######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009859 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن أحمد بن عمر بن يعلى، أبو عبد الله، بدر الدين البعلي (المتوفى: 778هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 778 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المنهج القويم في اختصار «اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية» #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009859 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9859 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9859 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي بن محمد العمران #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1422 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | بداية الكلام على خطر التشبه وحرمته # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، قيوم السموات والأرضين، والحمد لله الذي أكمل لنا ~~ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، وأمرنا أن نستهديه صراطه ~~المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: ~~النصارى. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم والحنيفية السمحة، وجعله ~~على شريعة من الأمر، وأمره أن يقول: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني - صلى الله وسلم عليه، وزاده شرفا -. # وبعد: فإني كنت قد نهيت عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وبينت ما في ذلك ~~من الأثر والدلالة الشرعية، ثم بلغني أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده؛ ~~لمخالفة عادة قد نشأوا عليها؛ فاقتضاني بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون ~~إشارة إلى أصل هذه المسألة، # PageV01P017 # فالرسول بعثه الله إلى الخلق، وقد مقت أهل الأرض إلا بقايا من أهل الكتاب ~~ماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه، والناس أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب: إما ~~مبدل، وإما مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أمي من ~~عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر ~~أو تمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء، فهدى الله الناس ببركة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن وصف ~~الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، بعثه بدين ~~الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفرض على الخلق أن يسألوه هدايته كل يوم ~~في صلاتهم، ووصفه بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # قال عدي بن حاتم رضي الله عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~جالس في المسجد، وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وكان ~~قد قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي، قال: # PageV01P018 # فقام بي حتى أتى ms001 داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها، وجلست بين ~~يديه فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا ~~الله، فهل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا، ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تفر ~~أن تقول: الله أكبر؟ أو تعلم شيئا أكبر من الله؟ قال: قلت: لا. قال: "فإن ~~اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال". قال: قلت: فإني حنيف مسلم. قال: فرأيت ~~وجهه ينبسط فرحا وذكر حديثا طويلا رواه الترمذي وحسنه. # وفي كتاب الله ما يدل على معنى هذا الحديث، مثل قوله: قل هل أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه والضمير عائد إلى اليهود، ~~والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام. # PageV01P019 # وقال: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~وهم المنافقون الذين تولوا يهود باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه. # وقال: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ~~وباءوا بغضب من الله وفي آل عمران: وباءوا بغضب من الله فهذا بيان أن ~~اليهود مغضوب عليهم. # وقال في النصارى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة إلى قوله: قل ~~يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه ~~السياق؛ ولهذا نهاهم عن الغلو -وهو مجاوزة الحد- كما نهاهم عنه في قوله: لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها الآية. # ووصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال، فله أسباب ظاهرة وباطنة ليس هذا ~~موضعها، وجماع ذلك أن اليهود كفروا عنادا؛ لأنهم يعلمون الحق، ولا يتبعونه ~~عملا، والنصارى كفرهم من جهة عملهم بلا علم، بل هم مجتهدون في أصناف ~~العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون، # PageV01P020 # ولهذا قال السلف: سفيان بن عيينة وغيره: "من ms002 فسد من علمائنا ففيه شبه من ~~اليهود، ومن فسد من عبادنا، ففيه شبه من النصارى". # ومع أن الله قد حذرنا سبيلهم، ثم مع ذلك فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله ~~حيث قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ حديث صحيح ورواه البخاري عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي ~~مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ ~~قال: ومن الناس إلا أولئك؟ . # وقد كان ينهى عن التشبه بهم، وليس ذلك إخبارا عن جميع الأمة فإنه قال: لا ~~تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة وأخبر أنه لا تجمع هذه ~~الأمة على الضلالة، وأنه لا يزال # PageV01P021 # يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعة الله فعلم بخبره الصدق أن في ~~أمته قوما متمسكين بهديه الذي هو دين الإسلام محضا، وقوم منحرفون إلى شعبة ~~من شعب اليهود أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل ~~انحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، ~~وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ، وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع، ويزينه ~~الشيطان؛ فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة ~~التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا، وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب ~~والأعاجم التي ابتليت بها هذه الأمة ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف. # قال الله -تعالى-: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد # PageV01P022 # إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فذم اليهود ~~على ما حسدوا به المؤمنين على الهدى والعلم، وقد يبتلى بعض المتلبسين ~~بالعلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله بنوع علم أو عمل صالح، وهو خلق ~~مذموم مطلقا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم. # وقال -تعالى-: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ms003 الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله فوصفهم بالبخل بالعلم والمال، ~~وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر، وكذا وصفهم ~~بكتمان العلم في غير آية مثل قوله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم وقال: إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب. # فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم تارة بخلا به، وتارة اعتياضا عن ~~إظهاره بالدنيا، وتارة خوف أن يحتج عليهم بما أظهروه منه، وهذا قد ابتلي به ~~طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارة يكتمون العلم بخلا به؛ وكراهة أن ~~ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضا برئاسة أو مال، فيخاف إن ~~أظهره نقص رئاسته أو ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى إلى ~~طائفة قد خولفت # PageV01P023 # في مسألة فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه، وإن لم يتيقن أن مخالفه ~~مبطل. # وقال: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم بعد أن قال: وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين فوصف اليهود بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به، فلما ~~جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق ~~إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في ~~اعتقادهم. # وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من ~~المتفقهة أو المتصوفة وغيرهم، أو إلى رئيس معظم في الدين غير -النبي صلى ~~الله عليه وسلم- فلا يقبلون من الدين رأيا ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم، ~~ثم إنهم لا يعملون بما توجبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق ~~مطلقا من غير تعيين شخص غير النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال في صفة ms004 المغضوب عليهم: يحرفون الكلم عن مواضعه ويلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب والتحريف قد فسر بتحريف ~~التنزيل وتحريف التأويل. # فأما تحريف التأويل فكثير جدا، قد ابتليت به طوائف من الأمة. # وأما تحريف التنزيل، فقد وقع في كثير من الناس يحرفون ألفاظ # PageV01P024 # الرسول، ويروون الحديث بروايات منكرة، وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك، ~~وربما تطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل، وإن لم يمكنه ذلك، كما قرأ بعضهم ~~وكلم الله موسى. # وأما لي الألسنة بما يظن أنه من عند الله، فكوضع الأحاديث على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإقامة ما يظن أنه حجة في الدين، وليس بحجة، وهذا من ~~أنواع أخلاق اليهود، وهو كثير لمن تدبر بنور الإيمان. # وقال سبحانه: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وقال: لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. # ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلال المتعبدة ~~والمتصوفة، حتى خالط كثيرا منهم من مذاهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من ~~قول النصارى أو مثله أو دونه. # وقال: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله الآية، وفسره النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعدي بأنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، ~~فاتبعوهم. # PageV01P025 # وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظمين عنده في كل ما يأمره به، وإن ~~تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال. # وقال: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. # وقد ابتلي طائفة من المسلمين من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم. # وقال -تعالى-: قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا فكان ~~الضالون، بل والمغضوب عليهم يبنون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، ~~كما نهى صلى الله عليه وسلم أمته عن ذلك في غير موطن حتى في وقت مفارقته ~~الدنيا -بأبي هو وأمي- ثم إن هذا قد ابتلي به كثير من الأمة. # ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما ms005 يقوم بالأصوات المطربة والصور ~~الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات. # ثم قد ابتليت هذه الأمة من اتخاذ السماع المطرب بسماع القصائد وإصلاح ~~القلوب والأحوال به ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين. # وقال -تعالى-: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه. # وأنت تجد كثيرا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة أو المتعبدة لا يراهم شيئا، ~~ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من الهدى شيئا، وترى كثيرا ~~من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئا، بل يرى أن المتمسك ~~بها منقطع عن الله. # PageV01P026 # وأما مشابهة الفرس والروم، فقد دخل منه في هذه الأمة من الآثار الرومية ~~قولا وعملا والآثار الفارسية قولا وعملا، ما لا خفاء فيه على مؤمن عليم. # وليس الغرض تفصيل الأمور التي وقعت مضارعة لطريقة المغضوب عليهم أو ~~الضالين، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورا لصاحبه: إما لاجتهاد أخطأ فيه، أو ~~لحسنات محت عنه، أو غير ذلك، وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى ~~هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح باب إلى معرفة الانحراف؛ فتحذره -إن شاء ~~الله-. # ثم الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات وغير ~~ذلك، وأمور ظاهرة من أقوال وأفعال قد تكون عبادات، وقد تكون عادات، في ~~الطعام واللباس والنكاح والمسكن والاجتماع والافتراق والسفر والإقامة، وهذه ~~الأمور الظاهرة والباطنة بينهما ارتباط ومناسبة، فما يقوم بالقلب من الشعور ~~والحال يوجب أمورا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب ~~شعورا وأحوالا، وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحكمة التي هي ~~سنته وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من ~~الأقوال والأعمال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في ~~الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة؛ لأمور منها: # PageV01P027 # إن المشاركة في الهدي الظاهر يورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين ms006 يقود ~~إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل ~~العلم مثلا يجد من نفسه نوع انضمام وانقياد إليهم، وكذلك اللابس لثياب ~~الجند المقاتلة يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك ~~إلا أن يمنعه من ذلك مانع. # ومنها أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن ~~موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما ~~قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين، وكلما كان القلب ~~أتم حياة كان أبعد عن أخلاق اليهود والنصارى ظاهرا وباطنا. # ومنها أن مشاركتهم في الهدي الظاهر موجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع ~~التمييز ظاهرا بين المهتدين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ~~ذلك من الأسباب الحكمية. # هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا لو تجرد عن مشابهتهم. # فأما إن كان من موجبات كفرهم، كان شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه ~~موافقة في نوع من أنواع معاصيهم، فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له اللبيب. # PageV01P028 ### | فصل إيراد النصوص الدالة على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم بشيء من البيان # إذا تقرر ذلك، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار ~~والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان عاما في جميع أنواع المخالفات أو ~~خاصا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب. # أما الكتاب فقوله تعالى: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ~~فقست قلوبهم. # وقال: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة إلى أن قال: ثم ~~جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. # فأخبر أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد ~~مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~شريعة، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فدخل فيهم ~~كل من خالف شريعته. # وأهواؤهم: هو ما ms007 يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من ~~موجبات دينهم الباطل. # ومن هذا قوله: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب ~~من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إلى أن قال: # PageV01P029 # ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير. # والضمير -والله أعلم- يعود إلى من تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون ~~بعضه، فدخل كل من أنكر شيئا من القرآن من يهودي أو نصراني وغيرهما. # ومن ذلك قوله: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم الآية. # فقال في الخبر: حتى تتبع ملتهم وفي النهي: ولئن اتبعت أهواءهم لأن القوم ~~لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو ~~كثير، ومتابعتهم في بعض ما هم عليه نوع متابعة لهم فيما يهوونه، أو مظنة ~~له، وكذا قوله: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك إلى ~~قوله: ولئن اتبعت أهواءهم إلى قوله: وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم. # قال غير واحد: لئلا يحتج اليهود عليكم بأنكم وافقتموهم في القبلة، فيوشك ~~أن يوافقونا في الملة، فقطع الله هذه الحجة بأن قال: خالفوهم في القبلة. # PageV01P030 # وقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وهم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، مع أنه قد أخبر ~~-صلى الله عليه - أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة. # وقال: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وكل ما في الكتاب من النهي عن مشابهة ~~الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه مثل قوله: <> ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وأمثال ~~ذلك، كله دال على هذا المطلب من أن مخالفتهم مشروعة لنا في الجملة، وهي دين ~~لنا. # وقال تعالى: المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ms008 يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف الآيات إلى قوله: والمؤمنون والمؤمنات إلى قوله وبئس المصير فبين ~~أخلاق المنافقين والمؤمنين وتوعد المستمتعين الخائضين كالذي خاضوا بأن قال ~~أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون فأخبر أن في هذه ~~الأمة من استمتع بخلاقه كما استمتعت الأمم قبلهم وخاض كالذي خاضوا وذمهم ~~على ذلك -والخلاق قيل هو الدين وقيل بنصيبهم من الآخرة في الدنيا قال أهل ~~اللغة هو الحظ والنصيب كأنه ما خلق للإنسان ثم حضهم على # PageV01P031 # الاعتبار بمن قبلهم فقال ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات الآية. # فذم من استمتع وشابه القرون الماضية، وكان من الخائضين، وهم اليهود ~~والنصارى وغيرهم ممن تقدم، ومع ذلك فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه لا بد أن تأخذ أمته مأخذ الأمم قبلها ذراعا بذراع وشبرا بشبر. # وقوله بعد ذلك: جاهد الكفار والمنافقين دليل على جهاد هؤلاء الخائضين ~~المستمتعين ثم هذا الذي دل عليه الكتاب من مشابهة بعض الأمة للقرون الماضية ~~في الدنيا وفي الدين وذم من يفعل ذلك قد دلت عليه سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفسر أصحابه الآية بذلك فعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى ~~لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه" قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم ~~كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة الآية، قالوا: يا رسول الله كما صنعت ~~فارس والروم وأهل الكتاب؟ "قال فمن الناس إلا هم؟ . # وعن ابن عباس أنه قال: "ما أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو # PageV01P032 # إسرائيل شبهنا بهم". # وعن ابن مسعود أنه قال: "أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، ~~تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ". # وعن حذيفة بن اليمان قال: "المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين ~~الذين كانوا على عهد رسول الله صلى ms009 الله عليه وسلم، فإن أولئك كانوا يخفون ~~نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه". # وأما السنة ففي "الصحيحين" عن عمرو بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعث أبا عبيدة إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان قد صالح أهل البحرين، ~~وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بالمال، فسمعت الأنصار، ~~فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث إلى أن قال: ~~أبشروا، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم ~~كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم. # PageV01P033 # وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية. # وفي "مسلم" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم، أي قوم أنتم؟ ". قال عبد ~~الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله -عز وجل- فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "تنافسون، ثم تحاسدون، ثم تدابرون أو تباغضون، أو غير ذلك، ثم ~~تنطلقون إلى مساكن المهاجرين، فتحملون بعضهم على رقاب بعض". # وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما ~~يفتح من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: "أو يأتي الخير بالشر يا رسول ~~الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: ما شأنك تكلم رسول ~~الله ولا يكلمك؟ وقال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء، ~~وقال: أين هذا السائل؟ وكأنه حمده، فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر وفي ~~رواية فقال: أين السائل آنفا؟ أو خير هو ثلاثا؟ إن الخير لا يأتي إلا ~~بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر، فإنها ~~أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت، ثم رتعت، وإن ~~هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن ~~السبيل أو كما قال رسول الله صلى ms010 الله عليه وسلم وإنه من يأخذه بغير حق ~~كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شاهدا يوم القيامة. # وفي "الصحيح" أنه قال: إن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، فاتقوا الله، ~~واتقوا النساء. # فحذر فتنة النساء، معللا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. # وقال: إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم يعني وصل الشعر. # وكثير من مشابهة أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها، إنما يدعو إليها النساء. # وفي "مسلم" لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد ~~فئام من أمتي الأوثان، # PageV01P034 # وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ~~الجماعة # ولا شك أن الثنتين والسبعين هم الذين تفرقوا واختلفوا كما تفرق الذين من ~~قبلهم. # ومن ذلك لما سألوه أن يجعل لهم ذات أنواط، قال: الله أكبر! قلتم والذي ~~نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل قبلكم رواه مالك والنسائي والترمذي وصححه. # وقال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" وقد تقدم مثله ~~في البخاري قوله: لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع". # PageV01P035 # فهذا كله وأشباهه خرج منه صلى الله عليه وسلم مخرج الخبر عن وقوعه والذم ~~لمن يفعله، فعلم أن مشابهتها لليهود والنصارى وفارس والروم مذموم ذمه الله ~~ورسوله، وهو المطلوب. # فإن قيل: إذا كان قد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله - جل ~~وعز - أنه لا بد من وقوع المشابهة، فما فائدة النهي عن ذلك؟ # قيل: قد دل الكتاب والسنة - أيضا - أنه لا تزال طائفة متمسكة بالحق الذي ~~بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ~~الخطأ، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة ~~إيمانها، زادها الله شرفا وقوة ونصرا، وأظهر دينه، ونصره حيث كان، وعلى يد ~~من كان، وخذل أعداءه، وكبتهم، وجعل الدائرة عليهم، إنه سميع الدعاء. # وأيضا لو فرض أن ms011 الناس لا يتركون هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم ~~بها معرفة القبيح والإيمان بذلك، فإن نفس العلم والإيمان بما كرهه الله خير ~~وإن لم يعمل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم ~~يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف وأنكر المنكر كان خيرا من أن ~~يكون ميت القلب لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. # وإنكار القلب: هو الإيمان بأن هذا منكر، وكراهته لذلك، فإذا حصل ذلك كان ~~في القلوب إيمان، # PageV01P036 # وأيضا فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه، أو يأتي بحسنات تمحوه ~~أو بعضه، وقد تقلل منه، وقد تضعف همته في طلبه إذا علم أنه منكر، ثم لو فرض ~~أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعترفون بأنه منكر، لم يكن ذلك ~~مانعا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ ولا وجوب ~~الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد -رحمه الله - وقول كثير من أهل ~~العلم، وهذا أمر عام في كل منكر أخبر الصادق بوقوعه. # وقد قال تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء فقد ~~برأ -سبحانه- رسوله بأن يكون فيه شيء من المفرقين لدينهم، فمن كان متبعا له ~~حقيقة، كان متبرئا كتبرئه، ومن كان موافقا لهم في شيء كان مخالفا للرسول ~~بقدر موافقته لهم. # وما دل عليه الكتاب جاءت به سنة رسول الله وسنة خلفائه الراشدين التي ~~أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم، ففي "الصحيحين" أنه قال: إن ~~اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم فاقتضى أن جنس مخالفتهم أمر مقصود ~~للشارع؛ لأن الفعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم من ذلك ~~الفعل، فلا بد أن يكون ما منه الاشتقاق أمرا مطلوبا، لا سيما إن ظهر # PageV01P037 # لنا أن المعنى المشتق منه معنى مناسب للحكمة، ولأن الأمر إذا تعلق باسم ~~مفعول مشتق من معنى، كان المعنى علة للحكم، كما في قوله: فاقتلوا المشركين ~~وفأصلحوا بين أخويكم وعودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني. ms012 # وأيضا إذا أمر بفعل كان نفس مصدره أمرا مطلوبا للآمر مقصودا، كما قال ~~تعالى: اتقوا الله ووأحسنوا إن الله يحب المحسنين آمنوا بالله ورسوله ~~اعبدوا ربكم فعليه توكلوا. # فإن نفس التقوى والإحسان والإيمان والعبادة أمور مطلوبة مقصودة، بل هي ~~نفس المأمور به. # فلما قال: "خالفوهم" كان الأمر بمخالفتهم داخلا في العموم، وإن كان السبب ~~الذي قاله لأجله هو الصبغ؛ لأن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي، فيجب ~~الوفاء به، وخروجه على سبب يجب أن يكون داخلا فيه، ولا يمنع أن يكون غيره ~~داخلا فيه، وإن قيل: إن اللفظ العام يقصر على سببه؛ لأن العموم هنا من جهة ~~المعنى، ولا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي. # وأيضا عدول الأمر عن لفظ الفعل الخاص إلى لفظ أعم منه، كعدوله عن لفظ: ~~أطعمه، إلى لفظ: أكرمه، وعن لفظ: فاصبغوا، إلى # PageV01P038 # لفظ: فخالفوهم، لا بد له من فائدة، وإلا فمطابقة اللفظ للمعنى أولى من ~~إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص، ولا فائدة هنا إلا تعليق القصد بذلك ~~المعنى العام المشتمل على هذا الخاص، وهذا بين لمن تأمله. # وأيضا إذا أمر بفعل باسم دال على معنى عام مريدا به فعلا خاصا، كان ذلك ~~يقتضي أنه قصد أولا ذلك العام، وأنه إنما قصد ذلك الخاص لحصوله بالعام. # ففي قولك: أكرم زيدا، طلبان: طلب للإكرام المطلق، وطلب لهذا الفعل الذي ~~يحصل به المطلق، لأن حصول المعين مقتض لحصول المطلق، وهذا معنى صحيح إذا ~~صادف فطنة وذكاء انتفع به في كثير من المواضع، وعلم به طريق البيان. # وأيضا فإنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء، فيدل على أنه علة له من غير ~~وجه، حيث قال: "إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم" ولأنه لو لم يكن لقصد ~~مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، فنفس المخالفة لهم في ~~الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما فيه من المجانبة والمباينة ~~التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك ~~لمن تنور قلبه، ونفس ما هم ms013 عليه من الهدى والخلق قد يكون فيه مضرة، فينهى ~~عنه، ويؤمر بضده؛ لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو ~~إما مضر أو هو ناقص. # ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملا قط، فإذا المخالفة لهم فيها لنا ~~منفعة ومصلحة لنا في كل أمورهم حتى ما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم ~~فقد يكون مضرا بأمر الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا. # وبالجملة: فالكفر بمنزلة المرض الذي في القلب وأشد، ومتى كان # PageV01P039 # القلب مريضا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح: أن لا تشابه ~~مريض القلب في شيء من أموره وإن خفي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أن فساد ~~الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي ~~أنزلها الله، فإن من في قلبه مرض قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة لعدم ~~استبانته لفائدته، أو يتوهم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين ~~للعلو في الأرض، ولعمري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء، ~~وينزعه ممن يشاء، ولكن ملك هو غاية صلاح من أطاعه من العباد في معاشهم ~~ومعادهم. # وحقيقة الأمر أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن ~~تتم منفعته بها، ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام لاستحق بذلك ثواب ~~الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم وأم كل خير كما ~~يحب ربنا ويرضى، فظهر أن مخالفتهم أمر مشروع في الجملة؛ ولهذا كان الإمام ~~أحمد وغيره يعللون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة. # فإذا نهى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس هو من فعلنا، فلأن ~~ينهى عن إحداث التشبه بهم بطريق الأولى؛ ولهذا كان هذا التشبه بهم يكون ~~محرما بخلاف الأول. # PageV01P040 # وفي الصحيحين: خالفوا المشركين ثم قال: أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى فأبدل ~~الجملة الثانية من الأولى، أمر بالمخالفة عاما ثم خاصا، فقدمه عموما ثم ~~خصوصا، كما يقال أكرم ضيفك ms014 أطعمه وحادثه. # وقال: خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم رواه أبو ~~داود. # وقال: فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر رواه مسلم. # فدل على أن الفصل بين العبادتين أمر مقصود، وقد صرح بذلك في قوله: لا ~~يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون. # وإنما المقصود بإرسال الرسل: أن يظهر دين الله على الدين كله، فنفس ~~مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة. # وكذا قال: لا تزال أمتي بخير -أو قال على الفطرة- ما لم # PageV01P041 # يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم رواه أحمد وابن ماجه. # وقوله: اصنعوا كل شيء غير النكاح فقالت اليهود: "ما يريد هذا الرجل أن ~~يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه رواه مسلم. # وقد نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، معللا بأنها تسجد لها الكفار ~~حينئذ، وأنها تطلع بين قرني شيطان. # ففيه تنبيه على أن كل ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون ~~كفرا، أو معصية بالنية ينهى المؤمنون عن ظاهره، وإن لم يقصدوا به قصد ~~المشركين؛ سدا للذريعة؛ وحسما للمادة. # ومن هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله ~~على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يصمد له صمدا. # PageV01P042 # ونهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، وإن لم يقصد العابد ~~ذلك. # ونهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك؛ لما فيه من ~~مشابهة السجود لغير الله، فقطعت الشريعة المشابهة في الجهات والأوقات، وكما ~~لا يصلي إلى القبلة التي يصلون إليها لا يصلي إلى ما يصلون له. # وقال صلى الله عليه وسلم: ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما، فصلوا قياما، وإن ~~صلى قاعدا، فصلوا قعودا، إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ~~ملوكهم قال ذلك لما صلى قاعدا وصلوا خلفه قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، ثم ~~قال ذلك بعد فراغه، فأمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك ~~بأنه يشبه فعل فارس ms015 والروم بعظمائهم. ومعلوم أن المأموم إنما ينوي أن يقوم ~~لله لا للإمام، وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهي ~~أيضا عما يشبه ذلك وإن لم يقصد به ذلك. # فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟ # وأيضا انتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله ~~وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى ~~القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم، كالانتساب إلى ما يفضي إلى ~~بدعة أو معصية أخرى، ثم مع هذا لما ادعى كل من الطائفتين: يا للمهاجرين ويا ~~للأنصار منتصرا بحزبه على الآخر، أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: ~~ما هذا؟ # PageV01P043 # أدعوى الجاهلية؟ سماها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما ~~هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم؛ ~~ليبين أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فعل أهل الجاهلية، فأما ~~نصرها بالحق فحسن إذا كان من غير عدوان؛ ولهذا قال: خيركم المدافع عن ~~عشريته ما لم يأثم رواه أبو داود. # وقال أربع في أمتي من أمر الجاهلية: لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن ~~في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة فاقتضى أن كل ما كان من أمر ~~الجاهلية مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى ~~الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وكذا قوله ~~تعالى: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وإذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية حمية الجاهلية فدل ذلك على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه ~~والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من أمر الجاهلية مطلقا، وهو المقصود في هذا ~~الكتاب. # ومنه قوله: إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها # PageV01P044 # بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال ~~فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان ~~التي تدفع بأنفها النتن رواه أبو داود وغيره ms016 وهو صحيح. # وأيضا روى مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبغض الناس ~~إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطلب دم ~~امرئ بغير حق ليريق دمه. # فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في الحديث. # والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها. # قال تعالى: قد خلت من قبلكم سنن وقال صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم. # وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم ~~وغيرها. # ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد ~~يكون اسما لذي الحال. # PageV01P045 # فمن الأول: قوله لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية وقول عمر: إني نذرت في ~~الجاهلية وقولهم: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر أي في حال جاهلية، أو ~~طريقة أو عادة ونحوه، فإن لفظ "الجاهلية"، وإن كان في الأصل صفة، لكنه غلب ~~عليه الاستعمال حتى صار اسما، ومعناه قريب من معنى المصدر. # وأما الثاني: فقولهم: طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل ~~الذي هو عدم العلم، أو عدم اتباع العلم، فإن من لم يعلم الحق فهو جاهل جهلا ~~بسيطا، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلا مركبا، فإن قال خلاف الحق عالما ~~بالحق أو غير عالم فهو جاهل أيضا، كما قال: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما وقول الشاعر من هذا الباب: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل - وإن علم أنه مخالف # PageV01P046 # للحق - كقوله سبحانه: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ~~قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: كل من عمل سوءا فهو جاهل. # وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه ~~من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه، أو ضعفه بما ~~يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم، فيصير جهلا بهذا الاعتبار. # ومن هنا تعرف ms017 دخول الأعمال في مسمى الإيمان حقيقة لا مجازا، وإن لم يكن ~~كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا ولا خارجا عن أصل مسمى الإيمان، وكذلك اسم ~~العقل ونحوه من الأسماء؛ ولهذا يسمي الله -سبحانه- أصحاب هذه الأحوال: ~~موتى، وعميا، وصما، وبكما، وضالين، وجاهلين، وأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون. # إذا ثبت ذلك، فالناس كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم في حال ~~جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال، إنما ~~أحدثه لهم جهال، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون ~~من يهودية أو نصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة. # وأما بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم فالجاهلية المطلقة قد تكون في ~~مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل ~~أن يسلم، فإنه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام. # PageV01P047 # فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم فإنه لا تزال ~~من أمته طائفة ظاهرون على الحق إلى قيام الساعة. # والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص ~~المسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم: أربع في أمتي من أمر الجاهلية وقال ~~لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية فالرجل -مع فضله وعلمه- قد يكون في بعض ~~الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه، ~~وكذا قوله: خصلتان هما بهم كفر فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال ~~الكفار، وهما قائمتان بالناس، وليس كل من قام به شعبة من الكفر يصير كافرا ~~الكفر المطلق، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا ~~حتى يقوم به أصل الإيمان، وفرق بين الكفر المعرف باللام وبين المنكر في ~~الإثبات، وفرق بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن وبين المعنى ~~المطلق للاسم في جميع موارده، كما قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض. # PageV01P048 # فقوله في هذا الحديث: "ومبتغ الإسلام سنة ms018 جاهلية" فيندرج في قوله ومبتغ ~~سنة جاهلية كل سنة جاهلية مطلقة أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو ~~صابئة أو وثنية أو مشركية أو مركبة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها كلها ~~مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ ~~"الجاهلية" لا تقال غالبا إلا على حال العرب فإن المعنى واحد. # وأيضا فإنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب، كما كره على الصلاة في أرض ~~بابل، وقال: نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل والمقبرة رواه أبو داود وأحمد ~~وزاد: "وأرض الخسف" ونحو ذلك. # وكره أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي. # وقوله: نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة يقتضي النهي عن كل ~~أرض ملعونة. # PageV01P049 # ولذلك نهى عن الدخول في أرض الحجر إلا أن يكونوا باكين، ويوافق ذلك قوله ~~تعالى عن مسجد الضرار: لا تقم فيه أبدا فإنه كان من أمكنة العذاب. # فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للإيمان ~~والطاعة، فهو حسن كما أمر أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم، وكان ~~موضع مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة للمشركين فجعله صلى الله عليه وسلم ~~مسجدا بعد نبش القبور، فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار ~~في المكان الذي حل بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي ~~يعملونها واستحقوا بها العذاب؟! بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء ~~العذاب من الدخول إلى الديار، فإن جميع ما يعملونه مما ليس هو من أعمال ~~السابقين إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر أو معصية، وإما مظنة للكفر ~~والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى المعصية، وما أحسب أحدا ينازع في جميع ~~هذا، ولئن خالف فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى ~~المخالفة في الكفر والمعصية، # PageV01P050 # وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان. # ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع ~~وأولى من متابعتهم ms019 في مساكنهم ورؤية آثارهم وقال: من تشبه بقوم فهو منهم ~~وإسناده جيد احتج به أحمد وغيره. # فأقل أحواله: أن يقتضي تحريم التشبه بهم. # وأيضا لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء قيل: إنه يوم يعظمه ~~اليهود والنصارى فقال: إذا كان العام القابل -إن شاء الله- صمنا اليوم ~~التاسع. # وقال: صوموا عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما أو بعده يوما ~~رواه سعيد وأوله رواه مسلم إلى قوله: التاسع. # وقال: إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ~~رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح على شرط # PageV01P051 # مسلم، وهو عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. # والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ~~وأمرنا أن نقول: "ولا تحمل علينا إصرا" ووضع عنا الآصار، ونهى صلى الله ~~عليه وسلم عن الغلو في العبادات صوما وصلاة. # وقال له رجل: ائذن لي بالسياحة، فقال: إن سياحة أمتي: الجهاد في سبيل ~~الله. # وفي خبر آخر "أن السياحة هي الصيام" أو "السائحون هم الصائمون" أو نحو ~~ذلك، وهو نفس ما ذكره الله في قوله: السائحون. # فأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير مقصد معين، فليس # PageV01P052 # من عمل هذه الأمة. # قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ~~ولا الصالحين، مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها، ~~متأولين، أو غير عالمين بالنهي، وهي من الرهبانية المبتدعة، التي قيل فيها: ~~لا رهبانية في الإسلام فمقتضى ذلك: مجانبة هدي من كان قبلنا، وأن المشارك ~~لهم يخاف عليه أن يكون هالكا. # ونهانا عن مشابهة من كان قبلنا، بأنهم كانوا يفرقون في الحدود بين ~~الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوى بين الناس في ذلك، وقال: إنما هلك بنو ~~إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف ~~أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. # وأخبر أن ابنته التي هي أشرف النساء لو ms020 سرقت - وقد أعاذها الله من ذلك - ~~لقطع يدها؛ ليبين أن وجوب العدل والتعميم في الحدود هو الواجب. # PageV01P053 # وأيضا فقد قال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك فعقب قوله عن "الذين قبلنا" ~~بقوله: "ألا فلا" بالفاء التي تشعر بأن سبب نهينا عن ذلك لأجل أنهم فعلوه. # وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أن الله ينهى عنها، وأنها علة ~~مقتضية للنهي. # ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد، مع لعنته لليهود والنصارى كثير متواتر حتى ~~عند خروج نفسه الكريمة -بأبي هو وأمي- يوصي بذلك، وإن كان قد ابتلي كثير من ~~هذه الأمة ببناء المساجد على القبور، وكلا الأمرين محرم، ملعون فاعله ~~بالسنة المستفيضة. # وقد صح عنه أنه قال: كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع وهو عام يدخل ~~فيه ما كانوا عليه من العبادات والعادات، مثل دعواهم: يا لفلان ويا لفلان، ~~ومثل أعيادهم وغير ذلك من أمورهم. # ولا يدخل في ذلك ما كانوا عليه وأقره الله في الإسلام كالمناسك ودية ~~المقتول، والقسامة ونحوه؛ لأن أمر الجاهلية معناه مفهوم منه ما كانوا عليه ~~مما لم يقره الإسلام، فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام ~~عنه بعينه. # PageV01P054 # وأيضا نهى عن التذكية بالسن والعظم، وقال: أما السن فعظم فقيل: لا يجوز ~~التذكية بسائر العظام عملا بعموم العلة، وقيل: يجوز، وهما في مذهب أحمد ~~وغيره، وأما الظفر فمدى الحبشة فنهى عن مشابهة الحبشة فيما يختصون به؛ لأن ~~أظفارهم طويلة يذكون بها دون سائر الأمم، وأما العظم فيجوز أن يكون ذلك مثل ~~نهيه عن تنجيسه بالدم، كما نهى عن الاستنجاء به؛ لكونه طعام الجن، ونهى عن ~~الشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة ~~ورأى على ابن عمرو ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسهما ~~رواه مسلم. ### | فصل الكلام على إجماع العلماء على حرمة التشبه وخطره # وأما الإجماع: من ذلك أن عمر في الصحابة ms021 -رضي الله عنهم- ثم عامة الأئمة ~~بعده وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل # PageV01P055 # الذمة: "أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، ولا نتشبه بهم في شيء ~~من ملابسهم: قلنسوة أو عمامة أو نعلين أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا ~~نكتني بكناهم، ولا نركب على السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من ~~السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور وأن نجز ~~مقادم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ~~نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبا ولا كتبا في شيء من طرق المسلمين ~~ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا، ولا نرفع ~~أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين". رواه ~~حرب بإسناد جيد. # فهذه الشروط مجمع عليها في الجملة بين العلماء. # قال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: "أهل الذمة مأمورون بلبس ~~الغيار، فإن امتنعوا لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم؛ لأنه لا ~~يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه". # PageV01P056 # قلت: وهذا فيه خلاف هل يلزمون بالتغيير أم الواجب علينا إذا امتنعوا أن ~~نغير نحن؟ # أما وجوب أصل المغايرة فما علمت فيه خلافا. # وإذا كان عمر وسائر الصحابة والفقهاء والملوك قد اتفقوا على منعهم من ~~إظهار شيء من خصائصهم، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها لهم؟ وقد أمر ~~الصحابة والمسلمون بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله. # ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة، فيها نوع من إكرامهم، ~~فإنهم يفرحون، ويسرون، كما يغتمون بإهمال دينهم الباطل. # ورأى أبو بكر امرأة من أحمس لا تتكلم، فقال: ما لها؟ فقالوا: حجت مصمتة، ~~فقال لها: "تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت" الحديث ~~رواه البخاري فدل على أن كل عمل من أعمال الجاهلية ينهى عنه مثل المكاء ~~والتصدية، والمكاء: الصفير ونحوه، والتصدية: التصفيق. # ومثل بروز المحرم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب ~~المتقدمة، أو ترك كل ما ms022 عمل في غير الحرم ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي ~~كانوا يتخذونها عبادات، لا يجوز التعبد بها في الإسلام ألبتة. # PageV01P057 # وكتب عمر إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس "إياكم وزي أهل الشرك" فهو ~~عام في كل زي لهم، رواه البخاري في صحيحه، وكتب إلى أذربيجان "إياكم ~~والتنعم وزي أهل الشرك". # ومنع -رضي الله عنه- من إعزاز الكفار واستعمالهم على أمر للمسلمين ~~وائتمانهم على شيء، وحرق كتب العجمية وغيرها، ونهى عن تعلم رطانة الأعاجم، ~~ثم مشى بعده عثمان -رضي الله عنه- على سنته في ذلك. # ورأى علي -رضي الله عنه- قوما قد سدلوا، فقال: "ما لهم؟ كأنهم اليهود ~~خرجوا من فهرهم" رواه سعيد في سننه عن هشيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن ~~بن سعيد بن وهب عن أبيه عن علي، ورواه ابن المبارك، وروي عن ابن عمر وأبي ~~هريرة أنهما كرها السدل في الصلاة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. # PageV01P058 # واختلف: هل السدل محرم يبطل الصلاة؟ . # ذكر ابن أبي موسى فيه روايتين، وعلله أحمد بأنه فعل اليهود. # وليس المقصود عين هذه المسألة، بل المقصود أن عليا بين كراهيته لذلك أن ~~فيه مشابهة اليهود، فعلم أنه أمر قد استقر عندهم. # وفهر اليهود -بضم الفاء- مدراسهم، وأصلها: بهر، عبرانية عربت، ذكره ~~الجوهري وكره علي التكلم بكلامهم. # فهذا عن الخلفاء الراشدين. # وأما سائر الصحابة -رضي الله عنهم- فكثير، فروي عن حذيفة أنه دعي إلى ~~وليمة، فرأى شيئا من زي العجم، فخرج وقال: "من تشبه بقوم فهو منهم". # وعن ابن عباس أنه سأله رجل: أحتقن؟ قال: "لا تبد العورة، ولا تستن بسنة ~~المشركين". رواه الخلال. # وعن أنس أنه نهى عن القرنين، وقال: "احلقوا هذين أو قصوهما، فإنه زي ~~اليهود". # PageV01P059 # وعن معاوية أنه قال: "تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، ~~فلا تشبهوا بهم". # وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: "من بنى ببلاد المشركين، وصنع نيروزهم ~~ومهرجانهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة". # وصح عن عائشة أنها كرهت الاختصار في الصلاة، وقالت: "لا تشبهوا باليهود". # وكره ابن ms023 مسعود الصلاة في الطاق وقال: "إنه في الكنائس، فلا تشبهوا بأهل ~~الكتاب". # وعن ابن عمر أنه قال في شرفات مسجد: "شبه أنصاب الجاهلية" وأمر بكسرها. # وقال عبيد بن أبي الجعد "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ~~من أشراط الساعة: أن تتخذ المذابح في المساجد" يعني الطاقات. # PageV01P060 # وهذا باب واسع فيه كثرة عن الصحابة. # وهذه القضايا في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدا ذكر عن الصحابة خلاف ذلك، ~~من أنهم كانوا يكرهون التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه ~~المسائل المعينة فيها خلاف وتأويل. # وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كانوا قد يختلفون في ~~بعض أعيان المسائل. # فعلم اتفاقهم على كراهة التشبه بالكفار والأعاجم. # وكذلك المنقول عن علماء المسلمين من الأئمة المتقدمين في تعليل النهي عن ~~أشياء بمخالفة الكفار أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من ~~أن يمكن حصره واستقصاؤه، ومن له أدنى نظر في الفقه يعلم ذلك وقد بلغه من ~~ذلك طائفة، وبعد النظر والتأمل يورث علما ضروريا باتفاقهم أعني الأمة ~~جميعها على النهي عن موافقة الكفار والأمر بمخالفتهم. # وقد تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم ~~وقال أبو حنيفة: إذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه؛ لأن فيه إظهار ~~مخالفة المشركين. # وقال مالك: "لا يحم بالأعجمية، ولا يدعو بها، ولا يحلف". # وقال: "وقيام المرأة لزوجها من فعل الجبابرة، وربما يكون الناس # ينتظرونه، فإذا طلع قاموا، ليس هذا من فعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه من ~~التشبه بأهل الكتاب". # PageV01P061 # وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضع، مثل ما ذكره بعضهم في ~~أوقات النهي، بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ. # وذكروا في السحور أنه فرق بيننا وبين صيام أهل الكتاب. # وذكروا في شروط الذمة ما يتضمن منع المسلمين عن مشابهتهم، تفريقا بين ~~علامة المسلمين وعلامة الكفار. # وبالغ طائفة منهم، فنهوا عن التشبه بأهل البدع. # وأما كلام الإمام أحمد وأصحابه فكثير جدا، مثل قول أحمد: "لا أحب ms024 لأحد ~~إلا أن يغير الشيب، ولا يتشبه بأهل الكتاب" وكره حلق القفا، وقال: "هو من ~~فعل المجوس" وكره النعل الصرار، وهو من زي العجم، وكره تسمية الشهور ~~بالعجمية والأشخاص بالأسماء الفارسية مثل: آذرماه، وقال للذي دعاه إلى ~~وليمة: زي المجوس، زي المجوس، ونفض يده في وجهه؛ لما رأى عنده آنية فيها ~~فضة. # وذكر أصحابه أن في اللباس المكروه ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم ~~وعاداتهم. # وقال غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: يستحب أن يتختم باليسار؛ للآثار؛ ~~ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة. # وما في هذا # PageV01P062 # الباب عن سائر أئمة المسلمين أكثر من أن يحصى عشره. # وبدون ما ذكرنا يعلم اتفاق المسلمين على كراهة التشبه بأهل الكتاب ~~والأعاجم في الجملة، وبالله المستعان، وعليه التكلان. ### | فصل بيان حرمة التشبه بالشياطين # ومما يشبه هذا: الأمر بمخالفة الشياطين، كما روى مسلم أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشرب بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ~~ويشرب بها ونظائره كثيرة. # وقريب من هذا: مخالفة من لم يكمل دينه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين ~~بالهجرة، فمن لم يهاجر من الأعراب ونحوهم ناقص، قال -تعالى-: الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا الآية. # وقال صلى الله عليه وسلم: لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها ~~العشاء، وهم يعتمون الإبل. # وقال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: والأعراب تقول: هي ~~العشاء. # فقد كره موافقة الأعراب في اسم المغرب والعشاء بالعشاء والعتمة، وهذا عند ~~بعض علمائنا يقتضي كراهة هذا الاسم مطلقا، وعند بعضهم إنما يكره الإكثار ~~منه حتى يغلب على الاسم الآخر، وهو المشهور عندنا. # PageV01P063 ### | فصل بيان الفرق المعتبر بين التشبه بالكفار والشياطين وبين التشبه بالأعراب والأعاجم مع ذكر النصوص # وليعلم أن [بين التشبه بالكفار والشياطين] وبين التشبه بالأعراب والأعاجم ~~فرقا يجب اعتباره وإجمالا يحتاج إلى تفسير، وذلك أن نفس الكفر والتشيطن ~~مذموم في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين ونفس الأعرابية والأعجمية ليست ~~مذمومة في نفسها عند الله تعالى وعند رسوله وعند عباده ms025 المؤمنين، بل ~~الأعراب منقسمون إلى أهل جفاء كما قال: الأعراب أشد كفرا الآية. # وقال: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما الآية: سيقول لك المخلفون من ~~الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا إلى قوله: وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ~~وإلى أهل إيمان وبر، قال تعالى: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ويتخذ ما ينفق قربات عند الله الآية. # وقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن وفد عليه ومن غيرهم ~~من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين، فهذا كتاب الله يحمد بعض ~~الأعراب، ويذم بعضهم. # وقال تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق فعلم أن المنافقين في الأعراب وذوي القربى. # وكذلك العجم، وهم من سوى العرب من الفرس والروم والترك # PageV01P064 # والبربر والحبشة وغيرهم ينقسمون إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر ~~كانقسام العرب. # قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم # وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها ~~بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب حديث صحيح. # وقال صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس! إن ربكم عز وجل واحد، وإن أباكم ~~واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ~~ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: ليبلغ الشاهد الغائب إسناده صحيح. # وأخبر أن آل بني فلان ليسوا -لمجرد النسب- أولياء له، وهم بطن قريب ~~النسب، إنما وليه الله وصالح المؤمنين، خرجاه في الصحيحين ومثل ذلك كثير ~~بين في الكتاب والسنة أن العبرة بالأسماء التي حمدها الله وذمها كالمؤمن ~~والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل. # وقال: لو كان الدين بالثريا لذهب به رجل من فارس حتى يتناوله. # PageV01P065 # وروى الترمذي في قوله تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم أنهم من أبناء ~~فارس إلى غير ذلك من آثار رويت في فضل أبناء فارس، ومصداق ذلك ما وجد في ~~التابعين ومن ms026 بعدهم من أبناء فارس الأحرار والموالي مثل الحسن وابن سيرين ~~وعكرمة، ومن بعدهم من المبرزين في الإيمان والدين والعلم ما لا يحصون كثرة ~~على ما هو معروف، إذ الفضل الحقيقي هو اتباع ما بعث الله به رسوله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعلم باطنا وظاهرا، فكل من كان فيه أكمل ~~كان أفضل، فالفضل بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة، لا بمجرد كون ~~الإنسان عربيا أو عجميا أو أبيض أو أسود أو قرويا أو بدويا، وإنما وجه ~~النهي عن مشابهة الأعراب والأعاجم -مع ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم العبرة ~~بالنسب والمكان- مبني على أصل، وهو أن الله -سبحانه- جعل سكنى القرى يقتضي ~~من كمال الإنسان في العلم والدين ورقة القلوب ما لا يقتضيه سكنى البادية، ~~كما أن البادية توجب من صلابة البدن والخلق ومتانة الكلام ما لا يكون في ~~القرى، هذا هو الأصل، وإن جاز تخلف هذا المقتضي لمانع وكانت البادية أحيانا ~~أنفع من القرى. # قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى وذلك ~~لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور حتى في النسب. # PageV01P066 # ثم لفظ "الأعراب" هو في الأصل اسم لبادية العرب، فإن كل أمة لها حاضرة ~~وبادية، فبادية العرب: الأعراب، وقد يقال إن بادية الروم: # الأرمن أو نحوهم، وبادية الفرس: الأكراد أو نحوهم، وبادية الترك: التتر، ~~والتحقيق أن هذا -والله أعلم- هو الأصل وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان. # [والتحقيق] أن سكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواء دخلوا في لفظ الأعراب ~~أم لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، ~~وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلا، ويقتضي أن ما انفرد ~~به عن جميع جنس الحاضرة أعني في زمن السلف من الصحابة والتابعين فهو ناقص ~~عن فضل الحاضرة أو مكروه. # فإذا وقع التشبه بهم فيما ليس من فعل الحاضرة المهاجرين كان ذلك: إما ~~مكروها، أو مفضيا إلى المكروه، وعلى هذا القول في العرب والعجم، فإن الذي ms027 ~~عليه أهل السنة والجماعة أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم ~~وسريانيهم ورومهم وفرسهم وغير ذلك، وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم ~~أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم، فهو أفضل ~~الخلق نفسا وأفضلهم نسبا، وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرد كون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم ~~أفضل، وبذلك ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسا ونسبا وإلا ~~لزم الدور. # PageV01P067 # وذهبت فرقة من الناس إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء ~~يسمون الشعوبية؛ لانتصارهم للشعوب التي هي مغايرة للقبائل كما قيل: القبائل ~~للعرب والشعوب للعجم. # ومن الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب، والغالب أن مثل هذا ~~الكلام لا يصدر إلا عن نفاق، ولهذا جاء في الحديث حب العرب إيمان، وبغضهم ~~نفاق مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى للنفس ونصيب للشيطان ~~من الطرفين، وهو محرم في جميع المسائل، فإن الله أمر بالاعتصام، ونهى عن ~~التفرق والاختلاف. # والدليل على فضل جنس العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم: ما رواه الترمذي عن ~~العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشا ~~جلسوا، فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير فرقهم، وخير ~~الفريقين، ثم خير القبائل، فجعلني في خير قبيلة، ثم خير # PageV01P068 # البيوت، فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا" وحسنه. # والكبوة: الكناسة، والكبا بالكسر والقصر. # ورواه بطريق آخر ورواه أحمد ولفظه: إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير ~~خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير ~~قبيلة، وجعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا # فيحتمل أن المراد بالخلق الثقلان، أو هم جميع ما خلق في الأرض، وبنو آدم ms028 ~~خيرهم، ولو قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة فله وجه صحيح، ويحتمل ~~أنه أراد بالخلق بني آدم، وبكل تقدير فالحديث صريح في تفضيل العرب على ~~غيرهم، ولهذا الحديث شواهد تؤيده وتوضحه، مثل حديث مسلم إن الله اصطفى ~~كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، ~~واصطفاني من بني هاشم ورواه أحمد والترمذي ولفظه: "إن الله اصطفى من ولد ~~إبراهيم # PageV01P069 # إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ... إلخ. # فيقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، وأنهم أفضل من ولد إسحاق، ~~ومعلوم أن ولد إسحاق أفضل العجم لما فيهم من النبوة والكتاب، فإذا ثبت ~~فضلهم على ولد إسحاق، لزم فضلهم على من سواهم، ثم إن الله تعالى خص العرب ~~ولسانهم بأحكام تميزوا بها عن غيرهم فخص قريشا بما جعل فيهم من خلافة ~~النبوة وغير ذلك، ثم خص بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قسط من الفيء إلى ~~غير ذلك، فأعطى الله -سبحانه- كل درجة بحسبها، والله عليم حكيم، الله يصطفي ~~من الملائكة رسلا ومن الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته. # وقال صلى الله عليه وسلم: حب أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، # PageV01P070 # وحب العرب من الإيمان، وبغضهم من الكفر وفي حديث سلمان ما يقوي هذا ~~الحديث. # ولما وضع عمر الديوان كتب الناس على قدر أنسابهم، فبدأ بأقربهم فأقربهم ~~إلى رسول الله، فلما انقضت العرب ذكر العجم، هكذا كان الديوان على عهد ~~الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء بعدهم إلى أن تغير الأمر بعد. # وسبب هذا الفضل: ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، ~~وذلك لأن الفضل: إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح، والعلم مبدأه ~~العقل، وهو قوة الفهم، وتمامه قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب ~~أفهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، # PageV01P071 # وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء ~~وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير ~~معطلة عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة ms029 عن ~~الأنبياء، ولا هم مشتغلون ببعض العلوم العقلية، إنما علمهم ما سمحت به ~~قرائحهم من الشعر والخطب وما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، وما احتاجوا إليه ~~في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحرب، فلما بعث الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بالهدى الذي ما جعل الله ولا يجعل أمرا أجل منه ولا أعظم قدرا، ~~وتلقوه عنه بعد مجاهدته الشديدة ومعالجته حتى نقلهم عن تلك العادات ~~الجاهلية والظلمات الكفرية التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فطرها، فزالت تلك ~~الريون عن قلوبهم، واستنارت بهدى الله، فأخذوا ذلك الهدي بتلك الفطرة ~~الجيدة، فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم والكمال الذي أنزله الله ~~إليهم بمنزلة أرض جيدة في نفسها عطلت عن الحرث، فنبت فيها شوك وزغل وصارت ~~مأوى الخنازير والسباع، فإذا طهرت عن المؤذي # PageV01P072 # من الشجر والدواب وازدرع فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما ~~لا يوصف مثله، وبالله المستعان. # فصار السابقون الأولون أفضل الخلق بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم ~~من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم، وصار الخارجون عن هذا ~~الكمال قسمين: إما كافر من اليهود والنصارى الذين لم يقبلوا هدى الله، وإما ~~غيرهم من العجم الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، فجاءت الشريعة باتباع ~~أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم: إما ~~لمعصيته، وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة، فإذا نهت الشريعة عن ~~مشابهة الأعاجم دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا، وما عليه ~~الأعاجم المسلمون مما لم يكن السابقون الأولون عليه، كما يدخل في مسمى ~~الجاهلية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إليه كثير من ~~العرب من الجاهلية التي كانوا عليها، ومن تشبه من العرب بالعجم لحقوا بهم، ~~ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس إنما حصل ذلك ~~بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقص من العرب إنما ~~هو بتخليهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنة أن يخالفوا فيه. # PageV01P073 # وأيضا فإن الله ms030 أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا عنه الكتاب ~~والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، فلم يكن ~~سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين إذ ~~هو أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله وأقرب إلى إقامة شعار الدين، ~~وأقرب إلى مشابهة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم، ~~وقد أمر العلماء بالخطاب العربي، وكرهوا مداومة غيره لغير حاجة، واللسان ~~تقارنه أمور أخرى من الأخلاق والعلوم، فإن العادة لها تأثير عظيم فيما يحبه ~~الله ورسوله أو فيما يكرهه، فلهذا جاءت الشريعة بلزوم طريقة السابقين في ~~أقوالهم وأعمالهم وكراهة الخروج عنها إلى غيرها لا لحاجة؛ لما يفضي إليه من ~~فوت الفضائل التي جعلها الله للسابقين الأولين. # ولهذا لما علم من وفقه الله من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمر أخذ يجاهد ~~نفسه في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل التابعين بإحسان، ~~وصار كثير منهم أئمة لكثير من غيرهم، وصاروا يفضلون من رأوه أقرب إلى ~~متابعة السابقين. # فالأمة مجمعة على فضل طريقة العرب السابقين وأن الفاضل من تبعهم، وهو ~~المطلوب، والذي يجب على المسلم إذا نظر إلى الفضائل أو تكلم فيها أن يسلك ~~سبيل العاقل الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحراه جهده، ليس # PageV01P074 # غرضه الفخر على أحد، ولا الغمط من أحد كما قال: إن الله أوحى إلي أن ~~تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد فمن استطال بحق فقد ~~افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا، فإن كان الرجل من ~~الطائفة الفاضلة فلا يكون حظه استشعار فضل نفسه والنظر إلى ذلك، فإنه مخطئ، ~~لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش، ~~وإن كان من الطائفة الأخرى، فيعلم أن تصديقه للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ومحبة ما أحبه الله، والتشبه بمن فضله الله، ~~والقيام بالدين الحق يوجب له أن ms031 يكون أفضل من جمهور الطائفة الأخرى وهذا هو ~~الفضل الحقيقي. # PageV01P075 ### | فصل أنواع التشبه بالكفار وأقسام العبادات بالنسبة لدينهم ودين الإسلام # قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار ما دل على ~~أن التشبه بهم في الجملة منهي عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع: إما ~~إيجابا وإما ندبا بحسب المواضع، سواء كان الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم ~~أو لم يقصده، وكذلك ما أمر به من مخالفتهم، وما نهي عنه من مشابهتهم يعم ما ~~إذا قصدت المشابهة لهم أو لم تقصد، فإنه لم يكن المسلمون يقصدون التشبه بهم ~~فيها بل فيها ما لا يمكن القصد فيه، مثل بياض الشعر، وطول الشارب ونحوه، ثم ~~اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام: # قسم مشروع في ديننا، مع كونه كان مشروعا لهم أو لا نعلم أنه كان مشروعا ~~لهم، لكنهم يفعلونه الآن. # وقسم كان مشروعا، ثم نسخه شرع القرآن. # وقسم لم يكن مشروعا بحال، وإنما هم أحدثوه. # وهذه الأقسام الثلاثة: إما أن تكون في العبادات المحضة، وإما في العادات ~~المحضة، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام. # فأما القسم الأول: وهو ما كان مشروعا في الشريعتين، أو ما كان # PageV01P076 # مشروعا لنا وهم يفعلونه كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع ~~المخالفة في الصفة في ذلك العمل، كما سن لنا صوم تاسوعاء، وأمرنا بتعجيل ~~الفطر والمغرب مخالفة لهم وتأخير السحور وأمرنا بالصلاة في النعلين وهو ~~كثير في العبادات وكذا في العادات، كقوله: اللحد لنا، والشق لغيرنا وسن ~~توجيه قبور المسلمين إلى القبلة، فإن أصل الدفن من الأمور العادية، وهو ~~أيضا عبادة، وكذلك اعتزال الحائض هو مما جامعناهم في أصله، وخالفناهم في ~~وصفه. # القسم الثاني: ما كان مشروعا ثم نسخ، كالسبت، وإيجاب صلاة أو صوم، ولا ~~يخفى النهي عن موافقتهم في هذا سواء كان واجبا عليهم، فيكون عبادة، أو ~~محرما عليهم فيتعلق بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ~~ظفر على وجه التدين # PageV01P077 # بذلك، وكذلك ما كان مركبا منهما، وهي الأعياد التي ms032 كانت مشروعة لهم، فإن ~~العيد يجمع عبادة، وهو ما فيه من صلاة أو ذكر أو صدقة أو نسك، ويجمع عادة ~~وهو ما يفعل فيه من التوسع وما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواظبة واللعب ~~المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب ونحو ذلك، فموافقتهم في هذا ~~المنسوخ من العبادات أو العادات أو كليهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع ~~الأصل؛ ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة. # وأما القسم الثالث: وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات أو كليهما فهو ~~أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لكان قبيحا، فكيف إذا كان قد أحدثه ~~الكافرون؟!. # PageV01P078 ### | فصل الكلام على التشبه بالكفار في أعيادهم ولغتهم مع إيراد النصوص والإجماع # إذا تقرر هذا الأصل، فنقول: موافقتهم في أعيادهم محرمة لا تجوز من ~~طريقين: الطريق الأول: العام وهو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب ~~فيما ليس من ديننا ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم وفي تركه ~~مصلحة مخالفتهم -كما تقدمت الإشارة إليه-، ومن جهة أنه من البدع المحدثة، ~~ولا ريب أن هذه الطريق تدل على كراهة الموافقة لهم والتشبه بهم في ذلك، فإن ~~أقل أحوال التشبه بهم: الكراهة، وكذلك أقل أحوال البدع. # ويدل كثير منها على تحريم التشبه بهم في العيد، مثل قوله صلى الله عليه ~~وسلم من تشبه بقوم فهو منهم وقوله: خالفوا المشركين ومثل ما ذكرنا من دلائل ~~الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادهم من سبيلهم ~~إلى غير ذلك من الأدلة. # فمن نظر فيما تقدم تبين له دخول هذه المسألة في كثير مما تقدم من ~~الدلائل، وتبين له أن هذا من جنس أعمالهم التي هي دينهم أو شعار دينهم ~~الباطل، وأنه محرم بخلاف ما لم يكن من خصائص دينهم، مثل نزع النعلين في ~~الصلاة، فإنه جائز كما أن # PageV01P079 # لبسهما جائز. # الطريق الثاني: الخاص في نفس أعيادهم، فالكتاب والسنة والإجماع ~~والاعتبار. # أما الكتاب، فمما تأوله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله # -تعالى-: والذين لا يشهدون الزور أنه الشعانين، ms033 ذكره ابن سيرين. # وعن الربيع بن أنس أنه أعياد المشركين. # وعن عكرمة قال: هو لعب كان لهم في الجاهلية. # وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن الضحاك قال: "أعياد المشركين". # وعنه: "عيد المشركين". # وعن عمر قال: إياكم ورطانة الأعاجم! وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم ~~في كنائسهم! . # PageV01P080 # وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار ليس مخالفا لقول بعضهم: إنه ~~الشرك، أو صنم كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا، وقول بعضهم: ~~إنه الغناء؛ لأن عادة السلف في تفسيرهم هكذا، يذكر الرجل نوعا من أنواع ~~المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه على الجنس، كما لو قال العجمي: ما ~~الخبز؟ فيعطى رغيفا ويقال له: هذا بالإشارة إلى جنس لا إلى العين، وقال ~~قوم: إنه شهادة الزور التي هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه قال: لا يشهدون ~~الزور ولم يقل: لا يشهدون بالزور، فإن العرب تقول: شهدت كذا إذا حضرته، ~~كقول ابن عباس: "شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم" وقول عمر: ~~"الغنيمة لمن شهد الوقعة" وأما شهدت بكذا بمعنى أخبرت به، فتسمية هذا ~~الإتيان زورا، وقد ذم الله من يقول الزور، قال: واجتنبوا قول الزور ففعل ~~الزور كذلك، بل الفعل أشد، فيكون حراما؛ لأنه خلاف الأمر، وبكل حال يدخل في # PageV01P081 # الآية أنه مكروه، وهو من مطلوبنا، إذ قد يظن بعض الناس أن بعض ما يفعلونه ~~يكون مستحبا، مثل التوسعة على العيال ونحوه، فهذه تدل على كراهة ذلك مطلقا، ~~سواء دلت الآية على التحريم أو الكراهة أو استحباب تركه حصل المقصود. # وأما السنة فمن وجوه: أحدها: روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما ~~هذان اليومان؟ فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال: إن الله قد ~~أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر رواه أبو داود ثنا موسى بن ~~إسماعيل ثنا حماد عن حميد عن أنس، ورواه أحمد والنسائي وهذا إسناد على شرط ~~مسلم، فلم يقرهما على العيدين الجاهليين، ولا ms034 تركهم يلعبون فيهما # PageV01P082 # على العادة، بل قال: إن الله أبدلكم بهما يومين آخرين، والإبدال يقتضي ~~ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل. # وكذلك مات ذلك اليومان في الإسلام فلم يبق لهما أثر، فإنه قد يعجز كثير ~~من الملوك عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم لقوة مقتضيها من نفوسهم ~~وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، لا سيما طباع النساء والصبيان، فلولا قوة ~~المانع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانت باقية ولو على وجه ضعيف، ~~فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتا، وكل ما منع منه الرسول منعا قويا كان ~~محرما، وهذا بين لا شبهة فيه، والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم ~~عليها أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها؛ لأن الأمة قد ~~حذروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أنه سيفعل ذلك بخلاف دين الجاهلية، ~~فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخترام أنفس المؤمنين عموما، ولو لم يكن ~~أشد منه فهو مثله؛ إذ الشر الذي له فاعل موجود يخاف على الناس منه أكثر من ~~شر لا مقتضى له قوي. # الوجه الثاني: روى أبو داود أن رجلا نذر على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني ~~نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها ~~وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ". قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من ~~أعيادهم؟. قالوا: لا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك، ~~فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" # PageV01P083 # وأصل هذا الحديث في الصحيحين، وإسناده على شرطهما. # فوجه الدلالة أن هذا الناذر لما نذر الذبح سأله: هل كان بها وثن أو عيد ~~لهم؟ ثم قال: لا وفاء لنذر في معصية الله، فدل على أن الذبح بمكان عيدهم ~~وموضع أوثانهم معصية، فإنه عقب فأوف بالفاء، فيدل على أن الوصف هو سبب ~~الحكم، ms035 فيكون سبب الوفاء بالنذر وجوده خاليا عن هذين الوصفين، ويكون ~~الوصفان مانعين من الوفاء، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيا عنه، فكيف ~~بالموافقة في نفس العيد. # وبوانة بضم الباء بواحدة من أسفل، موضع. # وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان، وأعياد ~~الكفار من الكتابيين والأميين في دين الإسلام من جنس واحد، كما أن كفرهم ~~سواء في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريما، ولا يختلف حكمهما في حق المسلم، ~~لكن أهل الكتاب أقروا على دينهم مع أنه شرط عليهم أن لا يظهروا أعيادهم، بل ~~أعياد الكتابيين أعظم كفرا؛ لأنهم يتخذونها دينا، بخلاف الذين يتخذونها ~~لهوا ولعبا؛ لأن التعبد بما يسخط الله أعظم من اقتضاء الشهوات، # PageV01P084 # ولهذا كان الشرك أعظم إثما من الزنا، وكان جهاد أهل الكتاب أفضل من ~~غيرهم، وكان من قتله أهل الكتاب له أجر شهيدين. # الوجه الثالث: أن هذا الحديث وغيره قد دل على أنه كان للناس أعياد ~~يجتمعون فيها في الجاهلية، ومعلوم أنه بمبعث إمام المتقين صلى الله عليه ~~وسلم محا الله ذلك عنه، فلم يبق شيء من ذلك، فلولا نهيه ومنعه لما ترك ~~الناس ذلك مع قيام المقتضي لفعلها من جهة الطبيعة أن المانع قوي لما درست ~~تلك الأعياد. # الوجه الرابع: ما خرجاه في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: دخل ~~علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار ~~يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال [أبو بكر] أبمزمور الشيطان في بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وذلك يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا" وفي رواية: دعهما يا ~~أبا بكر. # فقوله: إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم؛ كقوله ~~-تعالى- ولكل وجهة هو موليها لأن اللام تورث الاختصاص، فلا نشركهم في عيدهم ~~كما لا نشركهم في # PageV01P085 # شرعتهم، ولا ندعهم يشركوننا. # وقوله: "هذا عيدنا" يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا ms036 عيد سواه، وكذلك ~~قوله: وإن عيدنا هذا اليوم، فإن التعريف بالإضافة واللام يقتضي الاستغراق، ~~فيكون جنس عيدنا منحصرا في جنس ذلك اليوم، كقوله: "تحريمها التكبير، ~~وتحليلها التسليم". # ومن هذا الباب: قوله صلى الله عليه وسلم: يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى ~~عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب رواه أبو داود والترمذي وصححه، فيدل ~~على مفارقتنا لغيرنا في العيد، واختصاصنا بهذه الأيام الخمسة، وأيضا فإنه ~~علل الرخصة باللعب بكونه يوم عيدنا، فدل على أنه لا يرخص فيه في عيد ~~الكفار، فإنه لو ساغ ذلك لم يكن قوله: لكل قوم عيد فيه فائدة. # PageV01P086 # الوجه الخامس: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى حتى أجلاهم عمر -رضي ~~الله عنه- وكان اليهود بالمدينة كثرا في حياته -صلى الله عليه وسلم- وكذلك ~~كان في اليمن يهود، ونصارى بنجران، والفرس بالبحرين، وكان لهم أعياد، ~~والمقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب واللباس والزينة واللعب ~~والراحة قائم في نفوس الناس، ثم من كان له خبرة بالسيرة يعلم أن المسلمين ~~لم يكونوا يشاركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد ~~الكفار، بل ذلك اليوم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعند المسلمين ~~يوم لا يخصونه بشيء أصلا إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه كصومه، فلولا ~~أنه كان من دين المسلمين الذي تلقوه عن نبيهم منع من ذلك وكف عنه لوجب أن ~~يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك، فدل على المنع منه ثم جرى الأمر على عهد ~~الخلفاء الراشدين كما كان في عهده، حتى كان عمر ينهى عن الدخول عليهم يوم ~~عيدهم، فكيف لو كان أحد يفعل كفعلهم، بل لما ظهر من بعض المسلمين اختصاص ~~يوم عيدهم بصوم مخالفة لهم نهى الفقهاء أو كثير منهم عن ذلك لأجل ما فيه من ~~تعظيم عيدهم، أفلا يستدل بهذا على أن المسلمين تلقوا عن نبيهم -صلى الله ~~عليه وسلم- المنع من مشاركتهم في أعيادهم، وهذا بعد التأمل بين جدا. # PageV01P087 # الوجه السادس: ما رواه أبو هريرة عنه -صلى ms037 الله عنه وسلم- أنه قال: نحن ~~الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه ~~لمن بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، ~~فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد متفق عليه. # فذكر أن الجمعة لنا كما أن السبت لليهود والأحد للنصارى، واللام تقتضي ~~الاختصاص، ثم هذا الكلام يقتضي الاقتسام، كما إذا قيل: هذه ثلاثة غلمان، ~~هذا لي، وهذا لزيد، وهذا لعمرو، فإذا نحن شاركناهم في يوم السبت ويوم الأحد ~~خالفنا هذا الحديث، هذا في العيد الأسبوعي فكيف في العيد الحولي؟! # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: بيد أنهم أوتوا الكتاب أي من أجل، كقوله: ~~"أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش" والمعنى -والله أعلم- نحن الآخرون في ~~الخلق السابقون في الحساب والدخول إلى الجنة، فأوتينا الكتاب من بعدهم، ~~فهدينا لما اختلفوا فيه من العيد السابق للعيدين الآخرين، وصار عملنا ~~الصالح قبل عملهم، فلما سبقناهم إلى الهدى والعمل الصالح جعلنا سابقين لهم ~~في ثواب العمل الصالح، # PageV01P088 # ومن قال: بيد ههنا بمعنى غير، فقد أبعد. # الوجه السابع: ما روي عن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت: كان رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من ~~الأيام، ويقول: "إنهما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم" رواه أحمد ~~والنسائي وصححه بعض الحفاظ وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم، وإن كان على ~~طريق الاستحباب، وسنذكر حديث نهيه عن صوم يوم السبت وتعليل ذلك -أيضا- ~~بمخالفتهم، ونذكر حكم صومه عند العلماء، وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في ~~عيدهم، وإنما اختلفوا: هل مخالفتهم بالصوم أو بالإهمال حتى لا يقصد بصوم ~~ولا بفطر، أو يفرق بين العيد العربي والعيد العجمي؟ على ما سنذكره -إن شاء ~~الله تعالى-. # وأما الإجماع والآثار فمن وجوه: # أحدها: ما تقدم التنبيه عليه من أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في ~~أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه ~~قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على ms038 عهد السلف من المسلمين من يشركهم في ~~شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهيا، وإلا لوقع ذلك ~~كثيرا؛ إذ الفعل مع وجود مقتضيه وعدم منافيه واقع. # PageV01P089 # الثاني: من شروط عمر -رضي الله عنه- التي اتفقت عليها الصحابة وسائر ~~الفقهاء بعدهم: أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وسموا ~~الشعانين والباعوث، فإذا كانوا قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ ~~للمسلمين فعلها مع كونه أشد؟ # الوجه الثالث: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني عن عمر أنه قال: "إياكم ~~ورطانة الأعاجم! وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم! ". # وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر: "لا تدخلوا على المشركين يوم عيدهم، ~~فإن السخطة تنزل عليهم". # وعن ابن عمرو: "من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم ~~حتى يموت وهو كذلك حشر معهم" رواه البيهقي بالسند الصحيح. # وعن عمر -رضي الله عنه-: "اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم". # وعن علي -رضي الله عنه- أنه كره موافقتهم في اسم العيد الذي # PageV01P090 # ينفردون به فكيف بموافقتهم في العمل؟ # وقد نص أحمد على معنى ما جاء عن عمر وعلي -رضي الله عنهما- من كراهة ~~موافقتهم في اللغة والعيد، وتقدم قول القاضي: مسألة في المنع من حضور ~~أعيادهم. # وقال الإمام أبو الحسن الآمدي المعروف بابن البغدادي في كتابه "عمدة ~~الحاضر": "فصل: لا تجوز شهادة أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في ~~رواية مهنا، واحتج بقوله: والذين لا يشهدون الزور فأما ما يبيعون في ~~الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره، نص عليه". # وقال الخلال في "جامعه": "باب في كراهة خروج المسلمين في أعياد المشركين" ~~وذكر عن مهنا قال: "سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد، مثل طور يابور ودير ~~أيوب وأشباهه، يشهده المسلمون. # PageV01P091 # قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس". # وأما الرطانة وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية، فقال حرب الكرماني: "باب ~~تسمية الشهور بالفارسية، قلت لأحمد "فإن للفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء ~~لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة، وروى فيه عن مجاهد أنه ms039 كره أن يقال: آذرماه ~~وذي ماه، قلت: فإن كان اسم رجل أسميه به؟ فكرهه، وكان ابن المبارك يكره ~~إيزدان يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد، وكذلك الأسماء ~~الفارسية، قال: وكذلك أسماء العرب كل شيء مضاف، قال: وسألت إسحاق، قلت: ~~الرجل يتعلم شهور الروم والفرس؟ قال: كل اسم معروف في كلامهم فلا بأس. # فما قاله أحمد له وجهان: # أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم جاز أن يكون معنى محرما، فلا ينطق المسلم ~~بما لا يعرف معناه؛ ولهذا كرهت الرقى العجمية بالعبرانية والسريانية أو ~~غيرها؛ خوفا من أن يكون فيها معان لا تجوز، فإذا علم أن المعنى مكروه، فلا ~~ريب في كراهته، وإن جهل معناه فأحمد كرهه، وكلام إسحاق يحتمل أنه لم يكرهه. # PageV01P092 # والوجه الثاني: كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان ~~العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون؛ ~~ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون الدعاء والذكر بغير العربية، ~~واختلف الفقهاء في أذكار الصلاة: هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات: ~~أعلاها القرآن، ثم الذكر الواجب غير القرآن كالتحريمة والتسليم والتشهد عند ~~من أوجبه، ثم الذكر غير الواجب من دعاء وتسبيح وتكبير وغير ذلك. # فالقرآن لا يقرأ بغير العربية سواء قدر عليها أو لا عند الجمهور، وهو ~~الصواب الذي لا ريب فيه، بل قال غير واحد: يمتنع أن يترجم سورة أو ما يقوم ~~به الإعجاز، واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية. # وأما الأذكار الواجبة، فاختلف في منع ترجمة القرآن: هل تترجم للعاجز عن ~~العربية وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان: # أشبههما بكلام أحمد أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق. # والثاني يترجم وهو قول أبي يوسف ومحمد الشافعي. # وأما سائر الأذكار، فالمنصوص من الوجهين أنه لا يترجمها، ومتى فعل بطلت ~~صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي، والمنصوص عنه أنه يكره ~~بغير العربية ولا يبطل، ومن أصحابنا من قال له ذلك إذا لم يحسن العربية. ms040 # وحكم النطق بالعجمية في العبادات من الصلاة والقراءة والذكر # PageV01P093 # والتلبية والتسمية على الذبيحة وفي العقود والفسوخ كالنكاح واللعان وغيره ~~معروف. # وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور كالتواريخ وغير ذلك، ~~فنهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب، وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في ~~كراهته أيضا، فإنه كره آذرماه ونحوه ومعناه ليس محرما، وأظنه سئل عن الدعاء ~~بالفارسية فكرهه، وقال: لسان سوء، وهو قول مالك لنهي عمر عن رطانة الأعاجم ~~وقال: "إنها خب". # وكره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمى بغيرها وأن يتكلم بها خالطا لها ~~بالعجمية، وهذا الذي ذكرناه مأثور عن الصحابة. # روى ابن أبي شيبة قال: كتب عمر إلى أبي موسى: "أما بعد: فتفقهوا في ~~السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن، فإنه عربي". # وفي حديث آخر عنه: "تعلموا العربية، فإنها من دينكم". # وهذا الذي أمر به عمر من فقه العربية وفقه السنة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن ~~الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه ~~السنة هو فقه أعماله، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من يحسن ~~أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية، فإنه يورث النفاق رواه السلفي ~~بإسناد معروف، وهو يشبه كلام عمر وأما رفعه فموضع تبين، # PageV01P094 # ونقل عن طائفة أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة، وبالجملة بعد ~~الجملة فالكلمة بعد الكلمة أمرها قريب، وأكثر ما كانوا يفعلونه إذا كان ~~المكلم أعجميا يريدون تقريب الفهم على المخاطب، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص لما كساها النبي خميصة، ~~وقال: يا أم خالد هذه سنا والسنا بالحبشية: الحسن. # وأما اعتياد الخطاب بغير العربية حتى يصير عادة، فلا ريب أنه مكروه، فإنه ~~من التشبه بالأعاجم. # واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا، حتى ~~يزيد به العقل والخلق والدين لمشابهته سلف الأمة، وأيضا فإن اللغة العربية ~~من الدين، ومعرفتها فرض، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم ms041 إلا ~~بالعربية، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية. # PageV01P095 ### | فصل الاعتبار في مسألة العيد من وجوه # وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه: # أحدها: أن الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك التي قال -سبحانه-: ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وولكل أمة جعلنا منسكا كالقبلة والصلاة ~~والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبينها في سائر المناسك، فإن ~~الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في ~~بعض شعب الكفر، بل الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من ~~الشعائر. # PageV01P096 # ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة وشروطه، وأما ~~مبدؤها فأقل أحواله أن تكون معصية، وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار ~~ونحوه من علاماتهم، فإن تلك علامة وضعية ليست من الدين، وإنما الغرض منها ~~مجرد التمييز بين المسلم والكافر، وأما العيد وتوابعه فإنه من الدين ~~الملعون هو وأهله، فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله ~~وعقابه. # ولك أن تنظم هذا قياسا تمثيليا فتقول: العيد شريعة من شرائع الكفر أو ~~شعيرة من شعائره، فحرمت موافقتهم فيها كسائر شعائر الكفر، وشرائعه، وإن كان ~~هذا أبين من القياس الجزئي، ثم كل ما يختص به من عبادة وعادة إنما سببه ~~كونه يوما مخصوصا، وإلا فلو كان كسائر الأيام لم يختص بشيء، وتخصيصه ليس من ~~دين الإسلام في شيء، بل كفر به. # الوجه الثاني: أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنه: إما محدث، وإما ~~منسوخ، وما يتبع ذلك من التوسع في الطعام واللباس والراحة واللعب فهو تابع ~~لذلك العيد الديني، كما أنه تابع له في دين الإسلام، فهو بمنزلة أن يتخذ ~~بعض المسلمين عيدا مبتدعا يفعل فيه كل ما يفعله في العيد المشروع، ومثل من ~~ينصب بنية يطاف بها وتحج، ويصنع لذلك طعاما ونحوه، # PageV01P097 # ولو فرض أن المسلم كره ذلك لكن غير عادته ذلك اليوم كما يغير أهل البدع ~~عاداتهم في الأمور ms042 العادية أو في بعضها بصنع طعام أو زينة لباس وتوسعة في ~~نفقة من غير أن يتعبد بذلك، ألم يكن هذا من أقبح المنكرات؟ فكذلك موافقة ~~هؤلاء المغضوب عليهم والضالين وأشد، نعم هؤلاء يقرون على دينهم المبتدع ~~والمنسوخ مستسرين به، والمسلم لا يقر على مبتدع ولا منسوخ لا سرا ولا ~~علانية، كما لو صلى مسلم إلى بيت المقدس، أو ابتدع شيئا في الدين. # الوجه الثالث: إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم الشيء ~~إذا اشتهر دخل فيه عموم الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيدا ~~حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزاد عليه حتى يكاد يفضي إلى موت الإسلام وحياة ~~الكفر، كما قد سوله الشيطان [لكثير] ممن يدعي الإسلام فيما يفعلونه في آخر ~~صوم النصارى من الهدايا والأفراح والنفقات والكسوة وغير ذلك مما يصير به ~~مثل عيد المسلمين، بل البلاد المصافية للنصارى قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى ~~في نفوسهم من عيد الله ورسوله على ما حدثني به الثقات. # وهذا الخميس الذي يكون في آخر صوم النصارى يدور بدوران صومهم الذي هو ~~سبعة أسابيع، وصومهم وإن كان في أوائل الفصل الذي تسميه العرب الصيف وتسميه ~~العامة الربيع، فإنه يتقدم ويتأخر # PageV01P098 # ليس له حد واحد من السنة الشمسية كالخميس الذي هو في أول نيسان، بل يدور ~~صوم يوم النصارى في نحو ثلاثة وثلاثين يوما، لا يتقدم أوله ثاني شباط ولا ~~يتأخر أوله عن ثاني آذار، بل يبتدئون من الاثنين الذي هو أقرب إلى اجتماع ~~الشمس والقمر في هذه المدة -زعموا أنهم يراعون التوقيت الشمسي والهلالي- # وكل ذلك بدع أحدثوها باتفاق منهم خالفوا بها الشريعة التي جاءت بها ~~الأنبياء، فإن الأنبياء ما وقتوا العبادات إلا بالهلال، ويلي هذا الخميس ~~يوم الجمعة جعلوه بإزاء يوم الجمعة التي صلب فيها المسيح على زعمهم الكاذب ~~يسمونها جمعة الصلبوت، ويليه ليلة السبت يسمونها ليلة النور وسبت النور، ~~يزعمون أن المسيح كان فيها في القبر، ويصنعون مخرفة يروجونها على عامتهم ~~يخيلون إليهم أن ms043 النور ينزل من السماء في كنيسة القيامة بالقدس حتى يحملوا ~~ما يوقد من ذلك إلى بلادهم متبركين به، وقد علم كل عاقل أنهم يصنعون ذلك، ~~وأنه مفتعل، ثم يوم الأحد يزعمون أن المسيح قام فيه، ثم الأحد الذي يلي هذا ~~يسمونه الأحد الحديث يلبسون فيه الجدد من ثيابهم، وهم يصومون عن الدسم، ~~ويفطرون على ما يخرج من الحيوان من لبن أو بيض، ويفعلون أشياء لا تنضبط. # ولهذا تجد نقل العلماء لمقالاتهم وشرائعهم تختلف، وعامته صحيح، وذلك أن ~~القوم يزعمون أن ما وضعه رؤساؤهم من الأحبار والرهبان أنه من الدين، ~~ويلزمهم # PageV01P099 # حكمه، ويصير شرعا شرعه المسيح في السماء، فهم في كل مدة ينسخون أشياء ~~ويشرعون أشياء زعما منهم أن هذا بمنزلة نسخ الله شريعة بشريعة، فهم عكس ~~اليهود، هؤلاء يجوزون لأحبارهم النسخ، واليهود لا تجوز أن ينسخ الله ~~الشرائع، فلذلك لا ينضبط للنصارى شريعة تحكى على الأزمان، وغرضنا لا يتوقف ~~على تفصيل باطلهم، بل يكفينا أن نعرف المنكر معرفة تميز بينه وبين المباح ~~والمعروف والمستحب والواجب حتى نتمكن بهذه المعرفة من اتقائه واجتنابه كما ~~نعرف سائر المحرمات، إذ الفرض علينا تركها، ومن لم يعرف المنكر جملة ~~وتفصيلا لم يتمكن من قصد اجتنابه، والمعرفة الجملية كافية بخلاف الواجبات، ~~فإنه لما كان الغرض فعلها، والفعل لا يتأتى إلا مفصلا وجبت معرفتها على ~~سبيل التفصيل، وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف من ~~المسلمين قد ابتلوا ببعضها، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو ~~وأهله. # وقد بلغني أيضا أنهم يخرجون يوم الخميس الذي قبل هذا أو يوم السبت أو غير ~~ذلك إلى القبور يبخرونها، وكذلك يبخرون [بيوتهم] ويعتقدون أن في البخور ~~بركة ودفع أذى، وراء كونه طيبا، ويعدونه من القرابين مثل الذبائح ويرقونه ~~بنحاس يضربونه كأنه ناقوس صغير، وبكلام # PageV01P100 # مصنف، ويصلبون على أبواب بيوتهم إلى غير ذلك من الأمور المنكرة، ولست ~~أعلم جميع ما يفعلونه، وأصله مأخوذ عنهم حتى كان في مدة الخميس تبقى ~~الأسواق مملوءة من أصوات هذه النواقيس ms044 الصغار وكلام الرقايين من المنجمين ~~وغيرهم بكلام أكثره باطل، وفيه ما هو محرم أو كفر، وقد ظن كثير من العامة ~~والجهال أن هذا البخور ينفع من العين والسحر والأدواء والهوام، ويصورون في ~~أوراق صور الحيات والعقارب ويلصقونها في بيوتهم؛ زعما أنها تمنع الهوام، ~~وهو ضرب من طلاسم الصابئة، ويسمون هذا الخميس المتأخر الكبير، وهو عند الله ~~الخميس الحقير المهين هو وأهله ومن يعظمه، فإن كل ما عظم بالباطل من مكان ~~أو زمان أو شجر أو حجر يجب قصد إهانته كما تهان الأوثان. # ومن المنكرات: أنهم قد يوظفون على الفلاحين وظائف أكثرها كرها من الغنم ~~والدجاج واللبن والبيض، فيجتمع فيها تحريمان: أكل مال بالباطل، وإقامة ~~شعائر النصارى، ويجعلونه ميقاتا لإخراج الوكلاء على المزارع، ويطحنون فيه، ~~ويصبغون البيض، ويوسعون النفقة، # PageV01P101 # ويزينون أولادهم إلى غير ذلك من الأمور المنكرة التي يقشعر منها قلب ~~المؤمن الذي لم يمت قلبه، بل يعرف المعروف وينكر المنكر. # وخلق يضعون ثيابهم تحت السماء رجاء بركة مرور مريم عليها، فهل يستريب من ~~في قلبه حياة أن شريعة جاءت بما قدمنا بعضه من مخالفة اليهود والنصارى، لا ~~يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح؟. # وأصل ذلك كله إنما هو اختصاص أعياد الكفار بأمر جديد، أو مشابهتهم في بعض ~~أمورهم. # حتى آل الأمر إلى أن كثيرا من الناس صاروا في مثل هذا الخميس -الذي هو ~~عيد الكفار الذي يزعمون أن المائدة نزلت فيه، ويسمونه الكبير، وهو الحقير- ~~يجتمعون في أماكن اجتماعات عظيمة، ويطبخون، ويصبغون، ويلبسون، وينكتون ~~بالحمرة دوابهم، ويفعلون أشياء لا تكاد تفعل في عيد الله ورسوله، واستعان ~~الشيطان على إغوائهم أنه زمن ربيع يكثر فيه اللحم واللبن والبيض ونحو ذلك، ~~وهذا كله تصديق قوله -صلى الله عليه وسلم-: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة وسببه مشابهة الكفار في أعيادهم، أو في بعض ذلك، وهو مفض إلى ~~الكثرة، فيكون ذريعة إلى هذا المحظور فيكون محرما، فكيف إذا أفضى إلى ما هو ~~كفر من التبرك بالصليب، والتعميد في المعمودية، أو قول القائل ms045 المعبود واحد ~~وإن كانت الطرق مختلفة؟ ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن إما كون ~~الشريعة النصرانية واليهودية موصلتين إلى الله، وإما استحسان بعض ما فيها ~~مما يخالف دين الله، أو التدين بذلك أو غير ذلك مما # PageV01P102 # هو كفر بالله ورسوله وبالقرآن وبالإسلام بلا خلاف بين الأمة الوسط في ~~ذلك. # وأصل ذلك: المشابهة والمشاركة. # وبهذا يتبين لك كمال الشريعة الحنيفية وبعض حكمة ما شرعه الله لرسوله من ~~مباينة الكفار ومخالفتهم في عامة أمورهم؛ لتكون المخالفة أحسم لمادة الشر ~~وأبعد عن الوقوع فيما وقع فيه الناس، وسد الذرائع معتبر في الشرع، كما قد ~~ذكرنا من الشواهد على ذلك نحوا من ثلاثين أصلا في كتاب "إقامة الدليل على ~~بطلان التحليل". # الوجه الرابع: أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين ~~الخلق كانتفاعهم بالصلاة والزكاة، ولهذا جاءت بها كل شريعة كما قال: ولكل ~~أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم ثم إن الله شرع على لسان ~~خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه، وهو الكمال ~~المذكور في قوله: اليوم أكملت لكم دينكم. # قاله في أعظم الأعياد الذي للأمة الحنيفية، والشرائع هي غذاء القلوب ~~وقوتها، ومن شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام ~~آخر حتى لا يأكله -إن أكل منه- إلا بكراهة، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع ~~به، ولم يكن هو المغذي له، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال الشرعية بعض ~~حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من ~~صرف # PageV01P103 # نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه به، ~~ويكمل إسلامه، ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لأجل صلاح قلبه تنقص ~~رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه، ومن أكثر من السفر إلى المشاهد ~~ونحوها لا يبقى لحج البيت في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من ~~وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء ms046 فارس والروم ~~لا يبقى لحكمة الإسلام في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن على قصص الملوك لا ~~يبقى لقصص الأنبياء عنده موقع، وهذا كثير يجده الإنسان من نفسه حسا وذوقا. # ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من ~~السنة مثلها رواه الإمام أحمد. # ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث بدعة؛ لما فيها من فساد الدين ~~ونقص تعظيمه في القلوب. # الوجه الخامس: أن مشابهتهم فيه سرور لهم بما هم عليه من الباطل خصوصا إذا ~~كانوا مقهورين تحت الجزية والصغار، فإذا رأوا المسلمين قد صاروا فرعا لهم ~~في خصائص دينهم أوجب ذلك قوة قلوبهم وانشراح صدورهم، وربما أطمعهم ذلك في ~~انتهاز الفرص واستذلال الضعفاء، وهذا أمر محسوس يجده كل أحد، فكيف يجتمع ما ~~يوجب إكرامهم بلا موجب مع شرع الصغار في حقهم؟! # PageV01P104 # الوجه السادس: أن ما يفعلونه في عيدهم فيه ما هو حرام، وما هو كفر، وما ~~هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين هذا وهذا يخفى على كثير ~~من الناس، فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه يوقع العامي فيما هو حرام. # الوجه السابع: أن الله -تعالى- جبل بني آدم بل سائر المخلوقات على ~~التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في ~~الأخلاق والصفات أتم، إلى أن يئول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر. # ولهذا وقع التأثير في بني آدم واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة ~~والمشاكلة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب من بعض أخلاقه؛ ~~ولهذا صار الفخر والخيلاء في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار ~~الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، وكذلك الكلابون، وصار في الحيوان ~~الإنسي بعض أخلاق الإنس وقلة النفرة، فالمشابهة في الأمور الظاهرة توجب ~~المشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، والمشاركة في ~~الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافا وإن بعد المكان والزمان، فمشاركتهم ~~في أعيادهم يوجب نوعا من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة ~~لفساد أمر خفي ms047 علق الحكم به ودار التحريم عليه. # PageV01P105 # الوجه الثامن: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع محبة ومودة وموالاة في ~~الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، حتى إن الرجلين ~~إذا كانا من بلد واجتمعا في بلد غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر ~~عظيم، وإن كانا في مصرهم غير متوادين أو متعارفين؛ لأن الاشتراك في البلد ~~فيه نوع وصف اختصاص عن بلد الغربة، بل لو كان بين الرجلين مشابهة في ~~العمامة أو اللبسة أو المركوب لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين ~~غيرهما، وكذلك أرباب الصناعات تجد بينهم من المؤالفة والموافقة إذا كانوا ~~من نوع واحد أكثر مما بين من يباينهم من الملوك أو الأمراء مثلا، هذا في ~~الأمور الدنيوية فكيف بالأمور الدينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة ~~أشد، والموالاة لأعداء الله تنافي الإيمان، فإن الإيمان بالله ورسوله موجب ~~عدم ولاية أعداء الله ورسوله، فثبوت ولايتهم موجب عدم الإيمان؛ لأن عدم ~~اللازم يقتضي عدم الملزوم: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، ووجوه ~~الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه ففيه كفاية إن شاء ~~الله تعالى، وبالله المستعان. # PageV01P106 ### | فصل ذكر الكلام في مشابهتهم فيما ليس من شرعنا # مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: # أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم، فهذا إما أن يفعل ~~بمجرد موافقتهم، وهو قليل، وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه ~~تخيل أنه نافع في الدنيا أو في الآخرة، وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ ~~التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة ~~الشرعية، وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم فهو نوعان: # أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذا عنهم: إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما ~~مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يبتلى ~~به العامة في مثل ما يصنعونه في ms048 الخميس الحقير والميلاد ونحوهما، فإنهم قد ~~نشئوا على اعتياد ذلك وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ~~ذلك، فهذا يعرف صاحبه حكمه، فإن لم ينته وإلا صار من القسم الأول. # النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضا، فهذا ~~ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ~~ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه مشابهتهم؛ إذ ليس كوننا تشبهنا بهم ~~بأولى من كونهم تشبهوا بنا. # PageV01P107 # أما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر فظاهر لما تقدم ~~من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه، وقد توجب عليهم مخالفتنا، ~~كما في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في ~~النعلين والسحور، وقد تبلغ الكراهة كما في تأخير المغرب والفطور، بخلاف ~~مشابهتهم فيما كان مأخوذا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم؛ لما قدمناه. ### | فصل الكلام على العيد ومعناه وأحواله عند الكفار # ليعلم أن العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع وكل عمل ~~يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما ~~يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام وما يحدثونه ~~فيها من الأعمال يدخل في ذلك، وكذلك حريم العيد وهو ما قبله وما بعده من ~~الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي تحدث ~~فيها أشياء لأجله أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه، فلا يفعل ~~شيء من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم كيوم ~~الخميس والميلاد ويقول لعياله: أنا أصنع لكم # PageV01P108 # في هذا الأسبوع أو الشهر الآخر، وإنما المحرك له على وجود ذلك هو وجود ~~عيدهم، ولولا هو لم يقتضوه ذلك، فهذا من مقتضيات المشابهة. # لكن يحال الأهل على عيد الله - تعالى - ورسوله، ويقضي لهم فيه من الحقوق ~~ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ms049 ومن ~~أغضب أهله لله أرضاه الله وأرضاهم، وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ~~ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وأكثر ما يفسد الملك والدول: ~~طاعة النساء. # وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. # وروي: هلكت الرجال حين أطاعت النساء. # ولما أنشده الأعشى: "وهن شر غالب لمن غلب" # PageV01P109 # جعل - صلى الله عليه وسلم - يرددها ويقول: وهن شر غالب لمن غلب. # وقال لأمهات المؤمنين: إنكن لأنتن صواحب يوسف يريد أن النساء من شأنهن ~~مراجعة ذي اللب، وامتن - سبحانه - على زكريا بقوله: وأصلحنا له زوجه قال ~~بعض العلماء: ينبغي للرجل أن يبتهل إلى الله في إصلاح زوجه له. ### | فصل لا يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار لمخالفتها بل يكفيه أن سببها من جهتهم # أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها ولا يعرفها، بل ~~يكفيه أن يعرف في فعل من الأفعال أو يوم من الأيام أو مكان أن سبب هذا ~~الفعل وتعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم ~~فيكفيه أن يعلم أن لا أصل له في دين الإسلام، فأقل أحواله أن يكون من ~~البدع، # PageV01P110 # ونحن ننبه على ما رأينا كثيرا من الناس قد وقعوا فيه. # فمن ذلك: الخميس الحقير الذي في آخر صومهم، يزعمون أنه عيد المائدة هو ~~عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه هو من المنكرات الشنيعة، منه: ~~خروج النساء، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الورق، ~~وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسما لبيع البخور وشرائه، وكذلك شراء البخور ~~في ذلك الوقت إذا اتخذ وقتا للبيع، ورقى البخور مطلقا فيه أو في غيره، أو ~~قصد شراء البخور المرقي، فإن رقى البخور، واتخاذ البخور قربانا هو دين ~~النصارى، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه. # ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب، وكذلك اختصاصه ms050 بطبخ رز بلبن أو بسيسة أو ~~عدس، أو صبغ بيض ونحوه، أما القمار بالبيض، أو بيعه لمن يقامر فيه، وشراؤه ~~من المتقامرين فحكمه ظاهر. # ومن ذلك: ما يفعله الأكارون من نكت البقر بالنقط الحمر أو الشجر أو جمع ~~أنواع النباتات، والتبرك بها، أو الاغتسال بمائها. # ومن ذلك ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون والاغتسال بمائه، أو قصد ~~الاغتسال بشيء من ذلك. # ومن ذلك: ترك الوظائف الراتبة من # PageV01P111 # الصنائع أو التجارات أو حلق العلم أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، ~~واللعب فيه بالخيل أو غيرها على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. # والضابط لذلك أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يوما كسائر الأيام. # ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس في أثناء كانون الثاني لأربع وعشرين خلت ~~منه، يزعمون أنه ميلاد عيسى - عليه السلام - فجميع ما يحدث فيه هو من ~~المنكرات، مثل إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ذلك، فإن ~~اتخاذ هذا الميلاد عيدا هو دين النصارى، وليس لذلك أصل في دين الإسلام، ولم ~~يكن له أصل على عهد السلف الماضين، وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه في ~~الشتاء المناسب لإيقاد النيران، ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام ~~- أظنها أحد عشر - عمد يحيى عيسى في ماء المعمودية؛ فيتعمدون في هذا الوقت، ~~ويسمونه "عيد الغطاس"، وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن أولادهن إلى ~~الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد، وهذا من دين النصارى، وهو ~~من أقبح المنكرات المحرمة. # وكذلك أعياد الفرس، مثل "النيروز" و"المهرجان" وأعياد اليهود أو غيرهم من ~~أنواع الكفار أو الأعاجم أو الأعراب حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل. # PageV01P112 ### | فصل ردع المسلم التشبه بهم عند ذلك # وكما لا يتشبه بهم في الأعياد، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ~~ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم يجب، ومن أهدى من ~~المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات ms051 غير هذا العيد ~~لم تقبل هديته، خصوصا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم مثل ~~إهداء الشمع ونحوه في الميلاد والبيض واللبن والغنم في الخميس الذي في آخر ~~صومهم، وكذلك لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا ~~سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرنا، ولا يبيع المسلم ما ~~يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحوه؛ لأنه ~~إعانة على المنكر، أما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم للشراء فيها، ~~فقد قدمنا أنه قيل لأحمد: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور ~~يابور ودير أيوب يشهده المسلمون يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الغنم والبقر ~~والدقيق والبر إلا أنه إنما يكون في الأسواق ولا يدخلون عليهم بيعهم؟ # [قال: إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم] وإنما يشهدون السوق فلا بأس. # PageV01P113 # وقال أبو الحسن الآمدي: فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس ~~بحضوره، نص عليه أحمد في رواية مهنا. # وقال: إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم، وأما ما يباع في ~~الأسواق، فلا، وإن قصد إلى توفير ذلك وتحسينه لأجلهم، فهذا الكلام محتمل ~~أنه أجاز شهود السوق مطلقا بائعا أو مشتريا، لأنه قال: إذا لم يدخلوا عليهم ~~بيعهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس، وهذا يعم، لا سيما إن كان الضمير في ~~قوله: "يجلبون" عائدا إلى المسلمين، ويحتمل - وهو أقوى - أنه إنما أرخص في ~~شهود السوق فقط، ورخص في الشراء منه، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل هو ~~مهنا، وهو فقيه عالم، وكأنه قد سمع النهي عن شهود أعيادهم؛ فسأل أحمد: شهود ~~أسواقهم مثل شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة في شهود السوق، ولم يسأله عن ~~بيع المسلم لهم: إما لظهوره عنده، وإما لعدم الحاجة إليه حينئذ. # وكلام الآمدي يحتمل الوجهين، لكن الأظهر فيه الرخصة في البيع - أيضا - ~~لقوله: "إنما يمنعون أن يدخلوا عليهم بيعهم وكنائسهم" إلى آخره، فما أشار ~~إليه أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء فيجوز؛ # PageV01P114 # لأن ms052 ذلك ليس فيه شهود المنكر، ولا إعانة على معصية؛ لأن نفس الابتياع ~~منهم جائز، بل فيه صرف لما قد يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، ~~وقد كانت أسواق في الجاهلية كان يشهدها المسلمون، وشهد بعضها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهذا كما لو سافر الرجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز ~~عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في حياة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الشام وهي دار حرب، وأحاديث أخر. # وأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام ~~واللباس والريحان ونحوه وإهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة ~~دينهم وعيدهم المحرم، وهو مبني على أصل، وهو أن بيع الكفار عنبا أو عصيرا ~~يتخذونه خمرا لا يجوز، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به مسلما، وقد دل ~~حديث عمر - رضي الله عنه - في إهداء الحلة السيراء إلى أخ له بمكة مشرك على ~~جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة، وإنما يحرم الكثير منه على ~~بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح الروايتين، ولم يجز بالخمر ~~بحال، وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه، فهذا الأصل فيه اشتباه. # فإن قيل بالاحتمال الأول في كلام أحمد # PageV01P115 # جوز ذلك. # وعن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب روايتان منصوصتان، فقد يقال: ~~بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب؛ لأن في حمل الثياب والطعام إلى ~~أرض الحرب إعانة على دينهم في الجملة، وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب؛ فإن ~~العيد أولى، وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك، لكن هل هو منع تحريم ~~أو تنزيه؟ مبني على ما سيأتي. # وقد ذكر عبد الملك بن حبيب أنه مما أجمع على كراهته، وصرح بأن مذهب مالك ~~أنه حرام، وقال: كره مالك أكل ما ذبح النصارى لكنائسهم، ونهى عنه من غير ~~تحريم، وقال: وكذلك ما ذبح على اسم المسيح والصليب أو أسماء من مضى من ~~أحبارهم ورهبانهم الذين ms053 يعظمون، فقد كان مالك وغيره ممن يقتدى به يكره أكل ~~هذا كله من ذبائحهم، وبه نأخذ. # قال: وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك. # وسئل مالك عن الطعام الذي يصنعه النصارى لموتاهم يتصدقون به: أيأكل منه ~~المسلم؟ # قال: لا ينبغي، هو كالذبائح للعيد والكنائس. # وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة: هل يجوز ~~للمسلم شراؤه؟ # فقال: لا يحل ذلك له؛ لأنه تعظيم لشرائعهم، ومشتريه مسلم سوء. # PageV01P116 # وقال ابن القاسم في الأسقف يبيع أرض الكنيسة لمرمتها، وربما حبست تلك ~~الأرض على الكنيسة لمصلحتها؟ إنه لا يحل لمسلم أن يشتريها؛ لأنه عون على ~~تعظيم الكنائس؛ ولأنه حبس ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين؛ ~~ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض فيها بمنع ولا تنفيذ لشيء، ولا أرى للمسلم ~~أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له، وأراه من تعظيم عيده وعونا له على ~~مصلحة كفره، ألا ترى أنه لا يحل للمسلم أن يبيع من النصارى شيئا من مصلحة ~~عيدهم، لا لحما، ولا أدما، ولا ثوبا، ولا يعارون دابة، ولا يعانون على شيء ~~من عيدهم. # وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه ~~اختلف فيه، هذا كلام ابن حبيب، وقد ذكر أنه أجمع على كراهة مبايعتهم ~~ومهاداتهم ما يستعينون به على عيدهم، وصرح بأن مذهب مالك لا يحل ذلك. # فصل ردع المسلم التشبه بهم عند ذلك (تابع) # فصل وأما نصوص أحمد على ذلك، فقال إسحق بن إبراهيم: سئل أو عبد الله - ~~رحمه الله - عن نصارى وقفوا ضيعة للبيعة يستأجرها المسلم منهم؟ # فقال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم على ما هم فيه. # PageV01P117 # وقال: سمعت أبا عبد الله وسأله رجل: أبني للمجوس ناووسا؟ # قال: لا تبن لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه. # وقد نقل عن محمد بن الحكم وسأله: الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرا ~~بكراء؟ # قال: لا بأس. # والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة، بخلاف القبر ~~المطلق، فإنه ليس ms054 في نفسه معصية ولا من خصائص دينهم. # وقال الخلال: "باب الرجل يؤاجر داره لذمي أو يبيعها منه" وذكر عن المروزي ~~أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريبه؟ # فقال: نصراني؟! واستعظم ذلك، وقال: لا تباع يضرب فيها بالناقوس، وينصب ~~فيها الصلبان، وقال: لا تباع من الكفار، وشدد في ذلك، وقال: لا أرى له أن ~~يبيع داره من كافر يكفر بالله فيها، فهذا نص على المنع. # ونقل عنه إبراهيم بن الحارث قيل لأبي عبد الله: الرجل يكري منزله من ~~الذمي؟ # فقال: "ابن عون كان لا يكري داره إلا من أهل # PageV01P118 # الذمة، يقول: نرعبهم" يعني إذا أخذنا من الذمي الأجرة، حصل له رعب، وجعل ~~أبو عبد الله يعجب بهذا من ابن عون. # ونقل مهنا قال سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسي داره؟. # فقال: "كان ابن عون لا يرى أن يكري المسلم، يقول أرعبهم في أخذ الغلة، ~~وكان يرى أن يكري غير المسلمين". # قال الخلال: كل من حكى عن أبي عبد الله في رجل يكري داره من ذمي، فإنما ~~أجابه على فعل ابن عون، ولم ينفذ لأبي عبد الله قول، وقد حكى عن إبراهيم ~~أنه رآه معجبا به، والأمر ظاهر في قول أبي عبد الله أنه لا تباع منه؛ لأنه ~~يكفر فيها، والأمر عندي: لا تباع منه، ولا تكرى؛ لأنه معنى واحد، وكره أحمد ~~بيع الدار؛ لأنه كان مبتدعا، فإذا كره بيع الدار من الفاسق، فكيف بالكافر؟ # وقال أبو بكر: لا فرق بين البيع والإجارة، فإذا أجاز [البيع] ، أجاز ~~الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك. # PageV01P119 # وعن إسحاق بن منصور أنه قال لأبي عبد الله عن الأوزاعي أنه كره أن يؤاجر ~~المسلم نفسه للنصراني لنظارة كرمه، فقال أحمد: ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك ~~يرجع إلى الخمر إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر، فلا بأس. # وعن أبي النضر العجلي قال: قال أبو عبد الله فيمن يحمل خمرا أو خنزيرا أو ~~ميتة لنصراني، ms055 فهو يكره كل كرائه ولكنه يقضي للحمال بالكراء، وإذا كان ~~للمسلم فهو أشد. # وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافر، فقد ذكرنا منع أحمد منه، ثم ~~اختلف أصحابه: هل هذا تنزيه أو تحريم؟ # فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي ~~يكفر فيها بالله - تعالى -، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء ولم يبطل ~~البيع؛ وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرا عليها. # وأما الخلال وصاحبه والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، # PageV01P120 # وقال القاضي: لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه بيت نار أو كنيسة، ~~أو يبيع فيه الخمر سواء شرط أنه يبيع فيه الخمر أو لم يشترط، لكنه يعلم أنه ~~يبيع فيه الخمر. # قال أبو بكر: لا فرق بين البيع والإجارة - كما قدمناه - وكلام أحمد محتمل ~~الأمرين، فإن قوله في رواية أبي الحارث: يبيعها من مسلم أحب إلي يقتضي أنه ~~منع تنزيه، واستعظامه لذلك في رواية المروزي وقوله: لا تباع من كافر، وشدد ~~في ذلك يقتضي التحريم. # وأما الإجارة فقد سوى الأصحاب بينها وبين البيع، وما حكاه عن ابن عون ليس ~~بقول له، ويمكن أن يقال: بل ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك؛ فإن إعجابه بالفعل ~~دليل جوازه عنده، واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد ~~الوجهين، والفرق بين الإجارة والبيع: أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد ~~عارضه مصلحة أخرى، وهو صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم وإنزال ذلك ~~بالكافر، فصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية؛ لما تضمنه من المصلحة جاز، ~~وكذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة، فأما البيع فهذه منتفية فيه، وهذا ~~ظاهر على قول ابن أبي موسى وغيره: أن البيع مكروه غير محرم، فإن الكراهة في ~~الإجارة تزول بهذه المصلحة الراجحة - كما في نظائره - فيصير في المسألة ~~أربعة أقوال. # وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو فيما إذا لم يعقد الإجارة على ~~المنفعة المحرمة، فأما إن أجره على أن يبيع فيه الخمر، أو يعملها كنيسة فلا ms056 ~~يجوز قولا واحدا، وبه قال الشافعي وغيره. # PageV01P121 # وقال أبو حنيفة: يجوز، وكذا يقول فيما إذا استأجر رجلا يحمل له الميتة أو ~~الخمر أو الخنزير أنه يصح، وعامة الفقهاء خالفوه. # ونقل عن أحمد فيما إذا ابتاع الذمي أرضا عشرية روايتان منع في إحداهن ~~قال: لأن فيه إبطالا للعشر، وهو ضرر على المسلمين، قال: وكذلك لا يمكنون من ~~استئجار أرض العشر لهذه العلة. # وقال في الرواية الأخرى: لا بأس أن يشتري الذمي أرض العشر من مسلم. # واختلف قوله إذا جاز ذلك فيما على الذمي فيما يخرج منها، على روايتين: # إحداهما: لا عشر عليه ولا شيء سوى الجزية. # والأخرى: عليه فيما يخرج منها الخمس، ومن أصحابنا من حكى رواية أنهم ~~ينهون عن شرائها، فإن اشتروها ضعف عليهم العشر، وفي كلام أحمد ما يدل على ~~هذه، وكذلك نمنعهم - على ظاهر المذهب - من شراء السبي الذي جرى عليه سهام ~~المسلمين، كما شرط عليهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ويتخرج أنه لا ~~يؤخذ منه إلا عشر واحد هذا في العشرية التي ليست خراجية، أما الخراجية ~~فقالوا: ليس لذمي أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة، وإذا جوزنا بيع ~~العنوة، كان حكم الذي في ابتياعها # PageV01P122 # كحكمه في أرض العشر المحض؛ إذ جميع الأرض عشرية عندنا وعند الجمهور، ~~وبمعنى أن العشر يجب فيما أخرجت، وكذلك أرض الموات من أرض الإسلام التي ~~ليست خراجية: هل للذمي أن يتملكها بالإحياء؟ فيه قولان للعلماء هما في ~~المذهب قيل: ليس له ذلك، وهو قول الشافعي وابن حامد، وهو قياس إحدى ~~الروايتين عن أحمد في منعه ابتياعها، ثم هل عليه عشر؟ فيه روايتان. # قال ابن أبي موسى: ومن أحيا من أهل الذمة أرضا فهي له، ولا زكاة عليه ~~فيها ولا عشر، وقد روي عنه رواية أخرى أنه لا خراج على أهل الذمة، ويؤخذ ~~منهم العشر يضاعف عليهم، والأول عنه أظهر. # فهذا الذي حكاه ابن أبي موسى من تضعيف العشر فيما يملكه بالإحياء هو قياس ~~تضعيفه فيما يملكه بالابتياع، لكن نقل حرب عنه في ms057 رجل من أهل الذمة أحيا ~~أرضا، قال: هو عشر، ففهم القاضي وغيره من الأصحاب أن الواجب هو العشر ~~المأخوذ من المسلم، فحكوا في وجوب العشر فيها روايتين، وابن أبي موسى نقل ~~الروايتين في وجوب عشر مضعف، وعلى طريقة القاضي يخرج في مسألة الابتياع ~~كذلك، والذي نقله ابن أبي موسى أصح، فإن أحمد سئل عن إحياء الذمي الأرض، ~~فأجاب بأنه ليس عليه شيء، وذكر اختلاف الفقهاء في مسألة اشتراء الأرض: هل ~~يمنع أو يضعف عليه العشر؟ وهذا يبين لك أن المسألتين عنده واحدة، وهو تملك ~~الذمي الأرض العشرية سواء كان بابتياع أو إحياء أو غير ذلك. # PageV01P123 # ومن نقل عنه عشرا مفردا في الأرض المحياة دون المبتاعة فليس بمستقيم، ~~وأصله قوله - في التي نقلها الكرماني - قوله: هي أرض عشرية، ولكن هذا كلام ~~مجمل قد فسره أبو عبد الله في موضع آخر، وبين مأخذه، ونقل الفقه إن لم يعرف ~~الناقل مأخذ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيرا، وقد أفصح أرباب هذا ~~القول بأن مأخذهم قياس الحراثة على التجارة، فإن الذمي يؤخذ منه إذا اتجر ~~في غير أرضه ضعف المسلم، فكذلك إذا استحدث أرضا غير أرضه؛ لأنه في كلا ~~الموضعين قد أخذ يكتسب في غير مكانه الأصلي، وقياس قول من يضعف العشر: أن ~~المستأمن لو زرع في دار الإسلام لكان الواجب عليه خمسين ضعف ما يؤخذ من ~~الذمي، كما إذا اتجر في بلاد الإسلام. # ومذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه: لا يجوز، رواية واحدة، ذكره ~~الآمدي، كالإجارة لبناء كنيسة أو بيعة أو صومعة، وكالإجارة لكتبهم المحرفة. # وأما مسألة حمل الميتة والخمر والخنزير للنصراني، فقد تقدم لفظ أحمد أنه ~~قال: يكره أكل كرائه، ويقضي له بالأجرة للحمال، ثم اختلف الأصحاب على ثلاثة ~~طرق: # إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة. # قال # PageV01P124 # ابن أبي موسى: وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتة أو خنزير ~~لنصراني، وإن أجر نفسه لحمل محرم لمسلم كانت الكراهة أشد، ويأخذ الكراء، ~~وهل يطيب له؟ على وجهين، وغير ms058 ممتنع أن يقضى بالكراء وإن كان محرما كأجر ~~الحجام، فقد صرح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح. # الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعل المسألة ~~رواية واحدة: أن الإجارة لا تصح، وهي طريقة القاضي في المجرد، وهي ضعيفة ~~رجع عنها القاضي. # الطريقة الثالثة: تخريج هذه المسألة على روايتين: # إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل ~~وللأجرة. # والثانية: لا تصح، ولا يستحق بها الأجرة، وإن حمل على قياس # قوله في الخمر: لا يجوز إمساكها، وتجب إراقتها، قال في رواية أبي طالب: ~~إذا أسلم وله خمر أو خنازير: تصب الخمر، وتسرح الخنازير، قد حرما عليه، وإن ~~قتلها فلا بأس، وهذا عند أصحابنا إذا استأجره ليحمل الخمر إلي بيته أو ~~دكانه أو حيث لا يجوز إقرارها سواء كان حملها للشرب أو مطلقا، أما إذا كان ~~حملها ليريقها، أو يحمل الميتة لينقلها إلى الصحراء لئلا يتأذى الناس ~~بريحها، فإنه يجوز الإجارة على ذلك؛ لأنه عمل مباح، ولكن إن كانت # PageV01P125 # الأجرة جلد الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد ~~وأخذه رده على صاحبه، وهذا مذهب مالك، وأظنه مذهب الشافعي - أيضا - ومذهب ~~أبي حنيفة كالرواية الأولى. # والأشبه والله أعلم طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد وإلى ~~القياس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها ~~والمحمولة إليه فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضا وهي ليست ~~محرمة في نفسها، وإنما حرمت لقصد المعتصر والمستعمل، كما لو باع عنبا لمن ~~يتخذه خمرا، فإن مال البائع لا يذهب مجانا، بل يعطى بدلها، فإن تحريم ~~الانتفاع إنما كان من جهة المستأجر لا من جهته، ثم نحن نحرم الأجرة عليه ~~لحق الله - سبحانه - لا لحق المستأجر، بخلاف من استؤجر للزنا أو التلوط أو ~~القتل أو الغصب، فإن نفس هذا العمل يحرم لا لأجل قصد المشتري، فهو كما لو ~~باعه ميتة أو خمرا لا يقضى له بثمنها، لأن نفس العين ms059 محرمة. # ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة ولا بالفساد مطلقا، بل يقال: ~~هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه الجعل، وهي فاسدة ~~بالنسبة إلى الأجرة بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة، وله في الشريعة ~~نظائر، ونص أحمد على كراهة نظارة كرم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن ~~هذا الفعل وعن ثمنه ثم نقضي له بكرائه، ولو لم نفعل هذا لكان في هذا منفعة ~~عظيمة للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية حصلوا ~~غرضهم منه، ثم لا يعطونه شيئا، وما # PageV01P126 # هم بأهل أن يعاونوا، بخلاف من سلم إليهم عملا لا قيمة له بحال، نعم البغي ~~والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا: فهل يتصدقون بالأجرة ~~أم يجب رده على المعطي؟ فيه قولان: أصحهما أن لا ترد، بل يتصدق بها وتصرف ~~في مصالح المسلمين، نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر، ونص على أنه يعاقب ~~بياع الخمر بحرق حانوته كما حرق عمر بيتا يباع فيها الخمر، وذلك أن ~~العقوبات المالية عندنا باقية غير منسوخة. # إذا عرف أصل هذه المسائل، وعرف أصل الإمام أحمد، فمعلوم أن بيعهم ما ~~يقيمون به أعيادهم المحرمة هو مثل بيعهم العقار للسكنى وأشد، بل هو إلى ~~بيعهم العصير أقرب منه إلى بيعهم العقار، فإن ما يبتاعونه يصنعون به نفس ~~المحرمات، مثل صليب أو شعانين أو معمودية أو تبخير أو ذبح لغير الله أو صور ~~ونحو ذلك، فهذا لا ريب في تحريمه كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا وبناء الكنيسة ~~لهم. # وأما ما ينتفعون به في أعيادهم للأكل والشرب فأصول أحمد وغيره تقتضي ~~كراهته، لكن كراهة تحريم كمذهب مالك أو كراهة # PageV01P127 # تنزيه؟ والأشبه أنه كراهة تحريم كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع ~~الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها، ولأن هذه إعانة قد تفضي ~~إلى إظهار الدين [الباطل] وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره، وهذا أعظم من ~~إعانة شخص معين. ### | فصل حكم قبول المسلم الهدية من الكفار يوم عيدهم وإيراد النصوص على ms060 جوازه # وأما قبوله الهدية منهم يوم عيدهم، فقد قدمنا عن علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - أنه أتي بهدية "يوم نيروز" فقبلها. # وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "أما ما ذبح لذلك اليوم، فلا ~~تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم". # وعن أبي برزة أنه كان يهدي إليه مجوس في "نيروزهم" فيقول لأهله: ما كان ~~من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه" فهذا كله يدل على أنه لا تأثير ~~للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ~~ذلك إعانة على شعائر كفرهم، لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة ~~مسألة مستقلة فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه. # PageV01P128 ### | فصل الكلام على صيام أعياد الكفار # فأما صيام أيام أعياد الكفار مفردة كصوم "يوم النيروز" و"المهرجان " فقد ~~اختلف فيهما لأجل أن المخالفة تحصل بالصوم أو بترك تخصيصه بعمل، فنذكر أولا ~~صوم يوم السبت وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا ~~لحاء عنب أو عود شجرة فليمضغه رواه أهل السنن الأربعة. # وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه: فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ~~يسأل عن صوم يوم السبت يفترد به؟ فيقول: "جاء في ذلك حديث الصماء" يعني هذا ~~الحديث المتقدم، وكان يقول: يحيى بن سعيد يتقيه، قال: وحجة أبي عبد الله في ~~الرخصة في صومه: أن الأحاديث كلها # PageV01P129 # مخالفة لهذا الحديث، مثل حديث أم سلمة حين سئلت أي الأيام كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أكثر صياما لها؟ فقالت: السبت والأحد، ومثل نهيه عن ~~صوم الجمعة إلا يوم قبله أو يوم بعده ومثل: كان يصوم شعبان ونحو ذلك، ولا ~~يقال: إن النهي عن إفراده؛ لأنه قال في الحديث: لا تصوموا يوم السبت إلا ~~فيما افترض عليكم فاستثناؤه منه يدل على دخول غير المستثنى بخلاف يوم ~~الجمعة فإنه نهى عن إفراده، ففهم الأثرم ms061 الرخصة في صومه، وذلك أن أحمد علل ~~الحديث بأن يحيى كان يتقيه. # وأما أكثر الأصحاب ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث وحمله على الإفراد، ~~وهؤلاء يكرهون إفراده عملا بالحديث لجودة إسناده. # ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة: فقال ابن عقيل: إنه يوم تمسك فيه ~~اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل، والصائم في مظنة ترك العمل، ~~فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. # PageV01P130 # وعلله طائفة من الأصحاب بأنه يوم عيد لأهل الكتاب، فقصده دون غيره فيه ~~تعظيم لما عظمه أهل الكتاب فكره كما كره إفراد عاشوراء، وإفراد رجب لما ~~يعظمه المشركون، وهذه العلة تعارض بيوم الأحد، فإنه عيد النصارى، وقد يقال: ~~إذا كان يوم عيد فمخالفتهم يكون بالصوم لا بالفطر، ويقوي ذلك ما روي عنه ~~أنه كان يصوم يوم السبت والأحد، ويقول: هما يوم عيد للمشركين، فأنا أحب أن ~~أخالفهم رواه أحمد والنسائي وصححه بعض الحفاظ، وهو نص في استحباب صوم يوم ~~عيدهم. # وليس في ذلك حجة على من كره إفراده؛ لأنه إذا صام السبت والأحد زال ~~الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة للمشركين. # فصل الكلام على صيام أعياد الكفار (تابع) # فصل وأما "النيروز" و"المهرجان" ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم يكره ~~صوم يوم السبت قد لا يكره صوم ذلك، بل ربما استحبه للمخالفة، وكرهها أكثر ~~الأصحاب، وعللوا ذلك بأنه تعظيم لعيدهم، فكره كيوم السبت. # قال الإمام أبو محمد المقدسي "وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم ~~يفردونه بالتعظيم"، # PageV01P131 # وقد يقال: يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما مما لا يعرف بحساب ~~العرب، بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد؛ لأنه إذا قصد صوم ~~الأيام العجمية كانت ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها، بخلاف ~~السبت والأحد فإنهما من حساب المسلمين، فليس صومهما مفسدة، ففيه توفيق بين ~~الأدلة. ### | فصل الكلام على الأعياد والمواسم المبتدعة وأنها من أشنع المنكرات # ومن المنكرات: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المكروهات سواء ~~بلغت التحريم أو لم تبلغه، فهي منكرة من وجهين: # أحدهما: ms062 أن ذلك داخل في مسمى البدع والمحدثات، فيدخل في قوله: شر الأمور ~~محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو ~~رد من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد # PageV01P132 # وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والكتاب والإجماع مثل قوله: أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ونحو ذلك في الكتاب. # وليعلم أن هذه القاعدة - وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته - ~~قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: ~~البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة وقبيحة، بدليل قول عمر - رضي الله عنه - في ~~صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت ~~بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليست مكروهة، بل قد تكون حسنة ~~للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع والقياس، فإذا ثبت أن بعض البدع حسنة ~~فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون ~~حسنا، فهذا مما يقوله بعضهم، وقد يقال: هذه البدعة حسنة؛ لأن فيها من ~~المصلحة "كيت وكيت"، وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. # والجواب عن قولهم هو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نص على أن كل ~~بدعة ضلالة وكل بدعة في النار، وشر الأمور محدثاتها، فلا يحل لأحد أن يدفع ~~دلالة ذلك على ذم البدع، ومن دفع ذلك فهو مراغم. # PageV01P133 # وأما المعارضات فالجواب عنها بأحد جوابين: # إما أن يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص ~~فيه، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص احتاج إلى دليل يخص به ذلك، وإلا كان ~~العموم موجبا للنهي، ثم إن المخصص لا يجوز أن يكون عادة بعض البلاد أو بعض ~~الناس، بل إنما يكون في الكتاب أو السنة أو الإجماع من الأدلة الشرعية، لا ~~قول بعض العلماء أو العباد ونحو ذلك، فلا يعارض به قول سيد الخلق إمام ~~المتقين، رسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم -، ومن ms063 اعتقد أن أكثر هذه ~~العادات المخالفة للسنة مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها ~~فهو مخطئ، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة ~~المخالفة للسنة. # ولا يجوز حمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل بدعة ضلالة" على البدع ~~التي نهى عنها بخصوصها؛ لأنه تعطيل لفائدة الحديث؛ فإن ما نهى عنه من الكفر ~~والفسوق قد علم بذلك النهي أنه قبيح محرم سواء كان بدعة أو لم يكن بدعة، ~~فإذا كان لا منكر إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء كان مفعولا على عهده - صلى ~~الله عليه وسلم - أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم التأثير، لا يدل وجوده ~~على القبح ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: "كل بدعة ضلالة" بمنزلة قوله: ~~كل عادة ضلالة، أو كل ما عليه العرب أو العجم فهو # PageV01P134 # ضلالة، ويراد بذلك أن ما نهي عنه من ذلك فهو ضلالة، وهذا تعطيل للنصوص من ~~نوع التحريف والإلحاد، ليس من نوع التأويل السائغ، وفيه من المفاسد أشياء: # أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث. # والثاني: أن وصف البدعة ومعناها يكون عديم التأثير، فتعليق الحكم بهذا ~~المعنى تعليق بما لا تأثير له ولا فائدة فيه. # الثالث: أن الخطاب بمثل هذا إذا لم يقصد إلا الوصف الآخر - وهو كونه ~~منهيا عنه - كتمان لما يجب بيانه لما يقصد ظاهره، فإن الجدعة والنهي الخاص ~~بينهما عموم وخصوص، إذ ليس كل بدعة [جاء] عنها نهي خاص، وليس كل ما فيه نهي ~~خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض، لا يسوغ التكلم ~~به، فهو كما لو قيل: الأسد وأريد به الفرس، أو الفرس وعني به الأسد. # الرابع: أنه إذا أراد بقول: "كل محدثة بدعة" النهي عما نهي عنه، يكون قد ~~أحالهم على ما لا يمكن الإحاطة به، ومثل هذا لا يجوز. # الخامس: إذا أريد به ما فيه نهي خاص كان ذلك أقل مما ليس فيه نهي خاص من ~~البدع، فإنك لو تأملت البدع التي نهي ms064 عنها بأعيانها وما لم ينه عنها ~~بأعيانها وجدت هذا الضرب هو الأكثر، واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور ~~القليلة أو النادرة، # PageV01P135 # فهذه الوجوه وغيرها توجب القطع بأن هذا التأويل فاسد لا يجوز حمل عليه، ~~فإن على من تأول شيئا أن يبين إرادة ذلك المعنى الذي حمل الحديث عليه ~~الكلام، ثم بيان الدليل الصارف، فإذا منع جواز إرادة ذلك، امتنع حمل الحديث ~~عليه، هذا مقام. # وأما المقام الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر ~~لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: إنه ~~إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة، ~~فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض من أنه حسن وهو بدعة: إما بأنه ليس ~~ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث، هذا إذا ثبت حسنه، أما ما ~~يظن أنه حسن، وليس بحسن، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، وأن تكون قبيحة فلا ~~تصلح المعارضة بها، بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو إن ثبت أن هذا حسن ~~فلا يكون بدعة أو يكون مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم، ~~فقد تبين أنه لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الكلية وهي قوله: "كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها ويقال: ~~ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل، مع أن ~~الجواب الأول أجود، فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي - ~~صلى الله عليه وسلم - وزاده شرفا وكرما. # وأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول # PageV01P136 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، فإنه قال: إن الله فرض عليكم ~~صيام رمضان، وسننت لكم قيامه ولا صلاتها جماعة بدعة، بل قد صلاها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في ms065 الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا، ~~وصلاها - أيضا - في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: إن الرجل إذا صلى ~~مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم ~~الفلاح رواه أهل السنن وبه احتج أحمد على أن فعلها جماعة أفضل، وكان الناس ~~يصلونها جماعة في عهده - صلى الله عليه وسلم - ويقرهم على ذلك. # وأما قول عمر: "نعمت البدعة هذه" فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت ~~حكما بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون ~~حجة لهم في خلاف قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟. # ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث. # فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب. # نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى ~~الروايتين، # PageV01P137 # ثم يقال أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية ~~لا شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم ما فعل ابتداء من غير مثال سابق. # وأما البدعة الشرعية، فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو ~~دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر - ~~رضي الله عنه - فإذا عمل ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه ~~مبتدأ عمل كما أن نفس الدين الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - المهاجرين إلى الحبشة: "إن هؤلاء خرجوا من دين ~~آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك، وجاءوا بدين محدث لا يعرف". # ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة وإن سمي بدعة لغة فلفظ ~~البدعة في اللغة أعم من لفظها في الشريعة، وقد علم أن قوله - صلى ms066 الله عليه ~~وسلم -: "كل بدعة" لم يرد كل مبتدأ فإن دين الإسلام، بل كل دين جاءت به ~~الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو - ~~صلى الله عليه وسلم - وإذا كان كذلك فقد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده ~~جماعة وفرادى، وقال لهم: لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم، ~~فصلوا في بيوتكم فعلم أن المقتضي للخروج قائم، وأنه # PageV01P138 # لولا خوف الافتراض لخرج إليهم. # فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه ~~الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج - عملا لم ~~يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة، لأنه في اللغة يسمى بذلك ولم يكن بدعة ~~شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وقد زال خوفه بموت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه على ~~عهده صلى الله عليه وسلم هو أن الوحي كان ينزل فينسخ الله من ذلك ما يشاء. # فلما أمن ذلك جمع في مصحف واحد، وإن سمي في اللغة بدعة، فإن المقتضي ~~لجمعه وهو حفظه، كان موجودا في زمنه، لولا ما عارضه من احتمال تغييره ~~وزيادته ونقصه، فلما أمن من ذلك عمل المقتضي عمله، وصار هذا كنفي عمر - رضي ~~الله عنه - ليهود خيبر والنصارى من جزيرة العرب، وإنما لم ينفذه أبو بكر - ~~رضي الله عنه - لاشتغاله عنه بقتال أهل الردة، وبشروعه في قتال فارس ~~والروم، وكذلك لم يفعله عمر في أول خلافته لاشتغاله - أيضا - بقتال فارس ~~والروم، فلما تمكن من ذلك فعل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان هذا قد يسمى بدعة لغة، كما قال اليهود: كيف تخرجنا # PageV01P139 # وقد أقرنا أبو القاسم؟ وجاءوا إلى علي - رضي الله عنه - في خلافته ~~فأرادوا أن يردهم، فامتنع من ذلك؛ لأن الفعل كان بعهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإن كان محدثا بعده. # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: خذوا ms067 العطاء ما كان عطاء، فإذا صار عوضا ~~عن دين أحدكم فلا تأخذوه فإذا رده الراد لكونه عوضا كان متبعا للسنة، وأن ~~نفس الرد مبتدع، لم يفعله أحد على حياته صلى الله عليه وسلم وهذا كثير في ~~السنة، مثل تركه أن يجعل للكعبة بابين من أجل أنهم حديثو العهد في الإسلام. # وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب ~~العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهده صلى ~~الله عليه وسلم موجودا أو كان مصلحة ولم يفعله، يعلم أنه ليس بمصلحة، وأما ~~ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق، فقد يكون مصلحة، ثم هنا ~~للفقهاء طريقان: # أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة. # PageV01P140 # والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم يؤمر به، وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام ~~بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان: # منهم من لا يثبت الحكم إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع أو فعله أو إقراره، ~~وهم نفاة القياس. # ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون. # الوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة: ما تشتمل عليه من الفساد ~~في الدين، وليس كل واحد يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من ~~جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم [الذين] يدركون بعض ما فيه من ~~الفساد، والواجب على الخلق: اتباع الكتاب والسنة وإن لم يدركوا ما في ذلك ~~من المصلحة والمفسدة، فننبه على بعض مفاسدها: # فمن ذلك: أن من أحدث عملا في يوم، كصوم أول خميس من رجب وصلاة ليلة ~~الجمعة التي يسمونها "صلاة الرغائب"، وما يتبع ذلك من إحداث أطعمة وزينة ~~وتوسع في النفقة، فلابد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب أن هذا اليوم ~~أفضل من غيره، وأن الصوم فيه أفضل من أمثاله، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها ~~من الجمع، إذ لولا قيام ذلك لما انبعث القلب لتخصيص هذه الليلة أو اليوم؛ ms068 ~~إذ الترجيح من غير مرجح ممتنع. # PageV01P141 # وهذه مفسدة عظيمة: أن يعتقد الإنسان فضيلة يوم ولا يكون فيه فضيلة، فيكون ~~قد شرع شيئا لم يشرعه الله، وقد أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصوم وعن قيام ليلته، وذلك لما فيه من المفسدة ~~باعتقاد كونه فاضلا على غيره ينبغي أن يخص بعمل، وهذا اعتقاد فاسد منهي ~~عنه، فكذلك مسألتنا، ومن قال: أنا أفعل ذلك، وهذا الوقت عندي كغيره، فلابد ~~أن يكون له باعث إما موافقة سجيته أو عادته أو خوف اللوم له، ويجوز ذلك، ~~فلابد له من باعث غير شرعي، وهذا لعلمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه لم يكونوا يخصون ذلك بفضيلة، فلا يجوز أن يكون لها فضل؛ لأنه إن ~~كان ولم يعلمه الرسول ولا أصحابه ولا التابعون، فكيف يعلمه هو؟ فعلم أنه لم ~~يكن لها فضل؛ إذ يمتنع أن يعلم أمرا يقربنا إلى الله لم يعلمه الرسول، وإن ~~عملوه امتنع مع توفر دواعيهم على النصح وتعليم الخلق أن لا يعلموا أحدا ~~بهذا الفضل، ولا يسارع إليه واحد منهم. # فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزما لعدم علم الرسول وخير القرون بدين ~~الله أو لكتمانهم ذلك، وكل واحد من اللازمين منتف شرعا وعادة، علم انتفاء ~~الملزوم وهو الفضل المدعى، ثم ذلك مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال في الدين أو ~~عمل دين لغير الله - سبحانه -، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، وهذه البدع ~~مستلزمة # PageV01P142 # قطعا ما لا يجوز اعتقاده، فأقل أحواله إن لم يكن محرما أن يكون مكروها، ~~وهذا سار في سائر البدع المحدثة، فظهر أن فعل البدع تناقض الاعتقادات ~~الواجبة على الخلق، وتنازع الرسول ما جاء به عن الله - تعالى -، وتورث ~~القلب نفاقا ولو كان خفيا، فمن تدبر هذا علم ما في البدع من السموم المضعفة ~~للإيمان، ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر، وهذا المعنى جار في كل البدع ~~كالصلاة عند القبور، والذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل ~~معتقدا للمزية، لكن نفس ms069 الفعل قد يكون مظنة للمزية. ### | فصل ذكر البيان لحال من حضر تلك الأعياد متأولا مجتهدا # فلو قيل هذا يعارض بأن هذه المواسم قد فعلها قوم من أولي العلم والفضل ~~الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها الإنسان في قلبه من زوال آصار ذنوبه ~~وإجابة دعوته، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة ~~والصيام. # قيل: لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا أو مقلدا فله أجر على حسن قصده ~~وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وما فيه من المبتدع مغفور له إذا كان ~~في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها ~~إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه كالصوم والذكر والقراءة ~~والركوع السجود وحسن القصد في عبادة الله، وما اشتمل عليه من المكروه انتفى ~~موجبه # PageV01P143 # بعفو الله لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا ثابت في كل ما يذكر في بعض ~~البدع المذكورة من الفائدة، لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها ~~والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه. # كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون ~~في عباداتهم فوائد، وذلك أنه لابد أن تشتمل عباداتهم على نوع ما مشروع في ~~جنسه، كما أن قولهم لابد أن يشتمل على صدق ما مأثور عن الأنبياء، ثم مع ذلك ~~لا يوجب أن تفعل عباداتهم أو تروى كلماتهم؛ لأن جميع المبتدعات لابد أن ~~تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير، إذ لو كان خيرها راجحا لما أهملها ~~الشارع، فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو ~~الموجب للنهي. # وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض الاجتهاد أو غيره، كما ~~يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك ~~يجب بيان حالها، وأن لا يقتدي بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم ~~المبين لحقيقتها، وهذا كاف في بيان أن هذه البدعة مشتملة على مفاسد ~~اعتقادية أو ms070 حالية مناقضة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما فيها ~~من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة، ثم نقول على سبيل التفصيل: إذا فعلها ~~قوم ذوو فضل، فقد تركها في زمانهم معتقدا كراهتها، أو أنكرها قوم إن لم ~~يكونوا هم أفضل # PageV01P144 # ممن فعلها فليسوا دونهم ولو كانوا دونهم فقد تنازع فيها أولو العلم، فيجب ~~ردها إلى الله والرسول، وكتاب الله وسنة رسوله مع من تركها بلا شك، لا مع ~~من رخص فيها. # ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع من تركها، وما فيها من ~~المفاسد التي يستغني بها العامة عن كثير من السنن حتى تجد كثيرا من العامة ~~قد يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس، وينقص بسببها ~~عنايتهم بالفرائض وغير ذلك، يعارض ما فيها من المنفعة، فإن فيها - أيضا - ~~من مصير المعروف منكرا والمنكر معروفا وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، ~~وانتشار البدع، ومسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، وفوات سلوك ~~الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج عن ~~العبودية والاتباع بحسب الإمكان. # كما قال أبو عثمان النيسابوري - رحمه الله -: "ما ترك أحد شيئا من السنة ~~إلا لكبر في نفسه"، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع ~~الرسول، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، إلى ~~غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته، وسلمت سريرته، ~~حتى إن متبعها يصير في غاية من الجهالة، قد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا. # وهذا كله مقرر في غير هذا الموضع، ومنها ما تقدم التنبيه عليه في أعياد ~~أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين: النوع الذي فيه ~~مشابهة، والنوع الذي لا مشابهة فيه، والكلام في ذم البدع لما كان مقررا في ~~غير هذا الموضع لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم. # PageV01P145 ### | فصل ذكر بعض الأمثلة على بدع قامت على نصوص باطلة وبيان بطلانها ms071 # تقدم أن العيد يكون اسما لنفس المكان والزمان والاجتماع، وقد أحدث من تلك ~~الثلاثة أشياء، مثل أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة [التي] تسمى ~~"الرغائب" فإن تعظيم ذلك اليوم والليلة حادث بعد المائة الرابعة، وروي فيه ~~حديث موضوع باتفاق العلماء، وفعل هذه الصلاة - وإن كان ذكرها بعض المتأخرين ~~من الأصحاب وغيرهم - فإنها محدثة منهي عنها عند المحققين وأهل العلم، ونحو ~~إفراد صوم هذا اليوم وكل ما فيه تعظيم له من طعام وزينة، بل لا يكون له ~~مزية على غيره، وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى "صلاة أم ~~داود" فلا أصل لذلك. # ومنها ثامن عشر ذي الحجة الذي خطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فاتخاذ ذلك اليوم عيدا محدث لا أصل له. # PageV01P146 # ومنها ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى - عليه ~~السلام - وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والله [قد] يثيبهم على قصدهم ~~الصالح، لكن هذا المولد لم يفعله أحد من السلف للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولو كان خيرا لكان السلف - رضي الله عنهم - أحق به، وكمال تعظيمه في ~~متابعته ظاهرا وباطنا، ونشر ما بعث به، والجهاد على إظهاره باليد والقلب ~~واللسان، هذه طريقة السابقين. # فعليك بالتمسك بالسنة في خاصتك، خاصة من يطيعك، واعرف المعروف، وأنكر ~~المنكر، وادع إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا ~~إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو ترك واجب أو ~~مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرا إلا إلى ~~مثله أو إلى خير منه، ففعل المولد قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر ~~عظيم، فقد يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد. # فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشريفة ~~بحيث تعرف مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم # PageV01P147 # أهمها عند الازدحام، فهذا حقيقة العلم ms072 بما جاءت به الرسل. # وقد يفعل ما هو معظم في الشريعة من الأوقات الفاضلة ما يعتقد أنه فضيلة، ~~فيصير منكرا، مثل ما أحدثه بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش ~~والتحزن والتجمع وغير ذلك من المحدثات من اتخاذه مأتما، فهو من دين ~~الجاهلية، ليس من دين المسلمين، وكذلك أحدث قيه بعض الناس أشياء مستندة إلى ~~أحاديث موضوعة، مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة، فكل ذلك ~~مكروه، وإنما السنة صومه، وقد روي في التوسعة على العيال آثار معروفة. # وقد يكون الغلو في تعظيمه من بعض المتسننة لمقابلة الروافض، فإن الشيطان ~~قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم. # ومنها رجب فإنه أحد الأشهر الحرم، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقول: اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان وبلغنا رمضان ولم يثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه كذب. # فاتخاذه # PageV01P148 # موسما بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره كما روي عن عمر بن ~~الخطاب وأبي بكر وغيرهما من الصحابة - رضي الله عنهم -. # وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب، وهل الإفراد ~~المكروه أن يصومه كله أو أن لا يقرن به شهر آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. # ومن هذا الباب: ليلة نصف شعبان، فقد روي في فضلها من الأحاديث ما يقتضي ~~أنها ليلة مفضلة، وكثير من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر ~~شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة، ومن العلماء من أنكر فضلها، وطعن في ~~الأحاديث الواردة فيها كحديث: إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب ~~والذي عليه أكثر أهل العلم من أصحابنا وغيرهم تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، ~~وإن كان قد أحدث فيها أحاديث، # PageV01P149 # أما صوم النصف مفردا فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسما ~~تصنع فيه الأطعمة والزينة، وكذلك "صلاة الألفية" في ليلة النصف جماعة، ~~وليعلم أن الاجتماع لصلاة تطوع أو استماع قرآن أو ms073 ذكر الله ونحو ذلك إذا ~~كان يفعل ذلك أحيانا فهو حسن، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ~~التطوع في جماعة أحيانا، وعموم الأحاديث التي فيها ما اجتمع قوم في بيت من ~~بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ... الحديث وأنه خرج على قوم ~~وهم يقرؤون، فجلس معهم وغير ذلك. # أما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير ~~الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي اجتماعات الصلوات الخمس، وذلك هو ~~المبتدع المحدث، ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع، وهذا ~~الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة. # PageV01P150 ### | فصل قد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني فيغلظ قبحا # وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني، فيغلظ ~~قبح هذا، ويصير خروجا عن الشريعة. # فمن ذلك ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه، ~~وهو قصد قبر من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما ~~يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب والتعريف هناك كما يفعل بعرفات، فإن هذا ~~نوع من الحج المتبدع الذي لم يشرعه الله واتخاذ القبور أعيادا. # وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإنه - أيضا - ضلال مبين، فإن ~~زيارة بيت المقدس مستحبة للصلاة والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي ~~تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص ~~وقت معين بزيارة بيت المقدس ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت، # PageV01P151 # ثم فيه أيضا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيهه بالكعبة، وقد أفضى ~~الأمر إلى ما لا يشك مسلم أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام، وهو ما قد ~~يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة، أو حلق الرأس هناك، أو قصد النسك ~~هناك، وما يفعله بعض الجهال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة. # وأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو ضرب بالدف بالمسجد الأقصى ~~ونحوه فمن أقبح المنكرات من وجهات أخرى. # وأما قصد ms074 الرجل المسلم مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر، فهذا هو ~~التعريف في الأمصار، فقد اختلف فيه العلماء: ففعله ابن عباس وعمرو بن حريث، ~~ورخص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبه، هذا هو المشهور عنه، وكره طائفة ~~من الكوفيين كأبي حنيفة ومالك وغيره من المدنيين هذا التعريف. # وذلك التعريف المنهي عنه هو أن ذلك قصد موضع بعينه مثل قبر أو غيره ~~للتشبه بعرفات، بخلاف مسجد المصر، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه، وأيضا فإن ~~المكان المعين قد يحمل شد رحل إليه واتخاذ القبر عيدا، وهذا بنفسه محرم. # وأما ضرب البوقات والطبول فإنه مكروه في العيد وغيره وكذلك لباس الحرير. # PageV01P152 ### | فصل الأعياد المكانية وأقسامها # وأما الأعياد المكانية فتنقسم كالزمانية إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: ما لا خصوص له في الشريعة. # والثاني: ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه. # والثالث: ما يشرع من العبادة فيه لكن لا يتخذ عيدا. # والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا ~~تتخذوا قبري عيدا ومثل نهيه عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادا. # فهذه الأقسام الثلاثة: # أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلا، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو ~~كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك للاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو ~~غيره ضلال بين، ثم إن كان به آثار بعض الكفار أو غيرهم؛ صار أقبح وأقبح، ~~ودخل في هذا الباب وفيما قبله مشابهة الكفار، وهذه أنواع لا يمكن ضبطها ~~بخلاف الزمان، فإنه محصور، وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه ~~عبادة الأوثان، أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عباد ~~الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال يعتقدون أن ذلك ~~يقربهم إلى الله تعالى، وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ~~ثلاثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى كما ذكر الله تعالى في كتابه، كل ~~واحد من هذه الثلاثة لمصر من أمصار العرب، # PageV01P153 # ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل ms075 الطائف، ~~قيل: إنه كان رجلا صالحا يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة، ~~ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة، وقصتها معروفة، فلما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم هدمها لما فتحت الطائف بعد مكة سنة تسع. # وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون ~~عندها، ويدعون، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد عقب فتح مكة، ~~فأزالها، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها، وخرجت منها شيطانة ناشرة ~~شعرها، فيئست العزى أن تعبد. # وأما مناة فكانت لأهل المدينة من ناحية الساحل. # ومن أراد أن يعلم كيف كان حال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة ~~الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن، فلينظر في سيرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في ~~"أخبار مكة" وغيره من العلماء. # ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها "ذات أنواط" فقال ~~بعض الناس: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: ~~الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها ~~السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم فأنكر # PageV01P154 # مشابهتم للكفار بأن يعلقوا على شجرة، فكيف بما هو أطم من مشابهتهم في نفس ~~الشرك؟!. # فمن قصد بقعة يقصد الخير فيها - ولم تستحب الشريعة ذلك - فهو من المنكرات ~~وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا ~~أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي فيها، أو ليدعو، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر أو ~~لينسك بحيث يخص البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به ~~لا عينا ولا نوعا، وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور ويقال: ~~إنها تقبل النذر - يقوله بعض الضالين - فإن هذا نذر معصية باتفاق العلماء ~~لا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد ~~في المشهور عنه، وكذلك إذا ms076 نذر طعاما للحيتان التي في العين، أو نذر مالا ~~للسدنة والمجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء تشبهوا بسدنة اللات ~~والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، [والمجاورون] فيهم شبه من ~~العاكفين الذين قال لهم إبراهيم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ~~وكالذين اختارهم موسى [من] قومه في قوله: فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم ثم إذا صرف هذا المال في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل عمارة ~~المساجد والصالحين وفقراء المسلمين كان حسنا. # فهذه الأمكنة فيها ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن ~~أنه مقام له، وليس كذلك. # فأما ما كان قبرا أو مقاما، فهو من النوع # PageV01P155 # الثاني، وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه. # فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا ~~خلاف أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة، وكذلك يقال قبر هود: في الحائط ~~القبلي، وما علمت أحدا ذكر أن هودا مات بدمشق، بل قيل: باليمن، وقيل: بمكة، ~~وكذلك مشهد أويس، وما قال أحد: إن أويسا مات بدمشق، ولا قدم إليها، ومن ~~ذلك: قبر أم سلمة، ولا خلاف أنها ماتت بالمدينة. # وما أكثر الغلط في ذلك من جهة مشابهة الأسماء! وكذلك بمصر مشهد يقال: إنه ~~للحسين، وهو باطل اتفاقا. # فهذه المواضع ليس فيها فضيلة أصلا، اللهم إلا أن يكون قبر رجل مسلم فيكون ~~كسائر قبور المسلمين ليس لها خصيصة، وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز ~~اتخاذها أعيادا، ولا أن يفعل عندها ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة. # ومن هذا الباب: مواضع يقال: إن فيها أثر النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~غيره، # PageV01P156 # ويضاهي بها مقام إبراهيم الخليل الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة ~~التي ببيت المقدس من أن فيها أثرا من وطء النبي صلى الله عليه وسلم وبلغني ~~أن بعض الجهال يقول: إنه من وطء الرب سبحانه. # وفي مسجد قبلي دمشق: مسجد القدم، يقال: إنه أثر قدم موسى، وهذا باطل، ~~وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض ms077 الأنبياء والصالحين بناء على أنه رؤي هناك في ~~النوم، ورؤية النبي أو الرجل الصالح ببقعة في المنام لا يوجب لها فضيلة ~~تقصد البقعة لأجلها، أو تتخذ مصلى بإجماع المسلمين، وهذه الأماكن كثيرة ~~موجودة في أكثر المواضع، مثل الحجاز، فيها مواضع كغار عن يمين الطريق وأنت ~~ذاهب من بدر إلى مكة يقال: إنه الغار الذي دخله النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله - تعالى - ولا خلاف بين أهل العلم ~~أن هذا الغار الذي ذكره الله في القرآن إنما هو غار بجبل ثور قريب من مكة ~~معروف عند أهل مكة إلى اليوم. # وبالجملة فتعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن ~~تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، ~~فنهي عن الصلاة فيها وإن لم يقصد تعظيمها؛ لئلا يكون ذريعة إلى تخصيصها ~~بالصلاة، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يقصد المصلي ~~الصلاة لأجلها، كما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان بالصوم، وإن لم يقصد ~~تخصيصها بالصوم. # PageV01P157 # وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد ضرار، فإن هذه المشاهد إنما وضعت مضاهاة ~~لبيوت الله، وتعظيما لما لم يعظمه الله، وعكوفا على أشياء لا تنفع، وصدا ~~للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه. # ويلتحق بهذا الضرب - وإن لم يكن منه - مواضع تدعى لها خصائص لا تثبت، مثل ~~كثير من القبور التي يقال: إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي أو ~~صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقا، وقد يكون كذبا. # وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب، فإن الصحيح من ذلك قليل ~~جدا، وقال غير واحد من أهل العلم: لا يثبت إلا قبر نبينا صلى الله عليه ~~وسلم، وغيره قد يثبت قبر إبراهيم الخليل - عليه السلام - وقد يكون علم أن ~~القبر في تلك الناحية، لكن يقع الشك في عينه ككثير من قبور الصحابة التي ~~بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، ms078 فتعيين قبر بعينه أنه قبر بلال ~~أو غيره لا يكاد يثبت إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت لم يتعلق به حكم ~~شرعي مما قد أحدث عندها؛ إذ لو كان ضبط هذه الأمكنة من الدين لما أهمل، ~~ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها المعصومة عن الخطأ. # وأكثر الحكايات إنما توجد من السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال ~~الناس بالباطل، وقد يحكى ما له تأثير مثل أن رجلا دعا عند قبر فاستجيب له، ~~أو نذر فقضيت حاجته، ونحو ذلك. # وبمثل هذه الأمور عبدت الأصنام، فإن القوم كانوا - أحيانا - يخاطبون من ~~الأوثان، وربما تقضى حوائجهم إذا قصدوها؛ ولذلك يجري [لهم مثل ما يجري] ~~لأهل # PageV01P158 # الأبداد من أهل الهند، وربما قيست على ما شرعه الله من حج بيته والحجر ~~الأسود، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك ~~في أهل الأرض. # وقد صح أنه نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير فإذا كان النذر - الذي ~~هو طاعة - لا يأتي بخير، فما الظن بالنذر الذي هو معصية، بأن يكون لشيء من ~~هذه الأمكنة مما لا ينفع ولا يضر؟. # وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي، وصدق التجائه، وقد يكون ~~مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له ~~أسباب أخر وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم ~~فيسقون، وينصرون، ويعافون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. # وقال تعالى: كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ~~وقال: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأسباب ~~المقدورات فيها أمور يطول شرحها، ليس هذا موضعها، وإنما على الخلق اتباع ما ~~بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ولعلي - إن شاء ~~الله - أبين أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر. # هذا هو النوع الأول من الأمكنة. # PageV01P159 # النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا، ولا ~~يصلى ms079 عنده، ولا يعيد بنوع من العبادات. # فمن ذلك: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن السلف النهي عن اتخاذها عيدا عموما وخصوصا، وبينوا معنى العيد. # أما العموم فما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا ~~تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني ~~حيثما كنتم صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود بإسناد حسن، رواته كلهم ~~ثقات. # قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ~~ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، فذكره، وإن كان عبد الله بن نافع الصائغ ~~فيه لين لا يقدح في حديثه، قال ابن معين: هو ثقة. # وقد روي من جهات أخرى، فما بقي فيه إنكار. # وروي عن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى سهل بن أبي سهيل عند قبره، فقال: ~~"ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء". # PageV01P160 # فإذا كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم - مع أنه أفضل قبر على وجه الأرض ~~- قد نهي عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي، مع كونه قرن ذلك بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: ولا تجعلوا بيوتكم قبورا أي: لا تعطلوها من الصلاة ~~فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في ~~البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن ~~تشبه بهم. # وفي الصحيحين قال: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا. # وقال - أيضا -: فإن صلاتكم تبلغني يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة ~~والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا، ~~والأحاديث بأن صلاتنا تعرض عليه كثيرة مشهورة صحيحة. # مع كون أفضل التابعين: علي بن الحسين رأى ذلك الرجل يدعو عند قبره صلى ~~الله عليه وسلم فنهاه، وروى له حديث: لا تتخذوا قبري عيدا فعلم أن قصده ~~للدعاء ونحوه اتخاذه له عيدا، وهو أعلم بمعنى الحديث من غيره، # PageV01P161 # وكذلك ابن عمه حسن بن ms080 حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام ~~عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا، رواه سعيد. # فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل بيته - رضي الله عنهم -. # ومعلوم ما كان هو صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه إذا دخلوا القبور أن ~~يقول أحدهم: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله ~~المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ونحوه من ~~الأحاديث المشهورة. # وكالصلاة على الميت والدعاء له، وما كان عليه السابقون الأولون هو ~~المشروع للمسلمين في ذلك كله، وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيره. # فزيارة القبور في الجملة جائزة، حتى قبور الكفار، فإن في "صحيح مسلم" أنه ~~قال: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، ~~فأذن لي. # وقال: زوروا القبور؛ فإنها تذكر الآخرة. # فهذه الزيارة التي تذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم، هو الذي جاءت به ~~السنة كما تقدم. # وقد اختلف أصحابنا وغيرهم هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين: # PageV01P162 # أحدهما: لا، وهو قول ابن بطة وابن عقيل وغيرهما؛ لأنه سفر بدعة منهي عنه. # والثاني: يجوز، وهو قول الغزالي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني والشيخ أبي ~~محمد المقدسي، وما علمته منقولا عن أحد من المتقدمين؛ بناء على أن هذا ~~الحديث لم يتناول النهي عن ذلك كما لم يتناول النهي عن السفر إلى المكان ~~الذي فيها الوالد والعلماء والمشايخ والإخوان أو بعض المقاصد من الأمور ~~الدنيوية المباحة، وأما ما سوى ذلك من المحدثات مثل الصلاة عند القبور ~~مطلقا، أو اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها قد تواترت النصوص عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه وقد صرح العلماء علماء ~~الطوائف من أصحابنا وغيرهم بالنهي عن بناء المساجد على القبور، اتباعا ~~للأحاديث وأنه حرام، ومن العلماء من أطلق عليه لفظ الكراهة فما أدري ما عنى ~~به ولا ريب في القطع بتحريمه. # فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين ms081 والملوك وغيرهم: يتعين ~~إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين، ~~وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، بل لا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ ~~للنهي واللعن الوارد فيه، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها ~~واحدا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد: هل حدها ثلاثة ~~أقبر؟ أو ينهى عن الصلاة # PageV01P163 # عند القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين. # ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة مثل ما بني على بعض العلماء ~~والصالحين ممن كان مدفونا في مقبرة مسبلة، فبني على قبره مسجد أو مدرسة أو ~~رباط أو مشهد، وجعل فيها مطهرة، أو لم يجعل، فإن هذا مشتمل على أنواع من ~~المحرمات: # أحدها: أنه لا يجوز الانتفاع بالمقبرة المسبلة بغير الدفن من غير تعويض ~~الاتفاق، فبناء المسجد ونحوه كدفن الميت في المسجد، وكبناء الخانقاه في ~~المقبرة، وكبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه. # الثاني: اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم. # الثالث: أن البناء على القبور منهي عنه. # الرابع: أن بناء المطاهر بين المقابر من أقبح ما تجاور به القبور، لا ~~سيما إن كان موضع المطهرة قبر رجل مسلم. # الخامس: اتخاذ القبور مساجد. # السادس: الإسراج على القبور. # PageV01P164 # السابع: مشابهة أهل الكتابين في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا ~~السبب كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه، وقد كانت البنية التي على قبر ~~إبراهيم - عليه السلام - مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، ~~فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناما؛ فنقبت لذلك، ~~وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك، ثم ترك ذلك مسجدا ~~بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك ~~البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها؛ اتباعا لأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واتقاء معصيته، وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقا لا ~~يجوز، بلا خلاف أعلمه، ولا يجوز ms082 الوفاء بما ينذر لها. # ومن ذلك الصلاة عندها وإن لم يبن هناك مسجد، فإن كل موضع قصدت الصلاة فيه ~~فقد اتخذ مسجدا، وإن لم يكن هناك بناء، فإن النهي عن الصلاة في المقبرة ليس ~~لمجرد كونها محل النجاسة، بل لمظنة اتخاذها أوثانا، كما قد بينه في قوله ~~صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ~~وقول عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره" وغيره من الأحاديث؛ فإن قبور الأنبياء ~~لا تنبش حتى يقال: لأجل النجاسة خصوصا، ولا # PageV01P165 # تبلى الأنبياء، فعلم أنه لمظنة عبادة الأوثان، قال الشافعي: "وأكره أن ~~يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس" ~~وقد نبه صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد على ~~العلة. ### | فصل الكلام على سد ذرائع الشرك والنهي عن الصلاة على القبور # ولخوف مظنة عبادة الأوثان حسم الرسول صلى الله عليه وسلم المادة، ونهى عن ~~الصلاة عند القبور، كما تقدم، ولأجل تلك العلة وقع كثير من الأمم إما في ~~الشرك الأكبر أو الأصغر، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فإن ~~الشرك بقبر الرجل الصالح أعظم من الشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، فتجد قوما ~~يتضرعون عند القبور، ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، ~~بل ولا في السحر، وقد يسجد بعضهم لها ويرجون من بركة الصلاة عندها ما لا ~~يرجونه عند بيت الله، فحسم صلى الله عليه وسلم ذلك كله، وإن لم يقصد المصلي ~~بركعته ذلك، كما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، واستوائها وغروبها فينهى عن ~~ذلك سدا للذريعة. # PageV01P166 # أما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين متبركا ~~بالصلاة في تلك البقعة، فهذا هو عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه ~~واتباع دين لم يأذن به الله، فقد أجمع المسلمون على أن الصلاة عند أي قبر ~~كان لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة مزية في تلك البقعة أصلا بل مزية شر. # واعلم أن تلك البقعة وإن كان ms083 قد تنزل عندها الملائكة والرحمة ولها شرف ~~وفضل، لكن دين الله بين الغالي فيه وبين الجافي عنه، فالنصارى عظموا ~~الأنبياء حتى عبدوهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا ~~حقوقهم؛ ولأجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم: لا تطروني كما أطرت النصارى ~~المسيح فلو قدر أن الصلاة هناك توجب رحمة أكثر من الصلاة في غيرها كانت ~~المفسدة الناشئة تربي على هذا المصلحة حتى تغمرها وتزيد عليها، بحيث تصير ~~الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة، ومثبتة لما يوجب العذاب، ومن لم تكن له ~~بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من ذلك، فيكفيه أن يقلد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فإنه من المعلوم، أنه لولا أن الفساد أغلب من المصلحة لما نهي عن ~~ذلك. # وليس للمؤمن أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح، وإنما عليه طاعته ~~والسمع والطاعة، قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله # PageV01P167 ### | فصل ذكر أقسام الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن # والمقصود أن الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى ~~نوعين: # أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن ~~يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور، وكمن يزورها فيسلم ويسأل الله ~~العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به. # النوع الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء عندها أجوب ~~من غيره، فهذا منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه، والتحريم أقرب، فإن الشخص ~~لو دعا، فاجتاز بصنم من غير قصد لم يكن به بأس، ولو تحرى الدعاء عند الصنم ~~أو الصليب أو في الكنيسة يرجو الإجابة في تلك البقعة لكان هذا من العظائم، ~~فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب، بل قد يكون أشد لنهي الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عن اتخاذها مساجد وعيدا. # فقصد القبور لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين، بل أجدبوا على عهد ~~الصحابة، ودهمتهم نوائب، فهلا جاءوا فاستغاثوا عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ بل قد خرج عمر بالعباس يستسقي ms084 به، ولم يرح إلى القبر. # وكذلك لما فتحت تستر وجدوا قبر دانيال، فقيل: إنه كان إذا أجدبت السماء ~~برزوا بسريره فيمطرون، فأمر عمر أن يعمى قبره، # PageV01P168 # فحفر ثلاثة عشر قبرا متفرقة، ودفن في أحدها ليلا، وسووا القبور كلها؛ ~~لئلا يفتتن به الناس، فأنكر الصحابة ذلك وعموا قبره، فهذا فعل الصحابة ~~المهاجرين والأنصار. # ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، علم قطعا أن القوم ما كانوا ~~يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها، بل ينهون عن ذلك جهالهم. # فإن قيل قد نقل عن بعضهم أنه قال: "قبر معروف الترياق الأكبر المجرب" وأن ~~معروفا أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وأن بعض من هجره أحمد بن حنبل يأتي ~~إلى قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده، وروي عن جماعات أنهم دعوا عند قبور ~~جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم، وقد ذكر ~~علماء من المصنفين في المناسك إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعو عنده وأن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، ورأى بعضهم ~~منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرب ذلك أقوام استجابة الدعاء عند ~~القبر، وأدركنا من ذوي الفضل علما وعملا من يتحرى الدعاء عندها والعكوف ~~عليها، وفيهم من له عند الناس كرامات وعلم، فكيف يخالف هؤلاء؟. # PageV01P169 # وهذا السؤال - مع بعده عن طريق العلم - هو غاية ما يتمسك به المقبريون. # والجواب عن ذلك على وجه الاختصار: أن ذلك لم ينقل في استحبابه - فيما ~~علمناه - شيء ثابت عن القرون الثلاثة المفضلة الذين أثنى عليهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مع شدة المقتضي فيهم لذلك لو كان فضيلة. # وأما من بعدهم فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت، ولا يمكن أن يقال: إن ~~الأمة أجمعت على استحسان ذلك؛ لأن كثيرا من الأمة كره ذلك، وأنكره قديما ~~وحديثا. # وأيضا من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله ~~المتقدمون ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض، ~~وإذا ms085 اختلف فيه المتأخرون، فالفاصل بينهم هو كتاب الله، والسنة، والإجماع ~~المتقدم نصا واستنباطا، فكيف - والحمد لله - لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا ~~عالم متبع؟ بل المنقول من ذلك إما كذب، كما كذب على الشافعي أنه قال: "إني ~~إذا نزل شيء بي أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب" فهذا كذب معلوم فإن ~~الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده، وقد رأى ~~الشافعي بالحجاز والشام من قبور الأنبياء والصحابة والصالحين من هو أفضل ~~عنده من أبي حنيفة، فما # PageV01P170 # باله لم يتوخ الدعاء إلا عند قبره؟!. # ثم قد تقدم عن الشافعي قوله: "إني أكره تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة ~~بها "وإما أن يكون المنقول عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا أحاديث مثل ~~هذه الحكايات لما جاز لنا التمسك بها حتى يثبت النقل". # ومنها ما قد يكون صاحبه قد قاله باجتهاد أو فعله باجتهاد يخطئ ويصيب، أو ~~قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، ثم سائر هذه ~~الحجج دائر بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به أو قياس لا يجوز استحباب ~~العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها، وإنما تثبت العبادات بمثل ~~هذه الحكايات النصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات الأحكام كتاب الله ~~والسنة واتباع سبيل السالفين الأولين. # والجواب المحقق عن ذلك من وجهين: مجمل ومفصل. # أما المجمل، فالنقض، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات من هذا النمط ~~كثير، بل المشركون كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما قد ~~يستجاب لهؤلاء، بل وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا ~~وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض، # PageV01P171 # ثم إن كل قوم قد جعلوا لأنفسهم شخصا أو قبرا لا يثقون بغيره، فلا يمكن ~~موافقة الجميع؛ لأنه جمع بين الضدين، وموافقة بعض دون بعض تحكم بلا مرجح، ~~ومن المحال إصابتهم جميعا؛ لأن كل فريق يخطئ الفريق الآخر، ثم قد استجيب ~~لبلعام بن ms086 باعوراء في قوم موسى المؤمنين، فسلبه الله الإيمان، والمشركون قد ~~يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون. # وأما الجواب المفصل، فنقول: مدار هذه الشبهة على أصلين: # منقول، وهو ما يحكى من نقل هذا الدعاء عن بعض الأعيان. # ومعقول، وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة. # أما النقل، فإما كذب أو غلط، وليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به ~~بخلاف ذلك. # وأما المعقول، فعامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون ~~الدعاء إنما يستجاب لهم أحيانا نادرا، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء وقت ~~الأسحار، وفي سجودهم وأدبار صلواتهم وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا ~~مثل ابتهال المقابريين لم يكد يسقط لهم دعوة إلا لمانع. # وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في # PageV01P172 # الشرع كالتمريجات الفلكية والتوجيهات النفسانية، كالعين والدعاء المحرم ~~والرقى المحرمة، والتمريجات الطبيعية ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من ~~منفعتها، حتى في نفس ذلك المطلوب، فإنه لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية ~~فكل من حصل له بذلك أمر دنيوي إلا أعقبه شر، أو كانت عاقبته خبيثة، دع ~~الآخرة. # والمخفق من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، فلا يكاد يحصل الغرض إلا ~~نادرا، مع أن مضرتها أكثر من نفعها، بخلاف الأمور المشروعة من الدعاء ~~والتجارة والحراثة والتوكل على الله ونحوه، فإنه يحصل الخير غالبا، فعلم أن ~~الأمور المذكورة ليس فيها خير غالب، ولا خير محض، ومن له خبرة بأحوال ~~العالم يتيقن ذلك بلا شك، والأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض لا ~~يحصيها إلا هو أما أعيانها فبلا ريب، وكذلك أنواعها لا يضبطها المخلوق لسعة ~~ملكوت الله - سبحانه وتعالى - ولهذا كانت طريقة الأنبياء: الأمر بما فيه ~~الصلاح والنهي عما فيه الفساد. # والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب، قد يكون فيه فتنة لمن # PageV01P173 # ضعف عقله ودينه، بحيث تختطف عقله. # ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه، أو ~~أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه، ثم قد ms087 يكون سبب قضاء حاجة هؤلاء الداعين ~~الدعاء المحرم؛ لشدة ضرورته لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له لصدق ~~توجهه إلى الله -تعالى-، ولو قد استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو ~~غيره لاستغاثته؛ فإنه يعاقب على ذلك ويهوي في النار إذا لم يعف الله عنه، ~~كما لو طلب ما يكون فتنة له. # كما أن ثعلبة لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال ~~ونهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له، ~~وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن ~~الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يتأبطها نارا فكم من عبد دعا ~~دعاء غير مباح فقضيت حاجته، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن ~~يسأل ما لا تصلح له مسألته كما فعل # PageV01P174 # بلعام وثعلبة، وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله تعالى، بل أشد ~~من ذلك: السحر والطلسمات والعين وغير ذلك، قد يقضى بها كثير من أغراض ~~النفوس. # ومع هذا فقد قال - سبحانه -: ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق وإنما يتشبثون بمنفعة الدنيا قال تعالى: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ~~كذلك أنواع الداعين والسائلين قد يدعو دعاء محرما يحصل معه غرضه ويورثه ~~ضررا أعظم، ثم إن الداعي قد يعلمه وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه ~~بتقصيره في طلب العلم أو ترك الحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه بأن يكون ~~مجتهدا أو مقلدا كالمجتهد قد يتجاوز عنه لكثرة حسناته من صدق قصده أو لمحض ~~رحمة ربه به ونحو ذلك، ثم مع ذلك ينهى عنه، وإن كان قد زال سبب الكراهة في ~~حقه، ومن هنا يغلط كثير من الناس يبلغهم أن بعض الأعيان الصالحين # عبد عبادة، أو دعا دعاء وجد أثره، فيجعل ذلك دليلا على استحباب تلك ~~العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد # PageV01P175 # فعله نبي، وهذا غلط ms088 عظيم لما ذكرناه خصوصا إذا كان العمل إنما كان أثره ~~بصدق قام في قلب فاعله حين الفعل ثم تفعله الأتباع صورة، فيضرون به. # ومن هذا الباب ما يحكى عن آثار وجدت في السماع المبتدع، فإن تلك الآثار ~~قد يكون عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال حركها محرك كانوا فيه مجتهدين أو ~~مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع، وليس ~~حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقلدين من الصدق ما لأجله عذروا أو ~~غفر لهم، فيهلكون بذلك، كما يحكى عن بعض الأشياخ أنه رؤي بعد موته فقيل له: ~~ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيخ السوء! أنت الذي كنت ~~تتمثل بي بسعدى ولبنى! لولا أعلم من صدقك لعذبتك. # ولهذا كان الأئمة المقتدى بهم يقولون: "علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة". # وحكي لنا أن بعض المجاورين أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتهى ~~عليه من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث لك هذا وقال لك: اخرج من عندنا. # وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم ذلك؛ لاجتهادهم، أو قصورهم في العلم، ~~فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر للعالم، ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم سوغ ~~لهم ذلك، فإن الله لم # PageV01P176 # يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة، أما ~~استحباب المكروهات وإباحة المحرمات فلا فرق بين العفو عن الفاعل وبين إباحة ~~الفعل له، وبالجملة فإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون، وما سوى ذلك من ~~المحدثات فلا، وإن اشتملت أحيانا على فوائد لأن مفسدتها راجحة على فوائدها. ### | فصل أن اعتقاد استجابة الدعاء غير المشروع زمانا ومكانا كرامة الغرور # من الغرور اعتقاد أن استجابة الدعاء المحرم مثل دعاء غير الله واستغاثة ~~غير الله والتوسل بما لا يحب أن يتوسل به إليه كتوسل المشركين بأوثانهم إلى ~~الله، أو الدعاء عند قبر أو تمثال، أو الدعاء بمحرم ms089 ونحوه من الدعاء ~~المعتدى به كرامة من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما تشبه ~~الكرامة من جهة أنها دعوة نافذة وسلطانا قاهرا وإنما الكرامة في الحقيقة ما ~~نفعت في الآخرة أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة وإنما هذا بمنزلة ما ~~ينعم به على بعض الكفار والفساق من الرياسات والأموال في الدنيا فإنما تصير ~~هذه نعمة إذا لم تضر صاحبها في الآخرة ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم: هل ما ~~ينعم به على الكافر نعمة أم ليس بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظيا. # PageV01P177 # فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها - أحيانا - غرضه، لكنها ~~محرمة؛ لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها، كما تقدم. # ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله، وينور قلبه، ويفرق بين أمر ~~التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين أمر القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ~~ثلاثة: # أمور قدرها الله ولا يحبها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة ~~لعقابه. # وأمور شرعها الله، وهو يحبها ويرضاها من العبد، ولكن لم يعنه على حصولها، ~~فهذه محمودة عنده مرضية، وإن لم توجد. # والقسم الثالث: أن يعين العبد على ما يحبه منه. # فالأول إعانة الله، والثاني عبادة الله، والثالث جمع له بين العبادة ~~والإعانة، كما قال: إياك نعبد وإياك نستعين فما كان من الدعاء غير المباح ~~إذا أثر فهو من باب الإعانة لا العبادة كدعاء سائر الكفار والمنافقين ~~والفساق، ولهذا قال في مريم: وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر. # ومن سنة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركا كدعاء غيره لا يحصل # PageV01P178 # غرض صاحبه، ولا يؤثر إلا في الأمور الحقيرة، أما الأمور العظيمة كإنزال ~~المطر وكشف العذاب فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال: وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا فلما كانت هذه المواضع العظيمة لا يستجيب فيها ms090 إلا هو ~~دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعلم أن ما دون هذا أيضا من الإجابات ~~إنما فعلها هو - سبحانه -، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن ~~خلقه للسماء والأرض ونحوها من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته، وأنه خالق ~~لكل شيء. ### | فصل آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحكم تكرارها لأهل المدينة وغيرهم # قال الإمام أحمد وغيره: إنه يستقبل القبلة بعد تحية النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويجعل الحجرة عن يساره؛ لئلا يستدبره، ويدعو لنفسه وأنه إذا حياه وسلم ~~عليه يكون مستقبلا له بوجهه - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - فإذا أراد ~~الدعاء جعل الحجرة عن يساره، واستقبل القبلة، وهذا مراعاة منهم لحفظ ~~التوحيد، فإن الدعاء عند القبر لا يكره مطلقا، بل يؤمر به تبعا وضمنا كما ~~جاءت به السنة، وإنما المكروه: التحري. # وهذا أمر مستمر، فإنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلى ~~إليه، فلما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق نهي أن يتحرى # PageV01P179 # استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يستقبل وقت دعائه الجهة التي فيها ~~الرجل الصالح، وهذا شرك وضلال، كما أن بعض الناس يمتنع أن يستدبر الجهة ~~التي فيها [بعض مقدسيهم من الصالحين] وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله ~~وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ذلك من البدع. # كما أن مالكا وغيره كره لأهل المدينة كلما جاء أحدهم المسجد أن يدخل إلى ~~قبره ويسلم عليه وعلى صاحبيه، وقال: إنما يكون ذلك إذا جاء أحدهم من سفر، ~~أو أراد سفرا، ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها. # وأما قصده دائما للصلاة والسلام، فما علمت أحدا رخص فيه؛ لأن ذلك نوع من ~~اتخاذه عيدا، مع أنه يشرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته كما نقوله آخر صلاتنا، بل قد استحب ذلك لكل من ~~دخل مكانا ليس فيه أحد أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ms091 فخاف مالك أن ~~يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة اتخاذا له عيدا، وأيضا فإنه بدعة، فإن ~~المهاجرين والأنصار قد كانوا يصلون في المسجد ولم يكونوا يأتون إلى القبر ~~كل صلاة؛ وذلك لعلمهم بكراهته لذلك، مع أنهم يسلمون عليه عند دخولهم ~~وخروجهم وفي التشهد كما كانوا يسلمون عليه في حياته، والمأثور عن ابن عمر ~~يدل على ذلك: أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسلم وصلى عليه، # PageV01P180 # وقال: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه" رواه سعيد. # وكرهت الأئمة استلام القبر وتقبيله، ومنعوا الناس أن يصلوا إليه، وكانت ~~حجرة عائشة ملاصقة لمسجده، ومضى الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، ~~وزيد في المسجد والحجرة على حالها وغيرها من الحجر المطيفة بالمسجد من ~~شرقيه وقبليه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عامله ~~على المدينة، فابتاع الحجر وغيرها، وهدمهن، وأدخلهن في المسجد، فمن أهل ~~العلم من كره ذلك كسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكرهه. # قال أحمد - لما سأله الأثرم: أيمس القبر؟ - قال: ما أعرف هذا. # ونقل بعض أصحابنا رواية في مسح قبره؛ لأن أحمد شيع بعض الموتى، فوضع يده ~~على قبره يدعو له. # والفرق بين الموضعين ظاهر. # أما المنبر فقال أحمد: لا بأس به، وكره مالك التمسح بالمنبر كما كرهوا ~~التمسح بالقبر، أما اليوم فقد احترق المنبر، وإنما بقي من المنبر خشبة ~~صغيرة، فقد زال ما رخص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو ~~التمسح بمقعده. # PageV01P181 ### | فصل الأفعال المشروعة والممنوعة عند مقامات الأنبياء والصالحين # أما زيارة مقامات الأنبياء والصالحين - وهي الأمكنة التي أقاموا فيها، ~~لكنهم لم يتخذوها مساجد - فالذي بلغني عن العلماء قولان: # أحدهما: النهي عن ذلك. # والثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى ~~قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي سلكها ~~اتفاقا، لا قصدا. # قال سندي: سألنا أبا عبد الله عن ms092 الرجل يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها ~~ترى ذلك؟ # فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يصلي في بيته حتى يتخذه مصلى وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأثره فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد؛ إلا أن ~~الناس قد أفرطوا في هذا جدا. فقد فصل أبو عبد الله بين ما يتخذ عيدا وبين ~~ما يفعل نادرا قليلا، وهذا فيه جمع بين الآثار. # وروي عن عمر أنه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: "ما هذا"؟. # قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت ~~له منكم الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له فليمض" فكره عمر اتخاذ مصلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عيدا. # PageV01P182 # وقال محمد بن وضاح: "إن عمر أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى ~~الله عليه وسلم خوف الفتنة على الناس". # وقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك ~~المساجد وتلك الآثار بالمدينة ما عدا قباء وأحدا، ودخل الثوري بيت المقدس، ~~وصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار فهؤلاء كرهوها مطلقا؛ لحديث عمر هذا. # وما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، والصواب معهم، فإن ~~المتابعة تكون بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا قصد العبادة ~~في موضع كالمساجد والمشاعر كان قصده متابعة له، أما إذا فعل فعلا اتفاقا من ~~غير قصد وتحري، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال ~~بالنيات. # واستحب آخرون من العلماء إتيانها، وذكر طائفة من أصحابنا وغيرهم استحباب ~~زيارة هذه المواضع، وعدوا منها مواضع. # وأما أحمد فرخص فيما جاء به الأثر، إلا إذا اتخذ عيدا، وجمع بين الآثار ~~مثل حديث عتبان الذي راح إليه الرسول وجعل في بيته موضعا اتخذه مسجدا، لكن ~~عتبان كان قصده بناء المسجد، فأحب أن يكون الرسول هو الذي يخطه له، ms093 بخلاف ~~ما إذا صلى الرسول في موضع من # PageV01P183 # غير قصد اتخاذه مسجدا، فاتخذه أحد مسجدا لا لحاجة إليه، بل لكونه صلى فيه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # أما الأمكنة التي قصدها رسول الله للدعاء عندها والصلاة، فقصدها سنة، ~~اقتداء به صلى الله عليه وسلم كتحريه الصلاة عند الاصطوانة موضع المصحف. # وقد روى بعض الفقهاء أن أعرابيا أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلا ~~قوله تعالى: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية، وأنشد: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه # وطاب من طيبهن القاع والأكم # وأنه استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي مثل ذلك. # PageV01P184 # وهذه الحكاية لا يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو ~~كان سنة لكان السابقون إليه أسبق وبه أعلم. ### | فصل ذكر حرمة الإقسام على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم # لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، ~~كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد باتفاق ولم ~~يتنازعوا إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد ~~وبعض أصحابه - كابن عقيل - طرد الخلاف في سائر الأنبياء، والذي عليه ~~الجمهور - كمالك والشافعي وأبي حنيفة - أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ~~ولا يقسم به، وهذا هو الصواب. # والإقسام على الله بنبيه صلى الله عليه وسلم مبني على هذا الأصل، ففيه ~~هذا النزاع. # وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في "منسك المروزي" ~~ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به، ~~فكذلك هذا. # وأما غيره فما علمت فيه نزاعا، واتفقوا على أنه - سبحانه - يسأل، ويقسم ~~عليه بأسمائه وصفاته كما يقسم على غيره بذلك كالأدعية المعروفة في السنن ~~اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السموات والأرض، يا ~~ذا الجلال والإكرام. # وأما إذا # PageV01P185 # قال: أسألك بمعاقد العز من عرشك، ففيه نزاع نقل عن أبي حنيفة كراهته، فلا ~~يجوز ms094 أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر؛ لأنه ~~لا حق للمخلوق على الخالق. # أما معاقد العز من عرشك، فقيل: هو سؤال بمخلوق، وقيل: بل هو سؤال ~~بالخالق؛ فلذلك تنازعوا فيه. # وقد نازع في هذا بعض الناس، وقالوا في حديث أبي سعيد: اللهم إني أسألك ~~بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا ... الحديث وقال تعالى: واتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام على قراءة الخفض كما يقال: سألتك بالله وبالرحم. # وفي "الصحيح" أن عمر قال "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا". # وفي "النسائي" و"الترمذي" حديث الأعمى الذي جاء إليه، فقال: "ادع الله لي ~~أن يرد بصري، فقال: توضأ فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني # PageV01P186 # أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد! يا نبي الله! إني ~~أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضيها، اللهم فشفعه في" فدعا الله فرد عليه ~~بصره. # والجواب عن هذا أن يقال: # أولا: لا ريب أن الله - تعالى - جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين، كما ~~قال: وكان حقا علينا نصر المؤمنين كتب ربكم على نفسه الرحمة. # وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل - وهو رديفه ~~-: "يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده"؟. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ~~"حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتدري ما حق العباد على الله إذا ~~فعلوا ذلك؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم". # فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، واتفق العلماء على وجوب ما يجب ~~بوعده الصادق، وتنازعوا هل يوجب الله بنفسه على نفسه ويحرم بنفسه على نفسه؟ ~~على قولين. # وأما الإيجاب عليه بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو # PageV01P187 # قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. # وأهل السنة متفقون على أنه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان، ~~وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، بل كتب على نفسه ~~الرحمة، ms095 وحرم على نفسه الظلم، لا أن العبد يستحق على الله شيئا كما يكون ~~للمخلوق على المخلوق، بل الله هو المنعم المتفضل على العباد بكل خير، هو ~~الخالق لهم والمرسل إليهم والميسر لهم الإيمان والعمل الصالح. # وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي ~~لعباده هو من فضله، وليس من باب المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيره عليه ~~وإذا سئل بما جعله هو سببا للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها ~~بكرامته، ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهة عنده، فهذا سؤال ~~وتسبب بما جعله هو سببا. # وأما إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب، فإما أن يكون إقساما عليه به، فلا ~~يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب، فيكون ~~عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق أن ينعمهم ~~ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده يقبل شفاعتهم ودعاءهم ما لا يقبله لغيرهم، فإذا ~~قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك ~~الشخص ومحبته وطاعته بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة، لم يكن قد ~~سأله بسبب يوجب المطلوب، # PageV01P188 # وحينئذ فيقال: أما التوسل، والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة ~~التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار وبدعاء الأنبياء ~~والصالحين وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر الله ~~بها في قوله: <> يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة فإن ابتعاء الوسيلة: هو ~~طلب ما يتوسل به أي: يتوصل ويتقرب به، سواء كان على وجه العبادة، أو كان ~~على وجه السؤال له والاستعاذة به؛ رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار. # ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، كما قال: فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فأمر بالاستجابة له والإيمان به، قال بعضهم: "فليستجيبوا لي ~~إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي أني أجيب دعوتهم" وبهذين الشيئين ms096 تحصل إجابة ~~الدعوة بكمال الطاعة لألوهيته وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربه ~~بامتثال أمره واجتناب نهيه، حصل مقصوده من الدعاء، فمن دعاه موقنا أنه يجيب ~~دعوة الداعي إذا دعاه أجابه ولو كان مشركا فاسقا، كما قال: وإذا مسكم الضر ~~في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان ~~كفورا لكن هؤلاء الذين يستجاب لهم؛ لإقرارهم بربوبيته، وأنه يجيب دعاء ~~المضطر إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسله كان ~~ما يعطيهم بدعائهم متاعا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. # PageV01P189 # وقد ذكر أن بعض النصارى حاصروا المسلمين، فنفد ماؤهم، فاستسقوا من ~~المسلمين، وقالوا: ننصرف عنكم، فلم يسقوهم، فرفعوا أيديهم وسألوا الله، ~~فأمطرت عليهم، فكاد بعض المسلمين أن يفتتن، فقام فيهم رجل من المسلمين، ~~وقال: اللهم إنك تكفلت برزق كل دابة، وقد أجبت دعاء هؤلاء الكفار؛ لأنهم ~~مضطرون لا لأنك تحبهم فنريد أن ترينا آية تثبت الإيمان في قلوب عبادك، ~~فأرسل الله عليهم ريحا فأهلكتهم أو نحو هذا. # ومن هذا من يدعو دعاء يعتدي فيه، فيجاب، فما كل من دعا فأجيب يكون ذلك ~~دليلا على أن عمله صالح، بل ذلك بمنزلة من يمدهم بالمال والبنين، فلا يظن ~~أنه يسارع في الخيرات بل لا يشعرون. # قال تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين والمقصود أن دعاء الله قد يكون دعاء ~~عبادة يثاب العبد عليه في الآخرة، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته، ثم ~~قد يثاب، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سببا لضرر دينه، ~~فالوسيلة التي أمر الله بها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته. # فالتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس من ~~باب الإقسام بمخلوق، وكذلك استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم، وقول عمر: "اللهم إنا ~~كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ms097 نتوسل # PageV01P190 # بعم نبينا" معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء ~~عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى ~~مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك؛ ~~لأنه لو كان كذلك لكان توسلهم به أولى من عمه، ولم يعدلوا إلى العباس مع ~~علمهم أن السؤال به أعظم من العباس، فعلم أن التوسل هو ما يفعله الأحياء ~~دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، وكذلك حديث الأعمى الذي علمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فيدل على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شفع وسأل، فعلمه أن يسأل الله قبول شفاعته، ولهذا ~~قال: "اللهم فشفعه في" فلفظ التوسل فيه إجمال غلط فيه من لم يفهم مقصود ~~الصحابة. # يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا، أو لكون الداعي محبا له مطيعا ~~لأمره مقتديا به، فيكون التسبب: إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما ~~بدعاء الوسيلة وشفاعته. # ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته لمجرد الإقسام به على الله، فهذا ~~الثاني هو الذي كرهوه، ونهوا عنه. # وكذلك لفظ السؤال [بشيء] قد يراد به المعنى الأول، وقد يراد الثاني. # ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فدعوا الله بصالح ~~الأعمال، إذ هي أعظم # PageV01P191 # ما يتوسل به العبد إلى الله؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله، فهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به. # ومن هذا ما يذكر عن الفضيل أنه أصابه عسر البول فقال: "بحبي إياك إلا ما ~~فرجت عني" ففرج عنه وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما ~~قالت: "اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في سبيلك" وسألت الله أن يحيي ~~ولدها فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه من ~~العبودية والطاعة له هو من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفا من عذابه ~~وسؤاله بأسمائه وصفاته كقوله: "أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان، ms098 أنت ~~الله الأحد الصمد" ونحو ذلك يكون من باب التسبب، فإن كونه المحمود المنان ~~الصمد يقتضي منته على عباده وإحسانه الذي يحمد عليه، وتوحيده في صمديته، ~~فيكون هو السيد المقصود الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم، وكل ما سواه ~~مفتقر إليه، وقد يتضمن ذلك معنى الإقسام عليه بأسمائه. # وأما قوله: أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، ففيه ضعف، لكن ~~بتقدير ثبوته، هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه: أن يجيبهم، وحق ~~المطيعين: أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إثابته وإجابته، ولو ~~قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من # PageV01P192 # صفاته، لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ... الحديث فالاستعاذة ~~لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا ~~به على أن كلام الله غير مخلوق، كقوله: أعوذ بكلمات الله التامات. # وأما قول الناس: أسألك بالله والرحم، وقراءة من قرأ تساءلون به والأرحام ~~بالكسر فهو من باب التسبب بها؛ فإن الرحم توجب الصلة، فسؤال السائل بها ~~توسل بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من ~~باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء، فالتوسل ~~بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم ~~وشفاعتهم، فمجرد ذاتهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له، فلا تنفعه ~~وإن عظم جاه أحدهم عند الله، فلا بد من ذلك، إما سؤال المسئول، وإما التسبب ~~بمحبة اتباعه خالصا لله تعالى لا لهوى ولا لحظ نفس، بل لله وحده لا شريك ~~له. # PageV01P193 ### | فصل لا يشرع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة مع ذكر النصوص # ولا يشرع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، ~~ولو نذر الإنسان إتيان مسجد غيرها، لم يجب عليه فعله باتفاق الأئمة، وليس ~~بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء، وسائر المساجد لها حكم المساجد. # وفي المسند عن جابر بن عبد الله: ms099 أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في ~~مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، فاستجيب له يوم ~~الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه، قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم ~~إلا توخيت تلك الساعة، فأعرف الإجابة وفي إسناده كثير بن زيد وفيه كلام. # وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرون الدعاء في هذا كما ~~نقل عن جابر [ولم ينقل عن جابر رضي الله عنه] أنه تحرى الدعاء في المكان، ~~بل في الزمان، فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وبنيت بإذنه ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصيته من غير سفر إليه ~~إلا مسجد قباء فكيف بما سواها؟. # ولما فتح عمر بيت المقدس وجد النصارى قد ألقت على الصخرة # PageV01P194 # زبالة عظيمة عنادا لليهود، فأزالها ونظفها، وقال لكعب الأحبار: "أين ترى ~~أن أبني مصلى المسلمين؟ # فقال: ابنه خلف الصخرة. # فقال: يا ابن اليهودية! خالطتك اليهودية! بل أبنيه في صدر المسجد؛ فإن ~~لنا صدور المساجد، فبناه في قبلي المسجد" وهو الذي يسميه كثير من العامة ~~اليوم: الأقصى، والأقصى: اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرما، وإنما ~~الحرم بمكة والمدينة خاصة، وفي وادي وج الذي بالطائف نزاع، وذكر طائفة من ~~المتأخرين أن اليمين تغلظ عند الصخرة، وليس هذا في كلام أحمد ولا غيره من ~~الأئمة، فليس له أصل، بل تغلظ هناك عند المنبر، كما في سائر المساجد. # وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي ~~بالشام، وذكروا فيها من الآثار عن أهل الكتاب ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا ~~عليه دينهم، ومن العجب كيف يحدث كعب الأحبار عن بعض الأنبياء الذي بينه ~~وبينهم أكثر من ألف سنة، ولم يسنده، وغايته أن ينقله عن بعض كتب اليهود ~~الذين أخبر الله أنهم قد بدلوا، فكيف يصدق شيء من ذلك # PageV01P195 # لمجرد هذا النقل؟! بل الواجب أن لا يصدق ولا يكذب إلا بدليل كما أمرنا ~~النبي صلى الله عليه ms100 وسلم ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موته صلى الله ~~عليه وسلم وسكنوا الشام والعراق ومصر وغيرها - وهم أعلم بالدين وأتبع له - ~~فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه، فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، ~~أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، لم يكن لنا أن نخالفهم في ~~ذلك، ونقول: إن من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيل ~~الأولين أولى ممن بعدهم، وما أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن ~~غيره ممن هو أعلم منه وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا ~~يتسع هذا الموضع لتفصيلها. ### | فصل أصل دين الإسلام ألا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة # وأصل دين المسلمين: أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد ~~خاصة. # وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد - كما ~~كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع - هو مما جاء الإسلام بمحوه ~~وإزالته ونسخه، ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات إلا ما خص به المسجد ~~الحرام من الطواف ونحوه، # PageV01P196 # ولو كان هذا مشروعا يثيب الله عليه لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم ~~بذلك، ولأعلم أصحابه - أيضا ذلك -، وكانوا أرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم ~~يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا ~~يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة، فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من ~~الدين ما لم يأذن به الله. ### | فصل افتراق الناس إلى ثلاثة فرق وأن سلف الأمة هم من أصاب الحق والخير # افترق الناس على ثلاث فرق: المشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب ~~وهذه الأمة، أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن مثل قوله: ما لكم من دونه من ~~ولي ولا شفيع وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم ms101 يتقون فيتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى، ~~وتشفع لهم. # والخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل ~~الكبائر من أمته، بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ~~ودعائه. # وأما سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما ~~جاءت به السنة من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ذلك من أنواع شفاعته ~~وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة، وقالوا: لا يخلد # PageV01P197 # في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع ~~الإنسان بدعاء غيره وشفاعته والصدقة، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء، ~~وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله، ويسأله، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى. # وفي الصحيح أنه قال: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا ~~الله يبتغي بها وجه الله. # فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله كان أحق بالشفاعة. # وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين يرجوه ويخافه، فهو من أبعد الناس عن ~~الشفاعة، فشفاعة المخلوق عند المخلوق بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن ~~المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، ~~فيحتاج أن يقبل شفاعته، والله -تعالى- غني عن العالمين، وهو وحده يدبر ~~العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع، وهو ~~يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءه، فالأمر كله له، فإذا ~~كان العبد يرجو شفيعا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، ~~وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته. # وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقد ~~امتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن قال: ~~لأستغفرن لك ما لم أنه عنك # PageV01P198 # وصلى على المشركين ودعا لهم، فأنزل الله -تعالى-: ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره وقيل له: إن تستغفر لهم سبعين مرة ms102 فلن يغفر الله ~~لهم فقال: لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت فأنزل الله تعالى: ~~سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. # وقال: فلما ذهب عن إبراهيم الروع إلى قوله: <> يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا فالله تعالى له حقوق لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها ~~غيرهم، وللمؤمنين حقوق مشتركة، وفي حديث معاذ "حق الله على العباد: أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" وهذا أصل التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب. # قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ويدخل ~~في ذلك أن لا يخاف إلا إياه، ولا يتقى إلا إياه. # قال تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فالطاعة لله ورسوله، ~~والخشية والتقى لله وحده، كما قال: ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ~~وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون وما ~~آتاكم الرسول فخذوه فالحلال ما حلله الرسول، والحرام ما حرمه، والدين ما ~~شرعه، # PageV01P199 # والتحسب لله وحده، قال تعالى: وقالوا حسبنا الله ولم يقل: ورسوله، وذكر ~~الرسول في الإيتاء؛ لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ~~كل ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة، ثم قال: إنا إلى الله راغبون ~~فجعل الرغبة إلى الله وحده دون ما سواه، كما قال: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك ~~فارغب فأمر بالرغبة إليه. # ولم يأمر الله قط مخلوقا أن يسأل مخلوقا وإن كان قد أباح ذلك في بعض ~~المواضع، لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل -قط- إلا الله، كما ~~في الصحيحين في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب "هم الذين لا يسترقون، ~~ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فجعل من صفاتهم أنهم لا يطلبون ~~من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل: لا يرقون، ms103 وإن كان قد روي في بعض طرق مسلم ~~فهو غلط؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، ~~فالمسترقي طالب للدعاء من غيره، بخلاف الراقي غيره فإنه داع. # وقال لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله فهو الذي ~~يتوكل عليه، ويستعان به، ويخاف ويرجى، ويعبد، وتنيب إليه القلوب، لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، ولا منجى منه إلا إليه. # والقرآن كله يحقق هذا الأصل، # PageV01P200 # والرسول صلى الله عليه وسلم يطاع، ويحب، ويرضى به، ويسلم إليه حكمه، ~~ويعزر ويوقر، ويتبع ويؤمن به وبما جاء به. # قال تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحقيق التوحيد وتجريده، ~~ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ، كقوله صلى الله عليه وسلم: لا يقولن ~~أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، بل ما شاء الله ثم شاء محمد وقال له رجل: ما ~~شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده. # والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين لله تحقيقا لقوله: وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة. # فالصلاة والصدقة والصيام والحج كل ذلك لله وحده، فلا يعبد إلا الله، ولا ~~يعبد إلا بما شرع. # فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. # والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. # انتهى المنهج القويم. ms104