######OpenITI# #META# comp: 1 #META# iso: شرح وصيه الامام ابي حنيفه #META# authinf: البابرتي (714 - 786 ه = 1314 - 1384 م) ¶ محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي: علامة بفقه الحنفية، عارف بالأدب. ¶ نسبته إلى بابرتي (قرية من أعمال دجيل ببغداد) أو (بابرت) التابعة لارزن الروم - أرضروم - بتركيا. ¶ رحل إلى حلب ثم إلى القاهرة وعرض عليه القضاء مرارا فامتنع. وتوفي بمصر. ¶ من كتبه: ¶ (شرح تلخيص الجامع الكبير للخلاطي - خ) فقه، ¶ (العقيدة - خ) توحيد، ¶ (العناية في شرح الهداية - ط) فقه، ¶ (شرح مشارق الأنوار - خ) ¶ (التقرير - خ) على أصول البزدوي، ¶ (شرح وصية الإمام أبي حنيفة - خ) ¶ (شرح المنار) ¶ (شرح مختصر ابن الحاجب) ¶ (شرح تلخيص المعاني) ¶ (شرح ألفية ابن معطي) ¶ (النقود والردود - خ) في أوقاف بغداد (4974) [ثم طبع] ¶ (حاشية على الكشاف - خ) ¶ (الإرشاد - خ) في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة. ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# ad: 786 #META# archive: 18 #META# bkord: 9884 #META# max: 141 #META# higrid: 786 #META# تحقيق: محمد العايدي وحمزة البكري #META# المؤلف: أكمل الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمود بن أحمد البابرتي الرومي الحنفي #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: شرح وصية الإمام أبي حنيفة ¶ المؤلف: أكمل الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمود بن أحمد البابرتي الرومي الحنفي ¶ تحقيق: محمد العايدي وحمزة البكري ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# cat: العقيدة - مرقم آليا #META# auth: البابرتي #META# authno: 560 #META# ndata: مقدمة الB42CCB3C.... 151 #META# idx: 1 #META# Lng: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي #META# الكتاب: شرح وصية الإمام أبي حنيفة #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# bkid: 35746 #META# bk: شرح وصية الإمام أبي حنيفة #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | CHECK [مقدمة الشارح] # الحمد لله المتوحد بوجوب الوجود والبقاء، المتفرد بالقدرة الكاملة والعز ~~والكبرياء، مبدع نظام الموجودات على أحسن الترتيب والولاء، ومخصص نوع ~~الإنسان بإدراك حقائق الأشياء، والصلاة والسلام على خير البرية محمد أشرف ~~الأنبياء، وعلى آله وأصحابه البررة الأتقياء. # يقول العبد الفقير النحيف الحنيف، المرتجي من لطف ربه الخفي، محمد بن ~~محمود بن أحمد المدعو بالأكمل الحنفي، يسر الله أمنيته، وسهل عليه منيته: ~~لما رأيت كتاب «الوصية» المنسوب إلى الإمام الأعظم أقدم المجتهدين سراج ~~الملة الحنفية أبي حنيفة قدس الله روحه ونور ضريحه، وافيا لما يحتاج إليه ~~في أصول الدين، كافيا لما يجب الاعتقاد به على المسلمين، جمعت له في كلام ~~المشايخ فوائد تبين ميامن فوائده، وتعين مكامن فرائده، تقرر ما أراد من ~~معانيه، وتحرر ما أفاد من مبانيه، تفصح عن معاقد القواعد، وتوضح وجه ~~الاستدلال على العقائد، مجيبا عما يرد على ما فيه، مشيرا إلى مذاهب ~~مخالفيه، وشرطت على نفسي أن لا أتجاوز المراد، ليكون سهل المأخذ سلس القياد (1) PageV01P032 ### | AUTO ، وسألت الله تعالى أن يجعله لي ذخرا لدار يوم القرار، ويحشرني ~~به مع البررة الأخيار، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. # [ماهية الإيمان وطريق وجوبه] # قال الإمام الأعظم رضي الله عنه: (الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان) (1). # أقول: الكلام ها هنا في ماهية الإيمان وطريق وجوبه: PageV01P033 # أما الأول فإنه في اللغة عبارة عن التصديق، قال الله تعالى خبرا عن إخوة ~~يوسف عليه السلام: ?وما أنت بمؤمن لنا? [يوسف: 17]، أي: بمصدق. وعند ~~المتكلمين: هو تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله. فإن ~~فيه تصديق ما يجب التصديق به، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وغير ذلك مما يجب الإيمان به على التفصيل، فمن صدق الرسول فيما جاء ~~به من عند الله فهو مؤمن بينه وبين الله تعالى (1)، والإقرار شرط إجراء ~~أحكام الإسلام عليه، هذا هو المروي عن أبي حنيفة رحمه الله (2)، وإليه ذهب ~~الشيخ أبو منصور الماتريدي، وأبو الحسن الأشعري ms01 (3) PageV01P034 ~~، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الإسفرايني. وإن كان ظاهر كلامه ~~في هذا الكتاب يدل على أن الإيمان مجموع الجزأين: الإقرار والتصديق. # فإن قيل: على كلا التقديرين، شطرا كان أو شرطا، لم قدم الإقرار على ~~التصديق، فإن الإقرار وإن كان جزءا لكنه يحتمل السقوط بعذر الإكراه، ~~والتصديق لا يحتمله؟ # أجيب: بأن التصديق القلبي لما كان أمرا باطنا لا يطلع عليه، وكان الإقرار ~~باللسان دليلا على ذلك كما سيجيء تقريره (1)، قدم على التصديق، ويمكن أن ~~يكون هذا محمل قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها ~~لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (2)، لم يذكر التصديق وإن ~~كان هو الأصل. # وأما وجوبه فقد اختلفوا في طريقه، هل هو واجب عقلا أو سمعا، فذهبت ~~المعتزلة إلى الأول، والأشاعرة إلى الثاني. # واختلفوا أيضا في أنه هل يعرف حسن الإيمان وشكر المنعم وقبح الكفر عقلا ~~أو لا؟ فقالت الأشاعرة والمشبهة والخوارج والملاحدة والرافضة: لا يجب ~~بالعقل شيء، ولا يعرف به حسن الإيمان وقبح الكفر، وإنما يعرف بالشرع (3) PageV01P035 ~~وقالت المعتزلة: العقل يوجب الإيمان وشكر المنعم وقبح الكفر، ويعرف بذاته ~~حسن الأشياء، ويثبت الأحكام [حسب] (1) ما يقتضيه صلاح الخلق. # وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى: العقل آلة يعرف حسن بعض الأشياء وقبحه، ~~ووجوب الإيمان وشكر المنعم (2) PageV01P036 ~~والفرق بين قولنا وقول المعتزلة أنهم يقولون: العقل موجب لذاته، لأنهم ~~يقولون: إن العبد موجد لأفعاله. وعندنا العقل آلة للمعرفة، والموجب هو الله ~~تعالى لكن بواسطة العقل (1)، كما أن الرسول معرف للوجوب، والموجب هو الله ~~تعالى حقيقة، لكن بواسطة الرسول. PageV01P037 # ووجوب الإيمان بالعقل مروي عن أبي حنيفة رحمه الله، فقد ذكر الحاكم الشهيد ~~في «المنتقى» (1) أن أبا حنيفة رحمه الله قال: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه ~~لما يرى من خلق السماوات وخلق نفسه وغيره. وروي أنه قال: لو لم يبعث رسول ~~لوجب على الخلق معرفته بعقولهم. وعليه مشايخنا (2). PageV01P038 # وقال الشيخ أبو منصور في الصبي العاقل: إنه تجب عليه معرفة الله تعالى، وهو ~~قول كثير من مشايخ ms02 العراق، لأن الوجوب على البالغ باعتبار العقل، فإذا كان ~~الصبي عاقلا كان كالبالغ في وجوب الإيمان عليه، وإنما التفاوت بينهما في ~~ضعف البنية (1) وقوتها، فلا جرم يفترقان في عمل الأركان فيما لا يتعلق ~~بالجنان. # وذهب كثير من مشايخنا إلى أنه لا يجب على الصبي شيء قبل البلوغ لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم» (2) الحديث. ~~وحمله الشيخ أبو منصور على الشرائع. ولا خلاف بين أصحابنا في صحة إيمان ~~الصبي العاقل (3) PageV01P039 ~~احتجت المعتزلة على أن الإيمان حسن عقلا بوجوه، وأنا أورد ها هنا وجهين ~~اختصارا: # أحدهما: أن شكر الله واجب عقلا، ودفع الخوف عن نفسه واجب كذلك، وشكر ~~المنعم ودفع الخوف العقليين متوقفان على معرفة الله تعالى فتكون معرفة الله ~~واجبة بالعقل. # والثاني: لو ثبت الحسن والقبح شرعا لزم انتفاؤهما مطلقا، لأنهما لو ثبتا ~~بالشرع لم يحكم العقل بقبح الكذب، فجاز وقوعه من الشارع، فإذا حكم الشرع ~~بقبح شيء لم يجزم بقبحه لجواز صدور الكذب حينئذ من الشارع، فلم يثبت الحسن ~~والقبح أصلا. # وقالت الأشاعرة: الحسن والقبيح يطلقان على أمور: منها ما يكون صفة كمال ~~أو صفة نقص، يمدح بها أو يذم. ومنها ما يكون ملائما للطبع أو منافرا له. ~~ومنها ما يتعلق به في الآجل ثواب أو عقاب. # فإن كان المراد بالحسن ما يكون صفة كمال، وبالقبيح ما يكون صفة نقص، أو ~~كان المراد بالحسن ما يكون ملائما للطبع، وبالقبيح ما يكون منافرا له، فلا ~~خلاف في كونهما عقليين. # وإن كان المراد بالحسن والقبيح ما يثاب به في الآجل أو يعاقب عليه، ~~فالعقل لا مجال له في إدراك ذلك، لقوله تعالى: ?وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا? [الإسراء: 15]، نفى التعذيب إلا ببعثة الرسل، فلو كان الفعل قبيحا ~~بالعقل لزم وقوع التعذيب وإن لم يوجد الرسل. # ولأن شكر المنعم لو وجب لوجب لفائدة، وإلا لكان عبثا وهو قبيح. والفائدة ~~إما أن تعود إلى الرب وهو منزه عنها، أو إلى العبد، إما في الدنيا أو في ms03 ~~العقبى، والأول ممنوع لأنه إتعاب النفس بلا فائدة، وكذا الثاني لأنه لا ~~مجال للعقل في درك أحوال الآجل، وكذا دفع الخوف عن نفسه. PageV01P040 # ولقائل أن يقول: احتمال العقاب بعدم الشكر قائم، ودفع الخوف عن ذلك من أجل ~~الفوائد، لأن احتمال العقاب إما أن يكون واقعا في نفس الأمر أو لا، فإن كان ~~واقعا فدفعه من الفوائد، وإن لم يكن واقعا لزم ورود الشرع على خلاف الواقع، ~~وهو محال. # والجواب عما تلوا (1): أنه محمول على عذاب الدنيا كما جرى للمتقدمين من ~~مكذبي الرسل، أو هو محمول على الشرائع. # واعلم أن أصحابنا قد ذكروا أنا لا نعني بوجوب الإيمان بالعقل أنه يستحق ~~الثواب بفعله والعقاب بتركه، إذ هما يعرفان بالسمع، وإنما نعني به أن يثبت ~~بالعقل نوع رجحان للإتيان بالإيمان (2) PageV01P041 ~~، بحيث لا يحكم العقل أن الترك والإتيان فيهما سيان، بل يحكم بأن الإيمان ~~يوجب نوع مدح، والامتناع عنه نوع ذم، فعلى هذا لا خلاف بيننا وبين الأشاعرة ~~في هذه المسألة. # قال: (والإقرار وحده لا يكون إيمانا، لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون ~~كلهم مؤمنين، وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إيمانا، لأنها لو كانت إيمانا ~~لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين، قال الله تعالى في حق المنافقين: ?والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون? [المنافقون: 1]، وقال تعالى في حق أهل الكتاب: ~~?الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم? [البقرة: 146، ~~الأنعام:20]). # أقول: إذا عرف أن الإيمان عبارة عن التصديق (1)، فمن جعله عبارة عن مجرد ~~الإقرار كالكرامية، أو عن الإقرار بشرط المعرفة والتصديق كعبد الله ابن ~~سعيد القطان (2) PageV01P042 ~~، أو عن المعرفة وحدها كجهم بن صفوان والمعتزلة (1)، فقد صرف الاسم عن ~~المفهوم اللغوي بلا ضرورة، ولو جاز ذلك لجاز في كل اسم لغوي، وفيه إبطال ~~اللغات ورفع الوصول إلى الدلائل السمعية، وأيضا فإن الدلائل تدل على ذلك. # أما على أن الإقرار ليس وحده بإيمان، فيدل عليه قوله تعالى في حق ~~المنافقين: ?والله يشهد إن المنافقين لكاذبون? [المنافقون: 1]، أثبت لهم ~~الكذب، ولا شك في قيام الإقرار بهم، وقوله تعالى: ? إلا ms04 من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان? [النحل: 106] فإنه يدل على أن موضع الإيمان القلب لا ~~اللسان، وكذلك قوله تعالى: ?ولما يدخل الإيمان في قلوبكم? [الحجرات: 14]، ~~وقوله: ?أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان? [المجادلة: 22]. # وكأن الكرامية إنما قالوا ذلك لما رأوا من إجراء أحكام الإسلام على الذين ~~شهدوا باللسان، ولا كلام فيه، وإنما الكلام في اعتباره في حق أحكام الآخرة، ~~وهم في أحكام الآخرة كفار، لقوله تعالى: ?استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم? [التوبة: 80]، وقوله: ? إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار? [النساء: 145]، وقد قال تعالى في ~~حقهم: ?من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم? [المائدة: 41]، ولو ~~لم يكن بالقلب إيمان لم يكن لهذا القول فائدة، كمن يقول لآخر: لم تؤمن يدك ~~أو رجلك. PageV01P043 # وأما أنه ليس المعرفة وحدها، فيدل عليه قوله تعالى: ?الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم? [البقرة: 146، الأنعام:20]، فإن أهل الكتاب ~~كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بنعته ومبعثه واسمه معرفة جلية ~~يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص، كما يعرفون أبناءهم لا يشتبه ~~عليهم أبناءهم من بين الصبيان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: ~~?الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم? [البقرة: 146، ~~الأنعام:20]، فكيف يا عبد الله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا ~~عمر، لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا ~~أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني بابني. فقال عمر رضي الله تعالى ~~عنه: وكيف ذلك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا ويقينا، ~~وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء، فلعل والدته قد ~~خانت. فقبل عمر رضي الله تعالى عنه رأسه، وقال: وفقك ms05 الله يا ابن سلام، فقد ~~صدقت وأصبت (1) PageV01P044 ~~ومع ذلك ما كانوا مؤمنين حيث لم يصدقوا. وقال تعالى: ?وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم? [النمل: 14]، وقال: ?فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين? [البقرة: 89]. # واعلم أن تحقيق معنى قولنا: «الإقرار شرط إجراء الأحكام» هو أن الله ~~تعالى خلق الإنسان ضعيفا لا يستقل بأمر معاشه، محتاجا إلى تعاضد وتعارض ~~وتعاون وتعاوض (1)، ولا يتيسر إلا بتعريف ما في نفسه من المقاصد والحاجات ~~لصاحبه بطريق، كإشارات أو أمثلة أو كتابة أو ألفاظ تكون علامات للمقاصد ~~الباطنة، وكانت الألفاظ أسهل، لأنها أصوات مقطعة هي كيفيات مسموعة حادثة من ~~إخراج النفس الضروري الممتد من آلة التنفس دون تكلف اختياري يحدث عند ~~الحاجة وينعدم عند عدمها، وأفيد لأنها يعبر بها عن الموجود والمعدوم ~~والمعقول والمحسوس والغائب والشاهد، بخلاف الإشارة والمثال، إذ لا تمكن ~~الإشارة إلى المعدوم والمعقول والغائب، وليس لكل شيء مثال. فأنعم الله ~~تعالى على العباد ولطف بهم بإحداث الموضوعات اللغوية بأن وضع الألفاظ بإزاء ~~المعاني ووقفهم (2) عليها أو بإحداث قدرتهم عليها على اختلاف الرأيين، ~~ليتوصلوا بها إلى تحصيل مقاصدهم (3). PageV01P045 ### | AUTO وكان حقيقة الإيمان وهو التصديق القلبي أمرا باطنا لا يطلع ~~عليه، وقد رتب الله تعالى للعباد عليها مصالح، كالإرث والتزويج والابتداء ~~بالتسليم ورده وحقن الدماء والأموال وغير ذلك، فجعل الإقرار دليلا على ما ~~في الباطن ليعلم به وتترتب عليه المصالح المتعلقة بوجوده. وهذا ما وعدناه ~~فيما تقدم من تقريره (1). # [زيادة الإيمان ونقصانه] # قال: (والإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة ~~الكفر، ولا تتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد ~~في حالة واحدة مؤمنا وكافرا؟!). # أقول: إذا ثبت أن الإيمان عبارة عن تصديق العبد، وهو لا يتزايد في نفسه، ~~دل أن الإيمان لا يزيد بانضمام الطاعات إليه، ولا ينقص بارتكاب المعاصي، ~~لأن التصديق قائم في الحالين كما كان قبلهما، واستدل الإمام رحمه الله على ~~هذا بأن زيادة الإيمان لا تتصور إلا بنقصان الكفر، ونقصانه إلا بزيادة ~~الكفر، ms06 واجتماعهما في ذات واحدة في حالة واحدة محال، وهذا لأن الكفر ضد ~~الإيمان، وهو التكذيب والجحود، ولهذا قابل الله تعالى الكفر بالإيمان في ~~قوله: ?فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله? [البقرة: 256]، والمراد بهما ~~التصديق والتكذيب، واجتماع الضدين في محل واحد في حالة واحدة محال. وأشار ~~إلى هذا بقوله: «وكيف يجوز أن يكون يكون الشخص الواحد مؤمنا وكافرا في حالة ~~واحدة». PageV01P046 # وذهب الشافعية وأصحاب الظاهر (1) إلى أن الإيمان يزيد وينقص، مستدلين بقوله ~~تعالى: ?زادتهم إيمانا? [الأنفال: 2]، وقوله: ?ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم? ~~[الفتح: 4] وأمثالهما، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون ~~شعبة» (2) الحديث، قالوا: إنا نعلم بالضرورة أن التصديق وحده لم يكن كذلك، ~~فدل أن الإيمان يزيد ويتشعب بانضمام الطاعات (3). # والجواب: أن المراد من الزيادة في الآيتين الزيادة بتجدد الأمثال، فإن ~~بقاء الإيمان لا يتصور إلا بهذا الطريق، لأنه عرض، وهو لا يبقى زمانين، ~~فكان بقاءه بتجدد أمثاله كسائر الأعراض (4). PageV01P047 # أو يكون المراد الزيادة من حيث ثمرات الإيمان وإشراق نوره وضيائه في القلوب ~~بالأعمال الصالحة، إذ الإيمان له نور وضياء، قال الله تعالى: ?أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه? [الزمر: 22] (1). # وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنهم ~~كانوا آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمنون بكل فرض خاص فزادهم ~~إيمانا بالتفصيل مع إيمانهم في الجملة (2) PageV01P048 ~~وأما الجواب عن الحديث فبأن معنى الحديث: شعب الإيمان بضع وسبعون شعبة، لا ~~أن الإيمان نفسه بضعا وسبعين شعبة (1)، إذ لو كان الإيمان نفسه بضعا وسبعين ~~شعبة لكانت إماطة الأذى من الطريق داخلة فيه، وليس كذلك بالاتفاق (2). # واعلم أن إيماننا مثل إيمان الملائكة والرسل عليهم السلام، نص عليه أبو ~~حنيفة رحمه الله تعالى في «العالم والمتعلم»، لأنا صدقنا وحدانيته وربوبيته ~~وقدرته كما صدق الأنبياء والرسل عليهم السلام (3). PageV01P049 ### | AUTO والإيمان مخلوق، لأن العبد بجميع أفعاله مخلوق، ولا يجوز أن ~~يكون الإيمان اسما للهداية أو التوفيق وإن كان لا يوجد إلا بهما كما زعم ~~من قال ms07 إنه غير مخلوق، لأنه مأمور به، والأمر إنما يكون بما هو داخل تحت ~~قدرته، وما كان كذلك كان مخلوقا (1). # [الاستثناء في الإيمان] # قال: (والمؤمن مؤمن حقا، والكافر كافر حقا، وليس في الإيمان شك، كما أنه ~~ليس في الكفر شك، لقوله تعالى: ?أولئك هم المؤمنون حقا? [الأنفال: 4]، ~~و?أولئك هم الكافرون حقا? [النساء: 151]، والعاصون من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم كلهم مؤمنون وليسوا بكافرين). PageV01P050 # أقول: لما كان الإيمان أمرا حقيقيا معلوم الحد، وهو تصديق محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، والكفر على ضد ذلك، فمن قام به التصديق ~~فهو مؤمن حقا، ومن قام به خلافه فهو كافر حقا، كالقعود والسواد والبياض، ~~لما كانت معاني معلومة الحد كان الذات بها قاعدا أسود أبيض إذا وجدت ~~بحقيقتها، قال الله تعالى: ?أولئك هم المؤمنون حقا? [الأنفال: 4]، أتى ~~بالجملة الاسمية مبتدئا باسم الإشارة مفصلا بضمير الفصل معرفا بالخبر مؤكدا ~~بالمصدر، وقال: ?أولئك هم الكافرون حقا? [النساء: 151]، وكل ذلك يدل على ~~قيام الإيمان والكفر بهم حقيقة على ما عرف في موضعه. # قوله: (وليس في الإيمان شك) أي: لا يصح أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله، ~~وهذا لأن هذا الكلام إنما يلحق فيما يشك ثبوته في الحال، أو في معدوم على ~~خطر الوجود، لا فيما هو ثابت في الحال قطعا (1). PageV01P051 # وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله ~~(1). وهو قول الشافعي رحمه الله، واستدل بأنا لا نحمل هذا على الشك، بل على ~~التبرك، كقوله تعالى: ?لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله? [الفتح: 27]، ولم ~~يرد به الشك لأنه مستحيل على الله تعالى، بل هو للتبرك والتعليم، أو يحمل ~~على الشك في المآل لا في الحال، لأن الإيمان المنتفع به هو الباقي عند ~~الموت، وكل أحد شاك في ذلك، فنسأل الله إبقاءه عليه في تلك الحالة (2). PageV01P052 ### | AUTO والحق أن هذا الاختلاف بنائي، لأن الأعمال لما كانت من الإيمان ~~عند الشافعي رحمه الله (1)، كان حصول الشك ms08 في العمل يقتضي الشك في حصول ~~الإيمان. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه رحمهم الله تعالى لما كان ~~الإيمان عبارة عن التصديق، لم يكن الشك في العمل موجبا لوقوع الشك في ~~الإيمان. # [حكم مرتكب الكبيرة] # قوله: (والعاصون من أمة محمد عليه السلام كلهم مؤمنون) اختلف الناس في ~~مقترف الكبيرة عمدا غير مستحل لها ولا مستخف بمن نهى عنها، هل يبقى مؤمنا أو لا؟ PageV01P053 # فذهب أهل السنة إلى أنه لا يخرج من الإيمان لبقاء التصديق، والعاصي إذا مات ~~بغير توبة فهو في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بفضله وكرمه، أو ~~ببركة ما معه من الإيمان والطاعات، أو بشفاعة بعض الأخيار، وإن شاء عذبه ~~بقدر ذنبه صغيرة كان أو كبيرة، ثم عاقبة أمره الجنة، ولا يخلد في النار (1). # وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يسمى مرجئا لتأخيره أمر صاحب الكبيرة إلى ~~مشيئة الله تعالى، والإرجاء هو التأخير، وكان يقول: إني لأرجو لصاحب الذنب ~~الصغير والكبير، وأخاف عليهما (2). PageV01P054 # وذهب الخوارج إلى أن من عصى صغيرة أو كبيرة فهو كافر مخلد في النار، لقوله ~~تعالى: ?ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها? [النساء: ~~14]، والذنوب كلها في تحقيق اسم العصيان واحدة، وقال تعالى: ?واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين? [آل عمران: 131]، فلما كانت للكافرين فكل من أوعدها ~~فهو كافر، فثبت بمجموع الآيتين أن العاصي كافر، وحكمه الخلود في النار. # وقالت المعتزلة: إن كانت المعصية كبيرة فاسم مقترفها الفاسق لا المؤمن ~~ولا الكافر، فيخرج بها عن الإيمان ولا يدخل في الكفر، فيكون له منزلة بين ~~منزلتين، لأن الناس اختلفوا في تسميته، فالسنية قالوا: إنه مؤمن بما معه من ~~التصديق فاسق بما اكتسب من الذنب. والخوارج قالوا: إنه كافر وهو فاسق، ~~والحسن البصري قال: إنه منافق لمخالفة فعله قوله، ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «ثلاث من علامات النفاق: إذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا حدث ~~كذب» (1)، وهو فاسق، فاتفق الكل على إطلاق اسم الفاسق، واختلفوا فيما وراء ~~ذلك، فأخذنا بالمتفق ms09 عليه، وتركنا المختلف فيه، وحكمه أنه يخلد في النار إن ~~مات بغير توبة، لقوله تعالى: ?ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها? [النساء: 39]. PageV01P055 # وإن كانت المعصية صغيرة واجتنب الكبائر لا يجوز التعذيب عليها، لقوله ~~تعالى: ?إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ~~كريما? [النساء: 31]. # والصحيح ما ذهب إليه أصحابنا أهل السنة، لقوله تعالى: ?يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى? [البقرة: 178]، فسمى قاتل النفس عمدا ~~مؤمنا مع أنه كبيرة، وأبقى الأخوة الثابتة بالإيمان بقوله: ?فمن عفي له من ~~أخيه شيء? [البقرة: 178]، وما أخرج من استئهال التخفيف والرحمة بقوله: ?ذلك ~~تخفيف من ربكم ورحمة? [البقرة: 178]، والاستدلال بهذه الوجوه مروي عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما. # ولأن الله تعالى قال: ?يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ~~عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم? [التحريم: 8]، وقال: ?وتوبوا إلى الله ~~جميعا? [النور: 31]، والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال، والصغائر مع ~~اجتناب الكبائر مغفورة عندهم، فدل أنها في أصحاب الكبائر. PageV01P056 # ولأن الإيمان هو التصديق، والكفر هو التكذيب، ومن ارتكب كبيرة كان التصديق ~~معه باقيا، وما دام التصديق موجودا كان التكذيب معدوما لتضادهما، فبطل ~~القول بكفره والتكذيب معدوم، أو بزوال الإيمان والتصديق موجود، أو بثبوت ~~النفاق والتصديق في القلب باق، ولأن الفسق في اللغة الخروج، فمن خرج عن ~~ائتمار أمر من أوامر الله تعالى يكون فاسقا، والعصيان مخالفة الأمر فعلا لا ~~جحودا وتكذيبا، وليس من ضرورة مخالفة الأمر والخروج عن الائتمار التكذيب، ~~فكان التصديق باقيا، فكان مؤمنا ضرورة، والأخذ بالمتفق عليه وترك المختلف ~~فيه (1) خروج عن جميع أقاويل السلف فكان باطلا. # وإذا ثبت بقاء الإيمان فنقول: إنه يدخل الجنة لا محالة لقوله تعالى: ?إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا? [الكهف: 107]، ~~وصاحب الكبيرة مؤمن وقد عمل الصالحات. # والجواب عما تمسكوا به أن الأصل عندنا أن ما ورد من الآيات في الوعيد ~~مقرونا بذكر الخلود فهو في المستحلين لذلك، لما أنهم كفروا باستحلالهم ms10 ذلك ~~فأوعدوا على كفرهم في الحقيقة. وقد قيل في قوله تعالى: ?ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا? [النساء: 39] أي: متعمدا لإيمانه، أي: قصد قتله لأجل أنه مؤمن، ومن ~~هذا قصده يكون كافرا، فأما من لم يقصد لإيمانه فحكمه ما مر في قوله تعالى: ~~?يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى? [البقرة: 178]. # [العمل ليس جزءا من الإيمان] PageV01P057 ~~قال: (العمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل، بدليل أن كثيرا من الأوقات ~~يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال: ارتفع عنه الإيمان، فإن الحائض ~~رفع (1) الله سبحانه وتعالى عنها الصلاة، ولا يجوز أن يقال: رفع عنها ~~الإيمان وأمرها بترك الإيمان، وقد قال لها الشارع: دعي الصوم ثم اقضيه، ولا ~~يجوز أن يقال: دعي الإيمان ثم اقضيه، ويجوز أن يقال: ليس على الفقير ~~الزكاة، ولا يجوز أن يقال: ليس على الفقير الإيمان. وتقدير الخير والشر كله ~~من الله تعالى؛ لأنه لو زعم أحد أن تقدير الخير والشر من غيره لصار كافرا ~~بالله تعالى وبطل توحيده) # أقول: اختلف العلماء في أن الأعمال هل هي من الإيمان أم لا؟ فنفى ذلك ~~الإمام رحمه الله، وذهب إليه أهل الحديث، ويحكى ذلك عن مالك والشافعي ~~والأوزاعي وأهل الظاهر وأحمد بن حنبل رحمهم الله، فإنهم قالوا: الإيمان هو ~~التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان. ونقل أن المعتزلة جعلوا ~~الإيمان اسما للتصديق بالله وبرسوله وللكف عن المعاصي. PageV01P058 # ثم القائلون بأن الأعمال داخلة تحت اسم الإيمان اختلفوا: فقال الشافعي رحمه ~~الله: الفسق لا يخرج عن الإيمان، وهذا في غاية الصعوبة، لأنه إذا كان اسما ~~لمجموع أمور فعند فوات بعضها يفوت ذلك المجموع، إذ المجموع ينتفي بانتفاء ~~جزئه، فوجب أن ينتفي الإيمان (1). # وأما المعتزلة فأصلهم مطرد لأنهم قالوا: إن الفاسق يخرج من الإيمان ولا ~~يدخل في الكفر كما تقدم، وتشبثوا على مدعاهم بقوله تعالى: ?وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم? [البقرة: 143]، ووجه الاستدلال أنه لو لم يكن العمل من ~~مفهوم الإيمان لم يكن العمل نفس مدلول الإيمان ولا جزء مدلوله ولا لازم ~~مدلوله، ms11 فلم يصح إطلاق الإيمان عليه، لكن أطلق الله الإيمان عليه بقوله: ~~?وما كان الله ليضيع إيمانكم? [البقرة: 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس ~~بالنقل عن المفسرين، فيكون العمل إيمانا. PageV01P059 # والجواب: أنا لا نسلم أنه أطلق الإيمان على الصلاة، بل معناه التصديق أيضا، ~~أي: ما كان الله ليضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس، فلم يطلق الإيمان ~~على العمل. # وأيضا هذا الدليل مقلوب بأن يقال: لو كان العمل جزء مفهوم الإيمان لم يصح ~~إطلاق الإيمان عليه، وقد أطلق. لا يقال: لا نسلم أنه لو كان العمل جزء ~~مفهوم الإيمان لم يصح إطلاقه عليه، فإنه يصح إطلاق اسم الكل على الجزء ~~مجازا، لأنا نقول حينئذ يكون حمل الإيمان على الصلاة وحدها بطريق المجاز، ~~والأصل عدمه، فالترجيح معنا لما فيه من مراعاة معنى اللغة، لأنه في اللغة ~~التصديق لا العبادة. # ولنا أن الأعمال عطفت على الإيمان في غير موضع، قال الله تعالى: ?الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة? [البقرة: 3]، وقال تعالى: ?إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات? [البقرة: 277]، وأمثالهما كثيرة، والمعطوف يغاير المعطوف عليه. # فإن قيل: العمل جزء لمفهوم الإيمان، والجزء مغاير للكل، فلا يلزم من عطف ~~العمل على الإيمان خروج العمل عن مفهوم الإيمان. PageV01P060 # أجيب: بأنا لا نسلم أن الجزء مغاير للكل، فلو سلم فلو لم يكن (1) العمل ~~خارجا عن الإيمان لزم تكرار بلا فائدة، ولأنه شرط لصحة الأعمال، قال الله ~~تعالى: ?ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن? [طه: 112]، والشرط يغاير المشروط، ~~وقد خاطب الله تعالى باسم الإيمان ثم أوجب الأعمال فقال: ?يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم? [البقرة: 178 و183]، وذا دليل التغاير وقصر اسم الإيمان ~~على التصديق، ولهذا فزع أعداء الله لما عاينوا العذاب إلى التصديق دون غيره ~~من الأعمال، نحو قول الله تعالى حكاية عن فرعون حين أدركه الغرق: ?آمنت أنه ~~لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل? [يونس:90]، وعن قوم يونس: ?آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين? [غافر: 84]. # وقد استدل الإمام رحمه الله تعالى في المتن بجواز ارتفاع الأعمال ms12 عن ~~المؤمن كارتفاع الصلاة عن الحائض والصوم عنها، وسقوط الزكاة والحج عن ~~الفقير، والصلاة عن المريض العاجز عن الإيماء، مع عدم ارتفاع الإيمان عنهم، ~~فلو كان العمل إيمانا لم يكن الفقراء كلهم مؤمنين، وهذا خلف من القول. PageV01P061 ### | AUTO (واعلم أن تقدير الخير والشر كله من الله تعالى) لأنه خالق جميع ~~الممكنات، ومن جملته الشر، فيكون خالقا له أيضا، فمن زعم أن الشر لا يكون ~~من الله تعالى يكون كافرا لإشراكه بالله تعالى، ولهذا قال الإمام رحمه الله ~~تعالى: (لأنه لو زعم أحد أن تقدير الخير والشر من عنده لصار كافرا بالله ~~تعالى وبطل توحيده) وكيف ذلك وقد قال الله تعالى:?إنا كل شيء خلقناه بقدر? ~~[القمر: 49]، وقال تعالى: ?قل كل من عند الله? [النساء: 78]، وقال النبي ~~عليه السلام: «القدر خيره وشره من الله تعالى» (1) وهو حديث مشهور، وتمام ~~البحث في هذا يجيء مستوفى في الفصل الذي يليه إن شاء الله تعالى. # [الأعمال فرائض وفضائل ومعاص] # قال: (والثاني: نقر بأن الأعمال ثلاثة: فريضة وفضيلة ومعصية (2)). PageV01P062 # أقول: أراد بالأعمال ما يتعلق بالآخرة يثاب به أو يعاقب عليه، وإلا ~~فالأعمال ليست منحصرة في ثلاثة. # والفريضة مشتقة من الفرض، وهو القطع والتقدير، قال الله تعالى: ?سورة ~~أنزلناها وفرضناها? [النور: 1] أي: قدرنا وقطعنا الأحكام فيها، وكل ما ثبت ~~بدليل قطعي لا شبهة فيه يسمى فرضا وفريضة، لأنه مقطوع علينا، فيكفر جاحده ~~ويفسق تاركه. # والفضيلة من الفضل، وهو الزيادة، والمراد به السنن والنوافل، والسنة ~~نوعان: سنة الهدى وتاركها يستوجب إساءة، كالجماعة والأذان. وزوائد وتاركها ~~لا يستوجب إساءة، كسير النبي عليه السلام في لباسه وقيامه وقعوده. # والنفل: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. # فإن قيل: هذا التقسيم ينبئ أن المشروعات عند الإمام أيضا ثلاثة، كما هي ~~عند الشافعي، لأنه ما ذكر الواجب. أجيب: بأنه يمكن أن يكون الواجب داخلا ~~تحت الفريضة، لأنه فرض عنده عملا (1). # والمعصية: فعل قبيح منهي عنه يعاقب بإتيانه. PageV01P063 # قال: (فالفريضة بأمر الله ومشيئته ومحبته ورضاه وقضائه وقدره وتخليقه وحكمه ~~وعلمه وتوفيقه وكتابته ms13 في اللوح المحفوظ (1)، والفضيلة ليست بأمر الله ~~تعالى، ولكن بمشيئته ومحبته ورضاه وقضائه وقدره وحكمه وعلمه وتوفيقه ~~وتخليقه وكتابته (2) في اللوح المحفوظ (3)). # أقول: اتفق المسلمون على أن الفرض إنما هو بأمر الله تعالى، لكنهم ~~اختلفوا في مدلول الأمر، فذهبت المعتزلة إلى أن مدلول الأمر هو الإرادة، ~~فكل ما أمر الله به أراد وجوده، وكل ما لم يرد لم يأمر به. # وذهب أهل السنة إلى أن الأمر قد ينفك عن الإرادة، كالحاكم إذا قتل ابنه ~~رجلا عمدا فإنه يأمر بقتله ولا يكون مريدا له، والمنازع مكابر مقتضى ~~الوجدان. # وعرفوه (4) بأنه قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: افعل. PageV01P064 # والمشيئة والإرادة واحدة عند المتكلمين خلا الكرامية (1) فإنهم قالوا: ~~المشيئة: صفة أزلية واحدة لله تعالى، وإرادته حادثة في ذاته متعددة على عدد ~~المرادات، يحدث كل إرادة منها قبل حدوث ما هو المراد بها، ثم يعقبها حدوث ~~ما هو المراد بها، وهو باطل، لأن الإرادة لو حدثت في ذات الباري لكان محلا ~~للحوادث، وهو يؤدي إلى القول بحدوث الباري، وهو باطل بالاتفاق. # وذهبت المعتزلة إلى أن إرادته قائمة بذاتها حادثة لا في محل، وهو محال، ~~لأن وجود كل محدث موقوف على تعلق الإرادة به، فلو كانت الإرادة محدثة ~~احتاجت إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل. وأيضا فإن الإرادة الحادثة صفة، وقيام ~~الصفة بنفسها غير معقول. # وفسرها الكعبي (2) بأنه إذا وصف الله تعالى بالإرادة، فإن كان ذلك فعله ~~فمعناه أنه فعل وهو غير ساه ولا مكره ولا مضطر، وإن كان فعل غير الله ~~فمعناه أنه أمر به. وهو مبني على أن الإرادة مدلول الأمر، وقد مر بطلانه. PageV01P065 # وقال النجار (1): إنه غير مغلوب ولا مستكره. وهو فاسد، لأن الجماد غير ~~مغلوب ولا مستكره، مع أنه ليس بمريد. # وعندنا هي صفة توجب تخصيص المفعولات بوجه دون وجه ووقت دون وقت. إذ لولا ~~الإرادة لوقعت المفعولات كلها في وقت على صفة واحدة، لا سيما عند تجانس ~~المفعولات، ولما كان وقت لوجوده أولى من وقت، ولا كيفية ولا كمية أولى مما ms14 ~~سواهما، فإذا خرجت على الترتيب والتوالي على حسب ما تقتضيه الحكمة البالغة ~~كان ذلك دليلا على اتصاف الفاعل بالإرادة، قال الله تعالى: ?ويفعل الله ما ~~يشاء? [إبراهيم: 37]، وقال: ?يحكم ما يريد? [المائدة: 1]، وقال: ?يريد الله ~~بكم اليسر? [البقرة: 185]، فيبطل به قول منكرها. # والرضا من الله: هو إرادة الثواب على الفعل أو ترك الاعتراض. والمحبة ~~قريب منه. # والقضاء: عبارة عن وجود جميع المخلوقات في الكتاب المبين واللوح المحفوظ ~~مجتمعة ومجملة على سبيل الابتداع. PageV01P066 # والقدر: عبارة عن وجودها منزلة في الأعيان بعد حصول شرائطها مفصلة واحدا ~~بعد واحد على سنن القضاء. وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ?وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم? [الحجر: 21] (1). # والتخليق: هو التكوين، وهو عندنا صفة غير القدرة، خلافا للأشعرية (2) PageV01P067 ~~، وقد استخرجه علماءنا من قوله تعالى: ?إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون? [النحل: 40]، والحاصل من مفهومه أن القدرة نسبتها إلى جانب ~~الوجود والعدم سواء (1)، والتكوين إنما هو باعتبار النظر إلى جانب الوجود. # وحكمه وعلمه وتوفيقه كلها صفات أزلية ثابتة لذاته تعالى وتقدس، والفريضة ~~مستلزمة لها كلها. # والفضيلة ليست بأمر الله (2)، وإلا لكانت فريضة، لكنها بمشيئته ومحبته ~~ورضائه وقضائه وقدره وحكمه وعلمه وتوفيقه بإعطاء سلامة الأسباب والاستطاعة ~~المقارنة وتخليقه أي تكوينه، لأن الله تعالى خالق أفعال العباد كما سيجيء ~~البحث في ذلك، وكتابته في اللوح المحفوظ. # قال: (والمعصية ليست بأمر الله ولكن بمشيئته لا بمحبته، وبقضائه لا ~~برضاه، وبتقديره لا بتوفيقه، وبخذلانه وعلمه وكتابته في اللوح المحفوظ). # أقول: اختلفوا في أن المعصية هل هي بإرادة الله تعالى أو لا؟ فذهب أهل ~~السنة إلى الأول، والمعتزلة إلى الثاني، ثم اختلفوا في المباحات، فمنهم من ~~زعم أنه تعالى مريد لها، ومنم من زعم أنه تعالى غير مريد لها، والحاصل أن ~~عند المعتزلة: كل ما أمر الله تعالى به أراد وجوده وإن علم أنه لا يوجد، ~~وكل ما نهى عنه كره وجوده وأراد أن لا يوجد وإن علم أنه يوجد. PageV01P068 # وعندنا كل ما علم ms15 الله تعالى أنه يوجد أراد وجوده، سواء أمر به أو لم يأمر، ~~وما علم أنه لا يوجد لم يرد وجوده، سواء أمر به أو لم يأمر، فالله سبحانه ~~أراد الكفر من الكافر كسبا له قبيحا مذموما، وكذا في غيره من المعاصي. ~~وإليه ذهب الأشعري. # تمسك المعتزلة بقوله تعالى: ?وما الله يريد ظلما للعباد? [غافر: 31]، ~~فإنه نص في نفي إرادة الظلم، وعندكم هو مريد للكل ظلما كان أو غيره، وبأن ~~إرادة السفه وما لا يرضى به والأمر بما لا يريد سفه في الشاهد فكذا في ~~الغائب. # ولنا قوله تعالى: ?فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا? [الأنعام: 125]، أخبر أنه يريد ضلال بعض ويجعل ~~ما به يحصل ضلاله، وهو ضيق القلب. وقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ~~?ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم? [هود: ~~34]، فإنه نص في إرادة الإغواء. وقوله تعالى: ?ولو شاء الله ما أشركوا? ~~[الأنعام: 107]، ?ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا? [يونس: 99]، ~~فعندهم الله شاء عدم شركهم ومع ذلك أشركوا، وشاء إيمان من في الأرض وما ~~آمنوا، وهو تكذيب لله تعالى في خبره، وهو كفر. PageV01P069 # والجواب عما تمسكوا به من الآية أن أهل اللغة قالوا: إذا قيل: لا أريد ~~ظلمك، فمعناه: لا أريد أن تظلم أنت من غير تعيين الفاعل، وإذا قيل: لا أريد ~~ظلما لك، فمعناه لا أريد أن أظلمك، ونحن نقول: لا يريد الله أن يظلم أحدا، ~~فهذا اللفظ وإن احتمل المعنيين، فنحن نعين أحدهما، وهو أن المراد: لا أريد ~~أن أظلمك، بما مر من الدلائل، فيكون معنى الآية: وما الله يريد أن يظلم ~~عباده فيعذبهم بغير ذنب، أو يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب. # وعن المعقول أن إرادة السفه وما لا يرضى به حكمة إذا تعلقت به حميدة، وهي ~~تحقيق ما علم على ما علم، والأمر بما لا يريد ليتحقق به علمه، وهو واقع، ~~فإن ms16 إبراهيم عليه السلام أمر بذبح الولد بدليل: ?يا أبت افعل ما تؤمر? ~~[الصافات: 102]، وإرادة الله تعالى أن لا يوجد ذبح ولده، بل ذبح الكبش. على ~~أن السفه عند الأشعري ما نهي عنه، ولا نهي لأحد على الله تعالى، فلا يتصور ~~في فعله السفه. # روي أن جماعة من القدرية دخلوا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى شاهرين ~~سيوفهم، فقالوا: أنت الذي يقول: إن الله تعالى شاء الكفر من عباده، ثم ~~يعاقبهم على ذلك؟ فقال رحمه الله تعالى: أتحاربون بسيوفكم أم تناظرون ~~بعقولكم؟ فقالوا: نناظر بعقولنا، وغمدوا سيوفهم، فقال: أخبروني، هل علم ~~الله في الأزل ما يوجد من هؤلاء أم لا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا علم الله ~~منهم الكفر، فهل شاء أن يحقق علمه كما علم أم شاء أن يصير علمه جهلا. ~~فعرفوا صحة كلامه وبطلان مذهبهم، فرجعوا عن ذلك وتابوا. # فإن قيل: لو كان الكفر مرادا لوجب الرضا به، والرضا بالكفر كفر، وأيضا لو ~~كان الكفر مرادا لكان الكافر مطيعا بكفره، لأن الطاعة تحصيل مراد المطاع. PageV01P070 # فالجواب عن الأول: أن الرضا بالكفر من حيث هو قضاء الله طاعة، والرضا ~~بالكفر من هذه الحيثية ليس بكفر. # وعن الثاني: أن الطاعة موافقة الأمر، والأمر غير الإرادة، فالطاعة تحصيل ~~المأمور به لا تحصيل المراد. # قيل في بيان كيفية وقوع الشر في قضائه تعالى أن الأمور الممكنة في ~~الوجود، منها أمور يجوز أن يتعرى وجودها عن الشر أصلا كالملائكة، ومنها ~~أمور لا يمكن أن تكون فاضلة فضيلتها اللائقة بها إلا وتكون بحيث يعرض منها ~~شر عند ملاقاتها لما يخالفها، وذلك مثل النار، فإنها لا تفضل فضيلتها ولا ~~تكمل معاونتها في تكميل الوجود، إلا أن تكون تؤذي وتؤلم ما يتفق لها ~~مصادمته من أجسام حيوانية، وتكون بحيث يعرض منها تفريق أجزاء بعض المركبات ~~بالإحراق. # والأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى: ما لا شر فيه، وإلى ما يغلب ~~الخير فيه على شره وهما قد ذكرناهما ، وإلى ما يكون شرا على الإطلاق، وإلى ~~ما يكون الشر فيه غالبا، ms17 وإلى ما يتساوى فيه الخير والشر. PageV01P071 # وإذا كان الجود المحض الإلهي مبدأ لفيضان الوجود الخيري الصواب، كان وجود ~~القسم الأول واجبا فيضانه، مثل وجود الجواهر العقلية، وكذا القسم الثاني ~~يجب فيضانه، فإن ترك الخير الكثير تحرزا من شر قليل شر كثير، وذلك مثل ~~النار والأجسام الحيوانية، فإنه لا يمكن أن تكون لها فضيلتها إلا أن تكون ~~بحيث يمكن أن تتأدى أحولها في حركاتها وسكناتها إلى اجتماعات ومصادمات ~~مؤذية، وأن تتأدى أحوالها وأحوال الأمور التي في العالم إلى أن يقع لها خطأ ~~عقد ضار في المعاد أو في الحق أو فرط هيجان غالب عاجل من شهوة أو غضب ضار ~~في أمر المعاد، وتكون القوى المذكورة لا تغني غناها، إلا أن تكون بحيث لها ~~عند التلاقي مثل هذه الأشياء، ويكون ذلك (1) في أشخاص أقل من أشخاص ~~السالمين وأوقات أقل من أوقات السلامة، ولأن هذا معلوم في العناية الأولى، ~~فهو كالمقصود بالعرض، فالشر داخل في القدرة بالعرض، كأنه مرضي به بالعرض. # وفي الجملة الحاصل في المذهب أن كل حادث كان بإرادة الله على أي وصف كان، ~~إلا أن الطاعة بمشيئته وإرادته ورضاه ومحبته وأمره وقضائه وقدره، والمعصية ~~بقضائه وقدرته وإرادته ومشيئته، وليس بأمره ورضاه ومحبته، لأن محبته ورضاه ~~يرجعان إلى كون الشيء مستحسنا، وذا يليق بالطاعات دون المعاصي. PageV01P072 # وعند الأشعري المحبة والرضا بمعنى الإرادة، فيعمان كل موجود كالإرادة (1)، ~~وأول قوله تعالى: ?ولا يرضى لعباده الكفر? [الزمر: 7] بعباده المؤمنين ~~بدليل الإضافة إليه. والحق ما ذكرناه. PageV01P073 ### | AUTO [الاستواء على العرش] # قال: (والثالث: نقر بأن الله تعالى على العرش استوى (1)، من غير أن تكون ~~له حاجة واستقرار عليه (2)، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو ~~كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين، ولو كان محتاجا ~~إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله؟ تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا). PageV01P074 # أقول: اعلم أن العالم وهو ما سوى الله تعالى محدث، لأنه متغير، وكل متغير ~~حادث، وحينئذ يستحيل أن يكون الباري تعالى وتقدس ms18 متمكنا في مكان، لأن ~~العراء عن المكان ثابت في الأزل، إذ هو غير المتمكن، وقد تبين أن ما سوى ~~الله حادث، فلو تمكن بعد خلق المكان لتغير عما كان عليه، ولحدث فيه مماسة، ~~والتغير وقبول الحوادث من أمارات الحدث، وهو على القديم محال (1)، وإلى هذا ~~أشار بقوله: «فقبل خلق العرش أين كان الله؟» (2) PageV01P075 ~~وذهبت المشبهة والمجسمة والكرامية إلى أنه تعالى متمكن على العرش، واحتجوا ~~بقوله تعالى: ?الرحمن على العرش استوى? [طه: 5]، وبأنه موجود قائم بنفسه، ~~والعالم موجود قائم بنفسه، ولن يعقل القائمان بأنفسهما من غير أن يكون ~~أحدهما في جهة من صاحبه. # والجواب: أن الآية من المتشابهات (1) PageV01P076 ~~، وما يكون كذلك لا يصلح دليلا على أمر قطعي، والدلائل العقلية مخالفة، على ~~أن مذهب السلف الذين كانوا متجشمين بخرط القتاد وعرق القربة (1) PageV01P077 ~~في إظهار ما هو الحق في أمر الدين في المتشابهات التصديق وتفويض تأويلها ~~إلى الله تعالى، وما ذلك إلا لتعذر إدراكها، وأما على مذهب الخلف فإنه لا ~~تكون ثبتا أيضا، لأن الآية محتملة، فإن الاستواء جاء بمعنى التمام، كما قال ~~تعالى: ?ولما بلغ أشده واستوى? [القصص: 14]، والاستيلاء كقول الشاعر: # قد استوى بشر على العراق ... ... من غير سيف ودم مهراق (1) PageV01P078 ~~والاستقرار كقوله تعالى: ?واستوت على الجودي? [هود: 44]، ومع الاحتمال لا ~~يكون حجة، لأن تأويل كل مجتهد لكونه ثابتا بالرأي لا يكون حجة على غيره، ~~على أن الترجيح للاستيلاء لأنه تعالى تمدح به، والاستواء للمدح فيما بينهم ~~يفهم منه الاستيلاء، وتخصيصه باعتبار أعظم المخلوقات (1) PageV01P079 ~~وقولهم: القائمان بالذات يكون كل واحد منهما بجهة من صاحبه لا محالة. قلنا: ~~مطلقا أم بشرط تناهيهما؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، لكن التناهي على ~~الباري محال. # وكلام الإمام رحمه الله يشير إلى مذهب السلف، فإنه قال: «نقر بأن الله ~~استوى على العرش من غير أن يكون له حاجة واستقر عليه» أي: من غير أن استقر ~~عليه، فإنه أقر بالمحتمل (1) وصدقه واعتقد حقيته فيما هو عند الله تعالى، ~~وأنكر المحتمل المخالف لدليل العقل (2)، ونفى في ضمن ذلك الاحتياج عن ms19 ~~الباري تعالى، لأن الاحتياج يستلزم الاستكمال، وهو على الله محال. PageV01P080 ### | AUTO [القرآن كلام الله غير مخلوق] # قال: (والرابع (1): نقر بأن القرآن كلام الله غير مخلوق ووحيه وتنزيله، ~~لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التحقيق، مكتوب في المصاحف، مقروء ~~بالألسنة، محفوظ في الصدور، غير حال فيها، والحبر والكاغد والكتابة كلها ~~مخلوقة لأنها أفعال العباد، وكلام الله سبحانه وتعالى غير مخلوق، لأن ~~الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن لحاجة العباد إليها، وكلام ~~الله تعالى قائم بذاته، ومعناه مفهوم بهذه الأشياء، فمن قال بأن كلام الله ~~تعالى مخلوق فهو كافر (2) بالله العظيم، والله تعالى معبود لا يزال عما ~~كان، وكلامه مقروء ومكتوب ومحفوظ من غير مزايلة عنه). # أقول: إجماع الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم وسلامه وتوافقهم تواتر على ~~أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي واحد، وثبوت نبوتهم غير متوقف على كلامه ~~تعالى، لأن الأنبياء عليهم السلام إذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة على ~~وفق دعواهم يعلم صدقهم من غير أن يتوقف صدقهم على كلامه تعالى، فيجب ~~الإقرار بكلامه تعالى. PageV01P081 # واتفق المسلمون على إطلاق لفظ المتكلم على الله، واختلفوا في معناه، فعندنا ~~كلامه تعالى صفة قائمة بذاته غير مخلوقة ليست من جنس الحروف والأصوات، غير ~~متجز مناف للسكوت والخرس مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور ~~غير حال فيها لا هو ولا غيره كسائر صفاته المقدسة عن شائبة الحدوث والحلول ~~والتغير، وهو به آمر ناه مخبر وليس ببدع حيث المرجع واحد، وهو الإخبار، إذ ~~الأمر عبارة عن تعريف أنه لو فعله استحق المدح ولو تركه استحق الذم، والنهي ~~بالعكس، وقد جاز في الشاهد كمن اصطلح مع غلمانه أنه إذا قال: «زيد»، كان ~~أمرا بالصوم لبشر بالنهار، وأمرا بالفطر في الليل، ونهيا عن الخروج، ~~وإخبارا بدخول الأمير البلد، واستخبارا من مبارك عن أولاده، ثم قال: «زيد»، ~~فهم منه هذه الأشياء كلها، فكان أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا بلا استحالة، ~~فكذا في الغائب. # والحبر والكاغد (1) والعبارات مخلوقة لأنها أفعال العباد، وسيأتي كونها ~~مخلوقة لله تعالى، ms20 وسميت العبارات كلام الله تعالى لأنها دلالة على كلام ~~الله لحاجة العباد إليها، فإن معناه إنما يفهم بها، فإن عبر عنه بالعربية ~~فهو قرآن لأنه علمه بالغلبة (2)، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وإن عبر ~~عنه بالسورية (3) فهو إنجيل، واختلاف العبارات لا يستلزم اختلاف الكلام، ~~كما أن الله يسمى بعبارات مختلفة مع أن ذاته واحدة. PageV01P082 # وقالت المعتزلة: كلام الله تعالى مخلوق غير قائم بذاته، وقبل خلقه ما كان ~~متكلما، وإنما صار متكلما بإحداث الحروف في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ~~?إنا جعلناه قرءانا عربيا? [الزخرف: 3]، والجعل والتخليق واحد، ولأن الكلام ~~في الشاهد من جنس الحروف والأصوات، ففي الغائب كذلك، ويستحيل قيام الصوت ~~والحرف بالقديم. # والجواب: أن الآية محمولة على العبارات المحدثة، ولا ننازعهم في ذلك، ~~ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «القرآن كلام الله غير مخلوق» (1)، ~~وقولهم: «الكلام في الشاهد من جنس الحروف والأصوات» ممنوع، بل الكلام في ~~الشاهد هو المعنى القائم بالذات، بدليل قول الأخطل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وكذا أخبر الله عن اليهود بقوله: ?ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله ~~بما نقول? [المجادلة: 8]، أي: يقولون في قلوبهم: لولا يعذبنا الله بما نقول ~~لمحمد في خبثنا إياه. ويقول الرجل لغيره: لي معك كلام أريد أن أخبرك به (2) PageV01P083 ~~ولأن التعري عن الكلام لو ثبت في الأزل ثم اتصف به لتغير به عما كان عليه، ~~وهو من أمارات الحدث. # وقالت الحنابلة والكرامية: كلام الله تعالى ليس غير الحروف المؤلفة ~~والأصوات المقطعة وأنه حال في المصاحف والألسنة، ومع ذلك هي قديمة، لأن ~~كلام الله مسموع، لقوله تعالى: ?فأجره حتى يسمع كلام الله? [التوبة: 6]، ~~وقد دل الدليل على أن كلامه قديم، فوجب أن تكون الحروف المسموعة قديمة، وهو ~~باطل، لأنها تتوالى ويقع بعضها مسبوقا ببعض (1)، وكل مسبوق حادث، والآية ~~محمولة على العبارات المحدثة كما تقدم. # فإن قيل: أخبر الله عن أمور ماضية كقوله تعالى: ?إنا أرسلنا نوحا? [نوح: ~~1]، وقال تعالى: ?إنا أنزلناه?، وهو إنما يصح إذا سبق ms21 المخبر عنه على ~~الخبر، وإلا يلزم الكذب، وإن سبق يكون الأزلي مسبوقا بغيره، وهو محال. # والجواب: أن إخبار الله تعالى لا يتعلق بزمان، لأنه أزلي، والمخبر عنه ~~متعلق بزمان، والتغير على المخبر عنه لا على الإخبار الأزلي، كما أن الله ~~تعالى كان عالما في الأزل بأنه سيخلق العالم، ثم لما خلقه فيما يزال كان ~~عالما به بأنه قد خلقه، والتغير على المعلوم لا على العلم عندنا، ولا على ~~الذات عندهم. PageV01P084 # ثم عند الشيخ أبي منصور الماتريدي: كلامه غير مسموع لاستحالة سماع ما ليس ~~بصوت، إذ السماع في الشاهد يتعلق بالصوت ويدور معه وجودا وعدما، وذكر في ~~«التأويلات» (1) أن موسى عليه السلام سمع صوتا يدل على كلام الله تعالى، ~~وخص بكونه كليم الله لأنه سمع من غير واسطة الكتاب والملك، لا أنه ليس فيه ~~واسطة الصوت والحرف. # وعند الشيخ أبي الحسن الأشعري كلامه مسموع لما أن كل موجود كما يجوز أن ~~يرى يجوز أن يسمع. وعند ابن فورك عند قراءة القارئ شيئان: صوت القارئ وكلام ~~الله تعالى. # وقول الإمام رحمه الله تعالى: (غير حال فيها) أي: في المصاحف والألسن ~~والصدور، (والحبر والكاغد والكتابة مخلوقة) إشارة إلى نفي مذهب الحنابلة، ~~(فمن قال بأن كلام الله تعالى مخلوق فهو كافر) إشارة إلى رد مذهب المعتزلة، ~~وقوله: (بالله العظيم) متعلق ب (كافر)، ويمكن أن يكون قسما. # قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: ناظرت أبا حنيفة في خلق القرآن ستة أشهر ~~فاتفق رأيي ورأيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر (2) PageV01P085 ### | AUTO والله أعلم بالصواب. # [أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم] # قال: (والخامس: نقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين، ~~لقوله تعالى: ?والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم? ~~[الواقعة: 10 12]، وكل من كان أسبق فهو أفضل، ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم ~~كل منافق شقي). # أقول: أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة ms22 بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وأكثر المعتزلة وجميع الروافض ~~يزعمون أن أفضل الأمة علي كرم الله وجهه، والإمامية يزعمون أن من سوى علي ~~وابنيه وفاطمة ونفر يسير من الصحابة ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. # لنا أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا في زمن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم. أورده البخاري في «الصحيح» (1). # وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول ~~قائل: أنا، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (2). # وعن عمرو بن العاص أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب ~~إليك؟ قال: «عائشة». قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها». قلت: ثم من؟ قال: «عمر» (3). PageV01P086 # وقالت امرأة: إن جئت ولم أجدك كأنها تريد الموت ؟ قال: «إن لم تجديني فأتي ~~أبا بكر» (1). والأحاديث في الصحاح. # وقال عمر: أبو بكر سيدنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أنت صاحبي في الغار وصاحبي ~~على الحوض» (3). # وقال: «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره» (4). # وقال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر» (5). # وقال صلى الله عليه وسلم بمحضر من الصحابة: «وما فضلكم أبو بكر بكثرة ~~الصيام والصلاة، ولكن فضلكم بشيء وقر في قلبه» (6) PageV01P087 ~~ولما خرج من الغار قال: «أبشر يا أبا بكر، فإن الله يتجلى للناس عامة ولك ~~خاصة» (1). # والأحاديث الصحيحة الواردة في فضائل أبي بكر كثيرة، ولا يخفى أن من أوتي ~~طبعا سليما وعقلا مستقيما لا حاجة له إلى ذلك، فإن تواتر كونه صديقا يكفي ~~مؤونة أفضليته رضي الله تعالى عنه. # ثم بعده عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه قال صلى الله ms23 عليه وسلم: «لو كان ~~بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» (2). # وقال عليه السلام: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين ~~والآخرين إلا النبيين والمرسلين» (3). # وقال عليه السلام: «ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من ~~أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبرئيل وميكائيل، وأما وزيراي من ~~أهل الأرض فأبو بكر وعمر» (4). # وقال: «إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر» (5). PageV01P088 # وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني لواقف في قوم فدعوا (1) الله لعمر، ~~وقد وضع على سريره (2)، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: ~~يرحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرا ما كنت أسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر ~~وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجت وأبو بكر وعمر، ~~فالتفت فإذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (3). # ثم بعده عثمان رضي الله تعالى عنه، هو الظاهر من مذهب أصحابنا، بخلاف ما ~~روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه كان يفضل عليا على عثمان رضي الله ~~تعالى عنهما (4). # وجه الظاهر قوله عليه السلام: «ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة» ~~حين سألته عائشة رضي الله تعالى عنها عن تسوية ثيابه وجلوسه بدخول عثمان ~~رضي الله تعالى عنه، ولم يفعل ذلك بدخول أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما (5). # وقوله عليه السلام: «لكل نبي رفيق، ورفيقي يعني في الجنة عثمان» (6) PageV01P089 ~~وروى أبو داود (1) عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. ثم ~~خشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول: عثمان، فقلت: ثم أنت يا أبت؟ فقال: ما أنا إلا ~~رجل من المسلمين. فخشية محمد بن الحنفية عن قول علي: «ثم عثمان» دليل على ~~أنه عرف رأي أبيه أنه كان يفضل عثمان على نفسه. # وفضائله ms24 من بين الصحابة كتجهيز جيش العسرة، وإقامة النبي صلى الله عليه ~~وسلم يده مقام يده في بيعة الرضوان (2)، وتزويج النبي عليه السلام ببنتيه ~~رقية وأم كلثوم منه، وجمعه القرآن، مشهورة. # ثم بعده علي كرم الله وجهه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحبك إلا ~~مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق شقي» (3). # وقوله عليه السلام: «إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن» (4). # وقوله عليه السلام: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» (5). PageV01P090 # وكان عند النبي عليه السلام طير مشوي، فقال: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ~~يأكل معي هذا الطير»، فجاء علي رضي الله عنه فأكل معه (1). # وقال صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح على ~~يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، ثم أعطى الراية عليا رضي الله ~~تعالى عنه (2). # وقد استدل الإمام على أفضليتهم بقوله تعالى: ?والسابقون السابقون * أولئك ~~المقربون? [الواقعة: 10 11]، ولا شك أن من كان أسبق كان أفضل. # وقوله: (ويحبهم كل مؤمن تقي) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» (3)، ولا شك أنه لا يحبهم ~~بحبه عليه السلام إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهم إلا منافق شقي. # ثم قيل: لا يفضل أحد بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلا بالعلم ~~والتقوى. وقيل: فضل أولادهم على ترتيب فضل آبائهم، إلا أولاد فاطمة رضي ~~الله تعالى عنها فإنهم يفضلون على أولادهم لقربهم من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولأنهم العترة الطاهرة والذرية الطيبة الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا. # وإنما تصدى الإمام لبيان أفضليتهم، ولم يذكر ترتيب خلافتهم، لأن ثبوت ~~الأفضلية لواحد منهم مستلزم لتعينه للإمامة، لأن إمامة المفضول مع وجود ~~الفاضل لا يجوز عندهم. PageV01P091 ### | AUTO [خلق أفعال العباد] # قال: (السادس: نقر بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان ~~الفاعل مخلوقا فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة). # أقول: قال أهل السنة: أفعال العباد وجميع الحيوانات مخلوقة لله تعالى، لا ~~خالق لها غيره، وهو مذهب الصحابة ms25 والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. # وقالت المعتزلة: هم موجدون لأفعالهم الاختيارية، وكانوا لا يتجاسرون على ~~تسمية العبد خالقا إلى أن نشأ الجبائي، فرأى أن لا فرق بين الإيجاد والخلق، ~~فسمى العباد خالقين لأفعالهم، ولم يبال بخرق الإجماع. PageV01P092 # وقال الجبرية ورئيسهم جهم بن صفوان الترمذي، وهو مذهب أبي الحسن الأشعري ~~(1): لا فعل للعبد أصلا ولا اختيار ولا قدرة لهم على أفعالهم، وهي كلها ~~اضطرارية كحركات المرتعش وحركات العروق النابضة، وإضافتها إلى الخلق مجاز، ~~وهي على حسب ما يضاف إلى محله لا إلى محصله، فعندهم: جاء زيد وذهب عمرو، ~~كقولك: طال الغلام وابيض الشعر. ومبنى المذهبين أي الجبرية والقدرية أصل ~~لهما، وهو أن دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين محال اعتبارا بالشاهد الذي ~~هو دليل الغائب، وهذا لأن ما كان مقدورا للقادر لا بد وأن يحصل عندما يدعوه ~~الداعي إلى فعله، وأن لا يحصل عندما يصرفه الصارف عن فعله، فلو فرضنا ~~مقدورا واحدا بين قادرين، وحصل الداعي إلى الفعل في حق أحدهما، وحصل الصارف ~~عن الفعل في حق الآخر، لزم أن يوجد ذلك الفعل وأن لا يوجد، وهذا محال، ~~فالقول بوجود مقدور تحت قدرة قادرين محال. PageV01P093 # وإذا عرف هذا فالجبرية قالوا: لا قدرة للعبد على الاختراع لما تبين، فكان ~~الله مخترعها ضرورة. وقالت المعتزلة: قدرة العبد على الأفعال ثابتة ضرورة ~~الأمر بها بقوله: ?وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة? [البقرة: 43] وغيرهما، ~~والأمر للعاجز محال، فانتفت قدرة الباري عنها ضرورة. # ثم احتج كل واحد من الفريقين على ما ادعاه بالمعقول والمنقول، وأجاب عما ~~ادعاه الآخر، فقال الأولون: الأول: لو كان الفعل باختيار العبد وقدرته، ~~فإذا اختار العبد وأراد ما يناقض مراد الله تعالى، بأن أراد العبد تسكين ~~جسم أراد الله تحريكه، فإما أن يقع مرادهما، فيلزم جمع النقيضين، أو لم يقع ~~مراد واحد منهما فيلزم رفع النقيضين، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، فيلزم ~~الترجيح بلا مرجح، لأن قدرته تعالى وإن كانت أعم من قدرة العبد لكنهما ~~بالنسبة إلى هذا المقدور متساويتان في الاستقلال بالتأثير ms26 في ذلك المقدور ~~الواحد، والشيء الواحد وحدة حقيقية لا يقبل التفاوت، فإن القدرتين بالنسبة ~~إلى اقتضاء وجود هذا المقدور على السوية، إنما التفاوت في أمور خارجة عن ~~هذا المعنى، وإذا كان كذلك امتنع الترجيح. # وأما الثاني فنحو قوله تعالى: ?الله خالق كل شيء? [الرعد: 16]، وأفعال ~~العباد شيء، فيكون الله خالقها، وقوله تعالى: ?والله خلقكم وما تعملون? ~~[الصافات: 96]، وقوله تعالى: ?من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم? [الأنعام: 39]، وأمثال ذلك كثيرة. PageV01P094 # وأجابت المعتزلة عن المعقول بأن عند اجتماع القدرتين يقع مراد الله تعالى ~~دون مراد العبد، ولا نسلم أن القدرتين متساويتان في الاستقلال بالتأثير في ~~ذلك المقدور، بل هما متفاوتتان في القوة والضعف، ولذلك يقدر قادر على حركة ~~مسافة في مدة لا يقدر قادر آخر عليها في تلك المدة، ولو كانت القدر متساوية ~~لكانت المقدورات متساوية، وليس كذلك. # وعن المنقول بالمعارضة بالآيات التي أضافت الأفعال إلى العباد وعلقتها ~~بمشيئتهم، كقوله تعالى: ?فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم? [البقرة: 79]، ~~?إن يتبعون إلا الظن? [الأنعام: 116]، ?حتى يغيروا ما بأنفسهم? [الأنفال: ~~53، الرعد: 11]، ?بل سولت لكم أنفسكم أمرا? [يوسف: 18 و83]، ?فطوعت له ~~نفسه? [المائدة: 30]، ?كل امرئ بما كسب رهين? [الطور: 21]، ?فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر? [الكهف: 29]، ?اعملوا ما شئتم? [فصلت: 40]، ?فمن شاء ذكره? ~~[عبس: 12]، ?لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر? [المدثر: 37]. # واستدلوا على مدعاهم بالمعقول قالوا: لو لم يكن العبد مختارا لقبح ~~تكليفه، لأنه حينئذ تكون أفعاله جارية مجرى أفعال الجمادات، واللازم باطل ~~باتفاق العقلاء على أن التكليف ليس بقبيح. # وأجابت الجبرية بأن ما ذكرتم مشترك الإلزام لوجهين: # الأول: أن الفعل المأمور به عند استواء داعي الفعل وداعي الترك وعند ~~مرجوحيته ممتنع، وعند رجحان الداعي واجب، فيكون الفعل إما ممتنعا وإما ~~واجبا، فلا يكون مقدور العبد، فيقبح التكليف به. # والثاني: أن الفعل المأمور به إن علم الله وقوعه وجب وقوعه، وإن علم عدم ~~وقوعه امتنع وقوعه، فلا يكون مقدورا للعبد، فيقبح التكليف به. PageV01P095 # وأصحابنا أهل السنة رحمهم الله لما وجدوا ms27 تفرقة بديهية بين ما نزاوله أي: ~~نباشره من الأفعال الاختيارية، وبين ما نحسه من الجمادات من الحركات ~~الصادرة بدون شعور واختيار، فإنهم علموا بالبديهة التي يصير دافعها مكابرا ~~أن للاختيار مدخلا في الأول دون الثاني. # ومنعهم الدليل الدال على أن الله تعالى خالق كل شيء، عن إضافة الفعل إلى ~~اختيار العبد مطلقا جمعوا بين أمرين وقالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله وكسب ~~العبد على معنى أن الله تعالى أجرى عادته بأن العبد إذا صمم العزم على فعل ~~الطاعة يخلق الله تعالى فعل الطاعة فيه، وإذا عزم على فعل المعصية يخلق فعل ~~المعصية فيه، وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله، وإن لم يكن موجدا حقيقة، ~~وهذا القدر كاف في الأمر والنهي، وإذا عرف استحالة قدرة الاختراع للعبد ~~وثبوت الفعل والقدرة له ثبت جواز دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين: ~~إحداهما: قدرة الاختراع، والأخرى: قدرة الاكتساب، وإنما المستحيل دخوله تحت ~~قدرتين كل واحدة منهما قدرة الاختراع أو قدرة الاكتساب، والأولى أن يسلك في ~~هذا المقام طريقة السلف رحمهم الله تعالى، وتترك المناظرة فيه، ويفوض علمه ~~إلى الله تعالى (1). # وقوله: (مع أعماله وإقراره ومعرفته) يشير إلى أن الإيمان مخلوق، وقد تقدم ~~فيما مضى (2). PageV01P096 ### | AUTO وقوله: (فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة) لأن فيه إظهار كمال ~~القدرة بكونه قادرا على أفعال الغير، وبه تمتاز القدرة القديمة عن القدرة ~~الحديثة، والمشيئة الشاملة عن المشيئة القاصرة. وبه يظهر أنه متصرف في ~~مقدور عباده مستبد بتحصيل مراده. # [الرزق] # قال: (والسابع: نقر بأن الله تعالى خلق الخلق ولم يكن لهم طاقة، لأنهم ~~ضعفاء عاجزون، والله خالقهم ورازقهم، لقوله تعالى: ?والله الذي خلقكم ثم ~~رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم? [الروم: 40]، والكسب حلال، وجمع المال من ~~الحلال حلال، وجمع المال من الحرام حرام. والناس على ثلاثة أصناف: المؤمن ~~المخلص في إيمانه، والكافر الجاحد في كفره، والمنافق المداهن في نفاقه. ~~والله تعالى فرض على المؤمن العمل، وعلى الكافر الإيمان، وعلى المنافق ~~الإخلاص، لقوله تعالى: ?يا أيها الناس اتقوا ربكم? [النساء: 1]، يعني: أيها ~~المؤمنون ms28 أطيعوا (1)، وأيها الكافرون آمنوا، وأيها المنافقون أخلصوا). # أقول: الخلق والإيجاد بمعنى واحد، والخلق بمعنى المخلوق كالضرب بمعنى ~~المضروب. # صانع العالم أوجد المخلوقات كلها وهم ضعفاء لا قدرة لهم على تدبير ~~أحوالهم عاجزون عما يتم به قوام بدنهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ?الله ~~الذي خلقكم من ضعف? فرزقهم وقواهم وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة كما ~~أشار إليه بقوله: ?ثم جعل من بعد ضعف قوة? [الروم: 54]، وقال: ?والله الذي ~~خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم? [الروم: 40]. PageV01P097 # والرزق عندنا عبارة عن الغذاء، كما جاء في قوله تعالى: ?وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها? [هود: 6] حلالا كان ذلك أو حراما، وكل يستوفي في ~~مدة حياته ما قدر له، قال عليه السلام: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا ~~لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» (1)، فعلى ~~هذا لا يمكن أن يأكل أحد رزق غيره أي غذاءه، ولا أن يأكل غيره رزقه. # وعند المعتزلة أنه عبارة عن الملك، وقد جاء به قوله تعالى: ? ومما ~~رزقناهم ينفقون ? [البقرة: 3]، فلا يكون الحرام رزقا، لأنه غير ملك، ويأكل ~~غيره رزقه أي ملكه، وهو يأكل رزق غيره. PageV01P098 # والشيخ أبو الحسن الرستغفني (1) وأبو إسحاق الإسفرايني ما حققا الخلاف في ~~هذه المسألة، وقالا: الخلاف لفظي، وهو الصواب. # ولعل هذا الفصل إلى هاهنا إشارة إلى ما ذكرنا من بحث الرزق، وإلا فقد علم ~~من الفصل المتقدم أن العبد مع أعماله ومعرفته مخلوق (2). # (والمؤمن المخلص) أي: المصدق المقر عن صميم قلبه (والكافر الجاحد) أي: ~~المصر (والمنافق المداهن) أي: الذي أقر بلسانه ولم يؤمن بقلبه وداهن مع ~~المؤمنين في نفاقه، ولم يشد في إظهار الكفر والعناد كالكفار. # قوله: (والله تعالى فرض على المؤمن العمل) يشير إلى أن التكرار ليس بواجب ~~كما هو مذهبه أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار (3) (وعلى الكافر الإيمان) ~~وهذا أيضا على مذهبه حيث لا يكون الكافر مخاطبا بالعبادات قبل الإيمان ~~(وعلى المنافق الإخلاص) لأنه هو المنتفي عنه، وأما الأحكام فقد كانت ms29 جارية ~~عليهم بواسطة الإقرار. PageV01P099 # واستدل على هذه الأمور الثلاثة بقوله تعالى: ?يا أيها الناس اتقوا ربكم? ~~[النساء: 1]، وجعل التقوى عبارة عما ينبغي لكل واحد منهم كما فسره في المتن. # فإن قيل: هذا مخالف لمذهبه لأن استعمال التقوى في هذه المعاني إما أن ~~يكون بطريق الحقيقة أو لا، فإن كان يلزم عموم المشترك، وإن لم يكن يلزم ~~الجمع بين الحقيقة والمجاز. ### | AUTO أجيب: بأن هذا عمل بعموم المجاز، لأن التقوى عبارة عن اجتناب ~~الفواحش، ولا شك أن كل واحد من هذه المعاني اجتناب عن الفاحشة، فلا يكون ~~مخالفا. # [الاستطاعة مع الفعل] # قال: (والثامن: نقر بأن الاستطاعة مع الفعل، لا قبل الفعل ولا بعد الفعل، ~~لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مستغنيا عن الله تعالى وقت الحاجة، وهذا ~~خلاف حكم النص، لقوله تعالى: ?والله الغني وأنتم الفقراء? [محمد: 38]، ولو ~~كان بعد الفعل لكان من المحال، لأنه حصول (1) بلا استطاعة ولا طاقة). # أقول: الاستطاعة والقدرة والقوة والطاقة (2) مترادفة إذا أضيفت إلى ~~العباد، وهي نوع حدة تترتب على إرادة الفعل إرادة جازمة، مؤثرة في وجود ~~الفعل، وهي عندنا مقارنة للفعل، لأنها لو لم تقارن فإما أن تقدمت أو تأخرت، ~~والثاني باطل بالإجماع؛ لأنه يلزم منه حصول الفعل بلا استطاعة وطاقة، وهو ~~محال. وكذا لو تقدمت لاستحالة وجودها عند الفعل لأنها عرض، وهو لا يبقى ~~زمانين، وإذا لم تبق القدرة إلى زمان الفعل يلزم وقوعه بلا قدرة، وهو محال، ~~كالأخذ بلا يد، ولكان مستغنيا عن الله وقت الحاجة، وهو خلاف النص، لأن ~~مقتضاه الافتقار إلى الله تعالى لقوله تعالى: ?والله الغني وأنتم الفقراء? ~~[محمد: 38]. PageV01P100 # وقالت المعتزلة وجمهور الكرامية: هي سابقة على الفعل، إذ لو لم تكن سابقة ~~على الفعل ولم تكن موجودة حال عدم الفعل لكان الأمر بالفعل ولا استطاعة (1) ~~له وقت الأمر تكليف العاجز، وهو محال لقوله تعالى: ? لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها? [البقرة: 286]. # قلنا: قد يراد بالاستطاعة سلامة الأسباب والآلات، وهي المعنية بقوله ~~تعالى: ?من استطاع إليه سبيلا? [آل عمران: 97]، إذ ms30 المراد بها الزاد ~~والراحلة لا حقيقة قدرة الفعل، والتكليف يعتمد ذلك، إذ العادة جرت بأن ~~المكلف لو قصد تحصيل الفعل عند سلامة الأسباب والآلات لحصلت له القدرة ~~الحقيقية، وإنما لا تحصل لاشتغاله بضد المأمور به مضيعا للقدرة الحقيقية، ~~والمضيع للقدرة غير معذور، فأما عند عدم سلامة الأسباب والآلات فلم يكلف ~~الفعل، إذ لا تحصل القدرة عند قصده مباشرة الفعل، فكان ممنوع القدرة أصلا، ~~فكان معذورا، وإذا كان التكليف معتمدا على سلامة الأسباب، وبكون الأسباب ~~سالمة لم يلزم تكليف العاجز. PageV01P101 ### | AUTO [وجوب اعتقاد مشروعية # المسح على الخفين والقصر والإفطار في السفر] # قال: (والتاسع: نقر بأن المسح على الخفين واجب للمقيم يوما وليلة، ~~وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، لأن الحديث ورد هكذا، فمن أنكره يخشى عليه ~~الكفر، لأنه قريب من الخبر المتواتر، والقصر والإفطار في السفر رخصة بنص ~~الكتاب، لقوله تعالى: ?وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة? [النساء: 101]، وفي الإفطار قوله تعالى: ?فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر? [البقرة: 184]). # أقول: المسح على الخفين مقدار ثلاث أصابع واجب للمقيم يوما وليلة، ~~وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، لما روى علي وجماعة من الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم عن النبي أنه قال: «يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة ~~أيام ولياليهن» (1)، والأثر اشتهر عنه عليه السلام، منه قول المغيرة، وحديث ~~سلمان: أنه صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح ~~على خفيه (2). وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما زال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يمسح على الخفين بعد نزول المائدة» (3) PageV01P102 ~~وذكر في «المبسوط» (1) ثبوت المسح بآثار مشهورة قريبة من التواتر، وعن ~~الحسن البصري رحمه الله: أدركت سبعين نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كلهم يرون المسح على الخفين (2). # وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ما قلت بالمسح عليهما حتى جاء في الآثار ~~مثل ضوء النهار. وعنه: حتى رأيت شعاعا كشعاع الشمس. وقال أبو يوسف رحمه ~~الله تعالى: يجوز نسخ ms31 الكتاب بخبر المسح لشهرته. وقال الكرخي رحمه الله: من ~~أنكر المسح عليهما نخشى عليه الكفر، لأن الآثار جاءت في حيز التواتر (3). ~~وذكر في «المجتبى» (4) أن على قياس قول أبي يوسف رحمه الله منكره كافر، لأن ~~حديث المسح بمنزلة المتواتر عنده، ومنكر المتواتر كافر. PageV01P103 # قيل: ومن الدليل على أن منكر المسح ضال مبتدع ما روى أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى عن قتادة أنه لما قدم الكوفة اجتمع به، فقال قتادة: أنت من الذين ~~اتخذوا دينهم شيعا. فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: أنا أفضل الشيخين، ~~وأحب الختنين، وأرى المسح على الخفين. فقال له قتادة: أصبت فالزم، ثلاث ~~مرات (1). # وقالت الخوارج والإمامية: لا يجوز المسح عليهما، وهو قول أبي بكر بن داود ~~(2)، وخالف أباه في ذلك. PageV01P104 # فإن قيل: ما وجه قوله: «واجب»، وقد ذكر في «الهداية» وعامة الكتب أنه جائز، ~~حتى اختلفوا في الأفضلية، فمنهم من ذهب إلى أن المسح أفضل، وذهب عامتهم إلى ~~أن الغسل أفضل، ومن الصحابة من أنكره كابن عباس وعائشة وأبي هريرة، حتى قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: «والله ما مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~نزول المائدة» (1) PageV01P105 ~~وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على ~~الخفين» (1). # أجيب: بأن المراد واجب اعتقاد جوازه، بدليل المقام، فإن أصول الكلام لا ~~يبحث فيه عن الفروع بالجواز وعدمه، وإنما يبحث فيه عن الاعتقادات، وما روي ~~من إنكار الصحابة فقد صح رجوعهم إلى قول عامة الصحابة. PageV01P106 # وكذلك قوله: (والقصر والإفطار في السفر رخصة) المراد به اعتقاد حقية ~~التبديل والتأخير في أحكام الشرع باعتبار مصالح العباد فضلا من الله الرحيم ~~الودود. وأما بيان أنه رخصة إسقاط أو رخصة ترفيه، والأخذ بالعزيمة أولى أو ~~بالرخصة، فموضعه علم آخر، وله مجال أوسع من مجالنا هذا، وقد ذكرناه في «شرح ~~المنار» (1). # قوله تعالى: ?وإذا ضربتم في الأرض? [النساء: 101]، أي: إذا سافرتم فلا ~~إثم عليكم في قصر الصلاة. # فإن قيل: دلت الآية على جواز القصر في السفر ms32 مطلقا حتى أخذ بعمومها نفاة ~~القياس ولم يقدروه بمدة، وهو مذهب داود الظاهري (2)، وأنتم قيدتم النص بلا دليل. # فالجواب: أن مطلق الضرب ليس بمراد بالإجماع، فقدرناه بثلاثة أيام بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «يمسح المقيم ... » (3) الحديث، لا يقال: الحديث ورد ~~في المسح فأنتم أبطلتم النص بالقياس وذلك لا يجوز، لأنا نقول: الحديث ورد ~~لبيان مدة السفر، ولا تفاوت بينهما في ذلك. ### | AUTO وقوله تعالى: ?فمن كان منكم مريضا? [البقرة: 184] الآية، دليل ~~على جواز الإفطار في السفر. # [القلم حق] # قال: (والعاشر: نقر بأن الله تعالى أمر القلم بأن يكتب، فقال القلم: ماذا ~~أكتب يا رب؟! فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، لقوله ~~تعالى: ?وكل شيء فعلوه في الزبر* وكل صغير وكبير مستطر? [القمر: 52 53]). PageV01P107 # أقول: روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أول ما خلق الله ~~تبارك وتعالى اللوح المحفوظ، حفظه بما كتب فيه مما كان ومما يكون، ولا يعلم ~~ما فيه إلا الله تعالى، وهو من درة بيضاء، قوائمه ياقوتتان حمراوان، وهو في ~~عظم لا يوصف، وخلق الله سبحانه وتعالى قلما من جوهر، طوله خمس مئة عام، ~~مشقوق السن، ينبع النور منه كما ينبع من أقلام أهل الدنيا المداد، قال أبو ~~الحسن: ثم نودي بالقلم أن اكتب، فاضطرب من هول النداء، حتى صار له ترجيع في ~~التسبيح كصوت الرعد القاصف، ثم جرى في اللوح بما أجراه الله تعالى فيما هو ~~كائن وما يكون إلى يوم القيامة، فامتلأ اللوح وجف القلم، وسعد من سعد، وشقي ~~من شقي (1). # ولعل هذا معنى قوله تعالى: ?وكل شيء فعلوه في الزبر * وكل صغير وكبير ~~مستطر? [القمر: 52 53]، أخبر الله تعالى أن جميع ما فعله الأمم كان مكتوبا ~~عليهم، قال مقاتل: ?كل شيء فعلوه في الزبر? أي: مكتوب عليهم في اللوح ~~المحفوظ ?وكل صغير وكبير? من الخلق والأعمال ?مستطر? مكتوب على فاعليه قبل ~~أن يفعلوه. PageV01P108 ### | AUTO [عذاب القبر والجنة والنار والميزان وقراءة الكتب حق] # قال: (والحادي عشر: نقر بأن ms33 عذاب القبر كائن لا محالة، وسؤال منكر ونكير ~~حق لورود الأحاديث، والجنة والنار حق، وهما مخلوقتان لأهلهما، لقوله تعالى ~~في حق المؤمنين: ?أعدت للمتقين? [آل عمران: 133] وفي حق الكفرة: ?أعدت ~~للكافرين? [البقرة: 24، آل عمران: 131]، خلقهما الله للثواب والعقاب، ~~والميزان حق لقوله تعالى: ?ونضع الموازين القسط ليوم القيامة? [الأنبياء: ~~47]، وقراءة الكتب حق (1) لقوله تعالى: ?اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا? [الإسراء: 14]). # أقول: الأصل في هذا كله أن كل ما ورد به السمع وأمكن في ذاته يجب تصديقه، ~~ولا شك في إمكان هذه الأشياء، وتواترت الدلائل السمعية، فيجب التصديق بعذاب ~~القبر للكفار، ولبعض العصاة من المؤمنين، بإعادة الحياة في الجسد وإن ~~توقفنا في إعادة الروح، ثم قيل: العذاب على الروح، وقيل: على البدن، وقيل: ~~عليهما فلا نشتغل بكيفيته. PageV01P109 # والأصل في ذلك قوله تعالى في قوم نوح عليه السلام: ?أغرقوا فأدخلوا نارا? ~~[نوح: 25]، والفاء للتعقيب بلا تراخ، ولن يكون ذلك إلا في الدنيا، لأن ~~إغراقهم كان فيها، فكذلك إدخال النار، وقال تعالى في حق آل فرعون: ?النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا? أي: في الدنيا ?ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب? [غافر: 46]، وقال تعالى حكاية عن الكفار: ?ربنا أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين? [غافر: 11]، وذلك دليل على أن في القبر حياة وموتا آخر، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» ~~(1)، وما روي أنه قال في سعد بن معاذ: «لقد ضغطته الأرض ضغطة اختلف لها ~~ضلوعه» (2) PageV01P110 ~~، وما روي أنه عليه السلام خرج بعدما غربت الشمس، فسمع صوتا فقال: «إن ~~اليهود تعذب في قبورها» (1)، والروايات المأثورة فيه أكثر من أن تحصى. # واحتج المخالف أي: المنكر لعذاب القبر بقوله تعالى في صفة أهل الجنة: ~~?لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى? [الدخان: 56]، فإنه يدل على أن ~~أهل الجنة لا يذوقون إلا الموتة الأولى (2)، فلو كان في القبر حياة أخرى ~~وموت آخر لذاقوا مرتين، فيكون منافيا لما دلت عليه الآية بصريحها، وقوله: ~~?وما أنت بمسمع من في القبور? [فاطر: 22] يدل ms34 على أنه لا يمكن إسماع من في ~~القبور، فلو كان المدفون في القبر حيا لأمكن إسماعه، فيكون منافيا للآية. # وأجيب عن الأولى بأن معناه أن نعيم الجنة لا ينقطع بالموت كما انقطع نعيم ~~الدنيا. وعن الثانية أن عدم إسماع من في القبور لا يستلزم عدم إدراك ~~المدفون. PageV01P111 # وأما سؤال منكر ونكير فقد أنكرته الجهمية وبعض المعتزلة، لأن سؤال من لا ~~حياة له محال. قلنا: ممكن بإعادة الروح في الجسد (1)، أو بخلق الحياة فيه ~~بلا روح، بحيث يعقل السؤال ويقدر على الجواب، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، ~~فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: عبد الله ورسوله، أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ~~هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال ~~له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا ~~يوقظه إلا أحب أهله، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: ~~سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ~~ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها ~~معذبا حتى يبعثه الله من موضعه ذلك» (2). والأحاديث الواردة فيه كثيرة. PageV01P112 # (والجنة والنار) اللتان هما دار الثواب والعقاب مخلوقتان الآن، وذهب عباد ~~الصيمري (1) وأبو هاشم وعبد الجبار إلى أنهما غير مخلوقتين الآن، فزعم (2) ~~عباد أنه يستحيل ذلك في العقل قبل حلول المكلفين، وخالفه أبو هاشم، وزعم أن ~~خلقهما الآن غير ممتنع عقلا، وإنما هو ممتنع سمعا. # استدل عباد بأن الجنة لو كانت مخلوقة الآن لكان عرضها عرض السماوات ~~والأرض، واللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فلقوله تعالى: ?وجنة ~~عرضها السماوات والأرض? [آل عمران: 133]، وأما بطلان اللازم فلأنه إنما كان ~~عرضها عرض السماوات والأرض إذا وقعت في أحياز السماوات والأرض، إذ لو وقعت ~~في غير أحيازهما أو ms35 في بعض أحيازهما لم يكن عرضها عرضهما، ووقوعهما في جميع ~~أحيازهما إنما يمكن بعد فناء السماوات والأرض لاستحالة تداخل الأجسام، وهو محال. PageV01P113 # والجواب: أن المراد: مثل عرض السماوات والأرض، لقوله تعالى: ?كعرض السماء ~~والأرض? [لحديد: 21]، ولأنه يمتنع أن يكون عرضهما عين عرض الجنة، وحينئذ ~~يجوز أن يكون فوق السماء السابعة فضاء يكون عرضه مثل عرض السماوات والأرض ~~والجنة فيه، يؤيده ما روي أنه عليه السلام قال: «الدرجة السفلى من الجنة ~~فوق السماء السابعة» (1). # وقال أبو هاشم والقاضي عبد الجبار: لو كانت الجنة مخلوقة الآن لما كانت ~~دائمة، واللازم باطل، أما الملازمة فلقوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه? ~~[القصص: 88]، فإنه يدل على أن ما سوى الله ينعدم، والجنة مما سواه تعالى ~~فتنعدم، فلا تكون دائمة. # وأما بطلان اللازم فلقوله تعالى: ?أكلها دائم? [الرعد: 35] أي: مأكول ~~الجنة دائم، وإذا كان مأكول الجنة دائما يكون وجود الجنة دائما، إذ دوام ~~مأكول الجنة بدون دوام الجنة غير معقول. PageV01P114 # والجواب أولا بمنع الملازمة بأنا لا نسلم لزوم عدم دوامها من كونها مخلوقة ~~الآن. قولهما: «قوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه? [القصص: 88] يدل على أن ~~ما سوى الله تعالى ينعدم». قلنا: لا نسلم أن قوله: ?كل شيء هالك إلا وجهه? ~~[القصص: 88] يدل على أن ما سوى الله تعالى ينعدم، فإن معناه أن كل شيء مما ~~سوى الله تعالى معدوم في ذاته وبالنظر إلى ذاته من حيث هو (1)، مع قطع ~~النظر عن موجده، لأن كل ما سواه ممكن، والممكن بالنظر إلى ذاته لا يستحق ~~الوجود، فلا يكون بالنظر إلى ذاته موجودا، وليس معناه أن ما سواه تعالى ~~يطرأ عليه العدم، فلا ىلزم من كون الجنة مخلوقة الآن طريان (2) العدم ~~عليها، ولئن سلم أن معناه أن كل شيء مما سوى الله تعالى يطرأ عليه العدم، ~~فهو مخصوص بقوله تعالى: ?أكلها دائم? [الرعد: 35]، فإنه يدل على أن الجنة ~~دائمة لما سبق، وحينئذ يكون معناه أن كل شيء مما سوى الله تعالى غير الجنة ~~يطرأ عليه العدم، وإنما ms36 خصص جمعا بين الدليلين، ومتى كان مخصوصا لا يلزم من ~~كون الجنة مخلوقة الآن طريان العدم عليها. PageV01P115 # وثانيا بمنع بطلان التالي بأنا لا نسلم دلالة قوله: ?أكلها دائم? [الرعد: ~~35] على دوام الجنة، لأنه متروك الظاهر، لأن المراد بالأكل المأكول، ويمتنع ~~دوام المأكول، لأن المأكول لا محالة يفنى بالأكل، فلا يمكن أن يكون دائما، ~~بل معناه أنه كلما فني شيء من المأكول بالأكل حدث عقيبه مثله، وذلك لا ~~ينافي عدم الجنة طرفة عين. # ولنا قوله تعالى: ?وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين? [آل عمران: ~~133]، وقوله تعالى:?أعدت للذين آمنوا بالله ورسله? [الحديد: 21]، وقوله ~~تعالى: ?واتقوا النار التي أعدت للكافرين? [آل عمران: 131] وما لم يكن ~~مخلوقا لم يكن معدا حقيقة، لأن أهل اللغة اتفقوا على أن إعداد الشيء ينبئ ~~عن وجوده وثبوته والفراغ منه. # فإن قيل: جاز أن يراد به المبالغة (1)، كقوله تعالى: ?إنك ميت وإنهم ~~ميتون? [الزمر: 30]، ?ونفخ في الصور? [الكهف: 99]، وغير ذلك. PageV01P116 # أجيب: بأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا مصير إلى المجاز إلا عند التعذر، ~~وليس فليس، وقوله: ?اسكن أنت وزوجك الجنة? [البقرة: 35]، وقوله تعالى: ~~?قلنا اهبطوا منها جميعا? [البقرة: 38]، وقوله تعالى: ?ولقد رءاه نزلة أخرى ~~* عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى? [النجم: 13 15]، وقوله عليه ~~السلام: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر» (1)، وقوله عليه السلام: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي في النار» ~~(2)، وأمثاله كثيرة. # (والميزان حق) للكفار والمسلمين، وهو عبارة عما يعرف به مقادير الأعمال، ~~ويوزن أعمالهم خيرا كان أو شرا. ويتوقف في كيفيته، والأصل فيه قوله تعالى: ~~?ونضع الموازين القسط ليوم القيامة? [الأنبياء: 47]، وقوله: ?والوزن? أي: ~~وزن الأعمال ?يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت ~~موازينه? [الأعراف: 8 9] الآية، وقوله تعالى: ?فأما من ثقلت موازينه * فهو ~~في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية? [القارعة: 6 9]. PageV01P117 # سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وزن الأعمال وهي أعراض ... ، فقال ~~عليه السلام: «توزن صحائف الأعمال والكرام الكاتبون ms37 يكتبون الأعمال في ~~صحائف هي أجسام» (1). وعن النبي عليه السلام قال: «إن الله تعالى يستخلص ~~رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، ~~كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي ~~الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر [أو حسنة، فيبهت الرجل، ويقول:] ~~لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج ~~بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فيقول: احضر ~~وزنك، فيقول: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقول: إنك لا تظلم، قال: ~~فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ~~فلا يثقل مع اسم الله شيء» (2). # وقيل: يخلق الله بقدر الحسنات أجساما نورانية، وبقدر السيئات أجساما ~~ظلمانية، فتوزن تلك الأجسام. # هذا والحق ما قدمنا من التوقف في الكيفية، لأن الدلائل لما دلت على ثبوت ~~الميزان نعتقد حقيته ولا نشتغل بكيفيته، ونكل علم ذلك إلى الله تعالى، ~~والله تعالى قادر على أن يعرف عباده مقادير أعمالهم بأي طريق شاء. # فإن قيل: لم جمع الموازين وهو واحد؟ # أجيب: بأن الموازين جمع موزون، كمناشير جمع منشور، وهو العمل الذي له وزن ~~وخطر عند الله، أو جمع ميزان، وذكره بلفظ الجمع استعظاما له. PageV01P118 # (وقراءة الكتب يوم القيامة حق) قال الله تعالى: ?ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك? [الإسراء: 13 14]، ويعطي كتاب المؤمن ~~بيمينه، وكتاب الكافر بشماله أو من وراء ظهره، قال الله تعالى: ?فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه? إلى قوله: ?وأما من أوتي ~~كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه? [الحاقة: 16 25]، وقوله ~~تعالى: ?وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبورا * ويصلى سعيرا? ~~إلى قوله: ?إنه ظن أن لن يحور? [الانشقاق: 10 14] أي: ما يرجع. # وهي كتب كتبها الحفظة أيام حياتهم في الدنيا، قال الله تعالى: ?أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا ms38 لديهم يكتبون? [الزخرف: 80]. PageV01P119 ### | AUTO [البعث والرؤية والشفاعة حق # وتفضيل عائشة رضي الله عنها وبراءتها عما قيل فيها # وخلود أهل الجنة وأهل النار فيهما] # قال: (والثاني عشر: نقر بأن الله تعالى يحيي هذه النفوس بعد الموت، ~~ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة للجزاء والثواب وأداء الحقوق، ~~لقوله تعالى: ?وأن الله يبعث من في القبور? [الحج: 7]. ولقاء الله تعالى ~~لأهل الجنة حق بلا كيفية ولا تشبيه ولا جهة. وشفاعة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم حق (1) لكل من هو من (2) أهل الجنة، وإن كان صاحب الكبيرة. ~~وعائشة بعد خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنهما أفضل نساء العالمين، وأم ~~المؤمنين، ومطهرة عن الزنا بريئة عما قالت الروافض، فمن شهد عليها بالزنا ~~فهو ولد الزنا. وأهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار خالدون، ~~لقوله تعالى في حق المؤمنين: ?أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون? [البقرة: ~~82]، وفي حق الكفار: ?أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون? [البقرة: 39]). # أقول: اختلف الناس في المعاد، فأطبق المليون على المعاد البدني، بعد ~~اختلافهم في معنى المعاد، فمن ذهب إلى إمكان إعادة المعدوم قال: إن الله ~~تعالى يعدم المكلفين ثم يعيدهم. ومن ذهب إلى امتناع إعادة المعدوم قال: إن ~~الله تعالى يفرق أجزاء أبدانهم الأصلية، ثم يؤلف بينها ويخلق فيها الحياة. # وأما الأنبياء عليهم السلام الذين سبقوا على نبينا محمد عليه السلام ~~فالظاهر من كلام أممهم أن موسى عليه السلام لم يذكر المعاد البدني، ولا ~~أنزل عليه في التوراة، لكن جاء ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام الذين ~~جاءوا بعده كحزقيل وشعيبا عليهما السلام، ولذلك أقر اليهود به. PageV01P120 # وأما في الإنجيل فقد ذكر أن الأخيار يصيرون كالملائكة، وتكون لهم الحياة ~~الأبدية والسعادة العظيمة، والأظهر أن المذكور فيه المعاد الروحاني. # وأما القرآن الكريم فقد جاء فيه المعاد الروحاني والجسماني، أما الروحاني ~~فقوله تعالى: ?فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين? [السجدة: 17]، وقوله ~~تعالى: ?للذين أحسنوا الحسنى وزيادة? [يونس: 26]، وأما الجسماني فقد جاء في ~~القرآن العظيم أكثر ms39 من أن يحصى، وأكثره مما لا يقبل التأويل، كقوله تعالى: ~~?من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم? [يس: 78 79]، وقوله تعالى: ?فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون? ~~[يس: 35]، وقوله تعالى: ?وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا? [فصلت: 21]، وقوله ~~تعالى: ?أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور? [العاديات: 9]، وما استدل به في ~~المتن من قوله تعالى: ?وأن الله يبعث من في القبور? [الحج: 7] إلى غير ذلك ~~مما لا يحصى. # وإذا عرف هذا فنقول: أجمع المسلمون على أن الله تعالى يحيي الأبدان بعد ~~موتها وتفرقها لأنه ممكن عقلا، والصادق أخبر به فيكون حقا. # أما إمكانه فلأنه إنما يثبت بالنظر إلى القابل والفاعل: أما بالنظر إلى ~~القابل فلأن أجزاء الميت قابلة للجمع والحياة، وإلا أي: إن لم تكن قابلة ~~للجمع والحياة لم تتصف بالجمع والحياة أولا، وهو باطل. PageV01P121 # وأما بالنظر إلى الفاعل، فلأن الله تعالى عالم بأعيان أجزاء كل شخص على ~~التفصيل، أصلية كانت أو فضلية، لكونه عالما بجميع الجزئيات، وقادرا على جمع ~~الأجزاء الأصلية لكل واحد وإيجاد الحياة فيها لشمول قدرته كل الممكنات، ~~وإذا كان كذلك وجب أن يكون إحياء الأبدان ممكنا. # وأما إخبار الصادق به فلأنه ثبت بالتواتر أن النبي عليه السلام كان يثبت ~~المعاد الجسماني، وقد تلي عليك الآن بعض ما جاء في الكلام العزيز. # فإن قيل: كلام الإمام رحمه الله في المتن لا يدل على المعاد الجسماني، ~~لأنه ذكر أن الله تعالى يحيي هذه النفوس بعد الموت، وهو لا يفيد إعادة البدن. # أجيب: بأن المراد منه البدن بدليل الدليل، وهو قوله تعالى: ?وأن الله ~~يبعث من في القبور? [الحج: 7] إذ لا خفاء أن ما في القبور هو البدن، ويمكن ~~أن يكون اختياره هذه اللفظة نفيا لقول من ينفي المعاد الروحاني والجسماني، ~~فقال: «هذه النفوس» إشارة إلى حشر الأرواح، وأشار بالدليل إلى حشر الأجساد. # ومن الناس من أنكر الحشر الجسماني، واستدل بوجوه: PageV01P122 # الأول: أنه لو ثبت المعاد الجسماني، فإما أن يكون وصول ms40 الثواب والعقاب في ~~الأفلاك أو في العناصر (1)، والثاني هو التناسخ، والأول يوجب انخراق ~~الأفلاك، ويلزم أيضا حصول الجنة فوق الأفلاك، لأن وصول الثواب إلى المكلف ~~في الجنة، والجنة في السماء على تقدير ثبوتها، فيلزم عدم كرية الأفلاك، ~~وأيضا يلزم دوام الاختراق مع دوام الحياة، وهو ممتنع، وأيضا يلزم تولد ~~البدن من غير التوالد، وهو ممتنع، وأيضا يلزم أن تكون القوة الجسمانية غير ~~متناهية التحريك، لأن وصول الثواب دائما ووصول العقاب بالنسبة إلى البعض ~~دائما يوجب التحريكات غير المتناهية (2). # وأجيب عن هذه الوجوه بأنها استبعادات، ولا امتناع في شيء مما ذكروا، ~~وأيضا الأفلاك حادثة لما ذكر أن ما سوى الله حادث، فيكون عدمها جائزا، ~~وحينئذ جاز انخراقها أيضا، وحصول الجنة في الأفلاك جائز، وكريتها ممنوعة، ~~ولئن سلم فلا تنافي، ودوام الحياة مع دوام الاختراق ممكن، لأن الله تعالى ~~قادر على كل مقدور، والتولد ممكن كما في حق آدم (3)، والقوة الجسمانية قد ~~لا تتناهى انفعالاتها (4) وكذا فعلها بواسطة، فكانت الضرورة قاضية بثبوت ~~المعاد الجسماني من دين محمد صلى الله عليه وسلم. # [الرؤية حق] PageV01P123 ~~قوله: (ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حق) يعني أن الله تعالى يصح أن يرى في ~~الآخرة، بمعنى أنه ينكشف (1) لعباده المؤمنين في الآخرة انكشاف البدر ~~المرئي خلافا للمعتزلة. # قوله: (بلا كيفية ولا تشبيه ولا جهة) يعني من غير ارتسام صورة المرئي في ~~العين أو اتصال شعاع خارج من العين إلى المرئي وحصول مواجهة، خلافا للمشبهة ~~والكرامية، فإنهم جوزوا الرؤية لاعتقادهم كونه تعالى في الجهة والمكان، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. واعتمادنا في ذلك على الأدلة السمعية، ~~ونشتغل بالمعقول في دفع شبههم. # أما الأول وهو صحة الرؤية فيدل عليه وجوه: # الأول: أن موسى صلوات الله تعالى عليه وسلامه سأل الرؤية، فلو استحالت ~~الرؤية لكان سؤال موسى جهلا وعبثا. # الثاني: أن الله تعالى علق الرؤية باستقرار الجبل، واستقرار الجبل من حيث ~~هو ممكن، فكذا المعلق باستقرار الجبل أيضا ممكن، فالرؤية ممكنة. # الثالث: قوله تعالى: ?وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة? ms41 [القيامة: 22 ~~23]، وجه الاحتجاج أن النظر إما أن يكون عبارة عن الرؤية، أو عن تقليب ~~الحدقة نحو المرئي طلبا للرؤية، والأول هو المطلوب، والثاني تعذر حمله على ~~ظاهره، فيحمل على الرؤية التي هي كالمسبب للنظر بالمعنى الثاني، وإطلاق ~~السبب وإرادة المسبب من أحسن وجوه المجاز. PageV01P124 # الرابع: قوله تعالى: ?كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون? [المطففين: 5]، وجه ~~الاحتجاج أنه تعالى أخبر عن الكفار على سبيل الوعيد أنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون، وذلك يدل على أن المؤمنين يومئذ غير محجوبين عن ربهم، وإلا لم ~~يكن للإخبار عن الكفار على سبيل الوعيد أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فائدة، ~~وإذا لم يكن المؤمنون يومئذ عن ربهم محجوبين فيرونه. # وفي هذه الوجوه كلها سؤالات وأجوبة تطلب في المطولات. # وأما الثاني وهو أنه يرى بلا تشبيه ولا ارتسام صورة المرئي في العين أو ~~اتصال الشعاع إلى المرئي أو حصول المواجهة فلما عرف أن الله تعالى منزه عن ~~الجهة مقدس عن المكان متعال عن المواجهة. # واحتجت المعتزلة بوجوه: # منها قوله تعالى: ?لا تدركه الأبصار? [الأنعام: 103]، فإنه يقتضي أن لا ~~تدركه الأبصار في شيء من الأوقات، لأن قولنا: «تدركه الأبصار»، يناقض ~~قولنا: «لا تدركه الأبصار»، بدليل استعمال كل من القولين في تكذيب الآخر، ~~وصدق أحد النقيضين يستلزم كذب الآخر، وصدق قوله تعالى: ?لا تدركه الأبصار? ~~[الأنعام: 103] يوجب كذب قولنا: «تدركه الأبصار»، وكذبه يستلزم كذب قولنا: ~~«يدركه بصر واحد أو بصران»، إذ لا قائل بالفرق. PageV01P125 # وأجيب: بأن الإدراك هو الإحاطة، وهي رؤية الشيء من جميع جوانبه، لأن أصله ~~من اللحوق، والإحاطة إنما تتحقق في المرئي الذي يكون له جوانب، فمعنى ~~الآية: نفي الرؤية على سبيل الإحاطة، ولا يلزم من نفي الرؤية على سبيل ~~الإحاطة نفي الرؤية، فإن نفي الرؤية على سبيل الإحاطة أخص من نفي الرؤية ~~مطلقا، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم (1). # وأيضا معنى الآية: لا تدركه جميع الأبصار، وذلك لأن الأبصار جمع معرف ~~باللام مفيد للعموم، فلا يناقض إدراك بعض الأبصار (2). # ومنها قوله تعالى لموسى عليه ms42 السلام: ?لن تراني? [الأعراف: 143]، وجه ~~الاستدلال أن كلمة «لن» لتأبيد النفي بدليل قوله: ?قل لن تتبعونا? [الفتح: ~~15]، فنفي الرؤية على سبيل التأبيد في حق موسى عليه السلام يستلزم نفيها في ~~حق غيره، إذ لا قائل بالفرق. # وأجيب: بأنا لا نسلم أن كلمة «لن» لتأبيد النفي، بل لتأكيد النفي، بدليل ~~قوله تعالى: ?ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم? [البقرة: 95]، فإنه قيد ~~بقوله: ?أبدا?، ومع هذا لم يستلزم تأبيد النفي، لأنهم يتمنون في الآخرة ~~(3)، على أن نفي الرؤية على التأبيد لا يقتضي نفي صحة الرؤية. PageV01P126 # ومنها أن الإبصار في الشاهد تجب له شروط ثمانية: سلامة الحواس لأن عند ~~عدمها لا تجب الرؤية، وكون الشيء جائز الرؤية، والمقابلة المخصوصة بين ~~الرائي والمرئي كالجسم المحاذي للرائي، وكون المرئي في حكم المقابل ~~كالأعراض القائمة بالجسم المقابل فإنها في حكم محالها المقابلة، وعدم القرب ~~المفرط وبعده، وأن لا يكون المرئي في غاية اللطافة، وأن لا يكون في غاية ~~الصغر، وأن لا يكون بينهما حجاب. لأنا نعلم بالضرورة أننا لا نبصر الشيء ~~عند عدم أحد هذه الشروط، ونبصره إذا حصل هذه الشروط، وإن لم تجب الرؤية إذا ~~حصل هذه الشروط جاز أن يكون بحضرتنا جبال وأشخاص لا نراها. # والشروط الستة الأخيرة، أي: المقابلة وما في حكمها وعدم غاية القرب ~~والبعد وعدم غاية اللطافة وعدم غاية الصغر وعدم الحجاب لا يمكن اعتبارها في ~~رؤية الله تعالى، لأن هذه الستة إنما تعتبر فيما شأنه أن يكون في جهة وحيز، ~~والله تعالى منزه عن الجهة والحيز. # بقي شرطان: سلامة الحاسة وجواز الرؤية، وسلامة الحاسة حاصلة الآن، فلو صح ~~رؤيته وجب أن نراه تعالى لحصول الشرطين، واللازم باطل فالملزوم مثله. # والجواب: بأن الغائب عن الحس وهو الله تعالى وتقدس ليس كالشاهد، فلعل ~~رؤيته تتوقف على شرط لم يحصل الآن، وهو ما يخلقه الله في الأبصار ما تقوى ~~به على رؤيته، أو بأنه لم تكن الرؤية واجبة الحصول عند تحقق هذه الشرائط، ~~فإن الرؤية بخلق الله تعالى، والشروط الثمانية معدات، ولا تجب ms43 الرؤية عند ~~وجود معداتها. PageV01P127 ### | AUTO [الشفاعة حق] # قوله: (وشفاعة نبينا محمد عليه السلام ... إلخ) شفاعة نبينا محمد عليه ~~السلام لأهل الكبائر قبل التوبة حق، لأنه تعالى أمر النبي بالاستغفار لذنوب ~~المؤمنين بقوله: ?واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات? [محمد: 19] (1) PageV01P128 ~~، وصاحب الكبيرة مؤمن لما سبق، فيستغفر له امتثالا لأمره تعالى وصيانة ~~لعصمته صلى الله عليه وسلم عن مخالفة أمره، وإذا استغفر النبي عليه السلام ~~لصاحب الكبيرة قبل توبته، يقبل الله شفاعته عليه السلام تحصيلا لمرضاته ~~عليه السلام لقوله تعالى: ?ولسوف يعطيك ربك فترضى? [الضحى: 5]، ولقوله ~~تعالى: ?يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا* ~~لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا? [مريم: 85 87]، وصاحب ~~الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا فيكون داخلا تحت هذه الآية، وقوله تعالى: ~~?ولا يشفعون إلا لمن ارتضى? [الأنبياء: 28]، وصاحب الكبيرة مرتضى بحسب ~~إيمانه وطاعته، والاستثناء من النفي إثبات، فوجب ثبوت الشفاعة له، وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (1) وهو حديث مشهور ~~دال على أن شفاعة النبي ثابتة لأهل الكبائر، سواء كان قبل التوبة أو بعدها. # وذهبت المعتزلة إلى أن شفاعة النبي لا أثر لها في إسقاط العذاب، واحتجوا بآيات: # منها قوله تعالى: ?واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا? [البقرة: 48 ~~و123]، دلت الآية على أنه لا تجزي نفس عن نفس شيئا على سبيل العموم، فإن ~~النكرة في سياق النفي تعم، وتأثير شفاعة النبي عليه السلام مناف لمقتضى ~~الآية، فلا يثبت التأثير. # ومنها قوله تعالى: ?ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع? [غافر: 18]، نفى ~~الله سبحانه وتعالى الشفيع للظالمين على سبيل العموم، والعصاة ظالمون، فلا ~~يكون لهم شفيع أصلا. PageV01P129 # ومنها قوله تعالى: ?من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة? ~~[البقرة: 254]، دلت الآية على سبيل الظهور على نفي الشفاعة على الإطلاق، ~~فيلزم نفي شفاعة النبي عليه السلام في حق العصاة. ### | AUTO وأجيب عن الكل بأنها غير عامة في الأعيان والأزمان، فلا تتناول ~~محل النزاع، ولئن ms44 سلم أنها عامة في الأعيان والأزمان، حتى تكون متناولة ~~لمحل النزاع، فمخصوصة بما ذكرنا من الآيات الدالة على ثبوت الشفاعة في حق ~~العصاة، فتأول الآيات بتخصيصها بالكفار جمعا بين الأدلة. # [تفضيل عائشة وبراءتها عما قيل فيها] # واعلم أنا نعتقد أن (عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها بعد خديجة ~~الكبرى رضي الله تعالى عنها أفضل نساء العالمين (1) PageV01P130 ### | AUTO ، وأم المؤمنين، ومطهرة عن الزنا بريئة عما قالت الروافض) خذلهم ~~الله تعالى (فمن شهد عليها بالزنا فهو ولد الزنا) بل هو كافر، لأنه ينكر ~~الآيات الدالة على براءة ساحتها رضي الله تعالى عنها، ومن أنكر آية من ~~القرآن فقد كفر. # [خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما] # قوله: (وأهل الجنة في الجنة خالدون ... إلخ) إشارة إلى أن العفو عن الكفر ~~لا يجوز عقلا عندنا خلافا للأشعري، وتخليد المؤمنين في النار وتخليد ~~الكافرين في الجنة عنده يجوز عقلا أيضا، إلا أن السمع ورد بخلافه، له أنه ~~تصرف في ملكه، فلا يكون ظلما، إذ الظلم تصرف في ملك الغير. وعندنا لا يجوز؛ ~~لأن الحكمة تقتضي التفرقة بين المحسن والمسيء، ولهذا استبعد الله تعالى ~~التسوية بينهما بقوله: ?أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار? [صاد: 28]، ?أم حسب الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما ~~يحكمون? [الجاثية: 21]، ?أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون? ~~[القلم: 35 36]، وتخليد المؤمن في النار، وتخليد الكافر في الجنة ظلم، ~~لأنه وضع الشيء في غير موضعه، والإساءة في حق المحسن، والإكرام في حق ~~المسيء وضع الشيء في غير موضعه (1)، فكان ظلما، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P131 # والتصرف في ملكه إنما يجوز إذا كان على وجه الحكمة، وأما على خلاف الحكمة ~~يكون سفها، فثبت أن أهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار ~~خالدون، كما قال الله تعالى في حق أهل الجنة: ?أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون? [البقرة: 82]، وفي حق أهل النار: ?أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون? ms45 [البقرة: 39]. # ذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله في «التوحيد» (1) في الفرق بين ~~الكفر وما دونه من الذنوب في جواز العفو عما دون الكفر وامتناعه فيه: أن ~~الكفر مذهب يعتقد، والمذاهب تعتقد للأبد، فعلى ذلك عقوبته. وسائر الكبائر ~~لا تفعل للأبد، بل (2) في أوقات غلبة الشهوات، فعلى ذلك عقوبتها. ولأن ~~الكفر قبيح لعينه لا يحتمل الإطلاق ورفع الحرمة عنه، فعلى ذلك عقوبته لا ~~تحتمل الارتفاع والعفو عنه في الحكمة، وسائر المآثم يجوز رفع الحرمة عنها ~~في العقل، فكذا عقوبته، ولأن العفو عن الكافر [عفو] في غير موضع العفو، ~~لأنه ينكر المنعم ويرى ذلك حقا، ولا كذلك سائر المآثم فصاحبها يعرف المنعم ~~والعفو، فيجوز العفو عنه في الحكمة. PageV01P132 # وهذا آخر ما أردنا إيراده في شرح هذه «الوصية» المباركة، جعله الله نافعا ~~لطالبيه، وشافعا لمؤلفه وناظريه، والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله (1). ms46