######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000575 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب، أبو محمد، بدر الدين الحلبي (المتوفى: 779هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 779 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نسيم الصبا #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000575 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-575 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/575 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة الجوائب، قسطنطينية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1302 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد حمد الله الذي أعلى مقام أهل الأدب، واستخرج من بحار خواطرهم ~~الخاطرة ما يقضي لهم بالعجب، وجمع بهم شتات الفوائد، وأمدهم بكلمات يقف ~~عندها رائد العوائد، ونفى عن كامل فضلهم قول ليت ولكن، وحرك بما يبدونه من ~~المطرب والمرقص كل ساكن، والصلاة والسلام على نبيه الفائض على أقواله صوب ~~الصواب، وعلى آله وأصحابه الذين بأساليب آدابهم الحسنة تسلب الألباب. # فهذه ثلاثون فصلا، طالت فروعا وطابت أصلا، تشتمل على ألفاظ أرق من ~~الشمول، ومعان بعيون عقائلها تفتن العقول، وأنشأتها بعد الإاقة من نشوة ~~الصبا وسميتها حيث ملكت زمام اللطف نسيم الصبا وأودعتها # PageV01P002 # أبياتا لغيري على وجه التضمين، محليا جيد منثورها بالمنظوم من عقدها ~~الثمين، منبها عليها بالحمرة، مظهرا ما لها على مأمور قولي من الإمرة، ~~والله يهدي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | الفصل الأول: في السماء وزينتها # أيقظتني ليلة دواعي الهموم، فنظرت نظرة في النجوم فإذا السماء كأنها روضة ~~مزهرة، أو صرح كنس جواريه مسفرة، أو غدير تطفو عليه الفواقع، أو بنفسج نور ~~أقاحه لامع، أو مسح ألقي عليه درر غواص، أو ستر به لعين كل نجم وصواص، أو ~~جمر في خلال رماد، أو كما قال من أجاد: # بساط زمرد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم # ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذابل نرجسها، وياله من نهر صفا ~~ماؤه، وعقد على الأفق لواؤه، ينقلب القلب إليه، ويقف طرف الطرف عليه، ويقبل ~~نحوه الدبران، وينصب على شطه الميزان، ويحوم حوله النسران، ويعوم فيه الحوت ~~والسرطان # والثريا كأكرة أو كجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح # PageV01P003 # أو باقة من نرجس، أو كأس يدار في المجلس، أو شمع يتوقد، أو شمس من عسجد، ~~أو شذر منضود، أو كرم أو عنقود، أو عقد لؤلؤ حسن الاتساق، أو أقراط خود ~~ترتعد فرقا من الفراق: # وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان # أو كمصباح تلعب به أيدي الرياح، أوظامئ يريد أن يرد، أو فارس في حمي ms01 ~~الحمى مجتهد، أو مشوق يتبع الآثار، أو غريب لا يزور ولا يزار، أو غريق يدعي ~~قوة السباحة، أو ماجد أنف من الذل فألف السباحة، أو مغاضب يدعى فلا يجيب، ~~أو محب يغض الطرف ويفتحه خوف الرقيب، والجوزاء النيرة كالشجرة المنورة: # كأنها منطقة من ذهب ... قد عقدت على قباء أزرق # والفرقدان الهاديان المرشدان: # كأنهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإني سامع # والذراع يذرع شقة الأفق، والجبهة تسجد على مفارق الطرق، والعيوق يعوق عن ~~السير إذا سار، والعوا أعينها نشاوى قد تغشاها خمار، والسماك معتقل رمحه، ~~والنثرة منتظمة كالسبحة، والنعائم تحدوها النعامى، وزهرة الزهرة تضيء بين ~~الخزامى، # PageV01P004 # وبهرام يخجل البهرمان، والإكليل ليس يكل من مسايرة الأظعان، والمقدم لا ~~يتأخر عن الإعناق والإيجاف، والصرفة قد همت مع العسكر بالانصراف: # تمر بواديا ليلا وتطوى ... نهارا مثل ما طوي الإزار # فكم بصقالها صدي البرايا ... وما يصدى لها أبدا غرار # فبينما أنا أسرح في درر الدراري نظري، وأروض في رياضها جواد فكري. وأقدس ~~من هي مسخرات بأمره، وأنزه من هدى خلقه بها في بره وبحره، إذ هب نسيم السحر ~~يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، فعطر الكون بعرفه، وملك الرق برقته ولطفه، ~~وأهدى الروح إلى الأرواح، وأطرب السمع بأحاديثه الصحاح: # فهو حياة لكل حي ... كأن أنفاسه نفوس # فاستبشرت بوروده، وحصلت على الفائدة من وفوده، وسر بمناجاته سري، وقلت له ~~والدموع تجري: # أعد ذكر من حل الغضا يا محدثي ... وإن أضرموه بالأضالع والصدر # ولا تنس سكان العقيق وإن هم ... على وجنتي أجروه في مدة الهجر # PageV01P005 # فلما أتمت الإنشاء، والانشاد وشرعت في طلب الإسعاف والإسعاد؛ تبسم الفجر ~~ضاحكا من شرقه، ونصب أعلامه على منازل أفقه، فانطوى نشر الليل، وكف من غمره ~~الذيل، وارتفعت الحجب، وتأججت نار الشهب، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، ~~وفض كافور النور عن الغسق مسك الختام: # وشرد الصبح عنا الليل فاتضحت ... سطوره البيض في ألواحه السود # وفلت جيوش الدجا، وحرك النهار منه ما سجا، وجنح جنحه إلى الرحيل، وتلا ~~لسان حال التحويل: {يقلب الله ms02 الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار} ### | الفصل الثاني: في الشمس والقمر # بكرت يوما بعد أداء الفرض، أتفكر في خلق السموات والأرض، فلمحت المشرق ~~بالنظر، وإذا قرن الغزالة قد ظهر، كأنه جذوة نار، أو قطعة من دينار، أو كأس ~~ستر بعضه بالحباب، أو حسناء غطت وجهها بنقاب، ثم كشفت أستارها، وألقت على ~~الأفق أنوارها، وبرزت كأنها كرة في ميدان، أو مجن دولاب ضمخ بالزعفران، أو ~~مرآة لم # PageV01P006 # تصقل ولم تطرق، أو وجه المليحة في خمار أزرق، أو سبيكة زجاج منتفخة ~~الجوانب، أو بودقة يحرك فيها ذهب ذائب. # وكأنها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق # فقلت أهلا بالجارية، التي في طلعتها ما يغني عن الجارية، والعين التي ~~تغار منها العين، والجونة التي وضح منها الجبين، والسراج الوهاج التي تبرجت ~~بها الأبراج، أنت المخصوصة بالشرف والرفعة، أنت واسطة عقد الكواكب السبعة، ~~أنت للحكمة برهان، وللفلك معيار وميزان، أنت الناطقة في صمتها، التي قصر ~~البليغ عن وصفها ونعتها، أنت ملك مقدم، أنت النير الأعظم، أنت يوح التي ~~تغدو في مصالح العالم وتروح، أنت ذكاء التي ذكت نارها، أنت الضحى التي علا ~~منارها، أنت الشمس، التي بها تعرف الأوقات الخمس، بك ينشر الظل ويطوى، ~~ويشتد النبات بعد ضعفه ويقوى، ويستدل على طريق الصواب، ويعلم عدد السنين ~~والحساب، لما سفرت رافلة في الحلل المعصفرة، حيت آية الليل وجعلت آية ~~النهار مبصرة، وناهيك بها منزلة، وحسبك أن صفاتك في الكتاب منزلة، ثم تمشت ~~على بساطها وخطرت # PageV01P007 # في وشيها ورياطها، وسبحت في فلكها مرشدة إلى الحقائق، مظهرة أسرار ~~الساعات والدرج والدقائق. # تسمو إلى كبد السماء كأنها ... تبغي هناك دفاع أمر معضل # واستمرت سائرة يحدوها مر النسيم {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير ~~العزيز العليم}. # فلم يزل فكري يصاحبها، وطرفي يرعاها ويراقبها: # حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل # ثم انثنت تبغي الخدور كأنها ... طير هفا لمخافة من أجدل # فلما حجبت عن العيون شخصها، وخطف المغرب من يد المشرق قرصها، واكتحلت ms03 ~~جفون الأفق بالنار، وطرد زنجي الليل رومي النهار، بزغ الهلال، بأمر ذي ~~الجلال، كأنه قوس # موتور، أو زورق منحدر في بحر الديجور، أو شطر سوار، أو منجل معد لحصاد ~~الأعمار، أو # خنجر مرهف النصلين، أو نون مرسومة الشأفة: الأصل من لجين، شفة كأس مائلة، ~~أو مخلب # عقاب صائلة، أو قطعة من قيد، أو فخ نصب للصيد، أو حرف جيم، أو عرجون ~~قديم، أو حاجب شيخ أدركه الشمط، # PageV01P008 # أو نعل من حافر أدهم الدجا سقط، أو ذباب سيف خرج من جفنه، أو راكع يعبد ~~من لا يحدث أمر إلا بإذنه. وفي معناه من قصيدة # وترى الهلال يلوح في أفق السما ... يبدو كقوس بالمنى يرميني # أو شبه فخ أو كدملج غادة ... وكجانب المراة العرجون # وجبين حب بالعمامة قد زها ... وكوجه خود بالنقاب مصون # وكتاب فيل أو قلامة أنمل ... وكزورق وكحاجب مقرون # أو كالسوار أزيل منه البعض أو ... قربوس سرج مذهب أو نون # وكشأفة الكأس المخبأ بعضه ... ضمن الشفاه ومنجل مسنون # هو منجل الأعمار للحصد الذي ... يفني أولي التزيين والتحسين # وإذا مضى سبع تراه كأنه ... نصف لتعويذ بدا لعيون # وإذا تكامل صار جاما صافيا ... كأنه من لؤلؤ مكنون # PageV01P009 # أو غادة قد أسفرت عن وجهها ... غنيت عن التحسين والتزيين # هذا هو المشهور في تشبيهه ... قدما وذلك جمعه يكفيني # فقلت: مرحبا بمن ثياب مناوئه رثاث قر عينا ستعود قمرا بعد ثلاث. ثم تصير ~~بدرا، إن في ذلك لذكرى: # وإذا رأيت من الهلال نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # أنت الزمهرير الذي ليس له في نضارته نظير، أنت الزبرقان الذي له في كل ~~شهر مهرجان. أيها القمر كم محب طاب له فيك السمر، أيها الواضح الباهر، ما ~~أنت إلا مثل سائر، أيها البدر الكامل، الذي فضله للبرية شامل، لا تأس على ~~ما فاتك من الدرج، ولا يكن في صدرك من الغزالة حرج: # فقد تخمد الشمس الصباح بضوئها ... تفاوتت الأنوار والكل رائق # منازلك معروفة، ومحاسنك موصوفة، وشرفك باذخ، وقدمك راسخ، وآياتك ظاهرة، ~~وسفارتك سافرة، وكم أوضحت من ms04 طريق، وهديت الرفيق إلى الفريق، وذكرت محبوبا # PageV01P010 # لمحبوبه، وبلغت طالبا غاية مطلوبه، أحسن بضوء ذبالتك وحسبي مثالا بهالتك، ~~جعلك الباري في السموات نورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. فسبحان من جلا ~~بمحياك حندس الغسق، وأقسم بك في قوله: {والقمر إذا اتسق}، قدرك أثيث أثيل، ~~ومحبك نبيه نبيل، ووجهك يابثينة الحسن جميل: # على رسل فما لك من مجار ... إلى رتب العلاء ولا رسيل # فتبارك أسم من ألبسكما أحسن الحبر، وتعالى جد من جعلكما مصباحين لأهل ~~النظر، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر. # ثم لم يبرح يسري وأنا لا أبرح، وينجلي وأنا أشاهد وجهه الأصبح، إلى أن ~~غاب واختفى، وحسبنا الله وكفى. ### | الفصل الثالث: في السحاب والمطر # إن الله تعالى حكم دائم النفوذ، وحكيم يهدي شفاء النجاة لمن به يلوذ. وله ~~أسرار معناها دقيق، لا يفهمه إلا أرباب التحقيق. أمسك الغيث عن عباده في ~~عام، فخاض كل منهم في بحر دمعه وعام. وساءت الظنون بضن السحاب، واشتاق ~~النبات إلى سماع وقع الرباب. وظمئت الحياض، وعبست وجوه الرياض. واستدت ~~العيون بالنقع المثار، وتعطلت # PageV01P011 # من حلى المزن أجياد الأزهار. وذهلت العقول لفقد الصوب عن الصواب، وقص ~~جناح السرور وطارت الألباب. وطوي بساط الإنبساط ووقع القول في هياط ومياط. ~~وطالت عهود العهاد، وتأهبت الأرض للبس أثواب الحداد: # وأصابت نبت الربا فاصل عين شمس ... أورثته مذلة واصفرارا # كلما جال طرفها ترك النا ... س سكارى وما هم بسكارى # فبينما هم يجرون أذيال الكآبة، ويرفعون الدعاء إلى مواطن الإجابة، ~~تداركهم الله بالطف الخفي، وانثال عليهم المن الحفي، ونظر الله عليهم بعين ~~حكمته، وحرك ساكن الرخاء لتجري بنعمته، وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي ~~رحمته، فمدت أعناقها، وجدت إعناقها وركضت عادياتها، وجرت على أحسن عاداتها، ~~وسدلت من أرديتها الأردان، وارخت العنان في طلب العنان: # ورياح تبشر الأرض بالقطر ... كذيل الغلالة المبلول # ووجوه البقاع تنتظر الغيث ... انتظار المحب رد الرسول # فأقلت سحابا ثقالا، يستهل كرما ونوالا، مشكي الإهاب، خصيب الجناب، فسيح ~~الرحاب، صادق الوعود، متلاحق الوفود، كثير الأعوان والجنود، ms05 يؤذن بالموارد ~~الطامية، وشفاء # PageV01P012 # الشفاه الظامية، وإثراء فقير الثرى، وإجراء دمعه أسفا على ما جرى: # أكب على الآفاق إكباب مطرق ... يفكر، أو كالنادم الملتهف # ومد جناحيه إلى الأرض جانحا ... وراح عليها كالغراب المرفرف # والرعد يزجره ويسوقه بين يديه، فإذا قصر صاح به وزمجر عليه، تارة يترنم ~~كالحمام، وطورا يزأر كالأسد الضرغام: # وكأن صوت الرعد خلف سحابة ... حاد إذا ونت النجائب صاحا # والبرق يلمع ويلمع، ويمنح ثم يمنع، كأنه ثغر أشنب، أو قبس يلتهب، أوحسام ~~يمان، أو # فؤاد جبان، أو سلاسل من ذهب، أو أشهب مال جله حين وثب أو أنامل بعض ~~الحساب، أو حية تتلوى، أو كف خضيب يمد ويقبض، أو خود تعرض بعد أن تتعرض: # ترى الأرض منه وقد فضضت ... ووجه السماء وقد ذهبا # وقوس الغمام للجو نطاق، لا بل تاج على مفارق الآفاق، يزهو بلجينه وعسجده، ~~ويفخر بياقوته وزبرجده: # PageV01P013 # كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض # فلما تراكمت السحائب، واجتمعت حولها الكتائب، واتسع صدرها، واستحكم ~~أمرها، وحلق بالجو ناهضها واعترض في الأفق عارضها، ونصبت راياتها، وانتهت ~~غاياتها، وآن رحيلها وتفريق شملها، وحان وضعها وفصال حملها، أجرت مدامعها، ~~وردت ودائعها، وحلت نطاقها، وفكت أزرار أطواقها، وحثت الركائب، وأسبلت ~~الذوائب، وسمحت بطلها وطشها، وسكنت رهج الغبراء برشها، وأروت الحرة برذاذها ~~وهطلها، وأذهبت الحرقة بديمها ووبلها، وآثرت بجودها وجودها، ونثرت على بساط ~~الأرض جواهر عقودها. أبو هلال العسكري: # تخال بها مسكا وبالقطر لؤلؤا ... وبالروض ياقوتا وبالوحل عنبرا # كم أبدت إحسانا وبرا، وبردت من كبد حرى، وأسدت معروفا، وأغاثت ملهوفا، ~~وساقت إنعاما، وسقت حرثا وأنعاما، وكفت هما حين وكفت، وقرطت اذان الأغصان ~~وشنفت، وأنشرت أمواتا، وأخرجت حبا ونباتا، ونشرت مطرفا بعد الطي {وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي} وكم نقعت غليلا، ونفعت عليلا، # PageV01P014 # وملأت حياضا، ونورت رياضا، وأذلت درا مصونا، وشرحت صدورا، وأقرت عيونا، ~~وألبست الحدائق برودا عليها طلاوة، وأهدت للزهر قطرا ظاهر الحلاوة: # ترى فواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر # فأمسى الناس في عيشة راضية، ms06 يرفلون في حلل الرفاهية، أمرعوا بعد الضنك ~~والشظف، وأخصبوا بعد الجدب والطفف، وأصبح محل المحل دارسا، ووجه الأمل يضحك ~~بعد أن كان عابسا، وأخذت الأرض زخرفها بعد أن كان زرعها يهيج، واهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج، فثغورها مبتسمة، وفرائد قلائدها منتظمة، ونمارقها ~~مدبجة، ورؤوس # أشجارها متوجة، وغدرانها طافحة، ومخايل السعادة عليها لائحة، وألسنة ~~أهلها مشتغلة بشكر علام الغيوب، وقلوبهم مطمئنة بذكره {ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب}. # يبدئ ويعيد، ويمتحن العبيد، ثم يفتح لهم أبواب جوده الوافر وفضله المديد. ~~{وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد}. ### | الفصل الرابع: في الليل والنهار # أرقت ذات ليلة في مهادي، فسمعت طارقا ينادي في النادي # PageV01P015 # عتاب بن ورقاء الشاعر: # إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأعمار # فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار # فقمت من مضجعي، وقد بل ردني مدمعي، متحيرا في أمري، متأسفا على ما فات من ~~عمري، وقلت: أيها الطارق في ظلمة الليل الغاسق، هل لك في المنادمة؟ فقال: ~~كم نديم سفك المنى، دمه. ثم سلم وجلس، وما تنفس وما نبس. فقلت: يا من شنف ~~السمع بدره، اذكر لي شيئا في طول الليل وقصره. فقال: # وليل كواكبه لا تسير ... ولا هو منها يطيق البراحا # كيوم القيامة في طوله ... على من يراقب فيه الصباحا # مقيم ليس يبرح، وعاجز لا يظعن ولا ينزح، برد نجومه لا يذوب وغائب ضوئه ~~ليس يؤوب، لا يبلى جديد مسحه، ولا يجنح إلى الحركة ساكن جنحه، عليله ما ~~يرجى صلاحه، وصباحه، لا يلوح مصباحه، قطع الطريق على السحر، وعذب أجفان ~~المحبين بالسهر: # حدثوني عن النهار حديثا ... أوصفوه، فقد نسيت النهارا # كأنه صريع راح، أو طائر مقصوص الجناح، أو أسير يخبط # PageV01P016 # في قيده، أو بحر منع الجزر عن مده، أوكسير ليس له على النهوض اقتدار، أو ~~ضرير يئس طرفه من رؤية النهار: # أو هائم غمر بقطع الفلا ... قد حار لا يدري بمن يهتدي؟ # أو جيش زنج بالثرى قد ثوى ... أو دارة ms07 حيث انتهت تبتدي # واعلم أيها البصير الناقد، أنه يطول على المهجور الفاقد، ويقصر على ~~المسرور الراقد # أبو سام رحمه الله: # ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال، وإن زارت فليلي قصير # فقلت: إيه أيها الإمام، أسمعني شيئا في وصف الأيام. فقال ابن الرومي رحمه ~~الله: # لله أيام تقضت لنا ... ما كان أحلاها وأهناها # مرت فلم يبق لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها # حيث الوقت معين، دماء الشيبة معين، ونشر البشر فائح، ونور الهناء لائح، ~~والحبيب مجيب، والرقيب غير قريب، وغصن الصبار طيب، ومطرف اللهو قشيب، ~~والعيش غض # والدهر غضيض الطرف، وسعاد السعد ممنوعة من الصرف: # والشمل مجتمع، والجمع مشتمل ... على الجميل وحسن الخلق والخلق # PageV01P017 # أيا أخا الأدب، إلى كم ذا الحرص والدأب، الأيام نجمها غرار، ومدعي الوفاء ~~منها غدار، كثيرة الملال، سريعة الزوال، تفرق الحبائب، وتسترجع المواهب، ~~ذمامها ذميم ومسالمها سليم. تحل العقود، ولا تحفظ العهود، تكدر الصافي من ~~الشراب، وتعد الظامئ بورود السراب، لقد سقط من تمسك بعراها، وتعب من قصد ~~الراحة من ذراها. قال التهامي رحمه الله تعالى: # ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار # ثم قال: مضت الجهمة والشفق، والفحمة والغسق والقطع والسدفة، والبهرة ~~والزلفة وآن لنسمات السحر أن تتبختر، ولعيون الفجر أن تتفجر. وقام للوداع، ~~فقلت زودني بأنعم المتاع. # فقال: دع إزار الأوزار، واتق من لا تدركه الأبصار، وسبحه بالعشي والإبكار ~~{وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار}. ### | الفصل الخامس: في أقسام العام # حضر فصول العام مجلس الأدب في يوم بلغ منه الأريب نهاية الأدب، بمشهد من ~~ذوي البلاغة، ومتقني صناعة # PageV01P018 # الصياغة. فقام كل منهم يعرب عن نفسه، ويفتخر على أبناء جنسه، فقال ~~الربيع: # أنا شاب الزمان، وروح الحيوان، وإنسان عين الإنسان، أما حياة النفوس، ~~وزينة عروس الغروس، ونزهة الأبصار، ومنطق الأطيار. عرف أوقاتي ناسم، وأيامي ~~أعياد ومواسم، فيها يظهر النبات، وتنشر الأموات، وترد الودائع، وتتحرك ~~الطبائع، ويمرح جنيب الجنوب، وينزح وجيب القلوب، وتفيض عيون الأنهار، ~~ويعتدل الليل والنهار. كم لي عقد منظوم، ms08 وطراز وشي مرقوم، وحلة فاخرة، ~~وحلية ظاهرة، ونجم سعد يدني راعيه من الأمل، وشمس حسن تنشدنا بأبعد ما بين ~~برج الجدي والحمل. عساكري منصورة، وأسلحتي مشهورة: فمن سيف غصن مجوهر، ودرع ~~بنفسج مشهر، ومغفر شقيق أحمر، وترس بهار يبهر، وسهم آس يرشق فينشق ورمح ~~سوسن سنانه أزرق، تحرسها آيات، وتكنفها ألوية ورايات. بي تحمر من الورد ~~خدوده، وتهتز من البان قدوده، ويخضر عذار الريحان، وينتبه من النرجس طرفه ~~الوسنان، وتخرج الخبايا من الزوايا، ويفتر ثغر الأقحوان قائلا: أنا ابن جلا ~~وطلاع الثنايا: # PageV01P019 # إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء # ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء # وقال الصيف: أنا الخل الموافق، والصديق الصادق، والطيب الحاذق. أجتهد في ~~مصلحة الأصحاب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب، وأخفف أثقالهم، وأوفر أموالهم، ~~وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة، وأغنيهم عن شراء الفرا، وأحقق عندهم أن ~~كل الصيد في جوف الفرا، نصرت بالصبا، وأوتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضح ~~الجادة، وتنضح من الفواكة المادة، ويزهو البسر والرطب، وينصلح مزاج العنب، ~~ويقوى قلب النور، ويلين عطف التين والموز، وينعقد حب الرمان، فيقمع الصفراء ~~ويسكن الخفقان، وتخضب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح، ~~وتسود عيون الزيتون، وتخلق تيجان النارنج والليمون، مواعدي منقودة، وموائدي ~~ممدودة. الخير موجود في مقامي، والرزق مقسوم في أيامي. الفقير ينصاع بملء ~~مده وصاعه، والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه. والوحش # تأتي زرافات ووحدانا، والطير تغدو خماصا وتروح بطانا. # PageV01P020 # ابن حبيب رحمه الله تعالى: # مصيف له ظل مديد على الورى ... ومن حلا طعما وحلل أخلاطا # يعالج أنواع الفواكه مبديا ... لصحتها حفظا يعجز بقراطا # وقال الخريف: أنا سائق الغيوم، وكاسر جيش الغموم، وهازم أحزاب السموم، ~~وحادي نجائب السحائب، وحاسر نقاب المناقب. انا أصد الصدى وأجود بالندى، ~~وأظهر كل معنى جلي، وأسمو بالوسمي والولي، في أيامي تقطف الثمار وتصفو ~~الأنهار من الأكدار، ويترقرق دمع العيون، ويتلون ورق الغصون، طورا يحاكي ~~البقم وتارة يشبه الأرقم، وحينا يبدو في حلته الذهبية، ms09 فينجذب إلى خلته ~~القلوب الأبية. وفيها يكفى الناس هم الهوام، ويتساوى في لذة الماء الخاص ~~والعام، وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها، رافلة في الملابس المجددة من ريشها، ~~وتعصفر بنت العنقود، وتوثق في سجن الدن بالقيود، على أنها لم تجترح إثما، ~~ولم تعاقب إلا عدوانا وظلما. بي تطيب الأوقات، وتحصل اللذات، وترق النسمات ~~وترمى حصى الجمرات، وتسكن حرارة القلوب، وتكثر أنواع المطموم والمشروب. كم ~~لي من شجرة # PageV01P021 # أكلها دائم، وحملها للنفع المتعدي لازم، وورقها على الدوام غير زائل، ~~وقدود أغصانها تخجل كل رمح ذابل ابن حبيب رحمه الله. # إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حلة كالعروس # غيره كان للعيون ربيعا ... وهو ما بيننا ربيع النفوس # وقال الشتاء: أنا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، والمقابل بالسمع والطاعة. ~~أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب، وأتحفهم بالطعام والشراب. ومن ليس له ~~بي طاقة أغلق من دونه الباب. أميل إلى المطيع، القادر المستطيع، المعتضد ~~بالبرود والفرا المستمسك من الدثار بأوثق العرا، المرتقب قدومي وموافاتي، ~~المتأهب للسبعة المشهورة من كافاتي. ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري، ~~أرجفته بصوت الرعد، وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد، وسرت إليه بعساكر ~~السحاب، ولم أقنع من الغنيمة بالإياب. معروفي معروف، ونيل نيلي موصوف، ~~وثمار إحساني دانية القطوف. كم لي من وابل طويل المدى وجود وافر الجدا، ~~وقطر حلا مذاقه، وغيث قيد العفاة إطلاقه، وديمة تطرب السمع # بصوتها، # PageV01P022 # وحيا يحيي الأرض بعد موتها، أيامي وجيزة، وأوقاتي عزيزة، ومجالسي معمورة ~~بذوي السيادة، مغمورة بالخير والمير والسعادة. نقلها يأتي من أنواعه ~~بالعجب، ومناقلها تسمح بذهب اللهب، وراحتها تنعش الأرواح، وسقاتها بجفونهم ~~السقيمة تفتن العقول الصحاح. إن ردتها وجدت مالا ممدودا، وإن زرتها شاهدت ~~لها بنين شهودا: # وإذا رميت بفضل كاسك في الهوى ... عادت عليك من الدقيق عقودا # يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عودا وحرق عودا # فلما نظم كل منهم سلك مقاله، وفرغ من الكلام على شرح حاله، أخذ الجماعة ~~من الطرف ما يأخذ السكر، وتجاذبوا أطرف مطارف الثناء والشكر، وظهرت ms10 أسرار ~~السرور، وأنشرت صدور الصدور، وهبت قبول الإقبال، وأنشد لسان الحال: # وماذا يعيب المرء في مدح نفسه ... إذا لم يكن في قوله بكذوب؟ # ثم انفض المجلس وحل النطاق، وتفرق شمل أهله وآخر الصحبة الفراق. # PageV01P023 ### | الفصل السادس: في البحر والنهر # هزتني رياح الأمل البسيط، إلى امتطاء ثبج البحر المحيط. فأتيت سفينة يطيب ~~للسفر مثواها، وركبت فيها {بسم الله مجراها ومرساها}، موقنا بأن المقدور ~~صائر، معرضا عن قول الشاعر: # لا أركب البحر أخشى ... علي منه المعاطب # طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب # يالها سفينة، على الأموال أمينة، ذات دسر وألواح، تجري مع الرياح، وتطير ~~بغير جناح، وتعتاض عن الحادي بالملاح. تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب. لها قلاع ~~كالقلاع وشراع يحجب الشعاع، وسكينة وسكان ومكانة وإمكان، وجؤجؤ وفقار، ~~وأضلاع محكمة بالقار وجسم عار من الفؤاد، وهو في عين الماء بمنزلة السواد، ~~بعيدة ما بين السحر والنحر، من أحسن الجواري المنشآت في البحر. معقود ~~بنواصيها الخير كالخيل لا تمل من سير النهار ولا من سرى الليل: # ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها تسير سير القداح # PageV01P024 # كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرباض سابق يحثه سائق، أو عقرب شائلة، أو ~~عقاب صائلة. أوغراب أعصم، أو تمساح أو أرقم، أو ظليم ثفر في الظلام، أو ~~جواد فر مستنكفا من صحبة الأنام. حاكمها عادل في حكمه، عارف بنقض أمرها ~~وبرمه، يهتدي بالنجوم، ويبتدئ باسم الحي القيوم، يبرز من نواتيها في جنود، ~~يشمل إحسانهم أهلها أيقاظا وهم رقود. يتأنفون فيما يعمرون، ويفعلون ما ~~يؤمرون: # يكثرون الصياح حتى كأن الس ... فن تجري من خوف ذاك الصياح # فبينما نحن من البحر في قاموسه، كتب الجو حروف الغيم في طروسه، وثارت ريح ~~عاصف، يتبعها رعد قاصف. فمالت بنا الفلك واضطربت، ودنت شفتها من رشف الماء ~~واقتربت، واستمرت ترفع وتخفض، وتقرب وترفض، وتعلو على الأوتاد، وتهيم في كل ~~واد، وتحوم وتحول، وتجود وتجول، وتضرم في الكبود نار ناجر، إلى أن بلغت ~~القلوب الحناجر: # ألا فارجه واخشه إنه ms11 ... هو البحر فيه الغنى والغرق # ثم نظر إلينا من لا تخفى عليه السرائر، وأمر الجارية بحمل العبيد إلى بعض ~~الجزائر، فلم ندر إلا # PageV01P025 # ونحن تجاه جزيرة، تسر النفوس بمحاسنها الغزيرة، فانحدرت ماضيا إلى بينها، ~~نائيا عن السفينة وساكنيها، فوجدتها مخضرة الأفنان، مخضلة الكثبان، بها من ~~الياقوت ما يرجع خاسئا مناويه، ومن الأشجار ما يحمل الفواكه والأفاويه. ~~وبين رياضها نهر شديد الخصر، أرضه ذهب وحصباؤه درر، وأمواجه عكن وداراته ~~سرر: # عذب إذا ما عب منه ناهل ... فكأنه من ريق خود ينهل # لين الأديم، مزاجه من تسنيم، يصقله الصبا ويفركه النسيم، فكأنه دروع ~~موضونة، أو مبارد مسنونة، أو دمع يتسلسل، أو أفاع تتململ، أو ذوب فضة يسيل، ~~أو صفحة سيف صقيل، أو لوح بلور مرقوم، أو رحيق بالمسك مختوم: # وكأن الطيور إذ وردته ... من صفاء به تزق فراخا # إن مالت إليه الغصون فالشخوص ترقص في الخيال، وإن كرعت منه الظباء فالغيد ~~يرشفن من ثغور أترابهن الزلال. وإن أشرقت عليه النجوم خلت الفلك يدور في ~~أرجائه، وإن تجلى له البدر حسبته قلبا خافقا بين أحشائه. قال مؤيد الدين ~~الطغرائي: # والشمس إن وافته رأد الضحى ... حسناء في مرآته ناظره # PageV01P026 # أنموذج الماء الذي جاءنا ال ... وعد بأن نسقاه في الآخره # فلبثت فيها مدة، مفكرا فيما رأيت من الفرج بعد الشدة، مؤمنا بالقدر خيره ~~وشره، وحلوه ومره، واقفا على شكر من تجري الفلك في البحر بأمره: # ربما تجزع النفوس لأمر ... ولها فرجة كحل العقال # ولم أزل بها في أحسن حال، وأرغد عيش وأنعم بال، إلى أن حرك الله مني ما ~~كان ساكنا، وأدخلني مصر بمشيئته آمنا. ### | الفصل السابع: في المعقل والدار # عرض لي فكر أثار العزيمة، إلى مشاهدة الآثار القديمة، فأعددت الزاد، وسرت ~~أجوب البلاد، وأصل العنق بالوخد والزميل وأكتحل من إثمد الفلاة بميل بعد ~~ميل. فبينما أنا أترامى لنيل المرام، لاح لي بناء على أيهم خشام فتوجهت ~~مسرعا للوقوف عليه، واجتهدت إلى أن توصلت إليه، فرأيت معقلا يسبي العقول، ~~ويجر على السحاب فضل الذيول، رفيع ms12 الذرا رحيب الذرا رأسه فوق الثريا، وأسه ~~تحت الثرى، صهوته عالية وثغوره حالية، ومهور عرائسه غالية، الجوزاء لخصره ~~منطقة والزهرة في أذنه # PageV01P027 # كالشنف معلقة، يباهي الأفلاك ويسمو إلى السماك، ويعلو على الزواهر، ويخجل ~~الشمس بنوره الباهر، ويعوق العيوق، وينادم القمر عند الصبوح والغبوق: # إذا ما سرى برق بدا من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل الحجب # سوره منعطف كالسوار، وأبراجه تدهش بتبريجها الأبصار، وشرفاته تلمع ~~كالمشرفية، وخبايا صياصيه عن الأوهام خفية. ممنعة مصادره وموارده، متسعة ~~معالمه ومعاهده، لايرى الوعل أعلى طوره، ولا يبلغ الطرف منتهاه لعجزه ~~وقصوره، عروقه مؤتزرة بالتخوم، وفروعه متوجة بالنجوم، وبنيانه مرصوص، ~~وخواتمه مرصعة بجواهر الفصوص، لايتصل الفناء بفنائه، وتظهر العزة على من ~~يرجو تملك أرجائه. عقوده محكمة، وأحجاره مهندمة، وأركانه مشيدة، وملابسه مع ~~القدم جديدة، وقواعده مرفوعة، وأقوال ديكته في السماء مسموعة. # له عقاب عقاب الجو حائمة ... من فوقها فهي تخفى في خوافيها # وبوسطه دار دار بها فلك السعود، وأورق لطالب كنزها عود الوعود، وسحت عيون ~~ساحتها ورفع في العقار فرش # PageV01P028 # عقرها وباحتها، وتوقفت الكواكب لمراقبة عجائبها وغرائبها، وسال لعاب ~~الشمس من الحيرة في ملاعبها. أنيقة المباني، مأهولة بأهلة المعاني، تنشرح ~~الصدور في قاعاتها وبقاعها، وتخبر محاسنها بصنائع أهلها وحذق صناعها: # إذا فتحت أبوابها خلت أنها ... تقول بترحيب لداخلها: أهلا # رحبة الأكناف، بديعة الأوصاف، تدل على أنها كانت منزل الأشراف، ومقر قرى ~~الأضياف، ومقعد الوفود، ومحل الكرم والجود. تحار الأعين في وشي أزاهيرها، ~~وتقصر الألسن عن تقريظ مقاصيرها. مياه بركها غزيرة، وجدرانها بالتمكين ~~جديرة، وأشجارها لم # تزل مورقة مثمرة، ولياليها لا تبرح بالسنا على مر السنين مقمرة: # تتقابل الأنوار في جنباتها ... فالليل فيها كالنهار المشمس # كم بها من صدر مجلس مشروح، وسقف مرفوع وباب مفتوح، وبهو بالبهاء تراه ~~أثرى، وإيوان يكسر بسهام قوسه جيش إيوان كسرى، وحدائق لم تنبت بالتراب، ولا ~~جادتها أيدي السحاب، وتصاوير تحرك العارف بسكونها، وتفتن الألباب بحمرة ~~خدودها وسواد عيونها، وتبعث الخواطر بمعانيها ومغانيها، ويكاد ماء الذهب ~~يقطر من أعاليها، قد جل ms13 عن الترخيم رخامها، وتوفرت من المحاسن أقسامها، ~~وابيضت # PageV01P029 # وجوه مرمرها، وزادت بهجة جباهها وطررها، وتخلقت أثواب ساجها واجتمع شمل ~~أبنوسها وعاجها، وعلت رتبة أرائكها، وغلت قيمة سبائكها، فلو ساجلها الروض ~~لذهب مع الرياح عرفه ولو كحل بنورها الأعمى لارتد إليه طرفه: # ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا تسر النفس أنسا ومنظرا # فلما أحاط علمي بغوره ونجده، وبلغ رائد فكري منه غاية قصده، أدخلته في ~~زمرة عقائل المعاقل، ونظمته في سلك ما أتكلم عليه في المحافل، وسألته عن ~~بانيه وساكنيه فلم يجب. ثم قال بلسان الحال: كل منهم بغمام الرغام قد حجب. ~~فحققت أن الدهر يديل كل مصون، وتلوث: {كم تركوا من جنات وعيون} وخرجت منه ~~معتبرا، وظلت في طريقي متذكرا: # قلت يوما لدار قوم تناءوا ... أين سكانك الكرام لدينا؟ # فأجابت هنا أقاموا قليلا ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا؟ ### | الفصل الثامن: في الأشجار والثمار # لما صدئت مرآة الجنان، قصدت لجلائها الجنان، فطرقت الباب فقيل: من؟ فقلت: ~~فتى لا يدري من له فتن؟ ففتح # PageV01P030 # الوصيد ودنا المراد من المريد، فدخلت إليها، وما كدت أن أقدم عليها. فإذا ~~جنة عالية، قطوفها دانية، وطلحها منضود، وظلها ممدود، وأعلام أشجارها ~~مرفوعة، وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة. # ربع الربيع بها فحالت كفه ... حللا بها عقد الهموم يحلل # تجوس المياه خلال ديارها، وتشرق بآفاقها أنوار نوارها، وتحدق الحدق بفنون ~~أفنانها، وتغني الورق على عيدانها، وتميد أدواحها على مذهب الأنماط، وتميس ~~من الحلي في أحلى الشنوف والأقراط: # كأن غصونها سقيت رحيقا ... فمالت مثل شراب الرحيق # نزهة النواظر، وشرك الخواطر. كم لرقيق نسيمها من رقيق، قلبه مقيد ودمعه ~~طليق، بها الأشجار لا تحصى، وثمار لا تعد ولا تستقصى، فمنها نخيل، متحفها ~~غير بخيل، جماره: # جسم لطيف اللمس لكنه ... قد لف في ثوب من الصوف # وطلعه: # كصدر فتاة ناهد شق قلبها ... سماع فشقت عنه ثوبا ممسكا # وبلحه: # مكاحل من زمرد خرطت ... مقمعات الرؤوس بالذهب # PageV01P031 # وبسره: # كأنما خوصه عليه ... زبرجد مثمر عقيقا # ورطبه: # إهليلج من لجين ... مسمر بالنضار # وتمره: # يشف ms14 مثل كؤوس ... مملوءة من عقار # وكروم كريمة، منافعها عميمة: # كأنما عنقودها ... زنج جنوا في سرقة # فأصبحت رؤوسهم ... على الذرا معلقة # أو الثريا عند الصباح، أو أوعية نور ملئت من الراح: # كم درة فيها وكم جزعة ... صحيحة التدوير لم تثقب # وتفاح سرى نشره وفاح، كأنه خمر جمد، أو جمر ما خمد، أو در جمع معه ياقوت، ~~أو وجنة من هي للقلوب في الدنيا قوت، نصفه من بهار، ونصفه من جلنار: # كأن الهوى قد ضم من بعد فرقة ... به خد معشوق إلى خد عاشق # وسفرجل جل قدرا، وأطلع من زهره زهرا: # يحكي نهود الغانيات وتحتها ... سرر لهن حشين مسكا أذفرا # ينوب طعمه عن الراح، ويهدي عطر الخود الرداح: # PageV01P032 # له ريح محبوب وقسوة قلبه ... ولون محب حلة السقم قد كسي # وموز من نضار، كأنه أنياب فيلة صغار، أو طفل قماطه معصفر، أولفات زبد ~~عجنت بسكر: # أو مغرم أنحله وصفره ... بعد الذي بوصله ما ظفره # وتين ممزق الجلباب، كدر القشر صافي اللباب: # كأنه رب نعمة سلبت ... فعاد بعد الجديد في خلق # ورمان بديع النظام، يبسم عن مثل حب الغمام، كأنه نهود الحسان، أو حقاق ~~صندل حشيت بالمرجان: # حقاق كأمثال الكرات تضمنت ... شذور عقيق في غشاء حرير # في شجره جلنار أشرق وأنار: # يحكي فصوص بلخش ... في قبة من زبرجد # وإجاص أسود العين، لا يعتريه شيب ولا شين، كأنه كرات من العنبر، أو طليعة ~~من الزنج تنتظر العسكر: # وإذا ما قشرته ففصوص ... صبغتها بمائها الظلماء # وخوخ ذو لونين، في بياضه وحمرته جلاء للعين: # كوجنة غادة خافت رقيبا ... فغطتها بمحمر البنان # وكمثرى لطيف الذات، حسن الصفات، في غاية اللطف والرقة، يذوب من الراحة ~~ولا # يحمل المشقة: # كأنه في شكله ولونه ... وطعمه قوالب من سكر # PageV01P033 # ومشمش تقمص بالشفق، وتدرع بالورق، ككرات من العقيان، أو بنادق ضمخت ~~بالزعفران: # وكأنما الأفلاك من طرب به ... نثرت كواكبها على الأغصان # وتوت خمري اللون، ليس له صبر على الصون مزمل بدمائه، لم يبق فيه غير ~~ذمائه: # يكاد بأن يفنى إذا ما لمسته ... فأرحمه ms15 من سائر الثمرات # وعناب نقي الإهاب، كأنه قلوب الأطيار، أو خرز ركب من النضار: # أقراط ياقوت تحركها الصبا ... أو أنمل بالأرجوان مطرفة # وفستق شريق كأنه عند التحقيق والتحديق: # زبرجدة ملفوفة في حريرة ... مضمنة درا مغشى بياقوت # أو مسرور تبسم، أو مأسور فتح فاه ليتكلم: # والقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسن الطير، من بين المناقير # ولوز قلوبه مؤتلفة، وأثوابه مختلفة، لطيف المعاني، له بها جنة من الجاني ~~كأنه خز بزه رفيع، أو عذار جديد شرط الخليع: # أو سندس أخضر من تحته صدف ... أحسن به صدفا في ضمنه درر # PageV01P034 # وجوز جسمه من العرعر، وقميصه من الزمرد الأخضر، صحيح التدوير، يسقط على ~~الخبارلا على الخبير: # والجوز مقشور يروق كأنه ... لونا وشكلا مصطكى ممضوغ # وصنوبر يقري الضيف، لا يعرف رحلة الشتاء والصيف، كأنه طيور على ذرا ~~القصب، أو كافور ضمخ بالمسك المنتخب: # عقد لآل مشرق لونه ... في جوف أدراع من العود # وأترج حسن ذرعا وزرعا، وطاب أصلا وفرعا، فيه روح وريحان، وهو للأغصان ~~بمنزلة التيجان: # أباريق من الذهب المصفى ... وقد سقطت عراها بالعراء # ونارنج بهيج، طيب زهره أريج، كأنه مصابيح، تهزها أيدي الريح، أو عذراء ~~صبغت بالورس إزارها، أو وجنه عاشق أضرم الوجد نارها: # أو جذوة حملتها كف قابسها ... لكنها جذوة معدومة اللهب # وليمون كأنه بنادق من لجين، أودعت غلفا من العين مخافة العين: # يشبهه بيض الدجاج وقد ... لطخه العابث بالزعفران # وزيتون شجرته ميمونة، وأسرار أنواره مكنونة: # PageV01P035 # بدا لنا كأعين ... شهل وذات دعج # مخضره زبرجد ... مسوده من سبج # وخرنوب كقرن ظبي معطوف، أو هلال عاجله الخسوف: # وكأنه مذ لاح في أوراقه ... أصداف در ضمنها مرجان # ونبق جلبابه معصفر كأنه كهربا أصفر: # أو عدة من شنوف ... قد علقت بالغصون # وزعرور كالياقوت، مسك نكهته مفتوت: # جلاجل مخضوبة عندما ... أو خرز أخرطت من عقيق # وبأرضها الباقلاء الذي فاح نشره، وصدق خبر خبره يبرز له من الكمائم، نور ~~يحكي بلق الحمائم، كأنه لؤلؤ يقق، متلفع بمروط السرق أو خواتم من فضة، أو ~~مخالب جوارح منقضة: # فصوص زمرد ms16 في غلف در ... بأقماع حكت تقلم ظفر # والخشخاش الذي تضيء بنوره الأغباش. أعلام تميل مع الرياح، أو أكاليل على ~~رؤوس الرماح: # حبلى تضم أطيفالا إذا درجوا ... رأيت شملهم المنظوم منشورا # والكتان الذي رقت حواشي شققه وراقت محاسن # PageV01P036 # أخضره وأزرقه، وامتدت رياطه وحبره، وتبلبلت أصداغه وطرره: # إذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غدير # وفيها من النبات ما يطول إليه بناني، ويقصر عن حصر وصف بعضه لساني. يسقى ~~بماء # واحد، ويبطل قول المعترض والجاحد، ولعمري لقد بلغتني ما أملته من جلاء ~~قلبي المعمود، وأذكرتني ما لم أكن ناسيا من فنائها وبقاء جنة الخلود، فإنها ~~- وإن طاب جناها، وأوقفت النفوس على حلي من سناها - مؤذنة بالتلاشي ~~والرحيل، {قل متاع الدنيا قليل}. # فلما قضيت منها وطري ثنيت عنها عنان نظري، ومضيت ذاكرا محاسن صفتها ~~وموصوفها، شاكرا سرو سرورها وعرف معروفها: # وعذرا فإني في الثناء مقصر ... وقولي بالتقصير يبسط لي عذرا ### | الفصل التاسع: في الروض والأزهار # جد بي الوجد في إبان الربيع، إلى رؤية الغيث بمنازل الربيع. فسرت أحدق في ~~جوانب الحدائق، وصحبني من الشوق وسائق، يتلوهن حاد وسائق. فإذا أنا بروضة ~~أريضة، عيون أزهارها مريضة، قد فاح أرجها، # PageV01P037 # وأضاءت سرجها، وبرز إبريزها، وحسن تطريزها، وأبدت من زينتها ما هو باللطف ~~منعوت، ونثرت على الزمرد أصناف الدر والياقوت، وتحلت بما يروق إنسان كل ~~إنسان وتجلت في رفرف خضر وعبقري حسان، أعلن السحاب أسرارها وهتك النسيم ~~أستارها: # كأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارها # حكت الخنساء لا في الحزن بل في الحسن والفخر. ولها عيون تجري على الديباج ~~لا على الصخر، يضوع عرفها في الآفاق ولا يضيع، ويبهر الطرف من صنع صنائعها ~~كل زهر رفيع. تنهار جداولها وأنهارها، ويضحك في وجه من أم بابها وأملها، ~~ثغر نوارها: # وما غربت نجوم الليل لكن ... نقلن من السماء إلى الرياض # فمن ورد أحمر الإهاب، عندمي الخضاب: # كالشمس شكلا ونشر المسك رائحة ... واللؤلؤ الرطب في تفريجه عرق # ملك جليل، مخصوص بالتبجيل، رفيع الجناب، خفيف الركاب. الرياحين جنده، ~~والشوك سنانه ms17 وسلاحه، والعقبان والمرجان قلبه وجناحه: # مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهب # PageV01P038 # ومنه الأبيض المذهب المفضض: # كأن وجوهه لما توافت ... بدور في مطالعها سعود # بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرت من الخجل الخدود # ومن نرجس باسم، عرفه ناسم: # كأنما صفرته ... على بياض يقق # أعشار جزء ذهبت ... من ورق في ورق # له عيون هدبها من لجين، وحدقها من خالص العين، قامت من الزبرجد على ساق، ~~فهامت بها قلوب العشاق: # وأحسن مافي الوجوه العيون ... وأشبه الشيء بها النرجس # ومن ياسمين يجلو البصر، كأنه أقراط من الدرر، يحفظ الذمام، ولا يمل من ~~طول المقام. ثغوره ضاحكة، وحسنه آمن من المشاركة: # والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسه عض # ومن نسرين، جوهر عقده ثمين، درر على زبرجد، أو حقاق ورق فيها برادة عسجد: # ما إن رأينا قط من قبله ... زمردا يثمر بلورا # ومن خلاف، ليس في طيب عرفه خلاف، حكي القدود باهتزازه، ويصل وعده ~~بانجازه. كأنه ثمل من الراح وهو # PageV01P039 # يومئ برأسه نحوه، وكأن غصونه أحست برحلة الشتاء، فقلبت فروها: # والبان تحسبه سنانيرا رأت ... بعض الكلاب فنفشت أذنابها # ومن بنفسج حسن لباسه، وطابت انفاسه: # كأنه وضعاف القضب تحمله ... أوائل النار في أطراف كبريت # وفصوص فيروزج نضيدة، أو آثار قرص بخد خريدة، أو حروف لازوردية، أو بقايا ~~نقش في راحة ندية: # أو أعين زرق كحلن بأثمد # ومن زعفران معطر الجيب والأردان: # كأنه ألسن الحيات قد شدخت ... رؤوسها فاكتست من حمرة العلق # أو بصيص رماد، أو ألفات كتبت بالذهب لا بالمداد: # يتفرى عن قانيات حسان ... مثل هدب معصفر من رداء # ومن لينوفر يألف المياه، طمعا في دوام الحياه، صفره السقام وعذبه، وغربه ~~الأمل وغربه: # كأنه ودروع الماء تشمله ... تحت الشماع أكاليل الطواويس # أو طرف باهت من الفراق يفرق، أو سابح ضعيف يعوم ويغرق. يخفى بالليل ويظهر ~~بالنهار، ويتكلم في الماء بألسنة من النار: # PageV01P040 # يحب الشمس لا يبغي سواها ... ويلحظها بمقلة مستهام # إذا غابت تكنفها اشتياقا ... فنام لكي يراها في المنام # ومن آس ما لجرح ms18 محبه آس. يرعى العهود، ولا يميل إلى الصدور. كأنه بقية ~~خضاب في # كف رداح، أو نضال ساهم أعدت للكفاح: # حكى لونه أصداغ ريم معذر ... وصورته آذان خيل نوافر # ومن ريحان يقول: إن وقت الري حان. كأنه وشم يد مطرفة. أو حلة مخضرة ~~مفوفة، أو أطواق الحمام، أو سلاسل سوالف الغلام: # له حسن العوارض حين تبدو ... وفيه لين أعطاف القوام # ومن منثور، منظوم جوهره منثور. عطافه مؤتلفة، وألوانه مختلفة. أبيضه ~~وأحمره كثغر الجيب وخده، وأصفره كوجه من مني بإعراضه وصده، يبخل بشذاه ~~نهارا ويجود به ليلا، وإلام يتستر وهو متهتك في حب ليلى؟ # كأنه عاشق يطوي صبابته ... صبحا وينشرها في ظلمة الغسق # ومن سوسن، تعالى الله ما أحسن. قائم على سوقه، ينتظر إياب معشوقه. من ~~أزرق بهي الملبوس، وأبيض تميل إلى ضوء صبحه النفوس: # كأنه ملاعق من ورق ... قد خط فيها نقط من عنبر # PageV01P041 # ومن خزامى، قدره لا يسامى. يسكن المنازل العلية، ويرفل في حلته ~~اللازوردية. يا لها حلة فاخرة، وحلية باهية باهرة: # لو حواها الطاووس أصبح لاشك ... مهنا بملك طير الهواء # ومن أقحوان، جمع في مفرده القمران. # كشمسة من لجين في زبرجدة ... قد أشرقت حول مسمار من الذهب # ومن آذريون، أظهر القطر سره المكنون: # كأنه أغصانه فيروزج بهج ... من فوقه ذهب في وسطه سبج # أو مسك في جام من ذهب، أو فحم أحاط به اللهب: # تراه عيونا بالنهار نواظرا ... وعند غروب الشمس أزرار ديباج # ومن بهار، يبهر بحسنه الأبصار: # كسواعد من سندس وأكفها ... من فضة حملت كؤوس عقار # ومن شقيق، أين منه المرجان والعقيق؟ # كأنه وجنات أربع جمعت ... وكل واحدة في صحنها خال # ومن ومن ومن، إشارة فتى بالعجز عن الحصر قمن. # فلما تأملت محاسن هذه الروض الأنيق، ونظرت إلى ما فيها من النبات بعين ~~الحقيقة، شكرت أيادي صانعها، ولجأت إليه وأثنيت على صائغها، وإن كنت لا ~~أحصى ثناء عليه، # PageV01P042 # وقلت تعظيما لأمره: {وما قدروا الله حق قدره}. وانشرح صدري بالوقوف على ~~مغانيها، وجاد فكري حيث جال في معانيها، وامتلأ ms19 قلبي من نورها نورا، ~~وانقلبت إلى أهلي مسرورا. ### | الفصل العاشر: في وصف الغلام # بينما أنا جالس في بعض الحدائق، وحولي رفقة هذبتهم الحقائق، وحسنت منهم ~~الأخلاق بين الخلائق، مر بنا غلام يخجل بدر التمام، من بني الأتراك، ~~الناصبين مصائد الأشراك، بديع الجمال، أين منه الغزالة والغزال؟ لطيف ~~الشمائل، يختال بين الخمائل، تمتد لرؤيته من الزهور الأعناق، وتستتر الغصون ~~حياء منه بالأوراق. وهو ممتط صهوة جواد أشهب، لا يبلغ البليغ حصر وصفه ولو ~~أسهب: # ساحر الطرف وافر الظرف أحوى ... خده الأبيض اللجين مذهب # لا تلمني على اعتقادي هواه ... مذهب الوجد فيه أحسن مذهب # فلما حاذى مثوانا، حيانا فأحيانا. فتلقيناه بالترحاب، ودعوناه فأجاب، ~~فحصلنا من حضوره على المقصود، وتحققنا أن يومنا بمشاهدته مشهود. فأطلت في ~~محاسنه نظري، وأجلت في ذاته وصفاته فكري، فإذا له ذؤابة تذيب المهج، وتدرج ~~في # PageV01P043 # حبائلها من دب ودرج. ظلها وارف، وظلامها عاكف، تسلب العقول بالأثيث ~~الأثيل، وتسهر العيون في ليلها الطويل. حندسية العذب، غزيرة الفضل والأدب: # إذا ما تثنى للسلام مليكها ... على أحد دارت وقبلت الأرضا # ووجه وسيم، تعرف فيه نضرة النعيم، يفوق سنا القمر، له خفير من الخفر، ~~رقيق البشرة، تحار عند إسفاره السفرة، نزهة المشتاق، ومرآة لوجوه العشاق: # محيا به المقتول يحيا وكم له ... على وجنة العاني من الدمع جعفر # وجبين، منقطع القرين، واضح كالصباح، صلت تصلت دونه بيض الصفاح: # وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب # وحواجب، دم عاشقها مباح وقتله واجب، كأنها قسي موتورة. أو نونات في صحف ~~اللجين مسطورة: # قد وليت إمرة أمثالها ... وحاجب الشمس لها حاجب # وعيون يا لها من عيون، قد جمعت بين المنى والمنون، تقتل وهي لاهية، وتسكر ~~وهي صاحية، وتصول وهي كانسة، وتسهر وهي ناعسة. نفاثات في العقد، لا يسلم من ~~سحرها أحد: # لحظاتها كم أرهفت من أبيض ... والجفن منها مثل حظي أسود # PageV01P044 # وصدغ معقرب، لكنه لرقيه السليم باب مجرب. بعيد من القطف، كأنه واو العطف، ~~أو جيم محكمة العوج، أو منجل صيغ من سبج: # صدغ أعاديه ms20 أبدوا ... من عيبه ما حلا لي # ذم العناقيد جهلا ... من لم يصل للدوالي # ووجنات، حركت من الخواطر السكنات، تغير الجلنار والتفاح، وتؤلف بين الماء ~~والراح. بها ورد ريحه للأرواح بلغة {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}. # ترى هل من طريق لاجتماع ... بحمرة ذلك الخد النقي؟ # وخال خال من العيب، لا شك في حسنه ولا ريب. كأنه قيراط من عنبر، أو نقطة ~~شقيق أحمر: # ورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي أن الخال لا يرث # وعذار، طاب فيه خلع العذار. أنيق يجل عن التشبيه، سائل كدمع محبيه. كأنه ~~خمل ديباج، أو نمل دب في عاج، أو بنفسج أو سوسان أو حاشية كتبت بقلم ~~الريحان: # إن نفسي تميل نحو اخضرار ... فيه، والنفس مثل ما قيل خضرا # ومرشف فائق، فيه ريق رائق، وثغر ماله من مثال، وألفاظ سحرها حلال، ونكهة ~~نشرها معطر، وماء لسان أحلى من السكر: # PageV01P045 # يبسم عن در وعن جوهر ... وعن أقاح أو سنا البرق # وجيد جداية، فيه لمنهاج المحبة أي هداية، أحسن به من تليل، نحر نحره ~~طويل: # لو جاد لي يوما بتعنيقه ... قلدت ذاك الإثم في عنقي # وكف ندية، أرواحها ندية، رعبوبة بضة، سبائك أناملها من فضة: # يا حبذا من مالك الحسن يد ... لها على أهل الهوى أيادي # وقد قويم، ألطف من النسيم، مائل مائد، صائل صائد. تهيج عليه البلابل، ~~وتطير إليه القلوب ولو كانت مقيدة بالسلاسل، إن حضر بان البان، وغار من ~~غيرته في الكثبان: # أبى قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالا فأضحى بين ذاك قواما # وخصر رقيق الحاشية، معاقد بنده متلاشية، نحيف نحيل، صحيح عليل: # يستر وجدان القبا معدومه ... ما أحسن المعدوم في الموجود # وردف مائج، نافر خارج، كثيب كثيف، كم له من أسير أسيف. تصعب على الصب ~~نبأته، وتثقل على الخصر وطأته: # يا ردفه ها خصره ... من فرط جورك مائج # PageV01P046 # أنحلته بثقالة ... ما أنت إلا خارج # وسوق تسوق المحبين إلى العطب، ويضرم ماؤها الجامد في القلوب نارا ذات ~~لهب: # إن فرج العين في بستان طلعته ms21 ... مشى ففرجها في جانب السوق # وأقدام مقدمة على أمثالها، مقبولة عند إدبارها وإقبالها، حسنها لا يضاهى ~~ولا يشارك. وكعبها على الحقيقة كعب مبارك: # كل يذل له حتى ذوائبه ... أما تراها ترامت تلثم القدما؟ # وعليه من الحلل الفاخرة، والملابس الملونة الباهرة، ما يخجل من حمرته وجه ~~الشفق، ويحسد النهار بياضه اليقق، وتخضع لأسوده الظلماء، وتغار من أزرقه ~~السماء، وتعنو الرياض لأخضره، وتغيب الشمس حياء من أصفره. # حمالة الحلي والديباج قامته ... تبت غصون الربا حمالة الحطب # وبخصره منطقة، لم تبرج له معتنقة، تعوقها العوائق، وتثقلها - كما يقال - ~~العلائق. فمن سيف ماض كناظره، وسهم نافذ كأوامره، وقوس كحاجبه، ومدى لتقصير ~~مدى عائبه، وهي تجول في أضيق مجال، وتنشد بلسان الحال: # PageV01P047 # بروحي أفدي من ضربت من آجله ... وقاسيت حر النار وهي تفور # رشا ضاع ما بين الغلائل خصره ... ألم ترني شوقا عليه أدور # فخاطبناه في وضع السلاح فوضعه، وسألناه في رفع الحجاب فرفعه. وأخذ ~~ينادمنا بأفصح لسان، ويجلو لنا عقائل أخلاقه الحسان، وينثر علينا من جواهر ~~لفظه النظيم، ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. والزهور تضحك في الأكمام، ~~والغصون ترقص على غناء الحمام، والنهر يصفق لتشبيب الريح في آفاقه، والدوح ~~ينقطه بالدنانير من أوراقه، والعيون تجري بين أيدينا، والنسيم بطيب أنفاسه ~~يحيينا، والروض يفرش لنا بساط سندسه، ويجلسنا حتى على أحداق نرجسه. ياله ~~منظرا ما أنضره، وسرورا ما أوفاه وأوفره، ويوما ما كان أطيبه وأقصره. ملكنا ~~فيه زمام التهاني، وحصلنا على الأمان والأماني. ولم نزل نتمتع منه # بكل مطلوب، إلى أن آذنت الشمس بالغروب، فتأهب الغلام لمعاده، وعلا على ~~ظهر جواده، ثم ودعنا وسار، وأودعنا الشوق والادكار وتركنا نتقلب على تلهب ~~النار. ### | الفصل الحادي عشر: في وصف الجارية # تاقت نفسي إلى زيارة بعض الإخوان، فسرت إليه مشمرا # PageV01P048 # فضل الأردان، في ليلة سما قدرها، وتجلى على السماء بدرها. # فلما وصلت إليه، وانتظمت في سلك المجتمعين لديه، ظهر لي أنه متشوف إلى ~~قادم، ومتشوق إلى حضور منادم: فكشفت الخبر وتقمصت الأثر، فقيل لي إنه واعد ~~بعض ms22 الحسان، وهو منتظر إياب الإحسان. فما أتممت الكلام واتصلت من العلم إلى ~~المرام، إلا وقد أقبلت من الباب، خود تختلس الألباب، غادة رؤود طفلة أملود. ~~كاعب رداح، ترتاح لها الأرواح. عديمة المثال، نشأت في حجر الدلال. يسرح ~~الطرف في روض جمالها وينتزه، وتمحو بكثير محاسنها البديعة ذكر عزة، في ~~حليها وحللها تميد وتميل، وبالجملة فهي بثينة الحسن لأن وجهها جميل. # فوقفت واستأنست، ثم سلمت وجلست، فسر الجماعة بورودها، وتملوا من جنة ~~وجنتيها بورودها. وأقبل يمن إقبالهم، وأنشد لسان حالهم: # أهلا وسهلا من غادة سمحت ... بالوصل ليلا ولم تحذر من الحرس # لما تبدت أضا الداجي، ولا عجب ... فطرة الصبح تمحو آية الغلس # فلما كشفت القناع، وصدق النظر السماع، تأملت أوصافها، وسبرت شمائلها ~~وأعطافها، فرأيت ما يشرف النظر ويشنف السمع، ويذيب القلوب على ناره ذوب ~~الشمع. # PageV01P049 # فمن فرع نامي الأوراق، # مرسل لتعذيب العشاق، جثل أسحم يتلوى كالأرقم، غدائره مجمدة كالغدير، ~~وضفائره مظفرة بقتل الأسير: # كأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم # ووجه مشرق الأنوار، تحج إلى كعبته الأبصار. يزين اللآلئ والدرر، ويستمد ~~من ضوئه الشمس والقمر، مرآته صقيلة، ومعاني حسنه جميلة. يترقرق فيه ماء ~~الصبا، ويخفي من لمعه بروق الظبا: # عوذت بالسور المنيرة وجهها ... وهو الجدير بأن يكون معوذا # وجبين واضح، تحن إليه الجوارح، يتلألأ مصباحه، ويتبلج في ليل الطرة ~~صباحه: # فتاة يسر القلب والطرف حسنها ... كأن الثريا علقت في جبينها # وحواجب تذيب المهج، وتجذب الأرواح من قسيها بقبضة البلج كأنها هلال محني ~~القوام، أو فخ نصب لصيد أهل الغرام: # إذا شمت تحت الحاجبين جفونها ... ترى السحر منها قاب قوسين أو أدنى # وعيون بابلية، كم أوقعت لمن إليها صبا بلية، تسل السيوف، وترسل الحتوف، ~~صحاح مراض، ليس لسهامها سوى القلوب أغراض: # PageV01P050 # لله أي لواحظ غلابة ... للأسد في وثباتها وثباتها # وخد كالجلنار، قد جمع بين الماء والنار، يشف الراح في زجاجه، ويهتدي ~~الحائر بنور سراجه. يزهو بورده الأحمر الطري، وأظنه من دم المحبين غير بري: # تركية للقان ينسب خدها ... واشقوتي منها بخد ms23 قاني # وخال يختال في أحلى الحلل، له من الأقراط والشنوف خول. كأنه من الدائرة ~~قطبها، ومن القلوب المتقلبة على نار حبها: # فتنت بخال فوق خدك صانه ... أبوك فويلي من أبيك وخالك # ومرشف عذب الأرياق، رضابه لسليم الهوى نعم الدرياق. فيه ماء مبرد، وثغر ~~جوهري صحاحه منضد، ولعس يهيم به ذو الشوق، وشهد يشهد بحلاوته الذوق: # وبه شراب مسكر ما ذاقته ... لكنني أروي عن المسواك # وعنق كعنق ريم، در عقوده نظيم. يطوف الحلي بأركانه، ويملك الرق بورقه ~~وعقيانه: # وجيد جداية لا عيب فيه ... سوى منع المحب من العناق # ونهود كالعاج، ملتحفة بمروط الديباج، رفيعة المنار، شغلت الحلي أن يعار. ~~إن ثنيتها لم تجد عندها عطفا لمرتاح، وإن لثمتها نشقت من الرمان عرف ~~التفاح: # PageV01P051 # كحقين من لب كافورة ... برأسيهما نقطتا عنبر # وبنان رطيب، على مثله يدور الخطيب، مقبل بالأفواه، مصافح بالجباه، فضي ~~الإهاب، مرقوم بالخضاب: # فما أعذب السكب من أدمعي ... وأحلى المشبك من نقشها # وقوام يقيم الحروب، ويثير كر الكروب. كامل الحسن مهفهف، وافر الدال مثقف. ~~الرماح تخضع لديه، والأغصان تسجد بين يديه: # وقد روت عن لينه واعتداله ... صحاح العوالي مسندا بعد مسند # وخصر نحيل، يشكو من ردفها الثقيل. ليس فيه حظ للمجتني لو سألتها عنه ~~لقالت فني: # عيون الناظرين به أحاطت ... فلم تحتج إلى عقد الوشاح # وأرداف كالأحقاف، وعدها موسوم بالإخلاف، خارجة عن العادة، لكن فيها ~~للمحبين الحسنى وزيادة: # تمشي بأرداف أبين قعودها ... بين النساء كما أبين قيامها # وسوق جمد ماؤها، وبهر الأعين ضياؤها. مشرقة النور، قصبها من بلور: # لو لم يكن من برد ساقها ... لاحترقت من نار خلخالها. # PageV01P052 # وأقدام لها على الفتك إقدام. تمشي كالقطا ولا تخطئ قياس الخطا: # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة، لا ريث ولا عجل # وعليها من الحلي والحلل، ما يفتن العقول ويدهش المقل. فمن در ثمين ~~كثغرها، وبلور صاف كصدرها، وعقيق كشفتيها، وياقوت كوجنتيها. وسبج كأجفانها، ~~وزمرذ كنقش بنانها، وقميص رقيق الحواشي، ومطرف يحار في وصفه الناشي: # إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا ما ms24 اسبكرت بين درع ومجول # فلما أنست بالقوم، كفت عنها لسان اللوم، وظهرت عن خلق وسيم، وطباع ألطف ~~من النسيم، ومنادمة تطرب الأسماع، ومداعبة ما الصبر عنها بمستطاع، وملح ألذ ~~من الزلال، وحديث لو لم يجن قتل المحب لقيل هو السحر الحلال. # وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز # إن طال لم يملل، وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز # والسعد يطلع نجمه، والشمع واقف في الخدمة. وعرف الطيب يفوح، وأعلام ~~الهناء تلوح، وشمل الضد مفرق، والعود يحرك ويحرق. يا له ليلة محي ظلامها ~~ونور الأفق ابتسامها، وحليت عروسها، وطلعت حارقة للعادة شموسها. لم ير فيها ~~ما يشين ويعيب، # PageV01P053 # سوى أنها أقصر من جلسة الخطيب. # ولم نزل في بشر وافر، وسرور متواتر، نجتلي وجوه الأفراح المتتابعة، ~~ونجتني من الوصل ثماره اليانعة، إلى أن صاح العترفان، ولا في المشرق ذنب ~~السرحان. فعزمت # الجارية على الذهاب، وأمرت بإحضار الإزار والنقاب. فقمنا إلى موقف ~~الوداع، وتشتت الشمل بعد الاجتماع: # وكان الدمع لي ذخرا معدا ... فأنفقت الذخيرة حين ساروا ### | الفصل الثاني عشر: في الشمعة والنار # جلست مع بعض الأصحاب، في ليلة حالكة الجلباب، ماؤها جامد، وهواؤها بارد، ~~وطلها متناثر، والماشي بها في ذيله عاثر. نجري ذكر أهل البراعة، ونعد مناقب ~~فرسان أهل اليراعة، ونورد أخبار أرباب اللسن، ونروي عنهم كل حديث حسن: # قوم بهم شرف الزمان، كلامهم ... شرك النفوس وعقلة الأحداق # أشخاص صرفت، ولكن ذكرهم ... أبدا على مر الليالي باقي # فبينا نحن نجول في ميدان المحاضرة، ونحقق النظر في # PageV01P054 # وجوهها الناضرة، والليل قد روق، وشراب المنادمة مروق، لمحت في المجلس ~~شمعة، وقفت في الخدمة وأجرت الدمعة، جسمها نحيل، ومحياها جميل، قامتها ~~قويمة، ودرة تاجها يتيمة. تحرقها أنفاسها، ويوبقها نبراسها. كاسية عارية، ~~تخجل بضوئها الجارية: # مفتولة مجدولة ... تحكي لنا قد الأسل # كأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل # أو نبل نصله ذهب، أو حية لسانها لهب، أو وردة على قضيب، أو محب أسهره بعد ~~الحبيب، أو لينوفرة، أو سبيكة معصفرة، أو غرة في ms25 وجه أدهم السدف، أو كوكب ~~أرخى ذؤابته ثم وقف: # أو ضرة خلقت للشمس حاسدة ... فكلما حجبت قامت تحاكيها # يخوض في لجة الدمع طرفها القريح، وتلعب بلهب قلبها الجريح يد الريح، ~~فتطلعه نجما، وترسله سهما، وتحركه لسانا، وتنشره طيلسانا، وتضربه دينارا، ~~وتصيره جلنارا، وتصوره سوسنا، وتصوغه إكليلا تبره ذو سنا، وتعطفه كالهلال ~~السافر، وتنصبه أذن جواد نافر، وترفعه كالسنان، وتقيمه أنملة في بنان، ~~وتبسطه كالمنديل، وتميله سلسلة قنديل، وتخطه ألفا مستقيما، وترسمه نونا أو ~~جيما. # PageV01P055 # واستمرت مولعة بشخصها، ساعية في نقضها ونقصها، حتى فني عمرها، وانفصل ~~أمرها، وانحل عقدها، وعز على الجماعة فقدها: # وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب # وكان في المجلس كانون، يلقي فيه العود بغير قانون، يضم نارا ذات لهب، له ~~شرر شذره من ذهب، همتها علية، ومرآتها جلية. تعلو على الرماح في المواكب، ~~وتزاحم الكواكب بالمناكب. فاكهتها في الشتاء محبوبة، وأعلامها للاصطلاء ~~منصوبة، وهي بقضيب # الأبنوس لا بجزل الغضا مشبوبة: # كلما رفرف النسيم عليها ... رقصت في غلالة حمراء # كأنها سبج على مرجان، أو زنجية بكفها كرة عقيان، أو شمس محجوبة بالغمام، ~~أو ورد تبسم من خلال الكمام: # أو أشقر مطهم ... يموج تحت العثير # أو غادة قد ضمخت ... وجنتها بالعنبر # يهتم بها أقوام، هم واسطة عقد الأنام، كريمة أحسابهم، مفتوحة للوفود ~~أبوابهم، يمتطون ذروة كل محبوك القرا ويبسطون موائد الفوائد والقرى: # إذا ضل عنهم ضيفهم رفعوا له ... من النار في الظلماء ألوية حمرا # PageV01P056 # فلم تزل تضطرم، وتستعر وتحتدم، إلى أن خمد لظى جمرها، وغاض ماء شررها ~~وشرها، واضطجعت في مهادها، تحكي تحت غطاء رمادها: # دما جرى من فواخت ذبحت ... عليه من ريشهن منشور # فراقني ما شاهدت من حالهما، وأمعنت النظر في منقلبهما ومآلهما، وقمت من ~~شكر المنعم بأداء الفرض، وقلت بلسان التعظيم: {الله نور السماوات والأرض} # ثم إن الصحب مالوا إلى الكرى، وطال عليهم - مع كونهم جلوسا - شقة السرى، ~~فوثبنا لاقتفاء أثر ما تقر عين الهاجع، وسألنا الحي القيوم أن يجعلنا من ~~الذين تتجافى جنوبهم ms26 عن المضاجع. ### | الفصل الثالث عشر: في مدح العشق وذمه # سألني بعض المائلين إلى الهوى، المصابين بسهام الصبابة والجوى - الساهرين ~~في الليل الطويل الذوائب، الذين صرفوا على المحبة حبات قلوبهم الذوائب - عن ~~مراتب العشق وضروبه، وقبائل الحب وشعوبه، وهزله وجده، وجزره ومده، وشواهد ~~شهده وسمه، وما قيل في مدحه وذمه، فأجبته إلى سؤاله، وجمعت بينه وبين ~~آماله: # يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم # PageV01P057 # يا هذا إن أول العشق استحسان من يلائم الطبع من الجواري والغلمان، تحدث ~~منه إرادة القرب والمودة، ثم يقوى الود فيكون حبا لا يمكن القلب رده. فإذا ~~استحكمت المحبة في القلوب، عادت هوى يهوي بصاحبه في اختيار المحبوب، ثم ~~يصير عشقا ثم تتيما ثم يرجع ولها على العقول مخيما، وهو طمع في القلوب ~~يتولد، يعظم بالحرص على الطلب ويتأكد. يخفى عن الأبصار، ويهيج باللجاج ~~والتذكار، كامن كالنار في الحجر، والزهر في الشجر. إن قدحته أورى، وإن ~~سقيته أخرج نورا: # العشق أول ما يكون مجانة ... فإذا تحكم صار شغلا شاغلا # فأما أوصافه الممدوحة فإنه جليس ممتع بمشاهدته، وأليف مؤنس بمنادمته، ~~مسالكه لطيفة، وممالكه شريفة. برق لامع، ونور ساطع. تستضيء به نواظر ~~العقول، ويفعل في الشمائل مالا تفعله الشمول، ويتصل بجواهر النفوس، فيزيل ~~عنها لبوس البوس، فرح يجول في الروح، وارتياح يغدو في القلب ويروح، وسانح ~~ينشر من البشر ما انطوى، وسرور ينساب في أجزاء القوى: # إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # يطلق اللسان، ويشجع الجبان، ويصفي الأذهان. يولد # PageV01P058 # الأخلاق الجميلة، ويرغب في اكتساب الفضيلة، ويفتح للبليد باب الحيلة، ~~ويرفع لواء الهمم، ويبعث على الحزم والكرم. يلطف الطباع # ويشنف الأسماع، ويدعو إلى تحسين اللباس، ويستعمل بالرياضة أهل الشماس، لا ~~يقع فيه إلا من قليب قلبه صافي، ولا يسلم منه إلا كل جلف جافي: # فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به ... شهيدا وإلا فالغرام له أهل # وأما أوصافه المذمومة: فإنه ملك قاهر، وحاكم جائر. هزله جد وراحته تعب، ~~وأوله ms27 لعب # وآخره عطب. يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة، ويكسف من الآراء ~~شموسها البازغة، ويسوق إلى وليه غمام الغم، ويهيم في وادي الهم. يذهب ~~العقل، ويمرض الجسد، ويقوي الفكر ويضعف الجلد، ترتعد منه الفرائص، وتتقد به ~~نار النقائص. يستعبد الأحرار، ويستأثر ذوي الأقدار، ويصفر الأبدان، ويوقع ~~في الذل والهوان: # وكنت أظن الهوى هينا ... فلاقيت منه عذابا مهينا # يورث الأسف والحرق، ويجلب الوسواس والأرق، ويجدد ملابس الوجد والألم، ~~ويمنع عن الاشتغال بالعلوم والحكم. يحالف أرباب الشبهات، ويستخدمهم في ~~تدبير الشهوات، ويعطل عن المصالح، ويجرح بمديته الجوارح. من جنده الغرام # PageV01P059 # والكلف، ومن رفده الهيام والشغف، يعوق الطالب عن الاستفادة، ويشغل ~~الإنسان عما خلق له من العبادة. جان يفضي إلى الجنون، ويدني أهل المنى من ~~المنون: # وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب # واعلم، وقاك الله شر الشرر، أن أقوى أسباب العشق النظر. رياحه تنشئ سحائب ~~الفكر، ومرآته تجلو على القلب محاسن الصور. فاتق النظرة، فإنها تزرع حب حب ~~ينبت سنبل الحسرة. كم سلب النظر قلب عابد، وفتن عقل ناسك، وحل عقد زاهد، ~~وأجرى آفة، وقرن ذلا بمخافة، وأثار غبار معركة، وألقى شهما إلى التهلكة، ~~وأقام حربا على ساق، وسفك الدماء وأراق، وأوقع في مصائد المصائب، وهشم ~~العظام بأنياب النوائب: # فمن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أتيت، ومن قلبي # فاسلك سبيل السلامة، لتصل إلى دار الكرامة، واقطع أسباب المطامع، واشتغل ~~عن المصنوع بالصانع. فأما من آثر اللذات فقد تورط في حبائل البلوى، وانتهى ~~من حرم الحرمان إلى الغاية القصوى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى، فإن الجنة هي المأوى}. ### | الفصل الرابع عشر: في الفراق # الفراق - جمع الله الشمل بمحياك، ورعى ودك على بعد المزار # PageV01P060 # وحياك - وقد اجترى واجترح، وأذهب المسرة والفرح، وضيق رحب الفضا، وقلب ~~القلب على جمر الغضا، وأورث الكمد، وأذاب جليد الجلد، وجاب. وجال، ونثر ~~عقود الاحتمال، وأوجد الوجد والهيام وأحوج الصب إلى العبث بالأقلام: # كتبت وعندي من فراقك لوعة ... تزيد بكائي أو ms28 تقل هجوعي # فلو أبصرت عيناك حالي كاتبا ... إذا كنت ترثي في الهوى لخضوعي # أخط وداعي الشوق يملي، وكلما ... تعديت سطرا رملته دموعي # يا لها لوعة أسعرت وقد الضلوع، ومالت إلى الصبر فأذوت منه الأصول والفروع ~~وصبابة صبت النفس إليها، ووقفت لامتثال الأمر طائعة بين يديها، وغراما ~~يلازم غريم الفؤاد، ويتكلم من الدموع بألسنة حداد، وشوقا إلى تلك الليالي ~~المستنيرة، والأيام التي تطول الشرح في وصف محاسنها وإن كانت قصيرة: # حيث اللقا والنوى حل ومرتحل ... والدهر يقضي لنا من وصلك الغرضا # لئن تعوضت عني غير مكترث ... فعنك، ما دمت حيا، لم أجد عوضا # إلى الله أشكو جور أحباب، لا شك في ظلمهم ولا ارتياب: # PageV01P061 # ساروا وسر الوجد قلبي أودعوا ... يا ليتهم يوم النوى لو ودعوا # أفديهم غائبين أطالوا شقة البين، ونازحين سكنوا القلب حين غابوا عن ~~العين: # رحلوا عن الأوطان لكن في الحشا ... نزلوا، وما راعوا ولكن روعوا # كيف العمل؟ عز الاحتيال، هل من طريق إلى منزلة الوصال؟ # يا صاح إن ظباء جيران النقا ... جاروا علي فدلني ما أصنع؟ # أحسن بهم ظباء غير أوانس، كم أسهرت العشاق عيونهم النواعس: # نفروا وما التفتوا وعادة مثلهم ... يتلفتون إذا نفارا أوقعوا # أيها المغرم باللوم والتفنيد، لا تتعب نفسك فيما لا يجدي ولا يفيد: # قسما بهم مالي غنى عنهم ولو ... أمسيت كاسات الأسى أتجرع # كف كف العذل والتأنيب، فلست أحول عنهم ولو براني النحيب. # وأنا المقيم على محبتهم وإن ... حفظوا عهودي في الهوى أو ضيعوا # نعم أقيم على الود والمحبة، وأرعى رب الخال ولو اشترى قلبه بحبة، وأحفظ ~~زمام الذمام، وأصبر في هاجرة الهجر على # PageV01P062 # الأوام وأتعلل بلعل وعسى، وأحتمل مشقة آسي جرح الأسى، وأتعلق بأذيال ضيف ~~الطيف، وأتشبت بأن أوقات الفراق سحابة صيف: # وأطوف في تلك الديار مسائلا ... عن أهلها أبكي ما قد جرى # لله بعد البعد حمر مدامع ... بنضارها المبدول قد أثرى الثرى # وقد علم الله أن يوم النوى، أضعف بناء جسدي بالهوى فهوى، وأحال صبغة ~~حالي، وسقاني كأس بعد مذاقها غير حالي، ms29 فعدت ذا سكر دائم، وعناء تحل دونه ~~عقد العزائم. القلب مأوى الهموم، والطرف موكل برعي النجوم، والكآبة في ~~الخاطر خاطرة، والعين إلى نحو الطريق ناظرة، وأسياف الضنى تجرح الجوارح، ~~وسهام الجوى تجنح إلى الجوانح. لا أعرف لذة الوسن، ولا أمل من السير في حزن ~~الحزن. ولا أرد الماء النمير إلا ويلفحه من كبدي حر السعير. إن مر الفكر في ~~خلدي شرحت له صدرا، وإن دعاني الذكر الجميل مرة لبيته عشرا. ولولا رجاء ~~العود والإياب، لانفصمت من قوى حياة العليل عرا الأسباب، فتبا لأيام الصد ~~والقطيعة، وسقيا لأوقات كانت على رغم العدا مطيعة، حيث الأوطان عامرة، ~~ووجوه الأوطار ناضرة، وأغصان العيش مائدة، وصلة الأحباب عائدة: # وسعاد تسعدنا بروضات الرضا ... ويعمنا منها سنا وسناء # PageV01P063 # لهفي على ذاك الزمان وطيبه ... فلفقده أنا والخلال سواء # أمبشري برجوعه لك عن رضا ... روحي وما ملكت يداي فداء # والله المسؤول في بلوغ الأماني، وإباحة ممنوع التلاقي والتداني، واجتماع ~~المشوق بأهل وداده، ونصرة المظلوم على أعدائه وحساده، فإنه {نعم المولى ~~ونعم النصير}، {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}. ### | الفصل الخامس عشر: في الاستعطاف # أيها المعرض الهاجر، الذي سعى لصده دمع صبه على المحاجر، رفقا بمن ملك ~~الوجد قياده، وعطفأ على من أذاب الشوق فؤاده، متيم أقلقه فرط صدودك، ومغرم ~~أغراه بحبك قول حسودك، وسقيم لا شفاء له دون مزارك، ومقيم على عهدك ولو ~~طالت مدة نفارك. إلام هذا التنائي والنفور؟ وعلام ياذا القد العادل تجور؟ ~~لقد تضاعف الأسف والأسى، وتطاول التعلل بعل وعسى، وفني حاصل الصبر ولم يبق ~~إلا المقابلة بالجبر. # هبني تخطيت إلى ذلة ... ولم أكن أذنبت فيما مضى # أليس لي من بعدها حرمة ... توجب لي منك جميل الرضى؟ # نعم لي حرمة وذمام، وسابق خدمة توجب رفع الملال والملام. # PageV01P064 # ولت ألوذ إلا بباب نعمك، ولا أعتمد في محو الإساءة إلا على حلمك وكرمك. ~~وما جل ذنب يضاف إلى صفحك، ولاعظم جرم يطرد غراب ليله باز صبحك. ومثلك من ~~يسد الخلل، ويغفر الخطأ والخطل، ويقيل العثرات، ويتجاوز عن ms30 الهفوات، ويمح ~~بالعفو تفضلا، ويزيل القبض عن بسط العذر متطولا، فلا تخدش وجه رضاك بالغضب، ~~ولا تجمع لمن أسره التفريق بين العتب والتعب، ورق على عبد رقك، وأره الدجا ~~والضحى من فرعك وفرقك، وأذقه أري وصالك، كما جرعته شري انفصالك. # وكنت اظن أن جبال رضوى ... تزول وأن ودك لا يزول # ولكن القلوب لها انقلاب ... وحالات ابن آدم تستحيل # طالما آنستني بقربك، ودنوت مني مفارقا ظباء سربك، واعتنيت بأمري، وأخمدت ~~برضاب ثغرك جمري، وأنجزت وعودي، وأطلعت نجوم سعودي، وأطلت سروري وابتهاجي، ~~وأصلحت بشراب وصلك مزاجي، وجلوت طرفي بمحاسن طلعتك، وأرويت ظمئي بالعذب ~~الفرات من # شرعتك. # وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر # فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إلي بها في سالف الدهر تنظر # PageV01P065 # قيدت أملي عن سواك، وبهرت ناظري بنظرة سناك، وضاقت بعدك علي المسالك، ~~وغدت مطالبي محفوفة بالمهالك، وكسرت جيش قراري، وتركتني لا أفرق بين ليلي ~~ونهاري. # أجول حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال ~~مكارمك ولطفك. أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر؟ وإذا صدرت عن عبده زلة أسبل ~~عليها رداء العفو وستر، وأن شفيع المذنب إقراره، ورفض خطيئته عند مولاه ~~استغفاره. ومن أبدى باعترافه الحجة، فقد استوجب أن يسلك في مساحته أوضح ~~المحجة. # ومن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر # لهفي على عيش بسلاف حديثك سلف، وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف، وزمان ~~ولى مجانبا، وحبيب ذهب مغاضبا، واها لأيام بطيب أنسك مضت، وبروق ليال لولا ~~قربك ما أومضت: # ما كنت أعرف في الهوى مقدارها ... رحلت وبالأسف المبرح عوضت # كيف السبيل إلى إعادة مثلها؟ ... وهي التي، بالبعد، قلبي أمرضت # إلى كم أموه وأغالط، وأجاهد في سبيل الصبر وأرابط، # PageV01P066 # وأكلف اللسان مكابدة حمل الكتمان، وأسر من الصبابة ما أعلنه دمع الأجفان. ~~أتكتم رائحة الطلا؟ وهل يخفى على ذوي الأبصار ابن جلا؟ لقد برح الخفاء، ~~وأطلت يا رقيق الحاشية شقة الجفاء، وأشمت الأعادي، ومددت ظل التمادي، ms31 وزدت ~~في الهجر والبعاد، وكلمت القلب بألسنة الصعاد. فجد بالتداني، واسمح بنيل ~~الأماني، وارحم والها وأبدت ظلمة الفراق فرقه، وتصدق على مدنف سائل دمعه ~~يقبل الصدقة. وألن قلبك القاسي، وعد عن التنائي والتناسي، وارع الود ~~القديم، وأبدل شقاء محبك بالنعيم، ولا تعدل عن منهاج المعدلة، وسلم فقد ~~أخذت حقها المسألة. واغمد سيف حيف صيرته مسلولا، وأوف بالعهد {إن العهد كان ~~مسؤولا}. ### | الفصل السادس عشر: في مجلس الشراب # كان لي صديق مغرى بشرب الرحيق. غزير الفضل والآداب، كثير اللهج بذكر ~~مجالس الشراب، وكان يود حضوري عنده، وأنا لا أبلغه مما يود قصده. فأتاني ~~حينا من الأحيان، يدعوني إلى مجلس بعض الأعيان، وألزمني بأن أحالفه، مقيما ~~على ألا أخالفه، فأجبت إلى المحاضرة، مشترطا عدم المعاقرة. فقال: أجل أيها ~~الأجل، وسآتيك إذا هزم النهار واضمحل. فلما آنس قدوم الليل، آب يسحب سحائب ~~الذيل، وهو يقول: # PageV01P067 # يا من به ينفى الكمد ... ويثبت العيش الرغد # جد بالوفا قد آن أن ... ينجز حر ما وعد # فمضيت صحبته إلى دار، جرى بها فلك السعد ودار، عالية الجناب، رفيعة ~~القباب. فاخترقنا أستارها، واجتلينا أقمارها، حتى انتهينا إلى مجلس فسيح، ~~قدح الفائز بأقداحه غير منيح. # لا تسمع الآذان في جنباته ... إلا ترنم ألسن العيدان # أو صوت تصفيق الجليس ونقره ... وبكاء راووق وضحك قناني # يشتمل على ندمان، لا يسمح بمثلهم الزمان. حاشيتهم أرق من النسيم، ومزاج ~~كاساتهم من تسنيم. إن نظموا أودعوا أصداف المسامع درا، وإن نثروا نفثوا في ~~عقد العقول سحرا. # تنازعوا درة الصهباء بينهم ... وأوجبو لرضيع الكأس ما يجب # لا يحفظون على النشوان زلته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب # بينهم سقاة حسنت صفاتهم، وتكفلت بالإنصاف كفاتهم. كم فيهم ذو وجه جميل، ~~وده صحيح وجفنه عليل. سمهري القوام، جوهري الكلام. تنعطف الأغصان سجدا ~~لعطفه، ويسقي بطرفه أضعاف ما يسقي بكفه: # ساق غدا يحكيه من ... بان النقا وريقه # واظمئي وكالزلا ... ل خمره وريقه # PageV01P068 # أيديهم أقداح، تفتح أبواب الأفراح، وملاكها ملوك أكاسرة على الأسرة. ~~النور ضمن إزارها، ومعدن الذهب في قرارها. ms32 تعدل وهي جائرة، وتنشد وهي ~~دائرة: # صل الراح بالراحات واقدح مسرة ... بأقداحها واعكف على لذة الشرب # ولا تخش من ذنب فأوراق كرمها ... أكف غدت تستغفر الله للذنب # وأباريق تسجد لربها، وتقبل الأرض لدى صبها. كم أصلحت فساد مزاج، وأوضحت ~~منهاج ابتهاج. تحكي إوزا معوجة الرقاب، أو ظباء أشرفن من ذرى الهضاب: # وكأنما الإبريق عند ركوعه ... والإثم يلثم ثغره المنعوتا # طير بمنقار له من لؤلؤ ... لما أسف تناول الياقوتا # وأكواب مصفرة الأثواب، تغني عن المصباح، وتهدي ريح التفاح. تبعث على ~~الحماسة والسماحة، وتتعب سوق ساقيها القلب وهي في راحة: # لله أكواب همومي حرمت ... لما أباحت خمرها المسكوبا # نار ولم تحرق، وإن أنكرت ما ... أوردته يا صاح فالمس كوبا # وكؤوس تسر بحسنها النفوس. ثغورها باسمة، ومناهلها لمادة الأسى حاسمة. ~~تحمد عند الصبوح والغبوق، وتشرح الصدور في حالتي الغروب والشروق. # PageV01P069 # ولرب ساق محسن في كفه ... كأس برؤيتها نفى عنا العنا # وعلى ذراها ليس يبرح ناصبا ... شبك اللآلي كي يصيد لنا الهنا # وينطوي على قيان، ينشدن البديع من سحر البيان. لهن أصوات، توقظ أعين ~~اللذات. يشنفن الأسماع، ويتقن أجناس الإيقاع: # قيان حكين البدر حسنا وبهجة ... زمان الذي يحظى بهن وسيم # إذا هن ألقين الغناء بمجلس ... فمعبد والغريض هشيم # وبه شمع يدهش الأبصار، ويحيى ما مات من ضوء النهار. دبيقي الملابس، عقيقي ~~القلانس. وافر الأدب والهمة، لا يبرح واقفا في الخدمة: # من كل هيفاء تهوى الشمس رؤيتها ... بكت وأنت فلاح الماء واللهب # تجلى على السراب في ثوب لها يقق ... كحية من لجين رأسها ذهب # وفيه أنواع من الشراب، تلمع في أوانيها كلمع السراب. فمن خرطوم، تخفي بدر ~~حبابها النجوم، وشمول تشمل القوم بالقبول. ومشعشة منازل كواكبها مرتفعة، ~~وعاتق تقدم عصرها، وخف على النديم أمرها. وخابية حانية، قطوف كرومها دانية: # PageV01P070 # وطوس وقنديل عقار وقرقف ... مدام وإسفنط سلاف وجريال # طلا وسباء والحميا وقهوة ... كميت، شموس، خندريس وسلسال # إلى غير ذلك من روح وريحان، ومحاسن وإحسان. ومسموع ومشموم، ومشروب ~~ومطعوم. وعود يحرق ويحرك، ومسك في الصحاف يفتت ويفرك. ms33 وقريض ينشد، وعرف ~~ضائع لا ينشد، وبم وزير، وجنة وحرير، وزهور ومزاهر، وملح ونوادر، وفاكهة ~~مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون: # أيا نديمي لو شاهدت وقفتنا ... في مجلس اللهو حيث الخصم مغلوب # والدف والدن مضروب ومنكسر ... والزق يذبح والراووق مصلوب # وبالجملة فإني عاينت من التفضيل، ما يغني عن التفصيل، وكاد ثقيل الطرب ~~يستخفني لولا عناية الملك الجليل. ثم نظرت وإذا أمر القوم قد اضطرب، ~~والعترفان يخبر عن ذنب السرحان بحسن المنقلب، فأشرت إلى صاحبي بالنقلة، ~~وعرفته أن الليل قد عزم على الرحلة. فقام يهتز من السكر اهتزاز الأفنان. ~~وانصرفنا، وأنا أمشي كالرخ وهو يمشي كالفرزان. فلما صرنا إلى البيت، خر ~~صعقا كالميت. فجلست معرضا عن الكرى، متفكرا فيما قد جرى، لائما نفسي على ~~اتباع الهوى، ذاما لها على معاشرة من ضل وغوى. ثم إني # PageV01P071 # ملت إلى الاستغفار، وسألت العفو من العزيز الغفار، ولذت - كما قال ~~الحريري - بالمتاب، وآليت لا أحضر - ما دمت حيا - مجالس الشراب. ### | الفصل السابع عشر: في الشيب والخضاب # رأيت بعض مشايخ الأصحاب، وهو يتعاطى ما يتعاطاه الشباب. فقلت: يامن وعظه ~~الشيب، جاءك النذير بلا ريب، فاصرف عين العيب، واق عالم الشهادة والغيب. ~~نأت الغرابيب السود، ودنت البزاة واثبة كالأسود. وظهرت غرة القمر، وأومض ~~البرق في ليل الشعر. ورمي فاحم الفود بضده، واشتعل المبيض في مسوده. قدم ~~رائد الهداية، وزائد الغواية، وطليعة العفاف، وذريعة الإنصاف. ومظنه ~~الوقار، ومشرق الأنوار. فخل الخلال الجانية عليك، وأحسن كما أحسن الله ~~إليك: # إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأزهار # من شباب عذاره لم تقبل أعذاره. من عذل شبابه ولي مصابه. من لمع ضوء فرعه، ~~تفرق شمل جمعه. من كبر ذوى عوده، وغابت سعوده، وأفل نجمه، ووهن عظمه، وضعف ~~بعد القوة جسمه، وخمدت منه الأنفاس، عنه ظباء الكناس: # لو كان عمر الفتى حسابا ... كان له شيبه فذالك # PageV01P072 # يامن أدركه المشيب، اترك الغزل والنسيب، إرجع إلى الله من قريب، ولذ ~~بالمتاب واعدل عن الخضاب، واخش نصول الفضول، ودع من يزور ثم يزول. ms34 ولا تطمع ~~بوصل الحسان، واكتب لهن تسريحا بإحسان، واحذر منهن العدو الأزرق، واسبق إلى ~~منعهن من قبل أن تسبق. # عذر الكواعب أنهن كواكب ... لا يجتمعن مع الصباح إذا بدا # فنظر إلي مليا، وقال: لقد جئت شيئا فريا. ياهذا أنت ناصح أمين، أم ذابح ~~بغير سكين؟ نكست الأعلام وفتنت الأحلام، وفخمت الوعيد، وجلت في ميدان ~~التهديد، وآثرت نيران التلف، ودثرت {عفا الله عما سلف}، وأدنيت غمام الغم، ~~ومدحت ما يستحق الذم: # ما رأينا المشيب إلا كثلج ... أبيض بارد قليل المقام # واها له من زائر يظهر العدل وهو جائر، يأتي من الشهب على كل ضامر، ويخرب ~~من الأعمار كل عامر، ولا يرجى لسليبه عوض، ولا يقضي لصاحبه غرض. ناع ينغص ~~لذة الرفاق، وساع يطوف بحرم الفراق. معلول لا يعتني بحفظ ميثاقه، ورسول ~~معجزته الخوف من اجتماعه، والفرق من فراقه: # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع # غرة مرة، ونور ليس معه مسرة. يبلي الجديد، ويصيد # PageV01P073 # الصنديد، ويعتدي على الشباب، ويفرق بين الأصحاب، ويسود بياضه اللون، وهو ~~عنوان فساد الكون. رفعت عند نصحك مقداره، ونفيت قاره وأثبت وقاره: # وأي وقار لامرئ عري الصبا ... ومن خلفه شيب وقدامه شيب # ثم إنك رثيت وما رثيت، ومريض المشيب عن معالجة الخضاب نهيت، وأطلت ~~التعنيف، وأكثرت الأراجيف. وسقت الشائب إلى رمسه، ومنعته من التصرف في ~~نفسه، وبسطت شقة الشقاق. أما سمعت قول الوراق: # للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيفك فاقره بخضاب # فقلت له: إلام يختفي الزامر ويتستر؟ وحتام يكتم الكتم شيئا بعد ثلاث ~~يظهر؟ وهل يرد التمويه ما مضى؟ أو يخمد ماء الصبغ جمر الغضى؟ # تستر بالخضاب، وأي شيء ... أدل على المشيب من الخضاب # فقال: قد أطلت الملام، وأثخنت القلب بكلام الكلام، ونشرت رداء الرد، وزاد ~~سيف عدلك في الحد: # لمع المشيب، وبعد عندي صبوة ... يبلى القميص وفيه عرف المندل # يا هذا إني لأعلم أن الخرق يتسع على الراقع، وأن التمادي في التصابي سم ~~ناقع. لكن الفطام صعب، وكل أحد لا # PageV01P074 # يمكنه ms35 رأب الشعب، وترك منصب الإمارة، شديد على النفس الأمارة. وهي إلى ~~حضرة الخضرة تميل، وعلى الله قصد السبيل: # لعمرك ما خضبت بياض شيبي ... رجاء أن يعود لي الشباب # ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي المشيب فلا تصاب # وأنا أستغفر الله من الزلل، واستعين به على سد الخلل، وأتوكل عليه إنه ~~جواد كريم، وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم. ### | الفصل الثامن عشر: في الخيل والإبل # وفد علي يوما ذو ألوك، يدعوني إلى حضرة بعض الملوك. فلبيت مناديه، ويممت ~~في المال ناديه. فرحب بي على عادته، وقرب مجلسي من وسادته. ثم قال لي: عرض ~~لي أن أعرض العتاق، وأتبعها بالنجائب من النياق، فأحببت حضورك، وقصدت نزهتك ~~وسرورك. # فشكرت فيض فضله، ودعوت بتوفير خيله ورجله. فما استتم المقال إلا والنجائب ~~تقاد بأيدي الرجال: فمن أشهب يقق، إن طلب لحق، وإن طلب سبق. طرف يحار الطرف ~~في حسنه، ويرى الناظر شخصه في مرآة # PageV01P075 # متنه. بعيد المنار والمنال، طلعته الفجر وسرجه الهلال. لا يخطر معه ~~الخطار ولا تعلق الغبراء له بغبار. يهدي فارسه من حافره بسنا السنابك، ~~ويغتدي عند امتطاء صهوته من الذين ينظرون على الأرائك. # ومن أدهم غربيب، لا يعلم أجنوب هو أم جنيب. يسبق السيل في السير، معقود ~~بناصيتها الخير، ينساب كالثعبان، وينعطف انعطاف السرحان. زاد على زاد الركب ~~وزاحم النكباء بالمناكب، يسلب العقول بحسن دسيعه وتليله ويخطف الأبصار برق ~~غرته وتحجيله. # ومن أشقر خلوقي الجلباب، ألبسه الأصيل حلة تفتن الألباب. الراح تحكيه في ~~لباسه، والرياح لا تقدم على مجاراته لباسه، متقلد بالذهب، متقلب في اللهب، ~~يشفق من مناظرته الشفق، ويسرق من لين شعره السرق، ينقص الزائد لديه، ويفوت ~~أعوج ثم يعوج متهكما عليه. # ومن كميت طاب عرفه، واسود ذنبه وعرفه. أسيل الخدين، بارز النهدين، عندمي ~~اللباس، يحول بين الظباء والكناس، إن وثب ألحق العنان بالعنان، وإن وقف ~~عاينت كل عضو منه وردة كالدهان. يجد السير في حزن الفلاة وسهلها، ويرد ~~الوديعة محمولة إلى أهلها. # ومن أصفر لونه فاقع، كم له في الحلبة ms36 من طائر خلفه واقع، ينتمي إلى ~~الحبشان، ويعبر بلونه الزعفران. الدجا على عرفه قابض، وماء القار على ذيله ~~فائض. يتجلى # PageV01P076 # في الرياض الشمسية، ويسبح في الجداول الورسية. لا يمل من التقريب ~~والإلهاب، ويأتي من عدوه بغرائب يشيب منها الغراب. # ومن أخضر حسن وشيا، وراق للعيون جريا ومشيا. زرزوري الإهاب، يجمع بين ~~الشيب والشباب. زبرجدي الحافر، أين منه الغزال النافر؟ يظهر عجز مكتوم ~~وتخمد عنده جمرة # اليحموم يخجل بتفويفه الرياض، ويسابق أسهم راكبه إلى الأغراض. # ومن أبلق عظمت فصوصه، واشتهر حسنه وشهر قميصه. طويل الحزام والذيل، ~~وهامته من الصباح وشامته من الليل. يمرح في جلالة جلاله، ويولع إذا غابت ~~الخيل بمسابقة خياله. ينحط الوجيه عن أوجه، ويغرق الفياض في موجه، يسبق ~~النعامى والنعامة وينظر بعيني زرقاء اليمامة: # جرد بهن لكل عين جنة ... فإذا جرين أتين بالنيران # يحكين في البيد النعام رشاقة ... ويسرن في الأنهار كالحيتان # ثم إن الملك أمر برد الجنائب، وأذن في عرض النجائب، فأقبلت تتهادى صحبة ~~سواسها، وتتبختر في مصبغات أكوارها وأحلاسها: فمن جسرة لونها أحمر، وليل ~~سراها واضح أقمر. عنكرة عيطموس، تميل إليها الخواطر والنفوس، موارة اليدين، ~~بعيدة وخد الرجلين أنحلها التسيار، وهذبتها الأسفار. # ومن سرداح لونها أرمك، # PageV01P077 # يكاد خيال السماك بها يمسك، مليئة بالذوح والإساد، تخالط حمرتها السواد. ~~جميلة الصفات مرقال، حسنة الشمائل شملال. رحبة السقل والخطا، لا يعرف لها ~~عدول عن الطريق ولا خطا. # ومن رقوب لونها أزرق، تطفو في بحر السراب كالزورق. ظهيرة دوسرة، منوفة ~~بهزرة تطس الآكام، وتثبت في أثواب ورق الحمام. موصوفة بالإعصاف، معروفة ~~بالإعناق والإيجاف. ومن أمون لونها جون، وكون مثلها من محاسن الكون. تميل ~~إن شبهتها إلى الدجا، ولا تمل من السير ولو براها الوجى. لها فخذان لحمهما ~~وافر، وذنب تكنفه جناحا طائر، تفوت الريح في خطراتها، وتطأ جمر القيظ ~~بجمراتها. # ومن وجناء لونها أصهب، ورباطها الدمسقي مذهب، ترعى الحدائق وترعى الحادي ~~والسائق. شكول عسبور، تسامي رأسها أعواد الكور، غائرة الأحداق، سريعة ~~الاندفاع والانطلاق. ومن مصباح لونها أغبش، وكل من قوائمها ms37 أحمش، يخالط ~~بياضها شقرة، يولد الاجتماع بها طريقا إلى النصرة. هوجاء دفاق، روعاء مزاق، ~~ترض الحصا برصها، وتستطلع الأخبار بنصها. # ومن شمردلة لونها أحوى، مهارق البيد بغيرها لا تطوى. تجوب القفار وتجوس ~~خلال # الديار. مشفرها رقيق، وسبب وظيفها وثيق. تختال في شنفها وزمامها، وتدهش ~~الأبصار بسنا سنامها: # PageV01P078 # وحوص غدت سفن المهامه والفلا ... ألم ترها تطفو على بحر آلها # تخط حروفا بالمناسم في الثرى ... يقصر عن تحريرها ابن هلالها # فلما تكامل العرض بعد الطول، وأفلت أقمار الإبل وغابت شموس الخيول، أحذ ~~الحاضرون في تذكر أشكالها، وأفاضوا في نعت محاسنها وجمالها. ثم إن الملك ~~أمر باحضار الطعام، واشتغل الناس بالمائدة عن الأنعام. فقمت مبادرا إلى ~~الذهاب، متفكرا في رزق الله لمن يشاء بغير حساب، قائلا: فاز المخفون، وهلك ~~المثقلون، تاليا: {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}. ### | الفصل التاسع عشر: في الوحش # هفا بي هيف الإسفار، وطوحني بين أنكر صحبة الأسفار، إلى خرق متسع الجوانب ~~تطول على سالكه سبائب السباسب. فسرت أطوي خيفه وصمانه، وأرض جلاميده ~~وصوانه، إلى أن دنت الشمس من الزوال، وآل أمر الظامئ إلى رؤية الآل. فبينما ~~أنا أرود لأرد، لاح لعيني غدير مطرد. فأتيته مسرورا، ونهلت منه ماء مقرورا. ~~ثم توضأت لأداء المكتوبة، وأبرد بالصلاة ما صلي من الجوارح المكروبة. # PageV01P079 # ونظرت فإذا تلعة من التلاع، مشرفة على اليفاع، من تلك البقاع، فاقتعدت ~~ذروتها، وتلقيت للقيلولة هضبتها. فما استقر المجلس بي ولا بلغت من الراحة ~~أربي، إلا والغبرة قد نشرت، والوحوش للورد قد حشرت: # فمن أسد ورد شديد الباس، عرد صعب المراس، بين جفنيه مقباس. شثن الكف، لا ~~يرهب من أبطال الصف. ملك مهاب، تبري الإهاب، حديد الظفر والناب، يخلفه ~~الشبل إن غاب عن الغاب: # متخضب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبدتيه غيلا # يطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا # ومن نمر شرس الأخلاق، دم الفريسة بين يديه يراق. الجلبة ضمن جلبابه، ~~والنوائب كامنة في أنيابه، وثباته لاتنكر، وثباته أشهر من أن يذكر. يقطع ~~الطريق، ويحب شرب ms38 الرحيق: # أحسن به من النمور أهرتا ... يحار في تدبيجه أهل الحجا # إذا بدا يريك من إهابه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا # ومن فهد خصره رقيق، وعقد فقاره وثيق، واضح الجبين، أفطس العرنين. كم فرى ~~من فرا، واجترح واجترا، وظفر فظفر، وتخفر به الصيد فما خفر. # فهد كحيل المقلتين مرقش ... جهم المحيا لا يمل من الحنق # PageV01P080 # والليل فيه والنهار تغايرا ... لله ثوب ألبساه من الحدق # ومن دب مختلف الطباع، يأكل مما تأكله الدواب والسباع. بعيد مقترب، مغرى ~~باللهو واللعب. كثير الشهوة، قليل الغيرة والنخوة. يقبل التعليم والتأديب، ~~ويأتي من بحر فطنته بكل عجيب: # وذي وبر قوي مصلخد ... تراه يدب ما بين الدباب # له ظفر إذا ما عن صيد ... له ظفر وناب غير نابي # ومن ضبع حضاجر، كنيتها أم عامر. موصوفة بالعرج، تفترس من دب ودرج. تشتهي ~~السفاد، وتميل إلى الفساد، وتخرج من الوجار، ولا ترعى حق الجار ولو أجار. # صنعنا جميلا قابلونا بضده ... وهذا فعال الخائنات الفواجر # ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يجازى كما جوزي مجير ام عامر # ومن ذئب أطلس، عمر وعسعس، يسطو بأنياب حداد ويألف الوحدة والانفراد. ~~الغدر له شيمة، والغنم لديه غنيمة. صبور على السفر، شديد الخوف والحذر: # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع # ومن ثعلب رائغ، زائل عن الطريق زائغ. وافر المكر والحيل، يضرب بخديعته ~~المثل. حسن اللباس، # PageV01P081 # يرتدي بالسندس والقرطاس. يحب الدجاج والحمام، وربما أوقعه في شرك الحمام: # يطير قلب الطير في وكره ... مخافة من نابه النابل # لكنه يلقى الردى بعدها ... كم أكلة أجنت على الآكل # ومن هر يسبق الهرهور حاد الناب والأظفور. عيناه كالزجاج، ومرطه كالديباج، ~~أخنس الأنف لطيف محل الشنف. يقعي إقعاء الأسد، ويلوي من ذنبه حبلا من مسد: # وهر أهرت الشدقين ضار ... له حسن بديع غير خافي # بكعبة ربه كم طاف سبعا ... ويغسل وجهه قبل الطواف # ومن نمس كميت اللون، ماللطير والثعبان منه صون. صائل صائد، ظهره عظم ~~واحد. طويل الخطم قصير اليدين، ليس له سوى صماخين من الأذنين: ms39 # وظربان يألف الظرابا ... ويقنص الحسول والضبابا # جلدته كالقد في قوتها ... لا يقطع السيف له إهابا # ومن سنجاب أبلق، بطنه أبيض وظهره أزرق. يأوي الأشجار العالية، ويسكن ~~الأماكن الخالية، جميل الملابس، حسن اليلامق والقلانس: # لله سنجاب بر ... ذو ناظر كالشهاب # في الدوح يعدو ويبدو ... كقطعة من سحاب # PageV01P082 # ومن فيل، له خرطوم طويل، يشبه الصولجان، ويحكي في تلويه الأفعوان. وأذنان # كالترسين، تحتهما نابان كالرمحين. عقبة كؤود، شديد الغيرة حقود، يرتاح ~~إلىالطرب، وينخرط في سلك العجب: # وهندي كطود مشمخر ... ذكي القلب يفهم ما يقول # لقاء العسكر الشاكي عليه ... يهون لأن منظره يهول # ومن كركدن كالجاموس، تنفر منه الخواطر والنفوس، قوته شديدة، وأسلحته ~~عتيدة عديدة. له اختيال في مشيته، وقرن غليظ في جبهته، يظهر بأرض الهند ~~والحبشان، فيخضع هيبة له سائر الحيوان: # وكركدن كدن ... في خلقه عجائب # له سلاح حاضر ... والعقل منه غائب # ومن زرافة، حازت أنواع اللطافة. بردها بالوشي ملمع، وقرنها بالسبج مقمع، ~~طال جيدها جدا، وجاوز غضب عجبها حدا. عالية الصدر منحطة المآخر، جميلة ~~الأوصاف والمفاخر: # نوبية المنشا تريك من الطلا ... روقا ومن بزل المهارى مشفرا # جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فنخالها للتيه تمشي القهقرى # ومن مها ثمر حسنها قد زها. عنقاء مبهر، خدها # PageV01P083 # مضمخ بالعنبر. تفتن العقول بأحداقها، ويعز على القلوب غداة فراقها: # عيون المها على ذي صبابة ... صبور على الهجران ليس يحول # يحن إلى سلع ونجد وحاجر ... منازل فيها صحبكن نزول # ومن أيل ضباضب، يحمي من قضب شجرتيه بالقواضب. يأكل الأفاعي، ويحسن في ~~تحصيلها المساعي. يشتغل بالصفير والطرب، فيشتغل بنيران العطب: # متشعب القرنين يدعى أيلا ... من دمعه بادزهر الحيوان # ومن فرا ليس في حسنه مرا. كل الصيد في جوفه، لا يستقر على الثرى من خوفه. ~~يميس في برده القشيب، ويطول عمره ولا يشيب: # شغلته لواقح ملأته ... غيرة فهو خلفهن كمي # ومن وعل أرقب، لا يفارق النفق والمرقب، يحمي الأروية، ويحتجب في البر عن ~~البرية. يسكن في الأماكن الوعرة، ويصبر على شدة القرة والوغرة: # إن شئت تلقى راهبا ذا رغبة ... في ms40 شامخ عالي الذرا فالق الوعل # سامي التليل بالضياء مرتد ... من تيهه وبالظلام منتعل # ومن ظبي غرير، متلفع بمطارف الحرير. كحيل الطرف # PageV01P084 # ذكي العرف. جميل الصفات حسن الالتفات. إن حضر أحيا الأرواح، وإن أحضر فات ~~الرياح: # غزال قد غزا قلبي ... بأسياف من الطرف # له عطف به ميل ... ولكن لا إلى العطف # ومن أرنب يرتع بين الشيح والزرنب. بطنه يقق، ومتنه شفق. قصير اليدين، ~~ينام وهو ساهر العين: # وأرنب ذي وثوب في سياحته ... أثوابه صبغت من ماء عقبان # إذا جرى في فلاة خوف مقتنص ... تخاله كرة تهفو بميدان # ومن قرد نسناس، في خلقه ما يشبه الناس. خفيف الروح، يغدو في الشواهق ~~ويروح. نزيه يهفوف، بالفهم والذكاء معروف: # أحسن بقرد سريع الفهم ذي شبه ... بالآدمي وهذا القدر يكفيه # له لسان ولكن لا يوافقه ... يكاد ينطق لولا عجمة فيه # فلما عانيت من تلك الوحوش ما راقني، وشاهدت من أصنافها وأوصافها ما ~~شاقني، واجتليت محاسن عرائسها، وتنزهت في رياض ملابسها، قمت من شكر بارئها ~~بما يجب، وأعلنت بتوحيد رازقها من حيث لا تحتسب، وتلوث إذ أدهشني جمعها ~~وخلقها: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها}. ثم إنها مالت من الورد ~~إلى الصدر، وتفرقت بعد # PageV01P085 # الاجتماع شذر مذر، فنهضت عازما على الإياب متوكلا على الكريم الوهاب، ~~عائجا إلى حيث أتيت، مثبتا في ديوان الغرائب ما رأيت. ### | الفصل العشرون: في الطيور # أخبرني بعض الإخوان، أنه رأى بلدة من البلدان، متسعة الفناء، محكمة ~~البناء، تروق العيون، وتحرك السكون، بالقرب منها واد خصيب، يشتمل من ~~الأطيار على كل غريب، مديد الأشجار، منسرح الأنهار، وافر الخير، يعرف بوكر ~~الطير. فتقت إلى رؤية ذلك الوادي، وحدا بي من الشوق إليه حادي، فسرت أطوي ~~البيد، وأصل التحليج بالتخويد، إلى أن أتيت إليه، وأنخت راحلتي عليه. ~~فعاينت منه ما حقق مطالبي ووجدت به ما صاح بي كما قال صاحبي: # واد عليه للمحاسن رونق ... وبه طيور طاب عيش نديمها # أرجاؤه مشحونة بسباعها ... وكلابها وبغاثها وبهيمها # فمن صقر شريف النجار، رفيع المقدار. القمر ms41 منظره، والهلال منسره. له ثوب ~~أرقط، بياضه بالسواد منقط، حسن السلوك، لا يصحب إلا الملوك. # ومن باز أشهب، جمر مقلتيه يتلهب. خفيف الجناح، سريع النجاح. يلمع في الجو # PageV01P086 # كالبارق، وينقض انقضاض الطارق. قوي الافتراس، يثب على الطريدة وثوب ~~الهرماس. # وصقر أحمر الجلبات شهم ... طموح العين معقود اللواء # يطير إلى الفلاة يروم صيدا ... فيرجع بالأرانب والظباء # وشاهين رحيب الصدر جون ... يجيد السبح في بحر الفضاء # إذا الكركي لاح سما إليه ... وعاجله بمحتوم القضاء # ومن كوهية حالية الحلة، تجلى كالعرائس في الأكلة، ملابسها مدبجة، ~~ومخالبها بدم القلوب مضرجة، ذات درع ظلها ضافي، منتظمة القوادم والخوافي. ~~تمر مر السحاب، وتأتي بما لم يكن في الحساب. # ومن باشق فرعه مع صغر حجمه باسق، زعرور الأخلاق ذهبي الأحداق. شاكي ~~السلاح، محمود الغدو والرواح. يمرق كالسهام، ويوقع الحمام في شرك الحمام: # وطاو أعار الروض لما ... مشى في اللازوردي المدثر # يلوح على المفارق منه تاج ... بديع تاج قيصر عنه قصر # وديك عرفه من أرجوان ... وجؤجؤه من الوشي المحبر # يرى سهر الدجا حتى إذا ما ... دنا الإصباح هلل ثم كبر # ومن ببغاء جميل الصفات، قوي على حكاية الأصوات. فهمه صحيح، ولسانه فصيح. ~~هندي الأوطان، زبرجدي # PageV01P087 # الأردان. طرفه مركب من قار، وله من الياقوت منقار. # ومن هدهد وافر الهداية، نافر عن الضلالة والغواية. يرى الماء في باطن ~~الفجاج، كما ينظره الإنسان في داخل الزجاج. مرقوم البرود، كثير الركوع ~~والسجود. يميد في حلله الفاخرة ويميس، كأنما ألبسه سليمان تاج بلقيس: # ودراج تبدى في قميص ... نضير الزهر زهري أنيق # فصوص بنفسج في ياسمين ... وريحان تشقق عن شقيق # ومن حجل يعاقيب عليها ... مروط أشبهت لون الدبيق # لها طرف تركب من نضار ... ومنقار تكون من عقيق # ومن قطا، ياله من قطا، حسن المشي متقارب الخطا، جيده مطوق، ومبسمه ~~بالزعفران مخلق. منقوش الإزار، كأنه عب من كأس عقار. جناحه مخضوب، وصدره ~~بماء الذهب مكتوب. ومن يمام، يفي بالعهد والذمام، مشهور بالسجع، معروف ~~بالذهاب والرجع. يألف الرياض ويرفل في ثوب فضفاض. يؤدي الأمانات إلى أهلها، ms42 ~~ويتحرى في رواية الأحاديث ونقلها: # ومن هزار كامل المعاني ... حلو الحلى منطلق اللسان # تراه إن غنى على العيدان ... يطرب ما لا تطرب المثاني # وبلبل بلبل قلب العاني ... حلته من أسود الجنان # PageV01P088 # قام خطيبا في ذرا الأغصان ... يأمر بالعدل وبالإحسان # ومن ورشان، يودع المسامع أطيب الألحان. نوبي الدار، علي المنار. شهي ~~التغريد، معبدي الأناشيد. يحسن الأنغام، ويغري الخلي بالوجد والغرام. # ومن قمري أخفى القمر، كم نهى على منبر الأيك وأمر. ساجع مطراب، إعجامه ~~لذي المعارف إعراب. أشهل العيون، وفي جيده من خط القلم نون. يستديم شكر ~~الدائم، ولا تأخذه في التسبيح لومة لائم: # وفواخت كدرية أطواقها ... مسكية والطرف منها أسود # طورا تفوح على الغصون لفقد من ... تهوى، وطورا للوصال تغرد # وغراب تغريب فصيح أعجم ... داجي الإهاب مقامه لا يحمد # يهوى نوى أصحابه فإذا نأوا ... أضحى مقيما بالديار يعدد # فيالله من واد أنبت السرور، وحوى أصنافا جمة من الطيور، لا أجمع بين ~~أشخاصها وأسمائها، ولا أتحقق شيئا من أحوالها وأنبائها. فسبحان المتكفل ~~بأرزاقها، المباين بين طباعها وأخلاقها. فلما سبرت سر الوادي، تطلعت إلى ~~طلعة شمس بلادي، فلويت زمام الراحلة، وودعت من الطير نجوما غير آفلة، ~~قائلا: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأوطان، تاليا: {أولم يروا ~~إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن}. # PageV01P089 ### | الفصل الحادي والعشرون: في الكتابة # الكتابة ألهمك الله معرفة فضلها، ولا حرمك نفع صداقة أهلها، أشرف الوظائف ~~والمناصب، وأرفع المنازل والمراتب، وأفلح صناعة، وأربح بضاعة. قطب دائرة ~~الآداب، وصدر أسرار الألباب، ورسول صادق، ولسان بالحق ناطق، وسيف تحد بحده ~~المعارف، وميزان يميز التالد من الطارف، تلحق خبر الحاضر بالغائب، وإليها ~~تنتهي الآمال والرغائب. بها تتم النعمة، وتفصل شذور الحكمة. تبرز إبريز ~~البلاغة، وتصوغ لجين الكلام أحسن صياغة. لطف حواشي رقاعها محقق، وجدولها ~~المسلسل على الريحان يتدفق. قد تحلت بصحة الوضع والتركيب، وحلت بما حكت من ~~أعضاء الحبيب: # فاللام والألف كعذاره وقده. والجيم كصدغه المعقرب على خده. والصاد والنون ~~كعينه وحاجبه. والميم منه النائي عن رائد ورده ms43 بجانبه: # لا تعد عن فن الكتابة، إنها ... مغنى الغنى ومفاتح الأرزاق # واخش اليراعة وارجها فهي التي ... عرفت بنفث السم والدرياق # والكتاب عماد الملك وأركانه، وعيونه المبصرة وأعوانه، وبهاء الدول ~~ونظامها، ورؤوس الرياسة وقوامها. ملابسهم فاخرة، وشمائلهم لطيفة، # PageV01P090 # ونفوسهم شريفة. مدار الحل والعقد عليهم، ومرجع التصرف والتدبير إليهم. ~~بهم تحلى العواطل، وتبتسم ثغور المعاقل. مجالسهم بالفضائل معمورة، وبندائهم ~~أندية القصاد مغمورة. يهدون إلى الأسماع أنواع البديع، وينزهون الأحداق في ~~حدائق التوشيح والتوشيع. هم أهل البراعة واللسن، وشيمتهم لف القبيح ونشر ~~الحسن. يميلون إلى القول بموجب المدح، ولا يملون من مراجعة الراغبين في ~~المنح. دأبهم استخدام الناس بالمعروف، وعدم التورية عن العاني والملهوف. ~~ويجلون الكبير ويبجلون الصغير، ولا يخلون بمراعاة النظير. لهم إلى الخير ~~رجوع والتفات. وبالجملة فقد حازوا جميع جميا الصفات. # كتبت، فلولا أن هذا محلل ... وذاك حرام، قست خطك بالسحر # فإن كان زهرا فهو صنع سحابة ... وإن كان درا فهو من لجة البحر # بأيديهم أقلام تختلس بلطفها الأحلام. صافية الجواهر، زاهية الأزاهر، لينة ~~الأعطاف، ناعمة الأطراف. تبكي وهي مبتسمة، وتسكت وهي بما يطرب السمع ~~متكلمة. قد اعتدلت قدودها، وأشرقت في سماء البراعة سعودها. أسنتها مرهفة، ~~ومطارفها مفوقة. تجتهد في # خدمة الباري، وتبدي من دررها ما يفضح الدراري. تميس في وشي أبرادها، ~~وتشرح الصدور بعذوبة إبرادها. نشأت على شطوط # PageV01P091 # الأنهار وتعلمت اللحن من إعراب الأطيار. طويلة الأنابيب، تسلب القلوب ~~بحسن الأساليب. تدهش الناظر وتخجل العامل، ولا ترضى بامتطاء غير الأنامل. ~~الشجاعة كامنة في مهجتها، والفصاحة جارية على لهجتها. تبهر بالنضارة نواظر ~~النهار، وتطرز بالليل أردية النهار. إن قالت لم تترك مقالا لقائل، وإن صالت ~~رجعت السيوف مستترة بأذيال الحمائل. سجدت للطرس، فرفعت إلى أعلى الرتب، ~~وحلت وشببت فلا غرو إذا سميت بالقصب. # قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد # وهبت له الآجام حين نشا بها ... كرم السيول وصولة الآساد # يكرع من دواة حالكة الحياض، مشرقة الأدواح والرياض، جنية الأثمار مطعمة ~~الأشجار. ريقها رائق، ونيل نيلها دافق. تكشف غطاءها ms44 عن كل معنى أنيق، وتفتح ~~فاها بكسر العدو وجبر الصديق. شرفها ليس فيه نزاع، وسقطها من أنفس المتاع. ~~تحنو على أولادها طول المدى، ثم تقط رؤوسهن - ولا ذنب لهن - بحد المدى. سمت ~~إلى المعالي بنفسها، وأعارت المسك السحيق بنقسها. ترشد بنور جمالها، وتنشد ~~بلسان حالها: # إن السعادة، حيث كنت، مقيمة ... والبحر أخبار الندى عني روى # كم من عليل مقاصد أبرأته ... فأنا الدواة حقيقة وأنا الدوا # PageV01P092 # لله أطراسها التي أضاءت بمدادها، وأشبهت عيون العين ببياضها وسوادها، ~~وانطوت المحاسن تحت رق منشورها، وصدحت حمائم البلاغة على أغصان سطورها. ~~صحائف تنوب عن الصفائح، وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح. ألبسها ~~الحبر أثوابا من الحير، ودبجها صواب الفكر لا صوب المطر. كم حازت من در ~~منظوم، وعلم لفظ بوشي المعاني مرقوم. وفقر تفتقر إليها أجياد الحسان، وغرر ~~كلم تذهب العقول بسحرها وإن من البيان: # كتاب في سرائره سرور ... مناجيه من الأحزان ناجي # كراح في زجاج بل كروح ... سرت في جسم معتدل المزاج # فاجتهد أعزك الله في طلابها، واحرص على الدخول في زمرة أربابها، وتمسك ~~بأذيال # بنيها، تجد جوادا أو نبيلا أو نبيها. وحسبهم شرفا أن الله تعالى نوه ~~بذكرهم في العالمين، ووصف الكتبة بالحفظ والكرم فقال: {وإن عليكم لحافظين، ~~كراما كاتبين}. ### | الفصل الثاني والعشرون: في الحرب والسلاح # منع الجزية أهل الصليب، في عام عاموا منه في بحر عجيب، فأشار الأمير ~~بالتأهب للنزال، وأمر بتحريض المؤمنين على القتال. فأخذوا في الاستعداد. ~~وجدوا في تحصيل الجياد. # PageV01P093 # فأحببت الدخول في زمرة المجاهدين، ورفضت قاعدة الذين قالوا: {ذرنا نكن مع ~~القاعدين}. فلما كملوا عددا وعددا وتحروا في أهبتهم رشدا، ساروا إلى جهة ~~العدو المخذول، وطيور السعد تحوم عليهم ولا تحول. ياله من جحفل تحفل ~~بالشوس، وكتيبة تميل إلى خضرتها النفوس، وجيش عرمرم، وخميس لهب أسلحته ~~يتضرم، وعسكر جرار، وفيلق يتلو: {قل لن ينفعكم الفرار}. يهول المنظر، مثار ~~العثير. قوي القلب والجناحين، كم ليدها الطولى من جناحين. يدني بعيد ~~الآجال، وينفر حتى الوعل والآجال. النصر من جملة آياته، والظفر ms45 معقود ~~براياته: # محلى بالسيوف وبالعوالي ... وبالحلق الموانع والقسي # وفيه عيون درع ناظرات ... إلى الأعداء من طرف خفي # ببحر الحرب منه سابحات ... تملك حسنها قلب الكمي # ألا لا تخش فيه ليل نقع ... فكم قد حاز من وجه مضي # ينطوي على غضنفر كاسر، وعقاب يصول من النصال بمناسر، وذفر مشيع، وباسل ~~عمر خصمه مضيع، وبطل ثبت الغدر، وأحمش لامنجى منه ولا وزر وشهم أيام عداه ~~مدلهمة، وقدم صمة، وما أدراك ما الصمة؟ # من كل مرهوب السطا رحب الخطا ... عرد المطا ليث تأبط ارقما # يبدو هلالا في سماء عجاجه ... ويريك من زرق الأسنة أنجما # PageV01P094 # أكرم بهم شجعة برزوا للكفاح، واشتملوا على أنواع من السلاح: # فمن سيف يفري بحده، ويأنف من المقام في غمده. أمضى من أمس، واشرق من ~~الشمس. ينتقل من القراب إلى الرقاب، ويدب النمل منه على الذباب. يروع ~~ويروق، ويخفي بلمعه البروق، يتمايل كالخمائل، وينجلي في حلي الحمائل. يجتهد ~~في إهلال النفوس، ويبتسم حيث الأجل عبوس: # ومنهد إن قابلته فريسة ... ينقض من جو القراب كأجدل # مصغ إلى حكم الردى، فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل # الموت كامن في غربه، والحتف قريب من قربه. إن جرد عاينت عيون الجراد، ~~ورأيته مطبوعا على الجدال والجلاد. وإن سل حكم بقطع الأرزاق، وطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق. يرتعد لا من الخوف، ويجل فعله الماضي عن السين وسوف. لم ~~يبرح كارعا من موارد الوريد، تاليا: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد}. # حسام، وبتار، جراز، وصارم ... رسوب، وقرضاب، صنيع، ومخذم # قشيب، وصمصام، وعضب، ومرهف ... قضيب ومأثور، ونصل مصمم # نهيل، وهزهاز، وأبيض، قاطع ... رسول المنايا في الدماء محكم # ومن رمح مثقف، أسمر اللون مهفهف. لدن القوام، # PageV01P095 # يبدل الكلام بالكلام له نصل مطعان، وسنان غير وسنان. صدق صادق مارق في ~~المارق. يفرق الجموع ولا يفرق، ويصيب العدا بناظره الأزرق. يستوفي النفوس ~~وهو عامل، ويضرب حاصل الكماة ولا يجامل. لهذمه ألمع من الشهاب، وكعبه أيمن ~~من طلعة الكعاب، فعله حميد، وظله مديد. سلب اللطف من الأغصان، ms46 وتعلم الرعدة ~~من جنان الجبان. خطار عظيم الخطر، خطي لا يخطئ في قص الأثر. طويل يقصر ~~الأعمار، قناة تجري بدم الأذمار: # وأسمر من رشف كأس الدما ... يهتز بالشكر اهتزاز الطروب # يبسط في الإشراق بسط الردى ... ويقبض الأرواح عند الغروب # ومن قوس حنانة، سحائب سهامها هتانة، تطلع كالهلال في سماء الرهج، وتسبح ~~في الهواء سبح النون في اللجج. ضروح تسكن الضريح، عطوف لكن لا على الجريح، ~~تبهر بأبهرها العيون، وتبلغ المنى برسل المنون. لها يد تمنح جميل الأيادي، ~~ورجل تسعى في قتل الأعادي. تضم شمل أولاد نوافر، يصلن بلا أنياب، ولا ~~ظوافر. ذوو أجنحة تروع السباع، مثنى وثلاث ورباع. # عطوى مروح، تريح المنبضين لها ... هتانة لفراق السهم مرنان # PageV01P096 # أولادها تدرك الأغراض عن كثب ... وناظر السيف قد أخفته أجفان # ومن ترس عنتر، يفل به حد الأبتر. جنة واقية، ومنة باقية. جوب يجوب حرة ~~الحرب، ولا يمل من ملاقاة الطعن والضرب. بريء من الختل والختر، معروف ~~بالحماية والستر. # لله جنة جنة ... لا يجتليها من طغى # من حل تحت ظلالها ... أنجته من نار الوغى # ومن بيضة حسن ملبسها، وزاحم الفلك قونسها، وصفها بديع، وحرم حماها منيع. ~~الرؤوس بها محفوظة، والنفوس بعيونها ملحوظة، تعلو على المفارق، وتطرق ~~لهيبتها أجفان الطوارق. # يا رائد الحرب تقنع، واقتنع ... بمغفر أحسن به من مغفر # سامي الذرا عالي الجناب مانع ... ذمامه يوم الوغى لم يخفر # ومن درع ستور، روض وشيها منثور، مضاعفة دلاص، منجية يوم لات مناص، فضفاضة ~~مسرودة، ألوية النصر بها معقودة. كأنها سراب بقيعة، أو حباب يطفو على ~~شريعة، أو سلخ أفعوان، أو لهب نار لم يشب بدخان. تنظر بعيون الجنادب وتصبر ~~على وخز العوالي والقواضب. # PageV01P097 # يا رب سابغة حبتني نعمة ... كافاثها بالسوء غير مفند # أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند # ومن أشياء يطول ذكرها، ويعز على البليغ البارع حصرها. # ثم إنهم جدوا في الرحيل وتمسكوا بالنص واتبعوا الدليل. إلى أن وصلوا إلى ~~بلد الأعداء سيس، وأرهبوا بجمعهم الراهب والقسيس. فسارعوا إلى النزول، وغصت ~~بهم ms47 الوعور والسهول. وصابحوهم بما أشقى مساءهم. وناوحوهم بما دمرهم وساءهم. ~~ونادوهم بألسنة الحمام، وناجوهم برسائل السهام، ونصبوا آلات الحصار لكسرهم، ~~وأعدوا ما استطاعوا من القوة لقتلهم وأسرهم، وأحاطوا بأسوار المدينة، ~~وصدموها بمن في آذانهم وقر عن الوقار والسكينة. فكم تكن إلا ساعة من نهار، ~~حتى تحرك البناء وانهار، وسال السور بعد أن ماج، وهوت بكواكب المنجنيق منه ~~الأبراج. فدخلوا البيوت من غير الأبواب، وجرعوا أعداء الدين مذاب العذاب، ~~وحصل أهل الشرك في شرك القبضة، وعجزوا عند قص أجنحتهم عن النهضة، وتمشت في ~~مفاصلهم حميا السيوف، وصفاح الرغام وجوههم على رغم الأنوف: # لله در فوارس كم أقبلوا ... نحو الحروب، ونافسوا في وصلها # قوم إذا دخلوا معالم قرية ... لعداتهم جعلوا أعزة أهلها # ثم عاجوا لاقتلاع قلعتها، ومالوا إلى محو أسطار بقعتها. فقدموا # PageV01P098 # إليها النقابة، وحسروا عن وجه الاجتهاد نقابه. وباتوا يطلقون فيها ألسنة ~~المعاول، ويعرضون عن رأي من قال: # وأين الثريا من يد المتناول # فأصبحت على الخشب معلقة، ثم عادت بذات الوقود محرقة. فلم تمض عليها إلا ~~لمحة غافل، حتى صارت الأعالي منها أسافل، وأحيط بطاغيتهم وفرسانه، وقبض على ~~أعوانه وأعيانه. ونزعت التيجان، ونكست الصلبان. وبل غليل السيف، وارتفع ~~الحتف والحيف، وهدمت البيع والكنائس، واستخرجت الذخائر والنفائس، وأسر ~~النساء والأطفال، وبلغ الطالب من الأموال منتهى الآمال. وأعز الله جنده، ~~وأنجز من التأييد وعده، ومن بعوائد ألطافه الخفية، وجعل هام الملحدين لحودا ~~للمشرفية. وما النصر إلا من عنده وهو المتصدق بجزيل رفده على عبده. # ثم إن العساكر عادوا إلى أوطانهم غانمين سالمين، وقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين. ### | الفصل الثالث والعشرون: في رمي البندق # برزت يوما مع رفيق رقيق، يسر بمنادمته سر الصديق. لا يخرج عن الواجب. ولا ~~يحجبه عن ذكر الجليل حاجب. رفيع المقام، صادق الكلام. ينطق بالحكمة وفصل ~~الخطة، وهو لدائرة الفضل بمنزلة النقطة. يجتني من الرياض أزهار # PageV01P099 # الرياضة، ويعتني بما يشرح الصدر ويزيل انقباضه. ويحب معالي الأمور، ~~ويتقدم إلى كل مقدمة تنتج السرور. ويتمسك بما كان داعيا ms48 إلى المروة، باعثا ~~على امتثال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} # قد ألف لخطبة الطير كل خطب مهول، واعتاد خوض المنايا فأيسر ما تمر به ~~الوحول، إلى روضة أنيقة تهدي الأنق، وتضيء في جوانبها وجه الملق. والغيم ~~ممدود الرواق، والطل دمعه يراق، والجو مسكي الإهاب، والشمس قد توارت ~~بالحجاب. # والأرض وشي والنسيم معنبر ... والماء راح والطيور قيان # فنزلنا بفنائها، وشممنا الأرج من أرجائها، واجتلينا محاسن أزهارها، ~~وطربنا لسماع نغمات أطيارها، وقبلنا هناتها وهباتها، ورعينا على كلا ~~الحالين كلأها مع نباتها، ورأينا بها عصبة من الرماة، وفرقة تفرق منهم ~~الأبطال والكماة فألمنا بحضرتهم، وانتظمنا في سلك زمرتهم، فلما أنست ~~بذراهم، وآنست نار قراهم، شاهدت قوما نفوسهم أبية، ومقاماتهم علية. في ~~وجوهم سيما القبول، ومعهم وصول بالوصول، يرعون حق الذمام، ويقتفون آثار ~~الكرام، ويرفلون في حلل العفاف، ويسلكون سبل الإنصاف، ويحفظون الحديث عن ~~القديم، ويثبتون الصحيح وينفون السقيم، ويوقرون الكبير، ويرضون من العيش ~~باليسير، ويعتمدون حسن الوفاق، مع # PageV01P100 # الرفاق، ويعرضون عن أهل العرض لعلمهم أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق. # أهل الصبابة إن قالوا وإن سمعوا ... وللسماع - كما للقول - إعراب # كل يحاول ما يبغي الفلاح به ... فالمبتغى واحد، والناس أضراب # فلو رأيتهم وقد أتوا إلى الخطة والتفوا، وحملوا غير متحاملين واصطفوا، ~~وخطروا في تلك المطارف، يؤمهم القديم إلى جهة المواقف، مسرعين إلى الأخذ ~~بالثارات، متدرعين الغبار لشن الغارات: # لعاينت قوما في مقامات عزهم ... وقوفا، وكلا منهم قد ترسما # جفوا في الظلام النوم كي يتقدموا ... ومن سهر الليل الطويل تقدما # جماعة طريق حرمهم للنزيل قبلة، وحسن شيمهم للعقول عقلة. كم فيهم نقي خد ~~أخجل الدمى ورشيق قد جبل طرفه على سفك الدما: # شغل الطيور بحسن منظر وجهه ... فتوقفت فأصابها بالبندق # وكم لهم من دعرة وشطارة، يقولون ما أهون الحرب على النظارة، ونكتة غريبة ~~يأتي بحرها بالعجب، ومصطحب شريف وما أدراك ما المصطحب؟ ما ألطف سجاياهم ~~الطاهرة، وأطيب أوقات وجوههم الناضرة: # في غدوة ومصبح ورواجع ... ومصوغ وخوارج وعشاء # PageV01P101 # بأيديهم قسي قدودها رشيقة، ms49 وملابسها مدبجة أنيقة، من الطين اللازب نجمها، ~~ومن الدمقس المفتل لحمها. أجاد خرمها الصناع، وهذبت كماة الرماة منها ~~الطباع. كأنها حواجب مقرونة، أونونات معرقة موضونة، أو أهلة مشرقة النور، ~~أو مناجل لحصاد أعمار الطيور. # حوامل إذا دنا نتاجها ... تقذف من أكبادها كواكبا # ومعهم للرمي بنادق، أسرع في الإصابة من الفيالق، كأنها كرات دورية، لا بل ~~كواكب درية، تمر بهم عساكر الطيور المختلفة، وهي تختال في برودها المفوفة ~~ولم تدر أن أيدي المنون إليها ممتدة، وأن سيوف الحتوف لها معدة. إن هبطت ~~مسبقة أصابتها عيون أوتارها المبصرة، وإن نهضت محلقة فكرات قسيهم عنها غير ~~مقصرة، فتسقط عليهم سقوط الندى، وتهوي إليهم مجيبة لداعي الردى: # تهوي إليهم وتأتي ... من كل فج عميق # يا حسن بدر منير ... يسعى لصب مشوق # فبينما هم في وجه عشاؤه أضاء بنور التهاني، ولمعت فيه بارقة بروق ~~الأماني، والليل قد أرخى أستاره، وأبرز من النجوم درهمه وديناره، والأنهار ~~سارية وسارحة، والأطيار في الملق سابحة وسائحة: # PageV01P102 # نزه الطرف يا أخا الظرف ليلا ... في طيور أحسن بها من طيور # فوق وجه الماء تسعى وترعى ... كنقوش قد خيلت في ستور # عن لصاحبي إوزة فضية اللون، بينها وبين المرزم في الحسن بون. كأنما خاضت ~~في اللهب، وكرعت من ماء الذهب، تسبق الريح في المطار، وترتفع إلى أن تغيب ~~عن # الأبصار فرماها، في حال بعدها عن العيون، وصرعها عاجلا أسرع ما يكون، ~~فحسنت له الجفة وباركت فيه، وأظهر من سر الظفر ما كان يخفيه، وخرج فرحا ~~بتحصيلها مائدا وحملها من كان له شاهدا، ورمى لمن قبله وسبقه، وفي بحر ~~الحمد والشكر غرقه. ثم تواتر الرمي من كل نبيه ونبيل، وتفرقوا من ذلك الوجه ~~على وجه جميل: # كم طائر للأرض أمسى واقعا ... بنجم قوس للسماء قد سما # من حيث لا يشعر يأتيه الردى ... فاعجب له من صامت تكلما # لم يدر من أين أصيب قلبه ... وإنما الترامي درى كيف رمى # فلما شاهدت من أحوالهم ما راقني، ومن نوالهم ما قيدني عن غيرهم وعاقني، ~~أثنيت على ms50 من بهم عرفني، وبالطيب المسكي من أنفاسهم عرفني. وقمت ناشرا وصف ~~المواقف والأطيار قائلا على سبيل التشوق والتذكار: # ياصاح قم نسعى إلى الأملاق ... فنحوها قد ذبت من أشواقي # PageV01P103 # الله ما أحلى حلى أوقاتها ... وأملح الولدان في جناتها # والجو يجلى في ثياب دكن ... يستلب اللب بفرط الحسن # السحب قد تتابعت وفودها ... وانفرطت على الربا عقودها # وروضة الأنس يفوح طيبها ... وينثني في دوحها رطيبها # ونغمات الطير بالألحان ... تغني عن الجنوك والعيدان # أحسن بها يا سعد من أطيار ... تلوح كالأنجم للأبصار # تخالها إذا سجا جنح الغسق ... كأسطر خطت على وجه الملق # من وارد وصادر، وواضع ... وناهض، وطائر، وواقع # أبيض كالصبح إذ تبلجا ... وأسود محلولك يحكي الدجا # وأخضر مدبج اللباس ... وأزهر يزهو على النبراس # مختلفات في الحلى والشكل ... عن حصرها يعجز أهل الفضل # لكنها جليلها معروف ... وهو لدى أربابه موصوف # فهاكها بعد عشر أربع ... كعمر بدر التم حين يطلع # قد جمعت أوصاف كل طائر ... مبينات المجد والمآثر # فالتم يبدو في لباس يقق ... كأنه مركب من ورق # في الرأس منه نقطة تحكي السبج ... من الرماة نحوه تصبو المهج # والكي شيخ أبيض جلبابه ... معلق في عنقه جرابه # منقاره كحربة من أسل ... وظهره محدب كالجبل # وللإوز نغمة الأوتار ... إذا بدت تختال في المطار # فضية منقارها من عسجد ... يا سعد في حبي لها كن مسعدي # PageV01P104 # واللغلغ المسكي كالإوز ... في الحسن والوصف وفرط العز # لكن له مثل اللجين غره ... تدني لمن يصرعه المسره # وحبذا الأنيسة الملونة ... لباسها المنقوش ياما أحسنه # يبكي عليها الصب بالدموع ... لأنها عزيزة الوقوع # خذ يا أخا الرمي صفات الحبرج ... يحكي القطا في لونه المدبج # يألف أيام الربيع الزاهره ... فيجتبي ويجتلي أزاهره # والنسر راميه شديد الأسهم ... لأنه عال كنسر الأنجم # أقرع ذو مخالب حداد ... يذكر عصر تبع وعاد # وبعده وصف العقاب الكاسره ... تلك التي للوحوش تغدو آسره # مغبرة ظافرة، أظفارها ... بالصيد أدنى الردى منقارها # قم نجتلي الكركي تحت الشفق ... فقد بدا في ثوب خز أزرق # ومد جيدا ياله من جيد ... وأطرب الأسماع بالتغريد # إذا بدا الغرنوق ms51 في الفضاء ... شبه بالغمامة الدكناء # كأنه الكركي في لباسه ... سوى سواد عنقه وراسه # والضوع مبيض شبيه الفلق ... أطراقه مصبوغة بالعلق # يختال في الحمرة والبياض ... كخد من قد زاد في الإعراض # ومرزم يا حسنه من مرزم ... كأنه قد خاض في بحر الدم # أبيض وضاح طويل العنق ... راميه قد فاز بفضل السبق # وتلوه السبيطر المسموم ... أبيض ضخم وصفه معلوم # يسكن في الأماكن العليه ... وطعمه الحية والسحليه # PageV01P105 # وأقبل العناز بعد الجمع ... أسود ذا صدر كضوء الشمع # قد جمع الضدين صبحا ودجا ... من يرمه يعد من أهل الحجا # وهذه تكملة الأطيار ... أعني طيور الواجب المختار # ترفل في محاسن الملابس ... وتنجلى في الطرس كالعرائس # كأنما تنظرها حقيقه ... سابحة في غدرها الأنيقه # لا زلت ترمي الطير والأعادي ... بأسهم ذي ألسن حداد # ودمت تلقى السعد في مسيركا ... حتى تعد الكل من طيوركا # ما سهر الليل رماة البندق ... وقبل الطير خدود الملق ### | الفصل الرابع والعشرون: في الكرم والشجاعة # مررت ببعض أحياء العرب، في يوم طما بحر آله واضطراب، فلمحني شخص من بعيد، ~~حوله جماعة من الخدم والعبيد. فأرسل واحدا منهم في طلبي، فلما دنوت منه رحب ~~بي وأحسن منقلبي، ورفع قدري ومنزلي، وأعذب موردي ومنهلي. وأعز جانبي، وأترع ~~مشاربي. وأجزل نولي وعظم قومي وقولي. وأتحفني باللطائف، وأمدني بكل ساع من ~~البر وطائف. وأضرم نار القرى، وسقى بدماء البدن ظامئ الثرى. ومنحني من ~~الجود بأنواع مختلفة، وأسدى إلي المعروف من غير معرفة، وعقر النعم، وغمر ~~بالإنعام، # PageV01P106 # وتجاوز الحد في الكرم والإكرام. وعم بفضله البسيط وإحسانه الشامل، وآلى ~~أن لا أرحل عن حيه مدة شهر كامل: # وحقق آمالي وقرب مجلسي ... وأرشفني كأس النوال مروقا # وقيدني بالمكرمات، أما ترى ... لساني له بالشكر أصبح مطلقا # ياله جوادا لا يلحق، وغيدقا لا يطرق حين يطرق، وقلمسا بعيد المدى، وخضرما ~~تفيض أنديته بالندى، وصنديدا سخي البنان، وسميذعا لا تبرح ربوعه ربيعا ~~للضيفان. وهماما تهمي سحائب جوده، وأريحا لم يزل مرتاحا لملاقاة وفوده. ~~يطوى حاتم الطائي عند نشره، ويفنى هرم بن سنان لبقاء شارح ذكره. ms52 ويطوف كعب ~~بن مامة بكعبة حرمه، ويخلد به خالد القشري ليقتبس من كرمه وينقص لديه معن ~~بن زائدة، ويلتقط يزيد بن الملهب في هلبة الزمان فرائده: # مفيد ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # جزيل المروة شريف الأبوة. كريم النجار، جليل المقدار، علي الهمة، طليق ~~الوجه عند الملمة، ويحرز المجد ويذهب الذهب، ويتبدئ بالإحسان إلى العفاة ~~قبل الطلب. ظله ممدود، وجوده موجود، وفناؤه مقصود، وباب منزله عن الواردين ~~غير مردود. يعطي من لا يرجوه، ويفصل قضية # PageV01P107 # المتقاضي وعده على أحسن الوجوه. كم أولى من أيادي، وأنجز إيعاد الأعادي، ~~ومنح برا، وكف عن نزيله ضرا. وأجرى نيل النوال، وأماط عن المجتدي سوء ~~السؤال: # علم المزن الندى حتى إذا ... ما حكا، علم البأس الأسد # فله الغيث مقر بالجدا ... وله الليث مقر بالجلد # ولقد شاهدت منه في مدة مقامي، يكبو دون منتهاه جواد كلامي، من كرم زهت ~~كرومه، وشجاعة طال أسلها وزهت نجومه، ونعم تجل عن الحصر، ونجدة مؤذنة ~~بالنصر، وسماحة وحماسة، وتدبير وسياسة، وثبات أقدام وصبر وإقدام، ولسان ~~لذوي المسألة مجيب، وصدر لمن ورد وصدر رحيب. وهبات طاب هبوب نسيمها ومنح ~~راقت جنات نعيمها، وسخاء بحره زائد، وصلة نفعها على من وصل إليه عائد، ~~وأخلاق حسنة، ومناقب تقصر عن وصفها الألسنة: # وعدل أباح الشاء أتلعة الفلا ... تلس كلاها، والذئاب رعاء # وفضل حباه الله سبحانه به ... ولله وضع الفضل حيث يشاء # لله نسبه الذي علا على الفلك، وفتحت السعادة له الأبواب وقالت هيت لك، ~~وبيته الذي رفع المجد قواعده، وأطلع الرفد في آفاق الإنفاق موائده، وقومه ~~الذين زكت نفوسهم، وأينعت في حدائق العطايا غروسهم، وملكوا أعنة المعالي، ~~ورفعوا خيام # PageV01P108 # خيمهم بأطراف العوالي، يسير الفخر تحت ألويتهم، وتتعطر المجالس بطيب ~~أنديتهم. يقتحمون عتبة الوغى صابرين على الطعن والضرب، ويفضلون مقارعة كماة ~~الحرب، على معاقرة كميت الشرب. # طالما كفوا أكف العدى، ووجد أبناء السرى على نارهم هدى، وشتتوا شمل ~~الأبطال، وجروا على ms53 تاج المجرة فضل الأذيال: # إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فأتهم يوم نائل أو نزال # تلق بيض الوجوه سود مثار الذ ... قع خضر الأكناف حمر النصال # وبعد فمحاسنه لا تحصى بعد، وأوصافه لا تدرك لأنها لا تنتهي إلى حد. ~~والإسهاب يضع ممن زاد طولا، واختصار القول أجدر وأولى. # فلما انقضت مدة أليته وقرت عيني بما عاينت من لطف محبته، وآن للمقيم أن ~~يرحل، وللضيف العائد بالفرائد أن يخير وإن لم يسأل، استأذنته في الظعن، ~~وأعلمته باشتياقي إلى الوطن. فأذن لي مكرها وأنشدني متأوها: # تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد # جعلت وداعي واحدا لثلاثة: ... جمالك، والعلم المبرح، والمجد # ثم إني سرت شاكرا بره المألوف، ناشرا ألوية معروفه المعروف، حامدا إنعامه ~~الذي شمل القريب والبعيد، مادحا # PageV01P109 # شخصه الذي لم يشك وحشة قط وهو في الدنيا وحيد، مجريا ذكر ما حواه ثم عزم ~~العزائم مثنيا على أياديه الجميلة ثناء الروض على الغمائم. ### | الفصل الخامس والعشرون: في العدل والاحسان # إن الله يأمر بالعدل والإحسان، فبادر إلى امتثال الأمر أيها الإنسان، ~~وانشر أعلام الإنصاف، واتصف بمحاسن الأوصاف، وارفق بالرعية، وأكثر من البر ~~إلى البرية، وابسط رداء المعدلة، وساو بين الخصوم في المنزلة، واسمح بجبرك ~~وخيرك، ولا تظلم الناس لغيرك. # واعلم أن العدل حارس الملك، ومدبر فلك الفلك، وغيث البلاد، وغوث العباد، ~~وخصب الزمان، ومظنة الأمان. وكبت الحاسد، وصلاح الفاسد، وملجأ الحائر ومرشد ~~السائر، وناصر المظلوم ومجيب السائل والمحروم. به تطمئن القلوب، وتنجلي ~~غياهب الكروب، ويرغم أنف الشيطان، وترتفع به قواعد السلطان. عليه مدار ~~السياسة، وهو مغن عن النجدة والحماسة: # عن العدل لا تعدل وكن متيقظا ... وحكمك بين الناس فليك بالقسط # وبالرفق عاملهم وأحسن إليهم ... ولا تبدلن وجه الرضا منك بالسخط # PageV01P110 # وحل بدر الحق جيد نظامهم ... وراقب إله الخلق في الحل والربط # وإياك والظلم فإنه ظلمة، وداع إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة. يقرب ~~المحن ويسبب الإحن، ويخلي الديار، ويمحق الأعمار، ويعفي الآثار، ويوجب ~~المثوى في النار، وينقص العدد، ويسرع يتم الولد، ويذهب ms54 المال، ويتعب البال، ~~ويجلب العقاب، ويضرب الرقاب، ويقص الجناح، ويخص بالإثم والجناح، والمظلوم ~~أنفاسه متعلقة بالسحاب، ودعوته ليس بينها وبين الله حجاب: # كن منصفا واسلك سبيل التقى ... فالبغي ليل جنحه مظلم # واجتنب الظلم ولا تأته ... والله لا يفلح من يظلم # وأيقظ عيون حزمك وشيد مباني عزمك، واحتم بالاحتمال، فهو أنصر لك من ~~الرجال. وزين مجلسك بألمعيتك، وسس نفسك قبل رعيتك وامزج الرغبة بالرهبة، ~~وارع لأوليائك حقوق الصحبة، وادفع بالتي هي أحسن، وأت من المعروف بما أمكن: # واصنع جميلا ما استطعت فإنه ... لا بد أن تتحدث السمار # وتجاوز عن الهفوات، وادرأ الحدود بالشبهات. وأنجز الوعد وأخلف الوعيد، ~~وقيد لفظك فلديك رقيب عتيد، وتفكر في العواقب، والحظ الأخرى بعين المراقب: # PageV01P111 # من لم يفكر في العواقب ناظرا ... فيما يؤول إليه آخر أمره # خسرت تجارته وضل عن الهوى ... ورأى مساعيه بطرف أمره # وعليك بالحلم فإنه معدن السرور، وعقال الفتن والشرور. يبلغك من المجد ~~قاصيته، وتملك به من الحمد ناصيته. مطية وطية وعطية يالها من عطية، وخصلة ~~محمودة، وشيمة ألويتها بالسعد معقودة. يسهل الأمور، ويقي كل محذور. همة ~~صاحبه علية، ومرآة متعاطية جلية. لا يظهر إلا عن صدر سليم: # قابلت بالإحسان من ساءني ... ميلا لتحصيل الثناء المقيم # وقمت بالواجب من شكره ... إذ عرف الناس بأني حليم # واعف عمن ظلمك، وصل رحمك، وارحم حرمك، وأطف بالأناة جمر الغضب، واحذر من ~~غاسق الغيظ إذا وقب، وصن عرضك عن الأدناس، وادخل في زمرة العافين عن الناس، ~~فهم أهل الفضل يوم القيامة، والمتقلدون بكرم الكرامة، يرفلون في أثواب ~~الثواب، ويدخلون الجنة بغير حساب. ولا تعج عن سنن السنن، وراقب الله في ~~السر والعلن، واتبع في الإحسان طريق من أفلح به المؤمنون، والزم التقوى: ~~{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}. ### | الفصل السادس والعشرون: في الشكر والثناء # شكر المنعم واجب، والثناء على المحسن ضربة لازب. فاشكر # PageV01P112 # من وضع الخير لديك، وكن مثنيا على من أحسن إليك، حيث أجاب سؤالك، وحقق ~~آمالك، وصدق ظنك، وأضحك سنك، وأتحفك بكرائم كرمه، وأطلع ms55 في أفقك نعائم ~~نعمه، ولبى دعوتك، وروض عدوتك، ورعى جانبك، وبلغك مآربك، وقوى معينيك وأيد ~~معانيك، وأسكنك من العليا قبابا، وفتح لك إلى دار السعادة أبوابا: # وأولاك الجميل بغير مطل ... وعن وجه الندى رفع الحجابا # وبل ثراك بالجدوى فحق ... عليك تصير التقريظ دابا # إن قصر عن المكافأة بنانك، فيطل بنشر الشكر لسانك، فبه تدوم النعم، وهو ~~داعية الجود والكرم. كثرته تبعث على بذل الألوف، وقلته تزهد في اصطناع ~~المعروف. فاجتهد في إقامة شعاره، واحتفل برفع علمه وإعلاء مناره، وإياك ~~والتقصير في حق من شملك بفضله الغزير، وقم بواجب من قلدك المنة، ولا تجعل ~~الاعتذار بعجزك من غير حرص جنة. # أطلق لسانك بالثناء على الذي ... أولاك حسن غرائب ورغائب # واشكره شكر الروض حياه الحيا ... كيما تقوم له ببعض الواجب # أيها المتطول بأياديه، المتفضل بما غمر من غواديه، الجائد بأمواله، ~~الزائد نيل نواله، المرتدي بأثواب الجلال، # PageV01P113 # المبتدئ بالعطاء قبل السؤال، لو استطعت تمثيل حمدك ومدحك، واعتدادي ~~بإفضالك العميم ومنحك، لأبرزته في صورة تروق النواظر، وأفرغته في قالب يسر ~~القلوب والخواطر. لقد أترعت مواردي ومناهلي، وحملتني من حقائب الجود ما ~~أثقل كاهلي، وأرحت سري بهبات هباتك، وقطعت أملي إلا من موارد صلاتك: # كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد # شكر الإله صنانعا أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد # إلام تنشر علي ملابس العوارف؟ وحتام تهدي إلي نفائس اللطائف؟ وتلحظ بعيون ~~العناية، وتمد ظل الرعاية، وتصل أسباب الصنائع، وتأتي من الإحسان بما عهده ~~محفوظ، ونشره ضائع، من غير خدمة سابقة، ولا حرمة لهدى العواطف سائقة. # طالما غنيت بالغناء من خيرك، وألهمتني لهاك عن الاجتماع بغيرك، وقابلتني ~~عطاياك بجبرك، ومنحتني سماحتك من كنزها الوافر بخالص تبرها: # فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها # صيرت لساني كليلا بعد حدته، وأعدت قلمي جافا بعد غزارة مدته. فها أنا لا ~~أطيق أداء بعض حقك، ولا يخرجني فرط برك عن عهدة رقك. وكلما فرغت من شكر يد ~~كثر # PageV01P114 # مددها، وصلتها بأياد جزيلة أعد ms56 منها ولا أعددها. فلا تحدث لي بعدها ~~زيادة، وارفق بعبدك فقد ملك العجز قياده: # أنت الذي قلدتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا # لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # وماذا عسى مادحك أن يقول، يامن فتن بحسن مناقبه العقول؟ المتكلم يقصر عن ~~وصفك باعه، والبليغ يعجز عن حصر فضلك يراعه. والعالم يغرق في بحرك، والناظم ~~يلقط جواهر نثرك، على أن كلا منهم لو استعار الدهر لسانا، واتخذ الريح في ~~نقل أخبارك ترجمانا، أدركه الملال ولم يصل إلى غايتك، وأعياه الكلال دون ~~الوقوف عند نهايتك. فالله يتولى من مكافأتك ما هو أبلغ من شكر الناس، ويمتع ~~الأولياء ببقاء ذاتك التي جلت عن النعت والقياس. ### | الفصل السابع والعشرون: في الهناء # صحبني شخص من الكتاب، له رفيق يدعي معرفة الآداب. فجاءني يوما من ديوان ~~النظر قائلا: كان رفيقي غائبا ثم حضر، وقصدي إملاء شيء في هذا المعنى، ولست ~~أعرف لروض الأدب سواك مزنا. فقلت له: اكتب: # ورد البشير بما أقر العيون، وسكن هواجس الظنون، وشرح # PageV01P115 # الصدور وأبهجها، وألجم خيل السرور وأسرجها، من إياب مولانا مصحوبا ~~بالسلامة، مالكا قياد الفضل وزمامه. فتلقاه العبد بمزيد القبول، واعترف ~~بطيب عرفه الضائع قبل الوصول: # وتقاسم القوم المسرة بينهم ... قسما فكان أجلهم حظا أنا # ولم يزل مدة غيبته مستديما لذكره، مشاهدا له وإن شط المزار بعين فكره، ~~متشوقا إلى أيامه التي راق نعيمها، مرتقبا نجوم لياليه التي رق كخلقه ~~نسيمها: # ليالي لم نحذر حزون قطيعة ... ولم نمش إلا في سهول وصال # إلى أن جمع الله به شتات الأمور، وألف بمقدمه من الأنس كل نفور، وأعاد ~~بدره إلى منازل سعوده، وفطر قلب حسوده بصعدة صعوده. فله الحمد على نعمه ~~التي لا تعد، وكرمه الذي تجاوزت سيوفه غاية الحد. وهو المسؤول أن يعيذه من ~~شر من حسد وطعن، ويكلأه بعينه التي لا تنام إن أقام أو ظعن. # ثم إنه وافاني بعد مدة، فحمل يراعه ومن النقس مده، وقال: إن رفيقي قد أبل ~~من المرض، وما يخفى عن ms57 مثلك - أيدك الله - سر الغرض. فقلت له اكتب: # الحكمة أطال الله بقاءك، وأدام صحتك وشفاءك، تقتضي # PageV01P116 # المنح والمحن، وتوجب الفرح والحزن، ليتذكر أولو الألباب، وتتأكد أسباب ~~الثواب. ولقد منعني لذيذ الرقاد ما حصل لمولاي من الافتقاد، وأسكرني بخمر ~~التحير، ما حصل لمزاجه اللطيف من التغير. يالها غفلة من الدهر صدرت، وهفوة ~~على غرة من الأمل ظهرت، حيث أزعج كريم جسده، وعلا على ذخر الملك وسنده، ~~وارتقى من الرياسة إلى رأسها، وامتطى ذروة كاشف غمها ومزيل بأسها، وبالجملة ~~فما اعتل إلا لأنه كالنسيم لطفا، وما جاورته الحمى إلا أنه كالأسد وصفا: # لا تخش من ألم ألم مودعا ... يامن بسيط العمر منه طويل # إن التي يدعونها الحمى على ... أسد الشرى، وكذا النسيم عليل # وأنا أحمد الله على لبسه أثواب الصحة، ودخوله من العافية منزلا مهد البرء ~~صرحه. وأسأله أن يفيض عليه سحائب نواله الزائد، ولا يحوج شخصه المغرى ~~بالصلة إلى عائد. ثم إنه جاءني بعد حين، وأساريره تخبر أنه من الفرحين. ~~فقال: إن رفيقي ولي الوزارة، فهل من رسالة تسفر عن حسن السفارة؟ فقلت له ~~اكتب: # أيد الله مولانا الوزير، وأفاض على الكافة فضله الغزير، وهنأه بهذه ~~الرتبة التي أوضح وجه مذهبها، وبلغها بتحرير قلمه # PageV01P117 # المهذب نهاية مطلبها، وأنمى بتدبير أحوالها، وقرر على القواعد المرضية ~~أحوالها: # فلم تكن تصلح إلا له ... ولم يكن يصلح إلا لها # هذا ما كانت تنتظره النواظر، وتشهد بوقوعه خطرات الخواطر، وأسند الأمر ~~إلى أهله، وأجلب الخير بخيله ورجله، وأصاب الدهر فيما أمضاه من فعله، ~~وانتهت القوس إلى باريها، وتمكنت الرعايا بعرا أمانيها، وزفت عروس الوزارة ~~على كافلها وكافيها. ما أحق هذه البشرى بأن تبدي الرياض من ورودها لورودها ~~نشرا، وتميد الأغصان وتميل، ويتخلق الكون بزعفران الأصيل، ويتقلد الأفق ~~بعقود نجومه الزواهر، وتنطق بشكرها ألسن الأقلام من أفواه المحابر: # سرت بك الدنيا وسكانها ... وامتلأت بشرا صدور الصدور # وأجرت الأعداء سحب البكا ... للحزن وافترت ثغور الثغور # فالحمد لله ثم الحمد لله، والشكر له على ما أولاه، من إسباغ نعمه ms58 ~~المألوفة، ومعروف أياديه المعروفة، وإليه الرغبة في إدامة سروره المتوالي، ~~وإدارة فلك سعده على ممر الليالي. # ثم إنه قدم إلي بعد أيام، وقال: إن الوزير بشر بغلام، فأمل علي زادك الله ~~رفعة، ما أشنف به من الهناء سمعه، فقلت له: أكتب: # PageV01P118 # أهلا بطلوع نجم السعادة، ومرحبا بظهور هلال السيادة، غصن الشجرة الوارف ~~ظلها، العالي في جنات الفضائل محلها. أكرم بها من شجرة أصلها ثابت، وفرعها ~~النامي كل طرف إليه باهت. تؤتي أكلها كل حين، وتمنح برها الغادين ~~والرائحين. # ياله مولودا راقت نضرته، وتبسمت من خلال المكارم زهرته، واهتزت لقدومه ~~قدود العوالي، وارتاحت لمورده نفوس المعالي، واستشرفت له صدور المحافل، ~~وتهيأت لخطبته # عقائل المراتب والمنازل، فتهن به أيها الوزير، وتمل بمشاهدة صبحه المنير: # وابشر فقد وافاك يوم رزقته ... حظ بتخليد السرور زعيم # لا زالت التهاني بكعبة حرمك طائفة، ولا برحت المسرات على جنابك متضاعفة، ~~ودمت راويا حديث الجود عن أصلك بإسناده، جامعا بين كرم طارف نجلك ويمن ~~تلاده: # وبقيت حتى تستضيء برأيه ... وترى الكهول الشيب من أولاده # فلما فرغت من نقشها، وتأمل محاسن رقشها، نشر أعلام الثناء والشكر، وتمايل ~~طربا كالثمل من السكر، واعتذر من التثقيل، واستعفى من القال والقيل. ثم ~~ودعني وبان، ولم اجتمع به إلى الآن. ### | الفصل الثامن والعشرون: في الرثاء # مات لمن يعز علي ولد، لم يبلغ من فصاله منتهى الأمد. # PageV01P119 # وكنت أستحليه واستجليه، إذا حصل الاجتماع بيني وبين أبيه، فأكثر - وهو ~~معذور - من الوجد عليه، فكتبت على سبيل التعزية إليه: # برغمي أن أعنف فيك دهرا ... قليلا فكره بمعنفيه # وأن أرعى النجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه # الدنيا مد الله في عمرك وصبرك، ومحى آية الحزن من صحيفة صدرك، دار تمكر ~~بسكانها، وتغدر بأهلها وجيرانها. كم أفنت قرونا، وأسخنت بالبكاء عيونا، ~~ونثرت عقدا، وأضرمت وقدا، وأخلقت جديدا، وأخذت من والد وليدا، وفرقت شمل ~~الأحباب، وألبست الأتراب أردية التراب: # وكم قد روعت قلبا ... وساقت نحوه حزنا # وملت بعد أن مالت ... وأذوت بالردى غصنا # ولا كغصن دوحك الرطيب، ms59 وزهرة روضك الخصيب، الذي عز فقده، وهتك ستر ~~المدامع بعده، وأحيا بموته الأسف، وشوى الأكباد على جمر التلف. ياله زائرا ~~ما سلم حتى ودع، وهاجرا خشع القلب لصده وتصدع، وطفلا ذهب مبرأ من الذنوب ~~والأوزار، وعصفورا طار إلى الجنة وتركنا نتقلب في تلهب النار، ودينارا ~~أولعت بصرفه أيدي الزمان، ودرة نقلها الدهر إلى صدف الأكفان، وهلالا عاجله ~~الخسوف قبل الإبدار، ونجما أخفاه إسفار صبح الأقدار: # PageV01P120 # يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار # وقد علم الله شوقي إليه، وشدة قلقي وحرقي عليه، وغمي لمغيبه بعد إشراقه، ~~وفرط بثي وحزني لفراقه، وما سال من دموعي وساح، وأصاب جوارحي من الجراح: # موت الصغير مصيبة غاراتها ... ما تنقضي، وكميها لم يقهر # قسما بمن يحيي رفات الخلق ما ... فقد الهشيم كفقد روض مزهر # ولقد أجرى ماء العيون معينا، وكنا نرجوه معينا. أعاد أيامنا سودا وكانت ~~به بيضا ليالينا. لو أن الحتف يقبل الفدا، أو أن الحمية ترد الردى، لفديناه ~~بالأموال والأرواح، وخضنا دونه بحار السيوف والرماح، ولكنه الكأس الذي ~~يستوي في شربه الصغير والكبير، والسبيل # المحتوم سلوكه على المأمور والأمير. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحكمه ~~راضون، ولأمره طائعون، له ما أعطى وله ما أخذ، وهو الذي يرسل سهم المنية ~~ولولاه ما نفذ. # وأنت أبقاك الله أولى من للقضاء سلم، وسكن منبسط النفس ولو بأنياب ~~النوائب تكلم، وقابل القدر بوجه الرضا لا الغضب، والحمد لله على كل حال إن ~~وهب أو سلب، فالجزع لا يجدي ولا يفيد، والماضي لا يعاد إلى يوم الوعيد، ~~والأجر موقوف على الاحتساب، والله عنده حسن الثواب، فادخره للأخرى فالدنيا ~~متاع الغرور {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} # PageV01P121 # يا راحلا أذهب عنا السرور ... وكادت الأرض بنا أن تمور # ويا هلالا بالخسوف احتفى ... من قبل أن يدرك شأو البدور # إن كنت قد فارقت أهلا فكم ... حولك ولدان حسان وحور # جاورت من بعدك من ساءني ... ليهنك الجار الذي لا يجور # ويلاه من بدر رفيع مضى ... تجارة العاني ms60 به لن تبور # شق الجيوب القوم لما سرى ... لو أنصفوا شقوا عليه الصدور # ما كنت أدري قبل دفني له ... أن الدراري في الصحارى تغور # لهفي على طفل فؤادي له ... نعش ودمع العين غسل طهور # لهفي على زهرة روض زهت ... فعوجلت بالقطف دون الزهور # لهفي على غصن ذوى قبل أن ... يبدو لنا من نوره الغض نور # آها لذاك الوجه كيف انطوت ... آياته الحسنى ليوم النشور # آها لدر قد غدا ثاويا ... في صدف اللحد جوار القبور # آها لمر الهجر حلو الحلى ... الوجد حق فيه والصبر زور # والله ما عجل يوم النوى ... إلا لنحظى في غد بالأجور # ما هذه الدنيا - وسحقا لما ... تلهي به - إلا متاع الغرور # تمحو بكف الحتف رسم الورى ... لما اغتدوا في رقها كالسطور # ما تأتلي من غير خوف إلى ... دار البلى تنقل أهل القصور # كم من رحى للموت فيها، على ... ضائع أعمار البرايا تدور # أخنى علينا الدهر في أخذ من ... كنا نرجيه لسد الثغور # يا دهر بالإمرة كم تعتدي ... ألا إلى الله تصير الأمور # PageV01P122 ### | الفصل التاسع والعشرون: في الحكم # العلم نعم السمير، والعقل بشير بالخير يشير. اجتهد في طلب العلوم، تنفرد ~~بما يرفعك إلى النجوم. المجد يبذل اللها، والفضل بالأدب والنهى. من صادق ~~العلماء زها بدره، ومن رافق السفهاء وهي قدره. العلم ثمرته الإنصاف، والزهد ~~نتيجته العفاف. التقوى أفضل حلة، والمروءة # أجل خلة. الحق سيف قاطع، والحلم درع مانع. الزم الحجا فهو ألطف سائس، ولا ~~تعدل عن العدل فهو أحفظ حارس. العقل أحسن المواهب، والجهل أقبح المصائب. # العقل أحسن معقل فاهرع إلى ... أبوابه العليا تنل كل العلا # واعلم بأن الشيء يرخص كثرة ... والعقل إن كثرت حواصله غلا # من رضي بالقدر، وقي شر الحذر، اليأس يعز الأصاغر، والطمع يذل الأكابر، ~~حاسب نفسك تسلم، ولا تقتحم الأخطار تندم. من سره الفساد في الأرض ساءه طول ~~التعب يوم العرض. لا تقل إلا ما يطيب عنك نشره، ولا تفعل إلا ما يسطر لك ~~أجره. السعيد من اتعظ بماضي أمسه، والشقي من ضن بخبره ms61 على نفسه. لا تغرنك ~~صحة بدنك اليسيرة، فمدة العمر - وإن طالت - قصيرة. من لم يعتبر بالمساء ~~والصباح، لم يرتدع بقول اللوام والنصاح. من قنع برزقه استغنى، ومن صبر نال ~~ما يتمنى. # PageV01P123 # إذا الرزق عنك نأى فاصطبر ... ومنه اقتنع بالذي قد حصل # ولا تتعب النفس في جلبه ... فإن كان ثم نصيب وصل # من أنس بالآخرة، فاز بالملابس الفاخرة. ومن رفع حاجته إلى الله نجحت، ومن ~~تمسك بغيره خسرت تجارته وما ربحت. من لم تفسد شهوته دينه، وصل إلى الأماكن ~~المكنية. أبصر الناس من نظر إلى عيوبه، ولجأ إلى ربه في التجاوز عن ذنوبه. ~~أرفع الأعمال ما أوجب شكرا، وأنفع الأموال ما أعقب أجرا. الدنيا ظل زائل، ~~والشيبة ضيف راحل. من غالب الحق غلب، ومن استهان بالدين سلب. لا تخل نفسك ~~من فكرة، تدني من طرفك وقلبك قرارا وقرة. عد عن طاعة هواك، واحذر من مخالفة ~~مولاك: # لا تتابع هواك ياذا المعاصي ... واجتنب ذلة الهوى والهوان # أحمق الناس من أطاع هواه ... وتمنى على الإله الأماني # من وثق بالله أغناه، ومن خرج عن حكمه عناه. من لزم شأنه دامت سلامته، ومن ~~حفظ # لسانه قلت ندامته. الصمت يرفع لك المنار، ويخلع عليك ثوب الوقار. الزمان ~~لا يبقي على حال، والدنيا طبعها الغدر والملال، تفتن بزهرتها الذاوية، ~~وتخدع بزينتها المتلاشية. لا تفن عمرك في المعاصي، وخذ حذرك من مالك ~~النواصي. إياك وكثرة # PageV01P124 # الكلام، فإنها تنفر عنك الكرام. ما سعد من شقي صاحبه، وما عزت من ذلت ~~أقاربه. من لزم شكر الإحسان استدام عدم الحرمان. لا تودع سرك غير صدرك، ولا ~~تتكلم بما يحوجك إلى إقامة عذرك: # تفرد بحفظ السر وحدك لا تثق ... إلى أحد فيه ولو كان من كانا # فإنك أن أودعت سرك عاقلا ... يزل وإن أودعته جاهلا خانا # من بسط يده بالجود، خرج من العدم إلى الوجود. من علا علم شيمته، غلا ~~مقدار قيمته، استر برا يظهر من يديك، وانشر معروفا يسدى إليك. من أحسن إلى ~~جاره أطلع قمر الحمد في داره دارة، ومن ms62 جاد لطلب الجزاء فليس بكريم، ومن ~~صفح لعدم القدرة فليس بحليم. أحسن الخلق ما حثك على المكارم، وأوضع الطرق ~~ما كفك عن المحارم. عي تسلم بميلك إليه، خير من نطق تندم عليه. من قل عقله ~~كثر قوله، ومن زكا أصله تواتر طوله. توق جناية اللسان، ولا تأمن من سطوات ~~الزمان، واستعذ من شر أفعى أفعالك، وتحل بالصدق في جميع أحوالك. # الصدق يورث قائليه مهابة ... سر نحوه نعم الطريق طريقه # واحفظ به عهد الصحاب فإنه ... من قل منه الصدق قل صديقه # لا تعج عن سبيل الصواب، ولذ بجناب رب الأرباب، واسع # PageV01P125 # إلى باب من بيده الملك وهو على كل شيء قدير، واخش من يعلم السر وأخفى، ~~{إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} ### | الفصل الثلاثون: في المواعظ # أعلمني من أثق بنقله، ولا أشك في معرفته وفضله، بقدوم بليغ من الوعاظ، ~~يبرز دقائق المعاني في جليل الألفاظ. وأشار بحضور مجلسه، والاهتداء بضوء ~~قبسه، فقبلت الإشارة، وانتظمت في سلك السيارة. حتى أفضينا إلى ناد فسيح، ~~لسان مناديه فصيح، قد جمع بين الغني والفقير، واشتمل على المأمور والأمير. ~~وإذا بشيخ قائم في بهرة حلقته، يفتن بسحر الكلام قلوب فرقته. فسمعته يقول: ~~أيها الناس، ما الموت بساه ولا ناس، فتأهبوا لحلوله، واستعدوا له قبل ~~نزوله، وحصلوا الراحلة والزاد، وردوا العاصي إلى الطريق فقد زاد، ولا ~~تعدلوا عن محجة الحجا، واتقوا دعوة المظلوم في ظلام الدجا، وامنوا بالقدر ~~خيره وشره، وارضوا بالقضاء حلوه ومره، وأفرغوا ذنوب الذنوب وافزعوا إلى ~~علام الغيوب، وامنعوا من الأمل ما كان جموحا، وتوبوا إلى الله توبة نصوحا: # وتجنبوا سبق الخطا فلكم هوى ... رب الهوى من حصنه وعقابه # PageV01P126 # وتمسكوا بجناب تقوى ربكم ... كي تسلموا من خزيه وعقابه # وإياكم والدنيا فإنها تمكر بصاحبها، وتهدي إلى أقاربها سم عقاربها. ~~عامرها خراب، وغامرها سراب. أمدها قصير، وإلى الفناء تصير. صفوها كدر ~~وجرحها هدر، والخاطر بها على خطر. لأنها لا تبقي ولا تذر، بحرها العميق، كم ~~له من غريق. فاركبوا فيها من التقى فلكا ms63 منيعة، واجعلوا شراعها التمسك بعرا ~~الشريعة، لعلكم تبلغون الساحل، ويقدم بشير بشركم الراحل، وهي قنطرة ~~فاعبروها ولا تعمروها، واخشوا عيون شركها المفتوحة لكسركم واحذروها: # مجاز حقيقتها فاعبروا ... ولا تعمروا، هونوها تهن # فما حسن بيت له زخرف ... تراه إذا زلزلت لم يكن؟ # ابن آدم ما أكثر حرضك، وشرك ومرضك، وأجزل حرصك وأشرك، وأقوى على من دونك ~~ظفرك، وأضعف بمن فوقك ظفرك، وأخجل من يؤنبك، وأتعب من يتعبك، ووثبك إلى صيد ~~الحرام، وأشد شرهك على الحطام. أما علمت أن الشره، في عين الرجل مره؟ لا ~~بالقليل تقنع، ولا من الكثير تشبع، ولا إلى المواعظ تصغي، ولا تبغي أنك لا ~~تبغي. أنفاسك معدودة وأوقاتك محدودة، ومالك عارية مردودة، وذاتك الموجودة ~~عن قريب مفقودة: # PageV01P127 # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # ويحك أتحسب أنك تترك سدى؟ أو أن الحقوق تبطل بطول المدى؟ كلا يا كليل ~~الذهن، لتبعثن يوم تكون الجبال كالعهن، ولتحاسبن على الذرة والبرة إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة: # تنبه أيها المغرور واسأل ... إلهك مرة من بعد مره # وقف بالباب معتذرا لتحظى ... من البر المهيمن بالمبره # ولا تركن إلى الدنيا ففيها ... من الأحزان ما يخفي المسره # ألا بعدا لها من دار قوم ... بها يرضون وهي لهم مضره # تعر من الذنوب، فعن قريب ... تحل من الممات بك المعره # وبالنزر إقتنع، فالحرص ذل ... وإياك الهوى وتوق شره # وحلو العيش لا تقربه واصبر ... وإن كانت حميا الصبر مره # يا أرباب الملابس الفاخرة، الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة. وما هذه ~~الغفلة التي رانت على قلوبكم؟! ما هذا الطمع الذي ألحق بالعبيد أحراركم؟! ~~آما آن لكم أن تنيبوا؟ وتصغوا إلى داعي الفلاح وتجيبوا؟ بلى والله آن، وظهر ~~فجر الحق وبان، فاجنحوا إلى الطاعة، ولازموا أهل السنة والجماعة، واشتملوا ~~على الخيرات قبل أن تمزقوا، {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، ~~وأخلصوا في الأعمال، واقطعوا حبائل الآمال، وتزودوا # PageV01P128 # للرحيل عن الوطن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحلوا بعقود ~~المكارم، وتخلوا عن انتهاك ms64 المحارم، وجدوا كي تنالوا جد المجتهدين، {ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، واعقلوا بالشكر شوارد النعم، وصونوا ~~أعراضكم ببذل النعم، واتخذوا الصبر على البلوى عدة وجنة، وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة: # أحسن بها من جنة عالية ... قطوفها للمجتني دانيه # آذان أهليها أولي العزم لا ... تسمع فيها أبدا لاغيه # وجوههم فيها - ويا حسنها - ... ناعمة مرضية راضيه # الحور والولدان من حولهم ... يسعون في روضاتها الزاهية # كم سرر للوفد مرفوعة ... فيها، وكم من أعين جاريه # مبثوثة فيها زرابيها ... موضوعة أكوابها الصافية # فاجتهدوا كي تدخلوها غدا ... يوم دخول الفرقة الناجية # إلام تهتمون في إدراك الغرض؟! وتذهبون جوهر نفوسكم في تحصيل العرض؟! ~~وتستبدلون الضلالة بالهدى؟! وترتدون بما يوقعكم في الردى. وتسمحون بشركم ~~وتبخلون بخيركم؟! وتسوفون بالعمل كأن منفعته لغيركم؟! ألا حسنوا الصفات، ~~لتكريم الذات. وأكثروا من ذكر هاذم اللذات واستيقظوا من سنة الفترة واتقوا ~~النار ولو بشق تمره، فأنى بكم # PageV01P129 # إذا أصبحتم أمواتا؟! وعدتم بعد الرفاهية رفاتا؟! ونقلتم إلى دار البلى، ~~وأجيب السائل عن بقائكم بلا؟! وفجع بكم الأحباب، وغلقت دونكم الأبواب؟! ~~وانقلبتم في قليب البرزخ، وأضحت عقودكم تحل وتفسخ؟! أم كيف بكم إذا بعثر ما ~~في القبور وحصل ما في الصدور؟! ووقفتم للعرض على من بيده مقاليد الأمور؟! ~~{فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور}. # ثم إنه بسط للدعاء يديه، وأجرى سوابق دمعه على خديه. فبكى القوم لبكائه، ~~وأمنوا على صالح دعائه. فلما فرغ اقبل الناس إليه، وأكثروا من تعظيمه ~~والثناء عليه. فمن لاثم راحته، وقاصد بالجود راحته، وملتمس بركة عنايته، ~~وناطق بشكر نصحه وهدايته. وهو يروح أرواحهم المكروبة، ويسقي كل واحد منهم ~~مشروبه. ثم ولى يتهادى بين صحابته، وانسحبت عنا أذيال سحابته. # فمضيت قرير الناظر، منشرح للصدر والخاطر، متعظا بما استمعت من قول ~~النصيح، مستنشقا من عرف الشيخ عرف الشيح، حامدا صحبة المشير الذي لم يزل من ~~المحسنين، مصليا على من أنزل عليه: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}. # هذا آخر ما نطق به لسان اليراع، وانتهى ما أورده نسيم الصبا ms65 من أحباره ~~الطيبة على الأسماع. والله المسئول في غفر الذنوب # PageV01P130 # وستر العوار، ومسامحة ذي اللعب والخوض، بوروده الحوض، يوم الأوار. وله ~~الحمد على سابغ نعمه، وما من به من فيض فضله ودوام ديمه. والصلاة والسلام، ~~على صاحب المقال والمقام، سيدنا محمد المؤيد باللسن والبراعة صلاة وسلاما ~~دائمين إلى يوم الساعة آمين. PageV01P131 ms66