######OpenITI# #META# المؤلف: أبو إسحاق الشاطبي #META# bkid: 33844 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع ¶ المؤلف: أبو إسحاق الشاطبي ¶ دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر ¶ عدد الأجزاء / 2 ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: الشاطبي، إبراهيم بن موسى #META# Lng: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي #META# max: 719 #META# دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر #META# bk: الاعتصام للشاطبي - ط التجارية #META# authinf: الشاطبي (000 - 790 ه = 000 - 1388 م) ¶ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي: أصولي حافظ ، من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية ¶ من كتبه (الموافقات في أصول الفقه - ط) أربع مجلدات، و (المجالس) شرح به كتاب البيوع من صحيح البخاري، و (الإفادت والإنشادات - خ) رسالة في الأدب، نشرت نبذة منها في مجلة المقتبس (المجلد الثامن) و (الاتفاق في علم الاشتقاق) و (أصول النحو) و (الاعتصام - ط) في أصول الفقه، ثلاث مجلدات، و (شرح الألفية) سماه (المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية - خ) خمسة مجلدات ضخام، كتبت سنة 862 والنسخة نفيسة، في خزانة الرباط (الرقم 6 جلاوي) قال التنبكتي: لم يؤلف عليها - أي على الخلاصة المعروفة بالألفية - مثله، بحثا وتحقيقا، فيما أعلم. ¶ وفي خزانة الرباط (1013 جلاوي) مخطوطة من (الجمان في مختصر أخبار الزمان) منسوبة إليه، فراجعها . ¶ نقلا عن الأعلام للزركلي #META# ndata: بسم الله2A15E24Dي الطريق #META# bkord: 8060 #META# archive: 4 #META# الكتاب: الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع #META# authno: 68 #META# ad: 790 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 790 #META# cat: العقيدة #META# iso: الاعتصام للشاطبي ط التجاريه #META# digitization_comments: [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم # الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع # المؤلف : أبو إسحاق الشاطبي # دار النشر : المكتبة التجارية الكبرى - مصر # عدد الأجزاء / 2 # [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P016 ### | AUTO """" صفحة رقم 17 """" # ( المقدمة ) # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المحمود على كل حال الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال خالق ~~الخلق لما شاء وميسرهم على وفق علمه وارادته لا على وفق اغراضهم لما سر ~~وساء ومصرفهم بمقتضى القبضتين فمنهم شقي وسعيد وهداهم النجدين فمنهم قريب ~~وبعيد ومسويهم على قبول الإلهامين ففاجر وتقى كما قدر ارزاقهم بالعدل على ~~حكم الطرفين ففقير وغني كل منهم جار على ذلك الأسلوب فلا يعدوه فلو تمالأوا ~~على ان يسدوا ذلك السبق لم يسدوه أو يردوا ذلك الحكم السابق لم ينسخوه ولم ~~يردوه فلا اطلاق لهم على تقييده ولا انفصال ( ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) # والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة وكاشف الغمة الذي ~~نسخت شريعته كل شريعة وشملت دعوته كل أمة فلم يبق لأحد حجة دون حجته ولا ~~استقام لعاقل طريق سوى لأحب محجته وجمعت تحت حكمتها كل معنى مؤتلف فلا يسمع ~~بعد وضعها خلاف مخالف ولا قول مختلف فالسالك سبيلها معدود في الفرقة ~~الناجية والناكب عنها مصدود إلى الفرق المقصره أو الفرق الغالية ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة واقتفوا آثاره ~~اللائحة وأنواره الواضحة وضوح الظهيرة وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بين ~~كل نفس فاجرة ومبرورة وبين كل حجة بالغه وحجة PageV01P017 ~~"""" صفحة رقم 18 """" # مبيرة وعلى التابعين لهم على ذلك السبيل وسائر المنتمين إلى ذلك القبيل ~~وسلم تسليما كثيرا # اما بعد فإني أذكرك ايها الصديق الأوفى والخالصة الأصفى في مقدمة ينبغي ~~تقديمها قبل الشروع في المقصود وهي معنى قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # بدئ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدئ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء ~~يا رسول الله قال الذين يصلحون عند فساد الناس وفي رواية قيل PageV01P018 ~~"""" صفحة رقم 19 """" # ومن الغرباء ms001 يا رسول الله قال النزوع من القبائل وهذا مجمل ولكنه مبين في ~~الرواية الأخرى # وجاء من طريق آخر بدئ الإسلام غريبا ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما ~~بدئ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس وفي رواية لابن وهب قال ( صلى الله عليه وسلم ) # طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك ويعملون بالسنة حين تطفى ~~وفي رواية # إن الاسلام بدى غريبا وسيعود غريبا كما بدئ فطوبى للغرباء قالوا يا رسول ~~الله كيف يكون غريبا قال كما يقال للرجل في حي كذا وكذا إنه لغريب وفي ~~رواية انه سئل عن الغرباء قال الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي # وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول ~~الاسلام وآخره وذلك ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعثه الله تعالى ~~على حين فترة من الرسل وفي جاهلية جهلاء لاتعرف من الحق رسما ولا تقيم به ~~في مقاطع الحقوق حكما بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها وما استحسنته ~~اسلافها من الآراء المنحرفة والنحل المخترعة والمذاهب المبتدعة فحين قام ~~فيهم ( صلى الله عليه وسلم ) بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر وغيروا في وجه صوابه بالإفك ونسبوا ~~إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال ورموه بأنواع البهتان ~~فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف ~~مخبره وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه ~~وكرة يقولون انه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله ~~وإذ دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له قالوا ) أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب ( مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة لصادقة ) فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ( وإذا أنذرهم PageV01P019 ~~"""" صفحة رقم 20 """" # بطشة يوم القيامة انكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه وقالوا ) أئذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ( وإذا خوفهم نقمة الله ms002 قالوا ) اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ( ~~اعتراضا على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة وإذا جاءهم بآية خارقه ~~افترقوا في الضلالة على فرق واخترقوا فيها بمجرد العناد مالا يقبله أهل ~~التهدى إلى التفرقة بين الحق والباطل كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم ~~والموافقة لهم على ما ينتحلون إذا رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم ردا لما ~~هم عليه ونبذا لما شدوا عليه يد الظنة واعتقدوا إذا لم تمسكوا بدليل أن ~~الخلاف يوهن الثقة ويقبح جهة الاستحسان وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار ~~بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء # ولذلك اخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه ) ما تعبدون ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم ~~أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ( فحادوا كما ترى عن الجواب ~~القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء وقال الله تعالى ) ~~أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مهتدون ( فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد فقال ~~تعالى ) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ( فأجابوا بمجرد ~~الإنكار ركونا إلى ما ذكروا من التقليد لا بجواب السؤال # فكذلك كانوا مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأنكروا ما توقعوا معه زوال ~~ما بأيديهم لأنه خرج عن معتادهم وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم ~~حتى أرادوا ان يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم PageV01P020 ~~"""" صفحة رقم 21 """" # وبين المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات أو في بعض الأحوال أو على ~~بعض الوجوه ويقنعوا منه بذلك ليقف لهم بتلك الموافقه واهى بنائهم فأبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب ~~وأنزل الله ) قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ( إلى آخر السورة ~~فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ms003 ورموه بسهام القطيعة وصار أهل السلم كلهم ~~حربا عليه عاد الولى الحميم عليه كالعذاب الأليم فأقربهم إليه نسبا كان ~~أبعد الناس عن موالاته كأبي جهل وغيره وألصقهم به رحما كانوا أقسى قلوبا ~~عليه فأي غربة توازي هذه الغربة ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه ولا سلطهم ~~على النيل من أذاه إلا نيل المصلوفين بل حفظه وعصمه وتولاه بالرعاية ~~والكلاءة حتى بلغ رسالة ربه # ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها وعلى توالى تقريرها تبعد بين أهلها ~~وبين غيرهم وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا ولكن على وجه من الحكمة ~~عجيب وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل ففي ~~العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم عليه السلام وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين ~~فيهم كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الانبياء ) أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده ( وقوله تعالى ) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ( # وما زال ( صلى الله عليه وسلم ) يدعو لها فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد ~~على حكم الاختفاء خوفا من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإسلام فلما ~~اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيلة PageV01P021 ~~"""" صفحة رقم 22 """" # فحموه على إغماض أو على دفع العار في الإخفار # ومنهم من فر من الإذاية وخوف الغرة هجرة إلى الله وحبا في الاسلام # ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ولا ملجأ يركن إليه فلقي منهم من الشدة ~~والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم حتى زل منهم من زل فرجع امره بسبب ~~الرجوع إلى الموافقة وبقي منهم من بقي صابرا محتسبا إلى أن أنزل الله تعالى ~~الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرا ليحصل بينهم وبين ~~الناطق الموافقة وتزول المخالفة فنزل اليها من نزل على حكم التقية ريثما ~~يتنفس من كربه ويتروح من خناقه وقلبه مطمئن بالإيمان # وهذه غربة ms004 أيضا ظاهرة وإنما كان هذا جهلا منهم بمواقع الحكمه وأن ما ~~جاءهم به نبيهم ( صلى الله عليه وسلم ) هو الحق ضد ما هم عليه فمن جهل شيئا ~~عاداه فلو علموا لحصل الوفاق ولم يسمع الخلاف ولكن سابق القدر حتم على ~~الخلق ما هم عليه قال الله تعالى ) ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ( # ثم استمر تزيد الإسلام واستقام طريقه على مدة حياة النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ومن بعد موته وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن نبغت فيهم ~~نوابغ الخروج عن السنة وأصغوا إلى البدع المضلة كبدعة القدر وبدعة الخوارج ~~وهي التي نبه عليها الحديث بقوله يقتلون أهل الإسلام ويدعون اهل الأوثان ~~يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يعني لا يتفقهون فيه بل يأخذونه PageV01P022 ~~"""" صفحة رقم 23 """" # على الظاهر كما بينه حديث ابن عمر الاتي بحول الله # وهذا كله في آخر عهد الصحابة # ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق ( صلى الله عليه وسلم ) في ~~قوله افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة وفي الحديث الآخر لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود ~~والنصارى قال فمن وهذا أعم من الأول فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص ~~بأهل الأهواء وهذا الثاني عام في المخالفات ويدل على ذلك من الحديث قوله ~~حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم # وكل صاحب مخالفة فمن شأنه أن يدعو غيره إليها ويحض سؤاله بل سواه عليها ~~إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجلبة وبسببه تقع من المخالف ~~المخالفة وتحصل من الموافق المؤالفة ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين # كان الاسلام في أوله وجدته مقاوما بل ظاهرا وأهله غالبون وسوادهم أعظم ~~الأسودة فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين فلم يكن لغيرهم ~~ممن لم يسلك سبيلهم أو سلكه ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها ولا قوة يضعف ms005 ~~دونها حزب الله المفلحون فصار على استقامة وجرى على اجتماع واتساق فالشاذ ~~مقهور مضطهد إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود وقوته إلى الضعف ~~المنتظر والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده واقتضى سر التأسي المطالبة ~~بالموافقة ولا شك أن الغالب أغلب فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء ~~فتفرق أكثرهم شيعا # وهذه سنة الله في الخلق إن أهل الحق في جنب اهل الباطل قليل لقوله تعالى ~~) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ( وقوله تعالى PageV01P023 ~~"""" صفحة رقم 24 """" # ) وقليل من عبادي الشكور ( ولينجز الله ما وعد به نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من عود وصف الغربة إليه فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو ~~قلتهم وذلك حين يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا وتصير السنة بدعة ~~والبدعة سنة فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف كما كان أولا يقام على ~~أهل البدعة طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال ويأبى الله أن تجتمع حتى ~~تقوم الساعه فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعا ~~بل لا بد أن تثبت جماعة اهل السنة حتى يأتى أمر الله غير أنهم لكثرة ما ~~تناوشهم الفرق الضالة وتناضبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم لا ~~يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع آناء الليل والنهار وبذلك يضاعف الله ~~لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم # فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف بالموافقة جار مع الأزمان لا يختص ~~بزمان دون زمان فمن وافق فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان ومن خالف ~~فهو المخطئ المصاب ومن وافق فهو المحمود السعيد ومن خالف فهو المذموم ~~المطرود ومن وافق فقد سلك سبيل الهداية ومن خالف فقد تاه في طرق الضلالة ~~والغواية # وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره # وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي ووجه شطر العلم طلبي انظر ~~في عقلياته وشرعياته وأصوله وفروعه لم أقتصر منه على علم دون علم ولا أفردت ~~عن أنواعه نوعا دون آخر حسبما اقتضاه الزمان والإمكان وأعطته المنة ms006 ~~المخلوقة في أصل فطرتي بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة وأقدمت في ~~ميادينه إقدام الجرئ حتى كدت PageV01P024 ~~"""" صفحة رقم 25 """" # أتلف في بعض أعماقه أو أنقطع في رفقتي التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر ~~لي غائبا عن مقال القائل وعذل العاذل ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللائم إلى ~~أن من على الرب الكريم الرءوف الرحيم فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن ~~في حسابي وألقى في نفسي القاصرة أن كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل ~~الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا لغيرهما مجالا يعتد فيه وإن الدين قد كمل ~~والسعادة الكبرى فيما وضع والطلبة فيما شرع وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك ~~وخسران وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى محصل لكلمتي ~~الخير دنيا وأخرى وما سواهما فأحلام وخيالات وأوهام وقام لي على صحة ذلك ~~البرهان الذي لا شبهة تطرق حول حماه ولا ترتمي نحو مرماه ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون والحمد لله والشكر كثيرا كما ~~هو أهله # فمن هنالك قوت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه فابتدأت ~~بأصول الدين عملا واعتقادا ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول وفي خلال ذلك ~~أبين ما هو من السنن أو من البدع كما أبين ما هو من الجائز وما هو من ~~الممتنع وأعرض ذلك على علم الأصول الدينية والفقهية ثم أطلب نفسي بالمشي مع ~~الجماعة التي سماها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالسواد الأعظم في ~~الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه وترك البدع التي نص عليها العلماء أنها بدع ~~وأعمال مختلفة # وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ~~ونحوها فلما أردت الاستقامه على الطريق وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل الوقت ~~لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد ودخلت على سننها الأصليه شوائب من ~~المحدثات الزوائد ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنه المتقدمة فكيف في زماننا هذا ~~فقد روى عن ms007 السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير كما روى عن أبي الدرداء ~~أنه قال PageV01P025 ~~"""" صفحة رقم 26 """" # لو خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه ~~هو وأصحابه إلا الصلاه # قال الأوزاعي فكيف لو كان اليوم قال عيسى بن يونس فكيف لو ادرك الاوزاعي ~~هذا الزمان وعن أم الدرداء قالت دخل أبو الدرداء وهو غضبان فقلت ما أغضبك ~~فقال والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا # وعن أنس بن مالك قال ما اعرف منكم ما كنت اعهده على عهد رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) غير قولكم لا إله إلا الله قلنا بلى يا أبا حمزة قال قد ~~صليتم حتى تغرب الشمس أفكانت تلك صلاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعن ~~انس قال لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الاسلام شيئا ~~قال ووضع يده على خده ثم قال إلا هذه الصلاة ثم قال أما والله على ذلك لمن ~~عاش في النكر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ورأى ~~صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله من ذلك وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف ~~الصالح يسأل عن سبلهم ويقتص آثارهم ويتبع سبيلهم ليعوض أجرا عظيما وكذلك ~~فكونوا إن شاء الله # وعن ميمون بن مهران قال لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف ما عرف غير هذه القبلة # وعن سهل بن مالك عن أبيه قال ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا ~~النداء بالصلاة إلى ما أشبه هذا من الآثار الداله على أن المحدثات تدخل في ~~المشروعات وأن ذلك قد كان قبل زماننا وإنما تتكاثر على توالى الدهور إلى الآن PageV01P026 ~~"""" صفحة رقم 27 """" # فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس فلا بد من ~~حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو ~~السنة لا سواها إلا أن في ms008 ذلك العبء الثقيل # ما فيه من الأجر الجزيل وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف ~~الصالح فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك إلا أني أوافق المعتاد ~~وأعد من المؤالفين لا من المخالفين فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو ~~النجاة وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا فأخذت في ذلك على حكم التدريج ~~في بعض الأمور فقامت على القيامة وتواترت علي الملامة وفوق إلي العتاب ~~سهامه ونسبت إلى البدعة والضلالة وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة وإني ~~لو التمست لتلك المحدثات مخرجا لوجدت غير أن ضيق العطن والبعد عن أهل الفطن ~~رقى بي مرتقى صعبا وضيق علي مجالا رحبا وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع ~~المتشابهات لموافقات العادات أولى من اتباع الواضحات وإن خالفت السلف الأول # وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب أو خرجوا ~~بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم ~~القيامة فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى ~~إلى بعض الناس بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة ~~حالة الإمامة وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء # وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم بسبب اني لم ألتزم ذكر ~~الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص إذ لم يكن ذلك شأن من السلف في ~~خطبهم ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب # وقد سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين فقال هو بدعة ولا ينبغي ~~العمل به وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة # قيل له فدعاءه للغزاة والمرابطين PageV01P027 ~~"""" صفحة رقم 28 """" # قال ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه وإما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته ~~دائما فإني أكره ذلك # ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة ~~غير محبوبة # وتارة أضيف إلى القول بجواز القيام على الأئمة وما أضافوه إلا من ms009 عدم ~~ذكرى لهم في الخطبة وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم # وتارة أحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين وإنما حملهم على ذلك أني ~~التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه وهم ~~يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه وإن كان شاذا في المذهب ~~الملتزم أو في غيره # وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب الموافقات # وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء ~~المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق وتكلمت للجمهور ~~على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم # وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة بناء منهم على أن الجماعة التي أمر ~~باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه ~~النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه والتابعون لهم بإحسان # وسيأتي بيان ذلك بحول الله وكذبوا على في جميع ذلك أو وهموا والحمد لله ~~على كل حال # فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل ~~زمانه إذ حكى عن نفسه فقال عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني ~~والأبعدين والعارفين والمنكرين فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن ~~أكثر من لقيت بها موافقا أو مخالفا دعاني إلى متابعته على ما يقوله وتصديق PageV01P028 ~~"""" صفحة رقم 29 """" # قوله والشهادة له فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل ~~هذا الزمان سماني موافقا وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني ~~مخالفا وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد سماني ~~خارجيا وإن قرأت عليه حديثا في التوحيد سماني مشبها وإن كان في الرؤية ~~سماني سالميا وإن كان في الإيمان سماني مرجئيا وإن كان في الأعمال سماني ~~قدريا وإن كان في المعرفة سماني كراميا وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر ~~سماني ناصبيا وإن كان في فضائل أهل البيت سماني ms010 رافضيا وإن سكت عن تفسير ~~آية أو حديث فم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهريا وإن أجبت بغيرهما سماني باطنيا # وإن أجبت بتأويل سماني أشعريا وإن حجدتهما سماني معتزليا وإن كان في ~~السنن مثل القراءة سماني شفعويا وإن كان في القنوت سماني حنفيا وإن كان في ~~القرآن سماني حنبليا وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار إذ ليس ~~في الحكم والحديث محاباة قالوا طعن في تزكيتهم ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني ~~فيما يقرءون علي من أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما يشتهون من ~~هذه الأسامي ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله ~~تبارك وتعالى ولن يغنوا عني من الله شيئا # وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم # هذا تمام الحكاية فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع # فقلما تجد عالما مشهورا أو فاضلا مذكورا إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو ~~بعضها لأن الهوى قد يدخل المخالف بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى ~~المتبع الغالب على اهل الخلاف فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة إنه غير ~~صاحبها ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله حتى ينسب هذه المناسب PageV01P029 ~~"""" صفحة رقم 30 """" # وقد نقل عن سيد العباد بعد الصحابة أويس القرني أنه قال إن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقا نأمرهم بالمعروف فيشتمون ~~أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظائم ~~وأيم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه # فمن هذا الباب يرجع الاسلام غريبا كما بدأ لأن المؤالف فيه على وصفه ~~الأول قليل فصار المخالف هو الكثير فاندرست رسوم السنة حتى مدت البدع ~~أعناقها فأشكل مرماها على الجمهور فظهر مصداق الحديث الصحيح # ولما وقع علي من الإنكار ما وقع مع ما هدى الله إليه وله الحمد لم أزل ~~أتتبع البدع التي نبه عليها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وحذر منها ~~وبين أنها ضلالة وخروج عن ms011 الجادة وأشار العلماء إلى تمييزها والتعريف بجملة ~~منها لعلي أجتنبها فيما استطعت # وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات لعلى أجلو بالعمل ~~سناها وأعد يوم القيامة فيمن أحياها إذ ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ~~ما هو في مقابلتها حسبما جاء عن السلف في ذلك # فعن ابن عباس قال ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا ~~فيه سنة حتى تحيا البدعة وتموت السنن # وفي بعض الأخبار لا يحدث رجل بدعة الا ترك من السنة ما هو خير منها # وعن لقمان بن أبي إدريس الخولاني أنه كان يقول ما أحدثت أمة في دينها ~~بدعة إلا رفع بها عنهم سنة # وعن حسان ابن عطية قال ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم ~~مثلها ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة إلى غير ذلك مما جاء في هذا ~~المعنى وهو مشاهد معلوم حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى # وجاء من الترغيب في إحياء السنن ما جاء # فقد خرج ابن وهب حديثا عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال من أحيا ~~سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له PageV01P030 ~~"""" صفحة رقم 31 """" # من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن ابتدع ~~بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله فإن عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من ~~آثام الناس شيئا وأخرجه الترمذي باختلاف في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى ~~وقال فيه حديث حسن # وفي الترمذي عن أنس قال قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا بني ~~إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل ثم قال لي يا بني وذلك من ~~سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة حديث حسن # فرجوت بالنظر في هذا الموضع الانتظام في سلك من أحيا سنة وأمات بدعة # وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن ms012 أصول قررت أحكامها ~~الشريعة وفروع طالت أفنانها لكنها تنتظمها تلك الأصول وقلما توجد على ~~الترتيب الذي سنح في الخاطر فمالت إلى بثها النفس ورأت أنه من الأكيد الطلب ~~لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع لأنه لما كثرت البدع وعم ~~ضررها واستطار شررها ودام الإكباب على العمل بها والسكوت من المنأخرين عن ~~الإنكار لها وخلفت بعدهم خلوف جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها ~~صارت كأنها سنن مقررات وشرائع من صاحب الشرع محررات فاختلط المشروع بغيره ~~فعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها كما تقدم فالتبس بعضها ببعض فتأكد ~~الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم وقلما صنف فيها على الخصوص تصنيف وما ~~صنف فيها فغير كاف في هذه المواقف مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد ~~المساعد عديم المعين فالموالى له يخلد به إلى الأرض ويلقى له باليد إلى ~~العجز عن بث الحق بعد رسوخ العوائد في PageV01P031 ~~"""" صفحة رقم 32 """" # القلوب والمعادى يريسه بالأردبيس ويروم أخذه بالعذاب البئيس لأنه يرد ~~عوائده الراسخه في القلوب المتداولة في الأعمال دينا يتعبد به وشريعة يسلك ~~عليها لا حجة له إلا عمل الآباء والأجداد مع بعض الأشياخ العالمين كانوا من ~~أهل النظر في هذه الأمور أم لا # ولم يلتفتوا إلى أنهم عند موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح ~~فالمعترض لمثل هذا الامر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في العمل ~~حيث قال ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله قد فنى عليه الكبير ~~وكبر عليه الصغير وفصح عليه الأعجمي وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينا لا ~~يرون الحق غيره # وكذلك ما نحن بصدد الكلام عليه غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله ولا يسع ~~أحد ممن له منه إلا الأخذ بالحزم والعزم في بثه بعد تحصيله على كماله وإن ~~كره المخالف فكراهيته لا حجة فيها على الحق ألا يرفع منارة ولا تكشف وتجلى ~~أنواره فقد خرج أبو الطاهر السلفي بسنده إلى أبي هريرة أن ms013 النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال له يا أبا هريره علم الناس القرآن وتعلمه فإنك إن مت وأنت ~~كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق وعلم الناس سنتي وإن كرهوا ~~ذلك وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنه فلا تحدث في ~~دين الله حدثا برأيك # قال أبو عبد الله بن القطان وقد جمع الله له ذلك كله من إقراء كتاب الله ~~والتحديث بالسنة أحب الناس أم كرهوا وترك الحدث حتى إنه كان لا يتأول شيئا ~~مما روى تتميما للسلامة من الخطإ PageV01P032 ~~"""" صفحة رقم 33 """" # على أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ أنه كتب إلى مالك بن أنس إن ~~بلدنا كثير البدع وإنه ألف كلاما في الرد عليهم # فكتب إليه مالك يقول له إن ظننت ذلك بنفسك خفت أن تزل فتهلك لا يرد عليهم ~~إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم لا يقدرون أن يعرجوا عليه فهذا لا بأس ~~به وأما غير ذلك فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه أو يظفروا منه ~~بشيء فيطغوا ويزدادوا تماديا على ذلك # وهذا الكلام يقضي لمثلي بالإحجام دون الإقدام وشياع هذا النكر وفشو العمل ~~به وتظاهر أصحابه يقضي لمن له بهذا المقام منة بالإقدام دون الإحجام لأن ~~البدع قد عمت وجرت أفراسها من غير مغير ملء أعنتها # وحكى ابن وضاح عن غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات اعلم يا ~~أخي أن ما حملني على الكتب إليك ما أنكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله ~~من إنصافك الناس وحسن حالك مما أظهرت من السنه # وعيبك لأهل البدع وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم فقمعهم الله بك وشد بك ظهر ~~أهل السنة وقواك عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم وأذلهم الله بذلك وصاروا ~~ببدعتهم مستترين # فأبشر يا أخي بثواب الله واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاه والصيام ~~والحج والجهاد # وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله ( صلى الله ms014 ~~عليه وسلم ) وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من أحيا شيئا من ~~سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين إصبعيه وقال أيما داع دعا إلى ~~هذه فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة فمن يدرك يا أخي ~~هذا بشيء من عمله وذكر أيضا إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله ~~يذب عنها PageV01P033 ~~"""" صفحة رقم 34 """" # وينطق بعلامتها فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله فإن النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فأوصاه وقال لأن يهدي الله ~~بك رجلا واحدا خير لك من كذا وكذا وأعظم القول فيه فاغتنم ذلك وادع إلى ~~السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون ~~أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء الأثر # فاعمل على بصيرة ونية حسنة فيرد الله بك المبتدع والمفتون الزائغ الحائر ~~فتكون خلفا من نبيك ( صلى الله عليه وسلم ) فأحي كتاب الله وسنة نبيه فإنك ~~لن تلقى الله بعمل يشبهه # انتهى ما قصدت إيراده من كلام أسد رحمه الله # وهو مما يقوي جانب الإقدام مع ما روى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ~~أنه خطب الناس فكان من جملة كلامه في خطبته أن قال والله إني لولا أن أنعش ~~سنة قد أميتت أو أن أميت بدعة قد أحييت لكرهت أن أعيش فيكم فواقا # وخرج ابن وضاح في كتاب القطعان وحديث الأوزاعي أنه بلغه عن الحسن أنه قال ~~لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتاب الله ~~فإذا وافقوه حمدوا الله وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضل وهدى من ~~اهتدى فأولئك خلفاء الله # وفيه عن سفيان قال اسلكوا سبيل الحق ولا تستوحشوا من قلة اهله فوقع ~~الترديد بين النظرين # ثم إني أخذت في ذلك مع بعض الإخوان الذين أحللتهم من قلبي محل السويداء ~~وقاموا في عامة ms015 أدواء نفسي مقام الدواء فرأوا أنه من العمل الذي لا شبهة في ~~طلب الشرع نشره ولا إشكال في أنه بحسب الوقت من أوجب الواجبات فاستخرت الله ~~تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها وما يتعلق بها PageV01P034 ~~"""" صفحة رقم 35 """" # من المسائل أصولا وفروعا وسميته ب الاعتصام # والله أسأل أن يجعله عملا خالصا ويجعل ظل الفائدة به ممدودا لا قالصا ~~والأجر على العناء فبه كاملا لا ناقصا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # وينحصر الكلام فيه بحسب الغرض المقصود في جملة أبواب وفي كل باب منها ~~فصول اقتضاها بسط المسائل المنحصرة فيه وما انجز معها من الفروع المتعلقة به PageV01P035 ~~"""" صفحة رقم 36 """" ### | AUTO الباب الأول في تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظا # وأصل مادة بدع للاختراع على غير مثال سابق ومنه قول الله تعالى ) بديع ~~السماوات والأرض ( أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم وقوله تعالى ) قل ما ~~كنت بدعا من الرسل ( أي ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد بل ~~تقدمني كثير من الرسل ويقال ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه ~~إليها سابق # وهذا أمر بديع يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن فكأنه لم ~~يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه # ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع ~~وهيئتها هي البدعة وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة فمن هذا ~~المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة وهو إطلاق أخص منه في ~~اللغه حسبما يذكر بحول الله # ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وأقوالهم ثلاثه حكم ~~يقتضيه معنى الأمر كان للإيجاب أو الندب وحكم يقتضيه معنى النهي كان ~~للكراهة أو التحريم وحكم يقتضيه معنى التخيير وهو الإباحة فأفعال العباد ~~وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة مطلوب فعله ومطلوب تركه ومأذون في ~~فعله وتركه # والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الأخيرين لكنه ms016 على ضربين # أحدهما أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة مع مجرد النظر عن غير ~~ذلك وهو إن كان محرما سمي فعلا معصية وإثما وسمي فاعله عاصيا PageV01P036 ~~"""" صفحة رقم 37 """" # وآثما وإلا لم يسم بذلك ودخل في حكم العفو حسبما هو مبين في غير هذا ~~الموضع ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا لأن الجمع بين الجواز والنهي ~~جمع بين متنافيين # والثاني أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة لظاهر التشريع من جهة ضرب ~~الحدود وتعيين الكيفيات والتزام الهيئات المعينة أو الأزمنه المعينة مع ~~الدوام ونحو ذلك # وهذا هو الابتداع والبدعة ويسمى فاعله مبتدعا فالبدعة إذن عبارة عن طريقة ~~في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ~~سبحانه وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها ~~بالعبادات وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول ~~البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد ~~بالطريقة الشرعية ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد # فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه ~~وإنما قيدت بالدين لانها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضا فلو كانت ~~طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان ~~التي لا عهد بها فيما تقدم # ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ~~ليس له أصل فيها خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع أي طريقة ~~ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع إذ البدعة إيما خاصتها أنها خارجة ~~عما رسمه الشارع وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع ~~مما هو متعلق بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول ~~الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة # فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع إذ الأمر ~~بإعراب القرآن منقول PageV01P037 ~~"""" صفحة رقم 38 """" # وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة فحقيقتها ms017 إذا أنها فقه ~~التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى # وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب ~~عين وعند الطالب سهلة الملتمس # وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة ~~أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به كما كان الفقه تقريرا لأدلتها في ~~الفروع العبادية # فإن قيل فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع # فالجواب أن له أصلا في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه ولو سلم أنه ليس في ~~ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره وهو مستمد من قاعدة ~~المصالح المرسلة وسيأتي بسطها بحول الله # فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل ~~تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد فليست ببدعة البتة # وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات وإذا دخلت في علم ~~البدع كانت قبيحة لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال كما يأتي بيانه إن شاء الله # ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحا وهو باطل بالإجماع ~~فليس إذا ببدعة # ويلزم ان يكون له دليل شرعي وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ ~~من جملة الشريعة # وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسله ثبت مطلق المصالح المرسلة PageV01P038 ~~"""" صفحة رقم 39 """" # فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم ~~الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا # ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام ~~الناس في ليالي رمضان بدعة وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من ~~قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه # وقوله في الحد تضاهي الشرعية يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن ~~تكون في الحقيقة كذلك بل هي مضادة لها من أوجه متعددة منها وضع الحدود ~~كالناذر للصيام قائما لا يقعد ضاحيا لا يستظل والاختصاص ms018 في الانقطاع ~~للعبادة والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة # ومنها التزام الكيفيات والهيآت المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت ~~واحد واتخاذ يوم ولادة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عيدا وما أشبه ذلك # ومنها التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين ~~في الشريعة كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته # وثم أوجه تضاهي بها البدعة الأمور المشروعة فلو كانت لا تضاهي الامور ~~المشروعه لم تكن بدعة لانها تصير من باب الافعال العادية PageV01P039 ~~"""" صفحة رقم 40 """" # وأيضا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى يكون ملبسا بها ~~على الغير أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع ~~بأمر لا يشابه المشروع لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعا ولا ~~يدفع به ضررا ولا يجيبه غيره إليه # ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ولو بدعوى الاقتداء ~~بفلان المعروف منصبه في اهل الخير # فانت ترى العرب الجاهليه في تغيير ملة إبراهيم عليه السلام كيف تأولوا ~~فيما احدثوه احتجاجا منهم كقولهم في اصل الاشراك ) ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى ( وكترك الخمس الوقوف بعرفة لقولهم لا نخرج من الحرم اعتدادا ~~بحرمته وطواف من طاف منهم بالبيت عريانا قائلين لا نطوف بثياب عصينا الله ~~فيها وما اشبه ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع فما ظنك بمن عد أو ~~عد نفسه من خواص اهل الملة فهم أحرى بذلك وهم المخطئون وظنهم الإصابة وإذا ~~تبين هذا ظهر أن مضاهاة الأمور المشروعة ضرورية الأخذ في أجزاء الحد # وقوله يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى هو تمام معنى ~~البدعة اذ هو المقصود بتشريعها # وذلك ان اصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العباده والترغيب في ذلك ~~لان الله تعالى يقول ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( فكأن المبتدع ~~رأى ان المقصود هذا المعنى ولم يتبين له ان ما وضعه الشارع فيه من القوانين ~~والحدود كاف فرأى ms019 من نفسه انه لا بد لما اطلق الامر فيه من قوانين منضبطة ~~وأحوال مرتبطة مع ما يداخل النفوس من حب الظهور أو عدم مظنته فدخلت في هذا ~~الضبط شائبة البدعة PageV01P040 ~~"""" صفحة رقم 41 """" # وأيضا فان النفوس قد تمل وتسأم من الدوام على العبادات المترتبة فاذا جدد ~~لها امر لا تعهده حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الامر الاول ~~ولذلك قالوا لكل جديد لذه بحكم هذا المعنى كمن قال كما تحدث للناس اقضية ~~بقدر ما احدثوا من الفجور فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما حدث لهم ~~من الفتور # وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه فيوشك قائل ان يقول ما هم بمتبعي ~~فيتبعوني وقد قرأتك القرآن فلا يتتبعني حتى ابتدع لهم غيره # فاياكم وما ابتدع فان ما ابتدع ضلالة # وقد تبين بهذا القيد ان البدع لا تدخل في العادات # فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد ~~فقد خرج عن هذه التسميه كالمغارم الملزمه على الاموال وغيرها على نسبة ~~مخصومة وقدر مخصوص مما يشبه فرض الزكوات ولم يكن اليها ضروره # وكذلك اتخاذ المناخل وغسل اليد بالاشنان وما اشبه ذلك من الامور التي لم ~~تكن قبل فانها لا تسمى بدعا على احدى الطريقتين # واما الحد على الطريقة الاخرى فقد تبين معناه الا قوله يقصد بها ما يقصد ~~بالطريقة الشرعية # ومعناه ان الشريعة انما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم ~~في الدارين على اكمل وجوهها فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته # لان البدعة اما ان تتعلق بالعادات أو العبادات فان تعلقت بالعبادات فانما ~~اراد بها ان يأتي تعبده على ابلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في ~~الاخره في ظنه وان تعلقت بالعادات فكذلك لانه انما وضعها لتأتي أمور دنياه ~~على تمام المصلحه فيها PageV01P041 ~~"""" صفحة رقم 42 """" # فمن يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر ان التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول ~~اتم منه بغير المنخول # وكذلك البناءات المشيدة المحتفلة التمتع ms020 بها ابلغ منه بالحشوش والخرب # ومثله المصادرات في الاموال بالنسبة إلى أولي الامر وقد أباحت الشريعه ~~التوسع في التصرفات فيعد المبتدع هذا من ذلك # وقد ظهر معنى البدعة وما هي في الشرع والحمد لله # فصل # وفي الحد ايضا معنى آخر مما ينظر فيه وهو ان البدعة من حيث قيل فيها انها ~~طريقة في الدين مخترعة إلى آخره يدخل في عموم لفظها البدعة التركية كما ~~يدخل فيه البدعة غير التركية فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريما للمتروك ~~أو غير تحريم فان الفعل مثلا قد يكون حلالا بالشرع فيحرمه الانسان على نفسه ~~أو يقصد تركه قصدا # فبهذا الترك اما ان يكون لأمر يعتبر مثله شرعا اولا فان كان لأمر يعتبر ~~فلا حرج فيه اذ معناه انه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب بتركه كالذي يحرم ~~على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما اشبه ~~ذلك فلا مانع هنا من الترك بل ان قلنا بطلب التداوي للمريض فان الترك هنا ~~مطلوب وان قلنا باباحة التداوي فالترك مباح # فهذا راجع إلى العزم على الحميه من المضرات وأصله قوله عليه الصلاة ~~والسلام PageV01P042 ~~"""" صفحة رقم 43 """" # يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج إلى ان قال ومن لم يستطع ~~فعليه بالصوم الذي يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت # وكذلك اذا ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس فذلك من اوصاف المتقين ~~وكتارك المتشابه حذرا من الوقوع في الحرام واستبراء للدين والعرض # وان كان الترك لغير ذلك فاما ان يكون تدينا اولا فان لم يكن تدينا ~~فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك # ولا يسمى هذا الترك بدعة اذ لا يدخل تحت لفظ الحد الا على الطريقة ~~الثانية القائلة ان البدعة تدخل في العادات # واما على الطريقة الاولى فلا يدخل # لكن هذا التارك يصير عاصيا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما احل الله # واما ان كان الترك تدينا فهو الابتداع ms021 في الدين على كلتا الطريقتين اذ قد ~~فرضنا الفعل جائزا شرعا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع PageV01P043 ~~"""" صفحة رقم 44 """" # التحليل وفي مثله نزل قول الله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( فنهى اولا عن ~~تحريم الحلال # ثم جاءت الآيه تشعر أن ذلك اعتداء لا يحبه الله # وسيأتي للآيه تقرير ان شاء الله # لان بعض الصحابه هم ان يحرم على نفسه النوم بالليل وآخر الاكل بالنهار ~~وآخر اتيان النساء وبعضهم هم بالاختصاء مبالغة في ترك شأن النساء # وفي امثال ذلك قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من رغب عن سنتي فليس مني # فاذا كل من منع نفسه من تناول ما احل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن ~~سنة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) # والعامل بغير السنة تدينا هو المبتدع بعينه # فان قيل فتارك المطلوبات الشرعية ندبا أو وجوبا هي يسمى مبتدعا أم لا ~~فالجواب ان التارك للمطلوبات على ضربين احدهما ان يتركها لغير التدين اما ~~كسلا أو تضييعا أو ما اشبه ذلك منالدواعي النفسيه فهذا الضرب راجع إلى ~~المخالفه للامر فان كان في واجب فمعصية وان كان في ندب فليس بمعصية اذا كان ~~الترك جزئيا وان كليا فمعصية حسبما تبين في الاصول # والثاني ان يتركها تدينا فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع ~~الله ومثاله اهل الاباحه القائلين باسقاط التكاليف اذا بلغ السالك عندهم ~~المبلغ الذى الذه حدوه PageV01P044 ~~"""" صفحة رقم 45 """" # فاذا قوله في الحد طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يشمل البدعة التركية كما ~~يشمل غيرها لان الطريقة الشرعية ايضا تنقسم إلى ترك وغيره # وسواء علينا قلنا ان الترك فعل أم قلنا انه نفى الفعل الطريقتين ~~المذكورتين في أصول الفقه # وكما يشمل الحد الترك يشمل ايضا ضد ذلك # وهو ثلاثة اقسام قسم الإعتقاد وقسم القول وقسم الفعل فالجميع اربعة اقسام # وبالجمله فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع PageV01P045 ~~"""" صفحة رقم ms022 46 """" ### | AUTO الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب اصحابها # لاخفاء ان البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها لان اتباعها خروج عن ~~الصراط المستقيم ورمي في عمايه # وبيان ذلك من جهة النظر والنقل الشرعي العام # اما النظر فمن وجوه احدها انه قد علم بالتجارب والخبره الساريه في العالم ~~من اول الدنيا إلى اليوم ان العقول غير مستقله بمصالحها استجلابا لها أو ~~مفاسدها استدفاعا لها لانها اما دنيويه أو أخرويه # فأما الدنيويه فلا يستقل باستدراكها على التفصيل البته لا في ابتداء ~~وضعها اولا ولا في استدراك ما عسى ان يعرض في طريقها اما في السوابق واما ~~في اللواحق لان وضعها اولا لم يكن الا بتعليم الله تعالى # لان آدم عليه السلام لما انزل إلى الأرض علم كيف يستجلب مصالح دنياه اذا ~~لم يكن ذلك من معلومه اولا الا على قول من قال ان ذلك داخل تحت مقتضى قول ~~الله تعالى ) وعلم آدم الأسماء كلها ( وعند ذلك يكون تعليما غير عقلي # ثم توارثته ذريته كذلك في الجمله # لكن فرعت العقول من أصولها تفريعا تتوهم استقلالها به # ودخل في الاصول الدواخل حسبما اظهرت ذلك ازمنة الفترات اذ لم تجر مصالح ~~الفترات على استقامة ه لوجود الفتن والهرج وظهور أوجه الفساد # فلولا ان من الله على الخلق ببعثة الانبياء لم تستقم لهم حياة ولا جرت ~~احوالهم على كمال مصالحهم وهذا معلوم بالنظر في اخبار الاولين والاخرين PageV01P046 ~~"""" صفحة رقم 47 """" # واما المصالح الاخرويه فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع اسبابها وهي ~~العبادات مثلا فان العقل لا يشعر بها على الجمله فضلا عن العلم بها على ~~التفصيل # ومن جهة تصور الدار الاخرى وكونها آتية فلا بد وانها دار جزاء على ~~الاعمال فان الذي يدرك العقل من ذلك مجرد الامكان ان يشعر بها # ولا يغترن ذو الحجى بأحوال الفلاسفة المدعين لادراك الاحوال الاخروية ~~بمجرد العقل قبل النظر في الشرع فان دعواهم بألسنتهم في المسئلة بخلاف ما ~~عليه الامر في نفسه لان الشرائع لم تزل واردة ms023 على بني آدم من جهة الرسل # والانبياء ايضا لم يزالوا موجودين في العالم وهم اكثر وكل ذلك من لدن آدم ~~عليه السلام إلى ان انتهت بهذه الشريعة المحمدية # غير ان الشريعة كانت اذا اخذت في الدروس بعث الله نبيا من انبيائه يبين ~~للناس ما خلقوا لاجله وهو التعبد لله فلا بد ان يبقى من الشريعة المفروضة ~~ما بين زمان أخذها في الاندراس وبين انزال الشريعة بعدها بعض الاصول ~~المعلومة # فأتى الفلاسفة إلى تلك الاصول فتلقفوها أو تلقفوا منها فارادوا ان يخرجوه ~~على مقتضى عقولهم وجعلوا ذلك عقليا لا شرعيا وليس الامر كما زعموا # فالعقل غير مستقل البتة ولا ينبني على غير اصل وانما ينبني على اصل متقدم ~~مسلم على الاطلاق # ولا يمكن في احوال الاخره قبلهم اصل مسلم الا من طريق الوحي # ولهذا المعنى بسط سيأتي ان شاء الله # فعلى الجملة العقول لا تستقل بادراك مصالحها دون الوحي فالابتداع مضاد ~~لهذا الاصل لنه ليس مستند شرعي بالفرض فلا يبقى الا ما ادعوه من العقل PageV01P047 ~~"""" صفحة رقم 48 """" # فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته ان ينال بسبب العمل بها ما رام تحصيله من ~~جهتها فصارت كالعبث # هذا ان قلنا ان الشرائع جاءت لمصالح العباد # واما على القول الاخر فأحرى ان لا يكون صاحب البدعة على ثقة منها لانها ~~اذ ذاك مجر تعبد والزام من جهة الآمر للمأمور والعقل بمعزل عن هذه الخطة ~~حسبما تبين في علم الاصول وناهيك من نحلة ينتحلها صاحبها في ارفع مطالبه ~~لائقه بها ويلقة من يده ما هو على ثقة منه # والثاني ان الشريعة جاءت كامله لا تحتمل الزياده ولا النقصان لان الله ~~تعالى قال فيها ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ( # وفي حديث العرباض بن سارية وعظنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) موعظة ~~ذرفت منها الاعين ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله ان هذه موعظة مودع ~~فما تعهد الينا قال تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها بعدي ms024 ~~الا هالك ومن يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح PageV01P048 ~~"""" صفحة رقم 49 """" # وثبت ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يمت حتى اتى ببيان جميع ما ~~يحتاج اليه في امر الدين والدنيا وهذا لا مخالف عليه من اهل السنة # فاذا كان كذلك فالمبتدع انما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله ان الشريعة ~~لم تتم وانه بقي منها اشياء يجب أو يستحب استدراكها لانه لو كان معتقدا ~~لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها # وقائل هذا ضال على الصراط المستقيم # قال ابن الماجشون سمعت مالكا يقول من ابتدع في الاسلام بدعه يراها حسنه ~~فقد زعم ان محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) خان الرسالة لان الله يقول ) ~~اليوم أكملت لكم دينكم ( فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا # والثالث ان المبتدع معاند للشرع ومشاق له لان الشارع قد عين لمكالب العبد ~~طرقا خاصة على وجوه خاصة وقصر الخلق عليها بالامر والنهي والوعد والوعيد ~~وأخبر ان الخير فيها وان الشر في تعديها إلى غير ذلك لان الله يعلم ونحن لا ~~نعلم وانه انما ارسل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) رحمة للعالمين فالمبتدع ~~راد لهذا كله فانه يزعم ان ثم طرقا أخر ليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما ~~عينه بمتعين كأن الشارع يعلم ونحن ايضا نعلم بل ربما يفهم من استدراكه ~~الطرق على الشارع انه علم ما لم يعلمه الشارع # وهذا ان كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع وان كان غير مقصود ~~فهو ضلال مبين # والى هذا المعنى اشار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اذ كتب له عدي ابن ~~أرطاه يستشيره في بعض القدريه فكتب اليه PageV01P049 ~~"""" صفحة رقم 50 """" # اما بعد فاذني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في امره واتباع سنة نبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وترك ما احدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته ~~فعليك بلزوم السنه ms025 فان السنه انما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ ~~والزلل والحمق والتعمق فارض لنفسك بما رضي به القوم لانفسهم فانهم على علم ~~وقفوا وببصر نافذ قد كفوا وهم كانوا على كشف الامور اقوى وبفضل كانوا فيه ~~احرى فلئن امر حدث بعدهم ما احدثه بعدهم الا من اتبع غير سننهم ورغب نفسه ~~عنهم انهم لهم السابقون فقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما ~~دونهم مقصر وما فوقهم محسر لقد قصر عنهم آخرون فقلوا وانهم بين ذلك لعلى ~~هدى مستقيم # ثم ختم الكتاب بحكم مسئلته # فقوله فان السنه انما سنها من قد عرف ما في خلافها فهو مقصود الاستشهاد # والرابع ان المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع لان الشارع وضع ~~الشرائع والزم الخلق الجري على سننها وصار هو المنفرد بذلك لانه حكم بين ~~الخلق بيما كانوا فيه يختلفون والا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم ~~تنزل الشرائع ولم يبق الخلاف بين الناس ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم ~~السلام 0 PageV01P050 ~~"""" صفحة رقم 51 """" # هذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا حيث شرع مع الشارع ~~وفتح للاختلاف بابا ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك # والخامس انه اتباع للهوى لان العقل اذا لم يكن متبعا للشرع لم يبقى له ~~الا الهوى والشهوه وانت تعلم ما في اتباع الهوى وانه ضلال مبين الا ترى قول ~~الله تعالى ) يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب ( # فحصر الحكم في امرين لا ثالث لهما عنده هو الحق والهوى وعزل العقل مجردا ~~اذ لا يمكن في العاده الا ذلك وقال ) ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه ( فجعل الامر محصورا بين امرين اتباع الذكر واتباع الهوى وقال ) ~~ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( # وهي مثل ما ms026 قبلها وتأملوا هذه الآيه فانها صريحة في ان من لم يتبع هدى ~~الله في هوى نفسه فلا أحد اضل منه # وهذا شأن المبدع فانه اتبع هواه بغير هدى من الله وهدى الله هو القرآن # وما بينته الشريعة وبينته الآيه ان اتباع الهوى على ضربين احدهما ان يكون ~~تابعا للامر والنهي فليس بمذموم ولا صاحبه بضال # كيف وقد قدم الهدى فاستنار به في طريق هواه وهو شأن المؤمن التقي # والاخر ان يكون هواه هو المقدم بالقصد الاول كان الامر والنهي تابعين ~~بالنسبة اليه أو غير تابعين وهو المذموم PageV01P051 ~~"""" صفحة رقم 52 """" # والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى الله فكان اضل الناس وهو يظن انه على هدى # وقد انجز هنا معنى يتأكد التنبيه عليه وهو ان الاية المذكوره عينت ~~للاتباع في الاحكام الشرعية طريقين احدهما الشريعة ولا مرية في انها علم ~~وحق وهدى والاخر الهوى وهو المذموم لانه لم يذكر في القرآن الا في سياق ~~الذم ولم يجعل ثم طريقا ثالثا # ومن تتبع الآيات الفى ذلك كذلك # ثم العلم الذي أحيل عليه والحق الذي حمد انما هو القرآن وما نزل من عند ~~الله كقوله تعالى ) قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ( وقال بعد ذلك ) أم كنتم شهداء إذ ~~وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ( # وقال ) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ( وهذا كله لاتباع اهوائهم في ~~التشريع بغير هدى من الله وقال ) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ~~ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ( # وهو اتباع الهوى في التشريع اذ حقيقته افتراء على الله وقال ) أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بعد الله ( أي لا يهديه دون أي شيء # وذلك بالشرع ms027 لا بغيره وهو الهدى # وإذا ثبت هذا وان الامر دائر بين الشرع والهوى تزلزلت قاعدة حكم العقل ~~المجرد فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال الا من تحت نظر الهوى فهو اذا ~~اتباع الهوى بعينه في تشريع الاحكام PageV01P052 ~~"""" صفحة رقم 53 """" # ودع النظر العقلي في المعقولات المحضة فلا كلام فيه هنا وان اهله قد زلوا ~~ايضا بالابتداع فانما زلوا من حيث ورود الخطاب ومن حيث التشريع ولذلك عذر ~~الجميع قبل ارسال الرسل اعني في خطئهم في التشريعات والعقليات حتى جاءت ~~الرسل فلم يبق لاحد حجه يستقيم اليها رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل ولله الحجة البالغة # فهذه قاعده ينبغي ان تكون من بال الناظر في هذا المقام وان كانت أصولية ~~فهذه نكتتها مستنبطة من كتاب الله انتهى # قصل # واما النقل فمن وجوه احدها ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ~~ابتدع في دين الله في الجمله # فمن ذلك قول الله تعالى ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ( فهذه الآيه من ~~اعظم الشواهد # وقد جاء في الحديث تفسيرها فصح من حديث عائشه رضي الله عنها انها قالت ~~سألت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن قوله ) فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( قال فاذا رأيتهم ~~فاعرفيهم # وصح عنها انها قالت سئل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن هذه الآيه ) ~~هو الذي أنزل عليك الكتاب ( PageV01P053 ~~"""" صفحة رقم 54 """" # ) إلى آخر الآيه فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # اذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم # وهذا التفسير مبهم ولكنه جاء في رواية عن عائشه ايضا قالت تلا رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) هذه الآيه ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات ( الآيه قال فاذا ms028 رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله ~~فاحذروهم وهذا ابين لانه جعل علامة الزيغ الجدال في القرآن # وهذا الجدال مقيد باتباع المتشابه # فاذا الذم انما لحق من جادل فيه بترك المحكم وهو أم الكتاب ومعظمه ~~والتمسك بمتشابهه ولكنه بعد مفتقر إلى تفسير اظهر # فجاء عن أبي غالب واسمه حرور قال كنت بالشام فبعث المهلب سبعين رأسا من ~~الخوارج فنصبوا على درج دمشق فكنت على ظهر بيت لي فمر أبو أمامه فنزلت ~~فاتبعته فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال # سبحان الله ما يصنع السلطان ببني آدم قالها ثلاثا كلاب جهنم كلا جهنم شر ~~قتلى تحت ظل السماء ثلاث مرات خير قتلى من قتلوه طوبى لمن قتلهم أو قتلوه # ثم التفت الي فقال أبا غالب انك بأرض هم بها كثير فأعاذك الله منهم قلت ~~رأيتك بكيت حين رأيتهم قال # بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من اهل الاسلام هل تقرأ سورة آل عمران قلت ~~نعم فقرأ ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ( حتى ~~بلغ ) وما يعلم تأويله إلا الله ( وان هؤلاء كان في قلوبهم زيغ بهم ثم قرأ ~~) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( إلى قوله ) ~~ففي رحمة الله هم فيها خالدون ( قلت هم هولاء يا أبا أمامة قال نعم # قلت من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال # اني اذا لجرئ # بل سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا مرة ولا مرتين PageV01P054 ~~"""" صفحة رقم 55 """" # حتى عد سبعا ثم قال ان بني اسرائيل تفرقوا على احدى وسبعين فرقة وان هذه ~~الامة تزيد عليها فرقة كلها في النار الا السواد الاعظم # قلت يا أبا أمامه الا ترى ما وفعلوا قال # عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم # الاية خرجة اسماعيل القاضي وغيره # وفي رواية قال قال # الا ترى فيه السواد الاعظم # وذلك في اول خلافة عبد الملك والقتل يومئذ ظاهر قال عليهم ما حملوا ~~وعليكم ما حملتم ms029 # وخرجه الترمذي مختصرا وقال فيه حديث حسن وخرجه الطحاوي ايضا باختلاف في ~~بعض الالفاظ وفيه فقيل له يا أبا أمامه تقول لهم هذا القول ثم تبكي يعني ~~قوله شر قتلى إلى آخره قال # رحمة لهم انهم كانوا من اهل الاسلام فخرجوا منه # ثم تلا ) هو الذي أنزل عليك الكتاب ( حتى ختمها # ثم قال هم هؤلاء ثم تلا هذه الآية ) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ( حتى ~~ختمها ثم قال هم هؤلاء # وذكر الآجري عن طاوس قال ذكر لابن عباس الخوارج وما يصيبهم عند قراءة ~~القرآن فقال يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه قرأ ) وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ( # فقد ظهر بهذا التفسير انهم اهل البدع لان أباأمامة رضى الله عنه جعل ~~الخوارج داخلين في عموم الآية وأنها تتنزل عليهم # وهم من أهل البدع عند العلماء اما على انهم خرجوا ببدعتهم عن اهل الاسلام ~~واما على انهم من اهل الاسلام لم يخرجوا عنهم على اختلاف العلماء فيهم # وجعل هذه الطائفة ممن في قلوبهم زيغ فزيغ بهم وهذا الوصف موجود في اهل ~~البدع كلهم مع ان لفظ الآيه عام وفي غيرهم ممن كان على صفاتهم # الا ترى ان صدر هذه السورة انما نزل في نصارى نجران ومناظرتهم لرسول PageV01P055 ~~"""" صفحة رقم 56 """" # الله ( صلى الله عليه وسلم ) في اعتقادهم في عيسى عليه السلام حيت تأولوا ~~عليه انه الاله أو انه ابن الله أو انه ثالث ثلاثة بأوجه متشابهة وتركوا ما ~~هو الواضح في عبوديته حسبما نقله اهل السير ثم تأوله العلماء من السلف ~~الصالح على قضايا دخل اصحابها تحت حكم اللفظ كالخوارج فهي ظاهرة في العموم # ثم تلا أبو أمامه الآيه الأخرى وهي قوله سبحانه ) ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( إلى قول ( ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون ) وفسرها بمعنى ما فسر به الآية الاخرى فهي الوعيد والتهديد ~~لمن تلك صفته ونهى المؤمنين ان يكونوا مثلهم # ونقل عبيد عن حميد بن مهران قال سألت ms030 الحسن كيف يصنع اهل هذه الاهواء ~~الخبيثه بهذه الآيه في آل عمران ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات ( قال نبذوها ورب الكعبة وراء ظهورهم # وعن أبي أمامة ايضا قال هم الحرورية # وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول ما آية في كتاب الله اشد على اهل الاختلاف ~~من اهل الاهواء من هذه الآيه ) يوم تبيض وجوه ( إلى قوله ( بما كنتم تكفرون ~~) قال مالك فاي كلام ابين من هذا فرأيته يتأولها لاهل الاهواء ورواه ابن ~~القاسم وزاد قال لي مالك انما هذه الآية لاهل القبله وما ذكره في الآية قد ~~نقل عن غيره واحد كالذي تقدم للحسن # وعن قتاده في قوله تعالى ) كالذين تفرقوا واختلفوا ( يعني اهل البدع # وعن ابن عباس في قوله ) يوم تبيض وجوه وتسود ( تبيض وجوه اهل السنه وتسود ~~وجوه اهل البدعة # ومن الايات قوله تعالى ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ( PageV01P056 ~~"""" صفحة رقم 57 """" # فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا اليه وهو السنه والسبل هي سبل ~~اهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم اهل البدع # وليس المراد سبل المعاصي لان المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا ~~تسلك دائما على مضاهاة التشريع وانما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات # ويدل على هذا ما روى اسماعيل عن سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد عن ~~عاصم بن بهالة عن أبي وائل عن عبد الله قال خط لنا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يوما خطا طويلا وخط لنا سليمان خطا طويلا وخط عن يمينه وعن ~~يساره فقال هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطا عن يمينه ويساره وقال هذه سبل ~~وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو اليه ثم تلا هذه الآيه ) وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ( يعني الخطوط ) فتفرق بكم عن سبيله ( # قال بكر بن العلاء احسبه اراد شيطانا من الانس وهي البدع والله اعلم # والحديث مخرج من ms031 طرق # وعن عمر بن سلمه الهمداني قال كنا جلوسا في حلقة ابن مسعود في المسجد وهو ~~بطحاء قبل ان يحصب # فقال له عبيد الله بن عمر بن الخطاب وكان أتي غازيا ما الصراط يا أبا عبد ~~الرحمن قال هو ورب الكعبه الذي PageV01P057 ~~"""" صفحة رقم 58 """" # ثبت عليه ابوك حتى دخل الجنه # ثم حلف ذلك ثلاث ايمان ولاء ثم خط في البطحاء خطا بيده وخط بجنبيه خطوطا ~~وقال ترككم نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) على طرفه وطرفه الاخر في الجنه ~~فمن ثبت عليه دخل الجنة ومن اخذ في هذه الخطوط هلك # وفي رواية يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم قال تركنا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في ادناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره ~~جواد وعليها رجال يدعون من مر بهم هلم لك هلم لك فمن اخذ منهم في تلك الطرق ~~انتهت به إلى النار ومن استقام إلى الطريق الاعظم انتهى به إلى الجنة ثم ~~تلا ابن مسعود ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ( الآية كلها # وعن مجاهد في قوله ( ولا تتبعوا السبل ) قال البدع والشبهات # وعن عبد الرحمن بن مهدي قد سئل مالك بن أنس عن السنة قال هي مالا اسم له ~~غير السنة وتلا ( وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ) # قال بكر بن العلاء يريد ان شاء الله حديث ابن مسعود ان النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) خط له خطا وذكر الحديث # فهذا التفسير يدل على شمول الآيه لجميع طرق البدع لا تختص ببدعة دون أخرى PageV01P058 ~~"""" صفحة رقم 59 """" # ومن الايات قول الله تعالى ) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء ~~لهداكم أجمعين ( فالسبيل القصد هو طريق الحق وما سواه جائر عن الحق أي عادل ~~عنه وهي طرق البدع والضلالات اعاذنا الله من سلوكها بفضله # وكفى بالجائر ان يحذر منه فالمساق يدل على التحذير والنهي # وذكر ابن وضاح قال سئل عاصم بن بهدلة وقيل له يا أبا بكر هل ms032 رأيت قول ~~الله تعالى ) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ( قال ~~حدثنا أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال خط عبد الله بن عبد الله خطا ~~مستقيما وخط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله فقال خط رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) هكذا فقال للخط المستقيم هذا سبيل الله وللخطوط التي عن يمينه ~~وشماله هذه سبل متفرقه على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه والسبيل مشتركه ~~قال الله تعالى ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ( إلى آخرها # عن التستري قصد السبيل طريق السنه ومنها جائر يعني الي النار وذلك الملل والبدع # وعن مجاهد قصد السبيل أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير وذلك يفيد ان ~~الجائر هو الغالي أو المقصر وكلاهما من اوصاف البدع # وعن علي رضي الله عنه انه كان يقرؤها فمنكم جائر قالوا يعني هذه الامة ~~فكأن هذه الآيه مع الآيه قبلها يتواردان على معنى واحد # ومنها قوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ~~إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ( PageV01P059 ~~"""" صفحة رقم 60 """" # هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث من طريق عائشه رضي الله عنها قالت ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا عائشة # ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ( # من هم قلت الله ورسوله اعلم قال هم اصحاب الاهواء واصحاب البدع واصحاب ~~الضلالة من هذه الامة يا عائشه ان لكل ذنب توبة ما خلا اصحاب الاهواء ~~والبدع ليس لهم توبة وانا برئ منهم وهم مني براء # قال ابن عطيه هذه الآية تعم اهل الاهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ~~ذلك من اهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة ~~لسوء المعتقد ويريد والله اعلم باهل العمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن ~~عبد البر في فصل ذم الرأي من كتاب العلم له وسيأتي ذكره بحول الله # وحكى ابن بطال في شرح البخاري عن أبي حنيفه انه قال لقيت عطاء ms033 ابن رباح ~~بمكة فسألته عن شيء فقال من اين انت قلت من اهل الكوفه قال انت من اهل ~~القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا قلت نعم قال من أي الاصناف انت قلت ~~ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ولا يكفر احدا بذنب فقال عطاء عرفت فالزم # وعن الحسن قال خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا فقطعوا ~~عليه كلامه فتراموا بالبطحاء حتى جعلت ما ابصر اديم السماء قال وسمعنا صوتا ~~من بعض حجر ازواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقيل هذا صوت أم المؤمنين ~~قال فسمعتها وهي تقول الا ان نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب وتلت ) إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( # قال القاضي اسماعيل احسبه يعني بقوله أم المؤمنين أم سلمة وان ذلك قد ذكر ~~في بعض الحديث وقد كانت عائشه في ذلك الوقت حاجة PageV01P060 ~~"""" صفحة رقم 61 """" # وعن أبي هريرة انها نزلت في هذه الامة وعن أبي امامة هم الخوارج # قال القاضي ظاهر القرآن يدل على ان كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج ~~وغيرهم فهو داخل في هذه الآيه لانهم اذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا ~~وكانوا شيعا # ومنها قوله تعالي ) ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ( # قرئ فارقوا دينهم وفسر عن أبي هريرة انهم الخوارج ورواه أبو أمامة مرفوعا # وقيل هم اصحاب الاهواء والبدع # قالوا روته عائشة رضي الله عنها مرفوعا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وذلك لان هذا شأن من ابتدع حسبما قاله اسماعيل القاضي وكما تقدم في الاي الاخر # ومنها قوله تعالى ) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ( # فعن ابن عباس ان لبسكم شيعا هو الاهواء المختلفة ويكون على هذا قوله ~~ويذيق بعضكم بأس بعض تكفير البعض للبعض حتى يتقاتلوا كما جرى للخوارج حين ~~خرجوا على اهل السنة والجماعة وقيل ms034 معنى أو يلبسكم شيعا ما فيه الباس من ~~الاختلاف # وقال مجاهد وابو العاليه ان الآية لامة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~أبو العالية هن أربع ظهر اثنتان بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بخمس وعشرين سنه فألبسوا شيعا وأذيق بعضكم بأس بعض وبقيت اثنتان فهما ولا ~~بد واقعتان الخسف من تحت ارجلكم والمسخ من فوقكم وهذا كله صريح في ان ~~اختلاف الاهواء مكروه غير محبوب ومذموم غير محمود PageV01P061 ~~"""" صفحة رقم 62 """" # وفيما نقل عن مجاهد في قول الله ) ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم ( قال في المختلفين انهم اهل الباطل ) إلا من رحم ربك ( قال ~~فان اهل الحق ليس فيهم اختلاف # وروى عن مطرف بن الشخير انه قال لو كانت الاهواء واحدا لقال القائل لعل ~~الحق فيه فلما تشعبت وتفرقت عرف كل ذي عقل عقل ان الحق لا يتفرق # وعن عكرمه ) ولا يزالون مختلفين ( يعني في الاهواء ) إلا من رحم ربك ( هم ~~اهل السنة # ونقل أبو بكر ثابت الخطيب عن منصور بن عبد الله بل الرحمن قال كنت جالسا ~~عن الحسن ورجل خلفي قاعد فجعل يأمرني ان اسأله عن قول الله ) ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ( قال نعم ( لا يزالون مختلفين ) على اديان شتى ( ~~الا من رحم ربك ) فمن رحم غير مختلف # وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن انس ان اهل الرحمه لا ~~يختلفون # ولهذه الآية بسط يأتي بعد ان شاء الله # وفي البخاري عن عمر بن مصعب قال سألت أبي عن قوله تعالى ) هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا ( هم الحرورية قال لا هم اليهود والنصارى اما اليهود ~~فكذبوا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) واما النصارى فكذبوا بالجنة وقالوا لا ~~طعام فيها ولا شراب والحرورية ) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ( ~~وكان شعبة يسميهم الفاسقين # وفي تفسين سعيد بن منصرو عن مصعب بن سعد قال قلت لابي ) الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( PageV01P062 ~~"""" صفحة ms035 رقم 63 """" # ) اهم الحرورية قال لا أولئك اصحاب الصوامع ولكن الحروريه الذين قال الله ~~) فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( # وخرج عبد بن حميد في تفسيره هذا المعنى بلفظ آخر عن مصعب بن سعد فأتى على ~~هذه الآية ) قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ( إلى قوله ( يحسنون صنعا ) قلت ~~اهم الحروية قال لا هم اليهود والنصارى اما اليهود فكفروا بمحمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) واما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا ليس فيها طعام ولا شراب ~~ولكن الحرورية ) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض ( فالاول لانهم خرجوا عن طريق الحق بشهادة ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لانهم تأولوا التأويلات الفاسدة وكذا فعل ~~المبتدعة وهو بابهم الذي دخلوا فيه # والثاني لانهم تصرفوا في احكام القرآن والسنة هذا التصرف # فأهل حروراء وغيرهم من الخوارج قطعوا قوله تعالى ) إن الحكم إلا لله ( عن ~~قوله ) يحكم به ذوا عدل منكم ( وغيرها # وكذا فعل سائر المبتدعة حسبما يأتيك بحول الله # ومنه روى عمرو بن مهاجر قال بلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله ان غيلان ~~القدري يقول في القدر فبعث اليه فحجبه اياما ثم ادخله عليه فقال يا غيلان ~~ما هذا الذي بلغني عنك قال عمرو بن مهاجر فأشرت اليه الا يقول شيئا # قال فقال نعم يا امير المؤمنين ان الله عز وجل يقول ) هل أتى على الإنسان ~~حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ( قال عمر PageV01P063 ~~"""" صفحة رقم 64 """" # أقرأ إلى آخر السوره ) وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما ~~حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ( ثم قال ما ~~تقول يا غيلان قال اقول قد كنت اعمى فبصرتني واصم فأسمعتني وضالا فهديتني ~~فقال عمر اللهم ان كان عبدك غيلان صادقا والا فاصله قال فأمسك عن الكلام في ~~القدر فولاه عمر بن ms036 عبد العزيز دار الضرب بدمشق فلما مات عمر ابن عبد ~~العزيز وافضت الخلافة إلى هشام تكلم في القدر فبعث اليه هشام فقطع يده فمر ~~به رجل والذباب على يده فقال يا غيلان هذا قضاء وقدر # قال كذبت لعمر الله ما هذا قضاء ولا قدر # فبعث اليه هشام فصلبه # والثالث لان الحروريه جردوا السيوف على عباد الله وهو غاية الفساد في ~~الأرض وذلك كثير من اهل البدع شائع وسائرهم يفسدون بوجوه من ايقاع العداوه ~~والبغضاء بين اهل الاسلام # وهذه الاوصاف الثلاثة تقتضيها الفرقة التي نبه عليها الكتاب والسنة كقوله ~~تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ( وقوله تعالى ) إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا ( واشباه ذلك # وفي الحديث ان الامة تتفرق على بضع وسبعين فرقة # وهذا التفسير في الرواية الاولى لمصعب بن سعد ايضا فقد وافق اباه على ~~المعنى المذكور # ثم فسر سعد بن أبي وقاص في رواية سعيد بن منصور ان ذلك بسبب الزيغ الحاصل ~~فيهم وذلك قوله تعالى ) فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( وهو راجع إلى آية آل ~~عمران في قوله ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ( الاية ~~فانه ادخل رضي الله عنه الحرورية في الآيتين بالمعنى وهو الزيغ في احداهما ~~والاوصاف المذكورة في الاخرى لانها فيهم مموجوده فآية الرعد تشمل PageV01P064 ~~"""" صفحة رقم 65 """" # بلفظها لان اللفظ فيها يقتضي العموم لغة وان حملناها على الكفار خصوصا ~~فهي تعطى ايضا فيهم حكما من جهة ترتيب الجزاء على الاوصاف المذكورة حسبما ~~هو مبين في الاصول # وكذلك آية الصف لانها خاصة بقوم موسى عليه السلام # ومن هنا كان شعبة يسميهم الفاسقين اعنى الحرورية لان معنى الآيه واقع عليهم # وقد جاء فيها ) والله لا يهدي القوم الفاسقين ( والزيغ أيضاكان موجودا ~~فيهم فدخلوا معنى قوله ) فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ( ومن هنا يفهم انها ~~لا تختص من اهل البدعة بالحرورية بل تعم كل من اتصف بتلك الاوصاف التي ~~اصلها الزيغ وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى وانما فسرها سعد رضي الله عنه ms037 ~~بالحرورية لانه انما سئل عنهم عل الخصوص والله اعلم لانهم اول من ابتدع في ~~دين الله فلا يقتضي ذلك تخصيصا # واما المسئول عنها اولا وهي آية الكهف فان سعدا نفى ان تشمل الحرورية وقد ~~جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه فسر الاخسرين اعمالا بالحرورية ~~ايضا فروى عبد بن حميد عن ابن الطفيل قال قام ابن الكواء إلى علي فقال يا ~~امير المؤمنين من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون ~~صنعا قال منهم اهل حروراء وهو ايضا منقول في تفسير سفيان الثوري وفي جامع ~~ابن وهب انه سأله عن الآيه فقال له ارق إلى اخبرك وكان على المنبر فرقى ~~اليه درجتين فتناوله بعصا كانت في يده فجعل يضربه بها ثم قال له علي انت ~~واصحابك # وخرج عبد بن حميد ايضا عن محمد بن جبير بن مطعم قال اخبرني رجل من بني ~~اود ان عليا خطب الناس بالعراق وهو يسمع فصاح به ابن الكواء من اقصى المسجد ~~فقال يا امير المؤمنين من ( الاخسرين اعمالا ) قال انت # فقتل ابن الكواء يوم الخوارج # ونقل بعض اهل التفسير ان ابن الكواء سأله فقال أنتم هل حرواء واهل الرياء والذين PageV01P065 ~~"""" صفحة رقم 66 """" # يحبطون الصنيعة بالمنة # فالروايه الاولى تدل على ان اهل حروراء بعض من شملته الآيه # ولما قال سبحانه في وصفهم ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ( وصفهم ~~بالضلال مع ظن الاهتداء دل على انهم المبتدعون في اعمالهم عموما كانوا من ~~اهل الكتاب اولا من حيث قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كل بدعة ضلالة ~~وسيأتي شرح ذلك بعون الله # فقد يجتمع التفسيران في الآيه تفسير سعد بأنهم اليهود والنصارى وتفسير ~~علي بأنهم اهل البدعة لانهم قد اتفقوا على الابتداع ولذلك فسر كفر النصارى ~~بأنهم تأولوا في الجنة غير ما هي عليه وهو التأويل بالرأي # فاجتمعت الآيات الثلاث على ذم البدعة واشعركلام سعد بن أبي وقاص بأن كل ~~آيه اقتضت وصفا من اوصاف المبتدعة فهم مقصودون بما ms038 فيها من الذم والخزى ~~وسوء الجزاء اما بعموم اللفظ واما بمعنى الوصف # وروى ابن وهب ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) اتى بكتاب في كتف فقال كفى ~~بقوم حمقا أو قال ضلالا ان يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم أو ~~كتاب إلى غير كتابهم فنزلت ) أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم ( الآيه # وخرج عبد الحميد عن الحسن قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~رغب عن سنتي فليس مني ثم تلا هذه الآية ) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ( الا آخر الآية # وخرج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله ) علمت نفس ~~ما قدمت وأخرت ( قال ما قدمت من عمل خير أو شر وما أخرت من نة يعمل بها من ~~بعده وهذا التفسير قد يحتاج إلى تفسير فروى عن عبد الله قال PageV01P066 ~~"""" صفحة رقم 67 """" # ما قدمت من خير وما اخرت من سنة صالحة يعمل بها من بعدها فان له مثل أجر ~~من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وما اخرت من سنة سيئة كان عليه مثل ~~وزر من عمل بها لا ينقص ذلك من اوزارهم شيئا خرجه ابن المبارك وغيره # وجاء عن سفيان بن عيينة وابي قلابة وغيرهما انهم قالوا كل صاحب بدعة أو ~~فرية ذليل # واستدلوا بقول الله تعالى ) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم ~~وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين ( # وخرج ابن وهب عن مجاهد في قول الله ) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم ( يقول ما قدموا من خير وآثارهم التي أورثوا الناس بعدهم من ~~الضلاله # وخرج ايضا عن ابن عون عن محمد بن سيرين انه قال اني ارى اسرع الناس ردة ~~اصحاب الاهواء # قال ابن عون وكان ابن سيرين يرى ان هذه الآية في اصحاب الاهواء ) وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ( الآيه # وذكر الآجري عن أبي ms039 الجوزاء انه ذكر اصحاب الاهواء فقال والذي نفس أبي ~~الجوزاء بيده لأن تمتلئ داري قردة وخنازير احب الي من ان يجاورني رجل منهم ~~ولقد دخلوا في هذه الآية ) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون ~~بالكتاب كله ( إلى قوله ) إن الله عليم بذات الصدور ( # والآيات المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة احوالهم كثيرة PageV01P067 ~~"""" صفحة رقم 68 """" # فلنقتصر على ما ذكرنا ففيه ان شاء الله الموعظة لمن اتعظ والشفاء لما في الصدور # فصل # الوجه الثاني من النقل ما جاء في الاحاديث المنقولة عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهي كثيرة تكاد تفوت الحصر الا انا نذكر منها ما تيسر مما ~~يدل على الباقي ونتحرى في ذلك بحول الله ما هو اقرب إلى الصحة # فمن ذلك ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي رواية لمسلم ~~من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد وهذا الحديث عده العلماء ثلث الاسلام ~~لانه جمع وجوه المخالفة لأمره عليه السلام # ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية # وخرج مسلم عن جابر بن عبد الله ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان ~~يقول في خطبته اما بعد فان خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر ~~الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وفي رواية قال كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يخطب الناس يحمد ~~الله ويثني عليه بما هو اهله ثم يقول من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل ~~الله فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الامور ~~محدثاتها وكل محدثة بدعة # وفي رواية للنسائي وكل محدثة بدعة وكل بدعة في النار # وذكر ان عمر رضي الله عنه كان يخطب بهذه الخطبه # وعن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا انه كان يقول انما هما اثنتان الكلام ~~والهدى فأحسن PageV01P068 ~~"""" صفحة رقم 69 """" # الكلام كلام الله واحسن الهدى هدى محمد ms040 الا واياكم ومحدثات الامور فان شر ~~الامور محدثاتها ان كل محدثة بدعة وفي لفظ # غير انكم ستحدثون ويحدث ويحدث لكم فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار ~~وكان ابن مسعود يخطب بهذا كل خميس # وفي رواية أخرى عنه انما هما اثنتان الهدى والكلام فافضل الكلام أو اصدق ~~الكلام كلام الله واحسن الهدى هدى الله بل محمد وشر الامور محدثاتها وكل ~~محدثة بدعة الا لا يتطاولن عليكم الامر فتقسو قلوبكم ولا يلهينكم الامل فإن ~~كل ما هو آت قريب الا ان بعيدا ما ليس آتيا # وفي رواية أخرى عنه احسن الحديث كتاب الله واحسن الهدى هدى محمد وشر ~~الامور محدثاتها ) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ( # وروى ابن ماجه مرفوعا عن ابن مسعود ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال اياكم ومحدثات الأمور فإن شر الامور محدثاتها وان كل محدثة بدعة وان كل ~~بدعة ضلالة والمشهور انه موقوف على ابن مسعود # وفي الصحيح من حديث أبي هريره قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من دعا إلى الهدى كان له من الاجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا # ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من ~~آثامهم شيئا PageV01P069 ~~"""" صفحة رقم 70 """" # وفي الصحيح ايضا عنه عليه الصلاة والسلام قال من سن سنة خير فاتبع عليها ~~فله اجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئا ومن سن سنة شر فاتبع ~~عليها كان عليه وزره ومثل اوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئا خرجه ~~الترمذي # وروى الترمذي ايضا وصححه وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال صلى ~~بنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ذات يوم ثم اقبل علينا فوعظنا موعظة ~~بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب # فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد الينا فقال أوصيكم ~~بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمر وان كان عبدا حبشيا # فإنه من ms041 يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور ~~فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وروى على وجوه من طرق PageV01P070 ~~"""" صفحة رقم 71 """" # وفي الصحيح عن حذيفة انه قال يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر قال نعم ~~قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديى قال فقلت هل بعد ذلك الشر من شر ~~قال نعم دعاة على نار جهنم من أجابهم قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا ~~قال نعم هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني ان ادركت ذلك قال ~~تلزم جماعة المسلمين وامامهم قلت فان لم يكن امام ولا جماعه قال فاعتزل تلك ~~الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وانت على ذلك وخرجه ~~البخاري على نحو آخر # وفي حديث الصحيفة المدينة حرم ما بين عير إلى ثور من احدث فيها حدثا أو ~~آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل الله PageV01P071 ~~"""" صفحة رقم 72 """" # منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا وهذا الحديث في سياق العموم فيشمل كل حدث ~~أحدث فيها مما ينافي الشرع # والبدع من اقبح الحدث # وقد استدل به مالك في مسئلة تأتي في موضعها بحول الله # وهو وان كان مختصا بالمدينة فغيرها ايضا يدخل في المعنى # وفي الموطأ من حديث أبي هريرة ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج ~~إلى المقبره فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون ~~الحديث إلى ان قال فيه فليذادن رجال عن حوضى كما يذاد البعير الضال اناديهم ~~الا هلم الا هلم الا هلم فيقال انهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا ~~حمله جماعة من العلماء على انهم اهل البدع وحمله آخرون على المرتدين عن ~~الاسلام # والذي يدل على الاول ما خرجه خيثمة بن سليمان عن يزيد الرقاشي قال سألت ~~أنس بن مالك فقلت ان ها هنا قوما يشهدون علينا بالكفر والشرك ويكذبون ~~بالحوض ms042 والشفاعة فهل سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في ذلك شيئا ~~قال نعم سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول بين العبد والكفر أو ~~الشرك ترك الصلاة فاذا تركها فقد اشرك # وحوضى كما بين ايله إلى مكة اباريقه كنجوم السماء أو قال كعدد نجوم ~~السماء له ميزابان من الجنة كلما نضب امداه من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ~~ابدا وسيرده اقوام ذابلة شفاههم فلا يطعمون منه قطرة واحدة من كذب به اليوم ~~لم يصب منه الشرب يومئذ فهذا الحديث على انهم من أهل القبلة فنسبتهم أهل ~~الإسلام إلى الكفر من أوصاف الخوارج والتكذيب بالحوض من اوصاف اهل الاعتزال وغيرهم # مع ما في حديث الموطأ من قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ألا هلم # لانه عرفهم بالغره والتحجيل الذي جعله من خصائص امته والا فلو لم يكونوا ~~من الامة لم يعرفهم بالعلامة المذكورة PageV01P072 ~~"""" صفحة رقم 73 """" # وصح من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بالموعظه فقال انكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ) كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ( قال اول من يكسى يوم ~~القيامة إبراهيم وانه يستدعى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول كما ~~قال العبد الصالح ) وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم ( فيقال هؤلاء لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ ~~فارقتهم # ويحتمل هذا الحديث ان يراد به اهل البدع كحديث الموطأ ويحتمل ان يراد به ~~من ارتد بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) # وفي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال تفرقت اليهود على احدى وسبعين فرقة والنصار مثل ذلك وتفترق امتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة # حسن صحيح # وفي الحديث روايات أخر سيأتي ذكرها والكلام عليها ان شاء الله # ولكن ms043 الفرق فيها عند اكثر العلماء فرق اهل البدع وفي الصحيح انه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن ~~يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا ~~فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا وهو آت على وجوه كثيره في البخاري وغيره # وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال من سره ان يلقى الله غدا ~~مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله عز وجل شرع لنبيكم ~~( صلى الله عليه وسلم ) سنن الهدى وانهن من سنن الهدى ولو انكم صليتم PageV01P073 ~~"""" صفحة رقم 74 """" # في بيوتكم كما يصلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة ~~نبيكم ( صلى الله عليه وسلم ) لضللتم الحديث # فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضلالة وفي رواية لو تركتم سنة نبيكم ( صلى ~~الله عليه وسلم ) لكفرتكم وهو اشد في التحذير # وفيه ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال اني تارك فيكم ثقلين اولهما ~~كتاب الله فيه الهدى والنور وفي رواية فيه الهدى من استمسك به واخذ به كان ~~على الهدى # ومن أخطأه ضل # وفي رواية من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة # ومما جاء في هذا الباب ايضا ما خرج ابن وضاح ونحوه لابن وهب عن أبي هريره ~~ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال سيكون في أمتي دجالون كذابون ~~يأتونكم ببدع من الحديث لم تسمعوه أنتم ولا آباؤهم فإياكم إياهم لا يفتنوكم # وفي الترمذي انه عليه الصلاة والسلام قال من احيا سنة من سنتي قد أميتت ~~بعدي فان له من الاجر مثل أجر من عمل بها من غير ان ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا ومن ابتدع ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ~~ينقص ذلك من اوزار الناس شيئا حديث حسن # ولابن وضاح وغيره من حديث عائشه رضي الله عنها من أتى صاحب بدعه ليوقره ~~فقد اعان على ms044 هدم الاسلام # وعن الحسن ان رسول الله عليه وسلم قال ان احببت ان لا توقف على الصراط ~~طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك PageV01P074 ~~"""" صفحة رقم 75 """" # وعنه عليه الصلاه والسلام انه قال من اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي ~~فليس مني # وخرج الطحاوي ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال ستة ألعنهم لعنهم الله ~~وكل نبي مجاب الزائد في دين الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت يذل ~~به من اعز الله ويعز به من اذل الله والتارك لسنتي والمستحل لحرم الله ~~والمستحل من عترتي ما حرم الله # وفي رواية أبي بكر بن ثابت الخطيب ستة لعنهم الله ولعنتهم وفيه والراغب ~~عن سنتي إلى بدعة # وفي الطحاوي ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ان لكل عابد شرة ~~ولكل شرة فترة فإما إلى سنة واما إلى بدعة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد ~~اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك # وفي معجم البغوي عن مجاهد قال دخلت أنا وابو يحي بن جعدة على رجل من ~~الانصار من اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ذكروا عند رسول ~~الله صلى وسلم مولاة لبني عبد المطلب فقالوا انها قامت الليل وصامت النهار PageV01P075 ~~"""" صفحة رقم 76 """" # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لكني انام واصلي واصوم وافطر فمن ~~اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني ان لكل عامل شرة ثم فترة فمن ~~كانت فترته إلى بدعة فقد ضل ومن كانت فترته إلى سنه فقد اهتدى # وعن وائل عن عبد الله عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) انه قال ان اشد ~~الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي وامام ضلالة وممثل من ~~المسلمين # وفي منتقى حديث خيثمة عن سليمان عن عبد الله ان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال # سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فيحدثون البدعة # قال عبد الله بن مسعود فكيف ms045 اصنع اذا ادركتهم قال تسألني يا ابن أم عبد ~~الله كيف تصنع لا طاعة لمن عصى الله # وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) من اكل طيبا وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة فقال رجل يا رسول ~~الله ان هذا اليوم في الناس لكثير قال وسيكون في قرون بعدى حديث غريب # وفي كتاب الطحاوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قال كيف بكم وبزمان أو قال يوشك ان يأتي زمان يغربل الناس فيه ~~غربلة وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم واماناتهم اختلفوا فصارت هكذا ~~وشبك بين اصابعه قالوا وكيف بنا يا رسول الله قال تأخذون بما تعرفون وتذرون ~~ما تنكرون وتقبلون على امر خاصتكم وتذرون امر عامتكم PageV01P076 ~~"""" صفحة رقم 77 """" # وخرج ابن وهب مرسلا ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال اياكم ~~والشعاب قالوا وما الشعاب يا رسول الله قال الاهواء # وخرج ايضا ان الله ليدخل العبد الجنه بالسنة يتمسك بها # وفي كتاب السنة للآجرى من طريق الوليد بن مسلم عن معاذ بن جبل قال قال ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اذا حدث في أمتي البدع وشتم اصحابي ~~فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين # قال عبد الله بن الحسن فقلت للوليد بن مسلم ما اظهار العلم قال اظهار ~~السنة والأحاديث كثيرة # وليعلم الموفق ان بعض ما ذكر من الاحاديث يقصر عن رتبة الصحيح وانما اتى ~~بها عملا بما اصله المحدثون في أحاديث الترغيب والترهيب # اذ قد ثبت ذم البدع واهلها بالدليل القاطع القرآني والدليل السني الصحيح ~~فما زيد من غيره فلا حرج في الاتيان به ان شاء الله # فصل # الوجه الثالث من النقل ما جاء عن السلف الصالح من الصحابه والتابعين رضي ~~الله عنهم في ذم البدع واهلها وهو كثير # فمما جاء عن الصحابة ما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه ms046 خطب الناس ~~فقال ايها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة ~~الا ان تضلوا بالناس يمينا وشمالا # وصفق باحدى يديه على الاخرى # ثم قال اياكم ان تهلكوا عن آية الرجم ان يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله # فقد رجم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ورجمنا إلى آخر الحديث # وفي الصحيح عن حذيفه رضي الله عنه انه قال يا معشر القراء استقيموا فقد ~~سبقتم سبقا بعيدا وان أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا PageV01P077 ~~"""" صفحة رقم 78 """" # وروى عنه من طريق آخر انه كا يدخل المسجد فيقف على الخلق فيقول يا معشر ~~القراء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن اخذتم يمينا ~~وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا # وفي رواية ابن المبارك فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا الحديث # وعنه ايضا أخوف ما اخاف على الناس اثنتان ان يؤثروا ما يرون على ما ~~يعلمون وان يضلوا وهو لا يشعرون # قال سفيان وهو صاحب البدعه # وعنه ايضا انه اخذ حجرين فوضع احدهما على الاخر ثم قال لاصحابه هل ترون ~~ما بين هذين الحجرين من النور قالوا يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من ~~النور الا قليلا # قال والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق الا قدر ما بين ~~هذين الحجرين من النور والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شي قالوا تركت السنة # وعنه انه قال اول ما تفقدون من دينكم الامانة وآخر ما تفقدون الصلاة ~~ولتنقضن عرى الاسلام عروة عروة وليطئن نساءكم وبن حيض ولتسلكن طريق من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل لا تخطئون طريقهم ولا تخطئ بكم ~~وحتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة تقول احداهما ما بال الصلوات الخمس لقد ضل ~~من كان قبلنا انما قال الله ) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ( لا ~~تصلون الا ثلاثا # وتقول الاخرى انما المؤمنون بالله كايمان الملائكة ما فيها كافر ولا منافق # حق على الله ان ms047 يحشرهما مع الدجال # وهذا المعنى موافق لما ثبت من حديث أبي رافع عن النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) انه قال لألفين احدكم متكئا على اريكته يأتيه الامر من أمري مما ~~أمرت به PageV01P078 ~~"""" صفحة رقم 79 """" # أو نهيت عنه فيقول لا ادري لا ادري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه فإن ~~السنة جاءت مفسرة للكتاب فمن اخذ بالكتاب من غير معرفة بالسنة زل عن الكتاب ~~كما زل عن السنة # فلذلك يقول القائل لقد ضل من كان قبلنا إلى آخره وهذه الاثار عن حذيفه من ~~تخريج ابن وضاح # وخرج ايضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه انه قال اتبعوا آثارنا ولا ~~تبتدعوا فقد كفيتم # وخرج عنه ابن وهب ايضا انه قال عليكم بالعلم قبل ان يقبض وقبضه بذهاب اهله # عليكم بالعلم فإن احدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده # وستجدون اقواما يزعمون انهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم ~~فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق وعليكم بالتعيق # وعنه ايضا ليس عام الا والذي بعده شر منه لا اقول عام امطر من عام ولا ~~عام اخصب من عام ولا امير خير من امير ولكن ذهاب علمائكم وخياركم ثم يحدث ~~قوم يقيسون الامور بآرائهم فيهدم الاسلام ويثلم # وقال ايضا كيف أنتم اذا البستم فتنه يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير ~~تجرى على الناس يحدثونها سنة اذا غيرت قيل هذا منكر # وقال ايضا ايها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا وعليكم بالعتيق ~~خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون # وعنه ايضا القصد في السنه خير من الاجتهاد في البدعه # وقد روى معناه مرفوعا إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عمل قليل في سنة ~~خير من عمل كثير في بدعة PageV01P079 ~~"""" صفحة رقم 80 """" # وعنه ايضا خرجه قاسم بن اصبع انه قال اشد الناس عذابا يوم القيامه امام ~~ضال يضل الناس بغير ما انزل الله ومصور ورجل قتل نبيا أو قتله نبي # وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال لست تاركا ms048 شيئا كان رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يعمل به الا عملت به اني اخشى ان تركت شيئا من امره ان ازيغ # خرج ابن المبارك عن عمر بن الخطاب ان يزيد بن أبي سفيان يأكل الوان ~~الطعام فقال عمر لمولى له يقال له يرفأ اذا علمت انه قد حضر عشاؤه فأعلمنى ~~فلما حضر عشاؤه اعلمه فأتاه عمر فسلم عليه فاستأذن فأذن له فدخل فقرب عشاءه ~~فجاء بثريد لحم فأكل عمر معه منها ثم قرب شواء فبسط يزيد يده وكف عمر يده ~~ثم قال والله يا يزيد بن أبي سفيان اطعام بعد طعام والذي نفس عمر بيده لئن ~~خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم # وعن ابن عمر صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر # وخرج الآجري عن السائب بن يزيد قال اتى عمر بن الخطاب فقالوا يا امير ~~المؤمنين انا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن فقال اللهم امكني منه قال ~~فبينما عمر ذات يوم يغذي الناس اذ جاءه عليه ثياب وعمامه فتغدى حتى اذا فرغ ~~قال يا امير المؤمنين ) والذاريات ذروا فالحاملات وقرا ( فقال عمر أنت هو ~~فقام اليه محسرا عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته فقال والذي نفسي ~~بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك البسوه ثيابه واحملوه على قتب ثم اخرجوه ~~حتى تقدموا به بلاده ثم ليقم خطيبا ثم ليقل ان صبيغا طلب العلم فأخطأ فلم ~~يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه PageV01P080 ~~"""" صفحة رقم 81 """" # وخرج ابن المبارك وغيره عن أبي بن كعب انه قال عليكم بالسبيل والسنة فإنه ~~ما على الأرض من عبد على السبيل والسنه ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله ~~فيعذبه الله ابدا # وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من ~~خشية الله الا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك اذا اصابتها ريح ~~شديدة فتحات عنها ورقها الا حط الله عنه خطاياه كما تحات عن الشجره ورقها ~~فإن اقتصادا ms049 في سبيل الله وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنه ~~وانظروا ان يكون عملكم ان كان اجتهادا واقتصادا ان يكون على منهاج الانبياء وسنتهم # وخرج ابن وضاح عن ابن عباس قال ما يأتي على الناس من عام الا احدثوا فيه ~~بدعة واماتوا سنه حتى تحيا البدع وتموت السنن # وعنه انه قال عليكم بالاستفاضة والأثر واياكم والبدع # وخرج ابن وهب عنه ايضا قال من احدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنه ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يدر ما هو عليه اذا لقى الله عز وجل PageV01P081 ~~"""" صفحة رقم 82 """" # وخرج أبو داود وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه انه قال يوما ان من ~~ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيه القران حتى يأخذه المؤمن والمنافق ~~والرجل والمرأه والصغير والكبير والعبد والحر فيوشك قائل ان يقول ما للناس ~~لا يتبعوني وقد قرأت القرآن ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره واياكم وما ~~ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة واحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة ~~الضلالة على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق # قال الراوي قلت لمعاذ وما يدريني يرحمك الله ان الحكيم قد يقول كلمة ~~ضلالة وان المنافق قد يقول كلمة الحق قال بلى اجتنب من كلام الحكيم غير ~~المشتهرات التي يقال فيها ما هذه ولا يثنينك ذلك عنه فانه لعله ان يراجع ~~وتلق الحق اذا سمعته فان على الحق نورا # وفي روايه مكان المشتهرات المشتبهات وفسر بأنه ما تشابه عليك من قول حتى ~~يقال ما اراد بهذه الكلمة ويريد والله اعلم ما لم يشتمل ظاهره على مقتضى ~~السنة حتى تنكره القلوب ويقول الناس ما هذه وذلك راجع إلى ما يحذر من زلة ~~العالم حسبما يأتي بحول الله # ومما جاء عمن بعد الصحابة رضي الله عنهم ما ذكر ابن وضاح عن الحسن قال ~~صاحب البدعة ه لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة الا ازداد من الله بعدا # وخرج ابن وهب عن أبي ms050 ادريس الخولاني انه قال لان ارى في المسجد نارا لا ~~استطيع اطفاءها احب الي من ان ارى فيه بدعة لا استطيع تغييرها PageV01P082 ~~"""" صفحة رقم 83 """" # وعن الفضيل بن عياض اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين واياك وطرق ~~الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين # وعن الحسن لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك أو ~~تخالفه فيمرض قلبك # وعنه ايضا في قول الله تعالى ) كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم ( قال كتب الله صيام رمضان على اهل الاسلام كما كتبه على من كان ~~قبلهم فاما اليهود فرفضوه واما النصارى فشق عليهم الصوم فزادوا فيه عشرا ~~وأخروه إلى اخف ما يكون عليهم فيه الصوم من الأزمنة فكان الحسن اذا حدث ~~بهذا الحديث قال عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة # وعن أبي قلابة لا تجالسوا اهل الاهواء ولا تجادلوهم فاني لا آمن ان ~~يغمسوكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون قال ايوب وكان والله من ~~الفقهاء ذوي الألباب # وعنه ايضا انه كان يقول ان اهل الأهواء اهل ضلالة ولا ارى مصيرهم الا إلى النار # وعن الحسن لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك # وعن ايوب السختياني انه كان يقول ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا الا ازداد ~~من الله بعدا # وعن أبي قلابة ما ابتدع رجل بدعة الا استحل السيف # وكان ايوب يسمي اصحاب البدع خوارج ويقول ان الخوارج اختلفوا في الاسم ~~واجتمعوا على السيف # وخرج ابن وهب عن سفيان قال كان رجل فقيه يقول ما احب اني هديت الناس كلهم ~~واضللت رجلا واحدا PageV01P083 ~~"""" صفحة رقم 84 """" # وخرج عنه انه كان يقول لا يستقيم قول الا بعمل ولا قول وعمل الا بنيه ولا ~~قول ولا عمل ولا نيه الا موافقا للسنة # وذكر الآجري ان ابن سيرين كان يرى اسرع الناس ردة اهل الاهواء # وعن إبراهيم ولا تكلموهم اني اخاف ان ترتد قلوبكم # وعن هشام بن حسان قال لا يقبل الله من صاحب بدعة ms051 صياما ولا صلاه ولا حجا ~~ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا زاد ابن وهب عنه ~~وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه الحق والباطل فاذا كان ذلك لم ينفع فيه ~~دعاء الا كدعاء الغرق # وعن يحي بن أبي كثير قال اذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر # وعن بعض السلف من جالس صاحب بدعة فزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه # وعن العوام بن حوشب انه كان يقول لابنه يا عيسى اصلح قلبك واقلل مالك ~~وكان يقول والله لان ارى عيسى في مجالس اصحاب البرابط والاشربه والباطل احب ~~الي من ان اراه يجالس اصحاب الخصومات # قال ابن وضاح يعني اهل البدع # وقال رجال لابي بكر بن عياش يا أبا بكر من السني الذي اذا ذكرت الاهواء ~~لم يغضب لشيء منها PageV01P084 ~~"""" صفحة رقم 85 """" # وقال يونس بن عبيد ان الذي نعرض عليه السنة فيقبلها الغريب واغرب منه صاحبها # وعن يحي بن أبي عمر الشيباني قال كان يقال يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ~~وما انتقل صاحب بدعة الا إلى شر منها # وعن أبي العالية تعلموا الاسلام فاذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه وعليكم ~~بالصراط المستقيم فانه الاسلام ولا تحرفوا يمينا ولا شمالا وعليكم بسنة ~~نبيكم وما كان عليه اصحابه من قبل ان يقتلوا صاحبهم ومن قبل ان يفعلوا الذي فعلوا # قد قرأنا القرآن من قبل ان يقتلوا صاحبهم ومن قبل ان يفعلوا الذي فعلوا ~~واياكم وهذه الاهواء التي تلقى بين الناس العداوه والبغضاء # فحدث الحسن بذلك فقال رحمه الله صدق ونصح # خرجه ابن وضاح وغيره # وكان مالك كثيرا ما ينشد # وخير أمور الدين ما كان سنة # وشر الامور المحدثات البدائع # وعن مقاتل بن حيان قال اهل هذه الاهواء آفة أمة محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) انهم يذكرون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) واهل بيته فيتصيدون بهذا ~~الذكر الحسن عند الجهال من الناس فيقذفون بهم في المهالك فما اشبههم بمن ~~يسقى الصبر باسم العسل ومن يسقى السم ms052 القاتل باسم الترياق فأبصرهم فإنك ان PageV01P085 ~~"""" صفحة رقم 86 """" # لا تكن اصبحت في بحر الماء فقد اصبحت في بحر الاهواء الذي هو اعمق غورا ~~واشد اضطرابا واكثر صواعق وابعد مذهبا من البحر وما فيه ففلك مطيتك التي ~~تقطع بها سفر الضلال اتباع السنة # وعن ابن المبارك قال اعلم أي اخي ان الموت كرامة لكل مسلم لقى الله على ~~السنة فإنا لله وانا اليه راجعون فالى الله نشكو وحشتنا وذهاب الإخوان وقلة ~~الأعوان وظهور البدع # والى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الامه من ذهاب العلماء واهل السنه وظهور البدع # وكان إبراهيم التيمي يقول اللهم اعصمني بدينك وبسنة نبيك من الاختلاف في ~~الحق ومن اتباع الهوى ومن سبل الضلالة ومن شبهات الامور ومن الزيغ ~~والخصومات # وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يكتب في كتبه اني احذركم ما مالت ~~اليه الاهواء والزيغ البعيده # ولما بايعه الناس صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس انه ~~ليس بعد نبيكم نبي ولا بعد كتابكم كتاب ولا بعد سنتكم سنة ولا بعد أمتكم ~~امة الا وان الحلال ما احل الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم ~~القيامة الا وان الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام إلى يوم ~~القيامة # ألا واني لست بمبتدع ولكني متبع ألا واني لست بقاض ولكني منفذ الا واني ~~لست بخازن ولكني اضع حيث امرت الا واني لست بخيركم ولكني اثقلكم حملا # الا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ثم نزل PageV01P086 ~~"""" صفحة رقم 87 """" # وفيه قال عروه بن أذينة عن أذينة يرثيه بها # واحييت في الاسلام علما وسنة # ولم تبتدع حكما من الحكم اضجع # ففي كل يوم كنت تهدم بدعة # وتبني لنا من سنة ما تهدما # ومن كلامه الذي عنى به ويحفظه العلماء وكان يعجب مالكا حدا وهو ان قال سن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وولاة الأمر من بعده سننا الاخذ بها ~~تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على ms053 دين الله ليس لاحد تغييرها ~~ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها # من عمل بها مهتد ومن انتصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين ~~وولاه الله ما تولى واصلاه جهنم وساءت مصيرا # وبحق وكان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولا حسنه من السنه منها ما نحن ~~فيه لان قوله ليس لاحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء من خالفها قطع ~~المادة الابتداع جمله وقوله من عمل بها مهتد إلى آخر الكلام مدح لمتبع ~~السنة وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك وهو قول الله سبحانه وتعالى ) ~~ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ( ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فهو سنه ولا بدعة فيه ألبتة وان لم يعلم في كتاب الله ولا ~~سنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) نص عليه على الخصوص # فقد حاء ما يدل عليه في الجملة وذلك نص حديث العرباض بن سارية رضي الله ~~عنه حيث قال فيه PageV01P087 ~~"""" صفحة رقم 88 """" # فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين والمهديين تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فقرن عليه السلام كما ترى سنة الخلفاء ~~الراشدين بسنته وان من اتباع سنته اتباع سنتهم وان المحدثات خلاف ذلك ليست ~~منها في شيء # لانهم رضي الله عنهم فيما سنوه # اما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها واما متبعون لما فهموا من سنته ~~( صلى الله عليه وسلم ) في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله لا ~~زائد على ذلك # وسيأتي بيانه بحول الله # على ان أبا عبد الله الحاكم نقل عن يحي بن آدم قول السلف الصالح سنة أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما ان المعنى فيه ان يعلم ان النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) مات وهو على تلك السنة وانه لا يحتاج مع قول النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى قول أحد وما قال صحيح في نفسه فهو مما ms054 يحتمله حديث العرباض رضي ~~الله عنه فلا زائد اذا على ما ثبت في السنة النبوية # الا انه قد يخاف ان تكون منسوخة بسنة أخرى فافتقر العلماء إلى النظر في ~~عمل الخلفاء بعده ليعلموا ان ذلك هو الذي مات عليه النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من غير ان يكون له ناسخ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره # وعلى هذا المعنى بني مالك ابن انيس في احتجاجه بالعمل ورجوعه اليه عند ~~تعارض السنن # ومن الاصول المضمنه في اثر عمر بن عبد العزيز ان سنة ولاة الامر وعملهم ~~تفسير لكتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) لقوله الأخذ بها تصديق ~~لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله # وهو اصل مقرر في غير هذا الموضع فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز رحمه ~~الله أصولا حسنة وفوائد مهمة PageV01P088 ~~"""" صفحة رقم 89 """" # ومما يعزى لابي الياس الالباني ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن وفيهن خير ~~الدنيا والآخرة اتبع لا تبتدع اتضع لا ترتفع ومن ورع لا يتسع والآثار هنا كثرة # فصل # الوجه الرابع من النقل ما جاء في ذم البدع واهلها عن الصوفية المشهورين ~~عند الناس # وإنما خصصنا هذا الموضع بالذكر وان كان فيما تقدم من النقل كفاية لان ~~كثيرا من الجهال يعتقدون فيهم انهم متساهلون في الاتباع وان اختراع ~~العبادات والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون عليه ~~وحاشاهم من ذلك ان يعتقدوه أو يقولوا به فأول شيء بنوا عليه طريقتهم اتباع ~~السنه واجتناب ما خالفها حتى زعم مذكرهم وحافظ مأخذهم وعمود نحلتهم أبو ~~القاسم القشيري انهم انما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن اهل البدع فذكر ~~ان المسلمين بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يتسم افاضلهم في ~~عصرهم باسم علم سوى الصحبة اذ لا فضيلة فوقها ثم سمى من يليهم التابعين ~~ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء ثم قيل لمن بعدهم اتباع التابعين ثم اختلف ~~الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن له شدة ms055 عناية في الدين الزهاد ~~والعباد # قال PageV01P089 ~~"""" صفحة رقم 90 """" # ثم ظهرت البدع وادعى كل فريق ان فيهم زهادا وعبادا فانفرد خواص اهل السنة ~~المراعون انفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف # هذا معنى كلامه فقد عد هذا اللقب مخصوصا باتباع السنة ومباينة البدعة # وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبره به من المدعين للعلم # وفي غرضى ان فسح الله في المدة وأعانني بفضله ويسر لي الاسباب ان الخص في ~~طريقة القوم انموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى وانه ~~انما داخلتها المفاسد وتطرقت اليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ~~ذلك السلف الصالح وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي ولا فهم لمقاصد ~~اهلها وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به حتى صارت في هذا الزمان الاخير كأنها ~~شريعة أخرى غير ما اتى بها محمد ( صلى الله عليه وسلم ) # واعظم من ذلك انهم يتساهلون في اتباع السنة ويرون اختراع العبادات طريقا ~~للتعبد صحيحا وطريقة القوم بريئه من هذا الخباط بحمد الله # فقد قال الفضيل بن عياض من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة # وقيل لابراهيم بن ادهم ان الله يقول في كتابه ) ادعوني أستجب لكم ( ونحن ~~ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا فقال ماتت قلوبكم في عشرة اشياء اولها عرفتم ~~الله فلم تؤدوا حقه # والثاني قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به والثالث ادعيتم حب رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وتركتم سنته # والرابع ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه # والخامس قلتم نحب الجنة وما تعملون لها إلى آخر الحكاية # وقال ذو النون المصرى من علامة حب الله متابعة حبيب الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في اخلاقه وافعاله وامره وسنته # وقال انما دخل الفساد على الخلق من ستة اشياء الاول ضعف النية بعمل الآخره # والثاني صارت ابدانهم مهيئة لشهواتهم # والثالث غلبهم طول الامل مع PageV01P090 ~~"""" صفحة رقم 91 """" # قصر الاجل # والرابع آثروا رضاء المخلوقين على رضاء الله # والخامس اتبعوا اهواءهم ونبذوا سنة نبيهم ms056 ( صلى الله عليه وسلم ) والسادس ~~جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا اكثر مناقبهم # وقال لرجل اوصاه ليكن آثر الاشياء عندك واحبها اليك احكام ما افترض الله ~~عليك واتقاء ما نهاك عنه فان ما تعبدك الله به خير لك مما تختاره لنفسك من ~~اعمال البر التي تجب عليك وانت ترى انها ابلغ لك فيما تريد كالذي يؤدب نفسه ~~بالفقر والتقلل وما اشبه ذلك وانما للعبد ان يراعى ابدا ما وجب عليه من فرض ~~يحكمه على تمام حدوده وينظر إلى ما نهى عنه فيتقيه على احكام ما ينبغي فإن ~~الذي قطع العباد عن ربهم وقطعهم عن ان يذوقوا حلاوة الايمان وان يبلغوا ~~حقائق الصدق وحجب قلوبهم عن النظر إلى الآخره تهاونهم باحكام ما فرض عليهم ~~في قلبوهم واسماعهم وابصارهم والسنتهم وايديهم وارجلهم وبطونهم وفروجهم # ولو وقفوا على هذه الاشياء واحكموها لادخل عليهم البر ادخالا تعجز ~~ابدانهم وقلوبهم عن حمل ما رزقهم الله من حسن معونته وفوائد كرامته ولكن ~~اكثر القراء والنساك حقروا محقرات الذنوب وتهاونوا بالقليل مما هم فيه من ~~العيوب فحرموا ثواب لذة الصادقين في العاجل # وقال بشر الحافي رأيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في المنام فقال لي يا ~~بشر تدري لم رفعك الله بين اقرانك قلت لا يا رسول الله قال لاتباعك سنتي ~~وحرمتك للصالحين ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لاصحابي واهل بيتي هو الذي بلغك ~~منازل الابرار # وقال يحي بن معاذ الرازي اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول فلكل ~~واحد منها ضد فمن سقط عنه وقع ضده التوحيد وضده الشرك والسنة وضدها البدعة ~~والطاعة وضدها المعصية PageV01P091 ~~"""" صفحة رقم 92 """" # وقال أبو بكر الدقاق وكان من اقران الجنيد كنت مارا في تيه بني اسرائيل ~~فخطر ببالي ان علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة فهتف بي هاتف كل حقيقة ~~لاتتبعها الشريعة فهي كفر # وقال أبو على الحسن بن علي الجوزجاني من علامات السعادة على العبد تيسير ~~الطاعة عليه وموافقة السنة في افعاله وصحبته لاهل الصلاح وحسن اخلاقه مع ~~الاخوان وبذل معروفه للخلق ms057 واهتمامه للمسلمين ومراعاته لأوقاته # وسئل كيف الطريق إلى الله فقال الطرق إلى الله كثيرة وأوضح الطرق وابعدها ~~عن الشبه اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية لان الله يقول ) وإن ~~تطيعوه تهتدوا ( فقيل له كيف الطريق إلى السنة فقال مجانبة البدع واتباع ما ~~اجمع عليه الصدر الاول من علماء الاسلام والتباعد عن مجالس الكلام واهله ~~ولزوم طريقة الاقتداء وبذلك امر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله تعالى ~~) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ( # وقال أبو بكر الترمذي لم يجد أحد تمام الهمة باوصافها الا اهل المحبة ~~وانما اخذوا ذلك باتباع السنة ومجانبة البدعة فإن محمدا ( صلى الله عليه ~~وسلم ) كان اعلى الخلق كلهم همة واقربهم زلفى # وقال أبو الحسن الوراق لا يصل العبد إلى الله الا بالله وبموافقة حبيبه ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في شرائعه # ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء يضل من حيث انه مهتد وقال ~~الصدق استقامة الطريق في الدين واتباع السنة في الشرع # وقال علامة محبة الله متابعة حبيبه ( صلى الله عليه وسلم ) PageV01P092 ~~"""" صفحة رقم 93 """" # ومثله عن إبراهيم القمار قال علامة محبة الله ايثار طاعته ومتابعة نبيه # وقال أبو محمد بن عبد الوهاب الثقفي لا يقبل الله من الاعمال الا ما كان ~~صوابا ومن صوابها الا ما كان خالصا ومن خالصها الا ما وافق السنة # وابراهيم بن شيبان القرميسيني صحب أبا عبد الله المغربي وابراهيم الخواص ~~وكان شديدا على اهل البدع متمسكا بالكتاب والسنة لازما لطريق المشايخ ~~والائمة حتى قال فيه عبد الله بن منازل إبراهيم بن شيبان حجة الله على ~~الفقراء واهل الآداب والمعاملات # وقال أبو بكر بن سعدان وهو من اصحاب الجنيد وغيره الاعتصام بالله هو ~~الامتناع من الغفله والمعاصي والبدع والضلالات # وقال أبو عمر الزجاجي وهو من اصحاب الجنيد والثورى وغيرهما كان الناس في ~~الجاهلية يتبعون ما تستحسنه عقولهم وطبائعهم فجاء النبي ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فردهم إلى الشريعة والاتباع فالعقل الصحيح الذي يستحسن ما يستحسنه ~~الشرع ويستقبح ما يستقبحه ms058 # وقيل لاسماعيل بن محمد السلمى جد أبي عبد الرحمن السلمى ولقى الجنيد ~~وغيره ما الذي لا بد للعبد منه فقال ملازمة العبودية على السنة ودوام ~~المراقبة # وقال أبو عثمان المغربي التونسي هي الوقوف مع الحدود لا يقصر فيها ولا ~~يتعداها قال الله تعالى ) ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ( # وقال أبو يزيد البسطامي عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا اشد ~~من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لشقيت # واختلاف العلماء رحمة الا في تجريد التوحيد ومتابعة العلم وهي متابعة ~~السنة لا غيرها PageV01P093 ~~"""" صفحة رقم 94 """" # وروى عنه انه قال قم بنا ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية ~~وكان رجلا مقصودا مشهورا بالزهد قال الراوي فمضينا فلما خرج من بيته ودخل ~~المسجد رمى ببصاقة تجاه القبلة فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه وقال هذا غير ~~مأمون على أدب من آداب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكيف يكون مأمونا ~~على ما يدعيه # وهذا اصل أصله أبو يزيد رحمه الله للقوم وهو ان الولاية لا تحصل لتارك ~~السنه وان كان ذلك جهلا منه فما ظنك به اذا كان عاملا بالبدعه كفاحا # وقال هممت ان أسأل الله ان يكفيني مؤنه الأكل ومؤنة النساء ثم قلت كيف ~~يجوز ان اسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم ~~أسأله ثم ان الله سبحانه كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأه ~~أم حائط # وقال لو نظرتم إلى رجل اعطى من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا ~~به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الامر والنهي وحفظ الحدود وآداب الشريعة # وقال سهل التستري كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كان أو معصية فهو ~~عيش النفس يعني باتباع الهدى وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء فهو عتاب على ~~النفس يعني لأنه لا هوى له فيه واتباع الهوى هو المذموم ومقصود القوم تركه البتة # وقال أصولنا سبعة أشياء التمسك بكتاب الله والاقتداء بسنة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ms059 ) وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب الآثام والتوبة وأداء الحقوق # وقال قد أيس الخلق من هذه الخصال الثلاث # ملازمة التوبة ومتابعة السنة وترك أذى الخلق # وسئل عن الفتوة فقال اتباع السنة # وقال أبو سليمان الداراني ربما تقع في قلبي النكتة من نكتة القوم اياما ~~فلا اقبل منه الا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة PageV01P094 ~~"""" صفحة رقم 95 """" # وقال أحمد بن أبي الحواري من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله # أبو حفص الحداد من لم يزن افعاله واحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم ~~يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال # وسئل عن البدعة فقال التعدي في الاحكام والتهاون في السنن واتباع الآراء ~~والاهواء وترك الاتباع والاقتداء قال وما ظهرت حالة عالية الا من ملازمة ~~أمر صحيح # وسئل حمدون القصار متى يجوز للرجل ان يتكلم على الناس فقال اذا تعين عليه ~~أداء فرض من فرائض الله في علمه أو خاف هلاك انسان في بدعة يرجو ان ينجيه ~~الله منها # وقال من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال # وهذه والله اعلم اشاره إلى المثابرة والاقتداء بهم فانهم اهل السنة # وقال أبو القاسم الجنيد لرجل ذكر المعرفة وقال اهل المعرفة بالله يصلون ~~إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد ان هذا قول قوم ~~تكلموا باسقاط الاعمال عن الله تعالى واليه يرجعون فيها # قال ولو بقيت الف عام لم انقص من اعمال البر ذرة الا ان يحال بي دونها # وقال الطرق كلها مسدودة على الخلق الا على من اقتفى اثر الرسول ( صلى ~~الله عليه وسلم ) # وقال مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة # وقال من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الامر لان علمنا ~~هذا مقيد بالكتاب والسنة # وقال هذا مشيد بحديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) PageV01P095 ~~"""" صفحة رقم 96 """" # وقال أبو عثمان الجبري الصحبة مع الله تعالى بحسن الأدب ودوام الهيبة ~~والمراقبة والصحبة مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باتباع سنته ولزوم ~~ظاهر ms060 العلم والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة إلى آخر ما قال # ولما تغير عليه الحال مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه ففتح أبو عثمان ~~عينيه وقال خلاف السنة يا بني في الظاهر علامة رياء في الباطن # وقال من امر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على ~~نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة قال الله تعالى ) وإن تطيعوه تهتدوا ( # وقال أبو الحسين النووي # من رايته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه # وقال محمد بن الفضل البلخي ذهاب الاسلام من اربعة لا يعملون بما يعلمون ~~ويعملون بما لا يعلمون ولا يتعلمون ما لا يعلمون ويمنعون الناس من التعلم # هذا ما قال وهو وصف صوفيتنا اليوم عياذا بالله # وقال اعرفهم بالله اشدهم مجاهدة في اوامره واتبعهم لسنة نبيه # وقال شاه الكرماني من غض بصره عن المحارم وامسك نفسه عن الشبهات وعمر ~~باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وعود نفسه اكل الحلال لم تخطئ له فراسة # وقال أبو سعيد الخراز كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل # وقال أبو العباس بن عطاء وهو من اقران الجنيد من الزم نفسه آداب نور الله ~~قلبه بنور المعرفة ولا مقام اشرف من مقام متابعة الحبيب ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في اوامره وافعاله واخلاقه # وقال ايضا اعظم الغفلة غفلة العبد عن ربه عز وجل وغفلته عن اوامره وغفلته ~~عن آداب معاملته PageV01P096 ~~"""" صفحة رقم 97 """" # وقال إبراهيم الخواص ليس العلم بكثرة الرواية وانما العالم من اتبع العلم ~~واستعمله واقتدى بالسنن وان كان قليل العلم # وسئل عن العافية فقال العافية اربعة اشياء دين بلا بدعة وعمل بلا آفة ~~وقلب بلا شغل ونفس بلا شهوة # وقال الصبر الثبات على احكام الكتاب والسنة # وقال بنان الحمال وسئل عن اصل احوال الصوفيه فقال الثقة بالمضمون والقيام ~~بالاوامر ومراعاة السر والتخلي من الكونين # وقال أبو حمزة البغدادي من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على ~~الطريق إلى الله الا متابعة سنة الرسول ( صلى ms061 الله عليه وسلم ) في احواله ~~وافعاله واقواله # وقال أبو اسحاق الرقاشي علامة محبة الله ايثار طاعته ومتابعة نبيه ا ه # ودليله قوله تعالى ) قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ( الآيه # وقال ممشاد الدينوري آداب المريد في التزام حرمات المشايخ وحرمة الاخوان ~~والخروج عن الاسباب وحفظ آداب الشرع على نفسه # وسئل أبو علي الروزباري عمن يسمع الملاهي ويقول هي لي حلال لاني قد وصلت ~~إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الاحوال # فقال نعم قد وصل ولكن إلى سقر # وقال أبو محمد عبد الله بن منازل لم يضيع أحد فريضة من الفرائض الا ~~ابتلاه الله بتضييع السنن ولم يبتل بتضييع السنن أحد الا يوشك ان يبتلى بالبدع # وقال أبو يعقوب النهرجوري افضل الاحوال ما قارن العلم # وقال أبو عمرو بن نجيد كل حال لا يكون عن نتيجة علم فان ضرره على صاحبه ~~اكثر من نفعه PageV01P097 ~~"""" صفحة رقم 98 """" # وقال بندار بن الحسين صحبة اهل البدع تورث الاعراض عن الحق # وقال أبو بكر الطمستاني الطريق واضح والكتاب والسنة قائم بين اظهرنا وفضل ~~الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب ~~عن نفسه والخلق وهاجر بقلبه إلى الله فهو الصادق المصيب # وقال أبو القاسم النصراباذي اصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك البدع ~~والاهواء وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية اعذار الخلق # والمداومه على الاوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات # وكلامهم في هذا الباب يطول وقد نقلنا عن جملة ممن اشتهر منهم ينيف على ~~الاربعين شيخا جميعهم يشير أو يصرح بأن الابتداع ضلال والسلوك عليه تيه ~~واستعماله رمى في عماية وانه مناف لطلب النجاة وصاحبه غير محفوظ وموكول إلى ~~نفسه ومطرود عن نيل الحكمة وان الصوفية الذين نسبت اليهم الطريقة مجمعون ~~على تعظيم الشريعة مقيمون على متابعة السنة غير مخلين بشيء من آدابها ابعد ~~الناس عن البدع واهلها ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فرق من الفرق الضالة ~~ولا من يميل إلى خلاف السنه واكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون ms062 وممن ~~يؤخذ عنه الدين أصولا وفروعا # ومن لم يكن كذلك فلا بد له من ان يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته # وهم كانوا اهل الحقائق والمواجد والاذواق والاحوال والاسرار التوحيديه # فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على مناهجهم بل يأتي ~~ببدع محدثات واهواء متبعات وينسبها اليهم تأويلا عليهم # من قول محتمل أو فعل من قضايا الاحوال أو استمساكا بمصلحة شهد الشرع ~~بالغائها PageV01P098 ~~"""" صفحة رقم 99 """" # أو ما أشبه ذلك فكثيرا ما ترى المتأخرين ممن يتشبه بهم يرتكب من الاعمال ~~ما اجمع الناس على فساده شرعا ويحتج بحكايات هي قضايا احوال ان صحت لم يكن ~~فيها حجه لوجوه عدة ويترك من كلامهم واحوالهم ما هو واضح في الحق الصريح ~~والاتباع الصحيح شأن من اتبع من الادلة الشرعية ما تشابه بها # ولما كان اهل التصوف في طريقهم بالنسبة إلى اجماعهم على امر كسائر اهل ~~العلوم في علومهم اتيت من كلامهم بما يقوم منه دليل على مدعى السنة وذم ~~البدعة في طريقتهم حتى يكون دليلا لنا من جهتهم على اهل البدع عموما وعلى ~~المدعين في طريقهم خصوصا وبالله التوفيق # فصل # الوجه الخامس من النقل ما جاء منه في ذم الرأي المذموم وهي المبني على ~~غير أس والمستند إلى غير اصل من كتاب ولا سنة لكنه وجه تشريعي فصار نوعا من ~~الابتداع بل هو الجنس فيها فان جميع البدع انما هي رأي على غير اصل ولذلك ~~وصف بوصف الضلال # ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يقول ان الله لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه انتزاعا ~~ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون ~~برأيهم فيضلون ويضلون PageV01P099 ~~"""" صفحة رقم 100 """" # فإذا كان كذلك فذم الرأي عائد على البدع بالذم لا محالة # وخرج ابن المبارك وغيره عن عوف بن مالك الاشجعي قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) تفترق أمتي على بضع وسبعين ms063 فرقة اعظمها فتنة قوم يقيسون ~~الدين برأيهم يحرمون به ما احل الله ويحلون به ما حرم الله # قال ابن عبد البر هذا هو القياس على غير أصل والكلام فى الدين بالتخرص ~~والظن ألا ترى إلى قوله في الحديث يحلون الحرام ويحرمون الحلال ومعلوم أن ~~الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله والحرام ما كان فى كتاب الله ~~وسنة رسوله تحريمه فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم وقاس برأيه ما ~~خرج منه PageV01P100 ~~"""" صفحة رقم 101 """" # عن السنة فهذا الذى قاس برأيه فضل وأضل ومن رد الفروع فى علمه إلى أصولها ~~فلم يقل برأيه # وخرج ابن المبارك حديثا ان من اشراط الساعه ثلاثا وإحداهن ان يلتمس العلم ~~عند الاصاغر قيل لابن المبارك من الاصاغر قال الذين يقولون برأيهم # فأما صغير يروى عن كبير فليس بصغير # وخرج ابن وهب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال اصبح اهل الرأي ~~اعداء السنن اعيتهم الاحاديث ان يعوها وتفلتت منهم قال سحنون يعني البدع # وفي رواية اياكم واصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن ~~يحفظوها فقالوا بالرأى فضلوا واضلوا # وفي روايه لابن وهب ان اصحاب الرأي اعداء السنة اعيتهم ان يحفظوها وتفلتت ~~منهم ان يعوها واستحيوا حين يسألوا ان يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم ~~فاياكم واياهم # قال أبو بكر بن أبي داود اهل الرأي هم اهل البدع # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال من احدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به ~~سنة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يدر ما هو عليه اذا لقى الله عز وجل PageV01P101 ~~"""" صفحة رقم 102 """" # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قراوكم يذهبون ويتخذ الناس رؤساء جهالا ~~يقيسون الامور برأيهم # وخرج ابن وهب وغيره عن عمر بن الخطاب انه قال السنة ما سنه الله ورسوله ~~لا تجعلوا حظ الرأي سنة للامة # وخرج ايضا عن هشام بن عروه عن أبيه قال لم يزل امر بني اسرائيل مستقيما ~~حتى ادرك ms064 فيهم المولدون ابناء سبايا الامم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوا بني ~~اسرائيل # وعن الشعبي إنما هلكتم حين تركتم الاثار واخذتم بالمقاييس # وعن الحسن انما هلك من كان قبلكم حين شعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق ~~فتركوا الاثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا واضلوا # وعن دراج بن السهم بن اسمح قال يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته ~~حتى تعقد شحما ثم يسير عليها في الامصار حتى تعود نقضا يلتمس من يفتيه بسنة ~~قد عمل بها فلا يجد الا من يفتيه بالظن # وقد اختلف العلماء في الرأي المقصود بهذه الأخبار والآثار # فقد قالت طائفة المراد به رأى اهل البدع المخالفين للسنن لكن في الإعتقاد ~~كمذهب جهم وسائر مذاهب اهل الكلام لانهم استعملوا آراءهم في رد الأحاديث ~~الثابتة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بل وفي رد ظواهر القرآن لغير سبب ~~يوجب الرد ويقتضي التأويل كما قالوا بنفي الرؤية نفيا للظاهر بالمحتملات ~~ونفى عذاب القبر ونفى الميزان والصراط # وكذلك ردوا احاديث الشفاعة والحوض إلى اشياء يطول ذكرها وهي مذكورة في ~~كتب الكلام # وقالت طائفة انما الرأي المذموم المعيب الرأي المبتدع وما كان مثله من ~~ضروب البدع فإن حقائق جميع البدع رجوع إلى الرأي وخروج عن الشرع وهذا هو ~~القول الاظهر # إذ الادلة المتقدمة لا تقتضي بالقصد الاول من البدع نوعا دون نوع PageV01P102 ~~"""" صفحة رقم 103 """" # بل ظاهرها تقتضي العموم في كل بدعه حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة كانت من ~~الاصول أو الفروع كما قاله القاضي اسماعيل في قوله تعالى ) إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( بعد ما حكى انها نزلت في الخوارج # وكأن القائل بالتخصيص والله اعلم لم يقل به بالقصد الاول بل اتى بمثال ~~مما تتضمنه الآية كالمثال المذكور فانه موافق لما قال مشتهرا في ذلك الزمان ~~فهو اولى ما يمثل به ويبقى ما عداه مسكوتا عن ذكره عند القائل به ولو سئل ~~عن العموم لقال به # وهكذا كل ما تقدم من الاقوال الخاصة ببعض اهل البدع ms065 انما تحصل على ~~التفسير بحسب الحاجة الا ترى ان الآية الاولى من سورة آل عمران انما نزلت ~~في قصة نصارى نجران ثم نزلت على الخوارج حسبما تقدم إلى غير ذلك مما يذكر ~~في التفسير انما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا بحسب ~~ما يقتضيه اللفظ لغة # وهكذا ينبغي ان تفهم اقوال المفسرين المتقدمين وهو الاولى لمناصبهم في ~~العلم ومراتبهم في فهم الكتاب والسنه # ولهذا المعنى تقرير في غير هذا الموضع # وقالت طائفة وهم فيما زعم ابن عبد البر جمهور اهل العلم الرأي المذكور في ~~هذه الاثار هو القول في احكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون والاشتغال ~~بحفظ المعضلات والاغلوطات ورد الفروع والنوازع بعضها إلى بعض قياسا دون ~~ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها فاستعمل فيها الرأي قبل ان تنزل ~~وفرعت قبل ان تقع وتكلم فيها قبل ان تكون بالرأي المضارع للظن قالوا لان في ~~الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على جهلها وترك الوقوف ~~على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله تعالى ومعانيه واحتجوا على ذلك ~~بأشياء منها ان عمر رضي الله عنه لعن من سأل عما لم يكن PageV01P103 ~~"""" صفحة رقم 104 """" # وما جاء من النهي عن الاغلوطات وهي صعاب المسائل وعن كثرة السؤال وانه ~~كره المسائل وعابها وان كثيرا من السلف لم يكن يجيب الا عما نزل من النوازل ~~دون ما لم ينزل # وهذا القول غير مخالف لما قبله لان من قال به قد منع من الرأي وان كان ~~غير مذموم لان الاكثار منه ذريعة إلى الرأي المذموم وهو ترك النظر في السنن ~~اقتصارا على الرأي واذا كان كذلك اجتمع مع ما قبله فان من عادة الشرع انه ~~اذا نهى عن شيء وشدد فيه منع ما حواليه وما دار به ورتع حول حماه # الا ترى إلى قوله عليه السلام الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور ~~مشتبهة وكذلك جاء في الشرع اصل سد الذرائع وهو منع الجائز لانه يجر إلى غير الجائز # وبحسب عظم ms066 المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعه وشدته # وما تقدم من الادله يبين لك عظم المفسدة في الابتداع فالحوم حول حماه ~~يتسع جدا ولذلك تنصل العلماء من القول بالقياس وان كان جاريا على الطريقة ~~فامتنع جماعة من الفتيا به قبل نزول المسألة وحكوا في ذلك حديثا عن النبي ( ~~صلى الله عليه وسلم ) انه قال لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم ان ~~تفعلوا تشتت بكم الطرق ها هنا وها هنا # وصح نهيه عليه السلام عن كثرة السؤال # وقال ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن اشياء فلا تنتهكوها وحد ~~حدودا فلا تعتدوها وعفا اشياء رحمة بكم لاعن نسيان فلا تبحثوا عنها واحال ~~بها جماعة على الامراء فلم يكونوا يفتون حتى يكون الأمير هو الذي يتولى ذلك ~~ويسمونها صوافى الامراء PageV01P104 ~~"""" صفحة رقم 105 """" # وكان جماعة يفتون على الخروج عن العهده وانه رأي ليس بعلم كما قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه اذ سئل في الكلالة اقول فيها برأيي فإن كان صوابا ~~فمن الله وان كان خطأ فمني ومن الشيطان ثم اجاب # وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب فسأله عن شيء فأملاه عليه ثم سأله عن رأيه ~~فأجابه فكتب الرجل فقال رجل من حلفاء سعيد اتكتب يا أبا محمد رأيك فقال ~~سعيد للرجل ناولنيها فناوله الصحيفة فخرقها # وسئل القاسم بن محمد عن شيء فاجاب فلما ولى الرجل دعاه فقال له لا تقل ان ~~القاسم زعم ان هذا هو الحق ولكن ان اضطررت اليه عملت به # وقال مالك بن انس قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد تم هذا الامر ~~واستكمل فانما ينبغي ان نتبع آثار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا ~~نتبع الرأي فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته ~~فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته ارى هذا لا يتم # ثم ثبت انه كان يقول برأيه ولكن كثيرا ما كان يقول بعد ان يجتهد رأيه في ~~النازلة ) إن نظن إلا ظنا وما نحن ms067 بمستيقنين ( ولاجل الخوف على من كان ~~يتعمق فيه لم يزل يذمه ويذم من تعمق فيه فقد كان ينحى على اهل العراق لكثرة ~~تصرفهم به في الاحكام فحكى عنه في ذلك اشياء من اخفها قوله الاستحسان تسعة ~~اعشار العلم ولا يكاد المغرق في القياس الا يفارق السنة PageV01P105 ~~"""" صفحة رقم 106 """" # والآثار المتقدمة ليست عند مالك مخصوصة بالرأي في الإعتقاد # فهذه كلها تشديدات في الرأي وان كان جاريا على الاصول حذرا من الوقوع في ~~الرأي غير الجاري على اصل # ولابن عبد البر هنا كلام كثير كرهنا الاتيان به # والحاصل من جميع ما تقدم ان الرأي المذموم ما بنى على الجهل واتباع الهوى ~~من غير ان يرجع اليه وما كان منه ذريعه اليه وان كان في اصله محمودا وذلك ~~راجع إلى اصل شرعي فالاول داخل تحت حد البدعة وتتنزل عليه ادله الذم ~~والثاني خارج عنه ولا يكون بدعة ابدا # فصل # الوجه السادس يذكر فيه بعض ما في البدع من الأوصاف المحذورة والمعاني ~~المذمومة وانواع الشؤم وهو كالشرح لما تقدم اولا وفيه زيادة بسط وبيان زائد ~~على ما تقدم في اثناء الأدلة فلنتكلم على ما يسع ذكره بحسب الوقت والحال # فاعلموا ان البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا ~~غيرها من القربات # ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه والماشي اليه وموقره معين ~~على هدم الاسلام فما الظن بصاحبها وهو ملعون على لسان الشريعة ويزداد من ~~الله بعبادته بعدا وهي مظنة القاء العداوة والبغضاء ومانعة من الشفاعة ~~المحمدية ورافعة للسنن التي تقابلها وعلى مبتدعها اثم من عمل بها وليس له ~~من توبة وتلقى عليه الذله والغضب من الله ويبعد عن حوض رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ويخاف عليه ان يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة PageV01P106 ~~"""" صفحة رقم 107 """" # وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا ويسود وجهه في الآخره يعذب بنار جهنم ~~وقد تبرأ منه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتبرأ منه المسلمون ويخاف ~~عليه الفتنة ms068 في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخره # فإما ان البدعة لا يقبل معها عمل فقد روى عن الاوزاعي انه قال كان بعض ~~اهل العلم يقول لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا جهادا ~~ولا حجا ولا عمرة ولا صرفا ولا عدلا # وفيما كتب به اسد بن موسى واياك ان يكون لك من البدع اخ أو جليس أو صاحب ~~فإنه جاء الاثر من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ومن مشى ~~إلى صاحب بدعة مشى إلى هدم الاسلام وجاء ما من اله يعبد من دون الله ابغض ~~إلى الله من صاحب هوى ووقعت اللعنة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~على اهل البدع وان الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا ~~وكلما ازدادوا اجتهادا صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا # فارفض مجالستهم واذلهم وابعدهم كما ابعدهم واذلهم رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأئمة الهدى بعده # وكان ايوب السختياني يقول ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا الا ازداد من الله بعدا # وقال هشام بن حسان لا يقبل الله من صاحب بدعة صلاة ولا صياما ولا زكاة ~~ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا # وخرج ابن وهب عن عبد الله بن عمر قال من كان يزعم ان مع الله قاضيا أو ~~رازقا أو يملك ضرا أو نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا لقى الله فادحض حجته ~~واخرس لسانه وجعل صلاته وصيامه هباء منثورا وقطع به الاسباب وكبه في النار ~~على وجهه PageV01P107 ~~"""" صفحة رقم 108 """" # وهذه الأحاديث وما كان نحوها مما ذكرناه أو لم نذكره تتضمن عمدة صحتها كلها # فإن المعنى المقرر فيها له في الشريعة اصل صحيح لا مطعن فيه # اما اولا فانه قد جاء في بعضها ما يقتضي عدم القبول وهو في الصحيح كبدعة ~~القدرية حيث قال فيها عبد الله بن عمر اذا لقيت أولئك فأخبرهم اني برئ منهم ~~وأنهم برءاء مني ms069 فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لاحدهم مثل أحد ~~ذهبا فأنفقه ما تقبله الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم استشهد بحديث جبريل ~~المذكور في صحيح مسلم # ومثله حديث الخوارج وقوله فيه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~بعد قوله تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم واعمالكم مع اعمالهم الحديث # واذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعة لكل مبتدع يخاف عليه مثل من ذكره # واما ثانيا فان كان المبتدع لا يقبل منه عمل اما ان يراد انه لا يقبل له ~~بإطلاق على أي وجه وقع من وفاق سنة أو خلافها وأما ان يريد انه لا يقبل منه ~~ما ابتدع فيه خاصة دون مالم يبتدع فيه # فاما الاول فيمكن على أحد أوجه ثلاثه # الاول ان يكون على ظاهره من ان كل مبتدع أي بدعه كانت فأعماله لا تقبل ~~معها داخلتها تلك البدعة أم لا ويشير اليه حديث ابن عمر المذكور آنفا ويدل ~~عليه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه خطب الناس وعليه سيف فيه صحيفه ~~معلقة فقال والله ما عندنا كتاب نقرؤه الا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ~~فنشرها فاذا فيها اسنان الابل واذا فيها المدينة حرم من عير إلى كدا من ~~احدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين PageV01P108 ~~"""" صفحة رقم 109 """" # لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وذلك على رأي من فسر الصرف والعدل ~~بالفريضة والنافلة # وهذا شديد جدا على اهل الاحداث في الدين # الثاني ان تكون بدعته اصلا يتفرع عليه سائر الاعمال كما اذا ذهب إلى ~~انكار العمل بخبر الواحد بإطلاق فان عامة التكليف مبني عليه لان الامر انما ~~يرد على المكلف من كتاب الله أو من سنة رسوله # وما تفرع منهما راجع اليهما # فإن كان واردا من السنه فمعظم نقل السنه بالآحاد بل قد اعوز ان يوجد حديث ~~عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) متواترا وان كان واردا من الكتاب ~~فإنما تبينه السنة فكل ما ms070 لم يبين في القرآن فلا بد لمطرح نقل الآحاد ان ~~يستعمل رأيه وهو الابتداع بعينه فيكون فرع ينبني على ذلك بدعة لا يقبل منه ~~شيء كما في الصحيح من قوله عليه السلام كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وكما ~~اذا كانت البدعة التي ينبني عليها كل عمل فان الاعمال بالنيات وانما لكل ~~امرئ ما نوى # ومن امثلة ذلك قول من يقول ان الاعمال انما تلزم من لم يبلغ درجة ~~الاولياء المكاشفين بحقائق التوحيد فاما من رفع له الحجاب وكوشف بحقيقة ما ~~هنالك فقد ارتفع التكليف عنه بناء منهم على اصل هو كفر صريح لا يليق في هذا ~~الموضع ذكره # وامثلة ما ذهب اليه بعض المارقين من انكار العمل بالأخبار النبوية جاءت ~~تواترا أو آحادا انما يرجع إلى كتاب الله PageV01P109 ~~"""" صفحة رقم 110 """" # وفي الترمذي عن أبي رافع عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) انه قال لا ~~الفين احدكم متكئا على اريكته يأتيه امري مما امرت به أو نهيت عنه فيقول لا ~~ادري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه حديث حسن # وفي رواية الا هل عسى رجل يبلغه عني الحديث وهو متكئ على اريكته فيقول ~~بيننا وبينكم كتاب الله قال فما وجدنا فيه حلالا حللناه وما وجدنا فيه ~~حراما حرمناه وان ما حرم رسول الله كما حرم الله حديث حسن # وانما جاء هذا الحديث على الذم واثبات ان سنة رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في التحليل والتحريم ككتاب الله فمن ترك ذلك فقد بنى اعماله على ~~رأيه لا على كتاب ولا على سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # ومن الامثله اذا كانت البدعة تخرج صاحبها عن الاسلام باتفاق أو باختلاف ~~اذ للعلماء في تكفير اهل البدع قولان # وفي الظواهر ما يدل على ذلك كقوله عليه السلام في بعض روايات حديث ~~الخوارج حين ذكر السهم بصيغة الخوارج من الرمية بين الفرث والدم ومن الآيات ~~قوله سبحانه وتعالى ) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ( الآية ونحو الظواهر ~~المتقدمة PageV01P110 ~~"""" صفحة رقم 111 ms071 """" # الوجه الثالث ان صاحب البدعة في بعض الامور التعبدية أو غيرها قد يجره ~~اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفا وذلك ~~يبطل عليه جميع عمله # بيان ذلك امثله منها ان يترك العقل مع الشرع في التشريع وانما يأتي الشرع ~~كاشفا لما اقتضاه العقل فياليت شعري هل حكم هؤلاء في التعبد لله شرعه أو ~~عقولهم بل صار الشرع في نحلتهم كالتابع المعين لا حاكما متعبا وهذا هو ~~التشريع الذي لم يبق للشرع معه اصالة فكل ما عمل هذا العامل مبينا على ما ~~اقتضاه عقله وان شرك الشرع فعلى حكم الشركة لا على افراد الشرع فلا يصح ~~بناء على الدليل الدال على ابطال التحسين والتقبيح العقليين اذ هو عند ~~علماء الكلام من مشهور البدع وكل بدعة ضلالة # ومنها أن المستحسن للبدع يلزمه عادة ان يكون الشرع عنده لم يكمل بعد فلا ~~يكون لقوله تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم ( معنى يعتبر به عندهم ومحسن ~~الظن منهم يتأولها حتى يخرجها عن ظاهرها وذلك ان هؤلاء الفرق التي تبتدع ~~العبادات اكثرها ممن يكثر الزهد والانقطاع والانفراد عن الخلق والى ~~الاقتداء بهم يجري اغمار العوام والذي يلزم الجماعة وان كان اتقى خلق الله ~~لا يعدونه الا من العامه # واما الخاصة فهم اهل تلك الزيادات ولذلك تجد كثيرا من المعتزين بهم ~~والمائلين إلى جهتهم يزدرون بغيرهم ممن لم ينتحل مثل ما انتحلوا ويعدونهم ~~من المحجوبين عن انوارهم فكل من يعتقد هذا المعنى يضعف في يده قانون الشرع ~~الذي ضبطه السلف الصالح وبين حدوده الفقهاء الراسخون في العلم اذ ليس هو ~~عنده في طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل خاصتهم وعند ذلك لا يبقى لعمل في ~~ايديهم روح الاعتماد الحقيقي وهو باب عدم القبول في تلك الاعمال وان كانت ~~بحسب ظاهر الامر مشروعه لان PageV01P111 ~~"""" صفحة رقم 112 """" # الإعتقاد فيها افسدها عليهم فحقيق ان لا يقبل ممن هذا شأنه صرف ولاعدل ~~والعياذ بالله # واما الثاني وهو ان يراد بعدم القبول لاعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة ms072 فيظهر ~~ايضا وعليه يدل الحديث المتقدم كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد والجميع من ~~قوله كل بدعة ضلالة أي ان صاحبها ليس على الصراط المستقيم وهو معنى عدم ~~القبول وفاق قول الله ) ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( وصاحب ~~البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام ولا على الصيام دون ~~الزكاة ولا على الزكاة دون الحج ولا على الحج دون الجهاد إلى غير ذلك من ~~الاعمال لان الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع وهو الهوى والجهل بشريعة ~~الله كما سيأتي ان شاء الله # وفي المبسوطة عن يحي بن يحي انه ذكر الاعراف واهله فتوجع واسترجع ثم قال ~~قوم ارادوا وجها من الخير فلم يصيبوه فقيل له يا أبا محمد افيرجى لهم مع ~~ذلك لسعيهم ثواب قال ليس في خلاف السنه رجاء ثواب # واما أن صاحب البدعه تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه فقد تقدم نقله ~~ومعناه ظاهر جدا فإن الله تعالى بعث الينا محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) ~~رحمة للعالمين حسما اخبر في كتابه وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الاعظم لا ~~نهتدي سبيلا ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية الا قليلا على غير كمال ولا من ~~مصالحنا الاخروية قليلا ولا كثيرا بل كان كل أحد يركب هواه وان كان فيه ما ~~فيه ويطرح هوى غيره فلا يلتفت اليه فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم ~~يخص ويعم حتى بعث الله نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) لزوال الريب والالتباس ~~وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس كما قال الله تعالى ) كان الناس أمة واحدة ~~فبعث الله النبيين ( إلى قوله ) فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه ( وقوله ) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ( ولم يكن ~~حاكما بينهم PageV01P112 ~~"""" صفحة رقم 113 """" # فيما اختلفوا فيه الا وقد جاءهم بما ينتظم به شملهم وتجتمع به كلمتهم ~~وذلك راجع إلى الجهة التي من اجلها اختلفوا وهو ما يعود عليهم بالصلاح في ~~العاجل والآجل ويدرأ عنهم الفساد على الاطلاق ms073 فانحفظت الاديان والدماء ~~والعقل والانساب والاموال من طرق يعرف مآخذها العلماء # وذلك القرآن المنزل على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قولا وعملا واقرارا ~~ولم يردوا إلى تدبير انفسهم للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك ولا يستقلون بدرك ~~مصالحهم ولا تدبير انفسهم فاذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة والعطايا ~~الجزيلة واخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلا ~~فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمه وقد حل يده من حبل العصمة إلى ~~تدبير نفسه فهو حقيق بالبعد عن الرحمة قال الله تعالى ) واعتصموا بحبل الله ~~جميعا ولا تفرقوا ( بعد قوله ) اتقوا الله حق تقاته ( فاشعر ان الاعتصام ~~بحبل الله هو تقوى الله حقا وان ما سوى ذلك تفرقه لقوله ) ولا تفرقوا ( ~~والفرقة من اخس اوصاف المبتدعة لانه خرج عن حكم الله وباين جماعة اهل ~~الاسلام # روى عبد الله بن حميد عن عبد الله ان حبل الله الجماعه # وعن قتاده حبل الله المتين هذا القرآن وسننه وعهده إلى عباده الذي امر ان ~~يعتصم بما فيه من الخير والثقة ان يتمسكوا به ويعتصموا بحبله إلى آخر ما ~~قال ومن ذلك قوله تعالى ) واعتصموا بالله هو مولاكم ( # واما ان الماشي اليه والموقر له معين على هدم الاسلام فقد تقدم من نقله # وروى ايضا مرفوعا من اتى صاحب بدعة ليوقره فقد اعان على هدم الاسلام # وعن هشام بن عروه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من وقر صاحب ~~بدعه فقد اعان على هدم الاسلام PageV01P113 ~~"""" صفحة رقم 114 """" # ويجامعها في المعنى ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام من احدث حدثا أو ~~آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين الحديث # فإن الايواء يجامع التوقير ووجه ذلك ظاهر لان المشي اليه والتوقير له ~~تعظيم له لاجل بدعته وقد علمنا ان الشرع يأمر بزجره واهانته واذلاله بما هو ~~اشد من هذا كالضرب والقتل فصار توقيره صدودا عن العمل بشرع الاسلام واقبالا ~~على ما يضاده وينافيه والاسلام لا ينهدم الا بترك العمل ms074 به والعمل بما ينافيه # وايضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الاسلام بالهدم ~~احداهما التفات الجهال والعامه إلى ذلك التوقير فيعتقدون في المبتدع انه ~~افضل الناس وان ما هو عليه خير مما عليه غيره فيؤدي ذلك إلى اتباعه على ~~بدعته دون اتباع اهل السنة على سنتهم # والثانية انه اذا وقر من اجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على انشاء ~~الابتداع في كل شيء # وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن وهو هدم الاسلام بعينه # وعلى ذلك دل حديث معاذ فيوشك قائل ان يقول ما لهم لا يتبعوني وقد قرأت ~~القرآن ما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره واياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ~~ضلالة فهو يقتضي ان السنن تموت اذا احييت البدع واذا ماتت انهدم الاسلام # وعلى ذلك دل النقل عن السلف زيادة إلى صحة الاعتبار لأن الباطل اذا عمل ~~به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس لأن المحل الواحد لا يشتغل الا بأحد الضدين # وايضا فمن السنه الثابته ترك البدع فمن عمل ببدعة واحده فقد ترك تلك السنة PageV01P114 ~~"""" صفحة رقم 115 """" # فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفه رضي الله عنه انه اخذ حجرين فوضع ~~احدهما على الاخر ثم قال لاصحابه هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور ~~قالوا يا أبا عبد الله ما نرى بينهما الا قليلا قال والذي نفسى بيده لتظهرن ~~البدع حتى لا يرى من الحق الا قدر ما بين هذين الحجرين من النور والله ~~لتفشون البدع حتى اذا ترك منها شيء قالوا تركت السنة وله أثر آخر قد تقدم # وعن أبي ادريس الخولاني انه كان يقول ما احدثت أمة في دينها بدعة الا رفع ~~الله بها عنهم سنته # وعن حسان بن عطية قال ما احدث قوم بدعة في دينهم الا نزع الله من سنتهم ~~مثلها ثم لم يعدها اليهم إلى يوم القيامة # وعن بعض السلف يرفعه لا يحدث رجل في الاسلام بدعة الا ترك من السنة ما هو ms075 ~~خير منها # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال ما يأتي على الناس من عام الا احدثوا فيه ~~بدعة واماتوا فيه سنه حتى تحيا البدع وتموت السنن # واما ان صاحبها ملعون على لسان الشريعة فلقوله عليه الصلاة والسلام من ~~احدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين # وعد من الاحداث الاستنان بسنة سوء لم تكن # وهذه اللعنه قد اشترك فيها صاحب البدعه مع من كفر بعد ايمانه وقد شهد ان ~~بعثة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حق لا شك فيها وجاءه الهدى من الله ~~والبيان الشافي وذلك قول الله تعالى ) كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ( إلى قوله ) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ( إلى آخرها PageV01P115 ~~"""" صفحة رقم 116 """" # واشترك ايضا مع من كتم ما انزل الله وبينه في كتابه # وذلك قوله تعالى ) إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ~~ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ( إلى آخرها # فتأملوا المعنى الذي اشترك المبدع فيه مع هاتين الفرقتين وذلك مضادة ~~الشارع فيما شرع لان الله تعالى انزل الكتاب وشرع الشرائع وبين الطريق ~~للسالكين على غاية ما يمكن من البيان فضادها الكافر بأن جحدها جحدا وضادها ~~كاتمها بنفس الكتمان لان الشارع يبين ويظهر وهذا يكتم ويخفي # وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بين واخفاء ما اظهر لان من شأنه ~~ان يدخل الاشكال في الواضحات من اجل اتباع المتشابهات لان الواضحات تهدم له ~~ما بنى عليه في المتشابهات فهو آخذ في ادخال الاشكال على الواضح حتى يرتكب ~~ما جاءت اللعنة في الابتداع به من الله والملائكة والناس اجمعين # قال أبو مصعب صاحب مالك قدم علينا ابن مهدي يعني المدينه فصلى ووضع رداءه ~~بين يدي الصف فلما سلم الامام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا وكان قد ~~صلى خلف الامام فلما سلم قال من ها هنا من الحرس فجاءه نفسان فقال خذا صاحب ~~هذا الثوب فاحبساه ms076 فحبس فقيل له انه ابن مهدي فوجه اليه وقال له اما خفت ~~الله واتقيته ان وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر اليه ~~واحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه وقد قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) # من احدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين # فبكي ابن مهدي وآلى على نفسه ان لا يفعل ذلك ابدا في مسجد النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ولا في غيره وهذا غاية في التوقي والتحفظ في ترك احدث ما ~~لم يكن خوفا من تلك اللعنه # فما ظنك بما سوى وضع الثوب PageV01P116 ~~"""" صفحة رقم 117 """" # وتقدم حديث الطحاوي ستة العنهم لعنهم الله فذكر فيهم التارك لسنته عليه ~~الصلاة والسلام اخذا بالبدعه # واما انه يزاد من الله بعدا # فلما روى عن الحسن انه قال صاحب البدعه ما يزداد من الله اجتهادا صياما ~~وصلاة الا ازداد من الله بعدا # وعن ايوب السختياني قال ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا الا ازداد من الله بعدا # ويصحح هذا النقل ما اشار اليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام ~~في الخوارج يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع ~~صيامهم إلى ان قال يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فبين أولا ~~اجتهادهم ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى # وهو بين ايضا من جهة انه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم فكل عمل يعمله ~~على البدعة فكما لو لم يعمله ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ~~ابتداعه والفساد الداخل على الناس به في اصل الشريعة وفي فروع الاعمال ~~والاعتقادات وهو يظن مع ذلك ان بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة # وقد ثبت بالنقل الصحيح الصريح بأنه لا يقربه إلى الله الا العمل بما شرع ~~وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه وان البدع تحبط الاعمال وهو ينتحلها PageV01P117 ~~"""" صفحة رقم 118 """" # واما ان البدع مظنة القاء العداوه بين اهل الاسلام # فلأنها تقتضي التفرق شيعا # وقد اشار إلى ذلك ms077 القرآن الكريم حسبما تقدم في قوله تعالى ) ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( وقوله ) ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله ( وقوله ) ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ( وقوله ) إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( وما اشبه ذلك من الايات في هذا المعنى # وقد بين عليه الصلاة والسلام ان فساد ذات البين هي الحالقة وانها تحلق ~~الدين هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوه عند وقوع الابتداع # واول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج اذ عادوا اهل الاسلام حتى صاروا ~~يقتلونهم ويدعون الكفار كما اخبر عنه الصحيح ثم يليهم كل من كان له صولة ~~منهم بقرب الملوك فإنهم تناولوا اهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل ايضا حسبما ~~بينه جميع اهل الاخبار PageV01P118 ~~"""" صفحة رقم 119 """" # ثم يليهم كل من ابتدع بدعة فإن من شأنهم ان يثبطوا الناس عن اتباع ~~الشريعة ويذمونهم ويزعمون انهم الاراجس الانجاس المكبين على الدنيا ويضعون ~~عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها كما يروى عن عمرو بن ~~عبيد انه قال لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير على شراك نعل ما اجزت ~~شهادتهم # وعن معاذ بن معاذ قال قلت لعمرو بن عبيد كيف حدث الحسن عن عثمان انه ورث ~~امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها فقال ان فعل عثمان لم يكن سنه # وقيل له كيف حدث الحسن عن سمرة في السكتتين فقال ما تصنع بسمرة قبح الله ~~سمرة اه بل قبح الله عمرو بن عبيد وسئل يوما عن شئ فاجاب فيه # قال الراوي قلت ليس هكذا يقول اصحابنا قال ومن اصحابك لا ابالك قلت ايوب ~~ويونس وابن عون والتيمي قال أولئك انجاس ارجاس اموات غير احياء # فهكذا اهل الضلال يسبون السلف الصالح لعل بضاعتهم تنفق ) ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره ( # واصل هذا الفساد من قبل الخوارج فهم اول من لعن السلف الصالح PageV01P119 ~~"""" صفحة رقم 120 """" # وتكفير الصحابة ms078 رضي الله عن الصحابة ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء # وايضا فإن فرقة النجاة وهم اهل السنة مأمورون بعداوة اهل البدع والتشريد ~~بهم والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه وقد حذر العلماء من ~~مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم وذلك مظنة القاء العداوة والبغضاء # لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما احدثه من اتباع غير ~~سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقا # كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعه ~~وأما انها مانعة من شفاعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلما روى انه عليه ~~السلام قال حلت شفاعتي لأمتي الا صاحب بدعه ويشير إلى صحة المعنى فيه ما في ~~الصحيح قال اول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وانه سيوتى برجال من امتي ~~فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى قوله فيقال لم يزالوا مرتدين على اعقابهم الحديث ~~وقد تقدم ففيه انه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وانما قال فاقول لهم سحقا كما قال العبد الصالح ويظهر من اول الحديث ان ذلك ~~الارتداد لم يكن ارتداد كفر لقوله وانه سيوتى برجال من أمتي ولو كانوا ~~مرتدين عن الاسلام لما نسبوا إلى امته ولانه عليه السلام اتى بالايه وفيها ~~) وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( ولو علم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) PageV01P120 ~~"""" صفحة رقم 121 """" # انهم خارجون عن الاسلام جمله لما ذكرها لان من مات على الكفر لا غفران له ~~البتة وانما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الاسلام لقول الله تعالى ) ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( # ومثل هذا الحديث حديث الموطا لقوله فيه فأقول فسحقا فسحقا # واما انها رافعه للسنن التي تقابلها فقد تقدم الاستشهاد عليه في ان ~~الموقر لصاحبها معين على هدم الاسلام # واما ان على مبتدعها اثم من عمل بها إلى يوم القيامه فلقوله تعالى ) ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ( ~~ولما في الصحيح من قوله ms079 عليه الصلاة والسلام من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها الحديث # والى ذلك اشار الحديث الاخر ما من نفس تقتل ظلما الا كان على ابن آدم ~~الاول كفل منها لانه اول من سن القتل # وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله اذ علل تعليق الاثم على ابن آدم ~~لكونه اول من سن القتل فدل على ان من سن ما لا يرضاه الله ورسوله فهو مثله ~~اذ لم يتعلق الاثم بمن سن القتل لكونه قتلا دون غيره بل لكونه سن سنة سوء ~~وجعلها طريقا مسلوكة PageV01P121 ~~"""" صفحة رقم 122 """" # ومثل هذا ما جاء في معناه مما تقدم أو يأتي كقوله ومن ابتدع بدعة ضلالة ~~لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام منم عمل بها لا ينقص ذلك من اوزار ~~الناس شيئا وغير ذلك من الاحاديث # فليتق الله امرؤ ربه ولينظر قبل الاحداث في أي مزلة يضع قدمه في مصون ~~أمره يثق بعقله في التشريع ويتهم ربه فيما شرع ولا يدري المسكين ما الذي ~~يوضع له في ميزان سيئاته مما ليس في حسابه ولا شعر انه من عمله فما من بدعة ~~يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده الا كتب عليه اثم ذلك العامل زيادة إلى اثم ~~ابتدعه اولا ثم عمله ثانيا # واذا ثبت ان كل بدعة تبتدع فلا تزداد على طول الزمان الا مضيا حسبما تقدم ~~واشتهارا وانتشارا فعلى وزان ذلك يكون اثم المبتدع لها كما ان من سن سنة ~~حسنة كان له اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة وايضا فإذا كانت كل ~~بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها كان على المبتدع اثم ذلك ايضا فهو اثم زائد ~~على اثم الابتداع وذلك الاثم يتضاعف تضاعف اثم البدعة بالعمل بها لانها ~~كلما تجددت في قول أو عمل تجددت اماتة السنة كذلك # واعتبروا ذلك ببدعة الخوارج فان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عرفنا ~~بانهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية الحديث إلى آخره # ففيه بيان انهم لم يبق ms080 لهم من الدين الا ما اذا نظر فيه الناظر شك فيه ~~وتمارى هل هو موجود فيهم أم لا وانما سببه الابتداع في دين الله وهو الذي ~~دل عليه قوله يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان وقوله يقرءون القرآن ~~لا يتجاوز تراقيهم فهذه بدع ثلاث اعاذة بالله من ذلك بفضله PageV01P122 ~~"""" صفحة رقم 123 """" # واما ان صاحبها ليس له من توبة فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام ان ~~الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة # وعن يحي بن أبي عمرو الشيباني قال كان يقال يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة ~~وما انتقل صاحب بدعة الا إلى اشر منها # ونحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ما كان رجل على رأي من البدعة ~~فتركه الا إلى ما هو شر منه # خرج هذه الاثار ابن وضاح # وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز انه كان يقول اثنان لا نعاتبهما صاحب ~~طمع وصاحب هوى فإنهما لا ينزعان # وعن ابن شوذب قال سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول ما كان عبد على هوى ~~تركه الا إلى ما هو شر منه # قال فذكرت ذلك لبعض اصحابنا فقال تصديقه في حديث عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون اليه حتى ~~يرجع السهم على فوقه # وعن ايوب قال كان رجل يرى رأيا فرجع عنه فأتيت محمدا فرحا بذلك اخبره ~~فقلت اشعرت ان فلانا ترك رأيه الذي كان يرى فقال انظر إلى م يتحول ان آخر ~~الحديث اشد عليهم من الاول اوله يمرقون من الدين وآخره ثم لا يعودون وهو ~~حديث أبي ذر ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال سيكون من أمتي قوم يقرءون ~~القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كم يخرج السهم من الرمية ثم لا ~~يعودون فيه هم شر الخلق والخليقه # فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعى هذه الاثار # وحاصلها انه توبة لصاحب البدعة عن بدعته فإن خرج عنها فإنما يخرج إلى ما ms081 ~~هو شر منها كما في حديث ايوب أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر عليها ~~بعد كقصة غيلان مع عمر بن عبد العزيز PageV01P123 ~~"""" صفحة رقم 124 """" # ويدل على ذلك ايضا حديث الفرق اذ قال فيه وانه سيخرج في أمتي اقوام تجاري ~~بهم تلك الاهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل الا ~~دخله وهذا النفي يقتضي العموم باطلاق ولكنه قد يحمل على العموم العادي اذ ~~لا يبعد ان يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق كما نقل عن عبد الله بن الحسن ~~العنبري وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على علي رضي الله ~~عنه وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم ولكن الغالب في الواقع الاصرار # ومن هنالك قلنا يبعد ان يتوب بعضهم لان الحديث يقتضي العموم بظاهره ~~وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا ان شاء الله # وسبب بعده عن التوبة ان الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس لانه ~~امر مخالف للهوى وصاد عن سبيل الشهوات فيثقل عليها جدا لان الحق ثقيل ~~والنفس انما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه وكل بدعة فللهوى فيها مدخل ~~لانها راجعه إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع فعلى حكم التبع لا بحكم ~~الاصل مع ضميمة أخرى وهي ان المبتدع لا بد له من تعلق بشبهه دليل ينسبها ~~إلى الشارع ويدعى ان ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصودا بدليل شرعي ~~في زعمه فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعى الهوى مستمسك بحسن ما يتمسك به وهو ~~الدليل الشرعي في الجملة PageV01P124 ~~"""" صفحة رقم 125 """" # ومن الدليل على ذلك ما روى عن الاوزاعي قال بلغني ان من ابتدع بدعة ضلالة ~~الشيطان والعباده أو القى عليه الخشوع والبكاء كي يصطاد به # وقال بعض الصحابة اشد الناس عبادة مفتون # واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام يحقر احدكم صلاته في صلاته وصيامه في ~~صيامه إلى آخر الحديث # ويحقق ما قاله الواقع كما نقل في الاخبار عن الخوارج وغيرهم # فالمبتدع يزيد في الاجتهاد ms082 لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ~~ذلك من اصناف الشهوات بل التعظيم على شهوات الدنيا الا ترى إلى انقطاع ~~الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات ومقاساتهم في اصناف ~~العبادات والكف عن الشهوات وهم مع ذلك خالدون في جهنم # قال الله ) وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية ( وقال ) هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا ( # وما ذاك الا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام ونشاط يداخلهم يستسهلون به ~~الصعب بسبب ما داخل النفس من الهوى فاذا بدا للمبتدع ما هو عليه رآه محبوبا ~~عنده لاستبعاده للشهوات وعمله من جملتها ورآه موافقا للدليل عنده فما الذي ~~يصده عن الاستمساك به والازدياد منه وهو يرى ان اعماله افضل من اعمال غيره ~~واعتقاداته اوفق واعلى أفيفيد البرهان مطلبا ) كذلك يضل الله من يشاء ويهدي ~~من يشاء ( # واما ان المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى # فلقوله تعالى PageV01P125 ~~"""" صفحة رقم 126 """" # ) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ~~وكذلك نجزي المفترين ( حسبما جاء في تفسير الآية عن بعض السلف وقد تقدم # ووجهه ظاهر لان المتخذين للعجل انما ضلوا به حتى عبدوه لما سمعوا من ~~خواره ولما القى اليهم السامري فيه فكان في حقهم شبهة خرجوا بها عن الحق ~~الذي كان في ايديهم # قال الله تعالى ) وكذلك نجزي المفترين ( فهو عموم فيهم وفيمن اشبههم من ~~حيث كانت البدع كلها افتراء على الله حسبما اخبر في كتابه في قوله تعالى ) ~~قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على ~~الله ( الآية # فإذا كل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته وان ظهر لبادي ~~الرأي في عزه وجبريته فهم في انفسهم اذلاء وايضا فإن الذلة الحاضرة بين ~~ايدينا موجودة في غالب الاحوال # الا ترى احوال المبتدعه في زمان التابعين وفيما بعد ذلك حتى تلبسوا ~~بالسلاطين ولاذوا بأهل الدنيا ومن لم يقدر ms083 على ذلك استخفى ببدعته وهرب بها ~~عن مخالطة الجمهور وعمل بأعمالها على التقية # وقد اخبر الله ان هؤلاء الذين اتخذوا العجل ان سينالهم ما وعدهم فأنجز ~~الله وعده فقال ) وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ( # وصدق ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا في أي مكان وزمان كانوا لا يزالون اذلاء PageV01P126 ~~"""" صفحة رقم 127 """" # مقهورين ) ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ( ومن جملة الاعتداء اتخاذهم العجل ~~هذا بالنسبة إلى الذله وأما الغضب فمضمون بصادق الاخبار فيخاف ان يكون ~~المبتدع داخلا في حكم الغضب والله الواقي بفضله # واما البعد عن حوض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلحديث الموطا ~~فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال الحديث # وفي البخاري عن اسماء عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال انا على ~~حوضي انتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقال انك لا تدري ~~مشوا القهقرى وفي حديث عبد الله # أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إلى رجال منكم حتى اذا تأهبت لأتناولهم ~~اختلجوا دوني فأقول أي رب اصحابي يقول لا تدري ما احدثوك بعدك # والاظهر انهم من الداخلين في غمار هذه الامه لأجل ما دل على ذلك فيهم وهو ~~الغره والتحجيل لان ذلك لا يكون لاهل الكفر المحض كان كفرهم اصلا أو ~~ارتدادا ولقوله قد بدلوا بعدك ولو كان الكفر لقال قد كفروا بعدك # واقرب ما يحمل عليه تبديل السنة وهو واقع على اهل البدعة ومن قال انه ~~النفاق فذلك غير خارج عن مقصودنا لان اهل النفاق انما اخذوا الشريعة تقية ~~لا تعبدا فوضعوها غير مواضعها وهو عين الابتداع PageV01P127 ~~"""" صفحة رقم 128 """" # ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها حيلة وذريعة إلى نيل حطام ~~الدنيا لا على التعبد بها لله تعالى لانه تبديل لها واخراج لها عن وضعها الشرعي # واما الخوف عليه من ان يكون كافرا # فلأن العلماء من السلف الاول وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم مثل ~~الخوارج والقدرية وغيرهم ودل على ذلك ظاهر قوله ms084 تعالى ) إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( وقوله ) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ( ~~وقد حكم العلماء بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم لان مذهبهم راجع إلى مذهب ~~الحلولية القائلين بما يشبه قول النصارى في اللاهوت والناسوت والعلماء اذا ~~اختلفوا في امر هل هو كفر أم لا فكل عاقل يربأ بنفسه ان ينسب إلى خطة خسف ~~كهذه بحيث يقال له ان العلماء اختلفوا هل انت كافر أم ضال غير كافر أو يقال ~~ان جماعة من اهل العلم قالوا بكفرك وانت حلال الدم # واما انه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله # فلأن صاحبها مرتكب اثما وعاص لله تعالى حتما ولا نقول الان هو عاص ~~بالكبائر أو بالصغائر بل نقول هو مصر على ما نهى الله عنه والاصرار يعظم ~~الصغيرة ان كانت صغيرة حتى تصير كبيرة وان كانت كبيرة فأعظم # ومن مات مصرا على المعصية فيخاف عليه فربما اذا كشف الغطاء وعاين علامات ~~الاخره استفزه الشيطان وغلبه على قلبه حتى يموت على التغيير والتبديل ~~وخصوصا حين كان مطيعا له فيما تقدم من زمانه مع حب الدنيا المستولي عليه PageV01P128 ~~"""" صفحة رقم 129 """" # قال عبد الحق الاشبيلي # إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا قط ولا ~~علم به والحمد لله وانما يكون لمن كان له فساد في العقل أو اصرار على ~~الكبائر واقدام على العظائم أو لمن كان مستقيما ثم تغيرت حاله وخرج عن سننه ~~واخذ في طريق غير طريقه فيكون عمله ذلك سببا لسوء خاتمته وسوء عاقبته ~~والعياذ بالله # قال الله تعالى ) إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( # وقد سمعت بقصه بلعام بن باعوراء حيث آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان إلى آخر الايات # فهذا ظاهر اذا اغتر بالبدعة من حيث هي معصية فاذا نظرنا إلى كونها بدعة ~~فذلك اعظم لأن المبتدع مع كونه مصرا على ما نهى عند يزيد على المصر بأنه ~~معارض للشريعة بعقله غير مسلم لها ms085 في تحصيل امره معتقدا في المعصية انها ~~طاعة حيث حسن ما قبحه الشارع وفي الطاعة انها لا تكون طاعة الا بضميمه نظره ~~فهو قد قبح ما حسنه الشارع ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من سوء الخاتمة الا ~~ما شاء الله # وقد قال تعالى في جملة من ذم ) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون ( والمكر جلب السوء من حيث لا يفطن له وسوء الخاتمة من مكر ~~الله اذ يأتي الانسان من حيث لا يشعر به # اللهم انا نسألك العفو والعافية # واما اسوداد وجهه في الآخرة فقد تقدم في ذلك معنى قوله ) يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه ( وفيها ايضا الوعيد بالعذاب لقوله ) فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون ( وقوله قبل ذلك ) وأولئك لهم عذاب عظيم ( # حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه قال لو ان العبد ارتكب PageV01P129 ~~"""" صفحة رقم 130 """" # الكبائر كلها دون الاشراك بالله شيئا ثم نجا من هذه الاهواء لرجوت ان ~~يكون في اعلى جنات الفردوس لان كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء ~~وكل هوى ليس هو منه على رجاء انما يهوى بصاحبه في نار جهنم # واما البراءه منه ففي قوله ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ~~في شيء ( وفي الحديث انا برئ منهم وهم براء مني # وقال ابن عمر رضي الله عنه في اهل القدر اذا لقيت أولئك فأخبرهم اني برئ ~~منهم وانهم براء مني # وجاء عن الحسن لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك # وعن سفيان الثوري من جالس صاحب بدعة لم يسلم من احدى ثلاث اما أن يكون ~~فتنة لغيره واما ان يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار واما ان يقول والله ~~لا ابالي ما تكلموا به واني واثق بنفسي فمن يأمن بغير الله طرفة عين على ~~دينه سلبه اياه # وعن يحي بن أبي كثير قال اذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر # وعن أبي قلابه قال لا تجالسوا اهل الاهواء ولا تجادلوهم ms086 فإني لا آمن ان ~~يغمروكم في ضلالتهم ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون # وعن إبراهيم قال لا تجالسوا اصحاب الاهواء ولا تكلموهم فاذا اخاف ان ترتد قلوبكم # والآثار في ذلك كثيره ويعضدها ما روى عنه عليه السلام انه قال المرء على ~~دين خليله فلينظر احدكم من يخالل ووجه ذلك ظاهر منبه عليهفي كلام أبي قلابه ~~اذ قد يكون المرء على يقين من أمر من أمور السنه فيلقى له صاحب الهوى فيه ~~هوى مما يحتمله اللفظ لا اصل له أو يزيد له فيه قيدا من PageV01P130 ~~"""" صفحة رقم 131 """" # رأيه فيقبله قلبه فاذا رجع إلى ما كان يعرفه وجده مظلما فاما ان يشعر به ~~فيرده بالعلم أو لا يقدر على رده # وأما أن لا يشعر به فيمضي مع من هلك # قال ابن وهب وسمعت مالكا اذا جاءه بعض اهل الاهواء يقول اما انا فعلى ~~بينة من ربي واما انت فشاك فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه ثم قرأ ) قل هذه ~~سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ( الآية # فهذا شأن من تقدم من عدم تمكين زائغ القلب ان يسمع كلامه # ومثل رده بالعلم جوابه لمن سأله في قوله ) على العرش استوى ( كيف استوى ~~فقال له الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة # واراك صاحب بدعه ثم امر بإخراج السائل # ومثل مالا يقدر على رده ما حكى الباجي قال قال مالك كان يقال لا تمكن ~~زائغ القلب من اذنك فانك لا تدري ما يعلقك من ذلك # ولقد سمع رجل من الانصار من اهل المدينة شيئا من بعض اهل القدر فعلق قلبه ~~فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم فاذا نهوه قال فكيف بما علق قلبي لو علمت ~~ان الله يرضى ان القى نفسي من فوق هذه المناره فقلت # ثم حكى ايضا عن مالك انه قال لا تجالس القدرى ولا تكلمه إلا أن تجلس إليه ~~فتغلظ عليه لقوله تعالى ) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله ( فلا توادوهم # واما انه يخشى عليه الفتنة # فلما ms087 حكى عياض عن سفيان بن عيينة انه قال سألت مالكا عمن احرم من المدينة ~~وراء الميقات فقال هذا مخالف لله ورسوله اخشى عليه الفتنة في الدنيا ~~والعذاب الأليم في الاخره # اما سمعت قوله تعالى ) فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم ( # وقد امر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ان يهل من المواقيت # وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال سمعت مالك بن انس وأتاه رجل فقال ~~يا أبا عبد الله من اين أحرم قال من ذي الحليفه حيث أحرم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال إني أريد ان احرم من المسجد فقال لا تفعل # قال فإني أريد ان احرم من المسجد من عند القبر # قال لا تفعل فإني اخشى عليك الفتنه # فقال واي فتنه هذه انما هي اميال ازيدها قال واي فتنو اعظم من ان ترى انك ~~سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اني سمعت الله ~~يقول ) فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ( # وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآيه هي شأن أهل البدع ~~وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنياتهم فإنهم يرون ان ما ذكره الله في كتابه ~~وما سنه نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) دون ما اهتدوا اليه بعقولهم # وفي مثل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما روى عن ابن وضاح لقد هديتم ~~لما لم يهتد له نبيكم وإنكم لتمسكون بذنب ضلاله إذ مر بقوم كان PageV01P131 ~~"""" صفحة رقم 132 """" # صفحة فارغة PageV01P132 ~~"""" صفحة رقم 133 """" # رجل يجمعهم يقول رحم الله من قال كذا وكذا مره سبحان الله فيقول القوم # ويقول رحم الله من قال كذا وكذا مره الحمد لله فيقول القوم # ثم ان ما استدل به مالك من الآيات الكريمة نزلت في شأن المنافقين حين امر ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بحفر الخندق وهم الذين كانوا يتسللون لواذا # وقد تقدم ان النفاق من اصله بدعة لانه وضع بدعة ms088 في الشريعة على غير ما ~~وضعها الله تعالى ولذلك لما اخبر تعالى عن المنافقين قال ) أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى ( # فمن حيث كانت عامة في المخالفين عن أمره يدخلون ايضا من باب أحرى # فهذه جملة يستدل بها على ما بقي اذ ما تقدم من الآيات والاحاديث فيها مما ~~يتعلق بهذا المعنى كثير وبسط معانيها طويل فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله ~~التوفيق # فصل # وبقي مما هو محتاج إلى ذكره في هذا الموضع شرح معنى عام يتعلق بما تقدم # وهو ان البدع ضلالة وان المبتدع ضال ومضل والضلالة مذكورة في كثير من ~~النقل المذكور ويشير اليها في الآيات الاختلاف والتفرق شيعا وتفرق الطرق ~~بخلاف سائر المعاصي فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة الا ان تكون بدعة ~~أو شبه البدعه # وكذلك الخطأ الواقع في المشروعات وهو المعفو لا يسمى ضلالا ولا يطلق على ~~المخطئ اسم ضال كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصي # وانما ذلك والله اعلم لحكمة قصد التنبيه عليها وذلك ان الضلال والضلاله ~~ضد الهدى والهدى والعرب تطلق الهدى حقيقة فى الظاهر المحسوس فتقول هديته ~~الطريق وهديته إلى الطريق # ومنه نقل إلى طريق الخير والشر قال تعالى ) إنا هديناه السبيل ( وهديناه ~~النجدين ) اهدنا الصراط المستقيم ( والصراط والطريق والسبيل بمعنى واحد فهو ~~حقيقة في الطريق المحسوس ومجاز في PageV01P133 ~~"""" صفحة رقم 134 """" # الطريق المعنوي وضده الضلال وهو الخروج عن الطريق ومنه البعير الضال ~~والشاة الضالة # ورجل ضل عن الطريق اذا خرج عنه لانه التبس عليه الامر ولم يكن له هاد ~~يهديه وهو الدليل # فصاحب البدعة لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم ان ما ظهر له ~~بعقله هو الطريق القويم دون غيره فمضى عليه فحاد بسببه عن الطريق المستقيم ~~فهو ضال من حيث ظن انه راكب للجادة كالمار بالليل على الجادة وليس له دليل ~~يهديه يوشك ان يضل عنها فيقع في متابعة وان كان بزعمه يتحرى قصدها # فالمبتدع من هذه الامه انما ضل في ادلتها حيث اخذها مأخذ الهوى والشهوة ms089 ~~لا مأخذ الانقياد تحت احكام الله # وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره لأن المبتدع جعل الهوى اول مطالبه واخذ ~~الادلة بالتبع ومن شأن الادلة انها جارية على كلام العرب ومن شأن كلامها ~~الاحتزار فيه بالظواهر فكما تجب فيه نصا لا يحتمل حسبما قرره من تقدم في ~~غير هذا العلم وكل ظاهر يمكن فيه ان يصرف عن مقتضاه في الظاهر المقصود ~~ويتأول على غير ما قصد فيه # فاذا انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة وعدم الاضطلاع بمقاصدها كان الامر ~~اشد واقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع # فكان المدرك اعرق في الخروج عن السنة وامكن في ضلال البدعة فاذا غلب ~~الهوى امكن انقياد الفاظ الادلة إلى ما اراد منها # والدليل على ذلك انك لا تجد مبتدعا ممن ينسب إلى الملة الا وهو يستشهد ~~على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته وهو أمر ثابت في الحكمه PageV01P134 ~~"""" صفحة رقم 135 """" # الازليه التي لا مرد لها # قال تعالى ) يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ( وقال ) كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء ( لكن انما ينساق لهم من الادلة المتشابه منها لا الواضح ~~والقليل منها كالكثير وهو ادل الدليل على اتباع الهوى فإن المعظم والجمهور ~~من الادلة اذا دل على امر بظاهره فهو الحق فان جاء على ما ظاهره الخلاف فهو ~~النادر والقليل فكان من حق الظاهر رد القليل إلى الكثير والمتشابه إلى ~~الواضح غير ان الهوى زاغ بمن اراد الله زيغه فهو في تيه من حيث يظن انه على ~~الطريق بخلاف غير المبتدع فإنه انما جعل الهداية إلى الحق اول مطالبه وأخر ~~هواه ان كان فجعله بالتبع فوجد جمهور الادلة ومعظم الكتاب واضحا في الطلب ~~الذي بحث عنه فوجد الجاده وما شذ له عن ذلك فاما ان يرده اليه واما ان يكله ~~إلى عالمه ولا يتكلف البحث عن تأويله # وفيصل القضية بينهما قوله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ( إلى قوله ) والراسخون في العلم يقولون آمنا ms090 به كل من عند ربنا ~~( فلا يصح ان يسمى من هذه حاله مبتدعا ولا ضالا وان حصل في الخلاف أو خفى عليه # اما انه غير مبتدع فلأنه اتبع الادلة ملقيا إليها حكمة الانقياد باسطا يد ~~الافتقار مؤخرا هواه ومقدما لأمر الله # واما كونه غير ضال فلأنه على الجادة سلك واليها لجأ فإن خرج عنها يوما ~~فأخطأ فلا حرج عليه بل يكون مأجورا حسبما بينه الحديث الصحيح # اذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله اجر وان اصاب فله أجران وان خرج متعمدا فليس ~~على ان يجعل خروجه طريقا مسلوكا له أو لغيره وشرعا يدان به # على انه اذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانا فيعامل معاملة من ~~سنه كما جاء في الحديث # من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها PageV01P135 ~~"""" صفحة رقم 136 """" # الحديث وقوله عليه السلام ما من نفس تقتل ظلما الا كان على ابن آدم الاول ~~كفل منها لأنه اول من سن القتل فسمى التقل سنة بالنسبة إلى من عمل به عملا ~~يقتدى به فيه لكنه لا يسمى بدعة لأنه لم يوضع على ان يكون تشريعا ولا يسمى ~~ضلالا لأنه ليس في طريق المشروع أو في مضاهاته له # وهذا تقرير واضح يشهد له الواقع في تسمية البدع ضلالات ويشهد له ايضا ~~احوال من تقدم قبل الاسلام وفي زمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فان ~~الله تعالى قال ) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا ~~للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ( فإن الكفار لما أمروا بالانفاق ~~شحوا على اموالهم وارادوا ان يجعلوا لذلك الشح مخرجا فقالوا انطعم من لو ~~يشاء الله اطعمه ومعلوم ان الله لو شاء لم يحوج احدا إلى أحد لكنه ابتلى ~~عباده لينظر كيف يعملون فقص هواهم على هذا الاصل العظيم واتبعوا ما تشابه ~~من الكتاب بالنسبة اليه فلذلك قيل لهم ) إن أنتم إلا في ضلال مبين ( # وقال تعالى ) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ms091 وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ( فكأن هؤلاء قد أقروا بالتحكيم ~~غير انهم ارادوا ان يكون التحكيم على وفق اغراضهم زيغا عن الحق وظنا منهم ~~ان الجميع حكم وان ما يحكم به كعب بن الأشرف أو غيره مثل ما يحكم به النبي ~~( صلى الله عليه وسلم ) وجهلوا ان حكم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هو حكم ~~الله الذي لا يرد وان حكم غيره معه مردود ان لم يكن جاريا PageV01P136 ~~"""" صفحة رقم 137 """" # عل حكم الله فلذلك قال تعالى ) ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ( لان ~~ظاهر الآيه يدل على انها نزلت فيمن دخل في الاسلام لقوله ) ألم تر إلى ~~الذين يزعمون ( كذا إلى اخره # وجماعة من المفسرين قالوا انما نزلت في رجل من المنافقين أو في رجل من ~~الأنصار # وقال سبحانه ) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( فهم ~~شرعوا شرعة وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه البدعة توهما ان ذلك ~~يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم عليه السلام من الحق ~~فزلوا وافتروا على الله الكذب اذ زعموا ان هذا من ذلك وتاهوا في المشروع ~~فلذلك قال الله تعالى على اثر الآية ) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم ( وقال سبحانه ) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها ~~بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ( فهذه فذلكة لجملة بعد ~~تفصيل تقدم وهو قوله تعالى ) وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ( الآية # فهذا تشريع كالمذكور قبل هذا ثم قال ) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ( الآية وهو تشريع ايضا ~~بالرأي مثل الاول ثم قال ) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من ~~نشاء بزعمهم ( إلى آخرها فحاصل الامر انهم قتلوا اولادهم بغير علم وحرموا ~~ما اعطاهم الله من الرزق بالرأي على جهة التشريع فلذلك قال تعالى ) قد ضلوا ~~وما كانوا مهتدين ( ثم قال ms092 تعالى بعد تعزيرهم على هذه المحرمات التي حرموها ~~وهي ما في قوله ) قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين ( ) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين ( لا يهدي يعني انه يضله PageV01P137 ~~"""" صفحة رقم 138 """" # والآيات التي قرر فيها حال المشركين في اشراكهم اتى فيها بذكر الضلال لان ~~حقيقته انه خروج عن الصراط المستقيم لانهم وضعوا آلهتهم لتقربهم إلى الله ~~زلفى في زعمهم فقالوا ) ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( فوضعوهم ~~موضع من يتوسل به حتى عبدوهم من دون الله اذ كان اول وضعها فيما ذكر ~~العلماء صورا لقوم يودونهم ويتبركون بهم ثم عبدت فأخذتها العرب من غيرها ~~على ذلك القصد وهو الضلال المبين # وقال تعالى ) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله ~~واحد ( فزعموا في الاله الحق ما زعموا من الباطل بناء على دليل عندهم ~~متشابه في نفس الامر حسبما ذكره اهل السير فتاهوا بالشبهة عن الحق لتركهم ~~الواضحات وميلهم إلى المتشابهات كما اخبر الله تعالى في آية آل عمران فلذلك ~~قال تعالى ) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ( وهم النصارى ضلوا ~~في عيسى عليه السلام ومن ثم قال تعالى بعد ذكر شواهد العبوديه في عيسى ) ~~ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ( وبعد ذكر دلائل التوحيد ~~وتقديس الواحد تبارك وتعالى عن اتخاذ الولد وذكر اختلافهم في مقالاتهم ~~الشنيعه قال ) لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ( # وذكر الله المنافقين وانهم يخادعون الله والذين آمنوا وذلك لكونهم يدخلون ~~معهم في احوال التكاليف على كسل وتقية ان ذلك يخلصهم أو انه يغني عنهم شيئا ~~وهم في الحقيقه إنما يخادعون انفسهم وهذا هو الضلال بعينه لأنه اذا كان ~~يفعل شيئا يظن انه له فاذا هو عليه فليس على هدى من عمله ولا هو ms093 سالك على ~~سبيله فلذلك قال ) إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ( إلى قوله ) ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا ( PageV01P138 ~~"""" صفحة رقم 139 """" # وقال تعالى حكاية عن الرجل الذي جاء من اقصى المدينة يسعى ) أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ( معناه ~~كيف اعبد من دون الله مالا يغني شيئا واترك افراد الرب الذي بيده الضر ~~والنفع هذا خروج عن طريق إلى غير طريق ) إني إذا لفي ضلال مبين ( # والأمثله في تقرر هذا الأصل كثيرة جميعها يشهد بأن الضلال في غالب الامر ~~انما يستعمل في موضوع يزل صاحبه لشبهة تعرض له أو تقليد من عرضت له الشبهة ~~فيتخذ ذلك الزلل شرعا ودينا يدين به مع وجود واضحة الطريق الحق ومحض الصواب # ولما لم يكن الكفر في والواقع مقتصرا على هذا الطريق بل ثم طريق آخر هو ~~الكفر بعد العرفان عنادا أو ظلما ذكر الله تعالى الصنفين في السورة الجامعة ~~وهي أم القرآن فقال ) اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ( فهذه ~~هي الحجه العظمى التي دعا الانبياء عليهم السلام اليها ثم قال ) غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين ( فالمغضوب عليهم هم اليهود لأنهم كفروا بعد ~~معرفتهم نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) # ألا ترى إلى قول الله فيهم ) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم ( يعني اليهود والضالون هم النصارى لانهم ضلوا في الحجة في عيسى ~~عليه السلام وعلى هذا التفسرين اكثر المفسر وهو مروي عن النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) PageV01P139 ~~"""" صفحة رقم 140 """" # ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين اشركوا مع الله الها غيره لانه قد ~~جاء في اثناء القرآن ما يدل على ذلك ولان لفظ القرآن في قوله ولا الضالين ~~يعمهم وغيرهم فكل من ضل عن سواء السبيل داخل فيه # ولا يبعد ان يقال ان الضالين يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم كان ~~من هذه الامه اولا اذ قد تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله فقوله تعالى ~~) ولا ms094 تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( عام في كل ضال كان ضلاله كضلال ~~الشرك أو النفاق أو كضلال الفرق المعدودة في الملة الإسلامية وهو ابلغ ~~واعلى في قصد حصر اهل الضلال وهو اللائق بكلية فاتحة الكتاب والسبع المثاني ~~والقرآن العظيم الذي أوتيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) # وقد خرجنا عن المقصود بعض خروج ولكنه عاضد لما نحن فيه وبالله التوفيق PageV01P140 ~~"""" صفحة رقم 141 """" ### | AUTO الباب الثالث في ان ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون ~~غيرها ويدخل تحت هذه الترجمة جمله من شبه المبتدعة التي احتجوا بها # فاعلموا رحمكم الله ان ما تقدم من الادلة حجة في عموم الذم من اوجه احدها ~~انها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البته ولم يأت فيها ~~مما يقتضي ان منها ما هو هدى ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة الا كذا وكذا ولا ~~شيء من هذه المعاني فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان ~~أو انها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث لكنه لا يوجد فدل على ان ~~تلك الادلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها ~~فرد من الافراد # والثاني انه قد ثبت في الاصول العلمية ان كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي ~~اذا تكررت في مواضع كثيرة واتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم ~~يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها واعادة تقررها فذلك دليل على بقائها ~~عل مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى ) ولا تزر وازرة وزر أخرى ( ) وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى ( وما اشبه ذلك وبسط الاستدلال على ذلك هنالك فما ~~نحن بصدده من هذا القبيل اذ جاء في الاحاديث المتعددة PageV01P141 ~~"""" صفحة رقم 142 """" # والمتكررة في اوقات شتى وبحسب الاحوال المختلفة ان كل بدعة ضلالة وان كل ~~محدثة بدعه # وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على ان البدع مذمومة # ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه ms095 خلاف ظاهر ~~الكلية فيها # فدل ذلك دلالة واضحة على انها على عمومها واطلاقها # والثالث اجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها ~~كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ولم يقع منهم في ذلك توقف ~~ولا مثنوية فهو بحسب الاستقراء اجماع ثابت فدل على ان كل بدعة ليست بحق بل ~~هي من الباطل # والرابع ان متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لانه من باب مضادة الشارع ~~واطراح الشرع وكل ما كان بهذه المثابة فمحال ان ينقسم إلى حسن وقبيح وان ~~يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم اذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع # وقد تقدم بسط هذا في اول الباب الثاني # وايضا فلو فرض انه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن ~~الذم لم يتصور لان البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير ان تكون كذلك # وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها اذ لو قال الشارع المحدثة ~~الفلانيه حسنة لصارت مشروعة كما اشاروا اليه في الاستحسان حسبما يأتي ان ~~شاء الله # ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها لانها ليست بمذمومه من حيث تصورها فقط بل من ~~حيث اتصف بها المتصف فهو إذا المذموم على الحقيقه والذم خاصة التأثيم ~~فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الاطلاق والعموم # ويدل على ذلك اربعة اوجه احدها ان الادلة المذكورة ان جاءت فيهم نصا ~~فظاهر كقوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( ~~وقوله ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( PageV01P142 ~~"""" صفحة رقم 143 """" # ) إلى آخر الآية وقوله عليه السلام فليذادن رجال عن حوضي الحديث إلى سائر ~~ما نص فيه عليهم # وان كانت نصا في البدعه فراجعة المعنى إلى المبتدع من غير اشكال واذا رجع ~~الجميع إلى ذمهم رجع الجميع إلى تأثيمهم # والثاني ان الشرع قد دل على ان الهوى هو المتبع الأول في البدع وهو ~~المقصود السابق في حقهم ودليل الشرع كالتبع في حقهم # ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف ms096 هواهم ويتبعون كل شبهة وافقت اغراضهم # ألا ترى إلى قوله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( فأثبت لهم الزيغ أولا وهو الميل عن الصواب ~~ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى الذي هو أم الكتاب ومعظمه # ومتشابهه على هذا قليل فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الاقل المتشابه ~~الذي لا يعطي مفهوما واضحا ابتغاء تأويله وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه الا ~~الله أو يعلمه الله والراسخون في العلم وليس الا برده إلى المحكم ولم يفعل ~~المبتدعة ذلك # فانظروا كيف اتبعوا اهواءهم اولا في مطالبة الشرع بشهادة الله # وقال الله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم ( الآية فنسب اليهم التفريق ولو ~~كان التفريق من مقتضى الدليل لم ينسبه اليهم ولا أتى به في معرض الذم وليس ~~ذلك الا باتباع الهوى # وقال تعالى ) ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( فجعل طريق الحق ~~واضحا مستقيما ونهى عن البنيات والواضح من الطرق والبنيات كل ذلك معلوم ~~بالعوائد الجارية فإذا وقع التشبيه بها بطريق الحق مع البنيات في الشرع ~~فواضح ايضا فمن ترك الواضح واتبع غيره فهو متبع لهواه لا للشرع PageV01P143 ~~"""" صفحة رقم 144 """" # وقال تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~( فهذا دليل على مجئ البيان الشافي وان التفرق انما حصل من جهة المتفرقين ~~لا من جهة الدليل فهو إذا من تلقاء انفسهم وهو اتباع الهوى بعينه # والأدله على هذا كثيرة تشير أو تصرح بأن كل مبتدع انما يتبع هواه واذا ~~اتبع هواه كان مذموما وآثما # والأدلة عليه ايضا كثيرة كقوله ) ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~( وقوله ) ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله ~~لهم عذاب شديد ( وقوله ) ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ( وما ~~اشبه ذلك فإذا كل مبتدع مذموم آثم # والثالث ان عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح فهو عمدتهم الاولى ~~وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع فهو المقدم ms097 في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل ~~وقد يتهمون الأدلة إذ لم توافقهم في الظاهر حتى يردوا كثيرا من الادلة ~~الشرعية # وقد علمت ايها الناظر انه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا ولذلك تراهم ~~يرتضون اليوم مذهبا ويرجعون عنه غدا ثم يصيرون بعد غد إلى رأي ثالث # ولو كان كل ما يقضي به حقا لكفى في اصلاح معاش الخلق ومعادهم # ولم يكن لبعثة الرسل عليهم السلام فائدة ولكان على هذا الاصل تعد الرسالة ~~عبثا لا معنى له وهو كله باطل فما أدى اليه مثله # فأنت ترى انهم قدموا اهواءهم على الشرع ولذلك سموا في بعض الاحاديث وفي ~~اشارة القرآن اهل الأهواء وذلك لغلبة الهوى على عقولهم واشتهاره فيهم لأن ~~التسميه بالمشتق انما يطلق اطلاق اللقب اذا غلب ما اشتقت منه على المسمى PageV01P144 ~~"""" صفحة رقم 145 """" # بها فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر لأن مرجعه إلى اتباع الرأي وهو اتباع ~~الهوى المذكور آنفا # والرابع أن كل راسخ لا يبتدع ابدا وانما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من ~~العلم الذي ابتدع فيه حسبما دل عليه الحديث ويأتي تقريره بحول الله فإنما ~~يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يحسبون انهم علماء وإذا كان كذلك فاجتهاد ~~من اجتهد منهى عنه اذ لم يستكمل شروط الاجتهاد فهو على اصل العمومية ولما ~~كان العامي حراما عليه النظر في الأدله والاستنباط كان المخضرم الذي بقي ~~عليه كثير من الجهلات مثله في تحريم الاستنباط والنظر المعمول به فاذا اقدم ~~على محرم عليه كان آثما باطلاق # وبهذه الاوجه الاخيرة ظهر وجه تأثيمه وتبين الفرق بينه وبين المجتهد ~~المخطئ في اجتهاده وسيأتي له تقرير ابسط من هذا ان شاء الله # وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم ولو فرض عاملا بالبدعة المكروهة ان ثبت ~~فيها كراهة التنزيه لانه اما مستنبط لها فاستنباطه على الترتيب المذكور غير ~~جائز واما نائب عن صاحبها مناضل عنه فيها بما قدر عليه وذلك يجري مجرى ~~المستنبط الاول لها فهو آثم على كل تقدير ms098 # لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى بحيث يتنزل دليل الشرع على ~~مدلول اللفظ في العرف الذي وقع التخاطب به إذ يقع الغلط أو التساهل فيسمى ~~من ليس بمبتدع مبتدعا وبالعكس ان تصور فلا بد من فضل اعتناء بهذا المطلب ~~حتى يتضح بحول الله وبالله التوفيق ولنفرده في فصل فنقول PageV01P145 ~~"""" صفحة رقم 146 """" # فصل # لا يخلو المنسوب إلى البدعة ان يكون مجتهدا فيها أو مقلدا والمقلد اما ~~مقلد مع الأقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا والأخذ فيه بالنظر واما ~~مقلد له فيه من غير نظر كالعامي الصرف فهذه ثلاثة اقسام فلقسم الأول على ~~ضربين احدهما ان يصح كونه مجتهدا فالابتدع منه لا يقع الا فلته وبالعرض لا ~~بالذات وانما تسمى غلطه أو زلة لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء ~~الفتنه وابتغاء تأويل الكتاب أي لم يتبع هواه ولا جعله عمدة والدليل عليه ~~انه اذا ظهر له الحق اذعن له وأقر به # ومثاله ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود انه كان يقول ~~بالارجاء ثم رجع عنه وقال واول ما افارق غير شاك أفارق ما يقول المرجئون # وذكر مسلم عن يزيد بن صهيب الفقير قال كنت قد شغفني راي من راي الخوارج ~~فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد ان نجح ثم نخرج على الناس قال فمررنا على ~~المدينه فاذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس إلى سارية عن رسول الله صلى ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال واذا هو قد ذكر الجهنميين قال فقلت له يا ~~صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون والله يقول ) إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته ( ) كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ( فما هذا الذي تقولون ~~قال فقال أفتقرأ القرآن قلت نعم قال فهل سمعت بمقام محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يعني الذي يبعثه الله فيه قلت نعم قال فإنه مقام محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار قال ثم نعت ms099 وضع ~~الصراط ومر الناس عليه PageV01P146 ~~"""" صفحة رقم 147 """" # قال واخاف الا اكون احفظ ذلك قال غير انه قد زعم ان قوما يخرجون من النار ~~بعد ان يونوا فيها # قال يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من انهار الجنة ~~فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس فرجعنا وقلنا ويحكم اترون الشيخ يكذب ~~على رسول الله عليه وسلم فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد أو كما قال # ويزيد الفقير من ثقات أهل الحديث وثقة ابن معين وابو زرعه وقال أبو حاتم ~~صدوق وخرج عنه البخاري # وعبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة اهل الحديث ومن كبار العلماء ~~العارفين بالسنة الا ان الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكى عنه من أنه كان ~~يقول بأن كل مجتهد من اهل الأديان مصيب حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره # وحكى القتيبي عنه كان يقول ان القرآن يدل على الاختلاف فالقول بالقدر ~~صحيح وله اصل في الكتاب والقول بالاجبار صحيح وله اصل في الكتاب ومن قال ~~بهذا فهو مصيب لان الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين # وسئل يوما عن اهل القدر واهل الاجبار قال كل مصيب هؤلاء قوم عظموا الله ~~وهؤلاء قوم نزهوا الله # قال وكذلك القول في الاسماء فكل من سمى الزاني مؤمنا فقد اصاب ومن سماه ~~كافرا فقد اصاب ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد اصاب ومن قال هو ~~كافر وليس بمشرك فقد اصاب لأن القرآن يدل على كل هذه المعاني # قال وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه والقول بالسعاية وخلافة ~~وقتل المؤمن بالكافر ولا يقتل مؤمن بكافر وبأي ذلك اخذ الفقيه فهو مصيب # قال ولو قال قائل ان القاتل في النار # كان مصيبا ولو قال في الجنة كان مصيبا ولو وقف وأرجأ أمره كان مصيبا اذا ~~كان انما يريد بقوله ان الله تعبده بذلك وليس عليه علم الغيب PageV01P147 ~~"""" صفحة رقم 148 """" # قال ابن أبي خيثمة اخبرني سليمان بن أبي شيخ قال كان عبيد الله بن الحسن ~~بن ms100 الحسين بن أبي الحريقي العنبري البصري اتهم بأمر عظيم روى عنه كلام ردئ # قال بعض المتأخرين هذا الذي ذكره ابن أبي شيخ عنه قد روى انه رجع عنه لما ~~تبين له الصواب وقال اذا ارجع وانا من الأصاغر ولأن اكون ذنبا في الحق احب ~~إلى ان اكون رأسا في الباطل ا ه # فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العالم وقد رجع عنها رجوع ~~الأفاضل إلى الحق لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه انما اتبع ظواهر الادلة ~~الشرعية فيما ذهب اليه ولم يتبع عقله ولا صادم الشرع بنظره فهو اقرب من ~~مخالفة الهوى # ومن ذلك الطريق والله اعلم وفق إلى الرجوع إلى الحق # وكذلك يزيد الفقير فيما ذكر عنه لا كما عارض الخوارج عبد الله بن عباس ~~رضي الله عنه اذ طالبهم بالحجة فقال بعضهم لا تخاصموه فانه ممن قال الله ~~فيه ) بل هم قوم خصمون ( فرجحوا المتشابه على المحكم وناصبوا بالخلاف ~~السواد الأعظم # واما ان لم يصح بمسبار العلم انه من المجتهدين فهو الحرى باستنباط ما ~~خالف الشرع كما تقدم اذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع الهوى الباعث ~~عليه في الاصل وهو التبعية اذ قد تحصل له مرتبة الامامة والاقتداء والنفس ~~فيها من اللذة مالا يزيد عليه ولذلك يعسر خروج حب الرئاسة من القلب اذا ~~انفرد حتى قال الصوفية حب الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين PageV01P148 ~~"""" صفحة رقم 149 """" # فكيف اذا انضاف اليه الهوى من اصل وانضاف إلى هذين الأمرين دليل في ظنه ~~شرعي على صحة ما ذهب اليه فيمكن الهوى من قلبه تمكنا لا يمكن في العادة ~~الانفكاك عنه وجرى منه مجرى الكلب من صاحبه كما جاء في حديث الفرق # فهذا النوع ظاهر انه آثم في ابتداعه اثم من سن سنة سيئه # ومن امثلته ان الامامية من الشيعة تذهب إلى وضع خليفة دون النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وتزعم انه مثل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في العصمة ~~بناء على ms101 أهل لهم متوهم فوضعوه على ان الشريعة ابدا مفتقرة إلى شرح وبيان ~~لجميع المكلفين اما بالمشافهة أو بالنقل ممن شافه المعصوم وانما وضعوا ذلك ~~بحسب ما ظهر لهم بادي الرأي من غير دليل عقلي ولا نقلي بل بشبهة زعموا انها ~~عقلية وشبه من النقل باطلة اما في اصلها واما في تحقيق مناطها وتحقيق ما ~~يدعون وما يرد عليهم به مذكور في كتب الائمة وهو يرجع في الحقيقه إلى دعاو ~~واذا طولبوا بالدليل عليها سقط في أيديهم إذ لا برهان لهم من جهة من الجهات # وأقوى شبههم مسألة اختلاف الامة وانه لا بد من واحد يرتفع به الخلاف لأن ~~الله يقول ) ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ( ولا يكون كذلك إلا اذا ~~أعطى العصمة كما اعطيها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لانه وارث والا PageV01P149 ~~"""" صفحة رقم 150 """" # فكل محق أو مبطل يدعى انه المرحوم وانه الذي وصل إلى الحق دون من سواه ~~فان طولبوا بالدليل على العصمة لم يأتوا بشيء غير ان لهم مذهبا يخفونه ولا ~~يظهرونه الا لخواصهم لانه كفر محض ودعوى بغير برهان # قال ابن العربي في كتاب العواصم خرجت من بلادي على الفطرة فلم ألق في ~~طريقي الا مهتديا حتى بلغت هذه الطائفة يعني الامامية والباطنية من فرق PageV01P150 ~~"""" صفحة رقم 151 """" # الشيعة فهي اول بدعة لقيت ولو فجأتني بدعة مشبهة كالقول بالمخلوق أو نفي ~~الصفات أو الارجاء لم آمن الشيطان # فلما رأيت حماقاتهم أقمت على حذر وترددت فيها على اقوام اهل عقائد سليمة ~~ولبثت بينهم ثمانية اشهر # ثم خرجت إلى الشام فوردت بيت المقدس فألفيت فيها ثماني وعشرين حلقة ~~ومدرستين مدرسة الشافعية بباب الأسباط واخرى للحنفية وكان فيها من رءوس ~~العلماء ورءوس المبتدعة ومن احبار اليهود والنصارى كثير فوعيت العلم وناظرت ~~كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري وغيره من اهل السنة # ثم نزلت إلى الساحل لأغراض وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية والامامية ~~فطفت في مدن الساحل لتلك الاغراض نحوا من خمسة اشهر ونزلت بعكا وكان ms102 رأس ~~الامامية بها حينئذ أبو الفتح العكي وبها من اهل السنة شيخ يقال له الفقيه ~~الديبقي فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وانا ابن العشرين # فلما رآني صغير السن كثير العلم متدربا ولع بي وفيهم لعمر الله وان كانوا ~~على باطل انطباع وانصاف واقرار بالفضل اذا ظهر فكان لا يفارقني ويساومني ~~الجدال ولا يفاترني فتكلمت على مذهب الامامية والقول بالتعميم من المعصوم ~~بما يطول ذكره # ومن جملة ذلك انهم يقولون ان لله في عباده أسرارا واحكاما والعقل لا ~~يستقل بدركها فلا يعرف ذلك الا من قبل امام معصوم فقلت لهم أمات الامام ~~المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد فقال لي مات وليس هذا PageV01P151 ~~"""" صفحة رقم 152 """" # بمذهبه ولكنه تستر معي # فقلت هل خلفه أحد فقال خلفه وصية على قلت فهل قضى بالحق وانفذه قال لم ~~يتمكن لغلبة المعاند # قلت فهل انفذه حين قدر قال منعته التقيه ولم تفارقه إلى الموت الا انها ~~كانت تقوى تارة وتضعف أخرى فلم يمكن الا المداراه لئلا تنفتح عليه ابواب ~~الاختلال قلت وهذه المدارة حق أم لا فقال باطل أباحته الضروره # قلت فأين العصمه انما تغنى العصمة مع القدرة قلت فمن بعده إلا الآن وجدوا ~~القدره أم لا قال لا # قلت فالدين مهمل والحق مجهول مخمل قال سيظهر قلت بمن قال بالامام المنتظر # قلت لعله الدجال فما بقي أحد الا ضحك وقطعنا الكلام على غرض مني لاني خفت ~~ان الجمه فينتقم مني في بلاده # ثم قلت ومن اعجب ما في هذا الكلام ان الامام اذا اوصى إلى من لاقدرة له ~~فقد ضيع فلا عصمة له # واعجب منه ان الباري تعالى على مذهبه اذا علم انه لا علم الا بمعلم ~~وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه ان يقول ما علم فكأنه ما علمه وما بعثه # وهذا عجز منه وجور لا سيما على مذهبهم # فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم ان يقوموا معه بقائمه وشاع الحديث # فرأى رئيس لباطنية المسمين بالإسماعيليه ان يجتمع معي فجاءني ms103 أبو الفتح ~~إلى مجلس الفقيه الديبقي وقال ان رئيس الاسماعيليه رغب في الكلام معك # فقلت انا مشعول # فقال هنا موضع مرتب قد جاء اليه وهو محرس الطبرانيين مسجد في قصر على البحر # وتحامل علي فقمت ما بين حشمة وحسبة ودخلت قصر المحرس وطلعنا اليه فوجدتهم ~~قد اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية فرأيت النكر في وجوههم فسلمت ثم قصدت ~~جهة المحراب فركعت عنده ركعتين PageV01P152 ~~"""" صفحة رقم 153 """" # لا عمل لي فيهما الا تدبير القول معهم والخلاص منهم # فلعمري الذي قضى علي بالاقبال إلى ان احدثكم ان كنت رجوت الخروج عن ذلك ~~المجلس ابدا # ولقد كنت انظر في البحر يضرب في حجارة سود محدده تحت طاقات المحرس فأقول ~~هذا قبري الذي يدفنوني فيه وانشد في سري # الا هل إلى الدنيا معاد # وهل لنا سوى البحر قبر أو سوى الماء اكفان # وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري التي انقذني الله منها # فلما سلمت استقبلتهم وسألتهم عن احولهم عادة وقد اجتمعت إلى نفسي وقلت ~~وقلت اشرف ميتة في اشرف موطن أناضل فيه عن الدين # فقال لي أبو الفتح واشار إلى فتى حسن الوجه هذا سيد الطائفة ومقدمها # فدعوت له فسكت فبدرني وقال قد بلغتني مجالسك وانهى الي كلامك وانت تقول ~~قال الله وفعل فأي شيء هو الله الذي تدعو اليه اخبرني واخرج عن هذه المخرقه ~~التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة وقد اختطفني اصحابه قبل الجواب فعمدت ~~بتوفيق الله إلى كنانتي واستخرجت منها سهما اصاب حبة قلبه فسقط لليدين وللفم # وشرح ذلك ان الامام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الأسماعيلي الحافظ الجرجاني ~~قال كنت ابغض الناس فيمن يقرأ علم الكلام فدخلت يوما إلى الري ودخلت جامعها ~~اول دخولي واستقبلت سارية اركع عندها وإذ بجواري رجلان يتذاكران علم الكلام ~~فتطيرت بهما وقلت اول ما دخلت هذا البلد سمعت فيه ما اكره وجعلت اخفف ~~الصلاة حتى ابعد عنهما فعلق بي من قولهما ان PageV01P153 ~~"""" صفحة رقم 154 """" # هؤلاء الباطنية اسخف خلق الله عقولا وينبغي للنحرير ms104 الا يتكلف لهم دليلا ~~وليكن يطالبهم بلم فلا قبل لهم بها وسلمت مسرعا # وشاء الله بعد ذلك ان كشف رجل من الاسماعيلية القناع في الالحاد وجعل ~~يكاتب وشمكير الامير يدعوه اليه ويقول له اني لا اقبل دين محمد الا ~~بالمعجزه فان اظهرتموها رجعنا اليكم وانجزت الحال إلى ان اختاروا منهم رجلا ~~له دهاء ومنه فورد على وشمكير رسولا فقال له انك امير ومن شأن الامراء ~~والملوك ان تتخصص عن العوام ولا تقلد احدا في عقيدة وانما حقهم ان يفصحوا ~~عن البراهين # فقال وشمكير اختار رجلا من اهل مملكتي ولا انتدب للمناظرة بنفسي فيناظرك ~~بين يدي # فقال له الملحد اختر أبا بكر الاسماعيلي # لعلمه بأنه ليس من اهل علم التوحيد وانما كان اماما في الحديث # ولكن كان وشمكير لعامية فيه يعتقد انه اعلم اهل الأرض بانواع العلوم # فقال وشمكير ذلك مرادي فانه رجل جيد # فأرسل إلى أبي بكر الاسماعيلي بجرجان ليرحل اليه إلى غزته # فلم يبق من العلماء أحد الا يئس من الدين وقال سيبهت الاسماعيلي الكافر ~~مذهبا الاسماعيلي الحافظ مذهبا ولم يمكنهم ان يقولوا للملك انه لا علم عنده ~~بذلك لئلا يتهمهم # فلجأوا إلى الله في نصر دينه # قال الاسماعيلي الحافظ فلما جاءني البريد واخذت في المسير وتدانت لي ~~الدار قلت انا لله # وكيف اناظر فيما لا ادري هل أتبرأ عند الملك وارشده إلى من يحسن الجدل ~~ويعلم بحجج الله في دينه ندمت على ما سلف من عمري ولم انظر في شيء من علم ~~الكلام ثم اذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين PageV01P154 ~~"""" صفحة رقم 155 """" # بجامع الرى فقويت نفسي وعولت على ان اجعل ذلك عمدتي وبلغت البلد فتلقاني ~~الملك ثم جميع الخلق # وحضر الاسماعيلي المذهب مع الاسماعيلي النسب # وقال الملك الباطني اذكر قولك يسمعه الامام # فلما أخذ في ذكره واستوفاه قال له الحافظ لم فلما سمعها الملحد قال هذا ~~امام قد عرف مقالتي # ففهمت قال الاسماعيلي فخرجت من ذلك الوقت وامرت بقراءة علم الكلام وعلمت ~~انه عمدة من عمد ms105 الاسلام # قال ابن العربي وانا حين انتهى بي الامر إلى ذلك قلت ان كان في الاجل ~~تنفس فهذا شبيه بيوم الاسماعيلي # فوجهت إلى أبي الفتح الامام وقلت له لقد كنت في لا شيء ولو خرجت من عكا ~~قبل ان اجتمع بهذا العالم ما رحلت الا عريا عن نادرة الايام نظر إلى حذقه ~~بالكلام ومعرفته حيث قال لي # أي شيء هو الله ولا يسأل بمثل هذا الا مثله # ولكن بقيت ها هنا نكتة لا بد من ان نأخذها اليوم عنه وتكون ضيافتنا عنده # لم قلت أي شيء هو الله فاقتصرت من حروف الاستفهام على أي وتركت الهمزه ~~وهل وكيف وأنى وكم وما هي ايضا من ثواني حروف الاستفهام وعدلت عن اللام من ~~حروفه وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانيه وهو ان ل أي معنيين في الاستفهام # فأي المعنيين قصدت بها ولم سألت بحرف محتمل ولم تسأل بحرف مصرخ بمعنى ~~واحد هل وقع ذلك بغير علم ولا قصد حكمة أم بقصد حكمة فبينها لنا # فما هو الا ان افتتحت هذا الكلام وانبسطت فيه وهو يتغير حتى اصفر PageV01P155 ~~"""" صفحة رقم 156 """" # آخرا من الوجل كما اسود اولا من الحقد # ورجع أحد اصحابه الذي كان عن يمينه إلى آخر كان بجانبه وقال له ما هذا ~~الصبي الا بحر زاخر من العلم ما رأينا مثله قط وهم ما رأوا واحدا به رمق ~~الا اهلكوه لان الدولة لهم ولولا مكاننا من رفعة دولة ملك الشام ووالي عكا ~~كان يحظينا ما تخلصت منهم في العادة ابدا # وحين سمعت تلك الكلمة من اعظامى قلت هذا مجلس عظيم وكلام طويل يفتقر إلى ~~تفصيل ولكن نتواعد إلى يوم آخر # وقمت وخرجت فقاموا كلهم معي وقالوا لا بد ان تبقى قليلا فقلت لا وأسرعت ~~حافيا وخرجت على الباب أعدو حتى اشرفت على قارعة الطريق وبقيت هناك مبشرا ~~نفسي بالحياة حتى خرجوا بعدي وأخرجوا لي لايكى ولبستها ومشيت معهم متضاحكا ~~ووعدوني بمجلس آخر فلم أوف لهم وخفت وفاتي وفي وفائي # قال ابن ms106 العربي وقد قال لي أصحابنا النصرية بالمسجد الاقصى ان شيخنا أبا ~~الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من الشيعة الامامية فشكا اليه ~~فساد الخلق وان هذا الامر لا يصلح الا بخروج الامام المنتظر فقال نصر هل ~~لخروجه ميقات أم لا قال الشيعي نعم قال له أبو الفتح ومعلوم هو أو مجهول ~~قال معلوم قال نصر ومتى يكون قال إذا فسد الخلق قال أبو الفتح فهل تحبسونه ~~عن الخلق وقد فسد جميعهم الا أنتم فلو فسدتم لخرج فأسرعوا به وأطلقوه من ~~سجنه وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا فبهت # واظنه سمعها عن شيخه أبي الفتح سليمان بن ايوب الرازي الزاهد PageV01P156 ~~"""" صفحة رقم 157 """" # انتهى ما حكاه ابى العربي وغيره وفيه غنيه لمن عرج عن تعرف أصولهم وفي ~~اثناء الكتاب منه امثلة كثيرة # القسم الثاني يتنوع ايضا وهو الذي لم يستنبط بنفسه وانما اتبع غيره من ~~المستنبطين لكن بحيث أقر بالشبهة واستصوبها وقام بالدعوة بها مقام متبوعه ~~لانقداحها في قلبه فهو مثل الاول وان لم يصر إلى تلك الحال ولكنه تمكن حب ~~المذهب من قلبه حتى عادى عليه ووالى # وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال ولو على اعم ما يكون # فقد يلحق بمن نظر في الشبهة وان كان عاميا لانه عرض للاستدلال وهو عالم ~~أنه لا يعرف النظر ولا ما ينظر فيه ومع ذلك فلا يبلغ من استدلال بالدليل ~~الجملي مبلغ من استدل على التفصيل وفرق بينهما في التمثيل # ان الاول اخذ شبهات مبتدعة فوقف وراءها حتى اذا طولب فيها بالجريان على ~~مقتضى العلم تبلد وانقطع أو خرج إلى مالا يعقل واما الثاني فحسن الظن بصاحب ~~البدعة فتبعه ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق به الا تحسين الظن ~~بالمبتدع خاصه وهذا القسم في العوام كثير # فمثال الاول حال حمدان بن قرمط المنسوب إليه القرامطة اذ كان أحد دعاة ~~الباطنية فاستجاب له جماعة نسبوا اليه وكان رجلا من اهل الكوفة مائلا إلى ~~الزهد فصادفه أحد دعاة الباطنية وهو متوجه إلى قريته وبين ms107 يديه بقر يسوقه ~~فقال له حمدان وهو لا يعرف حاله اراك سافرت عن موضع بعيد PageV01P157 ~~"""" صفحة رقم 158 """" # فأين مقصدك فذكر موضعا هو قرية حمدان فقال له حمدان اركب بقرة من هذا ~~البقر لتستريح به عن تعب المشي فلما رآه مائلا إلى الديانه أتاه من ذلك ~~الباب وقال اني لم أومن بل أومر بذلك فقال له وكأنك لا تعمل الا بأمر فقال ~~نعم فقال حمدان وبأمر من تعمل قال بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخره ~~قال ذلك هو رب العالمين قال صدقت ولكن الله يهب ملكه من يشاء قال وما غرضك ~~في البقعة التي انت متوجه اليها قال أمرت ان ادعوا اهلها من الجهل إلى العلم # ومن الضلال إلى الهدى ومن الشقاوة إلى السعادة # وان استنقذتم من ورطات الذل والفقر واملكهم بما يستغنون به عن الكد ~~والتعب فقال له حمدان أنقذنى انقذك الله وافض على من العلم ما تحييني به ~~فما اشد احتياجي لمثل ما ذكرت فقال له وما أمرت ان اخرج السر المكنون إلى ~~كل أحد الا بعد الثقة به والعهد اليه فقال فما عهدك فاذكره فإني ملتزم له # فقال ان تجعل لي وللامام عهد الله على نفسك وميثاقك الا تخرج سر الامام ~~الذي القيه اليك ولا تفشي سري أيضا فالتزم حمدان عهده # ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استدرجه واستغواه واستجاب له في ~~جميع ما ادعاه ثم انتدب للدعوة وصار اصلا من أصول هذه البدعة فسمى اتباعه ~~القرامطه # ومثال الثاني ما حكاه الله في قوله تعالى ) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ( الآيه وقوله ~~تعالى ) قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون ( # وحكى المسعودي انه كان في اعلى صعيد مصر رجل من القبط ممن يظهر PageV01P158 ~~"""" صفحة رقم 159 """" # دين النصرانية وكان يشار اليه بالعلم والفهم فبلغ خبره أحمد بن طولون ~~فاستحضره وسأله عن اشياء كثيرة من جملتها ms108 انه امر في بعض الأيام وقد احضر ~~مجلسه بعض اهل النظر ليسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية فسألوه عن ذلك # فقال دليلي على صحتها وجودي اياها متناقضة متنافية تدفعها العقول وتنفر ~~منها النفوس لتباينها وتضادها لا نظر يقويها ولا جدل يصححها ولا برهان ~~يعضدها من العقل والحس عند اهل التأمل فيها والفحص عنها # ورأيت مع ذلك أمما كثيرة وملوكا عظيمة ذوي معرفة وحسن سياسة وعقول راجحة ~~قد انقادوا اليها وتدينوا بها مع ما ذكرت من تناقضها في العقل فعلمت أنهم ~~لم يقبلوها ولا تدينوا بها الا بدلائل شاهدوها وآيات ومعجزات عرفوها اوجب ~~انقيادهم اليها والتدين بها # فقال له السائل وما التضاد الذي فيها فقال وهل يدرك ذلك أو تعلم غايته ~~منها قولهم بأن الثلاثة واحد وان الواحد ثلاثه # ووصفهم للأقانيم والجوهر وهو الثالوثي وهل الأقانيم في انفسها قادرة ~~عالمة أم لا وفي اتحاد ربهم القديم بالانسان المحدث وما جرى في ولادتة ~~وصلبه وقتله # وهل في التشنيع اكبر وافحش من اله صلب وبصق في وجهه ووضع على راسه اكليل ~~الشوك وضرب رأسه بالقضيب وسمرت قدماه ونخز بالأسنة والخشب جنباه وطلب الماء ~~فسقى الخل من بطيخ الحنظل فأمسكوا عن مناظرته لما قد اعطاهم من تناقض مذهبه ~~وفساده ا ه PageV01P159 ~~"""" صفحة رقم 160 """" # والشاهد من الحكاية الاعتماد على الشيوخ والآباء من عير برهان ولا دليل # القسم الثالث يتنوع ايضا وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصليه فلا يخلو ~~ان يكون ثم من هو اولى بالتقليد منه بناء على التسامع الجاري بين الخلق ~~بالنسبة إلى الجم الغفير اليه في أمور دينهم من عالم وغيره وتعظيمهم له ~~بخلاف الغير # اولا يكون ثم من هو اولى منه لكنه ليس في اقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ~~ما يبلغ تلك الرتبة فان كان هناك منتصبون فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم فهو ~~آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع اليه بل تركه ورضى لنفسه بأخسر الصفقتين ~~فهو غير معذور اذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين ms109 في حكم الظاهر فعمل ~~بالبدعة وهو يظن انه على الصراط المستقيم # وهذا حال من بعث فيهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإنهم تركوا ~~دينهم الحق ورجعوا إلى باطل آبائهم # ولم ينظروا نظر المستبصر حتى لم يفرقوا بين الطريقين وغطى الهوى على ~~عقولهم دون ان يبصروا الطريق فكذلك اهل هذا النوع # وقل ما تجد من هذه صفته الا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد PageV01P160 ~~"""" صفحة رقم 161 """" # خرج البغوي عن أبي الطفيل الكناني ان رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فأتى به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فدعا له ~~بالبركه وأخذ بجبهته فنبتت شعرة بجبهته كأنها سلفة فرس # قال فشب الغلام فلما كان زمن الخوارج اجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته فأخذه ~~ابوه فقيده وحبسه مخافة ان يلحق بهم أحد قال فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له ~~الم تر بركة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقعت قال فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم # قال فرد الله عز وجل الشعرة في جبهته اذ تاب # وإن ولم يكن هناك منتصبون إلى هذا المقلد الخامل بين الناس مع انه قد نصب ~~نفسه منصب المستحقين ففي تأثيمه نظر # ويحتمل ان يقال فيه إنه آثم ونظيره مسألة اهل الفترات العاملين تبعا ~~لآبائهم واستنامة لما عليه اهل عصرهم من عبادة غير الله وما اشبه ذلك # لان العلماء يقولون في حكمهم انهم على قسمين قسم غابت عليه الشريعة ولم ~~يدر ما يتقرب به إلى الله تعالى فوقف عن العمل بكل ما يتوهمه العقل انه ~~يقرب إلى الله ورأى ما اهل عصره عاملون به مما ليس لهم فيه مستند الا ~~استحسانهم فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه # وهؤلاء هم الداخلون حقيقة تحت عموم الآية الكريمه ) وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا ( # وقسم لابس ما عليه اهل عصره من عبادة غير الله والتحريم والتحليل بالرأي ~~ووافقوهم في اعتقاد ما اعتقدوه من الباطل # فهؤلاء نص العلماء على انهم غير معذورين مشاركون لأهل عصرهم في ms110 المؤاخذه ~~لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة فصار من اهلها # فكذلك ما نحن في الكلام عليه اذ لا فرق بينهما PageV01P161 ~~"""" صفحة رقم 162 """" # ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول كيفما كان لا يعذب أحد الا بعد الرسل ~~وعدم القبول منهم # وهذا ان ثبت قولا هكذا فنظيره في مسألتنا ان يأتي عالم اعلم من ذلك ~~المنتصب يبين السنة من البدعة فإن راجعه هذا المقلد في احكام دينه ولم ~~يقتصر على الاول فقد اخذ بالاحتياط الذي هو شأن العقلاء ورجاء السلامه # وان اقتصر على الاول ظهر عناده لأنه مع هذا الفرض لم يرض بهذا الطارئ ~~واذا لم يرضه كان ذلك لهوى داخله وتعصب جرى في قلبه مجرى الكلب في صاحبه # وهو اذا بلغ هذا المبلغ لم يبعد ان ينتصر لمذهب صاحبه ويستدل عليه بأقصى ~~ما يقدر عليه في عموميته وحكمه قد تقدم في القسم قبله # فأنت ترى صاحب الشريعة ( صلى الله عليه وسلم ) حين بعث إلى اصحاب اهواء ~~وبدع وقد استندوا إلى آبائهم وعظمائهم فيها وردوا ما جاء به النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وغطى على قلوبهم رين الهوى حتى التبست عليهم المعجزات ~~بغيرها كيف صارت شريعته ( صلى الله عليه وسلم ) حجة عليهم على الاطلاق ~~والعموم وصار الميت منهم مسوقا إلى النار على العموم من غير تفرقة بين ~~المعاند صراحا وغيره وما ذاك الا لقيام الحجة عليهم بمجرد بعثته وارساله ~~لهم مبينا للحق الذي خالفوه # فمسألتنا شبيهة بذلك فمن اخذ بالحزم فقد استبرأ لدينه ومن تابع الهوى خيف ~~عليه الهلاك وحسبنا الله # فصل # ولنزد هذا الموضع شيئا من البيان فإنه اكيد لانه تحقيق مناط الكتاب وما ~~احتوى عليه من المسائل # فنقول وبالله التوفيق ان لفظ اهل الاهواء وعبارة اهل البدع انما تطلق ~~حقيقة على الذين ابتدعوها وقدموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها ~~والاستدلال على PageV01P162 ~~"""" صفحة رقم 163 """" # صحتها في زعمهم حتى عد خلافهم خلافا وشبههم منظورا فيها ومحتاجا إلى ردها ~~والجواب عنها # كما نقول في القاب الفرق من ms111 المعتزلة والقدرية والمرجئه والخوارج ~~والباطنية ومن اشبههم بأنها القاب لمن قام بتلك النحل ما بين مستنبط لها ~~وناصر لها وذاب عنها كلفظ اهل السنة انما يطلق على ناصريها وعلى من استنبط ~~على وفقها والحامين لذمارها # ويرشح ذلك ان قول الله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ( يشعر ~~بإطلاق اللفظ على من جعل ذلك الفعل الذي هو التفريق وليس إلا المخترع أو من ~~قام مقامه وكذلك قوله تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ( وقوله ~~تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ( فإن اتباع ~~المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد لا بغير # وكذلك قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حتى اذا لم يبق عالم اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم لانهم قاموا انفسهم مقام المستنبط ~~للاحكام الشرعية المقتدى به فيها # بخلاف العوام فإنهم متبعون لما تقرر عند علمائهم لأنه فرضهم فليسوا ~~بمتبعين للمتشابه حقيقة ولاهم متبعون للهوى # وانما يتبعون ما يقال لهم كائنا ما كان فلا يطلق على العوام لفظ اهل ~~الاهواء حتى يخوضوا بأنظارهم فيها ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا # وعند ذلك يتعين للفظ اهل الاهواء واهل البدع مدلول واحد وهو ان من انتصب ~~للابتداع ولترجيحه PageV01P163 ~~"""" صفحة رقم 164 """" # على غيره # واما اهل الغفله عن ذلك والسالكون سبل رؤسائهم بمجرد التقليد من غير نظر فلا # فحقيقة المسألة انها تحتوي على قسمين مبتدع ومقتد به فالمقتدى به كأنه لم ~~يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء لانه في حكم المتبع والمبتدع هو المخترع # أو المستدل على صحة ذلك الاختراع وسواء علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل ~~الخاص بالنظر في العلم أو كان من قبيل الاستدلال العامي فإن الله سبحانه ذم ~~اقواما قالوا ) إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ( فكأنهم ~~استدلوا إلى دليل جملي وهو الاباء اذا كانوا عندهم من اهل العقل وقد كانوا ~~على هذا الدين وليس الا لانه صواب فنحن عليه لانه لو كان خطأ لما ذهبوا اليه # وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل ms112 الشيوخ ومن يشار اليه بالصلاح ولا ~~ينظر إلى كونه من اهل الاجتهاد في الشريعة أو من اهل التقليد ولا كونه يعمل ~~بعلم أو بجهل # ولكن مثل هذا يعد استدلالا في الجملة من حيث جعل عمدة في اتباع الهوى ~~واطراح ما سواه # فمن أخذ به فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله ودخل في مسمى اهل الابتداع اذ كان ~~من حق من كان هذا سبيله ان ينظر في الحق ان جاءه ويبحث ويتأنى ويسأل حتى ~~يتبين له فيتبعه أو الباطل فيجتنبه ولذلك قال تعالى ردا على المحتجين بما ~~تقدم ) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ( PageV01P164 ~~"""" صفحة رقم 165 """" # ) وفي الاية الاخرى ) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا ( فقال تعالى ) أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون ( وفي الاية الأخرى ) أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ( ~~وامثال ذلك كثير # وعلامة من هذا شأنه ان يرد خلاف مذهبه بما عليه من شبهة دليل تفصيلي أو ~~اجمالي ويتعصب لما هو عليه غير ملتفت إلى غيره وهو عين اتباع الهوى # فهو المذموم حقا وعليه يحصل الإثم فان من كان مسترشدا مال إلى الحق حيث ~~وجده ولم يرده وهو المعتاد في طالب الحق # ولذلك بادر المحققون إلى اتباع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين ~~تبين لهم الحق # فان لم يجد سوى ما تقدم له من البدعة ولم يدخل مع المتعاصيين لكنه عمل ~~بها فان قلنا ان اهل الفترة معذبون على الاطلاق اذا اتبعوا من اخترع منهم ~~فالمتبعون للمبتدع اذا لم يجدوا محقا مؤاخذون ايضا # وان قلنا لا يعذبون حتى يبعث لهم الرسول وان عملوا بالكفر فهؤلاء لا ~~يؤاخذون ما لم يكن فيه محق فاذ ذاك يؤاخذون من حيث انهم معه بين أحد أمرين ~~اما ان يتبعوه على طريق الحق فيتركوا ما هم عليه وإماء ان لا يتبعوه فلا بد ~~من عناد ما وتعصب فيدخلون اذ ذاك تحت عبارة اهل الاهواء فيأثمون PageV01P165 ~~"""" صفحة رقم 166 """" # وكل ms113 من اتبع بيان سمعان في بدعته التي استمرت عند العلماء مقلدا فيها على ~~حكم الرضاء بها ورد ما سواها فهو في الاثم مع من اتبع فقد زعم ان معبوده في ~~صورة الانسان وانه يهلك كله الا وجه ثم زعم ان روح الإله حل في على # ثم في فلان ثم في بيان نفسه # وكذلك من اتبع المغيرة بن سعد العجلي الذي ادعى النبوة مدة وزعم انه يحي ~~الموتى بالاسم الاعظم وان لمعبوده اعضاء على حروف الهجاء على كيفية يشمئز ~~منها قلب المؤمن إلى الحادات أخر # وكذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب اليه كثير من بدع المغرب فهو في ~~الاثم والتسمية مع من اتبع اذا انتصب ناصرا لها ومحتجا عليها # وقانا الله شر التعصب على غير بصيرة من الحق بفضله ورحمته PageV01P166 ~~"""" صفحة رقم 167 """" # فصل # اذا ثبت ان المبتدع آثم فليس الاثم الواقع عليه على رتبة واحدة بل هو على ~~مراتب مختلفة من جهة كون صاحبها مستترا بها أو معلنا ومن جهة كون البدعة ~~حقيقية أو اضافية ومن جهة كونها بينة أو مشكلة ومن جهة كونها كفرا أو غير ~~كفر ومن جهة الاصرار عليها أو عدمه إلى غير ذلك من الوجوه التي يقطع معها ~~بالتفاوت في عظم الإثم وعدمه أو يغلب على الظن # وهذا المعنى وان لم يخف على العالم بالاصول فلا يترك التنبيه على وجه ~~التفاوت بقول جملي فهو الاولى في هذا المقام # فأما الاختلاف من جهة كون صاحبها مدعيا للاجتهاد أو مقلدا فظاهر لان ~~الزيغ في قلب الناظر في المتشابهات ابتغاء تأويلها امكن منه في قلب المقلد ~~وان ادعى النظر ايضا لان المقلد الناظر لا بد من استناده إلى مقلده في بعض ~~الأصول التي يبنى عليها # أو المقلد قد انفرد بها دونه فهو آخذ بحظ ما لم يأخذ فيه الآخر الا ان ~~يكون هذا المقلد ناظرا لنفسه فحينئذ لا يدعى رتبة التقليد فصار في درجة ~~الاول وزاد عليه الاول بأنه اول من سن تلك السنة السيئة فيكون عليه وزرها ~~ووزر ms114 من عمل بها # وهذا الثاني من عمل بها فيكون على الاول من اثمه ما عينه الحديث الصحيح ~~فوزره اعظم على كل تقدير والثاني دونه لانه ان نظر وعاند الحق واحتج لرأيه ~~فليس له الا ادله جملية لا تفصيلية # والفرق بينهما ظاهر فان الادله التفصيلية ابلغ في الاحتجاج على PageV01P167 ~~"""" صفحة رقم 168 """" # عين المسألة من الادلة الجميلة فتكون المبالغة في الوزر بمقدار المبالغة ~~في الاستدلال واما الاختلاف من جهة وقوعها في الضروريات أو غيرها فالإشارة ~~اليه ستأتي عند التكلم على احكام البدع # واما الاختلاف من جهة الاسرار والإعلان فظاهر ان المسر بها ضرره مقصور ~~عليه لا يتعداه إلى غيره فعلى أي صورة فرضت البدعة من كونها كبيرة أو صغيرة ~~أو مكروهة هي باقية على اصل حكمها # فإذا اعلن بها وان لم يدع اليها فإعلانه بها ذريعة إلى الاقتداء به # وسيأتي بحول الله ان الذريعة قد تجري مجرى المتذرع اليه أو تفارقه فانظم ~~إلى وزر العمل بها وزر نصبها لمن يقتدي به فيها والوزر في ذلك اعظم بلا اشكال # ومثاله ما حكى الطرطوشي في اصل القيام ليلة النصف من شعبان عن أبي محمد ~~المقدسي # قال لم يكن عندنا ببيت المقدس صلاة الرغائب هذه التي تصلى في PageV01P168 ~~"""" صفحة رقم 169 """" # رجب وشعبان # واول ما احدثت عندنا في سنة ثمان واربعين واربعمائة قدم علينا رجل في بيت ~~المقدس يعرف بابن أبي الحمراء وكان حسن التلاوة فقام فصلى في المسجد الاقصى ~~ليلة النصف من شعبان فاحرم خلفه رجل ثم انضاف اليهما ثالث ورابع فما ختمها ~~الا وهو في جماعة كبيرة # ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير وشاعت في المسجد وانتشرت ~~الصلاة في المسجد الاقصى وبيوت الناس ومنازلهم ثم استمرت كأنها سنة إلى ~~يومنا هذا # فقلت له فرأيتك تصليها في جماعة # فقال نعم واستغفر الله منها # واما الاختلاف من جهة الدعوة اليها وعدمها فظاهر ايضا لان غير الداعى وان ~~كان عرضة بالاقتداء فقد لا يقتدي به ويختلف الناس في توفر دواعيهم على ~~الاقتداء ms115 به اذ قد يكون خامل الذكر وقد يكون مشتهرا ولا يقتدى به لشهرة من ~~هو اعظم عند الناس منزلة منه # واما الداعي اذا دعا اليها فمظنة الاقتداء اقوى واظهر ولا سيما المبتدع ~~اللسن الفصيح الاخذ بمجامع القلوب اذا اخذ في الترغيب والترهيب وادلى ~~بشبهته التي تداخل القلب بزخرفها كما كان معبد الجهني يدعو الناس إلى ما هو ~~عليه من القول بالقدر ويلوي بلسانه نسبته إلى الحسن البصري # فروى عن سفيان بن عيينة ان عمرو بن عبيد سئل عن مسألة فأجاب فيها وقال هو ~~من رأي الحسن فقال له رجل انهم يروون عن الحسن خلاف هذا # فقال انما قلت لك هذا من رأيي الحسن يريد نفسه PageV01P169 ~~"""" صفحة رقم 170 """" # وقال محمد بن عبد الله الانصاري كان عمرو بن عبيد اذا سئل عن شيء قال هذا ~~من قول الحسن فيوهم انه الحسن بن أبي الحسن وانما هو قوله # واما الاختلاف من جهة كونه خارجا على اهل السنة أو غير خارج فلأن غير ~~الخارج لم يزد على الدعوة مفسدة أخرى يترتب عليها اثم والخارج زاد الخروج ~~على الأئمة وهو موجب للقتل والسعي في الأرض بالفساد وإثارة الفتن والحروب ~~إلى حصول العداوة والبغضاء بين أولئك الفرق فله من الإثم العظيم اوفر حظ # ومثاله قصة الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى لله عليه وسلم يقتلون ~~اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميه ~~وأخبارهم شهيرة # وقد لا يخرجون هذ الخروج بل يقتصرون على الدعوة لكن على وجه ادعى إلى ~~الاجابة لان فيه نوعا من الإكراه والإخافة فلا هو مجرد دعوة ولا هو شق ~~العصا من كل وجه # وذلك ان يستعين على دعوة بأولي الامر من الولاة والسلاطين فإن الاقتداء ~~هنا اقوى بسبب خوف الولاة في الايقاع بالابى سجنا أو ضربا أو قتلا كما اتفق ~~لبشر المريسي في زمن المأمون ولاحمد بن ابي PageV01P170 ~~"""" صفحة رقم 171 """" # دؤاد في خلافة الواثق وكما اتفق لعلماء المالكية بالاندلس اذ صارت ~~ولايتها للمهديين فمزقوا ms116 كتب المالكية وسموها كتب الرأي ونكلوا بجملة من ~~الفضلاء بسبب اخذهم في الشريعة بمذهب مالك # وكانوا هم مرتكبين للظاهرية المحضة التي هي عند العلماء بدعة ظهرت بعد ~~المائتين من الهجرة # ويا ليتهم وافقوا مذهب داود واصحابه لكنهم تعدوا ذلك إلى ان قالوا برأيهم ~~ووضعوا للناس مذاهب لا عهد لهم بها في الشريعه وحملوهم عليها طوعا أو كرها ~~حتى عم داؤها في الناس وثبتت زمانا طويلا ثم ذهب منها جملة وبقيت أخرى إلى اليوم # ولعل الزمان يتسع إلى ذكر جملة منها في اثناء الكتاب بحول الله # فهذا الوجه الوزر فيه اعظم من مجرد الدعوة من وجهين الاول الإخافة ~~والاكراه بالاسلام والقتل والاخر كثرة الداخلين في الدعوة لان الأعذار ~~والإنذار الاخروي قد لا يقوم له كثير من النفوس بخلاف الدنيوي # ولأجل ذلك شرعت الحدود والزواجر في الشرع وان الله ليزع بالسلطان ما ~~لايزعه بالقرآن فالمبتدع اذا لم ينتصر بإجابة دعوته بمجرد الاعذار والانذار ~~الذي يعظ به حاول الانتهاض بأولي الامر ليكون ذلك أحرى بالاجابه # واما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو اضافية فان الحقيقية اعظم ~~وزرا لانها التي باشرها المنتهى بغير واسطة ولانها مخالفة محضة وخروج عن ~~السنة ظاهر كالقول بالقدر والتحسين والتقبيح والقول بانكار خبر الواحد ~~وانكار الاجماع وانكار تحريم الخمر والقول بالامام المعصوم وما اشبه ذلك PageV01P171 ~~"""" صفحة رقم 172 """" # فاذا فرضت اضافية فمعنى الاضافيه انها مشروعة من وجه ورأى مجرد من وجه # إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض احوالها فلم تناف الادلة من كل وجه # هذا وان كانت تجري مجرى الحقيقة ولكن الفرق بينهما ظاهر كما سيأتي ان شاء الله # وبحسب ذلك الاختلاف يختلف الوزر # ومثاله جعل المصاحف في المساجد للقراءة آخر صلاة الصبح بدعة # قال مالك أول من جعل مصحفا الحجاج بن يوسف # يريد انه اول من رتب القراءة في المصحف اثر صلاة الصبح في المسجد # قال ابن رشد مثل ما يصنع عندنا إلى اليوم # فهذه محدثة اعنى وضعه في المسجد لان القراءة في المسجد مشروع ms117 في الجملة ~~معمول به الا ان تخصيص المسجد بالقراءة على ذلك الوجه المحدث ومثله وضع ~~المصاحف في زماننا للقراءة يوم الجمعة وتحبيسها على ذلك القصد # واما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأخذ أو مشكلة فلأن الظاهر عند ~~الإقدام عليها محض مخالفة فإن كانت مشكلة فليست بمحض مخالفة لإمكان ان لا ~~تكون بدعة والإقدام على المحتمل اخفض رتبة من الإقدام على الظاهر ولذلك عد ~~العلماء ترك المتشابه من قبيل المندوب اليه في الجمله # ونبه الحديث PageV01P172 ~~"""" صفحة رقم 173 """" # على ان ترك المتشابه لئلا يقع في الحرام فهو حمى له وان راتع المتشابه ~~راتع في الحرام وليس ترك الحرام في الجملة من قبيل المندوب بل من قبيل ~~الواجب فكذلك حكم الفعل المشتبه في البدعة فالتفاوت بينهما بين # وان قلنا ان ترك المتشابه من باب المندوب وان مواقعته من باب المكروه ~~فالاختلاف ايضا واقع من هذه الجهة فإن الإثم في المحرمة هو الظاهر # واما المكروهة فلا اثم فيها في الجملة ما لم يقترن بها ما يوجبها ~~كالإصرار عليها إذ الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة فكذلك الاصرار على ~~المكروه فقد يصيره صغيرة ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة في مطلق التأثيم وان ~~حصل الفرق من جهة أخرى # بخلاف المكروه مع الصغيرة والشأن في البدع وان كانت مكروهة في الدوام ~~عليها واظهارها من المقتدى بهم في مجامع الناس وفي المساجد # فقلما تقدم بل تقع منهم على اصلها من الكراهية الا ويقترن بها ما يدخلها ~~في مطلق التأثيم من اصرار وتعليم أو اشاعة أو تعصب أو ما اشبه ذلك # فلا يكاد يوجد في البدع بحسب الوقوع مكروه لا زائد فيه على الكراهية ~~والله اعلم PageV01P173 ~~"""" صفحة رقم 174 """" # واما الاختلاف بحسب الاصرار عليها أو عدمه فلأن الذنب قد يكون صغيرا ~~فيعظم بالاصرار عليه # كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإصرار عليها # فإذا كانت فلتة فهي اهون منها اذا داوم عليها # ويلحق بهذا المعنى اذا تهاون بها المبتدع وسهل امرها نظير الذنب اذا ~~تهاون به فالمتهاون اعظم وزرا من غيره ms118 # واما الاختلاف من جهة كونها كفرا وعدمه فظاهر ايضا لان ما هو كفر جزاؤه ~~التخليد في العذاب عافانا الله وليس كذلك ما لم يبلغ حكم سائر الكبائر مع ~~الكفر في المعاصي فلا بدعة اعظم وزرا من بدعة تخرج عن الاسلام كما انه لا ~~ذنب أعظم من ذنب يخرج عن الاسلام فبدعة الباطنية والزنادقة ليست كبدعة ~~المعتزلة والمرجئة واشباههم ووجوه التفاوت كثيرة ولظهورها عند العلماء لم ~~نبسط الكلام عليها # والله المستعان بفضله # فصل # ويتعلق بهذ الفصل امر آخر وهو الحكم في القيام على اهل البدع من الخاصة ~~أو العامة وهذا باب كبير في الفقه تعلق بهم من جهة جنايتهم على الدين ~~وفسادهم في الأرض # وخروجهم عن جادة الاسلام إلى بنيات الطريق التي نبه عليها قول الله تعالى ~~) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( ~~وهو فصل من تمام الكلام على التأثيم # لكنه مفتقر إلى النظر في شعب كثيرة منها ما تكلم عليه العلماء ومنها ما ~~لم يتكلموا عليه لان ذلك حدث بعد موت المجتهدين واهل الحماية للدين فهو باب ~~يكثر التفريع فيه بحيث يستدعي تأليفا مستقلا فرأينا ان بسط ذلك يطول مع ان ~~العناء فيه قليل الجدوى في هذه الازمنة المتأخرة لتكاسل الخاصة عن النظر ~~فيما يصلح العامة وغلبة الجهل على العامة حتى انهم لا يفرقون بين السنة ~~والبدعة PageV01P174 ~~"""" صفحة رقم 175 """" # بل قد انقلب الحال إلى ان عادت السنة بدعة فقاموا في غير موضع القيام ~~واستقاموا إلى غير مستقام فعم الداء وعدم الاطباء حسبما جاءت به الاخبار ~~فرأينا ان لا نفرد هذا المعنى بباب يخصه وان لا نبسط القول فيه وان نقتصر ~~من ذلك على لمحة تكون خاتمة لهذا الباب في الاشارة إلى انواع الاحكام التي ~~يقام عليهم بها في الجملة لا في التفصيل وبالله التوفيق # فنقول ان القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الابعاد أو ~~الانكار هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين أم ~~لا وكون صاحبها ms119 مشتهرا بها أو لا وداعيا اليها أو لا ومستظهرا بالاتباع ~~وخارجا عن الناس أو لا وكونه عاملا بها على جهة الجهل أو لا # وكل من هذه الاقسام له حكم اجتهادي يخصه اذ لم يأت في الشرع في البدعه حد ~~لا يزاد عليه ولا ينقص منه كما جاء في كثير من المعاصي كالسرقة والحرابة ~~والقتل والقذف والجراح والخمر وغير ذلك # لا جرم ان المجتهدين من الامة نظروا فيها بحسب النوازل وحكموا باجتهاد ~~الرأي تفريعا على ما تقدم لهم في بعضها من النص كما جاء في الخوارج من ~~الاثر بقتلهم وما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صبيغ العراقى # فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء انواع احدها الارشاد والتعليم واقامة ~~الحجة كمسألة ابن عباس رضي الله عنه حين ذهب إلى الخوارج فكلمهم حتى رجع ~~منهم ألفان أو ثلاثة آلاف # والثاني الهجران وترك الكلام والسلام حسبما تقدم عن جملة من السلف في ~~هجرانهم لمن تلبس ببدعة وما جاء عن عمر رضي الله عنه من قصة صبيغ العراقي # والثالث كما غرب عمر صبيغا ويجري مجراه السجن وهو # الرابع كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة PageV01P175 ~~"""" صفحة رقم 176 """" # والخامس ذكرهم بما هم عليه واشاعة بدعتهم كي يحذروا ولئلا يغتر بكلامهم ~~كما جاء عن كثير من السلف في ذلك # والسادس القتال اذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم كما قاتل علي رضي الله ~~عنه الخوارج وغيره من خلفاء السنة # والسابع القتل ان لم يرجعوا مع الاستتابة وهو قد اظهر بدعته واما من ~~اسرها وكانت كفرا أو ما يرجع اليه فالقتل بلا استتابة وهو الثامن لانه من ~~باب النفاق كالزنادقة # والتاسع تكفير من دل الدليل على كفره كما اذا كانت البدعة صريحة في الكفر ~~كالإباحية والقائلين بالحلول كالباطنية أو كانت المسألة في باب التكفير ~~بالمآل فذهب المجتهد إلى التكفير كابن الطيب في تكفيره جملة من الفرق ~~وينبني على ذلك # الوجه العاشر وذلك انه لا يرثهم ورثتهم من المسلمين ولا يرثون احدا منهم ~~ولا يغسلون ms120 اذا ماتوا ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين ما لم ~~يكن المستتر فان المستتر يحكم له بحكم الظاهر ورثته اعرف بالنسبة إلى ~~الميراث # والحادي عشر الامر بأن لا يناكحوا وهو من ناحية الهجران وعدم المواصلة # والثاني عشر تجريحهم على الجملة فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم ولا يكونون ~~ولاة ولا قضاة ولا ينصبون في مناصب العدالة من امامة أو خطابة PageV01P176 ~~"""" صفحة رقم 177 """" # إلا انه قد ثبت عن جملة من السلف رواية جماعة منهم واختلفوا في الصلاة ~~خلفهم من باب الادب ليرجعوا عما هم عليه # والثالث عشر ترك عيادة مرضاهم وهو من باب الزجر والعقوبة # والرابع عشر ترك شهود جنائزهم كذلك # والخامس عشر الضرب كما ضرب عمر رضي الله عنه صبيغا # وروى عن مالك رضي الله عنه في القائل بالمخلوق أنه يوجع ضربا ويسجن حتى يموت # ورأيت في بعض تواريخ بغداد عن الشافعي انه قال حكم في أصحاب الكلام ان ~~يضربوا بالجرائد ويحملوا على الابل ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال ~~هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واخذ في الكلام يعني اهل البدع # فصل # فان قيل كيف هذا وقد ثبت في الشريعة ما يدل على تخصيص تلك العمومات ~~وتقييد تلك المطلقات وفرع العلماء منها كثيرا من المسائل واصلوا منها أصولا ~~يحتذى حذوها على وفق ما ثبت نقله اذ الظواهر تخرج على مقتضى ظهورها ~~بالاجتهاد وبالحرى إن كان ما يستنبط بالاجتهاد مقيسا على محل التخصيص # فلذلك قسم الناس البدع ولم يقولوا بذمها على الاطلاق # وحاصل ما ذكروا من ذلك يرجع إلى أوجه PageV01P177 ~~"""" صفحة رقم 178 """" # احدها ما في الصحيح من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) من سن سنة حسنه كان ~~له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن سن سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من اوزارهم شيئا # وأخرج الترمذي وصححه ان رسول الله صلى لله عليه وسلم قال من دل على خير ~~فله أجر فاعله # وخرج ايضا عن ms121 جرير بن عبد الله قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من ~~أجورهم شيئا ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزرهم ومثل اوزار من اتبعه ~~غير منقوص من اوزارهم شيئا حسن صحيح # فهذه الاحاديث صريحة في ان من سن سنة خير فذلك خير ودل على انه فيمن ~~ابتدع من سن فنسب الاستنان إلى المكلف دون الشارع ولو كان المرد من عمل سنة ~~ثابته في الشرع لما قال من سن ويدل على ذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ما ~~من نفس تقتل ظلما الا كان على ابن آدم كفل من دمها لأنه أول من سن القتل ~~فسن هاهنا على حقيقة لأنه اختراع لم يكن قبل معمولا به في الأرض بعد وجود ~~آدم عليه السلام # فكذلك قوله من سن سنة حسنة أي من اخترعها من نفسه لكن بشرط ان تكون حسنة ~~فله من الاجر ما ذكر فليس المراد من عمل سنة ثابتة # وانما العبارة عن هذا المعنى ان يقال من عمل بسنتي أو سنة من سنتي وما ~~اشبه ذلك # كما خرج الترمذي ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لبلال بن الحارث PageV01P178 ~~"""" صفحة رقم 179 """" # اعلم قال اعلم يا رسول الله قال اعلم يا بلال قال اعلم يا رسول الله قال ~~انه من احيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فان له من الاجر مثل من عمل بها من ~~غير ان ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى الله ورسوله ~~كان عليه مثل إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا حديث حسن # وعن انس رضي الله عنه قال قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا ~~بني ان قدرت ان تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لآحد فافعل ثم قال لي يا بني ~~وذلك من سنتي ومن احيا سنتي فقد احبني ومن احبني كان معي في ms122 الجنه حديث حسن # فقوله من احيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي واضح في العمل بما ثبت انه سنة ~~وكذلك قوله من أحيا سنتي فقد احبني ظاهر في السنن الثابتة بخلاف قوله من سن ~~كذا فإنه ظاهر في الاخترع اولا من غير ان يكون ثابتا في السنة # واما قوله لبلال بن الحارث ومن ابتدع بدعة ضلالة فظاهر ان البدعة لا تذم ~~بإطلاق بل بشرط ان تكون ضلالة وان تكون لا يرضاها الله ورسوله فاقتضى هذا ~~كله ان البدعة اذا لم تكن كذلك لم يلحقها ذم ولا تبع صاحبها وزر فعادت إلى ~~انها سنة حسنة ودخلت تحت الوعد بالاجر # والثاني ان السلف الصالح رضي الله عنهم واعلاهم الصحابة قد عملوا بما لم ~~يأت به كتاب ولا سنة مما رأوه حسنا واجمعوا عليه ولا تجتمع أمة محمد ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على ضلالة وانما يجتمعون على هذا وما هو حسن PageV01P179 ~~"""" صفحة رقم 180 """" # فقد اجمعوا على جمع القرآن وكتبه في المصاحف وعلى جمع الناس على المصاحف ~~العثمانية واطراح ما سوى ذلك من القراءات التي كانت مستعملة في زمان رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكن في ذلك نص ولا حظر ثم اقتفى الناس ~~اثرهم في ذلك الرأي الحسن فجمعوا العلم ودونوه وكتبوه ومن سباقهم في ذلك ~~مالك بن انس رضي الله عنه وقد كان من اشدهم اتباعا وابعدهم من الابتداع # هذا وان كان قد نقل عنهم كراهية كتب العلم من الحديث وغيره فانما هو ~~محمول اما على الخوف من الاتكال على الكتب استغناء به عن الحفظ والتحصيل ~~واما على ما كان رأيا دون ما كان نقلا من كتاب أو سنة # ثم اتفق الناس بعد ذلك على تدوين الجميع لما ضعف الامر وقل المجتهدون في ~~التحصيل فخافوا على الدين جملة # قال اللخمي لما ذكر كلام مالك وغيره في كراهية بيع كتب العلم والإجارة ~~على تعليمه وخرج عليه الإجارة على كتبه وحكى الخلاف وقال لا ارى اليوم ان ~~يختلف في ذلك انه جائز ms123 لان حفظ الناس وافهامهم قد نقصت وقد كان كثير ممن ~~تقدم ليست لهم كتب # قال مالك ولم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب وما كنت أقرأ على أحد يكتب في هذه ~~الالواح ولقد قلت لابن شهاب اكنت تكتب العلم فقال لا فقلت اكنت تحب القيدوا ~~عليك الحديث فقال لا فهذا كان شأن الناس فلو سار الناس سيرتهم لضاع العلم ~~ولم يكن بينا منه ولو رسمه أو اسمه وهذا الناس اليوم يقرءون كتبهم ثم هم في ~~التقصير على ما هم عليه PageV01P180 ~~"""" صفحة رقم 181 """" # وايضا فإنه لا خلاف عندنا في مسائل الفروع ان القول فيها بالاجتهاد ~~والقياس واجب واذا كان كذلك كان اهمال كتبها وبيعها يؤدي إلى التقصير في ~~الاجتهاد وان لا يوضع مواضعه لان في معرفة اقوال المتقدمين والترجيح بين ~~اقاويلهم قوة وزيادة في وضع الاجتهاد مواضعه # انتهى ما قاله اللخمي وفي اجازة العمل بما لم يكن عليه من تقدم لان له ~~وجها صحيحا فكذلك نقول كل ما كان من المحدثات له وجه صحيح فليس بمذموم بل ~~هو محمود وصاحبه الذي سنه ممدوح فأين ذمها باطلاق أو على العموم وقد قال ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور # فأجاز كما ترى احداث الاقضيه واختراعها على قدر اختراع الفجار للفجور وان ~~لم يكن لتلك المحدثات اصل وقتل الجماعة بالواحد وهو محكي عن عمر وعلي وابن ~~عباس والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم # واخذ مالك واصحابه بقول الميت دمى عند فلان ولم يأت له في الموطإ بأصل ~~سماعي وانما علل بأمر مصطلحي وفي مذهبه من ذلك مسائل كثيرة فإن كان ذلك ~~جائزا مع انه مخترع فلم لا يجوز مثله وقد اجتمعا في العلة لان الجميع مصالح ~~معتبرة في الجملة وان لم يكن شيء من ذلك جائزا فلم اجتمعوا على جملة وفرع ~~غيرهم على بعضها ولا يبقى الا ان يقال إنهم يتابعون على ما عمل هؤلاء دون ~~غيرهم وإن اجتمعا في العلة المسوغة للقياس وعند ذلك ms124 يصير الاقتصار تحكما ~~وهو باطل فما ادى اليه مثله فثبت ان البدع تنقسم فالجواب وبالله التوفيق أن نقول # اما الوجه الاول وهو قوله ( صلى الله عليه وسلم ) من سن سنة حسنة PageV01P181 ~~"""" صفحة رقم 182 """" # الحديث ليس المراد به الاختراع البتة والا لزم من ذلك التعارض بين الادله ~~القطعية ان زعم مورد السؤال ان ما ذكره من الدليل مقطوع به فإن زعم انه ~~مظنون فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوع به فيلزم التعارض بين القطعى ~~والظني والاتفاق من المحققين ولكن فيه من وجهين # احدهما انه يقال انه من قبيل المتعارضين اذ تقدم اولا ان ادلة الذم تكرر ~~عمومها في احاديث كثيره من غير تخصيص واذا تعارضت ادلة العموم والتخصيص لم ~~يقبل بعد ذلك التخصيص # والثاني على التنزيل لفقد التعارض فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى ~~الاختراع وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين ~~احدهما ان السبب الذي جاء لاجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما في ~~الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو ~~العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر PageV01P182 ~~"""" صفحة رقم 183 """" # فقمص وجه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما رآهم من الفاقة فدخل ثم ~~خرج فأمر بلالا فأذن واقام فصلى ثم خطب فقال ) يا أيها الناس اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس واحدة ( الآية والآية التي في سورة الحشر ) اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد ( تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره ~~من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة قال فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه ~~تعجز عنها بل قد عجزت # قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) يتهلل كأنه مذهبه فقال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من ms125 سن في الاسلام سنة حسنه فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ~~ان ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من ~~غير ان ينقص من اوزارهم شيء # فتأملوا اين قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من سن سنة سيئة تجدوا ~~ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على ابلغ ما يقدر عليه حتى بتلك الصره فانفتح ~~بسببه باب الصدقه على الوجه الأبلغ فسر بذلك رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حتى قال من سن في الاسلام سنة حسنة الحديث فدل على ان السنة ها هنا ~~مثل ما فعل ذلك الصحابي وهو العمل بما ثبت كونه سنة وان الحديث مطابق لقوله ~~في الحديث الآخر من احيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي الحديث إلى قوله ومن ~~ابتدع بدعة ضلالة فجعل مقابل تلك السنة الابتداع فظهر ان السنة الحسنة ليست ~~بمبتدعة وكذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن احيا سنتي فقد احبني PageV01P183 ~~"""" صفحة رقم 184 """" # ووجه ذلك في الحديث الاول ظاهر لانه ( صلى الله عليه وسلم ) لما مضى على ~~الصدقة اولا ثم جاء ذلك الانصاري بما جاء به فانثال بعده العطاء إلى ~~الكفاية فكأنها كانت سنة ايقظها رضي الله تعالى عنه بفعله # فليس معناه من اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة # ونحو هذا الحديث في رقائق ابن المبارك مما يوضح معناه عن حذيفة رضي الله ~~عنه قال قام سائل على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فسأل فسكت القوم # ثم ان رجلا اعطاه فأعطاه القوم فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~استن خيرا فاستن به فله اجره ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا ~~ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم ~~فإذا قوله من سن سنة معناه من عمل بسنة لا من اخترع سنة # والوجه الثاني من وجهي الجواب ان قوله من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة لا ms126 ~~يمكن حمله على الاختراع من اصل لان كونها حسنة أو سيئة لا يعرف الا من جهة ~~الشرع لان التحسين والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب جماعة ~~اهل السنة # وانما يقول به المبتدعة اعني التحسين والتقبيح بالعقل فلزم ان تكون السنة ~~في الحديث اما حسنه في الشرع واما قبيحة بالشرع فلا يصدق الا على مثل ~~الصدقة المذكورة وما اشبهها من السنن المشروعة # وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي ~~كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم حيث قال عليه السلام لانه اول من سن ~~القتل وعلى البدع لانه قد ثبت ذمها والنهي عنها بالشرع كما تقدم # واما قوله من ابتدع بدعة ضلالة فهو على ظاهره لان سبب الحديث لم يقيده ~~بشيء فلا بد من حمله على ظاهر اللفظ كالعمومات المبتدأة التي لم تثبت PageV01P184 ~~"""" صفحة رقم 185 """" # لها اسباب # ويصح ان يحمل على نحو ذلك قوله ومن سن سنة سيئه أي من اخترعها # وشمل ما كان منها مخترعا ابتداء من المعاصي كالقتل من أحد ابني آدم وما ~~كان مخترعا بحكم الحال اذ كانت قبل مهمله متناساة فأثارها عمل هذا العامل # فقد عاد الحديث والحمد لله حجة على أهل البدع من جهة لفظه وشرح الاحاديث ~~الأخر له # وانما يبقى النظر في قوله ومن ابتدع بدعة ضلالة وان تقييد البدعة ~~بالضلالة يفيد مفهوما والامر فيه قريب لان الإضافة فيه لم تفد مفهوما وان ~~قلنا بالمفهوم على رأي طائفة من اهل الأصول فان الدليل دل على تعطيله في ~~هذا الموضع كما دل دليل تحريم الربا قليله وكثيره على تعطيل المفهوم في قول ~~الله تعالى ) لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ( ولان الضلالة لازمة للبدعة ~~باطلاق بالأدلة المتقدمة فلا مفهوم ايضا # والجواب عن الإشكال الثاني ان جميع ما ذكر فيه من قبيل المصالح المرسلة ~~لا من قبيل البدعة المحدثة # والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم # فهي من الأصول الفقهية الثابته عند اهل الأصول وان كان ms127 فيها خلاف بينهم # ولكن لا يعد ذلك قدحا على ما نحن فيه # اما جمع المصحف وقصر الناس عليه فهو على الحقيقة من هذا الباب اذ انزل ~~القرآن على سبعة احرف كلها شاف كاف تسهيلا على العرب المختلفات اللغات ~~فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة الا انه عرض في اباحة ذلك بعد زمان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) فتح لباب الاختلاف في القرآن حيث اختلفوا PageV01P185 ~~"""" صفحة رقم 186 """" # في القراءة حسبما يأتي بحول الله تعالى فخاف الصحابة رضوان الله تعالى ~~عليهم اختلاف الامة في ينبوع الملة فقصورا الناس على ما ثبت منها في مصاحف ~~عثمان رضي الله عنه واطرحوا ما سوى ذلك علما بأن ما اطرحوه مضمن فيما ~~اثبتوه لانه من قبيل القراءات التي يؤدي بها القرآن # ثم ضبطوا ذلك بالروايه حين فسدت الألسنة ودخل في الاسلام اهل العجمة خوفا ~~من فتح باب آخر من الفساد وهو ان يدخل اهل الالحاد في القرآن أو في ~~القراءات ما ليس منها فيستعينوا بذلك في بث الحادهم الا ترى انه لما لم ~~يمكنهم الدخول من هذا الباب دخلوا من جهة التأويل والدعوى في معاني القرآن ~~حسبما يأتي ذكره ان شاء الله تعالى # فحق ما فعل اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأن له اصلا يشهد له ~~في الجمله # وهو الامر بتبليغ الشريعة وذلك لا خلاف فيه لقوله تعالى ) يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك ( وأمته مثله # وفي الحديث ليبلغ الشاهد منكم الغائب واشباهه والتبليغ كما لا يتقيد ~~بكيفية معلومه لانه من قبيل المعقول المعنى فيصح بأي شيء امكن من الحفظ ~~والتلقين والكتابه وغيرها كذلك لا يتقيد حفظه عن التحريف والزيغ بكيفية دون ~~أخرى اذا لم يعد على الاصل بابطال كمسألة المصحف ولذلك اجمع عليه السلف الصالح # واما ما سوى المصحف فالامر فيه اسهل فقد ثبت في السنة كتابة العلم # ففي الصحيح قوله ( صلى الله عليه وسلم ) اكتبوا لابي شاه وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه انه قال ليس أحد من ms128 اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~اكثر حديثا مني عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الا عبد الله بن عمرو ~~فإنه كان يكتب وكنت لا اكتب # وذكر اهل السير انه كان لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتاب يكتبون له PageV01P186 ~~"""" صفحة رقم 187 """" # الوحي وغيره منهم عثمان وعلي ومعاوية والمغيرة بن شعبة وابي بن كعب وزيد ~~ابن ثابت وغيرهم وايضا فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب الا به اذا ~~تعين لضعف الحفظ وخوف اندراس العلم كما خيف دروسه حينئذ وهو الذي نبه عليه ~~اللخمي فيما تقدم # وإنما كره المتقدمون كتب العلم لامر آخر لا لكونه بدعة فكل من سمى كتب ~~العلم بدعة فإما متجوز واما غير عارف بوضع لفظ البدعة فلا يصح الاستدلال ~~بهذه الاشياء على صحة العمل بالبدع # وان تعلق بما ورد من الخلاف في المصالح المرسلة وان البناء عليها غير ~~صحيح عند جماعة من الأصوليين فالحجة عليهم اجماع الصحابة على المصحف ~~والرجوع اليه # واذا ثبت اعتبارها في صوره ثبت اعتبارها مطلقا # ولا يبقى بين المختلفين نزاع الا في الفروع # وفي الصحيح قوله ( صلى الله عليه وسلم ) فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور ~~فاعطى الحديث كما ترى ان ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) # لأن ما سنوه لا يعدو أحد امرين اما ان يكون مقصودا بدليل شرعي فذلك سنة ~~لا بدعة # واما بغير دليل ومعاذ الله من ذلك ولكن هذا الحديث دليل على اثباته سنة ~~اذ قد اثبته كذلك صاحب الشريعة ( صلى الله عليه وسلم ) # فدليله من الشرع ثابت فليس ببدعة ولذلك اردف اتباعهم بالنهي عن البدع باطلاق # ولو كان عملهم ذلك بدعة لوقع في الحديث التدافع # وبذلك يجاب عن مسألة قتل الجماعه بالواحد لانه منقول عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وهو أحد الخلفاء الراشدين وتضمين الصناع وهو منقول عن الخلفاء ~~الاربعه رضي الله عنهم PageV01P187 ~~"""" صفحة رقم 188 """" # واما ms129 ما يروى عن عمر بن عبد العزيز فلم اره ثابتا من طريق صحيح # وان سلم فراجع إما لاصل المصالح المرسلة ان لم نقل ان اصله قصة البقرة # وان ثبت ان المصالح المرسلة مقول بها عند السلف مع ان القائلين بها يذمون ~~البدع واهلها ويتبرأون منهم دل على ان البدع مباينة لها وليست منها في شيء ~~ولهذه المسألة باب تذكر فيه # فصل # ومما يورد في هذا الموضع ان العلماء قسموا البدع باقسام احكام الشريعة ~~الخمسة ولم يعدوها قسما واحدا مذموما فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ~~ومكروه ومحرم وبسط ذلك القرافي بسطا شافيا واصل ما اتى به من ذلك شيخه عز ~~الدين بن عبد السلام وها انا اتى به على نصه فقال اعلم ان الاصحاب فيما ~~رأيت متفقون على انكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره والحق التفصيل ~~وانها خمسة اقسام قسم واجب وهو ما تناولته قواعد الوجوب وادلته من الشرع ~~كتدوين القرآن والشرائع اذ خيف عليها الضياع وان التبليغ لمن بعدنا من ~~القرون واجب اجماعا واهمال ذلك حرام اجماعا فمثل هذا النوع لا ينبغي ان ~~يختلف في وجوبه # القسم الثاني المحرم وهو كل بدعه تناولتها قواعد التحريم وأدلته من ~~الشريعة كالمكوس والمحدثات من المظالم والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة ~~كتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح بطريق ~~التوريث وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لابيه وهو في نفسه ليس بأهل # القسم الثالث ان من البدع ما هو مندوب اليه وهو ما تناولته قواعد الندب ~~وادلته كصلاة التراويح واقامة صور الائمة والقضاة وولاة الامور على PageV01P188 ~~"""" صفحة رقم 189 """" # خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم بسبب ان المصالح والمقاصد ~~الشرعية لا تحصل الا بعظمة الولاة في نفوس الناس # وكان الناس في زمن الصحابة رضي الله عنهم معظم تعظيمهم انما هو بالدين ~~وسبق الهجرة # ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون الا بالصور فتعين ~~تفخيم الصور حتى تحصل المصالح # وقد كان ms130 عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح ويفرض لعامله ~~نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس ~~الناس ولم يحترموه وتجاسروا عليه بالمخالفة فاحتاج إلى ان يضع غيره في صورة ~~أخرى تحفظ النظام # ولذلك لما قدم الشام وجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب واتخذ ~~المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية وسلك ما سلكه الملوك فسأله عن ذلك ~~فقال انا بارض نحن فيها محتاجون لهذا # فقال له لا آمرك ولا انهاك # ومعناه انت اعلم بحالك هل انت محتاج اليه # فدل ذلك من عمر وغيره على ان احوال الائمه وولاة الامور تختلف باختلاف ~~الامصار والقرون والاحوال # فكذلك يحتاج إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة وربما وجبت في بعض ~~الأحوال # القسم الرابع بدعة مكروهة وهي ما تناولته ادلة الكراهة من الشريعة ~~وقواعدها كتخصيص الايام الفاضلة أو غيرها بنوع من العباده ولذلك في الصحيح ~~خرجه مسلم وغيره ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نهى عن تخصيص يوم ~~الجمعة بصيام أو ليله بقيام # ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات كما ورد في التسبيح عقب ~~الفريضة ثلاثا وثلاثين فتفعل مائة وورد صاع في زكاة الفطر فجعل PageV01P189 ~~"""" صفحة رقم 190 """" # عشرة اصواع بسبب ان الزيادة فيها اظهار على الشارع وقلة ادب معه # بل شأن العظماء اذا حددوا شيئا وقف عنده وعد الخروج عنه قلة ادب # والزيادة في الواجب أو عليه اشد في المنع لانه يؤدي إلى ان يعتقد ان ~~الواجب هو الاصل والمزيد عليه ولذلك نهى مالك رضي الله عنه عن ايصال ستة ~~ايام من شوال لئلا يعتقد انها من رمضان وخرج أبو داود في مسنده ان رجلا دخل ~~إلى مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين ~~فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فهكذا ~~هلك من قبلنا # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اصاب الله بك يا ابن ms131 الخطاب يريد ~~عمر ان من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الجميع واجبا وذلك تغيير ~~للشرائع وهو حرام اجماعا # القسم الخامس البدع المباحة وهي ما تناولته ادلة الاباحة وقواعدها من ~~الشريعة كاتخاذ المناخل للدقيق ففي الآثار اول شيء احدثه الناس بعد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) اتخاذ المناخل # لأن تليين العيش واصلاحه من المباحات فوسائله مباحة # فالبدعه اذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وادلته فأي شيء تناولها من الادلة ~~والقواعد الحقت به من ايجاب أو تحريم أو غيرهما # وإن نظر اليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر فيما ~~يتقاضاها كرهت فان الخبر كله في الاتباع والشر كله في الابتداع # وذكر شيخه في قواعد في فصل البدع منها بعد ما قسم احكامها إلى الخمسة ان ~~الطريق في معرفة ذلك ان تعرض البدعة على قواعد الشريعة فان دخلت في قواعد ~~الايجاب فهي واجبة إلى ان قال وللبدع الواجبة امثلة PageV01P190 ~~"""" صفحة رقم 191 """" # احدها الاشتغال بالذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسوله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وذلك واجب لان حفظ الشريعة واجب # والثاني حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة # والثالث تدوين اصول الفقه # والرابع الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم # ثم قال وللبدع المحرمة امثلة منها مذهب القدرية ومذهب الجبرية والمرجئة ~~والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة # قال وللمندوب امثله منها احداث الربط والمدارس وبناء القناطر ومنها كل ~~احسان لم يعهد في الصدر الاول ومنها الكلام في دقائق التصوف والكلام في ~~الجدل ومنها جمع المحافل للاستدلال في المسائل ان قصد بذلك وجهه تعالى # قال وللكراهة امثلة منها زخرفة المساجد وتزويق المصاحف # واما تلحين القرآن بحيث تتغير الفاظه عن الوضع العربي فالاصح انه من ~~البدع المحرمة # قال وللبدع المباحة امثله منها المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر ومنها ~~التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة ~~وتوسيع الاكمام # وقد اختلف في بعض ذلك فجعله بعض العلماء من البدع المكروهة وجعله آخرون ~~من السنن المفعولة على ms132 عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فما بعده ~~كالاستعاذة والبسملة في الصلاه # انتهى محصول ما قال # وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم باقسام الشريعه فلا يصح ان تحمل ~~ادلة ذم البدع على العموم بل لها مخصصات # والجواب ان هذا التقسيم امر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه ~~متدافع لأن من حقيقة البدعة ان لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص PageV01P191 ~~"""" صفحة رقم 192 """" # الشرع ولا من قواعده اذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو ~~اباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الاعمال المأمور بها أو ~~المخير فيها # فالجمع بين تلك الاشياء بدعا وبين كون الادلة تدل على وجوبها أو ندبها أو ~~اباحتها جمع بين متنافيين # اما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعا لا من جهة اخرى اذ لو ~~دل دليل على منع امر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لامكان ان يكون معصية ~~كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة ~~الا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه # فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على انكار البدع صحيح وما قسمه ~~فيها غير صحيح # ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في ~~خرق الاجماع # وكأنه انما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل # فإن ابن عبد السلام ظاهر منه انه سمى المصالح المرسلة بدعا بناء والله ~~اعلم على انها لم تدخل اعيانها تحت النصوص المعينه # وان كانت تلائم قواعد الشرع # فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها بتسميته لها بلفظ البدع ~~وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث دخولها تحت ~~القواعد # ولما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الاعمال الداخلة تحت ~~النصوص المعينة # وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعا في اللفظ كما سمى عمر رضي ~~الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد ms133 بدعة كما سيأتي ان شاء الله تعالى # اما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الاقسام على غير مراد شيخه ولا على ~~مراد الناس لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفا للاجماع PageV01P192 ~~"""" صفحة رقم 193 """" # ثم نقول اما قسم الواجب فقد تقدم ما فيه آنفا فلا نعيده # واما قسم التحريم فليس فيه ما هو بدعة هكذا باطلاق بل ذلك كله مخالفة ~~للأمر المشروع فلا يزيد على تحريم اكل المال بالباطل الا من جهة كونه ~~موضوعا على وزن الاحكام الشرعية اللازمة كالزكوات المفروضة والنفقات ~~المقدرة وسيأتي بيان ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى وقد تقدم في الباب ~~الال منه طرف # فاذا لا يصح ان يطلق القول في هذا القسم بأنه بدعة دون ان يقسم الامر في ذلك # واما قسم المندوب فليس من البدع بحال وتبيين ذلك بالنظر في الامثله التي ~~مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد فقد قام بها النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في المسجد واجتمع الناس خلفه # فخرج أبو داود عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ~~فلما كانت السادسه لم يقم بنا فلما كانت الخامسه قام بنا حتى ذهب شطر الليل ~~فقلنا يا رسول الل لو نفلتنا قيام هذه الليل قال فقال ان الرجل اذا صلى مع ~~الامام حتى ينصرف حسب له قيام ليله قال فلما كانت الرابعه لم يقم فلما كانت ~~الثالثه جمع اهله ونسائه والناس فقام بنا حتى خشينا ان يفوتنا الفلاح قال ~~قلت وما الفلاح قال السجود ثم لم يقم بنا بقية الشهر ونحوه في الترمذي وقال ~~فيه حسن صحيح # لكنه ( صلى الله عليه وسلم ) لما خالف افتراضه على الامه امسك عن ذلك ففي ~~الصحيح عن عائشه رضي الله عنها ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) صلى في ~~المسجد ذات ليله فصلى بصلاته ناس ثم صلى القابله فكثر الناس ms134 ثم اجتمعوا ~~الليله الثالثه PageV01P193 ~~"""" صفحة رقم 194 """" # أو الرابعة فلم يخرج إليهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فلما اصبح قال ~~قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج الا اني خشيت ان يفرض عليكم وذلك ~~في رمضان وخرجه مالك في الموطإ # فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونه سنه فان قيامه اولا بهم دليل على ~~صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية ~~الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقا لان زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن ان ~~يوحى اليه اذا عمل به الناس وبالالزام فلما زالت علة التشريع بموت رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) رجع الامر إلى اصله وقد ثبت الجواز فلا ناسح له # وانما لم يقم ذلك أبو بكر رضي الله عنه لاحد امرين اما لانه رأى ان قيام ~~الناس آخر الليل وما هم به عليه كان افضل عنده من جمعهم على امام اول الليل ~~ذكره الطرطوشي واما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه الفروع مع ~~شغله بأهل الرده وغير ذلك مما هو اوكد من صلاة التراويح # فلما تمهد الاسلام في زمن عمر رضي الله عنه ورأى الناس في المسجد اوزاعا ~~كما جاء في الخبر قال لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان امثل فلما تم له ~~ذلك نبه على ان قيامهم آخر الليل افضل ثم اتفق السلف على صحة ذلك واقراره ~~والامه لا تجتمع على ضلاله # وقد نص الاصوليون ان الاجماع لا يكون الا عن دليل شرعي # فإن قيل فقد سماها عمر رضي الله عنه بدعه وحسنها بقوله نعمت البدعة هذه ~~واذا ثبت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع PageV01P194 ~~"""" صفحة رقم 195 """" # فالجواب انما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) واتفق ان لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه لا ~~انها بدعه في المعنى فمن سماها بدعه بهذا الاعتبار فلا مشاحه في الاسامي ~~وعند ذلك ms135 فلا يجوز ان يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه ~~لانه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه فقد قالت عائشه رضي الله تعالى عنها ان ~~كان رسول الله صلى الله علي وسلم ليدع العمل وهو يجب ان يعمل به خشية ان ~~يعمل به الناس فيفرض عليهم # وقد نهى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن الوصال رحمة بالامه وقال اني ~~لست كهيئتكم اني ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني وواصل الناس بعده لعلمهم بوجه ~~علة النهي حسبما يأتي ان شاء الله تعالى # وذكر القرافي مي جملة الأمثله اقامة صور الائمة والقضاة الخ ما قال وليس ~~ذلك من قبيل البدع بسبيل اما اولا فإن التجمل بالنسبة إلى ذوي الهيئات ~~والمناصب الرفيعة مطلوب وقد كان للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) حلة يتجمل ~~بها للوفود ومن العلة في ذلك ما قاله القرافي من ان ذلك اهيب واوقع في ~~النفوس من تعظيم العظماء ومثله التجمل للقاء العظماء كما جاء في حديث اشج ~~عبد الفيس واما ثانيا فان سلمنا ان لا دليل عليه بخصوصه فهو من قبيل ~~المصالح المرسلة وقد مر انها ثابته في الشرع # وما قاله من ان عمر كان يأكل خبز الشعير ويفرض لعامل نصف شاة فليس فيه ~~تفخيم صورة الامام ولا عدمه بل فرض له ما يحتاج اليه خاصة والا فنصف شاة ~~لبعض العمال قد لا يكفيه لكثرة عيال وطروق ضيف وسائر ما يحتاج اليه من لباس ~~وركوب وغيرهما فذلك قريب PageV01P195 ~~"""" صفحة رقم 196 """" # من اكل الشعير في المعنى وايضا فإن ما يرجع إلى المأكول والمشروب لا تجمل ~~فيه بالنسبة إلى الظهور للناس # وقوله فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة وربما وجبت في ~~بعض الاحوال مفتقر إلى التأمل ففيه على الجمله انه مناقض لقوله في آخر ~~الفصل الخير كله في الاتباع والشر كله الابتداع مع ما ذكر قبله # فهذا كلام يقتضي ان الابتداع شر كله فلا يمكن ان يجتمع مع فرض الوجوب # وهو قد ذكر ان البدعة قد تجب واذا ms136 وجبت لزم العمل بها وهي لما فاتت ضمن ~~الشر كله فقد اجتمع فيها الامر بها والامر بتركها ولا يمكن فيهما الانفكاك ~~وان كانا من جهتين لان ا لوقوع يستلزم الاجتماع وليسا كالصلاة في الدار ~~المغصوبة لان الانفكاك في الوقوع ممكن وها هنا اذا وجبت فانما تجب على ~~الخصوص وقد فرض ان الشر فيها على الخصوص فلزم التناقض واما على التفصيل فان ~~تجديد الزخارف فيه من الخطإ ما لا يخفى # واما السياسات فان كانت جارية على مقتضى الدليل الشرعي فليست ببدع وان ~~خرجت عن ذلك فكيف يندب اليها وهي مسألة النزاع # وذكر في قسم المكروه اشياء هي من قبيل البدع في الجملة ولا كلام فيها أو ~~من قبيل ا لاحتياط على العبادات المحضة ان لا يزاد فيها ولا ينقص منها وذلك ~~صحيح لان الزيادة فيها والنقصان منها بدع منكرة فحالاتها وذرائعها يحتاط ~~بها في جانب النهي # وذكر في قسم المباح مسألة المناخل وليست في الحقيقة من البدع بل هي من ~~باب التنعم ولا يقال فيمن تنعم بمباح انه قد ابتدع وانما يرجع ذلك اذا ~~اعتبر إلى جهة الاسراف في المأكول لان الاسراف كما يكون في جهة الكمية PageV01P196 ~~"""" صفحة رقم 197 """" # يكون في جهة الكيفية فالمناخل لا تعدو القسمين فإن كان الاسراف من ماله ~~فإن كره والا اغتفر مع ان الاصل الجواز # ومما يحكيه اهل التذكير من الاثار ان اول ما احدث الناس اربعة اشياء ~~المناخل والشبع وغسل اليدين بالاشنان بعد الطعام والاكل على الموائد وهذا ~~كله ان ثبت نقلا ليس ببدعه وانما يرجع إلى امر آخر وان سلم انه بدعة فلا ~~نسلم انها مباحة بل هي ضلالة ومنهى عنها ولكنا نقول بذلك # فصل # واما ما قاله عز الدين فالكلام فيه على ما تقدم فأمثلة الواجب منها من ~~قبل مالا يتم الواجب الا به كما قال فلا يشترط ان يكون معمولا به في السلف ~~ولا ان يكون له اصل في الشريعه على الخصوص لانه من باب المصالح المرسله لا البدع # اما هذا ms137 الثاني فقد تقدم واما الاول فلأنه لو كان ثم من يسير إلى فريضة ~~الحج طيرانا في الهواء أو مشيا على الماء لم يعد مبتدعا بمشيه كذلك لان ~~المقصود انما هو التوصل إلى مكة لاداء الفرض وقد حصل على الكمال فكذلك هذا # على ان هذه اشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنفين في طريقة التصوف وعدها ~~من جملة ما ابتدع الناس وذلك غير صحيح ويكفي في رده اجماع الناس قبله على ~~خلاف ما قال # على انه نقل عن القاسم بن مخيمره انه ذكرت عنده العربية فقال اولها PageV01P197 ~~"""" صفحة رقم 198 """" # كبر وآخرها بغى وحكى ان بعض السلف قال النحو يذهب الخشوع من القلب ومن ~~اراد ان يزدري الناس كلهم فلينظر في النحو ونقل نحو من هذه وهذه كلها لا ~~دليل فيها على الذم لانه لم يذم النحو من حيث هو بدعة بل من حيث ما يكتسب ~~به امر زائد كما يذم سائر علماء السوء لا لأجل علومهم بل لاجل ما يحدث لهم ~~بالعرض من الكبر به والعجب وغيرهما ولا يلزم من ذلك كون العلم بدعة فتسمية ~~العلوم التي يكتسب بها امر مذموم بدعا اما على المجاز المحض من حيث لم يحتج ~~اليها اولا ثم احتيج بع أو من عدم المعرفه بموضوع البدعة اذ من العلوم ~~الشرعية ما يداخل صاحبها الكبر والزهو وغيرهما ولا يعود ذلك عليها بذم # ومما حكى بعض هذه المتصوفة عن بعض علماء الخلف قال العلوم تسعة اربعه ~~منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ~~فاما الاربعه المعروفة فعلم الايمان وعلم القرآن وعلم الاثار والفتاوي واما ~~الخمسة المحدثة فالنحو والعروض وعلم المقاييس والجدل في الفقه وعلم المعقول بالنظر # وهذا ان صح نقله اولا كما قال فان اهل العربية يحكون عن أبي الاسود ~~الدؤلي ان علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي اشار عليه بوضع شيء في ~~النحو حين سمع اعرابيا قارئا ) أن الله بريء من المشركين ورسوله ( بالجر ~~وقد روى ms138 عن ابن أبي مليكة ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه امر ان لا يقرأ ~~القرآن الا عالم باللغة وامر أبا الاسود فوضع النحو والعروض من جنس النحو ~~واذا كانت الاشارة من واحد من الخلفاء الراشدين صار النحو والنظر في الكلام ~~العربي من سنة الخلفاء الراشدين وان سلم انه ليس كذلك PageV01P198 ~~"""" صفحة رقم 199 """" # فقاعدة المصالح تعم علوم العربيه أي تكون من قبيل المشروع فهي من جنس كتب ~~المصحف وتدوين الشرائع وما ذكر عن القاسم بن مخيمرة قد رجع عنه # قال أحمد بن يحي ثعلبا قال كان أحد الائمة في الدين يعيب النحو ويقول اول ~~تعلمه شغل وآخره يزدري العالم به الناس فقرأ يوما ) إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ( برفع الله ونصب العلماء فقيل له كفرت من حيث لا تعلم تجعل ~~الله يخشى العلماء فقال لا طعنت عن علم يدل إلى معرفة هذا ابدا # قال عثمان بن سعيد الداني الامام الذي ذكره أحمد بن يحي هو القاسم ابن ~~مخيمرة قال وقد جرى لعبد الله بن أبي اسحاق مع محمد بن سيرين كلام وكان بن ~~سيرين ينتقص النحويين فاجتمعا في جنازة فقرأ ابن سيرين ) إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ( برفع اسم الله فقال له ابن أبي اسحاق كفرت يا أبا بكر # تعيب على هؤلاء الذين يقيمون كتاب الله فقال ابن سيرين ان كنت اخطأت ~~فأستغفر الله # واما علم المقاييس فأصله في السنه ثم في علم السلف بالقياس # ثم قد جاء في ذم القياس اشياء حملوها على القياس الفاسد فذلك من قبيل ~~النظر في الادله # وقد كان السلف الصالح يجتمعون للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص ~~فيها للتعاون على استخراج الحق فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى ومن ~~قبيل المشاورة المأمور به فكلاهما مأمور به PageV01P199 ~~"""" صفحة رقم 200 """" # واما علم المعقول بالنظر فاصل ذلك في الكتاب والسنة لان الله تعالى احتج ~~في القرآن على المخالفين لدينه بالادلة العقليه كقوله ) لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا ( وقوله ) هل ms139 من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ( وقوله ) ~~أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ( وحكى عن إبراهيم عليه ~~السلام محاجته للكفار بقوله ) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ( ~~الخ وفي الحديث حين ذكرت العدوى فمن اعدى الاول إلى غير ذلك من الادله # فكيف يقال انه من البدع # وقول عز الدين ان الرد على القدرية وكذا غيرهم من اهل البدع من البدع ~~الواجبة غير جار على الطريق الواضح # ولو سلم فهو من المصالح المرسلة # واما امثلة البدع المحرمة فظاهرة # واما امثلة المندوبه # فذكر منها احداث الربط والمدارس فإن عنى بالربط ما بنى من الحصون والقصور ~~فقد قصدا للرباط فيها فلا شك ان ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه وان ~~عنى بالربط ما بنى لالتزام سكناها قصد الانقطاع إلى العبادة لان احداث ~~الربط التي شأنها ان تبنى تدينا للمنقطعين للعباده في زعم المحدثين ويوقف ~~عليها اوقاف يجري منها إلى الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ~~ولباس وغيرهما لا يخلو ان يكون لها اصل في الشريعة أم لا فان لم يكن اصل ~~دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات فضلا عن ان تكون مباحة فضلا ~~عن ان تكون مندوبا اليها وان كان لها اصل فليست ببدعة فإدخالها تحت جنس ~~البدع غير صحيح # ثم ان كثيرا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا ~~بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يجتمع فيها فقراء PageV01P200 ~~"""" صفحة رقم 201 """" # المهاجرين وهم الذين نزل فيهم ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ( الآية وقوله تعالى ) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي ( الآية فوصفهم الله بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه ~~قصدا لله خالصا فدل على انهم انقطعوا لعبادة الله بدعائه قصدا لله لا ~~يشغلهم عن ذلك شاغل فنحن انما صنعنا صفة مثلها أو تقاربهها يجتمع فيها من ~~اراد الانقطاع إلى الله ويلتزم العباده ويتجرد ms140 عن الدنيا والشغل بها # وذلك كان شأن الاولياء ينقطعون عن الناس ويشتغلون بإصلاح بواطنهم # ويولون وجوههم شطر الحق فهم على سيرة من تقدم # وانما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما بل هي سنه واهلها متبعون للسنه فهي طريقة ~~خاصه لأناس # ولذلك لما قيل لبعضهم في كم تجب الزكاة قال على مذهبنا أم على مذهبكم ثم ~~قال اما على مذهبنا فالكل لله # واما على مذهبكم فكذا وكذا أو كما قال وهذا كله من الأمور التي جرت عند ~~كثير من الناس هكذا غير محققه ولا منزله على الدليل الشرعي ولا على احوال ~~الصحابة والتابعين # ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسأله بحول الله حتى يتبين الحق ~~فيها لما انصف ولم يغالط نفسه وبالله التوفيق # وذلك ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما هاجر إلى المدينة كانت ~~الهجرة واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكه أو غيرها # فكان منهم من احتال على نفسه فهاجر بماله أو شيء منه فاستعان به لما قدم ~~المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها كأبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه فإنه هاجر بجميع ماله وكان خمسة آلاف PageV01P201 ~~"""" صفحة رقم 203 """" # ومنهم من فر بنفسه ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله فقدم المدينة صفر اليدين # وكان الغالب على اهل المدينة العمل في حوائطهم واموالهم بأنفسهم فلم يكن ~~لغيرهم معهم كبير فضل في العمل # وكان من المهاجرين من اشركهم الانصار في اموالهم وهم الاكثرون بدليل قصة ~~بني النضير فان ابن عباس رضي الله عنهما قال لما افتتح رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بني النضير قال للانصار ان شئتم قسمتها بين المهاجرين ~~وتركتم نصيبكم فيها وخلى المهاجرون بينكم وبين دوركم واموالكم فإنهم عيال ~~عليكم فقالوا نعم ففعل ذلك نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ) # غير انه اعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف وذكر انهم فقراء وقد قال المهاجرون ~~ايضا لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا رسول الله ما رأينا قوما ابذل ms141 ~~من كثير ولا احسن من مواساة من قليل من قوم نزلنا بين اظهرهم يعني الانصار ~~لقد كفونا المؤنة واشركونا في المهنأ حتى لقد خفنا ان يذهبوا بالاجر كله # فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لا ما دعوتم الله لهم واثنيتم عليهم # ومنهم من كان يلتقط نوى التمر فيرضها ويبيعها علقا للإبل ويتقون من ذلك الوجه # ومنهم من لم يجد وجها يكتسب به لقوت ولا لسكنى فجمعهم النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) في صفة كانت في مسجده وهي سقيفة كانت من جملته اليها ويأوون ~~وفيها يقعدون اذ لم يجدوا مالا ولا اهلا وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يحض الناس على اعانتهم والاحسان اليهم وقد وصفهم أبو هريرة رضي الله تعالى ~~عنه اذ كان من جملتهم وهو اعرف الناس بهم قال في الصحيح واهل الصفة اضياف ~~الاسلام لا يأوون على اهل ولا مال ولا على أحد اذا اتته يعني النبي ( صلى ~~الله عليه وسلم ) صدقة بعث بها اليهم ولا يتناول منها PageV01P202 ~~"""" صفحة رقم 203 """" # شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فوصفهم بأنهم ~~أضياف الإسلام وحكم لهم - كما ترى - بحكم الأضياف # وإنما وجبت الضيافة في الجملة لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلا ولا ~~طعاما لشراء إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام ~~يشتري ولا خانات يأوى إليها فصار الضيف مضطرا وإن كان ذا مال فوجب على أهل ~~الموضع ضيافته وإيواؤه حتى يرتحل فإن كان لا مال له فذلك أحرى # فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إلى المسجد حتى يجدوا كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى إعانتهم # وفيهم نزل قول الله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ( - إلى قوله - ) للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله ( الآية # فوصفهم الله تعالى بأوصاف منها أنهم أحصروا في سبيل الله أي منعوا ms142 وحبسوا ~~حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلى الله عليه ووسلم كأن العدو أحصرهم فلا ~~يستطيعون ضربا في الأرض لا لاتخاذ المسكن ولا للمعاش كأن العدو قد أحاط ~~بالمدينة فلا هم يقدرون على الجهد حتى يكسبوا من غنائمه ولا هم يتفرغون ~~للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار ولضعفهم في أول الأمر فلم يجدوا سبيلا ~~للكسب أصلا # وقد قيل إن قوله تعالى ) لا يستطيعون ضربا في الأرض ( أنهم قوم أصابتهم ~~جراحات مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فصاروا زمنى # وفيهم أيضا نزل ) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ( ~~ألا ترى كيف قال ) اخرجوا ( ولم يقل خرجوا فإن قد كان يحتمل أن يخرجوا ~~اختيارا فبان أنهم إنما خرجوا منها اضطرارا ولا وجدوا سبيلا ان لا يخرجوا لفعلوا # ففيه دليل على أن الخروج من المال اختيارا ليس بمقصود للشارع وهو الذي ~~تدل عليه أدلة الشريعة # فلأجل ذلك بوأهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الصفة PageV01P203 ~~"""" صفحة رقم 204 """" # فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة كأبى هريرة فإنه قصر نفسه ~~على ذلك # الا ترى إلى قوله في الحديث وكنت ألزم رسول ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~ملء بطنى فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر الله ~~وعبادته وقراءة القرآن فإذا غزا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) غزا معه ~~وإذا أقام أقام معه حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين فصاروا إلى ما ~~صار الناس إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتخاذ المسكن لأن ~~العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض # فالذي تحصل أن القعود في الصفة لم يكن مقصودا لنفسه ولا بناء الصفة ~~للفقراء مقصودا بحيث يقال إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه # ولا هي شرعية تطلب بحيث يقال إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع ~~إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة وهي الرتبة العليا لأنها تشبه بأهل صفة ~~رسول الله ( صلى الله عليه ms143 وسلم ) الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله ~~) ولا تطرد الذين يدعون ربهم ( - وقوله - ( ) واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي ( الآية ) فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء بكل كان ~~على ما تقدم # والدليل من العمل ان المقصود بالصفة لم يدم ولم يثابر أهلها ولا غيرهم ~~على البقاء فيها ولا عمرت بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) # ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة لكانوا هم أحق بفهمها أولا ثم ~~بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل وأولى بتجديد معاهدها لكنهم لم يفعلوا ذلك ~~ألبتة فالتشبيه بأهل الصفة إذا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والربط ~~لا يصح فليفهم الموفق هذا الموضع فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف ~~الأقدمين والعلماء الراسخين # ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه PageV01P204 ~~"""" صفحة رقم 205 """" # أفضل من غيره إذ ليس ذلك بصحيح ولن يأتى آخر هذه الأمة باهدى ممن كان ~~عليها أولها ولا كفى المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين إلى صدور هذه ~~الطائفة المتصفين بالصوفية لم يتخذوا رباطا ولا زاوية ولا بنوا بناء يضاهون ~~به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا كالفضيل بن عياض ~~وإبراهيم بن ادهم والجنيد وإبراهيم الخواص والحارث المحاسبى والشبيلى ~~وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وخالفوا السلف الصالح وخالفوا شيوخ الطريقة التي ~~انتسبوا إليها ولا توفيق إلا بالله # وأما المدارس # فلم يتلق بها أمر تعبدى يقال في مثله بدعة إلا على فرض أن يكون من السنة ~~أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد وهذا لا يوجد # بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل مكان من مسجد أو منزل أو سفر أو ~~حضر أو غير ذلك # حتى في الأسواق فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعنى بإعدادها الطلبة فلا ~~يزيد ذلك على إعدادها له منزلا من منازله أو حائطا من حوائطه أو غير ذلك ~~فأين مدخل ms144 البدعة هاهنا # وإن قيل إن البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره والتخصيص هاهنا ليس ~~بتخصيص تعبدى وإنما هو تعيين بالحبس كما تتعين سائر الأمور المحبسة ~~وتخصيصها ليس ببدعة # فكذلك ما نحن فيه بخلاف الربط فإنها PageV01P205 ~~"""" صفحة رقم 206 """" # خصت تشبيها بالصفة بهما للتعبد فصارت تعبدية بالقصد والعرف حتى إن ~~ساكنيها مباينون لغيرهم في النحلة والمذهب والزي والاعتقاد # وكذلك ما ذكر من بناء القناطر # فإنه راجع إلى إصلاح الطرق وإزالة المشقة عن سالكيها وله اصل في شعب ~~الإيمان وهو إماطة الأذى عن الطريق فلا يصح أن يعد في البدع بحال # وقوله وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول فيه تفصيل # فلا يخلو الإحسان المفروض أن يفهم من الشريعة أنه مقيد بقيد تعبدى أولا # فإن كان مقيدا بالتعبد الذي لا يعقل معناه فلا يصح أن يعمل به إلا على ~~ذلك الوجه # وإن كان غير مقيد في أصل التشريع بأمرى تعبدى فلا يقال إنه غير بدعة على ~~أي وجه وقع إلا على أحد ثلاثة أوجه أحدها أن يخرج أصلا شرعيا مثل الإحسان ~~المتبع بالمن والأذى والصدقة من المديان المضروب على يده وما أشبه ذلك ~~ويكون إذ ذاك معصية # والثاني أن يلتزم على وجه لا يتعدى بحيث يفهم منه الجاهل أنه لا يجوز إلا ~~على ذلك الوجه # فحينئذ يكون الالتزام المشار إليه البدعة بل بدعة مذمومة وضلالة وسيأتى ~~بيان ذلك إن شاء الله تعالى فلا تكون إذا مستحبة # والثالث أن يجرى على رأى من يرى المعقول المعنى وغيره بدعة مذمومة PageV01P206 ~~"""" صفحة رقم 207 """" # كمن كره تنخيل الدقيق في الصيغة فلا تكون عنده البدعة مباحة ولا مستحبة ~~وصلاة التراويح تقدم الكلام عليها # وأما الكلام في دقائق التصوف # فليس ببدعة بإطلاق # ولا هو مما صح بالدليل بإطلاق بل الامر ينقسم # ولفظ التصوف لا بد من شرحه اولا حتى يقع الحكم على أمر مفهوم لأنه أمر ~~مجمل عند هؤلاء المتأخرين # فلنرجع إلى ما قال فيه المتقدمون # وحاصل ما يرجع فيه لفظ التصوف عندهم معنيان أحدهما التخلق ms145 بكل خلق سنى ~~والتجرد عن كل خلق دني والآخر أنه الفناء عن نفسه والبقاء لربه # وهما في التحقيق إلى معنى واحد إلا أن أحدهما يصلح التعبير به عن البداية ~~والآخر يصلح التعبير به عن النهاية # وكلاهما اتصاف إلا أن الأول لا يلزمه الحال والثاني يلزمه الحال وقد يعبر ~~فيهما بلفظ آخر فيكون الأول عملا تكليفيا والثاني نتيجته # ويكون الأول اتصاف الظاهر والثاني اتصاف الباطن ومجموعهما هو التصوف # وإذا ثبت هذا فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه لأنه إنما ~~يرجل إلى تفقه ينبنى عليه العمل وتفصيل آفاته وعوارضه وأوجه تلافى الفساد ~~الواقع فيه بالإصلاح # وهو فقه صحيح # وأصوله في الكتاب والسنة ظاهرة فلا يقال في مثله بدعة إلا إذا أطلق على ~~فروع الفقه التى لم يلف مثلها في السلف الصالح أنها بدعة كفروع أبواب السلم ~~والإجارات والجراح ومسائل السهو والرجوع عن الشهادات وبيوع الآجال وما اشبه ذلك PageV01P207 ~~"""" صفحة رقم 208 """" # وليس من شأن العلماء إطلاق لفظ البدعة على الفروع المستنبطة التى لمتكن ~~فيما سلف وإن دقت مسائلها # فكذلك لا يطلق على دقائق فروع الأخلاق الظاهرة والباطنة أنها بدعة # لأن الجميع يرجع إلى أصول شرعية # وأما بالمعنى فهو على أضرب احدها يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين ~~إذا دخل عليهم نور التوحيد الوجداني فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال وما ~~يحتاج إليه في النازلة الخاصة رجوعا إلى الشيخ المربى وما بين له في تحقيق ~~مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض فيداويه بما يليق به ~~من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية أو بإصلاح مقصده إن عرض فيه العارض ~~فقلما يطرأ العامل بل العارض إلا عند الإخلال ببعض الأصول الشرعية التي بنى ~~عليها في بدايته # فقد قالوا إنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول # فمثل هذا لا بدعة فيها لرجوعه إلى اصل شرعى ففي الصحيح من حديث أبى هريرة ~~رضى الله عنه أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) جاءه ناس من أصحابه رضى الله ~~عنهم فقالوا يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا الشىء ms146 يعظم أن نتكلم به أو ~~الكلام به - ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به قال أوقد وجدتموه قالوا نعم قال ~~ذلك صريح في الإيمان الحديث في صحيح مسلم PageV01P208 ~~"""" صفحة رقم 208 """" # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) فقال يا رسول الله إن احدنا يجد في نفسه يعرض بالشىء لأن يكون حممة أحب ~~إليه من أن يتكلم به قال الله أكبر الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذى رد ~~كيده إلى الوسوسة # وفي حديث آخر من وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله # وعن ابن عباس رضى الله عنهما في مثله إذا وجدت شيئا من ذلك فقل هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم - إلى أشباه ذلك وهو صحيح مليح # والثاني يرجع إلى النظر في الكرامات وخوارق العادات وما يتعلق بها مما هو ~~خارق في الحقيقة أو غير خارق وما هو منها يرجع إلى أمر نفسى أو شيطاني أو ~~ما أشبه ذلك من أحكامها فهذا النظر ليس ببدعة كما أنه ليس ببدعة النظر في ~~المعجزات وشروطها والفرق بين النبى والمتنبى وهو من علم الأصول فحكمه حكمه # والضرب الثالث ما يرجع إلى النظر في مدركات النفوس من العالم الغائب ~~واحكام التجريد النفسى والعلوم المتعلقة بعالم الأرواح وذوات الملائكة ~~والشياطين والنفوس الإنسانية والحيوانية وما اشبه ذلك وهو بلا شك بدعة ~~مذمومة إن وقع كالنظر فيه والكلام عليه بقصد جعله علما ينظر فيه وفنا يشتغل ~~بتحصيله بتعلم أو رياضة فإنه لم يعهد مثله في السلف الصالح وهو في الحقيقة ~~نظر فلسفي إنما يشتغل باستجلابه والرياضة لاستفادته أهل الفلسفة PageV01P209 ~~"""" صفحة رقم 210 """" # الخارجون عن السنة المعدودون في الفرق الضالة فلا يكون الكلام فيه مباحا ~~فضلا عن أن يكون مندوبا إليه # نعم قد يعرض للسالك فيتكلم فيه مع المربى حتى يخرجه عن طريقه ويبعد بينه ~~وبين فريقه لما فيه من إمالة مقصد السالك إلى أن يعبد الله على حرف زيادة ~~إلى الخروج عن الطريق المستقيم ms147 بتتبعه والالتفات إليه إذ الطريق مبنى على ~~الإخلاص التام بالتوجه الصادق وتجريد التوحيد عن الالتفات إلى الأغيار وفتح ~~باب الكلام في هذا الضرب مضاد لذلك كله # والضرب الرابع يرجع إلى النظر في حقيقة الفناء من حيث الدخول فيه ~~والاتصاف بأوصافه وقطع أطماع النفس عن كل جهة توصل إلى غير المطلوب وإن دقت ~~فإن فإن أهواء النفوس تدق وتسرى مع السالك في المقامات فلا يقطعها إلا من ~~حسم مادتها وبت طلاقها وهو باب الفناء المذكور # وهذا نوع من أنواع الفقه المتعلق بأهواء النفوس ولا يعد من البدع لدخوله ~~تحت جنس الفقه لأنه وإن دق راجع إلى ما جل من الفقه ودقته وجلته إضافيان ~~والحقيقة واحدة # وثم أقسام أخر جميعها إما يرجع إلى فقه شرعى حسن في الشرع وإما إلى ~~ابتداع ليس بشرعى وهو قبيح في الشرع # وأما الجدل وجمع المحافل للاستدلال على المسائل فقد مر الكلام فيه # وأما أمثلة البدع المكروهة فعد منها زخرفة المساجد وتزويق المصاحف وتلحين ~~القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي فإن أراد مجرد الفعل من غير PageV01P210 ~~"""" صفحة رقم 211 """" # اقتران أمر آخر فغير مسلم وإن أردا مع اقتران أصل التشريع فصحيح ما قال ~~إن البدعة لا تكون بدعة إلا مع اقتران هذا القصد فإن لم يقترن فهي منهى ~~عنها غير بدع # وأما أمثلة البدع المباحة # فعد منها المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر أما إنها بدع فمسلم # وأما إنها مباحة فممنوع إذ لا دليل في الشرع يدل على تخصيص تلك الأوقات ~~بها بل هي مكروهة إذ يخاف بدوامها إلحاقها بالصلوات المذكورة كما خاف مالك ~~رحمه الله وصل ستة أيام من شوال برمضان لإمكان أن يعدها من رمضان وكذلك وقع # فقد قال القرافى قال الشيح زكى الدين عبد العظيم المحدث إن الذى خشى منه ~~مالك رضى الله عنه قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عاداتهم ~~والبواقين وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد - ~~قال - وكذلك شاع عند عامة مصر أن الصبح ركعتان إلا في ms148 يوم الجمعة فإنه ثلاث ~~ركعات لأجل أنهم يرون الإمام يواظب على قراءة سورة السجدة يوم الجمعة في ~~صلاة الصبح ويسجد فيها فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة قال وسد هذا ~~الذرائع متعين في الدين # وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة في سد الذرائع # وعد ابن عبد السلام من البدع المباحة التوسع في الملذوذات وقد تقدم ما فيه # والحاصل من جميع ما ذكر فيه قد وضح منه أن البدع لا تنقسم إلى ذلك ~~الانقسام بل هي من قبيل المنهى عنه إما كراهة وإما تحريما حسبما يأتى إن ~~شاء الله تعالى PageV01P211 ~~"""" صفحة رقم 212 """" # فصل # ومما يتعلق به بعض المتكلفين أن الصوفية هم المشهورون باتباع السنة ~~المقتدون بأفعال السلف الصالح المثابرون في أقوالهم وأفعالهم على الاقتداء ~~التام والفرار عما يخالف ذلك ولذلك جعلوا طريقتهم مبنية على أكل الحلال ~~واتباع السنة والإخلاص وهذا هو الحق # ولكنهم في كثير من الأمور يستحسنون أشياء لم تأت في كتاب ولا سنة ولا عمل ~~بأمثالها السلف الصالح فيعملون بمقتضاها ويثابرون عليها ويحكمونها طريقا ~~لهم مهيعا وسنة لا تخلف بل ربما أوجبوها في بعض الأحوال فلولا أن في ذلك ~~رخصة لم يصح لهم ما بنوا عليه # فمن ذلك أنهم يعتمدون في كثير من الأحكام على الكشف والمعاينة وخرق ~~العادة فيحكمون بالحل والحرمة ويثبتون على ذلك الإقدام والإحجام كما يحكى ~~عن المحاسبى أنه كان إذا تناول طعاما فيه شبهة ينبض له عرق في اصبعه فيمتنع منه # وقال الشيلى اعتقدت وقتا أن لا آكل إلا من حلال فكنت أدور في البراري ~~فرأيت شجرة تين فمددت يدى إليها لآكل فنادتني الشجرة احفظ عليك عهدك لا ~~تأكل منى فإنى ليهودى # وقال إبراهيم الخواص رحمه الله دخلت خربة في بعض الأسفار في طريق مكة ~~بالليل فإذا فيها سبع عظيم فخفت # فهتف بي هاتف اثتب فإن حولك سبعون ألف ملك يحفظونك PageV01P212 ~~"""" صفحة رقم 213 """" # فمثل هذه الأشياء إذا عرضت على قواعد الشريعة ظهر عدم البناء عليها # إذ المكاشفة أو الهاتف المجهول أو تحرك بعض ms149 العروق لا يدل على التحليل ~~ولا التحريم لإمكانه في نفسه وإلا لو حضر ذلك حاكم أو غيره لكان يجب عليه ~~أو يندب البحث عنه حتى يستخرج من يد واضعه بين ايديهم إلى مستحقه # ولو هتف هاتف بأن فلانا قتل المقتول الفلاني أو أخذ مال فلان أو زنى أو سرق # أكان يجب عليه العمل بقوله أو يكون شاهدا في بعض الأحكام بل لو تكلمت ~~شجرة أو حجر بذلك أكان يحكم لحاكم به أو يبنى عليه حكم شرعى هذا مما لا ~~يعهد في الشرع مثله # ولذلك قال العلماء لو أن نبيا من الأنبياء ادعى الرسالة وقال إنني إن أدع ~~هذه الشجرة فتكلمنى ثم دعاها فأتت وكلمته وقالت إنك كاذب لكان ذلك دليلا ~~على صدقه لا دليلا على كذبه لأنه تحدى بأمر جاءه على وفق ما ادعاه # وكون الكلام تصديقا أو تكذيبا أمر خارج عن مقتضى الدعوى لا حكم له # فكذلك نقول في هذه المسألة إذا فرضنا أن انقباض العرق لازم لكون الطعام ~~حراما لا يدل ذلك على أن الحكم بالإمساك عنه إذا لم يدل عليه دليل معتبر في ~~الشرع معلوم # وكذلك مسألة الخواص # فإن التوقى من مظان المهلكات مشروع فخلافه يظهر أنه خلاف المشروع وهو ~~معتاد في أهل هاته الطريقة # وكذلك كلام الشجرة للشبلى من جملة الخوارق وبناء الحكم عليه غير معهود PageV01P213 ~~"""" صفحة رقم 214 """" # ومن ذلك أنهم يبنون طريقهم على اجتناب الرخص جملة حتى إن شيخهم الذي مهد ~~لهم الطريقة أبا القاسم القشيرى قال في باب وصية المريدين من رسالته إن ~~اختلف على المريد فتاوى الفقهاء يأخذ بالأحوط ويقصد أبدا الخروج عن الخلاف ~~فإن الرخص في الشريعة للمستضعفين واصحاب الحوائج والأشغال وهؤلاء الطائفة - ~~يعنى الصوفية - ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه # ولهذا قيل إذا انحط الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقد فسخ ~~عقده ونقض عهده فيما بينه وبين الله # فهذا الكلام ظاهر في أنه ليس من شأنهم الترخص في مواطن الترخص المشروع ~~وهو ما كان عليه رسول الله ms150 ( صلى الله عليه وسلم ) والسلف الصالح من ~~الصحابة والتابعين # فالتزام العزائم مع وجود مضار الرخص التي قال فيها رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه فيه ما فيه # وظاهره أنه بدعة استحسنوها قمعا للنفس عن الاسترسال في الميل إلى الراحة ~~وإيثارا إلى ما يبنى عليه من المجاهدة # ومن ذلك أن القشيرى جعل من جملة ما يبنى عليه من أراد الدخول في طريقهم ~~الخروج عن المال فإن ذلك الذي يميل إليه به عن الحق ولم يوجد من يدخل في ~~هذا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك لعلاقة عن قريب إلى ما منه ~~خرج إلى آخر ما قال # وهو في غاية الإشكال مع ظواهر الشريعة لأنا نعرض ذلك على الحالة الأولى ~~وهي حالة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع أصحابه الكرام إذ لم يأمر ~~أحدا بالخروج عن ماله ولا أخر صاحب صنعة بالخروج عن صنعته ولا صاحب تجارة ~~بالخروج عن ماله ولا صاحب تجارة بترك تجارته وهم كانوا أولياء الله حقا PageV01P214 ~~"""" صفحة رقم 215 """" # والطالبون لسلوك طريق الحق صدقا وإن سلك من بعدهم الف سنة لم يبلغ شأوهم ~~ولم يبلغ هداهم # ثم إنه كما يكون المال شاغلا في الطريق عن بلوغ المراد فكذلك يكون فراغ ~~اليد منه جملة شاغلا عنه # وليس الماضى أولى بالاعتبار من الآخر # فأنت ترى كيف جعل هذا النوع - الذي لم يوجد في السلف عهده - اصلا في سلوك الطريق # وهو - كما ترى - محدث فما ذلك إلا لأن الصوفية استحسنوه لأنه بلسان ~~جميعهم ينطق # ومن ذلك أنهم يقولون إنه لا يصح للشيوخ التجاوز عن زلات المريديدن لأن ~~ذلك تضييع لحقوق الله تعالى # وهذا الفقير العام يستنكر في الحكم الشرعى # الا ترى ما جاء في الحديث عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من قوله ~~اقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم وذلك فيما لم يكن حدا من حدود الله فلو كان ~~العفو غير صحيح لكان مخالفا لهذا الدليل ولما جاء من ms151 فضل العفو وأيضا فإن ~~الله يحب الرفق ويرضى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف # ومن جملة الرفق شرعية التجاوز والإغضاء إذ العبد لا بد له من زلة وتقصير ~~ولا معصوم إلا من عصمة الله PageV01P215 ~~"""" صفحة رقم 216 """" # من ذلك اخذهم على المريد أن يقلل من غذائه لكن بالتدريج شيئا بعد شىء لا ~~مرة واحدة وأن يديم الجوع والصيام وأن يترك التزويج ما دام في سلوكه ويعد ~~ذلك كله من مشكلات التشريع بل هو شبيه بالتبتل الذى رده رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) على بعض أصحابه حتى قال من رغب عن سنتى فليس منى # وإذا تؤمل ما ذكروه في شأن التدريج في ترك الغذاء وجده غير معهود في ~~الزمان الأول والقرن الأفضل PageV01P216 ~~"""" صفحة رقم 217 """" # والجواب أن نقول - أولا - كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن ~~لا يخلوا إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة أم لا فإن كان له أصل فهم ~~خلقاء به كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك وإن لم يكن له أصل ~~في الشريعة فلا عمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد من ~~الأمة حجة على السنة لأن السنة معصومة عن الخطإ وصاحبها معصوم وسائر الأمة ~~لم تثتب لهم عصمة إلا مع إجماعهم خاصة وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا ~~شرعيا كما تقدم التنبيه عليه # فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة فيجوز عليهم الخطأ والنسيان ~~والمعصية كبيرتها وصغيرتها فأعمالهم لا تعدو الأمرين # ولذلك قال العلماء كل كلام مأخوذ أو متروك إلا ما كان من كلام النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وقد قرر ذلك القشيري أحسن تقرير فقال فإن قيل فهل ~~يكون الولى معصوما حتى لا يصر على الذنوب قيل أما وجوبا كما يقال في ~~الأنبياء فلا وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب - وإن حصلت منهم ~~آفات أو زلات - فلا يمتنع ذلك في وصفهم # قال لقد قيل للجنيد أيزنى العارف فأطرق مليا ثم ms152 رفع رأسه وقال وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا # فهذا كلام منصف فكما يجوز على غيرهم المعاصى فالابتداع وغيره كذلك يجوز ~~عليهم فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ ونقف على ~~الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ إذا ظهر في الاقتداء به إشكال بل نعرض ما ~~جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه وما لم يقبلاه تركناه ~~ولا علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع الشرع ولم يقم لنا دليل على اتباع أقوال PageV01P217 ~~"""" صفحة رقم 218 """" # الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها وبذلك وصى شيوخهم وإن كان ما جاء به صاحب ~~الوجد والذوق من الأحوال والعلوم والفهوم فليعرض على الكتاب والسنة فإن ~~قبلاه صح وإلا لم يصح # فكذلك ما رسموه من الأعمال وأوجه المجاهدات وأنواع الالتزامات # ثم نقول ثالثا - إن هذه المسائل وأشباهها قد صارت مع ظاهر الشريعة ~~كالمتدافعة فيحمل كلام الصوفية وأعمالهم مثلا على أنها مستندة إلى دلائل ~~شرعية إلا أنه عارضها في النقل ادلة أوضح منها في أفهام المتفقهين وأنظار ~~المجتهدين وأجرى على المعهود في سائر أصناف العلماء وأنظر في ألفاظ الشارع ~~مما ظنناه مستند القوم # وإذا تعارضت الأدلة ولم يظهر في بعضها نسخ فالواجب الترجيح وهو إجماع من ~~الأصوليين أو كالإجماع وفي مذهب القوم العمل بالاحتياط هو PageV01P218 ~~"""" صفحة رقم 219 """" # الواجب كما أنه مذهب غيرهم فوجب بحسب الجريان على آرائهم في السلوك أن لا ~~يعمل بما رسموه مما فيه معارضة لأدلة الشرع ونكون في ذلك متبعين لآثارهم ~~مهتدين بأنوارهم خلافا لمن يعرض عن الأدلة ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح ~~تقليدهم فيه على مذهبهم فالأدلة والأنظار الفقهية والرسوم الصوفية ترده ~~وتذمه وتحمد من تحرى واحتاط وتوقف عند الاشتباه واستبرأ لدينه وعرضه # وبقى الكلام على اعيان ما ذكر في السؤال من اقوالهم وعوائدهم وما يتنزل ~~منها على مقتضى الأدلة وكيف وجه تنزيلها لا حاجة لنا إليه في هذا الموضع ~~وقد بسط الكلام على جملة منها في كتاب الموافقات وإن فسح الله في المدة ~~وأعان بفضله ms153 بسطنا الكلام في هذا الباب في كتاب مذهب أهل التصوف وبيان ما ~~أدخل فيه مما ليس بطريق لهم والله الموفق للصواب # وقد تبين أن لا دليل في شىء مما يحكم به على بدعتهم والحمد لله PageV01P219 ~~"""" صفحة رقم 220 """" ### | AUTO الباب الرابع في ماخذ أهل البدع بالاستدلال # كل خارج عن السنة ممن يدعى الدخول فيها والكون من أهلها لا بد له من تكلف ~~في الاستدلال بأدلتها على خصوصات مسائلهم وإلا كذب اطراحها دعواهم بل كل ~~مبتدع من هذه الأمة إما أن يدعى أنه هو صاحب السنة دون من خالفه من الفرق ~~فلا يمكنه الرجوع إلى التعلق بشبهها وإذا رجع إليها كان الواجب عليه أن ~~يأخذ الاستدلال مأخذ أهله العارفين بكلام العرب وكليات الشريعة ومقاصدها ~~كما كان السلف الأول يأخذونها إلا أن هؤلاء - كما يتبين بعد - لم يبلغوا ~~مبلغ الناظرين فيها بإطلاق # إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها # وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام ~~الشرعية وإما لعدم الأمرين جميعا # فبالحرى أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدمهم من المحققين ~~للأمرين # وإذا تقرر هذا فلا بد من التنبيه على تلك المآخذ لكي تحذر وتتقى فنقول ~~قال الله سبحانه وتعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( وذلك أن هذه الآية شملت قسمين هما اصل ~~المشى على طريق الصواب أو على طريق الخطإ أحدهما الراسخون في العلم وهم ~~الثابتو الاقدام في علم الشريعة # ولما كان ذلك متعذرا إلا على من حصل الأمرين المتقدمين لم يكن بد من ~~المعرفة بهما معا على حسب ما تعطيه المنة الإنسانية وإذا ذاك يطلق عليه انه ~~راسخ في العلم ومقتضى الآية مدحه فهو إذا أهل للهداية والاستنباط PageV01P220 ~~"""" صفحة رقم 221 """" # وحين خص أهل الزيغ باتباع المتشابه دل التخصيص على أن الراسخين لا ~~يتبعونه فإذا لا يتبعون إلا المحكم وهو أم الكتاب ومعظمه # فكل دليل خاص أو عام شهد له معظم الشريعة فهو الدليل ms154 الصحيح وما سواه فاسد # إذ ليس بين الصحيح والفاسد واسطة في الأدلة يستند إليها إذ لو كان ثالث ~~لنصت عليه الآية # ثم لما خص الزائغون بكونهم يبعون المتشابه أيضا علم أن الراسخين لا ~~يتبعونه فإن تأولوه فبالرد إلى المحكم بأن أمكن حمله على المحكم بمقتضى ~~القواعد فهذا المتشابه الإضافى لا الحقيقى # وليس في الآية نص على حكمه بالنسبة إلى الراسخين فليرجع عندهم إلى المحكم ~~الذي هو أم الكتاب وإن لم يتأولوه بناء على أنه متشابه حقيقى فيقابلونه ~~بالتسليم وقولهم آمنا به كل من عند ربنا وهؤلاء هم أولوا الألباب # وكذلك ذكر في أهل الزيغ أنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة # فهم يطلبون به أهواءهم لحصول الفتنة فليس في نظرهم إذا في الدليل نظر ~~المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمه بل نظر من حكم بالهوى ثم أتى بالدليل ~~كالشاهد له ولم يذكر مثل ذلك في الراسخين فهم إذن بضد هؤلاء حيث وقفوا في ~~المتشابه فلم يحكموا فيه ولا عليه سوى التسليم # وهذا المعنى خاص بمن طلب الحق من الأدلة لا يدخل فيه من طلب في الأدلة ما ~~يصحح هواه السابق # والقسم الثاني من ليس براسخ في العلم وهو الزائغ فحصل له من الآية وصفان ~~أحدهما بالنص وهو الزيغ لقوله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ ( والزيغ ~~هو الميل عن الصراط المستقيم وهو ذم لهم PageV01P221 ~~"""" صفحة رقم 222 """" # والوصف الثاني بالمعنى الذى عطاه التقسيم وهو عدم الرسوخ في العلم وكل ~~منفى عنه الرسوخ فإلى الجهل ما هو مائل ومن جهة الجهل حصل له الزيع لأن من ~~نفى عنه طريق الاستنباط واتباع الأدلة لبعض الجهالات لم يحل له أن يتبع ~~الأدلة المحكمة ولا المتشابهة ولو فرضنا أنه يتبع المحكم لم يكن اتباعه ~~مفيدا لحكمه لإمكان أن يتبعه على وجه واضح البطلان أو متشابه # فما ظنك به إذا اتبع المتشابه # ثم اتباعه للمتشابه - ولو كان من جهة الاسترشاد به لا للفتنة به - لم ~~يحصل به مقصود على حال # فما ظنك به إذا اتبع ابتغاء الفتنة ms155 وهكذا المحكم إذا اتبعه ابتغاء الفتنة به # فكثيرا ما ترى الجهال يحتجون لأنفسهم بأدلة فاسدة وبأدلة صحيحة اقتصار ~~بالنظر على دليل ما واطراحا للنظر في غيره من الأدلة الأصولية والفروعية ~~العاضدة لنظره أو المعارضة له # وكثير ممن يدعى العلم يتخذ هذا الطريق مسلكا وربما أفتى بمقتضاه وعمل على ~~وفقه إذا كان له فيه غرض أو أعرض عن غرض له عرض في الفتيا كجواز تنفيل ~~الإمام الجيش جميع ما غنموا على طريقة من عزيز لا طريقة الشرع بناء على نقل ~~بعض العلماء أنه يجوز تنفيل السرية جميع ما غنمت ثم عزا ذلك - وهو مالكي ~~المذهب - إلى مالك حيث قال في كلام روى عنه ما نفل الإمام فهو جائز فأخذ ~~هذه العبارة نصا على جواز تنفيل الإمام الجيش جميع ما غنم ولم يلتفت في ~~النفل إلى أن السرية هي القطعة من الجيش الداخل لبلاد العدو لتغير على ~~العدو ثم ترجع إلى الجيش لا أن السرية هي الجيش بعينه # ولا التفت أيضا إلى أن النفل عند مالك لا يكون إلا من الخمس لا اختلاف ~~عنه في ذلك أعلمه ولا عن أحد من أصحابه فما نفل الإمام منه فهو جائز لأنه ~~محمول على الاجتهاد PageV01P222 ~~"""" صفحة رقم 223 """" # وكذلك الأمر في كل مسألة فيها الهوى أولا ثم يطلبه لها المخرج من كلام ~~العلماء أو من أدلة الشرع وكلام العرب أبدا لإتساعه وتصرفه واحتمالاتها ~~كثيرة لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوله إلى آخره وفحواه أو بساط حاله ~~أو قرائنه # فمن لا يعتبره من أوله آخره ويعتبر ما ابتنى عليه زل في فهمه وهو شأن من ~~يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض فيوشك أن يزل # وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو من شأن من استعجل طلبا للمخرج في دعواه # فقد حصل من الآية المذكورة أن الزيغ لا يجرى على طريق الراسخ بغير حكم ~~الاتفاق وأن الراسخ لا زيغ معه بالقصد البتة فصل # إذا ثبت هذا رجعنا منه إلى معنى آخر فنقول ms156 # إن الراسخين طريقا يسلكونها في اتباع الحق وأن الزائغين على طريق غير ~~طريقهم فاحتجنا إلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنتجنبها كما نبين الطريق ~~التي سلكها الراسخون لنسلكها وقد بين ذلك أهل أصول الفقه وبسطوا القول فيه ~~ولم يبسطوا القول في طريق الزائغين فهل يمكن حصر مآخذها أولا فنظرنا في آية ~~أخرى تتعلق بهم كما تتعلق بالراسخين وهي قوله تعالى ) وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( فأفادة الآية أن ~~طريق الحق واحدة وأن الباطل طرقا متعددة لا واحدة وتعددها لم يحص بعدد ~~مخصوص وهكذا الحديث المفسر للآية وهو قول ابن مسعود رضى الله عنه خط لنا ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطأ فقال PageV01P223 ~~"""" صفحة رقم 224 """" # هذا سبيل الله مستقيما ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال ~~هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه ثم تلا هذه الآية # ففى الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعدد فلم يكن لنا سبيل إلى حصر ~~عددها من جهة النقل ولا لنا ايضا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو الاستقراء # أما العقل فإنه لا يقضى بعدد دون آخر لأنه غير راجع إلى أمر محصور الا ~~ترى أن الزيغ راجع إلى الجهالات ووجوه الجهل لا تنحصر فصار طلب حصرها عناء ~~من غير فائدة # وأما الاستقراء فغير نافع أيضا في هذا المطلب لأنا لما نظرنا في طرق ~~البدع من حين نبتت وجدناها تزداد على الأيام ولا يأتى زمان إلا وغريبة من ~~غرائب الاستنباط تحدث إلى زماننا هذا # وإذا كان كذلك فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالات أخر لا عهد لنا بها ~~فيما تقدم # لا سيما عند كثرة الجهل وقلة العلم وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد ~~فلا يمكن إذا حصرها من هذا الوجه ولا يقال إنها ترجع إلى مخالفة طريق الحق # فإن أوجه المخالفة لا تنحصر أيضا # فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء # لكنا نذكر من ذلك أوجها كلية يقاس عليها ما ms157 سواها # فمنها اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء ~~عليها كحديث الاكتحال يوم عاشوراء وإكرام الديك الأبيض واكل الباذنجان بنية ~~وأن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء ~~عن منكبيه وما أشبه ذلك # فإن أمثال هذه الأحاديث - على ما هو معلوم - PageV01P224 ~~"""" صفحة رقم 225 """" # جاهل ومخطىء في نقل العلم فلم ينقل الأخذ بشىء منها عمن يعتد به في طريقه ~~العلم ولا طريقة السلوك # وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن لإلحاقه عند المحدثين بالصحيح لأن ~~سنده ليس فيه من يعاب بجرحة متفق عليها وكذلك أخذ من أخذ منهم بالمرسل ليس ~~إلا من حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل فأما ما دون ~~ذلك فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث # ولو كان من شأن اهل الإسلام إذا يبين عنه الأخذ من الأحاديث بكل ما جاء ~~عن كل من جاء لم يكن لانتصابهم للتعديل والتجريح معنى مع أنهم قد أجمعوا ~~على ذلك ولا كان لطلب الإسناد معنى يتحصل فلذلك جعلوا الإسناد من الدين ولا ~~يعنون حدثنى فلان عن فلان مجردا بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال ~~الذين يحدث عنهم حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا متهم إلا عمن تحصل ~~الثقة بروايته لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث ~~قد قاله النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لنعتمد عليه في الشريعة ونسند إليه ~~الأحكام # والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قالها فلا يمكن أن يسند إليها حكم فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب ~~نعم الحامل على اعتمادها في الغالب إنما هو ما تقدم من الهوى المتبع وهذا ~~كله على فرض أن لا يعارض الحديث أصل من اصول الشريعة وأما إذا كان له معارض ~~فأحرى أن لا يؤخذ به هدم لأصل من اصول الشريعة والإجماع على منعه ms158 إذا كان ~~صحيحا في الظاهر وذلك دليل على الوهم من بعض الرواة PageV01P225 ~~"""" صفحة رقم 226 """" # أو الغلط من بعض الرواة أو النسيان # فما الظن به إذا لم يصح على أنه قد روى عن أحمد بن حنبل أنه قال الحديث ~~الضعيف خير من القياس # وظاهره يقتضى العمل بالحديث غير الصحيح لأنه قدمه على القياس المعمول به ~~عند جمهور المسلمين بل هو إجماع السلف رضى الله عنهم # فدل على أنه عنده أعلى رتبة في العمل من القياس # والجواب عن هذا أنه كلام مجتهد يحتمل اجتهاده الخطأ والصواب إذ ليس له ~~على ذلك دليل يقطع العذر وإن سلم فيمكن حمله على خلاف ظاهره لإجماعهم على ~~طرح الضعيف الإسناد فيجب تأويله على أن يكون اراد به الحسن السند وما دار ~~به على القول بإعماله أو أراد خير من القياس لو كان مأخوذا به فكأنه يرد ~~القياس بذلك الكلام مبالغة في معارضة من اعتمده أصلا حتى رد به الأحاديث ~~وقد كان رحمه الله تعالى يميل إلى نفى القياس ولذلك قال ما زلنا نلعن أهل ~~الرأى ويلعنونا حتى جاء الشافعى فخرج بيننا # أو اراد بالقياس القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع ~~ففضل عليه الحديث الضعيف وإن لم يعمل به # وأيضا فإذا أمكن أن يحمل كلام أحمد على ما يسوغ لم يصح الاعتماد عليه في ~~معارضة كلام الأئمة رضى الله تعالى عنهم PageV01P226 ~~"""" صفحة رقم 227 """" # فإن قيل هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التى لم تبلغ ~~درجة الصحيح فإنهم كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد كذلك نصوا أيضا على أن ~~أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الاسناد بل إن كان ~~ذلك فبها ونعمت وإلا فلا حرج على من نقلها واستند إليها فقد فعله الأئمة ك ~~مالك في الموطأ وابن المبارك في رقائقه وأحمد بن حنبل في رقائقه وسفيان في ~~جامع الخير وغيرهم # فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى الترغيب والترهيب وإذا جاز ms159 ~~اعتماد مثله جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه كصلاة الرغائب والمعراج وليلة ~~النصف من شعبان وليلة أول جمعة من رجب وصلاة الإيمان والأسبوع وصلاة بر ~~الوالدين ويوم عاشوراء وصيام رجب والسابع والعشرين منه وما PageV01P227 ~~"""" صفحة رقم 228 """" # أشبه ذلك فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح فالصلاة على ~~الجملة ثابت أصلها وكذلك الصيام وقيام الليل كل ذلك راجع إلى خير نقلت ~~فضيلته على الخصوص # وإذا تبث هذا فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب فلا ~~يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد بخلاف الأحكام # فإذا هذا الوجه من الاستدلال من طريق الراسخين لا من طريق الذين في ~~قلوبهم زيغ حيث فرقوا بين أحاديث الاحكام فاشترطوا فيها الصحة وبين أحاديث ~~الترغيب والترهيب فلم يشترطوا فيها ذلك # فالجواب أن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب ~~لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة وبيانه ان العمل المتكلم فيه إما أن يكون ~~منصوصا على اصله جملة وتفصيلا أو لا يكون منصوصا عليه لا جملة ولا تفصيلا ~~أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا PageV01P228 ~~"""" صفحة رقم 229 """" # فالأول - لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات والنوافل المرتبة لأسباب ~~وغيرها وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف إذا فعلت على الوجه ~~الذي نص عليه من غير زيادة ولا نقصان كصيام عاشوراء أو يوم عرفة والوتر بعد ~~نوافل الليل وصلاة الكسوف # فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا على ما شرطوا فثبتت أحكامها من الفرض ~~والسنة والاستحباب فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها أو تحذير من ترك ~~الفرض منها وليست بالغة مبلغ الصحة ولا هي أيضا من الضعف بحيث لا يقبلها ~~أحد أو كانت موضوعة لا يصح الاستشهاد بها فلا بأس بذكرها والتحذير بها ~~والترغيب بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح # والثاني ظاهر أنه غير صحيح وهو عين البدعة # لأنه لا يرجع إلا لمجرد الرأى المبنى على الهوى وهو أبدع البدع وافحشها ~~كالرهبانية المنفية عن الإسلام والخصاء لمن خشى العنت والتعبد ms160 بالقيام في ~~الشمس أو بالصمت من غير كلام أحد # فالترغيب في مثل هذا لا يصح إذ لا يوجد في الشرع ولا اصل له يرغب في مثله ~~أو يحذر من مخالفته # والثالث ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة ~~فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة # فمطلق التنفل بالصلاة مشروع فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان ~~فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة # وكذلك إذا ثبت اصل صيام ثبت صيام السابع والعشرين من رجب وما اشبه ذلك ~~وليس كما توهموا لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل ~~فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها ~~حتى ينص عليها على الخصوص # وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام لا يلزم منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو ~~شعبان أوغير PageV01P229 ~~"""" صفحة رقم 230 """" # ذلك حتى يثبت بالتفصيل بدليل صحيح # ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص ~~الثابت بالدليل الصحيح # وليس فيما ذكر في السؤال شىء من ذلك إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلى ~~والنهاري في الجملة وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة يقرأ في ~~كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة # ومثله صيام اليوم الفلاني من الشهر الفلانى حتى تصير تلك العبادة مقصودة ~~على الخصوص ليس في شىء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام # والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما ~~يتضمن حكما شرعيا فيه على الخصوص كما ثبت لعاشوراء مثلا أو لعرفة أو لشعبان ~~مزية على مطلق التنفل بالصيام فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام # فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها بحيث لا تفهم من مطلق ~~مشروعية الصلاة النافلة لأن مطلق المشروعية يقتضى أن الحسنة بعشر أمثالها - ~~إلى سبعمائة ضعف في الجملة # وصيام ms161 يوم عاشوراء يقتضى أنه يكفر السنة التي قبله فهو أمر زائد على مطلق ~~المشروعية ومساقه يفيد له مزية في الرتبة وذلك راجع إلى الحكم # فإذا هذا الترغيب الخاص يقتضى مرتبة في نوع من المندوب خاصة فلا بد من ~~رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم إن الأحكام لا تثبت ~~إلا من طريق صحيح والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من الزيادة ~~على المشروعات كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما # فيلزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح وهو ناقض إلى ما ~~اسسه العلماء PageV01P230 ~~"""" صفحة رقم 231 """" # ولا يقال إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط # لأنا نقول هذا تحكم من غير دليل بل الأحكام خمسة # فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن يثبت في ~~احاديث الترغيب والترهيب ولا عليك # فعلى كل تقدير كل ما رغب فيه إن ثبت حكمه ومرتبته في المشروعات من طريق ~~صحيح فالترغيب بغير الصحيح مغتفر # وإن لم يثبت إلا من حديث الترغيب فاشترط الصحة ابدا وإلا خرجت عن طريق ~~القوم المعدودين في أهل الرسوخ # فلقد غلط في هذا المكان جماعة ممن ينسب إلى الفقه ويتخصص عن العوام بدعوى ~~رتبة الخواص # وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين في الموضعين وبالله التوفيق # فصل # ومنها ضد هذا # وهو ردهم للأحاديث التى جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم ويدعون أنها ~~مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب ~~القبر والصراط والميزان ورؤية الله عز وجل في الآخرة # وكذلك حديث الذباب وقتله وان في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وأنه يقدم ~~الذي فيه الداء # وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بسقيه العسل ~~وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول # ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضى الله تعالى عنهم - ~~وحاشاهم - وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم # كل ذلك ليردوا به على PageV01P231 ~~"""" صفحة رقم 232 """" # من خالفهم في المذهب ms162 وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة لينفروا ~~الأمة عن اتباع السنة وأهلها # كما روى عن أبى بكر بن محمد أنه قال قال عمرو بن عبيد لا يعفى عن اللص ~~دون السلطان قال فحدثته بحديث صفوان ابن أميه عن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) حيث قال فهلا قبل ان تأتينى به قال أتحلف بالله أن النبى صلى الله ~~عليه قاله قلت أفتحلف أنت بالله أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لم يقله ~~فحدثت بن ابن عون - قال - فلما عظمت الحلقة قال يا أبا بكر حدث # وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل # وقد سئل بعضهم هل يكفر من قال بروية البارى في الآخرة فقال لا يكفر لأنه ~~قال ما لا يعقل ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر # وذهبت طائفة إلى نفى أخبار الآحاد جملة والاقتصار على ما استحسنته عقولهم ~~في فهم القرآن حتى أباحوا الخمر بقوله ) ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا ( الآية # ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا ألفين أحدكم ~~متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت أو نهينت عنه فيقول لا ادرى ~~ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه وهذا وعيد شديد تضمنه النهى لا حق بمن ارتكب ~~رد السنة # ولما ردوها بتحكم العقول كان الكلام معهم راجعا إلى أصل التحسين والتقبيح ~~وهو مذكور في الأصول وسيأتى له بيان إن شاء الله # وقال عمر بن النضر سئل عمرو بن عبيد يوما عن شىء - وأنا عنده - فأجاب فيه # فقلت له ليس هكذا يقول أصحابنا قال ومن أصحابك لا أبا لك PageV01P232 ~~"""" صفحة رقم 233 """" # قلت أيوب ويونس وابن عون والتيمى # قال اولئك أنجاس أرجال أموات غير أحياء # وقال ابن علية حدثنى اليسع # قال تكلم واصل يعنى ابن عطاء يوما - قال - فقال عمرو بن عبيد ألا تسمعون ~~ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة # وكان واصل بن عطاء أول من تكلم في الاعتزال ms163 فدخل معه في ذلك عمرو بن عبيد ~~فأعجب به فزوجه أخته # وقال لها زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة # ثم تجاوزوا الحد حتى ردوا القرآن بالتلويح والتصريح لرايهم السوء # فحكى عمرو بن على أنه سمع ممن يثق به أنه قال كنت عند عمرو بن عبيد - وهو ~~جالس على دكان عثمان الطويل - فأتاه رجل فقال يا أبا عثمان ما سمعت من ~~الحسن يقول في قوله الله عز وجل ) قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم ( قال تريد أخبرك برأى حسن # قال لا أريد إلا ما سمعت من الحسن # قال سمعت الحسن يقول كتب الله على قوم القتل فلا يموتون إلا قتلا وكتب ~~على قوم الهدم فلا يموتون إلا هدما وكتب على قوم الغرق فلا يموتون إلا غرقا ~~وكتب على قوم الحريق فلا يموتون إلا حرقا # فقال له عثمان الطويل يا أبا عثمان ليس هذا قولنا قال عمرو قد قلت أريد ~~أن أخبرك براي الحسن فأنا أكذب على الحسن # وعن الأثرم عن أحمد بن حنبل قال حدثنا معاذ # قال كنت عند عمرو ابن عبيد فجاءه عثمان بن فلان # فقال يا أبا عثمان سمعت - والله - بالكفر # قال ما هو # لا تعجل بالكفر # قال هاشم الأوقص زعم أن ) تبت يدا أبي لهب ( وقوله تعالى ) ذرني ومن خلقت ~~وحيدا ( لم يكن هذا في أم الكتاب والله تعالى يقول ) حم ( ) إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ( فما الكفر ~~إلا هذا # فسكت ساعة ثم تكلم PageV01P233 ~~"""" صفحة رقم 234 """" # فقال والله لو كان الأمر كما تقول ما كان على أبى لهب من لوم ولا كان على ~~الوحيد من لوم # قال عثمان - في مجلسه - هذا والله الدين - قال معاذ - ثم قال في آخره ~~فذكرته لوكيع فقال يستتاب قائلها فإن تاب وإلا ضربت عنقه # ومثل هذا محكى لكن عن بعض المرموقين من ائمة الحديث فروى عن على بن ~~المدينى عن المومل عن الحسن بن وهب الجمحى ms164 قال الذي كان بينى وبين فلان خاص ~~فانطلق بأهله إلى بئر ميمون فأرسل إلى أن ائتنى فأتيته عشية فبت عنده # قال فهو في فسطاط وأنا في فسطاط آخر فجعلت أسمع صوته الليل كله كأنه دوى النحل # قال فلما أصبحنا جاء بغدائه فتغدينا قال وذكر ما بينى وبينه من الإخاء والحق # قال فقال لي أدعوك إلى رأى الحسن # قال وفتح لى شيئا من القدر # قال فقمت من عنده فما كلمته بكلمة حتى لقى الله # قال فأنا يوما خارج من الطريق في الطواف وهو داخل أو أنا داخل وهو خارج ~~فأخذ بيدى فقال يا أبا عمر حتى متى حتى متى # قال فلم أكلمه فقال مالى أرأيت لو أن رجلا قال ) تبت يدا أبي لهب ( ليست ~~من القرآن ما كنت تقوله له قال فتنزعت يدى من يده # قال على قال مؤمل فحدثت به سفيان بن عيينة # فقال لى كنت أرى بلغ هذا كله # قال على وسمعته أنا وأحمد بن # قال حدثت أنا سفيان بن عيينة عن معلى الطحان ببعض حديثه فقال ما أحوج ~~صاحب هذا الرأى إلى أن يقتل PageV01P234 ~~"""" صفحة رقم 235 """" # فانظروا إلى تجاسرهم على كتاب الله تعالى وسنة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ~~) كل ذلك ترجيح لمذاهبهم على محض الحق وأقربهم إلى هيبة الشريعة من يتطلب ~~بها المخرج فيتأول لها الواضحات ويتبع المتشابهات وسيأتى # والجميع داخلون تحت ذمها # وربما احتج طائفة من نابتة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما تفيد ~~الظن وقد ذم الظن في القرآن كقوله تعالى ) إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ( وقال ) إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ( وما ~~جاء في معناه حتى أحلوا أشاء ما حرمها الله تعالى على لسان نبيه ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وليس تحريمها في القرآن نصا وإنما قصدوا من ذلك أن يثبت لهم من ~~أنظار عقولهم ما استحسنوا # والظن المراد في الآية وفي الحديث أيضا غير ما زعموا وقد وجدنا له محال ~~ثلاثة أحدها الظن في أصول ms165 الدين فإنه لا يغنى عند العلماء لاحتماله النقيض ~~عند الظان بخلاف الظن في الفروع فإنه معمول به عند أهل الشريعة للدليل ~~الدال على إعماله فكان الظن مذموما إلا ما تعلق منه بالفروع وهذا صحيح ذكره ~~العلماء في الموضع # والثاني أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح ~~ولاشك أنه مذموم هنا لأنه من التحكم ولذلك اتبع في الآية بهوى النفس في ~~قوله ) إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ( فكأنهم مالوا إلى امر بمجرد ~~الغرض والهوى ولذلك أثبت ذمه بخلاف الظن الذي أثاره دليل فإنه غير مذموم في ~~الجملة لأنه خارج عن اتباع الهوى ولذلك أثبت وعمل بمقتضاه حيث يليق العمل ~~بمثله كالفروع # فإن قيل فقد تقدم من نقل ابن العربى في الرهبانية أنها السياحة واتخاذ ~~الصوامع للعزلة - قال - وذلك مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان # وقد بسط الغزالى هذا الفصل في الإحياء عند ذكر العزلة # وذكر في كتاب آداب النكاح من ذلك ما فيه كفاية # وحاصله أن ذلك مشروع بل هو الأولى عند عروض العوارض وعندما يصير النكاح ~~ومخالطة الناس وبالا على الإنسان وموديا إلى اكتساب الحرام والدخول فيما لا ~~يجوز كما جاء في الصحيح من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) يوشك ان يكون خير ~~مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن وسائر ~~ما جاء في هذا المعنى # وأيضا فإن الله تعالى قال لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ) واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا ( والتبتل - على ما قاله زيد بن اسلم - رفض الدنيا من ~~قولهم بتلت الحبل بتلا إذا قطعته ومعناه القطع من كل شىء إلا منه # وقال الحسن وغيره بتل إليه نفسك واجتهد # وقال ابن زيد تفرغ لعبادته هذا إلى ما جاء عن السلف الصالح من الانقطاع ~~إلى عبادة الله ورفض أسباب الدنيا # والتخلى عن والحواضر إلى البوادي واتخاذ الخلوات في الجبال والبرارى حتى ~~إن بعض الجبال الشامية قد خصها الله بالأولياء والمنقطعين إلى لبنان ونحوه ms166 ~~فما وجه ذلك # فالجواب أن الرهبانية إن كانت بالمعنى المقرر في شرائع الأول فال نسلم ~~أنها في شرعنا لما تقدم من الأدلة على نسخها كانت لعارض أو لغير عارض إذ لا ~~رهبانية في الإسلام وقد رد ( صلى الله عليه وسلم ) التبتل حسبما تقدم # وإن كانت بمعنى الانقطاع إلى الله حسبما شرع وعلى حد ما انقطع إليه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو المخاطب بقوله ) وتبتل إليه تبتيلا ( فهذا ~~هو الذى PageV01P235 ~~"""" صفحة رقم 236 """" # والثالث أن الظن على ضربين ظن يستند إلى اصل قطعى وهذه هي الظنون المعمول ~~بها في الشريعة أينما وقعت لأنها استندت إلى أصل معلوم فهي من قبيل المعلوم ~~جنسه وظن لا يستند إلى قطعى بل إما مستند إلى غير شىء أصلا وهو مذموم - كما ~~تقدم - وإما مستند إلى ظن مثله فذلك الظن إن استند أيضا إلى قطعى فكالأول ~~أو إلى ظنى رجعنا إليه فلا بد أن يستند إلى قطعى وهو محمود أو إلى غير شيء ~~وهو مذموم فعلى كل تقدير خبر واحد صح سنده فلا بد من استناده إلى اصل في ~~الشريعة قطعى فيجب قبوله ومن هنا قبلناه مطلقا كما أن ظنون الكفار غير ~~مستندة إلى شىء فلا بد من ردها وعدم اعتبارها وهذا الجواب الأخير مستمد من ~~أصل وقع بسطه في كتاب الموافقات والحمد لله # ولقد بالغ بعض الضالين في رد الأحاديث ورد قول من اعتمد على ما فيها حتى ~~عدوا القول به مخالفا للعقل والقائل به معدود في المجانين # فحكى أبو بكر بن العربى عن بعض من لقى بالمشرق من المنكرين للرؤية أنه ~~قيل له هل يكفر من يقول بإثبات رؤية البارى أم لا فقال لا لأنه قال بما لا ~~يعقل ومن قال بما لا يقعل لا يكفر # قال ابن العربى فهذه منزلتنا عندهم فليعتبر الموفق فيما يؤدى إليه اتباع ~~الهوى أعاذنا الله من ذلك بفضله # وزل بعض المرموقين في زماننا في هذا المسألة فزعم أن خبر الواحد كله زعم ~~وهو ما حكى في ms167 الأثر بئس مطية الرجل زعموا والأثر الآخر إياكم والظن فإن ~~الظن أكذب الحديث وهذه من كلام هذا المتأخر وهلة عفا الله عنه PageV01P236 ~~"""" صفحة رقم 237 """" # فصل # ومنها تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العزوف عن علم ~~العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله فيفتاتون على الشريعة بما فهموا ~~ويدينون به ويخالفون الراسخين في العلم وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين ~~الظن بأنفسهم واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط وليسوا كذلك كما ~~حكى عن بعضهم أنه سئل عن قول الله تعالى ) ريح فيها صر ( فقال هو هذا ~~الصرصر يعنى صرار الليل # وعن النظام أنه كان يقول إذا آلى المرء بغير اسم الله لم يكن موليا # قال لأن الإيلاء مشتق من اسم الله وقال بعضهم في قول الله تعالى ) وعصى ~~آدم ربه فغوى ( لكثرة أكله من الشجرة يذهبون إلى قول العرب غوى الفصيل إذا ~~أكثر من اللبن حتى بشم ولا يقال فيه غوى وإنما غوى من الغى وفي قوله سبحانه ~~) ولقد ذرأنا لجهنم ( أي القينا فيها كأنه عندهم من قول العرب ذرته الريح ~~وذلك لا يجوز لأن ذرأنا مهموز وذرته غير مهموز وكذلك إذا كان من أذرته ~~الدابة عن ظهرها لعدم الهمزة # ولكنه رباعى وذرأنا ثلاثى # وحكى ابن قتبة عن بشر المريسى أنه كان يقول لجلسائه قضى الله لكم الحوائج ~~على أحسن الوجوه وأهيئها فسمع قاسم التمار قوما يضحكون فقال هذا كما قال الشاعر # إن سليمى والله يكلوها # ضنت بشىء ما كان يرزؤها # وبشر المريسى رأس في الرأى وقاسم التمار رأس في علم الكلام PageV01P237 ~~"""" صفحة رقم 238 """" # قال ابن قتيبة واحتجاجه ببشر أعجب من لحن بشر # واستدل بعضهم تحليل شحم الخنزير بقول الله تعالى ) ولحم الخنزير ( فاقتصر ~~على تحريم اللحم دون غيره فدل على أنه حلال # وربما سلم بعض العلماء ما قالوا وزعم أن الشحم إنما حرم بالإجماع # والأمر أيسر من ذلك فإن اللحم يطلق على الشحم وغيره حقيقة حتى إذا خص ~~بالذكر قيل شحم كما يقال عرق وعصب ms168 وجلد # ولو كان على ما قالوا لزم أن لا يكون العرق والعصب ولا الجلد ولا المخ ~~ولا النخاع ولا غير ذلك مما خص بالاسم - محرما # وهو خروج عن القول بتحريم الخنزير # ويمكن ان يكون من خفى هذا الباب مذهب الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم # استدلالا بقوله تعالى ) إن الحكم إلا لله ( فإنه مبنى على أن اللفظ ورد ~~بصيغة العموم فلا يلحقه تخصيص فلذلك أعرضوا عن قول الله تعالى ) فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها ( وقوله ) يحكم به ذوا عدل منكم ( وإلا فلو ~~علموا تحقيقا قاعدة العرب في ان العموم لم يرد به الخصوص لم يسرعوا إلى ~~الانكار ولقالوا في أنفسهم هل هذا العام مخصوص فيتأولون وفي الموضع وجه آخر ~~مذكور في موضع غير هذا وكثيرا ما يوقع الجهل بكلام العرب في مجاز لا يرضى ~~بها عاقل أعاذنا الله من الجهل والعمل به بفضله # فمثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها وتسقط مكالمة أهلها ولا يعد خلاف ~~أمثالهم وما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الاصولية فهو عين البدعة PageV01P238 ~~"""" صفحة رقم 239 """" # إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى # فحق ما حكى عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه حيث قال إنما هذا القرآن كلام ~~فضعوه مواضعه ولا تتبعوا به أهواءكم # أي فضعوه على مواضع الكلام ولا تخرجوه عن ذلك فإنه خروج عن طريقه ~~المستقيم إلى اتباع الهوى # وعنه أيضا # إنما أخاف عليكم رجلين - رجل تأول القرآن على غير تأويله ورجل ينفس المال ~~على أخيه وعن الحسن رضى الله تعالى عنه أنه قيل له أرأيت الرجل يتعلم ~~العربية ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقه قال نعم # فليتعلمها فإن الرجل يقرأ بالآية فيعياه توجيهها فيهلك # وعنه أيضا قال أهلكتكم العجمة تتأولون القرآن على غير تأويله # فصل # ومنها انحرافهم عن الاصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف # وطلب الأخذ بها تأويلا - كما أخبر الله تعالى في كتابه - إشارة إلى ~~النصارى في قولهم بالثالوثى - بقوله ) فأما الذين في ms169 قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( وقد علم العلماء أن كل دليل فيه ~~اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه # ويشترط في ذلك أن لا يعارضه اصل قطعى # فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعى كظهور تشبيه فليس ~~بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه ودالا على غيره وإلا احتيج ~~إلى دليل فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلا # ولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية لأن الفروع الجزئية إن ~~لم تقتض عملا فهي في محل التوقف وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول PageV01P239 ~~"""" صفحة رقم 240 """" # هو الصراط المستقيم # ويتناول الجزئيات حتى إلى الكليات # فمن عكس الأمر حاول شططا ودخل في حكم الذم لأن متبع الشبهات مذموم # فكيف يعتد بالمتشابهات دليلا أو بينى عليها حكم من الأحكام وإذا لم تكن ~~دليلا في نفس الأمر فجعلها بدعة محدثة هو الحق # ومثاله في ملة الإسلام مذهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب - المنزه عن ~~النقائص - من العين واليد والرجل والوجه المحسوسات والجهة وغير ذلك من ~~الثابت للمحدثات # ومن الأمثلة ايضا أن جماعة زعموا أن القرآن مخلوق تعلقا بالمتشابه ~~والمتشابه الذى تعلقوا به على وجهين عقلى - في زعمهم - وسمعى # فالعقلى أن صفة الكلام من جملة الصفات وذات الله عندهم بريئة من التركيب ~~جملة وإثبات صفات الذات قول بتركيب الذات وهو محال لأنه واحد على الإطلاق ~~فلا يمكن أن يكون متكلما بكلام قائم به كما لا يكون قادرا بقدرة قائمة به ~~أوعالما بعلم قائم به - إلى سائر الصفات # وأيضا فالكلام لا يعقل إلا بأصوات وحروف وكل ذلك من صفات المحدثات ~~والبارى تنزه عنها وبعد هذا الأصل يرجعون إلى تأويل قوله سبحانه ) وكلم ~~الله موسى تكليما ( وأشباهه # وأما السمعى فنحو قوله تعالى ) الله خالق كل شيء ( والقرآن إما أن يكون PageV01P240 ~~"""" صفحة رقم 241 """" # شيئا أو لا شىء ولا شىء عدم والقرآن ثابت هذا خلف # وإن كان شيئا ms170 فقد شملته الآية فهو إذا مخلوق # وبهذا استدل المريسى على عبد العزيز المكى رحمه الله تعالى # وهاتان الشبهتان أخذ في التعلق بالمتشابهات # فإنهم قاسوا البارى على البرية ولم يعقلوا ما وراء ذلك فتركوا معانى ~~الخطاب وقاعدة العقول # أما تركهم للقاعدة فلم ينظروا في قوله تعالى ) ليس كمثله شيء ( وهذه ~~الآية نقلية عقلية لأن المشابه للمخلوق في وجه ما مخلوق مثله # إذ ما وجب للشىء وجب لمثله # فكما تكون الآية دليلا على نفى الشبه تكون دليلا لهولاء لأنهم عاملوه في ~~التنزيه معاملة المخلوق حيث توهموا أن اتصاف ذاته بالصفات يقتضى التركيب # وأما تركهم لمعانى الخطاب فإن العرب لا تفهم من قوله ) السميع البصير ( ~~و) السميع العليم ( أو ) القدير ( وما أشبه ذلك - إلا من له سمع وبصر وعلم ~~وقدرة اتصف بها فإخراجها عن حقائق معانيها التى نزل القرآن بها خروج عن أم ~~الكتاب إلى اتباع ما تشابه منه من غير حاجة # وحيث ردوا هذه الصفات إلى الأحوال التي هي العالمية والقادرية فما الزموه ~~في العلم والقدرة لازم لهم في العالمية والقادرية لأنها إما موجودة فيلزم ~~التركيب أو معدومة والعدم نفى محض # وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف # فبناء على عدم النظر في الكلام النفسي وهو مذكور في الأصول # وأما الشبهة السمعية فكأنها عندهم بالتبع لأن العقول عندهم هى العمدة ~~المعتمدة ولكنهم يلزمهم بذلك الدليل مثل ما مر والله لأن قوله تعالى ) الله ~~خالق كل شيء ( إما أن يكون على عمومه لا يتخلف عنه شىء اول ا PageV01P241 ~~"""" صفحة رقم 242 """" # فإن كان على عمومه فتخصيصه إما بغير دليل - وهو التحكم - وإما بدليل ~~فأبرزوه حتى ننظر فيه # ويلزم مثله في الإرادة إن ردوا الكلام إليها وكذلك غيرها من الصفات إن ~~أقروا بها أو الأحوال إن أنكروها وهذا الكلام معهم بحسب الوقت # والذي يليق بالمسألة أنواع أخر من الأدلة التي تقتضى كون هذا المذهب بدعة ~~لا يلائم قواعد الشريعة # ومن أغرب ما يوضع ههنا ما حكاه المسعودى وذكره الآجرى - في كتاب الشريعة ~~- بأبسط مما ذكره ms171 المسعودى # واللفظ هنا للمسعودى مع إصلاح بعض الألفاظ # قال ذكر صالح بن على الهاشمى قال حضرت يوما من الايام جلوس المهتدى ~~للمظالم فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به ~~إليه ما استحسنته فأقبلت أرمقه ببصرى إذا نظر في القصص فإذا رفع طرفه إلى ~~اطرقت فكأنه علم ما في نفسى # فقال لي يا صالح أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره - قال - فقلت نعم يا ~~أمير المؤمنين فامسك # فلما فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح ونهض فجلست جلوسا طويلا فقمت إليه وهو ~~على حصير الصلاة فقال لى يا صالح أتحدثنى بما في نفسك أم أحدثك فقلت بل هو ~~من أمير المؤمنين أحسن # فقال كاننى بك وقد استحسنت من مجلسنا فقلت أي خليفة خليفتنا إن لم يكن ~~يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن # فقال قد كنت على ذلك برهة من الدهر حتى أقدم على الواثق شيخا من أهل ~~الفقه والحديث من أذنة من الثغر الشامي مقيدا طوالا حسن الشيبة فسلم غير ~~هائب ودعا فأوجز فرأيت الحياء منه في حماليق عينى الواثق والرحمة عليه PageV01P242 ~~"""" صفحة رقم 243 """" # فقال يا شيخ أجب أبا عبد الله أحمد بن ابى دؤاد عما يسألك عنه # فقال يا أمير المؤمنين أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة فرأيت الواثق ~~وقد صار مكان الرحمة غضبا عليه # فقال أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك فقال هون عليك يا أمير ~~المؤمنين اتأذن لي في كلامه فقال له الواثق قد أذنت لك # فأقبل الشيخ على أحمد فقال يا أحمد إلام دعوت الناس فقال أحمد إلى القول ~~بخلق القرآن فقال له الشيخ مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق ~~القرآن أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها قال نعم # قال الشيخ فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دعا الناس إليها أم تركهم قال لا # قال له يعلمها أم لم يعلمها قال علمها # قال # فلم دعوت الناس إلى ما لم ms172 يدعهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وتركهم ~~منه فأمسك فقال الشيخ يا أمير المؤمنين هذه واحدة # ثم قال له أخبرنى يا أحمد قال الله تعالى في كتابه العزيز ) اليوم أكملت ~~لكم دينكم ( الآية فقلت أنت الدين لا يكون تاما إلا بمقالتك بخلق القرآن ~~فالله تعالى عز وجل صدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك فأمسك فقال الشيخ ~~يا أمير المؤمنين وهذه ثانية # ثم قال بعد ساعة أخبرني يا أحمد قال الله عز وجل # ) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( ~~فمقالتك هذه التى دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إلى الأمة أم لا فأمسك فقال الشيخ يا أمير المؤمنين وهذه ثالثة # ثم قال بعد ساعة أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) مقالتك هذه التى دعوت الناس إليها اتسع له عن أن أمسك عنهم أم لا PageV01P243 ~~"""" صفحة رقم 244 """" # قال أحمد بل اتسع له ذلك # فقال الشيخ وكذلك لأبى بكر وكذلك لعمر وكذلك لعثمان وكذلك لعلى رحمة الله عليهم # قال نعم # فصرف وجهه إلى الواثق وقال يا أمير المؤمنين إذ لم يتسع لنا ما اتسع ~~لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولاصحابه فلا وسع الله علينا فقال ~~الواثق نعم لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ولأصحابه فلا وسع الله علينا # ثم قال الواثق اقطعوا قيوده فلما فكت جاذب عليها # فقال الواثق دعوه ثم قال يا شيخ لم جاذبت عليها قال لأني عقدت في نيتي أن ~~أجاذب عليها فإذا أخذتها أوصيت أن تجعل بين يدى وكفتى # ثم أقول يا ربى سل عبدك لم قيدنى ظلما وارتاع بى اهلى فبكى الواثق والشيخ ~~وكل من حضر # ثم قال له الواثق يا شيخ اجعلنى في حل # فقال يا أمير المؤمنين ما خرجت من منزلى حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ms173 ) ولقرابتك منه # فتهلل وجه الواثق وسر ثم قال له أقم عندي أنس بك # فقال له مكاني في ذلك الثغر أنفع وأنا شيخ كبير ولي حاجة قال سل ما بدا لك # قال يأذن أمير المؤمنين في رجوعي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم ~~قال قد أذنت لك وأمر له بجائزة # فلم يقبلها # فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها # فتأملوا هذه الحكاية ففيها عبرة لأولى الألباب # وانظروا كيف مأخذ الخصوم في إفحامهم لخصومهم بالرد عليهم بكتاب الله وسنة ~~نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) # ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد وهو الجهل بمقاصد الشرع ~~وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض # فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين PageV01P244 ~~"""" صفحة رقم 245 """" # إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها ~~وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها ومطلقها المحمول على ~~مقيدها ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها فإذا حصل للناظر ~~من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذى نظمت به حين استنبطت # وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوى فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا ~~حتى يستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا ~~باللسان وحده بل بجملته التى سمى بها إنسانا # كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من ~~دليل منها أي دليل كان وإن ظهر لبادى الراى نطق ذلك الدليل # فإنما هو توهمى لا حقيقى كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة من ~~حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال # فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كاعضاء الإنسان ~~إذا صورت صورة مثمرة # وشأن متبعى المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا وإن كان ~~ثم ما يعارضه من كلى أو جزئى # فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا # فمتبعه متبع متشابه ولا ms174 يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به ) ومن ~~أصدق من الله قيلا ( # فصل وعند ذلك نقول # من اتباع المتشابهات الاخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها وبالعمومات ~~من غير تأمل - هل لها مخصصات أم لا وكذلك العكس بأن يكون النص مقيدا فيطلق ~~أو خاصا فيعم بالرأى من غير دليل سواءه # فإن هذا المسلك رمى # ثابر السلف الصالح رضى الله عنهم إلى إخفاء الأعمال فيما استطاعوا أو خف ~~عليهم الأقتداء بالحديث وبفعله عليه الصلاة والسلام لأنه القدوة والاسوة # ومع ذلك فلم يثبت فيها إذا عمل بها في البيوت دائما أن يقام جماعة في ~~المساجد البتة ما عدا رمضان - حسبما تقدم - ولا في البيوت دائما وإن وقع ~~ذلك في الزمان الاول في الفرط كقيام ابن عباس رضى الله عنهما مع رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) عندما بات عند خالته ميمونة وما ثبت من قوله عليه ~~الصلاة والسلام قوموا فلأصل لكم # وما في الموطإ من صلاة يرفأ مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقت الضحى فمن ~~فعله في بيته وقتا ما فلا حرج ونص العلماء على جواز ذلك بهذا القيد المذكور ~~وإن كان الجواز قد وقع في المدونة مطلقا - فما ذكره تقييد له وأظن ابن حبيب ~~نقل عن مالك مقيدا فإذا اجتمع في النافلة أن تلتزم التزام السنن الرواتب ~~إما دائما وإما في أوقات محدودة وعلى وجه محدود وأقيمت في الجماعة في ~~المساجد التي تقام فيها الفرائض أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب ~~فذلك ابتداع # والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عن ~~اصحابه ولا عن التابعين لهم بإحسان فعل هذا المجموع هكذا مجموعا وإن أتى ~~مطلقا من غير تلك التقييدات # فالتقييد في المطلقات PageV01P245 ~~"""" صفحة رقم 246 """" # في عماية واتباع للهوى في الدليل وذلك أن المطلق المنصوص على تقييده ~~مشتبه إذا لم يقيد فإذا قيد صار واضحا كما أن إطلاق المقيد رأى في ذلك ~~المقيد معارض للنص من غير دليل # فمثال الأول ms175 أن الشريعة قد ورد طلبها على المكلفين على الإطلاق والعموم ~~ولا يرفعها عذر إلا العذر الرافع للخطاب رأسا وهو زوال العقل فلو بلغ لمكلف ~~في مراتب الفضائل الدينية إلى أي رتبة بلغ بقى التكليف عليه كذلك إلى الموت ~~ولا رتبة لاحد يبلغها في الدين كرتبة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم ~~رتبة اصحابه البررة ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة إلا ما كان من ~~تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى الآحاد كالزمن لا يطالب بالجهاد والمقعد لا ~~يطالب بالصلاة قائما والحائض لا تطلب بالصلاة المخاطب بها في حال حيضها ولا ~~ما أشبه ذلك # فمن رأى أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الدين - كما ~~يقوله أهل الإباحة - كان قوله بدعة مخرجة عن الدين # ومنه دعاوى أهل البدع على الأحاديث الصحيحة منقاضتها للقرآن أو مناقضة ~~بعضها بعضا وفساد معانيها أو مخالفتها للعقول - كما حكموا بذلك في قوله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) للمتحاكمين إليه والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب ~~الله مائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام وعلى ~~المرأة هذه الرجم واغد يا انيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغذا ~~عليها فاعترفت فرجمها - قالوا هذا مخالف لكتاب الله # لأنه قضى بالرجم والتغريب وليس للرجم ولا للتغريب في كتاب الله ذكر فإن ~~كان الحديث باطلا فهو ما أردنا وإن كان حقا فقد ناقض كتاب الله بزيادة ~~الرجم والتغريب # فهذا اتباع للمتشابه لأن الكتاب في كلام العرب وفي الشرع يتصرف على وجوه ~~منها الحكم والفرض كقوله تعالى ) كتاب الله عليكم ( وقال تعالى PageV01P246 ~~"""" صفحة رقم 247 """" # ) كتب عليكم الصيام ( - ( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ) فكان ~~المعنى لأقضين بينكما بكتاب الله أي بحكم الله الذى شرع لنا # كما أن الكتاب يطلق على القرآن فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل ~~اتباع لما تشابه من الأدلة # وفي الحديث مثل أمتى كمطر لا يدرى أوله خير أم آخره قالوا فهذا يقتضى انه ~~لم يثبت لأول هذه ms176 الأمة فضل على الخصوص دون آخرها ولا العكس ثم نقل إن ~~الإسلام بدى غريبا وسيعود غريبا كما بدىء فطوبى للغرباء فهذا يقتضى تفضيل ~~الأولين والآخرين على الوسط # ثم نقل خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فاقتضى أن ~~الاولين افضل على الإطلاق # قالوا فهذا تناقض # وكذبوا ليس ثم تناقض ولا اختلاف # وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادى الرأى في المقولات الشرعية # فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا وإما أن يمكن فإن لم يمكن فهذا الفرض ~~بين قطعى وظنى أو بين ظنيين فأما بين قطعيين فلا يقع في الشريعة ولايمكن ~~وقوعه لأن تعارض القطعيين محال # فإن وقع بين قطعى وظنى بطل الظنى وإن وقع بين ظنيين فههنا للعلماء فيه ~~الترجيح والعمل بالأرجح متعين وإن أمكن الجمع - فقد اتفق النظار على إعمال ~~وجه الجمع وإن كان وجه الجمع ضعيفا - فإن الجمع أولى عندهم وإعمال الأدلة ~~أولى من إهمال بعضها فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الاصل رأسا إما جهلا ~~به أو عنادا # فإذا ثبت هذا فقوله خير القرون قرنى هو الاصل في الباب فلا يبلغ أحد منا ~~مبلغ الصحابة رضى الله عنهم وما سواه يحتمل التأويل على حال أو زمان أو في ~~بعض الوجوه PageV01P247 ~~"""" صفحة رقم 248 """" # وأما قوله فطوبى للغرباء لا نص فيه على التفضيل المشار إليه بل هو دليل ~~على جزاء حسن ويبقى النظر في كونه مثل جزاء الصحابة أو دونه أو فوقه محتمل ~~فليس في الحديث عليه دليل فلا بد من حمله على محكم الأصل الأول ولا إشكال # ومن ذلك قولهم بالتناقض في قوله ( صلى الله عليه وسلم ) لا تفضلونى على ~~يونس ابن متى ولا تخيروا بين الأنبياء وبينى وقوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر ~~ووجه الجمع بينهما ظاهر # ومنه أنهم قالوا في قوله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا استيقط أحدكم من ~~نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن احدكم لا يدرى أين باتت ~~يده إن هذا الحديث يفسد آخره أوله فإن أوله ms177 صحيح لولا قوله فإن أحدكم لا ~~يدرى كذا # فما منا أحد إلا درى أي باتت يده # وأشد الأمور أن يكون مس بها فرجه ولو أن رجلا فعل ذلك في اليقظة لما طلب ~~بغسل يده # فكيف يطلب بالغسل ولا يدرى هل مس فرجه أم لا # وهذا الاعتراض من النمط الذي قبله # إذ النائم قد يمس فرجه فيصيبه شىء من نجاسة في المحل لعدم استنجاء تقدم ~~النوم أو يكون استجمر فوق موضع الاستجمار وهو لو كان يقظان فمس لعلم ~~بالنجاسة إذا علقت بيده فيغسلها قبل غمسها في الإناء لئلا يفسد الماء # وإذا امكن هذا لم يتوجه الاعتراض # فجميع ما ذكر في هذا الفصل راجع إلى إسقاط الأحاديث بالرأى المذموم الذي ~~تقدم الاستشهاد عليه أنه من البدع المحدثات # فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة لأن ~~اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها وهذا شأن السنة وإذا ~~جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك # فإن قيل كيف صارت هذه الاشياء من البدع الإضافية والظاهر منها إنها بدع ~~حقيقية لأن تلك الاشياء إذا عمل بها على اعتقاد أنها سنة فهى حقيقية إذ لم ~~يضعها صاحب السنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على هذا لم توجه فسارت ~~مثل ما إذا صلى الظهر على أنها غير واجبة واعتقدها عبادة فإنها بدعة من غير ~~إشكال هذا إذا نظرنا إليها بمآلها وإذا نظرنا إليها أولا فهى مشروعة من غير ~~نسبة إلى بدعة اصلا # فالجواب أن السؤال صحيح إلا أن لوضعها أولا نظرين أحدهما من حيث مشروعة ~~فلا كلام فيها # والثانى من حيث صارت كالسبب الموضوع لاعتقاد البدعة أو للعمل بها على غير ~~السنة فهى من هذا غير مشروعة # لأن وضع الاسباب للشارع لا للمكلف والشارع لم يضع الصلاة في مسجد قباء أو ~~بيت المقدس - مثلا - سببا لأن تتخذ سنة فوضع المكلف لها كذلك رأى غير مستند ~~إلى الشرع فكان ابتداعا # وهذا معنى كونها بدعة إضافية # أما إذا استقر ms178 السبب وظهر عنه مسببه الذى PageV01P248 ~~"""" صفحة رقم 249 """" # فصل # ومنها تحريف الأدلة عن مواضعها # بأن يرد الدليل على مناط فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر موهما أن ~~المناطين واحد وهو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله # ويغلب على الظن أن من أقر بالإسلام ويذم تحريف الكلم عن مواضعه لا يلجأ ~~إليه صراحا إلا مع اشتباه يعرض له أو جهل يصده عن الحق مع هوى يعميه عن أخذ ~~الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعا # وبيان ذلك أن الدليل الشرعى إذا اقتضى أمرا في الجملة مما يتعلق ~~بالعبادات - مثلا - فأتى به المكلف في الجملة أيضا كذكر الله والدعاء ~~والنوافل المسحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة # كان الدليل عاضدا لعلمه من جهتين من جهة معناه ومن جهة عمل السلف الصلح ~~به فإن إتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص ~~أو مقارنا لعبادة مخصوصة والتزم ذلك بحيث صار متخيلا أن الكيفية أو الزمان ~~أو المكان مقصود شرعا من غير أن يدل الدليل عليه # كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه # فإذا ندب الشرع مثلا إلى ذكر الله فالتزم قول الاجتماع عليه على لسان ~~واحد وبصوت أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات - لم يكن في ندب الشرع ~~ما يدل على هذا التخصيص الملتزم بل فيه ما يدل على خلافه لأن التزام ~~الأموار غير اللازمة شرعا شأنها أن تفهم التشريع بل فيه ما يلد على خلافه ~~لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعا شأنها ان تفهم التشريع وخصوصا مع من ~~يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد # فإنها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المساجد وما أشبهها كالأذان وصلاة ~~العيدين والاستسقاء والكسوف - فهم منها بلا شك أنها سنن إذا لم تفهم منه ~~الفرضية فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به فصارت من هذه الجهة بدعا ~~محدثة بذلك PageV01P249 ~~"""" صفحة رقم 250 """" # وعلى ms179 ذلك ترك التزام السلف الصالح لتلك الأشياء أو عدم العمل بها وهم ~~كانوا أحق بها وأهلها لو كانت مشروعة على مقتضى القواعد لأن الذكر قد ندب ~~إليه الشرع ند في مواضع كثيرة حتى إنه لم يطلب في تكثير عبادة من العبادات ~~ما طلب من التكثير من الذكر كقوله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا ( الآية وقوله ) وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون ( بخلاف سائر العبادات # ومثل هذا الدعاء فإنه ذكر الله # ومع ذلك فلم يلتزموا فيه كيفيات ولا قيدوه بأوقات مخصوصة بحيث تشعر ~~باختصاص التعبد بتلك الاوقات إلا ما عينه الدليل كالغداة والعشى # ولا اظهروا منه إلا ما الشارع على إظهاره كالذكر في العيدين وشبهه وما ~~سوى ذلك فكانوا مثابرين على إخفائه # وسره ولذلك قال لهم حين رفعوا اصواتهم اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا وأشباهه ولم يظهروه في الجماعات # فكل من خالف هذا الاصل فقد خالف إطلاق الدليل أولا لأنه قيد فيه بالرأى # وخالف من كان أعرف منه بالشريعة وهم السلف الصالح رضى الله عنهم بل كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يترك العمل وهو يحب أن يعمل به خوفا أن ~~يعمل به الناس فيفرض عليهم # وفي فصل من الموافقات جملة من هذا وهو مزلة قدم # فقد يتوهم أن إطلاق اللفظ يشعر بجواز كل ما يمكن في مدلوله وقوعا وليس ~~خصوصا في العبادات فإنها PageV01P250 ~~"""" صفحة رقم 251 """" # محمولة على التعبد على حسب ما تلقى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) والسلف ~~الصالح كالصلوات حين وضعت بعيدة عن مدارك العقول في أركانها وترتبيها ~~وأزمانها وكيفياتها ومقاديرها وسائر ما كان مثلها - حسبما يذكر في باب ~~المصالح المرسلة من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى - فلا يدخل العبادات ~~الرأى والاستحسان هكذا مطلقا لأنه كالمنافى لوضعها ولأن العقول لا تدرك ~~معانيها على التفصيل # وكذلك حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها كمالك بن أنس رضى الله عنه ~~فإنه حافظ على طرح الرأى جدا ولم ms180 يعمل فيها من أنواع القياس إلا قياس نفى ~~الفارق حيث أظهر إليه وكذلك غيره من العلماء وإن تفاوتوا - فهم محافظون ~~جميعا في العبادات على الاتباع لنصوصها ومنقولاتها بخلاف غيرها فبحسبها لا ~~مطلقا فإن الإنسان قد أمر بذلك في الجملة - مثلا - فالمخصص كالمخالف لمفهوم ~~التوسعة وإن لم يفهم من ذلك توسعة فلا بد من الرجوع إلى اصل الوقف مع ~~المنقول لأنا إن خرجنا عنه شككنا في كون العبادة على ذلك الوجه مشروعة على ~~الطريقتين المنبه عليها في كتاب الموافقات فيتعين الرجوع إلى المنقول وقوفا ~~معه من غير زيادة ولا نقصان # ثم إذا فهمنا كالتوسعة فلا بد من اعتبار أمر آخر وهو أن يكون العمل بحيث ~~لا يوهم التخصيص زمانا دون غيره أو مكانا دون غيره أو كيفية دون غيرها أو ~~يوهم انتقال الحكم من الاستحباب - مثلا - إلى السنة أو الفرض لأنه قد يكون ~~الدوام عليه على كيفية ما في مجامع الناس أو مساجد الجماعات أو نحو ذلك - ~~موهما لكونه سنة أو فرضا بل هو كذلك PageV01P251 ~~"""" صفحة رقم 252 """" # الا ترى أن كل ما أظهره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وواظب عليه في ~~جماعة إذا لم يكن فرضا فهو سنة عند العلماء كصلاة العيدين والاستسقاء ~~والكسوف ونحو لك بخلاف قيام الليل وسائر النوافل فإنها مستحبات وندب ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إلى إخفائها # وإنما يضر إذا كانت تشاع ويعلن بها # ومن أمثلة هذا الأصل التزام الدعاء بعد الصوات بالهيئة الاجتماعية معلنا ~~بها في الجماعات # وسيأتى بسط ذلك في بابه إن شاء الله تعالى # فصل # ومنها بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلات لا تعقل - يدعون فيها ~~أنها هي المقصود والمراد لا ما يفهم العربى - مسندة عندهم إلى أصل لا يعقل ~~وذلك أنهم فما ذكر العلماء قوم أرادوا إبطال الشريعة جملة وتفصيلا وإلقاء ~~ذلك فيما بين الناس لينحل الدين في أيديهم فلم يمكنهم إلقاء ذلك صراحا فيرد ~~ذلك في وجوههم وتمتد إليهم أيدى الحكام - فصرفوا أعناقهم إلى التحيل على ما ~~قصدوا بأنواع من ms181 الحيل من جملتها صرف الهم من الظواهر إحالة لى أن لها ~~بواطن هي المقصودة وأن الظواهر غير مرادة # فقالوا كل ما ورد في الشرع من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر والأمور ~~الإلهية فهي أمثلة ورموز إلى بواطن # فما زعموا في الشرعيات أن الجنابة مبادرة الداعى للمستجيب بإفشاء سر اليه ~~قبل أن ينال رتبة الاستحقاق # ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك # ومعنى مجامعة البهيمة مقابحة من لا عهد له ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى - ~~وهو مائة وتسعة عشر درهما عندهم - قالوا فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل ~~والمفعول به وإلا فالبهيمة متى يجب القتل عليها PageV01P252 ~~"""" صفحة رقم 253 """" # والاحتلام أن يسبق لسانه إلى إفشاء السر في غير محله فعليه الغسل اي ~~تجديد المعاهدة والطهر هو التبرى من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام # والتيمم الأخذ من المأذون إلى ان يسعد بمشاهدة الداعى والإمام # والصيام هو الإمساك عن كشف السر # ولهم من هذا الإفك كثير في الأمور الإلهية وأمور التكليف وامور الآخرة ~~وكله حوم على إبطال الشريعة جملة وتفصيلا إذ هم ثنوية ودهرية وإباحية ~~منكرون للنبوة والشرائع والحشر والنشر والجنة والنار والملائكة - بل هم ~~منكرون للربوبية وهم المسمون بالباطنية # وربما تمسكوا بالحروف والأعداد بأن الثقب في رأس الآدمى سبع والكواكب ~~السيارة سبع وأيام الأسبوع سبع فهذ يدل على أن دول الأئمة سبعة وبه يتم # وأن الطبائع أربع وفصول السنة أربع فدل على أن أصول الأربعة هي السابق ~~والتالي الالهان - عندهم والناطق والأساس - وهما الإمامان - والبروج اثنا ~~عشر يدل على أن الحجج اثنا عشر وهم الدعاة إلى أنواع من هذا القبيل # وجميعها ليس فيه ما يقابل بالرد لأن كل طائفة من المبتدعة سوى هؤلاء ربما ~~يتمسكون بشبهة تحتاج إلى النظر فيها معهم # أما هؤلاء فقد خلعوا في الهذيان الربقة وصاروا عرضة للمز وضحكة للعالمين # وإنما ينسبون هذه الأباطيل إلى الإمام المعصوم الذي زعموه وإبطال الأئمة ~~معلوم في كتب المتكلمين # ولكن لا بد من نكتة مختصرة في الرد عليهم PageV01P253 ~~"""" صفحة رقم ms182 254 """" # فلا يخلو أن يكون ذلك عندهم إما من جهة دعوى الضرورة وهو محال # لأن الضرورى هو ما يشترك فيه العقلاء علما وإدراكا وهذا ليس كذلك # وإما من جهة الإمام المعصوم بسماعهم منه لتلك التأويلات # فنقول لمن زعم ذلك ما الذى دعاك إلى تصديق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وسوى المعجزة وليس لإمامك معجزة فالقرآن يدل على ان المراد ظاهره لا مازعمت # فإن قال ظاهر القرآن رموز إلى بواطن فهمها الإمام المعصوم ولم يفهمها ~~الناس فتعلمناه منه # قيل لهم من أي جهة تعلمتوها منه أبمشاهد قلبه بالعين أو بسماع منه ولا بد ~~من الاستناد إلى السماح بالاذن # فيقال فلعل لفظه ظاهر له باطن لم تفهمه ولم يطلعك عليه فلا يوثق بما فهمت ~~من ظاهر لفظه فإن قال صرح بالمعنى # وقال ما ذكرته ظاهر لا رمز فيه أو والمراد ظاهره # قيل له وبماذا عرفت قوله أنه ظاهر لا رمز فيه بل أنه كما قال إذ يمكن أن ~~يكون له باطن لم تفهمه أيضا حتى لو حلف بالطلاق الظاهر أنه لم يقصد إلا ~~الظاهر لاحتمل أن يكون في طلاقه رمز هو باطنه وليس مقتضى الظاهر # فإن قال ذلك يؤدى إلى حسم باب التفهيم # قيل له فأنتم حسمتموه بالنسبة إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فإن ~~القرآن دائر على تقرير الوحدانية والجنة والنار والحشر والنشر والأنبياء ~~والوحى والملائكة موكدا ذلك كله بالقسم # وأنتم تقولون إن ظاهره غير مراد وإن تحته رمزا # فإن جاز ذلك عندكم بالنسبة إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لمصلحة وسر ~~له في الرمز جاز بالنسبة إلى معصومكم أن يظهر لكم خلاف ما يضمره لمصلحة وسر ~~له فيه وهذا لا محيص لهم عنه # قال أبو حامد الغزالى رحمه الله ينبغى أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه ~~الفرقة هي أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال إذ لا تجد فرقة تنقض مذهبها ~~بنفس المذهب سوى هذه التى هي الباطنية # إذ مذهبها إبطال النظر PageV01P254 ~~"""" صفحة رقم 255 """" # وتغيير الألفاظ عن موضوعها ms183 بدعوى الرمز وكل ما يتصور أن تنطق به ألسنتهم ~~فإما نظر أونقل أما النظر فقد ابطلوه وأما النقل فقد جوزوا أن يراد باللفظ ~~غير موضوعه فلا يبقى لهم معتصم والتوفيق بيد الله # وذكر ابن العربي في العواصم مأخذا آخر في الرد عليهم أسهل من هذا - وقال ~~إنهم لا قبل لهم به - وهو أن يسلط عليهم في كل ما يدعونه السوال ب لم خاصة ~~فكل من وجهت عليه منهم سقط في يده وحكى في ذلك حكاية ظريفة يحسن موقعها ها ~~هنا وتصور المذهب كاف في ظهور بطلانه إلا أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع ~~قد اعتمده طوائف وبنوا عليه بدعا فاحشة منها مذهب المهدى المغربى فإنه عد ~~نفسه الإمام المنتظر وأنه معصوم حتى أن من شك في عصمته أو في أنه المهدى ~~المنتظر كافر # وقد زعم ذووه أنه ألف في الإمامة كتابا ذكر فيه أن الله استخلف آدم ونوحا ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام وأن مدة الخلافة ثلاثون سنة وبعد ~~ذلك فرق وأهواء وشح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذى رأى برأيه فلم يزل الأمر ~~على ذلك والباطل # ظاهر والحق كامن والعلم مرفوع - كما أخبر عليه الصلاة والسلام - والجهل ~~ظاهر ولم يبق من الدين إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه حتى جاء الله ~~بالإمام فأعاد الله به الدين - كما قال عليه الصلاة والسلام بدىء الدين ~~غريبا وسيعود غريبا كما بدىء فطوبى للغرباء وقال إن طائفته هم الغرباء زعما ~~من غير برهان زائد على الدعوى وقال في ذلك الكتاب جاء الله بالمهدى وطاعته ~~صافية نقية لم ير مثلها قبل ولا بعد وأن به قامت السموات والأرض به تقوم ~~ولا ضد له ولا مثل ولا ند وكذب تعالى الله عن قوله وهذا كما نزل أحاديث ~~الترمذى وأبى داود في الفاطمى على نفسه وأنه هو بلا شك PageV01P255 ~~"""" صفحة رقم 256 """" # 6 # وأول إظهاره لذلك أنه قام في أصحابه خطيبا فقال الحمد لله الفعال لما ~~يريد القاضى لما يشاء لا راد لأمره ms184 ولا معقب لحكمه وصلى الله على النبى ~~المبشر بالمهدى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يبعثه الله إذا ~~نسخ الحق بالباطل وأزيل العدل بالجور مكانه بالمغرب الاقصى وزمانه آخر ~~الأزمان واسمه اسم النبى عله الصلاة والسلام ونسبه نسب النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وقد ظهر جور الأمراء وامتلأت الأرض بالفساد وهذا آخر الزمان ~~والاسم الاسم والنسب النسب والفعل الفعل # يشير إلى ما جاء في أحاديث الفاطمى # فلما فرغ بادر إليه من اصحابه عشرة فقالوا هذه الصفة لا توجد إلا فيك ~~فأنت المهدى فبايعوه على ذلك # وأحدث في دين الله أحداثا كثيرة زيادة إلى الإقرار بأنه المهدى المعلوم ~~والتخصيص بالعصمة ثم وضع ذلك في الخطب وضرب في السكك بل كانت تلك الكلمة ~~عندهم ثالثة الشهادة فمن لم يؤمن بها أو شك فيها فهو كافر كسائر الكفار ~~وشرع القتل في مواضع لم يضعه الشرع فيها وهو نحو من ثمانية عشر موضعا كترك ~~امتثال أمر من يستمع أمره وترك حضور مواعظه ثلاث مرات والمداهنة إذا ظهرت ~~في أحد قتل وأشياء كثيرة # وكان مذهبه البدعة الظاهرية ومع ذلك فابتدع أشياء كوجوه من التثويب إذ ~~كانوا ينادون عند الصلاة بتاصاليت الإسلام وبقيام تاصاليت وسوردين وباردى ~~وواصبح ولله الحمد وغيره فجرى العمل بجميعها في زمان الموحدين وبقى أكثرها ~~بعد ما انقرضت دولتهم حتى إنى أدركت بنفسى في جامع غرناطة الأعظم الرضا عن ~~الإمام المعصوم المهدى المعلوم إلى أن أزيلت وبقيت أشياء كثيرة غفل عنها أو أغفلت # وقد كان السلطان أبو العلاء إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن PageV01P256 ~~"""" صفحة رقم 257 """" # ابن على منهم ظهر له قبح ما هم عليه من هذه الابتداعات فأمر - حين استقر ~~بمراكش - خليفته بإزالة جميع ما ابتدع من قبله وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار ~~يأمر فيها بتغيير تلك السنة ويوصى بتقوى الله والاستعانة به والتوكل عليه ~~وأنه قد نبذ الباطل وأظهر الحق وأن لا مهدى إلا عيسى وأن ما ادعوه أنه ~~المهدى بدعة أزالها واسقط # اسم من لا ms185 تثبت عصمته # وذكر أن أباه المنصور هم بان يصدع بما به صدع وأن يرفع الحرف الذي رفع ~~فلم يساعده الأجل لذلك ثم لما مات واستخلف ابنه أبو محمد عبد الواحد الملقب ~~بالرشيد وفد إليه جماعة من أهل ذلك المذهب المتسمين بالموحدين فقتلوا منه ~~في الذروة والغارب وضمنوا على أنفسهم الدخول تحت طاعته والوقوف على قدم ~~الخدمة بين يديه والمدافعة عنه بما استطاعوا لكن على شرط ذكر المهدى ~~وتخصيصه بالعصمة في الخطبة والمخاطبات ونقش اسمه الخاص في السكك وإعادة ~~الدعاء بعد الصلاة والنداء عليها بتاصاليت الإسلام عند كمال الأذان وبتقام ~~تاصاليت وهي إقامة الصلاة وما أشبه ذلك من سودرين ووقادرى وأصبح ولله الحمد ~~وغير ذلك # وقد كان الرشيد استمر على العمل بما رسم أبوه من ترك ذلك كله فلما انتدب ~~الموحدون إلى الطاعة اشترطوا إعادته ما ترك فأسعفوا فيه فلما احتلوا ~~منازلهم أياما ولم يعد شىء من تلك العوائد ساءت ظنونهم وتوقعوا انقطاع ما ~~هو عمدتهم في دينهم وبلغ ذلك الرشيد فجدد تانيسهم بإعادتها # قال المؤرخ فيالله ماذا بلغ من سرورهم وما كانوا فيه من الارتياح لسماع ~~تلك الأمور وانطلقت ألسنتهم بالدعاء لخليفتهم بالنصر والتأييد وشملت ~~الأفراح فيهم الكبير والصغير وهذا شأن صاحب البدعة فلن يسر بأعظم PageV01P257 ~~"""" صفحة رقم 258 """" # من انتشار بدعته وإظهارها ) ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ~~( وهذا كله دائر على القول بالإمامة والعصمة الذي هو رأى الشيعة # فصل # ومنها رأى قوم التغالي في تعظيم شيوخهم # حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه فالمقتصد منهم يزعم أنه لا ولى لله أعظم من ~~فلان وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور وهو باطل ~~محض وبدعة فاحشة لأنه لا يمكن أن يبلغ المتأخرون أبدا مبالغ المتقدمين فخير ~~القرون الذين رأوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وآمنوا به ثم الذين ~~يلونهم وهكذا يكون الأمر أبدا إلى قيام الساعة فأقوى ما كان أهل الإسلام في ~~دينهم وأعمالهم ويقينهم وأحوالهم في اول الإسلام ثم لا زال ينقص ms186 يشيئا ~~فشيئا إلى آخر الدنيا لكن لا يذهب الحق جملة بل لا بد من طائفة تقوم به ~~وتعتقده وتعمل بمقتضاه على حسبهم في إيمانهم لا ما كان عليه الأولون من كل ~~وجه لأنه لو أنفق أحد من المتأخرين وزن أحد ذهبا ما بلغ مد أحد من أصحاب ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا نصيفه وإذا كان ذلك في المال فكذلك ~~في سائر شعب الإيمان بشهادة التجربة العادية # ولما تقدم أول الكتاب أنه لا يزال الدين في نقص فهو أصلى لا شك فيه وهو ~~عند أهل السنة والجماعة فكيف يعتقد بعد ذلك في أنه ولى أهل الأرض وليس في ~~الأمة ولى غيره لكن الجهل الغالب والغلو في التعظيم والتعصب للنحل يؤدى إلى ~~مثله أو أعظم منه # والمتوسط # يزعم أنه مساو للنبى ( صلى الله عليه وسلم ) إلا أنه لا يأتيه الوحى ~~بلغنى هذا عن طائفة من الغالين في شيخهم لحاملين لطريقتهم في زعمهم PageV01P258 ~~"""" صفحة رقم 259 """" # نظير ما ادعاه بعض تلامذة الحلاج في شيخهم على الاقتصاد منهم فيه والغالى ~~يزعم فيه اشنع من هذا كما ادعى أصحاب الحلاج في الحلاج # وقد حدثنى بعض الشيوخ أهل العدالة والصدق في النقل أنه قال أقمت زمانا في ~~بعض القرى البادية وفيها من هذه الطائفة المشار إليها كثير قال فخرجت يوما ~~من منزلى لبعض شأنى فرأيت رجلين منهم قاعدين فاتهمت أنهما يتحدثان في بعض ~~فروع طريقتهم فقربت منهما على استخفاء لأسمع من كلامهم - إذ من شأنهم ~~الاستخفاء بأسرارهم - فتحدثا في شيخهم وعظم منزلته وأنه لا أحد في الدنيا ~~مثله وطربا لهذه المقابلة طربا عظيما ثم قال أحدهما للآخر أتحب الحق هو ~~النبى قال نعم هذا هو الحق # قال المخبر فقمت من ذلك المكان فارا أن يصيبنى معهم قارعة # وهذا نمط الشيعة الإمامية ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب ~~والتهالك في محبة المبتدع لما وسع ذلك عقل أحد ولكن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ms187 الحديث فهؤلاء ~~غلوا كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام حيث قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم فقال الله تعالى ) يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ( وفي ~~الحديث لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله # ومن تأمل هذه الأصناف وجد لها من البدع في فروع الشريعة كثيرا لأن البدعة ~~إذا دخلت في الاصل سهلت مداخلتها الفروع PageV01P259 ~~"""" صفحة رقم 260 """" # فصل # وأضعف هؤلاء احتجاجا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات - وأقبلوا ~~وأعرضوا بسببها فيقولون رأينا فلانا الرجل الصالح فقال لنا اتركوا كذا ~~واعملوا كذا # ويتفق مثل هذا كثيرا للمتمرسين برسم التصوف وربما قال بعضهم رأيت النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) في النوم فقال لى كذا وأمرنى بكذا فيعمل بها ويترك ~~بها معرضا عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ لأن الرويا من غير ~~الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من ~~الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها ~~وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا كما يحكى ~~عن الكتانى رحمه الله قال رأيت النبى ( صلى الله عليه وسلم ) في المنام ~~فقلت ادع ا لله أن لا يميت قلبى فقال قل كل يوم أربعين مرة يا حى يا قيوم ~~لا إله إلا أنت فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته وكون الذكر يحيى القلب صحيح ~~شرعا وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير وهو من ناحية البشارة وإنما يبقى ~~الكلام في التحديد بالأربعين وإذا لم يوجد على اللزوم استقام # وعن أبى يزيد البسطامى رحمه الله قال رأيت ربى في المنام فقلت كيف الطريق ~~إليك فقال اترك نفسك وتعال # وشأن هذا الكلام من الشرع موجود فالعمل بمقتضاها صحيح لأنه كالتنبيه ~~لموضع الدليل لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق والوقوف على قدم ~~العبودية والآيات تدل على ms188 هذا المعنى كقوله تعالى ) وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ( PageV01P260 ~~"""" صفحة رقم 261 """" # وما أشبه ذلك فلو راى في النوم قائلا يقول إن فلانا سرق فاقطعه أو عالم ~~فاسأله أو اعمل بما يقول لك أو فلان زنى فحده وما أشبه ذلك لم يصح له العمل ~~حتى يقوم له الشاهد في اليقظة وإلا كان عاملا بغير شريعة إذ ليس بعد رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وحى # ولا يقال إن الرؤيا من أجزء النبوة فلا ينبغى أن تهمل وايضا إن المخبر في ~~المنام قد يكون النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وهو قد قال من رآنى في النوم ~~فقد رآنى حقا فإن الشيطان لا يتمثل بى وإذا كان فإخباره في النوم كإخباره ~~في اليقظة # لأنا نقول إن كانت الرويا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحى بل ~~جزء من أجزائه والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه بل إنما يقوم مقامه ~~في بعض الوجوه وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة وفيها كاف # وأيضا فإن الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من ~~الرجل الصالح وحصول الشروط مما ينظر فيه فقد تتوفر وقد لا تتوفر # وأيضا فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان وإلى حديث النفس وقد تكون سبب ~~هيجان بعض أخلاط فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها وتترك غير الصالحة # ويلزم أيضا على ذلك أن يكون تجديد وحى بحكم بعد النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهو منهى عنه بالإجماع # يحكى أن شريك بن عبد الله القاضى دخل على المهدى فلما رآه قال على بالسيف ~~والنطع قال ولم يا أمير المؤمنين قال رأيت في منامى كأنك تطأ بساطى وأنت ~~معرض عنى فقصصت رؤياى على من عبرها فقال لى PageV01P261 ~~"""" صفحة رقم 262 """" # يظهر لك طاعة ويضمر معصية # فقال له شريك والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام ولا أن ~~معبرك بيوسف الصديق عليه السلام فبلأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين ms189 ~~فاستحيى المهدى وقال أخرج عنى # ثم صرفه وأبعده # وحكى الغزالى عن بعض الأئمة أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن ~~فروجع فيه فاستدل بأن رجلا راى في منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة ولم ~~يدخلها فقيل هل دخلتها فقال أغنانى عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن فقام ~~ذلك الرجل فقال لو افتى إبليس بوجوب قتلى في اليقظة هل تقلدونه في فتواه ~~فقالوا لا فقال قوله في المنام لا يزيد على قوله في اليقظة # وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الرائى ~~بالحكم فلا بد من النظر فيها ايضا لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته فالحكم ~~بما استقر وإن أخبر بمخالف # فمحال لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في ~~حياته لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائى النومية لأن ~~ذلك باطل بالإجماع # فمن رأي شيئا من ذلك فلا عمل عليه وعند ذلك نقول إن رؤياه غير صحيحة # إذ لو رآه حقا لم يخبره بما يخالف الشرع # لكن يبقى النظر في معنى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) من رآنى في النوم ~~فقد رآنى وفيه تأويلان أحدهما ما ذكره ابن رشد إذ سئل عن حاكم شهد عنده ~~عدلان مشهوران بالعدالة في قضية فلما نام الحاكم ذكر أنه رأى النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال له ما تحكم بهذه الشهادة فإنها باطلة # فأجاب بأنه لا يحل له أن يترك العمل بتلك الشهادة لأن ذلك إبطال لأحكام ~~الشريعة بالرؤيا وذلك PageV01P262 ~~"""" صفحة رقم 263 """" # باطل لا يصح أن يعتقد إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها إلا الأنبياء الذين ~~رؤياهم وحى ومن سواهم إنما رؤياهم جزء من ستة واربعين جزء من النبوة # ثم قال وليس معنى قوله من رآنى فقد رآنى حقا أن كل من رأى في منامه أنه ~~رآه فقد رآه حقيقة # بدليل أن الرائى قد يراه مرات على صور مختلفة ويراه الرائى على صفة وغيره ~~على صفة أخرى ولا يجوز أن تختلف ms190 صور النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولا صفاته # وإنما معنى الحديث من رآنى على صورتى التي خلقت عليها # فقد رآنى إذ لايتمثل الشيطان بى إذ لم يقل من رآنى أنه رآنى فقد رآنى # وإنما قال من رآنى فقد رآنى # وأنى لهذا الرائي الذي رأي أنه رآه على صورة أنه رآه عليها وإن ظن أنه ~~رآه ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها وهذا مالا طريق لأحد إلى معرفته # فهذا ما نقل عن ابن رشد # وحاصله يرجع إلى أن المرئى قد يكون غير النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وإن ~~اعتقد الرائى أنه هو # والتأويل الثاني يقوله علماء التعبير إن لشيطان قد يأتى النائم في صورة ~~ما من معارف الرائى وغيرهم فيشير له إلى رجل آخر هذا فلان النبى وهذا الملك ~~الفلانى أو من اشبه هؤلاء ممن لا يتمثل الشيطان به # فيوقع اللبس على الرائي بذلك وله علامة عندهم # وإذا كان كذلك أمكن أن يكلمه المشار إليه بالأمر والنهى غير الموافقين ~~للشرع فيظن الرائي أنه من قبل النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولا يكون كذلك ~~فلا يوثق بما يقول له أو يأمر أو ينهى # وما أحرى هذا الضرب أن يكون الأمر أو النهى فيه مخالفا لكمال الأول حقيق ~~بأن يكون فيه موافقا وعند ذلك لا يبقى في المسألة إشكال # نعم لا يحكم PageV01P263 ~~"""" صفحة رقم 264 """" # بمجرد الرؤيا حتى يعرضها على العلم لإمكان اختلاط أحد القسمين بالأخر ~~وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة # نعم ياتى المرئى تأنيسا وبشارة ونذارة خاصة بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكما ~~ولا يبنون عليها أصلا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم # فصل # وقد رأينا أن نختم الكلام في الباب بفصل جمع جملة من الاستدلالات ~~المتقدمة وغيرها في معناها وفيه من نكت هذا الكتاب جملة اخرى فهو مما يحتاج ~~إليه بحسب الوقت والحال وإن كان فيه طول ولكنه يخدما ما نحن فيه إن شاء ~~الله تعالى # وذلك أنه وقع السؤال ms191 عن قوم يتسمون بالفقراء يزعمون أنهم سلكوا طريق ~~الصوفية فيجتمعون في بعض الليالي ويأخذون في الذكر الجهورى على صوت واحد ثم ~~في الغناء والرقص إلى آخر الليل ويحضر معهم بعض المتسمين بالفقهاء يترسمون ~~برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق هل هذا العمل صحيح في الشرع أم لا ~~فوقع الجواب بأن ذلك كله من البدع المحدثات المخالفة طريقة رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان فنفع الله بذلك من ~~شاء من خلقه # ثم إن الجواب وصل إلى بعض البلدان فقامت القيامة على العاملين بتلك ~~التبدع وخافوا اندراس طريقتهم وانقطاع أكلهم بها فأرادوا الانتصار لأنفسهم ~~بعد أن راموا ذلك بالانتساب إلى شيوخ الصوفية الذين ثبتت فضيلتهم واشتهرت ~~في الانقطاع إلى الله والعمل بالسنة طريقتهم فلم يستقر لهم الاستدلال PageV01P264 ~~"""" صفحة رقم 265 """" # لكونهم على ضد ما كان عليه القوم فإنهم كانوا بنوا نحلتهم على ثلاثة أصول ~~الاقتداء بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) في الأخلاق والأفعال وأكل الحلال ~~وإخلاص النية في جميع الأعمال وهؤلاء قد خالفوهم في هذه الاصول فلا يمكنهم ~~الدخول تحت ترجمتهم # وكان من قدر الله أن بعض الناس سأل بعض شيوخ الوقت في مسألة تشبه هذه لكن ~~حسن ظاهرها بحيث يكاد باطنها يخفى على غير المتأمل # فأجاب عفا الله عنه على مقتضى ظاهرها من غير تعرض إلى ما هم عليه من ~~البدع والضلالات ولما سمع بعضهم بهذا الجواب أرسل به إلى بلدة أخرى فأتى به ~~فرحل إلى غير بلده وشهر في شيعته أن بيده حجة لطريقتهم تقهر كل حجة وأنه ~~طالب للمناظرة فيها فدعى لذلك فلم يقم فيه ولا قعد غير أنه قال إن هذه حجتى ~~والقى بالبطاقة التي بخط المجيب وكان هو ومجيبه واشياعه يطيرون بها فرحا ~~فوصلت المسألة إلى غرناطة وطلب من الجميع النظر فيها # فلم يسع أحد له قوة على النظر فيها الأول أن يظهر وجه الصواب فيها الذي ~~يدان الله به لأنه من النصيحة التى هي الدين القويم والصراط المستقيم # ونص خلاصة ms192 السؤال ما يقول الشيخ فلان في جماعة من المسلمين يجتمعون في ~~رباط على ضفة البحر في الليالى الفاضلة يقرأون جزءا من القرآن ويستمعون من ~~كتب الوعظ والرقائق ما أمكن في الوقت ويذكرون الله بأنواع التهليل والتسبيح ~~والتقديس ثم يقوم من بينهم قوال يذكر شيئا في مدح النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ويلقى من السماع ما تتوق النفس إليه وتشتاق سماعه من صفات PageV01P265 ~~"""" صفحة رقم 266 """" # الصالحين وذكر آلاء الله ونعمائه ويشوقهم بذكر المنازل الحجازية والمعاهد ~~النبوية فيتواجدون اشتياقا لذلك ثم يأكلون ما حضر من الطعام ويحمدون الله ~~تعالى ويرددون الصلاة على النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ويبتهلون بالادعية ~~إلى الله في صلاح أمورهم ويدعون للمسلمين ولإمامهم ويفترقون # فهل يجوز اجتماعهم على ما ذكر أم يمنعون وينكر عليهم ومن دعاهم من ~~المحبين إلى منزله بقصد التبرك هل يجيبون دعوته ويجتمعون على الوجه المذكور أم لا # فأجاب بما محصوله مجالس تلاوة القرآن وذكر الله هي رياض الجنة # ثم اتى بشواهد على طلب ذكر الله # وأما الإنشادات الشعرية # فإنما الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وفي القرآن في شعراء الإسلام ) ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ( وذلك أن حسان بن ثابت ~~وعبد الله ابن رواحة وكعبا لما سمعوا قوله تعالى ) والشعراء يتبعهم الغاوون ~~( الآيات # بكوا عند سماعها فنزل الاستثناء وقد انشد الشعر بين يدى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ورقت نفسه الكريمة وذرفت عيناه لابيات أخت النضر لما طبع ~~عليه من الرأفة والرحمة # وأما التواجد عند السماع فهو في الاصل رقة النفس واضطراب القلب فيتأثر ~~الظاهر بتأثر الباطن # قال الله تعالى ) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ( أي اضطربت رغبا أو رهبا # وعن اضطراب القلب يحصل اضطراب الجسم قال الله تعالى ) لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا ( الآية # وقال ) ففروا إلى الله ( فإنما التواجد رقة نفسية وهزة قلبية ونهضة ~~روحانية # وهذا هو التواجد عن وجد # ولا يسمع فيه نكير من الشرع # وذكر السلمى أنه كان يستدل بهذه الآية على حركة ms193 الوجد في وقت السماع # وهي ) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ( PageV01P266 ~~"""" صفحة رقم 267 """" # فقالوا ربنا ) الآية # وكان يقول إن القلوب مربوطة بالملكوت حركتها أنوار الأذكار وما يرد عليها ~~من فنون السماع # ووراء هذا تواجد لا عن وجد فهو مناط الذم لمخالفة ما ظهر لما بطن وقد ~~يغرب فيه الأمر عند القصد إلى استنهاض العزائم وأعمال الحركة في يقظة القلب ~~النائم يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ولكن شتان ما بينهما # وأما من دعا طائفة إلى منزله فتجاب دعوته وله في ذلك قصده ونيته فهذا ما ~~ظهر تقييده على مقتضى الظاهر والله يتولى السرائر وإنما الأعمال بالنيات ~~انتهى ما قيده # فكان مما ظهر لى في هذا الجواب أن ما ذكره في مجالس الذكر صحيح إذا كان ~~على حسب ما اجتمع عليه السلف الصالح فإنهم كانوا يجتمعون لتدارس القرآن ~~فيما بينهم حتى يتعلم بعضهم من بعض ويأخذ بعضهم من بعض فهو مجلس من مجالس ~~الذكر التي جاء في مثلها من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده وهو الذي فهمه الصحابة رضى الله تعالى عنهم من ~~الاجتماع على تلاوة كلام الله # وكذلك الاجتماع على الذكر فإنه اجتماع على ذكر الله ففي رواية أخرى أنه ~~قال لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة الحديث المذكور # لا الاجتماع PageV01P267 ~~"""" صفحة رقم 268 """" # للذكر على صوت واحد وإذا اجتمع القوم على التذكر لنعم الله أو التذاكر في ~~العلم إن كانوا علماء أو كان فيهم عالم فجلس إليه متعلمون أو اجتمعوا يذكر ~~بعضهم بعضا بالعمل بطاعة الله والبعد عن معصيته - وما أشبه ذلك مما كان ~~يعمل به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في أصحابه وعمل به الصحابة ~~والتابعون - فهذه المجالس كلها مجالس ذكر وهي التي جاء فيها من الأجر ما جاء # كما ms194 يحكى عن ابن أبى ليلى أنه سئل عن القصص # فقال أدركت أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يجلسون ويحدث هذا بما سمع ~~وهذا بما سمع - فأما أن يجلسوا خطيبا فلا - وكان كالذى نراه معمولا به في ~~المساجد من اجتماع الطلبة على معلم يقرئهم القرآن أو علما من العلوم ~~الشرعية # أو تجتمع إليه العامة فيعلمهم أمر دينهم ويذكرهم بالله ويبين لهم سنة ~~نبيهم ليعملوا بها ويبين لهم المحدثات التي هي ضلالة ليحذروا منها ويتجنبوا ~~مواطنها والعمل بها # فهذه مجالس الذكر على الحقيقة وهي التي حرمها الله أهل البدع من هؤلاء ~~الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف - وقل ما تجد منهم من يحسن ~~قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن فضلا عن غيرها ولا يعرف كيف يتعبد ~~ولا كيف يستنجى أو يتوضأ أو يغتسل من الجنابة # وكيف يعلمون ذلك وهم قد حرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة وتنزل فيها ~~السكينة وتحف بها الملائكة فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا فاقتدوا بجهال ~~أمثالهم وأخذوا يقرأون الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على ~~آرائهم لا على ما قال أهل العلم فيها # فخرجوا عن الصراط المستقيم إلى أن يجتمعوا ويقرأ أحدهم شيئا من القرآن ~~يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد التلحين تشبه قراءته الغناء المذموم ثم ~~يقولون تعالوا نذكر الله فيرفعون اصواتهم يمشون ذلك الذكر مداولة طائفة في جهة # وطائفة في جهة أخرى على صوت PageV01P268 ~~"""" صفحة رقم 269 """" # واحد يشبه الغناء ويزعمون أن هذا من مجالس الذكر المندوب إليها وكذبوا ~~فإنه لو كان حقا لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل به وإلا فأين ~~في الكتاب اوفى السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهرا عاليا وقد قال ~~تعالى ) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ( والمعتدون في ~~التفسير هم الرافعون أصواتهم بالدعاء # وعن أبى موسى قال كنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في سفر فجعل ~~الناس يجهرون بالتكبير فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أربعوا على ~~أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ms195 إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم وهذا ~~الحديث من تمام تفسير الآية ولم يكونوا رضى الله عنهم يكبرون على صوت واحد ~~ولكنه نهاهم عن رفع الصوت ليكونوا ممتثلين للآية # وقد جاء عن السلف أيضا النهى عن الاجتماع على الذكر والدعاء بالهيئة التي ~~يجتمع عليها هؤلاء المبتدعون وجاء عنهم النهى عن المساجد المتخذة لذلك وهي ~~الربط التي يسمونها بالصفة # ذكر من ذلك ابن وهب وابن وضاح وغيرهما ما فيه كفاية لمن وفقه الله # فالحاصل من هؤلاء أنهم حسنوا الظن بأنهم فيما هم عليه مصيبون وأساءوا ~~الظن بالسلف الصالح أهل العمل الراجح الصريح وأهل الدين الصحيح # ثم لما طالبهم لسان الحال بالحجة أخذوا كلام المجيب وهم لا يعلمون وقولوه ~~ما لا يرضى به العلماء وقد بين ذلك في كلام آخر إذ سئل عن ذكر فقراء زماننا ~~فأجاب بأن مجالس الذكر المذكورة في الأحاديث أنها هي التي يتلى فيها القرآن ~~والتي يتعلم فيها العلم والدين والتى تعمر بالعمل والتذكير بالآخرة والجنة والنار # كمجالس سفيان الثورى والحسن وابن سيرين وأضرابهم PageV01P269 ~~"""" صفحة رقم 270 """" # أما مجالس الذكر اللسانى فقد صرح بها في حديث الملائكة السياحين لكن لم ~~يذكر فيه جهرا بالكلمات ولا رفع أصوات وكذلك غيره # لكن الأصل المشروع إعلان الفرائض وإخفاء النوافل وأتى بالآية وبقوله ~~تعالى ) إذ نادى ربه نداء خفيا ( وبحديث أربعوا على أنفسكم - قال وفقراء ~~الوقت قد تخيروا بآيات وتمزوا بأصوات هي إلى الاعتداء أقرب منها إلى ~~الأقتداء وطريقتهم إلى اتخاذها مأكلة وصناعة أقرب منها إلى اعتدادها قرية وطاعة # انتهى معناه على اختصار أكثر الشواهد # وهي دليل على أن فتواه المحتج بها ليس معناها ما رام هؤلاء المبتدعة # فإن سئل في هذ ه عن فقراء الوقت فأجاب بذمهم وأن حديث النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لا يتناول عملهم # وفي الأولى إنما سئل عن قوم يجتمعون لقراءة القرآن أو لذكر الله # وهذا السؤال يصدق على قوم يجتمعون مثلا في المسجد فيذكرون الله كل واحد ~~منهم في نفسه أو يتلوا القرآن نفسه كما يصدق ms196 على مجالس المعلمين والمتعلمين ~~وما أشبه ذلك مما تقدم التنبيه عليه فلا يسعه وغيره من العلماء إلا أن يذكر ~~محاسن ذلك والثواب عليه - فلما سئل عن أهل البدع في الذكر والتلاوة بين ما ~~ينبغى أن يعتمد عليه الموفق ولا توفيق إلا بالله العلى العظيم # وأما ما ذكره في الإنشادات الشعرية فجائز للإنسان أن ينشد الشعر الذي لا ~~رفث فيه ولا يذكر بمعصية وأن يسمعه من غيره إذا أنشد على الحد الذي كان ~~ينشد بين يدى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو عمل به الصحابة ~~والتابعون ومن يقتدى به من العلماء وذلك أنه كان ينشد ويسمع لفوائد منها ~~المنافحة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعن الإسلام وأهله ولذلك كان ~~حسان بن ثابت رضى الله عنه قد نصب له منبر في المسجد ينشد عليه إذا وفدت ~~الوفود حتى يقولوا خطيبه أخطب من خطيبنا وشاعره اشعر من شاعرنا ويقول له PageV01P270 ~~"""" صفحة رقم 271 """" # ( صلى الله عليه وسلم ) اهجهم وجبريل معك وهذا من باب الجهاد في سبيل ~~الله ليس للفقراء من فضله في غنائهم بالشعر قليل ولا كثير # ومنها أنهم كانوا يتعرضون لحاجاتهم ويستشفعون بتقديم الأبيات بين يدى ~~طلباتهم # كما فعل ابن زهير رضى الله عنه وأخت النضر بن الحارث مثل ما يفعل الشعراء ~~مع الكبراء هذا لا حرج فيه ما لم يكن في الشعر ذكر مالا يجوز ونظيره في ~~سائر الأزمنة تقديم الشعر للخلفاء والملوك ومن أشبههم قطعا من أشعارهم بين ~~يدى حاجاتهم كما يفعله أهل الوقت المجردون للسعاية على الناس مع القدرة على ~~الاكتساب وفي الحديث لا تصح الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى فإنهم ينشدون ~~الأشعار التي فيها ذكر الله وذكر رسوله وكثيرا ما يكون فيها ما لا يجوز ~~شرعا ويتمندلون بذكر الله ورسوله في الأسواق والمواضع القذرة ويجعلون ذلك ~~آلة لأخذ ما في ايدي الناس لكن بأصوات مطربة يخاف بسببها على النساء ومن لا ~~عقل له من الرجال # ومنها أنهم ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية تنشيطا ms197 لكلال النفوس ~~وتنبيها للرواحل أن تنهض في أثقالها وهذا حسن لكن العرب لم يكن لها من ~~تحسين النغمات ما يجرى مجرى ما الناس عليه اليوم بل كانوا ينشدون الشعر ~~مطلقا من غير ان يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم بل كانوا يرققون ~~الصوت ويمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى ~~فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب لهى وإنما كان لهم شىء من النشاط كما كان ~~الحبشة وعبد الله بن رواحة يحدوان بين يدى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) وكما كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق # نحن الذين بايعوا محمدا # على الجهاد ما حيينا أبدا PageV01P271 ~~"""" صفحة رقم 272 """" # فيجيبهم ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله اللهم لا خير إلا خير الآخرة # فاغفر للأنصار والمهاجرة # ومنها أن يتمثل الرجل بالبيت أو الأبيات من الحكمة في نفسه ليعظ نفسه أو ~~ينشطها أو يحركها لمقتضى معنى الشعر أو يذكرها ذكرا مطلقا كما حكى أبو ~~الحسن القرافى الصوفى عن الحسن أن قوما أتوا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~فقالوا يا امير المؤمنين إن لنا إماما إذا فرغ من صلاته تغنى # فقال عمر من هو فذكر الرجل # فقال قوموا بنا إليه فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره # قال فقام عمر مع جماعة من أصحاب النبى ( صلى الله عليه وسلم ) حتى أتوا ~~الرجل وهو في المسجد فلما ان نظر إلى عمر قام فاستقبله فقال يا امير ~~المؤمنين ما حاجتك وما جاء بك إن كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن ~~نأتيك وإن كانت الحاجة لك فأحق من عظمناه خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # قال له عمر ويحك بلغنى عنك أمر ساءنى # قال وما هو يا أمير المؤمنين قال أتتمجن في عبادتك قال لا يا أمير ~~المؤمنين لكنها عظة أعظ بها نفسى # قال عمر قلها فإن كان كلاما حسنا قلته معك وإن كان قبيحا نهتيك عنه # فقال # وفؤاد كلما عاتبته # في مدى الهجران يبغى تعبى # لا أراه ms198 الدهر إلا لاهيا # في تماديه فقد برح بى # يا قرين السوء ما هذا الصبا # فنى العمر كذا في اللعب # وشباب بان عنى فمضى # قبل أن أقضى منه أربى # ما أرجى بعده إلا الفنا # ضيق الشيب على مطلبى # ويح نفسى لا أراها أبدا # في جميل لا ولا في أدب # نفس لا كنت ولا كان الهوى # راقبى المولى وخافي وارهبى PageV01P272 ~~"""" صفحة رقم 273 """" # قال فقال عمر رضى الله تعالى عنه # نفس لا كنت ولا كان الهوى # راقبى المولى وخافى وارهبى # ثم قال عمر على هذا فليغن من غنى # فتأملوا قوله بلغنى عنك امر ساءنى # مع قوله اتتمجن في عبادتك # فهو من اشد ما يكون في الإنكار حتى أعلمه أنه يردد لسانه أبيات حكمة فيها ~~موعظة فحينئذ أقره وسلم له # هذا وما أشبهه كان فعل القوم وهم مع ذلك لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ~~ولا الوعظ على مجرد الشعر بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة ولا كانوا يستحضرون ~~لذكر الأشعار المغنين إذ لم يكن ذلك من طلباتهم ولا كان عندهم من الغناء ~~المستعمل في أزماننا شىء وإنما دخل في الإسلام بعدهم حين خالط العجم ~~المسلمين # وقد بين ذلك أبو الحسن القرافى فقال أي الماضين من الصدر الأول حجة على ~~من بعدهم ولم يكونوا يلحنون الاشعار ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من النغم ~~إلا من وجه إرسال الشعر واتصال القوافى # فإن كان صوت أحدهم أشجن من صاحبه كان ذلك مردودا إلى أصل الخلقة لا ~~يتصنعون ولا يتكلفون # هذا ما قال فلذلك نص العلماء على كراهية ذلك المحدث # وحتى سئل مالك بن أنس رضى الله عنه عن الغناء الذي يستعمله أهل المدينة # فقال إنما يفعله الفساق ولكن المتقدمون أيضا يعدون الغناء جزءا من أجزاء ~~طريقة التعبد وطلب رقة النفوس وخشوع القلوب حتى يقصدونه قصدا ويتعمدون ~~الليالى الفاضلة فيجتمعون لأجل الذكر الجهري والشطح والرقص والتغاشى ~~والصياح وضرب الأقدام على وزن إيقاع الكف أو الآلات وموافقة النغمات PageV01P273 ~~"""" صفحة رقم 274 """" # هل في كلام النبى ( صلى الله عليه وسلم ms199 ) وعمله المنقول في الصحاح أو عمل ~~السلف الصالح أو أحد من العلماء أثر أو في كلام المجيب ما يصرح بكلام مثل ~~هذا بل سئل عن إنشاد الاشعار بالصوامع كما يفعله المؤذنون اليوم في الدعاء ~~بالأسحار فأجاب بأن ذلك بدعة مضافة إلى بدعة لان الدعاء بالصوامع بدعة ~~وإنشاد الشعر والقصائد بدعة أخرى إذ لم يكن ذلك في زمن السلف المقتدى بهم # كما أنه سئل عن الذكر الجهرى أمام الجنازة فأجاب بأن السنة في اتباع ~~الجنائز الصمت والتفكير والاعتبار وان ذلك فعل السلف واتباعهم سنة ~~ومخالفتهم بدعة وقد قال مالك لن يأتى آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها # وأما ما ذكره المجيب في التواجد عند السماع من أنه أثر رقة النفس واضطراب ~~القلب فإنه لم يبين ذلك الأثر ما هو كما أنه لم يبين معنى كالرقة ولا عرج ~~عليها بتفسير يرشد إلى فهم التواجد عند الصوفية وإنما في كلامه ان ثم أثرا ~~ظاهرا يظهرعلى جسم المتواجد وذلك اإلاثر يحتاج إلى تفسير ثم التواجد يحتاج ~~إلى شرح بحسب ما يظهر من كلامه # والذي يظهر في التواجد ما كان يبدو على جملة من أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو البكاء واقشعرار الجلد التابع للخوف الآخذ بمجامع ~~القلوب وبذلك وصف الله عباده في كلامه حيث قال ) الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله ( وقال تعالى ) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ( وقال ) إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ( - إلى قوله - ~~) أولئك هم المؤمنون حقا ( PageV01P274 ~~"""" صفحة رقم 275 """" # وعن عبد الله بن الشخير رضى الله عنه قال انتهيت إلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وهو يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعنى من البكاء ~~والأزيز صوت يشبه صوت غليان القدر # وعن الحسن قال قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ) إن عذاب ms200 ربك لواقع ما له ~~من دافع ( فربى لها ربوة عيد منها عشرين يوما # وعن عبيد الله بن عمر قال صلى بنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه صلاة الفجر ~~فافتتح سوة يوسف فقرأها حتى إذا بلغ ) وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( ~~بكى حتى انقطع # وفي رواية لما انتهى إلى قوله ) إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ( بكى حتى ~~سمع نشيجه من وراء الصفوف # وعن أبى صالح قال لما قدم اهل اليمن في زمان ابى بكر رضى الله عنه سمعوا ~~القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر هكذا كنا حتى قست قلوبنا # وعن ابن أبى ليلى أنه قرأ سورة مريم حتى انتهى إلى السجدة ) خروا سجدا ~~وبكيا ( فسجد بها فلما رفع رأسه قال هذه السجدة قد سجدناها فأين البكاء إلى ~~غير ذلك من الآثار الدالة على أن أثر الموعظة الذي يكون بغير تصنع إنما هو ~~على هذه الوجوه وما أشبهها # ومثله ما استدل به بعض الناس من قوله تعالى ) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض ( ذكره بعض المفسرين # وذلك أنه لما ألقى الله الإيمان في قلوبهم حضروا عند ملكهم دقيانوس ~~الكافر فتحركت فأرة أو هرة خاف لأجلها الملك فنظر الفتية بعضهم إلى بعض ولم ~~يتمالكوا أن قاموا مصرحين بالتوحيد معلنين بالدليل والبرهان منكرين على ~~الملك نحلة الكفر باذلين أنفسهم في ذات الله # فأوعدهم ثم اخلفهم فتواعدوا الخروج إلى الغار إلى أن كان منهم ما حكى ~~الله تعالى في كتابه فليس في ذلك صعق ولا صياح ولا شطح ولا تغاش مستعمل ولا ~~شىء من ذلك وهو شأن فقرائنا اليوم # وخرج سعيد بن منصور في تفسيره عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال PageV01P275 ~~"""" صفحة رقم 276 """" # قلت لجدتي أسماء كيف كان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا ~~قرأوا القرآن قالت كانوا كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم # قلت إن ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية # فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم # وخرج أبو ms201 عبيد من أحاديث ابى حازم # قال مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله فقال ما هذا فقالوا ~~إذا قرىء عليه القرآن أو سمع الله يذكر خر من خشية الله # قال ابن عمر والله إنا لنخشى الله ولا نسقط # وهذا إنكار # وقيل لعائشة رضى الله عنها إن قوما إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم # فقالت إن القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ولكنه - كما قال الله ~~تعالى ) تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله ( وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه سئل عن القوم يقرأ عليهم القرآن ~~فيصعقون فقال ذلك فعل الخوارج # وخرج أبو نعيم على جابر بن عبد الله أن ابن الزبير رضى الله تعالى عنه ~~قال جئت أبى فقال أين كنت فقلت وجدت أقواما يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى ~~يغشى عليه من خشية الله فقعدت معهم فقال لا تقعد بعدها # فرآنى كأنه لم يأخذ ذلك في فقال رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يتلو القرآن # ورأيت أبا بكر وعمر يلوان القرآن فلا يصيبهم هذا أفتراهم أخشع لله من أبى ~~بكر وعمر فرأيت ذلك كذلك فتركتهم وهذا بأن ذلك كله تعمل وتكلف لا يرضى به ~~أهل الدين PageV01P276 ~~"""" صفحة رقم 277 """" # وسئل محمد بن سيرين عن الرجل يقرأ عنده فيصعق فقال ميعاد ما بيننا وبينه ~~أن يجلس على حائط # ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن وقع فهو كما قال # وهذا الكلام حسن في المحق والمبطل لأنه إنما كان عند الخوارج نوعا من ~~القحة في النفوس المائلة عن الصواب وقد تغالط النفس فيه فتظنه انفعالا ~~صحيحا وليس كذلك # والدليل عليه أنه لم يظهر على أحد من الصحابة لا هو ولا ما يشبهه فإن ~~مبناهم كان على الحق فلم يكونوا يستعملون في دين الله هذه اللعب القبيحة ~~المسقطة للأدب والمروءة # نعم قد لا ينكر اتفاق الغشى ونحوه أو الموت لمن سمع الموعظة بحق فضعف عن ~~مصابرة الرقة الحاصلة ms202 بسببها # فجعل ابن سيرين ذلك الضابط ميزانا للمحق والمبطل وهو ظاهر فإن القحة لا ~~تبقى مع خوف السقوط من الحائط # فقد اتفق من ذلك بعض النوادر وظهر فيها عذر التواجد # فحكى عن أبى وائل قال خرجنا مع عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ومعنا ~~الربيع بن خيثمة فمررنا على حداد فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار ~~فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط # ثم إن عبد الله مضى كما هو حتى أتينا على شاطىء الفرات على أتون فلما رآه ~~عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية ) إذا رأتهم من مكان بعيد ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا ( - إلى قوله - ) دعوا هنالك ثبورا ( فصعق الربيع ~~ثم غشى عليه # فاحتملناه فأتينا به أهله - قال - ورابطه عبدالله إلى الظهر فلم يفق ~~فرابطه إلى المغرب فأفاق ورجع عبد الله إلى أهله # فهذه حالات طرأت لواحد من أفاضل التابعين بمحضر صحابى ولم ينكر PageV01P277 ~~"""" صفحة رقم 278 """" # عليه لعلمه أن ذلك خارج عن طاقته فصار بتلك الموعظة الحسنة كالمغمى عليه ~~فلا حرج إذا # وحكى أن شابا كان يصحب الجنيد رضى الله عنه - وهو إمام الصوفية إذ ذاك - ~~فكان الشاب إذا سمع شيائا من الذكر يزعق فقال له الجنيد يوما إن فعلت ذلك ~~مرة أخرى لم تصحبنى # فكان إذا سمع شيئا يتغير ويضبط نفسه حتى كان يقطر العرق منه بكل شعرة من ~~بدنه قطرة فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت نفسه فهذا الشاب قد ظهر فيه مصداق ~~ما قاله السلف لأنه لو كانت صيحته الأولى غلبته لم يقدر على ضبط نفسه وإن ~~كان بشدة كما لم يقدر على ضبط نفسه الربيع بن خيثمة وعليه ادبه الشيخ حين ~~أنكر عليه ووعده بالفرقة إذ فهم منه أن تلك الزعقة من بقايا رعونة النفس ~~فلما خرج الأمر عن كسبه - بدليل موته - كانت صيحته عفوا لا حرج عليه فيها ~~إن شاء الله # بخلاف هؤلاء القوم الذين لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة فأخذوا بالتشبه ~~بهم فأبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج ms203 وباليتهم وقفوا عند هذا الحد المذموم ~~ولكن زادوا على ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على الصدور وبعضهم يضرب ~~على رأسه وما اشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى لكونه من أعمال الصبيان ~~والمجانين المبكى للعقلاء رحمة لهم إذ لم يتخذ مثل هذا طريقا إلى الله ~~وتشبها بالصالحين # وقد صح من حديث العرباض بن سارية رضى الله عنه قال وعظنا رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب الحديث ~~فقال الإمام الآجرى العالم السنى أبو بكر رضى الله عنه ميزوا هذا PageV01P278 ~~"""" صفحة رقم 279 """" # الكلام فإنه لم يقل صرخنا من موعظة ولا طرقنا على رءوسنا ولا ضربنا على ~~صدورنا ولا زفنا ولا رقصنا - كما يفعل كثير من الجهال يصرخون عند المواعظ ~~ويزعقون ويتناشون - قال - وهذا كله من الشيطان يلعب بهم وهذا كله بدعة ~~وضلالة ويقال لمن فعل هذا # أعلم أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أصدق الناس موعظة وأنصح الناس ~~لأمته وأرق الناس قلبا وخير الناس من جاء بعده - لا يشك في ذلك عاقل - ما ~~صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا ولو كان هذا صحيحا لكانوا ~~أحق الناس به أن يفعلوه بين يدى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولكنه ~~بدعة وباطل ومنكر فاعلم ذلك انتهى كلامه # وهو واضح فيما نحن فيه # ولا بد من النظر في الأمر كله الموجب للتأثر الظاهر في السلف الأولين مع ~~هؤلاء المدعين فوجدنا الأولين يظهر عليهم ذلك الأثر بسبب ذكر الله أو بسماع ~~آية من كتاب الله وبسبب رؤية اعتبارية - كما في قصة الربيع عند رؤيته ~~للحداد والأتون وهو موقد النار - ولسبب قراءة في صلاة أو غيرها ولم نجد ~~أحدا منهم - فيما نقل العلماء - يستعملون الترنم بالاشعار لترق نفوسهم ~~فتتأثر ظواهرهم وطائفة الفقراء على الضد منهم فإنهم يستعملون القرآن ~~والحديث والوعظ والتذكير فلا تتأثر ظواهرهم فإذا قام المزمر تسابقوا إلى ~~حركاتهم المعروفة لهم فبالحرى أن لا يتأثروا على تلك الوجوه المكروهة ~~المبتدعة # لأن الحق لا ينتج إلا ms204 حقا كما أن الباطل لا ينتج إلا باطلا # وعلى هذا التقرير ينبنى النظر في حقيقة الرقة المذكورة وهي المحركة ~~للظاهر وذلك ان الرقة ضد الغلظ فنقول هذا رقيق ليس بغليظ ومكان رقيق إذا PageV01P279 ~~"""" صفحة رقم 280 """" # كان لين التراب ومثله الغليظ فإذا وصف بذلك فهو راجع إلى لينه وتأثره ضد ~~القسوة ويشعر بذلك قوله تعالى ) ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ( لأن ~~القلب الرقيق إذا أوردت عليه الموعظة خضع لها ولان وانقاد ولذلك قال تعالى ~~) إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ( فإن الوجل تأثر ولين ~~يحصل في القلب بسبب الموعظة فترى الجلد من أجل ذلك يقشعر والعين تدمع ~~واللين إذا حل بالقلب - وهو باطن الإنسان _ حل بالجلد بشهادة الله - وهو ~~ظاهر الإنسان - فقد حل الانفعال بمجموع الإنسان وذلك يقتضى السكون لا ~~الحركة والانزعاج والسكون لا الصياح وهي حالة السلف الأولين - كما تقدم - ~~فإذا رأيت أحدا سمع موعظة أي موعظة كانت فيظهر عليه من الأثر ما ظهر على ~~السلف الصالح - علمت أنها رقة هي أول الوجد وأنها صحيحة لا اعتراض فيها # وإذا رأيت احدا سمع موعظة قرآنية أو سنية أو حكمية ولم يظهر عليه من تلك ~~الآثار شىء حتى يسمع شعرا مرقما أو غناء مطربا فتأثر فإنه لا يظهر عليه في ~~الغالب من تلك الآثار شىء وإنما يظهر عليه انزعاج بقيام أو دوران أو شطح أو ~~صياح أو ما يناسب ذلك # وسببه أن الذى حل بباطنه ليس بالرقة المذكورة أولا بل هو الطرب الذي ~~يناسب الغناء لأن الرقة ضد القسوة - كما تقدم - والطرب ضد الخشوع - كما ~~يقوله الصوفية - والطرب مناسب للحركة لأنه ثوران الطباع ولذلك اشترك فيه مع ~~الإنسان الحيوان كالإبل والنحل ومن لا عقل له من الأطفال وغير ذلك # والخشوع ضده لأنه راجع إلى السكون وقد فسر به لغة كما فسر الطرب بأنه خفة ~~تصحب الإنسان من حزن أو سرور PageV01P280 ~~"""" صفحة رقم 281 """" # قال الشاعر # ( طرب الواله أو كالمختبل ) # والتطريب مد الصوت وتحسينه # وبيانه أن الشعر ms205 المغنى به قد اشتمل على أمرين أحدهما ما فيه من الحكمة ~~والموعظة وهذا مختص بالقلوب ففيها تعمل وبها تنفعل ومن هذه الجهة ينسب ~~السماع إلى الأرواح # والثاني ما فيه من النغمات المرتبة على النسب التلحينية وهو المؤثر في ~~الطبائع وفيهيجها إلى ما يناسبها وهي الحركات على اختلافها فكل تأثر في ~~القلب من جهة السماع تحصل عنه آثار الكون والخضوع فهو رقة وهو التواجد الذي ~~أشار إليه كلام المجيب - ولا شك أنه محمود - وكل تاثر يحصل عنه ضد السكون ~~فهو طرب لا رقة فيه ولا تواجد ولا هو عند شيوخ الصوفية محمود لكن هؤلاء ~~الفقراء ليس لهم من التواجد - في الغالب - إلا الثاني المذموم فهم إذا ~~متواجدون بالنغم واللحون لا يدركون من معانى الحكمة شيئا # فقد باءوا إذا بأخسر الصفقتين # نعوذ بالله # وإنما جاءهم الغلط من جهة اختلاط المناطين عليهم ومن جهة أنهم استدلوا ~~بغير هم # فقوله تعالى ) ففروا إلى الله ( وقوله ) لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~( لا دليل فيه على هذا المعنى # وكذلك قوله تعالى ) إذ قاموا فقالوا ربنا ( أين فيه أنهم قاموا يرقصون أو ~~يزفنون أو يدورون على اقدامهم ونحو ذلك فهو من الاستدلال الداخل تحت هذا الجواب # ووقع في كلام المجيب لفظ السماع عير مفسر ففهم منه المحتج أنه الغناء PageV01P281 ~~"""" صفحة رقم 282 """" # الذي تستعمله شيعته وهو فهم عموم الناس لا فهم الصوفية فإنه عندهم يطلق ~~على كل صوت أفاد حكمة يخضع لها القلب ويلين لها الجلد # وهو الذي يتواجدون عنده التواجد المحمود فسماع القرآن عندهم سماع وكذلك ~~سماع السنة وكلام الحكماء والفضلاء حتى اصوات الطير وخرير الماء وصرير الباب # ومنه سماع المنظوم أيضا إذا أعطى حكمة ولا يستمعون هذا الأخير إلا في ~~الفرط وعلى غير استعداد وعلى غير وجه الالتذاذ والإطراب ولا هم ممن يداوم ~~عليه أو يتخذه عادة لأن ذلك كله قادح في مقاصدهم التى بنوا عليها # قال الجنيد إذا رأيت المريد يحب السماع فأعلم أن فيه بقية من البطالة # وإنما لهم من سماعه إذا ms206 اتفق وجه الحكمة إن كان فيه حكمة فاستوى عندهم ~~النظم والنثر # وإن أطلق أحد منهم السماع فمن حيث فهم الحكمة لا من حيث يلائم الطباع لأن ~~من سمعه من حيث يستحسنه فهو متعرض للفتنة فيصير إلى ما صار اليه السماع ~~الملذ المطرب # ومن الدليل على أن السماع عندهم ما تقدم ما ذكر عن أبى عثمان المغربى أنه ~~قال من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطير وصرير الباب وتصفيق الرياح فهو مفتر مبتدع # وقال الحصري ايش أعمل بسماع ينقطع ممن يسمع منه وينبغى أن يكون سماعك ~~سماعا متصلا غير منقطع # وعن أحمد بن سالم قال خدمت سهل بن عبد الله التسترى سنين فما رأيته تغير ~~عند سماع شىء يسمعه من الذكر أو القرآن أو غيره فلما كان في آخر عمره قرىء ~~بين يديه ) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ( تغير وارتعد وكاد يسقط فلما رجع إلى ~~حال صحوه سألته عن ذلك فقال يا حبيبى ضعفنا # وقال السلمى دخلت على ابى عثمان المغربى وواحد يستقى الماء من البئر على ~~بكرة فقال لى يا أبا عبد الرحمن تدرى إيش تقول هذه البكرة فقلت لا # فقال تقول الله PageV01P282 ~~"""" صفحة رقم 283 """" # فهذه الحكايات وأشباهها تدل على أن السماع عندهم كما تقدم وأنهم لا ~~يؤثرون سماع الاشعار على غيرها فضلا على أن يتصنعوا فيها بالأغانى المطربة ~~ولما طال الزمان وبعدوا عن أحول السلف الصالح أخذ الهوى في التفريع في ~~السماع حتى صار يستعمل منه المصنوع على قانون الألحان فتعشقت به الطباع ~~وكثر العمل به ودام - وإن كان قصدهم به الراحة فقط - فصار قذى في طريق ~~سلوكهم فرجعوا به القهقرى ثم طال الأمد حتى اعتقده الجهال في هذا الزمان ~~وما قاربه أنه قربة وجزء من أجزاء طريقة التصوف وهو الأدهى # وقول المجيب وأما من دعا طائفة إلى منزله فتجاب دعوته وله في دعوته قصده # مطابق حسب ما ذكر أولا بأن من دعا قوما إلى منزله لتعلم آية أو سورة من ~~كتاب الله أو سنة من سنن رسول ms207 الله ( صلى الله عليه وسلم ) أو مذاكرة في ~~علم أو في نعم الله أو مؤانسة في شعر فيه حكمة ليس فيه غناء مكروه ولا صحبه ~~شطح ولا زفن ولا صياح وغير ذلك من المنكرات ثم ألقى إليهم شيئا من الطعام ~~على غير وجه التكلف والمباهاة ولم يقصد بذلك بدعة ولا امتيازا لفرقة تخرج ~~بأفعالها وأقوالها عن السنة فلا شك في استحسان ذلك لأنه داخل في حكم ~~المأدبة المقصود بها حسن العشرة بين الجيران والإخوان والتودد بين الأصحاب ~~وهى في حكم الاستحباب فإن كان فيها تذاكر في علم أو نحوه فهي من باب ~~التعاون على الخير # ومثاله ما يحكى عن محمد بن حينف قال دخلت يوما على القاضى على بن أحمد ~~فقال لى # يا أبا عبد الله قلت لبيك أيها القاضى قال هاهنا أحكى لكم حكاية تحتاج أن ~~تكتبها بماء الذهب فقلت أيها القاضى أما الذهب فلا أجده ولكنى أكتبها ~~بالحبر الجيد فقال بلغنى أنه قيل PageV01P283 ~~"""" صفحة رقم 284 """" # لأبى عبد الله أحمد بن حنبل أن الحارث المحاسبى يتكلم في علوم الصوفية ~~ويحتج عليه بالآى فقال أحمد احب أن اسمع كلامه من حيث لا يعلم فقال أنا ~~اجمع معه - فاتخذ دعوة ودعا الحارث وأصحابه ودعا أحمد فجلس بحيث يرى الحارث ~~فحضرت الصلاة فتقدم وصلى بهم المغرب وأحضر الطعام فجعل يأكل ويتحدث معهم ~~فقال أحمد هذا من السنة # فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم جلس الحارث وجلس أصحابه فقال من أراد ~~منكم أن يسأل شيئا فليسأل فسئل عن الإخلاص وعن الرياء ومسائل كثيرة فاستشهد ~~بالآى والحديث واحمد يسمع لا ينكر شيئا من ذلك فلما هدى من الليل أمر ~~الحارث قارئا يقرأ شيئا من القرآن على الحدو فقرأ فبكى بعضهم وانتحب آخرون ~~ثم سكت القارىء فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة فلما اصبحوا قال ~~أحمد قد كان بلغنى أن ها هنا مجالس للذكر يجتمعون عليها فإن كان هذا من تلك ~~المجالس فلا أنكر منها شيئا # ففى هذه الحكاية أن أحوال الصوفية ms208 توزن بميزان الشرع وأن مجالس الذكر ~~ليست ما زعم هؤلاء بل ما تقدم لنا ذكره وأما ما سوى ذلك مما اعتادوه فهو ~~مما ينكر # والحارث المحاسبى من كبار الصوفية المقتدى بهم فإذا ليس في كلام المجيب ~~مايتعلق به هؤلاء المتأخرون إذ باينو المتقدمين من كل وجه وبالله التوفيق # والأمثلة في الباب كثيرة لو تتبعت لخرجنا عن المقصود وإنما ذكرنا أمثلة # تبين من استدلالاتهم الواهية ما يضاهيها وحاصلها الخروج في الاستدلال عن ~~الطريق الذي أوضحه العلماء وبينه الائمة وحصر أنواعه الراسخون في العلم PageV01P284 ~~"""" صفحة رقم 285 """" # ومن نظر إلى طريق أهل البدع في الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط لانها ~~سيالة لا تقف عند حد # وعلى كل وجه يصح لك زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة ~~التي التزمها إلى الشريعة # فقد رأينا وسمعنا عن بعض الكفار أنه استدل على كفره بآيات القرآن كما ~~استدل بعض النصارى على تشريك عيسى بقوله تعالى ) وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه ( - واستدل على أن الكفار من أهل الجنة بإطلاق قوله تعالى ) إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ( ~~الآية - واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله سبحانه ) اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ( - وبعض الحلولية استدل على ~~قوله بقوله تعالى ) ونفخت فيه من روحي ( - والتناسخى استدل بقوله ) في أي ~~صورة ما شاء ركبك ( # وكذلك كل من اتبع المتشابهات أو حرف المناطات أو حمل الآيات مالا تحمله ~~عند السلف الصالح أو تمسك بالأحاديث الواهية أو أخذ الأدلة ببادى الرأى له ~~أن يستدل على كل فعل أو قول أو أعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث لا يفوز بذلك ~~اصلا والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث ~~من غير توقف - حسبما تقدم ذكره - وسيأتى له نظائر ايضا إن شاء الله # فمن طلب خلاص نفسه تثبت حتى يتضح له الطريق ومن تساهل رمته ايدى الهوى في ~~معاطب لا مخلص له منها إلا ما ms209 شاء الله PageV01P285 ~~"""" صفحة رقم 286 """" ### | AUTO الباب الخامس في أحكام البدع الحقيقة والإضافية والفرق بينهما # ولا بد قبل النظر في ذلك من تفسير البدعة الحقيقية والإضافية فنقول ~~وبالله التوفيق # إن البدعة الحقيقية هي التى لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ~~ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل ~~ولذلك سميت بدعة - كما تقدم ذكره - لأنها شىء مخترع على غير مثال سابق وإن ~~كان المبتدع يأتى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع إذ هو مدع أنه داخل بما ~~استنبط تحت مقتضى الأدلة لكن تلك الدعوى غير صحيحة لا في نفس الأمر ولا ~~بحسب الظاهر أما بحسب نفس الأمر فبالعرض وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه ~~ليست بأدلة إن تثبت أنه استدل وإلا فألامر واضح # وأما البدعة الإضافية فهي التي له شائبتات إحداهما لها من الأدلة متعلق ~~فلا تكون من تلك الجهة بدعة # والاخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية فلما كان العمل الذي ~~له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي البدعة ~~الإضافية أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل ~~وبالنسبة لى الجهة الأخرى بدعة لها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير ~~مستندة إلى شىء PageV01P286 ~~"""" صفحة رقم 287 """" # والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الاصل قائم ومن جهة ~~الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها مع أنها محتاجة إليه لأن ~~الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة # كما سنذكره إن شاء الله # ثم نقول بعد هذا إن الحقيقة لما كانت أكثر وأعم وأشهر في الناس ذكرا ~~وافترقت الفرق وكان الناس شيعا وجرى من أمثلتها ما فيه الكفاية وهي اسبق في ~~فهم العلماء - تركنا الكلام فيما يتعلق بها من الأحكام ومع ذلك فقلما تختص ~~بحكم دون كالإضافية بل هما معا يشتركان في أكثر الأحكام التي هي مقصود هذا ~~الكتاب أن تشرح فيه بخلاف الإضافية فإن ms210 لها أحكاما خاصة وشرحا خاص - وهو ~~المقصود في هذا الباب إلا أن الإضافية أولا على ضربين أحدهما يقرب من ~~الحقيقية حتى تكاد البدعة تعد حقيقية والآخر يبعد منها حتى يكاد يعد سنة محضة # ولما أنقسمت هذا الانقسام صار من الأكيد الكلام على كل قسم على حدته ~~فلنعقد في كل واحد منهما فصولا بحسب ما يقتضيه الوقت وبالله التوفيق # فصل # قال الله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام ومن اتبعه ) وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون ( PageV01P287 ~~"""" صفحة رقم 288 """" # فخرج عبد الله بن حميد وإسماعيل بن إسحاق القاضى وغيرهما عن عبد الله ابن ~~مسعود رضى الله عنه قال قال لى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هل تدرى ~~أى الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم # قال أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن ~~كان يزحف على إليتيه واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ~~ثلاث وهلك سائرها فرقة آذت الملوك وقاتلتهم على دين الله - ودين عيسى بن ~~مريم عليهما السلام - فساحوا في الجبال وترهبوا فيها هم الذين قال الله عز ~~وجل فيهم ) ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ( ~~فالمؤمنون الذين آمنوا بى وصدقوا بى والفاسقون الذين كذبوا وجحدوا وهذا ~~الحديث من أحاديث الكوفيين # والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق في السياحة واطراح الدنيا ولذاتها من ~~النساء وغير ذلك ومنه لزوم الصوامع والديارة - على ما كان عليه أمر النصارى ~~قبل الإسلام - مع التزام العبادة # وعلى هذا التفسير جماعة من المفسرين # ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى ) إلا ابتغاء رضوان الله ( متصلا ~~ومنفصلا فإذا بنينا على الاتصال فكأنه يقول ما كتبناها عليهم إلا على هذا ~~الوجه الذى هو العمل بها ابتغاء رضوان الله # فالمعنى أنها مما كتبت ms211 عليهم أى مما شرعت لهم - لكن بشرط قصد الرضوان فما ~~رعوها حق رعايتها بدليل أنها تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) # وهو قول طائفة من المفسرين لأن قصد الرضوان إذا كان شرطا في العمل بما ~~شرع لهم فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد فإلى أين اسار بهم ساروا وإنما شرع ~~لهم على PageV01P288 ~~"""" صفحة رقم 289 """" # شرط أنه إذا نسخ بغيره رجعوا إلى ما أحكم وتركوا ما نسخ وهو معنى ابتغاء ~~الرضوان على الحقيقة فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ذلك ابتاعا للهوى ~~لا اتباعا للمشروع واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان وقصد الرضوان بذلك # قال تعالى ) فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ( فالذين ~~آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله والفاسقون هم الخارجون ~~عن الدخول فيها بشرطها إذ لم يؤمنوا برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # إلا أن هذا التقرير يقتضى أن المشروع لهم يسمى ابتداعا وهو خلاف ما دل ~~عليه حد البدعة # والجواب أنه يسمى بدعة من حيث أخلوا بشرط المشروع إذ شرط عليهم فلم ~~يقوموا به # وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط فيعمل بها دون شرطها لم تكن عبادة على ~~وجهها وصارت بدعة كالمخل قصدا بشرط من شروط الصلاة مثل استقبال القبلة أو ~~الطهارة أو غيرها فحيث عرف بذلك وعلمه فلم يلتزمه ودأب على الصلاة دون ~~شرطها فذلك العمل من قبيل البدع # فيكون ترهب النصارى صحيحا قبل بعث محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فلما بعث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ما ~~هو باطل بالشرع وهو عين البدعة # وإذا بنينا على أن الاستثناء منقطع - وهو قول فريق من المفسرين - فالمعنى ~~ما كتبناها عليهم اصلا ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فلم يعملوا بها ~~بشرطها وهو الإيمان برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذ بعث إلى الناس كافة PageV01P289 ~~"""" صفحة رقم 290 """" # وإنما سميت بدعة على هذا الوجه لأمرين أحدهما يرجع إلى أنها ms212 بدعة حقيقية ~~- كما تقدم - لأنها داخلة تحت حد البدعة # والثاني يرجع إلى أنها بدعة إضافية لأن ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن ~~مذمومة في حقهم بإطلاق بل لأنهم أخلوا بشرطها فمن لم يخل منهم بشرطها وعمل ~~بها قبل بعث النبى ( صلى الله عليه وسلم ) حصل له فيها أجر حسبما دل عليه ~~قوله ) فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ( أي أن من عمل بها في وقتها ثم آمن ~~بالنبى صلى الله عليه بعد بعثه وفيناه أجره # وإنما قلنا إنها في هذا الوجه إضافية لأنها لو كانت حقيقية لخالفوا بها ~~شرعهم الذي كانوا عليه لأن هذا حقيقة البدعة فلم يكن لهم بها أجر بل كانوا ~~يستحقون العقاب لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه فدل على أنهم فعلوا ما كان ~~جائزا لهم فعله فلا تكون بدعتهم حقيقية لكنه ينظر على أي معنى أطلق عليها ~~لفظ البدعة وسيأتى بعد بحول الله # وعلى كل تقدير فهذا القول لا يتعلق بهذه الأمة منه حكم لانه نسخ في ~~شريعتنا فلا رهبانية في الإسلام # وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من رغب عن سنتى فليس منى # على أن ابن العربى نقل في الآية أربعة أقوال الأول ما تقدم # والثاني أن الرهبانية رفض النساء وهو المنسوخ في شرعنا # والثالث اتخاذ الصوامع للعزلة # والرابع السياحة # قال وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان # وظاهره يقتضى أنها بدعة لأن الذين ترهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ذلك PageV01P290 ~~"""" صفحة رقم 291 """" # فرارا منهم بدينهم وسميت بدعة والندب إليها يقتضى أن لا ابتداع فيها فكيف ~~يجتمعان ولكن للمسألة فقد يذكر بحول الله # وقيل إن معنى قوله تعالى ) ورهبانية ابتدعوها ( إنهم تركوا الحق وأكلوا ~~لحوم الخنازير وشربوا الخمر ولم يغتسلوا من جنابة وتركوا الختان فما رعوها ~~يعنى الطاعة والملة حق رعايتها فالهاء راجعة إلى غير مذكور # وهو الملة المفهوم معناها من قوله ) وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ~~ورحمة ( لأنه يفهم منه أن ثم ملة متبعة كما دل قوله ) إذ عرض عليه بالعشي ( ~~على الشمس حتى ms213 عاد عليها الضمير في قوله تعالى ) توارت بالحجاب ( وكان ~~المعنى على هذا القول ما كتبناها عليهم على هذا الوجه الذي فعلوه وإنما ~~أمرناهم بالحق فالبدعة فيه إذا حقيقية لا إضافية وعلى كل تقدير فهذا الوجه ~~هو الذى قال به أكثر العلماء فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة # وخرج سعيد بن منصور وإسماعيل القاضى عن أبى أمامة الباهلى رضى الله عنه ~~أنه قال أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم إنما كتب عليكم الصيام ~~فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه فإن أناسا من بنى إسرائيل ابتدعوا ~~بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ~~فعاتبهم الله بتركها فقال ) ورهبانية ابتدعوها ( الآية # وفي رواية فإن ناسا من بنى إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله فلم ~~يرعوها حق رعايتها فعاتبهم الله بتركها وتلا هذه الآية ) ورهبانية ابتدعوها ~~( الآية PageV01P291 ~~"""" صفحة رقم 292 """" # وهذا القول بقرب من قول بعض المفسرين في قوله ) فما رعوها حق رعايتها ( ~~يريد أنهم قصروا فيها ولم يدوموا عليها # قال بعض نقلة التفسير وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ~~ونفل وأن يرعوه حق رعايته # قال ابن العربى - وقذ زاغ عن منهج الصواب - من يظن أنها رهبانية كتبت ~~عليهم بعد أن التزموها # قال وليس يخرج هذا عن مضمون الكلام ولا يعطيه أسلوبه ولا معناه ولا يكتب ~~على أحد شىء إلا بشرع أو نذر # قال وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل والله أعلم # وهذا القول محتاج إلى النظر والتأمل إذا بنينا العمل على وفقه إذا أكثر ~~العلماء على القول الأول فإن هذه الملة لا بدعة فيها ولا تحتمل القول بجواز ~~الابتداع بحال للقطع بالدليل إذ كل بدعة ضلالة - حسبما - تقدم - فالأصل أن ~~يتبع الدليل ولا عمل على خلافه # ومعه ذلك فلا نخلى - بحول الله - قول أبى أمامة رضى الله عنه من نظر صحيح ~~على وفق الدليل الشرعي وإن كان فيه بعد بالنسبة إلى ظاهر الأمر وذلك أنه عد ~~عمل عمر رضى الله ms214 عنه في جمع الناس في المسجد على قارىء واحد في رمضان بدعة ~~لقوله حين دخل المسجد وهم يصلون نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل # وقد مر أنه إنما سماها باعتبار ما وأن قيام الإمام بالناس في المسجد في ~~رمضان سنة عمل بها صاحب السنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وإنما ~~تركها خوفا من الافتراض فلما انقضى زمن الوحى زالت العلة فعاد العمل بها ~~إلى نصابه إلا أن ذلك لم يتأت لأبى بكر رضى الله عنه زمان خلافته لمعارضة ~~ما هو أولى بالنظر فيه وكذلك صدر خلافة عمر رضى اله عنه حتى تأتى النظر ~~فوقع منه لكنه PageV01P292 ~~"""" صفحة رقم 293 """" # صار في ظاهر الأمر كأنه أمر لم يجر به عمل من تقدمه دائما فسماه بذلك ~~الأسم لا أنه أمر على خلاف ما ثبت من السنة # فكأن أبا أمامة رضى الله عنه اعتبر فيه نظر ذلك العمل به فسماه إحداثا ~~موافقة لتسمية عمر رضى الله عنه ثم أمر بالمداومة عليه بناء على ما فهم من ~~هذه الآية من أن ترك الرعاية هو ترك دوامهم على التزام عمل ليس بمكتوب له ~~هو مندوب فلم يوفوا بمقتضى ما التزموه لأن الأخذ في التطوعات الغير اللازمة ~~ولا السنن الراتبة يقع على وجهين أحدهما أن تؤخذ على اصلها فيما استطاع ~~الإنسان فتارة ينشط # لها وتارة لا ينشط أو يمكنه تارة بحسب العادة ولا يمكنه أخرى لمزاحمة ~~أشغال ونحوها وما اشبه ذلك كالرجال يكون له اليوم ما يتصدق به فيتصدق ولا ~~يكون له ذلك غدا أو يكون له إلا أنه لاينشط للعطاء أو يرى إمساكه اصلح في ~~عادته الجارية له أو غير ذلك من الأمور الطارئة للإنسان # فهذا الوجه لا حرج على أحد ترك التطوعات كلها ولا لوم عليه إذ لو كان ثم ~~لوم أو عتب لم يكن تطوعا وهو خلاف الفرض # والثاني أن تؤخذ مأخذ الملتزمات كالرجل يتخذ لنفسه وظيفة راتبة من عمل ~~صالح في وقت من الأوقات كالتزام قيام حظ من الليل مثلا ms215 وصيام يوم بعينه ~~لفضل ثبت فيه على الخصوص كعاشوراء وعرفة أو يتخذ وظيفة من ذكر الله بالغداة ~~والعشى وما أشبه ذلك # فهذا الوجه أخذت فيه التطوعات مأخذ الواجبات من وجه لأنه لما نوى الدؤوب ~~عليها في الاستطاعة أشبهت الواجبات والسننن الراتبة كما أنه لو كان ذلك ~~الإيجاب غير لازم بالشرع لم يصر واجبا إذ تركه اصلا لا حرج فيه في الجملة ~~أعنى ترك الالتزام ونظيره PageV01P293 ~~"""" صفحة رقم 294 """" # عندنا النوافل الراتبة بعد الصلوات فإنها مستحبة في الاصل ومن حيث صارت ~~رواتب أشبهت السنن والواجبات # وهذا المعنى هو المفهوم من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) في الركعتين بعد ~~العصر من صلاهما فسئل عنهما فقال يا ابنة أبى أمية سألت عن الركعتين بعد ~~العصر أتى ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين ~~بعد الظهر فهما هاتان لأنه سئل عن صلاته لهما بعد ما نهى عنهما فإنه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كان يصليهما بعد الظهر كالنوافل الراتبة فلما فاتتاه ~~صلاهما بعد وقتهما كالقضاء لهما حسبما يقضى الواجب # فصار حينئذ لهذا النوع حالة من التطوع بين حالتين إلا أنه راجع إلى خيرة ~~المكلف بحسب ما فهمنا من الشرع # وإذا كان كذلك فقد فهمنا من مقصود الشرع أيضا الأخذ بالرفق والتيسير وأن ~~لا يلزم المكلف ما لعله يعجز عنه أو يحرج بالتزامه فإن ترك الألتزام إن لم ~~يبلغ مبلغ القدر الذي يكره ابتداء فهو يقرب من العهد الذي يجعله الإنسان ~~بينه وبين ربه والوفاء بالعهد مطلوب في الجملة فصار الإخلال به مكروها # والدليل على صحة الأخذ بالرفق وأنه الأولى والأحرى - وإن كان الدوام على ~~العمل أيضا مطلوبا عتيدا - في الكتاب والسنة واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم على قول طائفة من المفسرين أن الكثير PageV01P294 ~~"""" صفحة رقم 295 """" # من الأمر واقع في التكاليف الإسلامية # ومعنى لعنتم لحرجتم ولدخلت عليكم المشقة ودين الله لا حرج فيه ) ولكن ~~الله حبب إليكم الإيمان ( بالتسهيل والتيسير ) وزينه في قلوبكم ( الآية ms216 # وإنما بعث النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بالحنيفية السمحة ووضع الإصر ~~الأغلال التي كانت على غيرهم # وقال الله تعالى في صفة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ) عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ( وقال تعالى ) يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ( وقال ) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ( وسمى ~~الله تعالى الأخذ بالتشديد على النفس اعتداء فقال تعالى ) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ( # ومن الأحاديث كثير كمسألة الوصال ففى الحديث عن عائشة رضى الله عنها أنها ~~قالت نهاهم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) عن الوصال رحمة لهم قالوا إنك تواصل # قال إنى لست كهيئتكم إنى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى # وعن أنس رضى الله عنه قال واصل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في آخر ~~شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال لو مد لنا شهر لواصلنا ~~وصالا حتى يدع المتعمقون تعمقهم وهذا إنكار # وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عن ~~الوصل فقال رجل من المسلمين فإنك يا رسول الله تواصل # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ت وأيكم مثلى إنى أبيت عند ربى ~~يطعمنى ويسقينى # فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال بهم يوما ثم يوما # ثم رأوا الهلال # فقال لو تأخر الشهر لزدتكم كالمنكل حين أبوا أن ينتهوا PageV01P295 ~~"""" صفحة رقم 296 """" # ومن ذلك مسئلة قيام النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بهم في رمضان # فإنه تركه مخافة أن يفرض عليهم فيعجزوا عنه فيقعوا في الإثم والحرج فكان ~~ذلك رفقا منه بهم # قال القاضى أبو الطيب يحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إليه أنه إن واصل ~~رفقا هذه الصلاة معهم فرضت عليهم # وقالت عائشة رضى الله تعالى عنها إن كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم # وقد قيل هذا المعنى في قوله ms217 ( صلى الله عليه وسلم ) لا تخصوا يوم الجمعة بصيام # قال المهلب وجهه خشيت أن يستمر عله فيفرض # وبهذا المعنى يجتمع النهى مع قول مالك رضى الله عنه في الموطإ ولا يكون ~~فيه إشكال # ومن ذلك حديث الحولاء بنت تويت # قالت عائشة رضى الله عنها دخل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وعندي امرأة فقال من هذه - فقلت أمرأة لا تنام تصلى # فقالت ( صلى الله عليه وسلم ) لا تنام الليل خذوا من ا لعمل ما تطيقون ~~فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا # فأعاد لفظ لا تنام منكرا عليها - والله أعلم - غير راض فعلها لما خافه ~~عليها من الكلل والسآمة أو تعطيل حق أوكد # ونحوه حديث أنس رضى الله عنه قال دخل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~المسجد - وحبل ممدود بين ساريتين - فقال ما هذا - قالوا حبل لزينب تصلى ~~فإذا كسلت أو فترت أمسكت به # فقال حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد وفي رواية لا حلوه PageV01P296 ~~"""" صفحة رقم 297 """" # وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال بلغ النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~) انى أصوم اسرد واصلى الليل فإما أرسل إلى وإما لقيته فقال ألم أخبر أنك ~~تصوم لا تفطر وتصلى الليل فلا تفعل # فإن لعينك حظا ولنفسك حظا ولأهلك حظا فصم وأفطر وصل ونم الحديث # وفي رواية عن ابن سلمة قال حدثنى عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله ~~عنهما قال كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة فإما ذكرت للنبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وإما أرسل إلى فأتيته فقال ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ ~~القرآن كل ليلة فقلت بلى يا رسول الله ولم أر في ذلك إلا الخير قال فإن كان ~~كذلك - أو قال كذلك - فحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام فقلت يا نبى الله ~~إني أطيق أفضل من ذلك # قال فإن لزوجك عليك حقا ولزوارك عليك حقا ولجسدك عليك حقا قال فصم صوم ~~داود نبى الله فإنه كان أعبد الناس ms218 قال فقلت يا نبى الله - وما صوم داود ~~قال كان يصوم يوما ويفطر يوما - قال واقرأ القرآن في كل شهر قال فقلت يا ~~نبى الله إني أطيق أفضل من ذلك قال فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك # فإن لزوجك عليك حقا ولزوارك عليك حقا ولجسدك عليك حقا قال فشددت فشدد الله PageV01P297 ~~"""" صفحة رقم 298 """" # على # قال وقال لى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إنك لا تدرى لعلك يطول بك عمر ~~قال فصرت إلى الذي قال لى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) # فلما كبرت وددت أنى كنت قبلت رخصة نبى الله ( صلى الله عليه وسلم ) وفي ~~رواية قال صم يوما وأفطر يوما وذاك صيام داود وهو أعدل الصيام قال - فقلت ~~إنى اطيق أفضل من ذلك # قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لا أفضل من ذلك قال عبد الله بن ~~عمرو لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أحب إلى من أهلى ومالي # وفي الترمذى عن جابر رضى الله عنه قال ذكر رجل عند رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بعبادة واجتهاد وذكر عنده آخر بدعة # فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لا يعدل بالدعة والدعة المراد بها هنا ~~الرفق والتيسير # قال فيه الترمذى حسن غريب # وعن أنس رضى الله عنه قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يسألون عن عبادة النبى ( صلى الله عليه وسلم ) # فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم أما أنا فإنى ~~أصلى الليل ابدا وقال الآخر إنى أصوم الدهر ولا افطر # وقال الآخر إنى أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا # فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا ~~أما والله إنى لاخشاكم لله وأتقاكم له لكنى اصوم وافطر واصلى وأرقد وأتزوج ~~النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى # والأحاديث في المعنى ms219 كثيرة وهي بجملتها تدل على الأخذ في التسهيل PageV01P298 ~~"""" صفحة رقم 299 """" # والتيسير وإنما يتصور ذلك على الوجه الأول من عدم الالتزام وإن تصور مع ~~الالتزام فعلى جهة ما لا يشق الدوام فيه حسبما نفسره الآن # فصل # فأما إن التزم أحد ذلك التزاما فعلى وجهين إما على جهة النذر وذلك مكروه ~~ابتداء ألا ترى إلى حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال أخذ رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) يوما ينهانا عن النذر يقول إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج ~~به من الشحيح - وفي رواية - النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره وإنما يستخرج به ~~من البخيل # وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا ~~تنذروا فإن النذر لا يغنى من القدر شيئا وإنما يسبتخر به من البخيل # وإنما ورد هذا الحديث - والله أعلم - تنبيها على عادة العرب في انها كانت تنذر # إن شفى الله مريضى فعلى صوم كذا وإن قدم غائبى أو إن أغناني الله فعلى ~~صدقة كذا # فيقول لا يغنى من قدر الله شيئا بل من قدر الله له الصحة أو المرض أو ~~الغنى أو الفقر أو غير ذلك فالنذر لم يوضع سببا لذلك كما وضعت صلة الرحم ~~سببا في الزيادة في العمر مثلا على الوجه الذي ذكره العلماء # بل النذر وعدمه في ذلك سواء ولكن الله يستخرج به من البخيل بشرعية الوفاء ~~به لقوله تعالى ) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ( وقوله صلى الله عليه من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه وبه قال جماعة من العلماء كمالك والشافعى # ووجه النهى أنه من باب التشديد على النفس وهو الذي تقدم الاستشهاد على ~~كراهيته # وأما على جهة الالتزام غير النذرى فكأنه نوع من الوعد والوفاء بالعهد ~~مطلوب فكأنه أوجب على نفسه ما لم يوجبه عليه الشرع فهو تشديد ايضا وعليه ~~يأتى ما تقدم من حديث الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عبادة PageV01P299 ~~"""" صفحة رقم 300 """" # النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وقولهم أين نحن من النبى ( صلى الله ms220 عليه ~~وسلم ) الخ وقال أحدهم أما أنا فأفعل كذا الخ # ونحوه وقع في بعض الروايات أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخبر أن ~~عبد الله ابن عمرو رضى الله عنهما يوقل لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت # وليس بمعنى النذر إذا لو كان كذلك لم يقل له صم من الشهر ثلاثة ايام كذا ~~وقال له أوف بنذرك # لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال من نذر أن يطيع الله فليطعه # فأما الالتزام بالمعنى النذرى # فلا بد من الوفاء به وجوبا لا ندبا - على ما قاله العلماء - وجاء في ~~الكتاب والسنة ما يدل عليه وهو مذكور في كتب الفقه فلا نطيل به # وأما بالمعنى الثاني فالأدلة تقتضى الوفاء به في الجملة ولكن لا تبلغ ~~مبلغ العتاب على الترك حسبما دلت عليه الأدلة في مأخذ أبى أمامة رضى الله ~~عنه للقيام في المسجد جماعة كان ذلك بصورة النوافل الراتبة المقتضية للدوام ~~في القصد الأول فأمرهم بالدوام حتى لا يكونوا كمن عاهد ثم لم يوف بعهده ~~فيصير معاتبا لكن هذا القسم على وجهين الوجه الأول أن يكون في نفسه مما لا ~~يطاق أو مما فيه حرج أو مشقة فادحة أو يؤدى إلى تضييع ما هو أولى # فهذه هي الرهبانية التي قال فيها النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من رغب عن ~~سنتى فليس منى وسأتى الكلام في ذلك إن شاء الله # والوجه الثاني أن لا يكون في الدخول فيه مشقة ولا حرج ولكنه عند الدوام ~~عليه تلحق بسببه المشقة والحرج أو تضييع ما هو أوكد فهاهنا أيضا يقع النهى ~~ابتداء وعليه دلت الأدلة المتقدمة وجاء في بعض روايات مسلم تفسير ذلك حيث ~~قال فشددت فشدد على وقال لى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) إنك لا تدرى لعلك ~~يطول بك عمر PageV01P300 ~~"""" صفحة رقم 301 """" # فتأملوا كيف اعتبر في التزام ما لا يلزم ابتداء أن يكون بحيث لا يشق ~~الدوام عليه إلى الموت قال فصرت إلى الذى قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فلما كبرت ms221 وددت أننى قبلت رخصة نبى الله ( صلى الله عليه وسلم ) # وعلى ذلك المعنى ينبغى أن يحمل قوله ( صلى الله عليه وسلم ) في حديث أبى ~~قتادة رضى الله عنه كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال ويطيق أحد ذلك ثم ~~قال في صوم يوم وإفطار يوم وددت أنى طوقت ذلك فمعناه - والله أعلم - وددت ~~أنى طوقت الدوام عليه وإلا فقد كان يواصل الصيام ويقول إنى لست كهيئتكم إنى ~~أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى # وفي الصحيح كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم # فصل # إذا ثبت هذا فالدخول في عمل على نية الالتزام له إن كان في المعتاد بحيث ~~إذا داوم عليه أورث مللا ينبغى أن يعتقد أن هذا الالتزام مكروه ابتداء إذ ~~هو مود إلى أمور جميعها منهى عنه أحدهما أن الله ورسوله أهدى في هذا الدين ~~التسهيل والتيسير وهذا الملتزم يشبه من لم يقبل هديته وذلك يضاهى ردها على ~~مهديها وهو غير لائق بالمملوك مع سيده فكيف يليق بالعبد مع ربه # والثاني خوف التقصير أو العجز عن القيام بما هو أولى وآكد في الشرع وقال ~~( صلى الله عليه وسلم ) إخبارا عن داود عليه السلام إنه كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى تنبيها على أنه لم يضعفه الصيام عن لقاء العدو ~~فيفر ويترك الجهاد في مواطن تكيده بسبب ضعفه # وقيل لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه إنك لتقل الصوم فقال إنه يشغلنى عن ~~قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلى منه PageV01P301 ~~"""" صفحة رقم 302 """" # ولذلك كره مالك إحياء الليل كله وقال لعله يصبح مغلوبا وفي رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أسوة ثم قال لا بأس به مالم يضر بصلاة الصبح # وقد جاء في صيام يوم عرفة أنه يكفر سنتين ثم إن الإفطار فيه للحاج أفضل ~~لأنه قوة على الوقوف والدعاء ولابن وهب في ذلك حكاية وقد جاء في الحديث إن ~~لأهلك عليك حقا ولزوارك عليك حقا ولنفسك عليك حقا فإذا انقطع إلى عبادة ms222 لا ~~تلزمه في الأصل فربما أخل بشىء من هذه الحقوق # وعن أبى جحيفة رضى الله تعالى عنه قال آخر ما آخى رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بين سلمان وأبى الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم ~~الدرداء متبذلة فقال ما شأنك متبذلة قالت إن اخاك أبا الدرداء ليست له حاجة ~~في الدنيا # قال فلما جاء أبو الدرداء قرب إليه طعاما فقال كل فإنى صائم قال ما أنا ~~بآكل حتى تأكل # قال فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان نم فنام ثم ~~ذهب يقوم فقال له نم فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان قم الآن فقاما ~~فصليا فقال سمان إن لنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولضيفك عليك حقا ولأهلك ~~عليك حقا فأعط لكل ذى حق حقه # فأتيا النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فذكرا ذلك له فقال صدق سلمان قال ~~الترمذي صحيح # وهذا الحديث قد جمع التنبيه على حق الأهل بالوطء والاستمتاع وما يرجع ~~إليه والضيف بالخدمة والتأنيس والمواكلة وغيرها والولد بالقيام عليهم ~~بالاكتساب والخدمة والنفس بترك إدخال المشقات عليها وحق الرب سبحانه بجميع ~~ما تقدم وبوظائف أخر فرائض ونوافل آكد مما هو فيه # والواجب أن يعطى لكل ذى حق حقه وإذا التزم الإنسان أمرا من الامور ~~المندوبة أو أمرين أو ثلاثة فقد يصده ذلك عن القيام بغيرها أو عن كماله على ~~وجهه فيكون ملوما PageV01P302 ~~"""" صفحة رقم 303 """" # والثالث خوف كراهية النفس لذلك العمل الملتزم لأنه قد فرض من جنس ما يشق ~~الدوام عليه فتدخل المشقة بحيث لا يقرب من وقت العمل إلا والنفس تشمئز منه ~~وتود لو لم تعمل أو تتمنى لو لم تلتزم وإلى هذا المعنى يشير يدث عائشة رضى ~~الله تعالى عنها عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال إن هذا الدين ~~متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا لأنفسكم عبادة الله # فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى يشبه الموغل بالعنف بالمنبت وهو ~~المنقطع في بعض الطريق تعنيفا على ms223 الظهر - وهو المركوب - حتى وقف فلم يقدر ~~على السير ولو رفق بدايته لوصل إلى رأس المسافة # فكذلك الإنسان عمره مسافة والغاية الموت ودابته نفسه فكما هو المطلوب ~~بالرفق بنسفه حتى يسهل عليها قطع مسافة العمر بحمل التكليف فنهى في الحديث ~~عن التسبب في تبغيض العبادة للنفس وما نهى الشرع عنه لايكون حسنا # وخرج الطبرى من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال لما نزلت ) يا أيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ~~( دعا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليا ومعاذا فقال انطلقا فبشرا ~~ويسرا ولا تعسرا فإني قد أنزلت على ) يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ( # وخرج مسلم عن سعيد بن ابى بردة عن أبيه عن جده أن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بعثه ومعاذا إلى اليمن فقال بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ~~ولا تختلفا # وعنه أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض ~~أمره قال بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وهذا نهى عن التعسير الذي ~~التزام الحرج في التعبد نوع منه PageV01P303 ~~"""" صفحة رقم 304 """" # وفي الطبرى عن جابر بن عبد الله قال مر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) على ~~رجل يصلى على صخرة بمكة فأتى ناحية مكة فمكث مليا ثم انصرف فوجد الرجل يصلى ~~على حاله فقال أيها الناس عليكم بالقصد والقسط - ثلاثا - فإن الله لن يمل ~~حتى تملوا # وعن بريدة الأسلمى أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) رأى رجلا يصلى فقال ~~من هذا فقلت هذا فلان # فذكرت من عبادته وصلاته # فقال إن خير دينكم يسره # وهذا يشعر بعدم الرضا بتلك الحالة وإنما ذلك مخافة الكراهية للعمل ~~وكراهية العمل مظنه للترك الذي هو مكروه لمن الزم نفسه لأجل نقض العهد وهو ~~الوجه الرابع # وقد مر في الوجه الثالث ما يدل عليه فإن قوله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ms224 مع قوله ولا تبغضوا إلى أنفسكم العبادة ~~يدل على أن بعض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع ولذلك مثل ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بالمنبت - وهو المنقطع عن استيفاء المسافة - وهو الذي دل عليه قول ~~الله تعالى ) فما رعوها حق رعايتها ( على التفسير المذكور # والخامس الخوف من الدخول تحت الغلو في الدين فإن الغلو هو المبالغة في ~~الأمر ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف وقد دل عليه مما تقدم اشياء حيث ~~قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يا أيها الناس عليكم أنفسكم بالقصد الحيدث # وقال الله عز وجل ) يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ( # وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال لى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) غداة العقبة اجمع لى حصيات من حصى الحذف فلما وضعتهن في يده قال فأمثال ~~هؤلاء ما مثل هؤلاء إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو ~~في الدين PageV01P304 ~~"""" صفحة رقم 305 """" # فأشار إلى أن الآية في النهى عن الغلو يشتمل معناها على كل ما هو غلو ~~وإفراط وأكثر هذه الأحاديث المقيدة آنفا أخرجها الطبرى # وخرج أيضا عن يحيى بن جعدة قال كان يقال اعمل وأنت مشفق ودع العمل وأنت ~~تحبه عمل دائم وإن قل خير من عمل كثير منقطع وأتى معاذا رجل فقال أوصنى # قال أمطيعى أنت قال نعم قال صل ونم وافطر وصم واكتسب ولا تأت الله إلا ~~وأنت مسلم وإياك ودعوة المظلوم # وعن إسحاق بن سويد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعبد الله بن ~~مطرف يا عبد الله العلم أفضل من العمل والحسنة بين السيئتين وخير الأمور ~~أوسطها وشر السير الحقحقة # ومعنى قوله إن الحسنة بين السيئتين أن الحسنة هي القصد والعدل والسيئتين ~~مجاوزة الحد والتقصير وهو الذي دل على معناه قول الله تعالى ) ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ( الآية وقوله ) والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا ( الآية ومعنى الحقحقة ارفع السير وإتعاب الظهر وهو راجع ~~إلى الغلو والإفراط # ونحوه ms225 عن يزيد بن مرة الجعفى قال العلم خير من العمل والحسنة بين ~~السيئتين # وعن كعب الأحبار إن هذا الدين متين فلا تبغض إليك دين الله وأوغل برفق ~~فإن المنبت لم يقطع بعدا ولم يستبق ظهرا واعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا ~~يموت اليوم واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غدا # وخرج ابن وهب نحوه عن عبدالله بن عمرو بن العاص # وهذه إشارة إلى الأخذ بالعمل الذي يقتضى المداومة عليه من غير حرج # وعن عمر بن إسحاق # قال أدركت من اصحاب رسول الله صلى الله عليه PageV01P305 ~~"""" صفحة رقم 306 """" # أكثر ممن سبقنى منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم # وقال الحسن دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو # والأدلة في هذا المعنى جميعها راجع إلى أنه لا حرج في الدين والحرج كما ~~ينطلق على الحرج الحالي - كالشروع في عبادة شاقة في نفسها - كذلك ينطلق على ~~الحرج المآلى إذ كان الحرج لازما مع الدوام # كقصة عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما وغيرها - مما تقدم - مع أن الدوام ~~مطلوب حسبما اقتضاه قول أبى أمامة رضى الله عنه في قوله تعالى ) فما رعوها ~~حق رعايتها ( وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) أحب العمل إلى الله ما دوام ~~عليه صاحبه وإن قل فلذلك كان ( صلى الله عليه وسلم ) إذا عمل عملا أثتبه ~~حتى قضى ركعتين ما بين الظهر والعصر بعد العصر # هذا إن كان العامل لا ينوى الدوام فيه فكيف إذا عقد في نيته أن لا يتركه ~~فهو أحرى بطلب الدوام فلذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعبد ~~الله ابن عمرو يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل ~~وهو حديث صحيح فنهاه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يكون مثل فلان وهو ظاهر في ~~كراهية الترك من ذلك الفلان وغيره # فالحاصل أن هذا القسم الذي هو مظنة للمشقة عند الدوام - مطلوب الترك لعلة ~~أكثيرية تفهم عند تقريره أنها إذا فقدت زال طلب الترك ms226 وإذا ارتفع طلب الترك ~~رجع إلى اصل العمل - وهو طلب الفعل # فالداخل فيه على التزام شرطه داخل في مكروه ابتداء من وجه لإمكان عدم ~~الوفاء بالشرط وفي المندوب إليه حملا على ظاهر العزيمة على الوفاء # فمن حيث الندب أمره الشارع بالوفاء ومن حيث الكراهية كره له أن يدخل فيه PageV01P306 ~~"""" صفحة رقم 307 """" # وحين صارت الكراهة هي المقدمة كان دخوله في العمل لقصد القربة يشبه ~~الدخول فيه بغير أمر فأشبه المبتدع الداخل في عبادة غير مأمور بها # فقد يستسهل بهذا الاعتبار إطلاق البدعة عليها كما استسهله أبو أمامة رضى ~~الله عنه # ومن حيث كان العمل مأمورا به ابتداء قبل النظر في المآل أو مع قطع النظر ~~عن المشقة أو مع اعتقاد الوفاء بالشرط - أشبه صاحبه من دخل في نافلة قصدا ~~للتعبد بها وذلك صحيح جار على مقتضى أدلة الندب ولذلك أمر بعد الدخول فيه ~~بالوفاء كان نذرا أو التزاما بالقلب غير نذر # ولو كان بدعة # داخلة في حد البدعة لم يؤمر بالوفاء ولكان عمله باطلا # ولذلك جاء في الحديث أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) رأى رجلا قائما ~~في الشمس فقال ما بال هذا فقالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم ~~فقال ( صلى الله عليه وسلم ) مروه فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صيامه # فأنت ترى كيف أبطل عليه التبدع بما ليس بمشروع وأمره بالوفاء بما هو ~~مشروع في الاصل فلولا الفرق بينهما معنى لم يكن للتفرقة بينهما معنى مفهوم # وأيضا فإذا كان الداخل مأمورا 4 بالدوام لزم من ذلك أن يكون الدخول طاعة ~~بل لا بد لأن المباح فضلا عن المكروه والمحرم لا يؤمر بالدوام عليه ولا ~~نظير لذلك في الشريعة # وعليه أيد قوله ( صلى الله عليه وسلم ) من نذر أن يطيع الله فليطعه ولأن ~~الله مدح ومن أوفى بنذره في قوله سبحانه ) يوفون بالنذر ( في معرض المدح ~~وترتب الجزاء الحسن وفي آية الحديد ) فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ( ولا ~~يكون الأجر إلا على مطلوب شرعا # فتأملوا هذا ms227 المعنى فهو الذي يجرى عليه عمل السلف الصالح رضى الله عنهم PageV01P307 ~~"""" صفحة رقم 308 """" # بمقتضى الأدلة وبه يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادى الرأى حتى تنتظم ~~الآيات والأحاديث وسير من تقدم والحمد الله # غير انه يبقى بعدها إشكالان قويان وبالنظر في الجواب عنهما ينتظم معنى ~~المسألة على تمامه فنعقد في كل إشكال فصلا # فصل الإشكال الاول # إن ما تقدم من الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها معارض بما ~~دل على خلافه فقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقوم حتى تورمت ~~قدماه فيقال له أو ليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر فيقول أفلا ~~أكون عبدا شكورا ويظل اليوم الطويل في الحر الشديد صائما وكان ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يواصل الصيام ويبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ونحو ذلك من اجتهاده ~~في عبادة ربه # وفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اسوة حسنة ونحن مأمورون بالتأسى به # فإن أبيتم هذا الدليل بسبب أنه صلى الله عليه وسلبم كان مخصوصا بهذه القضية # ولذلك كان ربه يطعمه ويسقيه وكان يطيق من العمل مالا تطيقه أمته # فما قولكم فيما ثبت من ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين العارفين ~~بتلك الأدلة التي استدللتم بها على الكراهية حتى إن بعضهم قعد من رجليه من ~~كثرة التبتل وصارت جبهة بعضهم كركبة البعير من كثرة السجود # وجاء عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أنه كان إذا صلى العشاء أوتر بركعة ~~يقرأ فيها القرآن كله وكم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا كذا سنة وسرد ~~الصيام كذا وكذا سنة وكانوا هم العارفين بالسنة لا يميلون عنها لحظة # وروى عن ابن عمر وابن الزبير رضى الله عنهم أنهما كانا يواصلان الصيام ~~وأجاز مالك - وهو إمام في الاقتداء - صيام الدهر يعنى إذا أفطر أيام العيد PageV01P308 ~~"""" صفحة رقم 309 """" # ومما يحكى عن أويس القرنى رضى الله عنه أنه كان يقوم ليلة حتى يصبح ويقول ~~بلغنى أن لله عبادا سجودا ابدا يريد أن يتنفل بالصلاة فتارة ms228 يطول فيها ~~القيام وتارة الركوع وتارة السجود # وعن الأسود بن يزيد أنه كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ~~ويصفر فكان علقمة يقول له ويحك لم تعذب هذا الجسد فيقول إن الأمر جد إن ~~الأمر جد # وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن أمرأة مسروق قالت كان يصلى حتى تورمت ~~قدماه فربما جلست خلفه أبكى مما أراه يصنع بنفسه # وعن الشعبينى قال غشى على مسروق في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # وعن الربيع بن خيثم أنه قال أتيت أويسا القرنى فوجدته قد صلى الصبح وقعد ~~فقلت لا اشغله عن التسبيح فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر فلما صلى ~~الظهر صلى إلى العصر فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب فلما صلى ~~المغرب صلى إلى العشاء فلما صلى العشاء صلى إلى الصبح فلما صلى الصبح جلس ~~فأخذته عينه ثم انتبه فسمعته يقول اللهم إنى أعوذ بك من عين نوامة وبطن لا تشبع # والآثار في المعنى كثيرة عن الأولين وهي تدل على الأخذ بما هو شاق في ~~الدوام ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسنة بل عدوهم من السابقين جعلنا الله منهم PageV01P309 ~~"""" صفحة رقم 310 """" # وأيضا فإن النهى ليس عن العبادة المطلوبة بل هو عن الغلو فيها - غلوا ~~يدخل المشقة على العامل فإذا فرضنا من فقدت في حقه تلك العلة فلا ينتهض ~~النهى في حقه كما إذا قال الشارع لا يقض القاضى وهو غضبان - وكانت علة ~~النهى تشويش الفكر عن استيفاء الحجج - اطرد النهى مع كل مشوش وانتفى عند ~~انتفائه حتى إنه منتف مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الحجج # وهذا صحيح جار على الاصول # وحال من فقدت في حقه العلة حال من يعمل بحكم غلبة الخوف أوالرجاء أو ~~المحبة فإن الخوف سوط سائق # والرجاء حاد قائد والمحبة سيل حامل فالخائف إن وجد المشقة - فالخوف مما ~~هو اشق يحمله على الصبر على ما هو أهون وإن كان العمل شاقا # والراجى يعمل وإن وجد ms229 المشقة لأن رجاء الراحة التامة يحمله على الصبر على ~~بعض التعب # والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب فيسهل عليه الصعب # ويقرب عليه البعيد وهو القوى كذا ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام ~~بشكر النعمة ويعمر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته # وإذا كان كذلك صح الجمع بين الأدلة وجاز الدخول في العمل التزاما مع ~~الإيغال فيه إما مطلقا وإما مع ظن انتفاء العلة وإن دخلت المشقة فيما بعد ~~إذا صح مع العامل الدوام على العمل ويكون ذلك جاريا على مقتضى الأدلة وعمل ~~السلف الصالح # والجواب أن ما تقدم من أدلة النهى صحيح صريح وما نقل عن الأولين يحتمل ~~ثلاثة أوجه أحدها أن يحمل أنهم إنما عملوا على التوسط الذي هو مظنة الدوام ~~فلم يلزموا أنفسهم بما لعله يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ما هو أولى PageV01P310 ~~"""" صفحة رقم 311 """" # أو يتركوا العمل أو يبغضوه لثقله على أنفسهم بل التزمواما كان على النفوس ~~سهلا في حقهم فإنما طلبوا اليسر لا العسر وهو الذي كان حال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وحال من تقدم النقل عنه المتقدمين بناء على أنهم إنما ~~عملوا بمحض السنة والطريقة العامة لجميع المكلفين # وهذه طريقة الطبرى في الجواب # وما تقدم في السؤال مما يظهر منه خلاف ذلك فقضايا أحوال يمكن حملها على ~~وجه صحيح إذا ثبت أن العامل ممن يقتدى به # والثانى يحتمل أن يكونوا عملوا على المبالغة فيما استطاعوا لكن لا على ~~جهة الالتزام لا بنذر ولا غيره وقد يدخل الإنسان في اعمال يشق الدوام عليها ~~ولا يشق في الحال فيغتنم نشاطه في حالة خاصة غير ناظر فيها فيما يأتى ويكون ~~جاريا فيه على اصل رفع الحرج حتى إذا لم يستطعه تركه ولا حرج عليه لأن ~~المندوب لا حرج في تركه في الجملة # ويشعر بهذا المعنى ما في هذا الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يصوم حتى نقول لا يفطر # ويفطر حتى نقول لا ms230 يصوم # وما رأتيه استكمل صيام شهر قط إلا رمضان الحديث # فتأملوا وجه اعتبار النشاط والفراغ من الحقوق المتعلقة أو القوة في ~~الأعمال وكذلك قوله في صيام يوم وإفطار يومين ليتنى طوقت ذلك # إنما يريد المداومة لأنه قد كان يوالى الصيام حتى يقولوا لا يفطر # ولا يعترض هذا المأخذ بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) احب العمل إلى الله ~~ما دام عليه صاحبه وإن قل وإن كان عمله دائما لأنه محمول على العمل الذي ~~يشق فيه الدوام # وأما ما نقل عنهم من أدلة صلاة الصبح بوضوء العشاء وقيام جميع الليل ~~وصيام الدهر ونحوه فيحتمل أن يكون على الشرط المذكور وهو أن لا يلتزم PageV01P311 ~~"""" صفحة رقم 312 """" # ذلك وإنما يدخل في العمل حالا يغتنم نشاطه فإذا أتى زمان آخر وجد فيه ~~النشاط أيضا وإذا لم يخل بما هو أولى عمل كذلك فيتفق أن يدوم له هذا النشاط ~~زمانا طويلا # وفي كل حالة هو في فسحة الترك لكنه ينتهز الفرصة مع الأوقات فلا بعد في ~~أن يصحبه النشاط إلى آخر العمر فيظنه الظان التزاما وليس بالتزام # وهذا صحيح ولا سيما مع سائق الخوف أو حادى الرجاء أو حامل المحبة وهو ~~معنى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) وجعلت قرة عينى في الصلاة فلذلك قام ( ~~صلى الله عليه وسلم ) حتى تورمت قدماه وامتثل امر ربه في قوله تعالى ) قم ~~الليل إلا قليلا ( الآية # والثالث أن دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو غيره ليس أمرا ~~منضبطا بل هو إضافى مختلف بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم أو في قوة ~~عزائمهم أو في قوة يقينهم أو نحو ذلك من أوصاف أجسامهم أو أنفسهم فقد يختلف ~~العمل الواحد بالنسبة إلى رجلين لأن أحدهما أقوى جسما أو أقوى عزيمة أو ~~يقينا بالموعود والمشقة قد تضعف بالنسبة إلى قوة هذا الأمور وأشباهها وتقوى ~~مع ضعفها # فنحن نقول كل عمل يشق الدوام على مثله بالنسبة إلى زيد فهو منهى عنه ولا ~~يشق على عمرو فا ينهى عنه # فنحن نحمل ما ms231 داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقا عليهم ~~وإن كان ما هو أقل منه شاقا علنيا فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ~~نذخل فيما دخلوا فيه إلا بشرط أن يمتد مناط المسئلة فيما بيننا وبينهم وهو ~~أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله # وليس كلامنا في هذا لمشاهدة الجميع فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأولى ~~والأحرى بالجميع وهو الذي دلت عليه الأدلة # دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم إلا على القليل ~~النادر منهم PageV01P312 ~~"""" صفحة رقم 313 """" # والشاهد لصحة هذا المعنى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) إنى لست كهيئتكم ~~إنى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى يريد ( صلى الله عليه وسلم ) أنه لا يشق ~~عليه الوصال ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق # فعلى هذا من رزق أنموذجا مما أعطيه ( صلى الله عليه وسلم ) فصار يوغل في ~~العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه فلا حرج # وأما رده ( صلى الله عليه وسلم ) على عبد الله بن عمرو فيمكن أن يكون شهد ~~بانه لا يطيق الدوام ولذلك وقع له ما كان متوقعا حتى قال ليتنى قبلت رخصة ~~نبى الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويكون عمل ابن الزبير وابن عمر وغيرهما ما ~~في الوصال جاريا على أنهم أعطوا حظا مما أعطيه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وهذا بناء على أصل مذكور في كتاب الموافقات والحمد لله وإذا كان ~~كذلك لم يكن في العمل المنقول عن السلف مخالفة ما سبق # فصل # لكن يبقى النظر في تعليل النهى وأنه يقتضى انتفاءه عند انتفاء العلة وما ~~ذكروه فيه صحيح في الجملة وفيه في التفصيل نظر وذلك أن العلة راجعة إلى ~~أمرين احدهما الخوف من الأنقطاع والترك إذا التزم فيما يشق فيه الدوام ~~والآخر الخوف من التقصير فيما هو الآكد من حق الله وحقوق الخلق # أما الأول فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد اصل فيه أصلا راجعا ~~إلى قاعدة معلومة لا ms232 مظنونة وهي بيان أن العمل المورث للحرج عند الدوام ~~منفى عن الشريعة كما أن أصل الحرج منفى عنها لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~بعث بالحنيفية السمحة ولا سماح مع دخول الحرج # فكل من الزم نفسه ما يلقى فيه الحرج فقد يخرج عن الاعتدال في حق نفسه ~~وصار إدخال للحرج على نفسه من تلقاء نفسه لا من الشارع فإن دخل في العمل ~~على شرط الوافاء فإن وفى فحسن بعد الوقوع إذ قد ظهر أن ذلك العمل إما غير ~~شاق لأنه قد أتى به بشرطه PageV01P313 ~~"""" صفحة رقم 314 """" # وإما شاق صبر عليه فلم يوف النفس حقها من الرفق وسيأتى وإن لم يوف فكأنه ~~نقض عهد الله وهو شديد فلو بقى على اصل براءة الذمة من الالتزام لم يدخل ~~عليه ما يتقى منه # لكن لقائل أن يقول إن النهى هاهنا معلق بالرفق الراجع إلى العامل - كما ~~قالت عائشة رضى الله تعالى عنها نهى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) عن ~~الوصال رحمة لهم فكأنه قد اعتبر حظ النفس في التعبد # فقيل له افعل واترك # أي لا تتكلف ما يشق عليك كما لا تتكلف في الفرائض ما يشق عليك لأن الله ~~إنما وضع الفرائض على العباد على وجه من التيسير يشترك فيه القوى والضعيف ~~والصغير والكبير والحر والعبد والرجل والمرأة حتى إذا كان بعض الفرائض يدخل ~~الحرج على المكلف يسقط عنه جملة أو يعوض عنه ما لا حرج فيه كذلك النوافل ~~المتكلم فيها # وإذا روعى حظ النفس فقد صار الأمر في الإيغال إلى العامل # فله أن لا يمكنها من حظها وأن يستعمله فيما قد يشق عليها بالدوام - بناء ~~على القاعدة المؤصلة في اصول الموافقات في إسقاط الحظوظ # فلا يكون إذا منهيا - على ذلك التقدير - فكما يجب على الإنسان حق لغيره ~~مادام طالبا له وله الخيرة في ترك الطلب به فيرتفع الوجوب # كذلك جاء النهى حفظا على حظوظ النفس # فإذا اسقطها صاحبها زال النهى ورجع العمل إلى اصل الندب # والجواب أن حظوظ النفوس بالنسبة إلى الطلب ms233 بها قد يقال إنه من حقوق الله ~~على العباد وقد يقال إنه من حقوق العباد فلا ينهض ما قلتم إذ ليس للمكلف ~~خيرة فيه # فكما أنه متعبد بالرفق بغيره كذلك هو مكلف بالرفق بنفسه PageV01P314 ~~"""" صفحة رقم 315 """" # ودل على ذلك قوله ( صلى الله عليه وسلم ) إن لنفسك عليك حقا إلى آخر ~~الحديث فقرن حق النفس بحق الغير في الطلب في قوله فأعط كل ذى حق حقه ثم جعل ~~ذلك حقا من الحقوق # ولا يطلق هذا اللفظ إلا على ما كان لازما # ويدل عليه أنه لا يحل للإنسان أن يبيح لنفسه ولا لغيره دمه ولا قطع طرف ~~من أطرافه ولا إيلامه بشىء من الآلام ومن فعل ذلك أثم واستحق العقاب وهو ظاهر # وإن قلنا إنه من حق العبد وراجع إلى خيرته # فليس ذلك على الإطلاق إذ قد تبين في الأصول أن حقوق العباد ليست مجردة من ~~حق الله # والدليل على ذلك - فيما نحن فيه - أنه لو كان إلى خيرتنا بإطلاق لم يقع ~~النهى فيه علينا # بل كنا نخير فيه ابتداء وإلى ذلك فإنه لو كان بخيرة المكلف محضا لجاز ~~للناذر العبادة أن يتركها متى شاء ويفعلها متى شاء # وقد اتفق الأئمة على وجوب الوفاء بالنذر فيجرى ما اشبه مجراه وأيضا فقد ~~فهمنا من الشرع أنه حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ومن جملة التزيين ~~تشريعه على وجه يستحسن الدخول فيه ولا يكون هذا مع شرعية المشقات # وإذا كان الإيغال في الأعمال من شأنه في العادة أن يورث الكلل والكراهية ~~والانقطاع - الذى هو كالضد لتحبيب الإيمان وتزيينه في القلوب - كان مكروها ~~لأنه على خلاف وضع الشريعة فلم ينبغ أن يدخل فيه على ذلك الوجه # وأما الثاني فإن الحقوق المتعلقة بالمكلف على أصناف كثيرة وأحكامها تختلف ~~حسبما تعطيه أصول الأدلة ومن المعلوم أنه إذا تعارض على المكلف حقان ولم ~~يمكن الجمع بينهما فلا بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل فلو تعارض ~~على الجمع بينهما فال بد من تقديم ماهو آكد ms234 في مقتضى الدليل فلو تعارض على ~~المكلف واجب ومندوب لقدم الواجب على المندوب وصار المندوب في ذلك الوقت غير ~~مندوب بل صار واجب الترك عقلا أو شرعا من باب ما لا يتم الواجب إلا به PageV01P315 ~~"""" صفحة رقم 316 """" # وإذا صار واجب الترك فكيف يصير العامل به إذ ذاك متعبدا لله به بل هو ~~متعبد بما هو مطلوب في أصول الأدلة لأن دليل الندب عتيد ولكنه مع ذلك ~~بالنسبة إلى هذا التعبد مانع من العمل به وهو حضور الواجب فإن عمل بالواجب ~~فلا حرج في ترك المندوب على الجملة إلا أنه غير مخلص من جهة ذلك الالتزام ~~المتقدم وقد مر ما فيه # وإن عمل بالمندوب عصى بترك الواجب # وبقى النظر في المندوب هل وقع موقعه في الندب أم لا فإن قلت إن ترك ~~المندوب هنا واجب عقلا فقد ينهض المندوب سببا للثواب مع ما فيه من كونه ~~مانعا من أداء الواجب وإن قلنا إنه واجب شرعا بعد من انتهاضه سببا للثواب ~~إلا على وجه ما وفيه ايضا ما فيه # فأنت ترى ما في التزام النوافل على كل تقدير فرضا إذا كان مؤديا للحرج ~~وهذا كله إذا كان الالتزام صادا عن الوفاء بالواجبات مباشرة قصدا أو غير ~~قصد ويدخل فيه ما في حديث سلمان مع أبى الدرداء رضى الله عنهما إذ كان ~~التزام قيام الليل مانعا له من أداء حقوق الزوجة من الاستمتاع الواجب عليه ~~في الجملة وكذلك التزام صيام النهار # ومثله لو كان التزام صلاة الضحى أو غيرها من النوافل مخلا بقيامه على ~~مريضه المشرف والقيام على إعانة أهله بالقوت أو ما أشبه ذلك # ويجرى مجراه - وإن لم يكن في رتبته - أن لو كان ذلك الالتزام يفضى به على ~~ضعف بدنه أو نهك قواه حتى لا يقدر على الاكتساب لأهله أو أداء فرائضه على ~~وجهها أو الجهاد أو طلب العلم # كما نبه عليه حديث داود عليه السلام أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا ~~يفر إذا لاقى PageV01P316 ~~"""" صفحة رقم 317 """" # وقد ms235 جاء في مقروض الصيام في السفر من التخيير ما جاء ثم إن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال عام الفتح إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم # قال أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه فاصبحنا منا الصائم ومنا المفطر # قال ثم سرنا فنزلنا منزلا فقال إنكم تصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم ~~فأفطروا قال فكانت عزيمة من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # وهذا إشارة إلى أن الصيام ربما أضعف عن ملاقاة العدو وعمل الجهاد # فصيام النفل أولى بهذا الحكم # وعن جابر رضى الله عنه أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) راى رجلا يظلل ~~عليه والزحام عليه فقال ليس من البر الصيام في السفر يعنى أن الصيام في ~~السفر وإن كان واجبا ليس برا في السفر إذا بلغ به الإنسان ذلك الحد مع وجود ~~الرخصة فالرخصة إذا مطلوبة في مثله بحيث تصير به آكد من أداء الواجب فما ~~ليس بواجب في اصله أولى # فالحاصل أن كل من ألزم نفسه شيئا يشق عليه فلم يأت طريق البر على حده # فصل # إذا ثبت ما تقدم ورد الإشكال الثاني وهو أن التزم النوافل التي يشق ~~التزامها مخالفة للدليل وإذا خالفت فالمتعبد بها على ذاك التقدير متعبد بما ~~لم يشرع وهو عين البدعة # فإما أن تنتظمها أدلة ذم البدعة أو لا فإن انتظمتها أدلة الذم فهو غير ~~صحيح لأمرين PageV01P317 ~~"""" صفحة رقم 318 """" # أحدهما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لما كره لعبد الله بن عمرو ~~ما كره وقال له إنى أطيق افضل من ذلك # فقال له ( صلى الله عليه وسلم ) لا أفضل من ذلك تركه بعد التزامه ولولا ~~أن عبد الله فهم منه بعد نهيه الإقرار عليه لما التزمه وداوم عليه حتى قال ~~ليتنى قبلت رخصة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلو قلنا إنها بدعة - ~~وقد ذم كل بدعة على العموم - لكان مقرا له عل خطإ # وذلك لا يجوز كما أنه لاينبغى أن يعتقد في الصحابى أنه خالف امر رسول ~~الله ms236 ( صلى الله عليه وسلم ) قصدا للتعبد بما نهاه عنه # فالصحابة رضى الله تعالى عنهم أتقى لله من ذلك # وكذلك ما ثبت عن غيره من وصال الصيام واشباهه وإذا كان كذلك لم يمكن أن ~~يقال إنها بدعة # أن العامل بها دائما بشرط الوفاء إن التزم الشرط فأداها على وجهها فلقد ~~حصل مقصود الشارع فارتفع النهى إذا فلا مخالفة للدليل فلا ابتداع # وإن لم يلتزم أداءها # فإن كان باختيار فلا إشكال في المخالفة المذكورة كالناذر يترك المندوب ~~بغير عذر ومع ذلك فلا يسمى تركه بدعة ولا عمله في وقت العمل بدعة ولا يسمى ~~بالمجموع مبتدعا # وإن كان لعارض مرض أو غيره من الأعذار فلا نسلم أنه مخالف كما لا يكون ~~مخالفا في الواجب إذا عارضه فيه عارض كالصيام للمريض والحج لغير المستطيع ~~فلا ابتداع إذا # وأما إن لم تنتظمها أدلة الذم فقد ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بمنهى بل ~~هو مما يتعبد به وليس من قبيل المصالح المرسلة ولا غيرها مما له اصل على الجملة # وحينئذ يشمل هذا الاصل كل ملتزم تعبدى كان له أصل أم لا لكن فحيث يكون له ~~أص على الجملة لا على التفصيل كتخصيص ليلة مولد النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~) بالقيام فيها ويومه بالصيام أو بركعات مخصوصة وقيام ليلة أول جمعة من رجب ~~وليلة النصف من شعبان والتزام الدعاء جهرا بآثار PageV01P318 ~~"""" صفحة رقم 319 """" # الصلوات مع انتصاب الإمام وما أشبه ذلك مما له أصل جلى وعند ذلك ينخرم كل ~~ما تقدم تأصيله # والجواب عن الأول - أن الإقرار - صحيح ولا يمتنع أن يجتمع مع النهى ~~الإرشاد لأمر خارجى فإن النهى لم يكن لأجل خلل في نفس العابدة ولا في ركن ~~من أركانها وإنما كان لأجل الخوف من أمر متوقع كما قالت عائشة رضى الله ~~تعالى عنه إن النهى عن الوصال كالتنكيل بهم ولو كان منهيا عنه بالنسبة ~~إليهم لما فعل # فأنظر كيف اجتمع في الشىء الواحد كونه عبادة ومنهيا عنه لكن باعتبارين ~~ونظيره في الفقهيات ما ms237 يقوله جماعة من المحققين في البيع بعد نداء الجمعة ~~فإنه نهى عنه لا من جهة كونه بيعا بل من جهة كونه مانعا من حضور الجمعة - ~~فيجيزون البيع بعد الوقوع ويجعلونه فاسدا وإن وجد التصريح بالنهى فيه للعلم ~~بأن النهى ليس براجع إلى نفس البيع بل إلى أمر يجاوره ولذلك يعلل جماعة ممن ~~يقول بفسخ البيع لأنه زجر للمتابعين لا لأجل النهى عنه فليس عند هؤلاء ببيع ~~فاسد ايضا ولا النهى راجع إلى نفس البيع # فالأمر بالعبادة شىء وكون المكلف يوفى بها اولا شىء آخر فإقرار النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لابن عمرو رضى الله عنهما على ما التزم ونهيه إياه ~~إبتداء لا يدل على الفساد وإلا لزم التدافع وهو محال إلا أن ها هنا نظرا ~~آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسم صار في هذه المسائل كالمرشد للمكلف ~~وكالمبتدىء بالنصيحة عند وجود مظنة الاستنصاح فلما تكلف المكلف على اجتهاده ~~دون نصيحة الناصح الأعرف بعوارض النفوس صار كالمتبع لرايه PageV01P319 ~~"""" صفحة رقم 320 """" # مع وجود النص وإن كان بتأويل فإن سمى في اللفظ بدعة فبهذا الاعتبار وإلا ~~فهو متبع للدليل المنصوص من صاحب النصيحة وهو الدال على الانقطاع إلى الله ~~تعالى بالعبادة # ومن هنا قيل فيها إنها بدعة إضافية لا حقيقية ومعنى كونها إضافية ان ~~الدليل فيها مرجوح بالنسبة لمن يشق عليه الدوام عليها وراجح بالنسبة إلى من ~~وفى بشرطها ولذلك وفي بها عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما بعد ما ضعف وإن ~~دخل عليه فيها بعض الحرج حتى تمنى قبول الرخصة بخلاف البدعة الحقيقية فإن ~~الدليل عليها مفقود حقيقة فضلا عن أن يكون مرجوحا فهذه المسألة تشبه مسألة ~~خطإ المجتهد فالقول فيهما متقارب وسيأتى الكلام فيهما إن شاء الله تعالى # وأما قوله ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بمنهى عنه فليس كما قال PageV01P320 ~~"""" صفحة رقم 321 """" # وذلك أن المندوب هو من حيث هو مندوب يشبه الواجب من جهة مطلق الأمر ويشبه ~~المباح من جهة رفع الحرج على ms238 التارك فهو واسطة بين الطرفين لا يتخلى إلى ~~واحد منهما إلا أن قواعد الشرع شرطت في ناحية العمل شرطا كما شرطت في ناحية ~~تركة شرطا فشرط العمل به أن لا يدخل فيه مدخلا يؤديه إلى الحرج المؤدى إلى ~~انخرام الندب فيه رأسا أو انخرام ما هو أولى منه وما وراء هذا موكول إلى ~~خيرة المكلف فإذا دخل فيه فلا يخلو أن يدخل فيه على قصد انخرام الشرط أو لا ~~فإن كان كذلك فهو القسم الذي يأتى إن شاء الله وحاصله أن الشارع طلبه برفع ~~الحرج وهو يطالب نفسه بوضعه وإدخاله على نفسه وتكليفها ما لايستطاع مع ~~زيادة الإخلال بكثير من الواجبات والسنن التى هي أولى مما دخل فيه ومعلوم ~~أن هذه بدعة مذمومة # وإن دخل على غير ذلك القصد فلا يخلو أن يجرى المندوب على مجراه أو لا فإن ~~أجراه كذلك بان يفعل منه ما استطاع إذا وجد نشاطا ولم يعارضه ماهو أولى مما ~~دخل فيه فهو محض السنة التي لا مقال فيها لاجتماع الأدلة على صحة ذلك العمل ~~إذ قد أمر فهو غير تارك ونهى عن الإيغال وإدخال الحرج فهو متحرز فلا إشكال ~~في صحته وهو كان شأن السلف الأول ومن بعدهم وإن لم يجره على مجراه ولكنه ~~أدخل فيه رأى الالتزام والدوام فذلك الرأى مكروه ابتداء # لكن فهم من الشرع أن الوفاء - إن حصل - فهو - إن شاء الله - كفارة النهى ~~فلا يصدق عليه في هذا القسم معنى البدعة لأن الله تعالى مدح الموفين بالنذر ~~والموفين بعهدهم إذا عاهدوا وإن لم يحصل الوفاء تمحض وجه النهى وربما أثم ~~في الالتزام غير النذرى ولأجل احتمال عدم الوفاء أطلق عليه لفظ البدعة لا ~~لأجل أنه عمل لا دليل عليه بل الدليل عليه قائم PageV01P321 ~~"""" صفحة رقم 322 """" # ولذلك إذا التزم الإنسان بعض المندوبات التي يعلم أو يظن أن الدوام فيها ~~لايوقع في حرج اصلا - وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة المنبه عليها - ~~لم يقع في نهى بل في محض المندوبات كالنوافل الرواتب ms239 مع الصلوات والتسبيح ~~والتحميد والتكبير في آثارها والذكر اللسانى الملتزم بالعشى والإبكار وما ~~أشبه ذلك مما لا يخل بما هو أولى ولا يدخل حرجا بنفس العمل به ولا بالدوام عليه # وفي هذا القسم جاء التحريض على الدوام صريحا ومنه كان جمع عمر رضى الله ~~عنه الناس في رمضان في المسجد ومضى عليه الناس ن لأنه كان أولا سنة ثابتة ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم إنه أقام للناس بما كانوا قادرين ~~عليه ومحبين فيه وفي شهر واحد من السنة لا دائما وموكولا إلى اختيارهم لأنه ~~قال والتي ينامون عنها أفضل # وقد فهم السلف الصالح ان القيام في البيوت أفضل فكان كثير منهم ينصرفون ~~فيقومون في منازلهم ومع ذلك فقد قال نعمت البدعة هذا # فأطلق عليها لفظ البدعة - كما ترى - نظرا - والله أعلم - إلى اعتبار ~~الدوام وإن كان شهرا في السنة وأنه لم يقع فيمن قبله عملا دائما أو انه ~~أظهره في المسجد الجامع مخالفا لسائر النوافل وإن كان ذلك واقعا في أصله ~~كذلك فلما كان الدليل على ذلك القيام على الخصوص واضحا قال نعمت البدعة هذه # فحسنها بصيغة نعم التى تقتضى من المدح ما تقتضيه صيغة التعجب لو قال ما ~~أسحنها من بدعة وذلك يخرجها قطعا عن كونها بدعة # وعلى هذا المعنى جرى كلام أبى أمامة رضى الله عنه مستشهدا بالآية حيث قال ~~أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم # إنما معناه ما ذكرناه # ولأجله قال فدوموا عليه # ولو كان بدعة على الحقيقة لنهى عنه ومن هذه الجهة أجرينا الكلام على ما ~~نهى ( صلى الله عليه وسلم ) عنه من التعبد المخوف الحرج في المآل واستسهلنا PageV01P322 ~~"""" صفحة رقم 323 """" # وضع ذلك في قسم البدع الإضافية تنبيها على وجهها ووضعها في الشرع مواضعها ~~حتى لا يغتر بها مغتر فيأخذها على غير وجهها ويحتج بها على العمل بالبدعة ~~الحقيقية قياسا عليها ولا يدرى ما عليه في ذلك وإنما تجشمنا إطلاق اللفظ ~~هنا وكان ينبغي أن لا يفعل لولا الضرورة وبالله التوفيق # فصل ms240 # قال الله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ( روى في سبب نزول هذه الآية أخبار جملتها ~~تدور على معنى واحد وهو تحريم ما أحل الله من الطيبات تدينا أو شبه التدين ~~والله نهى عن ذلك وجعله اعتداء والله لا يحب المعتدين # ثم قرر الإباحة تقريرا زائدة على ما تقرر بقوله ) وكلوا مما رزقكم الله ~~حلالا طيبا ( ثم أمرهم بالتقوى وذلك مشعر بأن تحريم ما احل الله خارج عن ~~درجة التقوى # فخرج إسماعيل القاضى من حديث أبى قلابة رضى الله عنه قال أراد ناس من ~~اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يرفضوا الدنيا وتركوا النساء ~~وترهبوا فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فغلظ # فيهم المقالة فقال إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد ~~الله عليهم # فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا ~~واعتمروا واستقيموا يستقم بكم قال ونزلت فيهم ) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( # وفي الترمذي عن ابن عباس رضى الله عنهما قال إن رجلا أتى النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فقال يا رسول الله إنى إذا اصبت اللحم انتشرت للنساء ~~وأخذتنى شهوتى فحرمت على اللحم # فأنزل الله الآية حديث حسن PageV01P323 ~~"""" صفحة رقم 324 """" # وفي رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما قال نزلت هذه الآية في رهط من ~~اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منهم أبو بكر وعمر وعلى وابن مسعود ~~وعثمان بن مظعون والمقداد بن الاسود الكندى وسالم مولى أبى حذيفة رضى الله ~~عنهم اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون الجمحى فتوافقوا أن يجبوا أنفسهم بأن ~~يعتزلوا النساء ولا يأكلوا لحما ولا دسما وأن يلبسوا المسوح ولا يأكلوا من ~~الطعام إلا قوتا وأن يسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان فبلغ ذلك رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ms241 ) من أمرهم فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده فيه ~~ولا إياهم فقال لامرأة عثمان أم حكيم ابنة أبى أمية بن حارثة السلمى أحق ما ~~بلغني عن زوجك وأصحابه قالت ما هو يارسول الله فأخبرها فكرهت أن لا تحدث ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكرهت أن تبدى على زوجها فقالت إن كان ~~أخبرك عثمان فقد صدق فقال لها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قولى لزوجك ~~وأصحابه إذا رجعوا إن رسول الله يقول لكم إنى آكل وأشرب وآكل اللحم والدسم ~~وأنام وآتى النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى فلما رجع عثمان واصحابه ~~أخبرتهم امرأته بما أمر به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقالوا لقد ~~بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرنا فما أعجبه فذروا ما كره رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) ونزل فيها ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ( قال من الطعام والشراب والجماع ) ولا تعتدوا ( قال ~~في قطع المذاكير ) إن الله لا يحب المعتدين ( قال الحلال إلى الحرام # وفي الصحيح عن عبد الله قال كنا نغزو مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) ليس معنا نساء فقلنا ألا نختصى فنهانا عن ذلك فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج ~~المرأة بالثوب إلى أجل يعنى - والله اعلم - نكاح المتعة PageV01P324 ~~"""" صفحة رقم 325 """" # المنسوخ ثم قرأ ابن مسعود ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ( # وذكر إسماعيل عن يحيى بن يعمر أن عثمان بن مظعون رضى الله عنه هم ~~بالسياحة وهو يصوم النهار ويقوم الليل وكانت امرأته امرأة عطرة فتركت الكحل ~~والخضاب فقالت لها امرأة من أزواج النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أشهيد أنت ~~أم مغيب فقالت بل شهيد غير ان عثمان لا يريد النساء فذكرت ذلك للنبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فلقيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال له أتؤمن ~~بما نؤمن به قال نعم # قال فاصنع مثل ما نصنع ) لا تحرموا طيبات ما أحل ms242 الله لكم ( الآية # وخرج سعيد بن منصور عن خضير عن أبى مالك قال نزلت في عثمان بن مظعون ~~واصحابه كانوا حرموا عليهم كثيرا من الطعام والنساء وهم بعضهم أن يقطع ذكره ~~فأنزل الله تعالى ? يا ايها الذين آمنوا لاتحرموا الآية # وعن قتادة قال نزلت في ناس من اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ارادوا انه يتخلوا عن الدنيا وتركوا النساء وترهبوا منهم على بن أبى طالب ~~وعثمان بن مظعون # وخرج ابن المبارك ان عثمان بن مظعون أتى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال ائذن لى في الاختصاء فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ليس منا من ~~خصى ولا اختصى إن اختصاء أمتى الصيام قال يا رسول الله ائذن لى في السياحة # قال إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله قال يا رسول الله ائذن لى في الترهب # قال إن ترهب أمتى الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة PageV01P325 ~~"""" صفحة رقم 326 """" # وفي الصحيح رد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) التبتل على عثمان بن ~~مظعون ولو أذن له لاختصى # وهذا كله واضح في ان جميع هذه الأشياء تحريم لما هو حلال في الشرع وإهمال ~~لما قصد الشارع إعماله - وإن كان يقصد سلوك طريق الآخرة - لأنه نوع من ~~الرهبانية في الإسلام # وإلى منع تحريم الحلال ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلا أنه إذا كان ~~التحريم غير محلوف عليه فلا كفارة وإن كان محلوفا عليه ففيه الكفارة ويعمل ~~الحالف بما أحل الله له # ومن ذلك ما ذكر إسماعيل القاضي عن معقل أنه سأل ابن مسعود رضى الله عنه ~~فقال إنى حلفت أن لا أنام على فراشى سنة # فتلا عبد الله ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ( الآية # أدن فكل وكفر عن يمينك ونم على فراشك # وفي رواية كان معقل يكثر الصوم والصلاة فحلف أن لا ينام على فراشه فأتى ~~ابن مسعود رضى الله عنه فسأله عن ذلك فقرأ عليه الآية # وعن المغيرة قال قلت لإبراهيم في هذه الآية ) لا تحرموا طيبات ما أحل ms243 ~~الله لكم ( أهو الرجل يحرم الشىء مما أحل الله له قال نعم # وعن مسروق قال أتى عبد الله بضرع فقال للقوم ادنوا فأخذوا يطعمون # فقال رجل إنى حرمت الضرع # فقال عبد الله # هذا من خطوات الشيطان # ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( إدن فكل وكفر ~~عن يمينك # وعلى ذلك جرت الفتيا في الإسلام إن كل من حرم على نفسه شيئا مما أحل الله ~~له فليس ذلك التحريم بشىء فليأكل إن كان مأكولا وليشرب إن كان مشروبا ~~وليلبس إن كان ملبوسا وليملك إن كان مملوكا # وكأنه إجماع منهم PageV01P326 ~~"""" صفحة رقم 327 """" # منقول عن مالك وأبى حنيفة والشافعة وغيرهم واختلفوا في الزوجة # ومذهب مالك أن التحريم طلاق كلاطلاق الثلاث وما سوى ذلك فهو باطل لأن ~~القرآن شهد بكونه اعتداء حتى إنه إن حرم على نفسه وطء أمة غيره قاصدا به ~~العتق فوطؤها حلال # وكذلك سائل الأشياء من اللباس والمسكن والصمت والاستظلال والاستضحاء # وقد تقدم الحديث في الناذر للصوم قائما في الشمس ساكتا فإنه تحريم للجلوس ~~والكلام والاستظلال والنبى ( صلى الله عليه وسلم ) أمره بالجلوس والكتلم ~~والاستظلال # قال مالك أمره ليتم ما كان له فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية # فتأملوا كيف جعل مالك ترك الحلال معصية وهو مقتضى الآية في قوله تعالى ) ~~ولا تعتدوا ( الآية # ومقتضى قول ابن مسعود رضى الله عنه لصاحب الضرر هذا من خطوات الشيطان # وقد ضعف ابن رشد الحفيد الاستدلال من المالكية بالحديث وتفسير مالك له ~~وذكر أن قوله في الحديث ويترك ما كان عليه فيه معصية ليس بالظاهرا أن ترك ~~الكلام معصية وقد أخبر الله تعالى أنه نذر مريم - قال - وكذلك يشبه أن يكون ~~القيام للشمس ليس معصية إلا ما يتعلق من جهة تعب الجسم والنفس وقد يستحب ~~للحاج أن لا يستظل # فإن قيل فيه معصية # فبالقياس على ما نهى عنه عن التعب لا بالنص والاصل فيه أنه من المباحاث # وما قاله ابن رشد غير ظاهر ولم يقل مالك في ms244 الحديث ما قال استنباطا منه ~~بل الظاهر انه استدل بالآية المتكلم فيها وحمل الحديث فعليها بترك الكلام ~~وإن كان في الشرائع الأول مشروعا فهو منسوخ بهذه الشريعة فهو عمل في مشروع ~~بغير مشروع # وكذلك القيام في الشمس زيادة من باب تحريم الحلال وإن استحب في موضع فلا ~~يلزم استحبابه في آخر PageV01P327 ~~"""" صفحة رقم 328 """" # فصل ويتعلق بهذا الموضع مسائل # إحداها أن تحريم الحلال وما اشبه ذلك يتصور في أوجه الأول التحريم ~~الحقيقي وهو الواقع من الكفار كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وجميع ما ~~ذكر الله تعالى تحريمه عن الكفار بالرأى المحض # ومنه قوله تعالى ) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب ( وما أشبهه من التحريم الواقع في الإسلام رأيا مجردا # الثانى أن يكون مجرد ترك لا لغرض بل لأن النفس تكرهه بطبعها أو لا تكرهه ~~حتى تستعمله أولا تجد ثمنه أو تشتغل بما هو آكد وما اشبه ذلك # ومنه ترك النبى صلى الله عليه وسل لأكل الضب لقوهل فيه إنه لم يكن بأرض ~~قومى فأجدنى أعافه ولا يسمى مثل هذا تحريما لأن التحريم يستلزم القصد إليه ~~وهذا ليس كذلك # الثالث ان يمتنع لنذره التحريم أو ما يجرى مجرى النذر من العزيمة القاطعة ~~للعذر كتحريم النوم على الفراش سنة وتحريم الضرع وتحريم الادخار لغد وتحريم ~~اللين من الطعام واللباس وتحريم الوطء والاستلذاذا بالنساء في الجملة وما ~~اشبه ذلك # الرابع أن يحلف على بعض الحلال ان لا يفعله ومثله قد يسمى تحريما # قال إسماعيل القاضى إذا قال الرجل لأمته والله لا أقربها # فقد حرمها على نفسه باليمين فإذا غشيها وجبت عليه كفارة اليمين # وأتى بمسئلة ابن مقرن في سؤاله ابن مسعود رضى الله عنه إذ قال إني حلفت ~~أن لا أنام على فراشى سنة - قال - فتلا عبد الله ) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( PageV01P328 ~~"""" صفحة رقم 329 """" # الآية وقال له كفر عن يمينك ونم على فراشك # فأمره أن لا يحرم ما ms245 أحل الله له وان يكفر من أجل اليمين # فهذا الإطلاق يقتضى أنه نوع من التحريم وله وجه ظاهر فقد أشار إليه ~~إسماعيل إلى أن الرجل كان إذا حلف أن لا يفعل شيئا من الحلال لم يجز له أن ~~يفعله حتى نزلت كفارة اليمين لأجل ما كان قبل من التحريم ولما وردت الكفارة ~~سمى تحريما ومن ثم - والله أعلم - سميت كفارة # المسألة الثانية # أن الآية التى نحن بصددها ينظر فيها على أي معنى يطلق التحريم # أما الأول فلا مدخل له ها هنا لأن التحريم تشريع كالتحليل والتشريع ليس ~~إلا لصاحب الشرع اللهم إلا أن يدخل مبتدع رأيا كان من أهل الجاهلية أو من ~~أهل الإسلام فهذا أمر آخر يجل السلف الصالح عن مثله فضلا عن أصحاب رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الخصوص # وقد وقع للمهلب في شرح البخارى ما قد يشعر بأن المراد في الآية التحريم ~~بالمعنى الأول # فقال التحريم إنما هو لله ولرسوله فلا يحل لأحد أن يحرم شيئا وقد وبخ ~~الله من فعل ذلك فقال ) لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ( فجعل ~~ذلك من الاعتداء وقال ) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام لتفتروا على الله الكذب ( - قال فهذا كله حجة في أن تحريم الناس ليس بشىء # وما قاله المهلب يرده السبب في نزول الآية ليس كما تقرر ولذلك لم يعد ~~المحرم الحكم لغيره كما هو شأن التحريم بالمعنى الاول فصار مقصورا على ~~المحرم دون غيره PageV01P329 ~~"""" صفحة رقم 330 """" # وأما التحريم بالمعنى الثاني فلا حرج فيه في الجملة لأن بواعث النفوس على ~~الشىء أو صارفها عنه لا تنضبط بقانون معلوم فقد يمتنع الإنسان من الحلال ~~لأمر يجده في استعماله ككثير ممن يمتنع من شرب العسل لوجع يعتريه به حتى ~~يحرمه على نفسه لا بمعنى التحريم الأول ولا الثالث بل بمعنى التوقى منه كما ~~تتوقى سائر المؤلمات # ويدخل ها هنا المعنى امتناع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من أكل الثوم ~~لأنه كان ms246 يناجى الملائكة وهي تتأذى من رائحته وكذلك كل ما تكره رائحته # ولعل هذا المحل أولى من قول من قال إن الثوم ونحوه كانت محرمة عليه ~~بالمعنى المختص بالشارع والمعنيان متقاربان وكلاهما غير داخل في معنى الأمر # وأما التحريم بالمعنى الرابع فيحتمل أن يدخل في عبارة التحريم فيكون قوله ~~تعالى ) لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( قد شمل التحريم بالنذر والتحريم ~~باليمين والدليل على ذلك ذكر الكفارة بعدها بقوله تعالى ) فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين ( الخ # وما تقدم من أنه كان تحريما مجردا قبل نزول الكفارة وان جمعت من المفسرين ~~قالوا في قوله تعالى ) يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ( إن التحريم ~~كان باليمين حين حلف النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أن لا يشرب العسل وسيأتى ~~ذكر ذلك بحول الله # فإن قيل هل يكون قول الرجل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنى إذا ~~اصبت اللحم انتشرت للنساء - الحديث - من قبيل التحريم الثاني لا من الثالث ~~- لأن الرجل قد يحرم الشىء للضرر الحاصل به وقد تقدم آنفا أنه ليس بتحريم ~~حقيقة فكذلك ها هنا لا يريد بالتحريم النذر بل يريد به التوقى أي إنى أخاف PageV01P330 ~~"""" صفحة رقم 331 """" # على نفسى العنت وكان هذا المعنى _ والله أعلم _ هو مقصود الصحابى رضى ~~الله عنه # فالجواب أن من يلحقه الضرر وقت ما يتناول شيئا يمكنه أن يمسك عنه من غير ~~تحريم _ والتارك لامر لا يلزمه أن يكون محرما له فكم من رجل ترك الطعام ~~الفلانى أو النكاح لأنه فى الوقت لا يشتهيه أو لغير ذلك من الاعذار حتى إذا ~~زال عذره تناول منه وقد ترك ( صلى الله عليه وسلم ) أكل الضب ولم يكن تركه ~~موجبا لتحريمه # والدليل على أن المراد بالتحريم الظاهر وأنه لايصح وإن كان تقدم أن النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ) رد عليه بالآية فلو كان وجود مثل تلك الاعذار مبيحا ~~للتحريم بالمعنى الثالث لوقع التفصيل فى الآية بالنسبة إلى من حرم لعذر إو ~~غير عذر ms247 # وأيضا فإن الانتشار للنساء ليس بمذموم فإنه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال من استطاع منكم الباءة فليتزوج الحديث فإنه أحب الانسان قضاء الشهوة ~~تزوج فحصل له مافى الحديث زيادة إلى النسل المطلوب فى الملة فكان محرم ما ~~يحصل به الانشار ساع فى التشبه بالرهبانية وكان ذلك منتفيا عن الاسلام ~~كسائر ما ذكر فى الآية # والمسألة الثالثة # ان هذه الاية يشكل معناها مع قوله تعالى ) كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ( للآية فإن PageV01P331 ~~"""" صفحة رقم 332 """" # الله أخبر عن نبى من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أنه حرم على نفسه ~~حلالا ففيه دليل لجواز مثله # والجواب أنه لا دليل فى الاية لان ما تقدم يقرر أن لا تحريم فى الاسلام ~~فيبقى ما كان شرعا لغيرنا منفيا عن شرعنا كما تقرر فى الاصول # خرج القاضى إسماعيل وغيره عن عباس رضى الله عنهما أن أسرائيل النبى يعقوب ~~عليه السلام أخذه عرق النسا فكان يبيت وعليه زقاء فجعل عليه إن شفاه الله ~~ليحرمن عليه العروق # وذلك قبل نزول التوراة # قالوا فلذلك نسل اليهود لا يأكلونها # وفي رواية جعل على نفسه أن لا يأكل لحوم الإبل - قال - فحرمته اليهود # وعن الكلبى أن يعقوب عليه السلام قال إن الله شفانى لأحرمن أطيب الطعام ~~والشراب - أو قا ل - أحب الطعام أو الشراب إلى # فحرم لحوم الإبل وألبانها # قال القاضى الذي نحسب - والله أعلم - أن إسرائيل حين حرم على نفسه من ~~الحلال ما حرم لم يكن في ذلك الوقت منهيا عن ذلك وأنهم كانوا إذا حرموا على ~~أنفسهم شيئا من الحلال لم يجز لهم أن يفعلوه حتى نزلت كفارة اليمين # قال الله تعال ) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ( والحالف إذا حلف على شيء ~~ولم يقل إن شاء الله كان الخيار إن شاء فعل وكفر وإن شاء لم يفعل - قال ~~وهذه الاشياء وما اشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ والمنسوخ فكان الناسخ ~~في هذا قوله تعالى ) يا ms248 أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~( قال فلما وقع النهى لم يجز للانسان ان يقول الطعام على حرام وما أشبه ذلك ~~من الحلال # فإن قال إنسان شيئا من ذلك كان قوله باطلا وإن حلف على ذلك بالله كان له ~~أن يأتى الذى هو خير ويكفر عن يمينه # """" صفحة رقم 334 """" PageV01P332 # سقط صفحة 333 334 # قال إسماعيل بن إسحاق يمكن أن يكون النبى ( صلى الله عليه وسلم ) حرمها - ~~يعنى جاريته - بيمين الله لأن الرجل إذا قال لأمته والله لا اقربك # فقد حرمها على نفسه باليمين فإذا غشيها وجبت عليه كفارة اليمين # ثم اتى بمسألة ابن مقرن # ويمكن أن يكون السبب شرب العسل وهو الذي وقع في البخارى من طريق هشام عن ~~ابن جريج قال فيه شربت عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت فلا ~~تخبرى بذلك أحدا وإذا كان كذلك فلم يبق في المسألة إشكال # ولا فرق بين الجارية والعسل في الحكم لأن تحريم الجارية كيف ما كان ~~بمنزلة تحريم ما يؤكل ويشرب # وأما إن فرضنا أن آية العقود هي السابقة على آية التحريم فيحتمل وجهين كالأول # أحدهما أن يكون التحريم في سورة التحريم بمعنى الحلف # والثاني أن تكون آية العقود غير متناولة للنبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وأن قوله تعالى ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ( لا تدخل فيه بناء على ~~قوله من قال بذلك من الاصوليين وعند ذلك لا يبقى في القضية ما ينظر فيه ولا ~~يكون للمحتج بالآية متعلق والله أعلم # فصل # إذا ثبت هذا فكل من عمل على هذا القصد فعمله غير صحيح لأنه عامل إما بغير ~~شريعة لأنه لم يتبع أدلتها وإما عامل بشرع منسوخ والعمل بالمنسوخ مع العلم ~~بالناسخ باطل بلا خلاف لأن الترهيب والامتناع من النساء وغير ذلك إن كان ~~مشروعا ففيما قبل هذه الشريعة من الشرائع - وقد تقدم قول النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) لكنى أصوم وأفطر واصلى وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى ~~فليس ms249 منى وهو معنى البدعة PageV01P333 ~~"""" صفحة رقم 334 """" PageV01P334 # """" صفحة رقم 335 """" PageV01P335 # """" صفحة رقم 336 """" # نحن في تقريره وأنه السنة المتبعة والهدى الصالح والصراط المستقيم وليس ~~في كلام زيد ابن اسلم وغيره في معنى التبتل ما يناقض هذا المعنى لأن رفض ~~الدنيا ليس بمعنى طرح اتخاذها جملة وترك الاستمتاع بها بل بمعنى ترك الشغل ~~بها عما كلف الإنسان به من الوظائف الشرعية # واجعل سير السلف الصالح مرآة لك تنظر فيها معنى التبتل على وجه الاقتداء ~~برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلقد كانوا رضى الله تعالى عنهم مكتسبين ~~للمال به فيما أبيح لهم منفقين له حيث ندبوا لم يتعلق بقلوبهم منه شىء إذا ~~عن لهم أمر أو نهى بل قدموا أمر الله ونهيه على حظوظ أنفسهم الباطلة على ~~وجه لم يخل بحظوظهم فيه وهو التوسط الذي تقدم ذكره # ثم ندبهم الشارع إلى اتخاذ الأهل والولد فبادروا إلى الامتثال ولم يقولوا ~~هو شاغل لنا عما أمرنا به # لأن هذا القول مشعر بالغفلة عن معنى التكليف به فإن الاصل الشرعي أن كل ~~مطلوب هومن جملة ما يتعبد به إلى الله تعالى ويتقرب به إليه فالعبادات ~~المحضة ظاهر فيها ذلك والعادات كلها إذا قصد بها امتثال أمر الله عبادات ~~إلا أنه إذا لم يقصد بها ذلك القصد ويجىء بها نحو الحظ مجردا فإذ ذاك لا ~~تقع متعبدا أنها ولامثابا عليها وإن صح وقوعها شرعا # فالصحابة رضى الله تعالى عنهم قد فهموا هذا المعنى ولا يمكن مع فهم أن ~~تتعارض الأوامر في حقهم ولا في حق من فهم منها ما فهموا منها فالتبتل على ~~هذا الوجه صحيح أصيل في الجريات على السنة وكذلك كلام الحسن وغيره في تفسير ~~الآية صحيح إذا أخذ هذا المأخذ أي اتبع الهدى واتبع أمر ربك فإنه العليم ~~بما يصلح لك والقائم على تدبيرك ولذلك قال على أثرها ) رب المشرق والمغرب ~~لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ( أي بك وإنه وكيل لك بالنسبة إلى PageV01P336 ~~"""" صفحة رقم 337 """" # ما ليس من كسبك فكذلك ms250 هو وكيل على ما هو داخل تحت كسبك مما هو تكليف في ~~حقك ومن جملة ما توكل لك فيه أن لا تدخل نفسك في عمل تحرج بسببه حالا ومآلا # وقد فسر التبتل بأنه الإخلاص وهو قول مجاهد والضحاك وقال قتادة أخلص له ~~العبادة والدعوة فعلى هذا التفسير لا تعلق فيها لمورد السؤال # وإذا تقرر هذا فالسياحة واتخاذ الصوامع وسكنى الجبال والكهوف إن كان على ~~شرط أن لا يحرموا ما أحل الله من الأمور التي حرمها الرهبان بل على حد ما ~~كانوا عليه في الحواضر ومجامع الناس لا يشددون على أنفسهم بمقدار ما يشق ~~عليهم فلا إشكال في صحة هذه الرهبانية غير أنها لا تسمى رهبانية إلا بنوع ~~من المجاز أو النقل العرفى الذي لم ثجر عليه معتاد اللغة فلا تدخل في مقتضى ~~قوله تعالى ) ورهبانية ابتدعوها ( لا في الاسم ولا في المعنى # وإن كان على التزام ما التزمه الرهبان فلا نسلم أنه في هذه الشريعة مندوب ~~إليه ولا مباح بل هو مما لا يجوز لأنه كالشرع بغير شريعة محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فلا ينتظمه معنى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) من رغب عن سنتى ~~فليس منى # وأما ما ذكره الغزالى وغيره من تفضيله العزلة على المخالطة وترجيح الغربة ~~على اتخاذ أهل عند اعتوار العوارض فذلك يستمد من اصل آخر لا من هنا # وبيانه أن المطلوبات الشرعية لا تخلو أن يكون المكلف قادرا على الامتثال ~~فيها مع سلامته عند العمل لها من وقوعه في منهى عنه ولا فإن كان قادرا في ~~مجارى العادات بحيث لا يعارضه مكروه أو محرم فلا إشكال في كون الطلب متوجها ~~عليه بقدر استطاعته على حد ما كان السلف الصالح عليه قبل وقوع الفتن وإن لم ~~يقدر على ذلك إلا بوقوعه في مكروه أو محرم ففي بقاء الطلب هنا تفصيل - بحسب ~~ما يظهر من كلام أبى حامد رحمه الله تعالى - إذ يكون PageV01P337 ~~"""" صفحة رقم 338 """" # المطلوب مندوبا لكنه لا يعمل به إلا بوقوعه في ممنوع فالمندوب ms251 ساقط عنه ~~بلا إشكال كالمندوب للصدقة على المحتاج لا مال بيده إلا مال الغير فلا يجوز ~~له العمل بالندب لأنه يقع بسببه في التصرف في مال الغير بغير إذنه ولا يجوز ~~فهو كالفاقد لما يتصدق به وكالقادم على مريضه المشرف أو دفن ميت يخاف ~~تغييره بتركه ثم يقوم يصلى نافلة والمتزوج لا يجد إلا مالا حراما وأشباه ذلك # وقد يكون المطلوب واجبا إلا أن وقوعه فيه يدخله في مكروه وهذا غير معتد ~~به لأن القيام بالواجب آكد أو يوقعه في ممنوع فهذا هو الذي يتعارض على ~~الحقيقة إلا أن الواجبات ليست على وزان واحد كما أن المحرمات كذلك فلا بد ~~من الموازنة فإن ترجح جانب الواجب صار المحرم في حكم العفو أو في حكم ~~التلافى إن كان مما تتلافى مفسدته وإن ترجح جانب المحرم سقط حكم الواجب أو ~~طلب بالتلافى وإن كان تعادلا في نظر المجتهد فهو مجال نظر المجتهدين ~~والأولى - عند جماعة - رعاية جانب المحرم لأن درء المفاسد آكد من جلب ~~المصالح فإذا كانت العزلة مؤدية إلى السلامة فهي الاولى في أزمنة الفتن ~~والفتن لا تختص بفتن الحروب فقط فهي جارية في الجاه والمال وغيرهما من ~~مكتسبات الدنيا وضابطها ما صد عن طاعة الله ومثل هذا يجرى بين المندوب ~~والمكروه وبين المكروهين # وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمعيات والجماعات والتعاون على الطاعات ~~واشباه ذلك فإنها أيضا سلامة من جهة أخرى ويقع التوازن بين المأمورات ~~والمنهيات وكذلك النكاح إذا أدى إلى العمل بالمعاصى ولم يكن في تركه معصية ~~كان تركه أولى PageV01P338 ~~"""" صفحة رقم 339 """" # ومن امثلة ذلك - غير أنه مشكل - ما ذكره الوليد بن مسلم بسنده إلى حبيب ~~بن مسلمة أنه قال لمعن بن ثور هل تدرى لم اتحذت النصارى الديارات قال معن ~~ولم قال إنه لما أحدث الملوك البدع وضيعوا أمر النبيين وأكلوا الخنازير ~~اعتزلوهم لي الديارات وتركوهم وما ابتدعوا فتخلوا للعابدة قال حبيب لمعن ~~فهل لك قال ليس بيوم ذلك # فاقتضى أن مثل ما فعلته النصارى مشروع ms252 في ديننا كذلك ومراده أن اعتزال ~~الناس عند اشتهارهم بالبدع وغلبة الأهواء على حد ما شرع في ديننا لا أن نفس ~~ما فعلت النصارى في رهبانيتها متيسر لنا لما ثبت من نسخه فعلى هذه الأحرف ~~جرى كلام الإمام أبى حامد وغيره ممن نقل هو عنهم واحتج بهم ويدل على ذلك أن ~~جماعة ممن نقل عنهم الترغيب في الغزلة كانوا متزوجين بهم ولم يكن ذلك مانعا ~~من البقاء على ما هم عليه بناء منهم على التحرى في الموازنة بين ما يلحقهم ~~بسبب التزوج فلا إشكال إذا على هذا التقرير في كلام الغزالى ولا غيره ممن ~~سلك مسكله لأنهم بنوا على اصل قطعى في الشرع محكم لا ينسخه شىء وليس من ~~مسالتنا بسبيل ولكن ثم تحقيق زائد لا يسع إيراده هاهنا واصله ماخوذ من كتاب ~~الموافقات من تمرن فيه حقق هذا المعنى على التمام وبالله تعالى التوفيق # والحاصل أن مضمون هذا الفصل يقتضى أن العمل على الرهبانية المنفية في ~~الآية بدعة من البدع الحقيقية لا ألإضافية لرد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لها اصلا وفرعا PageV01P339 ~~"""" صفحة رقم 340 """" # فصل # ثبت بمضمون هذه الفصول المتقدمة آنفا أن الحرج منفى عن الدين جملة ~~وتفصيلا - وإن كان قد ثبت أيضا في الاصول الفقهية على وجه من البرهان أبلغ ~~- فلنبن عليه فنقول قد فهم قوم من اصول السلف الصالح وأهل الانقطاع إلى ~~الله ممن ثبتت ولا يتهم أنهم كانوا يشددون على انفسهم ويلزمون غيرهم الشدة ~~ايضا والتزام الحرج ديدنا في سلوك طريق الآخرة وعدوا من لم يدخل تحت هذا ~~الالتزام مقصرا مطرودا أو محروما وربما فهموا ذلك من بعض الإطلاقات الشرعية ~~ن فرشحوا بذلك ما التزموه فأفضى الأمر بهم إلى الخروج عن السنة إلى البدعة ~~الحقيقية أو الإضافية # فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة أحدهما سهل والآخر صعب ~~وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد فيأخذ بعض المتشددين بالطريق ~~الاصعب الذي يشق على المكلف مثله ويترك الطريق الاسهل بناء على التشديد ms253 على ~~النفس كالذى يجد للطهارة ماءين سخنا وباردا فيتحرى البارد الشاق استعماله ~~ويترك الآخر فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه وخالف دليل رفع ~~الحرج من غير معنى زائد فالشارع لم يرض بشرعية مثله وقد قال الله تعالى ) ~~ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ( فصار متبعا لهواه ولا حجة له في ~~قوله عليه الصلاة والسلام ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به ~~الدرجات # إسباغ الوضوء عند الكريهات الحديث PageV01P340 ~~"""" صفحة رقم 341 """" # من حيث كان الإسباغ مع كراهية النفس سببا لمحو الخطايا ورفع الدرجات ففيه ~~دليل على أن للإنسان أن يسعى في تحصيل هذا الأجر بإكراه النفس ولا يكون إلا ~~بتحرى إدخال الكراهية عليها لأنا نقول لا دليل في الحديث على ما قلتم وإنما ~~فيه أن الإسباغ مع وجود الكراهية ففيه أمر زائد كالرجل يجد ماء باردا في ~~زمان الشتاء ولا يجده سخنا فلا يمنعه شدة برده عن كمال الإسباغ # وأما القصد إلى الكراهية فليس في الحديث ما يقتضيه بل في الأدلة المتقدمة ~~ما يدل على أنه مرفوع عن العباد ولو سلم أن الحديث يقتضيه لكانت أدلة رفع ~~الحرج تعارضه وهي قطعية وخبر الواحد ظنى فلا تعارض بينهما للاتفاق على ~~تقديم القطعى ومثل الحديث قول الله تعالى ) ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا ~~نصب ولا مخمصة ( الآية # ومن ذلك الاقتصار من المأكول على أخشنه وأفظعه لمجرد التشديد لا لغرض ~~سواه فهو من النمط المذكور فوقه لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس في ~~التكليف وهو أيضا مخالف لقوله عليه الصلاة والسلامة إن لنفسك عليك حقا وقد ~~كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يأكل الطيب إذا وجده وكان يحب الحلواء ~~والعسل ويعجبه لحم الذراع ويستعذب له الماء فأين التشديد من هذا ولا يدخل ~~الاستعمال المباح في قوله تعالى ) أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ( لأن ~~المراد به الإسراف الخارج عن حد المباح بدليل ما تقدم فإذا الاقتصار على ~~البشيع في المأكول من غير عذر تنطع وقد ms254 مر ما فيه في قوله تعالى ) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ( الآية # ومن ذلك الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة فإنه من قبيل التشديد ~~والتنطع المذموم وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه PageV01P341 ~~"""" صفحة رقم 342 """" # وقد روى عن الربيع بن زياد الحارثى أنه قال لعلى بن أبى طالب رضى الله ~~عنه أغد بى على أخى عاصم # قال ما باله قال لبس العباء يريد النسك # فقال على رضى الله عنه على به # فأتى به مؤتزرا بعباءة مرتديا بالأخرى شعث الرأس واللحية فعبس في وجهه ~~وقال ويحك أما استحييت من أهلك أما رحمت ولدك أترى الله اباح لك الطيبات ~~وهو يكره أن تنال منها شيئا بل أنت أهون على الله من ذلك أما سمعت الله ~~يقول في كتابه ) والأرض وضعها للأنام ( - إلى قوله ) يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان ( أفترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه ~~فيثبتهم عليه وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول # قال عاصم فما بالك في خشونة مأكلك وخشونة ملبسك قال ويحك إن الله فرض على ~~ائمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس # فتأملوا كيف لم يطالب الله العباد بترك الملذوذات وإنما طالبهم بالشكر ~~عليها إذا تناولوها فالمتحرى للامتناع من تناول ما أباحه الله من غير موجب ~~شرعى مفتات على الشارع وكل ما جاء عن المتقدمين من الامتناع عن بعض ~~المتناولات من هذه الجهة # وإنما امتنعوا منه لعارض شرعى يشهد الدليل باعتباره كالامتناع من التوسع ~~لضيق الحال في يده أو لان المتناول ذريعة إلى ما يكره أو يمنع أو لأن في ~~المتناول وجه شبهة تفطن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ممن علم بامتناعه # وقضايا الأحوال لا تعارض الأدلة بمجردها لاحتمالها في أنفسها # وهذه المسئلة مذكورة على وجهها في كتاب الموافقات PageV01P342 ~~"""" صفحة رقم 343 """" # ومن ذلك الاقتصار في الأفعال والأحوال على ما يخالف محبة النفوس وحملها ~~على ذلك في كل شىء من غير استثناء فهو من قبيل ms255 التشديد # ألا ترى أن الشارع أباح أشياء مما فيه قضاء تهمة النفس وتمتعها ~~واستلذاذها فلو كانت مخالفتها برا لشرع ولندب الناس إلى تركه فلم يكن مباحا ~~بل مندوب الترك أو مكروه الفعل # وأيضا فإن الله تعالى وضع في الأمور المتناولة إيجابا أو ندبا اشياء من ~~المستلذات الحاملة على تناول تلك الأمور لتكون تلك اللذات كالحادي إلى ~~القيام بتلك الأمور كما جعل في الأوامر إذا امتثلت وفي النواهي إذا اجتنبت ~~أجورا منتظرة ولو شاء لم يفعل وجعل في الأوامر إذا تركت والنواهي إذا ~~ارتكبت جزاءا على خلاف الأول ليكون جميع ذلك منهضا لعزائم المكلفين في ~~الامتثال حتى إنه وضع لأهل الأمتثال الثائرين على المبايعة في أنفس ~~التكاليف أنواعا من اللذات العاجلة والأنوار الشارحة للصدور مالا يعدله من ~~لذات الدنيا شىء حتى يكون سببا لاستلذاذ الطاعة والفرار إليها وتفضيلها على ~~غيرها فيخف على العامل العمل حتى يتحمل منه لما لم يكن قادرا قبل على تحمله ~~إلا بالمشقة المنهى عنها فإذا سقطت سقط النهى # بل تأملوا كيف وضع للاطعمة على اختلافها لذات مختلفات الألوان وللأشربة ~~كذلك وللوقوع الموضوع سببا لاكتساب العيال - وهو اشد تعبا عن النفس - لذة ~~أعلى من لذة المطعم والمشرب إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن نسف المتناول ~~كوضع القبول في الأرض وترفيع المنازل والتقدم على سائر الناس في الأمور ~~العظائم وهي أيضا تقتضى لذات تستصغر في جنبها لذات الدنيا # وإذا كان كذلك فأين هذا الموضع الكريم من الرب اللطيف الخبير فمن يأتى ~~متعبدا بزعمه بخلاف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسير والاسباب الموصلة PageV01P343 ~~"""" صفحة رقم 344 """" # إلى محبته فيأخذ بالاشق والاصعب ويجعله هو السلم الموصل والطريق الاخص هل ~~هذا كله إلى غاية في الجهالة وتلف في تيه الضلالة عافانا الله من ذلك بفضله ~~فإذا سمعتم بحكاية تقتضى تشديدا على هذا السبيل أو يظهر منها تنطع أو تكلف ~~فإما أن يكون صاحبها ممن يعتبر كالسلف الصالح أو من غيرهم ممن لا يعرف ولا ~~ثبت اعتباره عند أهل الحل والعقد ms256 من العلماء فإن كان الأول فلا بد أن يكون ~~على خلاف ما ظهر لبادى الرأى - كما تقدم - وإن كان الثاني فلا حجة فيه ~~وإنما الحجة في المقتدين برسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # فهذه خمسة في التشديد في سلوك طريق الآخرة يقاس عليها ما سواها # فصل # قد يكون اصل العمل مشروعا ولكنه يصير جاريا مجرى البدعة من باب الذارئع ~~ولكن على غيرالوجه الذي فرغنا من ذكره وبيانه أن العمل يكون مندوبا إليه - ~~مثلا - فيعمل به العامل في خاصة نفسه على وضعه الاول من الندبية فلو اقتصر ~~العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس ويجرى مجراه إذا دام عليه في خاصيته ~~غير مظهر له دائما بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن ~~الرواتب والفرائض اللوازم فهذا صحيح لا إشكال فيه # واصله ندب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لإخفاء النوافل والعمل بها ~~في البيوت وقوله أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة فاقتصر في ~~الإظهار على المكتوبات - كما ترى - وإن كان ذلك في مسجده عليه السلام أو في ~~المسجد الحرام أو في مسجد بيت المقدس حتى قالوا إن النافلة في البيت أفضل ~~منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما اقتضاه ظاهر الحديث # وجرى مجرى الفرائض في الإظهار السنن كالعيدين والخسوف والاستسقاء وشبه ~~ذلك فبقى ما سوى ذلك حكمه الإخفاء ومن هنا PageV01P344 ~~"""" صفحة رقم 345 """" # ثابر السلف الصالح رضي الله عنهم على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا أو خف ~~عليهم الاقتداء بالحديث وبفعله عليه الصلاة والسلام لأنه القدوة والأسوة # ومع ذلك فلم يثبت فيها إذا عمل بها في البيوت دائما أن يقام جماعة في ~~المساجد البتة ما عدا رمضان حسبما تقدم ولا في البيوت دائما وإن وقع ذلك ~~في الزمان الأول في الفرط كقيام ابن عباس رضي الله عنهما مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عندما بات عند خالته ميمونة وما ثبت من قوله عليه الصلاة ~~والسلام : # [ قوموا فلأصل لكم ] # وما في الموطأ من صلاة يرفأ هو خادم ms257 عمر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وقت الضحى فمن فعله في بيته وقتا ما فلا حرج ونص العلماء على جواز ذلك بهذا ~~القيد المذكور وإن كان الجواز قد وقع في المدونة مطلقا فما ذكره تقييد له ~~وأظن ابن حبيب نقله عن مالك مقيدا فإذا اجتمع في النافلة أن يلتزم السنن ~~الرواتب إما دائما وإما في أوقات محدودة وأقيمت في الجماعة في المساجد التي ~~تقام فيها الفرائض أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب فذلك ابتداع ~~والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ~~ولا عن التابعين لهم بإحسان فعل هذا المجموع هكذا مجموعا وإن أتى مطلقا من ~~غير تلك التقييدات فالتقييد في المطلقات PageV01P345 ~~"""" صفحة رقم 346 """" # التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها رأى في التشريع فكيف إذا عارضه الدليل ~~وهو الأمر بإخفاء النوافل مثلا # ووجه دخول الابتداع هنا أن كل ما وظاف عليه رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة فالعمل بالنافلة التي ليست ~~بسنة على طريق العمل بالسنة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعا # ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوام فيها ومن لا علم عنده أنها سنة # وهذا فساد عظيم لان اعتقاد ما ليس بسنة والعمل بها على حد العمل بالسنة ~~نحو من تبديل الشريعة كما لو اعتقد في الفرض انه ليس بفرض أو فيما ليس بفرض ~~انه فرض ثم عمل على وفق اعتقاده فإنه فاسد فهب العمل في الأصل صحيحا ~~فإخراجه عن بابه اعتقادا وعملا من باب إفساد الأحكام الشرعية ومن هنا ظهر ~~عذر السلف الصالح في تركهم سننا قصدا لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض ~~كالاضحية وغيرها - كما تقدم ذلك # ولأجله أيضا نهى أكثرهم عن اتباع الآثار كما خرج الطحاوى وابن وضاح ~~وغيرهما عن معرور بن سويد الأسدى قال وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر ~~ابن الخطاب رضى الله عنه فلما انصرفنا إلى المدينة انصرفت معه فلما صلى لنا ~~صلاة الغداة ms258 فقرأ فيها ) ألم تر كيف فعل ربك ( و) لإيلاف قريش ( ثم راى ~~ناسا يذهبون مذهبا # فقال اين يذهب هؤلاء قالوا ياتون مسجدا ها هنا فيه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا يتبعون آثار أنبيائهم ~~فاتخذوها كنائس وبيعا من أدركته الصلاة في شىء من هذا المساجد التى صلى ~~فيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فليصل فيها وإلا فلا يتعمدها # وقال ابن وضاح سمعت عيسى بن يونس مفتى أهل طرسوس يقول امر عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة PageV01P346 ~~"""" صفحة رقم 347 """" # قال ابن وضاح وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك ~~المساجد وتلك الآثار للنبى ( صلى الله عليه وسلم ) ما عدا قباء وحده # وقال وسمعتهم يذكرون أن سفيان دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك ~~الآثار ولا الصلاة فيها وكذلك فعل غيره ايضا ممن يقتدى به وقدم وكيع أيضا ~~مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان # قال ابن وضاح فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين فقد قال بعض من مضى ~~كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى وقد كان ~~مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير # وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة أو يعد مشروعا ما ليس معروفا # وقد كان مالك يكره المجىء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة وكان يكره ~~مجىء قبور الشهداء ويكره مجىء قباء خوفا من ذلك مع ما جاء في الآثار من ~~الترغيب فيه # ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه # وقال ابن كنانة واشهب سمعنا مالكا يقول لما أتاه سعد بن أبى وقاص قال ~~وددت أن رجلى تكسرت وأنى لم افعل # وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا بالمدينة فقال اثبت ما في ذلك عندنا قباء # إلا أن مالكا كان ms259 يكره مجيئها خوفا من أن يتخذ سنة # وقال سعيد بن حسان كنت أقرأ على ابن نافع فلما مررت بحديث التوسعة ليلة ~~عاشوراء قال لى حرق عليه قلت ولم ذلك يا أبا محمد قال خوفا من أن يتخذ سنة PageV01P347 ~~"""" صفحة رقم 348 """" # فهذه امور جائزة أو مندوب إليها ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة لأن ~~اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها وهذا شأن السنة وإذا ~~جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك # فإن قيل : كيف صارت هذه الأشياء من البدع الإضافية ؟ والظاهر منها أنها ~~بدع حقيقية ! لأن تلك الأشياء إذا عمل بها على اعتقاد أنها سنة فهي حقيقية ~~إذ لم يضعها صاحب السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه فصارت ~~مثل ما إذا صلى الظهر على أنها غير واجبة واعتقدها عبادة فإنها بدعة من غير إشكال # هذا إذا نظرنا إليها بمآلها وإذا نظرنا إليها أولا فهي مشروعة من غير ~~نسبة إلى بدعة أصلا # فالجواب : أن السؤال صحيح إلا أن لوضعها أولا نظرين : # أحدهما : من حيث هي مشروعة فلا كلام فيها # والثاني : من حيث صارت كالسبب الموضوع الاعتقاد البدعة أو للعمل بها على ~~غير السنة فهي من هذا القبيل غير مشروعة لأن وضع الأسباب للشارع لا للمكلف ~~والشارع لم يضع الصلاة في مسجد قباء أو بيت المقدس مثلا سببا لأن تتخذ سنة ~~فوضع المكلف لها كذلك رأي غير مستند إلى الشرع فكان ابتداعا # وهذا معنى كونها بدعة إضافية أما إذا استقر السبب وظهر عنه مسببه الذي PageV01P348 ~~"""" صفحة رقم 349 """" # هو اعتقاد العمل سنة والعمل على وفقه فذلك بدعة حقيقية لا إضافية ولهذا ~~الأصل أمثلة كثيرة وقعت الإشارة إليها في أثناء الكلام فلا معنى للتكرار # واذا ثبت في الأمور المشروعة أنها قد تعد بدعا بالإضافة فما ظنك بالبدع ~~الحقيقية فإنها قد تجتمع فيها أن تكون حقيقية وإضافية معا لكن من جهتين ~~فإذا بدعة اصبح ولله الحمد في نداء الصبح ظاهرة ثم لما عمل بها في ms260 المساجد ~~والجماعات مواظبا عليها لا تترك كما لا تترك الواجبات وما اشبها كان تشريعا ~~أولا يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أوالسنة وهذا ابتداع ثان إضافى # ثم إذا اعتقد فيها ثانيا السنية أو الفرضية صارت بدعة من ثلاثة أوجه ~~ومثله يلزم في كل بدعة أظهرت والتزمت # وأما إذا خفيت واختص بها صاحبها فالأمر عليه أخف فيالله ويا للمسلمين ~~ماذا يجنى المبتدع على نفسه مما لا يكون في حسابه وقانا الله شرور أنفسنا بفضله # فصل من تماما ما قبله # وذلك أنه وقعت نازلة إمام مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس من الدعاء ~~للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام - وهو ايضا معهود في ~~أكثر البلاد فإن الإمام إذا سلم من الصلاة يدعو للناس ويؤمن الحاضرون - ~~وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من فعل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ولا فعل الأئمة بعده حسبما نقله العلماء في دواوينهم عن السلف ~~والفقهاء # أما أنه لم يكن من فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فظاهر لان حاله ~~عليه السلام في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل - كانت بين أمرين إما أن ~~يذكر الله تعالى ذكرا هو في العرف غير دعاء فليس للجماعة منه حظ إلا أن ~~يقولوا مثل قوله PageV01P349 ~~"""" صفحة رقم 350 """" # أو نحوا من قوله كما فى غير أدبار الصلوات كما جاء أنه كان يقول فى دبر ~~كل صلاة لا أله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ ~~قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~وقوله اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام ~~وقوله ) سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( الآية ونحو ذلك فإنما كان يقول فى ~~خاصة نفسه كسائر الاذكار فمن قال مثل قوله فحسن ولا يمكن فى هذا كله هيئة اجتماع # وان كان دعاء فعامة ما جاء من دعائه عليه السلام بعد الصلاة مما سمع منه ~~إنما ms261 كان يخص به نفسه دون الحاضرين كما في الترمذى عن على بن أبى طالب رضى ~~الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه كان إذا قام إلى الصلاة ~~المكتوبة رفع يديه الحديث إلى وقوله ويقول عند انصرافه من الصلاة اللهم ~~اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا انت حسن ~~صحيح وفي رواية أبى داود كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا سلم من ~~الصلاة قال اللهم اغفرلى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما اسرفت ~~وما أنت أعلم به منى أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت # وحرج أبو داود كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول دبر كلا صلاة ~~اللهم ربنا ورب كل شىء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك اللهم ربنا ورب كل ~~شىء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة اللهم ربنا ورب كل شىء اجعلنى مخلصا لك ~~وأهلى في كل ساعة في الدنيا والآخرة ياذا الجلال والإكرام اسمع واستجب الله ~~أكبر الله أكبر الله نور السموات والأرض الله أكبر الله أكبر حسبى الله ~~ونعم الوكيل # ولأبى داود في رواية رب أعنى ولا تعن على وانصرنى ولا تنصر على PageV01P350 ~~"""" صفحة رقم 351 """" # وأمكن لى ولا تمكن على واهدنى ويسرى هداى إلى وانصرنى على من بغى على إلى ~~آخر الحديث # وفي النسائى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في دبر الفجر إذا صلى ~~اللهم إنى اسألك علما نافعا وعملا متقبلا ورزقا طيبا # وعن بعض الأنصار قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول في دبر ~~الصلاة اللهم اغفر لى وتب على إنك أنت التواب الغفور حتى يبلغ مائة مرة وفي ~~رواية أن هذه الصلاة كانت صلاة الضحى # فتأملوا سياق هذا الأدعية كلها مساق تخصيص نفسه بها دون الناس فيكون مثل ~~هذا حجة لفعل الناس اليوم إلا أن يقال قد جاء الدعاء للناس في مواطن كما في ~~الخطبة التي استسقى فيها ونحو ذلك # فيقال ms262 نعم فاين التزام ذلك جهرا للحاضرين في دبر كل صلاة # ثم نقول إن العلماء يقولون في مثل الدعاء والذكر الوارد على اثر الصلاة ~~إنه مستحب لا سنة ولا واجب # وهو دليل على أمرين # احدهما أن هذه الأدعية لم تكن منه عليه السلام على الدوام # والثاني انه لم يكن يجهر بها دائما ولا يظهرها للناس في غير مواطن ~~التعليم إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنة ولم يسع العلماء أن ~~يقولوا فيها بغير السنة إذ خاصيته - حسبما ذكروه - الدوام والإظهار في ~~مجامع الناس # ولا يقال لو كان دعاؤه عليه الاسلام سرا لم يؤخذ عنه # لأنا نقول من كانت عادته الإسرار فلا بد أن يظهر منه أو يظهر منه ولو مرة ~~إما بحكم العادة بقصد التنبيه على التشريع PageV01P351 ~~"""" صفحة رقم 352 """" # فإن قيل ظواهر الأحاديث تدل على الدوام بقول الرواة كان يفعل فإن يدل على ~~الدوام كقولهم كان حاتم يكرم الضيفان # قلنا # ليس كذلك بل يطلق على الدوام وعلى الكثير والتكرار على الجملة كا جاء في ~~حيدث عائشة رضى الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام ~~وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة # وروت أيضا أنه كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء ~~بل قد يأتى في بعض الاحاديث كان يفعل فيما لم يفعله إلا مرة واحدة نص عليه ~~أهل الحديث # ولو كان يداوم المداومة التامة للحق بالسنن كالوتر وغيره ولو سلم فاني ~~هيئة الاجتماع فقد حصل أن الدعاة بهيئة الاجتماع دائما لم يكن من فعل رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) # كما لم يكن قوله ولا إقراره # وروى البخارى من حديث أم سلمة انه ( صلى الله عليه وسلم ) كان يمكث إذا ~~سلم يسيرا # قال ابن شهاب حتى ينصرف الناس فيما نرى وفي مسلم عن عائشة رضى الله عنها ~~كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام ~~تباركت ياذا الجلال والإكرام # وأما فعل الأئمة بعده فقد نقل ms263 الفقهاء من حديث انس في غير كتب الصحيح ~~صليت خلف النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فكان إذا سلم يقوم وصليت خلاف أبى ~~بكر رضى الله عنه فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة يغنى الحجر المحمى ونقل ~~ابن يونس الصقلى عن ابن وهب عن خارجة أنه كان يعيب على الأئمة PageV01P352 ~~"""" صفحة رقم 353 """" # قعودهم بعد السلام وقال إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تقوم وقال ابن عمر ~~جلوسه بدعة وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال لأن يجلس على الرضف خير له من ذلك # وقال مالك في المدونة إذا سلم فليقم ولا يقعد إلا أن يكون في سفر أو فنائه # وعد الفقهاء اسرع القيام ساعة يسلم من فضائل الصلاة ووجهوا ذلك بأن جلوسه ~~هنالك يدخل عليه فيه كبر وترفع على الجماعة وانفراده بموضوع عنهم يرى به ~~الداخل أنه إمامهم وأما انفراده به حال الصلاة فضرورى # قال بعض شيوخنا الذين استفدنا منهم وإذا كان هذا في انفراده في الموضع ~~فكيف بما انضاف إليه من تقدمه أمامهم في التوسل به بالدعاء والرغبة ~~وتأمينهم على دعائه جهرا قال - ولو كان هذا حسنا لفعله النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وأصحابه رضى الله عنهم ولم ينقل أحد من العلماء مع تواطئهم على ~~نقل جميع أموره حتى هل كان ينصرف من الصلاة عن اليمين أو عن الشمال وقد نقل ~~ابن بطال عن علماء السلف إنكار ذلك والتشديد فيه على من فعله بما فيه كفاية # هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما ~~بدعة قبيحة واستدل على عدم ذلك في الزمان الأول بسرعة القيام والأنصراف ~~لأنه مناف اللدعاء لهم وتامينهم على دعائه بخلاف الذكر ودعاء الإنسان لنفسه ~~فإن الانصراف وذهاب الإنسان لحاجته غير مناف لهما # فبلغت الكائنة بعض شيوخ العصر فرد على ذلك الإمام ردا أمرع فيه PageV01P353 ~~"""" صفحة رقم 354 """" # على خلاف ما عليه الراسخون وبلغ من الرد - على زعمه - إلى أقصى غاية ما ~~قدر عليه واستدل بأمور إذا تأملها الفطن عرف ما ms264 فيها # كالأمر بالدعاء إثر الصلاة قرآنا وسنة وهو - كما تقدم - لا دليل فيه ثم ~~ضم إلى ذلك جواز الدعاء بهيئة الاجتماع في الجملة إلى في أدبار الصلوات ولا ~~دليل فيه أيضا - كما تقدم - لاختلاف المتأصلين # وأما في التفصيل فزعم أنه ما زال معمولا به في جميع أقطار الأرض أو في ~~جلها من الأئمة في مساجد الجماعات من غير نكير إلا نكير أبى عبد الله ثم ~~أخذ في ذمه وهذا النقل تهور لا شك لانه نقل إجماع يجب على الناظر فيه ~~والمحتج به قبل التزام عهدته أن يبحث عنه بحث أصل عن الإجماع لأنه لا بد من ~~النقل عن جميع المجتهدين من هذه الأمة من أول زمان الصحابة رضى الله عنهم ~~إلى الآن # هذا امر مقطوع به ولا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام وإن ادعوا ~~الإمامة # وقوله من غير نكير تجوز بل ما زال الإنكار عليهم من الائمة فقد نقل ~~الطرطوشى عن مالك في ذلك أشياء تخدم المسئلة فحصل إنكار مالك لها في زمانه ~~وإنكار الإمام الطرطوشى في زمانه واتبع هذا أصحابه وهذا أصحابه القرافى ثم ~~القرافة قد عد ذلك من البدع المكروهة على مذهب مالك وسلمه ولم ينكره عليه ~~أهل زمانه - فيما نعلمه - مع زعمه أن من البدع ما هو حسن # ثم الشيوخ الذين كانوا بالأندلس حين دخلتها هذه البدعة - حسبما يذكر بحول ~~الله - قد أنكروها وكان من معتقدهم في ذلك أنه مذهب مالك وكان الزاهد أبو ~~عبد الله ابن مجاهد وتلميذه أبو عمران الميرتلى رحمهما الله ملتزمين لتركها ~~حتى اتفق للشيخ أبى عبد الله في ذلك ما سنذكره إن شاء الله # قال بعض شيوخنا رادا على بعض من نصر هذا العمل فإنا قد شاهدنا العمل ~~الأئمة الفقهاء الصلحاء المتبعين للسنة المتحفظين بأمور دينهم يفعلون ذلك أئمة PageV01P354 ~~"""" صفحة رقم 355 """" # ومأمورين ولم نر من ترك ذلك إلا من شذ في أحواله - فقال - وأما احتجاج ~~منكر ذلك بأن هذا لم يزل الناس يفعلونه فلم يأت بشىء لأن الناس الذين يقتدى ms265 ~~بهم ثبت أنهم لم يكونوا يفعلونه # قال - ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول لو ~~كان هذا منكرا لما فعله الناس # ثم حكى أثر الموطأ ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة ~~- قال - فإذا كان هذا في عهد التابعين يقول كثرت الإحداثات فكيف بزماننا ثم ~~هذا الإجماع لو ثبت لزم منه محضور لأنه مخالف لما نقل عن الأولين من تركه ~~فصار نسخ إجماع بإجماع وهذا محال في الأصول # وايضا فلا تكون مخالفة المتأخرين لإجماع المتقدمين على سنة حجة على تلك ~~السنة أبدا فما أشبه هذه المسئلة بما حكى عن أبى على بشاذان بسند يرفعه إلى ~~أبى عبد الله بن إسحاق الجعفرى قال كان عبدالله بن الحسن - يعنى ابن الحسن ~~بن علي بن أبى طالب رضى الله عنهم - يكثر الجلوس إلى ربيعة فتذاكروا يوما ~~فقال رجل كان في المجلس # ليس العمل هذا فقال عبدالله أرايت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام ~~أفهم الحجة على السنة فقال ربيعة اشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء انتهى # إلا أنى اقول أرأيت إن كثر المقلدون ثم أحدثوا بآرائهم فحكموا بها # أفهم الحجة على السنة ولا كرامة # ثم عضد ما ادعاه بأشياء من جملتها قوله ومن امثال الناس اخطىء مع الناس ~~ولا تصب وحدك أي أن خطأهم هو الصواب وصوابك هو الخطأ PageV01P355 ~~"""" صفحة رقم 356 """" # - قال - ومعنى ما جاء في حديث عليك بالجماعة فإنما ياكل القاصية فجعل ~~تارك الدعاء على الكيفية المذكورة مخالفا للإجماع - كما ترى - وحض على ~~اتباع الناس وترك المخالفة لقوله عليه الصلاة والسلام لا تختلفوا فتختلف ~~قلوبكم وكل ذلك مبنى على الإجماع الذي ذكروا أن الجماعة هم جماعة الناس كيف كانوا # وسيأتى معنى الجماعة المذكورة في حديث الفرق وأنها المتبعة للسنة وإن ~~كانت رجلا واحد في العالم # قال بعض الحنابلة لا تعبأ بما يعرض من المسائل ويدعى فيها الصحة بمجرد ~~التهويل أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك وقائل ذلك لا يعلم أحدا قال فيها ~~بالصحة ms266 فضلا عن نفى الخلاف فيها وليس الحكم فيها من الجليات التي لا يقدر ~~المخالف - قال - وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد بن حنبل من ادعى ~~الإجماع فهو كاذب وإنما هذه دعوى كثير وابن علية يريدون أن يبطلوا السنن بذلك # يعنى أحمد أن المتكلمين في الفقه على أهل البدع إذا ناظرتهم بالسنن ~~والآثار قالوا هذا خلاف الإجماع # وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن بعض فقهاء المدينة ~~أو فقهاء الكوفة - مثلا - فيدعون الإجماع من قلة معرفتهم بأقاويل العلماء ~~واجترائهم على رد السنن بالآراء حتى كان بعضهم يسرد عليه الأحاديث الصحيحة ~~في خيار المجلس ونحوه من الاحكام فلا يجد لها معتصما إلا أن يقول هذا لم ~~يقل به أحد من العلماء وهو لايعرف إلا أبا حنيفة أو مالكا لم يقولوا بذلك ~~ولو كان له علم لرأى من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن قال بذلك خلقا كثيرا PageV01P356 ~~"""" صفحة رقم 357 """" # ففي هذا الكلام إرشاد لمعنى ما نحن فيه وأنه لا ينبغى أن ينقل حكم شرعى ~~عن أحد من أهل العلم إلا بعد تحققه والتثبت لانه مخبر عن حكم الله فإياكم ~~والتساهل فإنه مظنة الخروج عن الطريق الواضح إلى السيئات # ثم عد من المفاسد في مخالفة الجمهور أنه يرميهم بالتجهيل والتضليل وهذا ~~دعوى من خالفه فيما قال وعلى تسليمها فليست بمفسدة على فرض اتباع السنة وقد ~~جاء عن السلف الحض على العمل بالحق وعدم الاستيحاش من قلة أهله # وأيضا فمن شنع على المبتدع بلفظ الابتداع فأطلق العبارة بالنسبة إلى ~~المجتمعين يوم عرفة بعد العصر للدعاء في غير عرفة - إلى نظائرها - فتشنيعه ~~حق كما يقول بالنسبة إلى بشر المريسى ومعبد الجهنى وفلان ولا يدخل بذلك - ~~إن شاء الله - في حديث من قال هلك الناس # فهو أهلكهم لأن المراد أن يقول ذلك ترفعا على الناس واستحقارا واما أن ~~قاله تحزنا وتحسرا فلا بأس # قال بعضهم ونحن نرجو أن نعرج على ذلك - إن شاء الله - فالاستدلال به ليس ~~على وجهه # وعد من المفاسد الخوف ms267 من فساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة ~~المنهى عنها فكأنه يقول اترك اتباع السنة في زمان الغربة خوف الشهرة ودخول العجب # وهذا شديد من القول وهو معارض بمثله فإن انتصابه لان يكون داعيا للناس ~~بإثر صلواتهم دائما مظنة لفساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة وهو ~~تعليل القرافي وهو أولى في طريق الاتباع فصار تركه للدعاء لهم مقرونا ~~بالاقتداء بخلاف الداعى فإنه في غير طريق من تقدم فهو أقرب إلى فساد النية # وعد منها ما يظن به من القول برأى أهل البدع القائلين بأن الدعاء غير ~~نافع وهذا كالذى قبله لأنه يقول للناس اتركوا اتباع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) PageV01P357 ~~"""" صفحة رقم 358 """" # في ترك الدعاء بهيئة الاجتماع بعد الصلوات لئلا يظن بك الابتداع # وهذا كما ترى # قال ابن العربى ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهرى يرفع يديه عند الركوع وعند ~~رفع الراس منه وهو مذهب مالك والشافعى وتفعله الشيعة - قال - فحضر عندي ~~يوما في محرس أبى الشعراء بالثغر موضع تدريسى عند صلاة الظهر ودخل المسجد ~~من المحرس المذكور فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعدا على طاقات ~~البحر اتنسم الريح من شدة البحر ومعى في صف واحد أبو ثمنة رئيس البح وقائده ~~في نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع على مراكب المنار فلما رفع الشيخ ~~الفهرى يديه في الركوع وفي رفع الراس منه قال أبو ثمنة وأصحابه ألا ترى إلى ~~هذا المشرقى كيف دخل مسجدنا قوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر فلا ~~يراكم أحد # فطار قلبى من بين جوانحى وقلت سبحان الله هذا الطرطوشى فقيه الوقت فقالوا ~~لى ولم يرفع يديه فقلت كذلك كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يفعل وهو ~~مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه وجعلت أسكتهم وأسكنهم حتى فرغ من صلاته ~~وقمت معه إلى المسكن من المحرس ورأى تغير وجهي فأنكره وسألنى فأعملت فضحك ~~وقال من أين لى أن أقتل على سنة فقلت له ويحل لك هذا فإنك بين قوم ms268 إن قمت ~~بها قاموا عليك وربما ذهب دمك # فقال # دع هذا الكلام وخذ في غيره فتأملوا في هذه القصة ففيها الشفاء إذ لا ~~مفسدة في الدنيا توازى مفسدة إماتة PageV01P358 ~~"""" صفحة رقم 359 """" # النفس وقد حصلت النسبة إلى البدعة ولكن الطرطوشى رحمه الله يرى ذلك شيئا ~~فكلامه للاتباع أولى من كلام هذا الراد إذ بيهنما في العلم ما بينهما # وأيضا فلو اعتبر ما قال لزم اعتباره بمثله في كل من أنكر الدعاء بهيئة ~~الاجتماع يوم عرفة في غير عرفة ومنهم نافع مولى ابن عمر ومالك والليث وعطاء ~~وغيرهم من السلف ولما كان ذلك غير لازم فمسألتنا كذلك # ثم ختم هذا الاستدلال الإجماعى بقوله وقد اجتمع أئمة الإسلام في مساجد ~~الجماعات في هذه الأعصار في جميع الأقطار على الدعاء أدبار الصلاة فيشبه أن ~~يدخل ذلك مدخل حجة إجماعية عصرية # فإن أراد الدعاء على هيئة الاجتماع دائما لا يترك كما يفعل بالسننن - وهي ~~مسألتنا المفروضة - فقد تقدم ما فيه # فصل # ثم أتى بمأخذ آخر من الاستدلال على صحة ما زعم وهو أن الدعاء على ذلك ~~الوجه لم يرد في الشرع نهى عنه مع وجود الترغيب فيه على الجملة ووجود العمل لديه # فإن صح أن السلف لم يعملوا به # فالترك ليس بموجب لحكم في المتروك إلا جواز الترك وانتفاء الحرج خاصة لا ~~تحريم ولا كراهية # وجميع ما قاله مشكل على قواعد العلم وخصوصا في العبادات - التى هي ~~مسألتنا - إذ ليس لأحد من خلق الله ان يخترع في الشريعة من رأيه أمرا لا ~~يوجد عليه منها دليل لأنه عين البدعة وهذا كذلك إذ لا دليل فيها على اتخاذ PageV01P359 ~~"""" صفحة رقم 360 """" # الدعاء جهرا للحاضرين في آثار الصلوات دائما على حد ما تقام بحيث يعد ~~الخارج عنه خارجا عن جماعة أهل الإسلام متجزا ومتميزا - إلى سائر ما ذكر ~~وكك ما لايدل عليه دليل فهو البدعة # وإلى هذا فإن ذلك الكلام يوهم أن اتباع المتأخرين المقلدين خير من اتباع ~~الصالحين من السلف ولو كان في أحد جائزين ms269 فكيف إذا كان أمرين احدهما متيقن ~~أنه صحيح والآخر مشكوك فيه فيتبع المشكوك في صحته # ويترك مالا مريه في صحته ولو لعا من يتبعه # ثم إطلاقه القول بإن الترك لا يوجب حكما في المتروك إلا جواز الترك غير ~~جار على أصول الشرع الثابتة # فنقول إن هنا اصلا لهذه المسألة لعل الله ينفع به من أنصف من نفسه وذلك ~~أن سكوت الشارع عن الحكم في مسئلة ما أو تركه لامر ما على ضربين أحدهما أن ~~يسكت عنه أو يتركه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقرر لأجله ولا وقع ~~سبب تقريره كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فإنها ~~لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثث بعد ذلك فاحتاج أهل ~~الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي كمل بها ~~الدين وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح مما لم يسنه رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) على الخصوص مما هو معقول المعنى كتضمين الصناع ~~ومسألة الحرام والجد مع الإخوة وعول الفرائض ومنه جمع المصحف PageV01P360 ~~"""" صفحة رقم 361 """" # ثم تدوين الشرائع وما اشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه عليه السلام إلى ~~تقريره للتقديم كلياته التي تستنبط بها منها إذا لم تقع اسباب الحكم فيها ~~ولا الفتوى بها منه عليه الصلاة والسلام فلم يذكر لها حكم مخصوص # فهذا الضرب إذا حدثت اسبابه فلا بد من النظر فيه وإجرائه على اصوله إن ~~كان من العاديات أو من العبادات التي لا يمكن الاقتصار فيها على ما سمع ~~كمسائل السهو والنسيان في إجراء العبادات ولا إشكال في هذا الضرب لأن أصول ~~الشرع عتيدة وأسباب تلك الأحكام لم تكن في زمان الوحى فالسكوت عنها على ~~الخصوص ليس بحكم يقتضى جواز الترك أو غير ذلك بل إذا عرضت النوازل روجع بها ~~أصولها فوجدت فيها ولا يجدها من ليس بمجتهد وإنما يجدها المجتهدون ~~الموصوفون في علم أصول الفقه # والضرب الثاني أن يسكت الشارع عن الحكم ms270 الخاص أو يترك أمرا ما من الأمور ~~وموجبه المقتضى له قائم وسببه في زمان الوحى وفيما بعده موجود ثابت إلا أنه ~~لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان من الحكم العام في أمثاله ولا ينقص منه ~~لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العقلى الخاص موجودا ثم لم يشرع ~~ولا نبه على السبطا كان صريحا في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة زائدة ~~ومخالفة لقصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عندما حد هنالك لا الزيادة عليه ~~ولا النقصان منه PageV01P361 ~~"""" صفحة رقم 362 """" # ولذلك مثال فيما نقل عن مالك بن أنس في سماع أشهب وابن نافع هو غاية فيما ~~نحن فيه وذلك أن مذهبه في سجود الشكر الكراهية وأنه ليس بمشروع وعليه بنى كلامه # قال في العتبية وسئل ماك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله عز وجل ~~شكرا فقال لا يفعل هذا مما مضى من أمر الناس # قيل له إن أبا بكر الصديق رضى الله عنه - فيما يذكرونه - سجد يوم اليمامة ~~شكرا لله أفسمعت ذلك قال ما سمعت ذلك وأنا أرى أن قد كذبوا على أبى بكر # وهذا من الضلال ان يسمع المرء الشىء فيقول هذا لم تسمعه منى # قد فتح الله على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى المسلمين بعده # أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا إذ ما قد كان في الناس وجرى على ايديهم ~~سمع عنهم فيه شىء فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر لأنه من أمر الناس الذي قد ~~كان فيهم فهل سمعت أن احدا منهم سجد فهذا إجماع # وإذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه - تمام الرواية - وقد احتوت على فرض سؤال ~~والجواب بما تقدم # وتقرير السؤال أن يقال في البدعة - مثلا - إنها فعل سكت الشارع عن حكمه ~~في الفعل والترك فلم يحكم عليه بحكم على الخصوص فالاصل جواز فعله كما أن ~~الاصل جواز تركه إذ هو معنى الجائز فإن كان له اصل جملى فأحرى أن يجوز فعله ~~حتى يقوم الدليل على ms271 منعه أو كراهته وإذا كان كذلك فليس هنا مخالفة لقصد ~~الشارع ولا ثم دليل خالفه هذا النظر بل حقيقة ما نحن فيه أنه أمر مسكوت عنه ~~عند الشارع والسكوت عند الشارع لا يقتضى مخالفة ولا موافقة ولا يعين الشارع ~~قصدا ما دون ضده وخلافه وإذا ثبت هذا فالعمل به ليس بمخالف إذ لم يثبت في ~~الشريعة نهى عنه PageV01P362 ~~"""" صفحة رقم 363 """" # وتقرير الجواب معنى ما ذكره مالك رحمه الله وهو أن السكوت عن حكم الفعل ~~أو الترك هنا إذا وجد المعنى المقتضى له إجماع من كل ساكت على أن لا زائد ~~على ما كان # إذ لو كان ذلك لائقا شرعا أو سائغا لفعلوه فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق ~~إلى العمل به وذلك إذا نظرنا إلى المصلحة فإنه لا يخلو إما ان يكون في هذه ~~الأحداث مصلحة أولا والثانى لا يقول به أحد # والأول إما أن تكون تلك المصلحة الحادثة آكد من المصلحة الموجودة في زمان ~~التكليف أولا ولا يمكن ان يكون مع كون المحدثة زيادة تكليف # ونقضه عن المكلف أحرى بالأزمنة المتأخرة لما يعلم من قصور الهمم واستيلاء ~~الكسل ولأنه خلاف بعث النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بالحنفية السمحة ورفع ~~الحرج عن الامة وذلك في تكليف العبادات لان العادات أمر آخر - كما سياتى - ~~وقد مر منه فلم يبق إلا أن تكون المصلحة الظاهرة الآن مساوية للمصلحة ~~الموجودة في زمان التشريع أو أضعف منها وعند ذلك تصير الاحداث عبثا أو ~~استدراكا على الشارع لأن تلك المصلحة الموجودة في زمان التشريع إن حصلت ~~للأولين من غير هذا الإحداث إذا عبث إذ لايصح أن يحصل للأولين دون الآخرين ~~فقد صارت هذه الزيادة PageV01P363 ~~"""" صفحة رقم 364 """" # تشريعا بعد الشارع بسبب الآخرين ما فات للأولين فلم يكمل الدين إذا - ~~دونها ومعاذ الله من هذا المأخذ # وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه أن ترك الأولين لامر ما من غير ~~أن يعينوا فيه وجها مع احتماله في الأدلة الجملية ووجود المظنة دليل على أن ~~ذلك ms272 الامر لا يعمل به وأنه إجماع منهم على تركه # قال ابن رشد في شرح مسألة العتبية الوجه في ذلك انه لم يرد مما شرع في ~~الدين - يعنى سجود الشكر - فرضا ولا نفلا إذ لم يأمر بذلك النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت ~~إلا من أحد هذه الأمور # قال واستدلاله على أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لم يفعل لك ولا ~~المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح إذ لا يصح ان تتوفر الدواعى على ~~ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمر بالتبليغ # قال وهذا أصل من الاصول وعليه يأتى إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع ~~وجود الزكاة فيها لعموم قول النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فيما سقت السماء ~~والعيون البعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر لأنا نزلنا ترك نقل أخذ ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ) الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها # فكذلك نزل ترك نقل السجود عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) في الشكر ~~كالسنة القائمة في أن لا سجود فيها # ثم حكى خلاف الشافعى والكلام عليه والمقصود من المسألة توجيه مالك لها من ~~حيث إنها بدعة لا توجيه أنها بدعة على الإطلاق # وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل وأنه بدعة منكرة من حيث ~~وجد في زمانه عليه لاسلام المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين PageV01P364 ~~"""" صفحة رقم 365 """" # بإجازة التحليل ليتراجعا كما كانا اول مرة وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص ~~امراة رفاعه على رجوعها إليه دل على ان التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها # وهو أصل صحيح إذا اعبتر وضح به ما نحن بصدده لأن التزام الدعاء بآثار ~~الصلوات جهرا للحاضرين في مساجد الجماعات لو كان صحيحا شرعا أو جائزا لكان ~~النبى صلى الله عليه اولى بذلك أن يفعله # وقد علل المنكر هذا الموضع بعلل تقتضى المشروعية وبنى على فرض أنه لم يأت ~~ما يخالفه وأن الأصل الجواز في ms273 كل مسكوت عنه # أما ان الأصل الجواز فيمتنع لان طائفة من العلماء يذهبون إلى أن الاشياء ~~قبل وجود الشرع على المنع دون الإباحة فما الدليل على ما قال من الجواز وإن ~~سلمنا له ما قال فهل هو على الإطلاق أم لا أما في العاديات فمسلم ولا نسلم ~~أن ما نحن فيه من العاديات بل من العبادات ولا يصح أن يقال فيما فيه تعبد ~~إنه مختلف فيه على قولين هل هو على المنع أم هو على الإباحة بل هو أمر زائد ~~على المنع لأن التعبديات إنما وضعوا للشارع فلا يقال في صلاة سادسة - مثلا ~~- إنها على الإباحة فللمكلف وضعها - على أحد القولين - ليتعبد بها لله # لأنه باطل بإطلاق وهو اصل كل مبتدع يريد أن يستدرك على الشارع # ولو سلم أنه من قبيل العاديات أو من قبيل ما يعقل معناه فلا يصح العمل به ~~أيضا لان ترك العمل به من النبى ( صلى الله عليه وسلم ) في جميع عمره وترك ~~السلف الصالح له على توالى أزمنتهم قد تقدم أنه نص في الترك وإجماع من كل ~~من ترك لان عمل الإجماع كنصه - كما اشار إليه مالك في كلامه # وأيضا فما يعلل له لا يصح التعليل به وقد أتى الراد بأوجه منه أحدها أن ~~الدعاء بتلك الهيئة ليظهر وجه التشريع في الدعاء وأنه بآثار الصلوات مطلوب PageV01P365 ~~"""" صفحة رقم 366 """" # وما قاله يقتضى أن يكون سنة بسبب الدوام والإظهار في الجماعات والمساجد ~~وليس بسنة اتفاقا منا ومنه فانقلب إذا وجه التشريع # وايضا فإن إظهار التشريع كان في زمان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) اولى ~~فكانت تلك الكيفية المتكلم فيها أولى للإظهار ولما لم يفعله عليه الصلاة ~~والسلام دل على الترك مع وجود المعنى المقتضى فلا يمكن بعد زمانه في تلك ~~الكيفية إلا الترك # والثاني أن الإمام يجمعهم على الدعاء ليكون باجتماعهم أقرب إلى الإجابة ~~وهذه العلة كانت في زمانه عليه السلام لأنه لا يكون أحدا أسرع إجابة لدعائه ~~منه إذ كان مجاب الدعوة بلا إشكال بخلاف ms274 غيره وإن عظم قدره في الدين فلا ~~يبلغ رتبته فهو كان أحق بأن يزيدهم الدعاء لهم خمس مرات في اليوم والليلة ~~زيادة إلى دعائهم لأنفسهم # وأيضا فإن قصد الاجتماع على الدعاء لا يكون بعد زمانه أبلغ في البركة من ~~اجتماع يكون فيه سيد المرسلين ( صلى الله عليه وسلم ) واصحابه فكانوا ~~بالتنبيه لهذه المنقبة أولى # والثالث قصد التعليم للدعاء ليأخذوا من دعائه ما يدعون به لأنفسهم لئلا ~~يدعوا بما لا يجوز عقلا أو شرعا وهذا التعليل الا ينهض فإن النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) كان المعلم الأول # ومنه تلقينا ألفاظ الأدعية ومعانيها وقد كان من العرب من يجهل قد ~~الربوبية فيقول # رب العباد ما لنا وما لك # أنزل علينا الغيث لا أبالك # وقال الآخر # ولا هم إن كنت الذى بعهدى # ولم تغيرك الأمور بعدى # وقال الآخر # أبنى ليتى لا أحبكم # وجد الإله بكم كما أجد PageV01P366 ~~"""" صفحة رقم 367 """" # وهي ألفاظ يفتقر اصحابها إلى التعليم وكانوا أقرب عهد بجاهلية تعامل ~~الأصنام معاملة الرب الواحد سبحانه ولا تنزهه كما يليق بجلاله فلم يشرع لهم ~~دعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات دائما ليعلمهم أو يعينهم على التعلم ~~إذا صلوا معه بل علم في مجالس التعليم ودعا لنفسه إثر الصلاة حين بدا له ~~ذلك ولم يلتفت إذ ذاك إلى النظر للجماعة وهو كان أولى الخلق بذلك # والرابع أن في الاجتماع على الدعاء تعاونا على البر والتقوى وهو مأمور به ~~وهذا الاجتماع ضعيف فإن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) هو الذي أنزل عليه ) ~~وتعاونوا على البر والتقوى ( وكذلك فعل ولو كان الاجتماع للدعاء إثر الصلاة ~~جهرا للحاضرين من باب البر والتقوى لكان أول سابق إليه لكنه لم يفعله أصلا ~~ولا أحد بعده حتى حدث ما حدث فدل على أنه ليس على ذلك الوجه بر ولا تقوى # والخامس إن عامة الناس لا علم لهم باللسان العربى فربما لحن فيكون اللحن ~~سبب عدم الإجابة وحكى عن الاصمعى في ذلك حكاية شعرية لا فقهية # وهذا الاجتماع إلى اللعب أقرب ms275 منه إلى الجد وأقرب ما فيه أن أحدا من ~~العلماء لا يشترط في الدعاء أن لا يلحن كما يشترط الإخلاص وصدق التوجيه ~~وعزم المسألة وغير ذلك من الشروط # وتعلم اللسان العربى لإصلاح الألفاظ في الدعاء وإن كان الإمام أعرف به هو ~~كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه فإن كان الدعاء مستحبا فالقراءة ~~واجبة والفقه في الصلاة كذلك فإن كان تعليم الدعاء إثر الصلاة مطلوبا ~~فتعليم فقه الصلاة آكد فكان من حقه أن يجعل ذلك من وظائف آثارالصلاة # فإن قيل بموجبه في المحرف المتعارف فهذه القاعدة تجتث أصله لأن السلف ~~الصالح كانوا أحق بالسبق إلى فضله لجميع ما ذكر فيه من الفوائد ولذلك قال ~~مالك فيها ترى الناس اليوم كانوا أرغب في الخير ممن مضى وهو إشارة إلى ~~الاصل المذكور وهو أن المعنى المقتضى للإحداث - وهو الرغبة فالخير - كان ~~أتم في السلف الصالح وهم لم يفعلوه فد لعلى أنه لا يفعل # وأما ما ذكر من آداب الدعاء فكله مما لا يتعين له إثر لاصلاة بدليل أن ~~رسوله الله ( صلى الله عليه وسلم ) علم منها جملة كافية ولم يعلم منها شياء ~~إثر الصلاة ولا تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه في آخر الصلاة أو ليستغنوا ~~بدعائه عن تعليم ذلك ومع أن الحاضرين للدعاء لا يحصل لهم من الإمام في ذلك ~~كبير شىء وإن حصل فلمن كان قريبا منه دون من بعد الاعتصام للعلامة المحقق ~~الاصولى النظار الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن موسى بن محم اللخمى الاطبى ~~الغرناطى رحمه الله تعالى وبه تعريف العلامة المدقق السيد محمد رشيد رضا ~~منشىء مجلة المنار الجزء الثانى يطلب من المكتبة التجارية الكبرى بمصر ص 0 ~~ب 578 من صفحة 4 إلى صفحة 362 PageV01P367 ~~"""" صفحة رقم 368 """" # فإن قيل بموجبه في المحرف المتعارف فهذه القاعدة تجتث أصله لأن السلف ~~الصالح كانوا أحق بالسبق إلى فضله لجميع ما ذكر فيه من الفوائد ولذلك قال ~~مالك فيها أترى الناس اليوم كانوا أرغب في الخير ممن مضى وهو ms276 إشارة إلى ~~الاصل المذكور وهو أن المعنى المقتضى للإحداث - وهو الرغبة في الخير - كان ~~أتم في السلف الصالح وهم لم يفعلوه فدل على أنه لا يفعل # وأما ما ذكر من آداب الدعاء فكله مما لا يتعين له إثر الصلاة بدليل أن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) علم منها جملة كافية ولم يعلم منها شيا ~~إثر الصلاة ولا تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه في آخر الصلاة أو ليستغنوا ~~بدعائه عن تعليم ذلك ومع أن الحاضرين للدعاء لا يحصل لهم من الإمام في ذلك ~~كبير شىء وإن حصل فلمن كان قريبا منه دون من بعد تم الجزء الأول الاعتصام ~~للعلامة المحقق الاصولى النظار الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد ~~اللخمى الشاطبى الغرناطى رحمه الله تعالى وبه تعريف العلامة المدقق السيد ~~محمد رشيد رضا منشىء مجلة المنار # الجزء الثانى # يطلب من المكتبة التجارية الكبرى بمصر ص 0 ب 578 من صفحة 3 إلى صفحة 362 PageV01P368 ~~"""" صفحة رقم 2 """" # الجزء الثانى PageV02P002 ~~"""" صفحة رقم 3 """" # بسم الله الرحمن الرحيم # فصل # ثم استدل المستنصر بالقياس فقال وإن صح أن السلف لم يعملوا به فقد عمل ~~السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما هو خير - ثم قال بعد - قد قال عمر ابن ~~عبد العزيز رضى الله عنه تحدث للناس أقضية بقدر ما احدثوا من الفجور فكذلك ~~تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور # وهذا الاستدلال غير جار على الاصول أما أولا فإنه في مقابلة النص وهو ما ~~اشار إليه مالك في مسألة العتبية فذلك من باب فساد الاعتبار وأما ثانيا ~~فإنه قياس على نص لم يثبت بعد من طريق مرضى وهذا ليس كذلك وأما ثالثا فإن ~~كلام عمر بن عبد العزيز فرع اجتهادى جاء عن رجل مجتهد يمكن أن يخطىء فيه ~~كما يمكن أن يصيب وإنما حقيقة الأصل أن يأتى عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~) أو عن أهل الإجماع وهذا ليس عن واحد منهما # وأما رابعا فإن قياس ms277 بغير معنى جامع أو بمعنى جامع طردى # ولكن الكلام فيه سيأتى - إن شاء الله - في الفرق بين المصالح المرسلة والبدع # وقوله إن السلف عملوا بما لم يعمل به من قبلهم حاش لله أن يكونوا ممن ~~يدخل تحت هذه الترجمة # وقوله مما هو خير أما بالنسبة إلى السلف فما عملوا خير وأما فرعه المقيس ~~فكونه خيرا دعوى لان كون الشىء خيرا أو شرا لا يثبت إلا بالشرع أو لان ~~الدعاء على تلك الهيئة خير شرعا PageV02P003 ~~"""" صفحة رقم 4 """" # وأما قياسه على قوله تحدث للناس أقضية فمما تقدم وفيه أمر آخر وهو ~~التصريح بأن إحداث العبادات جائز قياسا على قول عمر وإنما كلام عمر بعد ~~تسليم القياس عليه في معنى عادى يختلف فيه مناط الحكم الثابت فيما تقدم ~~كتضمين الصناع أو الظنة في توجيه الأيمان دون مجرد الدعاوى فيقول إن ~~الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام لصحة الأمانة والديانة والفضيله فما حدثت ~~أضدادها اختلف المناط فوجب اختلاف الحكم وهو حكم رادع أهل الباطل عن باطلهم ~~فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب بخلاف ما نحن فيه # فإنه على الضد من ذلك ألا ترى ان الناس إذا وقع فيهم الفتور عن الفرائض ~~فضلا عن النوافل - وهى ما هي من القلة والسهولة - فما ظنك بهم إذا زيد ~~عليهم اشياء أخرى يرغبون فيها ويرخصون على استعمالها فلا شك أن الوظائف ~~تتكاثر حتى يؤدى إلى أعظم من الكسل الأول وإلى ترك الجميع فإن حدث للعامل ~~بالبدعة هو في بدعته أو لمن شايعه فيها فلا بد من كسله مما هو اولى # فنحن نعلم أن ساهر ليلة النصف من شعبان لتلك الصلاة المحدثة لا يأتيه ~~الصبح إلا وهو نائم أو في غاية الكسل فيخل بصلاة الصبح وكذلك سائر PageV02P004 ~~"""" صفحة رقم 5 """" # المحدثات فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو أولى منها بالإبطال أو ~~الإخلال وقد مر أن ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنة ما هو خير منها # وأيضا فإن هذا القياس مخالف لأصل شرعى وهو طلب النبى ( صلى الله ms278 عليه ~~وسلم ) السهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد وزيادة وظيفة لم تشرع فتظهر ~~ويعمل بها دائما في مواطن السنن فهو تشديد بلا شك وإن سلمنا ما قال فقد وجد ~~كل مبتدع من العامة السبيل إلى إحداث البدع وأخذ هذا الكلام بيده حجة ~~وبرهانا على صحة ما يحدثه كائنا ما كان وهو مرمى بعيد # ثم استدل على جواز الدعاء إثر الصلاة في الجملة ونقل في ذلك عن مالك ~~وغيره أنواعا من الكلام وليس محل النزاع بل جعل الأدلة شاملة لتلك الكيفية ~~المذكورة وعقب ذلك بقوله وقد تظاهرت الأحاديث والآثار وعمل الناس وكلام ~~العلماء على هذا المعنى كما قد ظهر - قال - ومن المعلوم أنه عليه السلام ~~كان الإمام في الصلوات وأنه لم يكن ليخص نفسه بتلك الدعوات إذ قد جاء من ~~سنته لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلا بإذنهم ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل ~~فقد خانهم # فتأملوا يا أولى الألباب فإن عامة النصوص فيما سمع من أدعيته في أدبار ~~الصلوات إنما كان دعاء لنفسه وهذا الكلام يقول فيه إنه لم يكن ليخص نفسه ~~بالدعاء دون الجماعة وهذا تناقض ومن الله نسأل التوفيق # وإنما حمل الناس الحديث على دعاء الإمام في نفس الصلاة من السجود وغيره ~~لا فيما حمله عليه هذا المتأول ولما لم يصح العمل بذلك الحديث عند مالك أجاز PageV02P005 ~~"""" صفحة رقم 6 """" # للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين # ذكره في النوادر ولما اعترضه كلام العلماء وكلام السلف مما تقدم ذكره أخذ ~~يتأول ويوجه كلامهم على طريقته المرتكبة ووقع له في كلام على غير تأمل ~~لايسلم ظاهره من التناقض والتدافع لوضوح أمره وكذلك في تأويل الاحاديث التى ~~نقلها لكن تركت هنا استيفاء الكلام عليها لطوله وقد ذكرته في غير هذا ~~الموضع والحمد لله على ذلك # فصل # ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة ~~فينهى عنه أم غير بدعة فيعمل به فإنا إذا اعتبرناه بالأحكام الشرعية وجدناه ~~من المشتبهات التي قد ندبنا إلى ms279 تركها حذرا من الوقوع في المحظور والمحظور ~~هنا هو العمل بالبدعة فإذا العامل به لا يقطع أنه عمل ببدعة كما أنه لا ~~يقطع أنه عمل بسنة فصار من جهة هذا التردد غير عامل ببدعة حقيقية ولا يقال ~~أيضا إنه خارج عن العمل بها جملة # وبيان ذلك أن النهى الوارد في المشتبهات إنما هو حماية أن يقع في ذلك ~~الممنوع الواقع فيه الاشتباه فإذا اختلطت الميتة بالذكية نهيناه عن الإقدام ~~فإن أقدم أمكن عندنا أن يكون آكلا للميتة في الأشتباه فالنهى الأخف إذا ~~منصرف نحو الميتة في الاشتباه كما انصرف إليها النهى الأشد في التحقق # وكذلك اختلاط الرضيعة بالأجنبية النهى في الاشتباه منصرف إلى الرضيعة كما ~~انصرف إليها في التحقق وكذلك سائر المشتبهات إنما ينصرف نهى الإقدام PageV02P006 ~~"""" صفحة رقم 7 """" # على المشتبه إلى خصوص الممنوع المشتبه فإذا الفعل الدائر بين كونه سنة أو ~~بدعة إذا نهى عنه في باب الاشتباه نهى عن البدعة في الجملة فمن أقدم على ~~منهى عنه في باب البدعة لانه محتمل أن يكون بدعة في نفس الأمر فصار من هذا ~~الوجه كالعامل بالبدعة المنهى عنها وقد مر أن بالبدعة الإضافية هي الواقعة ~~ذات وجهين - فلذلك قيل إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية ولهذا النوع ~~أمثلة أحدها إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في ان العمل الفلانى مشروع ~~يتعبد به أو غير مشروع فلا يتعبد به ولم يتبين له جمع بين الدليلين أو ~~إسقاط أحدهما بنسخ أو ترجيح أو غيرهما - فقد ثبت في الاصول ان فرضه التوقف ~~فلو عمل بمقتضى دليل التشريع من غير مرجح لكان عاملا بمتشابه لإمكان صحة ~~الدليل بعدم المشروعية فالصواب الوقوف عن الحكم رأسا وهو الفرض في حقه # والثاني إذا تعارضت الأقوال على المقلد في المسألة بعينها فقال بعض ~~العلماء يكون العمل بدعة وقال بعضهم ليس ببدعة ولم يتبين له الأرجح من ~~العالمين بأعلمية أو غيرها فحقه الوقوف والسؤال عنهما حتى يتبين له الأرجح ~~فيميل إلى تقليده دون الآخر فإن أقدم على تقليد أحدهما ms280 من غير مرجح كان ~~حكمه حكم المجتهد إذا أقدم على العمل بأحد الدليلين من غير ترجيح فالمثالان ~~في المعنى واحد # والثالث أنه ثبت في الصحاح عن الصحابة رضى الله عنهم أنهم يتبركون بأشياء ~~من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ففى البخارى عن ابى جحيفة رضى الله PageV02P007 ~~"""" صفحة رقم 8 """" # عنه قال خرج علينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالهاجرة فأتى بوضوء ~~فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به الحديث وفيه كان إذا ~~توضأ يقتتلون على وضوئه وعن المسور رضى الله عنه في حديث الحديبية وما ~~انتخم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك ~~بها وجهه وجلده وخرج غيره من ذلك كثيرا في التبرك بشعره وثوبه وغيرهما حتى ~~انه مس بإصبعه أحدهم بيده فلم يحلق ذلك الشعر الذي مسه عليه السلام حتى مات # وبالغ بعضهم في ذلك حتى شرب دم حجامته - إلى أشياء لهذا كثيرة فالظاهر في ~~مثل هذا النوع أن يكون مشروعا في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) وأن يتبرك بفضل وضوئه ويتدلك بنخامته ويستشفى ~~بآثاره كلها ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأصل ( صلى الله عليه وسلم ) # إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله وهو أن ~~الصحابة رضى الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحد منهم شىء من ذلك ~~بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك ( صلى الله عليه وسلم ) بعده في الأمة افضل ~~من أبى بكرالصديق رضى الله عنه فهو كان خليفته ولم يفعل به شىء من ذلك ولا ~~عمر رضى الله عنهما وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم على ثم سائر ~~الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق ~~صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه PageV02P008 ~~"""" صفحة رقم 9 """" # أو نحوها بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال ms281 والأقوال والسير التي ~~اتبعوا فيها النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك ~~الأشياء # وبقى النظر في وجه ترك ما تركوا منه ويحتمل وجهين أحدهما أن يعتقدوا في ~~الاختصاص وان مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله للقطع بوجود ما التمسوا من ~~البركة والخير لأنه عليه السلام كان نورا كله في ظاهره وباطنه فمن التمس ~~منه نورا وجده على أي جهة التمسه بخلاف غيره من الأمة - وإن حصل له من نور ~~الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مبلغه على حال توازيه ~~في مرتبه ولا تقاربه فصار هذا النوع مختصا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على ~~الأربع وإحلال بضع الواهبة نفسها له وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك ~~فعلى هذا المأخذ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ~~ونحوها ومن اقتدى به كان اقتدؤه بدعة كما كان الاقتداء به في الزيادة على ~~أربع نسوة بدعة # الثاني أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع خوفا من ~~أن يجعل ذلك سنة - كما تقدم ذكره في اتباع الآثار - والنهى عن ذلك أو لان ~~العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في ~~التماس البركة حتى يداخلها المتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد فربما اعتقد ~~في المبترك به ما ليس فيه وهذا التبرك هو أصل العبادة ولأجله قطع عمر رضى ~~الله عنه الشجرة التى بويع تحتها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بل هو ~~كان اصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكره أهل السير - فخاف PageV02P009 ~~"""" صفحة رقم 10 """" # عمر رضى الله عنه أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من ~~دون الله # فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم # ولقد حكى الفرغانى مذيل تاريخ الطبرى عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في ~~التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته حتى أدعوا فيه الإلهية ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا # ولأن الولاية ms282 وإن ظهر لها في الظاهر آثار فقد يخفى أمرها لانها في ~~الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله فربما ادعيت الولاية لمن ليس ~~بولى أو ادعاها هو لنفسه أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب الشعوذة ~~لا من باب الكرامة أو من باب # أو الخواص أو غير ذلك والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر فيعظمون ~~من ليس بعظيم ويقتدون بمن لا قدوة فيه - وهو الضلال البعيد - إلى غير ذلك ~~من المفاسد # فتركوا العمل بما تقدم - وإن كان له أصل - لما يلزم عليه من الفساد في الدين # وقد يظهر باول وهلة أن هذا الوجه الثاني راجح لما ثبت في الأصول العلمية ~~أن كل قربة أعطيها النبى صلى الله عليه فإن لأمته أنموذجا منها ما لم يدل ~~دليل على الاختصاص # إلا أن الوجه الأول أيضا راجع من جهة أخرى وهو إطباقهم على الترك إذ لو ~~كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال ~~إما وقوفا مع أصل المشروعية وإما بناء على اعتقاد انتقاء العلة الموجبة ~~للامتناع # وقد خرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثنى ~~رجل من الأنصار أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان إذا توضأ PageV02P010 ~~"""" صفحة رقم 11 """" # أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به ~~جلودهم فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم لم تفعلون هذا قالوا نلتمس الطهور ~~والبركة بذلك # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من كان منكم يحب أن يحبه الله ~~ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره فإن صح هذا النقل فهو ~~مشعر بأن الأولى تركه وأن يتحرى ما هو الآكد والاحرى من وظائف التكليف ولا ~~يلزم الإنسان في خاصة نفسه ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان من قبيل الرقية ~~وما يتبعها أو دعاء الرجل لغيره على وجه سيأتى بحول الله # فقد صارت المسئلة من أصلها دائرة بين أمرين أن ms283 تكون مشروعة فدخلت تحت حكم ~~المتشابه والله أعلم # فصل # ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون اصل العبادة مشروعا ~~إلا انه تخرج عن اصل شرعيتها بغير دليل توهما أنها باقية على اصلها تحت ~~مقتضى الدليل وذلك بان يقيد إطلاقها بالرأى أو يطلق تقييدها وبالجملة فتخرج ~~عن حدها الذي حد لها PageV02P011 ~~"""" صفحة رقم 12 """" # ومثال ذلك أن يقال إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت ~~دون وقت ولا حد فيه زمانا ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين وندب ~~إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء بقول فإذا خص منه يوما من الجمعة بعينه أو ~~أياما من الشهر بأعيانها - لا من جهة ما عينه الشاعر - فإن ذلك ظاهر بانه ~~من جهة اختيار المكلف كيوم الأربعاء مثلا في الجمعة والسابع والثامن في ~~الشهر وما أشبه ذلك بحيث لا يقصد بذلك وجها بعينه مما لا ينثنى عنه فإذا ~~قيل له لم خصصت تلك الأيام دون غيرها لم يكن له بذلك حجة غير التصميم أو ~~يقول إن الشيخ الفلانى مات فيه أو ما اشبه ذلك فلا شك أنه رأى محض بغير ~~دليل ضاهى به تخصيص الشاعر أيامها بأعيانها دون غيرها فصار التخصيص من ~~المكلف بدعة إذ هي تشريع بغير مستند # ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها ~~تخصيصا كتخصيص اليوم الفلانى بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا وكذا أو ~~الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة أو بختم القرآن فيها أو ما اشبه ذلك ~~فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق أو بقصد يقصد مثله أهل ~~العقل والفراغ والنشاط كان تشريعا زائدا # ولا حجة له في ان يقول إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره فيحسن فيه إيقاع ~~العبادات لأنا نقول هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا فإن ثبت PageV02P012 ~~"""" صفحة رقم 13 """" # فمسئلتنا كما ثبت الفضل في قيام ليالى رمضان وصيام ثلاثة ايام من كل شهر ~~وصيام الأثنين والخميس ms284 فإن لم يثبت فما مستندك فيه والعقل لا يحسن ولا يقبح ~~ولا شرع يستند إليه فلم يبق إلا انه ابتداع في التخصيص كإحداث الخطب وتحرى ~~ختم القرآن في بعض ليالى رمضان # ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه فإنه من باب وضع ~~الحكمة غير موضعها فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها - وهو الغالب - وهو ~~فتنة تؤدى إلى التكذيب بالحق وإلى العمل بالباطل # وإما لايفهم منها شيئا وهو اسلم ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون ~~بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله # ثم إن القاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بعد تعقلها كان من باب ~~التكليف بما لا يطاق # وقد جاء النهى عن ذلك # فخرج أبو داود حديثا عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه نهى عن ~~الغلوطات # قالوا وهي صعاب المسائل أو شرار المسائل وفي الترمذي - أو غيره - أن رجلا ~~أتى النبى صلى الله عليه وسم فقال يا رسول الله اتيتك لتعلمنى من غرائب ~~العلم فقال عليه السلام ما صنعت في راس العلم قال وما رأس العلم قال هل ~~عرفت الرب قال نعم قال فما صنعت في حقه قال ما شاء الله فقال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) اذهب فأحكم ما هنالك ثم تعال أعلمك من غرائب العلم ~~وهذا المعنى هو مقتضى الحكمة لا تعلم PageV02P013 ~~"""" صفحة رقم 14 """" # الغرائب إلا بعد إحكام الأصول وإلا دخلت الفتنة وقد قالوا في العالم ~~الربانى إنه الذى يربى بصغار العلم قبل كباره # وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور # وقد ترجم على ذلك البخارى فقال باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن ~~لا يفهموا ثم اسند عن علي ابن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال حدثوا الناس ~~بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر حديث معاذ الذي أخبر به عند ~~موته تأثما وإنما لم يذكره إلا عند موته لأنه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لم يأذن له في ذلك ms285 لما خشى تنزيله غير منزلته وعلمه معاذا لأنه من أهله # وفي مسلم مرفوعا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال ما أنت بمحدث قوما حديثا ~~لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة قال ابن وهب وذلك أن يتأولوه غير ~~تأويله ويحملوه إلى غير وجهه # وخرج شعبة عن كثير بن مرة الحضرمى أنه قال إن عليك في علمك حقا كما أن ~~عليك في مالك حقا لاتحدث بالعلم غير اهله فتجهل ولا تمنع العلم أهله فتأثم ~~ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ولا تحدث بالباطل عند الحكماء ~~فيمقتوك # وقد ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم وبسطوه بسطا شافيا والحمد لله # وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا ممن لا يقدر قدر هذا الموضع يزل فيه فيحدث ~~الناس بما لا تبلغه عقولهم وهو على خلاف الشرع وما كان عليه سلف هذه الأمة PageV02P014 ~~"""" صفحة رقم 15 """" # ومن ذلك ايضا جميع ما تقدم في فضل السنة التى يكون العمل بها ذريعة إلى ~~البدعة من حيث إنها عمل بها ولم يعمل بها سلف هذه الأمة # ومنه تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة فإن التلاوة ~~لم تشرع على ذلك الوجه ولا أن يخص من القرآن شيئا دون شىء لا في صلاة ولا ~~في غيرها فصار المخصص لها عاملا برأيه في التعبد لله # وخرج ابن وضاح عن مصعب قال سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة ) قل هو الله أحد ~~( ولا يقرأ غيرها كما يقرؤها فكرهه وقال إنما أنتم متبعون فاتبعوا الأولين ~~ولم يبلغنا عنهم نحو هذا # وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا يخص شىء دون شىء # وخرج أيضا - وهو في العتبية من سماع ابن القاسم - عن مالك رحمه الله أنه ~~سئل عن قراءة ) قل هو الله أحد ( مرارا في الركعة الواحدة فكره ذلك وقال ~~هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا # ومحمل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة ولأجل ذلك لم يأت مثله عن السلف ~~وإن كانت تعدل ثلث القرآن - كما في الصحيح - وهو صحيح فتأمله في الشرح ms286 # وفي الحديث أيضا ما يشعر بأن التكرار كذلك عمل محدث في مشروع الاصل بناء ~~على ما قاله ابن رشد فيه # ومن ذلك قراءة القرآن بهيئة الاجتماع عشية عرفة في المسجد للدعاء تشبها ~~بأهل عرفة ونقل الأذان يوم الجمعة من المنار وجعل قدام الإمام # ففي سماع ابن القاسم PageV02P015 ~~"""" صفحة رقم 16 """" # وسئل عن القرى التي لا يكون فيها إمام إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة أيخطب ~~بهم قال نعم لا تكون الجمعة إلا بخطبة # فقيل له أفيؤذن قدامه قال لا واحتج على ذلك يفعل أهل المدينة # قال ابن رشد # الأذان بين يدى الإمام في الجمعة مكروه لانه محدث # قال وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك وإنما كان رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إذا زالت الشمس وخرج رقى المنبر فإذا رآه المؤذنون - وكانوا ~~ثلاثة - قاموا فأذنوا في المشرفة واحدا بعد واحد كما يؤذن في غير الجمعة ~~فإذا فرغوا أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في خطبته ثم تلاه أبو بكر ~~وعمر رضى الله عنهما فزاد عثمان رضى الله عنه لما كثر الناس أذانا بالزوراء ~~عند زوال الشمس يؤذن الناس فيه بذلك أن الصلاة قد حضرت وترك الاذان في ~~المشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه فاستمر الأمر على ذلك إلى ~~زمان هشام فنقل الاذان الذي كان بالزوراء إلى المشرفة ونقل الاذان الذى كان ~~بالمشرفة بين يديه وأمرهم أن يؤذنوا صفا وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء ~~إلى زماننا هذا # قال ابن رشد وهو بدعة قال والذي فعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~والخلفاء الراشدون بعده من السنة # وذكر ابن حبيب ما كان فعله عليه السلام وفعل الخلفاء بعده كما ذكر ابن ~~رشد وكأنه نقله من كتابه وذكر قصة هشام # ثم قال والذي كان فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هي السنة # وقد حدثنى أسد بن موسى عن يحيى بن سليم عن جعفر بن محمد بن جابر بن عبيد ~~الله أن رسول الله ( صلى الله ms287 عليه وسلم ) PageV02P016 ~~"""" صفحة رقم 17 """" # قال في خطبته أفضل الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة # وما قاله ابن حبيب من أن الأذان عند صعود الإمام على المنبر كان باقيا في ~~زمان عثمان رضى الله عنه موافق لما نقله أرباب النقل الصحيح وأن عثمان لم ~~يزد على ما كان قبله إلا ألأذان على الزوراء فصار إذا نقل هشام الاذان ~~المشروع في المنار إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع # فإن قيل فكذلك أذان الزوراء محدث أيضا بل هو محدث من أصله غير منقول من ~~موضعه فالذى يقال هنا يقال مثله في أذان هشام بل هو أخف منه # فالجواب أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله من الإعلام بوقت الصلاة ~~وجعله بذلك الموضع لأنه لم يكن ليسمع إذا وضع بالمسجد كما كان في زمان من ~~قبله فصارت كائنة أخرى لم تكن فيما تقدم فاجتهد لها كسائر مسائل الاجتهاد ~~وحين كان مقصود الأذان الإعلام فهو باق كما كان فليس وضعه هنالك بمناف إذ ~~لم تخترع فيه أقاويل محدثة ولا ثبت أن الأذان بالمنار أو في سطح المسجد ~~تعبد غير معقول المعنى فهو الملائم من أقسام المناسب بخلاف نقله إلى المنار ~~إلى ما بين يدى الإمام فإنه قد أخرج بذلك أولا عن أصله من الإعلام إذ لم ~~يشرع لأهل المسجد إعلام بالصلاة إلا بالإقامة وإذان جمع الصلاتين موقوف على ~~محله ثم أذانهم على صوت واحد زيادة في الكيفية PageV02P017 ~~"""" صفحة رقم 18 """" # ومن ذلك الأذان والإقامة في العيدين فقد نقل ابن عبد البر اتفاق الفقهاء ~~على أن لا أذان ولا إقامة فيهما ولا في شىء من الصلوات المسنونات والنوافل ~~وإنما الأذان للمكتوبات وعلى هذا مضى عمل الخلفاء أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ~~وجماعة الصحابة رضى الله عنهم وعلماء التابعين وفقهاء الأمصار وأول من أحدث ~~الاذان والإقامة في العيدين - فيما ذكر ابن حبيب - هشام بن عبد الملك أراد ~~أن يؤذن الناس بالاذان بمجىء الإمام ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها ms288 ~~مروان ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة ليؤذن الناس بفراغه من الخطبة ~~ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه # قال ولم يرد مروان وهشام الاجتهاد فيما رايا إلا أنه لا يجوز اجتهاد في ~~خلاف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # قال وقد حدثنى ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول من أحدث في هذه الأمة ~~شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خان ~~الرسالة لأن الله يقول ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا ( فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا # وقد روى أن الذى أحدث الأذان معاوية وقيل زياد وان ابن الزبير فعله آخر ~~إمارته والناس على خلاف هذا النقل # ولقائل أن يقول إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان رضى الله عنه فما ~~تقدم فيه من التوجيه الاجتهادى جار هنا ولا يكون بسبب ذلك مخالفا للسنة لأن ~~قصة هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم لأن الأذان إعلام بمجىء الإمام لخفاء ~~مجيئه عن الناس لبعدهم عنه ثم الإقامة للإعلام بالصلاة إذ لولا هي لم ~~يعرفوا دخوله في ا لصلاة فصار ذلك أمرا لا بد منه كأذان الزوراء PageV02P018 ~~"""" صفحة رقم 19 """" # والجواب أن مجىء الإمام لم يشرع في الأذان وإن خفى على بعض الناس لبعده ~~بكثرة الناس فكذلك لا يشرع فيما بعد لأن العلة كانت موجودة ثم لم تشرع إذ ~~لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~والخلفاء بعده ثم تصير مؤثرة وأيضا فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث ~~تقديم الخطبة على الصلاة وما انبنى على المحدث محدث ولأنه لما لم يشرع في ~~النوافل أذان ولا إقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بين النفل والفرض ~~لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها فكان إحداث الدعاء إلى النوافل ~~لم يصادف محلا وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما ~~نحن فيه فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر والأمثلة ms289 في هذا المعنى كثيرة # ومن نوادرها التي لا ينبغى أن تغفل ما جرى به عمل جملة ممن ينتمى إلى ~~طريقة الصوفية من تربصهم ببعض العبادات أوقاتا مخصوصة غير ما وقته الشرع ~~فيها فيضعون نوعا من العبادات المشروعة في زمن الربيع ونوعا آخر في زمن ~~الصيف ونوعا آخر في زمن الخريف ونوعا آخر في زمن الشتاء # وربما وضعوا الأنواع من العبادات لباسا مخصوصا وأشباه ذلك من الأوضاع ~~الفلسفية يضعونها شرعية أي متقربا بها إلى الحضرة الإلهية في زعمهم وربما ~~وضعوها على مقاصد غير شرعية كأهل التصريف بالأذكار والدعوات ليستجلبوا بها ~~الدنيا من المال والجاه والحظوة ورفعة المنزلة بل ليقتلوا بها إن شاءوا أو ~~يمرضوا أو يتصرفوا وفق أغراضهم # فهذه كلها بدع محدثات بعضها أشد من بعض لبعد هذاك الأغراض عن مقاصد ~~الشريعة الإسلامية الموضوعة مبرأة عن مقاصد المتخرصين مظهرة لمن تمسك بها ~~عن أوضار اتباع الهوى إذ كل متدين بها عارف بمقاصدها ينزهها عن أمثال هذه ~~المقاصد الواهية فالاستدلال على PageV02P019 ~~"""" صفحة رقم 20 """" # بطلان دعاويهم فيها من باب شغل الزمان بغير ما هو أولى # وقد تقرر - بحول الله - في أصل المقاصد من كتاب الموافقات ما يؤخذ منه ~~حكم هذا النمط والبرهان على بطلانه لكن على وجه كلى مفيد وبالله التوفيق # وهذا كله إن فرضنا اصل العبادة مشروعا فإن كان اصلها غير مشروع فهى بدعة ~~حقيقية مركبة كالأذكار والأدعية بزعم العلماء أنها مبنية على علم الحروف # وهو الذى اعتنى به البونى وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه # فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول وهو أرسطا طاليس فردوها ~~إلى أوضاع الحروف وجعلوها هي الحاكمة في العالم # وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار وما قصد بها إلى تحرى الأوقات ~~والأحوال الملائمة لطبائع الكواكب ليحصل التأثير عندهم وحيا فحكموا العقول ~~والطبائع - كما ترى - وتوجهوا شطرها وأعرضوا عن رب العقل والطبائع وإن ظنوا ~~أنهم يقصدونه اعتقادا في استدلالهم لصحة ما انتحلوا على وقوع الأمر وفق ما ~~يقصدون فإذا توجهوا بالذكر والدعاء المفروض ms290 على الغرض المطلوب حصل سواء ~~عليهم أنفعا كان أم ضرا وخيرا كان أم شرا ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ ~~النهاية في إجابة الدعاء # أو حصل نوع من كرامات الأولياء كلا ليس طريق # من مرادهم ولا كرامات الأولياء أو إجابة الدعاء من نتائج أورادهم فلا ~~تلاقى بين الأرض والسماء ولا مناسبة بين النار والماء # فإن قلت فلم يحصل التأثير حسبما قصدوا فالجواب إن ذلك في الاصل من قبيل ~~الفتنة التي اقتضاها في الخلق ) ذلك تقدير العزيز العليم ( فالنظر إلى وضع ~~الأسباب والمسببات أحكام وضعها البارى تعالى في النفوس يظهر عندها PageV02P020 ~~"""" صفحة رقم 21 """" # ما شاء الله من التأثيرات على نحو ما يظهر على المعيون عند الإصابة وعلى ~~المسحور عند عمل السحر بل هو بالسحر أشبه لاستمدادهما من اصل واحد وشاهده ~~ما جاء في الصحيح خرجه مسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بى وأنا معه إذا ~~دعانى - وفي بعض الروايات - أنا عند ظن عبدى بن فليظن بى ما شاء وشرح هذه ~~المعانى لا يليق بما نحن فيه # والحاصل أن وضع الأذكار والدعوات على نحو ما تقدم من البدع المحدثات لكن ~~تارة كون البدعة فيها إضافية باعتبار أصل المشروعية # فصل # فإن قيل فالبدع الإضافية هل يعتد بها عبادات حتى تكون من تلك الجهة ~~متقربا بها إلى الله تعالى أم لا تكون كذلك فإن كان الأول فلا تأثير إذا ~~لكونها بدعة ولا فائدة في ذكره إذ لا يخلو من أحد الأمرين إما أن لايعتبر ~~بجبهة الابتداع في العبادة المفروضة # فتقع مشروعة يثاب عليها فتصير جهة الابتداع مغتفرة فلا على المتبدع فيها ~~أن يبتدع # وإما ان يعتبر بجهة الابتداع فقد صار للابتداع أثر في ترتب الثواب فلا ~~يصح أن يكون منفيا عنه بإطلاق وهو خلاف ما تقرر من عموم الذم فيه # وإن كان الثانى فقد تحدث البدعة الإضافية الحقيقية بالتقسيم الذى انبنى ~~عليه الباب الذي نحن في شرحه ms291 لا فائدة فيه # فالجواب أن حاصل البدعة الإضافية أنها لا ينحاز إلى جانب مخصوص في الجملة ~~بل نيحاز بها الاصلان - اصل السنة واصل البدعة - لكن من وجهين PageV02P021 ~~"""" صفحة رقم 22 """" # وإذا كان كذلك اقتضى النظر السابق للذهن أن يثاب العامل بها من جهة ما هو ~~مشروع ويعاتب من جهة ما هو غير مشروع # إلا أن هذا النظر لا يتحصل لأنه مجمل # والذي ينبغى أن يقال في جهة البدعة في العمل لا يخلو أن تنفرد أو تلتصق ~~وإن التصقت فلا تخلو ان تصير وصفا للمشروع غير منفك إما بالقصد أو بالوضع ~~الشرعي العادي أولا تصير وصفا وإن لم تصر وصفا فإما أن يكون وضعها إلى أن ~~تصير وصفا أولا # فهذه أربعة أقسام لا بد من بيانها في تحصيل هذا المطلوب بحول الله # فأما القسم الأول وهو أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع فالكلام فيه ظاهر ~~مما تقدم إلا إن كان وضعه على جهة التعبد فبدعة حقيقية وإلا فهو فعل من ~~جملة الأفعال العادية لا مدخل له فيما نحن فيه فالعبادة سالمة والعمل ~~العادي خارج من كل وجه # مثاله الرجل يريد القيام إلى الصلاة فيتنحنح مثلا أو يتمخط أو يمشى خطوات ~~أو يفعل شيئا ولا يقصد بذا وجها راجعا إلى الصلاة وإنما يفعل ذلك عادة أو تقززا # فمثل هذا لا حرج فيه في نفسه ولا بالنسبة إلى الصلاة وهو من جملة العادات ~~الجائزة إلا أنه يشترط فيه أيضا أن لا يكون بحيث يفهم منه الانضمام إلى ~~الصلاة عملا أو قصدا فإنه إذ ذاك يصير بدعة # وسيأتى بيانه إن شاء الله # وكذلك أيضا إذا فرضنا أنه فعل قصد التقرب مما لم يشرع أصلا ثم قام بعده ~~إلى الصلاة المشروعة ولم يقصد فعله لأجل الصلاة ولا كان مظنة لأن يفهم منه ~~انضمامه إليها فلا يقدح في الصلاة وإنما يرجع الذم فيه إلى العمل به على ~~الانفراد # ومثله لو أراد القيام إلى العبادة ففعل عبادة مشروعة من غير قصد PageV02P022 ~~"""" صفحة رقم 23 """" # الانضمام ولا جعله ms292 عرضة لقصد انضمامه فتلك العبادتان على اصالتهما وكقول ~~الرجل عند الذبح أو العتق اللهم منك وإليك # على غير التزام ولا قصد الانضمام وكقراءة القرآن في الطواف لا بقصد ~~الطواف ولا على الالتزام فكل عبادة هنا منفردة عن صاحبتها فلا حرج فيها # وعلى ذلك نقول لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد في ~~بعض الأوقات للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم لكان جائزا لانه على الشرط ~~المذكور إذ لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام ولا كونه سنة ~~تقام في الجماعات ويعلن به في المساجد كما دعا رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب وكما انه دعا أيضا في غير ~~أعقاب الصلوات على هيئة الاجتماع لكن في الفرط وفي بعض الأحايين كسائر ~~المستحبات التي لا يتربص بها وقتا بعينه وكيفية بعينها # وخرج عن أبى سعيد مولى أسيد قال كان عمر رضى الله عنه إذا صلى العشاء ~~أخرج الناس من المسجد فتخلف ليلة مع قوم يذكرون الله فأتى عليهم فعرفهم ~~فألقى درته وجلس معهم فجعل يقول يا فلان ادع الله لنا يا فلان ادع الله لنا ~~حتى صار الدعاء إلى غير فكانوا يقولون عمر فظ غليظ فلم أر أحدا من الناس ~~تلك الساعة ارق من عمر رضى الله عنه لا ثكالى ولا أحدا # وعن سلم العلوى قال قال رجل لأنس رضى الله عنه يوما يا أبا حمزة لو دعوت ~~لنا بدعوات فقال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة - قال - ~~فأعادها مرارا ثلاثا # فقال يا أبا حمزة لو دعوت فقال مثل ذلك لا يزيد عليه # فإذا كان الأمر على هذا فلا إنكار فيه حتى إذا دخل فيه أمر PageV02P023 ~~"""" صفحة رقم 24 """" # زائد صار الدعاء فيه بتلك الزيادة مخالفا للسنة فقد جاء في دعاء الإنسان ~~لغيره الكراهية عن السلف لا على حكم الأصالة بل بسبب ما ينظم إليه من ~~الأمور المخرجة عن الأصل # ولنذكره هنا لاجتماع أطراف المسألة في التشبيه ms293 على الدعاء بهيئة الاجتماع ~~بآثار الصلوات في الجماعات دائما # فخرج الطبرى عن مدرك بن عمران نقال كتب رجل إلى عمر رضى لله عنه فادع ~~الله لى فكتب إليه عمر إنى لست بنبى ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر الله لذنبك # فإباية عمر رضى الله عنه في هذا الموضع ليس من جهة أصل الدعاء ولكن من ~~جهة أخرى وإلا تعارض كلامه مع ما تقدم فكأنه فهم من السائل أمرا زائدا على ~~الدعاء فلذلك قال # لست بنبى ويدلك على هذا ما روى عن سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه أنه لما ~~قدم الشام أتاه رجل فقال استغفر لى فقال غفر الله لك # ثم أتاه آخر فقال استفغر لى # فقال لا غفر الله لك ولا لذاك أنبى أنا # فهذا أوضح في أنه فهم من السائل أمرا زائدا وهو أن يعتقد فيه أنه مثل ~~النبى أو انه وسيلة إلى أن يعتقد ذلك أو يعتقد أنه سنة تلزم أو يجرى في ~~الناس مجرى السنن الملتزمة # ونحوه عن زيد بن وهب أن رجلا قال لحذيفة رضى الله عنه استغفر لى # فقال لا غفر الله لك # ثم قال هذا يذهب إلى نسائه فيقول استغفر لى حذيفة أترضين أن أدعو الله أن ~~تكن مثل حذيفة فدل هذا على أنه وقع في قلبه أمر زائد يكون الدعاء له ذريعة ~~حتى يخرج عن اصله لقوله بعد ما دعا على الرجل هذا يذهب إلى نسائه فيقول كذا # أي فيأتى نساؤه لمثلها ويشتهر الأمر حتى يتخذ سنة ويعتقد في حذيفة ما لا ~~يحبه هو لنفسه وذلك يخرج المشروع عن كونه مشروعا ويؤدى إلى التشيع واعتقاد ~~أكثر مما يحتاج إليه PageV02P024 ~~"""" صفحة رقم 25 """" # وقد تبين هذا المعنى بحديث رواه ابن علية عن ابن عون قال جاء رجل إلى ~~إبراهيم # فقال يا أبا عمران ادع الله أن يشفينى # فكره ذلك إبراهيم وقطب وقال جاء رجل إلى حذيفة فقال ادع الله ان يفغر لي # فقال لا غفر الله لك # فتنحى الرجل فجلس فلما كان بعد ms294 ذلك قال فأدخلك الله مدخل حذيفة أقد رضيت ~~الآن يأتى أحدكم الرجل كأنه قد أحصر شأنه # ثم ذكر إبراهيم السنة فرغب فيها وذكر ما أحدث الناس فكرهه # وروى منصور عن إبراهيم قال كانوا يجتمعون فيتذاكرون فلا يقول بعضهم لبعض ~~استغفر لنا # فتأملوا يا أولى الألباب ما ذكره العلماء من هذه هذا الأصنام المنظمة إلى ~~الدعاء حتى كرهوا الدعاء إذا انضم إليه ما لم يكن عليه سلف الأمة فقس بعقلك ~~ماذا كانوا يقولون في دعائنا اليوم بآثار الصلاة بل في كثير من المواطن ~~وانظروا إلى اسبتارة إبراهيم ترغيبه في السنة وكراهيته ما أحدث الناس بعد ~~تقرير ما تقدم # وهذه الآثار من تخريج الطبرى في تهذيب الآثار له وعلى هذا ينبنى ما خرجه ~~ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن أيوب عن أبى قلابة عن أبى الدرداء رضى الله ~~عنه أن ناسا من أهل الكوفة يقرأون عليك السلام ويأمرونك أن تدعو لهم ~~وتوصيهم فقال اقرأوا عليهم السلام ومروهم أن يعطوا القرآن حقه فإنه يحملهم ~~أو يأخذ بهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجود والحزونة ولم يذكر أنه دعا لهم # وأما القسم الثاني - وهو أن يصير العمل العادى أو غيره كالوصف للعمل ~~المشروع إلا أن الدليل على أن العمل المشروع لم يتصف في الشرع بذلك الوصف PageV02P025 ~~"""" صفحة رقم 26 """" # فظاهر الأمر انقلاب العمل المشروع غير مشروع # ويبين ذلك من الأدلة عموم قوله عليه الصلاة والسلام كل عمل ليس عليه ~~أمرنا فهو رد وهذا العمل عند اتصافه بالوصف المذكور عمل ليس عليه أمرة عليه ~~الصلاة واللام فهو إذا رد كصلاة الفرض مثلا إذا صلاها القادر الصحيح قاعدا ~~أو سبح في موضع القراءة أو قرأ في موضع التسبيح وما أشبه ذلك # وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ونهى عن ~~الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها فبالغ كثير من العلماء في تعميم النهى حتى ~~عدوا صلاة الفرض في ذلك الوقت داخلا تحت النهى فباشر النهى الصلاة لأجل ~~اتصافها بأنها واقعة في زمان مخصوص ms295 كما اعتبر فيها الزمان باتفاق في الفرض ~~فلا تصلى الظهر قبل الزوال ولا المغرب قبل الغروب # ونهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الفطر والأضحى والاتفاق على بطلان الحج ~~في غير أشهر الحج # فكل من تعبد لله تعالى بشىء من هذه العبادات الواقعة في غير أزمانها فقد ~~تعبد ببدعة حقيقية لا إضافية فلا جهة لها إلى المشروع بل غلبت عليها جهة ~~الابتداع فلا ثواب فيها على ذلك التقدير فلو فرضنا قائلا يقول بصحة الصلاة ~~الواقعة في وقت الكراهية أو صحة الصوم الواقع يوم العيد فعلى فرض ان النهى ~~راجع إلى أمر لم يصر للعبادة كالوصف بل الأمر منفك منفرد - حسبما تبين بحول الله PageV02P026 ~~"""" صفحة رقم 27 """" # ويدخل في هذا القسم ما جرى به العمل في بعض الناس كالذى حكى القرافى عن ~~العجم في اعتقاد كون صلاة الصبح يوم الجمعة ثلاث ركعات فإن قراءة سورة ~~السجدة لما التزمت فيها وحوفظ # عليها اعتقدوا فيها الركنية فعدوها ركعة ثالثة فصارت السجدة إذا وصفا ~~لازما وجزءا من صلاة صبح الجمعة فوجب أن تبطل # وعلى هذا الترتيب ينبغى أن تجرى العبادات المشروعة إذا خصت بأزمان مخصوصة ~~بالرأى المجرد من حيث فهمنا أن للزمان تلبسا بالأعمال على الجملة فصيرورة ~~ذلك الزائد وصفا للمزيد فيه مخرج له عن اصله وذلك أن الصفة مع الموصوف من ~~حيث هي صفة له لا تفارقه هي من جملته # وذلك لأنا نقول إن الصفة مع غير الموصوف إذا كانت لازمة له حقيقة أو ~~اعتبارا ولو فرضنا ارتفاعها عنه لارتفع الموصوف من حيث هو موصوف بها ~~كارتفاع الإنسان بارتفاع الناطق أو الضاحك فإذا كانت الصفة الزائدة على ~~المشروع على هذه النسبة صار المجموع منهما غير مشروع فارتفع اعتبار المشروع الأصل # ومن أمثلة ذلك أيضا قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد فإن تلك الهيئة ~~زائدة على مشروعية القراءة وكذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الزوايا وربما ~~لطف اعتبار الصفة فيشك في بطلان المشروعية كما وقع في العتبية عن مالك في ~~مسألة الاعتماد في الصلاة لا يحرك ms296 رجليه وأن أول من أحدثه رجل قد عرف - قال ~~- وقد كان مساء أي يساء الثناء عليه فقيل له أفعيب قال قد عيب PageV02P027 ~~"""" صفحة رقم 28 """" # عليه ذلك وهذا مكروه من الفعل ولم يذكر فيها أن الصلاة باطلة وذلك لضعف ~~وصف الاعتماد أن يؤثر في الصلاة ولطفه بالنسبة إلى كمال هيئتها وهكذا ينبغى ~~أن يكون النظر في المسألة بالنسبة إلى اتصاف العمل بما يؤثر فيه أو لا يؤثر ~~فيه فإذا غلب الوصف على العمل كان أقرب إلى الفساد وإذا لم يغلب لم يكن ~~أقرب وبقى في حكم النظر فيدخل ها هنا نظر الاحتياط للعبادة إذا صار العمل ~~في الاعتبار من المتشابهات # واعلموا أنه من حيث قلنا إن العمل الزائد على المشروع يصير وصفا لها أو ~~كالوصف - فإنما يعتبر باحد أمور ثلاثة إما بالقصد وإما بالعادة وإما بالشرع ~~أو النقصان # أما بالعادة فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان فإن ~~بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا إذ هما كالمتضادين عادة وكالذى حكى ابن ~~وضاح عن الاعمش عن بعض أصحابه قال مر عبد الله برجل يقص في المسجد على ~~اصحابه وهو يقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من اصحاب ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أو اضل بل هذه يعنى أضل وفي رواية عنه أن رجلا ~~كان يجمع الناس فيقول رحم الله من قال كذا وكذا مرة سبحان الله - قال - ~~فيقول القوم ويقول رحم الله من قال كذا وكذا مرة الحمد لله - قال - فيقول ~~القوم - قال - فمر بهم عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فقال لهم هديتم لما ~~لم يهد نبيكم وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة # وذكر له أن ناسا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل ~~منهم بين يديه كوما من حصى - قال - فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من ~~المسجد ويقول لقد أحدثتم بدعة وظلما وقد فضلتم أصحاب محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) علما فهذه أمور أخرجت الذكر المشروع كالذى تقدم PageV02P028 ~~"""" صفحة رقم 29 ms297 """" # من النهى عن الصلاة في الأوقات المكروهة أو الصلوات المفروضة إذا صليت ~~قبل أوقاتها فإنا قد فهمنا من الشرع القصد إلى النهى عنها والمنهى عنه لا ~~يكون متعبدا وكذلك صيام يوم العيد # وخرج ابن وضاح من حديث أبان بن أبى عباس قال لقيت طلحة أبن عبيد الله ~~الخزاعى فقلت له قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد من ~~المسلمين يجتمعون في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما ويجتمعون يوم النيروز ~~والمهرجان ويصومونها وقال طلحة بدعة من أشد البدع والله لهم تعظيما للنيروز ~~والمهرجان من عبادتهم # ثم استيقظ انس بن مالك رضى الله عنه فرقيت إليه وسالته كما سألت طلحة فرد ~~على مثل قو ل طلحة كأنهما كانا على ميعاد # فجعل صوم تلك الأيام من تعظيم ما تعظمه النصارى وذاك القصد لو كان أفسد ~~العبادة فكذلك ما كان نحوه # وعن يونس بن عبيد أن رجلا قال للحسن يا أبا سعيد ما ترى في مجلسنا هذا ~~قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد نجتمع في بيت هذا يوما وفي ~~بيت هذا يوما فنقرأ كتاب الله وندعوا لأنفسنا ولعامة المسلمين قال - فنهى ~~الحسن عن ذلك أشد النهى # والنقل في هذا المعنى كثير فلو لم يبلغ العمل الزائد ذلك المبلغ كان أخف ~~وانفرد العمل بحكمه والعمل المشروع بحكمه كما حكى ابن وضاح عن PageV02P029 ~~"""" صفحة رقم 30 """" # عبد الرحمن ابن أبى بكرة قال كنت جالسا عند الاسود بن سريع وكان مجلسه في ~~موخر المسجد الجامع فافتتح سورة بنى إسرائيل حتى بلغ وكبره تكبيرا فرفع ~~أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا فجاء مجالد بن مسعود متوكئا على عصاه فلما ~~رآه القوم قالوا مرحبا اجلس قال ما كنت لأجلس إليكم وإن كان مجلسكم حسنا ~~ولكنكم صنعتم قبلى شيئا أنكره المسلمون فإياكم وما أنكر المسلمون فتحسينه ~~المجلس كان لقراءة القرآن وأما رفع الصوت فكان خارجا عن ذلك فلم ينضم إلى ~~العمل الحسن حتى إذا انضم إليه صار المجموع غير مشروع # ويشبه هذا ms298 ما في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرأون ~~في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك وأنكر أن يكون من ~~عمل الناس # وسئل ابن القاسم أيضا عن نحو ذلك فحكى الكراهية عن مالك ونها عنها ورآها بدعة # وقال في رواية أخرى عن مالك وسئل عن القراءة بالمسجد فقال لم يكن بالأمر ~~القديم وإنما هو شىء أحدث ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها ~~والقرآن حسن # قال أبن رشد يريد التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات على وجه ~~ما مخصوص حتى يصير ذلك كله سنة مثل ما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح # قال فرأى ذلك بدعة # فقوله في الرواية والقرآن حسن # يحتمل أن يقال إنه يعنى أن تلك الزيادة من الاجتماع وجعله في المسجد ~~منفصل لا يقدح في حسن قراءة القرآن PageV02P030 ~~"""" صفحة رقم 31 """" # ويحتمل - وهو الظاهر - انه يقول قراءة حسن على غير ذلك الوجه بدليل قوله ~~في موضع آخر ما يعجبنى أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في ~~الأسواق والطرق فيريد أنه لا يقرأ إلا على النحو الذي كان يقرؤه السلف وذلك ~~يدل على أن قراءة الإدارة مكروهة عنده فلا تفعل أصلا وتحرز بقوله والقرآن ~~حسن من توهم أنه يكره قراءة القرآن مطلقا فلا يكون في كلام مالك دليل على ~~انفكاك الاجتماع من القراءة والله أعلم # وأما القسم الثالث وهو أن يصير الوصف عرضة لأن ينضم إلى العبادة حتى ~~يعتقد فيه انه من أوصافها أو جزء منها فهذا القسم ينظر فيه من جهة النهى عن ~~الذرائع وهو إن كان في الجملة متفقا عليه ففيه في التفصيل نزاع بين العلماء ~~إذ ليس كل ما هو ذريعة إلى ممنوع يمنع بدليل الخلاف الواقع في بيوع الآجال ~~وما كان نحوها غير أن أبا بكر الطرطوشى يحكى الاتفاق فى هذا النوع استقراء ~~من مسائل وقعت للعلماء منعوها سدا للذريعة وإذا ثبت الخلاف في بعض التفاصيل ~~لم ينكر ان يقول به قائل ms299 في بعض ما نحن فيه ولنمثله أولا ثم نتكلم حكمه ~~بحول الله # فمن ذلك ما جاء في الحديث من نهى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن ~~يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين # ووجه ذلك عند العلماء مخافة أن يعد ذلك من جملة رمضان # ومنه ما ثبت عن عثمان رضى الله عنه أنه كان لا يقصر في السفر فيقال له PageV02P031 ~~"""" صفحة رقم 32 """" # ألست قصرت مع النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول بلى ولكنى امام الناس ~~فينظر إلى الأعراب وأهل البادية أصلى ركعتين فيقول هكذا فرضت فالقصر في ~~السفر سنة أو واجب ومع ذلك تركه خوف أو يتذرع به لأمر حادث في الدين غير مشروع # ومنه قصة عمر رضى الله عنه في غسله من الاحتلام حتى أسفر # وقوله لمن راجعه في ذلك وأن يأخذ من أثوابهم ما يصلى به ثم يغسل ثوبه على ~~السعة لو فعلته لكانت سنة بل اغسل ما رأيت وأنضح مالم أر # وقال حذيفة بن أسيد شهدت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما وكانا لايضحيان ~~مخافة أن يرى أنها واجبة # ونحو ذلك عن ابن مسعود رضى الله عنه قال إنى لأترك أضحيتى - وإنى لمن ~~ايسركم - مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة # وكثير من هذا عن السلف الصالح # وقد كره مالك إتباع رمضان بست من شوال ووافقه أبو حنيفة فقال لا أستحبها ~~مع ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح وأخبر مالك عن غيره ممن يقتدى به أنهم ~~كانوا لا يصومونها ويخافون بدعنها # ومنه ما تقدم في اتباع الآثار كمجىء قبا ونحو ذلك # وبالجملة فكل عمل أصله ثابت شرعا إلا أن في إظهار العمل به والمداومة ~~عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة فتركه مطلوب في الجملة أيضا من باب سد ~~الذرائع PageV02P032 ~~"""" صفحة رقم 33 """" # ولذلك كره مالك دعاء التوجه بعد الإحرام وقبل القراءة وكره غسل اليد قبل ~~الطعام وأنكر على من جعل ثوبه في المسجد أمامه في الصف # ولنرجع إلى ما كنا فيه فاعلموا أنه إن ms300 هذه مجتهد إلى عدم سد الذريعة في ~~غير محل النص مما يتضمنه هذا الباب فلا شك أن العمل الواقع عنده مشروع ~~ويكون لصاحبه أجره ومن ذهب إلى سدها - ويظهر ذلك من كثير من السلف من ~~الصحابة والتابعين وغيرهم - فلا شك أن ذلك العمل ممنوع ومنعه يقتضى بظاهره ~~أنه ملوم عليه وموجب للذم إلا أن يذهب إلى ان النهى فيه راجع إلى أمر مجاور ~~فهو محل نظر واشتباه ربما يتوهم فيه انفكاك الأمرين بحيث يصح أن يكون العمل ~~مأمورا به من جهة نفسه ومنهيا عنه من جهة مآله # ولنا فيه مسلكان أحدهما التمسك بمجرد النهى في اصل المسألة كقوله تعالى ) ~~يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ( وقوله تعالى ) ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ( وفي الحديث أنه عليه الصلاة ~~والسلام نهى أن يجمع بين المتفرق ويفرق المجتمع خشية الصدقة ونهى عن البيع والسلف # وعلله العلماء بالربا المتذرع إليه في ضمن السلف ونهى عن الخلوة ~~بالأجنبيات وعن سفر المرأة مع غير ذى محرم وأمر النساء بالاحتجاب عن ابصار ~~الرجال والرجال بغض الأبصار إلى اشباه ذلك مما عللوا الأمر فيه والنهى ~~بالتذرع لا بغيره PageV02P033 ~~"""" صفحة رقم 34 """" # والنهى اصله أن يقع على المنهى عنه وإن كان معللا وصرفه إلى أمر مجاور ~~خلاف اصل الدليل فلا يعدل عن الأصل إلا بدليل فكل عبادة نهى عنها فليست ~~بعبادة إذ لو كانت عبادة لم ينه عنها فالعامل بها عامل بغير مشروع فإذا ~~اعتقد فيها التعبد مع هذا النهى كان مبتدعا بها # لا يقال إن نفس التعليل يشعر بالمجاورة وإن الذى نهى عنه غير الذى أمر به ~~وانفكاكهما متصور # لانا نقول قد تقرر أن المجاور إذا صار كالوصف اللازم انتهض النهى عن ~~الجملة لا عن نفس الوصف بانفراده وهو مبين في القسم الثاني # المسلك الثاني ما دل في بعض مسائل الذرائع على ان الذرائع في الحكم ~~بمنزلة المتذرع إليه ومنه ما ثبت في الصحيح من قول رسول الله ( صلى الله ms301 ~~عليه وسلم ) من أكبر الكبائر ان يسب الرجل والديه - قالوا يا رسول الله وهل ~~يسب الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه فجعل سب الرجل ~~لولدى غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه حتى ترجمه عنها بقوله أن يسب الرجل ~~والديه ولم يقل أن يسب الرجل والدي من يسب والديه أو نحو ذلك وهو غاية معنى ~~ما نحن فيه # ومثله حديث عائشة رضى الله عنها مع أم ولد زيد بن أرقم رضى الله عنه ~~وقولها أبلغى زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) أن لم يبت وإنما يكون هذا الوعيد فيمن فعل ما لا يحل له لا ممن فعله ~~كبيرة حتى ترغب آخرا بالآية ) فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ( PageV02P034 ~~"""" صفحة رقم 35 """" # وهي نازلة في غير العمل بالربا فعدت العمل بما يتذرع به إلى الربا بمنزلة ~~العمل بالربا مع أنا نقطع أن زيد بن ارقم وام ولده لم يقصدوا قصد الربا كما ~~لا يمكن ذا عقل أن يقصد والديه بالسب # وإذا ثبت هذا المعنى في بعض الذرائع ثبت في الجميع إذ لا فرق فيما لم يدع ~~مما لم ينص عليه إلا ألزم الخصم مثله في المنصوص عليه # فلا عبادة أو مباحا يتصور فيه أن يكون ذريعة إلى غير جائز لا وهو غير ~~عبادة ولا مباح # لكن هذا القسم إنما يكون النهى بحسب ما يصير وسيلة إليه في مراتب النهى ~~إن كانت البدعة من قبيل الكبائر فالوسيلة كذلك أو من قبيل الصغائر فهي كذلك ~~والكلام في هذه المسألة يتسع ولكن هذه الإشارة كافية فيها # وبالله التوفيق PageV02P035 ~~"""" صفحة رقم 36 """" ### | AUTO الباب السادس في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة # اعلم أنا أذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة فلا إشكال في ~~اختلاف رتبتها لأن النهى من جهة انقسامه إلى نهى الكراهية ونهى التحريم ~~يستلزم أن احدهما أشد في النهى من الآخر فإذا انضم إليهما قسم الإباحة ms302 ظهر ~~الاختلاف في الأقسام فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم الوجوب كان الاختلاف ~~فيها أوضح - وقد مر من أمثلتها أشياء كثيرة - لكنا لا نبسط القول في هذا ~~التقسيم ولا بيان رتبه بالأشد والأضعف لانه إما أن يكون حقيقيا فالكلام فيه ~~عناء وإن كان غير حقيقى فقد تقدم أنه غير صحيح فلا فائدة في التفريع على ~~مالا يصح وإن عرض في ذلك نظر أو تفريع فإنما يذكر بحكم التبع بحول الله # فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلاثة أقسام قسم الوجوب وقسم الندب - وقسم ~~الإباحة - انحصر النظر فيما بقى وهو الذي ثبت من التقسيم غير انه ورد النهى ~~عنها على وجه واحد ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله إياكم ومحدثات الأمور ~~فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهذا عام في كل بدعة فيقع السؤال هل ~~لها حكم واحد أم لا فنقول ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها ~~الثلاثة فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم فاقتضى النظر انقسام البدع إلى ~~القسمين فمنها بدعة محرمة PageV02P036 ~~"""" صفحة رقم 37 """" # ومنها بدعة مكروهة وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات لا تعدو الكراهة ~~والتحريم فالبدع كذلك # هذا وجه # ووجه ثان أن البدع إذا تومل معقولها وجدت رتبها متفاوتة فمنها ما هو كفر ~~صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى ) وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ( الآية ~~وقوله تعالى ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ( وقوله تعالى ) ما جعل الله من بحيرة ~~ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ~~ذريعة لحفظ النفس والمال وما اشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح # ومنها ما هو من المعاصى التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة ~~الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة # ومنها ما هو معصية ويتفق عليها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما ms303 في ~~الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع # ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة ~~القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في اخطبة الجمعة ~~- على ما قاله ابن عبد السلام الشافعى - وما أشبه ذلك PageV02P037 ~~"""" صفحة رقم 38 """" # فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة فلا يصح مع هذا أن يقال إنها على ~~حكم واحد هو الكراهة فقط أو التحريم فقط # وجه ثالث إن المعاصى منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في ~~الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات فإن كانت في الضروريات فهي أعظم ~~الكبائر وإن وقعت في التحسينات فهى أدنى رتبة بلا إشكال وإن وقعت في ~~الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين # ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل ولا يمكن في المكمل ان يكون في رتبة ~~المكمل فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد ولا تبلغ الوسيلة ~~رتبة المقصد فقد ظهر تفاوت رتب المعاصى والمخالفات # وأيضا فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه فليست ~~مرتبة النفس كمرتبة الدين وليس تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة الدين فيبيح ~~الكفر الدم والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر ~~بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين # ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص ~~فالقتل بخلاف العقل والمآل وكذلك سائر ما بقى وإذا نظرت في مرتبة النفس ~~تباينت المراتب فليس قطع العضو كالذبح ولا الخدش كقطع العضو وهذا كله محل ~~بيانه الأصول PageV02P038 ~~"""" صفحة رقم 39 """" # فصل # وإذا كان كذلك فالبدع من جملة المعاصى وقد ثبت التفاوت في المعاصى فكذلك ~~يتصور مثله في البدع # فمنها ما يقع في الضروريات أي أنه إخلال بها ومنها ما يقع في رتبة ~~الحاجيات ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات وما يقع في رتبة الضروريات منه ~~ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال # فمثال وقوعه في الدين ما تقدم من اختراع الكفار ms304 وتغييرهم ملة إبراهيم ~~عليه السلام من نحو قوله تعالى ) ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ~~ولا حام ( فروى عن المفسرين فيها أقوال كثيرة وفيها عن ابن المسيب أن ~~البحيرة من الإبل هي التي يمنح درها للطواغيت والسائبة هي التي يسيبونها ~~لطواغيتهم والوصيلة هي الناقة تبكر بالأنثى ثم تثنى بالأنثى يقولون وصلت ~~انثيين ليس بينهما ذكر فيجدعونها لطواغيتهم والحامى هو الفحل من الإبل كان ~~يضرب الضراب المعدودة فإذا بلغ ذلك قالوا حمى ظهره فيترك فيسمونه الحامى # وروى إسماعيل القاضى عن زيد بن اسلم قال قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إنى لأعرف أول من يسبب السوائب وأول من غير عهد إبراهيم عليه السلام ~~قال قالوا من هو يا رسول الله قال عمرو بن لحيى أبو بنى كعب لقد رأيته يجر ~~قصبه فى النار يؤذى ريحه أهل النار وإنى لأعرف أول من بحر البحائر قالوا من ~~هو يا رسول الله قال رجل من بنى مدلج وكانت له ناقتان فجدع أذنيهما وحرم ~~ألبانهما ثم شرب البانهما بعد ذلك فلقد رأيته في النار هو وهما يعضانه ~~بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما # وحاصل ما في هذه الآية تحريم ما أحل الله على نية التقرب به إليه مع كونه PageV02P039 ~~"""" صفحة رقم 40 """" # حلالا بحكم الشريعة المتقدمة # ولقد هم بعض أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يحرموا على ~~أنفسهم ما أحل الله وإنما كان قصدهم بذلك الانقطاع إلى الله عن الدنيا ~~وأسبابها وشواغلها فرد ذلك عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأنزل ~~الله عز وجل ) يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( # وسيأتى شرح هذه الآية في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهو دليل على أن ~~تحريم ما أحل الله - وإن كان بقصد سلوك طريق الآخرة - منهى عنه وليس فيه ~~اعتراض على الشرع ولا تغيير له ولا قصد فيه الابتداع فما ظنك به إذا قصد به ~~التغيير والتبديل كما فعل ms305 الكفار أو قصد به الابتداع في الشريعة وتمهيد ~~سبيل الضلالة # فصل # ومثال ما يقع في النفس ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بانواع ~~العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالاصناف التى تفزع منها القلوب ~~وتقشعر منها الجلود كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى - في ~~زعمهم - والفوز بالنعيم الاكمل بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة ومبنى على ~~اصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها اعمالهم # حكى المسعودى وغيره من ذلك أشياء فطالعها من هنالك وقد وقع القتل في ~~العرب الجاهلية ولكن على غير هذه الجهة وهو قتل الأولاد لشيئين أحدهما خوف ~~الإملاق والاخر دفع العار الذى كان لاحقا لهم بولادة الإناث حتى أنزل الله ~~في ذلك قوله تعالى ) ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ( - ~~وقوله تعالى - ) وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ( - وقوله - ) وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ( الآية PageV02P040 ~~"""" صفحة رقم 41 """" # وهذا القتل محتمل أن يكون دينا وشرعه ابتدعوها ويحتمل أن يكون عادة ~~تعودوها بحيث لم يتخذوها شرعة إلا أن الله تعالى ذمهم عليها فلا يحكم عليها ~~بالبدعة بل بمجرد المعصية فنظرنا هل نجد لأحد المحتملين عاضدا يكون هو ~~الأولى في حمل الآيات عليه فوجدنا قوله سبحانه وتعالى ) وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ( فإن الآية ~~صرحت أن لهذا التزين سببين أحدهما الإرداء وهو الإهلاك والآخر لبس الدين ~~وهو قوله ) وليلبسوا عليهم دينهم ( ولا يكون ذلك إلا بتغيره وتبديله أو ~~الزيادة فيه أو النقصان منه وهو الابتداع بلا إشكال ن وإنما كان دينهم أولا ~~دين أبيهم إبراهيم فصار ذلك من جملة ما بدلوا فيه كالبحيرة والسائبة ونصب ~~الاصنام وغيرها حتى عد من جملة دينهم الذي يدينون به # ويعضده قوله تعالى بعد ) فذرهم وما يفترون ( فنسبهم إلى الافتراء - كما ~~ترى - والعصيان من حيث هو عصيان لا يكون افتراءا وإنما يقع الافتراء في نفس ~~التشريع في أن هذا القتل من جملة ما جاء من الدين # ولذلك قال تعالى على ms306 إثر ذلك ) قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ~~وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا ( فجعل قتل الأولاد مع تحريم ~~ما أحل الله من جملة الافتراء ثم ختم بقوله ) قد ضلوا ( وهذه خاصية البدعة ~~- كما تقدم - فإذا ما فعلت الهند نحو مما فعلت الجاهلية وسيأتى مذهب المهدي ~~المغربى في شرعية القتل # على أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى ) وكذلك زين لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم شركاؤهم ( أنه قتل الأولاد على جهة النذر والتقرب به إلى الله ~~كما فعل عبد المطلب في ابنه عبد الله أبى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) PageV02P041 ~~"""" صفحة رقم 42 """" # وهذا القتل قد يشكل إذ يقال لعل ذلك من جملة ما اقتدوا فيه بأبيهم ~~إبراهيم عليه السلام لان الله أمره بذبح أبنه فلا يكون ذلك اختراعا ~~وافتراءا لرجوعها إلى أصل صحيح وهو عمل أبيهم عليه السلام وإن صح هذا القول ~~وتؤول فعل إبراهيم عليه السلام على أنه لم يكن شريعة لمن بعده من ذريته ~~فوجه اختراعه دينا ظاهر لا سيما عند عروض شبهة الذبح وهو شأن أهل البدع إذ ~~لا بد لهم من شبهة يتعلقون بها - كما تقدم التنبيه عليه # وكون ما تفعل أهل الهند من هذا القبيل ظاهر جدا # ويجرى مجرى إتلاف النفس إتلاف بعضها كقطع عضو من الأعضاء أو تعطيل منفعة ~~من منافعه بقصد التقرب إلى الله بذلك فهو من جملة البدع وعليه يدل الحديث ~~حيث قال رد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) التبتل على عثمان ابن مظعون ~~ولو أذن له لاختصينا # فالخصاء بقصد التبتل وترك الاشتغال بملابسة النساء واكتساب الاهل والولد ~~مردود مذموم وصاحبه معتد غير محبوب عند الله حسبما نبه قوله تعالى ) ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( وكذلك فقء العين لئلا ينظر إلى مالا يحل له # فصل # ومثال ما يقع في النسل ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيها ~~ومعمولا بها ومتخذة فيها كالدين المنتسب والملة الجارية التي لا عهد بها في ~~شريعة ms307 إبراهيم عليه السلام ولا غيره بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا ~~وهو على أنواع # فجاء عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على ~~أربعة أنحاء PageV02P042 ~~"""" صفحة رقم 43 """" # الأول منها - نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ~~فيصدقها ثم ينكحها _ # والثانى نكاح الاستبضاع كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلى إلى ~~فلان فاستبضعى منه # ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه ~~فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ~~فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع # والثالث أن يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدلون على المرأة كلهم يصيبها ~~فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع منهم ~~رجل ان يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت ~~فهو ابنك يا فلان فتسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها فلا يستطيع أن يمتنع ~~منه الرجل # والرابع أن يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها ~~وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن ~~فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها ~~بالذى يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث الله نبيه ( صلى ~~الله عليه وسلم ) بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم # وهذا الحديث في البخارى مذكور # وكان لهم أيضا سنن أخر في النكاح خارجة عن المشروع كوراثة النساء كرها ~~وكنكاح ما نكح الأب وأشباه ذلك جاهلية جارية مجرى المشروعات عندهم فمحا ~~الإسلام ذلك كله والحمد لله # ثم أتى بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف التأويل في كتاب الله فاجاز نكاح ~~أكثر من أربع نسوة إما اقتداء - في زعمه - بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) PageV02P043 ~~"""" صفحة رقم 44 """" # حيث أحل له أكثر من ذلك أن يجمع بينهن ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين أن ms308 ~~ذلك خاص به عليه السلام وإما تحريفا لقوله تعالى ) فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع ( فأجاز الجمع بين تسع نسوة في ذلك ولم يفهم ~~المراد من الراوى ولا من قوله مثنى وثلاث ورباع فأتى ببدعة أجراها في هذه ~~الامة لا دليل عليها ولا مستند فيها # ويحكى عن الشيعة أنها تزعم أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أسقط عن أهل ~~بيته ومن دان بحبهم جميع الاعمال وانهم غير مكلفين إلا بما تطوعوا وأن ~~المحظورات مباحة لهم كالخنزير والزنا والخمر وسائر الفواحش وعندهم نساء ~~يسمين النوابات يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر وينكحون ما ~~شاءوا من الأخوات والبنات والامهات لا حرج عليهم ولا في تكثير النساء # ومن هؤلاء هم العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية # ومما يحكي عنهم في ذلك أنه يكون للمرأة ثلاثة أزواج وأكثر في بيت واحد ~~يستولدونها وتنسب الولد لكل واحد منهم ويهنأ به كل واحد منهم كما التزمت ~~الإباحية خرق هذا الحجاب بإطلاق وزعمت أن الأحكام الشرعية إنما هي خاصة ~~بالعوام وأما الخواص منهم فقد ترقوا عن تلك المرتبة فالنساء بإطلاق حلال ~~لهم كما أن جميع ما في الكون من رطب ويابس حلال لهم أيضا مستدلين على ذلك ~~بخرافات عجائز لا يرضاها ذو عقل ) قاتلهم الله أنى يؤفكون ( PageV02P044 ~~"""" صفحة رقم 45 """" # ) فصاروا أضر على الدين من متبوعهم إبليس لعنهم الله كقوله # وكنت امرءا من جند إبليس فانتهى # بى الفسق حتى صار إبليس من جندى # ( فلو مات قبلى كنت أحسن بعده طرائق فسق ليس يحسنها بعدى # فصل # ومثال ما يقع في العقل أن الشريعة بينت ان حكم الله على العباد لا يكون ~~إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله ولذلك قال تعالى ) وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا ( وقال تعالى ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ( وقال ) إن الحكم إلا لله ( واشباه ذلك من الآيات والأحاديث # فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع وأنه محسن ~~ومقبح فابتدعوا ms309 في دين الله ما ليس فيه # ومن ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهو ~~يشربها قوله تعالى ) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ~~( الآية # تأولها قوم - فيما ذكر - على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله ) فيما ~~طعموا ( PageV02P045 ~~"""" صفحة رقم 46 """" # فذكر إسماعيل بن إسحاق عن على رضى الله عنه قال شرب نفر من أهل الشام ~~الخمر وعليهم يزيد بن أبى سفيان فقالوا هي لنا حلال # وتأولوا هذه الآية ) ليس على الذين آمنوا ( الآية # قال فكتب فيهم إلى عمر # قال فكتب عمر إليه أن ابعث بهم إلى قبل أن يفسدوا من قبلك فلما قدموا إلى ~~عمر استشار فيهم الناس فقالوا يا أمير المؤمنين نرى أنهم قد كذبوا على الله ~~وشرعوا في دينه ما لم يأذن به فاضرب أعناقهم وعلى رضى الله عنه ساكت قال ~~فما تقول يا أبا الحسن فقال أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين ~~لشربهم الخمر وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم فإنهم قد كذبوا على الله وشرعوا ~~في دين الله ما لم يأذن به # فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين # فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله وبنص الكتاب وشهد فيهم على رضى الله ~~عنه وغيره من الصحابة بانهم شرعوا في دين الله وهذه هي البدعة بعينها فهذا وجه # وأيضا فإن بعض الفلاسفة الإسلاميين تأول فيها غير هذا وأنه إنما يشربها ~~للنفع لا للهو وعاهد الله على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية أو غذاء صالح ~~يصلح لحفظ الصحة # ويحكى هذا العهد عن ابن سيناء # ورأيت في بعض كلام الناس ممن عرف عنه أنه كان يستعين في سهره للعلم ~~والتصنيف والنظر بالخمر فإذا رأى من نفسه كسلا أو فترة شرب منها قدر ما ~~ينشطه وينفى عنه الكسل بل ذكروا فيها أن لها حرارة خاصة تفعل أفعالا PageV02P046 ~~"""" صفحة رقم 47 """" # كثيرة تطيب النفس وتصير الإنسان محبا للحكمة وتجعله حسن الحركة والذهن ~~والمعرفة فإذا استعملها على الاعتدال عرف الأشياء وفهمها وتذكرها ms310 بعد ~~النسيان # فلهذا - والله أعلم - كان ابن سينا لا يترك استعمالها - على ما ذكر عنه - ~~وهو كله ضلال مبين عياذا بالله من ذلك # ولا يقال إن هذا داخل تحت مسألة التداوى بها # وفيها خلاف شهير لانا نقول إنما ثبت عن ابن سينا أنه كان يستعملها ~~استعمال الأمور المنشطة من الكسل والحفظ للصحة والقوة على القيام بوظائف ~~الأعمال أو ما يناسب ذلك لا في الأمراض المؤثرة في الأجسام # وإنما الخلاف في استعمالها في الأمراض لا في غير ذلك فهو ومن وافقه على ~~ذلك متقولون على شريعة الله مبتدعون فيها وقد تقدم رأى أهل الإباحة في ~~الخمر وغيرها ولا توفيق إلا بالله # فصل # ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا ) إنما البيع مثل الربا ( فإنهم ~~لما استحلوا العمل به احتجوا بقياس فاسد فقالوا إذا فسخ العشرة التي اشترى ~~بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين ~~فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال ) ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ~~وأحل الله البيع وحرم الربا ( PageV02P047 ~~"""" صفحة رقم 48 """" # ) ليس البيع مثل الربا # فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأى فاسد فكان من جملة المحدثاث كسائر ~~ما أحدثوا في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر # وكانت الجاهلية قد شرعت أيضا اشياء في الأموال كالحظوظ التي كانوا ~~يخرجونها للأمير من الغنيمة حتى قال شاعرهم # لك المرباع فيها والصفايا # وحكمك والنشيطة والفضول # فالمرباع ربع المغنم يأخذه الرئيس والصفايا جمع صفى وهو ما يصطفيه الرئيس ~~لنفسه من المغنم والنشيطة ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغهم إلى الموضع ~~الذي قصدوه فكان يختص به الرئيس دون غيره والفضول ما يفضل من الغنيمة عند القسمة # وكانت تتخذ الأرضين تحميها عن الناس أن لا يدخولها ولا يرعوها فلما نزل ~~القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى ) واعلموا أنما غنمتم من شيء ( الآية ~~ارتفع حكم هذه البدعة إلا بعض من جرى في الإسلام على حكم الجاهلية فعمل ~~باحكام الشيطان ولم يستقم على ms311 العمل بأحكام الله تعالى # وكذلك جاء لا حمى إلا حمى الله ورسوله ثم جرى بعض الناس ممن آثر الدنيا ~~على طاعة الله على سبيل حكم الجاهلية ) ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ~~( ولكن الآية والحديث وما كان في معناهما أثبت أصلا في الشريعة مطردا لا ~~ينخرم وعاما لايتخصص ومطلقا لا يتقيد وهو أن الصغير من المكلفين والكبير ~~والشريف والدنىء والرفيع والوضيع في احكام الشريعة PageV02P048 ~~"""" صفحة رقم 49 """" # سواء فكل من خرج عن مقتضى هذا الاصل خرج من السنة إلى البدعة ومن ~~الاستقامة إلى الاعوجاج # وتحت هذا الرمز تفاصيل عظيمة الموقع # لعلها تذكر فيما بعد ان شاء الله وقد اشير إلى جملة منها # فصل # إذا تقرر أن البدع ليست فى الذم ولا فى النهى على رتبة واحدة وأن منها ما ~~هو مكروه كما أن منها ما هو محرم فوصف الضلالة لازم لها وشامل لانواعها لما ~~ثبت من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) كل بدعة ضلالة # لكن يبقى ها هنا إشكال وهو أن الضلالة ضد الهدى لقوله تعالى ) أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى ( وقوله ) ومن يضلل الله فما له من هاد ومن ~~يهد الله فما له من مضل ( واشباه ذلك مما قوبل فيه بين الهدى والضلال فانه ~~يقتضى أنهما ضدان وليس بينهما واسطة تعتبر فى الشرع فدل على ان البدع ~~المكروهة خروج عن الهدى # ونظيره فى المخالفات التى ليست ببدع المكروهة من الافعال كالالتفات ~~اليسير فى الصلاة من غير حاجة والصلاة وهو يدافعه الأخبثان وما أشبه ذلك # ونظيره فى الحديث نهينا عن اتباع الجنائز ولم يحرم علينا فالمرتكب ~~للمكروه لا يصح ان يقال فيه مخالف ولا عاص مع أن الطاعة ضدها المعصية # وفاعل المندوب مطيع لانه فاعل ما امر به فإذا اعتبرت الضد لزم أن يكون ~~فاعل المكروه لا عاصيا لانه فاعل ما نهى عنه # لكن ذلك غير صحيح اذ فلا يطلق عليه عاص فكذلك لا يكون فاعل البدعة ~~المكروهة ضالا والا فلا فرق بين اعتبار الضد فى الطاعة واعتباره فى ms312 الهدى ~~فكما يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة PageV02P049 ~~"""" صفحة رقم 50 """" # فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ والا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ ~~الضلالة كما لا يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية # الا أنه قد تقدم عموم لفظ الضلالة لكل بدعة فليعم لفظ المعصية لكل فعل ~~مكروه لكن هذا باطل فما لزم عنه كذلك # والجواب أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت - كما تقدم بسطة - وما ~~التزمتم فى الفعل المكروه غير لازم فإنه لا يلزم فى الافعال أن تجرى على ~~الضدية المذكورة إلا بعد استقراء الشرع ولما استقرينا موارد الاحكام ~~الشرعية وجدنا للطاعة والمعصية واسطة متفقا عليها أو كالمتفق عليها وهى ~~المباح وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح # فالامر والنهى ضدان بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهى وأنما يتعلق ~~بها التخيير # وإذا تأملنا المكروه - حسبما قرره الاصوليون - وجدناه ذا طرفين طرف من ~~حيث هو منهى عنه فيستوى مع المحرم فى مطلق النهى فربما يتوهم أن مخالفة نهى ~~الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم فى مطلق المخالفة # غير أنه يصد عن هذا الاطلاق الطرف الآخر وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب ~~على فاعلة ذم شرعى ولا إثم ولا عقاب فخالف المحرم من هذا الوجه وشارك ~~المباح فيه لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب فتحاموا أن يطلقوا ~~على ما هذا شأنه عبارة المعصية # وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن ينسب إليها PageV02P050 ~~"""" صفحة رقم 51 """" # المكروه من البدع وقد قال الله تعالى ) فماذا بعد الحق إلا الضلال ( فليس ~~إلا حق وهو الهدى والضلال وهو باطل فالبدع المكروهة ضلال # وأما ثانيا فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه فلا ~~يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض وإنما حقيقة ~~المسالة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم - كما تقدم بيانه - وأما ~~تعيين الكراهة التي معناها نفى إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة فهذا ms313 مما لا ~~يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص # أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) رد على من قال أما أنا فأقوم الليل ولا انام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح ~~النساء - إلى آخر ما قالوا فرد عليهم ذلك ( صلى الله عليه وسلم ) وقال من ~~رغب عن سنتي فليس مني # وهذه العبارة أشد شىء في الإنكار ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ~~ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا ~~قائما في الشمس فقال ما بال هذا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم ~~صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية PageV02P051 ~~"""" صفحة رقم 52 """" # ويعضد هذا الذي قاله مالك ما في البخاري عن قيس بن أبى حازم قال دخل على ~~امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال مالها فقال حجة مصمتة قال ~~لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت الحديث الخ # وقال مالك أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام من نذر ان يعصى الله فلا ~~يعصه إن ذلك أن ينذر لرجل أن يمشى إلى الشام وإلى مصر واشباه ذلك مما ليس ~~فيه طاعة أو ان لا أكلم فلانا فليس عليه في ذلك شىء إن هو كلمه لانه ليس ~~لله في هذه الأشياء طاعة وإنما يوفي لله بكل نذر فيه طاعة من مشى إلى بيت ~~الله أو صيام أو صدقة أو صلاة فكل ما لله فيه طاعة فهو واجب على من نذره # فتأمل كيف جعل القيام في الشمس وترك الكلام ونذر المشى إلى الشام أو مصر ~~معاصي حتى فسر فيها الحديث المشهور مع انها في أنفسها اشياء مباحات # لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان ms314 لله به صارت عند مالك معاصى لله # وكليه قوله كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضى التأثيم ~~والتهديد والوعيد وهي خاصية المحرم # وقد مر ما روى الزبير بن بكار وأتاه رجل فقال يا أبا عبدالله من أين أحرم ~~قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال إني ~~اريد أن أحرم من المسجد # فقال لا تفعل # قال إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر # قال لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة # قال وأي فتنة في هذا إنما هي أميال أزيدها # قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) إني سمعت الله تعالى PageV02P052 ~~"""" صفحة رقم 53 """" # يقول ) فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ( # فأنت ترى أنه خشى عليه الفتنة في الإحرام من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه ~~وهو مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وموضع قبره لكنه أبعد من ~~الميقات فهو زيادة في التعب قصدا لرضا الله ورسوله فبين أن ما استسهله من ~~ذلك الأمر اليسير في بادي الرأي يخاف على صاحبه الفتنة في الدنيا والعذاب ~~في الآخرة واستدل بالآية # فكل ما كان مثل ذلك داخل - عند مالك - في معنى الآية فأين كراهية التنزيه ~~في هذه الأمور التي يظهر بأول النظر أنها سهلة ويسيرة وقال ابن حبيب أخبرني ~~ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول التثويب ضلال # قال مالك ومن أحدث في هذا الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) خان الدين لأن الله تعالى يقول ) اليوم أكملت ~~لكم دينكم ( فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا # وإنما التثويب الذي كرهه أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين ~~الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حى على الصلاة حى على الفلاح وهو قول إسحاق ~~ابن راهويه أنه التثويب المحدث # قال الترمذي لما نقل هذا عن ms315 سحنون وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي ~~قد كرهه أهل العلم والذي أحدثوه بعد النبى ( صلى الله عليه وسلم ) # وإذا اعتبر هذا اللفظ في نفسه فكل أحد يستسهله في بادى الرأي إذ ليس فيه ~~زيادة على التذكير بالصلاة # وقصة صبيغ العراقي ظاهرة في هذا المعنى فحكى ابن وهب قال حدثنا مالك بن ~~أنس قال جعل صبيغ يطوف بكتاب الله معه ويقول من يتفقه يفقهه الله من يتعلم ~~يعلمه الله فأخذه عمر بن الخطاب رضى الله عنه فضربه PageV02P053 ~~"""" صفحة رقم 54 """" # بالجريد الرطب ثم سجنه حتى إذا خف الذي به أخرجه فضربه فقال يا أمير ~~المؤمنين إن كنت تريد قتلى فأجهز على وإلا فقد شفيتنى شفاك الله فخلاه عمر # قال ابن وهب قال مالك وقد ضرب عمر بن الخطاب رضى الله عنه صبيغا حين بلغه ~~ما يسال عنه من القرآن وغير ذلك أه # وهذا الضرب إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبنى عليها عمل وربما ~~نقل عنه أنه كان يسأل عن السابحات سبحا والمرسلات عرفا وأشباه ذلك والضرب ~~إنما يكون لجناية أربت على كراهية التنزيه إذ لا يستباح دم امرىء مسلم ولا ~~عرضه بمكروه كراهية تنزيه ضربه إياه خوف الابتداع في الدين أن يشتغل منه ~~بما لا ينبنى عليه عمل وأن يكون ذلك ذريعة لئلا يبحث عن المتشابهات ~~القرآنية ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ) وفاكهة وأبا ( قال ~~هذه الفاكهة فما الأب ثم قال ما أمرنا بهذا # وفي رواية نهينا عن التكلف # وجاء في قصة صبيغ من رواية ابن وهب عن الليث انه ضربه مرتين ثم اراد أن ~~يضربه الثالثة فقال له صبيغ إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلا جميلا وإن PageV02P054 ~~"""" صفحة رقم 55 """" # كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت # فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبى موسى الأشعري رضي الله عنه أن لا يجالسه ~~أحد من المسلمين # فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته فكتب إليه ~~عمر ms316 أن يأذن للناس بمجالسته # والشواهد في هذا المعنى كثيرة وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع ~~شديد وليس بهين ) وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ( # وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهى عنها لا ~~يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين ارادوا أن ~~يفرقوا بين القبلتين # فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ ~~التحريم والمنع وأشباه ذلك # وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن ~~يقولوا هذا حلال وهذا حرام # ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله ) ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ( وحكى مالك عمن ~~تقدمه هذا المعنى # فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه ~~وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في ~~جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه ~~اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه ~~أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة - على تفصيل يذكر ~~في موضعه # وأما ثالثا فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة - دقت أو جلت - وجدناها مخالفة ~~للمكروه من المنهيات المخالفة التامة # وبيان ذلك من أوجه PageV02P055 ~~"""" صفحة رقم 56 """" # احدها أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على ~~العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة فهو إلى الطمع رحمة الله أقرب # وايضا فليس عقده الإيمانى يمتزحزح لأنه يعتقد المكروه مكروها كما يعتقد ~~الحرام حراما وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه والخوف والرجاء شعبتان من ~~شعب الإيمان # فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك اولى في حقه من الفعل وأن نفسه الأمارة ~~زينب له الدخول فيه # ويود لو لم يفعل وايضا فلا يزال - إذا تذكر - منكسر القلب طامعا في ~~الإقلاع ms317 سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا # ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال فإنه يعد ما دخل فيه ~~حسنا بل يراه أولى بما حد له الشارع فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن ~~طريقه هدى سبيلا ونحلته أولى بالاتباع # هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه متبع للهوى # وسيأتي لذلك تقرير إن شاء الله # وقد مر في اول الباب الثاني تقرير لجملة من المعاني التي تعظم أمر البدع ~~على الإطلاق وكذلك مر في آخر الباب أيضا أمور ظاهرة في بعد ما بينهما وبين ~~كراهية التنزيه فراجعها هنالك يتبين لك مصداق ما أشير إليه ها هنا وبالله ~~التوفيق # والحاصل أن النسبة بين المكروه من الاعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس PageV02P056 ~~"""" صفحة رقم 57 """" # فصل إذا ثبت هذا انتقلنا منه إلى معنى آخر # وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة - حسبما ~~تبين في علم الأصول الدينية - فكذلك يقال في البدع المحرمة - إنها تنقسم ~~إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها - كما تقدم - وهذا على القول ~~بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة # ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه وجميع ما قالوه لعله لا يوفى بذلك ~~المقصود على الكمال فلنترك التفريع عليه # وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات ان الكبائر ~~منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة # وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال وكل ما نص عليه راجع إليها وما لم ~~ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره ~~العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه # فكذلك نقول في كبائر البدع ما اخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة ~~ومالا فهي صغيرة # وقد تقدمت لذلك أمثلة وأول الباب # فكما انحصرت كبائر المعاصى أحسن انحصار - حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب ~~- كذلك تنحصر كبائر البدع ايضا وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على ~~أهل ms318 البدع يعسر التخلص عنه في إثبات الصغائر فيها # وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما اصلا وإما فرعا لأنها ~~إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه أو نقصانا منه أو تغييرا لقوافيه أو ~~ما يرجع إلى ذلك وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات إن قلنا بدخولها في ~~العادات بل تمنع الجميع # وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين فهي إذا إخلال باول الضروريات PageV02P057 ~~"""" صفحة رقم 58 """" # وهو الدين وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة وقال في الفرق كلها ~~في النار إلا واحدة وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل # هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون ~~كبائر كما أن القواعد الخمس أركان الدين وهي متفاوتة في الترتيب فليس ~~الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة ~~ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان وكذلك سائرها مع الإخلال فكل منها كبيرة # فقد آل النظر إلى ان كل بدعة كبيرة # ويجاب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكر ففي النظر ما يدل من جهة أخرى ~~على إثبات الصغيرة من أوجه أحدها أنا نقول الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا ~~إشكال ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة فالقتل كبيرة وقطع الأعضاء من ~~غير إجهاز كبيرة دونها وقطع عضو واحد كبيرة دونها وهلم جرا إلى أن تنتهي ~~إلى اللطمة ثم إلى أقل خدش يتصور فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة كما قال ~~العلماء في السرقة إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال # فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر # وهذا في ضرروة الدين أيضا # فقد جاء في بعض الأحاديث عن حذيفة رضى الله عنه قال اول ما تفقدون من ~~دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة ولتنقضن عرى الإيمان عروة عروة ~~وليصلين نساء وهن حيض - ثم قال - حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة تقول ~~إحداهما ما بال الصلوات الخمس لقد ضل من كان قبلنا إنما قال الله أقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من ms319 الليل لا تصلن إلا ثلاثا # وتقول أخرى إنا لنؤمن بالله إيمان الملائكة ما فينا كافر حق على الله أن ~~يحشرهما مع الدجال فهذا الأثر - وإن لم تلتزم عهدة صحته - مثال من الامثلة ~~المسالة PageV02P058 ~~"""" صفحة رقم 59 """" # فقد نبه على أن في آخر الزمان من يرى أن الصلوات المفروضة ثلاث لا خمس ~~وبين أن من النساء من يصلين وهن حيض كأنه يعنى بسبب التعمق وطلب الاحتياط ~~بالوساوس الخارج عن السنة # فهذه مرتبة دون الأولى # وحكى ابن حزم أن بعض الناس زعم أن الظهر خمس ركعات لا أربع ركعات ثم وقع ~~في العتبية # قال ابن القاسم وسمعت مالكا يقول اول من أحدث الاعتماد في الصلاة - حتى ~~لا يحرك رجليه - رجل قد عرف وسمى إلا أنى لا أحب أن أذكره وقد كان مساء أي ~~يساء الثناء عليه قال - قد عيب ذلك عليه وهذا مكروه من الفعل # قالوا ومساء أي يساء الثناء عليه # قال ابن رشد جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة قاله في ~~المدونة وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى لأن ذلك ~~ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولا عن ~~أحد من السلف والصحابة المرضيين وهو من محدثات الأمور انتهى # فمثل هذا - إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يات به اثر فيقال ~~في مثله إنه من كبار البدع # كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ونحوها بل إنما يعد مثله من ~~صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه وإذا ثبت ذلك ~~في بعض الأمثلة في قاعدة الدين فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب ~~فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة # والثاني أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية ومعنى ذلك ~~أن يكون الخلل الواقع بسب بالبدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح ~~العقليين وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن وبدعة ms320 الخوارج في ~~قولهم لا حكم إلا لله # وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع يبل ~~يجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع PageV02P059 ~~"""" صفحة رقم 60 """" # الجزئية أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتى في بعض الفروع دون بعض ~~كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك التثوب ضلال وبدعة الأذان ~~والإقامة في العيدين وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين وما أشبه ذلك # فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون ~~اصلا لها # فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلا ~~تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة ~~مخصوصا به لا عاما فيه وفي غيره ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه ~~العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد فلا قطع على أن جميعها من واحد وقد ظهر ~~وجه انقسامها # والثالث أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر ولا شك أن ~~البدع من جملة المعاصى - على مقتضى الأدلة المتقدمة - ونوع من أنواعها ~~فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا ولا يخصص وجوها بتعميم الدخول في ~~الكبائر لأن ذلك تخصيص من غير مخصص ولو كان ذلك معتبرا لا ستثنى من تقدم من ~~العلماء القائلين بالتقسيم قسم البدع فكانوا ينصون على أن المعاصى ما عدا ~~البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء ~~وأطلقوا القول بالانقسام فظهر أنه شامل لجميع أنواعها # فإن قيل إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا وإنما يدل ~~ذلك على نها تتفاضل فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف والخفة هل تنتهى إلى ~~حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم هذا فيه نظر وقد ظهر معنى الكبيرة ~~والصغيرة في المعاصى غير البدع # وأما في البدع فثبت لها أمران احدهما أنها مضادة للشارع ومراغمة له PageV02P060 ~~"""" صفحة رقم 61 """" # حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفى بما حد ms321 له # والثاني أن كل بدعة - وإن قلت - تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل ~~الصحيح وكل ذلك قد يكون على الانفراد وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون ~~قادحا في المشروع # ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا لكفر إذ الزيادة والنقصان فيها ~~أو التغيير - قل أو كثر - كفر فلا فرق بين ما قل منه وما كثر # فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأى غالظ رآه أو ألحقه بالمشروع إذا لم ~~تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر لأن الجميع جناية لا ~~تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير # ويعضد هذا النظر عموم الادلة في ذم البدع من غير استثناء فالفرق بين بدعة ~~جزئية وبدعة كلية وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني # وأما الثالث فلا حجة فيه لأن قوله عليه السلام كل بدعة ضلالة وما تقدم من ~~كلام السلف يدل على عموم الذم فيها # وظهر أنها مع المعاصى لا تنقسم ذلك الانقسام بل إنما ينقسم ما سواها من ~~المعاصى # واعتبر بما تقدم ذكره في الباب الثاني يتبين لك عدم الفرق فيها # وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة ~~بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا ~~نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار إما باعتبار أن ~~بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه وإما باعتبار فوت ~~المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إى الفاضل والأفضل ~~لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى ~~الرذل والأرذل # والصغر والكبر # من باب النسب والإضافات فقد يكون الشىء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة ~~إلى ما هو أكبر منه PageV02P061 ~~"""" صفحة رقم 62 """" # وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين لكن في انقسام المعاصى إلى ~~الكبائر والصغائر فقال المرضى عندنا أن كل ذنب كبيرة وعظيم بالإضافة إلى ~~مخالفة الله ولذلك يقال معصية الله أكبر من معصية العباد - قولا ms322 مطلقا إلا ~~أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها # ثم ذكر معنى ما تقدم ولم يوافقه غيره على ما قال وإن كان له وجه في النظر ~~وقعت الإشارة إليه في كتاب الموافقات # ولكن الظاهر يأبى ذلك - حسبما ذكره غيره من العلماء - والظواهر في البدع ~~لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها - حسبما تقدم - فصار اعتقاد الصغائر ~~فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفى الكراهية التنزيه عنها من ~~الواضحات # فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه ولا ينظر إلى خفة ~~الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ~~ورميها لها بالنقص والاستدارك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر ~~المعاصى فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب ~~المعصية متنصل منها مقر لله بمخالفته لحكمها # وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة ~~والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من ~~أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) خان الرسالة لأن الله يقول ) اليوم أكملت لكم دينكم ( إلى آخر ~~الحكاية # وقد تقدمت # ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال أي فتنة فيها إنما هي ~~أميال أزيدها # فقال واي فتنة أعظم من ان تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - إلى آخر الحكاية وقد تقدمت ايضا فإذا يصح أن يكون في ~~البدع ما هو صغيرة # فالجواب أن ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه ~~المسألة PageV02P062 ~~"""" صفحة رقم 63 """" # وذلك ان صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة وان يكون غير عالم بذلك # وغير العالم بكونها بدعة على ضربين وهما المجتهد في استنباطها وتشريعها ~~والمقلد له فيها # وعلى كل تقدير فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه إذا حكمنا له بحكم أهل ms323 ~~الإسلام لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه أو النقصان منه أو ~~التحريف له فلا بد له من تأويل كقوله هي بدعة ولكنها مستحسنة أو يقول إنها ~~بدعة ولكنى رأيت فلانا الفاضل يعمل بها أو يقر بها ولكنه يفعلها لحظ عاجل ~~كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه أو فرارا من خوف على حظه أو ~~فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة كما هو الشأن اليوم في كثير ممن ~~يشار إليه وما اشبه ذلك # وأما غير العالم وهو الواضع لها فإنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة بل هي عنده ~~مما يلحق بالمشروعات كقول من جعل يوم الاثنين يصام لأنه يوم مولد النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد ~~لانه عليه السلام ولد فيه وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله ~~بناء على أنه يجلب الأحوال السنية أو رغب في الدعاء بهيئة الاجتماع في ~~أدبار الصلوات دائما بناء على ما جاء في ذلك حالة الوحدة أو زاد في الشريعة ~~أحاديث مكذوبة لينصر في زعمه سنة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) # فلما قيل له إنك تكذب عليه وقد قال من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار قال لم أكذب عليه وإنما كذبت له # أو نقص منها تأويلا عليها لقوله تعالى في ذم الكفار ) إن يتبعون إلا الظن ~~وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ( فأسقط اعتبار الاحاديث المنقولة بالآحاد ~~لذلك ولما أشبه لأن خبر الواحد ظنى فهذه كلها من قيل التأويل # وأما المقلد فكذلك أيضا لأنه يقول فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل ويتنى ~~كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء منهم على أن شيوخ التصوف قد ~~سمعوه وتواجدوا عليه ومنهم من مات بسببه وكتمزيق PageV02P063 ~~"""" صفحة رقم 64 """" # الثياب عند التواجد بالرقص وسواه لأنهم قد فعلوه وأكثر ما يقع مثل هذا في ~~هؤلاء المنتمين إلى التصوف # وربما احتجوا على بدعتهم بالجنيد والبسطامى والشبلى وغيرهم فيما صح عندهم ~~أو لم يصح ms324 ويتركون أن يحتجوا بسنة الله ورسوله وهي التي لا شائبة فيها إذا ~~نقلها العدول وفسرها أهلها المكبون على فهمها وتعلمها # ولكنهم مع ذلك لا يقرون بالخلاف للسنة بحتا بل يدخلون تحت أذيال التأويل ~~إذ لا يرضى منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف للسنة أصلا # وإذا كان كذلك فقول مالك من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها ~~فقد زعم أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) خان الرسالة # وقوله لمن أراد أن يحرم من المدينة أي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى ~~فضيلة قصر عنها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى آخر الحكاية - إنها ~~إلزام للخصم على عادة أهل النظر كأنه يقول يلزمك في هذا القول كذا # لانه يقول قصدت إليه قصدا لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم ولازم المذهب هل هو ~~مذهب أم لا هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول والذي كان يقول به شيوخنا ~~البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأى المحققين أيضا ان لازم المذهب ليس ~~بمذهب فلذلك إذا قرر على الخصم أنكره غاية الإنكار فإذا اعتبار ذلك المعنى ~~على التحقيق لا ينهض وعند ذلك تستوى البدعة مع المعصية صغائر وكبائر فكذلك البدع # ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية فاما الكلية فهي السارية فيما لا ~~ينحصر من فروع الشريعة ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين فإنها مختصة ~~بالكليات منها دون الجزئيات حسبما يتعين بعد إن شاء الله PageV02P064 ~~"""" صفحة رقم 65 """" # وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية ولا يتحقق دخول هذا الضرب من ~~البدع تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال كما لا يتحقق ذلك في ~~سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلا تحت وصف السرقة بل المتحقق دخول ~~عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول لها ~~ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبا كالفرقة ~~والخروج عن الجماعة وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة والفلتة ولذلك لا ~~يكون اتباع الهوى فيها مع حصول ms325 التأويل في فرد من أفراد الفروع ولا المفسدة ~~الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية فعلى هذا إذا اجتمع في البدعة ~~وصفان كونها جزئية وكونها بالتأويل صح أن تكون صغيرة والله أعلم # ومثاله مسالة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس وضاحيا لا يستظل ومن حرم على ~~نفسه شيئا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل ~~بالنهار وما اشبه ذلك مما تقدم ذكره أو يأتى غير أن الكلية والجزئية قد ~~تكون ظاهرة وقد تكون خفية كما أن التأويل قد يقرب مأخذة وقد يبعد فيقع ~~الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل فيعد كبيرة ما هو من الصغائر وبالعكس ~~فيوكل النظر فيها إلى الاجتهاد # ا ه # فصل # وإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة فذلك بشروط # أحدها أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصى لمن داوم عليها تكبر ~~بالنسبة إليه لان ذلك ناشىء عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها ~~كبيرة ولذلك قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع إستغفار PageV02P065 ~~"""" صفحة رقم 66 """" # فكذلك البدعة من غير فرق إلا أن المعاصى من شأنها في الواقع أنها قد يصر ~~عليها وقد لا يصر عليها وعلى ذلك ينبنى طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها أو ~~عدمه بخلاف البدعة فإن شأنها في المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها ~~وان تقوم على تاركها القيامة وتنطلق عليه ألسنة الملامة ويرمى بالتسفيه ~~والتجهيل وينبز بالتبديع والتضليل ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة والمقتدى ~~بهم من الأئمة والدليل على ذلك الاعتبار والنقل فإن أهل البدع كان من شأنهم ~~القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة أو لصقوا بسلطان تجرى أحكامه ~~في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار ومن طالع سير المتقدمين وجد من ذلك مالا يخفى # وأما النقل فما ذكره السلف من أن البدعة إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيا ~~وليست كذلك المعاصى فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله بل قد جاء ما يشد ذلك ~~في حديث الفرق حيث ms326 جاء في بعض الروايات تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى ~~الكلب بصاحبه ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع لا توبة له منها حسبما تقدم # والشرط الثاني أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم ~~يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه ~~فإنه الذى أثارها وسبب كثرة وقوعها والعمل بها فإن الحديث الصحيح قد أثبت ~~ان كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من ~~أوزارهم شيئا والصغيرة والغسية مع الكبيرة إنما تفاوتها بحسب كثرة الإثم ~~وقلته فربما تساوي الصغيرة - من هذا الوجه - الكبيرة أو تربى عليها # فمن حق المبتدع إذا ابتلى بالبدعة أن يقتصر على نفسه ولا يحمل مع وزره ~~وزر غيره PageV02P066 ~~"""" صفحة رقم 67 """" # وفي هذا الوجه قد يتعذر الخروج فإن المعصية فيما بين العبد وربه يرجو ~~فيها من التوبة والغفران ما يتعذر عليه مع الدعاء إليها وقد مر في باب ذم ~~البدع وباقي الكلام في المسألة سيأتى إن شاء الله # والشرط الثالث أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع ~~التي تقام فيها السنن وتظهر فيها اعلام الشريعة فأما إظهارها في المجتمعات ~~ممن يقتدى به أو ممن به الظن فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا ~~تعدو امرين إما أن يقتدى بصاحبها فيها فإن العوام أتباع كل ناعق ولا سيما ~~البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وإذا ~~اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه لأن كل من دعا إلى ضلالة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر # وهذا بعينه موجود في صغائر المعاصى فإن العالم مثلا إذا أظهر المعصية - ~~وإن صغرت - سهل على الناس ارتكابها فإن الجاهل يقول لو كان هذا الفعل كما ~~قال من أنه ذنب لم يرتكبه وإنما ارتكبه لامر علمه دوننا # فكذلك البدعة إذا أظهرها العالم المقتدى فيها لا محالة فإنها في ms327 مظنة ~~التقرب في ظن الجاهل لأن العالم يفعلها على ذلك الوجه بل البدعة اشد في هذا ~~المعنى إذ الذنب قد لا يتبع عليه بخلاف البدعة فلا يتحاشى أحد عن اتباعه ~~إلا من كان عالما بأنها بدعة مذمومة ن فحينئذ يصير في درجة الذنب فإذا كانت ~~كذلك صارت كبيرة بلا شك فإن كان داعيا إليها فهو أشد وإن كان الإظهار باعثا ~~على الاتباع فبالدعاء يصير أدعى إليه PageV02P067 ~~"""" صفحة رقم 68 """" # وقد روى عن الحسن ان رجلا من بنى إسرائيل ابتدع بدعة فدعا الناس إليها ~~فاتبع وأنه لما عرف ذنبه عمد إلى ترقوته فنقبها فأدخل فيها حلقة ثم جعل ~~فيها سلسة ثم اوثقها في شجرة فجعل يبكى ويعج إلى ربه فأوحى الله إلى نبى ~~تلك الأمة أن لا توبة له قد غفر له الذي اصاب # فكيف بمن ضل فصار من اهل النار # وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها ~~بالتصريح لأن عمل إظهار الشرائع الإسلامية توهم أن كل ما أظهر فيها فهو من ~~الشعائر فكأن المظهر لها يقول هذه سنة فاتبعوها # قال أبو مصعب قدم علينا ابن مهدى فصلى ووضع رداءه بين يدى الصف # فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا - وكان قد صلى خلف ~~الإمام - فلما سلم قال من هاهنا من الحرس فجاءه نفسان فقال خذا صاحب هذا ~~الثوب فاحبساه # فحبس فقيل له إنه ابن مهدى فوجه إليه وقال له ما خفت الله واتقينه أن ~~وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا ~~شيئا ما كنا نعرفه وقد قال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من أحدث في مسجدنا ~~حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فبكى ابن مهدى وآلى على نفسه ~~ان لا يفعل ذلك ابدا في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في غيره # وفي رواية عن ابن مهدى قال فقلت للحرسيين تذهبان بى إلى أبى عبد الله ~~قالا إن شئت فذهبنا إليه # فقال يا عبد الرحمن تصلى ms328 مستلبا فقلت يا أبا عبد الله إنه كان يوما حارا ~~- كما رايت - فثقل ردائى على # فقال PageV02P068 ~~"""" صفحة رقم 69 """" # الله ما اردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليه قلت الله قال خلياه # وحكى ابن وضاح قال ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك فأرسل إليه مالك ~~فجاءه فقال له مالك هذا الذي تفعل فقال اردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ~~فيقوموا فقال له مالك لا تفعل لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه قد كان ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر ~~وعثمان فلم يفعلوا هذا فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه فكف المؤذن عن ذلك ~~وأقام زمانا ثم إنه تنحنح في المنارة عند اطلوع الفجر فارسل إليه مالك فقال ~~له ما الذي تفعل قال اردت أن يعرف الناس طلوع الفجر # فقال له الم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن فقال إنما نهيتنى عن ~~التثويب # فقال له لا تفعل فكف زمانا ثم جعل يضرب الأبواب فأرسل إليه مالك فقال ما ~~هذا الذي تفعل فقال اردت أن يعرف الناس طلوع الفجر # فقال له مالك لا تفعل لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه # قال ابن وضاح وكان مالك يكره التثويب - قال - وإنما أحدث هذا بالعراق # قيل لابن وضاح فهل كان يعمل به بمكة أو المدينة أو مصر أو غيرها من ~~الأمصار فقال ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والأباضيين # فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخف شانه عند الناظر فيه ببادى الراي ~~وجعله أمرا محدثا وقد قال في التثويب إنه ضلال وهو بين لأن كل محدثة بدعة ~~وكل بدعة ضلالة ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب PageV02P069 ~~"""" صفحة رقم 70 """" # الأبواب لان ذلك جدير بأن يتخذ سنة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن ~~مهدى خوف أن يكون حدثا احدثه # وقد أحدث بالمغرب المتسمى بالمهدى تثويبا عند طلوع الفجر وهو قولهم أصبح ~~ولله الحمد إشعارا بان ms329 الفجر قد طلع لإلزام الطاعة ولحضور الجماعة # وللغد ولكل ما يومرون به # فيخصه هؤلاء المتأخرون تثويبا بالصلاة كالأذان # ونقل ايضا إلى اهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية وهو المعتاد في جوامع ~~الأندلس وغيرها فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن فإنا لله وإنا إليه راجعون # وقد فسر التثويب الذي أشار إليه مالك بأن المؤذن كان إذا اذن فأبطأ الناس ~~قال بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة حى على الصلاة حى على الفلاح # وهذا نظير قولهم عندنا الصلاة - رحمكم الله # وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه دخل مسجدا أراد أن يصلى فيه فثوب ~~المؤذن فخرج عبدالله بن عمر من المسجد وقال اخرج بنا من عند هذا المبتدع ~~ولم يصل فيه # قال ابن رشد وهذا نحو مما كان يفعل عندنا بجامع قرطبة من أن يفرد المؤذن ~~بعد أذانه قبل الفجر النداء عند الفجر بقوله حى على الصلاة ثم ترك - قال - ~~وقيل إنما عنى بذلك قول المؤذن في أذانه حى على خير العمل # لأنها كلمة زادها في الأذان من خالف السنة من الشيعة ووقع في المجموعة ان ~~من سمع التثويب وهو في المسجد خرج عنه كفعل ابن عمر رضى الله عنهما PageV02P070 ~~"""" صفحة رقم 71 """" # وفي المسألة كلام المقصود منه التثويب المكروه الذي قال فيه مالك انه ~~ضلال والكلام يدل على التشديد في الأمور المحدثة أن تكون في مواضع الجماعة ~~أو في المواطن التي تقام فيها السنن والمحافظة على المشروعات أشد المحافظة ~~لأنها إذا أقيمت هنالك أخذها الناس وعملوا بها فكان وزر ذلك عائدا على ~~الفاعل أولا فيكثر وزره ويعظم خطر بدعته # والشرط الرابع أن لا يستصغرها ولا يستحقرها - وإن فرضناها صغيرة - فإن ~~ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب به فكان ذلك سببا لعظم ما ~~هو صغير وذلك ان الذنب له نظران نظر من جهة رتبته في الشرط ونظر من جهة ~~مخالفة الرب العظيم به فأما النظر الأول فمن ذلك الوجه يعد صغيرا إذا فهمنا ~~من الشرع أنه صغير لانا ms330 نضعه حيث وضعه الشرع وأما الآخر فهو راجع إلى ~~اعتقادنا في العمل به حيث نستحرم جهة الرب سبحانه بالمخالفة والذى كان يجب ~~في حقنا أن نستعظم ذلك جدا إذ لا فرق في التحقيق بين المواجهتين - المواجهة ~~بالكبيرة والمواجهة بالصغيرة # والمعصية من حيث هي معصية لا يفارقها النظران في الواقع اصلا لان تصورها ~~موقوف عليهما فالاستعظام لوقوعها مع كونها يعتقد فيها أنها صغيرة لا ~~يتنافيان لانهما اعتباران من جهتين فالعاصى وإن يعمل المعصية لم يقصد ~~بتعمده الاستهانة بالجانب العلي الرباني وإنما قصد اتباع شهوته مثلا فيما ~~جعله الشارع صغيرا أو كبيرا فيقع الإثم على حسبه كما أن البدعة لم يقصد بها ~~صاحبها منازعة الشارع ولا التهاون بالشرع وإنما قصد الجرى على مقتضاه لكن ~~بتأويل زاده ورجحه على غيره بخلاف ما إذا تهاون بصغرها في الشرع فإنه PageV02P071 ~~"""" صفحة رقم 72 """" # إنما تهاون بمخالفة الملك الحق لأن النهى حاصل ومخالفته حاصلة والتهاون ~~بها عظيم ولذلك يقال لاتنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظمة من واجهته بها # وفي الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال في حجة الوداع أي ~~يوم هذا قالوا ويم الحج الأكبر قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم ~~حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا لا يجنى جان إلا على نفسه ألا لا يجنى ~~جان على ولده ولا مولود على والده الا وإن الشيطان قد يئس ألا يعبد في ~~بلدكم هذا ابدا ولا تكون له طاعة فيما تحتقرون من اعمالكم فسيرضى به فقوله ~~عليه الصلاة ولاسلام فسيرضى به دليل على عظم الخطب فيما يستحقر # وهذا الشرط مما اعتبره الغزالى في هذا المقام فإنه ذكر في الإحياء أن مما ~~تعظم به الصغيرة أن يستصغرها # قال فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله وكلما استصغره ~~كبر عندالله ثم بين ذلك وبسطه # فإذا تحصلت هذه الشروط فإذا ذاك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة فإن تخلف شرط ~~منها أو أكث صارت كبيرة أو خيف أن تصير كبيرة كما أن المعاصى ms331 كذلك والله أعلم PageV02P072 ~~"""" صفحة رقم 73 """" ### | AUTO الباب السابع في الابتداع # هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالأمور العبادية # قد تقدم في حد البدعة ما يقتضى الخلاف فيه هل يدخل في الأمور العادية أم ~~لا اما العبادية فلا إشكال في دخوله فيها وهي عامة الباب إذ الأمور ~~العبادية إما أعمال قلبية وأمور اعتقادية وإما أعمال جوارح من قول أو فعل ~~وكلا القسمين قد دخل فيه الابتداع كمذهب القدرية والمرجئة والخوارج ~~والمعتزلة وكذلك مذهب الإباحة واختراع العبادات على غير مثال سابق ولا أصل ~~مرجوع إليه # وأما العادية فاقتضى النظر وقوع الخلاف فيها وأمثلتها ظاهرة مما تقدم في ~~تقسيم البدع كالمكوس والمحدثة من المظالم وتقديم الجهال على العلماء في ~~الولايات العلمية وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة ~~وإقامة صور الائمة وولاة الأمور والقضاة واتخاذ المناخل وغسل اليد بالاشنان ~~ولبس الطيالس وتوسيع الاكمام وأشباه ذلك من الامور التي لم تكن في الزمن ~~الفاضل والسلف الصالح فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت ~~فلحقت بالبدع وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة وهذا من الأدلة ~~الدالة على ما قلنا وإليه مال القرافى وشيخه ابن عبد السلام وذهب إليه بعض السلف # فروى أبو نعيم الحافظ عن محمد بن أسلم أنه ولد له ولد - قال محمد بن ~~القاسم الطوسى - فقال اشتر لي كبشين عظيمين ودفع إلى دراهم فاشتريت له ~~وأعطانى عشرة أخرى وقال لي اشتر بها دقيقا ولا تنخله واخبزه - قال فنخلت ~~الدقيق وخبزته ثم جئت به فقال نخلت هذا وأعطانى عشرة أخرى PageV02P073 ~~"""" صفحة رقم 74 """" # وقال اشتر به دقيقا ولا تنخله واخبزه # فخبزته وحملته إليه فقال لى يا أبا عبد الله العقيقة سنة ونخل الدقيق ~~بدعة ولا ينبغى أن يكون في السنة بدعة ولم أحب أن يكون ذلك الخبر في بيتى ~~بعد أن كان بدعة # ومحمد بن اسلم هذا هو الذي فسر به الحديث إسحاق بن راهويه حيث سئل عن ~~السواد الأعظم في قوله عليه الصلاة والسلام عليكم بالسواد ms332 الأعظم فقال محمد ~~وأصحابه # حسبما يأتى - إن شاء الله - في موضعه من هذا الكتاب # وايضا فإن تصور في العبادات وقوع الابتداع وقع في العادات لانه لا فرق ~~بينهما فالأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية فكلاهما مشروع من ~~قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر # ووجه ثالث وهو أن الشرع جاء بالوعد باشياء تكون في آخر الزمان هي خارجة ~~عن سنته # فتدخل فيما تقدم تمثيله لأنها من جنس واحد # ففي الصحيح عن عبد الله رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إنكم سترون بعدى اثرة وأمورا تنكرونها - قالوا فما تأمرنا يا رسول ~~الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا حقكم وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال من كره من أميره شيئا فليصبر وفي رواية من ~~رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ~~ميتة جاهلية # وفي الصحيح ايضا إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة وعن أبى ~~هريرة رضى الله عنه عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال يتقارب الزمان ~~ويقبض العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج قال يا رسول الله PageV02P074 ~~"""" صفحة رقم 75 """" # إيما هو قال القتل القتل وعن أبى موسى رضى الله عنه قال قال النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إن بين يدى لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم ~~ويكثر فيها الهرج والهرج القتل # وعن حذيفة رضى الله عنه # قال حدثنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حديثين رأيت أحدهما وأنا ~~انتظر الآخر - حدثنا أن الأمانة نزلت في جدر قلوب الرجال ثم علموا من ~~القرآن ثم علموا من السنة # وحدثنا عن رفعها ثم قال ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها ~~مثل الولت ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على ~~رجلك فنفص فتراه ينتثر وليس فيه شىء ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد ~~يؤدى الأمانة # فيقال إن في ms333 بنى فلان رجلا أمينا # ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما اجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من ~~إيمان الحديث # وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا ~~تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما ~~واحدة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم زعم أنه رسول وحتى يقبض ~~العلم - ثم قال وحتى يتطاول الناس في البنيان إلى آخر الحديث # وعن عبد الله رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~تخرج في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرأون القرآن لا يجاوز ~~تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية # ومن حديث أبى هريرة رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال بادروا PageV02P075 ~~"""" صفحة رقم 76 """" # بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا فيبيع ~~دينه بعرض الدنيا وفسر ذلك الحسن قال يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله ~~ويمسى مستحلا له # كأنه تأوله على الحديث الآخر لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ~~والله اعلم # وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~إن من اشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشوا الزنا ويشرب الخمر ~~وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون للخمسين امرأة قيم واحد # ومن غريب حديث على بن أبى طالب رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إذا فعلت أمتى خمس عشرة خصلة حل بها البلاء # قيل وما هي يارسول الله قال إذا صار المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة ~~مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في ~~المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس ~~الحرير واتخذت القيان والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها # فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا أو مسخا وقذفا وفي الباب عن ~~أبى هريرة رضى الله عنه ms334 قريب من هذا # وفيه ساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم ارذلهم وفيه ظهرت القيان ~~والمعازف وفي آخره فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا ~~وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع # فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه يكون PageV02P076 ~~"""" صفحة رقم 77 """" # في هذه الأمة بعده إنما هو - في الحقيقة - تبديل الأعمال التي كانوا أحق ~~بالعمل بها فلما عوضوا منها غيرها وفشا فيها كأنه من المعمول به تشريعا كان ~~من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات # والذين ذهبوا إلى أنه مختص بالعبادات لا يسلمون جميع الأولون # أما ما تقدم عن القرافى وشيخه فقد مر الجواب عنه فإنها معاص في الجملة # ومخالفات للمشروع كالمكوس والمظالم وتقديم الجهال على العلماء وغير ذلك # والمباح منها كالمناخل إن فرض مباحا - كما قالوا - فإنما إباحته بدليل ~~شرعى فلا ابتداع فيه # وإن فرض مكروها - كما أشار إليه محمد بن أسلم - فوجه الكراهية عنده كونها ~~عدت من المحدثات إذ في الأمر أول ما أحدث بعد رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) المناخل - أو كما قال - فأخذ بظاهر اللفظ من أخذ به كمحمد بن أسلم # وظاهره أن ذلك من ناحية السرف والتنعم الذي أشار إلى كراهيته قوله تعالى ~~) أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ( الآية لا من جهة أنه بدعة # وقولهم كما يتصور ذلك في العبادات يتصور في العادات مسلم وليس كلامنا في ~~الجواز العقلى وإنما الكلام في الوقوع وفيه النزاع # وأما ما احتجوا به من الاحاديث فليس فيها على المسألة دليل واحد إذ لم ~~ينص عل أنها بدع أو محدثات أو ما يشير إلى ذلك المعنى وأيضا إن عدوا PageV02P077 ~~"""" صفحة رقم 78 """" # كل محدث العادات بدعة فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من المآكل والمشارب ~~والملابس والكلام والمسائل النازلة التى لا عهد بها في الزمان الأول بدعا ~~وهذا شنيع فإن من العوائد ما تختلف بحسب الأزمان والأمكنة والأسم فيكون كل ~~من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا مثل ms335 عوائدهم غير متبعين لهم ~~هذا من المستنكرجدا # نعم لا بد من المحافظة في العوائد المختلفة على الحدود الشرعية والقوانين ~~الجارية على مقتضى الكلام والسنة # وأيضا فقد يكون التزام الواحد والحالة الواحدة أو العادة الواحدة تعبا ~~ومشقة لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع والأحوال والشريعة تأبى التضييق ~~والحرج فيما دل الشرع على جوازه ولم يكن ثم معارض # وإنما جعل الشارع ما تقدم في الأحاديث المذكورة من فساد الزمان واشراط ~~الساعة لظهورها وفحشها بالنسبة إلى متقدم الزمان فإن الخير كان أظهر ~~والشركان أخفى واقل بخلاف آخر الزمان فإن الامر فيه على العكس والشر فية ~~أظهر والخير أخفى # وأما كون تلك الاشياء بدعا فغير مفهوم على الطريقتين في حد البدعة فراجع ~~النظر فيها تجده كذلك # والصواب في المسألة طريقة أخرى وهي تجمع شتات النظرين وتحقق المقصود في ~~الطريقتين وهو الذي بنى عليه ترجمة هذا الباب فلنفرده في فصل على حدته ~~والله الموفق للصواب PageV02P078 ~~"""" صفحة رقم 79 """" # فصل # أفعال المكلفين - بحسب النظر الشرعي فيها - على ضربين # أحدهما أن تكون من قبيل العبادات والثاني أن تكون من قبيل العادات # فأما الأول فلا نظر فيها ها هنا # وأما الثاني - وهو العادى - فظاهر النقل عن السلف الأولين أن المسألة ~~تختلف فيها فمنهم من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعباديات فكما أنا ~~مأمورن في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العاديات وهو ظاهر كلام محمد بن ~~أسلم حيث كره في سنة العقيقة مخالفة من قبله في أمر عادي وهو استعمال ا ~~لمناخل مع العلم بانه معقول المعنى نظرا منه - والله أعلم - إلى أن الأمر ~~باتباع الأولين على العموم غلب عليه جهة التعبد ويظهر أيضا من كلام من قال ~~أول ما أحدث الناس بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المناخل # ويحكى عن الربيع بن أبى راشد أنه قال لولا أنى أخاف من كان قبلى لكانت ~~الجبانة مسكنى إلى أن أموت # والسكنى عادى بلا إشكال # وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلا في قسم العباديات فدخول ~~الابتداع فيه ظاهر والأكثرون على ms336 خلاف هذا وعليه نبنى الكلام فنقول ثبت في ~~الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادى من شائبة التعبد لان ما لم يعقل معناه ~~على التفصيل من المأمور به أو المنهى عنه فهو المراد بالتعبدى وما عقل ~~معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي فالطهارات والصلوات ~~والصيام والحج كلها تعبدى والبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات PageV02P079 ~~"""" صفحة رقم 80 """" # والجنايات كلها عادي لأن أحكامها معقوله المعنى ولا بد فيها من التعبد إذ ~~هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاء أو تخييرا فإن ~~التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام - حسبما تقرر برهانه في ~~كتاب الموافقات - وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد فإن ~~جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صح دخوله في العاديات ~~كالعباديات وإلا فلا # وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبين ذلك بالأمثلة فمما أتى ~~به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس فلا يخلو هذا الوضع المحرم ان يكون ~~على قصد حجر التصرفات وقتا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب ~~الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما اشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه ~~على الناس كالدين الموضوع والامر المحتوم عليهم دائما أو في أوقات محدودة ~~علي كيفيات مضروبة بحيث تضاهى المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ~~ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشى والحرث ~~وما أشبه ذلك # فأما الثاني فظاهر أنه بدعة إذ هو تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهي ~~إلزامهم الزكاة المفروضة والديات المضروبة والغرامات المحكوم بها في اموال ~~الغصاب والمتعبدين بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المتحومة أو ~~ما أشبه ذلك فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك لانه شرع مستدرك وسن في ~~التكليف مهيع فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران نظر من جهة كونها محرمة ~~على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم ونظر من جهة كونها PageV02P080 ~~"""" صفحة رقم 81 """" # اختراعا لتشريع يؤخذ ms337 به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف ~~فاجتمع فيها نهيان نهى عن المعصية ونهى عن البدعة وليس ذلك موجودا في البدع ~~في القسم الأول وإنما يوجد به النهى من جهة كونها تشريعا موضوعا على الناس ~~أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس ~~الممنوع # وكذلك تقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح بطريق ~~التوريث هو من قبيل ما تقدم فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيا ~~في الدين ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين ~~وكون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقا لرتبة الاب - وإن لم يبلغ رتبة ~~الاب في ذلك المنصب - بطريق الوراثة أو غير ذلك بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ~~ويرده الناس كالشرع الذي لا يخالف بدعة بلا إشكال زيادة إلى القول بالراى ~~غير الجاري على العلم وهو بدعة أو سبب البدعة كما سيأتى تفسيره إن شاء الله ~~وهو الذي بينه النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله حتى إذا لم يبق عالم ~~اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأظلوا وإنما ضلوا ~~لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم # وأما إقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمر على خلاف ما كان عليه السلف ~~فقد تقدم أن البدعة لا تتصور هنا وذلك صحيح فإن تكلف أحد فيها ذلك فيبعد ~~جدا وذلك بفرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يطلب به الأئمة على الخصوص ~~تشريعا خارجا عن قبيل المصالح المرسلة بحيث يعد من الدين الذي يدين به ~~هؤلاء المطلوبون به أو يكون ذلك مما يعد خاصا بالأئمة دون غيرهم PageV02P081 ~~"""" صفحة رقم 82 """" # كما يزعم بعضهم أن خاتم الذهب جائز لذوى السلطان أو يقول إن الحرير جائز ~~لهم لبسه دون غيرهم وهذا اقرب من الأول في تصور البدعة في حق هذا القسم # ويشبهه على قرب زخرفة المساجد # إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ترفيع بيوت الله وكذلك تعليق ms338 ~~الثريات الخطيرة الأثمان حتى يعد الإنفاق في ذلك إنفاقا في سبيل الله وكذلك ~~إذا اعتقد في زخارف الملوك وإقامة صورهم أنها من جملة ترفيع الإسلام وإظهار ~~معالمه وشعائره أو قصد ذلك في فعله أولا بأنه ترفيع للإسلام لما لم ياذن ~~الله به وليس ما حكاه القرافى عن معاوية من قبيل هذه الزخارف بل من قبيل ~~المعتاد في اللباس والاحتياط في الحجاب مخافة من انخراق خرق يتسع فلا يرقع ~~- هذا إن صح ما قال # وإلا فلا يعول على نقل المؤرخين ومن لا يعتبر من المؤلفين وأحرى أن ينبنى ~~عليه حكم # وأما مسألة المناخل فقد مر ما فيها والمعتاد فيها أنه لا يلحقها أحد ~~بالدين ولا بتدبير الدنيا بحيث لا ينفك عنه كالتشريع فلا نطول به وعلى ذلك ~~الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام من غير فرق فتبين مجال البدعة في ~~العاديات من مجال غيرها وقد تقدم أيضا فيها كلام فراجعه إن احتجت إليه # وأما وجه النظر في أمثلة الوجه الثالث من أوجه دخول الابتداع في العاديات ~~على ما أريد تحقيقه فنقول إن مدارك تلك الأحاديث على بضع عشرة خصلة يمكن ~~ردها إلى اصول هي كلها أو غالبها بدع وهي قلة العلم وظهور الجهل والشح وقبض ~~الأمانة وتحليل الدماء والزنا والحرير والغناء والربا والخمر PageV02P082 ~~"""" صفحة رقم 83 """" # وكون المغنم دولا والزكاة مغرما وارتفاع الأصوات في المساجد وتقديم ~~الأحداث ولعن آخر الأمة أولها وخروج الدجالين ومفارقة الجماعة # وأما الشح فإنه مقدمة لبدعة الاحتيال على تحليل الحرام # وذلك ان الناس يشحون بأموالهم فلا يسمحون بتصريفها في مكارم الأخلاق ~~ومحاسن الشيم # كالإحسان بالصدقات والهبات والمواساة والإيثار على النفس # ويليه أنواع القرض الجائز # ويليه التجاوز في المعاملات بإنظار المعسر # وبالإسقاط كما قال ) وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ( وهذا كان شأن ~~من تقدم من السلف الصالح # ثم نقص الإحسان بالوجوه بالأول # فتسامح الناس بالقرض # ثم نقض ذلك حتى صار الموسر لا يسمح بما في يديه فيضطرالمعسر إلى أن يدخل في PageV02P083 ~~"""" صفحة رقم 84 """" # المعاملات ms339 التي ظاهرها الجواز وباطنها المنع # كالربا والسلف الذي يجر النفع فيجعل بيعا في الظاهر # ويجرى في الناس شرعا شائعا ويدين به العامة وينصبون هذه المعاملات متاجر ~~واصلها الشح بالأموال حب الزخارف الدنيوية والشهوات العاجلة فإذا كان كذلك ~~فالحرى أن يصير ذلك ابتداعا في الدين وأن يجعل من أشراط الساعة # فإن قيل هذا انتجاع من مكان بعيد وتكلف لا دليل عليه # فالجواب أنه لولا أن ذلك مفهوم من الشرع لما قيل به فقد روى أحمد في ~~مسنده من حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يقول إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب ~~البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله انزل الله بهم بلاءا فلا يرفعه حتى ~~يراجعوا دينهم # ورواه أبو داود أيضا وقال فيه إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ~~ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينتزعه حتى ترجعوا إلى دينكم # فتأمل كيف قرن التبايع بالعينة بضنة الناس فأشعر بان التبايع بالعينة ~~يكون عن الشح بالأموال وهو معقول في نفسه # فإن الرجل لا يتبايع أبدا هذا التبايع وهو يجد من يسلفه أو من يعينه في حاجته # إلا أن يكون سفيها لا عقل له # ويشهد لهذا المعنى ما خرجه أبو داود ايضا عن على رضى الله عنه قال سيأتى ~~على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك # قال الله تعالى ) وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ( وينشد PageV02P084 ~~"""" صفحة رقم 85 """" # شرار خلق الله يبايعون كل مضطر # ألا إن بيع المضطر حرام المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه # إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه # وهذه الأحاديث الثلاثة - وإن كانت أسانيدها ليست هناك - مما يعضد بعضه ~~بعضا وهو خبر حق في نفسه يشهد له الواقع # قال بعضهم عامة العينة إنما تقع من رجل يضطر إلى نفقة يضن عليه الموسر ~~بالقرض إلا أن يربحه في المائة ما ms340 أحب # فيبيعها ثمن المائة بضعفها أو نحو ذلك ففسر بيع المضطر ببيع العينة ~~العينة ن وبيع العينة إنما هو العين بأكثر منها إلى أجل - حسبما هو مبسوط ~~في الفقهيات - فقد صار الشح إذا سببا في دخول هذه المفاسد في البيوع # فإن قيل كلامنا في البدعة في فساد المعصية لأن هذه الأشياء بيوع فاسدة ~~فصارت من باب آخر لا كلام لنا فيه # فالجواب أن مدخل البدعة هاهنا من باب الاحتيال الذي أجازه بعض الناس فقد ~~عده العلماء من البدع المحدثات حتى قال ابن المبارك في كتاب وضع في الحيل ~~من وضع هذا فهو كافر ومن سمع به فرضى به فهو كافر ومن حمله من كورة فهو ~~كافر ومن كان عنده فرضى به فهو كافر وذلك أنه وقع فيه الاحتيالات بأشياء ~~منكرة حتى احتال على فراق الزوجة زوجها بأن ترتد # وقال إسحاق بن راهويه عن سفيان بن عبد الملك ان ابن المبارك قال في قصة ~~بنت أبى روح حيث أمرت بالارتداد وذلك في ايام أبى غشان فذكر شيئا # ثم قال ابن المبارك وهو مغضب # أحدثوا في الإسلام # ومن كان أمر بهذا فهو كافر # ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو صوبه ولم يأمر به فهو ~~كافر - ثم قال ابن مبارك ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا حتى PageV02P085 ~~"""" صفحة رقم 86 """" # جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذ وكان يحسنها ولم يجد من يمضيها ~~فيهم حتى جاء هؤلاء # وإنما وضع هذا الكتاب وأمثاله ليكون حجة على زعمهم في أن يحتالوا للحرام ~~حتى يصير حلالا وللواجب حتى يكون غير واجب # وما أشبه ذلك من الأمور الخارجة عن نظام الدين كما أجازوا نكاح المحلل ~~وهو احتيال على رد المطلقة ثلاثا لمن طلقها وأجازوا إسقاط فرض الزكاة ~~بالهبة المستعارة وأشباه ذلك فقد ظهر وجه الإشارة في الأحاديث المتقدمة ~~المذكور فيها الشح وأنها تتضمن ابتداعا كما تتضمن معاصى جملة # وأما قبض الأمانة فعبارة عن شياع الخيانة وهي من سماة أهل النفاق ولكن ~~يوجد في ms341 الناس بعض أنواعها تشريعا وحكيت عن قوم ممن ينتمى إلى العلم كما ~~حكيت عن كثير من الأمراء فإن أهل الحيل المشار إليهم إنما بنوا في بيع ~~العينة على إخفاء ما ولو أظهروه لكان البيع فاسدا فأخفوه لتظهر صحته # فإن بيعة الثوب بمائة وخمسين إلى أجل لكنهما اظهرا وساطة الثوب وأنه هو ~~المبيع والمشتري وليس كذلك بدليل الواقع # وكذلك يهب ماله عند رأس الحول قائلا بلسان حاله ومقاله أنا غير محتاج إلى ~~هذا المال وأنت أحوج إليه منى # ثم يهبه فإذا جاء الحول ألآخر قال الموهوب له للواهب مثل المقالة الأولى ~~والجميع في الحالين بل في الحولين في تصريف PageV02P086 ~~"""" صفحة رقم 87 """" # المال سواء أليس هذا خلاف الأمانة والتكليف من اصله أمانة فيما بين العبد ~~وربه فالعمل بخلاف خيانة # ومن ذلك أن بعض الناس كان يحفر الزينة ويرد من الكذب ومعنى الزينة ~~التدليس بالعيوب وهذا خلاف الأمانة والنصح لكل مسلم # وأيضا فإن كثيرا من الأمراء يحتاجون أموال الناس اعتقادا منهم أنها لهم ~~دون المسلمين # ومنهم من يعتقد نوعا من ذلك في الغنائم المأخوذة عنوة من الكفار ~~فيجعلونها في بيت المال ويحرمون الغانمين من حظوظهم منها تأويلا على ~~الشريعة بالعقول # فوجه البدعة ها هنا ظاهر # وقد تقدم التنبيه على ذلك في تمثيل البدع الداخلة في الضروريات في الباب ~~قبل هذا - ويدخل تحت هذا النمط كون الغنائم تصير دولا وقوله سترون بعدى ~~أثرة وأمراء تنكرونها - ثم قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله دقهم # وأما تحليل الدماء والربا والحرير والغناء والخمر فخرج أبو داود وأحمد ~~وغيرهما عن ابى مالك الأشعرى رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) ليشربن ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها - زاد ابن ماجه - ~~يعزف على رءوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة ~~والخنازير وخرجه البخاري عن أبى عامر وأبى مالك الأشعري قال فيه ليكونن من ~~أمتى أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف PageV02P087 ~~"""" صفحة رقم 88 """" # ولينزلن أقوام إلى جنب علم # تروح عليهم ms342 سارحة لهم يأتيهم رجل لحاجة فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم ~~الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة وفي سنن أبى ~~داود ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الخز والحرير - وقال في آخره - يمسخ ~~منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة # والخز هنا نوع من الحرير ليس الخز المأذون فيها المنسوج من حرير وغيره # وقوله في الحديث ولينزلن أقوام يعنى - والله أعلم - من هؤلاء المستحلين ~~والمعنى إن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب علم - وهو الجبل ~~فيواعدهم إلى الغد فيبيتهم الله - وهو أخذ العذاب ليلا - ويمسخ منهم آخرين ~~كما في حديث أبى داود كما في الحديث قبل يخسف الله بهم الأرض ويمسخ منهم ~~قردة وخنازير # وكأن الخسف ها هنا التبييت المذكور في الآخر # وهذا نص في أن هؤلاء الذين استحلو هذه المحارم كانوا متأولين فيها حيث ~~زعموا أن الشراب الذي شربوه ليس هو الخمر وإنما له اسم آخر إما النبيذ أو ~~غيره وإنما الخمر عصير العنب النىء وهذا رأى طائفة من الكوفيين وقد ثبت أن ~~كل مسكر خمر # قال بعضهم وإنما أتى على هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء ~~الاسم ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته - قال وهذه بعينها شبهة ~~اليهود في استحلالهم أخذ الحيتان يوم الأخذ بما أوقعوها به يوم السبت في ~~الشباك والحفائر من فعلهم يوم الجمعة حيث قالوا ليس هذا بصيد ولا عمل يوم ~~السبت وليس هذا باستباحة الشح PageV02P088 ~~"""" صفحة رقم 89 """" # بل الذي يستحل الخمر زاعما أنه ليس خمرا مع علمه بأن معناه معنى الخمر ~~ومقصوده مقصود الخمر أفسد تأويلا من جهة ان اهل الكوفة من أكثر الناس قياسا ~~فلئن كان من القياس ما هو حق فإن قياس الخمر المنبوذة على الخمر العصيرة من ~~القياس في معنى الأصل # وهو من القياس الجلى # إذ ليس بينهما من الفرق ما يتوهم أنه مؤثر في التحريم # فإذا كان هؤلاء المذكورون في الحديث إنما شربوا الخمر استحلالا لها لما ~~ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع ms343 عليه اللفظ # وظنوا أن لفظ الخمر لا يقع على غير عصير العنب النىء فشبهتهم في استحلال ~~الحرير والمعازف أظهر بأنه أبيح الحرير للنساء مطلقا وللرجال في بعض ~~الأحوال فكذلك الغناء والدف قد أبيح في العرس ونحوه وأبيح منه الحداء وغيره ~~وليس في هذا النوع من دلائل التحريم ما في الخمر فظهر ذم الذين يخسف بهم ~~ويمسخون إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم ~~بطريق الحيلة وآعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء # وقد خرج ابن بطة عن الأوزاعي أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال يأتى ~~على الناس زمان يستحلون فيه الربا بالبيع قال بعضهم يعنى العينة # وروى في استحلال الربا حديث رواه إبراهيم الحربى عن ابى ثعلبة عن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قال اول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض ~~يستحل في الحر والخز يريد استحلال الفروج الحرام والحر بكسر الحاء المهملة ~~والراء المخففة الفرج قالوا ويشبه - والله أعلم - أن يراد بذلك ظهور ~~استحلال نكاح المحلل ونحو ذلك مما يوجب استحلال الفروج المحرمة فإن الأمة ~~لم يستحل أحد منها الزنا الصريح ولم يرد بالاستحلال مجرد الفعل فإن هذا لم ~~يزل معمولا في الناس ثم لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الاصل فيمن اعتقد ~~الشىء حلالا PageV02P089 ~~"""" صفحة رقم 90 """" # والواقع كذلك فإن هذا الملك العضوض الذي كان بعد الملك والجبرية قد كان ~~في أواخر عصر التابعين في تلك الأزمان صار في أولى الأمر من يفتى بنكاح ~~المحلل ونحوه ولم يكن قبل ذلك من يفتى به اصلا # ويؤيد ذلك أنه في حديث ابن مسعود رضى الله عنه المشهور أن رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) لعن آكل الربا وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له # وروى أحمد عن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا احلوا بانفسهم عقاب الله فهذا يشعر بأن ~~التحليل من الزنا كما يشعر أن العينة من الربا ms344 # وقد جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما موقوفا ومرفوعا قال يأتى على الناس ~~زمان يستحل فيه خمسة اشياء - يستحلون الخمر باسماء يسمونها بها والسحت ~~بالهدية والقتل بالريبة والزنا بالنكاح والربا بالبيع فإن الثلاثة المذكورة ~~اولا قد سنت وأما السحت الذي هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم الهدية ~~فهو ظاهر وأستحلال القتل بأسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم سياسية وأبهة ~~الملك ونحو ذلك فظاهر أيضا وهو نوع من أنواع شريعة القتل المخترعة # وقد وصف النبى ( صلى الله عليه وسلم ) الخوارج بهذا النوع من الخصال فقال ~~إن من ضئضىء هذا قوما يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يقتلون اهل الإسلام ~~ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ولعل هؤلاء ~~المرادون بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبى هريرة رضى الله عنه يصبح ~~الرجل مؤمنا ويمسى كافرا الحديث # يدل عليه تفسير الحسن قال يصبح محرما لدم أخيه وعرضه ويمسى مستحلا إلى آخره # وقد وضع القتل شرعا معمولا به على غير سنة الله وسنة رسوله المتسمى ~~بالمهدى PageV02P090 ~~"""" صفحة رقم 92 """" # المغربى الذي زعم انه المبشر به في الأحاديث فجعل القتل عقابا في ثمانية ~~عشر صنفا ذكروا منها الكذب والمداهنة وأخذهم أيضا بالقتل في ترك امتثال امر ~~من يستمع أمره وبايعوه على ذلك وكان يعظهم في كل وقت ويذكرهم ومن لم يحضر ~~أدب فإن تمادى قتل وكل من لم يتادب بما ادب به ضرب بالسوط المرة والمرتين ~~فإن ظهر منه عناد في ترك امتثال الأوامر قتل ومن داهن على اخيه أو أبيه أو ~~من يكرم أو المقدم عليه قتل # وكل من شك في عصمته قتل أو شك في أنه المهدى المبشر به وكل من خالف أمره ~~أمر أصحابه فعروه فكان أكثر تأديبه القتل - كما ترى - كما انه كان من رأيه ~~ان لا يصلى خلف إمام أو خطيب يأخذ أجرا على الإمامة أو الخطابة وكذلك لبس ~~الثياب الرفيعة - وإن كانت حلالا - فقد حكوا عنه قبل ان يستفحل أمره انه ~~ترك الصلاة خلف ms345 خطيب أغمات بذلك السبب فقدم خطيب آخر في ثياب حفيله تباين ~~التواضع - زعموا - فترك الصلاة خلفه # وكان من رايه ترك الراى واتباع مذاهب الظاهرية قال العلماء وهو بدعة ظهرت ~~في الشريعة بعد المائتين ومن رأيه أن التمادي على ذرة من الباطل كالتمادى ~~على الباطل كله # وذكر في كتاب الإمامة أنه هو الإمام واصحابه هم الغرباء الذين قيل فيهم ~~بدىء الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدىء فطوبى للغرباء وقال في الكتاب ~~المذكور جاء الله بالمهدى وطاعته صافية نقية لم ير مثلها قبل ولا بعد وأن ~~به قامت السموات والأرض وبه تقوم ولا ضد له ولا مثل ولا ند انتهى وكذب ~~فالمهدى عيسى عليه السلام PageV02P091 ~~"""" صفحة رقم 92 """" # وكان يأمرهم بلزوم الحزب بعد صلاة الصبح وبعد المغرب فأمر المؤذنين إذا ~~طلع الفجر أن ينادوا أصبح ولله الحمد إشعارا - زعموا - بأن الفجر قد طلع ~~لإلزام الطاعة ولحضور الجماعة وللغدو لكل ما يؤمرون به # وله اختراعات وابتداعات غير ما ذكرنا وجميع ذلك إلى أنه قائل برأيه في ~~العبادات والعادات مع زعمه أنه قائل غير قائل بالرأى # وهو التناقض بعينه # فقد ظهر إذن جريان تلك الأشياء على الابتداع # وأما ارتفاع الأصوات في المساجد فناشىء عن بدعة الجدال في الدين فإن من ~~عادة قراءة العلم وإقرائه وسماعه أن يكون في المساجد ومن آدابة أن لا ترفع ~~فيه الأصوات في غير المساجد فما ظنك به في المساجد فالجدال فيه زيادة الهوى ~~فإنه غير مشروع في الأصل # فقد جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك المراء والجدال في الدين # وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه كالكلام في المتشابهات من الصفات ~~والأفعال وغيرهما # وكمتشابهات القرآن # ولأجل ذلك جاء في الحديث عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت تلا رسول الله ~~صلى الله عليه PageV02P092 ~~"""" صفحة رقم 93 """" # وسلم هذه الآية ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ( الآية قال ~~فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم وفي الحديث ما ~~ضل قوم بعده هدى إلا أوتوا ms346 الجدل وجاء عنه عليه السلام أنه قال ولا تماروا ~~في القرآن فإن المراء فيه كفر وعنه عليه السلام انه قال إن القرآن يصدق ~~بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض ما علمتم منه فاقبلوه وما لم تعلموا منه ~~فكلوه إلى عالمه وقال عليه السلام أقرأو القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم # فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه وخرج ابن وهب عن معاوية بن قرة قال إياكم ~~والخصومات في الدين فإنها تحبط الأعمال # وقال النخعى في قوله تعالى ) وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ( # قال الجدال والخصومات في الدين # وقال معن بن عيسى # انصرف مالك يوما إلى المسجد وهو متكىء على يدى فلحقه رجل يقال له أبو ~~الجديرة يتم بالإرجاء # فقال يا أبا عبد الله اسمع منى شيئا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيى فقال ~~له احذر أن اشهد عليك # قال والله ما اريد إلا الحق # اسمع منى فإن كان صوابا فقل به أو فتكلم # قال فإن غلبتنى قال اتبعنى # قال فإن غلبتك قال اتبعتك # قال فإن جاء رجل فكلمناه فغلبناه قال اتبعناه # فقال له مالك يا عبد الله بعث الله محمدا بدين واحد وأراك تنتقل # وقال عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر التنقل وقال مالك ~~ليس الجدال في الدين بشىء # والكلام في ذم الجدال كثير # فإذا كان مذموما فمن جعله محمودا وعده من العلوم النافعة بإطلاق فقد ~~ابتدع في الدين # ولما كان اتباع الهوى اصل الابتداع لم يعدم صاحب الجدال أن يمارى ويطلب ~~الغلبة وذلك مظنة رفع الأصوات PageV02P093 ~~"""" صفحة رقم 94 """" # فإن قيل عددت رفع الاصوات من فروع الجدال وخواصه وليس كذلك فرفع الأصوات ~~قد يكون في العلم ولذلك كره رفع الأصوات في المسجد وإن كان في العلم أو في ~~غير العلم # قال ابن القاسم في المبسوط رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد # وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين إحداهما أنه يحب أن ينزه المسجد عن مثل ~~هذا لانه مما أمر بتعظيمه وتوقيره # والثانية أنه مبنى للصلاة وقد أمرنا ms347 أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار ~~فأن يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولى # وروى مالك ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه بنى رحبة بين ناحية المسجد تسمى ~~البطيحاء # وقال من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة # فإذا كان كذلك فمن أين يدل ذم رفع الصوت في المسجد على الجدال المنهى عنه ~~فالجواب من وجهين احدهما أن رفع الصوت من خواص الجدل المذموم اعنى في أكثر ~~الأمر دون الفلتات لان رفع الصوت والخروج عن الاعتدال فيه ناشى عن الهوى في ~~الشىء المتكلم فيه وأقرب الكلام الخاص بالمسجد إلى رفع الصوت الكلام فيما ~~لم يؤذن فيه وهو الجدال الذي نبه عليه الحديث المتقدم # وايضا لم يكثر الكلام جدا في نوع من أنواع العلم في الزمان المتقدم إلا ~~في علم الكلام وإلى غرضه تصوبت سهام النقد والذم فهو إذا هو # وقد روى عن عميرة بن أبي ناجية المصرى أنه رأى قوما يتعاون في المسجد وقد ~~علت أصواتهم PageV02P094 ~~"""" صفحة رقم 95 """" # فقال هؤلاء قوم قد ملوا العبادة وأقبلوا على الكلام اللهم أمت عميرة فمات ~~من عامه ذلك في الحج فرأى رجل في النوم قائلا يقول مات في هذه الليلة نصف ~~الناس فعرفت تلك الليلة فجاء موت عميرة هذا # والثاني أنا لو سلمنا أن مجرد رفع الاصوات يدل على ما قلنا لكان أيضا من ~~البدع إذا عد كانه من الجائز في جميع انواع العلم فصار معمولا به لا نفى ~~ولا يكف عنه مجرى البدع المحدثات # وأما تقديم الأحداث على غيرهم من قبيل ما تقدم في كثرة الجهال وقلة العلم ~~كان ذلك التقديم في رتب العلم أو غيره لان الحدث أبدا أو في غالب الأمر غر ~~لم يتحنك ولم يرتض في صناعته رياضة تبلغه مبالغ الشيوخ الراسخين الأقدام في ~~تلك الصناعة ولذلك قالوا في المثل # وابن اللبون إذا ما لز في قرن # لم يستطع صولة البزل القناعيس # هذا إن حملنا الحديث على حداثة السن وهو نص في ms348 حدث ابن مسعود رضى الله ~~عنه فإن حملناه على حدثان العهد بالصناعة - ويحتمله قوله وكان زعيم القوم ~~أرذلهم وقوله وساد القبيلة فاسقهم وقوله إذا اسند الأمر إلى غير أهله ~~فالمعنى فيها واحد فإن الحديث العهد بالشىء لا يبلغ مبالغ القديم العهد فيه PageV02P095 ~~"""" صفحة رقم 96 """" # ولذلك يحكى عن الشيخ أبى مدين أنه سئل عن الأحداث الذين نهى شيوخ الصوفية ~~عنهم فقال الحدث الذي لم يستكمل الأمر بعد وإن كان ابن ثمانين سنة # فإذا تقديم الأحداث على غيرهم من باب تقديم الجهال على غيرهم ولذلك قال ~~فيهم سفهاء الأحلام وقال يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم إلى آخره وهو منزل ~~على الحديث الآخر في الخوارج إن من ضئضىء هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم إلى اخر الحديث يعنى أنهم لم يتفقهوا فيه فهو في ألسنتهم لا في قلوبهم # وأما لعن آخر هذه الامة أولها فظاهر مما ذكر العلماء عن بعض الفرق الضالة ~~فإن الكاملية من الشيعة كفرت الصحابة رضى الله عنهم حين لم يصرفوا الخلافة ~~إلى على رضى الله عنه بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكفرت عليا رضى ~~الله عنه حين لم يأخذ بحقه فيها # وأما ما دون ذلك مما يوقف فيه عنه السبب فمنقول موجود في الكتب وإنما ~~فعلوا ذلك لمذاهب سوء لهم رأوها فبنوا عليها ما يضاهيها من السوء والفحشاء ~~فلذلك عدوا من فرق أهل البدع # قال مصعب الزبيري وابن نافع دخل هارون يعنى الرشيد المسجد فركع ثم أتى ~~قبر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فسلم عليه ثم أتى مجلس مالك فقال السلام ~~عليك ورحمة الله وبركاته ثم قال لمالك هل لمن سب أصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) في الفيء حق قال لا ولا كرامة ولا مسرة قال من أين قلت ~~ذلك قال قال الله عز وجل ) ليغيظ بهم الكفار ( فمن عابهم فهو كافر ولا حق ~~لكافر في الفىء PageV02P096 ~~"""" صفحة رقم 97 """" # واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى ) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم ms349 وأموالهم ( إلى آخر الآيات الثلاث قال فهم اصحاب رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) الذين هاجروا معه وأنصاره ) والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ( فمن عدا هؤلاء فلا حق لهم ~~فيه وفي فعل خواص الفرق من هذا العنى كثير # وأما بعث الدجالين فقد كان ذلك جملة منهم من تقدم في زمان بنى العباس وغيرهم # ومنهم معد من العبيدية الذين ملكوا إفريقية فقد حكى عنه أنه جعل المؤذن ~~يقول أشهد أن معدا رسول الله عوضا من كلمة الحق اشهد أن محمد رسول الله فهم ~~المسلمون بقتله ثم رفعوه إلى معد ليروا هل هذا عن أمره فلما انتهى كلامهم ~~إليه قال أردد عليهم أذانهم لعنهم الله # ومن يدعى لنفسه العصمة فهو شبه من يدعى النبوة ومن يزعم أنه به قامت ~~السموات والأرض فقد جاوز دعوى النبوة وهو المغربي المتسمى بالمهدى # وقد كان في الزمان القريب رجل يقال له الفازازي ادعى النبوة واستظهر ~~عليها بأمور موهمة للكرامات والإخبار بالمغيبات ومخيلة لخوارق العادات تبعه ~~على ذلك من العوام جملة ولقد سمعت بعض طلبة ذلك البلد الذي اختله هذا الباس ~~- وهو مالقة - آخذا ينظر في قوله تعالى ) وخاتم النبيين ( وهل يمكن تأويله ~~وجعل يطرق إليه الاحتمالات ليسوغ إمكان بعث نبى بعد محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وكان مقتل هذا المفتري على يد شيخ شيوخنا أبى جعفر ابن الزبير رحمه الله PageV02P097 ~~"""" صفحة رقم 98 """" # ولقد حكى بعض مولفى الوقت قال حدثنى شيخنا أبو الحسن بن الجياب قال لما ~~أمر بالتأهب يوم قتله وهو في السجن الذي أخرج منه إلى مصرعه جهر بتلاوة ~~سورة يس فقال أحد الذعرة ممن جمع السجن بينهما اقرأ قرآنك لأي شىء تتفضل ~~على قرآننا اليوم أو في معنى هذا فتركها مثلا بلوذعيته # واما مفارقة الجماعة فبدعتها ظاهرة ولذلك يجازي بالميتة الجاهلية وقد ظهر ~~في الخوارج وغيرهم ممن سلك مسلكهم كالعبيدية وأشباههم # فهذه أيضا من جملة ما اشتملت عليه تلك الاحاديث # وباقي الخصال المذكورة عائد إلى نحو ms350 آخر ككثرة النساء وقلة الرجال وتطاول ~~الناس في البنيان وتقارب الزمان # فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من ~~أنها تقع وتظهر وتنتشر أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع لكن من جهة التعبد ~~لا من جهة كونها عادية وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة والمعصية التي ~~هي ليست ببدعة # وإن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها ومن حيث يتعبد بها أو توضع ~~وضع التعبد تدخلها البدعة وحصل بذلك اتفاق القولين وصار المذهبان مذهبا ~~واحدا وبالله التوفيق PageV02P098 ~~"""" صفحة رقم 99 """" # فصل # فإن قيل أما الابتداع بمعنى أنه نوع من التشريع على وجه التعبد في ~~العاديات من حيث هو توقيت معلوم معقول فإيجابه أو إجازته بالرأى - كما تقدم ~~من أمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجة عن الجادة - فظاهر # ومن ذلك القول بالتحسين والتقبيح العقلى والقول بترك العمل بخبر الواحد ~~وما أشبه ذلك # فالقول بأنه بدعة قد تبين وجهه واتضح مغزاه وإنما يبقى وجه آخر يشبهه ~~وليس به وهو أن المعاصى والمنكرات والمكروهات قد تظهر وتفشو ويجرى العمل ~~بها بين الناس على وجه لا يقع لها إنكار من خاص ولا عام فما كان منها هذا ~~شأنه هل يعد مثله بدعة أم لا # فالجواب ان مثل هذه المسألة لها نظران # أحدهما نظر من حيث وقوعها عملا واعتقادا في الأصل فلا شك أنها مخالفة لا ~~بدعة إذ ليس من شرط كون الممنوع والمكروه غير بدعة أن لا ينشرها ولا يظهرها ~~أنه ليس من شرط أن تنشر بل لا تزول المخالفة ظهرت أولا واشتهرت أم لا وكذلك ~~دوام العمل أو عدم دوامه لا يؤثر في واحدة منهما والمبتدع قد يقام عن بدعة ~~والمخالف قد يدوم على مخالفته إلى الموت عياذا بالله # والثاني نظر من جهة ما يقترن بها من خارج فالقرائن قد تقترن فتكون PageV02P099 ~~"""" صفحة رقم 100 """" # سببا في مفسدة حالية وفي مفسدة مالية كلاهما راجع إلى اعتقاد البدعة # أما الحالية فبأمرين الأول أن يعمل بها الخواص ms351 من الناس عموما وخاصة ~~العلماء خصوصا وتظهر من جهتهم # وهذه مفسدة في الإسلام ينشأ عنها عادة من جهة العوام استسهالها ~~واستجازتها لان العالم المنتصب مفتيا للناس بعمله كما هو مفت بقوله # فإذا نظر الناس إليه وهو يعمل بأمر هو مخالفة حصل في اعتقادهم جوازه ~~ويقولون لو كان ممنوعا أو مكروها لا متنع منه العالم # هذا وإن نص على منعه أو كراهته فإن عمله معارض لقوله فإما أن يقول العامي ~~إن العالم خالف بذلك ويجوز عليه مثل ذلك وهم عقلاء الناس وهم الاقلون # وإما أن يقول إنه وجد فيه رخصة فإنه لو كان كما قال لم يأت به فيرجح بين ~~قوله وفعله # والفعل أغلب من القول في جهة التأسى - كما تبين في كتاب الموافقات - ~~فيعمل العامى بعمل العالم تحسينا للظن به فيعتقده جائزا وهؤلاء هم الأكثرون # فقد صار عمل العالم عند العامى حجة كما كان قوله حجة على الإطلاق والعموم ~~في الفتيا فاجتمع على العامى العمل مع اعتقاد الجواز بشبهة دليل وهذا عين البدعة # بل لقد وقع مثل هذا في طائفة ممن تميز عن العامة بانتصاب في رتبة العلماء PageV02P100 ~~"""" صفحة رقم 101 """" # فجعلوا العمل ببدعة الدعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات وقراءة الحزب ~~حجة في جواز العمل بالبدع في الجملة وان منها ما هو حسن وكان منهم من ارتسم ~~في طريقة التصوف فأجاز التعبد لله بالعبادات المبتدعة واحتج بالحزب والدعاء ~~بعد الصلاة كما تقدم # ومنهم من اعتقد انه ما عمل به إلا لمستند فوضعه في كتاب وجعله فقها كبعض ~~أماريد الرس ممن قيد على الأمة ابن زيد واصل جميع ذلك سكوت الخواص عن ~~البيان والعمل به على الغفلة ومن هنا تستشنع زلة العالم فقد قالوا ثلاث ~~تهدم الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة ضالون # وكل ذلك عائد وباله على عالم وزلله المذكور عند العلماء يحتمل وجهين # احدهما زلله في النظر حتى يفتى بما خالف الكتاب والسنة فيتابع عليه وذلك ~~الفتيا بالقول # والثاني زلله في العمل بالمخالفات فيتابع عليها أيضا على ms352 التأويل المذكور ~~وهو في الاعتبار قائم مقام الفتيا بالقول إذ قد علم أنه متبع ومنظور إليه ~~وهو مع ذلك يظهر بعمله ما ينهى عنه الشارع فكأنه مفت به على ما تقرر في الأصول # والثاني من قسمى المفسدة الحالية أن يعمل بها العوام وتشيع فيهم وتظهر ~~فلا ينكرها الخواص ولا يرفعون لها رءوسهم قادرون على الإنكار فلم يفعلوا PageV02P101 ~~"""" صفحة رقم 102 """" # فالعامى من شانه إذا رأى امرا يجهل حكمه يعمل العامل به فلا ينكر عليه ~~اعتقد أنه جائز وانه حسن أو انه مشروع بخلاف ما إذا أنكر عليه فإنه يعتقد ~~انه عيب أو انه غير مشروع أو أنه ليس من فعل المسلمن # هذا امر يلزم من ليس بعالم بالشريعة لأن مستنده الخواص والعلماء في ~~الجائز مع غير الجائز # فإذا عدم الإنكار ممن شأنه الإنكار مع ظهور العمل وانتشاره وعدم خوف ~~المنكر ووجود القدرة عليه فلم يفعل دل عند العوام على انه فعل جائز لا حرج ~~فيه فنشأ فيه هذا الإعتقاد الفاسد بتأويل يقنع بمثله من العوام فصارت ~~المخالفة بدعة كما في القسم الأول # وقد ثبت في الاصول أن العالم في الناس قائم مقام النبى عليه الصلاة ~~والسلام والعلماء ورثة الأنبياء فكما أن النبى صلى الله عليه وسم يدل على ~~الأحكام بقوله وفعله وإقراره كذلك وارثه يدل على الاحكام بقوله وفعله ~~وإقراره واعتبر ذلك ببعض ما أحدث في المساجد من الأمور المنهى عنها فلم ~~ينكرها العلماء أو عملوا بها فصارت بعد سننا ومشروعات كزيادتهم مع الأذان ~~اصبح ولله الحمد والوضوء للصلاة وتأهبوا ودعاء المؤذنين بالليل في الصوامع ~~وربما احتجوا ذلك بعض الناس بما وضع في نوازل ابن سهل غفلة عما عليه فيه ~~وقد قيدنا في ذلك جزءا مفردا فمن أراد الشفاء في المسألة فعليه به وبالله ~~التوفيق # وخرج أبو داود قال اهتم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) للصلاة كيف يجمع الناس PageV02P102 ~~"""" صفحة رقم 103 """" # لها فقيل انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضا # فلم يعجبه ذلك - قال - فذكر له ms353 القمع يعنى الشبور وفي رواية شبور اليهود ~~فلم يعجبه وقال هو من امر اليهود قال فذكر له الناقوس فقال هو من أمر ~~النصارى فانصرف عبدالله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فأرى الأذان في منامه إلى أخر الحديث # وفي مسلم عن أنس بن مالك أنه قال ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشىء ~~يعرفونه فذكروا أن ينوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال ان يشفع الأذان ~~ويوتر الإقامة # والقمع والشبور - هو البوق - وهو القرن الذي وقع في حديث ابن عمر رضى ~~الله عنهما # فأنت ترى كيف كره النبى ( صلى الله عليه وسلم ) شأن الكفار فلم يعمل على ~~موافقته # فكان ينبغى لمن اتسم بسمة العلم أن ينكر ما أحدث من ذلك في المساجد ~~إعلاما بالأوقات أو غير إعلام بها أما الراية فقد وضعت إعلاما بالأوقات ~~وذلك شائع في بلاد المغرب حتى إن الأذان معها قد صار في حكم التبع # وأما البوق فهو العلم في رمضان على غروب الشمس ودخول وقت الإفطار ثم هو ~~علم أيضا بالمغرب والأندلس على وقت السحور ابتداءا وانتهاءا والحديث قد جعل ~~علما الانتهاء نداء ابن أم مكتوم # قال ابن شهاب وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له اصبحت أصبحت PageV02P103 ~~"""" صفحة رقم 104 """" # وفي مسلم وأبى داود لا يمنعن أحدكم نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن ليرجع ~~قائمكم ويوقظ نائمكم الحديث # فقد جعل آذان بلال لأن ينتبه النائم لما يحتاج إليه من سحوره وغيره ~~فالبوق ما شأنه وقد كرهه عليه الصلاة والسام ومثله النار التي ترفع دائما ~~في اوقات الليل وبالعشاء والصبح في رمضان ايضا إعلاما بدخوله فتوقد في داخل ~~المسجد ثم في وقت السحور ثم ترفع في المنار إعلاما بالوقت والنار شعار ~~المجوس في الأصل # قال ابن العربى اول من اتخذ البخور في المسجد بنو برمك يحيى بن خالد ~~ومحمد بن خالد - ملكهما الوالى أمر الدين فكان محمد بن خالد حاجبا ويحيى ~~وزيرا ثم ابنه جعفر ms354 بن يحيى - قال وكانوا باطنية يعتقدون آراء الفلاسفة ~~فأحيوا المجوسية واتخذوا البخور في المساجد - وإنما تطيب بالخلوق - فزادوا ~~التجمير ويعمرونها بالنار منقولة حتى يجعلوها عند الأندلس ببخورها ثابتة # انتهى # وحاصله أن النار ليس إيقادها في المساجد من شان السلف الصالح ولا كانت ~~مما تزين بها المساجد البتة ثم أحدث التزين بها حتى صارت من جملة ما يعظم ~~به رمضان واعتقد العامة هذا كما اعتقدوا طلب البوق في رمضان في المساجد حتى ~~لقد سأل بعض عنه اهو سنة أم لا ولا يشك أحد ان غالب العوام يعتقدون أن مثل ~~هذه الامور مشروعة على الجملة في المساجد وذلك بسبب ترك الخواص الإنكار عليهم PageV02P104 ~~"""" صفحة رقم 105 """" # وكذلك ايضا لما لم يتخذ الناقوس للإعلام حاول الشيطان فيه بمكيدة أخرى ~~فعلق بالمساجد واعتد به في جملة الآلات التي توقد عليها النيران وتزخرف بها ~~المساجد زيادة إلى زخرفتها بغير ذلك كما تزخرف الكنائس والبيع # ومثله إيقاد الشمع بعرفة ليلة الثامن ذكر النواوى أنها من البدع القبيحة ~~وأنها ضلالة فاحشة جمع فيها أنواع من القبائح - منها إضاعة المال في غير ~~وجهه ومنها إظهار شعائر المجوس ومنها اختلاط الرجال والنساء والشمع بينهم ~~ووجوههم بارزة ومنها تقديم دخول عرفة قبل وقتها المشروع ا ه # وقد ذكر الطرطوشى في إيقاد المساجد في رمضان بعض هذه الأمور وذكر أيضا ~~قبائح سواها # فأين هذا كله من إنكار مالك لتنحنح المؤذن أو ضربه الباب ليعلم بالفجر أو ~~وضع الرداء وهو أقرب مراما وايسر خطبا من أن تنشأ بدع محدثات يعتقدها ~~العوام سننا بسبب سكوت العلماء والخواص عن الإنكار وسبب عملهم بها # واما المفسدة المالية فهي على فرض ان يكون الناس عاملين بحكم المخالفة ~~وانها قد ينشأ الصغير على رؤيتها وظهورها ويدخل في الإسلام أحد ممن يراها ~~شائعة ذائعة فيعتقدونها جائزة أو مشروعة # لأن المخالفة إذا فشا في الناس فعلها من غير إنكار # لم يكن عند الجاهل بها فرق بينها وبين سائر المباحات أو الطاعات PageV02P105 ~~"""" صفحة رقم 106 """" # وعندنا كراهية العلماء أن يكون ms355 الكفار صيارفة في أسواق المسلمين لعلمهم ~~بالربا فكل من يراهم من العامة صيارف وتجارا في اسواقنا من غير إنكار يعتقد ~~أن ذلك جائز كذلك وانت ترى مذهب مالك المعروف في بلادنا أن الحلى الموضوع ~~من الذهب والفضة ولا يجوز بيعه بجنسه إلا وزنا بوزن ولا اعتبار بقيمة ~~الصياغة أصلا والصاغة عندنا كلهم أو غالبهم يتبايعون على ذلك أن يستفضلوا ~~قيمة الصياغة أو إجارتها ويعتقدون أن ذلك جائز لهم ولم يزل العلماء من ~~السلف الصالح ومن بعدهم يتحفظون من أمثال هذه الأشياء حتى كانوا يتركون ~~السنن خوفا من اعتقاد العوام أمرا هو أشد من ترك السنن وأولى ان يتركوا ~~المباحات أن لا يعتقد فيها أمر ليس بمشروع - وقد مر بيان هذا في باب البيان ~~من كتاب الموافقات فقد ذكروا أن عثمان رضى الله عنه كان لا يقصر في السفر ~~فيقال له أليس قد قصرت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فيقول بلى ~~ولكنى إمام الناس فينظر إلى الأعراب وأهل البادية أصلى ركعتين فيقولون هكذا فرضت # قال الطرطوشى تأملوا رحمكم الله فإن في القصر قولين لأهل الإسلام منهم من ~~يقول فريضة ومن أتم فإنما يتم ويعيد أبدا # ومنهم من يقول سنة يعيد من أتم في الوقت ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو ~~السنة لما خاف من سوء العاقبة ان يعتقد الناس أن الفرض ركعتان PageV02P106 ~~"""" صفحة رقم 107 """" # وكان الصحابة رضى الله عنهم لا يضحون يعنى انهم لا يلتزمون # قال حذيفة ابن اسد شهدت أبا بكر وعمر رضى الله عنهما لا يضحيان مخافة أن ~~يرى أنها واجبة # وقال بلال لا أبالى أن اضحى بكبشين أو بديك # وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كان يشترى لحما بدرهم يوم الأضحى ويقول ~~لعكرمة من سألك فقل هذه اضحية ابن عباس # وقال ابن مسعود إنى لاترك أضحيتي - وإنى لمن ايسركم - مخافة أن يظن انها واجبة # وقال طاوس ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا وعلما من بيت ابن عباس يذبح ~~وينحر كل يوم ثم لا يذبح ms356 يوم العيد # وإنما يفعل ذلك لئلا يظن الناس أنها واجبة وكان إماما يقتدى به # قال الطرطوشى والقول في هذا كالذي قبله وإن لأهل الإسلام قولين في ~~الأضحية # أحدهما سنة والثاني واجبة ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة حذرا من أن يضع ~~الناس الامر على غير وجهة فيعتقدونها فريضة # قال مالك في الموطإ في صيام ستة بعد الفطر من رمضان إنه لم ير أحدا من ~~أهل العلم والفقه يصومها - قال - ولم يبلغنى ذلك عن أحد منا السلف وان اهل ~~العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وان يلحق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ~~ليس منها لو رأوا في ذلك رخصة من اهل العلم ورأوهم يقولون ذلك # فكلام مالك هنا ليس في دليل على انه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم بل ~~لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه لكنه لم ير العمل عليه وإن كان مستحبا في الأصل ~~لئلا يكون ذريعة لما قال كما فعل الصحابة رضى الله عنهم في الأضحية وعثمان ~~في الإتمام في السفر PageV02P107 ~~"""" صفحة رقم 108 """" # وحكى الماوردي ما هو أغرب من هذا وإن كان هو الأصل فذكر ان الناس كانوا ~~إذا صلوا في الصحن من جامع البصرة أو الطرقة ورفعوا من السجود مسحوا جباههم ~~من التراب لانه كان مفروشا بالتراب فأمر زياد بإلقاء الحصا في صحن المسجد ~~وقال لست آمن من أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ ان مسح الجبهة من أثر ~~السجود سنة في الصلاة # وهذا في مباح فكيف به في المكروه أو الممنوع ولقد بلغنى في هذا الزمان عن ~~بعض من هو حديث عهد بالإسلام انه قال في الخمر ليست بحرام ولا عيب فيها ~~وإنما العيب ان يفعل بها ما لا يصلح كالقتل وشبهه # وهذا الإعتقاد لو كان ممن نشأ في الاسلام كفرا لانه إنكار لما علم من دين ~~الأمة ضرورة وبسبب ذلك ترك الإنكار من الولاة على شاربها والتخلية بينهم ~~وبين اقتنائها وشهرته بحارة أهل الذمة فيها وأشباه ذلك # ولا معنى للبدعة إلا ان يكون الفعل في اعتقاد ms357 المبتدع مشروعا وليس بمشروع # وهذا الحال متوقع أو واقع فقد حكى القرافى عن العجم ما يقتضى ان ستة ~~الأيام من شوال ملحقة عندهم برمضان لإبقائهم حالة رمضان الخاصة به كما هي ~~إلى تمام الستة الأيام وكذلك وقع عندنا مثله وقد مر في الباب الأول # وجميع هذا منوط إثمه بمن يترك الإنكار من العلماء أو غيرهم أو من PageV02P108 ~~"""" صفحة رقم 109 """" # يعمل ببعضها بمرأى من الناس أو في مواقعهم فإنهم الأصل في انتشار هذه ~~الاعتقادات في المعاصى أو غيرها # وإذا تقرر هذا فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه # أحدها - وهو أظهر الأقسام - أن يخترعها المبتدع # والثاني ان يعمل بها العالم على وجه المخالفة فيفهمها الجاهل مشروعة # والثالث ان يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار وهو قادر عليه ~~فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة # والرابع من باب الذرائع وهي أن يكون العمل في أصله معروفا إلا أنه يتبدل ~~الإعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى # إلا ان هذه الاقسام ليست على وزان واحد ولا يقع اسم البدعة عليها ~~بالتواطؤ بل هي في القرب والبعد على تفاوت فالأول هو الحقيق باسم البدعة ~~فإنها تؤخذ علة بالنص عليها ويليه القسم الثاني فإن العمل يشبهه التنصيص ~~بالقول بل قد يكون أبلغ منه في مواضع - كما تبين في الأصول - غير انه لا ~~ينزل ها هنا من كل وجه منزلة الدليل أن العالم قد يعمل وينص على قبح عمله ~~ولذلك قالوا لا تنظر إلى عمل العالم ولكن سله يصدقك # وقال الخليل ابن أحمد أو غيره # اعمل بعلمى ولا تنظر إلى عملي # ينفعك علمى ولا يضررك تقصيري # ويليه القسم الثالث فإن ترك الإنكار - مع أن رتبة المنكر رتبة من يعد ذلك ~~منه إقرارا - يقتضى ان الفعل غير منكر ولكن يتنزل منزلة ما قبله PageV02P109 ~~"""" صفحة رقم 110 """" # لان الصوارف للقدرة كثيرة قد يكون الترك لعذر بخلاف الفعل فإنه لا عذر في ~~فعل الإنسان بالمخالفة مع علمه بكونها مخالفة # ويليه القسم الرابع لان المحظور الحالي فيما تقدم غير واقع فيه بالعرض ms358 ~~فلا تبلغ المفسدة المتوقعة أن تساوى رتبة الواقعة أصلا فلذلك كانت من باب ~~الذرائع فهي إذا لم تبلغ ان تكون في الحال بدعة فلا تدخل بهذا النظر تحت ~~حقيقة البدعة # وأما القسم الثاني والثالث فالمخالفة فيه بالذات والبدعة من خارج إلا ~~انها لازمة لزوما عاديا ولزوم الثاني أقوى من لزوم الثالت والله اعلم PageV02P110 ~~"""" صفحة رقم 111 """" ### | AUTO الباب الثمن في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان # هذا الباب يضطر إلى الكلام فيه عند النظر فيما هو بدعة وما ليس ببدعة فإن ~~كثيرا من الناس عدوا اكثر المصالح المرسلة بدعا ونسبوها إلى الصحابة ~~والتابعين وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات وقوم جعلوا ~~البدع تنقسم بأقسام أحكام الشريعة فقالوا إن منها ما هو واجب ومندوب وعدوا ~~من الواجب كتب المصحف وغيره ومن المندوب الاجتماع في قيام رمضان على قارىء واحد # وأيضا فإن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد ~~له أصل معين فليس له على هذا شاهد شرعى على الخصوص ولا كونه قياسا بحيث إذا ~~عرض على العقول تلقته بالقبول # وهذا بعينه موجود في البدع المستحسنة فإنها راجعة إلى امور في الدين ~~مصلحية - في زعم واضعيها - في الشرع على الخصوص # وإذا ثبت هذا فإن كان اعتبار المصالح المرسلة حقا فاعتبار البدع ~~المستحسنة حق لأنهم يجريان من واد واحد # وإن لم يكن اعتبار البدع حقا لم يصح اعتبار المصالح المرسلة # وأيضا فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقا فيه بل قد اختلف عليه أهل ~~الأصول على أربعة أقوال - فذهب القاضى وطائفة من الأصوليين إلى رده وأن ~~المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل # وذهب مالك إلى اعتبار ذلك وبنى الأحكام عليه على الإطلاق وذهب الشافعى ~~ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى PageV02P111 ~~"""" صفحة رقم 112 """" # الذى لم يستند إلى أصل صحيح لكن بشرط قربه من معانى الأصول الثابتة هذا ~~ما حكى الإمام الجويني # وذهب الغزالى إلى أن المناسب إن وقع في رتبة التحسين والتزيين لم يعتبر ~~حتى يشهد له أصل ms359 معين وإن وقع في رتبة الضرورى فميله إلى قبوله لكن بشرط # قال ولا يبعد أن يؤدى إليه اجتهاد مجتهد # واختلف قوله في الرتبة المتوسطة وهي رتبة الحاجى فرده في المستصفى هو آخر ~~قوليه وقبله في شفاء الغليل كما قبل ما قبله # وإذا اعتبر من الغزالى اختلاف قوله فالأقوال خمسة فإذا الراد لاعتبارها ~~لايبقى له في الواقع له في الوقائع الصحابية مستند إلا انها بدعة مستحسنة - ~~كما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في الاجتماع لقيام رمضان نعمت البدعة ~~هذه - إذ لا يمكنهم ردها لاجماعهم عليها # وكذلك القول في الاستحسان فإنه - على ما المتقدمون راجع إلى الحكم بغير ~~دليل والنافى له لا يعد الاستحسان سببا فلا يعبتر في الأحكام البتة فصار ~~كالمصالح المرسلة إذا قيل بردها # فلما كان هذا الوضع مزلة قدم لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من جهته - ~~كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء حتى يتبين أن المصالح ~~المرسلة ليست من البدع في ورد ولا صدر بحول الله والله الموفق فنقول PageV02P112 ~~"""" صفحة رقم 113 """" # المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام # أحدها ان يشهد الشرع بقبوله فلا إشكال في صحته ولا خلاف في إعماله وإلا ~~كان مناقضة للشريعة كشريعة القصاص حفظا للنفوس والأطراف وغيرها # والثاني ما شهد الشرع برده فلا سبيل إلى قبوله إذ المناسبة لا تقتضى ~~الحكم لنفسها وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلى بل إذا ظهر المعنى وفهمنا ~~من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام فحينئذ نقبله فإن المراد بالمصلحة ~~عندنا ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا ~~يستقل العقل بدركه على حال فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل يرده ~~كان مردودا باتفاق المسلمين # ومثال ما حكى الغزالى عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على بعض السلاطين ~~فسأله عن الوقاع في نهار رمضان فقال عليك صيام شهرين متتابعين فلما خرج ~~راجعه بعض الفقهاء وقالوا له القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل ms360 به إلى ~~الصوم والصوم وظيفة المعسرين وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين فقال لهم ~~لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك واعتق عبيدا مرارا فلا يزجره إعتاق ~~الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين # فهذا المعنى مناسب لان الكفارة مقصود الشرع منها الزجر والملك لا يزجره ~~الإعتاق ويزجره الصيام # وهذه الفتيا باطلة لأن العلماء بين قائلين قائل بالتخيير وقائل بالترتيب ~~فيقدم العتق على الصيام فتقديم الصيام بالنسبة إلى الغنى لا قائل به على ~~أنه قد جاء عن مالك شىء يشبه هذا لكنه على صريح الفقه # قال يحيى بن بكير حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه PageV02P113 ~~"""" صفحة رقم 114 """" # عتق رقبة # فسأل مالكا فقال صيام ثلاثة ايام واتبعه على ذلك إسحاق ابن إبراهيم من ~~فقهاء قرطبة # حكى ابن بشكوال ان الحكم أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة ~~نزلت به فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى احدى كرائمه ووطئها في رمضان فأفتوا ~~بالإطعام وإسحاق بن إبراهيم ساكت # فقال له أمير المؤمنين ما يقول الشيخ في فتوى اصحابه فقال له لا أقول ~~بقولهم وأقول بالصيام فقيل له اليس مذهب مالك الإطعام فقال لهم تحفظون مذهب ~~مالك إلا انكم تريدون مصانعة أمير المؤمنين إنما أمر مالك بالإطعام لمن له ~~مال وامير المؤمنين لا ما له إنما هو مال بيت المسلمين - فأخذ بقوله أمير ~~المؤمنين وشكر له عليه ا ه وهذا صحيح # نعم حكى بن بشكوال إنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان فسال ~~الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته # فقال يحيى بن يحيى يكفر ذلك صيام شهرين متتابعين # فلما برز ذلك من يحيى سكت سائر الفقهاء حتى خرجوا من عنده فقالوا ليحيى ~~مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك من أنه مخير بين العتق والطعام والصيام فقال ~~لهم لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة ولكن حملته ~~على اصعب الأمور لئلا يعود # فإن صح هذا عن يحيى بن يحيى رحمه الله ms361 وكان كلامه على ظاهره كان مخالفا ~~للإجماع # الثالث ما سكتت عنه الشواهد الخاصة فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه فهذا ~~على وجهين PageV02P114 ~~"""" صفحة رقم 115 """" # احدهما ان يرد نص على وفق ذلك المعنى كتعليل منع القتل للميراث فالمعاملة ~~بنقيض المقصود تقدير إن لم يرد نص على وفقه فإن هذه العلة لا عهد بها في ~~تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر فلا يصح التعليل ~~بها ولا بناء الحكم عليها باتفان ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله # والثاني ان يلائم تصرفات الشرع وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره ~~الشارع في الجملة بغير دليل معين وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح ~~المرسلة ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله # ولتقتصر على عشرة أمثلة # المثال الأول # أن أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) اتفقوا على جمع المصحف وليس ~~ثم نص على جمعه وكتبه أيضا بل قد قال بعضهم كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فروى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال ارسل ~~إلى أبو بكر رضى الله عنه مقتل اهل اليمامة وإذا عنده عمر رضى الله عنه قال ~~أبو بكر إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة ~~وإنى أخشى ان يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإنى ~~أرى ان تأمر بجمع القرآن # قال فقلت له كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال لى - هو - والله - خير # فلم يزل عمر يراجعنى في ذلك حتى شرح الله صدرى له ورأيت فيه الذي رأى عمر PageV02P115 ~~"""" صفحة رقم 116 """" # قال زيد فقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحى لرسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) فتتبع القرآن فاجمعه # قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على من ذلك فقلت ~~كيف تعلون شيئا لم يفعله رسول الله ( صلى الله ms362 عليه وسلم ) فقال أبو بكر هو ~~والله خير # فلم يزل يراجعنى في ذلك أبو بكر حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدورهما ~~فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال فهذا عمل لم ~~ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة # ثم روى عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازى أهل الشام وأهل ~~العراق في فتح أرمينية واذربيجان فأفزعه اختلافهم في القرآن فقال لعثمان يا ~~أمير المؤمنين أدرك هذه الامة قبل ان يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود ~~والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أرسل إلى بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها ~~عليك فأرسلت حفصة به إلى عثمان فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله ~~بن الزبير وسعيد بن العاصى وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فامرهم أن ينسخوا ~~الصحف في المصاحف ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة ما اختلفتم فيه أنتم وزيد ~~بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم # قال ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان في كل أفق بمصحف من ~~تلك المصاحف التي نسخوها ثم أمر بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو ~~مصحف ان يحرق PageV02P116 ~~"""" صفحة رقم 117 """" # فهذا أيضا إجماع آخر في كتبه وجمع الناس على قراءة لم يحصل منها في ~~الغالب اختلاف # لأنهم لم يختلفوا إلا في القراءات - حسبما نقله العلماء المعتنون بهذا ~~الشأن - فلم يخالف في المسألة إلا عبدالله بن مسعود فإنه امتنع من طرح ما ~~عنده من القراءة المخالفة لمصاحف عثمان وقال يا اهل العراق ويا اهل الكوفة ~~اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فإن الله يقول ) ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة ( وألقوا إليه بالمصاحف فتأمل كلامه فإنه لم يخالك في جمعه وإنما ~~خالف امرا آخر # ومع ذلك فقد قال ابن هشام بلغنى أنه كره ذلك من قول ابن مسعود رجال من ~~أفاضل أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # ولم يرد نص عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) بما صنعوا ms363 من ذلك ولكنهم ~~رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعا فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة والأمر ~~بحفظها معلوم وإلى منع الذريعة للاختلاف في اصلها الذي هو القرآن وقد علم ~~النهى عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه # وإذا استقام هذا الاصل فاحمل عليه كتب العلم من السنن وغيرها إذا خيف ~~عليها الاندراس زيادة على ما جاء في الأحاديث من الامر بكتب العلم # وانا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدى فيه من هذا القبيل لانى ~~رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلا جدا إلا من النقل الجلى PageV02P117 ~~"""" صفحة رقم 118 """" # كما نقل بن وضاح أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفى الغليل بالتفقه فيه ~~كما ينبغى ولم أجد على شدة بحثى عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشى وهو ~~يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه وإلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين ~~والسبعين وهو فصل من فصول الباب وجزء من أجزائه فأخذت نفسى بالعناء فيه عسى ~~أن ينتفع به واضعه وقارئه وناشره وكاتبه والمنتفع به وجميع المسلمين إنه ~~ولى ذلك ومسديه بسعة رحمته # المثال الثاني # اتفاق أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على حد شارب الخمر ثمانين ~~وإنما مستندهم فيه الرجوع إلى المصالح والتمسك بالاستدلال المرسل قال ~~العلماء لم يكن فيه في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حد مقدر ~~وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزيز ولما انتهى الأمر إلى أبى بكر رضى الله ~~عنه قرره على طريق النظر باربعين ثم انتهى الأمر إلى عثمان رضى الله عنه ~~فتتابع الناس فجمع الصحابة رضى الله عنهم فاستشارهم فقال على رضى الله عنه ~~من سكر هذى ومن هذى افترى فأرى عليه حد المفترى # ووجه إجراء المسالة على الاستدلال المرسل أن الصحابة أو الشرع يقيم ~~الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات والمظنة مقام الحكمة فقد جعل الإيلاج ~~في احكام كثيرة يجرى مجرى الإنزال وجعل الحافر للبئر في محل العدوان وإن لم ~~يكن ثم مرد كالمردى نفسه ms364 وحرم الخلوة بالاجنبية حذرا من الذريعة إلى الفساد ~~إلى غير ذلك من الفساد فرأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء الذي تقتضيه كثيرة ~~الهذيان فإنه أول سابق إلى السكران - قالوا - فهذا من PageV02P118 ~~"""" صفحة رقم 119 """" # أوضح الأدلة على إسناد الأحكام إلى المعاني التي لا أصول لها يعنى على ~~الخصوص به وهو مقطوع من الصحابة رضى الله عنهم # المثال الثالث # إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع # قال على رضى الله عنه لا يصلح الناس إلا ذاك ووجه المصلحة فيه أن الناس ~~لهم حاجة إلى الصناع وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال والأغلب عليهم ~~التفريط # وترك الحفظ فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك ~~إلى أحد امرين إما ترك الاستصناع بالكلية وذلك شاق على الخلق وإما ان ~~يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع فتضيع الأموال ويقل الاحتراز ~~وتتطرق الخيانة فكانت المصلحة التضمين # هذا معنى قوله لا يصلح الناس إلا ذاك # ولا يقال إن هذا نوع من الفساد وهوتضمين البرىء # إذ لعله ما أفسد ولا فرط فالتضمين مع ذلك كان نوعا من الفساد # لانا نقول إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشان العقلاء النظر إلى التفاوت ~~ووقوع التلف من الصناع من غير تسبب ولا تفريط بعيد والغالب الفوت فوت ~~الأموال وأنها لا تستند إلى التلف السماوى بل ترجع إلى صنع العباد على ~~المباشرة أو التفريط # وفي الحديث لا ضرر ولا ضرار تشهد له الاصول من حيث الجملة فإن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) نهى عن أن يبيع حاضر لباد وقال دع الناس يرزق الله ~~بعضهم من بعض وقال لا تلقوا الركبان بالبيع حتى يهبط بالسلع إلى الأسواق ~~وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة فتضمين الصناع من ذلك القبيل PageV02P119 ~~"""" صفحة رقم 120 """" # المثال الرابع # إن العلماء اختلفوا في الضرب بالتهم # وذهب مالك إلى جواز السجن في التهم وإن كان السجن نوعا من العذاب ونص ~~أصحابه على جواز الضرب وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع فإنه لو لم يكن ms365 ~~الضرب والسجن بالتهم لتعذر استخلاص الأموال من أيدى السراق والغصاب إذ قد ~~يتعذر إقامة البينة فكانت المصلحة في التعذيب وسيلة إلى التحصيل بالتعيين ~~والإقرار # فإن قيل هذا فتح باب التعذيب البرىء قيل ففى الإعراض عنه إبطال استرجاع ~~الاموال # بل الإضراب عن التعذيب أشد ضررا اذ لا يعذب أحد لمجرد الدعوى بل مع ~~اقتران قرينة تحيك في النفس وتؤثر في القلب نوعا من الظن # فالتعذيب في الغالب لا يصادف البدىء وإن امكن مصادفته فتغتفر كما اغتفر ~~في تضمين الصناع # فإن قيل لا فائدة في الضرب وهو لو أقر لم يقبل إقراره في تلك الحال # فالجواب إن له فائدتين إحداهما ان يعين المتاع فتشهد عليه البينة لربه ~~وهي فائدة ظاهرة # والثانية ان غيره قد يزدجر حتى لا يكثر الإقدام # فقتل أنواع هذا الفساد PageV02P120 ~~"""" صفحة رقم 121 """" # وقد عد له سحنون فائدة ثالثة وهو الإقرار حالة التعذيب بأنه يؤخذ عنده ~~بما أقد في تلك الحال # قالوا وهو ضعيف # فقد قال الله تعالى ) لا إكراه في الدين ( ولكن نزله سحنون على من أكره ~~بطريق غير مشروع كما إذا أكره على طلاق زوجته اما إذا أكره بطريق صحيح فإنه ~~يؤخذ به # كالكافر يسلم تحت ظلال السيوف فإنه مأخوذ به وقد تتفق له بهذه الفائدة ~~على مذهب غير سحنون إذا أقر حالة التعذيب ثم تمادى على الإقرار بعد أمنه ~~فيؤخذ به # قال الغزالى - بعد ما حكى عن الشافعى أنه لا يقول بذلك وعلى الجملة ~~فالمسألة في محل الاجتهاد - قال - ولسنا نحكم بمذهب مالك على القطع فإذا ~~وقع النظر في تعارض المصالح كان ذلك قريبا من النظر في تعارض الأقيسة ~~المؤثرة # المثال الخامس # إنا إذا قررنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية ~~الملك المتسع الأقطار وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم ~~فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال إلى ~~أن يظهر مال بيت المال ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار ms366 وغير ~~ذلك كيلا يؤدى تخصيص الناس به إلى إيحاش القلوب وذلك يقع قليلا من كثير ~~بحيث لا يجحف بأحد ويحصل المقصود # وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف ~~زماننا فإن القضية فيه أحرى ووجه المصلحة هنا ظاهر فإنه لو لم يفعل الإمام ~~ذلك النظام بطلب شوكة الإمام وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار # وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدله # فالذين يحذرون من الدواهي لو تنقطع عنهم الشوكة يستحقرون بالإضافة إليها ~~أموالهم كلها فضلا عن اليسير PageV02P121 ~~"""" صفحة رقم 122 """" # منها فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق لهم باخذ البعض من ~~أموالهم فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الاول # وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد # والملائمة الاخرى - أن الأب في طفله أو الوصى في يتيمه أو الكافل فيمن ~~يكفله مامور برعاية الأصلح له وهو يصرف ماله إلى وجوه من النفقات أو المؤن ~~المحتاج إليها # وكل ما يراه سببا لزياة ما له أو حراسته من التلف جاز له بذل المال في تحصيله # ومصلحة الإسلام عامة لا تتقاصر عن مصلحة طفل ولا نظر إمام المسلمين ~~يتقاعد عن نظر واحد من الآحاد في حق محجوره # ولو وطىء الكفار أرض الإسلام لوجب القيام بالنصرة وإذا دعاهم الإمام وجبت ~~الإجابة وفيه إتعاب النفوس وتعريضها إلى الهلكة زيادة إلى انفاق المال # وليس ذلك إلا لحماية الدين ومصلحة المسلمين # فإذا قدرنا هجومهم واستشعر الإمام في الشوكة ضعفا وجب على الكافة إمدادهم # كيف والجهاد في كل سنة واجب على الخلق وإنما يسقط باشتغال المرتزقة فلا ~~يتمارى في بذل المال لمثل ذلك # وإذا قدرنا انعدام الكفار الذين يخاف من جهتهم فلا يؤمن من انفتاح باب ~~الفتن بين المسلمين فالمسالة على حالها كما كانت وتوقع الفساد عتيد فلا بد ~~من الحراس # فهذه ملاءمة صحيحة إلا انها في محل ضرورة فتقدر بقدرها فلا يصح هذا الحكم ~~إلا مع وجودها # والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى PageV02P122 ~~"""" صفحة رقم 123 """" # لبيت المال ms367 دخل ينتظر أو يرتجى وأما إذا لم ينتظر شىء وضعفت وجوه الدخل ~~بحديث لا يغنى كبير شىء فلا بد من جريان حكم التوظيف # وهذه المسألة نص عليها الغزالى في مواضع من كتبه وتلاه في تصحيحها ابن ~~العربى في أحكام القرآن له وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام وإيقاع ~~التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع # المثال السادس # إن الإمام لو أراد أن يعاقب بأخذ المال على بعض الجنايات فاختلف العلماء ~~في ذلك - حسبما ذكره الغزالى # على أن الطحاوي حكى أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ فأجمع العلماء عى منعه # فأما الغزالى فزعم أن ذلك من قبيل الغريب الذي لا عهد به في الإسلام ولا ~~يلائم تصرفات الشرع مع أن هذه العقوبة الخاصة لم تتعين لشرعية العقوبات ~~البدنية بالسجن والضرب وغيرهما - قال - فإن قيل فقد روى أن عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه شاطر خالد بن الوليد في ماله حتى أخذ رسوله يرد نعله وشطر عمامته # قلنا المظنون من عمر أنه لم يبتدع العقاب باخذ المال على خلاف المألوف من ~~الشرع وإنما ذلك لعلم عمر باختلاط ماله بالمال المستفاد من الولاية وإحاطته ~~بتوسعته فلعله ضمن المال فرأى شطر ماله من فوائد الولاية فيكون استرجاعا ~~للحق لا عقوبة في المال لان هذا من الغريب الذي لا يلائم قواعد الشرع # هذا ما قال ولما فعل عمر وجه آخر غير هذا ولكنه لا دليل فيه على العقوبة ~~بالمال كما قال الغزالي PageV02P123 ~~"""" صفحة رقم 124 """" # وأما مذهب مالك فإن العقوبة في المال عنده ضربان # احدهما كما صوره الغزالى فلا مرية في أنه غير صحيح على أن ابن العطار في ~~رقائقه صغى إلى اجازة ذلك فقال في إجازة اعوان القاضى إذا لم يكن بيت المال # أنها على الطالب فإن ادى المطلوب كانت الإجازة عليه ومال إليه ابن رشد # ورده عليه ابن النجار القرطبى وقال إن ذلك من باب العقوبة في المال وذلك ~~لا يجوز على حال # والثاني ان تكون جناية الجاني في ms368 نفس ذلك المال أو في عوضه فالعقوبة فيه ~~عنده ثابتة # فإنه قال في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه إنه يتصدق به على ~~المساكين قل أو كثر # وذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إلى أنه يتصدق بما قل منه دون ما كثر # وذلك محكى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأنه أراق اللبن المغشوش بالماء ~~ووجه ذلك التأديب للغاش # وهذا التأديب لا نص يشهد له لكن من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة # وقد تقدم نظيره في مسألة تضمين الصناع # على أن أبا الحسن اللخمى قد وضع له أصلا شرعيا وذلك انه عليه الصلاة ~~والسلام أمر بإكفاء القدور التي اغليت بلحوم الحمر قبل أن تقسم وحديث العتق ~~بالمثلة أيضا من ذلك # ومن مسائل مالك في المسالة إذا اشترى مسلم من نصرانى خمرا فإن يكسر على ~~المسلم ويتصدق بالثمن أدبا للنصرانى إن كان النصراني لم يقبضه # وعلى هذا المعنى فرع أصحابه في مذهبه وهو كله من العقوبة في المال إلا ان ~~وجهه ما تقدم PageV02P124 ~~"""" صفحة رقم 125 """" # المثال السابع # أنه لو طبق الحرام الأرض أو ناحية من الأرض يعسر الانتقال منها وانسدت ~~طرق المكاسب الطيبة ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق فإن ذلك سائغ أن ~~يزيد على قدر الضرورة ويرتقى إلى قدر الحاجة في القوت والملبس والمسكن إذ ~~لو اقتصر على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأشغال ولم يزل الناس في مقاسات ~~ذلك إلى ان يهلكوا وفي ذلك خراب الدين # لكنه لا ينتهى إلى الترفه والتنعم كما لا يقتصرعلى مقدار الضرورة # وهذا ملائم لتصرفات الشرع وإن لم ينص على عينه فإنه قد أجاز أكل الميتة ~~للمضطر والدم ولحم الخنزير وغير ذلك من الخبائث المحرمات # وحكى ابن العربى الاتفاق على جواز الشبع عند توالى المخمصة وإنما اختلفوا ~~إذا لم تتوال # هل يجوز له الشبع أم لا وأيضا فقد أجازوا أخذ مال الغير عند الضرروة ايضا # فما نحن فيه لا يقتصر عن ذلك # وقد بسط الغزالى هذه المسألة في الإحياء بسطا ms369 شافيا جدا وذكرها في كتبه ~~الأصولية ك المنخول وشفاء العليل # المثال الثامن # أنه يجوز قتل الجماعة بالواحد # والمستند فيه المصلحة المرسلة إذ لا نص على عين المسألة ولكنه منقول عن ~~عمر بن الخطاب رضى لله عنه وهو مذهب مالك والشافعى # ووجه المصلحة أن القتيل معصوم وقد قتل عمدا فإهداره داع إلى خرم أصل ~~القصاص واتخاذ الاستعانة والأشتراك ذريعة إلى السعى بالقتل إذا علم انه لا ~~قصاص فيه وليس أصله قتل المنفرد فإنه قاتل تحقيقا والمشترك ليس بقاتل تحقيقا PageV02P125 ~~"""" صفحة رقم 126 """" # فإن قيل هذا أمر بديع في الشرع وهو قتل غير القاتل # قلنا ليس كذلك بل لم يقتل إلا القاتل وهم الجماعة من حيث الاجتماع عند ~~مالك والشافعى فهو مضاف إليهم تحقيقا إضافته إلى الشخص الواحد وإنما ~~التعيين في تنزل الأشخاص منزلة الشخص الواحد وقد دعت إليه المصلحة فلم يكن ~~مبتدعا مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء وعليه يجرى عند مالك ~~قطع الأيدي باليد الواحدة وقطع الأيدى في النصاب الواجب # المثال التاسع # إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال ~~رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع كما أنهم اتفقوا أيضا - أو كادوا أن ~~يتفقوا على أن القضاء بين الناس لا يحصل إلا لمن رقى في رتبة الاجتهاد # وهذا صحيح على الجملة ولكن إذا فرض خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس ~~وافتقروا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام وتسكين ثورة الثائرين والحياطة ~~على دماء المسلمين وأموالهم فلا بد من إقامة الأمثل ممن ليس بمجتهد لأن بين ~~أمرين إما ان يترك الناس فوضى وهو عين الفساد والهرج # وإما أن يقدموه فيزول الفساد بتة ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد والتقليد كاف ~~بحسبه وإذا ثبت هذا فهو نظر مصلحى يشهد له وضع اصل الإمامة وهو مقطوع به ~~بحيث لا يفتقر في صحته وملاءمته إلى شاهد # هذا - وإن كان ظاهره مخالفا لما نقلوا من الإجماع في الحقيقة - إنما انعقد PageV02P126 ~~"""" صفحة رقم 127 """" # على فرض ان لا ms370 يخلو الزمان من مجتهد فصار مثل هذه المسألة مما لم ينص ~~عليه فصح الاعتماد فيه على المصلحة # المثال العاشر # إن الغزالى قال في بيعة المفضول مع وجود الأفضل إن رددنا في مبدإ التولية ~~بين مجتهد في علوم الشرائع وبين متقاصر عنها فيتعين تقديم المجتهد لأن ~~اتباع الناظر علم نفسه # له مزية على اتباع علم غيره فالتقليد والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع ~~القدرة على مراعاتها # اما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد ~~وقامت له الشوكة وأذعنت له الرقاب بان خلا الزمان عن قرشى مجتهد مستجمع ~~جميع الشرائط وجب الاستمرار # وإن قدر حضور قرشى مجتهد مستجمع للفروع والكفاية وجميع شرئط الإمامة ~~واحتاج المسلمون في خلع الأول إلى تعرضه لإثارة فتن واضطراب أمور لم يجز ~~لهم خلعه والاستبدال به بل تجب عليهم الطاعة له والحكم بنفوذ ولايته وصحة ~~إمامته لانا نعلم أن العلم مزية روعيت في الإمامة تحصيلا لمزيد المصلحة في ~~الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد وان الثمرة المطلوبة من الإمام ~~تطفئة الفتن الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة فكيف يستجيز العاقل تحريك ~~الفتنة وتشويش النظام وتفويت أصل المصلحة في الحال تشوفا إلى مزيد دقيقة في ~~الفرق بين النظر والتقليد PageV02P127 ~~"""" صفحة رقم 128 """" # قال وعند هذا ينبغى أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق من الضرر بسبب عدول ~~الامام عن النظر إلى التقليد بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه والاستبدال به أو ~~حكموا بان إمامته غير منعقدة # هذا ما قاله وهو متجه بحسب النظر المصلحى وهو ملائم لتصرفات الشرع وإن لم ~~يعضده نص على التعيين # وما قرره هو أصل مذهب مالك قيل ليحيى بن يحيى البيعة مكروهة قال لا قيل ~~له فإن كانو أئمة جور فقال قد بايع ابن عمر لعبد الملك ابن مروان وبالسيف ~~أخذ الملك # اخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله ~~وسنة نبيه # قال يحيى والبيعة خير من الفرقة # قال ولقد أتى مالكا العمرى فقال له يا أبا عبدالله بايعنى ms371 أهل الحرمين ~~وانت ترى سيرة أبى جعفر فما ترى فقال له مالك أتدرى ما الذي منع عمر بن عبد ~~العزيز أن يولى رجلا صالحا فقال العمرى لا أدرى قال مالك لكنى أنا ادرى ~~إنما كانت البيعة ليزيد بعده فخاف عمر إن ولى رجلا صالحا أن لا يكون ليزيد ~~بد من القيام فتقوم هجمة فيفسد ما لا يصلح فصدر رأى هذا العمرى على رأي مالك # فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق ان ~~تقع فتنة وما لا يصلح فالمصلحة في الترك # وروى البخارى عن نافع قال لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوة جمع ابن عمر ~~حشمه وولده فقال إنى سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول ينصب لكل ~~غادر لواء يوم القيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة PageV02P128 ~~"""" صفحة رقم 129 """" # الله ورسوله وإنى لا اعلم احدا منكم خلعه ولا تابع في هذا الامر إلا كانت ~~الفيصل بينى وبينه # قال ابن العربى وقد قال ابن الخياط إن بيعة عبد الله ليزيد كانت كرها ~~واين يزيد من ابن عمر ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله والفرار عن ~~التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والانفس ما لا يخفى # فخلع يزيد - لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه فكيف ولا يعلم ذلك وهذا اصل ~~عظيم فتفقهوه والزموه ترشدوا إن شاء الله # فصل # فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملى في المصالح المرسلة وتبين لك ~~اعتبار أمور # احدها الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تناقى اصلا من اصوله ولا دليلا من دلائله # والثاني ان عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على دون ~~المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها ~~في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية لان عامة التعبدات لا ~~يعقل لها معنى على التفصيل كالوضوء والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره ~~والحج ونحو ذلك PageV02P129 ~~"""" صفحة رقم 130 """" # فليتأمل الناظر الموفق كيف وضعت على التحكم المحض ms372 المنافى للمناسبات ~~التفصيلية # ألا ترى أن الطهارات - على اختلاف أنواعها - قد اختص كل نوع منها بتعبد ~~مخالف جدا لما يظهر لبادى الرأى فإن البول والغائط خارجان نجسان يجب بهما ~~تطهير أعضاء الوضوء دون المخرجين فقط ودون جميع الجسد فإذا خرج المنى أو دم ~~الحيض وجب غسل جميع الجسد دون المخرج فقط ودون أعضاء الوضوء # ثم إن التطهير واجب مع نظافة الأعضاء وغير واجب مع قذارتها بالأوساخ ~~والادران إذا فرض انه لم يحدث # ثم التراب - ومن شانه التلويث - يقوم مقام الماء الذي شأنه التنظيف # ثم نظرنا في اوقات الصلوات فلم نجد فيها مناسبة لإقامة الصلوات فيها ~~لاستواء الاوقات في ذلك # وشرع للإعلام بها أذكارمخصوصة لا يزاد فيها ولا ينقص منها فإذا اقيمت ~~ابتدأت إقامتها بأذكار أيضا ثم شرعت ركعاتها مختلفة باختلاف الأوقات وكل ~~ركعة لها ركوع واحد وسجودان دون العكس إلا صلاة خسوف PageV02P130 ~~"""" صفحة رقم 131 """" # الشمس فإنها على غير ذلك ثم كانت خمس صلوات دون اربع أو ست وغير ذلك من ~~الأعداد فإذا دخل المتطهر المسجد امر بتحيته بركعتين دون واحدة كالموتر أو ~~أربع كالظهر فإذا سها في صلاة سجد سجدتين دون سجدة واحدة وإذا قرأ سجدة سجد ~~واحدة دون اثنتين # ثم أمر بصلاة النوافل ونهى عن الصلاة في اوقات مخصوصة وعلل النهى بأمر ~~غير معقولة المعنى # ثم شرعت الجماعة في بعض النوافل كالعيدين والخسوف والاستسقاء دون صلاة ~~الليل ورواتب النوافل # فإذا صرنا إلى غسل الميت وجدناه لا معنى له معقولا لانه غير مكلف ثم ~~امرنا بالصلاة عليه بالتكبير دون ركوع أو سجود أو تشهد والتكبير أربع ~~تكبيرات دون اثنتين أو ست أو سبع أو غيرها من الاعداد # فإذا صرنا إلى الصيام وجدنا فيه من التعبدات غير المعقولة كثيرا كإمساك ~~النهار دون الليل والإمساك عن المأكولات والمشروبات دون الملبوسات ~~والمركوبات والنظر والمشى والكلام واشباه ذلك وكان الجماع - وهو راجع إلى ~~الأخراج - كالمأكول - وهو راجع إلى الضد وكان شهر رمضان - وإن كان قد أنزل ~~فيه القرآن - ولم يكن أيام الجمع وإن ms373 كانت خير أيام طلعت عليها الشمس أو ~~كان الصيام أكثر من شهر أو أقل ثم الحج أكثر تعبدا من الجميع # وهكذا تجد عامة التعبدات في كل باب من أبواب الفقه ما عملوا إن في هذا ~~الاستقراء معنى يعلم من مقاصد الشرع انه قصد قصده ونحى نحوه PageV02P131 ~~"""" صفحة رقم 132 """" # واعتبرت جهته وهو أن ما كان من التكاليف من هذا القبيل فإن قصد الشارع أن ~~يوقف عنده ويعزل عنه النظر الاجتهادي جملة وان يوكل إلى واضعه ويسلم له فيه ~~سواء علينا أقلنا إن التكاليف معللة بمصالح العباد أم لم نقله اللهم إلا ~~قليلا من مسائلها ظهر فيها معنى فهمناه من الشرع فاعتبرنا به أو شهدنا في ~~بعضها بعدم الفرق بين المنصوص عليه والمسكوت عنه فلا حرج حينئذ فإن أشكل ~~الأمر فلا بد من الرجوع إلى ذلك الأصل فهو العروة الوثقى للمتفقه في ~~الشريعة والوزر الأحمى # ومن أجل ذلك قال حذيفة رضى الله عنه كل عبادة لم يتعبدها اصحاب رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا ~~الله يامعشر القراء وخذوا بطريق من كان قبلكم ونحوه لابن مسعود أيضا وقد ~~تقدم من ذلك كثير # ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعانى وإن ظهرت لبادى ~~الرأى وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه فلم ~~يلتفت في إزالة الأخباث ورفع الأحداث إلى مطلق النظافة التي اعتبرها غيره ~~حتى اشترط في رفع الأحداث النية ولم يقم غير الماء مقامه عنده - وإن حصلت ~~النظافة - حتى يكون بالماء المطلق وامتنع من إقامة غير التكبير والتسليم ~~والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل والأجزاء ومنع من إخراج ~~القيم في الزكاة واختصر في الكفارات على مراعاة العدد وما اشبه ذلك # ودورانه في ذلك كله على الوقوف مع ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى ~~مناسب - إن تصور - لقلة ذلك في التعبدات وندوره بخلاف قسم العادات الذي هو ~~جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول فإنه ms374 استرسل فيه استرسال المدل PageV02P132 ~~"""" صفحة رقم 133 """" # العريق في فيهم المعاني المصلحية نعم مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه ~~ولا ينقاض اصلا من أصوله حتى لقد استشنع العلماء كثيرا من وجوه استرساله ~~زاعمين أنه خلق الربقة وفتح باب التشريع وهيهات ما أبعده من ذلك رحمه الله ~~بل هو الذى رضى لنفسه في فقهه بالاتباع بحيث يخيل لبعض انه مقلد لمن قبله ~~بل هو صاحب البصيرة في دين الله - حسبما بين اصحابه في كتاب سيره # بل حكى عن أحمد بن حنبل أنه قال إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم انه ~~مبتدع وهذه غاية في الشهادة بالاتباع # وقال أبو داود أخشى عليه البدعة يعنى المبغض لمالك # وقال بن مهدى إذ رأيت الحجازي يحب مالك بن انس فاعلم انه صاحب سنة وإذا ~~رايت احدا بتناوله فاعلم انه على خلاف السنة # وقال إبراهيم بن يحيى بن هشام ما سمعت أبا داود لعن احدا فقط إلا رجلين ~~احدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكا والآخر بشر المريسى # وعلى الجملة فغير مالك ايضا موافق له في ان اصل العبادات عدم معقولية ~~المعنى وإن اختلفوا في بعض التفاصيل الأصل متفق عليه عند الأمة ما عدا ~~الظاهرية فإنه لا يفرقون بين العباادات والعادات بل لكل تعبد غير معقول ~~المعنى فهم أحرى بأن لا يقولوا بأصل المصالح فضلا عن أن يعتقدوا المصالح ~~المرسلة # والثالث ان حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضرورى ورفع حرج لازم ~~في الدين وأيضا مرجعها إلى حفظ الضرروي من باب ما لم يتم الواجب إلا به فهي ~~إذا من الوسائل لا من المقاصد ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف ~~لا إلى التشديد PageV02P133 ~~"""" صفحة رقم 134 """" # أما رجوعها إلى ضروري فقد ظهر من الأمثلة المذكورة # وكذلك رجوعها إلى رفع حرج لازم وهو إما لا حق بالضرورى وإما من الحاجى ~~وعلى كل تقدير فليس فيها ما يرجع إلى التقبيح والتزيين البتة فإن جاء من ~~ذلك شىء فإما من باب آخر منها كقيام رمضان ms375 في المساجد جماعة - حسبما تقدم - ~~وإما معدود من قبيل البدع التي انكرها السلف الصالح - كزخرفة المساجد ~~والتثويب بالصلاة - وهو من قبيل ما يلائم # وأما كونها في الضرورى من قبيل الوسائل وما لا يتم الواجب إلا به إن نص ~~على اشتراطه فهو شرط شرعى فلا مدخل له في هذا الباب لان نص الشارع فيه قد ~~كفانا مؤنة النظر فيه # وإن لم ينص على اشتراطه فهو إما عقلى أو عادي فلا يلزم أن يكون شرعيا كما ~~أنه لا يلزم ان يكون على كيفية معلومة فإنا لو فرضنا حفظ القرآن والعلم ~~بغير كتب مطردا لصح ذلك وكذلك سائر المصالح الضرورية يصح لنا حفظها كما أنا ~~لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم النص بها لصح ~~ذلك وكذلك سائر المصالح الضرورية - إذا ثبت هذا - لم يصح ان يستنبط من ~~بابها شىء من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل # وأما كونها في الحاجى من باب التخفيف فظاهر أيضا وهو أقوى في الدليل ~~الرافع للحرج فليس فيه ما يدل على تشديد ولا زيادة تكليف والأمثلة مبينة ~~لهذا الأصل أيضا # إذا تقررت هذه الشروط علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة لان موضوع ~~المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل والتعبدات من حقيقتها أن لا يعقل ~~معناها على التفصيل # وقد مر ان العادات إذا دخل فيها الابتداع فإنما يدخلها من جهة ما فيها من ~~التعبد لا بإطلاق PageV02P134 ~~"""" صفحة رقم 135 """" # وأيضا فإن البدع في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع # بل إنما تتصور على أحد وجهين إما مناقضة لمقصوده - كما تقدم في مسألة ~~المفتى للملك بصيام شهرين متتابعين - وإما مسكوتا عنه فيه كحرمان القاتل ~~ومعاملته بنقيض مقصوده على تقدير عدم النص به # وقد تقدم نقل الإجماع على أطراح القسمين وعدم اعتبارهما # ولا يقال إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه # إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم الملاءمة # ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في ان المسكوت عنه كالمأذون فيه - ~~إن قيل بذلك فهى تفارقها # إذ ms376 لا يقدم على استنباط عبادة لا أصل لها لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به # بخلاف العادات والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة # وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى # وقد اشير إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات وإلى هذا # فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو ~~إلى التخفيف فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات لأن ~~البدع من باب الوسائل # لأنها متعبد بها بالفرض ولانها زيادة في التكليف وهو مضاد للتخفيف # فحصل من هذا كله أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم ~~الملغى باتفاق العلماء وحسبك به متعلقا # والله الموفق # وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى آراء ~~العباد فلم يبق إلا الوقوف عندما حده # والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة # وقد مر لهما أمثلة كثيرة وسيأتى أخيرا في أثناء الكتاب بحول الله PageV02P135 ~~"""" صفحة رقم 136 """" # فصل # وأما الاستحسان فلأن لأهل البدع أيضا تعلقا به فإن الاستحسان لا يكون إلا ~~بمستحسن وهو إما العقل أو الشرع # أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما لان الأدلة اقتصت ذلك فلا ~~فائدة لتسميته استحسانا ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة ~~والإجماع وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال فلم يبق إلا العقل هو ~~المستحسن فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية لرجوعه إلى الأدلة لا إلى ~~غيرها وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التي تستحسن # ويشهد قول من قال في الاستحسان إنه يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه ~~برأيه - قالوا وهو عند هؤلاء من جنس مايستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع ~~فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافى هذا الكلام ما بين أن ~~ثم من التعبدات مالا يكون عليه دليل وهو الذى يسمى بالبدعة فلا بد أن ينقسم ~~إلى حسن وقبيح إذ ليس كل استحسان حقا # وأيضا فقد يجرى على التأويل الثاني للاصوليين في الاستحسان ms377 # وهو أن المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا ~~يقدر على إظهاره # وهذا التأويل فالاستحسان يساعده لبعده لأنه يبعد في مجارى العادات أن ~~يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل ينقدح له # بل عامة البدع لا بد لصاحبها من متعلق دليل شرعى # لكن قد يمكنه إظهاره وقد لا يمكنه وهو الأغلب - فهذا مما يحتجون به PageV02P136 ~~"""" صفحة رقم 137 """" # وربما ينقدح لهذا المعنى وجه بالأدلة التي استدل بها أهل التأويل الأولون ~~وقد اتوا بثلاثة أدلة # احدها قول الله سبحانه ) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ( وقوله ~~تعالى ) الله نزل أحسن الحديث ( وقوله تعالى ) فبشر عباد الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه ( هو ما تستحسنه عقولهم # والثاني قوله عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~وإنما يعنى بذلك ما رأوه بعقولهم وإلا لو كان حسنه بالدليل الشرعى لم يكن ~~من حسن ما يرون إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما زعمتم فلم يكن للحديث ~~فائدة فدل على أن المراد ما رأوه برايهم # والثالث ان الأمة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة ولا تقدير ~~مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل ولا سبب لذلك إلا ان المشاحة في مثله ~~قبيحة في العادة فاستحسن الناس تركه مع انا نقطع ان الإجارة المجهولة أو ~~مدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل فإنه ممنوع وقد استحسنت إجارته مع ~~مخالفة الدليل فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليلا # فانت ترى أن هذا الموضع مزلة قدم ايضا لمن أراد أن يبتدع فله أن يقول إن ~~استحسنت كذا وكذا فغيرى من العلماء قد استحسن # وإذا كان كذلك فلا بد من فضل اعتناء بهذا الفضل حتى لا يغتر به جاهل أو ~~زاعم أنه عالم وبالله التوفيق فنقول إن الاستحسان يراه معتبرا في الأحكام ~~مالك وأبو حنيفة بخلاف الشافعى فإنه منكر له جدا حتى قال من استحسن فقد شرع ~~والذي يستقرى من PageV02P137 ~~"""" صفحة رقم 138 """" # مذهبهما أنه يرجع إلى العمل ms378 بأقوى الدليلين # هكذا قال ابن العربى - قال - فالعموم إذا استمر والقياس إذا اطرد فإن ~~مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى - قال - ~~ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من ~~الصحابة الوارد بخلاف القياس - قال - ويريان معا تخصيص القياس ونقص العلة ~~ولا يرى الشافعى لعلة الشرع - إذا ثبت - تخصيصا # هذا ما قال ابن العربي # ويشعر بذلك تفسير الكرخى أنه العدول عن الحكم في المسألة بحكم نظائرها ~~إلى خلافة لوجه اقوى # وقال بعض الحنفية إنه القياس الذي يجب العمل به لأن العلة كانت علة ~~بأثرها سموا الضعيف الأثر قياسا والقوى الأثر استحسانا أي قياسا مستحسنا ~~وكأنه نوع من العمل بأقوى القياسين وهو يظهر من استقراء مسائلهم في ~~الاستحسان بحسب النوازل الفقهيه # بل قد جاء عن مالك ان الاستحسان تسعة أعشار العلم # ورواه اصبغ عن ابن القاسم عن مالك قال أصبغ في الاستحسان قد يكون أغلب من القياس # وجاء عن مالك إن المفرق في القياس يكاد يفارق السنة # وهذا الكلام لا يمكن أن يكون بالمعنى الذي تقدم قبل وأنه ما يستحسنه ~~المجتهد بعقله أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه فإن مثل ~~هذا لا يكون تسعة أعشار العلم ولا أغلب من القياس الذي هو أحد الأدلة PageV02P138 ~~"""" صفحة رقم 139 """" # وقال ابن العربى في موضع آخر الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق ~~الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته # وقسمه أقساما عد منها أربعة أقسام وهي ترك الدليل للعرف وتركه للمصلحة ~~وتركه لليسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة # وحده غير ابن العربى من أهل المذهب بأنه عند مالك استعمال مصلحة جزئية في ~~مقابلة قياس كلى - قال - فهو تقديم الاستدلال المرسل على القياس # وعرفه ابن رشد فقال الاستحسان - الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من ~~القياس - هو أن يكون طرحا لقياس يؤدى إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه فيعدل ~~عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص ms379 به ذلك الموضع # وهذه تعريفات # قريب بعضها من بعض # وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبى حنيفة فليس بخارج عن الادلة البتة لان ~~الأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها بعضا كما في الأدلة السنية مع القرآنية # ولا يرد الشافعى مثل هذا اصلا # فلا حجة في تسميته استحسانا لمبتدع على حال # ولا بد من الإتيان بأمثلة تبين المقصود بحول الله ونقتصر على عشرة أمثلة # احدها أن يعدل بالمسألة عن نظائرها بدليل الكتاب كقوله تعالى ) خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ( فظاهر اللفظ العموم في جميع PageV02P139 ~~"""" صفحة رقم 140 """" # ما يتمول به وهو مخصوص في الشرع بالأموال الزكوية خاصة فلو قال قائل مالى صدقة # فظاهر لفظه يعم كل مال ولكنا نحمله على مال الزكاة لكونه ثبت الحمل عليه ~~في الكتاب # قال العلماء وكأن هذا يرجع إلى تخصيص العموم بعادة فهم خطاب القرآن # وهذا المثال أورده الكرخى تمثيلا لما قاله في الاستحسان # والثاني ان يقول الحنفى سؤر سباع الطير نجس قياسا على سباع البهائم # وهذا ظاهر الاثر ولكنه ظاهر استحسانا لان السبع ليس بنجس العين ولكن ~~لضرورة تحريم لحمه فثبتت نجاسته بمجاورة رطوبات لعابه وإذا كان كذلك فارقه ~~الطير لانه يشرب بمنقاره وهو طاهر بنفسه فوجب الحكم بطهارة سؤره لأن هذا ~~أثر قوى وإن خفى فترجح على الاول وإن كان أمره جليا والأخذ بأقوى القياسين ~~متفق عليه # والثالث ان أبا حنيفة قال إذا شهد أربعة على رجل بالزنا ولكن عين كل واحد ~~غير الجهة التي عينها الآخر فالقياس ان لا يحد ولكن استحسن حده # ووجه ذلك أنه لا يحد إلا من شهد عليه أربعة فإذا عين كل واحد دارا فلم ~~يأت على كل مرتبة بأربعة # لا متناع اجتماعهم على رتبة واحدة فإذا عين كل واحد زاوية فالظاهر تعدد ~~الفعل ويمكن التزاحف # فإذا قال القياس أن لا يحد فمعناه أن الظاهر أنه لم يجتمع الأربعة على ~~زنا واحد ولكنه يقول في المصير إلى الأمر الظاهر تفسيق العدول فإنه إن لم ~~يكن محدودا صار الشهود ms380 فسقه ولا سبيل إلى ما وجدنا إلى PageV02P140 ~~"""" صفحة رقم 141 """" # العدول عنه سبيلا فيكون حمل الشهود على مقتضى العدالة عند الإمكان يجر ~~ذلك الإمكان البعيد فليس هذا حكما بالقيام وإنما تمسك باحتمال تلقى الحكم ~~من القرآن وهذا يرجع - في الحقيقة - إلى تحقيق مناطه # والرابع أن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف فإنه رد الأيمان ~~إلى العرف مع أن اللغة تقتضى في الفاظها غير ما يقتضيه العرف كقوله والله ~~لا دخلت مع فلان بيتا فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتا في اللغة والمسجد ~~يسمى بيتا فيحنث على ذلك إلا ان عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه ~~فخرج بالعرف على مقتضى اللفظ فلا يحنث # والخامس ترك الدليل لمصحلة كما في تضمين الأجير المشترك وإن لم يكن صانعا ~~فإن مذهب مالك في هذه المسالة على قولين كتضمين صاحب الحمام الثياب وتضمين ~~صاحب السفينة وتضمين السماسرة المشتركين وكذلك حمال الطعام - على رأي مالك ~~- فإنه ضامن ولا حق عنده بالصناع # والسبب في ذلك بعد السبب في تضمين الصناع # فإن قيل فهذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الاستحسان # قلنا نعم إلا أنهم صوروا الاستحسان تصور الاستثناء من القواعد # بخلاف المصالح المرسلة # ومثل ذلك يتصور في مسألة التضمين # فإن الأجراء مؤتمنون بالدليل PageV02P141 ~~"""" صفحة رقم 142 """" # لا بالبراءة الاصلية # فصار تضمينهم في حيز المستثنى من ذلك الدليل # فدخلت تحت معنى الاستحسان بذلك النظر # والسادس انهم يحكون الإجماع على إيجاب الغرم على من قطع ذنب بغلة القاضي # يريدون غرم قيمة الدابة لا قيمة النقص الحاصل فيها # ووجه ذلك ظاهر فإن بغلة القاضي لا يحتاج إليها إلا للركوب # وقد امتنع ركوبه لها بسبب فحش ذلك العيب # حتى صارت بالنسبة إلى ركوب مثله في حكم العدم # فألزموا الفاعل غرم قيمة الجميع # وهو متجه بحسب الغرض الخاص # وكان الأصل أن لا يغرم إلا قيمة ما نقصها القطع خاصة # لكن استحسنوا ما تقدم # وهذا الإجماع مما ينظر فيه # فإن المسألة ذات قولين في المذهب وغيره ms381 ولكن الاشهر في المذهب المالكي ما ~~تقدم حسبما نص عليه القاضي عبد الوهاب # والسابع ترك مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته ونزارته لرفع المشقة وإيثار ~~التوسعة على الخلق # فقد أجازوا التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة # وأجازوا البيع بالصرف إذا كان أحدهما تابعا للآخر # وأجازوا بدل الدرهم الناقص بالوازن لنزارة ما بينهما # والأصل المنع في الجميع # لما في الحديث من ان الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء ~~وأن من زاد أو ازداد فقد اربى # ووجه ذلك ان التافه في حكم العدم ولذلك لا تنصرف إليه الأغراض في الغالب ~~وأن المشاحة في اليسير قد تؤدى إلى الحرج والمشقة وهما مرفوعان عن المكلف # والثامن أن في العتبية من سماع اصبغ في الشريكين يطآن الأمة في طهر واحد ~~فتأتى بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر انه يكشف منكر الولد عن PageV02P142 ~~"""" صفحة رقم 143 """" # وطئه الذي اقربه فإن كان في صفته ما يمكن معه الإنزال لم يلتفت إلى ~~إنكاره وكان كما لو اشتركا فيه وإن كان يدعى العزل من الوطء الذي أقر به ~~فقال أصبغ إنى أستحسن ها هنا أن الحقه بالآخر والقياس أن يكونا سواء فلعله ~~غلب ولا يدرى # وقد قال عمرو بن العاص في نحو هذا إن الوكاء قد ينقلب - قال - والاستحسان ~~هاهنا أن الحقه بالآخر والقياس أن يكونا في العلم قد يكون أغلب من القياس - ~~ثم حكى عن مالك ما تقدم # ووجه ذلك ابن رشد بأن الاصل من وطىء أمته فعزل عنها وأتت بولد لحق به وإن ~~كان له منكرا وجب على قياس ذلك إذا كانت بين رجلين فوطئاها جميعا في طهر ~~واحد وعزل أحدهما عنها فأنكر الولد وادعاءه الآخر الذي لم يعزل عنها أن ~~يكون الحكم في ذلك بمنزلة ما إذا كان جميعا يعزلان أو ينزلان # والاستحسان - كما قال - ان يلحق الولد بالذى ادعاه وأقر أنه كان ينزل ~~وتبرأ منه الذي أنكره وادعى أنه كان يعزل لان الولد يكون مع الإنزال غالبا ~~ولا يكون مع العزل إلا نادرا فيغلب على ms382 الظن أن الولد إنما هو للذى ادعاه ~~وكان ينزل لا الذي أنكره وهو يعزل والحكم بغلبة الظن اصل في الأحكام وله في ~~هذا الحكم تأثير فوجب أن يصار إليه استحسانا - كما قال اصبغ - وهو ظاهر ~~فيما نحن فيه # والتاسع ما تقدم أولا من أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة ~~ولا تقدير مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل # والأصل في هذا المنع إلا أنهم أجازوا - لا كما قال المحتجون على البدع بل ~~لأمر آخر هو من هذا القبيل الذي ليس بخارج عن الأدلة فأما تقدير العوض ~~فالعرف هو الذي قدره فلا حاجة إلى التقدير وأما مدة اللبث وقدر الماء ~~المستعمل فإن لم يكن ذلك مقدرا بالعرف ايضا فإنه يسقط للضرورة إليه # وذلك لقاعدة فقهية وهي أن نفى PageV02P143 ~~"""" صفحة رقم 144 """" # جميع الغرر في العقود لا يقدر عليه وهو يضيق أبواب المعاملات وهو تحسيم ~~أبواب المفاوضات ونفى الضرر إنما يطلب تكميلا ورفعا لما عسى أن يقع من نزاع ~~فهو من الأمور المكملة والتكميلات إذا أفضى اعتبارها إلى أبطال المكملات ~~سقطت جملة تحصيلا للمهم - حسبما تبين في الاصول - فوجب أن يسامح في بعض ~~انواع الغرر التي لا ينفك عنها إذ يشق طلب الانفكاك عنها فسومح المكلف ~~بيسير الغرر لضيق الاحتراز مع تفاهة ما يحصل من الغرض ولم يسامح في كثيرة ~~إذ ليس في محل الضرورة ولعظيم ما يترتب عليه من الخطر لكن الفرق بين القليل ~~والكثير غير منصوص عليه في جميع الأمور وإنما نهى عن بعض أنواعه مما يعظم ~~فيه الغرر فجعلت اصولا يقاس عليها غير القليل اصلا في عدم الاعتبار وفي ~~الجواز وصار الكثير في المنع ودار في الاصلين فروع تتجاذب العلماء النظر ~~فيها فإذا قل الغرر وسهل الأمر وقل النزاع ومست الحاجة إلى المسامحة فلا بد ~~من القول بها ومن هذا القبيل مسألة التقدير في ماء الحمام ومدة اللبث # قال العلماء ولقد بالغ مالك في هذا الباب وأمعن فيه فجوز أن يستأجر ~~الأجير بطعامه وإن كان لا ينضبط ms383 مقدار أكله ليسار أمره وخفة خطبه وعدم ~~المشاحة وفرق بين تطرق يسير الغرر إلى الأجل فأجازه وبين تطرقه للثمن فمنعه ~~فقال يجوز للانسان أن يشترى سلعة إلى الحصاد أو إلى الجذاذ وإن كان اليوم ~~بعينه لا ينضبط ولو باع سلعة بدرهم أو ما يقاربه لم يجز والسبب في التفرقة ~~المضايقة في تعيين الأثمان وتقديرها ليست في العرف ولا مضايقة في الأجل # إذ قد يسامح البائع في التقاضى الايام # ولا يسامح في مقدار الثمن على حال PageV02P144 ~~"""" صفحة رقم 145 """" # ويعضده ما روى عمرو بن العاص رضى الله عنه أن النبى عليه الصلاة والسام ~~أمر بشراء الإبل إلى خروج المصدق # وذلك لا يضبط يومه ولا يعين ساعته ولكنه على التقريب والتسهيل # فتأملوا كيف وجه الاستثناء من الاصول الثابتة بالحرج والمشقة # وأين هذا من زعم الزاعم أنه استحسان العقل بحسب العوائد فقط فتبين لك بون ~~ما بين المنزلتين # العاشر أنهم قالوا إن من جملة انواع الاستحسان مراعاة خلاف العلماء # وهو أصل في مذهب مالك ينبنى عليه مسائل كثيرة # منها أن الماء اليسير إذا حلت في النجاسة اليسيرة ولم تغير أحد أوصافه ~~أنه لا يتوضأ به بل يتيمم ويتركه # فإن توضأ به وصلى أعاد دام في الوقت ولم يعد بعد الوقت # وإنما قال يعيد في الوقت مراعاة لقول من يقول إنه طاهر مطهر ويروى جواز ~~الوضوء به ابتداء # وكان قياس هذا القول أن يعيد أبدا # إذ لم يتوضأ إلا بماء يصح له تركه والانتقال عنه إلى التيمم # ومنها قولهم في النكاح الفاسد الذي يجب فسخه إن لم يتفق على فساده فيفسخ بطلاق # ويكون فيه الميراث # ويلزم فيه الطلاق على حده في النكاح الصحيح فإن اتفق العلماء على فساده ~~فسخ بغير طلاق # ولا يكون فيه ميراث ولا يلزم فيه طلاق # ومنها مسألة من نسى تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وكان مع الإمام أن يتمادى # لقول من قال إن ذلك يجزئه # فإذا سلم الإمام أعاد هذا المأموم PageV02P145 ~~"""" صفحة رقم 146 """" # وهذا المعنى كثير جدا في المذهب ووجهه ms384 أنه راعى دليل المخالف في بعض ~~الأحوال لأنه ترجح عنده ولم يترجح عنده في بعضها فلم يراعه # ولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف إلى بلاد المغرب وإلى بلاد افريقية ~~لإشكال عرض فيها من وجهين احدهما مما يخص هذا الموضع على فرض صحتها وهو ما ~~اصلها من الشريعة وعلام تبنى من قواعد أصول الفقه فإن الذي يظهر الآن أن ~~الدليل هو المتبع فحيثما صار صير إليه ومتى رجح للمجتهد أحد الدليلين على ~~الآخر - ولو بأدنى وجوه الترجيح - وجب التعويل عليه وإلغاء ما سواه على ما ~~هو مقرر في الاصول فإذا رجوعه - أعنى المجتهد - إلى قول الغير إعمال لدليله ~~المرجوح عنده وإهمال للدليل الراجح عنده الواجب عليه اتباعه وذلك على خلاف ~~القواعد # فأجابنى بعضهم بأجوبة منها الأقرب والأبعد إلا أنى راجعت بعضهم بالبحث ~~وهو أخى ومفيدى أبو العباس ابن القباب رحمة الله عليه فكتب إلى بما نصه ~~وتضمن الكناب المذكور عودة السؤال في مسألة مراعاة الخلاف وقلتم إن رجحان ~~إحدى الأمارتين على الأخرى أن تقديمها على الأخرى اقتضى ذلك عدم المرجوحة ~~مطلقا واستشنعتم أن يقول المفتى هذا لا يجوز ابتداء وبعد الوقوع يقول ~~بجوازه لانه يصير الممنوع إذا فعل جائزا # وقلتم إنه إنما يتصور الجمع في هذا النحو في منع التنزيه لا منع التحريم ~~- إلى غير ذلك مما اوردتم في المسألة # وكلها إيرادات شديدة صادرة عن قريحة قياسية منكرة لطريقة الاستحسان PageV02P146 ~~"""" صفحة رقم 147 """" # وإلى هذه الطريقة ميل فحول من الأئمة والنظار حتى قال الإمام أو عبد الله ~~الشافعى من استحسن فقد شرع # ولقد ضاقت العبارة عن معنى اصل الاستحسان - كما في علمكم - حتى قالوا أصح ~~عبارة فيه انه معنى ينقدح في نفس المجتهد تعسر العبارة عنه فإذا كان هذا ~~اصله الذي ترجع فروعه إليه فكيف ما يبنى عليه فلا بد أن تكون العبارة عنها أضيق # ولقد كنت أقول بمثل ما قال هؤلاء الأعلام في طرح الاستحسان وما بنى عليه ~~لولا أنه اعتضد وتقوى لوجدانه كثيرا في فتاوى الخلفاء وأعلام الصحابة ~~وجمهورهم ms385 مع عدم النكير فتقوى ذلك عندى غاية وسكنت إليه النفس وانشرح إليه ~~الصدر ووثق به القلب للأمر باتباعهم والاقتداء بهم رضى الله عنهم # فمن ذلك المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره إلا بعد ~~البناء فأبانها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن رضى الله عنهم # وكل ما اوردتم في قضية السؤال وارد عليه فإن إذا تحقق أن الذى لم يبن هو ~~الأول فدخول الثاني بها دخول بزوج غيره وكيف يكون غلطه على زوج غيره مبيحا ~~على الدوام ومصححا لعقده الذي لم يصادف محلا ومبطلا لعقد نكاح مجمع على ~~صحته لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا وإنما المناسب أن الغلط ~~يرفع عن الغالط الإثم والعقوبة لا إباحة زوج غيره دائما # ومنع زوجها منها # ومثل ذلك ما قاله العلماء في مسألة امرأة المفقود أنه إن قدم المفقود قبل ~~نكاحها فهو أحق بها وإن كان بعد نكاحها والدخول بها بانت وإن كانت بعد ~~العقد وقبل البناء فقولان فإنه يقال الحكم لها بالعدة من الأول إن كان PageV02P147 ~~"""" صفحة رقم 148 """" # قطعا لعصمته فلا حق له فيها ولو قدم قبل تزوجها أو ليس بقاطع للعصمة فكيف ~~تباح لغيره وهي في عصمة المفقود # وما روى عن عمر وعثمان في ذلك أغرب وهو أنهما قالا إذا قدم المفقود يخير ~~بين أمرأته أو صداقها فإن اختار صداقها بقيت للثاني فأين هذا من القياس وقد ~~صححح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان رضى الله عنهما ونقل ~~عن على رضى الله عنه أنه قال بمثل ذلك أو أمضى الحكم به وإن كان الاشهر عنه ~~خلافه ومثله في قضايا الصحابة كثير من ذلك # قال ابن المعدل لو أن رجلين حضرهما وقت الصلاة فقام أحدهما فأوقع الصلاة ~~بثوب نجس مجانا وقعد الآخر حتى خرج الوقت ولا يغار به مع نقل غير واحد من ~~الاشياخ الإجماع على وجوب النجساة عامدا جمع الناس أنه لا يساوى مؤخرها على ~~وجوب النجاسة حال الصلاة وممن نقله اللخمى والمازرى وصححه الباجى وعليه ms386 مضى ~~عبد الوهاب في تلقينه # وعلى الطريقة التي اوردتم - أن المنهى عنه ابتداء غير معتبر - أحرى بكون ~~أمر هذين الرجلين بعكس ما قال ابن المعدل لان الذي صلى بعد الوقت قضى ما ~~فرط فيه والآخر لم يعمل كما أمر ولا قضى شيئا # وليس كل منهى عنه ابتداء غير معتبر بعد وقوعه # وقد صحح الدار قطنى حديث أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى ( صلى الله ~~عليه وسلم ) أنه قال لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن ~~الزانية هي التي تزوج نفسها وأخرج ايضا من حديث عائشة رضى الله عنها أيما امرأة PageV02P148 ~~"""" صفحة رقم 149 """" # نكحت بغير إذن مواليه فنكاحها باطل - ثلاث مرات - فإن دخل بها فالمهر لها ~~بما اصاب منها # فحكم اول ببطلان العقد وأكده بالتكرار ثلاثا وسماه زنا # وأقل مقتضياته عدم اعتبار هذا العقد جملة # لكنه ( صلى الله عليه وسلم ) عقبه بما اقتضى اعتباره بعد الوقوع بقوله ~~ولها مهرها بما اصاب منها ومهر البغى حرام # وقد قال تعالى ) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ( الآية # فلعل النهى عن استحلاله بابتغائهم فضل الله ورضوانه مع كفرهم بالله تعالى ~~الذي لا يصح معه عبادة ولا يقبل عمل وإن كان هذا الحكم الآن منسوخا فذلك لا ~~يمنع الاستدلال به في هذا المعنى # ومن ذلك قول الصديق رضى الله عنه وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله # فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له # ولهذا لا يسبى الراهب وترك له ماله أو ما قل منه على الخلاف في ذلك وغيره ~~ممن لايقاتل يسبى ويملك وإنما ذلك لما زعم أنه حبس نفسه له وهي عبادة الله ~~تعالى وإن كانت عبادته ابطل الباطل فكيف يستبعد اعتبار عبادة مسلم على وفق ~~دليل شرعى لا يقطع بخطإ فيه وإن كان يظن ذلك ظنا # وتتبع مثل هذا يطول # وقد اختلف فيما تحقق فيها نهى من الشارع هل يقتضى فساد المنهى عنه وفيه ~~بين الفقهاء والاصوليين ما لا يخفى عليكم فكيف بهذا وإذا خرجت المسالة ms387 ~~المختلف فيها إلى اصل مختلف فيه فقد خرجت عن حيز الإشكال # ولم يبق إلا الترجيح لبعض تلك المسائل # ويرجح كل أحد ما ظهرله بحسب ما وفق له # ولنكتف بهذا القدر في هذه المسألة PageV02P149 ~~"""" صفحة رقم 150 """" # انتهى ما كتب لى به وهو بسط أدلة شاهدة لأصل الإستحسان فلا يمكن مع هذا ~~التقرير كله أن يتمسك به من أراد أن يستحسن بغير دليل اصلا # فصل # فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما احتجوا به أولا فاما من حد الاستحسان بأنه ~~ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه - فكأن هؤلاء يرون هذا النوع من ~~جملة أدلة الأحكام ولا شك أن العقل يجوز ان يرد الشرع بذلك بل يجوز أن يرد ~~بأن ما سبق إلى أوهام العوام - مثلا - فهو حكم الله عليهم فيلزمهم العمل ~~بمقتضاه ولكن لم يقع مثل هذا ولم يعرف التعبد به إلا بضرورة ولا بنظر ولا ~~بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون فلا يجوز إسناده لحكم الله لأنه ابتداء ~~تشريع من جهة العقل # وايضا فإنا نعلم أن الصحابة رضى الله عنهم حصروا نظرهم في الوقائع التي ~~لا نصوص فيها في الاستنباط والرد إلى ما فهموه من الأصول الثابتة # ولم يقل أحد منهم إنى حكمت في هذا بكذا لأن طبعى مال إليه أو لأنه يوافق ~~محبتى ورضائي # ولو قال ذلك لا شتد عليه النكير وقيل له من أين لك ان تحكم على عباد الله ~~بمحض ميل النفس وهوى القلب هذا مقطوع ببطلانه # بل كانوا يتناظرون ويعترض بعضهم بعضا على مأخذ بعض ويحصرون ضوابط الشرع # وايضا فلو رجع الحكم إلى مجرد الاستحسان لم يكن للمناظرة فائدة لان الناس ~~تختلف أهواؤهم وأغراضهم في الأطعمة والأشربة واللباس وغير ذلك PageV02P150 ~~"""" صفحة رقم 151 """" # ولا يحتاجون إلى مناظرة بعضهم بعضا لم كان هذا الماء أشهى عندك من الآخر ~~والشريعة ليست كذلك # على أن أرباب البدع العملية أكثرهم لا يحبون أن يناظروا أحدا # ولا يفاتحون عالما ولا غيره فيما يبتغون خوفا من الفضيحة أن لا يجدوا ~~مستندا شرعيا ms388 وإنما شانهم إذا وجدوا عالما أو لقوه أن يصانعوا وإذا وجدوا ~~جاهلا عاميا ألقوا عليه في الشريعة الطاهرة إشكالات حتى يزلزلوهم ويخلطوا ~~عليهم ويلبسوا دينهم فإذا عرفوا منهم الحيرة والالتباس # ألقوا إليهم من بدعهم على التدريج شيئا فشيئا وذموا أهل العلم بأنهم أهل ~~الدنيا المكبون عليها وان هذا الطائفة هم أهل الله وخاصته # وربما أوردوا عليهم من كلام غلاة الصوفية شواهد على ما يلقون إليهم حتى ~~يهووا بهم في نارجهنم وأما أن يأتوا الامر من بابه ويناظروا عليه العلماء ~~الراسخين فلا # ونأمل ما نقله الغزالى في استدراج الباطنية غيرهم إلى مذهبهم تجدهم لا ~~يعتمدون إلا على خديعة الناس من غير تقرير علم والتحيل عليهم بانواع الحيل ~~حتى يخرجوهم من السنة أو عن الدين جملة # ولولا الإطالة لأتيت بكلامه فطالعه في كتابه فضائح الباطنية # وأما الحد الثاني فقد رد بأنه لو فتح هذا الباب لبطلت الحجج وادعى كل من ~~شاء ما شاء واكتفى بمجرد القول فألجأ الخصم إلى الإبطال # وهذا يجر فسادا لا خفاء له # وإن سلم فذلك الدليل إن كان فاسدا فلا عبرة به وإن كان صحيحا فهو راجع ~~إلى الأدلة الشرعية فلا ضرر فيه # وأما الدليل الأول فلا متعلق به فإن احسن الاتباع إلينا اتباع الأدلة ~~الشرعية وخصوصا القرآن فإن الله تعالى يقول ) الله نزل أحسن الحديث ( PageV02P151 ~~"""" صفحة رقم 152 """" # كتابا متشابها ) الآية وجاء في صحيح الحديث - خرجه مسلم _ ان النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) قال في خطبته أما بعد فأحسن الحديث كتاب الله فيفتقر ~~أصحاب الدليل ان يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس مما أنزل إلينا فضلا ~~عن أن يقول من أحسنه # وقوله تعالى ) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( الآية # يحتاج إلى بيان أن ميل النفوس يسمى قولا # وحينئذ ينظر إلى كونه أحسن القول كما تقدم وهذا كله فاسد # ثم إن نعارض هذا الاستحسان بأن عقولنا تميل إلى إبطاله وأنه ليس بحجة ~~وإنما الحجة الأدلة الشرعية المتلقاة من الشرع # وأيضا فيلزم عليه استحسان العوام ومن ليس ms389 من اهل النظر إذا فرض ان الحكم ~~يتبع مجرد ميل النفوس وهوى الطباع وذلك محال للعلم بان ذلك مضاد للشريعة ~~فضلا عن أن يكون من أدلتهأ # واما الدليل الثاني فلا حجة فيه من أوجه # أحدها أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن والأمة لا تجتمع ~~على باطل # فاجتماعهم على حسن شىء يدل على حسنه شرعا لأن الإجماع يتضمن دليلا شرعيا ~~فالحديث دليل عليكم لا لكم # والثاني أنه خبر واحد في مسالة قطعية فلا يسمع # والثالث إنه إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم فيلزم عليه استحسان ~~العوام وهو باطل بإجماع # لا يقال إن المراد استحسان أهل الاجتهاد لانا نقول هذا ترك للظاهر فيبطل ~~الاستدلال # ثم إنه لا فائدة في اشتراط الاجتهاد لأن المستحسن بالفرض لا ينحصر في ~~الأدلة فأى حاجة إلى اشتراط الاجتهاد # فإن قيل إنما يشترط حذرا من مخالفة الأدلة فإن العامى لا يعرفها # قيل PageV02P152 ~~"""" صفحة رقم 153 """" # بل المراد استحسان ينشأ عن الأدلة بدليل أن الصحابة رضى الله عنهم قصروا ~~أحكامهم على اتباع الأدلة وفهم مقاصد الشرع # فالحاصل أن تعلق المبتدعة بمثل هذه الامور تعلق بما لا يغنيهم ولا ينفعهم ~~البتة لكن ربما يتعلقون في آحاد بدعتهم بآحاد شبه ستذكر في مواضعها إن شاء ~~الله ومنها ما قد مضى # فصل # فإن قيل أفليس في الأحاديث ما يدل على الرجوع إلى ما يقع في القلب ويجرى ~~في النفس وإن لم يكن ثم دليل صريح على حكم من أحكام الشرع ولا غير صريح فقد ~~جاء في الصحيح عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه كان يقول دع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمانينة والكذب ريبة # وخرج مسلم عن النواس بن سمعان رضى الله عنه قال سألت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما حاك في ~~صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه وعن أبى أمامة رضى الله عنه قال قال رجل يا ~~رسول الله ما ms390 الإيمان قال إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن # قال يا رسول الله فما الإثم قال إذا حاك شىء في صدرك فدعه وعن انس بن ~~مالك رضى الله عنه قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول دع ما ~~يريبك إلى مالا يريبك وعن وابصة رضى الله عنه قال سألت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) عن البر والإثم فقال يا وابصة استفت قلبك وأستفت نفسك ~~البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد ~~في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك وخرج البغوى في معجمه عن عبد الرحمن بن ~~معاوية أن رجلا سأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال يا رسول الله ما ~~يحل لى مما يحرم على فسكت رسول الله PageV02P153 ~~"""" صفحة رقم 154 """" # ( صلى الله عليه وسلم ) فرد عليه ثلاث مرات كل ذلك يسكت رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) ثم قال أين السائل فقال أنا ذا يا رسول الله # فقال - ونقر بأصبعه - ما انكر قلبك فدعه # وعن عبدالله قال الإثم حواز القلوب فما حاك من شىء في قلبك فدعه وكل شىء ~~فيه نظرة فإن للشيطان فيه مطمعا وقال أيضا الحلال بين والحرام بين وبينهما ~~أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وعن أبى الدرداء رضى الله عنه ~~ان الخير طمأنينة وان الشر ريبة فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال شريح دع ~~ما يريبك إلى مالا يريبك فوالله ما وجدت فقد شىء تركته ابتغاء وجه الله # فهذه ظهر من معناها الرجوع في جملة من الأحكام الشرعية إلى ما يقع بالقلب ~~ويهجس بالنفس ويعرض بالخاطر وأنه إذا اطمأنت النفس إليه في فالإقدام عليه ~~صحيح وإذا توقفت أو ارتابت فالإقدام عليه محظور وهو عين ما وقع إنكاره من ~~الرجوع إلى الاستحسان الذي يقع بالقلب ويميل إليه الخاطر وإن لم يكن ثم ~~دليل شرعى فإنه لو كان هنالك دليل شرعى أو كان هذا التقرير مقيدا بالأدلة ~~الشرعية لم يحل به على ms391 ما في النفوس ولا على ما يقع بالقلوب مع انه عندكم ~~عبث وغير مفيد كمن يحيل بالأحكام الشرعية على الأمور الوفاقية أو الأفعال ~~التي لا ارتباط بينها وبين شرعية الأحكام # فدل ذلك على ان لاستحسان العقول وميل النفوس أثرا في شرعية الأحكام ~~وهوالمطلوب # والجواب أن هذه الأحاديث وما كان في معناه قد زعم الطبرى في تهذيب الآثار ~~أن جماعة من السلف قالوا بتصحيحها والعمل بما دل عليه ظاهرها # وأتى بالآثار المتقدمة عن عمر وابن مسعود وغيرهما ثم ذكر عن آخرين القول ~~بتوهينها وتضعيفها وإحالة معانيها PageV02P154 ~~"""" صفحة رقم 155 """" # وكلامه وترتيبه بالنسبة إلى ما نحن فيه لائق أن يؤتى به على وجهه فاتيت ~~به على تحرى معناه دون لفظه لطوله فحكى ة عن جماعة أنهم قالوا لا شىء من ~~أمر الدين إلا وقد بينه الله تعالى بنص عليه أو بمعناه فإن كان حلالا فعلى ~~العامل به إذا كان عالما تحليله أو حراما فعليه تحريمه أو مكروها غير حرام ~~فعليه اعتقاد التحليل أو الترك تنزيها # فأما العامل بحديث النفس والعارض في القلب فلا فإن الله حظر ذلك على نبيه ~~فقال ) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ( ~~فأمره بالحكم بما اراه الله لا بما رآه وحدثته به نفسه فغيره من البشر أولى ~~أن يكون ذلك محظورا عليه # وأما إن كان جاهلا فعليه مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه # ونقل عن عمر رضى الله عنه أنه خطب فقال ايها الناس قد سنت لكم السنن ~~وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا # وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما كان في القرآن من حلال أو حرام فهو كذلك ~~وما سكت عنه فهو مما عفى عنه # وقال مالك قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقد تم هذا الأمر ~~واستكمل فينبغى ان تتبع آثار رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واصحابه ولا ~~يتبع الرأى فإنه من اتبع الراى جاءه رجل آخر أقوى في الرأى منه فاتبعه ~~فكلما ms392 غلبه رجل اتبعه ارى أن هذا بعد لم يتم PageV02P155 ~~"""" صفحة رقم 156 """" # واعملوا من الآثار بما روى عن جابر رضى الله عنه # أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدى إذا ~~اعتصمتم به كتاب الله وسنتى ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض # وروى عن عمرو بن خرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوما وهم يجادلون ~~في القرآن فخرج وجهه أحمر كالدم فقال يا قوم على هذا هلك من كان قبلكم ~~جادلوا في القرآن وضربوا بعضه ببعض فما كان من حلال فاعملوا به وما كان من ~~حرام فانتهوا عنه وما كان من متشابه فآمنوا به # وعن أبى الدرداء رضى الله عنه يرفعه قال ما أحل الله في كتابه فهو حلال ~~وما حرم فيه فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته فإن ~~الله لم يكن لينسى شيئا ) وما كان ربك نسيا ( PageV02P156 ~~"""" صفحة رقم 157 """" # قالوا فهذه الأخبار وردت بالعمل بما في كتاب الله والاعلام بان العامل به ~~لن يضل ولم يأذن لأحد في العمل بمعنى ثالث غير ما في الكتاب والسنة ولو كان ~~ثم ثالث لم يدع بيانه فعدل على أن لا ثالث ومن ادعاه فهو مبطل # قالوا - فإن قيل فإنه عليه السلام قد سن لامته وجها ثالثا وهو قوله استفت ~~قلبك وقوله الإثم حواز القلوب إلى غير ذلك قلنا لو صحت هذه الأخبار لكان ~~ذلك إبطالا لأمره بالعمل بالكتاب والسنة إذا صحا معا لان احكام الله ورسوله ~~لم ترد بما استحسنته النفوس واستقبحته وإنما كان يكون وجها ثالثا لو خرج ~~شىء من الدين عنهما وليس بخارج فلا ثالث يجب العمل به # فإن قيل قد يكون قوله استفت قلبك ونحوه أمرا لمن ليس في مسألته نص من ~~كتاب ولا سنة واختلفت فيه الأمة فيعد وجها ثالثا # قلنا لا يجوز ذلك لأمور # أحدها أن كل ما لا نص فيه بعينه قد نصبت على حكمه دلالة فلو كان فتوى ~~القلب ونحوه دليلا لم ms393 يكن لنصت الدلالة الشرعية عليه معنى فيكون عبثا وهو باطل # والثاني أن الله تعالى قال ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~( فامر المتنازعين بالرجوع إلى الله والرسول دون حديث النفوس وفتيا القلوب # والثالث ان الله تعالى قال ) فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ( ~~فأمرهم بمسألة أهل الذكر ليخبروهم بالحق فيما اختلفوا فيه من امر محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ولم يأمرهم أن يستفتوا في ذلك انفسهم # والرابع أن الله تعالى قال لنبيه احتجاجا على من أنكر وحدانيته ) أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ( إلى أخرها # فامرهم بالاعتبار بعبرته PageV02P157 ~~"""" صفحة رقم 158 """" # والاستدلال بأدلته على صحة ما جاءهم به ولم يأمرهم أن يستفتوا فيه نفوسهم ~~ويصدروا عما اطمأنت إليه قلوبهم وقد وضع الأعلام والادلة فالواجب في كل ما ~~وضع الله عليه الدلالة أن يستدل بأدلته على ما دلت دون فتوى النفوس وسكون ~~القلوب من أهل الجهل بأحكام الله # هذا ما حكاه الطبرى عمن تقدم ثم اختار إعمال تلك الأحاديث إما لأنه صحت ~~عنده أو صح منها عنده ما تدل عليه معانيها كحديث الحلال بين والحرام بين ~~إلى آخر الحديث فإنه صحيح خرجه الإمامان ولكنه لم يعملها في كل من أبواب ~~الفقه إذ لا يمكن ذلك في تشريع الأعمال وإحداث التعبدات فلا يقال بالنسبة ~~إلى إحداث الأعمال إذا اطمأنت نفسك إلى هذا العمل فهو بر أو استفت قلبك في ~~إحداث هذا العمل فإن اطمأنت إليه نفسك فاعمل به وإلا فلا # وكذلك في النسبة إلى التشريع التركي لا يتاتى تنزيل معانى الأحاديث عليه ~~بان يقال إن اطمأنت نفسك إلى ترك العمل الفلانى فاتركه وإلا فدعه # أي فدع الترك واعمل به # وإنما يستقيم إعمال الاحادث المذكورة فيما أعمل فيه قوله عليه الصلاة ~~والسلام الحلال بين والحرام بين الحديث # وما كان من قبيل العادات من استعمال الماء والطعام والشراب والنكاح ~~والباس وغير ذلك مما في هذا المعنى فمنه ما هو بين الحلية وما هو بين ~~التحريم وما فيه إشكال - وهو الأمر المشتبه ms394 الذي لا يدرى أحلال هو أم حرام ~~فإن ترك الإقدام أولى من الإقدام مع جهلة بحاله نظير قوله عليه السلام إنى ~~لاجد التمرة ساقطة على فراشى فلولا أنى أخشى أن تكن من الصدقة لأكلتها فهذه ~~التمرة لا شك أنها لم تخرج من إحدى الحالين إما من الصدقة وهي حرام عليه PageV02P158 ~~"""" صفحة رقم 159 """" # وإما من غيرها وهي حلال له فترك أكلها حذرا من أن تكون من الصدقة في نفس الأمر # قال الطبرى - فكذلك حق الله على العبد فيما اشتبه عليه مما هو في سعة من ~~تركه والعمل به أو مما هو غير واجب - ان يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه إذ ~~يزول بذلك عن نفسه الشك كمن يريد خطبة امرأة فتخبره امرأة أنها قد أرضعته ~~وإياها ولا يعلم صدقها من كذبها فإن تركها أزال عن نفسه الريبة اللاحقة له ~~بسبب إخبار المرأة وليس تزوجه إياها بواجب بخلاف ما لو أقدم فإن النفس لا ~~تطمئن إلى حلية تلك الزوجة # وكذلك قول عمر إنما هو فيما أشكل امره في البيوع فلم يدر حلال هو أم حرام ~~ففي تركه سكون النفس وطمأنينة القلب كما في الإقدام شك هل هو آثم أم لا وهو ~~معنى وقوله عليه السلام للنواس ووابصة رضى الله عنهما ودل على ذلك حديث ~~المشتبهات لا ما ظن أولئك من أنه امر للجهال ان يعملوا بما رأته أنفسهم ~~ويتركوا ما استقبحوه دون أن يسألوا علمائهم # قال الطبرى - فإن قيل إذا قال الرجل لامرأته انت على حرام # فسأل العلماء فاختلفوا عليه # فقال بعضهم قد بانت منك بالثلاث وقال بعضهم إنها حلال غير أن عليك كفارة يمين # وقال بعضهم ذلك إلى نيته إن أراد الطلاق فهو طلاق # أو الظهار فهو ظهار # أو يمينا فهو يمين # وإن لم ينو شيئا فليس بشىء أيكون هذا اختلافا في الحكم كإخبار المرأة ~~بالرضاع فيؤمر هنا بالفراق كما يؤمر هناك أن لا يتزوجها خوفا من الوقوع في ~~المحظور أولا قيل حكمه في مسالة العلماء أن يبحث عن ms395 أحوالهم وأمانتهم ~~ونصيحتهم ثم يقلد الأرجح # فهذا ممكن والحزازة مرتفعة بهذا البحث # بخلاف ما إذا بحث مثلا عن أحوال المرأة فإن الحزازة لا تزول # وإن أظهر البحث ان احوالها غير PageV02P159 ~~"""" صفحة رقم 160 """" # حميدة فهما على هذا مختلفان # وقد يتفقان في الحكم إذا بحث عن العلماء فاستوت أحوالهم عنده لم يثبت له ~~ترجيح لاحدهم فيكون العمل المأمور به من الاجتناب كالمعول به في مسالة ~~المخبرة بالرضاع سواء إذ لا فرق بينهما على هذا التقدير # انتهى معنى كلام الطبرى # وقد أثبت في مسألة اختلاف العلماء على المستفتى أنه غير مخير بل حكمه حكم ~~من التبس عليه الامر فلم يدر أحلال هو أم حرام فال خلاص له من الشبهة إلا ~~باتباع أفضلهم والعمل بما أفتى به # وإلا فالترك إذ لا تطمئن النفس إلا بذلك حسبما اقتضته الأدلة المتقدمة # فصل # ثم يبقى في هذا الفصل الذي فرغنا منه إشكال على كل من اختار استفتاء ~~القلب مطلقا أو بقيد وهو الذي رآه الطبرى # وذلك أن حاصل الامر يقتضى أن فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر ~~في الأحكام الشرعية وهو التشريع بعينه فإن طمأنينة النفس وسكون القلب مجردا ~~عن الدليل - إما ان تكون معتبرة أو غير معتبرة شرعا فإن لم تكن معتبرة فهو ~~خلاف ما دلت عليه تلك الأخبار وقد تقدم أنها معتبرة بتلك الأدلة # وإن كانت معتبرة فقد صار ثم قسم ثالث غير الكتاب والسنة وهو غير ما نفاه ~~الطبرى وغيره # وإن قيل إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام # لم تخرج تلك عن الإشكال الأول لان كل واحد من الإقدام والاحجام فعل لا بد ~~أن يتعلق به حكم شرعى وهو الجواز وعدمه وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم ~~طمأنينتها # فإن كان ذلك عن دليل فهو ذلك الأول بعينه باق على كل تقدير # والجواب أن الكلام الأول صحيح وإنما النظر في تحقيقه PageV02P160 ~~"""" صفحة رقم 161 """" # فاعلم أن كل مسالة تفتقر إلى نظرين نظر في دليل الحكم ونظر في مناطه فاما ~~النظر في دليل ms396 الحكم لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع ~~إليهما عن إجماع أو قياس أو غيرهما # ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس ولا نفى ريب القلب إلا من جهة اعتقاد كون ~~الدليل دليلا اوغير دليل # ولا يقول أحد إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل عليها ~~أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا وهو ~~مخالف لإجماع المسلمين # وأما النظر في مناط الحكم فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل ~~شرعي فقط بل يثبت بدليل غير شرعى أو بغير دليل فلا يشترط فيه بلوغ درجة ~~الاجتهاد بل لا يشترط فيه العلم فضلا عن درجة الاجتهاد # الا ترى أن العامى إذا سأل عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إذا فعله ~~المصلى هل تبطل به الصلاة أم لا فقال العامى إن كان يسيرا فمغتفر وإن كان ~~كثيرا فمبطل - لم يغتفر في اليسير إلى أن يحققه له العالم # بل العاقل يفرق بين الفعل اليسير والكثير # فقد انبنى هاهنا الحكم - وهو البطلان أو عدمه - على ما يقع بنفس العامى ~~وليس واحدا من الكتاب أو السنة لانه ليس ما وقع بقلبه دليلا على حكم وإنما ~~هو مناط الحكم فإذا تحقق له المناط بأى وجه تحقق فهو المطلوب فيقع عليه ~~الحكم بدليله الشرعى # وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة وفرقنا بين اليسير والكثير في ~~التفريق الحاصل أثناء الطهارة فقد يكتفى العامى بذلك حسبما يشهد قلبه في ~~اليسير أو الكثير فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب لانه ~~نظر في مناط الحكم PageV02P161 ~~"""" صفحة رقم 162 """" # فإذا ثبت هذا فمن ملك لحم شاة ذكية حل له أكله لان حليته ظاهرة عنده إذا ~~حصل له شرط الحلية لتحقق مناطها بالنسبة إليه # أو ملك لحم شاة ميتة لم يحل له اكله لان تحريمه ظاهر من جهة فقده شرط ~~الحلية فتحقق مناطها بالنسبة إليه # وكل واحد من المناطين راجع إلى ما وقع بقلبه واطمأنت إليه ms397 نفسه لا بحسب ~~الامر في نفسه # ألا ترى ان اللحم قد يكون واحدا بعينه فيعتقد واحد حليته بناء على ما ~~تحقق له من مناطه بحسبه ويعتقد آخر تحريمه بناء على ما تحقق له من مناطبه ~~بحسب فيأكل أحدهما حلالا ويجب على الآخر الاجتناب لانه حرام ولو كان ما يقع ~~بالقلب يشترط فيه أن يدل عليه دليل شرعى لم يصح هذا المثال وكان محالا لان ~~أدلة الشرع لا تناقض أبدا # فإذا فرضنا لحما أشكل على المالك تحقيق مناطه لم ينصرف إلى إحدى الجهتين ~~كاختلاط الميتة بالذكية واختلاط الزوجة بالأجنبية # فهاهنا قد وقع الريب والشك وإلإشكال والشبهة # وهذا المناط محتاج إلى دليل شرعى يبين حكمه وهي تلك الأحاديث المتقدمة ~~كقوله دع ما يريبك إلى مالا يريبك وقوله البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ~~ما حاك في صدرك كانه يقول إذا اعتبرنا باصطلاحنا ما تحققت مناطه في الحلية ~~أو الحرمة فالحكم فيه من الشرع بين # وما اشكل عليك تحقيقه فاتركه وإياك والتلبس به # وهو معنى - قوله - إن صح - استفت قلبك وإن أفتوك فإن تحقيقك لمناط مسالتك ~~أخص بك من تحقيق غيرك له إذا كان مثلك # ويظهر ذلك فيما إذا أشكل عليك المناط ولم يشكل على غيرك لانه لم يعرض له ~~ما عرض لك PageV02P162 ~~"""" صفحة رقم 163 """" # وليس المراد بقوله وإن أفتوك أي إن نقلوا إليك الحكم الشرعى فاتركه وانظر ~~ما يفتيك به قلبك فإن هذا باطل وتقول على التشريع الحق # وإنما المراد ما يرجع إلى تحقيق المناط # نعم قد لا يكون ذلك دريه أو أنسا بتحقيقه فيحققه لك غيرك وتقلده فيه وهذه ~~الصورة خارجة عن الحديث كما أنه قد يكون تحقيق المناط أيضا موقوفا على ~~تعريف الشارع كحد الغنى الموجب للزكاة فإنه يختلف باختلاف الأحوال فحققه ~~الشارع بعشرين دينارا ومائتي درهم واشباه ذلك وإنما النظر هنا فيما وكل ~~تحقيقه إلى المكلف # فقد ظهر معنى المسألة وأن الأحاديث لم تتعرض لاقتناص الأحكام الشرعية من ~~طمأنينة النفس أو ميل القلب كما أورده السائل المستشكل وهو ms398 تحقيق بالغ # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات PageV02P163 ~~"""" صفحة رقم 164 """" ### | AUTO الباب التاسع في السبب الذى لاجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة ~~المسلمين # فاعلموا رحمكم الله أن الآيات الدالة على ذم البدعة وكثيرا من الأحاديث ~~اشعرت بوصف لأهل البدعة وهو الفرقة الحاصلة حتى يكونوا بسببها شيعا متفرقة ~~لا ينتظم شملهم بالإسلام وإن كانوا من أهله وحكم لهم بحكمه # ألا ترى أن قوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء ( وقوله تعالى ) ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا ( الآية وقوله ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ( إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق # وفي الحديث ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة والتفرق ناشىء عن الاختلاف ~~في المذاهب والآراء إن جعلنا التفرق معناه بالأبدان - وهو الحقيقة - وإن ~~جعلنا معنى التفرق في المذاهب فهو الاختلاف كقوله ) ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا ( الآية # فلا بد من النظر في هذا الاختلاف ما سببه وله سببان أحدهما لا كسب للعباد ~~فيه وهو الراجع إلى سابق القدر والآخر هو الكسبى وهو المقصود بالكلام PageV02P164 ~~"""" صفحة رقم 165 """" # عليه في هذا الباب إلا أن نجعل السبب الأول مقدمة فإن فيها معنى أصيلا ~~يجب التثبت له على من أراد التفقه في البدع # فنقول والله الموفق للصواب قال الله تعالى ) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ( فأخبر سبحانه انهم ~~لا يزالون مختلفين أبدا مع أنه إنما خلقهم للاختلاف وهو قول جماعة من ~~المفسرين في الآية وان قوله ولذلك خلقهم معناه وللاختلاف خلقهم # وهو مروى عن مالك ابن أنس قال خلقهم ليكونوا فريقا في الجنة وفريقا في السعير # ونحوه عن الحسن فالضمير في خلقهم عائد على الناس فلا يمكن أن يقع منهم ~~إلا ما سبق في العلم وليس المراد ها هنا الاختلاف في الصور كالحسن والقبيح ~~والطويل والقصير ولا في الألوان كالأحمر والأسود ولا في ms399 اصل الخلقة كالتام ~~الخلق والأعمى والبصير والاصم والسميع ولا في الخلق كالشجاع والجبان ~~والجواد والبخيل ولا فيما اشبه ذلك من الأوصاف التي هم مختلفون فيها # وإنما المراد اختلاف آخر وهو الاختلاف الذي بعث الله النبيين ليحكموا فيه ~~بين المختلفين كما قال تعالى ) كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه ( الآية وذلك الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات ~~المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الآخرة والدنيا # هذا هو المراد من الأيات التي كرر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق أن هذا ~~الاختلاف الواقع بينهما على أوجه PageV02P165 ~~"""" صفحة رقم 166 """" # احدها الاختلاف في اصل النحلة # وهو قول جماعة من المفسرين منهم عطاء قال ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم قال - قال اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية - وهم الذين ~~رحم ربك - الحنيفية # خرجه ابن وهب وهو الذي يظهر لبادى الرأى في الآية المذكورة # واصل هذا الاختلاف هو في التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه فإن الناس ~~في عامة الأمر لم يختلفوا في ان لهم مدبرا يدبرهم وخالقا أوجدهم إلا انهم ~~اختلفوا في تعيينه على آراء مختلفة من # قائل بالأثنين وبالخمسة وبالطبيعة أو بالدهر أو بالكواكب إلى أن قالوا ~~بالآدميين وبالشجر وبالحجارة وما ينحتون بأيديهم # ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق لكن على آراء مختلفة أيضا إلى أن بعث ~~الله الأنبياء مبينين لأممهم حق ما اختلفوا فيه من باطله فعرفوا بالحق على ~~ما ينبغى ونزهوا رب الأرباب عما لا يليق بجلاله من نسبة الشركاء والأنداد ~~وإضافة الصاحبة والأولاد فأقر بذلك من أقر به وهم الداخلون تحت مقتضى قوله ~~) إلا من رحم ربك ( وأنكر من أنكر فصار إلى مقتضى قوله ) وتمت كلمة ربك ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( وإنما دخل الأولون تحت وصف الرحمة ~~لأنهم خرجوا عن وصف الاختلاف إلى وصف الوفاق والالفة وهو قوله ) واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( وهو منقول عن جماعة من المفسرين ms400 PageV02P166 ~~"""" صفحة رقم 167 """" # وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز انه قال في قوله ) ولذلك خلقهم ( خلق ~~أهل الرحمة أن لا يختلفوا # وهو معنى ما نقل عن مالك وطاوس في جامعه وبقى الآخرون على وصف الاختلاف ~~إذ خالفوا الحق الصريح ونبذوا الدين الصحيح # وعن مالك أيضا قال الذين رحمهم لم يختلفوا # وقول الله تعالى ) كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~( - إلى قوله ) فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ( ~~ومعنى ) كان الناس أمة واحدة ( ) فاختلفوا ( ) فبعث الله النبيين ( فأخبر ~~في الآية أنهم أختلفوا ولم يتفقوا فبعث النبيين ليحكموا بينهم فيما اختلفوا ~~فيه من الحق وأن الذين آمنوا هداهم للحق من ذلك الاختلاف # وفي الحديث الصحيح نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم هذا يومهم الذى فرض الله عليهم فاختلفوا ~~فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع فاليهود غدا والنصارى بعد غد # وخرج ابن وهب عن زيد اسلم في قوله تعالى كان الناس أمة واحدة فهذا يوم ~~أخذ ميثاقهم لم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم # ) فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ( ) فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه ( # واختلفوا في يوم الجمعة فاتخذ اليهود يوم السبت واتخذ النصارى يوم الأحد ~~فهدى الله امة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليوم الجمعة # واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واستقبلت اليهود بيت المقدس ~~وهدى الله امة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) للقبلة PageV02P167 ~~"""" صفحة رقم 168 """" # واختلفوا في الصلاة فمنهم من يركع ولا يسجد ومنهم من يسجد ولا يركع ومنهم ~~من يصلى ولا يتكلم ومنهم من يصلى وهو يمشى وهدى الله أمة محمد ( صلى الله ~~عليه وسلم ) للحق من ذلك # واختلفوا في الصيام فمنهم من يصوم بعض النهار ومنهم من يصوم من بعض ~~الطعام وهدى الله أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) للحق من ذلك # واختلفوا في إبراهيم عليه السلام فقالت اليهود كان يهوديا وقالت النصارى ~~نصرانيا ms401 وجعله الله حنيفا مسلما فهدى الله امة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~للحق من ذلك # واختلفوا في عيسى عليه السلام فكفرت به اليهود وقالوا لأمه بهتانا عظيما ~~وجعلته النصارى إلها وولدا وجعله الله روحه وكلمته فهدى الله أمة محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) للحق من ذلك # ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني لا بقصد ~~الاول فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ~~ومجالا للظنون وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة ~~فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف لكن في الفروع دون الاصول وفي الجزئيات ~~دون الكليات فلذلك لا يضر هذا الاختلاف # وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال أما أهل رحمة الله فإنهم ~~لا يختلفون اختلافا يضرهم يعنى لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص PageV02P168 ~~"""" صفحة رقم 169 """" # فيها بقطع العذر بل لهم فيه أعظم العذر ومع ان الشارع لما علم أن هذا ~~النوع من الاختلاف واقع اتى فيه باصل يرجع إليه وهو قول الله تعالى ) فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( الآية فكل اختلاف من هذا القبيل ~~حكم الله فيه ان يرد إلى الله وذلك رده إلى كتابه وإلى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وذلك رده إليه إذا كان حيا وإلى سنته بعد موته وكذلك فعل ~~العلماء رضى الله عنهم # إلا ان لقائل ان يقول هل هم داخلون تحت قوله تعالى ) ولا يزالون مختلفين ~~( أم لا والجواب انه لا يصح ان يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه # أحدها أن الآية اقتضت أن اهل الاختلاف المذكورين مباينون لاهل الرحمة ~~لقوله ) ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ( فإنها اقتضت قسمين أهل ~~الاختلاف ومرحومين فظاهر التقسيم أن اهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف وإلا ~~كان قسم الشىء قسيما له ولم يستقم معنى الاستثناء # والثانى انه قال فيها ولا يزالون مختلفين فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم ~~لهم حتى أطلق عليهم ms402 لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت واهل الرحمة مبرءون من ~~ذلك لأن وصف الرحمة ينافى الثبوت على المخالفة بل إن خالف احدهم في مسالة ~~فإنما يخالف فيها تحريا لقصد الشارع فيها حتى إذا تبين له الخطأ فيها راجع ~~نفسه وتلافى أمره فخلافه في المسالة بالعرض لا بالقصد الأول فلم يكن وصف ~~الاختلاف لازما ولا ثابتا فكان التعبير عنه بالفعل الذي يقتضى العلاج ~~والانقطاع اليق في الموضع PageV02P169 ~~"""" صفحة رقم 170 """" # والثالث أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض ~~الرحمة وهم الصحابة ومن إتبعهم بإحسان رضى الله عنهم بحيث لا يصح إدخالهم ~~في قسم المختلفين بوجه فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدودا من أهل ~~الاختلاف - ولو بوجه ما - لم يصح إطلاق القول في حقه انه من أهل الرحمة # وذلك باطل بإجماع أهل السنة # والرابع ان جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربا من ~~ضروب الرحمة وإذا كان من جملة الرحمة فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجا من قسم ~~أهل الرحمة # وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة ما روى عن القاسم بن محمد قال لقد نفع ~~الله باختلاف أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في العمل لا يعمل ~~العامل بعلم رجل منهم إلا رأى انه في سعة # وعن ضمرة بن رجاء قال اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا ~~يتذاكران الحديث - قال - فجعل عمر يجىء بالشىء يخالف فيه القاسم - قال - ~~وجعل القاسم يشق ذلك عليه حتى بين فيه فقال له عمر لا تفعل فما يسرنى ~~باختلافهم حمر النعم # وروى ابن وهب عن القاسم أيضا قال لقد أعجبنى قول عمر بن عبد العزيز # ما أحب أن أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) لا يختلفون لانه لو كان ~~قولا واحدا لكان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم ~~كان سنة # ومعنى هذا انهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه لأنهم لو لم ~~يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق لأن ms403 مجال الاجتهاد ومجالات الظنون PageV02P170 ~~"""" صفحة رقم 171 """" # لا تتفق عادة - كما تقدم - فيصير اهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب ~~على ظنونهم مكلفين باتباع خلافهم وهو نوع من تكليف مالا يطاق وذلك من أعظم الضيق # فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعى فيهم فكان فتح باب للأمة ~~للدخول في هذه الرحمة فكيف لا يدخلون في قسم من رحم ربك فاختلافهم في ~~الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله # وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى واعلى من الرتبة الثانية ~~وهي أن يقع الاتفاق في أصل الدين ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية وهو ~~المؤدى إلى التفرق شيعا # فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف # ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسم ان امته تفترق على بضع وسبعين فرقة وأخبر ~~أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع وشمل ذلك ~~الاختلاف الواقع في الامم قبلنا ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم ~~بالنار وذلك بعيد من تمام الرحمة # ولقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على الفتنا وهدايتنا حتى ثبت من حديث ~~ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال لما حضر النبى صلى الله عليه وسم قال - ~~وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضى لله عنهم - فقال هلم أكتب لكم كتابا ~~لن تضلوا بعده فقال عمر إن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) غلبه الوجع وعندكم ~~القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا ~~يكتب لكم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من ~~يقول كما قال عمر فما كثر اللغط والاختلاف PageV02P171 ~~"""" صفحة رقم 172 """" # 2 عند النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال قوموا عنى فكان ابن عباس يقول إن ~~الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين أن ~~يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم # فكان ذلك - والله اعلم - وحيا أوحى الله إليه أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب ~~لم يضلوا بعده البتة فتخرج ms404 الأمة عن مقتضى قوله ) ولا يزالون مختلفين ( ~~بدخولها تحت وقوله ) إلا من رحم ربك ( فأبى الله إلا ما سبق به علمه من ~~اختلافهم كما اختلف غيرهم # رضينا بقضاء الله وقدره ونسأله أن يثبتنا على الكتاب والسنة ويميتنا على ~~ذلك بفضله # وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع ~~وأن من رحم ربك أهل السنة ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا ~~مطلقا بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتاويل وهذا لا بد من بسطه # فاعلموا ان الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية ~~بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظمى العالمين بمواردها ~~ومصادرها # والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني على ذلك وإنما وقع ~~اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفا بل كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ~~ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق # أحدها أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد ~~في الدين - ولم يبلغ تلك الدرجة - فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه ~~خلافا ولكن تارة يكون ذلك في جزئى وفرع من الفروع وتارة يكون PageV02P172 ~~"""" صفحة رقم 173 """" # في كلى واصل من اصول الدين - كان من الاصول الاعتقادية أو من الاصول ~~العملية - فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها حتى يصير منها ما ~~ظهر له بادى رايه من غير أحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصده وهذا هو ~~المبتدع وعليه نبه الحديث الصحيح أنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال لا يقبض ~~الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا ~~لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا # قال بعض اهل العلم تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل ~~علمائهم وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم # فيؤتى الناس من قبله وقد صرف هذا المعنى تصريفا ms405 فقيل ما خان أمين قط ~~ولكنه ائتمن غير امين فخان # قال ونحن نقول ما ابتدع على قط ولكنه استفتى من ليس بعالم # قال مالك بن أنس بكى ربيعة يوما بكاء شديدا فقيل له مصيبة نزلت بك فقال ~~لا ولكن استفتى من لا علم عنده # وفي البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) قبل الساعة سنون خداعا يصدق فيهن الكاذب ويكذب فيهن PageV02P173 ~~"""" صفحة رقم 174 """" # الصادق ويخون فيهن الأمين ويؤتمن الخائن وينطق فيهن الرويبضة ) قالوا هو ~~الرجل التافه الحقير ينطق فى أمور العامة كأنه ليس بأهل أن يتكلم فى أمور ~~العامة فيتكلم # وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال قد علمت من يهلك الناس إذا جاء الفقه ~~من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه ~~الصغير فاهتديا # وقال ابن مسعود رضى الله عنه لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من ~~أكابرهم فإذا أخذوه عن اصاغرهم وشرارهم هلكوا # واختلف العلماء فيما أراد عمر بالصغار فقال ابن المبارك هم أهل البدع وهو ~~موافق لأن اهل البدع أصاغر في العلم ولأجل ذلك صاروا أهل البدع # وقال الباجى يحتمل أن يكون الاصاغر من لا علم عنده قال وقد كان عمر ~~يستشير الصغار وكان القراء أهل مشاورته كهولا وشبانا # قال ويحتمل أن يريد بالاصاغر من لا قدر له ولا حال ولا يكون ذلك إلا ~~بنبيذ الدين والمروءة # فأما من التزمهما فلا بد ان يسموا امره ويعظم قدره PageV02P174 ~~"""" صفحة رقم 175 """" # ومما يوضح هذا التأويل ما خرجه ابن وهب بسند مقطوع عن الحسن قال العامل ~~على غير علم كالسائر على غير طريق والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما ~~يصلح فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بترك العبادة واطلبوا العبادة طلبا لا يضر ~~بترك العلم فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على ~~أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا - ~~يعنى الخوارج - والله ms406 أعلم لأنهم قرأوا القرآن ولم يتفقهوا حسبما أشار إليه ~~الحديث يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم # وروى عن مكحول أنه قال تفقه الرعاع فساد الدين والدنيا # وتفقه السفلة فساد الدين # وقال الفريانى كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم كغير ~~وجهه فقلت يا أبا عبدالله اراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك # قال كان العلم في العرب وفي سادات الناس وإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء ~~النبط والسفلة غير الدين # وهذه الآثار ايضا إذا حملت على التأويل المتقدم اشتدت واستقامت لأن ~~ظواهرها مشكلة ولعلك إذا استقريت أهل البدع من المتكلمين أو أكثرهم وجدتهم ~~من أبناء سبايا الأمم ومن ليس له اصالة في اللسان العربي فعما قريب يفهم ~~كتاب الله على غير وجهه كما أن من لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها PageV02P175 ~~"""" صفحة رقم 176 """" # والثاني من اسباب الخلاف اتباع الهوى # ولذلك سمى أهل البدع أهل الأهواء لانهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة ~~الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها بل قدموا ~~أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ~~ذلك وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح ومن مال إلى الفلاسفة وغيرهم ~~ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم أو طلبا للرياسة ~~فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم ويتأول عليهم فيما أرادوا - حسبما ذكره ~~العلماء ونقله الثقاة من مصاحبى السلاطين # فالأولون ردوا كثيرا من الاحاديث الصحيحة بعقولهم وأساءوا الظن بما صح عن ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة حتى ردوا كثيرا ~~من امور الآخرة وأحوالها من الصراط والميزان وحشر الأجساد والنعيم والعذاب ~~الجسمى وأنكروا رؤية البارى واشباه ذلك بل صيروا العقل شارعا جاء الشرع ~~أولا بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل إلى غير ذلك من الشناعات # والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البنيات وإن كانت مخالفة لطلب الشريعة حرصا ~~على ان يغلب عدوه أو يفيد وليه أو يجر إلى ms407 نفسه PageV02P176 ~~"""" صفحة رقم 177 """" # كما ذكروا عن محمد بن يحيى بن لبابة أخى الشيخ ابن لبابة المشهور فإنه ~~عزل قضاء البيرة ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه - وسجل بسختطه القاضى ~~حبيب بن زياد وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته وأن لا يفتى أحدا # ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر ~~فشكا إلى القاضى ابن بقى ضرورته إليه لمقابلته منزهه وتأذيه برؤيتهم أوان ~~تطلعه من علاليه # فقال له ابن بقى لا حيلة عندى فيه وهو أولى أن يحاط بحرمة الحبس فقال له ~~تكلم مع الفقهاء فيه وعرفهم رغبتي وما أجزله من اضعاف القيمة فيه # فلعلهم أن يجدوا لى في ذلك رخصة # فتكلم ابن بقى معهم فلم يجدوا إليه سبيلا فغضب الناصر عليهم وأمر الوزراء ~~بالتوجيه فيهم إلى القصر وتوبيخهم فجرت بينهم وبين بعض الوزراء مكالمة ولم ~~يصل الناصر معهم إلى مقصوده # وبلغ ابن لبابة هذا الخبر فدفع إلى الناصر بعضا من اصحابه الفقهاء ويقول ~~إنهم حجروا عليه واسعا # ولو كان حاضرا لأفتاه بجواز المعاوضة وتقلد حقا وناظر اصحابه فيها # فوقع الأمر بنفس الناصر وأمر بإعادة محمد ابن لبابة إلى الشورى على حالته ~~الأولى ثم أمر القاضى بإعادة المشورة في المسألة فاجتمع القاضى والفقهاء ~~وجاء ابن لبابة آخرهم # وعرفهم القاضى ابن بقى بالمسألة التي جمعهم من أجلها وغبطة المعاوضة فقال ~~جميعهم بقولهم الأول من المنع من تغيير الحبس عن وجهه - وابن لبابة ساكت - ~~فقال له القاضي ما تقول أنت يا أبا عبدالله قال أما قول إمامنا مالك بن أنس ~~فالذي قاله أصحابنا الفقهاء وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحبس اصلا ~~وهم علماء PageV02P177 ~~"""" صفحة رقم 178 """" # أعلام يقتدى بهم اكثر الأمة وإذ بأمير المؤمنين من الحاجة إلى هذا المجشر ~~ما به فما ينبغى أن يرد عنه وله في السنة فسحة وأنا أقول بقول أهل العراق ~~وأتقلد ذلك رأيا # فقال له الفقهاء سبحان الله تترك قول مالك الذى أفتى به اسلافنا ومضوا ~~عليه واعتقدناه بعدهم وأفتينا به ms408 لا نحيد عنهم بوجه وهو رأى أمير المؤمنين ~~ورأى الأئمة آبائه فقال لهم محمد بن يحيى ناشدتكم الله العظيم ألم تنزل ~~باحد منكم ملمة بلغت بكم أن أخذتم فيها بغير قول مالك في خاصة أنفسكم ~~وأرخصتم لأنفسكم في ذلك قالوا بلى قال فأمير المؤمنين أولى بذلك فخذوا به ~~مأخذكم وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء فكلهم قدوة فسكتوا فقال للقاضى ~~انه إلى أمير المؤمنين فتياى # فكتب القاضى إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس وبقى مع اصحابه بمكانهم إلى ~~أن أتى الجواب بان يؤخذ له بفتيا محمد بن لبابة وينفذ ذلك يعوض المرضى من ~~هذا المجشر بأملاك ثمينة عجيبة وكانت عظيمة القدر جدا تزيد أضعافا على ~~المجشر ثم جىء بكتاب من عند أمير المؤمنين منه إلى ابن لبابة بولاية خطة ~~الوثائق ليكون هو المتولى لعقد هذه المعاوضة فهنىء بالولاية وأمضى القاضى ~~الحكم بفتواه واشهد عليه وانصرفوا فلم يزل ابن لبابة يتقلد خطة الوثائق ~~والشورى إلى أن مات سنة 336 ست وثلاثين وثلاثمائة # قال القاضى عياض ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا الخبر فقال ينبغى ان يضاف ~~هذا الخبر الذي حل سجل السخطة إلى سجل السخطة فهو أولى واشد في السخطة مما ~~تضمنه - أو كما قال # فتأملوا كيف اتباع الهوى وأولى أن ينتهى بصاحبه فشأن مثل هذا لا يحل أصلا ~~من وجهين PageV02P178 ~~"""" صفحة رقم 179 """" # أحدهما أنه لم يتحقق المذهب الذي حكم به لان أهل العراق لا يبطلون ~~الإحباس هكذا على الإطلاق ومن حكى عنهم ذلك فإما على غير تثبيت وإما انه ~~كان قولا لهم رجعوا عنه بل مذهبهم يقرب من مذهب مالك حسبما هو مذكور في كتب ~~الحنفية # والثاني أنه إن سلمنا صحته فلا يصح للحاكم أن يرجع في حكمه أحد القولين ~~بالمحبة والإمارة أو قضاء الحاجة إنما الترجيح بالوجوه المعتبرة شرعا وهذا ~~متفق عليه بين العلماء فكل من اعتمد على تقليد قول غير محقق أو رجح بغير ~~معنى معتبر فقد خلع الربقة واستد إلى غير شرع عافان الله من ذلك بفضله # فهذه ms409 الطريقة في الفتيا من جملة البدع المحدثات في دين الله تعالى كما أن ~~تحكيم العقل على الدين مطلقا محدث وسيأتى بيان ذلك بعد إن شاء الله # وقد ثبت بهذا وجه اتباع الهوى وهو أصل الزيغ عن الصراط المستقيم # قال الله تعالى ) هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ( - أي ميل عن الحق - ) فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ( وقد تقدم معنى الآية فمن شأنهم ~~أن يتركوا الواضح ويتبعوا المتشابه عكس ما عليه الحق في نفسه # وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما - وذكرت الخوارج وما يلقون في القرآن ~~- فقال يؤمنون بمحكمة ويهلكون عند متشابه وقرأ ابن عباس الآية # خرجه ابن وهب PageV02P179 ~~"""" صفحة رقم 180 """" # وقد دل على ذمه القرآن في قوله ) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ( الآية ولم ~~يأت في القرآن ذكر الهوى إلا في معرض الذم # حكى ابن وهب عن طاوس أنه قال ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه وقال ) ~~ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( إلى غير ذلك من الآيات # وحكى أيضا عن عبد الرحمن بن مهدى أن رجلا سال إبراهيم النخعى عن الأهواء ~~أيها خير فقال ما جعل الله في شىء منها مثقال ذرة من خير وما هي إلا زينة ~~الشيطان وما الأمر إلا الأمر الأول # يعنى ما كان عليه السلف الصالح # وخرج عن الثورى أن رجلا أتى إلى ابن عباس رضى الله عنهما فقال أنا على هواك # فقال له ابن عباس الهوى كله ضلالة أي شىء أنا على هواك # والثالث من اسباب الخلاف # التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق # وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ وأشابه ذلك وهو التقليد المذموم ~~فإن الله ذم بذلك في كتابه كقوله ) إنا وجدنا آباءنا على أمة ( الآية ثم ~~قال ) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون ( وقوله ) هل يسمعونكم ms410 إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ( فنبههم على ~~وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد الآباء PageV02P180 ~~"""" صفحة رقم 181 """" # فقالوا ) بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ( وهو مقتضى الحديث المتقدم ايضا ~~في قوله اتخذ الناس رؤساء جهالا إلى آخره فإنه يشير إلى الاستنان بالرجال ~~كيف كان # وفيما يروى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه إياكم والاستنان بالرجال فإن ~~الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار ~~فيموت وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل اهل النار فينقلب لعلم الله ~~فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت ومن أهل الجنة فإن كنتم لا بد فاعلين ~~فبالأموات لا بالأحياء # فهو إشارة إلى الأخذ بالاحتياط في الدين وأن الإنسان لا ينبغى له أن ~~يعتمد على عمل أحد البتة حتى يتثبت فيه ويسأل عن حكمه إذ لعل المعتمد على ~~عمله يعمل على خلاف السنة # ولذلك قيل لا تنظر إلى عمل العالم # ولكن سله يصدقك # وقالوا ضعف الروية أن يكون رأى فلانا يعمل فيعمل مثله # ولعله فعله ساهيا # وليس من هذا القبيل عمل أهل المدينة # وما أشبه ذلك # لانه دليل ثابت عند جماعة من العلماء على وجه ليس مما نحن فيه # وقول على رضى الله عنه فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات نكتة في الموضع # يعنى الصحابة ومن جرى مجراههم ممن يؤخذ بقوله ويعتمد على فتواه # واما غيرهم ممن لم يحل ذلك المحل فلا # كأن يرى الإنسان رجلا يحسن اعتقاده فيه فيفعل فعلا محتملا أن يكون مشروعا ~~أو غير مشروع فيقتدى به على الإطلاق ويعتمد عليه في التعبد # ويجعله حجة في دين الله فهذا هو الضلال بعينه # ما لم يتثبت بالسؤال والبحث عن حكم الفعل ممن هو أهل الفتوى PageV02P181 ~~"""" صفحة رقم 182 """" # وهذا الوجه هوالذى مال بأكثر المتاخرين من عوام المبتدعة إذا اتفق ان ~~ينضاف إلى شيخ جاهل أو لم يبلغ مبلغ العلماء فيراه يعمل عملا فيظنه عبادة ~~فيقتدى به # كائنا ما كان ذلك العمل # موافقا للشرع أو مخالفا ms411 # ويحتج به على من يرشده ويقول كان الشيخ فلان من الأولياء وكان يفعله # وهو أولى يقتدى به من علماء الظاهر # فهو في الحقيقة راجع إلى تقليد من حسن ظنه فيه أخطأ أو أصاب # كالذين قلدوا آباءهم سواء # وإنما قصارى هؤلاء ان يقولوا إن آباءنا أو شيوخنا لم يكونوا ينتحلون مثل ~~هذه الامور سدى # وما هي إلا مقصودة بالدلائل والبراهين مع انهم يرون أن لا دليل عليها ولا ~~برهان يقود إلى القول بها # فصل # هذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد وهو الجهل بمقاصد ~~الشريعة والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت أو الأخذ فيها بالنظر الأول ~~ولا يكون ذلك من راسخ في العلم # ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمى ~~لان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وصفهم بانهم يقرأون القرآن لا يجاوز ~~تراقيهم يعنى - والله اعلم - أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم لان ~~الفهم راجع إلى القلب فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال وإنما ~~يقف عند محل الأصوات والحروف فقط وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم ~~وما تقدم ايضا من قوله عليه الصلاة والسلام إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~إلى آخره PageV02P182 ~~"""" صفحة رقم 183 """" # وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى مانحن فيه فخرج أبو عبيد في فضائل ~~القرآن وسعيد بن منصور في تفسيره عن إبراهيم التيمى قال خلا عمر رضى الله ~~عنه ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الامة ونبيها واحد فأرسل إلى ابن ~~عباس رضى الله عنهما فقال كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة - ~~زاد سعيد وكتابها واحد - قال فقال ابن عباس يا امير المؤمنين إنما أنزل ~~علينا القرآن فقرأنه وعلمنا فيما أنزل وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون ~~القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لكل قوم نيه رأى فإذا كان كذلك اختلفوا ~~وقال سعيد فيكون لكل قوم فيه رأى فإذا كان لكل ms412 قوم فيه رأى اختلفوا فإذا ~~اختلفوا اقتتلوا # قال فزجوه عمر وانتهره على فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفه ~~فارسل إليه وقال اعده على ما قلته # فأعاد عليه فعرف عمر قوله وأعجبه # وما قاله ابن عباس رضى الله عنهما هو الحق فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت ~~الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها فلم يتعد ذلك فيها وإذا ~~جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجها # فذهب كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه الآخر وليس عندهم من الرسوخ في العلم ~~ما يهديهم إلى الصواب أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات فلم يكن بد من ~~الأخذ ببادى الرأى أو التأويل بالتخرص الذي لا يغنى من الحق شيئا إذ لا ~~دليل عليه من الشريعة فضلوا وأضلوا # ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير انه سأل نافعا كيف رأى ابن عمر في ~~الحرورية قال يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار ~~فجعلوها على المؤمنين # فسر سعيد بن جبير من ذلك فقال مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله ~~تعالى ) ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ( PageV02P183 ~~"""" صفحة رقم 184 """" # ) ويقرنون معها ) ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ( رأوا رأو الإمام يحكم ~~بغير الحق قالوا قد كفر ومن كفرعدل بربه فقد اشرك فهذه الأمة مشركون ~~فيخروجون فيقتلون ما رأيت لانهم يتأولون هذه الآية # فهذا معنى الرأى الذي نبه عليه ابن عباس وهو الناشىء عن الجهل بالمعنى ~~الذي نزل فيه القرآن # وقال نافع إن ابن عمر كان إذا سئل عن الحرورية قال يكفرون المسلمين ~~ويستحلون دمائهم وأموالهم وينكحون النساء في عددهن وتأتيهم المرأة فينكحها ~~الرجل منهم ولها زوج # فلا أعلم أحدا أحق بالقتال منهم # فإن قيل فرضت الاختلاف المتكلم في واسطة بين طرفين # فكان من الواجب أن تردد النظر فيه عليهما # فلم تفعل # بل رددته إلى الطرف الأول في الذم والضلال # ولم تعبتره بجانب الاختلاف الذي لا يضير وهو الاختلاف في الفروع # فالجواب عن ms413 ذلك أن كون ذلك القسم واسطة بين الطرفين لا يحتاج إلى بيانه ~~إلا من الجهة التي ذكرنا اما الجهة الأخرى فإن عدم ذكرهم في هذه PageV02P184 ~~"""" صفحة رقم 185 """" # الامة وإدخالهم فيها اوضح أن هذا الاختلاف لم يلحقهم بالقسم الأول وإلا ~~فلو كان ملحقا لهم به لم يقع في الأمة اختلاف ولا فرقة # ولا أخبر الشارع به ولا نبه السلف الصالح عليه # فكما أنه لو فرضنا اتفاق الخلق على الملة بعد كانوا مفارقين لها لم نقل ~~اتفقت الأمة بعد اختلافها # كذلك لا نقول اختلفت الأمة # وافترقت الامة بعد اتفاقها # أو خرج بعضهم إلى الكفر بعد الإسلام # وإنما يقال افترقت وتفترق الأمة # إذا كان الافتراق واقعا فيها مع بقاء اسم الامة هذا هوالحقيقة # ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الخوارج يمرقون من الدين ~~كما يمرق السهم من الرمية ثم قال وتتمارى في الفوق - وفي رواية - فينظر ~~الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافي فيتمارى في الفوقه هل علق بها من الدم ~~شىء والتمارى في الفوق فيه هل فيه فرث ودم أم لا شك بحسب التمثيل هل خرجوا ~~من الإسلام حقيقة وهذه العبارة لا يعبر بها عمن خرج من الإسلام بالارتداد مثلا # وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمة # ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الاثر عدم القطع بتكفيرهم # والدليل عليه عمل PageV02P185 ~~"""" صفحة رقم 186 """" # السلف الصالح فيهم ألا ترى إلى صنع على رضى الله عنه في الخوارج وكونه ~~عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى ) وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ( الآية فإنه لما اجتمعت ~~الحرورية وفارقت الجماعة لم يهيجهم على ولا قاتلهم ولو كانوا بخروجهم ~~مرتدين لم يتركهم لقوله عليه الصلاة والسلام من بدل دينه فاقتلوه ولان أبا ~~بكر رضى الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم فدل ذلك على اختلاف مابين ~~المسألتين # وايضا فحين ظهر معبد الجهنى وغيره من أهل القدر لم يكن من السلف الصالح ~~لهم إلا ms414 الطرد والإبعاد والعداوة والهجران ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض ~~لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين وعمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج ~~في زمانه الحرورية بالموصل أمر بالكف عنهم على ما أمر به على رضى الله عنه ~~ولم يعاملهم معاملة المرتدين # ومن جهة المعنى إنا وإن قلنا إنهم متبعون الهوى ولما تشابه من الكتاب ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق ولا متبعين ~~لما تشابه من الكتاب من كل وجه ولو فرضنا أنهم كذلك لكانوا كفارا إذ لا ~~يتأتى ذلك من أحد في الشريعة إلا مع رد محكماتها عنادا وهو كفر وأما من صدق ~~الشريعة ومن جاء بها وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه منبع للدليل بمثله لا يقال ~~إنه صاحب هوى بإطلاق # بل هو متبع للشرع في نظره لكن بحيث يمازجه الهوى في مطالبه من جهة إدخال ~~الشبه في المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات فشارك أهل الهوى في دخول الهوى ~~في نحلته وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة PageV02P186 ~~"""" صفحة رقم 187 """" # وايضا فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة على الجماعة من مطلب واحد ~~وهو الانتساب إلى الشريعة ومن أشد مسائل الخلاف - مثلا - مسألة إثبات ~~الصفات حيث نفاها من نفاها إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين وجدنا كل واحد ~~منهما حائما حول حمى التنزيه ونفى النقائص وسمات الحدوث وهو مطلوب الأدلة # وإنما وقع اختلافهم في الطريق وذلك لا يخل بهذا القصد في الطرفين معا ~~فحصل في هذا الخلاف أشبه الواقع بينه وبين الخلاف الواقع في الفروع # وأيضا فقد يعرض الدليل على المخالف منهم فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده ~~كما رجع من الحرورية الخارجين علي رضى الله عنه ألفان وإن كان الغالب عدم ~~الرجوع - كما تقدم في ان المبتدع ليس له توبة # حكى ابن عبد البر بسند يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما قال لما اجتمعت ~~الحرورية يخرجون على على جعل يأتيه الرجل فيقول يا أمير المؤمنين إن القوم ms415 ~~خارجون عليك قال دعهم حتى يخرجوا # فلما كان ذات يوم قلت يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفتنى حتى آتى ~~القوم - قال - فدخلت عليهم وهم قائلون فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر قد ~~أثر السجود في جباههم كأن أيديهم ثفن الإبل عليهم قمص مرحضة فقالوا ما جاء ~~بك يا ابن عباس وما هذه الحلة عليك - قال - قلت ما تعيبون من ذلك فلقد رأيت ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وعليه احسن ما يكون من الثيات اليمنية - قال - PageV02P187 ~~"""" صفحة رقم 188 """" # ثم قرأت هذه الآية ) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق ( فقالوا ما جاء بك قال جئتكم من عند اصحاب رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم # فقال بعضهم لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول ) بل هم قوم خصمون ( فقال ~~بعضهم بلى فلنكلمه - قال - فكلمنى منهم رجلان أو ثلاثة - قال - قلت ماذا ~~نقمتم عليه قالوا ثلاثا # فقلت ما هن قالوا حكم الرجال في امر الله وقال الله تعالى ) إن الحكم إلا ~~لله ( - قال - هذه واحدة وماذا ايضا قالوا فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم فلئن ~~كانوا مؤمنين ما حل قتالهم ولئن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسبيهم - قال - ~~قلت وماذا ايضا قالوا ومحا نفسه من إمرة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين ~~فهو أمير الكافرين - قال - قالت أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ~~بما ينقض قولكم هذا اترجعون قالوا وما لنا لا نرجع # قال - قلت أما قولكم حكم الرجال في امر الله فإن الله قال في كتابه ) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ( وقال في المرأة وزوجها ) وإن ~~خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ( فصير الله ذلك إلى ms416 ~~حكم الرجال فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ~~ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بضع امرأة قالوا بلى هذا ~~افضل قال أخرجتم من هذه قالوا نعم # قال وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم عائشة فإن قلتم PageV02P188 ~~"""" صفحة رقم 189 """" # نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها # فقد كفرتم وإن قلتم ليست بامنا فقد كفرتم فانتم ترددون بين ضلاتين أخرجتم ~~من هذه قالوا بلى # قال وأما قولكم محا نفسه من إمرة المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون إن نبى ~~الله يوم الحيديبة حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) اكتب - يا على هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال أبو ~~سفيان وسهيل بن عمرو بن ما نعلم انك رسول الله # ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك # قال رسول الله اللهم إنك تعلم إنى رسولك يا على اكتب هذا ما اصطلح عليه ~~محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو قال فرجع منهم ألفان وبقى ~~بقيتهم فخرجوا فقتولوا أجمعون # فصل # صح من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قال تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتتفرق امتى على ~~ثلاث وسبعين فرقة وخرجه الترمذى هكذا # وفي رواية أبى داود قال افترق اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ~~وتفرقت النصارى على أحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتى على ثلاث ~~وسبعين فرقة PageV02P189 ~~"""" صفحة رقم 190 """" # وفي الترمذى تفسير هذا ولكن بإسناد غريب عن غير أبى هريرة رضى الله عنه ~~فقال في حديث وإن بنى إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتى ~~على ثلاثة وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة - قالوا ومن هي يا رسول ~~الله قال ما انا عليه واصحابى # وفي سنن أبى داود وأنا هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعين في ~~النار وواحدة في الجنة وهي ms417 الجماعة وهي بمعنى الرواية التي قبلها إلا أن ~~هنا زيادة في بعض الروايات وانه سيخرج من أمتى أقوام تجاري بهم تلك الأهواء ~~كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله # وفي رواية عن ابن ابى غالب موقوفا عليه إن بنى إسرائيل تفرقوا على إحدى ~~وسبعين فرقة وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة كلها في النار إلا السواد ~~الأعظم وفي رواية مرفوعا ستفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة ~~الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال # وهذا الحديث بهذه الرواية الأخيرة قدح فيه ابن عبد البر لأن ابن معين قال ~~إنه حديث باطل لا اصل له # شبه فيه على نعيم بن حماد قال بعض المتاخرين أن الحديث قد روى عن جماعة ~~من الثقات ثم تكلم في إسناده بما يقتضى انه ليس كما قال ابن عبد البر ثم ~~قال وفي الجملة فإسناده في الظاهر جيد إلا أن يكون - يعنى ابن معين - قد ~~اطلع منه على علة خفية # وأغرب من هذا كله رواية رأيتها في جامع ابن وهب إن بني إسرائيل PageV02P190 ~~"""" صفحة رقم 191 """" # تفرقت إحدى وثمانين ملة وستفترق أمتى على اثنتين وثمانين ملة كلها في ~~النار إلا واحدة - قالوا وما هي يا رسول الله قال - الجماعة # فإذا تقرر هذا تصدى النظر في الحديث في مسائل # المسألة الأولى في حقيقة هذا الافتراق # وهو يحتمل أن يكون افتراقا على ما يعطيه مقتضى اللفظ ويحتمل أن يكون مع ~~زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه ولكن يحتمله كما كان لفظ الرقبة بمطلقها ~~لا يشعر بكونها مؤمنة أو غير مؤمنة لكن اللفظ يقبله فلا يصح أن يراد مطلق ~~الافتراق بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد لانه يلزم أن يكون ~~المختلفون في مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق اللفظ وذلك بأطل بالإجماع فإن ~~الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية وأول ما وقع ~~الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين ثم في سائر الصحابة ثم في ~~التابعين ولم يلعب ms418 أحد ذلك منهم وبالصحابة اقتدى من بعدهم في توسيع الخلاف # فكيف يمكن أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث وإنما يراد ~~افتراق مفيد وإن لم يكن فيالحديث نص عليه ففي الآيات ما يدل عليه قوله ~~تعالى ) ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب ~~بما لديهم فرحون ( وقوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء ( وما أشبه ذلك من PageV02P191 ~~"""" صفحة رقم 192 """" # الآيات الدالة على التفرق الذى صاروا به شيعا ومعنى صاروا شيعا اى جماعات ~~بعضهم قد فارق البعض ليسوا على تالف ولا تعاضد ولا تناصر بل على ضد ذلك فان ~~الاسلام واحد وامره واحد فاقتض أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على ~~الاختلاف # وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء ولذلك قال ) ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( فبين أن التاليف إنما يحصل عند ~~الائتلاف على التعلق بمعنى واحد واما إذا تعلق كل شيعة بحبل غير ما تعلقت ~~به الاخرى فلا بد من التفرق وهو معنى قوله تعالى ) وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( وإذا ثبت هذا نزل عليه لفظ ~~الحديث واستقام معناه والله أعلم # المسألة الثانية # أن هذه الفرق إن كانت افترقت بسبب موقع فى العداوة والبغضاء _ فإما أن ~~يكون راجعا إلى أمر هو معصية غير بدعة ومثاله أن يقع بين أهل الاسلام ~~افتراق بسبب دنياوى كما يختلف مثلا أهل قرية مع قرية اخرى بسبب تعد فى مال ~~أو دم حتى تقع بينهم العداوة فيصيروا حزبين أو يختلفون فى تقديم وال أوغير ~~ذلك فيفترقون مثل هذا محتمل وقد يشعر به من فارق الجماعة قيد شبر فيمتته ~~جاهلية وفى مثل هذا جاء فى الحديث إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما ~~وجاء فى القرآن الكريم ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ( ~~إلى آخر القصة PageV02P192 ~~"""" صفحة رقم 193 """" # وأما ان يرجع إلى أمر هو بدعة كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي ms419 ~~بنوا عليها في الفرقة وكالمهدى المغربى الخارج عن الامة نصرا للحق في زعمه ~~فابتدع امورا سياسية وغيرها خرج بها عن السنة - كما تقدمت الإشارة إليه قبل ~~- وهذا هو الذي تشير إليه الآيات المتقدمة والأحاديث لمطابقتها لمعنى الحديث # وإما أن يراد المعنيان معا # فأما الأول فلا أعلم قائلا به - وإن كان ممكنا في نفسه إذ لم ار احدا خص ~~هذه بما إذا افترقت الأمة بسبب أمر دنياوي لا بسبب بدعة وليس ثم دليل بدل ~~على التخصيص لأن قوله عليه الصلاة والسلام من فارق الجماعة قيد شبر الحديث ~~لا يدل على الحصر # وكذلك إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما وقد اختلف العلماء في ~~المراد بالجماعة المذكورة في الحديث حسبما يأتى فلم يكن منهم قائل بان ~~الفرقة المضادة للجماعة هي فرقة المعاصى غير البدع على الخصوص # وأما الثالث وهو أن يراد المعنيان معا فذلك أيضا ممكن إذ الفرقة المنبه ~~عليها قد تحصل بسبب أمر دنياوي لا مدخل فيها للبدع وإنما هي معاص ومخالفات ~~كسائر المعاصى وإلى هذا المعنى يرشد قول الطبرى في تفسير الجماعة حسبما ~~يأتى بحول الله - ويعضده حديث الترمذي ليأتين على أمتى من يصنع ذلك فجعل ~~الغاية في اتباعهم ما هو معصية كما ترى # وكذلك في الحديث الآخر لتتبعن سنن من كان قبلكم - إلى قوله - حتى لو ~~دخلوا جحر ضب خرب لا تبعتموهم فجعل الغاية ما ليس ببدعة PageV02P193 ~~"""" صفحة رقم 194 """" # وفي معجم البغوى عن جابر رضى الله عنه أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وقال لكعب بن عجرة رضى الله عنه أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة ~~السفهاء - قال وما إمارة السفاء - قال امراء يكونون بعدى لا يهتدون بهدي ~~ولا يستنون بسنتى فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا منى ~~ولست منهم ولا يردون على الحوض ومن لم يصدقهم على كذبهم ولم يعنهم على ~~ظلمهم فأولئك منى وأنا منهم ويردون على الحوض الحديث # وكل من لم يهتد بهديه ولا يستن بسنته فإما إلى بدعة أو معصية # فلا ms420 اختصاص باحدهما غير ان الأكثر في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة ~~المذكورة إنما هي بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص وعلى ذلك حمل الحديث ~~من تكلم عليه من العلماء ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصى التي ليست ~~ببدع وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله # المسألة الثالثة # إن هذه الفرق تحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما أحدثوا # فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق وليس ذلك إلا الكفر إذ ليس بين ~~المنزلتين منزلة ثالثة تتصور PageV02P194 ~~"""" صفحة رقم 195 """" # ويدل على هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسنة كقوله تعالى ( # ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( ) وهي آية نزلت - ~~عند المفسرين - في اهل البدع ويوضحه من قرأ ? إن الذين فارقوا دينهم ? ~~والمفارقة للدين بحسب الظاهر إنما هي الخروج عنه وقوله ) فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ( الآية # وهي عند العلماء منزلة في اهل القبلة وهم أهل البدع وهذا كالنص - إلى غير ~~ذلك من الآيات # وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض وهذا نص في كفر من قيل ذلك فيه وفسره الحسن بما تقدم في قوله ~~ويصبح مؤمنا ويسمى كافرا ويسمى مؤمنا ويصبح كافرا الحديث وقوله عليه الصلاة ~~والسلام في الخوارج دعه فإن له اصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه ~~مع صيامهم ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق ~~السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شىء ثم ينظر إلى رصافه فلا ~~يوجه فيه شىء ثم ينر إلى نضيه فلا يوجد فيه شىء - وهو القدح - ثم ينظر إلى ~~قذذه فلا يوجد فيه شىء من الفرث والدم فانظر إلى قوله من الفرث والدم فهو ~~الشاهد على انهم دخلوا في الإسلام فلا يتعلق بهم منه شيئ # وفي رواية أبى ذر رضى الله عنه سيكون بعدى من أمتى قوم يقرأون القرآن لا ~~يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم ms421 لا يعودون فيه ~~هم شر الخلق والخليقة إلى غير ذلك من الاحاديث - إنما هي قوم بأعيانهم PageV02P195 ~~"""" صفحة رقم 196 """" # فلا حجة فيها على غيرهم لان العلماء استدلوا بها على جميع أهل الأهواء ~~كما استدلوا بالآيات # وأيضا فالآيات إن دلت بصيغ عمومها فالاحاديث تدل بمعانيها لاجتماع الجميع ~~في العلة # فإن قيل الحكم بالكفر والإيمان راجع إلى حكم الآخرة والقياس لا يجري فيها # فالجواب إن كلا منا في الأحكام الدنياوية وهو يحكم لهم بحكم المرتدين أم ~~لا وإنما أمر الآخرة لله لقوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ( # ويحتمل أن لا يكونوا خارجين عن الإسلام جملة وإن كانوا قد خرجوا عن جملة ~~من شرائعه واصوله # ويدل على ذلك جميع ما تقدم فيما قبل هذا الفصل فلا فائدة في الإعادة # ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكونوا هم ممن فارق الإسلام لكن مقالته كفر ~~وتؤدى معنى الكفر الصريح ومنهم من لم يفارقه بل انسحب عليه حكم الإسلام وإن ~~عظم مقاله وشنع مذهبه لكنه لم يبلغ به مبلغ الخروج إلى الكفر المحض ~~والتبديل الصريح # ويدل على ذلك الدليل بحسب كل نازلة وبحسب كل بدعة إذ لا شك في ان البدع ~~يصح أن يكون منها ما هو كفر كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى PageV02P196 ~~"""" صفحة رقم 197 """" # الله زلفى ومنها ما ليس بكفر كالقول بالجهة عند جماعة وإنكار الإجماع ~~وإنكار القياس وما اشبه ذلك PageV02P197 ~~"""" صفحة رقم 198 """" # وإذا تقرر نقل الخلاف فلنرجع إلى ما يقتضيه الحديث الذي نحن بصدده من هذه ~~المقالات # اما ما صح منه فلا دليل على شىء لانه ليس فيه إلا تعديد الفرق خاصة # واما على رواية من قال في حديثه كلها في النار إلا واحدة فإنما يقتضى ~~إنفاذ الوعيد ظاهرا ويبقى الخلود وعدمه مسكوتا عنه فلا دليل فيه على شيء ~~مما أردنا إذ الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاة المؤمنين كما يتعلق بالكفار على ~~الجملة وإن تباينا في التخليد وعدمه # المسألة ms422 الرابعة # إن هذه الأقوال المذكورة آنفا مبنية على أن الفرق المذكورة في الحديث هي ~~المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص كالجبرية والقدرية والمرجئة وغيرها ~~وهو مما ينظر فيها فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص وهو رأى ~~الطرطوشى أفلا ترى إلى قوله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ ( الآية وما ~~في قوله تعالى ) ما تشابه ( لا تعطى خصوصا في أتباع المتشابه لا فى قواعد ~~العقائد ولا في غيرها بل الصيغة تشمل ذلك كله فالتخصيص تحكم # وكذلك قوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ( ~~فجعل ذلك التفريق في الدين ولفظ دين شمل العقائد وغيرها وقوله ) وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( فالصراط ~~المستقيم هو الشريعة على العموم وشبه ما تقدم في السورة من تحريم ما ذبح ~~لغير الله وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيره وإيجاب الزكاة كل ذلك ~~على أبدع نظم وأحسن سياق PageV02P198 ~~"""" صفحة رقم 199 """" # ثم قال تعالى ) قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ( ~~فذكر اشياء من القواعد وغيرها فابتدأ بالنهى عن الإشراك ثم الأمر ببر ~~الوالدين ثم النهى عن قتل الأولاد ثم عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن ثم عن ~~قتل النفس بإطلاق ثم عن أكل مال اليتيم ثم الامر بتوفية الكيل والوزن ثم ~~العدل في القول ثم الوفاء بالعهد # ثم ختم ذلك بقوله ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ( # فأشار إلى ما تقدم ذرك من اصول الشريعة وقواعدها الضرورية ولم يخص ذلك ~~بالعقائد فدل على ان إشارة الحديث لا تختص بها دون غيرها # وفي حديث الخوارج ما يدل عليه أيضا فإنه ذمهم بعد أن ذكر اعمالهم وقال في ~~جملة ما ذمهم به يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم فذمهم بترك التدبر والأخذ ~~بظواهر المتشابهات كما قالوا حكم الرجال في دين الله والله يقول ) إن الحكم ~~إلا لله ( # وقال أيضا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ms423 فذمهم بعكس ما عليه ~~الشرع لان الشريعة جاءت بقتل الكفار والكف عن المسلمين وكلا الأمرين غير ~~مخصوص بالعقائد # فدل على أن الأمر على العموم لا على الخصوص فيما رواه نعيم بن حماد في ~~هذا الحديث اعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون ~~الحلال وهذا نص في أن ذلك العدد لا يختص بما قالوا من العقائد # واستدل الطرطوشى على ان البدع لا تختص بالعقائد بما جاء عن الصحابة ~~والتابعين وسائر العلماء من تسميتهم الأقوال والافعال بدعا إذا خالفت ~~الشريعة PageV02P199 ~~"""" صفحة رقم 200 """" # ثم أتى بآثار كثيرة كالذي رواه مالك عن عمه أبى سهيل عن أبيه انه قال ما ~~أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة # يعنى بالناس الصحابة وذلك أنه أنكر أكثر أفعال عصره ورآها مخالفة لأفعال ~~الصحابة # وكذلك أبو الدرداء سأله رجل فقال رحمك الله لو أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) بين أظهرنا هل ينكر شيئا مما نحن عليه فغضب واشتد غضبه ثم قال ~~وهل يعرف شيئا مما أنتم عليه # في البخارى عن أم الدرداء قالت دخل أبو الدرداء مغضبا فقلت له مالك فقال ~~والله ما أعرف منهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جيمعا # وذكر جملة من اقاويلهم في هذا المعنى مما يدل على أن مخالفة السنة في ~~الأفعال قد ظهرت # وفي مسلم قال مجاهد دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن ~~عمر مستند إلى حجرة عائشة وإذا ناس في المسجد يصلون الضحى فقلنا ما هذه ~~الصلاة فقال بدعة # قال الطرطوشى فحمله عندنا على أحد وجهين إما أنه يصلونها جماعة وإما ~~أفذاذا على هيئة النوافل في اعقاب الفرائض # وذكر أشياء من البدع القولية مما نص العلماء على أنها بدع # فصح أن البدع لا تختص بالعقائد # وقد تقررت هذه المسألة في كتاب الموافقات بنوع آخر من التقرير # نعم ثم معنى آخر ينبغى ان يذكر هنا وهي # المسألة الخامسة # وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كل ms424 في ~~الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجئزئيات إذ الجزئي والفرع ~~الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببه التفرق شيعا وإنما ينشا التفرق عند PageV02P200 ~~"""" صفحة رقم 201 """" # وقوع المخالفة في الامور الكلية لان الكليات نص من الجزئيات غير قليل ~~وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب # واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلى فإن المخالفة فيها انشأت بين المخالفين ~~خلافا في فروع لا تنحصر ما بين فروع عقائد وفروع أعمال # ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء ~~الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة كما تصير القاعدة ~~الكلية معارضة ايضا وأما الجزئي فبخلاف ذلك بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له ~~كالزلة والفلتة وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب ~~رضى الله عنه ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وائمة مضلون # ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب ولا هدم للدين ~~بخلاف الكليات # فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعا مخلا ~~بالواضحات # وهي أم الكتاب وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته # وقد ثبت أيضا للكفار بدع فرعية # ولكنها في الضروريات وما قاربها # كجعلهم لله مما ذرا من الحرث والأنعام نصيبا # ولشركائهم نصيبا ثم فرعوا عليه أن ما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله # وما كان لله وصل إلى شركائهم وتحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى # وقتلهم أولادهم سفها بغير علم وترك PageV02P201 ~~"""" صفحة رقم 202 """" # العدل في القصاص والميراث والحيف في النكاح والطلاق وأكل مال اليتيم على ~~نوع من الحيل إلى اشباه ذلك مما نبه عليه الشرع وذكره العلماء حتى صار ~~التشريع ديدنا لهم وتغيير ملة إبراهيم عليه السلام سهلا عليهم فانشأ ذلك ~~اصلا مضافا اليهم وقاعدة رضوا بها وهي التشريع المطلق لا الهوى ولذلك لما ~~نبههم الله تعالى على إقامة الحجة عليهم بقوله تعالى ) قل آلذكرين حرم أم ms425 ~~الأنثيين ( قال فيها ) نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ( فطالبهم بالعلم الذى ~~شأنه أن لا يشرع إلا حقا وهو علم الشريعة لا غيره ثم قال تعالى ) أم كنتم ~~شهداء إذ وصاكم الله بهذا ( تنبيها لهم على أن هذا ليس مما شرعه في ملة ~~إبراهيم ثم قال ) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ( ~~فثبت أن هذه الفرق إنما افترقت بحسب امور كلية اختلفوا فيها والله أعلم # المسالة السادسة # إنا إذا قلنا بأن هذه الفرق كفار - على قول من قال به - أو ينقسمون إلى ~~كافر وغيره فكيف يعدون من الأمة وظاهر الحديث يقتضى ان ذلك الأفتراق إنما ~~هو مع كونهم من الأمة وإلا فلو خرجوا من الأمة إلا الكفر لم يعدوا منها ~~البتة - كما تبين - # وكذلك لظاهر في فرق اليهود والنصارى إن التفرق فيهم حاصل مع كونهم هودا ونصارى # فيقال في الجواب عن هذا السؤال إنه يحتمل أمرين أحدهما انا نأخذ الحديث ~~على ظاهره في كون هذه الفرق من الأمة ومن أهل القبلة ومن قيل بكفره منهم ~~فإما ان يسلم فيهم هذا القول فلا يجعلهم من الامة اصلا ولا أنهم PageV02P202 ~~"""" صفحة رقم 203 """" # مما يعدون في الفرق وإنما نعد منهم من لا تخرجه بدعته إلى كفر فإن قال ~~بتكفيرهم جميعا فلا يسلم أنهم المرادون بالحديث على ذلك التقدير وليس في ~~حديث الخوارج نص على أنهم من الفرق الداخلة في الحديث بل نقول المراد ~~بالحديث فرق لا تخرجهم بدعهم عن الإسلام فليبحث عنهم # وإما أن لا نتبع المكفر في إطلاق القول بالتكفير ونفصل الأمر إلى نحو مما ~~فصله صاحب القول الثالث ويخرج من العدد من حكمنا بكفره ولا يدخل تحت عمومه ~~إلا ما سواه مع غيره ممن لم يذكر في تلك العدة # والاحتمال الثاني أن نعدهم من الامة على طريقة لعلها تتمشى في الموضع ~~وذلك أن كل فرقة تدعى الشريعة وأنها على صوبها وانها المتبعة للمتبعة لها ~~وتتمسك بأدلتها وتعمل على ما ظهر لها من طريقها وهي تناصب العداوة ms426 من ~~نسبتها إلى الخروج عنها وترمى بالجهل وعدم العلم من ناقضها # لانها تدعى ان ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم دون غيره # وبذلك يخالفون من خرج عن الإسلام لان المرتد إذا نسبته إلى الارتداد أقر ~~به ورضيه ولم يسخطه ولم يعادك لتلك النسبة كسائر اليهود والنصارى وأرباب ~~النحل المخالفة للاسلام # بخلاف هؤلاء الفرق فإنهم مدعون الموالفة للشارع والرسوخ في اتباع شريعة ~~محمد رسوله الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإنما وقعت العداوة بينهم وبين أهل ~~السنة بسبب ادعاء بعضهم على بعض الخروج عن السنة ولذلك تجدهم مبالغين في ~~العمل والعبادة حتى بعض اشد الناس عبادة مفتون # والشاهد لهذا كله - مع اعتبار الواقع - حديث الخوارج فإنه قال عليه ~~الصلاة والسلام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم PageV02P203 ~~"""" صفحة رقم 204 """" # مع أعمالهم وفي رواية يخرج من أمتى قوم يقرأون القرآن ليس قراءتكم من ~~قراءتهم بشىء ولا صلاتكم من صلاتهم بشىء وهذه شدة المثابرة على العمل به ~~ومن ذلك قولهم كيف يحكم الرجال والله يقول ) إن الحكم إلا لله ( ففى ظنهم ~~أن الرجال لا يحكمون بهذا الدليل ثم قال عليه الصلاة والسلام يقرأون القرآن ~~يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم # فقوله عليه الصلاة والسلام يحسبون أنه لهم واضح فيما قلنا ثم إنهم يطلبون ~~اتباعه بتلك الأعمال ليكونوا من أهله وليكون حجة لهم فحين سرفوا تأويله ~~وخرجوا عن الجادة كان عليهم لا لهم # وفي معنى ذلك من قول ابن مسعود قال وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى ~~كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم عليكم بالعلم وإياكم والبدع والتعمق عليكم ~~بالعتيق فقوله يزعمون كذا # دليل على انهم على الشرع فيما يزعمون # ومن الشواهد أيضا حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) خرج إلى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء ~~الله لاحقون وددت أن قد رأيت إخواننا - قالوا يارسول الله ألسنا إخوانك PageV02P204 ~~"""" صفحة رقم 205 """" # قال بل أنتم اصحابى وإخواننا الذين لم ms427 يأتوا بعد وانا فرطكم على الحوض - ~~قالوا يارسول الله كيف تعرف من ياتى بعدك من امتك قال - أرأيت لو كان ~~لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم الا يعرف خيله - قالوا بلى يا رسول الله # قال - فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على ~~الحوض فليذادن رجال عن حوضى كما يذاد البعير الضال أناديكم الا هل الا هلم ~~فيقال قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا # فوجه الدليل من الحديث أن قوله فليذادان رجال عن حوضى إلى قوله أناديهم ~~ألا هلم مشعر بانهم من أمته # وأنه عرفهم وقد بين أنهم بالغرر والتحجيل فدل على أن هؤلاء الذين دعاهم ~~وقد كانوا بدلوا ذوو غرر وتحجيل وذلك من خاصة هذه الأمة # فبان أنهم معدودون من الأمة ولو حكم لهم بالخروج من الأمة لم يعرفهم رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) بغرة أو تحجيل لعدمه عندهم # ولا علينا أقلنا إنهم خرجوا ببدعتهم عن الأمة أولا إذ اثبتنا لهم وصف ~~الانحياش إليها # في الحديث الآخر فيؤخذ بقوم منكم ذات الشمال فأقول يارب أصحايب قال فيقال ~~لا تدرى ما أحدثوا بعدك # فأقول كما قال العبد الصالح ) وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ( - إلى قوله ~~- ) العزيز الحكيم ( - قال - فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك إنهم لم ~~يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم PageV02P205 ~~"""" صفحة رقم 206 """" # فإن كان المراد بالصحابة الأمة فالحديث موافق لما قبله بل أنتم أصحابى ~~وإخواننا الذين لم ياتوا بعد فلا بد من تاويله على أن الأصحاب يعنى بهم من ~~آمن به في حياته وإن لم يره ويصدق لفظ المرتدين على أعقابهم على المرتدين ~~بعد موته أو مانعى الزكاة تأويلا على أن أخذها إنما كان لرسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) وحده فإن عامة أصحابه رأوه وأخذوا عنه براءة من ذلك # المسألة السابعة في تعيين هذه الفرق # وهي مسألة - كما قال الطرطوشى - طاشت فيها أحلام الخلق فكثير ممن تقدم ~~وتأخر من العلماء عينوها لكن في الطوائف التي خالفت في ms428 مسائل العقائد فمنهم ~~من عد أصولها ثمانية فقال كبار الفرق الإسلامية ثمانية - المعتزلة والشيعة ~~والخوارج والمرجئة والنجارية والجبرية والمشبهة والناجية PageV02P206 ~~"""" صفحة رقم 207 """" # 212 213 214 215 216 217 218 هذه الصفحات هي حواشى وليست للطباعة PageV02P207 ~~"""" صفحة رقم 208 """" # صفحة فارغة PageV02P208 ~~"""" صفحة رقم 209 """" # صفحة فارغة PageV02P209 ~~"""" صفحة رقم 210 """" # صفحة فارغة PageV02P210 ~~"""" صفحة رقم 211 """" # صفحة فارغة PageV02P211 ~~"""" صفحة رقم 212 """" # صفحة فارغة PageV02P212 ~~"""" صفحة رقم 213 """" # صفحة فارغة PageV02P213 ~~"""" صفحة رقم 214 """" # صفحة فارغة PageV02P214 ~~"""" صفحة رقم 215 """" # صفحة فارغة PageV02P215 ~~"""" صفحة رقم 216 """" # صفحة فارغة PageV02P216 ~~"""" صفحة رقم 217 """" # صفحة فارغة PageV02P217 ~~"""" صفحة رقم 218 """" # صفحة فارغة PageV02P218 ~~"""" صفحة رقم 219 """" # فأما المعتزلة فاقترقوا إلى عشرين فرقة وهم الواصلية والعمرية والهذيلية ~~والنظامية والأسوارية والإسكافية والجعفرية والبشرية والمزدارية والهشامية ~~والصالحية والخطابية والحدبية والمعمرية والثمامية والخياطية والجاحظية ~~والكعبية والجبائية والبهشمية # وأما الشيعة فانقسموا أولا ثلاث فرق غلاة # وزيدية # وإمامية # فالغلاة ثمان عشرة فرقة وهم السبائية # والكاملية # والبيانية والمغيرية # والجناحية والمنصورية # والخطابية والغرابية والذمية # والهشامية والزرارية واليونسية والشيطانية والرزامية والمفوضة والبدائية ~~والنصرية والإسماعيلية وهم الباطنية # والقرمطية والحرمية والسبعية والبابكية والحمدية # وأما الزيدية فهم ثلاث فرق الجارودية والسليمانية والبتيرية # وأما الإمامية ففرقة واحدة فالجميع ثنتان وأربعون فرقة # وأما الخوارج فسبع فرق وهم المحكمة والبيهسية والأزارقة والحراث والعبدية # والأباضية وهم أربع فرق الحفصية واليزيدية والحارثية والمطيعية PageV02P219 ~~"""" صفحة رقم 220 """" # وأما العجاردة فإحدى عشرة فرقة وهم الميمونية والشعيبية والحازمية ~~والحمزية والمعلومية والمجهولية والصلتية والثعلبية واربع فرق وهم الاخنسية ~~والمعبدية وألشيبانية والمكرمية فالجميع اثنتان وستون PageV02P220 ~~"""" صفحة رقم 221 """" # قال يوسف بن اسباط ثم تشعبت كل فرقة ثمان عشرة فرقة فتلك ثنتان وسبعون ~~فرقة والثالثة والسبعون هي الناجية # وهذا التقدير نحو من الأول ويرد عليه من الإشكال ما ورد في الأول # فشرح ذلك الشيخ أبو بكر الطرطوشى رحمه الله شرحا يقرب الأمر فقال لم يرد ~~علماونا بهذا التقدير أن اصل كل بدعة من هذه الأربع تفرقت وتشعبت على مقتضى ~~اصل البدع حتى تحملت تلك العدة لان ذلك لعله لم يدخل في الوجود إلى الآن # قال ms429 وإنما أرادوا أن كل بدعة ضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الفرق الأربع ~~وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى ولا شعبة من شعبها بل هي بدعة ~~مستقلة بنفسها ليست من الأولى بسبيل # ثم بين ذلك بالمثال بأن القدر اصل من أصول البدع ثم اختلف أهله في مسائل ~~من شعب القدر وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر فجميعهم متفقون على أن أفعال ~~العباد مخلوقة لهم من دون الله تعالى # ثم اختلفوا في فروع من فرع القدر # فقال أكثرهم لا يكون فعل بين فاعلين مخلوقين على التولد # وأحال مثله بين القديم والمحدث # ثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة # كاختلافهم في الصلاح والأصلح فقال البغداديون منهم يجب على الله تعالى ~~فعل الصلاح لعبادة في دينهم # ويجب عليه ابتداء الخلق الذين علم أنه يكلفهم # ويجب عليه إكمال عقولهم وإقدارهم وإزاحة عللهم # وقال المصريون منهم لا يجب على الله إكمال عقولهم ولا أن يؤتيهم أسباب ~~التكليف PageV02P221 ~~"""" صفحة رقم 222 """" # وقال البغداديون منهم يجب على الله - تعالى عن قولهم - عقاب العصاة إذا ~~لم يتوبوا # والمغفرة من غير توبة سفه من الغافر # وأما المصريون منهم ذلك # وابتدع جعفر بن بشر من استصر امرأة ليتزوجها فوثب عليها فوطئها بلا ولى ~~ولا شهود ولا رضى ولا عقد حل له ذلك # وخالفه في ذلك سلفه # وقال ثمامة ابن أشرس إن الله يصير الكفار والملحدين وأطفال المشركين ~~والمؤمنين والمجانين ترابا يوم القيامة لا يعذبهم ولا يعرضهم # وهكذا ابتدعت كل فرقة من هذه الفرق بدعا تتعلق بأصل بدعتها التي هي ~~معروفة بها # وبدعا لا تعلق لها بها # فإن كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أراد بتفرق أمته اصول التي ~~تجرى مجرى الأجناس للأنواع # والمعاقد للفروع لعلهم - والعلم عند الله - ما بلغن هذا العدد إلى الآن # غير أن الزمان باق والتكليف قائم والخطرات متوقعة # وهل قرن أو عصر يخلو إلا وتحدث فيه البدع # وإن كان أراد بالتفرق كل بدعة حدثت في دين الإسلام مما يلا يلائم ms430 اصول ~~الإسلام ولا تقبلها قواعده من غير التفات إلى التقسيم الذي ذكرنا كانت ~~البدع أنواعا لأجناس أو كانت متغايرة الأصول والمبانى # فهذا هو الذى اراده عليه الصلاة والسلام - والعلم عند الله - فقد وجد من ~~ذلك عدد أكثر من اثنتين وسبعين PageV02P222 ~~"""" صفحة رقم 223 """" # ووجه تصحيح الحديث على هذا أن تخرج من الحساب غلاة أهل البدع ولا يعدون ~~من الأمة ولا في أهل القبلة كنفاة الأعراض من القدرية لأنه لا طريق إلى ~~معرفة حدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض وكالحلولية والنصيرية ~~وأشباههم من الغلاة # هذا ما قال الطرطوشي رحمه الله تعالى وهو حسن من التقرير غير انه يبقى ~~للنظر في كلامه مجالان أحدهما أن ما اختار # من أنه ليس المراد الأجناس فإن كان مراده أعيان البدع وقد ارتضى اعتبار ~~البدع القولية والعملية - فمشكل لأنا إذا اعتبرنا كل بدعة دقت أو جلت فكل ~~من ابتدع بدعة كيف كانت لزم أن يكون هو ومن تابعه عليها فرقة فلا تقف في ~~مائة ولا مائتين فضلا عن وقوعها في اثنتين وسبعين وأن البدع - كما قال - لا ~~تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة # وقد مر من النقل ما يشعر بهذا المعنى وهو قول ابن عباس ما من عام إلا ~~والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن # وهذا موجود في الواقع فإن البدع قد نشأت إلى الآن ولا تزال تكثر وإن ~~فرضنا إزالة بدع الزائغين في العقائد كلها لكان الذي يبقى أكثر من أثنتين ~~وسبعين فما قاله - والله أعلم - غير مخلص # والثاني أن حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعين بعد بخلاف القول المتقدم ~~وهو أصح في النظر لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل والعقل لا يقتضيه # وأيضا فالمنازع أن يتكلف من مسائل الخلاف التي بين الاشعرية في قواعد ~~العقائد فرقا يسميها ويبرىء نفسه وفرقته عن ذلك المحظور # فالأولى PageV02P223 ~~"""" صفحة رقم 224 """" # ما قاله من عدم التعيين # وإن سلمنا أن الدليل قام له على ذلك فلا ينبغى التعيين # أما ms431 أولا - فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلى أوصافهم من غير ~~تصريح ليحذر منها ويبقى الأمر في تعيين الداخلين في مقتصى الحديث مرجى ~~وإنما ورد التعيين في النادر كما قال عليه الصلاة والسلام في الخوارج إن من ~~ضئضىء هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم الحديث مع أنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يعرف أنهم ممن شملهم حديث الفرق # وهذا الفصل مبسوط في كتاب الموافقات والحمد لله # وأما ثانيا - فلأن عدم التعيين هو الذي ينبغى أن يلتزم ليكون سترا على ~~الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا في الغالب وأمرنا ~~بالستر على المؤمنين ما لم تبد لنا صفحة الخلاف ليس كما ذكر عن بنى إسرائيل ~~أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ليلا أصبح وعلى بابه معصيته مكتوبة وكذلك في شأن ~~قربانهم فإنهم كانوا إذا قربوا لله قربانا فإن كان مقبولا عند الله نزلت ~~نار من السماء فأكلته وإن لم يكن مقبولا لم تأكله النار وفي ذلك افتضاح المذنب # ومثل ذلك في الغنائم ايضا فكثير من هذه الأشياء خصت هذه الأمة بالستر فيها # وأيضا فللستر حكمة أخرى وهي أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان ~~في ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التى أمر الله ورسوله بها حيث قال تعالى ~~) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( وقال تعالى ) فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم ( - وقال تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات ( وفي الحديث لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا ~~عباد الله إخوانا وأمر عليه الصلاة والسلام بإصلاح ذات البين وأخبر أن فساد ~~ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين PageV02P224 ~~"""" صفحة رقم 225 """" # فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة بينهم ~~والفرقة لزم من ذلك أن يكون منهيا عنه إلا أن تكون البدعة فاحشة جدا كبدعة ~~الخوارج وذكرهم بعلامتهم حتى يعرفوا ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو ~~قريب منه بحسب نظر المجتهد # وما عدا ذلك فالسكوت عنه ms432 أولى # وخرج أبو داود عن عمر بن أبى مرة قال كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر اشياء ~~قالها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لأناس من اصحابه في الغضب فينطلق ~~ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان ~~حذيفة أعلم بما يقول فيرجعون إلى حذيفة فيقولون قد ذكرنا قولك إلى سلمان ~~فما صدقك ولا كذبك # فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال يا سلمان ما يمنعك أن تصدقنى بما ~~سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال إن رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يغضب فيقول لناس من أصحابه ويرضى فيقول في الرضى أما تنتهى حتى ~~تورث رجالا حب رجالا ورجالا بغض رجال # وحتى توقع اختلافا وفرقة ولقد علمت أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~خطب فقال إنما رجل سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبى فإنما أنا من ولد آدم أغضب PageV02P225 ~~"""" صفحة رقم 226 """" # كما يغضبون وإنما بعثنى الله رحمة للعالمين فأجعلها عليهم صلاة يوم ~~القيامة فوالله لتنتهين أو أكتبن إلى عمر # فتأملوا ما أحسن هذا الفقه من سلمان رضى الله عنه وهو جار في مسألتنا فمن ~~هنا لا ينبغى للراسخ في العلم أن يقول هؤلاء الفرق هم بنو فلان وبنو فلان ~~وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب إجتهاده اللهم إلا في مواطنين # أحدهما حيث نبه الشرع على تعيينهم كالخوارج فإنه ظهر من استقرائه أنهم ~~متمكنون تحت حديث الفرق ويجرى مجراهم من سلك سبيلهم فإن أقرب الناس إليهم ~~شيعة المهدى المغربي فإنه ظهر فيهم الأمران اللذان عرف النبى صلى الله عليه ~~بهما في الخوارج من أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم وأنهم يقتلون أهل ~~الإسلام ويدعون أهل الأوثان فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ~~ابتدعوا فيه ثم لم يتفقهوا فيه ولا عرفوا مقاصده # ولذلك طرحوا كتب العلماء وسموها كتب الرأى وخرقوها ومزقوا أدمها مع أن ~~الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معانى الكتاب والسنة على الوجه الذي ينبغى ~~وأخذوا في قتال أهل ms433 الإسلام بتأويل فاسد زعموا عليهم أنهم مجسمون وأنهم غير ~~موحدين وتركوا الانفراد بقتال أهل الكفر من النصارى والمجاورين لهم وغيرهم # فقد اشتهر في الأخبار والآثار ما كان من خروجهم على علي بن أبى طالب رضى ~~الله عنه وعلى من بعده كعمر بن عبد العزيز رحمه الله وغيره حتى لقد روى في ~~حديث خرجه البغوى في معجمه عن حميد بن هلال ان عبادة بن قرط غزا فمكث في ~~غزاته تلك ما شاء الله ثم رجع مع المسلمين منذ زمان فقصد نحو الآذان يريد ~~الصلاة فإذا هو بالأزارقة - صنف من الخوارج - فلما رأوه قالوا ما جاء بك يا ~~عدو الله قال ما أنتم يا إخوتي قالوا أنت أخو الشيطان PageV02P226 ~~"""" صفحة رقم 227 """" # لنقتلنك # قال: ما ترضون منى بما رضى به رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا ~~وأي شىء رضى به منك قال أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إله إلا الله وإنه ~~رسول لله فخلى عنى - قال - فأخذوه فقتلوه # وأما عدم فهمهم للقرآن فقد تقدم بيانه وقد جاء في القدرية حديث خرجه أبو ~~داود عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم # وعن حذيفة رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال لكل أمة مجوس ومجوس ~~هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات منهم فلا تشهدوا جنازتهم ومن مرض ~~منهم فلا تعودوه وهم شيعة الدجال وحق على الله أن يلحقهم بالدجال وهذا ~~الحديث غير صحيح عند أهل النقل # قال صاحب المغنى # لم يصح في ذلك شىء # نعم قول ابن عمر ليحيى بن يعمر حين أخبره أن القول بالقدر قد ظهر إذا ~~لقيت أولئك فأخبرهم أنى برىء منهم وهم برآء منى ثم استدل بحديث جبريل - ~~صحيح لا إشكال في صحته # وخرج أبو داود أيضا من حديث عمر رضى الله عنه عن النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم ولم ms434 يصح أيضا # وخرج ابن وهب عن زيد بن على قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~صنفان من أمتى لاسهم لهم في الإسلام يوم القيامة المرجئة والقدرية وعن معاذ ~~بن جبل وغيره يرفعه قال لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا آخرهم ~~محمد ( صلى الله عليه وسلم ) # وعن مجاهد بن جبير أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال سيكون من ~~أمتى قدرية وزنديقية أولئك مجوس PageV02P227 ~~"""" صفحة رقم 228 """" # وعن نافع قال بينما نحن عند عبدالله بن عمر نعوده إذ جاء رجل فقال إن ~~فلانا يقرا عليك السلام - لرجل من أهل الشام - فقال عبدالله بلغنى أنه قد ~~أحدث حدثا فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه السلام # سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول سيكون في أمتى مسخ وخسف وهو ~~في الزنديقية # وعن ابن الديلمى قال # أتينا أبى بن كعب فقلت له وقع في نفسى شيء من القدر فحدثنى لعل الله ~~يذهبه من قلبى فقال لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ~~ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ~~في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ~~وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار # قال ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال لي مثل ذلك قال ثم أتيت حذيفة بن ~~اليمان فقال مثل ذلك # وفي بعض الحديث لا تكلموا في القدر فإنه سر الله وهذا كله أيضا صحيح # وجاء في المرجئة والجهمية شىء لا يصح عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ~~) فلا تعويل عليه # نعم نقل المفسرون أن قوله تعالى ) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا ~~مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر ( نزل في أهل القدر # فروى عبد ابن حميد عن أبي هريرة رضى الله عنه قال أتى مشركو قريش إلى ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يخاصمونه في القدر فنزلت الآية ms435 # وروى مجاهد وغيره أنها نزلت في المكذبين بالقدر ولكن أن صح ففيه دليل ~~وإلا فليس في الآية ما يعين أنهم من الفرق وكلامنا فيه # والثاني حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزيينها في قلوب العوام PageV02P228 ~~"""" صفحة رقم 229 """" # ومن لا علم عنده فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس وهم من شياطين ~~الإنس فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة ونسبتهم إلى الفرق ~~إذا قامت له الشهود على أنهم منهم # كما اشتهر عن عمرو بن عبيد وغيره # فروى عاصم الأحول # قال جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه ونال منه # فقلت أبا الخطاب ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض فقال يا أحول أو لا ~~تدرى أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغى لها أن تذكر حتى تحذر فجئت من عند ~~قتادة وأنا مغتم بما سمعت من قتادة في عمرو بن عبيد وما رأيت من نسكه وهديه ~~فوضعت رأسي نصف النهار وإذا عمرو بن عبيد المصحف في حجره وهو يحك آية من ~~كتاب الله # فقلت # سبحان الله تحك آية من كتاب الله قال إني سأعيدها # قال فتركته حتى حكها # فقلت له أعدها # فقال لا أستطيع # فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم لأن ما يعود على المسلمين من ~~ضررهم إذا تركوا أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان سبب ~~ترك التعيين الخوف من التفرق والعداوة # ولا شك أن التفرق بين المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم - إذا أقيم - ~~عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم وإذا ~~تعارض الضرران فالمرتكب أخفهما وأسهلهما وبعض الشر أهون من جميعه كقطع اليد ~~المتأكلة إتلافها أسهل من إتلاف النفس # وهذا شأن الشرع أبدا يطرع حكم الأخف وقاية من الأثقل PageV02P229 ~~"""" صفحة رقم 230 """" # فإذا فقد الأمران فلا ينبغى أن يذكروا لأن يعينوا وإن وجدوا لأن ذلك أول ~~مثير للشر وإلقاء العداوة والبغضاء ومن حصل باليد منهم أحد ذاكره برفق ولم ~~يره أنه خارج من السنة بل يريه ms436 أنه مخالف للدليل الشرعي وأن الصواب الموافق ~~للسنة كذا وكذا # فإن فعل ذلك من غير تعصب ولإ إظهار غلبة فهو الحج وبهذه الطريقة دعى ~~الخلق أولا إلى الله تعالى حتى عاندوا وأشاعوا الخلاف وأظهروا الفرقة ~~قوبلوا بحسب ذلك # قال الغزالي في بعض كتبه أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب ~~جماعة من جهل أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدى والإدلال ونظروا إلى ~~ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء فثارث من بواطنهم دواعى المعاندة ~~والمخالفة ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر على العلماء المتلطفين ~~محوها مع ظهور فسادها حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن أعتقدوا أن الحروف ~~التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة # ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا ~~الإعتقاد مستفزا في قلب مجنون فصلا عن قلب عاقل # هذا ما قال # وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك # والله أعلم PageV02P230 ~~"""" صفحة رقم 231 """" # المسألة الثامنة # أنه لما تبين أنهم لا يتعينون فلهم خواص وعلامات يعرفون بها وهي على ~~قسمين علامات إجمالية وعلامات تفصيلية # فأما العلامات الإجمالية فثلاثة # أحدها الفرقة التى نبه عليها قوله تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ( - وقوله تعالى - ) وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ( روى ابن وهب عن إبراهيم النخعى أنه قال ~~هي الجدال والخصومات في الدين وقوله تعالى ) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا ( وفي الصحيح عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وصدق الحديث # وهذا التفريق - كما تقدم - إنما هو الذي يصير الفرقة الواحدة فرقا ~~والشيعة الواحدة شيعا # قال بعض العلماء صاروا فرقا لاتباع أهوائهم # وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم وهو قوله تعالى ) إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا ( - ثم برأه الله منهم ms437 بقوله - ) لست منهم في شيء ( وهم أصحاب ~~البدع وأصحاب الضلالات والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا رسوله # قال - ووجدنا أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من بعده قد اختلفوا ~~في أحكام الدين ولم يتفرقوا ولا صاروا شيعا لانهم لم يفارقوا الدين وإنما ~~اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد إلى الرأى والاستنباط من الكتاب والسنة ~~فيما لم يجدوا PageV02P231 ~~"""" صفحة رقم 232 """" # فيه نصا واختلف في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين لأنهم اجتهدوا فيما أمروا ~~به كاختلاف أبى بكر وعمر وعلى وزيد في الجد مع الأم وقول عمر وعلى في امهات ~~الأولاد وخلافهم في الفريضة المشتركة وخلافهم في الطلاق قبل النكاح وفي ~~البيوع وغير ذلك فما اختلفوا فيه وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح وأخوة ~~الإسلام فيما بينهم قائمة فلما حدثت الأهواء المردية التي حذر منها رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا شيعا - دل ~~على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التى ألقاها الشيطان على أفواه ~~أوليائه # قال كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف ~~بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة - علمنا أنها من مسائل الإسلام # وكل مسألة حدثت وطرأت فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة - علمنا ~~أنها ليست من أمر الدين في شىء وأنها التي عنى رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) بتفسير الآية # وذلك ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) يا عائشة ) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ( من هم - قلت الله ~~ورسوله أعلم # قال هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة الحديث ~~الذي تقدم ذكره # قال - فيجب على كل ذى عقل ودين أن يجتنبها ودليل ذلك قوله تعالى ) ~~واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا ( فإذا اختلفوا وتعاطوا ذلك كان لحدث أحدثوه من اتباع الهوى PageV02P232 ~~"""" صفحة رقم 233 """" # هذا ما قاله # وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب ms438 والتراحم والتعاطف فكل ~~رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين # وهذه الخاصية قد دل عليها الحديث المتكلم عليه وهي موجودة في كل فرقة من ~~الفرق المتضمنة في الحديث # ألا ترى كيف كانت ظاهرة في الخوارج الذين أخبر بهم النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) في قوله يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وأي فرقة توازي هذه ~~الفرقة التي بين أهل الإسلام وأهل الكفر وهي موجودة في سائر من عرف من ~~الفرق أو ادعى ذلك فيهم إلا أن الفرقة لا تعتبر على أي وجه كانت لأنا تختلف ~~بالقوة والضعف # وحين ثبت أن مخالفة هذه الفرق من الفروع الجزئية باب الفرقة - فلا بد يجب ~~النظر في هذا كله # والخاصية الثانية هي التي نبه عليها قوله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ( الآية # فبينت الآية أن أهل الزيغ يتبعون متشابهات القرآن وجعلوا ممن شأنه أن ~~يتبع المتشابه لا المحكم # ومعنى المتشابه ما أشكل معناه ولم يبين مغزاه كان من المتشابه الحقيقي - ~~كالمجمل من الألفاظ وما يظهر من التشبيه - أو من المتشابه الإضافي وهو ما ~~يحتاج في بيان معناه الحقيقي إلى دليل خارجى وإن كان في نفسه ظاهر المعنى ~~لبادى الرأى PageV02P233 ~~"""" صفحة رقم 234 """" # كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله ) إن الحكم إلا لله ( فإن ظاهر ~~الآية صحيح على الجملة وأما على التفصيل فمحتاج إلى البيان وهو ما تقدم ~~ذكره لابن عباس رضى الله عنهما لأنه بين أن الحكم لله تارة بغير تحكيم لأنه ~~إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به حكم الله # وكذلك قولهم قاتل ولم يسب فإنهم حصروا التحكيم في القسمين وتركوا قسما ~~ثالثا وهو الذي نبه قوله تعالى ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ( - الآية # فهذا قتال من غير سبى لكن ابن عباس نبهم على وجه أظهر وهو أن السباء إذا ~~حصل فلا بد من وقوع بعض على أم المؤمنين وعند ذلك يكون حكمها حكم السبايا ~~في الانتفاع بها كالسبايا ms439 فيخالفون القرآن الذي ادعو التمسك به # وكذلك في محر الأسم من إمارة المؤمنين اقتضى عندهم أنه إثبات لإمارة ~~الكافرين وذلك غير صحيح لأن نفى الأسم منها لا يقتضى نفي المسمى # وأيضا فإن فرضنا أنه يقتضى نفي المسمى لم يقتض إثبات إمارة أخرى # فعارضهم ابن عباس بمحو النبى ( صلى الله عليه وسلم ) اسم الرسالة من ~~الصحيفة معارضة لا قبل لهم بها # ولذلك رجع منهم ألفان - أو من رجع منهم - # فتأملوا وجه اتباع المتشابهات وكيف أدى إلى الضلال والخروج عن الجماعة ~~ولذلك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فإذا رأيتم الذين يتبعون ما ~~تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فأحذروهم PageV02P234 ~~"""" صفحة رقم 235 """" # والخاصية الثالثة اتباع الهوى الذى نبه عليه قوله تعالى ) فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ ( والزيغ هو الميل عن الحق اتباعا للهوى وكذلك قوله تعالى ) ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ( وقوله ) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وأضله الله على علم ( # وليس في حديث الفرق ما يدل على هذه الخاصية ولا على التي قبلها # إلا أن هذه الخاصية راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه لأن ~~أتباع الهوى أمر باطنى فلا يعرفه غير صاحبه إذا لم يغالط نفسه إلا أن يكون ~~عليها دليل خارجى # وقد مر أن أصل حدوث الفرق إنما هو الجهل بمواقع السنة وهو الذي نبه عليه ~~الحديث بقوله اتخذ الناس رؤساء جهالا فكل أحد عالم بنفسه هل بلغ في العلم ~~مبلغ المفتين أم لا وعالم راجع النظر فيما سئل عنه هل هو قائل بعلم واضح من ~~غير إشكال أم بغير علم أم هو على وشك فيه والعالم إذا لم يشهد له العلماء ~~فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم حتى يشهد فيه غيره ويعلم هو من ~~نفسه ما شهد له به وإلا فهو على يقين من عدم العلم أو على شك فاختيار ~~الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى # إذ كان ينبغى له أن ms440 يستفى في نفسه غيره ولم يفعل وكل من حقه أن لا يقدم ~~إلا أن يقدمه غيره ولم يفعل هذا # قال العقلاء إن رأى المستشار أنفع لأنه برىء من الهوى بخلاف من لم يستشر ~~فإنه غير برىء ولا سيما في الدخول في المناصب العلية والرتب الشرعية كرتب العلم PageV02P235 ~~"""" صفحة رقم 236 """" # فهذا أنموذج ينبه صاحب الهوى في هواه ويضبطه إلى أصل يعرف به # هل هو في تصدره إلى فتوى الناس متبع للهوى أم هو متبع للشرع وأما الخاصية ~~الثانية فراجعه إلى العلماء الراسخين في العلم لان معرفة المحكم والمتشابه ~~راجع إليهم فهم يعرفونها ويعرفون أهلها فهم المرجوع إليهم في بيان من هو ~~متبع للمحكم فيقلد في الدين ومن هو المتبع للمتشابه فلا يقلد أصلا # ولكن له علامة ظاهرة أيضا نبه عليها الحديث الذي فسرت الآية به قال فيه ~~فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم خرجه القاضى ~~إسماعيل بن إسحاق وقد تقدم أول الكتاب # فجعل من شأن المتبع للمتشابه أنه يجادل فيه ويقيم النزاع على الإيمان ~~وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك إذ ~~المتشابه لا يعطى بيانا شافيا ولا يقف منه متبعه على حقيقة فاتباع الهوى ~~يلجئه إلى التمسك به والنظر فيه لا يتخلص له فهو على شك أبدا وبذلك يفارق ~~الراسخ في العلم لأن جداله إن افتقر إليه فهو في مواقع الإشكال العارض طلبا ~~لإزالته فسرعان ما يزول إذا بين له موضع النظر # وأما ذو الزيغ فإن هواه لا يخليه إلى طرح المتشابه فلا يزال في جدال عليه ~~وطلب لتأويله # ويدل على ذلك أن الآية نزلت في شأن نصارى نجران وقصدهم أن يناظروا رسول ~~الله ( صلى الله عليه وسلم ) في عيسى بن مريم عليهما السلام وأنه الله أو ~~أنه ثالث ثلاثة مستدلين بأمور متشابهات من قوله فعلنا وخلقنا وهذا PageV02P236 ~~"""" صفحة رقم 237 """" # كلام جماعة # ومن أنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى وهو كلام طائفة أخرى - ولم ~~ينظروا إلى اصله ms441 ونشأته بعد أن لم يكن وكونه كسائر بنى آدم يأكل ويشرب ~~وتلحقه الآفات والأمراض # والخبر مذكور في السير # والحاصل أنهم إنما أتوا لمناظرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~ومجادلته لا يقصدوا اتباع الحق # والجدال على هذا الوجه لا ينقطع ولذلك ما بين لهم الحق ولم يرجعوا عنه ~~دعوا إلى أمر آخر خافوا منه الهلكة فكفوا عنه وهو المباهلة # وهو في قوله تعالى ) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ( الآية # وشأن هذا الجدال أنه شاغل عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج ~~وغيرهما # وقد نقل عن حماد بن زيد أنه قال جلس عمرو بن عبيد وشبيب بن شيبة ليلة ~~يتخاصمان إلى طلوع الفجر # قال فلما صلوا جعل عمرو يقول هيه أبا معمر هيه أبا معمر فإذا رأيتم أحدا ~~شأنه أبدا الجدال في المسائل مع كل أحد من أهل العلم ثم لا يرجع ولا يرعوى ~~فاعملوا أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه PageV02P237 ~~"""" صفحة رقم 238 """" # وأما ما يرجع للأول فعامة لجميع العقلاء من الإسلام لان التواصل والتقاطع ~~معروف عند الناس كلهم وبمعرفته يعرف أهله # وهو الذي نبه عليه حديث الفرق إذ أشار إلى الأفتراق شيعا بقوله وستفترق ~~هذه الأمة على كذا ولكن هذا الافتراق إنما يعرف بعد الملابسة والمداخلة ~~وأما قبل ذلك فلا يعرفه كل أحد فله علامات تتضمن الدلالة على التفرق # أولا مفاتحة الكلام وذلك إلقاء المخالف لمن لقيه ذم المتقدمين ممن اشتهر ~~علمهم وصلاحهم واقتداء الخلف بهم ويختص بالمدح من لم يثبت له ذلك من شاذ ~~مخالف لهم وما أشبه ذلك # وأصل هذه العلامة في الاعتبار تكفير الخوارج - لعنهم الله - الصحابة ~~الكرام رضى الله عنهم فإنهم ذموا في مدحه الله ورسوله واتفق السلف الصالح ~~على مدحهم والثناء عليهم ومدحوا من اتفق السلف الصالح على ذمة كعبد الرحمن ~~بن ملجم قاتل على رضى الله عنه وصوبوا قتله إياه وقالوا إن في شأنه نزل ~~قوله تعالى ) ومن الناس من ms442 يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ( وأما التي قبلها ~~وهى قوله ) ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ( الآية فإنها نزلت ~~في شأن على رضي الله عنه وكذبوا - قاتلهم الله - وقال عمران بن حطان في ~~مدحه لابن ملجم # يا ضربة من تقى ما أراد بها # إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا # إنى لأذكره يوما فأحسبه # أو في البرية عند الله ميزانا # وكذب - لعنه الله - فإذا رأيت ما يجرى على هذا الطريق فهو من الفرق ~~المخالفة وبالله التوفيق PageV02P238 ~~"""" صفحة رقم 239 """" # وروى عن إسماعيل بن علية قال حدثنى اليسع قال تكلم واصل بن عطاء يوما - ~~يعنى المعتزلى - فقال عمرو بن عبيد ألا تسمعون ما كلام الحسن وابن سيرين - ~~عندما تسمعون - إلا خرقة حيض ملقاة # روى أن زعيما من زعماء أهل البدعة كان يريد تفضيل الكلام على الفقه فكان ~~يقول إن علم الشافعى وأبى حنيفة جملته لا يخرج من سراويل امرأة # هذا كلام هؤلاء الزائغين قاتلهم الله # والعلامة التفصيلية في كل فرقة فقد نبه عليها وأشير إلى جملة منها في ~~التكاب والسنة في ظنى أن من تأملها في كتاب الله وجدها منبها عليها ومشار ~~إليها ولولا أنا فهمنا من الشرع الستر عليها لكان في الكلام في تعيينها ~~مجال متسع مدلول عليه بالدليل الشرعى وقد كنا هممنا بذلك في ماضى الزمان # فغلبنا عليه ما دلنا على أن الأولى خلاف ذلك # فأنت ترى أن الحديث الذي تعرضنا لشرحه لم يعين في الرواية الصحيحة واحدة ~~منها لهذا المعنى المذكور - والله أعلم - وإنما نبه عليها في الجملة لتحذر ~~مظانها وعين في الحديث المحتاج إليه منها وهي الفرقة الناجية ليتحراها ~~المكلف وسكت عن ذلك في الرواية الصحيحة لأن ذكرها في الجملة يفيد الأمة ~~الخوف من الوقوع فيها وذكر في الرواية الأخرى فرقة من الفرق الهالكة لأنها ~~- كما قال - أشد الفرق فتنة على الأمة # وبيان كونها اشد فتنة من غيرها سيأتى آخر إن شاء الله PageV02P239 ~~"""" صفحة رقم 240 """" # المسألة التاسعة # إن الرواية الصحيحة في الحديث أن افتراق اليهود ms443 كافتراق النصارى على إحدى ~~وسبعين وهي رواية أبى داود على الشك إحدى وسبعين أو أثنتين وسبعين وأثبت في ~~الترمذى في الرواية الغريبة لبنى إسرائيل الثنتين والسبعين لأنه لم يذكر في ~~الحديث افتراق النصارى وذلك - والله أعلم - لأجل أنه إنما أجرى في الحديث ~~ذكر بنى إسرائيل فقط لأنه ذكر فيه عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال ~~قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليأتين على أمتى ما أتى على بنى ~~إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتى ~~من يصنع ذلك # وإن بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتى الحديث # وفي أبى داود اليهود والنصارى معا إثبات الثنتين والسبعين من غير شك # وخرج الطبرى وغيره الحديث على أن بنى إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين ملة ~~وافترقت هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة # فإنا بنينا على إثبات إحدى الروايتين فلا إشكال لكن في رواية الإحدى ~~والسبعين تزيد هذه الأمة فرقتين وعلى رواية الثنتين والسبعين تزيد فرقة ~~واحدة وثبت في بعض كتب الكلام في نقل الحديث أن اليهود افترقت على إحدى ~~وسبعين وأن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة ووافقت سائر الروايات في ~~افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ولم أر هذه الرواية هكذا فيما رأيته ~~من كتب الحديث إلا ما وقع في جامع ابن وهب من حديث على رضى الله عنه - وسيأتى # وأن بنينا على إعمال الروايات # فيمكن أن تكون رواية الإحدى والسبعين وقت أعلم بذلك ثم أعلم بزيادة فرقة ~~أما أنها كانت فيهم ولو يعلم بها النبى PageV02P240 ~~"""" صفحة رقم 241 """" # ( صلى الله عليه وسلم ) في وقت آخر وإما أن تكون جملة الفرق في الملتين ~~ذلك المقدار فأخبر به ثم حدثت الثانية والسبعون فيهما فأخبر ذلك عليه ~~الصلاة والسلام # وعلى الجملة فيمكن أن يكون الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث والله ~~بحقيقة الأمر # المسألة العاشرة # هذه الأمة ظهر أن فيها فرقة زائدة على الفرق ms444 الأخرى اليهود والنصارى ~~فالثنتان والسبعون من الهالكين المتوعدين بالنار والواحدة في الجنة # فإذا انقسمت هذه الامة بحسب هذا الافتراق قسمين قسم في النار وقسم في ~~الجنة ولم يبين ذلك في فرق اليهود ولا في فرق النصارى إذ لم يبين الحديث أن ~~لا تقسيم لهذه الأمة فيبقى النظر هل في اليهود والنصارى فرقة ناجية أم لا ~~وينبنى على ذلك نظران هل زادت هذه الأمة فرقة هالكة أم لا وهذا النظر وإن ~~كان لا ينبنى عليه لكنه من تمام الكلام في الحديث # فظاهر النقل في مواضع من الشريعة أن كل طائفة من اليهود والنصارى لا بد ~~أن يوجد فيها من آمن بكتابه وعمل بسنته كقوله تعالى ) ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ( ~~ففيه إشارة إلى أن منهم من لم يفسق وقال تعالى ) فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون ( وقال تعالى ) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون ( وقال تعالى ) منهم أمة مقتصدة ( وهذا كالنص PageV02P241 ~~"""" صفحة رقم 242 """" # وفي الحديث الصحيح عن أبى موسى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بى فله أجران فهذا يدل بإشارته على ~~العمل بما جاء به نبيه # وخرج عبدالله بن عمر عن ابن مسعود قال # قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يا عبد الله بن مسعود - قلت لبيك ~~رسول الله قال - أتدرى أي عرى الإيمان أوثق - قال - قلت الله ورسوله أعلم # قال الولاية في الله والحب في الله والبغض فيه - ثم قال يا عبد الله بن ~~مسعود - قلت لبيك رسول الله ثلاث مرات قال - أتدرى أى الناس أفضل قلت الله ~~ورسوله أعلم # قال - فإن افضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم - ثم قال - يا ~~عبدالله بن مسعود - قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات # قال - هل تدرى أي الناس أعلم - قلت الله ورسوله أعلم # قال أعلم الناس أبصرهم للحق إذا اختلف الناس وإن كان ms445 مقصرا في العمل وإن ~~كان يزحف على أستة واختلف من قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث ~~وهلك سائرها فرقة آذت الملوك وقاتلهم علة دين عيسى بن مريم حتى قتلوا وفرقة ~~لم يكن لهم طاقة بمؤذاة الملوك فأقاموا بين ظهرانى قومهم فدعوهم إلى دين ~~الله ودين عيسى بن مريم فأخذتهم الملوك وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم يكن لهم ~~طاقة بمؤاذاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانى قومهم فيدعوهم إلى دين الله ~~ودين عيسى بن مريم فساحوا في الجبال وهربوا فيها فهم الذين قال الله عز وجل ~~فيهم ) ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ( ~~فالمؤمنون الذين آمنوا بى وصدقوا بى والفاسقون الذين كذبوا بى وجحدوا بى ~~فأخبر أن فرقا ثلاثا نجت من تلك الفرق المعدودة والباقية هلكت # وخرج ابن وهب من حديث على رضى الله عنه أنه دعا رأس الجالوت وأسقف PageV02P242 ~~"""" صفحة رقم 243 """" # النصارى فقال إنى سائلكما عن أمر وأنا أعلم به منكما فلا تكتما يا رأس ~~جالوت أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى وأطعمكم المن والسلوى وضرب ~~لكم في البحر طريقا يبسا وجعل لكم الحجر الطورى يخرج لكم منه اثنتى عشرة ~~عينا لكل سبط # من بنى إسرائيل عين إلا ما أخبرتنى على كم افترقت اليهود من فرقة بعد ~~موسى فقال له ولا فرقة واحدة # فقال له علي كذبت والذي لا إله إلا هو لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا فرقة واحدة # ثم دعا الأسقف فقال أنشدك الله الذى أنزل الإنجيل على عيسى وجعل على رجله ~~البركة وأراكم العبرة فأبرأ الأكمة والأبرص وأحيا الموتى وصنع لكم من الطين ~~طيورا وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم # فقال دون هذا الصدق يا أمير المؤمنين # فقال له على رضى الله عنه # كم افترقت النصارى بعد عيسى بن مريم من فرقة قال لا # والله ولا فرقة # فقال ثلاث مرات كذبت والله الذى لا ms446 إله إلا الله # لقد افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فقال أما أنت ~~يا يهودى فإن الله يقول ) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( فهى ~~التي تنجو وأما نحن فيقول الله ) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( ~~فهذه التي تنجو من هذه الأمة # ففي هذا أيضا دليل # وخرجه الآجرى ايضا من طريق أنس بمعنى حديث علي رضى الله عنه إن واحدة من ~~فرق اليهود ومن فرق النصارى في الجنة # وخرج سعيد بن منصور في تفسيره من حديث عبدالله أن بنى إسرائيل PageV02P243 ~~"""" صفحة رقم 244 """" # لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته ~~قلوبهم واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بين كثير من شهواتهم حتى نبذوا ~~كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا # اعرضوا هذا الكتاب على بنى إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم وإن خالفوكم ~~فاقتلوه قالوا لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم - فاعرضوا عليه هذا ~~الكتاب فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده وإن خالفكم فاقتوله فلن يختلف ~~عليكم بعده أحد فأرسلوا إليه فأخذوا ورقة فكتب فيها الكتاب ثم جعلها في قرن ~~ثم علقها في عنقه ثم لبس عليها الثياب ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب فقالوا ~~أتؤمن بهذا فأومأ إلى صدره فقال آمنت بهذا ومالى لا أومن بهذا يعنى الكتاب ~~الذي في القرن فخلوا سبيله وكان له اصحاب يغشونه فلما مات نبشوه فوجدوا ~~القرن ووجدوا الكتاب فقالوا ألا ترون قوله آمنت بهذا ومالى لا أومن بهذا ~~وإنما عنى هذا الكتاب # فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذلك القرن - قال ~~عبد الله - وإن من بقى منكم سيرى منكرا بحسب أمره يرى منكرا لا يستطيع أن ~~يغيره إن يعلم الله من قبله خيرا كاره # فهذا الخبر يدل على أن فى بنى إسرائيل فرقة كانت على الحق الصريح في ~~زمانهم لكن لا أضمن عهدة صحته ولا صحة ما قبله # وإذا ثبت أن في اليهود والنصارى فرقة ناجية لزم ms447 من ذلك أن يكون في هذه ~~الامة فرقة ناجية زائدة على رواية الثنتين والسبعين أو فرقتين بناء على ~~رواية الإحدى والسبعين فيكون لها نوع من التفرق لم يكن لمن تقدم من أهل الكتاب PageV02P244 ~~"""" صفحة رقم 245 """" # لأن الحديث المتقدم أثبت أن هذه الأمة تبعث من قبلها من أهل الكتابين في ~~أعيان مخالفتها فثبت أنها تبعتها في أمثال بدعتها وهذه هي # المسألة الحادية عشرة # فإن الحديث الصحيح قال لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ~~حتى لو دخلوا في حجر ضب لا تبعتموهم - قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى - ~~قال فمن زيادة إلى حديث الترمذى الغريب فد ضرب المثال في التعيين على أن ~~الاتباع في أعيان أفعالهم # وفي الصحيح عن أبى واقد الليثى رضى الله عنه قال خرجنا مع رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) قبل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون ~~حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ~~ذات أنواط كما لهم ذات أنواط # فقال لهم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) الله أكبر كما قالت بنو إسرائيل ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة # لتركبن سنن من كان قبلكم وصار حديث الفرق بهذا التفسير صادقا على أمثال ~~البدع التي تقدمت لليهود والنصارى وأن هذه الأمة تبتدع في دين الله مثل تلك ~~البدع وتزيد عليها ببدعة لم تتقدمها واحدة من الطائفتين ولكن هذه البدعة ~~الزائدة إنما تعرف بعد معرفة البدع الأخر وقد مر أن ذلك لا يعرف أو لا يسوغ ~~التعريف به وإن عرف فكذلك لا تتعين البدعة الزائدة والله أعلم # وفي الحديث أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) قال لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتى بما أخذ القرون من قبلها شبرا ~~بشبر وذراعا بذراع - فقال رجل يا رسول الله كما فعلت فارس والروم قال وهل ~~الناس إلا أولئك وهو بمعنى الأول إلا أنه ليس فيه ضرب مثل فقوله حتى تأخذ ~~أمتى بما ms448 أخذ القرون من قبلها يدل على أنها تأخذ بمثل ما آخذوا PageV02P245 ~~"""" صفحة رقم 246 """" # به إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم بل قد تتبعها في أعيانها ~~وتتبعها في اشباهها فالذي يدل على الأول قوله لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~الحديث فإنه قال فيه حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لا تبعتموهم # والذي يدل على الثاني قوله فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط فقال ~~عليه السلام هذا كما قالت بنوا إسرائيل اجعل لنا إلها الحديث # فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه ~~فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه والله أعلم # المسألة الثانية عشرة # إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أنها كلها في النار # وهذا وعيد يدل على أن تلك الفرق قد ارتكبت كل واحدة منها معصية كبيرة أو ~~ذنبا عظيما إذ قد تقرر في الأصول أن ما يتوعد الشر عليه فخصوصيته كبيرة إذ ~~لم يقل كلها في النار # إلا من جهة الوصف الذي افترقت بسببه عن السواد الأعظم وعن جماعته وليس ~~ذلك إلا لبدعة المفرقة إلا أنه ينظر في هذا الوعيد # هل هو أبدى أم لا وإذا قلنا إنه غير أبدى هل هو نافذ أم في المشيئة # أما المطلب الأول فينبنى على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام أو ليست ~~مخرجة والخلاف في الخوارج وغيرهم من المخالفين في العقائد موجود - وقد تقدم ~~ذكره قبل هذه - فحيث نقول بالتفكير لزم منه تأبيد التحريم على القاعدة إن ~~الكفر والشرك لا يغفره الله سبحانه PageV02P246 ~~"""" صفحة رقم 247 """" # وإذا قلنا بعدم التكفير فيحتمل - على مذهب أهل السنة - أمرين احدهما نفوذ ~~الوعيد من غير غفران ويدل على ذلك ظواهر الأحاديث وقوله هنا كلها في النار ~~أي مستقرة ثابتة فيها # فإن قيل ليس إنفاذ الوعيد بمذهب أهل السنة # قيل بلى قد قال به طائفة منهم في بعض الكبائر في مشيئة الله تعالى لكن ~~دلهم الدليل في خصوص ms449 كبائر على أنها خارجة عن ذلك الحكم ولا بد من ذلك فإن ~~المتبع هو الدليل فكما دلهم على أن أهل الكبائر على الجملة في المشيئة كذلك ~~دلهم على تخصيص ذلك العموم الذي في قوله تعالى ) ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~( فإن الله تعالى قال ) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ( الآية # فأخبر أولا أن جزاءه جهنم وبالغ في ذلك بقوله تعالى ) خالدا فيها ( عبارة ~~عن طول المكث فيها ثم عطف بالغضب ثم بلعنته ثم ختم ذلك بقوله تعالى ) وأعد ~~له عذابا عظيما ( والإعداد قبل البلوغ إلى المعد مما يدل على حصوله للمعدله ~~ولأن القتل اجتمع فيه حق لله وحق المخلوق وهو المقتول # قال ابن رشد ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التباعات إليهم # وهذا مما لا سبيل إلى القاتل إليه إلا بأن يدك المقتول حيا فيعفو عنه نفسه # وأولى من هذه العبارة أن نقول ومن شرط خروجه من تباعة القتل مع التوبة ~~استدراك ما فات على المجنى عليه إما ببذل القيمة له وهو أمر لا يمكن بعد ~~فوت المقتول # فكذلك يمكن في صاحب البدعة من جهة الأدلة فراجع ما تقدم في الباب الثانى ~~تجد فيه كثيرا من التهديد والوعيد المخوف جدا PageV02P247 ~~"""" صفحة رقم 248 """" # وانظر في قوله تعالى ) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ( فهذا وعيد ثم قال تعالى ) يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه ( وتسويد الوجوه علامة الخزي ودخول النار النار ثم قال ~~تعالى ) أكفرتم بعد إيمانكم ( وهو تقريع وتوبيخ ثم قال تعالى ) فذوقوا ~~العذاب ( الآية # وهو تأكيد آخر # وكل هذا التقرير بناء على أن المراد بالآيات أهل القبلة من أهل البدع # لأن المبتدع إذا اتبع في بدعته لم يمكنه التلافى - غالبا - فيها ولم يزل ~~أثرها في الأرض مستطيل إلى قيام الساعة وذلك كله بسببه فهى أدهى من قتل النفس # قال مالك رحمة الله عليه إن العبد لو ارتكب جميع الكبائر بعد أن لا يشرك ~~بالله شيئا ms450 وجبت له أرفع المنازل لأن كل ذنب بين العبد وربه هو منه على ~~رجاء وصاحب البدعة ليس هو منها على رجاء إنما يهوى به في نار جهنم فهذا منه ~~نص في إنفاذ الوعيد # والثانى أن يكون مقيدا بأن يشاء الله تعالى إصلاءهم في النار وإنما حمل ~~قوله كلها في النار أي هي ممن يستحق النار كما قالت الطائفة الأخرى في قوله ~~تعالى ) فجزاؤه جهنم خالدا فيها ( أي ذلك جزاؤه فإن عفا عنه فله العفو إن ~~شاء الله لقوله تعالى ) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( PageV02P248 ~~"""" صفحة رقم 249 """" # ) فكما ذهبت طائفة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة - وإن ~~لم يكن الاستدراك كذلك - يصح أن يقال هنا بمثله # المسألة الثالثة عشرة # إن قوله عليه الصلاة والسلام إلا واحدة قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا ~~يختلف إذ لو كان للحق فرق ايضا لم يقل إلا واحدة ولأن الاختلاف منفى عن ~~الشريعة بإطلاق لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله تعالى ) فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول ( إذ رد التنازع إلى الشريعة فلو كانت الشريعة ~~تقتضى الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة # وقوله ) في شيء ( نكرة في سياق الشرط فهى صيغة من صيغ العموم # فتنتظم كل تنازع على العموم فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد فلا يسع أن ~~يكون أهل الحق فرقا # وقال تعالى ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ( وهو نص ~~فيما نحن فيه فإن السبيل الواحد لا يقتضى الافتراق بخلاف السبل المختلفة # فإن قيل فقد تقدم في المسألة العاشرة في حديث ابن مسعود واختلف من كان ~~قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها إلى آخر الحديث فلو ~~لزم ما قلت لم يجعل أولئك الفرق ثلاثا وكانوا فرقة واحدة وحين بينوا ظهر ~~أنهم كلهم على الحق والصواب # فكذلك يجوز أن تكون الفرق في هذه الأمة لولا أن الحديث أخبر أن الناجية واحدة # فالجواب أولا ms451 - أن ذلك الحديث لم نشترط الصحة في نقله إذ لم نجده في ~~الكتب التي لدينا المشترط فيها الصحة PageV02P249 ~~"""" صفحة رقم 250 """" # وثانيا أن تلك الفرق إن عدت هنا ثلاثا فإنما عدت هناك واحدة لعدم ~~الاختلاف بينهم في أصل الاتباع وإنما الاختلاف في القدرة على الأمر ~~بالمعروف والنهى عن المنكر أو عدمها وفي كيفية الأمر والنهى خاصة # فهذه الفرق لا تنافى الصحة الجمع بينهما فنحن نعلم أن المخاطبين في ملتنا ~~بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على مراتب فمنهم من يقدر على ذلك باليد ~~وهم الملوك والحكماء ومن اشبههم ومنهم من يقدر باللسان كالعلماء ومن قام ~~مقامهم ومنهم من لا يقدر إلا بالقلب - إما مع البقاء بين ظهرانيهم إذ لم ~~يقدر على الهجرة أو مع الهجرة إن قدر عليها وجميع ذلك خطة واحدة من خصال ~~الإيمان ولذلك جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام ليس بعد ذلك من ~~الإيمان حبة خردل # فإذا كان كذلك فلا يضرنا عد الناجية في بعض الأحاديث ثلاثا باعبتار وعدها ~~واحدة باعتبار آخر وإنما يبقى النظر في عدها اثنتين وسبعين فتصير بهذا ~~الاعتبار سبعين وهو معارض لما تقدم من جهة الجمع بين فرق هذه الأمة وفرق ~~غيرها مع قوله لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع # ويمكن أن يكون في الجواب أحد أمرين إما أن يترك الكلام في هذا راسا إذا ~~خالف الحديث الصحيح لأنه ثبت فيه إحدى وسبعين وفي حديث ابن مسعود ثنتين وسبعين PageV02P250 ~~"""" صفحة رقم 251 """" # وإما أن يتأول أن الثلاثة التي نجت ليست فرقا ثلاثا وإنما هي فرقة واحدة ~~انقسمت إلى المراتب الثلاث لأن الرواية الواقعة في تفسير عبد بن حميد هي ~~قوله نجا منها ثلاث ولم يفسرها بثلاث فرق وإن كان هو ظاهر المساق # ولكن قصد الجمع بين الروايات ومعانى الحديث ألجأ إلى ذلك والله أعلم بما ~~أراد ورسوله من ذلك # وقوله عليه الصلاة والسلام كلها في النار إلا واحدة ظاهر في العموم لأن ~~كل من صيغ العموم وفسره الحديث الآخر ثنتان ms452 وسبعون في النار وواحدة في ~~الجنة وهذا نص لا يحتمل التأويل # المسألة الرابعة عشرة # أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لم يعين من الفرق إلا فرقة واحدة وإنما ~~تعرض لعدها خاصة وأشار إلى الفرقة الناجية حين سئل عنها وإنما وقع ذلك كذلك ~~ولم يكن الأمر بالعكس لأمور أحدها أن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في ~~البيان بالنسبة إلى تعبد المكلف والأحق بالذكر إذ لا يلزم تعيين الفرق ~~الباقية إذا عينت الواحدة وأيضا فلو عينت الفرق كلها إلا هذه الأمة لم يكن ~~بد من بيانها لأن الكلام فيما يقتضى ترك أمور وهي بدع والترك للشىء لا ~~يقتضى فعل شىء آخر لا ضدا ولا خلافا فذكر الواحدة هو المفيد على الإطلاق # والثانى أن ذلك أوجز لأنه إذا ذكرت نحلة الفرقة الناجية علم على البديهة ~~أن ما سواها مما يخالفها ليس بناج وحصل التعيين بالأجتهاد بخلاف ما إذا ~~ذكرت الفرق إلا الناجية فإنه يقتضى شرحا كثيرا ولا يقتضى في الفرقة الناجية ~~اجتهاد لأن إثبات العبادات التي تكون مخالفتها بدعا لا حظ للعقل في ~~الاجتهاد فيها PageV02P251 ~~"""" صفحة رقم 252 """" # والثالث أن ذلك أحرى بالستر كما تقدم بيانه في مسألة الفرق ولو فسرت ~~لناقض ذلك قصد الستر ففسر ما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه إلا من جهة ~~المخالفة فالعقل وراء ذلك مرمى تحت أذيال الستر والحمد لله فبين النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) ذلك بقوله ما أنا عليه واصحابى ووقع ذلك جوابا للسؤال ~~الذي سالوه إذ قالوا من هي يا رسول الله فأجاب بأن الفرقة الناجية من اتصف ~~بأوصافه عليه الصلاة والسلام وأوصاف أصحابه # وكان ذلك معلوما عندهم غير خفى فاكتفوا به # وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمان # وحاصل الأمر أن اصحابه كانوا متقدين به مهتدين بهديه وقد جاء مدحهم في ~~القرآن الكريم وأثنى عليهم متبوعهم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وإنما خلقه ~~( صلى الله عليه وسلم ) القرآن فقال تعالى ) وإنك لعلى خلق عظيم ( فالقرآن ~~إنما هو المتبوع على ms453 الحقيقة وجاءت السنة مبينة له فالمتبع للسنة متبع للقرآن # والصحابة كانوا أولى الناس بذلك ن فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة ~~الناجية الداخلة للجنة بفضل الله وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام ما أنا ~~عليه وأصحابى فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم وما سواهما من الإجماع ~~وغيره فناشىء عنهما هذا هو الوصف الذي كان عليه النبى ( صلى الله عليه وسلم ~~) وأصحابه وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله وهى الجماعة لأن ~~الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف إلا أن في لفظ الجماعة معنى ~~تراه بعد إن شاء الله PageV02P252 ~~"""" صفحة رقم 253 """" # ثم إن في هذا التعريف نظرا لا بد من الكلام عليه فيه وذلك أن كل داخل تحت ~~ترجمة الإسلام من سنى أو مبتدع مدع أنه هو الذي نال رتبة النجاة ودخل في ~~غمار تلك الفرقة إذ لا يدعى خلاف ذلك إلا من خلع ربقة الإسلام وانحاز إلى ~~فئة الكفر كاليهود والنصارى وفي معناهم من دخل بظاهره وهو معتقد غيره ~~كالمنافقين # وأما من لم يرض لنفس إلا بوصف الإسلام وقاتل سائر الملل على هذه الملة ~~فلا يمكن أن يرضى لنفسه بأخس مراتبها - وهو مدع أحسنها - وهو المعلم فلو ~~علم المبتدع أنه مبتدع لم يبق على تلك الحالة ولم يصاحب أهلها فضلا عن أن ~~يتخذها دينا يدين به الله وهو أمر مركوز في الفطرة لا يخالف فيه عاقل # فإذا كان كذلك فكل فرقة تنازع صاحبتها في فرقة النجاة # ألا ترى أن المبتدع آخذ أبدا في تحسين حالته شرعا وتقبيح حالة غيره ~~فالظاهر يدعى أنه المتبع للسنة # والغاش يدعى أنه الذى فهم الشريعة وصاحب نفى الصفات يدعى أنه الموحد # والقائل باستقلال العبد يدعى انه صاحب العدل وكذلك سمى المعتزلة أنفسهم ~~أهل العدل والتوحيد # والمشبه يدعى أنه المثبت لذات البارى وصفاته لان نفى التشبيه عنده نفى ~~محض وهو العدم # وكذلك كل طائفة من الطوائف التي ثبت لها اتباع الشريعة أو لم يثبت لها # وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو ms454 السنية على الخصوص فكل طائفة ~~تتعلق بذلك أيضا # فالخوارج تحتج بقوله عليه الصلاة والسلام لا تزال طائفة من أمتى PageV02P253 ~~"""" صفحة رقم 254 """" # ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر الله وفي رواية لا يضرهم خلاف من خالفهم ~~ومن قتل منهم دون ماله فهو شهيد # والقاعد يحتج بقوله عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن فارق ~~الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه وقوله كن عبدالله المقتول ~~ولا تكن عبدالله القاتل # والمرجئى يحتج بقوله من قال لا إله إلا الله مخلصا من قبله فهو في الجنة ~~وإن زنى وإن سرق والمخالف له محتج بقوله لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن # والقدرى يحتج بقوله تعالى ) فطرة الله التي فطر الناس عليها ( وبحديث كل ~~مولود يولد على الفطرة الحديث # والمفوض يحتج بقوله تعالى ) ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ( وفي ~~الحديث اعملوا فكل ميسر لما خلق له # والرافضة تحتج بقوله عليه الصلاة والسلام ليردن الحوض أقوام ثم ليتخلفن ~~دونى فأقول يارب أصحابى فيقال إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ثم لم يزالوا ~~مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ويحتجون في تقديم على رضى الله عنه ب أنت ~~منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى ومن كنت مولاه فعلى مولاه ~~ومخالفوهم يحتجون في تقديم أبى بكر وعمر رضى الله عنهما بقوله اقتدوا ~~بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر إلى اشباه ~~ذلك مما يرجع إلى معناه # والجميع محومون - في زعمهم - على الانتظام في سلك الفرقة الناجية وإذا ~~كان كذلك اشكل على المبتدع في النظر ما كان عليه النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وأصحابه PageV02P254 ~~"""" صفحة رقم 255 """" # ولا يمكن أن يكون مذهبهم مقتضى هذه الظواهر فإنها متدافعة متناقضة وإنما ~~يمكن الجمع فيها إذا جعل بعضها اصلا # فيرد البعض الآخر إلى ذلك الأصل بالتأويل # وكذلك فعل كل واحدة من تلك الفرق تستمسك ببعض تلك الأدلة وترد ما سواها ~~إليها أو تهمل اعتبارها بالترجيح إن كان الموضع ms455 من الظنيات التي يسوغ فيها ~~الترجيح أو تدعى أن اصلها الذى ترجع إليه قطعى والمعارض له ظنى فلا ~~يتعارضان # وإنما كانت طريقة الصحابة ظاهرة في الأزمنة المتقدمة أما وقد استقرت مآخذ ~~الخلاف فمحال وهذا الموضع مما يتضمنه قول الله تعالى ) ولا يزالون مختلفين ~~إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ( # فتأملوا - رحمكم الله - كيف صار الاتفاق محالا في العادة ليصدق العقل ~~بصحة ما أخبر الله به # والحاصل أن تعيين هذه الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب ومع ذلك فلا بد ~~من النظر فيه وهو نكتة هذا الكتاب فليقع به فضل اعتناء بحسب ما هيأه الله ~~وبالله التوفيق # ولما كان ذلك يقتضى كلاما كثيرا أرجأنا القول فيه إلى باب آخر وذكره فيه ~~على حدته إذ ليس هذا موضع ذكره والله المستعان PageV02P255 ~~"""" صفحة رقم 256 """" # المسألة الخامسة عشرة # أنه قال عليه الصلاة والسلام كلها في النار إلا واحدة وحتم ذلك وقد تقدم ~~أنه لا يعد من الفرق إلا المخالف في أمر كلى وقاعدة عامة ولم ينتظم الحديث ~~على الخصوص - إلا أهل البدع المخالفين للقواعد وأما من ابتدع في الدين لكنه ~~لم يبتدع ما ينقض أمرا كليا أو يخرم أصلا من الشرع عاما فلا دخول له في ~~النص المذكور فينظر في حكمه هل يلحق بمن ذكر أو لا # والذى يظهر في المسألة أحد أمرين إما أن نقول إن الحديث لم يتعرض لتلك ~~الواسطة بلفظ ولا معنى إلا أن ذلك يؤخذ من عموم الأدلة المتقدمة كقوله كل ~~بدعة ضلالة وما اشبه ذلك # وإما أن نقول إن الحديث وإن لم يكن في لفظه دلالة ففى معناه ما يدل على ~~قصده في الجملة وبيانه تعرض لذكر الطرفين الواضحين # أحدهما طرف السلامة والنجداة من غير داخلة شبهة ولا إلمام بدعة - وهو ~~قوله ما أنا عليه وأصحابى # والثانى طرف الإغراق في البدعة وهو الذي تكون فيه البدعة كلية أو تخرم ~~أصلا كليا جريا على عادة الله في كتابه العزيز لانه تعالى لما ذكر أهل ~~الخير وأهل الشر ذلر كل ms456 فريق منهم بأهلى ما يحمل من خير أو شر ليبقى المؤمن ~~فيها بين الطرفين خائفا راجيا إذ جعل التنبيه بالطرفين الواضحين فإن الخير ~~على مراتب بعضها أعلى من بعض والشر على مراتب بعضها أشد من بعض فإذا ذكر ~~أهل الخير الذين في أعلى الدرجات خاف أهل الخير الذين دونهم أن لا يلحقوا ~~بهم أو رجوا أن يلحقوا بهم وإذا ذكر أهل الشر الذين PageV02P256 ~~"""" صفحة رقم 257 """" # في اشر المراتب خاف أهل الشر الذين دونهم أن يلحقوا بهم أو رجوا أن لا ~~يلحقوا بهم # وهذا المعنى معلوم بالأستقراء وذلك الاستقراء - إذا تم - يدل على قصد ~~الشارع إلى ذلك المعنى ويقويه ما روى سعيد بن منصور في تفسيره عن عبد ~~الرحمن بن ساباط قال لما بلغ الناس أن أبا بكر يريد أن يستخلف عمر قالوا ~~ماذا يقول لربه إذا لقيه استخلف علينا فظا غليظا - وهو لا يقدر على شىء - ~~فكيف لو قدر # فبلغ ذلك أبا بكر فقال أبربى تخوفونى أقول أستخلفت خير خلقك # ثم أرسل إلى عمر فقال # إن لله عملا باليل لا يقبله بالنهار وعملا بالنهار لا يقبله بالليل واعلم ~~انه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن ~~أعمالهم وذلك أنه رد عليهم حسنة فلم يقبل منهم حتى يقول القائل عملى خير من ~~هذا ألم تر أن الله أنزل الرغبة والرهبة لكي يرغب المؤمن فيعمل ويرهب فلا ~~يلقى بيده إلى التهلكة ألم تر إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم ~~الحق وتركهم الباطل فثقل عملهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا حق أن يثقل ألم ~~تر إنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل وتركهم الحق وحق لميزان ~~لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف - ثم قال - أما إن حفظت وصيتى لم يكن غائب ~~أحب إليك من الموت وأنت لا بد لاقيه - وإن ضيعت وصيتى لم يكن غائب أبغض ~~إليك من الموت ولا تعجزه PageV02P257 ~~"""" صفحة رقم 258 """" # وهذا الحديث وإن لم يكن هنالك ولكن ms457 معناه صحيح يشهد له الاستقراء لمن ~~تتبع آيات القرآن الكريم ويشهد لما تقدم من أن هذا المعنى مقصود استشهاد ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه بمثله إذ رأى بعض أصحابه وقد اشترى لحما بدرهم ~~أين تذهب بكم هذه الآية ) أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ( # والآية إنما نزلت في الكفار - لقوله تعالى ) ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أذهبتم ( الآية إلى أن قال تعالى ) فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ( ولم يمنعه رضى الله عنه ~~إنزالها في الكفار من الاستشهاد بها في مواضع اعتبارا بما تقدم وهو اصل ~~شرعى تبين في كتاب الموافقات # فالحاصل ان من عدا الفرق من المبتدعة الابتداع الجزئي لا يبلغ مبلغ أهل ~~البدع في الكليات في الذم والتصريح بالوعيد بالنار ولكنهم اشتركوا في ~~المعنى المقتضى للذم والوعيد كما اشترك في اللفظ في صاحب اللحم - حين تناول ~~بعض الطيبات على وجه فيه كراهية ما في اجتهاد عمر - مع من أذهب طيباته في ~~حياته الدنيا من الكفار وإن كان ما بينهما من البون البعيد والقرب والبعد ~~من العارف المذموم بحسب ما يظهر من الأدلة للمجتهد وقد تقدم بسط # ذلك في بابه والحمد لله # المسألة السادسة عشرة # أن رواية من روى في تفسير الفرقة الناجية وهي الجماعة محتاجة إلى التفسير ~~لأنه إن كان معناه بينا من جهة تفسير الرواية الأخرى - وهى قوله ما أنا PageV02P258 ~~"""" صفحة رقم 259 """" # عليه وأصحابى - فمعنى لفظ الجماعة من حيث المراد به في إطلاق الشرع محتاج ~~إلى التفسير # فقد جاء في أحاديث كثيرة منها الحديث الذي نحن في تفسيره ومنها ما صح عن ~~ابن عباس عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال من رأى من أميره شيئا يكرهه ~~فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شيئا فمات مات ميتة جاهلية # وصح من حديث حذيفة قال قلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا ~~الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم - قلت ms458 وهل بعد ذلك الشر ~~من خير - قال نعم وفيه دخن - قلت # وما دخنه قال - قوم يستنون بغير سنتى ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر - ~~قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال - نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم ~~إليها قذفوه فيها - قلت # يا رسول الله صفهم لنا # قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا - قلت فما تأمرني إن أدركنى ذلك قال ~~تلزم جماعة المسلمين وإمامهم - قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال ~~فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض باصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك # وخرج الترمذى والطبرى عن ابن عمر قال خطبنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه ~~بالجابية فقال إنى قمت فيكم كمقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فينا # فقال أوصيكم بأصحابى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى ~~يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة لا ~~يخلون رجل بأمرأة فإنه لا يخلون رجل بأمرأة إلا كان ثالثهما PageV02P259 ~~"""" صفحة رقم 260 """" # الشيطان - الشيطان مع الواحد وهم من الأثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة ~~فليلزم الجماعة ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلك هو المؤمن # وفي الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنه قال قال رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) إن الله لا يجمع أمتى على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى ~~النار وخرج أبو داود عن أبى ذر قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه # وعن عرفجة قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول سيكون في أمتى ~~هنيات وهنيات فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان # فاختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال ~~أحدها إنها السواد الأعظم من أهل الإسلام وهو الذي يدل عليه كلام أبى غالب ~~إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق فما كانوا عليه من ms459 أمر دينهم فهو ~~الحق ومن خالفهم مات ميتة جاهلية سواء خالفهم في شىء من الشريعة أو في ~~إمامهم وسلطانهم فهو مخالف للحق PageV02P260 ~~"""" صفحة رقم 261 """" # وممن قال بهذا أبو مسعود الأنصارى وابن مسعود فروى أنه لما قتل عثمان سئل ~~أبو مسعود الأنصارى عن الفتنة فقال عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع ~~أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) على ضلالة واصبر حتى تستريح أو يستراح من فاجر # وقال إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة # وقال ابن مسعود عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به # ثم قبض يده وقال - إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة # وعن الحسين قيل له أبو بكر خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال ~~إي والذي لا إله إلا هو ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة # فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة ~~العاملون بها ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم فكل ~~من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء جميع ~~أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة لم يدخلوا في سوادهم بحال # والثاني إنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين فمن خرج مما عليه علماء الأمة ~~مات ميتة جاهلية لأن جماعة الله العلماء جعلهم الله حجة على العالمين وهم ~~المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام إن الله لن يجمع امتى على ضلالة وذلك ~~ان العامة عنها تأخذ دينها وإليها تفزع من النوازل وهي تبع لها # فمعنى قوله لن تجتمع امتى لن يجتمع علماء أمتى على ضلالة # وممن قال بهذا عبدالله بن المبارك وإسحاق ابن راهوية وجماعة من السلف وهو ~~رأي الأصوليين فقيل لعبد الله بن المبارك من الجماعة الذين ينبغى PageV02P261 ~~"""" صفحة رقم 262 """" # أن يقتدى بهم قال أبو بكر وعمر - فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد ابن ~~ثابت والحسين بن واقد - فقيل هؤلاء ماتوا فمن الأحياء قال أبو حمزة السكرى # وعن المسيب بن رافع ms460 قال كانوا إذا جاءهم شىء من القضاء ليس في كتاب الله ~~ولا سنة رسول الله سموه صوافى الأمراء فجمعوا له أهل العلم فما أجمع رأيهم ~~عليه فهو الحق وعن إسحاق بن راهوية نحو مما قال ابن المبارك # فعلى هذا القول لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد لانه داخل في أهل ~~التقليد فمن عمل منهم بما يحالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية ولا يدخل أيضا ~~أحد من المبتدعين لأن العالم أولا لا يبتدع وإنما يبتدع من ادعى لنفسه ~~العلم وليس كذلك ولأن البدعة قد أخرجته عن نمط من يعتد بأقواله وهذا بناء ~~على القول بأن المبتدع لا يعتد به في الإجماع وإن قيل بالاعتداد بهم فيه ~~ففى غير المسئلة التي ابتدع فيها لأنهم في نفس البدعة مخالفون للاجماع فعلى ~~كل تقدير لا يدخلون في السواد الأعظم رأسا # والثالث إن الجماعة هي الصحابة على الخصوص فإنهم الذين أقاموا عماد الدين ~~وأرسوا أوتاده وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة اصلا وقد يمكن فيمن سواهم ~~ذلك ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام ولا تقوم الساعة على أحد يقول الله ~~الله - وقوله - لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس فقد أخبر عليه الصلاة PageV02P262 ~~"""" صفحة رقم 263 """" # والسلام أن من الأزمان أزمانا يجتمعون فيها على ضلالة وكفر # قالوا - وممن قال بهذا القول عمر بن عبد العزيز فروى ابن وهب عن مالك قال ~~كان عمر بن عبد العزيز يقول سن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وولاه ~~الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال الطاعة لله وقوة ~~على دين الله - ليس لاحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها من ~~اهتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين ~~وولاه الله ما تولى واصلاه جهنم وساءت مصيرا # فقال مالك - فأعجبنى عزم عمر على ذلك # فعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة ~~والسلام ما أنا عليه واصحابى فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنوه وما ms461 اجتهدوا ~~فيه حجة على الإطلاق وبشهادة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهم بذلك ~~خصوصا في قوله فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين وأشباهه أو لأنهم ~~المتقلدون لكلام النبوة المهتدون للشريعة الذين فهموا أمر دين الله بالتلقى ~~من نبيه مشافهة على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيرهم ~~فإذا كل ما سنوه فهو سنة من غير نظير فيه بخلاف غيرهم فإن فيه لأهل ~~الاجتهاد مجالا قطعا على هذا القول # والرابع إن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على ~~غيرهم من أهل الملل اتباعهم وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~أن لا يجمعهم على ضلالة فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما ~~اختلفوا فيه # قال الشافعى الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله ولا سنة ولا ~~قياس وإنما تكون الغفلة في الفرقة PageV02P263 ~~"""" صفحة رقم 264 """" # وكأن هذا القول يرجع إلى الثانى وهو يقتضى أيضا ما يقتضيه أو يرجع إلى ~~القول الأول وهو الأظهر وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لا بد من كون ~~المجتهدين فيهم وعند ذلك لا يكون من اجتماعهم على هذا القول بدعة اصلا فهم ~~- إذا - الفرقة الناجية # والخامس ما اختاره الطبرى الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا ~~اجتمعوا على أمير فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة فيما ~~اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم لأن فراقهم لا يعدوا إحدى حالتين - إما ~~للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب بل ~~بالتأويل في إحداث بدعة في الدين كالحرورية التي أمرت الأمة بقتلها وسماها ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ) مارقة من الدين وإما لطلب إمارة من انعقاد ~~البيعة لأمير الجماعة فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه # وقد قال ( صلى الله عليه وسلم ) من جاء إلى أمتى ليفرق جماعتهم فاضربوا ~~عنقه كائنا من كان قال الطبرى فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة # قال وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق ms462 لها ~~ميتا ميتة جاهيلة فهى الجماعة التي وصفها أبو مسعود الإنصارى وهم معظم ~~الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم وهم السداد الأعظم # قال - وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه فروى عن عمرو ابن ميمون ~~الأودى قال قال - عمر حين طعن لصهيب - صل بالناس ثلاثا وليدخل على عثمان ~~وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له ~~من الأمر شىء فقم يا صهيب على رءوسهم بالسيف PageV02P264 ~~"""" صفحة رقم 265 """" # فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد رأسه بالسيف وإن بايع أربعة ونكص رجلان ~~فاجلد رءوسهما حتى يستوثقوا على رجل # قال - فالجماعة التى أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بلزومها وسمى ~~المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت ~~عليه وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف # فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم # قال وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه أن لا ~~يجمعهم على إضلال الحق فيما أنابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ~~ويخطئوه وذلك لا يكون في الأمة # هذا تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر في اكثر اللفظ # وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة ~~وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في ~~الأحاديث المذكورة كالخوارج ومن جرى مجراهم # فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع وأنهم المرادون ~~بالأحاديث فلنأخذ ذلك اصلا ويبنى عليه معنى آخر وهى PageV02P265 ~~"""" صفحة رقم 266 """" # المسألة السابعة عشرة # وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم ~~العوام أم لا فإن لم يضموا إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد ~~الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية وإن ~~ضموا إليها العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة فلا بد من رجوعهم ~~في دينهم إلى العلماء فإنهم لو تمالأوا ms463 على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم ~~لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال ~~فلا يقول أحد إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب وإن العلماء هم المفارقون ~~للجماعة والمذمومون في الحديث # بل الأمر وبالعكس وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا والعوام هم ~~المفارقون للجماعة إن خالفوا فإن وافقوا فهو الواجب عليهم # ومن هنا لم سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال أبو ~~بكر وعمر - قال - فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ابن ~~واقد قيل فهؤلاء ماتوا فمن الأحياء قال أبو حمزة السكرى وهو محمد ابن ميمون ~~المروزى فلا يمكن أن يعتبر العوام في هذه المعاني بإطلاق وعلى هذا لو فرضنا ~~خلو الزمان عن مجتهد لم يمكن اتباع العوام لأمثالهم ولا عد سوادهم أنه ~~السواد الأعظم المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه فميتته جاهلية بل يتنزل ~~النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين فالذي يلزم العوام مع وجود ~~المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالى عن المجتهد # وايضا فاتباع نظر من لا نظر له واجتهاد من لا اجتهاد له محض ضلالة ورمى ~~في عماية وهو مقتضى الحديث الصحيح إن الله لا يقبض العلم انتزاعا الحديث PageV02P266 ~~"""" صفحة رقم 267 """" # روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسى قال سمعت إسحاق بن راهويه وذكر في ~~حديث رفعه إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الله لم يكن ليجمع أمة ~~محمد على ضلالة فإذا رايتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم - فقال رجل يا ~~أبا يعقوب من السواد الأعظم فقال محمد اسلم وأصحابه ومن تبعهم - ثم قال سأل ~~رجل ابن المبارك من السواد الأعظم قال أبو حمزة السكرى - ثم قال إسحاق في ~~ذلك الزمان يعنى أبا حمزة وفي زماننا محمد ابن اسلم ومن تبعه - ثم قال ~~إسحاق لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا جماعة الناس # ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وطريقه فمن كان ms464 معه وتبعه فهو الجماعة - ثم قال إسحاق لم اسمع عالما منذ ~~خمسين سنة كان اشد تمسكا بأثر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من محمد بن اسلم # فانظر في حكايته تتبين غلط من ظن أن الجماعة هي جماعة الناس وإن لم يكن ~~فيهم عالم وهو وهم العوام لا فهم العلماء # فلبثبت الموفق في هذه المزلة قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل ولا توفيق إلا بالله # المسألة الثامنة عشرة # في بيان معنى رواية أبى داود وهى قوله عليه الصلاة والسلام وإنه سيخرج في ~~أمتى أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ~~ولا مفصل إلا دخله # وذلك أن معنى هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بما سيكون في ~~أمته من هذه الأهواء التي افترقوا فيها إلى تلك الفرق وأنه يكون فيهم أقوام ~~تداخل تلك الأهواء قلوبهم حتى لا يمكن في العادة انفصالها عنها وتوبتهم ~~منها على حد ما يداخل داء الكلب جسم صاحبه فلا يبقى من ذلك الجسم جزء من أجزائه PageV02P267 ~~"""" صفحة رقم 268 """" # ولا مفصل ولا غيرهما إلا دخله ذلك الداء وهو جريان لا يقبل العلاج ولا ~~ينفع فيه الدواء فكذلك صاحب الهوى إذا دخل قلبه وأشرب حبه لا تعمل فيه ~~الموعظة ولا يقبل البرهان ولا يكترث بمن خالفه # واعتبر ذلك بالمتقدمين من أهل الأهواء كمعبد الجهنى وعمرو بن عبيد ~~وسواهما فإنهم كانوا حيث لقوا مطرودين من كل جهة محجوبين عن كل لسان مبعدين ~~عند كل مسلم ثم مع ذلك لم يزدادوا إلا تماديا على ضلالهم ومداومة على ما هم ~~عليه ) ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ( # وحاصل ما عولوا عليه تحكيم العقول مجردة فشركوها مع الشرع في التحسين ~~والتقبيح ثم قصروا افعال الله على ما ظهر لهم ووجهوا عليها أحكام العقل ~~فقالوا يجب على الله كذا ولا يجوز أن يفعل كذا # فجعلوه محكوما عليه كسائر المكلفين # ومنهم من لم يبلغ هذا المقدار بل استحسن شيئا يفعله واستقبح آخر وألحقها ~~بالمشروعات ms465 ولكن الجميع بقوا على تحكيم العقول ولو وقفوا هنالك لكانت ~~الداهية على عظمتها أيسر ولكنها تجاوزوا هذه الحدود كلها إلى أن نصبوا ~~المحاربة لله ورسوله باعتراضهم على كتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وادعائهم عليهما من التناقض والاختلاف ومنافاة العقول وفساد النظم ~~ما هم له أهل # قال العتبى وقد اعترض على كتاب الله تعالى بالطعن ملحدون ولغوا وهجروا ~~واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بافهام كليلة وأبصار ~~عليلة ونظر مدخول فحرفوا الكلم عن مواضعه وعدولوا به عن سبيله ثم قضوا عليه ~~بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم والاختلاف وأدلوا بذلك بعلل ربما ~~أمالت الضعيف الغمر والحديث الغر واعترضت بالشبهة في القلوب وقد حت بالشكوك ~~في الصدور قال ولو كان ما لحنوا إليه على PageV02P268 ~~"""" صفحة رقم 269 """" # تقريرهم وتأويلهم لسبق إلى الطعن فيه من لم يزل رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) يحتج بالقرآن عليهم ويجعله علم نبوته والدليل على صدقه ~~ويتحداهم في مواطن على أن يأتوا بسورة من مثله وهم الفصحاء والبلغاء ~~والخطباء والشعراء والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد واللدد ~~في الخصام مع اللب والنهى واصالة الرأى # فقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب # وكانوا يقولون مرة هو سحر ومرة هو شعر ومرة هو قول الكهنة # ومرة اساطير الأولين # ولم يحك الله عنهم الأعتراض على الاحاديث ودعوى التناقض والاختلاف فيها ~~وحكى عنهم لأجل ذلك القدح خير أمة أخرجت للناس وهم الصحابة رضى الله عنهم ~~واتبعوهم بالحدس قالوا ما شان أو جروا في الطعن على الحديث جرى من لا يرى ~~عليه محتسبا في الدنيا ولا محاسبا في الآخرة # وقد بسط الكلام في الرد عليهم والجواب عما اعترضوا فيه أبو محمد بن قتيبة ~~في كتابين صنفهما لهذا المعنى وهما من محاسن كتبه رحمه الله # ولم أر قط تلك الاعتراضات تعزيلها للمعترض فيه ولأن غيري - والحمد لله - ~~قد تجرد له ولكن أردت بالحكاية عنهم على الجملة بيان معنى قوله تجارى يهم ~~تلك الأهواء كما يتجارى الكلب ms466 بصاحبه وقبل وبعد فأهل الأهواء إذا استحكمت ~~فيهم أهواؤهم لم يبالوا بشىء ولم يعدوا خلاف أنظارهم شيئا ولا راجعوا ~~عقولهم مراجعة من يتهم نفسه ويتوقف في موارد الإشكال وهو شان المعتبرين من ~~أهل العقول وهؤلاء صنف من أصناف من اتبع هواه PageV02P269 ~~"""" صفحة رقم 270 """" # ولم يعبأ بعذل العاذل فيه ثم أصناف أخر تجمعهم مع هؤلاء إشراب الهوى في ~~قلوبهم حتى لا يبالوا بغير ما هو عليه # فإذا تقرر معنى الرواية بالتمثيل صرنا منه إلى معنى آخر وهى # المسألة التاسعة عشرة # إن قوله تتجارى بهم تلك الأهواء فيه الإشارة ب تلك فلا تكون إشارة إلى ~~غير مذكور ولا محالا بها على غير معلوم بل لا بد لها من متقدم ترجع إليه ~~وليس إلا الأحوال التي كانت السبب في الافتراق فجاءت الزيادة في الحديث ~~مبينة أنها الأهواء وذلك قوله تتجارى بهم تلك الأهواء فدل على أن كل خارج ~~عما هو عليه وأصحابه إنما خرج باتباع الهوى عن الشرع وقد مر بيان هذا قبل ~~فلا نعيده # المسألة العشرون # إن قوله عليه الصلاة والسلام وأنه سيخرج في أمتى أقوام على وصف كذا يحتمل أمرين # أحدهما أن يريد أن كل من دخل من أمته في هوى من تلك الأهواء ورآها وذهب ~~إليها فإن هواه يجرى مجرى الكلب بصاحبه فلا يرجع أبدا عن هواه ولا يتوب من ~~بدعته والثانى أن يريد أن من أمته من يكون عند دخوله في البدعة مشرب القلب ~~بها ومنهم من لا يكون كذلك فيمكنه التوبة منها والرجوع عنها PageV02P270 ~~"""" صفحة رقم 271 """" # والذى يدل على صحة الأول هو النقل المقتضى الحجر للتوبة عن صاحب البدعة ~~على العموم كقوله عليه الصلاة والسلام يمرقون من الدين ثم لا يعودون حتى ~~يعود السهم على فوقه وقولهم إن الله حجر التوبة عن صاحب البدعة وما اشبه ~~ذلك ويشهد له الواقع فإنه قلما تجد صاحب بدعة ارتضاها لنفسه يخرج عنها أو ~~يتوب منها بل هو يزداد بضلالتها بصيرة # روى عن الشافعى أنه قال مثل الذى ينظر في ms467 الرأى ثم يتوب منه مثل المجنون ~~الذي عولج حتى برىء فأعقل ما يكون قد هاج # ويدل على صحة الثانى أن ما تقدم من النقل لا يدل على أن لا توبة له اصلا ~~لان العقل يجوز ذلك والشرع إن يشا على ما ظاهره العموم فعمومه إنما يعبتر ~~عاديا والعادة إنما تقتضى في العموم الأكثرية لا نحتاج الشمول الذي يجزم به ~~العقل إلا بحكم الاتفاق وهذا مبين في الاصول # والدليل على ذلك ان وجدنا من كان عاملا ببدع ثم ناب منها وراجع نفسه ~~بالرجوع عنها كما رجع من الخوارج من رجع حين ناظرهم ابن عباس رضى الله ~~عنهما وكما رجع المهتدى والواثق وغيرهم ممن كان قد خرج عن السنة ثم رجع ~~إليها وإذا جعل تخصيص العموم بفرد لم يبق اللفظ # عاما وحصل الانقسام # وهذا الثاني هو الظاهر لأن الحديث أعطى أوله أن الأمة تفترق ذلك الافتراق PageV02P271 ~~"""" صفحة رقم 272 """" # من غير إشعار بإشراب أو عدمه ثم بين أن في أمته المفترقين عن الجماعة من ~~يشرب تلك الأهواء فدل أن فيهم من لا يشربها وإن كان من أهلها ويبعد أن يريد ~~أن في مطلق الأمة من يشرب تلك الأهواء إذا كان يكون في الكلام نوع من ~~التداخل الذي لا فائدة فيه فإذا بين أن المعنى أنه يخرج في الأمة المفترقة ~~بسبب الهوى من يتجارى به ذلك الهوى استقام الكلام واتسق وعند ذلك يتصور ~~الانقسام # وذلك بأن يكون في الفرقة من يتجارى به الهوى كتجارى الكلب ومن لا يتجارى ~~به ذلك المقدار لأنه يصح أن يختلف التجارى فمنه ما يكون في الغاية حتى يخرج ~~إلى الكفر أو يكاد ومنه ما لا يكون كذلك # فمن القسم الأول الخوارج بشهادة الصادق المصدوق رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) حيث قال يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ومنه هؤلاء ~~الذين أعرقوا في البدعة حتى اعترضوا على كتاب الله وسنة نبيه وهم بالتفكير ~~أحق من غيرهم ممن لم يبلغ مبلغهم # ومن القسم الثاني أهل التحسين والتقبيح ms468 على الجملة إذ لم يؤدهم عقلهم إلى ~~ما تقدم # ومنه ما ذهب إليه الظاهرية - على رأى من عدها من البدع - وما اشبه ذلك لك ~~أنه يقول من خرج عن الفرق ببدعته وإن كانت جزئية فلا يخلو صاحبها من ~~تجاريها في قلبه وإشرابها له لكن على قدرها وبذلك أيضا تدخل تحت ما تقدم من ~~الأدلة على ان لا توبة له لكن التجارى المشبه بالكلب لا يبلغه كل صاحب بدعة ~~إلا أنه يبقى وجه التفرقة بين من أشرب قلبه بدعة من البدع PageV02P272 ~~"""" صفحة رقم 273 """" # ذلك الإشراب وبين من لم يبلغ ممن هو معدود في الفرق فإن الجميع متصفون ~~بوصف الفرقة التي هي نتيجة العداوة والبغضاء # وسبب التفريق بينهما - والله أعلم - أمران إما أن يقال إن الذى اشربها من ~~شأنه أن يدعوا إلى بدعته فيظهر بسببها المعاداة والذى لم يشربها لا يدعو ~~إليها ولا ينتصب للدعاء إليها ووجه ذلك أن الأول لم يدع إليها إلا وهي قد ~~بلغت من قلبه مبلغا عظيما بحيث يطرح ما سواه في جنبها حتى صار ذا بصيرة ~~فيها لا ينثنى عنها وقد أعمت بصره وأصمت سمعه واستولت على كليته وهي غاية المحبة # ومن أحب شيئا من هذا النوع من المحبة وإلى بسببه وعادى ولم يبال بما لقى ~~في طريقه بخلاف من لم يبلغ ذلك المبلغ فإنما هي عنده بمنزلة مسألة علمية ~~حصلها ونكتة اهتدى إليها فهي مدخرة في خزانة حفظه يحكم بها على من وافق ~~وخالف لكن بحيث يقدر على إمساك نفسه عن الإظهار مخافة النكال والقيام عليه ~~بأنواع الإضرار ومعلوم أن كل من داهن على نفسه في شىء وهو قادر على إظهاره ~~لم يبلغ منه ذلك الشىء مبلغ الاستيلاء فكذلك البدعة إذا استخفى بها صاحبها # وإما أن يقال أن من أشربها ناصب عليها بالدعوة المقترنة بالخروج عن ~~الجماعة والسواد الأعظم وهي الخاصية التي ظهرت في الخوارج وسائر من كان على رأيهم # ومثل ما حكى ابن العربى في العواصم قال أخبرني جماعة من أهل السنة بمدينة ~~السلام ms469 أنه ورد بها الاستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري PageV02P273 ~~"""" صفحة رقم 274 """" # الصوفى من نيسابور فعقد مجلسا للذكر وحضر فيه كافة الخلق وقرأ القارىء ) ~~الرحمن على العرش استوى ( قال لى اخصهم من أنت - يعنى الحنابلة - يقومون في ~~أثناء المجلس ويقولون قاعد قاعد بأرفع صوت وأبعده مدى وثار إليهم أهل السنة ~~من أصحاب القشيرى ومن أهل الحضرة وتثاور الفئتان وغلبت العامة فأجحروهم إلى ~~المدرسة النظامية وحصروهم فيها ورموهم بالنشاب فمات منهم قوم وركب زعيم ~~الكفاة وبعض الدادية فسكنوا ثورانهم # فهذا أيضا ممن اشرب قلبه حب البدعة حتى أداه ذلك إلى القتل فكل من بلغ ~~هذا المبلغ حقيق أن يوصف بالوصف الذي وصف به رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) وإن بلغ من ذلك الحرب # وكذلك هؤلاء الذين داخلوا الملوك فأدلوا إليهم بالحجة الواهية وصغروا في ~~أنفسهم حملة السنة وحماة الملة حتى وقفوهم مواقف البلوى وأذاقوهم مرارة ~~البأساء والضراء وانتهى بأقوام إلى القتل حسبما وقعت المحنة به زمان بشر ~~المريسى في حضرة المأمون وابن أبى دؤاد وغيرهما # فإن لم تبلغ البدعة بصاحبها هذه المناصبة فهو غير مشرب حبها في قلبه ~~كالمثال في الحديث وكم من أهل بدعة لم يقوموا ببدعتهم قيام الخوارج وغيرهم ~~بل استتروا بها جدا ولم يتعرضوا للدعاء إليها جهارا كما فعل غيرهم ومنهم من ~~يعد في العلماء والرواة وأهل العدالة بسبب عدم شهرتهم بما ا نتحلوه # فهذا الوجه يظهر أنه أولى الوجوه بالصواب وبالله التوفيق PageV02P274 ~~"""" صفحة رقم 275 """" # المسألة الحادية والعشرون # إن هذا الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص وذلك ~~أنه يمكن أن بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب صاحبها جدا ومنها ما لا يكون ~~كذلك فالبدعة الفلانية مثلا من شأنها أن تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكل ~~بصاحبه والبدعة الفلانية ليست كذلك فبدعة الخوارج مثلا في طرف الإشراب ~~كبدعة المنكرين للقياس في الفروع الملتزمين الظاهر في الطرف الآخر ويمكن أن ~~يتجارى ذلك في كل بدعة على العموم فيكون من أهلها ms470 من تجارت به كما يتجارى ~~الكلب بصاحبه كعمرو بن عبيد حسبما تقدم النقل عنه أنه أنكر بسبب القول به ~~سورة ) تبت يدا أبي لهب ( وقوله تعالى ) ذرني ومن خلقت وحيدا ( ومنهم من لم ~~يبلغ به الحال إلى هذا النحو كجملة من علماء المسلمين كالفارسى النحوى وابن جنى # والثانى بدعة الظاهرية فإنها تجارت بقوم حتى قالوا عند ذكر قوله تعالى ) ~~على العرش استوى ( قاعد قاعد وأعلنوا بذلك وتقاتلوا عليه ولم يبلغ بقوم ~~آخرين ذلك المقدار كداود بن على في الفروع وأشباهه # والثالث بدعة التزام الدعاء بإثر الصلوات دائما على الهيئة الإجتماعية ~~فإنها بلغت بأصحابها إلى أن كان الترك لها موجبا للقتل عنده فحكى القاضى ~~أبو الخطاب بن خليل حكاية عن ابى عبد الله بن مجاهد العابد ان رجلا من ~~عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها - وكان موصوفا بشدة السطوة وبسط اليد - نزل ~~في جوار ابن مجاهد وصلى في مسجده الذي كان يوم فيه وكان لا يدعو في أخريات ~~الصلوات تصميما في ذلك على المذهب يعنى مذهب مالك لأنه مكروه في مذهبه # وكان ابن مجاهد محافظا عليه # فكره ذلك الرجل منه ترك PageV02P275 ~~"""" صفحة رقم 276 """" # الدعاء # وأمره أن يدعو فأبى وبقى على عادته في تركه في أعقاب الصلوات فلما كان في ~~بعض الليالى صلى ذلك الرجل العتمة في المسجد فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى ~~داره قال لمن حضره من أهل المسجد قد قلنا لهذا الرجل يدعو إثر الصلوات فابى ~~فإذا كان في غدوة غد اضرب رقبته بهذا السيف وأشار إلى سيف في يده فخافوا ~~على ابن مجاهد من قوله لما عملوا منه فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن ~~مجاهد فخرج إليهم وقال ما شأنكم فقالوا والله لقد خفنا من هذا الرجل وقد ~~اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء # فقال لهم لا أخرج عن عادتى فاخبروه بالقصة # فقال لهم - وهو متبسم - انصرفوا ولا تخافوا فهو الذي تضرب رقبته في غدوة ~~غد بذلك السيف بحول الله ودخل داره وانصرفت الجماعة على ذعر من ms471 قول ذلك ~~الرجل فلما كان مع الصبح وصل إلى دار الرجل قوم من أهل المسجد ومن علم حال ~~البارحة حتى وصلوا إليه إلى دار الإمامة بباب جوهر من أشبيلية وهناك أمر ~~بضرب رقبته بسيفه فكان ذلك تحقيقا للإجابة وإثباتا للكرامة # وقد روى بعض الأشبيليين الحكاية بمعنى هذه لكن على نحو آخر # ولما رد ولد ابن الصقر على الخطيب في خطبته وذلك حين فاه باسم المهدى ~~وعصمته أراد المرتضى من ذرية عبد المؤمن - وهو إذ ذاك خليفة - أن يسجنه على ~~قوله فأبى الاشياخ والوزراء من فرقة الموحدين إلا قتله فغلبوا على أمره ~~فتقلوه خوفا أن يقول ذلك غيره # فتختل عليهم القاعدة التي بنوا دينهم عليها PageV02P276 ~~"""" صفحة رقم 277 """" # وقد لا تبلغ البدعة في الإشراب ذلك المقدار فلا يتفق الخلاف فيما بما ~~يؤدى إلى مثل ذلك # فهذه الأمثلة بينت بالواقع مراد الحديث - على فرض صحته - فإن أخبار النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ) إنما تكون ابتناء على وفق مخبره من غير تخلف البتة # ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى ~~والأوسط كالعلم والجهل والشجاعة والجبن والعدل والجور والجود والبخل والغنى ~~والفقر والعز والذل غير ذلك من الأحوال والأوصاف فإنها تتردد مابين الطرفين ~~فعالم في اعلى درجات العلم وآخر في أدنى درجاته وجاهل كذلك وشجاع كذلك إلى سائرها # فكذلك سقوط البدع بالنفوس إلا أن في ذكر النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~لها فائدة أخرى وهي التحذير من مقاربتها ومقاربة أصحابها وهي # المسألة الثانية والعشرون # وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى فإن اصل الكلب واقع بالكلب ثم ~~إذا عض ذلك الكلب أحدا صار مثله ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا ~~بالهلكة فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته ~~بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته وإما أن يثبت في قلبه شكا يطمع ~~في الأنفصال عنه فلا يقدر # هذا بخلاف سائر المعاصى فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها ms472 غالبا إلا مع ~~طول الصحبة والأنس به والاعتياد لحضور معصيته # وقد أتى في الآثار ما يدل PageV02P277 ~~"""" صفحة رقم 278 """" # على هذا المعنى # فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام مكالمهم وأغلظوا في ~~ذلك وقد تقدم منه في الباب الثانى آثار جمة # ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود قال من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة ~~الشيطان ومجالسة أصحاب الأهواء فإن مجالستهم الصق من الجرب # وعن حميد الأعرج ثهى قدم غيلان مكة يجاور بها فأتى غيلان مجاهدا فقال يا ~~أبا الحجاج بلغنى أنك تنهى الناس عنى وتذكرنى بلغك عنى شىء لا أقوله إنما ~~أقول كذا فجاء بشىء لا ينكر فلما قام قال مجاهد لا تجالسوه فإنه قدرى # قال حميد - فإنه يوم في الطواف لحقنى غيلان خلفى يجذب ردائى فالتفت فقال ~~كيف يقول مجاهد خرف وكذا فأخبرته فمشى معى فبصر بى مجاهد معه فأتيته فجعلت ~~أكلمه فلا يرد على وأسأله فلا يجيبنى - فقال - فغدوت إليه فوجدته على تلك ~~الحال فقلت يا أبا الحجاج ابلغك عنى شىء ما أحدثت حدثا مالى قال ألم أرك مع ~~غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه أو تجالسوه قال - قلت يا أبا الحجاج ما أنكرت ~~قولك وما بدأته هو بدأنى # قال والله يا حميد لولا أنك عند مصدق ما نظرت لى في وجه منبسط ما عشت ~~ولئن عدت لا تنظر لى في وجه منبسط ما عشت PageV02P278 ~~"""" صفحة رقم 279 """" # وعن أيوب قال كنت يوما عند محمد بن سيرين إذ جاء عمرو بن عبيد فدخل فلما ~~جلس وضع محمد يده في بطنه وقام فقلت لعمرو انطلق بنا - قال - فخرجنا فلما ~~مضى عمرو رجعت فقلت يا أبا بكر قد فطنت إلى ما صنعت # قال أقد فطنت قلت نعم قال أما إنه لم يكن ليضمنى معه سقف بيت # وعن بعضهم قال كنت أمشى مع عمرو بن عبيد فرآنى ابن عون فأعرض عنى # وقيل دخل ابن عون فسكت ابن عون لما رآه وسكت عمرو عنه فلم يساله عن شىء ~~فمكث هنيهة ms473 ثم قال ابن عون بم استحل أن دخل دارى بغير إذن - مرارا يرددها - ~~أما إنه لو تكلم # وعن مؤمل بن إسماعيل قال قال بعض أصحابنا لحماد بن زيد مالك لم ترو عن ~~عبد الكريم إلا حديثا واحدا قال # ما أتيته إلا مرة واحدة لمساقه في هذا الحديث وما أحب أن أيوب علم ~~بإتيانى إليه وأن لي كذا وكذا وإني لأظنه لو علم لكانت الفصيلة بينى وبينه # وعن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب لا تقربنا ما دمت على رأيك هذا وكان مرجئا # وعن حماد بن زيد قال لقينى سعيد بن جبير فقال أم أرك مع طلق قلت فلا ~~فماله قال لا تجالسه فإنه مرجى # وعن محمد بن واسع قال رأيت صفوان بن محرز وقريب منه شيبة فرآهما يتجادلان ~~فرأيته قائما ينفض ثيابه ويقول إنما أنتم جرب PageV02P279 ~~"""" صفحة رقم 280 """" # وعن أيوب قال دخل رجل على ابن سيرين فقال يا أبا بكر أقرأ عليك آية من ~~كتاب الله لا أزيد أن أقرأها ثم أخرج فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال أعزم ~~عليك إن كنت مسلما إلا خرجت من بيتى - قال - فقاك يا أبا بكر لا أزيد على ~~أن أقرأ آية ثم أخرج # فقام لإزاره يشده وتهيا للقيام فأقبلنا على رجل فقلنا قد عزم عليك إلا ~~خرجت أفيحل لك ان تخرج رجلا من بيته قال - فخرج فقلنا يا أبا بكر ما عليك ~~لو قرأ آية ثم خرج قال إنى والله لو ظننت أن قلبى ثبت على ما هو عليها ما ~~باليت أن يقرا ولكن خفت أن يلقى في قلبى شيئا أجهد في إخراجه من قلبى فلا أستطيع # وعن الأوزاعي قال لا تكلموا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنته # فهذه آثار تنبهك على ما تقدمت إشارة الحديث إليه إن كان مقصودا والله أعلم # تأثير كلام صاحب البدعة في القلوب معلوم وثم معنى آخر قد يكون من فوائد ~~تنبيه الحديث بمثال داء الكلب وهي # المسألة الثالثة والعشرون # وهو التنبيه على السبب في ms474 بعد صاحب البدعة عن التوبة إذ كان مثل المعاصى ~~الواقعة بأعمال العباد قولا أو فعلا أو اعتقادا كمثل الأمراض النازلة بجسمه ~~أو روحه فأدوية الأمراض البدنية معلومة وأدوية الأمراض العملية التوبة ~~والأعمال الصالحة وكما أن من الأمراض البدنية ما يمكن فيه التداوي ومنه ~~مالا يمكن فيه التداوي أو يعسر كذلك الكلب الذي في امراض الأعمال فمنها ما ~~يمكن فيه التوبة عادة ومنها ما لا يمكن PageV02P280 ~~"""" صفحة رقم 281 """" # فالمعاصى كلها - غير البدع - يمكن فيها التوبة من أعلاها - وهي الكبائر - ~~إلى أدناه - وهي اللمم - والبدع أخبرنا فيها إخبارين كلهما يفيد أن لا توبة منها # الإخبار الأول ما تقدم في ذم البدع من أن المبتدع لا توبة له من غير ~~تخصيص والآخر ما نحن في تفسيره وهو تشبيه البدع بما لا نجح فيه من الأمراض ~~كالكلب فأفاد أن لا نجح من ذنب البدع في الجملة من غير اقتضاء عموم بل ~~اقتضى ان عدم التوبة مخصوص بمن تجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه وقد ~~مر أن من أولئك من يتجارى به الهوى على ذلك الوجه وتبين الشاهد عليه ونشأ ~~من ذلك معنى زائد هو من فوائد الحديث - وهي # المسألة الرابعة والعشرون # وهو أن من تلك الفرق من لا يشرب هوى البدعة ذلك الإشراب فإذا يمكن فيه ~~التوبة وإذا أمكن في أهل الفرق أمكن فيمن خرج عنهم وهم أهل البدع الجزئية # فإما أن يرجح ما تقدم من الأخبار على هذا الحديث لأن هذه الرواية في ~~إسنادها شىء وأعلى ما يجرى في الحسان وفي الأحاديث الأخر ما هو صحيح كقوله ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون كما لا يعود السهم ~~على فوقه وما أشبه # وأما أن يجمع بينهما فتجعل النقل الأول عمدة في عموم قبول التوبة ويكون ~~هذا الإخبار أمرا آخر زائدا على ذلك إذ لا يتنافيان بسبب أن من شأن البدع ~~مصاحبة الهوى وغلبة الهوى للإنسان في الشىء المفعول أو المتروك له ابدا اثر ~~فيه والبدع كلها تصاحب ms475 الهوى ولذلك سمى اصحابها أهل الأهواء PageV02P281 ~~"""" صفحة رقم 282 """" # فوقعت التسمية بها وهو الغالب عليهم إذ العمل المبتدع إنما نشأ عن الهوى ~~مع شبهة دليل لا عن الدليل بالعرض فصار هوى يصاحبه دليل شرعى في الظاهر ~~فكان أجرى في البدع من القلب موقع السويداء فاشرب حبه ثم إنه يتفاوت إذ ليس ~~في رتبة واحدة ولكنه تشريع كله واستحق صاحبه أن لا توبة له عافان الله من ~~النار بفضله ومنه # وإما أن يعمل هذا الحديث مع الأحاديث الأول - على فرض العمل به - ونقول ~~إن ما تقدم من الأخبار عامة وهذا يفيد الخصوص كما تفيده ا يفيد معنى يفهم ~~منه الخصوص وهو الإشراب في أعلى المراتب مسوقا مساق التبغيض لقوله وإنه ~~سيخرج في أمتى أقوام إلى آخره فدل أن ثم أقواما أخر لا تتجارى بهم تلك ~~الأهواء على ما قال بل هي أدنى من ذلك وقد لا تتجارى بهم ذلك # وهذا التفسير بحسب ما أعطاه الموضع وتمام المسألة قد مر في الباب الثانى ~~والحمد لله # لكن على وجه لا يكون في الأحاديث كلها تخصيص وبالله التوفيق # المسألة الخامسة والعشرون # أنه جاء في بعض روايات الحديث أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم ~~فيحلون الحرام ويحرمون الحلال فجعل أعظم تلك الفرق فتنة على الأمة أهل ~~القياس ولا كل قياس بل القياس على غير أصل فإن أهل القياس متفقون على أنه ~~على غير أصل لا يصح وإنما يكون على اصل من كتاب أو سنة PageV02P282 ~~"""" صفحة رقم 283 """" # صحيحة أو إجماع معتبر فإذا لم يكن للقياس أصل - وهو القياس الفاسد - فهو ~~الذي لا يصح أن يوضع في الدين فإنه يؤدى إلى مخالفة الشرع وان يصير الحلال ~~بالشرع حراما بذلك القياس والحرام حلالا فإن الرأى من حيث هو رأى لا ينضبط ~~إلى قانون شرعى إذا لم يكن له اصل شرعى فإن العقول تستحسن مالا يستحسن شرعا ~~وتستقبح ما لا يستقبح شرعا # وإذا كان كذلك صار القياس على غير اصل فتنة على الناس # ثم أخبر في الحديث أن ms476 المعلمين لهذا القياس أضر على الناس من سائل أهل ~~الفرق وأشد فتنة # وبيانه أن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت ~~وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة بخلاف الفتيا فإن ~~أدلتها من الكتاب والسنة لا يعرفها إلا الافراد ولا يميز ضعيفها من قويها ~~إلا الخاصة وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير # وقد جاء مثل معناه محفوظا من حديث ابن مسعود أنه قال ليس عام إلا والذي ~~بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير PageV02P283 ~~"""" صفحة رقم 284 """" # خير من أمير # ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برايهم فيهدم ~~الإسلام ويثلم # وهذا الذى في حديث ابن مسعود موجود في الحديث الصحيح حيث قال عليه الصلاة ~~والسلام ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يسفتون ~~برأيهم فيضلون ويضلون PageV02P284 ~~"""" صفحة رقم 285 """" # وقد تقدم في ذم الرأى آثار مشهورة عن الصحابة رضى الله عنهم والتابعين ~~تبين فيها أن الأخذ بالرأى يحل الحرام يحرم الحلال # ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأى لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم ~~الأجتهاد على الاصول في نازلة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف ~~الاشباه والنظائر ويفهم معانى الأحكام فيقيس قياس تشبيه وتعليل قياسا لم ~~يعارضه ما هو أولى منه فإن هذا ليس فيه تحليل وتحريم ولا العكس وإنما ~~القياس الهادم للإسلام ما عارض الكتاب والسنة أو ما عليه سلف الأمة أو ~~معانيها المعتبرة # ثم إن مخالفة هذه الأصول على قسمين أحدهما أن يخالف اصلا مخالفة ظاهرة من ~~غير استمساك بأصل آخر فهذا لا يقع من مفت مشهور إلا إذا كان الاصل لم يبلغه ~~كما وقع لكثير من الأئمة حيث لم يبلغهم بعض السنن فخالفوها خطأ وأما الاصول ~~المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة باصل آخر فضلا عن أن ~~يخالفها بعض المشهورين بالفتيا PageV02P285 ~~"""" صفحة رقم 286 """" # والثانى أن يخالف الأصل بنوع من ms477 التأويل هو فيه مخطىء بأن يضع الأسم على ~~غير واضعه أو على بعض مواضعه أو يراعى فيه مجرد اللفظ # دون اعتبار المقصود أو غير ذلك من أنواع التأويل # والدليل على أن هذا هو المراد بالحديث وما في معناه أن تحليل الشيء إذا ~~كان مشهورا فحرمه بغير تأويل أو التحريم مشهورا فحلله بغير تأويل كان كفرا ~~وعنادا ومثل هذا لا تتخذه الأمة رأسا قط إلا أن تكون الأمة قد كفرت والأمة ~~لا تكفر أبدا # وإذا بعث الله ريحا تقبض أرواح المؤمنين لم يبق حينئذ من يسال عن حرام أو حلال # وإذا كان التحليل أو التحريم غير مشهور فخالفه مخالف لم يبلغه دليله فمثل ~~هذا لم يزل موجودا من لدن زمان أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) هذا ~~إنما يكون في آحاد المسائل فلا تضل الأمة ولا ينهدم الإسلام ولا يقال لهذا ~~إنه محدث عند قبض العلماء # فظهر أن المراد إنما هو استحلال المحرمات الظاهرة أوالمعلومة عنده بنوع ~~تأويل وهذا بين في المبتدعة الذين تركوا معظم الكتاب والذي تضافرت عليه ~~أدلته وتواطأت على معناه شواهده وأخذوا في اتباع بعض المتشابهات وترك أم الكتاب # فإذا هذا - كما قال الله تعالى - زيغ وميل عن الصراط المستقيم فإن PageV02P286 ~~"""" صفحة رقم 287 """" # تقدموا أئمة يفتون ويقتدى بهم بأقوالهم وأعمالهم سكنت إليهم الدهماء ظنا ~~أنهم بالغوا لهم في الاحتياط على الدين وهم يضلونهم بغير علم ولا شىء أعظم ~~على الأنسان من داهية تقع به من حيث لا يحتسب فإنه لو علم طريقها لتوقاها ~~ما استطاع فإذا جاءته على غرة فهي أدهى وأعظم على من وقعت به وهو ظاهر ~~فكذلك البدعة إذا جاءت العامى من طريق الفتيا لانه يستند في دينه إلى من ~~ظهر في رتبة أهل العلم فيضل من حيث يطلب الهداية اللهم أهدنا الصراط ~~المستقيم # صراط الذين أنعمت عليهم # المسألة السادسة والعشرون # إن ها هنا نظرا لفظيا في الحديث هو من تمام الكلام فيه وذلك أنه لما أخبر ~~أخبر عليه الصلاة والسلام أن جميع الفرق ms478 في النار إلا فرقة واحدة وهي ~~الجماعة المفسرة في الحديث الآخر فجاء في الرواية الأخرى السؤال عنها - ~~سؤال التعيين فقالوا من هي يا رسول الله فأصل الجواب أن يقال أنا واصحابى ~~ومن عمل مثل عملنا # أو ما أشبه ذلك مما يعطى تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من ~~أوصافها إلا ذلك لم يقع وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف ~~فلذلك أتى بما أتى فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف وغيرها ~~والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها ( صلى الله عليه وسلم ) واصحابه رضى ~~الله عنهم فلم يطابق السؤال الجواب في اللفظ # والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى لأنهم لما ~~سألوا عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذى به صارت ناجية فقال ما ~~أنا عليه وأصحابى PageV02P287 ~~"""" صفحة رقم 288 """" # ومما جاء غير مطابق في الظاهر وهو في المعنى مطابق قول الله تعالى ) قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم ( - فإن هذا الكلام معناه هل أخبركم بما هو أفضل من ~~متاع الدنيا فكأنه قيل نعم أخبرنا فقال الله تعالى - ) للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ( الآية # أي للذين اتقوا استقر استقر لهم عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار - الآية # فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه # وهذا التقرير على قول جماعة من المفسرين # وقال تعالى ) مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ( الآية # فقوله مثل الجنة يقتضى المثل لا المملثل - كما قال تعالى ) مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا ( - ولأنه كلما كان المقصود الممثل جاء به بعينه # ويمكن أن يقال إن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لما ذكر الفرق أن فيها ~~فرقة ناجية - كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة # لأن التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها # فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل فلو سألوا ما وصفها أو ما عملها ~~أو ما اشبه ذلك لكان ms479 أشد مطابقة في اللفظ والمعنى فلما فهم عليه الصلاة ~~والسلام منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك # ونقول لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم أتى به جوابا عن سؤالهم ~~حرصا منه عليه الصلاة والسلام على تعليمهم ما ينبغى لهم تعلمه والسؤال عنه PageV02P288 ~~"""" صفحة رقم 289 """" # ويمكن أن يقال إن ما سالوا عنه لا يتعين إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون ~~من تأخر إذ كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير # ومن شأن هذا السؤال التعيين وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضى ~~التعيين وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو ~~وأصحابه # وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم وهو بالنسبة إلى السائل معين لأن ~~أعمالهم كانت للحاضرين معهم راى عين فلم يحتج إلى أكثر من ذلك لأنه غاية ~~التعيين اللائق بمن حضر فاما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم ~~فليس مثلهم ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود # والله أعلم انتهى PageV02P289 ~~"""" صفحة رقم 290 """" ### | AUTO الباب العاشر في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل ~~أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان # قد تقدم قبل هذا أن كل فرقة وكل طائفة تدعى كأنها على الصراط المستقيم ~~وأن ما سواها منحرف عن الجادة وراكب بنيات الطريق فوقع بينهم الاختلاف إذا ~~في تعيينه وبيانه حتى أشكلت المسألة على كل من نظر فيها حتى قال من قال كل ~~مجتهد في العقليات أو النقليات مصيب # فعدد الأقوال في تعيين هذا المطلب على عدد الفرق وذلك من أعظم الاختلاف ~~إذ لا تكاد تجد في الشريعة مسألة يختلف العلماء فيها على بضع وسبعين قولا ~~إلا هذه المسألة فتحرير النظر حتى تتضح الفرقة الناجية التي كان عليه النبى ~~( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه من أغمض المسائل # ووجه ثان أن الطريق المستقيم لو تعين بالنسبة إلى من بعد الصحابة لم يقع ~~اختلاف اصلا لأن الأختلاف مع تعيين محله محال والفرض أن الخلاف ليس بقصد ~~العناد لأنه على ذلك الوجه مخرج عن الإسلام ms480 وكلامنا في الفرق # ووجه ثالث انه قد تقدم أن البدع لا تقع من راسخ في العلم وإنما تقع ممن ~~لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها والشهادة بأن فلانا راسخ في ~~العلم وفلانا غير راسخ في غاية الصعوبة فإن كل من خالف وانحاز إلى فرقة ~~يزعم أنه الراسخ وغير قاصر النظر فإن فرض على ذلك المطلب علامة وقع النزاع ~~إما في العلامة وإما في مناطها PageV02P290 ~~"""" صفحة رقم 291 """" # ومثال ذلك أن علامة الخروج من الجماعة الفرقة المنبه عليها بقوله تعالى ) ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ( والفرقة - بشهادة الجميع - وإضافية ~~فكل طائفة تزعم أنها هي الجماعة ومن سواها مفارق للجماعة # ومن العلامات اتباع ما تشابه من الأدلة وكل طائفة ترمى صاحبتها بذلك ~~وأنها هي التي اتبعت أم الكتاب دون الأخرى فتجعل دليلها عمدة وترد إليه ~~سائر المواضع بالتأويل على عكس الأخرى # ومنها اتباع الهوى الذي ترمى به كل فرقة صاحبتها وتبرىء نفسها منه فلا ~~يمكن في الظاهر مع هذا أن يتفقوا على مناط هذه العلامات وإذا لم يتفقوا ~~عليها لم يمكن ضبطهم بها بحيث يشير إليهم بتلك العلامات وأنهم في التحصيل ~~متفقون عليها وبذلك صارت علامات فكيف يمكن مع اختلافهم في المناط الضبط ~~بالعلامات # ووجه رابع وهو ما تقدم من فهمنا من مقاصد الشرع في الستر على هذه الأمة ~~وإن حصل التعيين بالاجتهاد فالاجتهاد لا يقتضى الاتفاق على محله # الا ترى أن العلماء جزموا القول بأن النظرين لا يمكن الاتفاق عليهما عادة ~~فلوا تعينوا بالنص لم يبق إشكال # بل أمر الخوارج على ما كانوا عليه وإن كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~قد عينهم وعين علامتهم في المخدج حيث قال آيتهم PageV02P291 ~~"""" صفحة رقم 292 """" # رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة ومثل البضعة تدردر الحديث # وهم الذين قاتلهم على بن أبى طالب رضى الله عنه إذ لم يرجعوا عما كانوا ~~عليه ولم ينتهوا - فما الظن بمن ليس له في النقل تعيين # فإذا تقرر هذا ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية ms481 بالنسبة إليها اجتهادى ~~لا ينقطع الخلاف فيه وإن ادعى فيه القطع دون الظن فهو نظرى لا ضروري ولكنا ~~مع ذلك نسلك في المسألة - بحول الله - مسلكا وسطا يذعن إلى قبوله عقل المو ~~ويقر بصحته العالم بكليات الشريعة وجزئياتها والله الموفق للصواب # فنقول PageV02P292 ~~"""" صفحة رقم 293 """" # لا بد من تقديم مقدمة قبل الشروع في المطلوب وذلك أن الإحداث في الشريعة ~~إنما يقع إما من جهة الجهل وإما من جهة تحسين الظن بالعقل وإما من جهة ~~اتباع الهوى في طلب الحق وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة وقد ~~مر في ذلك ما يؤخذ منه شواهد المسألة إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد ~~تجتمع فإذا اجتمعت فتارة تجتمع منها اثنتان وتارة تجتمع الثلاث فأما جهة ~~الجهل فتارة تتعلق بالأدوات التي بها تفهم المقاصد وتارة تتعلق بالمقاصد ~~وأما جهة تحسين الظن فتارة يشرك في التشريع مع الشرع وتارة يقدم عليه وهذان ~~النوعان يرجعان إلى نوع واحد وأما جهة اتباع الهوى فمن شأنه أن يغلب الفهم ~~حتى يغلب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل وهذان النوعان يرجعان إلى نوع ~~واحد فالجميع أربعة أنواع وهي الجهل بأدوات الفهم والجهل بالمقاصد وتحسين ~~الظن بالعقل واتباع الهوى # فلنتكلم على كل واحد منها وبالله التوفيق # النوع الأول # إن الله عز وجل أنزل القرآن عربيا لا عجمة فيه بمعنى أنه جار في ألفاظه ~~ومعانيه وأساليبه على لسان العرب قال الله تعالى ) إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~( وقال تعالى ) قرآنا عربيا غير ذي عوج ( وقال تعالى ) نزل به الروح الأمين ~~( ) بلسان عربي مبين ( وكان المنزل عليه القرآن عربيا افصح من نطق بالضاد ~~وهو محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكان الذين بعث فيهم عربا ~~ايضا فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم فليس فيه شىء من الألفاظ ~~والمعانى إلا وهو جار على ما اعتادوه ولم يداخله شىء بل نفى عنه أن يكون ~~فيه شىء أعجمى فقال تعالى ) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان ~~الذي يلحدون ms482 إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ( PageV02P293 ~~"""" صفحة رقم 294 """" # وقال تعالى في موضع آخر ) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ( # هذا وإن كان بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في ~~هذا الأمر تبعا للسان العرب وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من ~~الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها # أما الفاظها فظاهرة للعيان وأما معانيها وأساليبها فكان مما يعرف في ~~معانيها اتساع لسانها وأن تخاطب بالشىء منه عاما ظاهرا يراد به العام ~~ويدخله الخاص ويستدل على هذا ببعض الكلام وعاما ظاهرا يراد به الظاهر ~~ويستغنى باوله عن آخره وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهرا يعرف في سياقه أن ~~المراد به غير ذلك الظاهر والعلم بهذا كله موجود في أول الكلام أو وسطه أو آخره # وتبتدىء الشىء من كلامها بين أول اللفظ فيه عن آخره أو بين آخره عن أوله ~~ويتكلم بالشىء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة وهذا عندها من ~~أفصح كلامها لانفراداها بعلمه دون غيرها ممن يجهله وتسمى الشىء الواحد ~~بالأسماء الكثيرة وتوقع اللفظ الواحد للمعانى الكثيرة # فهذه كلها معروفة عندها وتستنكر عند غيرها إلى غير ذلك من التصرفات التي ~~يعرفا من زاول كلامهم وكانت له به معرفة وثبت رسوخه في علم ذلك PageV02P294 ~~"""" صفحة رقم 295 """" # فمثال ذلك أن الله تعالى خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل وقال تعالى ) ~~وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ( فهذا من العام الظاهر الذي لا ~~خصوص فيه فإن كل شىء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه وكل ~~دابة على الله رزقها ) ويعلم مستقرها ومستودعها ( # وقال الله تعالى ) ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ( فقوله ما كان لأهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله إنما أريد به من أطاق ومن PageV02P295 ~~"""" صفحة رقم 296 """" # لم يطق فهو عام ms483 المعنى وقوله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه عام فيمن أطاق ~~ومن لم يطق فهو عام المعنى # وقوله تعالى ) حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ( ~~فهذا من العام المراد به الخاص لأنهما لم يستطعما جميع أهل القرية # وقال تعالى ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا ( فهذا عام لم يخرج عنه أحد من الناس # وقال إثر هذا ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( فهذا خاص لأن التقوى إنما ~~تكون على من عقلها من البالغين # وقال تعالى ) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ( ~~فالمراد بالناس الثاني الخصوص لا العموم # وإلا فالمجموع لهم الناس ناس أيضا وهم قد خرجوا # لكن لفظ الناس يقع على ثلاثة منهم # وعلى جميع الناس وعلى ما بين ذلك فيصح أن يقال إن الناس قد جمعوا لكم # والناس الأول القائلون كانوا أربعة نفر # وقال تعالى ) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ( فالمراد بالناس هنا ~~الدين اتخدوا من دون الله إلها دون الأطفال والمجانين والمؤمنين PageV02P296 ~~"""" صفحة رقم 297 """" # وقال تعالى ) واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ( فظاهر السوال عن ~~القرية نفسها وسياق قوله تعالى ) إذ يعدون في السبت ( إلى آخر الآية يدل ~~على أن المراد أهلها لأن القرية لا تعدو ولا تفسق # وكذلك قوله تعالى ) وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ( الآية فإنه لما قال ~~كانت ظالمة دل على ان المراد أهلها # وقال تعالى ) واسأل القرية التي كنا فيها ( الآية فالمعنى بين أن المراد ~~أهل القرية ولا يختلف أهل العلم باللسان في ذلك لان القرية والعير لا ~~يخبران بصدقهم # هذا كله معنى تقرير الشافعي رحمه الله في هذه التصرفات الثابتة للعرب # وهو بالجملة مبين أن القرآن لا يفهم إلا عليه وإنما أتى الشافعى بالنوع ~~الأغمض من طرائق العرب لأن سائر أنواع التصرفات العربية قد بسطها أهلها وهم ~~أهل النحو والتصريف وأهل المعانى والبيان وأهل الاشتقاق وشرح مفردات اللغة ~~وأهل الأخبار المنقولة عن العرب لمتقضيات الأحوال فجميعه ms484 نزل به القرآن # ولذلك أطلق عليه عبارة العربي # فإذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولا وروعا أمران # أحدهما أن لا يتكلم في شىء من ذلك حتى يكون عربيا أو كالعربي في كونه ~~عارفا بلسان العرب # بالغا فيه مبالغ العرب # أو مبالغ الائمة المتقدمين كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشبههم ~~وداناهم # وليس المراد أن يكون حافظا كحفظهم وجامعا كجمعهم وإنما المراد أن يصير ~~فهمه عربيا في الجملة PageV02P297 ~~"""" صفحة رقم 298 """" # وبذلك امتاز المتقدمون من علماء العربية على المتأخرين # إذ بهذا المعنى أخذوا أنفسهم حتى صاروا ائمة فإن لم يبلغ ذلك فحسبه في ~~فهم معانى القرآن التقليد ولا يحسن ظنه بفهمه دون أن يسال فيه أهل العلم به # قال الشافعى لما قرر معنى ما تقدم فمن جهل هذا من لسانها يعنى لسان العرب ~~- وبلسانها نزل القرآن وجاءت السنة به - فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل ~~لفظه ومن تكلف ما جهل وما يثبته معرفة كانت موافقته للصواب - إن وافقه - من ~~حيث لا يعرفه غير محمودة وكان في تخطئته غير معذور إذ نظر فيما لا يحيط ~~علمه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه # وما قاله حق فإن القول في القرآن والسنة بغير علم تكلف - وقد نهينا عن ~~التكلف - ودخول تحت معنى الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام حتى إذا لم ~~يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث لأنهم إذا لم يكن لهم لسان عربى ~~يرجعون إليه في كتاب الله وسنة نبيه رجع إلى فهمه الأعجمى وعقله المجرد عن ~~التمسك بدليل يضل عن الجادة PageV02P298 ~~"""" صفحة رقم 299 """" # وقد خرج ابن وهب عن الحسن أنه قيل له أرايت الرجل يتعلم العربية ليقيم ~~بها لسانه ويصلح بها منطقه قال نعم فليتعلمها فإن الرجل يقرأ فيعيا بوجهها فيهلك # وعن الحسن قال أهلكتهم العجمة يتأولون على غير تأويلة # والأمر الثانى أنه إذا اشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا ~~يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية فقد ms485 يكون ~~إماما فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات فالأولى في حقه الاحتياط ~~إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعانى الخاصة حتى يسأل عنها وقد نقل من ~~هذا عن الصحابة - وهم العرب - فكيف بغيرهم # نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال كنت لا أدرى ما فاطر السموات ~~والأرض حتى أتانى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها أي أنا ~~ابتدأتها PageV02P299 ~~"""" صفحة رقم 300 """" # وفيما يروى عن عمر رضى الله عنه أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله ~~تعالى ) أو يأخذهم على تخوف ( فأخبره رجل من هذيل أن التخوف عندهم هو ~~التنقص وأشباه ذلك كثيرة # قال الشافعى لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا # قال - ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبى # ولكنه لا يذهب منه شىء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه - ~~قال - والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل العلم لا نعلم رجلا جمع ~~السنن فلم يذهب منها عليه شىء فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على ~~السنن وإذا فرق كل واحد منهم ذهب عليه الشىء منها ثم كان ما ذهب عليه منها ~~موجودا عند غيره ممن كان في طبقته وأهل علمه قال - وهكذا لسان العرب عند ~~خاصتها وعامتها لا يذهب منه شىء عليها ولا يطلب عند غيرها ولا يعلمه إلا من ~~نقله عنها ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها ومن قبله منها فهو ~~من أهل لسانها وإنما صار غيرهم من غير أهله لتركه فإذا صار إليه صار من أهله PageV02P300 ~~"""" صفحة رقم 301 """" # هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ~~ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أديت وأن لا يحسن ظنه بنفسه ~~قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر وأن لا يستقل بنفسه في ~~المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو ms486 من أهلها فإن ~~ثبت على هذه الوصاة كان # إن شاء الله - موافقا لما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~واصحابه الكرام # روى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما انه قال قلنا يا رسول الله # من خير الناس قال ذو القلب المهموم واللسان الصادق - قلنا قد عرفنا ~~اللسان الصادق فما ذو القلب المهموم قال - هو التقي النقى الذي لا إثم فيه ~~ولا حسد - قلنا فمن على أثره قال - الذي ينسى الدينا ويحب الآخرة - قلنا ما ~~نعرف هذا فينا إلا رافعا مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قلنا فمن ~~على اثره قال - مؤمن في خلق حسن قلنا أما هذا فإنه فينا # ويروى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جاءه رجل فقال يا رسول الله ~~أيدا لك الرجل أمرأته قال نعم إذا كان ملفجا فقال له أبو بكر رضى الله عنه ~~ما قلت وما قال لك رسول الله عليك وسلم فقال قال أيماطل الرجل امرأته قلت ~~نعم إذا كان فقيرا فقال أبو بكر ما رأيت الذي هو أفصح منك يا رسول الله ~~فقال وكيف لا وأنا من قريش وأرضعت في بنى سعد # فهذه أدلة تدل على أن بعض اللغة يعزب عن علم بعض العرب فالواجب السؤال ~~كما سألوا فيكون على ما كانوا عليه وإلا زل فقال في الشريعة برايه لا ~~بلسانها PageV02P301 ~~"""" صفحة رقم 302 """" # ولنذكر لذلك ستة أمثلة أحدها قول جابر الجعفى في قوله تعالى ) فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي ( أن تأويل هذه الآية لم يجىء بعد - وكذب - فإنه ~~أراد بذلك مذهب الرافضة فإنها تقول إن عليا في السحاب فلا يخرج مع من خرج ~~من ولده حتى ينادى على من السماء اخرجو مع فلان فهذا معنى قوله تعالى ) فلن ~~أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ( الآية عند جابر حسبما فسره سفيان من قوله لم ~~يجىء بعد # بل هذه الآية كانت في إخوة يوسف وقع ذلك في مقدمة كتاب مسلم ومن كان ذا ~~عقل فلا يرتاب في ms487 أن سياق القرآن دال على ما قال سفيان وأن ما قاله جابر لا ينساق # والثاني قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من الحلائل مستدلا بقوله ~~تعالى ) فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ( لأن أربعا إلى ~~ثلاث إلى اثنتين تسع ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب وأن معفى ~~الآية فانكحو إن شئتم اثنتين اثنتين أو ثلاثا أو أربعا اربعا على التفصيل ~~لا على ما قالوا # والثالث قول من زعم أن المحرم أن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم وأما الشحم PageV02P302 ~~"""" صفحة رقم 303 """" # فحلال لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم ولو عرف أن اللحم يطلق على ~~الشحم أيضا بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم - لم يقل ما قال # والرابع قول من قال إن كل شىء فإن حتى ذات البارى - تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا - ما عدا الوجه بدليل ) كل شيء هالك إلا وجهه ( وإنما ~~المراد بالوجه هنا غير ما قال فإن للمفسرين فيه تأويلات وقصد هذا القائل ما ~~يتجه لغة ولا يعنى # وأقرب قول لقصد هذا المسكين أن يراد به ذو الوجه كما تقول فعلت ذا لوجه ~~فلان أي لفلان فكان معنى الآية كل شىء هالك إلا هو # وقوله تعالى ) إنما نطعمكم لوجه الله ( - ومثله قوله تعالى ) كل من عليها فان ( PageV02P303 ~~"""" صفحة رقم 304 """" # والسادس قوله من قال في قول النبى ( صلى الله عليه وسلم ) لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر إن هذا الذى في الحديث هو مذهب الدهرية ولم يعرف أن ~~المعنى لا تسبوا الدهر إذا اصابتكم المصائب ولا تنسبوها إليه فإن الله هو ~~الذى اصابكم بذلك لا الدهر فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السب على الفاعل لا ~~على الدهر لان العرب كان من عادتها في الجاهلية أن تنسب الأفعال إلى الدهر ~~فتقول اصابه الدهر في ماله ونابته قوارع الدهر ومصائبه # فينسبون إلى كل شىء تجرى به أقدار الله تعالى عليهم إلى الدهر فيقولون ~~لعن الله الدهر ومحا الله ms488 الدهر # وأشباه ذلك وإنما يسبونه لأجل الفعال المنسوبة إليه فكأنهم إنما سبوا ~~الفاعل والفاعل هو الله وحده فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى # فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه ~~وتعالى وسنة نبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وأن ذلك يؤدى إلى تحريف ~~الكلم عن مواضعه والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك # لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم ثم من ~~جاء بعدهم ممن ليس بعربى اللسان تكلف ذلك حتى علمه وحينئد داخل القوم في ~~فهم الشريعة وتنزيلها على ما ينبغى فيها كسلمان الفارسى وغيره فكل من اقتدى ~~بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد ~~فهو - إن شاء الله - داخل في سوادهم الأعظم كائن على ما كانوا عليه فانتظم ~~في سلك الناجية # فصل # النوع الثاني أن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فيها PageV02P304 ~~"""" صفحة رقم 305 """" # تبيان كل شىء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التى أمروا بها وتعبداتهم ~~التي طوقوها في أعناقهم ولم يمت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى كمل ~~الدين بشهادة الله تعالى بذلك حيث قال تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ( فكل من زعم أنه بقى في الدين ~~شىء لم يكمل فقد كذب بقوله ) اليوم أكملت لكم دينكم ( # فلا يقال قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا ~~في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه وأن مسائل الجد في الفرائض والحرام في ~~الطلاق ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى وسائر المسائل الاجتهادية التي ~~لا نص فيها من كتاب ولا سنة فأين - الكلام فيها # فيقال في الجواب أولا أن قوله تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم ( إن اعتبرت ~~فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أوردتم ولكن المراد كلياتها فلم ~~يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد ~~بينت غاية البيان نعم ms489 يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر ~~المجتهد فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة فلا بد من إعمالها ~~ولا يسع تركها وإذا ثبت في الشريعة اشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد ولا يوجد ~~ذلك إلا فيما لا نص فيه # ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل فالجزئيات لا ~~نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم وقد نص العلماء على هذا المعنى فإنما المراد ~~الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجرى عليها ما لا نهاية ~~له من النوازل # ثم نقول ثانيا إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدى إلى PageV02P305 ~~"""" صفحة رقم 306 """" # الإشكال والالتباس وإلا فهو الذي ادى إلى إيراد هذا السؤال إذ لو نظر ~~السائل إلى الحالة التي وضعت عليها الشريعة وهي حالة الكلية - لم يورد ~~سؤاله لأنها موضوعة على الابدية وإن وضعت الدنيا على الزوال والنهاية # وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل وإذا ذاك ~~قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى ) اليوم أكملت لكم دينكم ( ~~- وقوله تعالى - ) ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ( الآية ولا شك أن ~~كلام الله هو الصادق وما خالفه فهو المخالف # فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها # وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال إما محتاج إليها ~~وإما غير محتاج إليها فإن كانت محتاج إليها فهي مسائل الاجتهاد الجارية على ~~الاصول الشرعية فأحكامها قد تقدمت # ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة وإما غير محتاج إليها ~~فهي البدع المحدثات إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع لكنها ~~مسكوت عنها بالفرض ولا دليل عليها فيه كما تقدم - فليست بمحتاج إليها # فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله # ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضى الله عنهم أنهم ~~لم يسمع عنهم قط # إيراد ذلك السؤال ولا قال أحد منهم لم لم ينص على حكم الجد مع ms490 الإخوة ~~وعلى حكم من قال لزوجته أنت على حرام وأشباه ذلك مما لم يجدوا فيه عن ~~الشارع نصا بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد PageV02P306 ~~"""" صفحة رقم 307 """" # صفحة فارغة PageV02P307 ~~"""" صفحة رقم 308 """" # وقد صح أنه سهل ابن حنيف قال يوم صفين وحكم الحكمين يا أيها الناس اتهموا ~~رايكم فلقد رايتنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أبى جندل ولو ~~نستطيع أن نرد على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمره لرددناه وأيم ~~الله وما ما وضعنا سيوفنا من على عواتقنا منذ أسلمنا لامر يفظعنا إلا اسهلن ~~بنا امر نعرفه - الحديث # فوجد الشاهد منه أمران قوله اتهموا الرأى فإن معارضة الظواهر في غالب ~~الامر رأى غير مبنى على اصل يرجع إليه وقوله في الحديث - وهو النكتة في ~~الباب - والله ما وضعنا سيوفنا - إلى آخره فإن معناه ان كل ما ورد عليهم في ~~شرع الله مما يصادم الرأى فإنه حق يتبين على التدريج حتى يظهر فساد ذلك ~~الراى وأنه كان شبهة عرضت وإشكالا ينبغى أن لا يلتفت إليه بل يتهم أولا ~~ويعتمد على ما جاء في الشرع فإنه إن لم يتبين اليوم تبين غدا ولو فرض انه ~~لا يتبين أبدا فلا حرج فإنه متمسك بالعروة الوثقى # وفي الصحيح عن عمر رضى الله عنه قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة ~~الفرقان في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فاستمعت لقراءته فإذا هو ~~يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فكدت ~~اساوره في الصلاة فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة ~~التي سمعتك تقرا فقال أقرأنيها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) # فقلت كذبت فإن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قد أقرأنيها على غير ما ~~قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلت إنى سمعت هذا PageV02P308 ~~"""" صفحة رقم 309 """" # يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أرسله إقرأ يا ms491 هشام فقرأ عليه ~~القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذلك أنزلت ~~- ثم قال - أقرأ يا عمر القرأة التي أقرأنى فقال - كذلك أنزلت إن هذا ~~القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه # وهذه المسألة إنما هي إشكال وقع لبعض الصحابة في نقل الشرع بين لهم جوابه ~~النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يكن ذلك دليلا على أن فيه اختلافا فإن ~~الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله لا يستلزم أن يكون فيه نفسه ~~اختلاف فقد اختلفت الأمم في النبوات ولم يكن ذلك دليلا على وقوع الاختلاف ~~في نفس النبوات # واختلفت في مسائل كثيرة من علوم التوحيد ولم يكن اختلافهم دليلا على وقوع ~~الاختلاف فيما اختلفوا فيه فكذلك ما نحن فيه # وإذا ثبت هذا صح منه أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه ثم نبنى على هذا ~~معنى آخر وهو أنه لما تبين تنزهه عن الاختلاف صح أن يكون حكما بين جميع ~~المختلفين لانه إنما يقرر معنى هو الحق والحق لا يختلف في نفسه فكل اختلاف ~~صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه قال الله تعالى ) فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا ( فهذه الآى وما اشبهها ضريحة في الرد إلى كتاب الله تعالى وإلى سنة ~~نبيه لأن السنة بيان الكتاب وهو دليل على أن الحق فيه واضح وأن البيان فيه ~~شاف لا شىء بعده يقوم مقامه وهكذا فعل PageV02P309 ~~"""" صفحة رقم 310 """" # الصحابة رضى الله عنهم لأنهم كانوا إذا اختلفوا في مسالة ردوها إلى ~~الكتاب والسنة وقضاياهم شاهدة بهذا المعنى لا يجهلها من زاول الفقه فلا ~~فائدة في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها فهو إذا مما كان عليه الصحابة # فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران أحدهما ان ~~ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان ويعتبرها اعتبارا كليا في العبادات ~~والعادات ولا يخرج عنها البتة لأن الخروج عنها تيه ms492 وضلال ورمى في عماية كيف ~~وقد ثبت كمالها وتمامها فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق ~~والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطرق # والثانى أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ~~ولا بين أحدهما مع الآخر بل الجميع جار على مهيع واحد ومنتظم إلى معنى واحد ~~فإذا أداه بادى الرأى إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف ~~لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه ~~الجمع أو المسلم من غير اعتراض فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملى ~~فليلتمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين أو ليبق باحثا إلى الموت ولا عليه ~~من ذلك فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة فلا بد له من أن يجعلها ~~حاكمة في كل ما يعرض له من النظر فيها # ويضعها نصب عينيه في كل مطلب دينى كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم PageV02P310 ~~"""" صفحة رقم 311 """" # فأما الأمر الأول فهو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسبب ذلك ~~الاستدراك على الشرع وإليه مال كل من كان يكذب على النبى ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فيقال له ذلك ويحذر ما في الكذب عليه من الوعيد # فيقول لم أكذب عليه وإنما كذبت له # وحكى عن محمد بن سعيد المعروف بالأردنى أنه قال إذا كان الكلام حسنا لم ~~أر بأسا أن أجعل له إسنادا # فلذلك كان يحدث بالموضوعات وقد قتل في الزندقة وصلب وقد تقدم لهذا القسم ~~أمثلة كثيرة PageV02P311 ~~"""" صفحة رقم 312 """" # ولنذكر من ذلك عشرة أمثلة أحدها قول من قال إن قوله تعالى ) وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون ( يتناقض مع قوله تعالى ) فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون ( # والثانى قول من قال في قوله تعالى ) فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ~~( مضاد لقوله ) وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ( - وقوله تعالى ) ~~ولتسألن عما كنتم تعملون ( # والثالث قول من قال في قوله تعالى ) أئنكم لتكفرون بالذي خلق ms493 الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ( - إلى قوله تعالى - ) ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين ( ) رفع سمكها فسواها ( ) والأرض بعد ذلك دحاها ( فصرح بأن الأرض ~~مخلوقة بعد السماء # ومن هذه الأسئلة ما أورده نافع بن الأزرق - أو غيره على ابن عباس رضى ~~الله عنهما فخرج البخارى في المعلقات عن سعيد بن جبير قال - قال رجل لابن ~~عباس إنى أجد في القرآن اشياء تختلف على وهي قوله تعالى ) فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون ( - واقبل بعضهم على بعض يتساءلون PageV02P312 ~~"""" صفحة رقم 313 """" # ولا يكتمون الله حديثا - والله ربنا ما كنا مشركين ) فقد كتموا في هذا ~~الآية ) أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ( - إلى قوله تعالى ) والأرض بعد ~~ذلك دحاها ( فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال ) أئنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين ( - إلى قوله - ) ثم استوى إلى السماء وهي دخان ( - إلى ~~قوله - ) طائعين ( فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال ) وكان الله ~~غفورا رحيما ( # ) عزيزا حكيما ( - ) سميعا بصيرا ( فكأنه كان ثم مضى فقال - يعنى ابن ~~عباس ) فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ( في النفخة الأولى ) ونفخ في ~~الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ( ) فلا أنساب ~~بينهم ( عند ذلك ) ولا يتساءلون ( ثم في النفخة الأخرى ) وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون ( # وأما قوله ) ما كنا مشركين ( - ) ولا يكتمون الله حديثا ( فإن الله عز ~~وجل يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم وقال المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين ~~فختم على افواههم فتنطق ايديهم فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا وعنده ~~) يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ( PageV02P313 ~~"""" صفحة رقم 314 """" # وقوله عز وجل ) خلق الأرض في يومين ( - ) ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات ( في يومين آخرين ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى # وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فلذلك قوله دحاها ~~وقوله تعالى ms494 ) خلق الأرض في يومين ( فخلقت الأرض وما فيها من شىء في أربعة ~~أيام وخلقت السموات في يومين # ) وكان الله غفورا رحيما ( سمى نفسه بذلك وذلك قوله أي لم يزل كذلك فإن ~~الله عز وجل لم يرد شيئا إلا اصاب به الذي اراد فلا يختلف عليك القرآن فإن ~~كلا من عند الله # والرابع قول من قال إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال إن الله لما ~~خلق آدم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة واشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الحديث كما وقع مخالف لقول الله تعالى ) وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى ( فالحديث أنه أخذهم من ظهر آدم والكتاب يخبر أنه أخذ من ظهور آدم وهذا ~~إذا تؤمل لا خلاف فيه لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يخرجوا من صلب آدم عليه ~~السلام والصلاة دفعة واحدة على وجه لو خرجوا على الترتيب كما أخرجوا إلى ~~الدنيا ولا محال في هذا بأن يتفطر في تلك الآخذة الأبناء عن الأبناء من غير ~~ترتيب زمان وتكون النسبتان معا صحيحتين في الحقيقة لا على المجاز PageV02P314 ~~"""" صفحة رقم 315 """" # والخامس قول من قال - فيما جاء في الحديث # أن رجلا قال يا رسول الله نشدتك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله فقال ~~خصمه وكان أفقه منه صدق أقض بيننا بكتاب الله وائذن لى في أن أتكلم ثم أتى ~~بالحديث # فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والذى نفسى بيده لأقضين بينكما ~~بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك وعلى ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام ~~وعلى امرأة هذا الرجم إلى آخر الحديث - هو مخالف لكتاب الله لأنه قد قال ~~لأقضين بينكما بكتاب الله حسبما ساله السائل ثم قضى بالرجم والتغريب وليس ~~لهما ذكر في كتاب الله # الجواب إن الذى أوجب الإشكال في المسألة اللفظ المشترك في كتاب الله فكما ~~يطلق على القرآن يطلق على ما كتب الله تعالى عنده مما هو ms495 حكمه وفرضه على ~~العباد كان مسطورا في القرآن أولا كما قال تعالى ) كتاب الله عليكم ( أي ~~حكم لله فرضه وكل ما جاء في القرآن من قوله ) كتاب الله عليكم ( فمعناه ~~فرضه وحكم به ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في القرآن # والسادس قول من زعم أن قوله تعالى في الإماء ) فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب ( لا يعقل مع ما جاء في الحديث أن النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) رجم ورجمت الأئمة بعده لانه يقتضى أن الرجم ينتصف ~~وهذا غير معقول فكيف يكون نصفه على الإماء ذهابا منهم PageV02P315 ~~"""" صفحة رقم 316 """" # إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج وليس كذلك بل المحصنات هنا المراد بهن ~~الحرائر بدليل قوله أول الآية ) ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ( وليس المراد هنا إلا ~~الحرائر لان ذوات الأزواج لا تنكح # والسابع قولهم إن الحديث جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها ولا على ~~خالتها وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والله تعالى لما ذكر المحرمات ~~لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت ومن الجمع إلا الجمع بين الأختين وقال ~~بعد ذلك ) وأحل لكم ما وراء ذلكم ( فاقتضى أن المرأة تنكح على عمتها وعلى ~~خالتها وإن كان رضاع سوى الأم والأخت حلالا # وهذه الاشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على حال # والثامن قول من قال إن قوله عليه الصلاة والسلام غسل الجمعة واجب على كل ~~محتلم مخالف لقوله من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل افضل ~~والمراد بالوجوب هنا بالتأكيد خاصة بحيث لا يكون تركا للفرض وبه يتفق معنى ~~الحديثين فلا اختلاف # والتاسع قولهم جاء في الحديث صلة الرحم تزيد العمر والله تعالى يقول ) ~~إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( فكيف تزيد صلة الرحم في ~~أجل لا يؤخر ولا يقدم البتة # وأجيب عنه بأجوبة منها أن يكون في علم الله أن هذا الرجل إن ms496 وصل رحمه عاش ~~مائة سنة وإلا عاش ثمانين سنة مع ان في علمه أن يفعل بلا بد أو أنه لا يفعل أصلا PageV02P316 ~~"""" صفحة رقم 317 """" # وعلى كلا الوجهين إذا جاء أجله لا يستأخر ساعة ولا يستقدم # قاله ابن قتيبة وتبعه عليه القرافى # والعاشر قال في الحديث إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو ~~جنب توضأ وضوءه للصلاة ثم فيه كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير ~~أن يمس ماء وهذا تدافع # والحديثان معا لعائشة رضى الله عنها # والجواب سهل # فالحديثان يدلان على أن الأمرين موسع فيهما لأنه إذا فعل أحد الأمرين ~~وأكثر منه وفعل الآخر أيضا وأكثر منه على ما تقتضيه كان يفعل حصل منهما أنه ~~كان يفعل ويترك وهذا شأن المستحب فلا تعارض بينهما # فهذه عشرة امثلة تبين لك مواقع الإشكال وإنى رتبتها مع ثلج اليقين فإن ~~الذي عليه كل موفق بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف # فمن توهم ذلك فيها فلم ينعم النظر ولا أعطى وحى الله حقه # ولذلك قال الله تعالى ) أفلا يتدبرون القرآن ( فحضهم على التدبر أولا ثم ~~أعقبه ) ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( فبين أنه لا ~~اختلاف فيه # والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به PageV02P317 ~~"""" صفحة رقم 318 """" # فصل # النوع الثالث أن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهى إليه لا تتعداه ~~ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب # ولو كانت كذلك لاستوت مع البارى تعالى في إدارك جميع ما كان وما يكون وما ~~لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون فمعلومات الله لا تتناهى ومعلومات العبد ~~متناهية والمتناهي لا يساوى ما لا يتناهى # وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلا وصفاتها وأحوالها ~~وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلا فالشىء الواحد من جملة الأشياء يعلمه ~~البارى تعالى على التمام والكمال بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله أو أحكامه بخلاف العبد فإن ms497 علمه بذلك ~~الشىء قاصر ناقص تعقل أو صفاته أو أحواله أو أحكامه وهو في الإنسان أمر ~~مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل تخرجه التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه # وأيضا فأنت ترى المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة اقسام # قسم ضرورى لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده وعلمه بأن الأثنين ~~أكثر من الواحد وأن الضدين يجتمعان # وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به وذلك ~~كعلم المغيبات عنه كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أولا كعلمه بما تحت رجليه PageV02P318 ~~"""" صفحة رقم 319 """" # إلا أن مغيبه عنه تحت الأرض بمقدار شبر # وعلمه بالبلد القاصى عنه الذي لم يتقدم له به عهد # فضلا عن علمه بما في السموات وما في البحار وما في الجنة أو النار على ~~التفصيل فعلمه بما لم يجعله عليه دليل غير ممكن # وقسم نظرى يمكن العلم به ويمكن أن لا يعلم به - وهي النظريات - وذلك ~~الممكنات التي تعلم بواسطة لا بأنفسها إلا ان يعلم بها إخبارا # وقد زعم أهل العقول ان النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة لاختلاف ~~القرائح والأنظار # فإذا وقع الاختلاف فيها لم يكن بد من مخبر بحقيقتها في أنفسها إن احتيج ~~إليها لانها لو لم تفتقر إلى الأخبار لم يصح العلم بها لأن المعلومات لا ~~تختلف باختلاف الأنظار لأنها حقائق في أنفسها # فلا يمكن أن يكون كل مجتهد فيها مصيبا - كما هو معلوم في الاصول - وإنما ~~المصيب فيها واحد وهو لا يتعين إلا بالدليل # وقد تعارضت الأدلة في نظر الناظر فنحن نقطع بأن أحد الدليلين دليل حقيقة # ولا الآخر شبهة ولا يعين # فلا بد من إخبار بالتعيين # ولا يقال إن هذا قول الإمامية لأنا نقول بل هو يلزم الجميع فإن القول ~~بالمعصوم غير النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يفتقر إلى دليل لأنه لم ينص ~~عليه الشارع نصا يقطع العذر # فالقول بإثباته نظرى فهو مما وقع الخلاف فيها فكيف يخرج عن الخلاف بأمر ~~فيه خلاف هذا ms498 لا يمكن # فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسألتنا فنقول الأحكام الشرعية من حيث تقع على ~~أفعال المكلفين من قبيل الضروريات في الجملة # وإن اختلفوا في بعض التفاصيل فلتماسها PageV02P319 ~~"""" صفحة رقم 320 """" # ونرجع إلى ما بقى من الأقسام فإنهم قد أقروا في الجملة - أعنى القائلين ~~بالتشريع العقلى - أن منه نظريا ومنه ما لايعلم بضرورة ولا نظر وهما ~~القسمان الباقيان مما لا يعلم له اصل إلا من جهة الإخبار فلا بد فيه من ~~الإخبار لأن العقل غير مستقل فيه وهذا إذا راعينا قولهم وساعدناهم عليه ~~فإنا إن لم نلتزم ذلك على مذاهب أهل السنة فعندنا أن لا نحكم العقل أصلا ~~فضلا عن أن يكون له قسم لا حكم له وعندهم أنه لا بد من حكم فلأجل ذلك نقول ~~لا بد من الافتقار إلى الخبر وحينئذ يكون العقل غير مستقل بالتفريغ # فإن قالوا بل هو مستقل لأن ما لم يقض فيه فإما أن يقولوا فيه بالوقوف - ~~كما هو مذهب بعضهم - أو بأنه على الحظر أو الإباحة - كما ذهب إليه آخرون # فأن قالوا بالثانى فهو مستقل وإن قالوا بالأول فكذلك أيضا لأن قد ثبت ~~استقلاله بالبعض فافتقاره في بعض الأشياء لا يدل على افتقاره مطلقا # قلنا بل هو مفتقر على الأطلاق لأن القائلين بالوقف اعترفوا بعدم استقلاله ~~في البعض وإذا ثبت الافتقار في صورة ثبت مطلقا إذ ما وقف فيه العقل قد ثبت ~~فيه ذلك وما لم يقف فيه فإنه نظرى فيرجع ما تقدم في النظر وقد مر أنه لا بد ~~من حكم ولا يمكن إلا من جهة الإخبار # وأما القائلون بعدم الوقف فراجعة أقوالهم ايضا إلى ان المسألة نظرية فلا ~~بد من الإخبار وذلك معنى كون العقل لا يستقل بإدراك الأحكام حتى يأتى ~~المصدق للعقل أو المكذب له # فإن قالوا فقد ثبت فيها قسم ضروري فيثبت الاستقلال # قلنا إن ساعدناكم على ذلك فلا يضرنا في دعوى الافتقار لأن الأخبار قد ~~تأتى بما يدركه PageV02P320 ~~"""" صفحة رقم 321 """" # الإنسان بعقله تنبيها لغافل أو إرشادا لقاصر ms499 أو إيقاظا لمغمور بالعوائد ~~يغفل عن كونه ضروريا فهو إذا محتاج إليه ولا بد للعقل من التنبيه من خارج ~~وهي فائدة بعث الرسل فإنكم تقولون إن حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب ~~ايضا والكفران معلوم ضرورة وقد جاء الشرع بمدح هذا وذم ذلك # وأمر بهذا ونهى عن ذلك # فلو كان العقل غير مفتقر إلى التنبيه لزم المحال وهو الإخبار بما لا ~~فائدة فيه لكنه أتى بذلك فدلنا على أنه نبه على أمر يفتقر العقل إلى ~~التنبيه عليه هذا وجه # ووجه آخر # وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه فما ادعى علمه لم يخرج عن ~~تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه ~~وعلى حال دون حال والبرهان على ذلك أحوال أهل الفترات فإنهم وضعوا أحكاما ~~على العباد بمقتضى السياسات لا تجد فيها اصلا منتظما وقاعدة مطردة على ~~الشرع بعد ما جاء بل استحسنوا أمورا تجد العقول بعد تنويرها بالشرع تنكرها ~~وترميها بالجهل والضلال والبهتان والحمق مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم ~~اشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها ومع أنهم كانوا أهل عقول ~~باهرة وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم غامضة لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا ~~فيه قليلة فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار وبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والله الحجة البالغة ~~والنعمة السابغة PageV02P321 ~~"""" صفحة رقم 322 """" # فا لانسان - وإن زعم فى الامر أنه أدركه وقتله علما - لا يأتى عليه ~~الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ~~ذلك كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم ~~ولا بذات دون صفة ولا فعل دون حكم فكيف يصح دعوى الاستقلال في الأحكام ~~الشرعية - وهي نوع من أنواع ما يتعلق به علم العبد لا سبيل له إلى دعوى ~~الإستقلال البتة حتى يستظهر في مسألته بالشرع - إن كانت شرعية - لان أوصاف ~~الشارع لا ms500 تختلف فيها البتة ولا قصور ولا نقص بل مباديها موضوعة على وفق ~~الغايات وهي من الحكمة # ووجه ثالث # وهو أن ما ندعى علمه في الحياة ينقسم كما تقدم - إلى البديهى الضروري ~~وغيره إلا من طريق ضروري إما بواسطة أو بغير واسطة إذ قد اعترف الجميع أن ~~العلوم المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما فإن كانتا ~~ضروريتين فذاك وإن كانتا مكتسبتين فلا بد في اكتساب كل واحدة منهما من ~~مقدمتين وينظر فيهما ما تقدم وكذلك إن كانت واحدة ضرورية وأخرى مكتسبة فلا ~~بد للمكتسبة من مقدمتين فإن انتهينا إلى ضروريتين فهو المطلوب وإلا لزم ~~التسلسل أو الدور وكلاهما محال فإذا لا يمكن أن نعرف غير الضروري إلا ~~بالضروري # وحاصل الأمر أنه لا بد من معرفتهما بمقدمتين حصلت لنا كل واحدة PageV02P322 ~~"""" صفحة رقم 323 """" # منهما مما عقلناه وعلمناه من مشاهد باطنة كالألم واللذة أو بديهي للعقل ~~كعلمنا بوجودنا وبأن الاثنين أكثر من الواحد وبأن الضدين لا يمكن اجتماعهما ~~وما أشبه ذلك مما هو لنا معتاد في هذه الدار فإنا يتقدم لنا علم إلا بما هو ~~معتاد في هذه الدار وأما ما ليس بمعتاد فقبل النبوات لم يتقدم لنا به معرفة ~~فلو بقينا وذلك لم نحل ما لم نعرف إلا على ما عرفنا ولأنكرنا من أدعى جواز ~~قلب الشجر حيوانا والحيوان حجرا وما أشبه ذلك لأن الذي نعرفه من المعتادات ~~المتقدمة خلاف هذه الدعوى # فلما جاءت النبوات بخوارق العادات أنكرها من أصر على الأمور العادية ~~واعتقادها سحرا أو غير ذلك كقلب العصا ثعبانا وفرق البحر وإحياء الموتى ~~وإبراء الأكمة والأبرص ونبع الماء من بين اصابع اليد وتكليم الحجر والشجر ~~وانشقاق القمر - إلى غير ذلك مما تبين به أن تلك العوائد اللازمة في ~~العادات ليست بعقلية بحيث لا يمكن تخلفها بل يمكن أن تتخلف كما يجوز على كل ~~مخلوق أن يصير من الوجود إلى العدم كما خرج من العدم إلى الوجود # فمبادى العادات إذا يمكن عقلا تخلفها # إذ لو كان ms501 عدم التخلف لها عقليا لم يمكن أن تتخلف لا لنبى ولا لغيره ~~ولذلك لم يدع أحد من الانبياء عليهم الصلاة والسلام الجمع بين النقيضين ولا ~~تحدى أحد بكون الاثنين أكثر من الواحد مع أن الجميع فعل الله تعالى # وهو متفق عليه بين أهل الإسلام PageV02P323 ~~"""" صفحة رقم 324 """" # وإذا أمكن في العصا والبحر والأكمه والأبرص والاصابع والشجر وغير ذلك - ~~أمكن في جميع الممكنات لأن ما وجب للشىء وجب لمثله # وايضا فقد جاءنا الشرع بأوصاف من أهل الجنة وأهل النار خارجة عن المعتاد ~~الذي عندنا فإن كون الإنسان في الجنة يأكل ويشرب ثم لا يغوط ولا يبول غير ~~معتاد وكون عرقه كرائحة المسك غير معتاد وكون الأزواج مطهرة من الحيض مع ~~كونهن في حالة الصبا وسن من يحيض غير معتاد وكون الإنسان فيها لا ينام ولا ~~يصيبه جوع ولا عطش وإن فرض أنه لا يأكل ولا يشرب أبد الدهر غير معتاد وكون ~~الثمر فيها إذا قطف أخلف في الحال ويتدانى إلي يد القاطف إذا اشتهاه غير ~~معتاد وكون اللبن والخمر والعسل فيها أنهارا من غير حلاب ولا عصر ولا نحل - ~~وكون الخمر لا تسكر غير معتاد وكون ذلك كله بحيث لو استعمله دائما لا ~~يمتلىء ولا يصيبه كظة ولا تخمة ولا يخرج من جسده لا في أذنه ولا أنفه ولا ~~ارفاغه ولا سائر جسده أوساخ ولا اقذار غير معتاد وكون أحد من أهل الجنة لا ~~يهرم ولا يشيخ ولا يموت ولا يمرض ولا غير معتاد # كذلك إذا نظرت أهل النار - عياذا بالله - وجدت من ذلك كثيرا ككون النار ~~لا تأتى عليه حتى يموت كما قال تعالى ) لا يموت فيها ولا يحيى ( وسائر ~~أنواع الأحوال التي هم عليها كلها خارق للعادة # فهذان نوعان شاهدان لتلك العوائد وأشباهها بانها ليست بعقلية # وإنما هي وضعية يمكن تخلفها وإنما لم نحتج بالكرامات لأن أكثر المعتزلة ~~ينكرونها راسا PageV02P324 ~~"""" صفحة رقم 325 """" # وقد اقر بها بعضهم # وإن ملنا إلى التعريف فلو اعتبر الناظر في هذا العالم لوجد لذلك ms502 نظائر ~~جارية إلى غير المعتاد # وأسمع في ذلك أثرا غريبا حكاه ابن وهب من طريق إبراهيم بن نشيط قال سمعت ~~شعيب بن أبى سعيد يحدث أن راهبا كان بالشأم من أعمالهم وكان ينزل مرة في ~~السنة فتجتمع إليه الرهبان ليعلمهم ما اشكل عليهم من دينهم فأتاه خالد بن ~~يزيد بن معاوية فيمن جاءه # فقال له الراهب أمن علمائهم أنت قال خالد إن فيهم لمن هو أعلم منى # قال الراهب أليس تقولون إنكم تأكلون في الجنة وتشربون ثم لا يخرج منكم ~~أذى قال خالد بلى قال الراهب افلهذا مثل تعرفونه في الدنيا قال نعم الصبى ~~يأكل في بطن أمه من طعامها # ويشرب من شرابها ثم لا يخرج منه أذى # قال الراهب لخالد اليس تقول إنك لست من علمائهم قال خالد إن فيهم لمن هو ~~أعلم منى قال أفليس تقولون إن في الجنة فواكه تأكلون منها لا ينقص منها شىء ~~قال خالد بلى قال أفلهذا مثل في الدنيا تعرفونه قال خالد نعم الكتاب يكتب ~~منه كل شىء أحد ثم لا ينقص منه شىء قال الراهب اليس تقول إنك لست من ~~علمائهم قال خالد إن فيهم لمن هو أعلم منى PageV02P325 ~~"""" صفحة رقم 326 """" # قال خالد فتمعر وجهه ثم قال إن هذا من أمه بسط لها في الحسنات ما لم يبسط لأحد # أنتهى المقصود من الخبر # وهو ينبه على أن ذلك الاصل الذي يظهر من أول الأمر أنه غير معتاد له اصل ~~في المعتاد وهو تنزل للمنكر غير لازم ولكنه مقرب لفهم من قصد فهمه عن إدارك ~~الحقائق الواضحات # فعلى هذا يصح قضاء العقل في عادى بانخراقه مع أن كون العادي عاديا مطردا ~~غير صحيح أيضا فكل عادى يفرض العقل فيه خرق العادة فليس للعقل فيه إنكار إذ ~~قد ثبت في بعض الأنواع التي اختص البارى باختراعها والعقل لا يفرق بين خلق ~~وخلق فلا يمكن إلا الحكم بذلك الإمكان على كل مخلوق ولذلك قال بعض المحققين ~~من أهل الاعتبار سبحان من ربط الاسباب بمسبباتها ms503 وخرق العوائد ليتفطن ~~العارفون # تنبيها على هذا المعنى المقرر # فهو أصل اقتضى للعاقل أمرين أحدهما أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق وقد ~~ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم - ~~وهو الشرع ويؤخر ما حقه التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم ~~الناقص حاكما على الكامل لأنه خلاف المعقول والمنقول بل ضد القضية هو ~~الموافق للأدلة PageV02P326 ~~"""" صفحة رقم 327 """" # فلا معدل عنه ولذلك قال اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك تنبيها على ~~تقدم الشرع على العقل # والثانى أنه إذا وجد في الشرع أخبارا تقتضى ظاهرا خرق العادة الجارية ~~المعتادة فلا ينبغى له أن يقدم بين يديه الإنكار بإطلاق بل له سعة في أحد ~~أمرين إما أن يصدق به على حسب ما جاء ويكل علمه إلى عالمه # وهو ظاهر قوله تعالى ) والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~( يعنى الواضح المحكم والمتشابه المجمل إذ لا يلزمه العلم به ولو لزم العلم ~~به لجعل له طريق إلى معرفته وإلا كان تكليفا بما لا يطاق # وإما أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر لان ~~إنكاره إنكار لخرق العادة فيه # وعلى هذا السبيل يجرى حكم الصفات التى وصف البارى بها نفسه لأن من نفاها ~~نفى شبه صفات المخلوقين وهذا منفى عند الجمهور فبقى الخلاف في نفى عين ~~الصفة أو إثباتها فالمثبت أثبتها صفة على شرط نفى التشبيه والمنكر لأن يكون ~~ثم صفة غير شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن يثبت أمر إلا على وفق المعتاد # فإن قالوا هذا لازم فيما تنكره العقول بديهة كقوله رفع عن أمتى الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه فإن الجميع أنكروا ظاهره إذ العقل والمحسوس ~~يشهدان بانها غير مرفوعة وأنت تقول اعتقدوا أنها مرفوعة وتأولوا الكلام PageV02P327 ~~"""" صفحة رقم 328 """" # قيل لم نعن ما هو منكر ببداهة العقول وإنما عنينا ما للنظر فيه شك ~~وارتياب كما نقول إن الصراط ثابت والجواز عليه قد أخبر الشارع به فنحن ms504 نصدق ~~به لأنه إن كان كحد السيف وشبهه لا يمكن استقرار الإنسان فوقه عادة فكيف ~~يمشى عليه فالعادة قد تخرق حتى يمكن المشى والاستقرار والذين ينكرونه يقفون ~~مع العوائد وينكرون اصل الصراط ولا يلتفتون إلى إمكان انخراق العوائد فإن ~~فرقوا صار ذلك تحكما لأنه ترجيح في أحد المثلين دون الآخر من غير مرجح عقلى ~~وقد صادفهم النقل فالحق الإقرار دون الإنكار # ولنرشح هذا المطلب بأمثلة عشرة أحدها مسألة الصراط وقد تقدمت # والثانى مسألة الميزان إذ يمكن إثباته ميزانا صحيحا على ما يليق بالدار ~~الآخرة وتوزن فيه الأعمال على وجه غير عادى نعم يقر العقل بأن أنفس الأعراض ~~- وهي الأعمال - لا توزن وزن الموزونات عندنا في العادات - وهي الأجسام ولم ~~يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه أو أنه عبارة عن الثقل أو ~~أنفس الأعمال توزن بعينها # فالاخلق الحمل إما على التسليم - وهذه طريقة الصحابة رضى الله عنهم إذ لم ~~يثبت عنهم إلا مجرد التصديق من غير بحث عن نفس الميزان أو كيفية الوزن # كما أنه لم يثبت عنهم في الصراط PageV02P328 ~~"""" صفحة رقم 329 """" # إلا ما ثبت عنهم في الميزان # فعليك به فهو مذهب الصحابة رضى الله عنهم # فإن قيل فالتأويل إذا خارج عن طريقتهم فأصحاب التأويل على هذا من الفرق الخارج # قيل لا لأن الاصل في ذلك التصديق بما جاء التسليم محضا أو مع التأويل نظر ~~لا يبعد إذ قد يحتاج إليه في بعض المواضع بخلاف من جعل اصله في تلك الأمور ~~التكذيب بها # فإنه مخالف لهم # لسلك في الأحاديث مسلك التأويل أو عدمه لا أثر له لأنه تابع على كلتا ~~الطريقتين لكن التسليم أسلم # والثالث مسألة عذاب القبر وهي اسهل # ولا بعد ولا نكير في كون الميت يعذب برد الروح إليه عارية # ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر على رؤيته لذلك ولا سماعه # فنحن نرى الميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام لا مزيد عليها ولا نرى ~~عليه من ذلك أثرا # وكذلك أهل الأمراض المؤلمة # واشباه ms505 ذلك مما نحن فيه مثلها # فلماذا يجعل استبعاد العقل صادا في وجه التصديق باقوال الرسول ( صلى الله ~~عليه وسلم ) PageV02P329 ~~"""" صفحة رقم 330 """" # والرابع مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره فإنه إنما يشكل إذا ~~حكمنا المعتاد في الدنيا # وقد تقدم أن تحكيمه # بإطلاق غير صحيح لقصوره وإمكان خرق العوائد إما بفتح القبر حتى يمكن ~~إقعاده أو بغير ذلك من الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول # والخامس مسألة تطاير الصحف وقراءة من لم يقرأ قط وقراءته إياه وهو خلف ~~ظهره كل ذلك يمكن فيه خرق العوائد فيتصوره العقل على وجه منها # والسادس مسألة إنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها لا فرق بينها وبين الأحجار ~~والأشجار التي شهدت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالرسالة # والسابع روية الله في الآخرة جائزة إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا ~~رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ~~ليس فيها اتصال أشعة ولا مقابلة ولا تصور جهة ولا فضل جسم شفاف ولا غير ذلك ~~والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة وهو إلى القصور في النظر أميل والشرع قد ~~جاء بإثباتها فلا معدل عن الصديق # والثامن كلام البارى تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفا مع الكلام الملازم ~~للصوت والحرف وهو في حق البارى محال ولم يقف مع إمكان أن يكون كلامه تعالى ~~خارجا عن مشابهة المعتاد على وجه صحيح لائق بالرب إذ لا ينحصر الكلام فيه ~~عقلا ولا يجزم العقل بان الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد محال فكان ~~من حقه الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردا # والتاسع إثبات الصفات كالكلام إنما نفاه من نفاه للزوم التركيب عنده في ~~ذات البارى تعالى - على القول بإثباتها - فلا يمكن أن يكون واحدا مع ~~إثباتها # وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات فكيف لا يثبت PageV02P330 ~~"""" صفحة رقم 331 """" # قصوره في إدراكه إذا دعى من التركيب بالنسبة إلى صفات البارى فكان من ~~الصواب في حقه أن يثبت من الصفات ms506 ما اثبته الله لنفسه ويقر مع ذلك ~~بالوحدانية له على الإطلاق والعموم # والعاشر تحكيم العقل على الله تعالى بحيث يقول يجب عليه بعثة الرسل ويجب ~~عليه الصلاح والاصلح ويجب عليه اللطف ويجب عليه كذا - إلى آخر ما ينطق به ~~في تلك الأشياء وهذا إنما نشأ من ذلك الاصل المتقدم وهو الاعتياد في ~~الإيجاب على العباد # ومن أجل البارى وعظمه لم يجترىء على إطلاق هذه العبارة ولا ألم بمعناها ~~في حقه لأن ذلك المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هوعبد مقصور محصور ~~ممنوع والله تعالى ما يمنعه شىء ولا يعارض احكامه حكم فالواجب الوقوف مع ~~قوله ) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( - وقوله تعالى ) ~~يفعل ما يشاء ( - وقوله تعالى - ) إن الله يحكم ما يريد ( ) ذو العرش ~~المجيد فعال لما يريد ( # فالحاصل من هذه القضية أنه لا ينبغى للعقل أن يتقدم بين يدى الشرع فإنه ~~من التقدم بين يدى الله ورسوله بل يكون ملبيا من وراء وراء # ثم نقول إن هذا هو المذهب للصحابة رضى الله عنهم وعليه دأبوا وإياه ~~اتخذوا طريقا إلى الجنة فوصلوا # ودل على ذلك من سيرهم اشياء # منها أنه لم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك بل اقروا وأذعنوا لكلام الله ~~وكلام رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يصادموه ولا عارضوه بإشكال ولو PageV02P331 ~~"""" صفحة رقم 332 """" # كان شىء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من ~~القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية فلما لم ينقل إلينا شىء من ذلك دل ~~على أنهم آمنو به وأقروه كما جاء من غير بحث ولا نظر # كان مالك بن أنس يقول الكلام في الدين أكرهه ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه ~~وينهون عنه نحو الكلام في رأى جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك ولا أحب الكلام ~~إلا فيما تحته عمل # فأما الكلام في الدين وفي الله عز وجل فالسكوت أحب إلى لأنى رايت أهل ~~بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل # قال ms507 ابن عبد البر قد بين مالك رحمه الله أن الكلام فيما تحته عمل هو ~~المباح عنده وعند أهل بلده - يعنى العلماء منهم وأخبر ان الكلام في الدين ~~نحو القول في صفات الله وأسمائه وضرب مثلا نحو رأى جهم والقدر - قال - ~~والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى ~~وإنما خالف في ذلك أهل البدع - وأما الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله # إلا أن يضطر أحد إلى الكلام فلا يسعه السكوت إذا طمع في درد الباطل وصرف ~~صاحبه عن مذهبه وخشى ضلالة عامة أو نحو هذا # وقال يونس بن عبد الاعلى سمعت الشافعى يوم ناظره حفص الفرد قال لى يا أبا ~~موسى لان يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشىء من ~~الكلام لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه PageV02P332 ~~"""" صفحة رقم 333 """" # وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في ~~الكلام إلا وفي قلبه دغل # وقال عن الحسن بن زياد اللولؤى - وقال له رجل في زفر بن الهذيل - أكان ~~ينظر في الكلام فقال سبحان الله ما أحمقك ما أدركت مشيختنا زفر وأبا يوسف ~~وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم - همهم غير الفقه والاقتداء بمن تقدمهم # وقال ابن عبد البر أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام ~~أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء وإنما ~~العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم # وعن أبى الزناد أنه قال وايم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه ~~والثقة ونتعلمها شبيها بتعلمنا آي القرآن وما برح من أدركنا من أهل الفقه ~~والفضل من خيار أولية الناس بعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالراي ~~وينهون عن لقائهم ومجالستهم ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير ويخبرون أنهم ~~أهل ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن رسوله وما توفى رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) حتى كره المسائل وناحية ms508 التنقيب والبحث وزجر عن ذلك وحذره ~~المسلمين في غير موطن # حتى كان من قوله كراهية لذلك ذرونى ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم ~~بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه # وإذا أمرتكم بشىء فخذوا منه ما استطعتم PageV02P333 ~~"""" صفحة رقم 334 """" # وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال اتقوا الله في دينكم # قال سحنون يعنى الانتهاء عن الجدل فيه وخرج ابن وهب عن عمر أيضا أن أصحاب ~~الرأى أعداء السنن أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين ~~سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم # قال أبو بكر بن أبى داود أهل الراى هم أهل البدع # وهو القائل في قصيدته في السنة # ودع عنك آراء الرجال وقولهم # فقول رسول الله أزكى وأشرح # وعن الحسن قال إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن ~~الطريق فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا واضلوا # وعن مسروق قال من رغب برأيه عن أمر الله يضل # وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول السنن السنن إن السنن قوام الدين ~~وعن هشام بن عروة قال إن بنى إسرائيل لم يزل أمرهم معتدلا حتى نشأ فيهم ~~مولدون سبايا الأمم فاخذوا فيهم بالرأى فضلوا واضلوا # فهذه الآثار واشباهها تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) # وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالرأى المذموم في هذه الأخبار ~~البدع المحدثة في الإعتقاد # كرأى أبى جهم وغيره من أهل الكلام # لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم في رد الأحاديث # فقالوا لا يجوز أن يرى الله PageV02P334 ~~"""" صفحة رقم 335 """" # في الآخرة لأنه تعالى يقول ) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف ( الآية # فردوا قوله عليه الصلاة والسلام إنكم ترون ربكم يوم القيامة وتأولوا قول ~~الله تعالى ) وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( وقالوا لا يجوز أن يسأل ~~الميت في قبره # لقول الله تعالى ) أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ( فردوا الأحاديث ~~المتواترة في عذاب ms509 القبر وفتنته وردوا الأحاديث في الشفاعة على تواترها ~~وقالوا لن يخرج من النار من دخل فيها وقالوا لا نعرف حوضا ولا ميزانا ولا ~~نعقل ما هذا وردوا السنن في ذلك كله - برأيهم وقياسهم - إلى اشياء يطول ~~ذكرها من كلامهم في صفة البارى وقالوا العلم محدث في حال حدوث المعلوم لأنه ~~لا يقع علم إلا على معلوم فرارا من قدم العالم - في زعمهم # وقال جماعة الرأى المذموم المراد به الرأى المبتدع وشبهه من ضروب البدع # وهذا القول أعم من الأول لان الأول خاص بالاعتقاد وهذا عام في العمليات وغيرها # وقال آخرون - قال ابن عبد البر وهم الجمهور - إن المراد به القول في ~~الشرع بالاستحسان والظنون والاشتغال بحفظ المعضلات ورد الفروع بعضها إلى ~~بعض دون ردها إلى اصولها فاستعمل فيها الراى قبل أن تنزل - قالوا وفي ~~الاشتغال بهذا تعطيل السنن والتذرع إلى جهلها # وهذا القول غير خارج عما تقدم # وإنما الفرق بينهما أن هذا منهى عنه للذريعة إلى الرأى المذموم # وهو معارضة المنصوص # لأنه إذا لم يبحث عن السنن جهلها فاحتاج إلى الرأى # فلحق بالأولين الذين عارضوا السنن حقيقة فجميع ذلك راجع إلى معنى واحد # وهو إعمال النظر العقلى مع طرح السنن إما قصدا أو غلطا وجهلا # والرأى إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة PageV02P335 ~~"""" صفحة رقم 336 """" # فالحاصل من مجموع ما تقدم أن الصحابة ومن بعدهم لم يعارضوا ما جاء في ~~السنن بآرائهم علموا معناه أو جهلوه جرى لهم على معهودهم أولا وهو المطلوب ~~من نقله وليعتبر فيه من قدم الناقص - وهو العقل - على الكامل - وهو الشرع - ~~ورحم الله الربيع بن خثيم حديث يقول يا عبد الله ما علمكالله في كتابه من ~~علم فاحمد الله وما استاثر عليك به من علم فكله إلى عالمه لا تتكلف فإن ~~الله يقول لنبيه ) قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ( إلى آخرها # وعن معمر بن سليمان عن جعفر عن رجل من علماء أهل المدينة قال إن الله علم ~~علما علمه العباد وعلم ms510 علما لم يعلمه العباد فمن تكلف العلم الذي لم يعلمه ~~العباد لم يزدد منه إلا بعدا # قال والقدر منه # وقال الأوزاعى كان مكحول والزهرى يقولان أمرو هذه الأحاديث كما جاءت ولا ~~تتناظروا فيها ومثله عن مالك والأوزاعى وسفيان بن سعيد وسفيان بن عيينة ~~ومعمر بن راشد في الأحاديث في الصفات أنهم أمروا كما جاءت نحو حديث التنزيل ~~وخلق آدم على صورته وشبهها # وحديث مالك في السؤال عن الاستواء مشهور # وجميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى ) فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ( الآية # ثم قال ) والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ( فإنها ~~صريحة في هذا الذي قررناه فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه ~~فالوقف عنه هو الأحرى بما كان عليه الصحابة المتبعون لرسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) إذا لو كان من شأنهم اتباع الرأى لم يذموه ولم ينهوا عنه لأن ~~أحدا لا يرتضى طريقا ثم ينهى عن سلوكه كيف وهم قدوة الأمة باتفاق المسلمين PageV02P336 ~~"""" صفحة رقم 337 """" # وروى أن الحسن كان في مجلس فذكر في أصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ~~فقال إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم ~~اختارهم الله لصحبة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) فتشبهوا بأخلاقهم وطرائفهم ~~فإنهم - ورب الكعبة - على الهدى المستقيم # وعن حذيفة انه كان يقول اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان ~~قبلكم فلعمرى لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا أو ~~شمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا # وعن ابن مسعود من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ( صلى الله عليه ~~وسلم ) فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما واقلها تكلفا وأقومها ~~هديا وأحسنها خلالا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى ~~المستقيم # والآثار في هذا المعنى كثيرة جميعها يدل على الاقتداء بهم والاتباع ~~لطريقهم على ms511 كل حال وهو طريق النجاة حسبما نبه عليه حديث الفرق في قوله ما ~~أنا عليه واصحابي # فصل # النوع الرابع أن الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون ~~عبدا لله # وهذا اصل قد تقرر في قسم المقاصد من كتاب الموافقات لكن على وجه كلى يليق ~~بالاصول # فمن أراد الأطلاع عليه فليطالعه من هنالك # ولما كانت طرق الحق متشعبة لم يكن أن يؤتى عليها بالاستيفاء # فلنذكر منها شبعة واحدة تكون كالطريق لمعرفة ما سواها PageV02P337 ~~"""" صفحة رقم 338 """" # فاعلموا أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم # مطيعهم وعاصيهم # برهم وفاجرهم # لم يختص الحجة بها أحدا دون أحد وكذلك سائر الشرائع إنما وضعت لتكون حجة ~~على جميع الأمم التي تنزل فيهم تلك الشريعة # حتى إن الشريعة المرسلين بها صلوات الله عليهم داخلون تحت أحكامها # فأنت ترى أن نبينا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مخاطب بها في جميع أحواله ~~وتقلباته # مما اختص به دون أمته # أو كان عاما له ولأمته # كقوله تعالى ) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ~~وما ملكت يمينك ( - إلى قوله تعالى - ) خالصة لك من دون المؤمنين ( ثم قال ~~تعالى ) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ( وقوله تعالى ) ~~يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ( # وقوله تعالى ) يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ( إلى سائر ~~التكاليف التي وردت على كل مكلف والنبى فيهم # فالشريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه وعلى جميع المكلفين # وهي الطريق الموصل والهادى الأعظم # الا ترى إلى قوله تعالى ) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ( فهو ~~عليه الصلاة والسلام أول من هداه الله بالكتاب والإيمان # ثم من اتبعه فيه # والكتاب هو الهادى # والوحى المنزل عليه مرشد ومبين لذلك الهدى والخلق مهتدون بالجميع # ولما استنار قلبه وجوارحه - عليه ms512 الصلاة والسلام - وباطنه PageV02P338 ~~"""" صفحة رقم 339 """" # وظاهره بنور الحق علما وعملا صار هو الهادى الأول لهذه الأمة والمرشد ~~الأعظم حيث خصه الله دون الخلق بإنزال ذلك النور عليه واصطفاه من جملة من ~~كان مثله في الخلقة البشرية اصطفاء أوليا لا من جهة كونه بشرا عاقلا - مثلا ~~- لاشتراكه مع غيره في هذه الأوصاف ولا لكونه من قريش - مثلا - دون غيرهم ~~وإلا لزم ذلك في كل قرشى ولا لكونه من بنى عبدالمطلب ولا لكونه عربيا ولا ~~لغير ذلك بل من جهة اختصاصه بالوحى الذي استنار به قلبه وجوارحه فصار خلقه ~~القرآن حتى قيل فيه ) وإنك لعلى خلق عظيم ( وإنما ذلك لأنه حكم الوحى على ~~نفسه حتى صار في علمه وعمله على وفقه فكان الوحى حاكما وافقا قائلا مذعنا ~~ملبيا نداءه # واقفا عند حكمه # وهذه الخاصية كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به إذ قد جاء بالأمر ~~وهو مؤتمر وبالنهى وهو منته # وبالوعظ وهو متعظ وبالتخويف وهو أول الخائفين # وبالترجية وهو سائق دابة الراجين # وحقيقة ذلك كله جعله الشريعة المنزلة عليه حجة حاكمة عليه # ودلالة له على الصراط المستقيم الذي صار عليه السلام # ولذلك صار عبد الله حقا # وهو اشرف اسم تسمى به العباد # فقال الله تعالى ) سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ( PageV02P339 ~~"""" صفحة رقم 340 """" # - تبارك الذي نزل الفرقان على عبده - وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا ) وما أشبه ذلك من الآيات التي وقع مدحه فيها بصحة العبودية # وإذا كان كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم ~~ومنارا يهتدون بها إلى الحق وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول ~~تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقادا وعملا لا بحسب عقولهم فقط ولا بحسب ~~شرفهم في قومهم فقط لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لقوله ~~تعالى ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم ( فمن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة ~~فهو أولى بالشرف والكرم ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ ms513 ~~الأعلى في اتباعها فالشرف إذا إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة # ثم نقول بعد هذا إن الله سبحانه شرف أهل العلم ورفع أقدارهم وعظم مقدارهم ~~ودل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع بل قد اتفق العقلاء على فضيلة العلم ~~وأهله وأنهم المستحقون شرف المنازل وهو مما لا ينازع فيه عاقل # واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرا عند ~~الله يوم القيامة ولا علينا أسامحنا بعض الفرق في تعيين العلوم - أعنى ~~العلوم التي نبه الشارع على مزيتها وفضيلتها - أم لم نسامحهم بعد الاتفاق ~~من الجميع على الأفضلية وإثبات الحرية # وأيضا فإن علوم الشريعة منها ما يجرى مجرى الوسائل بالنسبية إلى السعادة ~~الأخروية ومنها ما يجرى مجرى المقاصد والذي يجرى مجرى المقاصد أعلى PageV02P340 ~~"""" صفحة رقم 341 """" # مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلا أيضا - كعلم العربية بالنسبة إلى علم ~~الفقه فإنه كالوسيلة فعلم الفقه أعلى # وإذا ثبت هذا فأهل العلم اشرف الناس وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع ~~وإنما وقع الثناء في الشريعة على أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم لا من ~~جهة أخرى ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيدا بالاتصاف به فهو إذا العلة ~~في الثناء ولولا ذلك الاتصاف لم يكن لهم مزية على غيرهم ومن ذلك صار ~~العلماء حكاما على الخلائق أجمعين قضاء أو فتيا أو إرشادا - لأنهم اتصفوا ~~بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق فليسوا بحكام من جهة ما اتصفوا بوصف ~~يشتركون فيه مع غيرهم كالقدرة والإرادة والعقل وغير ذلك إذ لا مزية في ذلك ~~من حيث القدر المشترك لاشتراك الجميع فيها وإنما صاروا حكاما على الخلق ~~مرجوعا إليهم بسبب حملهم للعلم الحاكم فلزم من ذلك انهم لا يكونون على ~~الخلق إلا من ذلك الوجه كما أنهم ممدحون من ذلك الوجه أيضا فلا يمكن أن ~~يتصفوا بوصف الحكم مع فرض خروجهم عن صوت العلم الحاكم إذ ليسوا حجة إلا من ~~جهته فإذا خرجوا عن جهته فكيف يتصور أن يكونوا حكام هذا محال # وكما أنه ms514 لا يقال في العالم بالعربية مهندس ولا في العالم بالهندسة عربى ~~فكذلك لا يقال في الزائغ عن الحكم الشرعي حاكم بالشرع بل يطلق عليه أنه ~~حاكم بعقله أو برأيه أو نحو ذلك فلا يصح أن يجعل حجة في العلم الحاكم PageV02P341 ~~"""" صفحة رقم 342 """" # لأن العلم الحاكم يكذبه ويرد عليه وهذا المعنى ايضا في الجملة متفق عليه ~~ولا يخالف فيه أحد من العقلاء # ثم نصير من هذا إلى معنى آخر مرتب عليه وهو أن العالم بالشريعة إذ اتبع ~~في قوله وانقاد إليه الناس في حكمه فإنما اتبع من حيث هو عالم وحاكم بها ~~وحاكم بمقتضاها لا من جهة أخرى فهو في الحقيقة مبلغ عن رسول الله ( صلى ~~الله عليه وسلم ) المبلغ عن الله عز وجل فيتلقى منه ما بلغ على العلم بأنه ~~بلغ أو على غلبة الظن بأنه بلغ لا من جهة كونه منتصبا للحكم مطلقا إذ لا ~~يثبت ذلك لأحد على الحقيقة وإنما هو ثابت للشريعة ا لمنزلة على رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وثبت ذلك له عليه الصلاة والسلام وحده دون الخلق من ~~جهة دليل العصمة والبرهان أن جميع ما يقوله أو يفعل حق # فإن الرسالة المقترنة بالمعجزة على ذلك دلت # فغيره لم يثبت له عصمة بالمعجزة بحيث يحكم بمقتضاها حتى يساوى النبى في ~~الانتصاب للحكم بإطلاق بل إنما يكون منتصبا على شرط الحكم بمقتضى الشريعة # بحيث إذا وجد الحكم في الشرع بخلاف ما حكم لم يكن حاكما # إذا كان - بالفرض - خارجا عن مقتضى الشريعة الحاكمة # وهو أمر متفق عليه بين العلماء ولذلك إذا وقع النزاع في مسألة شرعية وجب ~~ردها إلى الشريعة حيث يثبت الحق فيها # لقوله تعالى ) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ( الآية # فإذا المكلف بأحكامها لا يخلو من أحد أمور ثلاثة أحدها أن يكون مجتهدا ~~فيها فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها لأن اجتهاده في الأمور التي ليست ~~دلالتها واضحة إنما يقع موقعه على فرض أن يكون ما ظهر له هو الأقرب ms515 إلى قصد ~~الشارع والأولى بأدلة الشريعة # دون ما ظهر لغيره PageV02P342 ~~"""" صفحة رقم 343 """" # من المجتهدين فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب # بدليل أنه لا يسعه فيما اتضح فيه الدليل إلا اتباع الدليل دون ما أداه ~~إليه اجتهاده # ويعد ما ظهر له لغوا كالعدم # لانه على غير صوب الشريعة الحاكمة # فإذا ليس قوله بشىء يعتد به في الحكم # والثانى أن يكون مقلدا صرفا # خليا من العلم الحاكم جملة # فلا بد له من قائد يقوده # وحاكم يحكم عليه # وعالم يقتدى به # ومعلوم أنه لا يقتدى به إلا من حيث هو عالم بالعلم الحاكم # والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه أنه ليس من اهل ذلك العلم لم ~~يحل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه # بل لا يصح أن يحظر بخاطر العامى ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه ~~بأنه ليس من أهل ذلك الأمر # كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس بطبيب إلا أن ~~يكون فاقد العقل وإذا كان كذلك فإنما ينقاد إلى المفتى من جهة ما هو عالم ~~بالعلم الذي يجب الأنقياد إليه # لا من جهة كونه فلانا أيضا وهذه الجملة ايضا لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا شرعا # والثالث أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين لكنه يفهم الدليل وموقعه ويصلح ~~فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة فيه تحقيق المناط ونحوه فلا يخلو إما أن ~~يعتبر ترجيحها أو نظره أولا فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه # والمجتهد إنما هو تابع للعلم الحاكم ناظر نحوه # متوجه شطره فالذي يشبهه كذلك وإن لم نعتبره فلا بد من رجوعه إلى درجة العامى # والعامى إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم # فكذلك من نزل منزلته # ثم نقول إن هذا مذهب الصحابة # أما النبى ( صلى الله عليه وسلم ) فاتباعه للوحى أشهر من أن يذكر # وأما أصحابه فاتباعهم له في ذلك من غير اعتبار بمؤالف أو مخالف شهير عنهم # فلا نطيل الاستدلال عليه PageV02P343 ~~"""" صفحة رقم ms516 343 """" # فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة ~~قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلا وأنه من وجد متوجها غير تلك الوجهة ~~في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكما ولا استقام أن يكون ~~مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة # فيجب إذا على الناظر في هذا الموضع أمران إذا كان غير مجتهد أحدهما أن لا ~~يتبع العالم إلا من جهة ما هو عالم بالعلم المحتاج إليه ومن حيث هو طريق ~~إلى استفادة ذلك العلم إذ ليس لصاحبه منه إلا كونه مودعا له ومأخوذا بأداء ~~تلك الأمانة حتى إذا علم أو غلب على الظن أنه مخطىء فيما يلقى أو تارك ~~لإلقاء تلك الوديعة على ما هي عليه أو منحرف عن صوبها بوجه من وجوه ~~الانحراف - توقف ولم يصر على الاتباع إلا بعد التبيين إذ ليس كل ما يلقيه ~~العالم يكون حقا على الإطلاق لإمكان الزلل والخطأ وغلبة الظن في بعض الأمور ~~وما أشبه ذلك # أما إذا كان هذا المتبع ناظرا في العلم ومتبصرا فيما يلقى إليه كأهل ~~العلم في زماننا فإن توصله إلى الحق سهل لأن المنقولات في الكتب إما تحت ~~حفظه وإما معدة لأن يحققها بالمطالعة أو المذاكرة # وأما إن كان عاميا صرفا فيظهر له الإشكال عند ما يرى الاختلاف بين ~~الناقلين للشريعة فلا بد له ها هنا من الرجوع آخرا إلى تقليد بعضهم إذ لا ~~يمكن في المسألة الواحدة تقليد مختلفين في زمان واحد لأنه محال وخرق ~~للإجماع فلا يخلو أن يمكنه الجمع بينهما في العمل أو لا يمكنه فإن لم يمكنه ~~بهما كان عمله بهما معا محالا وإن أمكنه صار عمله ليس على قول واحد منهما # بل هو قول ثالث لا قائل به # ويعضد ذلك أنه لا نجد صورة ذلك العمل معمولا بها في المتقدمين من السلف ~~الصالح فهو مخالف للإجماع PageV02P344 ~~"""" صفحة رقم 345 """" # وإذا ثبت أنه لا يقلد إلا واحدا فكل واحد منهما يدعى ms517 أنه اقرب إلى الحق ~~من صاحبه ولذلك خالفه وإلا لم يخالفه والعامى جاهل بمواقع الاجتهاد فلا بد ~~له ممن يرشده إلى من هو أقرب إلى الحق منهما وذلك إنما يثبت للعامى بطريق ~~جملى وهو ترجيح أحدهما على الآخر بالأعلمية والأفضلية # ويظهر ذلك من جمهور العلماء والطالبين الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك لأن ~~الأعلمية تغلب على ظن العامى أن صاحبها أقرب إلى صوب العلم الحاكم لا من ~~جهة أخرى - فإذا لا يقلد إلا باعتبار كونه حاكما بالعلم الحاكم # والأمر الثاني أن لا يصمم على تقليد من تبين له في تقليده الخطأ شرعا ~~وذلك أن العامى ومن جرى مجراه قد يكون متبعا لبعض العلماء - إما لكونه أرجح ~~من غيره أو عند أهل قطره وإما لأنه هو الذى اعتمده أهل قطره في التفقه في ~~مذهبه دون مذهب غيره # وعلى كل تقدير فإذا تبين له في بعض مسائل متنوعة الخطأ والخروج عن صوب ~~العلم الحاكم فلا يتعصب لمتبوعه بالتمادى على اتباعه فيما ظهر فيه خطؤه لأن ~~تعصبه يؤدى إلى مخالفة الشرع أولا ثم إلى مخالفة متبوعة أما خلافه للشرع ~~فبالعرض وأما خلافه لمتبوعه فلخروجه عن شرط الاتباع لان كل عالم يصرح أو ~~يعرض بأن اتباعه إنما يكون على شرط أنه حاكم بالشريعة لا بغيرها فإذا ظهر ~~أنه حاكم بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعة بالتصميم على تقليده PageV02P345 ~~"""" صفحة رقم 346 """" # ومن معنى كلام مالك رحمه الله ما كان في كلامى موافقا للكتاب والسنة ~~فخذوا به وما لم يوافق فاتركوه # هذا معنى كلامه دون لفظه # ومن كلام الشافعى رحمه الله الحديث مذهبى فما خالفه فاضربوا به الحائط أو ~~كما قال قال العلماء وهذا لسان حال الجميع # ومعناه أن كل ما تتكلمون به على تحرى أنه طابق الشريعة الحاكمة فإن كان ~~كذلك فبها ونعمت وما لا فليس بمنسوب إلى الشريعة ولا هم أيضا ممن يرضى أن ~~تنسب إليهم مخالفتهم # لكن يتصور في هذا المقام وجهان ان يكون المتبوع مجتهدا فالرجوع في ~~التخطئة والتصويب إلى ما ms518 اجتهد فيه وهو الشريعة - وأن يكون مقلدا لبعض ~~العلماء كالمتأخرين الذين من شأنهم تقليد المتقدمين بالنقل من كتبهم ~~والتفقه في مذاهبهم فالرجوع في التخطئة والتصويب إلى صحة النقل عمن نقلوا ~~عنه وموافقتهم لمن قلدوا أو خلاف ذلك لأن هذا القسم مقلدون بالعرض فلا ~~يسعهم الاجتهاد في استنباط الأحكام إذ لم يبلغوا درجته فلا يصح تعرضهم ~~للاجتهاد في الشريعة مع قصورهم عن درجته # فإن فرض انتصابه للاجتهاد فهو مخطىء آثم اصاب أم لم يصب لانه أتى الأمر ~~من غيره وانتهك حرمة الدرجة وقفا ماليس له به علم # فإصابته - إن اصاب - من حيث لا يدرى وخطؤه هو المعتاد فلا يصح اتباعه ~~كسائر العوام إذا راموا الاجتهاد في أحكام الله ولا خلاف أن مثل هذا ~~الاجتهاد غير معتبر وأن مخالفة العامى كالعدم PageV02P346 ~~"""" صفحة رقم 347 """" # وأنه في مخالفته لأهل العلم آثم مخطىء فكيف يصح - مع هذا التقرير - تقليد ~~غير مجتهد في مسألة أتى فيها باجتهاده قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) ~~إلى آخر ذلك مما في معناه فكان الجميع مذمومين حين اعتبروا واعتقدوا أن ~~الحق تابع لهم ولم يلتفتوا إلى أن الحق هو المقدم # والثانى رأى الإمامية في اتباع الإمام المعصوم - في زعمهم - وإن خالف ما ~~جاء به النبى المعصوم حقا وهو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فحكموا الرجال ~~على الشريعة ولم يحكموا الشريعة على الرجال وإنما أنزل الكتاب ليكون حكما ~~على الخلق على الإطلاق والعموم PageV02P347 ~~"""" صفحة رقم 348 """" # والثالث لاحق بالثانى وهو مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم ~~حجة وافقت حكم الشريعة أو خالفت بل جعلوا اكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم من ~~خالفها كفروه وجعلوا حكمه الكافر الاصلى وقد تقدم من ذلك أمثلة # والرابع رأى المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة بحيث يأنفون ~~أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم حتى إذا جاءهم من بلغ درجة ~~الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير وفوقوا إليه ~~سهام النقد وعدوه من الخارجين عن الجادة والمفارقين ms519 للجماعة من غير استدلال ~~منهم بدليل بل بمجرد الاعتياد العامى # ولقد لقى الإمام بقى بن مخلد حين دخل الأندلس آتيا من المشرق من هذا ~~الصنف الأمرين حتى أصاروه مهجور الفناء مهتضم الجانب لأنه من العلم بما لا ~~يدى لهم به إذ لقى بالمشرق الإمام أحمد بن حنبل وأخذ عنه مصنفه وتفقه عليه ~~ولقى ايضا غيره حتى صنف المسند المصنف الذي لم يصنف في الإسلام مثله وكان ~~هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك بحيث أنكروا ما عداه وهذا تحكيم ~~الرجال على الحق والغلو في محبة المذهب وعين الإنصاف ترى أن الجميع أئمة ~~فضلاء فمن كان متبعا لمذهب مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا يضره ~~مخالفة غير إمامه لإمامه لان الجميع سالك على الطريق المكلف به فقد يؤدى ~~التغالى في التقليد إلى إنكار لما أجمع الناس على ترك إنكاره # والخامس رأى نابته متأخرة الزمان ممن يدعى التخلق بخلق أهل التصوف ~~المتقدمين أو يروم الدخول فيهم يعمدون إلى ما نقل عنهم في الكتب من PageV02P348 ~~"""" صفحة رقم 349 """" # الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم فيتخذونها دينا وشريعة ~~لأهل الطريقة وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو مخالفة ~~لما جاء عن السلف الصالح لا يلتفتون معها إلى فتيا مفت ولا نظر عالم بل ~~يقولون إن صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته فكل ما يفعله أو يقوله حق وإن كان ~~خالفا فهو أيضا ممن يقتدى به والفقه للعموم وهذه طريقة الخصوص # فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وهو عين اتباع الرجال وترك الحق مع أن أولئك المتصوفة ~~الذين ينقل عنهم لم يثبت أن ما نقل عنهم كان في النهاية دون البداية ولا ~~علم أنهم كانوا مقرين بصحة ما صدر عنهم أم لا وايضا فقد يكون من أئمة ~~التصوف وغيرهم من زل زلة يجب سترها عليه فينقلها عنه من لا يعلم حاله ممن ~~لم يتأدب بطريق القوم كل التأدب # وقد حذر السلف الصالح من ms520 زلة العالم وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين ~~فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار فيعدونها دينا وهي ضد الدين فتكون ~~الزلة حجة في الدين # فكذلك أهل التصوف لا بد من في الاقتداء بالصوفى من عرض أقواله وأفعاله ~~على حاكم يحكم عليها هل هي من جملة ما يتخذ دينا أم لا والحاكم هو الشرع ~~وأقوال العالم تعرض على الشرع أيضا وأقل ذلك في الصوفى أن نسأله عن تلك ~~الأعمال إن كان عالما بالفقه كالجنيد وغيره رحمهم الله # ولكن هؤلاء الرجال النابتة لا يفعلون ذلك فصاروا متبعين الرجال من حيث هم ~~رجال لا من حيث هم راجحون بالحاكم الحق وهو خلاف ما عليه السلف الصالح وما ~~عليه المتصوفة أيضا إذ قال إمامهم سهل بن عبد الله التسترى مذهبنا مبنى على ~~ثلاثة اصول الاقتداء بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) في الأخلاق PageV02P349 ~~"""" صفحة رقم 350 """" # والأفعال والاكل من الحلال وإخلاص النية في جميع الأعمال # ولم يثبت في طريقهم اتباع الرجال على انحراف # وحاشاهم من ذلك بل اتباع الرجال شأن أهل الضلال # والسادس رأى نابتة في هذه الازمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي هم ~~أرادوا الكلام فيه والعمل بحسبه ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ الذين اخذوا ~~عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الآخذ أو التغافل من ~~المأخوذ عنه # ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال # ونسبوا إليهم ما نسبوا به من الخطأ أو فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال ~~عن تحقيق المسألة المروية وردوا جميع ما نقل عن الأولين مما هو الحق ~~والصواب كمسألة الباء الواقعة في هذه الأزمنة فإن طائفة ممن تظاهر ~~بالانتصاب للإقراء زعم أنها الرخوة التي اتفق القراء - وهم أهل صناعة ~~الأداء والنحويون ايضا - وهم الناقلون عن العرب - على انها لم تأت إلا في ~~لغة مرذولة لا يؤخذ بها ولا يقرأ بها القرآن ولا نقلت القراءة بها عن أحد ~~من العلماء بذلك الشان # وإنما الباء التي يقرأ بها - وهي الموجودة في كل ms521 لغة فصيحة - الباء ~~الشديدة فأبى هؤلاء من القرأءة والإقراء بها بناء على أن التى قرأوا بها ~~على الشيوخ الذين لقوهم هي تلك لا هذه محتجين بأنهم كانوا علماء وفضلاء فلو ~~كانت خطأ لردوها علينا # وأسقطوا النظر والبحث عن أقوال المتقدمين فيها رأسا تحسين ظن الرجال ~~وتهمة للعلم فصارت بدعة جارية - أعنى القراءة بالباء الرخوة - مصرحا بأنها ~~الحق الصريح فنعوذ بالله من المخالفة # ولقد ولج بعضهم حين أوجهوا بالنصيحة فلم يرجعوا فكان القرشى المقرى أقرب ~~مراما منهم # حكى عن يوسف بن عبدالله بن مغيث أنه قال أدركت PageV02P350 ~~"""" صفحة رقم 351 """" # بقرطبة مقرئا يعرف بالقرشى وكان لا يحسن النحو فقرأ عليه قارىء يوما ) ~~وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ( فرد عليه القرشى تحيد ~~بالتنوين فراجعه القارىء - وكان يحسن النحو - فلج عليه المقرىء وثبت على ~~التنوين فانتشر الخبر إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيرى الزاهد - وكان ~~صديقا لهذا المقرى - فنهض إليه فلما سلم عليه وسأله عن حاله قال له ابن ~~مجاهد إنه بعد عهدى بقراءة القرآن على مقرىء فاردت تجديد ذلك عليك فأجابه ~~إليه فقال أريد أن ابتدىء بالمفصل فهو الذي يتردد في الصلوات فقال المقرىء ما شئت # فقرأ عليه من أول المفصل فلم بلغ الآية المذكورة ردها عليه المقرىء ~~بالتنوين فقال له ابن مجاهد لا تفعل ما هي إلا غير منونة بلا شك فلج المقرى ~~فلما رأى ابن مجاهد تصميمه قال له يا أخى إني لم يحملنى على القراءة عليك ~~إلا لتراجع الحق في لطف وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو فإن الأفعال ~~لا يدخلها التنوين فتحير المقرىء إلا أنه لم يقنع بهذا فقال له ابن مجاهد ~~بينى وبينك المصاحن فأحضر منها جملة فوجودها مشكولة بغير تنوين فرجع ~~المقرىء إلى الحق # انتهت الحكاية ويا ليت مسألتنا مثل هذه # ولكنهم عفا الله عنهم ابوا الانقياد إلى الصواب # والسابع رأي نابته أيضا يرون أن عمل الجمهور اليوم - من التزام الدعاء ~~بهيئة الاجتماع بإثر الصلوات والتزام المؤذنين التثويب بعد الأذان ms522 - صحيح ~~بإطلاق من غير اعتبار بمخالفة الشريعة أو موافقتها وأن من خالفهم بدليل ~~شرعى اجتهادي أو تقليدى خارج عن سنة المسلمين بناء منهم على أمور تخبطوا ~~فيها من غير دليل معتبر فمنهم من يميل إلى أن هذا العمل المعمول به في ~~الجمهور ثابت عن فضلاء وصالحين علماء # فلو كان خطأ لم يعملوا به PageV02P351 ~~"""" صفحة رقم 352 """" # وهذا مما نحن فيه اليوم # تتهم الأدلة وأقوال العلماء المتقدمين ويحسن الظن بمن تأخر وربما نوزع ~~بأقوال من تقدم فيرميها بالظنون واحتمال الخطإ ولا يرمى بذلك المتأخرين ~~الذين هم أولى به بإجماع المسلمنين وإذا سئل عن أصل هذا العمل المتأخر هل ~~عليه دليل من الشريعة لم يأت بشىء أو يأتى بأدلة محتملة لا علم له بتفصيلها ~~كقوله هذا خير أو حسن وقد قال تعالى ) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ( ~~أو يقول هذا بر وقال تعالى ) وتعاونوا على البر والتقوى ( # فإذا سئل عن اصل كونه خيرا أو برا وقف وميله إلى أن ظهر له بعقله أنه خير ~~وبر فجعل التحسين عقليا وهو مذهب أهل الزيغ وثابت عند أهل السنة أنه من ~~البدع المحدثات # ومنهم من طالع كلام القرافى وابن عبد السلام في أن البدع خمسة أقسام ~~فنقول هذا من المحدث المستحسن # وربما رشح ذلك بما جاء في الحديث ما رآه المسلمون حسنا فهو عندالله حسن ~~وقد مر ما فيه # وأما الحديث فإنما معناه عند العلماء أن علماء الإسلام إذا نظروا في ~~مسألة مجتهد فيها PageV02P352 ~~"""" صفحة رقم 353 """" # فما رأوه فيها حسنا فهو عند الله حسن لأنه جار على اصول الشريعة والدليل ~~على ذلك الاتفاق # على أن العوام لو نظروا فأداهم اجتهادهم إلى استحسان حكم شرعى لم يكن عند ~~الله حسنا حتى يوافق الشريعة # والذين نتكلم معهم في هذه المسألة ليسوا من المجتهدين باتفاق منا ومنهم ~~فلا اعتبار بالاحتجاج بالحديث على استحسان شىء واستقباحه بغير دليل شرعى # ومنهم من ترقى في الدعوى حتى يدعى فيها الإجماع من أهل الأقطار وهو لم ~~يبرح من قطره ولا بحث ms523 عن علماء أهل الأقطار ولا عن تبيانهم فيما عليه ~~الجمهور ولا عرف من أخبار الأفطار خبرا فهو ممن يسأل عن ذلك يوم القيامة # وهذا الاضطراب كله منشؤة تحسين الظن بأعمال المتأخرين - وإن جاءت الشريعة ~~بخلاف ذلك - والوقوف مع الرجال دون التحري للحق # والثامن رأى قوم ممن تقدم زماننا هذا - فضلا عن زماننا - اتخذوا الرجال ~~ذريعة لأهوائهم وأهواء من داناهم ومن رغب إليهم في ذلك فإذا عرفوا غرض بعض ~~هؤلاء في حكم حاكم أو فتيا تعبدا وغير ذلك بحثوا عن اقوال العلماء في ~~المسألة المسئول عنها حتى يجدوا القول الموافق للسائل فأفتوا به زاعمين أن ~~الحجة في ذلك لهم قول من قال اختلاف العلماء رحمة ثم ما زال PageV02P353 ~~"""" صفحة رقم 354 """" # هذا الشر يستطير في الأتباع وأتباعهم حتى لقد حكى الخطابى عن بعضهم أنه ~~يقول كل مسألة ثبت لاحد من العلماء فيها القول بالجواز - شذ عن الجماعة ~~أولا - فالمسألة جائزة وقد تقررت هذه المسألة على وجهها في كتاب الموافقات ~~والحمد لله # والتاسع ما حكى الله عن الاحبار والرهبان قوله ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله ( فخرج الترمذى عن عدى بن حاتم قال أتيت النبى ( صلى ~~الله عليه وسلم ) - وفي عنقى صليب من ذهب - فقال يا عدى اطرح عنك هذا الوثن ~~وسمعته يقرأ في سورة براءة ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ( ~~قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا ~~حرموا عليهم شيئا حرموه حديث غريب # وفي تفسير سعيد بن منصور قيل لحذيفة ارايت قول الله تعالى ) اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ( قال حذيفة أما أنهم لم يصلوا لهم PageV02P354 ~~"""" صفحة رقم 355 """" # ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه وما حرموا عليهم من حلال ~~حرموه فتلك ربوبيتهم # وحكى عند الطبرى عند عدى مرفوعا إلى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وهو ~~قول ابن عباس ايضا وأبى العالية # فتأملوا يا اولى الألباب كيف حال الإعتقاد في الفتوى على الرجال من غير ~~تحر للدليل الشرعى ms524 بل لمجرد العرض العاجل عافانا الله من ذلك بفضله # والعاشر راى أهل التحسين والتقبيح العقليين فإن محصول مذهبهم تحكيم عقول ~~الرجال دون الشرع وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل الابتداع في الدين ~~بحيث إن الشرع إن وافق آرءهم قبلوه وإلا ردوه # فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم ~~الشرعى المطلوب شرعا ضلال وما توفيق إلا بالله وإن الحجة القاطعة والحاكم ~~الأعلى هو الشرع لا غيره # ثم نقول إن هذا مذهب اصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومن رأى ~~سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم على ذلك علما يقينا # الا ترى اصحاب السقيفة لما تنازعوا في الإمارة - حتى قال بعض الأنصار منا ~~أمير ومنكم أمير فأتى الخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأن ~~الأئمة من قريش اذعنوا لطاعة الله ورسوله ولم يعبأوا برأى من رأى غير ذلك ~~لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال PageV02P355 ~~"""" صفحة رقم 356 """" # ولما اراد أبو بكر رضى الله عنه قتال مانعى الزكاة احتجوا عليه بالحديث ~~المشهور فرد عليهم ما استدلوا به بغير ما استدلوا به وذلك قوله إلا بحقها ~~فقال الزكاة حق المال - ثم قال والله لو منعونى عقالا أو عناقا كانوا ~~يؤدونه إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لقاتلتهم عليه # فتأملوا هذا المعنى فإن فيه نكتتين مما نحن فيه إحداهما أنه لم يجعل لأحد ~~سبيلا إلى جريان الأمر في زمانه على غير ما كان يجرى في زمان رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) وإن كان بتأويل لان من لم يرتد من المانعين إنما منع ~~تأويلا وفي هذا القسم وقع النزاع بين الصحابة لا فيمن ارتد رأسا # ولكن أبا بكر لم يعذر بالتاويل والجهل ونظر إلى حقيقة ما كان الأمر عليه ~~فطلبه إلى أقصاه حتى قال والله لو منعونى عقالا إلى آخره # مع ان الذين اشاروا عليه بترك قتالهم إنما اشاروا عليه بأمر مصلحى ظاهر ~~تعضده مسائل شرعية وقواعد أصولية لكن الدليل الشرعى الصريح ms525 كان عنده ظاهرا ~~فلم تقو عنده آراء الرجال أن تعارض الدليل الظاهر فالتزمه ثم رجع المشيرون ~~عليه بالترك إلى صحة دليله تقديما للحاكم الحق وهو الشرع # والثانية أن أبا بكر رضى الله عنه لم يلتفت إلى ما يلقى هو والمسلمون في ~~طرق طلب إذ لما امتنعوا صار مظنة للقتال وهلاك من شاء الله من الفرقتين ~~ودخول المشقة على المسلمين في الأنفس والأموال والأولاد ولكنه رضى الله عنه ~~لم يعبتر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبل فكان ذلك اصلا في انه لا ~~يعبتر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام نظير ما قال الله تعالى PageV02P356 ~~"""" صفحة رقم 357 """" # ) إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم ~~عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ( الآية # فإن الله لم يعذرهم في ترك منع المشركين خوف العيلة فكذلك لم يعد أبو بكر ~~ما يلقى المسلمون من المشقة عذرا يترك به المطالبة بإقامة شعائر الدين ~~حسبما كانت في زمان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وجاء في القصة ان الصحابة ~~اشاروا عليه برد البعث الذي بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع ~~أسامة بن زيد - ولم يكونوا بعد مضوا لوجهتهم - ليكونوا معه عونا على قتال ~~أهل الردة فأبى من ذلك وقال ما كنت لأرد بعثا أنفذه رسول الله ( صلى الله ~~عليه وسلم ) # فوقف مع شرع الله ولم يحكم غيره # وعن النبى ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال إنى أخاف على أمتى من بعدى من ~~أعمال ثلاثة # قالوا وما هي يا رسول الله قال اخاف عليكم من زلة العالم ومن حكم حائر ~~ومن هوى متبع # وإنما زلة العالم بأن يخرج عن طريق الشرع فإذا كان ممن يخرج عنه فكيف ~~يجعل حجة على الشرع هذا مضاد لذلك # ولقد كان كافيا من ذلك خطاب الله لنبيه واصحابه ) فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول ( الآية مع أنه قال تعالى ) أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ( وقوله تعالى ) وما كان لمؤمن ولا ms526 مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( الآية ولذلك قال عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن ~~وأئمة مضلون وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقول أغد عالما أو متعلما # ولا تعد إمعة فيما بين ذلك # قال ابن وهب فسالت سفيان عن الإمعة فقال PageV02P357 ~~"""" صفحة رقم 358 """" # الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره وهو فيكم اليوم ~~المحقب دينه الرجال # وعن كميل بن زياد أن عليا رضى الله عنه قال يا كميل إن هذه القلوب أوعية ~~فخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة فعالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج ~~رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق - ~~الحديث إلى أن قال فيه اف لحامل حق لا بصيرة له ينقدح الشك في قلبه باول ~~عارض من شبهة لا يدى أين الحق إن قال أخطأ وإن أخطا لم يدر مشغوف بما لا ~~يدرى حقيقته فهو فتنة لمن فتن به وإن من الخير كله فاعر الله دينه وكفى أن ~~لا يعرف دينه # وعن على رضى الله عنه قال إياكم والاستنان بالرجال فغن الرجل ليعمل بعمل ~~أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من PageV02P358 ~~"""" صفحة رقم 359 """" # اهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه فيعمل ~~بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا ~~بالأحياء - واشار إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) واصحابه الكرام وهو ~~جار في كل زمان يعدم فيه المجتهدون # وعن ابن مسعود رضى الله عنه ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن ~~كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر # وهذا الكلام من ابن مسعود بين مراد ما تقدم ذكره من كلام السلف وهو النهى ~~عن اتباع السلف من غير التفات إلى غير ذلك # وفي الصحيح عن ابى وائل قال ms527 جلست إلى شيبة في هذا المسجد قال جلس إلى عمر ~~في مجلسك هذا قال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين ~~المسلمين قلت ما أنت بفاعل # قال لم قلت لم يفعله صاحباك # قال هما المرآن اهتدى بهم يعنى النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وأبا بكر ~~رضى الله عنه # وعن ابن عباس رضى الله عنهما في حديث عيينة بن حصن حين استؤذن له على عمر ~~قال فيه فلما دخل قال يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل وما تحكم بيننا ~~بالعدل فغضب عمر حتى هم بأن يقع فيه فقال الحر بن قيس يا أمير المؤمنين إن ~~الله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام ) خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين ( فوالله ما جاوز عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله # وحديث فتنة القبور حيث قال عليه الصلاة والسلام فاما المؤمن - أو المسلم ~~- فيقول محمد جاءنا بالبينات فأجبناه وآمنا فيقال نم صالحا قد علمنا أنك موقن # وأما المنافق أو المرتاب فيقول لا أدرى سمعت الناس يقولون شيئا فقلته PageV02P359 ~~"""" صفحة رقم 360 """" # وحديث مخاصمة على والعباس عمر في ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ~~وقوله للرهط الحاضرين هل تعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال ~~لا نورث ما تركناه صدقة فأقروا بذلك - إلى ان قال لعلي والعباس افتلتمسان ~~منى قضاء غير ذلك فوالله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا اقضى فيها قضاء ~~غير ذلك حتى تقوم الساعة - إلى آخر الحديث # وترجم البخارى في هذا المعنى ترجمة تقتضى أن حكم الشارع إذا وقع وظهر فلا ~~خيرة للرجال ولا اعتبار بهم وأن المشاورة إنما تكون قبل التبيين # فقال # باب قول الله تعالى ) وأمرهم شورى بينهم ( ) وشاورهم في الأمر ( وأن ~~المشاروة قبل العزم والتبيين لقوله تعالى ) فإذا عزمت فتوكل على الله ( ~~فإذا عزم الرسول الله لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله وشاور النبى ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج ~~فلما ms528 لبس لامته قالوا أقم فلم يمل إليهم بعد العزم وقال لا ينبغى لنبى يلبس ~~لأمته فيضعها حتى يحكم الله وشاور عليا واسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة رضى PageV02P360 ~~"""" صفحة رقم 361 """" # الله عنها فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ~~ولكن حكم بما أمره الله وكانت الأئمة بعد النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ~~يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها فإذا وقع ~~في الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ( صلى الله عليه وسلم ) # ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر كيف تقاتل وقد قال رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) أمرت أن قاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا ~~قالوا لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ~~الله ثم تابعه بعد عمر # فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة إذ كان عنده حكم رسول الله ( صلى الله عليه ~~وسلم ) ثابتا في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين ~~وأحكامه وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ) من بدل دينه فاقتلوه وكان ~~القراء اصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا وكان وقافا عند كتاب الله # هذ جملة ما قال في جملة تلك الترجمة مما يليق بهذا الموضع مما يلد على أن ~~الصحابة لم يأخذوا أقوال الرجال في طريق الحق إلا من حيث هم وسائل للتوصل ~~إلى شرع الله لا من حيث هم اصحاب رتب أو كذا أو كذا وهو ما تقدم PageV02P361 ~~"""" صفحة رقم 362 """" # وذكر ابن مزين عن عيسى بن دينارعن ابن القاسم عن مالك انه قال ليس كل ما ~~قال رجل قولا وإن ان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل ) الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه ( # فصل # إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال فالحق أيضا لا يعرف دون وسائطهم ~~بل بهم يتوصل إليه وهم الأدلاء على طريقه انتهى القدر الذي وجد من هذا ~~التأليف ولم يكمله المؤلف رحمه الله ms529 تعالى # هذا ما جاء في آخر النسخة المخطوطة التي وجدت في مكتبة الشنقيطى # وقد تم نسخها في 25 المحرم سنة 1295 من هجرة النبى ( صلى الله عليه وسلم ) PageV02P362 ~~"""" صفحة رقم 363 """" # واعتبروا بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة وإن لم يكن ذلك ~~بالنص فإنه بالمعنى # فقد ظهر إذا وجه كمال الدين على أتم الوجوه # وننتقل منه إلى معنى آخر وهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرءا عن ~~الاختلاف والتضاد ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار فقال سبحانه وتعالى ) ~~أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( ~~فدل معنى الآية على أنه برىء من الاختلاف فهو يصدق بعضه بعضا ويعضد بعضه ~~بعضا من جهة اللفظ ومن جهة المعنى # فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه متواترة مطردة بخلاف كلام المخلوق # فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو فيأتى بالفصل من الكلام الجزل الفصيح فلا ~~يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما نقص من منصب فصاحته وهكذا تجد ~~القصيدة الواحدة منها ما يكون على نسق الفصاحة اللائقة ومنها ما لا يكون كذلك # وأما جهة المعنى فإن معانى القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب ~~مقتضيات الأحوال على حفظ وبلوغ غاية في إيصالها إلى غايتها من غير إخلال ~~بشىء منها ولا تضاد ولا تعارض على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه ولذلك ~~لما سمعته أهل البلاغة الأولى والفصاحة الاصلية - وهم العرب - لم يعارضوه ~~ولم يغيروا في وجه إعجازه بشىء مما نفى الله تعالى عنه وهم أحرص ما كانوا ~~على الاعتراض فيه والغض من جانبه ثم لما اسلموا وعاينوا معانيه وتفكروا في ~~غرائبه لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا أختلاف فيه ولا تعارض والذي نقل ~~من ذلك يسير توقفوا فيه توقف المسترشد حتى يرشدوا إلى وجه الصواب أو توقف ~~المتثبت في الطريق PageV02P363 ~~ ms530