من هذه المسألة جعلت ~~على نفسي لا أتكلم فيها، والمسألة التي كانت بينهما كان محمد بن يحيى لا ~~يجيب فيها إلا ما يحكيه عن أحمد بن حنبل، فسئل محمد بن إسماعيل فوقف عنها، ~~وهي أن اللفظ بالقرآن مخلوق، فلما وقف عنها البخاري تكلم فيه محمد بن يحيى ~~وقال: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية، واللفظية شر من الجهمية. # قال الحاكم: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد العدل يقول: سمعت أبا حامد ~~بن الشرقي يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو ~~قول أئمتنا مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي وسفيان بن عيينة ~~وسفيان الثوري، والكلام كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث تصرف، فمن ~~لزم ما قلنا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن ~~القرآن مخلوق فقد كفر وخرج ms521 من الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب، فإن تاب ~~وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئا بين المسلمين، ولم يدفن في مقابر المسلمين، ~~ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم، ومن وقف وقال ~~لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق فقد ضاهى الكفر، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى ~~مجلس محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه. # قال الحاكم: وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن ~~نعيم يقول سألت محمد بن إسماعيل البخاري لما وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان ~~فقال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأفضل ~~أصحاب رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، على هذا ~~حييت # PageV01P511 # وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى، ثم قال أبو الوليد: أي عين ~~أصابت محمد بن إسماعيل بما نقم عليه محمد بن يحيى، فقلت له إن محمد بن ~~إسماعيل قد بوب في آخر الجامع الصحيح بابا مترجما (ذكر قراءة الفاجر ~~والمنافق وأن أصواتهم لا تجاوز حناجرهم) نذكر فيه حديث قتادة عن أنس عن أبي ~~موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم " «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ~~كالأترجة» . . . " الحديث، وحديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم " «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان. . .» " ~~الحديث، فقال لي كيف قلت؟ فأعدته عليه، فأعجبه ذلك، وقال: ما بلغني هذا ~~عنه. # ومراد أبي عبد الله بهذا الاستدلال أن الثقل في الميزان والخفة على ~~اللسان متعلق بفعل العبد وكسبه، وهو صوته وتلفظه لا يعود إلى ما قام بالرب ~~تعالى من كلامه وصفاته، وكذلك قراءة البر والفاجر، فإن قراءة الفاجر لا ~~تجاوز حنجرته، فلو كانت قراءته هي نفس ما قام بالرب من الكلام وهي غير ~~مخلوقة لم تكن كذلك، فإنها متصلة بالرب حينئذ. # فالبخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه، وكلامه ~~أوضح وأمتن من كلام ms522 أبي عبد الله، فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع ~~إطلاق لفظ المخلوق نفيا وإثباتا على اللفظ، فقالت طائفة: أراد سد باب ~~الكلام في ذلك، وقالت طائفة منهم ابن قتيبة: إنما كره أحمد ذلك ومنع ; لأن ~~اللفظ في اللغة الرمي والإسقاط يقال لفظ الطعام من فيه ولفظ الشيء من يده ~~إذا رمى به، فكره أحمد إطلاق ذلك على القرآن، وقال طائفة: إنما مراد أحمد ~~أن اللفظ غير الملفوظ فلذلك قال: إن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو ~~جهمي. # وأما منعه أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فإنما منع ذلك لأنه عدول عن ~~نفس قول السلف، فإنهم قالوا القرآن غير مخلوق، والقرآن اسم يتناول اللفظ ~~والمعنى، فإذا خص اللفظ بكونه غير مخلوق كان ذلك زيادة في الكلام أو نقصا ~~من المعنى، فإن القرآن كله غير مخلوق، فلا وجه لتخصيص ذلك بألفاظ خاصة، ~~وهذا كما لو قال قائل: السبع الطوال من القرآن غير مخلوقة فإنه وإن كان ~~صحيحا، لكن هذا التخصيص ممنوع منه، وكل هذا عدول عما أراده الإمام أحمد. # PageV01P512 # وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة وتحقيقه لهذا ~~الباب فإنه امتحن به ما لم يمتحن به غيره، وصار كلامه قدوة وإماما لحزب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد ~~به أمران أحدهما: الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له، الثاني: ~~التلفظ به والأداء له وفعل العبد، فإطلاق الخلق على اللفظ قد توهم المعنى ~~الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ، فمنع ~~الإطلاقين. # وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل وأشبع الكلام في ذلك وفرق بين ما قام ~~بالرب وبين ما قام بالعبد، وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم ~~وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه ~~جبرائيل من الله تعالى وسمعه محمد من جبرائيل، وقد شفى في هذه المسألة في ~~كتاب (خلق أفعال العباد) وأتى فيها من الفرقان والبيان بما ms523 يزيل الشبهة، ~~ويوضح الحق، ويبين محله من الإمامة والدين، ورد على الطائفتين أحسن الرد. # وقال أبو عبد الله البخاري: فأما ما احتج الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كل ~~لنفسه فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف ~~عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، وما سواه فهو مخلوق، ~~وأنهم كرهوا البحث والتفتيش عن الأشياء الغامضة وتجنب أهل الكلام والخوض ~~والتنازع إلا فيما جاء به العلم وبينه النبي صلى الله عليه وسلم. # والفريقان اللذان عناهما البخاري وتصدى للرد عليهما وإبطال قولهما، ثم ~~أخبر البخاري أن كل واحدة من الطائفتين الزائغتين تحتج بأحمد، وتزعم أن ~~قولها قوله، وهو كما قال رحمه الله تعالى فإن أولئك اللفظية يزعمون أنه كان ~~يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنه على ذلك استقر أمره، وهذا قول من يقول ~~التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء والكتابة هي المكتوب. # والطائفة الثانية الذين يقولون: التلاوة والقراءة مخلوقة، ويقولون: ~~ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ومرادهم بالتلاوة والقرآن نفس ألفاظ القرآن العربي ~~الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتلو المقروء عندهم هو المعنى ~~القائم بالنفس وهو غير مخلوق، وهو اسم للقرآن، فإذا قالوا: القرآن غير ~~مخلوق أرادوا به ذلك المعنى وهو المتلو المقروء، وأما المقروء المسموع ~~المثبت في المصاحف فهو عبارة عنه وهو مخلوق، وهؤلاء يقولون # PageV01P513 # التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والكتابة غير المكتوب وهي ~~مخلوقة، والمتلو المقروء غير مخلوق، وهو غير مسموع، فإنه ليس بحروف ولا ~~أصوات. # والفريقان مع كل منهما حق وباطل، فنقول وبالله التوفيق: أما الفريق الأول ~~فأصابوا في قولهم إن الله تعالى تكلم بهذا القرآن على الحقيقة حروفه ~~ومعانيه تكلم به بصوته وأسمعه من شاء من ملائكته، وليس هذا القرآن العربي ~~مخلوقا من جملة المخلوقات، وأخطئوا في قولهم: إن هذا الصوت المسموع من ~~القارئ هو الصوت القائم بذات الرب تعالى وأنه غير مخلوق، وأن تلاوتهم ~~وقراءتهم وألفاظهم القائمة بهم غير مخلوقة، فهذا غلو في الإثبات يجمع بين ~~الحق والباطل. # وأما ms524 الفريق الثاني فأصابوا في قولهم: إن أصوات العباد وتلاوتهم وقراءتهم ~~وما قام بهم من أفعالهم وتلفظهم بالقرآن وكتابتهم له مخلوق، وأخطئوا في ~~قولهم إن هذا القرآن العربي الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الله مخلوق، ولم يكلم به الرب ولا سمع منه، وأن كلام الله هو المعنى القائم ~~بنفسه ليس بحرف ولا سور ولا آيات، ولا له بعض ولا كل وليس بعربي ولا ~~عبراني، بل هذه عبارات مخلوقة تدل على ذلك المعنى. # والحرب واقع بين هذين الفريقين من بعد موت الإمام أحمد إلى الآن، فإنه ~~لما مات الإمام أحمد قال طائفة ممن ينسب إليه، منهم محمد بن داود المصيصي ~~وغيره: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة، وحكوا ذلك عن الإمام أحمد فأنكر عليهم ~~صاحب الإمام أحمد وأخص الناس به أبو بكر المروذي ذلك، وصنف كتابا مشهورا ~~ذكره الخلال في السنة ثم نصر هذا القول أبو عبد الله بن حامد وأبو نصر ~~السجزي وغيرهما، ثم نصره بعدهم القاضي أبو يعلى وغيره ثم ابن الزاغوني وهو ~~خطأ على أحمد. # فقابل هؤلاء الفريق الثاني وقالوا: إن نفس هذه الألفاظ مخلوقة لم يتكلم ~~الله بها ولم تسمع منه، وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه، وقالوا: هذا ~~قول أحمد. # والبخاري وأئمة السنة برآء من هذين القولين، والثابت المتواتر عن الإمام ~~أحمد هو ما نقله عنه خواص أصحابه وثقاتهم، كما بينه صالح وعبد الله المروذي ~~وغيرهم: من الإنكار على الطائفتين جميعا كما ذكره البخاري، فأحمد والبخاري ~~على خلاف قول الفريقين، وكان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ~~ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع، وإن القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله ~~على الحقيقة # PageV01P514 # وحيث تصرف كلام الله فهو غير مخلوق، وكان يقول بخلق أفعال العباد ~~وأصواتهم، وإن الصوت المسموع من القارئ هو صوته وهو مخلوق، ويقول في قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم " «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» " معناه يحسنه ~~بصوته، كما قال " «زينوا القرآن بأصواتكم» ". # ولما كان كل من احتج بكلام ms525 أحمد على شيء فلا بد من أمرين أحدهما: صحة ~~النقل عن ذلك القائل، والثاني: معرفة كلامه، قال البخاري: فما احتج به ~~الفريقان من كلام أحمد ليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة ~~مذهبه فذكر أن من المنقول عنه ما ليس بثابت، والثابت عنه قد لا يفهمون ~~مراده لدقته على أفهامهم. # وقال إبراهيم الحربي: كنت جالسا عند أحمد بن حنبل إذ جاءه رجل فقال: يا ~~أبا عبد الله إن عندنا قوما يقولون إن ألفاظهم بالقرآن مخلوقة، قال أبو عبد ~~الله: يتوجه العبد لله بالقرآن بخمسة أوجه وهو فيها غير مخلوق: حفظ بقلب، ~~وتلاوة بلسان، وسمع بأذن، ونظرة ببصر، وخط بيد، فالقلب مخلوق والمحفوظ غير ~~مخلوق، والتلاوة مخلوقة والمتلو غير مخلوق، والسمع مخلوق والمسموع غير ~~مخلوق، والنظر مخلوق والمنظور إليه غير مخلوق، والكتابة مخلوقة والمكتوب ~~غير مخلوق، قال إبراهيم: فمات أحمد فرأيته في النوم وعليه ثياب خضر وبيض، ~~وعلى رأسه تاج من الذهب مكلل بالجواهر وفي رجليه نعلان من ذهب، فقلت له: ما ~~فعل الله بك؟ قال غفر لي وقربني وأدناني، فقال: قد غفرت لك، فقلت له: يا رب ~~بماذا؟ قال: بقولك كلامي غير مخلوق. # ففرق أحمد بين فعل العبد وكسبه وما قام به فهو مخلوق، وبين ما تعلق به ~~كسبه وهو غير، ومن لم يفرق هذا التفريق لم يستقر له قدم في الحق. # فإن قيل: كيف يكون المسموع غير مخلوق، وإنما هو صوت العبد، وأما كلامه ~~سبحانه القائم به فإنا لا نسمعه، وكيف يكون المنظور إليه غير مخلوق، وإنما ~~هو المداد والورق، وكيف يكون المحفوظ غير مخلوق وإنما هو الصدر وما حواه ~~واشتمل عليه، فهل انتقل القديم وحل في المحدث أو اتحد به وظهر فيه فإن ~~أزلتم هذه الشبهة انجلى الحق وظهر الثواب، إلا فالغبش موجود والظلمة ~~منعقدة. # قيل: قد زال الغبش بحمد الله وزالت الظلمة ببعض ما تقدم، ولكن ما حيلة # PageV01P515 # الكحال في العميان؟ فمن يشك في القلب وصفاته، واللسان وحركاته، والحق ~~وأصواته والبصر ومرئياته، والورق ومداده، والكاتب ms526 وآلاته. # قال الشعبي في بيع المصاحف: لا يبيع كتاب الله وإنما يبيع عمل يده، وقال ~~زياد مولى سعيد: سألت ابن عباس فقال: لا نرى أن تجعله متجرا ولكن ما عملت ~~يداك فلا بأس، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في بيع المصاحف: إنما هم ~~مصورون يبيعون عملهم، عمل أيديهم، وذكر ذلك البخاري قال، ويذكر عن علي قال: ~~يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. # قال البخاري: قال الله عز وجل: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] ~~قال ولكنه كلام الله تلفظ به العباد والملائكة، قال: وقد قال تعالى: {فإنما ~~يسرناه بلسانك - ولقد يسرنا القرآن للذكر} [القمر: 97 - 17] قال وسمع عمر ~~معاذا القارئ يرفع صوته بالقراءة وقال: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} ~~[لقمان: 19] ثم روي عن أبي عثمان النهدي قال: ما سمعت صنجا قط ولا بربطا ~~ولا مزمارا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري إلا فلان إن كان ليصلي بنا فنود ~~أنه قرأ البقرة لحسن صوته. # ثم قال البخاري: فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصوات الخلق ودراستهم ~~وقراءتهم وتعلمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن من بعض، وأتلى وأزين وأصوت ~~وأرتل وألحن وأعلى وأخف وأغض وأخشع، قال تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا ~~تسمع إلا همسا} [طه: 108] وأجهر وأخفى وأمد وأخفض وألين من بعض، ثم ذكر ~~حديث عائشة المتفق عليه " «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي ~~يشتد عليه له أجران» " ومراده أن قراءته في الموضعين علمه وسعيه. # وذكر حديث قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " «كان يمد مدا» " وفي رواية " «يمد صوته مدا» " ثم ذكر حديث «قطبة ~~بن مالك» عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قرأ في الفجر: {والنخل باسقات ~~لها طلع نضيد} [ق: 10] يمد بها صوته» يعني فالمد والصوت له صلى الله عليه ~~وسلم # PageV01P516 # قال أبو عبد الله: فأما ms527 المتلو فقوله عز وجل الذي ليس كمثله شيء، قال ~~تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} [الجاثية: 29] وقال عبد الله بن عمر: ~~يمثل القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه، قال أبو عبد الله: وهو اكتسابه ~~وفعله، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} [الزلزلة: 7 - 8] . # ثم قال البخاري: فالمقروء كلام رب العالمين الذي قال لموسى: {إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [طه: 14] إلا المعتزلة فإنهم ادعوا أن قول ~~الله مخلوق، وهذا خلاف ما عليه المسلمون، ثم قال البخاري: فالقراءة هي ~~التلاوة، والتلاوة غير المتلو، قال وقد بينه أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم ذكر حديث " «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: يقول العبد: ~~الحمد لله رب العالمين، يقول الله حمدني عبدي. . .» " الحديث، فالعبد يقول: ~~الحمد لله رب العالمين حقيقة تاليا لما قاله الله عز وجل فهذا قول الله ~~الذي قاله وتكلم به مبتدئا تاليا وقارئا، كما هو قول الرسول مبلغا له ~~ومؤديا، كما قال تعالى: {قل ياأيها الكافرون - قل أعوذ برب الفلق - قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمر أن ~~يقوله، فكان قوله تبليغا محضا لما قاله، فمن زعم أن التالي والقارئ لم يقل ~~شيئا فهو مكابر جاحد للحس والضرورة، ومن عزم أن الله لم يقل هذا الكلام ~~الذي نقرأه ونتلوه بأصواتنا فهو معطل جاحد جهمي زاعم أن القرآن قول البشر. # قال البخاري: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «اقرءوا إن شئتم» " ~~فالقراءة لا تكون إلا من الناس، وقد تكلم الله بالقرآن من قبل خلقه، فبين ~~أن الله سبحانه هو المتكلم بالقرآن قبل أن يتكلم به العباد، بخلاف قول ~~المعتزلة والجهمية الذين يقولون إن الله خلقه على لسان العبد، فتكلم العبد ~~بما خلقه الله على لسانه من كلامه في ذلك الوقت، ولم يتكلم به الله قبل ~~ذلك. # PageV01P517 # قال البخاري: ويقال فلان حسن القراءة ورديء القراءة، ولا يقال حسن ~~القرآن، وإنما ينسب إلى ms528 العباد القراءة؛ لأن القرآن كلام الرب، والقراءة ~~فعل العبد، قال ولا تخفى معرفة هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه ولم ~~يوفقه ولم يهده سبيل الرشاد. ### | فصل كون الكلام في محاله # فصل # من المعلوم بالفطرة المستقرة عند العقلاء قاطبة أن الكلام يكتب في المحال ~~من الرق والخشب وغيرهما، ويسمى محله كتابا، ويسمى نفس المكتوب كتابا، فمن ~~الأول قوله تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} [الواقعة: 77] ومن ~~الثاني قوله: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} [الأنعام: 7] وقوله: {يتلو ~~صحفا مطهرة فيها كتب قيمة} [البينة: 2] ولكن تسمية المحل مشروطة بوجود ~~المكتوب فيه، وهذا كما أن تسمية القصبة قلما مشروطة بكونها مبروءة، وتسمية ~~الدار قرية مشروطة بكونها مأهولة بالساكن، وتسمية الإناء كأسا مشروطة بوضع ~~الشراب فيه، وتسمية السرير أريكة مشروطة بنصب الحجلة عليه، بل اشتراط وجود ~~المكتوب في المحل يصحح هذه التسمية أظهر من ذلك كله. # والقول بأن الكلام في الصحيفة من العلم العام الذي لم ينازع فيه أحد من ~~العقلاء إذا خلي مع الفطرة، وإنما وقعت فيه شبهتان فاسدتان من جهة النفي ~~والإثبات أحالت أربابها عن فطرتهم، حتى قالوا ما هو معلوم الفساد بالفطرة ~~والعقلاء كلهم يذكرون هذا مطلقا كقولهم الكلام في الصحيفة واللوح، ومقيدا ~~كقوله كلام فلان في الصحيفة والكتاب واللوح. # وهذا القدر المستقر في فطر الناس جاء في كلام الله وكلام رسوله صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة والتابعين، قال الله تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس} [الأنعام: 7] وقال: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} [البروج: 21] ~~وقال تعالى: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} [الواقعة: 77] وقال تعالى: ~~{كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة} [عبس: 11] وقال تعالى: {يتلو ~~صحفا مطهرة فيها كتب قيمة} [البينة: 2] وقد أخبر # PageV01P518 # الله سبحانه عن تعدد محله بالكتاب تارة وبالرق تارة وبصدور الحفاظ تارة، ~~كما قال تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: ~~49] . # والأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تذكر، كقول ابن عمر: «نهى رسول الله ms529 ~~صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» ، ومن المعلوم ~~بالضرورة أنه لا محذور في السفر إلى أرض العدو بمداد وورق وكاغد، وإن النهي ~~إنما وقع عن السفر بالكلام الذي تضمنه الورق والمداد، فهو المقصود لذاته، ~~والورق والمداد مقصود قصد الوسائل، ولهذا يرغب الناس في الكتاب المشتمل على ~~الكلام الذي ينتفع به ويتنافسون فيه ويبذلون فيه أضعاف ثمن الكاغد والمداد، ~~لعلمهم أن المقصود هو الكلام نفسه لا المداد والورق. # وكل ذي فطرة سليمة يعلم أن وجود الكلام في المصحف ليس بمنزلة وجود ~~الحقائق الخارجية فيها، ولا بمنزلة وجودها في محالها وأماكنها وظروفها، ~~ويجد الفرق بين كون الكلام في الورقة، وبين كون الماء في الظرف. # فهاهنا ثلاث معان متميزة لا يشبه كل منها الآخر، فإن الحقائق الموجودة ~~لها وجود عين، ثم تعلم بعد ذلك ثم يعبر عن العلم بها، ثم تكتب العبارة عنها ~~فهذا العلم والعبارة والخط ليس هو أعيان تلك الحقائق بل هو وجودها الذهني ~~العلمي في محله، وهو القلب والذهن، ووجودها اللفظي النطقي في محله وهو ~~اللسان في الآدمي، ووجودها الرسمي الخطي في محله وهو الكتاب أو ما يقوم ~~مقامه من حفر في حجر أو خشب، وقد افتتح الله وحيه إلى رسوله بإنزال: {اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ~~علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1] فأخبر سبحانه أنه خلق الحقائق ~~الموجودة، وعلم الحقائق العلمية، وذكر تعليمه بالقلم وهو الخط، وهو مستلزم ~~تعليم البيان النطقي وهو العبارة، وتعليم العلم بمدلولها وهو الصورة ~~العلمية المطابقة للحقيقة، فأول المراتب الوجود الخارجي، وبينه # PageV01P519 # وبين الكتاب مرتبتان، وبينه وبين الوجود العلمي مرتبة اللفظ فقط وليس ~~بينه وبين اللفظ مرتبة أخرى. # إذا عرف هذا فكون الرب تعالى وأسمائه وصفاته في الكتاب غير كون كلامه في ~~الكتاب، فهذا شيء وهذا شيء وهذا شيء، فكونه في الكتاب هو اسمه وأسماء صفاته ~~والخبر عنه، وهو نظير كون القيامة والجنة والنار والصراط والميزان في ~~الكتاب، إنما ذلك أسماؤها ms530 والخبر عنها، وأما كون كلامه في المصحف والصدور ~~فهو نظير كون كلام رسوله في الكتاب وفي الصدور، فمن سوى بين المرتبتين، فهو ~~ملبس أو ملبوس عليه. # يوضحه أنه سبحانه أخبر أن القرآن في زبر الأولين، وأخبر أنه في صحف مطهرة ~~يتلوها رسله، ومعلوم أن كونه في زبر الأولين ليس مثله كونه في المصحف الذي ~~عندنا، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، فإن وجوده في زبر الأولين هو ذكره ~~والخبر عنه كوجود رسوله فيها، قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف: 157] فوجود ~~الرسول في التوراة والإنجيل، ووجود القرآن فيه واحد، فمن جعل وجود كلام ~~الله في المصحف كذلك فهو أضل من حمار أهله. # وقد علم بذلك أن لا يحتاج إلى حذلقة متحذلق يقول: إنه لا بد من حذف ~~وإضمار وتقديره (عبارة كلام الله في المصحف أو حكايته) فإنك إذا قلت في هذا ~~الكتاب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام الشافعي وأحمد، فإن كل ~~أحد يفهم المراد بذلك، ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار كما لا يذهب وهمه إلى ~~أن صفة المتكلم، والقول القائم به الصوت واللفظ المسموع منه فارق ذاته، ~~وانفصل من محله، وانتقل إلى محل آخر. # هذا كله أمر محسوس مشهود لا ينازع فيه من فهمه إلا عنادا، لكن قد لا ~~يفهمه بعض الناس لفرط بلادة وعمى قلب أو غلبة هوى. # ومما يوضح هذا أن الله سبحانه كتب مقادير الخلائق عنده قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض كتابا مفصلا محيطا بالكائنات، وأخبرنا بذلك في كتابه، ~~فالخبر عنها مكتوب في المصاحف في قوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} ~~[يس: 12] والإمام هو الكتاب، # PageV01P520 # ومعلوم قطعا أن كتابتها في الكتاب السابق ليس هو مثل كتابتها في القرآن، ~~فإن ذلك كتابة مفصلة وهذا إخبار عنها، فكتابة اسم القرآن في رق أو غيره ليس ~~هو مثل كتابة معانيه، وإذا كتب كلام المتكلم في كتاب لم تكن الحروف ~~المكتوبة من جنس الحروف الملفوظة لا من حيث ms531 المادة ولا من حيث الصورة حتى ~~يقال انتقلت تلك الحروف بمادتها وصورتها وحلت في الكتاب، ولا يتوهم هذا ~~سليم العقل والحواس. ### | فصل سماع كلام الله مباشرة وبواسكة # فصل # وكلام الرب تعالى، بل كلام كل متكلم، تدرك حروفه وكلماته بالسمع تارة ~~وبالبصر تارة، فالسمع نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق ما كان بغير واسطة كما ~~سمع موسى بن عمران كلام الرب تعالى من غير واسطة، بل كلمه تكليما منه إليه، ~~وكما يسمع جبرائيل وغيره من الملائكة كلامه وتكليمه سبحانه، وأما المقيد ~~فالسمع بواسطة المبلغ، كسماع الصحابة وسماعنا لكلام الله حقيقة بواسطة ~~المبلغ عنه كما يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وكلام غيره ~~كمالك والشافعي وسيبويه والخليل بواسطة المبلغ، فقوله تعالى: {فأجره حتى ~~يسمع كلام الله} [التوبة: 6] من النوع الثاني، وكذلك قوله: {وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول} [المائدة: 83] وقوله في الحديث " «كأن الناس لم يسمعوا ~~القرآن إذا سمعوه يوم القيامة من الرحمن» " من النوع الأول، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» ~~". # وأما النظر فعلى نوعين أيضا، فإن المكتوب قد يكتبه غير من يتكلم به فيكون ~~الناظر إليه ناظرا إلى الحروف والملمات بواسطة ذلك الكاتب، وقد يكون ~~المتكلم نفسه كتب كلامه، في نظر الناظر إلى حروفه وكلماته التي كتبها بيده، ~~كما سمع منه كلماته التي تكلم بها، وهذا كما كتب لموسى التوراة بيده بغير ~~واسطة كما في الحديث الصحيح في قصة احتجاج آدم موسى، وفي حديث الشفاعة وغير ~~ذلك فجمع لموسى بين الأمرين: أسمعه كلامه بغير واسطة وأراه إياه بكتابته. # PageV01P521 ### | فصل وجود القرآن في المصحف # فصل # قالت فرقة: القرآن في المصحف بمنزلة وجود الأعيان في السماوات والأرض ~~والجنة والنار، ووجوب اسم الرب في ورقة أو صحيفة، وهذا جهل عظيم، فإن الفرق ~~بين كون وجود القرآن في الصحف أظهر من أن يحتاج إلى بيان، ويكفي المراتب ~~الأربعة التي هم معترفون بصحتها ومحتجون بها، فالقرآن كلام وجوده في المصحف ~~من باب وجود ms532 الكلام في الصحف، ومعلوم أن وجود الكلام في المصحف هو وجود ~~المرتبة الثالثة في الرابعة: وجود عيني ووجود ذهني ووجود لفظي ووجود رسمي، ~~فإذا وجد الكلام في المصحف كان وجود المرتبة الثالثة في الرابعة، لا بمعنى ~~أن اللفظ الذي هو حروف وأصوات انتقل بنفسه وصار أشكالا مدادية، بل ذلك أمر ~~معقول مشهود بالحس يعرفه العقلاء قاطبة. # نعم: وجود القرآن في زبر الأولين من باب وجود المرتبة الأولى في الرابعة ~~فمن سوى بين وجود ثم ووجوده في المصحف فهو جاهل أو ملبس، وليس القرآن بعينه ~~موجودا في زبر الأولين، وإنما فيها خبره وذكره والشهادة له فيها مذكور مخبر ~~عنه، وهو في المصحف ذكر وخبر وشاهد وقصص وأمر ونهي، فأين أحدهما من الآخر؟ ~~فقوله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196] وقوله: {إن هذا لفي ~~الصحف الأولى} [الأعلى: 18] ليس مثل قوله: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} ~~[الواقعة: 77] وقوله: {يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة} [البينة: 2] ومن سوى ~~بينهما لومه أن يقول إن هذا القرآن العربي بعينه أنزل على من قبلنا أو أن ~~يقول إن المصحف ليس فيه قرآن، إنما فيه ذكره والخبر عنه كما هو في الصحف ~~الأولى وكلا الأمرين معلوم البطلان عقلا وشرعا. # وقد انفصلوا عن هذا السؤال بأن قالوا: المكتوب المحفوظ المتلو هو الحكاية ~~أو العبارة المؤلفة المنطوقة بها التي خلقها الله في الهواء أو في اللوح ~~المحفوظ، أو في نفس الملك، فيقال: هذه عندكم ليس كلام الله إلا على المجاز ~~وقد علم بالاضطرار أن هذا الكلام العربي هو القرآن، وهو كتاب الله وهو ~~كلامه، قال تعالى: # PageV01P522 # {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29] الآية، ~~فأخبر أن الذي سمعوه هو نفس القرآن، وهو الكتاب، وقال تعالى: {وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له} [الأعراف: 204] فأخبر أن الذي يسمع هو القرآن بنفسه، ~~وعندهم أن القرآن يستحيل أن يقرأ لأنه ليس بحروف ولا أصوات، وإنما هو واحد ~~الذات ليس سورا ولا آيات، وقال تعالى: {وإذا قرأت القرآن - ورتل القرآن ~~ترتيلا - وقرآنا فرقناه ms533 لتقرأه على الناس - وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 45 - 6] وعندهم أن الذي يسمع ليس كلام ~~الله على الحقيقة وإنما هو مخلوق حكي به كلام الله (على أحد قوليهم) وعبارة ~~عبر بها عن كلامه (على القول الآخر) وهي مخلوقة على القولين، فالمقروء ~~والمسموع والمكتوب والمحفوظ ليس هو كلام الله، وإنما هو عبارة عبر بها عنه ~~كما يعبر عن الذي لا ينطق ولا يتكلم من أخرس أو عاجز، بل هو عندهم دون ذلك ~~ما يعبر عن حال الشيء، فيقال: قال كذا وكذا بلسان حاله لما لا يقبل النطق، ~~فإن الأخرس والعاجز قابل النطق، فهو أحسن حالا ممن لا يقبله. # فعندهم أن الملك فهم عن الله تعالى معنى مجردا قائما بنفسه، ثم الملك عبر ~~عن الله فهو الذي أحدث نظم القرآن وألفه، فيكون إيحاؤه سبحانه إلى الملك ~~مثل الوحي الذي يوحيه إلى الأنبياء، إذ لا تكلم هناك، ولا خطاب، والملك لا ~~يسمع من الله شيئا ولا النبي، وعلى هذا فيكون ما أوحاه إلى النبي بالإلهام ~~أو منام أشرف من تنزيل القرآن على الرسول على هذا التقدير، فإن ما أوحاه في ~~الموضعين معنى مجردا، لكن القرآن بواسطة الملك ووحي إلهام، والإلهام بغير ~~واسطة، وما ارتفعت فيه الوسائط فهو أشرف. # ولما أصلت الجهمية هذا الأصل وبنوا عليه وجعلوا تكليم الرب تعالى للرسل ~~والملائكة، هو مجرد إيحاء المعاني صار خلق من متعبديهم ومتصوفيهم يدعون ~~أنهم يخاطبون وأن الله يكلمهم كما كلم موسى بن عمران، ويزعمون أن التحديث ~~الذي يكون للأولياء مثل تكليم الله لموسى بن عمران، إذ ليس هناك غير مجرد ~~الإلهام، وبعضهم يقول إن الله خاطبني من لسان هذا الآدمي، وخاطب موسى من ~~الشجرة، # PageV01P523 # والآدمي أكمل من الشجرة، وبعض متأخرين صرح بأن الله خلق تلك المعاني في ~~قلب الرسول، وخلق العبارة الدالة عليها في لسانه، فعاد القرآن إلى عبارة ~~مخلوقة دالة على معنى مخلوق في قلب الرسول. # ويعجب هذا القائل من نصب الخلاف بينهم وبين المعتزلة وقال: ما نثبته ms534 نحن ~~من المعنى القائم بالنفس فهو من جنس العلم والإرادة، والمعتزلة لا تنازعنا ~~في ذلك، غاية ما في الباب أنا نحن نسميه كلاما وهم يسمونه علما وإرادة، ~~وأما هذا النظم العربي الذي هو حروف وكلمات، وسور وآيات، فنحن وهم متفقون ~~على أنه مخلوق، لكن هم يسمونه قرآنا، ونحن نقول هو عبارة عن القرآن أو ~~حكاية عنه. # فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف ~~على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل فالمعتزلة قالوا: هذا ~~الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام الله، وإنه غير ~~مخلوق. # ومن هنا استخف كثير من أتباعهم بالمصحف وجوزوا دوسه بالأرجل، لأنه بزعمهم ~~ليس فيه إلا الجلد والورق والزاج والعفص، والحرمة التي ثبتت له دون الحرمة ~~التي ثبتت لديار ليلى وجدرانها بكثير فإن تلك الديار حلت فيها ليلى ونزلت ~~بها، وهذا الجلد والورق إنما حل فيه المداد والأشكال المصورة الدالة على ~~عبارة كلام الله المخلوقة. # قال أبو الوفا بن عقيل في خطبة كتابه في القرآن: أما بعد، فإن سبيل الحق ~~قد عفت آثارها، وقواعد الدين قد انحط شعارها، والبدعة قد تضرمت نارها وظهر ~~في الآفاق شرارها، وكتاب الله عز وجل بين العوام غرض ينتضل، وعلى ألسنة ~~الطغام بعد الاحترام يبتذل، وتضرب آياته بآياته جدالا وخصاما، تنتهك حرمته ~~لغوا وآثاما، قد هون في نفوس الجهال بأنواع المحال، حين قيل ليس في المصحف ~~إلا الورق والخط المستحدث المخلوق، وإن سلطت عليه النار احترق، وأشكال في ~~قرطاس قد لفقت، إزدراء بحرمته واستهانة بقيمته، وتطفيفا في حقوقه، وجحودا ~~لفضيلته حتى لو كان القرآن حيا ناطقا لكان ذلك متظلما، ومن هذه البدعة ~~متوجعا متألما، أترى ليس هذا الكتاب الذي قال الله فيه {وإنه لكتاب عزيز لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 41] وقال ~~{إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} [الواقعة: 77] # PageV01P524 # وقال: {والطور وكتاب مسطور في رق منشور} [الطور: 1] أو ليس الحبر والورق ~~قبل ظهور الحروف المكتوبة ms535 لا يمنع من مسه المحدثون، وإذا ظهرت الحروف ~~المكتوبة صار {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] أليس هذا الكتاب الذي ~~قال فيه صاحب الشريعة تنزيلا وتجليلا: " «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ~~مخافة أن تناله أيديهم» "، أليس الله تعالى يقول في كتابه {يايحيى خذ ~~الكتاب بقوة} [مريم: 12] وقال في حق موسى {وكتبنا له في الألواح من كل شيء ~~موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة} [الأعراف: 145] أفترى من القوة تهوينها ~~عند المكلفين، والازدراء بها عند المتخلفين، يزخرفون للعوام عبارة يتوقون ~~بها إنكارهم ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم، ويقولون: ~~تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب، هذه الكتابة معلومة فأين ~~المكتوب؟ وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو؟ يقولون: القرآن عندنا قديم قائم ~~بذاته سبحانه، وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم، وإلا فالقرآن مخلوق عندهم ~~لا محالة، فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدمون رجلا نحو الاعتزال ~~فلا يتجاسرون، ويؤخرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون، إن ~~قلنا لهم ما مذهبكم في القرآن؟ قالوا: قديم غير مخلوق، وإن قلنا فما القرآن ~~أليس هو السور المسورة والآيات المسطرة في الصحف المطهرة، أليس هو المحفوظ ~~في صدور الحافظين، أليس هو المسموع من ألسنة التالين؟ قالوا: إنما هو ~~حكايته وما أشرتم إليه عبارته، وأما القرآن فهو قائم في نفس الحق غير ظاهر ~~في إحساس الخلق فانظروا معاشر المسلمين إلى مقالة المعتزلة كيف جاءوا بها ~~في صورة أخرى. # ثم ساق الكلام في بيان أن القرآن اسم لهذا الكتاب العربي الذي نزل به ~~جبرائيل من رب العالمين على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم وأجراه على ~~لسانه، وأن الله تعالى تكلم به حقا فسمعه منه جبرائيل، فأداه إلى رسوله ~~فأداه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة. ### | فصل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك # فصل # قال شيخ الإسلام: أول ما ظهر إنكار أن الله سبحانه يتكلم بصوت في أثناء ~~المائة الثالثة، فإنه لما ظهرت الجهمية المعطلة في إمارة أبي العباس ~~المأمون وأدخلته في آرائها بعد أن ms536 كانوا أذلاء مقموعين، وهؤلاء كان عندهم ~~أن الله لا يتكلم أصلا بحرف # PageV01P525 # ولا صوت ولا معنى ولا يرى، ولا هو مستو على عرشه، ولا علم ولا حياة ولا ~~إرادة ولا حكمة تقوم به فلما وقعت المحنة وثبت الله خلفاء الرسل وورثة ~~الأنبياء على ما ورثوه عن الأنبياء والمرسلين، وعلموا أن باطل أولئك هو ~~نفاق مشتق من أقوال المشركين والصابئين الذين هم أعداء الرسول وسوس الملك، ~~وظهر للأمة سوء مذاهب الجهمية وما فيها من التعطيل ظهر حينئذ عبد الله بن ~~سعيد بن كلاب البصري وأثبت الصفات موافقة لأهل السنة، ونفى عنها الخلق ردا ~~على الجهمية والمعتزلة، ولم يفهم لنفي الخلق عنها معنى إلا كونها قديمة ~~قائمة بذاته سبحانه، فأثبت قدم العلم والسمع والبصر والكلام وغيرها، ورأى ~~أن القديم لا يتصور أن يكون حروفا وأصواتا لما فيها من التعاقب وسبق بعضها ~~بعضا، فجعل كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق هو مجرد معنى أو معان محصورة، ~~وسلك طريقة خالف فيها المعتزلة، ولم يوافق فيها أهل الحديث في كل ما هم ~~عليه، فلزم من ذلك أن يقول إن الله لم يتكلم بصوت وحرف وتبعه طائفة من ~~الناس. # وأنكر ذلك الإمام أحمد وأصحابه كلهم، والبخاري صاحب الصحيح، فقال عبد ~~الله بن أحمد في كتاب السنة: قلت لأبي: يا أبت إن قوما يقولون إن الله لم ~~يتكلم بصوت، فقال: يا بني هؤلاء الجهمية إنما يدورون على التعطيل يريدون أن ~~يلبسوا على الناس، بلى تكلم بصوت. # ثم قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي حدثنا الأعمش حدثنا مسلم بن ~~صبيح عن مسروق عن عبد الله قال: «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء ~~كجر السلسلة على الصف» ، وصرح البخاري بأن الله يتكلم بحرف وصوت، وذكر في ~~كتابه الصحيح حديث جابر " «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ~~كما يسمعه من قرب» " فاحتج به في الباب وإن ذكره تعليقا، وذكر عن مسروق عن ~~ابن مسعود: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا فزع عن قلوبهم ms537 ~~وسكن الصوت عرفوا أنه الحق من ربهم ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق» . # PageV01P526 # وكذلك ابن القاسم صاحب مالك صرح في رسالته في السنة: إن الله يتكلم بصوت ~~وهذا لفظه قال: والإيمان بأن الله كلم موسى بن عمران بصوت سمعه موسى من ~~الله تعالى لا من غيره، فمن قال غير هذا أو شك فقد كفر، حكى ذلك ابن شكر في ~~الرد على الجهمية عنه. # وكذلك أبو الحسن بن سالم شيخ سهل بن عبد الله التستري صرح بذلك، وكان ~~الحارث المحاسبي ينكر أولا أن الله يتكلم بصوت ثم رجع عن ذلك، وحكى عنه ~~الكلاباذي في كتاب (التعرف لمذهب التصوف) أنه كان يقول: إن الله يتكلم ~~بصوت، وهذا آخر قوله كما ذكره معمر بن زياد الأصبهاني في أخبار الصوفية أن ~~الحارث كان يقول: إن الله يتكلم بلا صوت ثم رجع عن ذلك. # وكذلك قام إمام الأئمة محمد بن خزيمة وأبو نصر السجزي وشيخ الإسلام ~~الأنصاري وأبو عمر الطمنكي، كلهم يصرح أن الله تعالى يتكلم بصوت، والبخاري ~~في كتاب خلق الأفعال. ### | فصل منشأ النزاع هل كلام الرب بمشيئتة أم لا # فصل # منشأ النزاع بين الطوائف أن الرب تعالى هل يتكلم بمشيئته أم كلامه بغير ~~مشيئته على قولين، فقالت طائفة: كلامه بغير مشيئته واختياره، ثم انقسم ~~هؤلاء أربع فرق، قالت فرقة: هو فيض فاض منه بواسطة العقل الفعال على نفس ~~شريفة فتكلمت به كما يقول ابن سينا وأتباعه وينسبونه إلى أرسطو. # وفرقة قالت: بل هو معنى قائم بذات الرب تعالى هو به متكلم، وهو قول ~~الكلابية ومن تبعهم، وانقسم هؤلاء فريقين، فرقة قالت: هو معان متعددة في ~~أنفسها أمر ونهي وخبر واستخبار، ومعنى جامع لهذا الأربعة، وفرقة قالت: بل ~~هو معنى واحد بالعين لا ينقسم ولا يتبعض. # وفرقة قالت: كلامه هو هذه الحروف والأصوات، خلقها خارجة عن ذاته، فصار ~~بها متكلما، وهذا قول المعتزلة وهو في الأصل قول الجهمية تلقاه عنهم أهل ~~الاعتزال فنسب إليهم. # وفرقة قالت: يتكلم بقدرته ومشيئته كلاما قائما بذاته سبحانه كما ms538 يقول به ~~سائر أفعاله لكنه حادث النوع، وعندهم أنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما ~~كما قاله من # PageV01P527 # لم يصفهم من المتكلمين أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن، فقول هؤلاء في الفعل ~~المتصل كقول أولئك في الفعل المنفصل، وهذا قول الكرامية. # وفرقة قالت: يتكلم بمشيئته، وكلامه سبحانه هو الذي يتكلم به الناس كله ~~حقه وباطله وصدقه وكذبه، كما يقوله طوائف الاتحادية. # وقال أهل الحديث والسنة: إنه لم يزل سبحانه متكلما إذا شاء ويتكلم ~~بمشيئته ولم تتجدد له هذه الصفة، بل كونه متكلما بمشيئته هو من لوازم ذاته ~~المقدسة، وهو بائن عن خلقه بذاته وصفاته وكلامه، وليس متحدا بهم ولا حالا ~~فيهم. # واختلفت الفرق هل يسمع كلام الله على الحقيقة؟ فقالت فرقة: لا يسمع كلامه ~~على الحقيقة إنما يسمع حكايته والعبارة عنه، وهذا قول الكلابية ومن تبعهم، ~~وقالت بقية الطوائف بل يسمع كلامه حقيقة، ثم اختلفوا فقالت فرقة: يسمعه كل ~~أحد من الله، وهذا قول الاتحادية، وقالت فرقة: بل لا يسمع إلا من غيره، ~~وعندهم يسمع كلام الله منه، فهذا قول الجهمية والمعتزلة. # وقال أهل السنة والحديث يسمع كلامه سبحانه منه تارة بلا واسطة كما سمعه ~~موسى وجبرائيل وغيره، وكما يكلم عباده يوم القيامة، ويكلم أهل الجنة، ويكلم ~~الأنبياء في الموقف، ويسمع من المبلغ عنه كما سمع الأنبياء الوحي من ~~جبرائيل تبليغا عنه، وكما سمع الصحابة القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عن الله، فسمعوا كلام الله بواسطة المبلغ، وكذلك نسمع نحن بواسطة التالي. # فإذا قيل: المسموع مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل إن أردت المسموع عن الله فهو ~~كلامه غير مخلوق، وإن أردت المسموع من المبلغ ففيه تفصيل، فإن سألت عن ~~الصوت الذي روي به كلام الله فهو مخلوق، وإن سألت عن الكلام المؤدى بالصوت ~~فهو غير مخلوق، والذين قالوا: إن الله يتكلم بصوت أربع فرق: # فرقة قالت: يتكلم بصوت مخلوق منفصل عنه، وهم المعتزلة. # وفرقة قالت: يتكلم بصوت قديم لم يزل ولا يزال، وهم السالمية والاقترانية. # وفرقة ms539 قالت: يتكلم بصوت قديم حادث في ذاته بعد أن لم يكن، وهم الكرامية. # PageV01P528 # وقال أهل السنة والحديث: لم يزل الله متكلما بصوته إذا شاء. # والذين قالوا: لا يتكلم بصوت فرقتان: أصحاب الفيض، والقائلون إن الكلام ~~معنى قائم بالنفس. # واختلفت الطوائف في مسمى الكلام، فقالت طائفة: هو حقيقة في المعنى، مجاز ~~في اللفظ، وهذا قول الأشعري، وقالت طائفة: هو حقيقة في الألفاظ، مجاز في ~~المعنى، وهذا قول المعتزلة، وقالت طائفة: بل هو حقيقة في اللفظ والمعنى، ~~فإطلاقه على اللفظ وحده حقيقة، وعلى المعنى وحده حقيقة، وهذا قول أبي ~~المعالي الجويني وغيره. # وقالت طائفة: بل الكلام حقيقة في الأمرين على سبيل الجمع، فكل منهما جزء ~~مسماه فدلالته عليهما بطريق المطابقة، ودلالته على كل واحد منهما بمفرده ~~بطريق التضمن، وهذا قول أكثر العقلاء، فإنما استحق الاسم للفظه ومعناه، كما ~~أن الإنسان إنما استحق اسم الإنسان لجسمه ونفسه، فمجموعهما هو الإنسان. # وقالت طائفة: بل هو حقيقة في النفس، مجاز في البدن، وعكس ذلك طائفة، ~~وقالت طائفة: يطلق على كل منهما إنه إنسان بطريق الاشتراك. # والتحقيق أنه اسم لهذه الذات المركبة من النفس والبدن، فهذا اختلافهم في ~~الناطق ونطقه. ### | فصل هل يمكن وجود حرف نطقي بلا صوت # فصل # واتفقوا على أنه يمكن أن يوجد صوت بلا حرف، واختلفوا هل يمكن وجود حرف ~~نطقي بلا صوت؟ على القولين، وهي مسألة فقهية أصولية يبنى عليها أن كل موضع ~~اعتبر فيه النطق هل يشترط أن يسمع نفسه أو يكون بحيث لا يسمعها، فشرط ذلك ~~أصحاب الشافعي والمتأخرون من أصحاب أحمد، ولم يشترطه أصحاب أبي حنيفة، وهذا ~~أقوى، فإن حركة اللسان تميز الحروف بعضها من بعض وإن لم يكن هناك صوت، وقد ~~قال تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} [القيامة: 16] فدل على أن تحريك ~~اللسان بحروفه مقدور داخل تحت النهي. # PageV01P529 ### | فصل الاحتجاج بالأحاديث النبوية على إثبات صفات الله المقدسة العلية ### | المقام الأول بيان إفادة النصوص الدلالة القاطعة على مراد المتكلم # فصل # في الاحتجاج بالأحاديث النبوية على الصفات المقدسة ms540 العلية، وكسر طاغوت ~~أهل التعطيل الذين قالوا: لا يحتج بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~شيء من صفات ذي الجلال والإكرام. # قالوا: الأخبار قسمان: متواتر وآحاد، فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه ~~غير قطعي الدلالة، فإن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين، وبهذا قدحوا في ~~دلالة القرآن على الصفات، والآحاد لا تفيد العلم، فسدوا على القلوب معرفة ~~الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية، وبراهين ~~نقلية، وهي في التحقيق {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39] . # ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي وعزلوا لأجلها النصوص، والكلام على ~~ذلك في عشر مقامات. # أحدها: في بيان إفادة النصوص الدلالة القاطعة على مراد المتكلم، وقد تقدم ~~إشباع الكلام في ذلك. # الثاني: أين هذه الأخبار التي زعموا أنها آحاد موافقة للقرآن مفسرة له ~~مفصلة لما أجمله وموافقة للمتواتر منها. # الثالث: بيان وجوب تلقيها بالقبول. # الرابع: إفادتها للعلم واليقين. # الخامس: بيان أنها لو لم تفد اليقين، فأقل درجاتها أن تفيد الظن الراجح، ~~ولا يمتنع إثبات بعض الصفات والأفعال به. # السادس: إن الظن الحاصل بها أقوى من الجزم المسند إلى تلك القضايا ~~الوهمية الخيالية. # السابع: بيان أن كون الشيء قطعيا أو ظنيا أمر نسبي إضافي لا يجب الاشتراك ~~فيه، فهذه الأخبار تفيد العلم عند من له عناية بمعرفة ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ومعرفة أحواله ودعوته على التفصيل دون غيرهم. # PageV01P530 # الثامن: بيان الإجماع المعلوم على قبولها وإثبات الصفات بها. # التاسع: بيان أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم، قضية كاذبة باتفاق ~~العقلاء إن أخذت عامة كلية، وإن أخذت خاصة جزئية لم تقدح في الاستدلال ~~بجملة أخبار الآحاد على الصفات. # العاشر: جواز الشهادة لله سبحانه بما دلت عليه هذه الأخبار، والشهادة على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بها عن الله. # أما المقام ms541 الأول فقد تقدم تقريره. ### | المقام الثاني موافقة القرآن للحديث # وأما المقام الثاني، فنقول هذه الأخبار الصحيحة في هذا الباب يوافقها ~~القرآن، ويدل على مثل ما دلت عليه، فهي مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية ~~والحديث مع الحديث المتفقين، وهما كما قال النجاشي في القرآن: إن هذا والذي ~~جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ومعلوم أن مطابقة هذه الأخبار للقرآن ~~وموافقتها له أعظم من مطابقة التوراة للقرآن. # فلما كانت الشهادة بأن هذه الأخبار والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة فنحن ~~نشهد الله على ذلك شهادة على القطع والبت، إذ شهد خصومنا شهادة الزور أنها ~~تخالف العقل وما يضرها أن تخالف تلك العقول المنكوسة إذا وافقت الكتاب ~~وفطرة الله التي فطر عباده عليها والعقول المؤيدة بنور الوحي وكذلك شهادة ~~ورقة بن نوفل بموافقة القرآن لما جاء به موسى. # فإذا كان في القرآن أن لله علما وقدرة، فذكرنا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم " «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك " وكذلك قوله في الحديث ~~الآخر " اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» " كان هذان الخبران ~~مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية، وكذلك قوله في الحديث لأهل الجنة " «أحل ~~عليكم رضواني» " وقوله في حديث الشفاعة " «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب ~~قبله مثله» " # PageV01P531 # وأحاديث: «إن الله يحب كذا ويكره كذا» ، وأحاديث «إن الله يعجب من كذا» ، ~~وأحاديث ذكر المشيئة، وأحاديث الكلام والتكليم، وأحاديث الرؤية والتجلي ~~وأحاديث الوجه وأحاديث اليدين وأحاديث المجيء والنزول والإتيان، وأحاديث ~~علو الرب على عرشه واستوائه عليه وفوقيته، وحديث ندائه بالصوت وقربه من ~~داعيه وعابديه، وغير ذلك من أحاديث الموافقة للقرآن، كان قول المبطل: هذه ~~الآحاد لا تفيد العلم، بمنزلة قول من قال في قصص القرآن إنها لا تفيد ~~العلم. # وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم عندهم من نصوص ~~الوحي، فنصوص القرآن عندهم لا تفيد علما من جهة الدلالة، وهذه لا تفيد علما ~~من هذه الجهة ومن جهة السند، وهذا إبطال لدين الإسلام رأسا، بل ذكر ms542 هذه ~~الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد والجنة والنار التي شهدت بما شهد به ~~القرآن، وبمنزلة الأخبار الواردة في قصص الأولين وأخبار الأنبياء الموافقة ~~لما في القرآن. # ومن هذا أخبار الأحاديث الصحيحة المروية في أسباب نزول القرآن وبيان ~~المراد منه، فإنها تشهد باتفاق القرآن والحديث، فهذه الأحاديث تقرر نصوص ~~القرآن وتكشف معانيها كشفا مفصلا، وتقرب المراد وتدفع عنه الاحتمالات، ~~وتفسر المجمل منه وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول بين ما ~~أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغا مبينا حصل به العلم ~~اليقيني، بلاغا أقام الحجة، وقطع المعذرة وأوجب العلم، وبينه أحسن البيان ~~وأوضحه. # ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب، ثم يتبعونها ~~بالأحاديث الموافقة لها، كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده من المصنفين في ~~السنة، فإن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمنته ~~أحاديث النزول والرؤية والتكليم والوجه واليدين والإتيان والمجيء بما في ~~القرآن، ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها، وأنهما من مشكاة واحدة ~~ولا ينكر ذلك من له أدنى معرفة وإيمان، وإنما يحسن الاستدلال على معاني ~~القرآن بما رواه الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء، ثم ~~يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى. وهل يخفى على ذي عقل ~~سليم أن تفسير القرآن بهذه الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ ~~التجهم والاعتزال كالمريسي والجبائي والنظام والعلاف وأضرابهم من أهل ~~التفرق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعا، وفرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا، وتقطعوا أمرهم بينهم كل حزب بما لديهم فرحون. # PageV01P532 # فإذا لم يجز تفسير القرآن بإثبات ما دل عليه، وحصول العلم واليقين بسنن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، ~~أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته، وتأويلات العلاف ~~والنظام والجبائي والمريسي. وعبد الجبار وأتباعهم من كل أعمى أعجمي القلب ~~واللسان، بعيد عن السنة والقرآن، مغمور عند أهل العلم والإيمان؟ . # فإذا كانت أخبار رسول الله ms543 صلى الله عليه وسلم لا تفيد علما فجميع ما ~~يذكره هؤلاء من اللغة والشعر الذي يحرفون به القرآن والسنن أولى وأحرى أن ~~لا يفيد علما ولا ظنا. # فمن المعلوم بالضرورة أن المجازات والاستعارات والتأويلات التي استفادوها ~~من اللغة والشعر الذي لم ينقله إلا الآحاد، دون ما يستفاد من نقل أهل ~~الحديث، وعلمنا بمراد هذا الناظم والناثر من كلامه، دون علمنا بمراد الله ~~ورسوله والصحابة من كلامهم بكثير، فإذا كان هذا دون كلام الله ورسوله في ~~النقل والدلالة لم يكن حمل معاني القرآن عليه بأولى من حملها على معنى ~~الحديث والآثار، وإذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بمعناه إلا جهة نقل الشعر ~~وغرائب اللغة ووحشيها، وأفهام الجهمية والمعطلة، لا من طريق نقل الأحاديث ~~والآثار تعطلت دلالة الكتاب والسنة، وسقط الاستدلال بهما، وحصلت لنا ~~الحوالة على أفراخ المجوس وورثة الصابئين وتلامذة الفلاسفة وأوقاح ~~المعتزلة. # ثم لو ثبت بنقل العدل عن العدل أن الشاعر والناثر أرادا ذلك المعنى بهذا ~~اللفظ لم يكن إثبات اللغة بمجرد هذا الاستعمال أولى من إثباتها بالاستعمال ~~المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا أولى من استعمال ~~القرآن المطرد ذلك المعنى في تلك النظائر وعموم المعنى لموارد استعمال ذلك ~~اللفظ، ولهذا تسمى تلك الألفاظ " النظائر " وفيها صنفت كتب الوجوه ~~والنظائر، فالوجوه الألفاظ المشتركة والنظائر والألفاظ المتواطئة (الأول) ~~فيما اتفق لفظه واختلف معناه (والثاني) فيما اتفق لفظه ومعناه. # فحمل كلام الله سبحانه على ما يؤخذ من النظائر في كلامه وكلام رسوله ~~وكلام أصحابه الذين كانوا يتخاطبون بلغته، والتابعين الذين أخذوا عنهم أولى ~~من حمل معانيه على ما يؤخذ من كلام بعض الشعراء والأعراب، فالاحتمال يتطرق ~~إلى فهم كلام الله ورسوله والصحابة كما يتطرق إلى فهم كلام أولئك في نظمهم ~~ونثرهم، فما يقدر من احتمال مجاز وإضمار واشتراك وغيره، فتطرقه إلى كلامهم ~~كثر، وهذا كله على طريق النزول وإلا فالأمر فوق ذلك، وهذا يتبين بطريقين: # PageV01P533 # أحدهما: بيان استقامة هذه الطريق. # الثاني: بيان أنه لا طريق يقوم مقامها. ms544 # فأما المقام الأول فبيانه من وجوه: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، ~~فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه، ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا بذلك ~~قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وقال: {هذا بيان للناس} ~~[آل عمران: 138] وقال تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} ~~[إبراهيم: 4] وقال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} [الدخان: ~~58] وقال تعالى: {كتاب فصلت آياته} [فصلت: 3] أي بينت وأزيل عنها الإجمال، ~~فلو كانت آياته مجملة لم تكن قد فصلت، وقال تعالى: {وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين} [النور: 54] وهذا يتضمن بلاغ المعنى وأنه في أعلى درجات ~~البيان. # فمن قال إنه لم يبلغ الأمة معاني كلامه وكلام ربه بلاغا مبينا، بل بلغهم ~~ألفاظه، وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكروه هؤلاء، لم يكن قد شهد له ~~بالبلاغ، وهذا هو حقيقة قولهم حتى أن منهم من يصرح به ويقول: إن المصلحة ~~كانت في كتمان معاني هذه الألفاظ، وعدم تبليغها للأمة، إما لمصلحة الجمهور، ~~ولكونهم لا يفهمون المعاني إلا في قوالب الحسيات وضرب الأمثال، وإما لينال ~~الكادحون ثواب كدحهم في استنباط معانيها واستخراج تأويلاتها من وحشي اللغات ~~وغرائب الأشعار، ويغوصون بأفكارهم الدقيقة على صرفها عن حقائقها ما أمكنهم. # وأما أهل العلم والإيمان فيشهدون له بما يشهد الله به وشهدت به ملائكته ~~وخيار القرون أنه بلغ البلاغ المبين القاطع للعذر المقيم للحجة، الموجب ~~للعلم واليقين لفظا ومعنى والجزم بتبليغه معاني القرآن والسنة كالجزم ~~بتبليغه الألفاظ، بل أعظم من ذلك؛ لأن ألفاظ القرآن والسنة إنما يحفظها ~~خواص أمته، وأما المعاني التي بلغها فإنه يشترك في العلم بها العامة ~~والخاصة. # ولما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجمع لأحد مثله قبله ولا بعده، في اليوم ~~الأعظم في المكان الأعظم، قال لهم: «أنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ ~~قالوا: نشهد # PageV01P534 # أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ورفع أصبعه إلى السماء رافعا لها من هو فوقها ~~وفوق كل شيء قائلا: " اللهم اشهد» " فكأنا شهدنا تلك الأصبع ms545 الكريمة وهي ~~مرفوعة إلى الله وذلك اللسان الكريم وهو يقول: " اللهم اشهد " ونشهد أنه ~~بلغ البلاغ المبين وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، وكشف ~~لهم طرائق الهدى، وأوضح لهم معالم الدين، وتركهم على المحجة البيضاء ليلها ~~كنهارها، فلا يحتاج مع كشفه وبيانه إلى تنطع المتنطعين فالحمد لله الذي ~~أغنانا بوحيه ورسوله عن تكلفات المتكلفين. # قال أبو عبد الرحمن السلمي أحد أكابر التابعين الذين أخذوا القرآن ~~ومعانيه عن مثل عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وتلك الطبقة، حدثنا الذين ~~كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ~~وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا ~~القرآن والعلم والعمل فالصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني من عنايتهم بالألفاظ، ~~يأخذون المعاني أولا، ثم يأخذون الألفاظ ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ ~~عنهم. # قال حبيب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا ~~القرآن فازددنا إيمانا. # فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه لم ~~يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل ألفاظه سواء، ~~ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه كما وقع من تنازعهم في بعض ~~حروفه وتنازعهم في بعض السنة لخفاء ذلك على بعضهم، فإنه ليس كل فرد منهم ~~تلقى من نفس الرسول صلى الله عليه وسلم بلا واسطة جميع القرآن والسنة، بل ~~كان بعضهم يأخذ عن بعض ويشهد بعضهم في غيبة بعض، وينسى هذا بعض ما حفظه ~~صاحبه، قال البراء بن عازب: ليس كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولكن كان لا يكذب بعضنا بعضا. # الوجه الثاني: أن الله سبحانه أنزل على نبيه الحكمة كما أنزل عليه القرآن ~~وامتن بذلك على المؤمنين، والحكمة ms546 هي السنة كما قال غير واحد من السلف، وهو ~~كما قالوا فإن الله تعالى قال: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة} [الأحزاب: 34] فنوع المتلو إلى نوعين: آيات وهي القرآن، وحكمة وهي ~~السنة، والمراد بالسنة ما أخذ # PageV01P535 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى القرآن كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~" «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إنه مثل القرآن وأكثر» ". # وقال الأوزاعي عن حسان بن عطية «كان جبرائيل ينزل بالقرآن والسنة ويعلمه ~~إياها كما يعلمه القرآن» ، فهذه الأخبار التي زعم هؤلاء أنه لا يستفاد منها ~~علم، نزل بها جبرائيل من عند الله عز وجل كما نزل بالقرآن، وقال إسماعيل بن ~~عبد الله: ينبغي لها أن تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها بمنزلة ~~القرآن. # الوجه الثالث: أن الرجل لو قرأ بعض مصنفات في النحو والطب أو غيرهما أو ~~قصيدة من الشعر، كان من أحرص الناس على فهم معنى ذلك وكان من أثقل الأمور ~~عليه قراءة كلام لا يفهمه، فإذا كان السابقون يعلمون أن هذا كتاب الله ~~وكلامه الذي أنزله إليهم وهداهم به وأمرهم باتباعه، فكيف لا يكونون أحرص ~~الناس على فهمه ومعرفة معناه من جهة العادة العامة والعادة الخاصة، ولم يكن ~~للصحابة كتاب يدرسون وكلام محفوظ يتفقهون فيه إلا القرآن وما سمعوه من ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك. # قال البخاري: كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ولم ~~يكن بينهم رأي ولا قياس، ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين: قوم ~~يقرءون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه، وآخرون ~~يشتغلون في علوم أخر وصنعة اصطلاحية، بل كان القرآن عندهم هو العلم الذي ~~يعتنون به حفظا وفهما وعملا وتفقها، وكانوا أحرص الناس على ذلك ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وهو يعلم تأويله ويبلغهم إياه كما يبلغهم ~~لفظه. # فمن الممتنع أن يكونوا يرجعون إلى غيره في ذلك، ومن ms547 الممتنع أن لا يعلمهم ~~إياه وهم أحرص الناس على كل سبب ينال به العلم والهدى، وهو أحرص الناس على ~~تعلمهم وهدايتهم، بل كان أحرص الناس على هداية الكفار كما قال تعالى: {إن ~~تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} [النحل: 37] وكان أعلم الناس ~~بتفاصيل الأسماء # PageV01P536 # والصفات وحقائقها، وكان أفصح الناس في التعبير عنها وإيضاحها وكشفها بكل ~~طريق كما يفعله بإشارته وحاله كما في الصحيح عن عمر قال: «رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد ~~الأخرى " وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض يده ويبسطها يحكي ربه ~~تبارك وتعالى» تحقيقا لإثبات اليد وصفة القبض والبسط، لا تشبيها وتمثيلا، ~~وقال سعيد بن جبير: «سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: {إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله ~~نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58] فوضع إبهامه على أذنه ~~والتي تليها على عينه وقال هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ~~ويضع أصبعه» ، رواه أبو داود وغيره، وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: ( «آخر من يدخل الجنة رجل. . .) فذكر الحديث وفيه قالوا: لم ~~ضحكت يا رسول الله؟ قال: " لضحك الرب منه حتى قال أتهزأ بي وأنت رب ~~العالمين» ". # وفي حديث عبيد الله بن مقسم أنه رأى ابن عمر حين حكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " «يأخذ الله سماواته وأرضه بيده فيقول أنا الله فيقبض ~~أصابعه ويبسطها» " وفي لفظ: «فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يحكي ~~ربه» . # وفي حديث نافع عن ابن عمر يرفعه " «يأخذ الله السماوات والأرض فيدحوها ~~بها كما يدحى بالكرة " ما زال يقولها حتى رجف به المنبر» . # وقال ابن وهب حدثنا أسامة بن زيد عن أبي حازم عن ابن عمر «أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان على المنبر يخطب فقال: " يأخذ الله سماواته وأرضه ~~فيجعلهما في كفه ms548 ثم يقول بهما هكذا كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله ~~الواحد العزيز» ". # PageV01P537 # وفي الباب حديث أبي الضحى عن ابن عباس: «مر يهودي فقال: يا أبا القاسم، ~~ما تقول إذا وضع الجبار السماء على هذه، والأرض على هذه» . . . الحديث. # وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم " «والذي نفسي بيده لقلب ابن آدم بين ~~أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء قال به هكذا " وأومأ بيده " وإذا شاء قال ~~به هكذا " وأومأ بيده» . # وفي حديث ثابت «عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: {فلما تجلى ربه ~~للجبل} [الأعراف: 143] وأشار أنس بطرف إصبعه على أول بنان من الخنصر، وكذلك ~~أشار ثابت، فقال له حميد: " ما تريد بهذا يا أبا محمد؟ " فرفع ثابت يده ~~فضرب بها صدره ضربة شديدة وقال: " من أنت يا حميد؟ يحدثني أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقول أنت ما تريد بهذا» ؟ " ورواه عبد الله بن أحمد حدثني ~~أبي قال: " حدثنا معاذ فذكره، قال أحمد: يعني إنما أخرج طرف الخنصر وأراناه ~~معاذ "، وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «سألت ربي ~~الشفاعة لأمتي فقال: لك سبعون ألفا بغير حساب، قلت: رب زدني، قال: فإن لك ~~هكذا وهكذا، وحثى بين يديه وعن يمينه وعن شماله» " # وقال أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم " «تكون الأرض يوم ~~القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم بيده خبزته في ~~السفر نزلا لأهل الجنة» " ومن هذا حديث الأطيط، وقوله: " «إن كرسيه وسع ~~السماوات والأرض، وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع، وإن له ~~أطيطا كأطيط الرحل إذا ركب من ثقله» " وقال عمر بن الخطاب: «إذا جلس الرب ~~عز وجل على الكرسي سمع له أطيط الرحل الجديد» ، فاقشعر رجل عند وكيع وهو ~~يرويه فغضب وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها. # PageV01P538 # ومن ذلك قوله: " «إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر صحوا ~~ليس دونه سحاب» " تحقيقا لثبوت الرؤية ونفيا لاحتمال ما يوهم ms549 خلافها، فأتى ~~بغاية البيان والإيضاح، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " «لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه فطلبها ~~حتى يئس منها، فاضطجع في أصل شجرة فرأى راحلته عليها طعامه وشرابه، فقام ~~فأخذها فجعل يقول من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة ~~الفرح " هذه ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " كيف ترون فرح ~~هذا براحلته؟ " قالوا: " عظيما يا رسول الله "، قال: " فوالله لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من هذا براحلته» ". # فهذا الكشف والبيان والإيضاح لا مزيد عليه تقرير لثبوت هذه الصفة، ونفي ~~الإجمال والاحتمال عنها. # وكذلك قوله في حديث النداء: ( «فيناديهم بصوت» ) فذكر الصوت تحقيقا لصفة ~~النداء وتقريرا، ولو لم يذكره لدل عليه لفظ النداء، كما لو قيل: يعلم بعلم ~~ويقدر بقدرة ويبصر ببصر، وهذا ونحوه إنما يراد به تحقيق الصفة وإثباتها، لا ~~تشبيه الموصوف وتمثيله، كما أن قوله {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] إنما سبق ~~لإثبات الصفات وعظمتها لا لنفيها كما قال عثمان بن سعيد الدارمي في قوله ~~{ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] قال معناه هو أحسن الأشياء وأجملها، وقالت ~~الجهمية: معناه ليس هناك شيء. # ومن هذا حديث الصورة وقوله: " «خلق آدم على صورة الرحمن» " لم يرد به ~~تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، وإنما أراد به تحقيق الوجه وإثبات السمع ~~والبصر والكلام صفة ومحلا، والله أعلم. # الوجه الرابع: أنهم كانوا يسألونه عما يشكل عليهم من الصفات فيجيبهم ~~بتقريرها، لا بالمجاز والتأويل الباطل، كما سأله أبو رزين العقيلي عن صفة ~~الضحك لما قال: # PageV01P539 # " «ينظر إليكم آزلين مشفقين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب " فتعجب أبو ~~رزين من ضحك الرب تعالى وقال: " يا رسول الله أويضحك الرب؟ " فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " نعم ". فقال: " لن نعدم من رب يضحك خيرا» "، ~~والجهمي لو سئل عن ذلك لقال لا يجوز عليه الضحك كما لا يجوز عليه الاستواء ~~والنزول والإتيان والمجيء. # وكذلك لما أخبرهم رسول الله عن رؤية الرب تعالى ms550 فهموا منها رؤية العيان ~~لا مزيد العلم، كما استشكل بعضهم ذلك وقال: «يا رسول الله كيف يسع الخلائق ~~وهو واحد ونحن كثير» ؟ وهذا السائل أبو رزين أيضا، فقرر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهمه وقال: «سأخبرك بمثل ذلك في آلاء الله، أليس كلكم يرى القمر ~~مخليا به؟ قال: بلى، قال: فالله أكبر» ، وهذا يدل على أن القوم إنما أحيلوا ~~في إثبات ذلك على ما دل عليه اللفظ وعلى ما بينه لهم من أنزل عليه الوحي لا ~~على رأي جهم وجعد، والنظام والعلاف والمريسي وتلامذتهم، ولا على غير ما ~~يتبادر إلى أفهامهم من لغاتهم وخطابهم، كان يقرر لهم ذلك ويقربه من أفهامهم ~~بالأمثال والمقاييس العقلية تقريرا لحقيقة الصفة. # الوجه الخامس: أن الصحابة قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال المشاهدة، وعلموا بقلوبهم من ~~مقاصده ودعوته ما يوجب فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم مساواتهم ~~فيه، فليس من سمع وعلم ورأى حال المتكلم، كمن كان غائبا لم ير ولم يسمع، أو ~~سمع وعلم بواسطة أو وسائط كثيرة، وإذا كان للصحابة من ذلك ما ليس لمن بعدهم ~~كان الرجوع إليهم في ذلك دون غيرهم متعينا قطعا. # ولهذا قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو ما كان عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما شهد لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك في قوله: " من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي " فثبت بهذه ~~الوجوه القاطعة عند أهل البصائر، وإن كانت دون الظنية عند عمى القلوب أن ~~الرجوع إليهم في تفسير القرآن الذي هو تأويله الصحيح # PageV01P540 # المبين لمراد الله هو الطريق المستقيم، ولهذا نص الإمام أحمد على أنه ~~يرجع إلى الواحد من الصحابة في تفسير القرآن إذا لم يخالفه غيره منهم، ثم ~~من أصحابه من يقول: هذا قول واحد، وإن كان في الرجوع ms551 في الفتيا والأحكام ~~إليه روايتان، ومنهم من يقول: الخلاف في الموضعين واحد، وطائفة من أهل ~~الحديث يجعلون تفسيره في حكم الحديث المرفوع. # قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: تفسير الصحابي عندنا في حكم ~~المرفوع. # ثم من المعلوم أن التابعين بإحسان أخذوا ذلك عن الصحابة وتلقوه منهم ولم ~~يعدلوا عما بلغهم إياه الصحابة، فإذا كان ذلك يوجب الرجوع إلى الصحابة ~~والتابعين، فكيف بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله. # وأما الطريق الثاني فمن وجوه: # أحدها: أن من لم يرجع إلى الصحابة والتابعين في نقل معاني القرآن كما ~~يرجع إليهم في نقل حروفه، وإلى لغتهم وعادتهم في خطابهم، فلا بد أن يرجع في ~~ذلك إلى لغة مأخوذة من غيرهم؛ لأن فهم الكلام موقوف على معرفة اللغة، ~~وهاهنا خمس درجات. # الدرجة الأولى: أن يباشر عربا غيرهم فيسمع لغتهم ويعرف مقاصدهم ويقيس ~~معاني ألفاظ القرآن على معاني تلك الألفاظ، وهذا إنما يستقيم إذا سلم اللفظ ~~في الموضعين من احتمال المعاني المختلفة، وأن يكون المراد من أحد المتكلمين ~~به مثل المراد به من المتكلم الآخر، وغايته فيه القياس، وهو موقوف على ~~اتحاد المعنيين في الكلامين. # ومن المعلوم أن جنس ما دل عليه القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس وإن ~~كان بينهما قدر مشترك، فإن الرسول جاءهم بمعان غيبية لم يكونوا يعرفونها، ~~وأمرهم بأفعال لم يكونوا يعرفونها، فإذا عبر عنها بلغتهم كان بين معناه ~~وبين معاني تلك الألفاظ قدر مشترك، ولم تكن مساوية بها، بل تلك الزيادة ~~التي هي من خصائص النبوة لا تعرف إلا منه، ولهذا يسمي كثير من الناس هذه ~~الألفاظ حقائق عقلية شرعية باعتبار تلك الخصائص داخلة في مسماها، وهي لا ~~تعلم إلا بالشرع، وبعضهم يجعلها مجازات لغوية لأجل تلك العلاقة التي بين ~~تلك الخصائص وبين المعاني اللغوية، وبعضهم يجعلها متواطئة باعتبار القدر ~~المشترك بينهما، وإن كان الشرع خصصها ببعض # PageV01P541 # محالها، كما يقع التخصيص لغة وعرفا فالتخصيص يكون لغويا تارة وعرفيا ~~تارة، فهي لم تنقل عن معانيها اللغوية بالكلية، ولم تبق ms552 على ما هي عليه من ~~أصل الوضع، بل خصت تخصيصا شرعيا ببعض مواردها، كما خص بعض الألفاظ تخصيصا ~~عرفيا ببعض موارده، ولا يسمى مثل هذا نقلا ولا اشتراكا ولا مجازا، وإن سمي ~~بذلك، فليس الشأن في التسمية وبعود النزاع لفظيا. # الدرجة الثانية: أن يسمع اللغة ممن نقل الألفاظ عن العرب نظما ونثرا وكل ~~ما يعتري نقل الحديث من الآفات فهو هنا أكثر، وهذا أمر معلوم لمن كان خبيرا ~~بالواقع فيرد على نقل اللغة ومعرفة مراد المتكلم من ألفاظها أكثر مما يرد ~~على نقل الحديث ومعرفة مراد الرسول به؛ لأن الهمم والدواعي توفرت على نقل ~~كلام الله سبحانه ورسوله وفهم معانيه ما لم تتوفر على كلام غيره وفهم ~~معانيه، مع تكفل الله سبحانه بحفظه وبيانه. # الدرجة الثالثة: أن يسمع اللغة بمن سمع الألفاظ وذكر أنه فهم معناها من ~~العرب كالأصمعي وابن الأعرابي وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم ممن سمع من ~~الأعراب، ومن هذا الباب كتب اللغة التي يذكرون فيها معاني كلام العرب، ~~ومعلوم أن هذا يرد عليه أكثر مما يرد على من سمع الكلام النبوي من صاحبه ~~وقال إنه فهم معناه وبينه لنا بعبارته. # الدرجة الرابعة: أن ينقل إليه كلام هؤلاء الذين ذكروا أنهم سمعوا كلام ~~العرب، ومن المعلوم أنه يرد على هذا من الأسئلة أكثر مما يرد على نقل ~~الحديث ومعناه. # الدرجة الخامسة: أن اللغة بقياس نحوي أو تصرفي قد يدخله تخصيص لمعارض ~~راجح، وقد يكون فيه فرق لم يتفطن له واضع القياس القانوني، ومعلوم أن الذي ~~يرد على هذا أكثر من الذي يرد على من ذكر قبله. # وإذا كان الأمر كذلك: فمن لم يأخذ معاني الكتاب والسنة من الصحابة ~~والتابعين ومن أخذ عنهم لم يكن له طريق أصلا إلا ما ذكرناه من هذه الطرق ~~التي يرد عليها أضعاف ما يرد على هذه الطريق، ولا يجوز ترجيح تلك الطرق ~~عليها فيلزمه أحد أمرين: إما أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويعدل ~~عن الطريق التي فيها من العلوم اليقينية ms553 والأمور الإيمانية ما لا يوجد في ~~غيرها، إلى ما هو دونها في ذلك كله، بل يستبدل باليقين شكا، وبالظن الراجح ~~وهما، والإيمان كفرا، وبالهدى ضلالا، # PageV01P542 # وبالعلم جهالة، وبالبيان عيا، وبالعدل ظلما، وبالصدق كذبا، ويحمل كلام ~~الله ورسوله على مجازه تحريفا للتكلم عن مواضعه، ويسميه تأويلا لتقبله ~~النفوس الجاهلة بحقائق الإيمان والقرآن، وإما أن يعرض عن ذلك كله، ولا يجعل ~~للقرآن مفهوما، وقد أنزله تعالى بيانا وهدى وشفاء لما في الصدور. # قال تعالى في أصحاب الطريقين: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم ~~يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] ثم ~~قال في أهل الطريق الثاني: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم ~~إلا يظنون} [البقرة: 78] ثم قال في المصنفين ما لا يعلم أن الرسول قاله ~~وجاء به يعلم أن الرسول جاء بخلافه: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله} [البقرة: 79] الآية. # فهذه الطريق المذمومة التي سلكها علماء اليهود، وقد سلكها أشباههم من هذه ~~الأمة تحقيقا لقول الصادق المصدوق: " «لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرا ~~بشبر وذراعا بذراع» " وفي لفظ آخر " «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة» " وكثير من هؤلاء الأشباه يحرفون كلام الله ويكتمونه، لئلا يحتج به ~~عليهم في خلاف أهوائهم، فتارة يغل كتب الآثار التي فيها كلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكلام أصحابه والتابعين وأئمة السنة ويمنع من إظهارها، ~~وربما أعدمها، وربما عاقب من كتبها أو وجدها عنده كما شاهدناه منهم عيانا، ~~وكثير من هؤلاء يمنع من تبليغ الأحاديث النبوية وتفسير القرآن بالآثار ~~والأخبار، حتى إذا جاءت تفاسير الجهمية والمعتزلة ونحوهم بالغ في مدحها ~~وقال: إن التحقيق فيها، ما لم يمكنهم منعه من الكتاب والسنة وكتمانه سطوا ~~عليه بالتحريف وتأولوه على غير تأويله، ثم يعتمدون على آثار موضوعة مكذوبة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه موافقة لأهوائهم وبدعهم، فيقولون ~~هذا من عند الله، ويحتجون به ويضعون قواعد ابتدعوها وآراء اخترعوها، ~~ويسمونها ms554 أصل الدين وهي أضر شيء على الدين. # PageV01P543 ### | فصل كلام الشافعي في الاحتجاج بالسنة # فصل # قال البخاري: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي فأتاه رجل فسأله عن ~~مسألة فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال الرجل ~~للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله تراني في كنيسة، تراني في بيعة، ~~ترى على وسطي زنارا، أقول قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وأنت ~~تقول لي ما تقول أنت؟ . # وقال المزني وحرملة عن الشافعي: إذا وجدتم سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى أحد. # وقال الربيع عن الشافعي: ليس لأحد قول مع سنة سنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال الربيع: وسمعته روى حديثا فقال له الرجل: أتأخذ بهذا يا أبا ~~عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم ~~آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب. # وتذاكر الشافعي وإسحاق بمكة وأحمد بن حنبل حاضر، فقال الشافعي: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " «وهل ترك لنا عقيل من دار» " فقال إسحاق حدثنا ~~يزيد عن الحسن (ح) وأخبرنا أبو نعيم وعبدة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم ~~أنهما لم يكونا يريانه يعني بيع رباع مكة فقال الشافعي لبعض من عرفه: من ~~هذا؟ قال إسحاق: إبراهيم الحنظلي، فقال الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان ~~أنك فقيههم، ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أقول ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أنت: عطاء وطاوس ومنصور عن إبراهيم ~~والحسن، وهل لأحد مع رسول الله قول. # وروينا عن الربيع عن الشافعي قال: لم أسمع أحدا ينسبه عامة إلى علم أو ~~ينسب نفسه إلى علم يخالف في أن الله سبحانه فرض اتباع أثر رسوله والتسليم ~~لحكمه؛ لأن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال ~~إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن ما سواهما تبع لهما، ms555 ~~وإنما فرض الله علينا وعلى من قبلنا وبعدنا قبول الخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يختلف فيه أحد أنه فرض وواجب قبول الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد اتفق المسلمون على أن حب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرض بل لا يتم الإيمان والإسلام إلا بكونه أحب إلى العبد من نفسه، ~~فضلا عن غيره، واتفقوا أن حبه لا يتحقق إلا باتباع آثاره والتسليم لما جاء ~~به والعمل على سنته وترك ما خالف قوله لقوله، وهاتان مقدمتان برهانيتان لا ~~يحتاجان إلى تقرير. # PageV01P544 # وقد قال بعض السلف في قوله عز وجل 30 {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116] قال نزلت في ~~علماء السوء الذين يفتون الناس بآرائهم ويكفي في هذا قوله تعالى: {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء: 65] وفرض تحكيمه لم يسقط بموته بل ثابت بعد موته ~~كما كان ثابتا في حياته وليس تحكيمه مختصا بالعمليات دون العلميات كما ~~يقوله أهل الزيغ والإلحاد. # وقد افتتح سبحانه هذا الخبر بالقسم المؤكد بالنفي قبله وأقسم على انتفاء ~~الإيمان منهم حتى يحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع ما تنازعوا فيه ~~من دقيق الدين وجليله وفروعه وأصوله ثم لم يكتف منهم بهذا التحكيم حتى ~~ينتفي الحرج، وهو الضيق مما حكم به فتنشرح صدورهم لقبول حكمه انشراحا لا ~~يبقى معه حرج ثم يسلموا تسليما أي ينقادوا انقيادا لحكمه. # والله يشهد ورسوله وملائكته والمؤمنون أن من قال أدلة القرآن والسنة لا ~~تفيد اليقين وأن أحاديث الأسماء والصفات أخبار آحاد لا تفيد العلم بمعزل عن ~~هذا التحكيم، وهو يشهد على نفسه بذلك {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] الآية، وأجمع المسلمون أن ~~الرد إليه هو الرجوع إليه في حياته والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا أن ~~فرض هذا الرد لم يسقط بموته ms556 فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علما ~~ولا يقينا لم يكن للرد إليه وجه. # ولما أصل أهل الزيغ والضلال هذا الأصل ردوا ما تنازع فيه الناس من هذا ~~الباب إلى منطق اليونان، وخيالات الأذهان، ووحي الشيطان، ورأي فلان وفلان، ~~وهؤلاء يتناولهم قوله سبحانه {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [النساء: 60] والطاغوت اسم لكل ما ~~تعدى حده وتجاوز طوره، ومعلوم أن هذا الذي يتحاكم إليه أهل الزيغ حده أن ~~يكون محكوما عليه لا حاكما. # ثم أخبر تعالى عن حال هؤلاء المتحاكمين إلى غير ما جاء به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فقال # PageV01P545 # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا} [النساء: 61] فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى ~~غيره هو حقيقة النفاق كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن ~~الصدود بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيارا ومحبة، فهذا حقيقة الإيمان، ~~وذلك الإعراض حقيقة النفاق. # ثم أخبر سبحانه عن عقوبة المعرضين عن التحاكم إليه الراضين بحكم الغير من ~~خلقه في قوله: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون ~~بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] فأخبر أن هذا الإعراض عن ~~التحاكم إليه سبب لأن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم كما قال في الآية ~~الأخرى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~[النور: 63] وقال في المتولين عن حكمه {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] . # قال أبو داود: حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أنه ~~حدث بحديث فقال له رجل من أهل الكوفة: إن الله تعالى يقول في كتابه كذا ~~وكذا، فغضب سعيد وقال: لا أراك تعرض في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان رسول الله صلى ms557 الله عليه وسلم أعلم بكتاب الله منك. # فإذا كان هذا إنكارهم على من عارض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن فماذا تراهم قائلين لمن عارضها بآراء المتكلمين، ومنطق المتفلسفين ~~وأقيسة المتكلمين، وخيالات المتصوفين، وسياسات المعتدين؟ # ولله بلال بن سعد حيث يقول: ثلاث لا يقبل معهن عمل: الشرك، والكفر، ~~والرأي، قلت: يا أبا عمر وما الرأي؟ قال: يترك سنة الله ورسوله ويقول ~~بالرأي. # وقال أبو العالية في قوله عز وجل {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} ~~[فصلت: 30] قال: # PageV01P546 # أخلصوا لله الدين والعمل والدعوة أن جردوا الدعوة إليه وإلى كتابه وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فقط لا إلى رأي فلان وقول فلان. # وقال سفيان في قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة} [النور: 63] . # قال يطبع على قلوبهم، وقال الإمام أحمد إنما هي الكفر، ولقي عبد الله ابن ~~عمر جابر بن زيد في الطواف فقال له: يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة ~~فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. # وقال ابن خزيمة: قلت لأحمد بن نصر وحدث بخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أما تأخذ به؟ فقال: أترى على وسطي زنارا، لا تقل لخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتأخذ به وقل أصحيح هو ذا؟ فإذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قلت به شئت أم أبيت. # وقال أفلح مولى أم سلمة: «إنها كانت تحدث أنها سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول على المنبر وهي تمتشط " أيها الناس " فقالت لماشطتها: كفي ~~رأسي، قالت: فديتك إنما يقول أيها الناس، فقالت: ويحك أولسنا من الناس؟ ~~فكفت رأسها وقامت في حجرتها فسمعته يقول: " يا أيها الناس أنا على حوضي إذ ~~جيء بكم زمرا فتفرقت بكم الطرق فناديتكم ألا هلم إلى الطريق فينادي مناد ~~إنهم قد بدلوا بعدك فأقول ألا سحقا سحقا» ". # وهذه الطرق التي تفرقت بهم هي الطرق والمذاهب التي ذهبوا إليها وأعرضوا ms558 ~~عن طريقه ومذهبه صلى الله عليه وسلم فلا يجوزون على الطريق التي هو عليها ~~يوم القيامة كما لم يسلكوا الطريق التي كان عليها هو وأصحابه، وقال عكرمة ~~عن ابن عباس: إياكم والرأي فإن الله رد على الملائكة الرأي وقال: إني أعلم ~~ما لا تعلمون وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] ولم يقل بما رأيت. # وقال بعض العلماء: ما أخرج آدم من الجنة إلا بتقديم الرأي على النص، وما ~~لعن إبليس وغضب عليه إلا بتقديم الرأي على النص، ولا هلكت أمة من الأمم إلا ~~بتقديم # PageV01P547 # آرائها على الوحي، ولا تفرقت الأمة فرقا وكانوا شيعا إلا بتقديم آرائهم ~~على النصوص، وقد «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أيها الناس اتهموا ~~الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي ~~اجتهادا والله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل، والكتاب بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: بل تكتب كما نكتب باسمك اللهم، فرضي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت عليه حتى قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " تراني أرضى وتأبى» " وقال ابن عباس في قوله تعالى {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] قال لا تقولوا خلاف ~~الكتاب والسنة. ### | فصل المقام الرابع إفادتها للعلم واليقين # فصل # وأما المقام الرابع وهو إفادتها واليقين فنقول وبالله التوفيق: الأخبار ~~المقبولة في باب الأمور الخبرية العلمية أربعة أقسام أحدها: متواتر لفظا ~~ومعنى، والثاني: أخبار متواترة معنى إن لم تتواتر بلفظ واحد، الثالث: أخبار ~~مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة، الرابع: أخبار آحاد مروية بنقل العدل ~~الضابط عن العدل الضابط عن مثله حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فأما القسمان الأولان فالأخبار الواردة في عذاب القبر والشفاعة والحوض ~~ورؤية الرب تعالى وتكليمه عباده ms559 يوم القيامة، وأحاديث علوه فوق سماواته على ~~عرشه، وأحاديث إثبات العرش، والأحاديث الواردة في إثبات المعاد والجنة ~~والنار نحو ذلك مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بها كما يعلم بالاضطرار ~~أنه جاء بالتوحيد وفرائض الإسلام وأركانه، وجاء بإثبات الصفات للرب تعالى، ~~فإنه ما من باب من هذه الأبواب إلا وقد تواتر فيه المعنى المقصود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تواترا معنويا لنقل ذلك عنه بعبارات متنوعة من وجوه ~~متعددة يمتنع في مثلها في العادة التواطؤ على الكذب عمدا أو سهوا، وإذا ~~كانت العادة العامة والخاصة المعهودة من حال سلف الأمة وخلفها تمنع التواطؤ ~~على الاتفاق على الكذب في هذه الأخبار، ويمتنع في العادة وقوع الغلط فيها، ~~أفادت العلم واليقين. # PageV01P548 # ثم للناس في حصول العلم وبها طريقان: أحدهما: أنه ضروري، والثاني: أنه ~~نظري، فأصحاب الضرورة يستدلون بحصول العلم لهم ضرورة على حصول التواتر ~~الموجب له، وأصحاب النظر يعكسون الأمر ويقولون نحن نستدل بتواتر المخبرين ~~على إفادة العلم. # والطريق الأول أعلى التقديرين، فكل عالم بهذه الأحاديث وطرقها ونقلها ~~وتعددها يعلم علما يقينا لا شك فيه بل يجد نفسه مضطرة إلى ثبوتها أولا ~~وثبوت مخبرها ثانيا، ولا يمكنه دفع هذين العلمين عن نفسه، العلم الأول: ~~ينشأ من جهة معرفته بطريق الأحاديث وتعددها وتباين طرقها واختلاف مخارجها، ~~وامتناع التواطؤ زمانا ومكانا على وضعها، والعلم الثاني: ينشأ من جهة ~~إيمانه بالرسالة، وأن الرسول صادق فيما يخبر به. # وهذا عند أهل الحديث أعظم من علم الأطباء بوجود بقراط وجالينوس فإنهما من ~~أفاضل الأطباء، وأعظم من علم النحاة بوجود سيبويه والخليل والفراء وعلمهم ~~بالعربية، ولكن أهل الكلام وأتباعهم في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم ~~الاعتناء به، وكثير منهم بل أفضلهم عند أصحابه لا يعتقد أنه روي في الباب ~~الذي يتكلم فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا أو يظن أن المروي فيه ~~حديث أو حديثان كما يجده لأكابر شيوخ المعتزلة كأبي الحسين البصري يعتقد ~~أنه ليس في الرؤية إلا حديث واحد وهو حديث جرير، ولم ms560 يعلم أنه فيها ما ~~يقارب ثلاثين حديثا، وقد ذكرناها في كتاب صفة الجنة " حادي الأرواح ". # فإنكار هؤلاء لما علمه أهل الوراثة النبوية من كلام نبيهم أقبح من إنكار ~~ما هو مشهور من مذاهب الأئمة عند أتباعهم وما يعلم أن كثيرا من الناس قد ~~تطرق سمعه هذه الأحاديث ولا تفيده علما، لأنه لم تجتمع طرقها وتعددها ~~واختلاف مخارجها من قبله، فإذا اتفق له إعراض عنها أو نفرة عن روايتها، ~~بإحسان ظن بمن قال بخلافها أو تعارض خيال شيطاني يقوم بقلبه، فهناك يكون ~~الأمر كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] فلو كانت ~~أضعاف ذلك لم تحصل لهم إيمانهم ولا علما. وحصول العلم في القلب # PageV01P549 # بموجب التواتر مثل الشبع والري ونحوهما، وكل واحد من الأخبار يفيد قدرا ~~من العلم، فإذا تعددت الأخبار وقويت أفادت العلم، إما للكثرة وإما للقوة ~~وإما لمجموعهما، كما يحصل الشبع إما بكثرة أو بقوة المأكول وإما لمجموعهما. # والعلم بمخبر الخبر لا يكون بمجرد سماع حروفه بل يفهم معناه مع سماع ~~لفظه، فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار، العلم بطريقها ومعرفة حال ~~رواتها وفهم معناه، حصل له العلم الضروري الذي لا يمكنه رفعه، ولهذه كان ~~جميع أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث، ~~شاهدين بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم جازمين بأن من كذب بها أو ~~أنكر مضمونها فهو كافر، مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من ~~أعظم الناس صدقا وأمانة وديانة وأوفرهم عقولا وأشدهم تحفظا وتحريا للصدق ~~ومجانبة للكذب، وأن أحدا منهم لا يجابي في ذلك آباه ولا ابنه، ولا شيخه ولا ~~صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريرا لم ~~يبلغه أحد سواهم، لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء، وهم ~~شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ، ms561 ~~حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء، وأخبر برضاه عنهم ~~واختباره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة. # ومن تأمل ذلك أفاده علما ضروريا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ~~ينقله كل طائفة عن صاحبه، وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنكم جحده بل هو ~~بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض، حتى أنهم يشهدون بذلك ~~ويحلفون عليه ويباهون من خالفهم عليه. # وقول هؤلاء القادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار ~~كاذبين أو غالطين، بمنزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاء به شيطان كاذب. # وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك: ~~وجدت الدين لأهل الحديث، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والخيل لأهل ~~الرأي، وسوء الرأي والتدبير لآل أبي فلان. # وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه ~~الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة، وعلمهم بذلك ضروري، لم يكن ~~من لا عناية له بالسنة والحديث، وأن هذه الأخبار آحاد لا تفيد العلم، ~~مقبولا عليهم، فإنهم يدعون الضروري، وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم ~~أو لأهل الحديث، فإن أنكروا # PageV01P550 # حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل ~~الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من نفوسهم بمنزلة من يكابر غيره ~~على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه، وخوفه وحبه، والمناظرة إذا انتهت إلى ~~هذا الحد لم يبق فيها فائدة، وينبغي العدول إلى ما أمر الله به رسوله من ~~المباهلة، قال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] ### | فصل التفصيل في خبر الواحد وأنه ليس سواء # فصل # خبر الواحد بحسب الدليل الدال عليه، فتارة يجزم بكذبه لقيام دليل كذبه ~~وتارة يظن كذبه إذا كان دليل كذبه ظنيا، وتارة يتوقف فيه فلا يترجح صدقه ~~ولا ms562 كذبه إذا لم يقم دليل أحدهما، وتارة يترجح صدقه ولا يجزم به، وتارة ~~يجزم بصدقه جزما لا يبقى معه شك، فليس خبر واحد يفيد العلم ولا الظن، ولا ~~يجوز أن ينفى عن خبر الواحد مطلقا أنه يحصل العلم، فلا وجه لإقامة الدليل ~~على أن خبر الواحد لا يفيد العلم وإلا اجتمع النقيضان، بل نقول خبر الواحد ~~يفيد العلم في مواضع: # أحدها: خبر من قام الدليل القطعي على صدقه، وهو خبر الواحد القهار جل ~~وعلا وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما يخبر به. # الثاني: خبر الواحد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصدقه كخبر ~~المخبر الذي أخبر بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم " «أن الله يضع ~~السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع " فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا له» ، وكخبر من أخبره أنه رأى السد مثل البرد ~~المحبر فقال: " قد رأيته " ومن هذا ترتيبه صلى الله عليه وسلم على خبر ~~المخبر له مقتضاه كغزو من أخبره بنقض قوم العهد وخبر من أخبره عن رجل أنه ~~شتمه ونال من عرضه فأمر بقتله. # فهذا تصديق للمخبر بالفعل، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقطع بصدق أصحابه ~~كما قطع بصدق تميم الداري لما أخبره بقصة الدجال، وروى ذلك عنه على المنبر، ~~ولم يقل أخبرني جبريل عن الله، بل قال: (حدثني تميم الداري) ومن له أدنى ~~معرفة بالسنة # PageV01P551 # يرى هذا كثيرا فيما يجزم بصدق أصحابه، ويرتب على أخبارهم مقتضاها من ~~المحاربة والمسالمة والقتل والقتال. # ونحن نشهد بالله ولله شهادة على البت والقطع، لا نمتري فيها ولا نشك على ~~صدقهم ونجزم به جزما ضروريا لا يمكنا دفعه عن نفوسنا، ومن هذا أنه كان يجزم ~~بصدقهم فيما يخبرونه به من رؤيا المنام، ويجزم لهم بتأويلها ويقول إنها ~~رؤيا حق، وأثنى الله تعالى عليه بذلك في قوله: {ومنهم الذين يؤذون النبي ~~ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] ~~وأثنى عليه ومدحه بتصديقه ms563 لمن أخبره من المؤمنين. # ومن هذا إخبار الصحابة بعضهم بعضا فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتوافر، وتوقف من توقف ~~منهم حتى عضده آخر منهم لا يدل على رد خبر الواحد عن كونه خبر واحد، وإنما ~~كان يستثبت أحيانا نادرة جدا إذا استخبر. # ولم يكن أحد من الصحابة ولا أهل الإسلام بعدهم يشكون فيما يخبر به أبو ~~بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ~~عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو ذر ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وعبد ~~الله بن عمر وأمثالهم من الصحابة، بل كانوا لا يشكون في خبر أبي هريرة مع ~~تفرده بكثير من الحديث، ولم يقل له أحد منهم يوما واحدا من الدهر: خبرك خبر ~~واحد لا يفيد العلم، وكان حديث رسوله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم من ~~أن يقابل بذلك، وكان المخبر لهم أجل في أعينهم وأصدق عندهم من أن يقول له ~~مثل ذلك. # وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد ~~رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما ~~يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، وضحكه وفرحه وإمساك سماواته ~~على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له. # من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن ~~صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يترتب فيها حق ~~حتى # PageV01P552 # أنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر كما استظهر ~~عمر رضي الله عنه برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى، كما استظهر أبو ~~بكر رضي الله عنه برواية محمد ms564 بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث ~~الجدة، ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة بل كانوا ~~أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها من ~~المخبر لهم بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن له أدنى إلمام بالسنة ~~والتفات إليها يعلم ذلك ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع. # فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله خرقوا به إجماع الصحابة ~~المعلوم بالضرورة بإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به ~~المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض ~~الأصوليين والفقهاء، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة ~~بخلاف قولهم. # فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة ~~وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي ~~والحارث بن أسد المحاسبي. # قال ابن خواز منداد في كتاب أصول الفقه، وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه ~~إلا الواحد والاثنان، ويقع بهذا الضرب أيضا العلم الضروري نص على ذلك مالك، ~~وقال أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها، وكذلك روى ~~المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: هاهنا اثنان يقولان إن الخبر يوجب عملا ~~ولا يوجب علما فعابه، وقال: لا أدري ما هذا، وقال القاضي: وظاهر هذا إنه ~~يسوي بين العلم والعمل. وقال القاضي في أول المخبر: خبر الواحد يوجب العلم ~~إذا صح سنده ولم تختلف الرواية فيه وتلقته الأمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون ~~القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه بالقبول، قال: والمذهب على ما حكيت ~~لا غير. # فقد صرح بأن هذا هو المذهب، ونص في رواية أحمد بن الحسين الترمذي أنه ~~يحتم على الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنه رواية أخرى تدل على ~~أن خبر الواحد لا يفيد العلم، فإنه قال في رواية المروذي: إذا جاء الحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms565 بإسناد صحيح فيه حكم أو فرض عملت به ودنت ~~الله به، ولا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وسيأتي الكلام ~~على معنى هذه الرواية إن شاء الله تعالى. # PageV01P553 # وقال ابن أبي يونس في أول الإرشاد: وخبر الواحد يوجب العلم والعمل جميعا، ~~ونص القاضي أبو يعلى على أن هذا القول في الكفاية. # وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتبه الأصول كالتبصرة وشرح اللمع ~~وغيرهما وهذا لفظه في الشرح: وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يوجب ~~العلم والعمل سواء عمل به الكل أو البعض، ولم يحك فيه نزاعا بين أصحاب ~~الشافعي، وحكى هذا القول القاضي عبد الوهاب من المالكية عن جماعة من ~~الفقهاء، وصرحت الحنفية في كتبهم بأن الخبر المستفيض يوجب العلم، ومثلوه ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «لا وصية لوارث» " قالوا: مع أنه إنما ~~روي من طريق الآحاد، قالوا: ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا ~~أن القول قول البائع أو يترادان، قالوا: ونحوه حديث عبد الرحمن بن عوف في ~~أخذ الجزية من المجوس، قالوا: وكذلك حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة ~~في إعطاء الجدة السدس، قد اتفق السلف والخلف على استعمال حكم هذه الأخبار ~~حين سمعوها، فدل ذلك من أمرها على صحة مخرجها وسلامتها، وإن قد خالف فيها ~~قوم فإنها عندنا شذوذ ولا يعتد بهم في الإجماع. # قال: وإنما قلنا ما كان هذا سبيله من الأخبار فإنه يوجب العلم بصحة مخبره ~~من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر هذا وصفه من غير تثبيت ~~فيه ولا معارضة بالأصول أو يخبر مثله مع علمنا بمذاهبهم في قبول الأخبار ~~والنظر فيها وعرضها على الأصول، دلنا ذلك من أمورهم على أنهم لم يصيروا إلى ~~حكمه إلا من حيث ثبت عندهم صحته واستقامته، فأوجب لنا العلم بصحته، هذا لفظ ~~أبي بكر الرازي في كتابه أصول الفقه. # ومن المعلوم لكل ذي حس سليم وعقل مستقيم استفاضة أحاديث الرؤية والنداء ~~والنزول والتكليم وغيرها من الصفات، وتلقي ms566 الأمة لها بالقبول أعظم بكثير من ~~استفاضة حديث اختلاف المتبايعين، وحديث «لا وصية لوارث» ، وحديث فرض الجدة، ~~بل لا نسبة بين استفاضة أحاديث الصفات واستفاضة هذه الأحاديث فهل يسوغ ~~لعاقل أن يقول إن هذه توجب العلم وتلك لا توجبه، إلا أن يكون مباهتا. # وقد صرح الشافعي في كتبه بأن خبر الواحد يفيد العلم، نص على ذلك صريحا # PageV01P554 # في كتابه اختلاف مالك، ونصره في الرسالة المصرية على أنه لا يوجب العلم ~~الذي يوجبه نص الكتاب والخبر المتواتر، ونحن نذكر لفظه في الكتابين. # قال في الرسالة: فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر ~~فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل، وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد، فالحجة ~~فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصا منه كما ~~يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر ~~العامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب، ~~وقلنا ليس لك إن كنت عالما أن تشك كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة العدول ~~وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما ~~غاب عنك من ذلك. اه. # فهذا نصه في خبر يحتمل التأويل ليس معه غير كونه خبر واحد، وهذا لا تنازع ~~فيه فإنه يحتمل سندا ومتنا، وكلامنا في أخبار تلقيت بالقبول واشتهرت في ~~الأمة وصرح بها الواحد بحضرة الجمع، ولم ينكره منهم منكر، بل قبله السامع ~~وأثبت به صفة الرب تعالى، وأنكر على من نفاها، كما أنكر جميع أئمة الإسلام ~~على من نفى صفات الرب الخبرية ونسبوه إلى البدعة. # وأما ما ذكره في كتابه الأخير فقال: فقلت له يعني من يناظره أرأيت إن قال ~~لك قائل: أتهم جميع ما رويت عمن رويته عنه، فإني أخاف غلط كل محدث عنهم عمن ~~حدث عنه إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه، فلا يجوز أن يتهم حديث ~~أهل ms567 الثقة، قلت: فهل رواه أحد منهم إلا واحد عن واحد؟ قال: لا، قلت: وما ~~رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد عن واحد، قال: نعم، قلت: فإنما ~~علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله بصدق المحدث عندنا وعلمنا أن من ~~سمينا قوله بحديث واحد، قال: نعم، قلت: وعلمنا بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قاله علمنا بأن من سميناه قاله، قال: نعم، قلت فإذا استوى العلمان من ~~خبر الصادق فأولى بنا أن نصير إليه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نأخذ به أو الخبر عمن دونه، قال: بل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن ثبت، قلت: ثبوتهما واحد، قال: فالخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أولى بنا أن نصير إليه، وإن أدخلتم على المخبرين عنه أنه يمكن فيهم ~~الغلط دخل عليكم في كل حديث روي مخالف الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (فإن قلت: نثبت بخبر الصادقين) فما ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أولى عندنا أن يؤخذ به. # PageV01P555 # فقد نص كما ترى بأنه إذا رواه واحد عن واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله يصدق الراوي عندنا ولا يناقض، هذا ~~نصه في الرسالة، فإنه إنما نفى هناك أن يكون المعلم المستفاد منه مساويا ~~للعلم المستفاد من نص الكتاب وخبر التواتر، وهذا حق فإن العلم يتفاوت في ~~القوة والضعف، وقد قال القاضي في رواية حنبل عن أحمد في أحاديث الرؤية: ~~نؤمن بها ونعلم أنها حق، قال: فقطع على العلم بها، وذهب إلى ظاهر هذا ~~الكلام جماعة من أصحابنا، وقالوا: خبر الواحد إن كان شرعيا أوجب العلم، ~~قال: وهذا محمول عندي على وجه صحيح من كلام أحمد، وأنه يوجب العلم من طريق ~~الاستدلال لا من جهة الضرورة. # والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه: # أحدها: أن تتلقاه الأمة بقبول، فيدل ذلك على أنه حق؛ لأن الأمة لا تجتمع ~~على ms568 خطأ، وإن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته؛ لأن العادة ~~أن خبر الواحد الذي لم تقم به الحجة لا تجتمع الأمة على قبوله، وإنما يقبله ~~قوم ويرده قوم، الثاني: خبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد فيقطع ~~بصدقه؛ لأن الدليل قد دل على عصمته، الثالث: أن يخبر الواحد ويدعي أنه سمعه ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره، ويدل على أنه حق أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يقر على الكذب. # الرابع: أن يخبر الواحد ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه منه، فلا ينكره ~~منهم أحد، فيدل على أنه صدق، لأنه لو كان كذبا لم تتفق دواعيهم على السكوت ~~عن تكذيبه، والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب، لأنه واقع عن نظر واستدلال. . # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قلت حصره لأخبار الآحاد الموجبة للعلم ليس ~~بجامع؛ لأن مما يوجب العلم ما تلقاه الرسول أيضا بالقبول، كأخباره عن تميم ~~الداري وبما أخبر به مصدقا له فيه، ومنها إخبار شخصين عن قصة يعلم أنهما لم ~~يتواطآ عليها ويبعد في العادة الاتفاق على الكذب فيها والخطأ وغير ذلك. # قلت: أخبار الآحاد الموجبة للعلم ولا تنحصر، بل يجد المخبر علما لا يشك ~~فيه بكثير منها، كما إذا أخبره من لم يجرب عليه كذبا قط أنه شاهده، فإذا ~~يجزم به جزما ضروريا أو يقارب الضرورة، وكما إذا أخبر عليه في الإخبار به ~~ضرر، فأخبر به تدينا وخشية لله تعالى، كما إذا أتى بنفسه اختيارا وأخبر عن ~~نفسه بحد ارتكبه يطلب تطهيره منه بالحد، أو أقر على نفسه بحق ادعي به عليه ~~حيث لا بينة ولا يمين يطلب منه، ولا # PageV01P556 # مخافة تلحقه في الإنكار، أو أخبر المفتي بأمر فعله ليحصل له المخرج منه، ~~أو أخبر الطبيب بألم يجده، يطلب زواله إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأخبار التي ~~يقطع السامع بصدق المخبر بها، فكيف ينشرح صدرا وينطلق لسانا بأن خبر الصديق ~~وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي ms569 طالب وعبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنهم إذا قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا ~~أنها لا تفيد علما البتة، سبحانك هذا بهتان عظيم. # ونحن نشهد بالله أن هؤلاء كانوا إذا أخبروا عن رسول الله بخبر جزم ~~بصدقهم، ونشهد بالله أنهم كانوا إذا أخبروا سواهم من الصحابة والتابعين جزم ~~بصدقهم، بل نشهد بالله أن سالما ونافعا وسعيد بن المسيب وأمثالهم بهذه ~~المنزلة، بل مالك والأوزاعي والليث ونحوهم كذلك، فلا يقع عندنا ولا عند من ~~عرف القوم الاحتمال فيما يقول فيه مالك: سمعت نافعا يقول سمعت ابن عمر ~~يقول، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول، ونحن قاطعون بخطأ منازعينا في ~~ذلك. # وقد ذهبت جماعة من أهل الأصول على أن الإجماع إذا انعقد على العمل بخبر ~~الواحد صار كالمتواتر، حكى ذلك ابن برهان واختار أنه لا يصير كالمتواتر، ~~وذهب جماعة إلى أن الواحد إذا ادعى على جماعة بحضرتهم صدقه فسكتوا صار خبره ~~كالمتواتر، وقد ذهب جماعة من أصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفير من يجحد ما ثبت ~~بخبر الواحد العدل، والتكفير مذهب إسحاق بن راهويه، وإنما أتي منكر إفادة ~~خبر الواحد للعلم من جهة القياس الفاسد، فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشرع عام للأمة أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد ~~على قضية معينة، ويا بعد ما بينهما فإن المخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لو قدر أنه كذب عمدا أو خطأ ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم على ذلك ~~إضلال الخلق، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول وعملت بموجبه ~~وأثبتت به صفات الرب وأفعاله، فإن ما يجب قبوله شرعا من الأخبار لا يكون ~~باطلا في نفس الأمر، ولا سيما إذا قبلته الأمة كلهم، وهكذا يجب أن يقال في ~~كل دليل يجب اتباعه شرعا لا يكون إلا حقا، فيكون مدلوله ثابتا في نفس ~~الأمر. # هذا فيما يخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته بخلاف ms570 الشهادة ~~المعينة على مشهود عليه معين فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتا في نفس الأمر. # PageV01P557 # وحرف مسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة وتعرف به ~~إليهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في إثبات أسمائه وصفاته كذبا ~~وباطلا في نفس الأمر فإنه من حجج الله على عباده، وحجج الله لا تكون كذبا ~~وباطلا، بل لا تكون إلا حقا في نفس الأمر، ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق ~~والباطل، ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبها للوحي الذي ~~أنزله على رسوله وتعبد به خلقه، بحيث لا يتميز هذا من هذا فإن الفرق بين ~~الحق والباطل، والصدق والكذب ووحي الشيطان ووحي الملك عن الله أظهر من أن ~~يشتبه أحدهما بالآخر، ألا وقد جعل الله على الحق نورا كنور الشمس يظهر ~~للبصائر المستنيرة، وألبس الباطل ظلمة الليل، وليس بمستنكر أن يشتبه الباطل ~~بالنهار على أعمى البصر، كما يشتبه الحق والباطل على أعمى البصيرة. # قال معاذ بن جبل في قضيته، تلق الحق ممن قاله، فإن على الحق نورا، ولكن ~~لما أظلمت القلوب وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال، التبس عليها الحق بالباطل، ~~فجوزت على أحاديثه الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذبا، ~~وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلفة التي توافق أهواءها أن تكون ~~صدقا فاحتجب بها. # وسر المسألة أن خبر العدول الثقات الذي أوجب الله تعالى على المسلمين ~~العمل به هل يجوز أن يكون في نفس الأمر كذبا وخطأ ولا ينصب الله دليلا على ~~ذلك، فمن قال إنه يوجب العلم يقول لا يجوز ذلك بل متى وجدت الشروط الموجبة ~~للعمل به وجب ثبوت مخبره في نفس الأمر، وعلى هذا تنازعوا في كفر تاركه ~~لكونه من الحجج العلمية كما تكلموا في كفر جاحد الإجماع أن من رد الخبر ~~الصحيح اعتقادا لغلط الناقل أو كذبه أو لاعتقاد الراد أن المعصوم لا يقول ~~هذا، أو لاعتقاد ms571 نسخه ونحوه، فرده اجتهادا وحرصا على نصر الحق، فإنه لا ~~يكفر بذلك ولا يفسق فقد رد غير واحد من الصحابة بعض أخبار الآحاد الصحيحة، ~~كما رد عمر حديث فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقة المطلقة ثلاثا، وكما ردت ~~عائشة رضي الله عنها حديث ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وغير ~~ذلك. # فصل # وأما رواية الأثرم عن أحمد أنه لا يشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالخبر ويعمل به، فهذه رواية انفرد بها الأثرم، وليست في مسائله، ولا في ~~كتاب السنة، وإنما حكاها القاضي أنه وجدها في كتاب معاني الحديث، والأثرم ~~لم يذكر أنه سمع ذلك منه بل # PageV01P558 # لعله بلغه عنه من واهم وهم عليه في لفظه، فلم يرو عنه أحد من أصحابه ذلك، ~~بل المروي الصحيح عنه أنه جزم على الشهادة للعشرة بالجنة، والخبر في ذلك ~~خبر واحد، ولعل توقفه عن الشهادة على سبيل الورع، فكان يجزم بتحريم أشياء، ~~ويتوقف عن إطلاق لفظ تحريم عليها، ويجزم بتحريم أشياء ويتوقف عن إطلاق لفظ ~~الوجوب عليها تورعا، بل يقول: أكره كذا وأستحب كذا، وهذا كثير في أجوبته. # وقد قال في موضع: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ~~ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون ذلك في حديث فنصدقه ونعلم أنه كما جاء ولا ~~ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة لصالح عمله ولخير أتاه، إلا أن ~~يكون في ذلك حديث فنقبله كما جاء على ما روي ولا ننص، قال القاضي: ولا ننص ~~الشهادة، معناه عندي ولا نقطع على ذلك. # قال شيخ الإسلام: لفظ " ننص " هو المشهود عليه معناه لا نشهد على المعين، ~~وإلا فقد قال: نعلم أنه كما جاء، وهذا يقتضي أنه يفيد العلم. # وأيضا فإن من أصله أنه يشهد للعشرة بالجنة للخبر الوارد، وهو خبر واحد، ~~وقال أشهد وأعلم واحد، وهذا دليل على أنه يشهد بموجب خبر واحد، وقد خالفه ~~ابن المديني وغيره. # قال ابن المديني يقولون: أخبار رسول الله ms572 صلى الله عليه وسلم تفيد العلم، ~~قال الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3] . # وقال تعالى آمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي} [الأنعام: 50] وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~[الحجر: 9] وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~[النحل: 44] قالوا: فعلم أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين ~~كله وحي من عند الله، وكل وحي من عند الله فهو ذكر أنزله الله، وقد قال ~~تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [النساء: 113] فالكتاب القرآن، ~~والحكمة السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «إني أوتيت الكتاب ~~ومثله معه» " فأخبر أنه أوتي السنة كما أوتي الكتاب، والله تعالى قد ضمن ~~حفظ ما أوحاه إليه وأنزل عليه ليقيم به حجته على العباد # PageV01P559 # إلى آخر الدهر، وقالوا: فلو جاز على هذه الأخبار أن تكون كذبا لم تكن من ~~عند الله ولا كانت مما أنزله الله على رسوله وآتاه إياه تفسيرا لكتابه ~~وتبيينا له، وكيف تقوم حجته على خلقه بما يجوز أن يكون كذبا في نفس الأمر، ~~فإن السنة تجرى مجرى تفسير الكتاب وبيان المراد، فهي التي تعرفنا مراد الله ~~من كتابه، فلو جاز أن تكون كذبا وغلطا لبطلت حجة الله على العباد، ولقال كل ~~من احتج عليه بسنة تبين القرآن وتفسره: هذا في خبر واحد لا يفيد العلم فلا ~~تقوم علي حجة بما لا يفيد العلم، وهذا طرد هذا المذهب الفاسد، وأطرد الناس ~~له أبعدهم عن العلم والإيمان. # والذي جاء يقضي منه العجب أنهم لا يرجعون إلى أخبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنها لا تفيد العلم، ويرجعون إلى الخيالات الذهنية والشبهات ~~الباطلة التي تلقوها عن أهل الفلسفة والتجهم والاعتزال، ويزعمون أنها ~~براهين عقلية. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قسم الأخبار إلى تواتر وآحاد فقال بعد ذكر ~~التواتر: وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ~~ونحوه، ms573 ولم يتوافر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملا به أو ~~تصديقا له كخبر عمر بن الخطاب " «إنما الأعمال بالنيات» " وخبر ابن عمر " ~~«نهى عن بيع الولاء وهبته» " وخبر أنس «دخل مكة على رأسه المغفر» ، وكخبر ~~أبي هريرة " «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» " وكقوله " «يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب» " وقوله: # PageV01P560 # " «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» " وقوله في المطلقة ~~ثلاثا " «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» " وقوله " «لا يقبل الله صلاة ~~أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» " وقوله " «إنما الولاء لمن أعتق» " وقوله يعني ~~ابن عمر " «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر في رمضان على ~~الصغير والكبير والذكر والأنثى» " وأمثال ذلك، فهذا يفيد العلم اليقيني عند ~~جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأولين والآخرين. # أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء ~~الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة، والمسألة منقولة في كتب الحنفية ~~والمالكية، والشافعية والحنبلية مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من الحنفية، ~~والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية، وابن خواز منداد ~~وغيره من المالكية، ومثل القاضي وأبي يعلى وابن موسى وأبي الخطاب وغيرهم من ~~الحنبلية، ومثل أبي إسحاق الاسفراييني وابن فورك وأبي إسحاق النظام من ~~المتكلمين. # وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي ~~والغزالي وابن عقيل، وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح القول الأول وصححه ~~واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب ~~الحجة الصحيحة، وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين وليس لهم ~~بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن ~~الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن ~~الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى سيف الآمدي وإلى الخطيب، فإن علا سندهم ~~صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني. # PageV01P561 # قال: وجميع أهل الحديث على ما ذكره ms574 الشيخ أبو عمرو، والحجة على قول ~~الجمهور، أن تلقي الأمة للخبر تصديقا وعملا إجماع منهم، والأمة لا تجتمع ~~على ضلالة كما لو اجتمعت على موجب عموم أو مطلق أو اسم حقيقة أو على موجب ~~قياس فإنها لا تجتمع على خطأ، وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم ~~يؤمن عليه الخطأ فإن العصمة تثبت بالنسبة الإجماعية، كما أن خبر التواتر ~~يجوز الخطأ والكذب على واحد من المخبرين بمفرده، ولا يجوز على المجموع، ~~والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ورؤياها كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر، فمن كان ~~متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» " فجعل تواطؤ الرؤيا دليلا على صحتها. ~~والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنونا بشروطها، فإذا قويت صارت علوما، وإذا ~~ضعفت صارت أوهاما وخيالات فاسدة. # قال أيضا فلا يجوز أن يكون في نفس الأمر كذبا على الله ورسوله وليس في ~~الأمة من ينكره إذ هو خلاف ما وصفهم الله تعالى به. # فإن قيل: أما الجزم بصدقه فلا يمكن منهم، وأما العمل به وهو الواجب عليهم ~~وإن لم يكن صحيحا في الباطن، وهذا سؤال ابن الباقلاني. # قلنا: أما الجزم بصدقه فإنه قد يحتف به من القرائن ما يوجب العلم، إذ ~~القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتفت بالخبر، والمنازع ~~بنى على هذا أصله الواهي أن العلم بمجرد الأخبار لا يحصل إلا من جهة العدد، ~~فلزمه أن يقول ما دون العدد لا يفيد أصلا، وهذا غلط خالفه فيه حذاق أتباعه، ~~وأما العمل به فلو جاز أن يكون في الباطن كذبا وقد وجب علينا العمل به ~~لانعقد الإجماع على ما هو كذب وخطأ في نفس الأمر، وهذا باطل، فإذا كان تلقي ~~الأمة له يدل على صدقه لأنه إجماع منهم على أنه صدق مقبول فإجماع السلف ~~والصحابة أولى أن يدل على صدقه، فإنه لا يمكن أحد أن يدعي إجماع الأمة إلا ~~فيما أجمع عليه سلفها من الصحابة والتابعين، وأما ms575 بعد ذلك فقد انتشرت ~~انتشارا لا تضبط أقوال جميعها. # قال: واعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ ~~أبو عمرو ومن قبله من العلماء كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره، فإن ما تلقاه ~~أهل # PageV01P562 # الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين، ولا عبرة ~~بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الاعتبار في الإجماع على كل أمر من ~~الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على ~~الأحكام الشرعية إلا العلماء بها دون المتكلمين والنحاة والأطباء، كذلك لا ~~يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه ~~وعلله، وهم علماء أهل الحديث العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله ~~وأفعاله المعتنون بها أشد من عناية المقلدين بأقوالهم متبوعيهم. # فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا ~~يكون معلوما لغيرهم فضلا أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة ~~نبيهم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علما لا يشكون فيه مما ~~لا شعور لغيرهم به ألبتة، فخبر أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن ~~مسعود ونحوهم يفيد العلم الجازم الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات، وعند ~~الجهمية والمعتزلة وغيرهم من أهل الكلام لا يفيد علما، وكذلك يعلمون ~~بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن المؤمنين يرون ربهم يوم ~~القيامة، وعند الجهمية رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك، ويعلمون ~~بالضرورة أن نبيهم صلى الله عليه وسلم أخبر عن خروج قوم من النار بالشفاعة، ~~وعند المعتزلة والخوارج لم يقل ذلك وبالجملة فهم جازمون بأكثر الأحاديث ~~الصحيحة قاطعون بصحتها عنه، وغيرهم لا علم عنده بذلك، والمقصود أن هذا ~~القسم من الأخبار يوجب العلم عند الجمهور العقلاء. # وأما خبر الواحد الذي أوجبت الشريعة تصديق مثله والعمل به بأن يكون خبر ~~عدل معروف بالصدق والضبط والحفظ، فهذا في إفادته للعلم قولان، هما روايتان ~~منصوصتان عن أحمد: # أحدهما: إنه يفيد العلم أيضا وهو أحد الروايتين ms576 عن مالك، اختاره جماعة من ~~أصحابه منهم محمد بن خواز منداد، واختاره جماعة من أصحاب أحمد منهم ابن أبي ~~موسى وغيره، واختاره الحارث المحاسبي وهو قول جمهور أهل الظاهر وجمهور أهل ~~الحديث، وعلى هذا فيحلف على مضمونه ويشهد به. # والقول الثاني: إنه لا يوجب العلم وهو قول جمهور أهل الكلام وأكثر ~~المتأخرين من الفقهاء وجماعة من أهل الحديث، وعلى هذا فلا يحلف على مضمونه ~~ولا يشهد # PageV01P563 # به، وقد حلف الإمام على كثير من مضمون كثير من الأخبار الآحاد حلف على ~~البت، وأهل الحديث لا يجعلون حصول العلم بمخبر هذه الأخبار الثابتة من جهة ~~العادة المطردة في حق سائر المخبرين، بل يقولون ذلك لأمر يرجع إلى المخبر ~~وأمر يرجع إلى المخبر عنه وأمر يرجع إلى المخبر به، وأمر يرجع إلى المخبر ~~المبلغ. # فأما ما يرجع إلى المخبر فإن الصحابة الذين بلغوا الأمة سنة نبيهم كانوا ~~أصدق الخلق لهجة، وأعظمهم أمانة وأحفظهم لما يسمعونه، وخصهم الله تعالى من ~~ذلك بما لم يخص به غيرهم، فكانت طبيعتهم قبل الإسلام الصدق والأمانة، ثم ~~ازدادوا بالإسلام قوة في الصدق والأمانة، وكان صدقهم عند الأمة وعدالتهم ~~وضبطهم وحفظهم عن نبيهم أمرا معلوما لهم بالاضطرار، كما يعلمون إسلامهم ~~وإيمانهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من له أدنى علم بحال ~~القوم يعلم أن خبر الصديق وأصحابه لا يقاس بخبر من عداهم، وحصول الثقة ~~بخبرهم فوق الثقة واليقين بخبر من سواهم من سائر الخلق بعد الأنبياء. # فقياس خبر الصديق على خبر آحاد المخبرين من أفسد قياس في العالم، وكذلك ~~الثقات العدول الذين رووا عنهم هم أصدق الناس لهجة وأشدهم تحريا للصدق ~~والضبط حتى لا تعرف في جميع طوائف بني آدم أصدق لهجة ولا أعظم تحريا للصدق ~~منهم، وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن ~~كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين، فمن أظلم ممن ~~سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من أفراد الناس في عدم إفادة ms577 ~~العلم، وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل. # وأما ما يرجع إلى المخبر عنه فإن الله سبحانه تكفل لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يظهر دينه على الدين كله، وأن يحفظه حتى يبلغه الأول لمن بعده فلا ~~بد أن يحفظ الله سبحانه حججه وبيناته على خلقه، لئلا تبطل حججه وبيناته، ~~ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد مماته وبين حاله للناس، قال ~~سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث، قال عبد الله بن ~~المبارك: لو هم رجل أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب. # وقد عاقب الله الكاذبين عليه في حياتهم بما جعلهم به نكالا وعبرة حفظا ~~لوحيه ودينه، وقد روى أبو القاسم البغوي حدثنا بن عبد الحميد الحماني حدثنا ~~علي بن # PageV01P564 # مسهر عن صالح بن حيان عن بريدة عن أبيه قال: «جاء رجل في جانب المدينة ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أحكم فيكم برأيي في ~~أموالكم وفي كذا وكذا، وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه، ~~ثم ذهب حتى نزل على المرأة فبعث القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: كذب عدو الله، ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا فاقتله فإن أنت وجدته ~~ميتا فأحرقه بالنار، فانطلق فوجده قد لدغ فمات فحرقه بالنار، فعند ذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» " # وروى أبو بكر بن مردويه من حديث الوزعى عن أبي سلمة عن أسامة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " «من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من ~~النار» " وذلك أنه بعث رجلا فكذب عليه فوجد ميتا قد انشق بطنه ولم تقبله ~~الأرض. # فالله سبحانه لم يقر من كذب عليه في حياته وفضحه، وكشف ستره للناس بعد ~~مماته. # وأما ما يرجع إلى المخبر به فإنه الحق المحض وهو كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي كلامه وحي فهو ms578 أصدق، وأحق الحق بعد كلام الله، فلا يشتبه ~~بالكذب والباطل على ذي عقل صحيح، بل عليه من النور والجلالة والبرهان ما ~~يشهد بصدقه، والحق عليه نور ساطع يبصره ذو البصيرة السليمة، فبين الخبر ~~الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الخبر الكاذب عنه من الفرق ~~كما بين الليل والنهار والضوء والظلام، وكلام النبوة متميز بنفسه عن غيره ~~من الكلام الصدق، فكيف نسبته بالكذب، ولكن هذا إنما يعرفه من له عناية ~~بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخباره وسنته، ومن سواهم في عمى عن ~~ذلك، فإذا قالوا: أخباره وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم فهم مخبرون عن ~~أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم، ~~كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة. # وأما ما يرجع إلى المخبر فالمخبر نوعان: نوع له علم ومعرفة بأحوال ~~الصحابة وعدالتهم وتحريهم للصدق والضبط، وكونهم أبعد خلق الله عن الكذب وعن ~~الغلط # PageV01P565 # والخطأ فيما نقلوه إلى الأمة وتلقاه بعضهم عن بعض بالقبول، وتلقته الأمة، ~~عنهم كذلك، وقامت شواهد صدقهم فيه، فهذا المخبر يقطع بصدق المخبر ويفيده ~~خبره العلم واليقين لمعرفته بحاله وسيرته، ونوع لا علم لهم بذلك، وليس ~~عندهم من المعرفة بحال المخبرين ما عند أولئك، فهؤلاء قد لا يفيدهم خبرهم ~~اليقين، فإذا انضم عمل المخبر وعلمه بحال المخبر وانضاف إلى ذلك معرفة ~~المخبر عنه ونسبة ذلك الخبر إليه، أفاد ذلك علما ضروريا بصحة تلك النسبة، ~~وهذا في إفادة العلم أقوى من خبر رجل مبرز في الصدق والتحفظ، عن رجل معروف ~~بغاية الإحسان والجود أنه سأله رجل معدم فقير ما يغنيه؟ فأعطاه ذلك، وظهرت ~~شواهد تلك العطية على الفقير، فكيف إذا تعدد المخبرون عنه وكثرت رواياتهم ~~وأحاديثهم بطرق مختلفة، وعطايا متنوعة في أوقات متعددة. ### | كلام الإمام ابن حزم في أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا # قال أبو محمد بن حزم: ومما يبين أن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تفيد العلم أن الله تعالى قال: ms579 {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] فصح أنه صلى الله عليه وسلم مأمور ببيان القرآن للناس، ~~وفي القرآن مجمل كثير، كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا يعلم ما ~~ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بتبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا كان بيانه لذلك المجمل محفوظا ولا مضمونا سلامته مما ليس منه فقد بطل ~~الانتفاع بنص القرآن، وبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه إذا لم ندر ~~صحيح مراد الله تعالى منها مما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ~~ومعاذ الله من هذا. # قال: وأيضا فنقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم، وأنه يجوز فيه تعمد الكذب والوهم، وأنه ~~غير مضمون الحفظ: أخبرونا هل يمكن أن يكون عندكم شريعة فرض أو تحريم أتى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير ~~منسوخة، فجهلت حتى لا يعلمها علم اليقين أحد من أهل الإسلام في العالم ~~أبدا؟ وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاوز ~~ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام ~~في العالم أبدا، أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين؟ فإن قالوا: لا ~~يمكنان أبدا بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة ~~عن الثقة مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة فإنه حق، قد ~~قاله # PageV01P566 # رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو، وأنه يوجب العلم ويقطع بصحته ولا ~~يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله قط رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اختلاطا لا يتميز الباطل فيه من الحق أبدا، وإن قالوا: بل كل ذلك ~~ممكن كانوا قد حكموا بأن دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله ~~تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد ms580 أبدا، وأنهم لا يدرون أبدا ~~ما أمرهم الله به مما لم يأمرهم به، ولا ما وضع الكاذبون والمستخفون بما ~~جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي ~~لا يغني من الحق شيئا، وهذا انسلاخ من الإسلام وهدم للدين وتشكيك في ~~الشرائع. ثم نقول لهم: أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم، فهل أمركم الله ~~بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم ~~يأمركم بالعمل به؟ ولا بد من أحدهما. # فإن قالوا: لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة، وسيأتي جوابهم عن ~~القول، وإن قالوا: بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك، قلنا لهم: فقد قلتم إن ~~الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكاذبون وأخطأ ~~فيه الواهمون وأمركم أن تنسبوا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ما لم يأتكم به قط، وما لم يقله الله ولا رسوله، وهذا قطع عليه بأنه ~~عز وجل أمر بالكذب عليه، وافترض العمل بالباطل وبما شرعه الكاذبون مما لم ~~يأذن به الله وبما ليس من الدين، وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم. # ثم نسألهم عما قالوا: إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يؤخذ عن أحد هل بقي ~~علينا العمل به أم سقط عنا؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: بل هو باق علينا، ~~قلنا لهم كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا أبدا، وهذا من تحميل ~~الإصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله منه. # وإن قالوا: بل قد سقط عنا العمل به قلنا لهم: فقد أجزتم نسخ شريعة من ~~شرائع دين الإسلام، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محكمة باقية ~~لازمة، فأخبرونا من الذي نسخها وأبطلها، وقد مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهي لازمة لنا غير منسوخة، وهذا خلاف الإسلام والخروج ms581 منه جملة. # فإن قالوا: لا يجوز أن يسقط حكم شريعة. مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~لازم لنا ولم # PageV01P567 # ينسخ، قلنا لهم: فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة، ولم ~~تجيزوا تمام الحفظ للشريعة من أن لا يختلط بها باطل لم يأمر الله به قط ~~اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله به من الباطل الذي لم يأمر به قط، ~~وهذا لا مخلص لهم منه، ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق أو أجاز ~~اختلاطها بالباطل، وبين من منع من اختلاط الحق في شريعة بالباطل، وأجاز ~~سقوط شريعة حق، وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع، قد أمنا كونه ولله ~~الحمد. # وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى حق مقطوع به موجب للعلم والعمل جميعا، قال: ~~وأيضا فإن الله تعالى قال: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وقال ~~تعالى: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] فنسألهم هل بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما أنزل إليه من ربه أم لم يبين، وهل بلغ ما أنزل إليه أم ~~لم يبلغ، فلا بد من أحد أمرين: فمن قولهم أنه بلغ ما أنزل إليه وبينه ~~للناس، وأقام الحجة على من بلغه، فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان، أهما ~~باقيان عندنا إلى يوم القيامة، أم هم غير باقيين؟ فإن قالوا: بل هما باقيان ~~إلى يوم القيامة، رجعوا إلى قولنا وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله في ~~الدين مبين مما لم ينزله، مبلغ إلينا إلى يوم القيامة. # وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل مثله مسندا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حق مقطوع بغيبه موجب للعلم والعمل، وإن قالوا: بل هما غير ~~باقيين، دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل، وأن التبليغ ms582 قد ~~سقط في كثير من الشرائع، وأن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من ~~الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا، وهذا قول الرافضة، بل شر منه؛ لأن ~~الرافضة ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العلم، وهؤلاء ~~أبطلوه من جميع العالم، ونعوذ بالله من كلا القولين. # وأيضا فإن الله تعالى قد قال: {قل إنما حرم ربي الفواحش} [الأعراف: 33] ~~إلى قوله: {ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23] وقال تعالى: {وإن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] وقال تعالى ذاما # PageV01P568 # لقوم في قولهم {إن نظن إلا ظنا - وإن أنتم إلا تخرصون} [الأنعام: 32 - ~~148] وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله ~~مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نقول أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بكذا ونهى عن كذا وفعل كذا والله تعالى حرم القول في دينه بالظن ~~وحرم علينا أن نقول عليه إلا بعلم، فلو كان لخبر المذكور يجوز فيه الكذب أو ~~الوهم لكان قد أمرنا أن نقول عليه ما لا نعلم، ولكان قد أوجب علينا الحكم ~~في الدين بالظن الذي لا نتيقنه، والذي هو الباطل الذي لا يغني عن الحق ~~شيئا، والذي هو غير الهدى الذي جاء من عند الله، وهذا هو الإفك والكذب ~~والباطل الذي لا يحل القول به والذي حرم الله علينا أن نقول به. # فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه يوجب العلم والعمل معا، ~~وبالله التوفيق، فصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر واحد، وأنه مع ذلك ظن ~~لا يقطع بصحة غيبه ولا يوجب العلم قائلا بأن الله تعبدنا بأن نقول عليه ما ~~ليس لنا به علم، وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم علينا أن نحكم به في ~~الدين، وهذا عظيم جدا، وأيضا فإن الله تعالى يقول {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم ms583 نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] وقال تعالى: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] وقال تعالى: {إن الدين ~~عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] فنقول لمن جوز أن يكون ما أمر الله به ~~نبيه من بيان شرائع الإسلام غير محفوظ، وأنه يجوز فيه التبديل، وأن يختلط ~~بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا، أخبرونا عن إكمال الله تعالى لنا ~~ديننا ورضاه الإسلام لنا دينا ومنعه من قبول كل دين سوى الإسلام، أكل ذلك ~~باق علينا ولنا وإلى يوم القيامة، أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم ~~فقط، أو لا للصحابة ولا لنا؟ ولا بد من أحد هذه الوجوه. # فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا، كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله ~~جهارا وهذا لا يقوله مسلم، وإن قالوا: بل كل ذلك باق لنا وعلينا وإلى يوم ~~القيامة، صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الإسلام كلها كاملة والنعمة ~~بذلك علينا تامة، وإن دين الإسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه، لأنه هو ~~الدين عنده متميز من غيره، قد هدانا # PageV01P569 # بفضله له، وإنا على يقين أنه الحق، وما عداه هو الباطل، وهذا برهان ضروري ~~قاطع على أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وفي بيان ما ~~يلزمنا محفوظ لا يختلط به ما ليس منه أبدا. # وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة فقط، قالوا الباطل، وخصصوا خطاب الله ~~بدعوى كاذبة، إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرها عموم لكل مسلم في الأبد، ~~ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الإسلام غير كامل عندنا، والله تعالى رضي لنا ~~منه ما لم يحفظه علينا وألزمنا منه ما لا ندري أين نجده، وافترض علينا ~~اتباع ما كذبه الزنادقة والمستحقون ووضعوه على لسان رسوله أو وهم فيه ~~الواهمون مما لم يقله نبيهم صلى الله عليه وسلم وهذا بيقين ليس هو دين ~~الإسلام بل هو إبطال لدين الإسلام جهارا، ولو كان هذا (ومعاذ الله أن يكون) ~~لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذين ms584 أخبر الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب ~~بأيديهم وقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، ونحن قد وثقنا بأن ~~الله تعالى هو الصادق في قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه} [البقرة: 213] وأنه تعالى قد هدانا للحق فصح يقينا أن كل ما ~~قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد هدانا تعالى له وأنه حق مقطوع به. # قال ابن حزم: وقال بعضهم لما انقطعت به الأسباب: خبر الواحد يوجب علما ~~ظاهرا. # قال: وهذا كلام لا يعقل، وما علمنا علما ظاهرا غير باطن ولا علما باطنا ~~غير ظاهر، بل كل علم يتيقن فهو ظاهر لمن علمه وباطن في قلبه، وكل ظن لم ~~يتيقن فليس علما أصلا لا ظاهرا ولا باطنا، بل هو ضلال وشك وظن محرم القول ~~به في دين الله. # ونقول لهم إذا كان عندكم يمكن أن يكون كثير من دين الإسلام قد اختلط ~~بالباطل فما يؤمنكم إذ ليس محفوظا أن يكون كثير من الشرائع قد بطلت لأنه لم ~~ينقلها أحد أصلا فإذا منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطهم بما ليس منها؛ ~~لأن ضمان حفظ الله تعالى يقتضي الأمان من كل ذلك. # وأيضا فإنه لا يشك أحد من المسلمين أن كل ما علمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم علمه أمته # PageV01P570 # من شرائع الدين واجبها وحرامها وحلالها، فإنه سنة الله تعالى وقد قال ~~تعالى: {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} [فاطر: 43] ~~وقال تعالى: {ولا مبدل لكلمات الله - لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 34 - 115] ~~فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله علينا قبول نقلهم والعمل ~~به والقول بأنه سنة الله وبيان نبيه يمكن في شيء منه التحويل أو التبديل ~~لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لها تبديل ولا تحويل كذبا، وهذا لا ~~يجيزه مسلم أصلا، فصح يقينا لا شك فيه أن كل سنة سنها الله عز وجل لرسوله ~~وسنها رسوله لأمته، فإنه لا يمكن في شيء منها ms585 تبديل ولا تحويل أبدا، وهذا ~~يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو من عند الله عز ~~وجل. # وأيضا فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من ~~الله في البلاغ في الشريعة، وعلى تكفير من قال: ليس معصوما في تبليغه إلينا ~~ونقول لهم: أخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم في تبليغه الشريعة التي بعث بها أهي له في إخباره الصحابة بذلك ~~فقط أم هي باقية لما أتى به صلى الله عليه وسلم في بلوغه إلينا وإلى يوم ~~القيامة؟ فإن قالوا: بل هي له مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من ~~بعدهم، قلنا لهم: إذا قد جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته، ~~وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في ~~الدين، فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده وبين ما منعتم من ~~ذلك في حياته؟ ، فإن قالوا: لأنه يكون غير مبلغ لما أمر به ولا معصوم والله ~~تعالى يقول {بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] الآية (قيل) : نعم ~~وهذا التبليغ المفترض عليه الذي هو معصوم فيه بإجماعكم معنا من الكذب ~~والوهم هو إلينا كما هو إلى الصحابة ولا فرق، والدين لازم لنا كما هو لازم ~~لهم سواء، فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولا بد إلى يوم ~~القيامة، والحجة قائمة بالدين علينا وإلى يوم القيامة كما كانت قائمة على ~~الصحابة سواء، ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة، ~~والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم كذب. # ثم نقول: وكذلك قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~[الحجر: 9] # PageV01P571 # {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] ، {ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] ، {قد تبين الرشد من الغي} ~~[البقرة: 256] وإن ادعوا إجماعا، قيل من الكرامية من يقول إنه صلى الله ~~عليه وسلم غير ms586 معصوم في تبليغ الرسالة، فإن قالوا: ليس هؤلاء ممن يعد في ~~الإجماع (قلنا لهم) : صدقتم ولا يعد في الإجماع من قال: إن الدين غير ~~محفوظ، وأن كثيرا من الشرائع التي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل ~~الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز به الرشد من الغي ولا دين الله ~~تعالى من دين إبليس. # (وإن قالوا) : إن الفضيلة بعصمة ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الدين باقية إلى يوم القيامة، صاروا إلى الحق الذي هو قولنا ولله الحمد. # (فإن قالوا) : إن صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب ~~والخطأ، وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة يوجب العلم إحالة الطبيعة ~~وخرق العادة فيه. # قلنا: لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان به، ~~فالعجب من إنكاركم هذا مع قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة، وهذا هو الذي أنكرتم بعينه، ~~بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر ~~الواحد العدل حتى أتيتم بالباطل المحض، إذ جوزتم على جميع الأمم موافقة ~~الخطأ في إجماعها في رأيها، وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم، ومنعتم من جواز ~~الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الأمة من المسلمين خاصة في اجتهادها ~~في القياس، وحاش لله أن تجتمع الأمة على الباطل والقياس عين الباطل، فخرقتم ~~بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان ولا سيما إذا كان المخالف لنا من ~~المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن ~~الله تعالى حق، فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا ~~قام البرهان بإحالتها. # فإن قالوا: إنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الأخبار التي قالها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم معصومون في نقلها وإن كل واحد معصوم في نقله من تعمد ~~الكذب ووقوع الوهم منه. # قلنا لهم: نعم هكذا نقول وبه نقطع، وكل ms587 عدل روى خبرا قاله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV01P572 # في الدين فذلك الراوي معصوم فيه من تعمد الكذب، مقطوع بذلك عند الله، ومن ~~جواز الوهم فيه إلا ببيان وارد ولا بد من الله ببيان ما وهم فيه كما فعل ~~سبحانه بنبيه صلى الله عليه وسلم إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما لقيام ~~البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة مما ليس منها. # قلت: وهذا الذي قاله أبو محمد حق في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول عملا ~~واعتقادا دون الغريب الذي لم يعرف تلقي الأمة له بالقبول. # (قال ابن حزم) : فإن قالوا: قد تعبدنا الله سبحانه بحسن الظن به وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول: " «أنا عند ظن عبدي بي ~~فليظن بي خيرا» ". # قلنا: ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شيء بل كله باب واحد لأنه ~~تعالى حرم علينا أن نقول عليه في الدين بالتحريم والإباحة والإيجاب ما لا ~~نعلم، وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك، فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع ~~بتخليد الكفار في النار، وتخليد المؤمنين في الجنة، ولا فرق، ولم يجز القول ~~بالظن في شيء من ذلك كله. # فإن قالوا: أنتم تقولون إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع ~~يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا، وبما حلف عليه المدعى عليه إذ لم ~~يقم بالمدعي بينة في إباحة الدماء والفروج والأبشار والأموال المحرمة، وكل ~~ذلك بإقرارهم ممكن أن يكون في باطن الأمر بخلاف ما شهد به الشاهد وحلف عليه ~~الحالف، وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا قوله في خبر الواحد. # قلنا لهم: وبالله التوفيق: بين الأمرين فروق واضحة كالشمس: # أحدها: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله وتبيينه من الغي ومما ~~ليس منه ولم يتكفل تعالى بحفظ دمائنا ولا بحفظ فروجنا ولا بحفظ أبشارنا ~~وأموالنا في الدنيا، بل قدر أن كثيرا من ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا، وقد ~~نص على ذلك ms588 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: " «إنكم تختصمون إلي ~~وإنما أنا بشر، ولعل أحدكم أن يكون ألحن # PageV01P573 # بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ~~فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» " وبقوله للمتلاعنين: " «إن الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب» ". # والفرق الثاني: أن حكمنا بشهادة الشاهد ويمين الحالف ليس حكما بالظن كما ~~زعموا بل نحن نقطع لهم بأن الله تعالى افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع ~~الشهادة العدل وبيمين المدعى عليه إذا لم تقم بينة، وشهادة العدل والعدلين ~~والعدول عندنا وإن كانوا في باطن الأمر كاذبين أو واهمين، فالحكم بكل ذلك ~~حق عند الله تعالى وعندنا مقطوع على غيبه. # برهان ذلك أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي فلم يحكم للمدعى ~~عليه باليمين، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما فإن ذلك الحاكم فاسق ~~عاص لله تعالى ظالم، سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا أو كان ~~الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين إذا لم يعلم باطن أمرهم، ونحن مأمورون ~~يقينا بأمر الله تعالى لنا أن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل، وأن ~~نبيح هذا الفرج الحرام المشهود فيه بالكذب، وأن نبيح هذه البشرة المحرمة ~~وهذا المال الحرام المشهود فيه الباطل، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ~~ذلك، وقضى تعالى بأننا إن لم نحكم بذلك فساق عصاة له، ظلمة متوعدون بالنار ~~على ذلك، وما أمرنا أن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم وفيه واهم فهذا ~~فرق في غاية البيان. # وفرق ثالث: وهو أن الله تعالى فرض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وأمرنا الله تعالى بكذا، لأنه تعالى ~~يقول: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] ، {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ففرض علينا أن نقول نهانا الله ~~ورسوله عن كذا وكذا، وأمرنا بكذا، ولم يأمرنا قط أن نقول: شهد ms589 هذا الشاهد ~~بحق ولا حلف هذا الحالف على حق، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق # PageV01P574 # يقينا، لكن الله قال: احكموا بشهادة العدل، ويمين المدعى عليه إذا لم تقم ~~عليه بينة، وهذا فرق لا خفاء به، فلم نحكم بالظن في شيء من ذلك أصلا ولله ~~الحمد بل بعلم قاطع فإذا قالوا: إنما قال الله تعالى: {إن بعض الظن إثم} ~~[الحجرات: 12] ولم يقل كل الظن إثم (قلنا) : قد بين الله تعالى لنا الإثم ~~من البر، وبين أن القول عليه بما لا يعلم حرام، فهذا من الظن الذي هو إثم ~~بلا شك. # قال ابن حزم: فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد للدلائل ~~التي ذكرناها، وظنوا أنهم تخلصوا بذلك، ولم يتخلصوا، بل كل ما لزم غيرهم ~~مما ذكرنا فهو لازم لهم، وذلك أنا نقول: أخبرونا عن الأخبار التي رواها، ~~الآحاد، أهي كلها حق إذا جاءت من رواية الثقات خاصة أم كلها باطل، أم فيها ~~حق وباطل؟ . # فإن قالوا: فيها حق وباطل، وذلك قولهم، قلنا لهم: فهل يجوز أن تبطل شريعة ~~أوحى الله تعالى فيها إلى نبيه حتى تختلط بكذب وضعه فاسق فنسبه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو وهم فيه واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل ~~المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لأحد من الناس، وهل ~~الشرائع الإسلامية كلها محفوظة لازمة لنا، أم هي غير محفوظة ولا كلها لازم ~~لنا، بل قد سقط منها بعد رسول الله كثير، وهل قامت الحجة علينا لله تعالى ~~فيما افترض علينا من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به، أم ~~لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين؛ لأن كثيرا منه مختلط بالكذب غير ~~متميز منه أبدا. # فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى بها إلى نبيه بما ~~ليس من الدين، وقالوا: لم يقم لله علينا حجة فيما أمرنا به، دخل عليهم من ~~القول بفساد الشريعة وذهاب الإسلام وبطلان ضمان الله لحفظ الذكر، كالذي ms590 دخل ~~على غيرهم ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم أنهم ~~يعملون بما ليس من الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل بيانه وأن ~~حجة الله بذلك لم تقم علينا، وإن لجئوا إلى الاقتصار على خبر التواتر لم ~~ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع ~~وبالموهوم فيه، ومن جواز أن يكون كثير من شرائع الإسلام لم ينقل إلينا، إذ ~~قد بطل ضمان حفظ الله فيها. # وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر بل # PageV01P575 # أصحاب الإسناد أصح دعوى في ذلك لشهادة كثرة الرواة وتغاير الأسانيد لهم ~~بصحة قولهم في نقل التواتر، فإن لجأ لاجئ إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من ~~طريق الآحاد الثقات إنه كذب موضوع ليس منه شيء قاله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهذه مجاهرة ظاهرة، ومدافعة لما يعلم بالضرورة خلافه، وتكذيب ~~لجميع الصحابة ولجميع فضلاء التابعين، ولكل إنسان من علماء المسلمين جيلا ~~بعد جيل؛ لأن كل من ذكرنا رووا الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلا شك واحتج بها بعضهم على بعض، وعملوا بها، وأفتوا بها في دين الله، وهذا ~~إطراح للإجماع المتيقن وباطل لا تختلف النفوس فيه؛ لأن بالضرورة يعلم أنه ~~لا يمكن أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق في كلمة بل كلهم كذبوا ووضعوا كل ما ~~رووا. # وأيضا ففيه إبطال لأكثر الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ~~ليست في القرآن مبينة كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، وأنا إنما تلقيناها ~~من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذه ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن ~~العدل مبلغا به النبي صلى الله عليه وسلم كذبا كلها أولها عن آخرها، أو ~~يكون فيها حق باطل إلا أنه لا سبيل لنا إلى تمييز الحق من الباطل أبدا، ~~وهذا تكذيب لله في إخباره بحفظ ms591 الذكر المنزل وبإكماله لنا الدين، وبأنه لا ~~يقبل منا إلا دين الإسلام لا شيء سواه، وفيه أيضا إفساد الدين واختلاطه بما ~~لم يأمر الله به ولا سبيل لأحد في العالم أن يعرف ما أمر الله به في دينه ~~مما لم يأمر به أبدا، وإن حقيقة الإسلام قد بطلت بيقين، وهذا انسلاخ، من ~~الإسلام، أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى موجبة كلها العلم ~~بإخبار الله بأنه حافظ لما أنزل من الذكر ولتحريمه تعالى الحكم في الدين ~~بالظن والقول عليه بما لا علم لنا، ولإخباره تعالى أنه {قد تبين الرشد من ~~الغي} [البقرة: 256] ، وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم وفي فعله، وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على ~~لسان نبيه، وهذا قولنا: انتهى كلامه. ### | فصل استدلال ابن القيم على أن خبر الواحد يفيد العلم قطعا # فصل # ومما يبين أن خبر الواحد العدل يفيد العلم أدلة كثيرة: # أحدها: أن المسلمين لما أخبرهم الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة ~~قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا ~~إلى القبلة، ولم # PageV01P576 # ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بل شكروا على ذلك وكانوا على ~~أمر مقطوع به من القبلة الأولى، فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم ~~يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه أنه خبر ~~اقترنته قرينة، وكثير منهم يقول: لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها، وهذا في ~~غاية المكابرة ومعلوم أن قرينة تلقي الأمة له بالقبول وروايته قرنا بعد قرن ~~من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها فأي قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها. # الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: {ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] وفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) وهذا يدل على ~~الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبيت، ولو كان خبره لا يفيد ~~العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم ومما ms592 يدل عليه أيضا أن السلف الصالح ~~وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ~~وفعل كذا، وأمر بكذا ونهى عن كذا، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة. # وفي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع وكثير ~~من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما ~~سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من العاقل وجزم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بما نسبه إليه من قول أو فعل، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم ~~لكان شاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير علم. # الدليل الثالث: إن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض ~~المتأخرين إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن، بل هذا مراد من زعم أن ~~أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد العلم وإن ما كان مرادهم صحة ~~الإضافة إليه، وأنه قال كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأمر ونهى وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث كان يقع لهم ~~الوهم في ذلك يقولون يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى عنه ونحو ~~ذلك، ومن له خبرة بالحديث يفرق بين قول أحدهم هذا الحديث الصحيح، وبين قوله ~~إسناده صحيح، فالأول جزم بصحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والثاني شهادة بصحة سنده، # PageV01P577 # وقد يكون فيه علة أو شذوذ فيكون سنده صحيحا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه. # الدليل الرابع: قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، فأخبر أن ~~الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار: الإعلام بما يفيد العلم، ~~وقوله لعلهم يحذرون نظير قولهم في آياته ms593 المتلوة والمشهودة {لعلهم يتفكرون} ~~[الأعراف: 176] ، {لعلهم يعلمون} [يوسف: 46] ، {لعلهم يهتدون} [الأنبياء: ~~31] وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم لا فيما لا يفيد العلم. # الدليل الخامس: قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] أي لا ~~تتبعه ولا تعمل به، ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ~~ويعملون بها ويثبتون لله تعالى بها الصفات، فلو كانت لا تفيد علما لكان ~~الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم. # الدليل السادس: قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~[النحل: 43] فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولو الكتاب والعلم، ~~ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علما، وهو ~~سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقا، فلو كان ~~واحد لكان سؤاله وجوابه كافيا. # الدليل السابع: قوله تعالى: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] وقال: {وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين} [النور: 54] وقال النبي # PageV01P578 # صلى الله عليه وسلم: " «بلغوا عني» " وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم ~~عرفة: " «أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: " نشهد أنك بلغت ~~وأديت ونصحت» "، ومعلوم أن البلاغ هو الذي تقوم به الحجة على المبلغ ويحصل ~~به العلم، فلو كان خبر الواحد لا يحصل به العلم لم يقع به التبليغ الذي ~~تقوم به حجة الله على العبد، فإن الحجة إنما تقوم بما يحصل به العلم. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل الواحد من أصحابه يبلغ عنه ~~فتقوم الحجة على من بلغه، وكذلك قامت حجته علينا بما بلغنا العدول الثقات ~~من أقواله وأفعاله وسنته، ولو لم يفد العلم لم تقم علينا بذلك حجة، ولا على ~~من بلغه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو دون عدد التواتر، وهذا من أبطل ~~الباطل. # فيلزم من قال: إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد العلم ms594 أحد ~~أمرين: إما أن يقول إن الرسول لم يبلغ غير القرآن وما رواه عنه عدد ~~التواتر، وما سوى ذلك لم تقم به حجة ولا تبليغ، وإما أن يقول إن الحجة ~~والبلاغ حاصلان بما لا يوجب علما ولا يقتضي عملا، وإذا بطل هذان الأمران ~~بطل القول بأن أخباره صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات العدول الحفاظ ~~وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد علما، وهذا ظاهر لا خفاء به. # الدليل الثامن: قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] وقوله: {وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [الحج: 78] وجه الاستدلال أنه ~~تعالى أخبر أنه جعل هذه الأمة عدولا خيارا يشهدوا على الناس بأن رسلهم قد ~~بلغوهم عن الله رسالته وأدوا عليهم ذلك، وهذا يتناول شهادتهم على الأمم ~~الماضية وشهادتهم على أهل عصرهم ومن بعدهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرهم بكذا ونهاهم عن كذا، فهم حجة الله على من خالف رسول الله، وزعم أنه ~~لم يأتهم من الله ما تقوم به عليه الحجة، وتشهد هذه الأمة الوسط عليه بأن ~~حجة الله بالرسل قامت عليه، ويشهد كل واحد بانفراده بما وصل إليه من العلم ~~الذي كان به من أهل الشهادة، فلو كانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تفيد العلم لم يشهد به الشاهد ولم تقم به الحجة على المشهود عليه. # الدليل التاسع: قوله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا ~~من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] # PageV01P579 # وهذه الأخبار التي رواها الثقات الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إما أن تكون حقا أو باطلا أو مشكوكا فيها، لا يدرى هل هي حق أو باطل، فإن ~~كانت باطلا أو مشكوكا فيها وجب اطراحها وأن لا يلتفت إليها وهذا انسلاخ من ~~الإسلام بالكلية، وإن كانت حقا فيجب الشهادة بها على البت أنها عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان الشاهد بذلك شاهدا بالحق وهو يعلم صحة ~~المشهود ms595 به. # الدليل العاشر: قول النبي صلى الله عليه وسلم على مثلها " فاشهدوا " أشار ~~إلى الشمس ولم يزل الصحابة والتابعون وأئمة الحديث يشهدون عليه صلى الله ~~عليه وسلم على القطع أنه قال كذا وأمر به ونهى عنه وفعله لما بلغهم إياه ~~الواحد والاثنان والثلاثة فيقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ~~وحرم كذا وأباح كذا، وهذه شهادة جازمة يعلمون أن المشهود به كالشمس في ~~الوضوح، ولا ريب أن كل من له التفات إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واعتناء بها يشهد شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربهم عيانا يوم القيامة، ~~وأن قوما من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة وأن الصراط ~~حق، وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك، وأن الولاء لمن أعتق، إلى أضعاف ~~أضعاف ذلك، بل يشهد بكل خبر صحيح متلقى بالقبول لم ينكره أهل الحديث شهادة ~~لا يشك فيها. # الدليل الحادي عشر: إن هؤلاء المنكرون لإفادة أخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم العلم يشهدون شهادة جازمة قاطعة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم أنهم ~~قالوا، ولو قيل إنها لم تصح عنهم لأنكروا ذلك غاية الإنكار، وتعجبوا من جهل ~~قائله، ومعلوم أن تلك المذاهب لم يروها عنهم إلا الواحد والاثنان والثلاثة ~~ونحوهم، ولم يروها عنهم عدد التواتر، وهذا معلوم يقينا. # فكيف يحصل لهم العلم الضروري والمقارب للضروري بأن أئمتهم ومن قلدوهم ~~دينهم أفتوا بكذا وذهبوا إلى كذا، ولم يحصل لهم بما أخبر به أبو بكر الصديق ~~وعمر بن الخطاب وسائر الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بما ~~رواه عنهم التابعون وشاع في الأمة وذاع، وتعددت طرقه وتنوعت، وكان حرصه ~~عليه أعظم بكثير من حرص أولئك على أقوال متبوعيهم؟ إن هذا لهو العجب ~~العجاب. # وهذا وإن لم يكن نفسه دليلا يلزمهم أحد أمرين: إما أن يقولوا أخبار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفتاواه وأقضيته تفيد العلم، وإما أن يقولوا إنهم ~~لا علم لهم بصحة شيء مما # PageV01P580 # نقل عن أئمتهم وأن النقول عنهم لا ms596 تفيد علما، وأما أن يكون ذلك مفيدا ~~للعلم بصحته عن أئمتهم دون المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من ~~أبين الباطل. # الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] ووجه الاستدلال أن هذا أمر ~~لكل مؤمن بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ودعوته ~~نوعان: مواجهة ونوع بواسطة المبلغ وهو مأمور بإجابة الدعوتين في الحالتين، ~~وقد علم أن حياته في تلك الدعوة والاستجابة لها ومن الممتنع أن يأمره الله ~~تعالى بالإجابة لما لا يفيد علما ما أو يجيبه بما لا يفيد علما أو يتوعده ~~على ترك الاستجابة لما لا يفيد علما بأنه إن لم يفعل عاقبه، وحال بينه وبين ~~قلبه. # الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] وهذا يعم كل مخالف بلغه أمره صلى ~~الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولو كان ما بلغه لم يفده علما لما كان ~~متعرضا بمخالفة ما لا يفيد علما للفتنة والعذاب الأليم، فإن هذا إنما يكون ~~بعد قيام الحجة القاطعة التي لا يبقى معها لمخالف أمره عذر. # الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} [النساء: 59] إلى قوله: {واليوم الآخر} [النساء: 59] ووجه ~~الاستدلال أنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، والرد ~~إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إليه في حياته وإلى ~~سنته بعد وفاته، فلولا أن المردود إليه يفيد العلم وفصل النزاع لم يكن في ~~الرد إليه فائدة، إذ كيف يرد حكم المتنازع فيه إلى ما لا يفيد علما البتة ~~ولا يدرى حق هو أم باطل؟ وهذا برهان قاطع بحمد الله، فلهذا قال من زعم أن ~~أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد علما، إنا نرد ما تنازعنا فيه ~~إلى العقول والآراء والأقيسة فإنها تفيد العلم. # الدليل الخامس عشر: قوله تعالى: {وأن احكم بينهم ms597 بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] إلى ~~قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: ~~50] ووجه الاستدلال أن كل ما حكم به رسول # PageV01P581 # الله صلى الله عليه وسلم فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله أنزله على ~~رسوله، وقد تكفل سبحانه بحفظه، فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من ~~الرواة، ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله وكفالته ~~لحفظه، وهذا من أعظم الباطل، ونحن لا ندعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي ~~إذا كذب أو غلط أو سها فلا بد أن يقوم دليل على ذلك ولا بد أن يكون في ~~الأمة من يعرف كذبه وغلطه ليتم حفظه لحججه وأدلته، ولا تلتبس بما ليس منها، ~~فإنه من حكم الجاهلية، بخلاف من زعم أنه يجوز أن تكون كل هذه الأخبار ~~والأحكام المنقولة إلينا آحادا كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وغايتها أن تكون كما قاله من لا علم عنده، إن نظن إلا ظنا، وما نحن ~~بمستيقنين. # الدليل السادس عشر: ما احتج به الشافعي نفسه فقال: أخبرنا سفيان عن عبد ~~الملك بن عمير عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه ~~إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب ~~مسلم، إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط ~~من ورائهم» ". # قال الشافعي: فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته ~~وحفظها وأدائها أمر أن يؤديها ولو واحد، دل على أنه لا يأمر من يؤدي عنه ~~إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدى عنه حلال يؤتى، ~~وحرام يجتنب وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا، ودل على أنه ~~قد يحمل الفقه غير الفقيه يكون ms598 له حافظا ولا يكون فيه فقيها، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في إجماع ~~المسلمين لازم. انتهى. # والمقصود أن خبر الواحد العدل لو لم يفد علما لأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لا يقبل ممن أدى إليه إلا من عدد التواتر الذي لا يحصل العلم ~~إلا بخبرهم، ولم يدع للحامل المؤدي وإن كان واحدا؛ لأن ما حمله لا يفيد ~~العلم، فلم يفعل ما يستحق الدعاء وحده إلا بانضمامه إلى أهل التواتر، وهذا ~~خلاف ما اقتضاه الحديث، ومعلوم أن # PageV01P582 # رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ندب إلى ذلك وحث عليه وأمر به لتقوم ~~الحجة على من أدى إليه، فلو لم يفد العلم لم يكن فيه حجة. # الدليل السابع عشر: حديث أبي رافع الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " «لا ألفين أحدا منكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري ~~يقول: لا ندري ما هذا، بيننا وبينكم القرآن، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله ~~معه» " ووجه الاستدلال أن هذا نهي عام لكل من بلغه حديث صحيح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يخالفه أو يقول لا أقبل إلا القرآن، بل هو أمر لازم، ~~وفرض حتم بقبول أخباره وسننه، وإعلام منه صلى الله عليه وسلم أنها من الله ~~أوحاها إليه، فلو لم تفد علما لقال من بلغته: إنها أخبار آحاد لا تفيد علما ~~فلا يلزمني قبول ما لا علم لي بصحته، والله تعالى لم يكلفني العلم بما لم ~~أعلم صحته ولا اعتقاده، بل هذا بعينه هو الذي حذر منه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمته ونهاها عنه، ولما علم أن في الأمة من يقوله حذرهم منه، فإن ~~القائل إن أخباره لا تفيد العلم هكذا يقول سواه لا ندري ما هذه الأحاديث، ~~وكان سلف هؤلاء يقولون بيننا وبينكم القرآن وخلفهم يقولون بيننا وبينكم ~~أدلة العقول، وقد صرحوا بذلك وقالوا: تقدم العقول على هذه الأحاديث، آحادها ~~ومتواترها، ونقدم الأقيسة عليها. ms599 # الدليل الثامن عشر: ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة «عن ~~أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبا طلحة الأنصاري وأبي بن ~~كعب شرابا من فضيخ، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم ~~يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفلها حتى ~~كسرتها» " ووجه الاستدلال أن أبا طلحة أقدم على قبول خبر التحريم حيث ثبت ~~به التحريم لما كان حلالا، وهو يمكنه أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم – شفاها، وأكد ذلك القبول بإتلاف الإناء وما فيه، وهو مال، وما كان ~~ليقدم على إتلاف المال بخبر من لا يفيده خبره العلم عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فقام خبر ذلك الأتي ~~عنده وعند من معه مقام السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لم ~~يشكوا ولم يرتابوا في صدقه، والمتكلفون يقولون إن مثل ذلك الخبر لا يفيد ~~العلم لا بقرينة ولا بغير قرينة. # PageV01P583 # الدليل التاسع عشر: أن خبر الواحد لو لم يفد العلم لم يثبت به الصحابة ~~التحليل والتحريم والإباحة والفروض، ويجعل ذلك دينا يدان به في الأرض إلى ~~آخر الدهر، فهذا الصديق رضي الله عنه زاد في الفروض التي في القرآن فرض ~~الجدة وجعله شريعة مستمرة إلى يوم القيامة بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن ~~شعبة فقط، وجعل حكم ذلك الخبر في إثبات هذا الفرض حكم نص القرآن في إثبات ~~فرض الأم، ثم اتفق الصحابة والمسلمون بعدهم على إثباته بخبر الواحد، وأثبت ~~عمر بن الخطاب بخبر حمل بن مالك دية الجنين وجعلها فرضا لازما للأمة، وأثبت ~~ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الضحاك بن سفيان الكلابي وحده، وصار ذلك ~~شرعا مستمرا إلى يوم القيامة، وأثبت شريعة عامة في حق المجوس بخبر عبد ~~الرحمن بن عوف وحده، وأثبت عثمان بن عفان شريعة عامة في سكنى المتوفى عنها ~~بخبر فريعة بنت مالك ms600 وحدها، وهذا أكثر من أن يذكر، بل هو إجماع معلوم منهم، ~~ولا يقال على هذا إنما يدل على العمل بخبر الواحد في الظنيات ونحن لا ننكر ~~ذلك لأنا قد قدمنا أنهم جمعوا على قبوله والعمل بموجبه، ولو جاز أن يكون ~~كذبا أو غلطا في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به، ~~وهذا قدح في الدين والأمة. # الدليل العشرون: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر ~~الواحد ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلا له: ~~{إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} [القصص: 20] ، فجزم بخبره وخرج هاربا من ~~المدينة، وقبل خبر بنت صاحب (مدين) لما قالت: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما ~~سقيت لنا} [القصص: 25] وقبل خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي وتزوجها بخبره. # وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال: {ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة} [يوسف: 50] . # وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد ~~المعاهدين له وغزاهم بخبرهم، واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، ورسل ~~الله صلواته وسلامه عليهم لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يجوزون ~~أن تكون كذبا وغلطا، وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار ~~الآحاد، وهم يجوزون أن يكون كذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس ~~الأمر، ولم يخبروا عن الرب تبارك وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله بما لا ~~علم لهم به، بل يجوز أن يكون كذبا وخطأ في نفس الأمر، هذا مما يقطع ببطلانه ~~كل عالم مستبصر. # PageV01P584 # الدليل الحادي والعشرون: أن خبر العدل الواحد المتلقى بالقبول لو لم يفد ~~العلم لم تجز الشهادة على الله ورسوله بمضمونه، ومن المعلوم المتيقن أن ~~الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على الله وعلى رسوله بمضمون هذه ~~الأخبار جازمين بالشهادة في تصانيفهم وخطابهم، فيقولون شرع الله كذا وكذا ~~على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار ~~جازمين بها لكانوا ms601 قد شهدوا بغير علم وكانت شهادة الزور من سادات الأمة ~~وعلمائها. # قال أبو عمرو بن الصلاح: وقد ذكر الحديث الصحيح المتلقى بالقبول المتفق ~~على صحته وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، ~~خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد إلا الظن، وإنما تلقته الأمة ~~بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ. # قال: وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه ~~هو الصحيح؛ لأن الظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها ~~معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبني على الاجتهاد حجة مقطوعا بها، ~~وكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة. # وقال إمام عصره المجمع على إمامته أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني في ~~كتاب الانتصار له وهذا لفظه. ### | فصل الاستدلال بأحاديث الآحاد في العلم كالعمل # فصل # ونشتغل الآن بالجواب عن قولهم فيما سبق أن أخبار الآحاد لا تقبل فيما ~~طريقه العلم، وهذا رأي سمعت به المبتدعة في رد الأخبار فنقول وبالله ~~التوفيق: إذا صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الثقات ~~والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتلقته الأمة ~~بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول العامة أهل الحديث ~~والمتقنين من القائمين على السنة. # وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال فلا بد من ~~نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية والمعتزلة، وكان ~~قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم ~~قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفرق من ~~الأمة لأقروا بأن خبر الواحد قد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في ~~طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق # PageV01P585 # منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد: ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " «كل مولود يولد على الفطرة» " وبقوله: " «خلقت عبادي ~~حنفاء ms602 فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» " وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: " ~~«من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " قيل: " وإن زنى وإن سرق؟ " قال: " وإن ~~زنى وإن سرق» " وترى الرافضة يحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: " «يجاء ~~بقوم من أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين ~~على أعقابهم» " وترى الخوارج يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: " «سباب ~~المسلم فسوق وقتاله كفر» " وبقوله: " «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» " # إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق، ومشهور معلوم استدلال ~~أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار ~~الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في ~~صفات الله تعالى وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض ~~وإخراج الموحدين من المذنبين من النار، وفي صفة الجنة والنار وفي الترغيب ~~والترهيب والوعد والوعيد، وفي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومناقب ~~أصحابه وأخبار الأنبياء المتقدمين وأخبار الرقاق وغيرها ما يكثر ذكره. # وهذه الأشياء علمية لا عملية، وإن ما تروى لوقوع العلم للسامع بها، فإذا ~~قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه ~~الأخبار على الخطأ وجعلناهم لاغين هازلين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئا ~~ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه ~~والاعتماد عليه. # PageV01P586 # قال: وربما يرتقي هذا القول إلى أعظم من هذا، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من الصحابة، وهذا الواحد يؤديه إلى ~~الأمة وينقله عنه، فإذا لم يقبل قول الراوي لأنه واحد رجع هذا العيب إلى ~~المؤدي نعوذ بالله من هذا القول البشع والاعتقاد القبيح. # قال: ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الرسل إلى الملوك إلى ~~كسرى وقيصر وملك الإسكندرية وإلى أكيدر دومة وغيرهم من ملوك الأطراف يكتب ~~إليهم كتبا على ما عرف ونقل واشتهر، وإنما بعث واحدا واحدا، ودعاهم إلى ~~الله تعالى والتصديق برسالته ms603 صلى الله عليه وسلم لإلزام الحجة وقطع العذر ~~لقوله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} [النساء: 165] وهذه المعاني لا تحصل إلا بعد وقوع العلم ممن أرسل ~~إليه بالإرسال والمرسل، وأن الكتاب من قبله والدعوة منه، وقد كان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة كثيرا من الرسل إلى هؤلاء الملوك ~~والكتاب إليهم لبث الدعوة إليهم في جميع الممالك، ودعا الناس إلى دينه على ~~حسب ما أمره الله تعالى بذلك، فلو لم يقع العلم بخبر الواحد في أمور الدين ~~لم يقتصر على إرسال الواحد من الصحابة، منها إنه بعث عليا لينادي في موسم ~~الحج بمنى " «ألا لا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» " «ومن ~~كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فمدته إلى أربعة أشهر» «ولا ~~يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» . # ولا بد في هذه الأشياء من وقوع العلم للقوم الذين كان يناديهم حتى إن ~~أقدموا على شيء من هذا بعد سماع هذا القول كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مبسوطا للعذر في قتالهم وقتلهم. # وكذلك بعث معاذا إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام ويعلمهم إذا أجابوا ~~شرائعه. # وبعث إلى أهل خيبر في أمر القتيل واحدا يقول: «إما أن تدوا وإما أن ~~تؤذنوا بحرب من الله ورسوله» ، وبعث إلى قريظة أبا لبابة بن عبد المنذر ~~يستنزلهم على حكمه، وجاء أهل قباء واحد وهم في مسجدهم يصلون فأخبرهم بصرف ~~القبلة إلى المسجد الحرام فانصرفوا إليه في صلاتهم، واكتفوا بقوله، ولا بد ~~في مثل هذا من وقوع العلم به. # PageV01P587 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الطلائع والجواسيس في بلاد الكفر ~~ويقتصر على الواحد في ذلك ويقبل قوله إذا رجع، وربما أقدم عليهم بالقتل ~~والنهب بقوله وحده، ومن تدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته لم يخف ~~عليه ما ذكرناه، وما يرد هذا إلا مكابر ومعاند. # ولو أنك وضعت في قلبك أنك سمعت الصديق والفاروق رضي الله عنهما أو غيرهما ms604 ~~من وجوه الصحابة يروي لك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر من ~~الاعتقاد من جواز الرؤية على الله وإثبات القدر أو غير ذلك لوجدت قلبك ~~مطمئنا إلى قوله لا يداخلك شك في صدقه وثبوت قوله، وفي زماننا ترى الرجل ~~يسمع من أستاذه الذي يختلف إليه ويعتقد فيه التقدمة والصدق إنه سمع أستاذه ~~يخبر عن شيء من عقيدته التي يريد أن يلقى الله بها، فيحصل للسامع علم بمذهب ~~من نقل عنه أستاذه ذلك بحيث لا يختلجه شبهة ولا يعتريه شك، وكذلك كثير من ~~الأخبار التي يقتضيها العلم توجد بين الناس فيحصل لهم العلم بذلك الخبر ومن ~~رجع إلى نفسه علم بذلك. # قال: واعلم أن الخبر وإن كان يحتمل الصدق والكذب والظن فللتجوز فيه مدخل، ~~ولكن هذا الذي قلناه لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته وأيامه ~~مشتغلا بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا ~~العلم وكبير معرفتهم به وصدق ورعهم في أقوالهم وأفعالهم، وشدة حذرهم من ~~الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر، والبحث عن ~~أحوال الرواة والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها، وكانوا بحيث لو قتلوا لم ~~يسامحوا أحدا في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم وأدوا كما ~~أدي إليهم، وكانوا في صدق العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجل عن الوصف ~~ويقصر دونه الذكر، وإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف حالهم وخبر صدقهم ~~وورعهم وأمانتهم، ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه. # قال: والذي يزيد ما قلنا إيضاحا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن ~~الفرقة الناجية قال: " «ما أنا عليه وأصحابي» " فلا بد من تعرف ما كان عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليس طريق معرفته إلا النقل، فيجب ~~الرجوع إلى ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " «لا # PageV01P588 # تنازعوا الأمر أهله» " فكما يرجع ms605 في مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوة في ~~هذه الأمة إلى أهل الفقه، ويرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة، وفي النحو ~~إلى أهل النحو، وكذا يرجع في معرفة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه إلى أهل الرواية والنقل، لأنهم عنوا بهذا الشأن واشتغلوا ~~بحفظه والفحص عنه ونقله، ولولاهم لاندرس علم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يقف أحد على سنته وطريقته. # ثم قال الإمام أبو المظفر: فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس ~~واختلطت عليهم قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها ~~فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها ~~ويأخذون خيارها، ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا ~~يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث وورثة العلماء حتى أنهم عدوا أغاليط من ~~غلط في الإسناد والمتون، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط، ~~وفي كل حرف حرف، وماذا صحف، فإذا لم ترج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد ~~والمتون والحروف فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث التي ~~يرويها الناس حتى خفيت على أهلها، وهو قول بعض الملاحدة وما يقول هذا إلا ~~جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجن بهذه الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآثاره الصادقة، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى وما ~~احتج مبتدع في رد آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة أوهن ولا أشد ~~استحالة من هذه الحجة، فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يسف في فيه وينفى من بلد ~~الإسلام. # فتدبر رحمك الله أيجعل حكم من أفنى عمره في طلب آثار النبي صلى الله عليه ~~وسلم شرقا وغربا، برا وبحرا، وارتحل في الحديث الواحد فراسخ، واتهم أباه ~~وأدناه في خبر يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان موضع التهمة، ولم ~~يحابه في مقال ولا خطاب غضبا لله وحمية لدينه، ثم ألف الكتب في معرفة ~~المحدثين وأسمائهم وأنسابهم وقدر أعمالهم، وذكر أعصارهم وشمائلهم وأخبارهم، ~~وفصل بين ms606 الرديء والجيد، والصحيح والسقيم، حبا لله ورسوله، وغيرة على ~~الإسلام والسنة، ثم استعمل آثاره كلها حتى فيما عدا العبادات من أكله ~~وطعامه وشرابه ونومه ويقظته وقيامه وقعوده ودخوله وخروجه، وجميع سننه ~~وسيرته حتى في خطواته ولحظاته، ثم دعا الناس إلى ذلك وحثهم عليه وندبهم إلى ~~استعماله وحبب إليهم ذلك بكل ما يملكه حتى في بذل ماله ونفسه كمن أفنى عمره ~~في اتباع أهوائه وإرادته وخواطره وهواجسه، ثم تراه ما هو أوضح من # PageV01P589 # الصبح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر من الشمس برأي دخيل، ~~واستحسان ذميم، وظن فاسد، ونظر مشوب بالهوى. # فانظر وفقك الله للحق: أي الفريقين أحق أن ينسب إلى اتباع السنة واستعمال ~~الأثر. # فإذا قضيت بين هذين بوافر لبك وصحيح نظرك، وثاقب فهمك فليكن شكرك لله ~~تعالى على حسب ما أراك من الحق ووفقك للصواب وألهمك من السداد. # قلت: ومن المعلوم أن من هذا عنايته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسيرته وهديه فإنها تفيد عنده من العلم الضروري والنظري ما لا تفيده عند ~~المعرض عنها المشتغل بغيرها، وهذا شأن من عني بسيرة رجل وهديه وكلامه ~~وأحواله فإنه يعلم من ذلك بالضرورة ما هو مجبول لغيره. ### | فصل المقام الخامس هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها # فصل # المقام الخامس: إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل ~~منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام ~~الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما ~~دون الآخر، وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه ~~الأحاديث في الخبريات العلميات كما يحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا ~~سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه ~~دينا، بشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون ~~وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر ~~والأسماء والأحكام، لم ينقل عن أحد منهم ألبتة أنه ms607 جوز الاحتجاج بها في ~~مسائل الأحكام دون الإخبار عن الله وأسمائه وصفاته. # فأين السلف والمفرقين بين البابين، نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين ~~لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء ~~في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين، ~~وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم تفريق بين الأمرين، فإنهم قسموا ~~الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها أصولا وفروعا وقالوا: الحق في مسائل ~~الأصول واحد، ومن خالفه فهو كافر أو فاسق، وأما مسائل الفروع فليس لله ~~تعالى فيها حكم معين ولا يتصور فيها الخطأ وكل مجتهد لحكم الله تعالى الذي ~~هو حكمه، وهذا التقسيم لو # PageV01P590 # رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سموه أصولا مما سموه فروعا، فكيف ~~وقد وضعوا عليه أحكاما وضعوها بعقولهم وآرائهم (منها) التكفير بالخطأ في ~~مسائل الأصول دون مسائل الفروع، وهذا من أبطل الباطل كما سنذكره (ومنها) ~~إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون الأصول وغير ذلك، وكل تقسيم لا يشهد له ~~الكتاب والسنة وأصول الشرع بالاعتبار فهو تقسيم باطل يجب إلغاؤه. # وهذا التقسيم أصل من أصول ضلال القوم فإنهم فرقوا بين ما سموه أصولا وما ~~سموه فروعا، وسلبوا الفروع حكم الله المعين فيها، بل حكم الله فيها يختلف ~~باختلاف آراء المجتهدين، وجعلوا ما سموه أصولا من أخطأ فيه عندهم فهو كافر ~~أو فاسق، وادعوا الإجماع على هذا التفريق، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعا عن ~~إمام من أئمة المسلمين ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، وهذا عادة أهل ~~الكلام يحكمون الإجماع على ما لم يقله أحد من أئمة المسلمين بل أئمة ~~الإسلام على خلافه، وقال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، أما هذه ~~دعوى الأصم وابن علية وأمثالهما يريدون أن يبطلوا سنن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بما يدعونه من الإجماع. # ومن المعلوم قطعا بالنصوص وإجماع الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره الأئمة ~~الأربعة نصا أن المجتهدين المتنازعين في الأحكام الشرعية ليسوا كلهم سواء، ~~بل فيهم المصيب والمخطئ، ms608 فالكلام فيما سموه أصولا وفيما سموه فروعا، ينقسم ~~إلى مطابق للحق في نفس الأمر وغير مطابق، فانقسام الاعتقاد في الحكم إلى ~~المطابق وغير مطابق كانقسام الاعتقاد في باب الخمر إلى مطابق وغير مطابق، ~~فالقائل في الشيء حلال والقائل حرام في إصابة أحدهما وخطأ الآخر كالقائل ~~إنه سبحانه يرى والقائل أنه لا يرى في إصابة أحدهما وخطأ الآخر، والكذب على ~~الله تعالى خطأ أو عمد في هذا كالكذب عليه عمدا أو خطأ في الآخر، فإن ~~المخبر يخبر عن الله أنه أمر بكذا وأباحه، والآخر يخبر أنه نهى عنه وحرمه، ~~فأحدهما مخطئ قطعا. # فإن قيل: الفرق بينهما أنه يجوز أن يكون في نفس الأمر لا حلالا ولا حراما ~~بل هو حلال في حق من اعتقد حله، حرام في حق من اعتقد تحريمه. # قيل: هذا باطل من وجوه عديدة، وقد ذكرنا في كتاب المفتاح وغيره (منها) ~~إنه خلاف نص القرآن والسنة وخلاف إجماع الصحابة وأئمة الإسلام (ومنها) أن ~~يكون # PageV01P591 # حكم الله تعالى تابعا لآراء الرجال وظنونها (ومنها) أن يكون الشيء الواحد ~~حسنا قبيحا مرضيا لله مسخوطا محبوبا له مبغوضا (ومنها) أنه ينفي حقيقة حكم ~~الله في نفس الأمر (ومنها) أن تكون الحقائق تبعا للعقائد، فمن اعتقد بطلان ~~الحكم المعين كان باطلا ومن اعتقد صحته كان صحيحا، ومن اعتقد حله كان ~~حلالا، ومن اعتقد تحريمه كان حراما، وهذا القول كما قال فيه بعض العلماء: ~~أوله سفسطة وآخره زندقة، فإنه يتضمن بطلان حكم الله تعالى قبل وجود ~~المجتهدين، وإن الله لم يشرع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حكما أمره به ~~ونهاه عنه (ومنها) إن حكم الله يرجع إلى خبره وإرادته، فإذا أراد إيجاب ~~الشيء وأخبر به صار واجبا، وإذا أراد تحريمه وأمر بذلك صار حراما، فإنكار ~~أن يكون الله حكما إنكار لخبره وإرادته وإلغاء لتعلقها بأفعال المكلفين. # ومنها: أنه يرفع ثبوت الأجرين للمصيب، والأجر للمخطئ، فإنه لا خطأ في نفس ~~الأمر عندهم بل كان مجتهدا مصيبا لحكم الله تعالى في نفس الأمر (ومنها) أنه ms609 ~~يبطل أن يوافق أحد حكم الله تعالى، فليس لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " «لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى الملك» " معنى، ولا لقوله: " «إن ~~سألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل فإنك لا تدري أتصيب حكم الله تعالى ~~فيهم أم لا» " معنى ولا لقوله: " «إن سليمان سأل ربه حكما يصادف حكمه ~~فأعطاه إياه» " ولا لقوله {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] معنى، إذا كل ~~منهما حكم بعين حكم الله تعالى عندهم، ولا لقوله: " «إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» " معنى. # وأيضا فهذا إجماع من الصحابة، قال الصديق في الكلالة: " أقول فيها برأيي ~~فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ~~ورسوله "، وقال عمر لكاتبه: " اكتب هذا ما رآه عمر فإن يكن صوابا فمن الله ~~وإن يكن خطأ فمن عمر "، وقال في قضية قضاها: " والله ما يدري عمر أصاب الحق ~~أم أخطأه "، ذكره أحمد. # PageV01P592 # وقال علي لعمر في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها وقد استشار ~~عثمان وعبد الرحمن فقالا: ليس عليك إنما أنت مؤدب، فقال له علي: إن كانا ~~اجتهدا فقد أخطآ وإن لم يجتهدا فقد غشاك، عليك الدية فرجع عمر إلى رأيه، ~~واعترف علي رضي الله عنه بخطئه في خبر صفين وندم على ذلك وكان مجتهدا فيه. # وقال ابن مسعود في قصة بروع: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن ~~يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله، وقال ابن عباس: ألا يتقي ~~الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا، وقال: من شاء باهلته ~~في العول، وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم: " أخبري زيدا أنه قد أبطل ~~جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب "، وقال ابن عباس وقد ~~ناظروه في مسألة متعة الحج واحتجوا عليه بأبي بكر وعمر: أما تخشون أن تنزل ~~عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: ms610 ~~قال أبو بكر وعمر، وكان ابن عمر يأمر بالتمتع فيقولون له: إن أباك نهى عنه ~~فقال: أيهما أولى أن يتبع كتاب الله أو كلام عمر. # وقال عمران بن حصين: نزل بها القرآن وفعلناها مع رسول الله، قال رجل ~~برأيه ما شاء، يعرض بعمر، وقال ابن الزبير لابن عباس في متعة النساء: لئن ~~فعلتها لأرجمنك فجرب إن شئت، وقال علي لابن عباس منكرا عليه إباحة (الحمر) ~~الأهلية ومتعة النساء: إنك امرؤ تائه، أي تهت عن القول الحق، وفسخ عمر بيع ~~أمهات الأولاد وردهن حبالى من تستر، وفسخ حكم الصديق في استرقاق نساء أهل ~~الردة وكان يضرب عن الركعتين بعد العصر، وكان أبو طلحة وأبو أيوب وعائشة ~~يصلونها، فتركها أبو طلحة وأبو أيوب مدة حياة عمر خوفا منه، فلما مات ~~عاوداها. # وقال ابن مسعود لما طلب منه موافقة أبي موسى في مسألة بنت وبنت ابن وأخت ~~فأعطى البنت النصف والأخت النصف: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، فجعل ~~القول الآخر الذي جعله المصوبة صوابا عند الله ضلالا، وهذا أكثر من أن يحيط ~~به إلا الله تعالى. # PageV01P593 # وأيضا فالأحاديث والآيات الناهية عن الاختلاف في الدين المتضمنة لذمه ~~كلها شهادة صريحة بأن الحق عند الله واحد، وما عداه فخطأ، ولو كانت تلك ~~الأقوال كلها صوابا لم ينه الله ورسوله عن الاختلاف ولا ذمه. # وأيضا فقد أخبر الله تعالى أن الاختلاف ليس من عنده وما لم يكن من عنده ~~فليس بالصواب، قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} [النساء: 82] وهو وإن كان في اختلاف ألفاظه فهو يدل على أن ما اختلف ~~معانيه ليس من عند الله إذ المعنى هو المقصود. # وأيضا إذا اختلف المجتهدان فرأى أحدهما إباحة دم إنسان، والآخر تحريمه ~~ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا مخلدا في النار، والآخر رآه مؤمنا من أهل ~~الجنة، فلا يخلو إما أن يكون الكل حقا وصوابا عند الله تعالى في نفس الأمر، ~~أو الجميع خطأ عنده، أو الصواب والحق في واحد من ms611 القولين والآخر خطأ، ~~والأول والثاني ظاهر الإحالة وهما بالهوس أشبه منهما بالصواب فكيف يكون ~~إنسان واحد مؤمنا كافرا مخلدا في الجنة وفي النار، وكون المصيب واحدا هو ~~الحق وهو منصوص الإمام أحمد ومالك والشافعي، كما حكاه أبو إسحاق في شرح ~~اللمع له أن مذهب الشافعي أن المصيب واحد، هذا قوله في القديم والجديد. # قال القاضي أبو الطيب: وليس عنده مسألة تدل على أن كل مجتهد مصيب، وأقوال ~~الصحابة كلها صريحة أن الحق عند الله في واحد من الأقوال المختلفة وهو دين ~~الله في نفس الأمر الذين لا دين له سواه. # وليس الغرض استقصاء هذه المسألة بل المقصود أن الخطأ يقع فيما سموه فروعا ~~كما يقع فيما جعلوه أصولا فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر ~~الواحد من الدين وما لا يجوز، ولا يجدون إلى الفرق سبيلا إلا بدعاو باطلة ~~ثم نطالبهم بالفرق بين مسائل الأصول والفروع وما ضابط ذلك، ثم نطالبهم ~~بالفرق بين ما يأثم جاحده أهو إثم كفر أو فسوق وما لا يأثم جاحده، ونطالبهم ~~بالفرق بين ما المطلوب منه القطع اليقيني، وما يكتفى فيه الظن ولا سبيل لهم ~~إلى تقرير شيء من ذلك ألبتة. # قال الجويني وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع فقالوا: الأصل ما ~~فيه دليل قطعي والفرع بخلافه. # PageV01P594 # قلت: وهذا يلزم منه الدور فإنه إذا قيل: لا تثبت الأصول إلا بالدليل ~~القطعي ثم قيل: والأصل ما عليه دليل قطعي كان ذلك دورا ظاهرا. # وأيضا فإن كثيرا من المسائل العملية بل أكثرها عليها أدلة قطعية كوجوب ~~الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة ونقض الوضوء بالبول والغائط ووجوب ~~الغسل بالاحتلام، وهكذا أكثر الشريعة أدلتها قطعية، وكثير من المسائل التي ~~هي عندهم أصول أدلتها ظنية. # وهكذا في أصول الدين وأصول الفقه أكثر من أن يذكر، كالقول بالمفهوم ~~والقياس، وتقدمهما على العموم والأمر بعد الحظر ومسألة انقراض العصر، وقول ~~الصحابي، والاحتجاج بالمراسيل وشرع من قبلنا، وأضعاف ذلك. # وكذلك أصول الدين كمسألة الحال وبقاء الرب تعالى وقدمه هل هي بقاء ms612 وقدم ~~زائدين على الذات، والوجود الواجب هل من نفس الماهية أو زائد عليها، وإثبات ~~المعنى القائم بالنفس وغير ذلك، فعلى هذا الفرق تكون هذه المسائل ونحوها ~~فرعية وتلك المسائل العملية أصولية. # قال: وقيل: الأصل ما لا يجوز التعبد فيه إلا بأمر واحد معين والفرع ~~بخلافه. # قلت: وهذا الفرق أفسد من الأول فإن أكثر الفروع لا يجوز التعبد فيها إلا ~~بالمشروع على لسان كل نبي، فلا يجوز التعبد بالسجود للأصنام وإباحة الفواحش ~~وقتل النفوس والظلم في الأموال، وانتهاك الأعراض وشهادات الزور ونحو ذلك، ~~وإن كان نفاة التحسين والتقبيح يجوزون التعبد بذلك، ويقولون يجوز أن تأتي ~~الشرائع من عند الله تعالى بذلك، فقولهم من أبطل الباطل، وقد ذكرنا فساده ~~من أكثر من ستين وجها في غير هذا الكتاب، وإنه مما يعلم بطلانه بالضرورة. # قال: وقيل: الأصل بما يجوز أن يعلم من غير تقديم ورود الشرع والفرع ~~بخلافه، وهذا الفرق أيضا في غاية الفساد، فإن أكثر المسائل التي يسمونها ~~أصولا لم تعلم إلا بعد ورود الشرع، كاقتضاء الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ~~وكون القياس حجة وكون الإجماع حجة، بل أكثر مسائل أصول الدين لم تعلم إلا ~~بالسمع، فجواز رؤية الرب تبارك وتعالى يوم القيامة واستواؤه على عرشه بخلاف ~~مسألة علوه فوق المخلوقات بالذات فإنها فطرية ضرورية، وأكثر مسائل المعاد ~~وتفصيله لا يعلم قبل ورود الشرع، ومسائل عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين ~~وغير ذلك من مسائل الأصول التي لا تعلم قبل ورود الشرع. # PageV01P595 # وقال القاضي أبو بكر بن الباقلاني: كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار ~~الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا، فهي من الأصول، عقلية كانت أو شرعية، ~~والفرع ما لا يحرم الخلاف فيه أو ما لا يأثم المخطئ فيه، وهذا وإن كان أقرب ~~مما قبله باطل أيضا، فإن كان كثير من مسائل الفروع قطعيا وإن كان فيها خلاف ~~وإن كان لا يأثم المخطئ فيها لخفاء الدليل عليه وإن كان قطعيا فلا يلزم ~~الاشتراك في القطعيات، وقد سلم القاضي ذلك فيما إذا خفي عليه النص. ms613 # وقد ذكر بعضهم فرقا آخر فقال: الأصوليات هي المسائل العلميات، والفروعيات ~~هي المسائل العلمية المطلوب منها أمران: العلم والعمل، والمطلوب من ~~العمليات العلم والعمل أيضا، وهو حب القلب وبغضه وحبه للحق الذي دلت عليه ~~وتضمنته، وبغضه الباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصورا على عمل الجوارح، ~~بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع فكل مسألة علمية ~~فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه وذلك عمل بل هو أصل العمل، وهذا مما ~~غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق ~~دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيرا من الكفار كانوا جازمين ~~بصدق النبي صلى الله عليه وسلم غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك ~~التصديق عمل القلب من حب ما جاء به والرضا به وإرادته والموالاة والمعاداة ~~عليه. # فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جدا، به تعرف حقيقة الإيمان. # فالمسائل العلمية عملية والمسائل العملية علمية فإن الشارع لم يكتف من ~~المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم ~~دون العمل. # وفرق آخرون بين الأصول والفروع بأن مسائل الأصول هي التي يكفر جاحدها، ~~كالتوحيد والرسالة والمعاد وإثبات الصفات، ومسائل الفروع ما لا يكفر ~~جاحدها، كوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة واشتراط الطمأنينة ووجوب مسح الرأس ~~كله في الوضوء ونحو ذلك، وهذا الفرق غير مطرد ولا منعكس، فإن كثيرا من ~~مسائل الفروع يكفر جاحدها، وكثير من مسائل الأصول لا يكفر جاحدها كما تقدم ~~بيانه. # وأيضا فالتكفير حكم شرعي، فالكافر من كفره الله ورسوله، والكفر جحد ما ~~علم أن الرسول جاء به، سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية، ~~فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معرفته بأنه جاء به فهو ~~كافر في دق الدين وجله. # PageV01P596 # وفرق آخرون بين الأصول والفروع بأن الأصول ما تتعلق بالخبر، والفروع ما ~~تتعلق بالطلب، وهذا الفرق غير خارج عن الفروق المتقدمة، وهو فاسد أيضا، فإن ~~العبد مكلف بالتصديق بهذا وهذا، علما ms614 وإيمانا وعملا وحبا ورضا، وموالاة ~~عليه ومعاداة كما تقدم. # وفرق آخرون بينهما بأن مسائل الأصول هي ما لا يسوغ التقليد فيها، ومسائل ~~الفروع يجوز التقليد فيها، وهذا مع أنه دور ممتنع فإنه يقال لهم: ما الذي ~~يجوز فيه التقليد؟ فيقولون: مسائل الفروع، والذي لا يجوز التقليد فيه مسائل ~~الأصول، وهو أيضا فاسد طردا وعكسا، فإن كثيرا من مسائل الفروع لا يجوز ~~التقليد فيها كوجوب الطهارة والصلاة والزكاة وتحريم الخمر والربا والفواحش ~~والظلم، فإن من لم يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بذلك وشك فيه لم ~~يعرف أنه رسول، كما أن من لم يعلم أنه جاء بالتوحيد وتصديق المرسلين وإثبات ~~معاد الأبدان وإثبات الصفات والعلو والكلام، لم يعرف كونه مرسلا فكثير من ~~المسائل الخبرية الطلبية يجوز فيها التقليد للعاجز عن الاستدلال، كما أن ~~كثيرا من المسائل العملية لا يجوز فيها التقليد. # فتقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به تقسيم غير مطرد، ~~ولا منعكس ولا عليه دليل صحيح. # وأيضا فالتقليد قبول قول الغير بغير حجة، ومن قبل قول غيره فيما يحكيه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء به خبرا أو طلبا، فإنما قبل قوله لما ~~أسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه حجة لكن تقدير مقدماتها ودفع ~~الشبه المعارضة لها قد لا يقدر عليه كل أحد، فما كل من عرف الشيء بدليله ~~أمكنه تقريره بجميع مقدماته والتعبير عنه ولا دفع المعارض له، فإن كان ~~العجز عنه تقليدا كان جمهور الأمة مقلدين في التوحيد وإثبات الرسالة ~~والمعاد، وإن يكن العجز عنه تقليدا لم يكونوا مقلدين في التوحيد وإثبات ~~الرسالة والمعاد، وإن لم يكن العجز عنه تقليدا لم يكونوا مقلدين في أكثر ~~الأحكام العملية التي يحتاجون إليها، وهذا هو الحق، فإن جمهور الأمة مبنى ~~تعبداتها وتحريمها وتحليلها على ما علمته من نبيها بالضرورة، وأنه جاء به، ~~ولو سئلت عن تقريره لعجز عنه أكثرهم كما يجزم بالتوحيد، وأن الله فوق خلقه، ~~وأن القرآن كلامه، ms615 وأنه يبعث من في القبور، ولو سئل عن ذلك لعجز عنه ~~أكثرهم. # وأما المقام السادس: وهو أن الظن المستفاد من أخبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على # PageV01P597 # زعمهم أقوى من الجزم المستند إلى تلك القضايا الوهمية، فهذا يعرفه من عرف ~~هذا وهذا، ومن لا خبرة له بالأمرين يسمعهم يقولون لقضاياهم الباطلة: قواطع ~~عقلية وبراهين يقينية، ويقولون لنصوص القرآن والسنة: ظواهر سمعية لا تفيد ~~اليقين، قد يقع له صحة قولهم تقليدا لهم وإحسانا للظن بهم، واستنادا إلى ~~بعض الشبه التي يذكرونها وأما المستبصر فيما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وفيما عند القوم فإنه يجزم بالضرورة أن الأمر بخلاف ذلك، وأن قضاياهم ~~التي خالفوا فيها النصوص لا تفيد علما ولا ظنا البتة، بل يقولون: صريح ~~العقول والفطر تشهد بكذبها وبطلانها، وإن اتفق عليها طائفة كثيرة، فأكثر ~~طوائف أهل الباطل جميعهم تجد كل طائفة منهم متفقين على ما هو معلوم الفساد ~~بضرورة العقل وفطرة الله التي فطر الناس عليها، فالمتكلمون كل طائفة منهم ~~تشهد على مخالفيها بأنهم خالفوا صريح المعقول والفطرة، وقد ذكرنا من ذلك ~~طرفا فيما تقدم من هذا الكتاب مما خالف المتكلمون والفلاسفة صريح المعقول ~~فيه. والعجب أنك ترى كثيرا منهم يقطع بالقول ويكفر من خالفه ثم يقطع هو ~~بخلافه أو يتوقف فيه، وهذا كثير فيهم جدا. # قال أبو المظفر السمعاني: كل فريق من المبتدعة يعتقد أن ما يقوله هو الحق ~~الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأن كلهم يدعون شريعة ~~الإسلام ملتزمون في الظاهر شعارها يرون أن ما جاء به محمد هو الحق غير أن ~~الطرق تفرقت بهم بعد ذلك، وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأن الحق الذي ~~قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يعتقده وينتحله. # غير أن الله تعالى أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث ~~والآثار لأنهم أخذوا ms616 دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف، وقرنا عن قرن إلى أن ~~انتهوا إلى التابعين وأخذه التابعون عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخذه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا طريق إلى معرفة ما دعا ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من الدين المستقيم والصراط القويم ~~إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث. # وأما سائر الفرق فطلبوا الدين بغير طريقه لأنهم رجعوا إلى معقولهم ~~وخواطرهم وآرائهم، فإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرضوه على معيار ~~عقولهم، فإن استقام لهم قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه، فإن ~~اضطروا إلى قبوله حرفوه # PageV01P598 # بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة فحادوا عن الحق وزاغوا عنه ونبذوا ~~الدين وراء ظهورهم، وعلوا السنة تحت أقدامهم. # وأما أهل السنة فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلها وما ~~وقع لهم من معقولهم وخواطرهم وآرائهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه ~~موافقا لهما قبلوه وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم له، وإن وجدوه مخالفا ~~لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على ~~أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يكون ~~حقا وقد يكون باطلا. # وهذا قول أبي سليمان الداراني وهو أوحد أهل زمانه قال: ما حدثتني نفسي ~~بشيء إلا طلبت عليه شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتي بهما وإلا رددته. # (قال) : ومما يدل أن أهل الحديث على الحق أنك لو طلعت جميع كتبهم المصنفة ~~من أولها إلى آخرها، قديمها وحديثها، وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم ~~وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار في باب ~~الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنه ~~ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافا ~~ولا تفرقا في شيء ما، وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه ~~عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل ms617 على الحق ~~دليل أبين من هذا؟ قال الله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] وقال تعالى: {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ~~بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] . # وأما إذا نظرت إلى أهل البدع رأيتهم متفرقين مختلفين شيعا وأحزابا، ولا ~~تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا، بل ~~يرتقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والأخ أخاه، والجار جاره، وتراهم ~~أبدا في تنازع وتباغض واختلاف تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم {تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر: 14] أوما سمعت بأن ~~المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللون يكفر البغداديون منهم البصريين، ~~والبصريون البغداديين ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي # PageV01P599 # وابنه أبا هاشم وأصحابه، وأصحاب أبي هاشم يكفرون أبا علي وأصحابه، وكذلك ~~سائر رءوسهم وأصحاب المقالات منهم إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر ~~بعضهم بعضا، وكذلك الخوارج والرافضة فيما بينهم، وسائر المبتدعة كذلك، وهل ~~على الباطل أظهر من هذا؟ قال الله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} [الأنعام: 159] فبرأ الله رسوله ~~من أهل هذا التفرق والاختلاف. # (قال) : وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب ~~والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين من ~~عقولهم فأورثهم التفرق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين ~~قلما تختلف، وإن اختلفت في لفظه أو كلمه فذلك الاختلاف لا يضر الدين ولا ~~يقدح فيه، وأما المعقولات والخواطر، والأراء فقلما تتفق، بل عقل كل واحد ~~ورأيه وخاطره يري صاحبه غير ما يري الآخر. # قال وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مسائل الفروع اختلاف العقائد في ~~الأصول، فإنا وجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم اختلفوا ~~بعده في أحكام الدين، فلم يتفرقوا ولم يكونوا شيعا، لأنهم لم يفارقوا ~~الدين، ونظروا فيما أذن لهم فاختلف أقوالهم وآراؤهم في مسائل ms618 كثيرة كمسألة ~~الجد والمشركة وذوي الأرحام وأمهات الأولاد وغير ذلك، فصاروا باختلاف في ~~هذه الأشياء محمودين، وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة لهذه الأمة حيث ~~أيدهم بالتوفيق واليقين، ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه في ~~التنزيل والسنة، وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم أخوة ~~الإسلام، ولم ينقطع عنهم نظام الألفة، فلما حدثت هذه الأهواء المردية ~~الداعية أصحابها إلى النار وصاروا أحزابا انقطعت الأخوة في الدين وسقطت ~~الألفة، وهذا يدل على أن التنائي، والفرقة إنما حدث في المسائل المحدثة ~~التي ابتدعها الشيطان ألقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضها بعضا ~~بالكفر، فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس واختلفوا، ولم يورث هذا ~~الاختلاف بينهم عداوة ولا نقصا ولا تفرقا، بل بقيت بينهم الألفة والنصيحة ~~والمودة، والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يجوز النظر فيها، ~~والآخر يقول من تلك الأقوال ما لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا كما ظهر مثل هذا ~~الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء # PageV01P600 # الألفة والمودة، وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث اختلافهم في ذلك ~~التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى إلى التكفير، علمت أن ذلك ~~ليس من أمر الدين في شيء، بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ويعرض عن الخوض ~~فيها. # إن لله تعالى شرطا في تمسكنا بالإسلام أن نصبح في ذلك إخوانا، فقال ~~تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] . # قال: (فإن قال قائل) : الخوض في مسائل القدر والصفات والإيمان يورث ~~التقاطع والتدابر، فيجب طرحها والإعراض عنها على ما قررتم. # (فالجواب) : إنما قلنا هذا في المسائل المحدثة، فأما هذه المسائل فلا بد ~~من قبولها على ما ثبت به النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~ولا يجور لنا الإعراض عن نقلها وروايتها وبيانها كما في أصل الإسلام ~~والدعاء إلى التوحيد وإظهار الشهادتين، وقد بينا أن الطريق المستقيم مع أهل ~~الحديث وأن الحق فيما رووه ونقلوه. # (فإن ms619 قال قائل) : أنتم سميتم أنفسكم أهل السنة وما نراكم في ذلك إلا ~~مدعين لأنا وجدنا كل فرقة من الفرق تنتحل أتباع السنة، وتنسب من خالفها إلى ~~البدعة وليس على أصحابكم منها سمة وعلامة أنهم أهلها دون من خالفها من سائر ~~الفرق، وكلنا في انتحال هذا اللقب شركاء متكافئون، ولستم بأولى بهذا اللقب ~~إلا أن تأتوا بدلالة ظاهرة من الكتاب والسنة أو من إجماع المعقول. # (فالجواب) : أن الأمر على ما زعمتم أنه لا يصح لأحد دعوى إلا ببينة عادلة ~~أو بدلالة ظاهرة من الكتاب والسنة، وهما لنا قائمتان بحمد الله ومنه قال ~~الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ~~فأمرنا اتباعه وطاعته فيما سنه وأمر به وما نهى عنه وما حكم به، وقال: " ~~«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» " وقال: " «ومن رغب ~~عن سنتي فليس مني، ومن أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة» " ~~فعرفنا سنته ووجدناها بهذه الآثار # PageV01P601 # المشتهرة التي رويت بالأسانيد الصحيحة المتصلة التي ينقلها حفاظ العلماء ~~وثقاتهم بعضهم عن بعض. # ثم نظرنا فرأينا فرقة أصحاب الحديث لها أطلب وفيها أرغب، ولها أجمع، ~~ولأصحابها أتبع، فعلمنا يقينا أنهم أهلها دون من عداهم من جميع الفرق، فإن ~~صاحب كل حرفة أو صناعة إن لم يكن معه دلالة وآلة من آلات تلك الصناعة ~~والحرفة ثم ادعى تلك الصناعة كان في دعواه مبطلا، فإذا كانت معه آلات ~~الصناعة والحرفة شهدت له تلك الآلات بصناعته، بل شهد له كل من غايته قبل ~~الاختيار، كما إذا رأيت رجلا قد فتح باب دكانه على بز علمت أنه بزاز أو على ~~تمر علمت أنه تمار أو على عطر علمت أنه عطار، أو إذا رأيت بين يديه الكير ~~والسندان والمطرقة علمت أنه حداد، وكل صاحب صنعة يستدل على صناعته بآلته ~~فحكم له بها بالمعاينة من غير اختيار، فلو رأيت بين يدي إنسان قدوما أو ~~منشارا ومثقبا وهو مستعد للعمل بها ثم سميته خياطا جهلت، ولو قال صاحب ~~التمر ms620 لصاحب العطر: أنا عطار، وصاحب البناء للبزاز: أنا بزاز، قال له: ~~كذبت، وصدقه الناس على تكذيبه، ثم كل صاحب صنعة وحرفة يفتخر بصناعته ويجالس ~~أهلها ويألفهم ويستفيد منهم ويحرص على بلوغ الغاية في صناعته، وأن يكون ~~فيها أستاذا، ورأينا أصحاب الحديث قديما وحديثا هم الذين رحلوا في هذه ~~الآثار وطلبوا فأخذوها من معادنها وحفظوها واغتبطوا بها ودعوا إلى اتباعها، ~~وعابوا من خالفهم، وكثرت عندهم وفي أيديهم، حتى اشتهروا بها كما يشتهر ~~أصحاب الحرف والصناعات بصناعتهم وحرفهم، ثم رأينا قوما انسلخوا من حفظها ~~ومعرفتها وتنكبوا عن اتباع صحيحها وشهيرها، وغنوا عن صحبة أهلها، وطعنوا ~~فيها وفيهم، وزهدوا الناس في حقها وضربوا لها ولأهلها أسوأ الأمثال، ~~ولقبوهم أقبح الألقاب، فسموهم نواصب ومشبهة وحشوية ومجسمة، فعلمنا بهذه ~~الدلائل الظاهرة والشواهد القائمة أن أولئك أحق بها من سائر الفرق. # ومعلوم أن الاتباع هو الأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صحت ~~عنه والخضوع لها والتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدنا أهل ~~الأهواء بمعزل عن ذلك، فهذه علامة ظاهرة ودليل واضح يشهد لأهل السنة ~~باستحقاقها، وعلى أهل البدع والأهواء بأنهم ليسوا من أهلها. # قلت: ولهم علامات أخر (ومنها) أن أهل السنة يتركون أقوال الناس لهم، وأهل # PageV01P602 # البدع يتركونها لأقوال الناس (ومنها) أن أهل السنة يعرضون أقوال الناس ~~عليهم فما وافقها قبلوه وما خالفها طرحوه، وأهل البدع يعرضونها على آراء ~~الرجال، فما وافق آراءها منها قبلوه وما خالفها تركوه وتأولوه (ومنها) أن ~~أهل السنة يدعون عند التنازع إلى التحاكم إليها دون آراء الرجال وعقولها ~~وأهل البدع يدعون إلى التحاكم إلى آراء الرجال ومعقولاتها (ومنها) أن أهل ~~السنة إذا صحت لهم السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتوقفوا عن ~~العمل بها واعتقاد موجبها على أن يوافقها موافق، بل يبادرون إلى العمل بها ~~من غير نظر إلى من وافقها أو خالفها، وقد نص الشافعي على ذلك في كثير من ~~كتبه، وعاب على من يقول: لا أعمل بالحديث حتى أعرف من ms621 قال به ذهب إليه، بل ~~الواجب على من بلغته السنة الصحيحة أن يقبلها وأن يعاملها بما كان يعاملها ~~به الصحابة حين يسمعونها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل نفسه منزلة ~~من سمعها منه صلى الله عليه وسلم قال الشافعي: وأجمع الناس على أن من ~~استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد، ~~وهذا من أعظم علامات أهل السنة أنهم لا يتركونها إذا ثبتت عندهم لقول أحد ~~من الناس كائنا من كان. # ومنها: أنهم لا ينتسبون إلى مقالة معينة ولا إلى شخص معين غير الرسول ~~فليس لهم لقب يعرفون به ولا نسبة ينتسبون إليها، إذا انتسب سواهم إلى ~~المقالات المحدثة وأربابها كما قال بعض أئمة أهل السنة وقد سئل عنها فقال: ~~السنة ما لا اسم له سوى السنة، وأهل البدع ينتسبون إلى المقالة تارة ~~كالقدرية والمرجئة، وإلى القائل تارة كالهاشمية والنجارية والضراوية، وإلى ~~الفعل تارة كالخوارج والروافض، وأهل السنة بريئون من هذه النسب كلها، وإنما ~~نسبتهم إلى الحديث والسنة (ومنها) أن أهل السنة إنما ينصرون الحديث الصحيح ~~والآثار السلفية، وأهل البدع ينصرون مقالاتهم ومذاهبهم (ومنها) أن أهل ~~السنة إذا ذكروا السنة وجردوا الدعوة إليها نفرت من ذلك قلوب أهل البدع ~~فلهم نصيب من قوله تعالى: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا} [الإسراء: 46] وأهل البدع إذا ذكرت لهم شيوخهم ومقالاتهم استبشروا ~~بها فهم كما قال تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} [الزمر: 45] # PageV01P603 # منها: أن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق فلهم نصيب وافر من العلم ~~والرحمة، وربهم تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، وأهل البدع يكذبون بالحق ~~ويكفرون الخلق، فلا علم عندهم ولا رحمة، وإذا قامت عليهم حجة أهل السنة ~~عدلوا إلى حبسهم وعقولهم إذا أمكنهم، ورثة فرعون فإنه لما قامت عليه حجة ~~موسى ولم يمكنه عنها جواب قال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ms622 المسجونين} ~~[الشعراء: 29] (ومنها) أن أهل السنة إنما يوالون ويعادون على سنة نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم وأهل البدع يوالون ويعادون على أقوال ابتدعوها (ومنها) أن ~~أهل السنة لم يؤصلوا أصولا حكموها وحاكموا خصومهم إليها وحكموا على من ~~خالفها بالفسق والتكفير، بل عندهم الأصول كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وما كان عليه الصحابة. # ومنها: أن أهل السنة إذا قيل لهم قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وقفت قلوبهم عند ذلك ولم تعده إلى أحد سواه، ولم تلتفت إلى ماذا قال فلان ~~وفلان، وأهل البدع بخلاف ذلك. # (ومنها) أن أهل البدع يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم، صحيحا كان أو ~~ضعيفا ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث الصحيحة، فإذا عجزوا عن رده ~~نفوه عوجا بالتأويلات المستنكرة التي هي تحريف له عن مواضعه وأهل السنة ليس ~~لهم هوى في غيرها. ### | فصل المقام السابع اختلاف درجة الدليل بحسب درجة فهم المستدل # فصل # وأما المقام السابع: وهو أن كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر ~~نسبي يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل في نفسه، فهذا أمر ~~لا ينازعه فيه عاقل، فقد يكون قطعيا عند زيد ما هو ظني عند عمرو، فقولهم: ~~إن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول ~~لا تفيد العلم، بل هي ظنية هو إخبار عما عندهم، إذا لم يحصل لهم من الطرق ~~التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم لم نستفد بها العلم، ~~لم يلزم منها النفي العام على ذلك بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء ~~العالم به غير واجد له ولا عالم به، فهو كمن يجد من نفسه وجعا أو لذة أو ~~حبا أو بغضا فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا ~~مبغض، ويكثر له من الشبه التي غايتها إني لم أجد ما وجدته، ولو كان حقا ~~لاشتركت أنا وأنت فيه، وهذا عين الباطل، وما أحسن ما قيل: ms623 # أقول للائم المهدي ملامته ... ذق الهوى وإن اسطعت الملام لم # PageV01P604 # فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والحرص ~~عليه وتتبعه وجمعه ومعرفة أحوال نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه واجعله غاية ~~طلبك ونهاية قصدك، بل احرص عليه حرص أتباع أرباب المذاهب على معرفة مذاهب ~~أئمتهم بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهب أئمتهم بحيث حصل لهم العلم ~~الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم، ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه ~~(وحينئذ) تعلم هل تفيد أخبار رسول صلى الله عليه وسلم العلم أو لا تفيده ~~فأما مع إعراضك عنها وعن طلبها فهي لا تفيدك علما، ولو قلت: لا تفيدك أيضا ~~ظنا لكنت مخبرا بحصتك ونصيبك منها. ### | فصل المقام الثامن انعقاد الإجماع على قبول أحاديث الآحاد # فصل # وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه ~~الأحاديث وإثبات صفات الرب تعالى بها، فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة ~~بالمنقول، فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث وتلقاها بعضهم عن بعض ~~بالقبول ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقاها عنهم جميع التابعين ~~من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم ~~يسمعها منهم تلقاها عن التابعين كذلك وكذلك تابع التابعين مع التابعين. # هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم ~~وأمانتهم ونقلهم ذلك عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كنقلهم الوضوء والغسل من ~~الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتها، ونقل الأذان والتشهد والجمعة والعيدين، ~~فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ ~~والكذب في نقلها جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرنا (وحينئذ) فلا وثوق ~~لنا بشيء نقل لنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم البتة، وهذا انسلاخ من الدين ~~والعلم والعقل، على أن كثيرا من القادحين في دين الإسلام قد طردوا وقالوا: ~~لا وثوق لنا بشيء من ذلك البتة. # قالوا: وأظهر شيء الآذان والإقامة، وقد اختلفوا عليه فيهما، هل يرجع أم ~~لا؟ ms624 ويثني الإقامة أو يفرد؟ ، وهذا تشهد الصلاة قد اختلف فيه عنه صلى الله ~~عليه وسلم على وجوده، وكذلك جهره بالبسملة وإخفاؤها، وهو من أظهر الأمور، ~~يفعل في اليوم والليلة خمس مرات بحضرة الجمع. # PageV01P605 # قالوا: وأظهروا من ذلك حجة الوداع فإنها حجة واحدة، وقد شاهده الجمع ~~العظيم والجم الغفير، فهذا يقول أفرد، وهذا يقول تمتع، وهذا يقول قرن، فكيف ~~لنا بعد ذلك بالوثوق بشيء من الأحاديث، فلذلك أطرحناها رأسا، فهؤلاء أعطوا ~~الانسلاخ من السنة والدين حقه، وطردوا كفرهم وخلعوا ربقة الإسلام من ~~أعناقهم، وتقسمت الفرق قولهم هذا في رد الأحاديث (فطائفة) ردتها رأسا وجوزت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطأ والغلط، وهؤلاء سلف الخوارج الذين ~~قدح رئيسهم في فعله صلى الله عليه وسلم وقال: له «اعدل، فإنك لم تعدل» وقال ~~له الآخر: «إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله» ، فقدح هذا في قصده وقدح ~~الآخر في حكمه وعدله. # وطائفة أخرى قالوا: لا نقبل منها إلا ما وافق القرآن، وما لا يشهد له ~~القرآن فإنا نرده ولا نقبله، وهذه الطائفة هم الذين قال فيهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " «يوشك الرجل أن يكون شبعان متكئا على أريكته يأتيه الأمر ~~من أمري فيقول: بيننا وبينكم القرآن، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما ~~وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مثل ما حرم الله» " وفي السنن من حديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " «ألا هل رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على ~~أريكته فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما ~~وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله» " وممن أحسن ~~الرد على هذه الطائفة الشافعي رحمه الله في كتاب جماع العلم وإبطال ~~الاستحسان وفي الرسالة وغيرها. # وطائفة ثالثة قالت: نقبل من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~متواترها ونرد آحادها، سواء كان مما يقتضي علما ms625 أو عملا، وقد ناظر الشافعي ~~بعض أهل زمانه في ذلك، فأبطل الشافعي قوله وأقام عليه الحجة، وعقد في ~~الرسالة بابا أطال فيه الكلام في تثبيت خبر الواحد ولزوم الحجة به، وخروج ~~من رده عن طاعة الله ورسوله، ولم يفرق هو ولا أحد من أهل الحديث البتة بين ~~أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات، ولا يعرف # PageV01P606 # هذا الفرق عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين، ولا من تابعهم ولا ~~عن أحد من أئمة الإسلام، وإنما يعرف عن رءوس أهل البدع ومن تبعهم. # وطائفة رابعة: ردت أخبار الصحابة كلهم إلا ما كان من أخبار أهل البيت ~~وشيعتهم خاصة، وهذا مذهب الرافضة، فلم يقبل هؤلاء قول أبي بكر وعمر وعثمان. # وطائفة خامسة: ردت أخبار المقتتلين يوم الجمل وصفين، وقبلت خبر غيرهم ~~قالوا: لأنه قد فسق إحدى الطائفتين وهي غير معينة فلا يقبل خبرها ويقبل خبر ~~غيرها. # وطائفة سادسة: قبلت خبر الأربعة بشرط تنائي بلدانهم، وأن يكون كل واحد ~~منهم قبله عن غير الذي قبله صاحبه، ثم قبله عنه من أداه إلينا ممن لم يقبل ~~عن صاحبه، حكاه الشافعي عمن ناظره عليه ورده إذا لم يكن على هذه الصفة. # (قال الشافعي) فقلت له: أرأيت لو لقيت رجلا من أهل بدر وهم المقدمون ممن ~~أثنى الله عليهم في كتابه، فأخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكان ~~يلزمك أن تقول به؟ قال: لا يلزمني، لأنه قد يمكن في الواحد الغلط والنسيان، ~~ثم أخذ الشافعي في إبطال هذا المذهب. # وطائفة سابعة: قبلت خبر الواحد إذا لم يكن بين الصحابة نزاع في مضمونه ~~وردته إذا تنازعوا في حكمه، حكاه الشافعي أيضا ورده. # وطائفة ثامنة: قبلت خبر الواحد فيما لا يسقط بالشبهة، وردته فيما يسقط ~~بها كالحدود التي تدرأ بالشبهات، وزعمت أن احتمال الغلط والكذب عن الراوي ~~شبهة في إسقاط الحد، وهذا مذهب المعتزلة، وحكوه عن أبي عبد الله البصري. # وطائفة تاسعة: ردت خبر الواحد إذا لم يروه غيره، وقبلته إذا رواه ثقة آخر ~~فصاعدا حكاه عنهم ms626 أبو بكر الرازي من الحنفية. # وطائفة عاشرة: ردته فيما تعم به البلوى وقبلته فيما عداه، وحكوه عن أبي ~~حنيفة، وهو كذب عليه وعلى أبي يوسف ومحمد، فلم يقل ذلك أحد منهم البتة، ~~وإنما هذا قول متأخريهم، وأقدم من قال به عيسى بن أبان وتبعه أبو الحسن ~~الكرخي وغيره. # وطائفة حادية عشر: ردوه إذا كان الراوي له من الصحابة غير فقيه بزعمهم ~~وقبلوه إذا كان فقيها، وبمثل ذلك ردوا رواية أبي هريرة إذا خالفت آراءهم، ~~قالوا: لم يكن فقيها، وقد أفتى في زمن عمر بن الخطاب وأقره على الفتوى، ~~واستعمله نائبا على البحرين وغيرها، ومن تلاميذه عبد الله بن عباس وغيره من ~~الصحابة، وسعيد بن المسيب وغيره من التابعين. # PageV01P607 # قال البخاري: روى العلم عنه ثمان مائة ما بين صاحب وتابع، وكان من أعلم ~~الصحابة بالحديث وأحفظهم له، وكان قارئا للقرآن، وكان عربيا، والعربية ~~طبعه، وكان الصحابة يرجعون إلى روايته ويعملون بها، نعم كان فقهه نوعا آخر ~~غير الخواطر والآراء. # قال الشافعي: ناظرت محمدا في مسألة المصراة فذكرت الحديث، فقال هذا خبر ~~رواه أبو هريرة، وكان الذي جاء به شرا مما فر منه أو كما قال. # وطائفة ثانية عشر: ردوا الحديث إذا خالف ظاهر القرآن بزعمهم، وجعلوا هذا ~~معيارا لكل حديث خالف آراءهم، فأخذوا عموما بعيدا من الحديث لم يقصد به ~~فجعلوه مخالفا للحديث وردوه به، فردوا حديث ابن عمر في خيار المجلس بمخالفة ~~قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] وردوا أحاديث ~~القرعة لمخالفة ظاهر قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] وردوا حديث عمران بن الحصين فيمن أعتق ~~ستة أعبد في مرض موته لمخالفة ظاهر قوله: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ~~وردوا أحاديث فاطمة بنت قيس لمخالفة ظاهر قوله: {أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم} [الطلاق: 6] وردوا أحاديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة لمخالفة ~~ظاهر قوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] وردوا أحاديث الشفاعة ~~لمخالفة ظاهر قوله: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192] ~~وردوا ms627 حديث العرايا والمصراة لمخالفة ظاهر الربا لهما، وردوا حديث " «لعن ~~الله المحلل والمحلل له» " بظاهر قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ~~وردوا حديث " «من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به» " بظاهر ~~قوله: {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] وردوا # PageV01P608 # حديث " «النهي عن بيع الرطب بالتمر» " بظاهر قوله: {وأحل الله البيع} ~~[البقرة: 275] وردوا حديث " «النهي عن بيع الحاضر للبادي وعن تلقي الركبان» ~~" بهذا الظاهر، وردوا حديث الحكم بالشاهد واليمين بظاهر قوله تعالى: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وردوا حديث " «لا يقتل مؤمن ~~بكافر» " بظاهر قوله: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] وردوا حديث " «لا نكاح ~~إلا بولي» " بظاهر قوله: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] وردوا حديث ~~إباحة لحوم الخيل بظاهر قوله: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} ~~[النحل: 8] وردوا حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» " بظاهر قوله تعالى: ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وظاهر ~~قوله: " «فيما سقت السماء العشر» " وردوا " «ذكاة الجنين # PageV01P609 # ذكاة أمه» " بظاهر قوله: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] وردوا حديث ~~تحريم تفضيل بعض الولد على بعض في العطية، وقوله: " «إن هذا لا يصلح» " ~~وتسميته إياه جورا وامتناعه من الشهادة على الجور، وقوله أشهدوا على هذا ~~غيري تهديدا وإعلاما أن مسلما لا يشهد على مثل ذلك، وقد امتنع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الشهادة عليه، وردوا حديث " «لا صلاة لمن لم يقرأ ~~فيها بفاتحة الكتاب» بقوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] وردوا حديث ~~" «لا يقبل الله صلاة من لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده» " بظاهر قوله: ~~{واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43] وردوا الحديث لكونه يتضمن ~~زيادة على القرآن فيكون نسخا له والقرآن لا ينسخ بالحديث، وردوا بهذه ~~القاعدة الفاسدة ما شاء من الأحاديث الصحيحة الصريحة، كأحاديث فرض ~~الطمأنينة، وأحاديث فرض الفاتحة، وحديث تغريب الزاني. # وقد أنكر الأئمة على من رد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن، ~~وقالوا: لا ترد السنة بالقرآن فكيف بمن ردها برأي أو قياس أو ms628 قاعدة هو ~~وضعها، ولهذا كان الصواب مع من قبل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصحيح الثابت عنه صلى الله عليه وسلم من غير وجه أن «الميت يعذب ببكاء ~~أهله عليه» دون من رده بظاهر القرآن {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: ~~164] # PageV01P610 # وأعجب من ذلك من رده بقوله: {وأنه هو أضحك وأبكى} [النجم: 43] وكان ~~الصواب مع من قبل حديث فاطمة بنت قيس في إسقاط النفقة والسكنى للمبتوتة دون ~~من رده بقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] وكان ~~الصواب قبول حديث خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لقتلى بدر دون رده بقوله ~~تعالى: {إنك لا تسمع الموتى} [النمل: 80] وهذا وإن وقع لبعض الصحابة فلم ~~يتفقوا كلهم على رد هذه الأحاديث بالقرآن، بل كان الذين قبلوه أضعاف أضعاف ~~الذين ردوه، وقولهم هو الراجح قطعا دون قول الآخرين فلا يرد حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بشيء أبدا إلا بحديث مثله ناسخ له يعلم مقاومته له ~~ومعارضته له وتأخره عنه، ولا يجوز رده بغير ذلك البتة. # وطائفة أخرى ردت الأحاديث بعدم معرفتها بمن ذهب إليها، وسموا عدم علمهم ~~إجماعا وردوا به كثيرا من السنن، وبالغ الشافعي وبعده الإمام أحمد في ~~الإنكار على هؤلاء ووسع الشافعي الرد عليهم في الرسالتين وكتاب جماع العلم ~~وغيرها، ولا يتصور أن تجمع الأمة على خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قط إلا أن يكون هناك سنة صحيحة معلومة ناسخة، فتجمع على القول بالسنة ~~الناسخة، وأما أن تتفق على العمل بترك حديث لا ناسخ له، فهذا لم يقع أبدا، ~~ولا يجوز نسبة الأمة إليه، فإنه قدح فيها ونسبة لها إلى ترك الصواب والأخذ ~~بالخطأ. # قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل ~~الناس قد اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن يقول: لا أعلم الناس ~~اختلفوا (قال) في رواية المروذي: كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا إذا ~~سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لا أعلم ms629 لهم مخالفا جاز (وقال) ~~في رواية أبي طالب: هذا كذب ما أعلمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم ~~فيه اختلافا: فهو أحسن من قوله إجماع الناس. # وقالوا في رواية ابن الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس ~~اختلفوا. # PageV01P611 # وليس مراده بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بلوا بمن ~~كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبين الشافعي وأحمد ~~أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها، قال الشافعي في رواية ~~الربيع عنه ما لا يعلم فيه نزاع ليس إجماعا، وقال أيضا: وقد أنكر على ~~منازعه دعوى الإجماع وبين بطلانها. # قال: فهل من إجماع؟ قلت نعم بحمد الله كثير في جهل الفرائض التي لا يسع ~~جهلها وذلك هو الذي إذا قلت: (أجمع الناس) لم تجد أحدا يعرف شيئا يقول لك: ~~ليس هذا بإجماع فيها وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه ودون الأصول غيرها. # ثم قال الشافعي: فقال قد ادعى بعض أصحابك الإجماع بالمدينة، فقلت له: فما ~~قلت وسمعت أهل العلم غيرك في كل بلد يقولون فيما ادعي من ذلك؟ قال ما سمعت ~~منهم أحدا أذكر قوله إلا عاتبا لذلك، وإن ذلك عندي لمعيب، ثم قال بعد ذلك: ~~أوما كفاك عيب الإجماع أن لم يرو عن أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دعوى الإجماع إلا فيما لا يختلف فيه أحد إن كان أهل زمانك هذا، قال: فقد ~~ادعاه بعضكم أفحمدت ما ادعاه منه؟ قال: لا، قلت: فكيف صرت إلى أن تدخل فيما ~~ذممت في أكثر ما عبت، إلا يستدل من طريقك أن الإجماع هو ترك ادعاء الإجماع ~~وهذا كثير في كلامه رحمه الله. والمقصود أن أئمة الإسلام لم يزالوا ينكرون ~~على من رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه لا يعلم بها قائلا وزعم ~~أن ذلك إجماع، ولا يتوقف العمل بالحديث على أن يعلم من عمل به من الأمة، بل ~~هو حجة بنفسه عمل به أو لم يعمل، ms630 ولا يمكن أن تجتمع الأمة على ترك العمل به ~~البتة، بل لا بد أن يكون في الأمة من ذهب إليه وإن خفي على كثير من أهل ~~العلم قوله. ### | فصل ليس في السنة ما يخالف القرآن # فصل # ونحن نقول قولا كليا نشهد الله تعالى عليه وملائكته أنه ليس في حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف القرآن ولا ما يخالف العقل الصريح، بل ~~كلامه بين للقرآن وتفسير له وتفصيل لما أجمله، وكل حديث من رد الحديث لزعمه ~~أنه يخالف القرآن فهو موافق للقرآن مطابق له، وغايته أن يكون زائدا على ما ~~في القرآن، وهذا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبوله ونهى عن رده ~~بقوله: " «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: لا ~~أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه» "، فهذا الذي وقع من # PageV01P612 # وضع قاعدة باطلة له لرد الأحاديث بها بقولهم في كل حديث زائد على ما في ~~القرآن: هذا زيادة على النص، فيكون نسخا، والقرآن لا ينسخ بالسنة، فهذا ~~بعينه هو الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ونهاهم عنه، ~~وأخبرهم أن الله تعالى أوحى إليه الكتاب ومثله معه، فمن رد السنة الصحيحة ~~بغير سنة تكون مقاومة لها متأخرة عنها ناسخة لها، فقد رد على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورد وحي الله. # قال الشافعي: إن الله تعالى وضع نبيه صلى الله عليه وسلم من كتابه ودينه ~~بالموضع الذي أبان في كتابه الفرض على خلقه أن يكونوا عالمين بأنه لا يقول ~~إلا بما أنزل إليه، وأنه لا يخالف كتاب الله، وأنه بين عن الله تعالى ما ~~أراد الله، قال: وبيان ذلك في كتاب الله، قال الله تعالى: {وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا} [يونس: 15] إلى قوله: {إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي} [يونس: 15] ومثل هذا في غير آية، أخبرنا الداروردي عن ~~عمرو عن المطلب بن حنطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms631 قال: " «ما تركت ~~شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله ~~عنه إلا وقد نهيتكم عنه» ". # قال الشافعي: فرض الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ما ~~أوحي إليه وقال: لا ينكر الناس علي بشيء، فإني لا أحل لهم إلا ما أحل الله، ~~ولا أحرم عليهم إلا ما حرم الله، وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبذلك أمر أن يتبع ما أوحي اتباع سنته فيه، فمن قبل منه فإنما قبل بفرض ~~الله، قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ~~[الحشر: 7] وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . # وقال الإمام أحمد: من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفى ~~هلكة، وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] الآية، وأي ~~فتنة إنما هي الكفر. # وقال الشافعي: قال الله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: ~~36] فلم # PageV01P613 # يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى: هو الذي لا يؤمر ولا ينهى ~~ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به فقد أجاز لنفسه أن يكون في معنى السدى ~~(قال) : وقد جعل الله الحق في كتابه ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فليست ~~تنزل بأحد نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصا أو جملة، ثم ذكر بعض ما حرم ~~الله تفصيلا (قال) : والجملة ما فرض الله من صلاة وزكاة وحج، فدل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كيف الصلاة وعددها ووقتها والعمل فيها، وكيف الزكاة وفي ~~أي المال وفي أي وقت هي وكم قدرها وكيف الحج والعمل فيه وما يدخل به فيه ~~ويخرج به منه. # وقد صنف الإمام أحمد كتابا سماه كتاب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم رد ~~فيه على من احتج بظاهر القرآن وترك ما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودل على معناه، رواه عنه ms632 ابنه صالح، قال في أوله: إن الله جل ثناؤه وتقدست ~~أسماؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابا هاديا له ولمن تبعه، وجعل رسوله ~~صلى الله عليه وسلم الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه وناسخه ~~ومنسوخه، وما قصد به الكتاب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعبر ~~عن كتاب الله الدال على معانيه وشاهده في ذلك أصحابه، ونقلوا ذلك عنه، ~~وكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم «وقال جابر بن ~~عبد الله: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن وهو ~~يعرف تأويله، وما عمل به من شيء علمنا» . # وقال قوم: بل نستعمل الظاهر، وتركوا الاستدلال برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يقبلوا أخبار أصحابه، وقال ابن عباس للخوارج: أتيتكم من عند أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار ومن عند ابن عم رسول الله ~~وصهره وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، ثم ~~ساق النصوص الموجبة لمتابعة الرسول، ثم ذكر الآيات التي فسرت السنة مجملها. # والمقصود أن أئمة الإسلام جميعهم على هذه الطريقة، الأخذ بحديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا صح، ولم يأت بعده حديث آخر بنسخه، سواء عرفوا من ~~عمل به أم لا، وسواء عمل الناس بخلافه أو بوفاقه، فلا يتركون الحديث لعمل ~~أحد، لا يتوقفون في قبوله على عمل أحد، ولا يعارضونه بالقرآن ولا بالإجماع ~~ويعلمون أن هذه المعارضة من أبطل الباطل. # PageV01P614 # فصل # وطائفة أخرى ردت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت في باب ~~الصفات وقبلتها إذا كانت في باب الأحكام والزهد والرقائق ونحوها، وهؤلاء ~~طوائف من أهل الكلام المبتدع المذموم، وجعلوا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11] مستندا لهم في رد الأحاديث الصحيحة تلبيسا منهم وتدليسا على ~~من هو أعمى قلبا منهم وتحريفا لمعنى الآية عن موضعه ففهموا به ms633 من أخبار ~~الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله، ولا فهمه أحد من أهل الإسلام أنها تقتضي ~~إثباتا على وجه التمثيل بما للمخلوقين. ### | فصل المقام التاسع والعاشر أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم قضية كاذبة # فصل # وقد عرفت فيما تقدم المقام التاسع والعاشر: وهو أن قولهم خبر الواحد لا ~~يفيد العلم، قضية كاذبة باتفاق العقلاء إذا أخذت كلية عامة، وقضية لا تفيد ~~إن أخذت جزئية أو مهملة، فإن عاقلا لا يقول: كل خبر واحد لا يفيد العلم حتى ~~تنتصبوا للرد عليه كأنكم في شيء، وكأنكم قد كسرتم عدو الإسلام، فسودتم ~~الأوراق بغير فائدة حتى كذب بعض الأصوليين كذبا صريحا لم يقله أحد قط ~~(فقال) : مذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه أن خبر الواحد يفيد ~~العلم من غير قرينة، وهو مطرد عنده في خبر كل واحد. # فيا لله العجب كيف لا يستحي العاقل من المجاهرة بالكذب على أئمة الإسلام، ~~لكن عذر هذا وأمثاله أنهم يستجيزون نقل المذاهب عن الناس بلازم أقوالهم، ~~ويجعلون لازم المذهب في ظنهم مذهبا، كما نقل بعض هؤلاء المباهتين أن مذهب ~~أحمد بن حنبل وأصحابه أن الله لا يرى يوم القيامة، قال: لأنه يقول أنه لا ~~يرى إلا الأجسام، وقد قام الدليل على أنه سبحانه وتعالى ليس بجسم، فلا يكون ~~مرئيا على قولهم، ونقل هذا أيضا أن مذهبهم أن الله تعالى يجوز أن يتكلم ~~بشيء ولا يعني به شيئا إلزاما لهم من قولهم إنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا ~~الله، بهذا القول الباطل الذي لم يقله أحد من أهل الأرض، وكما نقل هذا أو ~~غيره من أهل البهتان أن مذهبهم أن الله جسم إلزاما لهم بقولهم إن الله مستو ~~على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال. # وبالجملة فمن يستجيز الكذب على الله ورسوله، ويخبر عنه ما لم يخبر عن ~~نفسه، وينفي عنه ما أثبته لنفسه، ويقول على الله ما لا يعلم، كيف لا يستجيز ~~الكذب # PageV01P615 # على مخلوق مثله، قلبه ملآن من الهوى ms634 والغل عليه وعلى أشباهه وأتباعه ~~فالله الموعد {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] . # وأما الشهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون هذه الأحاديث فمما ~~لا يستريب فيه من له أدنى علم بالسنن والآثار وقول الصحابة، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم به المخبر عنه، وقول التابعين كذلك، وقول ~~تابعي التابعين، وقول جميع أئمة الإسلام في كتبهم والشهادة لا يشترط فيها ~~قول (أشهد) . # قال ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى ~~تغرب الشمس، ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ (أشهد) ، وقال تعالى: {قل هلم ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: ~~150] وشهادتهم إخبارهم أن الله تعالى حرمه، والله تعالى أعلم. # وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا من يومنا هذا إلى يوم ~~الدين. # تم بحمد الله تعالى وحسن توفيقه وإعانته وتسديده هذا المختصر المفيد ~~المشتمل على تقرير طريقة أهل السنة والجماعة والرد على مخالفيهم من أهل ~~البدعة والشناعة، فرحم الله مؤلفه وجزاه عن أهل السنة خيرا. PageV01P616 ms635