######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : منهاج المتقين في علم الكلام ¶ المؤلف : العلامة الكبير يحيى بن الحسن القرشي ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : ¶ [ الكتاب ] #META# cat: التوحيد وأصول الدين #META# bkid: 263 #META# الكتاب: منهاج المتقين في علم الكلام #META# bkord: 45 #META# idx: 1 #META# iso: كتاب منهاج المتقين في علم الكلام للقرشي #META# comp: 1 #META# bk: كتاب منهاج المتقين في علم الكلام(للقرشي) #META# max: 753 #META# المؤلف: العلامة الكبير يحيى بن الحسن القرشي #META# digitization_comments: [ الكتاب ] #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن يا كريم # الحمد لله الدال على ذاته وصفاته بعجائب مصنوعاته، الكشاف عن عدله وحكمته ~~بوجوب غناه وعالميته، القادر على جميع أجناس المقدورات، العالم فلا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات، الحي الذي لا يتغير به الحال، ~~الموجود فيما لم يزل، وفي ما لا يزال، المدرك للمدركات لا بالآلات، ~~المستغني في ثبوت هذه الصفات عن المؤثرات، الواحد ولا شريك له ولا وزير، ~~المتعالي عن المضاد والنظير، الغني فلا تجوز عليه المنافع والمضار، لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، العدل فليس بظلام للعبيد، الصادق في الوعد ~~والوعيد الذي قضى بالحق وهدى إلى الرشاد، وتنزه عن فعل القبيح وإرادة ~~الفساد وأزاح علل المكلفين بأنواع الألطاف والتمكين، وأزهق الباطل ~~بمترادفات الحجج، وأوضح للخلق عن سوء المنهج حتى صارت طرق الخير والشر ~~متعينة ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينة، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، شهادة إخلاص وصدق، وأن محمدا عبد هورسوله بالهدى ~~ودين الحق أرسله كافة للناس بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا ~~منيرا، فبلغ الرسالة هاديا وشهيدا، ثم مضى إلى دار الكرامة حميدا، فصلوات ~~الله ورضوانه على وجهه الكريم كلما طلع نجم أو هب نسيم، وعلى آله الكرام ~~البررة المطهرين، وعلى الصحابة المتبعين أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى ~~يوم الدين، أما بعد: PageV01P003 # فإن أهم التكليف علم العقائد، وإن الظفر بالحق فيه مراحل الفوائد، وأنه قد ~~كثرت فيه الآراء واتبعت فيه الأهواء وعدل أكثر الناس فيه عن التحقيق، ~~وسلكوا بنيات الطريق، فمن شق قسطا ولى بجحد المشاهدات، ويحاول دفع ~~الضرورات، وملحد يبكي الصانع ويضيف التأثير إلى الطبائع، وفلسفي ينفي عن ~~الله الاختيار ويعول على العقل والفلك الدوار وباطني يقول بالسابق والتالي، ~~ويعمد غير الله، ولا يبالي، ومطرفي يقصر تأثير الصانع على الأصول، وهو لم ~~يحصل من إثباته تعالى على محصول، وثنوي يقول بالقديم الثاني /2/، وآخر ~~يتلوه في قديم المعاني، وبرهمي ينفي النبوة رأسا، وذمي لا ms001 يرى في تكذيب ~~الرسل بأسا، ومجسم يشبه الله تعالى بالمحدثات، ويثبت له الجوارح والآلات، ~~ومجبر يعتذر للشياطين والعصاة، ويحمل مساوي العباد على الله، ومرج يتعلل ~~بالإخلاص والأمالي، ويبني دينه على حرف التواني، ورافض يبغض شيوخ الإسلام، ~~ويخبط من الغلو والتعصب في ظلام. فهذه أصول فرق الضلالة، والذين تفرعت عنهم ~~كل جهالة، كل منهم بمذهبه فرح مسرور، ورحاهم الكل على قطب الغواية تدور، ~~ليس على غير الباطل يعولون، ويوم تقوم الساعة يومئذ يحسر المبطلون، لقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وصاح بهم إلى مخالفة الحق فاستمعوه، واستفز بمكره ~~منهم من استطاع وصار له من علماء السوء أتباع، يدعون له إلى كل بدعة وضلال، ~~ويبالغون في نصرته بالأقوال والأعمال، قد انتصب منهم في كل فرقة أمير يجادل ~~في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويسلك منهم في كل بدعة منهجا، ~~اقتداء بالذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، شرعوا للناس من الدين ما ~~لم يأذن به الله، وسقفوا لهم بالتمويه على كل مهواة، فاستمالوا بشبههم ~~أفئدة الطغام، وأنزلوا على قضيتهم جمهور العوام، إلى أن صارت الطائفة ~~المحقة فرقة من نيف وسبعين فرقة، فلست تكاد ترى للحق محبا، إلا من يصغي ~~لسماع الحجة قلبا، ولا يظفر بمنصف يناظر لله، PageV01P004 ويقبل واضح الحق من حيث أتاه. # نعم، قد قام بنصرة هذا الدين فريق من ذوي البصائر وأهل التحقيق، اعتمدوا ~~فيه على الحق الواضح، وسلكوا منهاج السلف الصالح، بهم حرس الله معالم الحق، ~~وجعلهم في أرضه حجة على الخلق، ليس يحول الشبهات بينهم وبين الصواب ولا ~~ينخدعون بلوامع السراب، فهم أقطاب الدين وعليهم بدور لؤلئية، وإليهم ينتمي ~~الحق، وفي سمائهم يطلع كوكبه، أولئك آل المصطفى وشيوخ الأعتزال، النافون عن ~~علوم الديانة كل تحريف وانتحال، فجزاهم الله عن هداية خلقه أفضل ما جزى ~~القائمين بحقه، وبلغهم آمالهم في الخيرات، وضاعف لهم بفضله الحسنات، ثم أنه ~~بعثني على جمع هذا الكتاب التقرب إلى الله وطلب الثواب، فجمعته على وفق ما ~~جمعه الأولون /3/ الذين يهدون بالحق ms002 وبه يعدلون، متبركا بذكر ما أصلوه لا ~~طلبا لتحصيل شيء أهملوه، واقتداء بقويم هداهم لا طمعا في بلوغ مداهم، ~~ورجوعا في طلب الحق إليهم لا استدراكا في مسائل عليهم، وتمسكا بهديهم ~~القويم لا اعتراضا في سبيلهم المستقيم، وتكثيرا لسوادهم لا من قلة، ونصره ~~لمذهبهم لا بعد ذلة، فمثل ذلك غدت في أبها الصاحب وللناس فيما يعشقون ~~مذاهب. عصمنا الله بفضله وبرحمته، وجعلنا ممن يعرفه حق معرفته، إن ذلك على ~~الله يسير، وهو على كل شيء قدير. PageV01P005 ### || AUTO مقدمة: # اعلم أن كل علم يشرف بشرف معلومه وتعظيم نفعه لحسب الحاجة إلى مفهومه ~~وتعلق قدره على وفق وضاعه ضده، ويعز وجدانه على عكس دناه، فقده، فمن هنا ~~كان علم التوحيد رأس العلوم؛ لأن معلومه الله الحي القيوم، ولأن به يتميز ~~الكفر من الإيمان، وعليه يدور رحاء الحق في كل زمان، قد حكم بوجوبه وجلالته ~~العقل، وجاء بتأكيد ذلك القول الفصل، فكل عاقل قد أخذ بتحصيله وكلف العلم ~~بجملته وتفصيله. PageV01P006 # ثم أنه لارتفاع قدره يعز منا له، وكذا كل نفيس هذا حاله، فإن الشيء بحسب ~~جلالة محصوله تعظم المشقة في تحصيله، وعلى قدر علو مكانه يكون الاهتمام ~~بشأنه، فلن يظفر بفوائد علم التوحيد إلا الخواص كما لا يلتقط اللآلي إلا من ~~غاص، ولا يتمكن من افتضاض أبكاره إلا من أمهرهن صافي أفكاره، فلا يصدنك عنه ~~صعوبة تركته، فأصعب من ذلك عاقبة الجهل به، ولا يلتفت إلى الذين ينهون عن ~~تعلمه ويدعون عظم الخطر في تفهمه، فلم يجهلوا والله قدره، ولا جحدوا بذلك ~~فخره، ولكن رأوا بعد ثناؤه وعز مناله، وأظهروا تجلدا كراهة وصاله، وتكلموا ~~فيه بلسان قاصر، وقلب حائر، فهم في ذلك كما قال الشاعر: # وثب الثعلب يوما وثبة .... طلبا منه لعنقود العنب # ثم لما لم ينله قال ه .... ذا حامض ليس لنا فيه أرب # نعم، فكما أن النفع بهذا الفن كثير فإن خطر الجهل به ليس يسير، فالمقدم ~~عليه كراكب البحر المتلاطم، والمحجم عنه في ظلام متراكم، ومن ثم عظم ~~التكليف به ms003 والثواب عليه واستندت الأديان في كل زمان إليه، فسبيل العاقل أن ~~ينظر فيه نظر متعرف لا نظر متعجرف، ويطلبه طلب متقرب لا طلب متغصب، ويوطن ~~نفسه على قبول الحق من حيث ورد، ولا يعتمد في أمر دينه على أحد، فيكون قد ~~حقب دينه الرجال /4/ وذهب معهم من يمين إلى شمال، فمثله كمثل رجل خلق له ~~عينان فأطبقهما وانخرط في سلك العميان، قسم الله لنا من يوفقه الحظ الأسنى ~~وختم لنا، ولكل مسترشد بالحسنى. PageV01P007 ### || AUTO الكلام في معرفة الصانع جل وعز # اعلم أن الكلام في العلم بالله هو يترتب على أربع مقدمات: # الأولى في ماهية العلم وقسمته لما ستعرف إن شاء الله تعالى من أن علم ~~التصور مقدم على علم التصديق. # والثانية: في وجوب معرفة الله تعالى لأنها هي المقصود من الكتاب كله. # والثالثة: في النظر؛ لأنه الطريق إليها. والرابعة: في الأدلة؛ لأنها ~~متعلق للنظر، ثم يقع الكلام بعد ذلك في تفاصيل أبواب الكتاب. ### ||| AUTO القول في ماهية العلم وقسمته وما يتصل بذلك # العلم والمعرفة والفهم والدرية والفقه في اللغة بمعنى واحد بدليل أنه لا ~~يصح إثبات بعضها ونفي بعض. وفي الاصطلاح: هو الاعتقاد الذي يكون معتقده أو ~~ما يجري مجراه على ما تناوله مع سكون النفس إليه. # قلنا: الاعتقاد ليدخل فيه الجهل والتقليد والتبخيت. وقلنا على ما تناوله ~~ليخرج الجهل. وقلنا: مع سكون النفس؛ ليخرج التقليد والتبخيت حيث يطابقان ~~معتقدهما، فأما حيث لا يطابقانه فهما جهل، لكن خصا بهذه التسمية لمعنى آخر ~~فإن حقيقة التقليد هو اعتقاد الشيء لمجرد أن الغير قال به، ولهذا لا نكون ~~نحن مقلدين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما جاء به؛ لأنا لم نعتقده ~~لمجرد قوله، بل للحجة، وكذلك علماء المخالفين ليسو مقلدين لأسلافهم؛ لأنهم ~~لم يعتقدوا ما قالوه لمجرد قولهم بل للشبهة. # وحقيقة التبخيت هو اعتقاد الشي هجوما وخبطا لا لأمر، فبهذا يفارقان ~~الجهل، وحاصل الفرق بينهما وبينه أنهما أعم منه من وجه وأخص من وجه، وهو ~~بالعكس، فعمومهما من حيث يسميان ms004 بهذه التسمية سواء طابقا معتقدهما أو لا، ~~وعمومه من حيث يسمى جهلا سواء استند إلى قول الغير أم لا، وسواء فعل هجوما ~~وخبطا أو لا. # واردنا بالمعتقد: ما يكون سببا كالذوات، وبما يجري مجراه ما لا يكون شيئا ~~كالصفات والأحكام والأمور السلبية. وأردنا بسكون النفس: التفرقة التي يجدها ~~أحدنا بين أن يعتقد كون زيد في الدار بالمشاهدة أو بخبر نبي، وبين أن يعتقد ~~ذلك بخبر رجل من أفناء الناس، ولفظ الاعتقاد والسكون مجاز تشبها بعقد الخيط ~~والسكون المقابل للحركة، لكن إضافته إلى النفس قرينة تشعر بالمراد. PageV01P008 # وحده الشيخ أبو الحسين بأنه ظهور أمر للحي ظهورا يمتنع معه في نفسه تجويز ~~خلافه، وليس بسديد /5/ لأن الظهور أمر يختص بالمعلوم، والعلم أمر يختص ~~بالعالم وأيضا فالظهور هنا مجان ولا قرينة تشعر بالمراد، وأيضا فلا يصح ~~إطلاقه على الله تعالى، فلا يقال ظهر لله هذا الأمر ولا ينقلب علينا هذا في ~~الاعتقاد؛ لأنا إنما حددنا العلم في الشاهد، والباري تعالى عندنا عالم لا بعلم. # فأما أبو الحسين فإنه حد العلم شاهدا وغائبا؛ لأن المرجع به عنده إلى ~~التعلق في الموضعين، وأيضا فإن أراد بقوله يمتنع تجويز خلافه، أي يستحيل، ~~فغير صحيح؛ لأن أحدنا قد يختار الجهل(1)، ويجوز في نفسه خلاف المعلوم في ~~المسائل الاستدلالية، وإن حصل هذا الظهور ، وإن أراد يمتنع أحدنا من ~~التجويز أي لا يفعله مع القدرة عليه فغير صحيح؛ لأن أحدنا كما يمتنع من هذا ~~التجويز عند حصول هذا الظهور، فإنه قد يمتنع منه عند اعتقاد حصول هذا ~~الظهور، وهو لم يعتبر في الحد سكون النفس حتى يتميز به الظهور الحقيقي وغير ~~الحقيقي. ### |||| AUTO فصل والعلم ضربان: تصور وتصديق. # فالتصور: هو العلم بصور الأشياء ومفرداتها، ومعنى ذلك: أنه يحصل في ذهن ~~الإنسان صورة مطابقة لما في الخارج. ومنه قولهم تصورت هذا الشيء، أي علمت صورته. # والتصديق: هو العلم بالنسب الحاصلة بين تلك المفردات بإثبات أو نفي، وسمي ~~تصديقا لصحة دخول التصديق في الخبر المطابق له، وكل واحد من هذين القسمين ms005 ~~ضروري ومكتسب، فالضروري منهما هو الاعتقاد الذي لا يقف على اختيار المختص ~~به مع سكون النفس. # وقلنا: مع سكون النفس احترازا من أن يفعل الله فيه اعتقادا غير مطابق، ~~فإن ذلك جائز من جهة القدرة والمكتسب ما يقف على اختياره كذلك. PageV01P009 # مثال الضروري من التصور العلم بزيد ونحو ذلك مما لا يحتاج إلى تحديد. ومن ~~التصديق: العلم بأن الكل أكثر من الجزء، وأن الظلم قبيح،والعدل حسن، وشكر ~~النعمة، وقضاء الدين واجب، ونحوه. ومثال: المكتسب من التصور العلم بماهية ~~العالم والقديم والمحدث ونحو ذلك مما لا يعلم إلا بالحد. ومن التصديق: ~~العلم بأن العالم محدث وأن الله قادر، ونحو ذلك مما لا يعلم إلا بالدليل. # فصل # وطريق اكتساب علم التصور الحد إن كان المطلوب العلم بالماهية مفصلا ~~والرسم إن كان المطلوب مجرد تمييزها عن غيرها، والشرح الذي هو الحد اللفظي ~~إن كان المطلوب العلم بالماهية مجملا. # والحد: قول مؤلف من ذاتيات الشيء الكاشفة عن ماهيته كما إذا حددت الخمر ~~بأنه شراب معتصر /6/ من العنب مسكر كثيره، فإن هذه الأوصاف ذاتية للخمر، ~~ومعنى كونها ذاتية أنه لا يعقل، ولا يكون خمرا إلا بها حتى لو رفعتها عن ~~ذهنك لما أمكنك تصور الخمر. # والرسم: قول مؤلف من عرضيات الشيء المميزة له عن غيره كما إذا حددت الخمر ~~بأنه شديد يقذف بالزبد يحفظ في الدن أحمر ونحو ذلك، وكما إذا حددت الإنسان ~~بأنه المنتصب القامة العريض الأظفار الماشي على رجلين الضاحك ونحو ذلك، فإن ~~هذه الأشياء عرضية ومعنى كونها عرضية أنه يمكن أن تعقل الماهية من دونها، ~~فهي في حكم العارضة الخارجة عن الماهية. # وهذه العرضيات تنقسم إلى لوازم كالولادة للإنسان والزوجية والفردية ~~للعدد، ونحو ذلك. # ومفارقات، وهي ضربان: مستمرة، كسواد الزنجي، وبياض الكافور. وزائلة، ~~كصفرة الذهب وحمرة الخجل. # والشرح هو إيراد لفظ مرادف للفظ آخر أجلأ منه عند السائل كما إذا قيل ما ~~الذابل، فقلت الرمح. وطريق اكتساب علم التصديق الأدلة، وسيأتي الكلام فيها. # فصل # ولا بد أن ينتهي الاكتساب إلى الضرورة في ms006 طرفي التصور والتصديق وإلا لم ~~تنقطع المطالبة بما في التصوريات، وبلم في التصديقيات، بل كان يحتاج كل حد ~~إلى حد، وكل دليل إلى دليل. PageV01P010 ### ||||| CHECK [أقسام علم التصديق] # وقال الشيخ الحسن بن أحمد بن متويه: لا يجب ذلك إلا في أصول الأدلة؛ لأن ~~كثيرا من المسائل لا تستند إلى أصل ضروري كالعلم بالصانع، فإنه ينبني على ~~كون أحدنا فاعلا وليس بضروري على التفصيل، وكذلك كونه قادرا ينبني على ~~كوننا قادرين، وليس بضروري. # قال: وما هذا حاله من الأدلة فإنما يجب على المستدل أن ينهي الخصم إلى ما ~~إذا نظر فيه علم. # قال: ومثال ما ينتهي إلى أصل ضروري، دليل العدل، فإنه ينبني على أن من ~~علم قبح الفعل واستغنى عنه فإنه لا يفعله، وهو ضروري، وكذلك استدلالنا على ~~نفي الظلم عن الله تعالى بأنه لو فعله لاستحق الذم، فإن استحقاق الذم على ~~ذلك ضروري في الشاهد. # وعلى الجملة فأكثر المسائل تنبني على أصل ضروري. ولقائل أن يقول أنه ما ~~لم ينته إلى أصل ضروري لم تنقطع المطالبة. وقوله: إن الواجب منا أن ينتهي ~~الخصم إلى ما إذا نظر فهي علم هو صحيح لكنا إذا قلنا للخصم: انظر إلى ما ~~أنهيناك إليه تعلم كان ذلك استدلالا منا على أن ذلك المنظور فيه دليل، ~~واستدلالنا هذا لا شك مستند إلى الضرورة، وهي الوجدان من النفس، فإن حين ~~نظرنا فيه، وجدنا أنفسنا عالمة عند النظر فيه حتى لو لم نجد ذلك من أنفسنا ~~/7/ لكان للخصم أن يقول: قد نظرت فيما أنهيتموني إليه، فلم أعلم، ونصدقه ~~فيما قال وما ذكره رحمه الله تعالى من المثال، فهو صحيح، لكنه يمكن استناده ~~إلى أصل ضروري، وإن كثرت مراتبه فإنا وإن لم نعلم كون أحدنا فاعلا ضرورة ~~فإنا نستدل على ذلك بما يستند إلى الضرورة، وهو أن فعله يدل على قصده ~~وداعيه وأنه يمدح ويذم عليه ونحو ذلك. # فصل ### ||||| AUTO وعلم التصور مقدم على علم التصديق؛ لأن من لا يعلم ماهية ~~المقرين لا يمكنه ينسب أحدهما إلى ms007 الآخر بنفي ولا إثبات. # فصل # وينقسم علم التصديق إلى: عقلي، كالعلم بوجوب رد الوديعة، وقبح الظلم، ~~وحدوث العالم. # وشرعي: كالعلم بوجوب الصلاة وتحريم النبيذ. PageV01P011 # وينقسم إلى ما يحصل لا عن طريق كالبديهي وعلم المثبتة، وإلى ما يحصل عن ~~طريق ما موجبه كالعلم الحاصل عند المشاهدة أو النظر، أو غير موجبة كالعلم ~~الحاصل عند الدرس، وإلحاق التفصيل بالجملة. ### |||| AUTO فصل وينقسم علم التصور إلى جملي وتفصيلي. # فالجملي، هو: ما حصل بالحد اللفظي، كما إذا قيل ما العقار؟ فقلت: الخمر. ~~والتفصيلي، هو ما يحصل بالحد المعنوي كما إذا قلت الشراب المعتصر من العنب ~~المسكر كثيره. # وينقسم التصديق إلى جملي وتفصيلي، فالجملي كالعلم بأن زيدا في جملة هذه ~~العشرة، وأن كل ظلم قبيح، والتفصيلي كالعلم بأن هذا الشخص هو زيد وأن هذا ~~الظلم المعين قبيح. # وقد اختلف الشيوخ في ذلك، فقال شيخنا أبو هاشم: العلم الجملي هو ~~التفصيلي، ولكنه لم يكن متعلقا، ثم تعلق، فالعلم بأن زيدا في جملة العشرة ~~هو العلم بأنه هو هذا الشخص، والعلم بأن كل ظلم قبيح هو العلم بقبح الظلم ~~المعين. ويبطله أنه مبني على بقاء الاعتقادات. # وبعد فإذا شاهدنا السواد في الجسم علمناه على الحقيقة، وإن لم يعلمه غيرا للجسم. # وبعد فنحن نعلم ثواب أهل الجنة، وهو غير متناه، فلو كان العلم الجملي هو ~~التفصيلي لاحتجنا إلى علوم لا يثناها. # وبعد فيعلق العلم لما هو عليه في ذاته، فلو كان العلم بأن كل ظلم قبيح هو ~~العلم بأن هذا الظلم المعين قبيح لكان قد وقف تعلقه على العلم بأن هذا ~~المعين ظلم، وهو أمر منفصل فيقدح في تعلقه على العلم بأن هذا المعين ظلم، ~~وهو أمر منفصل، فيقدح في أن تعلقه لذاته. # وبعد، فلو لم يتعلق العلم الجملي لما فصل أحدنا بين العشرة التي علم كون ~~زيد فيها، وبين غيرها، وأما ما ذكره ابن متويه في المحيط والتذكرة من أن ~~الجملي يخالف التفصيلي والشيء لا يصير بصفة مخالفة، ففي الاستدلال به نظر؛ ~~لأنه محل النزاع /8/ فكيف يقول ms008 التفصيلي يخالف الجملي، وهما عند الخصم واحد. PageV01P012 ### |||| CHECK [فصل في أن العلم من قبيل الاعتقاد.] # حجة أبي هاشم: أنه لو كان العلم بكون زيد في جملة العشرة متعلقا، لصار ~~الجهل بزيد على التفصيل، فكان يلزم إذا اعتقد في زيد أنه ليس بزيد أن ينتفي ~~عنه الجملي. # والجواب: أن من شرط التضاد اتحاد الطريقة، والجملي لا يضاد التفصيلي. # قال: لو لم يضاده للزم إذا اعتقد في كل واحد من العشرة أنه ليس بزيد أن ~~لا ينتفي العلم الجملي، قيل له: أنه متى اعتقد ذلك دعته هذه الاعتقادات إلى ~~أن يفعل اعتقادا جمليا بأنه ليس من العشرة. # قال: إنما يدعوه ذلك حال فعل الاعتقاد العاشر، فيلزم اجتماع العلم والجهل ~~في الوقت العاشر؛ لأنه إنما يفعل الاعتقاد الجملي في الوقت الحادي عشر؛ ~~لأنه الثاني من حالة الدعاء. # قيل له: بل الذي يدعوه إلى أن يعتقد في الرجل العاشر أنه ليس بزيد يدعوه ~~إلى فعل اعتقاد جملي بأنه ليس في العشرة، فينبغي الاعتقاد الجملي بانه فيها ~~فلا يجتمع العلم والجهل في العاشر. # فصل والعلم من قبيل الاعتقاد. # وقال أبو الهذيل: بل هو جنس مستقل، وتوقف أبو الحسين. لنا أنه لو كان ~~غيرا للاعتقاد؛ لصح انفصاله عنه حتى يكون أحدنا معتقدا [به] ساكن النفس، ~~ولا يكون عالما والعكس. # وبعد، فإما أن يضاد الاعتقاد فلا يصح، مجامعته له، وإما أن يخالفه فيلزم ~~إذا طرى الضد أن لا ينفهما جميعا؛ لأن الضد إنما ينفي المثلين والضدين، ~~وإما أن يماثله وهو المطلوب. # وبعد فحال العالم يلتبس بحال الجاهل والمقلد، والشيء لا يلتبس بما ليس من جنسه. # شبهة: أنه لو كان اعتقادا لوجب في كل عالم أن يسمى معتقدا، وهو باطل ~~بالقديم تعالى. # والجواب: أنه إنما يلزم ذلك في كل عالم بعلم هو اعتقاد، والله تعالى عالم ~~لا بعلم، ولو قدرناه عالما بعلم لما صح إطلاق ذلك في حقه؛ لأنه إنما يجوز ~~به في من له قلب وضمير تشبيها بعقد الحبل. # قال: لو كان العلم اعتقادا لكان كل اعتقاد ms009 علما. PageV01P013 ### |||| CHECK [فصل فيما يعرف به أن كون العلم اعتقاد] # قيل له: ولو كانت الحركة كونا؛ لكان كل كون حركة. والتحقيق أنه لم يكن ~~علما بمجرد كونه اعتقادا، بل لأنه اعتقاد واقع على وجه مخصوص. # فصل # والذي به يعرف كون الاعتقاد علما هو سكون النفس، عند الجمهور. # وقال أبو علي بسلامة طريقه من الانتقاض # وقال الجاحظ: قد يكون الجاهل ساكن النفس. والذي يبطل قول أبي علي أن في ~~العلوم ما لا طريق إليه كالبديهي وغيره، وإنما يعرف كونه علما /9/ بأمر ~~يرجع إليه، وأنه إنما يعرف سلامة طريقه من النقص بعد أن يعرف كون الاعتقاد ~~الحاصل عنها علما. # شبهته رحمه الله هو أنا لا يمكن من تعريف الغير بأن اعتقادنا علم وأن ~~اعتقاده ليس بعلم إلا ببيان سلامة طريقنا دون طريقه. # والجواب عليه: أن هذا لا يوجب ما ذكره؛ لأنا لو أمكننا أن نعرف الغير ~~بسكون أنفسنا لكان ذلك هو الواجب. # والذي يبطل قول الجاحظ: أن الجاهل إنما يتصور بصورة ساكن النفس بدليل أنه ~~لو شكك عليه لبطل(1) اعتقاده. # فصل # وهذا الحكم أعني سكون النفس الذي به فارق العلم غيره يعلم ضرورة عن ~~الشيخ أبي عبد الله، سواء كان الاعتقاد المقتضي له ضروريا أو استدلاليا. # وقال الجمهور: يعلم ضرورة إن كان المقتضي له ضروريا، أو استدلالا إن كان ~~المقتضى له استدلاليا. حجة أبي عبد الله أن كل حكم ضروري يثبت في موضع ~~بطريق، فإنه يثبت بها في سائر المواضع. # واعترضه الجمهور بأنه اعتماد على مجرد الوجود، ويمكن أن يحتج لصحة مذهبه ~~بأنه لا يمكن الإشارة إلى من يجعله دليلا على أنفسنا ساكنة. # وبعد، فكان يلزم صحة أن ينظر أحدنا في الدليل على الوجه الذي يدل فيعلم ~~المدلول ولا يعلم أن نفسه ساكنة بأن لا ينظر في هل هي ساكنة أم لا، أو بأن ~~ينظر في ذلك لا على الوجه الصحيح. وعلى الجملة فلا بد أن يكون محوزا حال ~~النظر في ذلك، وقد ثبت أن أحدنا عند أن يحصل له العلم لا ms010 شك في سكون نفسه. PageV01P014 # وبعد فأحدنا يجد نفسه ساكنة من دون نظر، وبعد وكان يلزم التسلسل في الأدلة، ~~فإذا علمنا الشيء بدليل احتجنا إلى دليل آخر على أن أنفسنا ساكنة، ثم إذا ~~نظرنا في ذلك الدليل الآخر فعلمناه وسكنت أنفسنا احتجنا في ذلك السكون إلى ~~دليل آخر على أن أنفسنا ساكنة، وهلم جرا. # وإن قال الجمهور: إن الدليل الذي يحصل به العلم بالمدلول والعلم سكون ~~النفس واحد، وكذلك النظر واحد، فلا يلزم التسلسل في الأدلة ولا التجويز حال ~~العلم بالمدلول. # وقيل لهم: هذا على بعده يلزم عليه كون النظر مولدا لعلمين مختلفين، العلم ~~بالمدلول والعلم بسكون النفس إليه. # على أن أحدنا إنما يجد نفسه طالبة للعلم بالمدلول حال النظر ولا يجدها ~~طالبة للعلم بسكون النفس. # حجة الجمهور: أنه إذا كان الاعتقاد استلاليا فبالأولى ما هو مقتضى عنه؛ ~~لأنه كالفرع له. # ولأبي عبد الله أن يجيب بأنكم إن أردتم بكون سكون النفس استدلاليا أنه ~~مقتضى عن علم /10/ استدلالي، فهو صحيح، لكن ذلك لا يمتنع من كونه معلوما ~~بالوجدان من النفس وإن أردتم بكونه استدلاليا أن النظر الأول يولده أو أنه ~~يحصل بنظر مستأنف فهو محل النزاع. # قالوا: كان لا يصح زوال العلم الاستدلالي قط بعد حصوله؛ لأن أحدنا يضطر ~~فيه إلى سكون النفس. وله أن يقول بل يصح زوال العلم الاستدلالي، لكن إذا ~~زال ما هو مقتضى عنه، وهو سكون النفس النفس، وإذا زال سكون النفس زال العلم ~~الضروري المتعلق بسكون النفس؛ لأن الله تعالى لا يحدد فينا اعتقادا ضروريا ~~يتعلق بالشيء، لا على ما هو به. PageV01P015 ### |||| AUTO فصل كل ما لا يعلم استدلالا يجوز أن يعلم ضرورة مطلقا، وكل ~~ما يعلم ضرورة يجوز أن يعلم استدلالا بشرط زوال العلم الضروري إذا لم يكن ~~من كمال العقل. # وقال قوم: يجوز مطلقا في الطرفين، ويبطله أن من حق الاستدلال التجويز ~~الاستحالة أن ينظر الإنسان فيما هو قاطع فيه. # وقال الشيخ أبو القاسم: لا يجوز في واحد من الطرفين، وجعل العلم بالله ~~تعالى ms011 في دار الآخرة استدلاليا، لكونه في الدنيا كذلك. لنا أما الأول فلأنا ~~إذا قدرنا على العلم فالله تعالى عليه أقدر، فيصح كونه ضروريا. # وأما الثاني: فلأنه إذا زال العلم بالشيء ضرورة لم يمكنا أن نعلمه إلا ~~بالاستدلال. # وأما قوله في أهل الآخرة، فباطل؛ لأن الاستدلال لا يصح إلا مع التجويز، ~~وفي ذلك يتغيض على أهل الجنة، ويتعيش على أهل النار لتجويزهم الجميع انقطاع ~~ما هم فيه حال النظر. # وبعد فكان يجوز أن لا يختار أهل النار المعرفة، وليس له أن يقول هم ~~ملجئون إليها، لأن الإلجاء بنا في التكليف، وهم عنده مكلفون، وإن كان ~~التكليف في حقهم باطلا، وإلا وجب أن يكون لهم طريق إلى الانتفاع بما كلفوه، ~~فيؤدي إلى أن يستحق أهل النار ثوبا بالطاعة، وأن يستحق أهل الجنة الذم ~~والعقاب إن عصوا وأن تلحقهم مشقة. PageV01P016 # فصل # وللعلم بكونه علما حال تثبت بالفاعل، وقيل حكم وقيل لا حكم ولا حال. # لنا: إنه قد شارك سائر الاعتقادات في كونه اعتقادا ومتعلقا وموجبا لمن ~~اختص به وانفرد باقتضائه لسكون النفس، فلا بد من أمر له يثبت التفرقة، وهو ~~إما فاعل ولا يصح لفقد الاختيار، والأصح أنه يجعل الجهل كذلك. # وأما معنى وهو باطل /11/ لفقد الاختصاص والمخصص. # وأما حكم وهو باطل لأنا نعلم هذه التفرقة من دون اعتبار غير، ولا ما يجري مجراه. # وأما صفة واجبة وهو باطل لمشاركة سائر الاعتقادات له في ذلك. # وأما صفة جائزة وهو المطلوب. # فصل # والمؤثر في هذه الحالة هو الفاعل للاعتقاد بواسطة وقوعه على أحد الوجوه ~~التي سنذكرها؛ لأنه إما أن يكون علما لجنسه أو لصفة جنسه كما يقوله الشيخ ~~أبو القاسم أو لوجوده أو لحدوثه على وجه أو لمعنى أو لمجرد اختيار الفاعل ~~أو بالفاعل بواسطة أحد هذه الوجوه المذكورة. # والأربعة الأقسام الأولة باطلة لحصولها في سائر الاعتقادات. PageV01P017 # والخامس باطل لفقد الاختصاص. والسادس باطل، لفقد الاختيار عند زوال الوجوه. # والسابع هو المطلوب. # فصل # والوجوه التي يقع عليها الاعتقاد فيصير علما ستة: # أحدها: وقوعه عقيب النظر، ms012 والواسطة هنا هو النظر عند ابن متويه، وكونه ~~باطرا عند أبي رشيد. # حجة ابن متويه: أنه لو كان المؤثر كونه باطرا للزم إذا فعل الله، في ~~أخذنا نظرا، وكان العلم الحاصل عنه من فعله تعالى أن يكون قد أثرت صفة ~~أحدنا في فعل الله تعالى. # وأجيب عن أبي رشيد بأن الصفة إنما تؤثر حيث يمكن تعليق الحكم بها لا في ~~كل موضع، وهاهنا قد صار وقوعه من فعل الله وجها في كونه علما فلم يمكن ~~تعليق ذلك في الصفة وهذا حسن، لأنه لا يكفي في الدلالة على أن الصفة هي ~~المؤثرة، وأن كفى في جواز ذلك وفي تضعيف استلال ابن متويه رحمه الله تعالى ~~فإذا الأولى في الاستدلال أن يقال أن النظر إذا أثر في الصفة فهو مؤثر في ~~ما تؤثر فيه الصفة إن ثبت لها تأثير، وأيضا فإذا أثر في الاعتقاد كان أولى ~~أن يؤثر في وقوه على وجه كسائر وجوه الأفعال. # الوجه الثاني: أن يقع عقيب تذكر النظر والاستدلال كعلم المنتبه من رقدته، ~~والمؤثر هنا إما أن يكون نظرا مستأنفا أو النظر الأول أو تذكره، والأول ~~باطل؛ لأن العلم يحصل أول حالات الانتباه والنظر يحتاج إلى وقت ممتد، ولأن ~~أحدنا لا يجد نفسه ناظرة، والثاني باطل لأن النظر إنما يولد في بأبي وجوده ~~وهاهنا أوقات كثيرة بقي أن يكون المؤثر تذكره للنظر وتأثير التذكر إنما هو ~~على جهة الدعاء لا على جهة الإيجاب؛ لأن الذكر علم ضروري، فلو أوجب لكان ~~علم المنتبه من فعل الله تعالى، ولأن الذكر قد يكون من مجموع أمور، فلا يصح ~~تأثيرها في شيء واحد. PageV01P018 # والوجه الثالث: أن يقع من فعل العالم بالمعتقد كالعلم الذي يفعله الله ~~تعالى في أحدنا، وكما إذا فعل أحدنا في نفسه اعتقادا مبتدأ بما هو عالم به، ~~فإن ذلك يؤثر في كونه علما تأثير دعاء أيضا؛ لأن الله تعالى كما يقدر على ~~أن يفعل فينا اعتقادا مطابقا يقدر على أن يفعل اعتقادا غير مطابق، ولا يجوز ~~أن يكون المؤثر ms013 كونه مريدا والأوجب إذا أراد أحدنا كون الجهل علما أن يكون ~~كذلك ولا أن يكون المؤثر كونه قادرا والأوجب في كل قادر أن يكون اعتقاده علما. # الوجه الرابع: زاده الشيخ أبو عبد الله، وهو وهو إلحاق التفصيل بالجملة ~~كمن يعلم كل ظلم قبيح لم يعلم في فصل معين أنه ظلم، فإن هذين العلمين يدعوا ~~انه إلى فعل علم ثالث بقبح هذا الظلم المعين إلحاقا للتفصيل بالجملة، وهذا ~~لا يستقيم على أصل أبي هاشم؛ لأن الجملي هو التفصيلي عنده، لكن لم يكن ~~متعلقا، ثم تعلق. # وأما الشيخ أبو الحسين فإنه يجعل العلم الثالث الذي هو التفصيلي متولدا ~~عن العلم الجملي. # قال: لأنه لو حصل بالداعي لجاز حصول صارف يقابل الداعي، وكان يلزم لو خلق ~~الله في أحدنا علما ضروريا بأنه إن فعل هذا العلم الثالث أدخله النار أن لا ~~يعلم قبح الظلم المعين مع العلم بأنه ظلم وأن كل ظلم قبيح ومعلوم خلاف ذلك ~~وإن كان قد التزمه بعض معتزلة الري. # واعلم أن هذا الإلزام متوجه، فإما قوله أن الجملي يولد التفصلي، فهو لا ~~يستقيم على أصول البهاشمة؛ لأن الاعتقاد عندهم لا يولد الاعتقاد. PageV01P019 # قالوا: لأنه لو ولده لولده في محله إذ لا جهة له، ولولده في الوقت الأول إذ ~~لا مقتضي لتأخره، فكان يلزم وجود ما لا يتنافى من العلوم في حالة واحدة، إذ ~~لا وجه يقتضي الحصر. وأيضا فليس العلم الجملي بأن يولد اعتقادا أولي من ~~صده، ولأبي الحسين أن يقول ما قولكم يولد ما لا يتناهى، فلا يلزم؛ لأن ~~المولد عندي هو الجملي لا كل علم، وهو أن ولد في الوقت الأول، فالمبق له ~~تفصيلي، والتفصيلي لا يولد عندي، فلا يلزم وجود ما لا يتناهى. # وأما قولكم بأن يولد اعتقادا أولي من صده فلا يلزم أيضا كما لا يلزم في ~~النظر إذا ولد العلم أن يولد ضده. إذا ثبت هذا فالأقرب /13/ والله أعلم ~~إن لم يصح ما قاله أبو الحسين من كون، الثالث متولدا أن يكون ضروريا من ms014 جهة ~~الله تعالى بفعله ابتداء عند حصول العلمين الأولين. # فإذا قيل: طريقة العادة، فكان يجوز أن لا يفعله الله تعالى بأن تختلف ~~العادة. # قلنا: هو كذلك، لكنه معدود في كمال العقل، فيكون العلم بقبح الظلم المعين ~~في ذلك كالعلم بقبح الظلم على الجملة، وليس لزوم زواله عند أن لا يختار ~~الله فعله بأبلغ من لزوم زواله عند حصول صارف يزيد على الداعي. # الوجه الخامس: زاده أبو عبد الله أيضا وهو يذكر العلم، فإذا ذكر أحدنا ~~أنه كان عالما ثم فعل اعتقادا، كان ذلك الذكر وجها في كونه علما، وهذا إنما ~~يستقيم على مذهبه في أن العلم بالعلم ليس علما بالمعلوم، وإليه ذهب القاضي ~~وأبو إسحاق. # فأما الشيخان أبو علي وأبو هاشم، فعندهما أن العلم بالعلم علم بالمعلوم، ~~فإذا علم أحدنا أنه عالم بالشيء فقد علم الشيء ولا حاجة إلى فعل علم آخر. # والحق ما قاله أبو عبد الله وإلا لزم، إذا ذكر أحدنا أنه كان عالما ~~بالله، وقد ثبت أن الذكر علم ضروري أن يكون قد علم الله ضرورة. PageV01P020 # الوجه السادس: خرج على مذهب أبي هاشم وهو أن يعتقد أحدنا تقليدا أن زيدا في ~~الدار، ثم يبقى هذا الاعتقاد إلى أن يشاهده فيها، فإنه يصير وجها في كون ~~ذلك الاعتقاد علما؛ لأنه من فعل العالم بالمعتقد، وهذا مبني على مذهبه في ~~بقاء الاعتقادات، وقد ذهب الجمهور إلى أنها لا تبقى. # وقال أبو علي: يبقى الضروري دون المكتسب. # حجة الجمهور: أن الباقي لا ينفى إلا بضد أو ما يجري مجراه، وأحدنا خرج عن ~~كونه عالما لا الضد، ولا إلى ما يجري مجراه، والشك والسهو ليسا معينين. # وبعد فلو بقيت العلوم لما احتاج أحدنا إلى تكرار الدرس، ولوجب في من سمع ~~سبا أن يحفظه ولا يزول عنه. # فصل # قد يحتاج العلم إلى العلم إما لكونه أصلا له كاحتياج العلم بالحال إلى ~~القلم بالذات، وإما لكونه طريقا إليه كاحتياج العلم بكونه تعالى موجودا إلى ~~العلم بكونه قادرا، والفرق بين أصل الشيء وطريقه أنه ms015 لا يصح حصوله من دون ~~أصله، ويصح حصوله من دون طريقه، ولهذا يصح /14/ أن يخلق الله تعالى فينا ~~علما ضروريا بكونه موجودا، وإن لم يعلم كونه قادرا، ولا يصح أن يفعل فينا ~~العلم بصفة الذات دون العلم بالذات. # فصل # والعلوم قد تماثل وقد تختلف، ولا يضاد الاستحالة تعلق العلم بالشيء لا ~~على ما هو به، وذلك شرط التضاد. # ويعرف تماثلها باتحاد المتعلق، والوجه والطريقة والوقت، كأن يعلم زيدا ~~على صفة مخصوصة في وقت مخصوص جملة أو تفصيلا، فإنها تكون متماثلة لاتفاقها ~~في أخص ما يثنى عن صفة ذاتها ولتماثل موجبها، ولأن الضد الواحد يبغيها ~~كلها، ويعرف الاختلاف بتعدد(1) أحد هذه الوجوه المذكورة، ولم يشترط ابو ~~هاشم إيجاد الطريقة بناء على مذهبه في أن العلم الجملي لا يتعلق ولا اشترط ~~اتحاد الوقت بناء على مذهبه في بقاء الاعتقادات. PageV01P021 # فصل # وكل علم حسن عند أبي هاشم وأبي الهذيل، وخالفه أبو القاسم في العلم إذا ~~قصد به وجه قبيح كالعلم بالسحر، للعمل به، والعلم بالشبهة للتلبيس، والعلم ~~إذا كان فيه مفسدة كالعلم بأعيان الصغائر والعلم بما معه تمكن من معارضة ~~القرآن. # قال أبو هاشم: الذي يقبح هو القصد في الأول والتمكين في الثاني. واعترضه ~~ابن متويه بأنه لا يمتنع أن يعلم الله من حال بعض المكلفين أنه إذا حصل له ~~علم ما فسد عنده. ويمكن الجواب بأن العقلاء يستحسنون الإقدام على كل علم ~~على الإطلاق، فلو كان فيها ما هو قبيح لدل عليه الشرع. # فصل # ويصح أن يعلم المعلوم الواحد بعلوم كثيرة خلافا لأبي علي، وكأنه بناء على ~~أصله في امتناع تسكير الساكر، وجمع المجتمع ونحوه. # لنا: صحة اجتماع المتماثلات والمختلفات في المحل الواحد، ومتى علمه بعلوم ~~فهو كمن علمه بعلم واحد؛ لأن سكون النفس لا يتزايد، فأما الجلاء فالمرجع به ~~إلى كثرة الطرق لا كثرة العلوم، ولهذا قد يكون العلم الواحد أجلا من العلوم ~~الكثيرة كالضروري مع المكتسبات. # وأما قولهم فلان أعلم من فلان فمعناه في أحد قولي أبي علي كثرة علومه ms016 ~~كقولهم أقدر، وفي القول الثاني كثرة المعلومات. # وقال أبو هاشم: معناه أنه يعلم ما يعلمه الآخر، وما لا يعلمه. PageV01P022 ### |||| CHECK [فصل في كون العقل هو مجموع علوم ضرورية] # فصل # وليس يجب إذا علم أحدنا الشيء أن يعلم أنه عالم به بل الظن في ذلك يقوم ~~مقام العلم خلافا لأبي علي، وجعل ذلك وجها في أن أحدنا لا يقطع أنه من أهل ~~الثواب. # فصل # والعقل عندنا مجموع علوم ضرورية يصح بوجه التكليف على من احتضرها على بعض ~~الوجوه، وسميت عقلا تشبيها بالمعنى اللغوي لما كانت تمنع صاحبها من ارتكاب ~~القبائح، ويستعمل القول أيضا في عرف اللغة بمعنى الوقار، وشدة التثبت وكثرة ~~التحارب، وعلى هذا يقال: فلان لا عقل له، وفلان أعقل من فلان. وهذه العلوم كثيرة: # منها: العلم بأحوال أنفسنا على الجملة، نحو كوننا مريدين ومشتهين، ونحو ذلك. PageV01P023 # ومنها: العلم بالبداية، نحو أن الكل أكثر من الجزء. ومنها: العلم ~~بالمحسوسات، نحو: إن الشمس منيرة، وأن الكافور أبيض، ويدخل فيه الخبر؛ لأنا ~~إنما نعلم أن النار محرقة بعد مشاهدة ذلك،ويدخل أيضا العلم بالأمور الجلية ~~قريبة العهد؛ لأن الله تعالى يحدد فينا العلم بها من حال المشاهدة، ويدخل ~~فيه أيضا العلم بتعلق الفعل بفاعله، فلا وجه لعد هذه أقساما مستقلة. # ومنها: العلم بمخبر الأخبار المتواترة عند غير أبي هاشم، نحو: إن في ~~الدنيا مكة، وإن في الملوك كسرى. وهذا وإن استند إلى المشاهدة فليس يدخل في ~~تسميتها؛ لأن المشاهد هنا هم المخبرون بخلاف الخبرة والتجربة. # ومنها: العلم بأن الشيء لا يخلو من نفي وإثبات، نحو: إن زيدا إما في ~~الدار أو ليس فيها. # ومنها: العلم بقصد المخاطب فيما يتجلى إذا عرفت ذاته ضرورة. # ومنها: العلم بأنه لا فيل بحضرتنا، والعلم بأنه لو كان لرأيناه. # ومنها: العلم بوجوب بعض الأفعال كرد الوديعة وشكر المنعم، وقبح بعضها ~~كالظلم والكذب، وحسن بعضها كإرشاد الضال وإنقاذ الغريق وحسن الأخلاق. والذي ~~يدل على أن هذه العلوم هي العقل أنا نعلم في من اختص بها أنه عاقل وإن ~~جهلنا ms017 كل أمر، ويعلم في من فقدها أو بعضها أنه ليس بعاقل، وإن علمنا كل أمر. # وبعد فالعقل إما أن يكون ضدا لهذه العلوم فلا يصح مجامعته لها، أو مخالفا ~~فيصح انفصاله عنها ويجب، وأن لا ينفيه أضدادها، وكله محال، وإما أن يكون ~~مثلا لها، وهو المطلوب. # وبعد فلو كان غيرا لها لوجب أن نجد من أنفسنا حالا أو حكما يستدل به ~~عليه، ونحن لا نجد من أنفسنا، سواء كوننا عالمين بهذه العلوم. # وقد ذهب جمهور أهل الخبر إلى أن العقل قوة يمكن معها إدراك المعقولات، ~~ويبطله أن القوة هي القدرة والقدرة يصح وجودها، ولا عقل. # وبعد /16/ فكثير من المعقولات غير مدرك، وما كان منها مدركا فالعقل زائدا ~~على إدراكه، ولهذا قد يدركه من لا عقل له. PageV01P024 # وبعد فتحديد العقل بالمعقولات إحالة، فإن كل من لا يعلم العقل لا يعلم ~~المعقول. # وذهبت الطرفية إلى أنه القلب، ويبطله لزوم أن يكون كل ذي قلب غافلا. # وذهبت الفلاسفة إلى أنه جوهر بسيط، هذا ما حكا أصحابنا عنهم، وهو كما ~~حكوه، إلا أنهم أرادوا بذلك العقل الفعال الذي يؤثر في النفوس المؤثرة في ~~الأجسام، وهو الملك عندهم، وسيأتي تحقيق قولهم وإبطاله. # وأما العقل بالمعنى الذي يريده المتكلمون فقد حكاه الغزالي عنه فيه قريبا ~~مما يقوله أصحابنا، وهو التصورات والتصديقات الحاصلة بالفطرة، أي بالضرورة، ~~إلا أنهم لا يسمونه علوما؛ لأن العلم عندهم ما كان إكتسابيا، وهو اصطلاح مجرد. # وذهب أبو الحسين إلى أن القلب إذا كان مبنيا بنية مخصوصة جرى مع ~~المعقولات مجرى العين الصحيحة مع المرئيات، فكما يجب في الحر منا أن يرى ~~إذا صحت عينه واعتدلت كذلك يجب إذا صحت بنية قلبه واعتدلت، وأدرك المدركات ~~وزال اللبس أن يعلمه، وإذا علمها وجب أن يعلم ما يتفرع عنها من كثير من ~~صفاتها وأحكامها نحو أن الشيء لا يخلو من النفي والإثبات وقبح بعضها ووجوب ~~بعضها مما يعده الجمهور من علوم العقل، ويمكن أن يقال له مع ما تقدم أن ~~بنية قلب النائم صحيحة معتدلة، ms018 وهو لا يعقل. # وبعد فقياسه للقلب على العين بعيد؛ لأن العين حاسة يدرك بها، ويمكن ~~استعمالها في المدرك ضربا من الاستعمال، والقلب ليس كذلك. # وبعد، فقوله إذا اعتدلت بنية قلبه وأدرك المدركات وجب أن يعرفها وما ~~يتفرع عنها لا ينافي ما يقوله الجمهور، لكنهم يجعلون تلك المعرفة من علوم العقل. PageV01P025 ### |||| CHECK [فصل في مزاعم أهل السفسطة عن ماهية العلم] # فصل # زعم أهل السفسطة والعنود أنه لا يصح العلم بشيء، وانه لا حقيقة لشيء، وأن ~~ما يشاهده العقلاء حال اليقظة كما يشاهدونه حال النوم. # ومنهم فرقة تسمى الآدرية؛ لأنهم يقولون في كل شيء لا يدري، والكلام مع ~~الكل يقع على جهة بيان أنهم كاذبون على أنفسهم لا على جهة المناظرة؛ لأنه ~~كيف يصح مناظرة من ينكر الضروريات التي لا يدخلها شك، فيقال لهم: أتعلمون ~~أنه لا حقيقة لشيء، فقد تركتم مذهبكم أم لا تعلمون، فلم قلتم أنه لا حقيقة ~~لشيء؟ ولم لا تجوزون خلاف ما ذهبتم إليه؟ وإذا جوزتم /17/ فهل تعلمون ذلك ~~الجواز أم لا؟ # ويقال لهم: بماذا تجنبون ما يضر وتتبعون ما ينفع، وكيف ميزتم بين ذلك؟ # فإن قالوا: بظن ذلك، قيل لهم: وهل تعلمون أنكم تظنون؟ وهل تعلمون الفصل ~~بين العلم والظن، وما يتعلق الظن أم لا. # فإن قالوا: نعم تركوا مذهبهم. # وإن قالوا لا، عاد السؤال. # ويقال لهم: إنكم إذا سئلتم عن الشيء قلتم لا ندري، أفتعلمون أنكم لا ~~تدرون أن قولكم لا ندري يطابق مذهبكم، وهل تعلمون الفصل بين لا ونعم. # شبهتهم: ما يقع من الغلط في المناظر ويتخيلها العقلاء على خلاف حقيقتها ~~كالسراب يظنه العاقل ماء، وكحبة العنب يرى في الماء، كالإجاصة وكالشجرة ترى ~~على الشط منكسة، وكالشط يراه راكب السفينة كأنه سائر، ونحو ذلك. # والجواب: أن هذه شبهة إنما يتأتى على القول بأن للأشياء حقائق يقع اللبس ~~في بعضها، فإما على قولهم فلا يصح، وعندنا أن ذلك اللبس لأمر يرجع إلى ~~الأشعة ومحاولة بعض أجزاء المرئيات لبعض، ثم نقول لهم وهل تعلمون أن العنبة ~~أصغر ms019 من الإجاصة وأ نالسراب ليس بماء، ونحو ذلك مما عدوه. # فإن قالوا: نعم، بطل مذهبهم، وإن قالوا لا سقطت شبهتهم. # القول في وجوب معرفة الله # ذهب الجمهور إلى أنه يجب على كل عاقل أن يعلم الله تعالى على الجملة وما ~~يجب له، ويستحيل عليه وما يحسن منه ويقبح. # وقال أبو علي الأسواري والجاحظ وغيرهما: المعارف ضرورية، فلا يجب. وجوزه ~~السيد المؤيد بالله في حق الأنبياء والأولياء. # وقال قوم: التقليد جائز في حق كل عاقل، فلا تجب المعرفة. PageV01P026 # وقال أبو إسحاق بن عياش وأبو القاسم الكعبي: يجوز للعوام تقليد المحق، وروي ~~عن القاسم عليه السلام جواز تقليد المحق مطلقا. # وقال قوم: يكفي الظن بصانع العالم ولا حاجة إلى العلم. # والكلام على أهل المعارف: هو أن يقول أن هذه المعارف تحصل بحسب أنظارنا ~~في الكمية والمطابقة على طريقة مستمرة، فيجب أن يكون منتبه عنها، ولا يلزم ~~مثله في اللون الحاصل عند الضرب؛ لأنه لون الدم انزعج بدليل أنه لو ضرب ~~الجماد لما حصل لون. # وبعد فالمبتدأ منها يحصل بحسب قصودنا ودواعينا، وينبغي بحسب كراهتنا ~~وصوارفنا مع سلامة الحال، ولا يرد العلم بمخبر الأخبار المتواترة؛ لأنه ~~يحصل باختيار الله تعالى لا باختيار المخبرين، وإلا وجب حصوله عند كل خبر ~~بأن يختاروه، وأن لا يحصل عند خبر الكثرة بأن لا يختاروه. # وبعد، فكان يلزم في من لا يعرف الله تعالى أن يكون /18/ معذورا، والتزام ~~هذا كفر، ولا يقال العقلاء كلهم يعرفونه، لكن فيهم من جحده؛ لأن الجحود ~~إنما يكون مع التواطي، وهو متعذر في حق الكثرة. # وبعد، فلو كان العلم بالله ضروريا لكان بديهيا لتعذر ما عداه من ~~الضروريات، فكان يجب أن يشترك العقلاء فيه؛ لأنه من كمال العقل، وأن بعد ~~المخالف فيه مكابر كالسوفسطائي وخلافه معلوم، لا سيما وفي المخالفين من ~~يدعي كون الباري جسما ضروريا، فإن إثبات خالق لا نظير له مكابرة. # وبعد فقد مدح الله تعالى العلماء في غير موضع من القرآن وأمر بالمعرفة في ~~قوله: {فاعلم انه لا إله إلا ms020 الله}، وكل ذلك يقتضي أن المعرفة من فعلنا. # وأم ما قاله المؤيد بالله فقد أبطله الجمهور بأن المعرفة لطف، فلا يجوز ~~أن يخص الله بها بعض المكلفين دون بعض، فكان يجب أن يفعلها في الجميع ويقبح ~~التكليف باكتسابها، وله أن يقول مسلم: أن المعرفة لطف لجميع المكلفين، لكن ~~ما أنكرتم أن يعلم الله من حال بعضهم أن لطفه في المعرفة الضرورية، ويعلم ~~من حال الاخر أن لطفه في الاكتسابية. PageV01P027 # فالأولى في إبطال قوله رحمه الله تعالى ما تقدم من أنها لو كانت ضرورية، ~~لكانت بديهية، فكان يجب اشتراك العقلاء فيها من حيث يعد في كمال العقل لا ~~من حيث اللطف، وأيضا فتجويزه لذلك في حق الأنبياء والصالحين يقتضي أنهم قد ~~عرفوا الله بالاكتساب قبل حصول المعرفة الضرورية؛ لأنهم إنما يكونون أنبياء ~~وصالحين إذا عرفوا الله، ومتى قدرنا أنهم عرفوه استدلالا بعد ما ذكره رحمه ~~الله تعالى. # شبهة أهل المعارف: إن المعرفة لو كانت من فعلنا لجاز أن يختار أحدنا ~~الجهل بدلا منها، في ثاني حال النظر؛ لأن من قدر على الشيء قدر على جنس ضده ~~إذا كان له ضد. # والجواب: إنه معارض بما تعدونه نظريا من العلوم. والتحقيق: أن العلم قد ~~صار واجب الوجود لوجود سببه، والجهل إنما يقع مبتدأ باختيار الفاعل. # قالوا: لو كلف المعرفة لوجب أن يعرف صفة ما كلفه واحدنا حال النظر لا ~~يعرف صفة المعرفة، إذ لو علمها لما كلف النظر؛ لأنها هي المطلوب. # قلنا: هو يعلم ماهية المعرفة تصورا، وإن كانت معدومة، وهي مكلف تلك ~~الماهية المتصورة في ذنه، على أن معرفة سببها الموصل إليها يقوم مقام ~~معرفتها، وعلى أنهم معارضون بما يعدونه نظريا من العلوم. # قالوا: لا مشقة في العرفة، فكيف يكلف بها. # قلنا: المشقة في سببها. # قالوا: وكيف يجب العلم بالشيء قبل العلم بصفة من أوجبه؟ # قلنا: العقليات تجب لوجوه يقع علها، فلا يحتاج إلى العلم بالموجب. # قالوا: لو كلف أحدنا /19/ بالمعرفة لنهى عن الجهل، ولو عرف الجهل لعرف ~~المجهول. # قلنا: ليس منهيا ms021 عن جهل معين وإنما هو منهي عن كل اعتقاد لا يأمن كونه جهلا. # والكلام على أهل التقليد هو أن المقلد لا يأمن في ما يعتقده أن يكون ~~جهلا، والأقدام على ما يؤمن كونه جهلا قبيح كالإقدام على الجهل. PageV01P028 # وبعد فإما أن يقلد الجاهل وهو ظاهر البطلان، أو العالم فذلك العالم إما أن ~~يعتقد مذهبه ضرورة وهو باطل بما تقدم أو تقليدا فيلزم التسلسل، أو دلالة ~~فيبطل التقليد. # وبعد فإما أن يخير والتقليد مع تجويز الخطأ فيلزم صحة تقليد سائر الملل ~~الكفرية أو لا فرق بينها وبين ملة الإسلام عند المقلد في جواز الخطأ، وإما ~~أن يشترطوا في جواز التقليد أن لا يجوز الخطأ على من قلده، فهو باطل؛ لأنه ~~كيف يعلم أنه لا يجوز عليه الخطأ وقد دخل في هذا إبطال ما حكى عن القاسم ~~عليه السلام؛ لأن المقلد كيف يعلم المحق حتى يقلده. # وبعد، فلو جاز التقليد لكان أحق الناس بأن يقلده الأنبياء، فيكون(1) ~~إظهار المعجز عبثا. # وبعد، فإما أن يقلد أرباب المذاهب وفيه اعتقاد المتضادات أو واحدا منهم، ~~ولا مخصص. # فإن قالوا: بالكثرة. # قلنا: هي لا تدل على الحق بدليل: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك..} ~~الآية، {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {ولكن أكثرهم لا يؤمنون}، {وقليل ~~ما هم}، {وقليل من عبادي الشكور}، {وما آمن معه إلا قليل}، ونحو ذلك، ولأن ~~الكثرة قد تعود قلة والعكس. # وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عليكم بالسواد الأعظم)) فأحادي، ~~ومحمول على اتباع الإجماع؛ لأنه لا سواد أعظم منه، ومحمول أيضا على اتباعه ~~في الشرعيات. # فإن قالوا: نقلد الأزهد. # قلنا: في كل فرقة لا زهاد. PageV01P029 # وبعد فقد ذم الله التقليد في عدة آيات نحو: {إنا وجدنا آباءنا على أمة}، ~~ونحو: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا..} الآية، ونحو: {فهم على ~~آثارهم يهرعون}، ونحو: {اتخذوا أحبارهم..} الآية، ومن السنة قوله عليه ~~الصلاة والسلام: ((لا تكونوا أمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن أساءوا ~~أسأنا ألا إن الأمعة المحقب دينه ms022 الرجال))، وقال عليه الصلاة والسلام: ~~((أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وأئمة مضلون وجدال منافق)). وقال عليه ~~الصلاة والسلام: ((لن تهلك أمة إلا من قبل علماء السوء))، ونحو ذلك كثير. # ويقال لأهل التقليد: هل يجب شكر المنعم فلا بد من قولهم بلى. # فيقال: وكيف يجب شكر من لا يعرفه. # ويقال لهم أيضا: هل يجب الاعتراف بالنبوءات والشرائع، وله تجب /20/ ~~العبادات، فلا بد من قولهم بلى. # فيقال: إذا لم يعرف المعبود وحكمته فكيف تعرف وجوب العبادات ونبوة ~~الأنبياء. # شبهتهم: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يدعو الناس إلا إلى الإقرار ~~بالشهادة، ولم يكن يأمرهم بطلب الدقائق(1)، وحل الشبه وكثير مما يذكره اهل ~~الأصول، ولهذا قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ((أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها حقنوا مني دماءهم وحسابهم على ~~الله)). # والجواب: إنما اقتصر على ذلك في القتال؛ لأن الإكراه لا يتصور في باب ~~العقائد، فإما الحث على النظر والعلم بالله تعالى فمما لا يخفى نحو قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي: ((وماذا صنعت في رأس العلم))؟ قال: وما ~~رأس العلم. قال: ((أن تعرف الله حق معرفته..)) الخبر. وقال عليه وعلى آله ~~الصلاة والسلام: ((تفكر ساعة خير من عبادة سنة))، وبالجملة فإن الكتاب ~~والسنة مشحونان بالحث على النظر والذم على تركه. PageV01P030 # قالوا: لو كلف العوام والنساء بهذه الأصول والاستدلال عليها بالأدلة ~~الغامضة ودفع الشبه مع علمنا أنهم لم يفعلو ذلك لوجب أن يقضى بكونهم كفارا، ~~ويجري عليهم أحكام الكفرة، ومعلوم خلافه. # قلنا: لم ندع أنهم كلفوا ما كلفه المبرزون في العلم، وإنما كلفوا جملة ~~يسيرة يسهل اكتسابها وأدلتها مقررة في عقولهم، وعجزهم عن التعبير عنها لا ~~يدل على أنهم غير عالمين بها، فإن كثيرا من العقلاء يعلم ما لا تحسن ~~العبارة عنه، ألا ترى أنك لو سألت رجلا عاقلا عن العقل ما هو لما درى كيف ~~يجيبك، ومتى عددت العلوم المذكورة لقال أما هذه فأنا أعلمها. يزيده وضوحا: ~~أن الذي يذكره العالم ms023 للمتعلمين في هذا الفن إنما هو التنبيه على وجوه ~~الاستدلال، وعلى ما هو مقرر في عقولهم. # قالوا: قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا..}، فأخبر ~~تعالى أن الإقرار كاف في ذلك. # قلنا: رأس الاستقامة العلم بالله تعالى وإلا لزم في الكافر والمنافق مثله ~~إذا أقر باللسان. # قالوا: قال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ولم ~~يشترط الاستدلال. # قلنا: معرفة صحة القول وحسنه يقف على معرفة الله تعالى. # قالوا: قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: ((بني الإسلام على خمس)) ولم ~~يذكر غيرها. # قلنا: شهادة أن لا إله إلا الله وسائر الخمس تقف على معرفة الله؛ لأنه ~~كيف يشهد أنه لا إله إلا الله ولم يعرفه. # والكلام على أهل الظن هو أن التكليف بالظن مع إمكان العلم قبيح في باب ~~الأصول؛ لأن كون الباري تعالى مرئيا أو غير مرئي مثلا أمر ثابت في نفس ~~الأمر لا يحصل بحسب الظن /21/ ولهذا يخالف الفروع، لأن المصلحة فيها بجواز ~~أن يحصل بحسب الظن. # وبعد فإما أن يكلفوا الظن كيف كان أو الظن الصائب المطابق لأقوى ~~الإمارات. # إن قالوا: بالأول. فهو ظاهر السقوط، وإلا لزم إصابة من ينفي الصانع، ~~وينكر النبوات ويشرك بالله. # وإن قالوا: بالثاني. قلنا: وكيف يعلم أن ظنه صائب مطابق. PageV01P031 # وإن قالوا: بالثالث، قلنا: أتريدون بأقوى الإمارات قول الآباء والأسلاف ~~فيلزم إصابة أهل كل ملة أو قيام الأدلة، ففيه رجوع إلى وجوب النظر، وهو ~~المطلوب؛ لأنها حينئذ توصل إلى المعرفة. # فصل # إذا بطلت هذه الأقوال فالدليل على وجوب معرفة الله تعالى أنها لطف ~~للمكلفين في القيام بما كلفوه، ويحصل ما هو لطف بهذه الصفة واجب، فهذان أصلان. # أما الأول: وهو إن أنها لطف فلأن حقيقة اللطف هو ما يمتثل المكلف عنده ما ~~كلفه لأجل أنه كلفه أو يكون أقرب إلى ذلك، ولا شك أن المعرفة بهذه الصفة ~~فإن من عرف أن له صانعا يثيب من أطاعه ويعاقب من عصاه كان أقرب إلى طاعته، # واعلم أن اللطف في الحقيقة هو ms024 العلم بأن هذا الفعل مما يستحق عليه الثواب ~~أو العقاب؛ لأنه الذي يدعوا ويصرف، لكن لما لم يتم إلا بمعرفة المثيب ~~والمعاقب سمى الجميع لطفا، والظن، وإن ثبت له حظ الدعاء والصرف فهو لا يقوم ~~مقام المعرفة ولا يتناوله التكليف لقبحه ولأنه إن كان اعتقادا كما يقوله ~~أبو هاشم فوجه قبحه جواز كونه جهلا، وإن كان جنسا مستقلا فهو لا يخلوا من ~~اعتقاد تجوز كونه جهلا، وذلك الاعتقاد هو التجويز، فيكون الظان لثبوت ~~الصانع مجوزا لنفيه والظان لعدله مجوزا تجويزه. PageV01P032 # وأما الثاني، وهو أن تحصيل ما هو لطف بهذه الصفة التي هي كونه لطفا في جميع ~~ما كلفناه واجب فلأنه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس فإنه إذا فعل الطاعات ~~دفع عن نفسه ضرر العقاب ولا يتم فعلها طاعة إلا بعد معرفة المطاع ووجوب دفع ~~الضرر عن النفس معلوم ضرورة مظنونا كان أو معلوما، إلا أن وجه الوجوب في ~~المعلوم هو كونه دفعا للضرر، وفي المظنون هو الظن لدفع الضرر، وقد ذهب أبو ~~علي مرة إلى أن وجه وجوب المعرفة وجوب شكر النعمة، وكون أحدنا يتمكن بها من ~~ذلك، وهو باطل؛ لأن شكر نعمة الله تعالى لا تجب إلا بعد معرفته، ومعرفة أنه ~~وجه قصد الإحسان، وإن وجبا للشكر أمكن تأديته مشروطا، وإن لم يحصل معرفته ~~وذهب مرة إلى أن وجه وجوبها قبح تركها، وهو الجهل والظن، ونحوهما، وأبطله ~~صاحب شرح الأصول بأن ذلك إنما يستقيم لو لم يمكن الانفكاك عن القبيح إلا ~~إلى المعرفة، ومعناه أن المعرفة حينئذ تكون قد منعت من وقوع /22/ القبيح. # قال: وأما مع إمكان الإنفكاك بأن لا يفعلها ولا ما يضادها فإنما ذكره لا ~~يستقيم، ولأبي علي أن يقول أن لا يفعل ترك، والترك عندي فعل فهو قبيح ~~حقيقي، وهو عندكم كالقبيح من حيث كان جهة كافية في استحقاق الذم، وإذا كان ~~كذلك فقد صار أحدنا لا ينفك عن المعرفة إلا إلى ما يستحق به الذم، ويمكن ~~الجواب بأنه وإن كان كذلك إلا أن عدم ms025 فعله للمعرفة إنما يقبح إذا ثبت وجوب ~~المعرفة، فلا يمكن أن يجعل وجها في وجوبها؛ لأنه دور. PageV01P033 # فصل # ومعرفة الله تعالى مما يجب على جميع المكلفين لاشتراكهم في كونها لطفا ~~لهم، والذي يشتبه أن يقال يجوز أن يعلم الله من حال بعضهم أنه يفعل المطلوب ~~فيه، وإن لم يعرف. # والجواب: إن ذلك لا يخرجها عن كونها لطفا؛ لأنه معها بكون أقرب لا محالة ~~إلى تأدية ما كلفه، وبعد فأحدنا مكلف بما عنده لا بما في معلوم الله تعالى. # وبعد، ففي علمنا بكفر الجاهل بالله ضرورة من دين النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وإجماع الأمة دليل على أنه ليس في المكلفين من هذه صفته. # فصل # ويلحق بها ما يترتب عليها مما يعد لطفا من المعارف كمعرفة الحفظة ~~وشهادتهم علينا وإنطاق الجوارح ونصب الموازين وعذاب القبر والحساب، ونشر ~~الصحف، ونحو ذلك، ونحو معرفة الطبع والختم المذكورين في القرآن، وسماع ~~القرآن وتتبع السنن وسماع الوعظ وأشباه ذلك. PageV01P034 # فصل # وأقل ما يجوز أن يكلف الله المرء علما عند أبي علي معرفة الله بتوحيده. # قال: لأن ما عدا ذلك علم بغيره من الأفعال. # وقال أبو هاشم: لا بد أيضا من معرفة العدل والوعد والوعيد واستحقاق ~~الثواب والعقاب؛ لأنه الذي يدعو ويصرف، ثم يجوز احترامه من بعد ذلك. # وقال القاضي: اللطف لا يراد لنفسه، فلا بد أن يكلف مع اللطف شيا من ~~الملطوف فيه، ويتمكن منه، ثم نحو من احترامه. # فصل # والذي قد استقر عليه التكليف مع التبعية معرفة التوحيد والعدل والنبوءات ~~والشرائع وما يتصل بكل واحد من هذه الأصول من مقدمات ولواحق. PageV01P035 # فصل # وأول علم بالله تعالى عند القاضي وأبو الهذيل أن تعرف أن لهذه الحوادث ~~محدثا؛ لأنه قد يكون علمه على الجملة. # وقال أبو هاشم: أن تعرف محدثها بصفة من صفاته بناء منه على أن العلم ~~الجملي لا يتعلق. # وقال أبو علي: أن تعرف أن لها محدثا مخالفا لنا، وهو كمذهب أبي هاشم؛ ~~لأنه إنما يعرف أنه مخالف لنا إذا عرفه لصفة من ms026 صفاته. # فصل # ومعرفة الله تعالى مقدورة لنا لقدرتنا على سببها، وهو النظر من حيث يفق ~~على قصورنا /23/ ودواعينا. # وقال الرازي في محصوله: ليست مقدورة لنا لا هي ولا النظر، وجعل الأمر بها ~~وبالنظر في قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}، و{قل انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض} أحد الأدلة على تكليف ما لا يطاق، وهذا قول ظاهر التهافت، ~~ويكفي في شناعته أنه إقرار بالجهل بالله تعالى؛ لأن المعارف عنده نظرية لا ~~ضرورية، وإقرار بإبطال النظر مع أنه إنما يبطل النظر بالنظر، وإقرار بأن ~~جميع ما قاله في مصنفاته كان لا عن علم، وكل هذا يتوجه معه طي المناظرة. # وشبهته ما تقدم من أنا قد كلفنا بالمعرفة، فلا يخلو إما أن يعلم صفة ما ~~كلفناه فيكون صفة ما كلفناه، فنكون قد كلفنا ما لم يعلم. # والجواب: أنا نعلم ماهية المعرفة بالتصور سواء كانت معدومة أو موجودة، ~~وكلفنا بتحصيل تلك الماهية المتصورة، على أن معرفة السبب كافية في حسن ~~التكليف بالمسبب كما سلف ذكره. PageV01P036 # فصل # ومعرفة الله تعالى مما يجب على العاقل في كل حال إلا حال السهو للوجه ~~الذي لأجله وجبت في أول أحوال التكليف، وحراستها يكون بتحديدها حالا فحالا ~~عند من يمنع بقاء العلوم بالاحتراز من العوارض والأضداد عند من يقول ~~بنفائها. # فإن قال أحدنا يعلم أنه غير عالم بالله وجائزأن يعلم أحدنا الشيء ولا ~~يعلم أنه عالم به إلا بتأمل مستأنف. # القول في النظر # هو مشترك بين معاني. # أحدها: نظر العين، نحو: نظرت إلى الهلال فلم أره، أي قلبت حدقتي السليمة ~~في جهته. # وثانيها: نظر الرحمة، نحو: ولا ينظر إليهم يوم القيامة. # وثالثها: نظر المقابلة، نحو: داري تنظر إلى دار فلان. # ورابعها: نظر الانتظار، نحو: {فناظرة بم يرجع المرسلون}. # وخامسها: نظر الفكر، نحو: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض..} الآية، ~~وهو المقصود هنا، ويسمى نظرا وفكرا وتأملا وتدبرا ورؤية، وهو المعنى الذي ~~يولد العلم إذا تكاملت شرائطه. # فصل # وهو جنس مستقل لأن له أحكاما لا توجد في غيره ms027 من أفعال القلوب، ولا يصح ~~رجوعه إليها، منها: أنه لا يصح إلا مع الشك والتجويز. # ومنها: أنه إذا حصل على شرائطه أزال ذلك الشك والتجويز بما يتولد عنه، ~~ومنها: أنه يؤثر في وقوع الاعتقاد علما. ومنها: أنه يلحق بفعله مشقة. PageV01P037 # وذهب بعضهم: إلى أن المرجع به إلى حدث النفس والكلام الخفي، وهو باطل؛ لأن ~~النظر يوجب حالا دون الكلام، ويوجد مع فقد الكلام ويؤثر في وقوع الاعتقاد ~~دون الكلام. # وذهب أبو الحسين وأبو الهذيل إلى أن النظر /24/ هو التأمل الذي يتضمن ~~ترتب اعتقادات أو ظنون ليتوصل بها إلى اعتقادات أو ظنون، وهذا يوافق ما ~~قاله الجمهور؛ لأن التأمل عندهم من أسماء النظر، وإنما نفى الخلاف في هل ~~يولد غير العلم أم لا وسيتضح. # وما ذكره محمود بن الملاحمي من أن المرجع بالتأمل إلى تفريغ القلب عن ~~الاشتغال بتذكر غير المقدمات المعصية إلى العلم المكتسب، وأن هذا هو الذي ~~يحصل به المشقة، فغير صحيح؛ لأن أفعال القلوب كلها غير باقية، فلا يحتاج ~~أحدنا في تفريغ القلب إلى مشقة، بل يكفيه أن لا يفعل سوى استحضار هذه ~~المقدمات، وليس ما نتركه مما يشتهى فيلحق بتركه مشقة. # شبهة: # إنه لو كان التأمل هو النظر والنظر عندكم لا بد أن يوصل إلى العلم لكان ~~التأمل كذلك، ومعلوم أنه قد يحصل التأمل من دون ترتيب المقدمات، فلا يوصل ~~إلى العلم. # ويمكن الجواب أنا ندع في كل نظر، وكل تأمل أنه يوصل إلى العلم، بل قلنا ~~ذلك في النظر الصحيح والتأمل الصحيح، وإنما يكون كذلك إذا تكاملت شرائط ~~التوليد لا سيما وقد ذكر في معتمده أن من يقول أن النظر جنس برأسه لا بد من ~~أن يشرط ترتيب العلوم ليتوصل إلى العلم. PageV01P038 ### |||| CHECK [فصل في أن من شروط وجوب النظر أن القادر عليه شاكا] # فصل # وشروط وجوه النظر أن يكون القادر عليه شاكا. # وقال القاضي: وأن يكون مجوزا وإن نجح أحد المجوزين. # وقال أبو علي: يصح مع التقليد والتجنب، ولك هذه متقارنة؛ لأن المقلد ~~والمنجب غير ms028 قاطعين. # وقال أبو عبد الله: يصح مع العلم، وهو باطل، لأن من قطع على حدوث العالم ~~مثلا كيف ينظر في هل هو محدث أم لا، ولأن أحدنا يتعذر عليه النظر في ~~المشاهد ولا وجه لذلك إلا القطع عليه. # شبهته: إن أحدنا ينظر في دليل فيعلم المدلول ثم ينظر في دليل آخر فيعلم ~~المدلول أيضا، فكان يلزم تعذر النظر في الدليل الآخر. # والجواب: إنه ينظر في الدليل الآخر ليعلم أنه دليل لا ليعلم المدلول، ~~فمتى علمه دليلا آخر دعاه ذلك إلى أن يعلم(1) علما آخر بالمدلول. # فصل # والكلام في تماثل النظر واختلافه كالكلام في العلم، فأما التضاد في ~~الأنظار فغير واقع خلافا لأبي علي. # لنا: إن شرط التضاد اتحاد المتعلق، وأن يكون التعلق متعاكسا، ويعاكسه ~~مفقود هنا، وإيجاد المتعلق يقتضي التماثل، فأما النظر في شيئين فلا يسلم ~~لأبي علي امتناعه، وإن سلمناه فهو لأمر يرجع إلى الداعي لا للتضاد. PageV01P039 # فصل # والنظر يولد العلم خلافا لأهل الحيرة والقائلين بأن الأدلة متكافية، ~~وللقائلين بأنه لا طريق إلى علوم الدين إلا السمع، وللقائلين بأن الإسلام ~~لم يرد إلا بالسيف /25/ وأن النظر بدعة. # لنا: إن العلم يوجد بحسب النظر في الكمية والمطابقة، وأن العقلاء يفزعون ~~إليه عند التباس الأمور، فزع من يعلم أنه موصل إلى العلم. # فإن قال: هلا كان طريقا إلى العلم لا مولدا له. # قيل له: طريق العلم يتعلق بما يتعلق به العلم، كالإدراك، وهاهنا متعلق ~~النظر الدليل، ومتعلق العلم المدلول. # فإن قال: هلا كان داعيا إليه؟ # قيل له: الداعي يختص شيئا بعينه، والنظر ليس بأن يدعو إلى اعتقاد المدلول ~~على صفة، أولى من غيرها، ولا يرد بذكر النظر؛ لأنه يدعونا إلى أن يصير مثل ~~الصفة التي كنا عليها من قبل. # إن قال: هلا كان شرطا؟ قلنا: من حق الشرط المقارنة. # فإن قال: هو شرط اعيادي بفعل الله العلم عنده كالحفظ عند الدرس كما يقوله ~~بعض أهل المعارف. PageV01P040 # قيل له: كان يجو اختلاف العادة فيه كالحفظ. # فإن قالوا: الأسباب يصح مقارنتها للمسببات، ويؤثر ms029 في وقوعها فقط لا في ~~وقوعها على وجه، وليس هذا حال النظر . # قلنا: أما الأول فلأن شرط النظر التجويز، وهو لا يقارن العلم. # وأما الثاني، فهو شيء اختص به النظر دون سائر الأسباب لقيام الدليل. # فإن قال: قد يحصل العلم لأحد الناظرين قبل الآخر، وكذلك قد يحصل لأحدهما ~~دون الآخر، ولو كان سببا لحصل لهما على حد واحد. # قلنا: أما سرعة حصوله لأحدهما فمن حيث يتمكن من استحضار المقدمات قبل ~~الآخر، فإن القلب خلق آلة لذلك، والآلات تختلف في سرعة الفعل بها، وأما ~~حصوله لأحدهما دون الآخر فمن حيث نظر على الوجه الصحيح. # شبهة: القائلين بالخيرة أن الناس اختلفت اعتقاداتهم من أن كلهم قد نظروا ~~بل الرجل الواحد قد يعتقد صحة مذهب بالنظر زمانا طويلا، ثم يعتقد بطلانه ~~بالنظر، وأن الحق غيره، ولو كان النظر يوصل إلى العلم لاتفقت الأناسي ~~والأحوال فيه؛ لاتفاقها في سببه. # والجواب: أنا نعلم بالضرورة بعد الاختيار أنه موصل إلى العلم إذا وقع على ~~الوجه الصحيح، فلا تقدح الشبهة في ذلك. # وبعد فلم يدع في كل نظر أنه يوصل إلى العلم، وإنما يوصل إليه النظر ~~الصحيح، فمن نظر على الوجه الصحيح حصل له العلم، فإن اعتقد خلافه من بعد ~~فلشبهة تدعوه إلى فعل الجهل. # وبعد، فاتفقنا على أن الإدراك طريق إلى العلم مع أنه قد يختلف الحال فيه ~~لضروب من اللبس بعرض، وكذلك الحساب. # ثم يقال لهم أبالضرورة علمتم أن النظر يؤدي إلى الحيرة، وهذه مكابرة أم ~~بالنظر علمتم ذلك، فقد بطل /26/ مذهبكم. # شبهة: أهل التكافي إن كل أهل مذهب قد استدلوا بمثل دليل مخالفيهم، ورجح ~~كل منهم مقالته بمثل ما رجح به خصمه، فلا مزية لدليل على ذلك. # والجواب: ما تقدم على أهل الشك. PageV01P041 # ثم يقال لهم هذه الأدلة المتكافئة إما أن توصل كلها إلى العلم حتى تكون ~~جميع المذاهب حقا، وهذا باطل ظاهر الفساد؛ لأنه كيف يكون حقا قول من ثبت ~~الصانع وقول من ينفيه، وإما أن لا يوصل شيء منها إلى العلم، وفي ms030 هذا خروجها ~~عن كونها أدلة فضلا عن كونها متكافية. # وأما أن يوصل بعضها إلى العلم دون بعض، وهو المطلوب، لكنا نسمي الذي يوصل ~~إلى العلم دليلا والاخر شبهة. # وأما القائلون بأنه لا طريق إلى العلوم إلا السمع فيقال لهم: كيف تعلمون ~~صحة السمع، ثم ما يريدون بالسمع إن أرتم الكتاب والسنة والإجماع، فكلها ~~تتضمن الحث على النظر والتفكر والمطالبة بالبراهين والذم على ترك ذلك، وإن ~~أردتم بالسمع قول الإمام، فذلك الإمام إما أن يقول بالكتاب والسنة والعقل ~~أم لا إن قال بها فالكلام ما تقدم، وإن لم يقسم بها فليس بإمام. # ثم ما طريق الإمام إلى صحة ما تقوله. # وأما القائلون بأن الإسلام لم يرد إلا بالسيف والنظر بدعة. # فيقال لهم: المعلوم ضرورة من دين النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام أنه ~~كان يدعو إلى دينه بالقرآن المشتمل على أنواع الحجج والبراهين والرد على ~~أهل الكفر والبدع من أهل الكفر والشرك والمنكرين للقيامة والبعث والرسل ~~والآيات المتضمنة للحث على النظر في المخلوقات والذم على ترك ذلك أكثر من ~~أن يحصى. # وقولهم: إن النظر بدعة مدفوع بما يعلمه ضرورة من الدين، ومن أحوال ~~العقلاء والفزع إليه عند التباس الأمور. # شبهة للكل. قالوا: لو أوصل إلى العلم لما عدل أحد عنه. # والجواب: بل يعدل عنه آثارا للدعة أو تجويزا للتقليد ونحو ذلك مما يصرف ~~عن النظر، وكذلك يمكن الانصراف عن العلم الحاصل عنه للشبهة أو لاتباع ~~الأسلاف والتعصب لهم، فتعرض عما يخالفهم، وإن قاد إليه النظر كما هو حال ~~كثير من المخالفين أو لاتباع مذهب يستفيد به رئاسة ويصير به قدوة، وإن كان باطلا. PageV01P042 # فصل # إذا ثبت أن النظر يولد العلم فهو لا يولد غيره. # وقال القاضي وغيره: إن النظر في الإمارات يولد الظن، وإن النظر في ~~المقدمات المعتقدة المطابقة غير المعلومة تولد اعتقادا غير علم. # لنا: إنا نعلم حسن جميع الأنظار لعلمنا بحسن الإقدام عليها على الإطلاق، ~~فلو كانت تولد الاعتقادات /27/ والظنون ومعلوم أن فيها ما هو قبيح لما حسنت ~~الأنظار ms031 على الإطلاق؛ لأن قبح المسبب يقتضي قبح السبب. # فإن قيل: إن في الأنظار ما هو قبيح كالنظر في الشبهة للتلبيس وفي السحر ~~للعمل به، ونحو ذلك. # قلنا: قد قال به الشيخ أبو القاسم وأبو علي، وليس بصحيح لما تقدم، وإنما ~~يقبح العضد المقترن به. # وأما العلم الحاصل عند النظر في تبين مراد الغير فهو ضروري بالعادة. # وأما الجهل الحاصل عند النظر في الشبهة فهو مبتدأ باختيار الناظر بدعوة ~~الشبه إلى ذلك لأنه لا يعلق للشبهة، فتولد النظر فيها الجهل. # يوضحه أن النظر في الدليل قد لا يولده بأن لا يكون عالما بوجه دلالته مع ~~أن له علته بالمدلول، فأولى في النظر في الشبهة؛ ولأن النظر في الشبهة لو ~~ولد الجهل للزم إذا نظرنا في شبهة الخصم من الوجه الذي كانت له شبهة أن ~~يولد الجهل لنا لولا أنه بالداعي، وأن ما يدعو زيدا يجوز أن لا يدعو عمرا. ~~وقريب من هذا الكلام في الظن الحاصل عند النظر في الإمارة. PageV01P043 # فصل # وإنما يولد العلم إذا وقع في دليل أو طريقة نظر. مثال الأول: أن ينظر في ~~ذات فيحصل له العلم بذات أخرى أو في صفة لذات، فيحصل له العلم بصفة لذات أخرى. # ومثال الثاني أن ينظر في صفة لذات فيحصل له العلم بصفة أخرى لتلك الذات. # فصل # وشروط توليده للعلم أن يكون الناظر عاقلا، وأن يكون عالما بالدليل، أي ~~بنفس الدليل لا بكونه دليلا؛ لأن ذلك يتأخر عن العلم المتأخر عن النظر، وأن ~~يكون عالما لوجه دلالة الدليل، فإن الملحد يعلم الأجسام وينظر فيها ولا ~~يحصل له العلم بالصانع لما لم يعلم وجه دلالتها، وهو الحدوث. ومن هاهنا أسد ~~على المجبرة باب الاستدلال بخطاب الله تعالى لما جهلوا وجه دلالته، وهو ~~صدوره عن عدل حكيم. # فصل # والنظر في الفرع يتوقف في توليده للعلم على النظر في الأصل، وتوليده ~~للعلم إذا كان الأصل نظريا كالنظر في حدوث الأعراض، فإن توليده للعلم يقف ~~على توليد النظر في إثباتها للعلم. # فصل # وإذا نظر أحدنا ms032 فعلم ثم طرت شبهة فزال العلم فإنه إذا حل الشبهة لم ينجح ~~إلى تجديد النظر، بل يكفي بذكره كالنائم؛ لاستوائهما في زوال العلم. PageV01P044 # فصل # وإذا نظر فعلم المدلول ثم سهى عن الدليل ووجه دلالته فهل يستمر كونه ~~عالما أم لا، فمن لا يقول ببقاء العلوم يذهب إلى أنه يتذكر النظر ويفعل ~~العلم /28/ حالا فحالا. # والقائلون ببقائها اختلفوا، فقال أبو علي ببقاء المكتسب إذا أمنع صاحبه ~~من فعل ضده كما قاله في جواز خلو القدرة عن الفعل عند حصول منع، فإنه لم ~~يمنع فغير باق، وإنما يجدده حالا بعد حال. # وقال أبو هاشم: لا يبقى العلم والحال هذه؛ لأن العلم بالدليل ووجه دلالته ~~أصل للعلم بالمدلول، فإذا زال كالعلم بالحال مع العلم بالذات. # قال: ولأنه متى شك في الدليل ووجه دلالته زال العلم بالمدلول اتفاقا، ~~فكذلك إذا سهى عنه لاستوائهما في عدم العلم. # وقال أبو عبد الله ببقاء من غير فصل، واستدل بأن أحدهما إذا دهمه حادث ~~عظيم فإنه يفشل ويذهل عن الدليل، ووجه دلالته ولا يزول عنه العلم بالتوحيد ~~والعدل. # والجواب لا نسلمه، بل هو عالم بالدليل، ولكن لا نعلم أنه عالم لأجل ما دهمه. # فصل # ومتى نظر في دليل فعلم لم يجب عليه من جهة العقل أن ينظر في دليل آخر ~~خلافا لقوم، فأما الحسن فيحسن لأنه قد يرد شبهة على أحد الدليلين، فيستعين ~~بالآخر على حلها وعلى تحديد العلم، وكذلك يجوز أن يجب بالسمع النظر في كل ~~دليل لجواز أن يكون ذلك لطفا. PageV01P045 # فصل # والنظر في معرفة الله تعالى واجب خلافا لأهل المعارف وأهل التقليد وأهل ~~الشك وأهل التكافي وأهل السمع وأهل الظن وأهل البدعة، وتقدم فساد قول ~~الجميع. # ولنا في وجوب النظر دلايلان: # أحدهما: أن معرفة الله تعالى واجبة على كل مكلف من غير شرط، وهي لا تحصل ~~إلا بالنظر، وما لا يحصل الواجب الذي هذه صفته إلا به يجب كوجوبه، فهذه ~~أصول ثلاثة. أما الأولان فقد نفد ما حيث بينا أن المعرفة لطف لجميع ~~المكلفين وأنها ms033 ليست ضرورية وإنما يحصل بحسب النظر. # وأما الثالث، فهو معلوم ضرورة على الجملة، فإن من معه وديعة ولا يتم له ~~ردها إلا بالقيام وفتح الباب والمناولة فإن العقلاء يقضون بوجوب هذه ~~الأفعال ويذمون تاركها، ولا وجه لذلك إلا كون الواجب لا يتم إلا بها بدليل ~~أنه لو تم بغيرها لما وجبت، وقلنا من غير شرط احترازا مما يكون وجوبه ~~مشروطا بما لا يتم إلا به كالحج، وكما إذا قال السيد لعبده: اصعد السطح إذا ~~كان السلم منصوبا. # الدليل الثاني: أن العاقل عند كمال عقله لا بد أن يخاف من ترك النظر ضررا ~~وهو لا يرجو زوال ذلك الخوف إلا بالنظر، وذلك يقتضي وجوبه، فهذه ثلاثة أصول /29/. PageV01P046 # أما الأول: فاعلم أولا أن الخوف هو الظن لحصول ضرر او فوت يقع في المستقبل ~~واعتبرنا الظن اتباعا لأهل اللغة ولا يرد خوفنا للموت؛ لأنا إنما نخاف وقته ~~ولا خوف الملائكة عليهم السلام في قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} لأنه ~~خوف توق أي يخافون مرافقة ما يفضي إلى الضرر، وقيل: معناه يفعلون أفعال ~~الخائفين هذا ما ذكره أصحابنا، والأقرب أنهم يخافون خوفا حقيقيا؛ لأنهم ~~مكلفون بمعرفة الله تعالى، وهي إنما يحصل عن النظر في حق كل مكلف، ووجه ~~وجوب النظر هو الخوف من تركه في حق كل مكلف، فلا بد أن يخافوا من ترك النظر ~~ضررا ليكون ذلك وجها في وجوبه عليهم، وقول أصحابنا أنهم يقطعون على أنهم لا ~~يعذبون، وهو صحيح، لكن إنما يقطعون على ذلك بعد معرفة الله والخوف من ترك ~~النظر متقدم عليها، واعتبرنا تعلق الظن يفوت النفع، وحصول الضرر؛ لأن تعلقه ~~بعكس ذلك رجاء، واعتبرنا الاستقبال لأن ما قد وقع لا يخاف ولا يجوز أن يكون ~~الخوف من فعل الله تعالى؛ لأنه ظن والظن لا يحسن فعله ولا الفعل لأجله ~~والترك إلا إذا حصل عند إمارة صحيحة ينظر فيها فاعل الظن، وبهذا يفارق ظن ~~السوداوي والنظر في الأمارة مستحيل على الله تعالى؛ لأنه عالم لذاته. # واعلم أن للخوف أسبابا ms034 منها أن يتنبه من ذي قبل نفسه بأن يرى بدائع ~~الحكمة وعجائب الصنعة في نفسه وفي غيره، فيجوز أن يكون لها صانع يثيب على ~~الحسن ويعاقب على القبيح فيخاف. PageV01P047 # ومنها أن يرى افتراق الناس في الأديان وتضليل بعضهم بعضا، فيجوز أن يكون من ~~الصالحين فيخاف. ومنها: أن يسمع الوعظ والأخبار والقصص والكتب المنزلة وما ~~فيها من ذكرا لصانع والثواب والعقاب فيجوز أن يكون ذلك حقا فيخاف، فإن لم ~~يحصل أحد هذه الأسباب وجب على الله تعالى أن ينبهه بالخاطئ والأقبح التكليف ~~لصيرورته حينئذ في حكم الساهي، وهو كلام خفي يلقيه الله تعالى في باطن سمعه ~~أو على لسان بعض ملائكته، ويفارق الوسوسة بكونه من جهة الله وداعيا إلى ~~الخير، وهي من جهة الشيطان وداعيه إلى الشر، وليس من قبيل الاعتقاد، وكما ~~يقوله أبو علي لأنه كان لا يخلو إما أن يطابق فيكون علما ضروريا أو لا ~~يطابق فيكون جهلا، وكلاهما باطل، وليس أيضا من قبيل الظن ولا من قبيل ~~الفكر؛ لأنا نفرق بين كوننا ظانين ومتفكرين وبين الخاطر؛ ولأن الله تعالى ~~لا يفعل الظن. # وكيفية وروده أن يقول قد نرى عظيم هذه النعم وقد يقرر في عقلك حسن /30/ ~~استحقاق الذم على القبيح أن يكون لك صانع أنعم عليك بها إن عرفته وأطعته ~~أثابك، وإن عصيته وجهلته عاقبك، فيخاف حينئذ عند حصول أحد هذه الأسباب لا ~~محالة لأن من حق العاقل أن يخاف إذا خوف بإمارة صحيحة وإلا خرج عن كونه عاقلا. # وأما الأصل الثاني فالذي يدل عليه أنه لا يأمن ويزول خوفه إلا أن يكون ~~على يقين من أمره وعارف بالصانع وثوابه وعقابه، فيفعل بطاعته ويتحرز عن ~~معصيته، ولن يتم ذلك إلا بالنظر. # وأما الأصل الثالث، فيدل عليه أن النظر يجري مجرى دفع الضرر عن النفس؛ ~~لأن معه يتمكن من دفع ضرر العقال بفعل الطاعة وترك المعصية المتوقفين(1) ~~على معرفة المطاع والمقضي، وقد تقرر في العقول وجوب دفع الضرر عن النفس ~~مظنونا كان أو معلوما، وإن اختلف وجه الوجوب كما ms035 سلف. # فإن قال: لو وجب النظر لعلمنا استحقاق الثواب عليه؛ لأنه إنما يحسن ~~الإيجاب لذلك، وفيه العلم بالمبيت، وهو دور. PageV01P048 # قلنا: بل إنما يقف الوجوب على العلم بوجه الوجوب لا على العلم بوجه حسن ألا ~~يجاب حتى لو لم يضمن القديم تعالى ثوابا على الواجب لما خرج عن كونه واجبا. # فإن قال: لو وجب لعرف وجوبه كل مكلف، وإلا كان معذورا في تركه، ومعلوم أن ~~كل المكلفين لا يعلمون وجوب النظر. # قلنا: التمكن من معرفة الوجوب كمعرفة الوجوب، فلا يكون معذورا في الترك، ~~والعقلاء يعلمون وجوب كل نظر يندفع به الضرر عن النفس وإنما تختلف أحوالهم ~~في الأنظار المعضلة لاحتياجها إلى أن ترد إلى الجملة المقررة عند أبي هاشم، ~~وإلى مضار الدنيا عند أبي علي، وحينئذ يعلم وجوبه عند الخوف وسلامة الحال، ~~وإن لم يعلم فلعارض يصرف عن العلم من شبهة أو تجويز التقليد ونحو ذلك. # فصل # والنظر أول الواجبات من الأفعال التي لا يعرى عنها مكلف من غير شرط، ~~واحترزنا بالأفعال من التروك، فإنه كما يجب النظر أول أحوال التكليف فكذلك ~~يجب ترك المقبحات والوجوب وإن كان من صفات الأفعال، فهو يطلق على التروك مجازا. # وقلنا: التي لا يعرى عنها مكلف احترازا من نحو قضاء الدين ورد الوديعة ~~وشكر النعمة فإنه قد يقارن وجوبه وجوب النظر، بأن يطالب حال وجوب النظر بل ~~قد يتقدمه بأن يطالب حال كمال العقل، وهي أول أحوال التكليف التي يحصل فيها ~~أحد أسباب الخوف، لكنها قد تعرى عنها مكلف بأن لا يكون عنده وديعة ولا عليه ~~دين ولا نعمة، والذي يشتبه /31/ نعمة الوالدين وهو قد يعرى عنها بأن يكون ~~عرضهما بالملامسة مجرد قضاء الوطر، ولا يصل إليه منهما نفع من حال الولادة. PageV01P049 # وقلنا: من غير شرط، احترازا من نعمة الله تعالى، فإنه لا يعرى عنها مكلف، ~~لكنه لا يجب إلا بشرط أن يعلم أنه قصد وجه الإحسان، وذلك يترتب على معرفته ~~هذا ما ذكره أصحابنا، وذكر فيه صاحب تعليق شرح الأصول أشكالا، وهو أن ms036 الشكر ~~إذا كان لا يجب إلا بعد معرفة الله تعالى، فقد خرج بقولنا أول الواجبات؛ ~~لأنه حينئذ ليس بواجب، وهذا لازم، لكن الأقرب أن شكر نعمة الله واجب على كل ~~حال؛ لأن وجوب شكر النعمة مقرر في العقول سواء كان لها وجود في الخارج أم ~~لا، فإذا كان علينا نعمة وجب علينا شكرها بحكم العقل، لكن لهذا الشكر حالات. # أحدها: أن نعلم فاعلها وأنه قصد وجه الإحسان، فهاهنا يجب فعل الشكر ~~مطلقا، فنقول: شكرا لله على هذه النعمة ولا شك في أن هذا لا يجب إلا بعد ~~معرفة الله تعالى. # الثانية: أن نعلم فاعلها، ولا نعلم أنه قصد وجه الإحسان، فيجب علينا ~~تأدية الشكر مشروطا بشرط واحد، فنقول: شكرا لفاعل هذه المنفعة إن كان قصد ~~بها وجه الإحسان فيكون الشرط قد دخل في تأدية الشكر لا في وجوبه. # الثالثة: أن لا يعلم فاعلها مفصلا ولا أنه قصد وجه الإحسان، فيجب تأدية ~~الشكر مشوطا بشرطين، فنقول: شكرا لفاعل هذه المنفعة إن كان لها فاعل قصد ~~بها وجه الإحسان فيكون الشرط في التأدية لا في الوجوب، وجائز تعلق الشيء ~~بشرطين كما تعلق بشرط واحد، وليس الجهل بالفاعل ولا بكونه قاصدا وجه ~~الإحسان يقدح في العلم بوجوب شكر النعمة كما لا يقدح الجهل بالمودع في وجوب ~~رد الوديعة فيبقى الاحتراز عن شكر النعمة بالقيد، سلما عن الاعتراض الذي ذكره. # فإن قيل: هلا كان الخوف أول الواجبات؟ # قيل له: هو شرط في حسن التكليف، والتكليف ليس من فعلنا، فلا يجب علينا ~~تحصيل شرطه، على أن العاقل ملجأ إلى فعل عند حصول أحد الأسباب، ولا وجوب مع ~~الإلجاء. # فإن قال: هلا كان النظر في وجوب النظر أول الواجبات؟ PageV01P050 # قيل له: وجوب النظر عند الخوف معلوم ضرورة أو بالرد إلى ما علم ضرورة، فلا ~~يحتاج إلى نظر، وإن سلمنا احتياجه إليه فهو نظر في معرفة الله، فلا يخرج ~~عما قلناه. # فإن قال: هلا كان القصد إلى النظر أول الواجبات؟ # قيل له: النظر جنس الفعل من حيث ms037 لا يقع إلا نظرا، ومن حيث لا يحتاج في ~~وجوده إلى كون فاعله عالما، ومن حيث لا يقع إلا حسنا فلا يحتاج إلى القصد ~~/32/ فإذا القصد غير واجب فضلا عن كونه أول الواجبات. # القول في الأدلة وبيان ما يصح الاستدلال به على الله تعالى وما لا يصح # الدليل في اللغة: هو ما يعرف طرق الأمكنة على وجه يقتدى به أو بقوله، ولا ~~فرق بين أن يكون متقدما أو متأخرا بأن يقول يمينا أو شمالا كما فعلت ابنة ~~شعيب في دلالة موسى عليه السلام، ولا فرق أيضا بين أن يكون جمادا أو ~~حيوانا، فإنا نقول نصب هذا الميل ليدل الناس على الطريق، ونقول: دلنا الجبل ~~الفلاني على البلد، ولا فرق أيضا بين أن يكون عالا أو غيره، فإنهم يقولون ~~دلنا الجمل على بلد أهل، ودلنا صوت الكلاب على مكان الحي، ونحو ذلك. # والدلالة: هي العلامة في اللغة. وفي الاصطلاح: الدليل والدلالة واحد، وهو ~~ما إذا نظر فيه الناظر على الوجه الصحيح أوصله إلى العلم بالغير أو بصفة أو ~~حكم للغير. # قلنا: أوصله إلى العلم بالغير، ولم نقل: بالمطلوب احترازا من طريقة ~~النظر، وهي أن ينظر في صفة أو حكم الذات فيحصل له العلم بصفة أخرى، وحكم ~~لتلك الذات كان ينظر في كونه تعالى قادرا عالما، فيحصل له العلم بكونه حيا، ~~وكان ينظر في جواز العدم على الإعراض، فيعلم حدوثها، وهو معترض بصحة الفعل، ~~فإنها دليل على كونه قادرا، ومع ذلك فإنهما يختصان ذاتا واحدة. PageV01P051 # واعلم أن الفرق بين الدليل وطريقه النظر في التسمية إنما هو اصطلاح مجرد ~~ليقع التمييز بن ما هو إذا كان الطريق والمتطرق إليه راجعين إلى ذات واحدة، ~~وبين ما إذا كانا راجعين إلى ذاتين، فأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما؛ ~~لأنك لا تكاد تجد موضعا يتعلق بالنظر فيه بذات، وإنما يتعلق بالصفات ~~والأحكام، لكن لما لم يستقل بأنفسها بوجه النظر إلى الذوات على تلك ~~المزايا. # بيان هذا: أن النظر في الأجسام لإثبات الصانع نظر في دلالة ms038 لا في طريقه ~~نظر بالاتفاق، ومعلوم أنا لا ننظر في مجرد ذواتها، وإلا كان يصح النظر ~~فيها، وهي معدومة، وإنما ينظر فيها على صفة لها معلومة ضرورة على الجملة، ~~وهي الكائنية فنجد هذه الصفة لا تزايل الجسم ولا تتقدمه بل نجدها تتغير ~~وتبدل، فنعلم أن حصولها عن أول، وينظر بذلك إلى أن حصول الجسم عن أول فنكون ~~قد علمنا صفة له وهي الحدوث، ثم ينظر في هذه الصفة التي هي الحدوث، فيحصل ~~لنا العلم بالمحدث، فالنظر في هذه الصورة إنما هو في صفة، وهي الكائنية ~~والحدوث. # فإن قال: إن المنظور فيه هو الكون لا الكائنية؟ # قيل له: إن المعلوم على الجملة ضرورة هي الكائنية /33/ وبها يتوصل إلى ~~الكون، فالنظر إنما يتوجه إليها أولا على أن الأكوان وإن دلت على الحدوث ~~فإنما تدل عليه من حيث لثبوتها أول، وذلك حاصل في الصفات، ولهذا نعلم حدوث ~~الأجسام من لا يثبت الأكوان، وأيضا هذا السؤال لا يستمر في الاستدلال بحدوث ~~الأجسام على الصانع فإنه لا شبهة في أن المنظور فيه في هذه الصورة صفة، وهي ~~الحدوث. # يوضحه أنا إنما نستدل على الباري بفعله الذي أثر فيه، ومعلوم أن الذي أثر ~~فيه هو الحدوث، فالنظر إنما يتعلق بالدليل الذي هو الحدوث، وكذلك الدليل ~~على كونه قادرا وعالما هو صحة الفعل وصحة الأحكام. PageV01P052 # وإذا ثبت أن النظر في الأدلة إنما يتعلق بصفات وأحكام يتوصل بها في الغالب ~~إلى صفات وأحكام ومعلوم أنها لا تثبت فيها مغايرة حقيقية، فقد ظهر أن لا ~~فرق بين الدليل وطريقه النظر. وليس له أن يقول أن النظر في طريقه النظر ~~يتوجه إلى مجرد النظر، فإذا نظر في كونه تعالى قادرا عالما ليتوصل بذلك إل ~~كونه حيا، فهو ينظر في مجردها بين الصفتين؛ لأن ذات الباري معلومة؛ لأنا ~~نقول إذا صح تعلق النظر بالصفة على انفرادها في طريقة النظر فكذلك في ~~الأدلة من غير فرق، فيكون أحدنا قد نظر في مجرد الكائنية ومجرد الحدوث؛ لأن ~~ذات الجسم معلومة. # فصل # والأدلة خمسة: ms039 العقل، والكتاب، والسنة المتواترة، والإجماع والقياس ~~القطعيان. # وزعم أهل الجبر والفلاسفة أنه لا يوصل إلى العلم اليقين إلا حجة العقل ~~الواردة على أحد أشكال أربعة يذكرونها في علم المنطق، فأما السمعيات فهي ~~إنما يوصل عندهم إلى الظن، وكذلك قياس التمثيل الذي نسميه نحن الاستدلال ~~بالشاهد على الغائب، فنحن نذكر منشأ زللهم في ذلك، ونكشف عن وجه خديعتهم ~~ونرد عليهم بحسب ما يحتمله هذا الكتاب. # فصول في الاستدلال بالعقل # اعلم أن أكثر مسائل أصول الدين لا مجال للسمع فيها إلا مؤكدا، وإنما يعرف ~~بالعقل ويعني بكون العقل دليلا أنا نعلم به شيئا بين مفردات متصورة بثبوت ~~أو نفي أو حسن أو قبح أو وجوب فتصير هذه النسب المعلومة مقدمات يتوصل بها ~~إلى ثبوت نسب أخرى مجهولة، ولكنا لا نثبت النسبة لذات لأجل ثبوتها لذات ~~أخرى إلا بجامع الأمر الذي له ثبتت النسبة في الذات الأولى. PageV01P053 # مثاله: إذا علمنا أن أفعالنا محتاجة إلينا، ، فإنا نتوصل بذلك إلى أن ~~للعالم صانعا، وإنما يمكن هذا التوصل إذا علمنا حصول تلك العلة في أفعال ~~القديم تعالى وعلى مثل هذا يقع الكلام في كونه تعالى /34/ قادرا وعالما ~~وغير ذلك ما لا بد فيه من أحد الطرق الرابطة بين الشاهد والغائب، وهذا ~~القياس الذي يسميه المخالفون قياس التمثيل وقياس الغايب على الشاهد، ~~ويجعلونه ظينا وسموه قياس التمثيل؛ لأنه بزعمهم تمثيل للغائب بالشاهد أن ~~هؤلاء الفلاسفة وأهل الإلحاد قد وضعوا قواعد عظمت بها جنايتهم على المسلم ~~وحرفوا بها كثيرا عن قواعد دينهم وأدرجوها في علم المنطق واتبعهم فيها أهل ~~الجبر بأسرهم، وكانت هي السبب في القول بالجبر، وكثير من مسائل الخلاف. # ونحن نذكر من ذلك قاعدتين عليهما يدور مكرهم: إحداهما، أبطلوا أنها مسائل ~~التوحيد. والأخرى أبطلوا أنها مسائل العدل. # أما القاعدة الأولى فهي أنهم قسموا الأقيسية إلى نفسي وظني ومعالطي ~~وشجري، ولا حاجة إلى ذكر المعالطي والشجري إذ لا فائدة فيهما. # وأما الظني فهو عندهم ضربان: # أحدهما: قياس التمثيل الذي نسميه قياس الغائب على الشاهد. # والثاني: القياس الذي ms040 مقدماته سمعية من كتاب أو سنة، فتوصلوا بهذا إلى أن ~~الكلام في إثبات الصانع جل وعز وصفاته ظني لا يمكن العلم به وإلى أن الكلام ~~في أصول الشرعية ظني، وقد علمت أن جميع مسائل التوحيد مبنية على قياس ~~الغائب على الشاهد، فانظر إلى هذه الخديعة التي اتبعهم فيها كثير من علماء ~~الإسلام، وأقروا أنه لا يمكن العلم بالله وصفاته حتى ذكر الرازي في محصوله ~~مستدلا على تكليف ما لا يطاق أن الله تعالى أمرنا أن نعلمه في قوله: {فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله} والعلم به غير مقدور لنا، مع أن المعارف عنده ليست ~~ضرورية. # وأما التقينية عندهم فهي الأقيسية التي مقدماتها معلومة ضرورة بشرط أن ~~يورد على أحد الأشكال الأربعة التي يذكرونها في علم المنطق. PageV01P054 # ولنورد على الشكل الأول مثالا اقترانيا ومثالا استثنائيا فالاقتراني نحو ~~قولك: كل إنسان حيوان، ولا شيء من الحيوان بحجر ينتج لا شيء من الإنسان ~~بحجر. والاستثنائي نحو قولك: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن ~~الشمس طالعة ينتج أن النهار موجود. # والرد عليهم بعد تسليم كون هذا تقيسا يقع من وجهين: # أحدهما: أن جميع ما يذكرونه من لأمثلة في هذه الأشكال لا فائة فيه ولا ~~ثمرة تحته فإنا عند العلم بها بين المقدمتين نعلم النتيجة من دون أن يتكلف ~~إيراد مقدمتين في شكل مخصوص، فمتى علمنا أن كل إنسان حيوان وأنه لا شيء من ~~الحيوان حجر، فإنا نعلم أنه لا شيء من الإنسان حجر، وكذا إذا علمنا أن ~~الشمس طالعة علمنا أن النهار موجود من غير عناية سواء قسنا أو لم نقس /35/ ~~ولهذا الوضع أخذنا من القياس لما خرج عن كونه عالما بذلك. # يوضحه: أن العلم عندهم بالمقدمتين ضروري، وعند حصوله يتأهل النفس؛ لأن ~~يفعل الله فيها العلم بالنتيجة، فقد صار الكل ضروريا غير واقف على ~~اختيارنا، فأي فعل يفعل القايس يسمونه قياسا برهانيا من استحضار أو غيره. # هذا إن لم ندع أن أحدنا يعلم أنه ليس في شيء من الناس حجر، وإن لم ms041 يخطر ~~بباله المقدمتين المذكورتين. # وبعد، فما الثمرة في أن نعلم أنه ليس شيء من الناس حجر أو أن النهار ~~موجود حتى يكلفوا له فنا من أدق الفنون، ولم يذكروا فيه مسألة مقيدة. # وبعد فحاصل جميع ما ذكروه من البراهين الحاصلة عن إشكالهم هو عندنا نوع ~~واحد، وهو إلحاق التفصيل بالجملة، وهو من أقل العلوم كلفة إن لم يكن ضروريا ~~على ما قد صححناه من قبل، وكما هو مذهب الخصوم أو متولد على ما يقوله شيخنا ~~أبو الحسين أو بكون هو نفيس العلم الجملي على ما يقوله شيخنا أبو هاشم. PageV01P055 # الوجه الثاني من الرد عليهم: وهو التحقيق إن ثبت هنا قياس، وهو أن يبين أن ~~القياس التعيني لا يكون تعينيا بل لا يكون قياسا، إلا إذا حصل فيه علة ~~جامعة، وحينئذ يكون من باب قياس التمثيل الذي جعلوه ظنيا، فنقول: لسنا نعلم ~~أن الإنسان حيوان إلا لأجل كونه حيا بحياة على شكل مخصوص بدليل أنه إذا لم ~~يكن له حياة أو كانت، لكنه على شكل الفرس أو الطائر لم يسم إنسانا، فإذا ~~علمنا أن الحجر لم يحصل فيه الأمر الذي لأجله كان الإنسان إنسانا علمنا أنه ~~ليس بإنسان، وهم لا يعنون بقياس التمثيل أكثر من هذا، فقد عاد الأمر إلى ما قلناه. # وهاهنا فضيحة الفلاسفة ننبهك عليها لتعلم أن غرضهم المكر والإلحاد لا ~~بيان الأدلة، وهي أنه أجمع محققوهم على أن المقدمات الكلية اليقينية إنما ~~يتصيدها العقل من استقراء الجزيئيات. # قال أبو الحسين: ومثله أرسطاطاليس بان يتصور صورة زيد، ثم صورة شخص آخر ~~حتى يرتسم في نفسه صورة الإنسان الكلية الشاملة لجميع أشخاص الناس، وإذا ~~كان كذلك ومن صريح مذهبهم ومذهب المجبرة أن الاستقراء لا يفيد إلا الظن ~~الضعيف فقد نقضوا قولهم وظهر أنه لا تعيني قط ليس المقدمات التي سموها ~~يقينية قد بنوها على الاستقرار الذي لا يفيد إلا الظن اتفاقا بيننا وبينهم. # القاعدة الثانية مما ألحدوا به في الدين هو أنهم قسموا القضايا التي تجعل ~~مقدمات للأقيسية إلى /36/ نصيات ms042 ومشهورات ومظنونات ومأخوذات ووهميات. # قالوا: فالتغيبيات هي الضرورية مثل أن الكل أكثر من الجزء، وأن الشمس ~~منيرة، ونحو ذلك. # والمشهورات هي التي لا عمدة عليها إلا الشهرة، ولو خلى الإنسان وعقله لما ~~قضى بها نحو الحكم بقبح الظلم والكذب والعبث وحسن العدل ووجوب رد الوديعة ~~وشكر المنعم. # قالوا: فهذه ليس فيها إلا ظن ضعيف. # قلوا: ولسنا نحكم بها إلا لأحد أسباب، منها: رقة القلب والرحمة فيحكم ~~الإنسان بقبح الظلم لرقة قلبه. PageV01P056 # قالوا: ومن هاهنا حكم المعتزلة بقبح ذبح البهائم عقلا لرقة قلوبهم، ومنها: ~~ما طبع عليه الإنسان من الحمية والأنفة كجنس تعظيم الأبوين وشكر المنعم، ~~ونحو ذلك. # ومنها: محبة التسالم والموادعة والتعاون على المعاش، فلهذا استقبح الظلم ~~والكذب واستحسن إرشاد الضال وإنقاذ الغريق والتصادق والعدل ونحو ذلك. # ومنها: التأديب الشرعي الذي تكرر في الأسماع ورسخ رسوخا يظن الظان أنه ~~حكم للعقل عن استحسان إفشاء السلام ومكارم الأخلاق ونحوه. ومنها: استقر ~~الجزئيات الكثيرة نحو استحسان الصدق، فإنه لما رأى حسنا في أكثر أحواله ظن ~~الظان أنه حكم للعقل ولم يتنبه لقبحه في بعض الأمكنة نحو الصدق المتضمن ~~للدلالة على نبي قد اختفى من عدوه. # قالوا: فلأجل هذه الأسباب الخمسة حكمنا بهذه الأحكام لا لأجل العقل كما ~~يقوله المعتزلة، هذا حاصل ما ذكروه في المشهورات. # وأما الظنونات قالوا فهي المقدمات السمعية سواء كانت متواترة أو آحادية. # وأما المأخوذات فهي ما أخذ عن العلماء وعن من يحسن الظن به، وما سلمه الخصم. # وأما الوهميات فهي ما يحكم به الوهم المجرد كحكمه باستحالة موجود ليس ~~بجسم ولا عرض ولا داخل في العالم ولا خارج عنه، ومن هذا القبيل ما يحكم به ~~الجنس المجرد كحكمه بأن الشمس في قدر مجن وأن الظل واقف لا يسير، وكذلك ~~الصغير واقف على الشق حاله البصر، وأن السحاب البعيد منتصب ونحو ذلك. # قالوا: فالقياس المتركب من التغيبيات يسمى تغيبيا، وهذا لا نزاع فيه. # قالوا: والقياس المتركب من الوهميات والحسيات والمجردة يسمى مغالطيا ~~وسوقسطائيا، وهذا أيضا لا نزاع فيه. # قالوا: ms043 والقياس المتركب من المأخوذات والسمعيات يسمى ظنيا، وقد عرفت ما ~~أرادوا بهذا من إبطال الشرع ومساواته لما تقوله شيوخهم وقدماءهم في أنه لا ~~يفيد إلا الظن، وهذا لا يشتبه على مسلم بطلانه. PageV01P057 # قالوا: والقياس المتركب من المشهورات /37/ يسمى جدليا لا ينبغي أن يلتفت ~~إليه ولا يسمع قائله، فإن صاحبه وإن غلب، فإنما هو لقوة القائل لا لقوة ~~القول، فانظر إلى هذه القاعدة التي أبطلوا بها العدل والوعد والوعيد ~~والشرائع، واتبعهم فيها أهل الجبر بأسرهم حتى أنك إذا أخذت تستدل للعالم ~~منهم على أن الله تعالى عدل حكيم وأن نبيه صادق بقبح الظلم والكذب أو نحو ~~ذلك مما يقوله أهل العدل، أجابك بأن هذا من قبيل المشهورات التي لا تفيد ~~إلا الظن الضعيف في حق الشاهد، فأما في حق الغائب فلا يفيد شيئا أصلا، ~~ولهذا أقسم الرازي يمين كبيرة في محصوله أنه ما يعلم بعقله وجوب شكر النعمة ~~في حق الله تعالى. # والرد عليهم وبالله التوفيق أن يقال: إنما يكون الضروري من العلوم ~~ضروريا بأن يكون مفعولا فينا وغير واقف على اختيارنا، ولا بد من الإقرار ~~بهذا، وإذا كان كذلك فإنا نجد أنفسنا مضطرة إلى العلم بقبح الظلم والكذب ~~وحسن إرشاد الضال وإنقاذ الغريق ووجوب رد الوديعة وشكر المنعم، ونحو ذلك ~~مما سموه مشهورا، ونجد هذا العلم غير واقف على أخبارنا ولا نجد فرقا بينه ~~وبين العلم بالبداية والمشاهدات في كونه ضروريا. # وأما ما تقوله علماء المجبرة من أنا إنما نحكم بذلك لأحد الأساب الخمسة، ~~فهو ظاهر السقوط بدليل إنا لو فرضنا العاقل متعريا عن جميع هذه الأسباب ~~فإنه يعلم بكمال عقله قبح الظلم والكذب ووجوب رد الوديعة وشكر المنعم، ~~والمنكر لذلك مباهت. # ثم يقال لهم: ولم قلتم أنه لا يعني إلا ما كان ضروريا أو ينتج من مقدمات ~~ضرورية، ولم يجعلوا الاستدلاليات يقينية مع حصول علامة اليقين فيها من ~~المطابقة وسكون النفس. # ثم يقال لأهل الإسلام منهم كالرازي والغزالي والأشعري وغيرهم: إن هذا ~~اليقين الذي ذكرتموه مفقود في أدلتكم على ms044 إثبات الصانع وصفاته، أفتعترفون ~~بأنها ليست بيقينية أم تعترفون بأن المشهورات يقينية، ولا بد من أحدهما. # فإن قالوا: وكيف ذلك؟ PageV01P058 # قلنا: أما دليل إثبات الصانع فلا شك أنه مبني على أن العالم محدث وأن ~~المحدث لا بد له من محدث، وأن محدثه ليس إلا الله تعالى. # فاستدل الرازي على حدوث الأجسام بأنها لو كانت أزلية لكانت إما محتركة أو ~~ساكنة، والقسمان باطلان، فيجب أن لا تكون أزلية. # فيقال له: أول ما في هذا أنه مبني على إثبات الحركة أو السكون معنيين، ~~وكثير من الناس لا يسلمه /38/ فضلا عن أن يدعي فيه ضرورة، ومبني على أن ~~الجسم إنما يكون كائنا لأجل تحيزه ليثبت ذلك في الأجسام الأزلية. # ومبني على أن هذه المعاني لم تتقدم الجسم عليها، وكثير من الناس لا يسلمه. # ومبني على إبطال الحوادث لا أول لها، وعلى إبطال الكمون والظهور ونحو ذلك ~~مما ليس بضروري، وقد لا ينتهي إلى أصل ضروري، وهذا ينقض كون هذه المقدمات ~~يقينية على أصله. # واستدل أيضا على حدوث ما سوى الله تعالى بأنه لا واجب الوجود إلا واحد، ~~وما عداه ممكن الوجود لذاته، وكل ممكن الوجود لذاته محدث. # قال: بيان المقدمة الأولى أنا إذا فرضنا موجودين كل واحد منهما واجب ~~الوجود لذاته فلا بد أن يكونا متشاركين في الوجوب وغير متشاريكن في ~~التعيين، فيكون كل واحد منهما مركبا مما به المشاركة، ومما به المباينة، ~~وهذا يقتضي التركيب في صانع العالم، وأردنا بالتركيب أن ماهيته تكون مركبة ~~من جنس وفصل. # فيقال له: هذا الدليل مبني على أن الوجود زائد على الذات، وأنت لا تقول ~~به. ومبني على أن الوجود يوصف بالوجوب، وأن وجوب الصفة مما به تقع المشاركة ~~وإن اختلفت الصفة. # وأن التعيين مما به تقع المخالفة، وأن اجتماع ما به تقع المباينة، وما به ~~تقع المشاركة يقتضي الكثرة في الذات وأكثر هذه الأصول غير صحيحة فضلا عن أن ~~يكون ضرورية. # يوضحه أنه أورد للفلاسفة من الأسئلة على هذه الأصول ما لم يحسن الجواب عنه. ms045 PageV01P059 # أظهرها أن قالوا: أوليس علم الله وقدرته قديمة، وواجبة الوجود في الأزل؟ ~~فقد صار واجب الوجود أكثر من واحد، فتلزم الكثرة في ذات الباري أو حدوث هذه ~~المعاني. # قال: وهذا سؤال صعب وهو مما يستخير الله فيه. ثم استدل على ثبوت الصانع ~~بأن العالم ممكن الوجود لذاته، وكل ممكن الوجود لذاته محتاج إلى المؤثر ~~وبني ذلك على أن وقوع الممكن لا بد له من مرجح وادعى الضرورة في ذلك وقد ~~ذكر في غير موضع من كتاب النهاية وكتاب الأربعين أن أحد الممكنين قد يقع لا ~~لمرجح، ومثله بأن القادر يقع أحد مقدوريه لا لمرجح وأن الجائع يأكل أحد ~~الرغيفين لا لمرجح، ومن أحد جوانب المائدة دون الآخر لا لمرجح، وكذلك ~~الهارب إذا عن له طريقان ونحو ذلك، فكيف يدعي الضرورة في خلافه، ثم كيف ~~يدعي كون هذا برهانيا. # وقد ألزمه الفلاسفة عليه كون العالم أزليا /39/ وإن افتقر إلى مؤثر، وكان ~~ممكنا لذاته من حيث أن الممكن قد يحتاج إلى المؤثر حالة البقاء كمعلول ~~العلة، وألزموه أن يكون الباري موجبا غير مختار بما يرجع إلى مذهبه في ~~الإرادة القديمة واستحالة خلاف المعلوم، ونحو ذلك، مما يلزمه على مذهبه في ~~الجبر وعلى ما وافقهم فيه من إبطال صحيح الأدلة. # ثم أنه تكلم في مسألة أن الله تعالى قادر، فأول ما قاله أنه حد القادر ~~بأنه الذي يصح منه الفعل والترك بحسب الدواعي المختلفة. # قال: مثاله الإنسان، فإنه إن شاء أن يمشي قدر على ذلك، وإن شاء أن لا يمشي. # قال: والتفرقة بين المختار والموجب ضرورية. # قال: فإن أحدنا يفرق بالضرورة بين قيامه وقعوده وكلامه وبين كون الحجر ~~هابطا بالطبع. # فيقال له: هذا تصريح بأن معرفة معنى القادر يتوقف على معرفة أن الإنسان ~~قادر فاعل وأنتم لا تقولون به، ثم إن قلتم به فهو غير ضروري على التفصيل ~~فلا يكون هذه المقدمة برهانيه على أصلكم المتقدم. PageV01P060 # ثم استدل على أن الله تعالى قادر بأنه لو كان موجبا لكان إما أن يقف تأثيره ~~في ms046 العالم على شرط أم لا، إن لم يقف لزم قدم العالم أو حدوث الصانع وإن وقف ~~على شرط فهو إما قديم فيلزم قدم العالم، وإما محدث فيكون الكلام منه ~~كالكلام في العالم. # فيقال له: هذه المقدمة غير برهانية؛ لأن للخصم أن يقول بل يقف على شرط، ~~وهو حصول الوقت الذي تمكن فيه وجود العالم لاستحالة وجوده في الأزل، كما ~~تقولونه أنتم في تأثيره على جهة الإختيار، فلا يكون بد من الرجوع إلى ~~استدلال المعتزلة الذي هو من قبيل المشهورات عنده. # ثم استدل على أن الله تعالى عالم بأن أفعاله محكمة متقنة، وكل من كان ~~كذلك كان عالما. # قال: ونحن نعلم ذلك ضرورة بعد الاستقراء والاختبار في الشاهد بم فسر كونه ~~متقنا بمطابقته للمصلحة. # فيقال له: هذا القياس قياس التمثيل الذي هو عندك ظني، فكيف تورده في هذه ~~المسألة، ثم كيف يستدل بالشاهد وهو لا فعل له فضلا عن أن يكون محكما، ثم ~~كيف يدعي أن فعل الله متقن مطابق للمصلحة مع أن كل قبيح وظلم وعبث وكذب ~~وفساد فهو فاعله، ثم كيف يقول معلوم ضرورة بعد الاستقراء، والاستقراء إنما ~~يفيد الظن. # وكذلك استدل على أن الله تعالى حي بصحة أن يقدر ويعلم، وعلى أنه مريد ~~بوقوع أفعاله على الوجوه المختلفة، وعلى أنه لا يقع في ملكه ما لا يريده ~~بأنه يدل على العجز كالشاهد، وكل هذه الأقيسية من باب التمثيل الذي عابوه ~~على أهل العدل وجعلوه ظنيا /40/. PageV01P061 # فهذا ما يتحصل لي في هذا الفصل، وقد طال الكلام فيه، والعذر في ذلك أن ~~الفلاسفة استدلوا بها بين القاعدتين كثيرا من فرق الإسلام ولطف مدخلهم في ~~ذلك، ولم أجد لأحد من أصحابنا في الرد عليهم في هذه المسألة كلاما ولا ~~ينبهنا على خديعة أهل الإلحاد إلا ما أشار إليه سيدنا القاضي الأوحد ~~العلامة سليمان بن إبراهيم النحوي رحمه الله تعالى(1) ففصلت ما أشار إليه، ~~وليس الغرض إلا تقرير دليل العقل على ما يقوله أهل الحق وأن قياس الغائب ~~على الشاهد دليل تعيني ms047 إذا حصلت فيه إحدى الطرق الرابطة وأنه لا يقدح في ~~ذلك ما يقوله أهل الزيغ. # فصل # لا بد بين الدليل والمدلول من تعلق وإلا لم يكن بأن يدل عليه أول من يدل ~~على غيره أو من أن لا يدل. # قال قاضي القضاة: وذلك التعلق هو أن يكون لولا المدلول لما صحت الدلالة ~~أو لولاه لما وجبت أو لولاه لما أجبرت أو لولاه لما حسنت مثال الأول دلالة ~~الفعل على الفاعل فإنه لولا الفاعل لما صح الفعل، ومثال الثاني دلالة ~~المعلول على العلة والمسبب على السبب والمقتضى على مقتضيه، فإنه لولا ~~المدلول لما وجبت الدلالة، ويدخل في هذا دلالة مقارنة الجسم للحوادث على ~~حدوثه إن ثبت أنهما غيران وما شأنه ذلك وهو أيضا يدخل في باب ما لولاه لما صح. # ومثال الثالث دلالة فعل القبيح على الجهل والحاجة، فإنه لولاهما لما ~~اختير، وكذلك دلالة العدو في الشوك والنار على الإلجاء. # ومثال الرابع: دلالة المعجز على صدق المدعي للنبوة، فإنه لولا الصدق لما ~~حسن إظهار المعجز، ويدخل في هذا الأدلة الشرعية، فإنه لولا كونها مصالح لما ~~حسن التكليف بها. # قال أبو الحسين: وتخرج من هذا القيد دلالة كونه حيا على كونه مدركا في حق ~~الغائب فإن كونه مدركا وإن كان هو الدليل في الشاهد على كونه حيا فالأمر ~~بالعكس في حقه تعالى، ونحن فرضنا الكلام فيه. # فصل PageV01P062 قد يكون الاستدلال بالتابع على المتبوع، وقد يكون بالعكس، وقد يكون لا ~~يؤاخذ منهما. # والأول كالاستدلال بالفعل، ووجوهه على الفاعل وأحواله وبالمعلول على ~~العلة والمسبب على السبب والمقتضى على مقتضيه، وبوقوع الفعل من العالم ~~المختار على الداعي وباستحالة اجتماع الضدين على التضاد وبوجوب صفات الله ~~تعالى على أنها ذاتية، وبعدم ظهور المعجز على كذب المدعى، وبظهوره على ~~صدقه، وعلى وجوب ذلك الظهور. # والثاني: كالاستدلال بالعلة على المعلول لو قدرنا /41/ أنه يسبق العلم ~~بها، وكذلك الاستدلال بالسبب على المسبب، وكذلك سائرها، ومن هذا القبيل ~~الاستدلال بكونه تعالى قديما على استحالة العدم والاستدلال بكونه حيا على ~~كونه ms048 مدركا، وبكونه عالما غنيا على أنه لا يفعل القبيح ولا يحل بالواجب ~~والاستدلال بطرو الضد على انتفاء ضده، وتقدم المعاني على زوال تعلقها ونحو ذلك. # والثالث: كالاستدلال ببعض أحكام التخير على بعض وتبعض معلولات العلل على ~~بعض في حق ما يوجب صفة وحكما، وكالاستدلال بصحة الصفة الذاتية والمقتضاة ~~على وجوبهما وكالاستدلال بجواز عدم الإعراض على حدوثها، فإنه يكشف عن أن ~~وجوبها لم يكن لذاتها. # فصل # قد يجب مقارنة الدليل للمدلول كمعلولات العلل، وقد يجب تأخر الدليل ~~كأفعال الفاعلين، وقد يجوز الأمران كمسببات الأسباب، وكدلالة كونه حيا على ~~كونه مدركا. # فصل # قال ابن الهذيل: يعرف انتقاض المنتقض من الأدلة بأحد ثلاثة أمور، إما ~~بترك أجزاء العلة في المعلول، وإما بنقض الجملة بالتيسير، وإما بحجة ~~الاضطراب. # مثال الأول: أن يقول الرجل: فرسي جواد. # فيقال: لم؟ فيقول: لأني أجريته عشرة فراسخ، فاستمر. # فيقال: أوكل فرس أجري عشرة فراسخ فاستمر فهو جواد أم لا؟ # فإن قال: نعم، فقد أجرى علته واعتبرت صحة دعواه وفساده بحال غيره من ~~الأفراس. # إن قال: لا، قيل له: قد نقضت علتك، فاطلب لصحة دعواك دلالة. PageV01P063 # ومثال الثاني: قول القائل: إذا اشتد حر الصيف اشتد برد الشتاء الذي يليه، ~~وإذا اشتد برد الشتاء اشتد حر الصيف الذي يليه ثم يقول بعد ذلك: وقد يعبران ~~جميعا، فإنه قد نقض الجملة لأنها لو صحت لاشتد الحر والبرد أبدا، فلا يوجد فتور. # ومثال الثالث سؤالنا للتنويه عن شيخ رأيناه قاعدا على هيئة حصان في مكان ~~مخصوص أتقولون أنه لم يزل كذلك. # فإن قالوا إلا بل قد كان على غير هذه الحالة أقروا بالحدوث وإن قالوا: ~~نعم جحدوا الاضطرار. # قال الشيخ أبو القاسم: وهذا الكلام كان من حقه أن يكتب بماء الذهب لعظم ~~نفعه لولا أن كلام الله تعالى خير منه، وقد كتب بالمداد. # قال: وأكثر ما يدور بين الخصوم إجراء العلة في المعلول وبه يستدل على ~~إبطال كثير من مذاهب خصومنا. # مثاله بأن يقول لأهل الجبر في جميع مسائلهم قد أجزتم على الله ms049 تعالى كل ~~قبيح من ظلم وعبث وهذيان وتكليف ما لا يطاق، وإرادة كل قبيح ونحو ذلك، ~~وزعمتم أنه مع ذلك /42/ عدل حكيم لا يقبح منه قبيح، وعللتم ذلك بأن الأمر ~~أمره، وأنه لا يسأل عما يفعل، وأنه ليس يلحقه نقص بصفات الأفعال قط إذا ~~كانت صفات الذات صفات كمال، فهل تجرون علتكم هذه فتزعمون أنه يصح أن يقول ~~في ما لم يكن أنه قد كان وفي ما كان أنه لم يكن، وأنه يجوز أن يكلف الجماد، ~~ويكلف ما لم يعلم، ونحو ذلك، أم لا يجرونها، فإن قالوا: نعم يجوز ذلك كله ~~ظهر عنادهم وأبطلوا الرسل والوعد والوعيد والجنة والنار. # وإن قالوا: لا يجوز لعلة كذا، قيل لهم: قد نقضتم علتكم من أن الأمر أمره ~~وأنه لا يسأل عما يفعل فاطلبوا لصحة دعواكم علة غيرها. # فصل # كثير ما يجري في كتب المتكلمين ذكر ما لا طريق إليه، فمرة يقولون لا يجوز ~~إثباته ومرة يقولون يجب نفيه، والأصل في ذلك أنهما طرفان: # أحدهما أن يقال لا يجوز إثبات ما لا طريق إليه. والثاني: أن يقال يجب نفيه. PageV01P064 # أما الطرف الأول، فهو على ظاهره، ودليله لو جاز إثبات ما لا طريق إليه لا ~~يقبح باب الجهالات، وزالت الثقة بالمدركات، وذلك يقدح في العلوم الضرورية ~~والاستدلالية، أما قدحه في الضرورية فلأنه إذا زالت الثقة بالمشاهد جوزنا ~~أن تكون الخردلة بمنزلة جبل عظيم، لكن منع من رؤية بعضها مانع لا طريق ~~إليه، وأن يكون لزيد رؤوس كثيرة، كذلك وأن يكون بين أيدينا فيلة أو جبال أو ~~مهاوي، فيكون سير أحدنا كسير الأعمى. # وأما قدحه في العلوم الاستدلالية فلأنا كنا نجوز حصول شبه قادحة لا طريق ~~إلى العلم بها، فلا يولد النظر العلم بشيء قط، بل كنا نجوز أن يكون على نفي ~~ذلك الشيء دليل لا طريق إليه، ويلزم تجويز أن يكون في المحل معاني لا طريق ~~إليها، فلا نعلم إسناد معلول إلى علة معينة، ولا منافاة ضد لضد لجواز أن ~~تكون العلة في كون أحدنا ms050 قادرا غير القدرة، فما لا طريق إليه فلا يصح قياس ~~الغائب، وكان يلزم أن لا يقطع بإسناد فعل إلى فاعله لجواز أن يكون الفاعل ~~غيره، فتزول أحكام الأفعال من مدح وذم وغيرهما. # وأما الطرف الثاني فينبغي التفصيل فيه. # فيقال: ما لا طريق إليه ضربان: # أحدهما: يمكن أن يكون إليه طريق، فهذا لا يجب نفيه بل يجوز ثبوته، ويجوز ~~انتفاؤه كما نقول له في أن الباري تعالى كان قبل أن يخلق العالم لا طريق ~~إليه، ولم يوجب ذلك نفيه لما كان يجوز أن يكون إليه طريق، وهو فعله، ومن ~~هذا القبيل تجويزنا /43/كون جبريل عليه السلام في السماء السابعة، فإنه ~~يجوز أن يكون إلى ذلك طريق، وهو الرؤية لمن قوى الله شعاعة أو الخبر ~~الصادق، وكذا تجويز كون زيد في الدار، وكون الذنب صغيرا، أو كبيرا، ونحو ~~ذلك من الغيوب التي يجوز ثبوتها، وإن لم يظهر عليها دليل. PageV01P065 # الضرب الثاني: أن يكون المجوز مما لا يمكن أن يكون إليه طريق، فهذا يجب ~~نفيه كما يقوله في تجويز مانع سواء هذا الموانع المعقولة وتجويز صفة الله ~~تعالى لا يعلمها، إلا هو كما يقوله ضرار، فإنه لا طريق إلى صفاته تعالى إلا ~~أفعاله، فما لم يدل عليه الفعل بنفسه أو بواسطة وجب نفيه، وباجلمة فكلما لو ~~سئل مجوزه كيف كانت بكون الطريق إليه لما درى كيف يجيب، فإنه يجب نفيه. # فإن قيل: ليس بأن يجب نفي ما لا طريق إلى ثبوته بأولى من أن يجب إثبات ما ~~لا طريق إلى نفيه. # قلنا: لم تحصل العلة في وجوب نفيه أنه لا طريق إلى ثبوته بل لأن تجويز ~~ثبوته بفتح باب الجهالات كما علمت سببه. # أعلم أن هذا التفصيل المتقدم إنما هو في العمليات، فأما السمعيات فإن فقد ~~الدليل على ثبوت شيء منها بعد الفحص دليل على نفيه، فلهذا انتفى وجوب صلاة ~~سادسة وحج بيت آخر ونحو ذلك، وبهذا يبطل قول القائل إن فقد الدليل على نفي ~~الشيء دليل على ثبوته، فيقول له جوز صلاة ms051 سادسة وحجا غير هذا وأشياء كثيرة ~~لا يسعه إثباتها، فإن أثبتها فعاد وهو بين. # فصل في الاستدلال على الله تعالى # وهذا هو المقصود بالباب، وما تقدم كان كالتوطئة. # اعلم أنه إنما يستدل على الله تعالى بأفعاله المخصوصة؛ لأنه ليس بعلة ~~فسيدل بمعلوله، ولا سببا فيستدل بمسببه، وهو تعالى منفرد بالقدم، فليس يصح ~~أن يؤثر فيه ذات أخرى، فيستدل بها عليه، وصحة السمع متوقفة على معرفته ~~تعالى، والأخبار المتواترة حقها أن تستند إلى المشاهدة. # فصل PageV01P066 وكما أن الدليل على ذاته تعالى هو أفعاله، فهي الدليل أيضا على صفاته، ~~وكذلك كل دليل يدل على ذات فإنه يدل على صفات تلك الذات، فلا يثبت له تعالى ~~من الصفات إلا ما دل عليه الفعل إما بنفسه كدلالته على كونه قادرا وعالما، ~~وليس الأحكام واسطة هنا لرجوعه إلى نفس الفعل أو بواسطة كدلالته على كونه ~~حيا بواسطة كونه قادرا عالما، وبواسطتين كدلالته على كونه مدركا بواسطة ~~كونه حيا وكونه عالما قادرا أو بثلاث /44/ وسائط كدلالته على الصفة الأخص ~~بواسطة كونه قادرا عالما وكونه حيا، ووجوب كونه حيا، ومثاله في غير صفاته ~~تعالى ما يقوله في أن الإدراك طريق إلى الجوهر، فكذلك إلى صفاته، والذي ~~يتناوله الإدراك من صفاته هي التحيز، فإنه يدرك عليها، ثم هي واسطة في سائر صفاته. # أما الجوهرية فالتحيز مقتضى عنها. # وأما الكائنية فهو مضمر بها. # وأما الوجود فهو مشروط به. # فصل # والذي يصح الاستدلال به على الله تعالى هو كلما يختص بالقدرة عليه ~~كالجواهر والألوان ونحوها، أو يدخل تحت مقدور العباد، لكن يقع على وجه لا ~~يصح وقوعه من العباد كالألم الزائد عند لسع العقرب، فإنه لو وجد هذا القدر ~~من أقوى القادرين لما حصل هذا الألم، وكالكلام الموجود في الحصى والسحر ~~وحركة المرتعش والعروق الضار به، ونحو ذلك، وكالعلوم الضرورية، فإنها لو ~~كانت من فعلنا لوقفت على أحوالنا، ولو كانت من فعل أمثالنا لكانت إنما تصدر ~~عن اعتماد، وهو لا تأثير له في ذلك، والألزم إذا اعتمد أحدنا على صدر ms052 الغير ~~أن يتغير حاله في الاعتقاد، وأن يولد ما لا يتناهى على أنه ليس بأن يولد ~~اعتقادا أولى من ضده؛ لأنه كان يولد لا بشرط يستحيل اجتماعه، فتفارق توليده للكون. # فصل PageV01P067 وكيفية الاستدلال بأفعاله تعالى أن نعلم ثبوتها أولا وأنها محدثة وأن ~~المحدث لا بد له من محدث، وأن المحدث ليس إلا الله، لكن الاستدلال بالأجسام ~~أولى من الاستدلال بالأعراض؛ لأن ثبوتها ضروري جملة وتفصيلا، وثبوت الأعراض ~~استدلالي جملة وتفصيلا إذا كانت غير مدركة وتفصيلا إذا كانت مدركة، ولأن ~~الاستدلال بالأجسام يتضمن حدوث الأعراض ولا عكس، ويتضمن العلم بنفي ~~التشبيه، وهو كمال التوحيد. # فصل # وقبل الاستدلال بالأجسام وغيرها يتكلم في حقيقة الشيء وأقسامه لأن معرفة ~~ذلك مما يحتاج إليه في أكثر أبواب التوحيد والعدل. # والشيء في اللغة: ما يصح العلم به والخبر عنه، موجودا كان أو معدوما، ~~قديما كان أو محدثا، ثابتا كان أو مستحيلا. # وفي الاصطلاح: لا فرق بينه وبين الذات، وهو كلما صح العلم به على ~~انفراده. # وينقسم: إلى موجود ومعدوم. # فالمعدوم: هو المعلوم الذي ليس بموجود. والموجود: أظهر من أن يحد. # وينقسم الموجود: إلى قديم ومحدث. # فالقديم: هو الذي لا أول لوجوده /45/. والمحدث: هو الذي لوجوده أول. # وينقسم إلى متحيز وغير متحيز، ولا طريق إلى ثالث، خلافا للفلاسفة، ~~وسيتضح. # والمتحيز: هو المختص بصفة، لكونه عليها يمنع مثله من أن يكون بحيثه، ~~ويحتمل العرض، وهو إن لم يقبل التجزي، فهو الجوهر الفرد، وإن قبله من جهة ~~الطول فهو الخط وإن قبله من جهة الطول والعرض فهو السطح، وإن قبله من جهة ~~الطول والعرض والعمق فهو الجسم. # وغير المتحيز هو العرض وهو اثنان وعشرون جنسا الألوان والطعوم والروائح ~~والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والشهوة والنفرة والحياة والقدرة ~~والفناء والأكوان والاعتمادات والتأليفات والأصوات والآلام والاعتقادات ~~والإرادات والكراهات والظنون والأفكار. # وينقسم إلى مدرك، وهي: الخمسة الأول والصوت والألم غير مدرك، وهو سائرها. PageV01P068 # وينقسم إلى مقدور لله تعالى فقط، وهي الاثنى عشر الأولة، وإلى مقدور للعباد ~~أيضا، وهي العشرة الباقية. # وينقسم إلى: ما ms053 لا يوجب، وهي المدركات والفناء وإلى ما يوجب وهو سائرها. # وينقسم إلى باق، وهي ما عدا الصوت والألم من المدركات والرطوبة واليبوسة ~~والحياة والقدرة والكون والتأليف واللازم من الاعتماد وغير باق وهو سائرها ~~إلى غير ذلك من القسمة. # فصل # والمعدوم شيء عند الجمهور وخالف أبو الهذيل وأبو الحسين وابن الملاحمي ~~والبردعي وهشام بن عمر والمجبرة بأسرهم. # وقال أبو القاسم شيء وليس بذات. # وقال قوم: المعدوم الأصلي ليس شيء، والمعدوم بعد وجوده شيء. # لنا أنه يصح العلم به على انفراده، وذلك هو معنى الشيء والذات والمنكر ~~لصحة العلم به مكابر، فإنا نعلم الجنة والنار والقيامة ونحو ذالك. # واعترضه ابن الملاحمي بأن معنى ذلك أنا نتصور حقيقة المعدوم وماهيته، ~~ويميز بين بعض الأجناس وبعض لأن علمنا قد تعلق بذات معينة. # ويمكن الجواب بأن في هذه إقرار بأن للمعدوم حقيقة وماهية يمكن تصورها، ~~ويفصل بينها وبين غيرها، وهو المطلوب بكونه شيئا. # قال في الفائق: إنا نجد هذه المعلوم علوما بصور المعدومات عند وجودها. # ويمكن الجواب بأن يقال إن أردت عند وجود المعدوم نفسه لم يصح لأنا فرضنا ~~الكلام في العلم به حال عدمه، وليس العلم به حال عدمه هو العلم به حال ~~وجوده، لا سيما على أصلك في أن العلم بأن الشي سيوجد ليس علما بوجوده إذا ~~وجد، وإن أردت عند وجود أمثاله لم يصح، لأنا فرضنا /46/ الكلام في العلم ~~بهذا المعدوم لا العلم بأمثاله. على أنا نعرض الكلام في العلم بمعدوم لم ~~يوجد له نظير بأن يوجد، فنشاهده، ثم يعدم ولا يوجد له نظير. وكما قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). # قال في المعتمد: إن تصور المعدوم كتصورنا ثاني القديم، والبقاء والإدراك. PageV01P069 # ومعلوم أن تصور هذه الأشياء لا تقتضي كونها ذوات، ولنا أن نقول لا نسلم صحة ~~تصور ثاني القديم وسائر ما ليس شيء؛ لأن التصور علم بصور الأشياء ~~وماهياتها، وليس لثاني القديم ماهية يمكن بصورها. # دليل قد ثبت ms054 أن المقدور إنما يكون مقدورا في حال العدم؛ لاستحالة إيجاد ~~الموجود، ومعلوم أن المقدور لا يوصف بصحة الوجود إلا ما دام معدوما، فأما ~~إذا قد وجد فقد استحال وجوده ومعلوم أن صحة وجود المقدور أمر زائد على ~~المقدور، ومزية له، والمزايا لا بد أن يستند إلى الذوات لتعذر استقلالها ~~بأنفسها. # قال ابن الملاحمي: ما أنكرتم أن صحة وجود الجوهر قبل وجوده يستند إلى ما ~~يتصور، ويتوهم من الحجم لا إلى شيء معين. # ولنا أن نقول أتريد أن هذه الصحة تستند إلى ما يتصور من الحجم قبل وجوده ~~أو حال وجوه إن أردت قبل وجوده فهو صحيح لكن ذلك يقتضي كونه ذاتا؛ لأن ما ~~ليس بذات وماهية لا يمكن تصوره، وإن أردت حال وجوده فغير صحيح؛ لأن الصحة ~~الثابتة حال العدم كيف يستند إلى أمر منتظر. # على أن هذه الصحة زائلة عند وجوده؛ لأن الموجود لا يصح وجوده. # قال رحمه الله تعالى: صحة الصفة حكم والصفة ليست بذات، فقد استند الحكم ~~إلى ما ليس بذات. # ويمكن الجواب بأن هذه الصحة تستند إلى الموصوف والصفة جميعا فإنا لم ~~نشترط أن يكون بين غيرين حقيقيين. # قال رحمه الله تعالى: الاستحالة حكم كالصحة، فيلزم أن يستند إلى ذات في ~~نحو قولنا ثاني القديم يستحيل أن يوجد والضدان يستحيل اجتماعهما، وفي ذلك ~~لزوم أن يكون ثاني القديم واجتماع الضدين ذواتا. PageV01P070 # ويمكن الجواب بأن يقال: لسنا نقول ثاني القديم يستحيل أن يوجد، ولكن نقول: ~~يستحيل أن يثبت ويكون هذا الكلام بمنزلة قولنا ثاني القديم ليس شيء، فلا ~~تكون الاستحالة حكما في هذا المكان وإن سلمنا أنها حكم فهي إنما يستند إلى ~~ذات الباري تعالى وصفاته الواجبة؛ لأنه بمنزلة قولنا ذات القديم يستحيل أن ~~يكون لها مثل، ولهذا جعل أصحابنا نفي الثاني مما يستحيل على الله تعالى /47/. # وأما استحالة اجتماع الضدين فهي تستند إلى ذواتهما وصفاتهما دليل لا شك ~~أن للقادر تعلقا بمقدوره بمعنى أنه يصح اتخاذه له، وهذا التعلق حكم تعلم ~~بين القادر والمقدور، فلا بد ms055 أن يكون المقدور ذاتا أو صفة لتعلم الحكم بينه ~~وبين القادر، وباطل بالاتفاق أن يكون صفة نفي أن يكون ذاتا وإلا كان الحكم ~~قد علم لا بين غير ولا بين غير وما يجري مجراه. # واعترضه ابن الملاحمي بأن معنى هذا التعلق هو أن القادر يصح منه لذاته أو ~~لاختصاصه بصفة أن يجعل ذاتا لا أن في العدم ذاتا معينة يصح إيجادها. # ويمكن الجواب بأن يقال: أتريد أن القادر يصح أن يجعل ذاتا في حال وجودها ~~وهذا محال؛ لأن الموجود لا يتعلق بالقادر أوفي حال عدمها، فهو الذي يقول ~~ويعني بكونها معينة صحة العلم بها على انفرادها، وهذا لا يمكن دفعه فإن ~~الله تعالى لو أخبر أنه يعذب زيدا بجزء من العذاب، لكان لا بد أن يعلم ذلك ~~الجزاء بانفراده. # دليل قد ثبت أن أحدنا يفصل في حال عدم الأشياء بين ما يقدر عليه وما لا ~~يقدر عليه، ولو لم يكن المعدوم ذاتا لما صح هذا التمييز، لأن الفصل بين ~~الأشياء هو لأمر يرجع إلى ذواتها، وقول أبي الحسين أن التمييز يرجع إلى ~~تصور حقائقها وما هياتها، قد سلف الجواب عنه من أن ما ليس بشيء فليس له ~~حقيقة ولا ما هية يمكن تصورها، وإنما يتوهم وهما ويقدر تقديرا كثاني القديم ~~والبقاء. PageV01P071 # دليل قد ثبت أن القادر يقصد إلى الجوهر دون السواد مثلا، فلو لم يكونا ~~ذاتين لما صح منه القصد إلى أحدهما دون الآخر. # يوضحه: أنه قد وقع الاتفاق على صحة إعدام المكلفين وعلى صحة إعادتهم، ~~فنقول: أخبرونا هل المعاد هو الأجزاء التي أطاعت وعصت بعينها أم غيرها، ~~والثاني باطل؛ لأنه كيف يثاب ويعاقب من لم يطع ولم يعص. # وإن قالوا: هي بعينها. قيل لهم: وهل هي متعينة في حالة العدم ليصح القصد ~~إلى اتحادها بعينها، فهو الذي يقول أوليست بمتعينة، فبماذا نعلم أنها هي ~~بعينها وكيف يصح القصد إليها. # دليل: يقول أهل اللغة: علمت شيئا موجودا أو علمت شيئا معدوما، فلو لم يكن ~~المعدوم شيئا لكان الأول تكرارا، والثاني ms056 بعضا، وقال تعالى: {ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا} و: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه}، {والله على كل ~~شيء قدير}، ونحو ذلك. # واعترض بأن المراد بالشيء في هذه المواضع اللغوي لا الشيء الاصطلاحي ~~المتعين في نفسه. # والجواب أنا لا نسلم ذلك، فإن الإشارة /48/ في قوله تعالى: {إني فاعل ذلك ~~غدا} ظاهرها الرجوع إلى شيء معين في نفسه، وهو الجواب على اليهود السائلين ~~عن قصة أهل الكهف وذي القرنين، وكذلك قوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه} يقتضي ظاهرها الانصراف إلى أمر معين يريده الله تعالى، وكذلك ~~قولهم: علمت شيئا معدوما. # فصل # إذا ثبت أن المعدوم شيء، فكل ما كان من الألفاظ لا يفيد الرجوع لفظا ولا ~~معنى جاز إطلاقه عليه في حال العدم كقولنا: جوهر ولون ونحو ذلك من الأسماء ~~التي لا تفيد إلا إبانة نوع من نوع؛ لأن قولنا جوهر لا يفيد إلا أنه شيء ~~يتحيز عند الوجود بخلاف قولنا جسم، لأن الجسم لا بد فيه من تأليف مخصوص، ~~وكذلك قولنا محدث وباق وشخص ونحو ذلك. PageV01P072 ### || AUTO الكلام في التوحيد # التوحيد في اللغة: قال أصحابنا عبارة عما به يصير الشيء واحدا، يقال وحد ~~الشجرة إذا قطع أغصانها وأبقى أصلها، وهو التسويد والتحريك والتسكين، فإنه ~~عبارة عما به يصير الشيء أسود ومحتركا وساكنا. # والأولى أن يقال: هو فعل ما به يصير الشيء واحدا، وذلك لأن الذي به يصير ~~الشيء واحدا، وذلك؛ لأن الذي به يصير الشيء متحركا هو يحركه والتحريك ليس ~~عبارة عن الحركة، وإنما هو عبارة عن فعل الحركة التي بها يصير الشيء ~~متحركا، وكذا في سائرها (فراغ) عرف اللغة هو الخبر عن كون الشيء واحدا ~~(فراغ) اصطلاح المتكلمين، هو العلم بالله تعالى وما يجب له من الصفات وما ~~يستحيل عليه منها، وأنه لا ثاني له يشاركه في ذلك على الحد الذي يستحقه. # فصل # ومضمون هذا الباب العلم بأن للعالم صانعا، وانه قادر حي سميع بصير مدرك، ~~قديم، وأنه يستحق هذه الصفات لذاته لا لمعان، وأنه غني متنزه ms057 عن مشابهة ~~المحدثات، وعن رؤية الرائين، وأنه لا ثاني له وما يتصل بكل واحدة من هذه ~~المعارف. PageV01P073 ### ||| AUTO القول في أن للعالم صانعا، اتفق الناس على أنه لا بد من مؤثر ~~ما، ثم اختلفوا. # فقال أهل الإسلام والكتابيون والبراهمة وبعض عباد الأصنام أنه فاعل ~~مختار، وبه قالت المطرفية، لكن زعموا أنه لا يؤثر إلا في الأصول الأربعة ~~التي هي الهوى والماء والأرض والنار. # وقال أهل الإلحاد: إنه موجب، ثم اختلفوا. # فقال أهل النجوم: التأثير لها ولحركاتها فقط، ولم يثبتوا غير ذلك. # وقالت الدهرية: التأثير للدهر، وهو قريب من الأول إذا المرجع بالدهر إلى ~~حركات الأفلاك. # وقالت الطبائعية بالطبع. # وقالت الباطنية إن ذات الباري تعالى /49/ علة قديمة صدر عنها السابق، ~~وصدر عن السابق التالي وصدر عن التالي النفس الكلية، ثم احتركت، فحصلت ~~الحرارة وسكنت فحصلت البرودة، وتولد عن الحرارة يبوسة، وعن البرودة رطوبة، ~~ثم تولدت الأصول الأربعة المذكورة أولا، وهي التي حصل منها الأشياء بحسب ~~الاعتدال وعدمه وقوته وضعفه. # قال الفقيه حميد: وربما قالوا: إن العلة الأولى كانت غير متحيزة، فعرض ~~لها أوهام، فأظلمت ذواتها فتحركت تريد الخلاص من الظلمة، فامتد منها طول ~~وعرض وعمق وصارت أجساما، وتركبت منها الكواكب والأفلاك والأصول المذكورة. PageV01P074 # وقالت الفلاسفة المؤثر في العالم علة قديمة صدر عنها عقل واحد من حيث عملت ~~نفسها، ثم تكثر هذا العقل من ثلاث جهات، فمن حيث عقل باريه صدر عنه عقل، ~~وهو أشرف ما تضددوا ومن حيث هو واجب الوجود من باريه صدر عنه نفس الفلك ~~الأعلى وهو السماء التاسعة التي يعبر عنها المسلمون بالعرش، وهو أوسط ما ~~يصدر، ومن حيث هو ممكن الوجود من ذاته صدر عنه جرم ذلك الفلك، وهو أخيس ~~السلامة لأنه جسم، ثم صدر عن العقل الثاني عقل ثالث ونفس فلك الكواكب ~~وجرمه، وهي السماء الثامنة التي سمي الكرسي، ثم صدر عن اعقل الثالث رابع ~~ونفس فلك زحل وجرمه، ثم صدر عن الرابع خامس، ونفس فلك المشتري وجرمه، ثم ~~هكذا إلى العقل العاشر ونفس فلك القمر ms058 وجرمه، وهذا وهذا العقل العاشر وهو ~~الأدنى إلينا هو العقل الفعال عندهم، ومعنى ذلك أنه صدر عنه ما دون هذه ~~السماء من الأجسام وغيرها، وهي المادة القابلة للكون والفساد من العقل ~~الفعال بواسطة طبائع الأفلاك وحركاتها. # قالوا: فالأشياء على هذا تنقسم إلى حال لا يقوم بنفسه وهي الأعراض، وإلى ~~قائم بنفسه تحله الأعراض، وهي الأجسام وإلى قائم بنفسه يؤثر في الأجسام، ~~وهي النفوس ، وإلى قائم بنفسه يؤثر في النفوس، وهي العقول، وإلى قائم بنفسه ~~يؤثر في العقول، وهي العلة الأولى. # قالوا: والأجسام عشرة أجسام سبع سماوات وهي حاصلة لم تزل لصدورها على جهة ~~الإيجاب وجنة الضالين لها نفوسا، والجسم العاشر هو هذه المادة القابلة ~~للكون والفساد والنمو والذبول، ويعنون بالكون الصلاح أي الوجود. # قالوا: وهذه العقول التسعة هي الملائكة، لكن تسميتها الحقيقية أملاك إلى ~~غير ذلك من ضلالاتهم وهوسهم الذي يطرد ذكره. PageV01P075 # والدليل على صحة ما يقول أهل الإسلام أن هذه الأجسام /50/ محدثة، والمحدث ~~لا بد له من محدث، ومحدثها ليس إلا الله تعالى. # وهذه ثلاثة أركان، أما الركن الأول وهو أن هذه الأجسام محدثة فقد خالف في ~~ذلك ما تقدم ذكره من الفلاسفة وغيرهم، فإنهم اتفقوا الجميع على أنها حاصلة ~~في الأزل، وهذا هو معنى القدم، وإن أطلقوا لفظ الحدوث بمعنى أنها حصلت من غيرها. # لنا أنها لم تحل من الأعراض المحدثة، ولم تتقدمها، وما لم يحل من المحدث ~~ولمن يتقدمه فهو محدث مثله، وهذه الدلالة مبنية على أربع دعاوي، وهي أن في ~~الجسم أعراضا هي غيره، وأنها محدثة، وأن الجسم لم يحل منها وإن ما لم يخل ~~من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث مثله. # أما الدعوى الأولى وهي أن في الجسم أعراضا هي غيره فالخلاف فيها من ~~جهتين: إحداهما في هل ثم أمور زائدة على الجسم أم لا. والثانية في هل تلك ~~الأمور أحوال فقط أو أحوال ومعاني تؤثر فيها. # الجهة الأولى: ذهب الجمهور من الناس إلى أن ثم أمور زائدة على الجسم، ~~وخالف بعض الفلاسفة والأصم وحفص ms059 وهشام بن الحكم. # لنا أن الأجسام اتفقت في الجوهرية والتحيز والوجود، ثم افترقت في الحركة ~~والسكون والاجتماع والافتراق، فلا بد أن يكون لنا ما اقترفت فيه أمرا زائدا ~~على ما اتفقت فيه وإلا كانت متفقة مختلفة في أمر واحد وهو محال. # وبعد فالأجسام متماثلة، وحصولها في الجهات يتضاد، والمتضاد غير المتماثل ~~لا محالة، وبعد فالأجسام ثابتة مستمرة، وحصولها في الجهات يتجدد ويتبدل، ~~والمتجدد غير المستمر لا محالة. # وبعد، فإذا حرك أحدنا الجسم بعد سكونه علمنا ضرورة انه قد حصل أمر لم ~~يكن، ومحال أن يكون هو الجسم لأنه غير مقدور لنا، ولأنه موجود قبل التحريك. PageV01P076 # وبعد فاتفق العقلاء على حسن أمر السيد غلامه بمناولة الكوز مثلا، والنهي عن ~~ذلك، وعلقوا المدح بالامتثال والذم بعدمه، وكل ذلك إما أن يتعلق بنفس الكوز ~~وهو باطل؛ لأنه غير مقدور، ولأنه موجود أو بأمر زائد وهو المطلوب. # وبعد فقال أبو الهذيل للأصم: كم تزيد حد الزاني على حد القاذف؟ قال: ~~عشرون جلدة، قال: فهذه العشرون هي الجالد أم المجلود أو السوط أو الهوى أو ~~الأرض ؟ قال: لا واحد من ذلك. قال: فما هي؟ قال: لا شيء. قال: فكأنك تقول ~~لا شيء يزيد على لا شيء بعشرين لا شيء، فانقطع. # وبعد ففيها ما يعلم ضرورة على الجملة نحو تصرفاتنا وتصرفات ما يشاهده، ~~وذلك لأنا نعلم قبح كثير منها وحسن كثير بالضرورة، وإذا علمنا أحكامها ~~بالضرورة فكذلك هي، لأن أحكامها فروع عليها، وإنما يرجع الاستدلال إلى ~~التفصيل. # الجهة الثانية: ذهب الشيخ أبو إسحاق بن عياش إلى أن هذه الأمور الزائدة ~~الذي نسميها الأكوان /51/ وغيرها صفات يثبت بالفاعلين، وليس ثم معان تؤثر ~~في هذه الصفات ونصرة الشيخان. # أبو الحسين وابنا الملاحمي(1) وبعض المتأخرين، وذهب الجمهور من أهل العدل ~~وأهل الجبر إلى إثبات المعاني وأن هذه الصفات موجبة عنها. # لنا أن الجسم حصل في جهة من جواز أن يحصل في غيرها، والحال واحدة والشرط ~~واحد فلا بد من أمر له حصل كذلك، وذلك الأمر ليس إلا وجود معنى. ms060 فهذه أربعة أصول. PageV01P077 # أما الأصل الأول وهو أنه حصل كذلك مع الجواز فهو معلوم ضرورة في ما يشاهده ~~من الأجسام، وفي ما غاب عنا بجامع التحيز الذي هو مصحح لذلك، ولكنا نذكر ~~الدليل استظهارا فنقول: لو حصل في تلك الجهة مع الوجوب لاستحال خروجه عنها ~~ولوجب مشاركة جميع الأجسام في ذلك، لأن حصوله فيها يكون لأمر يرجع إلى ~~ذاته، ولزم أن يحصل هو في جميع الجهات، إذ لا مخصص لبعضها، ولتأتي من بعض ~~القادرين تحريك جبل بان يصادف وقت وجوب احتراكه وتعذر عليه تحريك ريشة بأن ~~يصادف وقت وجوب سكونها، وكله محال. # وأما الأصل الثاني وهو أن الحال واحدة والشرط واحد، فنريد بالحال هنا ما ~~تصح الصفة المعنوية وبعضها إذا كان لها نقيض، وهو ها هنا التحيز، فإنه ~~المصحح لكونه مجتمعا، ولكونه مفترقا، وهو في غير هذا المكان كونه حيا، فإنه ~~المصحح لجيمع صفات الجمل ونريد بالشرط ها هنا ما كان مصححا لهذه الحال ~~كالبنية بالنسبة إلى حال صفات الجمل أو شرطا في صحة هذه الحال كالوجود ~~بالنسبة إلى التحيز أو شرطا في كونها حالا بهذا المعنى كبنية القلب بالنسبة ~~إلى كونه حيا في تصحيحها لكونه عالما أو مريدا أو كارها ونحو ذلك، فإن كونه ~~حيا لا يكون حالا لهذه الصفات إلا إذا حصلت البنية. وإذا عرفت معنى الحال ~~والشرط فالحال في هذه المسألة هو التحيز؛ لأنها التي تصحح صفات المحال من ~~كونه محتركا وساكنا ومجتمعا ومفترقا، والشرط هو الوجود، فإن التحيز لا يصح ~~إلا بالوجود. # ومعنى كون الحال واحدا والشرط واحدا أنهما مستمران حال ثبوت الواحدة من ~~هذه الصفات، وحال انتفائها، وحال ثبوت ضدها، فنعلم بذلك أنه لا تأثير لهما ~~في هذه الصفات، وإنما لهما حط التصحيح فقط؛ لأنهما مع الجميع على سواء. # وأما الأصل الثالث وهو أنه لا بد من أمر فقد قيل: يعلم ذلك ضرورة، فإنه ~~لا بد بالضرورة من أمر يخصص أحد الجائزين بالوقوع دون الآخر. PageV01P078 # وقال أصحابنا: نعلم ذلك بأدنى تأمل، وهو أنه لو لم ms061 يكن هناك مخصص لما كان ~~أحدهما ثان يقع أولى من أن يقع ضده. # /52/ وأما الأصل الرابع وهو أن ذلك الأمر ليس إلا وجود معنى، فلنفرض ~~الكلام في واحد من هذه الصفات، وهي أن ذلك الأمر كونه مجتمعا، فنقول: إما ~~أن يكون مجتمعا لذاته أو لما هو عليه في ذاته أو لوجوده أو بحدوثه أو ~~لحدوثه على وجه أو لعدمه أو لعدم معنى أو بالفاعل أو لوجود معنى. # وهذه الأقسام هي التي يشتبه الحال فيها وكلها باطلة إلا الأخير. # أما الأولان فباطلان لما تقدم من أنها حاصلة مع الجواز. # وأما الثالث فباطل بما تقدم من أن الوجود مع الاجتماع كهوية مع عدمه ومع ~~ثبوت ضده، وذلك دليل على أنه لا تأثير له وإلا لم يكن الوجود بأن يؤثر في ~~كونه مجتمعا أولى من كونه مفترقا، فكان يلزم حصوله على صفتين ضدين، وكان ~~يلزم في جميع الأجسام أن يكون مجتمعه لاشتراكها في الوجود، ويلزم أن تستمر ~~هذه الصفة ما استمر الوجود، والرابع باطل بما بطل به الثالث، ويلزم أن لا ~~تحدد له هذه الصفة حالة البقاء. # وبهذا الأخير يبطل الخامس وبأنه لا وجه يشار إليه بكون الجسم مجتمعا ~~لحدوثه عليه. # والسادس باطل؛ لأن المصحح لهذه الصفة هو التحيز، وهو مشروط بالوجود، ولأن ~~عدمه ليس ثان يؤثر في كونه مجتمعا أولى من ضدها بل ليس بأن يوجب الكائنية ~~أولى من غيرها من الصفات. # والسابع باطل؛ لأن المعنى المعدوم لا يختص رأسا، ولو اختص فليس بأن يختص ~~ببعض الأجسام أولى من بعض، ولا بأن يوجب بعض الصفات أولى من بعض؛ ولأن هذه ~~الصفة تقف على اختيارنا بخلاف المعنى المعدوم ولأن في العدم افتراقا كما أن ~~فيه اجتماعا. والذي يشتبه من هذه الأقسام أن يكون مجتمعا بالفاعل كما يقوله ~~أبو الحسين وأصحابه. والذي يدل على إبطاله وجوه: PageV01P079 # الأول: أن لو قدر أحدنا على أن يجعل الجسم على صفة من دون معنى لقدر على ~~اتحاد ذاته كالكلام، فإنه لما قدر على أن يجعله على صفة وهو ms062 كونه خبرا مثلا ~~من دون معنى قدر على اتخاذ ذاته، وهذا ينبني على أن الكلام ذات لا صفة، وأن ~~له بكونه خبرا صفة وأنها مقدورة لنا وأن قدرتنا عليها علة في قدرتنا على ~~اتخاذ الذات. # أما أنه ذات فلأنه يعلم على انفراده، وذلك هو معنى الذات، واحتياجه إلى ~~محل، إنما يعلم بدليل منفصل، وإذا كان ذاتا فليست ذات الجسم كما يقول ~~النظام؛ لأن الجسم باق /53/ والكلام يعدم، ولأن الأجسام متماثلة والحروف ~~والأصوات قد تختلف، ولأن الأجسام غير مقدورة لنا. # وأما الكلام في أن له بكونه خبرا صفة فدليله أن القائل إذا قال زيد في ~~الدار جاز أن يكون خبرا عن زيد بن عبد الله، وجاز أن يكون خبرا عن زيد بن ~~خالد، وهو لا يكون خبرا عن أحدهما إلا لأمر لمثل ما تقدم، وذلك الأمر إما ~~أن يكون عائدا إلى نفس الصيغة وهو باطل؛ لأنها مع الزيدين على سواء، وإما ~~أن يكون عائدا إلى المخبر عنه وهو باطل؛ لأن الخبر غير واقف على أحواله، ~~ولأن الزيدين مع الخبر على سواء بقي أن يكون عائدا إلى المخبر، وهو قصده ~~وإرادته، وتلك الإرادة إما ان تتعلق بالمخبر عنه وهو باطل؛ لأنه قد يخبر ~~عما لا يصح تعلق الإرادة به كالماضي والباقي والقديم، وإما أن تتعلق بمجرد ~~الصيغة وهو باطل؛ لأنها مزادة سواء أخبر عن زيد بن عبد الله أو عن زيد بن ~~خالد، وإما أن تتعلق بالصفة على حال وهو المطلوب، وإما أن تلك الحال هي ~~مقدورة لنا فلأنها تقف على أحوالنا ثبوتا وانتفاء، ويتعلق بها المدح والذم ~~وغيرهما. # وإما أن قدرتنا عليها علة في القدرة على اتحاد الذات، فلأن القدرة على ~~اتحاد الذات تتبع القدرة على جعلها على صفة من دون معنى ثبوتا وانتفاء مع ~~زوال ما هو اولى من ذلك بتعليق الحكم، وقد اعترضه صاحب تعليق شرح الأصول ~~باعتراضين: PageV01P080 # أحدهما: أن القدرة على الذات أصل للقدرة على الصفة، فالقدرة على الذات بأن ~~تكون علة في القدرة على الصفة أولى، ويمكن ms063 الجواب بأنه وإن كان كذلك لكنها ~~علة كشف لا علة تأثير، فهي كجعلنا صحة الفعل علة في كونه قادرا. # والثاني: أنه قد يقدر على اتحاد الذات من لا يقدر على جعلها صفة كالساهي ~~والنائم، وهذا الاعتراض ينبغي أن يكون اعتراضا عليه رحمه الله في ما ~~اختاره. # فيقال: إذا كانت القدرة على الذات أولى بأن يكون علة في القدرة على الصفة ~~وجب حيث تحصل القدرة على الذات أن تحصل القدرة على الصفة، فينتقض عليك بما ~~ذكرت من الساهي والنائم، فإنهما يقدران على اتحاد الذات ولا يقدران على ~~الصفة بخلاف العكس؛ لأنه قد يوجد الحكم مع فقد العلة بأن يخلفها علة أخرى. # وهذا هو الذي رجح به ابن متويه. الطريقة الأولى وضعف الثانية، إلا أنه ~~يمكن الجواب عن أصل الاعتراض بأن يقال أن الساهي والنائم يقدران على الصفة ~~وإنما لم يوجد لفقد شرطها، وهو القصد لا لفقد القدرة، وقد ذكر عن المتأخرين ~~طريقة ثالثة، وهي أن القدرة على الذات شرط في القدرة على الصفة لا علة وعلى ~~كل حال /54/ فقد حصل الغرض من أن القدرة على الصفة ملازمة للقدرة على ~~الذات، ومعلوم أن هذه الصفات تحدد على الجسم في حال كونه غير مقدور كحالة ~~البقاء، فإنها حالة وجود وهو غير مقدور فيها مع تجدد الكائنية فيها. PageV01P081 # الوجه الثاني: إن كل وجه يقع عليه الشيء بالفاعل فإنه يتبع حال الحدوث. ~~دليله: كون الكلام أمرا ونهيا وخبرا وكون الفعل طاعة أو معصية، وكونه ظلما ~~أو عبثا أو كذبا أو نحو ذلك من وجوه الأفعال، فلو كان الجسم مجتمعا بالفاعل ~~لما صح اجتماعه حال البقاء كما لا يصح حال العدم لاشتراك الحالين في فقد ~~الحدوث.واعترضه ابن الملاحمي بأن قال: ما أنكرتم أن وجوه الأفعال تنقسم إلى ~~ما هو كيفية في الحدوث ككون الكلام خبرا، فلا يصح إلا في حال الحدوث إلى ما ~~لا يكون كذلك نحو كونه كائنا فيصح حال البقاء. # ويمكن الجواب بأن يقال أول ما في هذا أن هذه الوجوه ليست كيفية في ms064 ~~الحدوث؛ لأن الحدوث كيفية في الوجود، فكيف تكون للكيفية كيفية، ولأن ~~الكيفية لا تفارق ما هي كيفية فيه، فلو كان كون الصوت خبرا كيفية فيه لما ~~صح وجوده إلا خبرا ومعلوم أنه يصح أن يوجد ولا يكون كلاما فضلا عن أن يكون ~~خبرا، وكذلك سائرها. # وبعد، فهب أنها كيفيات في الحدوث، فنحن ألزمنا ككون الاجتماع مثل هذه ~~الأشياء في كونه كيفية في الحدوث، وأنت فرقت بنفس المذهب. PageV01P082 # الوجه الثالث: لو قدر أحدنا على أن يجعل الجسم مجتمعا من دون معنى لقدر على ~~سائر صفاته التي بالفاعلين من نحو كونه أسود، وخلوا على مذهب الخصم قياسا ~~على الكلام، فإنه لما قدر على جعله خبرا قدر على سائر وجوهه وكسائر ~~الأفعال، فإنه لما قدر على جعلها طاعة قدر على سائر وجوهها، ولا علة لقدرته ~~على كل الوجوه إلا قدرته على وجه منها لدوران الحكم بدوران هذه العلة ثبوتا ~~وانتفاء، ألا ترى أنه لما لم يقدر على وجه من وجوه أفعال الغير لم يقدر على ~~جميعها، ولا يلزمنا مثله في القدرة على بعض الذوات دون بعض؛ لأن الذوات ~~مستقلة بنفسها؛ ولأنا نعلم بالاضطرار الفرق بين ما يتعلق بنا من الذوات وما ~~لا يتعلق بخلاف وجوه الأفعال، فإنا وجدنا القدرة على بعضها تلازم القدرة ~~على البعض الآخر، ووجدنا المتعلق بنا هي وجوه أفعالنا، فإما أن يتصرف في ~~أفعال غيرنا فيجعلها على وجوه فلا، خاصه حال البقاء. # الوجه الرابع: أن الكائنية يصح فيها التزايد، والتي بالفاعل لا يصح فيها ~~التزايد، إما أن الكائنية يصح فيها التزايد فلأن القوي إذا سكن الساكن /55/ ~~يعذر على الضعيف نقله، وإذا لم يسكنه لم يتعذر، فلو لا تزايد الصفة لم ~~يفترق الحال. # واعترضه الشيخ محمود بأن التزايد هو في كثرة المدافعة التي تفعلها القوي ~~لا في الكائنية؛ لأن المرجع بالكائنية إلى شغل الجهة وهو لا يعقل فيه ~~التزايد. # ويمكن الجواب إما قوله يرجع إلى كثرة المدافعة فباطل؛ لأن كثرة المدافعة ~~تحتاج إلى كثرة الجهات، فلا يعقل كثرة المدافعة في الجهة ms065 الواحدة، ونحن ~~فرضنا الكلام في تسكين الساكن. # وبعد فيقال له إن أردت بالمدافعة معنى هو الاعتماد فقد أفردت بالمعاني، ~~وقلنا لك الاعتماد عندنا يولد السكون، وإن أردت بالمدافعة صفة يثبت بالفاعل ~~كان الكلام في تزايدها كالكلام في مسلمتنا. PageV01P083 # وأما أن الصفة أن الصفة بالفاعل لا تصح فيها التزايد فدليله صفة الوجود ~~التابعة له فإن تعذر الزائد فيها معلوم، ولا وجه له إلا كونها بالفاعل. # وأيضا فالفاعل مؤثر فلا يتعدى تأثيره الصفة الواحدة كالعلة إذ لو تعدى في ~~الموضعين لتعدي ولا خاص، وليس له أن يفرق بان الفاعل يؤثر على جهة ~~الاختيار؛ لأنا ألزمناه التعدي ولا حاضر، فكان يصح أن يوجد أحدنا من ~~الكائنيات ما يحرك به الجبل العظيم بأن يختار ذلك، هذا ما ذكره أصحابنا. # وله أن يقول إنما يصح أن يوجد من ذلك القدر الذي جعل له قدرة عليه كما ~~يقولونه أنتم في الأكوان الموجبة للصفات. # الوجه الخامس: أنه يتعذر على أحدنا حمل الثقيل دون الخفيف، فلولا أن ~~أحدنا يحتاج في ذلك إلى زيادة قدر يفعل بها أكوانا واعتمادات لما صح الفرق ~~لحصول كونه قادرا واحتمال المحل في الموضعين. # واعترضه ابن الملاحمي بأن الفرق هو أن الجسم متى كان ثقيلا فلا بد أن ~~يكون محركة حضيف الجسم صليبا ليقع التقابل من خصافة جسمه وبين الثقيل ~~ليمكنه أن يفعل من الجذب ما يقابل ثقله والحصافة مما يقبل التزايد. # ويمكن الجواب بأنه لا بد أن يرجع بالخضافة إلى معنى هو التأليث وفي ذلك ~~إقرار ثبوت المعاني وتزائدها. # وبعد فالصلابة تحصل في الجماد، فكان يلزم إذا أحد الضعيف عودا صليبا أن ~~يمكنه أن يحرك به الثقيل. # وبعد فقوله ليتمكن من أن يفعل من الحدث ما يقابل به ثقله إقرار بإثبات ~~الحدث الذي نسميه نحن الاعتماد وهذا يوافق ما قلناه، لكن عندنا أن الاعتماد ~~يولد الأكوان. # فصل # وأما الدعوى الثانية وهي أن الأعراض محدثة فقد خالف في ذلك فرقة من ~~الفلاسفة زعموا أنها قديمة، ولكنها تكمن وتظهر. PageV01P084 # لنا أنه يجوز عليها العدم والبطلان ms066 والقديم لا يجوز عليه العدم /56/ وهذان ~~أصلان أما أنه يجوز عليها العدم، فقد ادعى فيه كثير من الناس الضرورة ~~والمستدل يقول ما من متحرك إلا ويجوز أن يسكن وما من مجتمع إلا ويجوز ~~افتراقه، وذلك ضروري في ما يشاهده للتحيز وهو حاصل في ما غاب عنا إذا ثبت ~~ذلك، وفرضناه افتراقا بعد اجتماع لم يخل ذلك الاجتماع، إما أن يكون باقيا ~~أو منتقلا أو معدوما، والأول باطل لتأديته إلى أن يكون الجسم مجتمعا مفترقا ~~دفعة واحدة، فإن قال إنما يكون مفترقا فقط لأن الافتراق هو الطاري فله خط ~~الطرو فيكون الموجب والاجتماع يكمن. # قلنا: إنما يكون الشيء طاريا إذا كان له حالة حدوث يكون فيها أولى ~~بالوقوع والإيجاب من حيث هي حالة وجوب وقوعه من فاعله والاقتراف عندكم باق ~~بل قديم فلا معنى للطرو فيه، وإن سلمنا أنه طار فإنما يكون طاريا في حالة ~~واحدة، ففي الثانية تعود الإلزام أو العدم. # وأما الكمون والظهور فإنما يعقل في الأجسام على أنه ليس أحدهما بالكمون ~~أولى من الأخير. # وبعد: فالعلة إنما توجب لما هي عليه في ذاتها، وهو حاصل في جميع الحالات، ~~فلا يصح أن يوجد ولا يوجب بأن تكمن. # وبعد، فلو جوزنا وجودها غير موجبة لما كان إلى وجودها طريق ولا الفصل من عدمها. PageV01P085 # والثاني باطل؛ لأنه إن أريد بالانتقال ما هو المعقول من أنه تفريغ جهة وشغل ~~أخرى فهو إنما يثبت في المتحيزات، ومنه يتميز عن غيرها، والإعراض ليس ~~بمتحيز، وإلا لم يصح اجتماع الأعراض الكثيرة في المحل الواحد، ولما كانت ~~بأن تحل في الأجسام أولى من أن تحل فيها الأجسام، ولكان يجب أن يمتلي الزق ~~إذا أدخل أحدنا يده فيه فحركها، وكان يجب أن يتكاثف وتعظم. وإن أريد ~~بالانتقال أن يحل محلا غير محلها الأول فهو لا يصح؛ لأن حلول العرض في ~~المحل المعين كيفية في وجوده وكيفية الوجود لا تفارقه؛ ولأن ما يحل محلا لو ~~جاز حلوله في غيره لم يكن ليحل في أحد هذين الجائزين دون الآخر ms067 إلا لمخصص ~~من فاعل أو علة. # ولا يصح أن يكون الفاعل وإلا صح أن يجعله حالا فيهما وأن يجعله غير حال ~~أصلا. على أنه يحصل منه غرضنا لأن حلول العرض إذا كان بالفاعل فوجوده ~~بالفاعل لما سلف من أنه لا يجعل الذات على صفة إلا من يوجد تلك الذات، ولا ~~يجوز أن يكون بالمعنى لأن المعنى لا يختص المعنى، ولأن الكلام في ذلك ~~المعنى كالكلام في هذا، ولأنه ليس بأن يوجب حلوله في محل أولى من غيره ~~/57/، وإن أريد بالانتقال أن يوجد لا في محل بعد أن كان في محل لم يصح لما ~~تقدم من أن من أن الحلول وعدمه كيفية في الوجود، فما يحل يستحيل أن لا يحل، ~~وما لا يحل يستحيل أن يحل، إذ لو جاز عليه الأمران لافتقر في ثبوت أحدهما ~~إلى مخصص كما تقدم. # وعلى الجملة فإما أن يكون الانتقال على سبيل الجواز أو الوجوب وكلاهما باطل. # وأما الأصل الثاني وهو أن القديم لا يجوز عليه العدم، فلوجوه: # الأول: إن جواز العدم ينافي وجوب الوجود، ويقتضي أن الوجود والعدم على ~~سواء في الجواز، وإذا كان كذلك لم يكن الوجود أولى من العدم إلا لمخصص من ~~فاعل أو علة وكلاهما باطل كما سيأتي، ولأن ذلك يقتضي أن يكون له حالة عدم ~~ليصح أن يؤثر فيه مؤثر، وذلك يبطل قدمه. PageV01P086 # الوجه الثاني: أن القديم باق لأنه قد وجد أكثر من وقت، والباقي لا ينتفي ~~إلا بضد أو ما يجري مجراه؛ لأنه إذا انتفى مع جواز أن يبقى لم يكن بد من ~~أمر ولا اختيار للفاعل في ذلك، والقديم لا ضد له ولا ما يجري مجراه؛ لأنه ~~لو كان له ضد وقد ثبت أن القدم صفة مقتضاه لوجب أن يكون مقتضاه ذلك الضد ~~بالعكس منها؛ لأن التضاد من أحكام الصفة المقتضاة، فيجب إذا كان القديم ~~موجودا لما هو عليه في ذاته أن يكون هذا الضد معدوما لما هو عليه في ذاته، ~~وفي ذلك بطلان تأثيره في نفي القديم. # وأما ms068 ما يجري مجرى الضد فلأن القديم لا يحتاج في وجوده إلى شيء، ولذلك ~~الشيء ضد ينفيه حتى يكون منافاته لما يحتاج إليه القديم يجري مجرى منافاته ~~للقديم. # الوجه الثالث: إن القديم قديم لذاته وخروج الموصوف عن صفة ذاته لا يجوز، ~~وهذان أصلان. # أما أنه قديم لذاته فلأنه لو لم يكن قديما لذاته لكان قديما لغيره، وذلك ~~الغير إما الفاعل أو العلة، والعلة إما معدومة أو موجودة، والموجودة إما ~~قديمة أو محدثة. PageV01P087 # لا يجوز أن يكون قديما بالفاعل؛ لأن من حق الفاعل أن يتقدم بها على فعله، ~~ولا حالة قبل القديم يتقدم فيها الفاعل، ولأن الفاعل لا يقدر على صفة للذات ~~إلا إذا كان قادرا على تلك الذات، ولأن الفاعل إن كان قديما نقلنا الكلام ~~إليه، وإن كان محدثا لزم تقدم فعله عليه، ولا يجوز أن يكون قديما لعلة ~~معدومة؛ لأن المعدوم لا يختص، فلا يوجب ولأنها مع الاشياء على سواء، ولأنها ~~ثابتة في الأزل، فيجب ثبوت معلولها لم يزل وفي ذلك استغناؤه عنها لوجوبه ~~فلا ينفي إلى ثبوتها طريق، ولا يجوز أن يكون قديما لعله قديمة لأن الكلام ~~في قدمها كالكلام في قدمه ولأنه ليس أحدهما بأن يوجب للآخر أولى من العكس ~~لاستوائهما في القدم ولأنها ثابتة في الأزل، وفي ذلك وجوب معلولها ~~واستغناؤه عنها، وزوال الطريق إليها /58/ ولا يجوز أن يكون قديما لعلة ~~محدثة؛ لأن كونه قديما سابق عليها فيستغني عنها نفي أن يكون قديما لذاته، ~~وأما أن خروج الموصوف عن صفة ذاته لا يجوز فلأن بصفته الذاتية تكون ذاتا، ~~ويدخل في صحة كونه معلوما، وخروجه عن كونه ذاتا محال، ولأنها ثابتة لا لأمر ~~يخصها بحال دون حال، ولأن صفة الذات كمعلول العلة، فكما لا يزايلها معلولها ~~كذلك لا يزايل الذات صفتها، والجامع عدم افتقارهما إلى غيرهما وتحقيق هذه ~~الجملة أنه لو خرج عن صفة ذاته لم يخلو إما أن يخرج منها إلى غيرها أم لا ~~باطل أن يخرج عنها لا إلى غيرها لأن في ذلك خروجه عن صحة ms069 كونه معلوما وباطل ~~أن يخرج عنها إلى صفة ذاتية أخرى؛ لأن تلك الصفة التي خرج إليها إما أن ~~يختص به بعد خروجه عن هذه فيؤدي إلى اجتماع صفتين ذاتيتين، وإما أن يختص به ~~بعد خروجه عن هذه فيؤدي إلى تجدد الصفة الذاتية وحصولها بعد إن لم تكن، ~~وذلك يبطل كونها ذاتية. إذا ثبت هذا أمكنك استخراج دليل آخر على حدوث ~~الأعراض فنقول: لو كانت قديمة لتماثلت لاشتراكها في صفة ذاتية، وهي القدم، ~~ومتى اختلفت فإنما يختلف لصفة PageV01P088 أخرى ذاتية، وذلك يقتضي كونها متماثلة مختلفة، فيلزم إذا طرى عليها الضد أن ~~ينفيها من حيث هي متماثلة، ولا ينفيها من حيث هي مختلفة، فتكون موجودة ~~معدومة. # فصل # وأما الدعوى الثالة، وهي أن الأجسام لم تخل من الأعراض المحدثة، وتزيد ~~الأكوان فقط؛ لأن ما عداها ضربان، ضرب غير باق، فيجوز خلو الجسم عنه بكل ~~حال، وضرب باق فيجوز خلو الجسم عنه قبل وجوده، فإن وجد لم يجز خلوه عنه لا ~~لأمر يرجع إلى الجسم بل لأنه باق والباقي لا ينتفي إلا بضد أو ما يجري ~~مجراه، وذلك الضد من نوعه، وإنما الذي لا يخلو عنه الجسم هو الكون، ثم إذا ~~حققنا فالذي لا يخلو عنه الجسم هو الكون المطلق الحاصل حال حدوثه، وما عداه ~~فقد يقدم الجسم عليه، وإن أمكن الاستدلال به على حدوث الجسم لأن الجسم لم ~~يسبقه إلا بوقت واحد، وقد خالف فيه فرقة من الفلاسفة زعموا أن هتولاه قديمة ~~كانت خالية عن العرض حتى خلتها الصورة، ويريدون الهيولا أصل الشيء المتنزل ~~منه منزلة الطير من اللبن، وبالصورة ما يحصل من التركيب المتنزل منزلة ~~الربيع عنه. PageV01P089 # لنا أن الجسم لا يحصل إلا في محاذاة بالضرورة في ما يشاهده ويجامع التحيز ~~في ما غاب عنا، ولسنا نعني بالكون أكثر من حصوله في الجهة ،ولكن التسمية ~~بغير عليه فيسمى سكونا إن لبث به الجسم أكثر من وقت واحد /59/ وحركه إذا ~~انتقل به(1) واجتماعا إذا وجد مع الجوهر غيره، وكان بالقرب منه وافتراقا ~~إذا ms070 كان ذلك الغير بالبعد منه، ويسمى مطلقا، وهو ضربان: مطلق بالنسبة إلى ~~الحركة والسكون، وهو حاصل حال الحدوث، فإنه من جنسهما، وليس يسمى حركة ولا ~~سكونا، وسواء وجد اجتماع أو افتراق أم لا وجد اجتماع أو افتراق أم لا. ~~ومطلق بالنسبة إلى الاجتماع والافتراق، وهو الحاصل في الجوهر الفرد، إذا لم ~~يوجد غيره، فإنه يكون من جنس الاجتماع والافتراق، ولا يسمى اجتماعا ولا ~~افتراقا، وسواء حصل حال الحدوث أو حال البداء فإنه مطلق حتى يوصل جوهر آخر، ~~وحينئذ يسمى اجتماعا إن وجد ذلك الآخر بالقرب، وافتراقا إن وجد بالبعد، ~~دليل لو جاز خلوه عن الأكوان في ما مضى من الزمان لجاز الآن؛ لأنه لم يتغير ~~عليه إلا مرور الزمان، وذلك لا يؤثر في ما يجب للجسم أو يجوز أو يستحيل، ~~وجواز خلوه عنها الآن مستحيل، فإن العقلاء يكذبون من أخبر بوجود جسم ليس ~~بمحترك ولا ساكن، أو جسمين لا مجتمعين ولا مفترقين. # دليل: قال أبو الهذيل لعبض أهل الهيولا إذا كانت الأجسام خالية من قبل عن ~~الأعراض فأي الأعراض سبق إليها، هل الحركة، فكيف يحترك ما لم يكن ساكنا أو ~~السكون، فكيف يسكن ما لم يكن محتركا، (فكيف زائد يحترك ما لم يكن ساكنا، أو ~~السكون، فكيف يسكن ما لم يكن محتركا)، وقال له فإنها السابق إليه عندكم، ~~قال: الكون المطلق، وهو إنما يتأتى مع الإقرار بالحدوث. PageV01P090 # واعلم أن هذا الدليل مبني على أن التحيز ليس بمحدود، وسيتضح، وقولهم: ~~بالهيولا والصورة باطل؛ لأنهما غير معقولين، ولا طريق إليهما، ولأنهما إذا ~~كانا قديمين غير متحيزين لم يكن أحدهما بأن يكون هيولا والآخر صورة، ولا ~~بأن يكون حالا، والآخر محلا أولى من العكس، لاشتراكهما في القدم، ولأنهما ~~حاصلين في جهتين، وذلك مترتب على الكون، ولأنهما إما ان يكون بينهما بون ~~فهو الافتراق أو لا يكون، فهو الاجتماع، ولأن من أصولهم أن الجزء يتجزأ فلا ~~يستقيم قولهم جوهران بسيطان؛ لأنهم يريدون بالبسيط الفرد، ومع تجزي الجزء ~~لا يصح الافراد، ولا يكون بد من ms071 اجتماع فيه. # فصل # وأما الدعوى الرابعة وهي إنما لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث ~~مثله، فالخلاف فيها من ثلاثة جهات: # الجهة الأولى: ذهب أبو الحسين إلى أن الرابعة هي الثالثة، وليست غيرا لها. # قال: لأن العلم بأنه لم يسبق المحدث، هو العلم بأن لوجوده أول، وذلك هو ~~معنى الحدوث، وليست الأدلة تنصب لأجل التسمية، فيستدل في الرابعة على أن ~~الجسم يسمى محدثا، قال: ومثله الاستدلال بأن لأحد التؤمين /60/ عشر سنين ~~على أن للآخر كذلك، والاستدلال عل أن هذا الكتب بسم باء وسين وميم ~~والاستدلال على أن الإنسان حيوان، بأنه جسم حساس منتصب، وعلى أن هذا المكان ~~سوق بأنه مكان مؤهل لاجتماع الناس للبيع والشراء، كل هذه الاستدلالات ~~بالشيء على نفسه، وهذا قوي كما ترى. # الجهة الثانية: قال أنور سيد العلم بالرابعة ضروري مطلقا، فلا يعد دعوى، ~~وقال القاضي: إذا كانت الذات معينة والحادث معين فالعلم بحدثوها ضروري وإلا ~~فمكتسب. PageV01P091 # قيل، والحق أن العلم بحدوث ما لم يحل من المحدث على الجملة ضروري كالعلم ~~بأن كل ظلم قبيح، والعبرة بالتفصيل بالمقدمات، فإن كان علمنا بحدوث الأعراض ~~ضرورة، وأن الجسم لا يخلو منها ضرورة فالعلم بحدثوها ضروري، وإن كان ~~الأولان اكتسابيين فالثالث اكتسابي، وهذا حسن إن ثبت أن الدعوى الرابعة غير ~~الثالثة. # الجهة الثالثة: زعم ابن الراوندي والفلاسفة أن الجسم قديم، ولم يخل من ~~الأعراض المحدثة لكنها تحدث فيه حادثا قبل حادث، إلى ما لا أول له. # ويبطله أن الجسم إذا لم يخل من المحدثات فقد صار وجوده معها أو بعدها، ~~وصار لوجوده أول كما أن لوجودها أول، ولسنا نعني بحدوثه أكثر من ذلك. # وقولهم: بحوادث لا أول لها ظاهر الفساد؛ لأنه إذا كان كل واحد من هذه ~~الحوادث له فاعل، وحق الفاعل أن يتقدم على فعله، كان في ذلك تقدمه على ~~جميعها، فلا يستقيم حصول شيء منها في ما أول له لتقدم غيرها عليها. # وبعد فحق القديم أن يتقدم على كل محدث تقدما لا أول له، فلو كان الجسم ms072 ~~قديما لكان سابقا على جميع الأعراض، فيكون قد خلا عنها حالة السبق، وقد ~~بينا أنه لا يخلو عنها. # وبعد فهذه الحوادث قد حصرها الوجود، وفي ذلك تناهيها من حيث يجوز حصول ~~زيادة فيها، ولا بد أن يكون مع تلك الزيادة أكثر منها بغير زيادة، وما كان ~~غيره أكثر منه فهو متناه. # وقولهم: آحادها محدثة وجملتها قديمة ظاهر التناقض؛ لأن الحدوث ثبت ~~لإجادها من غير شرط، فيجب ثبوته لجملتها، فهو كثبوت السواد لكل واحد من ~~الزنج لا كثبوت جواز الخطأ على كل واحد من الأمة، شبهتهم أنه قد جاز حوادث ~~لا آخر لها، فليجز حوادث لا أول لها. # والجواب: أن كونه لا آخر لها لا يخرجها عن كونها محدثة وكونها لا أول لها ~~تخرجها عن ذلك. على أن /61/ أبا الهذيل قد كان التزم امتناع حوادث لا آخر ~~لها، وقال: تتناهى حركات أهل الجنة ثم رجع عن ذلك. PageV01P092 # قالوا: إذا لم يخل الجسم من الأعراض ولم يكن عرضا، فهلا جاز أن لا يخلو ~~منها، ولا يكون محدثا. # قلنا: إنه إذا لم يخل منها فقد شاركها في حقيقة الحدوث ولم يشاركها في ~~حقيقة العرضية فلزم الأول دون الثاني، وليس العلة في كون العرض عرضا حدوثه ~~حتى يلزم مثله في الجسم. # قالوا: أليس لم يخل من الحوادث الآن ولا يكون حادثا الآن، فهلا كان كذلك ~~في ما مضى من الزمان. # قلنا: أتريدون بما مضى فيما لم يزل أو من بعد إن قلتم في ما لم يزل نقضتم ~~سؤالكم؛ لأنه ليس في ما لم يزل شيء حادث، فيقال: لم يخلو منه الجسم وإن ~~قلتم من بعد فلا فرج لكم في ذلك؛ لأنه ليس يلزم من جوازه قدم الجسم. # على أنا نلتزم أن يكون محدثا الآن لحصول حقيقة المحدث فيه الآن، وهو أنه ~~موجود لوجوده أول، وليس يلزمنا أن يتحدد له الوجود الآن؛ لأنا لم ندع أن ~~يكون حادثا كلما حدث فيه عرض، قالوا: عندكم أن القديم يسبق المحدث بما لو ~~كان هناك أوقات لكانت بلا ms073 نهاية، فقد جوزتم حوادث لا أول لها. # قلنا: ليس تقدير حوادث لا أول لها يقتضي جواز ثبوتها، ويخرجها عن كونها ~~مستحيلة كما أن تقدير قديم ثان وأنه لو كان لمانع الباري جل وعز لا يقتضي ~~صحة ذلك، والغرض لهذين التقديرين الاستدلال على أن تقدم القديم للمحدث لا ~~أول له أن التمانع جائز بين كل قادرين وإن كان المقدر مستحيلا، انتهى ~~الكلام في دليل حدوث الأجسام. # تنبيه: PageV01P093 # اعلم أنه كما يصح الاستدلال بطريقة المعاني يصح أيضا بطريقة الأحوال سواء ~~كانت بالفاعل كما يقوله أبو الحسين أو معنوية كما يقوله الجمهور؛ لأن ~~الاستدلال بالمعاني إنما هو من حيث كان لثبوتها أول، ولم يخل منها الجسم، ~~وذلك حاصل في الأحوال، بل ربما أن طريقة الأحوال أولى من حيث أنها معلومة ~~على الجملة ضرورة وأنها هي الطريقة إلى المعاني، ولأن النظر في الحقيقة ~~إنما هو في الأحوال، وقد رجح القاضي طريقة المعاني بأنه يرد على طريقة ~~الأحوال شبه لا يمكن حلها إلا بإثبات المعاني. # منها: أن يقول الخصم لمن ينفي المعاني: إذا جاز عندك الآن أن يحترك الجسم ~~يمنة دون يسرة لا لأمر، فهلا جاز في الأزل أن يكون الجسم في جهة لا لأمر. # واعترضه أبو الحسين بأنا لا نقول أنه احترك يمنة دون يسرة لا لأمر بل ~~لأمر، وهو الفاعل، وليس يمكن إثبات المعاني إلا بعد إبطال كون /62/ الصفة ~~بالفاعل. # ومنها: أن الاستدلال بالأحوال ينبني على صحة خروج الموصوف منها إلى ~~غيرها، وإنما يعلم ذلك بإثبات المعاني التي توجب لذواتها فيستحيل بقاء ~~موجبها مع زوالها والعكس. # ويمكن أن يعترض بأن المستدل بالأحوال يقول لو لم يصح خروج الموصوف عنها ~~لكانت واجبة، فتكون ذاتية، ولو كانت ذاتية لاستحال خروج الجوهر عن الجهة ~~التي هو فيها، ولوجب أن يكون في جميع الجهات؛ لأنه لا اختصاص لذاته ببعض ~~دون بعض، ولزم في جميع الجواهر مثل ذلك، وكل ذلك باطل، ولا يحتاج في إبطاله ~~إلى إثبات المعاني. # قال ابن الملاحمي: وما ذكره القاضي رحمه الله تعالى دور ms074 لأنه جعل العلم ~~باستحالة أن تكون هذه الصفة ذاتية متوقفا على العلم بإثبات المعاني، ومعلوم ~~أن المعاني إنما تثبت بعد بطلان كونها ذاتية. # فصل في شبه القائلين بقدم الأجسام PageV01P094 اعلم أولا أن الشبهة هي ما التبس بالدليل، وليس بالدليل، وهي ضربان، ضرب ~~يقدح بأن يرد على أركان الدليل فيكون العلم بحله من فروض الأعيان، ولسنا ~~نشترط في العلم بحله أن يعلم كيفية التعيين عن حل الشبهة. # وضرب لا يقدح بأن يرد على المذهب فيكون العلم بحله من فروض الكفاية، وشبه ~~هؤلاء كلها من هذا الضرب، فلا يقدح الجهل بحلها في العلم. قالوا: لو كان ~~العالم محدثا لكان، فاعله قد حصل فاعلا بعد إن لم يكن فلا بد من أمر، وذلك ~~الأمر يحدث، والكلام فيه كالكلام في العلم، فيتسلسل. # قلنا: ليس للفاعل بكونه فاعلا حال حتى يجب تعليلها، وإلا لزم مثله في كون ~~أحدنا فاعلا، والحوادث اليومية، على أنا نقول ذلك الأمر هو كونه قادرا أو ~~الداعي، وكلاهما غير محدث في حق صانع العالم. # قالوا: لو كان العالم محدثا لكان الله غير عالم بوجوده في ما لم يزل، ثم ~~حصل عالما بعد إن لم يكن، وفي ذلك تغيره. # قلنا: العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد، ثم يقال لهم: أتريدون ~~أن في ذلك تغير ذاته بمعنى أنها صارت غير ما كانت، فهو لا يلزم، وإلا لزم ~~مثله في كون أحدنا عالما بعد إن لم يكن أو يريدون بغير صفته بمعنى أنها ~~كانت متعلقة بأنه سيوجد، ثم تعلقت بوجوده، فصحيح، لكننا لا نسميه تغيرا. # قالوا: استحال وجوده في ما لم يزل لم يخل وجه الاستحالة، إما أن يرجع إلى ~~القادر أو إلى المقدور أو إليهما وكله ثابت في كل حال، فيلزم استمرار ~~الاستحالة. PageV01P095 # قلنا: يجوز أن يكون هذا الحكم مما لا يعلل لكون الاستحالة نفيا أو لغير ذلك ~~من الوجوه المانعة من التعليل كالحلول وغيره، ويجوز /63/ أن يكون لهذه ~~الاستحالة وجه لا يعلم، وليس الجهل بوجه الشيء يقدح في العلم به ms075 إذا ثبت ~~بدليل، ثم نقول وجهها يرجع إلى القادر والمقدور، وهو وجوب تقدم القادر ~~وتأخر المقدور من حيث يؤثر على جهة الصحة، وإلا لم يكن قادرا ولا المقدور ~~مقدورا، وليس كذلك إذا وجد العالم بغير عدم؛ لأن المحيل حينئذ زائل، ثم ~~يعارضهم بما يعترفون بحدوثه كالحوادث اليومية، قالوا: لو كان محدثا لكان لا ~~بد أن يتقدم عليه محدثه بزمان لاستحالة التقدم لا بزمان، وذلك الزمان إما ~~قديم فيلزم قدم العالم لأن المرجع بالزمان إلى حركات الأفلاك، ولأن ما وجد ~~في الزمان القديم فهو قديم، وأما محدث فيعود السؤال في محدثه فيتسلسل. # قلنا: ليس من ضرورة المتقدم أن يتقدم بزمان، ودليله: تقدم الليل على ~~النهار والشهر على الشهر، وأما القديم فتقدمه على المحدث بما لو كان زمان ~~لكان بلا أول. # ثم يقلب عليهم السؤال في الحوادث اليومية. قالوا: الباري تعالى جواد لم ~~يزل؛ لأن في خلاف ذلك نقضه، وكونه بخيلا. # قلنا: لا نسلم كونه تعالى جوادا، لم يزل بهذا المعنى، ولا أن يحدد هذا ~~الوصف نقص؛ لأن ذلك من صفات الأفعال، فهو كقولنا: رازق ومحسن، وكذلك ليحل ~~المرجع به إلى أنه إحلال مخصوص بواجب مخصوص، فلا يطلق عليه تعالى بحال. # قالوا: إذا وجد العالم في وقت صح أن يتوهم وجوده قبل ذلك الوقت بوقت، ~~وقبل الوقت بوقت، ولهم جرا إلى ما لا أول له. # قلنا: هذا هو محل النزاع، فما الدليل عليه، وهو أيضا مبني على وجود ~~الأوقات في ما لم يزل ولم يسلمه. # ثم يقال: إذا رأينا دارا مبنية وشخصا قاعدا على سرير أن يكون كونهما كذلك ~~لم يزل؛ لأنه لا وقت يسار إليه إلا ويصح أن يتوهم كونهما كذلك قبله، فإن ~~أجازوه كابروا وإن منعوه نقضوا شبهتهم. PageV01P096 # قالوا: يستحيل وجود شيء لا من شيء، وهذا يقتضي قدم الهيولى. # قلنا: أتريدون يستحيل وجود شيء لا من فاعل مختار فصحيح، لكن فيه حدوث ~~الهيولى، وقدم الباري تعالى أو تريدون يستحيل وجود شيء لا من شيء موجب فمحل ~~النزاع. # قالوا: إنما أثر ms076 الله تعالى في العالم لكونه قادرا، وهو حاصل لم يزل، ~~فيجب قدم العالم لحصول المؤثر فيه لم يزل. # قلنا: فأما كونه قادرا على جهة الصحة، فيجب تقدمها. قالوا: لو احتاج ~~العالم في ثبوته إلى الصانع ومعلوم أنه لولا العالم لما ثبت الصانع، لأدى ~~إلى التوقف لاحتياج كل واحد إلى الآخر. # قلنا: العالم يحتاج إلى الصانع في وجوده، والصانع يحتاج إليه في العلم ~~به، فاختلف وجه الحالة، فلا توقف، ونظيره احتياج كل واحد من العلة والمعلول ~~/64/ إلى صاحبه، واحتياج كل واحدة من الجناتين إلى الآخر. # قالوا: لو كان للعالم صانع قديم لكان إنما يفعله لداعي حكمه، وهو علمه ~~بحسنه، وحصول نفع الغير فيه، وذلك الداعي حاصل لم يزل، فيجب حصول العالم ~~فيما لم يزل. # قلنا: الداعي إنما يدعو إلى ما يصح، ووجود العالم في الأزل يستحيل، فلا ~~يدعو إليه الداعي. # وتحقيقه أنه لا يكفي العلم بحسن الشيء، وحصول يقع للغير فيه، أو لنفسه في ~~كونه داعيا، بل لأنه من أن يعلم أو يعتقد إمكانه، وكونه مقدورا، ولهذا لا ~~يقال دعا أحدنا الداعي إلى أن يفعل لنفسه أو لغيره مالا وتبين لما كان ~~مستحيلا من جهته، وإن دعاه إلى أن يوجد من جهة الله تعالى لعلمه أو اعتقاده ~~صحة ذلك منه تعالى، فحصل من هذا أن علم الباري تعالى بحسن الفعل لا يوصف ~~بأنه داع إليه إلا في حال إمكانه، ومتى انتهى إلى تلك الحال فإنما يفعل ~~فعلا دون فعل، وقدرا دون ما زاد عليه، وفي وقت دون وقت؛ لأن هذا سبيل داعي ~~الحكمة، ألا ترى أن أحدنا يتصدق بدرهم دون درهم وعلى فقير دون فقير، وفي ~~وقت دون وقت، فلا يقال هلا وجدت هذه الموجودات أو أكثر منها دفعة واحدة في ~~أول أحوال الإمكان. # فصل PageV01P097 وأما الركن الثاني وهو أن المحدث لا بد له من محدث، فقد اتفق العقلاء على ~~أنه لا بد من أمر. # قيل: والعلم بذلك ضروري، ونحن نستدل استظهارا فنقول: المحدث إما أن يحدث ~~مع الوجوب أو مع ms077 الجواز أو في كليهما يلزم حصوله، لم يزل دفعة واحدة، أو أن ~~لا يحصل أبدا إذ ليس بأن يجب أو يجوز في حال أولى من حال، ولا بأن يجب أو ~~يجوز أولى من أن لا يجب ولا يجوز لو لا ثبوت أمر لأجله كان الحدوث أولى من ~~العدم، والحدوث في حال أولى من حال. # دليل، قد وجد في المحدثات ما فيه إحكام عظيم، وصنعة باهرة وإتقان عجيب، ~~فلو كان ذلك لا من مؤثر أو من موجب لصح أن يجتمع الواح في البحر ويتركب ~~منها سفينة محكمة من دون صانع أو تطيع لتك الألواح. # دليل: قد ثبت أن لنا أفعالا وأنها محدثة، وأنها محتاجة إلينا، وإنما ~~احتاجت إلينا لحدوثها، والأجسام قد شاركتها في الحدوث، فيجب أن تشاركها في ~~الاحتياج إلى محدث. # وهذه خمسة أصول، أما الأولان فيقدما في الدعوتين الأولتين، وأما الثالث ~~فمعنى حاجتها إلينا أنه لولا نحن لما وجدت، وأن لا حول لنا فيها، تأثيرا من ~~كوننا قادرين ومريدين ونحوهما. # دليله أنها توجد بحسب قصودنا ودواعينا، وينبغي بحسب كراهتنا وصوارفنا ~~تحقيقا أو تقديرا مع سلامة الحال، ويتعلق بها المدح والذم، وليس كذلك أفعال ~~غيرنا كالجواهر والألوان، وحركات غيرنا وكلامه ونحو ذلك. # وأما أنها إنما احتاجت /65/ إلينا لحدوثها فلأن الذي يقف على أحوالنا هو ~~حدوثها أو حدوثها على وجه، ولأنها إما أن تحتاج إلينا لأجل عدمها، وهو ظاهر ~~البطلان؛ لأنها معدومة قبل أن يكون لنا فيها تأثيرا، ولأجل بقائها، وهو ~~باطل أيضا، لأن كثيرا منها لا يبقى، وإن اخترنا بقاه وكثيرا يبقى، وإن ~~اخترنا زواله ولأنه كان يلزم إذا مات الكاتب والباني أن تزول الكتابة ~~والبناء لفقد ما يحتاجان إليه أو لأجل حدوثها، وهو المطلوب. PageV01P098 # فإن قيل: إن حالة الحدوث هي حالة الاستغناء عن المحدث، فكيف يجعل علة في ~~الاحتياج إليه. # قلنا: إنها علة كاشفة بمعنى أن الحدوث كشف عن الاحتياج إلى محدث، فهو ~~كجعل صحة الفعل علة في كونه قادرا. # فإن قال: هلا كانت العلة في الاحتياج هو الحدوث مع ms078 الجواز، وإذا حدث مع ~~الوجوب لم يحتج. # قلنا: بالحدوث فقط يعلم الاحتياج إلى محدث، ولا يعتبر قيدا آخر كما أن ~~يكون الفعل ظلما بعلم قبحه ولا يعتبر حصوله مع الجواز ولا غير ذلك من ~~القيود. # وأما أن الأجسام قد شاركتها في الحدوث فتقدم. # وأما أنه يجب أن يكون لها محدث فلأن الاشتراك في علة حكم يقتضي الاشتراك ~~في الحكم وإلا بطل كونها علة. # وهاهنا أصل، وهي أفعالنا وفرع، وهي أفعال القديم جل وعز، وعلة، وهي ~~الحدوث، وحكم، وهو الاحتياج إلى المحدث. وهذه طريقة من أربع طرق يجمع بها ~~بين الشاهد والغايب، ويسمى علة الحكم لمشابهتها العلة الحقيقية في حصول ~~الحكم عندها لا محالة. # والثانية: طريقة الحكم كاستدلالنا على أن الله تعالى قادر بصحة الفعل منه ~~وتعذره على غيره. # فإن هذه الطريقة التي علمنا بها كون القادر قادرا في الشاهد وإن لم يسم ~~علة، وإن حصل الشبه المتقدم لئلا يوهم أن صحة الفعل هي المؤثرة في كونه ~~قادرا والأمر بالعكس. # والثالثة: ما يجري مجرى العلة كاستدلالنا على كونه تعالى مريدا باختلاف ~~وجوه أفعاله، فإن ذلك هو الدليل على كون المريد مريدا في الشاهد، وإنما لم ~~يسم علة لمثل ما تقدم، ولا سميت طريقة، لأنها لا تطرد دلالتها إلا في من ~~تثبت حكمته، ألا ترى أن أحدنا يوجد كلامه في صورة الأمر وهو لا يريد ~~المأمور لعارض من العوارض. PageV01P099 # والرابعة: طريقه الأولى كاستدلالنا على أنه تعالى لا يفعل القبيح بكونه ~~عالما بقبح القبيح، وغنيا عن فعله وعالما عن استغنائه عنه، فإن هذه الأوصاف ~~تمنع من فعل القبيح في الشاهد، وإن كان الشاهد عالما بعلم غبيا بشيء عن ~~شيء، فأولى وأحرى في حق من يستحقها لذاته، ولهذا سمعت طريقه الأولى. # واعلم أنه قد يطلق على الكل علة الحكم لحصول الشبه المتقدم، ولا مضايقة ~~في العبادات إذا فهم المعنى، وهذه الطرق عليها مدار كثير من أصول /66/ ~~الدين، وقد قدح فيها أهل الإلحاد على ما تقدم، وبايعهم من أهل الإسلام ~~المجبرة وغيرهم ممن أحسن الظن ms079 بهم، ولم يفهم ما أرادوا به، فالله المستعان. # فصل # وأما الركن الثالث وهو أن محدثها ليس إلا الفاعل المختار جل وعز، فقد ~~خالف فيه من تقدم ذكره من الفلاسفة القائلين بالعقول والأنفس والباطنية ~~القائلين بالسابق والتالي، وأهل الطبع وأصحاب النجوم. # لنا أنها إما (1) أحدثت نفسها أو غيرها، والأول باطل لأنها حالة العدم ~~يستحيل أن تقدر فصلا عن أن تؤثر في نفسها وحالة الوجود يستغني عن المؤثر، ~~وأن أحدثها غيرها فهو إما مختار كما يقول أو موجب، وهو باطل؛ لأن ذلك ~~الموجب إن كان محدثا عاد الكلام فيه وفي محدثه حتى ينتهي إلى المختار، وإن ~~كان قديما أو معدوما لزم حصول الأجسام لم يزل لاستحالة تأخر المعلول عن ~~العلة، ولزم أن يحصل دفعة واحدة، بل في كل الجهات؛ لأنه لا يخصصها بوقت دن ~~وقت وجهة دون جهة، إلا المختار ولزم أن يكون بصفة واحدة؛ لأنه ليس بعضها ~~بأن يوجب كون الماء ماء والطين طينا أولى من العكس، ولا بأن يوجب كون الماء ~~طينا والطين يابسا أولى من العكس. PageV01P100 # فإن قال: إنما لم يوجد في الأزل لحصول مانع أو فقد شرط، قيل له: ذلك المانع ~~إن كان محدثا عاد الكلام في كون محدثه مختارا أو موجبا، وإن كان قديما ~~استحال عليه الزوال، فلا يوجد العالم أبدا لاستمرار المانع، ولو سلمنا ~~زواله لكان إنما يزول بمزيل، وذلك المزيل إما موجب أو مختار، وكذلك الكلام ~~في فقد الشرط؛ لأن الشرط إن كان واجبا فقده استحال وجوده فلا يوجد العالم ~~قط، وإن كان جائزا فقده وجائزا حصوله لم يكن بالحصول أولى من الزوال، ولا ~~بالحصول في وقت أولى من وقت إلا لأمر إما موجب ومختار القسمة بعينها. # وأما الفلاسفة فيقال لهم: أي شيء العقول والنفوس، وما الدليل على ثبوتها، ~~وإذا كانت قديمة لم تكن البعض بأن يؤثر في البعض أولى من العكس، ولم كان ~~البعض بان يكون عقلا والآخر نفسا أولى من العكس، ولم اقتصرتم على عشرة عقول ~~مع حصول جهة التكثير في العاشر، ولم ms080 كان العقل العاشر هو الفعال والمدبر ~~لعالم الكون والفساد، ولم كانت النفوس حية، ولم كان بان يجعل الماء ماء ~~والطين طينا أولى من العكس، ولم كان بأن يجعل بعض الأجسام حيا والآخر جمادا ~~أولى من العكس؟ وما الدليل على ان الأفلاك حية وأن لها نفوسا؟. وبقريب من ~~هذا الكلام يبطل قول الباطنية PageV01P101 وأما الطبائعية فيبطل قولهم أن /67/ الطبع غير معقول، وبعد فهو إما موجود ~~أو معدوم، والموجود إما قديم أو محدث، القسمة الأولى بعينها وكله باطل. ~~وبعد فالطبع شيء واحد، فما الأمر الذي اقتضى وقوع الأشياء على هذا الترتيب ~~البديع والحكمة الباهرة ووقوعها بحسب المصالح كل وقت، وأما أصحاب النجوم ~~فيبطل قولهم أنها غير حية لكثرة حرارتها ولاستمرار حركاتها على وتيرة ~~واحدة؛ لأنها لا تدرك، والفعل لا يصح إلا من حي، ولأنها أجسام فلا يصح منها ~~فعل الأجسام ولأنها كانت لا تفعل إلا باعتماد أو مماسسة ونحن نعلم بحدوث ~~أشياء فينا ولا نحس باعتماد معتمد علينا أو لأنها إن كانت قديمة، لزم قدم ~~العالم، وإن كانت محدثة نقلنا الكلام إلى محدثها. PageV01P102 ### || AUTO الكلام في الصفات والأحكام # الصفة في اللغة، هي قول الواصف كقولك: فلان كريم. وفي العرف ما أفاده، ~~قول الواصف كالكرم مثلا. # وفي الاصطلاح: بالمعنى العام، كل مزية للذات تعلم لا بانفرادها، وقد دخل ~~الحكم في ذلك، وبالمعنى الخاص كل مزية للذات راجعة إلى الإثبات، نعلم الذات ~~عليها لا باعتبار غير ولا ما يجري مجراه. # وقولنا: راجعه إلى الإثبات يخرج ما يرجع إلى النفي كنفي التجسيم والحاجة ~~والروية والجهل وغيره، فإنها إنما تكون صفات بالمعنى العام. # وقلنا: نعلم الذات عليها؛ لأن الصفة لا تستقل بالمعلومية، وبهذا تفارق ~~الذات. وقلنا: لا باعتبار غير، ولا ما يجري مجراه لينفصل عن الحكم. # والحكم في اللغة: هو المنع، ومنه سمى اللجام حكمه لمنعه من الذهاب، وسميت ~~الحكمة حكمه لمنعها من القبيح، وفي العرف هو الإلزام، يقال: حكم القاضي أي ~~ألزم، وفي اصطلاح الفقهاء هو ما يتصف به الأفعال من وجوب وقبح وندب ونحو ms081 ذلك. PageV01P103 # وفي اصطلاح المتكلمين: بالمعنى العام كالصفة بالمعنى العام سواء وبالمعنى ~~الخاص كالصفة بالمعنى الخاص، إلا في اعتبار الغير أو ما يجري مجراه، فإن ~~الحكم لا يعلم الذات عليه إلا باعتبار غير او ما يجري مجراه، والذي يعلم ~~بين غيرين أو ذاتين كالمماثلة والمخالفة ونحو ذلك، والذي يعلم بين غير وما ~~يجري مجراه أي بين ذات وصفة كصحة وجود الشيء في نفسه يعلم بين ذات الشيء ~~وبين كونه موجودا، وكذلك صحة الفعل من القادر يعلم بين ذات ذلك الفعل وبين ~~صفة القادر. # فصل # والصفة ضربان: # واجبة، وهي التي يستحيل خلافها عند إمكانها على التعيين /68/. # وجائزة، وهي التي ليست كذلك، وقلنا على التعيين احترازا من الكائنية، ~~فإنه يستحيل خلافها عند إمكانها، لكن لا على التعيين أي لا يجب كائنية ~~معينة، بل ما من كائنية إلا ويجوز خروجه عنها إلى خلافها، وإن كان لا يخرج ~~إلا إلى كائنية أخرى بخلاف الواجبة كالجوهرية والتحيز، فإنها لا تتبدل لحال. # والواجبة ضربان: # ذاتية، وهي التي تجب للذات على التعيين لا لاختصاصها بصفة أخرى كالجوهرية ~~ومقتضاه، وهي التي يجب للذات على التعيين لاختصاصها بصفة أخرى كالتحيز ~~فإنها تجب للجوهر لاختصاصه بالجوهرية بشرط الوجود. # وقلنا: على التعيين احترازا من الكائنية أيضا فإنها تجب للجوهر لاختصاصه ~~بصفة أخرى، وهي التحيز، لكن لا على التعيين. # والجائزة ضربان: # معنوية، وهي كل صفة زائدة على الوجود يثبت لمؤثر على سبيل الإيجاب. # وقلنا: زائدة على الوجود احترازا من وجود المسبب، فإنها صفة تثبت لمؤثر ~~على سبيل الإيجاب، وهو السبب، وليست معنوية، وبالفاعل، وهي كل صفة تفتقر ~~إلى مؤثر على سبيل الصحة، والاختيار. # فصل # والأحكام ثلاثة: مقتضى ومعنوي وبالفاعل ولا ذاتي في الأحكام. # فالمقتضى كأحكام التحيز من نحو احتماله لعرض وصحة إدراكه بحاستين وشغله ~~للجهة ونحو صحة الفعل وما شأنه هذا من الأحكام المقتضاة التي يستدل بها على ~~مقتضياتها. PageV01P104 # والمعنوي: كسكون النفس، فإنه يثبت لمعنى وهو العلم. # والذي بالفاعل نحو كون الكل كفر خبرا أو أمرا، وكون الفعل ظلما ونحو ذلك ~~من وجوه ms082 الأفعال. والذي يدل على أنه لا ذاتي في الأحكام وجهان: # أحدهما: أن الذاتي هو الذي يدخل به الشيء في صحة كونه معلوما، وقد ثبت أن ~~الحكم لا يعلم إلا بين غيرين أو غير وما يجري مجراه، فلو كان ذاتيا لاقتضى ~~كون الغيرين معلوما واحدا؛ لأنه لو اقتضى كون كل واحد منهما معلوما على ~~انفراده لم يخل إما أن يصح العلم بأحدهما دون الآخر، وهذا يبطل كون المصحح ~~لكونه معلوما حكما، وإما أن لا يصح العلم بأحدهما دون الآخر وذلك يبطل ~~كونهما معلومين وغيرين، ويصيرهما معلوما واحدا؛ لأنه لم يختص أحدهما إلا ~~بما اختص به صاحبه، وهو هذا الحكم المصحح لكونهما معلومين، وما عدا ذلك من ~~الذاتيات تابع له. هذا ما ذكره الشيخ الحسن رحمه الله تعالى في كتاب ~~الكنفية. # ولقائل أن يقول: إن الحكم إنما يكون ذاتيا لذات واحدة لا لذاتين جميعا، ~~وبه تدخل تلك الذات فقط في صحة كونها معلومة، وإنما /69/ يعتبر الغير أو ما ~~يجري مجراه في العلم بالحكم أي لا يعلم الذات على حكمها الذاتي إلا باعتبار ~~غيرا وما يجري مجراه، وذلك لأمر يرجع إلى الحكم، والعلم به لا إلى تصحيحه ~~لما يصححه ولا إلى كونه ذاتيا، وبعد فهب أن به يدخلان جميعا في صحة كونهما ~~معلومين، فما المانع من أن يصح كل واحد منهما معلوما على انفراده، ولكن لا ~~يعلم أحدهما دون الآخر لأمر يرجع إلى شأنه كاشف عنهما جميعا أو أنهما ~~معتبران في العلم به، فإذا كشف عن أحدهما فقد كشف عن الآخر كالدليل إذا دل ~~على أمرين مختلفين، فإنه إذا علم أحدهما علم الآخر لاتحاد طريقتهما لا ~~لاتحاد ذاتيهما. PageV01P105 # وبالجملة فبينهما تلازم يرجع إلى ما هية الحكم ودلالته، وليس إذا تلازم ~~العلم بأمرين لزم كونهما أمرا واحدا، يوضحه أن العلم بالمتحيز يلازم العلم ~~بالكون على الجملة، ولم يجب أن يكون المتحيز والكون شيئا واحدا، وكذلك ~~العلم بأحد المتضايفين يلازم العلم بالآخر كالعلم بكون زيدا أبا يلازم ~~العلم بأن له ابنا، ومثله المالك والمملوك، والوديعة ms083 والوديع ونحو ذلك مما ~~لا يدل تلازم العلم به على اتحاده، يزيده وضوحا أن أحدنا لا يصح أن يعلم ~~الذات إلا على صفتها الذاتية ومعلوم ان العلم بالصفة تبع للعلم بالذات، فلم ~~يدل تلازم العلم بالذات والعلم بصفتها على أنهما معلوم واحدة. # وقوله رحمه الله تعالى في آخر هذا الوجه: لأنه لم يختص أحدهما إلا بما ~~اختص به الآخر، وهو هذا الحكم وما عداه من الذاتيات تبع له غير مسلم، بل ~~لكل واحد من الغيرين ذاتية في حكم المغايرة لذاتية الآخر، فتكون هي الأصل، ~~وفي تصحيحها لكونه معلوما وفي مماثلة مماثله وفي مخالفة مخالفه، وإنما كانت ~~هي الأصل في جميع ذلك؛ لأن الذات تعلم عليها من دون اعتبار غير ولا ما يجري ~~مجراه، ولهذا لو لم يخلق الله إلا ذاتا واحدة لصح العلم بها، وإن لم يوجد ~~هذا الحكم المذكور، فصح أنها أخص من الحكم، وإن كانا ذاتيين كما أن التحيز ~~أخص من صحة كون الجوهر معلوما وإن كانا مقتضيين. # الوجه الثاني: ذكره أيضا في الكيفية وهو أن الذاتي ما به يماثل الشيء ~~مماثلة ويخالف مخالفة فلو كان الحكم ذاتيا لم يخل إما أن يقتضي تماثل ~~الغيرين أو اختلافهما أو لا يقتضي تماثلهما ولا اختلافهما. # والأول باطل؛ لأن من حق التماثل أن يثبت لأحد الذاتيين مثل ما يثبت ~~للأخرى، وهاهنا الثابت للآخرى هو بعينه الثابت للأخرى. # والثاني: باطل أولى وأحرى؛ لأن من حق الاختلاف أن لا يختص أحدهما بمثل ما ~~اختص به الآخر ولا بما يماثله. PageV01P106 # والثالث: باطل؛ لأنه إذا لم يقتض تماثلهما ولا اختلافهما خرجا عن أن يكونا ~~مثلين ومختلفين وهو محال؛ لأنهما ذاتان، ومن حكم كل ذاتين التماثل أو ~~الاختلاف، فإذا لم يتماثلا ولم يختلفا خرجا عن كونهما ذاتين. # ولقائل أن يقول: إن الذي يقتضي التماثل والاختلاف /70/ هو أخص الذاتيات ~~وهاهنا ما هو أخص من هذا الحكم وهو الصفات الذاتية، فلا يقتضي هذا الحكم ~~تماثلا ولا اختلافا، وليس إذا لم يقتضي التماثل ولا الاختلاف لزم أن لا ~~يكونا ms084 مثلين، ولا مختلفين لحصول أمر سوى الحكم، هو أحق باقتضاء التماثل ~~والاختلاف، وهو الصفات الذاتية، وبعد، فقد تقدم في الأشكال على الوجه الأول ~~أنه إنما يكون ذاتيا لأحدهما، فلا جزم أن تقتضى مماثلتهما للذات التي يحصل ~~لها مثله، فلا يستقيم قوله أن الذي يثبت لأحد الذاتين هو الذي يثبت للآخر. # يوضحه أن صحة احتمال الجوهر للعرض حكم يعلم بين غيرين وهما ذات المتحيز ~~وذات العرض أو بين المتحيز وكونه متحيزا، ومع ذلك فإنما هو مقتضى عن أحد ~~الأمرين، وهو التحيز، فكذلك يعلم الحكم الذاتي بين غيرين، وإن كان ذاتيا ~~لأحدهما، وهذا الكلام كله إذا كان الأمر أن اللذان يعلم بينهما الحكم غيرين ~~حقيقيين فأما إذا كانا ذاتا وصفة فالأشكال أظهر في أنه لا يقتضي كونهما ~~معلوما واحدا، وأنه لا يقتضي تماثلا ولا اختلافا؛ لأن الصفة لا تعلم على ~~انفرادها سواء كان الحكم ذاتيا أم لا، وكذلك لا يثبت فيهما مماثلة ولا ~~مخالفة. # فصل PageV01P107 قد عرفت بما سلف أن الصفات أربع، ذاتية ومقتضاة ومعنوية وبالفاعل، وأن ~~الذوات ثلاث الباري جل وعز، والجسم والعرض إذا ثبت هذا فاعلم أن الجسم ~~يستحق هذه الصفات الأربع فالذاتية له هي الجوهرية والمقتضاة هي التحيز ~~وكونه مدركا في حق الأحياء والمعنوية هي الكائنية والقادرية ونحوهما، والتي ~~بالفاعل هي الوجود والعرض يستحق ثلاثا ذاتية، وهي التي بها تماثل مماثلة ~~وتخالف مخالفة كالسوادية مثلا ومقتضاه، وهي التي بها يوجب موجبه ويتعلق ~~بمتعلقه ويضاد ضده كالهيئة مثلا وبالفاعل، وهي الوجود، ولا يستحق معنوية؛ ~~لأنه معنى فلا يختص به معنى والباري جل وعز يستحق ثلاثا ذاتية، وهي الصفة ~~الأخص، ومقتضاه، وهي القادرية والعالمية ونحوهما ومعنوية، وهي كونه مريدا ~~أو كارها، ولا يستحق صفة بالفاعل؛ لأن الفاعل لا يفعل للذات صفة من دون ~~واسطة إلا إذا فعل تلك الذات والباري تعالى قديم لا فاعل له. وليستدل على ~~ثبوت هذه الصفات لهذه الذوات على التفصيل، فإنه قد خالف فيه شيخنا أبو ~~الحسين، ولنبدأ بصفات المحدثات؛ لأن عليها يترتب العلم بصفات القديم تعالى. ms085 # فصل # والذي يدل على أن للجوهر بكونه جوهرا حال وجوه ثلاثة: # الأول: أن الجوهر يماثل الجوهر ويخالف السواد والمماثلة والمخالفة لا تصح ~~إلا بصفة ذاتية /71/ وسيأتي تحقيقه في الاستدلال على أن الجوهرية ثابتة في ~~حال العدم. # والوجه الثاني: أن الجوهر والسواد قد اشتركا في كونهما ذاتين، واختلفا في ~~كون أحدهما جوهر والآخر سواد أو ما به الاشتراك غير ما به الامتياز. # واعترضه أصحاب أبي الحسين بأنهما اشتركا في أمر جلي، وهو صحة كونهما ~~معلومين على انفرادهما، وافترقا في أنفسهما التي أضيف إليهما هذا الحكم ~~الذي هو صحة كونهما معلومين على الانفراد، وبعد فقد اشتركت الجوهرية ~~والسوادية في كونهما صفتين، ثم افترقا في كون أحدهما جوهرية والأخرى ~~سوادية، ولم يلزم من ذلك تعليل هذه المفارقة بأمر زائد على مجردهما. PageV01P108 # والجواب: قولهم افترقا في أنفسهما لا يصح لوجهين: أحدهما أن أنفسهما تصح ~~كونها معلومة على الانفراد وكون أحدهما جوهرا والآخر سوادا لا يعلم على ~~انفراده بل يعلم تبعا لذاتهما، فدل على أنه زائد عليهما. # الثاني: أنه قد يعقل ذات الجوهر والسواد من لا يعقل كونه جوهرا ولا سوادا. # وأما المعارضة بالصفتين وافتراقهما بعد الاشتراك فقد قال الشيوخ فيه أن ~~افتراقهما في مجردهما كان قبل اشتراكهما في كونهما صفتين؛ لأن كون الصفة ~~صفة هو من توابع مجردها ولواحقه، وإذا كان الافتراق قبل الاشتراك لم يجب ~~تعليله بخلاف اشتراك السواد والجوهر في كونهما ذاتين فإنه حاصل قبل ~~افتراقهما بدليل أنه لا يعقل إلا تبعا، والمراد قبلية الذهن لا قبلية ~~الزمان. # الوجه الثالث: إن علمنا بكون الجوهر جوهر إما أن يتعلق بمجرد ذاته أو ~~بمعنى غيرها أو بحكم لها أو بكيفية صفة أو بصفة على ما نقوله لا يجوز أن ~~يتعلق بمجرد الذات؛ لأنا قد نعلمه ذاتا ولا نعلمه جوهرا، ولا أن يتعلق ~~بمعنى؛ لأن كونه جوهرا واجب، ولأن ذلك المعنى لا يختص به إلا بأن يحله ولا ~~يحله إلا بعد أن يتحيز ولا يتحيز إلا بعد كونه جوهرا ولا أن يتعلق بحكم؛ ~~لأنا نعلم ms086 المفارقة بين الجوهر وغيره من دون اعتبار غير أو لا ما يجري ~~مجراه ولا أن يتعلق بكيفية صفة، لأن كيفية الصفة تابعة للصفة كالحدوث ~~والقدم، فإنهما يتبعان الوجود وبقي أن يتعلق بصفة وهو المطلوب. # وربما يورد أصحابنا هذا الوجه على غير هذه العبارة فيقولون: لو أخبرنا ~~الصادق بوجود ذات، وإنا نعلم غير الذات ونعلم وجودها ثم أخبرنا أنها جوهر ~~فإنا نعلم ثابتا غير ما علمناه أولا، ولا بد أن يكون ذلك الأمر الزائد صفة ~~للذات وهي الجوهرية. واعترضه أصحاب أبي الحسين بأن الذي تعلق به علمنا أولا ~~هو أنه ذات يصح العلم بها على انفرادها، ثم تعلق علمنا ثانيا بتلك الذات ~~على التفصيل، وهو أنها ذات /72/ تخالف السواد مثلا. PageV01P109 # قالوا: ومعنى مخالفتها للسواد أنها شيء يدرك بحاستين، ويشغل الجهة والسواد ~~هيئة تجمع الشعاع. # والجواب: أنه ما لم يكن كونه جوهرا أو كونه سوادا أمرا زائدا على ذاته لا ~~يكون علمنا قد تعلق ثانيا بأزيد مما تعلق به أولا، وخلاف ذلك ومعلوم. # قال أصحابنا: وقولهم إنه تعلق أولا بكونها ذاتا يصح العلم بها على ~~انفرادها غير صحيح؛ لأن كونها ذاتا موجودة ليس هو صحة العلم بها على ~~انفرادها، بل صحة العلم بها على انفرادها حكم كاشف عن كونها ذاتا، وتابع له ~~لا أنه هو وكونها ذاتا موجودة، ليس هو كونها ذاتا اتفاقا. # أما عندنا فلأنها صفة زائدة على الذات. وأما عندهم فلأن الوجود هو عين ~~الذات وعين الذات ليس هو كونها ذاتا بل كونها ذاتا حكم للذات عندهم ومضاف إليها. PageV01P110 # وحاصل الكلام: إن كونها ذاتا ووجودها وصحة العلم بها على الانفراد قد ~~علمناه بالخبر الأول، فلا بد أن نعلم بالخبر الثاني أمرا زائدا على ذلك ~~وقولهم إن علمنا ثانيا تعلق بأنها ذات يخالف السواد غير صحيح؛ لأن المخالفة ~~لا تعلم إلا باعتبار المخالف، ونحن نعلمه جوهرا، وإن لم نعلم ذاتا أخرى ~~يخالفها الجوهر من سواد ولا غيره، وأيضا فالبياض يشارك الجوهر في كونه ~~مخالفا للسواد، فكيف يكون معنى كونه جوهرا هو ms087 أنه ذات يخالف السواد، وكذلك ~~قولهم أن معنى المخالفة هو أنها ذات يصح إدركاها بحاسة، والسواد هيئة يجمع ~~الشعاع غير صحيح؛ لأن صحة إدراكه بحاستين يعتبر فيه الإدراك، والحاستين ~~وكونه مخالفا للسواد لا يعتبر فيه ذلك للسواد يعتبر فيه السواد، وصحة ~~إدراكه بحاستين لا يعتبر فيه ذلك؛ ولأن صحة إدراكه بحاستين أمر إثباتي، ~~وكونه مخالف للسواد أمر سلبي إذ المرجع به إلى أنه لا يسد مسده عندنا، ~~والمرجع به إلى أنه ليس كالسواد عندهم، وكما أن صحة إدراكه بحاستين ليس هي ~~كونه مخالفا للسواد، فليست أيضا هي كونه جوهر المثل ما تقدم؛ ولأن عندهم ~~كونه جوهرا هو نفس ذاته ومعلوم أن صحة إدراكه بحاستين ومخالفته لغيره، ونحو ~~ذلك مزايا ثابتة له ومضافة إليه وليست كونه جوهرا. يوضحه أنهم فسروا كونه ~~جوهرا بهذه الأشياء، ولم يفسروه بكونه ذاتا ولا بكونه جوهرا، وبعد فقد يعلم ~~الجوهر جوهرا من لا يعلم مخالفته لغيره، وعلى الجملة مما لم يكن كونه جوهرا ~~أو سوادا زائدا على ذاته لا يكون فرق بين علمنا أولا وبين علمنا ثانيا؛ لأن ~~العلم الأول قد تعلق بنفس الذات ووجودها، فبماذا يتعلق علمنا ثانيا لولا أن ~~هناك مزية؟ PageV01P111 # وأشف ما أوردوه في إبطال هذه المسألة /73/ ونظائرها المعارضة، فإنهم قالوا ~~قد ثبت أنه لو أخبرنا الصادق أن هذا الجسم قد اختص بصفة لعلمناها على ~~الجملة، ثم إذا أخبرنا ثانيا بان تلك الصفة جوهرية أو كائنية فإنا نعلم ~~ثانيا غير ما علمناه أولا، فيلزم أن يتعلق علمنا بصفة للصفة او مزية مطلقة. # قالوا: ومتى التزمتم حصول مزية نقلنا الكلام إلهيا في صحة الإخبار عنها ~~جملة وتفصيلا حتى يلزم ما لا يتناهى من المزايا. قالوا: فإن قلتم أن كون ~~الجوهر جوهرا مما لا يعلل فلا يلزم أن يكون مفارقة الججوهرية للسواد معللة بصفة. PageV01P112 # قيل لكم: وكذلك كون الذات جوهرا ما لا يعلل، فلا يحتاج إلى صفة تكون قد ~~فارق بها السواد، وقد أجاب الشيخ الحسن رحمه الله تعالى في هذا بجواب غير ~~مقنع، وحاصله ms088 أن الذات مما يصح العلم بها على انفرادها ولا نعلم تبعا ~~لغيرها، فإذا اخترنا الصادق بوجود ذات في الجملة لم يجز أن نعلم وجودها ~~وكونها ذاتا إلا تبعا للعلم بمجردها حتى لو لم يعلم مجردها ما صح منا أن ~~نعلم وجودها ولا كونها ذاتا، فلم يكن بد من أن نعلم بخبره الثاني أمر زائد ~~عليها؛ لأنها قد علمناها، فأما الصفة فهي لا تعلم على انفرادها، وإنما نعلم ~~تبعا للذات على كل حال، فإذا أخبرنا الصادق بثبوت صفة جاز أن يكون ذلك خبرا ~~عن بعض لوازمها وتوابعها المضافة إلى الذات المختصة بها، فإن كونها صفة ~~وكونها ثابتة من لوازم مجردها وجائز أن يعلم بعض لوازم الصفة وإن لم يعلم ~~مجردها ويكون العلم الثاني متعلقا بمجردها هذا إذا كانت من الحقائق المفردة ~~التي لا يتركب من جنس وفصل كالوجود وإن كانت مما يتركب من جنس وفصل ~~كالكائنية، فإن كونها كائنية تجمع بين المتحركية والساكنية، فلا بد أن يحصل ~~بخبره الثاني في هذه الصورة غير ما حصل أولا من التوابع واللوازم ولا يلزم ~~تسلسل اللوازم والمزايا بل ينتهي ذلك إلى الحقائق المفردة، وحينئذ يكون ~~العلم الثاني علما بمجردها، ولقائل أن يقول: إن أكثر هذا الكلام لا طائل ~~فيه ولا فرح؛ لأن الدليل الذي استدللتم به على أن العلم بكونه جوهرا لا بد ~~أن يتعلق بصفة زائدة على الذات هو بعينه حاصل فيما عارضناكم به من الصفة، ~~وهو انه تعلمها صفة من لا يعلمها جوهرية ولا كائنية، فإن دل هناك على ثبوت ~~مزية دل هنا أيضا من غير فرق. PageV01P113 # وأما فرقكم بأنه يجوز أن يعلم بعض لوازم الصفة من دون العلم بعينها بخلاف ~~الذات فهو مبني على محل النزاع، فإن عند الخصم أنه يعلم عين الشيء بالخبرين ~~جميعا في الصفة وفي الذات، ولكن يعلمها بالأول جملة وبالثاني تفصيلا. على ~~أنه لا فرق بين وراء اتفاقهما فيما جعلتموه دليلا على ثبوت المزية، فيجب أن ~~يدل في الموضعين وأن يكون للمزية مزية لحصول ذلك الدليل في ms089 كل مزية تعرض. # وقولكم /74/ بتسلسل اللوازم في الحقائق المركبة حتى تنتهي إلى المفردة ~~غير مخلص من وجهين: أحدهما أن ما جعلتموه دليلا على الأمر الزائد في الذوات ~~وفي الصفات المركبة هو بعينه حاصل في الحقائق المفردة. # والثاني أنه ما من أمر يقصد إلى تحديده إلا ويمكن تركيبه من جنس وفصل إذا ~~جد جدا معنويا. يوضحه أنه ما من صفة معينة من وجود أو غيره إلا ويجمعها ~~وغيرها كونها صفة، ويكون جنسا لها ويفصلها عما عداها نوعها وقبيلها فلا وجه ~~لجعل بعض الصفات مفرة وبعضها مركبة، فيلزم حصول أمر زائد في الجميع عند ~~الخبر الثاني إذا هذا فلا يستقيم جواب الشيخ الحسن رحمه الله تعالى، إلا أن ~~يصح ما يقوله أهل المنطق من أن لوازم الأشياء ولوازم لوازمها لا يتناهى ولا ~~ينحصر من الأمور السلسة والنبوية، ولهذا بعينه عدلوا عن التحديد باللوازم ~~العرضية إلى الذاتيات، قالوا: لأن الذاتيات منحصرة، فيمكن أن نجمع في حد ~~بخلاف اللوازم، ولوازم اللوازم، فإنها لا تنحصر وتحي الوطن والوطن يلازمه ~~الملامسة والملامسة يلازمها الكون والكون يلازمه التحيز والتحيز يلازمه ~~الوجود، والوجود يلازمه الحدوث، والحدوث يلازمه المحدث، والمحدث يلازمه ~~القادرية، والقادرية يلازمها الحياة. وهلم جرا على هذا المنوال، فإن صح هذا ~~صح كلام الشيخ الحسن، وألزمنا أنه لا فرق بين الذات والصفة في أن كل خبر ~~خاص يفيد لازما من لوازم ما أفاده العام. # فصل PageV01P114 وقريب مما تقدم الاستدلال على أن للجوهر بكونه متحيزا حال وبكونه موجودا، ~~وإن كان الكلام في هذا الفصل آكد من حيث قد ثبت أن المعدوم شيء لكن ذهب أبو ~~إسحاق التصيبيني إلى أن التحيز هو الوجود. # لنا أن التحيز واجب والوجود جائز، وبعد فالجوهر يضاد الفناء بشرط الوجود ~~والتضاد مقتضى عن التحيز، فلو كان التحيز هو الوجود لكان الشيء شرطا في ~~نفسه وللزم التضاد في كل موجود، وبعد فالجوهر يدرك على التحيز، فلو كانت هي ~~الوجود لكان قد أدرك على الوجود فيلزم مثله في كل موجود لتماثل الوجود، ~~وبعد فالموجودات تشترك في ms090 الوجود ولا تشترك في التحيز. # فصل # والذي يدل على أنه له بكونه كائنا حال أنه يستحيل كونه في جهتين في حالة ~~واحدة ولا وجه لهذه الاستحالة إلا حصوله على صفتين ضدين. # وبعد، فنحن نفرق بين كونه في جهة وبين كونه في جهة أخرى، فلا بد من أمر ~~يعلل به كما سيأتي، وذلك الأمر إما أن يرجع به إلى وجود معنى هو الكون، وهو ~~باطل؛ لأن التفرقة ضرورية دون الكون، ولأن الطريق إلى الكون هو الصفة، وإما ~~إلى عدم معنى وهو باطل؛ لأن عدم المعنى مع الجهتين على سواء، فكان يلزم ~~حصوله فيهما دفعة واحدة، ولأن عدم المعنى يترتب /75/ على ثبوته، فإذا لم ~~يرجع بها إلى ثبوته فأولى إلى عدمه، وأما إلى انتفاء صفة وهو باطل؛ لأن ~~انتفائها مع الجهتين على سواء، ولأن الأمور الثابتة لا تعلل بالنفي هاهنا، ~~وأما إلى كيفية صفة هي الوجود، وهو باطل؛ لأن كيفية الصفة يتبعها، فكان ~~يلزم أن لا يحدد كونه كائنا في الجهة إلا إذا تحدد وجوده على أن الوجود صفة ~~متماثلة والكائنية تتضاد بحسب اختلاف الجهات، وإما إلى ثبوت صفة وهو ~~المطلوب. # فصل PageV01P115 ولا يثبت للذات في حالة العدم من الصفات إلا الصفة الذاتية، ودليل ثبوتها ~~في حالة العدم هو أن الجوهر يستحقها لذاته لبطلان سائر وجوه التعليل وذاته ~~ثابتة في كل حال. وبعد فقد وجب تحيز الجوهر عند الوجود واستحال عند العدم ~~فلا بد من مؤثر في التحيز، وذلك المؤثر لا يصح أن يكون فاعلا لما سيعرف ولا ~~يصح أن يكون هو الوجود؛ لأن تأثير الوجود في التحيز تأثير شرط لا تأثير ~~إجياب وإلا لزم في كل موجود أن يتحيز ، بقي أن يكون المؤثر صفة ذاتية وهي ~~إما فتجدده فيحل محل التحيز في الاحتياج إلى التعليل فلا يكون تعليل التحيز ~~بها أولى من العكس وإما مستدامه وهو المطلوب. وبعد فقد ثبت أن الذوات تماثل ~~وتختلف في حالة العدم؛ لأن بعضها إما أن يسد مسد البعض في ما يكشف عن صفتها ~~الذاتية على ms091 التفصيل أو لا، والأول هو التماثل، والثاني هو الاختلاف، والذي ~~يكشف عن الصفة الذاتية هو المقتضى عنها إلا أنه قد يكشف على التفصيل ~~كالتحيز فإنه يكشف عن ذاتية هي جوهرية فيدل الاشتراك فيه على التماثل، وقد ~~يكشف على الجملة كصفة كون الشيء معلوما، فإنه يكشف عن ذاتية مجملة لا ندري ~~أجوهرية هي أم سوادية، فلا يدل الاشتراك فيها على التماثل، إذا ثبتت ~~المماثلة والمخالفة فهي إما أن تثبت للذات بمجرد كونها ذاتا وهو محال ~~لاشتراك الذوات كلها في ذلك وإما أن يثبت لكونها ذاتا مخصوصة كما يقوله أبو ~~الحسين، وهو باطل؛ لأنا نقول له: بماذا هي مخصوصة، هل بكونها ذاتا فيلزم ~~تماثل جميع الذوات أو بأمر زائد وهو المطلوب، وهذا قد أورده أصحابنا دليلا ~~مستقلا على إثبات الجوهرية وما عارضهم به أصحاب أبي الحسين من أن معنى ~~المماثلة حاصل في الصفات وأن الجوهرية في حكم المماثلة للجوهرية الأخرى، ~~فكان يجب أن يثبت صفات أخرى للصفات، فهو غير لازم؛ لأن المماثلة الحقيقية ~~لا تثبت إلا في الذوات، ومعنى قول أصحابنا أن الصفات تجري مجر المتماثلة هو ~~أنها لو كانت ذوات لكانت PageV01P116 متماثلة، فالتماثل فيها مقدر، وليس يجب إذا علل الحكم المحقق بصفة إن تعلل ~~المقدر بذلك، وإما أن تثبت المماثلة لمعنى، وهو محال؛ لأن المعنى لا يختص ~~بالمعدوم /76/ ولأن المعنى يماثل مماثلة ولأن ما أثر فيه المعنى فهو جائز، ~~وأما إن ثبت الحكم وهو محال لأنها إنما ثبتت لأمر ذاتي وقد تقدم أنه لا ~~ذاتي في الأحكام، وأما إن تثبت بالفاعل وهو محال لأن الفاعل لا يؤثر إلا في ~~الحدوث وتوابعه، ولأن الفاعل يماثل فيحتاج إلى فاعل آخر، ولأن المخالفة ~~تثبت للباري تعالى وهو لا فاعل له، ولأن ما يؤثر فيه الفاعل جائز، ~~والمماثلة والمخالفة تثبت واجبتان وأما إن ثبت لصفة ذاتية منتظرة كما يقوله ~~أبو إسحاق بن عياش حيث أثبت التحيز ونفى الجوهرية وهو باطل؛ لأن هذه ~~الأحكام ثابتة حال العدم فلا يصح في المؤثر فيها أن يتراخى عنها. # بقي ms092 أن نثبت لصفة ذاتية ثانية حال العدم وهو المطلوب إلا أن الشيخ أبا ~~عبد الله يقول: إنها هي التحيز، وينفي الجوهرية، ويجعل أحكام التحيز من شغل ~~الجهة ونحوه مشروطا بالوجود، ويبطله أن هذه الأحكام التي هي شغل الجهة ~~ونحوه حقيقة في التحيز، وبها يتميز عن غيره فلا يصح انفصالها عنه كصحة ~~الفعل مع كونه قادرا فلا يثبت التحيز إلا حال الوجود، وفي ذلك كونه غيرا ~~للجوهرية. # فصل PageV01P117 ولا يتزايد من هذه الصفات إلا المعنوية أما الذاتية فلأنها لو تزايدت للزم ~~أن تكون الذات مماثلة لنفسها لحصولها على ما لو حصل عليه غيرها لماثلها؛ ~~ولأن إثبات صفة بكون ثبوتها كانتفائها لا يصح إذ لا طريق إليه، ولأن الصفة ~~إنما تتزايد بتزايد المؤثر فيها كالمعنوية أو بتزايد المقتضى لها أو شرط ~~الاقتضاء ككونه مدركا، والذاتية لا تستند إلى شيء يصح فيه التزايد، ولكل ~~هذه الوجوه يبطل تزايد المقتضاة الكاشفة عن الذاتية كالتحيز، ولأنه كان يصح ~~إن يعظم الجزء الواحد حتى يصير كالجبل بأن يتزايد تحيزه، ولكلها يبطل تزايد ~~الوجود، ولأنه كان يصح أن يثبت للسواد وجهان في الوجود يقابلان وجهي ~~البياض، ثم كان يصح حصوله على أحدهما، فلا ينفي البياض على الإطلاق، ولأنه ~~لو صح التزايد حال الحدوث لصح حال البقاء، وفيه اتحاد الموجود، ولأنه لو ~~كان له بالوجود صفات لصح أن يحصل على بعضها بقادر وعلى البعض الآخر بقادر ~~آخر، وفيه صحة مقدور بين قادرين، ولأن القادر لو أثر في أكثر من صفة ~~للمقدور لصح مثله في تأثير العلة، فكان يصح أن يمنع أحدنا سكنات كثيرة ~~بحركة واحدة لها وجودات كثيرة، وأما المعنوية فيصح فيها التزايد لتزايد ~~المؤثر فيها، فإذا كثرت الأكوان وجب كل واحد منها كائنية، وكذلك إذا كثرت ~~القدر ونحو ذلك مما يوجب، وكذلك يصح تزايد بعض المقتضيات لتزايد مقتضيه أو ~~لتزايد يشترط الاقتضاء ككونه مدركا يتزايد بتزايد كونه حيا، ووجود المدرك. PageV01P118 # فصل # عند الجمهور أن التحيز صفة واجبة مقتضاة عن الجوهرية؛ لأنه لا يجوز أن ~~يتحيز الجوهر لمجرد ms093 ذاته وإلا تحيز في حال العدم، فكان يصح حلول المعاني ~~فيه فيثبت فيها التضاد فلا يصح عدم الضدين، وكان يشغل الجهة فيتعذر علينا ~~التصرف في بعض الجهات بأن يكون فيها جواهر معدومه ويتعذر ملاقاة الجوهر ~~لستة أمثاله عند الوجود بأن يلاقيه من بعض جهاته جواهر معدومة، ولا يجوز أن ~~يتحيز لوجوده، وإلا لزم في كل موجود أن يتحيز لتماثل الوجود، ولا يجوز أن ~~يتحيز لحدوثه لمثل ذلك، وللزوم أن لا يتحيز حال البقاء، ولا لحدوثه على ~~وجه؛ لأنه لا وجهه يشار إليه هذه حالة بخلاف بخلاف وجوه القبح، فإنها ~~معقولة، ولا يجوز أن يتحيز لوجود معنى؛ لأن التحيز واجب والمعنوية جائزة ~~يصح أن لا يحصل بأن لا يحصل المعنى، ولأن المعنى لا يوجب له إلا بأن يختص ~~به بطريقة الحلول وذلك يقف على التحيز فكيف يقف التحيز عليه، ولأن المعنى ~~إنما يوجب لصفته المقتضاة، والكلام فيها كالكلام في التحيز، ولا يجوز أن ~~يتحيز لعدم معنى أولى وأحرى، ولأن المعنى المعدوم مع جميع الأشياء على ~~سواء، ولا يجوز أن يتحيز بالفاعل، وهذا هو الذي يشتبه الحال فيه، وهو موضع ~~الكلام في أن سائر صفات الأجناس لا يكون بالفاعلين. PageV01P119 # وخالف فيه الشيخان أبو الحسني وابن الملاحمي. لنا لو كان تحيز الجوهر ~~بالفاعل لصح أن يوجده الفاعل ولا يجعله متحيزا كما صح أن يوجد الكلام ولا ~~يجعله حيزا، فكان ينسد طريق العلم به إذ لا نعلم الجوهر إلا بالتحيز بل يصح ~~أن يجعله سوادا بدلا من تحيزه كما صح أن يجعله الكلام أمرا بدلا عن كونه ~~نهيا، فتنسد طريق العلم بالمماثلة والمخالفة؛ لأنهما يثبتان للصفة الذاتية ~~والطريق إليها التحيز بل كان يصح أن يجعله سوادا متحيزا، إذ لا تنافي بين ~~الصفتين ولا ما يجري مجراه، فكان يلزم إذا قدرنا طرو ضد، وهو البياض أن ~~ينفيه من حيث هو سواد لحصول التضاد، ولا ينفيه من حيث هو متحيز لفقد ~~التضاد، فيكون موجودا معدوما، ولا ينقلب علينا في كون الكلام أمرا نهيا ~~لاستنادهما إلى ضدين ms094 وهما الإرادة والكراهة ولا في كون الفعل حسنا قبيحا ~~لاستناد القبح إلى وجه والحسن إلى زواله. # واعترض الشيخ محمود هذا الدليل باعتراضات كلها مبني على أن المعدوم ليس ~~بذات، وأن وجود الشيء وتحيزه، وهو نفس ذاته، وسلف إبطاله. # قال: ولو سلمنا أن للمتحيز صفة وللسواد صفة لم يلزمنا صحة الجمع بينهما، ~~بل ذلك مستحيل بما أنهيتم إليه الكلام من وجوب كونه /78/ موجودا ومعدوما. # وأجاب عليه الشيخ إسماعيل بن علي الرازي بأن هذا المحال أدى إليه مذهبك، ~~فلا يصح الانفصال به كما لا يصح للمجسم أن يقول لا يلزم مني بالتجسيم أن ~~يكون الله محدثا لتأديته إلى المحال. PageV01P120 # واعترض بأن مذهبي لا يؤدي إلى المحال؛ لأن هذه الصفات وإن تعلقت بالفاعل ~~فإنما تتعلق به على الوجه الذي يصح دون الوجه الذي يستحيل، فكما أن القادر ~~يقدر على الضدين ولا يقدر على الجمع بينهما لتأديته إلى المحال كذلك يقدر ~~على هذه الصفات ولا يقدر على الجمع بينها لتأديته إلى المحال أيضا، وهذا ~~حسن. فالأولى في الجواب أن يقال لا نسلم استحالة الجمع بين الصفتين لأجل ما ~~ذكرت؛ لأن هذا المحال إنما يلزم حال طرو الضد، وطرو الضد أمر منتظر، وقد لا ~~يحصل، ووجه الاستحالة والتنافي لا بد أن يكون حاصلا في كل حالة، فإن قال ~~وجه التنافي هو أن التحيز يصح حلول البياض والسواد يحيله فلا يجتمع مصحح ~~ومحيل لشيء واحد. # قلنا: إنما يصح حلول البياض بشرط أن لا يكون الذات سوادا كما أن كون الحي ~~حيا، إنما يصحح كونه جاهلا بشرط أن لا يجب كون عالما. # فصل # والصفات ضربان: متعلقة وغير متعلقة. # فالمتعلقة: هي الصفة التي تستدعي بمجرد ثبوتها ثبوت حكم بين ما اختص بها ~~وبين ذات أخرى، ولا يثبت إلا كذلك. # قلنا: التي يستدعي بمجرد ثبوتها احترازا مما يستدعي بكيفية ثبوتها كالصفة ~~الذاتية، فإنها تستعدي المخالفة، لكن بكيفيتها، وهو كونها ذاتية عند من لا ~~يجعلها تستدعي ذلك بمجردها. # وقلنا: بين ما اختص بها وبين ذات أخرى احترازا من كونه حيا، ms095 فإنها تستدعي ~~بمجرد ثبوتها ثبوت حكم، وهو صحة أن يقدر ويعلم، لكن بين ما اختص بها وبين ~~صفاته التي هي كونه قادرا وعالما لا بينه وبين ذات أخرى. PageV01P121 # وقلنا: ولا يثبت إلا كذلك احترازا من كونه كائنا، فإنها تستدعي بمجردها ~~ثبوت حكم وهو أنه لا بد أن يكون بين الجوهر المختص بها وبين ما يماثله بون ~~ومسافة أو لا يكون لكنها قد ثبتت من دون هذا الحكم بأن تقدر أن الله تعالى ~~لم يخلق إلا جوهرا واحدا بخلاف الصفات المتعلقة، فإنها لا تثبت إلا متعلقة، ~~وإن كان بعضها يصح أن يوجد في نوعه ما لا يتعلق ككونه معتقدا وكونه مريدا ~~ونحو ذلك، لكن المتعلق منها لا يثبت إلا متعلقا، وهذا الاحتراز أحسن من قول ~~أصحابنا، وإن كانت مخالفة؛ لأن للقائل أن يقول: معنى قولكم وإن كانت مخالفة ~~هو أن هذا الحكم يثبت ببينها وبين ذات أخرى سواء كانت تلك الذات الأخرى ~~مماثلة أو مخالفة، فلا يندفع لاعتراض بالكائنية، ويلزم كونها متعلقة؛ لأن ~~ظاهر كلامهم يصدق معه أن تكون الصفة /79/ متعلقة وإن استدعت الحكم بين ما ~~اختص بها وبين ما يماثله. # يوضحه: أن كون أحدنا عالما صفة متعلقة، وإن علم أحدنا ما يماثله فثبوت ~~حكم الكائنية بين الجوهرين كثبوت حكم العالمية بين أحدنا وبين ما يماثله، ~~وقد حصل من هذا أن جميع صفات الباري كلها تتعلق إلا الصفة الأخص، وكونه ~~موجودا وحيا. وأما صفات الجسم فما كان منها راجعا إلى الآحاد فكلها لا ~~تتعلق إلا التحيز، فإنه يتعلق باعتبار احتماله للعرض، وما كان راجعا إلى ~~الجملة فكله تتعلق إلا كونه حيا. # تنبيه # والصفات المتعلقة تنقسم، فمنها ما لا يوجد في نوعه إلا ما يتعلق، وهي ~~أربع، كونه قادرا ومدركا ومشتهيا ونافرا، فهذه لا توجد في نوعها شيء غير ~~متعلق بمعنى أنه لا يثبت القادرية إلا وهناك مقدور محققا، وكذلك سائر ~~الأربع، ومنها ما يوجد في نوعه ما لا يتعلق، وهي خمس، كونه معتقدا ومريدا ~~وكارها وظانا وناظرا، فكل هذه تصح أن ms096 لا يكون لها متعلق حقيقي، نحو أن ~~يعتقد البقاء أو يريده وهو ليس بمعنى. PageV01P122 # واعلم أن هذه الصفات الخمس تشترك في أنها تتعلق على سبيل الجملة والتفصيل ~~وأنها تتعدى المتعلق الواحد على الجملة ولا تتعداه على التفصيل. # وأما الأربع النافية فتشترك في أنها لا تتعلق إلا على التفصيل ثم تختلف، ~~فمنها: ما لا يتعدى الواحد، وهو كونه مدركا، ومنها ما يتعداه في المتماثلات ~~فقط، وهو كونه مشتهيا ونافرا. # ومنها ما يتعده في المختلفات مطلقا ويتعداه في المتماثلات بشرط اختلاف ~~الوقت أو المحل أو الوجه، وهو كونه قادرا. # القول في أن الله تعالى قادر # القادر هو المختص بصفة لمكانها يصح أن يفعل وأن لا يفعل مع سلامة الحال. # وقال بغاة الأحوال من شيوخنا: هو المتميز تميزا لأجله يصح أن يفعل إلى ~~آخره، وسيتضح موضع الخلاف. # فصل # ذهب أهل الإسلام والكتابيون وغيرهم إلى أن الله تعالى قادرا. # وقالت الباطنية: لا قادر ولا غير قادر، وقال برغوث معنى كونه قادرا، أنه ~~ليس بعاجز. وألزمت المطرفية أن لا يكون قادرا لإضافتهم التأثيرات إلى غيره، ~~فلا يبقى طريق إلى كونه قادرا. # وقالت الفلاسفة: هو قادر، ولكنه موجب لفعله، قالوا: لأن الموجودات تنقسم ~~إلى موجود بالفعل وهو ما قد حصل كالأجسام ونحوها، وموجود بالقوة، وهو ما ~~يصح أن يحصل كالعلم موجود في الطفل والنخل موجود في النواة. # قالوا: والقوة ضربان، قوة انفعال كليونة الشمع القاتل للتنفس. # وقوة فعل، وهي ضربان، قوة طبيعة: وهي ما يحصل به الشيء /80/ دون نقيضه ~~كقوة النار على الإحراق، وقوة إرادية: وهي ما يحصل بها الفعل ونقيضه، كقوة ~~أحدنا على الحركة والسكون، وكقوة الباري تعالى على الفعل والترك، وهذه ~~عندهم هي القدرة التامة. # قالوا: فمتى حصل معها إرادة تامة ولم يحصل مانع خرج الشيء من القوة إلى ~~الفعل على جهة الوجوب بطبع تلك الذات. PageV01P123 # قالوا: ولا يتخلف إلا القصور في الطبع أو في الإرادة أو في الذات والقصور ~~مستحيل على الله تعالى، بل إرادته تامة، وذاته تامة، ووجوده وحكمته حاصلان ~~في كل ms097 حال، فلذلك حصل فعله في الأزل إذ لو تخلف لاحتاج إلى أمر متجدد يخرجه ~~من القوة إلى الفعل، ومتى حصل ذلك الأمر صار واجبا وإلا احتاج إلى أمر آخر، ~~وتسلسل هذا تحرير مذهبهم. # لنا أن الفعل قد صح منه، والفعل لا يصح إلا من قادر، أما أنه قد صح منه ~~فلأنه قد وقع، فإما أن يكون وقوعه على جهة الوجوب وهو باطل وإلا لزم حصوله ~~في الأزل دفعة واحدة، ولزم قدمه ونحو ذلك مما تقدم فساده أو على جهة الصحة، ~~وهو المطلوب، ونعني بالصحة إمكان أن يفعل وأن لا يفعل بحسب اختياره، وإن ~~استعملت في غير هذا المكان بمعنى الآخر أو بمعنى البرء من المرض وبمعنى ~~الصدق وبمعنى التأليف المخصوص، وإما أن الفعل لا يصح إلا من قادر، فلأن ذلك ~~هو معنى القادر وهو معلوم على الجملة ضرورة، فإن العقلاء يصفون من أمكنه أن ~~يفعل وأن لا يفعل بحسب اختياره بأنه قادر، ويوجهون إليه المدح والذم ونحو ~~ذلك، والمعتبر في الدلالة هي الصحة دون الوقوع؛ لأن معها بدون العلم ~~بالقادرية ثبوتا وانتفاء بخلاف الوقوع، وإن كان بالوقوع تعرف الصحة. # فصل # وطريقه التفصيل في ذلك أنا نفرق في الشاهد بين الحي الذي يصح منه الفعل ~~والحي الذي لا يصح منه، فلا بد من أمر تعلل به هذه التفرقة، وليس ذلك الأمر ~~إلا صفة ترجع إلى الجملة، فهذه ثلاثة أصول. # أما التفرقة فضرورية، وأما أنها معللة بأمر فلحصول طريقة التعليل وطريقة ~~التعليل هي أن تقبل الحكم مؤثرا من فاعل أو علة او سبب أو بعمل ما يجري ~~مجرى المؤثر من مقتض أو شرط أو داع. PageV01P124 # وقيل: هي أن يحصل الحكم مع الجواز أو يثبت بعد انتفاء أو يقع فيه افتراق ~~بعد الاشتراك في غيره، وقيل: هي أن يتحدد الحكم بعد إن لم يكن أو يضاف إلى ~~ذات دون أخرى، وكله متقارب، وقد نظرنا في صحة الفعل فوجدناها مما يقبل ~~المقتضى ومما يحصل فيه افتراق بعد الاشتراك في غيره، ومما يضاف إلى ذات ms098 دون ~~أخرى فيجب تعليله بأمر. # وإما أن ذلك الأمر صفة راجعة إلى الجملة فقد خالف فيه أبو الحسين وأصحابه ~~وكثير من غيرهم /81/. # لنا أنه إما أن يصح منه الفعل لمجرد ذاته أو بالفاعل أو لوجود معنى أو ~~لعدم معنى أو للطبع أو لزوال المنع أو للبنية والصحة أو لصفة ترجع إلى ~~الجملة على ما نقوله، لا يجوز أن يكون لمجرد ذاته وإلا لزم في كل ذات مثله، ~~وأن يكون قادرا في حاله العدم وأن لا يخرج عن كونه قادرا. # ولا يجوز أن يكون بالفاعل لأنه إنما يؤثر على جهة الصحة والكلام في تلك ~~الصحة كالكلام في هذه، ولأن هذه الصحة تتجدد والذوات بما لها وما كان ~~بالفاعل لا يتجدد إلا بتجدد الذات. # ولا يجوز أن يكون لوجود معنى من دون إيجاب صفة للجملة؛ لأن المعنى يختص ~~المحل والصحة، حكم صدر عن الجملة. PageV01P125 # ولا يجوز أن يكون لعدم معنى أولى وأخرى؛ لأن عدم المعنى لا يختص رأسا فضلا ~~عن أن يختص بذات دون ذات. ولا يجوز أن يكون للطبع؛ لأنه غير معقول، وإن ~~أريد به اعتدال البنية والصحة فسنتكلم عليه، ولا يجوز أن يكون لزوال ~~المانع؛ لأن المانع إنما يمنع من حكم صححه مصحح، وذلك يقتضي حصول مصحح غير ~~زوال المانع، وهو المطلوب؛ ولأن زوال المانع يشترك فيه القادرون، فكان يلزم ~~اشتراكهم في صحة الفعل المعين، وفيه صحة مقدور بين قادرين، ولأن صحة الفعل ~~يقبل التزايد وزوال المانع لا يقبله، ولأن الشيء إنما يتزايد بتزايد المؤثر ~~فيه أو مقتضيه أو شرط الاقتضاء ولأن المنع إنما يكون بضد أو ما يجري مجراه، ~~ولو حصل ضد في من(1) تعذر عليه الفعل لكان كما تعذر عليه تحريك نفسه يتعذر ~~علينا أيضا تحريكه، ولأن زوال الموانع نفي، وصحة الفعل حكم ثابت، فلا نعلل ~~به تعليل تأثير. # فأما تعليل الكشف فيصح فيه تعليل النفي. # والثاني كتعليل قبح الظلم لكونه لا نفع فيه ولا دفع ضرر، ولا استحقاق. # والثالث: كتعليل كونه تعالى لا يفعل القبيح بكونه عالما ms099 بقبحه وعالما ~~باستغنائه عنه. # ولا يجوز أن يكون للبنية المخصوصة، واعتدال المزاج كما ذهب إليه أبو ~~الحسين؛ لأن البنية تأليف مخصوص، والتأليف مقصور على المحل بدليل صحة وجوده ~~في الجماد، وصحة الفعل حكم صدر عن الجملة، والجملة والمحل في حكم الغيرين ~~كزيد وعمرو، فلا يصح الفعل من الجملة لأمر يرجع إلى المحل كما لا يصح من ~~زيد لأمر يرجع إلى عمرو، واعترضه أبو الحسين بأنكم إن أردتم أن الفعل صدر ~~عن الجملة أنه وقع بكلها فباطل؛ لأنا نعلم أن البطش وقع باليد مثلا، وأنه ~~لا يؤاخذ في جميع الجملة. PageV01P126 # وإن أردتم أنه وقع بحسب كون الجملة مريدة ومعتقدة ونحو ذلك، فهذا لا يمنع ~~من كونه وقع باليد لا بالجملة؛ لأنه يجوز أن يعلم الجملة نفعا في /82/ فعل ~~اليد ويريده فيقع باليد؛ لا بالجملة نوضحه أنه لا بد من استعمال محل ~~القدرة، ومن كونه مبنيا بنية مخصوصة، وإذا وقفت صحة الفعل على بنية اليد ~~فهلاكها ذلك من دون اعتبار صفة راجعة إلى الجملة. # ويمكن الجواب بأنا نريد بصدوره عن الجملة ما هو المعقول عند جميع العقلاء ~~من أن المعنى الذي عبروا عنه بقولهم فعل زيد وقال زيد ونحو ذلك، ولم يقولوا ~~فعلت يد زيد وتكلم لسان زيد، ولههذا يتوجه المدح والذم والثواب والعقاب إل ~~الجملة، ولسنا ننكر أن الفعل وقع باليد، ولكنها آلة للجملة فالفعل واقع من ~~الجملة بآلتها والآلة لا بد من استعمالها سواء كان فيها قدرة أم لا، إلا أن ~~الآلة التي فيها قدرة لا بد فيها من بنية مخصوصة ليصح وجود القدرة فيها، ~~فالذي وقف على البنية هو وجود القدرة لا صحة الفعل حتى لو كان أحدنا قادرا ~~لا بقدرة، لما احتاج إلى بينة كالباري تعالى. # دليل: المرجع بالبنية المخصوصة عند الجمهور إلى أمور كثيرة من تأليف ~~ورطوبة ويبوسة وحرارة وبرودة واعتدال في ذلك، والأمور الكثيرة لا تؤثر في ~~الحكم الواحد، وليس بعضها بأن يكون مؤثرا والآخر شرطا أولى من العكس. # واعترضه ابن الملاحمي بأنه وإن كان كذلك ms100 إلا أن المؤثر شيء واحد؛ لأن عند ~~اجتماع أجزاء رطبة وأجزاء يابسة ونحو ذلك يحصل شيء واحد معتدل تقف الصحة عليه. PageV01P127 # ويمكن الجواب بأنه إن أراد بذلك الشيء الواحد نفس الأجزاء المجموعة لم يصح؛ ~~لأنها هي جملة الحي التي صح منها الفعل، فكأنه قال: يصح الفعل من الجملة ~~للجملة او لكونها جملة ونحن فرضنا الكلام في حين اشتركا في كونهما جملتين، ~~وإن أراد بذلك الشيء الواحد البنية المخصوصة لم يصح للاتفاق على أنها أمور ~~كثيرة، وهي أول المسألة، وإن أراد شيئا غير البنية والمبني لم يخل ذلك ~~الشيء إما ان يرجع به إلى الآحاد فالكلام فيه كالكلام في البينة، وهو أيضا ~~غير معقول، وأما أن يرجع به إلى الجملة وهو المطلوب. # قال رحمه الله تعالى: أوليس صحة كون الأجزاء حية تقف عندكم على البنية ~~وإن كانت أمورا كثيرة والصوت يقف على الصلابة وهي بنية مخصوصة، فكذلك وقوف ~~صحة الفعل عليها. # ويمكن الجواب بأن لا ينكر وقوف هذه الأشياء على البنية المخصوصة، ولكنه ~~وقوف المشروط على الشرط لا وقوف الأثر على المؤثر؛ لأنه يمتنع في الشيء ~~الواحد أشياء كثيرة، ولا يمتنع أن يشرط الشيء الواحد بأشياء كثيرة، فوزانه ~~أن تجعل البنية شرطا في صحة الفعل، والمؤثر غيرها، وهو المطلوب. على أن صحة ~~كون الأخرى حية لا عن الجملة؛ لأنها لم تكن جملة حينئذ، فيجوز أن يؤثر فيه ~~ما يرجع إلى المحل وهو البنية /83/ إلا أن هذا لا يدفع ما ذكره من أن ~~المؤثر في هذه الصحة أمور كثيرة، فالأولى ما تقدم. # دليل: يمكن أن يقال لأبي الحسين إذا كان المرجع عند الجميع بالبنية ~~المخصوصة إلى التأليف والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك فأي شيء التأليف والرطوبة ~~إذا كنت لا تثبت المعاني. # فإن قال: هي صفات ثبتت بالفاعل كالسواد والبياض. قيل له: هب أنه كذلك، ~~فلم كانت هذه الصفات بأن تقتضي صحة الفعل أولى من السواد والبياض والجميع ~~بالفاعل. # فإن قال: قد تكون الصفة بالفاعل ولها حكم يختصها كما يقولونه في الوجود ~~فإنه بالفاعل، ms101 وله حكم، وهو أنه تظهر عنده الصفات والأحكام المقتضاة عن صفة الذات. PageV01P128 # قيل له: إن الوجود عندنا شرط، والمؤثر في الحقيقة هو الصفة الذاتية، فوزانه ~~أن يجعل هذه البنية المخصوصة شرطا، والمؤثر في الحقيقة هو صفة القادر، ~~وكذلك نقول. # ثم إن سلمنا أن الوجود هو المؤثر في الحقيقة فهو لا يختلف بل كل وجود ~~يؤثر في وجود ذلك، ونحن ألزمناه أن لا تختلف الصفات التي بالفاعل بل يستوي ~~في التأثير في صحة الفعل، فما الجواب عنه. # دليل: ويمكن أن يقال له: قد يكون أحد الحيين أصح بنية من الآخر، وأشد ~~عافية منه، وأكثر سمنا وأطيب مأكلا، ليس به مرض، ويكون الآخر دونه في كل ~~ذلك، ثم يقهره ويستبد بالفعل عليه، فلولا اختصاصه بأمر زائد على البنية ~~والحياة لما صح ذلك. # فإن قال: بل بنية الذي استبد بالفعل أكثر خصافة وأشد اعتدالا. # قيل له: المرجع بالخصافة عندك إلى كثرة الأجزاء، ولا شك أن السمين أكثر ~~أجزاء، وأما شدة الاعتدال فليس الطريق إليه إلا حصول العافية وزوال ~~الأمراض، وقد فرضنا الكلام في حين زالت عنهما الأمراض. # فصل # إذا ثبت أن للقادر بكونه قادرا حال، فهي لا شك غير كونه حيا، وكونه ~~مشتهيا ونحو ذلك من صفات الجمل؛ لأن جميع ذلك قد يحصل لمن تعذر منه الفعل، ~~وقد لا يحصل راسا مع حصول التفرقة، أعني ما عدا كونه حيا، ولأن هذه الصفات ~~قد تماثل والقادرية لا تماثل لاستحالة إيجاد متعلقها، ولأنها لا تختص فعله ~~دون فعل غيره، بخلاف القادرية. # فصل # والطريق إلى هذه الحال في الشاهد هو صحة الفعل كما علمت، فيجب ثبوتها ~~للباري تعالى لحصول طريقها في حقه. واعترضه ابن الملاحمي بأنه إنما يصح ذلك ~~لو دلت صحة الفعل بنفسها على هذه الصفة في الشاهد لكنها تدل عليها بطريقة ~~السير، وقد أبطلتم /84/ أن يصح الفعل من الشاهد لذات الجملة، فدلوا على أنه ~~لا يصح الفعل من الباري تعالى لذاته المخصوصة ليتأتى لكم إثبات صفة زائدة. PageV01P129 # ويمكن الجواب بأن يقال له أتريد أن ms102 يصح من الباري تعالى لمجرد ذاته أو ~~لذاته المخصوصة إن كان الأول لزم مثله في كل ذات، وليس لك أن تقول هي ~~مخالفة لسائر الذوات؛ لأن الذات لا تخالف غيرها لمجرد كونها ذاتا، بل لا بد ~~من أمر زائد على ذلك كما سلف، وإن كان الثاني قيل له فما معنى كونها مخصوصة ~~عندك، أتريد أنها مخصوصة بكونها قادرة، فهو الذي نقول، فإنه يقتضي أن الذي ~~خصت به زائدة عليها كما تقوله أنت في إثبات التبين أمرا زائدا على ذات ~~الباري تعالى في مسألة عالم أو تريد أنها مخصوصة بأمر غير كونها قادرة، فما ~~هو، أو تريد أنها مخصوصة بكونها ذاتا، فهذه الخصوصية ثابتة لكل ذات. # قال أصحاب أبي الحسين: فيجب في هذه الحالة التي يرجع إلى الجملة في ~~الشاهد أن يرجع إلى الجملة في حقه تعالى، ويدل على كونه جملة. # قال أصحاب أبي هاشم، إن رجوع الحالة إلى الجملة ليس هو مجرد الحالة ~~وخسيتها، ولا ملازم لها حتى يلم من الاشتراك في الحالة الاشتراك في رجوعها ~~إلى الجملة، بل هو أمر زائد يتبع الدليل. # وتحقيق هذا أن الحالة إنما رجعت إلى الجملة ؛ لأن الحكم صدر عن الجملة ~~التي هي مجموع أجزاء قد صارت بالحياة في حكم الشيء الواحد، وهذا مفقود في ~~حق الباري تعالى. # فصل # وهذه الحالة معنوية في الشاهد لثوبتها مع الجواز، والحال واحدة والشرط ~~واحد كما تقدم في الكائنية، ويختص هذا المكان حصول التزايد في هذه الصفة، ~~فلا بد أن يستند إلى ما يتزايد، وليس إلا المعنى. # فصل # وحكم هذه الصفة مطلقا صحة الأحداث وتعلقها بالضدين على البدل وحكمها إذا ~~استحقت للذات صحة الاختراع والتقديم والتأخير على متعلقها واستحالة انحصار ~~متعلقها في الجنس والعدد واستحالة خروج الموصوف عنها واستحالة المنع ونحو ~~ذلك وبالعكس من هذا إذا استحقت لمعنى. # فصل في ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه قادرا PageV01P130 اعلم أولا أن كل لفظة تفيد معنى على جهة الحقيقة، وحصل معناها في حق الله ~~تعالى، ولم يكن إطلاقها ms103 يوهم الخطأ، فإنه يجوز إطلاقها عليه تعالى، ولا ~~يحتاج أذن سمعي. # وقال أكثر البغدادية: لا بد من أذن. # لنا أنا نعلم بالعقل حسن الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، ولا يتم ذلك إلا ~~بأن ندعوه بالأسماء التي ثبتت معناها في حقه. # ولأنه متى لم يكن في العبارة وجه قبح ولا ضرر على أحد /85/ جوز العقل ~~إطلاقها كسائر ما أصله الإباحة، ولأن التفاهم بالألفاظ يتبع المواصفة، وإذا ~~جاز للمتواضعين أن يصفوا أسماء تفيد التعظيم على مسميات من دون إذن جاز أن ~~يطلقوا تلك الأسماء إذا أرادوا تعظيم الله تعالى، وذكره لاحتياجهم إلى ذلك، ~~ولهذا قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}، وهذا كله في الحقائق، ~~فأما المجازات فإنه لا يجوز إجراؤها على الله تعالى، إلا بإذن اتفاقا، ويقر ~~أيضا حيث ورد بها الأذن، فلا يقاس عليها بحق لفظ الخداع والمكر والاستهزاء ~~والنسيان في قوله: {نسوا الله فنسيهم}، والفراغ في قوله: {سنفرغ لكم أيها ~~الثقلان}، وأشباه ذلك، وهكذا ما طريقه الألقاب المحضة لا يجوز إجراؤها عليه ~~تعالى اتفاقا لخروجه عن حد الإفادة، وكقيامه مقام الإشارة. # وأما قولنا شيء، فليس من هذا القبيل، بل له شبه بالمفيد من حيث يفهم منه ~~ما يصح العلم به والخبر عنه، فيجوز إجراؤه على الله تعالى، وعلى هذا قال ~~تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}. وإذا تمهدت هذه القاعدة فمن ~~الأسماء التي تجرى عليه تعالى بمعنى كونه قادرا، قولنا: القادر والمقتدر ~~والقدير، وفي هذين الأخيرين مبالغة لإفادتهما استحالة المنع. # ومنها: القوي، كالقادر سواء، واستعماله في الشديد مجاز. ومنها: المقيت، ~~أي المقتدر، وقيل: خالق الأقوات. ومنها: القاهر، عند أبي علي، قال: ويجوز ~~إجراؤه في ما لم يزل، وكأنه راعا صحة القهر لا وقوعه، ومثله الغالب، وغيره ~~راعا فيهما الوقوع. PageV01P131 # ومنها الظاهر، أي الظاهر اقتداره وغلبته، كقوله: {فأصبحوا ظاهرين}، وقيل: ~~معناه الظاهر بالدلالة الباطن المشاهدة. # ومنها: المالك، والملك والمليك، كله يفيد المقتدر على الكمال، ولهذا لا ~~يقال للوكيل مالك لما لم يملك التصرف التام. وقيل: هو مأخوذ من ms104 الربط ~~والشد، ومنه قولهم: أملك الرجل بالمرأة، أي ربط عليها، ثم نقل إلى معنى ~~الاقتدار، وملك ومالك عند الشيخين على سواء، قالا ولهذا قري بهما. وقال ~~غيرهما: أما من طرية اللغة فملك أبلغ؛ لأنه مأخوذ من الملك، ومالك مأخوذ من ~~الملك، ولهذا يقال: مالك الدار ولا يقال ملك الدار، واتفقوا على أن مليك ~~مبالغة فيهما مثل قدير. # ومنها: الرب معناه المالك المدبر. ومنه قول صفوان بن أمية: لئن يربني رجل ~~من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، أي يملكني. # ولا يصح إجراؤه على غير الله تعالى، إلا مقيدا، فيقال: رب الدار ورب ~~الإبل ونحو ذلك. # ومنها: السيد، أي المالك، والمولى مثله /86/، وكذلك الصمد، إلا أنه يفيد ~~زيادة تعظيم، وقيل: هو أنه مصمود(1) إليه في الحوائج. # ومنها: العزيز، معناه القادر الذي لا يغالب، مأخوذ من قولهم: أرض عزاز ~~إذا كانت صليبة يمتنع تفريق أجزائها. ومثله قولنا: كريم وإن كان لها معنى ~~آخر، وهو كثرة العطاء، فيكون من غير هذا الباب. # ومنها: الجبار، وهو أبلغ من العزيز مأخوذ من قولهم: نخلة جبارة إذا فانت ~~اليد وامتنعت من أن تنال. # وقيل: هو مأخوذ من الجبر وهو الإصلاح، فيكون من صفات الأفعال، وإنما كان ~~ذما في أحدنا؛ لأنه يدعي ما لا ينبغي له ويتشبه بمن يستحق هذا الوصف، ومنها ~~الكبير معناه المالك المقتدر كما يقال: فلان كبير قومه، ولا يراد بذلك كبر ~~الجرم. ومثله العظيم والجليل. وقيل: هذه الثلاثة تفيد في حقه تعالى جميع ~~صفات الإلهية، وتنزيهه عما لا يجوز، وأما المتكبر فهو مبالغة في الكبير، ~~وهو ذم في العباد لمثل ما تقدم في الجبار. PageV01P132 # قيل: ولولا السمع لما صح إطلاقه عليه تعالى؛ لأنه مفيد في الشاهد نوعا من ~~التكليف، ولهذا لا يطلق عليه تعالى متحيزا بمعنى جبار. # ومنها المستولي، ولا يستعمل ما في معناه كالمستوي لإيهامه الاستقرار وتقر ~~حيث ورد نحو على العرش استوى. # ومنها: العلي والعالي والمتعالي معناها المقتدر اقتدارا لا يصح معه ~~المنع، ويستعمل بمعنى المتنزه عما لا ms105 يجوز، ومتى خشي المطلق لهذا الاسم ~~إيهام علو المكان وجب عليه التقييد، ولا يصح أن يطلق عليه تعالى ما في ~~معناه كالرفيع والشريف لكونهما أدخل في الإيهام، ويقر حيث ورد نحو رفيع ~~الدرجات. # ومنها الإله، ومعناه القادر على أصول النعم التي لأجلها تحق له العبادة. ~~قيل: ولهذا لا يوصف بأنه إله إلا لمن تصح عليه النعم كالأحياء، فلا يقال ~~إنه إله الجمادات والأعراض ويحمل قولهم إله الأرض والسماوات على حذف المضاف ~~تقديره إله أهل الأرض والسماوات. ومثله قولنا: الله، لأن أصله الإله حذفت ~~الهمزة التي بين اللامين وبقي بلامين متحركين، أدغمت الأولى في الثانية، ~~وقيل: الله. # ومنها: المستطيع، في نحو قوله تعالى: {هل يستطيع ربك..} الآية. # تنبيه # وأما قولنا مطيق فلا يجوز إجراؤه عليه تعالى؛ لأن فائدته ترجع إلى الجهد، ~~وكذا قولنا مطلق ومخلا لأنهما يفيدان جواز المنع عليه، وكذلك قولنا: شديد ~~ومتين؛ لأنهما يفيدان الصلابة، وقوله تعالى: {ذو القوة المتين} مجاز يقر ~~حيث ورد. # القول في أن الله تعالى عالم العالم # هو المختص بصفة لمكانها تصح منه الأحكام تحقيقا أو تقديرا، أو الإحكام هو ~~إيجاد فعل عقيب فعل أو مع فعل على وجه لا يتأتى من كل قادر ابتداء، والمحكم ~~هو المترتب لذلك، ونريد بالتقدير ما لا يكون مقدورا كفعل الغير، أو يكون ~~مقدورا، لكن لا يصح إحكامه كالفعل الواحد، فإنما هذه حالة يصح إحكامه ~~تقديرا بمعنى أنه لو كان مقدورا، ومما يصح ترتيبه لا حكمناه. PageV01P133 # وقال أبو الحسين وابن الملاحمي: هو المتبين لأمر من الأمور تبينا يمتنع معه ~~في نفسه تجويز خلافه، وهو لا يصح كما تقدم؛ لأن هذا اللفظ لا يطلق إلا على ~~من يتعرف الشيء بمشقة وتجويز، وأيضا فهو لا يفيد حصول المعرفة، ولهذا يقال: ~~تبينت الشيء فما عرفته أي طلبت معرفته؛ ولأن المتبين أخفى من العالم فلا ~~نحد به. # فصل # وذهب أهل الإسلام وأهل الكتاب وغيرهم إلى أن الله تعالى عالم. وقالت ~~الباطنية وابن غوث بمقالتهم في كونه قادرا. وقالت الفلاسفة هو عالم. # ثم اختلفوا، ms106 فقال أوائلهم هو عالم بنفسه فقط، ولا يعلم غيره، قالوا: ~~والعلم والعالم والمعلوم شيء واحد؛ لأنه لو علم غيره لاقتضى ذلك التكثر في ~~ذاته، ومن هاهنا اقتضى علمه بنفسه صدور العقل الأول منه، فلو علم غير نفسه ~~لصدر عنه غير ذلك العقل، وقال أواخرهم كابن سيناء والفارابي وابن الراوندي: ~~هو شيء يعلم مع ذاته الأمور الكلية دون الأمور الجزئية المنقسمة بانقسام ~~الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنها متغيرة، والعلم بها مختلف ~~متغير، فلو علمها لاقتضى التغير في ذاته، قالوا مثاله الكسوف، فإن له ثلاث ~~حالات، حالة عدم وحالة وجود وحالة عدم بعد ذلك الوجود، فأحدنا يعلمه أولا ~~معدوما، ثم إذا وجد علمه موجودا، ثم إذا عدم علمه معدوما، وكل واحد من هذه ~~العلوم غير الآخر، فإذا حصل تغير الآخر وتغير العلوم يقتضي تغير العالم، ~~قالوا: فلا يعلم تعالى الأمور المفصلة لا ما كان ولا ما هو كائن، ولا ما ~~سيكون، وإنما يعلم علما كليا، وهو أن الأرض مثلا متى توسطت بين الشمس ~~والقمر أكسف القمر، فأما إنه قد أكسف القمر أو سيكسف، فلا يعلمه، هذا تحرير ~~مذهبهم، وسيتضح بطلانه في آخر فصل الكيفية، وإن كان لا طريق لهم إلى إثباته ~~تعالى عالما، وقد أضافوا الأفعال المحكمة إلى العقول والأفلاك. # لنا: إنه تعالى قد صح منه الفعل المحكم والفعل لا يصح إلا من عالم. PageV01P134 # أما أنه قد صح منه الفعل المحكم فذلك ظاهر /88/ في ملكوت السماوات والأرض، ~~فإن في ذلك من عجائب الصنعة وغرائب الحكمة ما تقصر عنه الأوصاف وتحتار فيه ~~الأفكار من أنواع النبات وأصناف الحيوانات وأجناس المخلوقات، وتفاصيل ذلك ~~بحسب مصالح المكلفين من غير زيادة ولا نقص. # فإن قيل: ما أنكرتم أن الله تعالى أوجد هذه الأشياء وأحكمها غيره. # قلنا: ذلك الغير، إما أن يكون قديما وهو محال؛ لأنه لا يأتي لله، وإما ~~محدثا، وهو إنما يكون، قادرا بقدرة، وعالما بعلم، وذلك يحتاج إلى بنية ~~مخصوصة يحتاج إلى غاية الإحكام، فيجب في فاعله أن يكون عالما، وذلك كاف في ms107 ~~حصول الغرض؛ لأن فاعله هو الله، وإلا لزم التسلسل. # وإما أن من صح منه الفعل المحكم فهو عالم، فلأن ذلك هو معنى العالم وهو ~~ضروري على الجملة بدليل أن العقلاء يصفون من هذه حاله بأنه عالم. # فصل # وطريقة التفصيل فيه أنا وجدنا في الشاهد قادرين صح من أحدهما الإحكام دون ~~الآخر، فلا بد من أمر له صح، وذلك الأمر ليس إلا صفة ترجع إلى الجملة في ~~الشاهد وإلى الحي في الغايب، وتصحيح هذا يجري على نحو ما تقدم في مسألة ~~قادر، وقد خالف أبو الحسين وابن الملاحمي وغيرهما في إثبات حالة للعالم على ~~الحد الذي يثبته سائر الشيوخ، وأثبتا له تعالى تعلقا، وهو التبين، وجعله ~~ابن الملاحمي حكما للقلب في الشاهد، وللذات في حق الباري تعالى، والفرق بين ~~كلامه وبين كلام الجمهور أنهم يثبتون حاله وتعلقا زائدا عليها، وهو أثبت ~~التعلق فقط، وجعله حاله، واستدل على أنه حالة للقلب بأنه لا يعقل من دون ~~القلب، ولو كان حاله للجملة لتساوت أجزاؤها فيه كما تساوى الأجزاء السود في ~~السواد. # قال: ونحن نجد هذا التبين في ناحية الصدر ولا نجد الأعضاء متساوية فيه. # ويمكن أن يعترض فيقال إن كونه لا يعقل من دون القلب لا يقتضي كونه حالا ~~للقلب وإلا لزم أن تكون الكتابة حالة لليد لأنها لا تعقل إلا بها. PageV01P135 # وبعد، فما تريد بقولك لو كانت حالة للجملة لتساوت أجزاؤها، أتريد بكون كل ~~جزء منها عالما، فليس ذلك من قولنا بخلاف السواد فإنه يختص المحل أو تريد ~~أن يقال زيد عالم ولا يقال قلبه عالم، فذلك الذي نريد مما يلزم منه، وأما ~~أنا نجد هذا التبين في ناحية الصدر فمسلم لكن العالم هو الجملة كما أن قدرة ~~الكتابة توجد في اليد والكاتب هو الجملة، واستدل على أنه حالة لذات الباري ~~تعال بأن قال إن كونه تعالى مقيسا أمرا زائدا على ذاته تعالى، ولا يعقل من ~~دون ذاته، فكان حاله له، وأما أنه أمر زائد على ذاته فلأنه قد صح منه الفعل ms108 ~~المحكم أن يصح منه؛ لأنه ذات مطلقة /89/ أو لأنه ذات مخصوصة أو لأن ذاته ~~تبين للأشياء. # قال: والأول باطل وإلا لزم صحة الفعل المحكم من كل ذات. # قال: وأما الثاني فيقال لهم أصح منه؛ لأنه ذات مخصوصة بكونها متبينة أم ~~لا إن قالوا لا قيل لهم، فقد صح الفعل المحكم ممن لم يتبين وهو محال. # قال: وأما الثالث فباطل؛ لأن ذاته لو كانت تبينا للأشياء، وهذا التبين ~~حاصل لنا لكان يلزم أن يكون مثلا لتبينا. # قال: وأما أن التبين لا يعقل من دون ذاته، فهو ظاهر، فثبتت بذلك كونه ~~حالة لذاته تعالى، هذا ما حكاه الشيخ محمود. # ويمكن أن يقال له: هذا الدليل الذي ذكرت هو الذي يستدل به أصحاب أبي هاشم ~~على إثبات الحالة، فهو موضع وفاق، لكنهم يثبتون للعالم تعلقا بالمعلوم غير ~~هذه الحالة، وهو صحة اتحاد المعلوم من جهته محكما تحقيقا أو تقديرا، وهذا ~~مما لا يمكن إنكاره، ثم يقال له: لم لا تقبل هذا الدليل في إثبات حالة ~~للقادر، وما الفرق بين الموضعين، فأما الشيخ محمود فاستدل على أن هذا ~~التبين حكم لا حالة، بأن قال: إن التعلق بين العالم والمعلوم لا يعقل من ~~دونهما، والحالة لا يعتبر فيها الغير. # ولنا أن نقول: إن هذا التعلق نحن نسلم أنه حكم، ولكنا نستدل على الحالة ~~بما ذكرته عن أبي الحسين ولم تبطله. PageV01P136 # وقد استدل شيوخنا لإثبات هذه الحالة مع ما تقدم بأن قالوا: يستحيل حصول ~~العلم بالشيء في جزء من العلم والجهل به في جزء آخر، ولا وجه لهذه ~~الاستحالة إلا حصوله على صفتين ضدين؛ لأن المعاني لا تتضاد إلا على المحل. # واعترضه ابن الملاحمي بأنه مبني على إثبات المعاني، ويمكن الجواب بأنا لا ~~نحتاج في ذلك إلى ذكر المعاني، بل يكفي أن نقول: يستحيل أن يكون أحدنا ~~عالما بالشيء جاهلا، ولا وجه لهذه الاستحالة إلا حصوله على صفتين ضدين، إذ ~~لو لم يكن إلا مجرد التعلق لما استحال أن يتعلق القلب بالشيء على ما هو به، ms109 ~~وعلى ما ليس هو به، ألا ترى أن المحور قد تعلق قلبه بالشيء على ما هو به، ~~وعلى ما ليس هو به، وليس له أن يفرق سكون النفس؛ لأنه لا يثبته، ولأنه من ~~أحكام العلم. # قال أصحابنا: ولو لم يكن إلا ما في القلب من التعلق وفي اليد من البنية ~~لما صح وقوع الفعل ولا أحكامه باليد لداع في القلب كما لا يصح بيد زيد لداع ~~في قلب عمرو. # قالوا: ولا يصح الفرق بأن اليد متصلة بالجملة؛ لأنه لا حكم للاتصال إلا ~~إذا كان المؤثر راجعا إلى الجملة. # واعترضه أبو الحسين بأنه يلزم أيضا أن لا يصح الفعل المحكم باليد لحال ~~العالم؛ لأن العالم هو الجملة دون اليد، وهذا لا يستقيم؛ لأن الفعل المحكم ~~عندنا وقع من الجملة باليد من حيث هي آلة، فالفعل واقع من الجملة لحال ~~الجملة. # قال ابن الملاحمي /90/ في الاعتراض على أصحاب أبي هاشم أن يقال ليس يمتنع ~~وقوع الفعل بالجملة لما يختص ببعضها، وهو التعلق الحاصل في القلب من حيث أن ~~اليد آلة متصلة أعصابها، وعروقها بالدماغ وبالقلب بخلاف يد زيد وقلب عمرو، ~~فلا اتصال بينهما. PageV01P137 # ويمكن الجواب بأن يقال له لست تعترض على البهشمية في إثبات الحالة للجملة ~~بأنه يعلم العالم عالما والقادر قادرا من لا يعلم هذه الحالة، وهذا متوجه ~~إليك هنا، فيقال: إنه يعلم التفرقة بين وقوع الفعل بيد زيد لداع في قلبه ~~ووقوعه في يده لداع في قلب عمرو من لا يعلم اتصال عروق اليد وعصبها بالدماغ ~~والقلب، بل هذا أخفى وأحق أن لا تعلل به هذه التفرقة. # ثم يقال له: يلزم إذا ألصق الله ظهر زيد إلى ظهر عمرو وواصل بين عروق ~~الظهرين أن يصح الفعل بيد زيد لداع في قلب عمرو؛ لأن يد زيد قد اتصلت بما ~~يتصل بدماغ عمرو وقلبه، فثبت بهذا أن للعالم حالة راجعة إلى الجملة، وهذه ~~الحالة إنما تشتبه بكونه معتقدا وظانا وناظرا ولا يصح رجوعها إلى شيء من ~~ذلك؛ لأن جميع هذه الأشياء قد ms110 تحصل مع تعذر الأحكام، فيجب أن يكون غيرها، ~~وهي كونه عالما. # فصل # وإذا ثبتت هذه الحالة في الشاهد فهي تثبت للباري تعالى؛ لأن الطريق ~~واحدة، وتصحيح هذا على نحو ما مر في مسألة قادر، وليس عدم الأحكام في بعض ~~الأفعال يدل على فقد هذه الصفة لجواز أن تكون الحكمة في أن لا يكون محكما، ~~ألا ترى أن كثيرا من أفعال الباري تعالى لا يكون محكما، وإن كان حكمة لحصول ~~غرض فيه مع حسنه. # فصل فيما يجوز أن يجرى عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه عالما وما لا يجوز # أما الأسماء الجائزة، فمنها: العالم والعليم والعلام، وفي الأخير من ~~مبالغة تفيد استحالة الجهل. # ومنها: العارف إذ لا فرق بين العلم والمعرفة، لكنه أقل استعمالا من ~~العالم، وأيضا لا يتأتى فيه من المبالغة ما يتأتى في العالم، فلا يقال عراف ~~لاتهامه الخطأ. # ومنها: الداري، أي العالم، قال الشاعر: # لا هم لأدرى وأنت الداري PageV01P138 وهو وإن كان أصله من دريت الصيد إذا توصلت إليه بحيلة، فأصل الاشتقاق لا ~~يراعى في الألفاظ إذا وقع التعارف على وجه معنى صحيح كالحال، فإن أصله ~~التغير والانقلاب، ثم استعمل في الصفات، ومنها البصير كما يقال: فلان بصير ~~بكذا أي عالم به، وإن كان يستعمل بمعنى كونه حيا لا آفة به، ويستعمل مبالغة ~~في المبصر. # ومنها: الحكيم، أي العالم، قال تعالى: {وآتيناه الحكمة} وقال: {ومن يؤت ~~الحكمة} أي: العلم، ويستعمل بمعنى المحكم أي فعل الحكمة /91/ فيكون من صفات ~~الأفعال، ويستعمل أيضا بمعنى المحكم بالفتح نحو: والقرآن الحكيم. # ومنها: الواجد عند بعض شيوخنا، ومنه قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}. ~~وقيل: يقر حيث ورد لإيهامه الخطأ من حيث لا يطلق الوجدان إلا بعد طلب. # ومنها: الرائي لا بمعنى المشاهدة، لأن الرؤية كما تستعمل حقيقة في ~~المشاهدة تستعمل حقيقة في مطلق العلم، وعلته قوله تعالى: {أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة}، ونحوه ألم يعلم. # ومنها الخبير، أي العالم بكنه الشيء كالعلم، وقيل: معناه المخبر كالسميع ~~بمعنى المسمع في نحو قوله: ms111 أمن ريحانه الداعي السميع. # ومنها: الرقيب، نحو: {كنت أنت الرقيب عليهم}، وقد تعورف به في العالم ~~بتفاصيل الأحوال، وإن كان أصله من الارتقاب لحال غيره، ومثله الحفيظ، وإن ~~كان يستعمل بمعنى الحافظ، فيكون من صفات الأفعال. # ومنها: الشهيد، مبالغة في الشاهد، أي العالم الذي لا تخفى عليه الأسرار، ~~ويستعمل بمعنى المدرك، فيكون من بابه. # ومنها: المطلع عند بعض شيوخنا؛ لأنه قد تعورف به في العالم، وقيل: يقر ~~حيث ورد لإيهامه المشاهدة من المكان المرتفع إلى المكان المنخفض. # ومنها: الواسع، قيل: معناه العالم. وقيل: معناه الغني. وقيل: معناه ~~المكثر من العطاء. وقيل: يقر حيث ورد لإيهامه الخطأ، إلا أن يفيد نحو: واسع ~~الرحمة والعطاء، ونحو ذلك. PageV01P139 # وأما الأسماء التي لا تجوز في هذا الباب: فنحو قولنا طبيب؛ لأنه قد تعورف ~~به في من يتعاطا صناعة مخصوصة، وكذلك الفقيه؛ لأن الفقيه إنما يستعمل ~~بالعرف في ما يدخله بعض غموض، وكذلك الشاعر؛ لأنه يفيد ضربا من التفطن ~~لمعاني الكلام وقوافي الشعر، ولأنه لا بد فيه من تجدد، فلا يستعمل إلا في ~~ما علم بعد جهل، وكذلك الفطن؛ لأنه يفيد استدراك معاني الكلام مع نوع صعوبة ~~من فكر أو استنباط، وكذلك المتقين لإفادته حصول العلم بطلب بعد إن لم تكن، ~~ومثله المتحقق والمتبصر والمتيقن، كلها تقيد حصول العلم بعد البحث، فيرتفع ~~الشك، وكذلك لا يوصف الباري تعالى بأنه يحسن الأشياء. قال أبو علي: لأنه ~~يفيد أول العلم بما يدركه المرء ويشاهده، وهو تعالى مستمر علمه بالأشياء. # وقال ابن هاشم: بل لأنه يفيد إدراكه للأشياء بحاسة، وكذلك الحاذق؛ لأنه ~~يفيد نوع معالجة، ولأنه في الأصل اسم للقاطع يقال سكين حاذق، وخل حاذق أي ~~قاطع، وكذلك الذكي، لا يستعمل إلا في ذي قلب سريع التلقن، وكذلك الحافظ ~~بمعنى العالم لإيهامه حفظ الدرس بخلاف الحفيظ، وكذلك العاقل /92/ لأن هذه ~~العلوم إنما سميت عقلا لمنعها صاحبها عما ينزع إليه نفسه مأخوذ من عقال ~~الناقة، والمنع يستحيل على الله تعالى، وكذلك المعتقد؛ لأنه مأخوذ من عقد ~~الخيط كان المعتقد ms112 بعقد قلبه على شيء، وكذلك المحيط لا يصح إجراؤه إلا مع ~~التقييد نحو أحاط بكل شيء علما لإيهامه الجسمية، وكذلك لا يقال: ساكن النفس ~~لإيهامه السكون المعاقب للحركة، ولأنه مجاز، وكذلك المتعجب؛ لأنه يفيد حصول ~~العلم للإنسان بما لم يكن عالما به مما لم تجر به العادة، وفيه غرابة. PageV01P140 # وأما الغم والندم والأسف الحسرة ونحو ذلك فلا شبهة في امتناع إجرائها عليه ~~تعالى؛ لأنها تفيد اعتقادا مخصوصا فيما يرجع إلى فوات النفع أو وقوع الضرر ~~وهو مستحيل عليه تعالى. وقوله تعالى: {يا حسرة على العباد} مجاز. وقيل: ~~معناه أن أفعالهم تصير حسرة عليهم. وقوله: فلما أسفونا مجاز. وقيل: تقديره ~~فلما أسفوا أولياءنا. # القول في أن الله تعالى حي # الحي هو المختص بصفة لمكانها يصح أن يقدر ويعلم، وخصصنا أن يقدر ويعلم ~~دون سائر ما يصححه كونه حيا؛ لأنهما يصحان لكل حي في كل وقت، وما عداهما ~~ليس كذلك. # فصل # ذهب المسلمون وكثير من الناس إلى أن الله تعالى حي، والخلاف في ذلك على ~~نحو ما مر في مسألة قادر وعالم، لنا أنه تعالى قادر عالم والقادر العالم لا ~~يكون إلا حيا، أما أنه قادر عالم فقد تقدم بيانه. # وأما أن القادر العالم لا يكون إلا حيا فهو على الجملة معلوم ضرورة، ~~ولهذا يصفة العقلاء بأنه حي. # وطريقة التفصيل فيه: أنا وجدنا في الشاهد جسمين أحدهما صح أن يقدر ويعلم ~~بخلاف الآخر، ولا بد لهذه التفرقة من أمر، وليس إلا صفة ترجع إلى الجملة، ~~وهي كونه حيا، وتصحيح هذه الأصول تجري على نحو ما سلف، والذي يشتبه أن يرجع ~~بهذه الصفة إليه كونه قادرا، وذلك لا يصح؛ لأن حكمها وهو صحة الإدراك مخالف ~~لحكم كونه قادرا، وهو صحة الفعل، ولا يقال الحكمان، وإن اختلفا يرجعان إلى ~~صفة واحدة كأحكام التحيز؛ لأنا نقول صحة الإدراك تكشف عن صفة قد تكون ~~متماثلة، وصحة الفعل تكشف عن صفة مختلفة بكل حال، وكشف هذين الحكمين عن ~~التماثل والاختلاف إنما هو بحسب اتحاد المتعلق، وتعدده لا ms113 بحسب كون الحكم ~~في نفسه متماثلا أو مختلفا. # فصل PageV01P141 وقد ذهب أبو الحسين وابن الملاحمي في كونه حيا إلى مثل ما ذهبنا إليه في ~~كونه قادرا، وذكر أن الشيوخ استدلوا مع ما تقدم إلى إثبات هذه الحالة بأن ~~أحدنا أجزاء كثيرة، وقد صارت شيئا واحدا /93/ فلا بد من حالة واحدة بخلاف ~~البنية، فإنها أمور كبيرة، وبأن أحدنا مدرك واحد، فيجب أن يختص بحالة ~~واحدة، يصحح كونه مدركا. # واعترضنا على هذين الدليلين وعلى ما تقدم بأن من صح أن يحيي فارق من لا ~~يصح أن يحيي، فكان يلزم تعليل هذه المفارقة بحالة للجملة. # وقد أجاب الجمهور عن هذا بأنا إنما أوجبنا تعليل هذه المفارقة بأمر، فأما ~~أن ذلك الأمر صفة ترجع إلى الجملة فإنما تعلم بدليل آخر، وهو أن الحكم قد ~~صدر عن الجملة، فيجب أن يعلل بأمر راجع إلى الجملة، وصحة أن يحيي الآخر ~~أحكم لم يصدر عن الجملة لأنها لا تكون جملة إلا بعد كونها حية، فلهذا عللنا ~~المفارقة فيه بأمر راجع إلى الإجزاء، وهو البنية المصححة لوجود الحياة. # قال الجمهور: ولو لم يحتج كونه قادرا عالما إلا إلى القدرة والعلم دون ~~حال الجملة للزم صحة الفعل باليد المثابة لوجود القدرة التي هي البنية ~~فيها، ولا حكم للاتصال، ألا ترى أن الظفر والشعر متصل وليس بداخل في جملة ~~الحي، فصح انه إنما يتعذر الفعل باليد المتانة لخروجها عن جملة الحي. # قال ابن الملاحمي: بل إنما يتعذر الفعل بها لفقد الحياة المصححة للقدرة، ~~ويمكن أن يقال له: أوليس المرجع بالحياة عندك إلى البنية المخصوصة كالقدرة، ~~فما دليلك على زوالهما جميعا على اليد المنانة، ولم وجب زوالهما بالإبانة. PageV01P142 # واستدل الرازي لمذهب الجمهور بأنه إذا كان معنى الحي عند أبي الحسين هو ~~الذي لا يمتنع أن يقدر ويعلم، فهذه إشارة إلى نفي الامتناع والامتناع نفي ~~ونفي النفي إثبات، فقد ثبت أمرا زائدا على الذات، وهو المطلوب، وهذا ليس ~~بالمقنع؛ لأن أبا الحسين يثبت حكما زائدا على الذات، وهو صحة أن يقدر ~~ويعلم، ms114 وإنما نفى الحال التي يستند إليها هذا الحكم. # قالت الفلاسفة على أصل المسألة: إن القادر العالم في الشاهد كما يجب أن ~~يكون حيا يجب أن يكون جسما ومتحركا وملتذا، وجائزا عليه الموت فقولوا مثله ~~في الله تعالى. # قلنا: إن كونه حيا إنما يصحح القادرية والمعالمية ونحوهما دون كونه جسما، ~~وسائر ما ذكرتم، وإنما وجبت هذه الأمور في الشاهد من حيث يستحق هذه الصفات ~~لمعان يحتاج إلى بنية. # قالوا: فيغلب عليكم فنقول إنما كان القادر العالم في الشاهد حيا؛ لأنه ~~يستحقها بين الصفتين لمعان توجب للجملة، وإنما تكون جملة إذا كانت حية، ~~وكذلك يحتاج إلى محل مبني بنية مخصوصة، والقديم يستحقها لذاته. # قلنا: بل إنما وجب أن يكون القادر /94/ العالم في الشاهد حيا لتعلق بين ~~هاتين الصفتين وبين كونه حيا بدليل إنما دخل في جملة الحي دخل في جملة ~~القادر العالم، وما خرج عن جملة الحي خرج عن جملة القادر العالم. يوضحه أن ~~العبرة بصحة أن يقدر ويعلم سواء حصل قدره وعلم أم لا. # قالوا: كونه قادرا عالما فرع على كونه حيا، فلا يصح الاستدلال بهما عليه ~~كما أن أفعال الباري تعالى فرع عليه في الثبوت، ويصح الاستدلال بها عليه. # قالوا: كما تصحح هذه الصفة كونه قادرا عالما تصحح أيضا كونه مشتهيا ~~ونافرا ونحوهما، فيلزم جواز ذلك على الله تعالى،وهو محال. PageV01P143 # قلنا: إنما تصح هذه بشرط جواز الزيادة والنقصان والمنافع والمضار كما تصحح ~~كونه حيا، هل الشرط أن لا يجب كونه عالما، والضبط في مثل هذا أنه لا يلزم ~~من الاشتراك في صفة الاشتراك في صفة أخرى إلا إذا كانت إحداهما حقيقة في ~~الأخرى ككونه قادرا وكونه حيا أو مقتضية لها كالتحيز والجوهرية أو كان ~~دليلهما واحدا. # فصل # إذا ثبت أن للحي بكونه حيا صفة في الشاهد فكذك في حقه تعالى لاستمرار ~~طريقهما في الموضعين، وهي معنوية في الشاهد لمثل ما تقدم في غيرها، وستأتي ~~كيفية استحقاق الجميع في حقه تعالى. # فصل # والذي يجري عليه تعالى من الأسماء بهذا المعنى نحو ms115 قولنا حي، وكذلك سميع ~~بصير؛ لأن المرجع بكونه سميعا بصيرا إلى أنه حي لا أنه كما سيأتي، وأما ~~قولنا حيوان أو روحاني فلا يصح إجراؤه عليه تعالى، لأنه يفيد الحياة ~~والجسمية. # القول في أن الله تعالى سميع بصير # المرجع بذلك عند الجمهور إلى أنه حي لا آفة به، وحكي عن الشيخ أبي هاشم ~~إثبات حالة زائدة، وهو لا يصح؛ لأن العلم بكونه سميعا بصيرا يدور مع العلم ~~بكونه حيا لا آفة به ثبوتا وانتفاء، فلو كانتا غيرين لصح انفصال أحدهما عن الآخر. # واعلم أن الحكاية في ذلك عن أبي هاشم رحمه الله تعالى محتملة؛ لأنه إنما ~~ذكره في بعض الأبواب أن العلم بأنه حي يخالف العلم بأنه سميع بصير من حيث ~~قد يعلم كونه حيا بصحة أن يقدر ويعلم، وإن لم يعلم هل هذه الصفة تقتضي صحة ~~الإدراك أم لا، ثم يعلم اقتضاءها لصحة الإدراك من بعد بنظر آخر، فأخذ ~~الحاكي من هذا الكلام أنه يثبت حالة زائدة على كونه حيا، وهذا لا يدل على ~~أنه يثبتها؛ لأن اختلاف العلمين بالذات كما يكون لاختلاف حالين لها قد يكون ~~لتغابن أحكام حال واحدة. ولما كان لكونه حيا أحكام متغايرة منها صحة أن يقدر. PageV01P144 # منها صحة أن يعلم، ومنها صحة أن يدرك كأن العلم بصحة كون الذات حية على بعض ~~هذه الأحكام غير العلم بكونها حية /95/ على البعض الآخر لتغاير الأحكام، ~~ومع هذا التأويل يصير كلام أبي هاشم في نقض الأبواب موافقا لكلامه في غيره، ~~ولكلام الشيوخ، ولهذا قال ابن الملاحمي في الفائق: ذهب الشيخ أبو هاشم ~~وأصحابه إلى أن معنى كونه سميعا بصيرا هو أنه لا يستحيل أن يدرك المسموع ~~والمبصر إذا وجد، وهذا يدل على أن أبا هاشم موافق سائر الشيوخ. # القول في أن الله تعالى مدرك المدرك # عندنا هو المختص بصفة لمكانها يسمع ويبصر في الحال، وقد اتفق المسلمون ~~على أنه تعالى سامع مبصر. وخالف أهل الإلحاد كما تقدم، لنا أنه تعالى حي لا ~~آفة به ولا مانع له ms116 والمدرك موجود، وهذه الأمور هي التي معها تدرك ~~المدركات، أما أنه حي فقد تقدم، وأما أنه حي لا آفة به ولا مانع له؛ فلأن ~~الآفات والموانع إنما تجوز على الأجسام ذوي الحواس، وأما أن المدرك موجود ~~فلأن المدركات ثمانية أجناس، وكلها موجودة، وأما أن هذه الأمور هي التي ~~معها تدرك المدركات فدليله الشاهد، وذلك ضروري، وقد قال تعالى: {وهو يدرك ~~الأبصار}، وقال: {إنني معكما أسمع وأرى} ونحو ذلك من الآيات. # فصل # واختلف الناس في تفصيل كونه مدركا، فقال جمهور البصريين من شيوخنا: هي ~~حالة زائدة على الذات، وعلى صفاتها، وبه قال أهل الجبر. # وقال البغداديون: معنى ذلك أنه عالم بالمدركات. # وقالت الفلاسفة: ليس إلا انطباع المدرك في الحاسة فقط، حكاه أبو الحسين ~~عنهم، ولم نجبهم عنه، ولا صرح بكونه مذهبا له، وإنما ذكره اعتراضا على ~~البهشمية في إثبات الحال. PageV01P145 # لنا أن أحدنا يجد التفرقة بين كونه مدركا وبين كونه غير مدرك، فلا بد من ~~أمر يعلل به هذه التفرقة، وليس إلا صفة للجملة في الشاهد، وللحي في الغايب، ~~أما أن أحدنا يجد التفرقة فهو ضروري، وأما أنه لا بد من أمر فلما تقدم، ~~وأما أن ذلك الأمر ليس إلا صفة، فلأن كونه مدركا لو كان ذاتا لعلم على ~~انفراده ولو كان حكما لما علم إلا باعتبار غير أو ما يجري مجراه، بقي أن ~~يكون صفة، ولا يجوز ان يرجع بها إلى كونه حيا؛ لأنها تتعلق دون كونه حيا، ~~ولأنها واجبة دون كونه حيا، ولأنها تتجدد مع استمرار كونه حيا، ولأنها توجد ~~من النفس دون كونه حيا، ولا يجوز أن يرجع بها إلى كونه عالما كما يقوله ~~البغداديون، لأن أحدنا يعلم ما لا يدرك كالقديم تعالى والمعدوم، وكثير من ~~الأعراض، ويدرك ما لا يعلم كقرض البق والبرغيث، ولئن أحدنا قد يعلم الشيء ~~فإذا أدركه /96/ وجد مزية غير كونه عالما، ولأن كونه مدركا واجب وكونه ~~عالما قد يكون جائزا، ولأن كونه مدركا يتجدد ويزول مع استمرار كونه عالما ~~وثبوته. # ولا يجوز أن ms117 يرجع بها إلى الانطباع وتأثير المرئي في الحواس كما تقوله ~~الفلاسفة؛ لأنه غير معقول، ولأنا ندرك الأجسام العظام كالسماء والجبال ~~ويستحيل انطباعها في الحاسة لأنها صغيرة، ولأن كون أحدنا مدركا أمر صادر من ~~جهته والانطباع صادر من جهة المرئي، ولأنا ندرك ما يعلم بالضرورة أنه لم ~~ينتقل إلى حواسنا، وفي ما يدرك ما لا يصح عليه الانتقال كالأعراض، ولأنا ~~نفعل الصوت ويسمعه الغير، فلو كان سماعه له هو تأثيره في حاسته لكنا نحن ~~الفاعلين لذلك السماع بفعلنا لسببه وهو الصوت. # شبهتهم: إن أحدنا إذا أدمن النظر إلى الشمس ثم غمض عينيه رأى الشمس كأنه ~~لم يغمض، وكذلك إذا أدمن النظر إلى الخضرة ثم أبصر لونا أبيض رآه كأنه ~~أخضر، فدل مثل ذلك أن المرئي ينطبع في الحاسة. PageV01P146 # والجواب أن ذلك هو لأمر يرجع إلى الشعاع وافتراقه، فيتخيل عند الانصراف أنه ~~يرى الشيء بدليل أنه لا يكون إلا مع الإدامة الشديدة، وفي حق من بصره ضعيف، ~~ولو كان للإنطباع لحصل من أول مرة. وأيضا فمتى غمض عينيه تخيل له أنه يرى ~~الشمس مقابلة له، ولو كان للانطباع لم يرها؛ لأن من حق المرئي أن ينفصل عن ~~الحاسة. وأيضا فإذا أطبق عينيه والحال هذه فربما تتخيل له الشمس في غير ~~صورة البياض فبطل ما قالوه، وثبت أن للمدرك بكونه مدركا حال، والكلام في ~~رجوعها إلى الجملة في الشاهد وإلى الحي في الغائب مثل ما تقدم في مطائره. # فصل # وهذه الحال تثبت للباري تعالى، وقال البغداديون إن لم يرجع بها إلى كونه ~~عالما فلا تثبت للباري تعالى. # لنا أنها مقتضاة في الشاهد عن كونه حيا فقط، وما عدا ذلك من صحة الحاسة ~~وزوال المانع ووجود المدرك فهو شرط، وقد حصل هذا المقتضى على الحد الذي ~~يقتضي في حقه تعالى، فيجب ثبوت هذه الصفة له، وهذان أصلان: # أما الأصل الأول وهو أنها مقتضاة عن كونه حيا فقط فلأنا نعلم بالضرورة ~~وقوفها على هذه الأمور ثبوتا وانتفاء. # ولا يجوز أن تكون كلها مؤثرة، والشرط غيرها ms118 لأنه كان يلزم صحة حصولها ولا ~~يدرك بأن لا يصحل ذلك الشرط ولأنها أمور كثيرة مختلفة، ولا يصح تأثيرها في ~~صفة واحدة، ولأن فيها ما يرجع إلى النفي، وما يرجع إلى المحل وكونه مدركا ~~أمر ثابت راجع إلى الجملة، وبهذا يبطل أن يكون المؤثر صحة الحاسة أو زوال المنع. # ولا يجوز أن يكون المؤثر وجود المدرك؛ لأنه أمر منفصل عن المدرك، فلا ~~يؤثر في ما يرجع إلى المدرك. بقي أن يكون المؤثر كونه حيا والباقي شرط وهو ~~المطلوب. PageV01P147 # وقد استدل ابن الملاحمي /97/ بأن العلم بكونه حيا يتبعه العلم بصحة أن ~~يدركه على بعض الوجوه، وهي أن تحصل الشروط، قال: لأن العقلاء متى علموه ~~حيا، وأخبروا بأنه أدرك لم يحيلوا ذلك بخلاف الجماد، وفيه نظر؛ لأن لقائل ~~أن يقول: إنما أحالوا ذلك في الجماد؛ لأن كونه حيا شرط والمؤثر وجود المدرك ~~مثلا، ألا ترى أنهم لو أخبروا بأن الحي أدرك شيئا لم يوجد لأحالوا ذلك، ~~والعلم بصحة الإدراك كما يتبع كونه حيا يتبع وجود المدرك وغير ذلك مما ~~جعلناه شرطا. # فإن قال: كان يلزم إذا وجد المدرك صح إدراك الجماد له على بعض الوجوه. ~~قيل له: لست تريد بقولك على بعض الوجوه إلا حصول الشروط، وكذلك يقول الخصم ~~هنا؛ لأن كونه حيا من جملة الشروط عنده، فالجماد يصح أن يدرك إذا حصل ~~الشرط، وهو كونه حيا، وأما الأصل الثاني وهو أنه قد حصل المقتضى على الحد ~~الذي يقتضي في حقه تعالى، فلأنه حي لا آفة به ولا مانع له، والمدركات ~~موجودة. # فإن قيل: من جملة الشروط صحة الحاسة، وهو مفقود في حقه تعالى. # قلنا: إنما يجب أن يكون شرطا في حق الحي بحياة؛ لأنه إنما يدرك بالآلة ~~فاعتبر صحتها. # شبهة البغداديين أنه تعالى لو كان مدركا بهذا المعنى لكان قد حصل على هذه ~~الصفة بعد إن لم يكن عليها، وذلك تغير. # والجواب إن أردتم بالتغير أنه قد حصل له صفة لم يكن عليها، فذلك نقول لكن ~~من أين لكم أن هذا ms119 يسمى تغيرا أليس إذا أدرك أحدنا بعد إن لم يعلم لم يقل ~~اهل اللغة أنه قد تغير، وأنه قد تغير وإن أردتم بالتغير أن ذاته صارت غير ~~ما كانت فذلك غير لازم، دليله الشاهد قالوا: لو حصلت هذه الصفة بعد إن لم ~~تكن مدركا أو علم بعد إن لم يكن، لكانت معنوية، قلنا إنما يكن معنوية إذا ~~ثبتت مع الجواز، وهذه تثبت مع الوجوب. # قالوا: يلزم أن يسمى شاما وذائقا ولامسا. PageV01P148 # قلنا: ليست هذه أسماء المدرك، وإنما هي اسماء لمن جمع بين آلة الإدراك وبين ~~المدرك طلبا لإدراكه سواء أدرك أم لا، وإن سلمنا أنها من أسماء المدرك ~~فإنما هي أسماء لمدرك مخصوص وهو المدرك بالحاسة كما في المباشر والمتعدي. # قالوا: لا طريق إليها إلا حكمها، وهو كونها طريقا إلى العلم، وهذا لا يصح ~~في حقه تعالى؛ لأنه عالم لذاته. # قلنا: إنما يستدل عليها لحكمها إذا لم تكن معلومة بنفسها، وهذه موجودة من ~~النفس، وإن سلمنا أنها لا توجد من النفس فالطريق إليها مقتضتها وهو كونه ~~حيا لا ما ذكرتم. # فصل # إذا ثبت كونه تعالى مدركا فهو مدرك لجميع المدركات. وقال أبو القاسم بن ~~سهلويه: يدركها إلا الألم واللذة. # لنا أن كونه حيا مع المدركات على سواء. # قال: كان يجب أن يسمى ألما وملتذا. قيل له /98/ معارض بالشام والذائق ~~واللامس. والتحقيق أن الألم والملتذ اسم لمن يدرك الألم واللذة بمحل الحياة ~~فيه مع الشهوة والنفرة، وذلك مستحيل في حقه تعالى. # فصل # قد علمت بما سلف أن هذه الصفة مقتضاة عن كونه حيا، والذي يختص هذا المكان ~~مما يؤكد ذلك إبطال كون الإدراك معنى، وقد خالف أبو علي وأبو الهذيل ~~والبغدادية والصالحي وصالح قبة والأشعرية، إلا أن الأشعرية يثبتونه معنى ~~شاهدا وغائبا، وهؤلاء الشيوخ يثبتونه معنى في الشاهد فقط. # لنا: أن هذه الصفة تقترن صحتها بوجوبها وإلا انفتح باب الجهالات وارتقعت ~~الثقة بالمشاهدات، فكان يجوز أن يكون بين أيدينا فيلة ونحوها، ولا ندركها ~~بأن لا يخلق الله الإدراك فينا أو بأن ms120 لا نفعله نحن؛ لأنه مقدور لنا عند ~~البغداديين، ومعلوم أنا نعلم بالضرورة أنه لا فيل بحضرتنا، وهذا العلم ~~يستند إلى أنه لو كان لرأيناه ولا ينقلب علينا في العلم الحاصل عند ~~المشاهدة، فيقال: يلزم صحة أن نشاهده ولا يخلق الله العلم؛ لأن المشاهدة ~~طريق إلى العلم، فيجب حصوله عند حصول طريقه مع سلامة الحال. PageV01P149 # وقلنا: مع سلامة الحال احترازا من مشاهدة الساهي والنائم، ومن لا عقل له، ~~فإن قال: نحن نقطع على أنه لا فيل بحضرتنا. قيل له: هذا يستند إلى أنه لو ~~كان لرأيناه، وإذا جوزت أن يكون ولا تراه لم يمكنك القطع بذلك. # فإن قال: قد جوزتم أشياء وقطعتم على خلافها نحو أن الله يخلق مكلفين ~~يشتبهان من كل وجه، وأن يميت العالم الآن وأن يقيم القيامة الآن، ونحو ذلك. ~~قلنا: كل هذه علوم مبتدأة لا يستند إلى شيء بخلاف العلم بأنه لا فبل ~~بحضرتنا، فإنه يستند إلى أنه لو كان لرأيناه، وذلك مما لا يمكن إنكاره بل ~~يعلمه الصبيان، فإنك لو مددت الحصبي بيدك فارغة وقلت له خذ هذا الدرهم لقال ~~لا شيء في يدك، ولو كان لرأيته. # دليل: لو كان الإدراك معنى لكان لا يتعلق على التفصيل إلا بمتعلق واحد، ~~فكان يجوز حصول مدركات بين أيدينا ولا ندرك إلا واحدا منها. # دليل لو كان معنى لجاز أن ندرك الذرة على الجبل ولا ندركه، بأن يخلق فينا ~~إدراكها دونه لجواز انفصال أحد الإدراكين عن الآخر. # دليل لو كان معنى لوجب أن يدرك الرقيق والمحجوب بأن يحصل إدراكه؛ لأن ~~إيجاب العلل لا تقف على شرط، وهذا كله يبطل كون الإدراك معنى في الشاهد، ~~وأما في حقه تعالى فما أبطله أن يكون قادرا لمعنى أبطل أن يكون مدركا ~~لمعنى، على أنه إذا بطل كونه معنى في الشاهد بطل في حقه تعالى؛ لأن المجبرة ~~إنما أثبتوه له تعالى قياسا على الشاهد. # فصل # والذي يجري عليه تعالى من الأسماء /99/ في هذا الباب نحو قولنا مدرك ~~وسامع ورائي ومبصر، ولا يصح آخر ms121 شيء من هذه الأوصاف إلا بعد وجود المدركات، ~~وأما قولنا مشاهد فلا يصح إجراؤه عليه؛ لأنه يفيد ما يرجع إلى طريقه ~~المقابلة. # القول في أن الله تعالى قديم # القديم في اللغة: هو ما تقادم وجوده ومنه حتى عاد كالعرجون القديم، وفي ~~الاصطلاح هو الموجود الذي لا أول لوجوده، ولنتكلم في طرفين أحدهما أنه ~~تعالى موجود، والثاني أنه لا أول لوجوده. PageV01P150 # أما الطرف الأول، وهو أنه تعالى موجود، فلا يحتاج إلى استدلال عند من يجعل ~~الوجود هو ذات الموجود شاهدا وغائبا كما يقوله ابن عياش وابو الحسين غائبا، ~~فقط كما تقوله الفلاسفة، والأشعرية إلا أن هؤلاء إنما منعوا من كونه زائدا ~~وغائبا على أنه البلاء يقتضي التكثير لا لما يقوله شيوخنا. # وأما جمهور المعتزلة فيجعلونه زائدا على الذات شاهدا وغائبا، فاحتاجوا ~~إلى الاستدلال، وصحة ما يقولونه مبني على أن المعدوم ذات وسلف تقريره. ~~ويزيده وضوحا أن الوجود متماثل والذوات مختلفة، وأيضا فالوجود بديهي التصور ~~لا يحتاج إلى حد، ولو كان الوجود هو الذات لكان الذوات كلها بديهية التصور، ~~ومعلوم أن فيها ما لا يتصور رأسا كذات القديم، وفيها ما لا يتصور بالبديهة ~~بل بالحدود، وبعد، فقد اتفق الناس على قولهم أن ذات الباري واجبة الوجود، ~~ولو كان الوجود هو الذات لكان ذلك بمنزلة قولهم إن ذات الباري واجبة الذات. # وأما ما منع به الشيخ محمود على أصحاب أبي هاشم من أنهم يجوزون بعد إقامة ~~الدلالة على أن الله تعالى قادر عالم حكيم مرسل من مثيب معاقب أن يكون مع ~~ذلك معدوما حتى تقوم الدلالة على وجوده، وأنه متعجب من هذا ومستطرق له، ~~فيمكن الجواب عليه بأن يقال من أين لك أن أصحاب أبي هاشم يجوزون كونه ~~معدوما بعد إقامة الدلالة على كونه قادرا عالما أوليس كونه قادرا عالما هما ~~الدليل على كونه موجودا عندهم، فكيف يجوزون كونه معدوما مع قيام الدليل على ~~وجوده، بل لا يجوزون ذلك، ولا يجوزه المميز من العوام؛ لأن من علم كونه ~~قادرا عالما علم كونه موجودا ms122 على الجملة، وإنما يستدلون على تفصيل ذلك ~~وكيفية دلالة كونه قادرا عالما عليه إذا ثبت هذا فالدليل على أن الله تعالى ~~موجود هو انه تعالى قادر عالم والقادر العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه، ~~والعدم يحيل التعلق فثبت بذلك وجوده، فهذه أربعة أصول. # أما أنه قادر عالم فتقدم. PageV01P151 # وأما أن القادر العالم له تعلق بمقدوره ومعلومه فلأن معنى /100/ ذلك أنه ~~يصح منه إيجاده مع سلامة الحال أو إيجاده محكما تحقيقا أو تقديرا، والأول ~~حاصل لكل قادر، والثاني حاصل لكل عالم، وأ/ا أن العدم يحيل التعلق فلأنا ~~وجدنا معاني متعلقة كالإرادة وغيرها، ووجدنا تعلقها يزول إذا عدمت، ولا علة ~~لزواله إلا عدمها، فلو كان تعالى معدوما لزال تعلقه، فيبطل كونه قادرا ~~عالما، ويريد بتعلق الإرادة صحة إيقاع المراد بها على وجه دون وجه، ~~وإيجابها الصفة للمريد. # ويدل على أنها إذا عدمت زال تعلقها أنها لو تعلقت بعد العدم لما انفصل ~~وجودها من عدمها، ولجاز أن يكون أحدنا مريدا للشيء كارها له في حالة واحدة ~~بإرادة وكراهة معدومتين، وأيضا فلو نفى تعلقها بعد العدم لكانت إما أن ~~تتعلق بما تعلقت به من قبل وهو باطل لأنه ما من مراد إلا ويجوز نقيضه ~~وتعلقها بالمقتضى محال، وأما أن تتعلق بغيره وهو باطل؛ لأن فيه اتصافها ~~بصفة مخالفها من حيث يجوز أن يكون قد تعلق بذلك الغير إرادة أخرى حال تعلق ~~هذه بالمراد الأول، فيكونان مختلفين، فمتى تعلقت هذه بما تعلقت به مخالفتها ~~صارت بصفة مخالفها، وأيضا فأحدنا يخرج عن كونه مريدا وعالما حال النوم، ~~ويدل على أن علة زوال تعلقها عدمها أن العلم بزوال التعلق يدور مع العلم ~~بالعدم ثبوتا وانتفاء، وليس هناك ما هو أولى من العدم بأن يجعل علة في زوال ~~التعلق، والذي يشتبه أن يقال أن العلة في زوال تعلقها تقضى مرادها أو ~~خروجها عن الصفة المقتضاة او عن أن توجب صفة للمريد، والأول باطل، وإلا وجب ~~أن يتعلق حال عدمها إذا لم ينقض المراد والثاني والثالث باطلان؛ لأن خروجها ~~عن ms123 الأمرين كزوال تعلقها فليس البعض بأن تعلل بالبعض أولى من العكس، ولأن ~~ذلك تابع لعدمها، فالعدم بأن يكون علة أولى، ولا يقال هذا تعليل نفي ينفي؛ ~~لأن ذلك جائز إذا كانت العلل كاشفة، ولهذا تعلل انتفاء صحة الفعل بانتفاء ~~القادرية. PageV01P152 # وأما أنه يثبت بذلك وجوده تعالى فلأنه لو كان معدوما لم يكن له تعلق ~~بمقدوره ومعلومه لحصول علة زوال التعلق، وذلك يعود على كونه قادرا عالما ~~بالبعض. # دليل، قد ثبت في صفة الأجناس المقتضاة كالتحيز في الجوهر والهيئة في ~~اللون أنها مشروطة بالوجود ولا بد من أمر لأجله كان ذلك الوجود شرطا وإلا ~~لم يكن بذلك أولى من ألا يكون، وذلك إما أن يكون كونها صفات فقط أو كونها ~~مقتضاة فقط، وكونها صفات مقتضاة، والأول باطل؛ لأن الذاتية صفة، وهي غير ~~مشروطة بالوجود، والثاني باطل؛ لأن المماثلة /101/ والمخالفة أحكام ~~مقتضيات، وليست مشروطة بالوجود، بقي أن تكون العلة كونها صفات مقتضاة، وقد ~~ثبت للباري تعالى صفات مقتضاة ككونه قادرا وعالما وغيرهما، فليكن مشروطه ~~بالوجود، ويجب أن يكون الله تعالى موجودا إذ لا يصح حصول المشروط دون الشرط ~~وإلا بطل كونه شرطا. # وأما الطرف الثاني وهو أنه تعالى لا أول لوجوده فلأنه لو كان لوجوده أول ~~لكان محدثا؛ لأن ذلك هو حقيقة المحدث، ولو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، ~~والمحدث إلى محدث حتى يتسلسل إلى ما لا يتناهى من المحدثين، ومحدثهم أو ~~ينتهي إلى محدث قديم، وهو المطلوب. # وبعد فلو كان تعالى محدثا لما صح منه، فعل الأجسام؛ لأنه حينئذ يكون ~~قادرا بقدرة محدثه فيكون جسما، وسيتضح أن الجسم لا يفعل الجسم. # فصل PageV01P153 في أنه تعالى باق وأنه لا ضد له. اعلم أن البقاء هو استمرار الوجود بدليل ~~أن من علمه مستمر الوجود علمه باقيا، العكس، ولا يعقل أحدهما من دون الآخر، ~~ولا ينقلب علينا في التحيز، وكونه كائنا؛ لأنه ما من كائنية إلا وتعقل ~~التحيز من دونها بل تعقل التحيز، وإن لم يخطر ببالنا الكائنية إذا ثبت هذا، ~~وقد ثبت أن ms124 الله تعالى واجب الوجود لم يزل، فيكون واجب الوجود لا يزال ~~لأنها صفة ذاتية فلا يصح خروجه عنها بحال، وقد ذهبت الأشعرية والكلابية إلى ~~أن الباقي يبقى ببقاء شاهدا وغائبا، وبه قال الكعبي شاهدا فقط. # لنا أنه لو كان البقاء معنى لكان جنس الفعل، فكان يصح حدوثه حال حدوث ~~الجوهر، فيكون حادثا باقيا. ولا ينقلب علينا في السكون، لأنا نجوز حصول ما ~~هو من جنسه حال الحدوث، لكن لا يسمى سكونا إلا بأن ينضم إليه مثله. # فإن قال إنه حصل حال الحدوث مانع وهو استحالة هذه الصفة. # قلنا: استحالة الصفة يتبع استحالة المعنى على أنا قد بينا أنه لا صفة ~~للباقي أكثر من استمرار الوجود، وإلا لزم أن يكون كونه فانيا صفة يضادها، ~~فيحتاج كل واحدة منهما إلى استمرار الوجود؛ لأن ما احتاج إليه أحد الضدين ~~احتاج إليه الآخر، وفي ذلك كون الفاني مستمر الوجود. # فإن قال: إنه يحصل حال الحدوث معنى يضاد البقاء وهو الحدوث كما يقول عناد ~~وهشام الفوطي. قلنا: ليس الحدوث معنى لأنه كان لا يخلو إما أن يكون قديما ~~فيلزم قدم الحوادث وإما محدثا فيحتاج إلى معنى، والكلام فيه كالكلام في ~~هذا، فيتسلسل، ثم إن سلمنا أن الحدوث معنى يضاد البقاء فكان يلزم أن يعاقب ~~البقاء كما يصح أن يعاقبه البقاء لأن هذا حق كل ضدين، فيلزم صحة أن يكون ~~الشيء حادثا باقيا بأن يحصل الحدوث حال البقاء. # فإن قال: إن البقاء يحتاج إلى استمرار الوجود. # قيل له /102/ كيف يصح ذلك واستمرار الوجود يحتاج إلى البقاء. PageV01P154 # دليل لو كان البقاء معنى لما صح بقاء كثير من الأعراض؛ لأن المعنى لا يختص ~~المعنى، وقد التزمه الأشعري وهو ظاهر السقوط؛ لأن الذي به يعلم بقاء الجسم ~~به يعلم بقاء اللون. # فإن قال: يختص محله قلنا فكان يقتضي بقاء جميع ما يحل ذلك المحل إذ لا مخصص. # شبهتهم أنه بقي بعد إن لم يكن باقيا، فلا بد من معنى. # والجواب: أنه لم تتجدد له صفة بعد إن لم تكن، ms125 بل هي صفة واحدة، ولكن ~~تغيرت التسمية، ولا يلزمنا في من علم الشيء حادثا ان يعلمه باقيا؛ لأن ~~العلم بالشيء على صفة في وقت غير العلم بكونه عليها في وقت آخر. # فصل # وكما أنه تعالى باق فهو لا ضد له، وإلا كانت صفات ذلك الضد الذاتية ~~بالعكس من صفاته تعالى، فإذا كان الله تعالى موجودا قادرا عالما لذاته كان ~~ذلك الضد معدوما عاجزا جهلا لذاته؛ لأن هذه سبيل كل ضدين. # دليل: لو كان له تعالى ضد لكان إما واجب الوجود لم يزل، وفي ذلك حصول ~~الضدين على الوجه الذي يتنافيان فيه وإثبات قديم مع الله، وكله محال، وإما ~~جائز الوجود لم يزل بدلا من القدم، وذلك يقدح في كونه تعالى واجب الوجود لم ~~يزل وهو محال. # القول في الصفة # الأخص هي الصفة الذاتية التي تقتضي لمن اختص بها كونه قادرا عالما حيا ~~موجودا، وقد نفاها الشيخ أبو علي ومن قبله ونفاة الأحوال وأهل الجبر ~~وأثبتها أبو هاشم والقاسم عليهم السلام، وأكثر من بعدهما. PageV01P155 # لنا أن الباري تعالى مخالف للمحدثات، ولا يجوز أن تقع المخالفة بنفس هذه ~~الصفات الأربع اتفاقا؛ لأنا قد شاركناه تعالى فيها، ولأنه كان يجب أن تختلف ~~الأجسام بحسب الاختلاف في هذه الصفات أو في أحدها، ولا يجوز ان يقع ~~بكيفيتها، وهو وجوها كما يقوله أبو علي؛ لأنه إن أريد بوجوبها أنه يستحيل ~~خلافها وأنها لا تزول في حال من الأحوال، وهذا نفي، والمخالفة لا تقع ~~بالنفي وإن أريد بوجوبها استمرارها في كل حال، فالمخالفة لا تقع بذلك، ألا ~~ترى أن أحد الجوهرين لو استمر له التحيز والآخر لم يتحيز إلا في وقت، ثم ~~عدم لم يقتض ذلك مخالفة بينها بعد اشتراكهما في التحيز، ولا يجوز أن يقع ~~بنفس الذات كما يقوله أبو الحسين وابن الملاحمي؛ لأنهما إن أرادا أنها تقع ~~بمجرد كونها ذاتا لم يصح لاشتراك الذوات في ذلك، وإن أرادا بكونها ذاتا ~~مخصوصة فلا معنى للخصوصية إلا أن لها صفة ليست لغيرها، وهو الذي يقول، وقد ms126 ~~علمت بهذا بطلان ما يقولانه من أن حقيقة المخالفة هي أن لا يكون أحد ~~الذاتين /103/ كالذات الأخرى؛ لأنا نقول أتريد أن لا يكون كالذات الأخرى في ~~كونها ذاتا في أمر زائد والأول باطل، والثاني هو المطلوب. # دليل لا شك أن الأصل في معرفة الاختلاف بين الذوات هو الإدراك، وما عداه ~~مشبه به، فلا بد من اختصاص كل ذات بصفة لو أدركت لأدركت عليها، والباري ~~تعالى لو أدرك لما أدرك على شيء من هذه الصفات الأربع؛ لأن غيره قد شاركه ~~فيها، فيجب أن يختص غيرها لو أدرك لأدرك عليها. # دليل قد ثبت وجوب الصفات الأربع له وجوازها لنا، فلا بد من أمر لأجله ~~وجبت له وجازت لنا، وإلا لم يكن ذلك أولى من عكسه، وذلك الأمر إما مجرد ~~الذات وهو باطل كما تقدم، وإما الفاعل أو العلة وهو أظهر فسادا، وإما صفة ~~ذاتية وهو المطلوب. PageV01P156 # دليل قد ثبت أنه لا بد للذات من صفة ذاتية ولا يجوز أن تكون هذه الصفات ~~الأربع ذاتية؛ لأن الذات لو اختصت بأكثر من ذاتية واحدة للزم أن تكون ~~مماثلة لنفسها إن كانت تلك الذاتيات متماثلة ومخالفة لنفسها إن كانت مختلفة ~~لحصولها على ما لو حصل عليه غيرها لماثل أو خالف. # واعترض بأن شرط المماثلة والمخالفة الغيرية، وهي مستحيلة في الذات ~~الواحدة، فلا يخالف نفسها، وأجيب بأنه كان يصح حصول هذا الشرط على بعض ~~الأحوال إذ لا يصح حصول المقتضى، ويستحيل شرط الاقتضاء على الإطلاق، وإلا ~~لم يفترق الحال بين ما يقتضى وما لا يقتضى، وقلنا على الإطلاق احترازا مما ~~لا يبقى إذا خرج وقت وجوبه، فإن وجوده قد استحال مع أنه شرط في اقتضاء ~~الذاتية للمقتضاة، ولكنه لم يستحل على الإطلاق؛ لأنه كان يجوز حصوله في بعض ~~الأحوال. # هذا ما ذكره أصحابنا. # وفيه إشكال وهو أن يقال أليس كونه تعالى حيا يصحح كونه مشتهيا ونافيا ~~بشرط جواز الزيادة والنقصان، ومعلوم أن هذا الشرط مستحيل في حقه تعالى، ~~فكان يلزم أن لا يفترق الحال بين ما ms127 يصحح وما لا يصحح. # ويمكن الجواب بأنه وإن استحال في حق ذات ولم يستحل في حق ذات أخرى فهو ~~غير مستحيل على الإطلاق، بخلاف مغايرة الذات لنفسها. # وفيه إشكال آخر، وهو أن يقال: ليس الغيرية شرطا في المماثلة والمخالفة، ~~وإنما هي جزء حقيقتها، فلا تكون المخالفة مخالفة، ولا المماثلة مماثلة إلا ~~بالغيرية، وإذا كان كذلك لم يلزم أن تكون الذات الواحدة مخالفة لنفسها إذا ~~اختصت بذاتيات كثيرة لفقد حقيقة المخالفة. # فصل # والذي يجري عليه تعالى من الأسماء في هذا الباب /104/ نحو قولنا شيء ~~وذات، وكذلك قولنا الله عند بعضهم؛ لأنه قد جرى مجرى العلم الموضوع على ~~المختص بالصفات الإلهية، وكذلك سبوح قدوس؛ لأنه يفيد تنزيهه في ذاته وصفاته ~~عما لا يليق به، وكذلك قولنا حق؛ لأنه يفيد في اللغة الثبوت. PageV01P157 # وأما قولنا عين ونفس، فلا يجوز إطلاقهما عليه تعالى للإيهام الحاصل فيهما، ~~وقوله تعالى: {ولا أعلم ما في نفسك} إنما أراد به طريقة الغيب لا النفس ~~الحقيقية. وأما قولنا: معنى فإنما يستعمل في الأخراص دون غيرها من الذوات، ~~فلا شبهة في امتناع إطلاقه عليه تعالى. وأبعد من ذلك قولناعلة، لأنه كان في ~~الأصل ملا يتغير به بدن الحي، ثم تعورف به في ما يؤثر تأثيرا مخصوصا من ~~الأعراض، وأما قولنا: تام وأوافر وكامل ونحوه فلا يجوز إجراؤه عليه تعالى؛ ~~لإيهامه حصول ذلك على وجه يصح معه النقص. وأما وصفه تعالى بأنه حسن فلا ~~يصح؛ لأنه إنما يوصف به الأفعال والصور المخصوصة. # فصل # قد زعم ضرار بن عمرو أن لله تعالى ماهية لا يعلمها إلا هو وأن إراد بذلك ~~ما يقوله أصحابنا من إثبات صفة ذاتية أو ما يقوله شيخنا أبو الحسين من أنه ~~ذات مخصوصة تفارق بنفسها سائر الذوات، فهو صحيح، لكنه أخطأ في قوله ماهية؛ ~~لأنه لا يقال في الله ما هو، ولا أي شيء هو، من حيث يجري ذلك مجرى التكييف، ~~وأخطأ أيضا في قوله: لا يعلمها إلا هو، لأنا قد علمنا ذلك. على أنه قد ناقض ~~في ms128 كلامه؛ لأن مذهبه أنه تعالى يرى على تلك الصفة، فكيف لا يعلم عليها، ~~وليس لها حكم أكثر من اقتضائها، لهذه الصفات فلا يقال أنه تعالى يعلم من ~~حكمها ما لا يعلمه. # شبهته: إنا نعلم ذاتا مختصة بصفات، ولسنا نعلم حقيقة تلك الذات،ولهذا لو ~~سئلنا ما تلك الحقيقة لما أمكنا تعيينها ولا التعبير عنها، وهو تعال عالم ~~بحقيقة ذاته، ويمكنه التعبير بما ينبني عنها. PageV01P158 # والجواب: وأن كل شيء يعلم على التفصيل إما أن يكون الطريق إليه الإحساس أو ~~تأثيره أو حكمه، فما كان الطريق إليه الحسن فإنا نعلمه بالحسن على حقيقته، ~~ويمكننا أن نعبر عما تعلق به علمنا مما هو عليه في ذاته بالعبارات التي ~~وضعها أهل اللغة، فنقول متحيزا مثلا أو سوادا أو نحو ذلك، ولا يجوز أن يكون ~~له ماهية أكثر مما أدركناه، وما كان الطريق إليه فعله أو حكمه فإنا متى ~~علمناه بذلك الطريق جرى ذلك مجرى الإدراك في تعيينه، والعلم بحقيقته ولا ~~يجوز أن يكون سببا غير ما علمناه، وإلا انفتح باب الجهالات، ألا ترى أنا ~~نعلم القدرة والحياة وغيرهما. ولا يجوز أن يكون لها ماهيات يتناولها ~~الإدراك غير ما علمناه. # قال: هو تعالى يرى نفسه، فيجب أن يعلم من نفسه ما لا نعلمه /105/ قلنا: ~~لا نسلم أنه يصح رؤيته وإن سلمناه فالذي علمه بالرؤية هو الذي علمناه ~~بالدليل لما قدمنا من أن الدليل يجري مجرى الإدراك في التفصيل. # قال: أوليس أحدنا إذا أخبره الصادق بذات علمها ثم إذا أدركها وجد مزية. # قلنا: العلم الحاصل بالخبر جملي والحاصل عند الإدراك تفصيلي؛ لأن الإدراك ~~يتناول أخص صفاتها، وكذلك نقول في الله تعال عندنا فإنا إذا علنما ذاته كان ~~علمنا به على الجملة، وإذا علمنا صفاته كان علمنا به على التفصيل، وإن كان ~~العلمان استدلاليين، ثم لسنا نجوز شيئا آخر يتناوله الإدراك بعد علمنا به ~~على التفصيل. # قال ألسنا نعلمه في الآخرة، ضرورة، فهلا كان ذلك علما بما هيئه، قلنا: ~~ومن سلم حصول ماهية غير ما علمناه فيتعلق بها ms129 العلم الضروري بل الذي نعلمه ~~في الآخرة ضرورة، هو الذي علمناه في الدنيا استدلالا. # قال: أوليس أحدنا يعلم من نفسه ما لا يعلمه غيره. # قلنا: أما في إلى ذاته وما هيئته ووجوده فلا وأما أحوال نفسه المعنوية من ~~نحو كونه مريدا ومشتهيا فهو وإن علمها من نفس ضرورة على الجملة فغيره ~~يعلمها بالدلالة، ولسنا نثبت له ما لا يقوم عليه دليل. PageV01P159 # قال: أليس أحدثنا يجد مزية للعلم الضروري على العلم الاستدلالي. قلنا: بلى ~~لأمر يرجع إلى طريقهما، فإما أن يكون أحد العلمين أزيد من الآخر أو معلومة ~~أكثر من معلوم الآخر، فلا والله تعالى يعلم ذاته وصفاته لا عن طريق، فلا ~~يقال أن طريقه أجلى من طريقنا، والذي يعلمه تعالى لا عن طريق هو الذي ~~علمناه بطريق، ولا يجوز شيئا غير ذلك يوجه إليه مزية الوجدان من النفس. # قال: وقع الإجماع على أن الله أعلم بنفسه منا وأن الأنبياء يوصفون بأنهم ~~أعلم بالله تعالى. # قلنا: نحن نسلم مقتضاه، فإنه تعالى يعلم من تفاصيل مقدوراته ومعلوماته ~~ومتعلقات صفاته ما لا نعلمه، وكذلك يعلم الأنبياء من ذلك ما لا نعلمه، ~~وتختلف أحوال العلماء في ذلك. # القول في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات # اتفق أهل العدل على أنه تعالى يستحقها لذاته أو لما هو عليه في ذاته، ولا ~~يحتاج في ثبوتها إلى مؤثر، واتفق أهل الجبر على أنه يستحقها لمعان. # ثم اختلفوا، فقالت الصفاتية: لا يوصف بقدم ولا غيره، لأنها صفات /106/. # وقال ابن كلاب: أزلية. # وقال الأشعري: قديمة، واتفقا على أنها لا هي الله ولا هي غيره، ولا بعضها ~~هو البعض الآخر، ولا غيره. وقالت الكرامية: قديمة أعيان لله تعالى أعراض ~~حالة في ذاته. # ولنبطل أولا قول الصفاتية فنقول: هذه المعاني إما أن تعلم على انفرادها ~~أو تعلم لا على انفرادها أو لا تعلم أصلا، إن قالوا بالثالث كفانا ذلك في ~~نفيها؛ لأنه كيف يثبت ما لا يعلم، وإن قالوا بالثاني، فهو الذي يريد ~~بالصفات،لكن أخطأوا في تسميتها معاني، وأيضا فكلامنا الآن في ms130 الأمر الذي ~~لأمره استحقت هذه الصفات، فما هو، وإن قالوا: بالأول لم يصح المنع من ~~وصفها؛ لأن كل ما يعلم على انفراده فإنا نعلم بالضرورة أنه لا يخلو من وجود ~~أو عدم، ثم إذا كان موجودا لم يخل من حدوث أو قدم والمنكر لذلك مكابر. # شبهتهم: أنها لا تقوم بنفسها، ولكن تقوم بغيرها. PageV01P160 # والجواب: كل الأعراض كذلك، فهلا امتنعتم من وصف الأعراض، ثم ما المانع من ~~وصفها، وإن قامت بغيرها أو لستم قد وصفتموها بأنها معان، وبأنها صفات ~~بالمعنى العام، وبأنها قائمة بذات الله ونحو ذلك. # قالوا: وصف الشيء يقتضي قيام معنى به. # قلنا: معارض بالأعراض، فإن وصفها لا يقتضي قيام معنى بها، وكذلك قد ~~وصفتموها بأنها معان وبأنها غير ذلك، وكذلك وصفكم الباري بأنه فاعل وأول ~~وآخر ونحو ذلك. # ولنعد إلى إبطال قول الجميع في إثبات المعاني، فنقول: لا طريق إليها؛ لأن ~~المعنى إذا لم يكن مدركا فالطريق إليه إنما هو حول موجبه مع الجواز، وهذه ~~الصفات واجبة لله تعالى، فيستغنى عن المعاني؛ لأن وجود المعاني والحال هذه ~~كعدمها، ولأن الصفة الواجبة لو عللت بأمر منفصل لكان قد وقف حصولها على ذلك ~~الأمر حتى لو لم يحصل لما حصلت، وذلك يقدح في وجوبها. # يوضحه أن كونه تعالى موجودا استغنى عن المعنى، وكذلك صفات المعاني وسائر ~~صفات الأجناس، ولا وجه لاستغناء هذه الصفات إلا وجوبها؛ لأن العلم ~~بالاستغناء يدور مع العلم بالوجوب ثبوتا وانتفاء، ألا ترى أن كل صفة جائزة ~~فلا بد لها من فاعل أو معنى، وإذا كان صفات الباري تعالى واجبة استغنت عن ~~المعاني كالوجود وكصفات الأجناس، وقد وافق أكثر المجبرة في أنه تعالى موجود ~~لا لمعنى، وخالف اليسير. PageV01P161 # ويبطله أنه لو كان تعالى موجودا لمعنى لكان ذلك المعنى لا بد أن يكون ~~موجودا، فإما أن يحتاج إلى معنى فيتسلسل أو لا يحتاج، فالله تعالى أحق بأن ~~لا يحتاج إلى معنى، والإجماع واقع قبل هؤلاء على أنه تعالى لا يحتاج في ~~وجوده إلى مؤثر، وأنه واجب الوجود من ms131 ذاته، بل قد وافق أكثر الملحدة، /107/ ~~وكذلك وافقت المجبرة في استغناء صفات العلل عن المعاني لكن جعلوا العلة في ~~هذا الاستغناء استحالة قيام المعنى بالمعنى لا وجوبها، وليس بصحيح لأنه ~~إنما يستحيل قيام المعنى بالمعنى إذا فسر القيام بالحلول، فإما بالتفسير ~~الذي يريدونه في هذه المسألة فلا يستحيل قيام المعنى بالمعنى. # طريقة آخرى: # هذه المعاني إما واجبة الوجود من ذاتها وهو باطل بالاتفاق، وإلا كانت ~~آلهة، وإما ممكنة الوجود من ذواتها فيلزم أن تكون محدثة؛ لأن كل ممكن ~~الوجود من ذاته هو مسبوق بالعدم ولا يترجح وجوده على عدمه إلا المؤثر، وهذا ~~هو أصل دليل المخالف على حدوث العالم وإثبات الصانع، فلا يسعهم إنكاره. # وأما ما ذكره الرازي في كتاب الأربعين من أنها ممكنة الوجود من ذاتها ~~واجبة الوجود من غيرها فهو زلل وضلالة؛ لأنه كيف تكون واجبة الوجود من ~~غيرها، وذلك الغير ليس بمؤثر فيها عندهم، وأيضا فهي ليست بأعيان لله، وأيضا ~~فهذا يقدح في حدوث العالم وإثبات الصانع بأن يقال له: هلا كان العالم قديما ~~وإن كان ممكن الوجود من ذاته لصدوره على جهة الإيجاب، وهلا كانت العقول ~~والأفلاك صادرة عن ذات الباري تعالى كصدور هذه المعاني، ويقال أيضا: إذا ~~كانت الذات أوجبت هذه المعاني عندك، فهلا قلت بأن الذات أوجبت الصفات ~~واسترحت من التكليف لإثبات المعاني لا سيما وفي ذلك مشابهة للقائلين ~~بالعقول والأفلاك. # طريقة أخرى PageV01P162 قد وقع الإجماع، وقامت الأدلة على أن الله تعالى ليس بمحتاج والقول بإثبات ~~معاني قديمة وصف لله بالحاجة على أبلغ الوجوه؛ لأن أهل هذا المذهب متفقون ~~على أن هذه المعاني لو انتفت عن الله تعالى ولم يوجد أضدادها لكان في ذلك ~~عدمه، ولو انتفت مع وجود أضدادها لكان في ذلك غاية النقض بان يصير ميتا ~~عاجزا جاهلا ونحو ذلك، فقد اقتضى هذا القول احتياجه إلى هذه المعاني في ~~وجوده أو كماله حتى لولاها لما وجد أو لما كمل، وذلك أبلغ في الحاجة من ~~الاحتياج إلى الطعام والشراب؛ لأن فقد الطعام والشراب ms132 لا يقتضي عدم المحتاج ~~إليها، ولا نقضه، وليس ينجيهم من هذا الامتناع(1) من إطلاق العبارة إذ قد ~~أثبتوا المعنى، وكذلك لا ينجيهم اعتقادهم إن هذا ليس هو معنى الحاجة. # طريقة أخرى: # لا بد لهذه المعاني من صفات لأجلها يخالف مخالفها ويوجب موجبها، ويتعلق ~~بمتعلقها ويضاد ضدها، فأما أن يستحقها لمعان /108/ أخرى فيلزم التسلسل أو ~~لذاتها، فالله تعالى أحق أن يستحق صفاته لذاته، ولا حاجة إلى معان. # فصل # في أنه لا يجوز أن يستحقها لمعان قديمة كما يقوله جمهور المجبرة، وهذا ~~وإن كان قد دخل في ما تقدم لكنا نخصه بالإبطال كما سنخص غيره، فنقول لو ~~استحقها لمعان قديمة لوجب أن يكون امتثالا لله تعالى لمشاركتها له في القدم ~~الذي هو صفة ذاتية أو كاشفة عن الصفة الذاتية كما سلف، ولو كانت امتثالا ~~لله تعالى للزم أن يكون بصفتها حتى يكون عالما، وقدرة، وأن يكون بصفته حتى ~~يكون آلهة قادرة عالمة؛ لأنها قد شراكته في ما يصحح كونه حيا، فأولى أن ~~يشاركه في ما يصححه كونه حيا، وهو كونه قادرا عالما، وإذا ثبت لها ذلك ~~احتاجت أيضا في استحقاقها له إلى معان أخر. ويلزم أن يكون بعضها بصفة البعض ~~الآخر حتى يكون العلم علما وقدرة وحياة، وإذا كان كذلك لزم استغناؤه عنها ~~واستغناؤها عنه، والاستغناء ببعضها عن بعض. PageV01P163 # فإن قالوا: ولم إذا اشترك الشيئان في صفة ذاتية لزم أن يشركا في سائر صفات ~~الذات حتى يلزم التماثل. # قلنا: لأنهما لو اشتركا في صفة ذاتية وافترقا في صفة ذاتية أخرى لكانا ~~مثلين مختلفين لحصول ما يقتضي المماثلة والمخالفة، فإنا قد قدمنا أن ~~المماثلة تقع بالصفة الذاتية بشرط الاتفاق فيها والاختلاف يقع بالصفة ~~الذاتية شرط الاختلاف فيها، وكون الشيئين مثلين مختلفين محال لتأديته إلى ~~أن يكونا موجودين معدومين عند تقدير طرو الضد بان ينفيهما من حيث كونهما ~~مثلين ولا ينفيهما من حيث كونهما مختلفين. # فإن قالوا: هذه المعاني لا تقدوم بنفسها وإنما يلزم المماثلة في قديمين ~~مستقلين يقوم كل واحد منهما بنفسه. # قلنا: ms133 إن مع القول بأنها ذوات أو معان يلزم أن تكون قائمة بنفسها مستقلة ~~بالمعلومية لا سيما وليس قيامها بمعنى الحلول عندكم حتى يمكن الفرق بين ~~الحال والمحل على أنها ليست بأن تكون قائمة بالله تعالى أولى من العكس ~~لمشاركتها له في القدم. # فصل في إبطال كل واحد من هذه المعاني على انفراده # أما ما يختص العلم فلأنه لو كان تعالى عالما بعلم لكان لا بد أن يعلم ~~بذلك العلم على انفراده؛ لأن ما لا يعلم أصلا لا يمكن إثباته، وما لا يعلم ~~لا على انفراده صفة لا معنى، وكلامنا في جهة استحقاق الصفة لا فيها، وإذا ~~علم على انفراده فإما أن يعلمه الله تعالى بعلم آخر فيؤدي إلى التسلسل أو ~~يعلمه لذاته فيجب أن يعلم جميع الأشياء لذاته إذ لا اختصاص لها ببعض ~~الأشياء دون بعض. # ولا تنقلب علينا في الصفة؛ لأن الصفة لا تعلم على انفرادها. PageV01P164 # دليل: لو كان عالما بعلم /109/ لوجب أن يكون مثلا لعلومنا إذا تعلق ~~بمتعلقها على أخص ما يمكن لاشتراكهما حينئذ في صفاتهما المقتضاة التي ~~لأجلها تتعلقان، وليس تغاير العالمين يمنع تماثل العلمين كما لا يمنعه في ~~الشاهد، وكما لا يمنعه تغاير المحلين، وإذا كان مثلا لعلومنا وجب أن يكون ~~محدثا أو تكون علو منا قديمة، ووجب أ، يضاده ما يضاد علومنا، ولا ينقلب ~~علينا في صفته تعالى، إذا تعلقت بما تتعلق به صفاتنا؛ لأن وجه التعلق ~~مختلف، فتعلقه تعلق العالمين، وتعلقنا تعلق العلوم. # دليل، قد ثبت أن معلوماته تعالى غير متناهية، فإما أن يعلمها بعلوم غير ~~متناهية وهو باطل؛ لأن دخول ما لا يتناهى في الوجود محال، وإما أن يعلمها ~~بعلوم متناهية، وهو باطل؛ لأن العلوم المتناهيةة إذا وزع علمها معلومات غير ~~متناهية صار كل علم منها متعلقا بما لا نهاية له، وإما أن يعلمها بعلم ~~واحد، وهو باطل؛ لأن العلم الواحد لا يتعلق على جهة التفصيل إلا بمعلوم ~~واحد من حيث أن كل معلومين يصح أن يعلم أحدهما بعلم، ويعلم الآخر بعلم آخر، ms134 ~~وقد ثبت أن ذلك يقتضي اختلاف العلمين؛ لأن تعلق العلم بمعلومه هو حكمه ~~الخاص الكاشف عما هو عليه، فما لم يشاركه من العلوم في هذا الحكم وهو ~~التعلق بهذا المعلوم فقد خالفه إذا ثبت هذا فلو تعلق العلم الواحد على ~~التفصيل بمعلومين أو أكثر لزم أن يكون مخالفا لنفسه لحصوله على صفتي ~~مختلفين. # ولا ينقلب علينا في تعلق ذات الباري بالمعلومات الكثيرة؛ لأن لذاته تعالى ~~أحكاما هي أخص من التعلق، تكشف عما هو عليه، فلا يلزم من تعلقه بمعلومين ~~حصوله على صفتي مختلفين. PageV01P165 # وبعد فلو تعدى العلم في تعلقه على التفصيل المعلوم الواحد لتعدى إلى ما لا ~~نهاية له لفقد الحاضر، وذلك محال في الشاهد، ولا وجه لامتناعه، إلا كونه ~~عالما، وامتناع ذلك في العالمية الموجبة عن العلم تبع لامتناعه في العلم؛ ~~لأن تعلقها تبع لتعلقه، فلهذا لا يمتنع هذا التعدي في عالمية الباري؛ لأن ~~تعلقها تعلق العالمين. # قال الرازي: أوليس العلم بالتضاد الواقع بين السواد والبياض هو بنفسه علم ~~بالسواد والبياض فقد تعلق هذا العلم على التفصيل أكثر من متعلق واحد. # والجواب لا نسلم أنه علم واحد، بل هي علوم، ولكن العلم بالتضاد بين ~~الذوات فرع على العلم بتلك الذوات، فلهذا لا يمكن العلم بالتضاد إلا بعد ~~العلم بالمتضاد بدليل أنه يمكن أن يعلم الذوات من لا يعلم تضادها، ولو كان ~~علما واحدا لما أمكن ذلك. وأما /110/ العلم بالمتضايفين كالأب والابن ~~فمعلومه واحد؛ لأن كون الرجل أبا لغيره هو نفس كون ذلك الغير خلق من مائة. # وأما ما يختص القدرة فهو أنه لو كان قادرا بقدره لكان لا بد أن تكون ~~واحده فيلزم أن يكون مخالفه لنفسها كما تقدم في العلم سواء، ويلزم أن ينحصر ~~مقدوراتها، وأن لا تعلق بالأجسام ونحوها لما سيتضح من أن علة الحصار ~~مقدورات القدر وامتناع تعلقها بالأجسام هي كونها قدرا، ويلزم أن يكون حاله ~~في الباري تعالى لما نعلمه في الشاهد من أنه لا يصح الفعل بالقدرة إلا بعد ~~استعمال محلها، وبهذا الأخير يبطل ms135 أن يكون حيا بحياة؛ لأن الحياة لا يصح(1) ~~الإدراك بها إلا بعد استعمال محلها. # فصل في ذكر ما يلزم أهل هذه المقالة من المحالات # يقال لهم: أجمعت الأمة على كفر النصارى، ولا وجه لذلك إلا إثباتهم قدما ~~مع الله تعالى، فإن قالوا: بل لإثباتهم آلهة مع الله تعالى. # قلنا: لم يقولوا بثلاثة آلهة وإنما قالوا بثلاثة أقانيم وأكثرهم يقول أن ~~بعض هذه الأقانيم صفات لا تستقل، ولهذا أيعتقدون أن المستحق للعبادة شيء واحد. PageV01P166 # يوضحه أن التثليث الحقيقي إنما هو في العدد لا في الصفات، وقد قال تعالى: ~~{الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ولم يقل: ثلاثة آلهة، وأما قوله تعالى: ~~{وما من إله إلا إله واحد} فإنما هو على طريق الإلزام، فكأنه قال: إذا ~~قالوا بالقدماء الثلاثة لزمهم القول بآلهة ثلاثة، وما من إله إلا الله. # فإن قالوا: إنما كفروا لأنهم قالوا أن الله شيء واحد على الحقيقة ثلاثة ~~أشياء على الحقيقة. # قلنا: إنما أرادوا المعنى الذي ذهبتم إليه من أن الأقنومين الآخرين لا ~~هما الله ولا هما غيره، ولكن اختلفت العبارة. # قال البستي: قيل للأشعري إذا كنت موافقا للنصارى، فلم كفرتهم؟ قال: لأنهم ~~نقضوا عن الواجب، واقتصروا على الثلاثة. # وبعد فكما يلزمهم مذهب النصارى يلزمهم مذهب الثنوية لأنهم لم يشركوا بين ~~الاثنين إلا في القدم، وكذلك من أثبت الهيولى قديمة، والعقول والأفلاك، ~~فإنه لا وجه لكفر جميع هؤلاء إلا التشريك في القدم. # ويقال لهم: ليس القدرة القديمة تتعلق بكل مقدور والإرادة القديمة تتعلق ~~بكل واقع، فلا بد من بلى. فيقال لهم: فما أنكرتم من إثبات قديمين قادرين ~~بقدتين قديمتين ويتعلقان بكل مقدور ويريدان بإرادتين قديمتين تتعلقان بكل واقع. # فإن قالوا: كان يلزم صحة التمانع بينهما بأن يريد أحدهما شيئا ويكرهه الآخر. # قلنا: إنه لا يريده أحدهما إلا إذا كان واقعا لاستحالة تعلق الإرادة ~~القديمة عندكم، فتقدير كون الشيء مرادا لأحدهما دون الآخر محال فيكون ~~التمانع محال أيضا. # فإن قالوا: يؤدي هذا إلى مقدور بين قادرين /111/، قلنا: إنما يستحيل ~~مقدور ms136 بين قادرين إذا صح أن يريده أحدهما دون الآخر، وقد بينا استحالة ذلك ~~مع القول بالقدر والإرادات القديمة. وبعد فهب أن لهم طريقا إلى نفي الثاني ~~القادر فما طريقهم إلى نفي الثاني العاجز الجاهل كما يقوله أكثر الثنوية في ~~الظلمة. PageV01P167 # ويقال لهم: أليس وقع الإجماع في الصدر الأول على أنه لا قديم مع الله ~~تعالى، فلا بد من بلاء، ولكن الإجماع مصروف إلى أنه لا إله مع الله، فيقال ~~الظاهر معنا ولا دليل على خلافه على أنا قد بينا أن المشاركة في القدم ~~تقتضي المشاركة في الإلهية. # ويقال لهم: أليس عباد الأوثان خرجوا من التوحيد لاعتقاد مشاركتها في ~~استحقاق العبادة، وإن كانت جمادا محدثة فلا بد من قولهم بلى، فيقال: ~~فاعتقاد أشياء مشاركة لله تعالى في القدم أحق بأن يكون خروجا عن التوحيد، ~~وذلك لأن العبادة تستحق لأمر يرجع إلى الفعل وهو كونه تعالى منعما بأصول ~~النعم والقدم يستحق لأمر يرجع إلى الذات وكمال الذات بصفاتها الذاتية أعظم ~~من كمالها بصفاتها الفعلية. # فصل في إبطال قولهم لا هي الله ولا هي غيره ولا بعضه # اعلم أولا أن الغيرين هما كل معلومين ليس أحدهما هو الآخر ولا بعضه. # وقالت المجبرة: هما كل موجودين يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر، وهو منتقض ~~بمن يعتقد قدم الأجسام، فإنه يعلم(1) صحة وجود أحدهما مع عدم البعض، وبعد ~~فالكون مغاير للجسم ولا يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر اتفاقا، وبعد فمن علم ~~في الشيئين ما ذكرنا علم تغايرهما وإن لم يخطر بباله صحة وجود أحدهما مع ~~عدم الآخر. PageV01P168 # وبعد فالتباين في سائر الصفات يدل على الغيرية فلا وجه لتخصيص صفة الوجود ~~بذلك. وبعد فكل شيئين يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر فلا بد أن يكون أحدهما ~~ليس هو الآخر أو بعضه، فقد عاد الأمر إلى ما قلناه إذا ثبت هذا كفانا في ~~بطلان قولهم؛ لأن هذه المعاني إذا لم تكن هي الله ولا بعضه كانت غيره لا ~~محالة، والقول بأنها ليست غيره محض المناقضة، وبعد ms137 فقد قالوا: إن هذه ~~المعاني خلافه، قالوا: ولا نقول أنها مخالفة له تعالى، وهذا خطل(1) من ~~القول؛ لأنه لا فرق في اللغة بين أن يقول هذا الشيء خلاف هذا وبين أن يقول ~~مخالفة له، واختلاف هذه العبارات لا تحريج عليه، وإذا ثبت أن هذه المعاني ~~مخالفة لله تعالى كانت مغايرة له أولى وأحرى؛ لأنه إذا كان المثلان غيرين ~~فالمختلفان أولى بذلك. وبعد /112/ فلا بد أن تكون هذه المعاني متغايرة في ~~أنفسها كما هي كذلك في الشاهد. ### ||| AUTO فصل في إبطال قولهم بأنها قائمة بذات الله تعالى # أما الكرامية فقد ذهبوا إلى ما هو المعقول من القيام وهو الحلول فقالوا ~~هي حالة في ذاته تعالى، وكذلك المعاني كالإرادة والكراهة المحدثة وكالكلام ~~عندهم، قالوا: لأنه لا فارق بين القديم والمحدث إلا القدم والحدوث، وهو لا ~~يؤثر في المنع من القيام بالذات، وهو لازم للكلابية والأشعرية، وأما الذين ~~يمنعون من القيام بمعنى الحلول فيقال لهم القيام مشترك بين معان قيام بمعنى ~~الحلول وقيام بمعنى الانتصاب وقيام بمعنى الحفظ، نحو: أفمن هو قائم على كل ~~نفس بما كسبت، وقيام بمعنى الوجود نحو قولهم: السماوات قائمة بالله إلى ~~موجودة به، وقيام بمعنى التكفل والتحمل كما يقال فلان قائم بأمر المساكين ~~وقيام بمعنى التعميد والحياطة كما يقال، فلأن قائم بأمر الأيتام ولا يعقل ~~من القيام غير ذلك، فأي هذه الأقسام تريدون ولا يشتبه الحال في شيء منها. PageV01P169 ### |||| AUTO فصل في شبههم في إثبات المعاني # قالوا: العالم في اللغة مشتق من العلم وإذا صدق المشتق صدق المشتق منه. # قلنا: أول ما في هذا أنه يوصل بالعبارات إلى المعاني، ومن أين أن أهل ~~اللغة إذا قالوا عالم كان قد حصل معنى هو العلم بل الواجب أن يعلم المعاني ~~أولا، ثم يعبر عنها، المعتمد في ثبوت ما لا يعلم ضرورة من الذوات هو فعله ~~أو حكمه لا العبارات. # يوضحه أنه لا بد أن يمكن الاستدلال على هذا المعنى قبل مواضعه، أهل اللغة ~~وقبل اشتقاقاتهم، وبعد فلا نسلم كون العالم ms138 مشتقا من العلم الذي يريدونه؛ ~~لأن المعنى الذي يثبته المتكلمون غير معقول لأهل اللغة، فكيف يشتقون الاسم ~~من شيء لا يعقلونه وإنما قولهم فلان عالم بكذا، وله علم بكذا، لفظان ~~مترادفان بمعنى واحد، ولهذا يقولون: هل لك علم بكذا أي هل أنت عالم به. # وبعد فهب أن العالم مشتق من العلم، فلم قلتم أنه إذا صدق المشتق صدق ~~المشتق منه أوليس الوجود مشتقا من الوجود، أولا يدل ذلك على أن الوجود ~~معين، وبعد فهب أنه لم يصدق المشتق منه، فليس يجب أن يثبت المشتق منه لمن ~~أشتق له الاسم، وما أنكرتم أن يشتق الاسم لمسمى من معنى قائم بغيره أو ليس ~~الرازق مشتق من الرزق والرزق إن ثبت معنى، فهو قائم بغير الله، وكذلك ~~المحسن وغيره من الأسماء التي اشتقت لله تعالى من معاني لا يقوم به. يزيده ~~وضوحا أنا قد اتفقنا على أن الله تعالى إذا وجد كلاما في سحر أو غيره /113/ ~~فإنه يوصف بأنه متكلم بذلك الكلام، وإن قام، وبعد فهذا قياس الغائب على ~~الشاهد وهو عندهم غير صحيح، وإن كان صحيحا فهو لا يفيد إلا ظنا ضعيفا؛ لأنه ~~من باب قياس التمثيل عندهم. # شبهة، قالوا: العالم في الشاهد من له العلم فكذلك في الغايب، قلنا: وكذلك ~~الموجود في الشاهد من له الوجود، فهلا كان الوجود معنى قائم بذات الباري ~~تعالى كالعلم. وبعد فالعالم في الشاهد من له القلب والجسم والعلم المحدث ~~وانحصار المعلومات وجواز الجهل فهلا كان كذلك في حقه تعالى. PageV01P170 # وبعد فإن أرادوا طريقة التحديد لم يصح؛ لأن من لا يعلم العالم لم يعلم ~~العلم أولى وأحرى، وأيضا فهم يحدون العلم بأنه ما قام العالم أو ما يوجب ~~كون الذات عالما، وهذا محض الإحالة، وهو مناقضة؛ لأن العلة تجب أن يكون غير ~~المعلول، ومتى كان العلم من حقيقته كونه عالما لم يصح أن يكون علة في كونه ~~عالما؛ لأنه كيف يصح أن يكون علة في نفسه. وبعد فكان يجب في من علم العالم ~~أن يعلم العلم ms139 جملة وتفصيلا، وقد ثبت أنه يعلم العالم من لا يعلم العلم ~~كنفاة المعاني. # وبعد، فإنما يجب من الاشتراك في الصفة الاشتراك في المؤثر فيها إذا كان ~~ذلك المؤثر حقيقة فيها كقولنا أسود، فإن السواد حقيقة في هذا الوصف وككونه ~~مدركا مع كونه حيا أو كانت الصفة تدل على المؤثر كالحدوث يدل على المحدث. ~~وبعد فالطريق إلى العلم في الشاهد إنما هو حصول الصفة مع الجواز، وهذه ~~الطريق لم تحصل في حقه تعالى. # واعترض الباقلاني بأنه لو كان المقتضى للعلم هو الجواز لوجب أن يكون في ~~الجاهل علم بما جهل؛ لأنه في حال جهله يجوز أن يعلم. # والجواب أن هذا الكلام في ظاهر الخطل والتهافت؛ لأنا لم نقل الدليل هو ~~الجواز فقط، بل قلنا حصول كونه عالما مع الجواز، والجاهل ليس بعالم بما ~~جهله، فضلا عن أن يكون عالما له مع الجواز. # قال: ويلزم المعتزلة أن يكون الباقي باقيا ببقاء لأنه بقي مع الجواز. # قالت له المعتزلة: إن الصفة إذا حصلت مع الجواز فإنما يجب أن نعلله بأمر، ~~فإما أن يكون ذلك الأمر هو المعنى فإنما يعلم بطريق الستر، ونحن نعلل صحة ~~بقاء الباقي بما هو عليه في ذاته، فلا يلزم ثبوت معنى. # شبهة، قالوا: قول أهل اللغة عالم إثبات، فإما أن يكون إثباتا لذاته وهو ~~باطل وإلا كان قولهم ليس بعالم نفيا لذاته /114/ وإما أن يكون إثباتا لذاته ~~على حال، وهو باطل، وإلا لزم في من يقول ليس بعالم أن يكون باقيا لذاته ~~وللحال، وإما أن يكون إثباتا للعلم وهو المطلوب. PageV01P171 # والجواب: أتريدون أنه إثبات للعلم فقط أو إثبات للذات على العلم الأول ~~باطل؛ لأنا نعلم بالضرورة أن قولنا عالم وصف للعالم لا للعلم، ولولا ذلك ~~لكان العالم هو العلم والقادر هو القدرة، وإذا كان إثباتا لذاته على علم ~~فما ألزمتموناه في كونه إثباتا لذاته على حال فهو لازم لكم في كونه إثباتا ~~لذاته على علم فجوابكم جوابنا. # ثم يقال لهم: ولا يلزم إذا كان قولنا عالم إثبات للذات على ms140 حال أن يكون ~~قولنا ليس بعالم نفيا للذات وللحال، بل إنما يكون نفيا للحال فقط، ثم يقال ~~لهم: هذا اعتماد على مجرد عبارة أهل اللغة وهب أن قولهم عالم إثبات للعلم، ~~فهل علموا ما أثبتوه بالضرورة، فكان يجب أن يشاركهم أو بالدلالة، فما هي ~~تلك الدلالة. # وقريب من هذه الشبهة قولهم: علمنا بكونه تعالى عالما، أما أن يتعلق بذاته ~~أو بها على حال أو بمعنى غيرها إلا أن في هذا إقرارا تكون هذه المعاني ~~أعيانا لله. # شبهة، قالوا: يصح الأمر بأن يعلم والأمر إنما يتعلق بإحداث شيء، وذلك ليس ~~إلا المعنى؛ لأن الصفة ليست مما يوصف بالحدوث، وإذا لم يتعلق الأمر إلا ~~بالمعنى فكذلك الخبر في قولنا زيد عالم والله عالم. # والجواب: أما أبو عبد الله فجعله أمرا بأن نجعل أنفسنا على صفة العالمين، ~~ولكن لما لم يتم ذلك إلا بالعلم كان الأمر بالصفة أمرا به. PageV01P172 # قال: وقولهم لا يتعلق الأمر إلا بالأحداث غير مسلم، بل يكفي في ذلك ان ~~يتعلق بما يتجدد؛ لأنه إنما حسن تعلق الأمر بما يحدث؛ لأن الحدوث يتعلق ~~بنا، فكذلك يحسن في كل صفة تتعلق بنا، وإن كانت بواسطة معنى، وإذا كان كذلك ~~كان الخبر أيضا يتعلق بهذه الصفة، فحيث لا يثبت إلا لمعنى يتعلق الخبر به ~~أيضا وحيث يثبت من دون معنى يتعلق الخبر بها فقط، وأما سائر الشيوخ فيقولون ~~مسلم أن الأمر إنما يتعلق بإحداث شيء وهو العلم دون الصفة، لكن لم زعمتم أن ~~الخبر كذلك في قولنا الله عالم أو ليس الخبر يصح تعلقه بما هو ثابت مستقر ~~سواء كان ذاتا أو صفة، وتتعلق بالأحداث وبغيره وبالموجود والمعدوم، والثابت ~~والمنتفي والقديم والمحدث. # وبعد، فيجب أن يعلم أولا أن العالم عالم بعلم حتى يحسن منا الأمر بذلك ~~المعنى، وإذا تقدم العلم بالمعنى على حسن الأمر بطل الاستدلال عليه بحسن الأمر. # ويقال لهم: كيف تقولون أن الأمر لا يحسن إلا بإحداث شيء، وعندكم أن ~~القدرة المحدثة إنما تتعلق بالاكتساب لا بالأحداث، فهلا كان الأمر ms141 بأن ~~/115/ يعلم أمرا باكتساب الحال أو باكتساب الذات على حال. # فإن قالوا: كيف يتعلق بناء ذات الجسم. قلنا: بأن يكتسبوها ويحدثها الله ~~كما في سائر الأفعال، شبهة. # قالوا: العالمية تقتضي العلم في الشاهد بمجردها، فكذلك في الغائب. # الجواب: أن الصفة إذا حصلت مع الوجوب ولم تكن متجددة لم يحتج إلى أمر ~~يعلل به، فضلا عن أن يكون ذلك الأمر معنى. # وبعد، فإما أن يقتضيه اقتضاء إيجاب أو اقتضاء دلالة، والأول باطل اتفاقا؛ ~~لأن العلم لو ثبت لكان هو الموجب للعالمية لا العكس، والثاني باطل؛ لأنه ~~إنما يتم لهم دلالتها بمجردها إذا أبطلوا كون الدال حصولها مع الجواب كما تقدم. # شبهة، قالوا: لو كان عالما لذاته لكان كل عالم كذلك كما أن الجوهر لما ~~كان جوهرا لذاته كان كل جوهر كذلك. PageV01P173 # والجواب: يقال لهم: إذا كان تعالى موجودا لذاته وجب مثله في كل موجود، ~~وجوابهم جوابنا. والتحقيق أنه إنما يجب المشاركة في صفات الذات وتوابعها ~~إذا وقعت المشاركة في الذات وذوات الجوهر متماثلة بخلاف ذوات العالمين. # شبهة، قالوا: العلم علمه لهذه الصفة في الشاهد، فلو حصلت الصفة من دون ~~علم لقدح ذلك في كونه علة كما أنها لما حصلت من دون الشهوة مثلا دل ذلك عل ~~ان الشهوة ليست علة فيها. # والجواب: أن هذا مبني على أن الصفة معللة في كل موضع، وأنها إذا عللت في ~~موضع بعلة عللت بها في كل موضع ونحن لا نسلم واحدا من الطرفين فنقول إنما ~~تعلل الصفة بأمر منفصل إذا حصلت مع الجواز وتجددت بعد إن لم تكن وعالمية ~~الباري تعالى كم يحصل كذلك فلا يعلل بأمر منفصل، وعن هذا يهرب وهو محل ~~النزاع. # ثم إن سلمنا أنها تعلل فلا نسلم أنها تعلل في كل موضع بالعلم؛ لأن العكس ~~لا يجب عندنا في العلل، وما أنكرتم أن تحصل الصفة بعلة غير العلم ومتى حصل ~~العلم كان علة أيضا كما أن فساد الصلاة قد تحصل مع زوال الحدث ولا يدل ذلك ~~على أن الحدث ليس بعلة ms142 إذا وجد، وكذلك انتفاء السواد قد يكون بالبياض تارة ~~وبالحمرة أخرى وإن لم تكن عللا حقيقة. # وأما ما ذكروه في الشهوة، فإنما لم يكن في العالمية لا لأنها وجدت من ~~دونها بل لأن الشهوة ليست بصفة العلم وإنما توجب العالمية في الشاهد ما كان ~~بصفة العلم. # فإن قالوا: كيف لا يجب عكس العلل ونحن نعلم أن المتحركية توجد بوجود ~~الحركة وتزول بزوالها، ولا يجوز أن تخلفها علة أخرى. # قلنا: إنما وجب ذلك في الحركة؛ لأن المتحركية لا تعقل إلا في متحيز /116/ ~~وكان الدليل على ثبوت الحركة شاملا لكل متحيز، ومنع الدليل من صحة أن يكون ~~الجسم متحركا لذاته أو لغير الحركة. PageV01P174 # وبعد فوجود الصفة من دون العلم إنما تدل على أنه ليس بعلة فيها في ذلك ~~الموضع فقط، فمن أين أنه ليس بعلة فيها في غيره، وبعد فوجود الباري تعالى ~~لا يتعلق بالفاعل في الشاهد. وبعد ففي المقدور علوم كثيرة، فهلا دل فقد ~~بعضها على أنه ليس بعلة إذا حصل وخلافه معلوم. # شبهة، قالوا: لو كان عالما لذاته لكان بصفة العلم لأن العلم إما تبين عما ~~ليس بعلم بإيجابه الصفة. # والجواب لم نرد بقولنا لذاته طريقة التعليل ولو أردناه لما لزمنا ما ~~ذكروه؛ لأن اشتراك الشيئين في الإيجاب لا يقتضي التماثل إلا إذا أوجبنا على ~~حد واحد، وهو غير حاصل هنا؛ لأن ذاته تعالى لو أوجبت الصفة لأوجبتها ~~لنفسها، والعلم يوجبها لغيره، فاختلف الإجابان. وبعد فإنما يقتضي الإيجاب ~~التماثل في حق الذوات التي تكون أخص أحكامها الإيجاب، والباري تعال يخالف ~~مخالفه بأمر أخص من الإيجاب. وبعد فلو كان الاشتراك في الإيجاب يقتضي ~~التماثل لكان علمه تعالى مثلا لعلومنا بل هذا ألزم لهم لإيجاد الإيجاب. # فإن قالوا: إنا أردنا في أول الشبهة أن يكون تعالى بصفة العلم في كونه ~~علما لا في المماثلة وهذا حاصل في علمه وعلومنا. # قلنا: إذا لا يلزمنا ذلك؛ لأن العلم يكون علما لوقوعه على وجه، لا ~~لإيجابه الصفة. # وقولهم في الشبهة أن العلم إنما تبين عما ms143 ليس بعلم بإيجابه الصفة غير ~~مسلم، بل باقتضائه لسكون النفس. # شبهة. قالوا: مخالفة القدرة للعلم ليس بأكثر من مخالفته تعالى للعلم، ~~فكما لا توجب القدرة العالمية فذلك لا توجبها ذاته. # والجواب: ما قدمنا ذكره في الشهوة، ومن أن المراد ليس طريقه التعليل، ومن ~~المعارضة بالوجود ونعارضهم أيضا فنقول: ليست مخالفة القدرة لعلومنا بأكثر ~~من مخالفة علمه لعلومنا، فكما لا يوجب القدرة العالمية لا توجبها علم ~~مخالفة لعلومنا، وجوابهم جوابنا. PageV01P175 # شبهة، قالوا: دلالة العقل المحكم في الشاهد إما أن يكون دلالة على ذاته وهو ~~باطل بالاتفاق أو على حال لذاته، وتكون تلك الحال دالة على العلم، وهو ~~باطل؛ لأنه ليس بأولى من عكسه، وهو أن يدل على العلم والعلم يدل على الحال ~~وهو المطلوب. # والجواب: بل ما ذكرناه أولى من العكس؛ لأن صحة الأحكام صدر عن الجملة، ~~فلا يصح أن يدل على العلم؛ لأنه يختص بعض الجملة، ويجب أن يدل على أمر راجع ~~إلى الجملة، وهو الصفة، ثم يستدل بحصول الصفة مع الجواز على ثبوت العلم. ثم ~~يقال لهم: إذا لم يكن للشاهد فعل فكيف يصح الاستدلال بالأحكام من جهته على ~~أن له علما، ثم يقاس الغايب عليه، هذا ما لا يتأتى لكم. # شبهة /117/، قالوا: لو كان قادرا عالما لذاته لكان الذي به قدر هو الذي ~~به علم، وفي ذلك كونه قادرا على ذاته كما أنه عالم بذاته. # والجواب: وهي ليس يلزم إذا كان المقتضى لصفتين واحدا أن يكون حكمهما واحدا. # يوضحه: أن التحيز يقتضي أحكاما كثيرة كاحتماله للغرض وصحة إدراكه ~~بحاستين، وشغله للجهة، ومعلوم كون هذه الأحكام مختلفة، وتحقيقه أنه إنما ~~يكون قادرا لذاته على ما يصح كونه مقدورا، ويعلم لذاته ما يصح كونه معلوما، ~~وذاته يصح كونها معلومة، ولا يصح كونها مقدورة. # شبهة: قالوا: يستحيل حصول العالمية من دون ما يصححها، وهي الحييه، فكذلك ~~يستحيل حصولها من دون ما يوجبها، وهو العلم؛ لأن الموجب أقوى من المصحح. # والجواب: أن كونه حيا يصحح العالمية شاهدا وغائبا، وأن العلم لا يوجبها ms144 ~~شاهدا وغائبا، وقولهم: أن الموجب أقوى من المصحح لا نسلمه؛ لأن المصحح يوجب ~~صحة الحكم، ويلزمه صحة الحكم، كما أن الموجب يوجب الحكم ويلزمه الحكم فهما ~~سواء، وإن سلمنا أن الموجب أقوى فذلك لا يقتضي تساويهما في محل النزاع، ~~والعبرة في ذلك بالأدلة. PageV01P176 # وبعد فنحن نقول يستحيل حصول العالمية من دون ما يوجبها، لكن الموجب لها في ~~حقه تعالى يخالف الموجب لها في حقنا، وهو ذاته تعالى كما أن المصحح قد ~~يختلف اتفاقا. يزيده تأكيدا، أن المصحح لقيام المعاني بنا هو التحيز، وفي ~~حق الباري تعالى عندهم هو الذات. # شبهة: قالوا: لو علمنا بكونه تعالى قادرا يخالف علمنا بكونه عالما، فلا ~~بد أن يكون متعلق هذين العلمين مختلفا، وليس إلا العلم والقدرة؛ لأن الذات واحدة. # والجواب: إنما اختلفا لأن كل واحد منهما تعلق بالذات على حال في حكم ~~المخالفة للأخرى، ثم يقال لهم: هذا إقرار بأن المعاني القديمة متغايرة؛ لأن ~~المخالفة أبلغ من المغايرة، وبعد فقد قال الرازي في كتاب الأربعين مستدلا ~~على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات أنه تعالى حي، ومن كان حيا صح أن ~~يعلمها أجمع، قال: والموجب لعالميته هو ذاته ونسبة الذات إلى الكل على ~~السوية، فانظر كيف رجع إلى قول المعتزلة عند صدق الخناق، وهو ممن يثبت ~~المعاني، فهلا قال بأنه عالم لذاته وترك معانيه هذه. # شبهة سمعية، قالوا: قال تعالى: {أنزله بعلمه} ولا يضع إلا بعلمه، {ولا ~~يحيطون بشيء من علمه}. PageV01P177 # والجواب: أن العلم بصحة السمع يقف على العلم بأنه عالم لذاته؛ لأنه إذا كان ~~عالما بعلم، انحصرت معلوماته، فلا يكون عالما بكل القبائح، وبعد فالعرب ~~إنما يستعملون العلم بمعنى العالم أو بمعنى المعلوم، فيقولون: جرى هذا ~~بعلمي أي وأنا عالم به، ولا يعقلون المعنى الذي يثبته المتكلمون؛ لأنه إنما ~~يعرف بتأمل كبير /118/ والله تعالى إنما يخاطبهم بما يعقلونه، وتقديره ~~أنزله وهو عالم به، ولا يضع إلا وهو عالم. وبعد فالظاهر متروك؛ لأن الباء ~~في مثل هذا للالصاق بما هو آلة للفعل نحو كتبت بالقلم، ms145 فلو كان المراد ~~بالعلم المعنى لكان علمه تعالى آلة في الإنزال والوضع، وأما قوله: {ولا ~~يحيطون بشيء من علمه} فالمراد من معلوماته تعالى كما يقال هذا علم أهل ~~البيت عليهم السلام، وعلم أبي حنيفة رضي الله عنه، أي معلومة، وكقولهم: ~~اللهم اغفر علمك فينا أي معلومك، ولأن من للتبعيض والمعنى الذي يثبته ~~المتكلمون لا يتبعض، ولأن الاستثناء لا يصح إلا إذا حمل على المعلوم، ~~وتقديره بشيء من معلومه إلا بما شاء، فلولا ذلك لكنا قد أحطنا بنقص علمه ~~القائم بذاته، وهو محال. # وأما معارضة أصحابنا لهم بقوله تعالى وفوق كل ذي علم عليم، فلا يستقيم؛ ~~لأن لهم أن يقلبوا علينا فيقولوا عندكم أن العلم هنا بمعنى العالم، فيلزم ~~أن يكون فوق كل عالم عليم، فلا يكون بد من التأويل. # واحتجوا لإثبات القدرة بقوله تعالى: {ذو القوة المتين}، وقوله: {هو اشد ~~منهم قوة} ونحو ذلك. والجواب ما تقدم من أن العرب لا يعقلون معاني ~~المتكلمين وإنما يستعملون للقدرة بمعنى الإقتدار، فيقولون القدرة لله ~~تعالى، أي الاقتدار، ويقولون لفلان قدرة على كذا، أي هو قادر عليه، ولأن ~~الظاهر متروك من حيث أن الشدة والمتانة إنما يستعملان في الأجسام. # فصل PageV01P178 في أنه لا يجوز أن يستحقها لمعان محدثة كما يقوله هشام بن الحكم في كونه ~~عالما، والذي يبطله أن هذه الصفات ثابتة لم تزل فلا يؤثر فيها ما هو متأخر ~~عنها، ولأن محدثها لا بد أن يكون هو الله تعالى، وهو لا يحدثها إلا بعد أن ~~يكون مختصا بهذه الصفات، والذي يشتبه ما يقوله ابن الحكم وأبو البركات من ~~الفلاسفة من أنه عالم بعلم محدث ويبطله أن العلم اعتقاد واقع على وجه مخصوص ~~كما تقدم، ولا يصح وقوعه على ذلك الوجه إلا من عالم؛ لأنه كيف يقع من ناظر ~~أو متذكر نظر أو ملحق لتفصيل يحمله من دون عقل، وعلم بالدليل، ووجه دلالته، ~~ومن دون علم بالتفصيل، والجملة وكيفية الإلحاق. # فإن قيل: إنه يعلم المعلومات الأزلية لذاته، وإذا كان عالما بها صح أن ms146 ~~يحدث علما بهذه المعلومات المحدثه، قلنا إذا كان عالما بعض الأشياء لذاته ~~علم جميع المعلومات إذ لا اختصاص للذات بمعلوم دون معلوم، فلا يحتاج إلى ~~علم محدث، ولأنه لو أحدث لنفسه علما لأوجده لا في محل كالإرادة، ولو قدر ~~على علم لا في محل لقدر على جهل لا في محل، إما بدلا من العلم وإما متعلقا ~~بغير ما يتعلق به العلم، فيوجب له ذلك الجهل كونه جاهلا، وهو محال ~~بالاتفاق. # شبهتهما /119/ من جهة العقل أنه تعالى لم يكن عالما بوجود الأشياء لم ~~يزل، وإنما يعلم وجودها حال يوجد؛ لأن العلم تابع للمعلوم. # واختلف في الجواب، فقال الشيخ محمود المرجع بكونه تعالى عالما إلى تعلق ~~ذاته، وهذا التعلق يتجدد بتجدد المتعلق فذاته تعالى توجب له هذا التعلق ~~بشرط ثبوت المتعلق، وبهذا نفارق القائلين بالعلم المحدث لأنهم يثبتونه معنى ~~بالفاعل. # وقريب من هذا قول أبي الحسين إلا أنه يقول ببقاء التعلق الأول، قال: لأنه ~~تعالى يعلم للشيء حالة عدم، ثم حالة وجود بعد ذلك العدم، وهو مستمر. PageV01P179 # وحكي عن الشيخ أبي علي ما هذا لفظه: أنه وإن كان عالما لنفسه فإنه إنما ~~يوصف بأنه عالم بوجود زيد عند وجوده من حيث تعلق علمه بوجوده كما أنه وإن ~~كان مدركا لنفسه فإنه إنما يوصف بأنه يدرك المدركات عند وجودها لتعلق كونه ~~مدركا بوجودها. # وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد أن العالمية متجددة بتجدد ~~التعلق كالمدركية، وذلك لا يقدح في كونها للنفس أو مقتضاة؛ لأنها متعلقة، ~~والمتعلقة تتجدد بتجدد متعلقها ككونه مدركا. ومتى قيل له هذا يؤدي إلى خروج ~~الموصوف عن صفته المقتضاة أو الذاتية أجاب بأن الصفة إذا كانت مشروطة بثبوت ~~المتعلق لم يمتنع زوالها عند زواله، وإن كانت ذاتية أو مقتضاة، وهذا الوجه ~~غير سديد؛ لأنه مع مخالفته لأصول الجمهور، فإنه يؤدي إلى أن يكون له بكونه ~~عالما صفات كثيرة. # الوجه الثاني أن الصفة واحدة مستمرة والتعلق يتحدد فتكون متعلقة بأن ~~الشيء سيوجد، فإذا وجد زال التعلق الأول وصارت متعلقة بوجوه، ms147 وهذا قريب، ~~وقد صرح به ابن الملاحمي في (الفائق) عن أبي علي، وما ذكره الفقيه قاسم بن ~~حميد صاحب تعليق شرح الأصول من أنه لو تجدد التعلق لكان لا بد أن يتماثل ~~التعلقان، وإنما يتماثلان باتحاد المتعلق، ومع اتحاده لا يحتاج إلى تحدد ~~التعلق فهو غير سديد، ولقائل أن يقول: إن مماثلة التعلق الثاني للأول لا ~~يمنع من ثبوت الثاني إذا قام عليه دليل، وقد قام الدليل هنا فإنا إذا علمنا ~~أن الشيء سيوجد ثم علمنا وجوده، فإنا نجد مزية لم تكن فلا أقل من أن تكون ~~تلك المزية الحاصلة تعلقا متجددا للصفة إذا بطل أن يكون المتجدد هو الصفة. ~~ثم يقال له: وما أنكرت أن يختلف التعلقان لاختلاف متعلقهما من حيث أن ~~أحدهما تعلق بأنه سيوجد والآخر تعلق بأنه وجد. # فإن قال: هذا يؤدي إلى أن العلم بأنه سيوجد غير العلم بأنه وجد. PageV01P180 # قيل له: إن أردت أن العالمية غير /120/ العالمية فلا نسلمه، وإن أردت أن ~~التعلق غير التعلق فهو محل النزاع، فلم منعت منه؟ وقد أجاب جمهور الشيوخ عن ~~أصل الشبهة بأن العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد وخالفهم أبو ~~الحسين، فقال هما علمان. # واستدل الجمهور بأنا إذا علمنا أن الشمس ستطلع غدا ثم قدرنا بقاء هذا ~~العلم حتى طلعت لم يكن بد من أن يتعلق؛ لأن في خلاف ذلك انقلاب جنسه، فإما ~~أن يتعلق بأنها ستطلع وهو محال؛ لأنها قد طلعت، وإما أن تتعلق بطلوعها، وهو ~~المطلوب، وهذا الدليل لا يستقيم في علم الشاهد؛ لأن عند الجمهور أن العلوم ~~لا تبقى، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن يكون العلم بوجوده غير العلم بأنه ~~سيوجد؛ لأن العلم بأنه سيوجد قد عدم في تأتي وجوده، فأما في عالمية الباري ~~تعالى فالدليل قوي، لكنه لا بد من أن يبنى على تجدد التعلق. # واستدلوا أيضا بأنهما لو كانا علمين لكانا متولدين عن نظر واحد حيث ~~يكونان نظريين ولجاز أن يجهل وجوده مع العلم أنه سيوجد. ويمكن اعتراضه ms148 بأن ~~للخصم أن يجعلهما نظريين، ويلتزم جواز الجهل بوجوده مع العلم بأنه سيوجد، ~~ولهذا لو أخبرنا نبي صادق بأن زيدا سيموت إذا ظهر على نبي معجز، فإنا من ~~يأتي حال الخبر يشك في هل مات زيدا أم لا مع أنا لا نشك في أنه سيموت، فإذا ~~نظرنا فعلمنا أن الله أظهر معجزا على هذا المدعي للنبوة علمنا وقوع الموت ~~بعلم ثان، كما إذا نظرنا في أن الفعل ظلم علمنا قبحه بعلم ثان. # حجة أبي الحسين أن العلم بأن الشمس ستطلع لو كان علما بطلوعها لعلمنا ~~ذلك، وإن كنا في بيت مظلم. # ويمكن الجواب بأنا إنما لم نعلم طلوعها والحال هذه؛ لأنه لم يتجدد لعلمنا ~~تعلق بطلوعها، ونحن قد بينا أنه لا بد أن يتجدد تعلق لهذا العلم حال وجود ~~المعلوم، ومتى قيل فهل يجوز ان يكون تعلق العلم بأنها ستطلع باقيا حال ~~طلوعها. PageV01P181 # قلنا: يجوز ذلك، ولكنها متى طلعت والتعلق باق صار العلم جهلا لتعلقه بالشيء ~~لا على ما هو به، وذلك جائز، وهو يريده الشيوخ بقولهم أن العلم من جنس ~~الجهل، وهذا الجواب كله إنما يستقيم على القول ببقاء العلوم، فإما مع القول ~~بأنها لا تبقى فالقول ما قاله أبو الحسين من أنهما علمان، ولا بد للجمهور ~~من الاعتراف بذلك. # قال أبو الحسين رحمه الله تعالى: العلم بأن الشيء سيوجد لا يقوم مقام ~~العلم بوجوده، ولهذا يشك في أنه هل وجد حيث لا يشك في أنه سيوجد. # ويمكن الجواب بما تقدم من أنه علم واحد، ولكن له تعلقات لا يقوم أحدهما ~~مقام الآخر. قال رحمه الله تعالى: اختلاف المتعلق عندكم يدل على اختلاف ~~العلوم، وهذه المتعلقات مختلفة من حيث أن كون الشيء مما سيوجد مخالفا لكونه ~~مما وجد، وفي اختلاف العلوم تغائرها، ويمكن الجواب /121/ بأن اختلاف ~~المتعلق إنما يدل على اختلاف العلوم إذا كانت علوما، فأما وهو علم واحد ~~فاختلاف متعلقه إنما يدل على اختلاف التعلق، ونحن نلتزمه كما تقوله أنت في ~~تعلق الذات بالمعلومات. # شبهتهما من جهة السمع ms149 قوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم، وقوله تعالى: ~~{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا}، ونحوها من الآيات. # والجواب إما مع القول بتجدد التعلق فلا كلام، وأما مع القول بأنه لا ~~يتجدد، فقد تقدم أن العلم في اللغة يستعمل بمعنى العالم، والمعلوم فقط، ~~فيكون تقديره حتى يقع الجهاد المعلوم، والآن وقع الضعف المعلوم، إلا أن هذا ~~ما لا يطرد في نحو قوله تعالى: {ليعلم الذين نافقوا..} الآية، فكيف يكون ~~غرض الحكيم وقوع النفاق. وأما قوله تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى}، وقوله ~~تعالى: {لعلكم تتقون}، ونحو ذلك، فلا يدل على جهله تعالى في تلك الحال؛ لأن ~~لعل هنا ليست بمعنى الترجي، وإنما هي بمعنى كي فطرب، وأبو علي، واستشهدا ~~قول الشاعر: # نكف ووثقتم لنا كل موثق .... فقلنا لهم كفوا الحروب لعلنا PageV01P182 وقال غيرهما: معناه قولا له قول راج لتذكره، فالترجي راجع إلى موسى وهارون ~~عليهما السلام، وكذلك قوله تعالى: {لعلكم تتقون}، معناه اعبدوا عبادة متق ~~إلا أن هذا لا يشمل مواقع لعل في القرآن من نحو عفونا عنكم لعلكم تشكرون. # وقد قيل في معناه أنه تعالى شبه ما فعله لنا من الألطاف والتكليف بفعل ~~التراخي الطامع في صلاحنا، وإن لم يكن رجاء حقيقيا وشاهده قوله تعالى: ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، أي تفعلون فعل راج للخلود طامع فيه وإن كنتم ~~تعلمون أنه لا خلود. ### |||| AUTO فصل في أنه تعالى يستحق هذه الصفات الأربع ما لم يزل، وفي ما ~~لا يزال، # وقد زعم جهم أنه تعالى لا يعلم المعدومات، وبه قال ابن الحكم. # لنا: أما على القول بأنها ذاتية فظاهر لما تقدم من أن خروج الموصوف عن ~~صفة ذاته، لا يجوز، وإما على القول بأنها مقتضاة فلأنها مقتضاة بشرط ~~مستدام، فأما كونه مدركا فإنها مقتضاة بشرط متجدد، وهو وجود المدرك، فلذلك ~~لم يثبت في ما لم يزل. ### |||| AUTO فصل في أنه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات # يدل عليه أنه يصح أن يعلمها أجمع لأنه تعالى حي، وإذا صح وجب؛ لأن المصحح ~~ملازم ms150 للموجب، وهو ذاته تعالى أو ما هو عليه في ذاته بخلاف الواحد منا، ~~فإنه وإن صح أن تعلمها أجمع لكن لا يجب من حيث ان المصحح هو كونه حيا، ~~والموجب هو العلم، ولا تجب ملازمة الموجب للمصحح. # وبعد فالله تعالى عالم لذاته ولا اختصاص لذاته /122/ بمعلوم دون معلوم، ~~فيجب أن يعلمها أجمع، فإذا وجب أن يعلمها أجمع فإنه يجب أن يعلمها على ~~الوجوه التي يصح أن يعلم عليها من جملة وتفصيل، ومشروط وغير مشروط، وقد ذهب ~~الشيخ أبو هاشم إلى أن الله تعالى لا يعلم جملة، وإنما يعلم مفصلا، وهو ~~مبني على مذهبه في أن الجملي هو التفصيلي، وذهب جهم إلى أنه تعالى لا يعلم ~~الشيء مشروطا. قال: لأنه يعلم هل يحصل الشرط أم لا. PageV01P183 # لنا أنه تعالى أخبر محمدا عليه السلام بأنه إن أشرك حبط عمله، بأن محمدا لا ~~يشرك ينافي علمه بأنه إن أشرك حبط عمله، ومثل هذا أخباره عليه السلام بأن ~~صلة الرحم تزيد في العمر ونحو ذلك. # فصل # في أن الله تعالى قادر على جميع أجناس المقدورات دليله ما تقدم في أنه ~~تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات سواء، ولكن الفرق من جهة الأعيان ~~والأجناس، فإنه تعالى يعلم جميع الأعيان لصحة معلوم بين عالمين، ولا يقدر ~~على أعيان مقدورات العباد لامتناع مقدور بين قادرين، ولكنه يقدر على ~~أجناسها، وهذا هو مذهب الجمهور من الشيوخ، وذهب أبو الهذيل ومحمد بن شبيب ~~وأبو يعقوب وأبو الحسين ومحمود وأكثر أهل الجبر إلى مقدور بين قادرين. # والخلاف في هذه المسألة واقع من طريقين: أحدهما في مقدور بين قادرين من ~~جهة واحدة بأن يكون له وجود واحد يتعلق بالقادرين، والثانية في صحة مقدور ~~بين قادرين من جهتين بأن يكون له وجودات كثيرة تتعلق بعضها بقادر، والبعض ~~الآخر بقادر آخر. # أما الطريق الأولى فاستدل الجمهور على امتناعها بأن حكم كل قادرين صحة ~~اختلافهما في الدواعي، وإلا لم يفترق الحي الواحد من الحيين، فكان يصح أن ~~يدعو زيدا الداعي إلى إيجاد فعل، ويصرف عمرا ms151 الصارف عن وجوده، فيكون موجودا ~~من جهة زيد؛ لأن حق القادر أن يقع فعله عند توفر دواعيه، ومعدوما من جهة ~~عمر، ولأن من حق القادر أن لا يوجد فعله عند صارفه فيكون موجودا من جهة زيد ~~معدوما من جهة عمر، وكون الفعل الواحد موجودا معدوما محال. # واعترض بأنه إنما يكون موجودا فقط؛ لأن معنى كونه معدوما من جهة عمرو هو ~~أنه يجب أن لا يقع من جهته عند توفر صوارفه، وليس كونه غير واقع من جهته ~~يمنع كونه واقعا من جهة غيره، وحال وقوعه من جهة زيد يخرج عن كونه مقدورا ~~لهما جميعا؛ لأنه قد وجد. PageV01P184 # وأجاب المتأخرون من أصحابنا بأنه يجب أن يكون موجودا معدوما من جهة كل واحد ~~منهما لأنا إذا فرضنا مقدور زيد وجوده ومقدور عمرو لا يوجد وفرضنا أن كل ~~واحد /123/ من هذين المقدورين يتعلق بالقادرين كليهما لزم صحة حصول ~~المقدورين من كل واحد من القادرين فيوجد ولا يوجد من جهة كل واحد منهما. # قالوا: وله مثال أجلى من هذا وهو أن يريد زيد إيجاد حركة في هذا الجوهر، ~~ويريد عمرو إيجاد سكون فيه، وكل واحد من الحركة والسكون متعلق بكل واحد من ~~القادرين، ويكون متحركا من جهة زيد من حيث أراد تحريكه، وساكنا من جهته من ~~حيث أنه مقدور عمرو متعلق به، وكذلك العكس، ويمكن أن يعترض بأن الحركة ~~والسكون إنا تتعلقان بزيد على البدل، وكذلك بعمر فإذا وجدت الحركة من جهة ~~زيد لتوفر دواعيه لم يلزم أن يوجد السكون من جهته؛ لأنه إنما كان مقدورا له ~~قبل وجود الحركة، وهذا حكم كل ضدين يتعلقان بالقادر سواء تعلقا بقادر آخر أم لا. # دليل آخر للجمهور، قالوا: لو وجد عند توفر دواعي زيد مع قيام صارف عمرو ~~لكان عمرو فاعلا له مع كراهته له؛ لأنه وجد ما كان قادرا عليه، وذلك هو ~~حقيقة الفاعل، ويمكن أن يعترض بأنه إنما يكون فاعلا إذاوجد ما كان قادرا ~~عليه من جهته، وذلك من تتمة حد الفاعل. دليل: قال الجمهور ms152 لو وجد الفعل من ~~جهة قادرين لما انفصل عن وجوده من جهة قادر واحد إذ لم يختص أحدهما بتأثير ~~ليس للآخر. # واعترضه ابن الملاحمي بأن الفصل يظهر بالتمانع فيكون الفعل الصادر من ~~قادرين أولى من ضده الصادر من قادر واحد. # وفيه نظر إلا أن يبني على تزايد الوجود وسيأتي في الطريق الثانية. # قال: وكلام الجمهور معارض بطرو جزئين من البياض على جزء من السواد، ~~فإنهما ينفيانه على حد لا ينفصل عن انتفائه بأحدهما. # دليل: قال الجمهور، لو تعلق الفعل بقادرين لصح أن يقدر الله تعالى عليه ~~مبتدأ ولا يقدر أحدنا عليه إلا مسببا، وفي ذلك كونه محتاجا إلى المسبب غير محتاج. PageV01P185 # واعترضه ابن الملاحمي بأنه لا يمتنع احتياجه إلى السبب في حال دون حال، ~~وبهذا اعترض قولهم لو تعلق بقادرين لما صح أن يوجداه في محل قدرتيهما، وإلا ~~كان مثلا للتأليف، وإذا فعله أحدهما مباشرا والآخر مسببا أدى إلى أن يكون ~~محتاجا إلى السبب غير محتاج. # وأما الطريقة الثانية، فقد استدل الجمهور على امتناعها بأنه لو تزايدت ~~الوجودات حتى يصح تعلق بعضها بقادر والبعض الآخر بقادر آخر لصح أن يدعو أحد ~~القادرين الداعي إلى الإيجاد دون الآخر فيكون موجودا معدوما. # قال أبو الحسين: أيلزمون الخصم التسمية أو المعنى، وكلاهما لا يلزم، أما ~~التسمية للخصم /124/ أن يقول إلى اسمية موجودا لحصول صفة الوجود له، ولا ~~اسمية معدوما لانتفاء صفة الوجود الأخرى كما اسمى الجوهر أسود لحصول سواد ~~فيه، وإن لم يحصل سواد آخر، وكذلك اسمية كائنا لحصول كائنية فيه، وإن لم ~~تحصل كائنية أخرى. # وأما المعنى فللخصم أن يقول أتريدون بكونه موجودا معدوما أنه حصل علىإحدى ~~صفتي الوجود دون الأخرى فهو صحيح فما المانع منه أو تريدون أنه ليس له صفة ~~وجود قط، فغير صحيح؛ لأنه كيف يقول القائل إذا كان لهذا الشيء صفة وجود ~~بأحد القادرين لم يكن له صفة وجود قط، وهل هذا إلا كأن يقول إذا كان زيد في ~~الدار لم يكن في الدار. # دليل: قال الجمهور: لو ms153 تزايدت صفة الوجود وحصل بعضها لم يكن بأن تظهر ~~عندها الصفة المقتضاة أولى من أن لا يظهر. # واعترضه ابن الملاحمي بأن ظهورها أولى لحصول الوجود الذي هو شرط، ولا يضر ~~فقد صفة أخرى، لو حصلت لكانت شرطا كما أن الحياة شرط في العلم، ومتى حصلت ~~صح وجود العلم، وإن فقدت حياة أخرى. ومتى قيل له أن الوجودات كلها شرط، ~~أجاب بأن هذا وإن كان ضعيفا فإنه يبطل السؤال من أصله؛ لأنه يصير عدم ظهور ~~المقتضاة أولى لفقد شرطها، وهو جميع الوجودات فلا يستقيم قولهم في الدليل ~~لا يكون بأن تظهر عند بعض الوجودات أولى من أن لا تظهر. PageV01P186 # دليل: قال الجمهور لو جوزنا تزايد صفة الوجود لكنا قد جوزنا صفة حصولها كان ~~لا يحصل، وذلك محال. # ويمكن أن نعترض بما تقدم من أن لحصولها تأثير في المنع، ويمكن الجواب ~~بأنه لو كان كذلك لصح أن يمنع أحدنا عشر حركات تحركه واحدة لها عشر وجودات. ~~ويمكن أن يعترض بأنكم إن أردتم عشر وجودات من عشرة قادرين، فصحيح على مذهب ~~الخصم وإن أردتم بقادر واحد، فكيف يصح وعندكم أن القدرة الواحدة لا تتعدى ~~على التفصيل الوجود الواحد. # والأحسن في الجواب أن يقال أن التمانع يقع لا لأجل التنافي والتنافي هو ~~لأجل الصفة المقتضاة، وهي لا تتزايد اتفاقا، فلا يكون لتزايد الوجود تأثير ~~في المنع؛ لأن المنع يستند إلى ما يتزايد فيكون تزايد الوجود كلا تزايد ~~ويستقيم الدليل. # دليل: قال الجمهور: لو صح تزايد الوجود حال الحدوث لصح حال البقاء، ولصح ~~أن يبدأ أحد القادرين فيكسب الفعل صفة وجود، ثم يأتي، قادر آخر بعد فيكسبه ~~وجودا آخر حال بقائه، وفي ذلك اتخاذ الموجود وهو محال. # ويمكن أن يعترض بأن ما تعلق بالقادرين يتبع حال الحدوث، فلا يصح تزايد ~~الوجود حال البقاء. # فصل # لا معنى لمكالمة أهل الجبر في مقدور بين قادرين وإن كانوا يقولون به. # أما الجهمية فلأنهم يجعلون القادر واحدا وهو الله تعالى. وأما أهل الكسب ~~فهم كالجهمية سواء في المعنى وإن ms154 خالفوا في العبارة، وكذلك اهل القول ~~بالقدرة الموجبة من حيث أن فاعل السبب فاعل المسبب، وإذا كان عند جميعهم ~~أنه لا فاعل إلا الله فلا معنى لقولهم مقدور بين قادرين. PageV01P187 # شبهتهم أنه إذا أقدرنا الله تعالى على فعل فهو بأن يقدر عليه أولى. والجواب ~~معنى أن الله تعالى أقدرنا عليه عندكم أنه خلق فينا الفعل وخلق فينا قدرة ~~مقارنة له أو خلق فينا قدرة موجبة له، وإذا كان كذلك لم يكن قد أقدرنا ~~عليه، وإلا لزم أن يكون قد أقدر المرمي به من شاهق على الهوي بأن خلق فيه ~~قدرة مقارنة له أو فعل فيه ما يوجبه، وهو الثقل، وكل هذا باطل، فأما على ~~أصلنا فهو تعالى وإن أقدرنا على الفعل لم يلزم من ذلك أن يكون قادرا على ~~متعلق تلك القدرة لاستحالة ذلك لولا هذا لوجب إذ خلق فينا شهوة متعلقة بشيء ~~أن يكون هو مشتهيا له أولى وأحرى. # وأرك من هذه الشبهة قولهم إذا صح مملوك بين مالكين صح مقدور بين قادرين؛ ~~لأن المعنى كون المملوك بين المالكين أن لكل واحد منهما أن يصرفه نوعا من ~~التصرف ويستخدمه نوعا من الاستخدام، وما فعله المملوك لأحدهما غير ما فعله ~~للآخر، ويقال لهم: إذا جاز تعلق المقدور بقادرين من جهتين حدوث وكسب فهلا ~~جاز تعلقه بهما من جهة واحدة كالمراد والمعلوم. # ويقال لهم: هلا صح أن يتعلق بأكثر من قادرين فلم منعتم منه، وقد فقد ~~الحاضر كالمراد والمعلوم والمملوك. # ويقال لهم: إذا جاز فعل من فاعلين فهلا جاز ظلم من ظالمين، وكذب من ~~كاذبين، وكلام من متكلمين، ونحو ذلك. # فصل # إن قيل: المجوزون من شيوخكم مقدورا بين قادرين بماذا يعلمون أن أفعالهم ~~منهم لا من الله تعالى، وهلا جاز أن يكون كلام أحدهم منه ومن الله تعالى ~~وسائر أفعاله. # والجواب: أن هذا السؤال لا يختص المجوزين المقدور بين قادرين، بل يقال ~~للجمهور أيضا: ما أنكرتم ان يكون الله تعالى فعل فيكم مثلا كلامكم، ومثل ~~مشيئتكم، فالمانع من ذلك شامل على ms155 المذهبين جميعا. وقد ادعى المجوزون ~~لمقدور بين قادرين وغيرهم الضرورة في الفرق بين فعلهم وبين ما يفعل فيهم. PageV01P188 # واستدل الباقون بطريقين إحداهما أنا نعلم ضرورة وقوف أفعالنا على أحوالنا، ~~ولو كانت مفعولة فينا لكنا محمولين عليها. # والثانية دليل العدل والحكمة وسيتضح. # القول في أن الله تعالى مريد وكاره # المريد: هو المختص بصفة لمكانها يصح أن يوقع الفعل على وجه دون وجه إذا ~~كان مقدورا له. # قلنا: إذا كان مقدورا له ليدخل كونه مريدا لفعل الغير، فالكاره هو المختص ~~بصفة لمكانها يصح منه إيقاع كلامه نهيا ونحوه، وكان أبو علي وأبو هاشم أولا ~~يحدون المريد بأنه من وجدت إرادته بحيث تتعاقب هي وضدها. # ويبطله ما ثبت من صحة خلق الحي عن الإرادة والكراهة، وعن الشيء وضده ~~وايضا فقد يعلم المريد من لا يعلم الإرادة، وإلا كنا لا نحتاج إلى إقامة ~~الدلالة على الإرادة بعد العلم بالمريد. # وحده أبو القاسم بأنه فاعل الإرادة، ولهذا لم يقل بأن الله تعالى قادر ~~على الإرادة لما كان غير مريد على الحقيقة عنده، ويبطله أنه ليس للفاعل ~~بكونه فاعلا حال بخلاف المريد، وبأنه كان يلزم صحة أن يفعل الإرادة في جزء ~~من قلبه ، والكراهة في جزء آخركالحركة والسكون، وأيضا فأحدنا يجد من نفسه ~~كونه مريدا بل قد يضطر إلى ذلك من غيره، وإن لم يخطر بباله الفعلية، وأيضا ~~فالمرجع بكون أحدنا مريدا إلى الشهوة عنده وهي غير مقدورة لنا. # فصل # وللمريد بكونه مريدا حال، وكذلك الكاره، والعلم بها على الجملة ضروري، ~~فإن أحدنا يجد من النفس التفرقة بين كونه مريدا وبين كونه غير مريد، وقد ~~يضطر إلى ذلك من غيره، وإنما الخلاف في تفصيلهما، فذهب جمهور شيوخنا إلى ~~أنها زائدة على الداعي، والداعي والصارف، وقال الكعبي والبغدادية: المرجع ~~بهما إلى الشهوة والنفرة. # لنا ما تقدم في نظائره من أنه لا يمكن المرجع لهذه التفرقة إلا إلى حال. PageV01P189 # وبعد فقد ثبت استحالة كون أحدنا مريدا للشيء كارها له، وإن اختلف محل ~~الإرادة والكراهة فلا وجه لذلك إلا ms156 حصوله على صفتين ضدين، وبعد فلكونه ~~مريدا تأثير في وقوع الفعل على الوجوه المختلفة فلا بد من حالة ترجع إلى ~~الجملة ويبطل قول ابن الملاحمي أن إرادة القبيح وكراهة الحسن يقبحان بخلاف ~~الداعي إلى القبيح والصارف عن الحسن حيث يكونان من قبيل العلوم لا سيما ~~الضرورية، وبعد فالإرادة والكراهة تتضادان بخلاف الداعي والصارف، ولهذا ~~يجتمع الداعي والصارف في الطعام المسموم في حق الجائع. # ومن قوي ما يمكن أن يقال له أن داعي القديم ثابت في ما لم يزل، ومعلوم ~~أنه غير مريد في ما لم يزل، وإلا كان مريدا لذاته، والمعنى قديم وهو لا ~~يقول به. # ويبطل قول البغداديين /127/ أن الشهوة والنفار لا يكونان إلا حسنين بخلاف ~~الإرادة، وكذلك الشهوة والنفار غير مقدورين بخلاف الإرادة والكراهة، ~~ويتعديان في التعلق في جميع الأجناس المدركات والإرادة والكراهة لا يتعديان ~~الحدوث وتوابعه في المدرك وغيره، وإنهما يثبتان مع السهو والنوم بخلاف ~~الإرادة والكراهة ويستحيلان على الله تعالى بخلاف الإرادة والكراهة ولا ~~يتعلقان إلا على التفصيل بخلاف الإرادة والكراهة ولا يؤثران في وقوع الفعل ~~على وجه بخلاف الإرادة والكراهة. وبعد فأحدنا يريد ما لا يشتهيه كشرب ~~الأدوية الكريهة والفصد، ويشتهي ما لا يريده كالزنا وشرب الخمر والأكل في رمضان. # فصل # وهذه الصفة تثبت لمعنى هو الإرادة؛ لأنها تثبت مع الجواز والحال واحدة ~~والشرط واحد، فلا بد من أمر، وليس إلا وجود معنى على ما مر في نظائره. # فصل # وحيث لا تعلم هذه الصفة ضرورة فإنا نعلم ثبوتها في حق المختص بها ~~بطريقين: # إحداهما: أن العالم بما يفعله إذا كان فعله مقصودا في نفسه ولم يمنع من ~~إرادته فإن الذي يدعوه إلى فعله يدعوه إلى إرادته، وذلك ضروري في الشاهد، ~~فإن الذي يدعوا أحدنا إلى الأكل يدعوه إلى إرادته. PageV01P190 # واعتبرنا أن يكون عالما بما يفعله أي ليس في حكم الساهي عنه؛ لأنه متى كان ~~ساهيا عنه استحال أن يريده، فضلا عن أن يحب إرادته، واعتبرنا أن يكون الفعل ~~مقصودا في نفسه احترازا مما يسمى جنس ms157 الفعل، وهو الذي لا يقع إلا على وجه ~~واحد، ولا يفتقر في وجوده إلى أزيد من القدرة من القدرة كالإرادة نفسها، ~~وكرد الوديعة ونحو ذلك، فإنه لا يجب أن يراد وإن صح ذلك، وكذلك الألم ~~الحاصل عند القصد وانتقاص التراب عند الجلد. # وبالجملة فكل ما يفعل تبعا لغيره أو لا يقع إلا على وجه واحد واعتبرنا ~~ألا يكون ممنوعا من إراته احترازا مما يدعوه الداعي إلى الأكل ويمنع من ~~إرادته فإنه يأكل لا محالة ولا يحتاج إلى إرادة، وكذلك الواقف على باب ~~الجنة فإنه إذا علم بما فيها من النعيم ومنع من إرادة دخولها وخلق فيه ~~إرادة دخول النار فإنه يدخل الجنة من دون إرادة وأشباه هذا. PageV01P191 # الطريق الثانية: أن تقع أفعاله على وجوه مختلفة من نحو كون كلامه أمرا ~~وخبرا ونحو ذلك، ولا يصح وقوع الفعل على الوجوه المختلفة إلا من يريد ثباته ~~أنه إذا قال زيد في الدار جاز أن يكون خبرا عن زيد بن عبد الله وعن زيد بن ~~خالد، وهو لا يكون خبرا عن أحدهما دون الآخر، إلا لأمر، وذلك الأمر إما أن ~~يرجع إلى المخبر عنه أو إلى الصيغة /128/ أو إلى المخبر لا يجوز رجوعه إلى ~~المخبر عنه؛ لأن الزيدين مع الصيغة على سواء، ولا يجوز رجوعه إلى نفس ~~الصيغة من ذاتها وصفاتها؛ لن كل ذلك مع الزيدين على سواء، وكان يجب أن يكون ~~خبرا في حالة السهو والنومن وبهذا يبطل قول البغداديين من أنه خبر لعينه ~~بمعنى إنما كان خبرا عن زيد لا يصح أن يكون خبرا إلا عنه وإن جاز في مثله ~~أن لا يكون خبرا عنه، وبعد فكنا نعلم الخبر خبرا والمخبر مخبرا وإن لم نعلم ~~إلا الصيغة، وبعد فإنما يصح هذا القول بعد العلم بماهية الخبر ومعه لا يصح ~~العلم بها. وبعد فكان يصح أن يكون خبرا قبل المواضعة، وكان لا يصح التجوز ~~في الكلام. # قال ابن الملاحمي: ولهم أن يقولوا أن التجوز وقع بمثل الخبر. # ولنا أن نجيب بأن الصيغة ms158 إذا كانت خبرا عن زيد لعينها لم يصح في ما ~~ماثلها أن يكون خبرا إلا عنه، وبعد فكان لا يمكن أحدنا الإخبار إلا عن ~~أشخاص متعددة بحسب عدد قدره وأن يستحيل إخباره عما لا يتناهى من الزيدين. # قال ابن الملاحمي: ولهم أن يقولوا إن أردتم يخبر عنهم بصيغ متماثلة، ~~فجائز قدرته على ما لا يتناهى على البدل، وإن أردتم يخبر عنه بصيغة واحدة ~~كان يقول الزيدون في الدار، فذلك صحيح، ويكون مخبر الصيغة حينئذ واحدا، ~~ويصح ايقاعها بقدرة واحدة كما يقولونه في إرادة الأخبار عنهم، فالمعتمد في ~~أنه لا يصح رجوع ذلك الأمر إلى نفس الصيغة ما تقدم. PageV01P192 # بقي أن يكون ذلك الأمر راجعا إلى المخبر وهو إما ذاته أو صفات ذاته، وكونه ~~قادرا فيلزم ما تقدم من صحة الأخبار حال السهو والنوم وإلا يحتاج إلى ~~المواضعة ونحو ذلك، وأما كونه عالما فيلزم أن لا يحتاج إلى المواضعة على ~~أنه قد يكون عالما بالزيدين على سواء، وكونهما في الدار، وأيضا فهو مخبر ~~وإن كان كاذبا غير عالم بما أخبر عنه، وإما أن يكون ذلك الأمر هو الداعي ~~الذي دعاه إلى الإخبار عن أحدهما كما يقوله ابن الملاحمي، وهو باطل بما ~~تقدم من أن الإرادة غير الداعي. # يزيده وضوحا أنه قد يكون داعيه إلى الإخبار عن الزيدين على سواء، ثم يخبر ~~عن أحدهما كما تقدم في تناول أحد الرغيفين، وإما أن يكون ذلك الأمر هو كونه ~~مريدا وهو المطلوب. # وقريب من هذا يقع الكلام في كون الصيغة أمرا فإنها لا تنفصل عن التهديد ~~والتحدي والإباحة إلا بالإرادة، وكذلك كون الصيغة نهيا في دلالتها على كونه كارها. # فصل # في الدلالة على إثبات هذه الصفة للباري تعالى. # اعلم أن الاضطرار إلى كونه تعالى مريدا لا يصح، والدار دار تكليف؛ لأن ~~العلم بصفاته تعالى فرع على العلم لذاته /129/ وإنما يعلم استدلالا، وقد ~~ذهب أبو الحسين وابن الملاحمي إلى أن معنى كونه تعالى مريدا لأفعاله أنه ~~دعاه الداعي إلى اتخاذها، ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره ms159 هو أنه أمر بها. # وقال أبو الهذيل وابو القاسم والنظام والجاحظ: معنى كونه تعالى مريدا ~~لأفعاله أنه أوجدها وهو غير ساه ولا مغلوب، ومعنى كونه مريدا لأفعال غيره ~~أنه أمر بها. # وقال جمهور أصحابنا وأهل الجبر معنى كونه مريدا لأفعال نفسه ولأفعال غيره ~~أنه مختص بصفة كما تقدم. # وسيدلنا أن ندل على صحة هذه الصفة في حقه تعالى، ثم على ثبوتها. # أما صحتها فدليله أن من حق كل حي قادر صحة أن يوقع فعله على وجه دون وجه، ~~وكل من صح منه أن يوقع فعله على وجه دون وجه صح أن يكون مريدا وكارها ~~لأنهما اللذان يؤثران في وقوع الفعل كذلك. PageV01P193 # وأما وقوعها فما تقدم من الطريقين المذكورين حاصل هنا لأنه تعالى أوجد أكثر ~~أفعاله لأغراض يخصها ويستحيل أن يمنع من إرادتها، فيجب أن يريدها؛ ولأن ~~جميع أفعاله واقعة على وجوه مخصوصة. أما الخطابات ففيها الأمر والنهي ~~والخبر. # وأما غير الخطاب من أفعاله تعالى فلا يخرج عن كونه نعمة أو نقمة، ومعلوم ~~أن المنفعة إنما تكون نعمة إذا قصد بها فاعلها وجه الإحسان، وكذلك المضرة ~~إنما تكون نقمة إذا قصد وجه الأضرار وإلا لزم في الأمراض والبلاوي أن تكون ~~نقمة وخلافه معلوم. # يزيده وضوحا أن الله تعالى خلق فينا شهوة القبيح ونفرة الحسن، فلو لم يكن ~~عرضه بذلك كمال شرائط التكليف لكان عبثا، بل أغرا بالقبيح. # فصل # والباري تعالى يستحق هذه الصفة لمعنى محدث كالشاهد. # وقالت البحارية وبشر بن المعتمر: أنه يستحقها لذاته. وقالت الأشعرية ~~يستحقها لمعنى قديم. PageV01P194 # لنا أنه تعالى حصل مريدا مع الجواز، والحال واحدة، والشرط واحد، فلا بد من ~~أمر، وليس إلا ثبوت معنى على مثل طريقتنا في إثبات المعاني، وإنما يثبت لنا ~~أنه حصل مريدا مع الجواز إذا أبطلنا أن يكون مريدا لذاته أو لمعنى قديم؛ ~~لأنه الذي يشتبه الحال فيه، والذي يبطل ذلك أنه لو كان مريدا لذته أو ~~بإرادة قديمة لوجب أن يكون مريدا لجميع المرادات بل لجميع ما يصح أن يراد، ~~وهو محال ms160 إما انه كان يجب ذلك فلأنه لا اختصاص لذاته ولا للمعنى القديم ~~ببعض ما يصح ان يراد دون بعض ككونه عالما لا ككونه قادرا؛ لأنه يستحيل ~~مقدور بين قادرين، ولا يستحيل معلوم بين عالمين /130/ ولا مراد بين مريدين، ~~وإما أن ذلك محال فلأنه لو اراد جميع ما يصح أن يراد لوقع لا سيما على مذهب ~~الخصم في إنما يريده الله تعالى لا بد أن يقع، فكان يجب إذا أراد أحدنا ~~شيئا أو صح أن يريده أن يقع لأنه مراد الله تعالى، وكان يلزم أن يكون مريدا ~~للإيمان من الكافر والكفر من المؤمن؛ لأنه مما يصح أن يراد، وكان يلزم أن ~~لا يكره الله شيئا قط؛ لأن كل ما يكرهه فهو مما يصح أن يراد، فكان يلزم أن ~~يوجد الله أكثر مما أوجد وأكثر، وأكثر وقبل الوقت الذي أوجد فيه، وقيل: ~~وقبل لصحة أن يريد ذلك، وليس يتأتى للخصم أن يقول أن الإرادة تتبع الداعي ~~فلا يريد إلا ما دعاه إليه الداعي؛ لأن عنده أن الله يريد الكفر من الكافر ~~ولا يدعوه إليه الداعي، وكان يلزم أن يكون الله تعالى مريدا للضدين لأنهما ~~مما يصح أن يريدهما مريدان، ومريد واحد إذا اعتقد ارتفاع التضاد بينهما، ~~وبهذا يبطل كون إرادتي الضدين ضدين فلا يقال أنه يكون بإرادتي الضدين حاصلا ~~على صفتين ضدين، ومتى أراد الضدين فإما أن يوجدا معا وهو محال وإما أن لا ~~يوجد واحد منهما وفيه تخلف مراده، وقد أراده وهو محال عندهم، وأما أن يوجد ~~أحدهما ولا مخصص، فبهذا يبطل أن يكون تعالى مريدا لذاته أو بمعنى قديم، وإن ~~كان جميع ما تقدم في PageV01P195 إبطال المعاني القديمة يرد في إبطال الإرادة القديمة. # دليل: لو كان تعالى مريدا لذاته أو لمعنى قديم لاستحال خروجه عن هذه ~~الصفة ككونه عالما وقادرا ومعلوم خلافه لا سيما على مذهب الخصم في أنه لا ~~يريد إلا الواقعات فيريد الإيمان من زيد ما دام يفعله، فإذا كفر أو عجز أو ~~مات خرج الباري عن كونه ms161 مريدا له. # دليل: لو كان تعالى مريدا لذاته أو لمعنى قديم لبطل الاختيار في أفعاله ~~تعالى، ولما صح وصفه بالقدرة على إقامة القيامة الآن ولا أن يجعل لزيد ~~رأسين ونحو ذلك من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان؛ لأن الإرادة ~~القديمة لم تعلق بذلك، وما لم تتعلق به الإرادة القديمة استحال أن يقع، ~~وليس لهم أن يقيسوه على العلم؛ لأنا نجوز القدرة على خلاف المعلوم، وهم لا ~~يجوزون تعلق الإرادة بخلاف المعلوم، وهذا يبطل ما قد قامت عليه الدلالة من ~~أنه إن شاء أن يفعل فعل، وقد نطق القرآن بذلك، قال تعالى: {ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك}. يوضحه: أن الشرط لا يدخل إلا في المستقبل ولا ~~بد أن يعترفوا بأنه أراد هذا الشيء مع جواز أن لا يريده.. # فصل # وللمخالف شبه في أنه تعالى مريد لذاته أو بإرادة قديمة وأكثرها قد دخل في ~~أثناء الكلام وبقي شبهتان. # إحداهما أن قالوا لو لم يكن مريدا لم يزل لكان قد حصل مريدا بعد إن لم ~~يكن، وذلك تغير كالمحل إذا أسود بعد أن كان أبيض. # والجواب هل أردتم بالتغير أنه حصل على صفة لم تكن عليها فهذا لا يسمى ~~/131/ تغيرا كما تقدم في كونه مدركا بعد إن لم يكن، وفاعلا بعد إن لم يكن ~~ونحو ذلكن وأما قول العرب في الجسم إذا اسود بعد بياض أنه قد تغير ~~فلاعتقادهم أنه صار غير ما كان، وإلا ساء في بديع اعتقاداتهم، وإن أردتم ~~التغير الحقيقي وهو أن ذاته صارت غير ما كانت فما دليلكم عليه. # الشبهة الثانية: # إن قالوا أنه في ما لم يزل غير ساه ولا غافل فيجب أن يكون مريدا. PageV01P196 # والجواب: إنما يلزم فيمن ليس بساه ولا غافل أن يكون عالما، فإما أن يكون ~~مريدا فلا يلزم لأنهما يضادان العلم ولا يضادان الإرادة ولو ضادها لم يكن ~~انتفائهما دليلا على ثبوتهما إلا إذا لم يجز خلو الذات عن الصفة وضدها وقد ~~بينا جوازه. # يوضحه: أنه تعالى غير ساه عن نفسه ولا غافل ولا ms162 يكون مريدا لها. # فصل # وإذا ثبت أنه تعالى مريد بإرادة محدثة فهي إنما توجد لا في محل لأنه ~~تعالى يستحيل أن يكون محلا للأعراض ويستحيل أن يوجب له الإرادة وهي حالة في ~~غيره من حي أو جماد. # أما الجماد فيستحيل وجود الإرادة فيه رأسا، وأما الحي فلأنها متى وجدت ~~فيه كانت بأن يوجب له أولى من القديم تعالى، فلم يبق إلا أن يكون لا في محل ~~وليس في ذلك إلا تشنيع من يشنع بأنه كيف يوجد عرض لا في محل، والأصل في مثل ~~هذا أن وجود الشيء إذا كان بالدلالة فكيفية وجوده يتبع الدلالة. # ولهذا منعنا المشبهة أن يقيسوا كيفية وجوده تعالى على كيفية وجود الأجسام ~~والأعراض. # وقلنا لهم: طريق ذلك الأدلة لا الاعتماد على مجرد الوجود، فإذا كان ~~الطريق إلى إرادة الباري الدلالة فكذلك كيفية وجودها، فإذا منع الدليل من ~~أن يكون حاله في الباري تعالى أو في غيره ثبت أنها لا في محل، وقياس بعض ~~الأعراض على بعض في كيفية الوجود لا يصح كما لا يصح في كيفية الإيجاب، فإن ~~بعضها يوجب للجملة وبعضها يوجب للمحل، ولولا قيام الدلالة على أن ما عدا ~~إرادة الباري وكراهته والفناء لا يوجد إلا في محل لجوزنا وجوده لا في محل. # فإن قال: كيف يختص بالباري تعالى وقد وجدت لا في محل، وحالها مع جميع ~~الأحياء على سواء. PageV01P197 # قيل له: من حق الاختصاص أن يكون على أبلغ الوجوه ولا يمكن اختصاصها بالباري ~~على أبلغ من هذا الوجه بخلاف سائر الأحياء، فإنه يمكن أن يكون لها بهم ~~اختصاص على أبلغ من هذا الوجه، وهو الحلول، وإذا بطل أن تكون موجبة لحي ~~محدث وجب أن يوجب للقديم تعالى وإلا خرجت عما هي عليه في ذاتها، وصار الحال ~~فيها كالحال في المقدور فإنه إذا بطل قدرتنا عليه وجب أن يكون الباري تعالى ~~قادرا عليه وإلا خرج عن كونه مقدورا. ### |||| AUTO فصل في ما يصح أن يراد ويستحيل ويجب ويحسن ويقبح. # أما ما يصح، فكل ما ms163 صح حدوثه /132/ كالمقدورات أو اعتقد صحة حدوثه ~~كاجتماع الضدين صح أن يراد، وكلما لم يكن كذلك كالقديم والباقي واجتماع ~~الضدين في حق من يعلم تضادهما استحال أن يراد. # وأما ما يجب أن يراد فهو كل فعل يفعله الفاعل لغرض يخصه ولا يكون في حكم ~~الساهي عنه، ولا ممنوعا من إرادته. # وأما ما يحس فهو إرادة الحسن إذا لم يتعلق بالإضرار بالنفس، ولم يكن ~~عبثا، واحترزنا من العاصي إذا أراد نزول العقاب بنفسه فإن هذه الإرادة وإن ~~تعلقت بالحسن قبحت لما كانت إرادة للإضرار بالنفس. # وقلنا: ولم يكن عبثا احترازا من إرادتنا للمكروهات ومن إرادة الباري ~~تعالى لها وللمباحات عند من لا يجوز إرادتها. # وأما ما يقبح فكل إرادة تعلقت بقبيح ويحسن صفته ما تقدم. PageV01P198 ### |||| AUTO فصل في ما يريده الله تعالى وما لا يريده # وأما أفعاله تعالى فجميعها مرادة له؛ لأن كل واحد منها يتعلق به عرض يخصه ~~إلا الإرادة، فإنها تفعل تبعا لغيرها، فلذلك لا يكون تعالى مريدا لها؛ ولأن ~~جميع أفعاله تعالى حكمة، وهي إنما يكون كذلك بالإرادة التي يخصصها بوجه دون ~~وجه، فأما الإرادة نفسها فهي من حيث يقع تبعا للمراد هي كالجزء منه فلا ~~يحتاج إلى الإفراد بالإرادة ولا يخرج عن كونها حكمة، وهذا الكلام في إرادته ~~تعالى المتعلقة بأفعاله، فأما إرادته المتعلقة بفعل غيره فيجب أن يريدها ~~تعالى لأنها ليست بفعل تبعا لغيرها بل لغرض يخصها، وإنا لم يجز أن يكره من ~~أفعال نفسه تعالى؛ لأنها لا تقع منه ولا هو ممن يصح عليه الزجر والجهل ~~بالقبيح حتى يقال يفعل الكراهة زجرا لنفسه وتعريفا لها بالقبيح كما يفعل ~~الكراهة المتعلقة بفعل الغير، وإن كان المعلوم أن ذلك الفعل لا يقع. # فإن قال: هل يجوز أن يريد كل جزء من أفعاله تعالى بإرادة مستقلة أو قد ~~يريد جملة أفعال بإرادة واحدة. # قيل له: كل جزء يستقل بالغرض الذي فعل لأجله، فإنه يراد بإرادة تخصه ~~كالجوهر ونحوه، وكل جزء لا يتم الغرض به وحده بل لا بد ms164 من انضمام غيره إليه ~~فإنه يراد هو وجميع ما لا يتم الغرض به وحده بل لا بد من انضمام غيره إليه، ~~فإنه يراد هو وجميع ما لا يتم الغرض إلا به بإرادة واحدة كالخبر والأمر، ~~فإنه لا يكون كذلك إلا بمجموع حروف، فإرادة جميع تلك الحروف واحدة (فراغ) ~~أفعال غيره تعالى، فما كان منها مكروها أو فعلا يسيرا أو صادرا من غير مكلف ~~فلا يريده تعالى ولا يكرهه اتفاقا بين الشيوخ، وكلما كان منها قبيحا فاتفق ~~الشيوخ على أنه لا يريده وأنه يكرهه، وكلما كان منها واجبا أو مندوبا ~~فاتفقوا أنه يريده ولا يكرهه واتفقوا أيضا على أنه تعالى لا يريد المباح في ~~الدنيا لأنه لا مزية لفعله على تركه ولو أراده لترجح فعله، فكان واجبا أو ~~مندوبا. PageV01P199 # فإن قال: إذا كان الله تعالى خلق الأشياء لينتفع بها الأحياء فقد أراد ~~الانتفاع بها وهو مباح /133/. # قيل له: إنه تعالى يقال إنما أراد خلقها على وجه يصح أن ينتفع بها، ~~وأراده أن ينتفع بها غير إرادة وقوعها على الوجه الذي معه يصح أن ينتفع ~~بها، واختلفوا في هل يريد المباحات في الآخرة أم لا. # فقال أبو علي: لا يريدها كالدنيا، وجعل قوله تعالى: {كلوا واشربوا} إباحة ~~لا أمرا حقيقيا. # وقال أبو هاشم: يصح أن يريدها في الآخرة؛ لأن ذلك زيادة مسرة أهل الجنة ~~وانتشاطهم، وحق الثواب أن يكون على أبلغ الوجوه، وليست دار تكليف، فيقال إن ~~إرادته لها تخرجها عن كونها مباحة ويدخلها في باب المندوبات. ### |||| AUTO فصل وفيه ذكر طرف من أحكام الإرادة. # منها: أنه يجوز تقديمها، وخالف أهل الجبر. لنا أن أحدنا يجد من نفسه ~~إرادة ما يتأخر، والمخالف يبني على أن الإرادة موجبة للمراد، وهذا أصل ~~مضمحل عندنا. # فأما إرادة الباري فما تعلق منها بأفعاله المبتدأة والمسببة غير ~~المتراخية عن اسبابها، وحيث مقارنته لا لأن الإرادة موجبة، بل لأنها لا ~~تقدم إلا لتعجيل المسرة وتوطين النفس، وذلك يستحيل في حقه تعالى، ولهذا ~~امتنع العزم عليه، وما تعلق منها ms165 بأفعاله المسببة المتراخية فقيل يفارق ~~السبب ويكون في حكم المقارنة للمسبب؛ لأنه في حكم الواقع لوقوع سببه. # وقيل: يقارن المسبب محافظة على الأصل المذكور، وما تعلق منها بفعل الغير ~~فهو متقدم على ذلك الفعل ومقارن للأمر به لوجهين: # أحدهما: أن الأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة. # والثاني: أن إرادته تعالى كالحاث على الفعل الباعث عليه، وحث الباعث ~~التقدم على الفعل. # ومنها: أنها لا تتعلق بأن لا يفعل ونحوه من النفي خلافا لأهل الجبر. PageV01P200 # لنا أنها لو تعدت الحدوث وتوابعه لتعدت، ولا حاضر، فكان يصح تعلقها ~~بالقديم، والباقي والماضي كالعلم، وأما نية الصوم فإنها تتعلق بكراهة الأكل ~~ونحوه أو بالامتناع المحقق وهو إطباق التعيين عن المأكول وتسكين اللسان عن ~~الرفث والحجر على آلة النكاح من النكاح وأشباه ذلك. # ومنها أن إرادة الشيء ليست كراهة لضده خلافا لهم؛ لأنه ليس هذا أولى من عكسه. # وبعد، فكان يستحيل إرادة الضدين على البدل؛ لأنه يكون بإرادة كل واحد ~~منهما، فذكره الآخر وبمثل هذا يبطل تضاد إرادتي الضدين؛ لأن إرادتي الضدين ~~ثابتة، وإنما يدخل البدل في الوقوع لا في الإرادة. # وبعد فلو تعلقت بالشيء على أنها كراهة لضده لكانت قد تعدت المتعلق الواحد ~~على التفصيل، وتقدم بطلانه، ولكان لها ضربان من التعلق متنافيان، فيكشف ذلك ~~عن اختصاصها بذاتيين مختلفيين. # وبعد فكان يلزم من أن يريد الشيء ويكرهه في حالة واحدة بأن /134/ يريد ~~أحد ضديه، ويكره الآخر، وبعد، فكان لا يصح أن يريد الله تعالى النوافل لأنه ~~لا يكره أضدادها، فأحدنا يجد الفرق بين كونه مريدا وكونه كارها. # فصل # والذي يجري عليه تعالى من الأسماء في هذا الباب نحو قولنا: مريد؛ لأنه ~~يفيد اختصاصه بصفة، وليس طريقه الفعلية، وإن كان لا يريد إلا بإرادة ~~يفعلها. # ومنها: المحب لأنه لا فرق بين الإرادة والمحبة. ومتى أضيفت المحبة إلى ~~الأشخاص فقيل يحب المؤمنين ويحب التوابين والغرض إرادته لإعظامهم ومدحهم، ~~وكذلك إذا قيل فلان يحب فلانا فالغرض أنه يريد منافعة ولا يريد مضارة. # ومثله الودود والمود والواد. # ومنها: قولنا ms166 يشاء؛ لأنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة. # ومنها: قولنا: راض، إلا أنه لا يوصف بذلك إلا إذا وقع الفعل مطابقا ~~لإرادته من عباده فلا يقال رضيه قبل وقوعه. # ومتى قيل رضي الله عن فلان فقيل معناه أنه أراد بكل أفعاله ورضيها. PageV01P201 # وقيل: قد صار بالعرف من الأسماء المقيدة للتعظيم، وهو الحق؛ لأنه لو كان ~~على القول الأول لما صح الترضية إلا عمن يقطع بأنه لم يأت معصية قط، وذلك ~~يؤدي إلى أن لا يرضى عن أحد حتى الأنبياء. # ومنها: قولنا قاصد ومختار إلا أنهما لا يستعملان إلا في فعل النفس بشرط ~~المقارنة أو ما في حكمها، وقد يستعمل الاختيار في إيقاع الفعل لا على وجه ~~الإكراه. # وأما ما يجري عليه بمعنى كونه كارها فنحو قولنا ساخط وهو نقيض الراضي ~~يفيد وقوع الفعل المكروه، ومتى علق بالفاعل نحو قوله تعالى: {أن سخط الله ~~عليهم}، فمعناه كراهة المنافع وإرادة المضار، وفيه من الخلاف ما تقدم، ~~والحق أنه قد نقل إلى ما يفيد الذم والاستحقاق لولا هذا لما جاز إطلاقه على ~~أحد قط؛ لأنه ما من مكلف إلا وقد فعل واجبا أو ترك قبيحا. # وأما الغضب والبغض فيصح أن يكون من باب إرادة المضار، ويصح أن يكون من ~~باب كراهة المنافع، وكذلك المعاداة من الله تعالى لعباده. # وأما المعاداة من العباد لله تعالى فمعناه معاداة أوليائه بإرادة مضارهم ~~والاستخفاف بهم أو كراهة منافعهم وإعظامهم. # وأما البراءة من الله تعالى فإن علقت بالفعل فالمراد أنه كراهة نحو: إن ~~الله بريء من الكفر وإن علقت بالفاعل نحو: إن الله بريء من المشركين، جاز ~~أن يكون بمعنى كراهة فعله، وجاز أن يكون متفق له إلى معنى الذم والاستخفاف. # وأما الغيظ فلا يجوز إجراؤه؛ لأنه يفيد ضربا من التغير وفوران النفس. PageV01P202 ### ||| AUTO القول في أن الله تعالى غني # الغني في اللغة: من استغنى بما في يده /135/ عن ما في أيدي الناس، ومنه ~~القناعة رأس الغنا. وفي اصطلاح الفقهاء هو من ملك النصاب أو ما قيمته نصاب، ~~وقيل ms167 من ملك الكفاية. # وفي اصطلاح المتكلمين هو الحي الذي ليس بمحتاج. # والحاجة ضربان: حاجة الأثر إلى المؤثر، وتقدم نفيها عن الله تعالى في ~~ذاته وصفاته وحاجة دعاء وصرف، وهي ما يدعو الحي إلى جلب نفع له أو نصرته عن ~~جلب ضرر إليه، والداعي: هو ما يرجح وجود فعل على عدمه من غير تأثير. # وينقسم إلى داعي حكمة، وهو علم الحي أو ظنه، واعتقاده بأن للغير في الفعل ~~نفع أو دفع ضرر مع حسنه. وقلنا: مع حسنه، احترازا من إثابة أهل النار وداعي ~~حاجة، وهو كداعي الحكمة إلا في اعتبار الحسن، وفي أن النفع ودفع الضرر هنا ~~عائدان إلى نفس الحي، ولهذا امتنع في حقه تعالى، والصارف ما يرجح عدم الفعل ~~على وجوده من غير تأثير، وقسمته كقسمة الداعي إلا أن تعلقه على العكس ~~والمنفعة هي اللذة والسرور أو ما أدى إليهما أو إلى أحدهما، ويفارق النعمة ~~مفارقة الأعم للأخص من حيث أن النعمة منفعة مخصوصة، والمضرة هي الألم والغم ~~أو ما أدى إليهما أو إلى أحدهما، ويفارق النقمة والظلم مفارقة الأعم للأخص ~~أيضا، واللذة والألم هما المعنى المدرك بمحل الحياة فيه، لكن إن قارنه شهوة ~~سمى لذة، وإن قارنه نفار سمي ألما، فبهذا التدريج صارت الحياة ملازمة ~~للشهوة والنفار اتفاقا بين الشيوخ، وإنما اختلفوا في علة امتناع الشهوة ~~والنفار عليه تعالى. فقال أبو هاشم: لأنهما يلازمان الزيادة والنقصان من ~~حيث يزداد جسم أحدنا يتناول ما يشتهيه وينقص بتناول ما ينفر عنه. PageV01P203 # واعترض بأن الزيادة والنقصان يقعان بمجرى العادة من الله تعالى وأيضا فقد ~~يكون الأمر بالعكس مما ذكره. # وقال الشيخ أبو إسحاق بن عياش والجمهور: لأنه لو جاز أن يشتهى لكان إما ~~أن يشتهي لذاته أو لما هو عليه في ذاته أو بالفاعل والمعنى، والأول باطل، ~~وإلا وجب أن يشتهى جميع المشتهيات فيكون ملجأ إلى فعلها دفعة واحدة، وإلى ~~أن يوجد أكثر مما أوجد، وأكثر وقيل الوقت الذي أوجد فيه، وقيل: لتوفر ~~دواعيه إلى جميع ذلك. # والثاني: باطل لما تقدم ms168 من أن القديم لا فاعل له ولا لشيء من صفاته، ولأن ~~تأثير الفاعل لا يتعدى الحدوث وتوابعه أي الأحوال، ولأنه كان يلزم أن لا ~~ينحصر تعلق هذه الصفة؛ لأنه لا ينحصر تعلق الصفة إلا لمعنى فيلزم ما تقدم. # والثالث: باطل لأن المعنى إن كان قديما أو معدوما لزم ما تقدم في كونه ~~مشتهيا لذاته، وإن كان محدثا لزم ذلك أيضا وزيادة، وهو أن يكون ملجأ إلى ~~إيجاد الشهوات على الحد الذي يكون ملجأ إلى إيجاد المشتهيات، ومثل هذا يجيء ~~الكلام في أنه تعالى لا يجوز /136/ أن يكون نافرا إلا في كونه نافرا بنفار ~~محدث، فإنه يقال لو جاز عليه النفار المحدث لجازت عليه الشهوة المحدثة إذ ~~لو قلنا كان يلزم أن يكون ملجأ إلى أن لا يخلق شيئا من النفرة ولا من ~~المنفر لكان لقائل أن يقول أنه يخلق لنفسه نفرة عن منفرات لم يخلقها ولا ~~يخلق نفرة عن المنفرات التي خلقها. PageV01P204 ### ||| AUTO القول في أن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا يجوز عليه ما ~~يجوز عليهما # أما أنه لا يكون جسما فقد خالف فيه فرق كثيرة. # فقال هشام بن الحكم وغيره: جسم له أعضاء وجوارح، وهو خمسة أشبار بشبر نفسه. # وقال بعض الحشوية: إنه سبيكة ملقاة فوق العرش. # وقال مقاتل بن سليمان وداود الجواربي أنه على العرش كبعض ملوك البشر لحم ودم. # وقال قوم: إنه فضاء منثبت والأجسام كلها فيه، قالوا: وهو لا يحتاج إلى ~~مكان؛ لأنه مكان في نفسه. # وحكي عن بعض الحنابلة القول بأنه جسم طويل عريض عميق وعليه جل أهل الحشو. # وقالت الثنوية: إنه نور لا يتناهى إلا من جهة السفل، وبه قال بعض ~~الكرامية، وقال البعض الآخر: إنه جسم قائم بذاته لا طويل ولا عريض ولا عميق. # وحكى عنهم الرازي القول بأنه في مكان. # وقالت الفلاسفة: إنه جوهر بسيط غير مركب. # وقالت النصارى: جوهر، وأكثر هذه المقالات هو بين لا يعقل فضلا عن أن ~~يشبته الحال فيه. # لنا أن كل جسم متحيز وكل متحيز ms169 محدث والله تعالى قديم. PageV01P205 # أما إن كل جسم متحيز فلأن هذا هو المعقول من الجسم بالضرورةن وأما إن كان ~~متحيز محدث فلما تقدم في دليل الدعاوي. # وأما أن الله تعالى قديم فتقدم أيضا،وقد يورد هذا الدليل على وجه آخر وهو ~~أن الأجسام متماثلة لاشتراكها في أخص أوصافها، وهو التحيز، ولالتباسها على ~~المدرك مع العلم بتغايرها والمتماثلات لا يجوز افتراقها في القدم والحدوث، ~~ولا يقال إن الجوهرية تقتضي القدم في حقه تعالى دوننا؛ لأنا نقول إما أن ~~تقتضيها لا بشرط فيجب أن تقتضيها لنا، وإما أن تقتضيها بشرط، فكان يصح ~~حصوله لنا إذ لا يصح حصول المقتضى، ويستحيل شرط الاقتضاء على الإطلاق، ~~وأيضا فلا بد أن يكون ذلك الشرط بعض صفاته الأربع، وكلها قد استحققتا ~~قبيلها. # دليل: كل جسم مؤلف بالضرورة، وكل مؤلف محدث من حيث لو كان قديما لكانت ~~أجزاؤه قديمة، فيكون كل جزء منها قادرا عالما لمشاركته للجملة في صفة ~~ذاتية، وهي القدم، فيودي إلى التمانع. # دليل. # لو كان تعالى جسما لاستحال أن يكون قادرا عالما؛ لأنه لا يصح أن يستحق ~~هذه الصفات لذاته، وإلا لزم في كل جسم مثله، ولا لمعان لما تقدم في فصل ~~الكيفية ولا بالفاعل لتأدية ذلك إلى أن يكون محدثا، دليل كل جسم، فهو ~~متناهي المقدار في المساحة والعدد وكل متناه محدث. # دليل: كل جسم مركب، وكل مركب عليه، وفي ذلك صحة خروجه عن كونه قادرا وحيا ~~ونحوهما وهو محال. PageV01P206 # دليل: لو كان جسما لكان كائنا في ما لم يزل، فتكون هذه الصفة واجبة فتشاركه ~~فيها جميع الأجسام؛ لأن المتماثلات /137/ لا يجوز افتراقها في ما يجب أو ~~يجوز أو يستحيل مما يكون وجوبه وجوازه واستحالته راجعا إلى الذات، ألا ترى ~~أنه يجب له التميز في كل حال ويجوز عليه التنقل في كل حال، ويستحيل عليه ~~الكون في جهتين في وقت واحد على كل حال واحترزنا عن ما يكون وجوبه وجوازه ~~واستحالته راجعا إلى غير الذات كوجوب القادرية عند وجود القدرة وصحة الموت ~~عند حصول ms170 الحياة واستحالة الحياة عند فقد البنية. # دليل: كل جسم فإنه إنما يفعل الفعل مباشرا ومتعديا، والله تعالى يفعل ~~مخترعا، فيجب أن لا يكون جسما، أما أن كل جسم لا يفعل إلا مباشرا أو متعديا ~~فذلك ضروري في الشاهد، فإن كل عاقل يعلم أن الجسم لا يفعل إلا في محل قدرته ~~أو بواسطة فعل في محلها، والأول هو المباشر والثاني هو المتعدي، وأما أن ~~الله تعالى يفعل مخترعا فدليله أنه يفعل الأفعال الكثيرة في الأماكن ~~المتباعدة في الوقت الواحد، ولأنه يفعل الأفعال الكثيرة فينا ولسنا محلا ~~لقدرته، ولا يحسن لمماسة لمحل قدرته. # دليل: لو كان جسما لما صح منه فعل الأجسام لأنه إما أن يفعلها مباشرة أو ~~متعدية أو مخترعة. # والأول: باطل لتأديته إلى تداخل المتحيزات أو حلول المتحيز. # والثاني: باطل لأن الفعل لا يتعدى إلى الغير إلا بالاعتماد والاعتماد لا ~~تأثير له في توليد الأجسام، وإلا وجب مثله في الاعتماد الذي نفعله فيفعل ~~أحدنا لنفسه بالاعتماد ما شاء من الأموال. # فإن قيل: إن الاعتماد الذي يولد الأجسام غير مقدور لكم. # قلنا: أنواع الاعتمادات ستة فقط بحسب الجهات الست وكلها تقدر عليه. # فإن قيل: إنما لم يفعل أحدنا الجسم لمانع. # قلنا: لا مانع يعقل إلا أن يقال إن الجهات مشغولة، ولو كان كذلك لما صح ~~من الله تعالى أيضا ولتعذر علينا التصرف. PageV01P207 # والثالث: باطل لأنه لو صح الاختراع من بعض الأجسام القادرة لصح لصح من ~~سائرها لتماثلها، ولأنا نعلم بالاختيار وتعذره ولا وجه لذلك، إلا كونها ~~أجساما ولما تقدم. # دليل: لو كان جسما لكان قاردا بقدرة إذ لو كان قادرا لذاته لوجب ذلك في ~~جميع الأجسام لتماثلها، ولو كان قادرا بقدرة، وقد ثبت أنه يصح منه فعل ~~الأجسام لكان يصح منا أيضا لأن مقدورات القدر منحصرة متجانسة، فلأنا نعني ~~بكونها وتجانست لكونها قدرا، فلو كان تعالى قادرا بقدرة لوجب انحصار ~~مقدورها وتجانسه، فهذه ثلاثة أصول. # إما أن مقدورات القدر منحصرة متجانسة فلأنا نعني بكونها منحصرة أنها ~~مقصورة على الأجناس العشرة، وذلك ms171 معلوم من حالها، ونعني بتجانسها أنه ما من ~~جنس من هذه العشرة يصح أن يفعل بقدرة إلا ويصح أن يفعل بسائر القدر، وذلك ~~ظاهر أيضا، وإنما يشتبه الحال في هل يصح تعلق قدر الجوارح بأفعال /138/ ~~القلوب أم لا، والعكس، وذلك صحيح بأن يدخل الله آخر الجوارح في تضاعيف ~~أجزاء القلب أو العكس. # وإما أن العلة في هذا الانحصار والتجانس هو كونها قدرا، فلأن هذا الحكم ~~بدور مع كونها قدرا ثبوتا وانتفاء مع فقد ما هو أولى بتعليق الحكم. # واعترضه ابن الملاحمي باعتراضين: # أحدهما: انه ليس المقدر بكونها قدرا صفة يشملها فيصح التعليل بها. # ويمكن أن يعارض بما ذكر في مسألة عالم مستدلا على أن كونه تعالى متبينا ~~للأشياء أمر زائدا على ذاته، فقال: قد صح منه الفعل المحكم، فإما أن يصح ~~منه لأنه ذات مطلقة أو لأنه ذات مخصوصة، والأول باطل؛ لأنه كان يجب أن يصح ~~الفعل المحكم من كل ذات فيقال له ليس للذوات بكونها ذواتا صفة يشملها فيصح ~~التعليل بها. # فإن قال: لها حكم وهو صحة كونها معلومة. قيل له: وللقدر حكم وهو صحة ~~الفعل بها. # فإن قال: إن صحة كونها معلومة حكم متماثل وصحة الفعل حكم مختلف على أصلكم ~~في اختلاف القدر. PageV01P208 # قيل له: إما من يجوز مقدورا بين قادرين فلا يتوجه إليه أيضا، وأما من لا ~~يجوزه فنقول: لا معنى لكون صحة العلم حكما متماثلا إلا أن يشتبه إلى الذوات ~~نسبة واحدة، وكذلك نسبة صحة الفعل إلى جميع الأجناس نسبة واحدة، وهذا كاف ~~لنا لأنا إنما نعلل التجانس والانحصار لا التساوي في أعيان المقدورات فصحة ~~الفعل وإن اختلفت نسبتها إلى الأعيان فهو أمر زائد على ما قد حصل به الغرض ~~وهو اتحاد نسبتها إلى الأجناس. # الاعتراض الثاني: إن قال: كيف تعلل تعذر فعل وهو الجسم ونحوه بصحة فعل ~~آخر وهو الأجناس العشرة. # ويمكن أن يجاب بأنا لم نعلل التعذر بالصحة وإنما عللنا التعذر بكونها ~~قدرا، ثم استدللنا بصحة فعل الأجناس العشرة على صحة التعليل بكونها قدرا، ms172 ~~ودليل صحة العلة غير العلة، ثم يقال له: قد ثبت أن الله تعالى قادر فما ~~أنكرت أن يكون معنى ذلك أن له بنية صحيحة، واعتدال في الامتزاج يصح معه فعل ~~الأجسام والاختراع دوننا، فما أجاب به فهو جوابنا، وقوله: إن إثبات ذلك ~~إثبات ما لا طريق إليه غير مستقيم؛ لأن الخصم يقول الطريق إليه عندي هو صحة ~~الفعل منه، وتعذره على غيره، فلا يكون لأبي الحسين بد من الرجوع إلى قول ~~الجمهور. # دليل: من جهة السمع لا شك أن القرآن والسنة مشحونان بنفي التشبيه نحو ~~قوله تعالى: {قل هو الله أحد}، و{ليس كمثله شيء}، وهو معلوم ضرورة من الدين ~~والاستدلال بالسمع هنا إنما هو من طريق الجدل على من يقر بالسمع، فأما من ~~جهة العلم فالحق أنه لا يصح؛ لأن صحة السمع تنبني على العدل إذ العدل ينبني ~~على أنه عالم لذاته وغني لذاته والجسم ليس كذلك. PageV01P209 # واعلم أن هذه الأدلة إنما توجه إلى من يثبت له الجسمية حقيقة، فأما من ~~يخالف في العبارة /139/ فالمرجع في إبطال كلامه إلى الوضع وقد وجدنا أهل ~~اللغة لا يستعملون الجسم إلا في ما كان طويلا عريضا عميقا، ولو سلمنا ~~استعماله في غيره لمعنا إطلاقه على الله تعالى لإيهامه الخطأ وليس إذا صح ~~أن يقول شيء لا كالأشياء صح أن يقول جسم لا كالأجسام لاختلاف الفائدة كما تقدم. # فصل # في شبهة المجسمة. # أما من جهة العقل فهو أنه قادر عالم، والقادر العالم لا يكون إلا جسما ~~دليله الشاهد، والجواب هذا اعتماد على مجرد الوجود ولا جامع بين الموضعين، ~~ثم نعارضهم فنقول: القادر العالم في الشاهد يجوز عليه أضداد مجرد هذه ~~الصفات وزوالها، ولا يفعل إلا مباشرا أو متعديا، فيلزم مثله في الغائب. # والتحقيق: أن القادر العالم في الشاهد إنما وجب أن يكون جسما لأنه قادر ~~بقدرة وعالم بعلم وهي تحتاج إلى محل فكان جسما، والباري تعالى يستحقها ~~لذاته، ولما هو عليه في ذاته فافترقا. # شبهة: قالوا: إثبات موجود ليس بجسم ولا عرض لا يعقل. ms173 # والجواب: إن معنى قولهم لا يعقل أنه لم يوجد له نظير، وهذا لا يمنع من ~~إثباته إذا قام عليه دليل كما أنهم قد أثبتوه قديما وقادرا على الأجسام، ~~ويستحيل عليه الموت. وكل هذا لا نظير له. # شبهة: قال ابن الحكم ليس في المعلومات إلا حاضر أو غائب، ولا بد من ~~الاستدلال بالحاضر على الغائب، فأما أن يسوى بينهما في كل وجه وذلك باطل؛ ~~لأنه يقتضي حدوث الباري تعالى، وإما أن يفرق بينهما في كل وجه، وذلك يقتضي ~~أن لا يكون الله تعالى عالما قادرا، فلم يبق إلا أن يسوي بينهما في وجه دون ~~وجه، وليس إلا كونه جسما؛ لأنه فاعل قادر عالم، ولا يعقل هذه الصفات إلا ~~للجسم فبقي الجسمية تقتضي نفيها. PageV01P210 # والجواب: إما نجمع بين الشاهد والغائب في الوجه الذي نجمعهما عليه، ولم تكن ~~العلة في كون الشاهد جسما هي أنه قادر عالم بل لأنه يستحق هذه الصفات لمعان ~~محدثة يحتاج إلى محال مبنية، ولأن الشاهد لا يفعل إلا على جهة المباشرة أو ~~التوليد. # شبهة: قالوا: لم يشاهد حيا إلا ويجوز عليه الحس والحركة ولا ما يجوز عليه ~~الحس والحركة إلا وهو حي(1) فيجب مثله في القديم؛ لأنه حي. # والجواب: نعارضهم بأنا لم نشاهد شيئا إلا وهو محدث ولا محدثا إلا وهو ~~شيء، فيجب مثله في الباري؛ لأنه شيء، وجوابهم جوابنا. # والتحقيق: أن الذي يدل على أنه حي ليس هو الدليل على جواز الحس والحركة، ~~وكذلك ما يدل على جواز الحس والحركة ليس هو الدليل على أنه حي قط، بل يدل ~~على أنه جسم حي فلا يلزم في كل حي أن يكون جسما، وكذلك الكلام في ما ~~عارضناهم به، فإن الدليل على أن الشاهد شيء ليس هو الدليل على أنه محدث ولا ~~الدليل على أنه محدث هو الدليل على أنه شيء فقط بل على أنه شيء وجسم أو عرض ~~فلا يلزمهم مثله في القديم. # وشبهتهم من جهة السمع آيات، منها: {الرحمن على العرش استوى} وبما خص ~~العرش بالذكر؛ لأنه ms174 أعظم المخلوقات. ومنها: {الله نور السماوات والأرض}. # والجواب: إن ظاهرها متروك؛ لأنه لو أراد النور بمعنى الضياء لم يكن ~~لإضافته إلى السماوات والأرض فائدة، وأيضا فكان لا يوجد فيهما ظلمة؛ لأن ~~الله تعالى دائم، وكان يجب أن تقع الاستضائة دون الشمس والقمر وخلافه ~~معلوم، وأيضا فالنور مخلوق بدليل قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور}، وأيضا ~~فكثير من الناس يجعل النور عرضا لا جسما. PageV01P211 # إذا ثبت هذا فقد قيل معناه منور السماوات والأرض، وقيل: معناه هادي أهل ~~السماوات والأرض. عن علي وابن مسعود، ومنه قوله تعالى: {والنور الذي ~~أنزلنا} أي الهدى، وكذلك قوله تعالى: {وسراجا منيرا} أي هاديا، وقوله: ~~{نخرجهم من الظلمات إلى النور} أي إلى الهدى، وقوله: {فهو على نور من ربه}. # وأما قوله: {مثل نوره} فقيل شبهه بالإيمان الذي في قلب المؤمن، ولهذا قرأ ~~أبي بن كعب ومجاهد: {مثل نور المؤمن}. وقيل: كان أبي(1) يقرأ: {مثل نور من ~~آمن به}. # ومنها: {كل شيء هالك إلا وجهه} ونحوها مما فيه ذكر الوجه. # والجواب لا تعلق بظاهرها؛ لأنه يقتضي أن يهلك كله إلا الوجه. # والمعنى كل شيء هالك إلا هو كما يقال: هذا وجه الرأي أي هاذ هو الرأي، ~~وكما يقال: فعلت هذا لوجهك، أي لأجلك. # والوجه يستعمل في معان غير هذين المعنيين، فيستعمل بمعنى أول الشيء كقوله ~~تعالى: {وجه النهار} وبمعنى القصد والإرادة كقوله: {ومن يسلم وجهه إلى ~~الله} أي قصده، وقوله: {فأقم وجهك للدين}، وقول الشاعر: # استغفر الله ذنبا لست محصيه .... رب العباد إليه الوجه والعمل # ... أي القصد، وبمعنى الخيار يقال: هذا وجه القوم أي خيارهم، ومثله وجه ~~الثوب، وبمعنى المقدار يقال لفلان وجه عند الأمير، أي جاه وفلان أوجه من ~~فلان ووجه فلان عريض أي جاهه. ومنها: قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} و{مما ~~عملته أيدينا} ونحو ذلك. # والجواب لا تعلق بظاهرها؛ لأن الخلق باليد يمنع الاختراع، والأجسام لا ~~تفعل إلا اختراعا. والمعنى: لما خلقته أنا كما تقول العرب: هذا ما جنت ~~يداك، أي فعلته أنت، وكقوله تعالى: {بما قدمت ms175 يداك} و{أيديهم}، وفي المثل: ~~يداك أوكتا وفوك نفخ، وأشباه ذلك كثير. PageV01P212 # واليد تستعمل بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة، وعليه يحمل قوله تعالى: {بل ~~يداه مبسوطتان}، بدليل ما قبل هذه اللفظة وما بعدها، ولا يقال فما معنى ~~التثنية؛ لأن العرب تستعملها مثناة بهذا المعنى، قال الشاعر: # فيدان بيضاوان عند محلم .... قد يمنعانك بينهم أن تهضما # /141/ وتستعمل بمعنى القدرة، وعليه يحمل قوله تعالى: {يد الله فوق ~~أيديهم}، وقد ينبني بهذا المعنى كقوله: # فقالا شفاك الله والله ما بنا .... لما حملت منك الضلوع يدان # وبمعنى المظاهرة كما قال عليه السلام: وهم(1) يد على من سواهم، أي ~~متظاهرون، وبمعنى النقد والإحضار كما قال عليه السلام في باب الربا: يدا ~~بيد. وقال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وبمعنى أمام إذا قرن ~~بها بين وثنيت نحو: {بين يدي عذاب شديد}،و: قام فلان بين يدي الأمير، ونحوه. # ومنها: قوله: ولتصنع على عيني، و: {اصنع الفلك بأعيننا}، ونحوه. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها لاقتضائها أن يكون موسى فوق عين الله ونوح ~~في عينه، أو أن تكون عينه له في صناعة الفلك، وكله محال، والمعنى: ولتصنع ~~بعلمي، وكذلك سائرها، وقيل: العين تستعمل بمعنى المراعاة للشيء والعناية ~~كما قال ابن حلزة: # وبعينيك أو قدت هند النار .... عشاء بلوى بها العلياء # فنورت نارها من بعيد .... بخزازي هيهات منك الصلاء # فقوله: فنورت نارها من بعيد دليل على أنه لم يرعها، ولكن عرف بعنايته، ~~فيكون المعنى على هذا: ولتصنع على مراعاة مني وحياطة. والعين مشتركة بين ~~الجارحة والماء الجاري وعين الركبة والنقد الحاصل، يقال: بعت عينا بدين، ~~والمطر، وعين الميزان، والذهب، وبمعنى الاستكثار والغبطة، يقال: أصاب فلانا ~~عين، أي فساد لأجل استعجاب الغير به، وعين الشمس وعين موضع بالعراق، وعين ~~الشيء خياره، وعين القوم رئيسهم، وعين الرأي ذاته. PageV01P213 # ومنها: قوله: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله}. والجواب: أن الظاهر ~~متروك؛ لأن التفريط في الجنب الذي هو العضو غير معقول، والمعنى في الجانب ~~الذي لله، كما قال الشاعر: # الناس ms176 جنب والأمير جنب # وقيل: معناه في أمر الله عن مجاهد، واستشهد قول الشاعر: # خليلي كفا واذكرا الله في جنبي .... فقد نلتما من غير إثم ولا ذنب # أي اذكراه في أمري وشأني واتركا الغيبة. # وقيل: معناه من أجل الله ويشتبه كما قال كثير عزة: # فما ظنة في جنبك اليوم منهم .... أزن بها إلا اضطلعت احتمالها # أي ما تهمه إلا من أجلك وبسببك وكل ذلك حسن. # ومنها: قوله: {يوم يكشف عن ساق} روى أهل الزيغ فيه حديثا أن ربهم يأتيهم ~~يوم القيامة في غير صورته التي يعرفون فيهمون أن يبطشوا به لإنكارهم له، ~~فيكشف لهم عن ساقه فيخرون له سجدا /142/ والجواب: أن الظاهر متروك أيضا، إذ ~~لا فائدة في كشف الساق الذي هو الجارحة، فإن الوجه واليد ونحوهما أظهر منه ~~وأحسن، ويقتضي أن يكون فعله فعل المخادع تعالى الله عن ذلك. والمعنى يوم ~~يكشف عن شدة، قاله مجاهد، قال ابن عباس: هي أشد ساعة في القيامة. ومنه ~~قولهم: قامت الحرب على ساق، قال سعد بن مالك جد طرفه يصف الحرب: # كشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراخ # وقال آخر: # وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا # فصل # وأما أنه تعالى لا يجوز أن يكون عرضا فقد خالف فيه بعض الصوفة، زعموا أنه ~~عرض يحل الصور الحسنة، وهؤلاء أحقر من أن يكالموا، وإنما أرادوا بذلك أن ~~يقبلوا الصور الحسنة من الصبيان وغيرهم. # لنا أن الأعراض محدثة والله تعالى قديم كما تقدم تفصيله. وبعد فالله ~~تعالى حي قادر، والعرض يستحيل ذلك عليه من حيث إما أنه يستحق هذه الصفة ~~لذاته وهو محال وإلا وجب قبله في كل عرض ولزم ما تقدم من المحالات. وإما أن ~~يستحقها بالفاعل وفي ذلك حدوثه وامتناعها لم يزل. وإما أن يستحقها لمعنى ~~وهو محال؛ لأن المعنى لا يختص المعنى. PageV01P214 # وبعد فلو جاز عليه تعالى الحلول كما يقوله هؤلاء، للزم قدم المحل أو حدوث ~~الحال لما تقرر من أن ما يحل لا يجوز أن يوجد غير حال، وللزم أن يحل ms177 في محل ~~واحد فقط لا لاستحالة الانتقال على الأعراض. # فصل # وكما لا يجوز أن يكون جسما ولا عرضا فكذلك لا يجوز عليه ما يجوز على ~~الأجسام من المجي والذهاب والكون في الأماكن ونحو ذلك ولا ما يجوز على ~~الأعراض من الحلول والتضاد وجواز العدم ونحو ذلك. ### ||| AUTO القول في استحالة الرؤية على الله تعالى # ذهب أهل العدل /143/ إلى أنه يستحيل أن يرى نفسه وأن يراه غيره، وذهبت ~~المجسمة وأهل الجبر إلا النجار إلى أنه يرى نفسه ويراه غيره، ومنع القلانسي ~~منهم إطلاق القول بأنه تعالى مدرك ونسب إلى الشيخ أبي القاسم القول بأنه ~~يرى نفسه ولا يراه غيره، وليس بصحيح عنه. # قيل: والحق أنه لم يقل بهذا أحد من أهل العدل. # لنا: أما من جهة العقل فدليلان: الأول أنه لو صح أنه يرى نفسه أو يراه ~~غيره في حال من الأحوال لرأيناه الآن، ومعلوم بالضرورة أنا لا نراه الآن، ~~ويدل على أنه لو صح أن يرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن، ومعلوم ~~بالضرورة أنا لا نراه الآن، ويدل على أنه لو صح أن يرى في حال من الأحوال ~~لرأيناه الآن هو أنه تعالى حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه ~~عليها وأحدنا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها والحواس ~~سليمة والموانع مرتفعة، وهو تعالى موجود، وهذه الشرائط التي يجب معها رؤية ~~المرئيات متى حصلت، وهذه خمسة أصول، أما أنه تعالى حاصل على الصفة التي لو ~~رأى لما رأى إلا لكونه عليها فهو متفق عليه، وإن اختلف في ما تلك الصفة، ~~فعندنا أنها الذاتية في حقه تعالى، والمقتضاة في حق المحدثات كالتحيز في ~~الجوهر والهيئة في اللون وعند المجبرة أنها الوجود في الموضعين. PageV01P215 # ويبطله أن الوجود متماثل في الذوات اتفاقا بين من يجعله زائدا على الذات ~~فكان يلزم في كل موجود أن يرى، ومتى جعلوا الوجود هو نفس الذات فكأنهم ~~قالوا: يرى الشيء لذاته، فيعود الأمر إلى ما قلناه، ولا ينقلب علينا ms178 في ~~الصفة المقتضاة، فحلفه فيقال: كان يجب في كل ما له صفة مقتضاة أن يرى؛ لأن ~~الصفة المقتضاة، فيقال: كان يجب في كل ما له صفة مقتضاة أن يرى لأن الصفة ~~المقتضاة مختلفة بخلاف الوجود. # وأما أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها ~~فقد حالف فيه الأشعرية حيث أثبتوا الإدراك معنى وضرار حيث زعم أنه تعالى ~~يرى بحاسة سادسة يخلقها في الآخرة، وتقدم إبطال كون الإدراك معنى. ويبطل ~~قول ضرار أنه إثبات ما لا طريق إليه، ويلزم عليه تجويز حاسة سابعة يلمس ~~بها، وكذلك في الشم والذوق والسمع، وهو ظاهر البطلان، وبعد، فإن كانت لهذه ~~مماثلة فهذه الحواس وجب الاستغناء عنها، ووجب أن نراه بهذه، وإن كانت ~~مخالفة فليس بأشد من مخالفة بعضها لبعض، ومع اختلافها فقد اتفقت في الرؤية، ~~وليس لأحد أن يقول أنها تخالف هذه الحواس في الرؤية لأنها لا في مجرد ~~الشكل؛ لأن ذلك ينبني على أن الإدراك معنى، وقد أبطلناه ونفس الرؤية لا يقع ~~فيها اختلاف فلم يبق إلا الاختلاف في الشكل. وبعد فلو احتاجب رؤيته إلى ~~حاسة مخالفة لهذه الحواس لأجل مخالفته للمرئيات احتاج العلم به إلى آلة غير ~~آلة القلب لمخالفته للمعلومات. PageV01P216 # وأما أن الموانع مرتفعة فلأن الموانع المعقولة هي القرب والبعد المفرطان ~~والرقة واللطافة وانحجاب /144/ الكشف وعدم الضياء المناسب للعين، وكون ~~المرئي في غير جهة الرأي، وكون محله في بعض هذه الأوصاف وكل هذه الموانع ~~مرتفعة في حقه تعالى؛ لأنها إنما تمنع من رؤية الأجسام والألوان، وقد قدمنا ~~ما يلزم من تجويز مانع سواها، وأما أنه تعالى موجود فقد تقدم. وأما أن هذه ~~الشرائط التي معها ترى المرئيات فلأنه قد حصل المقتضى، وهو كون أحدنا حيا، ~~وشرط الاقتضاء، وهو صحة الحاسة وزوال المانع ووجود المدرك، فيجب حصول ~~المقتضى، وهو كون أحدنا مدركا له تعالى وبهذه الطريقة، نعلم أنه تعالى مدرك ~~المدركات فلو جوزنا أن لا يدرك أحدنا مع حصولها لجوزنا مثله في الباري تعالى. # وقد اعترض ms179 الرازي على هذا الدليل بوجوه: الأول أن قال: أنا نرى الكبير ~~صغيرا مع البعد، فإنا كنا رأيناه كله، وجب أن نراه كبيرا وإن كنا رأينا ~~بعضه بطل قولكم أن هذه الشرائط التي معها يرى المرئيات، وأجاب أصحابنا بأن ~~الشعاع المنفصل ضوء يرى الشكل بمثابة المثلث فما بعد الشيء استدقت زاوية ~~الشعاع، فيقع على بعضه إذا كان كبيرا. # واعترضه الفقيه قاسم في تعليق شرح الأصول بوجهين: # أحدهما أن إيصال الشعاع بالمرئي ليس بشرط عند المحصلين وإنما شرطه أن ~~يتصل بما هو كالآلة من أجزاء الهوى. ويمكن الجواب بأن الذي يتصل به الشعاع ~~من أجزاء الهوى لا بد أن يكون مستدقا على هيئة استدقاق الشعاع لولا ذلك ~~للزم إذا انفصل الشعاع إلى بعض أجزاء الهوى أن يرى أحدنا ما خلفه وعن يمينه ~~ويساره لاتصال بعض أجزاء الهوى ببعض وضرورة الجميع في حكم الآلة. # الثاني: أنه كان يلزم إذا وقع الشعاع على بعضه أن نميزه فنعلم هل هو طرف ~~أو وسط، ويمكن الجواب بأن للتعد تأثيرا في عدم التمييز، ألا ترى أنا ندرك ~~الجسم المتلون ولونه، ولا نفصل ونميز اللون هل هو سواد أو غيره إلا مع القرب. PageV01P217 # ووجه ثالث ذكره الرازي على هذا الجواب فقال: لو كان الاستدقاق زاوية الشعاع ~~للزم إذا بعد شبرا من موضعه أن لا يراه البتة. # ويمكن الجواب بأنا لم نفرض الواقع على المرئي آخر زاوية الشعاع بل يجوز ~~أن يبقى منها ما لو بعد المرئي لرأى أصغر مما كان كذلك حتى ينقطع فلا يرى. # فإذن يكون الأولى في الاعتراض على جواب أصحابنا أن يقال لو كان ذلك ~~الاستدقاق زاوية الشعاع للزم ألا يرى ما حول هذا الشيء؛ لأن زاوية الشعاع ~~إذا صغرت عنه ولم يقع إلا على بعضه فكيف يرى ما حوله، وأيضا فكان يلزم إذا ~~صرفنا زاوية الشعاع إلى البعض الآخر /145/ أن يراه، ومعلوم أنا لا نرى ~~الأشياء واحدا، إذا ثبت هذا فالأحسن في الجواب على الرازي أن نقول أنا نرى ~~الشيء كله على البعد كما ms180 نراه كله على القرب لكن يخيل إلينا أنه صغير لأجل ~~اتساع ما نرى حوله من القضاء أو غيره، فإنه إن كان طائرا في الهوى فإنا حين ~~نراه يقع بصرنا على جرم السماء فنراه صغيرا في حينها، وكذلك الشجرة في ~~الفلاة أو في الجبل وكلما قربنا إليه قل ما يقع عليه بصرنا مما حوله ~~فرأيناه كأنه يكبر. # يزيده وضوحا أن الشيء إذا ضم إلى ما هو أكبر منه رئي كأنه صغير وازدرته ~~العيون، وكذلك الرجل الكامل إذا استقام عنده المفرط في الطول رأي الكامل ~~كأنه قصير، وهذا ظاهر، فإن كثيرا من الأشياء إنما يعلم كبره أو حسنه بأن ~~يضم إلى غيره. # ووجه آخر في الجواب، وهو: أن يقال للرازي هذا السؤال لازم لك أيضا لأنك ~~توافق في اعتبار هذه الشرائط، وإنما تعتبر أمرا زائدا وهو الإدراك الذي ~~يفعله الله فينا، فأخبرنا ما الوجه في أنا نرى الكبير صغيرا مع حصول ~~الإدراك الذي يدرك به الجميع لو قرب فلا يكون له بد من الرجوع إلى ما قلناه. PageV01P218 # الاعتراض الثاني للرازي على أصل الدلالة أن قال إذا نظرنا إلى مجموع كف من ~~التراب رأيناه ونحن لا نرى أجزاءه إذا انفردت، فإن كان رؤية كل واحد من ~~أجزائه مشروطة برؤية الآخر لزم الدور وإن لم تكن مشروطة بذلك صارت نسبة ~~الرؤية إلى الجميع على سواء، ونحن لا نرى الإجزاء إذا انفردت، فبطل قولكم ~~أن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات. # والجواب: كيف يلزمنا ذلك ونحن نجعل اللطافة أحد الموانع من الرؤية وهي ~~حاصلة في الجزء الواحد بل قد أحال بعض شيوخنا رؤيته على انفراده، قال: لأنه ~~يدخل في تضاعيف الشعاع فلا يتميز المرئي من المرئي به ولسنا نجعل رؤية ~~البعض شرطا في روية البعض حتى يلزم الدور، ولكنا نجعل الشرط الإنضمام ثم ~~نقلب عليه السؤال فلا يكون له بد من الرجوع إلى ما قلناه. # الاعتراض الثالث: له أن قال إن هذه الشرائط التي معها ترى المرئيات في ~~الشاهد فمن أين يجب عند حصولها أن ms181 يرى الله تعالى. # والجواب: لو جوزنا اعتبار شرط آخر لا دليل عليه لجوزنا أيضا في الشاهد، ~~فكان يجوز أن يكون بين أيدينا ذوات مخالفة لما نشاهده ولكنا لا نراها لفقد ~~شرط مجوز، وبعد فلو جوزنا شرطا سواها لما أمكننا القطع على أن الله تعالى ~~مدرك؛ لأنا لا نعلم هل حصل ذلك الشرط في حقه تعالى أم لا. وبعد /146/ فعنده ~~أنه لا بد من اعتبار هذه الشروط لكن إذا حصل معها الإدراك الذي ندرك نحن به ~~الله تعالى، وجب أن يدركه فيقال ما أنكرت أن يحصل الإدراك أيضا ولا ندركه ~~بأن يقف إدراكنا له على شرط آخر مجوز، وكل شرط يفرض حصوله فإنه يلزم تجويز ~~غيره فلا يمكنه القطع بأن الله تعالى يرى. PageV01P219 # الدليل الثاني: من جهة العقل أن أحدنا لا يرى إلا بالحاسة والرأي بالحاسة ~~لا يرى إلا ما كان مقابلا للجسم أو حالا في المقابل كاللون أو في حكم ~~المقابل كالوجه في المرآة والله تعالى ليس كذلك، وهذه ثلاثة أصول، أما ~~الأول فهو ضروري عند أبي الحسين وأصحابه واستدلالي عند الجمهور، والأولى ~~التفصيل فيقال: إن كان الكلام في وقوع الرؤية على هذا الحد فهو ضروري، ~~ولهذا يعلم جميع العقلاء من أنفسهم أنهم لا يرون إلا بالحاسة، ويكذبون من ~~أخبر بخلاف ذلك، وسواء فرضنا الكلام في أن الإدراك معنى أم لا، ألا ترى أن ~~كون القدرة معنى لا تخرج الكتابة عن كونها لا تقع إلا باليد والخصوم ~~يوافقون في هذا، ولكنهم يدعون أنه بمجرى العادة وإن كان الكلام في الصحة ~~فهاهنا ينبغي أن يكون الخلاف بين أبي الحسين وسائر الشيوخ، فعنده أنا نعلم ~~بالضرورة استحالة الرؤية بغير حاسة. ويمكن أن يفصل فيه أيضا فيقال إما أن ~~الرؤية لا يصح إلا بالحاسة التي هي مبنية بنية مخصوصة فليس بضروري؛ لأن ~~الخصوم يجوزون حصول الإدراك في الجزء المتفرد من دون بنية بل يجوزون ذلك في ~~العلم والقدرة ونحوهما. وإما أن الرؤية لا تصح إلا بالآلة سواء كانت تسمى ~~حاسة أو كانت جزءا ms182 منفردا على ما يجوزه الخصم فهو ضروري، والخصوم يوافقون ~~فيه ويحيلون وجود الإدراك إلا في محل وإذا كانت كذلك فقد وافقوا في أن ~~أحدنا لا يرى إلا بآلة، وبهذا يحصل غرضنا فإنا سواء، قلنا في عقد الدلالة ~~إن أحدنا لا يرى إلا بالحاسة أو قلنا أن أحدنا لا يرى إلا بالآلة فإنه يحصل ~~به المقصود. PageV01P220 # وأما سائر الشيوخ فيستدلون بأن عند حصول الحاسة يصح أن يرى أحدنا، وعند ~~فقدها يستحيل أن يرى، فدل ذلك على أنها شرط ويبطلون ما يدعيه الخصوم من أن ~~طريق ذلك العادة بأنه كان يجوز اختلاف العادة، فيصدق من يخبرنا بأن في بعض ~~البلاد رجلا يرى لا بحاسة كما يصدقونه في أنه زرع زرعا فلم ينبت. وبعد فلا ~~بد فيما طريقه العادة أن يفارق ما طريقه الوجوب، ولولا هذا لاستوى في العقل ~~الواجب والجائز، فجوزنا أن تكون المعلولات والمسببات بمجرى العادة، ويمكن ~~أن يؤكد بما تقدم من أن الخصوم يوافقون في استحالة الرؤية لا بآلة، وذلك ~~كاف في الغرض وإن جوزوا حصول الإدراك /147/ والعلم والقدرة ونحوها في الجزء ~~المنفرد. # فإن قيل: إذا جوزوا حصول هذه المعاني في الجزء المنفرد فقد جوزوا الإدراك ~~لا بحاسة ولا بآلة؛ لأن الحاسة من حقها أن تكون مبنية بنية مخصوصة والآلة ~~من حقها أن تكون في حكم الغير للحي، ومذهبهم يقتضي جواز أن يكون الحي ~~المدرك القادر العالم جزءا منفردا. # قلنا: هذا وإن كان مذهب القوم فإن كلامنا في رؤية الواحد منا في الدنيا ~~والآخرة، وهم يوافقون في أنه ليس أحد منا جوهرا فردا حتى يكون قد أدرك لا ~~بحاسة ولا بآلة. على ان هذا لا يضرنا في صحة الدليل لأنا حيئذ نقول في عقد ~~الدلالة الواحد منا متحيز والمتحيز لا يرى إلا ما كان مقابلا أو حالا في ~~المقابل أو في حكم المقابل، ثم أنا نبطل ما قالوه بأنه لو صح حصول هذه ~~المعاني من دون بنية لجوزنا في أجزاء الحجر والتراب ونحوهما أن تكون حية ~~قادرة عالمة مدركة مكلفة. ms183 فإن قال ذلك جائز ولكن علم أنه غير واقع للعادة. PageV01P221 # قيل له: هذا التجويز كاف في معرفة عنادك ومكابرتك، ثم أنا نلزمك الوقوع ~~فنقول: ما أنكرت وقوع ذلك، ولكن طريق العلم به الإدراك والله تعالى لم ~~يخلقه فيك، وبعد فلو لم تحتج هذه المعاني إلى بنية لكان يجب أن يكون القادر ~~منا هو محل القدرة دون الجملة، وكذلك العالم وسائرها، وقد التزمه الأشعري ~~وهو مكابرة، ويلزم عليه ألا يصح الفعل في اليد لداع في القلب ولا الكتابة ~~لعلم في القلب ولا يكون للإرادة تأثير في الأفعال، وفي ذلك وقوع الفعل ~~المحكم من القادر الذي هو جزء في اليد وهو ليس بعالم؛ لأن العالم جزء في ~~القلب، ويلزم أن لا ترجع الأحكام إلى الجملة بل يكون المستحق للجلد هو ~~اللسان؛ لأنه القاذف، وكذلك الزنا ونحوه، ويلزم أن يكون أحدنا بمنزلة أحياء ~~كثيرة وقادرين ضم بعضهم إلى بعض فلا يصح(1) منه الفعل بداع واحد، ومتى ~~التزم جميع ذلك ملتزم طوينا عنه الكلام ولم يكن عندنا أهلا للمناظرة. # وأما الأصل الثاني وهو أن الرأي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلا أو ~~حالا في المقابل أو في حكم المقابل، فقد ادعى أبو الحسين فيه الضرورة وهو ~~القوي، ولهذا نبادر إلى تكذيب من أخبرنا أنه رأى شيئا ليس كذلك كما نكذب من ~~أخبرنا بأنه رأى جسما غير متحرك ولا ساكن، وخلاف الأشاعرة محمول على أحد ~~وجهين (فراغ) على جحد الضرورة، وذلك غير مستنكر منهم لقلتهم في الأصل، ولأن ~~لهم مداخل في المكابرة وحسرة على العباد وصناعة في التمويه وليس ذلك بأبلغ ~~من استحسانهم تكليف ما لا يطاق وإنكارهم قبح الظلم والكذب ووجوب /148/ رد ~~الوديعة وشكرا لمنعم في العقل وتجويزهم أن يرى القدرة والحياة والإرادة، ~~وأما على أن في الضروريات ما لا يجوز اختلاف العقلاء فيه كالعلم بأن هذا ~~زيد الذي كنا شاهدناه ونحو ذلك مما لا يعد في كمال العقل. PageV01P222 # ووجه ثالث وهو أن يكونوا عالمين بذلك ضرورة ولا يعلمون أنهم عالمون به لما ms184 ~~قد نمقوه من أساطيرهم واعتقدوه من خيالاتهم على مثل ما نصرف إليه خلاف ~~السوفسطائية وقد استدل سائر الشيوخ بأن صحة الرؤية ووقوعها ينتفي بانتفاء ~~المقابلة أو ما في حكمها وبين قولنا وثبتت بثبوتها، فدل ذلك على أنها شرط، ~~وهذا رجوع إلى قول أبي الحسين؛ لأنه لا بد أن يكون علمنا بانتفاء صحة ~~الرؤية عند انتفاء المقابلة أو ما في حكمها وبين قولنا أنا لا نرى إلا ما ~~كان كذلك، إذا ثبت هذا فقد اعترض المخالفون هذا الدليل باعتراضات: الأول ~~المعارضة بالعلم، قالوا: فإذا جاز أن نعلم ما ليس بمقابل ولا حال في ~~المقابل ولا حال في المقابل ولا في حكمه جاز أن نراه، وهذا عي ومهازلة، ولو ~~جاز أن تقاس رؤية القديم على العلم به لجاز مثله في المعدوم فيقال إذا صح ~~أن يعلم المعدوم وهو ليس بمقابل ولا حال في المقابل ولا في حكمه جاز أن ~~نراه، كذلك إذا خلق الله فينا إدراكه. # الاعتراض الثاني: إن قالوا إن المقابلة وما في حكمها إنما هي شرط في رؤية ~~المحدثات فكيف يكون شرطا في رؤيته تعالى. # والجواب: أنا قد بينا أن العقول تحيل رؤية لا بمقابلة ولا نحوها، فقد جوز ~~رؤية الباري تعالى لزمه تجويز المقابلة أو ما في حكمها ومن أحال ذلك فقد ~~أحال الرؤية ولا يجوز في العقل انفصال أحدهما عن الآخر، ومن فصل بينهما ~~عددناه مكابرا. # وقلنا له: ما أنكرت أن يكون الله تعالى جسما متحيزا لا في جهة؛ لأن الجهة ~~إنا تجوز على المحدثات. PageV01P223 # فإن قال: أن كونه جسما حقيقة يستلزم الجهة. قيل له: وكذلك الرؤية تستلزم ~~المقابلة أو ما في حكمها، وما ذكره الرازي من أن التزام هذا الشرط في رؤيته ~~تعالى من أحكام الوهم والخيال فهو غير صحيح؛ لأنا إنما نعلم أن الحكم للوهم ~~والخيال إذا قام الدليل العقلي على خلافه كما يقضي الحس بأن الشمس في قدر ~~رغيف، وأن السحاب المتباعد منتصب، وأن الظل واقف ونحو ذلك، فأما إذا قضت ~~النفوس قضاء جزما ولم ms185 يقم دليل على خلافه لم نقل أنه حكم الحس والخيال لولا ~~هذا كان للمجسم أن يقول إلزام الحدوث على القول بالتجسيم من أحكام الخيال، ~~ولكان لقائل أن يقول: إن الله يكون مقابلا /149/ إذا رأيناه ولا يقتض ذلك ~~الجسمية؛ لأن الحكم بجسمية المقابل من أحكام الخيال. # الاعتراض الثالث لبعض مشيختهم، قال: قال إن المقابلة وما في حكمها إنما ~~كانت شرطا في الرؤية بمجرى العادة، ويجوز أن يخلق الله فينا رؤية الأجسام ~~والألوان من دون مقابلة أو ما في حكمها. PageV01P224 # والجواب: يجري على نحو ما تقدم من أن هذا مكابرة، ثم يقال: لهذا ما أنكرت ~~من أن تحيز الأجسام عند وجودها بمجرى العادة، ويجوز أن يخلق الله جسما عند ~~متحيز ويجعل الجسم متحيزا من دون وجود؛ لأن كون الوجود شرطا هو بمجرى ~~العادة وما أنكرت أن الحياة إنما كانت شرطا في العلم والقدرة بمجرى العادة، ~~ويجوز أن يكون في الشاهد الغائب قادر عالم ليس بحي، وكذلك منافاة الأضداد ~~دلالة الشهوة والنفار على الزيادة والنقص وكله طريقة العادة، وليس ذلك في ~~العقول بأبعد من تجويز رؤية بغير مقابلة أو ما في حكمها. ومتى قيل أوليس ~~الله يرى الأشياء من دون مقابلة فهلا صح أن يرى كذلك، على أن العقول إنا ~~قضت بوجوب المقابلة من حيث أن الرائي جسما ويستحيل أن يكون الجسم رائيا بما ~~ليس بمقابل له والله تعالى ليس بجسم فيرى لا بمقابلة بخلاف رؤية أحدنا؛ لأن ~~الرؤية أمر صادر من جهة الرأي فإذا كان الرائي في جهة استحال أن تصدر ~~الرؤية منه إلا إلى ما يقابل تلك الجهة أو يكون في حكم المقابل لها، وإذا ~~لم يكن الرائي في جهة صح أن يرى ما ليس بمقابل لأنه لا يعقل أن يكون له مقابل. # يزيده وضوحا: أن الله تعالى يرى الأشياء في جهاتها. # تنبيه # اعلم أن كلامنا هذا كله مع المخالفين إنما هو على تقدير ثبوت الإدراك ~~معنى، ونحن قد أبطلنا كونه معنى بما لا مزيد عليه وفي ذلك إبطال اعتراضاتهم ~~في ms186 هذين الدليلين جملة واحدة. # فصل # فيما استدل به من السمع على هذا المسألة فإنها مما يصح الاستدلال عليها ~~بالسمع من حيث لا يقف العلم بصحة السمع عليها فمن ذلك قوله تعالى لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار والاستدلال بهذه الآية من وجهين: PageV01P225 # أحدهما: أنه تعالى تمدح بنفي إدراك الأبصار عن نفسه تمدحا راجعا إلى ذاته ~~وإدراك الأبصار هو رؤيتها وإثبات ما نفته مدح راجع إلى الذات يؤدي إلى ~~النقض، وهذه أربعة أصول. أما الأصل الأول وهو أنه تعالى تمدح بذلك فلا خلاف ~~فيه دليله سياق الآية فإن أولها تمدح وآخرها تمدح، ومن المستهجن عند أهلا ~~للسان أن يتوسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح، وبعد فلسنا نعني بالمدح إلا ~~اختصاص الممدوح بمزية لا يشاركه فيها غيره، وليس شيء من الأشياء ترى ولا ~~يرى إلا الله ولو كان /150/ الخصم لكان قد شاركه في ذلك غيره، فلا يبقى ~~للتمدح معنى، وقد يسقط بهذا قولهم أن المعدومات وكثيرا من الأعراض لا يرى ~~فقد شاركه الباري في ذلك؛ لأنا نقول التمدح لم يكن بأنه لا يرى فقط بل بأنه ~~يرى، ولا يرى ولم يشاركه في ذلك شيء، وصار كالتمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا ~~نوم، وينفي الصاحبة والولد، فإنه إنما يكون مدحا بانضمامه إلى كونه حيا ~~ويصير الجميع كالكاشف لمخالفته تعالى للمحدثات. وبعد فقد قيل إنه تعالى جعل ~~التمدح بنفي الرؤية منبها على التمدح بنفي الصاحبة والولد في الآية، فكأنه ~~قال: كيف من لا تدركه الأبصار تكون له صاحبة أو ولد. # وأما الأصل الثاني: وهو أن تمدحه بذلك راجع إلى ذاته، فلأن كون الشيء ~~مرئيا أو غير مرئي، مما يرجع إلى ذاته سواء كان يرى على صفة ذاتية أو على ~~صفة الوجود، فإذا تمدح بأن ذاته لا ترى فهو تمدح بثبوت صفة لأجلها لا يرى، ~~وقد خالف في ذلك فرق، فقالت المجسمة إنه تعالى تمدح بنفي الإحاطة، وهذا ~~ساقط؛ لأن الإدراك لا يستعمل بمعنى الإحاطة بل يثبت حيث ينتفي وينتفي حيث ~~يثبت، وأيضا فلا ms187 مدح في نفي الإحاطة؛ لأن السماء وغيرها من الأجسام العظيمة ~~تشاركه في أنها لا تحيط بها الأبصار. PageV01P226 # وذهب بعض المجبرة إلى أنه تمدح بنفي الإدارك الذي هو اللحوق وسنبين أن ~~إدراك الأبصار هو رؤيتها، ولأنه كما لا تلحقه الأبصار، فهي لا تلحق غيره ~~كالمعدوم ونحوه، ولأنه كان يلزم أن يكون التقدير وهو يلحق الأبصار، ويقال ~~لهؤلاء: أتريدون بالابصار المعاني التي هي الإدراكات، فالمعاني لا يصح ~~عليها اللحوق على أنه يكون التقدير لا يلحقه اللحوق أو تريدون بالأنصار ~~الجوارح، فهي لا تلحق ساقط أو يريدون الأشعة التي تنفصل من الحواس، فليس من ~~مذهبكم إثباتها، ولأن أثبتموها فليس من مذهبكم أنها هي البصر. # وذهب جمهور أهل الجبر إلى أن التمدح هو الإبانة لم يفعل الإدراك الذي ~~ندرك به، فيكون راجعا إلى الفعل، وهذا أيضا جهالة؛ لأنه لا مدح في انه لم ~~يخلق لنا إدراكا يدرك به كما لا مدح في أنه لم يخلق لنا إدراكا ندرك به ~~الحياة والقدرة والفيلة التي بين ايدينا، ولهذا لو صرح بما قالوا فقال خالق ~~كل شيء وهو على كل شيء وكيل، لا يخلق لكم إدراكا تدركونه به وهو اللطيف ~~الخبير، لكان هذا مستهجنا كما تقدم، وبعد فالعرب لا تعرف الإدراك الذي ~~يثبته المتكلمون فكيف يخاطبون بما لا يفعلون، على أنا لا نسلم لهم كون ~~الإدراك معنى، وبعد فيلزم مثله في قوله تعالى: {يطعم ولا يطعم} فيكون ~~المعنى انه لم يخلق لنا إدراكا نطعمه به وأكثرهم يلتزم هذا، وإن كانوا لا ~~يطلقون العبارة وسيتضح مذهبهم في ذلك وإبطاله /151/. قال الرازي: إنما يحصل ~~المدح بنفي الرؤية إذا كانت جائزة وكان تعالى قادرا على منع الأبصار عن ~~ذلك، وجعل هذا وجها مستقلا في جوازها. PageV01P227 # والجواب: يقال له وكذلك في التمدح بنفي السنة والنوم والصاحبة والولد ~~وجوابه جوابنا، وأما قياسه لذلك على التمدح بنفي الظلم والعبث فليس فغير ~~صحيح؛ لأن التمدح هنا راجع إلى الفعل، وما كان كذلك فلا تم المدح فيه إلا ~~مع القدرة عليه، ولهذا لا يصح التمدح ms188 بنفي الجمع بين الضدين ونحو ذلك بخلاف ~~ما كان راجعا إلى الذات، فإنه غير مقدور، على أنا ننفي ما تمدح الله بنفيه ~~وإن رجع إلى الفعل، ونقول: لا يظلم في الدنيا ولا في الآخرة، فهلا قال ~~بمثله في نفي الإدراك. # وأما الأصل الثالث: وهو أن إدراك الأبصار هو رؤيتها فلأنه وإن كان مشتركا ~~بين المشاهدة واللحوق والبلوغ والاتباع فإنه متى قرن بالبصر أفاد الرؤية ~~بلا شبهة، ولهذا لا يقال أدركت ببصري شخصا وما رأيته أو العكس، وما ينكر ~~هذا إلا مكابر، وأما قول القائل: أدركت ببصري حرارة الميل فهو خارج عن هذه ~~المسألة؛ لأن العين كغيرها في إدراك الحرارة لمسا، ولهذا يقلوله الأعمى. # قال الرازي: لا نسلم أن إدراك الأبصار هو رؤيتها، بل هو عبارة عن الوصول، ~~وهو حقيقة فيه فقط. قال: فإذا رأى أحدنا شيئا ورأى أطرافه ونهاياته قيل إنه ~~أدركه على تقدير أن رؤيته قد أحاطت به من جميع جوانبه وإنما يتأتى هذا في ~~الشيء إذا كان له أطراف ونهايات والباري تعالى منزه عن ذلك فلم تكن رؤيته ~~إدراكا له، فلا يلزم من نفي إدراك الأبصار نفي الرؤية. قال: والحاصل أن ~~الإدراك رؤية مكيفة. ولنا أن نقول أن هذا الكلام فيه من التهافت والخبط ما ~~لا يخفى على مميز. PageV01P228 # أما أولا فقد بينا أن من أثبت هذين اللفظين ونفى الآخر عده العقلاء مناقضا ~~سواء فرضنا الإدراك مشتركا بتردد الفهم عند إطلاقه. وأما ثانيا فيلزمه أن ~~لا يكون الباري تعالى مدركا للأشياء لأنه يستحيل أن يصل إليها والإدراك هو ~~عنده والوصول بمعنى، وأما ثالثا فالإدراك عنده معنى قائم بذات الباري ~~تعالى، وبذات أحدنا فكيف يعقل في هذا المعنى أن يكون قد وصل إلى المرئيات ~~فضلا عن أن يكون سمعه قد أحاط بالشيء من جميع جوانبه، وأما خامسا فالله ~~تعالى يدرك نفسه عندهم بهذه الإدراكات الخمسة، فكيف يكون قد وصلت هذه ~~الإدراكات إليه. # وبالجملة فكيف يعقل في المعاني / 152/ الوصول إلى غيرها، وأما سادسا فأهل ~~اللغة لا يعقلون هذه المعاني فضلا ms189 عن أن يجعلوا الإدراك هو أن يحيط بالشيء ~~من جميع جوانبه(1). وأما سابعا فهو أول كلامه جعل الإدراك بمعنى الوصول ~~فقط، وفي آخره جعله بمعنى الإحاطة، وقدمنا أن الإدراك ليس من الإحاطة في شيء. # وأما الأصل الرابع وهو أن إثبات ما نفيه مدح راجع إلى الذات يؤدي إلى ~~الانقلاب والنقص فلأن كون الشيء مرئيا أو غير مرئي إذا كان لأمر يرجع إلى ~~ذاته وغير تابع للاختيار، فإن كونه مرئيا يقتضي خروجه عما لأجله كان غير ~~مرأي والعكس ويفيد اختصاصه بصفة لم يكن عليها وهو محال اتفاقا، وبعد فأما ~~أن تمدح بنفي صفة كمال وهو محال اتفاقا أو بنفي صفة لا كمال فيها، ولا ~~نقصص، وهو محال؛ لأن نفي ذلك لا يكون مدحا ولا ذما، وكذلك ثبوته وهو بمنزلة ~~قول القائل فلان لا يقوم ولا يقعد أو تمدح بنفي صفة نقص وهو المطلوب. # الوجه الثاني من الاستدلال بهذه الآية أن الله تعالى نفى إدراك الأبصار ~~عن نفسه نفيا عاما للأشخاص والأوقات من حيث أن حرف النفي إذا دخل على اسم ~~الجنس المعرف باللام اقتضى الاستغراق بدليل صحة الاستثناء، وهذا لا يسع ~~إنكاره، وقد اعترف به محققوهم لكن راموا الانفصال بما لا محصول له. PageV01P229 # قالوا: هو وإن كان عاما فقد خصص بقوله: {وجوه يومئذ ناظرة..} الآية. إن من ~~حق التخصيص التنافي على مقتضى الخاص ونحن سنبين أن النظر لا يفيد الرؤية ~~وأنه يصح الجمع بين إثبات النظر ونفي الرؤية. # قال الرازي: إن قوله: {لا تدركه الأبصار} نقيض لقولنا: تدركه الأبصار، ~~وقولنا: تدركه الأبصار، موجبة كلمة تقتضي أن يدركه كل أحد؛ لأن اللام ~~للاستغراق، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، وهو قولنا لا تدركه بعض ~~الأبصار، فإذا كذبت السالبة الجزئية فإنا نسلم أن لا تسلمه بعض الأبصار، ~~وهم الكفار، ويمكن الجواب بأنه يبنى على أن قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} ~~سالبة جزئية بمنزلة قوله: بعض الأبصار لا تدركه، ونحن لا نسلمه، بل هي ~~عندنا سالبة كلية تنزل منزلة قوله: لا واحد من الأبصار تدركه؛ ms190 لأنه إذا صدق ~~أحد النقيضين كذب الآخر. على أنا إن سلمنا أنها سالبة جزئية فلا نسلم صحة ~~ما ذهبوا إليه؛ لأن قوله: {لا تدركه بعض الأبصار} لا يدل على صحة أن تدركه ~~البعض الآخر كما أن القائل إذا قال: ليس بعض الرجال في الدار لم يدل ذلك ~~على أن البعض الآخر فيها، وبعد فإذا استحال في بعض الأبصار أن تدركه استحال ~~في البعض الآخر؛ لأن وجه الاستحالة /153/ ثابت في الجميع، وهو أن كونه غير ~~مرئي هو لأمر يرجع إلى ذاته. ### |||| AUTO فصل في شبههم في إثبات الرؤية # قد تعلقوا من جهة العقل بأنه تعالى موجود فيصح أن يرى؛ لأن علة صحة ~~الرؤية هي الوجود من حيث وجدنا المختلفات كالجواهر والألوان مشتركة في صحة ~~الرؤية، فلا بد أن يعلل بأمر يجمعها، وليس ذلك إلا الوجود؛ لأن الحكم ~~المشترك لا يعلل إلا بعلة مشتركة. # والجواب هو أن يقال لهم: أليس من صريح مذهبكم أن الصحيح أمور سلبية كصحة ~~وجود الشيء وصحة كونه معلوما، فلم عللتموها بأمر ثابت. PageV01P230 # واعلم ان الذي أداهم إلى القول بأنها امور سلبية هو أن العالم في ما لم يزل ~~يوصف بأنه يصح وجوده ويصح العلم به قالوا فلو كانت أمورا ثابتة للزم قدمها، ~~وأيضا فهي من صفات العالم، فلو كانت ثابتة لزم ثبوت الموصوف حال ثبوتها، ~~وفي ذلك قدم العالم هذا كلامهم. # وأما نحن فعندنا أنها أحكام ثابتة في كل حال الذوات ثابتة في كل حال، ولا ~~يلزم من ذلك قدمها؛ لأنها أحكام، والأحكام والصفات لا توصف بقدم ولا حدوث ~~من حيث ليست بأشياء، وكذلك لا يلزم قدم الذوات المتصفة بها؛ لأن القدم ~~كيفية في الوجود والعالم فيما لم يزل معدوم، وبعد، فسلمنا أن صحة الرؤية ~~على أصلهم أمر ثابت، فمن أين لهم أنهم أيضا حكم متماثل وأن صحة رؤية الجوهر ~~تماثل صحة رؤية اللون، وتماثل صحة رؤية الباري، أوليس بعض هذه الصحح لا ~~تقوم مقام البعض فإن صحة رؤية اللون يحتاج إلى ما تحتاج إليه صحة رؤية ms191 ~~الجوهر، وهو المخل، وكذلك صحة رؤية الجوهر يحتاج إلى التميز ولا يحتاج إليه ~~صحة رؤية القديم عندهم، وبعد فسلمنا أنها حكم متماثل فما دليلهم على أن ~~الأحكام المتماثلة لا تعلل بعلل مختلفة، وهل توزعوا إلا في ذلك، فإن من ~~مذهب خصومهم أنها معللة بالمقتضيات وهي مختلفة في الأجناس، ونظير ذلك في ~~العقليات صحة كون الأشياء معلومة، فإنها معللة بصفاتها الذاتية، وهي ~~مختلفة، ومن الشرعيات فساد الصلاة، فإنه يعلل بالعلل المختلفة من حدث وكفر ~~ووطء نجاسة ونحو ذلك، وبعد فسلمنا أنها لا تعلل إلا بالمتماثلات، فما ~~أنكروا ان صحة الرؤية في الجوهر واللون هي كونهما ممكني الوجود من ذاتيهما ~~أو كونهما معلومين يلزم عليه صحة رؤية المعدوم. # فإن قالوا: المعدوم ليس بشيء. # قيل لهم: ليس بمخلص لأنه إذا كان علة صحة الرؤية كونه ممكنا أو كونه ~~معلوما بطل اشتراط كونه شيئا على أنه عندنا شيء. # قال: قالوا نحن نعلم استحالة رؤية المعدوم. PageV01P231 # قيل لهم: ليس ذلك بأبلغ من استحالة رؤية /154/ القدرة والعلم والسمع والبصر ~~ونحو ذلك مما قد جوزوه. # طريقة أخرى في الجواب: يقال لهم: أتطردون عليكم هذه فتزعمون أن كل موجود ~~يصح أن يرى حتى القدرة والحياة والسمع والبصر ونحوها، أم لا تطردونها فيبطل ~~كونها علة إذ لا أقل من إطراد العلة. وعند أهل السؤال افترقوا فرقتين، فأما ~~أهل التحصيل منهم فقهقر وأعن هذه الشبهة واعترفوا ببطلانها، ولهذا قال ~~الرازي في الأربعين: أما نحن فعاجزون عن تمشية هذا الدليل، يعني دليل ~~الوجود، وأما أهل العناد منهم فاقتحموا ذلك، فقالوا: إن كل موجود يصح ان ~~يرى حتى رؤية الباري وسمعه وبصره، وإنما أجرى الله العادة بانه لا يخلق ~~فينا إدراك هذه الأمور. # وسبيلنا مع هؤلاء أن نبين لهم أولا أنهم عاجزون عن طرد هذه العلة حتى ~~التزموا المحال من أجلها، ثم يذكرهم ما يلزمهم على هذه المقالة فنقول: أليس ~~الله تعالى يرى الأشياء برؤية قديمة، فلا بد من قولهم بلى، فيقال: أفيصح أن ~~ترى هذه الرؤية أم لا، إن قلتم: لا ms192 يصح، بطل أصلكم، وإن قلتم يصح لزم أن ~~يرى الرؤية برؤية الرؤية بروية أخرى إلى ما لا تناهي، وأن يكون رائيا لا ~~برؤية، وفيه إبطال كون الإدراك معنى، ثم يقال لهم: أليس يصح أن يرى الحياة ~~وأن يخلق الله لونا غير هذه الألوان فنراه فلا بد من بلى، فيقال: إذا رأيتم ~~الحياة ورأيتم ذلك اللون المجوز فبأي شيء تفرقون بينهما حتى تعلموا اللون ~~لونا والحياة حياة وهلا كانا لونين أو حياتين، وكذلك يسألون عن الفرق بين ~~اللون والصوت عند سماعهما أو عند رؤيتهما ويسألون عن الفرق بين قدرته ~~تعالى، وعلمه عند إدراكها. PageV01P232 # طريقة أخرى في الجواب: يقال لهم: أتجعلون الوجود علة في صحة الرؤية فقط أو ~~في صحة جميع الإدراكات عليه تعالى حتى يصح أن تسمع ذاته وأن تذاق وتشم ~~وتلمس، والأول لا يمكنهم القول به لاتحاد الطريقة في الجميع، والثاني قد ~~التزمه الأشعرية وأجازوا أن تدرك ذاته تعالى على حد إدراكنا للألم واللذة ~~والريح والطعم والحرارة، وأجازوا أن يدرك علمه وحياته على حد إدراكنا لجميع ~~هذه المدركات، وهو زيغ شديد وضلال بعيد. # طريقة أخرى يقال لهم: هل الوجود صفة زائدة على ذات الموجود أو هو نفس ~~الذات، فإن قالوا: بالأول لزمهم ثبوت الذوات في حالة العدم، وقيل لهم: هلا ~~جاز إدراكها وهي معدومة، ولكن لم يخلق الله فينا إدراكها، وإن قالوا: ~~بالثاني فكأنهم قالوا ترى الأشياء لذواتها؛ لأن وجودها هو ذاتها، وهذا ~~يقتضي تعليل صحة الرؤية بشيء مختلف وهو الذوات /155/ ويلزم عليه صحة الرؤية ~~حال العدم كما سلف. # طريقة أخرى: يقال لهم: أوليس قياس الغائب على الشاهد بعلة جامعة هو عندكم ~~من باب قياس التمثيل الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف فكيف قطعتم على صحته هنا ~~وهو ليس من الأقيسية البرهانية عندكم. # شبهة أخرى: لهم عقلية قالوا القول بصحة الرؤية لا يوجب حدوثه تعالى ولا ~~حدوث معنى فيه ولا تشبيهه بخلقه ولا تكذيبه ولا تجويزه ولا قلب ذاته، فيجب ~~القول بصحتها. # والجواب هذا بني أخذوه من كلام شيخنا أبي ms193 علي وأول ما فيه أنا نقول القول ~~باستحالة الرؤية لا يؤدي إلى شيء، فما ذكروه فيجب القول باستحالتها، وكذلك ~~القول بإثبات ماهية لله تعالى لا يعلمها إلا هو لا يؤدي إلى شيء من ذلك، ~~فكان يجب ذلك كما يقوله ضرار وهم يأبونه. PageV01P233 # ومثله إثبات معان لا نهاية لها للباري وصفات فهلا أثبتوه. ومتى قالوا كان ~~يصح بينهما التمانع، قيل لهم: وما أنكرتم أن التمانع إنما يصح من المحدثات ~~بمجرى العادة أو أن الحكم بصحة التمانع من أحكام الخيال، وبعد فمن سلم لهم ~~أن القول بصحة الرؤية لا يؤدي إلى تشبيهه بخلقه أو إلى قلب ذاته أو ليس ~~خصومهم يلزمونهم أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل وفي ذلك مشابهته ~~للمحدثات، ويلزمونهم أن إثبات ما نفيه مدح راجع إلى الذات يؤدي إلى ~~الانقلاب والنقص. # وبعد، فهب أن ذلك لا يؤدي إلى شيء مما ذكروه، فكيف يحكمون بصحة شيء لا ~~دليل عليه. # فصل # في شبهتهم من جهة السمع أقوى ما تمسكوا به، سؤال موسى عليه السلام، ~~قالوا: فلولا جواز الرؤية لما سألها، وربما يؤكدون ذلك بالتشنيع على ~~أصحابنا فيقولون تزعمون يا معاشر المعتزلة أنكم أعرف بما يستحيل من نبي ~~الله وكليمه في هذيان طويل يذكرونه. # والجواب: أول ما في هذا أنا نعارضهم فنقول تزعمون يا معاشر المجبرة أنكم ~~أعرف من نبي الله وكليمه بما يتأخر في حكم الله إلى دار الآخرة ويمتنع في ~~دار الدنيا. PageV01P234 # وبعد فما أنكرتم أن موسى علم استحالة الرؤية لكن خلق الله فيه السؤال من ~~دون اختياره كما خلق في قومه سؤال أن يجعل لهم آلهة حيث قالوا: يا موسى ~~اجعل لنا إلها، وكما خلق في آدم أكل الشجرة. وبالجملة فإذا كانت الأفعال ~~خلقا لله لم يتولهم تعلق في سؤال موسى عليه السلام. وبعد فهم يعترفون أن ~~موسى أذنب سؤال الرؤية وتاب، فكيف يصح ذلك في سؤال ما هو جائز، وأي ذنب ~~فيه، وبعد فما أنكرتم /156/ أنه سألها عن قومه وأضاف ذلك إلى نفسه كمايقول ~~الشفيع الذي يظهر ms194 العناية في طلب الحاجة فيقول: اقض حاجتي، وهو يريد حاجة ~~من استشفعني أو ليعلموا أنها إذا تعذرت الرؤية مع كونه أضاف السؤال إلى ~~نفسه فأولى إذا سألها غيره أو ليرد من جهته تعالى ما فيه مقنع للقوم وقطع ~~لطمعهم حيث لم ينزجر وآمن كلام موسى وجوابه لهم ويدل على صحة هذا أنا نعلم ~~ضرورة من الدين أن قوم موسى سألوه الرؤية كما حكى الله عنهم بقوله: {أرنا ~~الله جهرة} وقولهم: {حتى نرى الله جهرة} ونعلم أنهم ضعفوا لأجل ذلك كما قال ~~تعالى: {فأخذتهم الصاعقة} فيقال للخصوم أما أن تزعموا أن سؤال الرؤية كان ~~مرتين وهذا شيء بعيد؛ لأنه كيف يسألها موسى وقد صعق قومه عند سؤالها وعلم ~~تعذرها أو سألها قومه وقد صعق هو عند سؤالها وهو نبي الله وكليمه، وأما إن ~~تغير فإن السؤال كان مرة واحدة، فلا يمكنهم القول بأنه سألها لنفسه؛ لأنه ~~لو كان كذلك لما كان لهم ذنب فيصعقوا من أجله ولبطل ما علمنا من إضافتها ~~إليهم، وهذا من أوضح دليل على أنه سألها عن قومه. PageV01P235 # وأما توبته عليه السلام فهي إما لأن طريقه الأنبياء والصالحين كثير التوبة ~~والاستغفار وأنهم لم يكن لهم ذنب لا سيما إذا رأوا نزول العقوبة بغيرهم، ~~وبكون سبب الصاعقة في حقه على هذا التأويل، هو الفزع من عظيم قدرة الله ~~تعالى، كما يروى مثله عن محمد عليه السلام حين رأى جبريل في صورته الهائلة، ~~وأما لأنه يسأل بحضرة القوم من غير إذن فكان ذلك ذنبا وبكون الصاعقة في حقه ~~على هذا امتحانا لا عقوبة، وإن كانت في حقهم عقوبة إنما يفترق ذلك بالقصد ~~كما أن سبب دخول بيت المقدس وقتل بني إسرائيل هو الكفر والمعاصي وبكون ذلك ~~ابتلاء في حق من لم يكفر منهم. # وأما قولهم: كيف طلب بالسؤال المنع من الرؤية في السمع ولم يطلب دليلا ~~سمعيا في مسألة قولهم: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} وغير ذلك، فهو اقتراح ~~على موسى في أفعاله ويحكم عليه في ما يختاره. على ms195 أن مسألة الرؤية مما ~~يشتبه الحال فيه ويحتاج إلى نظر دقيق بخلاف غيره، ولهذا اختلف المسلمون في ~~مسألة الرؤية، ولم يختلفوا في جواز إثبات إله ثان. وبعد فما أنكرتم أن ثم ~~مضافا محذوفا بعدك أرني أنظر إلى عظيم سلطانك لأزداد به يقينا كما سأله ~~إبراهيم عليه السلام مثل ذلك، ويكون تقدير الجواب لن ترى عظيم سلطاني في ~~الدنيا لأن أهل الدنيا يضعفون عن ذلك، ولكن انظر إلى الجبل فسأريك فيه آية ~~دون ما تريد، فإن استطعت بصر ذلك فسوف ترى عظيم سلطاني. PageV01P236 # يوضحه: قوله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} لأن التقدير فلما على عظيم ~~سلطنه ونور سماواته لا كما يهدي به الخصوم /157/ من أنه تعالى خلق للجبل ~~حياة ورؤية، ثم انكشف له، فلما رآه تدكدك، وكيف يصح هذا لهم وقد أجمعوا على ~~ان جميع المخلقوات لا تراه في الدنيا، وبعد فيقال لهم: ما أنكرتم أن مسالة ~~الرؤية لم تكن خطرت ببال موسى قبل وقت السؤال، فلما خطرت بباله وكان مشتغلا ~~بالمناجاة عن النظر طلب فيها دليلا سمعيا وليس عدم العلم بمسألة الرؤية مما ~~بباله من قبل، فأخذ بالنظر فيها حتى طلب دليلا سمعيا وليس عدم العلم بمسألة ~~الرؤية مما يقطع بكونه كثيرا ولا هذه المسألة مما يتوقف عليها العلم ~~بالنبوة. وبعد الا يستدل على ما نقوله نحن من وجهين: أحدهما قوله تعالى: ~~{لن تراني} فإن (لن) في اللغة لتأبيد النفي، وأما قوله تعالى: {ولن يتمنونه ~~أبدا بما قدمت أيديهم..} إلى قوله: { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة}، فأخبر تعالى أن الموت الذي ~~يفرون منه هو الموت الأول بدليل قوله: : {ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة}. # يزيده وضوحا أنه تعالى ذكر التأبيد في هاتين الآيتين، فلا بد للخصم من ~~العدول عن ظاهر التأبيد، كذلك العدول عن ظاهر في لفظ (لن). على أنه قد قيل ~~أن المراد بقوله: {ولن يتمنوه، أي الرجوع إلى الآخرة، وإنما غير عند ذلك ~~بالموت؛ لأنه لا بد منه، ms196 وإذا كان كذلك فهم لا يتمنون الرجوع إلى الآخرة ~~أبدا، وهذا جيد، ويؤيده قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة}. PageV01P237 # الوجه الثاني: أنه علق الرؤية بشرط مستحيل وهو استقرار الجبل حال تحركه، ~~وتدكدكه إذ لو علقها باستقراره قبل ذلك أو بعد، ومعلوم أن ذلك قد حصل لوجب ~~حصول الرؤية لحصول شرطها، هذا ما ذكره أصحابنا، ولهم أن يقولوا: بل علقها ~~باستمرار الاستقرار، فكأنه قال: إن لم يتدكدك الجبل فسوف تراني، والأولى أن ~~يجعل الوجه الثاني هو أن قوله تعالى: {فسوف تراني} يفيد في اللغة الاستقبال ~~المتراخي، ومن مذهب الخصوم أن موسى سوف يراه في الآخرة، فإذا علق الله هذا ~~التسويف والرؤية المستقبلة باستقرار الجبل ولم يستقر حكمنا بأنه لا يراه ~~أبدا في المستقبل، وإلا بطلت فائدة الكلام؛ لأن عند الخصم أنه سوف يراه ~~سواء استقر الجبل أم لا. # شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة}. # والجواب: ليس النظر بمعنى الرؤية قط، بدليل: أنه يثبت وينفي، فيقال: نظرت ~~إلى الهلال فلم أره، وتثبت الرؤية حيث ينفي النظر، فيقال في الله: رائي ولا ~~يقال ناظر، وتعقب النظر بالرؤية فيقال: نظرت فرأيت ويجعل وصله إلى الرؤية، ~~فيقال انظر لعلك ترى، ويجعل غاية له الرؤية، فيقال ما زلت أنظر حتى رأيت. # قالوا: النظر إذا قرب بإلى أفاد الرؤية. قلنا: محال بدليل قوله تعالى: ~~{وتراهم ينظرون إليك /158/ وهم لا يبصرون} وقال تعالى: {ولا ينظر إليهم}، ~~فإنه ليس معناه لا يبصرهم اتفاقا، وتقول العرب: نظرت إلى الهلال فلم أره، ~~وحكى الرازي عن الخليل أن العرب تقول نظرت إلى فلان أي انتضرته. # وعن ابن عباس أن العرب تقول: إنما أنظر إلى الله وإلى فلان. وقال ~~النابغة: # نظرت إليك لحاجة لم تقضها .... نظر المريض إلى وجوه العود # وقال الكميت: # وشعث ينظرون إلى بلال .... كما نظر الظماء حياء الغمام # أي ينتظروه، وقال آخر: # وقفت كأني من وراء حاجة .... إلى الدار من فرط الصيانة أنظر # فعيناي طورا تغرقان من البكاء .... فأغشى وطورا يحسران فأبصر # فأثبت النظر في حالتي الأبصار ms197 وعدمه، وقال آخر: PageV01P238 # وإذا نظرت إليك من ملك .... والبحر دونك زدتني نعما # والنظر مع كون البحر حائلا هو الانتظار. # وقال آخر: # أبي البكر لما وعدت لناظر .... نظر الذليل إلى العزيز القاهر # وقال الفارسي وهو من كبار أئمة اللغة: النظر لا يفيد الرؤية، وأنشد ~~مستدلا على ذلك: # قيامي هل تجري بكائي بمثله .... مرارا وأنفاسي عليك الزوافر # وإلى متى أشرف من الجانب الذي .... به أتت من بين الجوانب ناظر # قال: فطلب منها الجزاء على كونه ناظرا إليها، ولو كان النظر هو الرؤية ~~لما طلب عليه جزءا وهو المحب بل حقه أن يبذل فيه الرغائب. # قالوا: النظر إذا قرن بالوجه أفاد الرؤية. # قلنا: لا نسلمه، أما أولا فهو محل النزاع، وبعد فقد ورد كثيرا في اللغة ~~وهو لا يفيد الرؤية، بل الانتظار، قال حسان: # وجوه يوم بدر ناظرات .... إلى الرحمن يأتي بالفلاح # وروي بالخلاص: # وروي ينتظر الفلاحا .... وروي ينتظر الخلاصا # وقال البعيث: # وجوه نهار ليل الحجاز على النوى .... إلى ملك زان المغارب ناظره # فتبين أن أهل الحجاز ينتظرون ملك المغرب، ومعلوم أنه لم يرد الرؤية، وقال آخر: # ويوم بداقار رأيت وجوههم .... إلى الموت من وقع السيوف نواظرا # فهذا كله يدل على بطلان ما قالوه، وإنما أكثر بالاستشهاد في ذلك؛ لأن بعض ~~المتعجرفين منهم لم ير في كتب أصحابنا إلا بيت حسان، فقال: إنا قد أفسدنا ~~أصول المعتزلة، وهددنا أركانهم، ولسنا نترك أصلا لنثبت شعر لا ندري عن ~~قائله، يعني بيت حسان، فأريناه أن الأصل الثابت في اللغة ما ذهبنا إليه، ثم ~~إن هذا الرجل المذكور استشهد بيتا واحدا في جملة المسألة وهو /159/: # نظرت إلى من حسن الله وجهها .... فيا نظرة كادت على عاشق تقضي PageV01P239 ونحن نجيبه بمثل قوله، فنقول: كيف نهدم أصلا ظاهرا في اللغة يثبت لا ندري ~~من قائله، ولعلك أنت الذي قلته ونسبته إلى أهل اللغة، وبعد، فهب أنه صحيح ~~فهو لا يدل على ما ذهبت إليه؛ لأنا نعترف أن النظر تتعقبه الرؤية ويكون ~~سببا فيها، ولهذا قال عليه السلام: النظر ms198 إلى المرأة الحسناء سهم من سهام ~~إبليس، فإنه ليس المراد الرؤية؛ لأنها من الله، وغيرها من الإدراكات، والذي ~~نهى عنه عليه السلام من النظر إنما هو الذي يقدر عليه، وهو تقليب الحدقة ~~التي تتبعه الرؤية، ولهذا لا يذم أحدنا على العشق؛ لأنه فعل الله دائما يذم ~~على سببه وهو تقليب الحدقة التماسا للرؤية لا على نفس الرؤية التي هي معنى ~~تحل العين. وبعد فيجوز أن يكون النظر في البيت بمعنى الانتظار، وهذا أولى ~~لأنه الذي يحصل به المشقة وتلاف العشاق، وليس الرؤية تقضي على العاشق بل هي ~~مما يستلذ به، فكيف يسميها موتا بل يجيبه أولى كما هو أسلوب الفصحاء، وأما ~~قول النابغة: # وما رأيتك إلا نظرة عرضت .... يوم النمارة والمأمور معذور # فتقديره إلا عند نظرة عرضت؛ لأن الذي يعرض هو تقليب الحدقة لا الرؤية ~~اتفاقا، ولهذا أيقول حانت مني التفاته فرأيت وعرض مني نظرة فرأيت ونحو ذلك. # طريقة أخرى في الجواب: يقال لهم: ظاهر الآية متروك من وجوه، منها: أن ~~ظاهرها يثبت الرؤية يوم القيامة، وأنتم إنما تثبتونه في الجنة لا في ~~القيامة؛ لأنه يوم حساب وحشر، والوقت الذي يدخل الناس فيه الجنة لا يوصف ~~بأنه يوم القيامة، ومنها: أن ظاهرها أن الوجوه هي الناضرة وليس كذلك، فإن ~~الناظر هو الجملة لا الوجه، ولا العين، ولهذا عطف عليه بقوله: ووجوه يومئذ ~~باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة، والوجوه لا تظن، فدل على أنه أراد ذوي ~~الوجوه، ونظيره قوله تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة..} إلى قوله: {لسعيها ~~راضية}. ومنها: أن الخصم رد النظر إلى الرؤية وهو خلاف ما قد بيناه. PageV01P240 # طريقة أخرى: يقال لهم: ما المانع من حمله على الانتظار كما حمله عليه أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام حيث قال للأعرابي: اكفف يدك واغضض من بصرك، فإنك ~~لن تراه، ولن تناله، قال: إن لم أره في الدنيا فسأراه في الآخرة، فقال عليه ~~السلام: كذبت بل لا نراه في الدنيا ولا في الآخرة، إن أهل الآخرة ينتظرون ~~إلى الله تعالى كما ينتظر ms199 إليه أهل الدنيا ينتظرون ما يأتيهم من بره ~~وإحسانه، وقد اسندت هذه الحكاية إلى ابن عباس لا إلى علي عليه السلام، وقد ~~قدمنا /160/ ما يقوله ابن عباس والجليل الفارسي من أئمة اللغة، وهو قول ~~الكلبي وجويبر والضحاك، وابن المسيب وابن جبير ومجاهد، وروي عن الحسن وأبي ~~حاصلح وجرير بن منصور ونافع بن الأزرق وغيرهم من كبار علماء التفسير من ~~التابعين وغيرهم دون متبعي الأهواء والبدع وهو الذي قاد إليه صريح العقل ~~ومحكم الكتاب. # يوضحه أن الله تعالى جعل الظن الذي هو الخوف في مقابلة النظر فإذا حملنا ~~النظر على الانتظار الذي هو الرجاء كنا قد جعلنا الرجاء في مقابلة الخوف ~~والنظارة في مقابلة النسارة فيزدوج الكلام ويستقيم النظم ويحسن المعنى، ~~وإذا حملنا النظر على الرؤية كما قالوه كنا قد جعلنا الرؤية في مقابلة ~~الخوف فلم يزدوج الكلام، ودخله بعض بعض عند الفصحاء، ولهذا عابوا على امرء ~~القيس في قوله: # فإني لم أركب جوادا للذة .... ولم أتبطر كاعبا ذات خلخال # ولم أشرب الزق الروي ولم أقل .... لخيلي كرى كرة بعد إحفال # (فراغ) الكلام. فقالوا: لو جعل عجز البيت الثاني مع صدر الثاني لكان أفصح ~~لمشاكلة المعنى وازدواح الكلام. PageV01P241 # طريقة أخرى يقال لهم: ما أنكرتم أن ثم مضافا محذوفا تقديره إلى ثواب ربها ~~ناظرة كما هو سبيل كثير من المتشابه نحو قوله تعالى: {وجاء ربك} وقوله: ~~{فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} وأشباه ذلكن وهذا مروي عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام أيضا، ويمكن مجامعته للأول فتكون رؤيته لشيء من ثواب الله ~~ومنتظره لشيء آخر. # فإن قيل: إن في الانتظار تبعيضا، ولهذا قيل: إنه يورث الاصفرار. # وقيل: الانتظار الموت الأحمر. # قلنا: إنما يكون كذلك إذا كان المنتظر سلكا في حصول ما ينتظره وغير مستغن ~~عنه بما عنده، فإذا لم يكن كذلك فالأمر بالعكس، ولهذا قيل المأمول خير من ~~المأكول، وفي السنة العوام رجاه خير من لقاه، وقد قال تعالى: {ويرجون ~~رحمته} ولا معنى للرجاء إلا الانتظار، ولا بد للخصوم من مثل ذلك، فإن ms200 ~~الرؤية عندهم غير حاصلة في كل حال. # طريقة أخرى، يقال لهم: ما أنكرتم إن إلى واحدة الآلاء كما قال الشاعر: # أبيض لا يرهب الهزال، ولا .... يقطع رحما، ولا يخون إلا # أي نعمة، ويكون التقدير نعمة ربها ناظرة. PageV01P242 # شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} ونحو ذلك، فما فيه ذكر ~~الملاقاة، وهذا تمسك فارغ؛ لأن الملاقاة لو أفادت الرؤية لكان كل إنسان ~~يراه لقوله تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}، فتبين ~~أن كل أحد يلقاه، ثم قسمهم بعد ذلك بقوله تعالى: {فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه..} الآية، وكان يجب أن يراه الكفار لقوله تعالى: {فأعقبهم /161/ ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه}، وبعد فقد قال تعالى مخاطبا للجميع ~~واعلموا أنكم ملاقوه، فلو كان اللقاء بمعنى الرؤية لكان كأنه قال: فاعلموا ~~أنكم من أهل الثواب، وقد وقع الاتفاق على أن ليس أحد يعلم هل هو من أهل ~~الثواب إلا الأنبياء ومن أخبروه، وبعد وظاهر الآية متروك اتفاقا؛ لأن ~~الملاقاة مفاعلة وأصلها في اللغة تقابل الشيئين وتقاربهما بعد مباعدة، وهو ~~مستحيل في حقه تعالى، قالوا: إذا قال القائل لغيره إذا لقيت فلانا فأقرءه ~~عني السلام علمنا أن معناه إذا رأيته. # قلنا: لم تعلموا ذلك، ولكن ظننتموه لقرينة، وهي أن الملاقاة إنما تكون في ~~أغلب الأحوال مع الرؤية. يوضحه أنه يصح أن تقول للأعمى إذا لقيت فلانا ~~فأقرءه مني السلام، ولا رؤية هنا. # فإن قيل: فما معنى الآية. قلنا: فيها محذوف تقديره ملاقاة حسابه تعالى ~~وما وعد من ثواب وعقاب، فإن ذلك هو الذي يصح فيه معنى الملاقاة. # شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. PageV01P243 # والجواب: إن الظاهر متروك لاقتضائه أن يكون بينهم وبين الله حجاب، وأنه لا ~~يراهم لذلك الحجاب، والحجاب لا يصح إلا على الأجسام، ولأنه لا بد من تقديم ~~محذوف فيها وتقديره عندنا عن رحمة ربهم وعندهم عن رؤية ربهم، وكلامنا أرجح ~~لما تقدم من الأدلة، ولأنه إذا لم يصح أن يكونوا محجوبين عن ms201 ذاته لم يصح ان ~~يكونوا محجوبين عن رؤيته؛ لأن رؤيته معنى يخلقه الله فيهم، فلا معنى للحجة، ~~والحاصل أن الرؤية إذا كانت معنى يخلق فيهم فهو إما ان يخلقه الله تعالى ~~فيجب أن يروه ولا تأثير للحجاب، وإما أن لا يخلقه فلا تصح الرؤية، وإن زال ~~الحجاب، وبعد فليس في كونهم محجوبين دليل على أن غيرهم لا يحجب، فإن هذا من ~~الخطابات التي لا مفهوم لها اتفاقا بين المحققين. # شبهة: تمسكوا بقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قالوا: الحسنى ~~هي الجنة والزيادة هي الرؤية. # والجواب: إنه لا علقة لهم ظاهرها، وإنما يروون في تفسيرهم جبرا عن أبي ~~بكر رضي الله عنه، وهو آحادي، وغير صحيح عند جمهور أهل الحديث، وكيف يصح ~~هذا ونعم الله على المثابين لا ينفك من زيادة بعد زيادة، فمن أين لهم أن ~~تلك الزيادة هي الرؤية وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: الزيادة غرفة ~~في الجنة من لؤلؤة لها أربعة أبواب، وعن زيد بن ربيع والكلبي وأبي صالح ~~وعلقمة وابن عباس أن الحسنة بالحسنة والتسع زيادة في قوله تعالى: {فله عشر ~~أمثالها} وعن يحيى بن ثابت وابن أبي ليلى: الزيادة انتظارهم لما يزيدهم ~~الله من فضله. # شبهتهم من جهة الأخبار، ما رووه عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله ~~البلخي: (سترون /162/ ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا ~~تضامون فيه(1)). PageV01P244 # والجواب: إن هذا آحادي، والمسألة قطعية، وهو مطعون في سنده، فإن جريرا هذا ~~يروى أنه كان يبغض عليا عليه السلام ويأمر بأسراره إلى معاوية، ثم كان من ~~أصحاب معاوية من بعد، وكذلك قيس كان يرى رأي الخوارج، وروي أنه قال مذ سمعت ~~عليا على منبر الكوفة يقول: أتفروا إلى بقية الأحزاب، يعني أهل النهروان، ~~دخل بغضه في قلبي، ومن كان يبغض عليا فعدالته ساقطة ودينه مدخول لقوله عليه ~~السلام لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)، وأيضا فقد روي أن ~~قيسا خولط في آخر زمانه ونقص عقله، وكان ms202 يروي الأخبار وهو كذلك. # وبعد، فظاهر الخبر يقتضي التشبيه لأنا نرى القمر في جهة ومع مقابله ~~ونحوها مما لا يحصى تجوز على الله تعالى. وبعد، فمعناه ستعلمون ربكم، ~~والرؤية بمعنى العلم في اللغة أكثر من أن يحصى، قال تعالى: {أولم ير ~~الإنسان أنا خلقناه}، وقال: {ألم تر إلى ربك} وقال: {ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل}، ونحو ذلك من الآيات، ومثله قوله عليه السلام: (ليس لعين ترى ~~الله يعصى)، فإن المراد العلم؛ لأنه سواء رأى بعينه أو علم بغيرها، فإنه ~~يجب التغيير أو الانتقال، وهذا يدل على أن المراد الجملة لا العين؛ لأن ~~العين لا يصح أن تغير ولا أن تنتقل. قال الشاعر: # رأيت الله إذ سما نزارا .... وأسكنهم بمكة قاطنينا # أي علمت، وقال آخر: # أوما ترى الرحمن أخرج آدما .... منها إلى الدنيا بذنب واحد # وبعد فهو معارض بما رواه جابر بن عبد الله عنه عليه السلام: (ليس يرى ~~الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة)، وروي أنه عليه السلام سئل هل نرى ربنا ~~في الآخرة، فانتفض وسقط ولصق بالأرض. وقالت عائشة رضي الله عنها وقد سئلت ~~هل رأى محمد ربه : لقد قف شعري يا هذا مما قلت. ثلاث، من قالهن فقد أعظم ~~الفرية على الله.. الخبر. PageV01P245 ### ||| AUTO القول في أن الله واحد لا ثاني له # الواحد يستعمل في معان، فقد يراد به واحد العدد وهذا مستحيل في حقه ~~تعالى، لاقتضائه التناهي والتحديد، وقد يراد به ما لا يقبل التجزي ~~والانقسام أما من كل وجه وهذا المعنى جائز في حقه تعالى، ويكون مدحا ~~بانضمامه إلى كونه حيا خلافا لعباد، وأما من بعض الوجوه كالإنسان الواحد ~~والدار الواحد، فإنه لا يقبل التجزي من حيث الإنسانية الدارية وأن قبله من ~~جهة أخرى، وهذا المعنى مستحيل في حقه تعالى، وقد يراد به المختص بصفات ~~الكمال أو بعضها على حد يقل المشارك له كما يقال فلان وحيد عصره، وقد يراد ~~به واحد القدم والإلهية المستحق للعبادة وهو المنفرد بصفات الكمال على حد ~~يستحيل ms203 أن يشاركه فيها مشارك على الوجه الذي استحقها عليه وهو المقصود. # فصل # ذهب المسلمون /163/ إلى أن الله تعالى واحد، وخالفت الثنوية والصائون ~~والنصارى والذام المجبرة، أما الثنوية فاتفقوا على النور والظلمة، وأن كل ~~خير فهو النور بطبعه، وأن كل شر فهو من الظلمة بطبعها، وأن كل واحد منهما ~~لا يقدر على خلاف ما يصدر عنه، وأن العالم ممتزج منهما وأنهما غير متناهين ~~إلا من جهة التلاقي، ثم اختلفوا فقالت المانوية قديمان قادران عالمان ~~مدركان، وقالت الديصانية بذلك في النور فقط، فأما الظلمة فعاجزة جاهلة ~~موات، وقالت المردكية النور يفعل بالقصد والظلمة بالخبط وأثبتت المرفثونية ~~بالثاء امتزج العالم منه، ومن الظلمة قالوا فلما رأى النور تعدى الظلمة ~~على هذا المتوسط بعث إلى هذا العالم الممتزج روحا، وهو ابنه عيسى ومرقيون ~~هذا لحق بعض أصحاب عيسى عليه السلام، وأخذ عنه وسمت المجوس النور يزدان ~~والظلمة أهرمن، وقال بعض هؤلاء: بحدوث أهرمن قيل من عفونه كانت قديمة، وقيل ~~من فكرة يزدان الردية، وقيل من شكه، وزعموا أن عند حدوث هذا الثاني حصل ~~بينهما حرب، ثم اصطلحا على شروط ستنقضي ويغلب بردان. PageV01P246 # وأما الصابؤون فزعموا أن للعالم صانعا واحدا لكنه خلق الأفلاك حية قادرة ~~عالمة وجعلها إلهه، فعبدوها وعظموها وسموها المليكة وجعلوا بيوت العبادات ~~بعدة الأفلاك السبعة وزعموا أن بيت الله الحرام هو بيت زحل وأنكروا الآخرة، ~~وفيهم قائلون بالتناسخ، وزعموا أن لهم أنبياء، وأنهم على دين شيث. # وأما النصارى اتفقوا على أن الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم أقنوم الأب وهو ~~الذات، وقيل الوجود وهو متقارب؛ لأن الوجود عندهم هو الذات، وأقنوم الابن ~~وهو الكلمة، وقيل العلم، وأقنوم روح القدس، وهو الحياة، واتفقوا على أنه لم ~~يزل الأب أبا والابن ابنا، وروح القدس قابضة بينهما، وأن البنوة لا على جهة ~~التناسل بل هي كتولد الحر من النار والضياء من الشمس. # ثم اختلفوا في الأقانيم فقيل: هي الجوهر وهو هي وقيل الجوهر واحد ذو ~~ثلاثة أقانيم، فهي هو وليس هو هي بل غيرها، ثم اختلفوا ms204 من وجه، فقال بعضهم: ~~متفقة في الجوهرية مختلفة في الأقنومية. # وقال آخرون: لا نطلق عليها كونها مختلفة، ثم اختلفوا في تغايرها، فقال به ~~الأقل ومنعه جمهورهم، ثم اختلفوا في جواز انفراد بعضها عن بعض واستقلاله، ~~فأجازه الأقل ومنعه جمهورهم، ثم اختلفوا في تسميتها، فقيل: أشخاص، وقيل: ~~أعراض، وقيل صفات. # واتفقوا على اتحاد الكلمة التي يسمونها اللاهوت بجسد عيسى التي يسمونه ~~الناسوت. ثم اختلفوا في كيفية اتحاده فقالت /164/ اليعقوبية: مازجه ممازجة ~~الدهن للسمسم، والنار للحطب، فصار المسيح جوهرا من جوهرين لاهوت وناسوت، ~~وقالت النسطورية: أدزعة وحصل معه على جهة المحاورة كالشمس على الجدار ~~فالمسيح عندهم جوهران على الحقيقة، وحكى عنهم السيد في شرح الأصول أنهما ~~اتحدا في المشيئة، وقالت الملكية(1) اتحدت الكلمة بمعنى الإنسانية المتصورة ~~في الذهن لا بالشخص، وقالت فرقة منهم: معنى الاتحاد أن الكلمة ظهرت على ~~الجسد كالصورة في المرآة. PageV01P247 # وأما ألزام المجبرة فقد ألزمهم أصحابنا مذهب المجوس وسيأتي إن شاء الله في ~~بيان من القدرية وألزموهم أيضا مذهب النصارى حيث أثبتوا قدماء مع الله ~~تعالى وسموها صفات، فإن هذا مذهب جمهور النصارى في الأقانيم، حيثوكذلك إذا ~~لم تكن المعاني أغيارا لله كانت هي هو، وذلك هو مذهب النصارى في الأقانيم ~~أيضا، وكذلك قولهم: ليست بمستقلة مع القول بأنها معاني كقول النصارى في ~~الأقانيم، فإن عندهم أنها لا تستقل بنفسها، ولا يصح انفراد بعضها عن بعض. # وكذلك تسميتهم للمعاني علما وحياة، وهو مذهب جمهور النصارى في الأقانيم. # يزيده وضوحا أنه لم يقل أحد من الناس أن لله ثانيا يشاركه في جميع ~~الصفات، وإنما يقولون بالمشاركة في كونهما واجبي الوجود والمجبرة إما أن ~~يجعلوا هذه المعاني جائزة الوجود فيلزم حدوثها؛ لأن هذا هو دليلهم على حدوث ~~العالم، وإما أن يجعلوها واجبة الوجود من ذاتها، وهو نفس مذهب الثنوية، ~~وأما أن يجعلوها واجبة الوجود من غيرها، وهو نفس مذهب الفلاسفة في العقول ~~والأفلاك، وقدم العالم، ومتى قيل أن الثنوية اعتقدوا استحقاق الثاني ~~للعبادة. # قلنا: ليس كذلك، فإن المجوس لا يعبدون أهرمن ms205 وكذلك سائر الثنوية لا ~~يعبدون الظلمة، وكذلك الفلاسفة لا يقولون باستحقاق العقول والأفلاك ~~للعبادة، وإنما عتب عليهم القول بقدمها، على أن المجبرة متى لم يعترفوا بأن ~~هذه المعاني أعيان لله تعالى لزمهم أن تكون هي هو، فتكون مستحقة للعبادة. ~~وبعد فلم يذمهم الله على مجرد القول باستحقاق العبادة، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني} فبين أن هذه المقالة تقتضي ~~جواز الحاجة عليه وهذا لازم للمجبرة كما سلف. # فصل PageV01P248 ودليل أهل الحق أنه لو كان معه قديم ثان لصح بينهما التمانع وصحة التمانع ~~محال، فهذان أصلان، أما الأول وهو أنه كان يصح بينهما التمانع، فلأن ~~اشتراكهما في القدم /165/ يقتضي اشتراكهما في القادرية وفي سائر صفات ~~الذات، ومن حق كل قادرين صحة التمانع بينهما، وذلك ضروري في الشاهد، ولا ~~علة لهذه الصحة إلا كونهما قادرين بدليل أن العلم بها يدور مع العلم ~~بالقادرية ثبوتا وانتفاء، مع فقد ما هو أولى من القادرية بأن تعلق عليه صحة ~~التمانع، والتمانع هو أن يفعل كل واحد من القادرين ما لأجله يتعذر على ~~الآخر اتحاد مراده كمتجاذبي الحبل، فإن كل واحد منهما يفعل من الاعتماد ما ~~لأجله يتعذر على الآخر، تحصيل الجبل في جهته التي يجذبه إليها. # وأما الأصل الثاني وهو أن صحة التمانع محال فلأنا إذا قدرنا أن أحد ~~القديمين أراد تحريك الجسم يمنة والآخر أراد تحريكه يسرة فإما أن يوجد ~~مرادهما جميعا وفيه اجتماع الضدين، وإما أن لا يوجد مراد واحد منهما وفيه ~~خروجهما عن كونهما قادرين، وإما أن يوجد مراد أحدهما دون الآخر، وفيه خروج ~~من لم يوجد مراده عن كوه قادرا للذات من حيث أن القادر للذات وجود مراده ~~عند توفر دواعيه وإلا لم يكن قادرا للذات، وكان قادرا بقدرة، وكل قادر ~~بقدرة جسم، وكل جسم محدث، وبعد فجواز المنع على أحدهما يدل على أنه متناهي ~~المقدور وإلا لما منع من اتحاد مراده عند توفر دواعيه. # فإن قيل: أيهما حكمان فلا يختلفان في الإرادة والداعي. قلنا: ms206 كلامنا في ~~الصحة لا في الوقوع ومعلوم أن كل حين يصح اختلافهما في الإرادة والداعي ~~والألم ينفصل الحي والواحد من الاثنين، على أنه يعلم صحة التمانع من لا ~~يعلم اتحاد الإرادة، وتعددها بل يعلمه من ينفي المعاني، وبعد فقد يقع ~~التمانع مع زوال الإرادة والداعي كالنائمين يتجاذبان الثوب وكذلك الساهيان، ~~وبعد فلا يمتنع كون كل واحد من الضدين مصلحة على البدل، فتكون إرادة كل ~~واحد منهما حكمة. PageV01P249 # فإن قيل: إرادتهما معنى واحد يوجد لا في محل، فيوجب لهما فلا يصح تقدير ~~اختلافهما في الإرادة. # قلنا: باطل لأن هذا المعنى لا يصح أن يكون فعلا لهما جميعا لاستحالة ~~مقدور بين قادرين، ولجواز أن يريد أحدهما فعله ولا يريده الآخر، فيعود ~~الإلزام من أصله، وإذا كان من فعل أحدهما استحال أن يؤثر في فعل الآخر، ~~ولهذا لو خلق الله فينا إرادة الأكل مع توفر الصوارف عنه بأن يكون مسموما ~~لما أكلناه أو خلق فينا إرادة تركه مع توفر الدواعي إليه لما تركناه، ومن ~~هنا قال اصحابنا: إن الإرادة لو خلقت فينا لما أثرت في كون كلامنا أمرا وخبرا. # فإن قيل: لم قام تقدير اختلافهما في الداعي والإرادة مقام الوقوع في ~~الدلالة على صحة التمانع ولم يقم تقدير وقوع الظلم من جهة الله تعالى مقام ~~وقوعه في الدلالة على الجهل والحاجة. # قلنا: الحق أنه لا يصح تقدير وقوع الظلم من الله تعالى /166/ والحاجة ~~مستحيلان عليه تعالى وتقدير وقوع الظلم يتبعه صحة وقوع الجهل والحاجة، وما ~~أدى تقديره إلى تقدير المحال لم يصح تقديره. # والضبط في مثل هذا أن تقدير الموجب المصحح وهو وقوع الظلم مع إحالة ~~المصحح له وهو الجهل والحاجة لا يجوز، ولولا هذا لصح تقدير ثبوت المعلول مع ~~إحالة العلة ولجاز صحة الفعل مع إحالة القادرية، وهذا يؤدي إلى كل جهالة. # فإن قيل: إذا استوت الصحة والوقوع في الدلالة على التمانع فهلا اعتبرتم ~~الوقوع لمساواته للصحة فلا يلزم التمانع. # قلنا: إن باعتبار الصحة يحصل غرضنا من نفي الثاني وفي اعتبار الوقوع ms207 ~~إقرار بثبوت الثاني، فكيف يكون قصدنا نفي الثاني ونورد الدليل على وجه ~~يقتضي ثبوت الثاني. # فإن قيل: إن مقدورهما واحد لأنهما قادران للذات فلا يصح التمانع بينهما. PageV01P250 # قلنا: إن حكم القادر للذات أن يقدر على جميع أجناس المقدورات لا على جميع ~~أعيانها، فمن أين يجب أن يتحد مقدورهما أليس الباري تعالى قادرا لذاته ولا ~~يجب أن يكون قادرا على أعيان مقدورات العباد. وبعد فقد قال تعالى: {إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} فبين أنه يكون مخلوق أحدهما غير ~~مخلوق الآخر. # ثم إن سلمنا أن مقدورهما واحد لم يقدح في صحة التمانع؛ لأن الحركة يمنة ~~والحركة يسرة ضدان فتعلقهما بكل واحد من القادرين على البدل فمتى أراد ~~أحدهما التحريك يمنة بدلا من التحريك يسرة وجب أن يوجد مراده، وكذلك إذا ~~أراد الآخر التحريك يسرة بدلا من التحريك يمنة فهذا تحرير دلالة التمانع من ~~جهة العقل. # وأما من جهة السمع فقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، ~~وقوله: {إذا لذهب كل إله بما خلق..} الآية، ونحو ذلك. # دليل لو كان مع الله تعالى قديم ثان لما انفصل وجود ذلك الثاني من عدمه؛ ~~لأن باشتراكهما في القدم يجب اشتراكهما في جميع صفات الذات، فلا ينفصل ~~أحدهما عن الآخر بما يرجع إلى ذاته ولا هما مما يصح عليه المكان فينفصلان ~~بالمكان ولا مما يصح عليه الحدوث، فينفصلان بالزمان. # فإن قيل: ينفصلان بالأفعال فتدل أفعال كل واحد منهما عليه.قلنا: أما من ~~يوجب كون مقدورهما واحد فلا يتوجه هذا إليه، وأما من لا يوجبه فنقول: قد ~~أمكن إضافة جميع ما يتعذر على المحدثات إلى خالق واحد، فلا يكون إلى إثبات ~~الثاني طريق. PageV01P251 ### |||| AUTO فصل في الكلام على الثنوية في النور والظلمة # يقال: إن النور والظلمة جمسان عند كثير من الناس، وعرضان عند آخرين، ~~والأجسام والأعراض محدثة. وبعد فلو كانا قديمين لم يكن أحدهما ثان، يكون ~~نورا والثاني ظلمة، أولى من عكسه، ومن أن لا /167/ يكونا نورين جميعا، ولا ~~كان أحدهما ms208 بأن يكون فاعلا للخير أولى من الشر، وكذلك في المدح وألزم لا ~~سيما وهما قادران للذات. # ويقال للديصانية: إذا كانا قديمين فلم كان النور قادرا عالما دون الظلمة، ~~وهلا كان بالعكس وكيف يصح الفعل من غير حي ولا قادر. ويقال للمرقيونية في ~~إثبات الثالث: لم كان بأن يمنزج أولى من أحدهما أو من يكون ممزوحا، وهل وقع ~~الامتزاج على جهة الوجوب فكان يجب حصوله لم يزل ولا يحتاج إلى مازج أو على ~~جهة الاختيار، فليس من مذهب الخصم، ولو قال به لقيل له فهلا صح من الإله ~~الواحد أن يفعل الخير والشر باختياره ولا حاجة إلى إثبات ثان وثالث. على ~~أنه يكون قد صدر الخير والشر من غيرهما وهو الثالث. PageV01P252 # ويقال للمجوس في حدوث اهرمن: أما القول بانه من عفونه فباطل؛ لأن العفونة ~~جسم، وكل جسم محدث، ولأن الجسم لا يتولد من الجسم، ولأن العفونة من ~~القاذورات، ومما يعدونه شرطا، فهلا كان الشرور كلها قديمة ولا يحتاج إلى ~~إثبات ثان يخلقها أو كانت هذه العفونة محدثة فيجب تقدم اهرمن عليها فيكون ~~محدثا لها، ولأنه كان يجب أن يتولد من كل عفونة أهرمن ولأنه إذا كان أهرمن ~~محدثا فكيف يكون إلها دون غيره من المحدثات، وكيف صح منه فعل الأجسام. # وأما القول بأنه حدث من فكرة الله تعالى أو من شكه فباطل لأن الفكرة ~~والشك إنما يجوزان على من يجهل، ولأنه كان يجب في كل فكرة وشك مثله لأن ~~الفكر يتماثل إذا اتحد متعلقه ولأنه إذا حدث من فكرة يزدان لزم كون يزدان ~~محدثا للشرور، ولأن هذه الفكرة الردية من قبيل الشرور وفي ذلك حصول الشر من ~~غير أهرمن. PageV01P253 ### |||| AUTO فصل في شبهة الثنوية # زعموا أن كل ما تنفر عنه النفووس من الآلام والقاذورات والحيوانات قبيح، ~~وكلما تستلذه النفوس حسن والفاعل الواحد لا يفعل الخير والشر. # والجواب: لا نسلم أن كل ما تنفر عنه النفوس قبيح، دليله تحمل المشاق في ~~الأسفار والفصد والحجامة وبالجملة جميع ما كلفناه من المحسنات لا بد ms209 فيه من ~~النفرة، وكذلك جميع ما كلفنا تركه لا بد فيه من لذة، وبعد فأفعال الباري ~~تعالى كلها حكمة ولا عبرة بالمرئي والمنظر ولا باللذة وعدمها، وبعد فلا ~~نسلم أن الفاعل الواحد لا يفعل الخير والشر بل يجب في من قدر على الشي أن ~~يقدر على جنس ضده إذا كان له ضد، وقد يفعل الضدين دفعة واحدة، كما إذا قتل ~~بيمينه وأنقذ الغريق بيساره، ويقال لهم: قد وجدنا النور يتعذر معه على ~~أحدنا أن يختفي من عدوه، وهذا شر، والظلمة يتمكن معها من الاختفاء وهو خير ~~ووجدنا إدامة النظر إلى النور يضر بالنضر وهذا شر وإدامة النظر إلى الخضرة ~~/168/ يزيد فيه، وهذا خير ووجدنا أحدنا يسيء ويحسن ويصدق ويكذب ويعلم ويجهل ~~ويفعل القبيح ويتوب ونحو ذلك، وهو فاعل واحد. ومتى ومتى قالوا أنهما أجبراه ~~على ذلك. قلنا: ولم كانا بأن يجبرا بعض الناس أولى من البعض الآخر، وفي بعض ~~الأوقات أولى من بعض. PageV01P254 ### |||| AUTO فصل في الكلام على الصابئين # اعلم أن كلامهم وكلام الباطنية في السابق والتالي وكلام المنجمين وكلام ~~الفلاسفة في العقول والأفلاك متقارب؛ لأن كلهم فلاسفة، وإن اختلفت عباراتهم ~~وتفاصيلهم، وكلهم متفقون على أن للكواكب تأثير، لكن اختص الصابئون بعبادتها ~~فكل ما تقدم على الفلاسفة والباطنية وارد هنا من أن الأفلاك مسخرة غير حية، ~~ولا قادرة وأن الطبع غير معقول وأنه لا طريق إلى العقول، وأن كل ما سوى ~~الله محدث. ### |||| AUTO فصل في الكلام على النصارى # أما قولهم بأنه أحد ثلاثة فهو من أظهر الأقوال تناقضا وإحالة لأن كون ~~الشيء واحدا يمنع من تعدده وكونه متعددا يمنع من اتحاده، ولهذا قال بعض ~~الشعراء: # قل للذي يحسب من جهله .... أن النصارى يعرفون الحساب # لو صح ذا ما جعلوا واحدا .... ثلاثة وهو خلاف الصواب PageV01P255 ولعلهم أرادوا ما يقوله أهل الجبر من أنه ذات تختص بمعان هي الكلمة والعلم ~~والحياة لكن اختصوا بإطلاق لفظ التثليث والأبوة ونحوه، وأما قولهم بالاتحاد ~~فيبطله على سبيل الجملة من وجوه منها أنهما إما أن ms210 يتحدا على سبيل الوجوب، ~~فيلزم قدم المسيح أو كونه إلها حالة العدم او على جهة الجواز فيحتاج إلى ~~فاعل أو علة، واحتياجه إلى ذلك باطل؛ لأنه لا يصح أن يكون شيء من صفات ~~الباري بالفاعل لأن في ذلك حدوثه، وأما العلة فهي إن كانت قديمة لزم ~~الاتحاد، لم يزل وإن كانت محدثة لم يحل، إما أن يكون حاله فيلزم كون القديم ~~مجلا للحوادث أو غير حالة، فلا يكون لها اختصاص بأقنوم الابن دون سائر ~~الأقانيم؛ لأن الكل قديم. وبعد فعندهم أن الناسوت محدث واللاهوت قديم، فهل ~~صار المحدث بالاتحاد قديما أو صار القديم محدثا أو كل واحد منهما باق على ~~حقيقته، والأول والثاني باطلان بالاتفاق والثالث يبطل معنى الاتحاد، وبعد ~~فالكلمة التي اتحدت بالابن إما أن تفارق الأب فيلزم جواز البعض عليه أو لا ~~يفارقه فيلزم قيام صفة بموصوفين، وبعد فالاتحاد إما أن يكون صفة كمال فيلزم ~~حصوله لم يزل وفيه قدم الناسوت أولا بكون صفة كمال فيمتنع ثبوته. وبعد فكيف ~~اختص أقنوم الابن دون أقنوب الأب وروح القدس بأن اتخذث بالناسوت مع أن بعض ~~الأقانيم لا تنفصل عن بعض. وبعد فعندهم أن المسيح /169/ صلب، وقيل: فإن كان ~~المصلوب هو اللاهوت فكيف يصح الموت عليه، وإن كان المصلوب هو الناسوت فكيف ~~يصلب مصاحب الإله ومجاوره، وكيف يصح في من قهر أن يكون إلها، ولقد أحسن ~~القائل: # عجبا للمسيح بين النصارى .... وإلى أي والد نسبوه # إن حكمنا بصحة الصلب والقتل .... عليه فأين كان أبوه # ولئن كان راضيا بأذاهم .... فاحمدوهم لأجل ما فعلوه # ولئن كان ساخطا لأذاهم .... فاعبدوه لأنهم غلبوه PageV01P256 والكلام عليهم على جهة التفصيل هو ان يقال إن أردتم بالاتحاد أن ذاتهما ~~صارت واحدة فهو مستحيل؛ لأن فيه انقلاب المحدث قديما أو القديم محدثا أو ~~خروج الموصوف عن صفة ذاته أو حصوله على صفتين للنفس أكثر من صفة للنفس. على ~~أنهم يجعلون الإيجاد بالفاعل ولا اختيار لفاعل في أن يجعل الشيئين شيئا ~~واحدا، وإن أرادوا بالاتحاد الامتزاج أو الادراع فباطل؛ لأن ms211 ذلك إنما يعقل ~~في الأجسام، ولأن محاورة الشيئين لا يصيرهما شيئا واحدا، ومتى سماه أهل ~~اللغة بذلك فهو لأنهم اعتقدوا صحته والتسمية تتبع اعتقاداتهم، فهم مصيبون ~~في التسمية مخطئون في الاعتقاد كتسميتهم الأصنام آلهة لاعتقادهم أنها تستحق ~~العبادة. وإن أرادوا بالاتحاد في المشيئة فإما أن يعنوا بذلك أن إرادتهما ~~واحدة أو أن مرادهما واحد والأول باطل لأن إرادة الباري لا تختص بالأجسام، ~~وإن اختصت فهي مع جميع الأجسام على سواء، فلا يكون للمسيح مزية في ذلك، ~~وكذلك إرادة المسيح مع الباري تعالى ومع سائر الأحياء على سواء، فليس بأن ~~يوجب له أولى من غيره، ولأنه لو جاز أن يتحدا في المشيئة لجاز أن يتحدا في ~~العلم وغير ذلك من الصفات، ولأن الإرادة إما أن توجب صفة واحدة فلا يصح ~~اختصاصه بموصوفين فيبطل الاتحاد أو توجب صفتين وهو محال وإلا وجب أن توجب ~~ما لا يتناهى من الصفات لفقد الحاضر والثاني باطل؛ لأن الباري تعالى قد ~~يريد ما لا يريده المسيح ولا يخطر له على بال، وكذلك يريد المسيح ما لا ~~يريده الله من المباحات والمكروهات والصغائر، ولأنه كان يلزم إذا أردنا ما ~~أراده الباري تعالى أن يكون قد اتحد بنا وبالجملة، فكل حيين يصح أن يختلفا ~~في الإرادة. PageV01P257 ### |||| AUTO فصل في شبهة النصارى # تعلقوا من جهة العقل بظهور المعجز عليه من الإبراء والإحياء ونحو ذلك، ~~قالوا: ومثل هذه الأشياء لا يفعله إلا الإله. # والجواب: أنه ما من نبي إلا قد ظهر عليه من المعجزات ما لا يفعله إلا ~~الله تعالى، أو يكون في الحكم كأنه من فعله، ونحن نسلم أن الفاعل للأحياء ~~والأبراء إله، وهو الله تعالى فعله به معجزة /170/ لعيسى، فلا تبقى شبهة ~~تقتضي كون المسيح إلها وأما كونه من غير أب فآدم عليه السلام كذلك، وكثير ~~من الحيوانات يوجده الله لا على جهة التناسل وبعضها شيء من غير أب. # ومن جهة السمع، تعلقوا بقوله تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه}. # والجواب: أن العرب تسمي الرسول كلمة ولسانا ms212 يقال هذا لسان فلان وكلمته أي ~~المبلغ عنه، وقيل: معناه ألقا إليها قوله كن فكان. # وبعد فالكلام عرض محدث بعدم في الوقت الثاني وأما قوله تعالى: {وروح ~~منه}، فالروح عندنا هو النفس، وهو أجسام رقيقة بإرادة وهو من فعل الله تعالى. # يوضحه قوله تعالى: {ونفخنا فيه من روحنا}، ونحوها، والنفخ إنما يكون في ~~الأجسام، ووكذلك يوصف الروح بأنه يقبض ويرسل، وذلك يدل على أنه جسم ويجوز ~~ان يكون الله تعالى سماه روحا لأنه هدى به إلى الحق، وقد سمى الهداية روحا ~~في قوله: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} أي هداية، ويجوز ~~أن يريد بالروح هنا الوحي كما قال تعالى: {يلقي الروح من أمره على من ~~يشاء}، ويجوز أن يريد بالروح الرسول كما قال تعالى: {نزله روح القدس}، ~~وتعلقوا بجزازيف(1) يسندوها إلى الكتب المنزلة. PageV01P258 # قالوا: قال عيسى في الإنجيل: أنا وأبي واحد، ومن رآني فقد رأى أبي. وقال: ~~إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقال: أنا وأبي واحد، فمن أطاعني فقد أطاعه. # والجواب: إن في هذه الألفاظ من الركة والسماحة ما يشهد بكونها كذبا ~~وافتراء على الله، ولنا في إبطالها طريقان: أحدهما أن أهل الكتب قد بدلوا ~~وغيروا كما حكى الله عنهم، وبطل التواتر في نقلهم، والثانية: أن هذه ~~الألفاظ عربية وكتبهم أعجمية وهم فسروها على فاسد أصولهم، ولسنا نقبل ~~تفسيرهم؛ لأنهم عندنا غير مصدقين، ومن الجائز أن يكون هناك قرائن تشعر ~~بالمراد، وأن هذا كغيره من المتشابه وكتابنا العزيز مشحون بإبطال مذهب ~~النصارى. PageV01P259 ### || AUTO الكلام في العدل # العدل في اللغة: مصدر عدل، ويستعمل في الفاعل مبالغة إذا أكثر من فعل ~~العدل، فيقال: رجل عدل، كما يقال صوم ورضى، ومنه أنه عمل غير صالح. # وفي اصطلاح الفقهاء: من كان ظاهره السلامة في فعل الطاعات واجتناب ~~المقبحات. # وفي اصطلاح المتكلمين فقد يراد به الفعل، وقد يراد به الفاعل، وقد يراد ~~به هذا العلم المخصوص الذي باين به أهل الحق من سواهم، فإذا أريد به الفعل ~~فهو عند قاضي القضاة /171/ كل ms213 فعل حسن يفعله الفاعل لينفع به الغير أو ~~ليضره وهذا بناء على أصله في أن ابتداء خلق العالم عدل، وأن العدل لا يكون ~~مقصورا على الحقوق وهو منتقض بترك الظلم، فإنه عدل، وليس بفعل، وعند ~~الجمهور هو إنصاف الغير بفعل ما يجب له أو يستحق عليه، وبترك ما لا يستحق ~~عليه مع القدرة واحترزوا بقولهم مع القدرة من الضعيف إذا ترك ظلم السلطان، ~~فإن ذلك لا يسمى عدلا، وأرادوا بقولهم مع القدرة أي مع الاختيار، وكون ~~القادر غير ملجأ إلى الترك، ولم يريدوا بقولهم مع القدرة أي مع كونه قادرا؛ ~~لأن من ليس بقادر قد خرج عن الحد بذكرا لترك؛ لأن من لا يقدر على الشيء لا ~~يسمى تاركا له، وإن استعمل في الفاعل فهو الذي لا يفعل القبيح، ولا يخل ~~بالواجب مع العلم والاختيار. PageV01P260 # قلنا: مع العلم والاختيار احترازا من غير المكلفين والساهي والنائم، فإنهم ~~وإن لم يفعلوا القبيح ولا أخلوا بالواجب إذ لا واجب عليهم، فليسوا عدولا، ~~لفقد العلم، وكذلك الممنوع من فعل القبيح، والإخلال بالواجب لا يكون عدلا ~~لفقد الاختيار، وهذا أحسن من قولهم في الحد وأفعاله كلها حسنة؛ لأن ذلك ~~يبطل فائدة قولهم لا يفعل القبيح، وهي أم المسائل. # فصل # مر في هذه الجملة ذكرا لفعل والواجب والحسن والقبيح فاقتضى ذلك بيان ~~معاني هذه الألفاظ فالفعل هو ما وجد من جهة من كان قادرا عليه، وقلنا كان ~~لأن حال وجوده يخرج عن تعلقه بالقادر، بل في الأفعال ما يجوز وجوده حال عجز ~~فاعله أو موته كالمسببات المتراجية، وتنقسم إلى قبيح وحسن، ولا قبيح ولا ~~حسن، فالذي ليس بقبيح ولا حسن هو ما ليس له صفة زائدة على كونه فعلا ~~كانخفاض الرمل عند السير وانتثار التراب عند الجلد ونحو ذلك من الأفعال ~~اليسيرة. # والقبيح: هو ما إذا فعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه لا في ~~حالة عارضة. قلنا على بعض الوجوه ليدخل الصغائر والقبائح الواقعة من الساهي ~~والنائم عند غير أبي هاشم، فإنه يشترط في ms214 القبيح القصد ولتدخل القبائح ~~الواقعة من الصبيان وسائر من لا عقل له عند غير أبي الحسين فإنه يشترط في ~~القبيح العلم أو التمكن منه، وكذلك القبائح الواقعة من الملجأ والمكره عند ~~من يقول بقبحها، فإن كل هذه قبائح، ولا يستحق الذم عليها إلا على بعض ~~الوجوه، وقلنا إلا في حالة عارضة احترازا من تناول الميتة وشرب الخمر عند ~~الاضطرار المفرط، فإنه واجب، ومع ذلك فإنه يستحق الذم عليه على بعض الوجوه ~~إلا أن الخمر حالة وجوده حالة عارضة، وأصله القبح لدخوله في حقيقة القبيح ~~ولا يخرج من الحد ما استحق الذم عليه على كل الوجوه؛ لأنه قد استحق على بعض ~~الوجوه وزيادة. PageV01P261 # /172/ والحسن: هو ما إذا فعله المتمكن من العلم بصفته لم يستحق الذم بوجه. ~~قلنا: المتمكن مع العلم بصفة لتخرج أفعال غير المكلفين وأفعال الساهي ~~والنائم، فإنها لا توصف بالحسن وإن وصفت بالقبح والفرق أن القبيح يقبح ~~لوقوعه على وجه، فمتى وقع عليه قبح من أي فاعل كان والحسن إنما يحسن لحصول ~~غرض فيه وتعريه عن سائر وجوه القبح، هذا ما يقوله الجمهور، فأما الشيخان ~~فعندهما أن الحسن أيضا إنما يحسن لوقوعه على وجه من كونه جلب نفع أو دفع ~~ضرر، إما للنفس أو للغير. واعترضه الجمهور بأنه يلزم حسن الكذب الذي فيه ~~جلب نفع أو دفع ضرر. # ويمكن الجواب بأنهما يشترطان تعرية عن وجوه القبح كما يشترطان في قبح ~~القبيح صدوره عن قصد. # فصل # وينقسم الحسن إلى واجب ومندوب أو ما في حكمه، ومكروه ومباح. # فالواجب في اللغة: هو التساقط، ومنه فإذا وجبت جنوبها وهو الثالث أيضا. # وفي الاصطلاح: هو ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم على بعض ~~الوجوه، ويدخل في ذلك ما يكون استحقاق الذم على الإخلال به عارضا. # قلنا: على بعض الوجوه لتدخل الواجبات المخيرة وفرض الكفاية، والواجب ~~الموسع والمضيق الذي تركه صغيرة، فإنه إنما يستحق الذم على الإخلال بهذه ~~على بعض الوجوه، ولا ينتقض بما يستحق الذم بالإخلال به على كل الوجوه لعدم ms215 ~~التنافي. قلنا: ويدخل في ذلك ما يستحق الذم على الإخلال به في حالة عارضة ~~أردنا به بعض المخطورات والمباحات، فإنه يجب عند الاضطرار ويستحق الذم ~~بتركه، إلا أن هذه الحالة عارضة وهو غير واجب في ما عداها، وإن كان قد ~~استحق الذم على الإخلال به على بعض الوجوه لما كان وجوبه عارضا والأصل ~~خلافه، وينقسم إلى عقلي كقضاء الدين ودفع الضرر عن النفس ونحو ذلك، وشرعي ~~كالصلاة والنية ونحو ذلك. # وينقسم إلى: مخير، وهو الواجب الذي يقوم مخالفه في الصورة مقامه كرد ~~الوديعة بالنفس وبالغلام وكالكفارات الثلاث. PageV01P262 # ومعين، وهو ما لا يقوم مخالفه في الصورة مقامه كمعرفة الله تعالى وكالصلاة. # وينقسم إلى: موسع، وهو: ما يجوز تأخيره عن أول أوقات وجوبه، كقضاء الدين ~~قبل المطالبة والصلاة في أول الوقت. # ومضيق، وهو الذي لا يجوز تأخيره كقضاء الدين بعد المطالبة والصلاة في آخر الوقت. # والمندوب، هو ما كلفنا فعله ولم نذم على تركه بحال. وقلنا: بحال احترازا ~~من الواجب المخير، وفروض الكفايات وسائر ما احترزنا منه في حقيقة الواجب، ~~فإنا كلفنا فعله ولم نذم بتركه في بعض الأحوال لكنا نذم في بعضها بخلاف ~~المندوب، فإنا لا نذم بتركه أصلا /173/ وأما ذم الفقهاء لتارك النوافل ~~أجمع، فليس بذم على الحقيقة وإنما هو استنقاص له من حيث يستدل على استهانته ~~بالخير وقصور همته. # والذي في حكم المندوب هو التفضل الصادر من جهة الله تعالى، فإنه لا يوصف ~~بشيء من هذه الأوصاف مع أنه حسن. # والمكروه ما كلفنا تركه ولم نذم على فعله بحال. وقلنا: احترازا من ~~الصغائر وسائر ما تقدم ذكره في حقيقة القبيح، فإنا كلفنا تركه ولم نذم على ~~فعله في بعض الأحوال لكنا نذم في بعضها بخلاف المكروه، فإنا لا نذم عليه أصلا. # والمباح: هو ما لم نكلف بفعله ولا بتركه مع حسنه، وقلنا: مع حسنه احترازا ~~من الفعل اليسير فإنه ليس بحسن. PageV01P263 ### ||| AUTO فصل في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح القبيح وحسن الحسن # اعلم أولا أن العلم بالقبح فرع ms216 على العلم بوجه القبح جملة أو تفصيلا فلا ~~يعلم وجه قبح الظلم مثلا إلا من علم كونه ظلما؛ لأنه هو الوجه في قبحه ~~وسواء علم التفصيل وهو أن كونه ظلما هو الوجه في القبح أو لم يعلم أنه ~~الوجه لكنه قد علمه. # إذا ثبت هذا فقد عرفت انقسام الأفعال إلى عقلي وشرعي، فأما العقليات فتجب ~~لوجوه يقع عليها من نحو كونها قضاء دين أو رد وديعة أو شكر منعم أو دفع ضرر ~~ويقبح لوجوه يقع عليها من نحو كونها ظلما وعبثا وجلب ضرر ومفسدة ونحو ذلك، ~~وتحسن لحصول غرض فيها وتعريها عن سائر وجوه القبح بحسب الخلاف المتقدم. # وأما الشرعيات فيحسن عند غير أبي علي لكونها مصالح وإلطافا في العقليات ~~العمليات احترازا من نحو المعرفة، فما كان لطفا في واجب فهو واجب كالفرائض ~~وما كان لطفا في مندوب فهو مندوب كالنوافل بحسب خلاف في النوافل سيأتي في ~~باب التكليف ويقبح عند غير أبي علي لكونها مفاسد في العقليات العمليات. ~~وقال أبو علي: يجب لمنعها من القبيح، ويقبح لمنعها من الواجب. PageV01P264 # واعلم أن معنى كون هذه المحسنات والمقبحات شرعية أنا علمنا حسنها وقبحها ~~بالشرع، وليس المراد أن الشرع جعلها حسنة أو قبيحة، فإن ذلك عندنا غير واقف ~~على اختيار مختار لولا هذا لما حسن التكليف. ومن هنا قال أصحابنا إن العلم ~~بأصول المحسنات والمقبحات ضروري أرادوا بذلك أنا نعلم بالضرورة قبح كل ~~مفسدة في الدين وحسن كل مصلحة فيه في الدين على الجملة، فإذا كان في ~~الأفعال ما هو مصلحة وفيها ما هو مفسدة ولم تقف عقولنا على العلم بذلك وقد ~~علمنا بدليل العقل أن الله لا يأمر إلا بالمصلحة ولا ينهى إلا عن المفسدة، ~~فمتى عرفنا ذلك بالشرع ألحقناه بالجملة المقررة ولم يكن من جهة /174/ الشرع ~~إلا التعريف فقط كما نعلم بالضرورة وجوب دفع الضرر عن النفس، فمتى عرفنا ~~الطبيب أن في بعض المأكولات ضررا وجب علينا اجتنابه، ولم يكن منه إلا ~~التعريف، وبمثل هذا نجيب على البراهمة حيث قالوا: ms217 إن جاء الأنبياء بما ~~يوافق العقل ففي العقل عنهم غنية وإن جاءوا بما يخالفه وجب رده، فقلنا: جاء ~~الأنبياء بتعريف المصالح والمفاسد التي لم يفق العقل على معرفتها، وقد تقرر ~~في العقل حسن المصالح وقبح المفاسد وهذا واضح كما ترى، ولا نلتفت إلى ما ~~يشنع به أهل الزيع من قولهم أن المعتزلة تزعم أنه يعرف بالعقل وجوب الصلاة ~~فإن المعتزلة إنما قالوا يعلم بالعقل حسن حسن كل مصلحة وقبح كل مفسدة، فإما ~~أن الصلاة مصلحة والخمر مفسدة فلا يعلم بالعقل. # فصل # وذهب البغداديون من شيوخنا إلى أن القبيح يقبح لعينه، وقال ابن الأحشد: ~~يقبح القبيح للإرادة. وقالت الأشعرية: إنما يحسن الفعل ويجب للأمر، ويقبح ~~للنهي. وقالت الجهمية: لكوننا مملوكين مربوبين. وقالت الفلاسفة وبعض أهل ~~الجبر: لا قبيح ولا حسن إلا من جهة الاستخلاء والنفرة. PageV01P265 # لنا أن العلم بالوجوب وبالقبيح بدور مع العلم بالوجوه التي تقع عليها ~~الأفعال العقلية ثبوتا وانتفاء مع زوال ما هو أولى من ذلك، وكذلك العلم ~~بالحسن يدور مع العلم بحصول الغرض وزوال وجوه القبح، وسيتضح عن قريب ويبطل ~~قول البغداديين أنا وجدنا كثيرا من الأفعال يقبح في حالة دون حالة ولو قبح ~~لعينه لقبح في كل حال؛ لأنه عين واحدة كالسجدة تحسن إذا كانت لله وتقبح إذا ~~كانت للشيطان، وكذلك الخبر بأن زيدا في الدار يحسن إذا كان فيها ويقبح إذا ~~لم يكن فيها، وهو خبر واحد. # شبهتهم: أن الجهل لا يقع غير جهل. # والجواب: لا نسلمه بل يجوز أن يقع غير جهل، فإنه لو اعتقد أن زيدا في ~~الدار وليس فهيا كان جهلا ولو اعتقد هذا الاعتقاد بعينه وهو فيها مع سكون ~~النفس لكان علما، وكذلك لو بقي الاعتقاد حتى نشاهده فيها فإنه يصير علما. # ومن هنا قال أصحابنا أن العلم من جنس الجهل. وبعد فلو سلمنا أن الجهل لا ~~يصير غير جهل لما سلمنا في سائر القبائح، ويبطل قول ابن الأخشيد أنه يعلم ~~القبيح من لا يعلم الإرادة بل من لا يثبتها. وبعد فالإرادة ms218 مما يقبح ويحسن، ~~فكان يجب أن يحتاج إلى أداة، وبعد فما ذكره دور لأن الإرادة إنما تقبح لقبح ~~المراد، فكيف يقبح المراد لقبح الإرادة. # شبهته: إن الكذب إنما يكون كذبا بإرادة الإخبار عن الشيء لا على ما هو به. PageV01P266 # والجواب: أنا لا نسلمه بل يكون الخبر كذبا إذا لم يطابق سواء أراد أم لا، ~~بل يكون كاذبا وإن اعتقد المطابقة /175/ وأراد الإخبار عنها، وبعد فلو ~~سلمنا ذلك في الكذب لما سلمناه في غير الكذب من القبائح. ويبطل قول أهل ~~الاستحلاء ما نعلمه من قبح الظلم والكذب والعبث وإن استحلته النفوس ووجوب ~~رد الوديعة وقضاء الدين ودفع الضرر بالقصد ونحوه، وإن نفرت عنه النفوس وما ~~نعلمه من حسن تحمل المشاق في الأسفار مع النفرة، ويبطل قول أهل الجبر أنه ~~يعلم هذا الوجوب والقبح من لا يعلم أنا مأمورون ومنهيون أو مملوكون مربوبون ~~كالملحدة والبراهمة والجاهلية والعلم بالقبح فرع على العلم بوجه القبح جملة ~~أو تفصيلا، وبعد فلو قبح فعل منا لأنا مملوكون مربوبون لوجب أن لا يحسن منا ~~فعل قط لاستمرار علة القبح، وبعد فيلزم أن لا يجب علينا معرفة النبوة بل لا ~~يمكن لأنه إنما يجب علينا معرفتها إذا علمنا أنا مأمورون منهيون ومملوكون ~~مربوبون، ونحن لا نعلم أنا مأمورون إلا بعد العلم بالنبوة وهو محض الدور ~~وإذا لم يمكن العلم بالنبوة لم يمكن العلم بوجوب واجب قط، وبعد فكان يلزم ~~لو أمرنا الله بالظلم والكذب وسب نفسه وقتل من أحسن إلينا أن يحب ذلك ولو ~~نهى عن عبادته وعن العدل والصدق وحسن الأخلاق أن يقبح وفي التزام هذا من ~~الشناعة ما لا يخفى، وبعد فيلزم أن لا يوصف فعل الله بحسن ولا قبح لفقد ~~الأمر والنهي، وبعد فيلزم في من أرتد أن ينتفي عنه العلم بقبح الظلم والكذب ~~ووجوب قضاء الدين ورد الوديعة كما انتفى عنه العلم بقبح شرب الخمر ووجوب ~~الصلاة، وبعد فلو أثر أمره تعالى ونهيه في القبح لأثر أمرنا ونهينا لأن صيغ ~~الأمر والنهي تتماثل، فإن ms219 قالوا: الفرق أن الخالق يحب طاعته، قيل لهم: ~~بالعقل علمتم وجوب طاعة الخالق فقد أبطلتم مذهبكم في أن العقل لا يقضي ~~بوجوب أم بالأمر فيعود الإلزام لأنكم إنما توزعتم في الفرق بين أمره وبين ~~أمر عباده فما لم يجعلوا الفرق عقليا PageV01P267 فالإلزام باق ولا يتقلب علينا هذا؛ لأنا نجعل أمره تعالى دليلا على الوجوب ~~لا مؤثرا فيه، وصح ذلك في أمره دن أمرنا؛ لأنه تعالى حكيم لا يأمر إلا ~~بحسن، فلذلك لم يدل أمرنا على الوجوب ولا نهينا على القبح، وأما نهي صاحب ~~الدار عن دخولها فهو إنما يكشف عن عدم الرضى والدخول مع عدم الرضى ظلم، ~~فلذلك قبح الدخول لا لأجل النهي. # شبهتهم أنه يقبح من الله تعالى فعل الظن ولا يقبح منا. # والجواب: لم تكن العلة في قبحه منه تعالى هي أنه ظن حتى يقبح منا لذلك بل ~~قبح منه لأنه يكون عبثا لا فائدة فيه من حيث لا حكم للظن أي لا يقتضي حسن ~~فعل ولا وجوبه إلا إذا صدر عن إمارة ينظر فيها فاعل الظن والنظر /176/ في ~~الإمارة يستحيل عليه تعالى. # شبهةقالوا: أليس يحسن منه تعالى تكليف من المعلوم من حاله أنه لا يؤمن ~~ويقبح من أ؛دنا طلب هذا التكليف إذا علم من نفسه أنه لا يؤمن. # والجواب: أول ما في هذا أنهما أمران متغائران، فالذي حسن منه تعالى هو ~~التكليف والذي قبح من أحدنا هو طلبه والتكليف غير طلبه، وبعد فإنما قبح من ~~أحدنا هذا الطلب لأنه يستجلب به الضرر على نفسه. # شبهة: قالوا: الإماتة بالإحراق والغرق وإهلاك الأموال يحسن منه تعالى ~~ويقبح من المخلوقين. # والجواب: أنه يحسن منه تعالى لعلة مفقودة فينا، وهو علمه بأن فيه مصلحة ~~واعتبارا مع كونه تعالى يضمن في مقابلته من الأعواض ما لو خير المؤلم ~~لاختاره، وبهذين الوجهين يخرج عن كونه ظلما وعبثا بخلاف ما إذا صدر من احدنا. # فصل PageV01P268 عندنا أنه يعلم بالعقل وجوب كثير من الواجبات كقضاء الدين ورد الوديعة ~~ونحوه وقبح كثير من المقبحات وحسن كثير ms220 من المحسنات، وقال أهل الجبر: لا ~~نعلم شيئا من ذلك إلا بالشرع وبنوا ذلك على ما أصله الفلاسفة من أن هذه ~~القضايا تسمى المشهورات أي لا عمدة لها إلا الشهرة التي لا تفيد إلا الظن ~~الضعيف، فإنا إنما نحكم بها لأحد الأسباب الخمسة المتقدم ذكرها، وأن ~~الإنسان لو خلى وعقله المجرد لما قضى بها، ونحن قد أبطلنا هذه القاعدة في ~~صدر الكتاب وأوضحنا أنه لا فرق بينها وبين البديهيات في كونها ضرورية، ~~وبينا ما أراده الفلاسفة بذلك من هدم قواعد الدين، ويختص هذا المكان أن ~~يقال لهم هل يحكمون بوجوب معرفة الله تعالى وقبح الجهل به وقبح إضافة صفات ~~النقص إليه. # فإن قالوا: لا يقضى بشيء من ذلك طوينا عنهم الكلام واكتفينا بذلك في ~~معرفة عنادهم ولزمهم تصويب أهل الشرك والجحود وأن لا يحكموا بشيء من أنواع الكفر. # وإن قالوا: يقضى بوجوب معرفة الله تعالى وقبح الجهل به وغير ذلك من أنواع الكفر. # قيل لهم: أبالعقل عرفتم وجوب معرفة الله تعالى وقبح الجهل به فهو الذي ~~نقول، أم بالشرع علمتم ذلك، فأي شرع ثبت لكم قبل معرفته حتى استدللتم به ~~على وجوبها، وبعد فهب أن الشرع متقدم على معرفة الله لكن إذا قال النبي لكم ~~إن معرفة الله تعالى واجبة فاعرفوه، فماذا تعلمون وجوب امتثال أمر النبي ~~أبالعقل فهو المطلوب أم بالشرع فأي شرع ثبت قبل الأنبياء. # فصل # عند الجمهور أن الله تعالى قادر على ما(1) فعله لكان قبيحا ويصح أن يقع ~~منه لولا العدل والحكمة. # وقال أبو الهذيل وأبو الحسين: يقدر عليه ويستحيل منه لفقد الداعي. وقال ~~النظام والجاحظ والأسواري: لا يوصف بالقدرة عليه. وقالت المجبرة /176/: لا ~~يقدر عليه منفردا بل يوجده والعبد يكتسبه. PageV01P269 # قلنا: إنه ما من فعل إلا وكما صح أن يقع على الوجه فيحسن يصح أن يقع على ~~وجه فيقبح، فإذا قدر القادر على إيقاعه على أحدهما قدر على إيقاعه على ~~الآخر ولا تأثير لاختلاف وجوه الأفعال في قدرة القادر، بيان هذا أنه كما ~~تقدر أن ms221 يقول زيد في الدار وهو فيها تقدر أن تقول ذلك القول بعينه وهو ليس ~~فيها، والأول صدق والثاني كذب، وكما يقدر أن يظهر المعجز والمدعي صادق بقدر ~~أن يظهر، وهو كاذب إذ لا تأثير لكذب المدعي ولا لصدقه في قدرة القادر، وكما ~~تقدر أن تقول العالم ليس بقديم تقدر أن تقوله بحذف ليس وكما تقدر أن تعاقب ~~مع الاستحقاق تقدر مع عدمه. # واعترضه أبو الحسين بأن قال: أليس لا تتعلق قدرة القادر باختصاص الفعل ~~بوقت معين ومع ذلك فإذا انقضى الوقت خرج الفعل عن تعلقه بالقادر فكذلك لا ~~تتعلق قدرة القادر بالقبح، ومع ذلك إذا اختص الفعل بوجه دون وجه خرج عن ~~تعلقه بالقادر. # ويمكن الجواب بأن الوجه الذي لأجله خرج الفعل عن تعلقه بالقادر إذا انقضى ~~وقته غير حاصل في الفعل إذا اختلف وجهه وإذا لم يكن جامع بين الموضعين بطلت ~~المقايسة. على أنا إنما أوجبنا اختصاص الفعل بوقته في حق القادر بقدره، ~~ونحن فرضنا المسألة في القادر لذاته، وهو تعالى كما يصح أن يوقع الفعل في ~~وقته يصح أن يوقعه في غيره لا سيما المبتدأ النافي، فكذلك إذا صح أن يوقعه ~~على وجه صح أن يوقعه على غيره. # فإن قال: قد قام دليل على اختصاص الفعل بوجه دون وجه وهو استحالة الفعل ~~دون داع. # قيل له: إن عدم الداعي إنما يدل على استمرار عدم الوقوع لا على استحالة ~~الوقوع كما أن ثبوت الداعي إنما يدل على استمرار الوقوع لا على وجوبه. # دليل قد تمدح تعالى بأنه لا يظلم الناس شيئا، ومعنى ذلك أنه لا يفعل ~~الظلم ولا يتم التمدح بترك الفعل إلا بأن يكون قادرا عليه، والأصح منه ~~التمدح بأنه لا يجمع بين الضدين. PageV01P270 # قالوا: تمدحه تعالى بنفي القدرة على الظلم، قلنا: إذا يكون تمدحا راجعا إلى ~~ذاته فيكون إثبات القدرة على الظلم نقصا فيلزم أن تكون الملائكة والأنبياء ~~على صفة نقص لقدرتهم على القبيح، ويلزم أيضا أن يكون نفي القدرة على الجمع ~~بين الضدين مدحا، وهذا الدليل ms222 كما يستدل به الشيوخ يستدل به أبو الحسين ~~أيضا، لأنه وإن نفى الصحة فلأمر يرجع إلى فقد الدواعي لا إلى فقد القدرة، ~~ألا ترى أن أحدنا كلما قويت صوارفه عن القبيح وبعد عنه لنزاهته وفرط حكمته ~~كان مدحه أكمل، فكذلك الباري /178/ إذا استحال عليه دواعي القبيح من الجهل ~~والحاجة كان مدحه أكمل. والأقرب والله تعالى أعلم أن الخلاف بين الجمهور ~~وبين أبي الحسين إنما هو في عبارة، لأن أبا الحسين يقول باستحالة الوقوع من ~~حيث الدواعي لا من حيث القدرة وسائر الشيوخ لا بد أن يقولوا باستحالة ~~الوقوع من حيث العدل والحكمة لا من حيث القدرة، إذ لو جوزوا الوقوع مع ~~العدل لم يبق دليل على أن الله تعالى لا يفعله، وإذا كان كذلك فالاستدلال ~~بالعدل والحكمة موافق للاستدلال بفقد الدواعي؛ لأن معنى كونه عدلا حكيما ~~أنه عالم بقبح القبائح، وغني عن فعلها، ومعنى فقد الدواعي إلى القبيح هو ~~فقد الجهل به والحاجة إليه؛ لأنهما اللذان يدعوان إليه، ولا فرق بين قولنا ~~أن الله ليس بجاهل ولا محتاج وبين قولنا أنه عالم غني قادر لا فرق بين كلام ~~أبي الحسني وبني كلام الجمهور، ويمكن أن ترجح عبارة أبي الحسين بأن يقال ~~للجمهور أتقولون أنه يصح منه فعل القبيح مع علمه بقبحه وغناه عنه أم تقولون ~~لا يصح. إن قلتم يصح بطل استدلالكم على أن كل عالم بقبح القبيح وغني عنه لا ~~يفعله وإن قلتم لا يصح فهو مطلوب أبي الحسين. PageV01P271 # ولهم أن يجيبوا فيقولوا: لو يصح أن يوقعه من حيث القدرة فإما من حيث الحكمة ~~فلا، وله أن يقول: لست أنازع في صحة وقوعه من حيث القدرة لكن من حيث ~~الدواعي التي يسمون فقدها حكمة، فمتى قلتم باستحالته من حيث الحكمة فقد حصل ~~المطلوب وصار الحال في استحالته من جهة الحكمة التي هي فقد دواعي القبيح ~~كاستحالته من دون آلة إذا كان مما يحتاج إليها. وأما ما يقوله المتأخرون من ~~أصحابنا أن أبا الحسين قد ناقض حيث قال: يصح ويستحيل ms223 فهو غير سديد؛ لأنه ~~إنما يكون مناقضا إذا قال بالاستحالة والصحة من وجه واحد، فأما مع اختلاف ~~الوجه فلا مناقضة بل لا بد من الرجوع إلى ما قاله. # شبهة النظام والأسواري: أنه تعالى لو قدر على القبيح لوجب أن يوقعه. # والجواب: من أين يلزم أن من قدر على شيء وجب أن يوقعه أليس أحدنا يقدر ~~على السعي في السوق ولا يفعله والله يقدر على إقامة القيمة الآن ولا يفعله. # قالوا: اتصافه بالقدرة على القبيح نقص. قلنا: بل مدح؛ لأن من ترك القبيح ~~مع القدرة خير ممن ترك القبيح مع عدم القدرة، ولهذا يصح التمدح على أنه ~~معارض بالأنبياء والملائكة. # قالوا: القول بأنه قادر على القبيح مع القول بامتناعه لأجل العدل أو فقد ~~الداعي متناقض. # قلنا: هو كالقول بالقدرة /179/ على الفعل الذي يحتاج إلى الآلة مع القول ~~بتعذره عند عدمها. # قالوا: فقوله: أنه قادر على المستحيل لو لم يكن مستحيلا كما قلتم تقدر ~~على القبيح وإن استحال أن لا يكون عدلا حكيما. # قلنا: أتلزموننا المعنى فصحيح إذ لا بد من القول بأن المستحيل لو لم يكن ~~مستحيلا لكان الله قادرا عليه أو تلزموننا التسمية فغير صحيح كيف يقول هو ~~قادر على شيء لم تثبت القدرة عليه بخلاف القبيح، فإن القدرة عليه ثابتة ~~وامتناعه هو لأجل الحكمة وفقد الداعي. PageV01P272 # قالوا: لو قدر على القبيح لصح أن يوقعه لأن هذا حكم القادر، ولو صح أن ~~يوقعه وقدرنا وقوعه لكان إما أن يدل على الجهل والحاجة وهو محال في حق ~~العالم الغني لذاته وإما أن لا يدل وهو محال لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهدا ~~وغائبا. # قلنا: يصح أن يوقعه من جهة القدرة بمعنى أنه لو كان غير حكيم أو كان له ~~داع إليه لوقع منه ويستحيل وقوعه من جهة الحكمة عندنا، ومن جهة فقد الداعي ~~عند أبي الحسين وقولهم لو قدرنا وقوعه لكان إما أن يدل أو لا يدل فهو غير ~~صحيح؛ لأنا قد منعنا في مسألة نفي الثاني من صحة تقدير وقوعه ms224 ومنعناه أيضا ~~على مقتضى عبارة أبي الحسين؛ لأن ما يستحيل لا يصح تقديره. وأما الجمهور ~~فالتزموا صحة تقديره وامتنعوا من الجواب بلا أو بنعم وعلله الشيخ أبو علي ~~بكلام حاصله أن كل كلامين تعلق الثاني بالأول على تقدير وجود الأول لا ~~يخلوا إما أن يكون أحدهما هو الآخر كقوله: إن كان زيد فاعل للظلم فهو ظالم ~~أو يكون أحدهما موجبا للآخر كقولك إن كان في قلب زيد علم فهو عالم وإن كان ~~عالما ففي قلبه علم، أو يكون أحدهما مصححا للآخر نحو: إن كان الجوهر متحيزا ~~احتمل العرض وإن كان زيد عالما كان حيا، وإما أن لا يكون أحدهما هو الآخر ~~ولا موجبا له ولا مصححا إن كان من القسم الأول وجب على المسئول أن يجيب بلا ~~أو بنعم، وإن كان من القسم الثاني صح الامتناع من الجواب بأحد الأمرين إذا ~~دل الدليل على فسادهما كمسألتنا هذه، فإنا إذا قدرنا وقوع الظلم منه تعالى ~~ففاسد أن يدل على الجهل والحاجة؛ لأنه عالم لذاته غني لذاته وفاسد أن لا ~~يدل لأنه يعود بالبعض على دلالته في الشاهد، فكان لنا أن نمتنع لأن الظلم ~~ليس هو الجهل والحاجة، ولا يصححهما ولا يصححانه في حق الباري ولا يوجبهما ~~ولا يوجبانه من حيث أن المصحح للظلم في حق الباري هو كونه قادرا فقط. PageV01P273 # واعترضه أبو الحسين بما معناه أن الخصم لم يلزمكم العبارة حتى تمتنعوا من ~~إطلاقها وتستدلوا على فسادها وإنما ألزمكم المعنى وهو أنا إذا قدرنا وقوع ~~الظلم من الباري /180/ فهل كان ذلك الظلم يولد العلم بالجهل والحاجة أم لا، ~~وليس يخرج النظر عن كونه مولدا لهذا العلم أو لا يكون. # والأقرب والله أعلم أن يفصل الكلام فيقال إن كان السائل يقدر الوقوع ~~مطلقا بأن يقول لو وقع الظلم من فاعل ما، هل كان يدل على الجهل والحاجة أو ~~لا يدل، فإنه لا يصح الامتناع هنا من الجواب بأحد الأمرين لما ذكره أبو ~~الحسين. PageV01P274 # وإن قيد السائل كلامه بما يحيل كلا الوصفين عند ms225 ذلك التقدير صح الامتناع من ~~الجواب بأحدهما لفظا ومعنى، وعاد على ذلك التقدير والقيد بالنقض كأن يقول: ~~لو وقع الظلم من حكيم هل كان يدل على الجهل والحاجة أم لا، فيكون لنا أن ~~نقول لا يدل ولا لا يدل لأن قولك في السؤال حكيم يحيل الجهل والحاجة؛ لأن ~~معهما لا يكون حكيما وأنت فرضته في السؤال حكما، وقولك وقوع الظلم يمنع ~~قولنا لا يدل؛ لأن كل ظلم يدل على جهل فاعله وحاجته فصار الحال في هذا ~~كالحال في قول القائل لو قدرنا اجتماع الضدين في المحل هل كانا يتنافيان أم ~~لا، فإنا نقول لهذا السائل: لا يصح القول بأنهما يتنافيان؛ لأنه يعود على ~~تقدير اجتماعهما في المحل بالنقض وأنت فرضتهما مجتمعين، ولا يصح القول ~~بأنهما لا يتنافيان؛ لأنه يعود على كونهما ضدين بالنقض، وأنت فرضتهما ضدين، ~~فكل سؤال هذا حاله فإنه يعود على التقدير والقيد بالنقض وإذا زال التقدير ~~والقيد زال الإشكال من أصله. وهذا أقصى ما يمكن ذكره في هذه المسألة، وإن ~~كان بعض شيوخنا قد ذكر أن قووع الظلم من جهته تعالى لا يدل على الجهل ~~والحاجة قال: لأن شر دلالته على ذلك أن يصح الجهل والحاجة على فاعله ويلزمه ~~أن لا يجد دليلا على أن الله لا يفعل القيبح. ومتى قال إنه حكيم وصوارفه ~~متوفرة. قيل له: إذا كانت الحكمة والصوارف تصرف عن القبيح لا محالة كان ~~وقوعه دليلا على زوال تلك الصوارف، فيلزم دلالته على الجهل عن القبيح لا ~~محالة كان وقوعه دليلا على زوال تلك الصوراف، فيلزم دلالته على الجهل ~~والحاجة. # شبهة: قال النظام والأسواري: العلم في الأصل دلالة على الجهل والحاجة كما ~~أن الخبر الصدق بالجهل والحاجة دليل على ذلك، فإذا قدر تعالى على الظلم وجب ~~أن يقدر على خبر صدق بأنه جاهل محتاج. PageV01P275 # والجواب منع الحاجة، والفرق بأن معنى كون الخبر صدقا هو أن مخبره على ما هو ~~به، فالقائل بأن الله تعالى يقدر على خبر صدق /181/ بأنه جاهل يحتاج قاتل، ~~فإنه يقدر ms226 على أن يجعل ذاته جاهلة محتاجة، وذلك مستحيل، فكذلك ما في معناه ~~وليس معنى وقوع الظلم هو أنه جاهل محتاج حتى تكون القدرة على أحدهما قدرة ~~على الآخر. # فإن قيل: فإذا كان الظلم في الأصل دليلا على الجهل والحاجة فالقول بأنه ~~قادر عليه قول بأنه يقدر على أن يدلنا على جهله وحاجته. # قلنا: نرجع في جواز هذا الكلام إلى التفصيل المتقدم فنقول: إن إردتم أن ~~الظلم دليل على الجهل والحاجة عند زوال حكمة فاعله وصوارفه عنه فهو مجاب ~~إليه، فالله قادر على ما لو زالت حكمته وصوارفه عنه لدل على جهله وحاجته، ~~وذلك مستحيل وإن أردتم أن الظلم يدل على ثبوت الحكمة والصوارف فغير لازم أن ~~يدل كما تقدم لأنه يصير المعنى أنه قادر على ما لو قدر وقوعه على الوجه ~~المستحيل لكان دليلا غير دليل. وأما شبهة المجبرة في القول بأنه لا يقدر ~~عليه متفردا فهي مبنية على فاسد أصولهم من أن القبيح إنما يقبح للنهي وسلف ~~إبطاله. PageV01P276 ### ||| AUTO فصل في بيان ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى أنه لا يفعل ~~ما يقدر عليه # منها قولنا:سبوح قدوس، فإن من فائدته تنزيهه تعالى عن فعل القبيح الذي ~~يقدر عليه. ومنها قولنا: ظاهر معناه لا يفعل ما يقدر عليه من القبيح، ولا ~~خلاف أنه مجاز في حقه تعالى؛ لأنه في الأصل من طهارة البدن، ثم استعمل في ~~المتنزه عن فعل القبيح، ولا يشبهه قولنا نضيف ونقي؛ لأنهما من صفات المحال. ~~ومنها قولنا: تارك معناه في اللغة الذي لا يفعل الفعل مع القدرة عليه. ~~ومنها قولنا: غافر، وغفور وغفار، كلها تفيد أنه لا يفعل العقاب، ومثله ~~قولنا مكفر لأنه يفيد ترك العقوبة لأجل الثواب ويقتضيه قولنا محيط أي لا ~~يفعل الثواب لأجل المعصية المحيطة له. ومنها قولنا: حليم، معناه لا يعاجل ~~بالعقوبة، وأما قولنا صبور، فلا يصح إجراؤه عليه؛ لأنه يفيد احتمال المكاره ~~وإجازة بعضهم بمعنى حليم، وليس يصح لأن استعماله في الحليم مجاز، فإن ورد ~~به سمع أقر حيث ورد ms227 وإلا منع رأسا. وأظهر من ذلك قولنا وقور ورزين؛ لأنهما ~~يفيدان ملازمته لمكانه ومعارفته طريقه القلق مع مشقة في ذلك وداع إلى خلافه. PageV01P277 ### ||| AUTO القول في أن الله تعالى عدل حكيم # ذهب أهل الحق إلى أنه تعالى عدل حكيم، ولم يسمع عن أحد من أهل الجبر هذا ~~القول ولا ذكرت هذه المسألة في شيء من كتبهم الكلامية، وإن كانوا لو سئلوا ~~عن ذلك /182/ لما وسعهم إنكاره. # نعم قد وافقوا في المنع من إطلاق القول بأنه تعالى ظالم جائر وفاعل ~~للقبيح، وأثبتوا المعنى وأفاقوا إليه كل قبيح وجعلوا يحتالون للمنع من ~~إطلاق العبارة بما لا محصول له ولا طائل فيه. # لنا أنا نعلم بالضرورة في الشاهد أن من كان عالما بقبح القبيح وغنيا عن ~~فعله وعالما باستغنائه عنه فإنه لا يفعله ولا علة لكونه لا يفعله، وهذه ~~ثلاثة أصول. # أما أنه لا علة لكونه لا يفعله إلا اجتماع هذه الأوصاف، فلأن العلم بذلك ~~يدور مع العلم باجتماعها ثبوتا وانتفاء، ولو كان المؤثر غيرها لجاز أن يفعل ~~أحدنا القبيح مع اجتماعها، وأن يستمر الحال في أن لا يفعله مع زوالها أو ~~بعضها، وخلافه معلوم، ألا ترى أن الظلمة لا يغصبون الأموال إلا لاعتقادهم ~~أنهم يحتاجون إليها أو لجهلهم بكون ذلك ظلما إما بأن يعتقدون أن المغصوب ~~عليه يستحق أن يغصب عليه أو بأنهم يدفعون بذلك ضررا عن الرعية ويدخرونه لما ~~ينوب الجميع. # يزيده وضوحا: أن العاقل لو خير فيما أتيح له الإخبار عنه بين أن يصدق ~~ويأخذ درهما وبين أن يكذب ويأخذ درهما مثله، فإنه يختار الصدق لا محالة. PageV01P278 # فإن قيل: إنما يختار الكذب لأنه يستحق الذم عليه والعقوبة. # قلنا: نفرض الكلام في كافر دني لا يعلم استحقاق العقاب ولا يتضرر بالذم، ~~فثبت أنه لا علة لكونه لا يفعله إلا اجتماع هذه الأوصاف وهي وإن كانت ~~أوصافا كثيرة فجائز أن تتركب العلة من مجموع أوصاف إذا كانت كاشفة كما أن ~~علة قبح الظلم هو كونه ضررا عاريا عن جلب نفع أو دفع ms228 ضرر إلى آخرها. يوضحه: ~~أن الخصم يعلل وجود الفعل بقدرة العبد وإرادته وقدرة الله وإرادته. # واعلم أن مثال الصدق والكذب إنما يستقيم في القبائح التي تكون في المقدور ~~من الحسن ما سد مسدها، فأما ما ليس كذلك فيكفي فيه اجتماع هذه الأوصاف، ~~وذلك كان يعلم الله أن المكلف لا يلتطف إلا ببعثه كاذب أو فاسق، وكإثابة من ~~لا يستحق الثواب، وإما أن هذه الأوصاف قد اجتمعت في حق الباري تعالى على ~~أبلغ الوجوه فتقدم في مسألة عالم غني، أنه يستحيل عليه الجهل والحاجة، وأما ~~أنه يجب أن لا يفعل القبح فلأن طرق الأدلة لا تختلف شاهدا وغائبا. PageV01P279 # فإن قيل: كما أن احدنا لا يفعل القبيح لاجتماع هذه الأوصاف فهو لا يفعل ~~الحسن إلا لجلب نفع أو دفع ضرر، وهو مستحيل في حقه تعالى، وإذا لم يصح ~~الجمع بين /183/ الشاهد والغائب في الوجه الذي لأجله يفعل الحسن لم يصح ~~الجمع بينهما في الوجه الذي لأجله يترك القبيح. # قلنا: دل الدليل على اتفاق الغائب والشاهد في الوجه الذي لأجله يترك ~~القبيح فيجب اشتراكهما في ترك القبيح ولم يشتركا في الوجه الثاني لأجله فعل ~~الحسن وهو الجلب والدفع، وبعد فأحدنا كما يفعل الحسن لجلب نفع أو دفع ضرر ~~فقد يفعله لحسنه ولكونه إحسانا لولا هذا لم يكن لأحد على أحد نعمة لأنه ~~يكون قد قصد بما فعله نفع نفسه أو الدفع عنها، بل قد يذم إذا لم يقصد ذلك، ~~فيقال: فعله رياء وسمعه أو لنفع نفسه، وبعد، فكل عاقل يستحسن بكمال عقله ~~إنقاذ الغريق وإرشاد الضال والإحسان إلى الغير بالصدقة ونحوها، واعترضه ~~المجبرة بما تقدم من أصل الفلاسفة في المشهورات، وهو أن هذا الاستحسان لم ~~يكن للعقل بل لسبب خارج من رقة طباع أو تأديب شرعي أو محبة التسالم أو نحو ذلك. # وأجاب أصحابنا بأنا نفرض الكلام في رجل خاسي القلب لا يعرف الله ولا ~~الدار الآخرة، ولا شيئا من الشرعيات، فإنه يستحسن بكمال عقله ذلك. واعرضه ~~الرازي بأنه وإن عري عن هذه ms229 الأسباب فهو يتخيل حصولها، وذلك لأن الضلال ~~والغرض يلازمان رقة الطبع غالبا، وكذلك الصدقة وحسن الأخلاق يلازم التأديب ~~الشرعي. # وبالجملة فكل شيء مما يقضي به العقل عندكم يلازم سببا مما ذكرناه في ~~الغالب، فإذا رأى أحدنا رجلا يتردى أو يغرق ظن أن رقة الطبع حاصلة فحينئذ ~~يستحسن الإرشاد والإنقاذ، وصار الحال فيه كالحال في الحبل المبرقش المشبه ~~للحية فإن الإنسان لما رأى الضرر يلازم البرقشة في الحية والحنش وتوهم أن ~~الحبل المبرقش حية نفر طبعه وإن لم يكن هناك ضرر. PageV01P280 # ويمكن الجواب بأن يقال أول ما في هذا أنا قلنا أن العاقل المتعري عن ~~الأسباب التي ذكرتم يعلم بكمال عقله حسن هذه الأشياء وقبح غيرها، وأنت قلت ~~بظن ذلك وبين العلم الضروري والظن فرقان. وبعد فهذا العاقل يستحسن الإنقاذ ~~والإرشاد، وإن لم يكن هناك عرق وضلال، وكلامك مبني على أنه لا يظن حصول رقة ~~الطبع إلا عند ووقع الضلال والغرق كما أنه لا يظن الضرر إلا عند رؤية الحبل ~~المبرقش. وبعد فرقة الطبع أمر موجود من النفس فمتى حصل علم حصوله ومتى فقد ~~علم فقده ولا يصح أن يظن حصوله كما لا يصح أن يقول القائل أظن أبي اشتهى ~~وهو لا يشتهي، فكذلك لا يقول أظن أني أرحم /184/ وهو لا يرحم، وبعد فإنما ~~يكون ذلك ملازما لرقة الطبع غالبا في حق من يكون أغلب أحواله الرحمة ورقة ~~الطبع ونحن فرضنا الكلام في رجل خاسي القلب الدهر كله فكيف يظن حصول ما لا ~~يعتاده أو يعقل عليه الأمر في حقه. وبعد فقياسه على الحبل المبرقش يفسد ما ~~قاله؛ لأن العاقل إذا رآه فإنما يظن الأذية والضرر في وقت يسير حتى يراه ~~رؤية معقولة، فإذا علم أنه حبل زال الخوف والنفرة وإن كانت البرقشة باقية، ~~فكان يلزم أن لا يستحسن العاقل الإنقاذ والإرشاد إلا في وقت يسير ثم يزول، ~~ومعلوم أن هذا الاستحسان لا يزول. ### |||| AUTO فصل فيما يلزم المجبرة في هذه المسألة # يقال لهم: أليس يجو ان يفعل الله ما هو ms230 قبيح في الشاهد ولا يقبح فلا بد ~~من قولهم بلا أو فيقال فليجز أن يخبر عن الشيء لا على ما هو به، ولا يقبح ~~منه وقد التزمه العطوي. PageV01P281 # قال: لأنه ليس بأعظم من غيره من القبائح، وقالت النجارية: الكذب قبيح، ~~والله تعالى غير موصوف بالقدرة على ما يقبح، ولأنه يدل على الجهل والحاجة ~~ويبطل الأول ما تقدم من أنه قادر على القبحيح وأيضا فكل كذب في العالم إنما ~~يكون متولدا عن الاعتماد، وعندهم أن المتولدات ينفرد الله بها. ويبطل ~~الثاني أن الكذب كغيره من القبائح، فإما أن يجوزوا الجميع أو يمنعوا ~~الجميع. وقالت الأشعرية: إنما لم يجز الكذب عليه، لأنه صادق لذاته، حتى لو ~~كان الكلام فعلا له لما قبح منه. # ويمكن أن يقال لهم: إن الخصم ألزمكم على مذهبكم أن لا يكون صادقا، فدلو ~~أولا على أنه صادق حتى يمكنكم القول بأنه صادق لذاته، وبعد فاتفقنا نحن ~~وأنتم على أن الكلام الذي سمعناه من محمد عليه السلام فعل ويزعمون أنه ~~حكاية أو عبارة فما يؤمنكم أن هذا الذي سمعناه كذب وأن كلام الله القائم ~~بذاته خبرا عن كون المؤمنين في النار والكفار في الجنة عكس ما سمعناه من ~~محمد، وبعد فعندكم أنه آمر لذاته ومع ذلك يجوز أن يأمر ببعض الأشياء وينهى ~~عن بعض، فهلا جاز أن يكون صادقا لذاته، ومع ذلك يكون صادقا في بعض الأشياء ~~دون بعض. وبعد فعندكم أن كلام الله تعالى معنى قائم بذاته يوجب كونه متكلما ~~ومعلوم أن الخبر نوع الكلام النفسي ومع كونه ثاتبا لمعنى يمتنع أن يكون ~~ثابتا للذات. # يوضحه: أن قولنا صادق مشتق من الصدق، فيجب كون الصدق معنى كما هو أصلهم ~~في إثبات المعاني، وإذا كان كذلك وكان الخبر بكون زيد في الدار معنى قديم ~~صح ثبوت ذلك المعنى وزيد ليس في الدار كما يثبت، وزيد فيها إذ لا تأثير ~~لدخول زيد الدار وخروجه في تغيير المعنى القديم /185/، وبعد فما أنكرتم أن ~~ذلك المعنى القديم كذب وليس بصدق. # فإن قالوا: ms231 إنه تعالى عالم بكل شيء، فلا يجوز أن يخالف كلامه علمه. PageV01P282 # قلنا: ولم لا يجوز وقد جاز ذلك في الشاهد، أليس أحدنا يقول في نفسي كلام هو ~~أن زيدا في الدار وهو يعلم أنه ليس فيها. وبعد فكثير منكم يذهب إلى حسن ~~الكذب الذي فيه نفع ومصلحة كالحلف في الوعيد، فهلا كان المعنى القائم بذاته ~~كذبا حسنا لنفع فيه وصلاح لا تعلمونه أو ليكون كذبا من وجه دون وجه كما أنه ~~أمر من وجه ونهي من وجه. # وعلى الجملة فنحن نلزمهم الكذب في الكلام الذي عبارة عن المعنى النفسي، ~~فلا نثبت دلالته على المعنى النفسي. إلزام يقال لهم: إذا صح أن يفعل الظلم ~~صح أن يأمر به وكل وجه يذكرونه في المنع من الأمر به قائم في المنع من ~~فعله، ولا يقال أليس أمر الله تعالى بالصلاة ولا يفعلها لأنا نقول هذا عكس ~~ما ألزمناهم؛ لأنا ألزمناهم صحة أن يأمر بما يفعله لا صحة أن يفعل ما أمر به. # إلزام يقال: إذا صح ان يفعل القبائح ولا يقبح فهلا جاز أن ينصب الأدلة ~~على الباطل ويكون الحق عكس ما تقتضيه الأدلة، فلا تحصل الثقة بأن ما عليه ~~المسلمون حق وليس تجويزه بأعظم من تجويز أن يضل عن الدين ويخلق اعتقاد ~~الباطل والحيل والجهل بالأدلة وتكذيب الأنبياء ونحو ذلك مما يجوزونه ولا ~~يقبح منه. # إلزام يقال: إذا جاز أن يخلق الضلال والباطل والكفر والكذب، فهلا جاز أن ~~يبعث رسولا يدعو إلى ذلك ولا يقبح منه، فليس بعثه من يدعو إلى الضلال بأعظم ~~من خلق الضلال، ومتى جاز ذلك فكيف يمكن القطع بأن الأنبياء دعوا إلى الحق. # إلزام يقال: إذا كان لا يقبح منه قبيح فهلا جاز ان يظهر المعجز على ~~الكذابين ولا يظهره على الصادق فلا يوثق بصدق نبي ولا كذب متنب وقولهم إن ~~المعجز موضوع للتصديق كلام فارغ؛ لأنه إنما يثبت ذلك إذا ثبت أن المدعي ~~صادق وأن الله حكيم، والسائل ألزمهم كذب جميع الأنبياء وإن ظهر عليهم ~~المعجز. # تنبيه: ms232 وكما يلزمهم جميع هذه الإلزمات فإنه يلزمهم أن لا يحتالوا ~~للانفصال عنها، وأن لا يستنكروا إلزامها ويتكلفوا الجواب عنها؛ لأنه لا ~~يتصور فيها قبح عندهم لو صدرت منه تعالى. PageV01P283 ### ||| AUTO القول في خلق الأفعال # ذهب أهل العدل إلى أن أفعال العباد منهم، وقال أهل الجبر: هي من الله ~~تعالى، واختلفوا فقال جهم: هم لها كالظروف وإضافتها إليهم كإضافة ألوانهم ~~وكإضافة حركة الشجرة إليها، وسوى في ذلك بين المباشر والمتعدي. # وقال ضرار هي من الله حدوثا ومن العبد /186/ اكتسابا ولم يفرق بين ~~المباشر والمتعدي، وبه قال الأشعري في المباشر، فأما المتعدي فالله مستفرد ~~به عنده. وقال المدعون للتحقيق منهم: الفعل يقع بقدرة العبد، ولكنها موجبة، ~~ففاعلها هو فاعل الفعل؛ لأن فاعل السبب هو فاعل المسبب. # والأقرب أن هذه الأقوال تعود إلى قول جهم في التحقيق لأن أهل الكسب لا بد ~~أن جعلوا العباد كالظروف لها في الحدوث، وأما الكسب فهو إما أن لا يكون ~~فعلا فذكره هنا باطلة وهذيان؛ لأن كلامنا في الأفعال، وإما أن يكون فعلا ~~فهو إما أن يتفرد الله به وهو مذهب جهم، وإما أن يحتاج إلى كسب آخر فيعود ~~السؤال، وكذلك المثبتون للقدرة الموجبة لا بد أن يجعلوا العباد كالظروف ~~لأفعالهم؛ لأنه لا اختيار لهم في السبب ولا في المسبب، ويصير الحال فيه ~~كالحال في الشجرة التي يوجد الله فيها اعتمادا يوجب الحركة، فإن ذلك لا ~~يخرج الشجرة عن كونها كالظرف للحركة الموجبة عن الاعتماد، فظهر لك أن ~~المجبرة كلهم جهمية في التحقيق. # فصل # وقد اختلف أصحابنا في تفضل الكلام عليهم، فقال أبو الحسين: العلم بأنا ~~محدثون لأفعالنا ضروري لا مجال للشك فيه؛ لأن العقلاء يعلمون بعقولهم حسن ~~الأمر بها والنهي عنها والترغيب والترهيب والمدح والذم، ويعللون ذلك بكونه ~~فعله، وكل ذلك فرع على أنهم محدثون لها، ومحال أن يعلم الفرع ضرورة والأصل ~~استدلالا. PageV01P284 # يوضحهه أنهم يطلبون الفاعل طلب المضطر إلى أنه فعل ويعجبون الناس من كونه ~~فعل، قال: بل هذا العلم حاصل للصبيان المراهقين، قال: والمجبرة ms233 يعلمون ذلك، ~~ولكن جحده علمائهم ميلا إلى الهوى وتعصبا للأسلاف وطلبا للرئاسة وتقربا إلى ~~السلطان، وليست شبههم أكثر ولا أدق من شبه السوفسطائية، فلم يدل ذلك إلى ~~أنهم غير جاحدين للضرورة. على أنه يمكن صرف خلاف الجميع إلى أنهم علموا ولم ~~يعلموا أنهم علموا، فإنه لا يمتنع أن يطري شبهة في العلم بالعلم لا في ~~العلم نفسه. يزيده وضوحا أنك إذا حكيت مذهبهم هذا لعوامهم الذين لا يعرفون ~~كيفية أقوالهم لأنكروه ولنزهوهم عن هذه المقالة، بل نجد علماءهم معتزلة في ~~المعاملات فلا يذمون إلا من ظلمهم ولا يحمدون إلا من أحسن إليهم حتى لو ~~رميت أحد منهم بحجر فشجه لذمك ولم يذم، ولم يذم الحجر ولوثب إليك وثبة مضطر ~~إلى أنك الذي /187/ جرحته، ولو أخذت عليه دانقا لما سهل فيه ولخصك من بين ~~الناس بطلبه. # وبالجملة فلو جمعت أهل الجبر في صعيد واحد ثم رأوا رجلا يقتل آخر أو يأخذ ~~ماله واستشهدهم بعض الحكام لشهدوا أنه قاتله، ولما خالجتهم شبهة في ذلك ولو ~~كان الحق ما ذهبوا إليه لكانت شهادتهم بذلك زائرة. وأما ما قاله الرازي في ~~كتبه من أنه شديد التعجب من أبي الحسين حيث جميع بين هذا القول وهو غلو في ~~الاعتزال وبين قوله إن الفعل موقوف على الداعي، وهو غلو في الجبر. # فيمكن الجواب عليه بأن الفعل وإن كان لا يقع إلا لداع فليس الداعي موجبا ~~للفعل فلا يلزمه الجبر. PageV01P285 # ثم يقال له: هل يقدر أبو الحسين على أن يقول، وتقدر أنت على أن تتعجب، فإن ~~قال: نعم نقدر على ذلك فقد ترك مذهبه، وهو بأن يتعجب من نفسه أولى. وقيل ~~له: فهل تقدر على أن تترك قوله وتقدر على أن تترك تعجبك أم لا، فإن قال: ~~نعم، أبطل مذهبه، وإن قال بالثاني، قيل له: فأي لوم عليه في قوله وأي فضل ~~لك في تعجبك، وهل هذا إلا بمنزلة من يذم غيره على أنه يشتهي الحامض ويمدح ~~نفسه على أنه يشته الحلو، ويذم الحجر لأنها تهوي ويمدح ms234 الدخان لأنه يتصاعد، ~~وإن قال: لا يقدر أبو الحسين على أن يقول ولا أقدر على أن أتعجب، قيل له: ~~فأنت أبدا تحكي الأكاذيب فتقول قال أبو الحسين وتعجبت وأنت تعلم أن أبا ~~الحسين لم يقل وإنما الذي قال هو الله الذي فعل القول في أبي الحسين كما ~~فعله في الشجرة التي تؤدي منها موسى ومن بلغ معه الإلزام إلى هذا الحد، فهو ~~حقيق بأن يرق له ويرحم. # فصل # وقد استدل سائر الشيوخ بوجوه من الأدلة، منها: أن أفعالنا توجد بحسب ~~قصودنا ودواعينا، وتنتفي بحسب كراهتنا وصوارفنا مع سلامة الحال تحقيقا أو ~~تقديرا، فلولا أنها من فعلنا لما وجب فيها ذلك، وهذان أصلان، أما الأول ~~فدليله أن أحدنا متى اعتقد أو ظن أن له في الفعل جلب نفع أو دفع ضرر وهو ~~قارد عليه غير ممنوع منه فإنه يقع منه لا محالة حتى انه لو لم يقع علمنا ~~أنه غير قادر، وبهذه الطريقة علمنا أن العرب عجزوا عن معارضة القرآن، وكذلك ~~إذا توفرت صوارفه بأن يعتقد أو يظن أن في الفعل جلب ضرر أو فوت نفع وهو ~~قادر عليه وغير ملجأ إلى فعله فإنه لا يفعله وهذا معلوم ضرورة. PageV01P286 # ويزيد سلامة الحال زوال الموانع وخلوص الداعي من /188/ صارف يساويه أو يزيد ~~عليه وخلوص الصارف من داع يساويه أو يزيد عليه. ويزيده بالتحقيق فعل العالم ~~المميز لفعله، ويزيد بالتقدير فعل الساهي والنائم، فإنه وإن لم يكن لهما ~~داع محقق فهو مقدر بمعنى أنهما لو كانا في حال اليقظة أوالتنبه لما وجد ~~الفعل ولا انتفى إلا بحسب دواعيهما وصوارفهما المحققة، هذا عند الجمهور، ~~وأما أبو الحسين، فعنده أن داوعيهما وصوارفهما وقصودهما محققة. # قال: لأن الداعي قد يكون ظنا واعتقادا وهما صحيحان على النائم والساهي، ~~وأبطله الجمهور بأن الداعي أيضا فعل فإما أن يحتاج إلى داع آخر من فعل ~~أحدنا فيتسلسل أو ينتهي إلى داع ضروري وهو ليس يصح؛ لأن الله تعالى لا يفعل ~~الظن في أحدنا، وكذلك الاعتقاد لو فعله في النائم لكان ms235 علما ضروريا ومعلوم ~~خلافه، وأما القصد فلا يشبهه في أن من حقه أن يكون من فعل فاعل ولا يصح من ~~الساهي والنام فعل القصد لاحتياجه إلى العلم، وأما فعل الملجأ فإنه يوجده ~~بحسب قصده وداعية لكن وافق ذلك قصد الملجي وداعيه وكذلك سير الدابة وافق ~~قصدها فيه قصد الراكب بدليل أنه لو رام الإقدام بها على السبع أو الحيد ~~لأبت ذلك، وأما نعيم أهل الجنة فلم يوجد بحسب قصودهم ودواعيهم، ولهذا لو ~~دعا أحدهم الداعي إلى أن يبلغ درجة الأنبياء لما حصل له ذلك، وأما اللون ~~الحاصل عند ضرب بدن الحي فإنما هو لون الدم انزعج بالضرب فلا جزم كان ~~انزعاجه فعل الضارب، وقد ذهب البغداديون إلى أنه متولد عن الضرب، ويبطله ~~أنه كان يلزم أن يولد الضرب في الجماد؛ لأن المحل محتمل وهو تولد لا يشرط ~~فلا يتغلب علينا في توليده الألم، وكان يلزم أن يتولد من أول ضربة وأن ~~يتولد في ظاهر البشرة، ومثله الكلام عليهم في بياض القبيطات واللون الحاصل ~~عند خلط الزاج بالعفص والحرارة الحاصلة عند حك أحد الراحتين بالأخرى. PageV01P287 # وأما الأصل الثاني وهو أنها لو لم تكن من فعلنا لما وجبت فيها هذه القضية ~~فدليله أنها لو كانت من فعل الله لجرت مجرى الصور والأولوان والأمراض وحركة ~~المرتعش ونحو ذلك مما علمنا أن العلة في تعذره أنه لا يقف على أحوالنا بل ~~يوجد، وإن كرهناه ويعتقد وإن أردناه وكذلك أفعال غيرنا لما لم تكن من فعلنا ~~لم تقف على أحوالنا. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يوجد الله أفعالكم عند قصودكم /188/ ودواعيكم ~~بمجرى العادة. قلنا: كل شيء طريقه العادة يجوز اختلافه، فكنا نجوز وقوعها ~~وانتفاؤها ولا صارف بأن تختلف العادة كما في الصحة والسقم وغيرها، وبعد فلو ~~كان كلك لكنا نجد أنفسنا مدفوعة إليها وخلافه معلوم، وبعد فلو جوزنا أن ~~يكون من فعل غيرنا وإن وجدت بحسب أحوالنا لجوزنا أن تكون من فعل غير الله ~~وإن وجدت بحسب أحواله. # فإن قالوا: الساهي والنائم لا داع لهما ms236 ولا قصد، فيجب أن لا تكون ~~أفعالهما منهما. # قلنا: أما أبو الحسين فلا يتوجه إليه هذا، وأما الجمهور فلهما عندهم داع ~~مقدر وقصد، ولا يمتنع قيام التقدير مقام التحقيق في هذه الصور، ألا ترى أنه ~~لا يمكن تقدير وقوف أفعال غيره على أحواله، وبعد فما ذكره عكس وهو غير واجب ~~في الأدلة اتفاقا، فأكثر ما فيه أن هذه الطريقة لا يتنا ولهما، فنحن نستدل ~~بغيرها فنقول: فعلهما يقف على قدرهما فيقل بقلتها ويكثر بكثرتها، وعلى ~~الأسباب الصادرة منما، ولهذا فإن النائمين يتجاذبان الثوب، فيستبد به ~~أكثرهما قدرا. # طريقة أخرى في هذه المسألة قد ثبت أن العقلاء يستحسنون ويعلمون حسن الأمر ~~والنهي بهذه الأفعال، ويعلقون بها المدح والذم ويعلمون بكمال عقولهم قبح ~~تعليق ذلك بالصور والألوان والطول والقصر ونحوها، فلولا أنها من فعلنا لما ~~تعلق بها شيء ولما وقع فصل بينها وبين الصور. # واعترضوه بأن قالوا: ألستم تحمدون الله على الإيمان وهو من فعلكم. PageV01P288 # والجواب: أنا نحمده تعالى على مقدمات الإيمان من الأقدار والتمكين والتوفيق ~~وهو تعالى يحمدنا على فعله كما صرح به في قوله: {فأولئك كان سعيهم مشكورا}، ~~وقوله: {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه}، وصار الحال في حمدنا له تعالى على ~~الإيمان كالحال في الوالد إذا اجتهد في تخريج ولده وحسن تأديبه حتى يبدو ~~صلاحه، فإنه يقال: هذا من أبيه والمراد أنه تقدم من أبيه من العناية ~~والرعاية ما كان سببا في ذلك. # ومثل هذا يقع الكلام في ذم من وضع غيره في النار محرق ونحو ذلك، فإن الذم ~~لا يقع على الإماتة بل على سببها. # طريقة أخرى، سمعية: وإنما استدللنا بالسمع هنا وإن كان العلم بصحته يقف ~~على العلم بهذه المسألة استظهارا على الخصوم وإلزاما لهم لموافقتهم في أنه ~~دلالة، ولأنهم تمسكوا بالمتشابه فتمسكنا بالمحكم ولأنهم كانوا يزعمون /190/ ~~أنه لا دليل لنا في السمع فأريناهم أن لنا في السمعيات أكثر مما لهم، ولا ~~أحسب آية من كتاب الله تكاد تخلو عن الأدلة على صحة مذهبنا في هذه المسألة ms237 ~~من أمر أو نهي أو مدح أو ذم أو وعد أو وعيد أو خبر يتضمن إضافة فعل إلى ~~فاعل ونحن نذكر من تفصيل ذلك ما سنح من الآيات. فمنها: قوله تعالى: {ما ترى ~~في خلق الرحمن من تفاوت}، ونحوها مما يقتضي نفي الاضطراب والاختلاف من جهة ~~الحكمة؛ لأنه إما أن ينتفي أن التفاوت من جهة الخلقة وهو باطل لحصوله أو من ~~جهة الحكمة وهو المطلوب. ومنها: قوله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء}، فإنه ~~ليس المراد بالإتقان الإحكام؛ لأن في أفعاله ما ليس بمحكم بقي أن يكون ~~المراد من جهة الحسن والحكمة. ومنها قوله: {الذي أحسن كل شيء خلقه} ونحوها ~~مما يقتضي حسن خلقه، فإما أن يريد أن كله إحسان وهو باطل اتفاقا لأن العقاب ~~ليس بإحسان، وكذلك خلق الكافر على أصولهم ليس بإحسان أو أن كله حسن وهو ~~المطلوب. PageV01P289 # قال القاضي: معنى {أحسن كل شيء} في اللغة كمعنى أحسن في كل شيء، وقولهم: ~~مراده بقوله: أحسن، أي علم باطل لأنه لم يرد أحسن في اللغة بمعنى علم، وإن ~~ورد مضارعها كما في وذر ودع فرد مضارعها دون ماضيها. على أنا قد قدمنا أنه ~~لا يجوز إجراؤه على الله لإيهامه الخطأ. ومنها: قوله: {وما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهما باطلا} ونحوها مما يقتضي نفي العبث، وعلى أصلهم أن كل ~~باطل يقع في العالم فهو خلقه. ومنها: قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر} ونحوها مما يقتضي أنا مختارون في أفعالنا. ومنها قوله: {وتخلقون ~~إفكا}، ونحوها مما يدل على أنهم المقدرون لأفعالهم. ومنها قوله: {بما ~~تعملون} {بما تصنعون} {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون}، {لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم}، {يوم تجد كل نفس ما عملت}، {وقدمنا إلى ما عملوا}، {ومن يعمل ~~سوءا يجز به} ونحو ذلك مما يصرح بأن لنا أعمالا نجازى عليها، والقرآن مشحون ~~بذلك، ومذهبهم يقتضي صرف أكثر القرآن عن ظواهره ويدخله في قالب الهذيان؛ ~~لأنه يكون التقدير بما يعمل فيكم بما يصنع فيكم. ومنها ما يرد فيه لام ~~العرض ms238 نحو: {ولقد صرفنا في هذا القرآن} {ليذكروا} و{لعلهم يذكرون} {لعلكم ~~تعقلون}، ونحو ذلك، وتقديره عند الخصم، ولقد صرفنا في هذا القرآن لتخلق ~~فيهم الذكر وأشباه ذلك. ومنها ما يتضمن النهي عن الاستهزاء بآيات الله نحو: ~~{ولا تتخذوا آيات الله هزؤا} {أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ ~~بها} ولا استهزأ أبلغ من القول بأنه لا فائدة فيها ولا قدرة على امتثالها ~~ولا معنى لأوامرها ونواهيها، يقول الله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~/191/ فلا إثم عليه}، ويقول الخصوم لا إثم إلا على ما اضطررنا إليه، ويقول ~~الله: {لا إكراه في الدين} ويقولون: لاختيار فيه، ويقول الله: {قد تبين ~~الرشد من الغي} ويقولون: لا فائدة في التبين لأنه إن خلق فينا الرشد رشدنا ~~وإن خلق فينا الغي غوينا، ويقول الله: {قد PageV01P290 جاءكم الرسول بالحق فآمنوا} ويقولون: لا سبيل للكفار إلى الإيمان وإلى ~~الانتفاع بما جاء به. وعلى كل فلا يكاد تخلو آية من كتاب الله إلا ومذهبهم ~~يقتضي صرفها عن ظاهرها وإبطال معناها. ### |||| AUTO فصل في ذكر بعض ما ألزمهم أصحابنا على القول بأن أفعال ~~العباد من الله # فمن ذلك أنه يلزمهم ارتفاع معرفة الصانع تعالى؛ لأن العلم بمعنى المحدث ~~في الغائب ينبني على العلم بمعناه في الشاهد، ولسنا نعقل من معنى المحدث في ~~الشاهد إلا أن أفعاله توجد بحسب أحواله، وذلك ينبني على أن لنا أفعالا ~~لأنها لو وجدت بحسب أحوالنا وهي من فعل غيرنا لجاز مثله في كل شيء يفرضونه ~~صانعا للعالم، ومن ذلك أنه يلزمهم أن لا يصح معرفة شيء باكتساب قط؛ لأن ~~علومنا إذا كانت من فعل الله تعالى فهي ضرورية، وهذا مع كونه محالا للزوم ~~اشتراك العقلاء فيه، فإنه يلزم الخصوم عليه أن لا يصنفوا الكتب ولا ينصبوا ~~الأدلة، بل كان سبيلهم في كل مسألة أن يقولوا: نحن نعلم ما ذهبنا إليه ~~ضرورة وأن لا يطلبوا من خصومهم الرجوع إلى مذهبهم لأنهم كيف يعلمون ما لم ~~يخلق الله فيهم العلم به. # ومن ذلك يلزمهم ms239 أن لا تكون فائدة في إرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر ~~والنهي؛ لأن الله تعالى إن خلق الكفر والإيمان وجد أو إن لم يخلقهما فلا ~~سبيل إليهما، وكذلك يلزم قبح مجاهدة الكفار؛ لأن لهم أنيقولوا أتجاهدوننا ~~لأجل أن الله خلق فينا الكفر أو لأجل أنه لم يخلق فينا الإيمان وكل ذلك ~~بمنزلة مجاهدتنا على صورنا وألواننا، وكذلك يلزم قبح الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ومجادلة الخصوم، وطلب العلوم ونحو ذلك. PageV01P291 # إلزام يقال لهم: أليس في أفعال العباد ما هو ظلم فلا بد من قولهم بلى ~~فيقال: فيجب أن يسمى الله بفعله لذلك الظلم ظالما كما يسمى بفعله للعدل ~~عادلا وبفعله للرزق رازقا ونحو ذلك؛ لأنه لا فرق عند أهل اللغة في المعنى ~~بين قولهم فاعل للظلم وبين قولهم ظالم بدليل أنه يمتنع إثبات أحدهما ونفي ~~الآخر، قالوا: كيف يتفق معناهما وأحدهما مشتق من ظلم، والثاني مشتق من فعل. ~~قلنا: اختلاف الاشتقاق /192/ لا يدل على اختلاف المعنى كالقعود والجلوس. ~~على أنا نلزمهم المساواة بين قولهم ظلم وقولهم فعل الظلم، فإذا لزمهم ظلم ~~لزمهم ظالم، ونرد عليهم السؤال في العادل. # قالوا: كيف يصح ما قلتم ولفظ الظالم قد أطلق على الشاهد، وهو غير فاعل ~~للظلم عندنا، قلنا: إن أهل اللغة أطلقوا هذا الاسم على الشاهد لما اعتقدوه ~~فاعلا للظلم، وبعد فهب أنهم أخطأوا في الاعتقاد، أليسوا مصيبين بالتسمية، ~~فعلى هذا يصير هذا الاسم حقيقة في الله؛ لأنه فاعل للظلم على الحقيقة كلفظ ~~الإله فإنهم وضعوه على الأصنام، فجعل لله حقيقة لأنه الذي يستحق العبادة، ~~وهذا الاسم موضوع بإزاء استحقاق العبادة، قالوا: الظالم اسم لمن حله الظلم. # قلنا: يلزم مثله في العادل والرازق ويلزم إذا انفرد بفعل الظلم أن لا ~~يكون ظالما، ويلزم أن يكون الظالم هو المظلوم؛ لأنه الذي حله الظلم، ولو ~~سلمنا أن محله الظالم للزم أن توجه أحكام الظلم من ذم وعقاب إلى نفس المحل ~~كاللسان واليد دون الجملة. قالوا: الظالم اسم لمن جعل الظلم ظلما له. PageV01P292 # قلنا: يلزم مثله في ms240 العادل والرازق وأن لا يكون ظلما له لو انفرد ويلزم لو ~~وقف على الاختيار أن يجعله ظلما لزيد دون عمر ومع حصول حقيقة الظلم في ~~الحالين كما يصح أن يجعل الكلام أمرا لزيد دون عمرو مع كونه كلاما في ~~الحالين. وبعد فيعلمه ظالما من لا يعلم أن الظلم جعل ظلما له، وبعد فإن ~~أردتم بقولكم جعل الظلم ظلما له أنه حصله، فذلك عين ما نوزعتم فيه فكيف ~~يدفعون الإلزام بنفس مذهبكم الذي لا يتم إلا بعد اندفاع الإلزام وإن أرتم ~~أنه جعل كسبا له فسيبطل الكسب. # قالوا: الظالم اسم لمن تفرد بالظلم. # قلنا: يلزم مثله في العادل ويلزم أن لا يوجد ظالم قط، ويلزم في الظلم ~~المتولد أن يقتضي كون الله تعالى ظالما؛ لأنه تفرد به، وبعد فلو تفرد الله ~~بالظلم هل كان تزيد حاله على كونه محدثا له، قالوا: الظالم اسم لمن لم يجعل ~~الظلم كسبا لغيره. # قلنا: إن أوردتموه بفتح الياء في يجعل لزم أن يكون كل شيء سوى الله تعالى ~~ظالما؛ لأنه لا شيء يقدر أن يجعل الظلم كسبا لغيره إلا الله، وإن أوردتموه ~~بضم اليا لزم أن لا يوجد ظالم في الدنيا لأنه ما من أحد يجعل هذا الظلم ~~كسبا له إلا وقد جعل ظلم آخر كسبا لغيره، وعلى أي وجه أورتموه فهو احتراز ~~بنفس المذهب الذي وقع الإلزام عليه فكأنكم قلتم اسم الظالم لا يطلق على ~~الله ويلزم أيضا مثله في العادل والرازق على أنا سنبطل كسبكم هذا. # قالوا: أليس قد فعل الحركة ولم يسم متحركا وفعل الولد ولم يسم والدا. # قلنا: قد اشتق له من فعل الحركة اسم وهو المحرك /193/ ومن فعل الولد ~~مولدا، ولكن لا يطلق عليه هذا لإيهامه الخطأ فأما المتحرك فهو اسم لمن حلته ~~الحركة فأوجبت له المتحركية والوالد اسم لمن خلق من مائة آخر من جنسه. PageV01P293 # واعلم أن أصحابنا ألزموهم هذا الإلزام من حيث العبارة، فأما من جهة المعنى ~~والقوم يلتزمونه إلا أنهم يدعون أنهم لا يكونون مظلمين إلا بإطلاق ms241 العبارة ~~وأصحابنا يلزمونهم التظليم باعتقاد المعنى؛ لأنه المعتبر في ذلك بدليل أن ~~معتقدا لو اعتقد أن مع الله ثانيا لم ينجه من التثنية الامتناع من إطلاق ~~العبارة. # يوضحهه أن بعض العجم لو ظن أن لفظ الظالم موضوع للعادل ثم دعا الله به ~~فقال يا ظالم اغفر لي لما كان عليه حرج في إطلاق العبارة لما لم يعتقد ~~معناها، وكذلك لو تواضع أهل إقليم على أن يجعلوا لفظ الظالم اسما للعادل ~~والعكس لصح ذلك؛ لأن العمدة على المعاني دون العبارات. # إلزام يقال لهم ألستم تحبون أن تحمدوا على الإيمان وفعل الطاعات فلا بد ~~من بلى فيقال إن الله تعالى يقول: {ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}. # ويقال: أليس الله خلق الكفر في الكافر وأمره بالإيمان، فكأن الله أمره ~~بتغيير ما خلق وعاقبه لأجل أنه وقع ما خلق ولم لا يغبر خلقه. # ويقال لهم: إذا كان الله نفى عن نفسه الظلم والكذب وعندكم أنه لم يدخل ~~شيء من ذلك في الوجود إلا وهو فاعله فأي شيء نفى عن نفسه أمعقول فكيف كان ~~يكون حاله وهل يريد على ما قد أثبتموه أو غير معقول فأي مدح في نفيه وكيف ~~يخاطب بما لا يعقل، وأي معنى لقوله {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون}، وما معنى قوله: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا يظلم نفس ~~شيئا، ونحو ذلك. # ويقال: أليس بعث الله الرسل إلى الكفار ليتركوا الكفر فلا بد من بلى ~~فيقال فكأنه بعثهم لتغيير خلقه ولتجهيله وليقع خلاف ما أراد. PageV01P294 # ويقال: إذا قال الكفار للرسل أي فائدة في إرسالكم إلينا بأي شيء كان يجيب ~~الرسل. ويقال: أليس العبد متعبدا يطلب المعونة من الله تعالى فلا بد من ~~بلى. فيقال: فإذا كان الإيمان من فعل الله تعالى فما معنى المعونة وكيف ~~يحتاج الله في فعله إلى معين، ويقال: أليس يستحق أحدنا الشكر بالإحسان إلى ~~غيره فلا بد من بلى؛ لأن ذلك ضروري ms242 فيقال: وكيف يشكر على ما لم يفعل ويقال: ~~قد ثبت أن مسيلمة ادعى النبوة وقال له أصحابه صدقت /194/ في أنك نبي أليس ~~كلامهم هذا تصديقا له، فلا بد من بلى فيقال إذا كان هذا التصديق فعل الله ~~فلم لا يقولون بصدقه وقد صدقه الله وما الفرق بينه وبني من يدعي النبوءة ~~فتنطق الأشجار والأحجار بتصديقه بأن يفعل الله فيها ذلك التصديق. # فإن قالوا: إن محمدا عليه السلام قال: (لا نبي بعدي). # قيل لهم: وما أنكرتم أن هذا من جملة الأكاذيب التي يفعلها في العباد ولم ~~كان محمدا بالتصديق أولى من مسيلمة وقد صدقهما الله على سواء. ويقال: إذا ~~كان الله خلق الكفر في الكافر وقدرته وإرادته الموجبتين له ومنعه من ~~الإيمان فأي نعمة له تعالى عليه وقد التزموا ذلك في نعمة الدين وخلافة ~~معلوم ضرورة من الدين. # قالوا: فأما نعمة الدنيا فلله عليه نعم كثيرة ولا تستقيم لهم الفرق؛ لأن ~~الله إذا كان خلقه لنار وأحياه لها وفعل فيه ما يؤدي إليها فهو بمنزلة من ~~يقرب إليه الطعام المسموم، فأي نعمة عليه والحال هذه ويقال: ليس يخلو إما ~~أن يتفرد الله بالفعل فيتوجه المدح والذم إليه أو يتفرد به العبد فيتوجه ~~إليه أو يشتركان فيه فيتوجه إليهما. PageV01P295 # ويقال: إذا ألقي الصائم على قفاه وسكب الماء في حلقه كرها أليس لا يأثم فلا ~~بد من بلى. فيقال: إذا تناول الكوز وشرب منه أليس يأثم، فما الفرق بين ~~الموضعين، وما معنى قوله عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه). ويقال: أليس يصح الإكراه على الفعل وكل فعل فالله تعالى ~~فاعله، فكيف يتصور الإكراه ويقال: أليس يصح الندم على الفعل والتوبة عنه، ~~ولهذا قال تعالى: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} فلا بد من بلى، ~~فيقال: كيف يصح الندم على ما يفعل فيه، وهل يصح أن يقول أحدنا يا ندمي على ~~كوني أسود أو قصير القامة. ويقال: قال تعالى: {فألقوا السلم ما كنا نعلم من ~~سوء} أليسوا صادقين ms243 في ذلك، فلا بد من بلى، فيقال: ما معنى تكذيب الله لهم ~~بقوله: {بلى}، ولا بد من أن يكون هذا التكذيب كذبا على أصلكم، ويقال: وجدنا ~~كتاب الله تعالى مشحونا بذكر شهادة الجوارح على العباد بأنهم فعلوا أفصادقة ~~هي في هذه الشهادة أم كاذبة، ولا بد من أحدهما. ويقال: هل في الشاهد قادر ~~أم لا، إن قالوا لا، قيل: فقد كلف الله تعالى العاجز وليس من مذهبكم. وإن ~~قالوا: نعم، قيل: وما طريقكم إلى ذلك، وقد جعلتم الفعل لغيره، فإن قالوا: ~~وقع باختياره. قلنا: إذا كان الاختيار الموجب مخلوقا فيه كالفعل فأي دلالة ~~لذلك على كونه قادرا، وهل يدل الهوي /195/ على كون الحجر قادرا لوجوده بحسب ~~الثقل المخلوق فيه. PageV01P296 ### |||| AUTO فصل في ذكر بعض ما جرى من المناظرات # اجتمع أبو العتاهية وثمامة عند المأمون فرفع أبو العتايهة يده مناظرا ~~لثمامة قال: من رفع يدي فقال ثمامة من أمه زانية. قال: شتمني يا أمير ~~المؤمنين. قال ثمامة: تركت مذهبك، فانقطع. # اجتمع عدلي ومجبر فقال العدلي: أليس بعث الله موسى وهارون إلى فرعون، ~~وقال: {وقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}، قال: بلى قال: أبعثه ليغير ~~خلق الله أو فعل فرعون إن قلت بالأول فكيف يقدر موسى على التغيير ويقدر ~~فرعون على الإجابة وما معنى قوله: {لعله يتذكر أو يخشى}، وإن قلت بالثاني ~~تركت مذهبك. وقال عدلي لمجبر: أليس الله يقول: {الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا}، فأخبرني هل الوعد أن ~~كلاهما من الله أو أحدهما من الشيطان فانقطع المجبر. # وناظر مجبر عدليا، فقال العدلي: لا أدري ما يقول، غير أن الله يقول: ~~{كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} فلا بد أن يكون الذي أوقدها غير الذي ~~أطفأها. # وقيل لأبي الهذيل من جمع بني الزاني والزانية؟ فقال: أما أهل البصر ~~فيسمونه قوادا وأظن أهل بغداد لا يخالفونهم، فسكت السائل. وقال أبو الهذيل ~~لحفص: هل شيء غير الله وغير ما خلق، فقال: لا، فقال: فعذب الله الكافر على ms244 ~~أنه الله أو على أنه خلق، فقال: لا على واحد منهما، فقال: فعلام؟ قال: على ~~أنه عصى، قال: فكونه عصى قسم ثالث، قال: لا، فأعاد السؤال، فانقطع وكان ~~النظام حاضرا فلقن حفصا حجته فقال: قل لأنه اكتسبها، فقال ذلك فقال: هل ~~الكسب شيء غير الله وغير ما خلق؟ قال: لا، فأعاد السؤال، فانقطع. # وقيل لأبي يعقوب المجبر: من خلق المعاصي؟ قال: الله، قيل: فلم عذب عليها؟ ~~قال: لا أدري. # وروي أنه أتى بعض الولاة بطراز أحول العين وعنده عدلي ومجبر، فقال ~~للمجبر: ما ترى يفعل فيه؟ فقال: يضربه خمسة عشر سوطا، فقال للعدلي: ما ~~تشير؟ فقال: نضربه ثلاثين سوطا، خمسة عشر لكونه طرازا، وخمسة عشر لكونه ~~أحول العين، فقال المجبر: أتضربه على الحول ولا صنع له فيه، قال: نعم، إذا ~~كانا جميعا من فعل الله تعالى فالحول والطر سواء، فانقطع المجبر. PageV01P297 # وقال عدلي لمجبر: هل تملك من مالك وأهلك شيئا؟ قال: لا، فقال كل الذي تملكه ~~قد جعلته في يدي /196/ قال: نعم، قال: أشهدوا أن نساؤه طوالق وأن عبيده ~~أحرار وماله صدقة للمساكين، فتحولت امرأته عنه، وسألت العلماء فأفتوا بوقوع ~~جميع ذلك عنه فصارت قصته أضحوكة. # وقال أبو محمد المزين وكان ظريفا: إذا أعطيت كتابي يوم القيامة قلت: قد ~~عرفت ما فيه، ولكن هل أسأل عن شيء أثبته باختياري أم عن شيء خلق في أن ~~قالوا عن شيء أثبته باختيارك، قلت: يا رب عبدك الضعيف أخطأ وأساء وعلى عفوك ~~وفضلك توكل، فإن عفوت فبرحمتك، وإن عذبت فبعدلك، وإن قالوا: خلق فيك وقضى ~~عليك، قلت: يا معشر الخلائق العدل الذي كنا نسمع به في الدنيا ليس هاهنا ~~منه قليل ولا كثير. # وقال مجبر لعدلي: أرأيت لو كان لي قطعة من الطين هل لي أن أعمل فيها ما ~~أحببت حتى أعمل فيها جرة صحيحة وأخرى معوجة مكسورة، قال: نعم، ولكن بشرط أن ~~لا تقول: لم كانت هذه صحيحة وهذه معوجة؛ لأن ذلك فعلك، ثم قال العدلي: إني ~~أسألك، ما تقول في رجل ms245 غرس في بستانه خوخا فقط، ثم قال لغلامه: اذهب فائتني ~~بكل فاكهة، فجاء الغلام وقال: ليس فيه إلا الخوخ، فقال: اذهب فأحرقه، لم لم ~~يكن فيه سوى الخوخ، أهذا فعل حكيم، فانقطع؟ ### |||| AUTO فصل في إبطال قولهم بالكسب # اعلم أن الكسب والإكساب هو إيقاع الفعل لجلب نفع أو دفع ضرر، ومنه سميت ~~الحرف مكاسب والطيور المحضوضة كواسب، وعلى هذا يحمل ما ورد في القرآن؛ لأنه ~~المعقول من الكسب وأما كسب المجبرة فهو من الأسماء التي لا مسمى لها، ~~والحيالات التي ليس لها حقيقة، وإنما التجؤا إلى القول به عند ضيق الخناق ~~ولزوم الأمور الشنيعة من قبح الأمر والنهي والوعد والوعيد وإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب ونحو ذلك. PageV01P298 # وسبيلنا أن نبين أولا أنه غير معقول في نفسه فضلا عن أن نشتغل بإبطاله ~~فنقول: لم يزل علماء الحق وفرسان الحجاج يطالبونهم بإظهار معنى الكسب، فما ~~حصلوا منه على محصول ونحن نقدم في ذلك طريقة قاطعة فنقول: أخبرونا عن ~~الكسب، أشيء هو أم لا شيء، إن قلتم: لا شيء فهو الذي نريد بأنه غير معقول، ~~وإن قلتم هو شيء؟ قلنا: أقديم هو فما وجه إضافته إلى العبد حتى يمدح ويذم ~~عليه ويثاب ويعاقب، أو محدث، فهل تفرد الله بإحداثه، فما معنى إضافته إلى ~~العبد وأي فرج في ذكره أم تفرد به العبد فقد تركتم مذهبكم، وأثبتم العبد ~~محدثا لفعل أم أحدثه الله واكتسبه العبد، فيعود السؤال، فإما أن يحتاج إلى ~~كسب آخر فتسلسل، وإما أن يقتصر على الفعل ويبقى الكسب من أول وهلة أنهم قد ~~حققوه بحقائق لا صحة لشيء منها. # فقال الأشعري: الكسب هو وجود الفعل بقدرة الله مقارنا لقدرة العبد لا ~~تأثير لها في ذلك الفعل. PageV01P299 # ولنا أن نقول: أول ما في هذا /197/ أنه إذا كان الفعل وقدرة العبد كلاهما ~~من فعل الله ولا تأثير لأحدهما في الآخر فلم كان أحدهما بأن يكون مكتسبا ~~لأجل مقارنته للآخر أولى من العكس، وبعد فإذا كان لا تأثير للقدرة المحدثة ~~في الفعل فما الحكمة في ms246 خلقها وجعلها مقارنة له، وهلا كان وجودها كعدمها ~~ومقارنتها كلا مقارنة. وبعد فجميع الأعراض عنده غير نافية، فلم جعل الفعل ~~كسبا لمقارنته للقدرة، ولم يجعله كسبا لمقارنته للكون، وبعد فإذا كان الكسب ~~هو وجود الفعل على هذه الكيفية فهو متعلق بالله، فما وجه إضافته إلى العبد ~~وأي اختيار له فيه. وبعد فكأنه يقول يذم العبد وبلعن على الفعل؛ لأنه خلق ~~فيه مع غيره ولا يذم على اللون لأنه خلق فيه وحده، وهذا في غاية الركة. ~~وقال: الباقلاني: المرجع بالكسب إلى صفة للفعل هي كونه طاعة أو معصية فوجود ~~السجدة مثلا هو من الله وكونها طاعة أو معصية هو من العبد، وهذا أيضا ظاهر ~~السقوط لأنا نسأله عن هذه الصفة التي هي كون السجدة طاعة هل هي وجود السجدة ~~فهو الذي نهرب منه أو كونها كسبا، فعنه وقع السؤال، وبعد فإذا صح من أحدنا ~~أن يجعل فعل الله على صفة بها تصير طاعة أو معصية فما الفرق في ذلك بين ~~السجدة واللون، فهلا صح أن يكون اللون طاعة أو معصية بأن يكسبه أحدنا تلك ~~الصفة، وبعد فالذي يعقل ويصح من معنى كون الفعل طاعة هو أن العبد فصد به ~~وجه الله تعالى، وهذا لا يثبت إلا إذا كان فاعل السجدة، وفاعل القصد واحدا ~~حتى لو قصد أحدنا بسجدة عابد الوثن وجه الله لما كانت طاعة، ولو قصد عابد ~~الوثن بسجدة أحدنا التقرب إلى الوثن ما كانت معصية. # والحاصل أن القصد لا يكون قصد إلا إذا كان فاعله وفاعل الفعل واحدا، ~~ولهذا لا يقال أن أحدنا يقصد أن يكون لونه أبيض وإن جاز أن يقال أراد ذلك. PageV01P300 # إذا ثبت هذا قلنا: أخبرنا عن القصد الذي صار الفعل طاعة أو معصية هل هو فعل ~~الله فقد أبطلت مذهبك ولم يبق لذكر الكسب فائدة أو هو فعل العبد فقد أثبت ~~العبد فاعلا لفعل لم يفعله الله أو هو كسب للعبد، وفاعله الله، فيحتاج إلى ~~كسب آخر، ويتسلسل، وبعد فأخبرنا عن هذه الصفة هل تقف ms247 على اختيار العبد، ~~فكان يصح أن يوجد الله الفعل ولا يكتسبه العبد بأن لا يختار الكسب ولا يقف ~~على اختياره، فما الفرق بينها وبين الإيجاد، ولم كان إحدى الصفتين بأن يكون ~~كسبا أولى من الأخرى، وبعد فمن أصلنا أنه لا يقدر على صفة للذات من دون ~~معنى، إلا موجد تلك الذات كالكلام، فإنه لا يجعله خبرا إلا الذي أوجده، ~~فكذلك لا يجعل الفعل طاعة إلا الذي أوجده، وبعد، فلو سمى أحدنا مكتسبا لأجل ~~أنه صير /198/ الفعل على صفة لكان أحدنا مكتسبا للجسم إذا صيره على صفة ~~المتحركية، وبعد فكثير من مخققيهم كأبي إسحاق والغزالي والجويني والرازي لا ~~يثبتون الصفات، فما معنى الكسب عند هؤلاء، وقال بعض مشائخهم: الكسب هو ما ~~وقع بقدرة محدثه، فقال لهم أصحابنا: أتريدون بقولكم وقع حدث فهو الذي يقوله ~~أو يريدون الكسب، فعن الكسب سألناكم، وقال بعضهم: الكسب هو ما حله مع ~~القدرة عليه، وهذا متهافت؛ لأن الفعل إنما يخل بعض الفاعل، ولأن إثبات ~~القدرة فرع على إثبات أحدنا قادرا، وذلك فرع على كونه فاعلا، وإذا كان الله ~~أحدث الفعل فما معنى القدرة عليه، ولأن قولهم عليه يفيد أن القدرة مؤثرة ~~فيه، فيقال: ما تأثير القدرة، هل في الإيجاد، فهو المطلوب أو في الكسب، ~~فعنه وقع السؤال. على أنهم احترزوا بمحل القدرة عن المتولد، وهو جهالة؛ لأن ~~في المتولدات ما يوجد في محل القدرة عليه كالعلم المتولد عن النظر ~~وكالتأليف. PageV01P301 # طريقة آخرى في إبطال الكسب على تقدير كونه مفعولا، يقال لهم: أليس الله هو ~~الذي أوجد الفعل وجعله كسبا للعبد فلا بد من بلى، فيقال: ما وجه تعليقه ~~بالعبد وكلا الوجهين من قبله تعالى، ويقال لهم: هل الفعل الذي قبح من العبد ~~كالظلم، هل قبح من جهة كونه خلقا فقط فيلزم أن يقبح من الباري لو تفرد به ~~الكسب في حقه تعالى أو يقبح من الجهتين جميعا، فيلزم أن لا يقبح فعل قط؛ ~~لأنه لم يجتمع لفاعل كونه خالقا مكتسبا، ويقال لهم: هل يصح أن يتفرد ms248 الله ~~بعفل الكفر والإيمان، فإن قالوا: لا، قيل لهم: فهل يصح أن يتفرد بهما ~~العبد، فإن قالوا: لا، قيل: فإذا كان من فعل الله ومن فعل العبد بحيث لا ~~يصح أن يتفرد أحدهما عن الآخر بالفعل فقد أثبتوا معنى الشركة وأحوجوا الله ~~في فعل الإيمان إلى أن يكتسبه العبد كما أحوجوا العبد في أن يكتسبه إلى أن ~~يخلقه الله، ويقال لهم: أليس إذا خلق الله الفعل وجب أن يصير العبد مكتسبا ~~حتى لا يقف كونه مكتسبا له على اختياره فلا بد من بلى، فيقال: فأذن الله ~~الذي أدخله في كونه مكتسبا جبرا كما أدخله في كونه طويل القامة جبرا، فعلام ~~يتوجه المدح والذم، وما الثمرة في ذكر الكسب، ويقال: أليس أمر الله ناجح ~~بشرط الاستطاعة حتى إذا لم يكن استطاعه لم يتوجه على تاركه ذم، فلا بد من ~~بلى، فيقال: أليس معنى الاستطاعة عندكم أن يخلق فيه الحجج وقدرته وإرادته، ~~فلا بد من بلى، فيقال: فيجب أن يكون أمرا بالإيمان بشرط خلق الإيمان، فلا ~~يتوجه على الكافر لوم. ويقال: أليس يحتاجون إلى الله في كسب الإيمان فلا بد ~~من بلى، فيال: أليس وجه الحاجة هو أنه لو لم يخلقه /199/ لاستحال أن ~~يكتسبوه، فلا بد من بلى، فيقال: قد أحوجتم الله إلى أنفسكم في خلق الإيمان ~~لهذا الوجه بعينه؛ لأن عندكم أنكم لو لم تكتسبوه لاستحال أن يخلقه فيكم. PageV01P302 ### |||| AUTO فصل في شبههم في أن الله خالق لأفعال العباد # أشفها ما تقول عليه الرازي في مصنفاته. # وحاصله أن العبد حال إيقاع الفعل لما أن لا يصح منه الترك فهو المطلوب ~~بالخبر، وأما أن يصح منه الترك فلا يكون الفعل أولى بالووقع من الترك، إلا ~~لمرجح وداع وإلا كان قد وقع أحد الجائرين لا لمرجح، وذلك يقدح في حدوث ~~العالم، قال: وذلك المرجح لا يصح ان يكون من فعل العبد وإلا احتاج في وقوعه ~~إلى مرجح آخر، وإذا كان من فعل الله فوقوع الفعل عنده إما على سبيل الوجوب ~~وهو المطلوب؛ لأن ms249 ذلك الداعي حينئذ يكون شيئا، وفاعل السبب والمسبب واحد، ~~وأما على سبيل الجوار بمعنى أنه يصح أن يقع، وأن لا يقع مع وجود الداعي، ~~فيحتاج في وجوده إلى مرجح آخر ويتسلسل. # والجواب: أول ما في هذا أنه لازم له في فعل الباري تعالى، فيقال: حال ما ~~أوجد الله الفعل هل كان يصح الترك أم لا، إن قال: لا، لزم أن يكون تعالى ~~مجبورا على فعله، وإن قال: يصح، قيل: فليس الفعل أولى من الترك، إلا لداع، ~~وإذا كان كذلك فوقوع الفعل عند ذلك الداعي إما على سبيل الوجوب فيلزم حصول ~~العالم لم يزل، وأن لا يكون مختارا في وجوده؛ لأن الداعي قد صار موجبا له، ~~والداعي ليس بفعل الله تعالى حتى يقول فاعل السبب والمسبب واحد، وإن كان ~~على سبيل الجواز إحتاج إلى داع آخر وتسلسل، فما أجاب فهو جوابنا. PageV01P303 # واعلم أن هذا شيء أورده الفلاسفة في حدوث العالم، وتحقيق الجواب عليه ~~وعليهم أن يقول أما أفعال الساهي والنائم فلا تتوجه فيها هذه الشبهة على ~~أصل الجمهور؛ لأنها لا تحتاج إلى داع، ومتى قيل فما المخصص للفعل على الترك ~~مع أن نسبة القادرية إليهما على سواء. قلنا: يجوز أن يكون المخصص هو القادر ~~به، وإن كانت معهما على سواء كما سيتضح، ويجوز أن يكون المخصص هو القصد؛ ~~لأن الصحيح خلاف ما يقوله أصحابنا في إحتياجه إلى العلم، بل إنما يحتاج إلى ~~الاعتقاد أو الظن، وذلك صحيح في حق الساهي والنائم، وأما أفعال العالم ~~المميز لفعله، فمسلم أنها لا توجد إلا لداع، لكن من سلم له أن الداعي هو ~~المؤثر في الفعل وأن وقوع الفعل عنده على جهة الإيجاب أو ليس صريح مذهب ~~خصومه أن المؤثر في الفعل هو القادر وأن وقوع الفعل عند الداعي على جهة ~~الجواز، ولو أطلقوا لفظ الوجوب فإنما هو وجوب /200/ استمرار لا وجوب تأثير، ~~وكيف والدواعي من قبيل الاعتقادات والظنون التي لا تأثير لها في الإيجاد، ~~وقوله: أنه إذا كان على سبيل الجواز افتقر إلى مرجح ms250 آخر غير مسلم، ولا ~~صحيح؛ لأن أحدنا متى دعاه الداعي إلى الأكل وعنده رغيفان مستويان، وليس له ~~إلا أحد أحدهما، فإنه يأخذ أحدهما لا لمرجح مع استواء الداعي إليهما ومع ~~جواز أن يأخذ الآخر، وكذلك الملجأ إلى الهرب إذا عن له طريقان، وكذلك ~~العطشان إذا حصل له كوزان على سواء، وكذلك من بين يديه طبق تمر فإنه يأخذ ~~واحدة واحدة من دون مرجح لها على ما يساويها. # وقد أجاب الرازي بهذا على الفلاسفة في أول كتاب الأربعين، فما باله صادر ~~عليه هنا وحرره شبهة لو صحت لبطل الصانع. PageV01P304 # ومتى قيل فقد يرجح الفعل على الترك لا لأمر. قلنا: بل يرجح الأمر وهو ~~الداعي، ومتى استوى الداعي إليهما كان المخصص هو القادر بقصده، واختاره ~~بدليل أنه لو سئل عن ذلك فقيل: لم خصصت هذا الرغيف مع مساواته للآخر لقال: ~~اخترت ذلك ، ولسنا نعني بأن يكون تأثير القادر على جهة الاختيار إلا هذا، ~~وبهذا تقع التفرقة بين المختار والموجب، فالمطالب لنا بمخصص وراء القادر ~~مطالب لنا بإبطال معنى القادر، وإدخاله في حد الموجب، ولسنا نسلمه، ولا بد ~~للرازي من النزول على مثل هذا الجواب، وإلا بطل عليه كون الباري مختارا، ~~وهو قد يزل عليه، ولكنه كثير التخلبط. # شبهة: قالوا: لو كان العبد محدثا لأفعاله لوجب أن يعلم تفاصيل ما أحدثه ~~ليصح منه إيجاد قدر دون قدر كالقديم تعالى. # والجواب: لم قلتم أنه يحتاج في إيجاب قدر وأن قدر إلى أن يعلم تفاصيل ما ~~أحدث، وهلا كفى أن يقصد إلى إيجاد جملة أفعال لغرض من الأغراض، ثم يأخذ في ~~تلك الأفعال حتى يتم غرضه، ثم يقتصر على ذلك القدر من ذلك الجنس، وإن لم ~~يعلم كميته، فإذا قصد أن يصلي ركعتين مثلا فقد قصد أن يوجد من الحركات ~~والسكنات والأقوال ونحو ذلك القدر الذي تكون الصلاة معه ركعتين، وكذلك إذا ~~كان غرضه الحج قصد إلى أن يوجد من الخطا القدر الذي به يصل إليها(1)، ولا ~~يحتاج أن يعلم كمية تلك الخطا، وكذلك الباني ms251 يقصد أن يوجد من التأليفات ما ~~به يصير المبني بيتا وجميع الأفعال تجري على هذا المنوال، وهذا يعلمه كل ~~عاقل، بل الصبي إذا تناول الكوز، فإنما يقصد أن يشرب القدر الذي معه يحصل ~~الري ولا يتعرض للعلم بكمية حركات الفم، ولا يمكنه ما يأخذ من قطرة ولا بد ~~للخصوم من الاعتراف بهذا. PageV01P305 # يوضحه أنهم أجمعوا على أن من استأجر غيره على حياطة قميض بأجرة معلومة، فإن ~~الإجارة صحيحة والعمل معلوم، ولو كان كما ذكروه لكان العمل غير معلوم، ~~والإجارة فاسدة. وبعد، فالسؤال لازم لهم في الكسب /201/ فيقال يلزم أن يكون ~~أحدنا عالما بتفاصيل ما كسبه وجوابهم جوابنا، وبعد فقد قال بعض أصحابنا: إن ~~أحدنا يعلم تفاصيل ما أحدثه أي يعلم أعيانها وإن لم يعلم كميتها؛ لأن العلم ~~بكميتها أمر زائد على ذلك، ألا ترى أن الرجل يدخل نادي قومه وجامع بلده ~~فيعرف أعيان من فيه وإن لم يعلم كميتهم، وكذلك في من يضيف قوما ومن يبصر ~~أساطين المسجد. # وأما قياسهم للواحد منا على القديم تعالى فغير صحيح؛ لأنه عكس الصواب من ~~حيث لا يعلم معنى المحدث في الغائب إلا من علم في الشاهد ولا يعلمه في ~~الشاهد إلا من علم أن لنا أفعالا، ولأنه لم تكن العلة في علمه تعالى ~~بتفاصيل ما أحدث هي كونه أحدث بل كونه عالما لذاته، ألا ترى أنه تعالى يعلم ~~تفاصيل المعدومات، وليست بمحدثة، ويعلم تفاصيل المعاني القائمة بذاته ~~عندهم، وليست محدثة. PageV01P306 # شبهة: قالوا: نحن نفرق بالضرورة ين الحركة الاختيارية والاضطرارية في تعلق ~~الأولى بناء دون الثانية، فلو تعلقت إحداهما بنا من جهة الحدوث لوجب مثله ~~في الثانية، بل كان يجب أن تحدث الأجسام لأن الحدوث متماثل، بقي أن يتعلق ~~من جهة الكسب والمحدث هو والله تعالى، والجواب أنهم كانوا أولا يجعلون ~~الكسب هو بنفس هذه التفرقة، وهم الآن جعلوها دليلا على الكسب، وهذه مناقضة، ~~وبعد فإنما تدل هذه التفرقة على تعلق الكسب بناء من حيث يقف على قصودنا، ~~فيجب أن تدل على تعلق الحدوث ms252 بنا كذلك. وبعد فهذه التفرقة ثابتة في ~~المتعديات، فلجعلوها كسبا لنا. وبعد فقد أبطلنا الكسب بما لا مزيد عليه، ~~فليكن هذا دليلا لنا؛ لأنه لم يبق للتفرقة معنى إلا أنها تتعلق بنا من جهة ~~الحدوث، وأما قولهم إن الحدوث متماثل، فكان يجب أن يتعلق بنا جميع ~~المقدورات، فهو باطل؛ لأن الأشياء وإن اشتركت في الحدوث لم تشترك في الحاجة ~~إلى محدث معين، وكيف يصح لهم هذا وهو محل النزاع، وبعد فكان يلزم مثله في ~~المعلولات المتماثلة أن يستند إلى علة واحدة ولا يحتاج كل معلول إلى علة ~~للوجه الذي ذكروه، وبعد فعند كثير منهم ومنا أن الوجود هو ذات الموجود، فلا ~~يكون تماثلا لاختلاف الذوات، وبعد فالتماثل الحقيقي إنما يعقل بين الذوات ~~وليس يلزم من القدرة على إيجاد ذات القدرة على إيجاد سائر الذوات، ولا من ~~القدرة على إيجاد الذات على وجه القدرة على إيجادها على وجه آخر. وبعد ~~فالذي يعلم به كون المقدور مقدورا هو وقوفه على القصد والداعي، فما حصل فيه ~~هذا الوجه علمنا أنه مقدور لنا، وإلا كان مقدورا للباري. # شبهة: قالوا: لو قدر أحدنا /202/ على إحداث أفعاله لقدر على إعادتها ~~كالقديم تعالى. PageV01P307 # والجواب يقال: أثبتوا أن العلة في قدرته تعالى على الإعادة هي قدرته على ~~الإحداث ولا سبيل إلى ذلك، والفرق عندنا أنه قادر لذاته، وأحدنا قادر بقدرة ~~والقدرة لا تتعلق على التفصيل إلا بمقدور واحد، وبعد فالسؤال لهم في الكسب، ~~وبعد فهم قاسوا الشاهد على الغائب، وهو عكس الصواب، وبعد فليس من قدر على ~~إيجاد شيء قدر على إعادته، فإن في أفاعال الباري تعالى ما يستحيل إعادته ~~وهو ما لا يبقى في المتولدات، أما ما لا يبقى فلأنه لو صحت إعادته لانقلب ~~باقيا لأنه يصير له في الوجود وقتان، وإذا صحا مع تحلل وقت عدم صحا على جهة ~~التوالي من حيث أنه إذا تعدى في الوجود الوقت الأول إلى الثالث والرابع وما ~~بعدهما صح تعديه إلى الوقت الثاني، ولا تصح الإشارة إلى أمر يحيل ذلك ms253 إلا ~~وجوده في الأول، والوجود لا يحيل الوجود، ولو سلمنا أنه يحيل لما كان بأن ~~يحيله في الوقت الثاني أولى من الثالث، وما بعده، فيلزم أن يستحيل أبدا، ~~وفي ذلك ما نريد من استحالة إعادته، وأما المسبب فلأنه لو أعيد لكان إما أن ~~يعاد مبتدأ أو مسببا، والأول باطل؛ لأنه يكون له في الوجود وجهان، والوجهان ~~في الفعل كالفعلين في صحة تعلق أحدهما بقادر، والآخر بقادر آخر، وفي ذلك ~~صحة مقدور بين قادرين، وهو محال، والثاني باطل لأنه إن أعيد بسببه الأول لم ~~يصح لأن من حق السبب أن يكون له في كل وقت مسبب آخر، واما إن يقاد بسبب آخر ~~فيؤدي صحة حصوله سببين إلى صحة تعلقه بقادرين لجواز أن يتعلق أحد السببين ~~بقادر والآخر بقادر آخر، هذا ما ذكره مشائخنا رحمهم الله تعالى في المبتدأ ~~أو المسبب، وهو يمكن أن يعترض، أما المبتدأ فلقائل أن يقول: إن الذي أحال ~~وجوده في الوقت الثاني هو لزوم أن يتغلب باقيا، وهذا المحيل غير حاصل في ~~الوقت الثالث، وما بعده، فلذلك صح من القادر إعادته في الوقت الثالث، أو ما ~~بعده، واستحال في الوقت الثاني، وكلما يتعلق بالقادر إنما يتبع ما يصح دون ~~ما يستحيل. PageV01P308 # وأما المسبب فلقائل أن يقول أيضا يصح إعادته مبتدأ، ويصح إعادته لسبب آخر، ~~ولا يلزم من صحة حصوله على وجهين أو عن سببين صحة تعلقه بقادرين، بل يكون ~~الوجهان والسببان متعلقان بقادر واحد وما يتعلق بالقادر لا يصح أن يتعلق ~~بغيره وصار الحال فيه كالكلام فإنه يصح أن يقع أمرا ويقع خبرا وإنما يتعلق ~~الوجهان بقادر واحد، ولم يلزم من ذلك صحة تعلقه بقادرين /203/ كذلك هذا، ~~وليس وقوعه على وجهين أو عن شيئين بأبلغ من الفعلين المتغائرين فإذا كانا ~~مما يتعلق بقادر استحال تعلقهما بغيره. # شبهة قالوا: لو تعلقت بنا هذه لأفعال على الحدوث لتعلقت بناء على سائر ~~الصفات من نحو كونها شيئا وعرضا وحسنا وقبيحا. # والجواب: منع الجامع ولزوم مثله في أفعال القديم تعالى وفي ms254 الفرق بأن ~~وجودها ليس مما إذا صح وجب فلذلك احتاج إلى مؤثر وليس كذلك سائر ما ذكروه، ~~فإنه مما إذا صح وجب فلم يحتج إلى الفاعل ولهذا لا يؤثر الفاعل إلا في ~~الحدوث وتوابعه(1) على أنه ليس للشيء بكونه شيئا حال ولا بكونه جسما وعرضا ~~بخلاف كونه موجودا. # شبهة قالوا: لو صح أن يحدث أحدنا فعله لصح منه في الثاني مثل ما فعله في ~~الأول، ومعلوم أن من كتب حرفا لا يمكنه أن يكتب مثله في كل وجه. # والجواب: لم وجب ذلك فإن قاسوه على القديم تعالى منعنا الجامع على أن ~~احدنا إذا قال يا أمكنه أن يأتي بمثلها في الثاني، وكذلك يفعل مثل الإرادة ~~والاعتقاد والحركة، وكذلك الكاتب الماهر يساوي حروفه حتى يلتبس على الناظر، ~~وإن امتنع ذلك لجواز أن يتغير حال العلم أو يحمل من المداد أقل أو أكثر مما ~~حمله أولا أو لفقد العلم بكمية أجزاء ما أوجده من التأليفات أولا وثانيا. ~~على أن السؤال وارد عليهم في الكسب. # شبهة، قالوا: لو أحدث أحدنا لسمي خالقا كالقديم. PageV01P309 # والجواب: منع الجامع، وبعد فالخلق هو التقدير بحسب المصلحة، فما لم تكن ~~أفعالنا كذلك فالسؤال ساقط فيه، وما كان كذلك فإنما لم يوصف أحدنا بأنه ~~خالق على الإطلاق لوقوع الإجماع على أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على الله ~~تعالى من حيث قد صار بالعرف اسما لمن يوجد أفعاله بحسب المصلحة من غير ~~زيادة ولا نقصان، وليس ذلك إلا القديم تعالى، فأما مع التنفيذ فيصح، ولهذا ~~قال تعالى: {وتخلقون إفكا}، و{إذ تخلق من الطين} ونحو ذلك مما ورد في ~~اللغة، وأما قوله تعالى: {هل من خالق غير الله يرزقكم فهو على ظاهره؛ لأنا ~~لا نثبت خالقا يرزق غير الله، فأما الخالق الذي يقدر فعله بحسب الغرض ~~فالقرآن واللغة مشحونان به. ### |||| AUTO فصل في شبههم السمعية # قد تعلقوا بالمتشابه الذي ذم الله تعالى متبعيه. ولنا في بيان كونه ~~متشابها وجوه جملية ووجوه تختص كل آية الأول من الجملية أن يقول وقع ms255 ~~الإجماع على أن أكثر القرآن محكم وأقله المتشابه ونحن قد بينا أنه ما يكاد ~~توجد آية من كتاب الله تعالى ألا ومذهبهم يقتضي صرفها عن ظاهرها حتى الآيات ~~/204/ التي يتمسكون بها فإذا أورد التسير المحتمل للتأويل يخالف بظاهره ~~الكثير الذي لا يحتمل التأويل حكمنا بكون المتشابه هو القليل ولا بد لهم من ~~الاعتراف بهذا، ولكنهم يدعون أن الكثير معهم. PageV01P310 # الوجه الثاني:أن يقول عدوا أن جميع السمعيات تدل بظواهرها على قولكم وأنه ~~لا دليل لنا إلا من جهة السمع لعقل فقد أجمعنا نحن وأنتم على أنه إذا تعارض ~~السمع والعقل عمل على العقل لأنه لا يحتمل التأويل، وقد ذكره الرازي في ~~الأربعين والمحصول والنهاية، وعللة بأنهما إذا تعارضا لم يخل إما أن يعمل ~~عليهما جميعا وهو محال لأن فيه اعتقاد المتناقصات، وإما أن يطرحهما جميعا ~~وهو محال؛ لأن فيه إلغاء الأدلة وأما أن يعمل على السمع ويطرح العقل وهو ~~محال؛ لأن السمع يحتمل التأويل والعقل لا يحتمله فلا يعترض بما يحتمل على ~~ما لا يحتمل وأما أن تعمل على العقل ويتأول السمع وهو المطلوب. # وهذا الذي ذكره صحيح، ولولا ذلك لوجب أن يقضى بأن الله تعالى جسم للآيات ~~التي تدل بظواهرها على ذلك ويترك دليل العقل وهو محال وإذا كان كذلك وجب أن ~~يتأول ما يقتضي ظاهره أن يكون الله تعالى ظالما كاذبا غائبا كما تأولنا ما ~~يقتضي أن يكون جسما. # الوجه الثالث: أن يقول عدو أنه ليس لمخالفكم دليل قط فإن له أن يمنعكم من ~~الاستدلال بالسمعيات رأسا فيقول إذا كان إذا كان القول ما قلتم من أن الله ~~الفاعل لكل شيء ولا يقبح منه قبيح فما أنكرتم أن هذه السمعيات من الأكاذيب ~~التي فعلها في الأنبياء وأنه لم يصدق نبي قط، وأن كل معجز يظهر عليه فإنما ~~يظهر على كاذب وأكثر ما في ذلك أن يكون قبيحا في الشاهد وتلبيسا، فهو لا ~~يقبح من الباري تعالى عندكم، وإذا كان كذلك فكيف وثقتم بالسمعيات، وكيف ~~تسكن نفس المسترشد المستفيد لا ms256 سيما وقد اصلتم في كتب المنطق أن السمعيات ~~إنما تفيد الظن، وهذه وجوه عامة في كل ما يوردونه من السمعيات في هذه ~~المسألة وغيرها. إذا ثبت هذا فقد تعلقوا بآيات منها قوله تعالى: {خالق كل شيء}. PageV01P311 # والجواب عنها أن ظاهرها متروك بالإجماع لأنه تعالى شيء، ولم يخلق نفسه، ~~وكذلك علمه وقدرته وسائر المعاني القديمة، وإذا سقط تعلقهم بالظاهر فليسوا ~~بالتأويل أحق منا وهو معارض بقوله تعالى: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير}، ~~وقوله: {وتخلقون إفكا وقوله أحسن الخالقين}. ومنها قوله: {أم جعلوا لله ~~شركاء} /205/ خلقوا كخلقه. # والجواب لا يعلق بظاهرها لوجوه أما أولا فلأنه إنما نفى أن يخلق غيره مثل ~~خلقه وهو متفق عليه، وأما ثانيا فلو كان إثبات الخلق لغيره يقتضي الشركة ~~لكان قد أثبت لنفسه شريكا بقوله أحسن الخالفين ونحوها مما تقدم، وبعد فهي ~~تعارضه بقوله: {أحسن كل شيء خلقه} فإن ظاهر هذه تدل على أنه لا يفعل القبيح ~~ولا يحتمل التاويل، على أن ذلك وارد عليهم في الكسب. ومنها قوله تعالى: ~~{أفمن يخلق كمن لا يخلق} وقوله: {والذين تدعون من دونه لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون أموات غير أحياء}. # والجواب: لا يعلق لهم بظاهرها؛ لأن ظاهرها إنما ينفي المساوة بين من يخلق ~~ومن لا يخلق وأن الأصنام التي تعبدونها غير حية، ولا خالقه بل هي مخلوقة، ~~وكل ذلك مجاب إليه، وليس في الآية دليل على أن غير الله تعالى لا يفعل، ~~وأما الخلق فقد بينا أنه لا يصح إطلاقه إلا على الله تعالى، فنحن قائلون ~~بمقتضى الآية. # ومنها قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} وأفعاله العباد من ~~الأشياء. PageV01P312 # والجواب: أنه لا تعلق لهم في ظاهرها كما تقدم، وبعد فأصل الخلق هو التقدير، ~~ونحن نقول إن الله تعالى قدر أفعال العباد، وليس يجب أن يكون المقدر من فعل ~~المقدر، الا ترى أنهم يقولون خلقت الأديم أي قدرته، والأديم ليس من فعلهم، ~~وبعد فإذا كان الخلق هو التقدير بحسب المصلحة من غير زيادة ولا نقصان، فقد ~~اقتضى ظاهر ms257 الآية على أصلهم أن تكون أفعال العباد كذلك، ومعلوم أن فيها من ~~التفاوت والقبح ما لا يصح معه إطلاق كونها مقدرة بحسب المصلحة. إذا ثبت هذا ~~فالمعنى خلق كل شيء مما يختص بالقدرة عليه لتمكن الجمع بينها وبين ما تقدم ذكره. # ومنها قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}. والجواب: أنه لا تعلق لهم ~~بظاهرها من وجوه، أحدها أنه أضاف العبادة والنحت والعمل إليهم فلو أراد ما ~~ذكروه، لكان قد ناقض، وثانيها أن الآية وردت مورد الإنكار والاحتجاج ~~والتوبيخ ولو لم يكونوا هم الفاعلين للنحث والعبادة لكان لا معنى لتوبيخهم، ~~ولا حجة عليهم بل كانت الحجة لهم فيقولون إذا كنت خلقت فينا العبادة والنحث ~~فأي معنى للإنكار وهلا تركت فعلها والإنكار فيها. PageV01P313 # يوضحه أنه لو لم يكن لهم عمل لكان عمل(1) إبراهيم عليه السلام ممهدا لعذرهم ~~بمنزلة من يقول لفاعل القبيح أنت لم تفعله، وإنما فعله غيرك، وثالثها: أن ~~الله تعالى جعل العلة في توبيخهم أن الأصنام مخلوقة فلو كانت أفعالهم ~~مخلوقة لزال معنى هذا التعليل وصار الكلام كله /206/ لا معنى له، إذا ثبت ~~هذا فالمعنى يعبدون أصناما ينحتونها والله خلقكم وخلق تلك الأصنام التي ~~تعملونها فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم لا يضر ولا ينفع، وقوله: {وما تعملون} ~~أي وما تعملون فيه كما يقال عمل النجار بابا أي عمل في الباب، وكما يقال ~~فلان يعمل الثياب أي يعمل فيها، وقال تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل والمراد يعملون في المحاريب لأن المحاريب أجسام وهي غير مقدورة، ~~ولا مكتسبة وبهذا يستقيم المعنى ويزول التناقض ويوافق العقل ومحكم الكتاب ~~واللغة وتظهر فائدة الكلام وتقوم الحجة على الكفار، يزيده وضوحا أنهم عبدوا ~~المنحوت لا النحت فدل على أن المراد بقوله ينحتون أي ينحتون فيه وإلا كان ~~التقدير تعبدون نحتكم وهاهنا إلزام لا يجدون عنه انفصالا فيقال لهم: هل جعل ~~الله آلهة تعبد من دونه، فإن قالوا: نعم، جعلها، قيل فما معنى قوله: ~~{أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وإن قالوا: لم يجعلها، قلنا: ms258 إذا كان ~~خلق الأصنام وخلق نحتها حتى صيرها أصناما وخلق فيهم عبادتها وتسميتها آلهة ~~واعتقاد استحقاقها للعبادة فكيف يقال لم تجعل آلهة تعبد وهل الجعل أكثر من ~~ذلك ثم إذا لم يجعلها فمن جعلها؟ وأي معنى لهذا الإنكار وكيف يكون جعلها. # ومنها قوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل} قالوا: والعجل فعل العجلان. PageV01P314 # والجواب: أن ظاهرها متروك؛ لأنه يقتضي أن الإنسان مخلوق من العجل، وليس ~~كذلك؛ لأن العجل عرض والأجسام جسم؛ ولأن الخصم يتأولها على القلب فيزعم أن ~~التقدير خلق العجل من الإنسان، وهذا مع كونه عدولا عن الظاهر فهو لا مقتضى ~~له ولا دليل عليه. وللآية عندنا معنيان، أحدهما أن العجل هو الطين الرطب ~~وعليه قول الشاعر: # والنخل تثبت بين الماء والعجل # ومنه قوله تعالى: {من حماء مسنون}، وثانيهما أن عادت العرب إذا أرادت ~~المبالغة في الوصف ذما كان أو مدحا قالوا خلق فلان من كذا، أي لكثرة ولعه ~~به واعتياده به كأنه خلق منه، وكأنه لا يعرف شيئا سواه، فيقولون: فلان ~~مخلوق من الحياء وفلان مخلوق من الكرم مبالغة في الوصف، فأراد الله ~~المبالغة في ذم الإنسان بالعجل كما قال في خلق الإنسان: {عجولا}. # ويدل على هذا من بعد قوله: {سأريكم آياتي فلا تستعجلون}. ومنها قوله: ~~{وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}، وقوله: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار}، ~~وفي ذلك /207/ كونه خلق الهدى والضلال. # والجواب يجوز أن يكون المراد بالجعل الوصف والتسمية كما قال تعالى: ~~{وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا، وكقوله: {وجعلوا لله شركاء ~~الجن}، ويجوز أن يكون المراد: جعلناهم كذلك في الآخرة، ويريد بالهدى ~~الثواب، وبالضلال العقاب، ويؤيده قوله: {لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، ~~فإن الهداية بعد الصبر والتقوى هي الثواب، وكذلك في قوله: {أئمة يدعون إلى ~~النار}، يدل عليه سياق الآية، قال تعالى: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم..} إلى قوله: {وجعلناهم}، والجعل بعد أن نبذهم في اليم إنما هو في ~~الآخرة، ويصير بمنزلة قوله: يقدم قومه يوم القيامة، فأوردهم النار، وكذلك ~~دعاؤهم إلى النار، ولو كان كما ms259 ذكروه من أن المعنى نصبنا هؤلاء للدعاء إلى ~~الهداية وهؤلاء للدعاء إلى الضلال لكان المجيب للكل مطيعا، وهو باطل. # ومنها قوله: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم..} الآية. PageV01P315 # والجواب: ليس في الآية أن الصرف هو الهزيمة التي ذمهم عليها، ويجوز أن يكون ~~المراد بالصرف التخلية بينهم وبين الكفار وإزالة النصر لأجل الفشل ~~والتنازع، ويجوز أن يكون المراد بالصرف النهي عن قتالهم بعد انهزام ~~المنهزمين، فمعلوم أن النبي عليه وعلى آله السلام وجماعة لم ينهزموا وأنهم ~~إنما كفوا عن القتال بأمر من الله، ويجوز أن يكون المراد بالصرف الأسباب ~~المقتضية للهرب من الخواطر والرهبة ويجوز أن يكون المراد بالصرف إباحة ~~الهرب للذين كانوا أمعنوا في طلب العدو، فإنهم كانوا معذورين بالاتفاق، ~~والضمير وإن كان ظاهر العود إلى الجميع، فلا يمتنع قيام دليل على رجوعه إلى ~~البعض المعذورين في الانهزام وبالجملة فالذم لم يكن على الصرف الذي فعله ~~الله، وإنما هو على سببه وهو الفشل، والتنازع والعصيان وإرادة الدنيا، ونحو ~~ذلك، كما يشهد به قوله: {قل هو من عند أنفسكم}. يزيده وضحوحا قوله: ~~{ليبتليكم} والابتلاء لا يكون بالمعاصي. # ومنها قوله تعالى: {وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} وفي الأرض الظلم ~~والفساد. # والجواب: إنه قال: {خلق لكم} ولم يقل عليكم، والظلم والفساد علينا لا ~~لنا، فلا تعلق بظاهرها، والمراد خلق لنا ما ننتفع به من الأرزاق وغيرها ~~بدليل أنها وردت مورد المن علينا ولا منة له بأن يخلق فينا القبيح ويعاقبنا عليه. # ومنها قوله تعالى: {واجعلنا مسلمين لك} فبين أن الإسلام من جهته. PageV01P316 # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها لاقتضائه على تأويلهم أن يكونا وقت السؤال ~~غير مسلمين لاستحالة طلب الحاصل، وإلا كان بمنزلة من يقول: اجعلنا إنسانين، ~~وهو محال /208/ إذا ثبت هذا فلأنه عندنا معان صحيحة فيجوز أن يكون المراد ~~الحكم والتسمية، أي احكم لنا بذلك، وسمنا به وأظهره من حالنا، ويجوز أن ~~يكون المعنى ألطف بنا في الإسلام، ووقفنا للثبات عليه، ويجوز أن يكون ~~المعنى واجعلنا مسلمين بريادة الأمر بذلك والحث ms260 عليه كما قال تعالى: ~~{وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} أي جعلنا بأمرنا أئمة يهتدى بهم ويقتدى، ~~ومثله: {إني جاعلك للناس إماما} ويجوز أن يكون المراد بالجعل التعليم كقول ~~المعلم المؤدب جعلت فلانا شاعرا كاتبا، أي علمته ذلك، ويجوز أن يكون المعنى ~~الدلالة والبيان، كما يقال: جعلت كلام فلان باطلا أي دللت على ذلك. ومنه ~~{جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا}، ويجوز أن يكون المعنى ~~أحلنا محل المسلمين كما يقال جعلت فلانا أخا، أي حللته محل الأخ. # ومنها قوله تعالى: {وقهم السيئات ومن يق السيئات يومئذ فقد رحمته}. # والجواب: المراد بيومئذ يوم القيامة والسيئات يوم القيامة ليست هي ~~المعاصي، وإنما هي العذاب كما تقرر أن السيئة في اللغة تطلق على كل الشرور. # ومنها قوله: {ربنا افرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا} فتبين أن الصبر والثبات فعله. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها؛ لأن الإفراغ لا يعقل في الصبر والثبات ~~أيضا في الاقدام، ليس على ظاهره، والمراد آتنا من المعونة والإلطاف ما نصير ~~معه ونثبت، على أنه سؤال، والسؤال لا يد على أن المسئول يفعل. # ومنها قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} فصرح ~~بأنه مكره على السجود. PageV01P317 # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها عندهم؛ لأن السجود كله كرها فلا معنى لقوله: ~~طوعا، وأيضا فليس المراد السجود الاسطلاحي؛ لأن أكثر الخلق لا يفعله ~~كالشياطين والكفرة والفسقة والمجانين المعنى الانقياد لما يحدثه ويفعله ~~فيهم، وعبر عنه بالسجود كما قال الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # ومنها قوله: {رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري}. # والجواب: أن شرح الصدر في الحقيقة اتساعه، فالظاهر متروك، وهو في العرف ~~أن تسكن النفس إلى الشيء وتهس(1)، وضيق الصدر بالشيء عكسه، والمراد اشرح لي ~~صدري بالثواب والمعونة والإلطاف. # ومنها: قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها لاقتضائه التناقض، فكأنه قال: رميت وما ~~رميت، والمعنى: وما أصبت إذ رميت، ولكن الله أصاب، وذلك كقولهم: رمت رمتة ~~من ms261 غير رام، أي رب أصابه من غير بصير بالرمي. والقصة أنه عليه السلام أخذ ~~حفنة /209/ من التراب، وكان هو المتولي لرميها إلى الهوى، والله تعالى هو ~~المتولي لتفريقها في أعيان المشركين، وإيصالها إليهم. وقرئت من هذه قوله: ~~{فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم}، فإن المراد لم تقتلوهم بحولكم، ولكن الله ~~قتلهم بما خلق لكم من القدرة على ذلك، وأعانكم وأمدكم بملائكته، وألقى ~~الرعب في قلوبهم، ونحو ذلك من الأسباب التي تقتضي حسن إضافة القتل إليه، ~~ولهذا إذا كان من بعض الناس أعانه على قتل غيره من دلالة عليه أو إمساك أو ~~تثبيط قيل ما قتله إلا فلان. # ومنها قوله: {هو الذي يسيركم في البر والبحر}. # والجواب: أما السير في البحر فلا كلام فيه؛ لأن السفن تسير باعتماد ~~الريح، وهو من فعله تعالى، وأما سيرهم في البر فإنما أضافه إلى نفسه لأنه ~~الذي أقدر عليه وأمكن منه بخلق الآلة وزوال الموانع. # ومنها قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}. PageV01P318 # والجواب: لم يبين ما ذلك الفعل وهو عندنا بالإرسال والبعث على الطاعة ~~والترغيب فيها والترهيب من طاعة الشيطان واللطف في جميع ذلك. على أن ظاهرها ~~يبطل مذهب القوم؛ لأن الله جعل فضله سببا في كونهم لا يتبعون الشيطان، وعند ~~الخصم أن اتباع الشيطان من فعله تعالى. # ومنها: قوله: {كذلك يضرب الله الحق والباطل}. # والجواب: ليس الضرب بمعنى الخلق في اللغة قط، وإنما يستعمل في معان، ~~أحلها: الضرب المؤلم وهو غير مراد بالاتفاق. # وثانيهما الضرب الذي هو أخص من النوع، وليس مرادا أيضا. # وثالثها ضرب المثل، وهو المراد هنا تقديره: كذلك يضرب الله المثل للحق ~~والباطل. # ومنها قوله: {فأقم وجهلك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها}، ~~قالوا: فالله فطر الناس على الدين، فدل على أنه من فعله. # والجواب: ليس في الظاهر أن الدين فطرته ، ولو كان كذلك لكان يقتضي أن ~~يكون كل الناس فطروا على الدين، وعند الخصوم أن أكثر الخلق فطروا على ~~الكفر، ولأنه لو كان كما قالوا ms262 لكان قد بدل خلق الله؛ لأن المبدلين لدين ~~أكثر من أن يحصوا، ولأنه لو كان كما قالوا لكان التقدير: فأقم وجهك للدين، ~~وقد خلقتك كذلك، وهو بمنزلة أن يقول: كن طويلا، وقد خلقتك كذلك، وإذا سقط ~~تعلقهم بالآية، فالمعنى فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ لأنه تعالى ما ~~أنشأهم وابتدعهم إلا لعبادته، كما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون}، ونظيره قوله عليه السلام: (كل نسمة تولد على الفطر..) الخبر، ~~وقوله عليه السلام: (كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه ~~ويمجسانه). PageV01P319 # وللآية وهذه الأخبار معنى آخر، وهو أن الله /210/ فطر الناس على الخلقة ~~التي يهتدى بها إلى الدين القيم، ويقتضي الإقرار بالربوبية ويشهد له ~~بالوحدانية، فإذا تدبر فيها الإنسان حال كمال عقله اهتدى بذلك إلى الدين ~~القيم، وإذا اتبع الهوى ودين الآباء ووساوس الشيطان ضل عما تشهد به الفطرة ~~من إقامة الدين، وعلى هذا يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله ~~تعالى يقول: (إني خلقت عبادي حنفاء فاغتالهم الشيطان عن دينهم)، وفي ذلك ~~وجه آخر وهو أن معنى قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها}، أي أمرهم بها ~~من عبادته كما تشهد به الخلقة على أنه تعالى واحد لا ثاني له، وقوله: {لا ~~تبديل لخلق الله} أي لا دليل يدل على خلاف ما تدل عليه الفطرة. # وقريب من هذا قول من جهل الآية على أن المراد بالفطرة الدين، ومعنى أن ~~الله فطره أي ابتدأ شرعه بالأمر به. # ومنها: قوله: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة}. # والجواب: لا بد للخصم من ترك ظاهرها؛ لأن الشيطان ليس هو الملقى عندهم، ~~والمراد بالجعل هنا الدلالة والبيان كما سلف تمثيله، ومنه قول الشاعر: # جعلنا لهم نهج السبيل فأصبحوا .... على ثنت من أمرهم حيث يمموا # فالله تعالى جعل نسخ ما ألقاه الشيطان فتنة للكفرين، أي امتحانا وتكذيبا ~~لما توهموه وفرقا بينهم وبين المؤمنين. # والآية تحتمل وجها آخر، وهو أن الله تعالى جعل ذلك فتنة لهم بمعنى أنه ~~خذلهم وخلى بينهم وبين الشيطان، ms263 فصار ما ألقاه فتنة لهم حيث لم ينظروا في ~~الحق، ولو نظروا لبطلت فتنة الشيطان وإضلاله. # ومنها: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله..} إلى قوله: {قل كل من ~~عند الله}. PageV01P320 # والجواب: إنها معارضة بقوله: {ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ~~ويقولون على الله الكذب}. وبعد فلا بد من ترك ظاهرها؛ لأنه متناقض حيث قال ~~تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك}، فكأنه ~~قال: الكل من عند الله والبعض ليس من عنده. وبعد فليس المراد بالحسنة ~~والسيئة الطاعة والمعصية؛ لأن الإصابة لا تقال في فعل الإنسان، وإنما تقال ~~فيما يناله من فعل غيره، فيقال: إصابته نعمة أو نقمة، ولا يقال إصابة صلاة ~~أو زنا. وبعد، فالله تعالى حكى الكلام عن الكفار، ومعلوم من أنهم لم يريدوا ~~الطاعة والمعصية؛ لأنه لم يكن أحد منهم إذا زنا أو شرب الخمر يقول هذا من ~~محمد، وكيف وهو حسن عنده، وكذلك لم يكونوا يطيعون فضلا عن أن يضيفوا تلك ~~الطاعة إلى الله تعالى. وإذا ثبت هذا فالمراد بالحسنة النعمة والرخاء، ~~وبالسيئة الشدة والمحنة، بالقحط والأمراض والنقص ويصير كقوله: {وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}. وقال: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبك ~~سيئة يفرحوا بها، وقال تعالى: {إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا ~~قد أخذنا أمرنا}، وهذا كان حال الكفار مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يتطيرون به إذا أصابهم ما يكرهون، فبين الله أن الكل من عنده، وإنما سماه ~~سيئة على جهة المجاز تشبيها للشيء بما يقابله كما قال تعالى: {وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها}، وقال: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}. ومنها قوله: ~~{فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء}، فتبين أنه الباعث على القتال بالبغضاء، ~~ولا بد أن يكون الحق مع أحد الفريقين. # والجواب: أنه لا فرج لكم في ذلك؛ لأنه لم يقل أن تلك المعاداة معصية ~~وجائز أن يكون الله تعالى أمر اليهود أن تعادي النصارى لأجل التثليث وغير ~~ذلك من ms264 أنواع الكفر والمعاصي، وأمر النصارى بمعاداة اليهود لأجل تكذيب عيسى ~~وغيره من الأنبياء، فتكون المعاداة طاعة في الطرفين. PageV01P321 # ومنها: قوله: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا}. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها لاقتضائه أن يكون القرآن هو الفاعل لذلك، ~~وعند الخصم أن المتولي لذلك هو الله، ولا فائدة في القرآن والمعنى أنه كثر ~~طغيانهم عند سماعه وازدادوا عتوا وكفرا وتكبرا عن اتباع الحق، لا يقال ما ~~زادتك موعظتي إلا إصرارا، وكقوله تعالى: {فلم يزدهم دعائي إلا فرارا}، أي ~~ما أرادوا عنده إلا فرارا ونحوه، {فما زادهم إلا نفورا}، وكقوله تعالى: {رب ~~إنهن أظللن كثيرا من الناس} أي ضل عندهن، وأشباه ذلك. # ومنها قوله: {فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم} # والجواب: من أين لهم أن الله الذي أعقبهم نفاقا وهو المتنازع، وعندنا أن ~~الضمير في قوله: {فاعقبهم} عائد إلى التولي والإعراض والبخل؛ لأنه أقرب ~~المذكورين؛ ولأن في إضافته إلى الله نقضا لمحكم الكتاب وأدلة العقل. # ومنها: قوله: {أضحك وأبكي} والضحك والبكاء قد يقعان معصية. # والجواب: أما البكاء فهو من فعل الله، ولا يصح كونه معصية، ولهذا لا يذم ~~العقلاء، ولا أهل الشرع من بدرة البكاء، وكذلك الضحك حيث يقع من دون ~~اختيار، وحيث يقع بالاختيار، فقد تكون طاعة، وقد يكون معصية، والمراد ~~بقوله: {أضحك وأبكى} أنه فعل ما عنده يقع الضحك كما يقول أضحكني زيد /212/ ~~أي فعل ما لأجله ضحكت، وليس في الآية أنه خلق الضحك، ويجوز أن يكون المراد ~~خلقه خلقه يتمكن معها من الضحك، ولهذا يختص بذلك من بين سائر الحيوانات. # ومنها قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} لأن المراد أنعمت عليهم بالإيمان. # والجواب: هب أنه كذلك، فلسنا نمنع القول بأن الله أنعم بالإيمان، ولكن ~~بمعنى أن الله قدر عليه ولطف فيه، ووفق فيه، ويجوز أن يكون المراد: الذين ~~أنعمت عليهم بالنصر الذي آتيتهم وحسن الثناء عليهم وإنجاز ما وعدتهم ونحو ذلك. PageV01P322 ### ||| AUTO القول في المتولدات # المتولد، هو ms265 الفعل الموجود بواسطة موجبة، كالعلم الحاصل بواسطة النظر ~~والألم الحاصل بواسطة التفريق والمبتدأ، يقابله وهما يرفان، فإن المسبب ~~والسبب في اغلب الأحوال ويفارقان المباشر والمتعدي مفارقة الأعم للأخص؛ لأن ~~المباشر هو الموجود في محل القدرة عليه والمتعدي، هو الموجود في غير محلها ~~بواسطة فعل في محلها، فكل متعد متولد ولا عكس، وكل مباشر مبتدأ بحسب الخلاف ~~بين الشيوخ، ولا عكس، والحاصل أنه يعتبر في المباشر والمتعدي محل القدرة، ~~فلا يصح إطلاقهما على أفعاله تعالى؛ لأنها كلها مخترعة. # فصل # والأسباب المولدة ثلاثة، وهي الاعتماد والكون والنظر، والمسببات ستة، ~~فالاعتماد يولد ثلاثة اعتمادا مثله، وكونا وصوتا، والكون يولد الألم وما هو ~~من جنسه، والتأليف والنظر يولد العلم، وكلما كان سببا صح أن يكون مسببا إلا ~~النظر، وكلما يصح من الله تعالى متولدا يصح منه مبتدأ، وكذلك من الواحد منا ~~إلا في الألم والتأليف والصوت فإنا لا نفعلها إلا متولدة. # فصل # وقد ذهب أبو علي إلى أن الله تعالى لا يفعل بسبب، ويبطله ما نعلم أن ~~كثيرا من أفعاله تعالى واقع بحسب غيره كسير السفينة وحركة الرحى عند قوة ~~الريح، والماء ونحو ذلك. # وبالجملة فالأسباب تولد لما هي عليه، إلا لأحوال الفاعلين فلا يختلف ~~باختلافهم، ألا ترى أن الاعتماد يولد لاختصاصه بالجهة، فمتى وجد ولد لا ~~محالة إذا لم يكن مانع، ولا يقف توليده على اختيار مختار، وكذلك التفريق ~~يولد الألم في بدن الحي لا محالة إذا انتفت الصحة، فإذا ولدت هذه الأسباب ~~وهي من فعلنا ولدت وهي من فعل الله أيضا لولا ذلك لجاز أن يولد إذا فعلها ~~زيد، ولا يولد إذا فعلها عمرو، ويولد في المشرق دون المغرب، وخلافه معلوم. # شبهة: إنه كان يلزم أن يكون الله تعالى محتاجا إلى السبب. PageV01P323 # والجواب: لا نسلمه؛ لأن كل جنس يصح منه تعالى متولدا يصح منه ابتداء، فأما ~~عين ما يوجد متولدا فهو وإن كان لا يصح عند أصحابنا إيجاده مبتدأ، فلذلك لا ~~تقتضى الحاجة إلى السبب؛ لأنه أمر يرجع إلى الفعل نفسه، وهو ms266 أنه كأن يكون ~~له في الوجود وجهان، فيؤدي إلى صحة مقدور بين قادرين، وصار الحال في احتياج ~~الفعل المعين عندهم إلى سبب واستحالته من دونه كالحال في احتياج الغرض ~~المعين إلى محل معين، واستحالة وجوده من دونه في أن ذلك لا يقتضي وصف ~~الباري تعالى بالحاجة في الموضعين. # فصل # كل شيء يتولد عن فعل العبد فهو فعله عند جمهور أصحابنا. وقال الجاحظ: ما ~~عدا الإرادة واقع بطبع المحل، وبه قال النظام ومعمر في ما يتعدى محل ~~القدرة، إلا أن النظام يجعله بواسطة محل الطبع. # وقال ثمامة: ما عدا الإرادة حدث لا محدث له، وقال أهل الجبر: جميع ~~المتولدات مما يتفرد الله به. # لنا: ما تقدم من وقوع أسبابها على قصودنا، ودواعينا، وحصولها بحسب قدرنا ~~وآلاتنا وبحسب ما نفعله من الأسباب في الكمية والمطابقة، ويتعلق الأمر بها ~~والنهي عنها والمدح والذم عليها ونحو ذلك مما تقدم ذكره، وليس خروجها عن ~~الاختيار عند وقوع أسبابها يخرجها عن كونها فعلا لنا كما أن خروج المبتدآت ~~بوقوعها عن الاختيار لا يخرجها عن كونها فعلا لنا. # ويبطل قول من علقها بالطبع أن الطبع غير معقول، إلا أن يريدوا به السبب ~~فيقع الخلاف في غاية، وبعد فيلزمهم في المعجزات أن تكون بطبع المحل فلا تقع ~~ثقة بالنبوة، وكذلك كان يلزم مثله في أصول النعم. # شبهتهم: إن المراد والمسبب يجبان عند حصول الإرادة والسبب ولا يتعلقان ~~بالاختيار كالمعلولات. PageV01P324 # والجواب: لا نسلم وجوب(1) المراد عند الإرادة؛ لأنه إن جعل إيجابها إيجاب ~~العلل لم يصح؛ لأن العلل إنما توجب الصفات والأحكام دون الذوات، ولأنه كان ~~إذا تزايدت الإرادة تزايد وجود المراد، ولأنه كان يلزم إذا قارنت أول حروف ~~الخبر أن لا يقع الكلام بها خبرا لأن ما يقضى ن العلل فلأنا ننزله، ولأنه ~~كان يجب اختصاصها بما هي علة فيه، وذلك لا يصح إلا بعد وجوده، فكيف يجعل ~~علة فيه، ووجوده سابق لاختصاصها به، ولأن محل الإرادة غير محل المراد، فكيف ~~يؤثر في غير محلها، ولأنه كان يجب وجود ms267 المعزوم عليه عند وجود العزم؛ لأنه ~~أراده، وكان لا يصح النهي عن المراد بعد حصول الإرادة، ولا أن يرجع المريد ~~عما أراده. وأن جعل إيجاب الأسباب فباطل أيضا لأنه يصح تعلق الإرادة بفعل ~~الغير، ولا يكون سببا فيه، ولأنه كان إذا اشترك جماعة في إرادة شيء كان ~~معذورا لكلهم، ولأنه كان يلزم في الضعيف إذا أراد المشي أن يقع لأن قدرة ~~السبب كافية في وقوع /214/ المسبب وإلا بطل كونه مسببا؛ ولأنه كان يلزم إذا ~~خلق الله في أحدنا إرادة دخول النار مع علمه بما فيها من المضرة أن يدخلها، ~~ولأنه قد يريد أحدنا ما هو متولد عن أحد الأسباب المذكورة، والشيء لا يكون ~~مسببا عن سببين؛ ولأنه إذا وجب وجود المراد عند وجود الإرادة لم يكن أحدهما ~~بأن يكون سببا في الآخر أولى من العكس، ولأنه كان يجب إذا أراد أحدنا ~~الكتابة وسائر الأفعال المحكمة أن يقع وإن لم يكن عالما وكله باطل. # وأما قولهم: يجب المسبب عند السبب فغير مسلم أيضا على الإطلاق؛ لأنه يجوز ~~أن يعرض عارض يمنع من وقوع المسبب وإن وقع السبب، وأما قياسهم ذلك على ~~العلل فغير صحيح؛ لأن الأدلة فصلت بين المعلول والمسبب، فإن المسبب ذات ~~موجودة كوجود السبب وحادثة كحدوثه، فأمكن تعليقها بالقادر بخلاف المعلول، ~~فإنه ليس بذات، وأيضا فالعلل لا تقف في الإيجاب على شرط بخلاف الأسباب. # فصل PageV01P325 وأما الكلام على المجبرة فجميع ما تقدم في خلق الأفعال متوجه عليهم هاهنا؛ ~~لأن أكثر ما كلفناه فعلا وتركا من المتولدات كالصلوات والزكوات والحج وقضاء ~~الدين ورد الوديعة والظلم والكذب والجلب والدفع والأدعية والصناعات ~~والكتابات ونحو ذلك، ويلزمهم أن يكون الله هو المتفرد بسب نفسه وقتل ~~الأنبياء وجميع الأكاذيب؛ لأن كل فعل ذلك متولد عن الاعتمادات. # والذي يختص هذا المكان من شبههم أن قالوا: كان يلزم أن يكون العاجز فاعلا ~~بل الميت، بل المعدوم بأن يرمي ثم يعدم قبل الإصابة. # والجواب: أتريدون بكونه فاعلا أنه حال الموت والعجز مستعمل قدرته في ~~الأحداث فغير لازم، ms268 أم تريدون أنه وجد من جهته بعض ما كان قادرا عليه فهو ~~صحيح فما يلزم منه. يزيده وضحوحا: أنه يستحق الذم على الإصابة الحاصلة حال ~~الموت أو العجز، ويصح أن يتوب من الإصابة قبل وقوعها لكونها كالواقعة بوقوع ~~سببها وكل ذلك لا يصح في ما ليس بفعل الإنسان. # قالوا: فهذا يقتضي أن يكون قد استحق العقاب في حال موته وإن لم يستحقه في ~~حال حياته، وهذا شنيع من القول. # قلنا: أما على قول شيخنا أبي هاشم وهو الصحيح فاستحقاق الذم على المسبب ~~هو في حال وقوع السبب؛ لأن المسبب حينئذ يكون في حكم الواقع، ولهذا صحت ~~التوبة عنه، ومتى منع من وقوعه مانع زال استحقاق الذم /215/ لأن استمرار ~~استحقاق الذم مشروط بوقوعه، وأما على قول شيخنا أبو علي قيل وهو أحد قولي ~~أبي هاشم فالذم يستحق حال وقوع المسبب، وإن كان مثبتا لأنه فعله وقد كان ~~يمكنه أن يحترز منه بأن لا يوجد سببه وليس في ذلك إلا الشنيع وهو متروك ~~للأدلة وهاهنا وجه قوي وهو أن المسبب إن كان صغيرا لم يستحق عليه الذم رأسا ~~وإن كبيرا فسببه كبير. PageV01P326 ### |||| AUTO فصل في ما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه فاعلا # منها الموجد والمحدث والمكون والمثيب، كلها سواء. ومنها: المخترع ~~والمبتدع والمنشي والمبدئ والمديء، كلها تفيد الإيقاع لا بمثال ولا احتذاء. ~~ومنها: الصانع، ولا يستعمل إلا مضافا، نحو: صانع العالم؛ لأن إطلاقه يوهم ~~الاحتراف والتكسب. # ومنها: الخالق؛ لأنه يفيد إيقاع الفعل مقدرا بحسب المصلحة من غير زيادة ~~ولا نقص، ومثله الباري والمقدر والمدبر، وقيل: المدبر مجاز في حقه تعالى؛ ~~لأنه يفيد النظر في عواقب الأمور. # ومنها: المجمل والمنعم والمفضل، أي فاعل الجميل والنعمة والإحسان، ومثله ~~الموسع والمنان، ومنع شيوخنا من الحنان؛ لأنه يفيد رقة القلب من حنين ~~الناقة على ولدها، وأجازوا حنان بالتخفيف بمعنى الرحمة كما قال تعالى: ~~{وحنانا من لدنا} أي ورحمة منا. # ومنها: الجواد معناه المكثر من فعل العطايا، وأما السخي فمنعه شيوخنا؛ ~~لأنه مأخوذ من اللين، ms269 يقال: أرض سخاوية، أي لينة ولم يحصل عرف ينقله عن ~~أصله إلى من أكثر العطاء، ولهذا لو أعطى الرجل عطاء جزلا لا على سهولة لم ~~يوصف بالسخاء. # ومنها: العدل والعادل والحكيم والمحكم معناه فاعل العدل والحكمة. ومنها: ~~المبديء والمعيد، معناه الذي أنشأ الخلق أولا وثانيا، والفاطر كالمبتدئ. # وأما الأسماء الجارية عليه تعالى من طريق الاشتقاق فمنها: المحيي المميت، ~~أي فاعل الموت والحياة عند من يجعله معنى، أو سببه عند من لا يجعله معنى. ~~ومنها: المقدر والمقوي والمعلم والمكلف والدال والدليل عند من يجيز إطلاقه. ~~ومنها: المنور، أي فاعل النور، وقد يراد به ناصب الأدلة. PageV01P327 # وأما وصفه تعالى بأنه نور في قوله: {الله نور السماوات} فمجاز، ومعناه: ~~المنور أو الهادي لأهل السماوات والأرض، ومنها الهادي والمرشد، وأما المضل ~~فإطلاقه يوهم الخطأ فلا بد من تقييده فيقال: أضل الكفار، بمعنى أهلكهم أو ~~عذبهم أو /216/ سماهم كذلك. ومنها: اللطيف واللاطف والعاصم والموفق والمصلح ~~والمسدد كله بمعنى فاعل اللطف وبالعكس الخاذل والمسلط ونحو ذلك. # ومنها الخير أي فاعل الخير، نقيض الشريرن وقد أجاز إطلاقه أبو علي ومنعه ~~أبو هاشم. قال: لأنه صار بالعرف اسما لمن يستحق الثواب كقولنا: فاضل وصالح، ~~وقد امتنعا بالإجماع، فلذلك خير. # ومنها: الكريم، أي فاعل الكرم، وإن استعمل بمعنى المتنزه عما لا تنبغي ~~الصفات، ومنها: البر الرحيم الراحم الرحمن الرؤوف، أي فاعل الرحمة، وهي ~~النعمة، وليس المراد رقة القلب؛ لأن الأصل هو النعمة، ولهذا لو حصلت رقة ~~القلب في الشاهد ولا نعمة لم تسم رحمة. # ومنها: الرازق والرازق والوهاب، فإذا أكثر من ذلك فهو الباسط، وإن قدره ~~بمعنى بحسب المصلحة فهو القابض، فإذا أخبر عن نفسه بإيصاله فهو الكفيل ~~والكافل والمتكفل. # ومنها الغياث، أي فاعل الغوث. ومنها: المؤمن، أي فاعل الأمان من العقاب، ~~أو مصدق أنبيائه بالمعجزات، ومثله المهيمن أي المصدق والشاهد كما قال تعالى ~~ومهيمنا عليه أي شاهدا، قال الشاعر: # إن الكتاب مهيمن لنبيئنا .... والحق يعرفه ذوو الألباب # وأما السلام فمعناه المسلم من الآفات والعقاب والمحن، وهو مجاز من ms270 باب ~~تسمية الفاعل باسم فعله. # ومنها: الطالب والمدرك، معناه يطلب الحق من الظالم فلا يفوته ما طلب، ~~والمراد بالطلب هنا والإدراك فعل ما معه يصل المظلوم إلى حقه، ومنها: ~~المثيب والمعاقب، أي فاعل الثواب والعقوبة والدال على أنه يفعلهما، ومنها ~~المجيد والماجد، قال الزجاج: معناه الفعال، وقيل: هو مثل جواد. PageV01P328 # ومنها: الحميد، قيل: كثير الحمد لعباده على فعل الخير مثل شكور، وقيل: حميد ~~بمعنى محمود، وأما قولنا أب فصحيح بمعنى المانع بمعنى الممتنع وعلى الأول ~~حمل قوله تعالى: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أي يمنع من إطفائه، ومنها: ~~الحفيظ والحافظ والراعي والحارس والكافي والوديع كله يفيد دفع المكاره عن ~~عباده، وإن كان لا بد من تقييد فمما يوهم الخطأ منها كالحارس والداعي، فإنه ~~يفيد نوع احتراف. # ومنها: المتكلم أي فاعل الكلام والمبين فاعل البيان، ولا يجري عليه في ~~هذا القبيل ما يفيد التكلم بآلة نحو الفصيح والناطق والصائح والخطيب ~~والقاض، ونحو ذلك. # وأما العامل فلا يجوز إجراؤه عليه تعالى، وما ورد منها فمجاز يقر حيث ~~ورد؛ لأنها إنما تستعمل في من يجهل عواقب الأمور، وكذلك الشاكر والشكور ~~/217/ لا يجري عليه تعالى؛ لأنه إنما يستعمل في مقابلة نعمه واستعماله حيث ~~ورد مجاز من باب تسمية الشيء باسم مقابله، فسمى الجزاء على الشكر شكر، كما ~~سمى الجزاء على السيئة سيئة. PageV01P329 ### ||| AUTO القول في أن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بذنبه ولا يثيبه إلا بعلمه # اعلم أولا أن الثواب هو المنافع المستحقة المفعولة على وجه الإجلال ~~والتعظيم. # وقلنا: المستحقة احترازا من التفضل، وقلنا على وجه الإجلال والتعظيم ~~احترازا من العوض فإنه يستحق لا على هذا الوجه، ولهذا يصل إلى المثاب ~~والمعاقب والمكلف وغيره. # والعقاب هو المضار المستحقة على وجه الاستخفاف والإهانة. # قلنا: المستحقة احترازا من الظلم وما ينزل بالمرء لطفا أو لجلب نفع أو ~~دفع ضرر. # وقلنا: على وجه الاستحقاق والإهانة احترازا من حد التأنيب. # فصل # ذهب أهل العدل إلى أن الله تعالى لا يثيت أحدا إلا بعمله ولا يعاقب أحدا ms271 ~~إلا بذنبه. # وقال أهل الجبر: يجوز أن يعذب الأنبياء بذنوب الفراعنة ويثيب الفراعنة ~~بطاعة الأنبياء. PageV01P330 # ومنهم من قال: إذا كان يوم القيامة حملت ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى ~~وأعطوا طاعات الملائكة. # لنا: أن إثابة من لا يستحق تضمن تعظيم من لا يستحق التعظيم لما تقدم من ~~أن الثواب لا يتميز عن العوض إلا بذلك وتعظم من لا يستحق التعظيم قبيح ~~بالضرورة، ولهذا فإن العقلاء يستقبحون قيام الملك في وجه الرجل الدني ~~الوضيع لما كان لا يستحق ذلك ويستقبحون تعظيم الأجانب كتعظيم الأبوين ~~وتعظيم الأبوين كتعظيم الخالق جل ذكره. # ومن هنا: قبحت العبادة للأصنام من حيث كان تعظيم من لا يستحق. # وبعد، فلو حسن الثواب لا بعمل لقبح التكليف وصار عبثا. # وأما عقاب من لا يستحق فلأنه محض الظلم وكل ظلم قبيح إما أنه ظلم؛ فلأن ~~الظلم هو الضرر الصادر عن عالم أو متمكن من العلم بصفته عاريا عن استحقاق ~~وجلب نفع ودفع ضرر، والظن لهما وعن كونه كالواقع من جهة المضرور، وعن كونه ~~كالواقع من جهته غير فاعل الضرر. # قلنا: الضرر جنس، وقلنا: الصادر عن عالم أو متمكن من العلم بصفته احترازا ~~من الضرر الصادر من غير المكلفين والساهي والنائم، فإنه لا يوصف بأنه ظلم ~~وإن وصف بالقبح. # قلنا: عاريا عن استحقاق احترازا من عقاب العصاة. # قلنا: وجلب نفع احترازا من تحمل مشاق الأسفار ونحوها طلبا للربح والرئاسة ~~ويدخل فيه أنواع التاديبات والالطاف ونحو ذلك. # قلنا: دفع ضرر احترازا من الفصد والحجامة، قلنا: وعن الظن لهما؛ لأنه لا ~~فرق في حسن إنزال الضرر بين العلم بجلب النفع ودفع الضرر وبين /218/ الظن ~~لذلك ولا يكفي ظن الاستحقاق في حسن الضرر كما ستعرف. # قلنا: وعن كونه كالواقع من جهة المضرور احترازا من عدوان الظالم والسبع ~~إذا عدا علينا فقتلناه دفعا عن أنفسنا، فالضرر كالواقع من جهة نفسه. PageV01P331 ### |||| CHECK [فصل في شبه أهل الجبر] # قلنا: وعن كونه كالواقع من جهة غير فاعل الضرر احترازا ممن يلقي صبيا في ~~النار أو البرد فيميته الله، ms272 فضرر الإماتة هو كالواقع من جهة الملقى حيث قد ~~علم أن الله يفعل ذلك بمجرى العادة. # وأما إن كل ظلم قبيح فذلك ضروري في الشاهد، ولا علة لقبحه، إلا كونه ظلما ~~بدليل أن من علم ذلك علم قبحه ومن جهله جهل قبحه. # فصل # ومحكم السمع يطابق ما ذهبنا إليه، قال تعالى :{ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، {فكلا أخذنا بذنبه}، {فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} ~~الآية: {والوزن يومئذ الحق} {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا} {إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا} {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} {يوم ~~تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا} الآية {وتوفى كل نفس ما عملت} {هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون} {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} {بما عملوا} {بما ~~ظلموا} {بما كانوا يفسقون} بما قدمت أيديهم بما قدمت يداك وإن الله ليس ~~بظلام للعبيد} والقرآن مشحون بأمثال هذا مما لا يحتمل التأويل. # فصل في شبههم # أما من جهة العقل فلا شبهة لهم، وأما من جهة السع فتمسكوا بشيء من ~~المتشابه، والأصل فيه على الجملة ما تقدم من أن مذهبهم يقتضي أن لا يوثق ~~بالسمع لا سيما وهذه المسألة لا يؤخذ فيها بالسمع إلا مؤكدا كلنا يجيب ~~تبرعا عن الآيات التي ذكروها. # فمنها قوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم} {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم}. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها؛ لأن الحمل المعقول إنما يكون في ماله نقل، ~~وذلك لا يصح إلا في الأجسام؛ ولأن الظاهر يقتضي التخفيف عن المحمول من ~~أوزارهم؛ لأن من حمل ثقل غيره فقد خفف عنه والإجماع على خلافه. PageV01P332 # وبعد، يقتضي ظاهرها مخالفة الإجماع فهو يقتضي مخالفة العقل والكتاب والسنة، ~~أما العقل فلا شك أنه يقبح أخذ الغير بجرم غيره أو من غير جرم. # وأما الكتاب فقوله: {وماهم بحاملين من خطاياهم من ms273 شيء} /218/ وقوله: {ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها و{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وسائر ما تقدم ذكره. # وأما السنة فهي في ذلك أكثر من أن تحصى، ولو ادعى في ذلك الضرورة من ~~الدين لأمكن. # إذا ثبت هذا فالمعنى يحملون أوزارهم، ومثل أوزار الذين يضلونهم لأجل ~~إضلالهم إياهم، وذلك لأنهم فعلوا، وتبين ضلالهم وإضلالهم لغيرهم، فأضف ~~أحدها إليهم والثاني إلى الأتباع ليقع التمييز بين ما حملوه لضلالهم وبين ~~ما حملوه لإضلالهم وإضافة المصدر إلى المفعول أكثر من أن يحصى، وعلى مثل ~~هذا حمل قوله: {بإثمي وإثمك} أي بإثمك الذي اختصصت به وبإثمك الذي اكتسبته ~~بقتلي، فأضافه إلى نفسه ليقع التمييز، وهذا في ألسنة الناس كثير يقال حمل ~~إثم هذه البهيمة بقتله لها، أي حمل إثمهما بقتلها، وعلى هذا حمل قوله عليه ~~السلام: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن ~~سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) أي ومثل وزر من ~~عمل بها؛ لأجل الإغواء، ولولا هذا لسقط وزر الذي عملها؛ لأن الذي قد سنها ~~قد حمله. # ومنها قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قالوا: ~~فبين أنه يصيب الظالم وغيره. # والجواب: هذا التفسير فاسد من جهة اللفظ ومن جهة محكم الكتاب والسنة، ومن ~~جهة العقل. PageV01P333 # أما من جهة اللفظ فإنهم بنوا على أن قوله: {لا تصيبن} نعت للفتنة وليس كذلك ~~ولا هو خبر لها أيضا؛ لأن نون التأكيد لا تدخل في النعت ولا في الخبر، ~~وإنما تدخل عند النحاة في ستة مواضع في الأمر نحو: اضربن والنهي نحو لا ~~تضربن، وفي المستقبل مع الأمر نحو: {لتركبن طبقا عن طبق}. وفي الاستفهام ~~نحو: {هل يذهبن كيده ما يغيظ} وفي جواب القسم نحو: {وتالله لأكيدن ~~أصنامكم}. وفي أما للفرق بينها وبين التخيير نحو: {فإما يذهبن} # وأما من جهة المعنى فهو أن الآية تحذير ولا معنى للتحذير إلا إذا أمكن ~~الاحتراز مما حذر منه، وإذا كانت الفتنة تصيب ms274 الظالم وغيره والمتقي وغيره ~~كان الأمر بالإبقاء لا معنى له؛ لأنه يكون التقدير: اتقوا فتنة تصيبكم سواء ~~اتقيتم أم لا. # وأما من جهة العقل فهو ما تقدم، وكذلك من جهة الكتاب والسنة، وقد قال ~~تعالى: {قل أرأيتكم إن آتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون}. # إذا ثبت هذا فالمعنى على ما قاله بعض النحاة أنها جزاء فيه طرف من النهي ~~أو القسم كما يقول: انزل من الدابة لا نطرحنك ولا يطرحك، فهو جواب /220/ ~~الأمر بلفظ النهي، أي انزل فإن تنزل لا يطرحنك وعلى مثل هذا حمل قوله ~~تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده} ويجوز أن ~~يكون الكلام متضمنا معنى كي، أي اتقوا فتنة كي لا تصيبن الذين ظلموا ~~وادخلوا مساكنكم كي لا يحطمنكم، فتكون الآية دليلا لنا عليهم. # ومنها قوله: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} فوبخها بذنب غيرها. # والجواب: لا تعلق بظاهرها؛ لأن أصل السؤال للإستفهام وهو مستحيل في حقه ~~تعالى؛ ولأن الظاهر يقتضي أن لها ذنبا، والمعنى أنه تعالى وبخ الظالم لها ~~ووجه السؤال إلى المظلوم للقطع على أنه ليس له جرم ومبالغة في تأنيب ~~الظالم، كما يقول العرب للمظلوم: لماذا ضربك زيد ولأي جرم شتمك إذا كانوا ~~لا يعرفون له ذنبا، أي لا ذنب لك يقتضي ما فعل بك. PageV01P334 # ومثل هذا قوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين} وأورده تعالى تقريعا للقائل بهذه المقالة. # ومنها قوله تعالى: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا}. # والجواب: أن الظاهر متروك؛ لأنه لو تيقن موسى أن الله يفعل ذلك لما كان ~~للإستخبار معنى، فدل على أنه غير متيقن لما يدعى المخالف بيقينه والاستفهام ~~عندنا استهفام استنكار وتبعيد، كأنه قال: لست تهلكنا بما فعل السفهاء منا ~~كما قال تعالى: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} أي لسنا نطعم، وقوله: {أنؤمن ~~لبشرين مثلنا} ونحوه. # ومنها قوله تعالى: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} فبين أنه يعذب ~~الجلود التي ms275 لم تعص. # والجواب: أن المعذب هو الجملة التي عصت لأنفس الجلد والجلود بمنزلة ما ~~نزيده فيهم من تعظيم الخلقة وتشويهها والمعذب هو الجملة لا هذه الزوائد. # وقيل: إن المراد بالتبديل إعادة الجلود، وسمى الإعادة تبديلا كما قال ~~تعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنيتن} ولم يرد أنه بدل أصلهما وإنما المراد أنه ~~أعاد من جناتهم التي كانت قبل خراب السد هاتين الجنتين. # ومنها قوله: {يا نساء النبي} إلى قوله: {يضاعف لها العذاب ضعفين}. # والجواب: يقال: ومن أين لكم أنهن لا يستحققن ضعفي ما يستحق غيرهن وجائز ~~اختلاف الحدود باختلاف المصالح واختلاف العذاب باختلاف أحوال العصاة، ولهذا ~~كان حد الحر ضعف حد العيد، ولا يمتنع أن تكون المفسدة في إتيانهن الفاحشة ~~أعظم من غيرهن، ولئن خيانة النبي ليس كخيانة غيره، ولهذا قال تعالى لنبيه ~~/221/: {إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} أي وضعف عذاب الحياة. # تنبيه # اعلم أن الظاهر أن الخصوم يستدلون بهذه الشبهة على وقوع التعذيب من غير ~~ذنب، وليس ذلك مذهبهم وإنما مذهبهم الجواز ويوافقون في أنه لا يقع فإذا لا ~~شبهة لهم. # فصل # قطع أهل الحشو على أن أطفال المشركين يعذبون بذنوب آبائهم، والكلام عليهم ~~ما تقدم. PageV01P335 # وشبهتهم من جهة العقل هي أن حكمهم كحكم آبائهم في الدنيا في السبي ~~والاسترقاق والمنع من الدفن في مقابر المسلمين، فكذلك في الآخرة. # والجواب: يمنع الجامع وبالمعارضة بكونهم لا يقطعون بسرقة آبائهم ولا ~~يجلدون بزناهم ولا يقادون بقتلهم، والتحقيق أنه إنما فعل بهم ذلك في الدنيا ~~على طريق المحنة كالأمراض التي تصيبهم عبرة لآبائهم وزجزا لهم عن الكفر، ~~ولهم في مقابلة ذلك من الأعواض ما يوفى عليه. # قالوا: يجب أن يكون العقاب على أبلغ الوجوه وأبلغ الوجوه أن يرى قرة عينه تعذب. # والجواب: لا نسلم أنه يقع على أبلغ الوجوه؛ لأن المعاقب يستحق قدرا من ~~العقاب في كل وقت، ولا يصح الزيادة عليه، ولهذا يكن عذاب الجاحد للربوبية ~~أعظم من عذاب الجاحد للنبوة. # وبعد، فيجب أن يعذب الأنبياء والمؤمنون بذنوب آبائهم؛ لأن ذلك أبلغ في ms276 غم ~~آبائهم. # وبعد، فكل في الآخرة مشغول بنفسه كما حكى الله تعالى. # وشبهتهم من جهة السمع ما رووه عن خديجة أنها سألت النبي عليه السلام عن ~~أطفال كانوا لها في الجاهلية، فقال: لو شئت لأسمعتك صغارهم في النار. # والجواب: لا نسلم صحة هذا الخبر عنه عليه السلام وإن صح فأحادي. # وبعد، فهو معارض بدلالة العقل ومحكم القرآن، وبقوله عليه السلام: ((رفع ~~القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستقض، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى ~~يحتلم)). # وفي الحديث أنه عليه السلام سئل عن أولاد المشركين، فقال: هم خدم أهل ~~الجنة، والمروي أنه عليه السلام نهى في بعض الغزوات عن قتل الأطفال، فقيل: ~~أو ليسوا أولاد المشركين؟ قال: أوليس أحباركم أولاد المشركين يعي نفسه كل ~~نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها إما شاكرا وإما كفورا. # وبعد، فالطفل قد يستعمل في البالغ لقريب عهده بالطفولة كما قال: # عرضت لعامر والخيل تردي .... بأطفال الحروب مشمرات # /222/ PageV01P336 ### |||| AUTO فصل [في ذكر بعض ما يلزمهم] # يقال: إذا كان الثواب والعقل إنما هو لأجل اختيار الله ابتدأ لا لأجل ~~طاعة ولا معصية فما معنى الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية؟، وما معنى ~~الجزاء والحساب ونصب المووازين ونشر الصحف وإرسال الرسل. # حكي أن مجبرا قص فقال: يغفر الله يوم القيامة لجميع مذنبي أمة محمد ثم ~~ينادي يا عبادي أبمثل هذا يؤتى إن كان لكم عنا في الطاعة فما بالكم لم ~~تأتوني بالمعاصي لأغفر لكم. فقال: معتزلي هذا أغر بالمعاصي، فقال: نعم رغما لكم. # واحتضر مجبر وعليه دين فجمع أولاده وقال: قد علمت أني من إحدى القبضتين ~~فاحتفظوا بمالكم ولا تقضوا شيئا من ديوني، فإن كنت من أهل الجنة لم يضرني ~~وإن كنت ن أهل النار لم ينفعني شيء. # وقال عدلي لمجبر: ما تقول في مشرك مات طفله حال الشرك ثم أسلم هو؟ فقال ~~المجبر: المشرك الذي أسلم في الجنة، وولده في النار. # وقال عدلي لمجبر: إذا كانت ذنوب المسلمين تحمل على الكفار فهي إذا أول ما ~~يفعل ms277 لأنه يزداد بها غم الكفار. PageV01P337 ### ||| AUTO القول في القضاء والقدر # القضاء يستعمل في اللغة بمعنى الخلق نحو: {قضاهن سبع سماوات} وبمعنى ~~الأمر نحو: {وقضا ربك ألا تبعدوا إلا إياه} وبمعنى الإعلام نحو: {وقضينا ~~إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن} ونحو: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر ~~هؤلاء مقطوع} وبمعنى الفراغ نحو: {فلما قضى موسى الأجل} ونحو: {فلما قضى ~~ولوا إلى قومهم}، وأما القدر فلم يرد إلا بمعنى الكتابة والعلم نحو قوله: # واعلم بأن ذا الجلال قد قدر.. في الصحف الأولى التي كان شطر.. أمرك هذا ~~فاجتنب منه النتر، أي علم وكتب. وكقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} أي بعلم ~~فإذا أرادوا به التقدير فق دورد بمعنى الخلق نحو: {وقدر فيها أقواتها} ~~وبمعنى الكتابة أيضا والعلم نحو: {قدرناها من الغابرين}. # فصل # واتفق أهل القبلة على إثبات القضاء والقدر في جميع أفعال العباد بمعنى ~~العلم والكتابة، واتفقوا على بقية بمعنى الأمر، واختلفوا في هل قضا أفعال ~~العباد وقدرها بمعنى خلقها فأنكره أهل العدل. # وقال به أهل الجبر. # لنا: ما تقدم في مسألة خلق الأفعال. PageV01P338 # وبعد، فقد وقع الإجماع على وجوب الرضى بقضاء الله، ووقع الإجماع على قبح ~~الرضى بالمعاصي، وأخبر الله عن نفسه أنه لا يرضى الكفر، وجاء في الحديث: ~~((من لم يشكر نعمائي ويصبر على بلائي ويرضى بقضائي فليتخذ ربا سواي)). # وبعد، فوقع الإجماع أيضا على أن قضاء الله حق لقوله تعالى /223/: {والله ~~يقضي بالحق} ووقع الإجماع على أن الكفر باطل كما قال تعالى: {وزهق الباطل} ~~فلو كانت المعاصي بقضائه لكانت حقا. # وبعد، فإذا جاز القضى بالمعاصي بمعنى الخلق جاز أيضا القضاء بها، بمعنى ~~الأمر؛ لأنه ليس الأمر بالكفر بأبلغ من فعله في الكافر ومنعه من الإيمان. # وبعد، فقد قال تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}، فلو كانت المعاصي من ~~القدر لكانت أمر الله، والمخالف لا يقول بذلك. ### |||| AUTO فصل [في بيان من القدرية] # اتفق الناس على أنه اسم ذم لما ورد الأثر بذمهم ولعنهم والنهي عن ~~مجالستهم وتشبيههم بالمجوس، وعندنا ms278 أنهم المعنيون به وعندهم أنا المعنيون به. # ودليلنا اللغة، والمعنى والآثار. # أما اللغة فهو أن الاسم إنما يشتقه أهل اللغة لمن أثبت الشيء لا لمن ~~نفاه، والخصوم أثبتوا القدر بالمعنى المختلف فيه، ونحن ننفيه وهم أحق بهذا ~~الاسم، كما أن الموحد من أثبت الواحد، والثنوي من أثبت الثاني، والمجسم من ~~أثبت التجسيم، والمجبر من أثبت الجبر، والعدلي من أثبت العدل، وأشباه هذا ~~كثير، فكذلك القدري لمن اثبت القدر، ولو كان اسما لمن نفاه لكان المسلمون ~~ثنوية؛ لأنهم ينفون الثاني. # فإن قالوا: أنتم القدرية لأنكم تثبتون القدر على أفعالكم، فالاسم من ~~القدرة. PageV01P339 # قلنا: لو كان كذلك لكنتم أيضا قدرية؛ لأنكم تثبتون القدرة لله تعالى، ~~وأكثرهم يثبت القدرة للعباد، وإن زعم أنها موجبة، وكان يلزم أن يكون الله ~~قدريا؛ لأنه اثبت القدرة لنفسه. # على أن اسم المشتق من إثبات القدرة قدري بضم القاف والخبر ورد بفتحها. # وبعد، فهم يلهجون بالقدر في كل قضية، وقد جرت عادت أهل اللغة بأن من أكثر ~~اللهج بشيء سمي به كما يقال تمري لبني لمن أكثر اللهج بذلك. # وأما من جهة المعنى فهو أن النبي عليه السلام ذمهم ونهى عن مجالستهم وحكم ~~بأنهم شهود إبليس وخصماء الرحمن وشبههم بالمجوس فسبيلنا أن ينظر في معاني ~~هذه الأطراف، أما الذم فوجدناهم أحق به؛ لأنهم أضافوا إلى الله تعالى كل ~~قبيح من ظلم وعبث وسفه وتكليف ما لا يطاق والإضلال عن الدين ونحو ذلك مما ~~لو نسبته لأحدهم لأنف منه ونفاه عن نفسه. # ونحن نقول: إن الله عدل حكيم متنزه عن كل نقص في الذات والفعل منعم على ~~كل الخلق، له الحجة على المكلفين. # على أنا قد بينا فساد مذهبهم ولا ذم في المذهب أبلغ من فساده. # وأما النهي عن المجالسة فنظرنا فوجدنا في مجالستهم من المفسدة ما لا ~~يخفى، أما أولا فلأنهم يغرون بالمعاصي ويسهلونها بقولهم ما قدره الله كان ~~وما لم يقدره لم يكن، فلا وجه للصبر عن المعصية والتحفظ /224/ منها. # وأما ثانيا فلأنهم يؤيسون من رحمة الله ms279 وعدله لتجويزهم أنه يعذب من غير ~~ذنب، وأنه خلق خلقا للنار، فلا تنفعهم الطاعة، وآخرين للجنة فلا تضرهم ~~المعصية، فلا تسكن نفس مطيع بطاعة ولا تخاف نفس عاص من معصية. # وأما ثالثا فلأنهم أساءوا الثناء على الله تعالى بقولهم: كل قبيح وفساد ~~من قبله وأحسنوا الثناء على العصاة بقولهم: لا حيلة لهم. # وأما كونهم شهود إبليس وخصماء الرحمن فلأن الله تعالى إذا قال لإبليس ما ~~منعك أن تسجد ولم كفرت فتقول: أنت: يا رب منعتني من السجود، وقضيت علي ~~بالكفر، فهو منسوب إليك ونسبته إلي كذب لا صحة له ولاحجة لك علي. PageV01P340 # فإذا قال الله تعالى: {من شاهدك على هذا فلا يجد غير أهل هذه المقالة}. # حكى الحاكم رحمه الله أنه كان في البصرة نصراني فكتب كتابا قال فيه شهود ~~أهل هذا الكتاب المسمون يشهدون أن فلانا النصراني فعل الله فيه الكفر وقضاه ~~عليه ومنعه من الإيمان، وأنه أتى في ما أتى من قبل الله تعالى، ثم كان يأتي ~~المجبرة فيأخذ خطوطهم بذلك ويقول: اكتبوا حتى تشهدوا لي يوم القيامة، ~~فكانوا يكتبون وأهل العدل يسخرون منهم # ويحكى أيضا أن مجبرا سمع قارئا يقرأ: {فقال ما منعك أن تسجد} فقال: هو ~~والله منعه، ولو قال إبليس منعه لكان صادقا، وقد أخطأ إبليس الحجة، ولو كنت ~~حاضرا لقلت منعته. # وأما شبهتهم بالمجوس فمن وجوه: منها أن المجوس يقولون: أحد الإلهين يقدر ~~على الخير ولا يقدر على الشر، والآخر بالعكس، والمجبرة يقولون: الكافر يقدر ~~على الكفر ولا يقدر على الإيمان والمؤمن بالعكس. # ومنها أن المجوس يعلقون المدح والذم بما لا اختيار في فعله ولا تركه. # يحكى أنهم يرمون بالبقرة من شاهق ويقولون: انزلي لا تنزلين فإذا وقعت على ~~الأرض قالوا: عصت فأكلوا لحمها، وكذلك مذهب الخصوم في الكافر والمؤمن. # ومنها أن المجوس علقوا هذه الأحكام من مدح وذم وأمر ونهي بما لا يعقل وهو ~~الطبع، والمخالفون علقوا ذلك بما لا يعقل وهو الكسب. # ومنها أن المجوس علقوا ينكحون أمهاتهم وأخواتهم ويفعلون القبائح ويقولون ms280 ~~كل ذلك إرادة الله منا، وهو من الله، وكذلك قول المخالفين في المعاصي. # قالوا: بل أنتم المجوس لأنكم تضيفون الشرور إلى الشيطان وتنفونها عن ~~الله، فكذلك مذهب المجوس. # قلنا: الشرور التي أضافتها المجوس إلى الشيطان هي الأمراض والمصائب ~~والصور التي تنفر عنها النفوس وكل هذا نحن نضيفه إلى الله. PageV01P341 # وأما الشرور التي هي الإغواء والصد عن الدين وسائر المعاصي فإن إضافتها إلى ~~الشيطان /225/ ليس مما يختص به المجوس، بل قد قال به اليهود والنصارى ~~والنبي عليه السلام إنما شبه القدرية بالمجوس في مذهب يختصون به دون سائر ~~فرق الكفر. # على أن الذي أضفناه إلى إبليس من الإغواء والوسوسة والصد عن الدين ونحو ~~ذلك، قد أضافه الله إليه ورسوله والسلف الصالح، ولو ادعى كونه ضرورة من ~~الدين لصح، ولهذا قال أبو بكر رضي الله عنه في مسألة: هذا ما رآه أبو بكر ~~فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله تعالى ورسوله ~~منه بريئان. # ومثله قال عمرو وابن مسعود: وهذا شيء لا ينكره إلا جائر عن الحق، وأيضا ~~فالشرور التي هي المعاصي مما تستلذه النفس، والظاهر من مذهب المجوس أنهم لا ~~يضيفونه إلى الشيطان؛ لأنه من الخير عندهم. # وأما الآثار فقد روى في الفائق أنه قال: ((لعنت القدرية والمرجئة على ~~لسان سبعين نبيا قيل: ومن القدرية يا رسول الله؟ قال: قوم يزعمون أن الله ~~تعالى قدر المعاصي عيهم وعذبهم عليها، قيل: ومن المرجئة؟ قال: قوم يقولون ~~الإيمان قول بلى عمل)). # وروى أبو الحسن عن محمد بن علي المكي بإسناده أن رجلا قدم على النبي عليه ~~السلام من فارس فقال النبي: ((أخبرني بأعجب ما رأيت))، قال: رأيت قوما ~~ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون؟ قالوا: قضاه ~~الله وقدره، فقال عليه السلام: ((أما إنه سيكون في آخر هذه الأمة قوم ~~يعملون المعاصي ويقولون الله قدرها عليهم، الراد عليهم كالشاهر سيفه في ~~سبيل الله)). PageV01P342 # وعن الأصمع ابن نباتة، قال: قام شيخ إلى علي بعد انصرافه من صفين ms281 فقال: ~~أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله وقدرة؟ فقال رضي الله عنه: ~~(والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا ~~تلعة إلا بضاء وقدر) فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر ~~شيئا، فقال له: (مه أيها الشيخ بل أعظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون ~~وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها ~~مضطرين)، فقال الشيخ: كيف والقضا والقدر ساقانا؟ قال: (ويحك لعلك ظننت قضاء ~~لازما وقدرا حتما لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد ~~والأمر والنهي ولم يأت من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم يكن المحسن ~~أولى بالمدح من المسيء تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور ~~وأهل العمى عن الصواب وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله تعالى أمر ~~تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكروها ولم يرسل ~~الرسل /226/ إلى خلقه عبثا ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ~~ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) فقال الشيخ: فما القضا والقدر ~~اللذان ما سرنا إلا بهما؟ قال: (هو الأمر من الله والحكم، ثم تلا {وقضا ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه} فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول: # أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته .... يوم الحساب من الرحمن رضوانا # أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا .... جزاك ربك عنا فيه إحسانا # وعن الحسن البصري أن الله بعث محمد والعرب قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على ~~الله تعالى مصداقة في قوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها..}الآية، وفي قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما أشركنا} ونحوها. PageV01P343 # وعنه أيضا أن من المخالفين قوما يقصرن في أمر دينهم ويعملون فيه بزعمهم على ~~القدر، ثم لا يرضون في دنياهم إلا بالجد والاجتهاد في الطلب والأخذ بالحزم ~~فإذا أمرت أحدهم بشيء من أمر الآخرة قال: لا أستطيع قد جفت الأقلام وقضى ~~الأمر، ولو قلت ms282 له: لا تتعب نفسك في طلب الدنيا وفيها مشاق الأسفار والحر ~~والبرد والمخاطرة، فإنه سيأتيك ما قدر لك، وكذلك لا تسق زرعك ولا تحرسه ولا ~~تعقل بغيرك ولا تغلق باب دارك ولا تلتمس لغنمك راعيا فإنه لا يأتيك في جميع ~~ذلك إلا ما قدر لك لأنكر ذلك عليك ولما رضي به في أمر دنياه، وقد كان وقد ~~كان أمر الدين بالاحتياط أولى. # وسئل جعفر بن محمد عليه السلام عن القدر فقال: ما استطعت أن تلوم العبد ~~عليه فهو فعله ومالم تستطع أن تلومه عليه فهو فعل الله يقول الله: لم كفرت ~~ولا يقول: لم مرضت. # وسئل محمد بن واسع عن القدر فقال: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ~~يسألهم عما أمرهم ولم يسألهم عما قضا عليهم. ### |||| AUTO فصل [في بعض ما جرى من المناظرات] # قال عدلي لمجبر: ما تقول في علي رضي الله عنه هل قاتل معاوية لعنه الله ~~على شيء جعله الله لمعاوية وقضاه له أم على شيء جعله لعلي وقضاه له؟ فقال: ~~بل على شيء جعله لمعاوية وقضاه له، قال: فمعاوية إذن أحسن حالا من علي حيث ~~رضي بما قضى له ولم يرض علي بذلك فانقطع المجبر. # وقال عدلي لمجبر: أكان قتل يحيى بن زكريا وسائر الأنبياء بقضاء الله ~~وقدره؟ قال: نعم، قال: أفترضون به؟ فسكت. # وقال عدلي لمجبر: أنتم إذا ناظرتم المعتزلة قلتم بالقدر وإذا دخل أحدكم ~~منزله ترك ذلك لأجل فلس، قال: وكيف قال: إذا كسرت جاريته كوزا يساوي فلسا ~~/227/ ضربها وشتمها ونسي مذهبه. # وقيل لمجبر: أيقضي الله بالفساد ويخلقه؟ فاستلقى وقال: لي خمس بنات لا ~~أخاف على إفسادهن غير الله. PageV01P344 # وصعد سلام الفارسي المئذنة فأشرف على بيته فرأى غلامه يفجر بجاريته فبادر ~~ليضربها فقال الغلام: القضا والقدر ساقانا، فقال: لعلمك بالقضا والقدر أحب ~~إلي من كل شيء أنت حر لوجه الله. # ورأى شيخ بأصفهان رجلا يفجر بأهله، فجعل يضرب امرأته وهي تقول: القضا ~~والقدر فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوه تركت ms283 ~~السنة وأخذت مذهب ابن عباد، فتنبه وألقى السوط وقبل بين عينيها واعتذر ~~إليها، وقال: أنت سنية حقا، وجعل كرامة على ذلك. # ورأى مجبر رجلا يفجر بامرأته فقال: ما هذا؟ قالا: القضا والقدر، فقال: ~~الخيار ما قضا الله، فلقب بالخيار فيما قضى الله فكان إذا دعي به غضب. # وقال مجبر لعدلي: ما تقول في مناظرة آدم لموسى حيث قال: ذلك شيء قضي علي ~~وقدر فانقطع موسى، فقال العدلي: لو كان ذلك عذرا لآدم لكان عذرا لجميع ~~العصاة، ولما كان لله على الناس حجة، فقال المجبر: هو عذر للجميع، لكن ليس ~~لهم أن يقولوا بمثل مقالة آدم، فقال العدلي: أذن مثلنا كما قال الشاعر: # إذا مرضنا آتيناكم نعودكم .... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر # فقال المجبر: نعم هو كذلك. # ناظر عمرو بن عبيد أبا عمرو بن العلى فقال عمرو: هل تجد في كلام العرب أن ~~أحدا فرط في ما لا يقدر عليه فقال أبو عمرو: لا فقال عمرو، فما معنى قوله ~~يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله فسكت أبو عمرو. # وتشاجر عدلي ومجبر في من القدرية فجاءوا إلى مجوسي فقالوا: يا مجوسي: ممن ~~المجوسية؟ قال: من الله، فقال العدلي للمجبر أينا يوافقه؟ PageV01P345 # وقال تلميذ لسلام الفارسي: مررت الليلة بآية تدل على أن يوسف كان قدريا وهي ~~قوله: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} فقال سلام وانا مررت في قصة ~~موسى بآية توهمني فيه ذلك وهي قوله: {هذا من عمل الشيطان}. فقال آخر: ولقد ~~رأيت أعجب من هذا قوله: {لا أملك إلا نفسي وأخي} فلم يرض أن يقول: أملك ~~نفسي حتى قال: أملك أخي، فقام معتزلي وقال: أما رضيتم بمذهب موسى ويوسف حتى ~~تردون عليهما فسكتوا. # وحكى الحاكم عن بعض المجبرة أنه قال: لزنية أزنيها أحب إلي من عبادة ~~الملائكة، قيل له: لم قال لعلمي بأن الله قضاها علي ولا يقضي إلا ما هو خير لي. # وسأل جماعة عمرو بن قايد عن القدر فقال: أقيموا ربكم مقام رجل صالح إن ~~كان ما ms284 قيل حقا فلا تعاتبوه، وإن كان كذبا فلا تبهتوه. # ودخل معتزلي على محمد بن سليمان فأمر بضرب عنقه فضحك فقال: كيف تضحك في ~~هذه الحال؟ قال: أرأيت لو قام رجل في /228/ السوق وقال: إن محمد بن سليمان ~~يقضي بالجور ويفعل الظلم ويجمع بين الزانيين ويريد كل فساد فاعترضه رجل ~~آخر، فقال: كذبت، بل يقضي بالحق ولا يفعل الفواحش ولا يريدها أيهما أحب ~~إليك فقال: من دفع عني وأحسن الثناء علي فقال المعتزلي: لا أبالي إذا أحسنت ~~الثناء على رب العالمين، فانقطع ومن حوله من المجبرة وخلى سبيلهم. ### |||| AUTO فصل في شبههم # في هذه المسألة تعلقوا بأخبار أحادية لا تقبل في مثل هذه المسائل إلا ~~مؤكدة، ولكنا نجيب على تقدير صحتها. # فمنها القدر كله من الله خيره وشره. # والجواب: أراد بخيره النعم والعافية والخصب وكثرة الأموال والبنين وبشره ~~الأمراض والقحط والموت، فإن هذا هو السابق إلى الأفهام، والمعلوم من قصده ~~عليه السلام وسمى شرا جريا على عادة اللغة، ألا ترى أنهم يقولون: فلان بشر ~~إذا اشتد مرضه وأهل البلد الفلانية بشر إذا كانوا في قحط وغلا. # ومنها القدر سر الله في أرضه فلا تفشوه. PageV01P346 # والجواب: ما تقدم، بل هذا آكد؛ لأن المشهور عنه عليه السلام الحث على الصبر ~~على المصائب، وكتمانها كالأمراض ونحوها، ولو كان المراد ما ذكروه لما جاز ~~لشهود الزنا أن يشهدوا به ولا جاز ذم العصاة ولا حكاية المعاصي ولا ~~الاعتراف بالذنوب؛ لأن كل هذا أفشا للقدر. # على أن المخالفين لم يمتثلوا هذا الخبر؛ لأنهم أشد الناس إفشاء للقدر فلا ~~يقع واقعة من خير أو شر إلا أعلنوا فيها بالقدر، فهلا كفوا عن ذلك لئلا يفشوه. # ومنها مناظرة آدم عليه السلام لموسى عليه السلام وسلف ما هو جواب عنها. # وتعلقوا من الكتاب العزيز بآيات ليس في ظاهرها تعلق، منها قوله: {وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا}، فبين أنه بعث المؤمنين على محاربة الكفار وجرأهم عليهم، وكذلك ~~بعث الكفار على ms285 المؤمنين وجرأهم عليهم ليقضي ذلك # والجواب: ليس في ظاهرها من هذه الدعوى شيء، والمراد بالقضاء التمام، فقلل ~~الكفار في أعين المؤمنين ليجتروا عليهم تثبيتا لهم ونصرا وقلل المؤمنين في ~~أعينهم لئلا يجتروا منهم خذلانا لهم ليتم ما وعد من نصر المؤمنين وخذلان ~~عدوهم وهلاكهم بأيدي المؤمنين. ومنها قوله: {قضي الأمر الذي فيه تستفيان}. # والجواب: أن لفظ الأمر ليس فيه تصريح بما يدعيه الخصم، وهو من الألفاظ ~~المشتركة. # وبعد، فلو أراد يقضي خلق لاقتضى ذلك أن يكون قد وجد في تلك الحلال وهو لم ~~يقع إلا بعد مدة، والمراد بالقضا هنا الحكم أي حكم به وعلم. ومنها قوله: ~~{إنا كل شيء خلقناه بقدر}. # والجواب: إنما يقتضي ظاهرها أن كل ما خلفه تعالى فهو بقدر وذلك مسلم، ~~فأما إن كان كل شيء فقد خلقه بقدر فلا لأنه تعالى شيء ولم يخلق نفسه بقدر، ~~وكذلك قدرته وعلمه ومتى قالوا: هذا خصه الدليل. # /229/ قيل: وكذلك أفعال العباد خصها الدليل، لو سلمنا أن ظاهرها يقتضي ما قالوه. PageV01P347 # قال بعض المفسرين إنه تعالى خلق جميع ما يجاري به من العقاب والثواب ~~بمقدار، ولهذا ذكره بعد قوله {ذوقوا مس سقر}. ومنها قوله: {وكل شيء عنده ~~بمقدار}. # والجواب: المراد بالعند هنا الحكم والعلم كما يقال: المسألة عند أبي ~~حنيفة كذا أي في حكمه وعلمه وكل الأشياء في علمه تعالى وحكه بمقدار لا يزيد ~~ولا ينقص، وليس المراد بالمقدار القدر؛ لأن ذلك لم يرد. ومنها قوله: {لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}. # والجواب: أن ذلك لم يستعمل بمعنى القضا والقدر في شيء من اللغة، وإنما ~~يستعمل في معان: # أحدها: بمعنى الإيجاب نحو: {كتب عليكم الصيام}ز # وثانيها: الإخبار: نحو: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر}. # وثالثها: الحكم والعلم نحو: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} ونحو: {كتب عليه ~~أنه من تولاه فإنه يضله} وليس في شيء من هذه المعاني للخصم فرج. ومنها قوله ~~تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}. # والجواب مع ما تقدم أنه قال لنا ms286 ولم يقل علينا، والمراد الثواب؛ لأنه ~~تعالى قال: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} ثم أمرهم الله بأنه لن يصيبهم إلا ما كتب ~~الله لهم من الثواب أو النصر لا ما يتربصه به الكفار. ومنها قوله: {وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم} فأخبر أن ذبحهم بلاء منه. PageV01P348 # والجواب: أنه لا تعلق في ظاهرها؛ لأن البلاء كما يطلق على المحنة يطلق على ~~النعمة، كما قال: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} وهو هاهنا مصروف إلى ~~النعمة؛ لأنه ابتداء بذكر الإنعام، فقال: {وإذ نجيناكم} إلى قوله: {وفي ~~ذلكم} أي وفي ذلكم الإنجاء نعمة عظيمة، ولو سلمنا أن المراد المحنة، فإنما ~~هي بالتخلية بينهم وبين فرعون وخذلانهم، وكونه لم يدفعه عنهم كما خلي بين ~~الكفار وبين أنبيائه حتى قتلوهم على جهة الامتحان ليصبروا فيعظم ثوابهم ~~ولغير ذلك من المصالح. ومنها قوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} فبين أنه ~~يقضي بالمعصية والفساد. # والجواب: ليس في الآية ذكر أن الله أشربهم، ومن الجائز أن يكون الشيطان. # وبعد، فقد قال بكفرهم ففسر معنى الإشراب بأنه هو الكفر والعبادة لغير ~~الله، وأيضا فكيف يعاقب الله على معصية بمعصية، والمعنى أن قوله: {وأشربوا} ~~ليس له فاعل غيرهم، لكن لا يرد شربوا بهذا المعنى في اللغة، وقد يرد الفعل ~~على هذه الصيغة، ولا فاعل له سواء المعفول به مع جواز أن يرد على خلاف هذه ~~الصيغة كقوله: {ولما سقط في أيديهم} ونحو: {فألقى السحرة ساجدين} وقد يرد ~~بمثل هذه الصيغة ولا فاعل له سوى المفعول به، ولا يجوز وروده على غيرها ~~نحو: أعجب فلان بكذا، أو سر بكذا، وهذه الآية من هذا الباب يقال: أشرب قلب ~~فلان مودة فلان، ولا يقال /230/ شربها وإن كان ذلك هو المراد. ### |||| AUTO تنبيه # قد ثبت أن القضاء والقدر يستعملان في معان بعضها صحيح وبعضها فاسد في حقه ~~تعالى، وكل لفظة هذا حالها فإنه لا يجوز عندنا إطلاقها بالنفي ولا بالإثبات ~~لإيهام الخطأ، فلا ms287 يجوز إطلاق القول بأن أفعال العباد بقضاء الله وقدره ~~لإيهامه معنى الخلق والأمر، ولا إطلاق القول بأنها ليست من قضائه وقدره ~~لإيهام زوال العلم والكتابة والأخبار ونحو ذلك مما هو صحيح في حقه تعالى، ~~وكذلك الكلام في كل لفظة هذا سبيلها من المشتركات لا بد فيها من التقييد ~~بما يزيل الإيهام. PageV01P349 ### ||| AUTO القول في الهدى والضلال # الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة والإرشاد نحو: {إن علينا للهدى} ~~وبمعنى التوفيق نحو: {والذين اهتدوا زادهم هدى}، وبمعنى الثواب: نحو ~~{سيهديهم ويصلح بالهم} في قصة المقتولين، ونحو: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار} وبمعنى الفوز ~~والنجاة نحو: {لو هدانا الله لهديناكم} أي نحو لو أنجانا الله لأنجيناكم ~~لأنكم أتباع لنا، فلو نجينا لنجيتم، ونحو: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ~~الكافرين أي لا ينجيهم، وبمعنى الحكم والتسمية نحو: {فمالكم في المنافقين ~~فئتين} إلى قوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله} المعنى مالكم مختلفين ~~فيهم فبعضكم يسميهم مهتدين، وبعضكم يسميهم بخلاف ذلك، أتريدون أن تسموا ~~مهتديا من سماه الله ضالا وحكم بذلك عليه، ومنه قول الشاعر: # ما زال يهدي قومه ويضلنا .... جهلا وينسبنا إلى الكفار # وأما الضلال ففيه لفظتان: ضل وأضل. # أما لفظة ضل فقد تكون لازمة نحو: ضل الشيء أي ضاع وهلك، ومنه قوله تعالى: ~~{قالوا: ضلوا عنا} أي ضاعوا، وقوله: {ضل من يدعوا إلا إياه} أي ضاع وبطل، ~~وقد تكون متعدية نحو: ضل فلان الطريق والدار، وضل عنهما إذا جهل مكانهما، ~~ومنه قوله تعالى: {فقد ضل سواء السبيل}. # وأما لفظة أضل فتأتي على وجوه: # أحدها أن تكون بمعنى ضل المتعدية، وتكون الهمزة للفرق بين ما يفارق مكانه ~~وبين ما لا يفارق. # قال أبو زيد: يقال ضل الطريق ولا يقال أضلها لما كانت لا تفارق مكانها، ~~ويقال أضل بعيره، ولا يقال: ضل عن بعيره، لما كان البعير يفارق مكانه. ~~اللهم إلا أن يكون البعير لم يفارق مكانه بأن يكون مربوطا أو محبوسا كان ~~كالطريق يقال فيه ضل عن ms288 بعيره ولا يقال أضله. # وثانيها: أن يكن من ضل اللازمة التي بمعنى ضاع وبطل فترد الهمزة للتعدية ~~إلى واحد، فيقال: أضله أي أضاعه وأبطله، ومنه /231/ قوله تعالى: {أضل ~~أعمالهم} أي أبطلها. PageV01P350 # وثالثها: بمعنى الحكم والتسمية، يقال: أضل فلان فلانا أي حكم عليه بذلك ~~وسماه به كقوله: (ما زال يهدي قومه ويضلنا) البيت. وكقول الكميت: # فطائفة قد أكفروني بحبكم .... وطائفة قالوا مسيء ومذنب # ومنه قوله تعالى: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله}. # ورابعها: بمعنى الوجدان والمصادقة، يقال: أصللت فلانا، أي وجدته ضالا كما ~~يقال: أجبنته وأنجلته، أي وجدته كذلك، وعليه قوله تعالى: {وأضله الله على ~~علم} أي وجده وقد حمل أيضا على معنى الحكم والتسمية، وعلى معنى العذاب. # وخامسها: أن يفعل ما عنده ويضل ويضيفه إلى نفسه مجازا لأجل ذلك كقوله ~~تعالى: {يضل به كثيرا} أي يضل عبده كثير وإن جاز أن تحمل هذه الآية على ~~معنى يحكم فيه بضلال كثير. # وسادسها: أن يكون من ضل المتعدية وتزاد الهمزة للتعدية إلى مفعول ثان، ~~فتصير متعدية إلى اثنين نحو: أضله الطريق، ومنه قوله تعالى: {وأضلونا ~~السبيلا}، وقوله تعالى: {ليضل عن سبيله} بالضم، وإن كاد ليضلنا عن آلهتنا ~~ونحو ذلك، وهذا هو الإضلال بمعنى الأعق أو هو محل الخلاف بيننا وبين ~~المجبرة، وليس في القرآن ولا في السنة شيء مضاف إلى الله تعالى بهذا ~~المعنى، فلا يكون للخصوم في السمع شبهة قط. # فصل # ذهب أهل العدل إلى أن الله تعالى لم يضل عباده عن الدين ولا خلق فيهم ~~الضلال. # وقالت المجبرة: إن الله هو المغوي عن الدين، المضل عن الرشد المانع عن ~~سواء السبيل، وإن كل ضلال هو فاعله. # ودليلنا: اللغة والمعنى والعقل والسمع، أما اللغة فلم ترد لفظة أضل بمعنى ~~خلق الضلال ولا لفظة هدى بمعنى خلق الهدى، وبعد فمن حمل غيره على سلوك طريق ~~خيرا لا يقال هداه إليها، وكذلك من صرف غيره عن طريق خيرا لا يقال أضله عنها. # وأما المعنى فهو أنه لا خلاف بيننا وبينهم أن التكليف لا ms289 يصح إلا مع ~~البيان. PageV01P351 # والإضلال والإغواء هو التلبيس، فلا يصح أن يجامع التكليف. وبعد فلو كان ~~الله أضلهم عن الهدى لما أمكن الاحتجاج عليهم بالكتب والرسل، ولكان لا معنى ~~للترغيب والترهيب والوعد الوعيد والتوبيخ في نحو: {فما لهم لا يؤمنون فما ~~لهم عن التذكرة معرضين}، و{ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى}، ونحو ذلك. # وبعد، فالإضلال والإغواء الوارد على سبيل التلبيس إنما يصدر ممن يعجز عن ~~المنع بالقهر كالشيطان. # وأما العقل فهو ما ثبت من أن الله تعالى عدل حكيم لا يكلف العباد ما لا ~~يطيقون ولا يؤاخذهم بما لا يذنبون، وأن ذلك يؤدي إلى إبطال التكليف /232/ ~~والكتب والرسل، ويرفع معنى الأمر والنهر ونحو ذلك، وبعد فكيف ينهى عن ~~الإضلال والإغواء ويفعله والطارف من العقلاء ينزه نفسه من أن يفعل ما نهى ~~عنه، ولهذا ولهذا قال شعيب عليه السلام: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه إن أريد إلا الإصلاح. وقال تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم}، وفي الأخبار أنه نزل بقوم موسى بلاء، فسأل ربه عن سبب ذلك فقال: ~~فيكم رجل نمام، فقال موسى: أخبرنا به يا رب لنقتله، فقال: كيف أعيب خصلة ثم ~~أفعلها، وقال الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله .... عار عليك إذا فعلت عظيم # وبالجملة فلو نسبت إلى بعض المخالفين مثل ذلك فقلت كل ضلال وفساد منك ~~وأنت أغويت على عبيدي وأضللتهم عن الرشد لواثبك مواثبة مضطر إلى أنك نسبت ~~إليه صفات النقص فكيف يضاف إلى أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. # وأما السمع قلنا: فيه طريقان: إحداهما في أنه فعل هذا جميع الخلق ~~وأرشدهم. والثانية: أنه لم يضل أحدا بالمعنى المختلف فيه. PageV01P352 ### |||| CHECK [فصل في شبه أهل الجبر] # أما الطريقة الأولى، فقال تعالى: {إن علينا للهدى} فبين أن عليه أن يهدي ~~الناس. وقال: {هدى للناس وبينات}، وقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى}، وقال: {فإما يأتينكم مني هدى}، وقال: {قد جاءكم بصائر من ~~ربكم}، وقال: {وعلى الله قصد السبيل، وقال: {أفمن يهدي إلى ms290 الحق أحق أن ~~يتبع} ، وقال: {أويقول لو أن الله هداني}، وقال: {وما منع الناس أن يؤمنوا ~~إذ جاءهم}، وأمثال هذا كثير. # وأما الطريقة الثانية: فدليلها أنه تعالى أضاف الإضلال بالمعنى المختلف ~~فيه إلى غيره، فقال: {وأضل فرعون قومه وما هدى}، {إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله} {ولأضلنهم ولأمنينهم}، {ليضل عن سبيل الله}، {قد ضلوا وأضلوا كثيرا}، ~~{وأضلونا السبيلا}، {فأزلهما الشيطان}، واتبعوا ما تتلوا الشياطين}، {وزين ~~لهم الشيطان}، {لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم}، {ربنا هؤلاء أضلونا}، ~~{ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم} وأمثال هذا كثير}. # فصل في شبههم # لا شبهة لهم من جهة العقل، ولكن لا تعلقوا بشبه سمعية، وقد قدمنا أنه لا ~~يصح لهم الاستدلال بسمع قط، ويختص هذا المكان أن نقول: ما أنكرتم أن الله ~~أنزل القرآن إضلالا لخلقه وأن الحق في خلاف ما جاء به، ونحن نجيب على تقدير ~~صحة استدلالهم بالسمع فمن الآيات قوله تعالى: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} ~~ونحوها. # والجواب: أن هذه الآية وجميع ما يذكرونه هنا، فما ورد فيه الإضلال /233/ ~~مطلقا ليس بصريح بمحل النزاع الذي هو خلق الإضلال فلا تعلق لهم فيها، ~~والمعنى هنا: يهلك من يشاء وينجي من يشاء، فقد تقدم أن معنى ضل هلك وضاع، ~~وكذلك معنى أضل أهلك، إذا وردت مطلقة، ويجوز أن يكون المراد الثواب والعقاب ~~أو الحكم والتسمية أو خلق ما عنده يظهر الضلال والهدى كل هذه معان ظاهرة في ~~اللغة مطابقة للعقل، وما ادعوه غير ظاهر في اللغة، ولا مطابق للعقل، ويحتاج ~~إلى حذف وإضمار. PageV01P353 # ومنها: قوله: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا}. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها عند الخصم؛ لأن الله لا يضل بالقرآن بل ~~يخلق الضلال، وكذلك الهدى، وأيضا فلم يصرح بمحل النزاع، فيقول: خلق الهدى ~~والضلال، والمراد يعذب بالكفر به كثيرا، ويثيب بالإيمان به كثيرا، والباء ~~ترد في اللغة بهذا المعنى كما قال تعالى: {بما كفروا} أي لأجل كفرهم ويجوز ~~أن يكون ms291 المراد الحكم والتسمية أي يحكم فيه بضلال كثير ويهدي به كثير، وأن ~~يكون المراد يكفر عند إنزاله، ويهتدي كثير كل ذلك صحيح، بدليل قوله: {وما ~~يضل به إلا الفاسقين} فبين أن هذا الإضلال بعد فسقهم ولأجله وما كان كذلك ~~فهو عقاب أو جار مجراه. # ومنها قوله: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله}. # والجواب: ما تقدم من أن المراد التسمية والنهي عن الاختلاف في ضلالهم، ~~فقد سماهم الله بذلك، ويجوز أن يكون المراد أتريدون أن تنجوا من أهلك الله. ~~ويوضح هذا: أن الله تعالى فسر الإركاس بالإضلال، وجعله جزاء بما كسبوا، ~~والجزاء على الكفر هو الإهلاك والعقوبة، ومنها قوله تعالى: {فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}. # والجواب: لا تعلق في ظاهرها لأنه لم يقل: يضله عن الدين؛ ولأن الجعل ~~مشترك بين معان، ولم يذكر على أي معنى يجعل صدره ضيقا، ولأنه إما أن يكون ~~الهداية والإضلال هو نفس الشرح والتضييق، وهذا باطل بالاتفاق؛ لأن الكفر ~~والإيمان ليس من السعة والضيق في شيء، إما أن يكون موجبا عن السعة والضيق، ~~وهو أيضا باطل؛ لأنه لا تأثير لذلك في الهداية والضلال، وإلا وجب في الرجل ~~الضخم وسيع الصدر أن يكون إيمانه أكثر من غيره؛ ولأن الهدى والضلال عند ~~الخصم بخلق الله لا بالشرح والتضييق، والمراد عندنا بالهداية والضلال ~~الثواب والعقاب. PageV01P354 # وفيه ثلاث تقديرات: أحدها أن يكون التقدير فمن يرد الله أن يثبته في الآخرة ~~بإيمانه يشرح صدره للإسلام بأن يسهله عليه ويثبته بالألطاف وزيادة التوفيق، ~~وليس الشرح الحقيقي الذي هو فكل بعضه من بعض، ومن يرد أن يعاقبه في الآخرة ~~بكفره أو فسقه يجعل صدره /234/ ضيقا بالخذلان وسلب الألطاف والتوفيق، كما ~~قال: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}. # وثانيها: أن يكون التقدير فمن يرد الله أن يثيبه يشرح صدره بما يورده ~~عليه من البشارة ومن يرد أن يعاقبه يجعل صدره ضيقا حرجا بما يورده عليه من ~~الغموم والبشارة بالنار ويكون ورود جميع ذلك حالة ms292 الموت، ويؤيد هذا ما ~~نعلمه من أن الكافر في الدنيا غير ضيق الصدر وإنما هو منشرح الصدر بكفره. # وثالثها: أن يكون التقدير: فمن يرد الله أن يثيبه يشرح صدره في الآخرة ~~بما يوصله إليه من الثواب للإسلام، أي لأجل الإسلام، ويدل على صحة هذه ~~المعاني قوله بعد ذلك: {كذلك يجعل والرجس على الذين لا يؤمنون}، فبين أن ~~هذا التضييق والإضلال جزاء على الكفر وترك الإيمان، الرجس هو العذاب، وأيضا ~~فالظاهر أنه بعد وقوع الكفر، ومذهب الخصم أن الضلال هو بخلق الكفر، وذلك ~~يتأتى في كونه جزاء على الكفر، وكذلك الكلام في كون شرح الصدر جزاء على ~~الإيمان. # ومنها: قوله تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة}. # والجواب: أن المراد فريقا أنجى وفريقا حق عليهم الهلاك بدليل أنه في قصة ~~المعادين بعد الموت حيث قال: كما بدأكم تعودون}، وعلل قوله: {حق عليهم ~~الضلالة} بقوله: {أنهم اتخذوا الشياطين أولياء. # ومنها: قوله حكاية عن موسى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء}. PageV01P355 # والجواب: لم يقل يضل بها عن الدين، والمراد تهلك بها من تشاء؛ لأن لفظة هي ~~عائد إلى الرجفة، وبالاتفاق أن الرجفة لا يضل بها أحد عن الدين، ولأن قوله: ~~{أتهلكنا بما فعل السفهاء} قرينة في أن المراد بالإضلال الهلاك، وأما ~~الفتنة في الأصل فهي مأخوذة من فتنت الذهب إذا طبخته في الكانون لاستخراج ~~خبثه، ثم استعير للعذاب لما كان عرضا عن النار كما يعرض الذهب عليها، قال ~~تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} أي يعذبون، ثم استعمل في كل عذاب، قال ~~تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين المؤمنات}، أي عذبوهم، وقال: {والفتنة أشد ~~من القتل}، ثم يقل إلى الامتحان والابتلاء لما كان بالمحنة والبلاء يظهر ~~المخلص من المرتاب يشبهها بالفتنة الذي يظهر بها خالص الذهب من خبثه، قال ~~تعالى: {ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}، أي ~~يمتحنون، بما يظهر عنده المخلص من المرتاب، وقال: أولا يرون أنهم يفتنون في ~~كل عام، أي يمتحنون، ومنه قوله: {وفتناك ms293 فتونا} أي امتحناك بمحن هذبتك ~~وخرجتك، ثم استعير للإغواء عن الدين لما كان عند الغواية يستحق العذاب ~~المشبه بالفتنة الحقيقية. قال تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك} ونحوه. # ومنها: قوله: {ربنا إنك آتيت فرعون..} إلى قوله: {ليضلوا عن سبيلك}. # والجواب: هذا معارض بقوله: {لعله يتذكر /235/ أو يخشى} وبقوله: {ولقد ~~أخذنا آل فرعون} إلى قوله: {لعلهم يتذكرون}. PageV01P356 # وبعد، فلا تعلق لهم في ظاهرها؛ لأنه لم يقل ليضلهم؛ ولأن الضلال عند الخصم ~~لا يكون بإيتاء الزينة بل بخلق الكفر فيهم؛ ,لأنه لو كان كما قال الخصم لم ~~يستحقوا أن يطمس على أموالهم لأنهم قد فعلوا ما لأجله أعطوا إياها، والمعنى ~~أن موسى عليه السلام قال ذلك على وجه التبعيد أي ما آتيتهم لأجل ذلك كما ~~يقول الرجل بعبده: أكرمتك وربيتك لتعصيني وتخالف أمري، أي ما أكرمتك لذلك، ~~بل لضده، ويدل على صحة هذا المعنى أن موسى إما أن يقول ذلك إخبارا لله ~~تعالى به، وهو محال؛ لأنه كيف يخبره بما يعلمه وعلى جهة الاستفهام، وهو ~~أيضا محال، إذ لا صيغة للاستفهام، ولأنه كان لا يجوز أن يقول ربنا اطمس ~~على، وهو مستفهم عما لأجله أتاهم، ويجوز أن تكون لام العاقبة أي وعاقبتهم ذلك. # ومنها: قوله: {وأضله الله على علم}. # والجواب: لم يقل وأضله عن الدين، وجائز أن يريد الهلاك أو العذاب أو ~~الحكم أو التسمية أو الوجدان كما تقدم، ويدل على صحة هذه المعاني أن الله ~~جعل ذلك جزاء على كونه اتخذ إلهه هواه. # ومنها قوله: {يثبت الله الذين آمنوا..} إلى قوله: {ويضل الله الظالمين}. # والجواب: لم يقل يثبتهم، بخلق الثبات فيهم، ويضل بخلق الضلال، وهو ~~المتنازع. # والمعنى: يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا بالإلطاف والإعانة، وفي ~~الآخرة بالثواب لأجل القول الثابت، كما قال: يهديهم بإيمانهم، لأجل ~~إيمانهم، ويهلك الضالمين، يدل على صحة هذا أنه جعل ذلك جزاء. # ومنها: قوله: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا}. # والجواب: لم يقل يمدهم في الضلالة، والمعنى يمد له في العمر، أخبارا بذلك ~~عن ms294 حلمه، وأنه لا يعاجل بالعقوبة، وليرتدع من يرتدع، ولتتأكد الحجة على ~~المصر، ويجوز أن يكون المعنى يمد له من العذاب كما قاله في آية آخرى. # ومنها قوله: {إن الذين آمنوا ثم كفروا..} إلى قوله: {لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم سبيلا}. PageV01P357 # والجواب: لا خلاف أن الله هدى جميع المكلفين بمعنى الدلالة، وقد قال تعالى: ~~{إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}، والمعنى لم يكن الله ليغفر لهم ~~في الآخرة ولا ليهديهم سبيلا إلى الجنة، بل إلى النار. كما قال في آية ~~أخرى: {ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم}. # يؤيد هذا أنه جعله جزاء على كفرهم، ومذهب الخصم يقتضي أن عدم الهداية هو ~~بخلق الكفر، وذلك يبطل ظاهر الآية. # ومنها: قوله: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} قالوا: ~~فلولا أنه يجوز أن يضل لما صح أن يسألوه الهداية. # والجواب: هذا لا يستقيم على أصل الخصوم /236/ لأنه لم يقع هذا السؤال إلا ~~من المؤمنين، فكيف يسألون ما قد أعطوا، وهل هو إلا بمثابة قولهم: اجعلنا، ~~واجعلنا من بني آدم، وذلك طلب الحاصل. # وبعد فلا فائدة في السؤال على مذهب الخصم؛ لأنه إن كان يريد الهداية ~~وقعت، وإن كان لا يريد استحال أن تقع سواء سألوا أم لا. # وفي الآية عندنا معنيين: أحدهما: أن المعنى أرشدنا إلى الحق ودلنا عليه ~~ووفقنا له، وهذا وإن كان قد فعله تعالى فالدعاء به جائز كما في سائر ~~الأدعية التي تعبدنا به لمصلحة. # المعنى الثاني: أن يكون التقدير ارشدنا الصراط المستقيم في الآخرة، ~~وثبتنا عليه يوم تزل الأقدام. # ومنها: قوله: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء}. # والجواب: المراد ليس عليك ثوابهم، وليس عليك أن تحكم عليهم وتسميهم، ولكن ~~الله يثبت ويسمي من يشاء وهم المطيعون. # ومنها: قوله: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين ~~في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم}، فأضاف الزيادة إلى الآيات والله هو ~~فاعل الآيات وفاعل السبب فاعل المسبب. # والجواب: إن أرادوا أن الآيات هي التي زادت ms295 فمحال؛ لأنه لا فعل لها، وإن ~~أرادوا أن الله زاد عندها فهو خلاف الظاهر، والمعنى إزدادوا عندها، وأضيف ~~إلى الآيات تجوزا لما كان عندها كقوله: {فلم يزد PageV01P358 هم دعائي إلا فرارا}، وكما يقول الواعظ: ما زادتك موعظتي إلا شرا، وما زدت ~~غلامي بإحساني إلا مخالفة. # ومنها: قوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين}. # والجواب: المراد بالفتنة الامتحان والبلوى بما يظهر عنده إيمان المؤمن ~~وكفر الكافر، وتمييز الخبيث من الطيب كما سلف في نظائره، وعلى هذا يحمل ~~قوله تعالى: {لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه} ولم يرد ما ذهب إليه الخصم ~~وإلا كان التقدير وإن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء لنغويهم به، ~~ومن هذا القبيل قوله: {لنبولكم بالشر والخير فتنة}، وقوله: {إنا قد فتنا ~~قومك من بعدك}، وقوله: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا} أي اختيارا وامتحانا، فإن الكافر المرتاب يقول: ولم ~~كانت تسعة عشر ولم تكن أقل أو أكثر، هلا كانت عشرين تكميلا للعقد ونحو ذلك ~~مما يظهر به ريبة المرتاب، ومثله قوله تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا}، فأخبر أنه امتحنهم بما تظهر به ~~ريبتهم، ثم رد عليهم بقوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} واللام في قوله: ~~{ليقولوا} لام العاقبة، ومثله قوله: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة، أي امتحان وعذاب في الدنيا بالمصائب والشدائد أو عذاب أليم ~~يتعجل لهم كسائر الأمم، ولو كان كما قاله الخصم لكان التقدير: فليحذر الذين ~~أضللتهم عن أن أضلهم. # ومنها: قوله تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم..} الآية. # والجواب: ما تقدم من أن التقدير /237/ من يرد الله عذابه، ومعنى لم يرد ~~الله أن يطهر قلوبهم، أي يحكم بطهارتها في الدنيا وينجيها في الآخرة. # ومنها قوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}. PageV01P359 # والجواب: أنه دعاء تعبدنا به كما سلف في نظائره، ويجوز أن يكون ms296 المراد لا ~~يعذبنا؛ لأن الزيغ قد ورد بمعنى العذاب في قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} بدليل أنه جعله جزاء على زيغهم، ولو كان كما قالوه لكان تقديره: ~~فلما أزاغ الله قلوبهم أزاغ الله قلوبهم، ويجوز أن يكون المعنى أزاغ الله ~~قلوبهم عن رحمته، بأن سلبها التوفيق والإلطاف. # ومنها: قوله: {وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست} فبين أن غرضه أن يقولوا ~~ما هو كفر. # والجواب: أن الغرض بالتصريف ضد ما قالوه، وهو التذكرة والتكرار، ولو كان ~~كما قالوه لكان كمن يقول ذكرت لفلان حاجتي وكررتها لينساها، والمعنى لئلا ~~يقولوا درست كما قال تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} أي لئلا تضلوا، وحذف ~~لا في مثل هذا كثير، قالت الخنساء: # فآليت آسى على هالك .... وأسأل نائحة ما لها # وقال أبو حنبل الطائي: # لقد آليت أغدر في جداع .... وإن منيت أمات الرباع # لأن الغدر في الأقوام عار .... وأن الحر يجزأ بالكراع # فكيف يقول: آليت أغدر، ثم يقول: لأن الغدر في الأقام عار، فولا أن ~~التقدير لقد آليت لا أغدر، ويجوز أن تكون لام العاقبة كأنه قال: يصرف ~~الآيات ويكررها، وعاقبتهم أن يقولوا درست، ويجوز أن يكون المعنى بقوله: ~~وليقولوا درست، التهديد الوارد في صورة الأمر كقوله: {وليوفوا نذورهم}. # ومنها قوله حكاية عن إبليس: {رب بما أغويتني} وأشباهها، وذلك تصريح بأنه أغواه. # الجواب: إنما حكى الله قول إبليس فمن أين لكم أن إبليس صادق، وما أنكرتم ~~أن يكون كحكايته عن المشركين قولهم لو شاء الله ما أشركنا، ولا بد للخصوم ~~من الاعتراف بأنه كاذب؛ لأنه أقسم ليغوينهم أجمعين، وهو كاذب من وجهين، من ~~حيث لا يقدر على الإغواء إلا الله عندهم، ومن حيث لم يغو جميع الناس، وبعد ~~فالظاهر يقتضي أن الإغواء آلة لإبليس في الإضلال، وهو باطل بالاتفاق منا ومنهم. PageV01P360 # وبعد فلم يقل بما أغويتني عن الحق وهو محل النزاع، والمعنى بما أغويتني أي ~~خيبتني عن رحمتك؛ لأن الغي والغواية في أصل اللغة هو الخيبة والحرمان، قال ~~تعالى: {فسوف يلقون غيا} وقال الشاعر: ms297 # ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره .... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # ويجوز أن يكون التقدير بما أغويتني أي حكمت علي بالغواية وسميتني غاويا. # ومنها: قوله: حكاية عن نوح {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم} /238/. # والجواب: إنما أخبر أن نصحة لا ينفع أن أراد الله أغواهم، فمن أين للخصم ~~أن الله قد أراده وفعله وهو المتنازع. # وبعد فلم يقل إن كان الله يريد أن يغويكم عن الدين. # وبعد فعند الخصم أن النصح فعل الله فيكون التقدير ولا ينفعكم نصح الله إن ~~أراد الغواية. وبعد فما باله عليه السلام يشتغل بنصحهم وقد علم أنه لا ~~ينفع، وأن الله منعهم عن القبول، والمعنى لا ينفعكم نصحي أن كان الله يريد ~~أن يخيبكم من رحمته وعفوه لأجل إصراركم، وهذا واضح لأن النصح لا ينفع إلا ~~من قبله، وقد قال بعض العلماء أن نوحا أوردها على طريق الإلزام والتوبيخ ~~لهم؛ لأنهم كانوا يرون أن الله الذي أغواهم وأراد غوايتهم، فقال: إن كان ~~الأمر كما زعمتم فلا ينفعكم نصحي، وهذا كما نقوله نحن للخصوم، وإذا كان كما ~~قلتم فلا ينفع الأمر والنهي والرسل والجهاد والوعظ. # ومنها، قوله: {ربنا غلبت علينا شقوتنا}. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها لأن الغلبة لا تصح إلا من الحي القادر، ~~وأما فهي في الأصل العناء والتعب، يقال: شقي شقاوة وشقاء، ويقال للفقير ~~المحروم: شقي، أي تاعب في دنياه، ومعنى الآية: ربنا غلبت علينا شقوتنا، أي ~~تعبنا وعناؤنا وعذابنا، ويجوز أن يريد غلبت علينا معاصينا وظلمنا، وزادت ~~على حسناتنا وسمي ذلك شقوة لما كان يؤدي إليها. # ومنها: قوله: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} وأشباهها. PageV01P361 # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها عند الخصوم؛ لأنه لا عمل للأمة. # والمعنى: زينا لكل أمة عملهم الذي كلفوه، فإن الله زين الحق بالأمر به ~~والحث والترغيب فيه كما قال تعالى: {وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} ~~أي بالأمر والحث والترغيب، {وكره إليكم الكفر} بالنهي والزجر ونحو ذلك. ms298 # يوضحه: إما أن يريد عملهم الذي قد فعلوه، وهو باطل لأن ما قد مضى لا ~~يحتاج إلى تزيين، بقي أن يريد المستقبل وهو إما أن يريد عملهم الذي نهو ~~عنه، وهذا باطل لتأديته إلى ما سلف ذكره من إبطال التكاليف والكتب والرسل ~~ولزوم كون فاعله مطيعا أو يريد عملهم الذي كلفوه وهو المطلوب. ### ||| AUTO القول في أن الله تعالى يريد الطاعات ولا يريد القبائح # وقد ذهب أهل الجبر إلى أنه تعالى يريد الواقعات وإن كانت كفرا وظلما وسبا ~~لنفسه، وقبلا لإنشائه، ونحو ذلك، ويكره ما لا يقع وإن كان عدلا وإيمانا ~~وشكرا له، ونحو ذلك وسبيلنا أن نتكلم معهم في هذين الطرفين. # أما الطرف الأول: وهو أنه تعالى يرد الطاعات، فدليله أنه أمر بها والأمر ~~/239/ لا يكون أمرا إلا بالإرادة على ما تقدم تفصيله، وكما يريدها، فلا يصح ~~أن يكرها؛ لأن كراهة الحسن قبيحة؛ ولأن الكراهة إنما تعرف بالنهي، وهو ~~تعالى لم ينه عنها بل أمر بها. # وأما الطرف الثاني: وهو أنه لا يريد القبائح، فدليله العقل والسمع. # أما العقل، فهو أن إرادة القبيح قبيحة، والعلم بذلك ضروري في الشاهد عند ~~زوال اللبس وجوه الشبه، ولهذا لو قلت لبعض العقلاء بل لبعض الصبيان: إنك ~~تريد كل ظلم وقبيح وفساد لأنكر ذلك ونفاه عن نفسه نفي مضطر إلى أنه صفة ~~نقص، وأنه قبيح، ولا وجه لقبحه إلا كونه إرادة للقبيح؛ لأنا عند العلم به ~~نعلم قبحه، وأن جهلنا كل أمر وعند الجهل بذلك لا يعلم قبحه، فيجب فيما شارك ~~إرادة القبيح في كونه إرادة للقبيح أن يقبح. # فإن قيل: العلم بالإرادة نفسها استدلالي، فكيف يعلم قبحها ضرورة؟ PageV01P362 # قلنا: العلم بالإرادة على الجملة ضروري كسائر الأفعال؛ لأنا نعلم ضرورة ~~تعلق أفعالنا بقصودنا ودواعينا، وذلك فرع على العلم بأن لنا قصود ودواعي ~~على الجملة، بل قد نضطر إلى قصد غيرنا. # دليل كل عاقل يعلم بكمال عقله أن الحكيم لا يريد سب نفسه، وقتل: رسله ~~وعبادة غيره، ولا يكره ما أمر به من طاعته ms299 وعبادته والعدل والإحسان. # دليل، لو كان تعالى مريدا للمعاصي لكان الفاعل لها مطيعا؛ لأن من فعل ما ~~أراد المطاع وصفة أهل اللغة بأنه مطيع، وقولهم: بل المطيع من فعل ما أمر به ~~المطاع غير مسلم، وإن سلمناه فلا ينجيهم؛ لأن الأمر لا يكون أمرا إلا ~~بالإرادة. # يوضحه أن العبد متى علم من سيده أنه يكره الفعل ثم أمره به على لسان رسول ~~يعلم صدقه كان له أن يقول: إني علمت أنك تكرهه ويعذره العقلاء بذلك إذا لم يفعله. # دليل: قد ثبت أن الأمر بالقبيح قبيح، والذي أوجب كونه أمرا هو الإرادة، ~~فيجب أن تكون قبيحه؛ لأن تأثيرها في ذلك على طريق الإيجاب، فبهذا يفارق ~~القدرة على القبيح وصار الحال فيه كالحال في المسبب، فإن قبحه يقتضي قبح ~~السبب، فإذا قبح الأمر القبيح قبح ما يؤثر في كونه أمرا بالقبيح. # دليل: قد ثبت أن الله تعالى قد نهى عن القبائح والنهي إنما يكون نهيا ~~بالكراهة، وإلا لم ينفصل عن التهديد كما تقدم في كون الأمر أمرا بالإرادة، ~~وإذا كان كارها لها وجب أن لا يكون مريدا لها. # وأما السمع فنحو قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} إلى ما يؤدي إلى ~~اليسر وهو الطاعة، {ولا يريد بكم العسر}، وعندهم أن كل عسر فقد أراده الله. # /240/ وقوله: {إنما يريد الله أن يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} ~~إلى قوله: {ويريد الذين يبتغون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} ولا خلاف أن ~~الخطاب للجميع وعندهم أنه لا يريد هداية الكفار، بل يكرهها وأن كل ميل فهو ~~الذي أراده. PageV01P363 # وقوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وهذا لام الغرض بلا شبهة، ~~وقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع فبين أن غرضه بالإرسال الطاعة والعرض ~~والإرادة واحد بلا خلاف، وقوله: {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}، ~~وقوله: {ليذكروا}، {ولقد يسرنا القرآن للذكر}، {ولعلهم يتقون} وأشباه ذلك ~~مما بين فيه أن غرضه الطاعة. # ومن قوي ما نعتمده قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا} ms300 وأشباهها فإنه تعالى حكى عن المشركين نفس مذهب الخصوم ثم أكذبهم ~~بقوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} ثم قال: {حتى ذاقوا بأسنا} والبأس هو ~~العذاب، والله لا يعذبهم على الصدق ثم تحداهم في إقامة البرهان على ما ~~قالوه بقوله: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} وهذا لا يقال إلا للمبطل، ~~ثم بين أنهم يتبعون الظن، وأنهم يخرصون والخرص هو الكذب، وهذا لا يقال ~~للصادق، فإن كانوا كاذبين كما أخبر الله تعالى، فهو المطلوب، وإن كانوا ~~صادقين كان تكذيبهم كذبا. # وما يهذى به الخصوم من أن المشركين صادقون فيما قالوه، لكنهم أوردوه على ~~سبيل الاستهزاء فهو تجاهل، وليس التكذيب بأكثر مما في الآية، ولو صح هذا ~~لما صح في القرآن تكذيب قط، وليس إيراده على طريق الاستهزاء يقتضي وصفهم ~~بالكذب كما لو قال اليهودي محمد نبي. # على أن الله الذي خلق فيهم الاستهزاء على مذهب الخصم، ولو شاء لما أوردوا ~~هذا الاستهزاء فأين موضع التكذيب حينئذ. # وأما استدلالهم على تأويلهم هذا بقوله في آخر الآية: {قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فهو أعجب من تأويلهم، فإنا إنما نجتهد في ~~أن يكون الحجة البالغة لله، وإنما يكون كذلك إذا كان الكلام على ظاهره، ~~وكما قلناه، وأما إذا كان الله خلق فيهم الشرك وأراده منهم وكره إيمانهم ~~ومنعهم منه وكذبهم وهم صادقون، فأي حجة له ليهم فضلا عن أن تكون بالغة. PageV01P364 # ومما يدل على قولنا قوله: {وماالله يريد ظلما للعباد} والنكرة في سياق ~~النفي للاستغراق، وعندهم لا ظلم إلا وقد أراده، وقوله بعد عده المعاصي {كل ~~ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} ومع كونه مكروها كيف يكون مرادا، وقوله: ~~/241/ {والله لا يحب الفساد} وأشباهها، وقوله: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم} ومعلوم أن الرضى والمحبة والإرادة واحد، بدليل أنه لا يصح ~~إثبات بعضها ونفي البعض كالجلوس والقعود. # وأما قولهم: أحب جاريتي ولا يقال أريدها، فمعناه أحب الاستمتاع بها؛ لأن ~~المحبة لا تعلق بنفس الذات من حيث هي حاصلة ms301 باقية، فلا جزم جاز أن يقال ~~أريد الاستمتاع بها، وليس إذا تجوز بلفظ المحبة مع حذف المضاف أو بمعنى ~~العشق لزم مثله في لفظ الإرادة، وإن كانا بمعنى واحد. # فصل # في بعض ما ألزمهم أصحابنا على القول بأنه تعالى يريد المعاصي، يقال لهم: ~~أليس الله تعالى أراد من الكافر الكفر، فماذا تريدون أنتم منه، فإن قالوا: ~~الكفر كفروا، وإن قالوا: الإيمان قيل لهم: أي شيء خير له هل ما ذا أردتم له ~~أو ما أراده الله؟ فإن قالوا: ما أراده الله، قيل: فكان الكفر خيرا له من ~~الإيمان، وإن قالوا: ما أردناه، قيل: فكأنكم أحسن اختيارا له من الله فأنتم ~~إذا أحق بالحمد والشكر. # ويقال: إذا كان الله أراد من أبي جهل الكفر وكذلك أراده منه إبليس وأراد ~~منه النبي الإيمان كان إبليس موافقا لله في الإرادة والنبي مخالفا له، فهل ~~خير له أن يفعل ما أراده الخالق أو ما أراده المخلوق. # ويقال: إذا أمر الله الكافر بالإيمان وأراد منه الكفر فأيهما أولى ~~بالوقوع، هل ما أراده الله فيكون الكفر أولى من الإيمان؟ أو ما أمر به ~~فيكون ما فيه تعجيزه عندهم أولى بالوقوع؟ # ويقال: أليس أراد الله الشرك وسب نفسه وقتل أنبيائه ومحاربة أوليائه وكل ~~قبيح فلا بد من بلى. PageV01P365 # فيقال: أتريدون ذلك فإن قالوا نعم، خرجوا من الدين، وإن قالوا:: لا، قيل: ~~فكيف تنزهون أنفسكم عما وصفتم به أحكم الحاكمين. # ويقال لهم: هل الله أهل لوقوع ما أراده؟ أم أهل لوقوع ما لم يرده؟ إن ~~قلتم بالأول فكأنكم قلتم هو أهل؛ لأن يشرك به ولسوء الثناء عليه، وقتل ~~أنبيائه وتكذيب آياته، وإن قلتم بالثاني فكأنكم قلتم هو أهل لوقوع ما يدل ~~على عجزه وضعفه. # ويقال: أليس لله على الكفار حق وهو أن يعبدوه فلا بد من بلى. # فيقال: هل أراد منهم أداء حقه أم كرهه إن قالوا: أراده تركوا مذهبهم، وإن ~~قالوا: كرهه، قيل: فيجب أن يسقط عنهم؛ لأن صاحب الحق إذا كرهه ولم يرده فقد ~~أسقطه لا ms302 سيما وهو غير محتاج إليه، ولا هو عندهم ممن يكلف للمصلحة. # ويقال: لو كان أحدكم /242/ ملكا وأراد من رعيته شيئا يفعلوه، هل يستحقون ~~المثوبة أو العقوبة؟ إن قالوا بالأول تركوا مذهبهم، وإن قالوا بالثاني ~~أحالوا. ### |||| AUTO فصل [في بعض ما جرى من المناظرات] # قال الجاحظ لأبي عبد الله الجدلي: هل أمر الله المشركين بالإيمان؟ قال: ~~إي والله، قال: فهل أراده منهم؟ قال: لا والله، قال: فهل عذبهم على ذلك؟ ~~قال: إي والله، قال: فهل هذا حسن؟ قال: لا والله. # وقال عدلي لمجبر: ما تقول في رجل زعم أن ما كان في وقت النبي عليه السلام ~~من الكفر والفجور وعبادة الأوثان والفتن فهو من النبي وبفعله وإرادته؟ قال: ~~أقول أنه كافر زنديق، قال: لم قال لسوء ثنائه على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم؟ قال: فلو قال ذلك في أبي بكر وعمر، قال: أقول يقتل ويرجم لطعنه ~~في الصحابة، قال: فلو قال ذلك في الله فسكت. # وجاء مجبر إلى نصراني فداوى عينه من مرض كان فيها، فقال للنصراني: قد وجب ~~على حقك، فأريد نصحك، قال: وما ذاك؟ قال: أسلم، قال: أتريد نصيحتي وإسلامي؟ ~~قال: نعم، قال: فهل الله يريد نصيحتي وإسلامي، قال: لا، قال: فأيكما أحق أن ~~أعبده؟ فسكت. PageV01P366 ### |||| AUTO فصل [في شبههم] # قد تعلقوا من جهة العقل بشبهتين: # أحدهما: أن قالوا، الإرادة مطابقة للعلم، فما لا يعلم الله وقوعه لا يصح ~~أن يريده. # والجواب يقال: هذا محض الدعوى ومحل النزاع، وبعد فكيف يصح ذلك وعندهم أن ~~كونه مريدا ككونه عالما في أنها تستحق للذات أو لمعنى قديم، فلم كانت أحدها ~~بأن يطابق الأخرى أولى من العكس، وهلا كانت الإرادة مطابقة للقدرة كما هي ~~مطابقة للعلم أو دون العلم أو هلا كان العلم والقدرة مطابقين للإرادة وما ~~وجه هذه التحكمات من غير دليل. # قالوا: إرادة ما لا يكون تمني. # قيل لهم: هذا من أساطيركم الباطلة وغلطاتكم الظاهرة؛ لأن التمني من قبيل ~~الكلام لا من قبيل الإرادة، فإذا قال أحد: يا ms303 ليت كان كذا فيما له فيه نفع ~~أو دفع ضرر، قيل: تمنى. # قالوا: خلاف المعلوم مستحيل والله لا يريد المستحيل. # قيل لهم: ومن سلم لكم استحالة خلاف المعلوم، ولو كان مستحيلا لما صح وصف ~~الله تعالى بالقدرة على إقامة القيامة الآن، ولا أن يزيد في خلقه ولا ينقص؛ ~~لأنه يعلم أن ذلك لا نفع. # وأيضا فكان لا يصح من النبي عليه السلام أن يريد من أبي جهل الإيمان، وقد ~~علم أنه لا يقع؛ لأنه كيف يريد المستحيل، وهل هو إلا بمنزلة إرادة الجمع ~~بين الضدين. # وأيضا: فلو وجب وقوع المعلوم واستحال خلافه لبطل معنى الاختيار والإرادة، ~~فلا يكون إليها طريق ولا لها فائدة. # الشبهة الثانية، قالوا: لو وقع في ملك الله ما لا يريد لدل على عجزه ~~قياسا على الشاهد. # والجواب: أول ما في هذا أنهم /243/ يمنعون من قياس الغائب على الشاهد، ~~ويقولون: لا يقاس بالناس، فكيف قاسوا هاهنا. # وبعد فهو معارض بالأمر فيقول: لو وقع في ملك الله خلاف ما أمر به وما نهى ~~عنه لدل على عجزه قياسا على الشاهد، بل مخالفة أمر الملك في الشاهد أدل على ~~عجزه من مخالفة إرادته. PageV01P367 # وبعد فإذا أراد الملك من الرعية أمرا فإنما يدل مخالفتهم على عجزه إذا كان ~~له في ذلك الأمر جلب نفع أو دفع ضرر، فحينئذ يدل على عجزه؛ لأنه لو قدر ~~لقهرهم لتوفر دواعيه، وأما إذا أراد منهم ما يعود نفعه إليهم لم يدل على عجزه. # يوضحه أن النبي عليه السلام والمسلمون يعلمون اختلاف اليهود والنصارى إلى ~~كنائسهم، ولم يدل ذلك على إرادتهم له، ولا عجزهم عن المنع منه، وكذلك فإن ~~الملك إذا أمر رعيته بأمر يصلحهم لم يدل فقده على عجزه. # وبعد فلو كان كما ذكروه لكان الله قد أمر بما يدل على عجزه وبعث الرسل ~~لذلك وعاقب لم لا يقع وهذا شيء بعيد لا يلتزمه مميز. # شبهة ثالثة، قالوا: أخبر الله بأن الكفر يقع وأمر بمجاهدة الكفار، فلا بد ~~أن يريد الكفر الذي لا يكون ms304 خبره صدقا إلا به، ولا تتم المجاهدة إلا به، ~~وإلا كان قد أراد تكذيب نفسه. # والجواب، يقال: وكذلك أخبر النبي عليه السلام أن الحسين يقتل، وكذلك أمر ~~بالاغتسال من الزنا، فكان يجب أن يريد قتل الحسين والزنا؛ لأنه لا يكون ~~خبره صدقا ولا لأمره فائدة إلا به والتزام ذلك جهالة شنيعة. # فصل # وأما السمعيات فقد قدمنا منعهم من الاستدلال بالسمع لكنا نتكلم على تقدير ~~صحة استدلالهم، فمنها قوله: {وما يشاءون إلا أن يشاء الله}. # والجواب: إما أن يريد أن جميع ما يشاءون لا بد أن يشأه أو يريد، وما ~~يشاءون هذا الشيء المخصوص إلا وقد شاءه الله تعالى، فالأول باطل؛ لأنه ~~تعالى قد أخبر أنه يشاء خلاف ما يشاءون بقوله: {تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة} وبقوله: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} وبقوله: {والله ~~يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}. # وأيضا فمعلوم أن أكثر ما يريده المخالفون لا يوجد، ولو أراده الله لوجد. PageV01P368 # والثاني: لا فرج لهم فيه؛ لأن هذه الآية قد وردت في ثلاثة مواضع كلها عقيب ~~ذكر الطاعة، فتقديره وما يشاءون الطاعة إلا وقد شاءها الله، وكذلك نقول ~~نحن؛ لأنه تعالى قد أمر بها، قال تعالى: {فمن شاء ذكره} {وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله} أي الذكر، وقال: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} {وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله} أي اتخاذ السبيل، وقال: {فمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله} أي الاستقامة، وهذا غاية الترغيب في هذه الأمور، كما إذا ~~قال السيد العلامة /244/: اعلم أنك لا تفعل إلى زيد مكرمة إلا وقد أردتها ~~فإن هذا غاية الحث على إكرامه. # ومنها قوله تعالى: {ولو شاء الله ما فعلوه} {ولو شاء الله ما اقتتلوا} ~~وأشباه ذلك. # والجواب: المراد لو شاء الله لمنعهم قهرا، وهذا مسلم وفائدته نفي العجز ~~عن نفسه، على أنه ليس في ذلك أكثر من أنه لو شاء ما اقتتلوا، وما فعلوا، ~~ومن أين أنه قد ms305 شاء أن يقتتلوا ويفعلوا وهو محل النزاع، ألا ترى أن ~~المسلمين لو شاءوا لمنعوا اليهود عن المضي إلى كنائسهم ولم يدل على أنهم قد ~~شاءوا المضي إليها. # ومنها قوله تعالى: {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} {ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها}، وأشباه ذلك. # والجواب: ما تقدم من أن المراد مشيئة القهر ونفي العجز عن نفسه. # يوضحه أنه قال: لجمعهم ولم يقل: لاجتمعوا، فهو إنما نفى فعل نفسه، وهو ~~الإكراه لا مشية فعلهم الذي هو الإيمان. PageV01P369 # يزيده وضوحا أن الله تعالى أورد ذلك تسلية لنبيه عليه السلام لما اشتد أسفه ~~على فقد إيمانهم فقال: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية} يصيروا عندها ملجئين ولو شاء الله أن يلجئهم لفعل فلا ~~تكونن من الجاهلين، فإنه لا يريد منهم الإيمان كرها وإنما يريده اختيارا ~~ليصح بقاء التكليف واستحقاق الجزاء، ويجوز أن يكون المراد لجمعهم على الهدى ~~الذي هو الثواب، فلم يصرح بآي معاني الهدى أراد ونحن قد بينا أن الهدى لم ~~يرد بمعنى خلق الإيمان في اللغة. # ومنها قوله: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة..} إلى قوله: {ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}. # والجواب: قد قدمنا أنه لا يقع الإيمان ولا غيره من الطاعات إلا بمشية ~~الله، ويجوز أن يكون المراد إلا أن يشاء الله يكرههم، ولو لا هذا لما كان ~~ليورد الآية ذما لهم وإخبارا من شدة عتوهم؛ لأنهم والحال هذه معذورون. # نعم، لما كانوا يقترحون على النبي ويتعنتون في طلب الآيات أخبر الله ~~تعالى أنه ماترك شيئا يؤمنون به عنده مختارين، وأنه لو فعل ما فعل ما آمنوا ~~إلا مضطرين. # ومنها قوله: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} فأخبر ~~أنه يستدرجهم بالفسق لإتمام مشيئته. # والجواب: أن ظاهرها يقتضي أنه تعالى أمرهم بالفسق، وهو باطل بالاتفاق، ~~والمعنى قيل أمرناهم من الميزة ففسقوا وبطروا فاستحقوا العذاب، وقيل: ~~أمرناهم بالطاعة على ألسنة الرسل ففسقوا بمخالفة الأمر فاستحقوا العذاب، ~~وعلى كل حال فالله تعالى ms306 فعل بهم ذلك على وجه العقوبة على عصيانهم، بدليل ~~قوله: مترفيها، فإن هذا لا يقال إلا للعاصي، وقد قرنت الآية بالتشديد أي ~~جعلناهم أمراء وكبراء بالإمهال والإنعام فيخالفون ما يجب لنا من الشكر ~~والطاعة بالكفر والفسق فنهلكهم عند ذلك. # ومنها قوله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}. PageV01P370 # والجواب: لم ترد الإذن بمعنى المشية والإرادة في حقيقة اللغة ولا في ~~مجازها، وإنما تستعمل بمعنى الأمر نحو {فإنه نزله على قلبك بإذن الله}وقوله ~~{لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم} ونحو {وما كان لنفس أن تؤمن ~~إلا بإذن الله} أي بأمره وإيحائه بنصب الأدلة. # وحكى عن عمر بن عبيد أنه قال: أمر إلي محمد بن سليمان فجئته وعنده مصحف ~~منشور وسيف مسلول، فقال: اخرج من هذه الآية وإلا ضربت عنقك، فقلت: ما هي، ~~فقال: قوله: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} فقلت: {بسم الله الرحمن ~~الرحيم، يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم} فقد ~~أذن الله لك في الإيمان، فقال: ما أسرع جوابك كأنه في كمك، وكذلك يستعمل ~~الأذن بمعنى الإباحة والإطلاق كقوله تعالى: {فأنكحوهن بإذن أهلهن} ونحو ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} ونحو {فأذن لمن شئت منهم} وتستعمل بمعنى ~~العلم، كقوله: {فقل أذنتكم على سواء} وكقول الشاعر: # آذنتنا ببينها أسماء .... رب ثاو يمل منه الثواء # وعلى هذا تحمل هذه الآية، ويكون في تعليقه بالعلم فائدة، وهي تهديد لفاعل ~~السحر، ويجري مجرى قوله: {إن الله بما تعملون بصير} ونحوها، فإن المراد في ~~جميع ذلك التهديد على أن الضر الحاصل عند السحر هو من فعل الله تعالى بمجرى ~~العادة، ولهذا نفع تأثيره في الأماكن المتباعدة، ومن دون مماسة. # ومنها قوله: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} الآية، فبين أنه كره خروجهم ~~مع النبي عليه السلام، وهو طاعة. # والجواب: بل هو معصية؛ لأنه تعالى نهى عنه بقوله: {اقعدوا} وعلل وجه ~~النهي والكراهة بكونه مفسدة، فقال: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم..} الآية. ms307 وقال: {قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا} ومع التصريح بالنهي عن الخروج وكراهته وأنه مفسدة كيف يقال أنه طاعة. PageV01P371 # ومنها: قوله تعالى: {ولقد ذرنا لجهنم كثيرا..} الآية، فبين أنه خلق لجهنم ~~فيجب أن يريد منهم ما لأجله يدخلونها. # والجواب: إنما يقتضي الظاهر أنه خلقهم لها لا أنه يريد مالأجله يدخلونها، ~~وجائز أن يريد العقاب، وإن لم يرد سببه كما يريد منهم التوبة، وإن لم يرد ~~سببها وهو المعصية، ويريد إقامة الحد على الزاني، وإن لم يرد ما لأجله وجب. # وبعد فهي معارضة بقوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وبعد فلام ~~كي لا تدخل على الأسماء. # والمعنى، ولقد خلقنا خلقا وعاقبته دخول جهنم، فهي لام العاقبة مثلها في ~~قوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}/246/ والمعلوم أنهم ما ~~التقطوه إلا ليكون لهم قرة عين، وقال الشاعر: # وللموت تغذو الوالدات سخالها .... كما لخراب الدهر تبنى المساكن # وقال آخر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال آخر: # وقد سمنوا كلبا ليأكل لحمهم .... وما فعلوا بالحزم إذا سمنوا الكلب # ومثل هذا الجواب في قوله تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}، وقوله: ~~{وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} وأشباه ذلك. # واعلم أن جميع ما ذكروه في هذا الباب معارض بقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر} ونحوها مما يدل على أن العباد مختارون في أفعالهم. # شبهة، قالوا: أجمعت الأمة على قولها ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. # والجواب: لا نسلمه وإن سلمناه فمعارض بإجماعها على قولها لا مرد لأمر ~~الله، وعلى قولها: استغفر الله من جميع ما ذكره الله فجوابهم جوابنا. # والتحقيق في الموضعين أن مراد الأمة ما شاء الله كان من أفعاله، ومالم ~~يشأ منها لم يكن بدليل أن مراد الأمة بذلك وصف اقتدار الله تعالى ولا يتم ~~هذا إلا إذا قصدوا أفعال نفسه. # وأما قولهم: إن شاء الله فإنما ترد لاتفاق الكلام وإرجائه لا على جهة الشرط. PageV01P372 # فصل ms308 # ومن المتشابهات نوع يستدلون به على أن الله تعالى يمنع العباد مما أمرهم ~~به لأجل أنه كرهه ولم يرده. منها قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم..} الآية. # والجواب: لا تعلق بظاهرها ؛لأن الختم لا يمنع من الإيمان من حيث يفعل في ~~داخل القلب، ولا يأتيه من خارج، ولو أتاه من خارج لما منعه الختم كما لا ~~يمنع ختم الكتاب والكيس من فضهما. # وبعد فالمنع إنما يعقل في حق القادر والكافر عندهم لا يقدر على الإيمان. # وبعد فلا معنى للختم على أصلهم؛ لأن الله تعالى إن فعل الإيمان في القلب ~~لم يضر الختم، وإن لم يفعله لم ينفع عدم الختم. # وبعد فهذه الآية وشبهها معارضة بقوله: {أم على قلوب أقفالها} وقوله: ~~{فأنى تؤفكون} {فآنى تصرفون} ونحوها مما يدل على أنهم غير ممنوعين. # وبعد.. فلم نقل ختم على قلوبهم من الإيمان، وهو محل النزاع. # إذا ثبت هذا، فالمعنى بالختم هنا السمة والعلامة، كما هو في أصل اللغة، ~~وهي علامة توسم بها قلب العاصي لتعرفه الملائكة، فلا بإيراد الخواطر ~~والألطاف وليتميز لهم الكافر من المؤمن كما قال تعالى: {أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان} وفي الحديث: ((أن الرجل إذا عصى نكتت في قلبه نكتة ~~سوداء)). # ويجوز أن يكون المراد الحكم والتسمية والإخبار بأنهم لا يؤمنون، يقال: ~~ختمت عليك أنك لا تفلح كما يقال: حكمت فأخبر تعالى بأنهم سواء /247/ أنذروا ~~أم لا، لا يؤمنون، وذكر الختم والغشاوة مبالغة في الأخبار، ويجوز أن يكون ~~المراد التشبيه لما لم ينتفعوا بقلوبهم وحواسهم في سماع المواعظ والاعتبار ~~بالمخلوقات تشبيها بالمختوم عليها كما قال تعالى: {صم بكم عمي} فإنه لم يرد ~~ذلك على جهة الحقيقة فإن المعلوم خلافه بدليل، ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم، ولكن لما كان لهم قلوب لا يعقلون بها أي لا يستعملونها وأعين لا ~~يبصرون بها، كذلك شبههم بمن لا قلب ولا بصر له، فلما لم يستعملوا هذه ~~الآلات فيما لأجله خلقت، وعلى هذا قال الشاعر: PageV01P373 # أصم عما ساءه سميع # فلو لا ما قلناه لتناقض ms309 كلامه # وقال آخر: # كيف الرشاد وقد صرنا إلى ملاء .... لهم عن الرشد أغلال وأقياد # وقال آخر: # لقد أسمعت لو ناديت حيا .... ولكن لا حياة لمن تنادي # ومثله قوله تعالى: {فإنك لا تسمع الموتى..} الآية وأشباهها. ومثل هذا يقع ~~الكلام في قوله: {وطبع الله على قلوبهم}، وقوله: {كذلك يطبع الله على كل ~~قلب متكبر جبار} أي بعلم وسم أو على جهة التشبيه أو على جهة الخذلان. # ومنها قوله: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا} إلى قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} فبين أنه يمنعهم سماع ~~القرآن وفهمه. # والجواب: هذا الظاهر لم تقل به أحد لوقوع الإجماع على أنه يجب البيان، ~~وأن الله لا يكلف مالا يعلم، ولا يمنع المكلفين من فهم ما كلفهم، وقد قال ~~تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}، وقال: {لتبيين للناس} ~~وذمهم على عدم التدبير، والمشهور أنهم كانوا يفهمونه، وقد قال كذلك: {نسلكه ~~في قلوب المجرمين}. # وبعد فلا بد من العدول عن الظاهر إلى التقدير؛ لأنه قال: {أن يفقهوه} ولم ~~يقل: لئلا يفقهوه، وللآية معان صحيحة: # أولها: أن يكون المراد بالجعل الحكم والتسمية كما سلف بيانه، وعليه قول ~~الشاعر: # جعلتني باخلا كلا ورب منى .... إني لأسمح كفا منك في الكرب # وثانيها: أن يكون المضير في يفقهوه عائد إلى الحجاب وتقديره مستورا لا ~~يفقهوه أي لا يعلموه في حال ما أنت مستورا به، كما يقضي به سبب نزول هذه الآية. # وثالثها: أنا ذكرنا أنه لا بد من التقدير فتقديره لأن يفقهوه، فيكون قد ~~بين أن غرضه أن يفقهوه وتقدير حرف واحد خير من تقدير ثلاثة حروف، ولأن ~~تقديرنا موافق لدلالة /248/ العقل ومحكم الكتاب. # فإن قيل: كيف يكون الكن والوقر مفعولين للفهم؟ PageV01P374 # قلنا: صار القرآن لكثرة تكراره وتصريف آياته كالغطاء على قلوبهم، وكالوقر ~~في آذانهم لكي يفقهوه، وتعذر إليهم ويصير الحال فيه كالحال، فيمن ترفع له ~~صوتك وتكرر كلامك وتدور إلى جهة وجهه، كلما صرفه عنك لتقرر عليه أنه ms310 قد سمع ~~وفهم وتزيح علته في ذلك. # ورابعها: أن المروي أنهم لما سمعوه وفهموه كفروا به، وكانوا عند تكراره ~~يسبون النبي عليه السلام ويزدادون كفرا وعتوا فمنعثهم الله من فهمه وسماعه ~~عند التكرار لما صار سماعهم له عند التكرار كالمفسدة. # ومنها قوله: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم..} الآية. # والجواب: المراد نقلب في الآخرة؛ لأنه لم يذكر الوقت؛ ولأنه جعله عقوبة ~~لكونهم لم يؤمنوا به أول مرة، ولا يجوز أن يعاقب على الكفر بخلق الكفر، فهو ~~بمنزلة قوله: {يوم نقلب وجوههم في النار}. # وبعد، فلم يقل نقلب أفئدتهم عن الإيمان، وهو محل النزاع؛ ولأنه يقتضي ~~أنهم كانوا آمنوا بقلوبهم ثم قلبها أو يجوز أن يكون المراد بسلب الألطاف ~~والتوفيق وبالخذلان. # ومنها قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون..} الآية. # والجواب: لم يقل سأصرفهم عن فهمها أو عن الإيمان، ولأن الصرف إنما يكون ~~عما يقدر عليه وهو لا يقول به الخصوم. # والمعنى: سأصرفهم عن إبطالها والقدح فيها والزيادة فيها والنقص منها، ~~ونحو ذلك كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. # وأما قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} فهو على جهة الدعاء. # ومنها قوله تعالى: {اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}. # والجواب: لم يقل يحول بينه وبين الإيمان. وأيضا فإنما أخبر بأنه يقدر على ~~ذلك، فمن أين قد فعله. # والمعنى: أنه تعالى عبر بذلك عن الموت؛ لأن الحيلولة بينهما توجب الموت، ~~ومن أعلا درجات الفصاحة أن يخبر عن الشيء بسببه أو بما يقع عنده، كما قال طرفة: # فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى .... وجدك لم أحفل متى قام عودي PageV01P375 فأخبر عن الموت بما يكون عنده من قيام العواد، والله تعالى حثهم على التوبة ~~قبل الإماتة. # يوضحه أن اللام في المرء لام الجنس، وليس الحيلولة الشاملة إلا الموت. # ومنها قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا /249/ قلبه عن ذكرنا}. # والجواب: هذا لا يتم على مذهبهم؛ لأن الغفلة لا تمنع من الذكر إن فعله ~~الله تعالى، وزوالها توجبه إن لم يفعله، والفعل يستعمل ms311 في اللغة في الطريق ~~الذي لا منار له، وفي القدح الذي لا يصيب له، يقال في الأقداح ثلاثة غفل، ~~أي لا يصيب له، وفي الشيء الذي لا سمة له يقال: أغفل إبله إذا لم يسمها. ~~قال الشاعر: # أنحن وهن أغفال عليها .... وقد ترك الصلا بهن نارا # أي ترك الصلا عليهن سمة. # ومعنى الآية: {ولا تطع من أغفلنا قلبه} عن سمة الخير، فلم يسمه بها كما ~~وسمنا بها قلوب المؤمنين في قولنا: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} ويجوز أن ~~يكون لمعنى أغفلنا أي وجدنا قلبه غافلا أو بمعنى لم أسمه. # فصل # ومن المتشابهات نوع يستدلون به على أنه تعالى يحمل العباد على نواهيه، ~~ويوقعهم في معاصيهم لأجل أنه أرادها. # فمنها قوله تعالى: {إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تأزهم أزا}. # والجواب: هذا لا يصح على مذهب القوم؛ لأنه لا تأثير للشياطين في الأز، ~~والفاعل له هو الله تعالى. # والمعنى بالإرسال هنا هو: التخلية والتسليط على جهة العقوبة والخذلان لما ~~لم يطيعوا كما يقال: أرسل فلان كلبه على الناس، وأرسل غنمه على الزرع ونحو ~~ذلك، وكما قال تعالى: {وأرسلنا عليهم الطوفان والجراد..} الآية. هذا إ ن لم ~~يكن المراد بالإرسال في الآخرة. # يوضح هذا كله أنه جعل الإرسال عقوبة على كفرهم. # ومنها قوله {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}، قالوا: تدل على ~~أنه قد أراد منهم الطغيان. PageV01P376 # والجواب: أن المد في الطغيان بالمعنى الذي ذهب إليه الخصوم غير معقول في ~~اللغة، ولا يستعمل، وإنما المد هو الإنشاء في الأجل، وقوله: {في طغيانهم ~~يعمهون} كلام مستأنف، أي في حال عمهم في الطغيان، ولولا هذا لوجب أن يكون ~~قوله: {يعمهون} جوابا ليمدهم محروما، والرفع دليل الاستئناف، ومعنى ~~الاستهزاء أنه أمهلهم ليتأكد الحجة عليهم، وهم يحسبون أنه لا يعذبهم حيث ~~اغتروا بالإهمال، فهو كالمستهزئ بهم بالإمهال، ولو كان كما قالوه من أنه ~~فعل بهم الطغيان وأراده، لكان قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} ~~لا معنى له؛ لأنهم لا يتمكنون من الهدى. # ومنها قوله: {في قلوبهم ms312 مرض فزادهم الله مرضا} فقد صرح بأنه يفعل الشك فيهم. # والجواب: لم يستعمل المرض بمعنى الشك في اللغة قط، وإلا كان يجب أن يسمى ~~الشاك مريضا، والمريض شاكا، وإنما يستعمل المرض في الألم حقيقة، وفي الغم ~~مجازا، يقال: /250/ أنا مريض القلب من كذا، أي مغتم، ولما كان في قلوب ~~الكفار غم شديد من أمر النبي عليه السلام والمؤمنين لأجل ما أعطاهم الله من ~~العزة والنصر، فأورد الله هذا إما على الدعاء عليهم، كأنه قال: زادهم الله ~~غمى، وهو يتضمن الدعاء للمؤمنين، أي بما يزدادون من النصر والعزة، أو يكون ~~على جهة التحقيق بأن الله زادهم غمى بما زاد به المسلمين مما لأجله يغتم عدوهم. # ومنها قوله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم} وقوله: {فمن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا}. PageV01P377 # والجواب: أنه قال: فزينوا ولم يقل ليزينوا، والفاء كما ترد للإخبار بوقوع ~~الغرض المقصود بالفعل المتقدم، نحو شربت الماء فرويت، فقد يقع لنفي الغرض ~~المقصود والإخبار بوقوع عكسه نحو: أنعمت عليك فكفرتني وأمنتك فخنتني، وقد ~~يرد بمطلق الإخبار بوقوع فعل عقيب فعل، ومعنى الآية أن النقيض هنا بمعنى ~~التخلية والتسليط والخذلان، ولا خلاف في أن الله تعالى مكن الشيطان من ~~الوسوسة والخديعة والدعاء إلى الضلال، لكنه ليس له عليهم سبيل إلا ~~باختيارهم، كما قال تعالى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي} وقال: {وما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم}. # وبعد، فلا خلاف أن خلق الشيطان ووسوسته غير موجبين لضلال أحد، أما عند ~~أهل العدل فلأن الله تعالى لا يخلق ما هو مفسدة، واما عند أهل الجبر فلأن ~~الموجب للضلال هو أن يخلقه الله فيه، ولا تأثير للشيطان ولا غيره. # ومنها قوله تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} {وأملي لهم إن كيدي متين}. # والجواب: لا فرج لهم في هذه الآية؛ لأنه لم يقل سأحملهم على الكفر؛ ولأن ~~الآية وردت مورد الوعيد، فكيف يتوعد على الكفر بكفر، ولأنهم كانوا كفارا ~~قبل هذا الاستدراج الذي جعله ms313 عقوبة على الكفر. # والمعنى: سنهلكهم من حيث لا يعلمون؛ لأن الاستدراج مأخوذ من الدرج، وهو ~~الهلاك، يقال: درج فلان صبيا أي هلك، ودرج الناس قرنا بعد قرن، وفي حديث أن ~~خديجة سألت عن أطفال درجوا في الجاهلية، أي هلكوا، وقال الأعشى متهددا: # لنستدرجنك القول حتى تهزه .... وتعلم أني لست عنك بملجم # وقوله: {وأملي لهم أن كيدي متين} أي وأمهلهم في الأعمار لتتأكد الحجة. # ومنها قوله: {فزادهم رجسا إلى رجسهم} فأضاف الزيادة إلى الآيات وهو ~~فاعلها. # والجواب: ما تقدم من أن المراد وازدادوا عندها نحو {فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا}. PageV01P378 # فإن أهم التكليف علم العقائد، وإن الظفر بالحق فيه مراحل الفوائد، وأنه قد ~~كثرت فيه الأهواء وعدل أكثر الناس فيه عن التحقيق، وشكلوا بنيات الطريق، ~~فمن شق قسطا ولى بجحد المشاهدات، ويحاول دفع الضرورات ويحاول دفع الضرورات، ~~وملحد يبكي الصانع ويضيف التأثير إلى الطبائع، وفلسفي ينفي عن الله ~~الاختيار ويعول على العقل والفلك الدوار وباطني يقول بالسابق والتالي، ~~ويعمد غير الله، ولا يبالي، ومطرفي بقصر تأثير الصانع على الأصول، وهو لم ~~يحصل من إثباته تعالى على محصول، وثنوي يقول بالقديم الثاني /2/، وآخر ~~يتلوه في قديم المعاني، وبرهمي ينفي النبوة رأسا، وذمي لا يرى في تكذيب ~~الرسل بأسا، ومجس يشبه الله تعالى بالمجدثات، ويثبت له الخوارج والآلات، ~~ومخير يعتذر للسباطين والعصاة، ويحمل مساوي العباد على الله، ومزح يتعلل ~~بالإخلاص والأمالي، ويبني دينه على حرف التواني، ورافض يبغض شيوخ الإسلام، ~~ويحبط من الغلو والتعصب في ظلام. فهذه أصول فرق الصلالة، والذين تفرعت عنهم ~~كل جهالة، كل منهم بمذهبه فرح مسرور، ورجاهم الكل على قطب الغواية تذور، ~~ليس على غير الباطل يعولون، ويوم تقوم الساعة يومئذ يحسر المبطلون، لقد صدق ~~الله عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وصاح بهم إلى مخالفة الحق فاستمعوه، واستفز ~~بمكره منهم من استطاع وصار له من علماء السوء أتباع، يدعون له إلى كل بدعة ~~وضلال، ويبالغون في نصرته بالأقوال والأعمال، قد انتصب منهم في كل فرقة ~~أمير يجادل في الله بغير ms314 علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويسلك منهم في كل بدعة ~~منهجا، اقتداء بالذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، شرعوا للناس من ~~الدين ما لم يأذن به الله، وشقفوا لهم بالتمويه على كل مهواة، فاستمالوا ~~بشبههم أفئدة الطغام، وأنزلوا على قضيتهم جمهور العلوام، إلى أن صارت ~~الطائفة المحقة فرقة من نيف وسبعين فرقة، فلست تكاد ترى للحق محبا، إلا من ~~يصغي لسماع الحجة قلبا، ولا يظفر بمنصف PageV01P379 ### ||| AUTO القول في الاستطاعة # هي المعنى الذي يوجب لمن اختص به كونه قادرا، وهي ترادف القدرة والقوة ~~والطاقة، بدليل أنه لا يثبت بعضها مع نفي البعض /251/ وإنما لا يقال في ~~الله تعالى: مطيق؛ لأن العرف قد خص استعمال الطاقة بما يتوصل إليه بمشقة. # فصل # المقصود في هذا الباب بيان أن الكافر قادر على الإيمان والمؤمن قادر على ~~الكفر، وقد خالف في ذلك أهل الكفر بأمرهم. # والكلام في هذه المسألة يدور على ثلاثة أركان: # أحدها: أن القدرة غير موجبة لمقدورها. وثانيها: أنها متقدمة عليه. ~~وثالثها: أنها متعلقة بالضدين وبتمامها يتم الغرض، وقد عرفت أن الكلام هنا ~~هو مع من يثبت القدرة منهم، فأما من ينفيها كالجهمية فالكلام معهم في هذه ~~المسألة لغو. # أما الركن الأول: فعندنا أن القدرة غير موجبة لمقدورها، وخالفت المجبرة. # لنا: أنها لو كانت موجبة لم يحل إما أن توجب إيجاب الأسباب، فيكون ~~مقدورها فعلا لله؛ لأن فاعل السبب فاعل المسبب، وتقدم فساده، ويلزم أن لا ~~توجب إلا في محلها؛ لأنه لا جهة لها بخلاف الاعتماد، ويلزم صحة وجودها، ولا ~~مقدور بأن يفقد شرط توليد أو يمنع مانع منه، وعندهم أنه يستحيل تخلفه عنها؛ ~~لأن فيه إبطال المقارنة، وإما أن يكون إيجاب العلل، وهو باطل؛ لأن العلل لا ~~توجب الذوات، ولأن ما صدر عن العلة لا يضاف إلى فاعل قط، ولأن المعلول لا ~~بد أن يختص بمن اختصت به العلة، ومعلوم أن أكثر المقدورات منفصلة من ~~القادر؛ ولأن القدرة مشروطة بالبنية والحياة، فيجب أن يكون معلولها كذلك؛ ~~لأن ما كان ms315 شرطا في العلة كان شرطا في معلولها كالعلم، فإنه لما كان مشروطا ~~بالبنية والحياة كان كونه عالما كذلك، ولولا هذا لصح حصول العلة مع استحالة ~~المعلول. PageV01P380 # وبعد، فلو كانت موجبة لمقدورها لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليفا لما لا ~~يطاق؛ إذ لو أطاقه لوقع. # وبعد، فسيبين أنها صالحة للضدين، فبطل كونها موجبة، وإلا وجب حصولهما. # وبعد، فكان لا يصح وصف أحدنا بأنه قادر كما لا يصح وصف المرمى به من شاهق ~~بأنه قادر على الهوي والجامع زوال الاختيار وحصول ما يوجب الفعل في ~~الموضعين. # وبعد فكان يلزم مثله في قدرة الباري تعالى. # فإن قالوا: إن قدرته تعالى قديمة فيخالف قدرنا. # قلنا: هذا لا يصح على أصلكم؛ لأن عندكم أن القدم لا يقتضي التماثل ~~والاختلاف، وغلا وجب كونها مثلا لله تعالى. PageV01P381 # على أن اختلافهما لا يمنع اتفاقهما في هذا الحكم، ألا ترى أنهما يتفقان في ~~التعلق وفي /252/ كونهما قدرتين ونحو ذلك، فهلا اتفقا في إيجابهما للمقدور ~~وفي أنهما لا يصلحان للضدين. # وبعد، فالذي دل على أن قدرة الباري تعالى غير موجبة من وقوع الفعل ~~وانتفائه بحسب أحواله قائم في قدرتنا، فإن مقدورها يقف على أحوالا ثبوتا ~~وانتفاء. # فصل # وأما الركن الثاني: فقد ذهب أهل العدل إلى أنها متعلقة بالضدين وأن البدل ~~إنما هو في الوقوع لا في التعلق، وذهب جمهور المجبرة إلى أنها لا تتعلق إلا ~~بمقدور واحد، ولا يتعلق بما يضاده ولا بما يخالفه ولا بما يماثله، وقال ابن ~~الزوندي: يتعلق بالضدين، ويقارن مقدورها وصار إليه القليل من المجبرة هربا ~~من لزوم تكليف ما لا يطاق. # لنا: أنها لو لم تتعلق بالضدين لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليفا لما لا ~~يطاق؛ لأنه ليس فيه إلا قدرة الكفر لا سيما إذا علم من حاله أنه لا يؤمن. # دليل، نحن نعلم بالضرورة في من يصح أن يحترك يمنة أنه يصح أن يحترك يسره ~~بدلا من الحركة يمنة في حالة واحدة. # فإن قيل: كيف يصح دعوى الضرورة في هذا والعلم بالقدرة والحركة، وكون ~~أحدنا فاعلا ms316 استدلالي. # قلنا: بل يعلم الكل على الجملة ضرورة الضرورة، والذي ادعينا الضرورة فيه ~~هنا أن كل عاقل يعمل بكمال عقله أنه لا فصل بين نسبة الحركة يمنة والحركة ~~يسره إلى القادر الواحد في الوقت الواحد، بل الصبي يعلم ذلك. # فإن قال: إن في القادر قدرتين، قدرة على الحركة يمنة، وأخرى على الحركة يسرة. # قيل له: لا يستقيم هذا على أصل الخصوم، فإن قدرتي الضدين تتضادان؛ ولأنه ~~كان يجب حصول الحركتين جميعا؛ لأن القدرة عندهم موجبة مقارنة. PageV01P382 # دليل، لا شك أن القدرة على الحركة في المكان الأيمن في المسجد يصح أن ~~يوجدها الله في أحدنا، وهو في المكان الأيسر، وإذا قدرنا وجودها وهو في ~~المكان الأيسر لم يحل إما أن يتعلق بالحركة في المكانين، وهو المطلوب أو ~~يخرج عن التعلق رأسا، وفي ذلك خروجها عما هي عليه في ذاتها؛ لأن تعلقها ~~لذلك، وإما أن يتعلق بأحدهما وهو باطل؛ لأن انتقال محلها لو اقتضى اختلاف ~~تعلقها لقدح ذلك في أن تعلقها لما هي عليه. # فإن قيل: لا يصح وجود القدرة في المكانين؛ لأنها توجب الحركة في أحدهما. # قيل: وهل توزعت إلا في ذلك، فكيف يعترض بنفس مذهبك على دليل قد نصبت ~~لإفساده، لو أمكن هذا لما أمكن إبطال مذهب قط، ثم لم لا يصح والمصحح ~~لوجودها /253/ هو كونه حيا، وهو في الموضعين على سواء. # فإن قال: كما لا يصح ذلك في نفس الكونين لا يصح في القدرة عليهما. # قيل له: ما الجامع أن أحد الكونين لو وجد في المكان الآخر لخرج عما هو ~~عليه في ذاته، واتصف بصفة عنه؛ لأن الكون لما هو عليه في ذاته يوجب حصول ~~الجوهر في جهة معينة، وليس كذلك القدرة، فإنها إنما توجب كونه قادرا وهو ~~حاصل في الموضعين على سواء. # دليل، لو لم يكن أحدنا قادرا على الضدين لما كان لذلك وجه إلا تضاد ~~القدرتين؛ إذ لو كانا مثلين أو مختلفين لصح اجتماعهما وتضادهما محال، وإلا ~~وجب تضاد موجبهما وهو كون أحدنا قادرا على الضدين فيلزم ms317 إذا قدر الباري ~~تعالى على الضدين أن يكون حاصلا على صفتين ضدين؛ لأن تضاد الصفتين لا يختلف ~~باختلاف الموصوفين بهما، ولا باختلاف كيفية استحقاقهما. # ألا ترى أن كونه عالما بالشيء تضاد كونه جاهلا به في حالة واحدة، وكذلك ~~كونه مريدا وكارها، ولا يختلف ذلك باختلاف الموصوفين، وجهة الاستحقاق؛ لأن ~~تضاد الشيئين لما هما عليه، وبهذا يفارق الاختلاف، فإنه قد يكون لما هما ~~عليه كالقدرة والعلم، وقد يكون لاختلاف المتعلق كالعلمين إذا تغاير ~~متعلقهما. PageV01P383 # وبعد، فلو تضاد قدرتا الضدين لتضادتا على الجملة كالعلم والإرادة ونحو ذلك، ~~فكان لا يصح أن يوجد في إحدى بدنه قدرة على الحركة في جهة في حال يوجد في ~~اليد الأخرى قدرة على الحركة في جهة أخرى. # دليل، إنما يعلم كون أحدنا قادرا بكونه فاعلا، وإنما يعلم كونه فاعلا ~~بوقوع تصرفه بحسب قصده وداعيه وانتفائه بحسب كراهته وصوارفه، فلو لم تكن ~~القدرة صالحة للفعل والترك لكان أحدنا محمولا على الفعل مجبورا عليه، فلا ~~يقع بحسب أحواله، فلا يكون فاعلا فيبطل كونه قادرا، فثبت أن الذي دل على ~~القدرة دل على أنها صالحة للضدين، وهذا سديد على أصل الخصوم في أن الترك ضد ~~للفعل، فأما على أصلنا فلا يستمر إلا في الفعل الذي له ضد، ولا يمكن ~~الإنفكاك عنه، ومن ضده كالحركة والسكون، وهو كاف في الغرض المقصود، فإنه لم ~~يفرق واحد بين ماله ضد وبين ما لا ضد له. # وقد حاول بعض أعمارهم الإنفصال عن هذا بأن قال: أن المجبور على الفعل غير ~~اقدر عليه، ونحن فرضنا الكلام في القادر على فعل معين، وصار كحركة المرتعش، ~~فإنه غير قادر عليها بخلاف حركة الماشي، فيقال: هذا عين التخليط والجهالة، ~~وهل ألزمناك إلا زوال الفرق فإن الماشي إذا كان إنما بقدرة على الحركة دون ~~السكون كانت حركته بمثابة حركة المرتعش. # على أن من أصلهم أن كل فاعل في الشاهد مجبور فلا وجه لهذا التفصيل. # فصل # وأما الركن الثالث: وهو أن القدرة متقدمة على مقدورها، فقد خالف فيه أهل الجبر. ms318 # لنا /254/: ما قد ثبت أنها صالحة للضدين، فلو كانت مقارنة لوجب وقوعهما. # فإن قيل: إنما يتعلق بهما في وقتين فيتعلق بأحدهما في الوقت الأول، ~~وبالثاني في الوقت الثاني. # قلنا: هذا يقتضي أن تعلقهما يتحدد فتصير متعلقة بالضد الثاني بعد أن لم ~~تكن متعلقة به، وهذا بقدح في أن تعلقها لما هي عليه فليس إلا أن تعلقها بما ~~تعلقت به ثابت في كل حال ما دام مقدورا. PageV01P384 # وبعد، فإنما وجب تعلقها بالضدين لكن يصح من القادر إبتار أحدهما على الآخر ~~وإيقاعه بدلا منه، وذلك يقتضي أن التعلق بهما ثابت في حالة واحدة. # فإن قال: هي بقدم أحد الضدين وتقارن أحدهما. # قيل له: قد بركت مذهبك في وجوب مقارنتها لمقدورها، والأمر الذي لأجله ~~تقدمت على أحدهما حاصل في الآخر. # على أنه لا بد من أمر لأجله وقع أحدهما دون الآخر، وذلك الأمر هو ~~الاختيار عند أهل هذه المقالة، أعني ابن الروندي وبعض المجبرة. # فنقول: أخبرونا عن هذا الاختيار، هل يجوز أن لا يحصل الفعل عنده فقد بطل ~~قولكم بوجوب مقارنة القدرة لهذا الفعل المعين عند اختياره دون ضده أو هما ~~مما يجب حصول الفعل عنده، فيعود الإلزام الذي هربتم له منه وهو تكليف ما لا ~~يطاق؛ لأن الكفر قد صار واجب الوقوع عند الاختيار، فيكون التكليف بالإيمان ~~تكليفا لما لا يطاق. # دليل، لا شك أن العقل إنما يحتاج إلى القدرة ليخرج بها من العدم إلى ~~الوجود، وذلك يقتضي تقدمها عليه. # وتحقيقه أنه إما أن يحتاج إليها وهو معدوم، فهو الذي يقول أو يحتاج ~~غليها، وقد وجد وهو محال؛ لأنه قد استغنى بوجوده عن القدرة، ولأنه لو احتاج ~~إليها حالة الوجود لاحتاج إليها حالة البقاء والمحيل لاحتياجه غليها حالة ~~البقاء هو الوجود فيه، يخرج عن تعلقه بالقدرة، وبهذا تفارق الإرادة، فإن ~~تأثيرها هو في أن يقع الفعل بها على وجه، فوجب أن يقارن أو أن يكون في حكم ~~المقارن، وكذلك يفارق العلم، فإنه يحتاج إليه في الأحكام، فما يجب تقدمه ~~يجب أيضا مقارنته. ms319 # دليل، قدمنا أنه لا وجه من وجوه التعليق يقتضي استحالة انفكاك القدرة من ~~المقدور إذ ليس يمكن الإشارة إلا إلى تعلق العلة بالمعلول والسبب المسبب، ~~وقد أبطلناه، وأما تعلق التضمين فهو محال أيضا؛ لأن ما يضمن بالشيء فهو ~~مضمن بضده بدلا منه، وذلك يقتضي تعلقها بالضدين، فيلزم وقوعهما. PageV01P385 # دليل، وقع الاتفاق على أن كون الباري تعالى قادرا لا بد من تقدمه وإلا بطل ~~حدوث العالم، وإذا كانت صفة الباري تعالى متعلقة على هذا الحد، فكذلك صفة ~~أحدنا لما قدمنا من أن اختلاف كيفية استحقاق الصفة لا تقتضي /255/ اختلاف ~~تعلقها، وإذا وجب تقدم كون أحدنا قادرا فكذلك القدرة؛ لأنها علة في هذه ~~الصفة فلا يتأخر عنها. # دليل، القول بوجوب مقارنتها يقدح في ثبوتها؛ لأنه متى وجب وقوعه عند ~~وقوعها بطل طريقة الاختيار فيبطل كون أحدنا فاعلا، فتبطل القدرة؛ لأن ~~الطريق إليها هو كونه فاعلا. # دليل، لو وجب مقارنتها لما احتاج العقل إلى آلة، ولا إلى العلم إذا كان ~~محكما، ولا إلى الإرادة، إذا كان جبرا ونحوه؛ لوجوب وقوعه عند وقوع القدرة، ~~وذلك يقتضي زوال الفرق بين العالم والجاهل والبصير والضرير وبين الأمر ~~والتهديد. # دليل، لو وجب مقارنتها لما كانت بأن يؤثر في الفعل أولى من أن يؤثر فيها ~~لاستحالة انفكاك أحدهما عن الآخر، وليس له أن يقول: أن القدرة من فعل الله، ~~والفعل من جهتنا؛ لأنا قد ذكرنا أن وجوب المقارنة تزيل كونه فعلا لنا. # على أنه إذا جاز أن يكون من فعلنا مع أن حصوله واجب عند حصول القدرة جاز ~~أيضا في القدرة أن يكون من فعلنا، وإن وجب حصولها عند حصول المقدور. # وأيضا، فعند الخصوم أن الأفعال كلها لله، ولهذا كان كلام أصحابنا معهم في ~~هذه المسألة إنما هو على جهة الملاطفة والتوسع وجريا على منهاج الحجاج، ~~وغلا فيقيس إثباتها ينبي على كون أحدنا فاعلا وقد منعوه. # دليل، لو وجب مقارنتها لجاز أن يقدر أحدنا على حمل مائة رطل، ولا يقدر ~~على حمل ريشة؛ لأن الذي وقع هو حمل ms320 المائة الرطل، وخلاف هذا معلوم ~~بالضرورة. # دليل، قد ثبت أن القدرة باقية، فيجب أن تكون متقدمة على بعض مقدوراتها، ~~فكذلك البعض الآخر؛ لأنه لا قائل بالفرق، وقد خالفت المجبرة في بقائها PageV01P386 لنا: أن أحدنا لا يخرج عن كونه قادرا إلا إلى ضد أو ما يجري مجراه على وجه ~~لو لاه لاستمر قادرا، وذلك علامة البقاء في الألوان وغيرها. # وبعد، فيجب استمرار قدرة الباري تعالى ليصح منه أن يفعل في العاشر، فكذلك ~~في الواحد منا؛ لأن الوجه الذي لأجله وجب استمراره هناك حاصل هنا؛ ولأن ما ~~كان من حكم الصفة لا يختلف باختلاف كيفية استحقاقها، فأما صحة الاختراع منه ~~دوننا وتعلق قادريته بالأجناس كلها، فليس من حكم مجرد هذه الصفة حتى يلزم ~~الاشتراك فيه، بل هو من أحكام كونه قادرا للذات، فاختلف. # وبعد، فقد ثبت تعلقها بالضدين، فإذا لم يصح وقوع أحدهما بها إلا بعد وقوع ~~الآخر دل على صحة نفائها. # وبعد، فإذا طولب أحدنا برد الوديعة وبينه وبينها مسافة ثم مضى من الوقت ~~ما يمكنه معه قطع تلك المسافة، ولم يردها حسن ذمه عند /256/ العقلاء، وهم ~~لا يذمونه عل ىترك ما لا يقدر عليه. # ولا ينقلب عليا في العلم بالكتابة إذا أمر بها ومضى من الوقت ما يمكنه ~~فيه فعلها؛ لأن الغلو مر وإن كانت لا تنفى فهي لا تختلف باختلاف الوقت إذا ~~اتحد المتعلق، فالعلم بالكتابة لا يختلف سواء كان أحدنا بالمكان الأول أو ~~العاشر، فمتجدد العلم كباقيه، فمتى أمرنا بالكتابة في المكان العاشر، فهو ~~مأمور بما هو عالم به، بخلاف القدرة فإن تأثيرها هو تأثير حقيقي. # والحاصل أن العلم إنما يتعلق بأحكام الفعل سواء كان الفعل في الوقت الأول ~~أو لاعاشر والقدرة لا تتعلق إلا بفعل معين. # دليل، لو وجب مقارنتها لكان تكليف الكافر بالإيمان تكليفا لما لا يطاق ~~كما مر في نظائره؛ لأنه لو وجدت فيه قدرة الإيمان لوقع. PageV01P387 # دليل، قال الله تعالى: {وستحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون ~~أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون} فلا يخلو ms321 إما أن يكونوا مستطيعين فلم ~~يخرجوا أو كان في معلوم الله أنهم لو استطاعوا لما خرجوا، وفي كلامه ~~الوجهين، أكذبهم الله تعالى، وفي ذلك إبطال مذهبهم، وقال الله تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} ومعلوم أن قد كلف الكافر بالإيمان، فيجب أن يكون ~~في وسعه، وقال تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام فصرح أن الذي يقدر على ~~الصوم ولا يفعله عليه فدية، وهذا يدل على أنها غير موجبة ولا مقارنة. # وقد زعم بعض الجهال أن الضمير في يطيقونه عائد إلى الفدى لا إلى الصوم ~~تقديره: وعلى الذين يطيقونه الفداء، وهذا مباهتة، ويلزم عليه في من لا يفعل ~~الفداء أن لا يجب عليه وأن يكون معذور إلا به يعذره عليه. # فصل # إذا ثبت وجب تقدم القدرة فحال المعذورات تختلف، فما كان منها مبتدأ ~~كالإرادة أو مسببا غير متراخ وجب كالتأليف والألم فإنما يجب تقدم القدرة ~~عليه بوقت واحد، وما كان مسببا متراخيا وجب تقدمها عليه كمدة التراخي مع ~~الوقتين المذكورين. # وهل يجوز تقدمها على المبتدأ بأكثر ممن وقت واحد أم لا ظاهر كلام شيوخنا ~~وهو الذي صرح به في التذكرة إلا أنه لا يجوز. # والأقرب جوازه؛ لأنا إذا حكمنا بصحة بقاء القدرة من الوقت الأول إلى ~~العاشر على مثل ما فرضنا في رد الوديعة فلا بد من أن يكون قد تقدمت على ~~مقدورها العاشر بعشرة أوقات، وهذا واضح. # وأيضا فقد قال أصحابنا أن القدرة الواحدة لا تتعلق من الجنس الواحد على ~~الوجه الواحد في الوقت الواحد إلا بمقدور واحد. # قالوا: واحترز بالوقت الواحد من الوقتين، فإنها يصح بها مقدوران في ~~وقتين، وهذا يقتضي بها قد تقدمت على الثاني منهما بوقتين. PageV01P388 # وقد استدل في التذكرة للمنع من ذلك بأنها لو تقدمت على المبتدأ بأزيد من ~~وقت واحد لجاز تقدمها بأوقات /257/ كثيرة، فكان يصح من المريض أن يفعل ~~الأفعال بقدرة موجودة. # وهذا يمكن اعتراضه بأنه كما يلزم ذلك في القدرة المتقدمة بزمان طويل يلزم ~~أيضا في القدرة المتقدمةبوقت واحد. # فيقال: هلا صح ms322 من المريض الفعل بالقدرة المتقدمة عن حال المرض بوقت واحد. # ولعل الوجه في الموضعين أن أعضاء المريض قد خرجت بالمرض عن أن تكون آلة، ~~فلذلك لم يصح الفعل بها حال المرض، سواء تقدمت القدرة بوقت واحد أو أكثر. # فصل # في ذكر بعض ما يلزمهم في هذه المسألة. # يقال: أليس الكافر مأمور بالإيمان، وهو لا يقدر عليه فلا بد من بلى، ~~فيقال: هذا غير تكليف مالا يطاق، وأكثركم يمنع من وقوعه وإن أجاز صحته. # ويقال: إذا كان لا يمكنه الانفكاك من الكفر فما الفرق بين كفره وطول قامته. # ويقال: أليس تأكيد القدرة في الفعل آكد من تأثير الآلة، فلا بد من بلى. # فيقال: إذا كان فاقد الإله عندكم معذورا في الترك وجب مثله في فاقد ~~القدرة، فيكون الكافر معذورا في ترك الإيمان. # ويقال: متى يقدر أحدنا على الانتقال من الشمس إلى الظل؟ إن قلتم يقدر وهو ~~في الشمس تركتم مذهبكم، وإن قلتم يقدر وهو في الظل فأي حاجة إلى القدرة حينئذ. # فإن قالوا: يقدره حال الانتقال. # قيل: ليس بين كونه في الشمس وكونه في الظل حالة تسمى حالة الانتقال. # وكذلك يقال في رجل طلق امرأته وأعتق عبده هل يقدر على ذلك قبل وقوع ~~الطلاق والعتق فهو الذي يقول أو بعده، فكيف يطلق أجنبية ويعتق حرا. # ويقال: ما عندكم في رجلين أحدهما زمن والآخر صحيح، أليس لا يقدران على ~~القيام فلا بد من بلى. # فيقال: فلم كان الزمن معذورا دون الصحيح في الصلاة من قعود. # ويقال: ما عندكم في رجل قائم على شاطئ دخله وهو صحيح الجوارح غير ممنوع ~~من التوضي فتيمم وصلى وحلف بطلاق امرأته أنه لا يقدر على التوضي، هل تصح ~~صلاته أو تطلق امرأته. PageV01P389 # ويقال: ما عندكم في ذرة حملت خردلة أليس لا يقدر جبريل على حملها فلا بد من بلى. # فيقال: كيف يقدر على قلب المدن ونتق الجبال ولا يقدر على حمل خردلة. # ويقال: ما عندكم في رجل قتل نفسه أقدر على قتلها وهي حي، فهو الذي يقول ms323 ~~أو هو ميت فكيف يقدر الميت على أن يقتل. # ثم إذا قد حصل القتل فعلى أي شيء قدر؟ # ويقال: أليس الملائكة والأنبياء ما تركوا الكفر وسائر المعاصي رجاء لثواب ~~الله ولا خوفا من عقابه، بل لأنهم لا يقدرون على ذلك، ولو قدروا على ذلك ~~لكانوا أكفر من خلق الله وأظلمهم، وكذلك في الشياطين ما تركوا الإيمان ~~وسائر الطاعات إلا لعجزهم، ولو قدروا على ذلك لكانوا أفضل عباد الله ~~وأتقاهم وأطوعهم، فلا بد من بلى. # /258/ فيقال: هذا من أسوأ الثناء على الله وأحسن الثناء على أعدائه، ولو ~~قيل لرجل من المخالفين: إنك لا تترك المعاصي إلا عجزا، ولو قدرت لكنت أعصى ~~خلق الله، لأنكر ذلك ونفاه عن نفسه نفي مضطر إلى مجه. # ويقال لهم: ما عندكم لو قدرتم على قتل الأنبياء وهدم المساجد وتحريق ~~المصاحف أليس كنتم تفعلونه، ولا تتركونه خوفا من الله ولا رجاء له، ولا بد ~~من بلى. # فيقال: فأي نقص أعظم عليكم من هذا؟ # ويقال: هل عفا ملك عن جان وهو يقدر على عقوبته أم لا؟ إن قالوا: لا، ~~كابروا ولزم صحة العفو عما لا يقدر عليه حتى يكون ملك الروم قد عفا عن أهل ~~الإسلام، وإن قالوا: نعم، تركوا أصلهم. # ويقال: أخبرونا عن الزهاد في الدنيا كالنبي عليه السلام والصحابة ~~والصالحين، هل زهدوا فيما لم يقدروا عليه، فيلزم أن يكون كل فقير زاهد حتى ~~يزهد أحدنا في قصر السلطان ومملكته أو في ما يقدرون عليه، فهو الذي يقول. # ويقال: إذا قال الله للعبد: مالك لا تؤمن ولإبليس مالك لم تسجد؟ فقال: ~~لأني لم أقدر على ذلك، وإنما قدرت على الكفر أليس صادقا، فلا بد من بلى. # فيقال: فما معنى قوله تعالى: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم}. PageV01P390 # ويقال: ما عندكم في من لم يحج مع أنه آمن صحيح البدن، هل يستطيع الحج أم ~~لا؟ إن قالوا لا قيل: فإذا الحج لا يجب عليه بنص الكتاب؛ لأن الله إنما ~~أوجب على من يستطيع، وإن قالوا: يستطيع تركوا مذهبهم. ### |||| AUTO ms324 فصل [في مناظرات جرت في هذا الباب] # قال عدلي لمجبر: ما معنى قوله: {لو استطعنا لخرجنا معكم}؟ قال: صدقوا لو ~~استطاعوا يخرجوا، قال: فما معنى التكذيب؟ قال: لا أدري. # قال الواثق ليحيى بن كامل: ما التوبة؟ قال : الندم على ما فات والعزم في ~~المستقبل، قال: أفتقدر عليهما؟ قال: لا، قال: إذا كنت لا تقدر عليهما، فما ~~التوبة فانقطع، وقرى قارئ: {فاتقوا الله ا استطعتم} فقال مجبر: هذا بكسر ~~قولا في الاستطاعة، قال معتزلي: كسره الله سبحان من يسر ولم يعسر، كيف وقد ~~قال: {وما جعل علكيم في الدين من حرج}. # وقيل: لصقر المجبر: أكان فرعون يقدر على الإيمان؟ قال: لا، قيل: أفعلم ~~موسى أنه لا يقدر؟ قال: نعم، قيل: فلم نعته الله؟ قال: سخرية. # اجتمع النظام والنجار للمناظر فقال له النجار: لم يدفع أن الله يكلف ~~عباده ما لا يطيقون، فسكت النظام فقيل له: لم سكت؟ قال: كنت أريد بمناظرته ~~أن ألزمه القول بتكليف مالا يطاق، فإذا التزمه ولم يستحي فماذا ألزمه. # ومر أبو الهذيل راكبا والحسين النجار على باب دار المهالبة، فقال النجار: ~~انزل /259/ حتى أسألك، فقال أبو الهذيل: أتقدر أن تسألني؟ قال: لا، قال: ~~أفأقدر أن أنزل؟ قال: لا. # وقال للنجار يوما: أخبرني عن موسى حين أمر بإلقاء العصا، هل أعطي قدرة ~~الإلقاء وهي في يده أو وقد ألقاها؟ إن قلت بالأول تركت مذهبك، وغن قلت ~~بالثاني فقد ألقى من غير استطاعة، فما ثمرة الاستطاعة؟ قال: أعطى مع ~~إلقائها، قال: هل في كفه أم لا ولا واسطة، فانقطع. # وقال مخبر لأبي الهذيل: هل تقدر على شيء؟ قال: نعم أقدر على أشياء أقدرني ~~الله عليها، قال: فخذ تلك الصعوة على ذلك الحائط؟ قال: ذلك من استطاعة ~~الناشق. PageV01P391 # وقال زبالويه المجبر لعبدان وكان ظريفا: ما دليلك على أن الاستطاعة قبل ~~الفعل، قال: الهرة والفأرة، قال: أتهزأ بي؟ قال: ما قلت إلا الحق، لو لا أن ~~الفأرة تعلم أن السنور يقدر على أخذها لما هربت. # وقال عدلي: سايرت مجبرا إلى باب ms325 داره فقلت: أتقدر بابك وهو على هذه ~~الهيئة أن يأخذ ثيابي؟ قال: لا، قال: أفتقدر أنت وأنت على هذه الهيئة أن ~~تأخذ ثيابي؟ قال: لا، فقلت: ما الفرق بينك وبين هذا الباب، فانقطع. # وقال عدلي لمجبر: ما تقول لو قدرت على قتل الأنبياء والأئمة وخراب ~~الكعبة: أكنت تفعله، قال: نعم، قال: فمن أسوأ ممن هذه حاله. # وقال عدلي لسلام الفارسي: ما تقول في رجل قائم في الماء حلف بطلاق امرأته ~~أنه لا يقدر أن يتوضأ للصلاة، قال: يا ابن أخي طلقت امرأته قال: تركت مذهبك. # وسال عدلي مجبرا عن قوله: {وما منع الناس أن يؤمنوا} قال هذا لا معنى له؛ ~~لأنه المانع لهم، قال: فما معنى قوله: {فماذا عليهم لو آمنوا بالله} وما ~~منعهم؟ قال: استهزأ بهم، قال: فما معنى قوله: {ما يفعل الله بكم إن شكرتم ~~وآمنتم} قال: قد فعل ذلك هم وعدهم من غير ذنب ولا معنى لهذه الآيات، قال: ~~هذا رد للكتاب، قال: إيش اصنع إذا كان هذا هو المذهب. ### |||| AUTO فصل [في شبههم في هذا الباب] # قالوا: قد ثبت أن افعال العباد من الله تعالى، وفي ذلك كون القدرة موجبة. # قلنا: قد أبطلنا هذه الدعوى، فلو كانت من الله لا كان إلى القدرة طريق. # على أنه كان يمكنهم إضافتها إلى الله من دون قدرة كالجهمية. # قالوا: قد ثبت أن عدم القدرة يختل المقدور، فليكن وجودها موجبا له؛ ~~لأنهما طرفا نقيض. # قلنا: إنما يلزم أن يكون وجودها مصححا للمقدور إذا كان عدمها محيلا له، ~~وكذلك يقول: لأن نقيض الإحالة التصحيح بم تعارضهم بالحياة، فإن عند عدمها ~~يستحيل وجود القدرة، ولا يكون وجودها موجبا للقدرة. PageV01P392 # قالوا: لو كانت صالحة للضدين لما كان أحدها بالوقوع أو لأمر الآخر إلا ~~لمعنى، كما أن الجوهر لا يختص أحد الجهتين دون الأخرى /260/ إلا لمعنى. # قلنا: يكفي في تخصيص أحد الضدين القادر واختياره؛ لأنه يؤثر على جهته ~~التصحيح، ولو لم يقع أحد مقدور به إلا لمعنى لزالت طريقة الاختيار ولصار ~~مؤثرا على طريق ms326 الإيجاب. # يوضحه أن ذلك المعنى المقدر لا بد أن يكون فعلا فيحتاج في وقوعه دون غيره ~~إلى معنى آخر ويتسلسل بخلاف الكائنية، فإن الجوهر يحب حصوله في جهة ما، ~~فاحتاج إلى مؤثر على سبيل الإيجاب. # ثم نقلت عليهم السؤال في قدرة الباري، فإنها متعلقة بالضدين، وليس لهم أن ~~يقولوا: هناك معنى مخصص وهو إرادته تعالى؛ لأنا نقول: ولما كانت إرادته ~~القديمة بأن تتعلق بهذا المراد دون غيره إلا لمخصص آخر، ويتسلسل. # وقد أجاب الغزالي بأن الإرادة القديمة لذاتها تختص بمراد دون مراد، وفي ~~وقت دون وقت، وهذا كما هو مجرد الدعوى، فإنه يمكن أن يقال فيه: هلا كانت ~~القدرة كذلك لمشاركتها للإرادة في القدم؛ لأنه إذا جاز في الإرادة أن تتعلق ~~بمراد دون مراد، جاز في القدرة القديمة أن تتعلق بمقدور دون مقدور. # فإن قال: ذلك يقتضي انحصار مقدورات الباري تعالى حتى لا يصح أن يزيد عليها. # له قيل: وهو يقتضي أن ينحصر مراد به حتى لا يصح أن يريد أزيد منها، وليس ~~بعد أحد الأمرين إلا كبعد الآخر. # وأيضا فكأن يكون تعلق الإرادة بالمرادات واجب لا يجوز خلافه، وكذلك ~~القدرة، وفي ذلك كون فعله تعالى واقعا على جهة الإيجاب. # وأيضا فكان يلزم ما قدمنا من أنه كان لا يصح وصف الله تعالى بأنه إن شاء ~~فعل مما لم تتعلق به الإرادة الازلية. # قالوا: القدرة إنما تتعلق بما يصح دخوله في الوجود، وليس ذلك حال الضدين. PageV01P393 # قلنا: إنما لم يجتمعا في الوجود لمانع، وهو التضاد لا لأجل تعلق القدرة ~~بهما، وصار الحال في التضاد كالحال في سائر الموانع، فكما يصح تعلق القدرة ~~بما لا يدخل في الوجود لأجل المانع، كذلك تعلق بما لا يدخل فيه للتضاد على ~~أنه يصح وجودهما على البدل، فقد تعلقت بما يصح دخوله في الوجود. # ثم تقلت عليهم السؤال في قدرة الباري تعالى. # قالوا: تضاد الضدين يقتضي تصادما يتعلق بهما فكيف تتعلق قدرة واحدة بضدين؟ # قلنا: هذه جهالة؛ لأن مع تغاير المتعلق يزول التضاد فضلا عن ms327 أن يقتضي ~~التضاد، والشرط عند أهل الحق في التضاد الحقيقي اتخاذ المتعلق في ما يتعلق ~~كالعلم والجهل، فإنهما يتضادان على الشيء الواحد. # ثم نقلت عليهم السؤال في قدرة الباري تعالى وفي العجز؛ لأنه عندهم يتعلق ~~بالضدين. # قالوا: لو تعلقت بالضدين لانقطعت الرغبة عن الله تعالى، وفي أنن نفوسنا ~~على الطاعة؛ لأن قدرة المعصية قدرة على الطاعة. # قلنا: الرغبة مصروفة إلى تنقية القدرة /261/ وإزالة الموانع وتيسير ~~الطاعة وتكثير الألطاف ونحو ذلك. # ثم يقال لهم: قولكم الذي يقتضي الإياس من رحمة الله؛ لأن الكافر خلق فيه ~~الكفر وإرادته وقدرته وقضي عليه وعلم منه ومنع من الإيمان وصار وقوعه منه ~~مستحيلا عبدك فأي رغبة، والحال هذه. # قالوا: لو قدر المؤمن على الكفر لكان الله قد أعانه على الكفر. # قلنا: ليس بمجرد التمكين والإقدار يكون قد أعانه، بل لا بد من الإرادة. # ولهذا لا يقال في من أعطى غيره سكينا ليذبح بها شاه فذبح بها نفسه انه قد ~~أعانه لما لم يرد منه ذلك. # ولهذا ألا يقال: أعان الله الصبي على اللعب. # ثم يقال لهم: إذا كان الله قد أعان الكافر على الكفر بأن أقدره عليه ~~وأراده منه ومنعه من الإيمان، فلم منعتم من أن يعين المؤمن عليه، فإن القبح ~~في الموضعين واحد. PageV01P394 # قالوا: لو تقدمت القدرة حتى يصح وجودها، ولا فعل وقتا واحدا لجاز أوقاتا ~~كثيرة حتى يكون الإنسان الزمان الطويل خاليا عن الفعل والترك، وفي ذلك خلوة ~~عن الطاعة والمعصية. # لأن أن لا يفعل عندنا جهة كافية في استحقاق المدح والثواب والذم والعقاب. # وأما أبو علي فهو وإن منع خلوها من الأخذ والترك فهو يخبره عند حصول ~~مانع، فقد خالف حاله حال المجبرة، وعند سلامة الحال لا بد من كونه فاعلا ~~عند أبي علي. # وبعد فإن أراد واستمر خلوه من الأفعال عند فقد الدواعي، فذلك جائز، لكن ~~قد حصلت الدواعي والصوارف على أبلغ الوجوه، فلا يخلو من الطاعة والمعصية ~~وإن أرادوا مع الدواعي فلا يلزم؛ لأنا قد قدمنا أن عند توف الدواعي ms328 يقع ~~الفعل لا محالة إذا لم يكن منع. # على أن عند توفر الدواعي لا يختص قدرتنا بعين دون غير، وإنما يراعي فعل ~~له صفة، وعندهم أن كل قدرة متعلقة بمقدور معين لا يتعداه. # ثم أنا نقلب عليهم السؤال في قدرة الباري تعالى. # قالوا: لو استحال الفعل بها في الأول لكان المحيل إما أن يرجع إلى ذاتها ~~أو إلى ذات المقدور، وأي ذلك كان لزم استمراره. # قلنا: استحالة الفعل بها في الأول لا يعلل كما تقولونه أنتم في قدرة ~~الباري وفي استحالة تعلقها بعين المقدور المعين. # ولنا أن نعلله بأن تأثيرها هو على جهة الصحة، والصحة إنما تكون في ~~المنتظر لا في الحاصل. # يوضحه أن حقيقة تأثيرها هو بأن يوجدها على جهة الصحة في ثاني وجودها، ~~وليس إذا استحال في الأول استحال في الثاني كالنظر، فإنه يستحيل حصول العلم ~~به في الأول، ولا يستحيل في الثاني، وكذلك الحركة في أول أحوال الحدوث. # قالوا: القول يتقدمها يقتضي صحة وجود المقدور وإن كانت قد عدمت، ولو جاز ~~ذلك لجاز البطش بيد معدومة. PageV01P395 # قلنا: يجوز /262/ حصول الفعل عندنا بالقدرة المعدومة كالإصابة في حال عجز ~~الرامي، بل في حال موته، وذلك أنه إنما يحتاج إلى القدرة لنفع الفعل بها، ~~فإذا وقع أو صار في حكم الواقع استغنى عنها سواء بقيت أو عدمت. # وقولهم: كان يصح البطش بيد معدومة كلام فارغ؛ لأن اليد آلة والآلات ~~تنقسم، فمنها ما يكفي تقدمه كالقوس للإصابة، وما يجب مقاربته كاليد والرجل. # قالوا: صحة الفعل من القادر يحتاج إلى أمر، فيجب أن يحتاج في وقوعه إلى ~~أمر غيره. # قلنا: الذي يحتاج إليه عند الصحة هي القدرة، والصحة متقدمة، فكذلك ~~القدرة، وبالاتفاق أنه لا يحتاج إلى قدرة أخرى. # ثم نقلت عليهم في قدرة الباري تعالى، قالوا: المنع عن الفعل يجب أن ~~يقارنه، فكذلك القدرة عليه. # قلنا: أما أبو علي فأوجب تقدم المنع كالقدرة، وأما سائر الشيوخ فيقولون: ~~أن المنع إنما يكون بالضد أو ما يجري مجراه، ولا يثبت التضاد إلا حال ~~الوقوع. ms329 # قالوا: لو لم يجب مقارنتها لكان يصح وجود العجز مع الفعل كما يصح وجوده ~~مع الآلة. # قلنا: عن أردتم العجز عن ذلك الفعل فصحيح؛ لأن حكم العجز لو ثبت معنى حكم ~~القدرة في وجوب تقدمه، وإن أردتم العجز عن غيره فصحيح. # قالوا: وإذا لم يصح العجز عنه حال وقوعه وجبت القدرة عليه. # قلنا: إنا نجوز خلو أحدنا عن القدرة على الشيء والعجز عنه ويوجبه في هذا ~~المكان. # قالوا: العجز عجز عما لم يفعله، فلتكن القدرة قدرة على ما يفعله. # قلنا: ومن سلم لك هذا وليس الباري تعالى قد لا يفعل الشيء ولا يوصف بأنه ~~عاجز عنه، ولو سلمناه فهي قدرة على ما يفعله في الثاني. # قالوا: الدليل يجب مقارنته للمدلول، فكذلك القدرة. # قلنا: وما الجامع ولسنا أيضا نسلمه، فإن المعجز يدل على صدق النبي مع ~~تأخره عن صدقه، وكذلك دلالة الفعل على الفاعل، وكذلك اختار الله عن قيام ~~الساعة، دليل على قيامها مع تأخر المدلول. PageV01P396 # قالوا: التفرقة بين الحركة الضرورية والاختيارية لا بد أن تكون بأمر حاصل ~~في الحال، وهو مقارنة القدرة لأحدهما. # قلنا: بل يكون بأمر متقدم وهو أن إحداهما وقعت ممن كان قادرا لعيها دون ~~الأخرى، ويصير كمفارقة من يستحق الذم على فعل القبيح لمن لا يستحقه في أن ~~التفرقة حاصلة بأمر متقدم. # قالوا: القادر حال وجود القدرة، إما أن يكون فاعلا أو ممنوعا أو ممتنعا، ~~وإذا لم يكن ممنوعا ثبت أنه فاعل أو ممتنع، والامتناع فعل، فلم يكن بد من ~~مفارقة القدرة للفعل. # قلنا: هذا محض الدعوى وصريح الخبط، ومن أين أن القادر لا يخلو حال وجودها ~~من هذه الأقسام، وهل توزعتم إلا في ذلك، ولو لا فساد ما قلتم للزم قدم ~~العالم أو صحة المنع على الباري تعالى. # وبعد فهذا كلام فارغ على أصلكم؛ لأن عندكم إذا وجدت قدرة الكفر استحال ~~على الكافر المنع والامتناع. # وبعد /263/ فهذا تقييم للشيء على نفسه وعلى ضده؛ لأن الامتناع عندكم فعل، ~~والمنع عندكم عجز، فكأنكم قلتم: القادر إما فاعل أو ms330 عاجز أو فاعل. # قالوا: إذا صح وجود الفعل مع وجود العجز، فكذلك يصح مع وجود القدرة. # قلنا: إن أردتم أنه يصح وجود الفعل مع العجز عنه فغير صحيح، فكذلك لا يصح ~~وجوده مع القدرة عليه، وإن أردتم مع العجز عن غيره، فكذلك يصح مع وجود ~~القدرة على غيره. # قالوا: الفعل يدل على كونه قادرا، وحق الدليل المقارنة. # قلنا: إنما يدل على أنه كان قادرا ثم ينظر في هل استمر به هذا الوصف أم ~~لا، ولسنا أيضا نسلم أن الدليل تجب مقارنته كما سلف. # قالوا: الولاية لله والعداوة والمحبة، ونحو ذلك ثبت حال الفعل، فكذلك ~~القدرة. # قلنا: وما الجامع؟ ثم لسنا نسلم ما ذكرتم وإنما يحصل حال الفعل استحقاق ~~الولاية، ألا ترى أن الولاية والمحبة هي إرادة تعظيم المطيع، وذلك إنما ~~يحصل ف الوقت الثاني من فعل الطاعة. # قالوا: الآلة يجب مقارنتها كاليد والعين واللسان، فكذلك القدرة لاستوائها ~~في احتياج الفعل إليها. PageV01P397 # قلنا: إنما يكون هذا جامعا لو ثبت أن العلة في مقارنة الآلة هو مجرد احتياج ~~الفعل إليها. # وبعد فليس كل آلة يجب مقارنتها، بل تنقسم، فما كان منها لمجرد الوصلة إلى ~~الفعل وليس بمحل له ولا جار مجرى المحل فإنه يجب تقدمه فقط، وإن حازت ~~مقارنته كالقوس للإصابة وهو هذا الذي يمكن تسببه القدرة من الآلات؛ لأنه ~~إنما يحتاج غليها ليخرج العقل با من العدم، فإذا وجد زالت الحاجة. # ومنها ما يكون وصلة ومحلا أو يجري مجرى المحل فيجب تقدمه من حيث هو وصلة، ~~وتجب مقارنته من حيث هو محل كاللسان للكلام واليد للبطش والعين للإدراك عند ~~من يجعله معنى والسكين للقطع، وبهذا شبه البغداديون القدرة حيث أوجبوا ~~مقارنتها مع التقدم. # ومنها ما يجب مقارنته فقط لكونه محلا أو جاريا مجراه كالصلابة في الأرض للمشي. # قالوا: قال تعالى: {إنك لن تسطيع مع صبرا} فنفى استطاعة الصبر لما لم يوجد. # قلنا: الطاهر يقتضي أنه لا يستطيع في المستقبل، وهذا يستوي فيه تقدم ~~القدرة ومقارنتها. # وبعد فليس المراد نفي الاستطاعة حقيقة، ms331 وإنما المراد أنك تستثقل الصبر ~~وتشق عليك كما يقول لا أستطيع النظر إلى عدوي، أي ينقل على ذلك، وإن كان ~~ينظر إليه في الحال. # يوضحه أنه لو أراد نفي القدرة على الصبر في الحقيقة لم يكن لتعليق ذلك ~~بالجهل فائدة؛ حيث قال: {وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا}. # وبعد فقوله: {ستجدني إنشاء الله صابرا} يدل على أنه لم يرد نفي القدرة، ~~وإلا كان تكذيبا للعالم. # وبعد فقوله: {لا تؤآخذني بما نسيت} وقوله: {قد بلغت من لدني عذرا} /264/ ~~يدل على أن السبب في عدم الصبر هو النسيان لا فقد القدرة، وغلا كان يقول لا ~~تؤاخذني عالم تقدر عليه؛ لأن المقام مقام اعتذار. PageV01P398 # قالوا: قال تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا} فلا سبيل إلى تصحيح ~~ما نسبوه إليك من السحر والشعر والجنون، وليس في ظاهرها للخصم متمسك، لو ~~سلمنا أن الظاهر يقتضي ما قالوه فالمراد التشبيه، أي فضلوا فكأنهم لا ~~يستطيعون سبيلا، كما يقوله السيد متهددا لعبده: لم تستطع أن تناولني الكوز. # بالجملة: فالآية وردت مورد التوبيخ، ولو كان كما ذكره الخصم لما كان ~~للتوبيخ معنى. ### ||| AUTO القول في استحالة البدل # عن الموجود الحاصل لما ألزمهم أصحابنا على مذهبهم في الاستطاعة أن يكون ~~تكليف الكافر بالإيمان تكليفا لما لا يطاق، عظم عليهم ذلك وجعلوا يحتالون ~~للانفصال عن هذا الإلزام، فمرة يقولون: كان يجوز الإيمان بدلا من الكفر ~~،مرة يقولون: المأمور بالإيمان منهي عن ضده الذي هو الكفر وهو قادر على ~~الكفر، فالعقوبة على فعل الكفر لا على ترك الإيمان، ونحو هذا من التخليط ~~والخبط، إلى أن جاء الأشعري ومتبعوه فكشفوا القناع وصرحوا بتكليف مالا ~~يطاق، وسيأتي الكلام عليهم. # وإنما نتكلم الآن على الذين أجازوا البدل عن الموجود، فنقول: أتريدون أنه ~~يصح الإيمان من الكافر فرجال كفرة، فهذا يؤدي عندكم إلى اجتماع الضدين أو ~~يصح بشرط أن لا يكون كان منه الكفر وكان بدله الإيمان، فهذا باطل؛ لأنه لو ~~جاز البدل عن الموجود الحاصل لجاز مثله في صفات الأجناس وصفات الباري ms332 ~~تعالى، فيجوز أن يكون الجوهر سواء بشرط أن لا يكون كان جوهرا ويجوز أن يكون ~~الباري جاهلا بشرط أن لا يكون كان عالما، وكان بدله جاهلا لاستواء الجميع ~~في الثبوت، وقد التزم بعضهم في ذلك صفات الباري تعالى، ومن لم يلتزمه لم ~~يبرز فرقا. # فإن قال: الفرق أن صفات الأجناس وصفات الباري واجبة بخلاف وجود الكفر. # قيل له: هذا فرق من وراء الجمع المذكور. # وبعد، فنحن نلزمه جواز البد لفي كون هذه الصفات واجبة، فنقول: يجوز أن ~~تكون جائزة بشرط أن لا يكون كانت واجبة، فيتوجه الإلزام. PageV01P399 # وبعد فتأثير القدرة عنده على جهة الإيجاب فكيف يدعي أن وجود الكفر جائز؟ # دليل، لو جاز البدل عن الموجود لجاز عن الماضي بجامع أن لكل واحد منهما ~~إحالة وجود، فيجوز أن يؤمن لأن بدلا عن الكفر الواقع بالأمس بشرط أن لا ~~يكون كان وقع ويكون بدلا منه الإيمان الآن. # دليل، البدل كالشرط فلا يدخل إلا في المستقبل، وذلك لأنه لا يدخل إلا في ~~أمرين يستحيل اجتماعهما، ولهذا فصرناه على المتضادات، فيكون معنى قولنا يصح ~~وجود أحد الضدين بدلا من الآخر أنه يصح أن يوجد كل واحد منهما بشرطان لا ~~يوجد الآخر، فقد عاد البدل إلى الشرط وهو لا يدخل إلا /265/ في المستقبل، ~~فكذلك البدل. # دليل، لا بد أن يتعلق البدل والمبدل منه بالقادر، فيقال: يصح أن يفعل هذا ~~بدلا من ذلك، وهذا يقتضي تقدم كونه قادرا عليهما، فأما إذا وقع أحدهما فقد ~~خرج عن تعلقه بالقادر، وصاد وجوده مختلا لوجود ضده من حيث أن الشرط في وجود ~~أحدهما عدم الآخر كما تقدم. # دليل، القول بالبدل يقتضي أن يكون الكفر موجودا معدوما، فمن حيث وجدت ~~قدرته يجب وجوده، ومن حيث يجوز وجود الإيمان، يجب عدمه لاستحالة اجتماع ~~الضدين. # دليل تجويز البدل لا ينجي من القول بتكليف ما لا يطاق؛ لأنه إنما يجوز ~~الإيمان عندهم بشرط أن لا يكون فيه قدرة الكفر، فتكليفه به مع وجود قدرة ~~الكفر تكليف لما لا يطاق لعقد شرط الجواز ms333 على أصلهم. # دليل، لو صح تكليف الكافر بالإيمان بشرط أن لا يكون كان فيه الكفر يصح ~~تكليف العاجز بشرط أن لا يكون كان فيه العجز لاستوائهما في عدم القدرة على ~~الإيمان. # وقد فرقوا بوجوه منها إن قالوا: الكافر يصح منه الإيمان ويتوهم بخلاف ~~العاجز. # قلنا: إن التوهم فهو ترجيح أضعف أحد المجوزين من غير ترجيح. PageV01P400 # وعلى الجملة نقول: هل تريدون يصح منه الإيمان أو يتوهم حال كفره، فهذا ~~تجويز لاجتماع الضدين، فقولوا مثله في العاجز أو يقولون يصح منه أو يتوهم ~~عند بقدير زوال الكفر، فكذلك يصح من العاجز أو يتوهم عند تقدير زوال العجز. # على أنه ليس من الإيمان يفعل بالصحة أو التوهم، وإنما يفعل بالقدرة فلا ~~فرح فيما ذكروه. # قالوا: العاجز فيه ضد الإيمان بخلاف الكافر. # قلنا: بل الكافر فيه أضداد كثيرة، وهي الكفر وقدرته وإرادته والقدرة ~~الموجبة لإرادته. # على أنه لا بد أن يكون الكافر عاجزا عن الإيمان لا سيما على ما يقوله في ~~أن العجز ليس بمعنى، وإنما المرجع به إلى زوال القدرة. # وأيضا فإذا استوى العاجز والكافر في عدم القدرة على الإيمان فقد استويا ~~في تكليف مالا يطاق فلا تأثير للفرق الذي ذكروه. # قالوا: الكافر مطلق محلا غير ممنوع. # وأيضا فإذا استوى العاجز والكافر في عدم القدرة على الإيمان فقد استويا ~~في تكليف مالا يطاق فلا تأثير للفرق الذي ذكروه. # قالوا: الكافر مطلق محلا غير ممنوع. # قلنا: أتريدون مع حصول الكفر وقدرته وإرادته، فلا معنى حينئذ للتحلية، ~~وإلا كان مخلا بينه وبين أن يخلق لنفسه ما شاء من الأموال والبنين، وإن كان ~~لا يصح منه أو يريدون مع تقدير زوالها، فكذلك العاجز عند تقدير زوال العجز. # وبعد فالإيمان إنما يفعل بالقدرة لا بالتحلية والإطلاق، وإلا كانت ~~الجمادات مطلقة مخلا. # وبعد، فالإطلاق والتخلية وعدم المنع تبع للقدرة، فلا يقال: هذا ممنوع من ~~كذا إلا إذا كان قادرا عليه، لولا هذا لكان الباري تعالى ممنوعا من الجمع ~~/266/ بين الضدين. # قالوا: الكافر لو شاء لآمن بخلاف العاجز. # قلنا: ms334 لا تأثير للمشيئة مع فقد القدرة، لا سيما في أصلكم في أن القدرة ~~موجبة سواء وجدت إرادة أم لا. # على أن هذا ليس أولى من عكسه، فيقال: لو آمن لشاء لتلازم الإيمان والمشية ~~ولأنهما من فعل الله لفعله لسببهما وهو القدرة الموجبة. PageV01P401 # ثم يقال: أتريدون لو شاء لآمن مع وجود قدرة الكفر وإرادته، ففي ذلك اجتماع ~~المتضادات أو مع تقدير ارتفاعهما، فكذلك العاجز. # وبعد فإنما تطلق هذه العبارة على من يقدر على الشيء، ولهذا لا يقول ~~أحدنا: لو شئت لطرت أو لجمعت بين الضدين. # قالوا: الكافر تارك للإيمان مشغول بضده. # قلنا: التارك هو من لم يفعل الفعل مع القدرة عليه، وغلا كان أحدنا تاركا ~~للجمع بين الضدين وعندكم أنه غير قادر على الإيمان، وكذلك لا يقال: فلان ~~مشغول بالكتابة عن الصناعة إلا إذا كان قادرا عليهما، والأصح وصفه بأنه ~~مشغول عن خلق الأجسام والجمع بين الضدين. # فصل # ولهم في تجويز البدل عن الموود شبهتان: # الأولى: إن قالوا: قد جاز دخول البدل في الفعلين حال عدمهما فليجز حال ~~وجود أحدهما، والجامع تعلقهما بالقادر. # والجواب: يقال من سلم لكم تعلق الموجود بالقادر حتى تجمعوا بذلك، ولو جاز ~~تعلقه بالقادر لجاز تعلق الماضي به. # فإن قالوا :دليل تعلقه به أنه يتعلق به المدح والذم ويشتق له الاسم حال ~~الوجود. # قلنا: إنما يستحق المدح والذم واشتقاق الاسم حال كونه فاعلا لا حال كونه ~~قادرا، فما الجامع بين الأمرين. # الثانية: أنه إذا جاز أن يكلفه الله بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن، ~~فكذلك يجوز أن يكلفه به مع فقد القدرة لاستحالة الإيمان في الموضعين، وإذا ~~جاز البدل في المعلم جاز في الموجود. # والجواب: إذا كلفه بالإيمان مع القدرة عليه وعلم أنه لا يؤمن فإنما أتي ~~في فقد الإيمان من قبل نفسه، ولسنا نحيل القدرة على خلاف المعلوم، ولا نجعل ~~للعلم تأثيرا فيه، وسيعود الكلام في مثل هذا. # وأما دخول البدل في المعلوم فإنما يجوزه فيما يستقبل وينتظر لا في ما ~~وقع، فالذي منعناه في الموضعين ms335 واحد. PageV01P402 ### || AUTO الكلام في التكليف # هو في اللغة: البعث على ما يشق من فعل أو ترك. وفي الاصطلاح: هو إعلام ~~الله العبد بأن له في الفعل أو الترك جلب نفع أو دفع ضرر مع مشقة تلحقه ~~فيهما أو في سببهما أو في ما يتصل بهما مع زوال الإلجاء. # قلنا: هو إعلام الله العبد؛ لأن التكليف هو من جهة الله في الحقيقة، ~~ولهذا إذا وعظ أحدنا غيره وعرفه بماله فيه ينفع أو دفع ضرر لم يقل أنه قد ~~كلفه، وقد دخل فيه الأعلام بخلق العلوم ونصب الأدلة والأمارات، واعتبرنا ~~المشقة /267/ لأنها خاصية التكليف؛ ولأن الثواب لا يستحق إلا على مافيه ~~مشقة في الفعل أو الترك نفسهما كالصلاة وشرب الخمر أو ما في سبب الفعل وما ~~يتصل به كالعلم، فإن المشقة إنما تلحق في سببه وهو النظر وكقراءة القرآن ~~بالصوت الحسن، فإن المشقة إنما تحلق في ما يتصل بها من حراستها عن الربا ~~والعجب ونحو ذلك مما فيه مشقة عظيمة، وكذلك ما ورد في الحدث: ((إن الإنسان ~~ليثاب على تقبيل امرأته ووطئها وملاعبتها)) فإنه يتصل به مشقة وهو توطين ~~النفس على الاقتصار على حلاله، وأن لا يتعداه، وأن يقصد بذلك تطييب نفسها ~~وحسن المعاملة معها. # واعتبرنا زوال الإلجاء؛ لأن من حق المكلف أن يفعل ويترك لأجل التكليف ~~والملجأ ليس كذلك، ولا حاجة إلى اعتبار الإرادة في التكليف؛ لأن الأعلام ~~المذكور يكون تكليفا، وإن لم يكن إرادة لكن ذلك لا يحسن. ### ||| AUTO فصل في معنى أن الله حكيم. # اعلم أن الحكمة هي كل فعل حسن لفاعله فيه عرض صحيح، هذا إذا رجع بهذا ~~الوصف إلى الفعل وهو العرض هنا، فإن رجع به إلى الذات فالحكمة بمعنى العلم، ~~وعليه حمل قوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}. # وقد اتفق أهل الإسلام على أن الله يوصف بأنه حكيم، ثم اختلفوا في المعنى، ~~فقال أهل العدل: ليس يفعل الله الفعل إلا لغرض. # وقال أهل الجبر: لا يجوز أن يفعل لغرض. PageV01P403 # لنا: أن كل فعل ms336 لا يفعل لغرض فهو عبث؛ إذ لا معنى للعبث إلا ذلك وقبح العبث ~~معلوم ضرورة والخصوم قد التزموا معنى العبث في حقه تعالى، وامتنعوا من ~~إطلاق العبارة وزعموا أ، ذلك لا يقبح منه تعالى على مثل كلامهم في الظلم وغيره. # وأصل هذا هو الكلام في أنا نعلم بالعقل قبح بعض الأفعال وحسن بعضها وتقدم ~~في ذلك ما يشفي. ### |||| AUTO فصل في بيان وجه الحكمة في ابتداء الخلق. # اعلم أن للجهل بوجه الحسن ودواعي الحكمة ضل كثير من الناس، فجهلت ~~اللملحدة أسباب التعريض للمنافع العاجلة والآجلة وحسن ذلك، واعتقدوا أن في ~~إحداث الخلق وتعريضهم للمنافع إيلاما وإصرارا فهو بمنزلة من تخرج غيره، ثم ~~ناسوه، وذلك يقدح في ثبوت الصانع الحكيم، فنفوا الصانع. # وجهلت الثنوية وجه الحسن في إيراد الآلام والمصائب وحلو كثير من ~~الحيوانات وغيرها واعتقدوا أنها ضرر وأن الحكيم لا يفل ذلك، فأداهم ذلك إلى ~~إثبات ثان يضيفونها إليه. # وجهلت المجبرة وجه الحسن في كثير من أفعاله نحو تكليف من المعلوم أنه ~~يكفر، ونحو الإماتة بالغرق، ونحو ذلك، فاعتقدوا قبحها، فأجازوا على الله كل ~~قبيح، وقالوا: لا يقبح من الله قبح، وعللوا ذلك بأن الأمر أمره وأن الحسن ~~والقبيح يتبع الأمر والنهي. # وحاصل المسألة عند أهل الحق أنه قد ثبت أن الله تعالى لا يفعل إلا لغرض، ~~وذلك الغرض لا بد أن يعود إلى عباده وخلقه؛ لاستحالة المنافع والمضار عليه ~~تعالى، وهو إما أن يعود إلى عباده وخلقه /268/ بالضرر المحض، وذلك محال؛ ~~لأنه يكون ظلما، وإما أن يعود إليهم بالنفع المحض كالثواب وكثير من النعم ~~والملاذ، وإما أن يعود إليهم بما يجري مجرى النفع لتأديته إليه كالتكليف ~~والمصائب والآلام، فإنها منافع دينية ومصالح في التكيف ومذكرة لعقاب الآخرة ~~وداعية إلى التوبة وغيرها من الطاعات، وأما أن يعود إليهم بالضرر المستحق ~~كعقاب الآخرة والدنيا يلحق بكل واحد من هذه الأقسام ما لا يتم إلا به ~~كالإرادة. PageV01P404 # وعلى الجملة لا تعدو أفعاله تعالى ستة أقسام: المنعم عليه، والنعمة، ومالا ~~يتم كونها نعمة ms337 إلا به من القصد، والمنتقم منه، والنقمة، ومالا يتم كونها ~~نقمة إلا به من القصد، والثلاثة الأول متلازمة، والثلاثة الأخيرة متلازمة، ~~ولا يصح في ابتداء الخلق إلا الثلاثة الأول؛ لأنه لا مستحق للضر حينئذ. # والوجه في في حسن الطرفين جميعا وكونها حكمة، وهو أنا نعلم بالعقل حسن ~~الابتداء بالنفع وما يؤدي إليه وحسن استيفاء الحق ممن وجب عليه والمنازع في ~~ذلك مكابر. # فصل # وقد حصل مما تقدم امتناع تقديم خلق الجماد على الحيوان؛ لأن اتخاذ النفع ~~ولا متنفع يكون عبثا في حال عدم المتنفع. # فإن قال: أليس أحدنا يفعل أفعالا ويقصد بها وجه الإحسان إلى الغير قبل ~~حصول ذلك الغير، كأن يضع له طعاما أو يبني له بيتا، ثم إذا مكنه منها لم ~~يخرج عن كونه منعما بتقديمها. # قلنا: إنما حسن من أحدنا تقديمها لأنه يخشى الفوت إذا أخر فعلها إلى حال ~~حضور المتنفع، فأما الباري تعالى فهو قادر على اختراع الفعل حال حضور ~~المتنفع، فلا يكون في تقديمه عرض، ولهذا منع أصحابا من تقديم الفناء على ~~الجواهر ونعوا ظاهر ما يروى من أن أول ما خلق الله اللوح والقلم؛ لأنه لا ~~بد أن يكون هناك متنفع باللوح والقلم بأن يعتبر النظر إلى مافي اللوح ~~ومطابقته لما سيكون من الملائكة أو غيرهم، وأما قوله عليه السلام: (كان ~~الله ولا شيء ثم خلق الذكر) فلا حجة لهم فيه؛ لأنه لم يقل ثم خلق الذكر فقط ~~فلا بد أن يكون مع خلق الذكر من ينتفع به. # فصل # ويصح أن يبتدئ الله خلقا في الجنة وينعم عليهم بنعم خالصة لا شائب فيها، ~~ولا يكونوا مكلفين؛ لأن التكليف يتضمن المشقة. # فإن قال: فكيف يصح أن يخلص لهم النفع مع أنهم يجوزون انقطاع ذلك وزواله ~~وهو يتضمن التنغيص والحسرة. PageV01P405 # قيل له: إن كان هذا الخلق لا عقل له فالسؤال ساقط، وإن كانوا عقلاء على بعد ~~ذلك جاز أن لا يخطر لهم الانقطاع على بال كما في كثير من المترفين في ~~الدنيا، فإن قد لا يخطر ms338 لهم الموت على بال مع علمهم به قطعا، فإذا جاز ذلك ~~أوقاتا قليلة جاز أوقاتا كثيرة، ويجوز أيضا أن يمنعهم من فعل هذا التجويز ~~ويشغلهم عنه بضروب من الشواغل. # /269/ فإن قال: فهلا ابتدأ الله جميع الخلق في الجنة ولم يخلقهم في دار ~~المحنة والتكليف فتكون النعمة عليهم أعظم من نعمة التلكيف. # قيل: بل النعمة على المكلفين أعظم؛ لأنهم يصلون بالتكليف إلى منافع عظيمة ~~لا يحسن الابتداء بها، ومن هلك منهم فمن جهة نفسه أتي. # على أن هذا اقتراح على الباري تعالى في فعله، وما المانع من أن يختار ~~الإنعام عليهم بادون النعمتين، لو سلمنا أن نعمة التكليف أدون. # فصل # في المكلف الذي هو الإنسان ما هو عندنا أنه هذا الشخص المشاهد المبني ~~بنية مخصوصة المسار إليه بقولهم: أنت فعلت. # وقال أبو سهل النيحتي وبعض الأوائل: هو أمر خارج عن هذا الشخص. # وقال النظام: هو جسم لطيف سالك هذا الجسم. # وحكي عن الأسواري: أنه روح في القلب. # وقال ابن الرواندي: شيء في القلب يسخر الجملة. # وقال الفوطي: هو جزء في القلب لا يتجزأ. # وقال ابن الأحشيذ وبعض الأوائل: هو جسم رقيق منبت في الجسد متشكل بشكله ~~في كل عضو منه عضو منه، فإذا قطع الشخص تقلص فإذا انقطع تقلصه هلك. # وقال بشر بن المعتمر: هو الحي والروح جميعا. # لنا العقل والسمع، أما العقل فهو أن ما عدى ما ذكرناه غير معلوم، ~~والإنسان معلوم ضرورة، ولا يجوز العدول عن ما يعلم إلى مالا يعلم. # وبعد فنحن نجد من أنفسنا ضرورة كوننا معتقدين ومريدين ونحو ذلك، ولا يجوز ~~أن يعلم الذات استدلالا وصفتها ضرورة. # وبعد فلو كان الإنسان غير هذه الجملة داخلا فيها أو خارجا عنها لصح ~~انفصاله عنها، فيكون أحدنا حيا قادرا عالما، ولا يكون إنسانا، والعكس ~~وخلافه معلوم. PageV01P406 # وبعد، فالإنسان لا بد أن يكون هو القادر العالم، ونحن إذا نظرنا في أحوال ~~القادر العالم التي هي صحة الفعل وصحة الأحكام وجدناها راجع إلى هذه الجملة ~~المشاهدة. # وبعد فقد علمنا ضرورة حسن ms339 توجيه المدح والذم ونحو ذلك إلى هذه الجملة، ~~فلو لم يكن هي الإنسان الفاعل لما صح ذلك. # وبعد، فإذا شهدنا على أن زيدا زنا أو قتلفإنما نشهد على هذه الجملة، فلو ~~كان الإنسان غيرها لكاتب شهادة زور. # وبعد فلو كان الإنسان الحي غيرها لما صح الإدراك بهذه الأعضاء على هذا ~~الحد، بل كنا نحده متناقضا؛ لأن المدرك في الحقيقة مسبور بهذه الأعضاء، ~~ولكنا إذا فعلنا أحسسنا باعتماد في هذه الأعضاء؛ لأن الفاعل غيرها. # وأما من جهة السمع فقوله تعالى: {ولقد خلنا الإنسان من سلالة من طين} ~~وقوله تعالى/ 270/: {يخرج من بين الصلب والترائب} ونحن نعلم أن الذي خلق من ~~السلالة وخرج من بين الصلب هو هذه الجملة. # شبهة النظام أن آحاد هذا الشخص لا تجوز أن تكون حية بانفرادها، فكذلك إذا ~~انضمت؛ لأن ما ليس بحي إذا انضم إلى ما ليس بحي لا يصير حيا. # والجواب: أن من حلق الحي أن يكون مبنيا بنية مخصوصة، وذلك لا يتم إلا ~~بالاجتماع كما يقوله في ما ليس بطويل إذا ضم إلى ما ليس بطويل فإنه يصير طويلا. # قال: الإنسان قادر عالم حي لذاته وصفة النفس من حقها أن يرجع إلى الآحاد. # قيل له: لو استحقت للنفس لاستحال خروج أحدنا عنها ولشاركته جميع الجواهر ~~في ذلك لتماثلها، لكن مذهبه اختلافها وهو ظاهر البطلان. # قال: إن الغرض يوجب لمحله، فلو كان الإنسان هو الجملة لكان قد أوجب لغير محله. PageV01P407 # قيل له: المعتمد في كيفية الإيجاب على الأدلة، وقد دلت على أن في الأعراض ~~ما وجد في المحل ويوجب للجملة كالقدرة والعلم ونحوهما، ولو لا هذا لكان ~~أحدنا بمنزلة أحياء قادرين ضم بعضهم إلى بعض ، فلا يحصل له فعل بداع واحد ~~وليست الجملة غيرا للمحل، فلا يصح قوله: قد أوجب لغير محله؛ لأن المغايرة ~~هي أن لا يكون أحدهما هو الآخر ولا جملة يدخل تحتها الآخر، ولهذا لا يكون ~~الواحد من العشرة غيرا للعشرة. # قالت الفلاسفة: الحركات طبيعي وقسري، فالطبيعي يستمر على حال واحدة ~~كحركات ms340 الفلك وليست حركات الإنسان كذلك، فيجب أن تكون قسرية، ولا بد من ~~قاسر غير هذه الجملة. # قيل لهم: إنكم أخللتم تقسيم ثالث وهو مذهب خصومكم، وهو أن حركة الإنسان ~~اختيارية وليست طبيعية ولا قسرية. # قالوا: هذه الجملة يصح عليها الزيادة والنقصان بالسمن والعجف والصغر ~~والكبر، فلو كانت هي الإنسان لكان لا يصح ذم من كان صغيرا، ثم كبر ولا من ~~كان مهزولا ثم سمن ولا عقابه؛ لأنه يدخل تحت الذم والعقاب من لم يكن موجودا ~~حال إيقاع الفعل. # قيل لهم: الدم متوجه إلى الجملة المبنية بنية مخصوصة، ولا بد في كل حي من ~~بنية لا يصح أن يكون حيا من دونها، فالذم ونحوه متوجه إليها وما عداها ~~زيادات وفضلات تجري مجرى الشعر والظفر، لكنها تدخل في جملة الحي لحصول ~~الحياة فيها، وليس يلزم إذا سمن الإنسان بعد عجف أن يصير غير ما كان كما أن ~~الشجرة إذا كبرت بعد صغر لم يصر غيرها ما كانت، وعلى هذا يصح أن يعظم خلق ~~أهل النار وإجرامهم. PageV01P408 ### |||| AUTO فصل [في حسن التكليف وبيان وجه الحكمة فيه] # أما حسنه فلأنه فعل الله تعالى، وتقدم أن الله لا يفعل القبيح. # وأما وجه الحكمة فيه فكونه تعريضا للمكلف إلى درجات لا تنال إلا به، وهو ~~الثواب الدائم الذي قد تقرر أنه لا يحسن الابتداء به، ومعنى كون الله تعالى ~~عرضنا لذلك هو أنه أعلمنا ما يستحق به الثواب فعلا وتركا ومكنا من ذلك ~~وأزاح عللنا فيه وجعله شاقا ليستحق الثواب، واعلم /271/ أنا إذا أتينا بما ~~كلفناه ولم نفسده أثابنا عليه، فعند تكامل هذه نكون قد عرضنا لهذه الدرجات ~~وأحسن إلينا بهذا التعريض. # قالت الملحدة: إنما يسحن هذا التعريض إذا عري عن وجوه القبح وهاهنا وجه ~~قبح، وهو أن في التكليف إضرارا بنا، فهو بمنزلة من يجرح ثم يأسوا. # قلنا: إن الإضرار إما يصير جهة في القبح إذا خلص عن النفع العظيم أو دفع ~~الضرر العظيم، وضرر التكليف يحصل به نفع عظيم، وهو الثواب الدائم، ويندفع ~~به ms341 ضرر عظيم، وهو العقاب الدائم فمشقته كلا مشقة. # يوضحه: أن العقلاء يستحسنون تحمل المشاق في الأسفار لمنافع مظنونة يسيرة ~~منقطعة، فكيل لا يتحمل مشقة التكليف لمنافع عظيمة معلومة دائمة، وكذلك ~~يتحملون ضرر الفصد والحجامة لظن دفع الضرر اليسير، فكيف بالضرر العظيم الذي ~~نعلم اندفاعه بالطاعة، ووقلهم هو بمنزلة من يجرح غيره ثم يأسوه ليس يوازن ~~للمسألة؛ لأن الغرض هنا مجرد إنزال الضرر ومجرد إزالته، فلذلك قبح لكونه ~~عبثا وظلما بخلاف التكليف، فإنه لا ينال الثواب إلا به، فوزانه ما يستحسنه ~~العقلاء من تعريض الوالد لولده بالتعليم للمراتب السنية التي لا ينال إلا ~~بالعلوم. # قالوا: كيف يحسن الإظرار بالمكلف بإلزام المشاق من دون مرضاة وذلك قبيح ~~في الشاهد. PageV01P409 # قلنا: إنما عتبرنا الرضا في الشاهد فالأمور التي يشتبه الحال فيها وفي ~~اختيار احتمال المشقة لأجلها، فإذا بلغ مبلغا عظيما لا يشتبه الحال في ~~اختيار المشقة لأجله جاز إيصاله من دون مراضاة، وصار الحال فيه كالحال في ~~تعليم الوالد لولده، فإنه يحسن من دون اعتبار مراضاة، لما كان المعلم أن ~~الصبي عند كمال عقله يؤثر اختيار المشقة لأجل العلم، فصار حال العباد مع ~~الباري تعالى في تدبير مصالحهم إن لم يرد على حال الوالد مع الولد لا ينقص ~~حتى لو قدرنا أن بعض المكلفين لا يجتاز احتمال المشقة لنفع الثواب؛ لكان في ~~حكم المولى عليه في أنه لا حكم لرضاه. # قالوا: فهلا استوت المخلوقات في التكليف الذي هو نعمة عظيمة عندكم. # قلنا: الابتداء بالتكليف نعمة من الله وتفضل، وليس يجب إذا تفضل على ~~مخلوق أن يتفضل على آخر، وقولهم: هذه محاباة لا يصح؛ لأن المحاباة مفاعلة، ~~وهو أن يحسن إلى الغير ليحسن إليك، وهذا مستحيل في حقه تعالى. ### |||| AUTO فصل [في التكليف يحسن سواء قبل المكلف أو رده] # اعلم أن تكليف من المعلوم من حاله أن يكفر صار شبهة في نفي الصانع عند ~~قوم، وفي إثبات ثان عند آخرين، وفي جواز كل قبيح عند المجبرة. PageV01P410 # ودليل حسنه على الجملة ا قد ثبت بالأدلة ms342 القاطعة أن الله تعالى عدل حكيم، ~~وأن أفعاله كلها حسنة، ثم لا يلزمنا العلم بوجه حسنه على التفصيل كما في ~~كثير من الشرعيات، ولكنا نستدل على التفصيل تبرعا، فنقول: الوجه الذي حسن ~~تكليف من المعلوم أنه يؤمن حاصل في تكليف من المعلوم أنه يكفر وهو كونه ~~تعريضا للثواب ولا فرق بين التكفير إلا أن المؤمن أحسن الاختيار لنفسه، ~~والكافر أساء الاختيار لنفسه، وإساءته إلى نفسه لا تخرج التكليف عن كونه ~~تعريضا وإحسانا، كما أن من قدم طعاما إلى جائعين ليدفعانه ضرر الجوع، وعلم ~~أو غلب على ظنه أن أحدهما يأكل دون الآخر، فإن ذلك لا يخرج تقديمه للطعام ~~عن كونه نعمة عليهما، فهذا الوجه يدل على استواء التكليفين في وجه الحسن، ~~ويكون جوابا عن كل ما يذكره الخصوم على الجملة. # ووجه آخر وهو أنه لو قبح تكليف الكافر لأجل رده لحسن تكليف المؤمن لأجل ~~قبوله، فلا يتم اختيار الله تعالى ونعمته إلا بفعل أحدنا، وهو القبول، وهذا ~~مع كونه محالا في الشاهد، وكونه يقتضي ألا يستقل نعمة الله بالتكليف فإنه ~~يقتضي وقوف كل واحد من الأمرين على الآخر، وأنه لو لا حسن تكليفه تعالى ما ~~تأتى من المكلف القبول، ولولا قبول المكلف لما حسن تكليفه. # ووجه آخر جملي، يقال: ليس يخلو قبح هذا التكليف، إما أن يرجع إلى المكلف ~~وهو علمه بأن المكلف لا يقبل، وسنبين أنه لا تأثير للعلم بعدم القبول في ~~حسن التمكين من النفع. # وإما أن يرجع إلى المكلف وليس إلا كونه يختار الكفر، وهذا يتأخر عن ~~التكليف، فلا يصح أن يكون علة في قبحه؛ لأن وجه الحسن والقبح يجب أن يقارن. PageV01P411 # ووجه آخر جملي، لو قبح تكليف الكافر لقبح ما لولاه توجه التكليف عليه ~~كالعقل والقدرة والآلة ونحو ذلك، ولوجب فيمن كلف أن يقطع بكونه من أهل ~~الجنة، وفي العلم بذلك مفسدة ظاهرة، فثبت بهذه الوجوه حسن هذا التكليف، ~~ووقع ما يوردونه على الجملة. ثم أنا نبطل شبههم على التفصيل شبهة شبهة بعون ~~الله تعالى: # قالوا: ms343 علم المكلف بعدم القبول جهة في قبح التكليف. # قلنا: إذا يقبح كل أمر ونهي في الشاهد؛ لأن أحدنا لا يمكنه القطع على ما ~~يكون في المستقبل، ومعلم حسن ذلك مع الشك، بل مع الظن لعدم القبول. # قالوا: إذا أمر الوالد ولده بالتجارة وطلب المنافع وهو يعلم أنه يهلك ~~دونها ولا يصل إليها قبح منه. # قلنا: إنما قبح منه لأنه إنما أمر ولده بذلك لنفع نفسه وليحصل له زيادة ~~مسرة بما يصل إلى ولده من المنافع، فمتى أمره مع العلم بأنه يهلك دونها كان ~~ناقصا لغرضه، وكالجالب على نفسه ضررا وغما، والباري تعالى لا يصح فيه شيء ~~من ذلك، فلم يقبح منه، وصار كمن يستدعي الغير إلى الدين والصلاح ليحصل له ~~نفع عظيم، وهو يعلم أنه لا يقبل. # قالوا: تكليف من لا يقبل إضرار به لا يقع له لتأديته إلى هلاكه. # قلنا: الضرر الذي لحقه لم يكن لأجل التكليف، بل لأجل الكفر، وإن كان لا ~~يصح إلا مع التكليف فليس يقتضي ذلك كون التكليف سببا للمضرة، وإلا فأجب أن ~~تكون القدرة والآلة والعلم سببا للمضرة؛ لأن الكفر لا يصح غلا معها، بل كان ~~يجب أن يكون حياة المقتول سببا في قتله؛ لأنه لولاها لما صح القتل وخلافه معلوم. # والحاصل أن التكليف تمكين المكلف من نفع نفسه والإضرار بها كالقدرة ~~والآلة والعلم، ونحو ذلك. # قالوا: لو كان غرضه تعالى بالتكليف نفع المكلف لمنعه من الكفر. PageV01P412 # قلنا: إن أردتم تمنعه بالقهر والجبر، فذلك يبطل التكليف الذي هو تعريض ~~للنفع، فكأنكم قلتم: لو أراد النفع لفعل ما يبطل النفع، وإن أردتم به المنع ~~الذي معه ينفي التكليف فليس إلا النهي والوعيد، وقد فعله الله تعالى. # قالوا: وكيف عدل الباري بالمكلف عن النفع المتيقن الذي هو التفضل إلى ~~التكليف الذي هو سبب فوات النفع، بل في حصول الضرر. # قلنا: التكليف أيضا يفضل وليس على الله اقتراح في اختيار تفضل على تفضل. # على أن النعمة بالتكليف أفضل لتأديته ذلك إلى المنافع العظيمة، وصار ~~كالوالد فإنه يعدل ms344 بولده عن الراحة إلى المشاق لتأديته ذلك إلى المنافع. # وقولهم: إن التفضل متيقن غير صحيح؛ لأنه غير واجب، فمن أين أنه متيقن # وقولهم: إن التكليف سبب في فوات النفع وحصول الضرر باطل بما قدمنا من أن ~~السبب في ذلك هو المعصية. # يوضحه أنه قد كان يحسن من جهة العقل أن يعفو عن الكافر. # قالوا: إذا علم الله أنه لا يؤمن استحال أن يريد منه الإيمان. # قلنا: ومن سلم لكم أن الإرادة تطابق العلم، بل كلما يصح حدوثه يصح أن ~~يراد، ولهذا يريد أحدنا ما يشك في وقوعه، بل ما يعلم أنه لا يقع كإرادة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيمان أبي لهب، وكإرادتنا من الكفار أن ~~يؤمنوا دفعة واحدة مع أنا نعلم بالعادة أن ذلك لا يقع. # قالوا: لو كان غرضه تعالى نفع المكلف لكلفه على وجه آخر يعلم معه حصول ~~النفع وزوال الضرر. # قلنا: هذا مبني على أن في التكليف جهة أخرى تقوم مقام هذه في الغرض، ~~ولسنا نسلمه، كما لا يمكن الوالد إبلاغ ولده درجات الكمال من غير طريقة ~~التعليم. # قالوا: بل هنا جهة أخرى وهي النوافل التي يثاب لى فعلها ولا يعاقب على ~~تركها، فهذا اقتصر في التكليف عليها. PageV01P413 # قلنا: لا يحسن التكليف بالنوافل إلا على جهة التبع للواجبات عند من جعل جهة ~~التكليف بها كونها مسهلة للفرائض، فأما من يجعل الجهة في ذلك كونها لطفا في ~~مندوبات عقلية فتقتصر على أن النفع في الواجبات أعظم، فتكون /274/ النعمة ~~في التكليف بها أعظم، والراد لذلك أتي من جهة نفسه. # وله أن يقول أيضا: ليس يصح أن يكلفه بالنوافل إلا بشروط حصولها معها ومع ~~الواجبات وترك المقبحات على سواء. # منها: أن تعذره عليها والقدرة تتعلق بالكل على سواء، ومنها: أن يكمل هل ~~عقله ومن حمله كمال العقل العلم بوجوب الواجبات وقبح المقبحات، ومنها أن ~~يجعلها شاقة يخلق النفرة عنها، ومتى تكاملت شرائط التكليف بالجميع وجب ~~التكليف بالجميع. # على أن كثيرا من الناس أوجب تمام النوافل عند الدخول فيها، ms345 ومن تركها بعد ~~الدخول استحق العقاب، فقد بطل غرض السائل من أن النوافل لا تستحق بتركها عقاب. # قالوا: كيف يحسن هذا التكليف منه تعالى وعندكم أنه أحسن نظر للمكلفين ~~منهم لأنفسهم؟ # قلنا: هو كذلك فيما يتعلق بالتعريض بالتكليف والتمكين والألطاف ونحو ذلك ~~لا على الإطلاق، ولهذا إذا قدمنا الطعام للجائع مع علمنا أنه لا يأكل ثم ~~ذمه العقلاء على كونه لم يأكل فلا يقال: قد أسأنا الاختيار له حين اخترنا ~~تقديم الطعام الذي حسن ذمه لأجل رده. # قالوا: عندكم أن الله إذا علم أن عند تكليف زيد بكفر عمر وقبح هذا ~~التكليف، فكذلك يقبح التكليف في الموضعين إذا علم الله أنه يكفر لأجل ~~التكليف، ومن المعلوم من حاله أنه يكفر لمن يكفر لأجل التكليف، بل لسوء ~~اخيتاره، والتكليف تمكين من الكفر كالقدرة والآلة. # قالوا: يقبح من أخذنا إدلاء الحبل إلى الغريق إذا علم أنه يخنق به بنفسه، ~~وإن كان عرضة تعريضه. # قلنا: هذا مبني على أن المكلف هلك نفسه بالتكليف كما خنق الغريق نفسه ~~بالحبل، وليس كذلك وإنما أهلك نفسه بالكفر الذي لا يصح إلا مع التكليف. PageV01P414 # على أن ما ذكروه لا يصح على الإطلاق، بل يجب أن يفصل القول فيه، فيقال: إن ~~كان الغريق لا يقدر على تخليص نفسه إلا بإدلاء الحبل وقصد المدلي تخليصه ~~حسن منه، ولو علم أنه يخنق به نفسه، وإن كان الغريق يمكنه أن يخلص نفسه ~~بغير الحبل كان إدلاء الحبل، والحال هذه تجري مجرى المفسدة، فيقبح، وليس ~~هذا حال التكليف، فإن المكلف لا يتمكن من تخليص نفسه ولا من هلاكها إلا ~~بالتكليف وحسن هذا التمكين في الموضعين واحد؛ لأن الغرض واحد. # قالوا: إذا لم يحصل المقصود بالتكليف وهو الإيمان كان عبثا. # قلنا: الغرض بالتكليف هو التعريض /275/ للنفع والتمكين منه لا يقيس ~~الإيمان. # يوضحه أن التمكين من النفع يجري عند العقلاء مجرى النفع في حسنه وكونه ~~نعمة، ولولا هذا لم يثبت في الشاهد نعمة لأحد على أحد؛ لأن أكثر ما يفعله ~~المنعمون في الشاهد التمكين ms346 من النفع. # تنبيه # ذهب أهل الأصلح من أصحابنا البغداديين إلى أن الوجه في حسن التكليف من ~~المعلوم أنه يكفر هو؛ كونه لطفا للغير بأن يعلم الله أنه إذا كلف قوما آمن ~~آخرون أكثر منهم أو دونهم بحسب اختلاف بين أهل هذه المقالة. # وهذا عند الجمهور باطل؛ لأنه يلحق الكافر بهذا التكليف ضرر ولا يكفي في ~~حسن هذا الإضرار أن ينتفع به الغير، بل لا بد أن يكون النفع راجعا إلى ~~المضرور، ويكون انتفاع غيره تبعا لنفع، كما يقوله في إنزال الألم بغير ~~المكلفين ليعتبر المكلفون، فإن للمؤلمين نفعا واعتبار المعتبرين تبع له، ~~ولولا هذا لما قبح ظلم قط في الشاهد؛ لأنه وإن استنصر المظلوم فالظالم ينتفع. PageV01P415 ### |||| AUTO فصل [في ما يتناوله التكليف من الأفعال والتروك] # اعلم أن التكليف إما أن يكون بأن يفعل أو بأن لا يفعل، إن كان بأن لا ~~يفعل فإما أن يستحق الذم بفعله فهو القبيح أو لا فهو المكروه، وما عدى ذلك ~~مما لا مدخل له في مدح ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب، فلا يتناوله التكليف. ### |||| AUTO فصل [في شرائط حسن التكليف] # هي على أربعة أضرب: # منها: ما يرجع إلى التكليف. ومنها ما يرجع إلى الفعل المكلف به. ومنها ما ~~يرجع إلى المكلف. ومنها ما يرجع إلى المكلف. # أما ما يرجع إلى التكليف فشرطان: # الأول أن يتقدم على وقت الفعل بزمان يمكن المكلف فيه أن ينظر فيعلم صفة ~~ما كلفه ليتمكن من تأديته على الوجه الذي كلفه. # الثاني: أن لا يكون فيه مفسدة للمكلف ولا لغيره نحو أن يعلم أنه إذا كلف ~~زيدا كفر أو كفر مر ولا حل التكليف، ولا خلاف بين الشيوخ في قبح التكليف ~~إذا كان فيه مفسدة، وإنما اختلفوا في أعيان مسائل هل هي بصفة التمكين فلا ~~يقبح أو بصفة المفسدة فيقبح. # منها: تلقية إبليس لعنه الله وتمكينه من الوسوسة والإضلال. PageV01P416 # قال أبو علي: لا بد أن يعلم الله أن المكلف كان يعصي سواء أغواه الشيطان ~~وأضله أم لا، وإلا كان ms347 ينفيه الشيطان، وتمكينه من الوسوسة بصفة المفسدة. # وقال أبو هاشم: بل يحسن تنقية إبليس وإن علم الله أن المكلف لا يضل إلا ~~بوسوسته؛ لأن في تنفيته زيادة مشقة على المكلف وفي مدافعته كثرة ثواب، ~~فيصير كالتكليف المبتدأ، فمتى أطاعه المكلف فقد أتى من جهة نفسه. # يوضحه حكايته تعالى عن إبليس {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي} ونحو ذلك مما يدل من الآيات على أن المكلف /276/ يطيع إبليس، ~~وقد نسب الله تعالى الإغواء إلى إبليس وغيره في عي عدة مواضع. # حجة أبي علي أن الله تعالى أمر بقتل الغلام لما اكن في بقائه ضال والديه، ~~كما قال تعالى: {فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا}. # ويمكن الجواب بأن أبا هاشم يريد أن يحترم الله إبليس كما احترم الغلام ~~ويتقي الغلام كما تقى إبليس، وإنما النزاع هل تقبح التبقية أم لا؟ # على أنه لا يمتنع أن يكون ثوابهما بالتكليف مع بقائه كثوابهما مع موته، ~~فلا يكون في مشقة مدافعتها له مزيد ثواب. # ومنها أن الله تعالى لو علم أن عند زيادة الشهوة يعصي المكلف، وعند بعضها ~~لا يعصي، هل تحسن هذه الزيادة أم لا؟ PageV01P417 # قال أبو هاشم: تحسن؛ لأن فيه مريد ثواب، والمكلف أتي من جهة نفسه. # ومنها: تبقية الكافر إذا كان المعلوم أنه يؤمن. # قال أبو علي: تنفيته لأنها لطف، وبه قال أهل الأصلح، وقال أبو هاشم: لا ~~تجب؛ لأن التبقية في الأصل تفضل منه تعالى، وكذلك التكليف حال التنفية، ولا ~~يصح أن تكون التنفية لطفا؛ لأنها إن كانت لطفا في الماضي فباطل؛ لأن حق ~~اللطف التقدم، وإن كانت لطفا في ما تفعله حال النفعية لم تجب؛ لأن التكليف ~~في تلك الحال غير واجب، فكذلك ما هو لطف فيه، ولأن من حق اللطف أن يفعل ~~المكل لأجله وهو لا يفعل لأجل التبقية. # ومنها الكلام في المؤمن والفاسق إذا علم أنه إذا أبقاه كفر. # قال الشيخان: يحسن هذه التبقية لأنها تفضل، وتعريض للثواب وهي كتكليف مبتدأ. # وقال أهل الأصلح: ms348 إن كان مؤمنا أو بمقالة الشيخين إن كان فاسقا. # قال: لأن تبقية الفاسق والحال هذه تجري مجرى الخذلان والعقوبة كالكافر ~~إذا علم أن مع التبقية يزداد كفر أو جمل على هذا قوله {سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون وأملي لهم} وهذا التفصيل لا وجه له؛ لأن التبقية تفضل في الموضعين، ~~لا سيما وقد ورد الشرع بأن ناسا كانوا مؤمنين ثم كفروا ولم يحترموا حال ~~الإيمان كإبليس لعنه الله، فإن المروي أنه عبد الله تعالى سنينا كثيرة، ~~وقال تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا..} الآية. وقال: {كيف يهدي ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم} ونحو ذلك. # وقريب من هذا الكلام في من علمه الله من حاله أنه إن كلفه تكليفا ثانيا ~~كفر، وإن اقتصر به على الأول آمن، فإن هذه الزيادة تحسن لأنها تكليف مبتدأ، ~~وليس ما يؤخر بعد مفسدة في ما مضى. # ومنها أن يعلم الله أنه إذا كلف زيدا اليوم أطاع وإن كلفه غدا عصى. # حكي عن أبي هاشم أنه يجوز أن يكلفه في أيهما شاء حريا على قياس الباب ~~وحكى عنه التوقف. PageV01P418 # وقالوا /276/ أبو عبدالله: لا يجوز أن يكلفه في اليوم الثاني؛ لأنه يتنزل ~~منزلة طبيب يعالج المريض في اليوم الذي يعلم أنه لا يقبل البقاء ويتركه في ~~اليوم الذي يعلم أنه يقبله. # ولأبي هاشم أن يقول: إذا كان الانتفاع وعدمه متوقفا على اختيار العليل ~~كان له أن يعالجه في أيهما شاء. # قال القاضي: إن كان الله يعرضه بالتكليف في اليومين لعذر متساو من البوات ~~لم يحسن تكليفه في الغد، بل إن كلفه اليوم وإلا فلا؛ لأن غرضه تعالى ~~التعريض، فتكليفه في الغد يعود على غرضه بالنقض، وإن كان في تكليف الغد ~~مريد ثواب حسن تأخير التكليف إلى الغد. # ومثل هذا يقع الكلام في العقلين إذا علم الله أنه إن كلفه بأحدهما أطاع، ~~وإن كلفه بالآخر عصى، وفي الفعلين إذا علم أنه يقترن بأحدهما يومه دون ~~الآخر، ونحو ذلك. # وأما الشروط الراجعة إلى الفعل المكلف به فشرطان: # أحدها: ms349 أن لا يكون مستحيلا في نفسه كالجمع بين الضدين ونحوه. # والثاني: أن يكون له مدخل في استحقاق المدح والثواب فعلا أو تركا، فيخرج ~~م ذلك المباح والفعل اليسير. # وأما الراجعة إلى المكلف الفاعل فهي أربعة: # الأول: أن يكون قادرا على ما كلفه وإلا كان تكليفا لما لا يطاق، وقالت ~~المجبرة: الشرط ألا يون قادرا لعيه؛ لأن حال كونه قادرا يكون واقعان ~~والتكليف بإيقاع الواقع محال م حيث أن التكليف هو طلب إيقاع الفعل وسيجيء ~~الكلام عليهم. # الثاني: أن يكون متمكنا من امتثال ما كلفه على الوجه الذي كلفه بحصول ~~العقل والآلة وزوال الموانع ونحو ذلك. # الثالث: أن يكون مزاج العلة بالألطاف إذا كان في المعلوم أن له لطفا، ~~وسيأتي الكلام في اللطف إنشاء الله. PageV01P419 # الرابع: أن يكون متردد الدواعي، فيكون له داع إلى الفعل، وهو علمه بوجوبه ~~أو ندبه وصارف، وهو المشقة الذي يلحقه بفعله، وكذلك يكون له إلى القبيح ~~داع، وهو اللذة التي تحصل به، وصارف عنه وهو علمه بقبحه، فحيئنذ يفعل ويترك ~~لأجل التكليف، وإنما يتم هذا بأن يخلق فيه شهوة القبيح ونفرة الحسن، فإن ~~هما تتم مشقة التكليف التي لأجلها يحل الثواب حتى لو كان الأمر بالعكس لم ~~يحصل له إلى القبيح داع، ولا عن الحسن صارف، فلا يستحق ثوابا لزوال المشقة، ~~وقد دخل في هذا ما يعلم من حال كفار الهند، فإنه إذا مات الرجل أحرقوا ~~امرأته حية، فهم مكلفون بترك إحراق أنفسهم، وإن كان في الإحراق مشقة عظيمة، ~~وذلك لأنه طرت عليهم شبهة اعتقدوا لأجلها أن في الإحراق نفعا عظيما، فقد ~~صارت دواعيهم مترددة، وصار ترك الإحراق شاقا عليهم من هذا الوجه، وكذلك ~~/278/ الكلام في عيادة النصارى للصليب وحفظ اليهود للسبت وسائر ما نهوا نه، ~~مما فيه مشقة ويفارق هذا حال المسلمين فإنهم لبسوا مكلفين بترك إحراق ~~أنفسهم وعبادة الصليب ونحو ذلك، بل هم ملجئون إلى تركه لتوفر الصوارف عنه، ~~وفقد الدواعي. # ومن هاهنا قال أصحابنا: أن من استغنى بالحسن عن القبيح وعلم ذلك ولم ms350 يحصل ~~عليه مشقة في فعل الحسن ولا ترك القبيح، فإنه لا يكون مكلفا به؛ لأنه غير ~~متردد الدواعي، بل هو في حكم الملجأ إلى فعل الحسن، وجعل ذلك أحد الوجوه في ~~زوال التكليف عن أهل الجنة. # وأما الشروط الراجعة إلى المكلف الحكيم فهي أربعة. # الأول: أن يكون منعما على المكلف بما معه يستحق الطاعة والعبادة، وهي ~~أصول النعم التي هي خلق الحي وحياته وقدرته وشهوته وتمكينه من المشتهى ~~والعقل الذي يه يميز بين الحسن والقبيح، فحينئذ يستحق العبادة، ويجري ذلك ~~مجرى الشكر المطلق على النعمة في الشاهد. # فإن قال: إذا كان السبب في استحقاق العبادة كونه منعما بأصول النعم لم ~~نستحق نحن ثوابا على الطاعة؛ لأنها كالمستحقة. PageV01P420 # قيل له: إذا كانت نعمته تعالى لسابقة من قبيل التعضل بم كلفا المشاق ولم ~~يحترزه بنفع صارت هذه العبادة في مقابلة تلك النعم، فخرجت عن كونها نعما ~~منفضلا بها، وصارت كتقديم آخرة الأخير على عمله، وكان يلزم أن لا يختلف ~~الناس في التكليف لإنفاقهم في ذه النعم التي هي في مقابلة التكليف أيضا ~~فمشقة التكليف المعصية إلى ضرر العقاب عند العصيان ربما يريد على هذه النعم. # وعلى الجملة فإذا جعل التكليف شاقا لم يكن بد من أن يختره بنفع وإلا فقد ~~كان يمكن تأدية شكره من دون مشقة بأن لا تلحق شهوة القبيح ونفرة الحسن كما ~~في أهل الجنة. # الثاني: أن يكون عالما باجتماع الشرائط الراجعة إلى المكلف والمكلف به. # الثالث: أن يكون عرضة بالتكليف التعريض إلى درجات لا تنال إلا به. # الرابع: أن يكون عالما أنه سيثيبه إذا أطاع، وأنه يفعل مالا يثمر ذلك إلا ~~به من انقطاع التكليف والإعادة ونحو ذلك. # فصل [في أن الله تعالى إذا أكمل للعبد شرائط التكليف فلا بد أن يكلفه] # والأصل في ذلك أنه لو لم يكلفه لكان إكماله لها عبثا يتنزل منزلة من يصنع ~~لغير طعاما، ثم يتلفه قبل أن يمكنه منه، فإن ذلك يعود على عرضه بالنقض في ~~الموضعين. # ووجه آخر وهو أن من ms351 جملة الشروط أن يخلق فيه شهوة القبيح ونفرة الحسن، ~~فلو لم يكلفه فعل الحسن وترك القبيح لكان مغريا له بترك الحسن، وفعل ~~القبيح. # وقول أصحابنا لا بد أن يكلفه الله /279/ لا ينقض قولهم أن التكليف تفضل؛ ~~لأنه قد كان يصح أن لا يكلفه الله بأن لا يكمل له شرائط التكليف، أما بعد ~~الإكمال فيجب، وإلا عاد على غرضه بالنقض كمن يصنع للغير طعاما. PageV01P421 ### ||| AUTO القول في قبح تكليف مالا يطاق # واتفق أهل الجبر إلا الغزالي على جوازه عقلا واتفقوا أيضا إلا من لا يعبأ ~~به على أن هممنوع سمعا. # ثم اختلفوا في صحة تكليف من لا يعلم والعاجز، فمنعه محققوهم وأجازه ~~الباقون مع اتفاق الجميع على منع تكليف الجماد. # واعلم أنه لا محصول لشيء م هذا الخلاف؛ لأنهم متفقون على أن الله تعالى ~~خالق لجميع الأفعال، وأنه لا يوجد شيء إلا بقدرته، فلا بد أن يكون التكليف ~~بالأفعال تكليفا لما لا يطاق، ولا ينجيهم من ذلك قولهم أن للمؤمن قدرة على ~~الإيمان والكافر قدرة على الكفر؛ لأنه لا معنى لذلك إلا أن الله أوجد الفعل ~~عندها على ما يقولون، وأما فرقهم بين الجماد والحيوان فهو فرق بارد؛ لأنه ~~إما امتنع تكليف الجماد لأنه غير متمكن، وهذا حاصل في كل فاعل سواء القديم. # وأعجب من هذا فرقهم بين تكليف من لا يعلم وتكليف من لا يطيق، فإن احتياج ~~الفعل إلى القدرة أعظم من احتياجه إلى العلم. PageV01P422 # لنا: العقل والسمع، أما العقل فهو أن تكليف ما لا يطاق يعلم قبحه في الشاهد ~~ضرورة، وإنما قبح لكونه تكليفا لما لا يطاق بدليل أن من علمه كذلك علم قبحه ~~وإن جهل كل أمر من سمع وغيره. # وقد قال شيخنا أبو الحسين: يعلم ضرورة شاهدا وغائبا، قال: لأنا نعلم ~~ضرورة قبح كل تكليف ما لا يطاق، فإذا علمنا في الغائب أنه كلف مالا يطاق ~~ألحقناه بالجملة المقررة، فيكون من باب إلحاق التفضيل بالجملة كالعلم بقبح ~~الظلم المعين، وهذا مستقيم على أصل أبي هاشم، حيث جعل ms352 العلم الحملي هو ~~التفصيلي، وعلى أصل أبي الحسين أيضا فإنه وإن جعله علما ثالثا فإنه عنده ~~متولد عن أحد العلمين الأولين، فيكون ضروريا إذا كان المولد له ضروريا. # وأما على أصل سائر الشيوخ في أن الثالث مبتدأ بفعله باختياره بدعا ~~الأولين، فهو لا يكون ضروريا، ولا استدلاليا، وهو مشكل على ما تقدم في صدر ~~الكتاب. # وعلى كل حال فالمطلوب هنا هو أن من علم أن كل تكليف بما لا يطاق فهو ~~قبيح، ثم علم في تكليف معين أنه تكليف لما لا يطاق، فإنه لا يتوقف في العلم ~~بقبحه كالعلم بقبح الظلم المعين. # دليل، قد ثبت أن الله تعالى لا يكلف إلا لغرض، وهو نفع المكلف كما تقدم، ~~وإنما يكون للمكلف نفع إذا كان متمكنا من فعل ما كلفه. PageV01P423 # وأما السمع فقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} {وإلا ما آتاها} ~~وقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} {ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا} {وما جعل عليكم في الدين من حرج} {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} {يريد الله أن /280/ يخفف عنكم} و{خلق الإنسان ضعيفا} ~~وأشباه هذا، ولو ادعينا الضرورة من الدين لأمكن. # وقد زعم بعض أعمارهم أن معنى قوله: {إلا وسعها} إلا ما يحل لها، واحتج ~~يقول لهم فلان في سعة من كذا، أي في حل، وهذا جهل باللغة؛ لأنه لا يقال: ~~فلان في سعة من الصلاة والحد، ولا ملائمة بين الوسع الذي هو إلطافه أو ~~دونها، وبين السعة التي هي الحل، وما أشبه هذا بما روي أن رجلا أتى إلى بعض ~~الولاة، وقال: اشفع لي إلى فلان يقيلني في بيع جرابيهما، فقال الوالي لذلك ~~الرجل: أقله عافاك الله، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((قيلوا فإن ~~الشياطين لا تقيل))، فلم يفرق بين القيلولة والإقالة كما لم يرف هذا بين ~~الوسع والسعة. # على أن هذا الحل لا يثبت بالتكليف؛ لأن التكليف فيه مشقة، والتحليل فيه ~~إزالة للمشقة. # وأيضا فهذا يؤدي إلى التوقف؛ لأن التحليل ms353 عندهم إنما يثبت بالأمر الذي هو ~~التكليف، فإذا كان لا يأمر إلا بما هو حلال، ولا يكون حلالا إلا بعد الأمر، ~~فذلك توقف. # وأيضا فلا معنى لأن يحل له ما لا يمكنه منه، ولو صح هذا لكان لأحدنا أن ~~يقول: أحل الله لي حمل الجبال والجمع بين الضدين. PageV01P424 ### |||| AUTO فصل [في شببهم] # أما من جهة العقل فما تقدم من هذيانهم من أن الله خالق لجميع الأفعال، ~~ولو ثبت لهم ذلك لثبت أن التكليف تكليف لما لا يطاق، لكنا قد أبطلنا تلك ~~الأحلام، قالوا: لو قدر أحدنا على الفعل لكان إما أن يقدر عليه حال وجوده ~~وهو محال؛ لاستحالة إيجاد المجود أو قبل وجوده، وهو محال؛ لأن القدرة إن ~~كان لها أثر لزم حصول المقدور حال حصول الأثر، وإن لم يكن لها أثر لزم أن ~~لا تكون قدرة. # والجواب: هذا معارض بقدرة الباري تعالى، وجوابهم جوابنا، والتحقيق أن ~~القدرة ثابتة قبل الفعل، ولها به تعلق يثبت حال ثبوتها، وهو صحة إيجاده بها. # وأما التأثير فمنعناه أنه وجد بها، وذلك لا يحصل إلا حال وجود المقدور؛ ~~لأنه هو وجود المقدور بها. # قالوا: قد كلف الله تعالى بما يعلم أنه لا يقع، والقدرة على خلاف ~~المعلوم، محال؛ لأن ذلك يؤدي إلى انقلاب علم الله جهلا. PageV01P425 # والجواب: يقال: من سلمكم استحالة القدرة على خلاف المعلوم، ولو ادعينا ~~الضرورة في القدرة على خلاف المعلوم لأمكن فإن أحدنا يعلم من نفسه أنه قادر ~~على لقاء خاتمة في البحر وعلى أن يسعى في السوق ويقتل نفسه. # وبعد فلا بد لهم من الإعتراف بأن الله قادر على أن يقيم القيامة ويطلع ~~الشمس من مغربها وينزل المطر من غير سحاب ويقلب الجبال ذهبا ونحو ذلك مما ~~قد علم تعالى أنه لا يقع فإذا لم يلزم من قدرته تعالى على ذلك انقلاب علمه ~~جهلا، وكذلك لا يلزم من قدرتنا عليه. # وبعد /281/ فلو كان ما علم الله أنه يقع واجب الوقوع، وما علم أنه لا يقع ~~مستحيل الوقوع لبطل الاختيار، وزال ms354 معنى القادر في جميع الأفعال؛ لأنها بين ~~واجب الوقوع ولا مستحيل الوقوع. # وبعد فلا خلاف بيننا وبينهم أن العلم تابع للمعلوم ومتعلق به على ما هو ~~به، فإن العلم يكون زيد في الدار يتبع كونه فيها، وليس كونه فيها يتبع ~~العلم، وإذا العلم تابعا للمعلوم لم يصح أن يكون مؤثرا فيه بنفي ولا إثبات. # يوضحه أنه لا فرق بين أن يعلم وقوع الشيء وبين أن يعلم أنه لا يقع في أنه ~~لا تأثير لعلمنا في ذلك، فكذلك في علم الباري تعالى. # والمروي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا أتاه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ~~إن قوما يربون ويشربن الخمر ويقتلون النفس ويقولون كان في علم الله ولم نجد ~~بدا منه، فغضب ثم قال: سبحان الله العظيم قد كان ذلك في علمه أنهم يفعلونها ~~ولم يحملهم علم الله على فعلها. PageV01P426 # حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أصلتكم والأرض التي أقلتكم، فكما لا ~~يستطيع الخروج من السماء والأرض، فكذلك لا يستطيع الخروج من علم الله، وكما ~~لا تحملكم الأرض والسماء على الذنوب كذلك لا يحملكم علم الله عليه)). ثم ~~قال: ((العبد يعمل المعصية ثم يقر بذنبه على نفسه أحب إلى الله من عبد يصوم ~~النهار ويقوم الليل ويقول: إن الله أولى بالخطيئة منه)). # فإن قيل: لو قدرنا وقوع ما علم الله أنه لا يقع هل كان يدل على جهله. # قلنا: الصحيح في الجواب ما قاله الشيخ أبو الحسين وهو: أن تقدير وقوعه ~~يتبعه تقدير العلم بوقوعه، كما أن تقدير اجتماع الضدين يتبعه تقدير ارتفاع ~~التضاد بينهما. # فنقول: لو قدرنا أنه وقع لكن الله عالما بوقوعه وإنما يلازم التقديران؛ ~~لأن العلم تابع للمعلوم، فإن قدرناه واقعا كان العلم متعلقا بوقوعه، وإن ~~قدرناه غير واقع كان متعلقا بأنه لا يقع، والذي يقدر عالما لا يطابق علمه ~~معلومه كالذي يقدر قادرا لا يصح منه الفعل. # فإن قيل: ms355 أليس إذا لم يصح من القادر الفعل خرج عن كونه قادران فكذلك إذا ~~علم ما علم أنه لا يقع فلا بد أن يخرج عن كونه عالما بوقوعه. # قلنا: هو كذلك، لكن الذي دل على خروجه عن كونه عالما بعدم الوقوع هو ~~الوقوع لا تقدير الوقوع، وإنما الذي يلزم من تقدير الوقوع هو تقدير العلم ~~بالوقوع. # وأما سائر الشيوخ فيمتنعون من الجواب بالنفي والأبيات هنا كما تقدم لهم ~~في هل تقدير وقوع الظلم يدل على الجهل به والحاجة أم لا؟ # وعلى كل حال فالمطلوب هنا أن العلم تابع للمعوم /282/ غير مؤثر فيه. PageV01P427 ### |||| AUTO شبهة # قال الرازي: كلفنا الله تعالى بالعلوم النظرية فقال: {واعلم أنه لا إله ~~إلا الله} والعلوم النظرية إنما يمكن مع العلوم التصورية؛ لأنه لا بد أن ~~يعلم مفردات الأدلة، قال: والعلوم غير مقدرة لنا لا التصورية ولا ~~التصديقية؛ لأن المطلوب إن كان معلوما استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل، ~~وإن كان مجهولا فلا شعور به، فيطلب، ثم إذا طلب أحدا شيئا مجهولا فظفر به ~~فمن أين يعلم أنه مطلوبه. # والجواب على ما قال: أن المطلوب ليس معلوما من كل وجه، ولا مجهولا من كل ~~وجه، ولا مجهولا من كل وجه، وإنما يشعر به ويعتبره معه ويكون المطلوب هو ~~التعيين، فإذا طلب العلم بما هية الأسد مثلا فإنما يطلبها بعد أن علم أنه ~~شجاع أو عريض الأعالي، لكن هذا يجوز أن يشمله وغيره من حيث أن الشجاع هو ~~شيء ماله شجاعة، والعريض الأعالي إنما يدل على شيء اله عرض، فأما أن ذلك ~~الشيء الذي له شجاعة أو عرض هو الأسد أو غيره، فلا يعلم فالمطلوب هو ~~التعيين، وهو أن ذلك الشيء الذي هو شجاعة وعرض أعال، هو الأسد أو غيره، فلا ~~يعلم فالمطلوب هو التعيين وهو أن ذلك الشيء الذي له شجاعة وعرض أعال هو ~~الأسد دون غيره، وكذلك الكلام في التصديقات، فإن المطلوب منها هي النسبة ~~التي هي متصورة مفهومة، ولكنها مترردة بين الإثبات والنفي، فالمطلوب هو ~~تعيين أحدهما، ms356 فمتى حصل علم أنه مطلوبه. # وأما شبهتهم من جهة السمع فهي أن الله تعالى كلف أبا لهب أن يؤمن بما ~~أنزل على محمد، ومن جملة ما أنزل على محمد أن أبا لهب لا يؤمن، فقد كلف بأن ~~يؤمن بأن لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين. # والجواب: يقال لهم: من سلم لكم أن أبا لهب كلف أن يؤمن بأن لا يؤمن ~~وعندنا أن التكليف إنما يكون إنما يكون بما يمكن لا بما يستحيل، فكيف يكلف ~~بأن يصدق بأن لا يصدق، وهل وقع النزاع إلا في هذا وأشباهه. PageV01P428 # يوضحه أن أبا لهب لا يستحق ثوابا على أن يؤمن بأن لا يؤمن، وذلك دليل على ~~أنه لم يكلفه به. ### |||| AUTO شبهة # قال تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} قالوا: فكلف الملائكة بما لا يعلمون. # والجواب: لا تعلق في ظاهرها؛ لأنه لم يأمرهم مطلقا، بل قال: إن كنتم ~~صادقين، قيل: معناه إن كنتم عالمين، وقيل: إن كنتم صادقين ي أنكم أصلح للأرض. # وبعد، فجمهور القوم لا يجيوزن تكليف مالا يعلم، والمعنى أن الله تعالى ~~تحداهم وعجزهم تأكيدا لمعجزة آدم عليه السلام، وليس يأمر على الحقيقة، فهو ~~بمنزلة {فأتوا بسورة من مثله} ونحو ذلك. # شبهة # قال تعالى: {ولا تحملنا مالا طاقة لنا به}. # والجواب: المراد لا تحملنا ما يثقل علينا ويشتد كلفته كما فعلت في سائر ~~الأمم من /283/ التكاليف الشاقة نحو: قتل الأنفس، وهذا ظاهر في اللغة، ~~يقال: والله ما أستطيع النظر إلى عدوي، ولا أطيق صحبة فلان، ولا أقدر على ~~قيام الليل ونحو ذلك. # وبعد فلم يقل ولا يكلفنا فلا دليل في ظاهره. # وبعد فقد قيل: المراد في الآخر من نقل الأوزار وشدة الحساب وألم العذاب. # وبعد، فهو دعاء تعبدنا به كسائر الأدعية، وإن كان لا يفعل كقوله تعالى ~~حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {ولا تخزني يوم يبعثون} ومعلوم أنه لا ~~يخزيه، وكقوله: {رب احكم بالحق}. PageV01P429 ### |||| AUTO شبهة # قال تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} ومعلوم أنا ~~كلفنا بالعدل بينهم. # والجواب: أن ms357 المراد أنه يثقل ويشق لسوء طرائقهن ونقص دينهن وكثرة غيرتهن، ~~ويجوز أن يكون المراد بأن لا يستطيع العدل ينتهز في الشهوة؛ لأنها من فضل ~~الله، والذي أمرنا أن نعدل بينهن فيه هو الجماع والإنفاق والحكم ولين ~~الجناب وحسن العشرة ونحو ذلك. # شبهة # قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع}. وقال: {الذين ~~كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا}. # والجواب: ظاهره نفي استطاعتهم على السمع، والسمع هو من فعل الله تعالى، ~~لا سيما على مذهبهم في أن الإدراك معنى. # وبعد فظاهرها يقتضي أنهم كانوا صما وعميا، والمعلوم ضرورة أنهم لم يكونوا ~~كذلك، ولهذا قال تعالى: {أم على قلوب أقفالها}، وقال: {أفلا ينظرون} {أفلا ~~يسمعون}، وقال: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} ونحو ذلك. # ولو سلمنا أنهم كانوا عميا وصما، فالمعلوم ضرورة من الدين أنه ما على ~~الأصم والأعمى حرج، وقد صرح به القرآن. # والمعنى أنهم كانوا يستثقلون سماع المواعظ والقرآن، وسماع الحق ~~والانتفاع، فأورد ذلك على طريق التهديد والذم كما يقول الملك لمن يعاقبه: ~~لم تستطيع طاعتي أو على طريق التشبيه. PageV01P430 ### || AUTO الكلام في الألطاف # اللطف في اللغة هو ما قرب من نيل العرض، سواء كان المقرب والمتقرب إليه ~~حسنين أو قبيحين. # وفي الاصطلاح: أحسن ا يقال فيه هو ا يختار المكلف عنده الطاعة لأجله بعد ~~التمكين أو يقرب من اختيارها، كذلك والمفسدة ما يقابله. # قلنا: يختار عبده الطاعة ليدخل في لطف التوفيق، وهو الذي يختار عنده ~~الفعل، ولطف العظمة، وهو الذي يختار المكلف عنده الترك، وكلاهما طاعة أعني ~~الفعل والترك، وقلنا: لأجله احترازا من أن يختار للإلجاء أو لمنفعة دنيوية، ~~وقلنا: بعد التمكين احترازا من أن نختار الطاعة عند مجرد التكليف والآلة، ~~فإن التكليف والآلة /284/ لا تكون لطفا ولا مفسدة، بل هما تمكين، وقلنا: أو ~~يقرب من اختيارهما ليدخل فيه اللطف المطلق، وقلنا: كذلك أي لأجله بعد ~~التمكين. PageV01P431 # وأما ما يقوله أصحابنا المتأخرون من أن اللطف لا بد أن يكون من قبيل ~~الدواعي، ويقولون في ms358 حده: هو ما يدعو المكلف، فليس تسديد؛ لأن الدواعي ليس ~~بأكثر من اعتقادنا أو ظننا بأن في الفعل جلب نفع أو دفع ضرر، وقد وجدنا هذه ~~الدواعي تثبت سواء الألطاف أو زالت، ألا ترى أنا نعلم أن لا في الطاعة جلب ~~نفع أو دفع ضرر سواء مرضنا أم لا، وسواء سمعنا المواعظ أم لا وسواء فعلا ~~الشرعيات التي هي ألطاف أم لا، وكذالك معرفة الباري تعالى فإنها لطف وليست ~~هي الداعي، وإنما الداعي هو العلم بأن هذا الفعل مما يستحق عليه الثواب ~~والعقاب، فثبت أن اللطف هو ما يختار عنده سواء كان داعيا، أو ألما أو كلاما ~~أو صلاة وغير ذلك مما لا يدعو. # ووجه آخر وهو أن الدواعي لا بد منها في جميع ما كلفنا، ولهذا اشترط ~~أصحابنا أن يكون المكلف متردد الدواعي بخلاف اللطف، فإنه قد يختص بعض ~~الأفعال. # فصل # ويسمى لطفا ومصلحة وصلاحا، وأصلح أي لا شيء يقوم مقامه في الصلاح كقولهم: ~~الله أكبر لا على معنى المفاضلة، ويجوز أن يراد المفاضلة أي أصلح من غيره؛ ~~لأن مصلحته دينية، ويسمى إزاحة لعلة المكلف، ويسمى توقيفا وعصمة إذا كان ~~يختار عبده لأجله لا محالة، إلا أنه لا يقال: فلان معصوم أو موفق إلا إذا ~~كان يستحق المدح؛ لأن هذه الأسماء قد صارت مدحا بالعرف، وكذلك لا يقال: ~~أصلح الله فلانا إذا إذا كان مؤمنا؛ لإفادته المدح، فأما مع التقييد فيجوز ذلك. PageV01P432 # فصل # ليس يجب أن يكون لكل ما كلفناه لطف، بل يجوز أن يكون في ما كلفناه ما لا ~~لطف فيه بأن يعلم الله أن لا شيء يختار عبده المكلف الفعل ولا يقرب من ~~اختياره، وذلك ظاهر في الشاهد، فإن أحدنا قد يعلم من حال ولده أنه يختار ~~التعليم على كل حال سواء مع الشدة والإرخاء، والمنع والإعطاء، أو لا ~~يختاره، وإن فعل ما فعل فإن قال: كيف يصح هذا وعندكم أن معرفة الله تعالى ~~لطف في جميع ما كلفناه، قيل له: كلامنا في الجواز لا في الوقوع. ms359 # على أن أصحابنا ذكروا أن معرفة الله إنما هي لطف في التكاليف العقلية ~~العملية. # وبالجملة، فلا أقل من أن تكون المعرفة نفسها قد خرجت عن أن يكون لها لطف، ~~وبهذا يتم الغرض سواء كانت لطفا في جميع التكاليف وفي بعضها. # فصل # اتفق الشيوخ على أنه إذا كان في المقدور لطف حسن فإنه يحسن التكليف ~~بملطوفه، واتفقوا على أنه /285/ على أنه إذا لم يكن في المقدور لطف رأسا ~~أنه يحسن التكليف بالفعل. واختلفوا في من كان لطفه فعلا مستحيلا أو قبيحا. # فقال أبو عبد الله: لا يكلف بالمطلوب في الحالين. # وقال أبو هاشم: يكلف به في الحالين ويصير كمن لا لطف له أصلا. # وقال القاضي وهو أحد قولي أبي هاشم: لا يحسن تكليفه بملطوف القبيح إلا ~~إذا وجد؛ لأن لطفه في المقدور، فليس كمن لا لطف له، ويحسن تكليفه بملطوف ~~المستحيل؛ لأن لطف ليس في المقدور فهو كمن لا لطف له. PageV01P433 # فصل # وللطف شروط: # منها: أن يكون ثابتا؛ لأن الزائل لا يثبت عنده حظ التقريب، ولا يقع عنده ~~اختيار. # ومنها: أن يكون بينه وبين الملطوف فيه مناسبة، وإلا لم يكن لطفا فيه أولى ~~من غيره أو ن أن لا يكون ولا كان أحدهما بأن يكون لطفا في الآخر أولى من ~~العكس، ثم المناسبة تختلف فقد يعلمها جملة بأن يعلم أن الله تعالى لا يفعل ~~إلا ماهو صلاح، وقد يعلمها تفضلا كما تقوله في أن وجه المرض لطفا هو أن ~~يتذكر به آلام الآخرة ويعرف به قدر نعم الله بالعافية والثواب وقلة الصبر ~~على الآلام اليسيرة، فيختار عند ذلك الطاعة، ومثله الغموم والخوف ونحو ذلك، ~~وكذلك الصلاة فإن الله تعالى عرفنا أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ونحو ذلك ~~مما يمكن الإشارة إلى كونه لطفا. # ومنها: أن يكون المكلف معه متردد الدواعي فلا يخرجه عن كونه مختارا ~~ويصيره في حكم الملجأ فيصير كمن يخوف غيره بالقتل إن لم يحضر طعامه، فإن ~~ذلك لا يكون لطفا له في حضور طعامه؛ لأنه حينئذ يحضر للإلجاء ms360 لا لحسن الفعل ~~ووجوبه. # ومنها: أن يكون المكلف عالما أو ظانا باللطف وبالملطوف فيه وبالنسبة ~~بينهما، إما على جهة الجملة أو التفصيل أو مستمكنا من العلم أو الظن، ,إنما ~~اشترطنا ذلك ليثبت له حظ الدعاء والتقريب. # ومنها: أن يتقدم اللطف على الملطوف فيه بوقت واحد ليتأتى له حظ الدعاء، ~~ويمكن عنده الاختيار، وأما تقديمه بأكثر من وقت إذا اكن من فعل الله تعالى، ~~فقال أبو علي: لا يجوز؛ لأه في حكم المشيء حال الحاجة، ويلزم مثله في فعل القيد. # وقال أبو هاشم: يجوز شرط أن لا يكون في حكم المشيء، وأن يكون في تقديمه ~~فائدة رافدة كما قال مثله في تقديم الأمر بأزيد من وقت واحد، وهذا الخلاف ~~إنما هو فيما يثبت وينفي، فأما ما يستمر فالكلام في جواز تقديمه أظهر، ولا ~~فرق على الصحيح بين أن يتقدم على التكليف أو يتأخر إذا نفى إلى حال كونه لطلفا. PageV01P434 # ومنها: أن يكون مدركا أو في حكم المدرك /286/ عند أبي هاشم، وإنما يعتبر ~~ذلك في اللطف من فعل الله تعالى؛ لأنه يعترف بكون المعرفة لطفا وليست ~~بمدركة، ولا في حكم المدركة. # قيل: والصحيح خلاف ما قاله رحمه الله؛ لأن المعتبر في اللطف هو علم ~~المكلف به، واختياره عنده، سواء كان مدركا أولا، بدليل أنه لو أدركه ولم ~~يعلمه لم يكن لطفا. # فصل # ليس يصح أن يكون اللطف جهة في التلكيف؛ لأنه متأخر عن التكليف ولا جهة في ~~الطاعة؛ لأنه يتقدم عليها، ومن حق ما يكون جهة في الفعل المقارنة كالإرادة ~~التي هي جهة في الطاعة، ونحو ذلك من وجوه الأفعال. # فإن قال: أليس النية الواقعة في الليل جهة في صوم النهار مع تقدمها. # قيل: ليست جهة في الصوم، وإنما وجب التبييت عند من يقول به، لاشتراطه أن ~~تكون النية مع أول جزء من النهار، فعلى المكلف أن يأتي بالنية بحيث لو ~~قدرنا استمرار النوم به إلى آخر النهار لكان صومه صحيحا. # وأيضا، فليس المرجع بالصوم إلى فعل يفعله الصائم وإنما هو كف ms361 والنية لا ~~تتعلق إلا بالأفعال، فلا تكون هذه النية جهة في الصوم؛ إذ ليس يفعل فيؤثر ~~فيه، ولو سلمنا أنه فعل فهو بمنزلة الفعل الواحد في أن النية الواحدة تكفي ~~فيه كالصلاة، لكن جاز تقديمها من أول جزء من النهار، من حيث أنه أبيح ~~للمكلف أنه ينام، وهو لا يأمن أن يستمر به النوم فتفوته النية عند أول جزء ~~من النهار، فكانت نيته في حكم المقارنة وصارت جهة في الصوم. # فصل # واللطف قد يكون من فعل الله تعالى، وقد يكون من فعل المكلف نفسه، وقد ~~يكون من فعل غيره من صبي أو بهيمة أو مكلف آخر. # أما ما كان م فعل الله تعالى فهو ضربان: # أحدهما: أن يتقدم على التكليف أو يقاربه، وهذا لا يجب؛ لأن التكليف تفضل، ~~فكذلك ما تقدمه أو قارنه. # والثاني: يتأخر عن التكليف، وهذا واجب عند الجمهور. PageV01P435 # وقال بشر بن المعتمر: لا يجب بل الأقدار وإزالة الموانع والإلجاء كاف في ~~إزاحة علة المكلف. قيل: وقد رجع عن هذا وأوجبه. # قال جعفر بن حرب: إن استوى الثواب في الحالين وجب اللطف. # قيل: ورجع عن هذا إلى قول الجمهور، وقال قوم: لا بد أن يفعله الله وليس بواجب. # لنا: إن اللطف يجري مجرى التمكين في إزاحة علة المكلف؛ لاستوائهما في أن ~~المكلف لا يختار الفعل عنده، وصار الحال فيه كمن يصنع للغير طعاما، ويعلم ~~أنه لا يأتي إلا برسول، فإن الإرسال غليه يجري مجرى فتح الباب وتقديم ~~الطعام في إزاحة علة المدعو حتى أنه لم يرسل /287/ فقد عاد على عرضه الذي ~~لأجله صنع الطعام بالنقص. # فإن قالوا :قد يصنع للغير طعاما ثم يبدو له في إرادة تناوله فلا يجب عليه ~~فتح الباب ولا إرسال. # قيل له: إنا فرضنا الكلام مع استمرار الحال في إرادته لتناول الطعام كما ~~يستمر الحال في إرادة الباري للطاعة، وإن عرضه بالتكليف باق من حيث لا يجوز ~~عليه اليدوات والخواطر. # فإن قال: كان يلزم إذا علم أنه لا يحضر طعامه إلا إذا شاطره على ms362 ماله أو ~~توجه إليه بالناس، وبكتاب الله تعالى أن يجب عليه ذلك. PageV01P436 # قيل له: إن كان غرضه بإحضار ذلك المدعو نفعه لم يجب عليه أن يشاطره؛ لأنه ~~يلحقه بذلك ضرر وذلك ينقض الغرض، وليس تركه ببعض الغرض، وإن كان عرضه ~~بإحضاره نفع نفسه من سرور أو طلب ثناء أو جزاء نظر في الضرر الذي يلحقه ~~بمشاطرة ماله، فإن كان يساوي ذلك النفع أو يزيد عليه، فالقول ما تقدم من أن ~~ذلك يبطل الغرض والمسألة مفروضة مع بقاء الغرض، وإن كان دون ذلك النفع الذي ~~قصده بدعائه، كأن يكون ذلك المدعو ملكا يحصل بدعائه مال عظيم أو جاه عريض ~~أو ثناء كثير، فإنه يجب، والحال هذه أن يشاطره على ماله وإلا كان عائدا على ~~عرضه بالنقص، لا سيما إذا كان صنع الطعام بعد العلم بأن الملك لا يأتيه إلا ~~بهذه المشاطرة، والباري تعالى عرضه بالتكليف نفع المكلف، وذلك مستمر، وليس ~~يلحقه في فعل اللطف ضرر، فيجب فعله. # دليل، قال أبو علي: لو لم يجب اللطف لدل فقده على أن الله لم يرد الطاعة ~~من المكلف أو أراد منه المعصية. # واعترضه أبو هاشم بأن الإرادة متقدمة على وقت اللطف ومقارن للتكليف، ففقد ~~اللطف لا يدل على زوال شيء قد ثبت وهو الإرادة، ولا يقدح أيضا في حسنها، ~~ولا يقتضي حصول ضدها بدلا منها، وصار كما يقوله في أن الله تعالى لو لم ~~يثيب المطيع لما توجه الذم إلى التكليف؛ لأن التكليف حسن لتكامل شرائط حسنة ~~مما تأخر عنه لا يؤثر في حسنه ولا قبحه. # دليل، لو لم يجب اللطف لا قبحت المفسدة؛ غذ لا فرق بين أن يمنع ما يدعو ~~إلى الواجب، وبين أن يفعل ما يدعو إلى القبيح. # فإن قال: إن مع التمكين وزوال الإلجاء والموانع يكون قد أتى في ترك ~~الواجب من قبل نفسه، ولا تأيير للمانع من اللطف. # قيل له: وكذلك يكون قد أتى في فعل القبيح من قبل نفسه ولا تأثير لفعل ~~المفسدة؛ لأنها غير موجبة للفعل، كما ms363 أن اللطف غير موجب للطاعة. # فإن قال: إنه بفعل المفسدة تعود على عرضه بالتكليف لنقص. قيل: وكذلك بترك ~~اللطيف. PageV01P437 # فإن قال: إن فعله للمفسدة يدل على أنه مريد للمعصية، قيل /288/ له: يدل على ~~أن حاله قد تغيرت في إرادة الطاعة بالتكليف، وأنه قد صار مريدا للمعصية كما تقدم. # شبهة # المانعين من وجوب اللطف أن فقد الطاعة وحصول المعصية دليل على أن اللطف ~~لا يجب؛ إذ لا تكليف إلا وفي المقدور ما هو لطف فيه. # والجواب: أنا قدمنا أنه يجوز أن يكون في الأفعال مالا لطف فيه. # على أنه يدل فقد الطاعة على فقد اللطف المطلق. # وأيضا: فقد يكون اللطف من فعل المكلف كما سيأتي، فلا يدل فقده على أنه لا يجب. # قالوا: اللطيف يسمى أصلح، وهذه العبارة تقتضي التزايد، وإن تم ما هو دونه ~~لم يفعله الله ؛ لأن كل شيء يفعله الله فهو أصلح. # قلنا: لسنا نسلم معنى المفاضلة كما تقدم، ولو سلمناه لا كان لهم فيه فرج؛ ~~لأن الله إذا فعل الأعلى لم يجب الأدنى، فهو موضع وفاق. على أن هذا توصل ~~بالعبارة. # قالوا: وقع التعبد عقلا وشرعا بأن نسأل الله العافية، فلو كان فعل اللطف ~~واجبا كالمرض، لكنا قد تعبدنا بأن نسأل الله ترك الواجب الأصلح. # قلنا: الأدعية لا بد أن تكون مشروطة بالصلاح سواء لفظنا بذلك أم لا، ~~ولولا السمع، منع أن نسأل الله المرض إذا تعلق به صلاح لسألناه. # على أنه لا يمتنع أن يكون لنا في هذا الدعاء صلاح مستقبل كغيره من ~~الأدعية. # قالوا: يجوز من أحدنا أن يسأل الله أن يجعله أفضل من غيره، والإجماع على ~~أن الله قادر على أن يجعل بعض عبيده أفضل من بعض، فيجب أن يقدر على مالا ~~يتم إلا به وهو اللطف. # قلنا: إن كان المرجع بالتفصيل إلى اللطف فلسنا نسلمه على الإطلاق، بل لا ~~بد أن يكون الدعاء مشروطا كما سلف، وإن كان المرجع بالتفصيل إلى كثرة المدح ~~والإعظام والثواب فجائر أن يسأل الله ذلك وأن يكون قادرا ms364 عليه، وإن كان لا ~~يحسن إلا مستحقا. # قالوا: إذا كان يعلم الله أن زيدا عند الفقر يسرق ويعصي وهو قادر على ~~إغنائه ولم يفعل ذلك دل على أنه غير واجب. PageV01P438 # قلنا: ومن سلم لكم أن الله لا يعنيه، والحال هذه وما أنكرتم أن هذا الفقير ~~الذي فرضتم الحال فيه يعلم الله أنه عند الفقراء أقرب إلى اختيار الطاعة ~~حتى لو أعناه لازداد طغيانا، وليس معصيته عند الفقر على أنه يطبع عند ~~الغناء. # فصل # ظاهر كلام أصحابنا أن اللطف من فعل الله تعالى يجب أن يفعل على أبلغ ~~الوجوه، وهذا هو الذي تقتضيه أجوبة هذه الشبة والذي يمكن أن يعترض به على ~~هذا الأصل هو ن يقال الذي دل على وجوب اللطف في الشاهد يدل على أنه /289/ ~~لا يجب أن يكون على أبلغ الوجوه، فإن أحدنا إذا صنع للغير طعاما ثم علم أنه ~~لا تأتيه إلا إذا توجه إليه بالناس، ودخل عليه بكتاب الله تعالى، فإنه لا ~~يجب عليه ذلك إذا قد أعذر إليه بالإرسال، وكان الوجه في ذلك أن الغرض إزاحة ~~العلة، فمن أين يجب أن تكون تلك الإزاحة على أبلغ ما يكون حتى يجب في ~~الباري مثله. # ويمكن الجواب: بأن الفرق إنما لم يجب في الشاهد أن يستشفع إليه بالناس، ~~وبكتاب الله؛ لأن علته في ذلك مشقة وغضاضة تزيد الغرض رأسا حتى لو قدرنا ~~بإنفاء الغرض بأن يكون الصنف عظيما تحصل نصافته نفع عظيم لوجب عليه بخلاف ~~الباري، فإنه لا يلحقه مشقة، فالم يلطف بالمكلف على أبلغ الوجوه فقد عاد ~~على غرضه بالنقص. # ولقائل أن يقول: قد وقع الإجماع بين الشيوخ على أن الله تعالى يجوز أن ~~يسلب الألطاف والتوفيق عن بعض المكلفين جزاء على العصيان، ويجري مجرى ~~العقوبة والحد؛ لأن على ما يقال في تفسير كثير من الآيات نحو {ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}، ونحو {ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا} ونحو ذلك، وكذلك وقع الإجماع على أنه يريد بعض المكلفين ~~توفيقا ms365 وتسديدا، ولو وجب على أبلغ الوجوه لفعل بغيرهم مثلهم ولما سلم أولئك ~~الألطاف والتوفيق. PageV01P439 # ويمكن الجواب بأن يقال: أما الذين سلبهم الألطاف فإنه قد فعله بهم على أبلغ ~~الوجوه، فلما لم ينتفعوا بها سلبهم إياها عقوبة وخذانا بعد أن أخذ عليهم ~~على أبلغ الوجوه، فلا يشبه هذا مالم يفعله رأسا، وأما زيادة زيادة التوفيق ~~فلا يمتنع كون بعض الألطاف مشروطا ببعض الطاعات بأن يعلم الله من حاله أنه ~~إذا أطاع صار له في المقدور ألطاف كبيرة. # ولقائل أن يقول: أصل المسألة مبني على إزاحة العلة وإزاحة العلة تحصل ~~ببعض الألطاف، فمن أين يكون ترك البعض الآخر نقصا للغرض؟ وما المانع أن ~~يختص الله به من يشاء لا سيما وقد أجزتم سلب الألطاف، وإذا جاز أن لا يستمر ~~على أبلغ الوجوه جاز أن يبتدئ بها لا على أبلغ الوجوه. # فصل # إذا ثبت أن اللطف من فعل الله تعالى واجب فسواء كان لطفا في واجب أو ~~مندوب أو ترك قبيح أو مكروه؛ لأنه تعالى كلفنا بالجميع، فيجب أن يزيح علتنا ~~في الجميع؛ لأن وجه وجوبه عليه تعالى كونه إزاحة للعلة. PageV01P440 # وأما إذا كان اللطف من فعل أحدنا فإنما يجب عليه إذا كان لطف في واجب؛ لأن ~~جهة وجوبه كونه دفعا للضر أو جاريا مجراه، ولا ضرر علينا في ترك المندوب، ~~فلا يجب اللطف في المندوب؛ لأن اللطف كالفرع على الملطوف فيه، فلا يريد ~~حالة على حالة، وكذلك /290/ إذا كان اللطف من فعل غير المكلف وغير الله ~~تعالى بأن يعلم الله أن له لطفا في فعل صبي وبهيمة أو مكلف آخر، فإنه لا ~~وجه يقتضي وجوب ذلك اللطف، إلا أنه لا يحسن التكليف بالملطوف فيه حتى يعلم ~~أن ذلك اللطف يوجد فإن كان لصاحب اللطف صلاح فيه جاز أن يكلف هبه، ويكون ~~انتفاع الملتطف به على جهة النفع لنفع المكلف به، ولهذا جعل أصحابنا مصلحة ~~الشيء في البعثة مقدمة على مصلحة المكلفين فيها، وكذلك مصلحة الآخر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر مقدمة على مصلحة ms366 المأمور المنهي، وكذلك الذي ~~يجد الزاني له لطف في الحد كما للمحدود إذا كان تائبا، فأما إذا اكن مصرا ~~فالحد عقوبة له ولطف للحاد فقط، وللناظرين وكذلك أفعال الحفظة عليهم السلام ~~من كتابتهم لأفعالنا وشهادتهم علينا. # فصل # اتفق الشيوخ على أن الإحلال باللطف لا يقدح في حسن التكليف لتقدمه. ~~واتفقوا على أنه يقدح في حسن العقاب؛ لأن المعاقب حينئذ غير مزاح العلة. ~~واختلفوا في الذم. # فقال أبو هاشم: يسقط أيضا ؛ لأن جهة استحقاقه واستحقاق العقاب واحدة. # وقال القاضي: لا يسقط؛ لأن الذي لأجله استحق الذم هو ارتكابه للقبيح مع ~~علمه بقبحه وتمكنه من اجتنابه، ولهذا استحق الذم من العقلاء إذا علموا ذلك، ~~وإن جهلوا ما عداه. # قال: ولأجل هذا يقال: إن الباري إذا أخل بالواجب تعالى عن ذلك استحق ~~الذم، وإن لم يستحق عقابا، وليس يمتنع وقوف استحقاق العقاب على شرط زائد، ~~وهو أن لا يكون في حكم المستفيد له المسقط لحقه بذلك، وهو العقاب، وليس ~~كذلك حال الذم؛ لأنه شائع أي حق للمكلف ولغيره. PageV01P441 # وحاصل المسألة أن العقاب لا يحسن إلا من المكلف، فإذا أخل بشرط كان في حكم ~~المسقط لحقه والذم بحسن من المكلف وغيره، قال: وليس كونه في حكم المغزى على ~~القبيح بترك اللطف يقتضي قبح الذم كالشاهد، فإن أحدنا لو أغرى غيره بقبيح ~~وكان المغرى عالما لكان للمغري له أن يذمه، ويقول: أنت عالم بقبحه ومتمكن ~~من الاحتراز منه، فلم فعلته ولا ينتقض هذا إنما يقوله أصحابنا من أن الذم ~~تابع للعقاب؛ لأن مرادهم بذلك أنهما إذا استحقا لمن يجز ثبوت أحدهما مع ~~زوال الآخر؛ لأن جهة استحقاقهم واحدة، وليس غرضهم أنه لا يصح استحقاق ~~أحدهما دون الآخر كما فرضاه في الباري تعالى، لو فعل القبيح. # فإن قال: فهل إخلاله تعالى باللطف يسقط الثواب كما أسقط العقاب أم لا؟ # قيل له: الثواب حق للعبد ولم يحصل منه ما يقتضي إسقاطه. # /291/ ### ||| AUTO فصل [في ما يصح أن يكون لطفا من أفعال المكلفين وما لا يصح] # اعلم أه ms367 لا بد أن يكون في ما كلفنا فعله وتركه ما يكون أصلا في نفسه أو ~~يكون وجه وجوبه وقبحه لأم يرجع إليه ويكون مستقلا في ذلك كرد الوديعة وشكر ~~المنعم ودفع الضرر، وكالظلم والكذب وجلب الضرر، فامتثال هذه يكون أصلا، ولا ~~يكون لطفا في غيرها، وإلا سلسلت الألطاف وما عدا هذه يجوز أن يكون متربيا ~~عليها كما لا تتم هي إلا به، أو يكون لطفا فيها كمعرفة الله تعالى، وما ~~يتصل بها وكاكثر الشرعيات من صلاة وصوم وحج ونحو ذلك، فإ ن وجه وجوبها ~~كونها ألطافا في تلك الأصول فعلا وتركا، ولا يصح أن يكون في ما كلفناه ما ~~يكون عقابا في غيره؛ لأن التكليف تعريض للنفع، ولا يصح أن يعاقب بما يؤدي ~~إلى النفع، وكذلك فإنا مأمورون بأن يؤديها على جهة القربة، وذلك ينافي ~~كونها عقوبة. PageV01P442 # والذي يسببه الحال فيه قوله تعالى في جزاء الصيد: {ليذوق وبال أمره}، وقوله ~~تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا} والأصل في ذلك عندنا أنه ليس يمتنع أن ~~يعلم الله أن عند مواقعتنا للمعصية نصير في بعض الأفعال لنا مصلحة كما في ~~كفارة الظهار والقتل والاغتسال من الزا ونحو ذلك، وتكون هذه العبارات ~~المشتبهة فارقة بين مما يكون سبببه معصية وبين ما يكون سببه طاعة كالنذور. # وأما النوافل الشرعية فقد قدمنا ما تقوي أن وجه ندها كونها ألطافا في ~~مندوبات عقلية؛ ولأنه لا يرد على ذلك من الإشكال ما يرد على ما يقوله ~~الجمهور، فظاهر كلام الجمهور أن الوجه في التكليف بها كونها مسهلة للفرائض. # قالوا: فإن من المعلوم أن من اعتاد شيئا سهل عليه، واعترضه بعضهم بأنها ~~إذا كانت مسهلة لها كانت لطفا فيها، وهذا يقتضي كونها واجبة؛ لأنها لطف في ~~واجب، ويقتضي أن تكون بعض الشرعيات لطفا في بعض. # ويمكن الجواب: بأن معنى التسهيل يخالف معنى اللطف؛ لأن اللطف إن كان من ~~قبيل الدواعي، فالدواعي اعتقادات وظنون، وليس هذا حال النوافل، وإن كان من ~~قبيل ما يختاره عنه، سواء كان داعيا أو ms368 غيره فجائز أن لا يختار المكلف ~~الفعل عند ذلك التسهيل ولا يقرب من اخياره، وإن اختاره عنده جاز أن لا يكون لأجله. # تنبيه # اعلم أن الكلام في هذا الفصل إنما هو على مذهب شيخنا أبو هاشم، فأما أبو ~~هاشم على فإنه لم يعتبر في حسن إيجاب الشرعيات كونها ألطافا متممة للأطاف ~~أو تروكا للمفاسد، بل قال: يكفي في حسن إيجابها التعريض للثواب. # ويبطله أنه لو كان كذلك لحسن إيجاب النوافل لما فيها /292/ من الثواب، ~~فثبت أن إيجابها هو لأنها واجبة في نفسها، ولهذا حكمنا بأن بعثة الرسل ~~والتكليف في الشرعيات متى حسن وجب لما لم ينفصل حسنه من وجوبه. # وأما القبائح الشرعية فوجه فتحها عند الجمهور كونها مفاسد في تلك الأصول. PageV01P443 # وذهب أبو لعي إلى أن وجه قبحها كونها تروكا للواجب فقط، ولم يجوز كونها ~~مفساد بناء على أصله في أن كل مفسدة في الدين لا يصح وقوعها، وليس سديد؛ ~~لأنها إنما تمنع وقوع المفسدة من فعل الله تعالى، فأما المفسدة من فعل ~~المكلف جائز وقوعها ولا يقدح ذلك في جنس التكليف بما هي مفسدة فيه؛ لأن ~~المكلف قد نهى عن فعلها وعلم كونها مفسدة، فمتى اختارها فقد أتي من جهة نفسه. # ومثل هذا خلاف أبي علي في المعرفة فإنه جعل وجه وجوبها أن تستبقي المرء ~~بها ما أنعم الله به عليه بالشكر الذي لا يتم إلا بها، ودفع الضرر عاجل أو ~~لوجوب شكر المنعم، أو لئلا تكون قد أبيح له الجهل الذي هو ترك لها. # وعند أبو هاشم أن وجه وجوبها كونها لطفا كما سلف. ### |||| AUTO فصل [في الكلام على أهل الأصلح] # عند جمهور أهل الحق: أن مجرد كون الشيء نفعا لا يكفي في وجوبه بل لا بد ~~من أحد ثلاثة وجوه: # إما أن يختص بوجه لأجله يجب نحو رب الودية وشكر المنعم ودفع الضرر ~~والإنصاف والإثابة ونحو ذلك. # وإما أن يكون لطفا كمعرفة الله وبعثة الأنبياء وكالشرعيات. # وإما أن لا يتم الواجب أو القبيح إلا به، كالقيام وفتح ms369 الباب والنظر في ~~العقليات وكالطهور في الشرعيات، وكالإعادة من فعل الباري تعالى، وما خرج عن ~~هذه الأقسام الثلاثة لا يجب، وخالفه بعض البغداديين، فقال بوجوب ما كان ~~أصلح أي أنفع حتى حكموا بوجوب ابتداء الخلق، ووجوب التكليف مما يعده أصحابا ~~تفضلا، وفيهم من طرد هذه القضية في الشاهد أيضا فحكم بوجوب الأصلح من فعل ~~العباد. # لنا: أنه لو وجب على الله تعالى الأصلح لوجب أن يوجد من الشهوات ~~والمشتهيات أكثر مما أوجد وأكثر؛ لأن ذلك أنفع من حيث أ، لذة من يشتهي ~~الشيء لشهوتين أكثر من لذة من يشتهيه بشهوة واحدة، وبهذا يتفاضل أهل الجنة، ~~وقد ألزمهم أصحابنا أن يوجد من ذلك الا يتناهى، وإلا كان محلا بواجب ~~واستحالته لا تخرجه عن كونه واجبا لحصول علة الوجب فيه وهي كونه أصلح وأنفع. PageV01P444 # فإن قالوا: إن فقد هذه الزيادة تدل على أن فيها مفسدة؛ إذ لو خلصت عن ~~المفسدة لوجدت. # قيل لهم: إنما يدل فقدها على كونها مفسدة بعد أن تثبت وجوب الأصلح، ~~واستمر في تصحيحه بعد، فلا يصح أن يعترضوا بنفس مذهبكم على دليل قد نصب ~~لإفساده. # وأيضا: فنحن نفرض وجوب هذه الزيادة في /293/ احتيالا تكليف عليهم، بل في ~~أهل الجنة، بحيث لا يعلم بها المكلفون، فلا يصح كونها مفسدة في حقهم. # دليل، لو كان ما فعل الله تعالى من ابتداء الخلق والتكليف ونحو ذلك واجبا ~~لكون أنفع لوجب أن يفعله قبل الوقت الذي فعله فيه، وقيل: وليس لهم أن ~~يقولوا في ذلك مفسدة؛ لأن المفسدة إنما تثبت بعد التكليف، ونحن فرضنا ~~الكلام في ابتداء الخلق والتكليف. # دليل، لو وجب على الله تعالى الأصلح لكان يقبح منه تكليف من المعلوم أنه ~~يكفر؛ لأن عدم التكليف أنفع له ولا يتفلت علينا أن نجعل التكليف تفضلا. # دليل، لو وجب على الله الأصلح لقبح عقاب أهل النار؛ لأن العفو أنفع، ~~ولقبح التكليف؛ لأن الابتداء بالثواب أصلح، وقولهم أن العقاب واجب؛ لأن فيه ~~صلاحا من حيث لا يتم الوعيد الذي هو صلاح إلا به ms370 غير محتج؛ لأن أصحابنا ~~يقولون: إذا كان التكليف والوعيد يقدحان في كون العفو واجبا فيحالين بهما ~~قد فات الأنفع وهو العفو، فكان لا يجبان. # على أن هذا الأصلح الذي ذكروه لم يثبت بنفس العقاب، بل بالوعيد، فهلا وقع ~~الوعيد والعفو؛ لأنهما أصلح، وإن كشف ذلك عن الكذب؛ لأنه إذا حصل وجه ~~الوجوب وجب الفعل. PageV01P445 # دليل، لو وجب الأصلح لكان ما يفعله بناء من النعم واجبا، فلا يستحق عليه ~~شكرا؛ لأن الشكر إنما هو في مقابلة التفضل لا الواجب، ولوجب أن يبقي الله ~~الكفار كلهم أو يميتهم كلهم، وقد صور ذلك في رجلين كافرين، أحدهما مات وهو ~~شاب والآخر مات وهو شيخ، فإن للشيخ أن يقول: هلا أمتني يا رب قبل أن أكفر ~~فإن ذلك كان أصلح، فإذا قال الله إني عرضتك بالتبقية لمنافع الثواب، وذلك ~~هو الأصلح كان للشاب أن يقول: فهلا بقيتني يا رب وعرضتني للثواب؛ لأن ذلك ~~هو الأصلح. # دليل، لو وجب الأصلح لما اختلف الفاعلين، فكان يجب علينا الأصلح أيضا، ~~وأكثرهم قد التزمه. # ويبطله أنه كان يلزم أن يفعل بأنفسنا سائر مفسدة وأن يجل علينا طلب ~~المنافع من كل وجه، وخلافه معلوم، وليس لهم أن يقولوا أن ذلك مفسدة؛ لأنه ~~لو كان كذلك لقبح منا فعله رأسا. # وبعد، فكان يجب علينا النوافل والصدقات وفعل جميع الكفارات الثلاث ،وعند ~~هذا الإلزام افترقوا فقال بعضهم: يجب ولكن لا يعلى حد وجوب غيره، وقال ~~بعضهم: إن في كونه مندوبا صلاح آخر، وقال بعضهم: الصلاخ في فعله كالصلاح في ~~تركه، ومثل هذا كلامهم في سائر النعم التي يفعلها بعضنا إلى بعض في الشاهد، ~~فإن بعضهم التزمها كما تقدم، وقال سائرهم: إنما لم يجب الصدقة العطاء ~~الكثير؛ لأن في ذلك ضررا على أحدنا، وهذا يبطل كون علة الوجوب هي الأصلح، ~~ويقتضي اعتبار قيد زائد على أنه وإن كان عليه ضرر فيقع الثواب أعظم منه، ~~فلا يقدح في وجوبه كسائر الواجبات لاستواء الجميع في كونها أصلح، فلو وجب ~~الأصلح لوجب على أحدنا أن ms371 يعطي /294/ الغير جميع ماله؛ لأنه أصلح لذلك ~~الغير فيصير حقا له كسائر الحقوق. # ومتى قيل الأصلح له أن يصرفه في نفسه ومصالحه؛ لأنها أنفع له. # قلنا: بل الأصلح له أن يصرفه؛ لأن له ثوابا وحسن ثناء، على أنه ليس صرفه ~~إلى نفسه؛ لأن أنفع له أولى من صرفه إلى الغير؛ لأنه أنفع. PageV01P446 ### |||| AUTO فصل [في شبههم] # منها أنهم قاسوا الأصلح في الدنيا على الأصلح في الدين. # والجواب: وإنما وجب الأصلح في الدين؛ لأنه إزاحة للعلة تجري مجرى ~~التمكين، لا بوجه غلا بعد تقدم التكليف. ### ||||| AUTO شبهة # قالوا: قد ثبت أن الموسر إذا شاهد فقيرا يكابد العطش والجوع وهو قادر على ~~رفع ذلك عنه، ثم لم يدفعه ذمه العقلاء ونسبوه إلى البخل. # قلنا: هذا الموسر إما أن للحقه غم بمشاهده هذا الفقير وبهلاكه، فيكون ~~وجوب إغاثته كونه دفعا للضر عن نفسه، وأما أن لا يلحقه غم فهو محل النزاع، ~~ولسنا نسلم حسن ذمه على ذلك، بل نحمك بأن ما يفعله تفضل وإحسان هذا من جهة. # وأما الشرع فقد جاء بوجوب الزكاة، فإن كان عليه زكاة وجب عليه شرعا وإلا ~~لم يجب. # وأما وصفه له بالبخل فإنما يصفه بذلك من يعتقد وجوبه كالعرب، فإنه ~~يعتقدون وجوب إضافة الضيف أو من يستدل بذلك على قلة رحمته، وعلى زهده في ~~الخير والثناء الجميل. # وأما على جهة أنه أخل بواجب فلا ولهذا له أن يعتذر فنقول لا يجب علي. # قالوا: قد ثبت أنه يقبح من أحدنا أن يمنع صاحبه من النظر في مرآة قد نصها ~~في حائطه، ومن الاستظلال به ومن الاستضاءة بناره، ولا وجه لقبح ذلك إلا أن ~~صاحبه ينتفع به، ولا ضرر به عليه، وكذلك حال الباري. # قلنا: ليس هذا أوزان المسألة أن يوجبوا على أحدنا أن ينصب مرآة ليرى ~~الناس فيها وجوههم، وأن يبني حائطا ليستظلوا به وكله غير واجب في الشاهد، ~~فأما إذا فعل ذلك لم يحسن منه المنع؛ لأنه يعود على عرضه بالنقض، وكذلك ~~الباري تعالى إذا فعل الأشياء التي ms372 ينتفع بها الخلق لم يحسن أن يمنعهم منها. PageV01P447 ### ||| AUTO القول في الآجال # الأجل هو كل حادث أو ما يجري مجراه بوقت به حدوث حادث أو ما يجري مجراه. # مثال توقيت الحادث بالحادث أن يقول: إذا طلعت الشمس /295/ سار الأمير فإن ~~طلوعها وسير الأمير حوادث حقيقية. # ومثال ما يجري مجراه الحادث الصفات والأمور الراجعة إلى النفي، كأن يقول: ~~إذا مات الأمير فعبدي حر، وإذا انقطع المطر زال البر ونحو ذلك، وقد كان ~~المتقدمون يعتبرون في الأجل أكثر من الوقت. # قيل: والصحيح أنه لا بد من تقدم كلام أو إشارة أو كتابة يعلقا بها حدوث ~~الشيء عند غيره وإلا لم يكن أجلا. # فصل # ومعنى أن الله جعل الشيء آجلا أنه كتبه وبينه ودل الملائكة أو غيرهم عليه ~~ليقع الاعتبار بموافقة ذلك المواقع، فلا يقال ما الفائدة في كتابته. # فصل # ولا يصح في من قيل غيره أن يقال: إنه قطع أجله؛ لأن المرجع بالأجل إلى ~~الوقت الذي علم الله أنه يموت فيه، ولهذا قال تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}. # والحاصل أنه لا يدخل في الأجل شرط وغنما الشرط يدخل في الأعمار، فلا ~~يمتنع أن يعلم الله أن هذا إن ركب البحر فعمره كذا وإن لم يركبه فعمره كذا، ~~وعلى ذلك يحمل ما ورد في الحديث ((أن الرجل ليصل رحمه، وقد بقي من عمره ~~ثلاث سنين فيزده الله إلى ثلاث وثلاثين سنة)) الخبر، ولو لا هذا لما كان ~~للاحتراز من القتل وغيره معنى، ولا كنا نحتاج إلى لبس الدروع ولا بتجنب ما ~~يؤدي إلى التهلكة. PageV01P448 # فصل # ذهب الجمهور من شيوخنا إلى أن المقتول لو لم يقتل لجاز أن يموت وجاز أن ~~يعيش، ولا يمكن القطع بواحد منها لجواز أن يعلم الله من حاله أن الزيادة في ~~عمره مشروطة بأن لا يقتل، وقال أبو الهذيل: بل لو لم يقتل لمات لا محالة، ~~وإلا كان القاتل قد قطع أجله، وقد تقدم ما يبطل، هذا من أن المرجع بالأجل ~~إلى الوقت الذي يموت ms373 فيه، فإذا قتل في ذلك الوقت قد مات بأجله. # وقد ألزمه الشيوخ في من ذبح مواشي غيره أن يكون محسنا إليه؛ لأنه أحلها ~~بالتذكية، بحيث لو لم يفعل لماتت. # وقال بعض البغداديين لو لم يقتل لعاش محالة، وإلا لم يوصف القائل بأنه ظالم. # وأيضا فلا يكاد يتفق موت الحيوانات الكثيرة دفعة واحدة كما يتفق في القتل. # ويبطله أنه لا دليل على انه كان يعيش لا محالة، وجائز أن يوافق حالة ~~القتل آجال كثيرة من الناس، فكما يجوز مثله في إماتة الله لها بالعرق ~~والهدم والطاعون ونحو ذلك، ولا يدل على أنهم كانوا يعيشون لا محالة. # وأما وصف القاتل بأنه ظالم فلا نقف على ما قالوه، بل يقف على حصول حقيقة ~~الظلم، وقد حصلت لا سيما مع تجويزه أن يعيش وأن يموت. # على أنه قد فوت عليه بالقتل أعواضا كثيرة كانت تحصل له لو كان الله هو ~~المبتدئ بموته. PageV01P449 # فصل # ومعنى كون الأجل لطفا. # لنا: يختلف باختلاف المراد بالأجل فإن أريد بالأجل العمر وأوقات الحياة ~~لم يصح كونها لطفا، لذلك المغمر لأنه من قبيل التمكين /296/ ويصح أن يكون ~~لطفا لغيره؛ إذ لا يمتنع أن يعلم الله أن عبد بقاء زيد يختار عمرو الطاعة، ~~وإن أريد بالأجل وقت الموت فمحال أن يكون لطفا للميت؛ غذ لا تكليف بعد ~~الموت، ولكن لا بد أن يكون لطفا لغيره من المكلفين إذا حصل بالإماتة ألم، ~~ويجوز أن يكون علم زيد بأنه يموت لطفا له فيكون أجله لطفا له بهذا المعنى. ### ||| AUTO القول في الأرزاق # الرزق وهو ما يصح الانتفاع به من دون حظر، وقد يكون مطلقا، أي ليس بمضاف ~~إلى معين كالأشياء التي خلقها الله لمصالح العباد مما أصله الإباحة، فيقال: ~~رزق للعباد. # ومتى اختص البعض دون البعض بشيء منها فلأسباب حادثة، وقد يكون مضافا إلى ~~معين فيقال: رزق لفلان إذا كان أحق بالانتفاع به، ولم يكن لأحد منعه، وقد ~~يكون فيه طريقة الملك كما المال ونحوه، وقد لا يدخله كالصحة والعقل والولد ~~ونحو ذلك، ms374 وكذلك ما ينتفع به البهائم يقال: إنه رزقها ولا يقال: إنها بملكه. # فصل # والرزق لا بد أن يتعرى عن وجوه القبح والحظر خلافا للمجبرة، فإنهم يجعلون ~~المغصوب والحرام رزقا. PageV01P450 # لنا: أن الحرام ممنوع منه ومتوعد عليه، والرزق ليس كذلك، بل مباح، قال ~~تعالى :{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}، وقال: ~~{قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا..} الآية ~~وأشباهها. # وبعد، فكيف يحسن من الحكيم أن يرزق العبد رزقا ويمنعه من الانتفاع ويتوعد ~~عليه بالنار ويتعبد الإمام بقطع يده والمسلم بالبراءة منه وذمة لأجل أنه ~~انتفع برزقه. # وبعد، فلو كان المغصوب رزقا للغاصب لكان لا يجب عليه ضمان عند إتلافه ~~كالبهيمة، ولما كان للحاكم بأن يحكم به للمغصوب عليه أولى من أن يحكم به ~~للغاصب. # وبعد، فقد أباح الله الإنفاق مما هو رزق، بل أمر به فقال: {وأنفقوا مما ~~رزقناكم} ومدح على ذلك فقال: {ومما رزقناهم ينفقون} ونحو ذلك. # شبهتهم أن هذا يؤدي إلى أن الغاصب قد أكل رزق غيره، وأن الظالم طول عمره ~~ما أكل رزقه # والجواب: أن هذا عين ما جوزناه، فما المانع أليس يقال: أكل مال غيره وملك ~~غيره وأزال نعمة غيره واستخدام عبد غيره، فلم لا يقال: أكل رزق غيره لا ~~سيما وقد فسرنا الرزق بأنه الذي هو أحق به وليس لأحد منعه. # قالوا: هذا يؤدي إلى أن الله لم يجعل للظالم رزقا. # قلنا: إن أردتم أن الذي انتفع به لم يكن رزقا له فصحيح، وإن أردتم أنه لم ~~يجعل له طريقا إلى تحصيل الحلال فغير صحيح. PageV01P451 ### |||| AUTO فصل [في طريق الوصول إلى الرزق] # واعلم أن الرازق في الحقيقة هو الله تعالى؛ لأنه الذي خلق ما يصح ~~الانتفاع به، ومتى صار ذلك ملكا لنا فلأمور جعلها الله أسبابا للملوك. # يوضحه أن أحدنا قد يجتهد /297/ في طلب الرزق فلا يحصل وقد يحصل ما يسر ما ~~يكون، وقد يدخل الشيء في ملك أحدنا من غير اختياره كالمواريث ونحوها. # إذا ms375 ثبت هذا فطريق الرزق قد يكون عقليا وقد يكون شرعيا. # فالعقلي: هو ما يجوزه المرء ويحصله من المباحات كغرف الماء وإحياء الأرض، ~~أو يكون من طريق المكاسب كالإجارات وعقود المعاوضات من بيوع وغيرها، أو ~~يكون مبتدأ كالهبات والإباحات ونحوها، وليس احتياج ذلك إلى شروط شرعية ~~تخرجها عن كونها عقلية هنا ؛لأن المراد بذلك أن لو خلينا وقضية العقل ~~لاستحسنا التصرف فيها عند أحد هذه الأسباب المذكورة. PageV01P452 # وأما الشرعي فكالمواريث والوصايا، فإنا لو خلينا وقضية العقل لأجريناه مجرى ~~مالا مالك له من المباحات، فيكون من سبق إليه أحق به، لكن الشرع خص به ~~البعض دون البعض، وكذلك الغنائم فإن العقل يقضي بأن أهلها أحق بها، وكذلك ~~الصدقات وبيوت الأموال. # فصل # زعم المتأكلة وأهل الكسل أن طلب الرزق محظور، قالوا: لأن في طلبه تركا ~~للتوكل وما صدقوا فإن التوكل هو طلب الرزق من وجوهه وحسن الظن بالله في ~~جميع الأحوال، وقد جاء الشرع يحسن طلب الرزق وقال تعالى: {وابتغوا من فضل ~~الله} وقال: {وآخرون يبتغون من فضل الله} وفي الحديث: ((من طلب مالا حلالا ~~ليصل به رحمه..)) الخبر، وقال عليه السلام: (لو توكلتم على الله حق توكله ~~لكنتم كالطير تغدوا خماصا وتروح بطانا)) فأخبر أنها تغدوا وتروح ولم يقل ~~أنها تقعد في أعشاشها، ولسنا نمنع أن يرزق الله أحدنا وهو نائم على سريره، ~~ولكن جرت العادة بخلافه، ولو جرت به عادة فهو لا يخطر طلب الرزق. # ويقال لهم: هلا توكلتم على الله إذا حظر الطعام بين أيديكم فلا تمدون ~~إليه الأيدي ولا تفتحون إليه الأفواه حتى يأتي الله بمن يفعل بكم ذلك، ~~وإنما تشكل هذه الطريقة من يؤثر الدعة ويسبق لي عليه العجز من الصوفية ~~وغيرهم. PageV01P453 # وأما من يقول أن المعاملات قد فسدت والسلطنة قد جارت وقد كثر الربا وقل ~~التحري فيحرم التكسب؛ لأن أحدنا لا يأمن أن يقع في حرام؛ ولأن فيه إعانة ~~للظلمة بالزراعة وطلب المال، فقد أبعد أيضا؛ لأنه وإن كان كذلك فإنما يحسن ~~من أحدنا طلب الرزق من ms376 الوجه الذي ظاهره السلامة، ولهذا كان السلف يبيعون ~~من الكفار ويشترون، ومن الفساق وبداينوهم، والله هو المطلع على السرائر، ~~فإذا كان في يد أحد شيء فالظاهر أنه له، ومتى قدرنا أن الظاهر الحرام وفساد ~~المعاملات ولم يجد طريقا إلى طلب الحلال فالضرورة حينئذ تبيح طلب الرزق. # وأما قولهم: أنها إعانة للظلمة، فأشد بعدا؛ لأنه إنما يكون معينا لهم إذا ~~أراد فعلهم، فأما إذا أخذوه منه كرها /298/ فلا يقال أعانهم، وإلا لزم في ~~كل مظلوم أن يكون قد أعان الظالم، وخلافه معلوم. # فصل # اعلم أن الرزق يد يكون لطفا وقد لا يكون، فما علم الله أن المرء قد يمتثل ~~الطاعة لأجله منه فهو لطف ومالم يكن كذلك فطريقه التفضيل، ولا فرق فيما ~~يكون لطفا منه بين أن يكون لطفا للمرزوق أو لغيره، لكنه إن كان لطفا لغيره ~~فهو يفضل في حقه. PageV01P454 ### ||| AUTO القول في الأسعار # السعر هو تقدير الثمن الذي يقع عليه التراضي بين المتبايعين في هذا ~~التقدير إن كان أكثر مما جرت به محادة ذلك الزمان فهو غلاء وإن كان أقل فهو رخص. # فصل # ومعنى إضافة الرخص والغلاء إلى الله تعالى هو أن يكثر الحب ويقوي دواعي ~~الناس إلى بيعة، ويقلل الطالبين له وينهي عن ادخاره ونحو ذلك، وأسباب ~~الغلاء عكسها كأن يقلل الأمطار أو يسلط على الثمار آفة أو يكثر الطالبين له ~~ويقوي دواعيهم إلى ذلك، فعلى مثل هذا يصح إضافته إلى الله تعالى، أما على ~~معنى أنه الذي قدر الأسعار فلا يصح؛ لأن ذلك فعل العباد وحاصل بحسب ~~تراضيهم، وكذلك قد يكون سبب الغلاء من جهة الظلمة بأن يقطعوا الطرق أو ~~يسدوا الثمار أو يعضبوا الأشياء التي ينتفع بها أو يمنعوا من البيع ويجعلوه ~~إلى واحد مخصوص ليحمل لهم في مقابله ذلك مالا أو يكرهوا الناس على أن لا ~~يبيعا إلا بالغلاء لكي تتفق سلعهم، وكذلك قد يكون سبب الرخص من جهتهم بأن ~~يمنعوا الناس أن لا يبتغوا إلا بقدر مخصوص ليشتروا منهم أو يكرهوهم على ~~الانتقال من ms377 بلدهم فيبيعوا أثقالهم بخفة أثمانها ونحو ذلك. # فصل # ومتى كان سبب الرخص والغلاء من جهة الله جاز أن يكون لطفا للعباد، كأن ~~يعلم الله أن عند ذلك يختارون ما كلفوه أو يكونون أقرب إلى اختياره، وعلى ~~هذا حمل قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين..} الآية، وقد تكون على ~~جهة العقوبة وسلب النعم، وكذلك قد يكون في كثرة الأمطار مفسدة ورخص ~~الأسعار، ولهذا قال تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}. PageV01P455 ### ||| AUTO القول في الآلام والغموم # الألم: هو المعنى المذدرك بمحل الحياة فيه مع النفرة، فإن كان مع الشهوة ~~سمي لذة، وإلا فهو من جنسها. # والغم: هو اعتقاد الحي أو ظنه بأنه عليه أو على من يجب في فعل الغير فوت ~~نفع أو جلب ضرر في المستقبل، ويفارق الخوف مفارقة العام للخاص في بعض صوره. # فصول في الوجوه التي شبهه في إثبات ثان لله وفي جواز كل قبيح على الله ~~وفي التعطيل عند ابن الروندي حيث رأى أهل العلم والفضل مبتلين بمقاساة ~~الفقر والأمراض والمصائب وأهل الجهالة والوضاعة بالعكس حتى أنشد البيتين ~~المعروفين/ 299/: # كم عالم عالم أعيت مذاهبه .... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة .... وصير العالم النحرير زنديقا # وكذلك أبو عيسى الوراق فإن ذبح البهائم صار شبهة له حتى صنف كتابا سماه ~~النوح على البهائم، وكان السبب في جميع ذلك نفار الطبع عن هذه الآلام وميله ~~إلى الذات. PageV01P456 # فصل # ويحسن الألم من فعلنا إذا كان يجلب نفع أو دفع ضرر أعظم منه أو استحقاق ~~أو الظن لأحد الوجهين المتقدمين، وهذا لا شبهة فيه، فإن كل عاقل يعلم حسن ~~تحمل المشاق في الأسفار ومعالي الأمور ومشاق التعليم طلبا للمنافع، سواء ~~كانت معلومة أو مظنونة، وكذلك يستحسنون الفصد والحجامة وشرب الأدوية ~~الكريهة ونحو ذلك لدفع مضار هي أعظم منها، سواء كان اندفاعها معلوما أو ~~مظنونا، وكذلك يستحسن كل عاقل إيلام من آلامه أو غيره. # وأما الظن لاستحقاق الألم فلا يكفي في حسن إنزاله؛ لأن المنزل له يكون ms378 ~~مقدما على مالا يأمن كونه ظلما. # وقال أبو هاشم: يحسن، واحتج بإنزال الحدود عند الشهادة التي لا تفيد إلا الظن. # وأجيب بأن ذلك ورد به الشرع لمصلحة شرعية حتى لو تركنا، والعقل لما ~~استحسناه، وقد دخل في هذه الجملة بطلان جميع الأقوال المتقدم ذكرها. # فصل # وإن كان الألم من فعل الله لم يحسن إلا لأحد وجهين: إما مستحقا ولا شبهة ~~في هذا كعقاب أهل النار ونحوه، وإما لمجموع العوض والاعتبار كالآلام ~~النازلة بالمكلفين وغيرهم ليخرج بالعوض عن كونه ظلما، وبالاعتبار عن كونه ~~عبثا، وكان أبو علي يذهب إلى أن العوض كاف في حسنه. # فإذا قيل له: قد كان يحسن الابتداء بمنافع العوض فيكون الألم عبثا. PageV01P457 # أجاب بأن فائدته أن يصير العوض مستحقا، وليس المستحق كالمتفضل به، وهو أيضا ~~مستحق على جهة الدوام بخلاف التفضيل. # وأيضا فلا يمتنع أن يعل الله أنه لا يوصل إليه هذه المنافع إلا إذا آلمه. # واعترضت عليه هذه الوجوه كلها بأنها لا تخرج الألم عن كونه عبثا لصحة ~~الابتداء بمنافع العوض وإدامتها وكونها مستحقة ككونها غير مستحقة في ما ~~يرجع إلى النفع، فثبت أن الصحيح ما رجع غليه من أنه لا بد من الأمرين. # وقد ذهب عباد إلى أن الاعتبار كاف في حسن الألم ويلزمه في من لا يعتبر ~~كالساهي والنائم والبهيمة والمجنون والأطفال أن يكون إنزال الألم عليهم ~~ظلما لفقد ما جعله وجها في الحسن، وكذلك الألم النازل بالمكلف فإنه لا يكفي ~~في حسنه /300/ الاعتبار أن النفع الحاصل بالاعتبار هو في مقابلة الطاعة، ~~فيبقى جانب الألم خاليا عن النفع. # شبهة # إن أحدنا إنما يستحق الثواب أو العوض على فعل نفسه والألم من فعل الله. ~~وأيضا فلو حسن للعوض لحسن مثاله. # والجواب: عن الأول أن الذي يستحقه على فعل نفسه هو الثواب فقط، فأما ~~العوض، ألا ترى أنه لو قتل نفسه لم يستحق عليها عوضا، فالأعواض وما يجري ~~مجراها من أروش الجنايات وقيم المتلفات لا تستحق أبدا إلا على الغير. # وعن الثاني أنه معارض بالاعتبار، فيقال: ms379 لو حسن منه للإعتبار لحسن منا. # والتحقيق أن الباري حكيم يجعل لنا من الأعواض ما يوفي على الآلام أضعافا ~~مضاعفة، بحيث لو خيرنا بينها وبين الآلام لاخترناها بخلاف أحدنا؛ فإنه لا ~~يضمن لغيره في مقابلة ما ينزله من العوض المقدار الذي يجعله الله ولا يعلمه ~~ولا يسمح به نفسه لو علمه، ألا ترى أنه لا تطاوعه نفسه أن يقوم رجلا من ~~أمناء الناس من مكان ويعطيه في مقابله ذلك ألوف دنانير، وأيضا فن الله لا ~~يفعل الألم إلا إذا حصل مع العوض اعتبار، ولسنا نعلم ذلك من حال الألم الذي ~~من فعلنا. PageV01P458 # فإن قيل: قد ثبت أن التبقية والعافية والحياة ونحو ذلك من نعم الله، وليس ~~المرجع بالأمراض والموت إلا إلى زوال هذه النعم، فهلا كان لله أن يزيلها ~~بهذه الأشياء، وغن لم يكن هناك عوض واعتبار. # قلنا: قد كان الله قادر على أن يزيلها من دون الإيلام بأن يميته معافصة ~~وأن لا يحدد الشهوة المتعلقة بالفائت ولا النفرة المتعلقة بالحادث، فإذا ~~كان الإيلام زائدا على إزالتها وجب أن يحصل فيه ما ذكرنا. # فإن قيل: فهلا حسن منه الإيلام لرفع الضرر كالشاهد، قيل له: الضرر المزال ~~إن كان مصلحة فلا يحسن إزالته وإن لم لكن مصلحة فإن كان من فعل الله فقد ~~كان يمكنه أن لا ينزله ولا ينزل ما يزيله، فيكون في إنزاله وإنزال ما يزيله ~~ظلما وإن اكن من فعل غيره فعليه تعالى أن يمنح ذلك الغير بالنهي إن كان ~~مكلفا، وإن كان بالقهر إن لم يكن مكلفا وإلا أنصف المضرور من الأعواض الضار. # تنبيه لما ذهبت البكرية وأهل التناسخ إلى أن الألم لا يحسن إلا مستحقا. # قيل لهم: فكان لا يحسن إنزاله بمن يعلم أنه لا يستحقه كالأطفال والبهائم، ~~فعند ذلك افترقوا فقالت البكرية: إنهم لا يألمون، وهذا رد لما يعلم ضرورة، ~~ولو لا هذا لما كان فرق بين أن يوضع الصبي في النار أو على الشوك وبين أن ~~يوضع على الحرير. # وقال أهل التناسخ: إنهم كانوا ms380 عصوا الله في هياكل غير هذه فنقلهم الله ~~إلى هذه وآلمهم عقوبة. # ويبطل قولهم مع ما تقدم أن يقال: هذا بناء منكم على أن الإنسان العاصي ~~/301/ الطابع هو الروح المنتقل في الهياكل، وهو عندنا باطل. # وبعد فهو إثبات ما لا طريق إليه، ويلزم عليه أن يذكر أحدنا الحالة التي ~~كان عصى وهو فيها لا سيما إذا كانت حالة عظيمة، كأن يكون رئيسا أو عظيما، ~~وليس تحلل زوال العقل يمنع التذكر للأحوال العظيمة عند عوده. PageV01P459 # وأيضا فإنه لا بد أن يكون المتألم كامل العقل ليعلم أن ما نزل به عقاب على ~~ما أذنب وأن الله تعالى عدل حكيم، وليعلم عين ذلك الذنب الذي لأجله استحق ~~هذا العقاب، وأن يكون له طريق إلى تلاقيه بالتوبة. # وبعد، فما ذكروه يؤدي إلى التباس بعض ببعض وفيه زوال الثقة وبطلان أحكام ~~المدح والذم والشهادات والبيوع والأنكحة لجواز أن يكون الفاعل قد نقل إلى ~~قالب غير هذا. # وبعد، فلو كانت الآلام النازلة بالأطفال والبهائم مستحقة على جهة العقوبة ~~لحسن ذمهم ولعنهم والتبري منهم كما تقوله المجبرة في تعذيب أطفال المشركين ~~ومعلوم أن في المؤلمين من لا يحسن ذمه، بل من يحب مدحه كالأنبياء ~~والصالحين. ### |||| AUTO فصل [في الوجه الذي يقبح عليه الألم] # ذهب الجمهور أنه يقبح لكونه ظلما وعبثا، ولا ثالث لهذين الوجهين. # وقال الثنوية: لكونه ألما. # وقال أهل التناسخ: لكونه غير مستحق، وقد تقدم إبطال قول الجميع. # وكان أبو هاشم يذهب إلى أنه يقبح ضررا فقط ويجعل الوجوه التي تقتضي حسنه ~~مخرجة له عن كونه ضررا بأن يحصل فيه نفع أو دفع ضرر، ولما الزم في العقاب ~~أن يقبح أجاب بأن التذاذ العاصي بالمعصية قد أخرجه عن كونه ضررا. # وهذا باطل؛ لأنا نعلم أنه قد يستحق العقاب على كثير مما يلحق به ضرر ~~ومشقة كرهبانية النصارى وحفظ اليهود للسبت وعبادة الأصنام ونحو ذلك. PageV01P460 # وشبهته أنه قد ثبت في من أخرج من ملكه ثوبا ليأخذ به دينارا أنه لا بعد ~~فعله ضررا لما حصل بإزائه منفعة ms381 معجلة، فيجب في ما فيه جلب نفع أو دفع ضرر ~~أن لا يعد ضررا. # والجواب: أنما يستقيم ما ذكره رحمه الله تعالى لو تنزلت حاله كل ضرر حسن ~~منزلة من يخرج ثوبا بدينار ونحو ذلك مما يتعجل به النفع أو دفع ضرر ، فأما ~~إذا تراخى النفع أو الدفع فلا محالة أن الألم النازل به يعد ضررا، ومهما ~~يكن فلا يمكن أن يقال: إن لذة شبعة واحدة تخرج العقاب الدائم عن كونه ضررا، ~~فثبت أن الصحيح ما رجع إليه أجرا. # وقد ذهب أبو علي إلى أن الألم إنما يقبح لكونه ظلما وما يعده الشيوخ ~~عبثا، فإنه يجعله بصفة الظلم نحو من يستأجر غيره على عمل لا يقع له فيه، ~~فإنه إن لم يوفه أجرته كان ظالما له، وإن وافاه أجرته كان ظالما لنفسه؛ ~~لأنه أضر بها بدفع الأجرة، وكذلك في من خلص غريقا على أن يكسر يده مع إمكان ~~تخليصه من غير كسره فإنه يكون ظالما لنفسه حيث فوت عليها الشكر وإن لم يكن ~~ظالما للغريق؛ لأن النفع في تخليصه أعظم من الضرر /302/ في قطع يده. # والحق ما قاله الجمهور: أنه قد يقبح لكونه عبثا، وقبح العبث معلوم ضرورة، ~~سواء كان بصفة الظلم أو لا بدليل أن الألم يقبح من الباري تعالى لمجرد ~~العوض ولا وجه إلا كون عبثا لإمكان اتصال العوض من دونه. PageV01P461 ### ||| AUTO القول في الأعواض # العوض هو المنافع المستحقة لا على وجه الإحلال. # اعلم أن المضار التي يستحق عليها الأعواض هي مالم يكن مستحقا كعقاب أهل ~~النار، والحدود ولا في حكم المستحق كدفع الباغي والجمل الصائل بالقتل ~~ونحوه، ولا حاصلا عن تراض كمشقة الأخير، وقتل المرء نفسه ولا مما يستحق ~~عليه ثواب كمشاق الطاعة. # فصل # والعوض قد يستحق على الله تعالى، وقد يستحق على المخلوقات، فهذان قسمان، ~~وكل واحد منهما ضربان، فالألم الذي يستحق على الله تعالى قد يستحق عليه؛ ~~لأنه الذي فعل المضرة أو سببها، وقد يستحق عليه؛ لأنه في حكم الفاعل لها ~~بأن يأمر أو يبيح ms382 أو يلجي، والذي يستحق على المخلوقات كذلك أيضا قد يستحق؛ ~~لأن المخلوق فعله، وقد يستحق؛ لأنه في حكم الفاعل له. # أما الضرب الأول من القسم الأول وهو في الأعواض التي تستحق على الله في ~~المضار التي فعلها أو فعل أسبابها، فذلك على وجوه: # منها: الأمراض والمصائب التي يفعلها مصالح وهذا ظاهر. PageV01P462 # ومنها: الغموم التي تصيب المرء لأجل تلك الآلام والمصائب سواء كان الغم من ~~فعل الله بأن يفعل فيه العلم الضروري أو جاريا مجرى فعلن بأن ينصب له أمارة ~~يفعل الغم عندها، لن المرء لا يستحق العوض إلا على الغم الذي جرت العادة ~~بمثله في مثل ذلك المغتم، فإن الحال يختلف فربما يبني الله بعض الأحياء ~~بنية يسرع معها الخوف والفزع كالجبان، فيكون غمه أكثر فيستحق بحسنه مما جرت ~~العادة به في حق مثله والزائد لا عوض فيه، وكذلك إن فعله لا عند أمارة ~~كالممرور، وهذا الكلام فيما إذا علم أحدنا بكل المضار التي لأجلها يغتم، ~~فإن لم يعلمها فهل يستحق عوضا لأجل تقدير الغم أم لا؟ والأصل فيه أن ينظر ~~فيه، فإن كانت تلك المصائب فما يختص غيره كمموت قرينة أو أخذ ماله ونحو ~~ذلك، فلا يستحق عوضا وينزل منزلة الإساءة بالكلام، فإن الاعتذار عندها لا ~~يجب إلا إذا بلغت المشاء إليه وتضرر بها، فأما إذا لم يبلغه لم يجب ~~الاعتذار، ولا العوض، بل يكفي التوبة بحسب الإمكان، عن كانت تلك المصائب ~~مما تختصه كأن يتلف شيء من ماله ولا يشعر فاختلف الشيوخ. # فقال أبو هاشم: لا يجب العوض على الله كالأول؛ لأنه لا غم في الموضعين. # وقال القاضي: يجب وجعل الرق أن الشيء إذا كان في نفسه ضررا لم يصير فيه ~~علم المضرور، وهذه حالة إتلاف ماله بعين علمه بخلاف المسألة الأولى لولا ~~هذا لما وصف أحدنا بأنه ظالم إذا أخذ مال الغير من دون علمه؛ لأن من حقيقة ~~الظلم أن يكون ضررا. # ولقائل أن يقول: إن الإتلاف إذا كان في نفسه /303/ ضررا، فلا بد فيه من ~~عوض ms383 مستقل في الموضعين، وإنما الكلام في العوض الحاصل على الغم عليه، فلا ~~وجه لاستحقاقه عند عدم العلم في واحد من الموضعين. PageV01P463 # ومنها: أن يحوج الله العبد بخلق الشهوة إلى طلب المشتهى فيلحق المرء مشقة ~~في طلبه أو غم في فقده فيستق العوض مالم يكن قد تمكن، فما يزيل تلك الشهوة ~~فلم يختر إزالتها أو حال بينه وبين ذلك ظالم فيصير العوض على ذلك الظالم. # ومنها أن يلحق المرء مشقة ف يدفع ضرر يناله من جهة الله، ولم يكن دفع ضرر ~~الأمراض بشرب الأدوية الكريهة، فإنه يستحق العوض على تلك المشقة أن يلحقه ~~برد شديد فيسعى في طلب كن يلحقه بالسعي مشقة أو لا يجد الكن. # ومنها: أن يلزمه الله طلب قوت لغيره من عيلة ونحوها فيلحقه غم بفقدها، ~~فيكون عوض الغم على الله إذا اغتم على فقد ما جرت العادة بتحصيله، فأما إذا ~~اغتم على فقد الزائد فلا عوض في ذلك الغم، وحال الناس يختلف في ذلك، فمنهم ~~من عادته تحصيل قوت السنة، ومنهم من عادته تحصيل قوت اليوم واليومين فعوض ~~الغم بما جرت به عادة مثله. # فإن قيل: إن الله إذا ألزمه السعي كان له فيه ثواب، فكيف يستحق عليه عوضا؟ # قلنا: الثواب على نفس السعي والعوض هو على الغم الحاصل بفقد ما سعى له. # ومنها: أن يخلقه الله تعالى على ضرب من النقص بالنسبة إلى أبناء جسنه، ~~إما بفقد آلة أو بقبح صورة أو سواد لون أو بقصر ونحو ذلك، فإنه يحصل له عوض ~~إذا اغتم على فقد ما قد حصل لأبناء جنسه. # ومثله إذا اغتم بفقد ما حصل لأبناء جنسه من المال والنعمة والزينة ولم ~~يتمكن من تحصيل ذلك الذي فقده. # ومنها: أن يمنعه الله بالشريعة من التصرف في ماله فيغتم بذلك كالمريض ~~الذي حجز لعيه ثلثا ماله وجعل للورث فإن المريض قد يغتم لذلك من حيث منع من ~~التصرف به وتقديمه لنفسه، وربما كان يجب أن يصير إلى غير الوارث أو يخص به ~~نقض الورثة، وكذلك ms384 من حجز عليه ماله لأجل الجنون أو الدين أو نحو ذلك. PageV01P464 # الضرب الثاني من القاسم الأول في المضار التي يفعلها العباد بإيجابه تعالى ~~كذبح الفدية وجد التائب أو ندبه كذبح الأضحية وتأديب الأولاد أو إباحته ~~كذبح ما يؤكل لحمه وتأديب الخادم أو بإلجائه كأن يلجئه بصاعقة أو سيل إلى ~~الغد وإلى زرع الغير أو وطئ شيء من الحيوان وفي كل هذه تجب العوض على الله ~~تعالى؛ لأنه في حكم الفاعل لهذه المضار من حيث صار كمن يقول لفاعليها ~~افعلوها ولا ضرر عليكم /304/ ولا تبعة، وهذا لا خلاف فيه بين الشيوخ. وإنما ~~اختلفوا في المضار التي تصدر ممن لا عقل من دون إلجاء. # فقال أبو الحسين وأصحابه: وروي عن أبي علي وأبي الهذيل أن حكمها حكم ما ~~تقدم في أن عوضها على الله تعال؛ لأنه مكنها من ذلك ولم يجعل لها عقلا ~~تزجرها عن فعل هذه المضار وتميز به بين الحسن والقبيح وخلق لها من الشهوات ~~ما صارت لأجله في حكم الملجأة والمغراه. # وقال القاضي والجمهور: الأعواض عليها لا على الله؛ لأنه لم يلجها ولا ~~بعثها، ولكنه مكنها وليس بمجر دالتمكين ينتقل العوض على الله، وإلا لزم إذا ~~مكن أحدنا غيره من سيف فقتل به أن يكون العوض على دافع السيف، بل على ~~الحداد أو الصقيل؛ لأنهما اللذان جعلا السيف بالصفة التي معها يقطع. # واعترض بأن الخصم لم يجعل العلة في انتقال العوض إلى الله مجرد التمكين، ~~بل لأنه مكنها وخلق الشهوة فيها وألهمها لمالها في ذلك من النفع ولم يمنعها ~~بالنهي ولا بالقهر، فصار بذلك في حكم المغري لها والملجئ بخلاف المعطي ~~السيف والصيقل، فإنه لم يكن منهما إلا مجرد التمكين والقائل ممنوع بالنهي ~~فالعوض عليه لا عليهما. # يوضح هذا أن عند الجمهور أنا إذا أرسلنا الجارح أو الكلب على الصيد فإن ~~العوض على الله تعالى؛ لأن الإرسال مباح لنا، وإذا كان كذلك فهلا وجب العوض ~~على الله تعالى إذا كان هو المرسل، وإن لم يعقل في حقه إباحة. PageV01P465 # قال ms385 الجمهور: قد حسن منا أن نمنع من لا فلق له من إنزال هذه المضار، ولو ~~كانت أعواضها على الله لحسنت منهم هذه المضار ولم يحسن منا منعهم منها وذلك ~~يقتضي أن لا يحسن منا منفع السباع من مواشينا. # قيل لهم: هذا وارد عليكم فيما إذا الجئوا إليها، وكان الوجه في الجميع أن ~~الحسن لا يدخل في أفعال البهائم ومن لا عقل له، وإن دخل القبح كما تقدم. # وعلى الجملة فلا يصح أن يقال: أنها تحسن منهم ولا تقبح منهم بالاتفاق على ~~أن جهة حسن الفعل وقبحه غير جهة استحقاق العوض عليه، فلا يلزم إذا كان ~~العوض على الله أن يكون الفعل حسنا كحال الإلجاء. # وأما المنع فلا يحسن منا أن يمنعهم إلا حيث يلحقنا ضرر كمنعنا للسباع من ~~مواشينا وحيث يؤمر بمنعها كمنعنا للصبيان والمجانين عن الأضرار بالغير وما ~~عدا ذلك لا يحسن المنع منه حتى لا يحسن منا أن نمنع الأسد من افتراس الصبي ~~ونحو ذلك بل ربما يقبح منا. # قال الجمهور: قد ثبت أن الصبي إذا جنى جناية وجب عوضها في ماله فثبت أن ~~العقل غير معتبر في استحقاق العوض؛ لأنه يجري مجرى أروش الجنايات وقيم ~~المتلفات. # قيل لهم: ورد الشرع بذلك لمصلحة يعلمها الله، ومتى تألم الصبي لأجل أخذ ~~الأروش من ماله /305/ كان له عوض على الله تعالى وصار الحال في ذلك كمنعنا ~~إياه من شرب الخمر وأخذنا له بالصلاة، فإنا أمرنا بذلك لمصلحة شرعية وهي أن ~~يسهل عليه فعل الصلاة وترك الخمر حالة الكبر، وله إذا تألم بذلك عوض على ~~الله تعالى. # قال الجمهور: قال الله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} ولا وجه لحشرها إلا ~~توفير أعواضها. # قيل لهم: وكذلك فمن أين يكون عليها أعواضا لغيرها؟ # قالوا: ورد الحديث ((أن الله لينتصف للجما من القرناء)). # قيل لهم: هذا الخبر أحادي وغن ثبت فمعناه الجمال لأجل ما فعلت القرناء، ~~وأورد ذلك بهذه الصيغة مبالغة في الانتصاف للضعيف من القوي. PageV01P466 # وأما الضرب الأول من القسم الثاني وهو الأعواض التي ms386 تستحق على العباد في ~~المضار التي فعلوها أو أشياء بها وسواء كان ذلك ضرر أو تفويت نفع وذلك يجوز ~~أن يقتل غيره ظلما فإنه يستحق عليه عوضا في مقابله، ألم القتل وعوضا في ~~تفويت تفويت منافع الحياة إن فرضنا أنه كان يعيش لا محالة، وعوضا في مقابلة ~~تفويت الأعواض الزائدة التي كان يستحقها لو كان ألم الموت من جهة الله ~~تعالى وأحوال الناس تختلف في جمي عذلك، وربما اغتم آخرون بقتل هذا المقتول، ~~وكان في جناية لهم نفع فيستحقون العوض على القاتل. # فإن قيل: أرأيتم أنه لو كان المعلوم أنه لو لم يقتل لعاش وكفر وازدادت ~~ذنوبه، هل يقع فرق في استحقاقه للعوض على القاتل؟ # قلنا: لا فرق؛ لأنه كما يتمكن بالحياة من الكفر وغيره من المعاصي فهو ~~أيضا يتمكن بها من الإيمان وسائر الطاعات، فنفس الحياة نعمة قد فوتها ~~القاتل، وعلى هذا نقول: إذا منعه من الانتفاع بأملاكه وتألم بذلك استحق ~~العوض، وغن كان في معلوم الله أنه لو لم يمنع لما انتفع بها أو تضرر، لكنه ~~يجوز ان لا يستحق القدر الذي يستحقه، لو كان المعلوم أنه ينتفع لو لا المنع. # ومثل هذا يجري الكلام في من منع غيره من التصرف لمعاشه بحبس أو نحوه، وغن ~~كان المعلوم أنه لو لم يحسبه لأهلك نفسه ومثله الكلام في الظالم إذا منع ~~غيره من المباح كان يمنع الراعي من رعي مواشيه في أرض مخصوصة للراعي أن ~~يرعى فيها. # وقد اختلف في هذه الصورة من المستحق للعوض على المظالم. # قيل: والأول أن المستحق للعوض هو من كان أخص بتلك الأرض وأقرب غليها ~~ويجري مجرى الملك. # وقيل: يستحقه كل من المعلوم أنه كان ينتفع بتلك الأرض لو لا المنع. # وقيل: يستحقه كل من يصح انتفاعه بها؛ لأنه قد صار المعلوم أنه لو رام ~~الرعي فيها لمنع. PageV01P467 # ومثله الكلام إذا منع الظالم بيوت الأموال من مستحقها والزكوات والأوقاف ~~ونحو ذلك مما لا يمكن تعيين مستحقه، ومثله إذا غصب مالا قد اختلف في مستحق ms387 ~~كالمال الموروث، فإنه قد قيل يستحق العوض كل من له نصيب /306/ قال به مجتهد. # وقيل: يستحقه من المعلوم أن الحاكم كان يحكم له به، فعلى مثل هذا يجري ~~الكلام في مثل هذا الضرب. # وبالجملة: كل ألم أو غم يفعله بغيره أو يفعل سببه ولم يحصل ما يقتضي نقله ~~عنه، فإن عوضه لعيه وعلى هذا لو اجبر رجل بموت آخر متعمدا للكذب أو على وجه ~~قد نهى عن الأخبار عليه، فاغتم أهل ذلك الرجل فإن عوضهم عليه. # الضرب الثاني من القسم الثاني في المضار التي يتكون العباد في حكم ~~الفاعلين لها والفاعل لها غيرهم، وذلك نحو أن يلجئ أحدنا غيره إلى الغد ~~وعلى زرع الغير أو وطئ شيء من الحيوان، فإن العوض عليه ونحو أن يعرض أحدنا ~~غيره لضرر قد علم أن الله تعالى يفعله بمجرى العادة، فيكون العوض على ~~المعرص كأن يضع صبيا في النار أو البرد أو يلقيه إلى الأسد بحسب الخلاف ~~المتقدم، ونحو أن يشهد شهود الزور بأن زيدا قتل عمرا، فيصل زيدا وشهدوا ~~بأنه زنى، فحد ونحو ذلك، فإن الأعواض على الشهود وكذلك إذا شهدوا أن المال ~~لزيد كان العوض عليهم؛ لأنهم السبب في جميع تلك المضار. ### |||| AUTO فصل [في المضار التي يشتبه الحال في هل أعواضها على الله أو ~~غيره أو هل فيها من أعوام أم لا] # فمنها: إذا قتل أحدنا غيره ظلما ثم انقاد لورثته على من يكون عوض المقتول الأول؟ # عندنا أنه يكون على الله تعالى؛ لأنه يقل ما يستحقه على القائل إلى ~~ورثته، فجعله حقا لهم لمصلحة شرعية، فبنقله له صار الحق عليه تعالى، وقيل: ~~يكون عوضه على المنقاد وعوض المنقاد على الله تعالى. PageV01P468 # وهذا باطل ؛ لأن المنقاد لا يستحق عوضا من حيث أن ألمه مستحق، سواء كان ~~تائبا أم لا؛ لأن التوبة إنما تسقط حق الله، فأما حق المقتول فهو عليه، ~~فلما جعل استنفاء حقه إلى الورثة واستوفوه سقط الحق عن المنقاد؛ لأنه ليس ~~عليه إلا عوض واحد وصار حق المقتول على ms388 الله لنقله إلى ورثته، فإن قدرنا أن ~~القاتل مات ولم ينقذ فإن مات قبل موت الوارث الأول فالحق عليه للوارث الأول ~~يوم القيامة، ولا معنى لما ذكره بعض المتأخرين من أن الحق يكون للمقتول يوم ~~القيامة ويبطل حق الوارث؛ لأن الله تعالى قد جعله حقا للوارث، ولم يحصل ما ~~ينقله عنه، فهو كالمال الذي يستحق للوارث، وغن مات في زمن الوارث الثاني ~~وبعد موت الأول. # فقيل: يصير عليه حق للوارث الأول، وللوارث الثاني. # وقيل: إنما ألحق للوارث الثاني، وهو الصحيح؛ لأنه ليس عليه إلا حق واحد، ~~وقد نقله الله من الوارث الأول إلى الثاني فهو حق له فقط، وحق الوارث الأول ~~على الله لأجل أنه نقل الكلام في رجل حفر بئرا يقصد أن يتردى فيها الغير ~~/307/ فسار ذلك الغير حتى تردى فيها أو جعل سما في طعام ثم يناوله الأكل ~~فقتله: قيل: لا عوض للمتردي ولا للآكل؛ لأنه الذي ردى نفسه، وتناول السم، ~~وقيل: إن لم يجد طريقا غير طريق البئر ولا طعاما غير ذلك المسموم استحق ~~العوض على الحافر والمسمم وإلا لم يستحق شيئا. # وقيل: يستحقه على كل حال على الحافر والمسمم؛ لأنه المسبب في لحوق هذه ~~المضرة، ولهذا يوجب الفقهاء الدية أو القود. # وإن كان حفره للبئر وحطه للسم لغرض غير هذا بل فعله في ماله لمنافعه، ~~فجاء الغير فتردى أو تناول الطعام، فلا شبهة في أنه لا يستحق عوضا. # وإن كان ملجأ إلى ذلك فالعوض على ذلك الملجئ أو من في حكمه، وغن أبيح له ذلك. PageV01P469 # فإن كان المبيح هو الله تعالى فالعوض عليه، وإن كان المبيح هو صاحب الطعام ~~وصاحب الأرض بأن يقول: قد أبحت لفلان المسير في أرضي والأكل من طعامي، ~~احتمل أن يكون العوض عليه؛ لأنه فاعل السبب، وقد كان متمكنا من تحذيره، ~~واحتمل أن يكون لا عوض له؛ لأنه المضر بنفسه، واحتمل أن يكون العوض على ~~الله تعالى؛ لأنهما مغتران جميعا، وقد أباح الله لهما ذلك وتصير إصراره ~~بذلك كإضرار البهيمة به وبنفسها. ms389 # ومنها: الكلام في رجل خرج غيره خطأ فأخذ الأرش من ماله فاغتم، فعلى أصول ~~الجمهور لا عوض له؛ لأنه الجاني على نفسه. # وعلى أصل أبي الحسين: يستحق العوض على الله تعالى؛ لأنه في حكم الساهي، ~~ومن لا عقل له، وإنما لزمه الأرش لمصلحة شرعية كما لزم على فعل الصبي ~~والبهيمة. # ومنها: الكلام في رجل جرح غيره فسرت الجراحة حتى قتلته، فإنما يستحق عليه ~~عوض الجرح دون الزائد، وغنما تجب عليه القود لمصلحة شرعية، ومتى انقاد ~~فمقدار ذلك الجرح مستحق، والزائد عوضه على الله تعالى. # فصل # ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يتفضل الله بالأعواض التي تستحق على ~~العباد حتى يوفيها عنهم. # وقال ابن الملاحمي وغيره: تجوز حجة الجمهور أنه يجب الانتصاف للمظلوم من ~~الظالم، وإلا كانت التلخية بينهما قبيحة. # واعترض بأنه إنما يجب الانتصاف إذا لم يتفضل الله بانتفاء الحق عنه، وبكل ~~واحد من الأمرين يخرج التخلية عن القبيح. # قال الجمهور: التفضل بما يجب على الظالم يسقط حق المظلوم ويخرجه من أن ~~يكون له حق؛ لأن التفضل لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله. # قيل لهم: ليس في ذلك إسقاط حق المظلوم، بل يجب أن يوصل إليه منافع العوض، ~~فإن تفضل الله بها سقط عن الظالم، وإن لم يتفضل بها فهي على الظالم وتصير ~~كمن يقضي الدين عن غيره تفضلا، فكما أن هذا التفضل لا يسق حق صاحب الدين، ~~بل أن يفضل به سقط وجوبه، وإن لم فوجوبه، فكذلك هذا. PageV01P470 # تنبيه لما ذهب الجمهور إلى المنع من التفضل بالعوض منعوا أن يمكن الله ~~الظالم من إيلام المظلوم إلا إذا كان في المعلوم /308/ أنه يموت، وله من ~~الأعواض ما يوفي عنه المظلوم، والأمتعة بضرب من الموانع والشواغل. # فإذا قيل لهم: نحن نعلم أن في الناس من يشتد ظلمه ويعم جوره كالحجاج ~~ونحوه، ويعلم أنه يعيش في رفاهية ودعة، فمن البعيد أن يكون له من الأعواض ~~ما يوفي به المظلومين. # قال: لا نسلم ذلك، بل لا بد من أن يصل إليه من ms390 الآلام والغموم في الدنيا ~~ما يكون عوضه مؤقتا لأهل الحقوق، فإنه لا يمتنع أن يحصل عليه من الغموم ~~بالموت أو غيره شيء عظيم لفوات دنياه ولذته وشبابه وربما يعظم الله عليه ~~آلام الموت بحيث يستحق عليها ما يوفي أهل الحقوق. # فأما من ذهب إلى جواز التفضيل بما يستحق على الظالم من الأعواض فإنه يجوز ~~أن يمكنه من الظلم، وإن لم يكن له أعواض لكنه لا يمكنه من ذلك إلا وقد علم ~~أنه يتفضل عليه ويصير من حالة التمكين كالملتزم بما يجب عليه من الأعواض ~~كمن يلتزم ما على المفلس من الدين، فإنه إذا التزمه لزمه ولزومه لا يخرجه ~~عن كونه تفضلا في الأصل. PageV01P471 # فصل # في إسقاط العوض، أما ما يعلم مقدراه كأروش الجنايات وقيم المتلفات وأنواع ~~القصاص فلا شبهة في صحة إسقاطه من العاقل المختار، وأما ما يجهل مقداره، ~~فإما أن يندب إلى إسقاطه كالأطعمة في الوجه وكالضرر الحاصل لأجل الغيبة ~~والشتم ونحو ذلك، فقيل: لا يسقط؛ لأنه لا يعلم مقداره، فهو كالمحجور عليه، ~~ولا يمتنع أن يكون لو علم مقداره لما سمحت نفسه بإسقاطه، وقيل: يسقط وهو ~~الحق؛ لأن الشرع ندب إلى إسقاطه، وهو لا يندب إلى إسقاط ما لا يصح إسقاطه؛ ~~ولأن له في الإسقاط ثوابا وهو أبلغ من العوض؛ ولأنه لو لم يسقط لما افترق ~~الحال بين ما يبري ذمة غيره من مثل هذه المضار المذكورة، وبين من لا يبري، ~~ولا كان إبراء الذمة يعد إحسانا، فأما ما يستحق على الله من الأعواض فلا ~~يصح إسقاطه؛ لأنه يبلغ في الكثرة مبلغا لو علمه أحدنا لكان في حكم الملجأ ~~إلى أن لا يسقطه؛ ولأنه لم يحصل فيه ندب يقتضي صحة إسقاطه؛ ولئن الإسقاط لا ~~يصح إلا في حق من ينتفع بالإسقاط ويتضرر بالإيفاء ونحو ذلك. ### |||| AUTO فصل [في دوام العوض] # لا خلاف بين الشيوخ في أن الأعواض التي تستحق على العباد منفعة؛ لأن ~~المعتبر فيها المساواة من حيث تجري مجرى أروش الجنايات وقيم المتلفات، ~~فإيجاب الزيادة حيف. # واختلفوا ms391 في العوض يحسن من الله الإيلام لأجله، فقال الجمهور: يستحق لا ~~على جهة الدوام. # وقال أبو الهذيل: وبعض البغدادية: يستحق دائما، وبه قال أبو علي: أولا ثم ~~رجع إلى قول الجمهور. # لنا: إنما أوجبنا أن يبلغ مبلغا عظيما من حيث ألمنا من دون مراضاة ولا بد ~~أن يبلغ العوض مبلغا لا يختلف أحوال العقلاء في اختياره، وذلك حاصل مع ~~الانقطاع، ألا ترى أنه لو قيل لأحدنا يمرض يوما ويعطى ملك عشر سنين لاختار ~~/309/ المرض لأجل الملك، وإن كان منقطعا. PageV01P472 # يوضحه أن العقلاء يستحسنون تحمل المشاق في الأسفار وإيلام الصبيان بالتعليم ~~والتأديب لمنافع تنقطع، فلو اعتبر الدوام لما جسر ذلك؛ لأن شرط حسن الفعل ~~لا يختلف باختلاف الفاعلين. # شبهتهم أنه لو كان منقطعا لصح إيصاله في الدنيا، فلو علمنا تأخره إلى ~~الآخرة، علمنا أنه دائم كالثواب؛ لأن ما كان في الآخرة فهو دائم. # والجواب عندنا: أنه يصح إيصاله في عرصة القيامة ويصح إيصاله في الدنيا، ~~لكن بشرط أن لا يكون في ذلك مفسدة، وأن لا يكون على مستحقه عوض لغيره عند ~~من لا يجيز أن يتفضل الله بإنفاء الحق على الظالم. # على أن في الأعواض مالم يمكن إيصاله في الدنيا كأعواض الأمانة وما ~~يقارنها. # قالوا: لو وصلت إليه في الدنيا لعلمها. # قلنا: ليس العلم معتبرا في الأعواض، ولهذا يستحقها من لا يعلم كالبهائم، ~~ومن لا عقل له بخلاف الثواب والعقاب، فإن من حقها الإجلال وعكسه، فلا بد من العلم. # شبهة # قالوا: لو كان منقطعا لصح إيصاله دفعة واحدة لا في صحة انقطاعه. # شبهة # قالوا: لو انقطع التألم بانقطاعه فيستحق عوضا آخر وأيضا فلا تكليف في ~~الآخرة يحسن لأجله هذا الإيلام في الآخرة. # والجواب: أنه ينقطع على وجه لا يتألم بانقطاعه كما سيتضح. # قالوا: لا بد في الألم من عوض واعتبار ومعلوم أن منافع الاعتبار دائمة، ~~فكذلك منافع العوض. # والجواب: منع الجامع والفرق أن عند الاعتبار بمثل الطاعة، فيستحق المنافع ~~الدائمة لأجل الطاعة، لا لأجل الاعتبار بخلاف منافع العوض فإنها تجري مجرى ms392 ~~الإبدال. # تنبيه # القائلون بانقطاع العوض يجوزون أن يتفضل الله بأمثاله دائما، فإن انقطع ~~ولم يتفضل بأمثاله فلوجه حكمة، وهو أن يرى صاحب الجنة ذلك وقد وثق بدوام ~~نعيمه، فيزداد سروره ويراه صاحب النار وقد وثق بدوام عقابه فيزداد غمه، ~~ويتمنى الموت وإن تصبر جمادا كما حكى الله بقوله: {ويقول الكافر يا ليتني ~~كنت ترابا}. # فصل PageV01P473 في كيفية اتصال العوض إلى مستحقه إن كان مستحقه من غير جنس المكلفين وصلت ~~إليه أعواضه على الحد الذي أحسن معه إنزال الألم، ثم ينقطع، فإذا انقطعت ~~جاز أن يتفضل الله بأمثالها، وجاز أن يميته معافصة، وجاز أن ينقله إلى صورة ~~يلتذ بها أهل الجنة لو ينفر منها أهل النار، وكل هذا لا شبهة فيه. # والذي يستنبه الحال في هل يجب أن يكون العوض من جنس ما يألفه حتى يحصل ~~للسباع افتراس في الجنة، وللخيل وللجمال حشائش وأبناء ونحو ذلك مما يشنع به ~~أهل الإلحاد وعندنا أنه يجوز أن يكون /310/ أعواضهم من غير جنس ما تألفونه، ~~وإنما اعتبر ذلك في الثواب أن يكون من جنس ما يألفه المثابون لأمر يرجع إلى ~~أن الترغيب والترهيب لا تعقل إلا فيما ألغوه بخلاف العوض، وجائز أن يكون من ~~جنس ما يألفونه، ولا يؤدي إلى افتراس ونحوه، بل يخلق الله للسباع لحوما ~~يعينهن على الافتراس. # وأما الحشائش فصحيح أن ينتفع البهائم بشيء من بنات الجنة. # وإن كان المعوض من جنس المكلفين فإن كان من أهل النار وصل إليه عوضه أما ~~في عرصة القيامة أو في النار على وجه لا يقع له به اعتداد بأن يحقق من ~~عقابه بمقدار ما يستحقه، فإن دفع الضرر يجري مجرى النفع عنه، ولا يلزم أن ~~يكون قد لحقه روح ولا راحة؛ لأنه ينزل منزلة من يضرب بالسياط دائما، فإنه ~~إذا رفعت عنه ضربة واحدة لم يقع له بها اعتداد. # وإن كان من أهل الجنة وصل إليه عوضه على وجه يقع له به الاعتداد، واللذة ~~مفرقا على الأوقات بحث لا يغتم بانقطاعه ويتنزل منزلة من ms393 بين يديه أطعمة ~~لذيذة مختلفة الأنواع، ثم يؤتى بلقمة شهية في خلال ذلك، فإنه يلتذ بها ~~الالتذاذ اللائق ولا يغتم بفقدها، بل يمكنه الله من أن يخطر بباله ~~انقطاعها. PageV01P474 ### || AUTO الكلام في القرآن الكريم # القرآن هو كلام الله المنزل على محمد للإعجاز بسورة منه أو بعدة آياتها، ~~ولنا: أو بعدة آياتها؛ لأن الإعجاز ليس من حقه أن يكون بسورة، بل أقل ما ~~ثبت فيه الإعجاز ثلاث آيات. ### ||| AUTO فصل [في حقيقة الكلام والمتكلم] # أما الكلام فهو ما انتظم من الحروف المسموعة المتميزة وزاد بعضهم ~~المتواضع عليها احترازا من المهمل، وليس بصحيح. # وزاد ابن متوبة: الصادرة من قادر واحد احترازا من أن يلفظ لا قط بالزاي ~~من زيد وآخر بالدال ، وهذا غير محتاج إليه؛ لأنه لا يمكن القادر أن ينطق ~~بالحرف الواحد. # قلنا: ما انتظم شبيها بالنظام الحقيقية لتواليه على السمع. # قلنا: من الحروف لأن الحرف الواحد لا يكون كلاما. # وأما قولهم: ع الكلام وش الثوب ونحوه، فأصله عي وشي من الوعي والوشى ~~وإنما حذفت الياء تحقيقا بدليل ارجوعها في التثنية وفعل المتكلم. # قلنا: المتميزة احترازا من ضرير الباب وأصوات البهائم. # وقلنا: المسموعة احترازا من الكتابة. # والشيخ أبو عبد الله والنحاة: يعتبرون الإفادة، فكأنهم أرادوا بذلك ~~الكلام الاصطلاحي لا اللغوي، وذلك متفق عليه. PageV01P475 # واعلم أن القائلين بإثبات الكلام النفسي فريقان: فريق ينكرون كون هذا ~~المسموع كلاما ويدعون أن تسميته كلاما مجاز، وهذا مباهتة، وفريق يعتبرفون ~~بأن هذا المسموع كلام ويدعون إثبات كلام آخر قائم بالنفس ويجعلون هذا الاسم ~~مشتركا بينهما، وهذا أيضا بعيد عن التحصيل؛ لأن من ينفي الكلام النفسي كيف ~~يسلم أن الاسم موضوع عليه بالاشتراك. # وأيضا فالعرب لا يعقلون الكلام النفسي /311/ فضلا عن أن يضعوا له عبارة ~~أو يشركوا بينه وبين غيره فيها. # يوضحه أنه إذا أطلق الكلام فإنما يسبق أفهامهم إلى هذا المسموع. # وأما المتكلم فهو عندنا فاعل الكلام بدليل أن من علمه فاعلا للكلام علمه ~~متكلما، ومن لم يعلمه فاعلا للكلام لم يعلمه متكلما. # ولهذا أضافت العرب ms394 كلام الممرور إلى الجن لما اعتقدوا أن الجن يفعله، فهو ~~كسائر أسماء الفاعلين. # وقالت المجبرة: هو من قام به الكلام، وهذه إحالة لأنهم يحدون الكلام بأنه ~~أيضا ما قام بالمتكلم. # على أنا سنذكر الكلام النفسي ونبين أنه لو ثبت لما صح على الباري تعالى. # وأيضا، فليس للمتكلم بكونه متكلما حال تعلل بمعنى وإلا وجب صحة العلم ~~بتلك الحال قبل العلم بما يؤثر فيها كسائر ما يوجب حالا؛ ولأنه لا طريق إلى ~~إثبات هذه الحال البتة، والذي يجده أحدنا من نفسه هو قدرته على الكلام، أو ~~علمه بترتيب حرفه أو كيفية إيرادها أو العزم عليها أو التفكر فيها أو القصد ~~إلى إبرازها، ولأنه لو كان للمتكلم حال وقدرنا تضاد الحروف وانه خلق لأحدنا ~~آلتان لاستحال أن ينطق بحرفين ضدين؛ لأنه كان يحصل عل حالين ضدين. PageV01P476 # وعلى الجملة، فإذا أبطلنا الكلام النفسي صح أن حقيقة الكلام والمتكلم ما قلناه. # فإن قيل: هلا كان المتكلم من جلة الكلام أو حل بعضه أو أثر في آلته أو ~~احتاج إليه أو قام به، أو لأنه كلام قلنا أكثر هذه باطل بالاتفاق. # ويبطل الأول والثاني أنه كان يجب أن يكون اللسان هو المتكلم والمبعوث ~~بالرسالة والقاذف ولا مستحق للذم والمدح، وكذلك في الصدى؛ لأن الكلام قد ~~يحله كما يحله اللسان، وكان يلزم أن تكون الشجرة هي التي كلمت موسى عليه ~~السلام. # على أن أقل الكلام حرفان، ولا يكاد يوجد حرف إلا ومخرجه خلاف مخرج الآخر. # ويبطل الثالث أنه لا معنى لكونه أثر في آلته إلا أنه تضاد الخرس والسكوت ~~عليها وسنبين أنه لا ضد للكلام. # ويبطل الرابع أن السائل إن أراد إباحته إليه أنه حلة فقد أبطلناه، أو أنه ~~الذي فعله فهو الذي يقول أوانه مضمن له لم يصح؛ لأن معنى التضمين هو أن لا ~~تحصل الذات إلا على صفة ولا تحصل على تلك الصفة ولا تحصل على تلك الصفة إلا ~~إذا حصلت على صفة أرى، لا تحصل على تلك الصفة إلا لمعنى، فتكون تلك الذات ms395 ~~مضمنة بذلك المعنى كالجوهر والكون، وهذا غير ثابت في الكلام والمتكلم ~~والألم يصح أن يحذوا أحدنا عن الكلام. PageV01P477 # فصل # والذي يعرف إضافة الكلام إلى المتكلم في الشاهد، إما أن يشاهده بصدر منه ~~أو يعلم وقوفه على قصده وداعيه أو يخبر بالصادق بذلك، والذي يعرف إضافة ~~الكلام إلى الباري هو أن يقع على وجه لا يتأتى من القادرين بالقدرة إيقاعه ~~عليه، كأن يوجد في الحصى والشجر أو يخبرنا فتى صادق بأنه كلام الله، وبهذا ~~يعلم أن القرآن كلام الله؛ لأنه لولا السمع لجوزنا أن يكون من فعل غير الله ~~تعالى، فإنه ليس من ضوررة المعجز أن يكون /312/ من فعل الله تعالى. # فصل # لا خلاف بين الناس في أن القرآن كلام الله، وإنما اختلفوا في القرآن ما هو. # فقال جمهور أهل العدل: هذا المتلو في المحاريب، المكتوب في المصاحف، ~~المسموع من ألسنة القارئين، وبهذا قال بعض القائلين: تقدم القرآن كالكرامية ~~والحنابلة وأصحاب الحديث. وقال شيخنا أبو علي وأبو الهذيل بمقالة الجمهور، ~~لكن جعلوا الكلام من قبيل الحروف لا من قبيل الأصوات، فجعلوه جنسا غير ~~الصوت مسموعا مع الصوت وباقيا دون الصوت، وإنما قالوا بهذا لئلا يلزم أن ~~يكون التالي قد فعل مثل كلام الله تعالى، وهذا غير لازم؛ لأن التالي يفعل ~~مثل ذلك محتذيا، وليس من احتذى على فعل غيره يقال قد فعل مثله، فإن من أنشد ~~قصيدة امرء القيس لا يقال قدحا بمثلها، فبطل ما توهموه. # وقال جمهور المجبرة: كلام الله تعالى معنى قديم قائم بالنفس. # واختلفوا في هذا المتلو، فقالت الكلابية: هو حكاية كلام الله فألزمهم ~~أصحابنا أن تكون الحكاية قديمة أو يكون المحكي محدثا؛ لأن الحكاية والمحكي ~~واحد، ولما رأت الأشاعرة وقوع هذا الإلزام قالوا: هو عبارة كلام الله ~~لينفصلوا عن هذا الإلزام وما علموا أنه لازم لهم أيضا؛ لأن العبارة لا بد ~~أن يكون من جنس المعبر عنه وإنما فصل أهل اللغة في التسمية بين العبارة ~~والحكاية من حيث أن الحكاية ترد بلفظ المحاكي والعبارة ترد بلفظ غير ms396 لفظ ~~المعتبر عنه. PageV01P478 # وسبيلنا أن نبين أولا أن الكلام من جنس الحروف والأصوات، ثم نبطل الكلام ~~النفسي، ثم يدل على أن هذا الكلام الذي بينا هو كلام الله تعالى، ثم يدل ~~على أنه محدث وبذلك يتم الغرض في هذا الباب. ### ||| AUTO القول في إبطال الكلام النفسي شاهدا أو غائبا # أما في الشاهد فالمعقول من الكلام هو هذه الحروف والأصوات بدليل أن من ~~علمها وصفها بأنها كلام وإن جهل المعنى النفسي، ومن جهلها لم يصفها بأنها ~~كلام، وإن علم المعنى النفسي. # وبعد فلا بد من القول بصحة إدراك المعنى النفسي. # فيقال: أرأيتم لو خلق الله فينا إدراكه هل كنا ندركه بصفة الحروف ~~والأصوات حتى يكون مترتبا مفيدا متواضعا عليه، فهذا إقرار بأنه من جنسها أو ~~كنا ندركه على صفة غير هذه فما هي وكيف يكون كلاما دون غيره من معاني النفس ~~وبماذا يتميز عن غيره. # وبعد فالمعنى إذا لم يكن مدركا ولا موجودا من النفس فالدليل عليه إما صفة ~~توجبها أو حكم يصدر عنه وقد قررنا أنه لا صفة للمتكلم بكونه متكلما ولا ~~حكم، ومعلوم أن هذا المعنى النفسي غير مدرك ولا موجود من النفس، فثبت أنه ~~لا طريق إليه. # قالوا: أوليس أحدنا يجد من نفسه أنها طالبة إذا أراد أن يأمر غيره بشيء ~~لذلك الشيء سواء وحدت الحروف والأصوات أم لا، فلذلك /313/ الطلب هو الأمر ~~والأمر هو أحد أنواع الكلام. # قيل لهم: الطلب الذي يحده أحدنا من نفسه هو إرادة ذلك الشيء بدليل أنه لا ~~يصح أن يقول طلبت وما أردت ولا العكس ولا شك أن الإرادة تثبت وإن لم يوجد ~~الحروف والأصوات، بل لا يكون الحروف والأصوات أمرا إلا بالإرادة ليفترق ~~الحال بين الأمر والتهديد والإباحة والتحدي. PageV01P479 # وقولهم: إن ذلك الطلب هو الأمر باطل؛ لأن أحدنا يجد نفسه طالبة لفعل من ~~الأفعال ولا يوصف بأنه آمر به مالم يقل أفضل؛ لأنه قد اتفق العقلاء من أهل ~~اللغة على أن الأمر من قبيل الأقوال وقد ادعى أهل العناد منهم أن ms397 هذا الطلب ~~النفسي يوصف بأنه قول، ومن بلغ في التجاهل إلى هذا الحد سهلت مكالمته، وقيل ~~له: فهلا جعلت العلم والشهوة من قبيل الأقوال؟ # وبعد فعند الخصوم أن السيد إذا أراد أن يظهر عصيان عبده له فإنه يأمره ~~ولا يجد نفسه طالبة للفعل؛ لأن وقوع الفعل ظهور كذبه، فقد حصل الأمرين ممن ~~دون طلب. # قالوا: الدليل على الكلام النفسي أن أحدنا إذا أراد الكلام وجد في نفسيه ~~معنى، فذلك هو الكلام. # قيل لهم: الذي يجده في نفسه هو تصور الكلام والعزم عليه والعلم بترتب ~~حروفه والتفكر في كيفية إيراده، وكل هذه كما يجدها أحدنا من نفسه قبل ~~الكلام بحدها أيضا قبل الكتابة، وقبل البناء والسفر، فهلا كانت الكتابة ~~والبناء والسفر معاني في النفس. # قالوا: العرب تقول: في نفسي كلام يقولون في نفسي الحج وبناء دار والسفر ~~ونحو ذلك، فهلا جعلت معاني في النفس. # وأما قوله تعالى: {يقولون في أنفسهم} ونحوها، فلن يعدوا ما ذكرناه من ~~عزمهم على إيراد هذا القول وتفكرهم في كيفية إيراده واعتقاد مقتضاه، ونحو ~~ذلك، وقد قيل أنهم يطهرون هذه للأقوال في ما بينهم على حد لا يسمعها غيرهم ~~ويوصف ذلك بأنه سر وبأنه قول في النفس. # ألا ترى أن أحدنا إذا كلم نفسه بحيث لا يسمعه أحد وصف بأنه سر، وقيل: ~~فلان يحدث نفسه ويقول في نفسي وأشباه ذلك. # يوضحه أنه لو كان كما زعم الخصم من أن الذي في النفسي سيما كلاما وقولا ~~للزم إذا أخطر أحدنا /314/ يناله أن يطلق امرأته أو يعتق عبده أن يطلق أو ~~يعتق؛ لأنه قد قال: أنت طالق، ولكنه قال سرا ولا فرق بين السر والجهر في ~~ذلك كما لو لفظ به في الخلاء. PageV01P480 # وأما بنت الأخطل فلا يوثق به؛ لأنه كان نصرانيا فلا نأمن أن يكون دس لأهل ~~الزيغ ما يوافق مذهبهم وكيف يوثق بكلام نصراني في أن القرآن معنى قائم بذات ~~الباري، وقال ما يتوصل بذلك إلى نفي كونه معجزا للشيء عليه السلام ومختصا ~~به، وإلى الذي جاء ms398 به محمد ليس بكلام الله. # وبعد، فلو كان الذي يحده أحدنا في نفسه كلاما لما صح منا وصفه بأنه ساكت ~~حتى يعلم أنه ليس في نفسه كلام، ولكان إذا حلف بطلاق امرأته ما قلت شيئا، ~~مع أنه قد وجد في نفسه ذلك أن تطلق وإن لم يلفظ به. # قالوا: أليس السيد يسير إلى عبده فيفهم مراده ويجب امتثاله، وكذلك الأخرس ~~يجب وقوع طلاقه وعتاقه وكفره وغيمانه، ويصح منه القذف، فدل ذلك على أن ~~الكلام في النفس. # قيل لهم: هذا نبأ منكم على أن الفهم والطلاق والعتاق والكفر ونحو ذلك لا ~~يقع إلا بالكلام، ونحن نختر وقوعها بغير الكلام. # قالوا: لو كان الكلام من قبيل الحروف والأصوات لكان كل صوت كلاما. # قيل لهم: لا يلزم ذلك كما لا يلزم إذا كان المشيء من قبيل الحركات أن ~~يكون كل حركة مشيئا، وإذا كانت الكتابة من قبيل التأليف أن يكون كل تأليف كتابة. # قالوا: أقل ما يكون الكلام عندكم من حرفين، ولا بد أن يعدم الأول عند ~~وجود الثاني والكلام من حقه أن يكون موجودا دفعه واحدة. # قيل لهم: أما من سلم منكم كون الحروف والأصوات كلاما فلا يمكنه إيراد هذا ~~السؤال، وأما من لا يسلم فيقال له: ولم زعمت أن من حق الكلام أن يوجد دفعة ~~واحدة، ثم يرد عليه السؤال في العبارة والحكاية. # فيقال: من حقها أن تكون موجودة دفعة واحدة، وجوابه جوابنا، قالوا: يدل ~~على الكلام النفسي هذه العبارة. # قيل لهم: إذا كان لا علقة بينهما وبينه لم يكن بأن يدل عليه أولى من غيره ~~من المعاني القائمة بالنفس؛ إذ لا مخصص لشيء دون شيء. # فصل # وأما إبطال الكلام في حق الباري تعالى، فهو أنه لا طريق إليه كما تقدم. PageV01P481 # وبعد، فلو كان متكلما بكلام قديم وكان ما يفعله من العبارة دليل على ذلك ~~المعنى لكان إذا قال أحدنا لغيره أشرك بالله أن يكون الله تعالى قد أمر ~~بالشرك؛ لأن هذه العبارة دليل على المعنى القائم بذات الله تعالى، وليس ms399 ~~صدورها منا يمنع كونها دلالة؛ لأن الأدلة لا تختلف دلالتها باختلاف ~~الفاعلين. # على أن عندهم أنه لا فعل لنا وإنما نفعله نحن من العبارة هو من فعل الله ~~تعالى، فلا يفترق الحال في دلالتها على الأمر القائم بذات الله تعالى بين ~~أن يفعلها الله في أحدنا /315/ ولأن أن يفعلها في الحصى والشجر. # وأيضا فكيف يكون المسموع عبارة عن المعنى النفسي، وهو لا يريد جميع ما ~~يفيده المعنى النفسي، وكيف يكون دلالة عليه والحال هذه. # وبعد، فأما أن يكون المعنى النفسي أشياء كثيرة قائمة بذات الباري بعضها ~~أمر وبعضها نهي وبعضها خبر، وهذا ظاهر الفساد وهم لا يقولون به أيضا. # وأما أن يكون كما يزعمون شيئا واحدا وهو مع ذلك أمر ونهي وخبر واستخبار ~~وثمن ودعاء، وهذا فيه من التهافت والبعد مالا يخفى، ولو ادعينا الضرورة في ~~فساده لأمكن فإنه كيف يكون الشيء أمرا نهيا، وهل هذا إلا بمنزلة أن يكون ~~الشيء سوادا بياضا وكيف يصح في الشيء الواحد أن يفيد الفوائد المختلفة، ولو ~~كان شيئا واحدا وهو مع ذلك توراة وإنجيل وفرقان لكان القرآن الكريم قد نزل ~~على جميع الأنبياء، فلا يكون لمحمد به اختصاص، ولكان يصح وصف القرآن بأنه ~~توراة وإنجيل ويمتنع وصف التوراة بالنسخ، بل يجب ذلك في كل كلمة من القرآن ~~حتى يكون قوله تعالى: {محمد رسول الله} توراة وإنجيل؛ لأن الكل شيء واحد. # وبعد، فلو كان الله متكلما بكلام قديم لما كان ذلك المعنى ليختص بعض ~~المخاطبين دون بعض، فلا يكون الأمر بأن يتوجه إلى ...... أولى من غيره ولا ~~أولى من النهي وسائر أنواع الكلام، حتى يكون مأمورا منهيا بشيء واحد دفعة ~~واحدة؛ إذ لا اختصاص للمعنى القديم كالعلم والقدرة. PageV01P482 # وبعد، فهذا الكلام القديم إما أن يوصف بأنه أمر فيما لم يزل ونهي وخبر كما ~~يقوله جمهور الخصوم، وهذا قول ينبغي أن لا يكون لقائله تميز؛ لأنه كيف يكون ~~الشيء خطابا ولا مخاطب وأمرا ولا مأمور، وخبرا ولا مخبره، ولو صح هذا لكان ~~يصح أن يكون ms400 الشيء وديعة ولا وديع ودينا ولا مدين، وكان يصح وصف الباري ~~بأنه فاعل خالق فيما لم يزل، وإن لم يكن هناك خلق ولا فعل، وأما أن لا يوصف ~~بشيء من ذلك فيما لم يزل كما ذهب إليه عبد الله بن سعيد منهم، فهو باطل بما ~~قاله أصحابه له من أن الأمر والنهي والخبر أنواع الكلام، فلا يصح إثباته مع نفيها. # وبعد، فلو كان الله متكلما بكلام قديم لما صح وصفه بأنه إن شاء أمر وإن ~~شاء نهى وإن شاء قال وإن شاء لم يقل، بل لا يوصف بالقدرة على شيء من ~~الأقوال؛ لأنه كيف يصح ذلك، ولم يوجد فيما لم يزل، وكل مذهب أدى إلى أن ~~الله تعالى غير مختار في أمره ونهيه وخطأه فهو ظاهر السقوط والفساد. # وبعد فإن الكلام لا بد أن يكون مفيدا وإنما يكون مفيدا بالمواضعة وبأن ~~يكون بعضه متقدما على بعض وكل ذلك لا يتأتى في المعنى القديم. # وبعد، فلو كان متكلما في مالم يزل لكان هاديا عابثا؛ لأنه كيف يحسن أن ~~يقول {يا موسى اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى}، وليس هناك واد ولا موسى ~~ولا نعلان، وهل هذا إلا في غاية السفه كما في الشاهد. # وبعد فما ذكروه يقتضي أن يكون /316/ جميع القرآن مجازا، وكذبا؛ لأنه كيف ~~يقول فيما لم يزل كذبت قوم نوح وليس ثم تكذيب ولا مكذب، فلا بد أن يكون هذا ~~خبرا عن الشيء لا على ما هو به أو مقدرا فيه مانع يصير مجازا. # وبعد، فكان لا يصح وصف الله بالقدرة على أن يكلف شخصا قط؛ لأن التكليف هو ~~بالخطاب عندهم والخطاب إن كان موجودا في مالم يزل فليس بمقدور، فكذلك ~~التكليف؛ لأنه خطاب وإن كان غير موجود في الأزل فليس يصح حدوثه. PageV01P483 # وعلى كل حال فيستحيل على أصلهم أن يكلف الله شخصا زائدا على من كلفهم؛ لأن ~~تكليفه لم يوجد في الأزل. # وبعد فيقال لهم: ما دليلكم على أن الله تعالى يوصف بالكلام. # فإن قالوا: الشرع دلنا على ms401 أنه أمر تاه قيل لهم: وكيف يعلمون صحة قول ~~الأنبياء؟ قيل: إن تعلموا أن الله متكلم. # فإن قالوا: علمناه بالمعجز. # قيل لهم: عندكم أن وجوب تصديقهم عند ظهور المعجز إنما تعرف بالشرع، فكيف ~~عرفتم ذلك الشرع الذي دل على وجوب تصديق الأنبياء عند المعجز. # قيل: إن تعلموا أن الله متكلم. # على أن الشرع إنما دل على أنه متكلم بالكلام الذي هو حروف وأصوات يفعلها ~~بحيث تسمع، وأتم توافقون في أن ما هذا حاله فهو كلام فما دليلكم على المعنى ~~النفسي. # وبعد، فإذا جاز إثبات كلام قديم يخالف الحروف والأصوات فهلا جاز إثبات ~~لون قديم يخالف هذه الألوان وليس هذا بأبعد من ذلك. # فصل # وبأكثر هذه الوجوه يبطل كونه متكلما لذاته كما ذهب إليه برغوث ويختص هذا ~~المكان أنه لو كان متكلما لذاته لكان متكلما بجميع أنواع الكلام؛ لأنه لا ~~اختصاص لذاته ببعض دون بعض، فكان يكون في كلامه الرفث والكذب، وسواء لنا ~~على نفسه والهذيان والأمر بالقبيح ونحو ذلك، فلا تقع الثقة بشيء من الشرع، ~~وقد اعتصموا من هذا بأن قالوا أنه صادق لذاته. # قيل لهم: هذا هو مجرد المذهب، فكيف يدفعون به الإلزام؛ ولأن الصدق كلام ~~مخصوص، مما لم يثبت كونه متكلما لذاته لا يثبت كونه صادقا لذاته؛ لأن الصدق ~~نوع الكلام. # على أن أصولهم في الجبر وغيره يسند عليهم طرق العلم بأنه تعالى صادق فضلا ~~عن أن يكون صادقا لذاته. PageV01P484 # وبعد، فلو كان متكلما لكان أيضا مكلما لذاته؛ لأن المكلم أخص من المتكلم، ~~فإذا كانت الصفة العامة للذات، فكذلك الخاصة ويصير ككونه عالما بجميع ~~الأشياء لذاته، فإنه يجب أن يكون عالما بالشيء المعين لذاته، وغذا كان كذلك ~~لم يتوجه كلامه إلى بعض الموجودات دون بعض ولا إلى الموجود دون المعدوم، ~~ولم يكن بأن يتكلم بالكلام على وجه أولى من وجه حتى يلزم أن يتكلم بكلامه جهرة. # ولا ينقلب هذا علينا في كونه تعالى عالما لذاته فيقال: يجب أن يكون تعالى ~~معلما لذاته؛ لأنا نقول ليس أحدهما عامة، والأخرى ms402 /317/ خاصة حتى يدخل ~~الخاصة تحت العامة، بل كل واحد بمعزل عن الأخرى بخلاف المكلم والمتكلم. # وبعد، فلو كان متكلما لذاته، لكان قائلا لذاته فيما لم يزل أنا أرسلنا ~~نوحا إلى قومه وإن لم يكن أرسل، وهذا صريح الكذب. # فإن قالوا: أن مراده سنرسل؛ لأن هذه طريقة أهل اللغة وعلى هذا، قال ~~تعالى: {ونادى أصحاب النار} أي سينادي. # قلنا: إنما يصح أن يقصد بالخبر عن الماضي الخبر عن المستقبل إذا كان ~~الخبر محدثا حتى يصح القصد إلى جعلة خبراص عن شيء دون شيء، فأما وهو قديم ~~أو من صفات الذات، فلا يصح أن يصير كذلك بالقصد؛ لأنه بمنزلة من يقول أن ~~العلم القديم يصير قدرة بالقصد. # ثم إن سلمنا أن المراد سنرسل، فكان يلزم أن لا يتغير فائدته إلى الآن حتى ~~يكون قائلا الآن أنا سنرسل وغن كان قد أرسل في الماضي فيلزم الكذب؛ لأنه ~~كيفي تغير صفة الذات بتغير الأزمان. # ولا ينقلب علينا هذا في أن العلم بأن الشيء يسوجد علم بوجوده إذا وجد؛ ~~لأن التغير هناك هو في المعلوم لا في كونه عالما. # فصل # وشبهتهم أنه تعالى لو لم يكن متكلما في مالم يزل بكلام قديم أو لذاته، ~~لكان أخرس أو شاكيا كالشاهد. # والجواب: منع الجامع والعرف بأن الشاهد متكلم بآلة والخرس والسكوت إنما ~~يطلقان على المتكلم بآلة. PageV01P485 # وبعد، فإذا اعتمد في ذلك على الشاهد، فمعلوم أن الشاهد إذا لم يكن متكلما ~~بهذه الحروف، والأصوات كان أخرس أو ساكتا، فيلزم إذا لم يكن الباري متكلما ~~بها في مالم يزل أن يكون أخرس أو ساكتا. # وبعد فلا شك أنه تعالى أمر بأشياء دون أشياء واختر ناسيا دون أشياء. # وبالجملة فهو متكلم في أشياء دون أشياء، فيلزم أن يكون تعالى أخرس أو ~~ساكتا غما لم يرد له فيه كلام. # وقد أجاب بعضهم بأن قال: الكلام القديم يستحيل بقديره على وجه آخر. # وهذا زلل وخطل؛ لأنا إنما ألزمناهم ثبوت ضد الكلام في مالم يرد يه كلام ~~ولم يلومهم تقديرا لكلام على وجه ms403 آخر. # على أن هذا تصريح بأنه لا يصح وصفه تعالى بأنه يصح أن يأمر بمالم يأمر به ~~في مالم يزل. # وأجاب آخرون بما معناه أنه لم يخل شيء قط عن أن يكون لله فيه كلام فما ~~أمر به أخبر أنه أمر به وما نهى عنه، فقد أخبر بأنه نهى عنه، ومالم يأمر به ~~فقد أخبر بأنه لم يأمر به. # وهذا أشد تهافتا؛ لأن من أمر بشيء لم يوصف بأنه مخبر بأنه أمر به، وكذلك ~~من لم يأمر لا بوصف بأنه أخبر بأنه لم يأمر ولا شبهة عند أحد من أهل ~~التمييز في أن الخبر يخالف الأشياء، ولو صح ما قاله هذا لصح دخول التصديق ~~والتكذيب في الأمر والنهي وتركها. # وقولهم: أنه تعالى يعلم جميع الأشياء، وكل من علم شيئا فلا بد أن يكون في ~~نفسه خبر عنه يطابق قضية علمه، فهو هدر لا حاصل له /318/ ودعوى لا دليل عليها. # أما أولا فأحدنا يجد نفسه غير مخبره عن كثيرة مما يعلمه، ولولا ذلك لصح ~~أن يقول لمن لقينا صدقت أو كذبت؛ لأنه ما من أحد إلا ويعلم أشياء. # وأما ثانيا فيقول: لم كان الخبر مطابقا للعلم في حقه تعالى دون الأمر، ~~وهلا كان أمرا بما بعلمه وإن كان قبيحا، وليس في ذلك أكثر من الأمر ~~بالقبيح، فقد جوز، وأما هو أعم منه وهو إرادته وفعله. PageV01P486 # وبعد فكلامهم هذا مبني على أن الخرس والسكوت يضادان الكلام، ولسنا نسلمه ~~وإنما المرجع بالخرس إلى إفساد آلة الكلام وبالسكوت إلى إمساكها وسكينها عن ~~التكلم مع القدرة عليه فلا يصح إطلاق الخرس والسكوت إلا على المتكلم بىلة. # بوعد فكيف يضادان الكلام ومحلهما اللسان ومحله القلب وعند الخصوم أن ~~التضاد في حقنا لا يكون إلا على المحل. # وبعد فلو ضاداه لما صح من الله إيجاد الكلام في لسان الأخرس مع بقاء ~~الخرس ومعلوم صحة إيجاده فيه كما يوجد في الحصى والشجر. # وبعد فالجماد ليس بمتكلم ولا أخرس ولا ساكت، وكذلك الصبي والبهيمة. # وبعد فأحدنا يوصف بأنه متكلم ms404 بما في الصدى، وإن كان أخرس أو ساكتا حال ~~حصوله في الصدى. # وبعد فقد ثبت أن المرجع بالحرس إلى فساد آلة الكلام، وذلك بأمور لا يشتبه ~~الحال في أنها لا تضاد الكلام كالرطوبة المفرطة والجفاف المفرط ونحو ذلك. # وبعد لو خلق لأحدنا آلتان لصح أن يكون متكلما بأحدهما وساكتا بالأخرى، ~~فلو كان الخرس والسكوت يضادان الكلام لتضادى أيضا، فكان يحصل على صفين ضدين ~~عد الخصم. # وبعد، فليس المعقول من السكوت إلا بسكين آلة الكلام، والذي يضاده هو ~~الحركة لا الكلام ومتى رجعنا بالسكوت إلى أن لا يعقل الكلام مع القدرة ~~عليه، فإن لا يفعل ففي ولا يصح مضادته لغيره. # وبعد، فلو كانا ضدين للكلام لصح إدراكهما بالآلة التي يدرك بها الكلام؛ ~~لأن هذه سبيل الأضداد. # وبعد فهم نعتمدون في مضادتها للكلام على الشاهد وهما في الشاهد إنما ~~يضادان الكلام الذي هو الحروف والأصوات لا الكلام النفسي. # ومتى قالوا للكلام النفسي ضد غير الخرس والسكوت المعروفين بل خرس وسكوت آخران. # قيل لهم: قد أفرطتم في الهوس؛ لأنكم كنتم أولا في إثبات كلام غير الكلام ~~المعقول وصرتم الآن في إثبات خرس وسكوت غير المعقول. PageV01P487 # وبعد فهب أن الخرس والسكوت تضادان الكلام، فمن أين أنه تعالى إذا لم يكن ~~متكلما وجب أن يكون أخرس أو ساكتا وعندنا أنه يصح خلق الحي عن الشيء، وعن ~~ضده، ولولا هذا القيل لهم لو لم يكن فاعلا فيما لم يزل لكان عاجزا. # وبعد فيقال لهم: ما تريدون بقولكم يكون أخرس أو ساكتا؟ أتريدون ماهو ~~المعقول /319/ من الخرس والسكوت، وهو أن يكون مأوف الآلة أو ساكنها فذلك ~~بترتب على ثبوت الآلة أو تريدون بذلك أنه يكون غير متكلم، فذلك لغو منكم ~~وتكرار وإلزام ا نلتزمه، لكن من أين لكم أنه يوصف بأنه أخرس أو ساكت إذا ~~كان غير متكلم مع إيهامه للخرس والسكوت المعقولين. # على أن بعض شيوخنا جوزوا وصفه تعالى بأنه ساكت في كل مالم يفعل فيه كلام، ~~واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله ms405 وسلم أنه قال: ((ما سكت الله ~~منه فهو عفو)). # وبعد فيقال لهم: ما تريدون بقولكم: لو لم يكن متكلما في مالم يزل لكان ~~أخرس أو ساكتا، أتريدون مع استحالة الكلام؟ أو تريدون مع صحة الكلام؟ فدلوا ~~على أن الباري يصح منه التكلم في مالم يزل حتى إذا لم يتكلم لزم أن يكون ~~أخرس أو ساكتا. # شبهة أخرى # قالوا: لو لم يكن متكلما بكلام قديم لكان متكلما بكلام محدث، وذلك الكلام ~~المحدث إما أن يحل فيه وهو لا يصح أن يكون محلا للحوادث أو يحل في غيره، ~~فهو لا يصح؛ لأن ذلك الغير يكون الكلام أخص به، فيكون بأن يوجب له أولى من ~~الباري تعالى. # والجواب: كلامنا في كونه متكلما ككلامكم في كونه رازقا ومنعما، فإن جعلوا ~~الرزق والنعمة معنى قديما قائما بذات الله، فهو ظاهر البطلان وخلاف قولهم ~~وإن جعلوه محدثا فجوابهم جوابنا. # والتحقيق أن المتكلم عندنا هو فاعل الكلام ، فمتى فعل الله الكلام في محل ~~محدث من جماد أو حيوان أو شجر وصف بأنه متكلم كالضارب إذا فعل الضرب ~~والرازق والمنعم. # ثم يقال لأهل هذه الشبهة قسمتكم قاصرة فما الكريم أن يكون متكلما لذاته. PageV01P488 # فإن قالوا: هذا لا شك في بطلانه؛ لأنه يلزم أن يكون متكلما بسائر ضروب ~~الكلام كما أنه لما كان عالما لذا أنه كان عالما بجميع المعلومات. # قيل لهم: هذا لازم لكم في كونه تعالى متكلما بكلام قديم؛ لأنه لا اختصاص ~~للمعنى القديم كالعلم، ثم أكبر ما يلزم من كونه متكلما بسائر ضروب الكلام ~~أن يكون متكلما بالكذب والهذيان وسب نفسه، فكذلك مما يجوز عندكم. # ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون متكلما بكلام محدث حال فيه كما أن القدرة ~~والعلم والحياة حالة فيه، فإن قالوا: ليست هذه المعاني حالة فيه، وإنما هي ~~قائمة بذاته. # قيل لهم: فهلا كان الكلام المحدث قائما بذاته كالمعاني القديمة، فإنكم ~~مالم تفسروا القيام بالحلول لا يمكنكم المنع من قيام المعاني المحدثة به تعالى. # شبهة أخرى # قالوا: لو كلم بكلام محدث ms406 لكان قد قبل الحوادث، ولو قبل الحوادث لم يخل ~~منها لصحة حلولها فيه فيكون محدثا. # والجواب: أن هذا كلام فارغ فإنه لو صح لكان لنا أن نعارضهم بمثله في ~~النعمة والرزق وسائر الأفعال، فنقول: لو كان منعما بنعمة محدثة لكان قد قبل ~~الحوادث إلى آخره. # وبعد، فلو أدى ذلك إلى صحة حلول الكلام المحدث ليؤدين إلى صحة حلول ~~الكلام القديم فيه. # والحاصل /320/ أن الكلام كغيره من الأفعال. PageV01P489 ### ||| AUTO القول في أن القرآن الكريم هو هذا الذين نتلوه في المحاريب ~~ونكتبه في المصاحف # وقد خالف في ذلك المثبتون للكلام النفسي. # واعلم أنه لا ينكر هذا إلا مباهت مكابر وهو معلوم من ضرورة الدين وإجماع ~~الأمة والقرآن ناطق بذلك، قال تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله} وقال: ~~{وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن}، وقال: {وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا} وقال: {وقرآنا فرقناه لتقرأه} وقال: {وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} وقال: {وإذا قرأت القرآن} وقال: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~والقرآن العظيم} وقال: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} وقال: {وهذا ذكر ~~مبارك أنزلناه}، وقال: {ق والقرآن المجيد} وقال: {بل هو قرآن مجيد في لوح ~~محفوظ}، وقال: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي}، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا صلاة إلا بالقرآن))، ~~وكذلك ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في الحث على تلاوة القرآن وعلى تعلمه. # وبالجملة فالسمع مشحون بهذا وهو المعلوم ضرورة من الدين. # وبعد، فالإجماع على أن في القرآن الناسخ والمنسوخ، والنسخ لا يتصور في ~~المعنى النفسي، وكذلك الإجماع أنه معجز، وأنه في أعلا طبقات الفصاحة، وأنه ~~عربي، وأن الجنب لا يقرأه، وكل ذلك لا يتأتى في الكلام النفسي. # فإن قيل: كيف يكون هذا الذي بيننا هو القرآن مع أن الكلام مما لا يبقى ~~والذي فعله الله من القرآن قد عدم في الوقت الثاني، وغنما الذي يقرأه مثله. # قلنا: هو كلام الله بالحقيقة العرفية، كما يقوله الآن في قصيدة ms407 امرئ ~~القيس أنها قوله على الحقيقة، وكذلك شعر سائر الشعراء وخطب الخطباء، فإنها ~~مضافة إليهم على الحقيقة، وغن كانت أصواتهم التي فعلوها قد عدمت في الثاني، ~~والمعنى أنهم أول من أنشأه وقاله. # ولا يقال: فكان يلزم أن يكون قد فعل مثل كلام الله؛ ولأنه إنما يلزم ذلك ~~إذا فعلناه مبتدأ، فأما على جهة الاحتذاء والتلقين فلا يلزم. PageV01P490 ### ||| AUTO القول في أن القرآن محدث # أهم ما ينبغي تقديمه هنا بيان محل النزاع، ولا شك أنا إذا قلنا القرآن ~~محدث فإنما نريد به هذه الحروف والأصوات المتلوة في ألسنة الناس. # فأما الكلام النفسي فلسنا نثبته فصلا عن أن يحكم فيه بقدم أو حدوث، وأهل ~~التمييز من المجبرة لا يكالمونا في هذا الموضوع؛ لأنهم يعترفون بحدوث هذا ~~الذي يتلوه، ولكنهم يدعون أن القرآن معنى قائم بالنفس غير الذي يسمعه، ~~فموضع مكالمتهم نفي هذا المعنى النفسي. # وأما أهل البله منهم كالكرامية والحنابلة وبعض أهل الحديث فيعترفون بأن ~~الكلام هو هذه الحروف والأصوات المسموعة ويدعون أنه قديم. # والكلام عليهم من جهة العقل أن يقول: إن هذا القرآن /320/ مرتب في ~~الوجود، فبعضه يتقدم على بعض، فالألف من الحمد متقدمة على اللام، واللام ~~على الحا، وكذلك سائرها، وكل ما تقدمه غيره، فهو محدث، وكذلك ما يتقدم على ~~المحدث بأوقات محصورة، فهو محدث. # دليل، لا شك أن القرآن مقيد بالمواضعة من حيث نزل على لغة العرب ولغتهم ~~إنما تفيد المعاني بالمواضعة، ولهذا تختلف دلالة الألفاظ بحسب اختياراتهم ~~ومواضعهم. # دليل، لو كان قديما لكانت حروفه موجودة دفعة واحدة في مالم يزل، ولو كان ~~كذلك لبطلت فائدته، لوما كان معقولا. # دليل، قد ثبت أنه معجز، والمعجز لا بد أن يكون محدثا من حيث أن المعجز هو ~~الفعل الخارق للعادة المتعلق بدعوى المدعي للنبوة. # دليل، لا شك أن الحروف والأصوات من قبيل الأعراض، وجميع الأعراض محدثة ~~ومحتاجة إلى محال محدثة. # دليل، قد ثبت أن القرآن من أعظم نعم الله على خلقه وأجلها، وبه يتميز ~~الحلال من الحرام، وغليه يرجع في كثير ms408 من الأحكام، ولهذا قال تعالى في معرض ~~المن، {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقال تعالى لموسى: ~~{إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي} ولا يعقل كونه نعم ومنة إلا إذا ~~كان محدثا. PageV01P491 # دليل، قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} ~~وهذا صريح في محل النزاع. # ومثله قوله تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} ولا شك أن المراد ~~بالذكر القرآن بدليل قوله تعالى: {إلا استمعوه} وقوله: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} وقوله: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} وقوله: {إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين} وقوله: {وإنه لذكر لك ولقومك} ونحو ذلك، والسبب شهد بهذا ~~لأنهم كانوا يلغون ويلعبن عند نزول القرآن وتلاوته، وقال تعالى: {نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها} فوصفه بأنه منزل، والقديم لا يصح عليه النزول، ووصفه ~~بأنه حديث والحديث نقيض القديم، ووصفه بأنه كتاب، والكتاب مأخوذ من ~~الاجتماع الكتبية، والاجتماع إنما تعقل في المحدثات، ووصفه بأنه متشابه ~~والقديم لا يتشابه، وقال تعالى: {ومن قبله كتاب موسى} ردا على الذين قالوا: ~~{هذا إفك قديم} وما كان قبله غيره فهو محدث، وقال تعالى: {كتاب أحكمت ~~آياته} وما أحكم فهو محدث. # ومثله قوله: {والقرآن الحكيم} معناه المحكم، كما قال الشاعر: # وقصده تأتي الملوك حكيمة .... قد قلتها ليقال من ذا قالها # وقال تعالى: {في لوح محفوظ} {وإنا له لحافظون} والقديم لا يحتاج إلى من ~~يحفظه، وقال تعالى: {من لدن حكيم خبير} وما كان من لدن غيره فهو محدث، وقال ~~تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} إلى قوله: {ألم ~~تعلم أن الله على كل شيء قدير} فبين أنه قادر على مثل ما ينسخ، والقديم لا ~~يصح كونه مقدورا ولا منسوخا؛ لأن النسخ هو الإزالة. PageV01P492 ### |||| AUTO فصل [في شببهم] # قالوا: قال تعالى: {إنما أمره إذا /323/ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}. # قالوا: فإن كان قوله كن قديما فهو المطلوب وإن كان محدثا احتاج إلى كن أخرى. # والجواب: لا ms409 شك أن لفظة كن حروف يتقدم بعضها على بعض، وبعدم تأتي وجودها، ~~وذلك لا يتأتى في القديم. # وبعد، فكن لا تؤثر في وجود شيء، ولا في عدمه، وغلا وجب أن تؤثر إذا صدت ~~منا؛ لأن الحروف متماثلة. # وبعد، فالآية على مذهبنا أدل لأنه تعالى أخبر بأنه إذا أراد شيئا قال له، ~~وغذا للشرط، والشرط إنما تدخل في المستقبل، فيجب أن تكون الإرادة حادثة، ~~وأن تكون لفظ مقارنا لها. # وبعد، فقد عقب كن بالمكون الذي هو محدث بلا خلاف وما يعقبه المحدث فهو محدث. PageV01P493 # وبعد، فلسنا نخبر حمل الآية على ظاهرها؛ لأن ذلك يقتضي أن يقول لمعدوم كن ~~وذلك لا يصح؛ لأنه كيف يخاطب المعدوم، وإنما أراد المبالغة في سرعة وقوع ~~المراد، وعند أن يريده كأنه بمنزلة ما يقال له كن فيكون، وليس هنا كقول ~~حقيقة ويصير هذا بمنزلة قوله تعالى: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين} فإنه تعالى لم يقل لهما ولا قالتا له، وغنما هي لسان ~~الحال ومبالغة في عظيم قدرته وتعريف بأنه يخترع الأشياء اختراعا في الوقت ~~من دون تراخ ولا معاناة مشقة. ### |||| AUTO شبهة # قالوا: القرآن يشتمل على أسماء الله والاسم هو المسمى، فيجب أن يكون ~~القرآن قديما، واستدلوا على أن الاسم هو المسمى بقوله تعالى: {سبح اسم ربك ~~الأعلى} وكذلك فأحدنا بقوله يقول: طلقت زينب وأعتقت زينب، والطلاق إنما يقع ~~على الشخص المسمى، وكذلك إذا حلف أحدنا فقال: والله وبالله ويقول: بسم ~~الله، قوال الشاعر: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما .... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والجواب: لو كان الاسم هو المسمى لكان إذا ذكر أحدنا النجابة ينجس فمه أو ~~الحلاوة أن يحلوا أو النار أن تحرف فمه وخلافه معلوم، ولهذا قال الشاعر: # لو كان من قال نارا أحرقت .... فمه لما تفوه باسم النار مخلوق # وبعد، فلو كان الاسم هو المسمى، ومعلوم أن لله أسماء كثيرة مختلفة لوجب ~~أن يتعدد بتعدد أسمائه لاختلافها. # وبعد فالقرآن عندهم قائم بذات الله وأسماء الله ms410 من جملة القرآن، فيجب أن ~~يكون الله من جملة القرآن حتى يكون أمرا ونهيا. PageV01P494 # وبالجملة كلاما، ويجب أن يكون قائما بنفسه، وهذا واضح السقوط. # وبعد، فلا خلاف أن التسمية محدثة، ولا فرق عند أهل اللغة بين الاسم ~~والتسمية، ولهذا يقولون سميته اسما حسنا وسميه حسنة. # وبعد فليس بأن يستدل على /324/ قدم القرآن بما فيه من أسماء القديم أولى ~~من أن يستدل على حدوثه بما فيه من أسماء المحدثات. # وبعد، فلا شك أن الأسماء تتبع الاختيارات والمواضعات وتختلف باختلاف ~~الأعراض والمسمى لا يجوز عليه التغيير. # وأما ما ذكروه من الحلف بالله وأن الطلاب يقع على الشخص، فليس فيه دلالة ~~على ما ذكروه، وإنما يريد أحدنا أن يظهر ذلك من نفسه، فلا يمكنه ذلك إلا ~~بالعبادة التي يتميز بين الشيء وغيره، ولهذا وضعت الأسماء فإذا قال طلقت: ~~زينب فمعناه الشخص المسمى بهذا الاسم: كإن اقتصر على الاسم للإختصار، ولهذا ~~قد لا يختصرون ويقولون: مررت بالرجل المسمى فلانا، وأما بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فإنما نقرأه لما لنا في ذلك من المصالح كسائر العبادات، وأما البيت ~~فمجاز، ولسنا ننكر المجازات. # على أن لفظة اسم مفحمة عندنا زيدت لاستيفاء الوزن. ### |||| AUTO فصل [في كيفية حدوث القرآن وكيفية إنزاله] # قد ثبت أن القرآن الكريم وسائر أفعال الله تعالى نعمة يحدثها في أي وقت ~~شاء وعلى أي وجه شاء بحسب المصلحة وما تقتضيه الحكمة وكيفية ذلك أن يوجده ~~الله مخترعا لاستحالة المباشرة والتعدي في أفعاله ولا يوجده إلا في محل من ~~حيث أن على محله يسمع وتضاد لو ثبت له ضد وتفضل بينه وبين ما يخالفه، فلو ~~جاز وجوده لا في محل لانقلب جنسه وأيضا لو وجد لا في محل وقدر وقوع التضاد ~~في هذه الحروف لوجب أن يكون تضادها على مجرد الوجود، فكان لا يوجد حرفان ~~مختلفان في العالم. # فإن قال: كيف يكون الباري متكلما بكلام موجود في غيره. PageV01P495 # قيل: كما يكون منعما بنعمة موجودة في غيره، فقد بنا أن كلامه كغيره من سائر ~~نعمه على ms411 أن أهل التحصيل منهم لا ينكرون وصف الله بأنه متكلم بالكلام الذي ~~أسمعه موسى من الشجرة ومعلوم أنه حروف وأصوات، وإذا ثبت أنه لا يوجد إلا في ~~محل فالعقل يجوز وجوده في كل محل، لكن لا يمتنع أن يكون في موجودة في بعض ~~المحال صلاح كوجوده في اللوح المحفوظ والحصى والشجر، وكما لا يفعله تعالى ~~في محل مخصوص إلا لوجه حكمة، وكذلك لا يوجده في وقت مخصوص إلا لوجه حكمة، ~~فلا يمتنع أن يكون في تقادمه وجه حكمة وصلاح للملائكة أو غيرهم وعلى هذا ~~يحمل ما ورد في الأحاديث من أن الله أوجده في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق ~~آدم عليه السلام. # وأما كيفية إنزاله فهو أيضا بحسب المصلحة التي يعلمها الله، وقد ورد ~~السمع بأنه أنزل إلى سماء الدنيا دفعة واحدة، ثم كان ينزل منها شيئا بعد ~~شيء بحسب الحاجة والأسباب المقتضية لذلك، وقد بين الله تعالى وجه الحكمة في ~~نزوله شيئا بعد شيء، فقال: {لنثبت به فؤادك} وقال: {لتقرأه على الناس على ~~مكث} /325/ وعلى الجملة فلا يقع فعله تعالى إلا على وجه حسن. PageV01P496 ### ||| AUTO القول في صحة وصف القرآن بأنه مخلوق # اعلم أن الخلق في اللغة هو التقدير، يقال: خلقت الأديم، هل يجيء منه ~~مظهره أم لا، ومنه قول الشاعر: # ولا يائط بأيدي الخالقين .... ولا أبدى الخوالق إلا حبذ الأدم # وقال زهير: # ولأنت تقري ما خلقت وبعض القوم يخلق لا يفر # أي إذا قدرت قطعت مبالغة في أنه إذا عزم فعل وقول الحجاج: # إني إذا وعدت وفيت ....وإذا خلقت فريت # وقال تعالى: {إذ تخل من الطين كهيئة الطير} أي تقدر، وقال: {فتبارك الله ~~أحسن الخالقين} أي المقدرين} وقال تعالى: {ويخلقون إفكا} أي تقدرونه، وفي ~~الاصطلاح: قيل إيجاد الفعل مطابقا للمصلحة من غير زيادة ولا نقصان. # وقيل: إيجاد الفعل مخترعا وكله حسن، ولهذا لا يصح طلاق لفظ الخالق إلا ~~على الله تعالى. PageV01P497 # فصل # ذهب أبو هاشم وأبو عبد الله إلى أن الخلق معنى وجعله أبو هاشم من قبيل ms412 ~~الإرادة، وجعله أبو عبد الله من قبيل الكفر، قال: ولو لا السمع ما أطلقت ~~الاسم على الله. # والجمهور يجعلونه إيجادا مخصوصا كما سلف. # ويلزم أبا هاشم وأبا عبد الله صحة مخلوق بين خالقين لصحة أن يزيدان ~~ويتفكرا فيه. # شبهتهما بنت زهير فإنه اثبت الخلق ونفى القرى. # وأجيب بأنه لا دلالة في ذلك؛ لأن الخلق هو التقدير، وهو ثابت سواء أثبت ~~القرى الذي هو القطع أم لا. # والمراد المبالغة في أنه إذا قدر قطع بخلاف غيره، وألزم أبو هاشم أيضا أن ~~يوصف بأنه مخلوق وهو معدوم لصحة إرادته حينئذ، وكذلك يلزم أبا عبد الله. # فصل # قال أهل الحق: يصح وصف القرآن بأنه مخلوق كما يصح وصفه بأنه محدث، وقال ~~محمد بن شجاع وغيره من البغداديين: يوصف بأنه محدث لا بأنه مخلوق توهما ~~منهم أن المخلوق هو المفتعل المكذوب. # وأما أهل الخير فيمتنعون من وصفه بأنه مخلوق لامتناعهم من وصفه بأنه محدث ~~بناء منهم على أن القرآن معنى قائم بالنفس وأنه قديم ونحن ننفي الكلام ~~النفسي كما تقدم، وإن كان لو سلم لهم ثبوته لكان لقائل ان يقول: ما أنكرتم ~~أنه محدث وقائم بذات الباري تعالى، فإنكم مالم تفسروا القيام بالحلول لا ~~يمكنكم المنع من قيام المعنى المحدث بذاته تعالى. # وبعد، فمكالمتهم في الحقيقة إنما هي في الكلام النفسي وبيان أن القرآن هو ~~هذا المسموع، فإن المحققين منهم يسلمون لنا أن القرآن لو كان هو هذا ~~المسموع المعروف لكان محدثا مخلوقا، ونحن قد قررنا ذلك بالحجج الواضحة ~~وأبطلنا أساطيرهم فيه. # ثم أنا نستظهر في هذا المكان بأدلة مفردة فيقول: لا فرق عند أهل التحصيل ~~بين المخلوق والمحدث إلا من باب الأعم والأخص. وبعد معنى الخلق حاصل فيه ~~إما بالمعنى اللغوي فهو أنه مقدر، وإما بالمعنى الإصطلاحي فهو أنه مطابق ~~/326/ للمصلحة من غير زيادة ولا نقصان ومخترع. PageV01P498 # وبعد، فكل شيء لا بد أن يكون خالقا أو مخلوقا، فإن لم يكن القرآن خالقا ~~فلابد أن يكون مخلوقا، وبعد فقد قال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا ms413 عربيا} ~~والجعل هنا هو الخلق مثله في قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} أي خلق. # وقد روي هذا التفسير عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. # وبعد ففي الحديث كان الله ولا شيء بم خلق الذكر ولا شك أن القرآن ذكر ~~وكذلك سائر ما أنزل الله نبض الكتاب. # وبعد فقد قال الله تعالى: {وكان أمر الله مفعولا} {وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا} {وكان أمرا مفعولا} ونحو ذلك، والقرآن من أوامر الله لا سيما على ~~أصولهم، وفي الحديث: ((ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم ~~من سورة البقرة وأعظم ما فيها آية الكرسي)) والمروي عن عمر بن الخطاب: ~~((اعملوا بالقرآن ما اتفقتم فيه فإن اختلفتم فيه فكلوه إلى خالقه)). ### |||| AUTO فصل [في شبههم] # أما شبهة البغداديين فهي أن قالوا: المخلوق هو المكذوب المفتعل، ومنه ~~قولهم قصيدة مخلوقة ومختلفة، وقوله تعالى: {ويخلقون إفكا ونحو ذلك}. # والجواب: لا يسلم ذلك وإنما المخلوق حقيقة هو ما قدمنا ذكره. # وبعد، فقد وقع الإجماع على صحة وصف كلام الأنبياء والملائكة بأنه مخلوق ~~مع أنهم منزهون عن الافتعال والكذب. # وأما قول العرب قصيدة مخلوقة ومختلفة فمعناهم منسوبة إلى غير فاعلها، ~~وكما يكنون عن ذلك بقولهم مخلوقة ومفتعلة يكنون عنه بقولهم محدث فلا فرق ~~بين الخلق والإحداث في ذلك، وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن ~~صح أن ((القرآن كلام الله فمن قال أنه مخلوق فقد كفر))، فإن معناه أن من ~~قال أنه منسوب إلى غير الله فقد كفر. # وأما قوله تعالى: {ويخلقون إفكا} فلا دلالة فيه؛ لأن المعنى يقدرونه ~~ويزورونه. # وأما قوله: إن هذا إلا اختلاق، فمعناه افتعال لا أصل له، ولسنا نجوز وصف ~~القرآن بأنه مختلق ولا مفتعل. PageV01P499 # وأما شبهة المجبرة فهي ما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((القرآن ~~كلام الله فمن قال أنه مخلوق فقد كفر))، كما تقول العرب قصيدة مخلوقة، أي ~~منسوبة إلى غير قائلها. # على أنه أحادي، والمسألة قطعية. # ومعارض بما تقدم من قوله عليه ms414 الصلاة والسلام: ((ما خلق الله من سماء..)) ~~الخبر وبما ورد به الكتاب من أنه محدث. # شبهة # تعلقا بقوله تعالى: {ألا له الخلق والأم} قالوا: ففصل بين الخلق والأمر. # والجواب: هذا تعلق فارغ ليس فه دلالة على أن الأمر ليس من خلقه. # وبعد، فقد صرح بأن الأمر له والقديم لغيره، وبعد، فعند كثير من الناس أن ~~الخلق غير المخلوق وإن وضع أحدهما مكان الآخر بالعرف. # والمعنى، قيل: أفرده بالذكر للتعظيم كقوله: {وملائكته وجبريل}. # وقيل: أراد بالخلق /327/ المكلفين، وبالأمر التكليف، فكأنه قال: ألا له ~~المكلفون والتكليف، ولا يمتنع استعمال الخلق الخلق في المكلفين فقط، فإن ~~ذلك كثير في العرف، ولهذا يقال: اجتمع الخلق على باب الأمير، وفي البلد ~~الفلاني خلق كثير، والراد به الناس، ويقال: يوم يجمع الله الخلق. # شبهة # قالوا: لو كان القرآن مخلوقا لصح أن يموت. # يروى أن بعض مشيختهم ناظر عدليا في خلق القرآن ثم جلس من الغد ليعزيه، ~~قيل له: ما الذي أصاب الشيخ حتى جلس هاهنا؟ فقال: إن قل هو الله أحد مات ~~البارحة فجلست للتعزية. # وهذا هو الزيغ الشديد والضلال البعيد، وهو أهون من أن يستغل بإبطاله، ~~وإنما هو بضيق عطنهم وظهور عواتبهم وانسداد مناهج الحجاج عليهم يشتغلون ~~أبدا بالتشنيع الذي لا يعجز عنه أحد من الناس، ويقال لهذا المتعجرف :لا ~~شبهة عندك في أن السماء مخلوقة والأرض والجمادات والأعراض، فهلا جلست ~~للتعزية بها ومن بلغ في التجاهل إلى هذا الحد، طوي عنه الكلام ولم يجعل ~~أهلا للمناظرة. PageV01P500 ### || AUTO الكلام في النبوءات # النبوءة فعولة من الإنباءن إن استعملت بالهمز، ومن الرفعة إن استعملت ~~بالتشديد، وهي والرسالة في الاصطلاح سواء وهي ما تحملضه الإنسا عن الله إلى ~~الخلق من غير واسطة بشر. # قلنا: ما يتحمله الإنسان احترازا مما تحمله الملائكة إلى الأنبياء، فلا ~~يسمى نبوة وإن كان قد ذكر في المحيط أن الملك يسمى نبيا، وفيه بعد؛ لأن ~~ظاهر الاصطلاح، والعرف أن الأنبياء من الأناسي فقط. # وأيضا فقد قال تعالى: {وملائكته ورسله} فالعطف هاهنا لا بد أن ms415 يدل على ~~التغاير؛ إذ لا يمكن أن يقال عطف الرسل للتعظيم. # وقلنا: من غير واسطة نشر احترازا من العلماء فإنهم وإن تحملوا عن الله ~~إلى الخلق، لكنه بواسطة بشر هم الأنبياء. # والنبي فعيل بمعنى منبي اسم فاعل أو بمعنى منبى اسم مفعول، وهو كل إنسان ~~يتحمل الرسالة إلى آخره وفي صحة استعماله بالهمز خلاف بين الشيوخ. # والحق جوازه وإنما أنكر عليه السلام على القائل يا نبئ الله بالهمز؛ لأنه ~~فهم من قصده الحط بهذا الاستعمال. # وقال الشيخ محمود هو المؤدي عن الله ما كلف أداءه من غير واسطة آدمي. # وقالت الفلاسفة: هو المختص بنفس هي أشرف النفوس لها قوة تقبل من العقول ~~أكثر مما تفيضه على غيرها فتطالع الغيوب في اليقظة كما تراه سائر النفوس في ~~النوم، وهذا مبني على هوسهم في النفوس والعقول وقد بطل. # فصل # ولا فرق عند أصحابنا بين الرسول والنبي، وأما قوله تعالى: {وما أرسلنا من ~~رسول ولا نبي} فقالوا: لا يدل على الفصل كقوله: وجبريل، وقوله: وفاكهة، ~~ونخل، ورمان، فإنه لا يدل على أن جبريل ليس من الملائكة وأن النخل ليس من ~~الفاكهة. # ويمكن اعتراضه بأنه وجد للعطف معنى وهو التعظيم في قوله: {وملائكته ~~وجبريل} وفي قوله: {النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} ومن نوح بخلاف قوله من ~~رسول، ولا نبي فإنه /328/ لا يعقل للعطف وجه هنا إلا المغايرة. PageV01P501 # ويمكن الجواب أن اللفظين إذا اختلفت فائدتهما من وجه صح عطف أحدهما على ~~الآخر للتأكيد، وغن كان معناهما واحدا في الحقيقة، فإذا كان لفظ النبي يفيد ~~الرفعة بنفسه ولفظ الرسول الرسول يفيدها بواسطة يحمله للرسالة أو صبره على ~~المشاق فيها صح العطف كما يقال فلان قادر عالم، فإن العالم يتضمن معنى ~~القادر، لكن خالفه من وجه آخر. # قيل ولا يبعد أن يكون الرسول هو المبعوث بشريعة وكتاب، والنبي هو من بعث ~~بتقرير شريعة فيفترقان من باب الأعم والأخص؛ إذ لا بد من كون الرسول نبيئا ~~فيكون على هذا كل سول نبيئا، وليس كل نبيء رسولا. # ويمكن أن ms416 يجعل الفرق بينهما أن الرسول يدخل فيه الملك بخلاف لفظ النبيء. # فصل # في أنه يحسن بعثة الأنبياء عقلا، وقد خالف في ذلك البراهمة، قيل: هم قوم ~~ممن يعتزي إلى اليهود وهم فرقتان. # فرقة أنكرت حسن البعثة رأسا. قالوا: لأن الرسل إن جاءوا بما يوافق العقل ~~ففي العقل عينة عنهم، وإن جاءوا بما يخالفه وجب رده. # وفرقة أجازت البعثة إذا كانت مؤكدة لما في العقول لا أن جاءوا بما لا ~~يعلمه العقل. # ويحكى عن هؤلاء صحة بنوة آدم وإبراهيم عليهما السلام، وذهب قوم إلى أن ~~الغرض بالبعثة هو التكليف والتكليف محال؛ لأن الله تعالى هو الخالق لأفعال ~~العباد، فلا معنى للبعثة، وهذا إنما يلزم المجبرة فقط، وذهبت طائفة من ~~الصوفية إلى إنكار النبوة، قالوا: لأن الاستغلال بغير الله حجاب عن الله ~~والأنبياء إنما يأتون بما شغل عن الله كالعبادات والشرائع فيجب أن يكون ~~باطلا، وهذا هو بين محض وجهالة مفرطة. PageV01P502 # لنا: أنه لا يمتنع أن يكون في أفعالنا ما هو لطف في ما كلفناه من العقليات ~~وفيها ما هو مفسدة في ذلك، ثم لا يكون في قوة عقولنا ما نعلم به تفاصيل هذه ~~الأفعال وإن كنا نعلم بالعقل جملة حسن المصلحة، وقبح المفسدة، ولا شبهة ~~حينئذ في جواز أن يرسل الله إلينا بتعريف المصلحة من المفسدة، فإذا علمنا ~~ذلك بالشرع على التفصيل أتحفناه بالجملة المقررة من حسن اتباع المصلحة وقبح ~~اتباع المفسدة، فيكون الرسل قد جاءوا بما يوافق العقل على الجملة لا على ~~التفصيل، وصار الحال فيه كالحال في الطبيب إذا عرفنا أن في كل بعض الأشياء ~~ضررا، وفي أكل بعضها نفعا، وقد علمنا بالعقل على الجملة حسن أكل ما ينفع ~~وقبح أكل يضر، فإنه يجب التحرز مما نهى عنه، ويحسن اتباع ما أمر به ولا ~~يقال أنه أتى بما يخالف العقل. # وبهذا انبطل قولهم: إنا نعلم بالعقل قبح كثير مما جاء به الشرع كالهرولة ~~والطواف حول البيت، ورمي الجمار ونحو ذلك؛ لأنا نقول: العقل لا يقضي بقبح ~~هذه الأفعال /329/ على ms417 الإطلاق ألا ترى أنا نعلم بالعقل حسن الطواف بالبيت ~~لغرض يسير، وهو أن يعلم هل استرم أم لا، وهل هو عامر أو خراب ونحو ذلك، ~~فهلا جاز أن يطوف حوله لمصلحة أعظم من ذلك. # فإن قيل: هلا جاز أن يخلق الله فينا علما ضروريا بما يريده منا في هذه ~~الأفعال التي جاء بها الأنبياء لا على أن يعد ذلك العلم في كمال العقل، ~~ولهذا يختلف الناس فيه. # قلنا: الاضطرار إلى قصده تعالى لا يصح، والدار دار تكليف. # فصل # إذا ثبت أن وجه حسن البعثة كونها لطفا لم يجب أن يكون في كل زمان نبي ~~خلافا لقوم أوجبوا البعثة في كل زمان؛ لأنه لا يمتنع أن يكون البعث لطفا في ~~بعض الأزمان دون بعض، وفي حق بعض الأشخاص دون بعض، فلا تجب البعث حيث يعلم ~~الله أنها لا تكون لطفا، وإذا لم تجب لم تحسن؛ لأن الحسن في البعثة ملازم ~~للوجوب كالثواب وشكر النعمة. PageV01P503 # شبهتهم أن الرسول يحتاج في كل زمان، إما لأمر ديني كالدعاء إلى الله ~~والتنبيه على الأدلة العقلية أو لأمر دنيوي كمنع الظالم والزجر عن الفساد ~~وتعريف اللعان والفصل بين الأغذية والسموم ونحو ذلك. # والجواب: لا يسلم أن يكون لبعثة الرسل وجه غير كونها لطفا؛ لأن التنبيه ~~على معرفة الله، والدعاء إليه لا يستقل وجها في حسن البعثة من حيث لا يمكن ~~معرفة اتباع الرسل وأجابتهم إلا بعد معرفة الله. # وأيضا فالدعاء إلى الله والتنبيه على توحيده يتم بدون الأنبياء بأن يتنبه ~~من ذي قبل أو يقوم الصالحون به، فلا يحتاج إلى الأنبياء، وكذلك قولهم يبعث ~~مؤكدا لما في العقول؛ لأن في العقول عيبة عنه. # وأيضا فكان لا يفترق الحال بين نبي واحد وأنبياء كبيرة، فكان لا يجوز بعث ~~أكثر من واحد في جميع الأزمان. # على أنه لو وجبت البعثة لما يرجع إلى التنفية وحفظ الصحة لما حاز من الله ~~أن يميت المكلفين، ولما حسن بنفيه من جهل ما يبعث به الأنبياء. # فصل # وقد تقدم أن البعثة متى ms418 حسنت وجبت، والذي يختص هذا الفصل أنه إن كان ~~الصلاح يتعلق ببعثة شخص معين وجب بعثته على التعيين أو يتعلق به وبغيره على ~~الجمع وجب على الجمع. # أو على البدل كان الله مخبرا في بعثة أيهما شاء على البدل. # وعلى الجملة فإنه يحسن بعثة من في بعثته صلاح للمرسل إليهم وصلاح للمرسل ~~نفسه، وقد كان يجوز أن يبعث الله إلى بني آدم بالرسالة ملائكة أو جنا، لكن ~~لما كان كل جنس أقرب إلى القبول من جنسه جعلت رسول كل خلق من جنسهم، ولهذا ~~قال تعالى: {قل لو كان في الأرض /330/ ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم ~~من السماء ملكا رسولا} وهذا إذا استوت المصلحة في بعثة الجنس وغير الجنس، ~~فأما إذا تعلقت المصلحة ببعثة غير الجنس تعين كما يرسل الملائكة إلى ~~الأنبياء وكما أرسل الأنبياء عليهم السلام إلى الجن. PageV01P504 # ومتى أرسل نبي إلى أمة فلا بد أن يكون لهم طريق إلى معرفة شرعية، إما ~~بمشاهدته أو بالنقل عنه، وكذلك لا بد من تنفيته حتى يؤدي الرسالة، ثم بعد ~~ذلك يجوز احترامه. # فصل # ذهب جمهور الشيوخ إلى أنه لا يبعث رسول إلا بشريعة، ومعنى ذلك أنه لا بد ~~أن يستفاد من جهته مالولاه لما أمكن الوقوف عليه، وذلك قد يكون بشريع ~~متحددة، وقد يكون ناحيا شريعة دارسة، وقد يكون بما طريقة العمل فقط، وقد ~~يكون بما طريقة العلم فقط، كأن يبعث رسولا يعرفنا أن الله تعالى يوقر ~~العقاب على مستحقه، فإن العقول تجوز العفو، وقد يكون بما طريقه العلم ~~والعمل، إما في حق كل واحد كتعريف أحكام الصلاة فإن العلم والعمل شامل لكل ~~مكلف، وإما في حق بعض المكلفين كتعريف أحكام الحيض، فإن العلم يتناول ~~الرحال والعمل يتناول النساء. # وعلى الجملة فلا بد أن يعرف من جهته ما لولاه لما عرف، وغلا لم يكن ~~لبعثته فائدة. # وقد حكي عن الشيخ أبي علي جواز أن يبعث الله لتأكيد ما في العقول. # قيل: والصحيح أنه ليس بمذهب له، وغنما أخذ الحاكي من جوابه على ms419 البراهمة، ~~حيث قال: أن الأنبياء لا يأتون بما يخالف العقول مطلقا ومهما يكن قد أبطل ~~الشيوخ هذا المذهب بما تقدم من أن غير الأنبياء يقوم مقامهم في ذلك. # إلا أن لقائل أن يقول: ما أنكرتم أن يعلم الله أن عند بعثة شخص بتأكيد ما ~~في العقول يكون الناس أقرب إلى فعل العقليات وترك المقبحات كما يجوز أن ~~يعلم أن عند المرض أو القحط يكونون أقرب؛ لأن البعثة كغيرها من سائر أفعاله ~~تعالى في جواز كونها لطفا في العقليات. # فصل # والطريق الذي يعرف كون الرسو رسولا هو في الحقيقة المعجز، وأما خبر ~~الصادق فهو وإن دل على ذلك، فإنما يعلم صدق المخبر بالمعجز، فقد عاد الأمر ~~إلى أنه هو الدليل الحقيقي. # وأيضا فلا بد أن يظهر المعجز عقيب دعوى من أخبرنا الصادق بنبوته لتميزه ~~عن غيره؛ لجواز أن يكون الذي اخترنا بنبوته غير هذا الشخص، فالطريق الحقيقي ~~هو المعجز. PageV01P505 # فإن قال: هلا عرفنا الله نبوته بالاضطرار؟ # قيل له: كيف يعلم بالاضطرار كونه مرسلا من الله ونحن لا نعلم ذات الله ~~ضرورة، والعلم بالله أصل للعلم بكون الرسو رسولا. # فصل # وحقيقة المعجز هو الفعل الخارق للعادة المتعلق بدعوى المدعي للنبوة على ~~جهة المطابقة، واعتبرنا كونه فعلا؛ لأن ماليس بفعل لا يدخل تحت الإحسان، ~~فلا يصح كونه معجزا، ولا يكون للتحدي به فائدة؛ ولأنه ليس بأن يدل على صدق ~~المدعى أولى من كذبه، أو من صدق غيره أو من أن لا يدل. # ومن هنا صعب على المجبرة تصحيح كون القرآن معجزا لما قالوا بقدمه، وقلنا ~~لهم: لو صح كون القرآن معجزا مع قدمه لصح كون علم الله معجزا /331/ وقدرته ~~بل كان يصح أن يكون الباري معجزا نفسه، واعتبرنا كونه خارقا للعادة؛ لأن ~~المعتاد ليس بأن يدل على الصدق أولى من الكذب أو من أن لا يدل ولا يختص ~~يريدون عمرو، واعتبرنا تعلقه بدعواه؛ لأنه لو لم يتعلق بها لكان أجنبيا ~~عنها، وفي حكم المبتدأ، فلا يكون بأن يدل على الصدق أولى من سواه ms420 لفقد ~~الاختصاص؛ ولأنه يجري مجرى التصديق بالقول، والتصديق بالقول لا بد أن يتعلق ~~بالدعوى. # واعتبرنا المطابقة؛ لأنه لو حصل الفعل على عكس ما تناولته الدعوى لما دل ~~على الصدق عن لم يدل على الكذب كما حكى أن مسيلمة تفل في بئر ليفور ماؤه ~~ويعذب كما سمع عن النبي عليه الصلاة والسلام فغار ماؤه وملح. # وقد اختلف في هذا هل يعتبر في المعجز كونه عقيب الدعوى، فأجاز أبو القاسم ~~تقدمه وأجاز غيره تراخيه. # والحق التفصيل، وهو أنه لا بد من معجز يتعقب الدعوى على الفور ليثبت ~~الصدق من بعد ذلك يجوز في معجز آخر أن يتراخى كما في كثير من معجزات نبينا ~~عليه السلام. # فأما التقديم فقيل: جائز مطلقا. # وقيل :جائز إذا كان المعجز في نفس المدعي ككلام عيسى عليه السلام في المهد. # وقيل: ما تقدم على النبوة فهو إرهاص لا معجز. # فصل PageV01P506 ومن شروط دلالة المعجز أن يكون من فعل الله أو جاريا مجرى فعله؛ لأنه تعالى ~~قد صدق دعواه لجواز أن يكون من فعل غيره. # وقد زعمت اليهود أنه لا بد أن يكون مما يختص الله بالقدرة عليه، ولا يدخل ~~جنسه تحت مقدورنا، وهو باطل؛ لأن العرض بالمعجز التصديق، وذلك كما يحصل بما ~~يختص الباري تعالى بالقدرة عليه، فقد يحصل بما يكون جاريا مجرى ما يختص ~~بالقدرة عليه. # يوضحه أن من معجزات موسى عليه السلام فلق البحر ونتق الجبل وهو من ~~الأجناس المقدورة للخلق. # ومن شروط دلالة المعجز: أن يصدر من حكيم لا يجوز أن يلبس ولا أن يصدق ~~الكاذب، ولا أن يفعل القبيح، ومن هاهنا انسد على المجبرة، وطريق العلم ~~بالنبوة. # وقيل لهم: إذا كان المعجز يجري مجرى التصديق بالقول فلا شك أن التصديق ~~إنما يدل على الصدق إذا كان المصدق حكيما لا يصدق الكاذب، وغلا لم يأمن أن ~~يكون أظهره على كاذب على جهة التلبيس والنعمة، وجرى مجرى قوله لمسيلمة: ~~صدقت ولا يقبح منه ذلك كغيره من القبائح. # فصل # والفرق بين المعجز والحيل من وجوه: # منها: ما ms421 تقدم من أن المعجز لا بد أن يكون من فعل الله أو جاريا مجراه. # ومنها: أن الحيلة يرى في الظاهر على وجه وهي في الحقيقة على خلافه، وإنما ~~هي من قبيل السحر والخيال، والمعجز على ظاهره. # ومنها أن الحيل لا تمضي إلا على العوام ومن ليس له صناعة، والمعجز تمضي ~~على جميع الناس، ولهذا جعلت معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطاه /332/ أهل ~~زمانه ليعلم قصورهم. # ومنها: أن الحيل لا تدرك إلا بتعلم وممارسة، والمعجز يحصل لا عن طريق. # ومنها: أن الحيل لا يختص بها واحد من الناس، بل يدركها كل من مارسها. # ومنها أنه يمكن معارضتها بما شاهدها أو يزيد عليها بحسب الصناعة بخلا ~~فالمعجز. # ومنها أن الحيل لا تدوم، ولهذا تجد أحدهم يرى الناس أنه نبت نباتا في ~~الحال ويثمر ويرى أنه يصير التراب دقيقا بر، ويصير الورق دراهم ولا يدوم ~~ذلك، وإنما هو كأحلام نيام. PageV01P507 # ومنها: أن الحيل تحتاج إلى آلة متى فقدت لم يتم عمله. # قال شيوخنا: وكثير من المعجزات يعلم بالضرورة إعجازها ومفارقتها للسحر ~~والحيل. # ولهذا اعترف سحرة فرعون بمعجزة موسى عليه السلام، وهم أعلم الناس بالسحر، ~~ووصف الله قوم فرعون الجحود في قوله: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم..} ~~الآية، ولا يوصف بذلك إلا منكر الضرورة، وهذا الوجه كاف في الفرق بين ~~المعجز والحيل. # فصل # منع الجمهور من صحة ظهروه على الصالحين كرامة لهم وفضيلة، وأجازه ابن ~~الأخشية عقلا لا سمعا. # حجة الجمهور أنه لو جاز ظهور ذلك على بعض الصالحين لجاز تكرره وتتابعه ~~حتى يصير معتادا، واعترضه أبو الحسين بأنا إنما يجوز ظهوره على حد لا يصير ~~معه معتادا، ولو سلمنا جواز كونه معتادا فإنما يكون معتادا لأن العبرة في ~~المعجز أن يكون خارقا لعادة زمان ذلك الشيء فقط. # قال الجمهور: إذا ظهر على غير الأنبياء لم يدل على صدق الأنبياء. # قيل لهم: إنه ظهر على الأنبياء عقيب الدعوى ومتعلقا بها، فلهذا دل على ~~نبوتهم كما أن من ادعى بحضرة الملك أنه رسوله وأن علامة ms422 صدقه أنه ينزل عن ~~سريره، فإنه إذا نزل عن سريره عقيب هذه الدعوى دل نزوله على صدقها، ثم إذا ~~قدرنا أنه نزل عن سريره مرة أخرى لحاجة له أو معظما لرجل دخل عليه لم يخرج ~~النزول الأول عن كونه دليلا على صدق ذلك المدعي، ولا وجب في النزول الثاني ~~أن يدل على مثل ما دل عليه الأول، لما لم يحصل عقيب دعوى أحد. # قال الجمهور: النبي إذا ادعى التمييز على غيره بالمعجز ثم ظهر على غيره ~~بطلت دعواه. # قيل لهم: النبي إنما ادعى التمييز بالنبوة والمعجز إنما هو دليل عليها من ~~حيث أن التمييز والفضل إنما يكون بالأعمال، وكما لا يحط منزلته لظهور ~~المعجز على نبي آخر، ولا يقدح في صدقه /333/ وفضله، كذلك لا يحطها ظهوره ~~على بعض الصالحين. PageV01P508 # ومن قوى ما يمكن أن يقال للجمهور: إنما يظهر على الأولياء والصالحين ليس ~~بمعجز رأسا؛ لأن من تمام ماهية المعجز أن يكون متعلقا بدعوى النبوة، ~~والكرامات ليست كذلك، وغنما تشارك المعجز في بعض صفاته وهو كونها خارقة ~~للعادة. # حجة ابن الأحشيد: أن الإجماع وقع على أن شهادة الواحد لا تقبل، ولو جاز ~~ماهو بصفة المعجز على بعض الصالحين لوجب قبول شهادته. # واعترض بأن الشرع ورد بذلك لمصلحة يعلمها الله تعالى كسائر الشرعيات. # تنبيه # اختلف الشيوخ في هل يجب تجوز ظهور ما هو بصفة المعجز على العكس مما سأله ~~الكاذب تكذيبا له، فمنعه القاضي والجمهور وأجازه أبو الحسين، مثاله ما حكى ~~أنه قيل لمسيلمة الكاذب أن محمدا تفل في بئر فكثر ماؤه وعذب، فجاء إلى بئر ~~فتفل فيها فغار ماؤه، وقيل له: إن محمدا مسح على أعور فبرئ فمسح على أعور ~~فذهبت عينه الأخرى. # حجة الجمهور: أن هذا المعجز لا تعلق له بالدعوى لظهوره على العكس منها، ~~فهو كالمبتدئ، واعترض بأن معنى تعلق المعجز بدعوى الصادق أنه لو لا صدقه ~~لما ظهر مطابقا لدعواه، وهذا التعلق حاصل هنا، فإنه لو لا كذبه لما ظهر على ~~العكس من دعواه. # قال القاضي: يكفي في ms423 بيان كذبه أن لا يظهر مطابقا لدعواه، والزيادة على ~~ذلك عبث له، يجوز أن يكون الغرض بذلك المبالغة في كذبه ونقص منزلته ~~والتنفير عنه، وربما يكون ذلك لطفا في ترك اتباعه. ### ||| AUTO فصل [في الصفة التي يجب أن يكون النبي عليها وما يجب أن ينزه عنه] # اعلم أنه يجب أن يختص بما معه يكون أقرب إلى القبول من الكمال والصدق ~~والأمانة والتواضع والفطانة وقوة التدبير ونحو ذلك من صفات الرؤساء. # ويجب أن يكون منزها عما يقدح في الأداء سواء كان خلقيا كالعمى والصمم ~~والخرس أو اكتسابيا كالكذب وكثرة الشهوة والغفلة، وكالكتمان والزيادة ~~والنقصان. # وعما يقدح في القبول وينفي سواء كان خلقيا كالجذام والبرص ودمامة الخلقة ~~ونقص الأعضاء وسلس الريح والبول. PageV01P509 # وقد دخل في هذا ما يكون صفة كمال، لكن ينفر كالعلم بالكتابة والشعر في حق ~~نبينا عليه الصلاة والسلام، أو اكتسابيا كمواقعة الكبائر والصغائر المسخفة ~~كسرقة عشرة دراهم وأقل منها وكالفظاظة والغلظة وكالمباحات المنفرة نحو كثرة ~~المزاح والمخالطة والهذر والحرف الوضيعة وأشباه ذلك. # والوجه في تنزيهه عن الجميع أن الغرض بالرسالة هو القبول والإقبال على ~~الطاعة، وذلك لا يثمر إلا بالتمكين من الأداء وإزالة المستنفر. # فصل # قد اختلف الناس في جواز الكبائر على الأنبياء مع اتفاقهم على امتناع ~~كفرهم إلا عند بعض الخوارج فعندنا لا تجوز عليهم الكبائر لا قبل البعثة ولا ~~بعدها، وقال أهل الحشو: يجوز عليهم /334/ في الحالين. # وقالت الأشعرية يجوز قبلها لا بعدها، وحكى مثله عن أبي علي. # لنا أن ذلك من أبلغ المنفرات، فإن من علم الناس من حاله أو جوزوا مواقعته ~~للكبائر كانوا عن القبول عنه أبعد. # وهذا فإن الخطيب إذا بات شرب الخمر ويزني وأصبح يعظ الناس لم يكن لموعظته ~~تأثير، ولا فرق بين أن يقع ذلك قبل البعثة أو بعدها، فإن الناس إلى القبول ~~ممن لم يتدنس بالمعاصي أقرب منهم إلى القبول ممن يتعاطاها، وإن كان قد تاب ~~لا شك في ذلك. # وبعد فالمواقع للكبائر يجوز ذمه والاستخفاف به، والنبي يجب مدحه وتعظيمه. ms424 # وبعد، فلو واقعوا الكبائر لما قبلت شهادتهم ومعلوم أنهم الشهداء في ~~الدنيا والآخرة. # وبعد، فكان يجب نهيهم وزجرهم عن المعصية لعموم وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر في كل شريعة. # وبعد، فكنا لا نأمن أن يكتموا بعض ما أرسلوا به ويكذبوا فنزول الثقة. # فإن قيل: أليس قد قبل المخالفون عن الأنبياء مع تجويزهم الكبائر، ولم ~~ينفرهم ذلك ووثقوا بنبوتهم. # قلنا: أما الثقة فلا نسلمها...... منعنا أهل الجبر من الثقة بالنبوءات ~~متى جوزوا القبيح على الله تعالى. PageV01P510 # وأما القبول فلم نمنع من وجوده رأسا، ولكن دللنا على أن الناس مع تجويز ~~الكبائر يكونون أبعد عن القبول، وإن كان في الناس من لا ينفره ذلك، كما أن ~~التقطيب في وجه الضيف ينفره، وغن كان في الناس من لا ينفره ذلك كأهل ~~الدناءة. # على أنا منعنا من ذلك لأمر يرجع إلى الحكيم، قلنا: يجب أن ينزهه عما ينفر ~~ويزيح علة الناس سواء حصل النفور أم لا. # فإن قيل: ما ذكرتم أنا نمنع من جوازها بعد البعثة. # قلنا: بل وقبل البعثة لما تقدم من أن الناس إلى القبول ممن لم يدنس نفسه ~~بمعصية قط أقرب منهم إلى القبول ممن يتعاطاها ثم تاب، ومن حق اللطف أن يكون ~~على أبلغ الوجوه. # شبهتهم ما يدعونه من أن داود عليه السلام عشق امرأة أوربا بن حنان وقدمه ~~في الجهاد ليتقل وأن يوسف هم بالزنا بامرأة العزيز وأن ذا النون غاضب رية ~~ظن أنه لا يقدر عليه، وأن لوطا عرض بناته للفاحشة بقوله: {هؤلاء بناتي} وأن ~~إبراهيم كذب في قوله: {إني سقيم} وفي قوله: {بل فعله كبيرهم} هذا وإن محمدا ~~عشق امرأة أسامة بن زيد وأنه عبس وتلوى وأشباه ذلك من تأويلاتهم الفاسدة، ~~وعندنا أن هذه التأويلات مزيفة باطلة. # فأما الصغائر التي ليس لها حظ إلا في تقليل الثواب دون التنفير والقدح في ~~التبليغ فجائز قبل البعثة وبعدها إلا عند من لا يعنى به. # وعلى هذا يحمل ما حكاه الله من ذنوب الأنبياء وأكل الشجرة وعبوس النبي ~~عليه ms425 الصلاة والسلام حين جاءه الأعمى ونحو ذلك، وقد قال تعالى /335/: ~~{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ، وقال: {واستغفر لذنبك} واختلف ~~الشيوخ في كيفية إقدام النبي على المعصية، فقال النظام وجعفر بن مبشر: على ~~السهو وهذا ضعيف؛ لأن الساهي لا تكليف عليه فضلا عن أن يكون مذنبا. PageV01P511 # وقال أبو هاشم: مع العمد؛ لأنه إما أن يقدم على الفعل مع العلم بكونه في ~~نفسه معصية، فهذا صريح التعمد، وإما أن يقدم عليه مع الإخلال بالنظر في هل ~~هو معصية أم لا، فيكون قد أقدم على ما لا يأمن كونه قبيحا. # وعلى الجملة فلا بد أن يتعمد ما بعد قبيحا. # وقال أبو علي وأبو عبد الله والقاضي: لا يصح أن يقدم على المعصية مع ~~العمد والعلم بكونها معصية؛ ووجب عليه النظر، فذلك مما يدق ويغمض وليس ~~المقدم على الفعل مع الإخلال بالنظر فيه واعتقاد إباحته كالمقدم عليه مع ~~العلم بقبحه لا سيما إذا كان في حكم الذاهل عن النظر ومعتقدا للإباحة في ~~تلك الحال. # وعلى كل حال فإقدامه مع الخطأ أليق من إقدامه مع العمد وأبعد عن التنفير عنه. # تبنيه # واتفق الجمهور على أن النبي إنما يعلم كون معصيته صغيرة بعد فعلهم؛ لأنه ~~لو علم ذلك قبل فعلها لكان في حكم المغري بفعلها، وهذا سديد عند من يقول ~~أنه يقدم لعيها ع الخطأ أو مع السهو، فتكون حالة العلم بكونها صغيرة. # فأما على أصل أبي هاشم فيصعب القول فيه؛ لأنه إذا جاز أن يقدم عليها مع ~~العلم وقد علم أنه لا يفعل إلا صغيرا لزم أن يكون في حكم المغرى بفعلها لا محالة. # فإذن القوي ما قاله أبو علي وأبو عبد الله من أنه يقدم مع الخطأ. PageV01P512 ### ||| AUTO القول في صحة نسخ الشرائع # النسخ في اللغة: هو الإزالة عند أبي هاشم، كقولهم: نسخت الرمح آثارهم. ~~والنقل والتحويل عند البستي، والقفال، كقولهم: نسخت الكتاب، ومنه تناسخ ~~الأرواح وتناسخ القرون وتناسخ المواريث وقيل مشترك بينهما. # وفي الاصطلاح: هو رفع مثل الحكم الشرعي ms426 بطريق صادر عن صاحب الشرع متراخ ~~عنه على وجه لولاه لكان باقيا. # قلنا: الشرعي احترازا من الحكم العقلي كالبراءة الأصلية، فإنها لا تسمى ~~منسوخا وإن كان في صورة المنسوخ. # قلنا: رفع مثل الحكم؛ لأن رفع عين الحكم يكون بدا، وبهذا يفارق النسخ البدا. # قلنا: بطريق صادر عن صاحب الشرع احترازا من ارتفاعه بطريق علي كالإغماء ~~والجنون والعجز والموت، ومن ارتفاعه بطريق شرعي، لكن لم يصدر عن صاحب الشرع ~~كإجماع الأمة على أحد القولين، فإنه رفع جواز الأخذ بالثاني بعد أن كان جائزا. PageV01P513 # قلنا: متراخ عنه احترازا من التخصيص كتقليد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء. # قلنا: على وجه /336/ لولاه لكان باقيا احترازا من أن يأمر الله تعالى ~~بفعل واحد، ثم ينهى عن مثله فلا يكون نسخا؛ لأن مثل الحكم لم يثبت وجوبه. # وقد عرفت بمثل هذه الحقيقة الرق بين النسخ والبدا، فإن البدا لا يكون بدا ~~إلا إذا اتخذ الآمر والمأمور والمأمور به والزمان والمكان والوجه، كأن يقول ~~زيد لعمرو: يا عمرو صل غدا وقت الزوال ركعتين عبادة لله في مقام إبراهيم، ~~ثم ينهاه على هذا الحد فيكون قد بدا له أي ظهر له ما كان خافيا والعكس؛ لأن ~~البدا في الأصل هو الظهور، وذلك مستحيل على الله تعالى، فأما إذا اختل ~~أحدها بأن ينهى عن غير ما أمر به أو على غير الوجه أو الزمان لم يكن بدا. # وحاصل الفرق يرجع إلى أنه إذا اختل أحد هذه الشروط كأن النهي متعلقا بغير ~~الحكم الذي يناوله الأمر فلا يكون بدا. # فصل # والنسخ جائز عقلا واقع سمعا خلافا للأصفهاني من المسلمين ولليهود، وهم ~~فرق منهم من منعه عقلا وسمعا. # ومنهم من منعه سمعا فقط، ومنهم من أجازه عقلا وسمعا، وزعم أن محمدا عليه ~~السلام ليس بني أو أنه نبي إلى العرب فقط. # لنا: أما الجواز فلأن الشرائع مصالح فلا يمتنع اختلافها باختلاف الأزمنة ~~والمكلفين كما في الصحة والسقم والغنى والفقر، والموت والحياة، وكما قد ~~يكون الرفق مصلحة للصبي في وقت والعنف ms427 مصلحة له في وقت آخر أو مصلحة في وقت آخر. PageV01P514 # وبعد، فكما يجوز في العقل كون الفعل مصلحة في جميع الأوقات يجوز كونه مصلحة ~~في وقت، وكونه مفسدة في وقت آخر، وغلا كان لا يجوز استثناء بعض الأوقات، ~~كأن يقول تمسكوا بالسب أبدا إلا السبب الفلاني. # وأما الوقوع فهو أن الأدلة القاطعة دلت على نبوة محمد عليه السلام وعلم ~~من دينه ضرورة أنه ناسخ لما تقده من الشرائع، وأن بعض شرعه تنسخ بعضا كما ~~قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها ..} الآية والأحكام المنسوخة في شرعه ~~أكثر من أن تحصى. # وبعد، فقد جاء في التوارة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه ~~من الفلك: إني جعلت لكل دابة مأكلا ولذريتك وأطلقت لكم كنبات العشب ما خلا ~~الدم، فلا تأكلوه، ثم حرم كثيرا من الدواب في الشرائع التي بعده، وكان ~~الجميع بين الأختين جائزا في شرع يعقب عليه السلام، ثم حرم بعده، وكان ~~تزويج الأخ بالأخت جائزا في شرع آدم عليه السلام، ثم حرم بعده وكان وجوب ~~الختان في شر إبراهيم عليه السلام في حال الكبر، ثم هو في شرع غيره في حال الصغر. # ومن قوي ما يقال أن السارق كان يؤخذ بسرقته في شرع يعقوب عليه السلام ~~اتفاقا، وعليه حمل قوله تعالى: {ومن وجد في رحله فهو جزاءه} وقوله تعالى: ~~{ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} ومعلوم ارتفاع ذلك في شرع موسى ليه ~~السلام، ومن بعده، وكانت التوبة في وقت موسى بالقتل ثم ارتفع ذلك. # شبهتهم أنه كان يلزم من النسخ إما البدا أو إما الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن. # والجواب: أما لزوم /337/ البدا فباطل كما تقدم. # وأما الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن فإنما كان يلزم لو لم يجر في مثل ~~الحسن أن يقبح، فأما إذا جاز ذلك صح الأمر به حال كونه مصلحة ويعاقبه حال ~~كون العاقبة مصلحة، وكما يصح أن يكون شرب الدواء مصلحة في وقت دون وقت، ~~وكما في السير يوم السبت عندهم ms428 فإنه مباح في الميل محرم في ما عداه. PageV01P515 # قالوا: الحكم إما أن يكون الأمر به مطلقا فلا يجب تكراره، لا يعقل النسخ ~~فيه. وإما أن يفيد بوقت فارتفاعه بعد ذلك الوقت لا يكون نسخا. وإما أن يكون ~~مؤبدا فلا يجوز نسخ؛ لأن الأمر إن أراد فعله في كل وقت وجب فعله في كل وقت، ~~وإن أراد فعله في بعض الأوقات كان ذلك تلبيسا، ويلزم عليه أن لا يوثق ~~بتأبيد حكم قط، وأن لا يوثق بدوام شريعة محمد عليه السلام. # قلنا: يجوز نسخ ما ظاهره التأبيد، بل ذلك شرط في جواز النسخ؛ لأنه لا ~~يعقل النسخ غلا فيما استعبد تكراره، وليس يلزم التلبيس، أما عند من يوجب ~~الإشعار بالنسخ فلا كلام عليه، فإنه يقول معرفة أهل الشرائع المتقدمة بنبوة ~~محمد والبشائر الواردة به إشعار تنسخ بكل الشرائع، وأما من لا يوجب الإشعار ~~فيقول: أما قولهم أن التأبيد يقتضي دوام الفعل بكل حال فباطل لعلمنا ~~بارتفاع التكليف وانقطاعه. # وأما قولهم: يلزم أن لا يوثق بتأبيد حكم قط ولا يداوم شرع محمد عليه ~~السلام فباطل، بل يوثق بذلك بأن يعلم ضرورة من قصده ودينه التأبيد. # قالوا: لو جاز النسخ لكان إما قبل الفعل وهو باطل؛ لأن فيه ارتفاع الشيء ~~قبل وجوده، وإما بعد الفعل وهو باطل؛ لأن ارتفاع الفعل الذي قد وجد وتقضى ~~محال، وغما حال ثبوته وهو أيضا باطل؛ لأنه يؤدي إلى اجتماع الثبوت ~~والانتفاء. # قلنا: ليس النسخ رفع الفعل نفسه، وغنما هو رفع مثله من وجوب أو ندب أو ~~إباحة أو حظر، وبهذا أيضا تبطل الشبهة التي قبل هذه. # قالوا: روي عن موسى عليه السلام شريعتي لا تنسخ أبدا. # قلنا: هذا شيء اختلقه ابن الراوندي ليقدح في نبوة محمد عليه السلام، ولو ~~لا ذلك لاحتج به اليهود على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جرت به ~~العادة من توفر دواعي الخصم إلى إيراد حججه، وهم كانوا أشد الناس حرصا في ~~بطال أمره عليه السلام. # وبعد، فهو أحادي والمسألة قطعية؛ إذ ms429 لو كان متواترا لعلمناه، ولعلمه من ~~أجاز نسخ الشرائع منهم عقلا وسمعا. PageV01P516 # ثم كيف يدعون التواتر وهم قد قلوا في زمان بخت تضرر عن عدد التواتر، أعني ~~أهل النقل، وانقطعت الحجة بقولهم، ولهذا ما علمهم التوارة بعد ذلك إلا ~~العزيز عليه السالم، وكان ذلك هو السبب في أنهم سموه ابن الله. # وبعد، فكلام موسى عليه السلام عبراني وهم ترجموه بالعربية، فما الثقة ~~بالمترجم، ولعله أخل بقرينة تشعر بالمراد من استثناء أو غيره أو جهلها أو ~~علمها وكتمها أو علمها وجهلها غيره من أهل النقل بعد أو علموها وكتموها ~~/338/ فالمعلوم أنهم قد عيروا في التوارة وبدلوا. # وبعد، فإن أرد شريعتي لا تنسخ أبدا ما لم يظهر صاحب معجز، فكذلك نقول ~~نحن، وهو الذي ينبغي في حق كل نبي، وإن أراد شريعتي لا تنسخ أبدا، وإن ظهر ~~صاحب معجز يدعي نسخا، فهذا يقدح في نبوته عليهم السلام؛ لأن لهم حيئنذ أن ~~يكون الحق في غير ما جئت به. # وبعد فقد جاء في التوراة لفظ التأييد للمبالغة من دون دوام في مواضع. # منها قوله في العبد استخدم ست ستين ثم يعرض عليه العتق في السابعة فإن ~~أبى فليثقب أذنه ويستخدم أبدا ثم رفع بخمسين سنة. # ومنها: قوله في السفر الثاني ربوا إلي خروفين خروفا غدوة وخروفا عشية ~~قربانا دائما لاحقا لكم، ثم زال ندهم التعبد بذلك. # ومنها قوله في البقرة التي أمروا بذبحها يكون ذلك سنة أبدا ثم انقطع ~~التعبد به. # ومنها قوله في قصة دم الفصح أمروا بأن يذبحوا الجمل ويأكلوا لحمه ملهوجا ~~ولا يكسروا منه عظما، ويكون لهم ذلك سنة أبدا، ثم زال التعبد بذلك عندهم، ~~ففي كل هذه الصور لم يدل التأبيد على الدوام، فكذلك الخبر لو كان صحيحا. PageV01P517 ### ||| AUTO القول في نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المحقين وسلم # قد خالف أهل الإلحاد ومنكروا النبوات واليهود، واختلف اليهود في وجه كونه ~~عليه السلام ليس بنبي، فقال بعضهم: جاء بنسخ الشرائع ، وقد تقدم الكلام على ~~هؤلاء، وقال بعضهم: ms430 لأنه ليس له معجز، وقال أهل البله منهم: هو رسول إلى ~~العرب فقط. # لنا: إنه لعيه السلام ادعى النبوة لنفسه وجاء بالقرآن الكريم ولم يسمع ~~قبله من غيره وجعله معجزة له وتحدى العرب أن يأتوا بمثله، وفزعهم بالعجز عن ~~ذلك، فلم يأتوا بشيء مما تحداهم به، وغنما تركوا الإتيان به لعجزهم عنه، ~~فثبت بذلك كونه معجزة له. # فهذه ثمانية أصول، أما الأربعة الأولة وهي: أنه عليه السلام ادعى النوبة ~~وأتى بالقرآن ولم يسمع قبله من غيره وجعله معجزة له فهي معلومة ضرورة ~~بالتواتر. PageV01P518 # فإن قيل: ما أنكرتم أن الله بعث نبيا وأظهر عليه القرآن فقتله محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وادعى النبوة لنفسه. # قلنا: لو جاز ذلك لما وثقنا بنسبة شعر الشعراء وخطب الخطباء ولا وثقنا ~~بنبوة نبي قط، ولا بشيء من الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل. # ثم كيف يبعث الله نبيا ثم يمكن غيره منه قبل التبليغ. وأيضا فقد ظهر عليه ~~غير القرآن من المعجزات. # وأما الأصل الخامس وهو أنه تحدى العرب بالإتيان بمثله وقرعهم بالعجز عن ~~ذلك، فذلك ضروري، لكن بعد الفحص فإن من بحث عن أحواله عليه السلام علم ~~بالتواتر نه كان يغشى محافل العرب ويتلوا عليهم القرآن ويلتمس منهم ~~المعارضة. # وبعد، فليس من حق التحدي النطق، وقد كان يعلم بالضرورة من قصيدة أنه كان ~~يدعي الفصل على جميع الناس لمكان ما جاء به وهو القرآن، وإن أحدا لا يقدر ~~على الإتيان بمثله وذلك كاف في التحدي. # وبعد /339/ فالقرآن مشحون بآيات التحدي، قال تعالى: {فليأتوا بحديث مثله ~~إن كانوا صادقين} ثم أنزلهم مرتبة ثانية، فقال: {فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله} ثم أنزلهم مرتبة ثالثة فقال: {وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} ثم أخبر أنهم لا ~~يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. # فإن قيل: ما أنكرتم أنهم كتم آيات التحدي عن المشركين لئلا يعارضوه. # قلنا: نحن نعلم أنها نقلت على حد نقل القرآن، فلو جوزنا ms431 في بعض الآيات ~~أنها كتمت لجوزنا في سائرها. PageV01P519 # وبعد، فالتحدي شامل للمؤمنين والمشركين، فلو علم المؤمنون أنه كتم شيئا ~~لنفروا عنه. # وبعد، فدواعي المؤمنين إلى المعارضة أوفر ليؤكدوا بمعرفة العجز عنها أمر دينهم. # وبعد، فالتحدي قائم على وجه الدهر، وقد ظهرت آيات التحدي والفصحاء لا ~~يزدادون إلا كثرة، فهلا وجد فيهم من يعارض القرآن. # يوضحه أنه قد نقل من المعارضات الركيكة مالا يلتفت عليه كمعارضة مسيلمة ~~وابن المقنع. # وبعد، فلو وجدت معارضة يشتبه الحال فيها لوجب على الله تعالى أن يوفر ~~الدواعي إلى فعلها؛ لأنها هي الحجة حينئذ، فكيف يخفي ويظهر الشبهة. # وأما الأصل السابع وهو أنه إنما لم يعارضوا القرآن لعجزهم عن المعارضة؛ ~~فلأن دواعي العرب كانت متوفرة إلى إبطال أمره عليه السلام، ولا صارف لهم عن ~~ذلك، وكانوا يعلمون أن أمره يبطل بالمعارضة، فلو قدروا عليها لفعلوها إما ~~أن دواعيهم كانت متوفرة إلى إبطال أمره عليه السلام، فذلك لا يشتبه على ~~عاقل، فإنه عليه السلام أدعى الرئاسة عليهم في الدنيا والآخرة في ما يتصل ~~بالنفس والحال، وانه على الحق وأنهم على الباطل وسفه أحلامهم وسب آلهتهم ~~ووعدهم على طاعته بالثواب الدائم في الإجلال والعز والشرف في العاجل، وعلى ~~مخالفته بالعقاب الدائم في الآجل وبالذل والقتل والخلاء في العاجل ولا شيء ~~أبلغ من هذه الأشياء في تحريك طباع البشر ودعائهم إلى إبطال أمره لا سيما ~~العرب، فإن لهم من الحمية والأنفعة ماليس لغيرهم من الأمم. # وأما أنه لا صارف لهم عن ذلك فإنه إن كان صارف دين فليس من الدين ترك ~~المعارضة /340/ لأن بها يتميز الحق لهم من الباطل، لا سيما وعندهم أنهم على ~~الحق، وإن كان صارف ديني من رغبة أو رهبة، فذلك باطل؛ لأنه عليه السلام كان ~~فقيرا مضطهدا. PageV01P520 # وأما أنهم كانوا يعلمون أن أمره كان يبطل بالمعارضة فلأنه عليه السلام قد ~~كان يصرح بذلك؛ ولأن العقلاء، بل الصبيان يعلمون أن من ادعى التمييز على ~~غيره لمكان أمر يأتي به، فإن عواه تبطل عند الإتيان بمثل ما ms432 أتى به. # وأما أنهم لو قدروا على المعارضة لفعلوها؛ فلأنا نعلم بالضرورة أن من ~~توفرت دواعيه إلى الشيء ولا صارف لمقته وهو قادر عليه وغير ممنوع منه، فإنه ~~يفعله لا محالة حتى إن لم يفعله علمنا أنه غير قادر عليه. # فإن قيل: إنهم استغفلوا عن المعارضة بالقتال. # قلنا: ليس أحد من العقلاء يؤثر الأمر الصعب على الأمر السهل مع استوائهما ~~في العرض. # على أنه ليه السلام قد لبث فيهم ثلاث عشرة سنة لا قتال فيها. وأيضا فلم ~~يكن القتال دائما. وأيضا فالقتال لا يمنع من إنشاء الكلام الفصيح، بل ربما ~~أن حالة القتال حالة نشاط إلى ذلك، ولهذا كان عادة العرب ارتجال الشعر في ~~تلك الحال. وأيضا فلم يكن كلهم يحضر القتال. # فإن قيل: إنما عدلوا عن المعارضة؛ لأن الناس يكونون بين متعصب لها ومتعصب ~~عليها فلا يحصل الغرض به، لو صرف ذلك عن معارضة القرآن لصرف عن سائر ~~المعارضات. # على أنه ليس من حق المعارضة أن تشابه المعارض من كل وجه، بل تكفي أن يكون ~~مما يشتبه الحال فيه وتلتبس أحدها بالأخرى على بعض الوجوه. # وأما الأصل الثامن: وهو أنه ثبت بذلك كونه معجزة، فلحصول حقيقة المعجز ~~فيه، وهو كونه ناقصا لعادتهم في الفصاحة، ومتعلقا بدعوى النبوة. # فإن قال: كيف يقطعون بكونه ناقضا للعادة مع تجويزهم أن يقدر الجن ~~والملائكة على مثله. PageV01P521 # قلنا: أما الجن فلا نسلم قدرتهم على مثله؛ لأن التحدي شامل لهم، وأما ~~الملائكة فنحن وإن جوزنا قدرتهم على مثله، فذلك لا يقدح في كونه ناقضا ~~لعادة المتحدين؛ لأن المعتبر في المعجز كونه ناقضا لعادة من ظهر عليهم ~~والملائكة غير مكلفين بهذه الشريعة ولا نبيا، ولهم التحدي، فلا يعتبر ~~عادتهم، ألا ترى أن حمل الجبال وقلب المدن لا يخرج عن كونه معجزا وإن قدر ~~الملائكة على مثله. # وأيضا فكيف يقف العلم بكونه معجزا على العلم بعجز الملائكة مع أن ~~الملائكة إنما يعلم ثبوتهم بالسمع، فكان يلزم الدور. # فإن قال: هب أن العرب عرفت عجزها من القرآن، وأنه ms433 ناقض للعادة، فما بال ~~العجم كلفوا معرفة نبوة محمد عليه السلام وهم لا يعلمون ذلك من حال القرآن. # قيل له: علم العجم بأن العرب عجزت عنه، وأنه ناقض لعادتهم مع أنهم أرباب ~~الفصاحة يكفي في العلم بكونها ناقضا لعادة العجم أولى وأخرى /341/ كما أن ~~نبيا لو جعل معجزته ثقل الجبال وعجز عن نقلها أرباب القوة والشدة من أهل ~~زمانه، علمنا أن أهل الضعف بالعجز أحق. PageV01P522 ### |||| AUTO فصل [في وجه إعجاز القرآن] # ذهب الجمهور إلى أن وجه إعجازه الفصاحة، فإنه بلغ فيها مبلغا لم يعط أحد ~~ما يتمكن معه من الإتيان بمثله حتى عجزت العرب عن معارضته، وهم الذين يضرب ~~بهم المثل في الفصاحة والبلاغة. # واعلم أن الفصاحة تكون في مفرد الألفاظ ومركبها ويوصف بها الكلام ~~والمتكلم، والبلاغة كالفصاحة، إلا أنها لا تستعمل في مفرد الألفاظ، فلا ~~يقال: كلمة بليغة، ويقال: فصيحة، فالفصاحة في اللفظ المفرد خلوصه من بناء ~~والحروف والغرابة ومخالفة القياس، وفي اللفظ المركب خلوصه من ضعف التأليف ~~وتنافر الكلمات والتعقيد مع مطابقة المقام المقتضي لإيراد الكلام، فإن ~~المقامات مختلفة، فمقام التعريف يباين مقام التنكير، ومقام الإطلاق يباين ~~مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام ~~الحذف، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ~~ومقام الإظهار يباين مقام الإضمار، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام ~~الإيجاز يباين مقام الإطناب. PageV01P523 # وبالجملة، فلكل مقام ومقال، ولا بد في الكلام الفصيح من جزالة اللفظ أو حسن ~~المعنى، فإن اختل أحدها بأن يكون اللفظ ركيكا، والمعنى حسنا أو يكون اللفظ ~~جزلا، والمعنى سحيقا لم يكن الكلام فصيحا. # فإن قال: كيف يتفاضل الناس في الفصاحة مع علمهم باللغة. # قيل له: بأن يأتي الفصيح بالمعنى المراد في لفظ وخبر سلس سهل، ويأتي به ~~الآخر على خلاف ذلك، أو بأن يكون فيه تقديم وتأخير يكون معه أفصح أو زيادة ~~أو نقص بحسب المقام ويتفاضلون في العلم بذلك وكيفية إيراده. # وعلى الجملة فتفاضل الناس في الفصاحة مع علمهم باللغة كتفاضلهم في ms434 حسن ~~الخط، مع علمهم بالقلم العربي والحاصل أن العلم بكيفية إيراد الكلام على ~~وجه يكون معه فصيحا علم ضروري فبتفاضل الناس فيه، ولهذا يتأتى لبعضهم نظم ~~الشعر دون بعض، وكذلك الخطب والرسائل وسائر أنواع الفصاحة والبديع. # فإن قال: فما وجه الحكمة في أن جعل الله وجه الإعجاز الفصاحة التي ~~يتعاطاها العرب، وكذلك جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطاه أهل زمانه حتى ~~جعل معجزة عيسى عليه السلام من جنس الطب ومعجزة موسى من جنس السحر. PageV01P524 # قيل له: وجه الحكمة في ذلك أنه إذا أتى بما يخرق عادتهم في ما يتعاطونه ~~ويدعون الصناعة فيه علموا عجزهم عنه، ولم يكن لأحد أن يقول: لو كنت من أهل ~~هذه الصناعة لأثبت بمثل ما أتى به. # وقد ذهبت النظام وغيره إلى أن وجه الإعجاز الصرفة، بمعنى /342/ أن الله ~~صرف العرب عن المعارضة، وهم إن أرادوا أن الله صرفهم عن العلم الذي معه ~~يبلغ الكلام هذه الدرجة في الفصاحة، أي لم يؤتوا هذا العلم فصحيح وإن ~~أرادوا أنهم منعوا من الكلام الفصيح والعلم بكيفية ترتيبه مع قدرتهم على ~~ذلك فباطل؛ لأن المعلوم أنهم لم يمنعوا عن الكلام الفصيح، بل كان يصدر منهم ~~حال النبوة وبعدها، وإن أرادوا أنهم سلبوا الدواعي الداعية إلى المعارضة مع ~~قدرتهم عليها فهي أظهر فسادا؛ لأن المعلوم ضرورة خلاف ذلك. # وغن أرادوا أنهم منعوا من المعارض مع قدرتهم عليها وحصول العلم الذي ~~يحتاج إليه فباطل أيضا؛ لأن ذلك يخرج القرآن عن كونه هو المعجز، والإجماع ~~على خلافه. # وعلى أن الله تعالى تحدى العرب أن يأتوا بمثل القرآن وقرعهم بالعجز عن ~~الإتيان بمثله، وذلك لا يتم إلا إذا لم يكونوا قادرين عليه. # وبعد، فكان يجب أن يجدوا من أنفسهم كونهم ممنوعين عن ذلك مع قدرتهم عليه، ~~وإن تفرقوا بين حالهم قبل نزول القرآن وبعده. # وبعد، فكان يجب أن يوجد في كلامهم الصادر قبل نزول القرآن ما يسويه في ~~الفصاحة أو يدانيه؛ لأن الصرفة إنما كانت حال نزول القرآن. # وقد ذهب قوم ms435 إلى أن وجه إعجازه الأسلوب أي له أسلوب يخالف أساليب الكلام ~~لا سيما المنثور والخطب والرسائل. # واعترض بأن أكثر أسلوبه يخالف أساليب الكلام، لا سيما المنثور والخطب ~~والرسائل، ولهذا إذا أدرجت الآية في خطبة أو سجع أو كلام كادت تشينه به في ~~أسلوبها وقافيتها، وكذلك فيه ما يصلح أن يدخل في الشعر كقوله: # ويخزهم وينصركم عليهم .... ويشف صدور قوم مؤمنينا # ونحو ذلك كثير. PageV01P525 # وبعد، فلو اختص بأسلوب لكان التحدث بذلك لا يقع لعدم اعتيادهم له، فلا يكون ~~ناقضا لعادتهم. # وقال قوم: وجه أعجازه الإخبار عن العيوب. # واعترض بأن ذلك لا يشمل القرآن والتحدي واقع بكل القرآن، ولهذا قال: ~~{فأتوا بسورة من مثله} ولم يفصل بين ما فيه إخبار عن الغيوب، وغيره، بل ~~قال: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات}. # على أن كثيرا مما أنزل الله من الكتب المتقدمة فيه الأخبار عن العيوب، ~~وليس بمعجز. # وبهذا يبطل قول من جعل وجه الإعجاز السلامة عن التناقض والاحتلال، فإن ~~الله إنما تحداهم بما يساويه في الفصاحة فقط، فثبت أن الأصل في الإعجاز هو ~~الفصاحة، وإن صح أن يكون في هذه الأمور المذكورة وجها في الإعجاز آخر، لكن ~~الأصل في الإعجاز هو الفصاحة، وما عداها تبع، وكذلك كونه عليه السلام أتى ~~بالقرآن وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب مطابقا لصحيح اللغة وفصيحها، وللقص ~~الصحيحة البعيدة العهد ومطابقا للعقول في أكثر أحكامه حتى صار يرجع إليه في ~~أكثر أدلة العقل وما يتعلق بالنحو واللغة وسائر الأحكام، وكذلك كون شرعه ~~عليه السلام مؤبدا لا يزداد إلا قوة وعلوا، فإن كل هذه لا تستقبل وجها في ~~الغعجاز، ولكنها مؤكدة له. # وقد ذهب /343/ قوم إلى أن وجه إعجازه كونه لا يمل بالتكرار، ولا يزداد ~~إلا حسنا ولذة، وهذا أيضا لا يستقيم وجها في الإعجاز، وغنما هو مؤكد له؛ ~~لأن للخصم أن يقولك إنما لذ لكم ولم تملوه على التكرار لاعتقادكم صحته ~~والإيمان به وحصول الثواب عليه. # فإن قيل: كيف يكون القرآن معجزا وقد وقع هذا الاختلاف الكثير في وجه ms436 ~~إعجازه؟ # قلنا: أنهم إذا اتفقوا على الحكم وهو الإعجاز لم يضر اختلافهم في علته، ~~بل لا يضر الحهل بعلته رأسا، لا سيما وهو حكم يعلمونه من أنفسهم، أعني ~~عجزهم عنه. # وبالجملة فكل حكم يعلم فلا يضر الجهل بعلته. PageV01P526 ### ||| AUTO القول في أن القرآن الكريم محروس عن المطاعن # اعلم أن الطاعنين في القرآن فرق كثيرة، فرقة تزعم أن فيه تبديلا وتغييرا ~~وزيادة ونقصا، وفرقة تدعي فيه اللحن والخطأ من جهة الإعراب، وفرقة تدعي ~~التناقض والاختلاف، وفرقة تدعي التكرار الذي لا يفيد. وفرقة تدعي فيه الكذب. # أما الكلام على القائلين بالتبديل والتغيير فهو مدفوع بالضرورة، فإن ~~القرآن متواتر جملته وتفصيله، والمدعي للتغيير فيه كالمدعي لكون مكة غير ~~هذه البلدة المعروفة أو أنها قرى كثيرة. # وبعد، فالمعلوم أنه لم يخل زمان من حفظه يتنقلون القرآن في صدورهم لا ~~يخفى عليهم زيادة حركة أو نقصانها أو تبديلها فضلا عن غيرها، وقد قال ~~تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وأشباها. # فصل # وأما الكلام على المدعين للحن والخطأ فيه فهو أن نقول: أن الله أعلم ~~العالمين وأحكم الحاكمين، فكيف يجوز عليه الخطأ، وأما رسوله عليه السلام ~~فهو رأس أهل اللغة والفصاحة، ولم يوضع اللغة على النحو، وإنما وضع النحو ~~على اللغة، فإذا جاء شيء عن أهل اللغة فالنحو له تبع، ولهذا قال الفرزدق ~~للذي اعترض عليه في قوله: # وغض زمان بابن مروان لم يدع .... من المال إلا مسحتا أو مخلف # علي أن أقول وعليكم أن تحتجوا، وقال بعض العرب لمن اعترض عليه في بيت ~~هذا: سمحت به قريحتي وعليك أن تعربه، على رغم أنفك، ثم أنا نجيب عما ادعوا ~~فيه اللحن، فن ذلك قوله تعالى: {لنعلم أي الحزبين}، وقوله: ثم لتنزعن من كل ~~سبعة أشدهم ترفع أي في الموضعين، قالوا: والقياس نصبها. # والجواب: وأما قوله أي للإستفهام فهو كقولهم علمت، أريد عندك، والمراد في ~~مثل ذلك: علمت جواب هذا السؤال والتقدير في الآية: لنعلم جواب من يقول أي ~~الحزبي. # ووجه آخر وهو أن لأي ms437 صدر اللام؛ لأن أصلها الاستفهام، والاستفهام لا يصح ~~أن يعمل فيه بشيء قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده كقوله: {أي منقلب ينقلون}. PageV01P527 # وأما قوله أنهم أشد يرفع أي ملائها قد صارت مبنية الحذف صدر صلتها وذلك ~~عادة العرب /344/ وعليه قول الشاعر: # إذا ما أتيت بني مالك .... فسلم على أيهم أفضل # يرفع أي معناه على أيهم ، هو أفضل، وكذلك تدقير الآية أيهم هو أشد. # ومن ذلك قوله تعالى: {إن هذان لساحران} قالوا: وإن تنصب الاسم وترفع الخبر. # والجواب: هذه هي لغة بني الحارث فإنهم أبدا يدخلون الألف في بنية المنصور ~~والمجرور، قال شاعرهم: # إن أباها وأبا أبها .... قد بلغا في المجد غايتاها # وقال الآخر: # فاطرق إطراق الشجاع ولو رأى .... مصيبا لناباه الشجاع لصمما # وقد قيل: أن الباء لا تجوز في الآية؛ لأن ألف هذا القراء أصلية، وعند ~~غيره عماد وليست بألف تنبيه، وكان قياسه: هذا أن بألفين، ويرجع ألف التنبيه ~~إلى الياء في المتمكن من الأسماء عند النصب والجر، ولما كان هذا الاسم ~~مبهما غير متمكن زيد في آخره نون تدل على التثنية وهي على حالة في الرفع ~~والنصب والجر للفرق بين ألف التثنية في المتمكن وغيره. # ومن ذلك قوله تعالى :{ولا يؤذن لهم فيعتذرون} القياس هنا حذف النون؛ لأنه ~~جواب النفي. # والجواب أنه ليس بجواب هنا، بل هو كلام مقطوع مستأنف أي فهم يعتذرون بكل ~~حال، وعلى هذا قول الشاعر: # ألم تسل الربع ألقوا فينطق .... وهل يجيرك اليوم بيداء سملق # أي فهو ينطق سواء سألت أم لا. # ومنه قولهم: لا يذهب به تغلب عليه أي فأنت تغلب عليه سواء ذهبت أم لا ~~ونحو ذلك كثير. # والمعنى أنه لا يقبل عذرهم مع اعتذارهم. # ومن ذلك قوله تعالى ك{ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ~~قالوا: وهو معطوف على المجزوم فكان قياسه الجزم. PageV01P528 # والجواب: أنه لو كان معطوفا عليه لأعاب الجازم؛ لأنه لا يصح العطف عل ~~المجزوم، إلا بإعادة الجازم، وإنما هو منصوب بتقديران، أي وإن يعلم ~~الصابرين، وقيل: أن الواو ms438 واو مع أي مع علمه بالصابرين، فيكون نصبه بنزع ~~الخافض والكل متقارب؛ لأنه لا بد من تقديران، ثم يقدر هي والفعل بالمصدر ~~وحيئنذ يصح تقدير واو مع. # ومن ذلك قوله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} وكان القياس أن ~~يقول قريبة. # والجواب: أن الرحمة مصدر، والتاء في المصادر للتوحيد لا للتأنيث. # وبعد، فالرحمة هنا بمعنى الثواب، وكل لفظ يقتضي التأنيث في لفظه والتذكير ~~في معناه، فإنه يجوز نعته. # ومن ذلك قوله تعالى: {وذلك دين القيمة} فأثبت القيمة وهي نعت للدين. # والجواب: أن الهاء لتناسب رؤوس الآي لا للتأنيث. # وقيل: هو نعت للملة تقديره: وذلك دين الملة القيمة. # فصل # وأما الكلام على من يدعي التناقض فنقول لهم على الجملة: لا شك لا شك أن ~~العرب كانوا أعرف منكم بالتناقض ووجوه الطعن، فلو وجدوا في القرآن شيئا من ~~التناقض لأظهروه واحتجوا به عليه، فقد كانوا أحرص الناس في إبطال أمره لا ~~سيما مع قوله تعالى /345/: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا}. # وبعد، فمن شرائط التناقض أن يتخذ المنسوب والمنسوب إليه ووجه النسبة ~~والزمان والمكان والجزء والكل ومتى اختل شيء من هذه لم يكن الكلام متناقضا. # ثم أنا نجيب عن تفصيل ما أوردوه من الآيات، فمنها قوله تعالى: {ولا يسأل ~~عن ذنوبهم المجرمون} مع قوله: {ليسألنهم أجمعين}. PageV01P529 # والجواب: أن الكناية في قوله: لا يسأل عن ذنوبهم عائدة إلى الذين ذكرهم ~~الله تعالى بقوله: {أولم تعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد ~~منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم} أي ذنوب هؤلاء المذكورين، بل هم ~~الذين يسألون عنها، وكذلك قوله: {لا يسأل عن ذنبه} أي عن ذنب الذي يرسل ~~عليه شواظ من نار، ويجوز أن يكون المنفي سؤال الاستفهام عن ذنبه، وغن كان ~~يسأل تقريرا أو توبيخا أو مطالبة كقوله: {إن العهد كان مسؤلا} أي مطالبا ~~به، ويجوز أن يكون المراد أنهم يسألون في بعض المواقف دون بعض الأوقات. # ومنها: قوله تعالى: {خالدين ms439 فيها ما دامت السموات والأرض} إلى قوله: ~~{عطاء ير مجذوذ}. # والجواب: قيل سموات الآخرة وأرضها، وهي لا تفنى، وقيل: المراد المبالغة ~~في التبعيد، وليس من حق المثل المضروب أن يكون كالممثل به، ألا ترى إلى ~~قوله: {مثل نوره كمشكاة..} الآية، وإنما ضرب المثل في التبعيد بما يعتاده ~~العرب من ذلك عند التبعيد، وغن كان خلود أهل الآخرة أدوم، وأما الاستثناء ~~فهو من أول الوقت لا من آخره، المراد إلا أوقات الدنيا والحشر والحساب، ~~فإنهم قد كانوا يستحقون الثواب والعقاب من حال الفعل، فاستثنى الله هذه ~~الأوقات التي لا يقع فيها ثواب ولا عقاب. # ومنها قوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن} ~~نقضه بقوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} فذكر في الأولى أن خلق السماء بعد خلق ~~الأرض وفي الثانية أن خلق الأرض بعد خلق السماء. # والجواب: إنما قال دحاها ولم يقل خلقها، وعندنا أنه خلق الأرض قبل أن ~~يخلق السماء، ثم دحا الأرض أي بسطها بعد خلق السماء. # ومنها قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} وقوله: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به} نقضها بقوله: {إ ن الله يغفر الذنوب جميعا. # والجواب: إنما أراد بقوله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء المبالغة في وصف ~~اقتداره على المغفرة والتعذيب، وأنه يمكنه ذلك. PageV01P530 # وبعد فالآية مجملة لم يذكر فيها من الذي يشاء له المغفرة وبيانها /346/ في ~~قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه..} الآية، وقوله: {يغفر الذنوب ~~جميعا} معناه مع التوبة، وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} معناه لا ~~يغفره تفضلا. # ومنها: أنه وصف كيد الشيطان بالضعف في آية، ووصفه في غيرها بالاستحواذ ~~والغلبة على أكثر الناس. # والجواب: أن المراد بالضعف أنه لا يقدر إلا على الوسوسة والدعاء، وذلك ~~يرجع إلى اختيار من يتبعه. # ومنها قوله تعالى: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهه} ثم وصفهم بانهم ~~ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، فنفى الفقه وأثبت العلم. # والجواب: إنا قدمنا أن ms440 الله تعالى لا يصح أن يمنعهم من الفقه؛ لأن الله ~~لا يكلف مالا يعلم، ولو سلمنا اتنفاء العلم عنهم، فالميت هو طريقه، ودلالته ~~أي من بعد ما جاءتهم الأدلة الواضحة، وهذا هو اللائق؛ لأن الذي يأتيهم من ~~جهة الله هو الدليل لا العلم، وقد سمي طريق الشيء باسمه كما سمي الكتابة ~~والكلام علما لما كانا يدلان عليه. # على أن قوله: {حتى جاءهم العلم} مجمل يبين فيه بماذا جاءهم. # ومنها قوله: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} مع قوله: {وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين}. # والجواب: يجوز أن يكون وصفها باللعب تشبيها بسرعة زوالها، وانقطاعها، ~~ويجوز أن يكون المراد أن الاقتصار على الحياة الدنيا لعب ولهو لا يفيد. ~~وقوله: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} أي ما خلقناهما ~~للاقتصار على الدنيا ولا عبثا. # وعلى الجملة فاللعب المثبت يضاف إلى أفعال العباد، والمنفي مضاف إلى ~~أفعاله تعالى. # ومنها قوله: {وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} نقضه بقوله: {وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا}. # والجواب: أنه لا ينافي؛ لأن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم، فقللهم حتى ~~رأوهم مثليهم وهم ثلاثة أمثالهم في الحقيقة. PageV01P531 # ومنها قوله: {هذا يوم لا ينطقون} نقضه بقوله: {ثم أنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون} وقوله: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}. # والجواب: يجوز أن يكون المواقف متغايرة، ينطقون في بعضها دون بعض ويجوز ~~أن يكون المراد بقوله لا ينطقون، أي لا حجة لهم ولا عذر، فأخبر عن ذلك بنفي ~~الكلام راسا؛ لأنه لما كان الاعتذار بالنطق اقام فقد العذر مقام فقد النطق ~~كما يقال: ليس فلان بعد هذه الحجة كلام، أي ليس يجد ما يقابلها، ويقال: ~~فلان لا يستطيع في هذه الحادثة كلام، أي ليس له حجة، قال الشاعر: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم .... نطقت ولكن الرماح أجرت # أي لا خيرت بمدحهم وحالهم. # ومنها قوله: {فهم لا يتساءلون} نقضه بقوله: {واقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون}. # والجواب: يجوز أن تختلف المواقف ويجوز أن يكون المراد فهم لا يتساءلون ms441 ~~عما أجابوا به الرسل، أي لم يجتنبوا الرسل فيسألوا عنه كما يدل عليه سياق ~~الكلام قوله: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} أي عن أفعالهم وليس إذا لم ~~يتساءلوا عن شيء يجب أن لا يتساءلوا عن غيرهم. # ومنها قوله: {ولن يتمنوه أبدا}/347/ نقضه بقوله: {ليقض علينا ربك}. # والجواب: المراد لن يتمنوا الرجوع إلى الآخرة، وإنما عنه بالموت لأنه لا ~~بد منه. # يوضحه سياق الآية في قوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة إلى قوله: ~~{فتمنوا الموت} أي فتمنوا الرجوع إلى الدار الآخرة، فيكون قولهم: ليقض ~~علينا ربك هربا من دار الآخرة، فيكون مؤكدا للآية لا ناقضا لها. # على أن قوله: {قل إن الموت الذي تفرون منه} يدل على أن الموت الذي لا ~~تتمنونه أبدا هو موت الدنيا؛ لأنه عقبة بقوله: {ثم تردون إلى عالم الغيب..} الآية. # ومنها قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} نقضه بقوله: {ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}، فبين أنه خلقهم للخلاف. PageV01P532 # والجواب: الإشارة في قوله: {لذلك} عائدة إلى قوله: {إلا من رحم} أي وللرحمة ~~خلقهم؛ لأنه أقرب المذكورين، ولا يصح أيضا رجوعها إلى قله مختلفين؛ لأنه ~~جمع ولفظ ذلك مفرد. # فصل # وأما الكلام على من يدعي الطعن من جهة التكرار فهم يدعون التكرار من جهة ~~القصص ومن جهة غيرها. # أما ما كان من جهة القصص ففيه فوائد كثيرة. # منها: أن الله أنزل قصص من تقدم تسلية للنبي ص وأصحابه رضي الله عنهم ~~وإخبارا لهم بما كان الأنبياء يكابدون من الكفرة من الرد والتكذيب والقتل ~~ونحو ذلك، فلم يمنعهم ذلك من المضي على الحق فينزل عليهم في كل حال ما ~~يسليهم به، ولا يكون ذلك معيبا عند الفصحاء، ألا ترى أن الشاعر يكرر مفاخره ~~في شعره وكلامه ويكرر المدح والهجاء، وكذلك هل الوعظ والكتاب يكررون المعنى ~~في عبارات مختلفة. # ومنها: أنه يرد في كل قصة فائدة مستجدة وعبارة بديعة تضمن غير ما تضمنته ~~العبارة الاولى. # ومنها: أن الله تعالى لما تحدى العرب بالإتيان بمثله ms442 جاز أن يتوهم متوهم ~~أو يظن أن اللفظ المتحدى بمثله مقدورة وغيره ليس بقمدور، بل هو مستحيل، فلا ~~يعقل التحدي؛ لأن التحدي إنما يصح بما هو مقدور في نفسه، ألا ترى أنه لا ~~يمكن التحدي بالجمع بين الضدين، فالله تعالى كرر القصص بألفاظ أخر ونظم غير ~~الأول ليعرف أن الإتيان بمثله غير مستحيل، وإنما العجز راجع إلى المتحدين فقط. # وأما التكرار بإعادة اللفظ بعينه نحو {كلا سوف يعلمون} فذلك يأتي على ~~وجوه، منها: أن يرد بلفظ الأول فيكون اتساعا وتأكيدا، وتفخيما للشأن، وقد ~~جرت عادة العرب بذلك ولا يعيب ذلك إلا جاهل باللغة. # ومنها: أن يكون المعنى بغير لفظ الأول نحو : آمرك بالوفاء وأنهاك عن ~~الغدر، فالمعنى واحد، واللفظ مختلف، وهذا النوع مستحسن عند أهل الفصاحة ~~يستعملونه ليهر بلاغة اللفظ، فإن البلاغة لا تظهر في اللفظ الواحد /348/ ~~وإنما تظهر ببسط الكلام وتحسينه. PageV01P533 # ومنها: أن يذكر نعما وأسبابا ويكرر اللفظ عند ذكر كل واحد منها نحو قولك ~~لمن أنعمت عليه، ألم أفعل لك كذا، أليس ذلك نعمة ونحو ذلك. # ومن هذا القيل قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} عند ذكر كل نعمة تأكيدا ~~لنعم على الثقلين وبيانا لكونه لا يمكن إنكار شيء منها، ولا التكذيب. # ومنه أيضا ما يرد على منوال الزجر نحو {ويل يومئذ للمكذبين} أو يرد مورد ~~الاحتجاج نحو إله مع الله. # وبالجملة فلو وجدت العرب في ذلك طعنا لطعنوا به، فقد كانوا أعرف ~~بالفصاحة. # فصل # وأما الكلام على الطاعنين بالكذب فيه والفساد فقد تعلقوا بآيات منها قوله ~~تعالى: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} قالوا: وهذا كذب؛ لأنه ~~ليس كل الناس مسلما. # والجواب: الإسلام اللغوي الذي هو الانقياد والخضوع يوضحه قوله طوعا ~~وكرهان والإلسام الشرعي لا يكون كرها. # ومنها قوله: {وكذلك زينا لكل أمة عملهم} أخبر أن الشيطان زين لهم ~~أعمالهم، فكيف يفعل الحكيم كفعل الشيطان؟ # والجواب: المراد عملهم الذي أمرهم به زينه لهم بالوعد والتغريب كما قال: ~~{حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم.. الآية}. # ومنها قوله ms443 تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قالوا: ومعلوم أن ~~الجاحدين والجمادات لا يسبحون بحمده والبهائم. # والجواب: أن التسبيح يستعمل في تبعيد ما لا ينبغي والتنزيه عنه كما قال ~~امرء القيس: (سبحان من علقمة الفاجري) أي بعدا وتنزيها، والمعنى أنه لا شيء ~~إلا يسبح لأجله. # وقريب من هذا الجواب عن قوله: {ولله يسجد من في السموات..} الآية، أي ~~يخضع ولا يمتنع عما يفعل الله فيه كما قال الشاعر: # بجمع تضل البلق في حجراته .... ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # أي لا يمتنع الأكمام من سلوكها عليها. PageV01P534 # ومنها قوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} وقال: {وأملي لهم إن كيدي متين} ~~وقال: {وهو خادعهم} وقال: {الله يستهزئ بهم} وقال: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها}، قالوا: فكيف يجوز من الحكيم أن يفعل هذه القبائح التي هي المكر ~~والخديعة ونحوها؟ # الجواب: أن هذا مجاز من باب تسمية الشيء باسم ما يقابله، كما قال تعالى: ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} وكما قال: {نسوا الله فنسيهم} وقال عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا .... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # فسمى الجزاء على الجهل جهلا، وقال آخر: # فإن الذي أصبحتم تحلبونها .... دم غير ان اللون ليس بأشقرا # فسمى اللبن دما لما كان جزاء /349/ على الدم أي من إبل الدية. # ومنها قوله تعالى: {والتين والزيتون} ونحو ذلك، قالوا: فأقسم الله ~~بالأشياء الخسيسة. # والجواب: أن القسم قد يكون لتحقيق الأمر المخلوف عليه، وقد يكون لتعظيم ~~المخلوف به، وكلا القسمين داخل في كلام الله تعالى، وليس شيء من خلق الله تخسيس. # ومنها قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم} قالوا: فظاهرها أنه أسجد الملائكة لآدم بعد خلقنا وهو كذب. PageV01P535 # والجواب: أن المراد بقوله تعالى: {خلقناكم} آدم عليه السلام، ومن عادة ~~العرب إضافة أحوال الآباء إلى الأولاد، فيقال: أنتم فعلتم، أي آباؤكم كما ~~يقال لمتأخري بني العباس أنتم قتلتم أهل البيت، أي آباؤكم وأشعارهم ~~وافتخارهم مشحون بهذا، يقول قائلهم: فعلنا، أي آباؤنا. # وقد قيل: إن تم ما هنا بمعنى الواو ms444 ومثلها في قوله{: ثم الله شهيد} ~~والواو لا يقتضي الترتيب. # ومنها أن الله جعل القرآن بعضه محكما وبعضه متشابها، قالوا: وكان اللائق ~~بالحكمة أن يجعل الكل محكما. # والجواب: أنه تعالى جعله كذلك لوجوه: أحدها أن يكون التكليف أشق، فيكون ~~الثواب عليه أكثر. # وثانيها: أن يكون ذلك حثا على النظر وصارفا عن التقليد من حيث لو جعل ~~الكل محكما لاكتفى الناس بظاهره فتركوا أصول التوحيد والعدل والنظر فيها. # وثالثهاك أنه تعالى أراد أن يفعله في أعلى درجات الفصاحة، ولا يتم ذلك ~~إلا بأن يسلك فيه طريقة العرب من التجوز والاستعارة والتشبيه والكناية ~~ليكون أدخل في الإعجاز والملاحة؛ لأنه يكون بالاشتباه يحتمل أكثر من معنى ~~واحد، وذلك لا محالة مما يريد اللفظ حسنا. # ورابعها: أن يمتحن به عباده في باب الاعتقاد وسائر التكاليف ليتميز ~~المخلص من المرتاب والمحقق ممن في قلبه زيغ. PageV01P536 ### ||| AUTO القول في سائر معجزاته عليه السلام # هي أكثر من أن تحصى، وقد روى الحاكم أنه لألف معجزة. # واعلم أن أكثرها متواتر ضروري لمن عرف السير وفحص عن الأخبار، فلا يقدح ~~في ذلك كون غير أهل السير لا يعرفونها ضرورة، ونحن نذكر من معجزاته على جهة ~~الإجمال والإشارة. # فمنها ما يتعلق بكثرة الطعام القليل لما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين} دعا بني هاشم على فخذ شاه وعس من لبن وهم أربعون رجلا فأشبعهم ~~وأرواهم وقاموا وهو بحاله فعل ذلك ثلاثة أيام. # ودعا أهل الخندق على عناق ذبحها جابر بن عبد الله وصاغ من شعير فصدروا ~~وهو بحاله. # وجمع الناس مرة على أقل من صاع من التمر فصدروا والثوب يفيض من أطرافه. # ومنها ما يتعلق بكثرة الماء القليل، شكى الناس إله العطش في غزوة تبوك ~~فاستدعى عليه السلام بميضائه ووضع يده فيها فنبع الماء من بين أصابه، فكانت ~~تفيض حتى ارتوى الجنيش ودوابهم وحملوا الماء. # ومن سواء في هذه الغزاة على ماء قليل يكفي الراكب والراكبين وقد عطشوا ~~فأمر عليه السلام أن لا يمسه أحد حتى يصله، فلما وصله /350/ أخذ ms445 منه قليلا ~~وتمضمض به ومجه فيه، فانبعث يجري فارتوى الناس وصارت عينا تجري. PageV01P537 # ونضب ما البئر يوم الحديبية فأمر عليه السلام البراء بن عازب بسهم فقال: ~~اغرزه فيه وقل: بسم الله ففعل ففار الماء حتى غرقوا من رأسها بأيديهم، ~~وجاءه قوم من العرب فشكوا غليه قلة ماء بئرهم وملوحتها، فجاءها فمج فيها ~~ففار ماؤها عذبا زلالا، فأراد مسيلمة مثل ذلك فعكس الله مراده. # ومنها ما يتعلق بالإخبار عن الغيوب كإخباره بأن عليا يقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين وأن عمارا تقتله الفئة الباغية، وأن آخر زاده ضياخ من ~~لبن، وأن أمته تملك كنوز كسرى وقيصر. # وكإخباره بقتل الحسين وموضع قتله، وأن عليا ستخضب لحيته م رأسه، وإخباره ~~بوفاة النجاشي في يوم توفي، وكذلك قتل جعفر يوم مؤتة في يوم قتله حتى كان ~~يقول: قتل فلان قتل فلان ثم يسكت قليلا يم يقول: قتل فلان. # وإخباره بقتل شيرويه لأبيه كسرى، فقال: قتل هذه الليلة، وقد مضى من الليل كذا. # وإخباره بأن عتبة بن أبي لهب يأكله الأسد ونحو ذلك كثير. # ومنها تسبي الحصى في يده، وتكلم العضو المسموم له، وكذلك الجمل والطيبة ~~والضب والذئب والشاة وأشباه ذلك كثير. # ومنها أنه كان إذا دعا الشجرة أقبلت تحد الأرض ثم يأمرها فتعود مكانها. PageV01P538 # ومنها قصة الحناية وقصة الصحيفة وقصة الأسرى وقصة الغار وقصة خيمة أم معبد ~~وقصة دار الندوة وخروجه من مكة وقصة سراقة بن جعشم حيث أراد لحوقهم فساخت ~~قوائم فرسه حتى تضرع إلى النبي عليه السلام في خلاصها. # ومنها أنه عليه السلام كان يقع تحت الشجرة فتورق ويدعو للمريض فيتعافى. # ومنها إنشقاق القمر كما حكى الله في كتابه، وهو وغن كان ينبغي أن يكون ~~ظاهرا فهو لا يمتنع خفاؤه على كثير من الناس بأن يكون ساعة هدوء من الليل ~~وساعة غفلة، فليس كل الناس تديم النظر إلى القمر وأبلغ من هذا أن القمر قد ~~تكسف وتنطمس، ولا يعلم ذلك كثير من الناس. # ومنها قصة الأحزاب ونزول الريح عليهم ونصرة الملائكة ورميه بالتراب في ms446 ~~وجوه الأعداء وإظلال السحاب إياه ونحو ذلك مما يطول استقصاؤه والإشارة إليه. PageV01P539 ### ||| AUTO القول في أنه صلى الله عليه وآله وسلم مرسل إلى الكل وأن ~~شريعته دائمة إلى انقطاع التكليف # وذلك معلوم ضرورة من دينه عليه السلام، وقد قال تعالى: {إني رسول الله ~~إليكم جميعا}، وقال: و{وما أرسلناك غلا كافة للناس} وقال عليه السلام: ~~((أرسلت إلى الأحمر والأسود)). # وأما كونه مرسلا إلى الجن فهو أيضا ظاهر من دينه لعيه السلام، وإن لم ~~يبلغ حد الضرورة، وقد ثبت التحدي في حقهم، وقد قال: {وإذ صرفنا إليك نفرا ~~من الجن} إلى قوله: {منذرين}. # فأما يأجوج وماجوج فمن الجائز أن لا يكونوا مكلفين رأسا ومن الجائز كونهم ~~مكلفين بالعقليات فقط، وجائز أن يكونوا مكلفين بالشرعيات، ويكون قد أتاح ~~لهم /351/ من يبلغهم ما تقوم به الحجة عليهم، وجائز أن لا تكون الشرعيات ~~مصلحة في حقهم إلا بشرط أن يبلغهم كما في صدر الإسلام، فيجوز أن يبلغ وأن ~~لا يبلغ، وعلى هذا جوز أصحابنا أن يكون في الناس وفي البلاد من لا يبلغه ~~دعوة النبي عليه السلام، فلا يكون مكلفا بشرعة لفقد شرطه. # وعلى مثل هذا يحمل قوله تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} فأما ما ورد في ~~الخبر من نزل المسيح عليه السلام فيجوز أن يكون ذلك وقت انقطاع التكليف ~~ويجوز أن يكون متعبدا بشريعة محمد عليه السلام حينئذ، ويجوز أن يكون متعبدا ~~بشريعته هو فقط، لجواز اختلاف المصالح، وعلى كل حال فلا يجوز أن يكون بعد ~~محمد عليه السلام نبي. PageV01P540 ### || AUTO الكلام في الوعد والوعيد # الوعد هو الخبر عن إيصال النفع أو دفع ضررا في المستقبل من المخبر إلى ~~المخبر، والوعيد: عكسه. # والوعيد: هو كل قول يصح أن يقال لقائله صدقت أو كذبت، ولا يلزم الدور؛ ~~لأن حددنا الخبر بصحة قولهم صدقت أو كذبت ولا يلزم الدور؛ لأنا حددنا الخبر ~~بصحة قولهم صدقت أو كذبت لا ينفس الصدق والكذب، ولا شك ن صحة إطلاق العبادة ~~لا تقف على تصور مفهومها. # فصل # وللوعد والوعيد جنبتان ms447 عقلية وسمعية، والعقلية تشتمل على بيان ما يستحق ~~على الأفعال وصفة ما تستحق وشرائط الاستحقاق وما يزيل الاستحقاق وما يحسن ~~إسقاطه وما يجب وكيفية الإسقاط، والسمعية تشتمل على بيان ما يفعله الله قبل ~~إيصال الثواب والعقاب من الفناء والإعادة وأحوال القبر وأحوال القيامة ~~والصراط والميزان والحساب ونحو ذلك، وبيان أن الله يفعل في الكفار والفساق ~~ما يستحقونه وما يتصل بذلك من أسماء المكلفين وأحكامهم وبيان ما كلفناه في ~~ذلك والإكفار والتسيق ونحو ذلك. PageV01P541 ### ||| AUTO القول في الجنبة العقلية # اعلم أن الذي يستحق على الأفعال هو المدح والذم والعقاب والثواب. # والمدح: هو كل خبر ينبي عن ارتفاع حال المذكور مع القصد إلى ذلك. # قلنا: المذكور ولم يقل الغير؛ لأنه قد يمدح نفسه. # وقلنا: مع القصد إلى ذلك احترازا من الحكاية نحو: أليس لي ملك مصر، ومن ~~التعريف نحو: {وآتيناه من الكنوز} الآية وينقسم إلى ما يتبعه ثواب كالمدح ~~على الطاعة وإلى مالا يتبعه كالمدح على النعمة وعلى سائر صفات الكمال في ~~الذم، هو كل قول نبي عن إيضاح حال المذكور مع القصد إلى ذلك. # وقلنا: مع القصد احترازا من الحكاية نحو {أم أنا خير من هذا الذين هو ~~مهين} ومن التعريف نحو {وعصى دم ربه فغوى} وينقسم أيضا إلى ما يتبعه عقاب ~~كالذم على المعصية، وإلى مالا يتبعه كالذم على الإساءة، وعلى القبائح ~~الصادرة من الباري لو صدرت عنه تعالى عن ذلك. # والثواب: هو المنافع المستحقة على جهة التعظيم. # واعتبرنا كونه نفعا احترازا من قول من يجوز تحمل المشاق لأجل المدح ~~والسرور، واعتبرنا الاستحقاق لينفصل عن التفصل. PageV01P542 # واعتبرنا التعظيم لينفصل عن العوض /352/ والعقاب هو المضار المستحقة على ~~جهة الاستحقاق. # والتعظيم هو كل قول أو فعل أو ترك ينبني عن ارتفاع حال من وجه إليه مع ~~القصد. والاستحقاق عكسه. # فصل # وهذه الأمور كما يستحق على الفعل فقد يستحق على أن لا يفعل. # قال الشيخ أبو علي والمجبرة: الترك فعل فلا يقع الاستحقاق إلا على فعل. # لنا: إن أن لا يفعل جهة في ms448 استحقاق المدح والذم عند جميع العقلاء على مثل ~~ما يقول في من طولب برد الوديعة، وهو مستلف فلم يفعل في نفسه فعلا، وكذلك ~~فإنه يمدح إذا لم يطالب غريمه بالدين، وهذا معلوم تأويل العقول، ولهذا ~~يعرفه من ينفي الأفعال. # وبعد، فإن لا يفعل قد صح كونه معلوما أو مخبرا عنه، والعلم لا يتعلق ~~بالنفي. # قلنا: متعلق هذا العلم هو المقدور على انتفاء صفة الوجود، فيصير كعلمنا ~~بذات الباري على صفات أليفي، وإذا تعلق به العلم تعلق به الخبر. # وبعد، فالعقلاء يعملون استحقاق المدح والذم على أن لا يفعل ضرورة ولا ~~يعلم هذا الترك الذي يثبته الخصم إلا بدلالة دقيقة، ولا يصح أن يعل ~~الاستحقاق ضرورة، وجهته استحقاقه دلالة. # وبعد، فكلامهم إنما يتأتى فيما له ضد من الأفعال، ومعلوم أن فيها مالا ضد ~~له كالنظر والاعتماد، فلا يكون للاستحقاق جهة، غلا ما ذكرناه. # على أن المتولدات لا يصح أن يكون لها ترك لوجوب وقوعها عند وقوع أسنانها. # شبهتهم أن القادر لا يجوز أن يخلو عن الشيء وضده. # والجواب: أن هذا باطل عند الجمهور بأن من يعلم تصرفات الناس في الأسواق ~~قد لا يريدها ولا يكرهها، والأعراض ليس بمعنى، وكذلك القادر القوي إذا وضع ~~يده على وسادة، ثم أزيلت الوسادة يجب أن لا تهوي كما إذا سكنها، ومعلوم ~~أنها تهوي على طريقة واحدة. # قال أبو علي: فكيف يذم ويمدح على شيء لا تعلق له به، وله هذا إلا خبر. PageV01P543 # قيل له: إن أردت أنه يذم لا وجه أصلا، ولم يقل به؛ لأنه عندنا يذم على كونه ~~لم يوجد المقدور مع تمكنه من إيجاده، وتلك جهة معقولة، وإن أردت أنه يذم لا ~~على فعل فهو محل النزاع، ولا مانع منه. # قالوا: لو كان أن لا يفعل جهة كافية في استحقاق المدح والذم لوجب إذا أخل ~~بالواجب وبالقبيح أن يستحق المدح والذم في حالة واحدة. # قيل لهم: يستحقها وتعتبر الموازنة كما إذا فعل الطاعة والمعصية. # قالوا: إذا جاز أن يستحق الذم بعد أن لم ms449 يستحقه لا لمعنى وجب أن لا يوجد ~~طريق إلى إثبات الأعراض. # قيل لهم: إنه يعتبر في إثبات الأعراض حصول الصفة مع الجواز، والحال واحدة ~~والشرط واحد، وذلك مفقود هنا. # قالوا: يوصف من لم يرد الوديعة بأنه ظالم، والظلم لا بد أن يكون فعلا. # قيل لهم: بل يوصف بذلك من حيث أضر بالغير بكونه لم يرد الوديعة. # تنبيه # ولسنا نمنع أن يكون في الواجبات ماله ترك قبيح، فإن كل فعل يستغل به عن ~~الواجب فإنه ترك له، لكنه إن كان تركا واحدا بأن لا يمكن الانفكاك من ~~الواجب المضيق إلا إليه ولم يكن أيضا هو /353/ واجبا لصيقا، فإنه يقبح لا ~~محالة، وغن كانت تروكا كثيرة، فقيل: لا يقبح واحد منها؛ لأن كل واحد منها ~~لم يمنع الواجب من وجوده من حيث يمكن الانفكاك من الواجب، ومنه جميعا. # قيل: يفسخ كل واحد منها على الجمع. وقيل: على البدل. # وقال أبو إسحاق: يقبح مجتمعه ولا يقبح أفرادها. # تنبيه آخر # ومتى كان الواجب مما له ترك قبيح فليس ذلك هو الوجه في وجوب ذلك الواجب، ~~ولا في استحقاق الذم على الإخلال به، بل المخل بالواجب يستحق الذم على أن ~~لا يفعل، وغن جاز أن يستحق الذم على فعل الترك الذي هو قبيح، فليس يمتنع ~~استحقاق الذم من جهتين. # فصل # والشرط في استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب عليهما بصفة ما أقدم عليه ~~أو تركه أو يمكنه من العلم، ولهذا لا يستحق الصبي شيءا من ذلك، وغن صدر منه ~~ماهو بصفة الحسن أو القبيح. # فصل PageV01P544 والدليل على استحقاق الثواب على الطاعة وترك المعصية أن الله تعالى كلفنا ~~الشاق، فلا بد من عوض في ذلك، وليس إلا ما نعود إلى المكلف بالنفع كما تقدم. # وبعد، فقد كلفنا الشاق مع إمكان أن نجعله غير شاق بأن نزيد في وقتنا أو ~~نزيل الشهوة والنفار ويعيننا بالحسن عن القبيح، فلو لم نخبره بنفع كان ظلما ~~من حيث أن إلزام المشاق تجري مجرى إنزال المشقة، وهذا النفع لا يصح أن يكون ms450 ~~تفضلا؛ لأن التفضل يحسن الابتداء به، فيكون التكليف لأجله عبثا؛ ولأن ~~التكليف وجوب نفع من جهة المكلف والتفضل لا يجب. # فإن قال: هلا كان له أن يلزمنا الشاق في مقابلة النعمة التي علينا له ~~تعالى وتجري هذه العبادات مجرى الشكر لها ويكون الثواب تفضلا؟ # قيل له: مثل هذا القدر من النعم لا يقابل إلزام الشاق وإنزال العقاب على ~~الإخلال به. # وبعد، فلا يحسن في الشاهد إلزام الشاق لأجل النعمة، ويقل للمنعم عليه أن ~~يقول كان الأولى أن لا ينعم علي ولا يلزمني الشاق. # وبعد، فحسن التكليف مشروط بأصول النعم، فلا يصح أن يكون في مقابلتها ~~التكليف. # وبعد، فهذا يؤدي إلى أن يسقط وجوب شكر نعمة الله علينا؛ لأنا قد فعلنا ما ~~يقابلها، بل كان يلزم أن لا يبقى علينا له نعمة وخلافه معلوم. # وبعد، فكون التكليف نعمة مستقلة أولى من جعله في مقابلة النعمة ومسقط بها. # وبعدن فجعله للتكليف شاقا مع إمكان أن يجعله غير شاق يكون عبئا لولا ~~الثواب في مقابلته. # فإن قال: هلا كفا استحقاق المح على الطاعة دون الثواب، فإنا رأينا العرب ~~يبذلون الرغائب في طلب المدح والثناء. # قيل له: متى تجرد المدح عن نفع نضامه لم يقع به اعتداد، وإنما يبذلون ~~الرغائب في ذلك لاعتقاد النفع على أن المدح كما يستحق من جهة الله يستحق من ~~جهة غيره، وقد بينا أن الجزاء على الشاق يكون على من ألزم الشاق دن غيره. # وأيضا فكما يستحق المدح على الشاق يستحق عليه لو لم يكن شاقا فلا بد من ~~نفع يقابل المشقة. PageV01P545 # أما السرور فالمرجع به إلى اعتقاد النفع أو ظنه فلا يصح أن يجعله /354/ في ~~مقابلة الشاق. # تنبيه # ولا بد من اختصاص الثواب بصفات يتميز بها عن غيره. # منها الدوام ودليله أن الثواب يظير المدح والمدح يستحق دائما، فكذلك ~~الثواب لاتحاد جهة استحقاقهما. # وأيضا فلو لم يقطع المثاب بدوامه لأدى ذلك إلى التبعيض المنفى عنهم. # وأيضا فقد حسن من الله إدامة التفضل، فلو كان الثواب منقطعا لكان أعلى ms451 ~~حالا من الثواب، ولقبح التكليف لأجل الثواب، ولاختار العقلاء التفضل الدائم ~~على الثواب المنقطع. # وأيضا فإذا كان لا يمكن تقديره بوقت دون وقت كان حال الأوقات معه على سواء. # ومنها أن يقارنه التعظيم والألم ينفصل عن العوض الذي كان يصح الابتداء ~~بمثله فيقبح التكليف لأجله. # ومنها أن يخلص عن كل شائب وتبعيض؛ لأن المكلف مرغب فيه، فلا بد ان يتميز ~~حاله عن حال التكليف في الخلوص من المشاق والمضار. # ومن هنا زال التكليف عن المثابين وصاروا ملجئين. # على أنه لا وه يقتضي حسن إنزال المشاق بأهل الآخرة. # ومنها أن يكون بالغا في القدر مبلغا عظيما لا يحسن الابتداء بمثله في ~~المقدار لتفارق التفضل، وكان أبو علي يذهب إلى أنه يكفي أن يفارق التفضل ~~بالصفة التي هي التعظيم دون المقدار، ثم رجع إلى ماقاله الجمهور من أنه لا ~~بد أن يفارقه في القدر والصفة، والوجه في ذلك أن الصفة التي هي التعظيم لا ~~بد أن توازي قدرا من المنافع محصورا، فإذا صممنا منافع الأصل إلى منافع ~~التعظيم جاز على مقتضى قوله الأول أن يكون التفضل أكثر قدرا من الجميع، ~~فيؤدي إلى حسن الابتداء بمثل منافع الثواب، فيؤدي إلى قبح التكليف. # مثال المسالة قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ولا شك أن ~~الواحد ثواب والتسمية الثانية تفضل، فلا بد أن يكون منافع الجزء الواحد ~~أكثر من منافع التفضل بالغة ما بلغت وإلا لزم ما تقدم. # فصل PageV01P546 والذي يدل على أن العاصي يستحق العقاب هو أن الله تعالى جعل الفعل شاقا ~~علينا بأن خلق فينا شهوة القبح ونفرة الحسن، ولولم يكن هناك ضرر يستحقه ~~بالإقدام على القبيح والإخلال بالواجب ويكون العلم بذلك الاستحقاق زاجرا ~~لنا لكنا في حكم المغرين بالمعصية، ويصار كأنه قال لنا: اعصوا ولا ضرر ~~عليكم في ذلك. # وبعد، فقد أوجب علينا الطاعة، فلولا أنا نتخلص بها من ضرر عظيم لما حسن ~~هذا الإيجاب. # قلنا: إذ لا يحسن الإيجاب لمجرد جلب النفع. # فإن قالوا: هلا كفى مجرد الوجوب في ms452 حسن الإيجاب؟ # قلنا: لا يكفي؛ لأن في الأفعال ما يجب ولا يحسن إيجابه كمن خوفه السلطان ~~بضرر عظيم إن لم يشاطره على ماله، فإنه يجب عليه المشاطرة، وغن كان لا يحسن ~~من السلطان هذا ما ذكره الشيوخ. # ولقائل أن يقول: لا معنى لكون الله أوجب، إلا أنه عرف بالوجوب، وهذا يكفي ~~فيه وجوب الفعل ولا حرم يحسن من الله ومن غيره أن يعرفه بوجوب مشاطرة ~~السلطان، وليس السلطان بموجب للمشاطرة فضلا عن أن يحسن منه الإيجاب أو ~~يقبح، وإنما فعل /355/ بسبب الوجوب، فالمعتمد ما تقدم. # فإن قال: هلا كفى استحقاق الذم أو حصول الغم في الزجر عن المعاصي. # قيل: إذا تجرد الذم عن الضرر لم يحتفل به العصاه وأثروا الإقبال على ~~الملاذ. # وأما الغم فالمرجع به إلى اعتقاد الضرر أو ظنه، فلا يصح أن يجعل في ~~مقابلة المعصية. # فإن قال: إنما يحسن إنزال الضرر لأجل التشفي أو لنفع المعاقب أو المعاقب، ~~والأولان مستحيلان على الله تعالى، والثالث مفقود. # قيل له: بل يحسن أيضا للاستحقاق، ثم يقلب السؤال في استحقاق الذم. # على أن تشفي الغيظ لا ينهض وجها في حسن إنزال الضرر، وكذلك يقع المنزل، ~~وغنما يكون ذلك تبعا في حق من يصح عليه التشفي والنفع. # تنبيه PageV01P547 ولا بد أن يكون العقاب دائما؛ لأنه نظير الذم؛ ولأنه لو كان منقطعا لسهل ~~على كثير من الناس احتماله إيثارا للذة العاجلة، ولا شك أنهم مع العلم ~~بدوامه أبعد عن المعصية. # ولمثل ذلك يجب أن يبلغ مبلغا عظيما نكون مع العلم به أبعد عن المعصية، ~~وأما كمية فطريقه السمع، وكذلك لا بد أن يقارنه الاستحقاق ليفارق ~~الامتحانات، ولا بد أيضا أن يكون خالصا عن كل روح وراحة لمثل لما تقدم.؛ ~~ولأنه تعالى عرض بالتكليف لغاية المنافع، فلا بد أن يتضمن التحذير من غاية ~~المضار. # تنبهيه آخر # والعقاب يستحق على الكبيثرة والصغيرة، لكن كثرة الثواب والتوبة يمنعان من ~~إيصال عاقب الصغيرة إلى مستحقه، وقال قوم: لا يستحق على الصغيرة. # لنا: أن جهة استحقاقه هو الإقدام ms453 على القبيح مع العلم بقبحه أو التمكن من ~~العلم والإخلال بالواجب، كذلك لا يفترق في ذلك الصغير والكبير. # فصل # واستحقاق الثواب والعقاب هو من حال الطاعة والمعصية على معنى أن للمكلف ~~الحكيم أن يوصله غليه من حيئنذ، إلا لمانع يقتضي تأخره إلى آخره. # واختلف القائلون بالموافاة، فقال بعضهم: لا يستحقها حتى يوافي بالطاعة ~~والمعصية يوم القيامة. # وقال بعضهم: حتى يوافي بها الموت. # قوال بعضهم: بل من فعل الطاعة والمعصية لكن شرط من حاله سلامة ما فعل مما ~~يسقطه، وغلا انحبط الاستحقاق رأسا. # وفائدة الخلاف في هل يوفر إليه ما كان يستحقه في الأوقات الماضية إلى حال ~~دخول الجنة والنار أم لا. # لنا: أن جهة الاستحقاق هو فعل الطاعة والمعصية، فيجب أن يثبت الاستحقاق ~~ثاني حال ثبوت جهته كالمدح والذم. # فصل # والذي امتنع لأجله إيصال ذلك في الدنيا وجوه. # منها أنه يعود على التكليف بالبعض من حيث يصير المكلف في حكم الملجأ إلى ~~الطاعة لتعجيل المنافع ودفع المضار. # فإن قال: هلا أوصل الله ذلك من حيث لا يعلم، فلا يكون ملجأ. PageV01P548 # قيل له: لا بد أن يعلم المكلف في ما وصل إليه أنه ثواب أو عقاب لأمر يرجع ~~إلى الحكمة، ولا بد من مقاربة التعظيم والاستحقاق أو العلم بأن الحكيم قصد ذلك. # ومنها أنه لا بد أن يخلص الثواب عن كل شائب، والعقاب عن كل راحة، وذلك لا ~~يحصل في الدنيا. # ومنها أنه لا بد من اللطف مع ثبوت التكليف، ولا شك أن مع التأخير يكون ~~أقرب إلى أن يفعل الطاعة؛ لأنها طاعة لا لطلب النفع وبترك المعصية؛ لأنها ~~معصية لا لدفع الضرر، وهذا هو الوجه في جنس الإفناء، فلأجل هذه الوجوه تأخر ~~إيصال المستحق. # نعم، قد يجوز إيصال بعض العقاب في الدنيا كالحدود ونحوها لصلاح يعلمه ~~الله، ومثل هذا القدر لا يبلغ به المكلف حد الإلجاء. # فصل # يحرر من جهة العقل سقوط الاستحقاق مع ثبوت سببه المؤثر فيه؛ لأن تأثيره ~~ليس كتأثير العلل التي لا يجوز انفكاكها عن معلولاتها، وإنما ms454 طريقة ما يحسن ~~من الأفعال أو يقبح من حيث أن الاستحقاق هو حسن أمر أو وجوهب لأجل أمر ~~متقدم على وجه لولاه لما حسن أو لما وجب، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يرد ~~على ذلك الاستحقاق ما يزيله مع قيام سببه كالإساءة فإنها تزيل استحقاق ~~الشكر على الإحسان مع ثبوت الإحسان، وكذلك الاعتذار يزيل الذم على الإساءة ~~مع ثبوتها، وكذلك فإن الحقوق قد تسقط بالإبراء وبمقابلة حقوق آخر ونحو ذلك. # فصل # به يسقط استحقاق الثواب سببان: # أحدهما: الندم على فعل الطاعة؛ لأنها طاعة، فإنه يصير بذلك في حكم من لم ~~يفعلها كالندم إلى الإحسان إلى الغير. # الثاني: أن يفعل معصية يريد عقابها على ثوابه أو يساويه عند من يخير ~~المساواة ويصير كمن يسيء إلى غيره إساءة يزيد على إحسانه أو يساويه. # ولا يجوز إسقاطه بإسقاط الله تعالى، كما جاز في العقاب؛ لأن العقاب حق ~~لله، فجاز منه إسقاطه، وكذلك لا يجوز إسقاطه بإسقاط العبد المستحق له؛ لأنه ~~ليس إليه استيفاؤه حتى يكون إليه إسقاطه، بل هو في حكم المولى عليه. PageV01P549 # وأيضا فهو لا يعلم مقداره ولا كيفية الانتفاع به، وأيضا فهو بالغ في الكثرة ~~مبلغا لو علمه لكان في حكم الملجأ إلى أن لا يسقطه، فإن أسقطه كأن في حكم ~~المحجور عليه. # على أن إسقاطه له يكون عبثا لا عرض فيه من حيث يفوت على نفسه نفعا عظيما، ~~وليس يجلب بذلك إلى الله تعالى نفعا ولا يدفع عنه ضررا. # فصل # وبهذين السببين يسقط العقاب إلا أنه لا بد مع الندم على المعصية من قيد ~~زائد وهو العزم بحسب ما يأتي تفصيله ويسقط بسبب ثالث، وهو إسقاط الله له ~~خلافا للبغداديين، فإنهم قالوا: لا يحسن في العقل من الله إسقاط العقاب. # لنا: أنه حق لله تعالى على الخصوص وهو عالم بكميته وإليه استيفاؤه، فجاز ~~إسقاطه كالدين لا كالذم، فإنه ليس يحق لله تعالى على الخصوص، بل هو أيضا حق ~~للمذموم، فلا يصح سقوطه غلا على جهة البيع لسقوط العقاب. # وبعد، ms455 ففي إسقاط العقاب دفع ضرر عن الغير، وذلك في الحسن يجري مجرى ~~الإحسان إلى ذلك الغير، وليس فيه وجه /357/ قبح فيجب جوازه. # شبهتهم أن تجويز المكلف للعفو يغير حاله في الخوف ويكون في حكم المغري ~~على المعصية. # والجواب: إن ظن بزوال العقاب المستحق يكفي في التخويف والزجر، وكما لا ~~يقدح في ذلك تجويز سقوطه بالتوبة، كذلك لا يقدح فيه تجويز سقوطه بالعفو. # والوجه في الموضعين أنه لا يقطع بحصول التوبة ولا العفو، فالحق باق، وليس ~~من حق الزجر أن يكون على أبلغ الوجوه وإلا وجب أن لا يسقط بالتوبة. # قالوا: إن تجويز العفو عن المعاصي يقتضي سقوط الذم عنه. # قيل لهم: لو تركنا والعقل لما ذممناه على القطع، بل كان ذمنا له مشروطا ~~بأن لا يقع العفو، كما أنه مشروط بأن لا يتوب، لكن ورد السمع بذمه على ~~القطع، إلا أن يتوب. # على أن لا يذمه في الحالين لأجل نزول العقاب، بل للإستحقاق والاستخفاف ~~ثابت مع تجويز العفو. PageV01P550 ### |||| AUTO فصول في الإحباط والتكفير # الإحباط: هو خروج المدح والثواب المستحقين عن كونهما مستحقين لأجل التوبة ~~أو كثرة الطاعات والتكفير هو خروج الذم والعقاب المستحقين عن كونهما ~~مستحقين لأجل التوبة أو كثرة الطاعات. # فصل # ومتى جمع المكلف بين الطاعات والمعاصي فلا شبهة في تعذر إبطال الثواب ~~والعقاب إليه خلافا لما تقوله بعض المرجئة من أنه لا بد أن يصل إليه الثواب ~~والعقاب وأنه لا معنى للإحباط والتكفير. # لنا: ما تقدم من أن الثواب يستحق على جهة الإجلال والعقاب يستحق على جهة ~~الاستحقاق، وبين الإجلال والاستحقاق تناف، وما تقدم من أنه لا بد أن يخلص ~~الثواب عن كل شائب، والعقاب عن كل راجه، ومن أنهما يستحقان على جهة الدوام، ~~وكل ذلك يمنع من إيصالهما، وإذا منع من وقوعهما معا منع أيضا من ~~استحقاقهما؛ لأن الاستحقاق يتبع صحة الوقوع، وبهذا يفارق الثواب العوض، فإن ~~العقاب لا يسقطه لصحة الجمع بينهما خلافا لما يقوله أبو علي من أنه يسقط ~~العوض أيضا. # شبهتهم قوله تعالى: {فمن ms456 يعمل مثقال ذرة خيرا يره} الآية قالوا: فلا بد ~~أن يصل إليه الخير والشر وإلا كان كذبا. # والجواب: أن ظاهرها متروك لاقتضائه أن يثاب الكافر وأن يعاقب المؤمن ~~ولاقتضائه أن يرى الأعمال بالعين وهي أعراض لا يصح عليها الإعادة فضلا عن ~~الرؤية. # وبعد، فرؤية الخير والشر مشروطة بأن لا يعارضه ما يسقطه. # وبعد، فصاحب الجنة يرى معاصيته مغفورة له فيزداد سرورا، وصاحب النار يرى ~~طاعته محبطة فيزداد غما. # شبهة # قالوا: قال تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها، وذلك عام في كل حسنة، ~~وذلك يقتضي وصول ما هو خير منها، وفي إسقاطه الكذب. # والجواب: أنه يلزم ما تقدم من وصول الثواب إلى الكفار. # وبعد، فهب أنه عام، فهو مخصص بآيات الوعيد التي تقتضي خلود الكفار ~~والفساق /358/ فيجب أن يكون المعنى من جاء بالحسنة خالصة. # يوضحه قوله تعالى: {وهم من فزع يومئذ آمنون} ومتى وجب أن يصل إليه عقاب ~~مع الثواب لم يكن آمنا. PageV01P551 # وبعد، فلفظ الحسنة المذكورة شامل لكل الطاعات ومستغرق لها؛ إذ ليس ثم معهود ~~يصرف إليه الكلام، ولا شك أن من جاء بجميع الطاعات خلص ثوابه. # شبهة # قال تعالى: {فلن يضل أعمالهم}، وقال: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} ~~وقال: {إني لا أضيع عمل عامل} ونحو ذلك. # والجواب: أنه ليس مع الموازنة إبطال ولا إضاعة؛ لأنه إذا سقط من عقابه ~~بمقدار طاعاته، ومن ثوابه بمقدار معاصيه فلا إبطال. # على أن الفاسق لا يوصف بأنه من أحسن عملا لأنه اسم مدح. # شبهة # قالوا: قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ولم يقل: {إن السيئات ~~يذهبن الحسنات}. # والجواب: دليل الخطاب لا يؤخذ به في مثل هذه الصورة، فلا يدل تخصيص الشيء ~~بالذكر هنا على نفي ما عداه. # وبعد، فالحسنات إنما تذهب السيئات إذا حصلت بعدها، فيجب إذا حصلت السيئات ~~بعد الحسنات أن يذهبا، والجامع أنه يصير بذلك في حكم من لم يفعل ما يسقط. # وبعد، فلو ذهبت سيئات الفاسق لما حسن ذمه، ولا إنزال العقاب به. # فصل # قد ثبت استحالة ms457 استحقاق الثواب والعقاب جميعا. # واختلف الناس في هل يصح أن لا يستحق واحد منهما بأن تستوي طاعاته ومعاصيه أم لا. # فذهب الجمهور إلى استحالة استوائهما، قالوا: لأنه إذا استويا فإما أن ~~يدخل النار وذلك ظلم، وإما أن يدخل دارا غير الجنة والنار، وذلك باطل ~~بالإجماع. # على أنه لا دار غيرهما إلا ما يحكى عن بعض الصوفية وبعض الشيوخ من أن ~~الأعراف المذكورة في القرآن دار غيرها وهي عند الجمهور مواضع عالية في ~~الجنة شبهت بعرف الديك لارتفاعها. # وأما أن يدخل الجنة وهو باطل؛ لأنه لا ثواب له فيدخلها مثابا ولا يصح أن ~~يدخلها متفضلا عليه للإجماع على أنه إذا دخل الجنة مكلف، فلا بد أن يتميز ~~حاله عن حال الصبيان والمجانين. # ولقائل أن يقول: هذا إجماع مظنون، والمسألة قطعية أعني جواز أن يدخلها ~~متفضلا عليه. PageV01P552 # على أنه يصح أن يتميز عن الصبيان والمجانين بكثرة التفضل، وليس في الإجماع ~~تصريح بأن التمييز لا بد أن يقع بالثواب. # فصل # إذا ثبت استحالة استحقاقهما جميعا واستحالة الخلو منهما لم يكن بد من أن ~~يزيد أحدهما على للآخر، فلا يكن بد من أن يسقط الأقل بالأكثر، وذلك معنى ~~الإحباط والتكفير ومصير من زادت طاعاته على معاصيه كمن يحسن إلى الغير ~~إحسانا عظيما، ويسيء غليه إساءة حقيقة فإنه لا ينبغي سقوط الإحسان العظيم ~~بالكلية ويضير من زادت معاصيه بالعكس. # فصل # واختلف الشيوخ في ما به يقع الإحباط والتكفير، فقال أبو علي: بين الطاعة ~~والمعصية؛ لأنهما السبب واستحقاق الثواب والعقاب. # وقال ابن الأحشيد /359/: بين الطاعة والعقاب. # وقال أبو هاشم والجمهور: بين الثواب والعقاب؛ لأن الذي أوجب القول ~~بالإحباط والتكفير هو التنافي، والتنافي إنما هو بين الثواب والعقاب؛ لا ~~بين الطاعة والمعصية ولا بين الطاعة والعقاب. # وبع، فلا بد أن يؤثر أحدهما في الآخر بالإسقاط، وذلك إنما يتأتى في أمر ~~منتظر دون ما قد حصل. # يوضحه أن المرجع بذلك إلى أنه يحسن من الله ما كان قبيحا أو يقبح منه ما ~~كان حسيا وذلك إنما يكون فيما ms458 ينتظر. PageV01P553 ### |||| AUTO فصل [في كيفية الإحباط والتكفير] # ذهب الشيخ أبو علي إلى أن الأقل يسقط من كل وجه حتى لا يقع به اعتداد، ~~ولا يكون فرق بين وجوده وعدمه، فإذا فعل أحدنا طاعة يستحق عليها عشرة أجزاء ~~من الثواب وفعل معصية يستحق عليها أحد عشر جزءا من العقاب فإن عشرة الثواب ~~يسقط عنده بالكلية ويدل النار بأحد عشر جزءا من العقاب. # وقال أبو هاشم: بالموازنة فيسقط من الأكثر ما يوازن الأقل فيسقط عشرة ~~أجزاء من العقاب في مقابلة عشرة الثواب ويدخل النار بجزء واحد. # وهذا هو الحق والذي يليق بالعدل. # لنا: أما من جهة العقل فهو انه لا بد لأجل الطاعة أن ينتفع بثوابه ضربا ~~من الانتفاع، ولما لم يمكن إيصاله جعل تحقيقا من عقابه. # وبعد، فلو كان كما قاله لما حسن من الكافر والمصر على الكبير أن يفعل ~~شيئا من الطاعات؛ إذ لا فائدة له في ذلك. # وبعد، فلو لا الموازنة لم يكن فرق بين بعض الكبائر وبعض. # وأما من جهة السمع فقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} وقوله: {فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل} ~~ونحو ذلك من الآيات. PageV01P554 ### |||| AUTO شبهة أبي علي # أما من جهة العقل فهو أن سقوط ا بعض عقابه بالطاعة يكون ثوابا؛ لأن دفع ~~الضرر يجري مجرى النفع، وكذلك سقوط بعض عقابه بالطاعة يكون ثوابا؛ لأن دفع ~~الضرر يجري مجر ى النفع، وكذلك سقوط بعض ثوابه بالمعصية يكون عقابا؛ لأن ~~تفويت النفع يجري مجرى الضرر فيؤدي إلى أن يكون كل واحد مثابا معاقبا، ~~والعقل يحيله، وهذا هو الوجه عنده في استحالة تساوي الطاعات والمعاصي، قال: ~~لأنه يكون حينئذ بسقوط عقابه في حكم المثاب وبسقوط ثوابه في حكم المعاقب، ~~وكذلك جعل الإحباط والتكفير بين الطاعة والمعصية. # والجواب: أن هذا لا يصح لوجهين: # أحدهما: أن المانع من اجتماع الثواب والعقاب هو التنافي، ولا تنافي بين ~~سقوط بعض الثواب وإيصال بعضه. # الثاني: أن حقيقة الثواب غير ms459 حاصلة في من خفف من عقابه، ولا حقيقة العقاب ~~حاصلة في من سقط بعض ثوابه. # وأما من جهة السمع فقول تعالى: {أن تحبط أعمالكم} وقوله: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم}، وقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ~~ونحو ذلك. # والجواب: يحتمل أن تصرف هذه الآيات إلى الكفرة وأهل الكبائر فإنهم بفعلها ~~/360/ قد أبطلوا أعمالهم وإن كان فعل الطاعة يقتضي تحقيقا عنهم. # ويجوز أن يصرف إلى أهل الصغائر ويكون المبطل والهباء والمحبط ما يوازن ~~المعصية دون ما زاد عليه، ولفظ أعمالكم وإن كان عاما، فما تقدم من الأدلة ~~يخصصه على أن عند كثير من الناس لا يفيد العموم. PageV01P555 ### |||| AUTO فصول في التوبة التي تسقط بها العقاب # التوبة: هي الندم على المعصية لكونها معصية والعزم على أن لا يعود إلى ~~مثلها في كونها معصية، وقد دخل في كونها معصية فعل القبيح والإخلال ~~بالواجب. # فصل # لا بد من اعتبار الندم اتفاقا والعزم خلافا لقوم. # لنا: أن التوبة نظيرا لاعتذار من الإساءة في الشاهد؛ لأن صورتها واحدة ~~وإن اختلفا في التسمية، وفي أن المعتذر في الشاهد لا بد أن يظهر عذره ~~بالقول لما لم يمكن المساء إليه معرفة ما في ضميره. # وبعد، فهب أن ليست صورتهما واحدة، فالتوبة مقيسة على الاعتذار، فكما أن ~~المسيء لا يكون معتذرا ولا يسقط عنه الذم إلا إذا عزم على أن لا يعود إلى ~~الإساءة، فكذلك التوبة، والجامع كون كل واحد منهما بذل الجهد في تلافي ما ~~وقع منه، ودفع ما يستحقه على ذلك من دم أو عقاب. # يوضحه أن من اعتذر إلى غيره من قتل ولده وهو عازم على قتل الولد الىخر ~~فإنه لا يسقط عنه الذم ولا يكون معتذرا. PageV01P556 # فصل # واختلف المعتبرون للعزم. فقال أبو هاشم: هو جزء من التوبة لما تقدم. # وقال السيد صاحب شرح الأصول: هو شرط فيها، والأصل هو الندم؛ لأن من حق ~~التوبة أن يتعلق بالماضي والعزم لا يتعلق بالماضي. # وقال ابن الملاحمي: ليس جزءا منها ولا شرطا فيها، وإنما التوبة ms460 هي الندم ~~فقط، لكن إذا خطر بباله المعاصي المستقبلة حال الندم ولم يعزم على تركها ~~انكشف لنا أنه لم يندم على المعصية لكونها معصية، فالعزم إنما هو دليل ~~التوبة عنده؛ لأن الداعي إلى التوبة هو الداعي إلى العزم. # قال: فأما إذا لم يخطر بباله المعاصي المستقبلة كفاه الندم. # فإن قيل: إذا وجب العزم فبماذا يتعلق. # قلنا: تتعلق بفعل الواجب لوجوبه وبكراهة فعل القبيح أو بإرادة فعل ضده ~~إذا كان له ضد، ولا يصح تعلق العزم بأن لا يفعل من حيث هو نفي، فأما الندم ~~فلا يصرف عن ظاهره في التعلق؛ لأنه من قبيل الغم والأسف. PageV01P557 # فصل # واعتبرنا أن يندم على المعصية لكونها معصية ويعزم على أن لا يعود إلى ~~مثلها في كونها معصية؛ لأن وجه التوبة هو دفع ضرر العقاب والذم، والمعصية ~~جهة استحقاقهما، فيجب أن تكون التوبة لأجل الجهة التي جاء منها الضرر؛ ~~ولأنها نظير الاعتذار ومعلوم أنه لو اعتذر لا لأجل الإساءة، بل لأنه لحقه ~~بالإساءة مشقة، أو لأنه ينجس ثوبه بدم المقتول أو نحو ذلك، لم يكن معتذرا ~~/361/ فكذلك إذا تاب من شرب الخمر لأجل أنه أصابه في رأسه صداع أو جمار أو ~~لأجل الناس أطلعوا عليه لم يكن. # وعلى الجملة لا يكون باذلا للجهد في تلافي ما وقع إلا إذا ندم على القبيح لقبحه. # فصل # واعتبر بعضهم أن يندم على القبيح لعظمه ي القبح لا للقبح المطلق، وقال ~~آخرون: يجب أن يندم عليه لقبحه ولجنسه حتى يندم على الزنا لقبحه؛ ولأنه ~~زنا، وقال بعضهم: بل لقبحه ووله قبحه. # ويبطل الجميع أن العقلاء عند العلم بالقبح يستحسنون الذم عليه وإنزال ~~العقاب لأجله، وان يجرد من جميع ما ذكروه، ولو كان كما قالوه لوجب إذا تعرى ~~القبيح عن هذه الأشياء أن يكون فاعله معذورا، فلا تجب عليه توبة. # وبعد، فقد قدمنا أن وجه وجوب التوبة كونها تدفع ضرر العقاب، فيجب أن تكون ~~التوبة للوجه الذي جلب الضرر، وهو القبح فقط، وبهذا يبطل قول من يقول: هلا ~~صحة التوبة ms461 من القبيح لوجه قبحه لا لنفس القبح كان يندم على الكذب؛ لأنه ~~كذب، لا لأنه قبيح كما يصح أن يفعل الواجب لوجه الوجوب كما يؤدي الصلاة ~~لكونها لطفا. PageV01P558 # فصل # واعتبر شمر بن المعتمر وأصحابه في التوبة الموافاة وخالفه الجمهور. # لنا: أنها بذل الجهد في تلافي ما وقع، فلا تحتاج إلى الموافاة كالاعتذار، ~~فإن من اعتذر اعتذارا صحيحا سقط عنه الذم سواء أساء مرة أخرى أم لا. # فصل # والتوبة واجبة عقلا وسمعا إن كانت المعصية كبيرة، وسمعا فقط إن كانت صغيرة. # والذي يدل على ذلك من جهة العقل أن فيها دفعا للضرر العظيم ودفع الضرر عن ~~النفس واجب، وبهذا يعلم أنه لا يجب من جهة العقل التوبة عن الصغيرة؛ لأنه ~~لا ضرر فيها. # وقد ذهب أبو الحسين إلى أن العلم يوجب التوبة عن القبيح لقبحه معلوم ضرورة. # وأما من جهته للسمع فهو معلوم ضرورة من الدين. # ثم المعصية قد يعلم حمله، فتجب التوبة عنها تفصيلا. PageV01P559 # فصل # والتوبة تسقط العقاب عند الجمهور. وقال أبو الهذيل: بل إنما يتفضل الله ~~بإسقاطه عندها، وبه قالت البغدادية، إلا أنهم جعلوا الوجه في ذلك كونه أصلح. # وروي عن ابن عباس والحسن البصري أن التوبة لا تسقط عقاب القتل. # لنا: أن العذر الصادق في الشاهد يسقط الذم على الإساءة، فكذلك التوبة، ~~والجامع ما تقدم إن لم يكونا جنسا واحدا. # وبعد، فكان يجوز أن لا يتفضل الله بالإسقاط عندها وخلافه معلوم. # وبعد، فكان يقبح التكليف بعد مواقعة المعصية؛ إذ لا طريق للمكلفين حينئذ ~~إلى الانتفاع بما كلفوه. # فإن قال كيف يسقط العقاب بالتوبة مع بقاء سببه وهو المعصية. # قيل له: كما يسقط /362/ بالاعتذار ذم الإساءة مع بقائها. # والتحقيق أن الطاعة والمعصية ليست تؤثر على سبيل الإيجاب، وإنما تأثيرها ~~بمعنى أنه يحسن عندها ما كان قبيحا، وهو المدح ويقبح ما كان حسنا وهو الذم ~~والعقاب. # فأما ما يحكى عن ابن عباس والحسن فمتأول بأن معناهم القائل مخذول لا يوفق ~~للتوبة لعظم ذنبه. PageV01P560 # وحكي أن عمر بن عبيد دس إلى ms462 لحسن من سأله فقال: لا يخلوا القاتل إما أن ~~يكون كافرا أم منافقا أو فاسقا، إن كان كافرا فقد قال تعالى: {قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا نغفر لهم ما قد سلف} وإن كان منافقا فقد قال تعالى: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار} إلى قوله: {إذا الذين تابوا} وإن كان ~~فاسقا فقد قال تعالى: {أولئك هم الفاسقون إلا من تاب} فقال الحسن للسائل: ~~من أين لك هذا؟ فقال: من ععمرو بن عبيد، فقال: وما أدراك ما عمرو بن عبيد، ~~ورجع عن هذه المقالة. # فإن قال: لو أسقطت التوبة العقاب في الدنيا لأسقطته في الآخرة. # قيل له: إن من حق التوبة أن يكون ندما على القبيح لقبحه وأهل النار ~~يندمون لأجل الإلجاء. # فإن قال: لو وجب على الله قبول التوبة لما استحق شكرا على قبولها. # قيل له: يستحق الشكر على ولده في التربية، وإن كانت واجبة عليه، فوجوب ~~الفعل لا يخرجه عن كونه نعمة إذا كان منفعة حسنة قصد بها وجه الإحسان. PageV01P561 # فصل # وإذا ثبت أن التوبة تسقط العقاب فهب تسقطه بنفسها لا بكثرة ثوابها خلافا لقوم. # لنا: أنها نظير الاعتذار، ومعلوم أنه يسقط الذم بنفسه لا بكثرة مما يستحق ~~عليه من المدح، والافتراق الحال بين كثير الاعتذار وقليله في إسقاط الذم. # وبعد، فلو سقطت بكثرة ثوابها للزم أن يكون ثواب التائب من الشرك أعظم من ~~ثواب الأنبياء بدليل أنه يحيط به، كما قال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك}. # شبهة المخالف أنه لو أسقطته بنفسها لوجب أن تسقط في الآخرة. # والجواب: أن هذا لازم له أيضا؛ لأن ثواب التوبة يكون أكثر من عقابه في ~~الآخرة، كما هو كذلك في الدنيا، والتحقيق أن أهل الآخرة قد زال عنهم ~~التكليف للإلجاء، فليس يصح وقوع التوبة منهم فضلا عن أن يسقط بنفسها أو ~~بثوابها؛ لأنهم يندمون لا للقبح. # فصل # وإذا سقت التوبة عقاب المعصية فليس يعود الثواب الذي أسقطته المعصية ~~خلافا للكعبي. # لنا: أن الثواب قد سقط في مقابلة ما توازنه من عقاب ms463 المعصية والتوبة، ~~إنما أسقطت الزائد، فأما ما يقابل الثواب فقد أسقطه الثواب، فلا يحتاج إلى ~~مسقط، فلا يتصور عود الثواب بالتوبة؛ إذ ليس لها في ما تقابله تأثير. PageV01P562 # وبعد، فلو عاد ثواب /363/ التائب لكان التائب أعلى حالا ممن لم يعص من حيث ~~أنه له مثل ثواب الذي لم يعص وثواب التوبة أيضا. # شبهته أن من أساء إلى غيره بعد إحسان ثم اعتذر لم يكن كاعتذار من أساء ~~إليه لا بعد إحسان، فلو لا أن مدح الإحسان الأول يعود عند الاعتذار لما ~~افترق الحال، كذلك الثواب عند التوبة. # والجواب: أن الفرق على أصل الجمهور هو أن المحسن قد استحق المدح على ~~الإحسان في وقت ما، وهو قبل وقوع الإساءة، فأما بعد وقوعها فقد سقط بما ~~يقابله من الإساءة ونفي الزائد يسقطه الاعتذار، فيكون حاصل الفرق أن اعتذار ~~من لم يحسن أسقط دما كثيرا أو اعتذار من تقدم أسقط ذما قليلا. # وقد أجاب ابن الملاحمي بأن الإساءة إنما أسقطت المدح من حال وقوعها إلى ~~حال وقوع الاعتذار، ومن حال وقوع الاعتذار بعود المدح في المستقبل لزوال ~~المانع من استحقاقه وهو الإساءة. # قال: وكذلك في التائب فإنه يستحق المح والثواب من حال الطاعة، فإذا أسقطت ~~المعصية الطاعة فإنما يسقط المدح والثواب عليها إلى حال وقوع التوبة، فإذا ~~وقعت التوبة زالت المعصية المانعة من استحقاق المدح والثواب، فيعود ~~استحقاقهما، وأشار إلى صحة قول أبي القاسم الكعبي إن أراد هذا المعنى وجعل ~~أيضا التوبة عن الصغيرة بعدي المدح والثواب المستحقين عليها من حال التوبة. # فأما عند الجمهور فإنما يكون له من التوبة على الصغرة ثواب يختص التوبة؛ ~~لأن وجوبها شرعي، فأما أنها بعيد ثواب ما أسقطته الصغيرة فلا. # ومثل هذا يجيء الخلاف في من عصى ثم أطاع فتساقط عقاب المعصية وثواب ~~الطاعة، ثم يذم على الطاعة، هل يعود عقاب المعصية أم لا، وغن كانت الشبهة ~~في مثل هذا أدخل. PageV01P563 ### |||| AUTO فصل [في كيفية التوبة] # اعلم أن الذنب إما أن يكون عليه فيه تبعة أم لا ms464 إن لم يكن كفاه الندم ~~والعزم، سواء كان من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب، إلا أنه إذا كان من ~~قبيل الاعتقادات، وكان قد ابتعه أحد فيه وجب أن يظهر توبته ليرجع متبعوه عن ~~ذلك ويبالغ في تلافي ما وقع في مصنفاته ونقضه، وإن كان على الناس أن ينظروا ~~ولا يقلدوا، وإن كان مما عليه فيه تبعة، فإن كان بينه وبني الله كالصلاة ~~والزكاة فإنه يكفي الندم والعزم مع القضاء بما أمكن، وغن كان بينه وبني ~~الناس فلا بد مع الندم والعزم من تلافي ما فرط، فإن كان قتلا أو قصاصا أفاد ~~من نفسه إلا أن يعفوا أهل الحق، وإن كان مالا سلمه إلى أهله إن كان باقيا ~~أو مثله إن كان من ذوات الأمثال أو قيمته إن كان من ذوات القيم، وإن لم ~~يتمكن من شيء من ذلك عزم عليه، وغن كان عرضا اعتذر ما أمكنه الاعتذار إن ~~كان أو المساء إليه قد علم كلامه وإلا كفاه الندم والعزم وإظهار ذلك /364/ ~~عند الذين اعتابه إليهم. # واختلف في من اعتذر إلى الغير ولم يتب إلى الله. # فقال الجمهور: لا يصل اعتذاره؛ لأن من حق الاعتذار أن يكون بدلا للجهد في ~~تلافي ما فرط وما لم يتب إلى الله فلم يبذل الجهد. # وقال القاضي: يصح اعتذاره؛ لأن الاعتذار إنما لزمه في مقابله كون الفعل ~~إساءة والتوبة تلزمه في مقابلة كنه معصية وهما أمران متغايران، ولمثل هذا ~~يصح أن يكون معتذرا إلى زيد دون عمرو. # فصل # واختلفوا في القبيح إذا تاب عنه ثم ذكر هل يجب تحديد التوبة كلما ذكره أم ~~لا، فقال أبو لعي: يجب بناء على أن علة وجوب التوبة القبح. # قال: وغلا كان مضرا على القبح، وفسر الإضرار بترك التوبة، وإن كان قد ~~فسره مرة بالثبات على المعصية ومرة بالعزم على فعلها. # وقال أبو هاشم: لا يجب تحديد التوبة بناء على أن وجه وجوبها كونها دفعا ~~للضرر، وقد اندفع الضرر بأو توبة، ولا يجب تحديدها وإن حسن. # فصل PageV01P564 عند ms465 الجمهور أنها لا تصح التوبة من ذنب دون ذنب مع العلم بأن الأخرى معصية. # وقال أبو لعي: يصح أن يتوب من معصية مع الإصرار على ما ليس من جنسها. ~~فأما إذا كانت من جنسها كأن يندم على شرب قدح خمر مع الإصرار على شرب قدح ~~آخر، فلا يصح بالاتفاق، وإلى هذا مال الشيخ محمود # حجة الجمهور أنه لا يصح أن يندم على قبيح لقبحه، ولا يندم على ما سواه في ~~القبيح؛ لأن التوبة كالترك من حيث أنها إقلاع عن المعصية، وقد تقرر في ~~العقول أن من ترك فعلا لعلة فإنه يجب أن يترك ما ساواه في تلك العلة، وغلا ~~لم يكن قد ترك لتلك العلة، ألا ترى أن من امتنع من أكل رمانة؛ لأنها حامضة، ~~فإنه يجب أن يمتنع من كل حامض، وغلا وجب كون علة الترك غير الحموضة، فكذلك ~~إذا تاب عن القبيح لقبحه مع الإصرار على قبيح آخر، علمنا أنه ما تركه لقبحه. # واعتبرنا أن نعلم أو نعتقد كون المعصية الأخرى معصية؛ لأنه لو اعتقدها ~~حقا لصح أن يتوب عن غيرها دونها، ولهذا يصح توبة الخارجي عن الربا مع ~~إصراره على الخارجية لاعتقاده كونها حقا إلا أن توبته تكون محبطة في جنب ~~الإصرار على الكبيرة واعتقاد جنسها. # قال الشيخ أبو علي: إنما ذكره الجمهور يؤدي إلى وجوب التوبة عن الحسن، ~~والواجب؛ لأنه إذا أراد اليهودي أن يتوب من الكبيرة وعنده أن اعتقاد نبوة ~~محمد قبيح واعتقاد تكذيبه حسن كان قد أوجب عليه أن يتوب عما هو حسن عنده أو واجب. # والجواب: إنما صحت توبته عن الكبيرة من حيث جهل قبح تكذيب محمد، ووجوب ~~اعتقاد نبوته، ونحن فرضنا الكلام في من يعلم قبح المعصية الأخرى. # قال أبو علي: وقع الإجماع على صحة التوبة من ذنب دون ذنب، له كيف يصح ~~دعوى الإجماع وقد خالف /365/ أكثر أهل البيت عليهم السلام كأمير المؤمنين ~~والقاسم وعلي بن موسى الرضا، وخالف أيضا من التابعين وتابعيهم واصل بن عطاء ~~وجعفر بن مبشر وابن المعتمر. ms466 PageV01P565 # قال أبو علي: قد بينا أن من فعل فعلا لغرض لم يجب أن يفعل ما سواه في ذلك ~~الغرض كما إذا تصدق على مسكين نذرهم لا يجب أن يتصدق على كل فقير، وكما إذا ~~أكل رمانة؛ لأنها حامضة لا تجب أن يأكل كل رمانة حامضة. # وأجاب الجمهور بأنه قد تقرر في العقل الفرق بين الفعل والترك فأوجب في من ~~ترك فعلا لغرض أن يترك ما سواه في ذلك الغرض، ولم يوجب في من فعل فعلا لغرض ~~أن يفعل ما سواه في ذلك الغرض، قالوا: ولا يضر الفرق بعلة الفرق. # والحق أنه لا فرق بين الموضعين، بل كما يجب أن يترك ما حصل فيه علة الترك ~~يجب أيضا أن يفعل ما فيه علة الفعل لكن شرط بقاء تلك العلة وأن لا يعرض ما ~~يزيلها. # وما ذكره الشيخ أبو علي من أن من تصدق على فقير بدرهم لا يجب أن يتصدق ~~على غيره، وكذلك الرمانة فهو صحيح، لكن إنما لم يجب ذلك لحصول صارف صرفه عن ~~التصدق على غيره حتى لو خلص الداعي، وبقي الغرض الذي لأجله تصدق على الأول، ~~لوجب أن يتصدق على غيره، وإلا بطل أن يكون تصدق لذلك الغرض. # ولهذا لو سألت المتصدق فقلت: لم تصدقت على زيد لفقره؟ ولم تصدق على عمرو ~~لفقره؟ لقال: إني لو تصدقت على عمرو وعلى كل فقير لنفد مالي وحصل على ضرر، ~~فثبت أنه إنما لم يتصدق على غيره لحصول صارف أزال الغرض المتقدم، ونحن ~~فرضنا المسألة مع بقاء الغرض، وكذلك من أكل رمانة لأنها حامضة إنما لم يجب ~~أن يأكل الرمانة الأخرى وإن حصلت الحموضة لحصول صارف أو تناقض شهوة حتى لو ~~خلص ما لأجله أكل الأولى لوجب أن يأكل الثانية. # حجة الشيخ محمد على ترجيح قول أبي علي أن التائب يجوز أن ينصرف عن القبيح ~~لقبحه ولعظمه أو لقبحه ولكثرة الزواجر عنه أو لقبحه، ولكونه مكملا لذنوب ~~كثيرة، وإذا كان كذلك جاز أن يندم على بعض القبائح لقبحه، ولهذه الصوارف ~~ولا ms467 يندم على ما سواه في القبح فقط دون هذه الزوائد، وصار كمن يأكل طعاما ~~لشهوة شديدة، فإنه لا يجب أن يأكل طعاما لشهوة قليلة، وإن اشتركا في ~~الشهوة. PageV01P566 # قال: يوضحه أن الإجماع قد وقع على أن اليهودي إذا تاب عن اليهودية مع ~~إصراره على غصب درهم صحت توبته وتجري عليه أحكام المسلمين. # واعترضه الجمهور بأن الإجماع إنما قع على أنها تجري عليه أحكام المسلم. ~~فإما أنه يسقط عليه عقاب اليهودية فلا. # وأجاب بأنه لولم يسقط عه عقاب اليهودية لكان كافرا في نفس الأمر، ومعلوم ~~خلافه، ولكان لا فرق بين رجوعه عن اليهودية وبين إصراره عليها /366/ على أن ~~أصل الجمهور يقتضي أنه مالم يتب عن غصب الدرهم فهو باق على اليهودية إذ لم ~~يصح توبته بعد، فلا يصح أن تجري عليه أحكام المسلمين. # قال: وما حكي عن أهل البيت عليهم السلام إنما هو مصروف إلى التوبة ~~الكاملة لا إلى التبة على الإطلاق، وهذا حسن، إلا أن للجمهور أن يقولوا: إن ~~توبة من ندم على القبح لقبحه ولعظمه أو لقبحه ولكثرة الزواجر عنه ونحو ذلك ~~مما عده غير صحيح، ولا بد أن يندم عليه لقبحه فقط؛ لأن القبح هو سبب ~~العقاب، والعقاب سبب التبة، فلا حاجة إلى الزيادة. # زيد إن حسب بأنه إذا ندم عليه لقبحه صحب التوبة ولا يقدح في صحتها أن ~~يندم عليه لزيادة مع القبح، وهي كثرة العقاب بذلك الذنب أو نحو ذلك، فإنه ~~لا يشتبه على عاقل كون عظم الذنب وكثرة الزواجر مما يصرف عنه، وإذا جاز أن ~~يندم عليه للقبح ولزيادة لم يجب أن يندم على ما ساواه في القبح فقط، فيجب ~~صحة التوبة عن ذنب دون ذنب بأن لا يحصل في أحد الذنبين هذه الصوارف ~~المذكورة، وهذا أقوى كما ترى لا سيما على القول بأن العزم دليل على التوبة، ~~وليس جزءا منها ولا شرطا فيها. PageV01P567 ### ||| AUTO القول في الوعيد السمعي # قد تقدم في أول الكلام ذكر ما تشتمل عليه هذه الجنبة. ### |||| AUTO فصل [في انقطاع التلكيف] ms468 # قد دل العقل على أنه لو نفى على أهل الآخرة تكليف لكان المكلف إما من أهل ~~الجنة فيحصل عليه بالتكليف تبعيض ومشقة، وربما يعصي فيستحق العقاب، وربما ~~تتوفر على الطاعات فيصير حاله أعلى ممن كان خيرا منه في الدنيا، وكله محال، ~~وأما من أهل النار فيجب أن يكون له سبيل إلى الانتفاع بما كلفه، فيستحق ~~الثواب إذا أطاع أو يتوب فيسقط عقابه أو يفعل من الطاعة ما يخف به عقابه ~~حتى يصير الكافر أخف عقابا من الفاسق، وكله محال، وكل شيء نجعل شبهة في ~~تكليفهم من نحو شكر النعمة ورد الوديعة وترك القبح ومعرفة الله، فإنهم ~~ملجئون غليه إما بأن يفعله الله كالمعارف أو بأن يقوي دواعيهم إليه ~~كسائرها. # فصل # كان يصح من جهة العقل أن ينقطع التكليف بالموت فقط أو الجنون أو النوم أو ~~نحو ذلك، ولكن دل السمع على أن الخلق يفنون. # اختلف الناس في معنى الفناء، فقال الجاحظ وأبو حسين وأبو حفص: هو الإماتة ~~وتبديد الأجزاء فقط. # وقال من عداهم: هو ما عنده تعدم الأجسام. # ثم اختلف هؤلاء في كيفية إعدامها، فقال النظام: يعدمها الله بأن لا يفعل ~~إحداثها حالا فحالا. PageV01P568 # ويبطله ما تقدم من استحالة تحدد صفة الوجود، هذا إن أراد الصفة، وإن أراد ~~أن الحدوث معنى يتحدد فأظهر فسادا؛ لأنه كان يلزم أن يحتاج الحدوث إلى حدوث. # وقال أبو الهذيل: يعدمها بأن يقول: افن كما أنه يوجد الشيء /367/ بأن ~~يقول له كن. # ويبطله أن هذا القول يتعلق بالقادر أيضا، فكان يحتاج إلى قول آخر ~~ويتسلسل. # على أه لو أثر قول الله تعالى افن وكن لأثر قولنا لتماثلهما. # وقال الكعبي: ومن يجعل النفاء معنى يفنى بأن لا يوجد الله بقاءها. # ويبطله أن المرجع بالبقاء ليس إلا إلى استمرار الوجود؛ إذ لو كان للنافي ~~صفة غيرها لصح انفصالها، وكان يلزم في الفاني أن تكون له صفة زائدة على ~~تضاد عده تضاد صفة الباقي. # وبعد، فل كان البقاء معنى لكان إما باقيا فيحتاج إلى معنى آخر أو حادثا، ms469 ~~فيلزم حدوث الجوهر حادثا باقيا، وليس له أن يقول أن هذه الضفة يستحيل عليه ~~احل الحدوث؛ لأن استحالة الصفة تتبع استحالة المعنى المؤثر فيها. # وقال أبو الحسين الخياط والغزالي وأكثر المجبرة يعدمها الله تعالى ابتداء ~~فجعلوا الإعدام مقدورا في نفسه ويبطله، إن كون القادر قادرا لو تعدى طريقة ~~الإحداث لتعدي ولا حاضر كالاعتقاد. PageV01P569 # وبعد، فلو كان ما تعلق القادر إحداثه تعلق به إعدامه لوجب أن يقف عدم كل ~~شيء على اختيار موجده ومعلوم أن في المحدثات مالا يقف عدمه على الاختيار ~~اتفاقا كالصوت وسائر ما لا ينفى. # وبعد، فكان يصح من الباري إعدام الباقيات من دون وجود ضدها. وبعد، فكان ~~يلزم قدرتنا على إعدام ما نقدر على إيجاده. وبعد، فليس للمعدوم بكونه ~~معدوما حاله، فيعلل بالفاعل. # وقال جمهور شيوخنا: يفنيها الله بمعنى يضادها بوجده لا في محل وهو ~~الفناء. # لنا، أما على أن الأجسام تفنى فقوله تعالى: {هو الأول والآخر} وهذا يقتضي ~~أن يوجد الله فلا شيء معه آخرا، كما وجد ولا شيء معه أولا، وورود الموت على ~~الأجسام، ولا يخرجها عن كونها موجودة. # على أن أكثر الأجسام لا يصح عليها الموت. # وقال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} والهلاك في الحقيقة هو العدم؛ لأنه ~~لو أراد الموت لما شمل جميع الأشياء؛ لأن الجمادات والأعراض لا تموت. # وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} وما لم يعدم الأجسام فهي ~~باقية، على أن جميع من فيه ذكر الإعادة يدل على عدم الأجسام؛ لأنه ما لم ~~يعدم لا يصح وصفها بالإعادة، وإنما المعاد تأليفها. # وأما على أنها تعدم بضد هو الفناء فلأنها باقية وليست تحتاج في وجودها ~~إلى شيء حتى يجب انتفاؤها بانتفائه وكل شيء هذه حاله لا ينتفي إلا بضد؛ ~~لأنه إذا صح عليه الوجود أكثر من وقت واحد صح في جميع الأوقات إذ لا حاضر. PageV01P570 # يوضحه إن صحة استمرار الوجود حكم ثبت لما هو عليه في ذاته، فليس بأن يستمر ~~وجوده في بعض الأوقات أولى من بعض فيجب أن ms470 يستمر إلا عند ضر وضده. # وبعد، فإذا انتفى في حال كان يجوز ألا ينتفي فيه لم يكن بد من أمر وليس ~~ذلك الأمر إلا الضد؛ لأنه قد تقرر أن الإعدام لا يتعلق بالفاعل /368/ فلم ~~يبق إلا أن يتعلق بالمعنى لا يوصف بأنه علة في انتفاء الأشياء به، وكذلك ~~سائر الأضداد؛ لأن العلة لا تؤثر إلا في معلول واحد، وهذا قد ينفي الأضداد ~~الكثيرة؛ ولأنه قد يحصل ولا ينفي شيئا بأن لا يصادق ضدا والعلة لا يصح ~~انفكاكها عن المعلول؛ ولأن شرط التضاد أن يتحد المحل والعلة لا يقف في ~~الإيجاب على شرط متفضل وإنما قلنا أنه يوجد لا في محل؛ فلأن المحل ضد له ~~فلا يصح أن يوجد فيه. # فصل # كأن يحسن من جهة العقل أن لا يعبد الله من يستحق العقاب؛ لأن ذلك يجري ~~مجرى العفو عنه، فأما من له ثواب أو عوض فيجب إعادته؛ إذ لا يمكن إيصال ذلك ~~إلا بالإعادة، وقد ورد السمع بأن الله تعالى يعيد كل مكلف. # واعلم أن الذي يجب إعادته هي الجملة التي أطاعت وعصت لأجنها هي التي ~~استحقت الثواب والعقاب وما يتصل با من الفضلات وأجزاء السمن، فهو تبع لها ~~يجوز أن يعاد ويجوز أن لا يعاد. # وأما البنية المخصوصة فقال أبو هاشم: يجب أعادتها؛ لأن بها يتميز المكلف ~~غن غيره. # قيل: والحق أن الواجب هي أو مثلها؛ لأن التأليف متماثل.. # وأما الحياة فقيل: يجب إعادتها بعينها، وقيل: يجب إعادة غيرها مما كان لا ~~يصح أن يكون حياة إلا له. PageV01P571 ### |||| AUTO فصل [في عذاب القبر وسؤال الملكين] # لا خلاف بين الأمة أن أهل النار يعذبون قبل يوم القيامة غلا ما يحكى عن ~~ضرار سواء كان في القبر أو لم، لكن فإن كثيرا من الناس لا يعبر بأن يصلب أو ~~يحرق أو تأكله السباع ونحو ذلك، ولكن عبر عنه بعذاب القبر؛ لأنه الغالب. ~~وقد ورد السمع بما يدل على ذلك. # قال تعالى حكاية عن أهل النار: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} ~~وإنما يكونان ms471 إماتتين إذا أحياهم في القبر، ثم أماتهم، والإحياء في القبر ~~إنما يكون لعذاب أو بشارة، ولم يذكر الحياة التي هم فيها؛ لأن ظاهره معلومة ~~لا تحتاج إلى ذكر. PageV01P572 # فإن قيل: الإماتة الأولى هي خلقه إياهم بعد أن كانوا أمواتا، كما قال ~~{وكنتم أمواتا فأحياكم}. # قلنا: إن لفظة الإماتة لا تطلق إلى بعد حياة لا حقيقة ولا مجازا. # وأما لفظة الموت والموات فتطلق على الجمادات مجازا. # وأما قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فالمراد في ~~الآخرة. # دليل، قال تعالى في آل فرعون {النار تعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب} فبين أنهم يعرضون على النار قبل يوم ~~القيامة، وإنما يكون ذلك مع الحياة، وقد تأولها بعضهم على التشبيه، أي ~~كأنهم يعرضون وبعضهم على أن فيها تقديما وتأخيرا تقديره ادخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب وكله خلاف الظاهر. # دليل، قال تعالى: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا} والفاء للتعقيب، ~~وهذا جيد إن كان المراد بالإغراق الموت وقد وردت الأحاديث ف يذلك نحو قوله ~~عليه السلام: ((القبر روضة من /369/ رياض الجنة أو حفرة من حفر النار))، ~~ومر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان من كثير، أي عندهما أو بالنسبة ~~غلى من له طاعات كان أحدهما يمشي بالنميمة والآخر لا يستنز من البول. PageV01P573 # وأما سؤال منكر ونكير فهو أيضا من جملة عذاب القبر أو بشارته وقد ورد الأثر ~~بأنهما يأتيان الميت فيقعدانه بعد أن أحياه الله تعالى وأكمل عقله وشاهدانه ~~على صورة حسنة يستر بهما ويجري مجرى البشارة بالجنة إن كان من أهل الخير ~~فقط وعلى صورة هائلة فجيعة إن كان من أهل النار، ثم يسالانه عن ربه ودينه ~~ونبيه، فإن كان من أهل الثواب ثبته الله فأجاب بالصواب فأحسنا له الكلام ~~وبشراه وأدخلا عليه سرورا عظيما، وإن كان من أهل العقاب كان بالعكس فنسأل ~~الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. # فإن قيل: إن تسميتهما بمنكر ونكير تسمية ذم وذلك ممنوع في الملائكة. ms472 # قلنا: إنما تكون التسمية ذما بالقصد غلى ذلك، ألا ترى أن العرب قد سمت ~~بالكلب والصخر ويحق ذلك ولم يكن ذما والغرض بهذه التسمية ما يرجع إلى فقد ~~المعرفة بهما وإنكارهما وما يرجع إلى نفور المعذب منهما وكراهة مشاهدتهما، ~~ولما يرجع إلى عظم خلقهما وهائل فعلهما. # فإن قيل: متى يكون هذا السؤال وسائر عذاب القبر؟ # قلنا: لم يرد على تعيين وقته دليل وجائز أن يكون في أوقات الدنيا، ولا ~~يلزم عليه أن يسمع ويرى؛ لأن في ستره عن الناس صلاحا يعلمه الله تعالى، ~~وربما أن الصلاح في ذلك يرجع إلى زوال الإلجاء، فإنا لو شاهدنا شيئا من ~~عذاب أهل القبور لكنا ملجئين غلى فعل الطاعة وترك المعصية، ويجوز أن يكون ~~في البرزخ بين النفختين. # قيل: وهو الأقرب لقوله تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} والبرزخ ~~هو الأمر الهائل. # فصل # وأما الميزان فقد أثبته الجمهور على الحقيقة للآيات الواردة به، ولما ~~يروى عنه عليه السلام أنه يكون عند كل كفة ملك، فإذا رجحت كفة الخير نادى ~~الآن فلانا سد سعد سعادة لا شقاوة بعدها ابدا، وإذا أرجحت كفه اليسرى نادى ~~الآن فلانا قد شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا. PageV01P574 # وأما وزن الأعمال فليس على الحقيقة؛ لأنها إعراض ومما لا يجوز عليه ~~الإعادة، ويجوز أن يجعل الله في إحدى الكفين نورا علامة للطاعة، وفي الأخرى ~~ظلم علامة للمعصية، ثم يرجح أحدهما، ويجوز أن يكون الأعمال مكتوبة في صحائف ~~توضع صحائف الطاعة في كفه وصحائف المعصية في كفه، وفائدة ذلك تعجيل المسرة ~~أو الغم فيكون ذلك جاريا مجرى الثواب أو العقاب، ويكون في العلم به لطفا ~~للمكلفين في الدنيا. # وقد ذهب بعض الشيوخ غلى أن المراد بالميزان في الآخرة العدل، وهو خلاف ~~الظاهر، ولا /370/ ولا موجب للعدول عن الظاهر، ولو كان كما ذكره لما كان ~~لذلك الثقل معنى. # فصل # وأما الحساب وبشر الصحف وإنطاق الجوارح، فمما لا يمكن إنكاره، وفائدة ~~جميع ذلك ما يرجع غلى اللطف في العلم به، وصورة الحساب أن ms473 يخلق الله فيهم ~~علما ضروريا بما لهم من الحسنات والسيئات، ولهذا صح منه تعالى بسرعة، وليس ~~على حد المحاسبة في الشاهد. # وأما إنطاق الجوارح فهو بأن يخلق الله تعالى فيها الكلام كما يفعله في ~~الحصى والشجر أو بأن يبنيها بنية يصح منها الكلام ولا يقف على اختياره. # فصل # وأما الصراط فهو الطريق، قيل: وهو طريقان في الآخرة طريق إلى الجنة وطريق ~~إلى النار، وعلى هذا يحمل قوله: {فاهدوهم غلى صراط الجحيم} وقوله تعالى: ~~{صراط الذين أنعمت عليهم} في أحد وجوهه وقيل هو جسر على جهنم يتفسح لأهل ~~الجنة فيمرون عليها بسهولة ويتضيق على أهل النار ويضطرون عليه حتى إذا بلغ ~~أحدهم إلى سمت مكانه من جهنم، يسأل الله السلامة وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ~~{وإن منكم إلا واردها} إن كان الضمير عائدا إلى النار فيكون ورود المؤمنين ~~النار بهذا المعنى صحيحا من دون فزع، ولا ألم، بل ربما يزداد سرورهم ~~لتيقنهم السلامة منه، ويكون في العلم بذلك لطف للمكلفين في الدنيا. # فصول في بيان أن الله تعالى يفعل بالعصاة ما يستحقونه وينبغي أن يتكلم في ~~مقدمتين لا بد من ذكرهما. PageV01P575 # أحدهما: في بيان معنى الصغيرة والكبير. # والثانية: في بيان معنى أن في اللغة ألفاظ للعموم. # أما المقدمة الأولى فالكثيرة هي ما يستحق عليها صاحبها من العقاب في كل ~~وقت أكثر مما يستحق من الثواب في كل وقت. # قلنا: صاحبها ولم يقل فاعلها؛ لأن الكبيرة قد تكون من باب التروك. # وقلنا في كل وقت؛ لأنه ربما يفعل طاعة يستحق عليها عشرة أجزاء من الثواب ~~في كل وقت، ثم إذا لبث عشرة أوقات صار له مائة جزء من الثواب، فلو فعل ~~معصية يستحق عليها أحد عشر جزءا من العقاب في كل وقت لكانت كبيرة بالنظر ~~غلى عشرة الثواب التي يستحقها في كل وقت ولا غيره بما اجتمع له في الأوقات ~~الماضية؛ لأنه لا يستحقه في كل وقت. # والصغيرة هي ما يستحق صاحبها من الثواب في كل وقت أكثر من عقابها في كل ms474 ~~وقت، والاحتراز ما تقدم. # وقد ورد السمع بأن في المعاصي صغائر وكبائر، قال تعالى: {لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة} وقال تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} ~~وقال تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}، فجعل العصيان قسما ~~بالنار وليس إلا /371/ الصغائر. # وقد اختلف الشيوخ في هل من حق الصغيرة أن يكون محققة بأن يكون لفاعلها ~~ثوابا يكفر عقابها أو يجوز أن يوصف بذلك تقديرا بمعنى أنه لو كان له ثواب ~~لكفر عقابها، فقال: بالأول بعضهم وقال بالثاني آخرون وهو خلاف في عبارة ~~وفائدته هل للكافر صغائر أم لا، واتفق الشيوخ على أنه لا يجوز التعريف ~~بجميع الكبائر؛ لأنا نعلم إنما عداها صغير فيكون في حكم المغربين به، فأما ~~بعد فعلها فيجوز كصغائر الأنبياء، ولا يلزم أن يكونوا مغربين بها؛ لأنهم لا ~~يقطعون بأن الذي نفى من ثوابهم بكفر عقابها مرة أخرى، وكذلك لا يكون نحن ~~مغربين بفعل مثلها؛ لأنا لا نقطع بأن لنا ثوابا نكفر عقابها ، فأما بعض ~~الكبائر فيجوز أن يعرفها بأعيانها نحو الزنا وشرب الخمر وقتل النفس. PageV01P576 # وبالجملة، ما كان عليه عقاب في الدنيا وما عداه قبل لا نقطع بكون شيء منه ~~كثيرا، وقيل: نقطع بذلك فيما يتناوله وعيد يخصه كالكذب والغيبة. # وأما المقدمة الثانية فقد ذهب الجمهور إلا أن في اللغة ألفاظها للعموم ~~وهي من وما وأين ومتى وأي في الاستفهام والمجازاة وكل وجميع والنكرة في ~~النفي والجمع المضاف والاس المفرد والجمع إذا دخلهما اللام بحسب خلاف بين ~~الشيوخ. # وقالت المرجية: ليست للعموم، ثم اختلفوا فقال بعضهم: هي للخصوص، وقال ~~بعضهم: هي مشتركة بين العموم والخصوص، وقال بعضهم: هي المقدر المشترك، أي ~~لا يفيد إلا العموم ولا الخصوص ولا يمنع منهما، وقال بعضهم بالوقف مطلقا، ~~وقال بعضهم: به في الأخبار خاصة. # لنا: أن الاستغراق معنى عقله أهل اللغة ومستهم الحاجة غليه، فيجب أن ~~يضعوا له لفظا لقوة الدواعي مع القدرة. # قال الخصوم: يجوز وإن عقلوه إلا يضعوا له كفعل الحال والاستقبال، ~~والاعتماد سفلا وعلوا ورائحة المسك ms475 والكافور. # قلنا: كلامنا في معنى يسند الحاجة إلى العبارة عنه. # على أنهم قد وضعوا لهذه الأشياء ألفاظها لكنها مركبة، فقالوا: زيد يفعل ~~الآن أو غدا أو اعتماد سفلي ورائحة مسك، قالوا: الاشتراك بين الكل والبعض ~~معنى عقلوه أيضا كمن يريد أن يشكك على غيره. # قلنا: لذلك لفظ يخصه نحو: جاءني إما كل الناس وإما بعضهم. # دليل من في الاستفهام إما حقيقة في البعض مجاز في الكل وهو باطل، وغلا ~~لما حسن أن يجيب بذكر جميع العقلاء، وإما مشتركة بينهما وهو باطل، وغلا لما ~~حسن أن يجيب حتى يستفهم السائل عما سأل، فيقول: أعن الرجال تسأل أو عن ~~النساء؟ وإذا قال عن الرجال قال: أعن العرب أم العجم؟ وإذا قال: عن العرب، ~~قال: أعن ربيعة أم مضر؟ وهلم جرا إذ ما من لفظ يجيب به إلا وهو مشترك عند ~~المخالف ومعلوم /372/ استقباح هذه الأسئلة. PageV01P577 # دليل، يصح الاستثناء في جميع ما يعدم ذكره وذلك علامة العموم؛ لأن من حقه ~~أن يخرج من الكلام مالولاه لوجب دخوله تحته. # قالوا: يخرج ما لولاه لصح دخوله لا مالولاه لوجب. # قلنا: فكان إذا يصح الاستثناء من الجميع المنكر نحو أكرم رجالا إلا زيدا ~~وهم قد منعوه لكونه يخرج ما لولاه لصح دخوله لا مالولاه لوجب، وتأولوه حيث ~~ورد بأن المغني ليس بعضهم زيدا. # وبعد، فالاستثناء من الأعداد يخرج ما لولاه لوجب دخوله نحو على عشرة إلا درهما. # وبعد، فقد قال أهل اللغة: الاستثناء إخراج بعض من كل ومالم يكن الكل ~~مستغرقا لهو بها بعض. # دليل، لو كانت هذه الألفاظ مشتركة بين العموم والخصوص لكان التأكيد في ~~نحو رأيت القوم كلهم، يريد السامع التباسا، ومعلوم أنهم يقصدون به الإيضاح، ~~ولو كانت حقيقة في الخصوص لتعد العموم بكل لفظة من ألفاظ التأكيد درجة. # دليل، قد رجع أهل اللغة في إفادة العموم إلى كل ونحوها. # دليل، إذا قال ضربت من في الدار نافاه لم أضرب من في الدار وناقضه لم ~~أضرب بعض من في الدار، ومع الخصوص والاشتراك لا ms476 منافاة ولا تناقض. # دليل، إذا قال قائل: ما ضربت رجلا أكذبه، قول الآخر: ضربت رجلا، ومنه ~~قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} تكذيبا للذين قالوا {ما ~~أنزل الله على بشر من شيء}. # دليل، فهم عثمان بن مظغون رضي الله عنه العموم من قول البيت: (.. وكل ~~نعيم لا محالة زئال). # فقال: كذب فإن نعيم أهل الجنة لا يزول، وكذلك فهم ابن الزنعرى العموم من ~~قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من..} الآية، فألزم النبي عليه السلام أن ~~تكون الملائكة وعيى عليه السلام من أهل النار؛ لأنهم قد عبدوا. # دليل، إذا قال السيد لعبده: من دخل داري أكرمته، فإنه يكون عاصيا بترك ~~إكرام بعضهم. PageV01P578 # شبهة المخالفين أنه لا بد من طريق إلى العلم بكونها للعلوم؛ إذ لا يعلم ~~بالبديهة والطريق، أما مشافهة أهل اللغة، وذلك مفقود؛ لأنا لم نرهم أو ~~الخبر المتواتر عنهم وذلك مفقود، وإلا كنا نشارككم في العلم به أو الآحاد ~~وهي لا توصل إلى العلم. # والجواب: يعلم ذلك بالأدلة المذكورة، بل الضرورة بعد استقراء اللغة، ثم ~~يقلب السؤال عليهم سواء دعوا أنها للخصوص أو مشتركة، غلا أن وروده على أهل ~~الاشتراك ك من حيث قد سلموا وضعها للعموم، وادعوا أنها أيضا وضعت للخصوص. # قالوا: كما نستعمل في العموم نستعمل في الخصوص. # قلنا: على جهة المجاز. # قالوا: لو كانت للعموم لكان الاستثناء منها نقضا. # قلنا: معارض باستثناء الدرهم من العشرة. # والتحقيق أن هذه الألفاظ تدخل بالوضع على الجميع، وبالقصد على ما عدا ~~المستثنى، فيستثنى ليتبين بذلك من دخلت عليه بالقصد، فلم يكن المستثنى ~~نقضا؛ لأن المتكلم لم يرد ما تناوله الاستثناء. # قالوا: إذا قال ضربت من في الدار حسن من السامع أن يستفهم فنقول: أضربت ~~الكل أو البعض، ونقول: هل /373/ ضربت زيدا فيهم. PageV01P579 # قلنا: إنما يحسن الاستفهام إذا ظن السامع سهو المتكلم أو تساهله فيستثنيه ~~بالسؤال أو يتوهم أن المتكلم لا يتحقق دخول بعض خصوص، والسائل شديد العناية ~~أو يتوهم أن المتكلم أطلق اللفظ العام مجازا أو ms477 حصل فيه قرينة عند السامع ~~تقتضي خروج بعض كأن يكون في الدار أخو الضارب أو بعض أعزته، فيقول: أضربت ~~أخاك، فلمثل هذه الوجوه بحسن الاستفهام. # ثم يقلب عليهم السؤال: إذا كان اللفظ للخصوص أو مشتركا فنقول: لا فائدة ~~في الاستفهام؛ لأن كل جواب أجيب به فهو خاص أو مشترك. # قالوا: لو كانت من للعلوم في نحو قوله: من عندك، لجرت مجرى أكل العقلاء ~~عندك، وجواب هذا بلا أو بنعم لا بالتعيين. # قلنا: لا نسلمه لأنها سؤال عن كل واحد من العقلاء لا عن كلهم، فهي تجري ~~مجرى قوله: أزيد عندك أم عمرو؟ حتى يأتي عل جميع العقلاء، وجواب هذا يكون ~~بالتعيين لا بلا ولا بنعم. # ثم نقلب عليهم السؤال إذا كانت للخصوص أو مشتركة. # شبهة القائلين بأنها للعموم في غير الوعيد أن الغرض بالوعيد التخويف الذي ~~يكفي فيه الظن بخلاف الأمر والنهي، فإنه تكليف، فلا بد فيه من إزاحة علة ~~المكلف. # والجواب: أن المتوعد إذا سمع هذه الألفاظ فإما أن تفيد العموم من جهة ~~اللغة عنده، فيجب حملها عليه كالأمر وهو المطلوب؛ لأن الغرض بالخبر ~~الإفادة، فلا بد أن يقصد المتكلم باللفظ ما وضع له أو بدل قرينة على ~~مقصوده، وإما أن يكون غير مفيد للعموم عنده، فلا يجوز له أن يحملها على ~~العموم، فلا يحصل التخويف. PageV01P580 ### |||| AUTO فصل [في أن وعيد الكفار مقطوع به] # بمعنى أنه يوصل إليهم ما يستحقونه، وهذا مجمع لعيه إلا ما يحكى عن مقاتل ~~بن سليمان وبعض الخراسانية وبعض الكرامية، فذهبوا إلى أن المشترك لا يعاقب ~~وأنه لا معنى للشرك غير أنهم يسيرون هذا المذهب وهم محجوجون بالإجماع، ~~وبأنه معلوم ضرورة من دين النبي وصريح الكتاب. ### |||| AUTO فصل [في أن وعيد الفساق مقطوع به] # بمعنى أنه يفعل بهم ما يستحقونه من العقاب، وقد خالف في ذلك المرجئة وقطع ~~بعضهم على أنهم غير داخلين في الوعيد، وتوقف البعض الآخر، وهذا هو الإرجاء ~~الحقيقي. # لنا: الكتاب والسنة، أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى: {ومن يعص الله ~~ورسوله ms478 ويتعد حدوده يدخله نارا} قالوا: الجمع المضاف يقتضي الاستغراق، ~~والفاسق لم يتعد جميع حدود الله. # قلنا: وكذلك الكافر، فكان يلزم بطلان فائدتها. على أن تساق الآية. # وأيضا فقوله: {وتلك حدود الله} إشارة إلى حدود محضورة، فقوله عقيب ذلك: ~~{ومن يتعد حدود الله} يجب أن يصرف إليها. PageV01P581 # /374/ ومنها قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم}، قالوا: ~~ساقها في الكفار بدليل قوله تعالى: {حتى إذا رأوا ما يوعدون فيستعلمون من ~~أضعف ناصرا وأقل عددا}. # قلنا: عموم أول الآية لا يمنع من خصوص آخرها. # ومنها قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا..} الآية. # قالوا: المراد أنه يستحق جهنم، وأن التقدير، فجزاءه ن جازه. # قلنا: هذا تقدير شرط لم ينب عنه الظاهر ولا دل عليه العقل. # وبعد، فقوله: {وغضب الله عليه ولعنه وأعد له جهنم} يمنع من تقدير هذا الشرط. # وبعد، فالجزاء مصدر جاز إنجازي، فلا يصح تقديره بالاستحقاق. # وبعد، فالاستحقاق اسم، فلو فسر به الجزاء لكان قد عطف فعلا على اسم. # قالوا: ظاهر الآية يقتضي وقوع المجازاة عقيب المعصية، وإذا بطل الظاهر ~~فلستم بأن تحملوه على مجاز، وهو أن التقدير سيجارى أولى من أن يحمله على ~~مجاز آخر، وهو أن المراد الاستحقاق. PageV01P582 # ومنها قوله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وشعر} والفاسق مجرم، وأما قوله في ~~آخرها: {أم يحسبون أن لا نسمع سرهم ونجواهم} فهو كلام مستقل لا يقتضي ~~انصراف الآية إلى الكفار. # ومنها قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} وقوله تعالى: {بلى من كسب ~~سيئة.. الآية} وقوله تعالى: {إن الفجار لفي جحيم} وقوله تعالى: {ومن يظلم ~~منكم نذقه عذابا كبيرا} وأشباهها. # ومنها قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~فشرط التكفير باجتناب الكبائر. # ومنها قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى ويقولون: استغفر لنا} إلى قوله: {ألم نؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا ~~يقولوا على الله إلا الحق}. # وأما السنة فالأخبار مشحونة بالوعيد العظيم على من شرب وزنا واغتاب ms479 وقتل ~~النفس وأشباه ذلك. # ويقال: الخصوم لو جاز أن يتوقف في عمومات الوعيد لجاز أن يتوقف في عمومات الوعد. # فإن قالوا: الوعيد يتضمن ما يجب إيصاله وهو الثواب. # قيل لهم: جوزوا الحلف في الوعد بالتفضل الذي لا يجب إيصاله. # فإن قالوا: علينا في عمومات الوعد تكليف من جهة العمل، ولا يمكن الوقوف ~~على امتثاله إلا بالوقوف على المراد. # قيل لهم: وكذلك علينا في عمومات الوعيد تكليف في باب العلم من حيث اللطف، ~~ولا يصح اعتقاد موجباتها إلا بحملها على ظواهرها مع فقد القرينة التي تنصرف ~~عن الظاهر. # يوضحه أن هذا هو الوجه في حمل آيات الوعد على ظاهرها. PageV01P583 # فصل # وللمخالفين شبه عقلية وسمعية، أما العقلية فهي إن قالوا: الغرض بالوعيد ~~الزجر والتخويف، وذلك حاصل مع تجويز العفو. # والجواب أن مع القطع على لحوق العقاب يكون /375/ أبلغ في اللطف والزجر. # وبعد، فهذا يقتضي أيضا التوقف في وعيد الكفار. # فإن قالوا: إنا نقطع على وعيد الكفار للإجماع؛ ولأنه معلوم من ضرورة الدين. # قلنا: هذا يزيد الإلزام تأكيدا؛ لأنا ألزمناكم على مقالتكم التوقف في أمر ~~مقطوع به لحصول ما جعلتموه علة في التوقف. # على أن النبي عليه السلام يجوز مثل ما جوز، ثم في هذه الآيات، فمن أين ~~علم أن وعيد الكفار مقطوع به. # فإن قالوا: اضطر إلى ذلك من قصد جبريل. # نقلنا الكلام إلى جبريل فقلنا: كيف علم ذلك وليس يصح الاضطرار إلى قصد ~~الباري ما دامت ذاته تعلم دلالة. # وبعد، فهب أن الأمر كما ذكروه، فلم يقطع بعذاب الفساق لأجل التخويف ~~والزجر، بل لأن بالعفو ينكشف كون هذه الأخبار كذبا إن كان أراد ظواهرها ~~وألغازا وتعمية إن أراد غير ظواهرها، ولم يدل عليه وعبثا إن لم يرد شيئا ~~أصلا فلم يتم قولهم أن هناك شروطا لم ينب عنها الظاهر. # فإن قالوا: قد جوزتم شروطا لم ينب عنها الظاهر نحو التوبة وكثرة الطاعات، ~~فقلتم تقديره: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا إلا أن يتوب أو ~~تزيد طاعاته على معاصيه. PageV01P584 # قلنا: ms480 هذه الشروط قد دل على اشتراطها العقل، وما اشترطه العقل فهو في حكم ~~الملفوظ، ودل عليه السمع أيضا نحو: {إلا من تاب} {إلا الذين تابوا} ونحوها. # شبهة # قالوا: ليس الفاسق بأن يدخل النار بآيات الوعيد أولى من أن يدخل الجنة ~~بآيات الوعد. # والجواب: أنه بارتكاب الكبيرة قد أبطل طاعاته، فتكون النار أولى به إلا ~~أن يتوب. # يوضحه أنه يترك به العقاب في الدنيا على جهة الجزاء والنكال. # شبهة # قالوا: قد مدح الله العفو ورغب فيه، فهو أحق بذلك، وأيضا فمن توعد من ~~الملوك ثم عفا عد ذلك مدحا ومدح عليه. # الجواب عن الأول: أنا إنما رغبنا في العفو لما لنا في ذلك من النفع ~~والثواب، فهو خير لنا من الانتقام ومدحنا عليه كما مدحنا على سائر الطاعات، ~~وذلك مفقود ي حقه تعالى. # وعن الثاني أن الملك إذا توعد غيره فإما أن يتوعده بأن يظلمه أو يتوعده ~~بماله أن يوصله إليه كالحدود ونحوها إن توعده بالظلم، وهو الأغلب في ~~الشاهد؛ لأن أحدنا لا يستحق على غيره عقوبة، وغنما يستحق عليه أعواضا ~~والعقوبة إلى الله تعالى. # فمتى أخلف وعيده، والحال هذه لم يسم ذلك عفوا؛ لأن العفو عما يستحقه، ~~وإنما يطلق اسم العفو تطبيبا لقلوب الظلمة. # وإن توعده بماله أن يوصله إليه كالحدود ونحوها لم يسلم أن الحلف فيه عفو، ~~ولا حسن ولا يمدح عليه. PageV01P585 # شبهة # قالوا: سلمنا أن الوعيد يتناول الفساق، فقد ثبت عند العقلاء أن الحلف في ~~الوعيد كرم، ولهذا قال قائلهم: # وإني إذا أوعدته أو وعدته .... لمخالف ايعادي ومنجز وعدي # /376/ وقال آخر: # إذا وعد السراء أنجز وعده .... وإن أوعد الضراء فالعفو ما نعه # والجواب: هذا يقتضي أنه تعالى يعفو عن الكفار لئلا يفوته هذا الكرم ~~المذكور. # وبعد، فقد بينا أن الخلف يقتضي الكذب وهو ممنوع في حق الله تعالى. # وبعد، فالفرق المتوعد في الشاهد يجوز أن يضمر مالا يبنى عنه الظاهر، ولا ~~يدل عليه، فلا يكون وعيده على القطع، وذلك الشرط الذي يضمره هو أن يبقى ما ~~كان عليه ms481 من العزم على إنزال العقوبة، فإذا بدا له عفا، وذلك لا يصح في من ~~ثبتت حكمته، ولم تجر عليه الآراء والبدوات، فيجب إذا كان هناك شرط أن ~~يظهره، وإلا كان تلبيسا. # وبعد، فلا بد من التفصيل المتقدم، وهو أن المتوعد في الشاهد إنما يتوعد ~~بما هو ظلم، فيكون الخلف به أولى من إتمامه، وإن كانا قبيحين، فأما إذا ~~توعد بماله أيضا له كالحد، فليس الخلف فيه كرم. PageV01P586 # وبعد، فهب أن الخلف في الوعيد كرم، فإنما ذلك من جهة العقل، فأما السمع ~~فمنع منه، قال تعالى: {ما يبدل القول لدي} وقال: {وتمت كلمات ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته} وأشباه ذلك من الآيات. # وبعد، فظاهر كلام الخصم صحة وصف الله تعالى بالحلف، وغلا بطلت الشبهة، ~~وذلك ظاهر البطلان. # ويحكى أن أبا عمرو بن العلاء قال لعمرو بن عبيد: أصدق ما بلغني عنك أنك ~~تقول أن الله يفعل ما وعد وتوعد؟ قال عمرو: نعم، قال: فإنك أعجمي ولست أعني ~~لسانك وإنما أعني فهمك، أو ما علمت أن العرب تمدح إذا لم يفعلوا ما يتوعدون ~~به وأنشد: # وإني إذا أوعدته ووعدته .... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # فقال له عمرو: أو تسمي الله مخلفا؟ قال: لا، قال: فقد أبطلت شاهدك أو ما ~~علمت أن الشاعر يمدح على الشيء وعلى خلافه ثم أنشد: # إن أبا ثابت لمجتمع الرأي .... شرف الآباء والبيت # لا يخلف الوعد والوعيد ولا .... يبيت من ثاره على فوت # وقال آخر يمدح النبي: # علمت رسول الله أنك مدركي .... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # ثم قال لأبي عمر: وما تقول في قوله تعالى: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} ~~فسكت عمرو. PageV01P587 # وأما شبههم السمعية فأقواها قوله تعالى: {أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء}. # ووجه الاستدلال بها أن المعني لا يغفر أن يشرك به تفضلا، قالوا: فيجب أن ~~يكون التقدير ويغفر ما دون ذلك تفضلا ms482 وذلك عام في الصغائر والكبائر، وأيضا ~~فلو جعل ما دون ذلك على الصغائر والكبائر مع التوبة لكان لا وجه لتعلقه ~~بالمشيئة؛ لأن غفرانها حينئذ واجب. # يوضحه أنه أضاف الغفران إلى نفسه /377/ ومع التوبة أو كون الذنب صغيرا لا ~~يكون سقوط عقابه مضافا إلى أحد، وأيضا فما دون الشيء إنما يستعمل في ما ~~قاربه، فيكون المراد الكبائر، كما أن القائل إذا قال: الألف فما دونه لم ~~يحمل ما دونه على العشرة، وغنما يحمل على التسعمائة ونحوها. # ونحن نجيب على الجملة بما سقط تعلقهم بالآية رأسا فنقول: إنما يقتضي ~~ظاهرها أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء تفضلا، فمن أين أنه قد شاء أن يغفر ~~الكبائر تفضلا وهو محل النزاع لا سيما وغفراها يكشف عن الكذب في آيات ~~الوعيد. # وبعد، فلا تعلق لواحد من فرق المرجئة. # أما من قال لا وعيد على مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة كما ينسب إلى مقاتل وغيره. # فيقال له: إذا لم يكن عليهم وعيد يستحق فلا معنى للغفران؛ لأن الذنب ساقط. # وأما من قال أن الفاسق يعذب عذابا منقطعا كما يحكى عن المرء يسيء. # فيقال له: الآية عندك تقتضي الغفران، وأنت قطعت على نزول العقاب، فأين ~~الغفران. # وأما من قال بالتوقف وهم الجمهور من المرجئة. # فيقال: ضم ظاهر الآية عندكم يقتضي القطع على المغفرة لمن عدا المشركين ~~وأنتم تتوقفون، وقوله لمن يساء لا يقتضي الوقف؛ لأن الذي علق بالمشيئة هو ~~تعيين المغفور له، فأما المغفرة فمطلقة، وإذا كان ظاهرها يقتضي ما لا يقول ~~به أحد من الأمة وجب صرفها إلى الصغائر أو الكبائر مع التوبة. PageV01P588 # فيقال لهم: هل علمتم إضمار التفضل في أول الآية بلفظ الآية، وهو باطل ~~بالاتفاق، أو بدليل متفضل، فالواجب اعتبار الدليل في آخرها، فإن قام دليل ~~في آخرها أضمر، وإلا وجب العدول إلى ما دل عليه الدليل من أن التقدير ويغفر ~~ما دون ذلك بالتوبة وبكونه صغيرا. # وبعد، فيقال لهم: إذا كان تقدير أول الآية أن الله يغفر الشرك بالتوبة ~~ولا يغفره تفضلا ms483 وجب أن يكون تقدير آخرها ويغفر ما دون ذلك تفضلا ولا يغفره ~~بالتوبة. # وبعد، فهب أن ظاهر الآية معهم فنحن نوافق أن الله يغفر جميع الذنوب من ~~جهة العقل، وهذه الآية مطابقة للعقل، فما المانع من قيام دليل آخر سمعي ~~يقتضي القطع بالانتقام الذي قد كان العقل يجوزه ويجوز العفو. # وبعد، فهب أن الآية عامة تقتضي غفران ما دون الشرك، فما المانع أن تخصصها ~~آيات الوعيد. # وبعد، فالآية مجملة لم يبين الله فيها من الذي يشاء له المغفرة وبيانها ~~في قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الآية. # وبعد فقد قال بعض أصحابنا أن المراد بالمغفرة ليس إسقاط العقاب المستحق، ~~لكن تأخيره إلى الآخرة، وترك الاستعجال به، وقد سمى الله تأخير العقاب ~~مغفرة، فقال تعالى: {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب، بل لهم موعد} /378/ وقال تعالى: {إن الله يمسك السموات والأرض أن ~~تزولا} إلى قوله: {إنه كان حليما غفورا}. PageV01P589 # وعلى هذا يحمل قوله: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي لا تعجل ~~عليهم، وقال تعالى: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} أي إن شاء عجل ~~لهم العذاب وإن شاء تاب عليهم بتأخيره، فعلى هذا يكون معنى الآية أن الله ~~لا يؤخر عقاب الشرك ويؤخر عقاب الفسق، وذلك هو الغالب، فإن الله تعالى عذب ~~كثيرا من الكفار في الدنيا، إما بالاستئصال كما فعل بأكثر الأمم، أو بالقتل ~~على أيدي المؤمنين وأخذ الأموال والذراري وتسليط بعضهم على بعض أو بالخذلان ~~كالتجلبة بينهم وبين الشياطين أو سلب الألطاف ونحو ذلك على ما يفسر به قوله ~~تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}. # فإن قيل: وكذلك قد يعجل عقاب الفساق بهذا المعنى. # قلنا: هو كذلك ولكن المراد الأغلب، ولهذا قال تعالى: {لمن يشاء}. # ثم أنا نتتبع ما قالوه في الآية، أما قولهم أن التفضل لما كان مضمرا في ~~الجملة الأولى وجب أن نضمره في الثانية، فلا نسلمه، ولا دليل عليه، بل لو ~~كان مظهرا في الجملة الأولى ms484 لما وجب إضماره في الثانية، كما أن القائل إذا ~~قال لا أعطى أهل الري شيئا وأعطى العلماء من أشياء لم يجب، ويكون التقدير ~~وأعطى العلماء من أهل الري، ولهذا لما احتجت الحنفية على أن المسلم يقاد ~~بالذمي بقوله عليه السلام: ((ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده))، ~~قالوا: فالتقدير ولا ذو عهد في عهده بكفر؛ لأن الكافر مطهر في الجملة ~~الأولى، فيجب إضماره في الثانية لما كانت بالعطف في حكم الجملة الواحدة. # فقال لهم الجمهور: لا يجب أن يضمر في الثانية ما أظهر في الاولى، وغنما ~~يجب أن تظهر في الثانية ما لا تتم الفائدة غلا به وهو القتل، فيكون ~~التقدير، ولا يقتل ذو عهد في عهده، أي ما دام معاهدا، ويكون فائدة هذا ~~التقييد أن لا يتوهم متوهم أنه إذا خرج من العهد لم يقتل. PageV01P590 # وأما قولهم: لو أراد الصغيرة أو بالتوبة لكان لا وجه لتعليقه بالمشيئة؛ ~~لأنه واجب، فغير صحيح؛ لأن الواجب قد تعلق بالمشيئة كما قال تعالى: {ويعذب ~~المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} ، فعلق التوبة عليهم بالمشيئة، ومعلوم أنه ~~إنما يتوب عليهم إذا تابوا، والقول حينئذ واجب. # على أنه ليس المراد بذكر المشيئة التردد، ولكن المراد بيان قدرته؛ ولأنه ~~لا يعارضه معارض في سلطانه فيحمل على مشيئة الاقتدار، وجائز أيضا أن يكون ~~المعنى لمن يشاء، أي للتائب عن الكبيرة إذا لم يكن مع الكبيرة شرك. # وأما قولهم أنه أضاف الغفران غلى نفسه فإما جاز ذلك لأنه هو المعاقب، وهو ~~الذي يختار أن لا يعاقب عند التوبة أو صغر الذنب، وعلى هذا قال تعالى: ~~{وإني لغفار لمن تاب وآمن..} الآية، وقال تعالى: {فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك}. # وأما قولهم أن ما دون الشيء يستعمل في ما رب دون ما يعد فغير مسلم، بل ~~يستعمل فيهما. # شبهة # تعلقوا بقوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} إلى قوله: ~~{يغفر الذنوب جميعا}. # /379/ والجواب: أنه تعالى إنما نهى عن القنوط الذي هو الإياس من رحمة ~~الله ms485 بإهمال التوبة واعتقاد أنها لا تقبل. # وبعد، فالظاهر يقتضي غفران الشرك فما خصصوا به غفران الشرك خصصنا بمثله ~~غفران الفسق. # والمعنى يغفر الذنوب جميعا بالتوبة، وسياق الآية يشهد بذلك، قال تعالى: ~~{وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب} الآيات، فإن كلها ~~حث على التوبة وعيد على الإخلال بها. # شبهة # قال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم}. # والجواب: أن المراد مع التوبة وإلا وجب تظاهرها أن يغفر الشرك، وإنما ~~سماهم ظلمة بعد التوبة من حيث الاشتقاق لا على طريق الذم، والحكيم لا يطلق ~~الاسم على الوجه الصحيح، ولهذا قال آدم عليه السلام: {ربنا ظلمنا أنفسنا} ~~وإنما قاله وقد تاب، وقال موسى: {رب ني ظلمت نفسي} على أنه قد حمل الغفران ~~هنا على خير العقوبة. # شبهة PageV01P591 قال تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} قال: ~~فبين أنه لا يصلاها إلا من هذه صفته، وليس إلا الكافر. # والجواب: لو كان ظاهرها ما ذكروه لكان أعز بالمعاصي وللذم في الكافر الذي ~~لم يكذب، وفي الذي غيره أدخل منه في الكفران لا يصلاها. # وبعد، فقد قال تعالى في آية أخرى: {فأما الذين شقوا ففي النار} والفاسق شقي. # وبعد، فما المانع أن الفاسق يدخل نارا غيرها. # شبهة # قال تعالى: {وآخرون يرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم}. # والجواب: أن هذا خبر عن حالهم في الدنيا، وليس فيه أن يغفر لا محالة، بل ~~الذي يقتضيه ظاهر الآية أنه يفعل أحد الأمرين لا محالة، فإن عذب عذب ~~باستحقاق وإن غفر غفر باستحقاق. # شبهة # قال تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم} قالوا: والإجماع على أن عسى من جهة الله للقطع لاستحالة ~~الترجي في حقه. # والجواب: أنما ذكروه ينافي الإرجاء ويقتضي الإرجاء بالمعاصي في حق من قد ~~عمل صالحا حتى الكافر إذا فعل طاعة واحدة. # وبعد، فالمراد بقوله: اعترفوا بذنوبهم أي تابوا خلطوا عملا صالحا وهو ~~التوبة وآخر سيئا وهو الذي تابوا ms486 عنه واعترفوا به، ثم أنه أخبر أنه يتوب ~~عليهم لا محالة؛ لأن عسى للقطع في حقه تعالى. PageV01P592 ### ||| AUTO القول في خلود الفساق # قد خالف في ذلك أهل الإرجاء، فجوز بعضهم أن يخلدوا وأن لا يخلدوا، وقطع ~~الباقون على أنهم يخرجون منها. # لنا: أما من الكتاب فقوله تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم} إلى قوله: {وماهم ~~عنها بغائبين} والفاسق فاجر بلى شبهة، وقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} والفاسق عاص بلى خلاف، وقوله تعالى: ~~{ومن يقتل مؤمنا إلى قوله خالدا فيها} وقوله تعالى: {ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم ~~القيامة ويخلد فيه مهانا /380/ وقوله: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} ~~إلى قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطئاته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون}. # وأما من السنة فما روي عنه عليه السلام: ((لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا ~~نمام ولا عاق))، وقال عليه السلام: ((من ظلم أجيرا أجرته لم يرج رائحة ~~الجنة)). وقال: ((من تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا ومن تردى ~~من جبل فهو يتردى من جبل في النار خالدا مخلدا، ومن وجأ نفسه بحديدة ~~فحديدته في يده يجأ بها بطنه في النار خالدا فيها مخلدا))، ومعلوم أن جميع ~~هذه الأشياء إنما تقتضي الفسق لا الكفر، ومعلوم أن الخلود المذكور في هذه ~~الآيات والأخبار هو الدوام الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى: {وما جعلنا ~~لبشر من قبلك بخلد} وإنما أراد البقاء الذي لا ينقطع، فأما الذي ينقطع فقد ~~جعله لكل البشر، قال الشاعر: # وغنيت دهرا قبل مجرى داحس .... لو كان للنفس اللجوج خلود # دليل، لو جوزنا خروجهم من النار لم يكن بد من دخولهم الجنة؛ إذ لا دار ~~بينهما ولا يجوز أن يدخلوا الجنة كما تقدم أنه لا يدخلها من المكلفين إلا ~~مثاب، وفيه الإشكال المتقدم، فالعمدة على الأدلة التي قبل هذا. PageV01P593 # شبهة # من جهة العقل ms487 أن تخليد الفساق تقتضي مساواتهم للكفار. # والجواب: لا يلزم ذلك؛ لأن عقاب الفساق أخف، ولو كان الخلود يقتضي ~~المساواة لاستوى عقاب الكفار وخلافه معلوم، ولا يستوي ثواب أهل الجنة. # ومن الكتاب قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مضيا} إلى ~~قوله: {ثم ننجي الذين اتقوا}. # والجواب: يجوز أن يكون المراد القيامة أو العرصة، ويجوز أن يكون الورود ~~هو المرور على الصراط الذي هو جسر على جهنم كما تقدم تفصيله. # وبعد، فقوله {ثم ننجي الذين اتقوا} لا يقتضي خروج الفساق؛ لأنهم ليسوا ~~متقين، بل من الظالمين فيدخلون تحت قوله: {ونذر الظالمين فيها حثيثا}. # قالوا: قال تعالى: {لابثين فيها أحقابا} والحقب ثمانون سنة. # والجواب: أن سياقها في الكفار بدليل أنهم كانوا لا يرجون حسابا، فكان ~~يلزم أن لا يخلد الكفار. # والتحقيق أن قوله: أحقابا جمع ولا غاية لكثير الجمع ولم يحده بغاية. PageV01P594 # على أنه لو أراد بالأحقاب جمعا مخصوصا لم يدل تخصيصه بالذكر على نفي ما عداه. # قالوا: قال تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض غلا ما شاء ربك} قالوا: والسموات والأرض مما يفنى، وأيضا ~~فالاستثناء بدل على أنه خلود منقطع. # والجواب: أنه معارض بأهل الجنة في الآية نفسها. # والتحقيق أن المراد سموات الآخرة وأرضها وهما لا يفنيان؛ لأن سموات ~~الدنيا وأرضها تفنى قبل دخولهم النار، فكيف يوقت بالماضي أو أن المراد ~~السعيد كما هو طريقة أهل اللغة، وكما قال تعالى: {حتى يلج الجمل /381/ في ~~سم الخياط} فلم يرد التوقيت، وكما يقولون: لا آتيك ما حج لله راكب وما طلعت ~~الشمس، وكما قال الشاعر: # إذا شار الغراب أتيت أهلي .... وصار القار كاللبن الحليب # وأما الاستثناء فالمراد به أوقات الدنيا وأوقات الحساب والحشر؛ لأن ~~المكلف يستحق الثواب والعقاب من احل الفعل، لكن اقتضت الحكمة تأخير ذلك عن ~~أوقات الدنيا فاستثنى الله مع هذه الأوقات والاستثناء عن أول الوقت صحيح ~~كما يقال: نحن عند فلان غدا إلا مقدارا ما نسلم على الأمير، وكما قال ~~تعالى: ms488 {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}. PageV01P595 # وذكر الزجاج أن معنى قوله: {إلا ما شاء ربك} أي سواء ما شاء ربك كما يقال: ~~علي لفلان ألف سوى الألفين، أي غيرهما. # قالوا: قال تعالى: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار} ~~فدل على أنهم أخرجوا منها. # والجواب: ليس فيها أنهم لم يروهم في النار بعد أن رأوهم فيها، والمراد ~~كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا وهم المؤمنون، بدليل اتخذناهم سخريا، أي ~~كنا نسخر منهم في الدنيا، وليس أمر في أمر زاغت عنهم الأبصار مقابلة للهمزة ~~في قوله: اتخذناهم، لأنها ليست بهمزة استفهام، وإنما قوله اتخذناهم من نعت رجالا. # وشبهتهم من جهة السنة ما روي عنه لعيه السلام، يخرج قوم من النار، وقد ~~امتحشوا وصاروا فحما وحمما، والجواب لم يصح هذا الخبر فإن صح فأحادي ومعارض ~~بما قدمناه من الآيات والأخبار. # وبعد، فلا بد من ترك ظاهره؛ لأن أهل النار لا بد أن يكونوا أحياء والفحم ~~لا يصح فيه الحياة. # وبعد، فالمراد يخرج من عمل أهل النار وشبههم بالفحم والحمم لعظم ذنوبهم، ~~فكأنهم قد احترقوا، ومثل ذلك قد ورد، قال الله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة ~~من النار فأنقذكم منها} والمراد التشبيه، وقال عليه السلام: ما زلت آخذ ~~بحجزكم وأنتم تهافتون فيها تهافت الفراش أي في العمل المؤدي إليها. # وقال عليه السلام حين سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله خرج من ~~النار، أي من عمل أهل النار. # وعلى مثل هذا يحمل ما رووه أيضا عن النبي عليه السلام يخرج رجل من النار ~~بعد ما ذهب خبره وسبره إلى خروج من عمل أهل النار. PageV01P596 ### ||| AUTO القول في الشفاعة # اختلف الناس في موضوعها، فقال أهل الإرجاء: إنما نستعمل في دفع الضرر ~~فقط، وقال الجمهور: يستعمل فيه وفي جلب النفع، فإنه كما يقال: أشفع لي غلى ~~فلان في العفو، يقال: أشفع لي في الكسوة والعطاء. # وحقيقتها على هذا هو السؤال المتضمن جلب نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه ms489 ~~على وجه يكون غرض السائل حصول ما سأل لأجل سؤاله وهي مأخوذة من الشفع نقيض ~~الوتر كأن الشفيع ينضم إلى المشفوع له. # قلنا: لأجل سؤاله احترازا منا إذا سألنا الدرجة الوسيلة لمحمد عليه ~~السلام فلسنا نشفع له لما اكن خصولها كالأجل /382/ سؤالنا، ويدل على أنها ~~تستعمل في جلب النفع أيضا قول الشاعر: # كلي شافعي زواره من ضميره .... عن البخل ناهيه وبالجود أمره # وقال آخر: # فداك فتى إن حببته لصنيعه .... إلى ماله لم تأتيه يستشفع # فصل # ذهب الجمهور إلى أن شفاعته عليه السلام للمؤمنين التائبين من أمته. # وقال أهل الإرجاء: بل للمصرين من أمته. # لنا: لو كانت شفاعته للمصرين لكان إما أن يقبل وهو باطل بما تقدم من أن ~~الفساق في النار على جهة الدوام، وإما أن لا يقبل وهو باطل بالإجماع. # دليل، قال القاضي : العقل يقضي بقبح الشفاعة للفاسق ولم يحصل سمع ينقل عن ~~قضية العقل، ومثله بأن من قتل ولدا لرجل وهو مصر على قتل الآخر لم يحسن من ~~جهة الفعل أن يشفع له في العفو. PageV01P597 # دليل، قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}، وإذا كانت الملائكة لا ~~يشفعون إلا للمؤمن، فكذلك الأنبياء، ومثله قوله تعالى: {الذين يحملون العرش ~~ومن حوله} إلى قوله: {ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك..} الآية. # دليل، قال تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} لأن الله تعالى لا ~~يطيع أحدا، فالذي نفاه شفيع يطاع، والذي أثبتناه شفيع يجاب. # قلنا: إذا لا يكون للآية فائدة؛ لأن كل أحد يعلم أنه لا ريبة لأحد على ~~الله تعالى، ثم يقول: لسنا نعتبر الريبة في الطاعة لما روي أن العباس قال ~~للنبي عليه السلام حين نبع الماء من موضع عقبه: إن ربك ليطيعك، قال: وأنت ~~يا عم لو أطعته لأطاعك، وقال الشاعر: # رب من أنضجت غيظا صدره .... قد تمنى لي موتا لم يطع # أي لم يفعل له ما أراد. # وبعد، فالآية خرجت مخرج الزجر، ولا زجر غلا إذا حملت ms490 على ما نقوله. # يوضحه أنه لا خلاف أنها دليل على نفي الشفاعة عن الكفار، ولو كان كما ~~ذكروه لما صح التعلق بها في نفي الشفاعة عنهم. # دليل، قال تعالى: {وما للظالمين من أنصار} ولا نصرة فوق دفع العقاب. PageV01P598 # دليل، قال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} غلى قوله: {ولا ~~ينفعها شفاعة}، والنكرة في سياق النفي للاستغراق، والآية خرجت مخرج الزجر ~~عن المعاصي، وقال تعالى: {أفأنت تنقذ من في النار} خرجت مخرج الإنكار، ولا ~~إنفاذ أعظم من الشفاعة لهم، قوال في الذين كسبوا السيئات مالهم من الله من عاصم}. # دليل يقال: أرأيتم لو حلف رجل بطلاق امرأته ليفعلن ما يستحق به شفاعة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيؤمر بالفسق والإصرار أو بالتوبة والإيمان. # ويقال: وقع الإجماع على قولهم: اللهم اجعلنا ممن يستحق الشفاعة. # وعلى أصل المخالفين يكون التقدير /383/ اللهم اجعلنا من الفساق المضرين. # ولا ينقلب علينا في قولهم: الله اجعلنا من التوابين؛ لأن التوبة ~~والاستغفار بحسن، سواء كان هناك معصية أم لا، ولهذا كان عليه السلام يستغفر ~~في مجلسه من آراء كثيرة، هذا إن لم يكن المراد اللهم اجعلنا ممن يفعل فعل ~~التوابين. # شبهة المخالف أن الثابت مستغن بكونه من أهل الجنة عن الشفاعة، فلا فائدة فيها. # والجواب: أن فائدتها بيان مرتبة الشافع وزيادة مسرة المشفوع له ومنافعه، ~~ثم يعارضهم بقوله: {ويستغفرون للذين آمنوا} فيقول: لا فائدة في هذا ~~الاستغفار وبالزيادة في قوله: ويزيدهم من فضله. # فإن قيل: أليس قد وعد الله بهذه الزيادة فما فائدة الشفاعة حينئذ. # قلنا: ليس فيه أنه تعالى يفعل هذه الزيادة من دون شفاعة، وكما يحسن من ~~الملائكة الشفاعة لمن ارتضاه الله لحسن من الأنبياء. PageV01P599 # شبهة # قالوا: قال عليه السلام: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. # والجواب: هذا المنادي ويقتضي الإغراء بالمعاصي، ومعارض بما قدمناه من ~~الأدلة والأخبار نحو: لا يدخل الجنة مدمن خمر. # وبعد، فقد روى الحسن البصري: ((ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)). # وبعد، فإن صح فتقديره إذا تابوا وإنما خص ms491 أهل الكبائر بالذكر لأنهم أحوج ~~إلى شفاعته من حيث قد صاروا في عدة الفقراء ليس لهم إلا ثواب التوبة. # فصل # واختلف الشيوخ في المطلوب بالشفاعة، فقال الجمهور: التفضل. # وقال أبو الهذيل: أن يعود الثواب الذي أسقطته المعصية. # ويبطله ما تقدم من أنه لو عاد الثواب الذي أسقطته المعصية، لكان التائب ~~بعد ارتكاب الكبيرة أعلا حالا منه لو لم يرتكبها من حيث يكون له ثاب التوبة ~~مع بوابة الأول. # وله أن يقول: إن ثواب التوبة القوية هو أن يعود بها وبالشفاعة ما سقط من ~~ثوابه، فيكون كن لا ذنب له، فيكون في ذلك مطابقا لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)). PageV01P600 ### ||| AUTO القول في المنزلة بين المنزلتين # وهذه هي مسألة الأسماء والأحكام؛ لأنها أسماء في أسماء الكلفين وأحكامهم. # وقد ذهب أهل الحق إلى أن مرتكب الكبيرة من أمة محمد عليه السلام يسمى ~~فاسقا، وأنه لا يسمى مؤمنا، كما تقوله المرجئة، ولا كافرا كما تقوله ~~الخوارج: ولا منافقا كما يقوله الحسن، وكذلك فليس حكمه حكم المؤمنين على ~~الإطلاق، ولا حكم الكفار والمنافقين على الإطلاق، بل له اسم بين الاسمين ~~وحكم بين الحكمين، وهو معنى قولنا المنزلة بين المنزلتين. # لنا: أما على أنه فاسق بالإجماع والنصوص، وأما على إبطال أقوال المخالفين ~~فنحن نتبعها قولا قولا. # فصل # أما الذي يدل عل أنه لا يسمى مؤمنا فهو أن قولنا مؤمن وإن كان في الأصل ~~هو المصدق، والإيمان هو التصديق فقد صار منقولا /384/ بالشرع إلى من يستحق ~~المدح والثواب، وكذلك قولنا مسلم ودين؛ لأن الإسلام في الأصل هو الانقياد ~~والدين في الأصل هو الطاعة والعادة. # وقد افترقت المرجئة على قولين، فرقة منعت من كون هذا الاسم منقولا. # واختلف هؤلاء فقال بعضهم: هو مأخوذ من إعانة نفسه من عذاب الله، وإنما ~~يؤمن نفسه باجتناب الكبائر، وهذا يوافق ما يقوله، وإنما يتقى الخلاف في عبارة. # وقال بعضهم: من إعانة نفسه من العذاب بمجانبة الكفر. وقال بعضهم: من ~~التصديق. # ثم ms492 اختلف هؤلاء فقال بعضهم: من التصديق باللسان، وقال بعضهم: بالقلب، ~~وقال بعضهم: بهما. PageV01P601 # والفرقة الثانية حازت نقل هذه الأسماء ثم اختلفوا فقال بعضهم: منقول إلى من ~~فعل من الطاعة ما لا يجوز عليه تعبير ونسخ بشرط التصديق بلسانه والخضوع ~~بقلبه والاعتراف بالخطأ في ارتكابه الكبائر. # وقال بعضهم: منقول إلى من فعل الطاعات، فإذا فعلها صار مؤمنا وإن فعل ~~المعاصي وهو قريب من الأول. # لنا: أن هذا الاسم اسم ممدح بدليل الإجماع وصحة توسطه بين أوصاف المدح؛ ~~ولأن الله ما ذكر المؤمن والإيمان في القرآن إلا مدحه، وكل ذلك لا يصح في ~~الفاسق. # دليل، لو كان هذا الاسم باق على أصل الاشتقاق لوجب في الكافر إذا صدق ~~غيره أو أمنه من خوف أن يسمى مؤمنا. # فإن قالوا: مرادنا بالإيمان تصديق مخصوص. # قيل لهم: لا فصل في إطلاق الاسم بين إيمان وإيمان من حيث الاشتقاق كما لا ~~فرق في إطلاق السارق بين سرقة وسرقة. # على أن هذا يبطل قولهم أنه غير منقول؛ لأنهم قد قصروه على بعض مدلوله، ~~فيقال لهم حينئذ إذا حان للدليل قصره على بعض مدلوله فهلا جاز للدليل أن ~~يعتبر مع التصديق غيره في إطلاق التسمية. # وبعد، فإنما منعنا من إطلاق اسم المؤمن عليه، فأما مع التعبد فخيره فنقول ~~مؤمن بالله أي مصدق به، إلا أن هذا يشترك فيه المسلم واليهودي. # دليل، لو كان باقيا على أصل الاشتقاق لما صح أن يطلق عليه حقيقة إلا حال ~~فعله للتصديق؛ لأن هذه حال المشتقان عند الجمهور، وكان لا يسمى مؤمنا حال ~~السهو والنوم والموت. PageV01P602 # دليل، لو كان الإيمان باقيا على الاشتقاق لوجب مثله في الفسق حتى لا يقال ~~فاسق، غلا لمن خرج مطلقا كما يقال: فسقت الرطبة أي خرج على وجه الإضرار ~~بالغير، كما يقال للفأرة فويسقة، وكل هذا غير حاصل في الفاسق إذا شرب الخمر ~~أو زنا، وكان يجب في المؤمن والأنبياء إذا خرجوا للإضرار بالأعداء أن يسموا فساقا. # دليل، قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم..} ms493 ~~الآية، وإنما للحصر، وقال في آية /385/ أخرى: {أولئك هم المؤمنون حقا} ~~وقال: {قد أفلح المؤمنون..} إلى قوله: {أولئك الوارثون}، وقال: {وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} {وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا ~~عظيما} {وبشر المؤمنين أن لهم قدم صدق عند ربهم} ونحو ذلك من الآيات، ولو ~~كان الفاسق مؤمنا لدخل تحت هذه الآيات فيسقط عن نفسه عهده التحفظ من ~~المعاصي؛ إذ قد صدق بالله تعالى. # دليل، قال الله تعالى: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} وذلك يقتضي ~~التنافي بين الاسمين، وقال تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما} مع قوله: {ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فلو كان الزاني مؤمنا لوجب أن ترحمه كما ~~رحمه الله، وقال تعالى: {إنما المؤمنون أخوة} وقال: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا} وقد قال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله..} الآية، فلو كان الفساق مؤمنين لوجب موادتهم ~~وموالاتهم. # دليل، قال النبي عليه السلام: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)). وقال عليه السلام: ((الإيمان بضع وسبعون ~~بابا)) وقال عليه السلام: ((بني الإسلام على خمسة أركان)) ولا خلاف أن ~~الإيمان كالإسلام هنا. # شبهتهم أن قالوا: لو كان الإيمان فعل الطاعات واجتناب المقبحات للزم في ~~الله أن يكون مؤمنا، وأن يكون فعله إيمانا. # والجواب: # هذا ينقل عليهم في البر والتقوى، فما أجابوا به فهو جوابنا. PageV01P603 # والتحقيق أنا لم نسمه إيمانا؛ لأنه فعل واجب وترك قبيح، بل لأنه مما يستحق ~~به الثواب. # على أنا لم نقصر الإيمان على ذلك، بل يدخل فيه المندوبات واجتناب ~~المكروهات، وذلك مفقود في حق الله تعالى. # شبهة # قالوا: هذه الأفعال مختلفة الآن ومختلفة باختلاف الشرائع والإيمان لا ~~يجوز أن يكون مختلفا، وكذلك الدين والإسلام. # والجواب: إنما امتنع وصفنا للإيمان بأنه مختلف لإيهام الخطأ، ويقلب عليهم ~~في البر والتقوى. # شبهة # قالوا: لو كان الإيمان ما ذكرتم لصح وصفه بالزيادة والنقصان وهو باطل. # والطواب: أنا لا نسلم بطلانه، بل يصح دخول الزيادة والنقص ms494 فيه ممن كانت ~~طاعاته أكثر كان إيمانه أكثر، وعلى هذا قال تعالى: {فزادهم إيمانا} وقال: ~~أيكم زادته هذه إيمانا وإنما لم يقل في من لم يفعل بعض النوافل أنه ناقض ~~الإيمان؛ لأن ذلك يوهم الخطأ، وهو الذم له والحط منه حتى لو قيد لصح، وبهذا ~~بطل ما قاله الشيخان من أن النوافل وترك المكروهات لا تدخل تحت الإيمان، ~~قالا: لأنها لو كانت تدخل تحت الإيمان لكان لا يصح وصف أحدنا بأنه كامل ~~الإيمان، فقيل لهما: إنما قيل فلا كامل الإيمان وإن لم يستوف خصاله لإفادة ~~مدحه ورفع الإيهام الحاصل /386/ من قولنا ناقض الإيمان وما ذكراه رحمهما ~~الله تعالى من أنه يلزم أن لا ينحصر الإيمان غير مستقيم؛ لأن النوافل لا ~~تخلوا عن الانحصار، أما بالنسبة إلى تعيينها كالنوافل المؤكدة، وأما ~~بالنسبة إلى وقتها كسائرها. # وبالجملة فهي منحصرة بالوصف لا بالتعيين ومنحصرة أيضا بالنسبة إلى ~~الإمكان، فنقول: الإيمان كلما يمكن المكلف امتثاله من الطاعات وهو متناه لا محالة. # شبهة # قالوا: لو كانت الصلاة من الإيمان لوجب في من يتركها أن يقال أنه ترك ~~الملة؛ لأن الملة والإيمان والإسلام واحد عندكم. PageV01P604 # والجواب: أن هذه الأسماء قد صارت أسماء لجميع خصال الإيمان، فلا يقال في من ~~ترك بعضها أنه قد ترك الإيمان، ولمثل هذا إذا عرض في صلاته ما يفسدها لا ~~يقال: فسد دينه أو بطل للإيهام، وإنما يقال: فسدت صلاته أو بطلت. # والحاصل أن العبارات الموهمة لا يجوز إطلاقها. # وضحه أن الخشية حجة الله على خلقه فإذا انكسرت أو ضعف لا يقال انكسرت حجة ~~الله أو ضعفت. # شبهة # قالوا: وردت آيات كثيرة تعطف الأعمال الصالحة على الإيمان نحو قوله: {ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا} ونحوها وحق العطف المغايرة. # والجواب: لا يمتنع أن يكون المراد بالإيمان هنا التصديق على أصله أو يكون ~~العطف للتعظيم نحو قوله {على الصلوات والصلاة الوسطى} وإن كان التعظيم هنا ~~في المعطوف عليه فأفرد الإيمان بالذكر لعظمه وإن كانت الأعمال الصالحة قد ~~دخلت تحته. # شبهة # قالوا: قال تعالى: {وصالح ms495 المؤمنين} فبين الله أن غير الصالح يسمى مؤمنا. # والجواب: لا يدل ذلك على ما ادعوه كما لا يدل قوله {واتبعوا أحسن ما أنزل ~~إليكم من ربكم} على أن في ما أنزل الله ليس بحسن، وكما لا يدل قوله: {فاصبر ~~كما صبر أولو العزم من الرسل} على أن في الرسل من لا عزم له. # شبهة # قالوا: قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} ~~فسمانا حال الذنب مؤمنين. # والجواب: أنه أمرنا بالتوبة عن الصغائر وأمر بالتوبة على الإطلاق وكثرة ~~الاستغفار، فإن ذلك عبادة مستقلة أو يكون معناه إذا تبتم، وإن كانوا حال ~~الخطاب مؤمنين أو يكون المراد بالإيمان اللغوي أو التوبة اللغوية، وهو ~~الرجوع أي الرجوع إليه بنية خالصة في جميع الأمور. # شبهة # قالوا: قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تعقلون}. PageV01P605 # والجواب: المراد الإيمان اللغوي أو المراد بأيها المدعون للإيمان أو المراد ~~النهي المستأنف أي لا تقولوا فإنه لم يقل لم قلتم وصار هذا كقولك لمن تشير ~~عليه يا أخي لم تفعل ما يضرك ولم تحمل المشقة في كذا، ونحو ذلك. # شبهة # قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن /387/ تخشع قلوبهم لذكر الله} فسماهم ~~مؤمنين حال عدم الخشوع. # والجواب: المراد الأمر بالخشوع والحث عليه كما تقول لغيرك: ألم يأن لك أن ~~تفعل كذا أي افعله، ويجوز أن يكون المراد تأكيد الخشوع والحث على الزيادة ~~نحو قوله: {فما يكذبك بعد بالدين} فإن المراد تأكيد النهي عن التذكيب. # شبهة # قال تعالى: {وإن طافئتان من المؤمنين اقتتتلوا} فسماهما مؤمنين وإحداهما باغية. # والجواب: هذا نظير قوله: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن يدنه} ولا ~~خلاف أنهم حال الردة غير مؤمنين فيحمل على تسمية الشيء باسم ما كان عليه ~~تقديره وإن كان طائفتان ممن كان مؤمنا. # شبهة # قال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فسمى من لم ~~يصدق ما عاهده الله عليه مؤمنا. # والجواب: ليس من للتبعيض هنا، فلا تدل على ما قالوه، كما ms496 لا يدل قوله: ~~{واجتنبوا الرج من الأوثان} على أن فيها ما ليس برجس. # فصل # وأما الذي يدل على أن الفاسق لا يسمى كافرا كما تقوله الخوارج فهو أن ~~الكافر كان في الأصل التغطية، وصار في الشرع اسما لمن يستحق العقاب العظيم ~~مع أجزاء أحكام بخصوصه كالمنع من المناكحة والموارثة والدفن في ما قبر ~~المسلمين ونحو ذلك مما لا يجري على الفاسق بالإجماع، وهذا هو المعلوم من ~~حال الصحابة، بل ربما نصوا على فساد هذه المقالة، كما روي أن أمير المؤمنين ~~رضي الله عنه سئل عن الخوارج أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، قيل: ~~أفمسلمون؟ قال: لو كانوا مسلمين ما قاتلناهم، كانوا إخواننا بالأمس فبغوا ~~علينا، فمنع من يسميهم كفارا ومؤمنين ولم ينكر عليه، فكان إجماعا، هذا إذا ~~لم يكن قوله حجة. PageV01P606 # دليل، شرع الله اللعان بين الزوجين، ومعلوم أن أحدهما فاسق، فلو كان الفسق ~~كفرا لوقعت البينونة بنفس الفسق، فلا يصح اللعان إذ لا ملاعنة بين أجنبيين، ~~وكان أيضا لا يحتاج غلى أن يفرق بينهما الحاكم، وكان يلزم إذا شرب الروح أو ~~زنا أن يفرق بينه وبين امرأته وأن يستتاب، وإلا قتل كالمرتد وهم يلتزمون ~~هذا الأخير. # شبهتهم قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب ~~وتولى} قالوا: والفاسق ممن يصلي النار فيجب أن يكون وضعها الله تعالى، ~~وإنما هي نار منكرة غير معينة. # وبعد، فلسنا نحكم بدخوله النار لأجل هذه الآية، بل لمثل قوله تعالى: ~~{فأما الذين شقوا ففي النار} والفاسق شقي وإن لم يكن أشقى. # وبعد، فالإجماع أن الفاسق لم يكذب ولا تولى، فكان يلزم أن لا يدخل النار رأسا. # وبعد، فالظاهر يقتضي أن لا يدخل إلا أعظم الناس كفرا؛ لأنه هو الأشقى. # شبهة # قالوا: قال الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ~~والفاسق قد يكون فسقه بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى. # والجواب: لا تعلق في ظاهرها لاقتضائه أن يكون ما أنزل الله آلة في الحكم. # والمعنى: ومن لم يحكم ms497 بصحة ما أنزل الله وبكونه حقا ولم يترك الحكم به ~~مستحلا لتركه. # على أنها واردة في اليهود /388/ ودليل قصرها عليهم أنه تعالى لما قال في ~~أول الآية: {أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون} كان فيها صفة ~~محمد ويبان ما نازعوا فيه محمدا عليه السلام كأن قوله: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله} عائدا إلى ما ذكره في التوارة، ولا شك في كفر اليهود؛ لأجل ~~إنكارهم الحق ونبوة محمد وتغييرهم التوارة. # ووجه آخر وهو أن قوله: {يحكم بها النبيون} إنما ينصرف إلى حكم سبق فيه ~~الأنبياء، وليس ذلك إلا العدل والتوحيد والنوبات، فلا جر ممن لم يحمك بما ~~أجمع عليه النيبئون من ذلك فهو كافر. PageV01P607 # شبهة # قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر} ~~قالوا فبين أن تارك الحج كافر. # والجواب: أن قوله تعالى: {ومن كفر} كلام مستأنف، وإن سلمنا أنه غير ~~مستأنف فالمراد ومن كذب بوجوبه. # قالوا: قال تعالى: {هو الذين خلقكم فمنكم مؤمن ومنكم كافر} قالوا: ~~والفاسق ليس بمؤمن، فيجب أن يكون كافرا والحوادث ليس في إثبات صفتين دليل ~~على نفي الثالثة، كما قال تعالى: {فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي ~~على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} ولم يدل ذلك على نفي الزائد. # ومثله هذا الجواب عن قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} الآية، ~~فلسنا نسلم أن كل معذب يسود وجهه. # على أن قوله تعالى: {أكفرتم بعد إيمانكم} تسقط تعلقهم؛ لأن فيمن كفر من ~~كفر لا يعد إيمان. # شبهة # قال تعالى: {والذين كفروا بآياتنا أولئك أصحاب المشأمة} والفاسق من أصحاب ~~المشأمة، فليكن كافرا. # والجواب: إنما بين أن الكفار أصحاب مشأمة ولم يبين أنه ليس في أصحاب ~~المشأمة غيرهم، نظيره قول القائل: أصحاب أبي حنيفة هم العلماء، فإنه إنما ~~يدل على عموم العلم يهم ولا يد لعلى أن غيرهم ليس بعالم. # شبهة # قال تعالى: {ومن كفر فأولئك هم الفاسقون}. # والجواب: مسلم أن كل كافر فاسق، فمن أين أن كل ms498 فاسق كافر. # شبهة # قال تعالى: {وهل يجازي إلا الكفور}. # والجواب: لا بد من ترك ظاهرها؛ لأن المؤمن يجازى وسائر المكلفين، كما قال ~~تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} وأيضا فالكفور مبالغة، فكان يلزم في ~~من أتى بكفر واحد أن لا يجازى. # والمعنى: وهل يجازى بعذاب الاستئصال إلا الكفور كما نقيضه سياق الآية. PageV01P608 # تنبيه # وأما ما يحكى عن الناصر عليه السلام وبعض الإمامية من أن الفاسق كافر ~~نعمة، فهو باطل؛ لأن كفر النعمة يقابل شكرها وشكر نعمة الله تعالى إنما هو ~~بإظهارها والاعتراف بها واعتقاد تعظيمه عليها والعزم على إظهار ذلك عند ~~التهمة، فيجب أن يكون كفر النعمة ما يقابل شكر هذه الأمور من الستر لها ~~والجحود والاستخفاف بحقه تعالى والعزم على ترك الإظهار المذكور عند التهمة، ~~والله أعلم، ولا شبهة في كون هذا كفرا صريحا، وليس ذلك أيضا حال الفاسق، ~~وأما ما ورد في الأخبار من كون هذه العبادات /389/ شكرا فإنما هي على جهة ~~المجاز، ولولا ذلك لعرف وجوبها قبل الشرع، وعلى هذا يحمل قوله عليه السلام: ~~((أفلا أكون عبدا شكورا)) فإن غرضه الاستكثار من الطاعة تعظيما لله ولنعمة. # فصل # وأما الذي يدل على أن الفاسق لا يسمى منافقا كما يحكى عن الحسن البصري، ~~فهو أن المنافق وإن كان في الأصل لمن يظهر أمرا وينظر خلافه مأخوذ من ~~النافقا أحد حجرة اليربوع حيث كان يخفي أحد نابيه ويظهر الآخر، فقد صار في ~~الشرع اسما لمن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وليس هذه حال الفاسق، فإن أحدنا ~~يعلم من نفسه أن يقدم على المعصية مع إقراره، والله يعرف وعيده ، ومع الخوف ~~الشديد، لكن تؤثر الشهوة ويؤمل العفو إن كان من أهل الإرجاء ويسوف التوبة ~~إن كان من أهل الوعيد. # وبعد، فلا خلاف في أن كل منافق كافر فكان يلزم أن يكون الفاسق كافرا كما ~~نص الله على أن المنافق كافر، فقد نص على أنه من أشد الناس عقابا، فقال ~~تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}. PageV01P609 # شبهة # إن المنافق يستحق ms499 الذم واللعن وكذلك الفاسق، فليجر إجراء اسم المنافق عليه. # والجواب ما تقدم من أن هذا قد صار منقولا بالشرع غلى من يبطن الكفر، فلا ~~يجب من مشاركته للمنافق في الذم واللعن مشاركته له في هذه التسمية، والأصح ~~أن يسمى كافرا، وخلافه معلوم، وبهذا يبطل قوله: إذا قال إني إنما أخالف في ~~العبارة دون المعنى، وأما قوله عليه السلام: ((المنافق إذا وعد أخلف))، ~~فإنما يدل على أن المنافق يحلف في وعده ولا يدل على أن من أخلف في عده فهو منافق. # شبه أخرى # قالوا: لو لم يكن في اعتقاده خلل وكان مؤمنا بالله ووعده ووعيده لما ~~ارتكب الكبيرة كما لو كان بين يديه نار مؤججة، وقال له من يقدر عليه إذا ~~واقعت الكبيرة أوقعتك في هذه النار، وكذلك إذا علم أن في الحجر صرة دراهم ~~وحي ة تهلك لسعتها، فإنه لا يدخل يده للصرة، والحال هذه. # والجواب: ما تقدم من أنا نعلم من حال الفاسق أنه لا خلال في اعتقاده حال ~~إقدامه على المعصية، وما ذكره من المثال ليس وزانا للمسألة؛ لأن من وصف ~~اعتقاده حاله يكون ملجأ إلى ترك المعصية والحال هذه، وليس هذه حال المكلف؛ ~~لأنه يجوز العفو أو التوبة، ووزان مسألة الحية أن يكون معه ترياق يعلم أنه ~~ينفع من اللسعة أو يجوز أن الحية لا تلسعه، فإنه والحال هذه يدخل يده للصرة. PageV01P610 ### || AUTO الكلام في ما تعبد بآية من الأحكام في أهل الوعد والوعيد # ليس يخلو المكلف إما أن يقطع بكونه من أهل العقاب أو يظن ذلك أو يقطع ~~بكونه من أهل الثواب أو يظن ذلك لظاهر حاله، وإن كان لا طريق إلى القطع في ~~الطرفين غلا السمع إن قطعتا على أنه من أهل الثواب، فالذي وجه علينا السمع ~~مدحه وتعظيمه وموالاته ونصرته والدعاء له، وكل ذلك على القطع في الحال فقط ~~إن قطعنا على أنه يستحق الثواب في الحال فقط، وعلى الإطلاق، إن قطعنا بذلك ~~على الإطلاق كالأنبياء /390/ بأن يعلم أن ماله إلى الجنة، وهذا المدح ms500 ~~والتعظيم إنما يجب إظهاره باللسان بهمة كان يجري ذكره، ويكون سكون السامع ~~موهما أن اعتقاده فيه غير شديد، وإلا لم يجب كشكر النعمة، وأما بالقلب فيجب ~~عند الذكر أن يعتقد عظم حاله والتمييز بينه وبين غيره ويعزم على إظهار ذلك ~~عند التهمة، وإن لم يقطع على استحقاقه، ولكن يظن ذلك الظاهر حاله، فالمدح ~~والتعظيم والدعاء له يكون مشروطا بالاستحقاق وسلامة الحال، وهذا الشرط ~~كالملفوظ وإن لم يتلفظ به، وأما نصرته وموالاته والذب عنه فيجب من غير شرط. # فإن قال: كيف يصح الشرط في المدح الواقع والشرط إنما يدخل في المستقبل من ~~الأمور. # قيل له: ليس الشرط في المدح الواقع، وإنما هو في مقتضاه ومضمونه، وهو ما ~~يفعله الله من الثواب والإعظام. # فإن قال: هل يجري حال أحدنا على نفسه في المدح والإعظام مجرى حاله مع غيره. # قيل له: نعم مالم يقصد بذلك المفاخرة، وهذا في ما عدا الدعاء، فأما ~~الدعاء فيجوز أن يدعوا لنفسه ودفع الضرر عنها، ولهذا جاء في التشهد السلام ~~على نبينا وعلى عباد الله الصلاحين، فإنه يدعو لنفسه على الإطلاق ولعباد ~~الله تعالى شرط الصلاح. PageV01P611 # وأما إن كان المكلف من أهل العقاب قطعا أو تظاهر الحال فقد اقتضى السمع فيه ~~عكس ما أوجب علينا في أهل الثواب من الذم واللعن والاستخفاف والمعاداة في ~~الدين والخذلان والدعاء عليهم، إما على الإطلاق أو بشرط يحسب التفضيل ~~المتقدم والوجه في جميع ذلك ما يرجع إلى الألطاف فإنه يكون عند ذم غيره له، ~~ونحو ذلك أقرب إلى ما يقتضي إزالة ذلك والتمسك بالطريقة المثلى وهو أيضا ~~لطف لغيره من المكلفين. ### ||| AUTO القول في الإكفار # اتفق الناس على أنه لا يجوز إثبات الكفر إلا بدليل. # واختلفوا في هل يجوز ثبوت كفر في معلوم الله، ولا بد لنا عليه أم لا ~~فمنعه الجمهور وأجازه أبو الحسين وأبو رشيد وابن الملاحمي والمؤيد بالله ~~والبستي والإمام عماد الإسلام يحيى بن حمزة عليه السلام. # حجة الجمهور أنا قد تعبدنا بأحرا أحكام على الكافر لأجل كفره نحو ms501 القتل ~~والمنع من المناكحة، ومن الدفن في مقابر المسلمين والموارثة وأكل الذبائح ~~ونحو ذلك، فلا يخلو دليل التعبد بذلك إما أن يكون عاما في كل كافر، فيجب أن ~~يدلنا الله على كل كفر ليتمكن من إجراء هذه الأحكام فيه، وإما أن لا يكون ~~لم يرد منا إجراءها فيه. # ومتى قيل أليس يجوز أن يبطن الإنسان ما هو كفر ولا بد لنا على ذلك مع أنا ~~قد تعبدنا بإجراء هذه الأحكام فيه. # قالوا: إذا قد دلنا على ما إذا ظهره كان كفرا فذلك كاف في حصول /391/ ~~معرفة للمراد بالخطاب حتى لو قدرنا أنه لم يقع كفر في العالم لم يكن بد من ~~قيام الدليل على ما هو كفر ليتمكن من امتثال الخطاب بإجراء هذه الأحكام عند ~~ظهور ما هو كفر، فإن هذا التكليف موقوف على ما يظهر لنا. # ومتى قيل لمه: أليس يجوز ثبوت فسق لا دليل عليه كن يذنب ذنبا لا يقطع ~~بكونه كبيرا، وهو كبير في معلوم الله تعالى مع أنا قد تعبدنا بإجراء أحكام ~~على الفسقة. PageV01P612 # لجابوا بأن الأحكام التي تعلق على الفسق ضربان ضرب لا يمكن تعليقه بالفسق ~~إلا بعد معرفة ذلك الفسق كالحدود، فإنه لا يمكننا حد الزاني إلا بعد معرفة ~~الزنا، فيجب أن يدلنا الله تعالى على كل زنا، وكذلك سائر ما تعلق به ~~الحدود. # وضرب يمكن تعليقه بالفسق على جهة الوصف لا على جهة التعيين كالذم واللعن ~~والدعاء عليه والذي سأل عنه السائل هو من هذا القبيل، فإنا نعلق الذم ~~واللعن بالذنب بشرط كونه كبيرا، فلا يضر الجهل بكونه كبيرا بخلاف الأحكام ~~التي تعلق بالكفر لكونه كفرا، فإنه لا يمكن إنفاذ شيء منها مشروطا، فلا بد ~~من معرفة كل كفر، فأما سائر ما يجري على الفاسق نحو رد الشهادة، وعزله عن ~~القضاء وأشباه ذلك فليس يتعلق به لأجل الفسق؛ بل لأنه منهم، ولهذا فإن ~~العدل قد يرد شهادته للرق أو الولادة أو الشركة أو غير ذلك لا للفسق، وكذلك ~~الفاسق قد لا يرد شهادته ms502 إذا لم يتهمه كشهادة الفاسق في النكاح وكشهادة ~~الفاسق إذا اكن شديد التحرج كالخوارج عند من يقول به، وإذا لم يكن رد ~~الشهادة مخصوصا بالفسق لم يحتج في رد الشهادة إلى تعيين ما هو فسق. # حجة أبي الحسين ومن قال بقوله أنا إنما تعبدنا بإجراء هذه الأحكام على ~~الكافر لمصلحة يعلمها الله تعالى وغير ممتنع أن يكون في الذنوب ما يبلغ ~~عقابه عقاب الكفر ولا يكون في إجراء هذه الأحكام لأجله مصلحة، فلا يدلنا ~~الله عليه، ويكون دليل التعبد بإجراء هذه الأحكام شاملا لما يعلم كونه كفرا ~~أو ينصب لنا دليل عليه، ولا يكون لنا مصلحة ي العلم بكون غيره كفرا ولا في ~~إجراء هذه الأحكام عليه، فلا نحب أن يدل عليه. # يوضحه أن النبي عليه السلام قد علم كفر المنافقين في زمانه، ولم نؤمر ~~بإجراء هذه الأحكام عليهم لمصلحة يعلمها الله تعالى، فإذا جاز أن لا يجري ~~هذه الأحكام في بعض ما علمناه كفرا لمصلحة جاز أن لا يجريها إلا في ما ~~علمناه كفرا المصلحة. PageV01P613 # فصل # ليس يعلم بالعقل كفر قط؛ إذ لا محال له في أن الذنب يبلغ عقابه مبلغا ~~عظيما مع إجراء أحكام مخصوصة وإنما يعلم الكفر بالشرع. # أما بالضرورة من دين النبي عليه السلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية ~~والشرك ونحو ذلك. # وأما بالدلالة وذلك قد يكون تصريح الكتاب أو الستة المتواترة أو الإجماع ~~المتواتر أو القياس القطعي كان يعلم في ذنب أنه كفر لعله مخصوصة، ثم يعلم ~~حصول تلك العلة أو أبلغ منها في غيره، فيعلم أن ذلك كفر؛ لأن بهذه الطريق ~~من القياس يعلم كثيرا من الأحكام، وهذا لا شبهة فيه، وإنما الذي يصعب بيان ~~علل الكفر لما ستعرف. # /392/ ### |||| AUTO فصل [في بيان أنواع الكفر] # اعلم أن الكفر ضربان، والضرب الأول خمسة أنواع أحدها: ما يكون جهلا بالله ~~تعالى بذاته وصفاته اللازمة لكونه قادرا عالما حيا موجودا ونحو ذلك، وقد ~~دخل في هذا كفر الدهرية والطبائعية وأهل العقول والأفلاك. وبالجملة من ينفي ~~الصانع المختار. # وثانيها: أن ms503 يكون تشبيها له بخلقه كاعتقاد المجسمة وقولهم أنه جسم له ~~أعضاء وجوارح. # وثالثها: أن يكون خروجا من التوحيد كاعتقاد الثنوية والمجوس والنصارى ~~وعباد الأصنام. # ورابعها: أن يكون خروجا من التعديل كان يعتقد معتقد أن الله ظالم أو عابث ~~أو جائر أو سفيه أو نحو ذلك. # وخامسها: أن يكون جهلا بالنبوة إما بأن ينفي النبوة رأسا كاعتقاد ~~البراهمة، وإما بأن يتوقف في صدق بعض الأنبياء أو يعتقد كذبه. PageV01P614 # الضرب الثاني: أن يظهر من حاله ما يدل على أحد هذه الأنواع المتقدمة من غير ~~إكراه ولا سهو، كأن يجحد الصانع بلسانه أو بعض صفاته المذكورة أو يجحد ~~وحدانيته أو عدله وحكمته أو صدق رسله، فإن ذلك كفر بنفسه، وإن اعتقد خلاف ~~ما أظهره بلسانه وكان يندم على الإقرار بالله تعالى وتوحيده وعبادته؛ لأنه ~~حينئذ يصير في حكم من لم يفعلها، وكان يستحق بحق الله أو بحق رسله بالتكذيب ~~أو السب أو تمزيق المصاحف أو تحريق أستار الكعبة وخرب المساجد، وقد دخل في ~~ذلك رد ما هو معلوم ضرورة من الدين كإمكان وجوب الصلاة ونحو ذلك، وان يعزم ~~على نبي من هذه الأمور، فإن هذا العزم يكون كفرا اتفاقا بين شيوخنا ~~لمشاركته المعزوم عليه في كونه استخفافا، وإنما اختلفوا في العزم على الكفر ~~إذا لم يشارك ذلك الكفر في الوجه الذي لأجله كان كفرا. # فقال أبو هاشم وأبو عبد الله والسيد المؤيد بالله: لا يكون كفرا بمجرده؛ ~~إذ لا دليل في ذلك من حيث لا يكون كفرا، إلا لأجل مخالطته المعزوم عليه ~~ومشاركته له في ما لأجله كان كفرا وذلك مفقود هنا. # وقال: أبو علي وأبو الهذيل والكعبي وحكى عن واصل أنه يكون كفرا؛ لأن ~~العزم من قبيل الإرادة والإرادة تابعة للفعل غير مستقلة بنفسها فيكون حكمها ~~حكم الفعل المراد، فإن كان كفرا فهي كفر، وإن كان فسقا فهي فسق. # قيل: والحق هو الأول؛ لأن الظاهر من حال الصحابة رضي الله عنهم أنهم ~~كانوا لا يعدون العزم على الزنا وشرب الخمر فسقا ولا ms504 يمتنع أن يكون هذا من ~~خصائص أمة محمد عليه السلام. PageV01P615 # فصل # اعلم أنه قد تقرر بضرورة الدين حملة ولا يمكن أحد من أهل الملة إنكارها ~~وهي أن للعالم صانعا وإنه قادر عالم حي سميع بصير مدرك قديم لا ثاني له لا ~~شبهة شيء ولا شبه شيئا لا يجوز عليه الحاجة ولا صفات النقص وأنه عدل حكيم ~~لا يظلم ولا يكذب ولا يعبث ولا يرسل كاذبا وإن محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم نبي وما جاء به حق، فهذه جملة أصول الدين ولا خلاف بين المسلمين في ~~كفر من خالف شيئا من هذه الجملة /393/ قولا أو اعتقادا، ولهذا لم يقع ~~اشتباه في كفر المتقدم ذكرها من الدهرية والملحدة والفلاسفة واليهود ~~والنصارى والمشركين وإنما وقع الاشتباه في من يذهب من أهل القبلة مذهبا خطأ ~~يعود بالنقص على شيء من هذه الجملة ويتأوله على ما يوافقها هل يكفر بذلك أو ~~ينجيه تأويله عن الكفر. # فقال: جمهور شيوخنا المعتزلة وقليل من أهل الجبر أن التأويل لا يمتنع ~~الإكفار. # وقال: بعض شيوخنا لا يكفر أحد من أهل القبلة لفقد الدليل وإليه ذهب جمهور ~~المجبرة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي من الفقهاء حكى عن أبي حنيفة أنه قال ~~من الشبه أن لا يكفر أحدا. وحكي عن الشافعي أه قال: أنا لا أرد شهادة أهل ~~الأهواء إلا الخطابية لاعتقادهم جواز الكذب. # وحكى عن الكرخي ما يدل على أن في بدع أهل القبلة ما يقتضي الكفر، لكن لا ~~تجري عليهم أحكام الكفر. # حجة جمهور أصحابنا أن المخالف، أما أن يدعي أنه لا دليل على الإكفار من ~~جهته التأويل، وهذا غير محل النزاع؛ لأنا إنما يكفره بدليل، وإما أن نقول ~~عليه دليل، ولكنه لم يطلع عليه. # فيقال له: هذا يقتضي التوقف فلم قطعت على أن التأويل يمنع الإكفار. PageV01P616 # وبعد، فالتأويل الذي يزعم الخصم أنه يخرج التشبيه وغيره من البدع عن كونه ~~كفرا هو أن يعتقد في شبهته أنها دلالة، وأن الاعتقاد الحاصل عبدها علم وأن ~~دليل خصمه شبهة واعتقاده ms505 جهل وتأويله هذا جهل ضمة غلى الجهل باعتقاد تلك ~~البدعة، وذلك بأن يزيده دخولا في الكفر أولى من أن يخرجه عنه. # فإن قال: أليس عقاب المقدم على المعصية مع الجهل بها واعتقاد جوازه أقل ~~من عقاب المقدم عليها مع العلم وإن كان الأول قد ضم خطأ إلى خطأ. # قيل له: معارض بمن يستخف بالنبي عليه السلام مع اعتقاد جواز الاستخفاف ~~به، فإن كفره يكون أعظم. # والتحقيق أن المعصية إن كانت من باب الاعتقادات ومما ألحق فيه واحد، فلا ~~يسلم أن الجهل بها يقتضي تخفيف عقابه إذا أقدم مع إمكان العلم، وإن كانت من ~~باب الأعمال لم يمتنع ما ذكره فإنه قد أخذ فيها بالظنون. # على أنه كان من أهل الاجتهاد فعليه أن يجتهد وإن أقدم من دون اجتهاد فقد ~~أخطأ ولم يقتض ذلك تخفيف عقابه، وإن كان من غير أهل الاجتهاد فعليه السؤال. # وبعد، فلو كان التأويل عذرا لأهل الصلاة ومانعا من الإكفار لكان أيضا ~~عذرا لسائر الملل الكفرية؛ لأنهم يعتقدون صحة مذاهبهم، ويعتمدون على شبهة ~~عقلية يحتاج حلها إلى نظر دقيق، بل يعتمدون على متشابه القرآن ويتأولونه ~~على ما يوافقهم، فكما لا يعصمهم ذلك عن الكفر، فكذلك أهل الصلاة. # واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرها أصحابنا يمكن أن يعترض بوجه واحد وهو أن ~~يقال: إن المكلف إذا كان معتقدا للجملة التي تقدم ذكرها من إثبات /394/ ~~الصانع بتوحيده وعدله وصدق رسله لم يمتنع أن يكون عقابه على البدعة التي ~~اعتقدها عقاب دون من لم يصدق بالله ورسله، فلا يقطع بأنها كفر ولا بأنها ~~ليست بكفر. PageV01P617 # حجة المخالفين أن المعتمد في الإكفار ما يظهر من جهة الرسول فعلا وقولا، ~~ومعلوم أنه لم يعامل بالكفر إلا أهل المل الكفرية كاليهود والنصارى وغيرهم ~~دون أهل القبلة، فعلمنا أن حال أهل القبلة يخالف هؤلاء. # ويمكن الجواب بأنه لم يظهر له عليه السلام شيء من البدع التي ظهرت بعده، ~~فلو ظهرت له لحكم بكفرهم. # على أنه ليس المعتمد في الأدلة قول الرسول عليه السلام وفعله ms506 فقط، بل ~~يستدل بصريح الكتاب والإجماع والقياس القطعي. # دليل، قالوا: قال عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فإذا قالوها منعا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~تعالى))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من صلى إلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا ~~فله ما لنا وعليه ما علينا)). # ويمكن أن يجاب بأن هذا إنما يدل على المنع من قتالهم فمن أين أنهم لا ~~يكفرون باعتقاد ماهو كفر. # يوضحه أن مظهر الشهادة لو كان يبطن خلاف ما يظهر أو شهد لا عن علم لكان ~~كافرا مع أنه منهي عن قتاله. # وأيضا فلا خلاف أنه لا بد من أن يعرف سائر المعارف من أن للعالم صانعا ~~وأنه قادر عالم حي ونحو ذلك، وإلا كان كافرا ولو أظهر الشهادة. # وأيضا فقد قال عليه السلام: إلا بحقها، فما أنكرتم أن من قها ألا يعتقد ~~ما يعود على الجملة المذكورة بالنقض. # دليل، قالوا: المعلوم من حال العلماء في كل عصر أنهم يقبلون شهادة أهل ~~الأهواء ويروون الأخبار. # ويمكن الجواب بأنا لا نسلم هذا الإجماع، فإن أكثر أصحابنا يمنع من قبول ~~شهادة الفاسق وخبره فضلا عن من يعتقد كفره. # وأيضا فإن قبول ذلك لا يمنع من الأهواء وخبرهم لشدة تخرجهم. PageV01P618 ### |||| AUTO فصول في ذكر ما كفر به أصحابنا أهل البدع ### |||| AUTO فصل [في المشبهة الذين اعتقدوا أن الله جسم طويل عريض عميق ~~له أعضاء وخوارج وشكل وهيئة]. # قد استدل أصحابنا على كفرهم بوجوه: # الأول: إجماع الصحابة والتابعين على أن المشبه كافر، فلا يقدح في ذلك ~~خلاف العنبري والأشعرية؛ لأن الإجماع سبق مقالتهم، ولهذا قال عليه السلام ~~في بعض خطبه: فاشهد أن من شبهك أو ساواك بمثلك فلقد كفر بما نزلت به محكم ~~آياتك وأيضا فلا خلاف في أن المشبه كافر. # وإنما خلاف هؤلاء في هل المجسم مشبه أم لا. # وأيضا فخلافهم إنما هو في من قال بالتشبيه عن تأويل، فأما من قاله به ~~خبطا فلا خلاف في كفره. # دليل، لا شك ms507 أن من شبه الله تعالى بغيره فقد وصفه بصفات النقص يأمن ~~التحيز والكون وجواز الزيادة والنقصان والتفريق والمجيء والذهاب ونحو ذلك ~~من الصفات التي تنافي صفات الإلهية وكل من وصف الله تعالى بصفات النقص فهو ~~كافر بضرورة الدين /395/ وإجماع الأمة. # دليل، لا شك أن المشبه جاهل بالله تعالى جهلا لا يتمكن معه من العلم ~~بصفات الكمال، وغذا جهل بالله تعالى فهو برسوله أجهل، ومن جهل الله على هذا ~~الحد ورسوله فهو كافر بالإجماع وضرورة الدين. # واعترض بأيكم إن أردتم جهل الله جملة وتفضلا فذلك كفر، لكن ليس هذا حال ~~المشبه؛ لأنه اعتقد أن للعالم صانعا وأنه مختص بصفات الكمال، وإن أردتم أنه ~~جاهل بالله على التفضل فلا يسلم حصول الإجماع على كفر من هذه حاله. # يوضحه أن جميع علماء الأمة اختلفوا في صفات الله تعالى على أقوال لا يكاد ~~يسلم أحدهم من الخطأ فيها، كالخلاف في إثبات الأحوال ونفيها، ولا بد أن ~~يكون الخطأ في ذلك جهلا بالله تعالى على التفضيل، فلا يمتنع في المشيئة إذا ~~علم الله تعالى على الجملة وجهله على التفصيل أن يكون عقابه أخف من عقاب من ~~جهل جملة وتفصيلا. # ويمكن الجواب بأنا لم نجعل العلة مجرد الجهل بالله تعالى بل الجهل الذي ~~لا يتمكن من العلم باختصاص الله تعالى بصفات الكمال والإلهية واختلاف الأمة ~~في الأحوال لا يقتضي الجهل باختصاصه تعالى بصفات الإلهية. PageV01P619 # يوضحه أنهم اتفقوا على أن الله قادر عالم ونحو ذلك، وإنما اختلفوا في هل ~~كونه قادرا صفة زائدة على ذاته أم لا، وذلك أمر يسير بخلاف المشيئة، فإنه ~~لا يمكنه العلم بأنه قديم ولا بأنه قادر على كل شيء وعالم بكل شيء وغني عن ~~كل شيء، ولو اعتقد ذلك فاعتقاده ليس بعلم. # دليل، إذا اعتقد المشبه أن صانع التعاليم جسم ووجه العبادة إليه كان قد ~~وجه العبادة إلى غير الله وبالإجماع أن من عند غير الله فهو كافر. # واعترض بأنه قد علم الله على الجملة فهو يوجه العبادة إلى ما اعتقده على ms508 ~~الجملة وأن اعتقد مع ذلك أنه على صفة الأجسام. # ويمكن الجواب بأنه لا حكم للاعتقاد الجملي عن كونه قد وجه البر والتعظيم ~~إلى غير أبيه. # يوضحه ما روى أن عليا عليه السلام سمع رجلا يتلف بالذي احتجت بسمع سموات ~~فأنكر عليه فسأله هل يكفر عن يمينه؟ فقال: لا لأنك حلفت بغير الله تعالى. # فأما ما يلزم المشبهة فيلزمهم القول بحدوث الصانع أو قدم الأجسام ويلزمهم ~~أن لا يكون الله قادرا على الأجسام وعلى جميع أجناس المقدورات، ولا على ~~الاختراع وأن لا يكون عبثا ونحو ذلك. ### |||| AUTO تنبيه # وأما من اعتقد أن الله محل للحوادث كما يحكى عن الكرامية فهو إن اعتقد ~~فيه حقيقة الجسمية فالكلام ما تقدم وإن لم يعتقد حقيقتها ويفسر الحلول بغير ~~ماهو المعقول على بعد ذلك، فإن لا يكاد يمكن القطع بكونه مشبها. PageV01P620 # والذي ذكره أصحابنا في كفر من هذه حاله وجهات /396/ أحدهما: أن المشبه إنما ~~كفر لأه وصف الله تعالى بالجسمية، وهذا أول وصفه بما هو من توابعه وهو ~~الحلول والكون ويمكن اعتراضه بأنه لا دليل على أن المجسم المشبه إنما كفر ~~لمجرد وصفه الله تعالى بالجسمية، بل يجوز ان يعتبر في كفره مع الوصف اعتقاد ~~مقتضاه أو معناه، ومن لا يعتقد معنى الجسمية والحلول والكون لا يمتنع أن ~~يكون عقابه أخف من عقاب من اعتقد المعنى، وليس ينقلب هذا في من جحد الصانع ~~بلسانه أو وحدانيته أو بنبوة الأنبياء ونحو ذلك وإن لم يعتقد المعنى؛ لأنه ~~قامت أدلة مقررة على كفره بمجرد القول، ولم نفهم مثلها هنا. # الوجه الثاني: أنه يلزمه القول بالتشبيه والتشبيه كفر، وهذا حسن ولكن ~~الصحيح عند أصحابنا أن الكف لا يثبت بالإلزام مالم يلتزمه الصخم. # تنبيه آخر، وأما الذي أثبتوا لله هذه الأعضاء كاليد والوجه والجنب والساق ~~وتأولوها على صفات قديمة كما يقوله قدماء الأشعرية أو توقفوا في معرفة ~~المراد بها كما تقوله الكرامية فالقطع بكفرهم وكونهم مشبهة أبعد؛ لأن ~~المشبه من اعتقد معنى التشبيه، وهؤلاء لم يثبتوا من الأعضاء إلا ms509 لفظها، ولا ~~يمتنع أن يكون عقاب من أطلق التسمية أقل من عقاب من اعتقد المعنى، وكذلك ~~الكلام في ما تقوله الكرامية من أنه جسم لا كالأجسام أي قائم بذاته. # نعم يلزمهم الجميع القول بالتشبيه والكفر لكن الكفر لا يثبت بالإلزام. PageV01P621 ### |||| AUTO فصل [في ما يكفر له أصحابنا المجبرة في مسائل الخلاف] # واعلم أن أصحابنا الجماهير ذكروا في كفر المجبرة وجوها لا يمكن القطع في ~~شيء منها على كفرهم؛ لأن أكثر ما يعول عليه أصحابنا في ذلك هو القياس، ~~وإنما يكون القياس قطعيا إذا أمكن القطع على علة الكفر في مكان، والقطع على ~~حصولها في مقالة المجبرة، وذلك متعذر في الغالب؛ لأن المرجع بالكفر إلى ~~بلوغ العقاب قدرا عظيما مع إجراء أحكام مخصوصة، والمجبرة متى كانت تعترف ~~بجمل الإسلام من إثبات الصانع وعدله وصفاته وصدق رسله لم يمتنع أن يكون ~~عقابهم في هذه الأقوال التي أخطأوا فيها أقل من عقاب من لم يعتقد الإسلام، ~~فلا يمكن القطع بكفرهم. # نعم، يلزمهم الكفر في أكثر هذه المسائل الخلافية؛ لأن الكفر لا يثبت ~~بالإلزام مالم يلتزم لما ذكرناه آنفا من أنه لا يمتنع أن يكون عقاب من لا ~~يلتزمه أقل من عقاب من التزمه. # ومن يذكرها مسألة مسألة ويذكر ما يمكن الاعتراض به على أصحابنا على أصل ~~شيخنا أبي الحسين والسيد المؤيد بالله وسائر من لا يكفر المجبرة. # المسألة الأولى في قولهم بالمعاني القديمة كفرهم أصحابنا بذلك من وجوه: # الأول: إجماع الأمة في الصدر الأول على أن من أثبت مع الله قديما آخر فهو كافر. # واعترفوا بأن قصد الأمة بهذا الإجماع غير مقطوع به ولعلهم إنما أجمعوا ~~على كفر من أثبت مع الله إلها آخر، والمجبرة /397/ وإن لزمهم أن تكون هذه ~~المعاني أمثالا لله، فالكفر لا يثبت بالإلزام. # الثاني: أنه قد ثبت أن القادر بالقدرة لا بقدرة على فعل الأجسام والألوان ~~وكثير من الأجناس، والعالم بالعلم لا يعلم جميع المعلومات، والقول بالمعاني ~~القديمة يقتضي الجهل بكونه تعالى فاعلا للأجسام وبكونه قادرا على جميع ~~أجناس ms510 المقدورات وعالما بجميع أعيان المعلومات، والجهل بالله كفر. PageV01P622 # واعترض بأنه جهل بالله تعالى على التفصيل؛ لأنهم يعلمون على الجملة بالطرق ~~الابتدائية أن للعالم صانعا، وأنه قادر عالم حي ونحو ذلك، وليس يمكن القطع ~~بكون الجهل به على التفضيل كفرا؛ لأنه ما من أحد من الشيوخ إلا وقد قال في ~~الله تعالى بمقالة هي أجهل منها. # ويمكن الجواب هنا بأن جهل المجبرة جهل لا يتمكنون معه من العلم بصفات ~~الله على الكمال بخلاف جهل الشيوخ. # الثالث: أن الله تعالى إنما كفر النصارى في قولهم أن الله ثالث ثلاثة ~~لأجل أنهم أثبتوا قدماء غير الله. # يوضحه أن أكثرهم يقول: ذات وصفتين، والمجبرة أدخل منهم في ذلك. # وبهذا قيل لبعضهم: إذا كنت موافقا للنصارى فلم كفرتهم؟ قال: لأنهم تقصوا ~~عن الواجب واقتصروا على الثلاثة. # واعترض بأن الكفار القائلين بالمعاني القديمة إما أن يؤخذ من ظاهر الآية ~~وهو باطل؛ لأن الله تعالى إنما كفر في الآية من يقول أن الله تعالى ثالث ~~ثلاثة والمجبرة لا تطلق ذلك. # وأيضا فالنصارى تعتقد كون الثلاثة آلهة، والمجبرة لا تقول به، وأما أن ~~يؤخذ من إجماع الامة وهو باطل لما تقدم من أنه لا يمكن القطع على أن قصد ~~الأمة إكفار من أثبت قديما على الإطلاق، وأما أن يؤخذ من القياس فيقال: إن ~~الله تعالى إنما كفر النصارى لإثباتهم قدماء مع الله تعالى على الإطلاق، ~~وهذا أيضا لا يمكن القطع فيه على أن علة كفرهم هو ذلك فقط، وجائز أن يكون ~~الله كفرهم لإثباتهم القدماء ولاعتقادهم استحقاقها للعبادة كما هو ظاهر ~~حالهم، فأما ما يحكى عن الأشعري من أنه إنما كفرهم لأنهم يقضوا عن الواجب ~~واقتصروا على فإنه إن صح هذا عنه فإنه كفر بلى شبهة؛ لأن ظاهره يقتضي أنه ~~كان الحق عنده أن يقولوا أن الله ثامن ثمانية أي ذات وسبع صفات. PageV01P623 # الرابع: أن نعلم بضرورة الدين كفر من اعتقد أن الله مشاركا في العبادة، ولا ~~شك أن اعتقاد مشارك لله في القدم أعظم من اعتقاد مشارك ms511 له في العبادة من ~~حيث أن القدم لأمر يرجع إلى الذات واستحقاق العبادة لأمر يرجع إلى الفعل ~~وهو خلق أصول النعم فيجب أن يكون كفرا. # واعترض بعدم التسليم ودعوى أن اعتقاد مشارك في العبادة أعظم عقابا من ~~اعتقاد مشارك في القدم واستحقاق العبادة /398/ وإن كان لأمر يرجع إلى الفعل ~~وهو خلق أصول النعم إنما ثبتت لأمر يرجع إلى الذات وهو كونه قادرا لذاته. # الخامس: أنه قد دلت الأدلة القاطعة على أن القدم صفة ذاتية وأن المشاركة ~~فيها تقتضي المشاركة في سائر صفات الذات، فيلزم أن تكون المعاني أمثالا لله ~~تعالى والإجماع على كفر من جعل لله مثلا وفيه أيضا تشبيه لله بغيره، ~~والتشبيه كفر. # واعترض بأنه وإن لزمهم أن يكون أمثالا لله تعالى فهم لا يلتزمونه ~~ويجتهدون في الانفصال عنه بكل ممكن، فلا يكون حكمهم حكم من اعتقد لله مثلا. # وأما التشبيه فظاهر إصطلاح الناس على أنه لا يطلق إلا على من شبه الله ~~بغيره لا على من شبه غير الله به وإن كان لا فرق في المعنى. # وعلى كل حال فلم يلتزموا شيئا من ذلك. # السادس: أن القول بالإرادة القديمة يقتضي أن يكون مريدا لجميع الكائنات ~~وفيها ما هو قبيح بالضرورة، ومن وصف الله بإرادة القبيح فقد وصفه بصفة نقص ~~وذلك كفر. # واعترض بأن المجبرة تجعل القبائح مستندة إلى إرادة الله تعالى لا من حيث ~~أنها قبيحة؛ لأن قبحها عبارة عن كونها منهيا عنها، وذلك مما لا يتعلق ~~بالإرادة، بل كلما يصدر عن الله تعالى مما يكون متعلقا للإرادة، والقدرة ~~فهو حسن عندهم، وهذا العذر وإن كان مضمحلا متلاشيا فقد اعتقدوه عذرا وفروا ~~به عن الكفر فلا يمكن القطع بكفرهم مع اجتهادهم في دفعه. PageV01P624 # السابع: أن القول بالمعاني القدرية يقتضي القول بحاجة الله إلى غيره؛ لأن ~~عندهم أنه لولا هذه المعاني لما وجد الباري أو لكان ناقصا، وليس الحاجة ~~بأكثر من أن يقف الشيء في وجوه أو كماله على غيره. # واعترض بأن الذي يقولونه ي الأحوال تقوله المجبرة في ms512 المعاني. # ومتى فرقتم بأن الأحوال غير مستقلة بالمعاومية بخلاف المعاني. # قيل لكم: قد اعتقدت المجبرة في المعاني أنها غير مستقلة، ولهذا قالوا: لا ~~هي الله ولا هي غيره واعتقادهم هذا وإن لم يكن حقا فقد اعتذروا به فلا يمكن ~~القطع معه بكفرهم. # المسألة الثانية: في قولهم بالجبر وأن الله خالق لأفعال العباد، وقد ~~كفرهم أصحابنا في هذه المسألة بوجوه. # الأول: أنهم سدوا على أنفسهم طريق العلم بالصانع وكونه قادرا وعالما؛ لأن ~~الطريق إلى إثباته تعالى يبني على أن لنا أفعالا محتاجة إلينا في حدوثها، ~~ثم يقيس عليها أفعال الباري في الاحتياج إلى محدث مختار، ومع إنكار احتياج ~~أفعالنا في حدوثها إلينا لا يتم هذه الطريقة، وكذلك الطريق إلى كونه قادرا ~~هو صحة الفعل منه وتعذره على غيره، وذلك لا بد أن يود إلى طريقة القياس في ~~الشاهد، وكذلك كونه عالما يبنى على صحة الفعل /399/ المحكم، وأيضا فما لم ~~يكن في الشاهد فاعل لا يمكننا معرفة ماهية الفاعل ولا القادر ولا العالم. # واعترض بأنه يمكنهم معرفة الصانع وصفاته بطريقة ابتدائية من دون الناس، ~~وهو أن العالم قد حصل مع الجواز بعد أن لم يكن، فلا بد من أمر أثر في وجوده ~~وذلك الأمر لا يجوز أن يكون موجبا، فبقي أن يكون مختارا، وهذا يتم من دون ~~قياس على الشاهد، وكذلك معرفة ماهية القادر والفاعل لا يقف على أن في ~~الشاهد فاعلا، ولهذا يعرف كبيراص من الماهيات في الأذهان وإن لم يكن لها ~~وجود في الخارج كالفناء ونحوه. PageV01P625 # الثاني: أنه قد يثبت بالضرورة أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور وعبث، ~~والقول بأن الله فاعل المظلم والعبث والجور قول بأنه ظالم عابث جائر؛ لأنه ~~لا فق عند أهل اللغة بين أن يقول القائل فلأن يفعل الظلم وبين أن يقول: هو ~~ظالم، ولا شك في كفر من أطلق هذه الأوصاف على الله تعالى، فكذلك ما في ~~معناها. # واعترض بأن المجبرة يعتقدون أن الظالم هو من قام به الظلم واكتسبه، فهم ~~يفسرونه بغير ms513 ما يفسره به أهل العدل وأهل اللغة والإجماع إنما وقع على من ~~أطلق هذه الأوصاف على الله إذا اعتقد معناها عنده، فإذا لم يطلق العبارة ~~ولا اعتقد معناها على أصله لا يمتنع أن ينقص عقابه عن عقاب من وقع عليه ~~الإجماع. # نعم، يلزمه ذلك لكن الإلزام ليس بكاف في الإكفار، ولذا قال بعض شيوخنا ~~لبعض المجبرة: أتقول بأن الله تعالى يفعل العدل والإحسان؟ قال: نعم، قال: ~~أفتشتق له من فعله لذلك عادلا محسنا؟ قال: نعم، قال: أفتقول أنه يفعل الظلم ~~والكذب؟ قال: نعم، قال: أفتشتق له من ذلك ظالما كاذبا قال: لا، قال: فما ~~الفرق بينهما؟ فسكت المجبري. # الثالث: أنهم بتجويزهم أن يفعل ما هو قبيح في الشاهد ولا يقبح منه سدوا ~~على أنفسهم الوثوق بالأدلة لجواز أن ينصب الله دلالة على الأمور الباطلة ~~ولا يقبح منه ويضل عن أدلة الصواب ويجعلها شبها ويلبس الحق بالباطل، فلا ~~يحصل ثقة بأن ما عليه المسلمون حق وأن ما عليه الكفار باطل؛ إذ لا يمتنع ~~عكس ذلك. # واعترض بأن الأدلة العقلية قد دلت على أن الإسلام حق والدلالة لا تقف في ~~دلالتها على اختيار مختار، وضع واضع حتى إن شاء دل وإن شاء لم يدل، فلا تقف ~~ذلك على اعتبار حال فاعلها والاعتراض هذا إن ثبت فإنما يثبت في بعض الأدلة ~~كدلالة العقل على الفاعل والمعلول على العلة ونحو ذلك، فأما نحو دلالة ~~المعجز على النبوة، فلا بد من اعتبار حال فاعل تلك الدلالة كما سيتضح. PageV01P626 # الرابع: قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا..} الآية إلى قوله: {كذلك كذب ~~الذين من قبلهم} فبين أنهم كذبوا لأجل قولهم لو شاء ما أشركنا، وهذه هي ~~مقالة المجبرة، فيجب أن يكونوا مكذبين، والمكذب كافر بالإجماع. # واعترض بأنه لا يمكن القطع على أن التكذيب كان لأجل هذه المقالة ويجوز أن ~~يكونوا علموا ضرورة /400/ من قصد النبي عليه السلام أن الله أراد منهم ~~الإيمان، فكذبوه في ذلك وزعموا أن الله لم يرده، والمجبرة لا تعلم ذلك من ~~قصده عليه السلام، ms514 فلا يكون حكمهم حكم المشركين، وأيضا فالمكذب في الحقيقة ~~يقول لغيره: كذبت وهم لم يقولوا ذلك، وأيضا فالمجبرة يعتقدون أن الله تعالى ~~إنما وصف المشركين بأنهم كذبوا؛ لأنهم قالوا: ذلك على جهة التهكم وإلا فهم ~~صادقون في ما قالوه، وذلك وإن لم يكن مخلصا لهم فقد اعتقدوه عذرا، فلا يمنع ~~أن يفارق حالهم حال أهل الشرك. # المسألة الثالثة: في النبوات قال أصحابنا القول بأنه يجوز أن يفعل الله ~~ما هو قبيح في الشاهد، ولا يقبح منه بسد باب العلم بالنبوة؛ لجواز أن يظهر ~~المعجز عند دعوى الكاذب، ولا يقبح منه أو يفعل فيه الكذب كما فعله في غيره، ~~وأكثر ما فيه أن يكون تلبيسا وأصولهم لا تمنع منه. # واعترض بأن هذا وإن لزمهم لكنهم لا يلتزمونه، بل يعملون في دفعه كل حيل، ~~ولهذا أحد النظار منهم يحتالون للانفصال عنه بما لا يخفى على مميز ضعفه ~~وتهافته. # فقال الجويني: العلم بكون المعجز دلالة على التصديق علم ضروري وتجويز ~~إظهاره على الكاذبين لا يقدح في ذلك، وهذا ظاهر الاختلال، فإن المعلوم ~~ضرورة هو كونه معجزا فقط، فأما كونه تصديقا فهو واقف على اختيار الفاعل له ~~وقصده، والفاعل له إنما يعلم دلالة، فكذلك قصده. # على أن أصحابنا لم يلزموهم الجهل بالتصديق الذي يرجع إلى الله، وإنما ~~ألزموهم الجهل بالدق الراجع إلى الرسول، وقالوا: يلزم صحة أن يصدق الكاذب. PageV01P627 # وقال الغزالي: الطبع باعث والعقل هادي، والرسول معرف والمعجز ممكنه، ومهما ~~كان كذلك توجه على المكلف النظر في دلالة المعجز وغن لم يوجب الرسول النظر ~~فيها، فإذا نظر عرف، ولا يقدح في ذلك تجويز إظهار المعجز على الكاذب، وهذا ~~كلام لا حاصل له، فإنه إذا نظر فكيف يؤديه نظره في المعجز إلى العلم مع ~~تجويز ظهوره على كاذب، ومن أين أنه إذا نظر عرف، وهل وقع النزاع إلا في ذلك. # وقال الرازي: الكلام في صدق الرسول ينبني على مقدمتين: أن المعجز يجري ~~مجرى التصديق بالقول. # والثانية أن من صدقه الله تعالى فهو صادق. # قال: ونحن ms515 نقطع بالمقدمة الأولى وإن جوزنا أن يفعل الله القبيح والمعبر ~~له يوافق في ذلك. # وأما المقدمة الثانية فهي وإن توقفت على استحالة كونه فاعلا للقبيح، لكن ~~المعتزلة معارضون بمذهبهم في المقدمة الأولى، فإنها تجري مجرى قول الله: ~~صدقت، وهذا القول يحتمل الصدق والكذب، فإذا قطعوا بالصدق مع احتمال في ~~المقدمة الأولى قطعنا به في المقدمة الثانية أيضا، وهذه مراوغة منه ومغالطة ظاهرة. # أما أولا فالمقدمة الأولى التي هي التصديق لا يقف العلم بها على العلم ~~بحال فاعلها ولا حكمه، ولهذا لو قال قائل: السماء تحتي والأرض /401/ فوقي، ~~وقال له آخر: صدقت لعلمنا أنه قد صدقه، وإن كان كاذبا في تصديقه له بخلاف ~~المقدمة الثانية، وهي أن الله لا يصدق الصادق، فإه لا يمكن العلم بها إلا ~~بعد استحالة فعل القبيح على الله تعالى. # وبعد، فمن سلم له أن المعتزلة قطعوا بالصدق في المقدمة مع الاحتمال، ~~وإنما قطعوا بالتصديق، فأما صدق التصديق فلأنه هو المقدمة الثانية. PageV01P628 # وبعد، فيقال له: هب أن المعتزلة معارضون بما ذكرت، فإن المعارضة لا تكفي في ~~العلم فبماذا تعلم أن الله لا يصدق إلا الصادق مع تجويزك أن يظهر المعجز ~~على الكاذب، وقد صرحت بأن ذلك يقف على استحالة فعله للقبيح، وما جوابك لو ~~أوردت عليك البراهمة هذا السؤال وادعوا جهلك بالنبوات، فنه ليس ينفعك وروده ~~على المعتزلة أيضا. # وقال ابن الحاجب: أنا لا نعلم صدق الرسول عند ظهور المعجز؛ لأجل حكمة ~~الله وعدله، ولكن قد أجرى العادة بأنه لا يظهره إلا على صادق، وهذه هي ~~المهازلة والتلاعب بالدين وكيف يصح له هذا والبرهمي يقول له: عندي أنه لم ~~يصدق نبيء قط فضلا عن أن تجري العادة بذلك. # وبعد، فيقال له: بماذا علمت نبوة أول نبي، فإنه لم يثبت هناك عادة يستدل ~~بها على النبوة. # وبعد، فكل شيء طريقه العادة، فإنه يجوز اختلافه، فلا يمكن القطع بنبوة ~~تنحصر معين قط؛ لجواز أن تكون العادة قد اختلفت في حقه. # واعلم أن أصحابنا قد ضايقوهم في هذه المسألة وأشباهها ms516 وألزموهم مالا ~~يستطيعون عنه فصلا، لكنهم بإيراد هذه الأقوال وأعمال الحيلة في التخلص من ~~هذه الإلزامات واعتقاد جملة الذين لا يمتنع أن يكونوا قد عصموا أنفسهم عن الكفر. # المسألة الرابعة في الشرائع، قال أصحابنا للمجبرة: لا يمكنكم القطع بصحة ~~شريعةق قط إلا به إذا جاز أن يفعل الله القبائح ولا يقبح جاز أن يدعوا ~~إليها ويرغب فيها مع قبحها، فيجوز حينئذ أن تكون شريعة محمد خطأ، وأن يكون ~~التشاغل لها قبيحا في نفس الأمر. # وبعد، فإذا جاز أن يخلق الله في العبد الكفر والضلال ويزين له الباطل ~~ويصده عن الحق، فهلا جاز في دين الإسلام أن يكون الكفر والضلال وإن كان ~~الله قد زينه في قلوبنا وحسنه إلينا وأن يكون الحق في بعض الملل المخالفة ~~للإسلام، ويكون الله قد صدنا عن ذلك. PageV01P629 # واعترض بأن مذهب المجرة أن الشيء يحسن لأجل الأمر ويقبح لأجل النهي، ودين ~~الإسلام قد أمر الله ودعا إليه ونهى عن غيره، فيجب أن يكون هو الحق وغيره ~~هو الباطل، وهذا وإن كان غير صحيح لكنه لا يمنتع أن يتخلصوا به عن الكفر. # فصل # فأما ما تفرد به بعض علماء المجبرة من المقالات المنكرة فلزوم الكفر فبها ~~أظهر كمقالة الأشعري أنه لا نعمة لله على الكافر لا في الدين ولا في ~~الدنيا، فإن هذا رد لما هو معلوم ضرورة من الدين وصريح الكتاب، وكما يحكى ~~عنه من أن النصارى إنما كفروا /402/ لاقتصارهم على ثلاثة، وكما يحكى عن ~~النجار أنه ليس لله نعمة دينية على الكافر، وكما يحكى عن العطوي أنه جوز ~~الكذب على الله تعلى، قال: لأنه ليس بأبلغ من الظلم والعبث ونحو ذلك، وحققه ~~بمثال، فقال: إن من وعد طفلا برمانة وأخلف فيها أخف حالا ممن قطع أوصاله ~~ورمى به في النار، وكما يحكى عن كثير من أغمارهم من القول بوقوع تكليف مالا ~~يطاق، فإنه رد لما علم ضرورة من الدين بخلاف الجواز. ### |||| AUTO فصل [في ذكر خيالات] # ادعى بعض المجبرة لأجلها كفر المعتزلة، ونحن قد حكينا ms517 عن جمهورهم أنهم لا ~~يكفرون أحدا من أهل الصلاة، وأن هذا هو الأقرب في الغالب، فأما هذه الفرقة ~~فإنهم لما رأوا المعتزلة كفروهم بالوجوه المتقدمة تكلفوا مقابلتهم بمثل ذلك ~~من غير حجة ولا سلطان. # حكي عن الإسفراييني أنه سئل عن تكفير المعتزلة، فقال: من كفرني كفرته، ~~وهذا تصريح بأنه لا وجه لإكفاره إياهم، إلا أنهم كفروه. # وقد تعلقت هذه الفرقة بسبة هي أهون من أن يشتغل بالجواب عنها، لكن لا بد ~~من ذلك ليتمخض الحق للمبصرين. # الشبهة الأولى: في إنكاره المعاني القديمة # قالوا: فالمنكر لها يجب أن يكون جاهلا لله؛ لأن حقيقة الإله تقتضي أن ~~يكون ذاتا موصوفة بالعلم والقدرة، وكذلك سائرها. PageV01P630 # والجواب يقال لهم: مسلم أن ذات الباري يجب أن تكون ذاتا موصوفة بالعلم ~~والقدرة، لكن الذات إنما تكون موصوفة بالصفات، والمعتزلة قد أثبتوا هذه ~~المزايا والصفات على أتم ما يكون، فإذا أرادت المجبرة بالمعاني ما تريده ~~المعتزلة بالصفات كما يقوله كثير من محققيهم فقد وافقوا في المعنى، وإن ~~أخطئوا في العبارة؛ لأن تسميتها معاني تقتضي أنها ذوات يصح العلم بها على ~~انفرادها، وإن أرادوا بالمعاني أمرا وراء الصفات كما هو الظاهر من كلامهم، ~~فهو أمر لا دليل عليه، فلا يجوز إثباته فضلا عن أن يخطى من نفاه؛ لأن العلم ~~بكون ذات الباري موصوفة بالعلم والقدر قد تم بدونه، فالمثيب له كمن يثبت ~~لله علمين على أصلهم. # وبعد، فهذه المعاني متى لم يريدوا بها ما أراده أصحابنا من الصفات وجب أن ~~يكون أعبارا لله فيكون الجهل بها جهلا بغير الله فتسقط الشبهة من أصلها. # وبعد، فكيف يكفر المعتزلة لأجل قولها لا ثاني لله في القدم وقد علموه ~~ووصفوه بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص، ولو صح هذا لكان للنصارى أن ~~يكفروا المسلمين بنفي الإلهين الثانيين، ويدعوا أن ذلك جهل بالله. # وبعد فدون إثبات معانيهم هذه خرط القتاد، فكيف تكفرنا فيها لا سيما وقد ~~أوضحنا أنه يلزم الكفر على إثباتها لزوما لا انفصال عنه. # وبعد، فإن أرادوا أن النافي لها ms518 جاهل بالله من كل وجه فهو ظاهر البطلان، ~~وإن أرادوا أنه يجهله على التفصيل فقد ينفا أن ذلك لا يقتضي الكفر، وإلا ~~وجب في كل من أخطأ في مسألة في الأصول أن يكفر. # /403/ الشبهة الثانية في أن العباد محدثون لأفعالهم # قالوا: زعمت المعتزلة أن الله لا يقدر على فعل العبد، وغن العبد لا يقدر ~~على فعل الله، وذلك يضاهي مذهب المجوس، وأيضا فالإجماع لى أنه يجب أن نشكر ~~الله على ما رزقنا من الإيمان ومذهب المعتزلة يقتضي أن الله هو الذي يشكرنا ~~وذلك كفر. PageV01P631 # والجواب عن الأول على أصل من يحيل مقدورين قادرين هو أن المستحيل غير ~~مقدور، فلا يلزم الكفر من قولنا أن الله غير قادر عليه، وإلا لزمهم الكفر ~~من قولهم أن الله غير قادر على الجميع بين الضدين. # وأما تشبييهم بالمجوس فلم يكن كفر المجوس لأجل قولهم أن الله غير قادر ~~على فعل الشيطان، بل لأجل أنهم أثبتوا قديما مع الله. # وبعد، فإن الله تعالى وإن لم يقدر على غير فعل العبد، فإنه يقدر على ~~حبسنه، ومن كل حبس وليس هذه مقالة المجوس. # وبعد، فعندهم أن الله تعالى لا يقدر على أن يكتسب فعل العبد، فما أجابوا ~~به فهو جوابنا. # وبعد، فمذهب المجبرة أشبه بمذهب المجوس كما سلف بيانه. # وأما قولهم: أجمع الناس على شكر الله على الإيمان والمعتزلة ترد هذا ~~الإجماع فه من جنس الخراريف، فإن المعتزلة تقول بموجب هذا الإجماع، ويشكرون ~~الله على الإيمان؛ لأنه أقدرهم عليه ومكنهم منه ولطف بهم فيه وحببه إليهم ~~ونحو ذلك، والله تعالى يشكرهم على فعله بمعنى أنه يرضاه لهم ويثنيهم عليه، ~~وقد قال تعالى: {فأولئك كان سعيهم مشكورا، وما أرادت المعتزلة على القول ~~بأن الإيمان سعي المؤمن وأنه مشكور عليه. # وبعد، فهب أن المعتزلة خالفوا الإجماع، فمن أين أن مخالفة الإجماع كفر ~~هذا ما لا يقول به مميز. # الشبهة الثالثة في المعدوم # قالوا: زعمت المعتزلة أن المعدوم شيء وذات، وهذا موافقة لأهل الهيولا. # والجواب: معنى كون المعدوم شيئا وذاتا ms519 عند المعتزلة هو أنه يقبح العلم به ~~على انفراده، وهذا لا يمكن إنكاره، وقد تقدم من الأدلة عليه ما لا وجه له ~~لإعادته. # وأما قولهم فيه موافقة لأهل الهيولا فظاهر السقوط، وكيف وأهل الهيولا ~~يثبتوا بها موجودة قديمة ولا يجعلون للقادر فيها تأثيرا ويمتنعون من كون ~~العالم وجد بعد أن لم يكن، والمعتزلة أثبتوا التأثير في المعدوم على أتم ما ~~يكون، بل لا يكون الشيء مقدورا للقادر إلا في حالة العدم. # الشبهة الرابعة في أن القرآن مخلوق PageV01P632 قالوا: فكفرت المعتزلة بذلك لقوله عليه السلام: ((القرآن كلام الله فمن قال ~~أنه مخلوق فقد كفر)). # والجواب: هذا الخبر أحادي والتكفير إنما يكون بالقطع من الأدلة، ونحن قد ~~أوضحنا في ما سلف الأدلة على أنه مخلوق وإبطال قول الخصم في ذلك؛ ولأن معنى ~~هذا الخبر إن صح فمن قال أنه منسوب إلى غير قائله كما يقال قصيدة مخلوقة ~~إلى منسوبة إلى غير قائلها. # وبعد، فيلزمهم أن يكفروا عمر رضي الله عنه لقوله: فإذا اختلفتم فيه فكلوه ~~إلى خالقه، وقد وضعه النبي عليه السلام بذلك في قوله: ((كان ولا شيء ثم خلق ~~الذكر)) ونحو ذلك مما تقدم. # /404/ الشبهة الخامسة في مسألة الرؤية # قالوا: أنكرت المعتزلة الرؤية، وفي ذلك إنكار لقاء الله؛ لأنه لا يمكن ~~لقاء الله إلا على الرؤية. # والجواب: أنا قد أوضحنا فساد أقوالهم في هذه المسألة وأن اللقاء لا يقيد ~~الرؤية وإلا وجب أن يراه جميع الخلق؛ لأنهم يلقونه، بدليل قوله تعالى: {يا ~~أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} ثم قسمهم فقال: {فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه} الآية، وقال تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم غلى يوم ~~يلقونه}، وقال: {واعلموا أنكم ملاقوه}. # وبعد، فالملاقاة حقيقة في المماسة وهي مستحيل في حقه تعالى. # وبعد، فيقال لهم: ما أردتم أن المعتزلة أنكروا لقاء الله، هل بالمعنى ~~الذي تريدونه أنتم؟ وهو الرؤية فهو محل النزاع، فمن أين أن من أنكره كفر ~~وإن أردتم أنهم أنكروا لقاء ثوابه وعقابه وما وعد أو توعد فلا وأبيكم ms520 ما ~~أنكروه وأنهم لأشد معرفة منكم وأثبت قولا. PageV01P633 ### |||| AUTO فصل [في المرجئة] # لا يخلو القائل بالإرجاء، إما أن يقول أن الله تعالى ما توعد العصاة ~~بالعقاب أصلا، وهذا كفر بلى شبهة؛ لأنه رد لما هو معلوم ضرورة من الدين، ~~وإما أن الله تعالى توعد العصاة ولكنه يجوز عليه الخلف والكذب، وهذا أيضا ~~كفر؛ لأن فيه تصريحا بجواز الكذب على الله تعالى، ففارق حاله حال الإلزام، ~~وأما أن يقول ان الفساق من أهل الصلاة ليسوا مزجورين عن المعاصي. # قيل: وهذا لا يكون كفرا، وإن كان في كونه فسقا خلاف، وأما أن يقول أنهم ~~داخلون تحت هذه العمومات، لكن يقطع أن الله يعفو عنهم بمخصص إخراجهم أو ~~يجوز عنهم أو عن بعضهم أو قال في هذه العمومات شرطا واستثناء لم ينب عنه ~~الظاهر ونحو ذلك من أقوال المرجئة، فإن هذا لا دليل على كونه كفرا ولا ~~فسقا، والذي يشتبه أن يقال أنه يلزمهم عليه أنهم قد جوزوا على الله الألغاز ~~والتعمية، وقد تقدم أن الكفر لا يثبت بالإلزام. ### |||| AUTO فصل [في الخوارج] # ذهب أهل العدل إلى أنه لا يقطع بكفرهم لفقد الدليل عليه لكنهم فسقوهم ~~بتنزيهم من أمير المؤمنين عليه السلام وغيره من أئمة الحق وتكفيرهم إياهم؛ ~~لأن ذلك يقتضي الاستخفاف بهم والاستخفاف بأئمة الحق فسق. # وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم يكفرون، ولهم في ذلك شبهة: # الأولى: أن الخوارج يعتقدون إباحة قتل من خالفهم من الأئمة وغيرهم ~~واستباحة أموالهم ويفعلون ذلك. # والجواب: إنما يكون فسقا فقط، وأما الكفر فلا دليل لهم عليه؛ لأنهم ~~يعتقدون حسن ذلك وأن الله أباحه، فلا يمتنع أن يكون اعتقادهم لحسنه وإباحته ~~عاصما لهم من الكفر. # الثانية: أنهم حكموا بأن المعاصي كفر، وهذا رد للمنصوص، وأيضا ففيه نسبة ~~الأنبياء غلى الكفر؛ لأنهم قد عصوا. # والجواب: إنما يكون القول بمخالفة النصوص كفر إذا كان مقتضاها /405/ ~~معلوما ضرورة من الدين، فأما ولشبهة فيه مدخل فإنما يكون جهلا فقط. PageV01P634 # وإما نسبة الأنبياء إلى الكفر فمن قال به كفر، لكن الظاهر من ms521 حال الخوارج ~~أنهم يمنعون وقوع المعاصي من الأنبياء. # الثالثة: أنهم كفروا أمير المؤمنين وتبروا منه، وهذا استخفاف بالدين وهو كفر. # والجواب: بل إنما يكون فسقا فقط لتضمنه الاستخفاف بإمام الحق، فأما أنه ~~استخفاف بالدين فلا دليل عليه، وكيف وعندهم أنهم أشد الناس إعزازا للدين. # وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم ~~من الرمية )) فهو أحادي. ### |||| AUTO فصل [في الرافضية] # حكى الأصمعي أن سبب تلقيبهم بالرفض أن زيد بن علي لما خرج لله جاءه قوم ~~وسألوه البراءة من الشيخين، فأبى ذلك فرفضوه وعزلوا إمامته، وقيل: سموا ~~بذلك لرفضهم أبا بكر وعمر. # قال زيد بن علي: حدثني أبي، عن أبيه، أنه قال: يا علي يكون في آخر الزمان ~~قوم يدعون حبا لنا لهم نبر يعرفون به يقال لهم الرافضة يرفضون الإسلام، ~~فإذا لقيتموهم فاقتلوهم قتلهم الله. قلنا: ما علاماتهم؟ قال: ليس لهم جمعة ~~ولا جماعة، يسبون أبا بكر وعمر. وقد اختلف الناس في تكفيرهم، فذهب العدلية ~~والرازي من المجبرة أنه لا ليل على إكفارهم، وكفرهم أكثر الأشعرية لمثل ما ~~تقدم في الخوارج. ### |||| AUTO فصل [في المقلدين والعوام] # لا خلاف بين الجمهور أن المقلد مخطئ وإنما اختلفوا في كفره، فقال أبو ~~القاسم وغيره من الشيوخ: لا يكفر؛ لأن المعلوم من حال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه كان يحكم بإسلام من تكلم بالشهادتين من الأعراب، والظاهر من ~~حالهم أنهم لم ينظروا في هذه الأدلة، وإنما كانوا معتقدين لصحة ما جاء به ~~من غير نظر، وهذا هو معنى التقليد، وكذلك فالصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا ~~يحكمون بإسلام من علموا من حاله اعتقاد إثبات الصانع وصفاته وما يجب له ~~وأقر بذلك وإن علموا من حاله إهمال النظر والميل إلى التقليد. PageV01P635 # وقال الشيخان وغيرهما: يكفر المقلد، واحتجوا بأن الإجماع منعقد في كل عصر ~~على أن التارك لمعرفة الله تعالى والعادل عنها مع التمكن منها كافر المقلد ~~عادم للمعرفة تارك لها، فيجب أن يكفر. # واعترض بأنه إن كان المدعي إجماع ms522 الصحابة فالمعلوم أنهم لم يتكلموا في ~~هذه المسائل ولا يحثوا بحث المتأخرين عن أدلة حدوث العالم وتقرير النبوة، ~~وإن كان المدعى إجماع الأعصار المتأخرة عن المسلم فغير صحيح. # ويمكن الجواب بأن المدعي إجماع كل عصر إلى وقت الخلاف على أن الجاهل ~~بالله جملة وتفصيلا كافر، فأما الصحابة وغيرهم فإنهم وإن لم يبحثوا بحث ~~المتأخرين عن أدلة الصانع /406/ والنبوات فقد بحثوا عنها على الجملة، ونحن ~~إنما أجبنا العلم الحملي، وقد ظهر في كلاماتهم في توحيد الله وعدله وحكمته ~~ما يدل على علمهم، لا سيما أمير المؤمنين فإن العلماء أبدا مستمدون من خطبه ~~قواعد أصول الدين، على أن أكثر ما وقع الخلاف فيه بعدهم كان ظاهرا في عصرهم ~~لا مجال للاشتباه فيه نحو عدل الله وحكمته وصدق رسله وأشباه ذلك، وإنما ~~أحوج إلى دقيق الكلام أهل البدع ومتبعوا الشبهات. # دليل ، قد ثبت أن الشاك في الله كافر، ولا علة في كفره غلا انتفاء ~~المعرفة، وهذا ثابت في المقلد؛ لأنه فاقد لها. # واعترض بأنه لا يمكن القطع بأن علة الشاك انتفاء المعرفة فقط، ومن الجائز ~~أن تكون العلة انتفاء المعرفة أو ما يقوم مقامها، والمقلد قد فعل ما يقوم ~~مقامها، وهو أنه اعتقد الحلق لكنه اعتقاد تقليد وغير ممتنع أن يقوم اعتقاد ~~التقليد مقام المعرفة في اللفظ، لكن لا يتناوله التكليف لقبحه، وهذا العذر ~~وإن كان غير صحيح، فلا تمتنع معه السلامة من الكفر لجواز أن يكون عقاب ~~المقلد أخف من عقاب المقلد أخف من عقاب الشاك. PageV01P636 # وقد ذهب بعض الناس إلى أن العوام من أمة محمد عليه السلام والنساء غير ~~جاهلين بالله ولا مقلدين، بل هم عالمون به على الجملة لأجل ما يشاهدونه من ~~الأدلة الإلهية في ملكوت السموات والأرض ويعلمون وجه دلالة ذلك، وهو أنها ~~محدثة، ولا بد لها من محدث قادر عالم ونحو ذلك، لكنهم يعلمون ذلك على ~~الجملة ولا يعلمون تفاصيل الأدلة ولا تعيينها، فلو قلت لأحدهم: ما الدليل ~~على إثبات الصانع لما درى ما يقول لك، فإذا قلت ms523 له الدليل على ذل ملكوت ~~السموات والأرض، قال لك: إني قد شاهدت ذلك وعلمته، ولكن لم أعلم أنه هو ~~الدليل، وصار الحال فيه كالحال فيالعاقل، فإنك تقول لكثير من الناس ما علوم ~~العقل فيقول: لا أدري، فإذا قلت له: هي العلم بأحوال النفس وبالبداية ~~والمحسوسات وأخذت تعددها له، قال لك: فأنا أعلم هذه الأشياء، ولكني لم أعلم ~~أنها هي علوم العقل، وهكذا حال العوام من أهل الإسلام، ولهذا تجد في قلب ~~كثير من العوام من الخشوع والخوف والطاعة له والتوكل عليه ما لا تجد في قلب ~~كثير من العلماء، وهذا القول أحسن ما يقال في أمة محمد عليه السلام العوام ~~قائل لا يكاد تجد أحد منهم يظهر له شيء من ملكوت السموات والأرض وعجائبها ~~إلا وهلل ووحد وظهر من حاله ما يدل على أنه لاح له وجه يقتضي ذلك التهليل ~~والتوحيد. PageV01P637 # وأيضا فإن القرآن مشحون بالأدلة والتنبيه عليها نحو قوله: {قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة} وقوله: {إن في خلق السموات والأرض} ونحو ذلك من الأحاديث ~~والمواعظ، ولا شك أن أكثر العوام ينتبهون لها ويعقلون معناها، ولكن إذا ~~سألت أحدهم فربما لا يحسن /407/ العبارة عما في نفسه، وربما يخجل لأجل ~~السؤال خوفا من أن ينزل في العبارة وسيعظم الخطر في ذلك، وربما يذهب عنه ما ~~عنده للخجل والهيبة، ولو بهته لاستحضره قلبه وربما لا يتميز له ما يدل على ~~الذات مما يدل على الصفات ولا صورة ترتيب الدلالة وإيرادها، وربما يرد في ~~لفظ السؤال ألفاظ لا يعقل هو معناها على التفصيل نحو قولنا: ذات وصفة وجوهر ~~وتحيز ونحو ذلك مما لأجله يضطرب جوابه ويلتبس عليه كيفية القول. # يزيده وضوحا أنك لا تكاد تورد للمتعلم دليلا في إثبات الصانع أو صفاته ~~إلا ووجده موافقا لما في قلبه ولما يعلمه من جملة الدين ما إذا قلت له ~~الدليل على أن الله تعالى عالم هو أنه قد صح منه الفعل المحكم، فإنه يجد ~~نفسه عالمه بأن في أفعال الله من الأحكام شيئا عظيما، ms524 لكنه لم يكن يعلم أن ~~هذا هو الدليل ولا أن الدليل يورد على هذه الصورة. ### ||| AUTO القول في التفسيق # اعلم أن الفسق كالكفر في أنه لا يجوز إثباته إلا دليل قاطع، وهو إن جاز ~~ثبوته في نفس الأمر من غير دليل كمن يعصي معصية يكون في معلوم الله كبيرة ~~ولا نقطع نحن بكونها كبيرة، بل لا يصح كما تقدم أن يدلنا الله على كل فسق؛ ~~لأن في ذلك العلم بأن يكون ما عداه صغيرا. # فصل # وذلك الدليل هو السمع فقط من صريح كتاب الله أو سنة متواترة أو إجماع ~~معلوم أو قياس قطعي. # أما الكتاب فنحو قوله تعالى في أكل مال اليتامى: {إنه كان حوبا كبيرا}، ~~وقوله في الإفك: {ويحسبونه هينا وعو عند الله عظيم} وقوله في الربا: {الذين ~~يأكلون الربا} إلى قوله: {ومن عاد ينتقم الله من}. وباجملة كلما فيه وعيد يخصه. PageV01P638 # وأما السنة فكعقوق الوالدين والرياء والفرار من الزحف. # وأما الإجماع فكإجماعهم على فسق من خرج على إمام الحق واستخف به، ~~وكإجماعهم على أن ترك الصلاة من غير عذر فسق. # وأما القياس فكأن يعلم العلة في كون بعض الأفعال فسقا فيحكم بالفسق في ما ~~حصلت فيه تلك العلة أو هي وزيادة، كأن يعلم أن سرقة عشرة دراهم إن كانت ~~فسقا لكونها مضرة بهذا القدر، فيعلم كون غصب عشرة دراهم فسقا لحصول العلة ~~فيه، لكن الأغلب أنه لا يمكن القطع بعلة فسق قط، ألا ترى أنه لا يمتنع أن ~~تكون العلة في كون السرقة فسقا إنما هي سرقة ومضرة، فلا يمكن قياس الغصب ~~عليها؛ لجواز أن تكون المفسدة في السرقة أكثر، فيكون الذنب بها أعظم. ### ||| AUTO القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # الأمر هو: قول القائل لغيره افعل أو ما يقوم مقامه على جهة الاستعلاء مع ~~إرادته /408/ لحصول ما تناولته الصيغة. # والنهي: قول القائل لغيره لا تفعل أو ما يقوم مقامها على جهة الاستعلاء ~~مع كراهتة لحدوث ما تناولته الصيغة. # والمعروف: هو كل فعل يستحق به الثواب، لهذا ms525 لا يوصف فعل الله تعالى بأنه ~~معروف. والمنكر: هو كل فعل يستحق به العقاب، ولا حاجة غلى ذكر ما يدل على ~~الاشتقاق، فيقال: هو ما عرف فاعله حسنه أو قبحه؛ لأنه ليس كل حد اصطلاحي ~~يذكر فيه وجه الاشتقاق؛ ولأنه إن أكن ذكر الاشتقاق في المعروف فلا يمكن ~~ذكره في المنكر. PageV01P639 # فصل # لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن اختلف في كيفية هل ~~يجب بالقول والفعل أو بأحدهما كما سيتضح، ويدل على وجوبه من الكتاب: {لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل} إلى قوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه..} ~~الآية، وقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر} فأمر الله أن يكون فينا من يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، وأوجبه على الكفاية، قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وقال تعالى: {كنتم خير أمة..} الآية. # وأما السنة فقوله عليه السلام: ((ليس لعين ترى الله يعصى فيطرق حتى ~~يغيروا وينتقل فيه عن البلد)) وقيل عن المكان والمراد وينتقل إن لم يمكن ~~التغيير، وليست أو هاهنا للتخيير، وعنه عليه السلام: ((لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب ~~لهم)) وأشباه هذا من الأحاديث أكثر من أن تحصى، ولو ادعى كونه ضرورة من ~~الدين لأمكن. # فصل # كان المتقدمون من شيوخنا يطلقون القول بوجوب ذلك إطلاقا حتى جاء ~~المتأخرون ففصلوا، فجعلوا الأمر بالواجب واجبا، والأمر بالمندوب مندوبا، ~~قالوا: لأنه لا يريد حال الأمر على حال المأمور به، فإذا جاز للمأمور أن ~~يترك المندوب جاز للآمر أن يترك الأمر به، فأما المنكر فلا ينقسم، فلذلك ~~وجب النهي على الإطلاق إذا تكاملت الشرائط التي يأتي ذكرها. # فصل # واختلف الشيخان في هل يدل العقل مع السمع على وجوب ذلك، فقال أبو علي: ~~يدل على وجوب ذلك. # وقال أبو هاشم: لا يدل إلا في صورة واحدة وهي أن يلحق أحدنا برية المنكر ~~اغتمام وغيظ فيقضي العقل بوجوب الإنكار دفعا ms526 للضرر عن نفسه، وما عدا ذلك لا ~~يقضي العقل بوجوبه؛ لأنه من باب الإحسان إلى الغير ودفع الضرر عنه، فهو حسن فقط. PageV01P640 # وبعد، فلو وجب عقلا لم يكن بد من وجه وجوب يعلمه العقل؛ غذ لا يقضي بالوجوب ~~من غير وجه، ولا وجه في العقل يقضي بوجوب ذلك، والذي يشتبه الحال فيه أن ~~يقال: أن العلم يقبح الفعل يتبعه وجوب المنع منه حبرا أو يقال: أن العقل ~~يقضي بوجوب كراهة القبيح يتبع وجوب المنع من فعله /209/ أوي قال: يجب ذلك ~~لئلا يوهم أنه يريد المنكر أو يكره المعروف، وكل هذه الوجوه يقتضي أن يجب ~~على الباري أن يمنع من المنكر بطريق القهر، ويقتضي أيضا قبح إقرار أهل ~~الذمة على القبائح وأخذ الجزية. # ولأبي علي أن يقول: أما الأول فلا يصح؛ لأن الباري تعالى مكلف، فلا يدفع ~~أحدنا بطريق القهر بخلاف أحدنا، فإنه يحسن منه المنع بطريق الإكراه والحمل ~~على الواجبات. # وأما الثاني: فمسلم أن العقل قد كان يقضي بقبح إقرار أهل الذم بعد العلم ~~بخطئهم، لكن السمع قضا بإقرارهم، فأما دعوى أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لطف والعقل يقضي بوجوب اللطف، فلا يصح؛ لأنه لا يمكن القطع من جهة ~~العقل على أن ذلك لطف. # فصل # وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تبدأ بالقول اللين، فإن حصل ~~به المقصود من الامتثال وإلا تعداه إلى القول الخشن والوعيد، فإن نفع وإلا ~~العصا ثم السيف، والوجه في هذا الترتيب أن الغرض بالأمر بالمعروف والنهي هو ~~أن يقع المعروف وأن لا يقع المنكر، فإذا تم الغرض بالأمر السهل فلا وجه ~~للتعدي إلى الأمر الصعب، وقد ورد النص بذلك، قال تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا..} الآية، فأمر بإصلاح ذات البين أولا، وهو يتضمن الكلام ~~اللين والخشن ثم القتال، وبهذا يبطل ما حكي عن بعض الإمامية من أنه لا يجب ~~الضرب ولا القتل، إلا إذا كان هناك إمام، ويبطل أيضا ما يحكى عن بعض ~~المرجئة من أنه لا يجب إنكار المنكر إلا بالقلب ms527 فقط؛ لأن الآية لم تفصل بين ~~الإنكار بالقلب والإنكار بالجوارح. PageV01P641 # فصل # وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط. # الأول: أن يعلم أن الذي يأمر به معروف والذي ينهى عنه منكر، وغلا لم يأمن ~~أن يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؛ ولأن ذلك يتضمن الخير بكون المعروف ~~معروفا والمنكر منكرا، والخير لا يكون إلا عن علم، وغلا لم يحسن؛ ولأن وجوب ~~الأمر والنهي يترتب على وجوب الفعل والكف عنه، فكما لا يجب فعله إلا عند ~~العلم بوجوبه أو التمكن من ذلك، ولا يجب الكف إلا عند العلم بقبحه أو ~~التمكن، كذلك الأمر والنهي. # فإن قيل: أليس قد يدخل النكير في مسائل الاجتهاد، وليس بمقطوع بها. # قلنا: إنما ينكر ما تعلمه منكرا وهو أن يفعل المجتهد ما يخالف اجتهاده أو ~~يفعل المقلد خلاف مذهب إمامه، وكل ذلك مقطوع بكونه منكرا. # وأما الإنكار على من يكلم امرأة في السوق مع عدم القطع بكونها أجنبيه، ~~فإنما هو من جنب وقف موقف تهمة، وذلك مقطوع بكونه منكرا. PageV01P642 # الثاني: أن يعلم أن يغلب على ظنه أن لأمره ونهيه تأثيرا، فإن علم أو غلب ~~على ظنه العكس فاتفقوا على أنه لا يجب، وإن اختلفوا في الحسن فقيل: يحسن ~~ويتنزل منزلة استدعاء الغير إلى الدين وإقامة الحجة عليه وإزاحة علته، ~~وقيل: يصير عبثا فيقبح، وفرق هؤلاء بينه وبين الاستدعاء إلى الدين وتكليف ~~من المعلوم أنه يكفر أن الغرض بهذا الاستدعاء والتكليف بقوة إلى التمكين ~~/410/ والإعلام وأزحة العلة، وذلك حاصل، وإن علم أنه لا يقبل والغرض بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقع المعروف ولا يقع المنكر، فإذا علم أو غلب ~~عل ظنه زوال الغرض صار الأمر والنهي عبثا، فيزول الحسن مع زوال الوجوب ~~كالشرط الأول، فأما إن لم يعلم ولا غلب على ظنه أحد الأمرين، بل يجوز أن ~~يكون لأمره ونهيه تأثيرا وأن لا يكون، فهاهنا يجب. وقيل: يحسن فقط. # الثالث: أن يعلم أو يغلب في ظنه أن المعروف الذي يريد الأمر به لم يفت ~~والمنكر الذي نهى عنه لم ms528 يقع؛ لأن الغرض وقوع المعروف وأن لا يقع المنكر، ~~فمتى علم أو غلب على ظنه زوال هذا الغرض لم يجب ولا حسن. # نعم، يحسن الوعظ والتذكير والزجر عن مثله والامر بالتوبة ونحو ذلك. # فإن قال: ما المانع أن يجب أو يحسن للتعريف بكونه منكرا أو معروفا كما ~~يجب أو يحسن لغرض الإيقاع أو الامتناع. # قيل له: المعرفة حاصلة من قبل. PageV01P643 # فإن قال: ألستم قد جوزتم أن ينهى الله تعالى الشرع عن الظلم من يعلم أنه لا ~~يفعله وأنه عالم بقبحه، فما فائدة هذا النهي. # قيل له: فائدته تأكيد قبحه، وأن السمع مطابق للعقل في ذلك. # فإن تردد فلم يعلم ولا غلب على ظنه فوات المعروف ووقوع المنكر ولا عكسه، ~~فالكلام ما تقدم من أنهم اتفقوا على الحسن واختلفوا في الوجوب. # الرابع: أن لا يخاف تلفا ينزل به تلفا ينزل به أو بأطرافه أو بماله ~~المجحف، فإن خاف ذلك لم يجب عليه اتفاقا؛ لأن عند هذا الخوف قد أباح له ~~الشرع فعل ما هو منكر كأكل الميتة وشرب الخمر والأخذ من مال الغير والتلفظ ~~بكلمة الكفر ونحو ذلك، فبالأولى أن يبيح له ترك الأمر والنهي عند هذا الخوف. # واختلفوا في الحسن إذا زال الوجوب، فقال القاضي: لا يحسن، وفرق بينه وبين ~~ظهار الإسلام عند الضرورة، والامتناع من التلفظ بكلمة الكفر بأن في الثبات ~~على الإسلام إعزاز للدين، وهذا غير حاصل في الأمر النهي والحال هذه. # وذكر السيد في شرح الأصول أنه قد يكون في الأمر والنهي والحال هذه إعزاز ~~للدين، فيحسن كما فعله الحسين في خروجه. # والأقرب أنه لا فرق بينما فعله الحسين وبين ما يفعله غيره في كونه إعزازا ~~للدين، فيحسن من غير تفصيل؛ لأنه لا معنى لكونه إعزاز الدين إلا أنه إظهار ~~للمعروف ورفع لشعار الإسلام، واحتمال المشاق في ذلك، وهذا حاصل فيكل أمر ~~بمعروف ونهي عن منكر كحصوله في ما فعله الحسين عليه السلام كحصوله في ~~الثبات على كلمة الإسلام، فلا وجه للتفصيل. PageV01P644 # يؤيد هذا أن الله تعالى ms529 أمر بالصبر على ما يلحق الإنسان في ذلك، فقال ~~تعالى: {حاكيا عن لقمان يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ~~واصبر على ما أصابك}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم /411/: ((أفضل الجهاد ~~كلمة حق عند سلطان جائر)) ولا شك أن الوجه في جميع ذلك كونه إعزازا للدين ~~وصبرا على ما يلحق من المضار بسببه، وإن اختلف هذا الإعزاز باختلاف الناس ~~فبعضهم يكون إعزازه عظيما كما فعله الحسين وأهل بيت النبوة عليهم السلام ~~وبعضهم يكون إعزازه دون ذلك، فثبت أن ما هذا حاله يحسن على كل حال ممن غير تفصيل. # اللهم إلا أن يعلم أو يغلب على ظنه أن المعروف لا يقع والمنكر لا يزول مع ~~حصول هذا الخوف من حصول ضرر، فربما يصير ذلك مؤكدا لزوال الحسن، فأما إذا ~~علم أو غلب على ظنه حصول الغرض بالأمر والنهي، لكن المنكر في الضرر الذي ~~يصل غليه أعظم من المنكر الذي يزيله، فالكلام فيه سيأتي. # الخامس: أن لا يعلم ولا يغلب على ظنه أن أمره ونهيه يؤدي إلى تضييع معروف ~~آخر وفعل منكر آخر فإن علم أو غلب على ظنه ذلك فقيل: لا يجب، ولا يحسن؛ لأن ~~فيه مفسدة؛ ولأنه يكون في حكم المعين على المنكر الآخر. # وقيل: بل لا يسقط الوجوب، ولا الحسن؛ لأنه يكون بذلك مقيما للحجة ومعزا ~~للدين، ومتى فعل المأمور المنهي منكرا آخرا وضيع معروفا فإنما أتي في ذلك ~~من قبل نفسه عنادا ومكابرة، ولا يوصف الأمر الناهي أنه معين له؛ لأن ~~الإعانة تحتاج إلى الإرادة. # وقيل: إذا كان ما يقع من المنكر أو يضع من المعروف أعظم مما نهي عنه أو ~~أمر به لم يحسن؛ لأن الغرض بالأمر والنهي تقليل المنكر وتكثير المعروف، ~~والأحسن ووجب. # وقيل: إن كان المنكر الذي يحصل عند الأمر والنهي ضررا يرجع إلى الأمر ~~الناهي لم يزل الحسن وإن زال الوجوب لقوله تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك} ومعلوم أن الذي يصيبه منكر آخر. PageV01P645 # وأيضا: فمعلوم من ms530 حال الأنبياء والصالحين أنهم كانوا يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر مع علمهم أنه يلحقهم من المضار في ذلك ما يقتضي كفر فاعله ~~أو فسقه. # فصل # اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضربان: أحدهما يكون ضروريا ~~ظاهرا، فهذا يجب الأمر فيه والنهي من دون تعريف، والثاني لا يكون ظاهرا، بل ~~يجوز خفاءه، فهذا لا يحسن الأمر فيه ولا النهي إلا بعد التعريف، وهذا لا ~~شبهة فيه، وإنما يقع الاشتباه في كيفية الإكراه على الفعل إن كان معروفا، ~~وعلى المنع منه إن كان منكرا. # وهذا ينبغي التفصيل فيه، فنقول: إما أن يكون ذلك المعروف والمنكر من ~~أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح إن كان من أفعال القلوب لم يمكن الإكراه ~~فيه ولا المنع عنه، فلا يكون ذلك تكليف علينا؛ إذ لا نطيقه نحو الاعتقادات ~~الصحيحة والفاسدة وغير ذلك من أفعال القلوب، وإنما يكون الأمر والنهي مما ~~/412/ هذا حاله بإقامة الدلالة وحل الشبه وإبطال التقليد وإيضاح الحجج في ~~جميع ذلك، فمن اهتدى فلنسفه ومن ضل فعليها، ولا يكلف أكثر من ذلك، وإن كان ~~من أفعال الجوارح فأما أن يقف على أفعال القلوب كالشهادتين فإنهما يقفان ~~على الاعتقاد كالصلاة فإنها تحتاج إلى النية ونحو ذلك، وما هذا حاله فقد ~~اختلف فيه أئمتنا عليهم السلام. # فقال بعضهم: لا يتصور الإكراه في ذلك، ويكون كالذي قبله في الأمر والنهي، ~~وإنما يكون بإقامة الأدلة وتكرار ما ورد من الوعد والوعيد في ذلك. # وقال بعضهم: يتصور الإكراه في ذلك. PageV01P646 # وهذا هو الحق، والمراد بذلك أنه يجب علينا أن يكرهه على فعل ماله تلك ~~الصورة، وأن يظهر من نفسه أنه أتى بها على الوجه الصيح فيكرهه مثلا على فعل ~~ما هو بصورة الصلاة حتى يفعلها ويظهر من نفسه فعلها على تقويم نية الغير ~~مقام نيته، فأما إذا كان كذلك فلا شبهة في تصور الإكراه في ذلك ويكون مؤيدا ~~لما ذكرناه كالزكاة وعلى الذي أكرهه أن ينوي عنه كالإمام ومن تلا من قبله، ~~وغن كان مما لا يحتاج إلى ms531 أفعال القلوب فهو ضربان أيضا: أحدهما: لا يكون ~~للاجتهاد فيه مجال، وهذا يجب الأمر فيه والنهي بغير التعريف، ولا يحتاج إلى ~~معرفة حال فاعله في هل هو مقلد أو مجتهد. # والثاني: أن يكون للاجتهاد فيه مجال فلا يحسن الأمر والنهي إلا بعد أن ~~يعلم هل مذهبه أو مذهب إمامه جواز ما فعل أو ترك أو لا، فإن كان الأول لم ~~يحسن أمره ولا نهيه، وإن كان الثاني حسن، ولهذا ليس لأحد أن ينهى الحنفي عن ~~شرب المثلث، وعلى الحنفي أن ينهى الشفعوي عن شربه. # نعم، يتصور الإنكار هنا من طريقة أخرى، وهي أن يسلك المجتهد في اجتهاده ~~في ذلك طرقا ظاهرة البطلان مع ظهور ما هو أقوى منها، فيعلم أن ما وفى ~~الاجتهاد حقه فيكون لنا أن ننكر عليه ذلك الفعل وإن ادعى أن اجتهاده ساقه ~~إليه، وكذلك ينكر على المقلد في المسألة الاجتهادية إذا قلد من ليس بأهل ~~لأن يقلد، أما لفقد العقل أو لتساهل في النظر. # وعلى الجملة فإذا عدل المجتهد أو المقلد عن ما كلفاه في المسألة صح ~~الإنكار عليهما وإلا لم يصح. # فإن قلت: كيف لا أنكر على الحنفي شرب المثلث وهو عندي حرام، وإنما هو ~~حلال عنده فقط، فأما أنا فمحرم عندي. # قلنا: بل هو حلال عندك وعنده، أما عنده فظاهر؛ لأنه مذهبه، وأما الذي ~~أداه إليه اجتهاده أو اجتهاد إمامه، وأما عندك فلأنك تذهب إلى أن كل مجتهد ~~مصيب، فأصلك يقتضي تحليل المثلث في حق من أداه إليه اجتهاده، وإن كان حراما ~~في حق غيره. PageV01P647 ### || AUTO الكلام في أحوال الأئمة في حق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين # اعلم أن في من يدعي حب أهل البيت عليهم السلام قوما يركنون في حق الصحابة ~~رضي الله عنهم خطرا عظيما وضلالا بعيدا، فتارة يكفرون وتارة يفسقون ولعل ~~المزري عليهم /413/ لو نظر في حال نفسه بغير الإنصاف لوجدها لا تساوي أثر ~~نعالهم، ولرأى فيها قصورا عن مراتبهم في العلم والعمل، وكيف وقد أثنى الله ~~عليهم ورسوله وبشرهم بالجنة ms532 مع ما لهم من السابقة في الإسلام والجهاد في ~~سبيل الله والصبر على الشدائد وإحياء معالم الدين. # ونحن نرتب الكلام في أربعة أبواب بمن يتكلم في الإمامات: # الأولة في شبهة المفسقين لهم على الجملة. والثاني في الرد على الطاعنين ~~في كل واحد على انفراده. والثالث في ما ورد في النهي عن سبهم. والرابع في ~~تزكيتهم والترضية عليهم. ### ||| AUTO أما الباب الأول وهو في الجواب عما ذكروه في فسق الصحابة رضي ~~الله عنهم. # فاعلم أنا قد أوضحنا أنه لا يجوز إثبات كفر ولا فسق إلا بدليل قاطع، وكل ~~شيء يذكرونه من الشبه في ذلك أكثر ما يقتضي إن صح أنهم اخطئوا، ومهما لم ~~يقم دليل على كون الخطأ كفرا أو فسقا لا يمكن القطع بواحد منهما. # وبد، فنحن نعلم بالضرورة ظهور إسلامهم وقوة أديانهم وعدل سيرتهم وطريقتهم ~~وحرصهم على إظهار كلمة الحق ومحبة الرسول إياهم وموالاته لهم وانتصاره بهم ~~في المواطن وحسن الثناء عليهم وبشارتهم بالجنة، فيجب أن يقطع بصحة إسلامهم ~~وقوة إيمانهم مالم ينقل عن ذلك دليل قاطع. # وبعد، فأهل هذه المقالة من الإمامية وغيرهم يثبتون هو سبهم على أن على ~~الأئمة نصوصا جلية يعلم قصد النبي بها ضرورة وأن الصحابة خالفوا في ذلك ~~وسنوضح فساد هذه المقالة. PageV01P648 # إذا ثبت هذا فقد تعلقا في فسق الصحابة رضي الله عنهم بشبه كلها مبنية على ~~أنهم أخطئوا في التقديم على أمير المؤمنين، فكل من لا يعتقد خطأهم في ذلك ~~لا يتوجه لعيه شيء من هذه السبة، إنما موضع مكالمته إثبات خطأهم، وغنما يقع ~~الجواب عن هذه الشبه على رأي من يعتقد خطأهم بالتقدم وهو المذهب. # الشبهة الأولى قالوا: أن حق علي رضي الله عنه في الإمامة والنفع بها أعظم ~~من شرقة عشرة دراهم، فإذا وجب الفسق بأخذ عشرة ومضرتها يسيرة وجب الفسق ~~بأخذ الإمامة؛ لأنها أعظم. # والجواب: هذا يبنيى على أن العلة في فسق سارق العشر كونها مضرة بهذا ~~القدر، وهذا باطل، وإلا لزم القطع في المختلس والغاصب والسارق من غير حرز، ms533 ~~وقد تقدم أنه يجوز أن يكون في السرقة على هذه الصفة من المفسد ما ليس في غيرها. # وعلى الجملة فالتفسيق لا يثبت بقياس ظني. # يوضحه أن في العلماء من ينكر القياس رأسا، وخبر الواحد والضرر في هذا ~~الإنكار أعظم الضرر في سرقة عشرة دراهم وهو لا يفسق به. # وبعد، فالضرر الذي ادعوا أنه لحق عليا عليه السلام، أما أن يكون في أمر ~~دنياه وهو باطل؛ لأن الإمامة لا يقصد بها أمر الدنيا وشهواتها أو في أمر ~~دينه، وذلك لا دليل عليه لجواز أن يكون صبره عل جنايتهم والعفو عنهم ~~والإعراض عن طلب الرئاسة والكف عن ذلك أعظم ثوابا مما كان يحصل له، وأما ~~/414/ أن يدعو الضرر على الأمة، فذلك إنما يثبت لو كان خير؛ ولأن الأمر ~~ظلموا وتعدوا وعطلوا الحدود، فأما وقد شادوا منار الدين وأحيوا سنن ~~المرسلين فلا ضرر على الأمة من قبلهم. # الشبهة الثانية أن قالوا: التصرف في الإمامة بالأمر والنهي والحل والعقد ~~وإقامة الحدود وأخذ الأموال يصرف في حق غيرهم على وجه يتضرر به، فيجب أن ~~يكون فسقا. PageV01P649 # والجواب: أنهم قد اعتقدوا أنهم أهل لذلك وفعلوا مثل الذي يفعله الإمام ~~المنصوص عليه، فما المانع أن يكون تصرفهم على وجه الصواب مع اعتقادهم ~~الأهلية لذلك بعضهم على الفسق وعلى الخصم أن يورد دليلا قاطعا على الفسق. # الشبهة الثالثة: قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا} ونحوه من الآيات، قالوا: ولا شك أن من جلس مجلس الإمام وهو لا يستحق ~~ذلك فهو عاص لله ورسوله، فيجب فسقه. # والجواب: أن ظاهرها متروك بإجماع المحققين، فإن صاحب الصغيرة والتائب غير ~~داخل في الوعيد، وإن وصفا بأنهما عاصيان لله ورسوله كما قال تعالى: {وعصى ~~آدم ربه} فبقي أن الداخل في الوعيد هو صاحب الكبير فعلى الخصوم بيان أن ~~الصحابة قد فعلوا كبيرة. # الشبهة الرابعة: في قوله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} قالوا: ومن ~~جلس مجلس الإمام فقد ظلمه، فيكون ملعونا ولا يستحق اللعنة إلا فاسق. # والجواب: ما تقدم ms534 من أن ظاهرها متروك بالتائب وصاحب الصغيرة فإنهما ~~يوصفان بأنهما ظالمان كما قال تعالى: {ربنا ظلمنا أنفسنا}. # وبعد، فأما أن يجعلوا اسم الظالم على كل من فعل معصية صغيرة كانت أو ~~كبيرة فلا يمكن القطع على أن كل ظالم ملعون، وأما أن لا يطلق هذا الاسم إلا ~~من فعل الكبيرة، فليدلوا على أن الصحابة فعلوا كبيرة بالتقدم. # الشبهة الخامسة: قوله عليه السلام في علي رضي الله عنه: ((اللهم وال من ~~والاه وعاد من عاداه..)) الخبر، قالوا: ومن أخذ الإمامة عليه فقد عاداه. # والجواب: أن هذا الخبر وإن كان متلقى بالقبول فهو أحادي، والتفسيق لا ~~يثبت إلا بقاطع. PageV01P650 # وبعد، فليس يقال في من جهل إمامة غيره وجلس مجلسه معتقدا أه أحق من فقد ~~عاداه، وإنما المعاداة هي أن يخرج لعيه ويحاربه أو يبغضه أو يسلب عنه ما ~~يتحقق أنه حق له، وكذلك الحد؛ لأنه ضد النصرة، فلا يكون خاذلا إلا من ~~استنصره الإمام، فلم ينصره فلا يكون الصحابة خاذلين له رضي الله عنه إلا ~~بعد أن تثبت لهم إمامته ويستنصرونه فلا ينصرونه ولم يثبت لهم شيء من ذلك ~~إلا بعد قتل عثمان رضي الله عنه. وبعد فقد سأل أمير المؤمنين /415/ عن ~~الذين تخلفوا عنه بأيام صفين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر أفساق؟ فقال: لا بل ~~خذلوا الحق ولم ينصرا الباطل. # الشبهة السادسة: قوله عليه السلام: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ~~ميتة جاهلية)) قالوا: وقد جهلت الصحابة إمامة علي رضي الله عنه. # والجواب: أنه أحادي وقد أجمع أهل التحقيق أن معناه: من مات ولم يعرف ~~الشروط التي يختص بها الإمام ليتمكن من اختاره ومعرفة إمامته بدليل أنه ~~يجوز خلو الزمان عن إمام. # وبعد، فالصحابة رضي الله عنهم يعتقدون أنهم يعرفون إمام زمانهم ويعتقدون ~~أن عليا رضي الله عنه لم يكن إمام حتى مات عثمان رضي الله عنه، وأكثر ما ~~فيه أنه يكون اعتقادهم خطأ، فغير ممتنع أن يخرجوا به عن الفسق كما مر ي ~~نظائره. # بوعد، فظاهر الخبر بما ms535 يقتضي من مات على هذه الصفة فمات على نوع من الجهل ~~وليس فيه أنه يموت كافرا أو فاسقا، ولهذا لا يقطع أهل التحقيق على فسق من ~~لم يعرف شروط الإمامة. # الشبهة السابعة قوله عليه السلام: ((من آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد ~~آذى الله ومن آذى الله يوشك أن ينتقم الله منه)) قالوا: وقد آذاه من أخذ ~~الإمامة عليه. # والجواب: ما تقدم من التفسيق لا يثبت إلا بالأخبار الأحادية، وإنما يثبت ~~بدليل قاطع. PageV01P651 # وبعد فاسم الأذية إنما يتناول الآلام والغموم النازلة لأجل أخذ المال أو ~~الغرض وسائر المضار، فأما ما يتعلق بالديانة والجهل بالإمامة والخطأ فيها ~~فلا يوصف بأنه أذية، لا سيما وسنوضح من حال أمير المؤمنين ما يدل على أنه ~~لم يكن يفسقهم ولا يذمهم، وأنه كان يواليهم ويمدحهم ويشير عليهم ويصلي ~~خلفهم ونحو ذلك مما يدل على أنهم لم يكونوا عنده بهذه المنزلة. ### ||| AUTO الباب الثاني في الجواب عما طعنوا على كل واحد من الصحابة رضي ~~الله عنهم، وعما يطعن به أهل الضلال في إمامة أمير المؤمنين رضي الله عنه. # أما أبو بكر فقد استدلوا على فسقه بوجوه منها: قصته مع فاطمة رضي الله ~~عنها في فدك، قالوا: فإنه ظلمها حقها وردها خائبة واستخف بها. # والجواب: أما كون استخف بها فذلك فسق لا محالة لو ثبت، لكن من البعيد أن ~~يستخف بابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن يقصد ظلمها في أول حكم ~~حكم به في الإسلام لا سيما مع معرفته بعزة بني هاشم وحرمة رسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكون معه ما يغنيه عن ظلمها والاستخفاف بها، فهذا شيء لا ~~يظن صدقه ولو حصل الظن به لم يثبت به فسق لاحتياج التفسيق إلى دليل قاطع، ~~وأما كونه لم يحكم لها في فدك فنهاية الأمر أن يكون مخطئا كما في مسألة ~~الإمامة، فلا دليل على أن ذلك الخطأ فسق. PageV01P652 # قالت المعتزلة: المروي أنها رضي الله عنها ادعت أولا أن النبي صلى الله ~~عليه وآله ms536 وسلم نحلها فدك، وجاءت بعلي شاهدا وبأم أيمن /416/ فقال لها أبو ~~بكر: يا ابنة الصفوة ائتيني برجل مع الرجل أو بامرأة مع الامرأة فلم تجد ~~ذلك، ولم تكن فدك تحت يدها فتكن معها ظاهر اليد فعدلنا إلى دعوى الإرث، ~~فروى أبو بكر الخبر: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)) ~~واستشهد على ذلك جماعة من الصحابة فشهدوا أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، قال: ولا شك أنا إذا فرضنا أن أبا بكر سمع هذا الخبر من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ولم روى له فإنه لا يجوز له أن يحكم لها ~~والحال هذه سواء كان الخبر ناسخا أو مخصصا، وعلى كل حال فإن كان عذره في ~~دفعها صحيحا فإنه يخرج به عن الخطأ وغلا فلا أقل من أن يخرج به عن الفسق. # فإن قيل: كيف يصح تقدير صحة عذره مع أن فاطمة رضي الله عنها معصومة لا ~~تدعي إلا الحق. # قلنا: غير ممتنع أن يكون الواجب أن يحكم بظاهر الشرع في حق المعصوم وغيره. # وبعد، فلعله كان لا يعتقد عصمتها وليس خطأه في هذا الاعتقاد بأعظم من ~~خطأه في اعتقاد أنه هو الإمام، وربما أن يكون قد اعتقد عصمتها، لكن عن ~~الكبائر كعصمة الأنبياء وجوز أن يكون في أفعالها ما هو صغير، وبالجملة فإن ~~كان سمع الخبر من النبي عليه السلام أو غلب على ظنه صدقه فإنه ليس له أن ~~يحكم بخلافه. # فإن قيل: أليس قال تعالى: {وورث سليمان داود} وقال: {فهب لي من لدنك وليا ~~يرثني ويرث من آل يعقوب} فكيف يغلب على ظن أبي بكر رضي الله عنه صدق الخبر ~~والحال هذه؟ PageV01P653 # قلنا: لتجويزه أن يكون المراد يرث النبوة بدليل أنه خص سليمان بالإرث دون ~~سائر أولاد داود، بدليل قوله تعالى في الآية الثانية: {ويرث من آل يعقوب} ~~وكما قال تعالى: {وأورثنا الذين اصطفينا من عبادنا} وقال: {وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب ونحو ذلك} وكذلك فإنه ترك السيف والبغلة والعمامة في يد علي ms537 ~~رضي الله عنه ولم يكن له وراثة، وكذلك فلم يطالب العباس في الإرث. # على أن أبا بكر لو اعتقد أن المراد في هذه الآيات إرث المال لم يمنعه ذلك ~~من جواز العمل على الخبر الذي سمعه أو روي له في ما عدا ذلك ويجعله مخصصا، ~~فكأنه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث إلا داود وزكريا، وعلى الجملة ~~فالخطأ في الاجتهاديات بعيد فضلا عن الفسق، ولهذا عمل لكل على ظاهر هذا ~~الخبر وقرره أمير المؤمنين ولم ينقض حكم أبي بكر يه، ولو كان العمل عليه ~~فسقا أو خطأ لما قرره علي رضي الله عنه حسين انتهى الأمر إليه وزالت ~~النفية، بل كان يرد فدك إلى أولاد فاطمة رضي الله عنهما والعباس. # فإن قيل: فما وجه المصلحة والحكمة في أن الأنبياء لا يورثون لو صح الخبر. # قلنا: وجهان: أحدهما أن المال إذا صار إلى الورثة انتفعت منفعة الميت ~~عنه، وإذا كان صدقة دام ثوابه إلى يوم القيامة، فيكون ذلك /417/ خاصا ~~للأنبياء عليهم السلام لجلالتهم عند الله، ويكون من عداهم ممنوعا من ماله ~~إلا الثلث. # الثاني: أنه لا يمتنع أن يكون علم النبي عليه السلام بأن ماله لا يصير ~~إلى أولاده لطفا له في الزهد في الدنيا وصارفا له عن الاستكثار منها ~~والجمع، فيستغنى منها باليسير ويقتصر على الكفاية فيكون ذلك زيادة في ثوابه ~~ورافعا لمنزلته في الآخرة. PageV01P654 # وبالجملة فلا يلزم وجه الحكمة على التفضيل، بل الواجب على من سمع الخبر أو ~~غلب على ظنه صدقه أن يحكم به في باب الأعمال، فإن ثبت مثل ذلك لأبي بكر خرج ~~عن الخطأ وإلا فلا أقل أن يخرج به عن الفسق، ولهذا فإن الجمهور من أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام لا يفسقون أبا بكر. # ومنها: أن النبي عليه السلام مات وهو يقول: نفذوا جيش أسامة وأبو بكر من ~~جملتهم تحت أمر غيره فعصى أمر النبي صلى فينفسه وفي عمر. # والجواب: قالت المعتزلة: الصحيح أنهما لم يكونا في جيش أسامة. # يوضحه أنه عليه السلام قدم أبا ms538 بكر للصلاة وأيضا فلم ينكر أحد من الصحابة ~~على أبي بكر تخلفه عن الجيش، وأيضا فقوله نفذوا إنما هو خطاب لمن يلي الأمر ~~بعده، وندهم أنه أبا بكر ولي الأمر بعده، وذلك يقتضي خروجه عنهم. # وعندهم أيضا أن فيه دلالة على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه، وغلا ~~فكان يوجه الخطاب إليه. # فإن قيل: فما باله لم ينفذ جيش أسامة بعد موت النبي عليه السلام. # قيل: من الجائز أن يرى الصواب في تأخيره لنصرة الإسلام، ولئلا يعترف ~~المسلمون كما لو رأى ذلك الإمام المنصوص عليه لا سيما بعد اختلاف الأنصار ~~وطلبهم للأمر، وقد جهزه من بعد لما استقر الأمر، وعلى كل حال فإن كان هذه ~~الأعذار صحيحة وإلا فقد نجا بها عن الفسق. # ومنها ما روي أن عمر لما بويع لأبي بكر أتى منزل فاطمة وفيه بنو هاشم ~~وغيرهم فأحرق الباب وأخرج عليا كارها يقاد إلى البيعة وكسر سلف الزبير وضرب ~~فاطمة حتى ألقت جنينا في بطنها، وأن أبا بكر قال لعلي حين وصل إليه: لئن لم ~~تبايع لأضربن الذي فيه عيناك، قالوا: وهذا كله يدل على فسقه وفسق عمر ومن ~~والاهما. PageV01P655 # والجواب: قالت المعتزلة كل هذه أحاديث افتعلها الروافض لا صحة لها، وكيف ~~يظن بالصحابة هذا على علو مكانتهم في الدين ومعرفتهم بقدر أهل بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو وقع شيء من ذلك لأنف أكثر المسلمين لأهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما صبر بنو هاشم على هذه الذلة. # وبعد، فلو وقع ذلك لكان نقله ظاهرا متواترا لعظمه وغرابته، قال المعتزلة: ~~والمروي خلاف هذا كله، هو أن عليا رضي الله عنه حضر المسجد طائعا وبايع ~~ورضي البيعة وإن كان المعلوم من قصده أنه كان أولى بها. # قالوا: والمعلوم /418/ أن أبا بكر لما قال بحضرة الجماعة: أقيلوني يريد ~~بذلك اختبار ما في قلوبهم، قال عند ذلك أمير المؤمنين لا يقبلك ولا يستقيلك ~~وأظهر الرضى ببيعته لجميع المسلين، وقال لأبي سفيان حين أمره ms539 بالمشاقة إنك ~~ما نصحت في الإسلام قط، وكان يغشى مجالس أبي بكر ويصلي خلفه ويدعوه ~~بالخليفة ويشاور في الأمر ويمدحه غائبا وحاضرا. # وبالجملة فقد خالطه مخالطة الراضي. # قالوا: وذلك هو اللائق بمناصبهم الشريفة، لا سيما ومطلوبهم الجميع إحياء ~~منار الإسلام وعدم الإلتفات إلى الدنيا والمنافسة في الرياسة، قالوا: ولو ~~كان سكوته نفية لكان ذلك يظهر من حاله وأخلاقه، ولكان يسر به خواصه، ولكان ~~يظهره بعد موت أبي بكر وبعد موت الثلاثة، لوما كان يستجيز الصلاة خلفه ولا ~~يشاوره ولا يمدحه، ولكان أقل الأحوال أن يظن أنه بايع كارها فلم يكن يمكن ~~الصحابة تكذيبه في شيء هو صادق فيه، ولما كان يصح ذمهم وأخذ الأموال أيام ~~الفتوح، ولا اكن يأخذ نصيبه من الفيء، قالوا: ولو ظهر ذلك من حاله لما خاف ~~مكروها إذا سلك مسلك المناظرة والمحاجاة وإقامة الدليل، فلم يكن الصحابة ~~حينئذ يستحسنون الإضرار به إذا أورد حجة قالوا: وذلك لا يمنع من اعتقاد أنه ~~الأولى الأفضل، بل ربما يزيده ذلك فضلا؛ لأنه يكون قد عفا عنهم وسمح بحقه ~~وآثر ترك المنافسة. PageV01P656 # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يول أبا بكر عملا قط، وذلك دليل على ~~فسقه وكونه ليس بأهل للإمامة. # يوضحه أنه لم يكن محيطا بالعلم بأحكام الشريعة، ولهذا قع سارقا من يساره، ~~وسألته جدة عن ميراثها فقال: لا أجد لك شيئا في كتاب الله فاسألي الناس حتى ~~أخبره المغيرة بأن لها السدس، فكان يراجع الصحابة فيما ورد ويتردد في كثير ~~من الأحكام. # والجواب: قالت المعتزلة: المشهور أنه كان من أعلم الصحابة ومن أهل ~~الاجتهاد ، ولهذا يروى له في الاجتهاديات أقوال وفي التفسير، وأما تردد في ~~المسائل فهو إما لورعه وشدة تثبته، وأما لاستحسانه مسلك الاستشارة للصحابة ~~والاحتياط بقولهم، وربما يحفظ غيره ما لا يحفظ أو ما ينسخه أو ما يخصصه أو ~~يضيق عليه وقت الاجتهاد لكثرة شغله بأمور المسلمين. # وأما قطع يد السارق فالخطأ فيه وقع من القاطع ومن البغية أن يجهل أن الذي ~~يقطع يمينه ms540 قالوا: ولا شك أن عليا كان أعلم منه لكن ذلك لا يقتضي نفي العلم عنه. # ومنها: ما رووا أنه قال أن لي شيطانا يعتريني، وقال: أقيلوني فإن وليتكم ~~ولست بخيركم، قالوا: فإن كان صادقا في كلامه فقد أقر على نفسه بالخطأ، وإن ~~كان كاذبا فقد أقدم بالكذب على الكبيرة. # والجواب: قالت: المعتزلة إنما قال ذلك هضما لنفسه وتواضعا ولتخيير رضاهم، ~~وأنه لم يكن فيه إكراه لهم فلا يثبت خطؤه فضلا عن فسقه. # /419/ وأما قوله: إن لي شيطانا فهو إخبار بأن الشيطان قد يستزله ويوسوس ~~له وأنه مشفق منه خائف أن يغويه وهو في ذلك كغيره من الناس؛ لأنه ما من أحد ~~إلا وقد يمكن الشيطان من إغوائه والوسوسة له، وقد قال تعالى في قصة آدم ~~{فوسوس لهما الشيطان}. # وأما قوله: وليتكم ولست بخيركم فقد يريد به هضم نفسه، وقد يريد به لست ~~بخيركم، قيل: الولاية وجائز أن يكون ذلك اعترافا بأن عليا أفضل منه، لكن ~~كان ممن يرى إمامة المفضول لضرب من الصلاح كالقضاء. PageV01P657 # ومنها قول عمر رضي الله عنه كانت بيعة أبي فكر فلتة وقى الله شرها، فمن عاد ~~إلى مثلها فاقتلوه، والجواب: قالت المعتزلة: المعلوم أن عمر كان أشد الناس ~~حرصا في إمامة أبي بكر فلا يترك المعلوم من حاله للمظنون، وكيف يصح أن يكون ~~أراد بذلك الطعن على إمامة أبي بكر وهو قد بنا إمامة نفسه على إمامة أبي بكر. # وبعد، فقوله عند الخصوم: ليس بحجة، وبعد فقوله وقى الله شرها يدل على أنه ~~لم يكن يعتقدها خطية، وبعد، فمعناه بهذا الكلام إن صح أنها وقعت لا عن ~~إجماع في تلك الحال لأنهم بادروا بها خشية الفرقة والاختلاف بخلاف وغيرها، ~~فإن ساير الإمامات تأتي وقد تقرر الإسلام وبأن المزيد من غيره لا وجه يضطر ~~إلى أن يبايعوا لأحد فلتة أبدا. # فصل # وأما ما طعنوا به على عمر رضي الله عنه فوجوه: منها أنه اعترف لعلي عليه ~~السلام بالفضل وبكونه أولى بالإمامة، ثم عدل عنه حتى قال: لولا ms541 علي لهلك ~~عمر، وقال: لا أبقاني الله لسوء لا أرى فيه أبا الحسن، وقال: ما من معظلة ~~إلا ولها علي، وأنكر بعضهم حكما لعلي فعلاه بالدرة، قوال: أبدري من هذا هذا ~~مولاي ومولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة، قال: في بعض خطئه وقد مدح عليا، علي ~~أقضانا، وقا للابن عباس ما أظن صاحبك إلا مظلوما، وقال: ما أظن القوم إلا ~~استضعفوه. # والجواب عن الجميع كل هذه إنما يدل على أن عليا رضي الله عنه أفضل وغير ~~ممتنع أن يعتقد عمر رضي الله عنه صحة إمامة المقصود، وانه كان أهلا للإمامة ~~وليس خطؤه في ذلك بأبلغ من خطئة في نفس لا يدل شيء من ذلك على الفسق، وكل ~~هذا يدل على أن بعضهم كان يتولى بعضا، وأنه لم يكن بينهم عداوة. # ومنها ما روي أنه قال عام الحديبية: ألسنا قد وعدنا دخول مكة آمنين ~~محلقين ومقصرين، فلأن قد منعنا قالوا: وهذا تكذيب لله ورسوله. # والجواب: قالت المعتزلة له هذا من دسيس الإمامية، فلم نسلم صحته، فإن كل ~~عاقل لا شك في صحة إسلامهم. PageV01P658 # قالوا: والرواية الصحيحة أنه قال للنبي عليه السلام: ألسنا قد وعدنا /420/ ~~دخول مكة آمنين كالحث للنبي عليه السلام على الحرب وأن لا يمتنع خوفا منهم، ~~ووثوقا منه بما وعد الله سبحانه، فلما قال له النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقلت لكم من عامكم هذا فسكت. # ومنها ما رووا أنه إذا عليا حتى زوجه أم كلثوم ويهدد بني هاشم وأكرههم ~~على ذلك، وهذا منه جرأة على الدين، ودليل على الفسق. # والجواب: قالت المعتزلة: هذا مما لا يلتفت إليه ولا يشتبه كذبه وبنو هاشم ~~أجل من أن يكرهوا علي بن ويح امرأة، وأيضا فالنكاح مع الإكراه لا ينعقد. # قالوا: ولو استدل بترويج على اثبته من عمر على أنه ليس يفاسق الاستقام ~~لأنه لو كان فاسقا لم يكن كفؤا لها، وكذلك لو كان بينهما معاداة، ووحشه لما ~~زوجه إياها وإنما شدد عمر في تزويجها رغبة في ابنتها ومنصبها، ولقوله عليه ~~السلام: ms542 ((كل نسب وسبب ينقطع غلا سببي ونسبي)) فأحب التزويج من أهل البيت. # ومنها ما رووا عنه أنه قال: إذا اختلف أهل الشورى فاقتلوا من خالف عبد ~~الرحمن بن عوف، وذلك يقتضي أنه أمر بقتل أمير المؤمنين إذا خالف عبد الرحمن ~~وذلك فسق. # والجواب: قالت المعتزلة لا يسلم صحة هذا الخبر، وهو أجل قدر آمن أن يأمر ~~بقتل قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مع فضلهم العظيم ~~الذي يعترف به لا سيما عليا وإنما شدد في عدم الاختلاف. # ومنها ما رووا أن عليا لما تخلف عن البيعة والزبير جاء إلى باب فاطمة ~~فأحرقه وفعل وفعل، وأن فاطمة ماتت بسبب ضرب بطنها وأنها أوصت أن تدفن ليلا ~~,أن لا يصلي عليها أبو بكر ونحو ذلك من الأخبار. PageV01P659 # الجواب: ما تقدم عن المعتزلة من أنه لا يظن العاقل بالصحابة مثل هذا لا ~~سيما مع شرف بني هاشم وعزة نفوسهم، وقد كانت العرب كلها تقوم معهم لى مثل ~~هذا، وقد روي أن أبا بكر رضي الله عنه صلى عليها وكبر أربعا حتى كان هذا ~~أحد حجج الفقهاء أن التكبير أربع، وأما دفنها ليلا فكذلك كان يدفن أهل ~~الفضل ليلا، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفن ليلا وعليا دفن ليلا ~~وعمر وكثيرا من الصحابة، وكانت تلك عادة فيهم. # ومنها ما رووا أنه لما بايعه الناس فقال ابن علي فقالوا: غاب في حاجة ~~فقال: ليأتين أو لأضربن عنقه، وهذا استخفاف بأمير المؤمنين وهو فسق. # والجواب: ما تقدم من أن هذه روايات أحادية غير مقطوع بها لا سيما والظاهر ~~من حالهم المعرفة بقدر أمير المؤمنين واستمدادهم من علمه ورجوعهم إليه في ~~المشكلات. # ومنها ما رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما احتضر، قال: هلم ~~أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعده أبدا، فقال عمر رضي الله عنه حسبنا كتاب ~~الله، فهذه مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه مخالفة لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ms543 فسق. # والجواب ما تقدم مرة أن هذه الأخبار لا يظن صدقها فضلا عن أن يفسق بها. # قال شيخنا أبو الحسين أكبر هذا الأخبار /421/ وضعها بنو أمية وأسندوها ~~إلى علي لينفروا الناس منه لعلمهم بحب الناس في الصحابة. # ومنها ما رووا أن عمر لم يكن يعلم أن رسول الله ممن يجوز عليه الموت لما ~~قال الناس توفي رسول الله أنكر ذلك، وقال: والله ما مات محمد حتى نبهه أبو ~~بكر بقوله: {إنك ميت وإنهم ميتون}. PageV01P660 # والجواب: ن صح ذلك عنه فإنما ظن أن المنافقين أظهروا موته ليوهنا به ~~الإسلام ,انهم كاذبون كما صرح الشيطان يوم أحد إلا أن محمدا قد قيل: فظن أن ~~المنافقين أشاعا ذلك من غير حقيقة، فلما أخبره أبو بكر بفاته صدقه وعمر رضي ~~الله عنه أجل من أن يجهل جوار الموت على النبي وربما توهم انه لا يموت حتى ~~يظهره الله على الدين كله، ولم يكن قد ظهر فأخبره أبو بكر أن الضمير في ~~قوله ليظهره عائد إلى الدين لا إلى لرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # فصل # وأما استدل به على فسق عثمان رضي الله عنه فوجوه منها أنه ولى أمور ~~المسلمين من لا يصح للولاية حتى ظهر من بعضهم الفسق ومن بعضهم الخيانة وأنه ~~قصر الولايات على قرائنه، قالوا: وهذا يوجب سقوط عدالته وفسقه. # والجواب قالت المعتزلة: أما توليته للخونة والفسقة فإنه لم يعلم ذلك من ~~حالهم حتى ظهر، فلما ظهر عزلهم وقد كان يحسن الظن بهم كغيرهم من المسلمين ~~ولن يجب في الإمام أن يكون عالما بالسرائر وقد ولى أمير المؤمنين عليه ~~السلام قوما ظهر منهم الخيانة كالقعقاع بن شور فإنه ولاه نيسان وأخذ مالها ~~ولحق بمعاوية وولا الأشعث اذربيجان، ففعل في مالها ما فعل، وولا أبو موسى ~~الحكم فخان فيه وولا ابن عباس البصرة فخان في مالها. # وأما كون عثمان ولا أقاربه فلا عتب في ذلك، ولعله رأى ذلك أثبت لأمره ~~وأشد لشوكته وأهيب له ليكون أشد تمكنا من عزلهم وقد ولا أمير ms544 المؤمنين ~~أقاربه، فولا عبد الله بن العباس البصرة وولا قثم مكة وعبيد الله اليمن حتى ~~نقم عليه الأشتر وقال: على ماذا قتلنا الشيخ بالأمس. # وبالجملة: فطريق هذا الاجتهاد الاجتهاد فلا يكون له مدخل في التخطية عليه ~~فضلا عن الفسق. PageV01P661 # ومنها أنه أوى الحكم بن أبي العاص وهو طريد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وولا مروان بن الحكم أمر نفسه ودفع إليه خاتمه حتى أمر بقتل محمد بن ~~أبي بكر وغيره، وكان هو السبب في الحصار، وفي أكثر الفتنى، فلم يقتله عثمان ~~ولا عزره، وذلك فسق منه. # والجواب: أما إيواءه للحكم فلأنه روي أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في رده فأذن له فلم يقبل قوله أبوب كر وعمر حتى أفضى إليه الأمر ~~فعمل بما علم. # وأما توليته مروان فلأنه أحسن به الظن كغيره ممن تقدم ذكره، وأما أنه ~~الذي كتب في قتل محمد بن أبي بكر وغيره فلعله لم يتوضح لعثمان ذلك من حاله ~~/422/ وإنما وجد خط وعليه خاتم عثمان فخلف عثمان ما كتب ولا أمر فصدقه ~~الصحابة وعذروه وطلب أهل الحصار أن يدفع إليهم مروان لغلبة ظنهم أنه الذي ~~كتب لأنه يشبه خطه والخاتم كان معه، فلم ير عثمان تسليمه إليهم؛ لأنه لم ~~يتيقن ذلك من حال مروان وإن غلب في ظنه، وذلك هو الواجب؛ لأنه كيف يدفع ~~إليهم رجلا يقتلونه لأجل ظنهم ظنه. # ومنها ما روي أنه أحرق المصاحف وجمع الناس على قراءة زيد، قالوا: واحرق ~~المصاحف فسق بل كفر. # والجواب: إنما يكون كفرا إذا قصد الاستخفاف، وأما إذا قصد تحصينه من ~~الاختلاف وجمع الناس على قراءة واحدة للمصلحة فلا عتب فيه. # يوضحه أنه لم ينكر عليه أحد من الصحابة إلا ابن مسعود، وأيضا فإذا جاز ~~لأحدنا تخريب المسجد ليبنيه بناء حسنا جاز إحراق المصاحف للمصلحة وإن كان ~~غير الإحراق أولى منه كالبل والتمزيق لبشاعة الإحراق وإيهامه الخطأ. # ومنها أنه ضرب ابن مسعود بالدرة وهو من أكابر أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه ms545 وآله وسلم حتى روي أن ابن مسعود كان يكفره ويسبه. # والجواب: قال أبو علي: لم يصح أنه ضرب ابن مسعود ولا أنه كان يسبه وإنما ~~هي رايات من يريد التنفير عن الصحابة. # قال: وقد روي أن ابن مسعود كان يغلظ الكلام على عثمان لأجل أنه عزله ونقص ~~من عطائه. PageV01P662 # قال: وقد روي أن بعض غلمان عثمان لما سمع كلام ابن مسعود ضربه فأنكر عثمان ~~رضي الله عنه فعل غلامه واعتذر إلى ابن مسعود فلم يقبل عذره وكان يسلم فلا ~~يرد ابن مسعود السلام، وهذا كله إن ثبت فالخطأ فيه من ابن مسعود؛ لأن عثمان ~~إن كان الإمام فهو أفضل من ابن مسعود، وكان الواجب أن يقبل عذره. # وعلى الجملة، فمع هذه الاحتمالات وحسن الظن بالصحاب لا يمكن القطع على ~~فسق عثمان. # ومثل هذا الجواب عن قولهم أنه ضرب عمارا فإنه لم يصح ذلك، قال الحاكم ~~وأبو لعي: وقد روي أنه لما حوصر عثمان ذكر له قصة عمار فاعتذر وقال: السبب ~~في ذلك أنه أتاني سعيد وعمار وأرسلا إلي من باب الدار أن ابرز إلينا نذاكرك ~~في أشياء فعلتها فأرسلت إليهما أني مشغول فانصرفا إلى الغد، فانصرف سعيد ~~وأنا عمار فأعدت الرسول مرارا فلم يذهب فيناوله الغلام بغير أمر أمري والله ~~ما أمرت وها أنا ذا فليقتص مني عمار، وهذا غاية الاعتذار من عثمان رضي الله ~~عنه، لا يثبت بذلك خطؤه فضلا من فسقه. # ومنها ما روي في قصة أبي ذر أن عثمان أشخصه من الشام لهوى معاوية ونفاه ~~إلى الربذة. # والجواب: قال أبو علي: ليس بصحيح والرواية الصحيحة أن معاوية كتب من ~~الشام يشكوا أبا ذر فبعث إليه عثمان /423/ يسأله أن يصير غلى المدينة، فلما ~~وصل المدينة قال له عثمان ما أخرجك إلى الشام؟ قال: لأني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فاخرج ~~عنها، فلذلك خرجت، قال: فأي البلاد أحب إليك بعد الشام قال: الربذة، قال: ~~فصر غليها إن شئت، وقد ms546 روي أنه قيل لأبي ذر، أعثمان أنزلك الربذة؟ قال: لا ~~بل اخترت ذلك، وروي أنه قال: أخبرني عثمان أن أنزل حيث أشاء فاخترت الربذة، ~~قال: ولو قدرنا صحة ما رووه من جميع ذلك فللإمام أن يفعله إذا رآه مصلحة ~~وأن يؤدب من أغلظ له الكلام، وربما أنه رأى إخراجه صلاحا لئلا ينفر الناس ~~من طاعته ويصغر هيبته وقدره عند الناس. PageV01P663 # ومنها: ما رووا أنه عطل الحدود فعطل الحد في عبيد الله بن عمر حين قتل ~~الهرمزان بعد إسلامه، فلم يقده منه، وكان أمير المؤمنين يطلبه للقصاص فلحق ~~بمعاوية وأراد أن يطل الحد في الوليد بن عقبة حتى حده أمير المؤمنين. # والجواب: قال أبو لعي: لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه، والإمام ولي من لا ~~ولي له، وحينئذ فللإمام أن يقتل وله أن يعفوا. # وقد روي أنه استشار الصحابة في العفو عنه ورأى العفو وعلل ذلك بأن قال: ~~يبلغ العدو أن الملمين قتلوا إمامهم وابنه إمامهم وابنه فيشمت أهل الكفر ~~واستحسنت الصحابة ذلك فعفا عنه وأخذ منه الدية إلى بيت المال، قال: ولم ~~يثبت أن أميرا المؤمنين كان يطلبه ليقتله؛ لأنه لا يجوز قتل من قد عفا عنه ~~ولى المقتول، وإنما روي أن أمير المؤمنين ، قال: لو كنت مكان عثمان لقتلته، ~~وذلك كان أقوى في الاجتهاد عند أمير المؤمنين رضي الله عنه. # وقال: وأما الوليد بن عقبة فإنما حده علي بأمر عثمان. # ومنها أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة وأنه دفع إلى أربعة نفر ~~أزواج بناته أربعمائة ألف دينار والتبذير في بيوت الأموال فسق. # والجواب: أنه ثبت أنه أعطاهم، فلم يثبت أنه أعطاهم من بيت المال، وجائز ~~أن يعطي من ماله، فقد كان له مال عظيم كغيره من الأكابر. # على أنه لا يمتنع أن يراه مصلحة أن يعطى من بيت المال أو لعله استقرض ذلك ~~من بيت المال وأكثر ما فيه أنه أخطأ فلا دليل على الفسق. # ومنها ما رووا أنه منع الناس من الرعى في أرض مخصوصة، وقد قال ms547 صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((الناس سواء في الماء والكلا)). # والجواب: إن ثبت ذلك فقد روي أنه قال: (منعتها لإبل الصدقة) وذلك جائز ~~إذا رآه صوابا وأكثر مافيه الخطأ. # وقد روي أنه لما أنكر عليه ذلك استغفر الله وتركها بعد أن اعتذر أنه ~~منعها لإبل الصدقة. # ومنها أن أكابر الصحابة كانوا بين قاتل له وراض بقتله وخاذل له، وذلك ~~دليل على فسقه ومخالفته. PageV01P664 # والجواب: قالت المعتزلة: المشهور أن الصحابة لم يقتلوه ولا أمروا بقتله ~~وإنما لم يقاتلوا معه لأنه أمرهم بترك القتال خشية انتشار الفتنة، ولم يعلم ~~ولا علموا /424/ أن الأمر ينتهي إلى القتل، والمروي أن الحسن والحسين كانا ~~يقاتلان معه في الدار، فلما تضايق الأمر أرسل عثمان الحسن إلى أبيه أن قل ~~له يأتيني فحين نهض ليأتيه أتاه العلم بقتله فقاتل القتلة وقال: اللهم إني ~~أبرأ إليك، وروى أنه رضي الله عنه سأل عن سبب خذلانه لعثمان، قال: إن عثمان ~~قال: من سل سيفا في هذه الوقعة فليس مني، فلذلك تركناه ولم نعلم أن الأمر ~~ينتهي إلى القتل، ثم قال: اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر. # فإن قيل: لماذا نسب إلى علي القتل؟ # قلنا: نسبه إليه أهل الغواية ليجدوا سبيلا إلى مخالفته وطلب الدنيا ~~كمعوية وأشباهه. # فإن قيل: فما باله لم يعد من قتلة عثمان. # قلنا: لوجهين: أحدهما أنه لم يتعين قالته وإنما دخل عليه أعلاج لم يدر ~~أيهم قاتله. # الثاني: أن عليا كان الإمام وليس للإمام أن يعيد من قتله إلا بعد أن ~~يخاصم أولياؤهم ويقيموا الشهادة على قاتله ولم يكن شيء من ذلك، ولهذا روي ~~أنه رضي الله عنه قال لبني أمية: إن كان لكم دم عند أحد فخاصموه إلي حتى ~~أقضي فيه بحكم الله تعالى. ### |||| AUTO فصل [فيما يطعن به أهل الزيغ على أمير المؤمنين رضي الله عنه] # اعلم أنه أجل قدرا وأشهر فضلا من أن يطعن عليه أو يدعي كفره أو فسقه، ~~لكنا نجيب عما قالوه ليظهر بطلانه وضعفه، وقد نقموا لعيه وجوها منها ms548 قتاله ~~لأهل الصلاة من أمة محمد عليه السلام. # والجواب: قد قامت الأدلة على صحة إمامته وعظم سابقته ، بل على عصمته ~~فالخطأ على من قاتله لا عليه. # وبعد، فقد قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..} إلى قوله: ~~{فقاتلوا التي تبغي} ولا بغي أعظم من الخروج على إمام المسلمين. PageV01P665 # وبعد، فقد قال النبي عليه السلام: ((سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)) ~~وقال عليه السلام: ((سيكون هنات وهنات بعدي فمن أراد أن يفرق بين هذه الأمة ~~وهم جمع فاضربوه بالسيف كائنا نم كان)) ولا فرقة أعظ من الخروج على الإمام. # وبعد، فقد قال أبو بكر رضي الله عنه: إنكم تقرؤون هذه الآية {يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وتضعونها في غير ~~موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما من قوم ~~يعلمون بالمعاصي ثم لا يغيرون إلا ويوشك أن يعمهم الله بعقاب)) وأمير ~~المؤمنين إنما قام في تغيير المنكر حتى قال الفقهاء: لو لا سيرة أمير ~~المؤمنين في البغاة ما علمنا كيف يحكم فيهم. # وبعد، وقع الإجماع على صحة مقاتلة اللصوص وهم من أهل الصلاة، فكذلك أهل ~~البغي أولى وأحرى، ولهذا قال عليه السلام: (ليس إلا مقاتلتهم أو الكفر بما ~~أنزل على محمد) وقال: (والله ما لمن فارق الحق إلا ضرب العنق). # وبعد، فقد تابعه على فعله أكابر المهاجرين والأنصار أهل بدر وغيرهم، وروي ~~أنه قال لأصحابه: (أتروني عدلا؟ قالوا: نعم ولو كنت غيرة لك لقومناك /425/ ~~بأسيافنا، فقال: الحمد لله الذي جعلني بين قوم لو أردت غير الحق لقوموني ~~بأسيافهم). # ومنها أنه أراد أن يتزوج من بني المغيرة ومعه فاطمة فاستأذن النبي صلى ~~الله عليه وآله ولسم فغضب فصعد المنبر وقال: ((إن ابن أبي طالب يستأذنني أن ~~يتزوج من بني المغيرة ولا آذن بم لا آذن وغنما فاطمة مني يزينني ما زانها ~~ويؤذيني ما آذاها اللهم إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ~~ابنتهم)). PageV01P666 # والجواب: أنه لا يصح شيء من هذه ms549 الروايات وإن صح فإنما أراد أن يستأذن ~~النبي فإن أذن فعل وإلا فلا، ومن البعيد أن ينكر النبي هذا الإنكار في أمر ~~هو له حلال من الله وأكثر مافيه أنه هفوة من لعي أن يجمع بين فاطمة وبين ~~بنت أبي جهل أو يرضى بها بدلا منها، ولهذا رووا أنه قال النبي في آخر ~~كلامه: ويأبى الله أن يجمع بين بنت وليه وبنت عدوه. # ومنها قصة التحكيم قالوا: فحكم وهو يعلم أنه على الحق وأيضا فإنه رضي ~~بأبي موسى وعمر وهو يعلم قصورهما عن هذه المرتبة، قالوا: وهذا يقتضي أنه شك ~~في نفسه وهذا خطأ. # والجواب: أنه رضي الله عنه لما غلب على رأيه في التحكيم حكم خشية المضرة ~~على المسلمين إن أبا ذلك فقد روي أنهم أرادوا قتله وكادت الفتنة تظهر بين ~~أصحابه وظن أنهما لا يحكمان إلا بالحق. # وبعد، فقد علم أن كتاب الله يؤكد إمامته ووجوب طاعته فعدل إليه لأنه أسهل ~~من القتال لا سيما في دفع الفتنة بين أصحابه، وبعد، ففي الحكم بكتاب الله ~~إزالة لشبهة المخالفين من أهل الشام فهو يجري مجرى المناظرة وهو إنما رضي ~~يحكم الله تعالى. # وبعد، فقد أجاز الله التحكيم في كتابه فقال: {فابعثوا حكما من أهله..} ~~الآية، وقال: {يحكم به ذوي عدل منكم} وأما أنه رضي بمحو اسم أمير المؤمنين ~~من صحيفة الصلح، فإنما فعله لأنه رآه أصلح، وقد صالح رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم صلح الحديبية على مثل ذلك ولم يدل على أنه شك في نبوته ~~وأخبر عليا يوم الحديبية بأنه يجري لك مثل ذلكن فجرى يوم صحيفة التحكيم، ~~وأما قولهم كيف رضي بتحكيم الفسقة كعمرو وأبي موسى فلم يرض به، ولكنه أكره ~~عليه، ولهذا كان هواه في أن يحكم ابن عباس أو الأشتر فأبا أصحابه إلا أبا موسى. PageV01P667 ### ||| AUTO وأما الباب الثالث وهو في الآثار الواردة في النبي عن سب ~~الصحابة رضي الله عنهم # فهي أكثر من أن تحصى، ولكنا نذكر قليا. # منها ما روى أبو ms550 سعيد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تسبوا أصحابي ~~فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدائحهم ولا ~~نصيفه)). # ونه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله اختارني واختار لي أصحابي وجعل ~~لي وزراء وأظهارا مفن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين /426/ ~~لا يقبل الله منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا)). # عبدالله بن المغفل عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((الله الله في أصحابي ~~لا تتخذوهم عرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فبغضي أبغضهم)). # أنس عه صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فإنه يجيء في آخر ~~الزمان قوم يسبون أصحابي فإن مرضوا فلا تعودهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم)). # عبد الله بن سلام، عن أبي سعيد: ((لا تسبوا أصحاب محمد فوالله لئن سلكتم ~~طريقتهم لقد سبقتم سبقا بعيدا؛ ولئن أخذتم يمينا أو شمالا لقد ضللتم ضلالا ~~بعيدا)). # هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عنه عليه السلام: ((شرار أمتي أسبهم ~~لأصحابي)). # جابر عنه عليه السلام: ((من سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظني فيهم ~~فأنا أحفظه يوم القيامة)). # أبان بن عباس، قال: أشهد أني سمعت أنس بن مالك يقول: أشهد أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول وقد غضب من شيء جرى بين أبي بكر وبين ~~رجل فقال وقد ظهر الدم في وجهه: ((ويحكم ذروا أصحابي وأصهاري واحفظوني فيهم ~~فإنه من حفظني فيهم كان من الله عليه حافظا)). # ابن عمر، عنه عليه السلام: ((لا تذكروا مساوئ أصحابي فيختلف قلوبهم ~~واذكروا محاسن أصحابي تأتلف قلوبكم)). # وابن عباس عنه عليه السلام: ((كفا بالمرء نفاقا أن يسب البدريين)). PageV01P668 # وبالجملة فعلى المرء أن ينظر في مكانهم عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفضائلهم ثم ينظر في حال نفسه فإن وجدها خيرا منهم فليحمد الله على أن ~~عصمه وجعله خيرا من أصحاب نبيه وإن وجدهم خيرا منها فليعرف لهم قدرهم ويترك ~~الحسد والبغي والغي يعوذ بالله منه)). ### ||| AUTO وأما الباب ms551 الرابع وهو في إقامة الدلالة على تزكيتهم والترضية عليهم # فإنه إذا تظاهرت الأدلة في تزكيتهم جملة وتفصيلا ولم يرد دليل ينقل عن ~~ذلك بطل قول من يفسقهم، ووجب على كل مسلم يعظمهم وموالاتهم كغيرهم من سائر ~~المؤمنين، وإنما نورد في هذا الباب اليسير من ذلك على الجملة دون ما يختص ~~كل واحد منهم من الفضائل حسنة التطويل ونحن نذكر من ذلك ما ورد ي الكتاب ~~والسنة والقياس وما ورد عن أفاضل أهل البيت عليهم السلام. # فصل # وأما ما ورد من الكتاب في ذلك فنحو قوله: {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} ونحو ~~قوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة}، وقوله: ورضوا ~~عنه، ونحو قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وهو خطاب مواجهة يدخل في ~~الصحابة لا محالة، ونحو قوله: {والسابقون أولئك /427/ المقربون} ولا سبق ~~فوق سبق المهاجرين الأولين ونحو قوله: {هو الذي أيدكم بنصره وبالمؤمنين..} ~~الآية ونحو قوله: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم ~~من ينتظر وما بدلوا}. # فصل PageV01P669 وأما السنة فنحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم)) وقوله: ((احفظواني في أصحابي فلو أنفق أحدكم ملئ الأرض ~~ذهبا ما بلغ مدا أحدهم ولا نصيفه)) وقوله: خياركم القرن الذين بعثت فيهم ثم ~~الذين يلونهم..)) الخبر، وقوله: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة)) ونحوه مما يدل ~~على أن الإجماع حجة ومعلوم أنه لا ينعقد في عصرهم إلا بقولهم، ولو كانوا ~~فساقا لا يعقد وإن خالف أحدهم، وقوله: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: ~~اعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((رحم الله أبا ~~بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا من ماله رحم الله عمرا ~~يقول الحق وإن كان مرا رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة، رحم الله عليا ~~يدور مع الحق حيث دار)). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((احفظوني في ~~أصحابي وأصهاري لا ms552 يظلمنكم أحد منهم بمظلمة فإنها مظلمة لا توهب يوم ~~القيامة))، وعنه عليه السلام في خطبته: ((أيها الناس إني راض عن أبي بكر ~~وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن والمهاجرين فاعرفوا ذلك لهم)). # فصل # وأما طريقة الاعتبار فهو أن من فحص عن أحوالهم وجدهم قد اتصفوا بصفات ~~ليست إلا لأهل الفضل. # منها صحبة الرسول لهم ومحبتهم له لا شك في ذلك وإلا لم يكونوا يبذلوا ~~مهجهم بين يديه ويهون عليه قتل الإباء والأولاد والأخوة ي نصرته وهذا غاية ~~المحبة والطاعة. # ومنها السعي في إظهار دين الله وإقامة عمود الدين خاضوا غمرات الموت في ~~ذلك حتى أحيا الله بهم الحق وأمات الباطل. # ومنها الجهاد في سبيل الله وقتل الأقارب على الحق. # ومنها المواساة بالأموال والأنفس والإنفاق في سبيل الله حتى كانوا ~~يتنافسون في ذلك وأنزل الله: {لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح..} الآية. # ومنها ما يختصون به في أنفسهم من العلم والزهد والصبر والسخاء والنجدة ~~والورع والتواضع كما هو مشهور في سيرهم. # فصل PageV01P670 وأما ما ورد عن أمير المؤمنين فيهم فهو ضربان: جملي وتفصيلي. # أما الجملي فهو أن الظاهر من حاله رضي الله عنه المناصرة لهم والمعاضدة ~~لهم والمشاورة والمدح والصلاة خلفهم والدعاء لهم باسم الخلافة، وخرج مع أبي ~~بكر في قتال أهل الردة وأخذ نصيبه من الفي حتى كانت الحنفية أم ولده محمد ~~من سبايا أهل الردة والمشهور من حال عمر رضي الله عنه التعويل عليه ~~ومشاورته والتعويل عليه في المهمات والرجوع إليه في المعضلات. # وعلى الجملة فمعاملته لهم /428/ تخالف معاملته لمعاوية وعمرو بن العاص ~~ونحوهم ممن كان يعتقد فسقهم. # وأما التفصيلي فمن ذلك ما رواه سويد بن أبي غفلة، قال: مررت بقوم ينتقصون ~~بأبي بكر وعمر فدخلت على أمير المؤمنين فحكيت له وقلت له: لولا أنهم يرون ~~أنك تضمر لهم أمثل ما أظهروا ما اجتروا على ذلك، فقال رضي الله عنه: أعوذ ~~بالله أعوذ بالله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل أخوا رسول الله وصاحباه ~~ووزيراه، ثم ms553 نهض باكيا وصعد المنبر فخطب وقال: ما بال أقوام يذكرون سيدي ~~قريش بما أنا منه متنزه، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن ~~ولا يبغضهما إلا منافق فاجر، صحبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~الصدق والوفاء، ثم أطال في مدحهما وتهدد من يعود إلى الوقوع فيهما. # ومنه ما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده أن رجلا من قريش أتى أمير ~~المؤمنين رضي الله عنه فقال: سمعتك تقول: اللهم أصحلنا بما أصلحت به ~~الخلفاء الراشدين، قال: من هم الخلفاء الراشدون؟ قال: حبيباي أبو بكر وعمر ~~إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من اقتدى بهما فقد هدي إلى صراط مستقيم. PageV01P671 # ومن÷ ما روي أنه عليه السلام سئل عن عمر، فقال: ناصح الله فنصحه، وسئل عن ~~أبي بكر فقال: كان أواها منيبا، وسئل عن عثمان فقال: إني لأرجو أن أكون أنا ~~وهو وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: {ونزعنا مافي صدورهم من غل ~~إخوانا على سر متقابلين}. # ومنه ما روي أن عمر أمسك على يد أمير المؤمنين فقال: أرسلني يا قفل ~~الفتنة فقال: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: لا يصبكم فتنة وهذا فيكم)). # ومنه ما روي أن الحسن والحسين أتيا مرة إلى أبيهما فرحين بعطاء أعطاهما ~~إياه عمر، ففرح لفرحهما، وقال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: عمر سراج أهل الجنة، فرجعا إلى عمر فبشراه بما رواه أبوهما، ~~ففرح واستدعى بقرطاس ودواه وكتب، حدثني سيدي شباب أهل الجنة عن أبيهما عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عمر سراج أهل الجنة)) ثم أوصى أن ~~يدفن معه ذلك القرطاس إذا مات، فهذا طرف مما روي عن أمير المؤمنين في ~~أحوالهم، ولكن لا يشتبه على عاقل أنه قد كان في قلبه نوع وحشة وتجرم لأجل ~~استبدادهم بالأمر دونه مع كونه ms554 أحق به، لكن ذلك لم يمنعه عن سع الأخلاق ~~والمعاملة الجميلة والأخذ بالعفو والصبر كما هو مطابق لفضله ومحله. # وروى الحاكم بإسناده إلى أبي أيوب العتكي عن علي رضي الله عنه انه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله أمر بي أن اتخذ أبا بكر ~~والدا وعمر مشيرا وعثمان سندا وأنت يا علي أخا وصهرا قد أخذ الله ميثاقكم ~~/429/ في أم الكتاب لا يبغضكم إلا منافق أنتم خلائف نبوتي وعقدة ذمتي وحجة ~~على أمتي فلا تقاطعوا ولا تدابروا وتظاهروا)). # فصل PageV01P672 وأما ما ورد عن ذرية أمير المؤمنين الطاهرة الزكية، فمن ذلك ما روي عن ~~الحسن والحسين من الموالاة للخلفاء والمناصرة لهم والمدح وإظهار القول ~~الجميل ولم يرو أحد من أهل النقل أنهما لعنا الصحابة ولا فسقاهم ولا أساءا ~~القول فيهم وهما سيدا شباب أهل الجنة وأعرف الناس بأحوال الصحابة وأحوال نبيهم. # ومنه ما رواه الإمام عماد الإسلام عن الحسن عليه السلام أنه قال: لقد أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس وإني لشاهد ~~فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لديننا. # وروي أيضا أن عمر لما وضع الديوان وفرض العطايا للصحابة والمهاجرين ~~والأنصار وفرض للحسن والحسين نصيبا جزلا وفرض لولده عبد الله أقل من ~~أحدهما، فقال لأبيه: لم رضت حقي دون حقهما، فقال له عمر رضي الله عنه: ~~أتيتني بأب من أبيهما وجد مثل جدهما وأم مثل أمهما، وهذه مقالة من ليس بينه ~~ويبنهم عداوة ولا بغضا. # وروى أيضاص أن الحسن كتب إلى أهل البصرة كتاب الدعوة وترحم فيه على أبي ~~بكر وعمر، ثم قال: إن الله بعث محمدا وكان الناس على ضلالة، فهدى به الخلق ~~ثم قبضه ونحن أحق الناس بمكانه غير أن قوما تقدمونا واجتهدوا في طلب الحق ~~فكففنا عنهم تحريا لإطفاء نار الفتنة حتى جدث قوم غبروا وبدلوا. # ومنه ما روي عن علي بن الحسين عليه السلام من الثناء الحسن والوصف ~~الجميل. # وحكى ms555 أن زيد بن علي عليه السلام سمع من يروي عن أبيه التبري منهما فأكذبه ~~فقال: لا تكذب على أبي إن أبي كان يجنبني عن كل شر حتى اللقمة الحارة، ~~أفتراه يخبرك بأن دينك وإسلامك لا يتم إلا بالتبري منهما ويهملني عن ~~التعريف بذلك. PageV01P673 # ومنه ما روي أن زيد بن علي كان كثير الثناء عليهم والترحم، وينهى عن سبهما ~~ويعاقب على ذلك، والمشهود أن سبب تلقيب الرافضة بهذا الاسم أنهم قالوا: لا ~~نبايعك حتى تبرأ من الشيخين فقال: كيف أتبرأ منهما وهما صهرا جدي وصاحباه ~~ووزيراه وجعل يثني عليهما فرفضوه، وروي عنه أنه قال: كان منزلة علي بن أبي ~~طالب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزلة هارون من موسى إذا قال له ~~أصلح ولا تتبع سبيل المفسدين فألصق كلكلة ما رأى صلاحا، فلا رأى الفساد بسط ~~يده وشهر سيفه ودعا إلى ربه وبين أنه خليفة محمد كما كان هارون خليفة موسى ~~وإنما توقف لأن ما كان من القوم من الخلافة والاستبداد بالأمر كان شرعا ~~وصلاحا وإنما لما رأى الفساد لما يتلبث في إظهار دين الله بالسيف. # قال الإمام عماد الإسلام: هذا كله كلام زيد بن علي بألفاظه /230/ على ما ~~رواه الشيخ أحمد بن الحسن الكني. # ومنه ما روي عن عبد الله بن الحسن بن الحسن وأولاده فإنهم كانوا جميعا ~~على موالاة الشيخين وإظهار المحبة لهما والتظاهر بسيرة آبائهم فيهما ولم ~~يظهر من جهتهم إكفار ولا تفسيق ولا طعن إلا ما اتفق عليه أولهم وآخرهم من ~~أن الصحابة استبدوا بالأمر على علي وهو أحق به منهم، وقد قدمنا أن ذلك لا ~~يكون طعنا فيهم. # يوضحه أن أكثر المعتزلة قائلون بإمامة هؤلاء المذكورين كلهم والمشهور ~~أنهم خرجوا معهم وجاهدوا وباشروا كعمر بن عبيد وبشير الرحال والجاحظ ~~وغيرهم، ولو ظهر لهم منهم طعن في الصحابة أو تكفير أو تفسيق لما قالوا ~~بإمامتهم لاعتقادهم أن الصحابة كانوا أئمة حق. # ومنه ا روي أن القاسم سئل عن الصحابة فقال: {تلك أمة قد خلت} ms556 الآية، وهذا ~~دليل على أنه يكن يسب ولا يرتضي السب. PageV01P674 # ومنه ما روى الصاحب بن عباد، قال: عندي بخط الناصر الترحم عليهما، وقال بعض ~~فقهاء المؤيد بالله: سمعت عمي الصوفي يقول: سمعت نيفا وسبعين شخصا ممن حضر ~~مجلس الناصر للحق يقولون: أملا الناصر شيئا عن الشخصين، ثم قال: رضي الله ~~عنهما كف المستملي أن يكتب الترضية، وكان الناصر ينظر إليه فزجره وقال: لم ~~لا تكتب الترضية فإن مثل هذا العلم لا يؤثر إلا عنهما وعن أمثالهما. # وعن الكني قال: قال الناصر في آخر أبواب كتاب الإمامة ولم أصف ما وصفت من ~~اعتراضهم هذا أراده مني لدفع فضل أبي بكر رضي الله عنه ولحقه وصحبته من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإني لمحب له والحمد لله تعالى، هذا ~~كلام الناصر عليه السلام بلفظه. # ومنه ما روى في الشيخ أبو سعيد قال: سمعت القاضي يوسف قال: سمعت المؤيد ~~بالله يقول: الحمد لله الذي ازداد كل وقت لهم حبا، قيل: وكان في آخر عمره ~~يجتهد في الدعاء إلى فضلهما ويظهر ذلك من نفسه. # ونمه قول الإمام أبي عبد الله الحسن بن إبراهيم: الجرجاني حين سأل نفسه ~~فقال: إن قيل ما حكم من خالف هذه النصوص الدالة على إمامة أمير المؤمنين؟ ~~فإن قيل: إنه يكون مخطئا غير كافر ولا فاسق ومن أجل ذلك أن أمير المؤمنين ~~كأن يوليهم الذكر الجميل ويثني عليهم الثناء الحسن. # ومنه ما رواه الثقات من أهل زماننا عن الإمام عماد الإسلام يحيى بن حمزة ~~من الترضية والتزكية وكتبه مشحونة بذلك، وكذلك ما رووه وهو مشهور عن الإمام ~~المهدي لدين الله علي بن محمد قدس الله روحه. # ومنه ما سمعه الناس وسمعناه من لسان إمام زمانا وحجة دهرنا الإمام الناصر ~~لدين الله أمير المؤمنين محمد بن أمير المؤمنين عمر الله أركان الإسلام ~~بطول عمره. # فهذه جملة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام فيها لمن أنصف بلاغ وبدونها ~~تصل لجانب الترضية مساع. PageV01P675 # وأما ما روي عن الهادي عليه السلام في ms557 الأحكام من أن أنكر /431/ على أمير ~~المؤمنين فقد كذب الله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فقد كفر، فمعناه من ~~أنكر ورود هذه النصوص وهي قوله: {إنما وليكم الله ورسوله..} الآية، وقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه..)) الخبر، وكذلك خبر المنزلة، ~~فمن زعم أن هذا لم يرد فهو مكذب وليس المراد من أنكر دلالتها على الإمامة؛ ~~لأن المعلوم من حاله عليه السلام أنه ما كان يكفر الصحابة ولا يفسقهم وكيف ~~يقطع عليهم بالإكفار لمجرد الخطأ في مسألة قطعية. # وأما ما روي عن أبي طالب أن الخروج على إمام الحق فسق، فصحيح، وليس فيه ~~أن الصحابة قد خرجوا على أمير المؤمنين عنده. # وأما توقف كثير من متأخري أهل البيت عن السب والترضية فقد قال الإمام ~~عماد الإسلام: التوقف وإن كان أسلم حالا من السب لكنه لا معنى للتوقف؛ لأنه ~~إذا كان إسلامهم قبل الخلاف مقطوعا به، وكذلك الترضية والتزكية من جهة الله ~~تعالى ورسوله ولم يحصل دليل قاطع ينقل عن ذلك فلا وه للتوقف وترك المعلوم ~~للمظنون. قال: ولو حسن التوقف لمجرد الخطأ لحسن التوقف في جميع المؤمنين ~~الصالحين؛ لأنه ما من أحد إلا ويلابس في اليوم والليلة كثيرا من المعاصي لا ~~يقطع بكونها كفرا أو فسقا، وهذا القول الفصل. # يوضحه أنه ما من أحد من العلماء والمشائخ المعتزلة إلا وقد أخطأ في مسألة ~~قطعية في مسائل كثيرة، ومع هذا فنحن نتولاهم ونرضي عليهم فلا أقل من أن ~~يكون حال الصحالة كحال العلماء في الترضة عنهم. PageV01P676 # وأعجب من هذا أن الرجل من علماء زماننا وغيرهم يقعد للإقراء والتدريس فيرضي ~~عنه تلامذته في الموقف الواحد مرارا كثيرة وهو يعلم من نفسه مواقعة كثير من ~~الذنوب ويعلم أن الصحابة رضي الله عنهم خير منه عند الله وعند رسوله ومع ~~هذا سمع الترضية عن نفسه وعن غيره من أهل زمانه فلا ينكر، ثم يأبى قلبه ~~الترضية على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا هو الميل ~~الواضح. # وقيل لبعض الناس: ms558 لم لا تسب الصحابة؟ قال: وما فعلوا؟ قيل: تقدموا على ~~أمير المؤمنين واستبدوا بالأمر عليه، قال: فماذا قال أمير المؤمنين؟ قيل: ~~سكت، قال: فلا أقل من أن نسكت نحن. # وعلى كل حال فالواجب حسن الظن بالمؤمنين وتعظيمهم وموالاتهم وإن علمنا ~~خطأهم في بعض المسائل القطعية مالم يقطع بكون ذلك الخطأ كفرا أو فسقا لا ~~سيما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل السابقة والفضل والجهاد ~~في سبيل الله، فلا أقل مما يعاملهم بمثل ما يعامل به بعضنا بعضا من حسن ~~الظن والقول الجميل، ولقد أحسن القائل حيث قال: # إني أحب أبا حفص وشيعته .... كما أحب عتيقا صاحب الدار # /432/ # وقد رضيت عليا قدوة علما .... وما رضيت بقتل الشيخ في الدار # كل الصحابة عندي قدوة علم .... فهل علي بهذا القول من عار # إن كنت تعلم أني لا أحبهم .... إلا لوجهك فاعتقني من النار PageV01P677 ### ||| AUTO القول في التفضيل # اختلف الناس في الأفضل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أهل ~~البيت وأبو عبد الله وقاضي القضاه وأكثر معتزلة بغداد: أفضل الأمة علي رضي ~~الله عنه. # وروى هذا عن ابن عباس والزبير والمقداد وسلمان وجابر وحذيفة وعمار، ومن ~~التابعين عن عطاء ومجاهد وسلمة بن كفيل. # قوال النظام والجاحظ: أبو بكر أفضل، وروي هذا عن عمر وعثمان وأبي هريرة ~~من الصحابة. # ومن التابعين عن الحسن وعمرو بن عبد وغيرهما، وقال أبو هاشم وابو علي ~~بالوقف، وقال بعض الناس: إن كان الخلاف في الأفضل أي أكثر ثوابا فالوقف كما ~~قال الشيخان؛ لأن طريق معرفة كثرة الثواب هو الشرع ولم يرد دليل قاطع على ~~كثرة ثواب شخص معين. # وأما إجماع أهل البيت على أن عليا هو الأفضل فهو وإن كان متواترا فليس ~~فيه تصريح بأن معناهم بذلك أنه أكثر ثوابا أو أكثر فضلا لقال بالثاني ولما ~~أمكنه دعوى كونه أكثر ثوابا وإن كان الخلاف في الأفضل بمعنى الأكثر فضائل ~~فالحق ما قاله أهل البيت وغيرهم من أن عليا عليه السلام أفضل الأمة؛ لأنه ms559 ~~لا يشتبه على اقل أنه أكثر الناس فضائل وأعلاهم درجة وأقدمهم إسلاما ~~وأغزرهم علما وأكثرهم زهدا وأشجهم ورعا وأعظمهم سابقة وأفصحهم لسانا ~~وأقواهم بصيرة وأكثرهم شجاعة وأحسنهم بلاء وجهادا. PageV01P678 # والمروي أن المأمون لما نظر أبا العتاهية فقال: أخبرني أي الأعمال أفضل عند ~~قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال أبو العتاهية: الإسلام فأوضح ~~المأمون أن عليا أول الناس إسلاما وليس لأبي العتاهية أن يقول أنه أسلم ~~صغيرا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام وهو لا يدعوا ~~إلا من يصح إسلامه؛ لأن المرجع بالإسلام حينئذ إلى التصديق بما جاء به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نبي، وذلك من التكاليف العقلية، ~~والمعلوم أن التكاليف بالعقليات إنما يقف على كمال العقل وإن كان الرجل ابن ~~خمس سنين أو خمسين سنة فالعبرة بكمال عقله حين أسلم، والبلوغ إنما هو شرط ~~في التكاليف الشرعية كالصلاة ونحوها. # /433/ على أنه لا يمتنع أن يكون من خصائص أمير المؤمنين صحة إسلامه صغيرا ~~وأيضا فمن الجائز أن يكون قد بلغ فإنه لا يمكن القطع بأنه أسلم قبل البلوغ. PageV01P679 # ثم قال المأمون لأبي العتاهية: وأي الأعمال أفضل بعد الإسلام؟ قال: الهجرة، ~~فأوضح المأمون أن هجرة علي كانت أفضل من هجرة أبي بكر؛ لأنه نام على فراش ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووقاه بنفسه حتى باهى الله به الملائكة ~~فلا يساوى من صحبه في طريقه وهو يعلم أن الله يمنعه من كل شر. # ثم قال المأمون: وأي الأعمال أفضل بعد الهجرة، قال: الجهاد: فبين المأمون ~~أن عليا كان أعظم الناس جهادا في سبيل الله فإنه الذي كشف الكرب عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم واصطلا نار الحرب حين هرب الناس عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من الذين أنزل الله عليهم السكينة وألزمهم ~~كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها. # يزيده وضوحا أن أول جهاد كان يوم بدر، فكان علي أول من بارز حتى أجمع ~~المفسرون ms560 على أن قوله تعالى: {هذان خصمان..} الآية نزلت في المبارزة يوم ~~بدر، وكان أبو بكر حينئذ في بارد ظل العريش مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ثم كان يوم أحد ابتلى بلاء عظيما حتى جاء النداء من السماء: ~~((لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي)) وسائر الصحابة يصعدون ولا يلون ~~على أحد. PageV01P680 # وعلى الجملة فهو رضي الله عنه المقدم في كل فضيلة وسابقة وهو الذي اجتمع يه ~~ما افترق في الصحابة، وروى بعضهم السابقون ثلاثة علي وأبو بكر وزيد وعلماء ~~الصاحبة ثلاثة علي ومعاذ وابن مسعود والزهاد ثلاثة علي وعمر وأبو ذر، ~~والمجاهدون ثلاثة علي والزبير وأبو دحانة، والقراء ثلاثة علي وعثمان وأبي ~~والمفسرون ثلاثة علي وابن عباس وابن مسعود والأسخياء ثلاثة علي وأبو بكر ~~وعثمان والصديقون ثلاثة حزبيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار مؤمن آل ياسين ~~وعلي بن أبي طالب مؤمن آل محمد والأفضل من قرابات رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثلاثة علي وجعفر والعباس، ورجال أهل البيت الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا ثلاثة علي والحسن والحسين، فانظر إلى هذه الخصال، هل ~~اجتمعت ي أحد غيره ولله القائل: # من فيه ما في جميع الناس كلهم .... وليس في الناس مافيه من الحسن # والمشهور عنه عليه السلام يوم الشورى أنه احتج عليهم ف المناشدة المعروفة ~~حتى عد بضعا وعشرين فضيلة لم يشاركه فيها أحد، فكيف يشتبه على أحد كونه ~~أفضل الناس بهذا المعنى، ولو لم يكن إلا خبر الغدير وخبر المنزلة وخبر ~~الطائر وخبر المؤآخاة وخبر سد الأبواب وفضيلة فتح خيبر وفضيلة حمل اللواء ~~يوم القيامة وفضيلة الوصاية وفضيلة إذهاب الرجس وأشباه هذا مما لم يوجد ~~لأحد وقد صرح الصدر الأول بهذا. PageV01P681 # قال عمر رضي الله عنه: لولا علي لهلك عمر، وقال أبو الدرداء /434/: العلماء ~~ثلاثة، رجل بالشام يعني نفسه ورجل بالكوفة يعني ابن مسعود ورجل ~~بالمدينة يعني عليا عليه السلام قال: والذي بالشام يسأل الذي بالكوفة ~~والذي بالكوفة يسأل الذي بالمدينة. # عائشة ms561 رضي الله عنها: أقضاكم علي، والقضاء جامع لعلوم الاجتهاد. # وسئل جابر عن علي رضي الله عنه فقال: ذلك من خير البشر. # سالم بن أبي الجعد: دخلنا على جابر فقلنا: من خير الأمة؟ فقال: علي، ومن ~~لم يقل فقد كذب. # الشافعي بإسناده عن الحسن عليه السلام يوم مات علي لقد فقد اليوم رجل ما ~~كان على وجه الأرض بعد النبيين أفضل منه، ولم ينكر عليه أحد، وقد قالها على ~~المنبر يحيى بن آدم: ما أدركت أحدا بالكوفة إلا يفضل عليا عليه السلام غير ~~سفيان الثوري. # عائشة: علي أعلم الناس بالسنة. # وفضائله عليه السلام أجل من أن تحصى وللصحابة عليهم السلام فضل كثير لكنه ~~لا يدانيه. PageV01P682 ### || AUTO الكلام في الإمامة # الإمامة في اللغة: هي التقدم سواء كان عن استحقاق أم لا، وسواء كان في ~~خير أو شر كما قال تعالى: {يوم يدعو كل أناس بإمامهم}. # وفي الاصطلاح: هي رياسة عامة لشخص واحد في أمور مخصوصة على وجه لا يكون ~~فوق يده يد أخرى. # قلنا: رياسة عامة احتراز من الخاصة كرئاسة الرجل على أهل بيته. # وقلنا: لشخص واحد احترازا من النبوة فإنها قد تثبت لاثنين وأكثر، والفارق ~~بينهما هو الإجماع. # قيل: ووجهه أن مع كثرة الأئمة يحصل التشاجر والمنازعة، ولهذا قال عمر: ~~سيفان في غمد إذن لا يصلحان بخلاف النبوة، فلا يحصل فيها شيء من ذلك لعصمة؛ ~~ولأن النبوة لطف والألطاف تختلف بخلاف الإمامة. # قلنا: في أمور مخصوصة نحو أخذ الزكوات طوعا وكرها وتجييش الجيوش وإقامة ~~الجمعات وحفظ بيض الإسلام وإقامة الحدود ونحو ذلك. # قلنا: على وجه لا يكون فوق يده يد أخرى احترازا ممن يتولى من جهته الإمام ~~فإنه ينفذ هذه الأحكام، لكن يد الإمام فوق يده. # فصل # والظاهر من كلام العلماء أن الإمامة واجبة، ويحتجون لذلك بإجماع الصحابة ~~حيث فزعوا إلى نصب إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دون ~~تناكر وفيه إشكال من وجهين: PageV01P683 # أحدهما: أن إجماع الصحابة أو غيرهم على الفعل لا يدل على وجوبه، بل ms562 لا بد ~~أن يعلم أنهم فعلوه على وجه الوجوب، فأما مالم يعلم الوجه الذي أقوعوا عليه ~~الفعل لا يمكن دعوى الوجوب لجواز أن يفعلوه على وجه الندب، ولهذا أجمعوا ~~على فعل صلاة الوتر ولم يدل ذلك على وجوبها، فإن ثبت بالتواتر أنهم أجمعوا ~~على /435/ على جهة الوجوب فذاك وإلا لم يكن القطع بمجرد فعلهم على أنها ~~للوجوب. # الوجه الثاني: أنه قد أجمع المحققون على جواز خلو الزمان من إمام، فلو ~~كانت الإمامة واجبة في عصر الصحابة لوجبت في كل عصر كسائر ما أجمعوا عليه ~~لو وجبت في كل عصر لما جاز خلو الزمان من إمام؛ لأنه يكون فيه إجماع الأمة ~~على الخطأ وهو الإخلال بالواجب. # ووجه ثالث وهو أن يقول المعتزلي للزيدي: إذا جاز عندك أن يسكت الناس عن ~~إنكار إمامة أبي بكر للتقية فهلا جاز أن يسكتوا عن إنكار اعتقاد وجوب ~~الإمامة للتقية. # وقد استدل على وجوبها بوجه آخر وهو قوله تعالى: {فاقطعوا أيديها}. # وأجمعت الأمة على أن الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو من يلي من قبله، ~~فيجب نصب الإمام؛ لأنه لا يتم الواجب إلا به، وهو مشكل بما تقدم من تجويز ~~خلو الزمان عن إمام، وبوجه آخر وهو أن يقال: ما أنكرتم أن الأمر بإقامة ~~الحدود مشروط بوجود الإمام. # فصل # وطريق وجوب الإمامة عند جمهور المعتزلة: السمع فقط وهو ما تقدم وبنوا ذلك ~~على أنه إنما يحتاج إلى الإمام في أمور شرعية، فلذلك يكون طريق وجوبها ~~الشرع فقط. # وقال الإمامية: العقل والسمع، وربما قالوا: العقل فقط وزعموا أن الإمام ~~لطف للمكلفين في القيام بجميع ما كلفوه وإليه يحتاج في أمور الدين والدنيا ~~حتى أن من جهته يعرف الأغذية والسموم والطب واللغات والصنائع وسائر أمور ~~الدين والدنيا. PageV01P684 # وقال الجاحظ وأبو القاسم وأبو الحسين: كما يدل السمع على الإمامة يدل عليها ~~العقل لا من حيث كون الإمام لطفا ولا من حيث أن من جهته يعرف أمر الدين ~~والدنيا، لكن من حيث أن في الإمام دفع ضرر عن النفس، وذلك ms563 واجب؛ لأن الناس ~~مع كثرتهم واختلاف هممهم وقوة دواعيهم إلى العدوان وميل أنفسهم إلى الظلم ~~لا يكادون يتزجرون ويكف بعضهم شره عن البعض إلا إذا كان هناك رئيس له قوة ~~وسطوة وأعوان، فيمنعهم خوفه عن التوثب والعدوان. # قالوا: ولهذا إذا ضعف السلطان أو تشاغل عن النظر في أمور العامة كثر في ~~الناس الظلم والفساد وخافت الطرق وتغلب القوي على الضعيف وعضب الأعراب، ~~فكيف إذا لم يكن سلطان رأسا؟ # قالوا: ومعلوم أن في وجود السلطان واستقامته وقوة شوكته دفع هذا الضرر في ~~الغالب. # يوضحه أنك لا تكاد تجد قبيلة في كل زمان إلا ولهم رئيس يمنع القوي من ~~الضعيف وينتصف للمظلوم من الظالم ويدفع بعضهم عن ضرر بعض. # قالوا: والذي يقضي به العقل من ذلك هو رئيس ما، فإما أن يكون من حقه أن ~~يكون على الصفات المعتبرة فذلك لا يعلم إلا شرعا. # واعترض الجمهور هذا بأنه قد يظهر أيضا عند نصب الرؤساء فتن وحروب وتنازع ~~بأن يأنف بعض الناس على رئاسته /436/ ولا يقتاد له ويجد كثيرا من الناس إذا ~~ترك وراءه كان أقرب إلى الحق. # وأجاب أبو الحسين بأنه وإن كان كذلك إلا أن الضرر الذي يندفع بالرؤساء من ~~التظالم والعدوان والمنع من الضعفاء أكثر من الضرر الذي يحصل بنصيبهم. # وأيضا فهذا الذي ذكره الجمهور نادر، ونحن إنما نبني على الغالب، قالوا: ~~حب دفع أكثر الضررين بأقلهما. # وأما ما ذكرته الإمامية فهو ظاهر الفساد، أما قولهم: أنه لطف فباطل؛ لأنه ~~لا طريق إلى ذلك عقلا، بل كثير من الناس لا يزجره الإمام. # وبعد، فأما أن يستغني الإمام عن لطف فيجوز أن يستغني غيره فلا يحتاج ~~إليه، وإما أن لا يستغني فيحتاج إلى إمام آخر، والإمام إلى إمام. PageV01P685 # وبعد، فإن لم يرد حال النبي في اللطف على حال الإمام فلا ينقص عنه، وقد جاء ~~خلو الزمان من نبي، فيجوز خلوه عن إمام أولى وأحق. # وبعد، فعندهم أنه يجوز أن يكون هناك إمام ولا يظهر، وإذا كان كذلك فوجوده ~~كعدمه؛ لأنه إنما ms564 يثبت له حط الدعاء إذا ظهر وأمر ونهى. # وبعد، فكان يجب أن لا يكلف بالملطوف فيه الأمر رأى هذا الإمام. # وبعد، فأكثر الألطاف تختلف فمرة تكون مصلحة ومرة تكون مفسدة، فهلا جاز أن ~~يكون الإمام مفسدة في بعض الأوقات. # وبعد، فكان يلزم أن يكون في كل محله إمام؛ لأن الناس يكونون معه أقرب إلى ~~الطاعات. # وبعد، فمن حق اللطف أن يفعل المكلف لأجله ومع فقد الإمام وعدم اطلاعه على ~~الأفعال لا سيما أفعال القلوب كيف يفعل لأجله وأما قولهم يحتاج ليعرف من ~~جهته الأحكام، فجهالة؛ لأن الأحكام إنما تعرف من جهة العقل والسمع، والله ~~تعالى قد أكمل العقول ونصب الأدلة العقلية والسمعية، ولا يحتاج في ذلك إلى إمام. # يوضحه أنه يعرف الأحكام من لا يعرف الإمام، ومتى وجد الإمام ولم يوجد ~~أدلة من جهة العقل والسمع لم يمكن معرفة الأحكام. # وبعد، فإذا جاز في الإمام أن يعرفها من دون إمام جاز في غيره. # وبعد، فقد كان الإمام أن يزيل الخلاف الواقع بين المكلفين ويحل الشبهة. # قيل لهم: إ أردتم الخلاف في العقليات وفي ما أحلق فيه واحد فقد بينه الله ~~وأزاح العلة فيه مما نصبه من الأدلة العقلية والسمعية، فلا حاجة إلى ~~الإمام، وإن أردتم الخلاف في الاجتهاديات فليس المصلحة في إزالته، بل ~~المصلحة في ثبوته لما ثبت من التعبد في الاجتهاديات، والمصلحة مبنية على ~~الظن، وأي الوجهين أراد فهو باطل بوقع الخلاف، فلو كان هناك إمام كما زعموا ~~لما وقع الخلاف. # وأما قولهم إنه يحتاج إليه في أمور الدنيا كالفصل بين الأغذية والسموم ~~ومعرفة الفلاحة والنجوم واللغات فهو باطل؛ لأن العلم بهذه الأمور ليس بواجب. PageV01P686 # وبعد /437/ فتأثير الأغذية والسموم والنجوم بمجرى العادة من الله تعالى، ~~وليس لها تأثير في أنفسها. # وبعد، فقد صح مع الجهل بالفرق بين الأغذية والسموم أن يستمر الحال في ~~اختيار أحدنا ما ينفعه واجتناب ما يضره، فلا يحتاج إلى الإمام؛ لأن الشهوة ~~لا تصدق تعلقها إلا بما ينفعه والنفرة بالعكس، ولهذا يعيش كثير من الناس ms565 ~~العمر الطويل مع الجهل بهذا الفضل الذي ذكروه وتعاجل الموت كثيرا ممن يدعي ~~الطب وإلى هذا أشار المتنبي بقوله: # يموت راعي الضأن في جهله .... ميتة جالينوس في طبه # وبعد، فكان الإمام الواحد يكفي لجميع الأزمان. # وبعد، فنهاية الأمر أن يهلك المرء بالجهل بهذه الأشياء، فكل شيء سوى الله ~~معرض للهلاك، وليس يجب على الله تبقية أحد. # وأما اللغات فهي تؤخذ عن الآباء بالسماع إن أمكن وإلا فبالتواضع فلا ~~يحتاج إلى الإمام. ### ||| AUTO فصل [فيما يحتاج له الإمام] # اعلم أن الغرض بالإمام هو أن يسوس أمر الدين والدنيا من إرشاد الظالين ~~وفتوى المستفتين ومنع الظالم ونصرة المظلوم وإقامة الحدود والجمعات وحماية ~~بيضة الإسلام وقبض الحقوق ووضعها في مواضعها وحفظ الأوقاف ونصب القضاة ~~وتجيش الجيوش ونحو ذلك. # وأجمع الناس على أنه يحتاج لهذه الأمور وإن اختلفت فبعضها لا يقوم به إلا ~~الأئمة وبعضها يقوم به غيرهم، وزادت الإمامية أنه يحتاج لسائر أمور الدين ~~والدنيا وبطل. PageV01P687 ### ||| AUTO فصل [في شروط الإمامة] # هي عشرة صحيحة واثنان باطلة أو ثلاثة. # الأول: أن يكون عاقلا بالغا لأن الصغير لا ولاية لهما في أنفسهما فضلا عن ~~غيرهما. # الثاني: أن يكون ذكرا؛ لأن الأنثى يتعذر عليها التصرف في هذه الأمور ~~ويتعسر فإنها كيف يتمكن من تجييش الجيوش والوقوف في مواقف الحروب ومباشرة ~~أحوال الناس؛ ولأنها لا هيبة لها. # الثالث: أن يكون حرا؛ لأن العبد مملوك في التصرف؛ ولأنه لا بد من اعتبار ~~المنصب في الإمامة. PageV01P688 # الرابع: أن يكون من منصب مخصوص اتفاقا وعلله في المحيط بأن مع المنصب يكون ~~أقرب إلى التمكن من القيام بالأمر. # واختلف في ذلك المنصب فحكى ابن الملاحمي عن الجاحظ عن كثير من المعتزلة ~~والجوارح أنه يكفي أن يكون عربيا، وبه قال نشوان بن سعيد الحميري رحمه الله ~~تعالى، وقال جمهور المعتزلة والصالحية من الزيدية: يكفي أن يكون قرشيا، ~~وقال جمهور أهل البيت: والجارودية من الزيدية لا بد أن يكون فاطميان وقالت ~~الإمامية: لا بد أن يكون من أولاد الحسين، وقالت العباسية: لا بد ms566 أن يكون ~~عباسيا، وسيأتي بيان الصحيح من هذه الأقوال. # والخامس: أن يكون عالما؛ لأن الغرض الذي نصب له الإمام لا يتم إلا بالعلم ~~ثم لا يكفي /438/ أن يكون عالما، بل لا بد أن يكون مجتهدا إلا ما يحكى عن ~~الإمام الغزالي من جواز كونه مقلدا. PageV01P689 # قيل: وهو مسبوق بالإجماع، وليس المراد بكونه مجتهدا أن يكون حافظا لكتب ~~الفقهاء وترتيب أبوابها مستحضرا لأقوال العلماء ولجميع المسائل، فإن ذلك لا ~~يتأتى، بل المراد بكون بحيث يتمكن من إرشاد الضال وحل الشبهة والفتوى ~~وإيراد الأدلة وحمل المتشابه على المحكم وترجيح بعض الأقوال على بعض ولن ~~يكون كذلك حتى يكون مجردا في علم الكلام وعلم الأصول فيكون عالما بأنواع ~~الخطاب التي هي الأمر والنهي والخبر ونحو ذلك؛ لأنها هي الأدلة وكيفية ~~دلالتا وكيفية الاستدلال بحقائقها ومجازتها وصريحاتها ومفهوماتا ومفرداتها ~~وومشتركاتها، يعلم الخاص لئلا يلغيه والناسخ لئلا يعمل على المنسوخ أو ~~يستدل به والإجماع لئلا يخالفه باجتهاده ويعلم القياس وأركانه وشروطه وأن ~~يكون مجودا فيما يحتاج غليه من علم المنطق؛ لأنه بالنسبة إلى العلوم ~~النظرية كالنحو بالنسبة إلى الألفاظ، فيعلم من ذلك ما يتوصل به إلى علم ~~التصور من الحدود والرسوم، ويدخل في ذلك معرفة الذاتيات والعرضيات واللوازم ~~والمفارقات وما يتوصل به إلى علم التصديق من الأدلة والبراهين وكيفية ~~التوصل إلى الطرفين، ويعرف كيفية إفادة الألفاظ للمعاني من مواضعه أو توقيف ~~وكيفية دلالتها من مطابقة أو تضمن أو التزام، ويفرق بين ما يدل بمنطوقه ~~ومفهومه وبين الجزئي منها والكلي وبين متواطئاتها ومترادفاتها ومتبايناتها ~~ومتشابهاتها ومشككاتها ومشتركاتها، ويعرف كريفية نسبة القضايا بعضها إلى ~~بعض من وجوب وإمكان وامتناع وإيجاب وسلب وضرورة واستدلالا وتناقض وتعاكس ~~وعدول وتحصيل ونحو ذلك مما يحتاج إليه في الاجتهاد وأن يكون مجودا في العلم ~~بكتاب الله فيعلم منه ما يتعلق بالشرعيات. PageV01P690 # قيل: وهي خمسمائة آية، وقيل: أكثر وليس من شرطه أن يحفظها، ولكن يعلم ~~مواضعها ليطلبها عند الحاجة، وأن يكون مجودا في العلم بالسنة فيعلم أيضا ما ~~يتعلق بالاجتهاديات، ويعلم أحوال الرواه ms567 وكيفية الرواية ووجوه الترجيح وأن ~~يكون مجودا في علم العربية فيعلم ما يحتاج إليه من علم الإعراب والاشتقاق ~~والإسناد والحذف والإضمار والتقديم والتأخير والفصل والوصل والأوضاف ~~والحقائق والمجازات والكنايات والتنبيهات ونحو ذلك مما يتمكن معه من معرفة ~~أحوال الخطاب وكيفية الاستدلال به. # وأما الفقه فلا يحتاج أن يعلم منه إلا ما كان قطعيا، فأما الاجتهادي فليس ~~العلم به من علوم الاجتهاد؛ لأنه هو نتيجة الاجتهاد. # السادس: أن يكون ورعا اتفاقا؛ لأنه مالم يكن كذلك فلا يوثق به على حفظ ~~أموال المسلمين ودمائهم وحفظ الأوقاف، فلا يؤمن أن يخل بإنفاذ ما نصب ~~لإنفاذه، فإن الورع كما يعتبر في الترك يعتبر في الفعل وإن كان الأول أظهر. # السابع: أن يكون فاضلا لا خلاف فيه وإن كان المرجع بالفضل في الحقيقة إلى ~~جميع الشرائط. # واختلف في هل يجب أن يكون أفضل أهل زمانه فقالت الإمامية: لا بد من ذلك ~~وقت الصحابة وبعدهم ولا وجه لهذا لا سيما على أصلهم أن العبرة بالنص. # وقال أكثر المعتزلة وبعض الزيدية: يكفي أن يكون من جملة أفاضلهم وقت ~~الصحابة وبعدهم، واستدلوا بأن المرجع بالفضل إلى كثرة الثواب وذلك مجهول، ~~وأيضا فمعرفة الأفضل متعذر بعد وقت الصحابة لكثرة الناس وخفاء كثير من أهل ~~الفضل، وأيضا فقد جعل عمر الشورى في ستة متقاربين في الفضل ولم ينكر عليه، ~~وأيضا فقد قال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم ولم ينكر عليه. # وقال بعض الزيدية: يجب أن يكون أفضل الناس وقت الصحابة لانحصار أهل الفضل ~~وإمكان معرفتهم، ولا يجب بعد ذلك لتعذر معرفة الأفضل، وهذا قد ينتقض بكونهم ~~قد يعدلون إلى المفضول مع علمهم بوجود أفضل منه، فلم يكن عدولهم عن الفاضل ~~للجهل به. PageV01P691 # وقال بعض المعتزلة: يجب أن يكون أفضل أهل زمانه في كل وقت، أما في علمنا أو ~~في ظننا بحسب الإمكان إلا أن يمنع مانع من إمامة الفاضل عدلنا إلى الذي ~~يليه في الفضل، قالوا: ولهذا عدل الصحابة عن علي عليه السلام عن كان ~~أفضلهم؛ لأن الناس أقرب عهدا ms568 بالكفر، وكان علي قد بكى قلوب أكثر الناس ~~بالقتل، فمنهم من قتل أباه ومنهم من قتل ولده ومنهم من قتل أخاه، وكانت ~~قلوب الناس نافرة عنه، فخافت الصحابة أن لا ينقاد له الناس وأن يفترق عليه ~~الناس لشدة ميل القلوب عنه، فعدلوا إلى أبي بكر لأن قلوب الناس إليه أميل ~~لشدة رفقه وكثرة ماله؛ ولأنه قد اهتدى على يديه كثير من كبار الصحابة. # هذا كلامهم واحتجوا لاعتبار الأفضل بأن الصحابة فزعوا يوم السقيفة إلى عد ~~الفضائل فقالت الأنصار الدار دارنا والإسلام عز بنا. # وقالت الصحابة: نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبيضة التي ~~تفقأت منه من غير تناكر. # ولقائل أن يقول: إنه وإن كان كذلك فإنما يدل على أن اعتبار الأفضل أولى، ~~وليس يدل على أنه واجب؛ لأنا لم نعلم الواجب الذي عليه اعتبروا الأفضل ~~أولى، وليس يدل على أنه واجب؛ لأنا لم نعلم الوجه الذي عليه اعتبروا الأفضل ~~هل الوجوب أو الندب. # الثامن: أن يكون شجاعا، والمراد أن يكون له من رباطة الجأش ما يتمكن معه ~~من تجييش الجيوش والوقوف في الصفوف وتعبئة العساكر والوقوف معهم وحثهم على ~~القتال وحسن التدبير عند فشل القلوب؛ لأنه مالم يكن كذلك لا يؤمن أن يهرب ~~عند الصدام فيهلك الناس. # /340/ علي كل حال، فالقتال في الحقيقة إنما هو بالقلب. # التاسع: أن يكون قويا في يديه بدنه على التمكن من إمضاء هذه الأمور ~~ومباشرة الخطوب واحتمال أعباء الأمة، فلا يكون به آفة تمنعه من عمى ولا ~~جذام ولا برص. PageV01P692 # العاشر: أن يكون سخيا سخاء متوسطا فلا يكون معه من الشح ما يمنعه من وضع ~~الحقوق في مواضعها فتزدريه النفوس ويتقاعد النفس عه ويأثم في أهل الحقوق، ~~ولا يكون معه من الكرم ما يضيع أموال المسلمين فيتضرر أهل الحقوق بفواتها ~~ويطلب هو الشيء وقت الحاجة، فلا يجده وإنما يكون من أهل الاقتصاد في ~~الإنفاق والإمساك. # الحادي عشر: للإمامية قالوا: يجب أن يكون أعلم الناس. # ويبطله فقد الدليل على اشتراطه وتعذر العلم بأعلم ms569 الناس. # على أن حصول ما معه يكون مجتهدا يغني عن الزيادة. # الثاني عشر: لهم أيضا وهو أن يظهر عليه المعجز وأن يكون ممن يعلم العيب ~~وهو أظهر فسادا؛ لأن المعجز لا يظهر إلا على الأنبياء، وكذلك علم الغيب ~~استأثر الله به، فلا يطلع عليه أحد إلا من ارتضى من رسول. # الثالث عشر لهم أيضا وهو أن يكون معصوما، وهذا لا دليل لهم عليه؛ ولأنه ~~مبني على أن الشرائع توجد منه، وقد تقدم فساده؛ ولأنه كان يلزم في قضائه ~~وأمرائه أن يكونوا معصومين. PageV01P693 ### |||| AUTO فصل [في ما يخرج به الإمام عن كونه إماما] # وذلك ضربان أحدهما: يخرج به عن التمكن من انفذا ما نصب له كالجنون المطبق ~~وبطلان بعض حواسه المحتاجة أو بطلان رأيه أو أحد الشروط المتقدمة، فمتى صار ~~كذلك خرج عن كونه إماما ولا يحتاج إلى من يخرجه. # الثاني: لا يزول معه التمكن من ذلك كالفسق وهو إما أن يكون باطنا أو ~~ظاهرا، إن كان باطنا لم ينخل به عقد الإمامة؛ لأنه قد جاز العقد لمن باطنه ~~الفسق، فكذلك إذا حدث ولم يعلموه وإن كان ظاهرا، فاختلف الناس، فقال ~~الجمهور من المعتزلة والزيدية والشافعي: يخرج به عن كونه إماما كما لا يجوز ~~ابتداء العقد له وهو الذي رواه العراقيون عن أبي حنيفة ومنعوا أن يكون مذهب ~~أبي حنيفة جواز إمامة الفاسق. # وحكى ابن الملاحمي عن معتزلة خراسان وأهل ما وراء النهر أنه لا ينعزل ~~بالفسق وأنه يجوز العقد للفاسق. # ولمحمد بن الحسن قولان في هل تنعزل ولايته أم لا. PageV01P694 # حجة الجمهور قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي الظالمين} ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه تعالى أخبر إبراهيم عليه ~~السلام أنه يأمر الناس أن يجعلوه إماما أي قدوة في دينهم وكذلك سائر ~~الأنبياء قدوة والأئمة هم خلفاء الأنبياء في وجوب الاقتداء بهم، وكذلك ~~القضاة والولاة والمفتون /441/، فسأل إبراهيم ربه أن يجعل من ذريته أئمة ~~بهذا المعنى، فأخبره بامتناع ذلك في حق الظالمين، فدل على ms570 أنه لا يجوز أن ~~يجعل من الفسقة أئمة ولا قضاة ولا أمراء ولا مفتين. # وبعد، فالإمامة إما أن يكون طريقها النص، ومعلوم أن الله لم ينص على ~~فاسق، وإما أن يكون طريقها الاختيار فإنما أمر الناس أن يحسنوا الاختيار ~~وينصحوا فيه للمسلمين فيختاروا من يكون الناس أقرب إلى الانقياد له؛ لأنه ~~حينئذ يقوم لهم مقام أنفسهم، وكالوكيل في أمر دينهم ودنياهم، وليس هذه حال ~~الفاسق؛ لأنه لا يأمنونه على دين ولا دنيا، فثبت أنه لا يجوز إمامة الفاسق. # وقد اختلف الجمهور في الإمام إذا فسق ثم تاب هل يحتاج إلى عقد جديد أو ~~تعد له الإمامة من دون عقد، فقال بعضهم: لا بد من عقد جديد؛ لأن ولايته قد ~~زالت، فلا تعود إلا بعقد كالمبتدأة. # وقال بعضهم: لا يحتاج؛ لأنه بالتوبة قد عاد إلى الحالة المرضية؛ ولأن في ~~العقد الجديد مشقة وإظهارا للفاحشة وتشنيعا عليه وحطا من منزلته وكل ذلك قد ~~ندب إلى ستره. # واختلفوا في الفسق من جهة التأويل، قال بعضهم: هو كفسق الخوارج بجامع ~~خروجه عن ولاية الله والتأويل ضم جهالة إلى جهالة، فلا ينجيه عن الانعزال. # وقال بعضهم: يفترق الحال؛ لأنه مع فسق الجوارح تقدم على المعصية مع العلم ~~بكونها معصية، فلا يؤمن أن يقدم على المحضورات في أمر الأمة متعمدا لذلك ~~بخلاف فسق التأويل، فإنه تقدم عليه مع اعتقاده لحسنه وظنه أنه طاعة وشدة ~~تخرجه عما يعلمه معصية. PageV01P695 # حجة من أجاز العقد للفاسق، هو أنه قد حصل فيه سبب الولاية وهو الاختيار ممن ~~هو أهل له وهو متمكن من إنفاذها، فيجب أن ينفذ كولاية الفاسق ووصايته ~~وشهادته إذا غلب على الظن صدقه. # والجواب: أما على مذهب أهل البيت عليهم السلام في أن الطريق إلى الإمامة ~~هو النص والدعوة مع اجتماع الشرائط، فلا يتوجه السؤال، وأما عند من يجعل ~~طريقها العقد فنقول: إن من حق الاختيار أن يتوجه إلى من هو أهل له باجتماع ~~الشروط، والفاسق ليس بأهل لأن يختار،، فلن يحصل الطريق، وأما وكالته فإنما ~~جازت ms571 لأن الموكل اختار أن يوليه على نفسه، فهو في حكم الراضي بما يلحقه من ~~الحنابلة، والفاسق لم يرض به المسلمون. # وأما انعقاد النكاح بشهادته عند من يقول به فليس فيه ولأنه حتى يقاس عليه ~~الإمامة، وإنما يفرق بالشهادة بن النكاح والسفاح، وكذلك قبول شهادته ليس ~~فيها ولاية، وإنما هي شرط في حكم الحاكم والولاية هي للحاكم، فإذا حصل له ~~شروط الحكم وهو غلبة الظن بصدق الشهادة وجب عليه امضاؤه. PageV01P696 ### ||| AUTO القول في الطريق إلى ثبوت الإمامة # اتفق الناس على أن الإمام /442/ لا يصير إماما بنفص الصلاحية، بل لا بد ~~من أمر، واختلفوا في ذلك الأمر، فقالت العباسية: الإرث، وقال المصححون ~~لإمامة معاوية الغلبة، وقالت الإمامية النص الجلي في الاثنى عشر، وقالت ~~البكرية: الجلي في أبي بكر، وقال الحسن البصري: النص الخفي في أبي بكر، ~~وقالت المعتزلة والصالحية من الزيدية: العقد والاختيار، وقال أهل البيت ~~عليهم السلام: النص الخفي في أمير المؤمنين والدعوة والخروج في من صلح من ~~أولاده، وهذا هو الحق، ومعنى كون النص جليا أنه يعلم قصد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيه ضرورة، ومعنى كونه خفيا أنه لا يعل المراد به إلا ~~بالنظر. # واعلم أن أكثر هذه الأقوال ظاهر السقوط ونحن نتتبعها بالإبطال ليتعين ~~الحق فيما يقوله أهل البيت عليهم السلام. # فصل # أما قول العباسية فإنما افتعله ابن الراوندي تقربا إلى خلفاء السوء. # ويبطله فقد الدليل عليه، وأنه لو كان لما عدل الصحابة عن العباس، ولكان ~~سبيله وسبيل ابنه عبدالله أن يطلبوها وعلى كل حال فالإجماع وقت الصحابة على ~~أنه ليس طريقها الإرث، ولهذا كانوا بين قائل بإمامة علي رضي الله عنه، ~~وقائل بإمامة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك أجمعوا على أنه ليس طريقها ~~الغلبة؛ ولأن الفسقة قد يغلبون ويقدم أنهم لا يصلحون للإمامة. PageV01P697 # فصل # وأما قول أهل النص الجلي باطل؛ لأنه لو كان ضروريا لعلمه الناس كلهم، ~~ولتوفرت الدواعي إلى نقله؛ لأنه من مهمات الدين كما في الصلاة والحج ~~ونحوها، ولو صح ا ادعوا لصح ms572 لغيرهم أن يدعي نصا جليا على العباس مثلا أو ~~على وجوب صلاة سادسة ونحو ذلك. # وبعد، فلو كان كذلك لوجب أن يكفر الصحابة برده، وفي علمنا بسلامة دينهم ~~وثناء الله عليهم ما يدل على انهم لا ينكرون ما هذا سبيله. # وبعد، فقد روي أن أبا بكر قال بحضرة الجماعة: وددت أني سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الأمر في من هو فلا أنازعه، ولو كان هناك ~~نص جلي لما قرروه على هذه المقالة. # وبعد، فلو كان هناك نص جلي لما تواطأ أهل البيت عليهم السلام على إنكاره ~~والعدول إلى الاستدلال بالنص الخفي. # فصل # وأما قول الحسن البصري بالنص الخفي على أبي بكر وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أمره أن يصلي بالناس، فهو أظهر فسادا من الأول؛ لأن الإمامة ~~الصغرى بمعزل عن الإمامة الكبرى، بدليل أنها تجوز خلف قريش وغيرهم، ~~والإمامة لا تصح إلا في قريش، بل عند الخصوم أنها تصح في كل بر وفاجر. # وبعد، فعند أئمتنا عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يأمر بذلك، وإنما أمر به عائشة، فقالت للمؤذن: مر أبا بكر فليصل بالناس فظن ~~أنها إنما أمرت بذلك عن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P698 # وعلى الجملة فالمشهور في كل زمان /443/ أن يأتم الناس في الصلاة بالمفضول. # وبعد، فليس بأن يدل تقديمه في الصلاة على إمامته أولى من أن يدل عزله ~~عنها على عدم إمامته ومن المشهور عند أهل السير أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما سمع الناس خرج أبا بكر ثم صلى بالناس. # وعلى الجملة: فلا يصح الاستدلال بما ذكروه. # فصل # وأما قول المعتزلة والصالحية من أن طريقها العقد والاختيار فإنما يظهر ~~بطلانه بأن تتبيع ما يحتجون به في ذلك. # قالوا: أجمعت الصحابة يوم السقيفة على الاختيار، ولم يقع إنكار في ~~الاختيار، وإنما وقع في المختار. # قلنا: إن أردتم أنهم أجمعوا على ذلك معتقدين أنه طريق إلى الإمامة، فدلوا ~~على ذلك ms573 ولا سبيل إلى تصححه، وإن أردتم أنهم أجمعوا على مجرد فعله فلا فرح ~~لكم في ذلك. # على أنا لا نسلم حسن الاختيار حينئذ ولا عدم الإنكار فيه؛ لأن عندنا أن ~~الإمام منصوص عليه، فالإجماع للاختيار يكون عبثا لا فائدة فيه. # وقولهم: أن عدم الإنكار دليل على أنه لم يكن لا يصح لأنه إنما يحصل من ~~عدم نقله غلبة الظن بأنه لم يكن، فلا يكفي فيه عدم نقله. # قالوا: قال العباس لعلي رضي الله عنه: امدد يدك أبايعك ولم ينكر عليه، ~~وكذلك بايع الناس له يوم قتل عثمان رضي الله عنه، ولم ينكر البيعة، فلو كان ~~الاختيار منكرا لأنكره، وكذلك أهل البيت ما منهم أحد يقوم إلا ويبايع له ~~ويختار، ولو كان الاختيار منكرا لما صح في شيء من ذلك، لوما اتفقت عليه ~~الأزمنة. # قلنا: إنما يكون الاختيار منكرا ويجب إنكاره حيث يعتقد المختارون أنه ~~طريق إلى الإمامة؛ لأنه يكون عبثا حينئذ، فأما حيث يفعل على جهة التقوية ~~للإمام واستدعاء الناس إليه، فليس بمنكر، ولهذا فعله جميع أئمتنا عليهم ~~السلام على جهة الاستظهار وأخذ الطاعة من الناس ومعرفة المخلص من المرتاب. # قالوا: جعل عمر الأمر شورى في ستة ولم ينكر لعيه أحد، فنقول: كيف يجعل ~~الأمر شورى مع وجود المنصوص عليه. PageV01P699 # قلنا: بل قد أنكر ذلك عليه السلام في نحو قوله: فبالله وللشورى متى اعترض ~~الريب في مع الأول حتى أقرب إلى هذه النظائر، والمشهور في مناشدته يوم ~~الشورى ما يدل على إنكاره الاختيار. # والمختار قالوا: لما بويع له عليه السلام كتب إلى معاوية أن بيعتي لزمتك ~~بالمدينة وأنت بالشام وبايعني بالمدينة الذين بايعوا أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، فليس للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، فصرح بأن الإمامة لأجل ~~البيعة. # قلنا: قد قدمنا أنه ليس في البيعة أكثر من إظهار الطاعة من المبايعين ~~وقبولها من المبايع له، وذلك واجب على الجميع، فمن أين أنها هي الطريق إلى ~~الإمامة، فإن ذلك هو ومحل النزاع. # قالوا: احتج علي على طلحة ms574 والزبير بالبيعة ولم يحتج بالنص. # /444/ قلنا: له أن يحتج بالأمرين جميعا في وجوب طاعته، وليس عليه اقتراح ~~إذا أورد دليلا من دليلين لا سيما وقد تقرر أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل ~~على نفي ما عداه، فليس احتجاجه بالبيعة يدل على نفي احتجاجه بالنص. # على أن أصحابنا قد ذكروا أنه إنما احتج عليهما بالبيعة ليريهما أنهما لا ~~يثبتان على الحق. # تنبيه # اعلم أنه إذا بطل الإرث والاختيار وسائر مذاهب المخالفين فقد كفانا في ~~ذلك في أن الطريق هو النص؛ لأنه قد تعين الحق فيه، وإلا خرج الحق عن أيدي ~~الأمة وهو باطل. PageV01P700 ### ||| AUTO القول في تعيين الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم # ذهب أهل البيت عليهم السلام وأكثر الزيدية إلى أنه علي عليه السلام، ~~وذهبت المعتزلة والصالحية وسائر الفرق إلى أنه أبو بكر. # لنا: النص والوصاية والتفصيل والعصمة وإجماع أهل البيت عليهم السلام. # فصل # أما النص فنصوص كثيرة الأول قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله} إلى ~~قوله: {وهم راكعون} ووجه الاستدلال بهذه الآية أنها نزلت في علي رضي الله ~~عنه فقط، قد أثبت الله له الولاية فيها كما أثبتها لنفسه ولرسوله، والولاية ~~هنا بمعنى ملك التصرف، وذلك هو معنى الإمامة. # وهذه الدلالة تبنى على ثلاثة أصول: أحدها: أنها نزلت في علي عليه السلام. ~~والثاني: أن المراد بها ملك التصرف. والثالث أن ذلك هو معنى الإمامة. # أما الأصل الأول وهو أنها نزلت في علي عليه السلام فقط فعلى ذلك دليلان: # الأول: إجماع أهل البيت وهو حجة كما سيتضح. # فإن قيل: كيف يصح دعوى إجماع أهل البيت مع أن فيهم من يذهب مذهب الإمامية ~~واعتبار النص الجلي دون النص الخفي. PageV01P701 # قلنا: ليس في اعتبارهم النص الجلي ما يدل على أنهم لا يعتبرون النص الخفي، ~~بل يعتبر الكل لكنهم اكتفوا بالجلي لظهوره عندهم. # والدليل الثاني: على أنها نزلت في علي أن الله تعالى وصفه بصفة لم يوجد ~~في غيره وهو إيتاء الزكاة. # قال الإمام المنصور بالله: وبالاتفاق أن أحدا من ms575 لدن آدم عليه السلام لم ~~يؤت الزكاة حال الركوع إلا علي، وقد ثبت بالنقل الظاهر المشهور في كتب أكثر ~~المفسرين وأهل التواريخ، ومن كتب ومن طرق أهل البيت عليهم السلام، ~~ورواياتهم أنها نزلت في أمير المؤمنين، وهو أنه تصدق بخاتمه وهو راكع. # قال الإمام الناطق بالحق أبو طالب في كتابه زيادات شرح الأصول ما هذا لفظه. # ومنها النقل المتواتر القاطع للعذر أن الآية نزلت في أمير المؤمنين، وهذا ~~تصريح منه بأنه النقل في ذلك متواترا في زمانا هذا القصور هممنا في البحث ~~أو لعدم أكثر التواريخ في بلدنا، ومن /445/ محاسن الأزهار للفقيه حميد رحمه ~~الله تعالى بإسناده، قال: قال عمر رضي الله عنه أخرجت مالي صقة يتصدق بها ~~عني وأنا راكع أربعا وعشرين مرة على أن ينزل في مثل ما نزل في علي فما نزل. # واعلم أن المخالفين قد اعترضوا هذا الفصل بوجوه قالوا: نزلت والناس بين ~~قائم وراكع وساجد، فوصف الله حالهم ولم ينزل في رجل معين. # قلنا: شهادة نفي وما تقدم يعارضها على أن الواو في قوله تعالى: {وهم ~~راكعون} واو حال، فكأنه قال: يؤتون الزكاة حال الركوع. PageV01P702 # وأيضا فلو كان كما ذكره السائل لما كان لقوله: وهم راكعون فائدة؛ لأن ~~الركوع قد دخل تحت قوله يقيمون الصلاة. # قالوا: المراد الركوع اللغوي الذي هو الخشوع. # قلنا: جمل الألفاظ على المعنى الشرعي أولى من جمله على اللغوي؛ لأن ~~الشرعي في حكم الطارئ، فهو كالناسخ؛ ولأن طريان العرف كالعهد الموجب صرف ~~الخطاب إليه. # قالوا: إنه إذا حمل على المعنى اللغوي كان للفظ فائدة مستقلة، وإذا حمل ~~على الشرع كان في حكم التأكيد؛ لأن الركوع الشرعي قد دخل تحت قوله: {يقيمون ~~الصلاة، والتأسيس في اللفظ عند أهل المعاني خير من التأكيد. # قلنا: مسلم أن التأسيس في اللفظ خير من التأكيد، ولكن عندنا أن لهذا ~~اللفظ فائدة مستقلة إذا حمل على المعنى الشرعي وهي الخالية، وبيان أن ~~المختص بالولاية هو المزكى حال الركوع، يوضحه أنه لم يرد اللفظ لبيان ~~الأخبار بوقوع الركوع، ms576 بل الأخبار بأمر يحصل حال الركوع. # يوضحه أنه لم يرد اللفظ لبيان الأخبار بوقوع الركوع، بل الإخبار بأمر ~~يحصل حال الركوع. # قالوا: لسنا نسلم أن الواو للحال، بل هناك إضمار وتقديره والذين هم ~~راكعون، قلنا: الإضمار في اللفظ خلاف الأصل، فلا يعدل إليه إلا لموجب. # قلنا: هي واو العطف لا واو الحال. # قالوا: المروي خاتم ذهب والتختم به غير جائز. # قلنا: بل جائز في صدر الإسلام ويجوز أن يكون جوازه من خصائصه عليه ~~السلام. # قالوا: كان فقيرا لكثرة كرمه فلا يجب عليه زكاة. # قلنا: اختار الله بأنه زكى أصدق من أخباركم بأنه لا يجب عليه زكاة. # على أن أحوال الكريم تختلف في الغنى والفقر وإلا فماذا يتكرم. # قالوا: مد اليد لإخراج الخاتم فعل كثير وهو يفسد الصلاة. # قلنا: صدور هذا القدر من جهته دليل على أن مثل هذا القدر كرفع اليد للحك ~~ولتسوية الرد أو نحو ذلك. # قالوا: لفظ الذين لفظ الجمع وحمله على الواحد خلاف الأصل، فيجب أن لا يصح ~~حمله عليه. PageV01P703 # قلنا: بل يصح إذا قام عليه دليل، وقد قامت الدلالة على وجوب حمله على خلاف ~~الأصل، فيجب وفائدة وروده كذلك هو أن يكون النص حفيا لوجه حكمة يعلمه الله ~~ولتعظيم المعنى بالآية عليه السلام كما في نظائره مما يرد النون فيه /456/ ~~للعظم نحو: {إنما نزلنا الذكر} الآية وأشباهها. # قالوا: لم يرد لفظ الذين بمعنى الواحد في اللغة، وإنما ورد نحن وأشباهها، ~~والقياس في اللغة لا يصح خاصة في المجازات. # قلنا: هو ابتداء مجاز كغيره من نظائره. # على أن قد ورد لفظ الذين في الواحد نحو قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم} إلى قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} فإنها نزلت في النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم حين جاءه النذير في بعض الغزوات يخبره أن المشركين ~~قد جمعوا له، فقال: توكلنا على الله وكذلك ورد في قوله: {هم الذين يقولون ~~لا تنفقوا على من عند رسول الله..} الآية نزلت في عبد الله بن أبي ms577 وهو الذي ~~قال: هذه المقالة وهذا شيء صريح كما ترى، وكذلك ورد في قوله تعالى: {والذين ~~يظهرون} وإن تركت في رجل معين فذلك لا يمنع من عمومها، فكذلك هذه الآية، ~~وإن نزلت في علي لم يمنع ذلك من عمومها عملا بظاهر قوله والذين آمنوا. PageV01P704 # قلنا: نعم ورود الخطاب على سبب لا يلحقه الخصوص إلا إذا قام على ذلك دليل، ~~وقد أقمنا الأدلة على أنه لا يصح عموم قوله: {والذين آمنوا} الآية ونحن ~~نستظهر بالزيادة فنقول: لو عمت لكان الولي هو المولى عليه، فيكون تقديره ~~إنما وليكم الله ورسوله وأنتم وذلك مستهجن، وليس للخصم أن يعارضنا بنحو ~~قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين} ~~فنقول: كان يجب أن يكون التقدير يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين ~~أولياء من دون أنتم؛ لأنا نقول المراد بالولاية في الآية التي ذكرها السائل ~~المودة والنصرة، فلم يلزم هذا التقدير خلاف هذه الآية، فإن الولاية فيها ~~بمعنى ملك التصرف، فلا يشتبهان من حيث أن المودة والمناصرة مفاعلة تثبت في ~~الجانبين، بخلاف الإمامة فإنها تثبت لشخص واحد. # قالوا: خصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها كما في قوله: {والمطلقات ~~يتربصن} الآية ونحوها، فيكون المراد بالذين آمنوا كل المؤمنين وبقوله: {وهم ~~راكعون} عليا، فلا يكون مخصوصا بالولاية. # قلنا: ليس هذا من ذاك؛ لأن قوله: {الذين يقيمون الصلاة..} إلى آخرها نعت ~~للذين آمنوا فلا يصح أن يراد بالنعت غير المنعوت. # على أنا قد بينا أنه منع مانع من عموم أولها. # قالوا: هب أن المراد واحد، فمن أين أنه علي رضي الله عه، وما المانع من ~~أن يكون كل واحد من المؤمنين على البدل؟ # قلنا: منع منه الإجماع على أنه لم يؤت أحد الزكاة حال الركوع إلا على ~~عليه السلام، والإجماع على أنه إن كان المراد بها واحدا فإنه علي. # وأما الأصل الثاني وهو أن المراد بالآية هنا ملك التصرف، فهذه هي عبارة ~~أصحابنا. PageV01P705 # واعلم أن هذه العبارة وهي قولهم ملك التصرف عبارة موهمة ms578 /447/ للملك ~~الحقيقي الذي للإنسان بيعه وهبته، ولهذا يمكن الخصوم التشعيب فيها فيقولون: ~~لم يرد بمعنى المالك للتصرف لا في أصل اللغة ولا في عرفها؛ لأن هذه اللفظة ~~وإن كانت مشتركة بين المود والناصر، والأولى والرئيس الذي يلي التصرف فقد ~~صار الغالب عليها بعرف الاستعمال الرئيس؛ لأنه متى أطلقت فقيل: فلان ولي ~~القوم سبق إلى الأفهام أنه رئيسهم الذي يلي التصرف عليهم كما يقال: ولي ~~الأيتام أي يلي التصرف عليهم، وولي الأوقاف والمساجد، أي يلي التصرف فيها، ~~وعلى هذا ورد قوله: {وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن ~~أولياؤه إلا المتقون} أي وما كان لهم فيه تصرف. # وعلى الجملة فذكر الولاية بمعنى الرئاسة في اللغة أكثر من أن يحصى، وعلى ~~ذها ورد قوله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس حين سأله الولاية نفس تنجبها ~~خير من ولاية لا تحصيا، أي م رئاسة وليس لأحد أن يقول اسم الفاعل من ~~الولاية والي لا ولي، والمذكور لفظ الولي لأنا نقول: لا نسلم ذلك؛ لأن فعيل ~~مبالغة فاعل. # اللهم إلا أن يكون هذا هو المستعمل في العرف، أعني مجيء اسم الفاعل في ~~هذا الموضع على والي لا على ولي فحينئذ نجيب بوجه وهو أن اسم الفاعل في هذا ~~الموضع إن أضيف إلى المولى عليهم قيل فيه: ولي بلى شبهة، فيقال: ولي القوم ~~ولا يقال: واليهم، وإن أضيف إلى المولي له أي الذي جعل له الولاية قيل: ~~والي، ولهذا يقال: والي الأمير على البلد ولا يقال: ولي الأمي على البلد ~~والمذكور في الآية من القبيل الأول، فقال تعالى: {إنما وليكم الله ~~ورسوله..} الآية ولا يصح أن يقال: إنما وليكم؛ لأن عليا عليه السلام إنما ~~يكون واليا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. # يؤكد هذا الجملة المتقدمة ما ذكره الفقيه حميد رحمه الله تعالى في محاسن ~~الأزهار بإسناده، قال: قال حسان بن ثابت في شأن نزول الآية بمدح أمير ~~المؤمنين: PageV01P706 # أبا حسن تفديك نفسي ومهجتهي .... وكل بطيء في الهدى ومسارع # أيذهب مدحي والمخبر ضائعا ms579 .... وما المدح في حب الإله بضائع # فأنت الذي أعطيت إذكنت راكعا .... فدتك نفوس الناس يا خير راكع # فأنزل فيك الله خير ولاية .... وبينها في محكمات الشرائع # ووجه الاحتجاج بقول حسان أنه فهم ذلك من معنى الآية ولم ينكر عليه، ومن ~~كتاب الشافي للإمام المنصور بالله، قال: قرأ عبد الله مسعود إنما مولاكم ~~الله ورسوله، وهذا أشد تصريحا بما يذهب إليه في معنى الآية، فعلى هذا يجيء ~~الكلام في تصحيح هذا الأصل، وقد علمت بما تقدم بطلان كثير مما يمكن أن ~~يتشعب به الخصوم من نحو قولهم: إن الولي لم يرد بمعنى المالك للتصرف /448/ ~~وقولهم أنه ولو ورد فلا دليل على كونه حقيقة، بل هو مجاز لعدم اطراده. # وقولهم: لا نسلم أن ذلك هو الغالب، بل الغالب هو المود والناصر. # وقولهم: إن سياق الآية وسببها يشهد أن المراد المود والناصر، فكلما يرد ~~من نحو هذه الاعتراضات فأبطله بأمر واحد وه وأن يعدل عن قولنا الولي بمعنى ~~المالك للتصرف إلى قولنا المولي بمعنى الرئيس الذي يلي التصرف، وحئنئذ ~~يتوضح كونه مستعملا وأنه حقيقة وأنه الغالب في الاستعمال، والسابق إلى ~~الأفهام. # ونحن الآن نذكر قاعدة تكون عونا على صحة هذا الأصل وصحة كثير من مسائل ~~الإمامة. # وهي أن نقول: سلمنا جدلا أنه ليس الغالب عليها في الاستعمال ما ذكرناه من ~~الرئيس الذي يلي التصرف، فإن من أصول أئمتنا وكثير من الناس أن اللفظة ~~المشتركة إذا وردت ولم يكن بين معانيها تناف ولا ورد دليل على تخصيص بعض ~~معانيها من بعض، فإنه يحتملها على الكل ونحن نحمل الآية على ذلك، فثبتت له ~~كونه مودا للمؤمنين وناصرا ورئيسا يلي التصرف عليهم؛ لأنه لا ينافي بين ذلك. PageV01P707 # واعلم أنه قد اختل الناس في هل يصح أن يريد الحكيم باللفظ كلي معنية إذا ~~تجرد عن القرينة حتى يصح أن يحمل عليها أم لا، والظاهر من كلام أهل البيت ~~عليهم السلام وهو قول أبي علي والقاضي والشافعي والباقلاني أنه يصح من حيث ~~القصد ومن حيث اللغة، وعند أبي ms580 الحسين الرازي أنه يجوز من حيث القصد لا من ~~حيث اللغة، وعند أبي هاشم وأبي عبد الله والكرخي: لا يجوز لا من حيث القصد ~~ولا من حيث اللغة. # لنا: أما من حيث القصد فهو إن قصد المعنيين مقدوره كما أن اللفظ مقدور ~~وكما يجوز إرادتهما قبل وجود اللفظ يجوز حال وروده، ولا يمنع من ذلك إلا ~~العلم بالتضاد أو ما يجري مجراه، وأما من حيث اللغة فهو أن يجر اللفظ عن ~~القرينة قرينة توجب حمله على كل معانيه. # وبعد، فأما أن لا يحمل على واحد منها وذلك يخرجه عن الإفادة، وأما أن ~~يحمل على بعضها ولا مخصص، وأما أن يحمل على كلها وهو المطلوب، وبعد، فقد ~~اختلف في قوله تعالى: {ثلاثة قروء} هل هو الطهر أو الحيض، وكلا القولين ~~صواب وإنما يكون صوابا إذا أراده الله تعالى. # وبعد، فقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يقتضي حمله على ~~الصلاة بمعنى الدعاء وبمعنى الرحمة، وكذلك قوله تعالى: {ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السموات..} الآية يقتضي حمله على السجود الشرعي وعلى السجود ~~اللغوي؛ لأنه ليس الكل فعل السجود الشرعي. # وبعد، فإذا قال: أنت طالق إذا رأيت لونا طلقت برؤية أي لون كان. # وبعد، فقد قال سيبويه: قول العرب الويل لك دعاء وأخبار ، وهذا تصريح بما يريده. # حجة أبي الحسين والرازي أنه لا يجب من وضع اللفظ على معنيين على البدل ~~وضعه لهما على الجمع /449/ ولنا أن نجيب بأنه غير واجب كما ذكروه وإنما هو ~~جائز وكلامنا في الجواز لا في الوجوب. PageV01P708 # قالوا: اللفظ إما أن يوضح لإفادة الأفراد فقط أو لإفادة المجموع فقط أو ~~لإفادة الإفراد والمجموع على الجميع أو فإفادة الإفراد والمجموع على البدل ~~إن كان الأول فاستعماله في المجموع مجاز، وإن كان الثاني فليس بمشترك؛ لأن ~~مفهومه يصير واحدا كالتلق وإن كان الثالث فهو محال؛ لأن معنى إفادة المجموع ~~أنهلا يحصل الاكتفاء إلا بالمجموع، ومعنى إفادته للإفراد أنه يحصل الاكتفاء ~~بكل واحد منها، وإن كان الرابع ms581 فاستعماله في المجموع ليس استعمالاته في ~~جميع مفهوماته، بل تكون إفادته للمجموع بعض مفهوماته. # ولنا أن نجيب بأنا نختار القاسم الرابع ونقول: استعماله في المجموع وإن ~~كان بعض مفهوماته، لكن كلامنا في مفهوماته التي هي إفراد المجموع، فمتى ~~استعملناه في المجموع فقد استعملناه في جميع تلك المفهومات التي هي إفراد ~~ذلك المجموع، وإن كان استعماله في الواحد من تلك الإفراد مفهوما زائدا. # حجة الشيخ أبي هاشم أن أحدنا يجد من نفسه تعذر إرادة المعنيين كتعذره ~~الجمع بين الاستحقاق والتعظيم. # والجواب: لا يسلم أن أحدنا يجد من نفسه ذلك، بل ربما يجد من نفسه جوازه، ~~وأما الاستحقاق والتعظيم فلأن بينهما ما يجري مجرى التضاد إذا ثبت هذا ~~قلنا: إن لفظ الولي وإن كان مشتركا بين معان فإنا نحمله على ما ليس فيه ~~تناف منها فيحصل غرضنا من الآية اقتضت لعلي رضي الله عنه الولاية التي هي ~~الرئاسة، وإن اقتضت غير ذلك معه. # وأما الأصل الثالث وهو أن ذلك معنى الإمامة، فالذي يدل ذلك أنا لا نعني ~~بالإمامة إلا الرئاسة في أمور مخصوصة، وهذا واضح، والذي يمكن الخصم أن ~~يقول: هاهناأن الآية وإن اقتضت ثبوت ولاية له عليه السلام، فإنما تقتضي ~~ولاية مطلقة وترفا مطلقان وليست تقتضي الولاية في هذه الأمور المخصوصة، ~~وليس يلزم من ثبوت الولاية المطلقة ثبوت الولاية المقيدة كما لا يلزم من ~~ثبوت الولاية في النكاح ثبوت الولاية التي هي الإمامة. PageV01P709 # ولعل الجواب: هو أن نقول: إن الآية إنما تقتضي ثبوت ولاية مطلقة كما ذكره ~~السائل، لكنه لا يلزم من ذلك أكثر من كون الآية مجملة ونحن نلتزم كون الآية ~~مجملة ونقول: إن الإجماع قد بينها لوقوع الإجماع على أن ولاية الإمام إنما ~~هي في أمور مخصوصة. # وبهذا تجنب ول قال القائل: إنا إنما علمنا وجوب الإمامة وأوصافها وشروطها ~~وكونها ولاية في هذه الأمور المخصوصة بالإجماع وهو متأخر عن حال نزول ~~الآية، ومن حق فائدة الآية أن يعلم حال نزولها فنقول: إن فائدة الآية قد ~~علمت حال نزول الآية ms582 على الإجمال فاقتضت ثبوت رئاسة له عليه السلام مطلقة ~~مجملة /450/ ثم جاء الإجماع بينها، ومن أصولنا جواز تأخير البيان إلى وقت ~~الحاجة. # ويمكن الجواب عن أصل السؤالين بوجه آخر وهو أن نقول: إنها إذا اقتضت ثبوت ~~الولاية المطلقة بشخص معين اقتضى ذلك عموم الولاية في كل شيء إلا ما خصه ~~الدليل أو الإجماع قد أخرج ما عدا هذه الأمور المخصوصة حتى لولا الإجماع ~~لثبتت الولاية في أمور المسلمين كلها دينيها ودنيويها، غلا أن هذا الجواب ~~يمكن أن يعترض بأن يقال: إنه يبنى على القول بأنه لا فرق بين اللفظ المطلق ~~واللفظ العام، والصحيح أن بينهما فرقا. # وحاصل المسألة في الفرق بينهما هو أن يعلم أن مفهوم كون الشيء واحدا أو ~~أكثر كالإنسان مثلا مغاير لمفهوم حقيقة ذلك الشيء من حيث هو هو، وغنما كونه ~~واحدا أو أكثر ملازم له بمنزلة كونه موجودا أو معدوما أو قصيرا أو طويلا، ~~والمفهومان وإن كانا متلازمين فإنهما متغايران، فمن هنا ظن كثير من الناس ~~أنه مفهوم واحد. # وإذا عرفت هذا فاعلم أن اللفظ في دلالته على ما هذه سبيله له خمس حالات ~~تختلف عليه التسمية باختلافها: # الأولى: أن تدل على تلك الحقيقة من حيث هي هي فقط من غير أن يكون فيه قيد ~~من قيود تلك الحقيقة. PageV01P710 # فهذا هو اللفظ المطلق،وبهذا يعلم بطلان قول من يجعل المطلق هو اللفظ الدال ~~على واحد لا بعينه؛ لأن كونه واحدا لا يعينه؛ لأن كونه واحدا وغير معين ~~قيدان زائدان على الماهية. # الثانية: أن يدل على تلك الحقيقة مع قيد فردية غير معينة، وهذا هو ~~النكرة. # الثالثة: أن يدل على تلك الحقيقة مع قيد فردية معينة، وهذا هو المعرفة. # الرابعة: أن يدل على تلك الحقيقة مع قيد كثرة معينة، وهذا هو أسماء العدد. # الخامسة أن تدل على تلك الحقيقة مع قيد كثيرة غير معينة، وهذا هو اللفظ العام. # إذا ثبت هذا عرفت أن الآية ولو اقتضت ثبوت الولاية المطلقة لأمير ~~المؤمنين لم يكن حملها على الولاية في جميع ms583 الأمور؛ لظهور الفرق بين المطلق ~~والعام، فيكون المعتمد في الجواب ما تقدم. # النص الثاني: مما يدل على إمامة أمير المؤمنين قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يوم غدير خم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه)) الخبر بطوله. # ووجه الاستدلال بهذا الخبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت لعلي كونه ~~مولى لجميع المؤمنين كما أن الله مولاهم ورسوله والمولى هنا هو السيد ~~الرئيس الذي يلي التصرف، وذلك هو معنى الإمامة. # وهذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول: # أحدها في بيان صحة الخبر. # وثانيها أن المولى هنا هو السيد الرئيس الذي يلي التصرف، وهذا أولى من أن ~~يقول هو المالك للتصرف لما تقدم من إيهام هذه العبارة وإمكان التشعيب فيها. # /451/ وثالثها أن ذلك هو معنى الإمامة. # أما الأصل الأول وهو أن هذا الخبر صحيح، فالذي يدل على ذلك وجهان0: ~~أحدهما إجماع العترة الطاهرة، وسيأتي بيان كونه حجة. # والثاني: النقل الظاهر المشتهر المتلقى بالقبول المخرج في الصحاح وغيرها ~~من كتب الحديث. PageV01P711 # وعلى الجملة: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشهر من هذا الخبر؛ ~~فلأن أمكن إنكار صحة ما هذا احله ليمكنن في جميع الأحاديث، والمعلوم خلافه، ~~وقد ذكر الإمام المنصور بالله عليه السلام في الشافي يزيد على مائة إسناد ~~من صحيح البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود ومسند ابن حنبل ومناقب ابن ~~المغازلي وتفسير الثعلبي وغير ذلك مما يطول ذكره، ثم رفع ذلك إلى اثني عشر ~~ممن سمع النبي صلى الله عليه بقوله. # قال عليه السلام: وهذا قد تجاوز حد التواتر، وظاهر كلامه عليه السلام ~~دعوى الضرورة في هذا النقل وهو الظاهر من كلام أهل البيت عليهم السلام، ~~أعني دعوى التواتر في هذا النقل، ولا أقل من أن يصدقهم في حصول ذلك لهم، ~~فمن حصل له التواتر من أهل زماننا فحسن، ومن لم يحصل له التواتر بأن لا يجد ~~من نفسه العلم الضروري لم يكن له نفي التواتر لجواز أن يكون فقد ذلك في ~~حقه، ms584 إما لقصور همته في البحث، وإما لتعذر بعض الطرق التي حصلت للأولين، ~~وهذا ممكن فإن ما طريقة النقل فالضرورة فيه مشروطة بالبحث عن التواريخ ~~والسير، ولهذا لو سألت كثيرا من العقلاء هل حضر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فتح مكة بنفسه أم لا لما أمكنه دعوى العلم فضلا عن الضرورة ومعلوم أن ~~هذا ضروري عند أهل السير والتواريخ. # وأما الأصل الثاني هو أن المولى هنا هو السيد الرئيس الذي يلي التصرف، ~~فدليله أن هذه اللفظة وإن كانت مشتركة بين الناصر والمود وابن العم والمعتق ~~والمعتق والأولى ونحو ذلك، فقد صار الغالب عليها ما ذكرنا من الرئاسة ~~وولاية التصرف بدليل سبق الفهم إلى ذلك عند قولنا فلان ولي القوم فإنه لا ~~يفهم منه إلا أنه رئيسهم الذي يلي التصرف عليهم يسبق ذلك إلى أهل كل زمان. PageV01P712 # وبعد، فلو سلمنا أنه لا يغلب ذلك فقد حصل في الحال واللفظ قرائن تدل على ~~أنه ...... إذا ما القرينة الحالية فهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم نزل ~~يوم الغدير نزل مهتم بأمر عظيم، وليس إلا الأخبار بأن عليا مولى لمن هو صلى ~~الله عليه وآله وسلم مولاه، وذلك إنما يكون إذا كان المراد الرئاسة وولاية ~~التصرف؛ لأن ما عدا هذا من المعاني منه ما يعلم بطلانه نحو كونه معتقا لمن ~~أعتق وكونه ابن عم للناس، ومنه ما هو داخل تحت ما ذكرناه من ونه ناصرا لهم ~~ومودا؛ لأن الأخيار بمثل ذلك لا يحتمل بعظم الموقف والنزول في غير وقته ~~وموضعه وإن احتمل أن /452/ يدخل تحت قوله رئيسا لهم يلي التصرف؛ لأن رئيس ~~القوم أشد الناس عناية في نصرتهم ومودتهم وجلب النفع إليهم معروف عند أهل ~~كل زمان، وأما القرينة اللفظية فهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألست أولى ~~بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه)) ~~فإن قوله ألست أولى بكم من أنفسكم قرينة تقتضي أن عليا رضي الله عنه ألوى ~~بهم من أنفسهم أيضا، وغلا لم ms585 يكن في ذكر هذا فائدة. # وقول المخالفين أن سبب ذلك أن زيد بن حارثة قال لعلي في كلام وقع بينهما: ~~لست مولاي وإنما مولاي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باطل بأن زيد بن ~~حارثة قتل يوم مؤتة، وخبر الغدير بعد حجة الوداع، وأيضا فلم يكن يخفى على ~~أحد أن مولى الرجل مولى لان عمه، ولهذا يقال: مولا بني فلا، ,عن كان الذي ~~أعتقه واحدا منهم، وإنما الذي يمكن أن يعترض به هاهنا هو أن يقال: إنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أثبت لهم ولاية في أنفسهم في قوله: ((ألست أولى بكم من ~~أنفسكم إلا إذا كان لهم في أنفسهم ولاية معه، وإذا كان كهذا لم يصح أن يحمل ~~على معنى الإمامة؛ لأن الأمور التي يليها الإمام ليس لأحد فيها ولاية معه. PageV01P713 # والجواب نقول: ليس هذه سبيل أفعل التفصيل في كل بل قد يستعمل مع عدم ~~المشاركة في مافيه التفضيل نحو قواهم الناقص والأشح أعدلا بني مروان، فإنه ~~ليس المراد أن الكل عادل وإن هذين اختصاص بزياة وإنما المراد أنهما ~~العادلان من بينهم، وكذلك قولهم: صهيب أشعر أهل جلدته أي هو الشاعر من ~~بينهم لا أن فيهم شعرا قد فضلهم، وكذلك قولهم: الله أكبر فإنه ورد على جهة ~~المفاضلة وأمثال هذا كثير، ومنه قول الشاعر: # إن الذي سمك السماء بنا لنا .... بيتا دعائمه أعز وأطول # فإنه لم يرد المفاضلة بعلي هذا يجيء الخبر، فيكون قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((ألست أولى بكم)) بمعنى ألست مولاكم دون غيري. # وبعد، فهب أن الغالب ليس ما ذكرناه ولا في اللفظ قرينة تدل على ما ذكرناه ~~ولا على غيره، فالواجب أن نحمله على ما ليس فيه تناف من هذه المعاني، ~~فنقول: المراد أنه المد والناصر لمؤمنين والذي يلي التصرف عليهم لما تقدم ~~من وجوب حمل اللفظ على كل معانيه إذا زال التنافي والقرينة. # وأما الأصل الثالث وهو أن ذلك هو معنى الإمامة فالذي يدل على ذلك أن لا ~~يعني بالإمامة إلا الرئاسة ms586 في هذه الأمور المخصوصة، وهذا ظاهرن والذي يمكن ~~أن يعترض به هاهنا هو ما تقدم من أن ثبوت الولاية المطلقة لا يقتضي ثبوت ~~الولاية المقيدة، فإنا لا نعلم أن الإمام ولاية في هذه /453/ المخصوصة، ~~وهذا ظاهر، والذي يمكن أن يعترض به هاهنا هو ما تقدم من أن ثبوت الولاية ~~المطلقة لا تقتضي ثبوت الولاية المقيدة، فإنا لا نعلم أن الإمامة ولاية في ~~هذه الأمور المخصوصة من ظاهر الآية ولا من ظاهر الخبر، وإنما علمناه ~~بالإجماع المتأخر عن حال ورود الخبر. # والجواب: نجيء عل نحو ما تقدم من أن الخبر يكون مجملا وبيانه وقع ~~بالإجماع كغيره من مجملات الشرع. PageV01P714 # على أنا ندعي أنهم فهموا من قصد النبي صلى الله عليه وسلم المعنى الذي ~~نريده، ولهذا قال عمر لعلي: هنيئا لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل ~~مؤمن ومؤمنة. ولو كان المراد المودة والنصرة لكان لا مزية له عليه ي ذلك، ~~ولكان لا معنى للتهنئة بذلك؛ لأن المسلمين كلهم يتوادون ويتناصرون، ولولا ~~هذا لكان عمر رضي الله عنه قد أقر بهذا القول على نفسه إنه لا يود المؤمنين ~~ولا يناصرهم؛ لأن ظاهر كلامه التهنئة لعلي عليه السلام بشيء اختص به، وليس ~~لأحد أن يقول: لو فهموا ذلك من قصده صلى الله عليه وآله سولم لكان النص ~~جليا إذا فهم ذلك من قصده صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، فأما إذا فهم ~~استدلالا بالقرائن فجائز أن يذهب بعضهم عنه، وأن يحمله بعضهم على معنى آخر، ~~وان يخالفه بعضهم باجتهاده وأن يظن بعضهم أنه ليس فيه دلالة على الرئاسة ~~المطلقة. # وعلى الجملة فليس الخطأ في مخالفة النص لأحد هذه الوجوه بمستحيل عليهم ~~وفي محاس الأزهار للفقيه حميد رحمه الله تعالى بإسناده قال: قال حسان بن ~~ثابت في شأن خبر الغدير: # يناديهم يوم الغدير نبيهم .... بخم وأسمع بالرسول مناديا # وقال: فمن مولاكم ونبيكم؟ .... فقالوا ولم يبدوا هناك تعاما: # إلهك مولانا وأنت نبينا .... ومالك منا في الولاية عاصيا # فقال له: قم يا علي فإنني .... رضيتك ms587 من بعدي إماما وهاديا # هناك دعا اللهم وال وليه .... وكن للذي عادى عليا معاديا # قال رحمه الله تعالى: وهذا دليل على أن حسان فهم من لفظ المولى معنى ~~الإمامة، وفيه بإسناده إلى جعفر بن محمد أنه سئل عن معنى الخبر، فقال: سئل ~~عنه والله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((الله مولاي أولى بي ~~من نفسي لا أمر لي معه، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم ~~معي، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي فعلي مولاه أولى به من ~~نفسه لا أمر له معه)). PageV01P715 # وفي الشافي للإمام المنصور بالله من تفسير الثعلبي في معنى قوله تعالى: ~~{سأل سائل بعذاب واقع} بإسناده إلى جعفر بن محمد، قال: بلغ الحارث بن ~~النعمان الفهري خبر الغدير فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ملأ ~~من أصحابه فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا /534/ أن نصلي خمسا فقبلناه منك، وأمرتنا ~~أن نصوم شهر رمضان فقبلناه، وأمرتنا أن نحج البيت فقبلناه، ثم لم ترض بهذا ~~حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))، ~~هذا شيء منك أم من الله تعالى تعالى؟ فقال: ((والله الذي لا إله إلا هو إنه ~~من أمر الله فول الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله محمد ~~حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل الحارث ~~راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دربه، ونزلت الآية. فهذه ~~الأمور كلها تدل على أنهم فهموا ما ذكرناه. # النص الثالث مما يدل على إمامته عليه السلام قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)). # ووجه الاستدلال بهذا الخبر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت لعلي جميع ~~منازل هارون من موسى إلا النبوة، ومن منازل هارون ms588 من موسى استحقاق الخلافة ~~كما قال تعالى: {واخلفني في قومي وأصلح}. # وهذه الدلالة مبنية على أربعة أصول: إحداها في أن الخبر صحيح. والثاني: ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت لعلي جميع منازل هارون إلا النبوة. ~~وثالثها: أن من جملة المنازل استحقاق الخلافة. ورابعها أن ذلك هو معنى ~~الإمامة. # أما الأصل الأول: وهو في صحته فعليه دليلان: أحدهما إجماع العترة ~~الطاهرة. والثاني: النقل المشهور. PageV01P716 # قال الإمام المنصور بالله عليه السلام: فيه من الكتب المشهورة الصحيحة عند ~~المخالفين أربعون إسنادا من غير رواية الشيعة وأهل البيت، ثم قال بعد ذلك: ~~والخبر مما علم ضرورة وفي زيادات شرح الأصول للإمام أبي طالب، قال: أجمع ~~المسلمون على قبوله وتلقيه، والعمل به ولم يذكر التواتر ولا لفظ الضرورة. # قال السيد صاحب شرح الأصول في ساداتنا من ادعى أن الخبر متواتر وفيهم من ~~قال أنه متلقى بالقبول وهو الصحيح هذا كلامه. # وعلى كل حال، فمن ادعى الضرورة فيه من أئمتنا وعلمائنا صدقنا، ومن لم ~~يحصل له الضرورة كفاه الشهرة ولم يكن له نفي التواتر فيه لجواز أن يكون أتي ~~في فقد العلم الضروري من جهة فله البحث وفقد مثل هذا الطرق أعني طرق ~~المدعيين للضرورة. # وأما الأصل الثاني وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم أثبت لعلي جميع منازل ~~هارون من موسى إلا النبوة، فذلك ينبني على أن لفظ المنزلة يقتضي الاستغراق. # قال أبو طالب: والعادة جارية باستعمال مثل هذا الخطاب وإن كان المراد ~~المنازل الكبيرة، ألا ترى أنهم يقولون منزلة فلان من الأمير كمنزلة فلان، ~~وإن أشاروا إلى أحوال مختلفة ومنازل كثيرة، قال: ولا يكادون يقولون بدلا ~~مما ذكرناه /455/ منازل فلان من الأمير كمنازل فلان، هذا كله كلامه عليه ~~السلام. # والذي يمكن أن يعترض به هنا هو أن يقال: أن لفظ إلا ليس للاستثناء هنا، ~~وإنما هي للإستدارك بمعنى لكن، وهذه دعوى؛ لأنا نقول: ظاهر إلا الاستثناء ~~وأكثر ما يرد كذلك وما ذكره الخصم خلاف الظاهر ولا دليل يقتضي العدول عن ~~الظاهر. # وأما الأصل ms589 الثالث وهو أن من منازل هارون من موسى استحقاق الخلافة. # فاعلم أن من منازل هارون من موسى كثيرة. # منها الأخوة، ودليل ثبوتها لعلي رضي الله عنه ما هو معلوم مشهور من حال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه آخا بين كل اثنين من الصحابة وجعل ~~عليا أخاه. PageV01P717 # ومنها الوزارة وشد الإزر، وهذا أيضا معلوم ضرورة، فإنه كان عليه السلام ~~أحسن الناس بلاء في الإسلام وجهادا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو الذي فدى النبي بنفسه وكشف الكرب عنه صلى الله عليه وآله وسلم. # ومنها أن هارون كان أحب الناس إلى موسى، وكذلك كان علي أحب الناس إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الأخبار ولحصول أسباب المحبة من ~~الاخوة والموازرة والنسب والمصاهرة وغير ذلك بل هو عندنا أحب الخلق إلى ~~الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ثبت من أن الأفضل، ~~لوما روي في خبر الطائر حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم ائتني ~~بأحب خلقك إليك)) الخبر. # ومنها المشاركة في الأمر أي النبوة، وهذه المنزلة هي التي استثناها صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # ومنها الخلافة كما قال تعالى: {واخلفني في قومي} كما هو مشهور في سبب قصة ~~هذا الخبر، فيجب ثبوت جمي هذه المنازل إلا النبوة، ومن جملتها الخلافة. # وقد اعترض المخالف هذا بأن قالوا: إنما كان ثبت ذلك لعلي من محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم لو كان عاش هارون بعد موسى كما عاش علي بعد محمد. # والجواب: إن في هذا الاعتراض ركة ظاهرة، فإنه ليس من حق اشتراكهما في هذه ~~المنازل أن يشتركا في جميع الأحوال، ولهذا لا يجب أن يشتركا في الطول ~~والقصر ولا في اللون ولا في حسن الصورة ولا في الولادة ولا في كثير من ~~الأمور، فكذلك لا يجب أن يشتركا في العمر، وكان الوجه في كل ذلك أن هذه ~~الأمور خارجة عن المقصود بالمشاركة. # وبعد، فبالاتفاق أن هارون لو كان ms590 عاش لكان خليفة بعد موسى، فكذلك علي ~~عليه السلام. # وبعد فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إلا أنه لا نبي بعدي)) إشارة إلى ~~أن عليا يفارق هارون في هذه الخصلة /456/ التي هي كونه يعيش بعد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وذلك محال. PageV01P718 # والجواب: أن أئمتنا اختلفوا في ذلك، فقال الجمهور: الدليل قد خص وقت الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو الإجماع على أن ليس لأحد أن يتصرف في حياته. # وقال أبو طالب: بل يستحق التصرف في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا كان غائبا على الحد الذي يستحقه الخليفة من المستخلف، ولكن لا نسميه ~~إماما حينئذ؛ لأن وقوف يه يد أخرى واتفق الكل من أئمتنا عليهم السلام على ~~أن الاستحقاق ثابت من حال حصول الأدلة الدالة على ولايته عليه السلام، ~~وإنما الخلاف المذكور في نفاذ التصرف. # وأما الأصل الرابع وهو أن ذلك معنى الإمامة، فالذي يدل على ذلك أنه لا ~~فرق في عرف الشرع بين الإمامة والخلافة، وهذا الأصل الذي يمكن الخصوم أن ~~يشعثوا فيه فيقولون: إن الذي ثبت لهارون من موسى هو الخلافة اللغوية، فأما ~~هذه الخلافة الشرعية فلم تثبت لهارون من موسى، ولا لموسى ولا لمحمد وإنما ~~الذي ثبت لهم الجميع هو النبوة والإمامة غير النبوة، فأما الخلافة اللغوية ~~فقد ثبت لهارون من موسى فلا حرم يثبت لعلي م نمحمد، وغذا كان كذلك لم يصح ~~أن يقال: إن ذلك هو معنى الإمامة؛ لأن الإمامة أمر شرعي ثبت في شرع محمد ~~فقط، بل لم يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الإمامة ~~وأوصافها وشروطها إنما علمت بالإجماع وهو متأخر عن موت النبي صلى الله عليه وسلم. # والذي يمكن أن يجاب به هنا هو أن يقول: إنه إذا ثبت الخلافة في الشر هي ~~الولاية المخصوصة، فيجب أن يحمل الولاية المستفادة من الخبر على المعنى ~~الشرعي؛ لأنه الطارئ كما تقدم هذا إن لم يحملها على المعنيين جميعا، فإنه ~~لا ينافي بينهما بل الواجب ذلك ms591 في هذا المكان؛ لأن المعنى اللغوي قد صار ~~داخلا تحته المعنى الشرعي. # تنبيه PageV01P719 اعلم أن هذه النصوص الثلاثة هي معتمد أهل البيت لظهورها وتأديتها إلى ~~العلم، فأما ما يوصل إلى الظن من النصوص إما بأن تكون دلالته ظنية، وإما ~~بأن تكون مثبتة ظنيا فهي كثيرة نحو خبر الطائر وخبر هوي النجم وخبر ~~الأترنجة وخبر المؤاخاة والأخبار الدالة على عصمته /457/، والخبر المروي في ~~قصة قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون الخليفة من بعدي))؟ ~~فقال علي رضي الله عنه أنا، حتى قالها ثلاث مرات لا يجيبه إلا علي ونحو خبر ~~قصة براءة وخبر فتح خيبر وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنت سيد ~~العرب)) وكخبر النور وهو ما ذكره الإمام المنصور بالله إسناده إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن ~~يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم لم يزل ينتقل من الآباء ~~إلى الأبناء حتى قسمه الله جزئين فجزأنا وجزء علي ففي النبوة وفي علي ~~الخلافة)) واستيفاء مثل ذلك يطول. ### |||| AUTO فصل [في الاستدلال على إمامته عليه السلام بالوصاية] # وذلك ينبني على أصلين، أحدهما: أنه رضي الله عنه وصي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والثاني: أن غير الوصي لا يصح أن يكون إماما مع وجوده. # أما الأصل الأول وهو أنه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالذي ~~يدل على ذلك إجماع العترة ومن طريق النقل قد بلغ في الشهرة حدا يقارب ~~التواتر، ذكر المنصور بالله في الشافي ذلك من ست طرق، واستدل على ذلك من ~~جهة الشرع بأن الله أوجب الوصية وحث عليها جميع المسلمين وكيف فيجوز أن يخل ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأمر أوجبه على سائر المسلمين. PageV01P720 # والمشهور التعارف بين أهل كل زمان أن عليا هو وصي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولهذا لو سألت ms592 المميز من العوام: من وصي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم؟ لقال: علي، والإجماع أيضا على أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إن كان أوصى فإنما أوصى إلى علي رضي الله عنه، ولهذا لا تجد أحدا ~~يضيف الوصية إلى غيره. # وأما الأصل الثاني: وهو أن وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ~~الإمام دون غيره، فالذي يدل على ذلك وجوه أربعة: # الأول: أنه صلى الله عليه وسلم بل الطارف من المسلمين إنما يوصي إلى أعدل ~~الناس عنده وأولاهم بالقيام مقامه في جميع الأمور التي كان إليه التصرف فيها. # والثاني: أن عند الخصوم أن مال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يورث، وإذا كان كذلك فما الأمر الذي يكون إلى علي الوصاية فيه إذا كان لا ~~يتصرف في أمور المسلمين. # الثالث: أنه قد ثبت في الشريعة أنه إذا كان للرجل ولاية في شيء من الأمور ~~من وقف أو مسجد أو أيتام أو نكاح أغير ذلك ثم أفضى إلى غيره فإن الولاية في ~~كل شيء تنتقل إلى الوصي، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يلي التصرف في ~~أمور المسلمين فيجب أن ينتقل التصرف إلى وصيه. # الرابع: ما روي عنه عليه السالم أنه لما حكى له يوم السقيفة أن الأنصار ~~قالوا: منا أمير ومنا أمير، قال: فهلا احتججتم عليهم أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أوصى إلى علي بن أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. # قيل: وما وجه الحجة عليهم في هذا؟ فقال رضي الله عنه: لو كانت الأمارة ~~فيهم لم تكن الوصية بهم وهو دليل على أن الإمارة /458/ إنما هي في من أوصاه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ثبت أنه رضي الله عنه. PageV01P721 ### |||| AUTO فصل [في الاستدلال على إمامته رضي الله عنه بكونه أفضل الأمة ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] # ووجه الاستدلال بذلك هو أنه لا يجوز إمامة المفضول لا روي أن الصحابة يوم ~~السقيفة فزعوا إلى ms593 عد الفضائل، فقالت الأنصار: الدار دارنا والإسلام عزنا، ~~وقال المهاجرون: نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبيضة التي ~~تفقأت عنه. # والذي يمكن أن يعترض به هذا الدليل وجهان: # أحدهما: أن يقال: إن مجرد وقوع الإجماع على الفضل إنما يدل على حسنه، ~~فأما إنه واجب أو مندوب أو مباح فلا يعلم ذلك غلا بدليل منفصل، فالصحابة ~~وإن فزعوا إلى عد الفضائل فلا دليل على أنهم فزعوا إلى ذلك معتقدين أنه ~~الواجب، وأن خلافه لا يصح بل من الجائز أن يكونوا معتقدين أنه الأولى وإن ~~جاز خلافه كإجماعهم على فعل صلاة الوتر ونحو ذلك. # ويمكن الجواب عن هذا بأن يقول: إن ظاهر الحال يشهد بأن كلام قريش ورد على ~~جهة الإنكار على الأنصار، وأنه جرى في ذلك الموقف ما يدل على امتناع إمامة ~~المفضول، فإنه وطئ سعد حتى كاد يهلك، وقال قائلهم: قتلتم سعدا، فقال عمر ~~رضي الله عنه: قتله الله إنه منافق، وهذا دليل على أنهم كانوا معتقدين ~~امتناع خلافة الأنصار؛ لأن قريشا تفضلهم. # ويؤيد هذا أن عليا لما سأل عما احتج به المهاجرون على الأنصار فقيل: ~~قالوا: نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والبيضة التي تفقأت ~~عنه، فقال علي رضي الله عنه: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، وهذا دليل على ~~تقرير احتجاجهم، وغنما أنكر عليهم أنهم لم يفعلوا بمقتضى الاحتجاج حيث ~~احتجوا بفضلهم على من دونهم وأهملوا فضل من فوقهم عليهم. # الوجه الثاني: مما نعترض به على هذا الدليل هو أن يقال: يذهب الجمهور من ~~أئمتكم جواز إمامة المفضول في هذه الأزمنة، فهلا جاز مثله في الصدر الأول. # والجواب: أنهم عليهم السلام إنما جوزوا ذلك في هذه الأزمان لتعذر العلم ~~بالأفضل حتى لو تعين لهم الأفضل مع جميع الشرائط لما عدلوا عنه. PageV01P722 # قال بعض المعتزلة: يجوز أن يكون عدول الصحابة عن علي لمانع وهو يحسبه ~~افتراق الناس عليه لمكان القتل الذي كان يقتله مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فخاف الصحابة الانتقاد له ms594 الناس مع قرب عهدهم بالكفر، فعقدوا ~~لغيره مع علمهم بفضله تحريا للصلاح وتسكينا للدهماء. # قالوا: ويجوز أيضا أن يكون عدولهم عنه لضيق الوقت وخشية ظهور الفتنة حال ~~مراجعته وانتظاره حتى يفرغ من تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فخافوا أن يبايع الأنصار ويشق العصا فسارعوا بالبيعة خوفا لذلك. # والجواب: قال أصحابنا ما ذكره المخالف من كثرة قتله في الناس ما يزيده ~~مدحا وفضلا ورئاسة /459/ وليس مما يصرف عنه. # وهذا الجواب ليس بالجيد؛ لأنهم يقولون مسلم ما ذكرتم، ولكن القلوب مجبولة ~~على النفرة، فمن قتل الأقارب من الآباء والأبناء والأخوة فلا تكاد القلوب ~~تطاوع على محبته والانقياد له والإذعان وإن كان ذلك هو الواجب، فهذا الجواب ~~لا يشتمل السؤالين جميعا. # وأيضا في الجواب أن يقول إنما كان يحسن ما فعلوه من اجتهادهم والنظر في ~~الصلاح لو كانت المسألة اجتهادية، فأما والإمام عليه دليل قاطع فلا مجال ~~لاجتهادهم ولا حكم لرأيهم؛ لأنه لو علم الله الصلاح في ما أداهم إليه رأيهم ~~لما نصب على الإمام دليلا، ولترك المسألة اجتهادية. PageV01P723 ### |||| AUTO فصل [في الاستدلال على إمامته عليه السلام بكونه معصوما] # والذي يدل على عصمته هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا له على ~~القطع من غير شرط في قله: ((اللهم وال من والاه..)) الخبر، وقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((علي مع الحق والحق مع علي))، وقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((أدر الحق مع علي حيث دار)) والذي يدل على أن غير المعصوم لا يكون ~~إماما مع وجود المعصوم هو أن المعصوم مأمون مقطوع على مغيبة، فالنفوس إليه ~~أشد سكونا، والناس له أطوع لوثوقهم به في إمضاء الأمور التي نصب لها وزوال ~~الخطأ في الإقدام والإحجام؛ ولأن المجاهدة معه أكثر ثوابا لكثرة اليقين فيا ~~والرغبة إليها. # وعلى كل حال فهذه الخصلة معتبرة أعني حصول ما معه يكون الثقة في جميع ~~الأمور ونزول النفرة، ولهذا اعتبر في الإمام أن يكون خاليا عن الخصال ~~المنفرة، ولا شك أن من يقطع ms595 بإيمانه وأصابته لا تنفر عنه النفوس كنفرتها ~~عمن يجوز عليه كل خطأ. ### |||| AUTO فصل [في الاستدلال على إمامته عليه السلام بإجماع العترة ~~الطاهرة] # اعلم أن الكلام في إجامع أهل البيت يقع في ثلاثة مواضع: # أحدها: في أن أهل البيت هم علي وفاطمة والحسن والحسين وأولادهما إلى يوم ~~الدين دن غيرهم. # والثاني: في أنهم أجمعوا أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم علي. # والثالث: في أن إجماعهم حجة. # أما الموضع الأول فعندنا وهو الظاهر من كلام المعتزلة وكثير ن الناس: أن ~~أهل البيت المرادين في الآية بقوله تعالى: {إنما يريد الله أن يذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت} هم علي وفاطمة وأولادهما. # وقال قوم: أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P724 # لنا: استعمال العرف والشرع، أما العرف المتعارف بين أهل اللغة أن أهل بيت ~~الرجل هم قرابته وعشريته، وإنما نخرج ما عدا هؤلاء المذكورين من قرابته ~~بالإجماع، وكذلك المتعارف به بين أهل هذه الأعصار م وقت النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى وقتنا هذا أن أهل بيت النبي هم من ذكرنا، وهو المتداول ~~في أشعارهم حتى ما يذكر أحد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شعر ~~أو غيره /460/ إلا وأراد به من ذكرنا. # وأما الشرع فما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نزلت هذه الآية ~~جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين وخللهم بكساء قدكي وقال: ((اللهم إن هؤلاء ~~أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) فقالت أم سلمة: وأنا منهم يا ~~رسول الله؟ فقال: ((لست منهم وإنك لعلى خير)) وكذلك المروي أنه لما نزل ~~قوله: {وأمر أهلك بالصلاة..} الآية كان يأتي كل غداة إلى بيت فاطمة، فيلزم ~~يخلفني الباب ويقول الصلاة الصلاة أهل بيت النبي. # وأما قول الخصوم أن المراد زوجاته فهو قول باطل بما تقدم، ولأنهن لو كن ~~المعنيات لكان إجماعهن حجة وإلا بطلت فائدة الآية وكلاهما محال؛ ولأنهن ~~مؤنثان، فكان القياس أن يقول بتمكن أهل البيت. # قالوا: إنما لم يقل كذلك ms596 لأنه صلى الله عليه وآله وسلم داخل فيهم وعادة ~~العرب تغليب المذكر في الجمع. # قلنا: لا يصح دخوله فيهم؛ لأن أهل بيت الرجل غيره من حيث أن المضاف غير ~~المضاف إليه، والتقدير عنكم أهل بيتي النبي. # وبعد، فأجمع الناس على قولهم: اللهم صل على محمد وعلى أهل بيته الطيبين ~~الطاهرين، ولو كن المغيبات لنيل الطيبات الطاهرات وليس لهم أن يقولوا هو ~~صلى الله عليه وآله وسلم داخل يه لما تقدم؛ ولأنه يصلي عليه أولا وعلى آله ~~ثانيا، فلو كان داخلا فيهم لكانت الصلاة على أهل بيته كافية لأنه ينهم ~~وخلافه معلوم. PageV01P725 # شبهتهم سياق الآية فإن أولها وآخرها فيهن، قالوا: فكذلك وسطها. # والجواب: وإن كون أولها وآخرها فيهن لا يمنع أن يكون وسطها في غيرهن. # وبعد، فلسي هناك دليل قاطع يدل على أن هذه الآيات نزلت دفعة واحة بهذا ~~الترتيب ومن الجائز أن يكون قوله: {إنما يريد الله..} الآية، نزلت في غير ~~الوقت الذي نزل فيه قوله: {وأقمن الصلاة} الآية، ويكون عثمان رضي الله عنه ~~أو غيره جعلها في ذا الموضع ظنا منه أنهن المعنيات بها واجتهادا في ~~الترتيب، وليس يمكن إنكار هذا؛ لأن المعلوم أنه قد وقع اختلاف كبير في ~~الترتيب حتى اصطلح الناس على مصحف عثمان رضي الله عنه. # وأما الموضع الثاني ه أنهم أجمعوا على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم هو علي، فالذي يدل على ذلك أنه الظاهر من مذهبهم والمذكور ~~في كتبهم والمتفقة عليه بمصنفاتهم والمشهور من عقيدتهم، فلا يعلم أن أحدا ~~منهم، قال: بخلاف هذه المقالة وليس علينا في دعوى الإجماع أكثر من هذا؛ لأن ~~مثل هذه الطريقة يعرف نسبة المذاهب إلى أهلها والأقوال إلى قائلها، وبمثل ~~هذا يستدل على القول بأن المعتزلة مجمعون على القول بالعدل والتوحيد. # وأما الضرورة في هذا الإجماع، فمن ادعاها من أئمتنا وعلمائنا صدقناه، ومن ~~لم يحصل له منا العلم لا يصح له نفي /461/ التواتر لجواز أن تكون الضرورة ~~في حقه لتقصير في البحث ولتعذر الطرق ms597 التي حصلت لمدعي الضرورة والجواز حصول ~~الضرورة بالأخبار لبعض المكلفين دون بعض، فإن ذلك غير ممتنع؛ لأن العلم ~~الضروري من فعل الله تعالى، فجائز أن يفعله للبعض دون البعض وإن كان صاحب ~~المحيط قد منعه. # قال: لأمر يرجع إلى التكليف. # قال: ولولا هذا لصح أن تخبرنا القافلة العظيمة بوجود مكة فيعلم البعض دون ~~البعض، وذلك يلزم عليه صحة أن يصدق من أخبر عن نفسه أنه لا يعلم مكة ضرورة. PageV01P726 # وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى ليس بالمقنع، أما قوله يلزم حصول اللم بمكة ~~للبعض دون البعض فهو صريح ما يجوزه الخصم، وليس بمستحيل عنده؛ لأن طريقه ~~العادة، وأما أنا لا نصدق من أخبر عن نفسه أنه لا يعلم مكة ضرورة البعض، ~~وكذلك لو فرض الكلام في مكة في حق أهل البلدان النائية، بحيث يتصور أن لا ~~يخبرهم بها قافلة واحدة واحدة وقافلتان. # وما ذكر رحمه الله من امتناع ذلك لأمر يرجع إلى التلكيف فهذا صيح، لكن في ~~حق من عليه تكليف بمخبر ذلك المخبر كالعلم بمكة، فإن التكليف المترتب عليه ~~شامل، فما المانع أن لا يكون على بعض المكلفين تكليف يترتب على العلم بوجود ~~الري مثلا أو غيرها من البلدان، فلا يلزم أن يخلق الله العلم الضروري بها ~~عند خبر القافلة، وإن جاز أن يفعله في غيره. # يزيده وضوحا أنهم قد أجازوا أن يكون في أقاضي الأرض بلد لم يحصل لهم ~~العلم بمحمد عليهم السلام ولا بدعوته ولا يكون عليهم في ذلك تكليف وليس ~~لأحد أن يقول: كيف يصح ذلك والمعلوم ضرورة من الدين أنه مرسل إلى الثقلين؛ ~~لأنا نقول أن تجويز ذلك لا يخرجه عن كونه مرسلا إليهم لجواز أن يكون شرعه ~~عليه السلام مصلحة لهم مشروطا بأن يبلغهم ويعلموه ضرورة كما في صدر ~~الإسلام، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم بعث إلى الكل وإن تراخا علم أكثر ~~الناس به صلوات الله عليه إلا بعد مدة، وكان الوجه في صحة ذلك هو أنه لا ~~يمتنع كون شرعه مصلحة مشروطة ms598 بالعلم. # وأما الموضع الثالث وهو في أن إجماعهم حجة فهذا هو مذهبنا وغليه ذهب أبو ~~علي وأبو عبد الله البصري. # قيل: وقاضي القضاة، وروي عن القاسم عليه السلام أنه ليس بحجة، وقد ضعفت ~~هذه الرواية عنه وتأولها بعضهم على أن مراده أنه لا يحرم مخالفته لا على ~~أنه لا يصح الاستدلال به وتصير بمنزلة الآيات والأخبار التي دلالتها ظنية، ~~فإنه يصح الاستدلال بها ولا يحرم مخالفتها. PageV01P727 # قيل: والفرق بينه وبين إجماع الأمة على هذه المقالة هو أن الوعيد ورد على ~~مخالفة إجماع الأمة في قوله تعالى: {له ما تولى ونصله جهنم} حتى لو لم يرد ~~وعيد لكان الإجماعان ظنيين. # والذي عليه أكثر الفرق أن إجماعهم ليس بحج. # لنا: قوله تعالى: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم..} إلى قوله /462/ {وتكونوا شهداء على الناس} والاجتباء هو ~~الاختيار، وهو تعالى لا يختار للشهادة إلا العدول وظاهر الآية وإن تناول ~~جميع ولد إبراهيم عليه السلام، فإنه يخرج من عدا أهل البيت بالإجماع لوقوع ~~الاتفاق على أن قول من عداهم ليس بحجة، وإنما الخلاف في إجماعهم، فلو لم ~~يكن حجة لبطلت فائدة الآية. # فإن قال المخالفون شهادتهم على الناس إنما هي في الآخرة وكذلك العدالة. # قلنا: الآية وردت مورد المدح لهم ولا مزية لهم بذلك في الآخرة؛ لأن كل ~~أحد يومئذ عدل أي ملجأ إلى الصدق، فلا يحتاج إلى من يشهد عليه. # فإن قالوا: الخطاب خطاب مواجهة فلا يتناول إلا الموجودين منهم في عصر ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # قلنا: كان يلزم مثله في إجماع الامة؛ لأن قوله تعالى: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس} الآية ونحوا من أدلة الإجماع ظاهرة المواجهة. # والتحقيق أن كل خطاب يتناول أهل العصر الأول فإنه يتناول أهل كل عصر، ~~ولولا هذا لكان لقائل أن يقول: لا يجب علينا الصلاة ولا الزكاة؛ لأن قوله ~~تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} خطاب مواجهة لا يتناول إلا المجودين ~~حال نزول الآية معلوم. # فن قالوا: إما أن يكون ms599 المراد الموجودين حال نزل الآية فقط أو جميع أهل ~~البيت إلى آخر التكليف وكلاهما يبطل غرضكم. # قلنا: لا واحد من القسمين، بل المراد أهل العصر في كل عصر وإلا لزم مثله ~~في إجماع الأمة. # فإن قيل: ما أنكرتم أن المؤمنين كلهم من ولد إبراهيم يوم نزول الآية ~~فيكون المراد بها جميع المؤمنين فيكون أحد الأدلة على إجماع الأمة. PageV01P728 # قلنا: لا دليل على ذلك، بل ربما أنها نزلت وقد أسلم كثير من غير ولد ~~إبراهيم كالنجاشي وغيره. # فإن قالوا: ما أنكرتم أن المراد كل المؤمنين ولكن غلب ولد إبراهيم ~~كالنجاشي وغيره. # فإن قالوا: ما أنكرتم أن المراد كل المؤمنين، ولكن غلب ولد إبراهيم وخصهم ~~بالذكر لجلالتهم ولأنهم رأس المسلمين وصار هذا كالخطأ بأن المتوجهة إلى بني ~~إسرائيل فإن المراد بها هم ومن دخل في دينهم. # قلنا: هذا خلاف الظاهر ولا وجه يقتضي العدول عن الظاهر. # فإن قالوا: إنما يكونون معصومين عن الكبائر إذ لا يزيد حالهم عن حال ~~الأنبياء فما أنكرتم أن يجمعوا على ذنب صغير إلا يخرجهم ذلك عن كونهم عدولا ~~كما أنا نحكم بعدالة كثير من الناس، وإن جوزنا عليهم الخطأ قلنا: شهادتهم ~~أن الشيء حق وليس بحق يخرج في عدالتهم فلا يجوز أن يشهدوا إلا بالحق، ولولا ~~هذا للزم في إجماع الأمة أن لا يكون حجة. # دليل، قال الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} والخطأ رجس فيجب حمل الآية عليه؛ إذ لا يمكن حملها على ~~ذهاب النجاسة. # فإن قيل: بل المراد بالرجس هنا العقاب /463/ في قوله تعالى: {كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون} قالوا: نحملها عليها جميعا؛ لأنه لا تنافي ~~بين المعنيين ولا أحسن من أن يذهب الله عنهم الخطأ والعقاب جميعا فهم أهل ~~الذهاب ذلك عنهم. # دليل، لا شك أن الله تعالى أوجب وداد أهل البيت على الإطلاق في قوله ~~تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}، ولو جاز إجماعهم ~~على الخطا لما وجبت مدتهم على ms600 الإطلاق لقبح مودة العصاة كما شهد به قوله ~~تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله..} الآية، أجمع الناس على أنها نزلت في الخمسة الأشياخ رضي الله ~~عنهم ومن البعيد في وجوه يباهل بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يجمع على الخطأ. PageV01P729 # دليل، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن ~~تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني ~~أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وهذا الخبر مروي في الصحاح متلقى ~~بالقبول، فقد آمنا صلى الله عليه وآله وسلم من وقوع الضلال في اتباعهم ~~والتمسك بهم. # فإنق الوا: إنما يجب التمسك بقولهم إذا وافق الكتاب. # قلنا: وكذلك يجب التمسك بقول غيرهم إذا وافق الكتاب، فلا يكون لهم مزية ~~في ذلك، والخبر ورد مورد المدح لهم . # فإن قالوا: أدلة الإجماع لم تخص قوما دون قوم. # قلنا: صدقتم ولكن وخص إجماع أهل البيت أدلة مفردة فما المانع من ذلك. # دليل، قال عليه السلام: ((مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ~~ومن تخلف عنها غرق وهوى)) وهذا الخبر أيضا متلقى بالقبول، وفيه تصريح بأن ~~النجاة في اتباعهم والهلاك في التخلف عنهم، وفيه وعيد على مخالفة إجماعهم، ~~وذلك يقتضي أنه حجة قاطعة كإجماع الأمة. # دليل، قال عليه السلام: ((أقدموهم ولا تقدموهم وتعلموا منهم ولا ~~تعلموهم)) وهذا تصريح بأن لهم حظ السبق ولغيرهم حظ التبعية، وفي ذلك دلالة ~~على أنهم لا يجمعون على الخطأ، وغلا لم يصح الأمر بتقديمهم والتعلم منهم ~~على الإطلاق. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم ~~أمان لأهل السماء)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كالنجوم كلما ~~أفل نجم طلع نجم)) وكذلك حكمه صلى الله عليه وآله وسلم بكونهم باب حطة ونحو ~~ذلك مما يتعذر استيفاؤه ويطول، وهذه الأخبار ,عن كان فيها ما هو أحادي ~~فإنما أردناها لأنها منفعة ms601 المعنى وصار الحال في ذلك كاستدلالنا بنحو: ((لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة من الأخبار الأحادية)). # وقلنا: إنها متفقة المعنى كما يرى من تفاصيل سخاء حاتم وحلم قيس، فبهذا ~~تصير هذه الأخبار دلالة على أن إجماع أهل البيت حجة لو قدرنا أنه ليس هنالك ~~دليل غيرها. PageV01P730 ### ||| AUTO القول في ذكر ما احتجت به المعتزلة وغيرهم # على إمامة أبي بكر رضي الله عنه # اعلم أن الكلام في هذا الباب هو مع من يقول بإمامته من جهة العقد ~~والاختيار، فأما من يقول بها من جهة نص جلي أو خفي فالكلام معه لغو لا ثمرة ~~له؛ غذ لا يشتبه على أحد فساد ذلك # وقد أوردت المعتزلة وغيرهم ثلاث طرق. # الطريقة الأولى: أن قالوا: الأمر الذي يعلم به كون الحال فيه هو النص ~~الخفي أو العقد والاختيار. # قالوا: وقد بطل النص الخفي فيبقى العقد والاختيار وإلا خرج الحق عن أيدي الامة. # والجواب: أن يقول دون إبطال النصوص خرط القتاد، ونحن قد ذكرنا النصوص ~~ووجه دلالتها، فلا نعيده. # الطريقة الثانية: هي ما استدلوا به على أن العقد والاختيار هو الطريق إلى ~~الإمامة من الإجماعات المتقدم ذكرها، ونحن قد أبطلنا ما ذكروه وقلنا: إنه ~~وإن وقع الإجماع على الاختيار فإنه إنما يدل ذلك على حسنه، فأما أنه الطريق ~~إلى الإمامة فلا. # الطريقة الثالثة: هي أن قالوا: قد وقع الإجماع على إمامة أبي بكر رضي ~~الله عنه، فإنه وإن وقع اختلاف يوم البيعة فقد زال من بعد واستقر الإجماع ~~وسكت الكل سكوت رضى وبايع علي أبا بكر وقاتل معه وصلى خلفه وأخذ نصيبه من ~~الفي وقرر أحكامه حين صار الأمر إليه ونحو ذلك مما يدل على أن سكوته سكوت رضى. # والجواب: أنا لا نسلم وقوع الإجماع قط، فإن كثيرا من أئمتنا لعيهم السلام ~~رووا أن عليا ما بايع أبا بكر قط، وغنما أظهر الطاعة فقط. PageV01P731 # قالوا: والظاهر في كلامه عليه السلام ومناشدته يوم الشورى وخطبته الشقشقية ~~ونحو ذلك استمرار الإنكار، والمشهور في السير أن سعد بن عبادة مات ms602 ولم ~~يبايع وإلى هذا أشار شارعهم في قوله: # يقولون سعدا شقت الحر بطنه .... ألا ربما حققت فعلك بالغدر # وما ذنب سعدا إنه بال قائما .... ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر # وأما كونه عليه السلام يمدح أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه ويواليه ويصلي ~~خلفه ونحو ذلك فذلك يدل على أنه لم يعتقد فيه إلا خيرا وأننه كان يعتقد ~~إيمانه وتعظمه، وكذلك يقول: فإن الذي عليه جمهور أئمتنا عليهم السلام مدح ~~الصحابة والترضية عنهم، ولسنا ندعي بإقامة الدلالة على إمامة أمير المؤمنين ~~عليه السلام أن الصاحبة مستحقون الذم والبراءة، وأنه لا يجوز الصلاة خلفهم ~~والأمر عندان بخلاف ذلك، ونحن لا نعدوا فيه ما يظهر من حال أئمتنا عليهم ~~السلام وهو التجرم واعتقاد أنهم ظلموا حقهم وأزيلوا عن مكانتهم التي هم بها ~~أحق /465/ فأما غير ذلك فلا تعتقدوه، وأما كونه عليه السلام قرر أحكام ~~الشيوخ يوم انتهى الأمر إليه فذلك لا يمنع مما ذكرناه وهو بمعزل عن محل ~~النزاع، فإن الظاهر أنهم إنما حكموا بالحق الذي يطابق قصده رضي الله عنه ~~بحيث لو حكم عليه السلام لحكم به، وهذا مما يعتقده وبعتقده أئمتنا، أعني ~~كون سيرة الصحابة رضي الله عنهم سيرة عادلة لم يظهر خطؤهم في شيء منها، ~~ولهذا كانوا يفزون إلى أمير المؤمنين في المشكلات ويصدرون عن رأيه في ~~المهمات، وكان عليه السلام يردهم من الخطأ إذا هموا به في الأحكام كما هو ~~مشهور في قصة: (لولا علي لهلك عمر) ونحو ذلك مما يدل على تحريهم للحق في ~~السيرة. ### ||| AUTO القول في إمامة الحسن والحسين عليهما السلام # لا شبهة في إمامتهما خلافا للخوارج في إمامة الحسن عليه السلام ولليزيدية ~~في إمامة الحسين عليه السلام. PageV01P732 # لنا: إن طرق الإمامة قد اجتمعت في حقهما وهي العقد والاختيار على أصل ~~المعتزلة والنص والدعو عند الزيدية، وذلك النص هو قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وابوهما خير منهما)) وهذا تصريح ~~بإمامتهما وإشارة إلى إمامة أبيهما رضي الله عنهم، فأما ms603 المخالفون في إمامة ~~الحسن فهم أربع فرق. # فرقة: زعمت أنه ليس بإمام؛ لأنه كفر مع أبيه بالتحكيم ولم يتب. # فرقة زعمت أنه كان إماما ثم كفر بتسليم الأمر إلى معاوية. # وفرقة زعمت أن معاوية هو الإمام؛ لأنه غلب وطريق الإمامة الغلبة. # والكلم على الفريقين الأولين هو ما تقدم على الخوارج ويختص هذا المكان أن ~~يقول أنه لعيه السلام لم يسلم الأمر إلى معاوية، ولكن هادن لما رأى ضعف ~~عزيمة أهل العراق وتفرق جيشه وخديعة معاوية لعبد الله بن العباس، فرأى أن ~~يهادن لمصلحة علمها في ذلك وليس يجب لعيه أن يلقي بيده إلى التهلكة، ولا ~~شبهة عند كل مسلم أن فعله لعيه السلام كان حسنا من جهة التدبير، وهذا سبيل ~~الأئمة والملوك، بل الأنبياء، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالح يوم ~~الحديبية وأراد أن يصالح الأحزاب على بعض أهل المدينة. # وأما الكلام على القائلين بإمامة معاوية لأجل الغلبة أو لأجل أن الحسن ~~سلم إليه الأمر فهو أن نقول: قد كان معاوية أحقر من أن يشتبه الأمر في ~~إمامته؛ لأنه كان ظاهر الفسق، بل ظاهر الكفر. أما فسقه فمن وجوه منها أن ~~حارب أمير المؤمنين ولا شبهة في فسق من حارب إمام الحق ليضمنه الاستخفاف ~~كما لو حارب أبا بكر وعمر، فإنه كان يفسق عند الخصوم. # ومنها: أنه قتل الحسن عليه السلام بالسم على يدي امرأته بنت الأشعث ولا ~~شبهة في فسق /466/ من قتل أئمة الحق أو سبب في قتلهم لا سيما أهل بيت ~~النبوة. # ومنها أنه كان قائد الفرقة الباغية كما يشهد به قوله صلى الله عليه وسلم: ~~((ستقتلك الفئة الباغي)). # ومنها أنه عادى عليا بالضرورة. PageV01P733 # وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)) ~~فهو معاد لله بنص الرسول صلى الله عليه وسلم ومن عاداه الله فهو فاسق أقل ~~أحواله وأما كفره فلما روي عن أبي وائل، قال: كنت مع مسروق فمرت بنا سفينة ~~فيها أصنام فسألنا عنها فقيل: بعث بنا معاوية ms604 لنباع في الهند، وعن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((يموت معاوية على غير ملتي ))، فروي أنه مات وفي ~~عنقه سليب يستشفى به، وقيل للمغيرة بن شعبة: إنك كنت من معاوية بمكان، فلم ~~تزكيه، فقال: نعم إن هذا الرجل أخبث عباد الله كنت أسايره يوما وأحدثه حتى ~~انبسط إلي، فقلت: وقد ذكر بني هاشم أعف عنهم وأرفق بهم، فإنما نلتهم ما ~~نلتم بقرائبكم منهم، فقال: اسكت إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفى ~~فصار هذا الامر إلى أبي بكر، فلما مات انقطع ذكره وذكر قومه وصار هذا الأمر ~~إلى عمر، فلما مات انقطع ذكره وذكر قومه وإن جماعة هذا الرجل يعني النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ينادى بهم في اليوم والليلة خمس مرات فليس لهم إلا ~~أن يلزقوا بالتراب. # وهذا كفر صريح، وقد فعل بمقتضى كلامه هذا حتى كان يسب أمير المؤمنين وأهل ~~بيت النبوة، واشتمال على ذلك أفئدة الطعام وجعله سنة تتلى على المنابر، ~~وحتى سمى العام الذي ابتدع فيه سبهم عام السنة وبه سمت المجبرة أهل السنة. # والمشهور أنه الحق زيادا بأبي سفيان، وهو ولد زنا بلى خلاف، فرد ما هو ~~معلوم ضرورة من الدين بإلحاقه به. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ((معاوية في تابوت من نار))، وعنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه))، ~~قال: الحاكم: رواه الخدري وجابر وحذيفة، قال الحسن: فلم يفعلوا فأذلهم الله. # وعن محمود بن لبيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأشار ~~إلى معاوية: ((إن هذا سيريد الأمر بعدي فمن أدركه منكم وهو يريده فليبقر ~~بطنه)). PageV01P734 # عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((يطلع عليكم ~~رجل من أهل النار)) فاطلع معاوية. # أبو ذر رضي الله عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أول من يغير سنتي رجل من ~~بني أمية)). وعنه أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((يخاطب معاوية إني ms605 وإياك لفرعون هذه الأمة)). وعنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وقد مر به أبو سفيان راكبا على بعير ومعاوية يسوق وعنبه يقود، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعن الله الراكب والسائق والقائد)). وعنه عليه ~~السلام /467/ يخاطب عليا: ((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق))، ~~وبالضرورة أن معاوية كان يبغض عليا. وعنه عليه السلام يخاطب عليا: ((ستقاتل ~~الناكثين والقاسطين والمارقين)) ولا شك أن القاسطين معاوية وأصحابه. # والمشهور أن الحسن لعيه السلام يوم مناظرته مع معاوية وعمر وأشياعهم قرر ~~عليهم المخزيات وقرر على معاوية أن الرسول لعنه في عشرة مواطن ولم ينكر ~~معاوية كلام الحسن، فدل على أنه صادق فيه. # وعلى الجملة فمساويهم أجل من أن تحصى، كما أن فضائل أهل البيت عليهم ~~السلام أجل من أن تحصى،ولهذا قال الشعبي: كان خطباء بني أمية يسبون عليا ~~فكأنهم يرفعونه إلى السماء ويمدحون أسلافهم فكأنهم يكشفون جيفة حمار. # وأما الذين خالفوا في إمامة الحسين فهم فرقة من النواصب زعموا أن يزيد ~~الإمام؛ لأن معاوية نص عليه وأن الحسين كان خارجيا. # والكلام عليهم هو أن نقول لهم: متى ثبت لكم أن معاوية إمام حتى يصح نصه ~~على غيره، ولو لم يستدل على بطلان إمامة معاوية إلا بالنص على يزيد لكفى. PageV01P735 # وبعد، فكيف يصح إمامة يزيد مع علو مكانه في الفسق ووفور حظه من الكفر، ولو ~~لم يكن إلا قتله لأولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتهاكه لحرمه، ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا حرب لمن حاربكما سلم لمن ~~سالمكما))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((قاتل الحسين في تابوت من نار ~~لعيه نصف عذاب أهل النار))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي، إن ~~موسى سأل ربه فقال: يا رب إن أخي هارون مات فاغفر له فقال: يا موسى لو أنك ~~سألتني في الأولين والآخرين لأجبتك إلا قاتل الحسين))، وعنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((تجيء ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة، فتعلق ~~بقائمة من ms606 قوائم العرش فتقول: يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي فيحكم ~~لابنتي ورب الكعبة))، وعنه لعيه السلام: ((يا حسين إن لي ولقاتلك يوم ~~القيامة مقاما وخصومة وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصما لمن قاتلك)) ~~والأحاديث الواردة في قتل الحسين ولعن قاتله أكثر من أن تصحى. # وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر الحسين قال: ((مالي وليزيد لا بارك ~~الله في يزيد))، والمشهور أنه كان لا ينفك سكران، وكان يلقب بيزيد الخمور، ~~ويلقب السكران، وكان مشهورا بالزنا وترك الصلاة وله في السفالة صناعة جيدة. # وروي أنه كان له قرد يسمى بأبي قيس، وكان يحضره مجلس شرابه ويسقيه فضلة ~~كأسه واتخذ له إتانا وحشية ربضت له وذللت وصنع لها سرج ولحام من ذهب، فكان ~~يركبه عليها ويسابق بها الجيد يوم الحلبة، فجاء يوما سابقا وتناول قصبة ~~السبق ودخل فيها قبل مجيء الخيل، وعليه قنا وقلنسوة من الحرير الأحمر لعظم ~~لذلك عند يزيد وازداد حبا له. وقال فيه بعض شعراء الشام: # تمسك أبا قيس بفضل عنانها .... فليس عليها إن سقطت ضمان # ألا من رأى القرد الذي سبقت به .... جياد أمير المؤمنين إتان PageV01P736 فهذا كان حال أمير المؤمنين، فأما الحسين بن رسول الله التقى بن الأتقى، ~~فكان خارجيا لا يصلح للإمامة، هذا هو الضلال البعيد والزيغ الشديد. # والمشهشور الذي لا يمكن جحده أنه لما حمل رأس الحسين إلى يزيد جعل ينكت ~~ثناياه بقضيب كان معه فقال أبو بردة الأسلمي اتنكت بقضيبك ثغر الحسين؟ أشهد ~~أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل ثناياه وثنايا أخيه ~~ويقول: ((أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم ~~وساءت مصيرا)) أما إنك تجيء يا يزيد يوم القيامة وشفيعك ابن زياد ويجيء هذا ~~ومحمد شفيعه، فغضب يزيد وأمر بسجن أبي بردة وجعل ينكت ثنايا الحسين بقضيبه ~~وهو يقول مستهلا: # ليت أشياخي ببدر شهدوا .... جزع الخزرج من وقع الأسل # فأهلوا واستهلوا فرحا .... ثم قالوا يا يزيد لا تشل # لست من عتبة إن ms607 لم أنتقم .... من بني أحمد ما كان فعل # وهذه الأبيات لابن الزاجردي لكنه زاد فيها الخبيث، وهذا منه كفر صريح حيث ~~جعل قتل الحسين وأهل بيت النبوة انتقاما لما فعله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم بدر. PageV01P737 ### ||| AUTO ### ||| AUTO القول في الطريق إلى ثبوت الإمامة بعد الحسن ~~والحسين عليما السلام # ذهب أهل البيت عليهم السلام إلى أن الطريق إلى ذلك هو الدعوة والخروج مع ~~جميع الشرائط، فمن اختص بالشرائط المتقدمة وقام لله داعيا إلى الحق ونابذ ~~الظلمة واحتمل أعباء الأمة فقد صار بذلك إماما سواء بويع له أم لا. # وقالت المعتزلة والصالحية: بل الطريق إلى ذلك هو العقد والاختيار على ~~أصلهم المتقدم. # لنا: إجماع العترة على اعتبار الدعوة وعلى اعتقاد أنها هي الطريق. # أما إجماعهم على اعتبارها فذلك مما لا خلاف فيه بينهم، بل بين الأمة ما ~~عدا أصحاب النص، ولهذا فإن كل إمام منهم لا بد أن يقوم ويشمر لاحتمال الأمر ~~ومنابذة الظلمة والجهاد. # وأما إجماعهم على اعتقاد أن ذلك هو الطريق إلى الإمامة؛ فلأنه هو المعروف ~~من مذهبهم والمذكور في كتبهم والمشهور في سيرهم، ولا يلزمنا في دعوى ~~إجماعهم عليهم السلام أكثر من ذلك وفي زيادات شرح الأصول للسيد أبي طالب عن ~~موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: ليس منا أهل البيت إمام معترض الطاعة ~~وهو جالس في بيته المسبل عليه ستره، وقال عليه السلام /469/ إن الله افترض ~~طاعة أربعة: أمير المؤمنين والحسن والحسين، والإمام القائم بالسيف يدعوا ~~إلى كتاب الله فهذا تصريح من متقدمي أهل البيت أن الدعوة طريق إلى ثبت ~~الإمامة. PageV01P738 # وأما المتأخرون منهم فهو معلوم ضرورة من مذهبهم. # فإن قيل: إنه كما قد وقع إجماع أهل البيت على الدعوة والخروج فقد وقع ~~إجماعهم أيضا على العقد والاختيار؛ لأنه ما من إمام منهم إلا وقد اختير ~~وعقد له. # قلنا: قد قدمنا أن وقوع الإجماع على مجرد الاختيار إنما يدل على حسنه، ~~فأما على أنه الطريق إلى الإمامة فلا، وأهل البيت وإن فعلوا الاختيار كما ~~فعلوا ms608 الدعوة والخروج، فإنهم يعتقدون أن الطريق هو الدعوة دون الاختيار، ~~وإنما يفعلون الاختيار على وجه التقوية لأنفسهم وتكثير أتباعهم وليعرفوا ~~المطيع من المخالف وليؤكدوا بذلك وجوب متابعتهم وليظهروا بالبيعة قبول طاعة ~~المطيع ونحو ذلك من وجوه الصلاح. # فإن قيل: إن ذلك لا يصح؛ لأن أحدهم ذا دعا فإما أن يدعوا بعد أن صار ~~إماما ففي هذا إقرار بأنه لم يكن للدعوة لأنها متأخرة عن كونه إماما، وإما ~~أن يدعوا قبل أن يصير إماما فكيف يدعوا إلى نفسه وليس بإمام، وكيف يجب ~~طاعته والحال هذه؟ # قلنا: بل يكون إماما بالدعوة، فإذا دعا الناس إلى طاعته صار بذلك إماما ~~في تلك الحال، ولسنا نحكم بأن الإمامة متأخرة عن الدعوة ولا متقدمة عليها، ~~بل هي مقارنة؛ لأنها طريق إليها والطريق لا يثبت مع فقد المتطرق غليه ولا ~~العكس، بل يجب اقترانها في مثل هذه الصورة. PageV01P739 ### ||| AUTO ### ||| AUTO القول في أن الإمام بعد الحسن والحسين مقصورة ~~على أولادهما. # قد اختلف الناس في ذلك فقال به أصحابنا ومنعه أكثر الناس. # لنا: العقل والسمع. # أما العقل فالمعلوم الظاهر عند جميع العقلاء أن أهل بيت الرجل أحق الناس ~~بمكانه وأولاهم بالرئاسة بعده، وعلى هذا كان جميع الغرب من الجالهيضة، بل ~~كان عليه العجم وهم عليه إلى الآن حتى كانوا ينتظرون بالملك الحنين في بطن ~~أمه، وقد يملكون النساء ويعقدون الملك للأطفال محافظة على أن يكن الأمر في ~~أهل بيت الرجل، وذلك مشهور ظاهر من حال جميع العقلاء، ولسنا ندعي أن العقل ~~يحيل خلاف هذا، ولكن نعي أن العقل يقضي بأن هذا هو الأولى. # هذا ولم يكن يمنعهم من العقد لأنباء ملوكهم الحمق والجهالة والظلم ونحو ~~ذلك، بل يجعلون الملك في أولاد الملك وإن كانوا على خلاف ما ينبغي من ~~الصفات فكيف بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هم أشبه ~~الناس به خلقا وخلقا وهيا وعدلا وكرما وسياسة ورأفة وورعا لا سيما مع تظاهر ~~الأدلة. # وأما الشرع فلنا في ذلك دليلان: # أحدهما: إجماع العترة ms609 على ذلك، وإجماعهم حجة، وإنما قلنا أنهم أجمعوا على ~~ذلك؛ لأنه الظاهر من مذهبهم المشهور في كتبهم /470/، ولا يجب علينا في يبان ~~إجماعهم أكثر من ذلك. # فإن قيل: كيف يصح دعوى إجماع أهل البيت مع أن كثيرا منهم يدعون صقرها في ~~ولد الحسين. # قلنا: خلاف أصحاب أهل النص مسبوق بالإجماع، ولهذا لم يظهر من أحد من أهل ~~البيت إنكار في إمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن وإبراهيم بن عبد ~~الله وغيرهم. PageV01P740 # على أن خلاف أهل النص لا يقع فيما ذكرنا؛ لأنهم متى ادعوا قصرها في ولد ~~الحسين فقد وافقوا في أنها لا تجوز في غير ولد البطنين وهو المطلوب هنا، ~~وإنما يبقى الخلاف بين أصحاب النص وبين جمهور أهل البيت، والمعلوم صحة قول ~~الجمهور وبطلان قول أصاب النص. # الدليل الثاني: أن الأمة أجمعت بعد بطلان قول أصحاب النص على جوازها في ~~ولد البطنين واختلفوا في من عداهم، والإجماع دليل قاطع على ما هو مقرر في ~~مواضعه من أصول الفقه، وغنما قلنا أنهم أجمعوا عل ذلك؛ لأن من أجازها فيه ؛ ~~لأنهم خيار الناس، ومن أجازها في قريش فقد أجازها فيهم؛ لأن خير قريش. # فإن قيل: إذا خرج أصحاب النص عن هذه المقالة فلا إجماع؛ لأنه ليس إذا بطل ~~قول بعض الأمة وتعين الحق في الثاني يجب أن يعد ذلك إجماعا لولا هذا النصح ~~دعوى الإجماع في كل مسألة قطعية يقع فيها الخلاف؛ لأنه لا بد أن يتعين الحق ~~في أحد القولين. # قلنا: إنه وإن أبعد إجماعا فقد تعين الحق فيه وصارت صحته قطعية، وغلا خرج ~~الحق عن أيدي الأمة وسيتضح لك عن قريب أن مثل هذا القدر يكفي في حصول الغرض ~~في هذه المسألة. # فإن قيل: أن الإجماع من عدا أصحاب النص ليس إجماعا على محل النزاع؛ لأن ~~محل النزاع هو جوازها فيهم، وبقي جوازها في غيرهم، ولم يجمع الناس على ذلك؛ ~~لأن المخالف يقول بجوازها في غيرهم وفيهم، وليس لكم أن تأخذوا بعض الأقوال ~~وتدعوا الإجماع فيه ms610 ولو صح هذا لكان لأحدنا أن يدعي أن أكثر الحيض خمسة ~~أيام ويحتج لذلك بأن الامة قد أجمعت عليه؛ لأن القائلين أكثر الحيض خمسة ~~عشر والقائلين أكثره عشرة أيام، فقد اتفقوا على الخمس ومعلوم أن هذا لا ~~يصح؛ لأن القولين الأولين قد قالوا بالخمس وزيادة،وهذا قال بالخمس ونفى ~~الزيادة، فكذلك هذه المسألة. PageV01P741 # ولهذا لا ادعى بعض أصحاب الشافعي الإجماع في قولهم أن دية الذمي ثلث دية ~~المسلم، واحتج على ذلك بأن الأمة افترقت فقال بعضها ديته دية المسلم، قوال ~~البعض مثل نصف ديته، فلا بد أن يكونوا قد اتفقوا على قول الشافعي رضي الله ~~عنه وهو وجوب الثلث، فقال العلماء: لا يصح دعوى الإجماع في قول الشافعي ~~هذا؛ لأن القولين الأولين قد اشتملا على وجوب الثلث وزيادة، وقول الشافعي ~~رضي الله عنه قد انطوى على وجوب الثلث ونفي الزيادة ولم يقع إجماع /471/ ~~على هذا كذلك هذه المسألة؛ لأن قول بعض الأمة قد انطوى على جوازها فيهم ~~وعلى جوازها في غيرهم وقول البعض الآخر قد انطوى على جوازها في غيرهم، ~~وإنما وقع الإجماع على هذا القول الذي هو جوازها فيهم ونفى جوازها في ~~غيرهم، وإنما وقع الإجماع على بعضه. # والجواب: أن يقول: إنما نلزم بهذه الأسئلة إذا حررنا الدلالة على هذا ~~الوجه الذي ذكره السائل وهو أن يدعي الإجماع على محل النزاع، وإن كان هذا ~~هو ظاهر احتجاج أصحابنا أعني تحريرهم للدلالة على هذا الوجه الذي يمكن ~~التشعيب فيه، ولكنا نسلك في الاستدلال في هذا الدليل وجها آخر. # فنقول: لسنا نستدل بالإجماع في هذه المسألة رأسا، ولكن نقول: إن جواز ~~الإمامة فيهم عليهم السلام وفي غيرهم حكم شري لا يثبت إلا بدليل قاطع، وقد ~~ثبت لنا بالطريقة القاطعة جوازها فيهم عليهم السلام؛ لأنه لما افترق الناس ~~على قولين: # أحدهما: قول أصحاب النص وهو جوازها في ولد الحسين فقط. # والثاني: قول بقي الأمة وهو جوازها في أهل البيت، وقد ثبت بالدليل القاطع ~~البطلان قول أصحاب النص وتعين الحق في قول الباقين وصارت ms611 صحته قطعية، وإلا ~~خرج الحق عن أيدي الأمة، فثبت لنا جوازها فيهم عليهم السلام بدليل قاطع ولم ~~يحصل دليل قاطع مثل هذا على جوازها في غيرهم، والأصل عدم الجواز فيبقى هذا ~~الجواز في حق غيره متبقيا على الأصل. # نجز فالحمد لله هذا الكتاب المبارك بعون الله سبحانه وتعالى PageV01P742 نسخا ونقلا من السواد إلى البياض وذلك بعد شروق شمس يوم الاثنين المبارك في ~~أواخر شهر صفر من سنة تسعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة ~~والسلام # بعناية مولانا السيد المقام الأوحد الهمام علم الأعلام تركة الخاص ~~والعاصم والصفوة من العترة الكرام الحسين بن المهدي بن الهادي اليوسفي حفظه ~~الله وبلغه لصالح الأعمال وسدد له النيات والأقوال إنه جواد كريم. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين وسلم. # بخط عبد أسير في الذنوب هفا .... بدا على ما به من غلظة فجفا # له يد تسأل الرحمن مغفرة .... من ذنبه ويد قط عضها أسفا ms612